---
title: "تفسير سورة البقرة - مفاتيح الغيب - فخر الدين الرازي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/2/book/352.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/2/book/352"
surah_id: "2"
book_id: "352"
book_name: "مفاتيح الغيب"
author: "فخر الدين الرازي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة البقرة - مفاتيح الغيب - فخر الدين الرازي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/2/book/352)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة البقرة - مفاتيح الغيب - فخر الدين الرازي — https://quranpedia.net/surah/1/2/book/352*.

Tafsir of Surah البقرة from "مفاتيح الغيب" by فخر الدين الرازي.

### الآية 2:1

> الم [2:1]

بسم الله الرحمان الرحيم   الم  فيه مسألتان : المسألة الأولى :
اعلم أن الألفاظ التي يتهجى بها أسماء مسمياتها الحروف المبسوطة، لأن الضاد مثلا لفظة مفردة دالة بالتواطؤ على معنى مستقل بنفسه من غير دلالة على الزمان المعين لذلك المعنى، وذلك المعنى هو الحرف الأول من **«ضرب »** فثبت أنها أسماء ولأنها يتصرف فيها بالأمالة والتفخيم والتعريف والتنكير والجمع والتصغير والوصف والإسناد والإضافة، فكانت لا محالة أسماء. فإن قيل قد روى أبو عيسى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«من قرأ حرفا من كتاب الله تعالى فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها لا أقول ألم حرف، لكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف »** الحديث، والاستدلال به يناقض ما ذكرتم قلنا : سماه حرفا مجازا لكونه اسما للحرف، وإطلاق اسم أحد المتلازمين على الآخر مجاز مشهور. 
( فروع ) : الأول : أنهم راعوا هذه التسمية لمعان لطيفة، وهي أن المسميات لما كانت ألفاظا كأساميها وهي حروف مفردة والأسامي ترتقي عدد حروفها إلى الثلاثة اتجه لهم طريق إلى أن يدلوا في الاسم على المسمى، فجعلوا المسمى صدر كل اسم منها إلا الألف فإنهم استعاروا الهمزة مكان مسماها لأنه لا يكون إلا ساكنا. 
( الثاني ) : حكمها ما لم تلها العوامل أن تكون ساكنة الأعجاز كأسماء الأعداد فيقال ألف لام ميم، كما تقول واحد اثنان ثلاثة فإذا وليتها العوامل أدركها الأعراب كقولك هذه ألف وكتبت ألفا ونظرت إلى ألف، وهكذا كل اسم عمدت إلى تأدية مسماه فحسب، لأن جوهر اللفظ موضوع لجوهر المعنى، وحركات اللفظ دالة على أحوال المعنى، فإذا أريد إفادة جوهر المعنى وجب إخلاء اللفظ عن الحركات. 
( الثالث ) : هذه الأسماء معربة وإنما سكنت سكون سائر الأسماء حيث لا يمسها إعراب لفقد موجبه، والدليل على أن سكونها وقف لا بناء أنها لو بنيت لحذي بها حذو كيف وأين وهؤلاء ولم يقل صاد قاف نون مجموع فيها بين الساكنين. 
المسألة الثانية : للناس في قوله تعالى  الم  وما يجري مجراه من الفواتح قولان : أحدهما : أن هذا علم مستور وسر محجوب استأثر الله تبارك وتعالى به. وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : لله في كل كتاب سر وسره في القرآن أوائل السور، وقال علي رضي الله عنه : إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي. وقال بعض العارفين : العلم بمنزلة البحر فأجرى منه واد ثم أجرى من الوادي نهر. ثم أجري من النهر جدول، ثم أجري من الجدول ساقية، فلو أجرى إلى الجدول ذلك الوادي لغرقه وأفسده، ولو سال البحر إلى الوادي لأفسده، وهو المراد من قوله تعالى  أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها  فبحور العلم عند الله تعالى، فأعطى الرسل منها أودية، ثم أعطت الرسل من أوديتهم أنهارا إلى العلماء، ثم أعطت العلماء إلى العامة جداول صغارا على قدر طاقتهم، ثم أجرت العامة سواقي إلى أهاليهم بقدر طاقتهم. وعلى هذا ما روي في الخبر **«للعلماء سر، وللخلفاء سر. وللأنبياء سر، وللملائكة سر، ولله من بعد ذلك كله سر، فلو اطلع الجهال على سر العلماء لأبادوهم، ولو اطلع العلماء على سر الخلفاء لنابذوهم، ولو اطلع الخلفاء على سر الأنبياء لخالفوهم، ولو اطلع الأنبياء على سر الملائكة لاتهموهم، ولو اطلع الملائكة على سر الله تعالى لطاحوا حائرين، وبادوا بائرين »**. والسبب في ذلك أن العقول الضعيفة لا تحتمل الأسرار القوية، كما لا يحتمل نور الشمس أبصار الخفافيش، فلما زيدت الأنبياء في عقولهم قدروا على احتمال أسرار النبوة، ولما زيدت العلماء في عقولهم قدروا على احتمال أسرار ما عجزت العامة عنه، وكذلك علماء الباطن، وهم الحكماء زيد في عقولهم فقدروا على احتمال ما عجزت عنه علماء الظاهر. وسئل الشعبي عن هذه الحروف فقال : سر الله فلا تطلبوه، وروى ابن ظبيان عن ابن عباس قال : عجزت العلماء عن إدراكها، وقال الحسين بن الفضل : هو من المتشابه. 
واعلم أن المتكلمين أنكروا هذا القول هذا القول، وقالوا لا يجوز أن يرد في كتاب الله تعالى ما لا يكون مفهوما للخلق، واحتجوا عليه بالآيات والأخبار والمعقول. 
أما الآيات فأربعة عشر أحدها : قوله تعالى  أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها  أمرهم بالتدبر في القرآن، ولو كان غير مفهوم فكيف يأمرهم بالتدبر فيه وثانيها : قوله  أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا  فكيف يأمرهم بالتدبر فيه لمعرفة نفي التناقض والاختلاف مع أنه غير مفهوم للخلق ؟ وثالثها : قوله : وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين  فلو لم يكن مفهوما بطل كون الرسول صلى الله عليه وسلم منذرا به، وأيضا قوله  بلسان عربي مبين  يدل على أنه نازل بلغة العرب، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يكون مفهوما ورابعها : قوله  لعلمه الذين يستنبطونه منهم  والاستنباط منه لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه وخامسها : قوله  تبيانا لكل شيء  وقوله  ما فرطنا في الكتاب من شيء  وسادسها : قوله  هدى للناس ،  هدى للمتقين  وغير المعلوم لا يكون هدى وسابعها : قوله  حكمة بالغة  وقوله  وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين  وكل هذه الصفات لا تحصل في غير المعلوم وثامنها : قوله  قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين  وتاسعها : قوله  أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون  وكيف يكون الكتاب كافيا وكيف يكون ذكرى مع أنه غير مفهوم ؟ وعاشرها : قوله تعالى  هذا بلاغ للناس ولينذروا به  فكيف يكون بلاغا، وكيف يقع الإنذار به مع أنه غير معلوم ؟ وقال في آخر الآية  وليذكر أولوا الألباب  وإنما يكون كذلك لو كان معلوما الحادي عشر : قوله : قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا  فكيف يكون برهان ونورا مبينا مع أنه غير معلوم ؟ الثاني عشر : قوله  فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا  فكيف يمكن اتباعه والإعراض عنه غير معلوم ؟ الثالث عشر : إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم  فكيف يكون هاديا مع أنه غير معلوم ؟ الرابع عشر : قوله تعالى  آمن الرسول  إلى قوله  سمعنا وأطعنا  والطاعة لا تمكن إلا بعد الفهم فوجب كون القرآن مفهوما. 
وأما الأخبار : فقوله عليه السلام **«إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنتي »** فكيف يمكن التمسك به وهو غير معلوم ؟ وعن علي رضي الله عنه أنه عليه السلام قال :**«عليكم بكتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن اتبع الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، والذكر الحكيم والصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن خاصم به فلج، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم »**. 
أما المعقول فمن وجوه أحدها : أنه لو ورد شيء لا سبيل إلى العلم به لكانت المخاطبة به تجري مجرى مخاطبة العربي باللغة الزنجية، ولما لم يجز ذاك فكذا هذا وثانيها : أن المقصود من الكلام الإفهام، فلو لم يكن مفهوما لكانت المخاطبة به عبثا وسفها، وأنه لا يليق بالحكيم وثالثها : أن التحدي وقع بالقرآن وما لا يكون معلوما لا يجوز وقوع التحدي به، فهذا مجموع كلام المتكلمين، واحتج مخالفوهم بالآية، والخبر، والمعقول. 
أما الآية فهو أن المتشابه من القرآن وإنه غير معلوم، لقوله تعالى  وما يعلم تأويله إلا الله  والوقف ههنا واجب لوجوه. أحدها : أن قوله تعالى  والراسخون في العلم  لو كان معطوفا على قوله  إلا الله  لبقي  يقولون آمنا به  منقطعا عنه وأنه غير جائز لأنه وحده لا يفيد، لا يقال أنه حال، لأنا نقول حينئذ يرجع إلى كل ما تقدم، فيلزم أن يكون الله تعالى قائلا  آمنا به كل من عند ربنا  وهذا كفر. 
وثانيها : أن الراسخين في العلم لو كانوا عالمين بتأويله لما كان لتخصيصهم بالإيمان به وجه، فإنهم لما عرفوه بالدلالة لم يكن الإيمان به إلا كالإيمان بالحكم، فلا يكون في الإيمان به مزيد مدح. وثالثها : أن تأويلها لو كان مما يجب أن يعلم لما كان طلب ذلك التأويل ذما، لكن قد جعله الله تعالى ذما حيث قال  فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله . 
وأما الخبر فقد روينا في أول هذه المسألة خبرا يدل على قولنا، وروي أنه عليه السلام قال **«إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله، فإذا نطقوا به أنكره أهل الغرة بالله »** ولأن القول بأن هذه الفواتح غير معلومة مروي عن أكابر الصحابة فوجب أن يكون حقا، لقوله عليه السلام **«أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم »**. 
وأما المعقول فهو أن الأفعال التي كلفنا بها قسمان. منها ما نعرف وجه الحكمة فيها على الجملة بعقولنا : كالصلاة والزكاة والصوم ؛ فإن الصلاة تواضع محض وتضرع للخالق، والزكاة سعي في دفع حاجة الفقير، والصوم سعي في كسر الشهوة. ومنها ما لا نعرف وجه الحكمة فيه : كأفعال الحج فإننا لا نعرف بعقولنا وجه الحكمة في رمي الجمرات والسعي بين الصفا والمروة، والرمل، والاضطباع، ثم اتفق المحققون على أنه كما يحسن من الله تعالى أن يأمر عباده بالنوع الأول فكذا يحسن الأمر منه بالنوع الثاني، لأن الطاعة في النوع الأول لا تدل على كمال الانقياد لاحتمال أن المأمور إنما أتى به لما عرف بعقله من وجه المصلحة فيه، أما الطاعة في النوع الثاني فإنه يدل على كمال الانقياد ونهاية التسليم، لأنه لما لم يعرف فيه وجه مصلحة البتة لم يكن إتيانه به إلا لمحض الانقياد والتسليم، فإذا كان الأمر كذلك في الأفعال فلم لا يجوز أيضا أن يكون الأمر كذلك في الأقوال ؟ وهو أن يأمرنا الله تعالى تارة أن نتكلم بما نقف على معناه، وتارة بما لا نقف على معناه، ويكون المقصود من ذلك ظهور الانقياد والتسليم من المأمور للآمر، بل فيه فائدة أخرى، وهي أن الإنسان إذا وقف على المعنى وأحاط به سقط وقعه عن القلب، وإذا لم يقف على المقصود مع قطعه بأن المتكلم بذلك أحكم الحاكمين فإنه يبقى قلبه متلفتا إليه أبدا، ومتفكرا فيه أبدا. ولباب التكليف إشغال السر بذكر الله تعالى والتفكر في كلامه، فلا يبعد أن يعلم الله تعالى أن في بقاء العبد ملتفت الذهن مشتغل الخاطر بذلك أبدا مصلحة عظيمة له، فيتعبده بذلك تحصيلا لهذه المصلحة، فهذا ملخص كلام الفريقين في هذا الباب. 
القول الثاني : قول من زعم أن المراد من هذه الفواتح معلوم، ثم اختلفوا فيه وذكروا وجوها. الأول : أنها أسماء السور، وهو قول أكثر المتكلمين واختيار الخليل وسيبويه وقال القفال : وقد سمت العرب بهذه الحروف أشياء، فسموا بلام والد حارثة بن لام الطائي، وكقولهم للنحاس : صاد، وللنقد عين، وللسحاب غين، وقالوا : جبل قاف، وسموا الحوت نونا، الثاني : أنها أسماء لله تعالى، روي عن علي عليه السلام أنه كان يقول «يا كهيعص، يا حا

### الآية 2:2

> ﻿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [2:2]

قوله تعالى  ذلك الكتاب  وفيه مسائل :
المسألة الأولى : لقائل أن يقول : المشار إليه ههنا حاضر، و******«ذلك »****** اسم مبهم يشار به إلى البعيد، والجواب عنه من وجهين : الأول : لا نسلم أن المشار إليه حاضر، وبيانه من وجوه أحدها : ما قاله الأصم : وهو أن الله تعالى أنزل الكتاب بعضه بعد بعض، فنزل قبل سورة البقرة سور كثيرة، وهي كل ما نزل بمكة مما فيه الدلالة على التوحيد وفساد الشرك وإثبات النبوة وإثبات المعاد، فقوله  ذلك  إشارة إلى تلك السور التي نزلت قبل هذه السورة، وقد يسمى بعض القرآن قرآنا، قال الله تعالى  وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له  وقال حاكيا عن الجن  إنا سمعنا قرآنا عجبا  وقوله  إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى  وهم ما سمعوا إلا البعض، وهو الذي كان قد نزل إلى ذلك الوقت، وثانيها : أنه تعالى وعد رسوله عند مبعثه أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماحي، وهو عليه السلام أخبر أمته بذلك وروت الأمة ذلك عنه، ويؤيده قوله  إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا  وهذا في سورة المزمل، وهي إنما نزلت في ابتداء المبعث، وثالثها : أنه تعالى خاطب بني إسرائيل، لأن سورة البقرة مدنية، وأكثرها احتجاج على بني إسرائيل، وقد كانت بنو إسرائيل أخبرهم موسى وعيسى عليهما السلام أن الله يرسل محمدا صلى الله عليه وسلم وينزل عليه كتابا فقال تعالى  ذلك الكتاب  أي الكتاب الذي أخبر الأنبياء المتقدمون بأن الله تعالى سينزله على النبي المبعوث من ولد إسماعيل، ورابعها : أنه تعالى لما أخبر عن القرآن بأنه في اللوح المحفوظ بقوله  وإنه في أم الكتاب لدينا  وقد كان عليه السلام أخبر أمته بذلك، فغير ممتنع أن يقول تعالى  ذلك الكتاب  ليعلم أن هذا المنزل هو ذلك الكتاب المثبت في اللوح المحفوظ. وخامسها : أنه وقعت الإشارة بذلك إلى **«الم »** بعد ما سبق التكلم به وانقضى، والمنقضي في حكم المتباعد، وسادسها : أنه لما وصل من المرسل إلى المرسل إليه وقع في حد البعد، كما تقول لصاحبك -وقد أعطيته شيئا- احتفظ بذلك. وسابعها : أن القرآن لما اشتمل على حكم عظيمة وعلوم كثيرة يتعسر اطلاع القوة البشرية عليها بأسرها -والقرآن وإن كان حاضرا نظرا إلى صورته لكنه غائب نظرا إلى أسراره وحقائقه- فجاز أن يشار إليه كما يشار إلى البعيد الغائب. 
المقام الثاني : سلمنا أن المشار إليه حاضر، لكن لا نسلم أن لفظة ******«ذلك »****** لا يشار بها إلا إلى البعيد، بيانه أن ذلك، وهذا حرفا إشارة، وأصلهما ****«ذا »**** ؛ لأنه حرف للإشارة، قال تعالى  من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا  ومعنى **«ها »** تنبيه، فإذا قرب الشيء أشير إليه فقيل : هذا، أي تنبه أيها المخاطب لما أشرت إليه فإنه حاضر لك بحيث تراه، وقد تدخل الكاف على ****«ذا »**** للمخاطبة واللام لتأكيد معنى الإشارة فقيل :******«ذلك »****** فكأن المتكلم بالغ في التنبيه لتأخر المشار إليه عنه، فهذا يدل على أن لفظة ذلك لا تفيد البعد في أصل الوضع، بل اختص في العرف بالإشارة إلى البعيد للقرينة التي ذكرناها، فصارت كالدابة، فإنها مختصة في العرف بالفرس، وإن كانت في أصل الوضع متناولة لكل ما يدب على الأرض، وإذا ثبت هذا فنقول : إنا نحمله ههنا على مقتضى الوضع اللغوي، لا على مقتضى الوضع العرفي، وحينئذ لا يفيد البعد ؛ ولأجل هذه المقاربة يقام كل واحد من اللفظين مقام الآخر قال تعالى  واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق  إلى قوله  وكل من الأخيار  ثم قال  هذا ذكر  وقال  وعندهم قاصرات الطرف أتراب هذا ما توعدون ليوم الحساب  وقال  وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد  وقال  فأخذه الله نكال الآخرة والأولى إن في ذلك لعبرة لمن يخشى  وقال  ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون  ثم قال  إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين  وقال  فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى  أي هكذا يحيي الله الموتى، وقال  وما تلك بيمينك يا موسى  أي ما هذه التي بيمينك والله أعلم. 
المسألة الثانية : لقائل أن يقول : لم ذكر اسم الإشارة والمشار إليه مؤنث، وهو السورة، الجواب : لا نسلم أن المشار إليه مؤنث ؛ لأن المؤنث إما المسمى أو الاسم، والأول باطل، لأن المسمى هو ذلك البعض من القرآن وهو ليس بمؤنث، وأما الاسم فهو ( الم ) وهو ليس بمؤنث، نعم ذلك المسمى له اسم آخر -وهو السورة- وهو مؤنث، لكن المذكور السابق هو الاسم الذي ليس بمؤنث وهو ( الم )، لا الذي هو مؤنث وهو السورة. 
المسألة الثالثة : اعلم أن أسماء القرآن كثيرة : أحدها : الكتاب وهو مصدر كالقيام والصيام وقيل : فعال بمعنى مفعول كاللباس بمعنى الملبوس، واتفقوا على أن المراد من الكتاب القرآن قال  كتاب أنزلناه إليك  والكتاب جاء في القرآن على وجوه : أحدها : الفرض  كتب عليكم القصاص   كتب عليكم الصيام   إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا  وثانيها : الحجة والبرهان  فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين  أي برهانكم. وثالثها : الأجل  ومآ أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم  أي أجل. ورابعها : بمعنى مكاتبة السيد عبده  والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم  وهذا المصدر فعال بمعنى المفاعلة كالجدال والخصام والقتال بمعنى المجادلة والمخاصمة والمقاتلة، واشتقاق الكتاب من كتبت الشيء إذا جمعته، وسميت الكتيبة لاجتماعها، فسمي الكتاب كتابا لأنه كالكتيبة على عساكر الشبهات، أو لأنه اجتمع فيه جميع العلوم، أو لأن الله تعالى ألزم فيه التكاليف على الخلق. 
وثانيها : القرآن  قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن   إنا جعلناه قرآنا عربيا   شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن .  إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم  وللمفسرين فيه قولان : أحدهما : قول ابن عباس أن القرآن والقراءة واحد، كالخسران والخسارة واحد، والدليل عليه قوله  فإذا قرأناه فاتبع قرآنه  أي تلاوته، أي إذا تلوناه عليك فاتبع تلاوته. الثاني : وهو قول قتادة أنه مصدر من قول القائل : قرأت الماء في الحوض إذا جمعته، وقال سفيان بن عيينة : سمي القرآن قرآنا لأن الحروف جمعت فصارت كلمات، والكلمات جمعت فصارت آيات، والآيات جمعت فصارت سورا، والسور جمعت فصارت قرآنا، ثم جمع فيه علوم الأولين والآخرين. فالحاصل أن اشتقاق لفظ القرآن إما من التلاوة أو من الجمعية. 
وثالثها : الفرقان  تبارك الذي نزل الفرقان على عبده .  وبينات من الهدى والفرقان  واختلفوا في تفسيره، فقيل : سمي بذلك لأن نزوله كان متفرقا أنزله في نيف وعشرين سنة، ودليله قوله تعالى  وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا  ونزلت سائر الكتب جملة واحدة، ووجه الحكمة فيه ذكرناه في سورة الفرقان في قوله تعالى  وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك  وقيل : سمي بذلك لأنه يفرق بين الحق والباطل، والحلال والحرام، والمجمل والمبين، والمحكم والمؤول، وقيل : الفرقان هو النجاة، وهو قول عكرمة والسدي، وذلك لأن الخلق في ظلمات الضلالات فبالقرآن وجدوا النجاة، وعليه حمل المفسرون قوله  وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون . 
ورابعها : الذكر، والتذكرة، والذكرى، أما الذكر فقوله  وهذا ذكر مبارك أنزلناه   إنا نحن نزلنا الذكر .  وإنه لذكر لك ولقومك  وفيه وجهان : أحدهما : أنه ذكر من الله تعالى ذكر به عباده فعرفهم تكاليفه وأوامره. والثاني : أنه ذكر وشرف وفخر لمن آمن به، وأنه شرف لمحمد صلى الله عليه وسلم، وأمته، وأما التذكرة فقوله  وإنه لتذكرة للمتقين  وأما الذكرى فقوله تعالى  وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين . 
وخامسها : التنزيل  وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين . 
وسادسها : الحديث  الله نزل أحسن الحديث كتابا  سماه حديثا ؛ لأن وصوله إليك حديث، ولأنه تعالى شبهه بما يتحدث به، فإن الله خاطب به المكلفين. 
وسابعها : الموعظة  يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم  وهو في الحقيقة موعظة لأن القائل هو الله تعالى، والآخذ جبريل، والمستملي محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف لا تقع به الموعظة. 
وثامنها : الحكم، والحكمة، والحكيم، والمحكم، أما الحكم فقوله  وكذلك أنزلناه حكما عربيا  وأما الحكمة فقوله  حكمة بالغة   واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة  وأما الحكيم فقوله  يس والقرآن الحكيم  وأما المحكم فقوله  كتاب أحكمت آياته  واختلفوا في معنى الحكمة، فقال الخليل : هو مأخوذ من الإحكام والإلزام، وقال المؤرخ : هو مأخوذ من حكمة اللجام ؛ لأنها تضبط الدابة، والحكمة تمنع من السفه. 
وتاسعها : الشفاء  وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين  وقوله  وشفاء لما في الصدور  وفيه وجهان : أحدهما : أنه شفاء من الأمراض. والثاني : أنه شفاء من مرض الكفر، لأنه تعالى وصف الكفر والشك بالمرض، فقال  في قلوبهم مرض  وبالقرآن يزول كل شك عن القلب، فصح وصفه بأنه شفاء. 
وعاشرها : الهدى، والهادي : أما الهدى فلقوله  هدى للمتقين .  هدى للناس .  وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين  وأما الهادي  إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم  وقالت الجن  إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد . 
الحادي عشر : الصراط المستقيم : قال ابن عباس في تفسيره : إنه القرآن، وقال : وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه . 
والثاني عشر : الحبل : واعتصموا بحبل الله جميعا  في التفسير : إنه القرآن، وإنما سمي به لأن المعتصم به في أمور دينه يتخلص به من عقوبة الآخرة ونكال الدنيا، كما أن المتمسك بالحبل ينجو من الغرق والمهالك، ومن ذلك سماه النبي صلى الله عليه وسلم عصمة فقال **«إن هذا القرآن عصمة لمن اعتصم به »** لأنه يعصم الناس من المعاصي. 
الثالث عشر : الرحمة  وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين  وأي رحمة فوق التخليص من الجهالات والضلالات. 
الرابع عشر : الروح  وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا .  ينزل الملائكة بالروح من أمره  وإنما سمي به لأنه سبب لحياة الأرواح، وسمي جبريل بالروح  فأرسلنا إليها روحنا  وعيسى بالروح  ألقاها إلى مريم وروح منه . 
الخامس عشر : القصص  نحن نقص عليك أحسن القصص  سمي به لأنه يجب اتباعه  وقالت لأخته قصيه  أي اتبعي أثره ؛ أو لأن القرآن يتتبع قصص المتقدمين، ومنه قوله تعالى  إن هذا لهو القصص الحق . 
السادس عشر : البيان، والتبيان، والمبين : أما البيان فقوله  هذا بيان للناس  والتبيان فهو قوله  ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء  وأما المبين فقوله  تلك آيات الكتاب المبين . 
السابع عشر : البصائر  هذا بصائر من ربكم  أي هي أدلة يبصر بها الحق تشبيها بالبصر الذي يرى طريق الخلاص. 
الثامن عشر : الفصل  إنه لقول فصل وما هو بالهزل  واختلفوا فيه، فقيل معناه القضاء، لأن الله تعالى يقضي به بين الناس بالحق قيل لأنه يفصل بين الناس يوم القيامة فيهدي قوما إلى الجنة ويسوق آخرين إلى النار، فمن جعله إمامه في الدنيا قاده إلى الجنة، ومن جعله وراءه ساقه إلى النار. 
التاسع عشر : النجوم  فلا أقسم بمواقع النجوم  { وا

### الآية 2:3

> ﻿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [2:3]

قوله تعالى  الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون  اعلم أن فيه مسائل :
المسألة الأولى : قال صاحب الكشاف : الذين يؤمنون  إما موصول بالمتقين على أنه صفة مجرورة، أو منصوب أو مدح مرفوع بتقدير أعني الذين يؤمنون، أو هم الذين، وإما منقطع عن المتقين مرفوع على الابتداء مخبر عنه ب أولئك على هدى  فإذا كان موصولا كان الوقف على المتقين حسنا غير تام، وإذا كان منقطعا كان وقفا تاما. 
المسألة الثانية : قال بعضهم  الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون  يحتمل أن يكون كالتفسير لكونهم متقين، وذلك لأن المتقي هو الذي يكون فاعلا للحسنات وتاركا للسيئات، أما الفعل فإما أن يكون فعل القلب -وهو قوله  الذين يؤمنون - وإما أن يكون فعل الجوارح، وأساسه الصلاة والزكاة والصدقة ؛ لأن العبادة إما أن تكون بدنية وأجلها الصلاة، أو مالية، وأجلها الزكاة ؛ ولهذا سمى الرسول عليه السلام **«الصلاة عماد الدين، والزكاة قنطرة الإسلام »** وأما الترك فهو داخل في الصلاة لقوله تعالى  إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر  والأقرب أن لا تكون هذه الأشياء تفسيرا لكونهم متقين ؛ وذلك لأن كمال السعادة لا يحصل إلا بترك ما لا ينبغي وفعل ما ينبغي، فالترك هو التقوى، والفعل إما فعل القلب، وهو الإيمان، أو فعل الجوارح، وهو الصلاة والزكاة، وإنما قدم التقوى الذي هو الترك على الفعل الذي هو الإيمان والصلاة والزكاة، لأن القلب كاللوح القابل لنقوش العقائد الحقة والأخلاق الفاضلة، واللوح يجب تطهيره أولا عن النقوش الفاسدة، حتى يمكن إثبات النقوش الجيدة فيه، وكذا القول في الأخلاق، فلهذا السبب قدم التقوى وهو ترك ما لا ينبغي، ثم ذكر بعده فعل ما ينبغي. 
المسألة الثالثة : قال صاحب الكشاف : الإيمان إفعال من الأمن، ثم يقال آمنه إذا صدقه، وحقيقته آمنه من التكذيب والمخالفة، وأما تعديته بالباء فلتضمنه معنى **«أقر وأعترف »** وأما ما حكى أبو زيد : ما آمنت أن أجد صحابة أي ما وثقت، فحقيقته صرت ذا أمن، أي ذا سكون وطمأنينة وكلا الوجهين حسن في  يؤمنون بالغيب  أي يعترفون به أو يثقون بأنه حق. وأقول : اختلف أهل القبلة في مسمى الإيمان في عرف الشرع ويجمعهم فرق أربع. 
الفرقة الأولى : الذين قالوا : الإيمان اسم لأفعال القلوب والجوارح والإقرار باللسان، وهم المعتزلة والخوارج والزيدية، وأهل الحديث، أما الخوارج فقد اتفقوا على أن الإيمان بالله يتناول المعرفة بالله وبكل ما وضع الله عليه دليلا عقليا أو نقليا من الكتاب والسنة، ويتناول طاعة الله في جميع ما أمر الله به من الأفعال والتروك صغيرا كان أو كبيرا. فقالوا مجموع هذه الأشياء هو الإيمان وترك كل خصلة من هذه الخصال كفر، وأما المعتزلة فقد اتفقوا على أن الإيمان إذا عدى بالباء فالمراد به التصديق، ولذلك يقال فلان آمن بالله وبرسوله، ويكون المراد التصديق، إذ الإيمان بمعنى أداء الواجبات لا يمكن فيه هذه التعدية، فلا يقال فلان آمن بكذا إذا صلى وصام، بل يقال فلان آمن بالله كما يقال صام وصلى لله، فالإيمان المعدى بالباء يجري على طريقة أهل اللغة، أما إذا ذكر مطلقا غير معدى فقد اتفقوا على أنه منقول من المسمى اللغوي -الذي هو التصديق- إلى معنى آخر، ثم اختلفوا فيه على وجوه. أحدها : أن الإيمان عبارة عن فعل كل الطاعات سواء كانت واجبة أو مندوبة، أو من باب الأقوال أو الأفعال أو الاعتقادات، وهو قول واصل بن عطاء وأبي الهذيل والقاضي عبد الجبار بن أحمد. وثانيها : أنه عبارة عن فعل الواجبات فقط دون النوافل، وهو قول أبي علي وأبي هاشم. وثالثها : أن الإيمان عبارة عن اجتناب كل ما جاء فيه الوعيد، فالمؤمن عند الله كل من اجتنب كل الكبائر، والمؤمن عندنا كل من اجتنب كل ما ورد فيه الوعيد، وهو قول النظام، ومن أصحابه من قال : شرط كونه مؤمنا عندنا وعند الله اجتناب الكبائر كلها. وأما أهل الحديث فذكروا وجهين. الأول : أن المعرفة إيمان كامل وهو الأصل، ثم بعد ذلك كل طاعة إيمان على حدة، وهذه الطاعات لا يكون شيء منها إيمانا إلا إذا كانت مرتبة على الأصل الذي هو المعرفة. وزعموا أن الجحود وإنكار القلب كفر، ثم كل معصية بعده كفر على حدة، ولم يجعلوا شيئا من الطاعات إيمانا ما لم توجد المعرفة والإقرار، ولا شيئا من المعاصي كفرا ما لم يوجد الجحود والإنكار، لأن الفرع لا يحصل بدون ما هو أصله، وهو قول عبد الله بن سعيد بن كلاب. الثاني : زعموا أن الإيمان اسم للطاعات كلها وهو إيمان واحد وجعلوا الفرائض والنوافل كلها من جملة الإيمان، ومن ترك شيئا من الفرائض فقد انتقص إيمانه، ومن ترك النوافل لا ينتقص إيمانه، ومنهم من قال : الإيمان اسم للفرائض دون النوافل. 
الفرقة الثانية : الذين قالوا : الإيمان بالقلب واللسان معا، وقد اختلف هؤلاء على مذاهب الأول : أن الإيمان إقرار باللسان ومعرفة بالقلب، وهو قول أبي حنيفة وعامة الفقهاء، ثم هؤلاء اختلفوا في موضعين. أحدهما : اختلفوا في حقيقة هذه المعرفة، فمنهم من فسرها بالاعتقاد الجازم -سواء كان اعتقادا تقليديا أو كان علما صادرا عن الدليل- وهم الأكثرون الذين يحكمون بأن المقلد مسلم، ومنهم من فسرها بالعلم الصادر عن الاستدلال. وثانيهما : اختلفوا في أن العلم المعتبر في تحقق الإيمان علم بماذا ؟ قال بعض المتكلمين : هو العلم بالله وبصفاته على سبيل التمام والكمال ثم إنه لما كثر اختلاف الخلق في صفات الله تعالى لا جرم أقدم كل طائفة على تكفير من عداها من الطوائف. وقال أهل الإنصاف : المعتبر هو العلم بكل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد صلى الله عليه وسلم، فعلى هذا القول العلم بكونه تعالى عالما بالعلم أو عالما لذاته وبكونه مرئيا أو غيره لا يكون داخلا في مسمى الإيمان. القول الثاني : إن الإيمان هو التصديق بالقلب واللسان معا، وهو قول بشر بن عتاب المريسي، وأبي الحسن الأشعري، والمراد من التصديق بالقلب الكلام القائم بالنفس. القول الثالث : قول طائفة من الصوفية : الإيمان إقرار باللسان، وإخلاص بالقلب. 
الفرقة الثالثة : الذين قالوا : الإيمان عبارة عن عمل القلب فقط، وهؤلاء قد اختلفوا على قولين : أحدهما : أن الإيمان عبارة عن معرفة الله بالقلب، حتى أن من عرف الله بقلبه ثم جحد بلسانه ومات قبل أن يقربه فهو مؤمن كامل الإيمان وهو قول جهم بن صفوان. أما معرفة الكتب والرسل واليوم الآخر فقد زعم أنها غير داخلة في حد الإيمان. وحكى الكعبي عنه : أن الإيمان معرفة الله مع معرفة كل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد صلى الله عليه وسلم. وثانيهما : أن الإيمان مجرد التصديق بالقلب وهو قول الحسين بن الفضل البجلي. 
الفرقة الرابعة : الذين قالوا : الإيمان هو الإقرار باللسان فقط وهم فريقان : الأول : أن الإقرار باللسان هو الإيمان فقط، لكن شرط كونه إيمانا حصول المعرفة في القلب، فالمعرفة شرط لكون الإقرار اللساني إيمانا، لا أنها داخلة في مسمى الإيمان، وهو قول غيلان بن مسلم الدمشقي والفضل الرقاشي وإن كان الكعبي قد أنكر كونه قولا لغيلان. الثاني : أن الإيمان مجرد الإقرار باللسان، وهو قول الكرامية، وزعموا أن المنافق مؤمن الظاهر كافر السريرة فثبت له حكم المؤمنين في الدنيا وحكم الكافرين في الآخرة فهذا مجموع أقوال الناس في مسمى الإيمان في عرف الشرع، والذي نذهب إليه أن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب ونفتقر ههنا إلى شرح ماهية التصديق بالقلب فنقول : أن من قال العالم محدث فليس مدلول هذه الألفاظ كون العالم موصوفا بالحدوث، بل مدلولها حكم ذلك القائل بكون العالم حادثا، والحكم بثبوت الحدوث للعالم مغاير لثبوت الحدوث للعالم فهذا الحكم الذهني بالثبوت أو بالانتفاء أمر يعبر عنه في كل لغة بلفظ خاص، واختلاف الصيغ والعبارات مع كون الحكم الذهني أمرا واحدا يدل على أن الحكم الذهني أمر مغاير لهذه الصيغ والعبارات، ولأن هذه الصيغ دالة على ذلك الحكم والدال غير المدلول، ثم نقول هذا الحكم الذهني غير العلم، لأن الجاهل بالشيء قد يحكم به، فعلمنا أن هذا الحكم الذهني مغاير للعلم، فالمراد من التصديق بالقلب هو هذا الحكم الذهني، بقي ههنا بحث لفظي وهو أن المسمى بالتصديق في اللغة هو ذلك الحكم الذهني أم الصيغة الدالة على ذلك الحكم الذهني وتحقيق القول فيه قد ذكرناه في أصول الفقه، إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : الإيمان عبارة عن التصديق بكل ما عرف بالضرورة كونه من دين محمد صلى الله عليه وسلم مع الاعتقاد. فنفتقر في إثبات هذا المذهب إلى إثبات قيود أربعة :
القيد الأول : أن الإيمان عبارة عن التصديق ويدل عليه وجوه : الأول : أنه كان في أصل اللغة للتصديق، فلو صار في عرف الشرع لغير التصديق لزم أن يكون المتكلم به متكلما بغير كلام العرب، وذلك ينافي وصف القرآن بكونه عربيا. الثاني : أن الإيمان أكثر الألفاظ دورانا على ألسنة المسلمين فلو صار منقولا إلى غير مسماه الأصلي لتوفرت الدواعي على معرفة ذلك المسمى، ولاشتهر وبلغ إلى حد التواتر، فلما لم يكن كذلك علمنا أنه بقي على أصل الوضع. الثالث : أجمعنا على أن الإيمان المعدى بحرف الباء مبقي على أصل اللغة فوجب أن يكون غير المعدى كذلك. الرابع : أن الله تعالى كلما ذكر الإيمان في القرآن أضافه إلى القلب قال  من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم  وقوله  وقلبه مطمئن بالإيمان   كتب في قلوبهم الإيمان   ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم . الخامس : أن الله تعالى أينما ذكر الإيمان قرن العمل الصالح به ولو كان العمل الصالح داخلا في الإيمان لكان ذلك تكرارا. السادس : أنه تعالى كثيرا ذكر الإيمان وقرنه وبالمعاصي، قال  الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم   وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله  واحتج ابن عباس على هذا بقوله تعالى  يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى  من ثلاثة أوجه : أحدهما : أن القصاص إنما يجب على القاتل المتعمد ثم أنه خاطبه بقوله  يا أيها الذين آمنوا  فدل على أنه مؤمن. وثانيها : قوله  فمن عفى له من أخيه شيء  وهذه الأخوة ليست إلا إخوة الإيمان، لقوله تعالى  إنما المؤمنون إخوة  وثالثها : قوله  ذلك تخفيف من ربكم ورحمة  وهذا لا يليق إلا بالمؤمن، ومما يدل على المطلوب قوله تعالى  والذين آمنوا ولم يهاجروا  هذا أبقى اسم الإيمان لمن لم يهاجر مع عظم الوعيد في ترك الهجرة في قوله تعالى  الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم  وقوله  ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا  ومع هذا جعلهم مؤمنين ويدل أيضا عليه قوله تعالى  يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء  وقال  يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم  وقوله تعالى  يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا  والأمر بالتوبة لمن لا ذنب له محال وقوله { وتوبوا إلى الله جميعا أيه الم

### الآية 2:4

> ﻿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [2:4]

قوله تعالى ( والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون }. 
اعلم أن قوله  الذين يؤمنون بالغيب  عام يتناول كل من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، سواء كان قبل ذلك مؤمنا بموسى وعيسى عليهما السلام ؛ أو ما كان مؤمنا بهما، ودلالة اللفظ العام على بعض ما دخل فيه التخصيص أضعف من دلالة اللفظ الخاص على ذلك البعض، لأن العام يحتمل التخصيص والخاص لا يحتمله فلما كانت هذه السورة مدنية، وقد شرف الله تعالى المسلمين بقوله  هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب  فذكر بعد ذلك أهل الكتاب الذين آمنوا بالرسول : كعبد الله بن سلام وأمثاله بقوله  والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك  لأن في هذا التخصيص بالذكر مزيد تشريف لهم كما في قوله تعالى  من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال  ثم تخصيص عبد الله بن سلام وأمثاله بهذا التشريف ترغيب لأمثاله في الدين، فهذا هو السبب في ذكر هذا الخاص بعد ذلك العام، ثم نقول. أما قوله  والذين يؤمنون بما أنزل إليك  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : لا نزاع بين أصحابنا وبين المعتزلة في أن الإيمان إذا عدي بالباء فالمراد منه التصديق، فإذا قلنا فلان آمن بكذا، فالمراد أنه صدق به ولا يكون المراد أنه صام وصلى، فالمراد بالإيمان هاهنا التصديق بالاتفاق لكن لابد معه من المعرفة لأن الإيمان هاهنا خرج مخرج المدح والمصدق مع الشك لا يأمن أن يكن كاذبا فهو إلى الذم أقرب. 
المسألة الثانية : المراد من إنزال الوحي وكون القرآن منزلا، ومنزلا، ومنزولا به، أن جبريل عليه السلام سمع في السماء كلام الله تعالى فنزل على الرسول به، وهذا كما يقال : نزلت رسالة الأمير من القصر، والرسالة لا تنزل لكن المستمع يسمع الرسالة من علو فينزل ويؤدي في سفل، وقوله الأمير لا يفارق ذاته، ولكن السامع يسمع فينزل ويؤدي بلفظ نفسه، ويقال فلان ينقل الكلام إذا سمع في موضع وأداه في موضع آخر. فإن قيل كيف سمع جبريل كلام الله تعالى، وكلامه ليس من الحروف والأصوات عندكم ؟ قلنا : يحتمل أن يخلق الله تعالى له سمعا لكلامه ثم أقدره على عبارة يعبر بها عن ذلك الكلام القديم، ويجوز أن يكون الله خلق في اللوح المحفوظ كتابة بهذا النظم المخصوص فقرأه جبريل عليه السلام فحفظه، ويجوز أن يخلق الله أصواتا مقطعة بهذا النظم المخصوص في جسم مخصوص فيتلفقه جبريل عليه السلام ويخلق له علما ضروريا بأنه هو العبارة المؤدية لمعنى ذلك الكلام القديم. 
المسألة الثالثة : قوله  والذين يؤمنون بما أنزل إليك  هذا الإيمان واجب، لأنه قال في آخره  وأولئك هم المفلحون  فثبت أن من لم يكن له هذا الإيمان وجب أن لا يكون مفلحا، وإذا ثبت أنه واجب وجب تحصيل العلم بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم على سبيل التفصيل، لأن المرء لا يمكنه أن يقوم بما أوجبه الله عليه علما وعملا إلا إذا علمه على سبيل التفصيل، لأنه إن لم يعلمه كذلك امتنع عليه القيام به، إلا أن تحصيل هذا العلم واجب على سبيل الكفاية، فإن تحصيل العلم بالشرائع النازلة على محمد صلى الله عليه وسلم على سبيل التفصيل غير واجب على العامة، وأما قوله  وما أنزل من قبلك  فالمراد به ما أنزل على الأنبياء الذين كانوا قبل محمد، والإيمان به واجب على الجملة، لأن الله تعالى ما تعبدنا الآن به حتى يلزمنا معرفته على التفصيل، بل إن عرفنا شيئا من تفاصيله فهناك يجب علينا الإيمان بتلك التفاصيل، وأما قوله  وبالآخرة هم يوقنون  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : الآخرة صفة الدار الآخرة، وسميت بذلك لأنها متأخرة عن الدنيا وقيل للدنيا دنيا لأنها أدنى من الآخرة. 
المسألة الثانية : اليقين هو العلم بالشيء بعد أن كان صاحبه شاكا فيه، فلذلك لا يقول القائل : تيقنت وجود نفسي، وتيقنت أن السماء فوقي لما أن العلم به غير مستدرك، ويقال ذلك في العلم الحادث بالأمور سواء كان ذلك العلم ضروريا أو استدلاليا، فيقول القائل : تيقنت ما أردته بهذا الكلام وإن كان قد علم مراده بالاضطرار، ويقول تيقنت أن الإله واحد وإن كان قد علمه بالاكتساب ؛ ولذلك لا يوصف الله تعالى بأنه يتيقن الأشياء. 
المسألة الثالثة : أن الله تعالى مدحهم على كونهم متيقنين بالآخرة، ومعلوم أنه لا يمدح المرء بأن يتيقن وجود الآخرة فقط، بل لا يستحق المدح إلا إذا تيقن وجود الآخرة مع ما فيها من الحساب والسؤال وإدخال المؤمنين الجنة، والكافرين النار. روى عنه عليه السلام أنه قال :**«يا عجبا كل العجب من الشاك في الله وهو يرى خلقه، وعجبا ممن يعرف النشأة الأولى ثم ينكر النشأة الآخرة، وعجبا ممن ينكر البعث والنشور وهو في كل يوم وليلة يموت ويحيا -يعني النوم واليقظة- وعجبا ممن يؤمن بالجنة وما فيها من النعيم ثم يسعى لدار الغرور، وعجبا من المتكبر الفخور وهو يعلم أن أوله نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة »**.

### الآية 2:5

> ﻿أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [2:5]

قوله تعالى  أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون  اعلم أن في الآية مسائل :
المسألة الأولى : في كيفية تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه ثلاثة : أحدها : أن ينوي الابتداء ب  الذين يؤمنون بالغيب  وذلك لأنه لما قيل  هدى للمتقين  فخص المتقين بأن الكتاب هدى لهم كان لسائل أن يسأل فيقول : ما السبب في اختصاص المتقين بذلك ؟ فوقع قوله  الذين يؤمنون بالغيب  إلى قوله  وأولئك هم المفلحون  جوابا عن هذا السؤال، كأنه قيل : الذي يكون مشتغلا بالإيمان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والفوز بالفلاح والنجاة لابد وأن يكون على هدى من ربه. وثانيها : أن لا ينوي الابتداء به بل يجعله تابعا  للمتقين  ثم يقع الابتداء من قوله  أولئك على هدى من ربهم  كأنه قيل أي سبب في أن صار الموصوفون بهذه الصفات مختصين بالهدى ؟ فأجيب بأن أولئك الموصفين غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس بالهدى عاجلا وبالفلاح آجلا. وثالثها : أن يجعل الموصول الأول صفة  المتقين  ويرفع الثاني على الابتداء و أولئك  خبره ويكون المراد جعل اختصاصهم بالفلاح والهدى تعريضا بأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ظانون أنهم على الهدى وطامعون أنهم ينالون الفلاح عند الله تعالى. 
المسألة الثانية : معنى الاستعلاء في قوله  على هدى  بيان لتمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه حيث شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه ونظيره **«فلان على الحق، أو على الباطل »** وقد صرحوا به في قولهم **«جعل الغواية مركبا، وامتطى الجهل »** وتحقيق القول في كونهم على الهدى تمسكهم بموجب الدليل، لأن الواجب على المتمسك بالدليل أن يدوم على ذلك ويحرسه عن المطاعن والشبه فكأنه تعالى مدحهم بالإيمان بما أنزل عليه أولا، ومدحهم بالإقامة على ذلك والمواظبة على حراسته عن الشبه ثانيا، وذلك واجب على المكلف، لأنه إذا كان متشددا في الدين خائفا وجلا فلابد من أن يحاسب نفسه في علمه وعمله، ويتأمل حاله فيهما فإذا حرس نفسه عن الإخلال كان ممدوحا بأنه على هدى وبصيرة، وإنما نكر  هدى  ليفيد ضربا مبهما لا يبلغ كنهه ولا يقدر قدره كما يقال لو أبصرت فلانا لأبصرت رجلا. قال عون بن عبد الله : الهدى من الله كثير، ولا يبصره إلا بصير، ولا يعمل به إلا يسير. ألا ترى أن نجوم السماء يبصرها البصراء، ولا يهتدي بها إلا العلماء. 
المسألة الثالثة : في تكرير  أولئك  تنبيه على أنهم كما ثبت لهم الاختصاص بالهدى ثبت لهم الاختصاص بالفلاح أيضا، فقد تميزوا عن غيرهم بهذين الاختصاصين. فإن قيل : فلم جاء مع العاطف وما الفرق بينه وبين قوله  أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون  قلنا : قد اختلف الخبران هنا فلذلك دخل العاطف بخلاف الخبرين ثم فإنهما متفقان لأن التسجيل عليهم بالغفلة وتشبيههم بالبهائم شيء واحد، وكانت الجملة الثانية مقررة لما في الأولى فهي من العطف بمعزل. 
المسألة الرابعة : هم  فصل وله فائدتان. إحداهما : الدلالة على أن الوارد بعده خبر لا صفة وثانيتهما : حصر الخبر في المبتدأ، فإنك لو قلت الإنسان ضاحك فهذا لا يفيد أن الضاحكية لا تحصل إلا في الإنسان، أما لو قلت : الإنسان هو الضاحك فهذا يفيد أن الضاحكية لا تحصل إلا في الإنسان. 
المسألة الخامسة : معنى التعريف في  المفلحون  الدلالة على أن المتقين هم الناس الذين بلغك أنهم يفلحون في الآخرة كما إذا بلغك أن إنسانا قد تاب من أهل بلدك فاستخبرت من هو ؟ فقيل زيد التائب، أي هو الذي أخبرت بتوبته، أو على أنهم الذين إن حصلت صفة المفلحون فهم هم، كما تقول لصاحبك : هل عرفت الأسد وما جبل عليه من فرط الإقدام ؟ إن زيدا هو هو. 
المسألة السادسة : المفلح الظافر بالمطلوب كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر ولم تستغلق عليه، والمفلح بالجيم مثله، والتركيب دال على معنى الشق والفتح، ولهذا سمي الزراع فلاحا، ومشقوق الشفة السفلى أفلح، وفي المثل **«الحديد بالحديد يفلح »** وتحقيقه أن الله تعالى لما وصفهم بالقيام بما يلزمهم علما وعملا بين نتيجة ذلك وهو الظفر بالمطلوب الذي هو النعيم الدائم من غير شوب على وجه الإجلال والإعظام، لأن ذلك هو الثواب المطلوب للعبادات. 
المسألة السابعة : هذه الآيات يتمسك الوعيدية بها من وجه، والمرجئة من وجه آخر. أما الوعيدية فمن وجهين : الأول : أن قوله  وأولئك هم المفلحون  يقتضي الحصر، فوجب فيمن أخل بالصلاة والزكاة أن لا يكون مفلحا، وذلك يوجب القطع على وعيد تارك الصلاة والزكاة. الثاني : أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم فيلزم أن تكون علة الفلاح هي فعل الإيمان والصلاة والزكاة، فمن أخل بهذه الأشياء لم يحصل له علة الفلاح، فوجب أن لا يحصل الفلاح. أما المرجئة فقد احتجوا بأن الله حكم بالفلاح على الموصوفين بالصفات المذكورة في هذه الآية فوجب أن يكون الموصوف بهذه الأشياء مفلحا وإن زنى وسرق وشرب الخمر، وإذا ثبت في هذه الطائفة تحقق العفو ثبت في غيرهم ضرورة، إذ لا قائل بالفرق. والجواب : أن كل واحد من الاحتجاجين معارض بالآخر فيتساقطان، ثم الجواب عن قول الوعيدية : أن قوله  وأولئك هم المفلحون  يدل على أنهم الكاملون في الفلاح، فيلزم أن يكون صاحب الكبيرة غير كامل في الفلاح، ونحن نقول بموجبه، فإنه كيف يكون كاملا في الفلاح وهو غير جازم بالخلاص من العذاب، بل يجوز له أن يكون خائفا منه، وعن الثاني : أن نفي السبب الواحد لا يقتضي نفي المسبب، فعندنا من أسباب الفلاح عفو الله تعالى. والجواب عن قول المرجئة : أن وصفهم بالتقوى يكفي في نيل الثواب لأنه يتضمن اتقاء المعاصي، واتقاء ترك الواجبات والله أعلم.

### الآية 2:6

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [2:6]

قوله تعالى  إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون . 
اعلم أن في الآية مسائل نحوية، ومسائل أصولية، ونحن نأتي عليها إن شاء الله تعالى. أما قوله  إن  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن  إن  حرف والحرف لا أصل له في العمل، لكن هذا الحرف أشبه الفعل صورة ومعنى، وتلك المشابهة تقتضي كونها عاملة، وفيه مقدمات ( المقدمة الأولى ) في بيان المشابهة، واعلم أن هذه المشابهة حاصلة في اللفظ والمعنى، أما في اللفظ فلأنها تركبت من ثلاثة أحرف وانفتح آخرها ولزمت الأسماء كالأفعال، ويدخلها نون الوقاية نحو إنني وكأنني، كما يدخل على الفعل نحو : أعطاني وأكرمني، وأما المعنى فلأنها تفيد حصول معنى في الاسم وهو تأكد موصوفيته بالخبر، كما أنك إذا قلت : قام زيد، فقولك قام أفاد حصول معنى في الاسم ( المقدمة الثانية ) أنها لما أشبهت الأفعال وجب أن تشبهها في العمل وذلك ظاهر بناء على الدوران ( المقدمة الثالثة ) في أنها لم نصبت الاسم ورفعت الخبر ؟ وتقريره أن يقال : إنها لما صارت عاملة فإما أن ترفع المبتدأ والخبر معا، أو تنصبهما معا، أو ترفع المبتدأ وتنصب الخبر وبالعكس، والأول باطل ؛ لأن المبتدأ والخبر كانا قبل دخول  إن  عليهما مرفوعين، فلو بقيا كذلك بعد دخولها عليهما لما ظهر له أثر البتة، ولأنها أعطيت عمل الفعل، والفعل لا يرفع الاسمين فلا معنى للاشتراك والفزع لا يكون أقوى من الأصل، والقسم الثاني أيضا باطل ؛ لأن هذا أيضا مخالف لعمل الفعل، لأن الفعل لا ينصب شيئا مع خلوه عما يرفعه. والقسم الثالث أيضا باطل، لأنه يؤدي إلى التسوية بين الأصل والفرع، فإن الفعل يكون عمله في الفاعل أولا بالرفع ثم في المفعول بالنصب، فلو جعل الحرف ههنا كذلك لحصلت التسوية بين الأصل والفرع. ولما بطلت الأقسام الثلاثة تعين القسم الرابع : وهو أنها تنصب الاسم وترفع الخبر، وهذا مما ينبه على أن هذه الحروف دخيلة في العمل لا أصلية، لأن تقديم المنصوب على المرفوع في باب الفعل عدول عن الأصل فذلك يدل ههنا على أن العمل لهذه الحروف ليس بثابت بطريق الأصالة بل بطريق عارض. 
المسألة الثانية : قال البصريون : هذا الحرف ينصب الاسم ويرفع الخبر، وقال الكوفيون لا أثر له في رفع الخبر بل هو مرتفع بما كان مرتفعا به قبل ذلك. حجة البصريين : أن هذه الحروف تشبه الفعل مشابهة تامة على ما تقدم بيانه، والفعل له تأثير في الرفع والنصب، فهذه الحروف يجب أن تكون كذلك. وحجة الكوفيين من وجهين : الأول : أن معنى الخبرية باق في خبر المبتدأ وهو أولى باقتضاء الرفع فتكون الخبرية رافعة، وإذا كانت الخبرية رافعة استحال ارتفاعه بهذه الحروف، فهذه مقدمات ثلاثة : إحداها : قولنا : الخبرية باقية، وذلك ظاهر، لأن المراد من الخبرية كون الخبر مسندا إلى المبتدأ، وبعد دخول حرف ******«إن »****** عليه فذاك الإسناد باق. وثانيها : قولنا : الخبرية ههنا مقتضية للرفع : وذلك لأن الخبرية كانت قبل دخول ******«إن »****** مقتضية للرفع ولم يكن عدم الحرف هناك جزءا من المقتضي. لأن العدم لا يصلح أن يكون جزء العلة، فبعد دخول هذه الحروف كانت الخبرية مقتضية للرفع، لأن المقتضي بتمامه لو حصل ولم يؤثر لكان ذلك لمانع وهو خلاف الأصل. وثالثها : قولنا : الخبرية أولى بالاقتضاء، وبيانه من وجهين : الأول : أن كونه خبرا وصف حقيقي قائم بذاته، وذلك الحرف أجنبي مباين عنه وكما أنه مباين عنه فغير مجاور له لأن الاسم يتخللهما. الثاني : أن الخبر يشابه الفعل مشابهة حقيقية معنوية وهو كون كل واحد منهما مسندا إلى الغير، أما الحرف فإنه لا يشابه الفعل في وصف حقيقي معنوي، فإنه ليس فيه إسناد، فكانت مشابهة الخبر للفعل أقوى من مشابهة هذا الحرف للفعل، فإذا ثبت ذلك كانت الخبرية باقتضاء الرفع لأجل مشابهة الفعل أولى من الحرف بسبب مشابهته للفعل ورابعها : لما كانت الخبرية أقوى في اقتضاء الرفع استحال كون هذا الحرف رافعا، لأن الخبرية بالنسبة إلى هذا الحرف أولى، وإذا كان كذلك فقد حصل الحكم بالخبرية قبل حصول هذا الحرف، فيعد وجود هذا الحرف لو أسند هذا الحكم إليه لكان ذلك تحصيلا للحاصل، وهو محال. الوجه الثاني : أن سيبويه وافق على أن الحرف غير أصل في العمل فيكون إعماله على خلاف الدليل، وما ثبت على خلاف الدليل يقدر بقدر الضرورة، والضرورة تندفع بأعمالها في الاسم، فوجب أن لا يعملها في الخبر. 
المسألة الثالثة : روى الأنباري أن الكندي المتفلسف ركب إلى المبرد وقال : إني أجد في كلام العرب حشوا، أجد العرب تقول : عبد الله قائم، ثم تقول إن عبد الله قائم، ثم تقول إن عبد الله لقائم، فقال المبرد : بل المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ، فقولهم عبد الله قائم إخبار عن قيامه، وقولهم إن عبد الله قائم جواب عن سؤال سائل، وقولهم إن عبد الله لقائم جواب عن إنكار منكر لقيامه. واحتج عبد القاهر على صحة قوله بأنها إنما تذكر جوابا لسؤال السائل بأن قال إنا رأيناهم قد ألزموها الجملة من المبتدأ والخبر إذا كان جوابا للقسم نحو والله إن زيدا منطلق ويدل عليه من التنزيل قوله  ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا إنا مكنا له في الأرض  وقوله في أول السورة  نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم  وقوله  فإن عصوك فقل إني بريء ما تعملون  وقوله  قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله  وقوله  وقل إني أنا النذير المبين  وأشباه ذلك مما يعلم أنه يدل على أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يجيب به الكفار في بعض ما جادلوا ونظروا فيه، وعليه قوله  فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين  وقوله  وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين  وفي قصة السحرة  إنا إلى ربنا منقلبون  إذ من الظاهر أنه جواب فرعون عن قوله  آمنتم له قبل أن آذن لكم  وقال عبد القاهر : والتحقيق أنها للتأكيد وإذا كان الخبر بأمر ليس للمخاطب ظن في خلافه لم يحتج هناك إلى ******«إن »****** وإنما يحتاج إليها إذا كان السامع ظن الخلاف، ولذلك تراها تزداد حسنا إذا كان الخبر بأمر يبعد مثله كقول أبي نواس :

عليك باليأس من الناس  إن غنى نفسك في اليأسوإنما حسن موقعها لأن الغالب أن الناس لا يحملون أنفسهم على اليأس. وأما جعلها مع اللام جوابا للمنكر في قولك **«إن زيدا لقائم »** فجيد لأنه إذا كان الكلام مع المنكر كانت الحاجة إلى التأكيد أشد، وكما يحتمل أن يكون الإنكار من السامع احتمل أيضا أن يكون من الحاضرين. واعلم أنها قد تجيء إذا ظن المتكلم في الذي وجد أنه لا يوجد مثل قولك : إنه كان مني إليه إحسان فعاملني بالسوء، فكأنك ترد على نفسك ظنك الذي ظننت وتبين الخطأ في الذي توهمت، وعليه قوله تعالى حكاية عن أم مريم  قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت  وكذلك قول نوح عليه السلام  قال رب إن قومي كذبون . 
أما قوله تعالى  الذين كفروا  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه صعب على المتكلمين ذكر حد الكفر، وتحقيق القول فيه أن كل ما ينقل عن محمد صلى الله عليه وسلم أنه ذهب إليه وقال به فإما أن يعرف صحة ذلك النقل بالضرورة أو بالاستدلال أو بخبر الواحد. أما القسم الأول : وهو الذي عرف بالضرورة مجيء الرسول عليه السلام به فمن صدقه في كل ذلك فهو مؤمن، ومن لم يصدقه في ذلك، فإما بأن لا يصدقه في جميعها أو بأن لا يصدقه في البعض دون البعض، فذلك هو الكافر، فإذن الكفر عدم تصديق الرسول في شيء مما علم بالضرورة مجيئه به، ومثاله من أنكر وجود الصانع، أو كونه عالما قادرا مختارا أو كونه منزها عن النقائص والآفات، أو أنكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أو صحة القرآن الكريم أو أنكر الشرائع التي علمنا بالضرورة كونها من دين محمد صلى الله عليه وسلم كوجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج وحرمة الربا والخمر، فذلك يكون كافرا ؛ لأنه ترك تصديق الرسول فيما علم بالضرورة أنه من دينه. فأما الذي يعرف بالدليل أنه من دينه مثل كونه عالما بالعلم أو لذاته وأنه مرئي أو غير مرئي، وأنه خالق أعمال العباد أم لا فلم ينقل بالتواتر القاطع لعذر مجيئه عليه السلام بأحد القولين دون الثاني، بل إنما يعلم صحة أحد القولين وبطلان الثاني بالاستدلال، فلا جرم لم يكن إنكاره ولا الإقرار به داخلا في ماهية الإيمان فلا يكون موجبا للكفر، والدليل عليه أنه لو كان ذلك جزء ماهية الإيمان لكان يجب على الرسول صلى الله عليه وسلم أن لا يحكم بإيمان أحد إلا بعد أن يعرف أنه هل يعرف الحق في تلك المسألة، ولو كان الأمر كذلك لاشتهر قوله في تلك المسألة بين جميع الأمة، ولنقل ذلك على سبيل التواتر، فلما لم ينقل ذلك دل على أنه عليه السلام ما وقف الإيمان عليها، وإذا كان كذلك وجب أن لا تكون معرفتها من الإيمان، ولا إنكارها موجبا للكفر، ولأجل هذه القاعدة لا يكفر أحد من هذه الأمة ولا نكفر أرباب التأويل. وأما الذي لا سبيل إليه إلا برواية الآحاد فظاهر أنه لا يمكن توقف الكفر والإيمان عليه. فهذا قولنا في حقيقة الكفر. فإن قيل يبطل ما ذكرتم من جهة العكس بلبس الغيار وشد الزنار وأمثالهما فإنه كفر مع أن ذلك شيء آخر سوى ترك تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما علم بالضرورة مجيئه به، قلنا هذه الأشياء في الحقيقة ليست كفرا لأن التصديق وعدمه أمر باطن لا اطلاع للخلق عليه، ومن عادة الشرع أنه لا يبني الحكم في أمثال هذه الأمور على نفس المعنى، لأنه لا سبيل إلى الإطلاع، بل يجعل لها معرفات وعلامات ظاهرة ويجعل تلك المظان الظاهرة مدارا للأحكام الشرعية، وليس الغيار وشد الزنار من هذا الباب، فإن الظاهر أن من يصدق الرسول عليه السلام فإنه لا يأتي بهذه الأفعال، فحيث أتى بها دل على عدم التصديق فلا جرم الشرع يفرع الأحكام عليها، لا أنها في أنفسها كفر، فهذا هو الكلام الملخص في هذا الباب والله أعلم. 
المسألة الثانية : قوله  إن الذين كفروا  إخبار عن كفرهم بصيغة الماضي والإخبار عن الشيء بصيغة الماضي يقتضي كون المخبر عنه متقدما على ذلك الإخبار، إذا عرفت هذا فنقول : احتجت المعتزلة بكل ما أخبر الله عن شيء ماض مثل قوله  إن الذين كفروا  أو  إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ،  إنا أنزلناه في ليلة القدر ،  إنا أرسلنا نوحا  على أن كلام الله محدث سواء كان الكلام هذه الحروف والأصوات أو كان شيئا آخر. قالوا لأن الخبر على هذا الوجه لا يكون صدقا إلا إذا كان مسبوقا بالمخبر عنه، والقديم يستحيل أن يكون مسبوقا بالغير فهذا الخبر يستحيل أن يكون قديما فيجب أن يكون محدثا، أجاب القائلون بقدم الكلام عنه من وجهين : الأول : أن الله تعالى كان في الأزل عالما بأن العالم سيوجد، فلما أوجده انقلب العلم بأنه سيوجد في المستقبل علما بأنه قد حدث في الماضي ولم يلزم حدوث علم الله تعالى، فلم لا يجوز أيضا أن يقال : إن خبر الله تعالى في الأزل كان خبرا بأنهم سيكفرون فلما وجد كفرهم صار ذلك الخبر خبرا عن أنهم قد كفروا ولم يلزم حدوث خبر الله تعالى. 
الثاني : أن الله تعالى قال  لتدخلن المسجد الحرام  فلما دخلوا المسج

### الآية 2:7

> ﻿خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [2:7]

قوله تعالى  ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم . 
إعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أنهم لا يؤمنون أخبر في هذه الآية بالسبب الذي لأجله لم يؤمنوا، وهو الختم، والكلام ههنا يقع في مسائل :
المسألة الأولى : الختم والكتم أخوان ؛ لأن في الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه كتما له وتغطية، لئلا يتوصل إليه أو يطلع عليه، والغشاوة الغطاء فعالة من غشاء إذا غطاه. وهذا البناء لما يشتمل على الشيء كالعصابة والعمامة. 
المسألة الثانية : اختلف الناس في هذا الختم، أما القائلون بأن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى فهذا الكلام على مذهبهم ظاهر، ثم لهم قولان، منهم من قال : الختم هو خلق الكفر في قلوب الكفار، ومنهم من قال هو خلق الداعية التي إذا انضمت إلى القدرة صار مجموع القدرة معها سببا موجبا لوقوع الكفر، وتقريره أن القادر على الكفر إما أن يكون قادرا على تركه أو لا يكون، فإن لم يقدر على تركه كانت القدرة على الكفر موجبة للكفر، فخلق القدرة على الكفر يقتضي خلق الكفر، وإن قدر على الترك كانت نسبة تلك القدرة إلى فعل الكفر وإلى تركه على سواء، فإما أن يكون صيرورتها مصدرا للفعل بدلا عن الترك يتوقف على انضمام مرجح إليها أولا يتوقف، فإن لم يتوقف فقد وقع الممكن لا عن مرجح، وتجويز يقتضي القدح في الاستدلال بالممكن على المؤثر، وذلك يقتضي نفي الصانع وهو محال، وأما إن توقف على المرجح فذلك المرجح إما أن يكون من فعل الله أو من فعل العبد أولا من فعل الله ولا من فعل العبد، لا جائز أن يكون من فعل العبد وإلا لزم التسلسل، ولا جائز أن يكون لا بفعل الله ولا بفعل العبد ؛ لأنه يلزم حدوث شيء لا لمؤثر، وذلك يبطل القول بالصانع. فثبت أن كون قدرة العبد مصدرا للمقدور المعين يتوقف على أن ينضم إليها مرجع هو من فعل الله تعالى. فنقول : إذا انضم ذلك المرجح إلى تلك القدرة فإما أن يصير تأثير القدرة في ذلك الأثر واجبا أو جائزا أو ممتنعا، والثاني والثالث، باطل فتعين الأول، وإنما قلنا إنه لا يجوز أن يكون جائزا لأنه لو كان جائزا لكان يصح في العقل أن يحصل مجموع القدرة مع ذلك المرجح تارة مع ذلك الأثر، وأخرى منفكا عنه، فلنفرض وقوع ذلك ؛ لأن كل ما كان جائزا لا يلزم من فرض وقوعه محال، فذاك المجموع تارة يترتب عليه الأثر، وأخرى لا يترتب عليه الأثر، فاختصاص أحد الوقتين يترتب ذلك الأثر عليه إما أن يتوقف على انضمام قرينة إليه، أو لا يتوقف، فإن توقف كان المؤثر هو ذلك المجموع مع هذه القرينة الزائدة، لا ذلك المجموع، وكنا قد فرضنا أن ذلك المجموع هو المستقل خلف هذا، وأيضا فيعود التقسيم في هذا المجموع الثاني، فإن توقف على قيد آخر لزم التسلسل وهو محال، وإن لم يتوقف فحينئذ حصل ذلك المجموع تارة بحيث يكون مصدرا للأثر، وأخرى بحيث لا يكون مصدرا له مع أنه لم يتميز أحد الوقتين عن الآخر بأمر ما البتة، فيكون هذا قولا بترجح الممكن لا عن مرجح وهو محال. فثبت أن عند حصول ذلك المرجح يستحيل أن يكون صدور ذلك الأثر جائزا، وأما أنه لا يكون ممتنعا فظاهر، وإلا لكان مرجح الوجود مرجحا للعدم وهو محال، وإذا بطل القسمان ثبت أن عند حصول مرجح الوجود يكون الأثر واجب الوجود عن المجموع الحاصل من القدرة، ومن ذلك المرجح، وإذا ثبت هذا كان القول بالجبر لازما : لأن قبل حصول ذلك المرجح كان صدور الفعل ممتنعا وبعد حصوله يكون واجبا، وإذ عرفت هذا كان خلق الداعية الموجبة للكفر في القلب ختما على القلب ومنعا له عن قبول الإيمان ؛ فإنه سبحانه لما حكم عليهم بأنهم لا يؤمنون ذكر عقيبه ما يجري مجرى السبب الموجب له، لأن العلم بالعلة يفيد العلم بالمعلول، والعلم بالمعلول لا يكمل إلا إذا استفيد من العلم بالعلة، فهذا قول من أضاف جميع المحدثات إلى الله تعالى. وأما المعتزلة فقد قالوا : إنه لا يجوز إجراء هذه الآية على المنع من الإيمان واحتجوا فيه بالوجوه التي حكيناها عنهم في الآية الأولى وزادوا ههنا بأن الله تعالى قد كذب الكفار الذين قالوا إن على قلوبهم كنان وغطاء يمنعهم عن الإيمان  وقالوا قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا  وقال  فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه  وهذا كله عيب وذم من الله تعالى فيما أدعوا أنهم ممنوعون عن الإيمان ثم قالوا : بل لابد من حمل الختم والغشاوة على أمور أخرى ثم ذكروا فيه وجوها : أحدها : أن القوم لما أعرضوا وتركوا الاهتداء بدلائل الله تعالى حتى صار ذلك كالألف والطبيعة لهم أشبه حالهم حال من منع عن الشيء وصد عنه وكذلك هذا في عيونهم حتى كأنها مسدودة لا تبصر شيئا وكأن بآذانهم وقرا حتى لا يخلص إليها الذكر، وإنما أضيف ذلك إلى الله تعالى لأن هذه الصفة في تمكنها وقوة ثباتها كالشيء الخلقي ؛ ولهذا قال تعالى  بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون   كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون   فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه . وثانيها : أنه يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب، فالشيطان هو الخاتم في الحقيقة أو الكافر إلا أن الله تعالى لما كان هو الذي أقدره أسند إليه الختم كما يسند الفعل إلى السبب. وثالثها : أنهم لما أعرضوا عن القدير ولم يصغوا إلى الذكر وكان ذلك عند إيراد الله تعالى عليهم الدلائل أضيف ما فعلوا إلى الله تعالى ؛ لأن حدوثه إنما اتفق عند إيراده تعالى دلائله عليهم كقوله تعالى في سورة براءة  زادتهم رجسا إلى رجسهم  أي ازدادوا بها كفرا إلى كفرهم. ورابعها : أنهم بلغوا في الكفر إلى حيث لم يبق طريق إلى تحصيل الإيمان لهم إلا بالقسر والإلجاء إلا أن الله تعالى ما أقرهم عليه لئلا يبطل التكليف فعبر عن ترك القسر والإلجاء بالختم إشعارا بأنهم الذين انتهوا في الكفر إلى حيث لا يتناهون عنه إلا بالقسر وهي الغاية القصوى في وصف لجاجهم في الغي. وخامسها : أن يكون ذلك حكاية لما كان الكفرة يقولونه تهكما به من قولهم  قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب  ونظيره في الحكاية والتهكم قوله  لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة . وسادسها : الختم على قلوب الكفار من الله تعالى هو الشهادة منه عليهم بأنهم لا يؤمنون، وعلى قلوبهم بأنها لا تعي الذكر ولا تقبل الحق، وعلى أسماعهم بأنها لا تصغي إلى الحق كما يقول الرجل لصاحبه أريد أن تختم على ما يقوله فلان أي تصدقه وتشهد بأنه حق، فأخبر الله تعالى في الآية الأولى بأنهم لا يؤمنون، وأخبر في هذه الآية بأنه قد شهد بذلك وحفظه عليهم. وسابعها : قال بعضهم : هذه الآية إنما جاءت في قوم مخصوصين من الكفار فعل الله تعالى بهم هذا الختم والطبع في الدنيا عقابا لهم في العاجل، كما عجل لكثير من الكفار عقوبات في الدنيا فقال  ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين  وقال  فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين  ونحو هذا من العقوبات المعجلة لما علم الله تعالى فيها من العبرة لعباده والصلاح لهم، فيكون هذا مثل ما فعل بهؤلاء من الختم والطبع، إلا أنهم إذا صاروا بذلك إلى أن لا يفهموا سقط عنهم التكليف كسقوطه عمن مسخ، وقد أسقط الله التكليف عمن يعقل بعض العقل كمن قارب البلوغ، ولسنا ننكر أن يخلق الله في قلوب الكافرين مانعا يمنعهم عن الفهم والاعتبار إذا علم أن ذلك أصلح لهم كما قد يذهب بعقولهم ويعمي أبصارهم ولكن لا يكونون في هذا الحال مكلفين. وثامنها : يجوز أن يجعل الله على قلوبهم الختم وعلى أبصارهم الغشاوة من غير أن يكون ذلك حائلا بينهم وبين الإيمان بل يكون ذلك كالبلادة التي يجدها الإنسان في قلبه والقذى في عينيه والطنين في أذنه، فيفعل الله كل ذلك بهم ليضيق صدورهم ويورثهم الكرب والغم فيكون ذلك عقوبة مانعة من الإيمان كما قد فعل ببني إسرائيل فتاهوا ثم يكون هذا الفعل في بعض الكفار ويكون ذلك آية للنبي صلى الله عليه وسلم ودلالة له كالرجز الذي أنزل على قوم فرعون حتى استغاثوا منه، وهذا كله مقيد بما يعلم الله تعالى أنه أصلح للعباد. وتاسعها : يجوز أن يفعل هذا الختم بهم في الآخرة كما قد أخبر أنه يعميهم قال  ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما  وقال  ونحشر المجرمين يومئذ زرقا  وقال  اليوم نختم على أفواههم  وقال  لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون . وعاشرها : ما حكوه عن الحسن البصري -وهو اختيار أبي علي الجبائي والقاضي- أن المراد بذلك علامة وسمة يجعلها في قلب الكفار وسمعهم فتستدل الملائكة بذلك على أنهم كفار، وعلى أنهم لا يؤمنون أبدا فلا يبعد أن يكون في قلوب المؤمنين علامة تعرف الملائكة بها كونهم مؤمنين عند الله كما قال  أولئك كتب في قلوبهم الإيمان  وحينئذ الملائكة يحبونه ويستغفرون له، ويكون لقلوب الكفار علامة تعرف الملائكة بها كونهم ملعونين عند الله فيبغضونه ويلعنونه، والفائدة في تلك العلامة إما مصلحة عائدة إلى الملائكة ؛ لأنهم متى علموا بتلك العلامة كونه كافرا ملعونا عند الله تعالى صار ذلك منفرا لهم عن الكفر أو إلى المكلف، فإنه إذا علم أنه متى آمن فقد أحبه أهل السماوات صار ذلك مرغبا له في الإيمان وإذا علم أنه متى أقدم على الكفر عرف الملائكة منه ذلك فيبغضونه ويلعنونه صار ذلك زاجرا له عن الكفر. قالوا : والختم بهذا المعنى لا يمنع، لأنا نتمكن بعد ختم الكتاب أن نفكه ونقرأه، ولأن الختم هو بمنزلة أن يكتب على جبين الكافر أنه كافر، فإذا لم يمنع ذلك من الإيمان فكذا هذا الكافر يمكنه أن يزيل تلك السمة عن قلبه بأن يأتي بالإيمان ويترك الكفر. قالوا : وإنما خص القلب والسمع بذلك ؛ لأن الأدلة السمعية لا تستفاد إلا من جهة السمع، والأدلة العقلية لا تستفاد إلا من جانب القلب، ولهذا خصهما بالذكر. فإن قيل : فيتحملون الغشاوة في البصر أيضا على معنى العلامة ؟ قلنا لا، لأنا حملنا ما تقدم على السمة والعلامة، لأن حقيقة اللغة تقتضي ذلك، ولا مانع منه فوجب إثباته. أما الغشاوة فحقيقتها الغطاء المانع من الإبصار ومعلوم من حال الكفار خلاف ذلك فلابد من حمله على المجاز، وهو تشبيه حالهم بحال من لا ينتفع ببصره في باب الهداية. فهذا مجموع أقوال الناس في هذا الموضع. 
المسألة الثالثة : الألفاظ الواردة في القرآن القريبة من معنى الختم هي : الطبع، والكنان، والرين على القلب، والوقر في الآذان، والغشاوة في البصر ثم الآيات الواردة في ذلك مختلفة فالقسم الأول : وردت دلالة على حصول هذه الأشياء قال  كلا بل ران على قلوبهم   وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا   وطبع على قلوبهم   بل طبع الله عليها بكفرهم   فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون   لينذر من كان حيا   إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء   أموات غير أحياء   في قلوبهم مرض  والقسم الثاني : وردت دلالة على أنه لا مانع البتة  وما منع الناس أن يؤمنوا   فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر  { لا يكلف الله نفسا إ

### الآية 2:8

> ﻿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [2:8]

قوله تعالى  ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين . اعلم أن المفسرين أجمعوا على أن ذلك في وصف المنافقين قالوا : وصف الله الأصناف الثلاثة من المؤمنين والكافرين والمنافقين فبدأ بالمؤمنين المخلصين الذين صحت سرائرهم وسلمت ضمائرهم، ثم أتبعهم بالكافرين الذين من صفتهم الإقامة على الجحود والعناد، ثم وصف حال من يقول بلسانه إنه مؤمن وضميره يخالف ذلك، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : أعلم أن الكلام في حقيقة النفاق لا يتخلص إلا بتقسيم نذكره فنقول : أحوال القلب أربعة، وهي الاعتقاد المطابق المستفاد عن الدليل وهو العلم ؛ والاعتقاد المطابق المستفاد لا عن الدليل وهو اعتقاد المقلد، والاعتقاد الغير المطابق وهو الجهل، وخلو القلب عن كل ذلك. فهذه أقسام أربعة، وأما أحوال اللسان فثلاثة : الإقرار ؛ والإنكار، والسكوت. فيحصل من تركيباتها اثنا عشر قسما. النوع الأول : ما إذا حصل العرفان القلبي فههنا إما أن ينضم إليه الإقرار باللسان أو الإنكار باللسان أو السكوت. القسم الأول : ما إذا حصل العرفان بالقلب والإقرار باللسان فهذا الإقرار إن كان اختياريا فصاحبه مؤمن حقا بالإتفاق، وإن كان اضطراريا وهو ما إذا عرف بقلبه ولكنه يجد من نفسه أنه لولا الخوف لما أقر، بل أنكر، فهذا يجب أن يعد منافقا ؛ لأنه بقلبه منكر مكذب، فإذا كان باللسان مقرا مصدقا وجب أن يعد منافقا لأنه بقلبه منكر مكذب بوجوب الإقرار. القسم الثاني : أن يحصل العرفان القلبي والإنكار اللساني فهذا الإنكار إن كان اضطراريا كان صاحبه مسلما، لقوله تعالى  إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان  وإن كان اختياريا كان كافرا معاندا. القسم الثالث : أن يحصل العرفان القلبي ويكون اللسان خاليا عن الإقرار والإنكار، فهذا السكوت إما أن يكون اضطراريا أو اختياريا، فإن كان اضطراريا فذلك إذا خاف ذكره باللسان فهذا مسلم حقا أو كما إذا عرف الله بدليله ثم لما تمم النظر مات فجأة، فهذا مؤمن قطعا، لأنه أتى بكل ما كلف به ولم يجد زمان الإقرار والإنكار فكان معذورا فيه، وأما إن كان اختياريا فهو كمن عرف الله بدليله ثم إنه لم يأت بالإقرار، فهذا محل البحث، وميل الغزالي رحمه الله إلى أنه يكون مؤمنا لقوله عليه السلام :**«يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان »** وهذا الرجل قلبه مملوء من نور الإيمان فكيف لا يخرج من النار. النوع الثاني : أن يحصل في القلب الاعتقاد التقليدي، فإما أن يوجد معه الإقرار، أو الإنكار أو السكوت. القسم الأول : أن يوجد معه الإقرار، ثم ذلك الإقرار إن كان اختياريا فهذا هو المسألة المشهورة من أن المقلد هل هو مؤمن أم لا ؟ وإن كان اضطراريا فهذا يفرع على الصورة الأولى، فإن حكمنا في الصورة الأولى بالكفر، فهاهنا لا كلام، وإن حكمنا بالإيمان وجب أن يحكم ها هنا بالنفاق، لأن في هذه الصورة لو كان القلب عارفا لكان هذا الشخص منافقا، فبأن يكون منافقا عند التقليد كان أولى. القسم الثاني : الاعتقاد التقليدي مع الإنكار اللساني، ثم هذا الإنكار إن كان اختياريا فلا شك في الكفر، وإن كان اضطراريا وحكمنا بإيمان المقلد وجب أن نحكم بالإيمان في هذه الصورة. القسم الثالث : الاعتقاد التقليدي مع السكوت اضطراريا كان أو اختياريا، وحكمه حكم القسم الثالث من النوع الأول إذا حكمنا بإيمان المقلد. النوع الثالث : الإنكار القلبي فإما أن يوجد معه الإقرار اللساني، أو الإنكار اللساني، أو السكوت. القسم الأول : أن يوجد معه الإقرار اللساني، فذلك الإقرار إن كان اضطراريا فهو المنافق، وإن كان اختياريا فهو مثل أن يعتقد بناء على شبهة أن العالم قديم ثم بالاختيار أقر باللسان أن العالم محدث، وهذا غير مستبعد، لأنه إذا جاز أن يعرف بالقلب ثم ينكر باللسان وهو كفر الجحود والعناد، فلم لا يجوز أن يجهل بالقلب ثم يقر باللسان ؟ فهذا القسم أيضا من النفاق. القسم الثاني : أن يوجد الإنكار القلبي ويوجد الإنكار اللساني فهذا كافر وليس بمنافق، لأنه ما أظهر شيئا بخلاف باطنه. القسم الثالث : أن يوجد الإنكار القلبي مع السكوت اللساني فهذا كافر وليس بمنافق لأنه ما أظهر شيئا. النوع الرابع : القلب الخالي عن جميع الاعتقادات فهذا إما أن يوجد معه الإقرار أو الإنكار أو السكوت. القسم الأول : إذا وجد الإقرار فهذا الإقرار إما أن يكون اختياريا أو اضطراريا، فإن كان اختياريا، فإن كان صاحبه في مهلة النظر لم يلزمه الكفر، لكنه فعل ما لا يجوز حيث أخبر عما لا يدري أنه هل هو صادق فيه أم لا ؟ وإن كان لا في مهلة النظر ففيه نظر، أما إذا كان اضطراريا لم يكفر صاحبه، لأن توقفه إذا كان في مهلة النظر وكان يخاف على نفسه من ترك الإقرار لم يكن عمله قبيحا. القسم الثاني : القلب الخالي مع الإنكار باللسان وحكمه على العكس من حكم القسم العاشر. القسم الثالث : القلب الخالي مع اللسان الخالي، فهذا إن كان في مهلة النظر فذاك هو الواجب، وإن كان خارجا عن مهلة النظر وجب تكفيره ولا يحكم عليه بالنفاق البتة، فهذه هي الأقسام الممكنة في هذا الباب، وقد ظهر منه أن النفاق ما هو، وأنه الذي لا يطابق ظاهره باطنه سواء كان في باطنه ما يضاد ما في ظاهره أو كان باطنه خاليا عما يشعر به ظاهره، وإذ عرفت هذا ظهر أن قوله  ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر  المراد منه المنافقون والله أعلم. 
المسألة الثانية : اختلفوا في أن كفر الكافر الأصلي أقبح أم كفر المنافق ؟ قال قوم كفر الكافر الأصلي أقبح، لأنه جاهل بالقلب كاذب باللسان، والمنافق جاهل بالقلب صادق باللسان. وقال آخرون بل المنافق أيضا كاذب باللسان، فإنه يخبر عن كونه على ذلك الاعتقاد مع أنه ليس عليه، ولذلك قال تعالى  قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم  وقال  والله يشهد إن المنافقين لكاذبون  ثم إن المنافق اختص بمزيد أمور منكرة. أحدها : أنه قصد التلبيس والكافر الأصلي ما قصد ذلك. وثانيها : أن الكافر على طبع الرجال، والمنافق على طبع الخنوثة. وثالثها : أن الكافر ما رضي لنفسه بالكذب بل استنكف منه ولم يرض إلا بالصدق، والمنافق رضي بذلك. ورابعها : أن المنافق ضم إلى كفره الاستهزاء بخلاف الكافر الأصلي، ولأجل غلظ كفره قال تعالى  إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار . وخامسها : قال مجاهد : إنه تعالى ابتدأ بذكر المؤمنين في أربع آيات، ثم ثنى بذكر الكفار في آيتين ثم ثلث بذكر المنافقين في ثلاث عشرة آية، وذلك يدل على أن المنافق أعظم جرما. وهذا بعيد، لأن كثرة الاقتصاص بخبرهم لا توجب كون جرمهم أعظم، فإن عظم فلغير ذلك، وهو ضمهم إلى الكفر وجوها من المعاصي كالمخادعة والاستهزاء، وطلب الغوائل إلى غير ذلك، ويمكن أن يجاب عنه بأن كثرة الاقتصاص بخبرهم تدل على أن الاهتمام بدفع شرهم أشد من الاهتمام بدفع شر الكفار، وذلك يدل على أنهم أعظم جرما من الكفار. 
المسألة الثالثة : هذه الآية دالة على أمرين : الأول : أنها تدل على أن من لا يعرف الله تعالى وأقر به إنه لا يكون مؤمنا، لقوله  وما هم بمؤمنين  وقالت الكرامية : إنه يكون مؤمنا. الثاني : أنها تدل على بطلان قول من زعم أن كل المكلفين عارفون بالله، ومن لم يكن به عارفا لا يكون مكلفا أما الأول فلأن هؤلاء المنافقين لو كانوا عارفين بالله وقد أقروا به لكان يجب أن يكون إقرارهم بذلك إيمانا، لأن من عرف الله تعالى وأقر به لابد وأن يكون مؤمنا وأما الثاني فلأن غير العارف لو كان معذورا لما ذم الله هؤلاء على عدم العرفان، فبطل قول من قال من المتكلمين : إن من لا يعرف هذه الأشياء يكون معذورا. 
المسألة الرابعة : ذكروا في اشتقاق لفظ الإنسان وجوها : أحدها : يروى عن ابن عباس أنه قال : سمي إنسانا لأنه عهد إليه فنسي، وقال الشاعر. سميت إنسانا لأنك ناسي. 
**وقال أبو الفتح البستي :**

يا أكثر الناس إحسانا إلى الناس  وأكثر الناس إفضالا على الناسنسيت عهدك والنسيان مغتفر  فاغفر فأول ناس أول الناسوثانيها : سمي إنسانا لاستئناسه بمثله. وثالثها : قالوا : الإنسان إنما سمي إنسانا لظهورهم وأنهم يؤنسون أي يبصرون من قوله  آنس من جانب الطور نارا  كما سمي الجن لاجتنابهم. واعلم أنه لا يجب في كل لفظ أن يكون مشتقا من شيء آخر وإلا لزم التسلسل، وعلى هذا لا حاجة إلى جعل لفظ الإنسان مشتقا من شيء آخر. 
المسألة الخامسة : قال ابن عباس : أنها نزلت في منافقي أهل الكتاب، ومنهم عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير، وجد ابن قيس، كانوا إذا لقوا المؤمنين يظهرون الإيمان والتصديق ويقولون إنا لنجد في كتابنا نعته وصفته ولم يكونوا كذلك إذا خلا بعضهم إلى بعض. 
المسألة السادسة : لفظة **«من »** لفظة صالحة للتثنية، والجمع، والواحد. أما في الواحد فقوله تعالى  ومنهم من يستمع إليك  وفي الجمع كقوله  ومنهم من يستمعون إليك  والسبب فيه أنه موحد اللفظ مجموع المعنى، فعند التوحيد يرجع إلى اللفظ. وعند الجمع يرجع إلى المعنى، وحصل الأمران في هذه الآية ؛ لأن قوله تعالى  يقول  لفظ الواحد و آمنا  لفظ الجمع وبقي من مباحث الآية أسئلة. السؤال الأول : المنافقون كانوا مؤمنين بالله وباليوم الآخر ولكنهم كانوا منكرين لنبوته عليه السلام فلم كذبهم في ادعائهم الإيمان بالله واليوم الآخر ؟ والجواب : إن حملنا هذه الآية على منافقي المشركين فلا إشكال، لأن أكثرهم كانوا جاهلين بالله ومنكرين البعث والنشور وإن حملناها على منافقي أهل الكتاب -وهم اليهود- فإنما كذبهم الله تعالى لأن إيمان اليهود بالله ليس بإيمان، لأنهم يعتقدونه جسما، وقالوا عزير بن الله، وكذلك إيمانهم باليوم الآخر ليس بإيمان، فلما قالوا آمنا بالله كان خبثهم فيه مضاعفا لأنهم كانوا بقلوبهم يؤمنون به على ذلك الوجه الباطل، وباللسان يوهمون المسلمين بهذا الكلام إنا آمنا لله مثل إيمانكم، فلهذا كذبهم الله تعالى فيه. السؤال الثاني : كيف طابق قوله  وما هم بمؤمنين  قولهم  آمنا بالله  والأول في ذكر شأن الفعل لا الفاعل، والثاني في ذكر شأن الفاعل لا الفعل ؟ والجواب : أن من قال فلان ناظر في المسألة الفلانية، فلو قلت إنه لم يناظر في تلك المسألة كنت قد كذبته، أما لو قلت إنه ليس من الناظرين كنت قد بالغت في تكذيبه، يعني أنه ليس من هذا الجنس، فكيف يظن به ذلك ؟ فكذا ههنا لما قالوا آمنا بالله فلو قال الله ما آمنوا كان ذلك تكذيبا لهم أما لما قال  وما هم بمؤمنين  كان ذلك مبالغة في تكذيبهم، ونظيره قوله  يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها  هو أبلغ من قولك : وما يخرجون منها. السؤال الثالث : ما المراد باليوم الآخر ؟ الجواب : يجوز أن يراد به الوقت الذي لا حد له وهو الأبد الدائم، الذي لا ينقطع له أمد، ويجوز أن يراد به الوقت المحدود من النشور إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة. وأهل النار النار ؛ لأنه آخر الأوقات المحدودة، وما بعده فلا حد له.

### الآية 2:9

> ﻿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [2:9]

قوله تعالى  يخادعون الله والذين آمنوا وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون. في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون . 
اعلم أن الله تعالى ذكر من قبائح المنافقين أربعة أشياء أحدها : ما ذكره في هذه الآية، وهو أنهم  يخادعون الله والذين آمنوا  فيجب أن يعلم أولا ما المخادعة، ثم ثانيا ما المراد بمخادعة الله ؟ وثالثا أنهم لماذا كانوا يخادعون الله ؟ ورابعا أنه المراد بقوله وما يخدعون إلا أنفسهم ؟
المسألة الأولى : اعلم أنه لا شبهة في أن الخديعة مذمومة، والمذموم يجب أن يميز من غيره لكي لا يفعل، وأصل هذه اللفظة الإخفاء، وسميت الخزانة المخدع، والأخدعان عرقان في العنق لأنهما خفيان. وقالوا : خدع الضب خدعا إذا توارى في جحره فلم يظهر إلا قليلا، وطريق خيدع وخداع، إذا كان مخالفا للمقصد بحيث لا يفطن له، ومنه المخدع. وأما حدها فهو إظهار ما يوهم السلامة والسداد، وإبطان ما يقتضي الإضرار بالغير والتخلص منه، فهو بمنزلة النفاق في الكفر والرياء في الأفعال الحسنة، وكل ذلك بخلاف ما يقتضيه الدين ؛ لأن الدين يوجب الاستقامة والعدول عن الغرور والإساءة، كما يوجب المخالصة لله تعالى في العبادة، ومن هذا الجنس وصفهم المرائي بأنه مدلس إذا أظهر خلاف مراده، ومنه أخذ التدليس في الحديث، لأن الراوي يوهم السماع ممن لم يسمع ؛ وإذا أعلن ذلك لا يقال إنه مدلس. 
المسألة الثانية : وهي أنهم كيف خادعوا الله تعالى ؟ فلقائل أن يقول : إن مخادعة الله تعالى ممتنعة من وجهين : الأول : أنه تعالى يعلم الضمائر والسرائر فلا يجوز أن يخادع، لأن الذي فعلوه لو أظهروا أن الباطن بخلاف الظاهر لم يكن ذلك خداعا، فإذا كان الله تعالى لا يخفى عليه البواطن لم يصح أن يخادع. الثاني : أن المنافقين لم يعتقدوا أن الله بعث الرسول إليهم فلم يكن قصدهم في نفاقهم مخادعة الله تعالى، فثبت أنه لا يمكن إجراء هذا اللفظ على ظاهره بل لابد من التأويل وهو من وجهين : الأول : أنه تعالى ذكر نفسه وأراد به رسوله على عادته في تفخيم وتعظيم شأنه. قال  إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله  وقال في عكسه  واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه  أضاف السهم الذي يأخذه الرسول إلى نفسه فالمنافقون لما خادعوا الرسول قيل إنهم خادعوا الله تعالى. الثاني : أن يقال صورة حالهم مع الله حيث يظهرون الإيمان وهم كافرون صورة من يخادع، وصورة صنيع الله معهم حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده في عداد الكفرة صورة صنيع الله معهم حيث امتثلوا أمر الله فيهم فأجروا أحكامه عليهم. 
المسألة الثالثة : فهي في بيان الغرض من ذلك الخداع وفيه وجوه الأول : أنهم ظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين يجرونهم في التعظيم والإكرام مجرى سائر المؤمنين إذا أظهروا لهم الإيمان وإن أسروا خلافه فمقصودهم من الخداع هذا. الثاني : يجوز أن يكون مرادهم إفشاء النبي صلى الله عليه وسلم إليهم أسراره، وإفشاء المؤمنين أسرارهم فينقلوا إلى أعدائهم من الكفار. الثالث : أنهم دفعوا عن أنفسهم أحكام الكفار مثل القتل، لقوله عليه الصلاة والسلام :**«أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله »**. الرابع : أنهم كانوا يطمعون في أموال الغنائم، فإن قيل : فالله تعالى كان قادرا على أن يوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم كيفية مكرهم وخداعهم، فلم لم يفعل ذلك هتكا لسترهم ؟ قلنا : إنه تعالى قادر على استئصال إبليس وذريته ولكنه تعالى أبقاهم وقواهم، إما لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، أو لحكمة لا يطلع عليها إلا هو. فإن قيل هل للاقتصار بخادعت على واحد وجه صحيح ؟ قلنا قال صاحب الكشاف وجهه أن يقال : عنى به فعلت إلا أنه أخرج في زنة فاعلت، لأن الزنة في أصلها للمبالغة والفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده من غير مغالب، لزيادة قوة الداعي إليه، ويعضده قراءة في أبي حيوة ( يخدعون الله ) ثم قال ( يخادعون ) بيانا ليقول ويجوز أن يكون مستأنفا كأنه قيل ولم يدعون الإيمان كاذبين. وما نفعهم فيه ؟ فقيل  يخادعون . 
المسألة الرابعة : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمر ( وما يخادعون ) والباقون ( يخدعون ) وحجة الأولين : مطابقة اللفظ حتى يكون مطابقا للفظ الأول، وحجة الباقين أن المخادعة إنما تكون بين اثنين، فلا يكون الإنسان الواحد مخادعا لنفسه، ثم ذكروا في قوله  وما يخدعون إلا أنفسهم  وجهين : الأول : أنه تعالى يجازيهم على ذلك ويعاقبهم عليه فلا يكونون في الحقيقة خادعين إلا أنفسهم عن الحسن. والثاني : ما ذكره أكثر المفسرين، وهو أن وبال ذلك راجع إليهم في الدنيا، لأن الله تعالى كان يدفع ضرر خداعهم عن المؤمنين ويصرفه إليهم، وهو كقوله  إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم  وقوله  إنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم   أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء   ومكروا مكرا ومكرنا مكرا   إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا   إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله   إن الذين يؤذون الله ورسوله  وبقي في الآية بعد ذلك أبحاث. أحدها : قرئ ( وما يخادعون ) من أخدع و ( يخدعون ) بفتح الياء بمعنى يختدعون ( ويخدعون ) و ( يخادعون ) على لفظ ما لم يسم فاعله. وثانيها : النفس ذات الشيء وحقيقته، ولا تختص بالأجسام لقوله تعالى  تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك  والمراد بمخادعتهم ذواتهم أن الخداع لا يعدوهم إلى غيرهم. وثالثها : أن الشعور علم الشيء إذا حصل بالحس، ومشاعر الإنسان حواسه، والمعنى أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس، لكنهم لتماديهم في الغفلة كالذي لا يحس.

### الآية 2:10

> ﻿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [2:10]

أما قوله تعالى  في قلوبهم مرض  فاعلم أن المرض صفة توجب وقوع الضرر في الأفعال الصادرة عن موضع تلك الصفة، ولما كان الأثر الخاص بالقلب إنما هو معرفة الله تعالى وطاعته وعبوديته، فإذا وقع في القلب من الصفات ما صار مانعا من هذه الآثار كانت تلك الصفات أمراضا للقلب. فإن قيل : الزيادة من جنس المزيد عليه، فلو كان المراد من المرض ههنا الكفر والجهل لكان قوله  فزادهم الله مرضا  محمولا على الكفر والجهل، فيلزم أن يكون الله تعالى فاعلا للكفر والجهل. قالت المعتزلة : لا يجوز أن يكون مراد الله تعالى منه فعل الكفر والجهل لوجوه : أحدها : أن الكفار كانوا في غاية الحرص على الطعن في القرآن، فلو كان المعنى ذلك لقالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم : إذا فعل الله الكفر فينا، فكيف تأمرنا بالإيمان ؟ وثانيها : أنه تعالى لو كان فاعلا للكفر لجاز منه إظهار المعجزة على يد الكذاب، فكان لا يبقى كون القرآن حجة فكيف نتشاغل بمعانيه وتفسيره. وثالثها : أنه تعالى ذكر هذه الآيات في معرض الذم لهم على كفرهم فكيف يذمهم على شيء خلقه فيهم. ورابعها : قوله  ولهم عذاب أليم  فإن كان الله تعالى خلق ذلك فيهم كما خلق لونهم وطولهم، فأي ذنب لهم حتى يعذبهم ؟ وخامسها : أنه تعالى أضافه إليهم بقوله  بما كانوا يكذبون  وعلى هذا وصفهم تعالى بأنهم مفسدون في الأرض، وأنهم هم السفهاء، وأنهم إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم، إذا ثبت هذا فنقول : لابد من التأويل وهو من وجوه : الأول : يحمل المرض على الغم، لأنه يقال مرض قلبي من أمر كذا، والمعنى أن المنافقين مرضت قلوبهم لما رأوا إثبات أمر النبي صلى الله عليه وسلم واستعلاء شأنه يوما فيوما. وذلك كان يؤثر في زوال رياستهم، كما روي أنه عليه السلام مر بعبد الله بن أبي سلول على حمار، فقال له نح حمارك يا محمد فقد آذتني ريحه، فقال له بعض الأنصار اعذره يا رسول الله، فقد كنا عزمنا على أن نتوجه الرياسة قبل أن تقدم علينا : فهؤلاء لما اشتد عليهم الغم وصف الله تعالى ذلك فقال  فزادهم الله مرضا  أي زادهم الله غما على غمهم بما يزيد في إعلاء أمر النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيم شأنه. الثاني : أن مرضهم وكفرهم كان يزداد بسبب ازدياد التكاليف، فهو كقوله تعالى في سورة التوبة  فزادهم رجسا إلى رجسهم  والسورة لم تفعل ذلك، ولكنهم لما ازدادوا رجسا عند نزولها لما كفروا بها قيل ذلك، وكقوله تعالى حكاية عن نوح  إني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا  والدعاء لم يفعل شيئا من هذا، ولكنهم ازدادوا فرارا عنده، وقال  ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني  والنبي عليه السلام إن لم يأذن له لم يفتنه، ولكنه كان يفتتن عند خروجه فنسبت الفتنة إليه  وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا  وقال  فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا  وقولك لمن وعظته فلم يتعظ وتمادى في فساده : ما زادتك موعظتي إلا شرا، وما زادتك إلا فسادا فكذا هؤلاء المنافقون لما كانوا كافرين ثم دعاهم الله إلى شرائع دينه فكفروا بتلك الشرائع وازدادوا بسبب ذلك كفرا لا جرم أضيفت زيادة كفرهم إلى الله. الثالث : المراد من قوله  فزادهم الله مرضا  المنع من زيادة الألطاف، فيكون بسبب ذلك المنع خاذلا لهم وهو كقوله  قاتلهم الله أنى يؤفكون . الرابع : أن العرب تصف فتور الطرف بالمرض، فيقولون جارية مريضة الطرف. قال جرير :

إن العيون التي في طرفها مرض  قتلننا ثم لم يحيين قتلانافكذا المرض ههنا إنما هو الفتور في النية، وذلك لأنهم في أول الأمر كانت قلوبهم قوية على المحاربة والمنازعة وإظهار الخصومة، ثم انكسرت شوكتهم فأخذوا في النفاق بسبب ذلك الخوف والانكسار، فقال تعالى  فزادهم الله مرضا  أي زادهم ذلك الانكسار والجبن والضعف، ولقد حقق الله تعالى ذلك بقوله  وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين . الخامس : أن يحمل المرض على ألم القلب، وذلك أن الإنسان إذا صار مبتلى بالحسد والنفاق ومشاهدة المكروه فإذا دام به ذلك فربما صار ذلك سببا لغير مزاج القلب وتألمه، وحمل اللفظ على هذا الوجه حمل له على حقيقته، فكان أولى من سائر الوجوه. أما قوله  ولهم عذاب أليم  قال صاحب الكشاف : ألم فهو أليم، كوجع فهو وجيع، ووصف العذاب به فهو نحو قوله : تحية بينهم ضرب وجيع. وهذا على طريقة قولهم : جد جده، والألم في الحقيقة للمؤلم كما أن الجد للجاد، أما قوله  بما كانوا يكذبون  ففيه أبحاث. أحدها : أن الكذب هو الخبر عن شيء على خلاف ما هو به والجاحظ لا يسميه كذبا إلا إذا علم المخبر كون المخبر عنه مخالفا للخبر، وهكذا الآية حجة عليه. وثانيها : أن قوله  ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون  صريح في أن كذبهم علة للعذاب الأليم، وذلك يقتضي أن يكون كل كذب حراما فأما ما روى أن إبراهيم عليه السلام كذب ثلاث كذبات، فالمراد التعريض، ولكن لما كانت صورته صورة الكذب سمي به. وثالثها : في هذه الآية قراءتان. إحداهما :( يكذبون ) والمراد بكذبهم قوله ( بالله وباليوم الآخر ). والثانية :( يكذبون ) من كذبه الذي هو نقيض صدقه، ومن كذب الذي هو مبالغة في كذب، كما بولغ في صدق فقيل صدق.

### الآية 2:11

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ [2:11]

وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون . 
إعلم أن هذا هو النوع الثاني من قبائح أفعال المنافقين، والكلام فيه من وجوه. أحدها : أن يقال : من القائل  لا تفسدوا في الأرض  ؟ وثانيها : ما الفساد في الأرض ؟ وثالثها : من القائل : إنما نحن مصلحون  ؟ ورابعها : ما الصلاح ؟
أما المسألة الأولى : فمنهم من قال : ذلك القائل هو الله تعالى، ومنهم من قال : هو الرسول عليه السلام، ومنهم من قال بعض المؤمنين، وكل ذلك محتمل، ولا يجوز أن يكون القائل بذلك من لا يختص بالدين والنصيحة، وإن كان الأقرب هو أن القائل لهم ذلك من شافههم بذلك، فإما أن يكون الرسول عليه السلام بلغه عنهم النفاق ولم يقطع بذلك فنصحهم فأجابوا بما يحقق إيمانهم وأنهم في الصلاح بمنزلة سائر المؤمنين، وإما أن يقال : إن بعض من كانوا يلقون إليه الفساد كان لا يقبله منهم وكان ينقلب واعظا لهم قائلا لهم  لا تفسدوا  فإن قيل : أفما كانوا يخبرون الرسول عليه السلام بذلك ؟ قلنا : نعم، إلا أن المنافقين كانوا إذا عوتبوا عادوا إلى إظهار الإسلام والندم وكذبوا الناقلين عنهم وحلفوا بالله عليه كما أخبر تعالى عنهم في قوله  يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر  وقال  يحلفون لكم لترضوا عنهم . 
المسألة الثانية : الفساد خروج الشيء عن كونه منتفعا به، ونقيضه الصلاح فأما كونه فسادا في الأرض فإنه يفيد أمرا زائدا، وفيه ثلاثة أقوال. أحدها : قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي : أن المراد بالفساد في الأرض إظهار معصية الله تعالى، وتقريره ما ذكره القفال رحمه الله وهو أن إظهار معصية الله تعالى إنما كان إفسادا في الأرض، لأن الشرائع سنن موضوعة بين العباد، فإذا تمسك الخلق بها زال العدوان ولزم كل أحد شأنه، فحقنت الدماء وسكنت الفتن، وكان فيه صلاح الأرض وصلاح أهلها، أما إذا تركوا التمسك بالشرائع وأقدم كل أحد على ما يهواه لزم الهرج والمرج والاضطراب، ولذلك قال تعالى  فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض  نبههم على أنهم إذا أعرضوا عن الطاعة لم يحصلوا إلا على الإفساد في الأرض به، وثانيها : أن يقال ذلك الفساد هو مداراة المنافقين للكافرين ومخالطتهم معهم، لأنهم لما مالوا إلى الكفر مع أنهم في الظاهر مؤمنون أوهم ذلك ضعف الرسول صلى الله عليه وسلم، وضعف أنصاره، فكان ذلك يجرئ الكفرة على إظهار عداوة الرسول ونصب الحرب له وطمعهم في الغلبة، وفيه فساد عظيم في الأرض. وثالثها : قال الأصم : كانوا يدعون في السر إلى تكذيبه، وجحد الإسلام، وإلقاء الشبه. 
المسألة الثالثة : الذين قالوا  إنما نحن مصلحون  هم المنافقون، والأقرب في مرادهم أن يكون نقيضا لما نهوا عنه، فلما كان الذي نهوا عنه هو الإفساد في الأرض كان قولهم  إنما نحن مصلحون  كالمقابل له، وعند ذلك يظهر احتمالان. أحدهما : أنهم اعتقدوا في دينهم أنه هو الصواب، وكان سعيهم لأجل تقوية ذلك الدين، لا جرم قالوا إنما نحن مصلحون، لأنهم في اعتقادهم ما سعوا إلا لتطهير وجه الأرض عن الفساد. وثانيهما : أنا إذا فسرنا  لا تفسدوا  بمداراة المنافقين للكفار فقولهم  إنما نحن مصلحون  يعني به أن هذه المداراة سعي في الإصلاح بين المسلمين والكفار، ولذلك حكى الله تعالى عنهم أنهم قالوا  إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا  فقولهم  إنما نحن مصلحون  أي نحن نصلح أمور أنفسنا. 
واعلم أن العلماء استدلوا بهذه الآية على أن من أظهر الإيمان وجب إجراء حكم المؤمنين عليه، وتجويز خلافه لا يطعن فيه، وتوبة الزنديق مقبولة والله أعلم.

### الآية 2:12

> ﻿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِنْ لَا يَشْعُرُونَ [2:12]

وأما قوله  ألا إنهم هم المفسدون  فخارج على وجوه ثلاثة : أحدها : أنهم مفسدون لأن الكفر فساد في الأرض، إذ فيه كفران نعمة الله، وإقدام كل أحد على ما يهواه، لأنه إذا كان لا يعتقد وجود الإله ولا يرجو ثوابا ولا عقابا تهارج الناس، ومن هذا ثبت أن النفاق فساد ؛ ولهذا قال  فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض  على ما تقدم تقريره.

### الآية 2:13

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِنْ لَا يَعْلَمُونَ [2:13]

قوله تعالى  وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون . 
اعلم أن هذا هو النوع الثالث من قبائح أفعال المنافقين، وذلك لأنه سبحانه لما نهاهم في الآية المتقدمة عن الفساد في الأرض أمرهم في هذه الآية بالإيمان، لأن كمال حال الإنسان لا يحصل إلا بمجموع الأمرين. أولهما : ترك ما لا ينبغي وهو قوله  آمنوا  وههنا مسائل :
المسألة الأولى : قوله  وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس  أي إيمانا مقرونا بالإخلاص بعيدا عن النفاق، ولقائل أن يستدل بهذه الآية على أن مجرد الإقرار إيمان، فإنه لو لم يكن إيمانا لما تحقق مسمى الإيمان إلا إذا حصل فيه الإخلاص، فكان قوله  آمنوا  كافيا في تحصيل المطلوب، وكان ذكر قوله  كما آمن الناس  لغوا، والجواب : أن الإيمان الحقيقي عند الله هو الذي يقترن به الإخلاص، أما في الظاهر فلا سبيل إليه إلا بإقرار الظاهر فلا جرم افتقر فيه إلى تأكيده بقوله  كما آمن الناس . 
المسألة الثانية : اللام في  الناس  فيها وجهان : أحدهما : أنها للعهد أي كما آمن رسول الله ومن معه، وهم ناس معهودون، أو عبد الله بن سلام وأشياعه. لأنهم من أبناء جنسهم والثاني : أنها للجنس ثم هاهنا أيضا وجهان. أحدهما : أن الأوس والخزرج أكثرهم كانوا مسلمين، وهؤلاء المنافقون كانوا، منهم وكانوا قليلين، ولفظ العموم قد يطلق على الأكثر. والثاني : أن المؤمنين هم الناس في الحقيقة، لأنهم هم الذين أعطوا الإنسانية حقها لأن فضيلة الإنسان على سائر الحيوانات بالعقل المرشد والفكر الهادي. 
المسألة الثالثة : القائل  آمنوا كما آمن الناس  إما الرسول، أو المؤمنون، ثم كان بعضهم يقول لبعض : أنؤمن كما آمن سفيه بني فلان وسفيه بني فلان، والرسول لا يعرف ذلك فقال تعالى  ألا إنهم هم السفهاء . 
المسألة الرابعة : السفه الخفة يقال : سفهت الريح الشيء إذا حركته، قال ذو الرمة :

جرين كما اهتزت رياح تسفهت  أعاليها مر الرياح الرواسم**وقال أبو تمام الطائي :**سفيه الرمح جاهله إذا ما  بدا فضل السفيه على الحليمأراد به سريع الطعن بالرمح خفيفه، وإنما قيل لبذيء اللسان سفيه ؛ لأنه خفيف لا رزانة له وقال تعالى  ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما  وقال عليه السلام :**«شارب الخمر سفيه »** لقلة عقله وإنما سمى المنافقون المسلمين بالسفهاء ؛ لأن المنافقين كانوا من أهل الخطر والرياسة، وأكثر المؤمنين كانوا فقراء، وكان عند المنافقين أن دين محمد صلى الله عليه وسلم باطل، والباطل لا يقبله إلا السفيه ؛ فلهذه الأسباب نسبوهم إلى السفاهة ثم إن الله تعالى قلب عليهم هذا اللقب -وقوله الحق- لوجوه. أحدها : أن من أعرض عن الدليل ثم نسب المتمسك به إلى السفاهة فهو السفيه. وثانيها : أن من باع آخرته بدنياه فهو السفيه. وثالثها : أن من عادى محمدا عليه الصلاة والسلام فقد عادى الله، وذلك هو السفيه. 
المسألة الخامسة : إنما قال في آخر هذه الآية  لا يعلمون  وفيما قبلها  لا يشعرون  لوجهين : الأول : أن الوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل أمر عقلي نظري، وأما أن النفاق وما فيه من البغي يفضي إلى الفساد في الأرض فضروري جار مجرى المحسوس. الثاني : أنه ذكر السفه وهو جهل، فكان ذكر العلم أحسن طباقا له والله أعلم.

### الآية 2:14

> ﻿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [2:14]

قوله تعالى  وإذا لقوا الذين آمنوا قاوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون  هذا هو النوع الرابع من أفعالهم القبيحة، يقال : لقيته ولاقيته إذا استقبلته قريبا منه، وقرأ أبو حنيفة ( وإذا لاقوا ) أما قوله  قالوا آمنا  فالمراد أخلصنا بالقلب، والدليل عليه وجهان. الأول : أن الإقرار باللسان كان معلوما منهم فما كانوا يحتاجون إلى بيانه، إنما المشكوك فيه هو الإخلاص بالقلب، فيجب أن يكون مرادهم من هذا الكلام ذلك. الثاني : أن قولهم للمؤمنين **«آمنا »** يجب أن يحمل على نقيض ما كانوا يظهرونه لشياطينهم، وإذا كانوا يظهرون لهم التكذيب بالقلب فيجب أن يكون مرادهم فيما ذكروه للمؤمنين التصديق بالقلب، أما قوله  وإذا خلوا إلى شياطينهم  فقال صاحب الكشاف : يقال خلوت بفلان وإليه، وإذا انفردت معه ويجوز أن يكون من **«خلا »** بمعنى مضى، ومنه القرون الخالية، ومن **«خلوت به »** إذا سخرت منه، من قولك :**«خلا فلان بعرض فلان »** أي يعبث به، ومعناه أنهم أنهوا السخرية بالمؤمنين إلى شياطينهم وحدثوهم بها كما تقول : أحمد إليك فلانا وأذمه إليك. وأما شياطينهم فهم الذين ماثلوا الشياطين في تمردهم، أما قوله  إنا معكم  ففيه سؤالان. السؤال الأول : هذا القائل أهم كل المنافقين أو بعضهم الجواب : في هذا خلاف، لأن من يحمل الشياطين على كبار المنافقين يحمل هذا القول على أنه من صغارهم وكانوا يقولون للمؤمنين آمنا وإذا عادوا إلى أكابرهم قالوا إنا معكم ؛ لئلا يتوهموا فيهم المباينة، ومن يقول في الشياطين : المراد بهم الكفار لم يمنع إضافة هذا القول إلى كل المنافقين، ولا شبهة في أن المراد بشياطينهم أكابرهم، وهم إما الكفار وإما أكابر المنافقين، لأنهم هم الذين يقدرون على الإفساد في الأرض، وأما أصاغرهم فلا. السؤال الثاني : لم كانت مخاطبتهم المؤمنين بالجملة الفعلية، وشياطينهم بالجملة الإسمية محققة **«بأن »** الجواب : ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديرا بأقوى الكلامين، لأنهم كانوا في ادعاء حدوث الإيمان منهم لا في ادعاء أنهم في الدرجة الكاملة منه، إما لأن أنفسهم لا تساعدهم على المبالغة لأن القول الصادر عن النفاق والكراهة قلما يحصل معه المبالغة ؛ وإما لعلمهم بأن ادعاء الكمال في الإيمان لا يروج على المسلمين، وأما كلامهم مع إخوانهم فهم كانوا يقولونه عن الاعتقاد وعلموا أن المستمعين يقبلون ذلك منهم، فلا جرم كان التأكيد لائقا به. أما قوله  إنما نحن مستهزئون  ففيه سؤالان -السؤال الأول : ما الاستهزاء ؟ الجواب : أصل الباب الخفة من الهزء وهو العدو السريع، وهزأ يهزأ مات على مكانه، وناقته تهزأ به أي تسرع، وحده أنه عبارة عن إظهار موافقة مع إبطان ما يجري مجرى السوء على طريق السخرية، فعلى هذا قولهم  إنما نحن مستهزئون  يعني نظهر لهم الموافقة على دينهم لنأمن شرهم ونقف على أسرارهم، ونأخذ من صدقاتهم وغنائمهم. السؤال الثاني : كيف تعلق قوله  إنما نحن مستهزئون  بقوله  إنا معكم  الجواب : هو توكيد له ؛ لأن قوله  إنا معكم  معناه الثبات على الكفر وقوله  إنما نحن مستهزئون  رد للإسلام، ورد نقيض الشيء تأكيد لثباته، أو بدل منه، لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر، أو استئناف، كأنهم اعترضوا عليه حين قالوا : إنا معكم، فقالوا إن صح ذلك فكيف توافقون أهل الإسلام ؟ فقالوا : إنما نحن مستهزئون.

### الآية 2:15

> ﻿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [2:15]

الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون . واعلم أنه سبحانه وتعالى لما حكى عنهم ذلك أجابهم بأشياء. أحدها : قوله  الله يستهزئ بهم  وفيه أسئلة. الأول : كيف يجوز وصف الله تعالى بأنه يستهزئ وقد ثبت أن الاستهزاء لا ينفك عن التلبيس، وهو على الله محال، ولأنه لا ينفك عن الجهل، لقوله  قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين  والجهل على الله محال والجواب : ذكروا في التأويل خمسة أوجه. أحدها : أن ما يفعله الله بهم جزاء على استهزائهم سماه بالاستهزاء، لأن جزء الشيء يسمى باسم ذلك الشيء قال تعالى  وجزاء سيئة سيئة مثلها   فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم   يخادعون الله وهو خادعهم   ومكروا ومكر الله  وقال عليه السلام :**«اللهم إن فلانا هجاني وهو يعلم أني لست بشاعر فاهجه، اللهم والعنه عدد ما هجاني »** أي اجزه جزاء هجائه، وقال عليه السلام :**«تكلفوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا »**. وثانيها : أن ضرر استهزائهم بالمؤمنين راجع عليهم وغير ضار بالمؤمنين، فيصير كأن الله استهزأ بهم. وثالثها : أن من آثار الاستهزاء حصول الهوان والحقارة فذكر الاستهزاء، والمراد حصول الهوان لهم تعبيرا بالسبب عن المسبب. ورابعها : إن استهزاء الله بهم أن يظهر لهم من أحكامه في الدنيا ما لهم عند الله خلافها في الآخرة، كما أنهم أظهروا للنبي والمؤمنين أمرا مع أن الحاصل منهم في السر خلافه، وهذا التأويل ضعيف، لأنه تعالى لما أظهر لهم أحكام الدنيا فقد أظهر الأدلة الواضحة بما يعاملون به في الدار الآخرة من سوء المنقلب والعقاب العظيم، فليس في ذلك مخالفة لما أظهره في الدنيا. وخامسها : أن الله تعالى يعاملهم معاملة المستهزئ في الدنيا وفي الآخرة، أما في الدنيا فلأنه تعالى أطلع الرسول على أسرارهم مع أنهم كانوا يبالغون في إخفائها عنه، وأما في الآخرة فقال ابن عباس : إذا دخل المؤمنون الجنة، والكافرون النار فتح الله من الجنة بابا على الجحيم في الموضع الذي هو مسكن المنافقين، فإذا رأى المنافقون الباب مفتوحا أخذوا يخرجون من الجحيم ويتوجهون إلى الجنة، وأهل الجنة ينظرون إليهم، فإذا وصلوا إلى باب الجنة فهناك يغلق دونهم الباب، فذاك قوله تعالى  إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون  إلى قوله  فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون  فهذا هو الاستهزاء بهم. السؤال الثاني : كيف ابتدأ قوله  الله يستهزئ بهم  ولم يعطف على الكلام الذي قبله ؟ الجواب : هو استئناف في غاية الجزالة والفخامة. وفيه أن الله تعالى هو الذي يستهزئ بهم استهزاء العظيم الذي يصير استهزائهم في مقابلته كالعدم، وفيه أيضا أن الله هو الذي يتولى الاستهزاء بهم انتقاما للمؤمنين، ولا يحوج المؤمنين إلى أن يعارضوهم باستهزاء مثله. 
السؤال الثالث : هل قيل : إن الله مستهزئ بهم ليكون مطابقا لقوله  إنما نحن مستهزئون  الجواب. لأن **«يستهزئ »** يفيد حدوث الاستهزاء وتجدده وقتا بعد وقت، وهذا كانت نكايات الله فيهم  أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين  وأيضا فما كانوا يخلون في أكثر أوقاتهم من تهتك أستار وتكشف أسرار واستشعار حذر من أن تنزل عليهم آية  يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم في قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون  الجواب الثاني : قوله تعالى  ويمدهم في طغيانهم يعمهون  قال صاحب الكشاف إنه من مد الجيش وأمده إذا زاده وألحق به ما يقويه ويكثره، وكذلك مد الدواة وأمدها زادها ما يصلحها ؛ ومددت السراج والأرض إذا أصلحتهما بالزيت والسماد، ومده الشيطان في الغي، وأمده إذا واصله بالوسواس، ومد وأمد بمعنى واحد. وقال بعضهم : مد يستعمل في الشر، وأمد في الخير قال تعالى  أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين  ومن الناس من زعم أنه من المد في العمر والإملاء والإمهال وهذا خطأ لوجهين. الأول : أن قراءة ابن كثير، وابن محيصن ( ونمدهم ) وقراءة نافع ( وإخوانهم يمدونهم في الغي ) يدل على أنه من المدد دون المد. الثاني : أن الذي بمعنى أمهله إنما هو مد له، كأملى له. قالت المعتزلة : هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها لوجوه. أحدها : قوله تعالى  وإخوانهم يمدونهم في الغي  أضاف ذلك الغي إلى إخوانهم، فكيف يكون مضافا إلى الله تعالى. 
وثانيها : أن الله تعالى ذمهم على هذا الطغيان فلو كان فعلا لله تعالى فكيف يذمهم عليه. 
وثالثها : لو كان فعلا لله تعالى لبطلت النبوة وبطل القرآن فكان الاشتغال بتفسيره عبثا. 
ورابعها : أنه تعالى أضاف الطغيان إليهم بقوله :( في طغيانهم ) ولو كان ذلك من الله لما أضافه إليهم، فظهر أنه تعالى إنما أضافه إليهم ليعرف أنه تعالى غير خالق لذلك، ومصداقه أنه حين أسند المد إلى الشياطين أطلق الغي ولم يقيده بالإضافة في قوله  وإخوانهم يمدونهم في الغي  إذا ثبت هذا فنقول : التأويل من وجوه. أحدها : وهو تأويل الكعبي وأبي مسلم بن يحيى الأصفهاني أن الله تعالى لما منحهم ألطافه التي يمنحها المؤمنين وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم عليه بقيت قلوبهم مظلمة بتزايد الظلمة فيها وتزايد النور في قلوب المسلمين فسمي ذلك التزايد مددا وأسنده إلى الله تعالى لأنه مسبب عن فعله بهم. وثانيها : أن يحمل على منع القسر والإلجاء كما قيل : إن السفيه إذا لم ينه فهو مأمور. وثالثها : أن يسند فعل الشيطان إلى الله تعالى لأنه بتمكينه وإقداره والتخلية بينه وبين إغواء عباده. ورابعا : ما قاله الجبائي فإنه قال ويمدهم أي يمد عمرهم ثم إنهم مع ذلك في طغيانهم يعمهون وهذا ضعيف من وجهين. الأول : لما تبينا أنه لا يجوز في اللغة تفسير ويمدهم بالمد في العمر. الثاني : هب أنه يصح ذلك ولكنه يفيد أنه تعالى يمد عمرهم لغرض أن يكونوا في طغيانهم يعمهون وذلك يفيد الإشكال أجاب القاضي عن ذلك بأنه ليس المراد أنه تعالى يمد عمرهم لغرض أن يكونوا في الطغيان، بل المراد، أنه تعالى يبقيهم ويلطف بهم في الطاعة فيأبون إلا أن يعمهوا. واعلم أن الكلام في هذا الباب تقدم في قوله  ختم الله على قلوبهم  فلا فائدة في الإعادة. واعلم أن الطغيان هو الغلو في الكفر ومجاوزة الحد في العتو، قال تعالى  إنا لما طغى الماء  أي جاوز قدره، وقال  اذهب إلى فرعون إنه طغى  أي أسرف وتجاوز الحد. وقرأ زيد بن علي في طغيانهم بالكسر وهما لغتان كلقيان ولقيان، والعمه مثل العمى إلا أن العمى عام في البصر والرأي والعمه في الرأي خاصة، وهو التردد والتحير لا يدري أين يتوجه.

### الآية 2:16

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [2:16]

قوله تعالى  أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين . واعلم أن اشتراء الضلالة بالهدى اختيارها عليه واستبدالها به، فإن قيل كيف اشتروا الضلالة بالهدى وما كانوا على هدى قلنا جعلوا لتمكنهم منه كأنه في أيديهم فإذا تركوه ومالوا إلى الضلالة فقد استبدلوها به، والضلالة الجور والخروج عن القصد وفقد الاهتداء، فاستعير للذهاب عن الصواب في الدين، أما قوله  فما ربحت تجارتهم  فالمعنى أنهم ما ربحوا في تجارتهم، وفيه سؤالان السؤال الأول : كيف أسند الخسران إلى التجارة وهو لأصحابها ؟ الجواب : هو من الإسناد المجازي وهو أن يسند الفعل إلى شيء يتلبس بالذي هو في الحقيقة له كما تلبست التجارة بالمشتري. السؤال الثاني : هب أن شراء الضلالة بالهدى وقع مجازا في معنى الاستبدال فما معنى ذكر الربح والتجارة وما كان ثم مبايعة على الحقيقة والجواب : هذا مما يقوي أمر المجاز ويحسنه كما قال الشاعر :

ولما رأيت النسر عز ابن دأية  وعشش في وكريه جاش له صدريلما شبه الشيب بالنسر، والشعر الفاحم بالغراب أتبعه بذكر التعشيش والوكر فكذا ههنا لما ذكر سبحانه الشراء أتبعه ما يشاكله ويواخيه، تمثيلا لخسارتهم وتصويرا لحقيقته. أما قوله  وما كانوا مهتدين  فالمعنى أن الذي تطلبه التجار في متصرفاتهم أمران : سلامة رأس المال والربح، وهؤلاء قد أضاعوا الأمرين لأن رأس مالهم هو العقل الخالي عن المانع، فلما اعتقدوا هذه الضلالات صارت تلك العقائد الفاسدة الكسيبة مانعة من الاشتغال بطلب العقائد الحقة. وقال قتادة : انتقلوا من الهدى إلى الضلالة، ومن الطاعة إلى المعصية، ومن الجماعة إلى التفرقة ومن الأمن إلى الخوف، ومن السنة إلى البدعة، والله أعلم.

### الآية 2:17

> ﻿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ [2:17]

قوله تعالى  مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون . 
اعلم أنا قبل الخوض في تفسير ألفاظ هذه الآية نتكلم في شيئين. أحدها : أن المقصود من ضرب الأمثال أنها تؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في نفسه، وذلك لأن الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي، والغائب بالشاهد، فيتأكد الوقوف على ماهيته، ويصير الحس مطابقا للعقل وذلك في نهاية الإيضاح، ألا ترى أن الترغيب إذا وقع في الإيمان مجردا عن ضرب مثل له لم يتأكد وقوعه في القلب كما يتأكد وقوعه إذا مثل بالنور، وإذا زهد في الكفر بمجرد الذكر لم يتأكد قبحه في العقول كما يتأكد إذا مثل بالظلمة، وإذا أخبر بضعف أمر من الأمور وضرب مثله بنسج العنكبوت كان ذلك أبلغ في تقرير صورته من الأخبار بضعفه مجردا، ولهذا أكثر الله تعالى في كتابه المبين وفي سائر كتبه أمثاله، قال تعالى  وتلك الأمثال نضربها للناس  ومن سور الإنجيل سورة الأمثال، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : المثل في أصل كلامهم بمعنى المثل وهو النظير، ويقال مثل ومثل ومثيل كشبه وشبه وشبيه، ثم قيل للقول الثائر الممثل مضر به بمورده : مثل، وشرطه أن يكون قولا فيه غرابة من بعض الوجوه. 
المسألة الثانية : أنه تعالى لما بين حقيقة صفات المنافقين عقبها بضرب مثلين زيادة في الكشف والبيان. أحدهما : هذا المثل وفيه إشكالات. أحدها : أن يقال : ما وجه التمثيل بمن أعطي نورا ثم سلب ذلك النور منه مع أن المنافق ليس له نور. وثانيها : أن يقال : إن من استوقد نارا فأضاءت قليلا فقد انتفع بها وبنورها ثم حرم، فأما المنافقون فلا انتفاع لهم البتة بالإيمان فما وجه التمثيل ؟ وثالثها : أن مستوقد النار قد اكتسب لنفسه النور، والله تعالى ذهب بنوره وتركه في الظلمات، والمنافق لم يكتسب خيرا وما حصل له من الخيبة والحيرة فقد أتى فيه من قبل نفسه، فما وجه التشبيه ؟ والجواب : أن العلماء ذكروا في كيفية التشبيه وجوها. أحدها : قال السدي : إن ناسا دخلوا في الإسلام عند وصوله عليه السلام إلى المدينة ثم إنهم نافقوا، والتشبيه ههنا في نهاية الصحة لأنهم بإيمانهم أولا اكتسبوا نورا ثم بنفاقهم ثانيا أبطلوا ذلك النور ووقعوا في حيرة عظيمة فإنه لا حيرة أعظم من حيرة الدين لأن المتحير في طريقه لأجل الظلمة لا يخسر إلا القليل من الدنيا، وأما المتحير في الدين فإنه يخسر نفسه في الآخرة أبد الآبدين. وثانيها : إن لم يصح ما قاله السدي بل كانوا منافقين أبدا من أول أمرهم فههنا تأويل آخر ذكره الحسن رحمه الله، وهو أنهم لما أظهروا الإسلام فقد ظفروا بحقن دمائهم وسلامة أموالهم عن الغنيمة وأولادهم عن السبي وظفروا بغنائم الجهاد وسائر أحكام المسلمين، وعد ذلك نورا من أنوار الإيمان، ولما كان ذلك بالإضافة إلى العذاب الدائم قليلا قدرت شبههم بمستوقد النار الذي انتفع بضوئها قليلا ثم سلب ذلك فدامت حيرته وحسرته للظلمة التي جاءته في أعقاب النور، فكان يسير انتفاعهم في الدنيا يشبه النور وعظيم ضررهم في الآخرة يشبه الظلمة. وثالثها : أن نقول ليس وجه التشبيه أن للمنافق نورا، بل وجه التشبيه بهذا المستوقد أنه لما زال النور عنه تحير، والتحير فيمن كان في نور ثم زال عنه أشد من تحير سالك الطريق في ظلمة مستمرة، لكنه تعالى ذكر النور في مستوقد النار لكي يصح أن يوصف بهذه الظلمة الشديدة، لا أن وجه التشبيه مجمع النور والظلمة. ورابعها : أن الذي أظهروه يوهم أنه من باب النور الذي ينتفع به، وذهاب النور هو ما يظهره لأصحابه من الكفر والنفاق، ومن قال بهذا قال إن المثل إنما عطف على قوله  وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم  فالنار مثل لقولهم **«آمنا »** وذهابه مثل لقولهم للكفار **«إنا معكم »** فإن قيل وكيف صار ما يظهره المنافق من كلمة الإيمان مثلا بالنور وهو حين تكلم بها أضمر خلافها ؟ قلنا إنه لو ضم إلى القول اعتقادا له وعملا به لأتم النور لنفسه، ولكنه لما لم يفعل لم يتم نوره، وإنما سمي مجرد ذلك القول نورا لأنه قول حق في نفسه. وخامسها : يجوز أن يكون استيقاد النار عبارة عن إظهار المنافق كلمة الإيمان وإنما سماه نورا لأنه يتزين به ظاهره فيهم ويصير ممدوحا بسببه فيما بينهم، ثم إن الله تعالى يذهب ذلك النور بهتك ستر المنافق بتعريف نبيه والمؤمنين حقيقة أمره فيظهر له اسم النفاق بدل ما يظهر منه من اسم الإيمان فبقي في ظلمات لا يبصر، إذ النور الذي كان له قبل قد كشف الله أمره فزال. وسادسها : أنهم لما وصفوا بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى عقب ذلك بهذا التمثيل ليمثل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول المستوقد، والضلالة التي اشتروها وطبع بها على قلوبهم بذهاب الله بنورهم وتركه إياهم في الظلمات. وسابعها : يجوز أن يكون المستوقد ههنا مستوقد نار لا يرضاها الله تعالى، والغرض تشبيه الفتنة التي حاول المنافقون إثارتها بهذه النار، فإن الفتنة التي كانوا يثيرونها كانت قليلة البقاء، ألا ترى إلى قوله تعالى  كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله  وثامنها : قال سعيد بن جبير : نزلت في اليهود وانتظارهم لخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم واستفتاحهم به على مشركي العرب، فلما خرج كفروا به فكان انتظارهم لمحمد صلى الله عليه وسلم كإيقاد النار، وكفرهم به بعد ظهوره كزوال ذلك النور. 
المسألة الثالثة : فأما تشبيه الإيمان بالنور والكفر بالظلمة فهو في كتاب الله تعالى كثير، والوجه فيه أن النور قد بلغ النهاية في كونه هاديا إلى المحجة وإلى طريق المنفعة وإزالة الحيرة وهذا حال الإيمان في باب الدين، فشبه ما هو النهاية في إزالة الحيرة ووجدان المنفعة في باب الدين بما هو الغاية في باب الدنيا، وكذلك القول في تشبيه الكفر بالظلمة، لأن الضال عن الطريق المحتاج إلى سلوكه لا يرد عليه من أسباب الحرمان والتحير أعظم من الظلمة، ولا شيء كذلك في باب الدين أعظم من الكفر، فشبه تعالى أحدهما بالآخر، فهذا هو الكلام فيما هو المقصود الكلي من هذه الآية، بقيت ههنا أسئلة وأجوبة تتعلق بالتعلق بالتفاصيل : السؤال الأول : قوله تعالى  مثلهم كمثل الذي استوقد نارا  يقتضي تشبيه مثلهم بمثل المستوقد، فما مثل المنافقين ومثل المستوقد حتى شبه أحدهما بالآخر ؟ والجواب : استعير المثل للقصة أو للصفة إذا كان لها شأن وفيها غرابة، كأنه قيل قصتهم العجيبة كقصة الذي استوقد نارا، وكذا قوله  مثل الجنة التي وعد المتقون  أي فيما قصصنا عليك من العجائب قصة الجنة العجيبة  ولله المثل الأعلى  أي الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة  ومثلهم في التوراة  أي وصفهم وشأنهم المتعجب منه ولما في المثل من معنى الغرابة قالوا : فلان مثله في الخير والشر، فاشتقوا منه صفة للعجيب الشأن. السؤال الثاني : كيف مثلت الجماعة بالواحد ؟ والجواب من وجوه. أحدها : أنه يجوز في اللغة وضع ****«الذي »**** موضع **«الذين »** كقوله  وخضتم كالذي خاضوا  وإنما جاز ذلك لأن ****«الذي »**** لكونه وصلة إلى وصف كل معرفة مجملة وكثرة وقوعه في كلامهم، ولكونه مستطالا بصلته فهو حقيق بالتخفيف، ولذلك أعلوه بالحذف فحذفوا ياءه ثم كسرته ثم اقتصروا فيه على اللام وحدها في أسماء الفاعلين والمفعولين. وثانيها : أن يكون المراد جنس المستوقدين أو أريد الجمع أو الفوج الذي استوقد نارا. وثالثها : وهو الأقوى : أن المنافقين وذواتهم لم يشبهوا بذات المستوقد حتى يلزم منه تشبيه الجماعة بالواحد وإنما شبهت قصتهم بقصة المستوقد. ومثله قوله تعالى  مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار  وقوله  ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت  ورابعها : المعنى ومثل كل واحد منهم كقوله  يخرجكم طفلا  أي يخرج كل واحد منكم. السؤال الثالث : ما الوقود ؟ وما النار ؟ وما الإضاءة ؟ وما النور ؟ ما الظلمة ؟ الجواب : أما وقود النار فهو سطوعها وارتفاع لهبها، وأما النار فهو جوهر لطيف مضيء، حار محرق، واشتقاقها من **«نارينور »** إذا نفر ؛ لأن فيها حركة واضطرابا، والنور مشتق منها وهو ضوءها، والمنار العلامة، والمنارة هي الشيء الذي يؤذن عليه. ويقال أيضا للشيء الذي يوضع السراج عليه، ومنه النورة لأنها تطهر البدن والإضاءة فرط الإنارة، ومصداق ذلك قوله تعالى  هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا  و**«أضاء »** يرد لازما ومتعديا. تقول : أضاء القمر الظلمة، وأضاء القمر بمعنى استضاء قال الشاعر :

أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم  دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبهوأما ما حول الشيء فهو الذي يتصل به، تقول دار حوله وحواليه، والحول السنة لأنها تحول، وحال عن العهد أي تغير، وحال لونه أي تغير لونه، والحوالة انقلاب الحق من شخص إلى شخص، والمحاولة طلب الفعل بعد أن لم يكن طالبا له، والحول انقلاب العين، والحول الانقلاب، قال الله تعالى  لا يبغون عنها حولا  والظلمة عدم النور عما من شأنه أن يستنير، والظلمة في أصل اللغة عبارة عن النقصان قال الله تعالى  آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا  أي لم تنقص وفي المثل : من أشبه أباه فما ظلم، أي فما نقص حق الشبه، والظلم الثلج لأنه ينتقص سريعا والظلم ماء السن وطراوته وبياضه تشبيها له بالثلج. السؤال الرابع : أضاءت متعدية أم لا ؟ الجواب : كلاهما جائز، يقال : أضاءت النار بنفسها وأضاءت غيرها وكذلك أظلم الشيء بنفسه وأظلم غيره أي صيره مظلما، وههنا الأقرب أنها متعدية، ويحتمل أن تكون غير متعدية مستندة إلى ما حوله والتأنيث للحمل على المعنى لأن ما حول المستوقد أماكن وأشياء، ويعضده قراءة ابن أبي عبلة **«ضاء »**. السؤال الخامس : هلا قيل ذهب الله بضوئهم لقوله  فلما أضاءت  الجواب : ذكر النور أبلغ لأن الضوء فيه دلالة على الزيادة، فلو قيل ذهب الله بضوئهم لأوهم ذهاب الكمال وبقاء ما يسمى نورا والغرض إزالة النور عنهم بالكلية. ألا ترى كيف ذكر عقيبه  وتركهم في ظلمات لا يبصرون  والظلمة عبارة عن عدم النور، وكيف جمعها، وكيف نكرها وكيف أتبعها ما يدل على أنها ظلمة خالصة وهو قوله  لا يبصرون . السؤال السادس : لم قال  ذهب الله بنورهم  ولم يقل أذهب الله نورهم والجواب : الفرق بين أذهب وذهب به أن معنى أذهبه أزاله وجعله ذاهبا، ويقال ذهب به إذا استصحبه، ومعنى به معه، وذهب السلطان بماله أخذه قال تعالى  فلما ذهبوا به   إذا لذهب كل إله بما خلق  والمعنى أخذ الله نورهم وأمسكه  وما يمسك فلا مرسل له  هو أبلغ من الإذهاب وقرأ اليماني ( أذهب الله نورهم ). السؤال السابع : ما معنى ( وتركهم ) ؟ والجواب : ترك إذا علق بواحد فهو بمعنى طرح وإذا علق بشيئين كان بمعنى صير، فيجري مجرى أفعال القلوب ومنه قوله  وتركهم في ظلمات  أصله هم في ظلمات ثم دخل ترك فنصبت الجزأين. السؤال الثامن : لم حذف أحد المفعولين من لا يبصرون ؟ الجواب : أنه من قبيل المتروك الذي لا يلتفت إلى إخطاره بالبال، لا من قبيل المقدر المنوي، كأن الفعل غير متعد أصلا.

### الآية 2:18

> ﻿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ [2:18]

قوله تعالى  صم بكم عمي فهم لا يرجعون . اعلم أنه لما كان المعلوم من حالهم أنهم كانوا يسمعون وينطقون ويبصرون امتنع حمل ذلك على الحقيقة فلم يبق إلا تشبيه حالهم لشدة تمسكهم بالعناد وإعراضهم عما يطرق سمعهم من القرآن وما يظهره الرسول من الأدلة والآيات بمن هو أصم في الحقيقة فلا يسمع، وإذا لم يسمع لم يتمكن من الجواب، فلذلك جعله بمنزلة الأبكم، وإذا لم ينتفع بالأدلة ولم يبصر طريق الرشد فهو بمنزلة الأعمى، أما قوله  فهم لا يرجعون  ففيه وجوه. أحدها : أنهم لا يرجعون عما تقدم ذكره وهو التمسك بالنفاق الذي لأجل تمسكهم به وصفهم الله تعالى بهذه الصفات فصار ذلك دلالة على أنهم يستمرون على نفاقهم أبدا. وثانيها : أنهم لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، وعن الضلالة بعد أن اشتروها. وثالثها : أراد أنهم بمنزلة المتحيرين الذين بقوا خامدين في مكانهم لا يبرحون، ولا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون وكيف يرجعون إلى حيث ابتدأوا منه.

### الآية 2:19

> ﻿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ۚ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ [2:19]

قوله تعالى  أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين والله محيط بالكافرين ( ١٩ ) يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير . اعلم أن هذا هو المثل الثاني للمنافقين وكيفية المشابهة من وجوه. أحدها : أنه إذا حصل السحاب الذي فيه الظلمات والرعد والبرق واجتمع مع ظلمة السحاب ظلمة الليل وظلمة المطر عند ورود الصواعق عليهم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت وأن البرق يكاد يخطف أبصارهم، فإذا أضاء لهم مشوا فيه، وإذا ذهب بقوا في ظلمة عظيمة فوقفوا متحيرين لأن من أصابه البرق في هذه الظلمات الثلاث ثم ذهب عنه تشتد حيرته. وتعظم الظلمة في عينه، وتكون له مزية على من لم يزل في الظلمة، فشبه المنافقين في حيرتهم وجهلهم بالدين بهؤلاء الذين وصفهم، إذ كانوا لا يرون طريقا ولا يهتدون، وثانيها : أن المطر وإن كان نافعا إلا أنه لما وجد في هذه الصورة مع هذه الأحوال الضارة صار النفع به زائلا، فكذا إظهار الإيمان نافع للمنافق لو وافقه الباطن : فإذا فقد منه الإخلاص وحصل معه النفاق صار ضررا في الدين. وثالثها : أن من نزل به هذه الأمور مع الصواعق ظن المخلص منها أن يجعل أصابعه في أذنيه وذلك لا ينجيه مما يريده تعالى به من هلاك وموت، فلما تقرر ذلك في العادات شبه تعالى حال المنافقين في ظنهم أن إظهارهم للمؤمنين ما أظهروه ينفعهم، مع أن الأمر في الحقيقة ليس كذلك بما ذكر. ورابعها : أن عادة المنافقين كانت هي التأخر عن الجهاد فرارا من الموت والقتل، فشبه الله حالهم في ذلك بحال من نزلت هذه الأمور به وأراد دفعها يجعل إصبعيه في أذنيه. وخامسها : أن هؤلاء الذين يجعلون أصابعهم في آذانهم وإن تخلصوا عن الموت في تلك الساعة فإن الموت والهلاك من ورائهم لا مخلص لهم منه فكذلك حال المنافقين في أن الذين يخوضون فيه لا يخلصهم من عذاب النار. وسادسها : أن من هذا حاله فقد بلغ النهاية في الحيرة لاجتماع أنواع الظلمات وحصول أنواع المخافة، وحصل في المنافقين نهاية الحيرة في باب الدين ونهاية الخوف في الدنيا لأن المنافق يتصور في كل وقت أنه لو حصل الوقوف على باطنه لقتل، فلا يكاد الوجل والخوف يزول عن قلبه مع النفاق. وسابعها : المراد من الصيب هو الإيمان والقرآن، والظلمات والرعد والبرق هو الأشياء الشاقة على المنافقين، وهي التكاليف الشاقة من الصلاة والصوم وترك الرياسات والجهاد مع الآباء والأمهات، وترك الأديان القديمة، والانقياد لمحمد صلى الله عليه وسلم مع شدة استنكافهم عن الانقياد له فكما أن الإنسان يبالغ في الاحتراز عن المطر الصيب الذي هو أشد الأشياء نفعا بسبب هذه الأمور المقارنة، فكذا المنافقون يحترزون عن الإيمان والقرآن بسبب هذه الأمور المقارنة، والمراد من قوله  كلما أضاء لهم مشوا فيه  أنه متى حصل لهم شيء من المنافع، وهي عصمة أموالهم ودمائهم وحصول الغنائم لهم فإنهم يرغبون في الدين  وإذا أظلم عليهم قاموا  أي متى لم يجدوا شيئا من تلك المنافع فحينئذ يكرهون الإيمان ولا يرغبون فيه، فهذه الوجوه ظاهرة في التشبيه. وبقي على الآية أسئلة وأجوبة. السؤال الأول : أي التمثيلين أبلغ ؟ والجواب : التمثيل الثاني، لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأغاليظ ؛ ولذلك تراهم يتدرجون في نحو هذا من الأهون إلى الأغلظ. السؤال الثاني : لم عطف أحد التمثيلين على الآخر بحرف الشك ؟ الجواب من وجوه. أحدها : لأن **«أو »** في أصلها تساوي شيئين فصاعدا في الشك، ثم اتسع فيها فاستعيرت للتساوي في غير الشك. كقولك : جالس الحسن أو ابن سيرين تريد أنهما سيان في استصواب أن تجالس أيهما شئت، ومنه قوله تعالى  ولا تطع منهم آثما أو كفورا  أي أن الآثم والكفور متساويان في وجوب عصيانهما، فكذا قوله  أو كصيب  معناه أن كيفية المنافقين شبيهة بكيفتي هاتين القصتين، فبأيتهما مثلتها فأنت مصيب، وإن مثلتها بهما جميعا فكذلك. وثانيها : إنما ذكر تعالى ذلك لأن المنافقين قسمان بعضهم يشبهون أصحاب النار، وبعضهم يشبهون أصحاب المطر، ونظيره قوله تعالى  وقالوا كونوا هودا أو نصارى  وقوله  وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون  الآية. وثالثها : أو بمعنى بل قال تعالى  وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون . ورابعها : أو بمعنى الواو كأنه قال وكصيب من السماء نظيره قوله تعالى  أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم  وقال الشاعر :
وقد زعمت ليلى بأني فاجر \*\*\* لنفسي تقاها أو عليها فجورها
وهذه الوجوه مطردة في قوله  ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة  السؤال الثاني : المشبه بالصيب والظلمات والرعد والبرق والصواعق ما هو ؟ الجواب : لعلماء البيان ههنا قولان : أحدهما : أن هذا تشبيه مفرق ومعناه أن يكون المثل مركبا من أمور والممثل يكون أيضا مركبا من أمور ويكون كل واحد من المثل شبيها بكل واحد من الممثل، فههنا شبه دين الإسلام بالصيب، لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر، وما يتعلق به من شبهات الكفار بالظلمات، وما فيه من الوعد والوعيد بالبرق والرعد ؛ وما يصيب الكفرة من الفتن ومن جهة أهل الإسلام بالصواعق، والمعنى أو كمثل ذوي صيب، والمراد كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة : والقول الثاني : أنه تشبيه مركب، وهو الذي يشبه فيه إحدى الجملتين بالأخرى في أمر من الأمور وإن لم تكن آحاد إحدى الجملتين شبيهة بآحاد الجملة الأخرى وههنا المقصود تشبيه حيرة المنافقين في الدنيا والدين بحيرة من انطفت ناره بعد إيقادها، وبحيرة من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق، فإن قيل الذي كنت تقدره في التشبيه المفرق من حذف المضاف وهو قولك : أو كمثل ذوي صيب هل يقدر مثله في المركب، قلنا لولا طلب الراجع في قوله  يجعلون أصابعهم في آذانهم  ما يرجع إليه لما كان بنا حاجة إلى تقديره : السؤال الرابع ما الصيب ؟ الجواب : أنه المطر الذي يصوب، أي ينزل من صاب يصوب إذا نزل ومنه صوب رأسه إذا خفضه وقيل إنه من صاب يصوب إذا قصد، ولا يقال صيب إلا للمطر الجود. كان عليه الصلاة والسلام يقول **«اللهم اجعله صيبا هنيئا »** أي مطرا جودا وأيضا يقال للسحاب صيب قال الشماخ :
وأسحم دان صادق الوعد صيب \*\*\*. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 
وتنكير صيب لأنه أريد نوع من المطر شديد هائل، كما تنكرت النار في التمثيل الأول، وقرئ أو كصائب وصيب أبلغ : والسماء هذه المظلة. السؤال الخامس : قوله من السماء. ما الفائدة فيه والصيب لا يكون إلا من السماء ؟ الجواب من وجهين : الأول : لو قال. أو كصيب فيه ظلمات. احتمل أن يكون ذلك الصيب نازلا من بعض جوانب السماء دون بعض، أما لما قال من السماء دل على أنه عام مطبق آخذ بآفاق السماء فكما حصل في لفظ الصيب مبالغات من جهة والتركيب والتنكير أيد ذلك بأن جعله مطبقا، الثاني : من الناس من قال : المطر إنما يحصل من ارتفاع أبخرة رطبة من الأرض إلى الهواء فتنعقد هناك من شدة برد الهواء ثم تنزل مرة أخرى، فذاك هو المطر ثم إن الله سبحانه وتعالى أبطل ذلك المذهب ههنا بأن بين أن ذلك الصيب نزل من السماء، كذا قوله  وأنزلنا من السماء ماء طهورا  وقوله  وينزل من السماء من جبال فيها من برد . السؤال السادس ما الرعد والبرق ؟ الجواب : الرعد الصوت الذي يسمع من السحاب كأن أجرام السحاب تضطرب وتنتقض وترتعد إذا أخذتها الريح فصوت عند ذلك من الارتعاد والبرق الذي يلمع من السحاب من برق الشيء بريقا إذا لمع. السؤال السابع : الصيب هو المطر والسحاب فأيهما أريد فما ظلماته ؟ الجواب : أما ظلمات السحاب فإذا كان أسحم مطبقا فظلمته سحمته وتطبيقه مضمومة إليهما ظلمة الليل، وأما ظلمة المطر فظلمته تكاثفه وانسجامه بتتابع القطر وظلمته إظلال الغمامة مع ظلمة الليل. السؤال الثامن : كيف يكون المطر مكانا للرعد والبرق وإنما مكانهما السحاب. الجواب : لما كان التعليق بين السحاب والمطر شديدا جاز إجراء أحدهما مجرى الآخر في الأحكام. السؤال التاسع : هلا قيل رعود وبروق كما قيل ظلمات ؟ الجواب : الفرق أنه حصلت أنواع مختلفة من الظلمات على الاجتماع فاحتيج إلى صيغة الجمع، أما الرعد فإنه نوع واحد، وكذا البرق ولا يمكن اجتماع أنواع الرعد والبرق في السحاب الواحد فلا جرم لم يذكر فيه لفظ الجمع. السؤال العاشر : لم جاءت هذه الأشياء منكرات. الجواب : لأن المراد أنواع منها، كأنه قيل فيه ظلمات داجية ورعد قاصف وبرق خاطف. السؤال الحادي عشر : إلى ماذا يرجع الضمير في **«يجعلون »**. الجواب : إلى أصحاب الصيب وهو وإن كان محذوفا في اللفظ لكنه باق في المعنى ولا محل لقوله يجعلون لكونه مستأنفا لأنه لما ذكر الرعد والبرق على ما يؤذن بالشدة والهول فكأن قائلا قال فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد فقيل يجعلون أصابعهم في آذانهم ثم قال فكيف حالهم مع مثل ذلك البرق فقال  يكاد البرق يخطف أبصارهم . السؤال الثاني عشر : رؤوس الأصابع هي التي تجعل في الآذان فهلا قيل أناملهم ؟ الجواب المذكور وإن كان هو الأصبع لكن المراد بعضه كما في قوله  فاقطعوا أيديهما  المراد بعضهما. السؤال الثالث عشر : ما الصاعقة ؟ الجواب : إنها قصف رعد ينقض منها شعلة من نار وهي نار لطيفة قوية لا تمر بشيء إلا أتت عليه إلا أنها مع قوتها سريعة الخمود. السؤال الرابع عشر : ما إحاطة الله بالكافرين. الجواب : إنه مجاز والمعنى أنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط به حقيقة ثم فيه ثلاثة أقوال. أحدها : أنه عالم بهم قال تعالى  وأن الله قد أحاط بكل شيء علما  وثانيها : قدرته مستولية عليهم  والله من وراءهم محيط  وثالثها : يهلكهم من قوله تعالى  إلا أن يحاط بكم  السؤال الخامس عشر : ما الخطف. الجواب : أنه الأخذ بسرعة، وقرأ مجاهد يخطف بكسر الطاء والفتح أفصح، وعن ابن مسعود يختطف وعن الحسن يخطف بفتح الياء والخاء وأصله يختطف، وعنه يخطف بكسرهما على اتباع الياء الخاء، وعن زيد بن علي : يخطف من خطف وعن أبي يتخطف من قوله  ويتخطف الناس من حولهم  أما قوله تعالى  كلما أضاء لهم مشوا فيه  فهو استئناف ثالث كأنه جواب لمن يقول كيف يصنعون في حالة، ظهور البرق وخفائه، والمقصود تمثيل شدة الأمر على المنافقين بشدته على أصحاب الصيب وما هم فيه من غاية التحير والجهل بما يأتون وما يذرون إذا صادفوا من البرق خفقة مع خوف أن يخطف أبصارهم انتهزوا تلك الخفقة فرصة فخطوا خطوات يسيرة، فإذا خفي وفتر لمعانه بقوا واقفين متقيدين عن الحركة، ولو شاء الله لزاد في قصف الرعد فأصمهم، وفي ضوء البرد فأعماهم. وأضاء إما متعد بمعنى كلما نور لهم مسلكا أخذوه، فالمفعول محذوف، وإما غير متعد بمعنى كلما لمع لهم مشوا في مطرح نوره، ويعضده قراءة ابن أبي عبلة **«كلما ضاء »** فإن قيل كيف قال مع الإضاءة كلما، ومع الإظلام إذا : قلنا لأنهم حراص على إمكان المشي، فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها وليس كذلك التوقف، وا

### الآية 2:20

> ﻿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ۖ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2:20]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٩:قوله تعالى  أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين والله محيط بالكافرين ( ١٩ ) يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير . اعلم أن هذا هو المثل الثاني للمنافقين وكيفية المشابهة من وجوه. أحدها : أنه إذا حصل السحاب الذي فيه الظلمات والرعد والبرق واجتمع مع ظلمة السحاب ظلمة الليل وظلمة المطر عند ورود الصواعق عليهم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت وأن البرق يكاد يخطف أبصارهم، فإذا أضاء لهم مشوا فيه، وإذا ذهب بقوا في ظلمة عظيمة فوقفوا متحيرين لأن من أصابه البرق في هذه الظلمات الثلاث ثم ذهب عنه تشتد حيرته. وتعظم الظلمة في عينه، وتكون له مزية على من لم يزل في الظلمة، فشبه المنافقين في حيرتهم وجهلهم بالدين بهؤلاء الذين وصفهم، إذ كانوا لا يرون طريقا ولا يهتدون، وثانيها : أن المطر وإن كان نافعا إلا أنه لما وجد في هذه الصورة مع هذه الأحوال الضارة صار النفع به زائلا، فكذا إظهار الإيمان نافع للمنافق لو وافقه الباطن : فإذا فقد منه الإخلاص وحصل معه النفاق صار ضررا في الدين. وثالثها : أن من نزل به هذه الأمور مع الصواعق ظن المخلص منها أن يجعل أصابعه في أذنيه وذلك لا ينجيه مما يريده تعالى به من هلاك وموت، فلما تقرر ذلك في العادات شبه تعالى حال المنافقين في ظنهم أن إظهارهم للمؤمنين ما أظهروه ينفعهم، مع أن الأمر في الحقيقة ليس كذلك بما ذكر. ورابعها : أن عادة المنافقين كانت هي التأخر عن الجهاد فرارا من الموت والقتل، فشبه الله حالهم في ذلك بحال من نزلت هذه الأمور به وأراد دفعها يجعل إصبعيه في أذنيه. وخامسها : أن هؤلاء الذين يجعلون أصابعهم في آذانهم وإن تخلصوا عن الموت في تلك الساعة فإن الموت والهلاك من ورائهم لا مخلص لهم منه فكذلك حال المنافقين في أن الذين يخوضون فيه لا يخلصهم من عذاب النار. وسادسها : أن من هذا حاله فقد بلغ النهاية في الحيرة لاجتماع أنواع الظلمات وحصول أنواع المخافة، وحصل في المنافقين نهاية الحيرة في باب الدين ونهاية الخوف في الدنيا لأن المنافق يتصور في كل وقت أنه لو حصل الوقوف على باطنه لقتل، فلا يكاد الوجل والخوف يزول عن قلبه مع النفاق. وسابعها : المراد من الصيب هو الإيمان والقرآن، والظلمات والرعد والبرق هو الأشياء الشاقة على المنافقين، وهي التكاليف الشاقة من الصلاة والصوم وترك الرياسات والجهاد مع الآباء والأمهات، وترك الأديان القديمة، والانقياد لمحمد صلى الله عليه وسلم مع شدة استنكافهم عن الانقياد له فكما أن الإنسان يبالغ في الاحتراز عن المطر الصيب الذي هو أشد الأشياء نفعا بسبب هذه الأمور المقارنة، فكذا المنافقون يحترزون عن الإيمان والقرآن بسبب هذه الأمور المقارنة، والمراد من قوله  كلما أضاء لهم مشوا فيه  أنه متى حصل لهم شيء من المنافع، وهي عصمة أموالهم ودمائهم وحصول الغنائم لهم فإنهم يرغبون في الدين  وإذا أظلم عليهم قاموا  أي متى لم يجدوا شيئا من تلك المنافع فحينئذ يكرهون الإيمان ولا يرغبون فيه، فهذه الوجوه ظاهرة في التشبيه. وبقي على الآية أسئلة وأجوبة. السؤال الأول : أي التمثيلين أبلغ ؟ والجواب : التمثيل الثاني، لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأغاليظ ؛ ولذلك تراهم يتدرجون في نحو هذا من الأهون إلى الأغلظ. السؤال الثاني : لم عطف أحد التمثيلين على الآخر بحرف الشك ؟ الجواب من وجوه. أحدها : لأن ****«أو »**** في أصلها تساوي شيئين فصاعدا في الشك، ثم اتسع فيها فاستعيرت للتساوي في غير الشك. كقولك : جالس الحسن أو ابن سيرين تريد أنهما سيان في استصواب أن تجالس أيهما شئت، ومنه قوله تعالى  ولا تطع منهم آثما أو كفورا  أي أن الآثم والكفور متساويان في وجوب عصيانهما، فكذا قوله  أو كصيب  معناه أن كيفية المنافقين شبيهة بكيفتي هاتين القصتين، فبأيتهما مثلتها فأنت مصيب، وإن مثلتها بهما جميعا فكذلك. وثانيها : إنما ذكر تعالى ذلك لأن المنافقين قسمان بعضهم يشبهون أصحاب النار، وبعضهم يشبهون أصحاب المطر، ونظيره قوله تعالى  وقالوا كونوا هودا أو نصارى  وقوله  وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون  الآية. وثالثها : أو بمعنى بل قال تعالى  وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون . ورابعها : أو بمعنى الواو كأنه قال وكصيب من السماء نظيره قوله تعالى  أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم  وقال الشاعر :وقد زعمت ليلى بأني فاجر  لنفسي تقاها أو عليها فجورهاوهذه الوجوه مطردة في قوله  ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة  السؤال الثاني : المشبه بالصيب والظلمات والرعد والبرق والصواعق ما هو ؟ الجواب : لعلماء البيان ههنا قولان : أحدهما : أن هذا تشبيه مفرق ومعناه أن يكون المثل مركبا من أمور والممثل يكون أيضا مركبا من أمور ويكون كل واحد من المثل شبيها بكل واحد من الممثل، فههنا شبه دين الإسلام بالصيب، لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر، وما يتعلق به من شبهات الكفار بالظلمات، وما فيه من الوعد والوعيد بالبرق والرعد ؛ وما يصيب الكفرة من الفتن ومن جهة أهل الإسلام بالصواعق، والمعنى أو كمثل ذوي صيب، والمراد كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة : والقول الثاني : أنه تشبيه مركب، وهو الذي يشبه فيه إحدى الجملتين بالأخرى في أمر من الأمور وإن لم تكن آحاد إحدى الجملتين شبيهة بآحاد الجملة الأخرى وههنا المقصود تشبيه حيرة المنافقين في الدنيا والدين بحيرة من انطفت ناره بعد إيقادها، وبحيرة من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق، فإن قيل الذي كنت تقدره في التشبيه المفرق من حذف المضاف وهو قولك : أو كمثل ذوي صيب هل يقدر مثله في المركب، قلنا لولا طلب الراجع في قوله  يجعلون أصابعهم في آذانهم  ما يرجع إليه لما كان بنا حاجة إلى تقديره : السؤال الرابع ما الصيب ؟ الجواب : أنه المطر الذي يصوب، أي ينزل من صاب يصوب إذا نزل ومنه صوب رأسه إذا خفضه وقيل إنه من صاب يصوب إذا قصد، ولا يقال صيب إلا للمطر الجود. كان عليه الصلاة والسلام يقول ****«اللهم اجعله صيبا هنيئا »**** أي مطرا جودا وأيضا يقال للسحاب صيب قال الشماخ :
وأسحم دان صادق الوعد صيب \*\*\*...................... 
وتنكير صيب لأنه أريد نوع من المطر شديد هائل، كما تنكرت النار في التمثيل الأول، وقرئ أو كصائب وصيب أبلغ : والسماء هذه المظلة. السؤال الخامس : قوله من السماء. ما الفائدة فيه والصيب لا يكون إلا من السماء ؟ الجواب من وجهين : الأول : لو قال. أو كصيب فيه ظلمات. احتمل أن يكون ذلك الصيب نازلا من بعض جوانب السماء دون بعض، أما لما قال من السماء دل على أنه عام مطبق آخذ بآفاق السماء فكما حصل في لفظ الصيب مبالغات من جهة والتركيب والتنكير أيد ذلك بأن جعله مطبقا، الثاني : من الناس من قال : المطر إنما يحصل من ارتفاع أبخرة رطبة من الأرض إلى الهواء فتنعقد هناك من شدة برد الهواء ثم تنزل مرة أخرى، فذاك هو المطر ثم إن الله سبحانه وتعالى أبطل ذلك المذهب ههنا بأن بين أن ذلك الصيب نزل من السماء، كذا قوله  وأنزلنا من السماء ماء طهورا  وقوله  وينزل من السماء من جبال فيها من برد . السؤال السادس ما الرعد والبرق ؟ الجواب : الرعد الصوت الذي يسمع من السحاب كأن أجرام السحاب تضطرب وتنتقض وترتعد إذا أخذتها الريح فصوت عند ذلك من الارتعاد والبرق الذي يلمع من السحاب من برق الشيء بريقا إذا لمع. السؤال السابع : الصيب هو المطر والسحاب فأيهما أريد فما ظلماته ؟ الجواب : أما ظلمات السحاب فإذا كان أسحم مطبقا فظلمته سحمته وتطبيقه مضمومة إليهما ظلمة الليل، وأما ظلمة المطر فظلمته تكاثفه وانسجامه بتتابع القطر وظلمته إظلال الغمامة مع ظلمة الليل. السؤال الثامن : كيف يكون المطر مكانا للرعد والبرق وإنما مكانهما السحاب. الجواب : لما كان التعليق بين السحاب والمطر شديدا جاز إجراء أحدهما مجرى الآخر في الأحكام. السؤال التاسع : هلا قيل رعود وبروق كما قيل ظلمات ؟ الجواب : الفرق أنه حصلت أنواع مختلفة من الظلمات على الاجتماع فاحتيج إلى صيغة الجمع، أما الرعد فإنه نوع واحد، وكذا البرق ولا يمكن اجتماع أنواع الرعد والبرق في السحاب الواحد فلا جرم لم يذكر فيه لفظ الجمع. السؤال العاشر : لم جاءت هذه الأشياء منكرات. الجواب : لأن المراد أنواع منها، كأنه قيل فيه ظلمات داجية ورعد قاصف وبرق خاطف. السؤال الحادي عشر : إلى ماذا يرجع الضمير في ****«يجعلون »****. الجواب : إلى أصحاب الصيب وهو وإن كان محذوفا في اللفظ لكنه باق في المعنى ولا محل لقوله يجعلون لكونه مستأنفا لأنه لما ذكر الرعد والبرق على ما يؤذن بالشدة والهول فكأن قائلا قال فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد فقيل يجعلون أصابعهم في آذانهم ثم قال فكيف حالهم مع مثل ذلك البرق فقال  يكاد البرق يخطف أبصارهم . السؤال الثاني عشر : رؤوس الأصابع هي التي تجعل في الآذان فهلا قيل أناملهم ؟ الجواب المذكور وإن كان هو الأصبع لكن المراد بعضه كما في قوله  فاقطعوا أيديهما  المراد بعضهما. السؤال الثالث عشر : ما الصاعقة ؟ الجواب : إنها قصف رعد ينقض منها شعلة من نار وهي نار لطيفة قوية لا تمر بشيء إلا أتت عليه إلا أنها مع قوتها سريعة الخمود. السؤال الرابع عشر : ما إحاطة الله بالكافرين. الجواب : إنه مجاز والمعنى أنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط به حقيقة ثم فيه ثلاثة أقوال. أحدها : أنه عالم بهم قال تعالى  وأن الله قد أحاط بكل شيء علما  وثانيها : قدرته مستولية عليهم  والله من وراءهم محيط  وثالثها : يهلكهم من قوله تعالى  إلا أن يحاط بكم  السؤال الخامس عشر : ما الخطف. الجواب : أنه الأخذ بسرعة، وقرأ مجاهد يخطف بكسر الطاء والفتح أفصح، وعن ابن مسعود يختطف وعن الحسن يخطف بفتح الياء والخاء وأصله يختطف، وعنه يخطف بكسرهما على اتباع الياء الخاء، وعن زيد بن علي : يخطف من خطف وعن أبي يتخطف من قوله  ويتخطف الناس من حولهم  أما قوله تعالى  كلما أضاء لهم مشوا فيه  فهو استئناف ثالث كأنه جواب لمن يقول كيف يصنعون في حالة، ظهور البرق وخفائه، والمقصود تمثيل شدة الأمر على المنافقين بشدته على أصحاب الصيب وما هم فيه من غاية التحير والجهل بما يأتون وما يذرون إذا صادفوا من البرق خفقة مع خوف أن يخطف أبصارهم انتهزوا تلك الخفقة فرصة فخطوا خطوات يسيرة، فإذا خفي وفتر لمعانه بقوا واقفين متقيدين عن الحركة، ولو شاء الله لزاد في قصف الرعد فأصمهم، وفي ضوء البرد فأعماهم. وأضاء إما متعد بمعنى كلما نور لهم مسلكا أخذوه، فالمفعول محذوف، وإما غير متعد بمعنى كلما لمع لهم مشوا في مطرح نوره، ويعضده قراءة ابن أبي عبلة ****«كلما ضاء »**** فإن قيل كيف قال مع الإضاءة كلما، ومع الإظلام إذا : قلنا لأنهم حراص على إمكان المشي، فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها وليس كذلك التوقف، وا---

### الآية 2:21

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [2:21]

القول في إقامة الدلالة على التوحيد والنبوة والمعاد
أما التوحيد فقوله تعالى  يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون \* الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون . 
**اعلم أن في هذه الآيات مسائل :**
المسألة الأولى : أن الله تعالى لما قدم أحكام الفرق الثلاثة، أعني المؤمنين والكفار والمنافقين. أقبل عليهم بالخطاب، وهو من باب الالتفات المذكور في قوله تعالى  إياك نعبد وإياك نستعين  وفيه فوائد أحدها : أن فيه مزيد هز وتحريك من السامع كما أنك إذا قلت لصاحبك حاكيا عن ثالث : إن فلانا من قصته كيت وكيت، ثم تخاطب ذلك الثالث فقلت : يا فلان من حقك أن تسلك الطريقة الحميدة في مجاري أمورك، فهذا الانتقال من الغيبة إلى الحضور يوجب مزيد تحريك لذلك الثالث. وثانيها : كأنه سبحانه وتعالى يقول : جعلت الرسول واسطة بيني وبينك أولا، ثم الآن أزيد في إكرامك وتقريبك، فأخاطبك من غير واسطة، ليحصل لك مع التنبيه على الأدلة، شرف المخاطبة والمكالمة. وثالثها : أنه مشعر بأن العبد إذا كان مشتغلا بالعبودية فإنه يكون أبدا في الترقي، بدليل أنه في هذه الآية، انتقل من الغيبة إلى الحضور. ورابعها : أن الآيات المتقدمة كانت في حكاية أحوالهم، وأما هذه الآيات فإنها أمر وتكليف، ففيه كلفة ومشقة فلابد من راحة تقابل هذه الكلفة، وتلك الراحة هي أن يرفع ملك الملوك الواسطة من البين ويخاطبهم بذاته، كما أن العبد إذا ألزم تكليفا شاقا فلو شافهه المولى وقال أريد منك أن تفعل كذا فإنه يصير ذلك الشاق لذيذا لأجل ذلك الخطاب. 
المسألة الثانية : حكي عن علقمة والحسن أنه قال : كل شيء في القرآن  يا أيها الناس  فإنه مكي، وما كان  يا أيها الذين آمنوا  فبالمدينة، قال القاضي : هذا الذي ذكروه إن كان الرجوع فيه إلى النقل فمسلم، وإن كان السبب فيه حصول المؤمنين بالمدينة على الكثرة دون مكة فهذا ضعيف، لأنه يجوز أن يخاطب المؤمنين مرة بصفتهم، ومرة باسم جنسهم، وقد يؤمر من ليس بمؤمن بالعبادة، كما يؤمر المؤمن بالاستمرار على العبادة والازدياد منها، فالخطاب في الجميع ممكن. 
المسألة الثالثة : إعلم أن الألفاظ في الأغلب عبارات دالة على أمور هي : إما الألفاظ أو غيرها، أما الألفاظ فهي : كالاسم والفعل والحرف، فإن هذه الألفاظ الثلاثة يدل كل واحد منها على شيء، هو في نفسه لفظ مخصوص، وغير الألفاظ : فكالحجر والسماء والأرض، ولفظ النداء لم يجعل دليلا على شيء آخر، بل هو لفظ يجري مجرى عمل يعمله عامل لأجل التنبيه. فأما الذين فسروا قولنا **«يا زيد »** بأنادي زيدا أخاطب زيدا فهو خطأ من وجوه. أحدها : أن قولنا. أنادي زيدا، خبر يحتمل التصديق والتكذيب، وقولنا يا زيد، لا يحتملها. وثانيها : أن قولنا يا زيد، يقتضي صيرورة زيد منادى في الحال، وقولنا أنادي زيدا، لا يقتضي ذلك، وثالثها : أن قولنا يا زيد يقتضي صيرورة زيد مخاطبا بهذا الخطاب وقولنا أنادي زيدا لا يقتضي ذلك لأنه لا يمتنع أنه يخبر إنسانا آخر بأني أنادي زيدا. ورابعها : أن قولنا أنادي زيدا، إخبار عن النداء، والإخبار عن النداء غير النداء، والنداء هو قولنا يا زيد، فإذن قولنا أنادي زيدا، غير قولنا يا زيد، فثبت بهذه الوجوه فساد هذا القول. ثم ههنا نكتة نذكرها وهي : أن أقوى المراتب الاسم، وأضعفها الحرف، فظن قوم أنه لا يأتلف الاسم بالحرف، وكذا أعظم الموجودات هو الحق سبحانه وتعالى، وأضعفها البشر  وخلق الإنسان ضعيفا  فقالت الملائكة : أي مناسبة بينهما  أتجعل فيها من يفسد فيها  فقيل قد يأتلف الاسم مع الحرف في حال النداء، فكذا البشر يصلح لخدمة الرب حال النداء والتضرع  ربنا ظلمنا أنفسنا ،  وقال ربكم ادعوني أستجب لكم . 
المسألة الرابعة :**«ياء »** حرف وضع في أصله لنداء البعيد وإن كان لنداء القريب لكن لسبب أمر مهم جدا، وأما نداء القريب فله : أي والهمزة، ثم استعمل في نداء من سها وغفل وإن قرب تنزيلا له منزلة البعيد. فإن قيل فلم يقول الداعي يا رب يا الله وهو تعالى يقول  ونحن أقرب إليه من حبل الوريد  قلنا هو استبعاد لنفسه من مظان الزلفى وما يقربه إلى منازل المقربين هضما لنفسه وإقرارا عليها بالتنقيص حتى يتحقق الإجابة بمقتضى قوله **«أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي »** أو لأجل أن إجابة الدعاء من أهم المهمات للداعي. 
المسألة الخامسة :**«أي »** وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام كما أن **«ذو »** و**«الذي »** وصلتان إلى الوصف بأسماء الأجناس ووصف المعارف بالجمل، وهو اسم مبهم يفتقر إلى ما يزيل إبهامه، فلابد وأن يردفه اسم جنس، أو ما يجري مجراه يتصف به حتى يحصل المقصود بالنداء فالذي يعمل فيه حرف النداء هو أي والاسم التابع له صفة كقولك يا زيد الظريف إلا أن أيا لا يستقل بنفسه استقلال زيد فلم ينفك عن الصفة وموصوفها وأما كلمة التنبيه المقحمة بين الصفة وموصوفها ففيها فائدتان. الأولى : معاضدة حرف النداء بتأكيد معناه. والثانية : وقوعها عوضا مما يستحقه أي من الإضافة وإنما كثر في كتاب الله تعالى النداء على هذه الطريقة لاستقلاله بهذه التأكيدات والمبالغات فإن كل ما نادى الله تعالى به عباده من الأوامر والنواهي، والوعد والوعيد، واقتصاص أخبار المتقدمين بأمور عظام، وأشياء يجب على المستمعين أن يتيقظوا لها مع أنهم غافلون عنها، فلهذا وجب أن ينادوا بالأبلغ الآكد. 
المسألة السادسة : اعلم أن قوله  يا أيها الناس اعبدوا ربكم  يقتضي أن الله تعالى أمر كل الناس بالعبادة فلو خرج البعض عن هذا الخطاب لكان ذلك تخصيصا للعموم. وههنا أبحاث. البحث الأول : أن لفظ الجمع المعرف بلام التعريف يفيد العموم، والخلاف فيه مع الأشعري والقاضي أبي بكر وأبي هاشم، لنا أنه يصح تأكيده بما يفيد العموم كقوله  فسجد الملائكة كلهم أجمعون  ولو لم يكن اللفظ في أصله للعموم لما كان قوله  كلهم  تأكيدا بل بيانا ولأنه يصح استثناء كل واحد من الناس عنه والاستثناء يخرج ما لولاه لدخل فوجب أن يفيد العموم وتمام تقريره في أصول الفقه. البحث الثاني : لما ثبت أن قوله تعالى  يا أيها الناس  يتناول جميع الناس الذين كانوا موجودين في ذلك العصر فهل يتناول الذين سيوجدون بعد ذلك أم لا ؟ والأقرب أنه لا يتناولهم ؛ لأن قوله  يا أيها الناس  خطاب مشافهة وخطاب المشافهة مع المعدوم لا يجوز، وأيضا فالذين سيوجدون بعد ذلك ما كانوا موجودين في تلك الحالة، وما لا يكون موجودا لا يكون إنسانا وما لا يكون إنسانا لا يدخل تحت قوله  يا أيها الناس  فإن قيل : فوجب أن لا يتناول شيء من هذه الخطابات الذين وجدوا بعد ذلك الزمان وأنه باطل قطعا. قلنا : لو لم يوجد دليل منفصل لكان الأمر كذلك إلا أنا عرفنا بالتواتر من دين محمد صلى الله عليه وسلم أن تلك الخطابات ثابتة في حق من سيوجد بعد ذلك إلى قيام الساعة فلهذه الدلالة المنفصلة حكمنا بالعموم. البحث الثالث : قوله  يا أيها الناس اعبدوا ربكم  أمر للكل بالعبادة فهل يفيد أمر الكل بكل عبادة ؟ الحق لا، لأن قوله اعبدوا معناه ادخلوا هذه الماهية في الوجود، فإذا أتوا بفرد من أفراد الماهية في الوجود فقد أدخلوا الماهية في الوجود لأن الفرد من أفراد الماهية مشتمل على الماهية لأن هذه العبادة عبارة عن العبادة مع قيد كونها هذه ومتى وجد المركب فقد وجد قيداه، فالآتي بفرد من أفراد العبادة آت بالعبادة، والآتي بالعبادة آت بتمام ما اقتضاه قوله  اعبدوا  وإذا كان كذلك وجب خروجه عن العهدة فإن أردنا أن نجعله دالا على العموم نقول : الأمر بالعبادة لابد وأن يكون لأجل كونها عبادة لأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بعلية الوصف، لاسيما إذا كان الوصف مناسبا للحكم، وههنا كون العبادة عبادة يناسب الأمر بها، لما أن العبادة عبارة عن تعظيم الله تعالى وإظهار الخضوع له وكل ذلك مناسب في العقول، وإذا ثبت أن كونه عبادة علة للأمر بها وجب في كل عبادة أن يكون مأمورا بها، لأنه أينما حصلت العلة وجب حصول الحكم لا محالة. البحث الرابع : لقائل أن يقول : قوله  يا أيها الناس اعبدوا  لا يتناول الكفار البتة لأن الكفار لا يمكن أن يكونوا مأمورين بالإيمان، وإذا امتنع ذلك امتنع أن يكونوا مأمورين بالعبادة، أما أنه لا يمكن أن يكونوا مأمورين بالإيمان فلأن الأمر بمعرفة الله تعالى إما أن يتناوله حال كونه غير عارف بالله تعالى أو حال كونه عارفا بالله تعالى، أما إن تناوله حال كونه غير عارف بالله فيستحيل أن يكون عارفا بأمر الله تعالى لأن العلم بالصفة مع الجهل بالذات محال فلو تناوله الأمر في هذه الحالة لكان قد تناوله الأمر في حال يستحيل منه أن يعرف كونه مأمورا بذلك الأمر، وذلك تكليف ما لا يطاق، وإن تناوله الأمر بالمعرفة حال كونه عارفا بالله فذالك محال، لأنه أمر بتحصيل الحاصل، وذلك غير ممكن. 
فثبت أن الكافر يستحيل أن يكون مأمورا بتحصيل المعرفة، وإذا استحال ذلك استحال أن يكون مأمورا بالعبادة لأنه إما أن يؤمر بالعبادة قبل المعرفة وهو محال لأن عبادة من لا يعرف ممتنعة أو يؤمر بالعبادة بعد المعرفة إلا أن على هذا التقدير يكون الأمر بالعبادة موقوفا على الأمر بالمعرفة فلما كان الأمر بالمعرفة ممتنعا كان الأمر بالعبادة أيضا ممتنعا، وأيضا يستحيل أن يكون هذا الخطاب مع المؤمنين، لأنهم يعبدون الله فأمرهم بالعبادة يكون أمرا بتحصيل الحاصل وهو محال. والجواب : من الناس من قال : الأمر بالعبادة مشروط بحصول المعرفة، كما أن الأمر بالزكاة مشروط بحصول ملك النصاب، وهؤلاء هم القائلون بأن المعارف ضرورية، وأما من لم يقل بذلك استدل بهذه الآية على أن المعارف ليست ضرورية فقال : الأمر بالعبادة حاصل، والعبادة لا تمكن إلا بالمعرفة، والأمر بالشيء أمر بما هو من ضرورياته، كما أن الطهارة إذا لم تصح إلا بإحضار الماء كان إحضار الماء واجبا، والدهري لا يصح منه تصديق الرسول إلا بتقديم معرفة الله تعالى. فوجبت، والمحدث لا تصح منه الصلاة إلا بتقديم الطهارة فوجبت، والمودع لا يمكنه رد الوديعة إلا بالسعي إليها، فكان السعي واجبا، فكذا ههنا يصح أن يكون الكافر مخاطبا بالعبادة وشرط الإتيان بها الإتيان بالإيمان أولا ثم الإتيان بالعبادة بعد ذلك. بقي لهم : الأمر بتحصيل المعرفة محال، قلنا هذه المسألة مستقصاة في الأصول والذي نقول ههنا إن هذا الكلام وإن تم في كل ما يتوقف العلم يكون الله آمرا على العلم به، فإنه لا يجري فيما عدا ذلك من الصفات. فلم لا يجوز ورود الأمر بذلك ؟ سلمنا ذلك فلم لا يجوز أن يقال هذا الأمر يتناول المؤمنين ؟ قوله لأنه يصير ذلك أمرا بتحصيل الحاصل وهو محال، قلنا لما تعذر ذلك فنحمله إما على الأمر بالاستمرار على العبادة أو على الأمر بالازدياد منها، ومعلوم أن الزيادة على العبادة عبادة، فصح تفسير قوله  اعبدوا  بالزيادة في العبادة. البحث الخامس : قال منكرو التكليف : لا يجوز ورود الأمر من الله تعالى ب

### الآية 2:22

> ﻿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [2:22]

المسألة الثالثة : اعلم أنه سبحانه أمر بعبادته والأمر بعبادته موقوف على معرفة وجوده، ولما لم يكن العلم بوجوده ضروريا بل استدلاليا لا جرم أورد ههنا ما يدل على وجوده، واعلم أننا بينا في الكتب العقلية أن الطريق إلى إثباته سبحانه وتعالى إما الإمكان، وإما الحدوث. وإما مجموعهما، وكل ذلك إما في الجواهر أو في الأعراض، فيكون مجموع الطرق الدالة على وجوده سبحانه وتعالى ستة لا مزيد عليها. أحدها : الاستدلال بإمكان الذوات، وإليه الإشارة بقوله تعالى  والله الغني وأنتم الفقراء  وبقوله حكاية عن إبراهيم  فإنهم عدو لي إلا رب العالمين  وبقوله  وأن إلى ربك المنتهى  وقوله  قل الله ثم ذرهم   ففروا إلى الله ،  ألا بذكر الله تطمئن القلوب  وثانيها : الاستدلال بإمكان الصفات وإليه الإشارة بقوله  خلق السماوات والأرض  وبقوله  الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء  على ما سيأتي تقريره. وثالثها : الاستدلال بحدوث الأجسام. وإليه الإشارة بقول إبراهيم عليه السلام  لا أحب الآفلين  ورابعها : الاستدلال بحدوث الأعراض، وهذه الطريقة أقرب الطرق إلى أفهام الخلق، وذلك محصور في أمرين : دلائل الأنفس، ودلائل الآفاق، والكتب الإلهية في الأكثر مشتملة على هذين البابين، والله تعالى جمع ههنا بين هذين الوجهين. أما دلائل الأنفس، فهي أن كل أحد يعلم بالضرورة أنه ما كان موجودا قبل ذلك وأنه صار الآن موجودا وأن كل ما وجد بعد العدم فلابد له من موجد وذلك الموجد ليس هو نفسه ولا الأبوان ولا سائر الناس، لأن عجز الخلق عن مثل هذا التركيب معلوم بالضرورة فلابد من موجد يخالف هذه الموجودات حتى يصح منه إيجاد هذه الأشخاص إلا أن لقائل أن يقول ههنا : لم لا يجوز أن يكون المؤثر طبائع الفصول والأفلاك والنجوم ؟ 
ولما كان هذا السؤال محتملا ذكر الله تعالى عقيبه ما يدل على افتقار هذه الأشياء إلى المحدث والموجد وهو قوله  الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء . وهو المراد من دلائل الآفاق ويندرج فيها كل ما يوجد من تغييرات أحوال العالم من الرعد والبرق والرياح والسحاب واختلاف الفصول، وحاصلها يرجع إلى أن الأجسام الفلكية والأجسام العنصرية مشتركة في الجسمية، فاختصاص بعضها ببعض الصفات من المقادير والأشكال والأحياز لا يمكن أن يكون للجسمية ولا لشيء من لوازمها. وإلا وجب اشتراك الكل في تلك الصفات فلابد وأن يكون لأمر منفصل، وذلك الأمر إن كان جسما عاد البحث في أنه لم اختص بتلك المؤثرية من بين تلك الأجسام، -وإن لم يكن جسما فإما أن يكون موجبا أو مختارا. والأول باطل، وإلا لم يكن اختصاص بعض الأجسام ببعض الصفات أولى من العكس فلابد وأن يكون قادرا، فثبت بهذه الدلالة افتقار جميع الأجسام إلى مؤثر قادر ليس بجسم، ولا بجسماني، وعند هذا ظهر أن الاستدلال بحدوث الأعراض على وجود الصانع لا يكفي إلا بعد الاستعانة بإمكان الأعراض والصفات، وإذا عرفت هذا فنقول : إن الله تعالى إنما خص هذا النوع من الأدلة بالإيراد في أول كتابه لوجهين، الأول : أن هذا الطريق لما كان أقرب الطرق إلى أفهام الخلق وأشدها التصاقا بالعقول، وكانت الأدلة المذكورة في القرآن يجب أن تكون أبعدها عن الدقة وأقربها إلى الأفهام لينتفع به كل أحد من الخواص والعوام لا جرم ذكر الله تعالى في أول كتابه ذلك. الثاني : أنه ليس الغرض من الدلائل القرآنية المجادلة. بل الغرض منها تحصيل العقائد الحقة في القلوب، وهذا النوع من الدلائل أقوى من سائر الطرق في هذا الباب، لأن هذا النوع من الدلائل كما يفيد العلم بوجود الخالق فهو يذكر نعم الخالق علينا، فإن الوجود والحياة من النعم العظيمة علينا، وتذكير النعم مما يوجب المحبة وترك المنازعة وحصول الانقياد، فلهذا السبب كان ذكر هذا النوع من الأدلة أولى من سائر الأنواع. واعلم أن للسلف طرقا لطيفة في هذا الباب، أحدها : يروى أن بعض الزنادقة أنكر الصانع عند جعفر الصادق رضي الله عنه. فقال جعفر : هل ركبت البحر ؟ قال نعم. قال هل رأيت أهواله ؟ قال بلى ؛ هاجت يوما رياح هائلة فكسرت السفن وغرقت الملاحين، فتعلقت أنا ببعض ألواحها ثم ذهب عني ذلك اللوح فإذا أنا مدفوع في تلاطم الأمواج حتى دفعت إلى الساحل، فقال جعفر قد كان اعتمادك من قبل على السفينة والملاح ثم على اللوح حتى تنجيك، فلما ذهبت هذه الأشياء عنك هل أسلمت نفسك للهلاك أم كنت ترجو السلامة بعد ؟ قال بل رجوت السلامة، قال ممن كنت ترجوها فسكت الرجل فقال جعفر : إن الصانع هو الذي كنت ترجوه في ذلك الوقت، وهو الذي أنجاك من الغرق فأسلم الرجل على يده. 
وثانيها : جاء في كتاب **«ديانات العرب »** أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمران بن حصين :**«كم لك من إله »** قال : عشرة، قال :**«فمن لغمك وكربك ودفع الأمر العظيم إذا نزل بك من جملتهم ؟ »** قال : الله، قال عليه السلام :**«مالك من إله إلا الله »**، وثالثها : كان أبو حنيفة رحمه الله سيفا على الدهرية، وكانوا ينتهزون الفرصة ليقتلوه فبينما هو يوما في مسجده قاعد إذ هجم عليه جماعة بسيوف مسلولة وهموا بقتله فقال لهم : أجيبوني عن مسألة ثم افعلوا ما شئتم فقالوا له : هات، فقال : ما تقولون في رجل يقول لكم إني رأيت سفينة مشحونة بالأحمال مملوءة من الأثقال قد احتوشها في لجة البحر أمواج متلاطمة ورياح مختلفة وهي من بينها تجري مستوية ليس لها ملاح يجريها ولا متعهد يدفعها هل يجوز ذلك في العقل ؟ قالوا : لا، هذا شيء لا يقبله العقل ! فقال أبو حنيفة : يا سبحان الله إذا لم يجز في العقل سفينة تجري في البحر مستوية من غير متعهد ولا مجري فكيف يجوز قيام هذه الدنيا على اختلاف أحوالها وتغير أعمالها وسعة أطرافها وتباين أكنافها من غير صانع وحافظ ؟ فبكوا جميعا وقالوا : صدقت وأغمدوا سيوفهم وتابوا. ورابعها : سألوا الشافعي رضي الله عنه ما الدليل على وجود الصانع ؟ فقال : ورقة الفرصاد طعمها ولونها وريحها وطبعها واحد عندكم ؟ قالوا : نعم، قال : فتأكلها دودة القز فيخرج منها الابريسم، والنحل فيخرج منها العسل. والشاة فيخرج منها البعر، ويأكلها الظباء فينعقد في نوافجها المسك فمن الذي جعل هذه الأشياء كذلك مع أن الطبع واحد ؟ فاستحسنوا منه ذلك وأسلموا على يده وكان عددهم سبعة عشر. وخامسها : سئل أبو حنيفة رضي الله عنه مرة أخرى فتمسك بأن الوالد يريد الذكر فيكون أنثى، وبالعكس فدل على الصانع. وسادسها : تمسك أحمد بن حنبل رضي الله عنه بقلعة حصينة ملساء لا فرجة فيها ظاهرها كالفضة المذابة وباطنها كالذهب الإبريز، ثم انشقت الجدران وخرج من القلعة حيوان سميع بصير فلابد من الفاعل، عنى بالقلعة البيضة وبالحيوان الفرخ. وسابعها : سأل هارون الرشيد مالكا عن ذلك فاستدل باختلاف الأصوات وتردد النغمات وتفاوت اللغات. وثامنها : سئل أبو نواس عنه، فقال :

تأمل في نبات الأرض وانظر  إلى آثار ما صنع المليكعيون من لجين شاخصات  وأزهار كما الذهب السبيكعلى قضب الزبرجد شاهدات  بأن الله ليس له شريكوتاسعها : سئل أعرابي عن الدليل فقال : البعرة تدل على البعير. والروث على الحمير، وآثار الأقدام على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج. وبحار ذات أمواج، أما تدل على الصانع الحليم العليم القدير ؟ وعاشرها : قيل لطبيب : بم عرفت ربك ؟ قال باهليلج مجفف أطلق، ولعاب ملين أمسك ! وقال آخر : عرفته بنحلة بأحد طرفيها تعسل، والآخر تلسع ! والعسل مقلوب اللسع. وحادي عشرها : حكم البديهية في قوله  ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ،  فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين . 
المسألة الرابعة : قال القاضي : الفائدة في قوله  الذي خلقكم  أن العبادة لا تستحق إلا بذلك، فلما ألزم عباده بالعبادة بين ماله ولأجله تلزم العبادة. فإن قيل فما الفائدة في قوله  والذين من قبلكم  وخلق الله من قبلهم لا يقتضي وجوب العبادة عليهم، قلنا الجواب من وجهين. الأول : إن الأمر وإن كان على ما ذكرت ولكن علمهم بأن الله تعالى خلقهم كعلمهم بأنه تعالى خلق من قبلهم لأن طريقة العلم بذلك واحدة. الثاني : أن من قبلهم كالأصول لهم، وخلق الأصول يجري مجرى الإنعام على الفروع فكأنه تعالى يذكرهم عظيم إنعامه عليهم، كأنه تعالى يقول : لا تظن أني إنما أنعمت عليك حين وجدت بل كنت منعما عليك قبل أن وجدت بألوف سنين بسبب أني كنت خالقا لأصولك وآبائك. 
المسألة الخامسة : في قوله تعالى  لعلكم تتقون  بحثان. البحث الأول : أن كلمة لعل للترجي والإشفاق، تقول لعل زيدا يكرمني وقال تعالى  لعله يتذكر أو يخشى ،  لعل الساعة قريب  ألا ترى إلى قوله  والذين آمنوا مشفقون منها  والترجي والإشفاق لا يحصلان إلا عند الجهل بالعاقبة وذلك على الله تعالى محال، فلابد فيه من التأويل وهو من وجوه. أحدها : أن معنى **«لعل »** راجع إلى العباد لا إلى الله تعالى فقوله  لعله يتذكر أو يخشى  أي اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما في إيمانه، ثم الله تعالى عالم بما يؤول إليه أمره. وثانيها : أن من عادة الملوك والعظماء أن يقتصروا في مواعيدهم التي يوطنون أنفسهم على إنجازها على أن يقولوا لعل وعسى ونحوهما من الكلمات، أو للظفر منهم بالرمزة. أو الابتسامة أو النظرة الحلوة فإذا عثر على شيء من ذلك لم يبق للطالب شك في الفوز بالمطلوب فعلى هذا الطريق ورد لفظ لعل في كلام الله تعالى. وثالثها : ما قيل أن لعل بمعنى كي، قال صاحب الكشاف : ولعل لا يكون بمعنى كي، ولكن كلمة لعل للأطماع، والكريم الرحيم إذا أطمع فعلى ما يطمع فيه لا محالة تجري أطماعه مجرى وعده المحتوم، فلهذا السبب قيل لعل في كلام الله تعالى بمعنى كي. ورابعها : أنه تعالى فعل بالمكلفين ما لو فعله غيره لاقتضى رجاء حصول المقصود، لأنه تعالى لما أعطاهم القدرة على الخير والشر وخلق لهم العقول الهادية وأزاح أعذارهم، فكل من فعل بغيره ذلك فإنه يرجو منه حصول المقصود، فالمراد من لفظة لعل فعل ما لو فعله غيره لكان موجبا للرجاء. خامسها : قال القفال : لعل مأخوذ من تكرر الشيء كقولهم عللا بعد نهل، واللام فيها هي لام التأكيد كاللام التي تدخل في لقد، فأصل لعل عل، لأنهم يقولون علك أن تفعل كذا، أي لعلك، فإذا كانت حقيقته التكرير والتأكيد كان قول القائل : افعل كذا لعلك تظفر بحاجتك معنا. افعله فإن فعلك له يؤكد طلبك له ويقويك عليه. البحث الثاني : أن لقائل أن يقول : إذا كانت العبادة تقوى فقوله  اعبدوا ربكم لعلكم تتقون  جار مجرى قوله : اعبدوا ربكم لعلكم تعبدون. أو اتقوا ربكم لعلكم تتقون، والجواب من وجهين. الأول : لا نسلم أن العبادة نفس التقوى، بل العبادة فعل يحصل به التقوى، لأن الاتقاء هو الاحتراز عن المضار، والعبادة فعل المأمور به، ونفس هذا الفعل ليس هو نفس الاحتراز عن المضار بل يوجب الاحتراز، فكأنه تعالى قال : اعبدوا ربكم لتحترزوا به عن عقابه، وإذا قيل في نفس الفعل إنه اتقاء فذلك مجاز لأن الاتقاء غير ما يحصل به الاتقاء، لكن لاتصال أحد الأمرين بالآخر أجرى اسمه عليه. ا

### الآية 2:23

> ﻿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [2:23]

قوله تعالى  وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين . 
الكلام في النبوة
**في الآية مسائل :**
المسألة الأولى : اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أقام الدلائل القاهرة على إثبات الصانع وأبطل القول بالشريك عقبه بما يدل على النبوة، وذلك يدل على فساد قول التعليمية الذين جعلوا معرفة الله مستفادة من معرفة الرسول، وقول الحشوية الذين يقولون لا تحصل معرفة الله إلا من القرآن والأخبار، ولما كانت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم مبنية على كون القرآن معجزا أقام الدلالة على كونه معجزا. واعلم أن كونه معجزا يمكن بيانه من طريقين. الأول : أن يقال إن هذا القرآن لا يخلو حاله من أحد وجوه ثلاثة : إما أن يكون مساويا لسائر كلام الفصحاء أو زائدا على سائر كلام الفصحاء بقدر لا ينقض العادة أو زائدا عليه بقدر ينقض، والقسمان الأولان باطلان فتعين الثالث، وإنما قلنا إنهما باطلان، لأنه لو كان كذلك لكان من الواجب أن يأتوا بمثل سورة منه إما مجتمعين أو منفردين، فإن وقع التنازع وحصل الخوف من عدم القبول فالشهود والحكام يزيلون الشبهة، وذلك نهاية في الاحتجاج لأنهم كانوا في معرفة اللغة والاطلاع على قوانين الفصاحة في الغاية. وكانوا في محبة إبطال أمره في الغاية حتى بذلوا النفوس والأموال وارتكبوا ضروب المهالك والمحن، وكانوا في الحمية والأنفة على حد لا يقبلون الحق فكيف الباطل، وكل ذلك يوجب الإتيان بما يقدح في قوله والمعارضة أقوى القوادح، فلما لم يأتوا بها علمنا عجزهم عنها فثبت أن القرآن لا يماثل قولهم، وأن التفاوت بينه وبين كلامهم ليس تفاوتا معتادا فهو إذن تفاوت ناقض للعادة فوجب أن يكون معجزا، فهذا هو المراد من تقرير هذه الدلالة فظهر أنه سبحانه كما لم يكتف في معرفة التوحيد بالتقليد فكذا في معرفة النبوة لم يكتف بالتقليد ؛ واعلم أنه قد اجتمع في القرآن وجوه كثيرة تقتضي نقصان فصاحته، ومع ذلك فإنه في الفصاحة بلغ النهاية التي لا غاية لها وراءها فدل ذلك على كونه معجزا، أحدها : أن فصاحة العرب أكثرها في وصف مشاهدات مثل وصف بعير أو فرس أو جارية أو ملك أو ضربة أو طعنة أو وصف حرب أو وصف غارة وليس في القرآن من هذه الأشياء شيء فكان يجب أن لا تحصل فيه الألفاظ الفصيحة التي اتفقت العرب عليها في كلامهم، وثانيها : أنه تعالى راعى فيه طريقة الصدق وتنزه عن الكذب في جميعه وكل شاعر ترك الكذب والتزم الصدق نزل شعره ولم يكن جيدا ألا ترى أن لبيد بن ربيعة وحسان بن ثابت لما أسلما نزل شعرهما. ولم يكن شعرهما الإسلامي في الجودة كشعرهما الجاهلي وأن الله تعالى مع ما تنزه عن الكذب والمجازفة جاء بالقرآن فصيحا كما ترى. وثالثها : أن الكلام الفصيح والشعر الفصيح إنما يتفق في القصيدة في البيت والبيتين. والباقي لا يكون كذلك، وليس كذلك القرآن لأنه كله فصيح بحيث يعجز الخلق عنه كما عجزوا عن جملته. ورابعها : أن كل من قال شعرا فصيحا في وصف شيء فإنه إذا كرره لم يكن كلامه الثاني في وصف ذلك الشيء بمنزلة كلامه الأول. وفي القرآن التكرار الكثير ومع ذلك كل واحد منها في نهاية الفصاحة ولم يظهر التفاوت أصلا. وخامسا : أنه اقتصر على إيجاب العبادات وتحريم القبائح والحث على مكارم الأخلاق وترك الدنيا واختيار الآخرة، وأمثال هذه الكلمات توجب تقليل الفصاحة. وسادسها : أنهم قالوا إن شعر امرئ القيس يحسن عند الطرب وذكر النساء وصفة الخيل. وشعر النابغة عند الخوف، وشعر الأعشى عند الطلب ووصف الخمر، وشعر زهير عند الرغبة والرجاء، وبالجملة فكل شاعر يحسن كلامه في فن فإنه يضعف كلامه في غير ذلك الفن، أما القرآن فإنه جاء فصيحا في كل الفنون على غاية الفصاحة، ألا ترى أنه سبحانه وتعالى قال في الترغيب  فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين  وقال تعالى  وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين  وقال في الترهيب  أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر  الآيات وقال  أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم  الآية وقال  وخاب كل جبار عنيد  إلى قوله  ويأتيه الموت من كل مكان  وقال في الزجر ما لا يبلغه وهم البشر وهو قوله  فكلا أخذنا بذنبه  إلى قوله  ومنهم من أغرقنا  وقال في الوعظ ما لا مزيد عليه  أفرأيت إن متعناهم سنين  وقال في الإلهيات  الله يعلم ما تحمل كل أنثى ما تغيض الأرحام وما تزداد  إلى آخره. وسابعها : أن القرآن أصل العلوم كلها فعلم الكلام كله في القرآن، وعلم الفقه كله مأخوذ من القرآن، وكذا علم أصول الفقه. وعلم النحو واللغة، وعلم الزهد في الدنيا وأخبار الآخرة، واستعمال مكارم الأخلاق، ومن تأمل كتابنا في دلائل الإعجاز علم أن القرآن قد بلغ في جميع وجوه الفصاحة إلى النهاية القصوى، الطريق الثاني : أن نقول : القرآن لا يخلوا إما أن يقال إنه كان بالغا في الفصاحة إلى حد الإعجاز، أو لم يكن كذلك فإن كان الأول ثبت أنه معجز. وإن كان الثاني كانت المعارضة على هذا التقدير ممكنة فعدم إتيانهم بالمعارضة مع كون المعارضة ممكنة ومع توفر دواعيهم على الإتيان بها أمر خارق العادة فكان ذلك معجزا فثبت أن القرآن معجز على جميع الوجوه وهذا الطريق عندنا أقرب إلى الصواب. 
المسألة الثانية : إنما قال  نزلنا  على لفظ التنزيل دون الإنزال لأن المراد النزول على سبيل التدريج، وذكر هذا اللفظ هو اللائق بهذا المكان لأنهم كانوا يقولون : لو كان هذا من عند الله ومخالفا لما يكون من عند الناس لم ينزل هكذا نجوما سورة بعد سورة على حسب النوازل ووقوع الحوادث وعلى سنن ما نرى عليه أهل الخطابة والشعر من وجود ما يوجد منهم مفرقا حينا فحينا بحسب ما يظهر من الأحوال المتجددة والحاجات المختلفة فإن الشاعر لا يظهر ديوان شعره دفعة والمترسل لا يظهر ديوان رسائله وخطبه دفعة فلو أنزله الله تعالى لأنزله على خلاف هذه العادة جملة  وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة  والله سبحانه وتعالى ذكر ههنا ما يدل على أن القرآن معجز مع ما يزيل هذه الشبهة وتقريره أن هذا القرآن النازل على هذا التدريج إما أن يكون من جنس مقدور البشر أو لا يكون، فإن كان الأول وجب إتيانهم بمثله أو بما يقرب منه على التدريج، وإن كان الثاني ثبت أنه مع نزوله على التدريج معجز وقرئ **«على عبادنا »** يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته. 
المسألة الثالثة : السورة هي طائفة من القرآن، وواوها إن كانت أصلا فإما أن تسمى بسور المدينة وهو حائطها لأنها طائفة من القرآن محدودة كالبلد المسور أو لأنها محتوية على فنون من العلم كاحتواء سور المدينة على ما فيها، وإما أن تسمى بالسورة التي هي الرتبة لأن السورة بمنزلة المنازل والمراتب يترقى فيها القارئ وهي أيضا في أنفسها طوال وأوساط وقصار. أو لرفعة شأنها وجلالة محلها في الدين، وإن جعلت واوها منقلبة عن همزة فلأنها قطعة وطائفة من القرآن كالسورة التي هي البقية من الشيء والفضلة منه. فإن قيل فما فائدة تقطيع القرآن سورا قلنا من وجوه. أحدها : ما لأجله بوب المصنفون كتبهم أبوابا وفصولا. وثانيها : أن الجنس إذا حصل تحته أنواع كان أفراد كل نوع عن صاحبه أحسن. وثالثها : أن القارئ إذا ختم سورة أو بابا من الكتاب ثم أخذ في آخر كان أنشط له وأثبت على التحصيل منه لو استمر على الكتاب بطوله، ومثله المسافر إذا علم أنه قطع ميلا أو طوى فرسخا نفس ذلك عنه ونشطه للسير. ورابعها : أن الحافظ إذا حفظ السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها فيجل في نفسه ذلك ويغتبط به، ومن ثم كانت القراءة في الصلاة بسورة تامة أفضل. 
المسألة الرابعة : قوله  فأتوا بسورة من مثله  يدل على أن القرآن وما هو عليه من كونه سورا هو على حد ما أنزله الله تعالى بخلاف قول كثير من أهل الحديث : أنه نظم على هذا الترتيب في أيام عثمان فلذلك صح التحدي مرة بسورة ومرة بكل القرآن. 
المسألة الخامسة : اعلم أن التحدي بالقرآن جاء على وجوه. أحدها : قوله
 فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى . وثانيها : قوله  قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا . وثالثها : قوله  فأتوا بعشر سور مثله مفتريات . ورابعها : قوله  فأتوا بسورة من مثله  ونظير هذا كمن يتحدى صاحبه بتصنيفه فيقول ائتني بمثله، ائتني بنصفه، ائتني بربعه، ائتني بمسألة منه، فإن هذا هو النهاية في التحدي وإزالة العذر فإن قيل قوله  فأتوا بسورة من مثله  يتناول سورة الكوثر، وسورة العصر وسورة قل يا أيها الكافرون، ونحن نعلم بالضرورة أن الإتيان بمثله أو بما يقرب منه ممكن فإن قلتم إن الإتيان بأمثال هذه السور خارج عن مقدور البشر كان ذلك مكابرة والإقدام على أمثال هذه المكابرات مما يطرق التهمة إلى الدين، قلنا فلهذا السبب اخترنا الطريق الثاني، وقلنا إن بلغت هذه السورة في الفصاحة إلى حد الإعجاز فقد حصل المقصود، وإن لم يكن الأمر كذلك كان امتناعهم عن المعارضة مع شدة دواعيهم إلى توهين أمره معجزا. فعلى هذين التقديرين يحصل المعجز. 
المسألة السادسة : الضمير في قوله  من مثله  إلى ماذا يعود وفيه وجهان : أحدهما : أنه عائد إلى **«ما »** في قوله  مما نزلنا على عبدنا  أي فأتوا بسورة مما هو على صفته في الفصاحة وحسن النظم والثاني : أنه عائد إلى **«عبدنا »** أي فأتوا ممن هو على حاله من كونه بشرا أميا لم يقرأ الكتب ولم يأخذ من العلماء، والأول مروي عن عمر وابن مسعود، وابن عباس والحسن وأكثر المحققين، ويدل على الترجيح له وجوه. أحدها : أن ذلك مطابق لسائر الآيات الواردة في باب التحدي لاسيما ما ذكره في يونس  فأتوا بسورة مثله . وثانيها : أن البحث إنما وقع في المنزل لأنه قال  وإن كنتم في ريب مما نزلنا  فوجب صرف الضمير إليه، ألا ترى أن المعنى وإن ارتبتم في أن القرآن منزل من عند الله فهاتوا شيئا مما يماثله وقضية الترتيب لو كان الضمير مردودا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقال : وإن ارتبتم في أن محمد منزل عليه فهاتوا قرآنا من مثله. وثالثها : أن الضمير لو كان عائدا إلى القرآن لاقتضى كونهم عاجزين عن الإتيان بمثله سواء اجتمعوا أو انفردوا وسواء كانوا أميين أو كانوا عالمين محصلين، أما لو كان عائدا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فذلك لا يقتضي إلا كون أحدهم من الأميين عاجزين عنه لأنه لا يكون مثل محمد إلا الشخص الواحد الأمي فأما لو اجتمعوا وكانوا قارئين لم يكونوا مثل محمد، لأن الجماعة لا تماثل الواحد، والقارئ لا يكون مثل الأمي، ولا شك أن الإعجاز على الوجه الأول أقوى. ورابعها : أنا لو صرفنا الضمير إلى القرآن فكونه معجزا إنما يكمل بتقرير كمال حاله في كونه أميا بعيدا عن العلم. وهذا وإن كان معجزا أيضا إلا أنه لما كان لا يتم إلا بتقرير نوع من النقصان في حق محمد عليه السلام كان الأول أولى. وخامسها : أنا لو صرفنا الضمير إلى محمد عليه السلام لكان ذلك يوهم أن صدور مثله القرآن ممن

### الآية 2:24

> ﻿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [2:24]

أما قوله تعالى  فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا  فاعلم أن هذه الآية دالة على المعجز من وجوه أربعة أحدها : أنا نعلم بالتواتر أن العرب كانوا في غاية العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفي غاية الحرص على إبطال أمره، لأن مفارقة الأوطان والعشيرة وبذل النفوس والمهج من أقوى ما يدل على ذلك، فإذا انضاف إليه مثل هذا التقريع وهو قوله تعالى  فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا  فلو كان في وسعهم وإمكانهم الإتيان بمثل القرآن أو بمثل سورة منه لأتوا به، فحيث ما أتوا به ظهر المعجز. وثانيها : وهو أنه عليه السلام وإن كان متهما عندهم فيما يتصل بالنبوة فقد كان معلوم الحال في وفور العقل والفضل والمعرفة بالعواقب، فلو تطرقت التهمة إلى ما ادعاه من النبوة لما استجاز أن يتحداهم ويبلغ في التحدي إلى نهايته، بل كان يكون وجلا خائفا مما يتوقعه من فضيحة يعود وبالها على جميع أموره، حاشاه من ذلك صلى الله عليه وسلم، فلولا معرفته بالاضطرار من حالهم أنهم عاجزون عن المعارضة لما جوز من نفسه أن يحملهم على المعارضة بأبلغ الطرق. وثالثها : أنه عليه السلام لو لم يكن قاطعا بصحة نبوته لما قطع في الخبر بأنهم لا يأتون بمثله، لأنه إذا لم يكن قاطعا بصحة نبوته كان يجوز خلافه، وبتقدير وقوع خلافه يظهر كذبه، فالمبطل المزور البتة لا يقطع في الكلام. ولا يجزم به، فلما جزم دل على أنه عليه الصلاة والسلام كان قاطعا في أمره، ورابعها : أنه وجد مخبر هذا الخبر على ذلك الوجه لأن من أيامه عليه الصلاة والسلام إلى عصرنا هذا لم يخل وقت من الأوقات ممن يعادي الدين والإسلام وتشتد دواعيه في الوقيعة فيه. ثم إنه مع هذا الحرص الشديد لم توجد المعارضة قط، فهذه الوجوه الأربعة في الدلالة على المعجز مما تشتمل عليها هذه الآية، وذلك يدل على فساد قول الجهال الذين يقولون إن كتاب الله لا يشتمل على الحجة والاستدلال، وههنا سؤالات. السؤال الأول : انتفاء إتيانهم بالسورة واجب، فهلا جيء بإذا الذي للوجوب دون **«إن »** الذي للشك الجواب فيه وجهان : أحدهما : أن يساق القول معهم على حسب حسبانهم، فإنهم كانوا بعد غير جازمين بالعجز عن المعارضة لاتكالهم على فصاحتهم واقتدارهم على الكلام. الثاني : أن يتهكم بهم كما يقول الموصوف بالقوة الواثق من نفسه بالغلبة على من يقاومه : إن غلبتك، وهو يعلم أنه غالبه تهكما به. السؤال الثاني : لم قال  فإن لم تفعلوا  ولم يقل فإن لم تأتوا به ؟ الجواب : لأن هذا أخصر من أن يقال فإن لم تأتوا بسورة من مثله ولن تأتوا بسورة من مثله. السؤال الثالث : ولن تفعلوا  ما محلها ؟ الجواب لا محل لها لأنها جملة اعتراضية. السؤال الرابع : ما حقيقة لن في باب النفي ؟ الجواب : لا ولن أختان في نفي المستقبل إلا أن في **«لن »** توكيدا وتشديدا تقول لصاحبك : لا أقيم غدا عندك، فإن أنكر عليك قلت لن أقيم غدا، ثم فيه ثلاثة أقوال. أحدها : أصله لا أن، وهو قول الخليل. وثانيها : لا، أبدلت ألفها نونا، وهو قول الفراء. وثالثها : حرف نصب لتأكيد نفي المستقبل وهو قول سيبويه، وإحدى الروايتين عن الخليل. السؤال الخامس : ما معنى اشتراطه في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله ؟ الجواب : إذا ظهر عجزهم عن المعارضة صح عندهم صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا صح ذلك ثم لزموا العناد استوجبوا العقاب بالنار، فاتقاء النار يوجب ترك العناد، فأقيم المؤثر مقام الأثر، وجعل قوله  فاتقوا النار  قائما مقام قوله فاتركوا العناد، وهذا هو الإيجاز الذي هو أحد أبواب البلاغة وفيه تهويل لشأن العناد ؛ لإنابة اتقاء النار منابه متبعا ذلك بتهويل صفة النار. السؤال السادس : ما الوقود ؟ الجواب : هو ما يوقد به النار وأما المصدر فمضمون وقد جاء فيه الفتح، قال سيبويه : وسمعنا من العرب من يقول وقدنا النار وقودا عاليا، ثم قال والوقود أكثر، والوقود الحطب وقرأ عيسى بن عمر بالضم تسمية بالمصدر كما يقال فلان فخر قومه وزين بلده. السؤال السابع : صلة الذي يجب أن تكون قضية معلومة فكيف علم أولئك أن نار الآخرة توقد بالناس والحجارة ؟ الجواب، لا يمنع أن يتقدم لهم بذلك سماع من أهل الكتاب، أو سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سمعوا من قبل هذه الآية قوله في سورة التحريم  نارا وقودها الناس والحجارة . السؤال الثامن : فلم جاءت النار الموصوفة بهذه الجملة منكرة في سورة التحريم وههنا معرفة ؟ الجواب : تلك الآية نزلت بمكة فعرفوا منها نارا موصوفة بهذه الصفة ثم نزلت هذه بالمدينة مستندة إلى ما عرفوه أولا. السؤال التاسع : ما معنى قوله  وقودها الناس والحجارة  الجواب : أنها نار ممتازة من النيران بأنها لا تتقد إلا بالناس والحجارة، وذلك يدل على قوتها من وجهين. الأول : أن سائر النيران إذا أريد إحراق الناس بها أو إجماء الحجارة أوقدت أولا بوقود ثم طرح فيها ما يراد إحراقه أو إحماؤه، وتلك أعاذنا الله منها برحمته الواسعة توقد بنفس ما تحرق. الثاني : أنها لإفراط حرها تتقد في الحجر. 
السؤال العاشر : لم قرن الناس بالحجارة وجعلت الحجارة معهم وقودا ؟ الجواب : لأنهم قرنوا بها أنفسهم في الدنيا حيث نحتوها أصناما وجعلوها لله أندادا وعبدوها من دونه قال تعالى  إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم  وهذه الآية مفسرة لها فقوله  إنكم وما تعبدون من دون الله  في معنى الناس والحجارة وحصب جهنم في معنى وقودها ولما اعتقد الكفار في حجارتهم المعبودة من دون الله أنها الشفعاء والشهداء الذين يستشفعون بهم ويستدفعون المضار عن أنفسهم تمسكا بهم، وجعلها الله عذابهم فقرنهم بها محماة في نار جهنم إبلاغا وإغرابا في تحسرهم، ونحوه ما يفعله بالكافرين الذين جعلوا ذهبهم وفضتهم عدة وزخيرة فشحوا بها ومنعوها من الحقوق حيث يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباهم وجنوبهم وظهورهم، وقيل هي حجارة الكبريت، وهو تخصيص بغير دليل، بل فيه ما يدل على فساده، وذلك لأن الغرض ههنا تعظيم صفة هذه النار والإيقاد بحجارة الكبريت أمر معتاد فلا يدل الإيقاد بها على قوة النار، أما لو حملناه على سائر الأحجار دل ذلك على عظم أمر النار فإن سائر الأحجار تطفأ بها النيران فكأنه قال تلك النيران بلغت لقوتها أن تتعلق في أول أمرها بالحجارة التي هي مطفئة لنيران الدنيا، أما قوله  أعدت للكافرين  فإنه يدل على أن هذه النار الموصوفة معدة للكافرين، وليس فيه ما يدل على أن هناك نيرانا أخرى غير موصوفة بهذه الصفات معدة لفساق أهل الصلاة.

### الآية 2:25

> ﻿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا ۙ قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ ۖ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ۖ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:25]

قوله تعالى  وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون . 
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما تكلم في التوحيد والنبوة تكلم بعدهما في المعاد وبين عقاب الكافر وثواب المطيع ومن عادة الله تعالى أنه إذا ذكر آية في الوعيد أن يعقبها بآية في الوعد وههنا مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن مسألة الحشر والنشر من المسائل المعتبرة في صحة الدين والبحث عن هذه المسألة إما أن يقع عن إمكانها أو عن وقوعها، أما الإمكان فيجوز إثباته تارة بالعقل، وبالنقل أخرى، وأما الوقوع فلا سبيل إليه إلا بالنقل، وإن الله ذكر هاتين المسألتين في كتابه وبين الحق فيهما من وجوه. الوجه الأول : أن كثيرا ما حكى عن المنكرين إنكار الحشر والنشر، ثم إنه تعالى حكم بأنه واقع كائن من غير ذكر الدليل فيه، وإنما جاز ذلك لأن كل ما لا يتوقف صحة نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم عليه أمكن إثباته بالدليل النقلي، هذه المسألة كذلك فجاز إثباتها بالنقل، مثاله ما حكم ههنا بالنار للكفار، والجنة للأبرار، وما أقام عليه دليلا بل اكتفى بالدعوى، وأما في إثبات الصانع وإثبات النبوة فلم يكتف فيه بالدعوى بل ذكر فيه الدليل، وسبب الفرق ما ذكرناه وقال في سورة النحل  وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون  وقال في سورة التغابن  زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم . الوجه الثاني : أنه تعالى أثبت إمكان الحشر والنشر بناء على أنه تعالى قادر على أمور تشبه الحشر والنشر، وقد قرر الله تعالى هذه الطريقة على وجوه، فأجمعها ما جاء في سورة الواقعة فإنه تعالى ذكر فيها حكاية عن أصحاب الشمال أنهم كانوا يقولون  أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون ، فأجابهم الله تعالى بقوله  قل إن الأولين والأخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم  ثم إنه تعالى احتج على إمكانه بأمور أربعة. أولها : قوله  أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون  وجه الاستدلال بذلك أن المني إنما يحصل من فضلة الهضم الرابع وهو كالطل المنبث في آفاق أطراف الأعضاء ولهذا تشترك الأعضاء في الالتذاذ بالوقاع بحصول الانحلال عنها كلها، ثم أن الله تعالى سلط قوة الشهوة على البقية حتى أنها تجمع تلك الأجزاء الطلية، فالحاصل أن تلك الأجزاء كانت متفرقة جدا، أولا في أطراف العالم، ثم أنه تعالى جمعها في بدن ذلك الحيوان، ثم إنها كانت متفرقة في أطراف بدن ذلك الحيوان فجمعها الله سبحانه وتعالى في أوعية المني، ثم إنه تعالى أخرجها ماء دافقا إلى قرار الرحم فإذا كانت هذه الأجزاء متفرقة فجمعها وكون منها ذلك الشخص، فإذا افترقت بالموت مرة أخرى فكيف يمتنع عليه جمعها مرة أخرى ؟ فهذا تقرير هذه الحجة، وإن الله تعالى ذكرها في مواضع من كتابه، منها في سورة الحج  يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب  إلى قوله  وترى الأرض هامدة  ثم قال  ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور  وقال في سورة قد أفلح المؤمنون بعد ذكر مراتب الخلقة  ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون  وقال في سورة لا أقسم  ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى  وقال في سورة الطارق  فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج  إلى قوله  إنه على رجعه لقادر . وثانيها قوله  أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه  إلى قوله  بل نحن محرومون  وجه الاستدلال به أن الحب وأقسامه من مطول مشقوق وغير مشقوق، كالأرز والشعير، ومدور ومثلث ومربع، وغير ذلك على اختلاف أشكاله إذا وقع في الأرض الندية واستولى عليه الماء والتراب، فالنظر العقلي يقتضي أن يتعفن ويفسد، لأن أحدهما يكفي في حصول العفونة، ففيهما جميعا أولى، ثم إنه لا يفسد بل يبقى محفوظا، ثم إذا ازدادت الرطوبة تنفلق الحبة فلقتين فيخرج منها ورقتان، وأما المطول فيظهر في رأسه ثقب وتظهر الورقة الطويلة كما في الزرع، وأما النوى فما فيه من الصلابة العظيمة التي بسببها يعجز عن فلقه أكثر الناس إذا وقع في الأرض الندية ينفلق بإذن الله، ونواة التمر تنفلق من نقرة على ظهرها ويصير مجموع النواة من نصفين يخرج من أحد النصفين الجزء الصاعد، ومن الثاني الجزء الهابط، أما الصاعد فيصعد، وأما الهابط فيغوص في أعماق الأرض، والحاصل أنه يخرج من النواة الصغيرة شجرتان إحداهما خفيف صاعد، والأخرى ثقيل هابط مع اتحاد العنصر واتحاد طبع النواة والماء والهواء والتربة أفلا يدل ذلك على قدرة كاملة وحكمة شاملة فهذا القادر كيف يعجز عن جمع الأجزاء وتركيب الأعضاء. ونظيره قوله تعالى في الحج  وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت . وثالثها : قوله تعالى  أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون ؟  وتقديره أن الماء جسم ثقيل بالطبع، وإصعاد الثقيل أمر على خلاف الطبع، فلابد من قادر قاهر يقهر الطبع ويبطل الخاصية ويصعد ما من شأنه الهبوط والنزول. وثانيها : أن تلك الذرات المائية اجتمعت بعد تفرقها. وثالثها : تسييرها بالرياح. ورابعها : إنزالها في مظان الحاجة والأرض الجرز، وكل ذلك يدل على جواز الحشر. أما صعود الثقيل فلأنه قلب الطبيعة، فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يظهر الحياة والرطوبة من حساوة التراب والماء ؟ والثاني : لما قدر على جمع تلك الذرات المائية بعد تفرقها فلم لا يجوز جمع الأجزاء الترابية بعد تفرقها ؟ والثالث : تسيير الرياح فإذا قدر على تحريك الرياح التي تضم بعض تلك الأجزاء المتجانسة إلى بعض فلم لا يجوز ههنا ؟ والرابع : أنه تعالى أنشأ السحاب لحاجة الناس إليه فههنا الحاجة إلى إنشاء المكلفين مرة أخرى ليصلوا إلى ما استحقوه من الثواب والعقاب أولى واعلم أن الله تعالى عبر عن هذه الدلالة في موضع آخر من كتابه فقال في الأعراف لما ذكر دلالة التوحيد  إن ربكم الله الذي  إلى قوله  قريب من المحسنين  ثم ذكر دليل الحشر فقال  وهو الذي يرسل الرياح  إلى قوله  كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون  ورابعها : قوله  أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون  وجه الاستدلال أن النار صاعدة والشجرة هابطة، وأيضا النار لطيفة، والشجرة كثيفة. وأيضا النار نورانية والشجرة ظلمانية، والنار حارة يابسة والشجرة باردة رطبة، فإذا أمسك الله تعالى في داخل تلك الشجرة الأجزاء النورانية النارية فقد جمع بقدرته بين هذه الأشياء المتنافرة، فإذا لم يعجز عن ذلك فكيف يعجز عن تركيب الحيوانات وتأليفها ؟ والله تعالى ذكر هذه الدلالة في سورة يس فقال  الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا . 
واعلم أنه تعالى ذكر في هذه السورة أمر الماء والنار وذكر في النمل أمر الهواء بقوله  أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر  إلى قوله  أمن يبدأ الخلق ثم يعيده  وذكر الأرض في الحج في قوله  وترى الأرض هامدة  فكأنه سبحانه وتعالى بين أن العناصر الأربعة على جميع أحوالها شاهدة بإمكان الحشر والنشر. النوع الثاني : من الدلائل الدالة على إمكان الحشر : هو أنه تعالى يقول : لما كنت قادرا على الإيجاد أولا فلأن أكون قادرا على الإعادة أولى. وهذه الدلالة تقريرها في العقل ظاهر، وأنه تعالى ذكرها في مواضع من كتابه، منها في البقرة  كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون  ومنها قوله في سبحان الذي  وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا قل كونوا حجارة  إلى قوله  قل الذي فطركم أول مرة  ومنها في العنكبوت  أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده  ومنها قوله في الروم  وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى  ومنها في يس  قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ، النوع الثالث : الاستدلال باقتداره على السماوات على اقتداره على الحشر. وذلك في آيات منها في سورة سبحان  أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم 
وقال في يس  أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم  وقال في الأحقاف  أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير  ومنها في سورة ق  أئذا متنا وكنا ترابا  إلى قوله  رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج  ثم قال  أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد . النوع الرابع : الاستدلال على وقوع الحشر بأنه لابد من إثابة المحسن وتعذيب العاصي وتمييز أحدهما من الآخر بآيات، منها في يونس  إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين ءامنوا وعملوا الصالحات بالقسط  ومنها في طه  إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى  ومنها في ص  وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار. أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار . النوع الخامس : الاستدلال بإحياء الموتى في الدنيا على صحة الحشر والنشر فمنها خلقه آدم عليه الصلاة والسلام ابتداء ومنها قصة البقرة وهي قوله  فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى  ومنها قصة إبراهيم عليه السلام  رب أرني كيف تحيي الموتى  ومنها قوله  أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها  ومنها قصة يحيى وعيسى عليهما السلام فإنه تعالى استدل على إمكانهما بعين ما استدل به على جواز الحشر حيث قال  وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا  ومنها في قصة أصحاب الكهف ولذلك قال  ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها  ومنها قصة أيوب عليه السلام وهي قوله  وآتيناه أهله  يدل على أنه تعالى أحياهم بعد أن ماتوا ومنها ما أظهر الله تعالى على يد عيسى عليه السلام من إحياء الموتى حيث قال  ويحيي الموتى  وقال  وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني  ومنها قوله  أولا يذكر إلإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا  فهذا هو الإشارة إلى أصول الدلائل التي ذكرها الله تعالى في كتابه على صحة القول بالحشر، وسيأتي الاستقصاء في تفسير كل آية من هذه الآيات عند الوصول إليها إن شاء الله تعالى، ثم إنه تعالى نص في القرآن على أن منكر الحشر والنشر كافر، والدليل عليه قوله  ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب  ووجه إلزام الكفر أن دخول هذا الشيء في الوجود في نفسه، إذ لو كان ممتنع الوجود لما وجد في المرة الأولى فحيث وجد في المرة الأولى علمنا أنه ممكن الوجود في ذاته، فلو لم يصح ذلك من الله تعالى لدل ذلك إما على عجزه

### الآية 2:26

> ﻿۞ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ [2:26]

قوله تعالى  إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون . 
اعلم أنه بين بالدليل كون القرآن معجزا أورد ههنا شبهة أوردها الكفار قدحا في ذلك وأجاب عنها وتقرير الشبهة أنه جاء في القرآن ذكر النحل والذباب والعنكبوت والنمل وهذه الأشياء لا يليق ذكرها بكلام الفصحاء فاشتمال القرآن عليها يقدح في فصاحته فضلا عن كونه معجزا، فأجاب الله تعالى عنه بأن صغر هذه الأشياء لا يقدح في الفصاحة إذا كان ذكرها مشتملا على حكم بالغة، فهذا هو الإشارة إلى كيفية تعلق هذه الآية بما قبلها ثم في هذه الآية مسائل :
المسألة الأولى : عن ابن عباس أنه لما نزل  يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له  فطعن في أصنامهم ثم شبه عبادتها ببيت العنكبوت قالت اليهود أي قدر للذباب والعنكبوت حتى يضرب الله المثل بهما فنزلت هذه الآية. والقول الثاني : أن المنافقين طعنوا في ضرب الأمثال بالنار والظلمات والرعد والبرق في قوله  مثلهم كمثل الذي استوقد نارا  والقول الثالث : أن هذا الطعن كان من المشركين قال القفال : الكل محتمل ههنا، أما اليهود فلأنه قيل في آخر الآية  وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه  وهذا صفة اليهود، لأن الخطاب بالوفاء وبالعهد فيما بعد إنما هو لبني إسرائيل وأما الكفار والمنافقون فقد ذكروا في سورة المدثر  وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء  الآية فأما الذين في قلوبهم مرض هم المنافقون، والذين كفروا يحتمل المشركين لأن السورة مكية فقد جمع الفريقان ههنا. إذا ثبت هذا فنقول. احتمال الكل ههنا قائم لأن الكافرين والمنافقين واليهود كانوا متوافقين في إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد مضى من أول السورة إلى هذا الموضع ذكر اليهود، وذكر المنافقين، وذكر المشركين. وكلهم من الذين كفروا ثم قال القفال : وقد يجوز أن ينزل ذلك ابتداء من غير سبب لأن معناه في نفسه مفيد. 
المسألة الثانية : اعلم أن الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم واشتقاقه من الحياة يقال حيي الرجل كما يقول نسي وخشي وشظى الفرس إذا اعتلت هذه الأعضاء جعل الحي لما يعتريه الانكسار والتغير منكسر القوة منغص الحياة، كما قالوا فلان هلك حياء من كذا، ومات حياء، ورأيت الهلاك في وجهه من شدة الحياء، وذاب حياء، وإذا ثبت هذا استحال الحياء على الله تعالى لأنه تغير يلحق البدن، وذلك لا يعقل إلا في حق الجسم، ولكنه وارد في الأحاديث، روى سلمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«إن الله تعالى حيي كريم يستحيي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفرا حتى يضع فيهما خيرا »** وإذا كان كذلك وجب تأويله وفيه وجهان. الأول : وهو القانون في أمثال هذه الأشياء ؛ أن كل صفة ثبتت للعبد مما يختص بالأجسام فإذا وصف الله تعالى بذلك فذلك محمول على نهايات الأعراض لا على بدايات الأعراض مثاله أن الحياء حالة تحصل للإنسان لكن لها مبدأ ومنتهى، أما المبدأ فهو التغير الجسماني الذي يلحق الإنسان من خوف أن ينسب إلى القبيح، وأما النهاية فهو أن يترك الإنسان ذلك الفعل، فإذا ورد الحياء في حق الله تعالى فليس المراد منه ذلك الخوف الذي هو مبدأ الحياء ومقدمته، بل ترك الفعل الذي هو منتهاه وغايته، وكذلك الغضب له، علامة ومقدمة وهي غليان دم القلب، وشهوة الانتقام وله غاية وهو إنزال العقاب بالمغضوب عليه، فإذا وصفنا الله تعالى بالغضب فليس المراد ذلك المبدأ أعني شهوة الانتقام وغليان دم القلب، بل المراد تلك النهاية وهو أنزل العقاب، فهذا هو القانون الكلي في هذا الباب. الثاني : يجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة فقالوا أما يستحي رب محمد أن يضرب مثلا بالذباب والعنكبوت، فجاء هذا الكلام على سبيل إطباق الجواب على السؤال، وهذا فن بديع من الكلام، ثم قال القاضي ما لا يجوز على الله من هذا الجنس إثباتا فيجب أن لا يطلق على طريق النفي أيضا عليه، وإنما يقال إنه لا يوصف به فأما أن يقال لا يستحي ويطلق عليه ذلك فمحال، لأنه يوهم نفي ما يجوز عليه وما ذكره الله تعالى من كتابه في قوله  لا تأخذه سنة ولا نوم  وقوله  لم يلد ولم يولد  فهو بصورة النفي وليس بنفي على الحقيقة وكذلك قوله  ما اتخذ الله من ولد  وكذلك قولك  وهو يطعم ولا يطعم  وليس كل ما ورد في القرآن إطلاقه جائزا أن يطلق في المخاطبة فلا يجوز أن يطلق ذلك إلا مع بيان أن ذلك محال، ولقائل أن يقول : لا شك في أن هذه الصفات منفية عن الله سبحانه فكان الإخبار عن انتفائها صدقا فوجب أن يجوز. بقي أن يقال أن الإخبار عن انتفائها يدل على صحتها عليه فنقول : هذه الدلالة ممنوعة وذلك لأن تخصيص هذا النفي بالذكر لا يدل على ثبوت غيره بل لو قرن باللفظ ما يدل على انتفاء الصحة أيضا كان ذلك أحسن من حيث أنه يكون مبالغة في البيان وليس إذا كان غيره أحسن أن يكون ذلك قبيحا. 
المسألة الثالثة : اعلم أن ضرب الأمثال من الأمور المستحسنة في العقول ويدل عليه وجوه. أحدها : إطباق العرب والعجم على ذلك أما العرب فذلك مشهور عندهم وقد تمثلوا بأحقر الأشياء، فقالوا في التمثيل بالذرة : أجمع من ذرة، وأضبط من ذرة، وأخفى من الذرة وفي التمثيل بالذباب : أجرأ من الذباب، وأخطأ من الذباب، وأطيش من الذباب، وأشبه من الذباب بالذباب، وألح من الذباب. وفي التمثيل بالقراد، أسمع من قراد، وأصغر من قراد. وأعلق من قراد. وأغم من قراد، وأدب من قراد، وقالوا في الجراد : أطير من جرادة، وأحطم من جرادة، وأفسد من جرادة. وأصفى من لعاب الجراد، وفي الفراشة : أضعف من فراشة، وأطيش من فراشة، وأجهل من فراشة، وفي البعوضة. أضعف من بعوضة، وأعز من مخ البعوضة، وكلفني مخ البعوضة، في مثل تكليف ما لا يطاق : وأما العجم فيدل عليه كتاب **«كليلة ودمنة »** وأمثاله، وفي بعضها : قالت البعوضة، وقد وقعت على نخلة عالية وأرادت أن تطير عنها ؛ يا هذه استمسكي فإني أريد أن أطير، فقالت النخلة : والله ما شعرت بوقوعك فكيف أشعر بطيرانك، وثانيها : أنه ضرب الأمثال في إنجيل عيسى عليه السلام بالأشياء المستحقرة، قال : مثل ملكوت السماء كمثل رجل زرع في قريته حنطة جيدة نقية، فلما نام الناس جاء عدوه فزرع الزوان بين الحنطة، فلما نبت الزرع وأثمر العشب غلب عليه الزوان، فقال عبيد الزراع : يا سيدنا أليس حنطة جيدة نقية زرعت في قريتك ؟ قال : بلى، قالوا : فمن أين هذا الزوان ؟ قال : لعلكم إن ذهبتم أن تقلعوا الزوان فتقلعوا معه الحنطة فدعوهما يتربيان جميعا حتى الحصاد فأمر الحصادين أن يلتقطوا الزوان من الحنطة وأن يربطوه حزما ثم يحرقوه بالنار ويجمعوا الحنطة إلى الخزائن. وأفسر لكم ذلك الرجل الذي زرع الحنطة الجيدة هو أبو البشر، والقرية هي العالم، والحنطة الجيدة النقية هو نحن أبناء الملكوت الذي يعملون بطاعة الله تعالى، والعدو الذي زرع الزوان هو إبليس، والزوان هو المعاصي التي يزرعها إبليس وأصحابه، والحصادون هم الملائكة يتركون الناس حتى تدنوا آجالهم فيحصدون أهل الخير إلى ملكوت الله، وأهل الشر إلى الهاوية وكما أن الزوان يلتقط ويحرق بالنار كذلك رسل الله وملائكته يلتقطون من ملكوته المتكاسلين، وجميع عمال الإثم فيلقونهم في أتون الهاوية فيكون هنالك البكاء، وصريف الأسنان، ويكون الأبرار هنالك في ملكوت ربهم، من كانت له أذن تسمع فليسمع، وأضرب لكم مثلا آخر يشبه ملكوت السماء : لو أن رجلا أخذ حبة من خردل وهي أصغر الحبوب وزرعها في قريته، فلما نبتت عظمت حتى صارت كأعظم شجرة من البقول وجاء طير من السماء فعشش في فروعها فكذلك الهدى من دعا إليه ضاعف الله أجره وعظمه ورفع ذكره، ونجى من اقتدى به، وقال : لا تكونوا كمنخل يخرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة، وكذلك أنتم تخرج الحكمة من أفواهكم وتبقون الغل في صدوركم، وقال : قلوبكم كالحصاة التي لا تنضجها النار ولا يلينها الماء ولا تنسفها الرياح، وقال لا تدخروا ذخائركم حيث السوس والأرضة فتفسدها، ولا في البرية حيث السموم واللصوص فتحرقها السموم وتسرقها اللصوص ولكن ادخروا ذخائركم عند الله وقال : نحفر فنجد دواب عليها لباسها وهناك رزقها وهن لا يزرعن ولا يحصدن ومنهن من هو في جوف الحجر الأصم أو في جوف العود، من يأتيهن بلباسهن وأرزاقهن إلا الله ؟ أفلا تعقلون، وقال : لا تثيروا الزنابير فتلدغكم ولا تخاطبوا السفهاء فيشتموكم، فظهر أن الله تعالى ضرب الأمثال بهذه الأشياء الحقيرة وأما العقل فلأن من طبع الخيال المحاكاة والتشبه فإذا ذكر المعنى وحده أدركه العقل ولكن مع منازعة الخيال، وإذا ذكر معه الشبه أدركه العقل مع معاونة الخيال، ولا شك أن الثاني يكون أكمل وأيضا فنحن نرى أن الإنسان يذكر معنى ولا يلوح له كما ينبغي فإذا ذكر المثال اتضح وصار مبينا مكشوفا، وإن كان التمثيل يفيد زيادة البيان والوضوح، وجب ذكره في الكتاب الذي لا يراد منه إلا الإيضاح والبيان، أما قولهم : ضرب الأمثال بهذه الأشياء الحقيرة لا يليق بالله تعالى، قلنا هذا جهل، لأنه تعالى هو الذي خلق الصغير والكبير وحكمه في كل ما خلق وبرأ عام لأنه قد أحكم جميعه، وليس الصغير أخف عليه من الكبير والعظيم أصعب من الصغير، وإذا كان الكل بمنزلة واحدة لم يكن الكبير أولى أن يضربه مثلا لعباده من الصغير بل المعتبر فيه ما يليق بالقصة، فإذا كان الأليق بها الذباب والعنكبوت يضرب المثل بهما لا بالفيل والجمل، فإذا أراد تعالى أن يقبح عبادتهم الأصنام وعدولهم عن عبادة الرحمان صلح أن يضرب المثل بالذباب، ليبين أن قدر مضرتها لا يندفع بهذه الأصنام، ويضرب المثل لبيت العنكبوت ليبين أن عبادتها أوهن وأضعف من ذلك وفي مثل ذلك كل ما كان المضروب به المثل أضعف كان المثل أقوى وأوضح. 
المسألة الرابعة : قال الأصم **«ما »** في قوله مثلا ماصلة زائدة كقوله  فبما رحمة من الله  وقال أبو مسلم معاذ الله أن يكون في القرآن زيادة ولغو والأصح قول أبي مسلم لأن الله تعالى وصف القرآن بكونه هدى وبيانا وكونه لغوا ينافي ذلك، وفي بعوضة قراءتان. إحداهما : النصب وفي لفظة ما على هذه القراءة وجهان. الأول : أنها مبنية وهي التي إذا قرنت باسم نكرة أبهمته إبهاما وزادته شيوعا وبعدا عن الخصوصية. بيانه أن الرجل إذا قال لصاحبه أعطني كتابا أنظر فيه فأعطاه بعض الكتب صح له أن يقول أردت كتابا آخر ولم أرد هذا ولو قاله مع ما لم يصح له ذلك لأن تقدير الكلام أعطني كتابا أي كتاب كان. الثاني : أنها نكرة قام تفسيرها باسم الجنس مقام الصفة، أما على قراءة الرفع ففيها وجهان. الأول : أنها موصولة صلتها الجملة لأن التقدير هو بعوضة فحذف المبتدأ كما حذف في { تماما على الذ

### الآية 2:27

> ﻿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [2:27]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٦:قوله تعالى  إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون . 
اعلم أنه بين بالدليل كون القرآن معجزا أورد ههنا شبهة أوردها الكفار قدحا في ذلك وأجاب عنها وتقرير الشبهة أنه جاء في القرآن ذكر النحل والذباب والعنكبوت والنمل وهذه الأشياء لا يليق ذكرها بكلام الفصحاء فاشتمال القرآن عليها يقدح في فصاحته فضلا عن كونه معجزا، فأجاب الله تعالى عنه بأن صغر هذه الأشياء لا يقدح في الفصاحة إذا كان ذكرها مشتملا على حكم بالغة، فهذا هو الإشارة إلى كيفية تعلق هذه الآية بما قبلها ثم في هذه الآية مسائل :
المسألة الأولى : عن ابن عباس أنه لما نزل  يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له  فطعن في أصنامهم ثم شبه عبادتها ببيت العنكبوت قالت اليهود أي قدر للذباب والعنكبوت حتى يضرب الله المثل بهما فنزلت هذه الآية. والقول الثاني : أن المنافقين طعنوا في ضرب الأمثال بالنار والظلمات والرعد والبرق في قوله  مثلهم كمثل الذي استوقد نارا  والقول الثالث : أن هذا الطعن كان من المشركين قال القفال : الكل محتمل ههنا، أما اليهود فلأنه قيل في آخر الآية  وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه  وهذا صفة اليهود، لأن الخطاب بالوفاء وبالعهد فيما بعد إنما هو لبني إسرائيل وأما الكفار والمنافقون فقد ذكروا في سورة المدثر  وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء  الآية فأما الذين في قلوبهم مرض هم المنافقون، والذين كفروا يحتمل المشركين لأن السورة مكية فقد جمع الفريقان ههنا. إذا ثبت هذا فنقول. احتمال الكل ههنا قائم لأن الكافرين والمنافقين واليهود كانوا متوافقين في إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد مضى من أول السورة إلى هذا الموضع ذكر اليهود، وذكر المنافقين، وذكر المشركين. وكلهم من الذين كفروا ثم قال القفال : وقد يجوز أن ينزل ذلك ابتداء من غير سبب لأن معناه في نفسه مفيد. 
المسألة الثانية : اعلم أن الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم واشتقاقه من الحياة يقال حيي الرجل كما يقول نسي وخشي وشظى الفرس إذا اعتلت هذه الأعضاء جعل الحي لما يعتريه الانكسار والتغير منكسر القوة منغص الحياة، كما قالوا فلان هلك حياء من كذا، ومات حياء، ورأيت الهلاك في وجهه من شدة الحياء، وذاب حياء، وإذا ثبت هذا استحال الحياء على الله تعالى لأنه تغير يلحق البدن، وذلك لا يعقل إلا في حق الجسم، ولكنه وارد في الأحاديث، روى سلمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :****«إن الله تعالى حيي كريم يستحيي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفرا حتى يضع فيهما خيرا »**** وإذا كان كذلك وجب تأويله وفيه وجهان. الأول : وهو القانون في أمثال هذه الأشياء ؛ أن كل صفة ثبتت للعبد مما يختص بالأجسام فإذا وصف الله تعالى بذلك فذلك محمول على نهايات الأعراض لا على بدايات الأعراض مثاله أن الحياء حالة تحصل للإنسان لكن لها مبدأ ومنتهى، أما المبدأ فهو التغير الجسماني الذي يلحق الإنسان من خوف أن ينسب إلى القبيح، وأما النهاية فهو أن يترك الإنسان ذلك الفعل، فإذا ورد الحياء في حق الله تعالى فليس المراد منه ذلك الخوف الذي هو مبدأ الحياء ومقدمته، بل ترك الفعل الذي هو منتهاه وغايته، وكذلك الغضب له، علامة ومقدمة وهي غليان دم القلب، وشهوة الانتقام وله غاية وهو إنزال العقاب بالمغضوب عليه، فإذا وصفنا الله تعالى بالغضب فليس المراد ذلك المبدأ أعني شهوة الانتقام وغليان دم القلب، بل المراد تلك النهاية وهو أنزل العقاب، فهذا هو القانون الكلي في هذا الباب. الثاني : يجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة فقالوا أما يستحي رب محمد أن يضرب مثلا بالذباب والعنكبوت، فجاء هذا الكلام على سبيل إطباق الجواب على السؤال، وهذا فن بديع من الكلام، ثم قال القاضي ما لا يجوز على الله من هذا الجنس إثباتا فيجب أن لا يطلق على طريق النفي أيضا عليه، وإنما يقال إنه لا يوصف به فأما أن يقال لا يستحي ويطلق عليه ذلك فمحال، لأنه يوهم نفي ما يجوز عليه وما ذكره الله تعالى من كتابه في قوله  لا تأخذه سنة ولا نوم  وقوله  لم يلد ولم يولد  فهو بصورة النفي وليس بنفي على الحقيقة وكذلك قوله  ما اتخذ الله من ولد  وكذلك قولك  وهو يطعم ولا يطعم  وليس كل ما ورد في القرآن إطلاقه جائزا أن يطلق في المخاطبة فلا يجوز أن يطلق ذلك إلا مع بيان أن ذلك محال، ولقائل أن يقول : لا شك في أن هذه الصفات منفية عن الله سبحانه فكان الإخبار عن انتفائها صدقا فوجب أن يجوز. بقي أن يقال أن الإخبار عن انتفائها يدل على صحتها عليه فنقول : هذه الدلالة ممنوعة وذلك لأن تخصيص هذا النفي بالذكر لا يدل على ثبوت غيره بل لو قرن باللفظ ما يدل على انتفاء الصحة أيضا كان ذلك أحسن من حيث أنه يكون مبالغة في البيان وليس إذا كان غيره أحسن أن يكون ذلك قبيحا. 
المسألة الثالثة : اعلم أن ضرب الأمثال من الأمور المستحسنة في العقول ويدل عليه وجوه. أحدها : إطباق العرب والعجم على ذلك أما العرب فذلك مشهور عندهم وقد تمثلوا بأحقر الأشياء، فقالوا في التمثيل بالذرة : أجمع من ذرة، وأضبط من ذرة، وأخفى من الذرة وفي التمثيل بالذباب : أجرأ من الذباب، وأخطأ من الذباب، وأطيش من الذباب، وأشبه من الذباب بالذباب، وألح من الذباب. وفي التمثيل بالقراد، أسمع من قراد، وأصغر من قراد. وأعلق من قراد. وأغم من قراد، وأدب من قراد، وقالوا في الجراد : أطير من جرادة، وأحطم من جرادة، وأفسد من جرادة. وأصفى من لعاب الجراد، وفي الفراشة : أضعف من فراشة، وأطيش من فراشة، وأجهل من فراشة، وفي البعوضة. أضعف من بعوضة، وأعز من مخ البعوضة، وكلفني مخ البعوضة، في مثل تكليف ما لا يطاق : وأما العجم فيدل عليه كتاب ****«كليلة ودمنة »**** وأمثاله، وفي بعضها : قالت البعوضة، وقد وقعت على نخلة عالية وأرادت أن تطير عنها ؛ يا هذه استمسكي فإني أريد أن أطير، فقالت النخلة : والله ما شعرت بوقوعك فكيف أشعر بطيرانك، وثانيها : أنه ضرب الأمثال في إنجيل عيسى عليه السلام بالأشياء المستحقرة، قال : مثل ملكوت السماء كمثل رجل زرع في قريته حنطة جيدة نقية، فلما نام الناس جاء عدوه فزرع الزوان بين الحنطة، فلما نبت الزرع وأثمر العشب غلب عليه الزوان، فقال عبيد الزراع : يا سيدنا أليس حنطة جيدة نقية زرعت في قريتك ؟ قال : بلى، قالوا : فمن أين هذا الزوان ؟ قال : لعلكم إن ذهبتم أن تقلعوا الزوان فتقلعوا معه الحنطة فدعوهما يتربيان جميعا حتى الحصاد فأمر الحصادين أن يلتقطوا الزوان من الحنطة وأن يربطوه حزما ثم يحرقوه بالنار ويجمعوا الحنطة إلى الخزائن. وأفسر لكم ذلك الرجل الذي زرع الحنطة الجيدة هو أبو البشر، والقرية هي العالم، والحنطة الجيدة النقية هو نحن أبناء الملكوت الذي يعملون بطاعة الله تعالى، والعدو الذي زرع الزوان هو إبليس، والزوان هو المعاصي التي يزرعها إبليس وأصحابه، والحصادون هم الملائكة يتركون الناس حتى تدنوا آجالهم فيحصدون أهل الخير إلى ملكوت الله، وأهل الشر إلى الهاوية وكما أن الزوان يلتقط ويحرق بالنار كذلك رسل الله وملائكته يلتقطون من ملكوته المتكاسلين، وجميع عمال الإثم فيلقونهم في أتون الهاوية فيكون هنالك البكاء، وصريف الأسنان، ويكون الأبرار هنالك في ملكوت ربهم، من كانت له أذن تسمع فليسمع، وأضرب لكم مثلا آخر يشبه ملكوت السماء : لو أن رجلا أخذ حبة من خردل وهي أصغر الحبوب وزرعها في قريته، فلما نبتت عظمت حتى صارت كأعظم شجرة من البقول وجاء طير من السماء فعشش في فروعها فكذلك الهدى من دعا إليه ضاعف الله أجره وعظمه ورفع ذكره، ونجى من اقتدى به، وقال : لا تكونوا كمنخل يخرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة، وكذلك أنتم تخرج الحكمة من أفواهكم وتبقون الغل في صدوركم، وقال : قلوبكم كالحصاة التي لا تنضجها النار ولا يلينها الماء ولا تنسفها الرياح، وقال لا تدخروا ذخائركم حيث السوس والأرضة فتفسدها، ولا في البرية حيث السموم واللصوص فتحرقها السموم وتسرقها اللصوص ولكن ادخروا ذخائركم عند الله وقال : نحفر فنجد دواب عليها لباسها وهناك رزقها وهن لا يزرعن ولا يحصدن ومنهن من هو في جوف الحجر الأصم أو في جوف العود، من يأتيهن بلباسهن وأرزاقهن إلا الله ؟ أفلا تعقلون، وقال : لا تثيروا الزنابير فتلدغكم ولا تخاطبوا السفهاء فيشتموكم، فظهر أن الله تعالى ضرب الأمثال بهذه الأشياء الحقيرة وأما العقل فلأن من طبع الخيال المحاكاة والتشبه فإذا ذكر المعنى وحده أدركه العقل ولكن مع منازعة الخيال، وإذا ذكر معه الشبه أدركه العقل مع معاونة الخيال، ولا شك أن الثاني يكون أكمل وأيضا فنحن نرى أن الإنسان يذكر معنى ولا يلوح له كما ينبغي فإذا ذكر المثال اتضح وصار مبينا مكشوفا، وإن كان التمثيل يفيد زيادة البيان والوضوح، وجب ذكره في الكتاب الذي لا يراد منه إلا الإيضاح والبيان، أما قولهم : ضرب الأمثال بهذه الأشياء الحقيرة لا يليق بالله تعالى، قلنا هذا جهل، لأنه تعالى هو الذي خلق الصغير والكبير وحكمه في كل ما خلق وبرأ عام لأنه قد أحكم جميعه، وليس الصغير أخف عليه من الكبير والعظيم أصعب من الصغير، وإذا كان الكل بمنزلة واحدة لم يكن الكبير أولى أن يضربه مثلا لعباده من الصغير بل المعتبر فيه ما يليق بالقصة، فإذا كان الأليق بها الذباب والعنكبوت يضرب المثل بهما لا بالفيل والجمل، فإذا أراد تعالى أن يقبح عبادتهم الأصنام وعدولهم عن عبادة الرحمان صلح أن يضرب المثل بالذباب، ليبين أن قدر مضرتها لا يندفع بهذه الأصنام، ويضرب المثل لبيت العنكبوت ليبين أن عبادتها أوهن وأضعف من ذلك وفي مثل ذلك كل ما كان المضروب به المثل أضعف كان المثل أقوى وأوضح. 
المسألة الرابعة : قال الأصم ****«ما »**** في قوله مثلا ماصلة زائدة كقوله  فبما رحمة من الله  وقال أبو مسلم معاذ الله أن يكون في القرآن زيادة ولغو والأصح قول أبي مسلم لأن الله تعالى وصف القرآن بكونه هدى وبيانا وكونه لغوا ينافي ذلك، وفي بعوضة قراءتان. إحداهما : النصب وفي لفظة ما على هذه القراءة وجهان. الأول : أنها مبنية وهي التي إذا قرنت باسم نكرة أبهمته إبهاما وزادته شيوعا وبعدا عن الخصوصية. بيانه أن الرجل إذا قال لصاحبه أعطني كتابا أنظر فيه فأعطاه بعض الكتب صح له أن يقول أردت كتابا آخر ولم أرد هذا ولو قاله مع ما لم يصح له ذلك لأن تقدير الكلام أعطني كتابا أي كتاب كان. الثاني : أنها نكرة قام تفسيرها باسم الجنس مقام الصفة، أما على قراءة الرفع ففيها وجهان. الأول : أنها موصولة صلتها الجملة لأن التقدير هو بعوضة فحذف المبتدأ كما حذف في { تماما على الذ---

### الآية 2:28

> ﻿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [2:28]

قوله تعالى  كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون . 
إعلم أنه سبحانه وتعالى لما تكلم في دلائل التوحيد والنبوة والمعاد إلى هذا الموضع فمن هذا الموضع إلى قوله  يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم  في شرح النعم التي عمت جميع المكلفين وهي أربعة، أولها : نعمة الإحياء وهي المذكورة في هذه الآية. واعلم أن قوله  كيف تكفرون بالله  وإن كان بصورة الاستخبار فالمراد به التبكيت والتعنيف، لأن عظم النعمة يقتضي عظم معصية المنعم، يبين ذلك أن الوالد كلما عظمت نعمته على الولد بأن رباه وعلمه وخرجه وموله وعرضه للأمور الحسان، كانت معصيته لأبيه أعظم، فبين سبحانه وتعالى بذلك عظم ما أقدموا عليه من الكفر، بأن ذكرهم نعمه العظيمة عليهم ليزجرهم بذلك عما أقدموا عليه من التمسك بالكفر ويبعثهم على اكتساب الإيمان، فذكر تعالى من نعمه ما هو الأصل في النعم وهو الأحياء، فهذا هو المقصود الكلي، فإن قيل لم كان العطف الأول بالفاء والبواقي بثم ؟ قلنا لأن الإحياء الأول قد يعقب الموت بغير تراخ، وأما الموت فقد تراخى عن الإحياء والإحياء الثاني كذلك متراخ عن الموت إن أريد به النشور تراخيا ظاهرا، وههنا مسائل :
المسألة الأولى : قالت المعتزلة : هذه الآية تدل على أن الكفر من قبل العباد من وجوه. أحدها : أنه تعالى لو كان هو الخالق للكفر فيهم لما جاز أن يقول  كيف تكفرون بالله  موبخا لهم، كما لا يجوز أن يقول كيف تسودون وتبيضون وتصحون وتسقمون لما كان ذلك أجمع من خلقه فيهم. وثانيها : إذا كان خلقهم أولا للشقاء والنار وما أراد بخلقهم إلا الكفر وإرادة الوقوع في النار، فكيف يصح أن يقول موبخا لهم كيف تكفرون ؟. وثالثها : أنه كيف يعقل من الحكيم أن يقول لهم  كيف تكفرون بالله  حال ما يخلق الكفر فيهم ويقول  وما منع الناس أن يؤمنوا  حال ما منعهم عن الإيمان ويقول  فما لهم لا يؤمنون ،  فما لهم عن التذكرة معرضين  وهو يخلق فيهم الأعراض ويقول  أنى تؤفكون فأنى تصرفون  ويخلق فيهم الإفك والصرف ومثل هذا الكلام بأن يعد من السخرية أولى من أن يذكر في باب إلزام الحجة على العباد. ورابعها : أن الله تعالى إذا قال للعبيد  كيف تكفرون بالله  فهل ذكر هذا الكلام توجيها للحجة على العبد وطلبا للجواب منه أو ليس كذلك ؟ فإن لم يكن لطلب هذا المعنى لم يكن في ذكره فائدة فكان هذا الخطاب عبثا، وإن ذكره لتوجيه الحجة على العبد، فللعبد أن يقول حصل في حقي أمور كثيرة موجبة للكفر. فالأول : أنك علمت بالكفر مني والعلم بالكفر يوجب الكفر. والثاني : أنك أردت الكفر مني وهذه الإرادة موجبة له. والثالث : أنك خلقت الكفر في وأنا لا أقدر على إزالة فعلك. والرابع : أنك خلقت في قدرة موجبة للكفر. والخامس : أنك خلقت في إرادة موجبة للكفر. والسادس : أنك خلقت في قدرة موجبة للإرادة الموجبة للكفر ثم لما حصلت هذه الأسباب الستة في حصول الكفر والإيمان يوقف على حصول هذه الأسباب الستة في طرف الإيمان وهي بأسرها كانت مفقودة، فقد حصل لعدم الإيمان اثنا عشر سببا كل واحد منها مستقل بالمنع من الإيمان، ومع قيام هذه الأسباب الكثيرة كيف يعقل أن يقال كيف تكفرون بالله ؟ وخامسها : أنه تعالى قال لرسوله قل لهم كيف تكفرون بالله الذي أنعم عليكم بهذه النعمة العظيمة أعني نعمة الحياة وعلى قول أهل الجبر لا نعمة له تعالى على الكافر، وذلك لأن عندهم كل ما فعله الله تعالى بالكافر فإنما فعله ليستدرجه إلى الكفر ويحرقه بالنار، فأي نعمة تكون لله على العبد على هذا التقدير وهل يكون ذلك إلا بمنزلة من قدم إلى غيره صحفة فالوذج مسموم فإن ظاهره وإن كان لذيذا ويعد نعمة لكن لما كان باطنه مهلكا فإن أحدا لا يعده نعمة، ومعلوم أن العذاب الدائم أشد ضررا من ذلك السم فلا يكون لله تعالى نعمة على الكافر، فكيف يأمر رسوله بأن يقول لهم كيف تكفرون بمن أنعم عليكم بهذه النعم العظيمة، والجواب : أن هذه الوجوه عند البحث يرجع حاصلها إلى التمسك بطريقة المدح والذم والأمر والنهي والثواب والعقاب، فنحن أيضا نقابلها بالكلام المعتمد في هذه الشبهة، وهو أن الله سبحانه وتعالى علم أنه لا يكون، فلو وجد لانقلب علمه جهلا وهو محال ومستلزم المحال محال، فوقوعه محال مع أنه قال  كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم  وأيضا فالقدرة على الكفر إن كانت صالحة للإيمان امتنع كونها مصدرا للإيمان على التعيين إلا لمرجح، وذلك المرجح إن كان من العبد عاد السؤال، وإن كان من الله فما لم يحصل ذلك المرجح من الله امتنع حصول الكفر، وإذا حصل ذلك المرجح وجب، وعلى هذا كيف لا يعقل قوله  كيف تكفرون بالله  واعلم أن المعتزلي إذا طول كلامه وفرع وجوهه في المدح والذم فعليك بمقابلتها بهذين الوجهين فإنهما يهدمان جميع كلامه ويشوشان كل شبهاته وبالله التوفيق. 
المسألة االثانية : اتفقوا على أن قوله  وكنتم أمواتا  المراد به وكنتم ترابا ونطفا، لأن ابتداء خلق آدم من التراب وخلق سائر المكلفين من أولاده إلا عيسى عليه السلام من النطف، لكنهم اختلفوا في أن إطلاق اسم الميت على الجماد حقيقة أو مجاز والأكثرون على أنه مجاز لأنه شبه الموات بالميت وليس أحدهما من الآخر بسبيل لأن الميت ما يحل به الموت ولابد وأن يكون بصفة من يجوز أن يكون حيا في العادة فيكون اللحمية والرطوبة وقال الأولون هو حقيقة فيه وهو مروي عن قتادة، قال كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم فأحياهم الله تعالى ثم أخرجهم ثم أماتهم الموتة التي لابد منها، ثم أحياهم بعد الموت. فهما حياتان وموتتان واحتجوا بقوله  خلق الموت والحياة  والموت المقدم على الحياة هو كونه مواتا فدل على أن إطلاق الميت على الموات ثابت على سبيل الحقيقة والأول هو الأقرب، لأنه يقال في الجماد إنه موات وليس بميت فيشبه أن يكون استعمال أحدهما في الآخر على سبيل التشبيه قال القفال : وهو كقوله تعالى  هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا  فبين سبحانه وتعالى أن الإنسان كان لا شيء يذكر فجعله الله حيا وجعله سميعا بصيرا ومجازه من قولهم فلان ميت الذكر. وهذا أمر ميت، وهذه سلعة ميتة، إذا لم يكن لها طالب ولا ذاكر قال المخبل السعدي :

وأحييت لي ذكري وما خاملا  ولكن بعض الذكر أنبه من بعضفكذا معنى الآية  وكنتم أمواتا  أي خاملين ولا ذكر لكم لأنكم لم تكونوا شيئا  فأحياكم  أي فجعلكم خلقا سميعا بصيرا. 
المسألة الثالثة : احتج قوم بهذه الآية على بطلان عذاب القبر، قالوا لأنه تعالى بين أنه يحييهم مرة في الدنيا وأخرى في الآخرة ولم يذكر حياة القبر ويؤكده قوله  ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون  ولم يذكر حياة فيما بين هاتين الحالتين، قالوا ولا يجوز الاستدلال بقوله تعالى  قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين  لأنه قول الكفار، ولأن كثيرا من الناس أثبتوا حياة الذر في صلب آدم عليه السلام حين استخرجهم وقال  ألست بربكم  وعلى هذا التقدير حصل حياتان وموتتان من غير حاجة إلى إثبات حياة في القبر، فالجواب لم يلزم من عدم الذكر في هذه الآية أن لا تكون حاصلة، وأيضا فلقائل أن يقول : إن الله تعالى ذكر حياة القبر في هذه الآية. لأن قوله ثم يحييكم ليس هو الحياة الدائمة وإلا لما صح أن يقول  ثم إليه ترجعون  لأن كلمة ثم تقتضي التراخي، والرجوع إلى الله تعالى حاصل عقب الحياة الدائمة من غير تراخ فلو جعلنا الآية من هذا الوجه دليلا على حياة القبر كان قريبا. 
المسألة الرابعة : قال الحسن رحمه الله قوله  كيف تكفرون بالله  يعني به العامة، وأما بعض الناس فقد أماتهم ثلاث مرات نحو ما حكى في قوله  أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها  إلى قوله  فأماته الله مائة عام ثم بعثه  وكقوله  ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم  وكقوله  فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم  وكقوله  فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى  وكقوله  وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها  وكقوله في قصة أيوب عليه السلام  وآتيناه أهله ومثلهم معهم  فإن الله تعالى رد عليه أهله بعد ما أماتهم. 
المسألة الخامسة : تمسك المجسمة بقوله تعالى  ثم إليه ترجعون  على أنه تعالى في مكان وهذا ضعيف، والمراد أنهم إلى حكمة يرجعون لأنه تعالى يبعث من في القبور ويجمعهم في المحشر وذلك هو الرجوع إلى الله تعالى وإنما وصف بذلك لأنه رجوع إلى حيث لا يتولى الحكم غيره كقولهم رجع أمره إلى الأمير، أي إلى حيث لا يحكم غيره. 
المسألة السادسة : هذه الآية دالة على أمور. الأول : أنها دالة على أنه لا يقدر على الإحياء والإماتة إلا الله تعالى فيبطل به قول أهل الطبائع من أن المؤثر في الحياة والموت كذا وكذا من الأفلاك والكواكب والأركان والمزاجات كما حكى عن قوم في قوله  إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر  الثاني : أنها تدل على صحة الحشر والنشر مع التنبيه على الدليل العقلي الدال عليه، لأنه تعالى بين أنه أحيا هذه الأشياء بعد موتها في المرة الأولى فوجب أن يصح ذلك في المرة الثانية، الثالث : أنها تدل على التكليف والترغيب والترهيب. الرابع : أنها دالة على الجبر والقدر كما تقدم بيانه، الخامس : أنها دالة على وجوب الزهد في الدنيا لأنه قال  فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم  فبين أنه لابد من الموت ثم بين أنه لا يترك على هذا الموت. بل لابد من الرجوع إليه أما أنه لابد من الموت، فقد بين سبحانه وتعالى أنه بعد ما كان نطفة فإن الله أحياه وصوره أحسن صورة وجعله بشرا سويا وأكمل عقله وصيره بصيرا بأنواع المنافع والمضار وملكه الأموال والأولاد والدور والقصور، ثم إنه تعالى يزيل كل ذلك عنه بأن يميته ويصيره بحيث لا يملك شيئا ولا يبقى منه في الدنيا خبر ولا أثر ويبقى مدة طويلة في اللحود كما قال تعالى  ومن ورائهم برزخ  ينادي فلا يجيب ويستنطق فلا يتكلم ثم لا يزوره الأقربون، بل ينساه الأهل والبنون. كما قال يحيى بن معاذ الرازي :يمر أقاربي بحذاء قبري  كأن أقاربي لم يعرفونيوقال أيضا : إلهي كأني بنفسي وقد أضجعوها في حفرتها، وانصرف المشيعون عن تشييعها، وبكى الغريب عليها لغربتها، وناداها من شفير القبر ذو مودتها، ورحمتها الأعادي عند جزعتها، ولم يخف على الناظرين عجز حيلتها، فما رجائي إلا أن نقول : ما تقول ملائكتي انظروا إلى فريد قد نأى عنه الأقربون، ووحيد قد جفاه المحبون، أصبح مني قريبا وفي اللحد غريبا، وكان لي في الدنيا داعيا ومجيبا، ولإحساني إليه عند وصوله إلى هذا البيت راجيا، فأحسن إلى هناك يا قديم الإحسان، وحقق رجائي فيك يا واسع الغفران. وأما أنه لابد من الرجوع إلى الله فلأن سبحانه يأمر بأن ينفخ في الصور  فصعق من في السماوات ومن في الأرض ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون  وقال  يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون  ثم يعرضون على الله كما قال  وعرضوا على ربك صفا  فيقومون خاشع

### الآية 2:29

> ﻿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [2:29]

قوله تعالى  هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم . 
اعلم أن هذا هو النعمة الثانية التي عمت المكلفين بأسرهم وما أحسن ما رعى الله سبحانه وتعالى هذا الترتيب فإن الانتفاع بالأرض والسماء إنما يكون بعد حصول الحياة فلهذا ذكر الله أمر الحياة أولا ثم أتبعه بذكر السماء والأرض، أما قوله  خلق  فقد مر تفسيره في قوله  اعبدوا ربكم الذي خلقكم  وأما قوله  لكم  فهو يدل على أن المذكور بعد قوله خلق لأجل انتفاعنا في الدين والدنيا، أما في الدنيا فليصلح أبداننا ولنتقوى به على الطاعات وأما في الدين فللاستدلال بهذه الأشياء والاعتبار بها وجمع بقوله  ما في الأرض جميعا  جميع المنافع، فمنها ما يتصل بالحيوان والنبات والمعادن والجبال ومنها ما يتصل بضروب الحرف والأمور التي استنبطها العقلاء وبين تعالى أن كل ذلك إنما خلقها كي ينتفع بها كما قال  وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض  فكأنه سبحانه وتعالى قال كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم وكيف تكفرون بالله وقد خلق لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا أو يقال كيف تكفرون بقدرة الله على الإعادة وقد أحياكم بعد موتكم ولأنه خلق لكم ما في الأرض جميعا فكيف يعجز عن إعادتكم ثم إنه تعالى ذكر تفاصيل هذه المنافع في سورة مختلفة كما قال  أنا صببنا الماء صبا  وقال في أول سورة أتى أمر الله  والأنعام خلقها لكم  إلى آخره وههنا مسائل :
المسألة الأولى : قال أصحابنا : إنه سبحانه وتعالى لا يفعل فعلا لغرض لأنه لو كان كذلك كان مستكملا بذلك الغرض والمستكمل بغيره ناقص بذاته وذلك على الله تعالى محال فإن قيل : فعله تعالى معلل بغرض غير عائد إليه بل إلى غيره، قلنا : عود ذلك الغرض إلى ذلك الغير هل هو أولى لله تعالى من عود ذلك الغرض إليه أو ليس أولى ؟ فإن كان أولى فهو تعالى قد انتفع بذلك الفعل فيعود المحذور المذكور وإن كان الثاني لم يكن تحصيل ذلك الغرض المذكور لذلك الغير غرضا لله تعالى فلا يكون مؤثرا فيه. وثانيها : أن من فعل فعلا لغرض كان عاجزا عن تحصيل ذلك الغرض إلا بواسطة ذلك الفعل والعجز على الله تعالى محال. وثالثها : أنه تعالى لو فعل فعلا لغرض لكان ذلك الغرض إن كان قديما لزم قدم الفعل وإن كان محدثا كان فعله لذلك الغرض لغرض آخر ويلزم التسلسل وهو محال. ورابعها : أنه تعالى لو كان يفعل لغرض لكان ذلك الغرض هو رعاية مصلحة المكلفين ولو توقفت فاعليته على ذلك لما فعل ما كان مفسدة في حقهم لكنه قد فعل ذلك حيث كلف من علم أنه لا يؤمن ثم إنهم تكلموا في اللام في قوله تعالى  خلق لكم ما في الأرض جميعا  وفي قوله  إلا ليعبدون  فقالوا إنه تعالى لما فعل ما لو فعله غيره لكان فعله لذلك الشيء لأجل الغرض لا جرم أطلق الله عليه لفظ الغرض بسبب هذه المشابهة. 
المسألة الثانية : احتج أهل الإباحة بقوله تعالى  خلق لكم ما في الأرض جميعا  على أنه تعالى خلق الكل للكل فلا يكون لأحد اختصاص بشيء أصلا وهو ضعيف لأنه تعالى قابل الكل بالكل، فيقتضي مقابلة الفرد بالفرد، والتعيين يستفاد من دليل منفصل والفقهاء رحمهم الله استدلوا به على أن الأصل في المنافع الإباحة وقد بيناه في أصول الفقه. 
المسألة الثالثة : قيل إنها تدل على حرمة أكل الطين لأنه تعالى خلق لنا ما في الأرض دون نفس الأرض، ولقائل أن يقول في جملة الأرض ما يطلق عليه أنه في الأرض فيكون جمعا للموضعين، ولا شك أن المعادن داخلة في ذلك وكذلك عروق الأرض وما يجري مجرى بعض لها ولأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه. 
المسألة الرابعة : قوله  خلق لكم ما في الأرض جميعا  يقتضي أنه لا تصح الحاجة على الله تعالى وإلا لكان قد فعل هذه الأشياء لنفسه أيضا لا لغيره، وأما قوله تعالى  ثم استوى إلى السماء  فيه مسائل :
المسألة الأولى : الاستواء في كلام العرب قد يكون بمعنى الانتصاب وضده الإعوجاج ولما كان ذلك من صفات الأجسام، فالله تعالى يجب أن يكون منزها عن ذلك ولأن في الآية ما يدل على فساده لأن قوله  ثم استوى  يقتضي التراخي ولو كان المراد من هذا الاستواء العلو بالمكان لكان ذلك العلو حاصلا أولا ولو كان حاصلا أولا لما كان متأخرا عن خلق ما في الأرض لكن قوله  ثم استوى  يقتضي التراخي، ولما ثبت هذا وجب التأويل وتقريره أن الاستواء هو الاستقامة يقال استوى العود إذا قام واعتدل ثم قيل استوى إليه كالسهم المرسل إذا قصده قصدا مستويا من غير أن يلتفت إلى شيء آخر ومنه استعير قوله  ثم استوى إلى السماء  أي خلق بعد الأرض السماء ولم يجعل بينهما زمانا ولم يقصد شيئا آخر بعد خلقه الأرض. 
المسألة الثانية : قوله تعالى  هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء  مفسر بقوله  قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين  بمعنى تقدير الأرض في يومين وتقدير الأقوات في يومين آخرين كما يقول القائل من الكوفة إلى المدينة عشرون يوما، وإلى مكة ثلاثون يوما يريد أن جميع ذلك هو هذا القدر ثم استوى إلى السماء في يومين آخرين ومجموع ذلك ستة أيام على ما قال
 خلق السماوات والأرض في ستة أيام . 
المسألة الثالثة : قال بعض الملحدة هذه الآية تدل على أن خلق الأرض قبل خلق السماء وكذا قوله  أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين  إلى قوله تعالى  ثم استوى إلى السماء  وقال في سورة النازعات  أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها  وهذا يقتضي أن يكون خلق الأرض بعد السماء وذكر العلماء في الجواب عنه وجوها. أحدها : يجوز أن يكون خلق الأرض قبل خلق السماء إلا أنه ما دحاها حتى خلق السماء لأن التدحية هي البسط ولقائل أن يقول هذا أمر مشكل من وجهين. الأول : أن الأرض جسم عظيم فامتنع انفكاك خلقها عن التدحية وإذا كانت التدحية متأخرة عن خلق السماء كان خلقها أيضا لا محالة متأخرا عن خلق السماء. الثاني : أن قوله تعالى  خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء  يدل على أن خلق الأرض وخلق كل ما فيها متقدم على خلق السماء لكن خلق الأشياء في الأرض لا يمكن إلا إذا كانت مدحوة فهذه الآية تقتضي تقدم كونها مدحوة قبل خلق السماء وحينئذ يتحقق التناقض. والجواب : أن قوله تعالى  والأرض بعد ذلك دحاها  يقتضي تقديم خلق السماء على الأرض ولا يقتضي أن تكون تسوية السماء مقدمة على خلق الأرض، وعلى هذا التقدير يزول التناقض، ولقائل أن يقول : قوله تعالى  أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع رفع سمكها فسواها  يقتضي أن يكون خلق السماء وتسويتها مقدم على تدحية الأرض ولكن تدحية الأرض ملازمة لخلق ذات الأرض فإن ذات السماء وتسويتها متقدمة على ذات الأرض وحينئذ يعود السؤال، وثالثها : وهو الجواب الصحيح أن قوله **«ثم »** ليس للترتيب ههنا وإنما هو على جهة تعديد النعم، مثاله قول الرجل لغيره : أليس قد أعطيتك النعم العظيمة ثم رفعت قدرك ثم دفعت الخصوم عنك، ولعل بعض ما أخره في الذكر قد تقدم فكذا ههنا والله أعلم. 
المسألة الرابعة : الضمير في فسواهن ضمير مبهم، وسبع سماوات تفسير له كقوله ربه رجلا وفائدته أن المبهم إذا تبين كان أفخم وأعظم من أن يبين أولا لأنه إذا أبهم تشوفت النفوس إلى الاطلاع عليه وفي البيان بعد ذلك شفاء لها بعد التشوف، وقيل الضمير راجع إلى السماء، والسماء في معنى الجنس وقيل جمع سماءة، والوجه العربي هو الأول ومعنى تسويتهن تعديل خلقهن وإخلاؤه من العوج والفطور وإتمام خلقهن. 
المسألة الخامسة : اعلم أن القرآن ههنا قد دل على وجود سبع سموات، وقال أصحاب الهيئة أقربها إلينا كرة القمر، وفوقها كرة عطارد، ثم كرة الزهرة، ثم كرة الشمس. ثم كرة المريخ، ثم كرة المشتري، ثم كرة زحل، قالوا ولا طريق إلى معرفة هذا الترتيب إلا من وجهين : الأول : الستر وذلك أن الكوكب الأسفل إذا مر بين أبصارنا وبين الكوكب الأعلى فإنهما يصيران ككوكب واحد ويتميز الساتر عن المستور بكونه الغالب كحمرة المريخ وصفرة عطارد، وبياض الزهرة، وزرقة المشتري، وكدورة زحل كما أن القدماء وجدوا القمر يكسف الكواكب الستة. وكوكب عطارد يكسف الزهرة، والزهرة تكسف المريخ، وهذا الترتيب على هذا الطريق يدل على كون الشمس فوق القمر لانكسافها به ولكن لا يدل على كونها تحت سائر الكواكب أو فوقها لأنها لا تنكسف بشيء منها لاضمحلال سائر الكواكب عند طلوعها فعند هذا ذكروا طريقين. أحدهما : ذكر بعضهم أنه رأى الزهرة كشامة في صحيفة الشمس، وهذا ضعيف لأن منهم من زعم أن في وجه الشمس شامة كما أن حصل في وجه القمر المحو، الثاني : اختلاف المنظر فإنه محسوس للقمر وعطارد والزهرة وغير محسوس للمريخ والمشتري وزحل، وأما في حق الشمس فإنه قليل جدا فوجب أن تكون الشمس متوسطة بين القسمين هذا ما قاله الأكثرون إلا أن أبا الريحان قال في تلخيصه لفصول الفرغاني : إن اختلاف المنظر لا يحس إلا في القمر فبطلت هذه الوجوه وبقي موضع الشمس مشكوكا. واعلم أن أصحاب الأرصاد وأرباب الهيئة زعموا أن الأفلاك تسعة، فالسبعة هي هذه التي ذكرناها والفلك الثامن هو الذي حصلت هذه الكواكب الثابتة فيه، وأما الفلك التاسع فهو الفلك الأعظم وهو يتحرك في كل يوم وليلة دورة واحدة بالتقريب، واحتجوا على إثبات الفلك الثامن بأنا وجدنا لهذه الكواكب الثابتة حركات بطيئة وثبت أن الكواكب لا تتحرك إلا بحركة فلكها والأفلاك الحاملة لهذه السيارات تتحرك حركات سريعة فلابد من جسم آخر يتحرك حركة بطيئة ويكون هو الحامل لهذه الثوابت. وهذه الدلالة ضعيفة من وجوه. أولها : لم لا يجوز أن يقال الكواكب تتحرك بأنفسها من غير أن تكون مركوزة في جسم آخر وهذا الاحتمال لا يفسد إلا بإفساد المختار ودونه خرط القتاد. وثانيها : سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن يقال إن هذه الكواكب مركوزة في ممثلات السيارات والسيارات مركوزة في حواملها، وعند ذلك لا يحتاج إلى إثبات الفلك الثامن. وثالثها : لم لا يجوز أن يكون ذلك الفلك تحت فلك القمر فيكون تحت كرات السيارات لا فوقها فإن قيل إنا نرى هذه السيارات تكسف هذه الثوابت والكاسف تحت المكسوف لا محالة قلنا هذه السيارات إنما تكسف الثوابت القريبة من المنطقة فأما الثوابت القريبة من القطبين فلا، فلم لا يجوز أن يقال هذه الثوابت القريبة من المنطقة مركوزة في الفلك الثامن الذي هو فوق كرة زحل وهذه الثوابت القريبة من القطبين التي لا يمكن انكسافها بالسيارات مركوزة في كرة أخرى تحت كرة القمر وهذا الاحتمال لا دافع له، ثم نقول هب أنكم أثبتم هذه الأفلاك التسعة فما الذي دلكم على نفي الفلك العاشر، أقصى ما في الباب أن الرصد ما دل إلا على هذا القدر إلا أن عدم الدليل لا يدل على عدم المدلول، والذي يحقق ذلك أنه قال بعض المحققين منهم : إنه ما تبين لي إلى الآن أن كرة الثوابت كرة واحدة أو كرات منطو بعضها على بعض وأقول هذا الاحتمال واقع، لأن الذي يستدل به على وحدة كرة الثوابت

### الآية 2:30

> ﻿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [2:30]

وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون . اعلم أن هذه الآية دالة على كيفية خلقة آدم عليه السلام وعلى كيفية تعظيم الله تعالى إياه فيكون ذلك إنعاما عاما على جميع بني آدم فيكون هذا هو النعمة الثالثة من تلك النعم العامة التي أوردها في هذا الموضع ثم فيه مسائل :
المسألة الأولى : في إذ قولان. أحدهما : أنه صلة زائدة إلا أن العرب يعتادون التكلم بها والقرآن نزل بلغة العرب. الثاني : وهو الحق أنه ليس في القرآن ما لا معنى له وهو نصب بإضمار اذكر، والمعنى أذكر لهم قال ربك للملائكة فأضمر هذا لأمرين. أحدهما : أن المعنى معروف. والثاني : أن الله تعالى قد كشف ذلك في كثير من المواضع كقوله  واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف  وقال  واذكر عبدنا داود ،  واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين  والقرآن كله كالكلمة الواحدة ولا يبعد أن تكون هذه المواضع المصرحة نزلت قبل هذه السورة فلا جرم ترك ذلك ههنا اكتفاء بذلك المصرح. قال صاحب الكشاف : ويجوز أن ينتصب **«إذ »** بقالوا. 
المسألة الثانية : الملك أصله من الرسالة، يقال ألكني إليه أي أرسلني إليه والمألكة والألوكة الرسالة وأصله الهمزة من **«ملأكة »** حذفت الهمزة وألقيت حركتها على ما قبلها طلبا للخفة لكثرة استعمالها. قال صاحب الكشاف : الملائك جمع ملأك على الأصل كالشمائل في جمع شمأل وإلحاق التاء لتأنيث الجمع. 
المسألة الثالثة : من الناس من قال : الكلام في الملائكة ينبغي أن يكون مقدما على الكلام في الأنبياء لوجهين. الأول : أن الله تعالى قدم ذكر الإيمان بالملائكة على ذكر الإيمان بالرسل في قوله  والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله  ولقد قال عليه السلام :**«ابدؤوا بما بدأ الله به »** الثاني : أن الملك واسطة بين الله وبين الرسول في تبليغ الوحي والشريعة فكان مقدما على الرسول، ومن الناس من قال : الكلام في النبوات مقدم على الكلام في الملائكة لأنه لا طريق لنا إلى معرفة وجود الملائكة بالعقل بل بالسمع، فكان الكلام في النبوات أصلا للكلام في الملائكة فلا جرم وجب تقديم الكلام في النبوات، والأولى أن يقال الملك قبل النبي بالشرف والعلية وبعده في عقولنا وأذهاننا بحسب وصولنا إليها بأفكارنا. واعلم أنه لا خلاف بين العقلاء في أن شرف الرتبة للعالم العلوي هو وجود الملائكة فيه كما أن شرف الرتبة للعالم السفلى هو وجود الإنسان فيه إلا أن الناس اختلفوا في ماهية الملائكة وحقيقتهم وطريق ضبط المذاهب أن يقال : الملائكة لابد وأن تكون ذوات قائمة بأنفسها ثم إن تلك الذوات إما أن تكون متحيزة أولا تكون، أما الأول : وهو أن تكون الملائكة ذوات متحيزة فهنا أقوال. أحدها : أنها أجسام لطيفة هوائية تقدر على التشكل بأشكال مختلفة مسكنها السماوات، وهذا قول أكثر المسلمين. وثانيا : قول طوائف من عبدة الأوثان وهو أن الملائكة هي الحقيقة في هذه الكواكب الموصوفة بالإسعاد والإنحاس فإنها بزعمهم أحياء ناطقة، وأن المسعدات منها ملائكة الرحمة والمنحسات منها ملائكة العذاب، وثالثها : قول معظم المجوس والثنوية وهو أن هذا العالم مركب من أصلين أزليين وهما النور والظلمة، وهما في الحقيقة جوهران شفافان مختاران قادران متضادا النفس والصورة مختلفا الفعل والتدبير، فجوهر النور فاضل خير نقي طيب الريح كريم النفس يسر ولا يضر، وينفع ولا يمنع، ويحيي ولا يبلي وجوهر الظلمة على ضد ذلك. ثم إن جوهر النور لم يزل يولد الأولياء وهم الملائكة لا على سبيل التناكح بل على سبيل تولد الحكمة من الحكيم والضوء من المضيء. وجوهر الظلمة لم يزل يولد الأعداء وهم الشياطين على سبيل تولد السفه من السفيه لا على سبيل التناكح فهذه أقوال من جعل الملائكة أشياء متحيزة جسمانية. القول الثاني : أن الملائكة ذوات قائمة بأنفسها وليست بمتحيزة ولا بأجسام فههنا قولان. أحدهما : قول طوائف من النصارى وهو أن الملائكة في الحقيقة هي الأنفس الناطقة المفارقة لأبدانها على نعت الصفاء والخيرية وذلك لأن هذه النفوس المفارقة إن كانت صافية خالصة فهي الملائكة، وإن كانت خبيثة كدرة فهي الشياطين. وثانيهما : قول الفلاسفة : وهي أنها جواهر قائمة بأنفسها وليست بمتحيزة البتة، وأنها بالماهية مخالفة لأنواع النفوس الناطقة البشرية وأنها أكمل قوة منها وأكثر علما منها، وأنها للنفوس البشرية جارية مجرى الشمس بالنسبة إلى الأضواء، ثم إن هذه الجواهر على قسمين، منها ما هي بالنسبة إلى أجرام الأفلاك والكواكب كنفوسنا الناطقة بالنسبة إلى أبداننا، ومنها ما هي لا على شيء من تدبير الأفلاك بل هي مستغرقة في معرفة الله ومحبته ومشتغلة بطاعته، وهذا القسم هم الملائكة المقربون ونسبتهم إلى الملائكة الذين يدبرون السماوات كنسبة أولئك المدبرين إلى نفوسنا الناطقة. فهذان القسمان قد اتفقت الفلاسفة على إثباتهما، ومنهم من أثبت أنواعا أخر من الملائكة وهي الملائكة الأرضية المدبرة لأحوال هذا العالم السفلي، ثم إن المدبرات لهذا العالم إن كانت خيرة فهم الملائكة وإن كانت شريرة فهم الشياطين، فهذا تفصيل مذاهب الناس في الملائكة واختلف أهل العلم في أنه هل يمكن الحكم بوجودها من حيث العقل أو لا سبيل إلى إثباتها إلا بالسمع ؟ أما الفلاسفة فقد اتفقوا على أن في العقل دلائل تدل على وجود الملائكة، ولنا معهم في تلك الدلائل أبحاث دقيقة عميقة، ومن الناس من ذكر في ذلك وجوها عقلية إقناعية ولنشر إليها. أحدها : أن المراد من الملك الحي الناطق الذي لا يكون ميتا، فنقول القسمة العقلية تقتضي وجود أقسام ثلاثة فإن الحي إما أن يكون ناطقا وميتا معا وهو الإنسان، أو يكون ميتا ولا يكون ناطقا وهو البهائم، أو يكون ناطقا ولا يكون ميتا وهو الملك، ولا شك أن أخس المراتب هو الميت غير الناطق، وأوسطها الناطق الميت، وأشرفها الناطق الذي ليس بميت، فإذا اقتضت الحكمة الإلهية إيجاد أخس المراتب وأوسطها، فلأن تقتضي إيجاد أشرف المراتب وأعلاها كان ذلك أولى، وثانيا : أن الفطرة تشهد بأن عالم السماوات أشرف من هذا العالم السفلي وتشهد بأن الحياة والعقل والنطق أشرف من أضدادها ومقابلتها فيبعد في العقل أن تحصل الحياة والعقل والنطق في هذا العالم الكدر الظلماني، ولا تحصل البتة في ذلك العالم الذي هو عالم الضوء والنور والشرف. وثالثها : أن أصحاب المجاهدات أثبتوها من جهة المشاهدة والمكاشفة، وأصحاب الحاجات والضرورات أثبتوها من جهة أخرى، وهي ما يشاهد من عجائب آثارها في الهداية إلى المعالجات النادرة الغريبة. وتركيب المعجونات واستخراج صنعة الترياقات، ومما يدل على ذلك حال الرؤيا الصادقة، فهذه وجوه إقناعية بالنسبة إلى من سمعها ولم يمارسها، وقطعية بالنسبة إلى من جربها وشاهدها واطلع على أسرارها، وأما الدلائل النقلية فلا نزاع البتة بين الأنبياء عليهم السلام في إثبات الملائكة، بل ذلك كالأمر المجمع عليه بينهم والله أعلم. 
المسألة الرابعة : في شرح كثرتهم : قال عليه الصلاة والسلام :**«أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع »** وروي أن بني آدم عشر الجن، والجن وبنو آدم عشر حيوانات البر، وهؤلاء كلهم عشر الطيور، وهؤلاء كلهم عشر حيوانات البحر، وهؤلاء كلهم عشر ملائكة الأرض الموكلين بها، وكل هؤلاء عشر ملائكة سماء الدنيا، وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الثالثة، وعلى هذا الترتيب إلى ملائكة السماء السابعة ثم الكل في مقابلة ملائكة الكرسي نزر قليل، ثم كل هؤلاء عشر ملائكة السرادق الواحد من سرادقات العرش التي عددها ستمائة ألف، طول كل سرادق وعرضه وسمكه إذا قوبلت به السماوات والأرضون وما فيها وما بينها فإنها كلها تكون شيئا يسيرا وقدرا صغيرا، وما من مقدار موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع أو قائم، لهم زجل بالتسبيح والتقديس، ثم كل هؤلاء في مقابلة الملائكة الذين يحومون حول العرش كالقطرة في البحر ولا يعلم عددهم إلا الله. ثم مع هؤلاء ملائكة اللوح الذين هم أشياع إسرافيل عليه السلام. والملائكة الذين هم جنود جبريل عليه السلام. وهم كلهم سامعون مطيعون لا يفترون مشتغلون بعبادته سبحانه وتعالى. رطاب الألسن بذكره وتعظيمه يتسابقون في ذلك مذ خلقهم، لا يستكبرون عن عبادته آناء الليل والنهار ولا يسأمون، لا يحصي أجناسهم ولا مدة أعمارهم ولا كيفية عبادتهم إلا الله تعالى، وهذا تحقيق حقيقة ملكوته جل جلاله على ما قال  وما يعلم جنود ربك إلا هو . وأقول رأيت في بعض كتب التذكير أنه عليه الصلاة والسلام حين عرج به رأى ملائكة في موضع بمنزلة سوق بعضهم يمشي تجاه بعض فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيهم إلى أين يذهبون. فقال جبريل عليه السلام. لا أدري إلا أني أراهم مذ خلقت ولا أرى واحدا منهم قد رأيته قبل ذلك ثم سألوا واحدا منهم وقيل له مذ كم خلقت ؟ فقال لا أدري غير أن الله تعالى يخلق كوكبا في كل أربعمائة ألف سنة فخلق مثل ذلك الكوكب منذ خلقني أربعمائة ألف مرة، فسبحانه من إله ما أعظم قدرته وما أجل كماله. واعلم أن الله سبحانه وتعالى ذكر في القرآن أصنافهم وأوصافهم، أما الأصناف فأحدها : حملة العرش وهو قوله  ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ، وثانيها : الحافون حول العرش على ما قال سبحانه  وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم . وثالثها : أكابر الملائكة فمنهم جبريل وميكائيل صلوات الله عليهما لقوله تعالى  من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين  ثم إنه سبحانه وتعالى وصف جبريل عليه السلام بأمور. الأول : أنه صاحب الوحي إلى الأنبياء قال تعالى  نزل به الروح الأمين على قلبك . الثاني : أنه تعالى ذكره قبل سائر الملائكة في القرآن  قل من كان عدوا لجبريل  ولأن جبريل صاحب الوحي والعلم، وميكائيل صاحب الأرزاق والأغذية، والعلم الذي هو الغذاء الروحاني أشرف من الغذاء الجسماني فوجب أن يكون جبريل عليه السلام أشرف من ميكائيل. الثالث : أنه تعالى جعله ثاني نفسه  فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين . الرابع : سماه روح القدس قال في حق عيسى عليه السلام  إذ أيدتك بروح القدس . الخامس : ينصر أولياء الله ويقهر أعداءه مع ألف من الملائكة مسومين، السادس : أنه تعالى مدحه بصفات ست في قوله  إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين  فرسالته أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جميع الأنبياء، فجميع الأنبياء والرسل أمته وكرمه على ربه أنه جعله واسطة بينه وبين أشرف عباده وهم الأنبياء، وقوته أنه رفع مدائن قوم لوط إلى السماء وقلبها، ومكانته عند الله أنه جعله ثاني نفسه في قوله تعالى  فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين  وكونه مطاعا أنه إمام الملائكة ومقتداهم، وأما كونه أمينا فهو قوله  نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين  ومن جملة أكاب

### الآية 2:31

> ﻿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [2:31]

قوله تعالى  وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين . اعلم أن الملائكة لما سألوا عن وجه الحكمة في خلق آدم وذريته وإسكانه تعالى إياهم في الأرض وأخبر الله تعالى عن وجه الحكمة في ذلك على سبيل الإجمال بقوله تعالى  إني أعلم ما لا تعلمون  أراد تعالى أن يزيدهم بيانا وأن يفصل لهم ذلك المجمل، فبين تعالى لهم من فضل آدم عليه السلام ما لم يكن من ذلك معلوما لهم، وذلك بأن علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم عليهم ليظهر بذلك كمال فضله وقصورهم عنه في العلم فيتأكد ذلك الجواب الإجمالي بهذا الجواب التفصيلي وههنا مسائل :
المسألة الأولى : قال الأشعري والجبائي والكعبي : اللغات كلها توقيفية. بمعنى أن الله تعالى خلق علما ضروريا بتلك الألفاظ وتلك المعاني، وبأن تلك الألفاظ موضوعة لتلك المعاني. واحتجوا عليه بقوله تعالى  وعلم آدم الأسماء كلها  والكلام على التمسك بهذه الآية سؤالا وجوابا ذكرناه في أصول الفقه. وقال أبو هاشم : إنه لابد من تقدم لغة اصطلاحية واحتج على أنه لابد وأن يكون الوضع مسبوقا بالاصطلاح بأمور. أحدها : أنه لو حصل العلم الضروري بأنه تعالى وضع هذه اللفظة لهذا المعنى لكان ذلك العلم إما أن يحصل للعاقل أو لغير العاقل، لا جائز أن يحصل للعاقل لأنه لو حصل العلم الضروري بأنه تعالى وضع ذلك اللفظ لذلك المعنى لصارت صفة الله تعالى معلومة بالضرورة مع أنه ذاته معلومة بالاستدلال وذلك محال ولا جائز أن يحصل لغير العاقل لأنه يبعد في العقول أن يحصل العلم بهذه اللغات مع ما فيها من الحكم العجيبة لغير العاقل، فثبت أن القول بالتوقيف فاسد. وثانيها : أنه تعالى خاطب الملائكة وذلك يوجب تقدم لغة على ذلك التكلم. وثالثها : أن قوله  وعلم آدم الأسماء كلها  يقتضي إضافة التعليم إلى الأسماء. وذلك يقتضي في تلك الأسماء أنها كانت أسماء قبل ذلك التعليم، وإذا كان كذلك كانت اللغات حاصلة قبل ذلك التعليم. ورابعها : أن آدم عليه السلام لما تحدى الملائكة بعلم الأسماء فلابد وأن تعلم الملائكة كونه صادقا في تعيين تلك الأسماء لتلك المسميات، وإلا لم يحصل العلم بصدقه، وذلك يقتضي أن يكون وضع تلك الأسماء لتلك المسميات متقدما على ذلك التعليم. والجواب عن الأول : لم لا يجوز أن يقال بخلق العلم الضروري بأن واضعا وضع هذه الأسماء لهذه المسميات من غير تعيين أن ذلك الواضع هو الله تعالى أو الناس ؟ وعلى هذا لا يلزم أن تصير الصفة معلومة بالضرورة حال كون الذات معلومة بالدليل. سلمنا أنه تعالى ما خلق هذا العلم في العاقل، فلم لا يجوز أن يقال : إنه تعالى خلقه في غير العاقل والتعويل على الاستعباد في هذا المقام مستبعد. وعن الثاني : لم لا يجوز أن يقال خاطب الملائكة بطريق آخر بالكتابة وغيرها. وعن الثالث : لا شك أن إرادة الله تعالى وضع تلك الألفاظ لتلك المعاني سابقة على التعليم فكفي ذلك في إضافة التعليم إلى الأسماء، وعن الرابع : ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى والله تعالى أعلم. 
المسألة الثانية : من الناس من قال قوله  وعلم آدم الأسماء كلها  أي علمه صفات الأشياء ونعوتها وخواصها والدليل عليه أن الاسم اشتقاقه إما من السمة أو من السمو، فإن كان من السمة كان الاسم هو العلامة وصفات الأشياء ونعوتها وخواصها دالة على ماهياتها ؛ فصح أن يكون المراد من الأسماء : الصفات، وإن كان من السمو فكذلك لأن دليل الشيء كالمرتفع على ذلك الشيء فإن العلم بالدليل حاصل قبل العلم بالمدلول، فكان الدليل أسمى في الحقيقة، فثبت أنه لا امتناع في اللغة أن يكون المراد من الاسم الصفة، بقي أن أهل النحو خصصوا لفظ الاسم بالألفاظ المخصوصة، ولكن ذلك عرف حادث لا اعتبار به، وإذا ثبت أن هذا التفسير ممكن بحسب اللغة وجب أن يكون هو المراد لا غيره، لوجوه، أحدها : أن الفضيلة في معرفة حقائق الأشياء أكثر من الفضيلة في معرفة أسمائها، وحمل الكلام المذكور لإظهار الفضيلة على ما يوجب مزيد الفضيلة، أولى من حمله على ما ليس كذلك، وثانيها : أن التحدي إنما يجوز ويحسن بما يتمكن السامع من مثله في الجملة، فإن من كان عالما باللغة والفصاحة، يحسن أن يقول له غيره على سبيل التحدي : ائت بكلام مثل كلامي في الفصاحة، أما العربي فلا يحسن منه أن يقول للزنجي في معرض التحدي : تكلم بلغتي، وذلك لأن العقل لا طريق له إلى معرفة اللغات البتة : بل ذلك لا يحصل إلا بالتعليم، فإن حصل التعليم، حصل العلم به وإلا فلا، أما العلم بحقائق الأشياء، فالعقل متمكن من تحصيله فصح وقوع التحدي فيه. القول الثاني : وهو المشهور أن المراد أسماء كل ما خلق الله من أجناس المحدثات من جميع اللغات المختلفة التي يتكلم بها ولد آدم اليوم من العربية والفارسية والرومية وغيرها، وكان ولد آدم عليه السلام يتكلمون بهذه اللغات فلما مات آدم وتفرق ولده في نواحي العالم تكلم كل واحد منهم بلغة معينة من تلك اللغات، فغلب عليه ذلك اللسان، فلما طالت المدة ومات منهم قرن بعد قرن نسوا سائر اللغات، فهذا هو السبب في تغير الألسنة في ولد آدم عليه السلام. قال أهل المعاني : قوله تعالى  وعلم آدم الأسماء  لابد فيه من إضمار، فيحتمل أن يكون المراد وعلم آدم أسماء المسميات، ويحتمل أن يكون المراد وعلم آدم مسميات الأسماء، قالوا لكن الأول أولى لقوله  أنبئوني بأسماء هؤلاء  وقوله تعالى  فلما أنبأهم بأسمائهم  ولم يقل أنبئوني بهؤلاء وأنبأهم بهم، فإن قيل : فلما علمه الله تعالى أنواع جميع المسميات، وكان في المسميات ما لا يكون عاقلا، فلم قال عرضهم ولم يقل عرضها ؟ قلنا لأنه لما كان في جملتها الملائكة والإنس والجن وهم العقلاء، فغلب الأكمل، لأنه جرت عادة العرب بتغليب الكامل على الناقص كلما غلبوا. 
المسألة الثالثة : من الناس من تمسك بقوله تعالى  أنبئوني بأسماء هؤلاء  على جواز تكليف ما لا يطاق وهو ضعيف، لأنه تعالى إنما استنبأهم مع علمه تعالى بعجزهم على سبيل التبكيت ويدل على ذلك قوله تعالى  إن كنتم صادقين . 
المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : إن ما ظهر من آدم عليه السلام من علمه بالأسماء معجزة دالة على نبوته عليه السلام في ذلك الوقت، والأقرب أنه كان مبعوثا إلى حواء ولا يبعد أيضا أن يكون مبعوثا إلى من توجه التحدي إليهم من الملائكة لأن جميعهم وإن كانوا رسلا فقد يجوز الإرسال إلى الرسول كبعثة إبراهيم عليه السلام إلى لوط عليه السلام واحتجوا عليه بأن حصول ذلك العلم له ناقض للعادة فوجب أن يكون معجزا، وإذا ثبت كونه معجزا ثبت كونه رسولا في ذلك الوقت، ولقائل أن يقول لا نسلم أن ذلك العلم ناقض للعادة لأن حصول العلم باللغة لمن علمه الله تعالى وعدم حصوله لمن لم يعلمه الله ليس بناقض للعادة. وأيضا فأما أن يقال : الملائكة علموا كون تلك الأسماء موضوعة لتلك المسميات أو ما علموا ذلك فإن علموا ذلك فقد قدروا على أن يذكروا أسماء تلك المسميات فحينئذ تحصل المعارضة ولا تظهر المزية والفضيلة، وإن لم يعلموا ذلك فكيف عرفوا أن آدم عليه السلام أصاب فيما ذكر من كون كل واحد من تلك الألفاظ اسما لكل واحد من تلك المسميات، واعلم أنه يمكن دفع هذا السؤال من وجهين. الأول : ربما كان لكل صنف من أصناف الملائكة لغة من هذه اللغات. وكان كل صنف جاهلا بلغة الصنف الآخر ثم إن جميع أصناف الملائكة حضروا وأن آدم عليه السلام عد عليهم جميع تلك اللغات بأسرها فعرف كل صنف إصابته في تلك اللغة خاصة فعرفوا بهذا الطريق صدقه إلا أنهم بأسرهم عجزوا عن معرفة تلك اللغات بأسرها فكان ذلك معجزا. الثاني : لا يمتنع أن يقال إنه تعالى عرفهم قبل أن سمعوا من آدم عليه السلام تلك الأسماء ما استدلوا به على صدق آدم فلما سمعوا منه عليه السلام تلك الأسماء عرفوا صدقه فيها فعرفوا كونه معجزا، سلمنا أنه ظهر عليه فعل خارق للعادة فلم لا يجوز أن يكون ذلك من باب الكرامات أو من باب الإرهاص وهما عندنا جائزان وحينئذ يصير الكلام في هذه المسألة فرعا على الكلام فيهما واحتج من قطع بأنه عليه السلام ما كان نبيا في ذلك الوقت بوجوه. أحدها : أنه لو كان نبيا في ذلك الزمان لكان قد صدرت المعصية عنه بعد النبوة. وذلك غير جائز، فوجب أن لا يكون نبيا في ذلك الزمان أما الملازمة فلأن صدور الزلة عنه كان بعد هذه الواقعة بالاتفاق وتلك الزلة من باب الكبائر على ما سيأتي شرحه إن شاء الله تعالى والإقدام على الكبيرة يوجب استحقاق الطرد والتحقير واللعن وكل ذلك على الأنبياء غير جائز فيجب أن يقال وقعت تلك الواقعة قبل النبوة. وثانيها : لو كان رسولا في ذلك الوقت لكان إما أن يكون مبعوثا إلى أحد أو لا يكون فإن كان مبعوثا إلى أحد، فإما أن يكون مبعوثا إلى الملائكة أو الإنس أو الجن والأول باطل لأن الملائكة عند المعتزلة أفضل من البشر ولا يجوز جعل الأدون رسولا إلى الأشرف لأن الرسول والأمة تبع، وجعل الأدون متبوع الأشرف خلاف الأصل وأيضا فالمرء إلى قبول القول ممن هو من جنسه أمكن ولهذا قال تعالى  ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا  ولا جائز أن يكون مبعوثا إلى البشر، لأنه ما كان هناك أحد من البشر إلا حواء، وأن حواء إنما عرفت التكليف لا بواسطة آدم لقوله تعالى  ولا تقربا هذه الشجرة  شافههما بهذا التكليف وما جعل آدم واسطة ولا جائز أن يكون مبعوثا إلى الجن لأنه ما كان في السماء أحد من الجن ولا جائزا أيضا أن يكون مبعوثا إلى أحد لأن المقصود من جعله رسولا التبليغ فحيث لا مبلغ لم يكن في جعله رسولا فائدة وهذا الوجه ليس في غاية القوة. وثالثها : قوله تعالى  ثم اجتباه ربه  فهذه الآية دلت على أنه تعالى إنما اجتباه بعد الزلة فوجب أن يقال إنه قبل الزلة ما كان مجتبي، وإذا لم يكن ذلك الوقت مجتبي وجب أن لا يكون رسولا لأن الرسالة والاجتباء متلازمان لأن الاجتباء لا معنى له إلا التخصيص بأنواع التشريفات وكل من جعله الله رسولا فقد خصه بذلك لقوله تعالى  الله أعلم حيث يجعل رسالته . 
المسألة الخامسة : ذكروا في قوله  إن كنتم صادقين  وجوها. أحدها : معناه أعلموني أسماء هؤلاء إن علمتم أنكم تكونون صادقين في ذلك الإعلام. وثانيها : معناه أخبروني ولا تقولوا إلا حقا وصدقا فيكون الغرض منه التوكيد لما نبههم عليه من القصور والعجز، لأنه متى تمكن في أنفسهم العلم بأنهم إن أخبروا لم يكونوا صادقين ولا لهم إليه سبيل علموا أن ذلك متعذر عليهم. وثالثها : إن كنتم صادقين في قولكم أنه لا شيء مما يتعبد به الخلق إلا وأنتم تصلحون وتقومون به وهو قول ابن عباس وابن مسعود. ورابعها : إن كنتم صادقين في قولكم إني لم أخلق خلقا إلا كنتم أعلم منه فأخبروني بأسماء هؤلاء. 
المسألة السادسة : هذه الآية دالة على فضل العلم فإنه سبحانه ما أظهر كمال حكمته في خلقة آدم عليه السلام إلا بأن أظهر علمه فلو كان في الإمكان وجود شيء من العلم أشرف من العلم لكان من الواجب إظهار فضله بذلك الشيء. لا بالعلم، واعلم أنه يدل على فضيلة العلم الكتاب والسنة والمنقول، أما الكتاب فوجوه، الأول : أن الله تعالى سمى العلم بالحك

### الآية 2:32

> ﻿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [2:32]

قوله تعالى  قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون . 
اعلم أن الذين اعتقدوا أن الملائكة أتوا بالمعصية في قولهم  أتجعل فيها من يفسد فيها  قالوا : إنهم لما عرفوا خطأهم في هذا السؤال رجعوا وتابوا واعتذروا عن خطئهم بقولهم  سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا  والذين أنكروا معصيتهم ذكروا في ذلك وجهين. الأول : أنهم إنما قالوا ذلك على وجه الاعتراف بالعجز والتسليم بأنهم لا يعلمون ما سئلوا عنه وذلك لأنهم قالوا إنا لا نعلم إلا ما علمتنا فإذا لم تعلمنا ذلك فكيف نعلمه، الثاني : أن الملائكة إنما قالوا  أتجعل فيها  لأن الله تعالى أعلمهم ذلك فكأنهم قالوا إنك أعلمتنا أنهم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء فقلنا لك أتجعل فيها من يفسد فيها وأما هذه الأسماء فإنك ما أعلمتنا كيفيتها فكيف نعلمها. وههنا مسائل :
المسألة الأولى : احتج أصحابنا بقوله تعالى  لا علم لنا إلا ما علمتنا  على أن المعارف مخلوقة لله تعالى وقالت المعتزلة المراد أنه لا علم لنا إلا من جهته إما بالتعليم وإما بنصب الدلالة والجواب أن التعليم عبارة عن تحصيل العلم في الغير كالتسويد فإنه عبارة عن تحصيل السواد في الغير لا يقال التعليم عبارة عن إفادة الأمر الذي يترتب عليه العلم لو حصل الشرط وانتفى المانع ولذلك يقال علمته فما تعلم والأمر الذي يترتب عليه العلم هو وضع الدليل والله تعالى قد فعل ذلك لأنا نقول المؤثر في وجود العلم ليس هو ذات الدليل بل النظر في الدليل وذلك النظر فعل العبد فلم يكن حصول ذلك العلم بتعليم الله تعالى وأنه يناقض قوله  لا علم لنا إلا ما علمتنا . 
المسألة الثانية : احتج أهل الإسلام بهذه الآية على أنه لا سبيل إلى معرفة المغيبات إلا بتعليم الله تعالى وأنه لا يمكن التوصل إليها بعلم النجوم والكهانة والعرافة ونظيره قوله تعالى  وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو  وقوله  عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول  وللمنجم أن يقول للمعتزلي إذا فسرت التعليم بوضع الدلائل فعندي حركات النجوم دلائل خلقها الله تعالى على أحوال هذا العالم فإذا استدللت بها على هذه كان ذلك أيضا بتعليم الله تعالى، ويمكن أن يقال أيضا إن الملائكة لما عجزوا عن معرفة الغيب فلأن يعجز عنه أحدنا كان أولى. 
المسألة الثالثة : العليم من صفات المبالغة التامة في العلم، والمبالغة التامة لا تتحقق إلا عند الإحاطة بكل المعلومات، وما ذاك إلا هو سبحانه وتعالى، فلا جرم ليس العليم المطلق إلا هو، فلذلك قال  إنك أنت العليم الحكيم  على سبيل الحصر. 
المسألة الرابعة : الحكيم يستعمل على وجهين. أحدهما : بمعنى العليم فيكون ذلك من صفات الذات، وعلى هذا التفسير نقول : إنه تعالى حكيم في الأزل. الآخر : أنه الذي يكون فاعلا لا اعتراض لأحد عليه. فيكون ذلك من صفات الفعل، فلا نقول إنه حكيم في الأزل والأقرب ههنا أن يكون المراد هو المعنى الثاني وإلا لزم التكرار، فكأن الملائكة قالت : أنت العالم بكل المعلومات فأمكنك تعليم آدم، وأنت الحكيم في هذا الفعل المصيب فيه. وعن ابن عباس : أن مراد الملائكة من الحكيم، أنه هو الذي حكم بجعل آدم خليفة في الأرض.

### الآية 2:33

> ﻿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [2:33]

المسألة الخامسة : أن الله تعالى لما أمر آدم عليه السلام بأن يخبرهم عن أسماء الأشياء وهو عليه الصلاة والسلام أخبرهم بها فلما أخبرهم بها قال سبحانه وتعالى لهم عند ذلك  ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض  والمراد من هذا الغيب أنه تعالى كان عالما بأحوال آدم عليه السلام قبل أن يخلقه وهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى يعلم الأشياء قبل حدوثها، وذلك يدل على بطلان مذهب هشام بن الحكم في أنه لا يعلم الأشياء إلا عند وقوعها، فإن قيل الإيمان هو العلم، فقوله تعالى  يؤمنون بالغيب  يدل على أن العبد يعلم الغيب فكيف قال ههنا  إني أعلم غيب السماوات والأرض  والإشعار بأن علم الغيب ليس إلا لي وأن كل من سواي فهم خالون عن علم الغيب وجوابه ما تقدم في قوله  الذين يؤمنون بالغيب  أما قوله  وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون  ففيه وجوه. أحدها : ما روى الشعبي عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم أن قوله  وأعلم ما تبدون  أراد به قولهم  أتجعل فيها من يفسد فيها  وقوله  وما كنتم تكتمون  أراد به ما أسر إبليس في نفسه من الكبر وأن لا يسجد وثانيها : إني أعلم ما لا تعلمون  من الأمور الغائبة والأسرار الخفية التي يظن في الظاهر أنه لا مصلحة فيها ولكني لعلمي بالأسرار المغيبة أعلم أن المصلحة في خلقها. وثالثها : أنه تعالى لما خلق آدم رأت الملائكة خلقا عجيبا فقالوا ليكن ما شاء فلن يخلق ربنا خلقا إلا كنا أكرم عليه منه فهذا الذي كتموا ويجوز أن يكون هذا القول سرا أسروه بينهم فأبداه بعضهم لبعض وأسروه عن غيرهم فكان في هذا الفعل الواحد إبداء وكتمان. ورابعها : وهو قول الحكماء أن الأقسام خمسة لأن الشيء إما أن يكون خيرا محضا أو شرا محضا أو ممتزجا وعلى تقدير الامتزاج فإما أن يعتدل الأمران أو يكون الخير غالبا أو يكون الشر غالبا أما الخير المحض فالحكمة تقتضي إيجاده وأما الذي يكون فيه الخير غالبا فالحكمة تقتضي إيجاده لأن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير فالملائكة ذكروا الفساد والقتل وهو شر قليل بالنسبة إلى ما يحصل منهم من الخيرات فقوله  إني أعلم غيب السماوات والأرض  فأعرف أن خيرهم غالب على هذه الشرور فاقتضت الحكمة إيجادهم وتكوينهم. 
المسألة السادسة : اعلم أن في هذه الآية خوفا عظيما وفرحا عظيما أما الخوف فلأنه تعالى لا يخفى عليه شيء من أحوال الضمائر فيجب أن يجتهد المرء في تصفية باطنه وأن لا يكون بحيث يترك المعصية لاطلاع الخلائق عليها ولا يتركها عند اطلاع الخالق عليها والأخبار مؤكدة لذلك. أحدها : روى عدي بن حاتم أنه عليه الصلاة والسلام قال :**«يؤتى بناس يوم القيامة فيؤمر بهم إلى الجنة حتى إذا دنوا منها ووجدوا رائحتها ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعد الله لأهلها نودوا أن اصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها فيرجعون عنها بحسرة ما رجع أحد بمثلها ويقولون يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا من ثوابك وما أعددت فيها لأوليائك كان أهون علينا : فنودوا ذاك أردت لكم كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم وإذا لقيتم الناس لقيتموهم بالمحبة مخبتين تراءون الناس بخلاف ما تضمرون عليه في قلوبكم هبتم الناس ولم تهابوني أجللتم الناس ولم تجلوني تركتم المعاصي للناس ولم تتركوها لأجلي كنت أهون الناظرين عليكم فاليوم أذيقكم أليم عذابي مع ما حرمتكم من النعيم »**. وثانيها : قال سليمان بن علي لحميد الطويل : عظني فقال : إن كنت إذا عصيت الله خاليا ظننت أنه يراك فلقد اجترأت على أمر عظيم، وإن كنت ظننت أنه لا يراك فلقد كفرت. وثالثها : قال حاتم الأصم : طهر نفسك في ثلاثة أحوال : إذا كنت عاملا بالجوارح فاذكر نظر الله إليك. وإذا كنت قائلا فاذكر سمع الله إليك، وإذا كنت ساكتا عاملا بالضمير فاذكر علم الله بك إذ هو يقول  إنني معكما أسمع وأرى . ورابعها : اعلم أنه لا اطلاع لأحد على أسرار حكمة الله تعالى، فالملائكة وقع نظرهم على الفساد والقتل فاستحقروا البشر. ووقع نظرهم على طاعة إبليس فاستعظموه، أما علام الغيوب فإنه كان عالما بأنهم وإن أتوا بالفساد والقتل لكنهم سيأتون بعده بقولهم  ربنا ظلمنا أنفسنا  وأن إبليس وإن أتى بالطاعات لكنه سيأتي بعدها بقوله  أنا خير منه ، ومن شأن العقل أن لا يعتمد على ما يراه وأن يكون أبدا في الخوف والوجل، فقوله تعالى  إني أعلم غيب السماوات  معناه أن الذي أعرف الظاهر والباطن والواقع والمتوقع وأعلم أنه ما ترونه عابدا مطيعا سيكفر ويبعد عن حضرتي، ومن ترونه فاسقا بعيدا سيقرب من خدمتي، فالخلق لا يمكنهم أن يخرجوا عن حجاب الجهل ولا يتيسر لهم أن يخرقوا أستار العجز فإنهم لا يحيطون بشيء من علمه. ثم إنه سبحانه حقق من علم الغيب وعجز الملائكة أن أظهر من البشر كمال العبودية ومن أشد ساكني السماوات عبادة كمال الكفر لئلا يغتر أحد بعمله ويفوضوا معرفة الأشياء إلى حكمة الخالق ويزيلوا الاعتراض بالقلب واللسان عن مصنوعاته ومبدعاته.

### الآية 2:34

> ﻿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [2:34]

قوله تعالى  وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين . 
اعلم أن هذا هو النعمة الرابعة من النعم العامة على جميع البشر، وهو أنه سبحانه وتعالى جعل أبانا مسجود الملائكة وذلك لأنه تعالى ذكر تخصيص آدم بالخلافة أولا ثم تخصيصه بالعلم الكثير ثانيا ثم بلوغه في العلم إلى أن صارت الملائكة عاجزين عن بلوغ درجته في العلم وذكر الآن كونه مسجودا للملائكة، وههنا مسائل :
المسألة الأولى : الأمر بالسجود حصل قبل أن يسوي الله تعالى خلقة آدم عليه السلام بدليل قوله  إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين  وظاهر هذه الآية يدل على أنه عليه السلام لما صار حيا صار مسجود الملائكة لأن الفاء في قوله  فقعوا  للتعقيب وعلى هذا التقدير يكون تعليم الأسماء ومناظرته مع الملائكة في ذلك حصل بعد أن صار مسجود الملائكة. 
المسألة الثانية : أجمع المسلمون على أن ذلك السجود ليس سجود عبادة لأن سجود العبادة لغير الله كفر والأمر لا يرد بالكفر ثم اختلفوا بعد ذلك على ثلاثة أقوال. الأول : أن ذلك السجود كان لله تعالى وآدم عليه السلام كان كالقبلة ومن الناس من طعن في هذا القول من وجهين. الأول : أنه لا يقال صليت للقبلة بل يقال صليت إلى القبلة فلو كان آدم عليه السلام قبلة لذلك السجود لوجب أن يقال اسجدوا إلى آدم فلما لم يرد الأمر هكذا بل قيل اسجدوا لآدم علمنا أن آدم عليه السلام لم يكن قبلة. الثاني : أن إبليس قال أرأيتك هذا الذي كرمت على أي أن كونه مسجودا يدل على أنه أعظم حالا من الساجد ولو كان قبلة لما حصلت هذه الدرجة بدليل أن محمدا عليه الصلاة والسلام كان يصلي إلى الكعبة ولم يلزم أن تكون الكعبة أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم. والجواب عن الأول أنه كما لا يجوز أن يقال صليت إلى القبلة جاز أن يقال صليت للقبلة والدليل عليه القرآن والشعر، أما القرآن فقوله تعالى  أقم الصلاة لدلوك الشمس  والصلاة لله لا للدلوك. فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يقال صليت للقبلة مع أن الصلاة تكون لله تعالى لا للقبلة، وأما الشعر فقول حسان :
ما كنت أعرف أن الأمر منصرف \*\*\* عن هاشم ثم منها عن أبي حسن
أليس أول من صلى لقبلتكم \*\*\* وأعرف الناس بالقرآن والسنن
فقوله صلى لقبلتكم نص على المقصود. والجواب عن الثاني أن إبليس شكا تكريمه وذلك التكريم لا نسلم أنه حصل بمجرد تلك المسجودية بل لعله حصل بذلك مع أمور أخر فهذا ما في القول الأول أما القول الثاني فهو أن السجدة كانت لآدم عليه السلام تعظيما له وتحية له كالسلام منهم عليه، وقد كانت الأمم السالفة تفعل ذلك كما يحيي المسلمون بعضهم بعضا بالسلام وقال قتادة في قوله  وخروا له سجدا  كانت تحية الناس يومئذ سجود بعضهم لبعض. وعن صهيب أن معاذا لما قدم من اليمن سجد للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا معاذ ما هذا قال : إن اليهود تسجد لعظمائها وعلمائها ورأيت النصارى تسجد لقسسها وبطارقتها قلت : ما هذا قالوا : تحية الأنبياء فقال عليه السلام كذبوا على أنبيائهم[(١)](#foonote-١) وعن الثوري عن سماك بن هاني قال : دخل الجاثليق على علي بن أبي طالب فأراد أن يسجد له فقال له علي اسجد لله ولا تسجد لي. وقال عليه الصلاة والسلام :**«لو أمرت أحدا أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها »**. القول الثالث : أن السجود في أصل اللغة هو الانقياد والخضوع قال الشاعر :
ترى الأكم فيها سجدا للحوافر \*\*\*. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 
أي تلك الجبال الصغار كانت مذللة لحوافر الخيل ومنه قوله تعالى  والنجم والشجر يسجدان  واعلم أن القول الأول ضعيف لأن المقصود من هذه القصة شرح تعظيم آدم عليه السلام، وجعله مجرد القبلة لا يفيد تعظيم حاله وأما القول الثالث فضعيف أيضا لأن السجود لا شك أنه في عرف الشرع عبارة عن وضع الجبهة على الأرض فوجب أن يكون في أصل اللغة كذلك لأن الأصل عدم التغيير، فإن قيل السجود عبادة والعبادة لغير الله لا تجوز قلنا لا نسلم أنه عبادة، بيانه أن الفعل قد يصير بالمواضعة مفيدا كالقول يبين ذلك أن قيام أحدنا للغير يفيد من الأعظام ما يفيده القول وما ذاك إلا للعادة وإذا ثبت ذلك لم يمتنع أن يكون في بعض الأوقات سقوط الإنسان على الأرض وإلصاقه الجبين بها مفيدا ضربا من التعظيم وإن لم يكن ذلك عبادة وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يتعبد الله الملائكة بذلك إظهارا لرفعته وكرامته. 
المسألة الثالثة : اختلفوا في أن إبليس هل كان من الملائكة ؟ قال بعض المتكلمين : ولاسيما المعتزلة إنه لم يكن منهم وقال كثير من الفقهاء إنه كان منهم واحتج الأولون بوجوه. أحدها : أنه كان من الجن فوجب أن لا يكون من الملائكة وإنما قلنا إنه كان من الجن لقوله تعالى في سورة الكهف  إلا إبليس كان من الجن  واعلم أن من الناس من ظن أنه لما ثبت أنه كان من الجن وجب أن لا يكون من الملائكة لأن الجن جنس مخالف للملك وهذا ضعيف لأن الجن مأخوذ من الاجتنان وهو الستر ولهذا سمي الجنين جنينا لاجتنانه ومنه الجنة لكونها ساترة والجنة لكونها مستترة بالأغصان ومنه الجنون لاستتار العقل فيه، ولما ثبت هذا والملائكة مستورون عن العيون وجب إطلاق لفظ الجن عليهم بحسب اللغة ثبت أن هذا القدر لا يفيد المقصود فنقول لما ثبت أن إبليس كان من الجن وجب أن لا يكون من الملائكة لقوله تعالى  ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن  وهذه الآية صريحة في الفرق بين الجن والملك. فإن قيل لا نسلم أنه كان من الجن أما قوله تعالى  كان من الجن  فلم لا يجوز أن يكون المراد كان من الجنة على ما روى عن ابن مسعود أنه قال كان من الجن أي كان خازن الجنة ؟ سلمنا ذلك لكن لا يجوز أن يكون قوله  من الجن  أي صار من الجن كما أن قوله وكان من الكافرين أي صار من الكافرين سلمنا أن ما ذكرت يدل على أنه من الجن فلم قلت إن كونه من الجن ينافي كونه من الملائكة وما ذكرتم من الآية معارض بآية أخرى وهي قوله تعالى  وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا  وذلك لأن قريشا قالت : الملائكة بنات الله فهذه الآية تدل على أن الملك يسمى جنا ؟ والجواب : لا يجوز أن يكون المراد من قوله  كان من الجن  أنه كان خازن الجنة لأن قوله  إلا إبليس كان من الجن  يشعر بتعليل تركه للسجود لكونه جنيا ولا يمكن تعليل ترك السجود بكونه خازنا للجنة فيبطل ذلك قوله  كان من الجن  أي صار من الجن. قلنا هذا خلاف الظاهر فلا يصار إليه إلا عند الضرورة وأما قوله تعالى  وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا  قلنا يحتمل أن بعض الكفار أثبت ذلك النسب في الجن كما أثبته في الملائكة وأيضا فقد بينا أن الملك يسمى جنا بحسب أصل اللغة لكن لفظ الجن بحسب العرف اختص بغيرهم كما أن لفظ الدابة وإن كان بحسب اللغة الأصلية يتناول كل ما يدب لكنه بحسب العرف اختص ببعض ما يدب فتحمل هذه الآية على اللغة الأصلية، والآية التي ذكرناها على العرف الحادث. وثانيها : أن إبليس له ذرية والملائكة لا ذرية لهم، إنما قلنا إن إبليس له ذرية لقوله تعالى في صفته  أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني  وهذا صريح في إثبات الذرية له، وإنما قلنا إن الملائكة لا ذرية لهم لأن الذرية إنما تحصل من الذكر والأنثى والملائكة لا أنثى فيهم لقوله تعالى  وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمان إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم  أنكر على من حكم عليهم بالأنوثة فإذا انتفت الأنوثة انتفي التوالد لا محالة فانتفت الذرية، وثالثها : أن الملائكة معصومون على ما تقدم بيانه وإبليس لم يكن كذلك فوجب أن لا يكون من الملائكة. ورابعها : أن إبليس مخلوق من النار والملائكة ليسوا كذلك إنما قلنا أن إبليس مخلوق من النار لقوله تعالى حكاية عن إبليس  خلقتني من نار  وأيضا فلأنه كان من الجن لقوله تعالى  كان من الجن  والجن مخلوقون من النار لقوله تعالى  والجان خلقناه من قبل من نار السموم  وقال  خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار  وأما أن الملائكة ليسوا مخلوقين من النار بل من النور، فلما روي الزهري عن عروة عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار »**، ولأن من المشهور الذي لا يدفع أن الملائكة روحانيون، وقيل إنما سموا بذلك، لأنهم خلقوا من الريح أو الروح. وخامسها : أن الملائكة رسل لقوله تعالى  جاعل الملائكة رسلا  ورسل الله معصومون، لقوله تعالى  الله أعلم حيث يجعل رسالته  فلما لم يكن إبليس كذلك وجب أن لا يكون من الملائكة واحتج القائلون بكونه من الملائكة بأمرين : الأول : أن الله تعالى استثناه من الملائكة والاستثناء يفيد إخراج ما لولاه لدخل أو لصح دخوله، وذلك يوجب كونه من الملائكة لا يقال. الاستثناء المنقطع مشهور في كلام العرب، قال تعالى  وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني  وقال تعالى  لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما  وقال تعالى  لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض  وقال تعالى  وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ  وأيضا فلأنه كان جنيا واحدا بين الألوف من الملائكة، فغلبوا عليه في قوله  فسجدوا  ثم استثنى هو منهم استثناء واحد منهم، لأنا نقول : كل واحد من هذين الوجهين على خلاف الأصل، فذلك إنما يصار إليه عند الضرورة، والدلائل التي ذكرتموها في نفي كونه من الملائكة، ليس فيها إلا الاعتماد على العمومات، فلو جعلناه من الملائكة لزم تخصيص ما عولتم عليه من العمومات، ولو قلنا إنه ليس من الملائكة، لزمنا حمل الاستثناء على الاستثناء المنقطع، ومعلوم أن تخصيص العمومات أكثر في كتاب الله تعالى من حمل الاستثناء على الاستثناء المنقطع فكان قولنا أولى. وأيضا فالاستثناء مشتق من الثني والصرف ومعنى الصرف إنما يتحقق حيث لولا الصرف لدخل والشيء لا يدخل في غير جنسه فيمتنع تحقق معنى الاستثناء فيه، وأما قوله إنه جني واحد بين الملائكة فنقول إنما يجوز إجراء حكم الكثير على القليل إذا كان ذلك القليل ساقط العبرة غير ملتفت إليه وأما إذا كان معظم الحديث لا يكون إلا عن ذلك الواحد لم يجز إجراء حكم غيره عليه ( الحجة الثانية ) قالوا لو لم يكن إبليس من الملائكة لما كان قوله  وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم  متناولا له، ولو لم يكن متناولا له لاستحال أن يكون تركه للسجود إباء واستكبارا ومعصية ولما استحق الذم والعقاب، وحيث حصلت هذه الأمور علمنا أن ذلك الخطاب يتناوله ولا يتناوله ذلك الخطاب إلا إذا كان من الملائكة، لا يقال إنه وإن لم يكن من الملائكة إلا أنه نشأ معهم وطالت مخالطته بهم والتصق بهم، فلا جرم يتناوله ذلك الخطاب وأيضا فلم لا يجوز أن يقال : إنه وإن لم يدخل في هذا الأمر، ولكن الله تعالى أمره بالسجود بلفظ آخر ما حكاه في القرآن بدليل قوله  ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك  لأنا نقول : أما الأول فجوابه أن الخطابة لا توجب ما ذكرتموه، ولهذا قلنا في أصول الفقه إن خطاب الذكور لا يتناول الإناث وبالع

١ ثبت أن معاذ رضي الله عنه حين بعثه النبي إلى اليمن لم يرجع منها إلا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم..

### الآية 2:35

> ﻿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [2:35]

قوله تعالى : وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين  اعلم أن ههنا مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في أن قوله  اسكن  أمر تكليف أو إباحة فالمروي عن قتادة أنه قال : إن الله تعالى ابتلى آدم بإسكان الجنة كما ابتلى الملائكة بالسجود وذلك لأنه كلفه بأن يكون في الجنة يأكل منها حيث شاء ونهاه عن شجرة واحدة أن يأكل منها فما زالت به البلايا حتى وقع فيما نهى عنه فبدت سوأته عند ذلك وأهبط من الجنة وأسكن موضعا يحصل فيه ما يكون مشتهى له مع أن منعه من تناوله من أشد التكاليف. وقال آخرون : إن ذلك إباحة لأن الاستقرار في المواضع الطيبة النزهة التي يتمتع فيها يدخل تحت التعبد كما أن أكل الطيبات لا يدخل تحت التعبد ولا يكون قوله : كلوا من طيبات ما رزقناكم  \[ الأعراف : ١٦ \] أمرا وتكليفا بل إباحة، والأصح أن ذلك الإسكان مشتمل على ما هو إباحة، وعلى ما هو تكليف فهو أن المنهي عنه كان حاضرا وهو كان ممنوعا عن تناوله، قال بعضهم : لو قال رجل لغيره أسكنتك داري لا تصير الدار ملكا له فههنا لم يقل الله تعالى : وهبت منك الجنة بل قال أسكنتك الجنة وإنما لم يقل ذلك لأنه خلقه لخلافة الأرض فكان إسكان الجنة كالتقدمة على ذلك. 
المسألة الثانية : أن الله تعالى لما أمر الكل بالسجود لآدم وأبى إبليس السجود صيره الله ملعونا ثم أمر آدم بأن يسكنها مع زوجته. واختلفوا في الوقت الذي خلقت زوجته فيه، فذكر السدي عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة أن الله تعالى لما أخرج إبليس من الجنة وأسكن آدم الجنة فبقي فيها وحده وما كان معه من يستأنس به فألقى الله تعالى عليه النوم ثم أخذ ضلعا من أضلاعه من شقه الأيسر ووضع مكانه لحما وخلق حواء منه، فلما استيقظ وجد عند رأسه امرأة قاعدة فسألها من أنت ؟ قالت : امرأة. قال : ولم خلقت ؟ قالت : لتسكن إلي، فقالت الملائكة : ما اسمها ؟ قالوا : حواء، ولم سميت حواء ؟ قال : لأنها خلقت من شيء حي، وعن عمر وابن عباس رضي الله عنهما قال : بعث الله جندا من الملائكة فحملوا آدم وحواء عليهما السلام على سرير من ذهب كما تحمل الملوك ولباسهما النور على كل واحد منهما إكليل من ذهب مكلل بالياقوت واللؤلؤ وعلى آدم منطقة مكللة بالدر والياقوت حتى أدخلا الجنة. فهذا الخبر يدل على أن حواء خلقت قبل إدخال آدم الجنة والخبر الأول يدل على أنها خلقت في الجنة والله أعلم بالحقيقة. 
المسألة الثالثة : أجمعوا على أن المراد بالزوجة حواء وإن لم يتقدم ذكرها في هذه السورة وفي سائر القرآن ما يدل على ذلك وأنها مخلوقة منه كما قال الله تعالى في سورة النساء : الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها  \[ النساء : ١ \] وفي الأعراف : وجعل منها زوجها ليسكن إليها  \[ الأعراف : ١٨٩ \]، وروى الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :( إن المرأة خلقت من ضلع الرجل فإن أردت أن تقيمها كسرتها وإن تركتها انتفعت بها واستقامت ). 
المسألة الرابعة : اختلفوا في الجنة المذكورة في هذه الآية، هل كانت في الأرض أو في السماء ؟ وبتقدير أنها كانت في السماء فهل هي الجنة التي هي دار الثواب أو جنة الخلد أو جنة أخرى ؟ فقال أبو القاسم البلخي وأبو مسلم الأصفهاني : هذه الجنة كانت في الأرض، وحملا الإهباط على الانتقال من بقعة إلى بقعة كما في قوله تعالى : اهبطوا مصرا  \[ البقرة : ٦١ \] واحتجا عليه بوجوه أحدها : أن هذه الجنة لو كانت هي دار الثواب لكانت جنة الخلد ولو كان آدم في جنة الخلد لما لحقه الغرور من إبليس بقوله : هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى  \[ طه : ١٢٠ \]، ولما صح قوله : ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين  \[ الأعراف : ٢٠ \]. وثانيها : أن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله تعالى : وما هم منها بمخرجين  \[ الحجر : ٤٨ \]. وثالثها : أن إبليس لما امتنع عن السجود لعن فما كان يقدر مع غضب الله على أن يصل إلى جنة الخلد. ورابعها : أن الجنة التي هي دار الثواب لا يفنى نعيمها لقوله تعالى : أكلها دائم وظلها  \[ الرعد : ٣٥ \] ولقوله تعالى : وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها  \[ هود : ١٠٨ \] إلى أن قال : عطاء غير مجذوذ  \[ هود : ١٠٨ \] أي غير مقطوع، فهذه الجنة لو كانت هي التي دخلها آدم عليه السلام لما فنيت، لكنها تفنى لقوله تعالى : كل شيء هالك إلا وجهه  \[ القصص : ٨٨ \] ولما خرج منها آدم عليه السلام لكنه خرج منها وانقطعت تلك الراحات، وخامسها : أنه لا يجوز في حكمته تعالى أن يبتدئ الخلق في جنة يخلدهم فيها ولا تكليف لأنه تعالى لا يعطي جزاء العاملين من ليس بعامل ولأنه لا يهمل عباده بل لابد من ترغيب وترهيب ووعد ووعيد، وسادسها : لا نزاع في أن الله تعالى خلق آدم عليه السلام في الأرض ولم يذكر في هذه القصة أنه نقله إلى السماء ولو كان تعالى قد نقله إلى السماء لكان ذلك أولى بالذكر لأن نقله من الأرض إلى السماء من أعظم النعم، فدل ذلك على أنه لم يحصل وذلك يوجب أن المراد من الجنة التي قال الله تعالى له : اسكن أنت وزوجك الجنة  جنة أخرى غير جنة الخلد. القول الثاني : وهو قول الجبائي : أن تلك الجنة كانت في السماء السابعة والدليل عليه قوله تعالى : اهبطوا منها  \[ البقرة : ٣٨ \]، ثم إن الإهباط الأول كان من السماء السابعة إلى السماء الأولى، والإهباط الثاني كان من السماء إلى الأرض. القول الثالث : وهو قول جمهور أصحابنا : أن هذه الجنة هي دار الثواب والدليل عليه أن الألف واللام في لفظ الجنة لا يفيدان العموم لأن سكنى جميع الجنان محال فلابد من صرفها إلى المعهود السابق والجنة التي هي المعهودة المعلومة بين المسلمين هي دار الثواب، فوجب صرف اللفظ إليها، والقول الرابع : أن الكل ممكن والأدلة النقلية ضعيفة ومتعارضة فوجب التوقف وترك القطع والله أعلم. 
المسألة الخامسة : قال صاحب الكشاف : السكنى من السكون لأنها نوع من اللبث والاستقرار و**«أنت »** تأكيد المستكن في **«اسكن »** ليصح العطف عليه و**«رغدا »** وصف للمصدر أي أكلا رغدا واسعا رافها و**«حيث »** للمكان المبهم أي أي مكان من الجنة شئتما، فالمراد من الآية إطلاق الأكل من الجنة على وجه التوسعة البالغة حيث لم يحظر عليهما بعض الأكل ولا بعض المواضع حتى لا يبقى لهما عذر في التناول من شجرة واحدة من بين أشجارها الكثيرة. 
المسألة السادسة : لقائل أن يقول : إنه تعالى قال ههنا : وكلا منها رغدا  وقال في الأعراف : فكلا من حيث شئتما  \[ الأعراف : ١٩ \] فعطف  كلا  على قوله : اسكن  في سورة البقرة بالواو وفي سورة الأعراف بالفاء فما الحكمة ؟ والجواب : كل فعل عطف عليه شيء وكان الفعل بمنزلة الشرط، وذلك الشيء بمنزلة الجزء عطف الثاني على الأول بالفاء دون الواو كقوله تعالى : وإذا قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا  \[ البقرة : ٥٨ \] فعطف كلوا على ادخلوا بالفاء لما كان وجود الأكل منها متعلقا بدخولها فكأنه قال إن أدخلتموها أكلتم منها، فالدخول موصل إلى الأكل، والأكل متعلق وجوده بوجوده يبين ذلك قوله تعالى في مثل هذه الآية من سورة الأعراف : وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم  \[ الأعراف : ١٦١ \]، فعطف كلوا على قوله اسكنوا بالواو دون الفاء لأن اسكنوا من السكنى وهي المقام مع طول اللبث والأكل لا يختص وجوده بوجوده لأن من دخل بستانا قد يأكل منه وإن كان مجتازا فلما لم يتعلق الثاني بالأول تعلق الجزاء بالشرط وجب العطف بالواو دون الفاء إذا ثبت هذا فنقول : إن  اسكن  يقال لمن دخل مكانا فيراد منه إلزم المكان الذي دخلته ولا تنتقل عنه، ويقال أيضا لمن لم يدخل اسكن هذا المكان يعني ادخله واسكن فيه، ففي سورة البقرة هذه الأمر إنما ورد بعد أن كان آدم في الجنة فكان المراد منه اللبث والاستقرار وقد بينا أن الأكل لا يتعلق به فلا جرم ورد بلفظ الواو وفي سورة الأعراف هذا الأمر إنما ورد قيل : أن دخل الجنة فكان المراد منه دخول الجنة وقد بينا أن الأكل يتعلق به فلا جرم ورد بلفظ الفاء والله أعلم. 
المسألة السابعة : قوله  ولا تقربا هذه الشجرة  لا شبهة في أنه نهى ولكن فيه بحثان الأول : أن هذا نهي تحريم أو نهي تنزيه فيه خلاف، فقال قائلون : هذه الصيغة لنهي التنزيه، وذلك لأن هذه الصيغة وردت تارة في التنزيه وأخرى في التحريم، والأصل عدم الاشتراك فلابد من جعل اللفظ حقيقة في القدر المشترك بين القسمين، وما ذلك إلا أن يجعل حقيقة في ترجيح جانب الترك على جانب الفعل من غير أن يكون فيه دلالة على المنع من الفعل أو على الإطلاق فيه، لكن الإطلاق فيه كان ثابتا بحكم الأصل، فإن الأصل في المنافع الإباحة، فإذا ضممنا مدلول اللفظ إلى هذا الأصل صار المجموع دليلا على التنزيه، قالوا : وهذا هو الأولى بهذا المقام لأن على هذا التقدير يرجع حاصل معصية آدم عليه السلام إلى ترك الأولى ومعلوم أن كل مذهب كان أفضى إلى عصمة الأنبياء عليهم السلام كان أولى بالقبول، وقال آخرون : بل هذا النهي نهي تحريم واحتجوا عليه بأمور. ( أحدها ) أن قوله تعالى : ولا تقربا هذه الشجرة  كقوله : ولا تقربوهن حتى يطهرن  \[ البقرة : ٢٢٢ \] وقوله : ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن  \[ الأنعام : ١٥٢ \] فكما أن هذا للتحريم فكذا الأول. ( وثانيها ) أنه قال : فتكونا من الظالمين  \[ البقرة : ٣٥ \] معناه إن أكلتما منها فقد ظلمتما أنفسكما ألا تراهما لما أكلا  قالا ربنا ظلمنا أنفسنا  \[ الأعراف : ٢٣ \] ( وثالثها ) : أن هذا النهي لو كان نهي تنزيه لما استحق آدم بفعله الإخراج من الجنة ولما وجبت التوبة عليه، والجواب عن الأول نقول : إن النهي وإن كان في الأصل للتنزيه ولكنه قد يحمل على التحريم لدلالة منفصلة، وعن الثاني : أن قوله : فتكونا من الظالمين  أي فتظلما أنفسكما بفعل ما الأولى بكما تركه لأنكما إذا فعلتما ذلك أخرجتما من الجنة التي لا تظمآن فيها ولا تجوعان ولا تضحيان ولا تعريان إلى موضع ليس لكما فيه شيء من هذا، وعن الثالث : أنا لا نسلم أن الإخراج من الجنة كان لهذا السبب وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. 
البحث الثاني : قال قائلون قوله : ولا تقربا هذه الشجرة  يفيد بفحواه النهي عن الأكل، وهذا ضعيف لأن النهي عن القرب لا يفيد النهي عن الأكل إذ ربما كان الصلاح في ترك قربها مع أنه لو حمل إليه لجاز له أكله، بل هذا الظاهر يتناول النهي عن القرب. وأما النهي عن الأكل فإنما عرف بدلائل أخرى وهي قوله تعالى في غير هذا الموضع : فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما  \[ الأعراف : ٢٢ \] ولأنه صدر الكلام في باب الإباحة بالأكل فقال : وكلا منها رغدا حيث شئتما  فصار ذلك كالدلالة على أنه تعالى نهاهما عن أكل ثمرة تلك الشجرة لكن النهي عن ذلك بهذا القول يعم الأكل وسائر الانتفاعات ولو نص على الأكل ما كان يعم كل ذلك ففيه مزيد فائدة :
المسألة الثامنة : اختلفوا في الشجرة ما هي، فروى مجاهد وسعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها البر والسنبلة. وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشجرة فقال : هي الشجرة المباركة السنبلة، وروى السدي عن ابن عباس وابن مسعود أنها الكرم، وعن مجاهد

### الآية 2:36

> ﻿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ [2:36]

قال صاحب الكشاف : فأزلهما الشيطان عنها  تحقيقه، فأصدر الشيطان زلتهما عنها ولفظة ( عن ) في هذه الآية كهي في قوله تعالى : وما فعلته عن أمري  \[ الكهف : ٨٢ \] قال القفال رحمه الله : هو من الزلل يكون الإنسان ثابت القدم على الشيء فيزل عنه ويصير متحولا عن ذلك الموضع، ومن قرأ  فأزالهما  فهو من الزوال عن المكان، وحكي عن أبي معاذ أنه قال : يقال أزلتك عن كذا حتى زلت عنه وأزللتك حتى زللت ومعناهما واحد، أي : حولتك عنه، وقال بعض العلماء : أزلهما الشيطان أي استزلهما، فهو من قولك زل في دينه إذا أخطأ وأزله غيره إذا سبب له ما يزل من أجله في دينه أو دنياه. واعلم أن في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اختلف الناس في عصمة الأنبياء عليهم السلام وضبط القول فيه أن يقال : الاختلاف في هذا الباب يرجع إلى أقسام أربعة : أحدها : ما يقع في باب الاعتقاد، وثانيها : ما يقع في باب التبليغ، وثالثها : ما يقع في باب الأحكام والفتيا، ورابعها : ما يقع في أفعالهم وسيرتهم. أما اعتقادهم الكفر والضلال فإن ذلك غير جائز عند أكثر الأمة. وقالت الفضيلية من الخوارج : إنهم قد وقعت منهم الذنوب، والذنب عندهم كفر وشرك، فلا جرم. قالوا بوقوع الكفر منهم، وأجازت الأمامية عليهم إظهار الكفر على سبيل التقية. 
أما النوع الثاني : وهو ما يتعلق بالتبليغ، فقد أجمعت الأمة على كونهم معصومين عن الكذب والتحريف، فيما يتعلق بالتبليغ، وإلا لارتفع الوثوق بالأداء، واتفقوا على أن ذلك لا يجوز وقوعه منهم عمدا كما لا يجوز أيضا سهوا، ومن الناس من جوز ذلك سهوا، قالوا : لأن الاحتراز عنه غير ممكن. 
وأما النوع الثالث : وهو ما يتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز خطؤهم فيه على سبيل التعمد، وأما على سبيل السهو فجوزه بعضهم وأباه آخرون. 
وأما النوع الرابع : وهو الذي يقع في أفعالهم، فقد اختلفت الأمة فيه على خمسة أقوال. أحدها : قول من جوز عليهم الكبائر على جهة العمد وهو قول الحشوية. والثاني : قول من لا يجوز عليهم الكبائر لكنه يجوز عليهم الصغائر على جهة العمد إلا ما ينفر كالكذب والتطفيف وهذا قول أكثر المعتزلة. القول الثالث : أنه لا يجوز أن يأتوا بصغيرة ولا بكبيرة على جهة العمد البتة، بل على جهة التأويل وهو قول الجبائي، القول الرابع : أنه لا يقع منهم الذنب إلا على جهة السهو والخطأ ولكنهم مأخوذون بما يقع منهم على هذه الجهة وإن كان ذلك موضوعا عن أمتهم وذلك لأن معرفتهم أقوى ودلائلهم أكثر، وأنهم يقدرون من التحفظ على ما لا يقدر عليه غيرهم. القول الخامس : أنه لا يقع منهم الذنب لا الكبيرة ولا الصغيرة لا على سبيل القصد ولا على سبيل السهو ولا على سبيل التأويل والخطأ، وهو مذهب الرافضة، واختلف الناس في وقت العصمة على ثلاثة أقوال : أحدها : قول من ذهب إلى أنهم معصومون من وقت مولدهم وهو قول الرافضة، وثانيها : قول من ذهب إلى أن وقت عصمتهم وقت بلوغهم ولم يجوزوا منهم ارتكاب الكفر والكبيرة قبل النبوة، وهو قول كثير من المعتزلة، وثالثها : قول من ذهب إلى أن ذلك لا يجوز وقت النبوة، أما قبل النبوة فجائز، وهو قول أكثر أصحابنا وقول أبي الهذيل وأبي علي من المعتزلة والمختار عندنا أنه لم يصدر عنهم الذنب حال النبوة البتة لا الكبيرة ولا الصغيرة، ويدل عليه وجوه : أحدها : لو صدر الذنب عنهم لكانوا أقل درجة من عصاة الأمة وذلك غير جائز، بيان الملازمة أن درجة الأنبياء كانت في غاية الجلال والشرف، وكل من كان كذلك كان صدور الذنب عنه أفحش ألا ترى إلى قوله تعالى : يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين  \[ الأحزاب : ٣٠ \] والمحصن يرجم وغيره يحد، وحد العبد نصف حد الحر، وأما أنه لا يجوز أن يكون النبي أقل حالا من الأمة فذاك بالإجماع. ( وثانيها ) : أن بتقدير إقدامه على الفسق وجب أن لا يكون مقبول الشهادة لقوله تعالى : إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا  \[ الحجرات : ٦ \] لكنه مقبول الشهادة، وإلا كان أقل حالا من عدول الأمة، وكيف لا نقول ذلك وأنه لا معنى للنبوة والرسالة إلا أنه يشهد على الله تعالى بأنه شرع هذا الحكم وذاك، وأيضا فهو يوم القيامة شاهد على الكل لقوله : لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا  \[ البقرة : ١٤٣ \]. وثالثها : أن بتقدير إقدامه على الكبيرة يجب زجره عنها، فلم يكن إيذاؤه محرما لكنه محرم لقوله تعالى : إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة  \[ الأحزاب : ٥٧ \]. ( ورابعها ) : أن محمدا صلى الله عليه وسلم لو أتى بالمعصية لوجب علينا الاقتداء به فيها لقوله تعالى : فاتبعوني  \[ آل عمران : ٣١ \] فيفضي إلى الجمع بين الحرمة والوجوب وهو محال، وإذا ثبت ذلك حق محمد صلى الله عليه وسلم ثبت أيضا في سائر الأنبياء، ضرورة أنه لا قائل بالفرق. ( وخامسها ) : أنا نعلم ببديهة العقل أنه لا شيء أقبح من نبي رفع الله درجته وائتمنه على وحيه وجعله خليفة في عباده وبلاده يسمع ربه يناديه : لا تفعل كذا فيقدم عليه ترجيحا للذته غير ملتفت إلى نهي ربه ولا منزجر بوعيده. هذا معلوم القبح بالضرورة. ( وسادسها ) : أنه لو صدرت المعصية من الأنبياء لكانوا مستحقين للعذاب لقوله تعالى : ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدا فيها  \[ الجن : ٢٣ \] ولا استحقوا اللعن لقوله : ألا لعنة الله على الظالمين  \[ هود : ١٨ \] وأجمعت الأمة على أن أحدا من الأنبياء لم يكن مستحقا للعن ولا للعذاب فثبت أنه ما صدرت المعصية عنه. 
( وسابعها ) : أنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله فلو لم يطيعوه لدخلوا تحت قوله : أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون  \[ البقرة : ٤٤ \]. وقال : وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه  \[ هود : ٨٨ \]، فما لا يلق بواحد من وعاظ الأمة كيف يجوز أن ينسب إلى الأنبياء عليهم السلام. ( وثامنها ) : قوله تعالى : إنهم كانوا يسارعون في الخيرات  \[ الأنبياء : ٩٠ \]، ولفظ الخيرات للعموم فيتناول الكل ويدخل فيه فعل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي، فثبت أن الأنبياء كانوا فاعلين لكل ما ينبغي فعله وتاركين كل ما ينبغي تركه، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم. ( وتاسعها ) : قوله تعالى : وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار  \[ ص : ٤٧ \] إلا في الفعلة الفلانية والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل تحته، فثبت أنهم كانوا أخيارا في كل الأمور، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم وقال : الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس  \[ الحج : ٧٥ \]،  إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين  \[ آل عمران : ٣٣ \]. وقال في إبراهيم : ولقد اصطفيناه في الدنيا  \[ البقرة : ١٣٠ \]. وقال في موسى : إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي  \[ الأعراف : ١٤٤ \]. وقال : واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار . فكل هذه الآيات دالة على كونهم موصوفين بالاصطفاء والخيرية، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم. ( عاشرها ) : أنه تعالى حكى عن إبليس قوله : فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين  فاستثنى من جملة من يغويهم المخلصين وهم الأنبياء عليهم السلام، قال تعالى في صفة إبراهيم وإسحاق ويعقوب : إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار  وقال في يوسف : إنه من عبادنا المخلصين  وإذا ثبت وجوب العصمة في حق البعض ثبت وجوبها في حق الكل لأنه لا قائل بالفرق. ( والحادي عشر ) : قوله تعالى : ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين  فأولئك الذين ما اتبعوه وجب أن يقال : إنه ما صدر الذنب عنهم وإلا فقد كانوا متبعين له، وإذا ثبت في ذلك الفريق أنهم ما أذنبوا فذلك الفريق إما الأنبياء أو غيرهم، فإن كانوا هم الأنبياء فقد ثبت في النبي أنه لا يذنب وإن كانوا غير الأنبياء فلو ثبت في الأنبياء أنهم أذنبوا لكانوا أقل درجة عند الله من ذلك الفريق، فيكون غير النبي أفضل من النبي، وذلك باطل بالاتفاق فثبت أن الذنب ما صدر عنهم. ( الثاني عشر ) : أنه تعالى قسم الخلق قسمين فقال : أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون  وقال في الصنف الآخر،  أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون  ولا شك أن حزب الشيطان هو الذي يفعل ما يرتضيه الشيطان، والذي يرتضيه الشيطان هو المعصية، فكل من عصى الله تعالى كان من حزب الشيطان، فلو صدرت المعصية من الرسول لصدق عليه أنه من حزب الشيطان ولصدق عليه أنه من الخاسرين ولصدق على زهاد الأمة أنهم من حزب الله وأنهم من المفلحين، فحينئذ يكون ذلك الواحد من الأمة أفضل بكثير عند الله من ذلك الرسول، وهذا لا يقوله مسلم. 
( الثالث عشر ) : أن الرسول أفضل من الملك فوجب أن لا يصدر الذنب من الرسول، وإنما قلنا أنه أفضل لقوله تعالى : إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ، ووجه الاستدلال به قد تقدم في مسألة فضل الملك على البشر وإنما قلنا إنه لما كان كذلك وجب أن لا يصدر الذنب عن الرسول لأنه تعالى وصف الملائكة بترك الذنب فقال : لا يسبقونه بالقول  وقال : لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون  فلو صدرت المعصية عن الرسول لامتنع كونه أفضل من الملك لقوله تعالى : أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار . 
( الرابع عشر ) : روي أن خزيمة بن ثابت شهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم على وفق دعواه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«كيف شهدت لي »** فقال : يا رسول الله إني أصدقك على الوحي النازل عليك من فوق سبع سموات أفلا أصدقك في هذا القدر ؟ فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماه بذي الشهادتين ولو كانت المعصية جائزة على الأنبياء لما جازت تلك الشهادة. 
الخامس عشر : قال في حق إبراهيم عليه السلام : إني جاعلك للناس إماما  والإمام من يؤتم به فأوجب على كل الناس أن يأتموا به في ذلك الذنب وذلك يفضي إلى التناقض. 
السادس عشر : قوله تعالى : لا ينال عهدي الظالمين  والمراد بهذا العهد إما عهد النبوة أو عهد الإمامة، فإن كان المراد عهد النبوة وجب أن لا تثبت النبوة للظالمين، وإن كان المراد عهد الإمامة وجب أن لا نثبت الإمامة للظالمين وإذا لم تثبت الإمامة للظالمين وجب أن لا تثبت النبوة للظالمين، لأن كل نبي لابد وأن يكون إماما يؤتم به ويقتدى به والآية على جميع التقديرات تدل على أن النبي لا يكون مذنبا، أما المخالف فقد تمسك في كل واحد من المواضع الأربعة التي ذكرناها بآيات ونحن نشير إلى معاقدها ونحيل بالاستقصاء على ما سيأتي في هذا التفسير إن شاء الله تعالى : أما الآيات التي تمسكوا بها في باب الاعتقاد فثلاثة، أولها : تمسكوا بالطعن في اعتقاد آدم عليه السلام بقوله : هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها  إلى آخر الآية. قالوا : لا شك أن النفس الواحدة هي آدم وزوجها المخلوق منها هي حواء، فهذه الكنايات بأسرها عائدة إليهما فقوله : جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون  يقتضي صدور الشرك عنهما، والجواب : لا نسلم أن النفس الواحدة

### الآية 2:37

> ﻿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [2:37]

قوله تعالى : فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم  فيه مسائل المسألة الأولى : قال القفال : أصل التلقي هو التعرض للقاء ثم يوضع في موضع الاستقبال للشيء الجائي ثم يوضع موضع القبول والأخذ قال الله تعالى : وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم  أي تلقنه. ويقال : تلقينا الحجاج أي استقبلناهم ويقال : تلقيت هذه الكلمة من فلان أي أخذتها منه وإذا كان هذا أصل الكلمة وكان من تلقى رجلا فتلاقيا لقي كل واحد صاحبه فأضيف الاجتماع إليهما معا صلح أن يشتركا في الوصف بذلك، فيقال : كل ما تلقيته فقد تلقاك فجاز أن يقال : تلقى آدم كلمات أي أخذها ووعاها واستقبلها بالقبول، وجاز أن يقال : تلقى كلمات بالرفع على معنى جاءته عن الله كلمات ومثله قوله : لا ينال عهدي الظالمين  وفي قراءة ابن مسعود ( الظالمون ). 
المسألة الثانية : اعلم أنه لا يجوز أن يكون المراد أن الله تعالى عرفه حقيقة التوبة لأن المكلف لابد وأن يعرف ما هي التوبة ويتمكن بفعلها من تدارك الذنوب ويميزها عن غيرها فضلا عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بل يجب حمله على أحد أمور. ( أحدها ) : التنبيه على المعصية الواقعة منه على وجه صار آدم عليه السلام عند ذلك من التائبين المنيبين. ( وثانيها ) : أنه تعالى عرفه وجوب التوبة وكونها مقبولة لا محالة على معنى أن من أذنب ذنبا صغيرا أو كبيرا ثم ندم على ما صنع وعزم على أن لا يعود فإني أتوب عليه قال الله تعالى : فتلقى آدم من ربه كلمات ، أي أخذها وقبلها وعمل بها. ( وثالثها ) : أنه تعالى ذكره بنعمه العظيمة عليه فصار ذلك من الدواعي القوية إلى التوبة. ( ورابعها ) : أنه تعالى علمه كلاما لو حصلت التوبة معه لكان ذلك سببا لكمال حال التوبة. 
المسألة الثالثة : اختلفوا في أن تلك الكلمات ما هي ؟ فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن آدم عليه السلام قال : يا رب ألم تخلقني بيدك بلا واسطة ؟ قال : بلى. قال : يا رب ألم تنفخ في من روحك ؟ قال : بلى. قال : ألم تسكني جنتك ؟ قال : بلى. قال : يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك ؟ قال : بلى. قال : يا رب إن تبت وأصلحت تردني إلى الجنة ؟ قال : بلى فهو قوله : فتلقى آدم من ربه كلمات  وزاد السدي فيه : يا رب هل كنت كتبت علي ذنبا ؟ قال : نعم. ( وثانيها ) : قال النخعي : أتيت ابن عباس فقلت : ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه. قال : علم الله آدم وحواء أمر الحج فحجا وهي الكلمات التي تقال في الحج، فلما فرغا من الحج أوحى الله تعالى إليهما بأني قبلت توبتكما. ( وثالثها ) : قال مجاهد وقتادة في إحدى الروايتين عنهما هي قوله : ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين  ( ورابعها ) : قال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهم : إنها قوله لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت خير الغافرين، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت خير الراحمين. لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم. ( وخامسها ) : قالت عائشة لما أراد الله تعالى أن يتوب على آدم طاف بالبيت سبعا، والبيت يومئذ ربوة حمراء، فلما صلى ركعتين استقبل البيت وقال : اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي. اللهم إني أسألك إيمانا يباشر قلبي ويقينا صادقا حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي وأرضى بما قسمت لي. فأوحى الله تعالى إلى آدم : يا آدم قد غفرت لك ذنبك ولن يأتيني أحد من ذريتك فيدعوني بهذا الدعاء الذي دعوتني به إلا غفرت ذنبه وكشفت همومه وغمومه ونزعت الفقر من بين عينيه وجاءته الدنيا وهو لا يريدها. 
المسألة الرابعة : قال الغزالي رحمه الله : التوبة تتحقق من ثلاثة أمور مترتبة، علم وحال وعمل، فالعلم أول والحال ثان والعمل ثالث، والأول موجب للثاني والثاني موجب للثالث إيجابا اقتضته سنة الله في الملك والملكوت، أما العلم فهو معرفة ما في الذنب من الضرر وكونه حجابا بين العبد ورحمة الرب، فإذا عرف ذلك معرفة محققة حصل من هذه المعرفة تألم القلب بسبب فوات المحبوب، على الفعل الذي كان سببا لذلك الفوات فسمي ذلك التأسف ندما، ثم إن ذلك الألم إذا تأكد حصلت منه إرادة جازمة ولها تعلق بالحال وبالمستقبل وبالماضي، أما تعلقها بالحال فبترك الذنب الذي كان ملابسا له وأما بالمستقبل فالعزم على ترك ذلك الفعل المفوت للمحبوب إلى آخر العمر وأما بالماضي فبتلافي ما فات بالجبر والقضاء إن كان قابلا للجبر، فالعلم هو الأول وهو مطلع هذه الخيرات وأعني به اليقين التام بأن هذه الذنوب سموم مهلكة، فهذا اليقين نور وهذا النور يوجب نار الندم فيتألم به القلب حيث أبصر بإشراق نور الإيمان أنه صار محجوبا عن محبوبه لن يشرق عليه نور الشمس وقد كان في ظلمة فيطلع النور عليه بانقشاع السحاب، فرأى محبوبه قد أشرف على الهلاك فتشتعل نيران الحب في قلبه فتنبعث من تلك النيران إرادته للانتهاض للتدارك، فالعلم والندم والقصد المتعلق بالترك في الحال والاستقبال والتلافي للماضي ثلاثة معان مترتبة في الحصول \[ على التوبة \]. ويطلق اسم التوبة على مجموعها وكثيرا ما يطلق اسم التوبة على معنى الندم وحده ويجعل العلم السابق كالمقدمة والترك كالثمرة والتابع المتأخر. وبهذا الاعتبار قال عليه السلام :
**«الندم توبة »** إذ لا ينفك الندم عن علم أوجبه وعن عزم يتبعه فيكون الندم محفوفا بطرفيه، أعني مثمره وثمرته، فهذا هو الذي لخصه الشيخ الغزالي في حقيقة التوبة وهو كلام حسن. وقال القفال : لابد في التوبة من ترك ذلك الذنب ومن الندم على ما سبق ومن العزم على أن لا يعود إلى مثله ومن الإشفاق فيما بين ذلك كله، أما أنه لابد من الترك فلأنه لو لم يترك لكان فاعلا له فلا يكون تائبا وأما الندم فلأنه لو لم يندم لكان راضيا بكونه فاعلا له والراضي بالشيء قد يفعله والفاعل للشيء لا يكون تائبا عنه، وأما العزم على أن لا يعود إلى مثله فلأن فعله معصية والعزم على المعصية معصية، وأما الإشفاق فلأنه مأمور بالتوبة ولا سبيل له إلى القطع بأنه أتى بالتوبة كما لزمه فيكون خائفا ولهذا قال تعالى : يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه  وقال عليه السلام :( لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا ) واعلم أن كلام الغزالي رحمه الله أبين وأدخل في التحقيق، إلا أنه يتوجه عليه إشكال وهو أن العلم بكون الفعل الفلاني ضررا مع العلم بأن ذلك الفعل صدر منه يوجب تألم القلب وذلك التألم يوجب إرادة الترك في الحال والاستقبال وإرادة تلافي ما حصل منه في الماضي وإذا كان بعض هذه الأشياء مرتبا على البعض ترتبا ضروريا لم يكن ذلك داخلا تحت قدرته فاستحال أن يكون مأمورا به. والحاصل أن الداخل في الوسع ليس إلا تحصيل العلم، فأما ما عداه فليس للاختيار إليه سبيل، لكن لقائل أن يقول : تحصيل العلم ليس أيضا في الوسع لأن تحصيل العلم ببعض المجهولات لا يمكن إلا بواسطة معلومات متقدمة على ذلك المجهول ؛ فتلك العلوم الحاضرة المتوسل بها إلى اكتساب ذلك المجهول، إما أن تكون مستلزمة للعلم بذلك المجهول أو لم تكن مستلزمة. فإن كان الأول كان ترتب المتوسل إليه على المتوسل به ضروريا، فلا يكون ذلك داخلا في القدرة والاختيار، وإن كان الثاني لم يكن استنتاج المطلوب المجهول عن تلك المعلومات الحاضرة لأن المقدمات القريبة لابد وأن تكون بحال يلزم من تسليمها في الذهن تسليم المطلوب، فإذا لم تكن كذلك لم تكن تلك المقدمات منتجة لتلك النتيجة. فإن قيل لم لا يجوز أن يقال : تلك المقدمات وإن كانت حاضرة في الذهن إلا أن كيفية التوصل بها إلى تلك النتيجة غير حاضرة في الذهن، فلا جرم لا يلزم من العلم بتلك المقدمات العلم بتلك النتيجة لا محالة. قلنا : العلم بكيفية التوصل بها إلى تلك النتيجة إما أن يكون من البديهيات أو من الكسبيات، فإن كان من البديهيات لم يكن في وسعه ؛ وإن كان من الكسبيات كان القول في كيفية اكتسابه كما في الأول، فإما أن يفضي إلى التسلسل وهو محال أو يفضي إلى أن يصير من لوازمه فيعود المحذور المذكور والله أعلم. 
المسألة الخامسة : سأل القاضي عبد الجبار نفسه فقال : إذا كانت هذه المعصية صغيرة فكيف تلزم التوبة ؟ وأجاب بأن أبا علي قال : إنها تلزمه لأن المكلف متى علم أنه قد عصى لم يحد فيما بعد وهو مختار ولا مانع من أن يكون نادما أو مصرا لكن الإصرار قبيح فلا تتم مفارقته لهذا القبيح إلا بالتوبة، فهي إذن لازمة سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة وسواء ذكرها وقد تاب عنها من قبل أو لم يتب. أما أبو هاشم فإنه يجوز أن يخلو العاصي من التوبة والإصرار ويقول : لا يصح أن تكون التوبة واجبة على الأنبياء لهذا الوجه بل يجب أن تكون واجبة لإحدى خلال، فإما أن تجب لأن بالصغيرة قد نقص ثوابهم فيعود ذلك النقصان بالتوبة، وإما لأن التوبة نازلة منزلة الترك، فإذا كان الترك واجبا عند الإمكان فلابد من وجوب التوبة مع عدم الإمكان، وربما قال : تجب التوبة عليهم من جهة السمع وهذا هو الأصح على قوله : لأن التوبة لا يجوز أن تجب لعود الثواب الذي هو المنافع فقط لأن الفعل لا يجوز أن يجب لأجل جلب المنافع كما لا تجب النوافل بل الأنبياء عليهم السلام لما عصمهم الله تعالى صار أحد أسباب عصمتهم التشديد عليهم في التوبة حالا بعد حال وإن كانت معاصيهم صغيرة. 
المسألة السادسة : قال القفال : أصل التوبة الرجوع كالأوبة. يقال : توب كما يقال أوب. قال الله تعالى : قابل التوب  فقولهم تاب يتوب توبا وتوبة ومتابا فهو تائب وتواب كقولهم آب يؤوب أوبا وأوبة فهو آيب وأواب، والتوبة لفظة يشترك فيها الرب والعبد، فإذا وصف بها العبد فالمعنى رجع إلى ربه لأن كل عاص فهو في معنى الهارب من ربه فإذا تاب فقد رجع عن هربه إلى ربه فيقال : تاب إلى ربه والرب في هذه الحالة كالمعرض عن عبده وإذا وصف بها الرب تعالى فالمعنى أنه رجع على عبده برحمته وفضله ولهذا السبب وقع الاختلاف في الصلة فقيل في العبد : تاب إلى ربه. وفي الرب على عبده وقد يفارق الرجل خدمة رئيس فيقطع الرئيس معروفه عنده، ثم يراجع خدمته، فيقال : فلان عاد إلى الأمير والأمير عاد عليه بإحسانه ومعروفه، إذا عرفت هذا فنقول : قبول التوبة يكون بوجهين، أحدهما : أن يثيب عليها الثواب العظيم كما أن قبول الطاعة يراد به ذلك، والثاني : أنه تعالى يغفر ذنوبه بسبب التوبة. 
المسألة السابعة : المراد من وصف الله تعالى بالتواب المبالغة في قبول التوبة وذلك من وجهين، الأول : أن واحدا من ملوك الدنيا متى جنى عليه إنسان ثم اعتذر إليه فإنه يقبل الاعتذار، ثم إذا عاد إلى الجناية وإلى الاعتذار مرة أخرى فإنه لا يقبله لأن طبعه يمنعه من قبول العذر، أما الله سبحانه وتعالى فإنه بخلاف ذلك، فإنه إنما يقبل التوبة لا لأمر يرجع إلى رقة طبع أو جلب نفع أو دفع ضرر بل إنما يقبلها لمحض الإحسان والتفضل فلو عصى المكلف كل ساعة ثم تاب وبقي على هذه الحالة العمر الطويل لكان الله تعالى يغفر له ما قد سلف ويقبل توبته، فصار تعالى مستحقا للمبالغة في قبول التوبة فوص

### الآية 2:38

> ﻿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2:38]

قوله تبارك وتعالى : قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون  فيه مسائل :
المسألة الأولى : ذكروا في فائدة تكرير الأمر بالهبوط وجهين ( الأول ) : قال الجبائي : الهبوط الأول غير الثاني فالأول من الجنة إلى سماء الدنيا والثاني من سماء الدنيا إلى الأرض وهذا ضعيف من وجهين :( أحدهما ) : أنه قال في الهبوط الأول : ولكم في الأرض مستقر  فلو كان الاستقرار في الأرض إنما حصل بالهبوط الثاني لكان ذكر قوله : ولكم في الأرض مستقر ومتاع  عقيب الهبوط الثاني أولى. ( وثانيهما ) : أنه قال في الهبوط الثاني : اهبطوا منها  والضمير في ( منها ) عائد إلى الجنة. وذلك يقتضي كون الهبوط الثاني من الجنة. ( الوجه الثاني ) : أن التكرير لأجل التأكيد وعندي فيه وجه ثالث أقوى من هذين الوجهين وهو أن آدم وحواء لما أتيا بالزلة أمرا بالهبوط فتابا بعد الأمر بالهبوط ووقع في قلبهما أن الأمر بالهبوط لما كان بسبب الزلة فبعد التوبة وجب أن لا يبقى الأمر بالهبوط فأعاد الله تعالى الأمر بالهبوط مرة ثانية ليعلما أن الأمر بالهبوط ما كان جزاء على ارتكاب الزلة حتى يزول بزوالها بل الأمر بالهبوط باق بعد التوبة لأن الأمر به كان تحقيقا للوعد المتقدم في قوله : إني جاعل في الأرض خليفة  فإن قيل ما جواب الشرط الأول ؟ قلنا : الشرط الثاني مع جوابه، كقولك : إن جئتني فإن قدرت أحسنت إليك. 
المسألة الثانية : روي في الأخبار أن آدم عليه السلام أهبط بالهند وحواء بجدة وإبليس بموضع من البصرة على أميال والحية بأصفهان. 
المسألة الثالثة : في **«الهدى »** وجوه :( أحدها ) : المراد منه كل دلالة وبيان فيدخل فيه دليل العقل وكل كلام ينزل على نبي، وفيه تنبيه على عظم نعمة الله تعالى على آدم وحواء فكأنه قال : وإن أهبطتكم من الجنة إلى الأرض فقد أنعمت عليكم بما يؤديكم مرة أخرى إلى الجنة مع الدوام الذي لا ينقطع. قال الحسن : لما أهبط آدم عليه السلام إلى الأرض أوحى الله تعالى إليه يا آدم أربع خصال فيها كل الأمر لك ولولدك. واحدة لي وواحدة لك وواحدة بيني وبينك وواحدة بينك وبين الناس، أما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئا، وأما التي لك فإذا عملت نلت أجرتك، وأما التي بيني وبينك فعليك الدعاء وعلي الإجابة، وأما التي بينك وبين الناس فإن تصحبهم بما تحب أن يصحبوك به. ( وثانيها ) : ما روي عن أبي العالية أن المراد من الهدى الأنبياء وهذا إنما يتم لو كان المخاطب بقوله : فإما يأتينكم مني هدى  غير آدم وهم ذريته وبالجملة فهذا التأويل يوجب تخصيص المخاطبين بذرية آدم وتخصيص الهدى بنوع معين وهو الأنبياء من غير دليل دل على هذا التخصيص. 
المسألة الرابعة : أنه تعالى بين أن من اتبع هداه بحقه علما وعملا بالإقدام على ما يلزم والإحجام عما يحرم فإنه يصير إلى حال لا خوف فيها ولا حزن، وهذه الجملة مع اختصارها تجمع شيئا كثيرا من المعاني لأن قوله : فإما يأتينكم مني هدى  دخل فيه الإنعام بجميع الأدلة العقلية والشرعية وزيادات البيان وجميع ما لا يتم ذلك إلا به من العقل ووجوه التمكن، وجميع قوله : فمن تبع هداي  تأمل الأدلة بحقها والنظر فيها واستنتاج المعارف منها والعمل بها ويجمع ذلك كل التكاليف وجمع قوله : فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون  جميع ما أعد الله تعالى لأولياءه لأن زوال الخوف يتضمن السلامة من جميع الآفات وزوال الحزن يقتضي الوصول إلى كل اللذات والمرادات وقدم عدم الخوف على عدم الحزن لأن زوال ما لا ينبغي مقدم على طلب ما ينبغي، وهذا يدل على أن المكلف الذي أطاع الله تعالى لا يلحقه خوف في القبر ولا عند البعث ولا عند حضور الموقف ولا عند تطاير الكتب ولا عند نصب الموازين ولا عند الصراط كما قال الله تعالى : لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون  وقال قوم من المتكلمين : إن أهوال القيامة كما تصل إلى الكفار والفساق تصل أيضا إلى المؤمنين لقوله تعالى : يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت  وأيضا فإذا انكشفت تلك الأهوال وصاروا إلى الجنة ورضوان الله صار ما تقدم كأن لم يمكن ؛ بل ربما كان زائدا في الالتذاذ بما يجده من النعيم وهذا ضعيف لأن قوله : لا يحزنهم الفزع الأكبر  أخص من قوله : يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت  والخاص مقدم على العام. وقال ابن زيد : لا خوف عليهم أمامهم فليس شيء أعظم في صدر الذي يموت مما بعد الموت، فأمنهم الله تعالى منه. ثم سلاهم عن الدنيا فقال : ولا هم يحزنون  على ما خلفوه بعد وفاتهم في الدنيا، فإن قيل قوله : فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون  يقتضي نفي الخوف والحزن مطلقا في الدنيا والآخرة وليس الأمر كذلك لأنهما حصلا في الدنيا للمؤمنين أكثر من حصولهما لغير المؤمنين، قال عليه الصلاة والسلام :**«خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل »** وأيضا فالمؤمن لا يمكنه القطع أنه أتي بالعبادات كما ينبغي فخوف التقصير حاصل وأيضا فخوف سوء العاقبة حاصل، قلنا قرائن الكلام تدل على أن المراد نفيهما في الآخرة لا في الدنيا. ولذلك حكي الله عنهم أنهم قالوا حين دخلوا الجنة : الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور  أي أذهب عنا ما كنا فيه من الخوف والإشفاق في الدنيا من أن تفوتنا كرامة الله تعالى التي نلناها الآن. 
المسألة الخامسة : قال القاضي : قوله تعالى : فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون  يدل على أمور. أحدها : أن الهدى قد يثبت ولا اهتداء فلذلك قال : فمن تبع هداي ، وثانيها : بطلان القول بأن المعارف ضرورية، وثالثها : أن باتباع الهدى تستحق الجنة، ( ورابعها ) : إبطال التقليد لأن المقلد لا يكون متبعا للهدى.

### الآية 2:39

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:39]

قوله تبارك وتعالى : والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون  لما وعد الله متبع الهدى بالأمن من العذاب والحزن عقبه بذكر من أعد له العذاب الدائم فقال : والذين كفروا وكذبوا بآياتنا  سواء كانوا من الإنس أو من الجن فهم أصحاب العذاب الدائم. 
وأما الكلام في أن العذاب هل يحسن أم لا وبتقدير حسنه فهل يحسن دائما أم لا ؟ فقد تقدم الكلام فيه في تفسير قوله : وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم  وههنا آخر الآيات الدالة على النعم التي أنعم الله بها على جميع بني آدم وهي دالة على التوحيد من حيث إن هذه النعم أمور حادثة فلابد لها من محدث وعلى النبوة من حيث إن محمدا صلى الله عليه وسلم أخبر عنها موافقا لما كان موجودا في التوراة والإنجيل من غير تعلم ولا تلمذة لأحد وعلى المعاد من حيث إن من قدر على خلق هذه الأشياء ابتداء قدر على خلقها إعادة وبالله التوفيق. 
القول في النعم الخاصة ببني إسرائيل
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أقام دلائل التوحيد والنبوة والمعاد أولا ثم عقبها بذكر الإنعامات العامة لكل البشر عقبها بذكر الإنعامات الخاصة على أسلاف اليهود كسرا لعنادهم ولجاجهم بتذكير النعم السالفة واستمالة لقلوبهم بسببها وتنبيها على ما يدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من حيث كونها إخبارا عن الغيب. واعلم أنه سبحانه ذكرهم تلك النعم أولا على سبيل الإجمال فقال : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم  وفرع على تذكيرها الأمر بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال : وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم  ثم عقبها بذكر الأمور التي تمنعهم عن الإيمان به، ثم ذكرهم تلك النعم على سبيل الإجمال ثانيا بقوله مرة أخرى : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم  تنبيها على شدة غفلتهم، ثم أردف هذا التذكير بالترغيب البالغ بقوله : وأني فضلتكم على العالمين  مقرونا بالترهيب البالغ بقوله : واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا  إلى آخر الآية، ثم شرع بعد ذلك في تعديد تلك النعم على سبيل التفصيل ومن تأمل وأنصف علم أن هذا هو النهاية في حسن الترتيب لمن يريد الدعوة وتحصيل الاعتقاد في قلب المستمع. وإذ قد حققنا هذه المقدمة فلنتكلم الآن في التفسير بعون الله.

### الآية 2:40

> ﻿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [2:40]

قوله تعالى : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون  اعلم أن فيه مسائل :
المسألة الأولى : اتفق المفسرون على أن إسرائيل هو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم ويقولون إن معنى إسرائيل عبد الله لأن ****«إسرا »**** في لغتهم هو العبد و **«إيل »** هو الله وكذلك جبريل وهو عبد الله وميكائيل عبد الله. قال القفال : قيل إن ****«إسرا »**** بالعبرانية في معنى إنسان فكأنه قيل رجل الله فقوله : يا بني إسرائيل  خطاب مع جماعة اليهود الذين كانوا بالمدينة من ولد يعقوب عليه السلام في أيام محمد صلى الله عليه وسلم. 
المسألة الثانية : حد النعمة أنها المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير ومنهم من يقول : المنفعة الحسنة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير، قالوا : وإنما زدنا هذا لأن النعمة يستحق بها الشكر وإذا كانت قبيحة لم يستحق بها الشكر والحق أن هذا القيد غير معتبر لأنه يجوز أن يستحق الشكر بالإحسان وإن كان فعله محظورا لأن جهة استحقاق الشكر غير جهة استحقاق الذم والعقاب، فأي امتناع في اجتماعهما ؟ ألا ترى أن الفاسق يستحق الشكر بإنعامه والذم بمعصيته فلم لا يجوز ههنا أن يكون الأمر كذلك ؟ ولنرجع إلى تفسير الحد فنقول : أما قولنا : المنفعة فلأن المضرة المحضة لا يجوز أن تكون نعمة، وقولنا : المفعولة على جهة الإحسان فلأنه لو كان نفعا وقصد الفاعل نفع نفسه لا نفع المفعول به كمن أحسن إلى جاريته ليربح عليها أو أراد استدراجه إلى ضرر واختداعه كمن أطعم خبيصا مسموما ليهلكه لم يكن ذلك، نعمة فأما إذا كانت المنفعة مفعولة على قصد الإحسان إلى الغير كانت نعمة. إذا عرفت حد النعمة فلنفرع عليه فروعا : الفرع الأول : اعلم أن كل ما يصل إلينا آناء الليل والنهار في الدنيا والآخرة من النفع ودفع الضرر فهو من الله تعالى على ما قال تعالى : وما بكم من نعمة فمن الله  ثم إن النعمة على ثلاثة أوجه : أحدها : نعمة تفرد الله بها نحو أن خلق ورزق، وثانيها : نعمة وصلت إلينا من جهة غيره بأن خلقها وخلق المنعم ومكنه من الإنعام وخلق فيه قدرة الأنعام وداعيته ووفقه عليه وهداه إليه، فهذه النعمة في الحقيقة أيضا من الله تعالى، إلا أنه تعالى لما أجراها على يد عبده كان ذلك العبد مشكورا، ولكن المشكور في الحقيقة هو الله تعالى، ولهذا قال : أن اشكر لي ولوالديك  فبدأ بنفسه، وقال عليه السلام :**«لا يشكر الله من لا يشكر الناس »**. وثالثها : نعمة وصلت إلينا من الله تعالى بواسطة طاعاتنا وهي أيضا من الله تعالى لأنه لولا أنه سبحانه وتعالى وفقنا على الطاعات وأعاننا عليها وهدانا إليها وأزاح الأعذار وإلا لما وصلنا إلى شيء منها، فظهر بهذا التقرير أن جميع النعم من الله تعالى على ما قال سبحانه وتعالى : وما بكم من نعمة فمن الله . 
الفرع الثاني : أن نعم الله تعالى على عبيده مما لا يمكن عدها وحصرها على ما قال : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها  وإنما لا يمكن ذلك لأن كل ما أودع فينا من المنافع واللذات التي ننتفع بها والجوارح والأعضاء التي نستعملها في جلب المنافع ودفع المضار وما خلق الله تعالى في العالم مما يلتذ به ويستدل على وجود الصانع وما وجد في العالم مما يحصل الانزجار برؤيته عن المعاصي مما لا يحصى عدده وكل ذلك منافع لأن المنفعة هي اللذة أو ما يكون وسيلة إلى اللذة وجميع ما خلق الله تعالى كذلك لأن كل ما يلتذ به نعمة وكل ما يلتذ به وهو وسيلة إلى دفع الضرر فهو كذلك والذي لا يكون جالبا للنفع الحاضر ولا دافعا للضرر الحاضر فهو صالح لأن يستدل به على الصانع الحكيم فيقع ذلك وسيلة إلى معرفته وطاعته وهما وسيلتان إلى اللذات الأبدية فثبت أن جميع مخلوقاته سبحانه نعم على العبيد، ولما كانت العقول قاصرة عن تعديد ما في أقل الأشياء من المنافع والحكم فكيف يمكن الإحاطة بكل ما في العالم من المنافع والحكم، فصح بهذا معنى قوله تعالى : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها  فإن قيل : فإذا كانت النعم غير متناهية وما لا يتناهى لا يحصل العلم به في حق العبد فكيف أمر بتذكرها في قوله : اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم  والجواب أنها غير متناهية بحسب الأنواع والأشخاص إلا أنها متناهية بحسب الأجناس، وذلك يكفي في التذكير الذي يفيد العلم بوجود الصانع الحكيم. واعلم أنه لما ثبت أن استحقاق الحمد والثناء والطاعة لا يتحقق إلا على إيصال النعمة ثبت أنه سبحانه وتعالى هو المستحق لحمد الحامدين. ولهذا قال في ذم الأصنام : هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون  وقال تعالى : ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم  وقال : أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى  الفرع الثالث : أن أول ما أنعم الله به على عبيده هو أن خلقهم أحياء والدليل عليه قوله تعالى : كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون، هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا  إلى آخر الآية، وهذا صريح في أن أصل النعم الحياة لأنه تعالى أول ما ذكر من النعم فإنما ذكر الحياة ثم إنه تعالى ذكر عقيبها سائر النعم وأنه تعالى إنما ذكر المؤمنين ليبين أن المقصود من حياة الدنيا حياة الآخرة والثواب. وبين أن جميع ما خلق قسمان منتفع ومنتفع به، هذا قول المعتزلة. 
وقال أهل السنة : إنه سبحانه كما خلق المنافع خلق المضار ولا اعتراض لأحد عليه، ولهذا سمى نفسه **«النافع الضار »** ولا يسأل عما يفعل. الفرع الرابع : قالت المعتزلة : إن الله تعالى قد أنعم على المكلفين بنعمة الدنيا ونعمة الدين، وسوى بين الجميع في النعم الدينية والدنيوية، أما في النعم الدينية فلأن كل ما كان في المقدور من الألطاف فقد فعل بهم والذي لم يفعله فغير داخل في القدرة إذ لو قدر على لطف لم يفعله بالمكلف لبقي عذر المكلف، وأما في الدنيا فعلى قول البغداديين خاصة لأن عندهم يجب رعاية الأصلح في الدنيا وعند البصريين لا يجب. وقال أهل السنة : إن الله تعالى خلق الكافر للنار ولعذاب الآخرة ثم اختلفوا في أنه هل لله نعمة على الكافر في الدنيا ؟ فمنهم من قال : هذه النعم القليلة في الدنيا لما كانت مؤدية إلى الضرر الدائم في الآخرة لم يكن ذلك نعمة على الكافر في الدنيا، فإن من جعل السم في الحلوى لم يعد النفع الحاصل من أكل الحلوى نعمة لما كان ذلك سبيلا إلى الضرر العظيم، ولهذا قال تعالى : ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما  ومنهم من قال : إنه تعالى وإن لم ينعم على الكافر بنعمة الدين فلقد أنعم عليه بنعمة الدنيا وهو قول القاضي أبي بكر الباقلاني رحمه الله، وهذا القول أصوب ويدل عليه وجوه، أحدها : قوله تعالى : يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء  فنبه على أنه يجب على الكل طاعته لمكان هذه النعم وهي نعمة الخلق والرزق، ثانيها : قوله تعالى : كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا  إلى آخره وذكر ذلك في معرض الامتنان وشرح النعم ولو لم يصل إليهم من الله تعالى شيء من النعم لما صح ذلك. وثالثها : قوله : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين  وهذا نص صريح في أن الله تعالى أنعم على الكافر إذ المخاطب بذلك هم أهل الكتاب وكانوا من الكفار وكذا قوله : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي  إلى قوله : وإذ أنجيناكم  وقوله : وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون  وكل ذلك عد للنعم على العبيد، ورابعها : قوله : ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا  وخامسها : قوله : قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه  إلى قوله : ثم أنتم تشركون . وسادسها : قوله : ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون  وقال في قصة إبليس : ولا تجد أكثرهم شاكرين ، ولو لم يكن عليهم من الله نعمة لما كان لهذا القول فائدة. ( وسابعها ) : قوله : واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض  الآية، وقال حاكيا عن شعيب : واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم  وقال حاكيا عن موسى : قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين  ( وثامنها ) : قوله : ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم  وهذا صريح. ( وتاسعها ) : قوله : هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق  ( وعاشرها ) : قوله تعالى : وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم . ( الحادي عشر ) قوله : هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها  إلى قوله : فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق  ( الثاني عشر ) : قوله  وهو الذي جعل لكم الليل لباسا  وقوله : هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا  الثالث عشر : ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار، جهنم يصلونها وبئس القرار  ( الرابع عشر ) : الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجرى في البحر بأمره  ( الخامس عشر ) : قوله تعالى : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار  وهذا صريح في إثبات النعمة في حق الكفار. 
واعلم أن الخلاف في هذه المسألة راجع إلى العبارة. وذلك لأنه لا نزاع في أن هذه الأشياء أعني الحياة والعقل والسمع والبصر وأنواع الرزق والمنافع من الله تعالى إنما الخلاف في أن أمثال هذه المنافع إذا حصل عقيبها تلك المضار الأبدية هل يطلق في العرف عليها اسم النعمة أم لا ؟ ومعلوم أن ذلك نزاع في مجرد عبارة، وأما الذي يدل على أن ما لا يلتذ به المكلف فهو تعالى إنما خلقه لينتفع به في الاستدلال على الصانع وعلى لطفه وإحسانه فأمور ( أحدها ) : قوله تعالى في سورة أتى أمر الله : ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده  فيبين تعالى أنه إنما بعث الرسل مبشرين ومنذرين ولأجل الدعوة إلى وحدانيته والإيمان بتوحيده وعدله، ثم إنه تعالى قال : خلق السموات والأرض بالحق تعالى عما يشركون خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين  فبين أن حدوث العبد مع ما فيه من الكفر من أعظم الدلائل على وجود الصانع وهو انقلابه من حال إلى حال، من كونه نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى أن ينتهي من أخس أحواله وهو كونه نطفة إلى أشرف أحواله وهو كونه خصيما مبينا، ثم ذكر بعد ذلك وجوه إنعامه فقال : والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون  إلى قوله : هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون  بين بذلك الرد على الدهرية وأصحاب الطبائع لأنه تعالى بين أن الماء واحد والتراب واحد ومع ذلك اختلفت الألوان والطعوم والروائح، ثم قال : وسخر لكم الليل والنهار  بين به الرد على المنجمين وأصحاب الأفلاك حيث استدل بحركاتها وبكونها مسخرة على طريقة واحدة على حدوثها فأثبت سبحانه وتعالى بهذه الآيات أن كل ما في العالم مخلوق لأجل المكلفين لأن كل ما في العالم مما يغاير ذات المكلف ليس يخلو من أن يلتذ به المك

### الآية 2:41

> ﻿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ [2:41]

قوله تعالى : وأمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون 
اعلم أن المخاطبين بقوله : وآمنوا  هم بنو إسرائيل ويدل عليه وجهان. الأول : أنه معطوف على قوله : اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم  كأنه قيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي وآمنوا بما أنزلت، الثاني : أن قوله تعالى : مصدقا لما معكم  يدل على ذلك. 
أما قوله : بما أنزلت  ففيه قولان الأقوى أنه القرآن وعليه دليلان. أحدهما : أنه وصفه بكونه منزلا وذلك هو القرآن لأنه تعالى قال : نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل  والثاني : وصفه بكونه مصدقا لما معهم من الكتب وذلك هو القرآن. وقال قتادة : المراد  آمنوا بما أنزلت  من كتاب ورسول تجدونه مكتوبا في التوراة والإنجيل. 
أما قوله : مصدقا لما معكم  ففيه تفسيران : أحدهما : أن في القرآن أن موسى وعيسى حق وأن التوراة والإنجيل حق وأن التوراة أنزلت على موسى والإنجيل على عيسى عليهما السلام فكان الإيمان بالقرآن مؤكدا للإيمان بالتوراة والإنجيل فكأنه قيل لهم : إن كنتم تريدون المبالغة في الإيمان بالتوراة والإنجيل فآمنوا بالقرآن فإن الإيمان به يؤكد الإيمان بالتوراة والإنجيل، والثاني : أنه حصلت البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن في التوراة والإنجيل فكأن الإيمان بمحمد وبالقرآن تصديقا للتوراة والإنجيل، وتكذيب محمد والقرآن تكذيبا للتوراة والإنجيل، وهذا التفسير أولى لأن على التفسير الأول لا يلزم الإيمان بمحمد عليه السلام لأنه بمجرد كونه مخبرا عن كون التوراة والإنجيل حقا لا يجب الإيمان بنبوته : أما على التفسير الثاني يلزم الإيمان به لأن التوراة والإنجيل إذا اشتملا على كون محمد صلى الله عليه وسلم صادقا فالإيمان بالتوراة والإنجيل يوجب الإيمان بكون محمد صادقا لا محالة، ومعلوم أن الله تعالى إنما ذكر هذا الكلام ليكون حجة عليهم في وجوب الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، فثبت أن هذا التفسير أولى. واعلم أن هذا التفسير الثاني يدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من وجهين : الأول : أن شهادة كتب الأنبياء عليهم السلام لا تكون إلا حقا، والثاني : أنه عليه السلام أخبر عن كتبهم ولم يكن له معرفة بذلك إلا من قبل الوحي، أما قوله : ولا تكونوا أول كافر به  فمعناه أول من كفر به أو أول فريق أو فوج كافر به أو ولا يكن كل واحد منكم أول كافر به، ثم فيه سؤلان : الأول : كيف جعلوا أول من كفر به وقد سبقهم إلى الكفر به مشركو العرب ؟ والجواب من وجوه : أحدها : أن هذا تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أول من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته ولأنهم كانوا هم المبشرون بزمان محمد صلى الله عليه وسلم والمستفتحون على الذين كفروا به فلما بعث كان أمرهم على العكس لقوله تعالى : فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به  وثانيها : يجوز أن يراد ولا تكونوا مثل أول كافر به يعني من أشرك من أهل مكة، أي ولا تكونوا وأنتم تعرفونه مذكورا في التوراة والإنجيل مثل من لم يعرفه وهو مشرك لا كتاب له. وثالثها : ولا تكونوا أول كافر به من أهل الكتاب لأن هؤلاء كانوا أول من كفر بالقرآن من بني إسرائيل وإن كانت قريش كفروا به قبل ذلك. ورابعها : ولا تكونوا أول كافر به، يعني بكتابكم يقول ذلك ولعلمائهم : أي و لا تكونوا أول أحد من أمتكم كذلك كتابكم لأن تكذيبكم بمحمد صلى الله عليه وسلم يوجب تكذيبكم بكتابكم. وخامسها : أن المراد منه بيان تغليظ كفرهم وذلك لأنهم لما شاهدوا المعجزات الدالة على صدقه عرفوا البشارات الواردة في التوراة والإنجيل بمقدمه فكان كفرهم أشد من كفر من لم يعرف إلا نوعا واحدا من الدليل والسابق إلى الكفر يكون أعظم ذنبا ممن بعده لقوله عليه السلام :( من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ) فلما كان كفرهم عظيما وكفر من كان سابقا في الكفر عظيما فقد اشتركا من هذا الوجه فصح إطلاق اسم أحدهما على الآخر على سبيل الاستعارة. وسادسها : المعنى ولا تكونوا أول من جحد مع المعرفة لأن كفر قريش كان مع الجهل لا مع المعرفة، وسابعها : أول كافر به من اليهود لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وبها قريظة والنضير فكفروا به ثم تتابعت سائر اليهود على ذلك الكفر فكأنه قيل : أول من كفر به من أهل الكتاب وهو كقوله : وأني فضلتكم على العالمين  أي على عالمي زمانهم، وثامنها : ولا تكونوا أول كافر به عند سماعكم بذكره بل تثبتوا فيه وراجعوا عقولكم فيه، وتاسعها : أن لفظ :**«أول »** صلة والمعنى ولا تكونوا كافرين به، وهذا ضعيف، السؤال الثاني : أنه كان يجوز لهم الكفر إذ لم يكونوا أولا، والجواب من وجوه : أحدها : أنه ليس في ذكر تلك الشيء دلالة على أن ما عداه بخلافه، وثانيها : أن في قوله : وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم  دلالة على أن كفرهم أولا وأخرا محظور، وثالثها : أن قوله : رفع السموات بغير عمد ترونها  لا يدل على وجود عمد لا يرونها، وقوله : وقتلهم الأنبياء بغير حق  لا يدل على وقوع قتل الأنبياء بحق. وقوله عقيب هذه الآية : ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا  لا يدل على إباحة ذلك بالثمن الكثير، فكذا ههنا، بل المقصود من هذه السياقة استعظام وقوع الجحد والإنكار ممن قرأ في الكتب نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم صفته، ورابعها : قال المبرد : هذا الكلام خطاب لقوم خوطبوا به قبل غيرهم فقيل لهم لا تكفروا بمحمد فإنه سيكون بعدكم الكفار فلا تكونوا أنتم أول الكفار لأن هذه الأولية موجبة لمزيد الإثم وذلك لأنهم إذا سبقوا إلى الكفر فإما أن يقتدي بهم غيرهم في ذلك الكفر أو لا يكون كذلك ؛ فإن اقتدى بهم غيرهم في ذلك الكفر كان لهم وزر ذلك الكفر ووزر كل من كفر إلى يوم القيامة، وإن لم يقتد بهم غيرهم اجتمع عليهم أمران، أحدهما : السبق إلى الكفر، والثاني : التفرد به، ولاشك في أنه منقصة عظيمة، فقوله : ولا تكونوا أول كافر به  إشارة إلى هذا المعنى. 
أما قوله : ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا  فقد بينا في قوله : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى  أن الاشتراء يوضع موضع الاستبدال فكذا الثمن يوضع موضع البدل عن الشيء، والعوض عنه، فإذا اختير على ثواب الله شيء من الدنيا فقد جعل ذلك الشيء ثمنا عند فاعله. قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن رؤساء اليهود مثل كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وأمثالهما كانوا يأخذون من فقراء اليهود الهدايا وعلموا أنهم لو اتبعوا محمدا لانقطعت عنهم تلك الهدايا، فأصروا على الكفر لئلا ينقطع عنهم ذلك القدر المحقر، وذلك لأن الدنيا كلها بالنسبة إلى الدين قليلة جدا فنسبتها إليه نسبة المتناهي، إلى غير المتناهي، ثم تلك الهدايا كانت في نهاية القلة بالنسبة إلى الدنيا، فالقليل جدا من القليل جدا أي نسبة له إلى الكثير الذي لا يتناهى ؟ واعلم أن هذا النهي صحيح سواء كان فيهم من فعل ذلك أو لم يكن، بل لو ثبت أن علماءهم كانوا يأخذون الرشا على كتمان أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وتحريف ما يدل على ذلك من التوراة كان الكلام أبين، وأما قوله : وإياي فاتقون  فيقرب معناه مما تقدم من قوله : وإياي فارهبون  والفرق أن الرهبة عبارة عن الخوف، وأما الاتقاء فإنما يحتاج إليه عند الجزم بحصول ما يتقى منه فكأنه تعالى أمرهم بالرهبة لأجل أن جواز العقاب قائم، ثم أمرهم بالتقوي لأن تعين العقاب قائم.

### الآية 2:42

> ﻿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [2:42]

اعلم أن قوله سبحانه  وآمنوا بما أنزلت  أمر بترك الكفر والضلال وقوله : ولا تلبسوا الحق بالباطل  أمر بترك الإغواء والإضلال، واعلم أن إضلال الغير لا يحصل إلا بطريقين، وذلك لأن ذلك الغير إن كان قد سمع دلائل الحق فإضلاله لا يمكن إلا بتشويش تلك الدلائل عليه وإن كان ما سمعها فإضلاله إنما يمكن بإخفاء تلك الدلائل عنه ومنعه من الوصول إليها. فقوله : ولا تلبسوا الحق بالباطل  إشارة إلى القسم الأول وهو تشويش الدلائل عليه وقوله : وتكتموا الحق  إشارة إلى القسم الثاني وهو منعه من الوصول إلى الدلائل، واعلم أن الأظهر في الباء التي في قوله : بالباطل  أنها باء الاستعانة كالتي في قولك : كتبت بالقلم والمعنى ولا تلبسوا الحق بسبب الشبهات التي توردونها على السامعين، وذلك لأن النصوص الواردة في التوراة والإنجيل في أمر محمد عليكم كانت نصوصا خفية يحتاج في معرفتها إلى الاستدلال، ثم إنهم كانوا يجادلون فيها ويشوشون وجه الدلالة على المتأملين فيها بسبب إلقاء الشبهات، فهذا هو المراد بقوله : ولا تلبسوا الحق بالباطل  فهو المذكور في قوله : وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق . أما قوله : وأنتم تعلمون  أي تعلمون ما في إضلال الخلق من الضرر العظيم العائد عليكم يوم القيامة، وذلك لأن ذلك التلبيس صار صارفا للخلق عن قبول الحق إلى يوم القيامة وداعيا لهم إلى الاستمرار على الباطل إلى يوم القيامة ولاشك في أن موقعه عظيم، وهذا الخطاب وإن ورد فيهم، فهو تنبيه لسائر الخلق وتحذير من مثله فصار الخطاب وإن كان خاصا في الصورة لكنه عام في المعنى، ثم ههنا بحثان :
البحث الأول : قوله : وتكتموا الحق  جزم داخل تحت حكم النهي بمعنى ولا تكتموا أو منصوب بإضمار ( أن ). 
البحث الثاني : أن النهي عن اللبس والكتمان وإن تقيد بالعلم فلا يدل على جوازهما حال عدم العلم، وذلك لأنه إذا لم يعلم حال الشيء لم يعلم أن ذلك اللبس والكتمان حق أو باطل، وما لا يعرف كونه حقا أو باطلا لا يجوز الإقدام عليه بالنفي ولا بالإثبات، بل يجب التوقف فيه، وسبب ذلك التقييد أن الإقدام على الفعل الضار مع العلم بكونه ضارا أفحش من الإقدام عليه عند الجهل بكونه ضارا، فلما كانوا عالمين بما في التلبيس من المفاسد كان إقدامهم عليه أقبح، والآية دالة على أن العالم بالحق يجب عليه إظهاره ويحرم عليه كتمانه، والله أعلم.

### الآية 2:43

> ﻿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [2:43]

اعلم أن الله سبحانه وتعالى لما أمرهم بالإيمان أولا ثم نهاهم عن لبس الحق بالباطل وكتمان دلائل النبوة ثانيا، ذكر بعد ذلك بيان ما لزمهم من الشرائع وذكر من جملة الشرائع ما كان كالمقدم والأصل فيها وهو الصلاة التي هي أعظم العبادات البدنية والزكاة التي هي أعظم العبادات المالية. وههنا مسائل :
المسألة الأولى : القائلون بأنه لا يجوز تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب قالوا إنما جاء الخطاب في قوله : وأقيموا الصلاة  بعد أن كان النبي صلى الله عليه وسلم وصف لهم أركان الصلاة وشرائطها فكأنه تعالى قال : وأقيموا الصلاة التي عرفتموها والقائلون بجواز التأخير قالوا : يجوز أن يراد الأمر بالصلاة وإن كانوا لا يعرفون أن الصلاة ما هي ويكون المقصود أن يوطن السامع نفسه على الامتثال وإن كان لا يعلم أن المأمور به ما هو كما أنه لا نزاع في أن يحسن من السيد أن يقول لعبده : إني آمرك غدا بشيء فلابد وأن تفعله ويكون غرضه منه بأن يعزم العبد في الحال على أدائه في الوقت الثاني :
المسألة الثانية : قالت المعتزلة : الصلاة من الأسماء الشرعية قالوا : لأنها أمر حدث في الشرع فاستحال أن يكون الاسم الموضوع قد كان حاصلا قبل الشرع، ثم اختلفوا في وجه التشبيه فقال بعضهم : أصلها في اللغة الدعاء قال الأعشى :

عليك مثل الذي صليت فاعتصمي  عينا فإن لجنب المرء مضطجعا**وقال آخر :**وقابلها الريح في دنها  وصلى على دنها وارتسموقال بعضهم : الأصل فيها اللزوم قال الشاعر :لم أكن من جناتها علم الله  وإني بحرها اليوم صاليأي ملازم، وقال آخرون : بل هي مأخوذة من المصلي وهو الفرس الذي يتبع غيره. والأقرب أنها مأخوذة من الدعاء إذ لا صلاة إلا ويقع فيها الدعاء أو ما يجري مجراه، وقد تكون صلاة ولا يحصل فيها متابعة الغير وإذا حصل في وجه التشبيه ما عم كل الصور كان أولى أن يجعل وجه التشبيه شيئا يختص ببعض الصور. وقال أصحابنا من المجازات المشهورة في اللغة إطلاق اسم الجزء على الكل ولما كانت الصلاة الشرعية مشتملة على الدعاء، لا جرم أطلق اسم الدعاء عليها على سبيل المجاز، فإن كان مراد المعتزلة من كونها اسما شرعيا هذا. فذلك حق وإن كان المراد أن الشرع ارتجل هذه اللفظة ابتداء لهذا المسمى فهو باطل وإلا لما كانت هذه اللفظة عربية، وذلك ينافي قوله تعالى : إنا أنزلناه قرانا عربيا  أما الزكاة فهي في اللغة عبارة عن النماء، يقال : زكا الزرع إذا نما، وعن التطهير قال الله تعالى : أقتلت نفسا زكية  أي طاهرة. وقال : قد أفلح من تزكى  أي تطهر وقال : ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا  وقال : ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه  أي تطهر بطاعة الله، ولعل إخراج نصف دينار من عشرين دينارا سمي بالزكاة تشبيها بهذين الوجهين، لأن في إخراج ذلك القدر تنمية للبقية من حيث البركة فإن الله يرفع البلاء عن ذلك المال بسبب تزكية تلك العطية فصار ذلك الإعطاء نماء في المعنى وإن كان نقصانا في الصورة، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم :( عليكم بالصدقة فإن فيها ست خصال، ثلاثة في الدنيا وثلاثة في الآخرة، فأما التي في الدنيا فتزيد في الرزق وتكثر المال وتعمر الديار، وأما التي في الآخرة فتستر العورة وتصير ظلا فوق الرأس وتكون سترا في النار ). ويجوز أن تسمى الزكاة بالوجه الثاني من حيث إنها تطهر مخرج الزكاة عن كل الذنوب، ولهذا قال تعالى لنبيه : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها . 
المسألة الثالثة : قوله تعالى : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة  خطاب مع اليهود وذلك يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع. أما قوله تعالى : واركعوا مع الراكعين  ففيه وجوه أحدها : أن اليهود لا ركوع في صلاتهم فخص الله الركوع بالذكر تحريضا لهم على الإتيان بصلاة المسلمين، وثانيها : أن المراد صلوا مع المصلين، وعلى هذا يزول التكرار لأن في الأول أمر تعالى بإقامتها وأمر في الثاني بفعلها في الجماعة، وثالثها : أن يكون المراد من الأمر بالركوع هو الأمر بالخضوع لأن الركوع والخضوع في اللغة سواء فيكون نهيا عن الاستكبار المذموم وأمرا بالتذلل كما قال للمؤمنين : فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين  وكقوله تأديبا لرسوله عليه السلام : واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين  وكمدحه له بقوله : فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك  وهكذا في قوله تعالى : إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون  فكأنه تعالى لما أمرهم بالصلاة والزكاة أمرهم بعد ذلك بالانقياد والخضوع وترك التمرد. وحكى الأصم عن بعضهم أنه إنما أمر الله تعالى بني إسرائيل بالزكاة لأنهم كانوا لا يؤتون الزكاة وهو المراد بقوله تعالى : وأكلهم السحت  وبقوله : وأخذهم الربا\*\*\* وأكلهم أموال الناس بالباطل  فأظهر الله تعالى في هذا الموضع ما كان مكتوبا ليحذروا أن يفضحهم في سائر أسرارهم ومعاصيهم فيصير هذا كالإخبار عن الغيب الذي هو أحد دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

### الآية 2:44

> ﻿۞ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [2:44]

قوله تعالى : أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون 
اعلم أن الهمزة في أتأمرون الناس بالبر للتقرير مع التقريع والتعجب من حالهم، وأما البر فهو اسم جامع لأعمال الخير، ومنه بر الوالدين وهو طاعتهما، ومنه عمل مبرور، أي قد رضيه الله تعالى وقد يكون بمعنى الصدق كما يقال بر في يمينه أي صدق ولم يحنث، ويقال : صدقت وبررت، وقال تعالى : ولكن البر من اتقى  فأخبر أن البر جامع للتقوى، واعلم أنه سبحانه وتعالى لما أمر بالإيمان والشرائع بناء على ما خصهم به من النعم ورغبهم في ذلك بناء على مأخذ آخر، وهو أن التغافل عن أعمال البر مع حث الناس عليها مستقبح في العقول، إذ المقصود من أمر الناس بذلك إما النصيحة أو الشفقة، وليس من العقل أن يشفق الإنسان على غيره أو أن ينصح غيره ويهمل نفسه فحذرهم الله تعالى من ذلك بأن قرعهم بهذا الكلام. واختلفوا في المراد بالبر في هذا الموضع على وجوه، أحدها : وهو قول السدي أنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله وينهونهم عن معصية الله، وهم كانوا يتركون الطاعة ويقدمون على المعصية، وثانيها : قول ابن جريج أنهم كانوا يأمرون الناس بالصلاة والزكاة وهم كانوا يتركونهما. وثالثها : أنه إذا جاءهم أحد في الخفية لاستعلام أمر محمد صلى الله عليه وسلم قالوا : هو صادق فيما يقول وأمره حق فاتبعوه، وهم كانوا لا يتبعونه لطمعهم في الهدايا والصلاة التي كانت تصل إليهم من أتباعهم، ورابعها : أن جماعة من اليهود كانوا قبل مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم يخبرون مشركي العرب أن رسولا سيظهر منكم ويدعو إلى الحق وكانوا يرغبونهم باتباعه فلما بعث الله محمدا حسدوه وكفروا به، فبكتهم الله تعالى بسبب أنهم كانوا يأمرون باتباعه قبل ظهوره، فلما ظهر تركوه وأعرضوا عن دينه، وهذا اختيار أبي مسلم، وخامسها : وهو قول الزجاج أنهم كانوا يأمرون الناس ببذل الصدقة، وكانوا يشحون بها لأن الله تعالى وصفهم بقساوة القلوب وأكل الربا والسحت، وسادسها : لعل المنافقين من اليهود كانوا يأمرون باتباع محمد صلى الله عليه وسلم في الظاهر، ثم إنهم كانوا في قلوبهم منكرين له فوبخهم الله تعالى عليه، وسابعا : أن اليهود كانوا يأمرون غيرهم باتباع التوراة ثم إنهم خالفوه لأنهم وجدوا فيها ما يدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إنهم ما آمنوا به، أما قوله : وتنسون أنفسكم  فالنسيان عبارة عن السهو الحادث بعد حصول العلم والناسي غير مكلف ومن لا يكون مكلفا لا يجوز أن يذمه الله تعالى على ما صدر منه، فالمراد بقوله : وتنسون أنفسكم  أنكم تغفلون عن حق أنفسكم وتعدلون عما لها فيه من النفع، أما قوله : وأنتم تتلون الكتاب  فمعناه تقرأون التوراة وتدرسونها وتعلمون بما فيها من الحث على أفعال البر والإعراض عن أفعال الإثم. 
وأما قوله : أفلا تعقلون  فهو تعجب للعقلاء من أفعالهم ونظيره قوله تعالى : أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون  سبب التعجب وجوه، الأول : أن المقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إرشاد الغير إلى تحصيل المصلحة وتحذيره عما يوقعه في المفسدة، والإحسان إلى النفس أولى من الإحسان إلى الغير وذلك معلوم بشواهد العقل والنقل فمن وعظ ولم يتعظ فكأنه أتى بفعل متناقض لا يقبله العقل فلهذا قال : أفلا تعقلون  الثاني : أن من وعظ الناس وأظهر علمه للخلق ثم لم يتعظ صار ذلك الوعظ سببا لرغبة الناس في المعصية لأن الناس يقولون أنه مع هذا العلم لولا أنه مطلع على أنه لا أصل لهذه التخويفات وإلا لما أقدم على المعصية فيصير هذا داعيا لهم إلى التهاون بالدين والجراءة على المعصية، فإذا كان غرض الواعظ الزجر عن المعصية ثم أتى بفعل يوجب الجراءة على المعصية فكأنه جمع بين المتناقضين، وذلك لا يليق بأفعال العقلاء، فلهذا قال : أفلا تعقلون  ( الثالث ) : أن من وعظ فلابد وأن يجتهد في أن يصير وعظه نافذا في القلوب. والإقدام على المعصية مما ينفر القلوب عن القبول، فمن وعظ كان غرضه أن يصير وعظه مؤثرا في القلوب، ومن عصى كان غرضه أن لا يصير وعظه مؤثرا في القلوب. فالجمع بينهما متناقض غير لائق بالعقلاء، ولهذا قال علي رضي الله عنه : قصم ظهري رجلان : عالم متهتك وجاهل متنسك. وبقي ههنا مسائل :
المسألة الأولى : قال بعضهم : ليس للعاصي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر واحتجوا بالآية والمعقول، أما الآية فقوله : أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم  ولا شك أنه تعالى ذكر ذلك في معرض الذم، وقال أيضا : لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون  وأما المعقول فهو أنه لو جاز ذلك لجاز لمن يزني بامرأة أن ينكر عليها في أثناء الزنا على كشفها عن وجهها، ومعلوم أن ذلك مستنكر. والجواب : أن المكلف مأمور بشيئين، أحدهما : ترك المعصية. والثاني : منع الغير عن فعل المعصية والإخلال بأحد التكليفين لا يقتضي الإخلال بالآخر أما قوله : أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم  فهو نهي عن الجمع بينهما والنهي عن الجمع بين الشيئين يصح حمله على وجهين. ( أحدهما ) : أن يكون المراد هو النهي عن نسيان النفس مطلقا. ( والآخر ) : أن يكون المراد هو النهي عن ترغيب الناس في البر حال كونه ناسيا للنفس وعندنا المراد من الآية هو الأول لا الثاني، وعلى هذا التقدير يسقط قول هذا الخصم، وأما المعقول الذي ذكروه فيلزمهم. 
المسألة الثانية : احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن فعل العبد غير مخلوق لله عز وجل فقالوا قوله تعالى : أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم  إنما يصح ويحسن لو كان ذلك الفعل منهم، فأما إذا كان مخلوقا فيهم على سبيل الاضطرار فإن ذلك لا يحسن إذ لا يجوز أن يقال للأسود : لم لا تبيض ؟ لما كان السواد مخلوقا فيه. والجواب : أن قدرته لما صلحت للضدين فإن حصل أحد الضدين دون الآخر لا لمرجع كان ذلك محض الاتفاق، والأمر الإتفاقي لا يمكن التوبيخ عليه. وإن حصل المرجح فإن كان ذلك المرجح منه عاد البحث فيه، وإن حصل من الله تعالى فعند حصوله يصير ذلك الطرف راجحا والآخر مرجوحا والمرجوح ممتنع الوقوع لأنه حال الاستواء لما كان ممتنع الوقوع فحال المرجوحية أولى بأن يكون ممتنع الوقوع وإذا امتنع أحد النقيضين وجب الآخر وحينئذ يعود عليكم كل ما أوردتموه علينا، ثم الجواب الحقيقي عن الكل : أنه
 لا يسأل عما يفعل . 
المسألة الثالثة :( أ ) عن أنس رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام :**«مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من النار فقلت : يا أخي يا جبريل من هؤلاء ؟ فقال هؤلاء خطباء من أهل الدنيا كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم »**. ( ب ) وقال عليه الصلاة والسلام :**«إن في النار رجلا يتأذى أهل النار بريحه فقيل من هو يا رسول الله ؟ قال : عالم لا ينتفع بعلمه »**. ( ج ) وقال عليه الصلاة والسلام :**«مثل الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كالسراج يضيء للناس ويحرق نفسه »**. ( د ) وعن الشعبي : يطلع قوم من أهل الجنة إلى قوم من النار فيقولون : لم دخلتم النار ونحن إنما دخلنا الجنة بفضل تعليمكم ؟ فقالوا : إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله. كما قيل : من وعظ بقوله ضاع كلامه، ومن وعظ بفعله نفذت سهامه. وقال الشاعر :
يا أيها الرجل المعلم غيره \*\*\* هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا \*\*\* كيما يصح به وأنت سقيم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها \*\*\* فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل إن وعظت ويقتدي \*\*\* بالرأي منك وينفع التعليم
قيل : عمل رجل في ألف رجل أبلغ من قول ألف رجل في رجل، وأما من وعظ واتعظ فمحله عند الله عظيم. 
روي أن يزيد بن هارون مات وكان واعظا زاهدا فرؤي في المنام فقيل له : ما فعل الله بك ؟ فقال : غفر لي وأول ما سألني منكر ونكير فقالا : من ربك ؟ أما تستحيان من شيخ دعا الناس إلى الله تعالى كذا وكذا سنة فتقولان له من ربك ؟ وقيل للشبلي عند النزع : قل لا إله إلا الله فقال :
إن بيتا أنت ساكنه \*\*\* غير محتاج إلى السرج

### الآية 2:45

> ﻿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [2:45]

قوله سبحانه وتعالى : واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون  في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في المخاطبين بقوله سبحانه وتعالى : واستعينوا بالصبر والصلاة  فقال قوم : هم المؤمنون بالرسول قال : لأن من ينكر الصلاة أصلا والصبر على دين محمد صلى الله عليه وسلم لا يكاد يقال له استعن بالصبر والصلاة، فلا جرم وجب صرفه إلى من صدق بمحمد صلى الله عليه وسلم ولا يمتنع أن يكون الخطاب أولا في بني إسرائيل، ثم يقع بعد ذلك خطابا للمؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم، والأقرب أن المخاطبين هم بنو إسرائيل لأن صرف الخطاب إلى غيرهم يوجب تفكيك النظم. فإن قيل : كيف يؤمرون بالصبر والصلاة مع كونهم منكرين لهما ؟ قلنا : لا نسلم كونهم منكرين لهما. وذلك لأن كل أحد يعلم أن الصبر على ما يجب الصبر عليه حسن وأن الصلاة التي هي تواضع للخالق والاشتغال بذكر الله تعالى يسلي عن محن الدنيا وآفاتها، إنما الاختلاف في الكيفية، فإن صلاة اليهود واقعة على كيفية وصلاة المسلمين على كيفية أخرى. وإذا كان متعلق الأمر هو الماهية التي هي القدر المشترك زال الإشكال المذكور وعلى هذا نقول : إنه تعالى لما أمرهم بالإيمان وبترك الإضلال وبالتزام الشرائع وهي الصلاة والزكاة ؛ وكان ذلك شاقا عليهم لما فيه من ترك الرياسات والإعراض عن المال والجاه لا جرم عالج الله تعالى هذا المرض فقال : واستعينوا بالصبر والصلاة . 
المسألة الثانية : ذكروا في الصبر والصلاة وجوها، أحدها : كأنه قيل واستعينوا على ترك ما تحبون من الدنيا والدخول فيما تستثقله طباعكم من قبول دين محمد صلى الله عليه وسلم بالصبر أي يحبس النفس عن اللذات، فإنكم إذا كلفتم أنفسكم ذلك مرنت عليه وخف عليها ثم إذا ضممتم الصلاة إلى ذلك تم الأمر، لأن المشتغل بالصلاة لابد وأن يكون مشتغلا بذكر الله عز وجل وذكر جلاله وقهره وذكر رحمته وفضله، فإذا تذكر رحمته صار مائلا إلى طاعته وإذا تذكر عقابه ترك معصيته فيسهل عند ذلك اشتغاله بالطاعة وتركه للمعصية، وثانيها : المراد من الصبر ههنا هو الصوم لأن الصائم صابر عن الطعام والشراب، ومن حبس نفسه عن قضاء شهوة البطن والفرج زالت عنه كدورات حب الدنيا، فإذا انضاف إليه الصلاة استنار القلب بأنوار معرفة الله تعالى وإنما قدم الصوم على الصلاة لأن تأثير الصوم في إزالة ما لا ينبغي وتأثيره الصلاة في حصول ما ينبغي والنفي مقدم على الإثبات، ولأنه عليه الصلاة والسلام قال :( الصوم جنة من النار ). وقال الله تعالى : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر  لأن الصلاة تمنع عن الاشتغال بالدنيا وتخشع القلب ويحصل بسببها تلاوة الكتاب والوقوف على ما فيه من الوعد والوعيد والمواعظ والآداب الجميلة، وذكر مصير الخلق إلى دار الثواب أو دار العقاب رغبة في الآخرة ونفرة عن الدنيا فيهون على الإنسان حينئذ ترك الرياسة، ومقطعة عن المخلوقين إلى قبلة خدمة الخالق ونظير هذه الآية قوله تعالى :
 يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين  أما قوله تعالى : وإنها  ففي هذا الضمير وجوه، أحدها : الضمير عائد إلى الصلاة أي صلاة ثقيلة إلا على الخاشعين، وثانيها : الضمير عائد إلى الاستعانة التي يدل عليها قوله : واستعينوا  وثالثها : أنه عائد إلى جميع الأمور التي أمر بها بنو إسرائيل ونهوا عنها من قوله : اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم  إلى قوله : واستعينوا  والعرب قد تضمر الشيء اختصارا أو تقتصر فيه على الإيماء إذا وثقت بعلم المخاطب فيقول القائل : ما عليها أفضل من فلان يعني الأرض، ويقولون : ما بين لابتيها أكرم من فلان يعنون المدينة وقال تعالى : ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة  ولا ذكر للأرض، أما قوله : لكبيرة  أي لشاقة ثقيلة على هؤلاء سهلة على الخاشعين فيجب أن يكون ثوابهم أكثر وثواب الخاشع أقل، وذلك منكر من القول، قلنا : ليس المراد أن الذي يلحقهم من التعب أكثر مما يلحق الخاشع وكيف يكون ذلك الخاشع يستعمل عند الصلاة جوارحه وقلبه وسمعه وبصره، ولا يغفل عن تدبر ما يأتي به من الذكر والتذلل والخشوع، وإذ تذكر الوعيد لم يخل من حسرة وغم، وإذا ذكر الوعد فكمثل ذلك، وإذا كان هذا فعل الخاشع فالثقل عليه بفعل الصلاة أعظم، وإنما المراد بقوله : وإنها ثقيلة على من لم يخشع أنه من حيث لا يعتقد في فعلها ولا في تركها عقابا، فيصعب عليه فعلها. فالحاصل أن الملحد إذا لم يعتقد في فعلها منفعة ثقل عليه فعلها، لأن الاشتغال بما لا فائدة فيه يثقل على الطبع، أما الموحد فلما اعتقد في فعلها أعظم المنافع وفي تركها أعظم المضار لم يثقل ذلك عليه لما يعتقد في فعله من الثواب والفوز العظيم بالنعيم المقيم والخلاص من العذاب الأليم، ألا ترى إلى قوله : الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم  أي يتوقعون نيل ثوابه والخلاص من عقابه. مثاله إذا قيل للمريض : كل هذا الشيء المر فإن اعتقد أن له فيه شفاء سهل ذلك عليه، وإن لم يعتقد ذلك فيه صعب الأمر عليه، وعليه يحمل قوله عليه الصلاة والسلام :( وجعلت قرة عيني في الصلاة ). وصف الصلاة بذلك للوجوه التي ذكرناها لا لأنها كانت لا تثقل عليه، وكيف وكان عليه الصلاة والسلام يصلي حتى تورمت قدماه، وأما الخشوع فهو التذلل والخضوع.

### الآية 2:46

> ﻿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [2:46]

أما قوله : الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم  فللمفسرين فيه قولان : الأول : أن الظن بمعنى العلم قالوا : لأن الظن وهو الاعتقاد الذي يقارنه تجويز النقيض يقتضي أن يكون صاحبه غير جازم بيوم القيامة وذلك كفر والله تعالى مدح على هذا الظن والمدح على الكفر غير جائز، فوجب أن يكون المراد من الظن ههنا العلم، وسبب هذا المجاز أن العلم والظن يشتركان في كون كل واحد منهما اعتقادا راجحا إلا أن العلم راجح مانع من النقيض والظن راجح غير مانع من النقيض، فلما اشتبها من هذا الوجه صح إطلاق اسم أحدها على الآخر، قال أوس بن حجر :

فأرسلته مستيقن الظن أنه  مخالط ما بين الشراسيف خائفوقال تعالى : إني ظننت أني ملاق حسابيه  وقال : ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون  ذكر الله تعالى ذلك إنكارا عليهم وبعثا على الظن ولا يجوز أن يبعثهم على الاعتقاد المجوز للنقيض فثبت أن المراد بالظن ههنا العلم. 
القول الثاني : أن يحمل اللفظ على ظاهره وهو الظن الحقيقي، ثم ههنا وجوه. ( الأول ) : أن تجعل ملاقاة الرب مجازا عن الموت، وذلك لأن ملاقاة الرب مسبب عن الموت فأطلق المسبب والمراد منه السبب، وهذا مجاز مشهور فإنه يقال لمن مات إنه لقي ربه. إذا ثبت هذا فنقول : وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون الموت في كل لحظة، وذلك لأن كل من كان متوقعا للموت في كل لحظة فإنه لا يفارق قلبه الخشوع فهم يبادرون إلى التوبة، لأن خوف الموت مما يقوي دواعي التوبة ولأنه مع خشوعه لابد في كل حال من أن لا يأمن تقصيرا جرى منه فيلزمه التلافي، فإذا كان حاله ما ذكرنا كان ذلك داعيا إلى المبادرة إلى التوبة، الثاني : أن تفسر ملاقاة الرب بملاقاة ثواب الرب وذلك مظنون لا معلوم فإن الزاهد العابد لا يقطع بكونه ملاقيا لثواب الله بل يظن إلا أن ذلك الظن مما يحمله على كمال الخشوع. الثالث : المعنى الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم بذنوبهم فإن الإنسان الخاشع قد يسيء ظنه بنفسه وبأعماله فيغلب على ظنه أنه يلقى الله تعالى بذنوبه فعند ذلك يسارع إلى التوبة وذلك من صفات المدح. بقي هنا مسألتان :
المسألة الأولى : استدل بعض الأصحاب بقوله : ملاقوا ربهم  على جواز رؤية الله تعالى وقالت المعتزلة : لفظ اللقاء لا يفيد الرؤية والدليل عليه الآية والخبر والعرف. أما الآية فقوله تعالى : فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه  والمنافق لا يرى ربه، وقال : ومن يفعل ذلك يلق آثاما  وقال تعالى في معرض التهديد : واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه  فهذا يتناول الكافر والمؤمن، والرؤية لا تثبت للكافر فعلمنا أن اللقاء ليس عبارة عن الرؤية. 
وأما الخبر فقوله عليه السلام :**«من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان »** وليس المراد رأى الله تعالى لأن ذلك وصف أهل النار، وأما العرف فهو قول المسلمين فيمن مات : لقي الله، ولا يعنون أنه رأى الله عز وجل، وأيضا فاللقاء يراد به القرب ممن يلقاه على وجه يزول الحجاب بينهما، ولذلك يقول الرجل إذا حجب عن الأمير : ما لقيته بعد وإن كان قد رآه، وإذا أذن له في الدخول عليه يقول : لقيته، وإن كان ضريرا، ويقال : لقي فلان جهدا شديدا ولقيت من فلان الداهية. ولاقى فلان حمامه، وكل ذلك يدل على أن اللقاء ليس عبارة عن الرؤية ويدل عليه أيضا قوله تعالى : فالتقى الماء على أمر قد قدر  وهذا إنما يصح في حق الجسم ولا يصح على الله تعالى. قال الأصحاب : اللقاء في أصل اللغة عبارة عن وصول أحد الجسمين إلى الآخر بحيث يماسه بمسطحة يقال : لقي هذا ذاك إذا ماسه واتصل به، ولما كانت الملاقاة بين الجنسين المدركين سببا لحصول الإدراك فحيث يمتنع إجراء اللفظ على المماسة وجب حمله على الإدراك لأن إطلاق لفظ السبب على المسبب من أقوى وجوه المجاز، فثبت أنه يجب حمله لفظ اللقاء على الإدراك أكثر ما في الباب أنه ترك هذا المعنى في بعض الصور لدليل يخصه فوجب إجراؤه على الإدراك في البواقي، وعلى هذا التقرير زالت السؤالات. أما قوله : فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه  والمنافق لا يرى ربه ؛ قلنا : فلأجل هذه الضرورة المراد إلى يوم يلقون حسابه وحكمه إلا أن هذا الإضمار على خلاف الدليل وإنما يصار إليه عند الضرورة ففي هذا الموضع لما اضطررنا إليه اعتبرناه، وأما في قوله تعالى : أنهم ملاقوا ربهم  لا ضرورة في صرف اللفظ عن ظاهره ولا في إضمار هذه الزيادة، فلا جرم وجب تعليق اللقاء بالله تعالى لا بحكم الله، فإن اشتغلوا بذكر الدلائل العقلية التي تمنع من جواز الرؤية بينا ضعفها وحينئذ يستقيم التمسك بالظاهر من هذا الوجه. 
المسألة الثانية : المراد من الرجوع إلى الله تعالى الرجوع إلى حيث لا يكون لهم مالك سواه وأن لا يملك لهم أحد نفعا ولا ضرا غيره، كما كانوا كذلك في أول الخلق فجعل مصيرهم إلى مثل ما كانوا عليه أولا رجوعا إلى الله من حيث كانوا في سائر أيام حياتهم قد يملك غيره الحكم عليهم ويملك أن يضرهم وينفعهم وإن كان الله تعالى مالكا لهم في جميع أحوالهم، وقد احتج بهذه الآية فريقان من المبطلين. الأول : المجسمة فإنهم قالوا : الرجوع إلى غير الجسم محال فلما ثبت الرجوع إلى الله وجب كون الله جسما، الثاني : التناسخية فإنهم قالوا : الرجوع إلى الشيء مسبوق بالكون عنده، فدلت هذه الآية على كون الأرواح قديمة وأنها كانت موجودة في عالم الروحانيات والجواب عنها قد حصل بناء على ما تقدم.

### الآية 2:47

> ﻿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [2:47]

قوله تبارك وتعالى : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين . 
اعلم أنه تعالى إنما أعاد هذا الكلام مرة أخرى توكيدا للحجة عليهم وتحذيرا من ترك اتباع محمد صلى الله عليه وسلم ثم قرنه بالوعيد، وهو قوله : واتقوا يوما  كأنه قال : إن لم تطيعوني لأجل سوالف نعمتي عليكم فأطيعوني للخوف من عقابي في المستقبل. أما قوله : وأني فضلتكم على العالمين  ففيه سؤال وهو : أنه يلزم أن يكونوا أفضل من محمد عليه السلام وذلك باطل بالاتفاق والجواب عنه من وجوه أحدها : قال قوم : العالم عبارة عن الجمع الكثير من الناس كقولك : رأيت عالما من الناس، والمراد منه الكثير لا الكل، وهذا ضعيف لأن لفظ العالم مشتق من العلم وهو الدليل، فكل ما كان دليلا على الله تعالى كان عالما، فكان من العالم، وهذا تحقيق قول المتكلمين : العالم كل موجود سوى الله، وعلى هذا لا يمكن تخصيص لفظ العالم ببعض المحدثات، وثانيها : المراد فضلتكم على عالمي زمانكم وذلك لأن الشخص الذي سيوجد بعد ذلك وهو الآن ليس بموجود لم يكن ذلك الشخص من جملة العالمين حال عدمه لأن شرط العالم أن يكون موجودا والشيء حال عدمه لا يكون موجودا فالشيء حال عدمه لا يكون من العالمين، وأن محمدا عليه السلام ما كان موجودا في ذلك الوقت، فما كان ذلك الوقت من العالمين فلا يلزم من كون بني إسرائيل أفضل العالمين في ذلك الوقت كونهم أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت، وهذا هو الجواب أيضا عن قوله تعالى : إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين  وقال : ولقد اخترناهم على علم على العالمين  وأراد به عالمي ذلك الزمان، وإنما كانوا أفضل من غيرهم بما أعطوا من الملك والرسالة والكتب الإلهية، وثالثها : أن قوله : وأني فضلتكم على العالمين  عام في العالمين لكنه مطلق في الفضل والمطلق يكفي في صدقه صورة واحدة فالآية تدل على أن بني إسرائيل فضلوا على العالمين في أمر ما وهذا لا يقتضي أن يكونوا أفضل من كل العالمين في كل الأمور، بل لعلهم وإن كانوا أفضل من غيرهم في أمر واحد فغيرهم يكون أفضل منهم فيما عدا ذلك الأمر وعند ذلك يظهر أنه لا يصح الاستدلال بقوله تعالى : إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم، وآل عمران على العالمين  على أن الأنبياء أفضل من الملائكة. بقي ههنا أبحاث :
البحث الأول : قال ابن زيد : أراد به المؤمنين منهم لأن عصاتهم مسخوا قردة وخنازير على ما قال تعالى : وجعل منهم القردة والخنازير  وقال : لعن الذين كفروا من بني إسرائيل . 
البحث الثاني : أن جميع ما خاطب الله تعالى به بني إسرائيل تنبيه للعرب لأن الفضيلة بالنبي قد لحقتهم، وجميع أقاصيص الأنبياء تنبيه وإرشاد قال الله تعالى :
 الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه  وقال : واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم  وقال : لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب  ولذلك روى قتادة قال : ذكر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول : قد مضى والله بنو إسرائيل وما يغني ما تسمعون عن غيركم. 
البحث الثالث : قال القفال :«النعمة بكسر النون المنة وما ينعم به الرجل على صاحبه. قال تعالى : وتلك نعمة تمنها علي  وأما النعمة بفتح النون فهو ما يتنعم به في العيش، قال تعالى : ونعمة كانوا فيها فاكهين . 
البحث الرابع : قوله تعالى : وأني فضلتكم على العالمين  يدل على أن رعاية الأصلح لا تجب على الله تعالى لا في الدنيا ولا في الدين لأن قوله : وأني فضلتكم على العالمين  يتناول جميع نعم الدنيا والدين، فذلك التفضيل إما أن يكون واجبا أو لا يكون واجبا، فإن كان واجبا لم يجز جعله منة عليهم لأن من أدى واجبا فلا منة له على أحد وإن كان غير واجب مع أنه تعالى خصص البعض بذلك دون البعض، فهذا يدل على أن رعاية الأصلح غير واجبة لا في الدنيا ولا في الدين. فإن قيل : لما خصهم بالنعم العظيمة في الدنيا، فهذا يناسب أن يخصهم أيضا بالنعم العظيمة في الآخرة كما قيل : إتمام المعروف خير من ابتدائه، فلم أردف ذلك التخويف الشديد في قوله : واتقوا يوما  والجواب : لأن المعصية مع عظم النعمة تكون أقبح وأفحش فلهذا حذرهم عنها. 
البحث الخامس : في بيان أن أي فرق العالم أفضل يعني أن أيهم أكثر استجماعا لخصال الخير ؟ اعلم أن هذا مما وقع فيه النزاع الشديد بين سكان النواحي فكل طائفة تدعي أنها أفضل وأكثر استجماعا لصفات الكمال ونحن نشير إلى معاقد الكلام في هذا الباب بتوفيق الله تعالى وعونه.

### الآية 2:48

> ﻿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ [2:48]

قوله تعالى : واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون . 
اعلم أن اتقاء اليوم اتقاء لما يحصل في ذلك اليوم من العقاب والشدائد لأن نفس اليوم لا يتقي ولابد من أن يرده أهل الجنة والنار جميعا فالمراد ما ذكرناه ثم إنه تعالى وصف اليوم بأشد الصفات وأعظمها تهويلا، وذلك لأن العرب إذا دفع أحدهم إلى كريهة وحاولت أعوانه دفاع ذلك عنه بذلت ما في نفوسها الأبية من مقتضى الحمية فذبت عنه كما يذب الوالد عن ولده بغاية قوته، فإن رأى من لا طاقة له بمانعته عاد بوجوه الضراعة وصنوف الشفاعة فحاول بالملاينة ما قصر عنه بالمخاشنة، فإن لم تغن عنه الحالتان من الخشونة والليان لم يبق بعده إلا فداء الشيء بمثله. إما مال أو غيره وإن لم تغن عنه هذه الثلاثة تعلل بما يرجوه من نصر الأخلاء والأخوان فأخبر الله سبحانه أنه لا يغني شيء من هذه الأمور عن المجرمين في الآخرة. بقي على هذا الترتيب سؤالان :
السؤال الأول : الفائدة من قوله : لا تجزي نفس عن نفس شيئا  هي الفائدة من قوله : ولا هم ينصرون  فما المقصود من هذا التكرار ؟ والجواب : المراد من قوله : لا تجزي نفس عن نفس شيئا  أنه لا يتحمل عنه غيره ما يلزمه من الجزاء، وأما النصرة فهي أن يحاول تخليصه عن حكم المعاقب وسنذكر فرقا آخر إن شاء الله تعالى. 
السؤال الثاني : أن الله تعالى قدم في هذه الآية قبول الشفاعة على أخذ الفدية وذكر هذه الآية في هذه السورة بعد العشرين والمائة وقدم قبول الفدية على ذكر الشفاعة فما الحكمة فيه ؟ الجواب : أن من كان ميله إلى حب المال أشد من ميله إلى علو النفس فإنه يقدم التمسك بالشافعين على إعطاء الفدية ومن كان بالعكس يقدم الفدية على الشفاعة، ففائدة تغيير الترتيب، الإشارة إلى هذين الصنفين : ولنذكر الآن تفسير الألفاظ : أما قوله تعالى : لا تجزي نفس عن نفس شيئا  فقال القفال : الأصل في جزى هذا عند أهل اللغة قضي ومنه الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بردة بن يسار :" تجزيك ولا تجزي أحدا بعدك "، هكذا يرويه أهل العربية :**«تجزيك »** بفتح التاء غير مهموز أي تقضي عن أضحيتك وتنوب، ومعنى الآية أن يوم القيامة لا تنوب نفس عن نفس شيئا ولا تحمل عنها شيئا مما أصابها، بل يفر المرء فيه من أخيه وأمه وأبيه ومعنى هذه النيابة أن طاعة المطيع لا تقضي على العاصي ما كان واجبا عليه وقد تقع هذه النيابة في الدنيا كالرجل يقضي عن قريبه وصديقه دينه ويتحمل عنه، فأما يوم القيامة فإن قضاء الحقوق إنما يقع فيه من الحسنات. 
روى أبو هريرة قال : قال عليه السلام :( رحم الله عبدا كان عنده لأخيه مظلمة في عرض أو مال أو جاه فاستحله قبل أن يؤخذ منه وليس ثم دينار ولا درهم فإن كانت له حسنات أخذ من حسناته وإن لم يكن له حسنات حمل من سيئاته ). قال صاحب الكشاف : و( شيئا ) مفعول به ويجوز أن يكون في موضع مصدر أي قليلا من الجزاء كقوله تعالى : ولا يظلمون شيئا  ومن قرأ : لا يجزى  من أجزأ عنه إذا أغنى عنه فلا يكون في قراءته إلا بمعنى شيئا من الإجزاء تقديره تجزي فيه ومعنى التنكير أن نفسا من الأنفس لا تجزي عن نفس غيرها شيئا من الأشياء وهو الإقناط الكلي القطاع للمطامع، أما قوله تعالى : ولا يقبل منها شفاعة  فالشفاعة أن يستوهب أحد لأحد شيئا ويطلب له حاجة وأصلها من الشفع الذي هو ضد الوتر، كأن صاحب الحاجة كان فردا فصار الشفيع له شفعا أي صارا زوجا. واعلم أن الضمير في قوله : ولا يقبل منها  راجع إلى النفس الثانية العاصية وهي التي لا يؤخذ منها عدل، ومعنى لا يقبل منها شفاعة إنها إن جاءت بشفاعة شفيع لا يقبل منها، ويجوز أن يرجع إلى النفس الأولى، على أنها لو شفعت لها لم تقبل شفاعتها كما لا تجزي عنها شيئا. أما قوله تعالى : ولا يؤخذ منها عدل  أي فدية، وأصل الكلمة من معادلة الشيء تقول : ما أعدل بفلان أحدا، أي لا أرى له نظيرا. قال تعالى : ثم الذين كفروا بربهم يعدلون  ونظيره هذه الآية قوله تعالى : إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم  وقال تعالى : إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به   وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها . 
أما قوله تعالى : ولا هم ينصرون  فاعلم أن التناصر إنما يكون في الدنيا بالمخالطة والقرابة وقد أخبر الله تعالى أنه ليس يومئذ خلة ولا شفاعة وأنه لا أنساب بينهم، وإنما المرء يفر من أخيه وأمه وأبيه وقرابته، قال القفال : والنصر يراد به المعونة كقوله :**«انصر أخاك ظالما أو مظلوما »**، ومنه معنى الإغاثة، تقول العرب : أرض منصورة أي ممطورة، والغيث ينصر البلاد إذا أنبتها فكأنه أغاث أهلها وقيل في قوله تعالى : من كان يظن أن لن ينصره الله  أي أن لن يرزقه كما يرزق الغيث البلاد، ويسمى الانتقام نصرة وانتصارا، قال تعالى : ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا  قالوا معناه : فانتقمنا له، فقوله تعالى : ولا هم ينصرون  يحتمل هذه الوجوه فإنهم يوم القيامة لا يغاثون، ويحتمل أنهم إذا عذبوا لم يجدوا من ينتقم لهم من الله، وفي الجملة كأن النصر هو دفع الشدائد، فأخبر الله تعالى أنه لا دافع هناك من عذابه، بقي في الآية مسألتان :
المسألة الأولى : أن في الآية أعظم تحذير عن المعاصي وأقوى ترغيب في تلافي الإنسان ما يكون منه من المعصية بالتوبة لأنه إذا تصور أنه ليس بعد الموت استدراك ولا شفاعة ولا نصرة ولا فدية علم أنه لا خلاص له إلا بالطاعة، فإذا كان لا يأمن كل ساعة من التقصير في العبادة، ومن فوت التوبة من حيث إنه لا يقين له في البقاء صار حذرا خائفا في كل حال، والآية وإن كانت في بني إسرائيل فهي في المعنى مخاطبة للكل لأن الوصف الذي ذكر فيها وصف لليوم وذلك يعم كل من يحضر في ذلك اليوم. 
المسألة الثانية : أجمعت الأمة على أن لمحمد صلى الله عليه وسلم شفاعة في الآخرة وحمل على ذلك قوله تعالى : عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا  وقوله تعالى : ولسوف يعطيك ربك فترضى  ثم اختلفوا بعد هذا في أن شفاعته عليه السلام لمن تكون أتكون للمؤمنين المستحقين للثواب، أم تكون لأهل الكبائر المستحقين للعقاب ؟ فذهبت المعتزلة على أنها للمستحقين للثواب وتأثير الشفاعة في أن تحصل زيادة من المنافع على قدر ما استحقوه، وقال أصحابنا : تأثيرها في إسقاط العذاب عن المستحقين للعقاب، إما بأن يشفع لهم في عرصة القيامة حتى لا يدخلوا النار وإن دخلوا النار فيشفع لهم حتى يخرجوا منها ويدخلوا الجنة واتفقوا على أنها ليست للكفار، واستدلت المعتزلة على إنكار الشفاعة لأهل الكبائر بوجوه. أحدها : هذه الآية : قالوا إنها تدل على نفي الشفاعة من ثلاثة أوجه. 
الأول : قوله تعالى : لا تجزي نفس عن نفس شيئا  ولو أثرت الشفاعة في إسقاط العقاب لكان قد أجزت نفس عن نفس شيئا، الثاني : قوله تعالى : ولا يقبل منها شفاعة  وهذه نكرة في سياق النفي فتعم جميع أنواع الشفاعة، والثالث : قوله تعالى : ولا هم ينصرون  ولو كان محمد شفيعا لأحد من العصاة لكان ناصرا له وذلك على خلاف الآية. لا يقال الكلام على الآية من وجهين، الأول : أن اليهود كانوا يزعمون أن آباءهم يشفعون لهم فأيسوا من ذلك، فالآية نزلت فيهم، الثاني : أن ظاهر الآية يقتضي نفي الشفاعة مطلقا إلا أنا أجمعنا على تطرق التخصيص إليه في حق زيادة الثواب لأهل الطاعة، فنحن أيضا نخصه في حق المسلم صاحب الكبيرة بالدلائل التي نذكرها، لأنا نجيب عن الأول بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وعن الثاني أنه لا يجوز أن يكون المراد من الآية نفي الشفاعة في زيادة المنافع لأنه تعالى حذر من ذلك اليوم بأنه لا تنفع فيه شفاعة، وليس يحصل التحذير إذا رجع نفي الشفاعة إلى تحصيل زيادة النفع لأن عدم حصول زيادة النفع ليس فيه خطر ولا ضرر يبين ذلك أنه تعالى لو قال : اتقوا يوما لا أزيد فيه منافع المستحق للثواب بشفاعة أحد لم يحصل بذلك زجر عن المعاصي، ولو قال : اتقوا يوما لا أسقط فيه منافع المستحق للعقاب بشفاعة أحد لم يحصل بذلك زجر عن المعاصي، ولو قال : اتقوا يوما لا أسقط فيه عقاب المستحق للعقاب بشفاعة شفيع كان ذلك زجرا عن المعاصي، فثبت أن المقصود من الآية نفي تأثير الشفاعة في إسقاط العقاب لا نفي تأثيرها في زيادة المنافع، وثانيها : قوله تعالى : ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع  والظالم هو الآتي بالظلم وذلك يتناول الكافر وغيره لا يقال إنه تعالى نفى أن يكون للظالمين شفيع يطاع ولم ينف شفيعا يجاب ونحن نقول بموجبه فإنه لا يكون في الآخرة شفيع يطاع، لأن المطاع يكون فوق المطيع، وليس فوقه تعالى أحد يطيعه الله تعالى، لأنا نقول : لا يجوز حمل الآية على ما قلتم من وجهين، الأول : أن العلم بأنه ليس فوقه تعالى أحد يطيعه، متفق عليه بين العقلاء. أما من أثبته سبحانه فقد اعترف أنه لا يطيع أحدا، وأما من نفاه فمع القول بالنفي استحال أن يعتقد فيه كونه مطيعا لغيره، فإذا ثبت هذا كان حمل الآية على ما ذكرتم حملا لها على معنى لا يفيد. الثاني : أنه تعالى نفى شفيعا يطاع، والشفيع لا يكون إلا دون المشفوع إليه لأن من فوقه يكون آمرا له وحاكما عليه ومثله لا يسمى شفيعا فأفاد قوله :**«شفيع »** كونه دون الله تعالى فلم يمكن حمل قوله : يطاع  على من فوقه فوجب حمله على أن المراد به أن لا يكون لهم شفيع يجاب. ( وثالثها ) : قوله تعالى : من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة  ظاهر الآية يقتضي نفي الشفاعات بأسرها. ( ورابعها ) : قوله تعالى : وما للظالمين من أنصار  ولو كان الرسول يشفع للفاسق من أمته لوصفوا بأنهم منصورون لأنه إذا تخلص بسبب شفاعة الرسول عن العذاب فقد بلغ الرسول النهاية في نصرته. ( وخامسها ) : قوله تعالى : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى  أخبر تعالى عن ملائكته أنهم لا يشفعون لأحد إلا أن يرتضيه الله عز وجل والفاسق ليس بمرتضى عند الله تعالى، وإذا لم تشفع الملائكة له فكذا الأنبياء عليهم السلام، لأنه لا قائل بالفرق. ( وسادسها ) : قوله تعالى : فما تنفعهم شفاعة الشافعين  ولو أثرت الشفاعة في إسقاط العقاب لكانت الشفاعة قد تنفعهم وذلك ضد الآية. ( وسابعها ) : أن الأمة مجمعة على أنه ينبغي أن نرغب إلى الله تعالى في أن يجعلنا من أهل شفاعته عليه السلام ويقولون في جملة أدعيتهم : واجعلنا من أهل شفاعته، فلو كان المستحق للشفاعة هو الذي خرج من الدنيا مصرا على الكبائر لكانوا قد رغبوا إلى الله تعالى في أن يختم لهم مصرين على الكبائر. 
لا يقال لم لا يجوز أن يقال : إنهم يرغبون إلى الله تعالى في أن يجعلهم من أهل شفاعته إذا خرجوا مصرين لا أنهم يرغبون في أن يختم لهم مصرين كما أنهم يقولون في دعائهم : اجعلنا من التوابين وليسوا يرغبون في أن يذنبوا ثم يتوبوا وإنما يرغبون في أن يوفقهم للتوبة إذا كانوا مذنبين وكلتا الرغبتين مشروطة بشرط وهو تقدم الإصرار وتقدم الذنب، لأنا نقول : الجواب عنه من وجهين. ( الأول ) : ليس يجب إذا شرطنا شرطا في قولنا : اللهم اجعلنا من التوابين، أن نزيد شرطا في قولنا ا

### الآية 2:49

> ﻿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ [2:49]

قوله تعالى : وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم 
اعلم أنه تعالى لما قدم ذكر نعمه على بني إسرائيل إجمالا بين بعد ذلك أقسام تلك النعم على سبيل التفصيل ليكون أبلغ في التذكير وأعظم في الحجة، فكأنه قال : اذكروا نعمتي واذكروا إذ نجيناكم واذكروا إذ فرقنا بكم البحر وهي إنعامات، والمذكور في هذه الآية هو الإنعام الأول. أما قوله : وإذ نجيناكم  فقرئ أيضا أنجيناكم ونجيتكم، قال القفال : أصل الإنجاء والتنجيه التخليص، وأن بيان الشيء من الشيء حتى لا يتصلا وهما لغتان نجى وأنجى ونجا بنفسه، وقالوا للمكان العالي : نجوة لأن من صار إليه نجا، أي تخلص ولأن الموضع المرتفع بائن عما انحط عنه فكأنه متخلص منه. قال صاحب الكشاف : أصل آل أهل ولذلك يصغر بأهيل فأبدلت هاؤه ألفا وخص استعماله بأولي الخطر والشأن، كالملوك وأشباههم ولا يقال : آل الحجام والإسكاف، قال عيسى : الأهل أعم من الآل، يقال : أهل الكوفة وأهل البلد وأهل العلم ولا يقال : آل الكوفة وآل البلد وآل العلم، فكأنه قال : الأهل هم خاصة الشيء من جهة تغليبه عليهم، والآل خاصة الرجل من جهة قرابة أو صحبة. وحكي عن أبي عبيدة أنه سمع فصيحا يقول : أهل مكة آل الله. أما فرعون فهو علم لمن ملك مصر من العمالقة كقيصر وهرقل لملك الروم وكسرى لملك الفرس وتبع لملك اليمن وخاقان لملك الترك، واختلفوا في فرعون من وجهين، أحدهما : أنهم اختلفوا في اسمه فحكى ابن جريج عن قوم أنهم قالوا : مصعب بن ريان، وقال ابن اسحق : هو الوليد بن مصعب، ولم يكن من الفراعنة أحد أشد غلظة ولا أقسى قلبا منه، وذكر وهب بن منبه أن أهل الكتابين قالوا : إن اسم فرعون كان قابوس وكان من القبط، والثاني : قال ابن وهب : إن فرعون يوسف عليه السلام هو فرعون موسى وهذا غير صحيح، إذ كان بين دخول يوسف مصر وبين أن دخلها موسى أكثر من أربعمائة سنة، وقال محمد بن اسحق : هو غير فرعون يوسف وأن فرعون يوسف كان اسمه الريان بن الوليد، أما آل فرعون فلا شك أن المراد منه ههنا من كان من قوم فرعون وهم الذين عزموا على إهلاك بني إسرائيل ليكون تعالى منجيا لهم منهم بما تفضل به من الأحوال التي توجب بقاءهم وهلاك فرعون وقومه. أما قوله تعالى : يسومونكم  فهو من سامه خسفا إذا أولاه ظلما، قال عمرو بن كلثوم :

إذا ما الملك سام الناس خسفا  أبينا أن نقر الخسف فيناوأصله من سام السلعة إذا طلبها، كأنه بمعنى يبغونكم سوء العذاب ويريدونه بكم، والسوء مصدر ساء بمعنى السيئ، يقال : أعوذ بالله من سوء الخلق وسوء الفعل يراد قبحهما، ومعنى سوء العذاب والعذاب كله سيئ أشده وأصعبه كأن قبحه \[ زاد \] بالإضافة إلى ساء، واختلف المفسرون في المراد من **«سوء العذاب »** فقال محمد بن إسحق : إنه جعلهم خولا وخدما له وصنفهم في أعماله أصنافا، فصنف كانوا يبنون له، وصنف كانوا يحرثون له، وصنف كانوا يزرعون له، فهم كانوا في أعماله ومن لم يكن في نوع من أعماله كان يأمر بأن يوضع عليه جزية يؤديها، وقال السدي : كان قد جعلهم في الأعمال القذرة الصعبة مثل لنس المبرز وعمل الطين ونحت الجبال، وحكى الله تعالى عن بني إسرائيل أنهم قالوا لموسى : أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا  وقال موسى لفرعون : وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل  واعلم أن كون الإنسان تحت يد الغير بحيث يتصرف فيه كما يشاء لاسيما إذا استعمله في الأعمال الشاقة الصعبة القذرة، فإن ذلك يكون من أشد أنواع العذاب، حتى أن من هذه حالته ربما تمنى الموت فبين الله تعالى عظيم نعمه عليهم بأن نجاهم من ذلك، ثم إنه تعالى أتبع ذلك بنعمة أخرى أعظم منها، فقال : يذبحون أبناءكم  ومعناه يقتلون الذكورة من الأولاد دون الإناث. وههنا أبحاث. 
البحث الأول : أن ذبح الذكور دون الإناث مضرة من وجوه، أحدها : أن ذبح الأبناء يقتضي فناء الرجال، وذلك يقتضي انقطاع النسل، لأن النساء إذا انفردن فلا تأثير لهن البتة في ذلك، وذلك يقضي آخر الآمر إلى هلاك الرجال والنساء، وثانيها : أن هلاك الرجال يقتضي فساد مصالح النساء في أمر المعيشة، فإن المرأة لتتمنى وقد انقطع عنها تعهد الرجال وقيامهم بأمرها الموت، لما قد يقع إليها من نكد العيش بالانفراد فصارت هذه الخصلة عظيمة في المحن، والنجاة منها في العظم تكون بحسبها، وثالثها : أن قتل الولد عقيب الحمل الطويل وتحمل الكد والرجاء القوي في الانتفاع بالمولود من أعظم العذاب، لأن قتله والحالة هذه أشد من قتل من بقي المدة الطويلة مستمتعا به مسرورا بأحواله، فنعمة الله من التخليص لهم من ذلك بحسب شدة المحنة فيه، ورابعها : أن الأبناء أحب إلى الوالدين من البنات، ولذلك فإن أكثر الناس يستثقلون البنات ويكرهونهن وإن كثر ذكرانهم، ولذلك قال تعالى : وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به  الآية، ولذلك نهى العرب عن الوأد بقوله : ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق  وإنما كانوا يئدون الإناث دون الذكور، وخامسها : أن بقاء النسوان بدون الذكر أن يوجب صيرورتهن مستفرشات الأعداء وذلك نهاية الذل والهوان. 
البحث الثاني : ذكر في هذه السورة  يذبحون  بلا واو وفي سورة إبراهيم ذكره مع الواو، والوجه فيه أنه إذا جعل قوله : يسومونكم سوء العذاب  مفسرا بقوله : يذبحون أبناءكم  لم يحتج إلى الواو، وأما إذا جعل قوله : يسومونكم سوء العذاب  مفسرا بسائر التكاليف الشاقة سوى الذبح وجعل الذبح شيئا آخر سوى سوء العذاب، احتيج فيه إلى الواو، وفي الموضعين يحتمل الوجهين، إلا أن الفائدة التي يجوز أن تكون هي المقصودة من ذكر حرف العطف في سورة إبراهيم أن يقال : إنه تعالى قال قبل تلك الآية : ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله  والتذكير بأيام الله لا يحصل إلا بتعديد نعم الله تعالى، فوجب أن يكون المراد من قوله : يسومونكم سوء العذاب  نوعا من العذاب، والمراد من قوله : ويذبحون أبناءكم  نوعا آخر ليكون التخلص منهما نوعين من النعمة. فلهذا وجب ذكر العطف هناك، وأما في هذه الآية لم يرد الأمر إلا بتذكير جنس النعمة وهي قوله : اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم  فسواء كان المراد من سوء العذاب هو الذبح أو غيره كان تذكير جنس النعمة حاصلا فظهر الفرق. 
البحث الثالث : قال بعضهم : أراد بقوله : يذبحون أبناءكم  الرجال دون الأطفال ليكون في مقابلة النساء إذ النساء هن البالغات، وكذا المراد من الأبناء هم الرجال البالغون، قالوا : إنه كان يأمر بقتل الرجال الذين يخاف منهم الخروج عليه والتجمع لإفساد أمره. وأكثر المفسرين على أن المراد بالآية الأطفال دون البالغين، وهذا هو الأولى لوجوه :( الأول ) حملا للفظ الأبناء على ظاهره. ( الثاني ) : أنه كان يتعذر قتل جميع الرجال على كثرتهم. ( الثالث ) : أنهم كانوا محتاجين إليهم في استعمالهم في الصنائع الشاقة. ( الرابع ) : أنه لو كان كذلك لم يكن لإلقاء موسى عليه السلام في التابوت حال صغره معنى، أما قوله وجب حمله على الرجال ليكون في مقابلة النساء ففيه جوابان :( الأول ) أن الأبناء لما قتلوا حال الطفولية لم يصيروا رجالا، فلم يجز إطلاق اسم الرجال عليهم، أما البنات لما لم يقتلن بل وصلن إلى حد النساء جاز إطلاق اسم النساء عليهن. ( الثاني ) : قال بعضهم : المراد بقوله : ويستحيون نساءكم ، أي يفتشون حياء المرأة أي فرجها هل بها حمل أم لا، وأبطل ذلك بأن ما في بطونهن إذا لم يكن للعيون ظاهرا لم يعلم بالتفتيش ولم يوصل إلى استخراجه باليد. 
البحث الرابع : في سبب قتل الأبناء ذكروا فيه وجوها. أحدها : قول ابن عباس رضي الله عنهما أنه وقع إلى فرعون وطبقته ما كان الله وعد إبراهيم أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا فخافوا ذلك واتفقت كلمتهم على إعداد رجال معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه، فلما رأوا كبارهم يموتون وصغارهم يذبحون خافوا الفناء فحينئذ لا يجدون من يباشر الأعمال الشاقة، فصاروا يتقلون عاما دون عام. ( وثانيها ) قول السدي : إن فرعون رأى نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل فدعا فرعون الكهنة وسألهم عن ذلك ؟ فقالوا : يخرج من بيت المقدس من يكون هلاك القبط على يده، وثالثها : أن المنجمين أخبروا فرعون بذلك وعينوا له السنة فلهذا كان يقتل أبناءهم في تلك السنة والأقرب هو الأول، لأن الذي يستفاد من علم التعبير وعلم النجوم لا يكون أمرا مفصلا وإلا قدح ذلك في كون الإخبار عن الغيب معجزا بل يكون أمرا مجملا والظاهر من حال العاقل أن لا يقدم على مثل هذا الأمر العظيم بسببه، فإن قيل : إن فرعون كان كافرا بالله فكان بأن يكون كافرا بالرسل أولى، وإذا كان كذلك فكيف يمكن أن يقدم على هذا الأمر العظيم بسبب إخبار إبراهيم عليه السلام عنه. قلنا : لعل فرعون كان عارفا بالله وبصدق الأنبياء إلا أنه كان كافرا كفر الجحود والعناد أو يقال : إنه كان شاكا متحيرا في دينه وكان يجوز صدق إبراهيم عليه السلام فأقدم على ذلك الفعل احتياطا. 
البحث الخامس : اعلم أن الفائدة في ذكر هذه النعمة من وجوه، أحدها : أن هذه الأشياء التي ذكرها الله تعالى لما كانت من أعظم ما يمتحن به الناس من جهة الملوك والظلمة صار تخليص الله إياهم من هذه المحن من أعظم النعم وذلك لأنهم عاينوا هلاك من حاول إهلاكهم وشاهدوا ذل من بالغ في إذلالهم ولا شك في أن ذلك من أعظم النعم وتعظيم النعمة يوجب الانقياد والطاعة، ويقتضي نهاية قبح المخالفة والمعاندة، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذه النعمة العظيمة مبالغة في إلزام الحجة عليهم وقطعا لعذرهم. وثانيها : أنهم لما عرفوا أنهم كانوا في نهاية الذل وكان خصمهم في نهاية العز إلا أنهم كانوا محقين وكان خصمهم مبطلا لا جرم زال ذل المحقين وبطل عز المبطلين، فكأنه تعالى قال : لا تغتروا بفقر محمد وقلة أنصاره في الحال، فإنه محق لابد وأن ينقلب العز إلى جانبه والذل إلى جانب أعدائه، وثالثها : أن الله تعالى نبه بذلك على أن الملك بيد الله يؤتيه من يشاء، فليس للإنسان أن يغتر بعز الدنيا بل عليه السعي في طلب عز الآخرة. أما قوله تعالى : وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم  قال القفال : أصل الكلمة من الابتلاء وهو الاختبار والامتحان قال تعالى : ونبلوكم بالشر والخير فتنة  وقال : وبلوناهم بالحسنات والسيئات  والبلوى واقعة على النوعين، فيقال للنعمة بلاء وللمحنة الشديدة بلاء والأكثر أن يقال في الخير إبلاء وفي الشر بلاء وقد يدخل أحدهما على الآخر. قال زهير :جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم  وأبلاهما خير البلاء الذي يبلوإذ عرفت هذا فنقول : البلاء ههنا هو المحنة إن أشير بلفظ :**«ذلكم »** إلى صنع فرعون والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء وحمله على النعمة أولى لأنها هي التي صدرت من الرب تعالى، ولأن موضع الحجة على اليهود إنعام الله تعالى على أسلافهم.

### الآية 2:50

> ﻿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [2:50]

قوله تعالى : وإذا فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون . 
هذا هو النعمة الثانية، وقوله : فرقنا  أي فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه مسالك لكم وقرئ : فرقنا  بالتشديد بمعنى فصلنا. يقال : فرق بين الشيئين وفرق بين الأشياء لأن المسالك كانت اثنتي عشرة على عدد الأسباط، فإن قلت : ما معنى :( بكم ) ؟ قلنا : فيها وجهان، أحدهما : أنهم كانوا يسلكونه ويتفرق الماء عند سلوكهم فكأنما فرق بهم كما يفرق بين الشيئين بما توسط بينهما، الثاني : فرقناه بسببكم وبسبب إنجائكم ثم ههنا أبحاث :
البحث الأول : روي أنه تعالى لما أراد إغراق فرعون والقبط وبلغ بهم الحال في معلوم الله أنه لا يؤمن أحد منهم أمر موسى عليه السلام بني إسرائيل أن يستعيروا حلي القبط، وذلك لغرضين. أحدهما : ليخرجوا خلفهم لأجل المال، والثاني : أن تبقى أموالهم في أيديهم ثم نزل جبريل عليه السلام بالعشي وقال لموسى : أخرج قومك ليلا، وهو المراد من قوله : وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي  وكانوا ستمائة ألف نفس لأنهم كانوا اثني عشر سبطا كل سبط خمسون ألفا، فلما خرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل بلغ ذلك فرعون، فقال : لا تتبعوهم حتى يصيح الديك. ( قال الراوي ) : فوالله ما صاح ليلته ديك فلما أصبحوا دعا فرعون بشاة فذبحت ثم قال : لا أفرغ من تناول كبد هذه الشاة حتى يجتمع إلي ستمائة ألف من القبط، وقال قتادة : اجتمع إليه ألف ألف ومائتا ألف نفس كل واحد منهم على فرس حصان فتبعوهم نهارا. وهو قوله تعالى : فأتبعوهم مشرقين  أي بعد طلوع الشمس  فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون  فقال موسى : كلا إن معي ربي سيهدين  فلما سار بهم موسى وأتى البحر قال له يوشع بن نون : أين أمرك ربك ؟ فقال موسى : إلى أمامك وأشار إلى البحر فأقحم يوشع بن نون فرسه في البحر فكان يمشي في الماء حتى بلغ الغمر، فسبح الفرس وهو عليه ثم رجع وقال له : يا موسى أين أمرك ربك ؟ فقال البحر، فقال : والله ما كذبت، ففعل ذلك ثلاث مرات، فأوحى الله إليه : أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم  فانشق البحر اثني عشر جبلا في كل واحد منها طريق، فقال له : ادخل فكان فيه وحل فهبت الصبا فجف البحر، وكل طريق فيه حتى صار طريقا يابسا كما قال تعالى : فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا  فأخذ كل سبط منهم طريقا ودخلوا فيه فقالوا لموسى : إن بعضنا لا يرى صاحبه، فضرب موسى عصاه على البحر فصار بين الطرق منافذ وكوى فرأى بعضهم بعضا، ثم أتبعهم فرعون، فلما بلغ شاطئ البحر رأى إبليس واقفا فنهاه عن الدخول فهم بأن لا يدخل البحر فجاء جبريل عليه السلام على حجرة فتقدم فرعون وهو كان على فحل فتبعه فرس فرعون ودخل البحر، فلما دخل فرعون البحر صاح ميكائيل بهم الحقوا آخركم بأولكم، فلما دخلوا البحر بالكلية أمر الله الماء حتى نزل عليهم فذلك قوله تعالى : وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون  وقيل كان ذلك اليوم يوم عاشوراء، فصام موسى عليه السلام ذلك اليوم شكرا لله تعالى. 
البحث الثاني : اعلم أن هذه الواقعة تضمنت نعما كثيرة في الدين والدنيا، أما نعم الدنيا في حق موسى عليه السلام فهي من وجوه، ( أحدها ) : أنهم لما وقعوا في ذلك المضيق الذي من ورائهم فرعون وجنوده وقدامهم البحر، فإن توقفوا أدركهم العدو وأهلكهم بأشد العذاب وإن ساروا غرقوا فلا خوف أعظم من ذلك، ثم إن الله نجاهم بفلق البحر فلا فرج أشد من ذلك. ( وثانيها ) : أن الله تعالى خصهم بهذه النعمة العظيمة والمعجزة الباهرة، وذلك سبب لظهور كرامتهم على الله تعالى. ( وثالثها ) : أنهم شاهدوا أن الله تعالى أهلك أعداءهم ومعلوم أن الخلاص من مثل هذا البلاء من أعظم النعم، فكيف إذا حصل معه ذلك الإكرام العظيم وإهلاك العدو. ( ورابعها ) : أن أورثهم أرضهم وديارهم ونعمهم وأموالهم. ( وخامسها ) : أنه تعالى لما أغرق آل فرعون فقد خلص بني إسرائيل منهم، وذلك نعمة عظيمة لأنه كان خائفا منهم، ولو أنه تعالى خلص موسى وقومه من تلك الورطة وما أهلك فرعون وقومه لكان الخوف باقيا من حيث إنه ربما اجتمعوا واحتالوا بحيلة وقصدوا إيذاء موسى عليه السلام وقومه، ولكن الله تعالى لما أغرقهم فقد حسم مادة الخوف بالكلية. ( وسادسها ) : أنه وقع ذلك الإغراق بمحضر من بني إسرائيل وهو المراد من قوله تعالى : وأنتم تنظرون  وأما نعم الدين في حق موسى عليه السلام فمن وجوه، ( أحدها ) : أن قوم موسى لمشاهدة تلك المعجزة الباهرة زالت عن قلوبهم الشكوك والشبهات، فإن دلالة مثل هذا المعجز على وجود الصانع الحكيم وعلى صدق موسى عليه السلام تقرب من العلم الضروري، فكأنه تعالى رفع عنهم تحمل النظر الدقيق والاستدلال الشاق. ( وثانيها ) : أنهم لما عاينوا ذلك صار داعيا لهم إلى الثبات على تصديق موسى والانقياد له وصار ذلك داعيا لقوم فرعون إلى ترك تكذيب موسى عليه السلام والإقدام على تكذيب فرعون. ( وثالثها ) : أنهم عرفوا أن الأمور بيد الله فإنه لا عز في الدنيا أكمل مما كان لفرعون ولا شدة أشد مما كانت ببني إسرائيل، ثم إن الله تعالى في لحظة واحدة جعل العزيز ذليلا والذليل عزيزا، وذلك يوجب انقطاع القلب عن علائق الدنيا والإقبال بالكلية على خدمة الخالق والتوكل عليه في كل الأمور، وأما النعم الحاصلة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من ذكر هذه القصة فكثيرة، ( أحدها ) : أنه كالحجة لمحمد صلى الله عليه وسلم على أهل الكتاب لأنه كان معلوما من حال محمد عليه الصلاة والسلام أنه كان أميا لم يقرأ ولم يكتب ولم يخالط أهل الكتاب فإذا أورد عليهم من أخبارهم المفصلة ما لا يعلم إلا من الكتب علموا أنه أخبر عن الوحي وأنه صادق، فصار ذلك حجة له عليه السلام على اليهود وحجة لنا في تصديقه. ( وثانيها ) : أنا إذا تصورنا ما جرى لهم وعليهم من هذه الأمور العظيمة علمنا أن من خالف الله شقي في الدنيا والآخرة ومن أطاعه فقد سعد في الدنيا والآخرة، فصار ذلك مرغبا لنا في الطاعة ومنفرا عن المعصية. ( وثالثها ) : أن أمة موسى عليه السلام مع أنهم خصوا بهذه المعجزات الظاهرة والبراهين الباهرة، فقد خالفوا موسى عليه السلام في أمور حتى قالوا : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة  وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فمع أن معجزتهم هي القرآن الذي لا يعرف كونه معجزا إلا بالدلائل الدقيقة انقادوا لمحمد صلى الله عليه وسلم وما خالفوه في أمر البتة، وهذا يدل على أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أفضل من أمة موسى عليه السلام. وبقي على الآية سؤالان :
السؤال الأول : أن فلق البحر في الدلالة على وجود الصانع القادر وفي الدلالة على صدق موسى كالأمر الضروري، فكيف يجوز فعله في زمان التكليف ؟ والجواب : أما على قولنا فظاهر، وأما المعتزلة فقد أجاب الكعبي الجواب الكلي بأن في المكلفين من يبعد عن الفطنة والذكاء ويختص بالبلادة وعامة بني إسرائيل كانوا كذلك، فاحتاجوا في التنبيه إلى معاينة الآيات العظام كفلق البحر ورفع الطور وإحياء الموتى، ألا ترى أنهم بعد ذلك مروا بقوم يعكفون على أصنام لهم فقالوا : يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ، وأما العرب فحالهم بخلاف ذلك، لأنهم كانوا في نهاية الكمال في العقول، فلا جرم، اقتصر الله تعالى معهم على الدلائل الدقيقة والمعجزات اللطيفة. 
السؤال الثاني : أن فرعون لما شاهد فلق البحر وكان عاقلا فلابد وأن يعلم أن ذلك ما كان من فعله بل لابد من قادر عالم مخالف لسائر القادرين، فكيف بقي على الكفر مع ذلك ؟ فإن قلت : إنه كان عارفا بربه إلا أنه كان كافرا على سبيل العناد والجحود. قلت : فإذا عرف ذلك بقلبه فكيف استخار توريط نفسه في المهلكة ودخول البحر مع أنه كان في تلك الساعة كالمضطر إلى العلم بوجود الصانع وصدق موسى عليه السلام، والجواب : حب الشيء يعمي ويصم فحبه الجاه والتلبيس حمله على اقتحام تلك المهلكة. 
وأما قوله تعالى : وأنتم تنظرون  ففيه وجوه. ( أحدها ) : أنكم ترون التطام أمواج البحر بفرعون وقومه. ( وثانيها ) : أن قوم موسى عليه السلام سألوه أن يريهم الله تعالى حالهم فسأل موسى عليه السلام ربه أن يريهم إياهم فلفظهم البحر ألف ألف ومائتي ألف نفس وفرعون معهم، فنظروا إليهم طافين وإن البحر لم يقبل واحدا منهم لشؤم كفرهم فهو قوله تعالى : فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية  أي نخرجك من مضيق البحر إلى سعة الفضاء ليراك الناس، وتكون عبرة لهم. ( وثالثها ) : أن المراد وأنتم بالقرب منهم حيث توجهونهم وتقابلونهم وإن كانوا لا يرونهم بأبصارهم، قال الفراء وهو مثل قولك : لقد ضربتك وأهلك ينظرون إليك فما أغاثوك تقول ذلك إذا قرب أهله منه وإن كانوا لا يرونه ومعناه راجع إلى العلم.

### الآية 2:51

> ﻿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ [2:51]

قوله تعالى : وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون 
اعلم أن هذا هو الإنعام الثالث. فأما قوله تعالى : وإذ واعدنا  فقرأ أبو عمرو ويعقوب وإذ وعدنا موسى بغير ألف في هذه السورة وفي الأعراف وطه وقرأ الباقون واعدنا بالألف في المواضع الثلاثة، فأما بغير ألف فوجهه ظاهر لأن الوعد كان من الله تعالى، والمواعدة مفاعلة ولابد من اثنين، وأما بالألف فله وجوه، ( أحدها ) : أن الوعد وإن كان من الله تعالى فقبوله كان من موسى عليه السلام وقبول الوعد يشبه الوعد، لأن القابل للوعد لابد وأن يقول أفعل ذلك، ( وثانيها ) : قال القفال : لا يبعد أن يكون الآدمي يعد الله ويكون معناه يعاهد الله. ( وثالثها ) : أنه أمر جرى بين اثنين فجاز أن يقال واعدنا. ( ورابعها ) : وهو الأقوى أن الله تعالى وعده الوحي وهو وعد الله المجيء للميقات إلى الطور، أما موسى ففيه وجوه، ( أحدها ) : وزنه فعلى والميم فيه أصلية أخذت من ماس يميس إذا تبختر في مشيته وكان موسى عليه السلام كذلك. ( وثانيها ) : وزنه مفعل فالميم فيه زائدة وهو من أوسيت الشجرة إذا أخذت ما عليها من الورق وكأنه سمي بذلك لصلعه، وثالثها : أنها كلمة مركبة من كلمتين بالعبرانية فمو هو الماء بلسانهم، وشى هو الشجر، وإنما سمي بذلك لأن أمه جعلته في التابوت حين خافت عليه من فرعون فألقته في البحر فدفعته أمواج البحر حتى أدخلته بين أشجار عند بيت فرعون، فخرجت جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن فوجدن التابوت فأخذنه فسمي باسم المكان الذي أصيب فيه وهو الماء والشجر. واعلم أن الوجهين الأولين فاسدان جدا، أما الأول : فلأن بني إسرائيل والقبط ما كانوا يتكلمون بلغة العرب فلا يجوز أن يكون مرادهم ذلك، وأما الثاني : فلأن هذه اللفظة اسم علم واسم العلم لا يفيد معنى في الذات والأقرب هو الوجه الثالث وهو أمر معتاد بين الناس، فأما نسبه صلى الله عليه وسلم فهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم عليهم السلام. أما قوله تعالى : أربعين ليلة  ففيه أبحاث :
البحث الأول : أن موسى عليه السلام قال لبني إسرائيل : إن خرجنا من البحر سالمين أتيتكم من عند الله بكتاب بين لكم فيه ما يجب عليكم من الفعل والترك، فلما جاوز موسى البحر ببني إسرائيل وأغرق الله فرعون قالوا : يا موسى ائتنا بذلك الكتاب الموعود فذهب إلى ربه ووعدهم أربعين ليلة وذلك قوله تعالى : وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة  واستخلف عليهم هارون ومكث على الطور أربعين ليلة وأنزل الله التوراة عليه في الألواح، وكانت الألواح من زبرجد فقربه الرب نجيا وكلمه من غير واسطة وأسمعه صرير القلم، قال أبو العالية وبلغنا أنه لم يحدث حدثا في الأربعين ليلة حتى هبط من الطور :
البحث الثاني : إنما قال أربعين ليلة لأن الشهور تبدأ من الليالي. 
البحث الثالث : قوله تعالى : وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة  معناه واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة كقولهم : اليوم أربعون يوما منذ خرج فلان، أي تمام الأربعين، والحاصل أنه حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، كما في قوله تعالى : واسأل القرية  وأيضا فليس المراد انقضاء أي أربعين كان، بل أربعين معينا وهو الثلاثون من ذي القعدة والعشر الأول من ذي الحجة لأن موسى عليه السلام كان عالما بأن المراد هو هذه الأربعون، وأيضا فقوله تعالى : وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة  يحتمل أن يكون المراد أنه وعد قبل هذه الأربعين أن يجيء إلى الجبل هذه الأربعين ووعد بأنه ستنزل عليه بعد ذلك التوراة، وهذا الاحتمال الثاني هو المتأيد بالأخبار. 
البحث الرابع : قوله ههنا : وإذا واعدنا موسى أربعين ليلة  يفيد أن المواعدة كانت من أول الأمر على الأربعين، وقوله في الأعراف  وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر  يفيد أن المواعدة كانت في أول الأمر على الثلاثين فكيف التوفيق بينهما ؟ أجاب الحسن البصري فقال : ليس المراد أن وعده كان ثلاثين ليلة ثم بعد ذلك وعده بعشر لكنه وعده أربعين ليلة جميعا، وهو كقوله : ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة . 
أما قوله تعالى : ثم اتخذتم العجل من بعده  ففيه أبحاث :
البحث الأول : إنما ذكر لفظه ( ثم ) لأنه تعالى وعد موسى حضور الميقات لإنزال التوراة عليه بحضرة السبعين. وأظهر في ذلك درجة موسى عليه السلام وفضيلة بني إسرائيل ليكون ذلك تنبيها للحاضرين على علو درجتهم وتعريفا للغائبين وتكملة للدين، كان ذلك من أعظم النعم فلما أتوا عقيب ذلك بأقبح أنواع الجهل والكفر كان ذلك في محل التعجب فهو كمن يقول إنني أحسنت إليك وفعلت كذا وكذا، ثم إنك تقصدني بالسوء والإيذاء. 
البحث الثاني : قال أهل السير إن الله تعالى لما أغرق فرعون ووعد موسى عليه السلام إنزال التوراة عليه قال موسى لأخيه هارون : اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين  فلما ذهب موسى إلى الطور، وكان قد بقي مع بني إسرائيل الثياب والحلي الذي استعاروه من القبط قال لهم هارون إن هذه الثياب والحلي لا تحل لكم فأحرقوها فجمعوا نارا وأحرقوها، وكان السامري في مسيره مع موسى عليه السلام في البحر نظر إلى حافر دابة جبريل عليه السلام حين تقدم على فرعون في دخول البحر فقبض قبضة من تراب حافر تلك الدابة، ثم إن السامري أخذ ما كان معه من الذهب والفضة وصور منه عجلا وألقى ذلك التراب فيه فخرج منه صوت كأنه الخوار، فقال للقوم : هذا إلهكم وإله موسى  فاتخذه القوم إلها لأنفسهم فهذا ما في الرواية ولقائل أن يقول : الجمع العظيم من العقلاء لا يجوز أن يتفقوا على ما يعلم فساده ببديهة العقل وهذه الحكاية كذلك لوجوه : أحدها : أن كل عاقل يعلم ببديهة عقله أن الصنم المتخذ من الذهب الذي لا يتحرك ولا يحس ولا يعقل يستحيل أن يكون إله السموات والأرض، وهب أنه ظهر منه خوار ولكن هذا القدر لا يصلح أن يكون شبهة في قلب أحد من العقلاء في كونه إلها، وثانيها : أن القوم كانوا قد شاهدوا قبل ذلك من المعجزات القاهرة التي تكون قريبة من حد الإلجاء في الدلالة على الصانع وصدق موسى عليه السلام، فمع قوة هذه الدلالة وبلوغها إلى حد الضرورة ومع أن صدور الخوار من ذلك العجل المتخذ من الذهب يستحيل أن يقتضي شبهة في كون ذلك الجسم المصوت إلها. والجواب : هذه الواقعة لا يمكن تصحيحها إلا على وجه واحد، وهو أن يقال : إن السامري ألقى إلى القوم أن موسى عليه السلام إنما قدر على ما أتى به لأنه كان يتخذ طلسمات على قوى فلكية وكان يقدر بواسطتها على هذه المعجزات، فقال السامري للقوم : وأنا أتخذ لكم طلسما مثل طلسمه وروح عليهم ذلك بأن جعله بحيث خرج منه صوت عجيب فأطمعهم في أن يصيروا مثل موسى عليه السلام في الإتيان بالخوارق، أو لعل القوم كانوا مجسمة وحلولية فجوزوا حلول الإله في بعض الأجسام فلذلك وقعوا في تلك الشبهة. 
البحث الثالث : هذه القصة فيها فوائد : أحدها : أنها تدل على أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير الأمم، لأن أولئك اليهود مع أنهم شاهدوا تلك البراهين القاهرة اغتروا بهذه الشبهة الركيكة جدا، وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم مع أنهم محتاجون في معرفة كون القرآن معجزا إلى الدلائل الدقيقة لم يغتروا بالشبهات القوية العظيمة، وذلك يدل على أن هذه الأمة خير من أولئك وأكمل عقلا وأزكى خاطرا منهم. ( وثانيها ) : أنه عليه الصلاة والسلام ذكر هذه الحكاية مع أنه لم يتعلم علما، وذلك يدل على أنه عليه الصلاة والسلام استفادها من الوحي. ( وثالثها ) : فيه تحذير عظيم من التقليد والجهل بالدلائل فإن أولئك الأقوام لو أنهم عرفوا الله بالدليل معرفة تامة لما وقعوا في شبهة السامري. ( ورابعها ) : في تسلية النبي صلى الله عليه وسلم مما كان يشاهد من مشركي العرب واليهود والنصارى بالخلاف عليه وكأنه تعالى أمره بالصبر على ذلك كما صبر موسى عليه الصلاة والسلام في هذه الواقعة النكدة فإنهم بعد أن خلصهم الله من فرعون وأراهم المعجزات العجيبة من أول ظهور موسى إلى ذلك الوقت اغتروا بتلك الشبهة الركيكة، ثم إن موسى عليه السلام صبر على ذلك فلأن يصبر محمد عليه الصلاة والسلام على أذية قومه كان ذلك أولى. ( وخامسها ) : أن أشد الناس مجادلة مع الرسول صلى الله عليه وسلم وعداوة له هم اليهود فكأنه تعالى قال : إن هؤلاء إنما يفتخرون بأسلافهم، ثم إن أسلافهم كانوا في البلادة والجهالة والعناد إلى هذا الحد فكيف هؤلاء الأخلاف. 
أما قوله تعالى : وأنتم ظالمون  ففيه أبحاث :
البحث الأول : في تفسير الظلم وفيه وجهان. ( الأول ) : قال أبو مسلم الظلم في أصل اللغة هو النقص، قال الله تعالى : كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا  والمعنى أنهم لما تركوا عبادة الخالق المحيي المميت واشتغلوا بعبادة العجل فقد صاروا ناقصين في خيرات الدين والدنيا. ( والثاني ) : أن الظلم في عرف الشرع عبارة عن الضرر الخالي من نفع يزيد عليه ودفع مضرة أعظم منه والاستحقاق عن الغير في علمه أو ظنه، فإذا كان الفعل بهذه الصفة كان فاعله ظالما ثم إن الرجل إذا فعل ما يؤديه إلى العقاب والنار قيل : إنه ظالم نفسه وإن كان في الحال نفعا ولذة كما قال تعالى : إن الشرك لظلم عظيم  وقال : فمنهم ظالم لنفسه  ولما كانت عبادتهم لغير الله شركا \[ كان الشرك \] مؤديا إلى النار سمي ظلما. 
البحث الثاني : استدلت المعتزلة بقوله : وأنتم ظالمون  على أن المعاصي ليست بخلق الله تعالى من وجوه، ( أحدها ) : أنه تعالى ذمهم عليها ولو كانت مخلوقة لله تعالى لما استحق الذم إلا من فعلها. ( وثانيها ) : أنها لو كانت بإرادة الله تعالى لكانوا مطيعين لله تعالى بفعلها لأن الطاعة عبارة عن فعل المراد. ( وثالثها ) : لو كان العصيان مخلوقا لله تعالى لكان الذم بسببه يجري مجرى الذم بسبب كونه أسود وأبيض وطويلا وقصيرا، والجواب : هذا تمسك بفعل المدح والذم وهو معارض بمسألتي الداعي والعلم ذلك مرارا. 
البحث الثالث : في الآية تنبيه على أن ضرر الكفر لا يعود إلا عليهم لأنهم ما استفادوا بذلك إلا أنهم ظلموا أنفسهم، وذلك يدل على أن جلال الله منزه عن الاستكمال بطاعة الأتقياء والانتقاص بمعصية الأشقياء.

### الآية 2:52

> ﻿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [2:52]

أما قوله تعالى : ثم عفونا عنكم من بعد ذلك  فقالت المعتزلة : المراد ثم عفونا عنكم بسبب إتيانكم بالتوبة وهي قتل بعضهم بعضا، وهذا ضعيف من وجهين، ( الأول ) : أن قبول التوبة واجب عقلا فلو كان المراد ذلك لما جاز عده في معرض الإنعام لأن أداء الواجب لا يعد من باب الإنعام والمقصود من هذه الآيات تعديد نعم الله تعالى عليهم. ( الثاني ) : أن العفو اسم لإسقاط العقاب المستحق فأما إسقاط ما يجب إسقاطه فذاك لا يسمى عفوا ألا ترى أن الظالم لما لم يجز له تعذيب المظلوم، فإذا ترك ذلك العذاب لا يسمى ذلك الترك عفوا فكذا ههنا، وإذا ثبت هذا فنقول لا شك في حصول التوبة في هذه الصورة لقوله تعالى : فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم  وإذا كان كذلك دلت هذه الآية على أن قبول التوبة غير واجب عقلا، وإذا ثبت ذلك ثبت أيضا أنه تعالى قد أسقط عقاب من يجوز عقابه عقلا وشرعا، وذلك أيضا خلاف قول المعتزلة، وإذا ثبت أنه تعالى عفا عن كفار قوم موسى فلأن يعفو عن فساق أمة محمد صلى الله عليه وسلم مع أنهم : خير أمة أخرجت للناس  كان أولى. 
أما قوله تعالى : لعلكم تشكرون  فاعلم أن الكلام في تفسير **«لعل »** قد تقدم في قوله : لعلكم تتقون  وأما الكلام في حقيقة الشكر وماهيته فطويل وسيجيء إن شاء الله تعالى، ثم قالت المعتزلة : إنه تعالى بين أنه إنما عفا عنهم ولم يؤاخذهم لكي يشكروا، وذلك يدل على أنه تعالى لم يرد منهم إلا الشكر، والجواب : لو أراد الله تعالى منهم الشكر لأراد ذلك إما بشرط أن يحصل للشاكر داعية الشكر أولا بهذا الشرط، والأول باطل إذ لو أراد ذلك بهذا الشرط فإن كان هذا الشرط من العبد لزم افتقار الداعية إلى داعية أخرى، وإن كان من الله فحيث خلق الله الداعي حصل الشكر لا محالة وحيث لم يخلق الداعي استحال حصول الشكر، وذلك ضد قول المعتزلة وإن أراد حصول الشكر منه من غير هذه الداعية فقد أراد منه المحال لأن الفعل بدون الداعي محال فثبت أن الإشكال وارد عليهم أيضا والله أعلم.

### الآية 2:53

> ﻿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [2:53]

قوله تعالى : وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون . 
اعلم أن هذا هو الإنعام الرابع والمراد من الفرقان يحتمل أن يكون هو التوراة وأن يكون شيئا داخلا في التوراة وأن يكون شيئا خارجا عن التوراة فهذه أقسام ثلاثة لا مزيد عليها وتقرير الاحتمال الأول أن التوراة لها صفتان كونها كتابا منزلا وكونها فرقانا تفرق بين الحق والباطل فهو كقولك : رأيت الغيث والليث تريد الرجل الجامع بين الجود والجراءة ونظيره قوله تعالى : ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا  وأما تقرير الاحتمال الثاني فهو أن يكون المراد من الفرقان ما في التوراة من بيان الدين لأنه إذا أبان ظهر الحق متميزا من الباطل، فالمراد من الفرقان بعض ما في التوراة وهو بيان أصول الدين وفروعه. وأما تقرير الاحتمال الثالث فمن وجوه، ( أحدها ) : أن يكون المراد من الفرقان ما أوتي موسى عليه السلام من اليد والعصا وسائر الآيات وسميت بالفرقان لأنها فرقت بين الحق والباطل، وثانيها : أن يكون المراد من الفرقان النصر والفرج الذي آتاه الله بني إسرائيل على قوم فرعون، قال تعالى : وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان  والمراد النصر الذي آتاه الله يوم بدر، وذلك لأن قبل ظهور النصر يتوقع كل واحد من الخصمين في أن يكون هو المستولي وصاحبه هو المقهور، فإذا ظهر النصر تميز الراجح من المرجوح وانفرق الطمع الصادق من الطمع الكاذب، وثالثها : قال قطرب الفرقان هو انفراق البحر لموسى عليه السلام. فإن قلت : فهذا قد صار مذكورا في قوله تعالى : وإذ فرقنا بكم البحر  وأيضا فقوله تعالى بعد ذلك : لعلكم تهتدون  لا يليق إلا بالكتاب لأن ذلك لا يذكر إلا عقيب الهدى. قلت : الجواب عن الأول أنه تعالى لم يبين في قوله تعالى : وإذ فرقنا بكم البحر  أن ذلك كان لأجل موسى عليه السلام، وفي هذه الآية بين ذلك التخصيص على سبيل التنصيص، وعن الثاني أن فرق البحر كان من الدلائل فلعل المراد أنا لما آتينا موسى فرقان البحر استدلوا بذلك على وجود الصانع، وصدق موسى عليه السلام وذلك هو الهداية وأيضا فالهدى قد يراد به الفوز والنجاة كما يراد به الدلالة، فكأنه تعالى بين أنه آتاهم الكتاب نعمة في الدين والفرقان الذي حصل به خلاصهم من الخصم نعمة عاجلة. واعلم أن من الناس من غلط فظن أن الفرقان هو القرآن، وأنه أنزل على موسى عليه السلام وذلك باطل لأن الفرقان هو الذي يفرق بين الحق والباطل وكل دليل كذلك فلا وجه لتخصيص هذا اللفظ بالقرآن. وقال آخرون : المعنى : وإذ آتينا موسى الكتاب  يعني التوراة وآتينا محمدا صلى الله عليه وسلم الفرقان لكي تهتدوا به يا أهل الكتاب. وقد مال إلى هذا القول من علماء النحو الفراء وثعلب وقطرب وهذا تعسف شديد من غير حاجة البتة إليه. 
وأما قوله تعالى : لعلكم تهتدون  فقد تقدم تفسير لعل وتفسير الاهتداء، واستدلت المعتزلة بقوله : لعلكم تهتدون  على أن الله تعالى أراد الاهتداء من الكل وذلك يبطل قول من قال : أراد الكفر من الكافر، وأيضا فإذا كان عندهم أنه تعالى : يخلق الاهتداء، فيمن يهتدي والضلال فيمن يضل، فما الفائدة في أن ينزل الكتاب والفرقان ويقول : لعلكم تهتدون  ومعلوم أن الاهتداء إذا كان يخلقه، فلا تأثير لإنزال الكتب فيه لو خلق الاهتداء ولا كتاب لحصل الاهتداء، ولو أنزل بدلا من الكتاب الواحد ألف كتاب ولم يخلق الاهتداء فيهم لما حصل الاهتداء، فكيف يجوز أن يقول أنزلت الكتاب لكي تهتدوا ؟ واعلم أن هذا الكلام قد تقدم مرارا لا تحصى مع الجواب والله أعلم.

### الآية 2:54

> ﻿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [2:54]

قوله تعالى : وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم 
اعلم أن هذا الإنعام الخامس قال بعض المفسرين : هذه الآية وما بعدها منقطعة عما تقدم من التذكير بالنعم وذلك لأنها أمر بالقتل والقتل لا يكون نعمة وهذا ضعيف من وجوه، أحدها : أن الله تعالى نبههم على عظم ذنبهم، ثم نبههم على ما به يتخلصون عن ذلك الذنب العظيم وذلك من أعظم النعم في الدين، وإذا كان الله تعالى قد عدد عليهم النعم الدنيوية فبأن يعدد عليهم هذه النعمة الدينية أولى، ثم إن هذه النعمة وهي كيفية هذه التوبة لما لم يكن وصفها إلا بمقدمة ذكر المعصية كان ذكرها أيضا في تمام النعمة. فصار كل ما تضمنته هذه الآية معدودا في نعم الله فجاز التذكير بها. وثانيها : أن الله تعالى لما أمرهم بالقتل رفع ذلك الأمر عنهم قبل فنائهم بالكلية فكان ذلك نعمة في حق أولئك الباقين، وفي حق الذين كانوا موجودين في زمان محمد عليه الصلاة والسلام، لأنه تعالى لولا أنه رفع القتل عن آبائهم لما وجد أولئك الأبناء فحسن إيراده في معرض الامتنان على الحاضرين في زمان محمد عليه الصلاة والسلام، وثالثها : أنه تعالى لما بين أن توبة أولئك ما تمت إلا بالقتل مع أن محمدا عليه الصلاة والسلام كان يقول لهم : لا حاجة بكم الآن في التوبة إلى القتل بل إن رجعتم عن كفركم وآمنتم قبل الله إيمانكم منكم فكان بيان التشديد في تلك التوبة تنبيها على الإنعام العظيم بقبول مثل هذه التوبة السهلة الهينة. ورابعها : أن فيه ترغيبا شديدا لأمة محمد صلوات الله وسلامه عليه في التوبة، فإن أمة موسى عليه السلام لما رغبوا في تلك التوبة مع نهاية مشقتها على النفس فلأن يرغب الواحد منا في التوبة التي هي مجرد الندم كان أولى. ومعلوم أن ترغيب الإنسان فيما هو المصلحة المهمة من أعظم النعم. 
وأما قوله تعالى : وإذ قال موسى لقومه  أي واذكروا إذ قال موسى لقومه بعدما رجع من الموعد الذي وعده ربه فرآهم قد اتخذوا العجل  يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم  وللمفسرين في الظلم قولان : أحدهما : أنكم نقصتم أنفسكم الثواب الواجب بالإقامة على عهد موسى عليه السلام، والثاني : أن الظلم هو الإصرار الذي ليس بمستحق ولا فيه نفع ولا دفع مضرة لا علما ولا طبا، فلما عبدوا العجل كانوا قد أضروا بأنفسهم لأن ما يؤدي إلى ضرر الأبد من أعظم الظلم، ولذلك قال تعالى : إن الشرك لظلم عظيم  لكن هذا الظلم من حقه أن يقيد لئلا يوهم إطلاقه إنه ظلم الغير لأن الأصل في الظلم ما يتعدى، فلذلك قال : إنكم ظلمتم أنفسكم . 
أما قوله تعالى : باتخاذكم العجل  ففيه حذف لأنهم لم يظلموا أنفسهم بهذا القدر لأنهم لو اتخذوه ولم يجعلوه إلها لم يكن فعلهم ظلما، فالمراد باتخاذكم العجل إلها، لكن لما دلت مقدمة الآية على هذا المحذوف حسن الحذف. 
أما قوله تعالى : فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم  ففيه سؤالات. 
السؤال الأول : قوله تعالى : فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم  يقتضي كون التوبة مفسرة بقتل النفس كما أن قوله عليه السلام :( لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل وجهه ثم يديه ) يقتضي أن وضع الطهور مواضعه مفسر بغسل الوجه واليدين ولكن ذلك باطل لأن التوبة عبارة عن الندم على الفعل القبيح الذي مضى والعزم على أن لا يأتي بمثله بعد ذلك وذلك مغاير لقتل النفس وغير مستلزم له فكيف يجوز تفسيره به ؟ والجواب ليس المراد تفسير التوبة بقتل النفس بل بيان أن توبتهم لا تتم ولا تحصل إلا بقتل النفس وإنما كان كذلك لأن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام أن شرط توبتهم قتل النفس كما أن القاتل عمدا لا تتم توبته إلا بتسليم النفس حتى يرضى أولياء المقتول أو يقتلوه فلا يمتنع أن يكون من شرع موسى عليه السلام أن توبة المرتد لا تتم إلا بالقتل. إذا ثبت هذا فنقول شرط الشيء مجازا كما يقال للغاصب إذا قصد التوبة أن توبتك ردما غصبت يعني أن توبتك لا تتم إلا به فكذا ههنا. 
السؤال الثاني : ما معنى قوله تعالى : فتوبوا إلى بارئكم  والتوبة لا تكون إلا للبارئ، والجواب : المراد منه النهي عن الرياء في التوبة كأنه قال لهم : لو أظهرتم التوبة لا عن القلب فأنتم ما تبتم إلى الله الذي هو مطلع على ضميركم، وإنما تبتم إلى الناس وذلك مما لا فائدة فيه، فإنكم إذا أذنبتم إلى الله. 
السؤال الثالث : كيف اختص هذا الموضع بذكر البارئ ؟ والجواب : البارئ هو الذي خلق الخلق بريئا من التفاوت : ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت  ومتميزا بعضه عن بعض بالأشكال المختلفة والصور المتباينة فكان ذلك تنبيها على أن من كان كذلك فهو أحق بالعبادة من البقر الذي يضرب به المثل في الغباوة. 
السؤال الرابع : ما الفرق بين الفاء في قوله : فتوبوا  والفاء في قوله : فاقتلوا  ؟ الجواب : أن الفاء الأولى للسبب لأن الظلم سبب التوبة والثانية للتعقيب لأن القتل من تمام التوبة فمعنى قوله : فتوبوا  أي فأتبعوا التوبة القتل تتمة لتوبتكم. 
السؤال الخامس : ما المراد بقوله : فاقتلوا أنفسكم  أهو ما يقتضيه ظاهره من أن يقتل كل واحد نفسه أو المراد غير ذلك ؟ الجواب : اختلف الناس فيه فقال قوم من المفسرين : لا يجوز أن يكون المراد أمر كل واحد من التائبين بقتل نفسه وهو اختيار القاضي عبد الجبار، واحتجوا عليه بوجهين. الأول : وهو الذي عول عليه أهل التفسير أن المفسرين أجمعوا على أنهم ما قتلوا أنفسهم بأيديهم ولو كانوا مأمورين بذلك لصاروا عصاة بترك ذلك، الثاني : وهو الذي عول عليه القاضي عبد الجبار أن القتل هو نقض البنية التي عندها يجب أن يخرج من أن يكون حيا وما عدا ذلك مما يؤدي إلى أن يموت قريبا أو بعيدا إنما سمي قتلا على طريق المجاز. إذا عرفت حقيقة القتل فنقول : إنه لا يجوز أن يأمر الله تعالى به لأن العبادات الشرعية إنما تحسن لكونها مصالح لذلك المكلف ولا تكون مصلحة إلا في الأمور المستقبلة وليس بعد القتل حال تكليف حتى يكون القتل مصلحة فيه وهذا بخلاف ما يفعله الله تعالى من الإماتة لأن ذلك من فعل الله فيحسن أن يفعله إذا كان صلاحا لمكلف آخر ويعوض ذلك المكلف بالعوض العظيم وبخلاف أن يأمر الله تعالى بأن يجرح نفسه أو يقطع عضوا من أعضائه ولا يحصل الموت عقبه لأنه لما بقي بعد ذلك الفعل حيا لم يمتنع أن يكون ذلك الفعل صلاحا في الأفعال المستقبلة. ولقائل أن يقول : لا نسلم أن القتل اسم للفعل المزهق للروح في الحال بل هو عبارة عن الفعل المؤدي إلى الزهوق إما في الحال أو بعده والدليل عليه أنه لو حلف أن لا يقتل إنسانا فجرحه جراحة عظيمة وبقي بعد تلك الجراحة حيا لحظة واحدة ثم مات فإنه يحنث في يمينه وتسميه كل أهل هذه اللغة قاتلا والأصل في الاستعمال الحقيقة فدل على أن اسم القتل اسم الفعل المؤدي إلى الزهوق سواء أدى إليه في الحال أو بعد ذلك وأنت سلمت جواز ورود الأمر بالجراحة التي لا تستعقب الزهوق في الحال وإذا كان كذلك ثبت جواز أن يراد الأمر بأن يقتل الإنسان نفسه، سلمنا أن القتل اسم الفعل المزهق للروح في الحال فلم لا يجوز ورود الأمر به ؟ قوله : لابد في ورود الأمر به من مصلحة استقبالية، قلنا : أولا لا نسلم أنه لابد فيه من مصلحة، والدليل عليه أنه أمر من يعلم كفره بالإيمان ولا مصلحة في ذلك إذ لا فائدة من ذلك التكليف إلا حصول العقاب، سلمنا أنه لابد من مصلحة ولكن لم قلت إنه لابد من عود تلك المصلحة إليه، ولم لا يجوز أن قتله نفسه مصلحة لغيره فالله تعالى أمره بذلك لينتفع به ذلك الغير، ثم إنه تعالى يوصل العوض العظيم إليه. سلمنا أنه لابد من عود المصلحة إليه، لكن لم لا يجوز أن يقال إن علمه بكونه مأمورا بذلك الفعل مصلحة له، مثل أنه لما أمر بأن يقتل نفسه غدا فإن علمه بذلك يصير داعيا له إلى ترك القبائح من ذلك الزمان إلى ورود الغد، وإذا كانت هذه الاحتمالات ممكنة سقط ما قال القاضي، بل الوجه الأول الذي عول عليه المفسرون أقوى، وعلى هذا يجب صرف الآية عن ظاهرها، ثم فيه وجهان : الأول : أن يقال أمر كل واحد من أولئك التائبين بأن يقتل بعضهم بعضا فقوله : اقتلوا أنفسكم  معناه ليقتل بعضكم بعضا وهو كقوله في موضع آخر :
 ولا تقتلوا أنفسكم  ومعناه لا يقتل بعضكم بعضا وتحقيقه أن المؤمنين كالنفس الواحدة، وقيل في قوله تعالى : ولا تلمزوا أنفسكم  أي إخوانكم من المؤمنين، وفي قوله : لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا  أي بأمثالهم من المسلمين، وكقوله : فسلموا على أنفسكم  أي ليسلم بعضكم على بعض. ثم قال المفسرون : أولئك التائبون برزوا صفين فضرب بعضهم بعضا إلى الليل. الوجه الثاني : أن الله تعالى أمر غير أولئك التائبين بقتل أولئك التائبين فيكون المراد من قوله : اقتلوا أنفسكم  أي استسلموا للقتل، وهذا الوجه الثاني أقرب لأن في الوجه الأول تزداد المشقة لأن الجماعة إذا اشتركت في الذنب كان بعضهم أشد عطفا على البعض من غيرهم عليهم فإذا كلفوا بأن يقتل بعضهم بعضا عظمت المشقة في ذلك ثم اختلفت الروايات فالأول : أنه أمر من لم يعبد العجل من السبعين المختارين لحضور الميقات أن يقتل من عبد العجل منهم، وكان المقتولون سبعين ألفا فما تحركوا حتى قتلوا على ثلاثة أيام، وهذا لقول ذكره محمد بن إسحاق. الثاني : أنه لما أمرهم موسى عليه السلام بالقتل أجابوا فأخذ عليهم المواثيق ليصبروا على القتل فأصبحوا مجتمعين كل قبيلة على حدة وأتاهم هارون بالاثني عشر ألفا الذين لم يعبدوا العجل البتة وبأيديهم السيوف، فقال التائبون : إن هؤلاء إخوانكم قد أتوكم شاهرين السيوف فاتقوا الله واصبروا فلعن الله رجلا قام من مجلسه أو مد طرفه إليهم أو اتقاهم بيد أو رجل يقولون أمين، فجعلوا يقتلونهم إلى المساء وقام موسى وهارون عليهما السلام يدعوان الله ويقولان البقية البقية يا إلهنا فأوحى الله تعالى إليهما، قد غفرت لمن قتل وتبت على من بقي، قال : وكان القتلى سبعين ألفا، هذه رواية الكلبي. الثالث : أن بني إسرائيل كانوا قسمين : منهم من عبد العجل ومنهم من لم يعبده ولكن لم ينكر على من عبده، فأمر من لم يشتغل بالإنكار بقتل من اشتغل بالعبادة، ثم قال المفسرون : إن الرجل كان يبصر والده وولده وجاره فلم يمكنه المضي لأمر الله فأرسل الله تعالى سحابة سوداء، ثم أمر بالقتل فقتلوا إلى المساء حتى دعا موسى وهارون عليهما السلام وقالا : يا رب هلكت بنو إسرائيل البقية البقية فانكشفت السحابة ونزلت التوراة وسقطت الشفار من أيديهم. 
السؤال السادس : كيف استحقوا القتل وهم قد تابوا من الردة والتائب من الردة لا يقتل ؟ الجواب : ذلك مما يختلف بالشرائع فلعل شرع موسى عليه السلام كان يقتضي قتل التائب عن الردة إما عاما في حق الكل أو كان خاصا بذلك القوم. 
السؤال السابع : هل يصح ما روي أن منهم من لم يقتل ممن قبل الله توبته ؟ الجواب : لا يمتنع ذلك لأن قوله تعالى : إنكم ظلمتم أنفسكم  خطاب مشافهة فلعله كان مع البعض أو إنه كان عاما فالعام قد يتطرق إليه التخصيص. 
أما قوله تعالى : ذلكم خير لكم عند بارئكم  ففيه ت

### الآية 2:55

> ﻿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [2:55]

قوله تعالى : وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم لعلكم تشكرون 
اعلم أن هذا هو الإنعام السادس، بيانه من وجوه، ( أحدها ) : كأنه تعالى قال : اذكروا نعمتي حين قلتم لموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة ثم أحييتكم لتتوبوا عن بغيكم وتتخلصوا عن العقاب وتفوزوا بالثواب، ( وثانيها ) : أن فيها تحذيرا لمن كان في زمان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن فعل ما يستحق بسببه أن يفعل به ما فعل بأولئك. ( وثالثها ) : تشبيههم في جحودهم معجزات النبي صلى الله عليه وسلم بأسلافهم في جحود نبوة موسى عليه السلام مع مشاهدتهم لعظم تلك الآيات الظاهرة وتنبيها على أنه تعالى إنما لا يظهر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثلها لعلمه بأنه لو أظهرها لجحودها ولو جحدوها لاستحقوا العقاب مثل ما استحقه أسلافهم، ( ورابعها ) : فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم مما كان يلاقي منهم وتثبيت لقلبه على الصبر كما صبر أولو العزم من الرسل. ( وخامسها ) : فيه إزالة شبهة من يقول : إن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لو صحت لكان أولى الناس بالإيمان به أهل الكتاب لما أنهم عرفوا خبره، وذلك لأنه تعالى بين أن أسلافهم مع مشاهدتهم تلك الآيات الباهرة على نبوة موسى عليه السلام كانوا يرتدون كل وقت ويتحكمون عليه ويخالفونه فلا يتعجب من مخالفتهم لمحمد عليه الصلاة والسلام وإن وجدوا في كتبهم الأخبار عن نبوته. ( وسادسها ) : لما أخبر محمد عليه الصلاة والسلام عن هذه القصص مع أنه كان أميا لم يشتغل بالتعلم البتة وجب أن يكون ذلك عن الوحي. 
البحث الثاني : للمفسرين في هذه الواقعة قولان، ( الأول ) : أن هذه الواقعة كانت بعد أن كلف الله عبدة العجل بالقتل، قال محمد بن إسحاق : لما رجع موسى عليه السلام من الطور إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل وقال لأخيه والسامري ما قال. وحرق العجل وألقاه في البحر، اختار من قومه سبعين رجلا من خيارهم فلما خرجوا إلى الطور قالوا لموسى : سل ربك حتى يسمعنا كلامه، فسأل موسى عليه السلام ذلك فأجابه الله إليه ولما دنا من الجبل وقع عليه عمود من الغمام وتغشى الجبل كله ودنا من موسى ذلك الغمام حتى دخل فيه فقال للقوم : ادخلوا وعوا، وكان موسى عليه السلام متى كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم النظر إليه، وسمع القوم كلام الله مع موسى عليه السلام يقول له : افعل ولا تفعل، فلما تم الكلام انكشف عن موسى الغمام الذي دخل فيه فقال القوم بعد ذلك : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة وماتوا جميعا وقام موسى رافعا يديه إلى السماء يدعو ويقول : يا إلهي اخترت من بني إسرائيل سبعين رجلا ليكونوا شهودي بقبول توبتهم، فارجع إليهم وليس معي منهم واحد، فما الذي يقولون في، فلم يزل موسى مشتغلا بالدعاء حتى رد الله إليهم أرواحهم وطلب توبة بني إسرائيل من عبادة العجل فقال : لا إلا أن يقتلوا أنفسهم. 
القول الثاني : أن هذه الواقعة كانت بعد القتل، قال السدي : لما تاب بنو إسرائيل من عبادة العجل بأن قتلوا أنفسهم أمر الله تعالى أن يأتيهم موسى في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادتهم العجل، فاختار موسى سبعين رجلا، فلما أتوا الطور قالوا : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة وماتوا فقام موسى يبكي ويقول : يا رب ماذا أقول لبني إسرائيل، فإني أمرتهم بالقتل ثم اخترت من بقيتهم هؤلاء، فإذا رجعت إليهم ولا يكون معي منهم أحد فماذا أقول لهم ؟ فأوحى الله إلى موسى أن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل إلها فقال موسى : إن هي إلا فتنتك  إلى قوله : إنا هدنا إليك  ثم إنه تعالى أحياهم فقاموا ونظر كل واحد منهم إلى الآخر كيف يحييه الله تعالى، فقالوا : يا موسى إنك لا تسأل الله شيئا إلا أعطاك فادعه يجعلنا أنبياء، فدعاه بذلك فأجاب الله دعوته. واعلم أنه ليس في الآية ما يدل على ترجيح أحد القولين على الآخر وكذلك ليس فيها ما يدل على أن الذين سألوا الرؤية هم الذين عبدوا العجل أو غيرهم. 
أما قوله تعالى : لن نؤمن لك  فمعناه لا نصدقك ولا نعترف بنبوتك حتى نرى الله جهرة ( أي ) عيانا. قال صاحب الكشاف : وهي مصدر من قولك : جهرت بالقراءة وبالدعاء كأن الذي يرى بالعين جاهر بالرؤية والذي يرى بالقلب مخافت بها وانتصار بها على المصدر لأنها نوع من الرؤية، فنصبت بفعلها كما ينصب القرفصاء بفعل الجلوس أو على الحال بمعنى ذوي جهرة وقرئ جهرة بفتح الهاء وهي إما مصدر كالغلبة وإما جمع جاهر، وقال القفال أصل الجهرة من الظهور يقال جهرت الشيء \[ إذا \] كشفته وجهرت البئر إذا كان ماؤها مغطى بالطين فنقيته حتى ظهر ماؤه ويقال صوت جهير ورجل جهوري الصوت، إذا كان صوته عاليا، ويقال : وجه جهير إذا كان ظاهر الوضاءة، وإنما قالوا : جهرة تأكيدا لئلا يتوهم متوهم أن المراد بالرؤية العلم أو التخيل على \[ نحو \] ما يراه النائم. 
أما قوله تعالى : فأخذتكم الصاعقة  ففيه أبحاث :
البحث الأول : استدلت المعتزلة بذلك على أن رؤية الله ممتنعة، قال القاضي عبد الجبار : إنها لو كانت جائزة لكانوا قد التمسوا أمرا مجوزا فوجب أن لا تنزل بهم العقوبة كما لم تنزل بهم العقوبة لما التمسوا النقل من قوت إلى قوت وطعام إلى طعام في قوله تعالى : لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض  وقال أبو الحسين في كتاب التصفح : إن الله تعالى ما ذكر سؤال الرؤية إلا استعظمه، وذلك في آيات. ( أحدها ) : هذه الآية فإن الرؤية لو كانت جائزة لكان قولهم : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة  كقول الأمم لأنبيائهم : لن نؤمن إلا بإحياء ميت في أنه لا يستعظم ولا تأخذهم الصاعقة. ( وثانيها ) : قوله تعالى : يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم  فسمى ذلك ظلما وعاقبهم في الحال، فلو كانت الرؤية جائزة لجرى سؤالهم لها مجرى من يسأل معجزة زائدة. فإن قلت أليس إنه سبحانه وتعالى قد أجرى إنزال الكتاب من السماء مجرى الرؤية في كون كل واحد منهما عتوا، فكما أن إنزال الكتاب غير ممتنع في نفسه فكذا سؤال الرؤية. قلت : الظاهر يقتضي كون كل واحد منهما ممتنعا ترك العمل به في إنزال الكتاب فيبقى معمولا به في الرؤية. ( وثالثها ) : قوله تعالى : وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا  فالرؤية لو كانت جائزة وهي عند مجزيها من أعظم المنافع لم يكن التماسها عتوا لأن من سأل الله تعالى نعمة في الدين أو الدنيا لم يكن عاتيا وجرى ذلك مجرى ما يقال : لن نؤمن لك حتى يحيي الله بدعائك هذا الميت. 
واعلم أن هذه الوجوه مشتركة في حرف واحد وهو أن الرؤية لو كانت جائزة لما كان سؤالها عتوا ومنكرا، وذلك ممنوع. \[ و \] قوله : إن طلب سائر المنافع من النقل من طعام إلى طعام لما كان ممكنا لم يكن طالبه عاتيا وكذا القول في طلب سائر المعجزات. قلنا : ولم قلت إنه لما كان طالب ذلك الممكن ليس بعات وجب أن يكون طالب كل ممكن غير عات والاعتماد في مثل هذا الموضع على ضروب الأمثلة لا يليق بأهل العلم وكيف وأن الله تعالى ما ذكر الرؤية إلا وذكر معها شيئا ممكنا حكمنا بجوازه بالاتفاق وهو إما نزول الكتاب من السماء أو نزول الملائكة. وأثبت صفة العتو على مجموع الأمرين، وذلك كالدلالة القاطعة في أن صفة العتو ما حصلت لأجل كون المطلوب ممتنعا. أما قول أبي الحسين : الظاهر يقتضي كون الكل ممتنعا ترك العمل به في البعض فيبقى معمولا به في الباقي. قلنا : إنك ما أقمت دليلا على أن الاستعظام لا يتحقق إلا إذا كان المطلوب ممتنعا وإنما عولت فيه على ضروب الأمثلة، والمثال لا ينفع في هذا الباب، فبطل قولك : الظاهر يقتضي كون الكل ممتنعا. فظهر بما قلنا سقوط كلام المعتزلة. فإن قال قائل : فما السبب في استعظام سؤال الرؤية ؟ الجواب في ذلك يحتمل وجوها. أحدها : أن رؤية الله تعالى لا تحصل إلا في الآخرة، فكان طلبها في الدنيا مستنكرا. وثانيها : أن حكم الله تعالى أن يزيل التكليف عن العبد حال ما يرى الله فكان طلب الرؤية طلبا لإزالة التكليف وهذا على قول المعتزلة أولى، لأن الرؤية تتضمن العلم الضروري والعلم الضروري ينافي التكليف، وثالثها : أنه لما تمت الدلائل على صدق المدعي كان طلب الدلائل الزائدة تعنتا والمتعنت يستوجب التعنيف، ورابعها : لا يمتنع أن يعلم الله تعالى أن في منع الخلق عن رؤيته سبحانه في الدنيا ضربا من المصلحة المهمة، فلذلك استنكر طلب الرؤية في الدنيا كما علم أن في إنزال الكتاب من السماء وإنزال الملائكة من السماء مفسدة عظيمة فلذلك استنكر طلب ذلك والله أعلم. 
البحث الثاني : للمفسرين في الصاعقة قولان. الأول : أنها هي الموت وهو قول الحسن وقتادة واحتجوا عليه بقوله تعالى : فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله  وهذا ضعيف لوجوه. أحدها : قوله تعالى : فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون  ولو كانت الصاعقة هي الموت لامتنع كونهم ناظرين إلى الصاعقة، وثانيها : أنه تعالى قال في حق موسى : وخر موسى صعقا  أثبت الصاعقة في حقه مع أنه لم يكن ميتا لأنه قال : فلما أفاق  والإفاقة لا تكون عن الموت بل عن الغشي، وثالثها : أن الصاعقة وهي التي تصعق وذلك إشارة إلى سبب الموت. ورابعها : أن ورودها وهم مشاهدون لها أعظم في باب العقوبة منها إذا وردت بغتة وهم لا يعلمون. ولذلك قال : وأنتم تنظرون  منبها على عظم العقوبة، القول الثاني : وهو قول المحققين : إن الصاعقة هي سبب الموت ولذلك قال في سورة الأعراف : فلما أخذتهم الرجفة  واختلفوا في أن ذلك السبب أي شيء كان على ثلاثة أوجه. أحدها : أنها نار وقعت من السماء فأحرقتهم. وثانيها : صيحة جاءت من السماء، وثالثها : أرسل الله تعالى جنودا سمعوا بخسها فخروا صعقين ميتين يوما وليلة.

### الآية 2:56

> ﻿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [2:56]

أما قوله تعالى : ثم بعثناكم من بعد موتكم  لأن البعث قد \[ لا \] يكون إلا بعد الموت، كقوله تعالى : فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا  فإن قلت : هل دخل موسى عليه السلام في هذا الكلام ؟ قلت : لا، لوجهين. الأول : أنه خطاب مشافهة فلا يجب أن يتناول موسى عليه السلام. الثاني : أنه لو تناول موسى لوجب تخصيصه بقوله تعالى في حق موسى : فلما أفاق  مع أن لفظة الإفاقة لا تستعمل في الموت، وقال ابن قتيبة : إن موسى عليه السلام قد مات وهو خطأ لما بيناه. أما قوله تعالى : لعلكم تشكرون  فالمراد أنه تعالى إنما بعثهم بعد الموت في دار الدنيا ليكلفهم وليتمكنوا من الإيمان ومن تلافي ما صدر عنهم من الجرائم، أما أنه كلفهم فلقوله تعالى : لعلكم تشكرون  ولفظ الشكر يتناول جميع الطاعات لقوله تعالى :
 اعملوا آل داوود شكرا  فإن قيل : كيف يجوز أن يكلفهم وقد أماتهم ولو جاز ذلك فلم لا يجوز أن يكلف أهل الآخرة إذا بعثهم بعد الموت ؟ قلنا : الذي يمنع من تكليفهم في الآخرة ليس هو الإماتة ثم الإحياء، وإنما يمنع من ذلك أنه قد اضطرهم يوم القيامة إلى معرفته وإلى معرفة ما في الجنة من اللذات وما في النار من الآلام وبعد العلم الضروري لا تكليف فإذا كان المانع هو هذا لم يمتنع في هؤلاء الذين أماتهم الله بالصاعقة أن لا يكون قد اضطرهم، وإذا كان كذلك صح أن يكلفوا من بعد ويكون موتهم ثم الإحياء بمنزلة النوم أو بمنزلة الإغماء. ونقل عن الحسن البصري أنه تعالى قطع آجالهم بهذه الإماتة ثم أعادهم كما أحيا الذي أماته حين مر على قرية وهي خاوية على عروشها وأحيا الذين أماتهم بعدما خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت وهذا ضعيف لأنه تعالى ما أماتهم بالصاعقة إلا وقد كتب وأخبر بذلك فصار ذلك الوقت أجلا لموتهم الأول ثم الوقت الآخر أجلا لحياتهم. 
وأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى : لعلكم تشكرون  على أنه تعالى يريد الإيمان من الكل فجوابنا عنه قد تقدم مرارا فلا حاجة إلى الإعادة.

### الآية 2:57

> ﻿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ۖ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [2:57]

قوله تعالى : وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون 
اعلم أن هذا هو الإنعام السابع الذي ذكره الله تعالى وقد ذكر الله تعالى هذه الآية بهذه الألفاظ في سورة الأعراف، وظاهر هذه الآية يدل على أن هذا الإظلال كان بعد أن بعثهم لأنه تعالى قال : ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون وظللنا عليكم الغمام  بعضه معطوف على بعض وإن كان لا يمتنع خلاف ذلك، لأن الغرض تعريف النعم التي خصهم الله تعالى بها. 
قال المفسرون،  وظللنا  وجعلنا الغمام تظلكم، وذلك في التيه سخر الله لهم السحاب يسير بسيرهم يظلهم من الشمس وينزل عليهم المن وهو الترنجبين مثل الثلج من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس لكل إنسان صاع ويبعث الله إليهم السلوى وهي السماني فيذبح الرجل منها ما يكفيه  كلوا  على إرادة القول : وما ظلمونا  يعني فظلموا بأن كفروا هذه النعم أو بأن أخذوا أزيد مما أطلق لهم في أخذه أو بأن سألوا غير ذلك الجنس وما ظلمونا فاختصر الكلام بحذفه لدلالة  وما ظلمونا  عليه.

### الآية 2:58

> ﻿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ [2:58]

قوله تعالى : وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها رغدا حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين 
اعلم أن هذا هو الإنعام الثامن، وهذه الآية معطوفة على النعم المتقدمة لأنه تعالى كما بين نعمه عليهم بأن ظلل لهم من الغمام وأنزل \[ عليهم \] من المن السلوى وهو من النعم العاجلة أتبعه بنعمه عليهم في باب الدين حيث أمرهم بما يمحو ذنوبهم وبين لهم طريق المخلص مما استوجبوه من العقوبة. 
واعلم أن الكلام في هذه الآية على نوعين :
النوع الأول : ما يتعلق بالتفسير فنقول : أما قوله تعالى : وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية  فاعلم أنه أمر تكليف، ويدل عليه وجهان : الأول : أنه تعالى أمر بدخول الباب سجدا، وذلك فعل شاق فكان الأمر به تكليفا ودخول الباب سجدا مشروط بدخول القرية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فثبت أن الأمر بدخول القرية أمر تكليف لا أمر إباحة. الثاني : أن قوله : ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم  دليل على ما ذكرناه. أما القرية فظاهر القرآن لا يدل على عينها، وإنما يرجع في ذلك إلى الأخبار، وفيه أقوال : أحدها : وهو اختيار قتادة والربيع وأبي مسلم الأصفهاني أنها بيت المقدس، واستدلوا عليه بقوله تعالى في سورة المائدة : ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ، ولا شك أن المراد بالقرية في الآيتين واحد، وثانيها : أنها نفس مصر، وثالثها : وهو قول ابن عباس وأبي زيد إنها أريحاء وهي قريبة من بيت المقدس، واحتج هؤلاء على أنه لا يجوز أن تكون تلك القرية بيت المقدس لأن الفاء في قوله تعالى : فبدل الذين ظلموا  تقتضي التعقيب فوجب أن يكون ذلك التبديل وقع منهم عقيب هذا الأمر في حياة موسى، لكن موسى مات في أرض التيه ولم يدخل بيت المقدس، فثبت أنه ليس المراد من هذه القرية بيت المقدس. وأجاب الأولون بأنه ليس في هذه الآية : أنا قلنا ادخلوا هذه القرية على لسان موسى أو على لسان يوشع، وإذا حملناه على لسان يوشع زال الإشكال. وأما قوله تعالى : فكلوا منها حيث شئتم رغدا  فقد مر تفسيره في قصة آدم عليه السلام وهو أمر إباحة. 
أما قوله تعالى : وادخلوا الباب سجدا  ففيه بحثان. 
الأول : اختلفوا في الباب على وجهين : أحدهما : وهو قول ابن عباس والضحاك ومجاهد وقتادة إنه باب يدعى باب الحطة من بيت المقدس، وثانيهما : حكى الأصم عن بعضهم أنه عني بالباب جهة من جهات القرية ومدخلا إليها. 
الثاني : اختلفوا في المراد بالسجود فقال الحسن أراد به نفس السجود الذي هو إلصاق الوجه بالأرض وهذا بعيد لأن الظاهر يقتضي وجوب الدخول حال السجود فلو حملنا السجود على ظاهره لامتنع ذلك، ومنهم من حمله على غير السجود، وهؤلاء ذكروا وجهين : الأول : رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس أن المراد هو الركوع، لأن الباب كان صغيرا ضيقا يحتاج الداخل فيه إلى الانحناء، وهذا بعيد لأنه لو كان ضيقا لكانوا مضطرين إلى دخوله ركعا فما كان يحتاج فيه إلى الأمر. الثاني : أراد به الخضوع وهو الأقرب، لأنه لما تعذر حمله على حقيقة السجود وجب حمله على التواضع، لأنهم إذا أخذوا في التوبة فالتائب عن الذنب لابد أن يكون خاضعا مستكينا. أما قوله تعالى : وقولوا حطة  ففيه وجوه : أحدها : وهو قول القاضي : المعنى أنه تعالى بعد أن أمرهم بدخول الباب على وجه الخضوع أمرهم بأن يقولوا ما يدل على التوبة، وذلك لأن التوبة صفة القلب، فلا يطلع الغير عليها، فإذا اشتهر واحد بالذنب ثم تاب بعده لزمه أن يحكي توبته لمن شاهد منه الذنب، لأن التوبة لا تتم إلا به، إذ الأخرس تصح توبته وإن لم يوجد منه الكلام بل لأجل تعريف الغير عدوله عن الذنب إلى التوبة، ولإزالة التهمة عن نفسه، وكذلك من عرف بمذهب خطأ، ثم تبين له الحق فإنه يلزمه أن يعرف إخوانه الذين عرفوه بالخطأ عدوله عنه، لتزول عنه التهمة في الثبات على الباطل وليعودوا إلى موالاته بعد معاداته، فلهذا السبب ألزم الله تعالى بني إسرائيل مع الخضوع الذي هو صفة القلب أن يذكروا اللفظ الدال على تلك التوبة وهو قوله : وقولوا حطة  فالحاصل أنه أمر القوم بأن يدخلوا الباب على وجه الخضوع وأن يذكروا بلسانهم التماس حط الذنوب حتى يكونوا جامعين بين ندم القلب وخضوع الجوارح والاستغفار باللسان، وهذا الوجه أحسن الوجوه وأقربها إلى التحقيق. ثانيها : قول الأصم : إن هذه اللفظة من ألفاظ أهل الكتاب أي لا يعرف معناها في العربية، وثالثها : قال صاحب الكشاف ( حطة ) فعلة من الحط كالجلسة والركبة وهي خبر مبتدأ محذوف أي مسألتنا حطة أو أمرك حطة والأصل النصب بمعنى حط عنا ذنوبنا حطة وإنما رفعت لتعطي معنى الثبات كقوله :
صبر جميل فكلانا مبتلي\*\*\*. . . . 
والأصل صبرا على تقدير اصبر صبرا، وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب. ورابعها : قول أبي مسلم الأصفهاني معناه أمرنا حطة أي أن نحط في هذه القرية ونستقر فيها، وزيف القاضي ذلك بأن قال : لو كان المراد ذلك لم يكن غفران خطاياهم متعلقا به ولكن قوله : وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم  يدل على أن غفران الخطايا كان لأجل قولهم حطة، ويمكن الجواب عنه بأنهم لما حطوا في تلك القرية حتى يدخلوا سجدا مع التواضع كان الغفران متعلقا به. وخامسها قول القفال : معناه اللهم حط عنا ذنوبنا فإنا إنما انحططنا لوجهك وإرادة التذلل لك، فحط عنا ذنوبنا. فإن قال قائل : هل كان التكليف واردا بذكر هذه اللفظة بعينها أم لا ؟ قلنا روي عن ابن عباس أنهم أمروا بهذه اللفظة بعينها وهذا محتمل ولكن الأقرب خلافه لوجهين. أحدهما : أن هذه اللفظة عربية وهم ما كانوا يتكلمون بالعربية، وثانيهما : وهو الأقرب أنهم أمروا بأن يقولوا قولا دالا على التوبة والندم والخضوع حتى أنهم لو قالوا مكان قولهم : حطة  اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك لكان المقصود حاصلا، لأن المقصود من التوبة، إما القلب وإما اللسان، أما القلب فالندم، وأما اللسان فذكر لفظ يدل على حصول الندم في القلب وذلك لا يتوقف على ذكر لفظة بعينها. 
أما قوله تعالى : نغفر لكم  فالكلام في المغفرة قد تقدم. ثم ههنا بحثان :
الأول : أن قوله : نغفر لكم  ذكره الله تعالى في معرض الامتنان، ولو كان قبول التوبة واجبا عقلا على ما تقوله المعتزلة لما كان الأمر كذلك، بل كان أداء للواجب وأداء الواجب لا يجوز ذكره في معرض الامتنان. 
الثاني : ههنا قراءات. أحدها : قرأ أبو عمرو وابن المنادى بالنون وكسر الفاء. وثانيها : قرأ نافع بالياء وفتحها. وثالثها : قرأ الباقون من أهل المدينة وجبلة عن المفضل بالتاء وضمها وفتح الفاء، ورابعها : قرأ الحسن وقتادة وأبو حيوة والجحدري بالياء وضمها وفتح الفاء. قال القفال : والمعنى في هذه القراءات كلها واحد، لأن الخطيئة إذا غفرها الله تعالى فقد غفرت وإذا غفرت فإنما يغفرها الله، والفعل إذا تقدم الاسم المؤنث وحال بينه وبين الفاعل حائل جاز التذكير والتأنيث كقوله : وأخذ الذين ظلموا الصيحة  والمراد من الخطيئة الجنس لا الخطيئة الواحدة بالعدد. أما قوله تعالى : خطاياكم  ففيه قراءات، أحدها : قرأ الجحدري **«خطيئتكم »** بمدة وهمزة وتاء مرفوعة بعد الهمزة على واحدة. وثانيها : الأعمش **«خطيئاتكم »** بمدة وهمزة وألف بعد الهمزة قبل التاء وكسر التاء. وثالثها : الحسن كذلك إلا أنه يرفع التاء، ورابعها : الكسائي خطاياكم بهمزة ساكنة بعد الطاء قبل الياء، وخامسها : ابن كثير بهمزة ساكنة بعد الياء وقبل الكاف. وسادسها : الكسائي بكسر الطاء والتاء، والباقون بإمالة الياء فقط. 
أما قوله تعالى : وسنزيد المحسنين  فإما أن يكون المراد من المحسن من كان محسنا بالطاعة في هذا التكليف أو من كان محسنا بطاعات أخرى في سائر التكاليف. أما على التقدير الأول : فالزيادة الموعودة يمكن أن تكون من منافع الدنيا وأن تكون من منافع الدين. أما الاحتمال الأول : وهو أن تكون من منافع الدنيا، فالمعنى أن من كان محسنا بهذه الطاعة فإنا نزيده سعة في الدنيا ونفتح عليه قرى غير هذه القرية، وأما الاحتمال الثاني : وهو أن تكون من منافع الآخرة، فالمعنى أن من كان محسنا بهذه الطاعة والتوبة فإنا نغفر له خطاياه ونزيده على غفران الذنوب إعطاء الثواب الجزيل كما قال :
 للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  أي نجازيهم بالإحسان إحسانا وزيادة كما جعل الثواب للحسنة الواحدة عشرا، وأكثر من ذلك، وأما إن كان المراد من **«المحسنين »** من كان محسنا بطاعات أخرى بعد هذه التوبة، فيكون المعنى أنا نجعل دخولكم الباب سجدا وقولكم حطة مؤثرا في غفران الذنوب، ثم إذا أتيتم بعد ذلك بطاعات أخرى أعطيناكم الثواب على تلك الطاعات الزائدة، وفي الآية تأويل آخر، وهو أن المعنى من كان خاطئا غفرنا له ذنبه بهذا الفعل، ومن لم يكن خاطئا بل كان محسنا زدنا في إحسانه، أي كتبنا تلك الطاعة في حسناته وزدناه زيادة منا فيها فتكون المغفرة للمؤمنين والزيادة للمطيعين.

### الآية 2:59

> ﻿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [2:59]

أما قوله تعالى : فبدل الذين ظلموا  ففيه قولان. الأول : قال أبو مسلم قوله تعالى : فبدل  يدل على أنهم لم يفعلوا ما أمروا به، لا على أنهم أتوا له ببدل، والدليل عليه أن تبديل القول قد يستعمل في المخالفة، قال تعالى : سيقول المخلفون من الأعراب  إلى قوله : يريدون أن يبدلوا كلام الله  ولم يكن تبديلهم إلا الخلاف في الفعل لا في القول فكذا ههنا، فيكون المعنى أنهم لما أمروا بالتواضع وسؤال المغفرة لم يمتثلوا أمر الله ولم يلتفتوا إليه. الثاني : وهو قول جمهور المفسرين : إن المراد من التبديل أنهم أتوا ببدل له لأن التبديل مشتق من البدل، فلابد من حصول البدل، وهذا كما يقال : فلان بدل دينه، يفيد أنه انتقل من دين إلى دين آخر، ويؤكد ذلك قوله تعالى : قولا غير الذي قيل لهم  ثم اختلفوا في أن ذلك القول والفعل أي شيء كان ؟ فروي عن ابن عباس أنهم دخلوا الباب الذي أمروا أن يدخلوا فيه سجدا زاحفين على أستاههم، قائلين حنطة من شعيرة، وعن مجاهد أنهم دخلوا على أدبارهم وقالوا : حنطة استهزاء، وقال ابن زيد : استهزاء بموسى وقالوا : ما شاء موسى أن يلعب بنا إلا لعب بنا حطة حطة أي شيء حطة. 
أما قوله تعالى : الذين ظلموا  فإنما وصفهم الله بذلك إما لأنهم سعوا في نقصان خيراتهم في الدنيا والدين أو لأنهم أضروا بأنفسهم، وذلك ظلم على ما تقدم. 
أما قوله تعالى : فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء  ففيه بحثان :
الأول : أن في تكرير : الذين ظلموا  زيادة في تقبيح أمرهم وإيذانا بأن إنزال الرجز عليهم لظلمهم. الثاني : أن الرجز هو العذاب والدليل عليه قوله تعالى : ولما وقع عليهم الرجز  أي العقوبة، وكذا قوله تعالى : لئن كشفت عنا الرجز  وذكر الزجاج أن الرجز والرجس معناهما واحد وهو العذاب. 
وأما قوله : ويذهب عنكم رجز الشيطان  فمعناه لطخه وما يدع إليه من الكفر، ثم إن تلك العقوبة أي شيء كانت لا دلالة في الآية عليه، فقال ابن عباس : مات منهم بالفجأة أربعة وعشرون ألفا في ساعة واحدة، وقال ابن زيد : بعث الله عليهم الطاعون حتى مات من الغداة إلى العشي خمس وعشرون ألفا، ولم يبق منهم أحد. 
أما قوله تعالى : بما كانوا يفسقون ، فالفسق هو الخروج المضر، يقال فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها وفي الشرع عبارة عن الخروج من طاعة الله إلى معصيته، قال أبو مسلم : هذا الفسق هو الظلم المذكور في قوله تعالى : على الذين ظلموا  وفائدة التكرار التأكيد والحق أنه غير مكرر لوجهين. الأول : أن الظلم قد يكون من الصغائر، وقد يكون من الكبائر، ولذلك وصف الله الأنبياء بالظلم في قوله تعالى : ربنا ظلمنا أنفسنا  ولأنه تعالى قال : إن الشرك لظلم عظيم  ولو لم يكن الظلم إلا عظيما لكان ذكر العظيم تكريرا والفسق لابد وأن يكون من الكبائر فلما وصفهم الله بالظلم أولا : وصفهم بالفسق، ثانيا : ليعرف أن ظلمهم كان من الكبائر لا من الصغائر. الثاني : يحتمل أنهم استحقوا اسم الظالم بسبب ذلك التبديل فنزل الرجز عليهم من السماء بسبب ذلك التبديل بل للفسق الذي كانوا فعلوه قبل ذلك التبديل وعلى هذا الوجه يزول التكرار. 
النوع الثاني من الكلام في هذه الآية : اعلم أن الله تعالى ذكر هذه الآية في سورة الأعراف وهو قوله : وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم وسنزيد المحسنين، فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون  واعلم أن من الناس من يحتج بقوله تعالى : فبدل الذين ظلموا  على أن ما ورد به التوقيف من الأذكار أنه غير جائز تغييرها ولا تبديلها بغيرها، وربما احتج أصحاب الشافعي رضي الله عنه في أنه لا يجوز تحريم الصلاة بلفظ التعظيم والتسبيح ولا تجوز القراءة بالفارسية وأجاب أبو بكر الرازي بأنهم إنما استحقوا الذم لتبديلهم القول إلى قول آخر يضاد معناه معنى الأول، فلا جرم استوجبوا الذم، فأما من غير اللفظ مع بقاء المعنى فليس كذلك والجواب أن ظاهر قوله : فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم  يتناول كل من بدل قولا بقول آخر سواء اتفق القولان في المعنى أو لم يتفقا، وههنا سؤالات :
السؤال الأول : لم قال في سورة البقرة : وإذ قلنا  وقال في الأعراف : وإذ قيل لهم  الجواب أن الله تعالى صرح في أول القرآن بأن قائل هذا القول هو الله تعالى إزالة للإبهام ولأنه ذكر في أول الكلام : اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم  ثم أخذ يعدد \[ نعمه \] نعمة نعمة فاللائق بهذا المقام أن يقول : وإذ قلنا  أما في سورة الأعراف فلا يبقى في قوله تعالى : وإذ قيل لهم  إبهام بعد تقديم التصريح به في سورة البقرة. 
السؤال الثاني : لم قال في البقرة : وإذ قلنا ادخلوا  وفي الأعراف : اسكنوا  ؟ الجواب : الدخول مقدم على السكون ولابد منهما فلا جرم ذكر الدخول في السورة المتقدمة والسكون في السورة المتأخرة. 
السؤال الثالث : لم قال في البقرة : فكلوا  بالفاء وفي الأعراف : وكلوا  بالواو ؟ والجواب ههنا هو الذي ذكرناه في قوله تعالى في سورة البقرة : وكلا منها رغدا  وفي الأعراف : فكلا . 
السؤال الرابع : لم قال في البقرة : نغفر لكم خطاياكم  وفي الأعراف : نغفر لكم خطيئاتكم ، الجواب : الخطايا جمع الكثرة والخطيئات جمع السلامة فهو للقلة، وفي سورة البقرة لما أضاف ذلك القول إلى نفسه فقال : وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية  لا جرم قرن به ما يليق جوده وكرمه وهو غفران الذنوب الكثيرة، فذكر بلفظ الجمع الدال على الكثرة، وفي الأعراف لما لم يضف ذلك إلى نفسه بل قال : وإذ قيل لهم  لا جرم ذكر ذلك بجمع القلة، فالحاصل أنه لما ذكر الفاعل ذكر ما يليق بكرمه من غفران الخطايا الكثيرة \[ ٥ \] وفي الأعراف لما لم يسم الفاعل لم يذكر اللفظ الدال على الكثرة. 
السؤال الخامس : لم ذكر قوله : رغدا  في البقرة وحذفه في الأعراف ؟ الجواب عن هذا السؤال كالجواب في الخطايا والخطيئات لأنه لما أسند الفعل إلى نفسه لا جرم ذكر معه الإنعام الأعظم وهو أن يأكلوا رغدا، وفي الأعراف لما لم يسند الفعل إلى نفسه لم يذكر الإنعام الأعظم فيه. 
السؤال السادس : لم ذكر في البقرة : وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة  وفي الأعراف قدم المؤخر ؟ الجواب : الواو للجمع المطلق وأيضا فالمخاطبون بقوله : ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة ، يحتمل أن يقال : إن بعضهم كانوا مذنبين والبعض الآخر ما كانوا مذنبين، فالمذنب لابد أن يكون اشتغاله بحط الذنوب مقدما على الاشتغال بالعبادة لأن التوبة عن الذنب مقدمة على الاشتغال بالعبادات المستقبلة لا محالة، فلا جرم كان تكليف هؤلاء أن يقولوا أولا **«حطة »** ثم يدخلوا الباب سجدا، وأما الذي لا يكون مذنبا فالأولى به أن يشتغل أولا بالعبادة ثم يذكر التوبة، ثانيا : على سبيل هضم النفس وإزالة العجب في فعل تلك العبادة فهؤلاء يجب أن يدخلوا الباب سجدا أولا ثم يقولوا حطة ثانيا، فلما احتمل كون أولئك المخاطبين منقسمين إلى هذين القسمين لا جرم ذكر الله تعالى حكم كل واحد منهما في سورة أخرى. 
السؤال السابع : لم قال : وسنزيد المحسنين  في البقرة مع الواو وفي الأعراف : سنزيد المحسنين  من غير الواو ؟ الجواب : أما في الأعراف فذكر فيه أمرين : أحدهما : قول الحطة وهو إشارة إلى التوبة، ( وثانيها ) : دخول الباب سجدا وهو إشارة إلى العبادة، ثم ذكر جزأين :( أحدهما ) : قوله تعالى : نغفر لكم خطاياكم  وهو واقع في مقابلة قول الحطة. ( والآخر ) : قوله : سنزيد المحسنين  وهو واقع في مقابلة دخول الباب سجدا فترك الواو يفيد توزع كل واحد من الجزأين على كل واحد من الشرطين. وأما في سورة البقرة فيفيد كون مجموع المغفرة والزيادة جزاء واحدا لمجموع الفعلين أعني دخول الباب وقول الحطة. 
السؤال الثامن : قال الله تعالى في سورة البقرة : فبدل الذين ظلموا قولا  وفي الأعراف : فبدل الذين ظلموا منهم قولا  فما الفائدة في زيادة كلمة **«منهم »** في الأعراف ؟ الجواب : سبب زيادة هذه اللفظة في سورة الأعراف أن أول القصة ههنا مبني على التخصيص بلفظ **«من »** لأنه تعالى قال : ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون  فذكر أن منهم من يفعل ذلك ثم عدد صنوف إنعامه عليهم وأوامره لهم، فلما انتهت القصة قال الله تعالى : فبدل الذين ظلموا منهم  فذكر لفظة : منهم  في آخر القصة كما ذكرها في أول القصة ليكون آخر الكلام مطابقا لأوله فيكون الظالمون من قوم موسى بإزاء الهادين منهم فهناك ذكر أمة عادلة، وههنا ذكر أمة جابرة وكلتاهما من قوم موسى فهذا هو السبب في ذكر هذه الكلمة في سورة الأعراف، وأما في سورة البقرة فإنه لم يذكر في الآيات التي قبل قوله : فبدل الذين ظلموا  تمييزا وتخصيصا حتى يلزم في آخر القصة ذكر ذلك التخصيص فظهر الفرق. 
السؤال التاسع : لم قال في البقرة : فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا  وقال في الأعراف : فأرسلنا  الجواب : الإنزال يفيد حدوثه في أول الأمر والإرسال يفيد تسلطه عليهم واستئصاله لهم بالكلية، وذلك إنما يحدث بالآخرة. 
السؤال العاشر : لم قال في البقرة : بما كانوا يفسقون  وفي الأعراف : بما كانوا يظلمون ، الجواب : أنه تعالى لما بين في سورة البقرة كون ذلك الظلم فسقا اكتفى بلفظ الظلم في سورة الأعراف لأجل ما تقدم من البيان في سورة البقرة، والله أعلم.

### الآية 2:60

> ﻿۞ وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ ۖ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ [2:60]

قوله تعالى : وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين 
قراءة العامة اثنتا عشرة بسكون الشين على التخفيف وقراءة أبي جعفر بكسر الشين، وعن بعضهم بفتح الشين، والوجه هو الأول لأنه أخف وعليه أكثر القراء، واعلم أن هذا هو الإنعام التاسع من الإنعامات المعدودة على بني إسرائيل، وهو جامع لنعم الدنيا والدين، أما في الدنيا فلأنه تعالى أزال عنهم الحاجة الشديدة إلى الماء ولولاه لهلكوا في التيه، كما لولا إنزاله المن والسلوى لهلكوا، فقد قال تعالى : وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام  وقال : وجعلنا من الماء كل شيء حي  بل الإنعام بالماء في التيه أعظم من الإنعام بالماء المعتاد لأن الإنسان إذا اشتدت حاجته إلى الماء في المفازة وقد انسدت عليه أبواب الرجاء لكونه في مكان لا ماء فيه ولا نبات، فإذا رزقه الله الماء من حجر ضرب بالعصا فانشق واستقى منه علم أن هذه النعمة لا يكاد يعدلها شيء من النعم، وأما كونه من نعم الدين فلأنه من أظهر الدلائل على وجود الصانع وقدرته وعلمه ومن أصدق الدلائل على صدق موسى عليه السلام، وههنا مسائل :
المسألة الأولى : جمهور المفسرين أجمعوا على أن هذا الاستسقاء كان في التيه، لأن الله تعالى لما ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى وجعل ثيابهم بحيث لا تبلى ولا تتسخ خافوا العطش فأعطاهم الله الماء من ذلك الحجر، وأنكر أبو مسلم حمل هذه المعجزة على أيام مسيرهم إلى التيه فقال : بل هو كلام مفرد بذاته، ومعنى الاستسقاء طلب السقيا من المطر على عادة الناس إذا أقحطوا ويكون ما فعله الله من تفجير الحجر بالماء فوق الإجابة بالسقيا وإنزال الغيث والحق أنه ليس في الآية ما يدل على أن الحق هذا أو ذاك وإن كان الأقرب أن ذلك وقع في التيه، ويدل عليه وجهان. أحدهما : أن المعتاد في البلاد الاستغناء عن طلب الماء إلا في النادر، الثاني : ما روي أنهم كانوا يحملون الحجر مع أنفسهم لأنه صار معدا لذلك فكما كان المن والسلوى ينزلان عليهم في كل غداة فكذلك الماء ينفجر لهم في كل وقت وذلك لا يليق إلا بأيامهم في التيه. 
المسألة الثانية : اختلفوا في العصا، فقال الحسن : كانت عصا أخذها من بعض الأشجار، وقيل كانت من آس الجنة طولها عشرة أذرع على طول موسى ولها شعبتان تتقدان في الظلمة والذي يدل عليه القرآن أن مقدارها كان مقدارا يصح أن يتوكأ عليها وأن تنقلب حية عظيمة ولا تكون كذلك إلا ولها قدر من الطول والغلظ وما زاد على ذلك فلا دلالة عليه. 
واعلم أن السكوت عن أمثال هذه المباحث واجب لأنه ليس فيها نص متواتر قاطع ولا يتعلق بها عمل حتى يكتفي فيها بالظن المستفاد من أخبار الآحاد فالأولى تركها. 
المسألة الثالثة : اللام في **«الحجر »** إما للعهد والإشارة إلى حجر معلوم، فروي أنه حجر طوري حمله معه وكان مربعا له أربعة أوجه ينبع من كل وجه ثلاثة أعين لكل سبط عين تسيل في جدول إلى ذلك السبط، وكانوا ستمائة ألف وسعة المعسكر اثنا عشر ميلا، وقيل اهبط مع آدم من الجنة فتوارثوه حتى وقع إلى شعيب فدفعه إليه مع العصا، وقيل : هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل إذ رموه بالأدرة ففر به، فقال له جبريل : يقول الله تعالى : ارفع هذا الحجر فإن لي فيه قدرة ولك فيه معجزة، فحمله في مخلاته، وإما للجنس أي اضرب الشيء الذي يقال له الحجر، وعن الحسن : لم يأمروه أن يضرب حجرا بعينه. قال : وهذا أظهر في الحجة وأبين في القدرة، وروي أنهم قالوا : كيف بنا لو أفضينا إلى أرض ليست فيها حجارة فحمل حجرا في مخلاته فحينما نزلوا ألقاه وقيل : كان يضربه بعصاه فينفجر ويضربه بها فييبس، فقالوا : إن فقد موسى عصاه متنا عطشا. فأوحى الله إليه لا تقرع الحجارة، وكلمها تطعك، واختلفوا في صفة الحجر فقيل : كان من رخام وكان ذراعا في ذراع، وقيل : مثل رأس الإنسان. والمختار عندنا تفويض علمه إلى الله تعالى. 
المسألة الرابعة : الفاء في قوله  فانفجرت  متعلقة بمحذوف أي فضرب فانفجرت أو فإن ضربت فقد انفجرت. بقي هنا سؤالات :
السؤال الأول : هل يجوز أن يأمره الله تعالى بأن يضرب بعصاه الحجر فينفجر من غير ضرب حتى يستغني عن تقدير هذا المحذوف ؟ الجواب : لا يمتنع في القدرة أن يأمره الله تعالى بأن يضرب بعصاه الحجر ومن قبل أن يضرب ينفجر على قدر الحاجة لأن ذلك لو قيل إنه أبلغ في قيل : إنه أبلغ في الإعجاز لكان أقرب، لكن الصحيح أنه ضرب فانفجرت لأنه تعالى لو أمر رسوله بشيء، ثم إن الرسول لا يفعله لصار الرسول عاصيا، ولأنه إذا انفجر من غير ضرب صار الأمر بالضرب بالعصا عبثا، كأنه لا معنى له ولأن المروي في الأخبار أن تقديره : فضرب فانفجرت كما في قوله تعالى : فانفلق  من أن المراد فضرب فانفلق. 
السؤال الثاني : أنه تعالى ذكر ههنا : فانفجرت  وفي الأعراف : فانبجست  وبينهما تناقض لأن الانفجار خروج الماء بكثرة والانبجاس خروجه قليلا. الجواب من ثلاثة أوجه : أحدها : الفجر الشق في الأصل، والانفجار الانشقاق، ومنه الفاجر لأنه يشق عصا المسلمين بخروجه إلى الفسق، والانبجاس اسم للشق الضيق القليل، فهما مختلفان اختلاف العام والخاص، فلا يتناقضان، وثانيها : لعله انبجس أولا، ثم انفجر ثانيا، وكذا العيون : يظهر الماء منها قليلا ثم يكثر لدوام خروجه. وثالثها : لا يمتنع أن حاجتهم كانت تشتد إلى الماء فينفجر، أي يخرج الماء كثيرا ثم كانت تقل فكان الماء ينبجس أي يخرج قليلا. 
السؤال الثالث : كيف يعقل خروج المياه العظيمة من الحجر الصغير ؟ الجواب : هذا السائل إما أن يسلم وجود الفاعل المختار أو ينكره، فإن سلم فقد زال السؤال، لأنه قادر على أن يخلق الجسم كيف شاء كما خلق البحار وغيرها، وإن نازع فلا فائدة له في البحث عن معنى القرآن والنظر في تفسيره، وهذا هو الجواب عن كل ما يستبعدونه من المعجزات التي حكاها الله تعالى في القرآن من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وأيضا فالفلاسفة لا يمكنهم القطع بفساد ذلك لأن العناصر الأربعة لها هيولى مشتركة عندهم، وقالوا : إنه يصح الكون والفساد عليها، وإنه يصح انقلاب الهواء ماء وبالعكس وكذلك قالوا :\[ الهواء \] إذا وضع في الكوز الفضة جمد فإنه يجتمع على أطراف الكوز قطرات الماء، فقالوا : تلك القطرات إنما حصلت لأن الهواء انقلب ماء فثبت أن ذلك ممكن في الجملة والحوادث السفلية مطيعة للاتصالات الفلكية، فلم يكن مستبعدا أن يحدث اتصال فلكي يقتضي وقوع هذا الأمر الغريب في هذا العالم. فثبت أن الفلاسفة لا يمكنهم الجزم بفساد ذلك. 
أما المعتزلة فإنهم لما اعتقدوا كون العبد موجدا لأفعاله لا جرم قلنا لهم : لم لا يجوز أن يقدر العبد على خلق الجسم ؟ فذكروا في ذلك طريقين ضعيفين جدا سنذكرهما إن شاء الله تعالى في تفسير آية السحر، ونذكر وجه ضعفهما وسقوطهما. وإذا كان كذلك فلا يمكنهم القطع بأن ذلك من فعل الله تعالى فتنسد عليهم أبواب المعجزات والنبوات، أما أصحابنا فإنهم لما اعتقدوا أنه لا موجد إلا الله تعالى لا جرم جزموا أن المحدث لهذه الأفعال الخارقة للعادات هو الله تعالى، فلا جرم أمكنهم الاستدلال بظهورها على يد المدعي على كونه صادقا. 
السؤال الرابع : أتقولون إن ذلك الماء كان مستكنا في الحجر ثم ظهر أو قلب الله الهواء ماء أو خلق الماء ابتداء ؟ والجواب : أما الأول فباطل لأن الظرف الصغير لا يحوي الجسم العظيم إلا على سبيل التداخل وهو محال. أما الوجهان الأخيران فكل واحد منهما محتمل، فإن كان على الوجه الأول فقد أزال الله تعالى اليبوسة عن أجزاء الهواء وخلق الرطوبة فيها وإن كان على الوجه الثاني فقد خلق تلك الأجزاء وخلق الرطوبة فيها. واعلم أن الكلام في هذا الباب كالكلام فيما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الغزوات وقد ضاق بهم الماء فوضع يده في متوضئه ففار الماء من بين أصابعه حتى استكفوا. 
السؤال الخامس : معجزة موسى في هذا المعنى أعظم أم معجزة محمد عليه السلام ؟ الجواب : كل واحدة منهما معجزة باهرة قاهرة، لكن التي لمحمد صلى الله عليه وسلم أقوى لأن نبوع الماء من الحجر معهود في الجملة، أما نبوعه من بين الأصابع فغير معتاد البتة فكان ذلك أقوى. 
السؤال السادس : ما الحكمة في جعل الماء اثنتي عشرة عينا ؟ والجواب : أنه كان في قوم موسى كثرة والكثير من الناس إذا اشتدت بهم الحاجة إلى الماء ثم وجدوه فإنه يقع بينهم تشاجر وتنازع وربما أفضى ذلك إلى الفتن العظيمة فأكمل الله تعالى هذه النعمة بأن عين لكل سبط منهم ماء معينا لا يختلط بغيره والعادة في الرهط الواحد أن لا يقع بينهم من التنازع مثل ما يقع بين المختلفين. 
السؤال السابع : من كم وجه يدل هذا الانفجار على الإعجاز ؟ والجواب من وجوه : أحدها : أن نفس ظهور الماء معجز، وثانيها : خروج الماء العظيم من الحجر الصغير، وثالثها : خروج الماء بقدر حاجتهم، ورابعها : خروج الماء عند ضرب الحجر بالعصا، وخامسها : انقطاع الماء عند الاستغناء عنه، فهذه الوجوه الخمسة لا يمكن تحصيلها إلا بقدرة تامة نافذة في كل الممكنات وعلم نافذ في جميع المعلومات وحكمة عالية على الدهر والزمان، وما ذاك إلا للحق سبحانه وتعالى. 
أما قوله تعالى : قد علم كل أناس مشربهم  فنقول : إنما علموا ذلك لأنه أمر كل إنسان أن لا يشرب إلا من جدول معين كيلا يختلفوا عند الحاجة إلى الماء، وأما إضافة المشرب إليهم فلأنه تعالى لما أباح لكل سبط من الأسباط ذلك الماء الذي ظهر من ذلك الشق الذي يليه صار ذلك كالملك لهم وجازت إضافته إليهم. 
أما قوله تعالى : كلوا واشربوا من رزق الله  ففيه حذف، والمعنى : فقلنا لهم أو قال لهم موسى : كلوا واشربوا، وإنما قال : كلوا لوجهين، أحدهما : لما تقدم من ذكر المن والسلوى، فكأنه قال : كلوا من المن والسلوى الذي رزقكم الله بلا تعب ولا نصب واشربوا من هذا الماء. والثاني : أن الأغذية لا تكون إلا بالماء، فلما أعطاهم الماء فكأنه تعالى أعطاهم المأكول والمشروب. واحتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الرزق هو الحلال، قالوا : لأن أقل درجات قوله : كلوا واشربوا  الإباحة، وهذا يقتضي كون الرزق مباحا، فلو وجد رزق حرام لكان ذلك الرزق مباحا وحراما وإنه غير جائز. 
أما قوله تعالى : ولا تعثوا في الأرض مفسدين  فالعثى أشد الفساد، فقيل لهم : لا تتمادوا في الفساد في حالة إفسادكم لأنهم كانوا متمادين فيه، والمقصود منه ما جرت العادة بين الناس من التشاجر والتنازع في الماء عند اشتداد الحاجة إليه، فكأنه تعالى قال : إن وقع التنازع بسبب ذلك الماء فلا تبالغوا في التنازع والله أعلم.

### الآية 2:61

> ﻿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَنْ نَصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [2:61]

قوله تعالى : وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على الطعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتكم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون . 
اعلم أن القراءة المعروفة يخرج لنا بضم الياء وكسر الراء، تنبت بضم التاء وكسر الباء، وقرأ زيد بن علي بفتح الياء وضم الراء، تنبت بفتح التاء وضم الباء، ثم اعلم أن أكثر الظاهرين من المفسرين زعموا أن ذلك السؤال كان معصية، وعندنا أنه ليس الأمر كذلك، والدليل عليه أن قوله تعالى : كلوا واشربوا  من قبل هذه الآية عند إنزال المن والسلوى ليس بإيجاب بل هو إباحة، وإذا كان كذلك لم يكن قولهم : لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك  معصية لأن من أبيح له ضرب من الطعام يحسن منه أن يسأل غير ذلك إما بنفسه أو على لسان الرسول، فلما كان عندهم أنهم إذا سألوا موسى أن يسأل ذلك من ربه كان الدعاء أقرب إلى الإجابة جاز لهم ذلك ولم يكن فيه معصية. 
واعلم أن سؤال النوع الآخر من الطعام يحتمل أن يكون لأغراض : الأول : أنهم لما تناولوا ذلك النوع الواحد أربعين سنة ملوه فاشتهوا غيره، الثاني : لعلهم في أصل الخلقة ما تعودوا ذلك النوع وإنما تعودوا سائر الأنواع ورغبة الإنسان فيما اعتاده في أصل التربية وإن كان خسيسا فوق رغبته فيما لم يعتده وإن كان شريفا. الثالث : لعلهم ملوا من البقاء في التيه فسألوا هذه الأطعمة التي لا توجد إلا في البلاد وغرضهم الوصول إلى البلاد لا نفس تلك الأطعمة. الرابع : أن المواظبة على الطعام الواحد سبب لنقصان الشهوة وضعف الهضم وقلة الرغبة والاستكثار من الأنواع يعين على تقوية الشهوة وكثرة الالتذاذ، فثبت أن تبديل النوع بالنوع يصلح أن يكون مقصود العقلاء، وثبت أنه ليس في القرآن ما يدل على أنهم كانوا ممنوعين عنه، فثبت أن هذا القدر لا يجوز أن يكون معصية، ومما يؤكد ذلك أن قوله تعالى : اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم  كالإجابة لما طلبوا ولو كانوا عاصين في ذلك السؤال لكانت الإجابة إليه معصية وهي غير جائزة على الأنبياء، لا يقال : إنهم لما أبوا شيئا اختاره الله لهم أعطاهم عاجل ما سألوه كما قال : ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها  لأنا نقول هذا خلاف الظاهر، واحتجوا على أن ذلك السؤال كان معصية بوجوه. الأول : أن قولهم : لن نصبر على طعام واحد  دلالة على أنهم كرهوا إنزال المن والسلوى وتلك الكراهة معصية، الثاني : أن قول موسى عليه السلام : أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير  استفهام على سبيل الإنكار، وذلك يدل على كونه معصية. الثالث : أن موسى عليه السلام وصف ما سألوه بأنه أدنى وما كانوا عليه بأنه خير وذلك يدل على ما قلناه، والجواب عن الأول : أنه ليس تحت قولهم : لن نصبر على طعام واحد  دلالة على أنهم ما كانوا راضين به فقط، بل اشتهوا شيئا آخر، ولأن قولهم : لن نصبر  إشارة إلى المستقبل لأن كلمة لن للنفي في المستقبل فلا يدل على أنهم سخطوا الواقع، وعن الثاني : أن الاستفهام على سبيل الإنكار قد يكون لما فيه من تفويت الأنفع في الدنيا وقد يكون لما فيه من تفويت الأنفع في الآخرة، وعن الثالث : بقريب من ذلك، فإن الشيء قد يوصف بأنه خير من حيث كان الانتفاع به حاضرا متيقنا ومن حيث إنه يحصل عفوا بلا كد كما يقال ذلك في الحاضر، فقد يقال في الغائب المشكوك فيه : إنه أدنى من حيث لا يتيقن ومن حيث لا يوصل إليه إلا بالكد، فلا يمتنع أن يكون مراده : أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير  هذا المعنى أو بعضه فثبت بما ذكرنا أن ذلك السؤال ما كان معصية بل كان سؤالا مباحا، وإذا كان كذلك فقوله تعالى : وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ، لا يجوز أن يكون لما تقدم بل لما ذكره الله تعالى بعد ذلك وهو قوله تعالى : ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق  فبين أنه إنما ضرب الذلة والمسكنة عليهم وجعلهم محل الغضب والعقاب من حيث كانوا يكفرون لا لأنهم سألوا ذلك. 
المسألة الثانية : قوله تعالى : لن نصبر على طعام واحد  ليس المراد أنه واحد في النوع بل أنه واحد في النهج وهو كما يقال : إن طعام فلان على مائدته طعام واحد إذا كان لا يتغير عن نهجه. 
المسألة الثالثة : القراءة المعروفة : وقثائها  بكسر القاف، وقرأ الأعمش وطلحة وقثائها بضم القاف والقراءة المعروفة : وفومها  بالفاء وعن علقمة عن ابن مسعود وثومها وهي قراءة ابن عباس قالوا : وهذا أوفق لذكر البصل واختلفوا في الفوم فعن ابن عباس أنه الحنطة، وعنه أيضا أن الفوم هو الخبز وهو أيضا المروي عن مجاهد وعطاء وابن زيد وحكي عن بعض العرب : فوموا لنا أي اخبزوا لنا وقيل هو الثوم وهو مروي أيضا عن ابن عباس ومجاهد واختيار الكسائي واحتجوا عليه بوجوه. ( الأول ) : أنه في حرف عبد الله بن مسعود وثومها. ( الثاني ) : أن المراد لو كان هو الحنطة لما جاز أن يقال : أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير  لأن الحنطة أشرف الأطعمة. ( الثالث ) : أن الثوم أوفق للعدس والبصل من الحنطة. 
المسألة الرابعة : القراءة المعروفة : أتستبدلون  وفي حرف أبي بن كعب :( أتبدلون ) بإسكان الباء وعن زهير الفرقبي :( أدنا ) بالهمزة من الدناءة. واختلفوا في المراد بالأدنى وضبط القول فيه أن المراد إما أن يكون أدنى في المصلحة في الدين أو في المنفعة في الدنيا، والأول غير مراد لأن الذي كانوا عليه لو كان أنفع في باب الدين من الذي طلبوه لما جاز أن يجيبهم إليه، لكنه قد أجابهم إليه بقوله : اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم ، فبقي أن يكون المراد منه المنفعة في الدنيا ثم لا يجوز أن يكون المراد أن هذا النوع الذي أنتم عليه أفضل من الذي تطلبونه لما بينا أن الطعام الذي يكون ألذ الأطعمة عند قوم قد يكون أخسها عند آخرين، بل المراد ما بينا أن المن والسلوى متيقن الحصول وما يطلبونه مشكوك الحصول والمتيقن خير من المشكوك أو لأن هذا يحصل من غير كد ولا تعب، وذلك لا يحصل إلا مع الكد والتعب، فيكون الأول أولى. فإن قيل : كان لهم أن يقولوا هذا الذي يحصل عفوا صفوا لما كرهناه بطباعنا كان تناوله أشق من الذي لا يحصل إلا مع الكد إذا اشتهته طباعنا. قلنا : هب أنه وقع التعارض من هذه الجهة لكنه وقع الترجيح بما أن الحاضر المتيقن راجع على الغائب المشكوك. 
المسألة الخامسة : القراءة المعروفة : اهبطوا  بكسر الباء وقرئ بضم الباء، القراءة المشهورة : مصرا  بالتنوين وإنما صرفه مع اجتماع السببين فيه وهما التعريف والتأنيث لسكون وسطه كقوله : ونوحا هدينا ولوطا  وفيهما العجمة والتعريف وإن أريد به البلد، فما فيه إلا سبب واحد، وفي مصحف عبد الله وقرأ به الأعمش : اهبطوا مصرا  بغير تنوين كقوله : ادخلوا مصرا  واختلف المفسرون في قوله : اهبطوا مصرا  روي عن ابن مسعود وأبي بن كعب ترك التنوين، وقال الحسن : الألف في مصرا زيادة من الكاتب فحينئذ تكون معرفة فيجب أن تحمل على ما هو المختص بهذا الاسم وهو البلد الذي كان فيه فرعون وهو مروي عن أبي العالية والربيع، وأما الذين قرؤوا بالتنوين وهي القراءة المشهورة فقد اختلفوا، فمنهم من قال : المراد البلد الذي كان فيه فرعون ودخول التنوين فيه كدخوله في نوح ولوط، وقال آخرون : المراد الأمر بدخول أي بلد كان كأنه قيل لهم ادخلوا بلدا أي بلد كان لتجدوا فيه هذه الأشياء، وبالجملة فالمفسرون قد اختلفوا في أن المراد من مصر هو البلد الذي كانوا فيه أولا أو بلد آخر، فقال كثير من المفسرين : لا يجوز أن يكون هو البلد الذي كانوا فيه مع فرعون واحتجوا عليه بقوله تعالى : ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم  والاستدلال بهذه الآية من ثلاثة أوجه. ( الأول ) : أن قوله تعالى : ادخلوا الأرض المقدسة  إيجاب لدخول تلك الأرض، وذلك يقتضي المنع من دخول أرض أخرى. ( والثاني ) : أن قوله : كتاب الله  يقتضي دوام كونهم فيه. 
( والثالث ) : أن قوله : ولا ترتدوا على أدباركم  صريح في المنع من الرجوع عن بيت المقدس. ( الرابع ) : أنه تعالى بعد أن أمر بدخول الأرض المقدسة قال : فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض  فإذا تقدم هذا الأمر ثم بين تعالى أنهم ممنوعون من دخولها هذه المدة فعند زوال العذر وجب أن يلزمهم دخولها، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون المراد من مصر سواها. فإن قيل : هذه الوجوه ضعيفة. أما الأول : فلأن قوله : ادخلوا الأرض المقدسة  أمر والأمر للندب فلعلهم ندبوا إلى دخول الأرض المقدسة مع أنهم ما منعوا من دخول مصر، أما الثاني : فهو كقوله : كتب الله لكم  فذلك يدل على دوام تلك الندبية. وأما الثالث : وهو قوله تعالى : ولا ترتدوا على أدباركم  فلا نسلم أن معناه ولا ترجعوا إلى مصر بل فيه وجهان آخران. ( الأول ) : المراد لا تعصوا فيما أمرتم به إذ العرب تقول لمن عصى فيما يؤمر به : ارتد على عقبه. والمراد من هذا العصيان أن ينكر أن يكون دخول الأرض المقدسة أولى. ( الثاني ) : أن يخصص ذلك النهي بوقت معين فقط. قلنا : ثبت في أصول الفقه أن ظاهر الأمر للوجوب فيتم دليلنا بناء على هذا الأصل، وأيضا فهب أنه للندب ولكن الإذن في تركه يكون إذنا في ترك المندوب، وذلك لا يليق بالأنبياء. قوله : لا نسلم أن المراد من قوله : ولا ترتدوا  لا ترجعوا. قلنا : الدليل عليه أنه لما أمر بدخول الأرض المقدسة، ثم قال بعده : ولا ترتدوا على أدباركم  تبادر إلى الفهم أن هذا النهي يرجع إلى ما تعلق به ذلك الأمر. قوله : أن يخصص ذلك النهي بوقت معين، قلنا : التخصيص خلاف الظاهر، أما أبو مسلم الأصفهاني فإنه جوز أن يكون المراد مصر فرعون واحتج عليه بوجهين. ( الأول ) : أنا إن قرأنا : اهبطوا مصرا  بغير تنوين كان لا محالة علما لبلد معين وليس في العالم بلدة ملقبة بهذا اللقب سوى هذه البلدة المعينة فوجب حمل اللفظ عليه ولأن اللفظ إذا دار بين كونه علما وبين كونه صفة فحمله على العلم أولى من حمله على الصفة مثل ظالم وحادث، فإنهما لما جاءا علمين كان حملهما على العلمية أولى. أما إن قرأناه بالتنوين فإما أن نجعله مع ذلك اسم علم ونقول : إنه إنما دخل فيه التنوين لسكون وسطه كما في نوح ولوط فيكون التقرير أيضا ما تقدم بعينه، وأما إن جعلناه اسم جنس فقوله تعالى : اهبطوا مصرا  يقتضي التخيير كما إذ قال : أعتق رقبة فإنه يقتضي التخيير بين جميع رقاب الدنيا. ( الوجه الثاني ) : أن الله تعالى ورث بني إسرائيل أرض مصر وإذا كانت موروثة لهم امتنع أن يحرم عليهم دخولها بيان أنها موروثة لهم، قوله تعالى : فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم  إلى قوله : كذلك وأورثناها بني إسرائيل  ولما ثبت أنها موروثة لهم وجب أن لا يكونوا ممنوعين من دخولها لأن الإرث يفيد الملك والملك مطلق للتصرف. فإن قيل : الرجل قد يكون مالكا للدار وإن كان ممنوعا عن دخولها بوجه آخر، كحال من أوجب على نفسه اعتكاف أيام في المسجد، فإن داره و

### الآية 2:62

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2:62]

قوله تعالى : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون 
اعلم أن القراءة المشهورة : هادوا  بضم الدال وعن الضحاك ومجاهد بفتح الدال وإسكان الواو والقراءة المعروفة الصابئين والصابئون بالهمزة فيهما حيث كانا وعن نافع وشيبة والزهري والصابين بياء ساكنة من غير همزة، والصابون بباء مضمومة وحذف الهمزة، وعن العمري يجعل الهمزة فيهما، وعن أبي جعفر بياءين خالصتين فهما بدل الهمزة، فأما ترك الهمزة فيحتمل وجهين. أحدهما : أن يكون من صبا يصبو إذا مال إلى الشيء فأحبه، والآخر : قلب الهمزة فنقول : الصابيين والصابيون والاختيار الهمز لأنه قراءة الأكثر وإلى معنى التفسير أقرب لأن أهل العلم قالوا : هو الخارج من دين إلى دين، واعلم أن عادة الله إذا ذكر وعدا أو وعيدا عقبه بما يضاده ليكون الكلام تاما فهنا لما ذكر حكم الكفرة من أهل الكتاب وما حل بهم من العقوبة أخبر بما للمؤمنين من الأجر العظيم والثواب الكريم دالا على أنه سبحانه وتعالى يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته كما قال : ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى  فقال : إن الذين آمنوا  واختلف المفسرون في المراد منه، وسبب هذا الاختلاف قوله تعالى في آخر الآية : من آمن بالله واليوم الآخر  فإن ذلك يقتضي أن يكون المراد من الإيمان في قوله تعالى : إن الذين آمنوا  غير المراد منه في قوله في : من آمن بالله  ونظيره في الإشكال قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا آمنوا  فلأجل هذا الإشكال ذكروا وجوها، أحدها : وهو قول ابن عباس. المراد الذين آمنوا قبل مبعث محمد بعيسى عليهما السلام مع البراءة عن أباطيل اليهود والنصارى مثل قس بن ساعدة، وبحيرى الراهب وحبيب النجار وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة ابن نوفل وسلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري ووفد النجاشي فكأنه تعالى قال : إن الذين آمنوا قبل مبعث محمد والذين كانوا على الدين الباطل الذي لليهود والذين كانوا على الدين الباطل الذي للنصارى كل من آمن منهم بعد مبعث محمد عليه السلام بالله واليوم الآخر وبمحمد فلهم أجرهم عند ربهم، وثانيها : أنه تعالى ذكر في أول هذه السورة طريقة المنافقين ثم طريقة اليهود، فالمراد من قوله تعالى : إن الذين آمنوا  هم الذين يؤمنون باللسان دون القلب وهم المنافقون، فذكر المنافقين ثم اليهود والنصارى والصابئين فكأنه تعالى قال : هؤلاء المبطلون كل من أتى منهم بالإيمان الحقيقي صار من المؤمنين عند الله وهو قول سفيان الثوري، وثالثها : المراد من قوله : إن الذين آمنوا  هم المؤمنون بمحمد عليه الصلاة والسلام في الحقيقة وهو عائد إلى الماضي، ثم قوله تعالى : من آمن بالله  يقتضي المستقبل فالمراد الذين آمنوا في الماضي وثبتوا على ذلك واستمروا عليه في المستقبل وهو قول المتكلمين. 
أما قوله تعالى : والذين هادوا  فقد اختلفوا في اشتقاقه على وجوه. أحدها : إنما سموا به حين تابوا من عبادة العجل وقالوا : إنا هدنا إليك  أي تبنا ورجعنا، وهو عن ابن عباس. وثانيها : سموا به لأنهم نسبوا إلى يهوذا أكبر ولد يعقوب وإنما قالت العرب بالدال للتعريب، فإن العرب إذا نقلوا أسماء من العجمية إلى لغتهم غيروا بعض حروفها. وثالثها : قال أبو عمرو بن العلاء : سموا بذلك لأنهم يتهودون أي يتحركون عند قراءة التوراة، وأما النصارى ففي اشتقاق هذا الاسم وجوه أحدها : أن القرية التي كان ينزلها عيسى عليه السلام تسمى ناصرة فنسبوا إليها وهو قول ابن عباس وقتادة وابن جريج، وثانيها : لتناصرهم فيما بينهم أي لنصرة بعضهم بعضا. وثالثها : لأن عيسى عليه السلام قال للحواريين من أنصاري إلى الله، قال صاحب الكشاف : النصارى جمع نصران يقال رجل نصران، وامرأة نصرانة والياء في نصراني للمبالغة كالتي في أحمري لأنهم نصروا المسيح. 
أما قوله تعالى : والصابئين  فهو إذا خرج من دينه إلى دين آخر، وكذلك كانت العرب يسمون النبي عليه السلام صابئا لأنه أظهر دينا بخلاف أديانهم وصبأت النجوم إذا أخرجت من مطلعها، وصبأنا به إذا خرجنا به، وللمفسرين في تفسير مذهبهم أقوال، أحدها : قال مجاهد والحسن : هم طائفة من المجوس واليهود لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم، وثانيها : قال قتادة : هم قوم يعبدون الملائكة ويصلون إلى الشمس كل يوم خمس صلوات. وقال أيضا : الأديان خمسة منها للشيطان أربعة وواحد للرحمن : الصابئون وهم يعبدون الملائكة، والمجوس وهم يعبدون النار، والذين أشركوا يعبدون الأوثان، واليهود والنصارى. وثالثها : وهو الأقرب أنهم قوم يعبدون الكواكب، ثم لهم قولان. الأول : أن خالق العالم هو الله سبحانه، إلا أنه سبحانه أمر بتعظيم هذه الكواكب واتخاذها قبلة للصلاة والدعاء والتعظيم. والثاني : أن الله سبحانه خلق الأفلاك والكواكب، ثم إن الكواكب هي المدبرة لما في هذا العالم من الخير والشر والصحة والمرض، والخالقة لها فيجب على البشر تعظيمها لأنها هي الآلهة المدبرة لهذا العالم ثم إنها تعبد الله سبحانه، وهذا المذهب هو القول المنسوب إلى الكلدانيين الذين جاءهم إبراهيم عليه السلام رادا عليهم ومبطلا لقولهم، ثم إنه سبحانه بين في هذه الفرق الأربعة أنهم إذا آمنوا بالله فلهم الثواب في الآخرة ليعرف أن جميع أرباب الضلال إذا رجعوا عن ضلالهم وآمنوا بالدين الحق فإن الله سبحانه وتعالى يقبل إيمانهم وطاعتهم ولا يردهم عن حضرته البتة، واعلم أنه قد دخل في الإيمان بالله الإيمان بما أوجبه، أعني الإيمان برسله ودخل في الإيمان باليوم الآخر، فهذان القولان قد جمعا كل ما يتصل بالأديان في حال التكليف وفي حال الآخرة من ثواب وعقاب. 
أما قوله تعالى : عند ربهم  فليس المراد العندية المكانية، فإن ذلك محال في حق الله تعالى ولا الحفظ كالودائع بل المراد أن أجرهم متيقن جار مجرى الحاصل عند ربهم. 
وأما قوله تعالى : ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون  فقيل : أراد زوال الخوف والحزن عنهم في الدنيا ومنهم من قال في الآخرة في حال الثواب، وهذا أصح لأن قوله : ولا خوف عليهم  عام في النفي، وكذلك : ولا هم يحزنون  وهذه الصفة لا تحصل في الدنيا وخصوصا في المكلفين لأنهم في كل وقت لا ينفكون من خوف وحزن، إما في أسباب الدنيا وإما في أمور الآخرة، فكأنه سبحانه وعدهم في الآخرة بالأجر، ثم بين أن من صفة ذلك الأجر أن يكون خاليا عن الخوف والحزن، وذلك يوجب أن يكون نعيمهم دائما لأنهم لو جوزوا كونه منقطعا لاعتراهم الحزن العظيم. فإن قال قائل : إن الله تعالى ذكر هذه الآية في سورة المائدة هكذا : إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون  وفي سورة الحج : إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد  فهل في اختلاف هذه الآيات بتقديم الصنوف وتأخيرها ورفع **«الصابئين »** في آية ونصبها في أخرى فائدة تقتضي ذلك ؟ والجواب : لما كان المتكلم أحكم الحاكمين فلابد لهذه التغييرات من حكم وفوائد، فإن أدركنا تلك الحكم فقد فزنا بالكمال وإن عجزنا أحلنا القصور على عقولنا لا على كلام الحكيم، والله أعلم.

### الآية 2:63

> ﻿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [2:63]

قوله تعالى : وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون، ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين 
اعلم أن هذا هو الإنعام العاشر وذلك لأنه تعالى إنما أخذ ميثاقهم لمصلحتهم فصار ذلك من إنعامه عليهم :
أما قوله تعالى : وإذ أخذنا ميثاقكم  ففيه بحثان :
الأول : اعلم أن الميثاق إنما يكون بفعل الأمور التي توجب الانقياد والطاعة، والمفسرون ذكروا في تفسير الميثاق وجوها، أحدها : ما أودع الله العقول من الدلائل الدالة على وجود الصانع وحكمته والدلائل الدالة على صدق أنبيائه ورسله، وهذا النوع من المواثيق أقوى المواثيق والعهود لأنها لا تحتمل الخلف والتبديل بوجه البتة وهو قول الأصم، وثانيها : ما روي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن موسى عليه السلام لما رجع من عند ربه بالألواح قال لهم : إن فيها كتاب الله فقالوا : لن نأخذ بقولك حتى نرى الله جهرة فيقول : هذا كتابي فخذوه فأخذتهم الصاعقة فماتوا ثم أحياهم ثم قال لهم بعد ذلك : خذوا كتاب الله فأبوا فرفع فوقهم الطور وقيل لهم : خذوا الكتاب وإلا طرحناه عليكم، فأخذوه فرفع الطور هو الميثاق، وذلك لأن رفع الطور آية باهرة عجيبة تبهر العقول وترد المكذب إلى التصديق والشاك إلى اليقين، فلما رأوا ذلك وعرفوا أنه من قبله تعالى علما لموسى عليه السلام علما مضافا إلى سائر الآيات أقروا له بالصدق فيما جاء به وأظهروا التوبة وأعطوا العهد والميثاق أن لا يعودوا إلى ما كان منهم من عبادة العجل وأن يقوموا بالتوراة فكان هذا عهدا موثقا جعلوه لله على أنفسهم، وهذا هو اختيار أبي مسلم. ( وثالثها ) : أن لله ميثاقين، ( فالأول ) : حين أخرجهم من صلب آدم وأشهدهم على أنفسهم، ( والثاني ) : أنه ألزم الناس متابعة الأنبياء والمراد ههنا هو هذا العهد. هذا قول ابن عباس وهو ضعيف. ( الثاني ) : قال القفال رحمه الله : إنما قال :( ميثاقكم ) ولم يقل مواثيقكم لوجهين، ( أحدهما ) : أراد به الدلالة على أن كل واحد منهم قد أخذ ذلك كما قال : ثم يخرجكم طفلا  أي كل واحد منكم. ( والثاني ) : أنه كان شيئا واحدا أخذ من كل واحد منهم كما أخذ على غيره فلا جرم كان كله ميثاقا واحدا ولو قيل مواثيقكم لأشبه أن يكون هناك مواثيق أخذت عليهم لا ميثاق واحد، والله أعلم. 
وأما قوله تعالى : ورفعنا فوقكم الطور  فنظيره قوله تعالى : وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة  وفيه أبحاث :
البحث الأول : الواو في قوله تعالى : ورفعنا  واو عطف على تفسير ابن عباس والمعنى أن أخذ الميثاق كان متقدما فلما نقضوه بالامتناع عن قبول الكتاب رفع عليهم الجبل، وأما على تفسير أبي مسلم فليست واو عطف ولكنها واو الحال كما يقال : فعلت ذلك والزمان زمان فكأنه قال : وإذ أخذنا ميثاقكم عند رفعنا الطور فوقكم. ( الثاني ) : قيل : إن الطور كل جبل قال العجاج :

داني جناحيه من الطور فمر  تقضي البازي إذا البازي كسرأما الخليل فقال في كتابه : إن الطور اسم جبل معلوم وهذا هو الأقرب لأن لام التعريف فيه تقتضي حمله على جبل معهود عرف كونه مسمى بهذا الاسم، والمعهود هو الجبل الذي وقعت المناجاة عليه وقد يجوز أن ينقله الله تعالى إلى حيث هم فيجعله فوقهم وإن كان بعيدا منهم لأن القادر أن يسكن الجبل في الهواء قادر أيضا على أن يقلعه وينقله إليهم من المكان البعيد، وقال ابن عباس : أمر تعالى جبلا من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتى قام فوقهم كالظلة وكان المعسكر فرسخا في فرسخ فأوحى الله إليهم أن اقبلوا التوراة وإلا رميت الجبل عليكم، فلما رأوا أن لا مهرب قبلوا التوراة بما فيها وسجدوا للفزع سجودا يلاحظون الجبل، فلذلك سجدت اليهود على أنصاف وجوههم ( الثالث ) : من الملاحدة من أنكر إمكان وقوف الثقيل في الهواء بلا عماد وأما الأرض فقالوا إنما وقفت لأنها بطبعها طالبة للمركز فلا جرم وقفت في المركز، ودليلنا على فساد قولهم أنه سبحانه قادر على كل الممكنات ووقوف الثقيل في الهواء من الممكنات فوجب أن يكون الله قادرا عليه وتمام تقرير هاتين المقدمتين معلوم في كتب الأصول. ( الرابع ) : قال بعضهم : إظلال الجبل غير جائز لأن ذلك لو وقع لكان يجري مجرى الإلجاء إلى الإيمان وهو ينافي التكليف. أجاب القاضي بأنه لا يلجئ لأن أكثر ما فيه خوف السقوط عليهم، فإذا استمر في مكانه مدة وقد شاهدوا السموات مرفوعة فوقهم بلا عماد جاز ههنا أن يزول عنهم الخوف فيزول الإلجاء ويبقى التكليف. 
أما قوله تعالى : خذوا ما آتيناكم بقوة  أي بجد وعزيمة كاملة وعدول عن التغافل والتكاسل، قال الجبائي : هذا يدل على أن الاستطاعة قبل الفعل لأنه لا يجوز أن يقال : خذ هذا بقوة ولا قوة حاصلة كما لا يقال : اكتب بالقلم ولا قلم، وأجاب أصحابنا بأن المراد : خذوا ما آتيناكم بجد وعزيمة وعندنا العزيمة قد تكون متقدمة على الفعل. 
وأما قوله تعالى : واذكروا ما فيه  أي احفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه. فإن قيل : هلا حملتموه على نفس الذكر ؟ قلنا : لأن الذكر الذي هو ضد النسيان من فعل الله تعالى فكيف يجوز الأمر به. فأما إذا حملناه على المدارسة فلا إشكال. 
أما قوله تعالى : لعلكم تتقون  أي لكي تتقوا، واحتج الجبائي بذلك على أنه تعالى أراد فعل الطاعة من الكل، وجوابه ما تقدم. 
واعلم أن المفهوم من قوله تعالى : وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة  أنهم فعلوا ذلك وإلا لم يكن ذلك أخذا للميثاق ولا صح قوله من بعد : ثم توليتم  فدل ذلك منهم على القبول والالتزام.

### الآية 2:64

> ﻿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۖ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [2:64]

أما قوله تعالى : ثم توليتم من بعد ذلك  أي ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به، قال القفال رحمه الله : قد يعلم في الجملة أنهم بعد قبول التوراة ورفع الطور تولوا عن التوراة بأمور كثيرة، فحرفوا التوراة وتركوا العمل بها وقتلوا الأنبياء وكفروا بهم وعصوا أمرهم ولعل فيها ما اختص به بعضهم دون بعض ومنها ما عمله أوائلهم ومنها ما فعله متأخروهم ولم يزالوا في التيه مع مشاهدتهم الأعاجيب ليلا ونهارا يخالفون موسى ويعترضون عليه ويلقونه بكل أذى ويجاهرون بالمعاصي في معسكرهم ذلك حتى لقد خسف ببعضهم وأحرقت النار بعضهم وعوقبوا بالطاعون وكل هذا مذكور في تراجم التوراة التي يقرون بها ثم فعل متأخروهم ما لا خفاء به حتى عوقبوا بتخريب بيت المقدس وكفروا بالمسيح وهموا بقتله. والقرآن وإن لم يكن فيه بيان ما تولوا به عن التوراة فالجملة معروفة وذلك إخبار من الله تعالى عن عناد أسلافهم فغير عجيب إنكارهم ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام من الكتاب وجحودهم لحقه وحالهم في كتابهم ونبيهم ما ذكر والله أعلم. 
أما قوله تعالى : فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين  ففيه بحثان :
الأول : ذكر القفال في تفسيره وجهين. الأول : لولا ما تفضل الله به عليكم من إمهالكم وتأخير العذاب عنكم لكنتم من الخاسرين أي من الهالكين الذين باعوا أنفسهم بنار جهنم، فدل هذا القول على أنهم إنما خرجوا عن هذا الخسران لأن الله تعالى تفضل عليهم بالإمهال حتى تابوا. الثاني : أن يكون الخبر قد انتهى عند قوله تعالى : ثم توليتم من بعد ذلك  ثم قيل : فلولا فضل الله عليكم ورحمته  رجوعا بالكلام عليكم ورحمكم فلطف بكم بذلك حتى تبتم. 
البحث الثاني : أن لقائل أن يقول كلمة  لولا  تفيد انتفاء الشيء لثبوت غيره، فهذا يقتضي أن انتفاء الخسران من لوازم حصول فضل الله تعالى فحيث حصل الخسران وجب أن لا يحصل هناك لطف الله تعالى. وهذا يقتضي أن الله تعالى لم يفعل بالكافر شيئا من الألطاف الدينية وذلك خلاف قول المعتزلة : أجاب الكعبي بأنه تعالى سوى بين الكل في الفضل لكن انتفع بعضهم دون بعض، فصح أن يقال ذلك كما يقول القائل لرجل وقد سوى بين أولاده في العطية فانتفع بعضهم : لولا أن أباك فضلك لكنت فقيرا، وهذا الجواب ضعيف لأن أهل اللغة نصوا على أن :**«لولا »** تفيد انتفاء الشيء لثبوت غيره وبعد ثبوت هذه المقدمة فكلام الكعبي ساقط جدا.

### الآية 2:65

> ﻿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [2:65]

قوله تعالى : ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين . 
اعلم أنه تعالى لما عدد وجوه إنعامه عليهم أولا ختم ذلك بشرح بعض ما وجه إليهم من التشديدات، وهذا هو النوع الأول وفيه مسائل :
المسألة الأولى : روي عن ابن عباس أن هؤلاء القوم كانوا في زمان داود عليه السلام بأيلة على ساحل البحر بين المدينة والشام وهو مكان من البحر يجتمع إليه الحيتان من كل أرض في شهر من السنة حتى لا يرى الماء لكثرتها وفي غير ذلك الشهر في كل سبت خاصة وهي القرية المذكورة في قوله : واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت  فحفروا حياضا عند البحر وشرعوا إليها الجداول فكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم، ثم إنهم أخذوا السمك واستغنوا بذلك وهم خائفون من العقوبة فلما طال العهد استسن الأبناء بسنة الآباء واتخذوا الأموال فمشى إليهم طوائف من أهل المدينة الذين كرهوا الصيد يوم السبت ونهوهم فلم ينتهوا وقالوا : نحن في هذا العمل منذ زمان فما زادنا الله به إلا خيرا، فقيل لهم : لا تغتروا فربما نزل بكم العذاب والهلاك فأصبح القوم وهم قردة خاسئون فمكثوا كذلك ثلاثة أيام ثم هلكوا. 
المسألة الثانية : المقصود من ذكر هذه القصة أمران. ( الأول ) : إظهار معجزة محمد عليه السلام فإن قوله : ولقد علمتم  كالخطاب لليهود الذين كانوا في زمان محمد عليه السلام فلما أخبرهم محمد عليه السلام عن هذه الواقعة مع أنه كان أميا لم يقرأ ولم يكتب ولم يخالط القوم دل ذلك على أنه عليه السلام إنما عرفه من الوحي. ( الثاني ) : أنه تعالى لما أخبرهم بما عامل به أصحاب السبت فكأنه يقول لهم أما تخافون أن ينزل عليكم بسبب تمردكم ما نزل عليهم من العذاب فلا تغتروا بالإمهال الممدود لكم ونظيره قوله تعالى : يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها . 
المسألة الثالثة : الكلام فيه حذف كأنه قال : ولقد علمتم اعتداء من اعتدى منكم في السبت لكي يكون المذكور من العقوبة جزاء لذلك، ولفظ الاعتداء يدل على أن الذي فعلوه في السبت كان محرما عليهم وتفصيل ذلك غير مذكور في هذه الآية لكنه مذكور في قوله : واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر  ثم يحتمل أن يقال : إنهم إنما تعدوا في ذلك الاصطياد فقط، وأن يقال : إنما تعدوا لأنهم اصطادوا مع أنهم استحلوا ذلك الاصطياد. 
المسألة الرابعة : قال صاحب الكشاف : السبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت. فإن قيل : لما كان الله نهاهم عن الاصطياد يوم السبت فما الحكمة في أن أكثر الحيتان يوم السبت دون سائر الأيام كما قال : تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم  وهل هذا إلا إثارة الفتنة وإرادة الإضلال. قلنا : أما على مذهب أهل السنة فإرادة الإضلال جائزة من الله تعالى وأما على مذهب المعتزلة فالتشديد في التكاليف حسن لغرض ازدياد الثواب. 
أما قوله تعالى : فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال صاحب الكشاف : قردة خاسئين  خبر : أي كونوا جامعين بين القردية والخسوء، وهو الصغار والطرد. 
المسألة الثانية : قوله تعالى : كونوا قردة خاسئين  ليس بأمر لأنهم ما كانوا قادرين على أن يقلبوا أنفسهم على صورة القردة بل المراد منه سرعة التكوين كقوله تعالى : إنما أمرنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون  وكقوله تعالى : قالتا أتينا طائعين  والمعنى أنه تعالى لم يعجزه ما أراد إنزاله من العقوبة بهؤلاء بل لما قال لهم  كونوا قردة خاسئين  صاروا كذلك أي لما أراد ذلك بهم صاروا كما أراد وهو كقوله : كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا  ولا يمتنع أيضا أن يتكلم الله بذلك عند هذا التكوين إلا أن المؤثر في هذا التكوين هو القدرة والإرادة. فإن قيل : لما لم يكن لهذا القول أثر في التكوين فأي فائدة فيه ؟ قلنا : أما عندنا فأحكام الله تعالى وأفعاله لا تتوقف على رعاية المصالح البتة، وأما عند المعتزلة فلعل هذا القول يكون لفظا لبعض الملائكة أو لغيرهم. 
المسألة الثالثة : المروي عن مجاهد أنه سبحانه وتعالى مسخ قلوبهم بمعنى الطبع والختم لا أنه مسخ صورهم وهو مثل قوله تعالى : كمثل الحمار يحمل أسفارا  ونظيره أن يقول الأستاذ للمتعلم البليد الذي لا ينجح في تعليمه : كن حمارا. واحتج على امتناعه بأمرين. ( الأول ) : أن الإنسان هو هذا الهيكل المشاهد والبنية المحسوسة فإذا أبطلها وخلق في تلك الأجسام تركيب القرد وشكله كان ذلك إعداما للإنسان وإيجادا للقرد فيرجع حاصل المسخ على هذا القول إلى أنه تعالى أعدم الأعراض التي باعتبارها كانت تلك الأجسام إنسانا وخلق فيها الأعراض التي باعتبارها كانت قردا فهذا يكون إعداما وإيجادا لا أنه يكون مسخا. ( والثاني ) : إن جوزنا ذلك لما آمنا في كل ما نراه قردا وكلبا أنه كان إنسانا عاقلا، وذلك يفضي إلى الشك في المشاهدات. وأجيب عن الأول بأن الإنسان ليس هو تمام هذا الهيكل، وذلك لأن هذا الإنسان قد يصير سمينا بعد أن كان هزيلا، وبالعكس فالأجزاء متبدلة والإنسان المعين هو الذي كان موجودا والباقي غير الزائل، فالإنسان أمر وراء هذا الهيكل المحسوس، وذلك الأمر إما أن يكون جسما ساريا في البدن أو جزءا في بعض جوانب البدن كقلب أو دماغ أو موجودا مجردا على ما يقوله الفلاسفة وعلى جميع التقديرات فلا امتناع في بقاء ذلك الشيء مع تطرق التغير إلى هذا الهيكل وهذا هو المسخ وبهذا التقدير يجوز في الملك الذي تكون جثته في غاية العظم أن يدخل حجرة الرسول عليه السلام. وعن الثاني أن الأمان يحصل بإجماع الأمة، ولما ثبت بما قررنا جواز المسخ أمكن إجراء الآية على ظاهرها، ولم يكن بنا حاجة إلى التأويل الذي ذكره مجاهد رحمه الله وإن كان ما ذكره غير مستبعد جدا، لأن الإنسان إذا أصر على جهالته بعد ظهور الآيات وجلاء البينات فقد يقال في العرف الظاهر إنه حمار وقرد، وإذا كان هذا المجاز من المجازات الظاهرة المشهورة لم يكن في المصير إليه محذور البتة. بقي ههنا سؤالان :
السؤال الأول : أنه بعد أن يصير قردا لا يبقى له فهم ولا عقل ولا علم فلا يعلم ما نزل به من العذاب ومجرد القردية غير مؤلم بدليل أن القرود حال سلامتها غير متألمة فمن أين يحصل العذاب بسببه ؟ الجواب : لم لا يجوز أن يقال إن الأمر الذي به يكون الإنسان إنسانا عاقلا فاهما كان باقيا إلا أنه لما تغيرت الخلقة والصورة لا جرم أنها ما كانت تقدر على النطق والأفعال الإنسانية إلا أنها كانت تعرف ما نالها من تغير الخلقة بسبب شؤم المعصية وكانت في نهاية الخوف والخجالة، فربما كانت متألمة بسبب تغير تلك الأعضاء ولا يلزم من عدم تألم القرود الأصلية بتلك الصورة عدم تألم الإنسان بتلك الصورة الغريبة العريضة. 
السؤال الثاني : أولئك القردة بقوا أو أفناهم الله، وإن قلنا إنهم بقوا فهذه القردة التي في زماننا هل يجوز أن يقال إنها من نسل أولئك الممسوخين أم لا ؟ الجواب : الكل جائز عقلا إلا أن الرواية عن ابن عباس أنهم ما مكثوا إلا ثلاثة أيام ثم هلكوا. 
المسألة الرابعة : قال أهل اللغة : الخاسئ الصاغر المبعد المطرود كالكلب إذا دنا من الناس قيل له اخسأ، أي تباعد وانطرد صاغرا فليس هذا الموضع من مواضعك، قال الله تعالى : ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير  يحتمل صاغرا ذليلا ممنوعا عن معاودة النظر لأنه تعالى قال : فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير  فكأنه قال : ردد البصر في السماء ترديد من يطلب فطورا فإنك وإن أكثرت من ذلك لم تجد فطورا فيرتد إليك طرفك ذليلا كما يرتد الخائب بعد طول سعيه في طلب شيء ولا يظفر به فإنه يرجع خائبا صاغرا مطرودا من حيث كان يقصده من أن يعاوده.

### الآية 2:66

> ﻿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [2:66]

أما قوله : فجعلناها  فقد اختلفوا في أن هذا الضمير إلى أي شيء يعود على وجوه. أحدها : قال الفراء :( جعلناها ) يعني المسخة التي مسخوها، وثانيها : قال الأخفش : أي جعلنا القردة نكالا. وثالثها : جعلنا قرية أصحاب السبت نكالا. ورابعها : جعلنا هذه الأمة نكالا لأن قوله تعالى : ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت  يدل على الأمة والجماعة أو نحوها والأقرب هو الوجهان الأولان لأنه إذا أمكن رد الكناية إلى مذكور متقدم فلا وجه لردها إلى غيره، فليس في الآية المتقدمة إلا ذكرهم وذكر عقوبتهم، أما النكال فقال القفال رحمه الله : إنه العقوبة الغليظة الرادعة للناس عن الإقدام على مثل تلك المعصية وأصله من المنع والحبس ومنه النكول عن اليمين وهو الامتناع منها، ويقال للقيد النكل، وللجام الثقيل أيضا نكل لما فيهما من المنع والحبس، ونظيره قوله تعالى :
 إن لدينا أنكالا وجحيما  وقال الله تعالى : والله أشد بأسا وأشد تنكيلا  والمعنى : أنا جعلنا ما جرى على هؤلاء القوم عقوبة رادعة لغيرهم أي لم نقصد بذلك ما يقصده الآدميون من التشفي لأن ذلك إنما يكون ممن تضره المعاصي وتنقص من ملكه وتؤثر فيه، وأما نحن فإنما نعاقب لمصالح العباد فعقابنا زجر وموعظة، قال القاضي : اليسير من الذم لا يوصف بأنه نكال حتى إذ عظم وكثر واشتهر، يوصف به وعلى هذا الوجه أوجب الله تعالى في السارق المصر القطع جزاء ونكالا وأراد به أن يفعل على وجه الإهانة والاستخفاف فهو بمنزلة الخزي الذي لا يكاد يستعمل إلا في الذم العظيم، فكأنه تعالى لما بين ما أنزله بهؤلاء القوم الذين اعتدوا في السبت واستحلوا من اصطياد الحيتان وغيره ما حرمه عليهم ابتغاء الدنيا ونقضوا ما كان منهم من المواثيق، فبين أنه تعالى أنزل بهم عقوبة لا على وجه المصلحة لأنه كان لا يمتنع أن يقلل مقدار مسخهم ويغير صورهم بمنزلة ما ينزل بالمكلف من الأمراض المغيرة للصورة، ويكون محنة لا عقوبة فبين تعالى بقوله : فجعلناها نكالا  أنه تعالى فعلها عقوبة على ما كان منهم. 
أما قوله تعالى : لما بين يديها وما خلفها  ففيه وجوه أحدها : لما قبلها وما معها وما بعدها من الأمم والقرون لأن مسخهم ذكر في كتب الأولين فاعتبروا بها واعتبر بها من بلغ إليه خبر هذه الواقعة من الآخرين، وثانيها : أريد بما بين يديها ما يحضرها من القرون والأمم، وثالثها : المراد أنه تعالى جعلها عقوبة لجميع ما ارتكبوه من هذا الفعل وما بعده، وهو قول الحسن. 
أما قوله تعالى : وموعظة للمتقين  ففيه وجهان. أحدهما : أن من عرف الأمر الذي نزل بهم يتعظ به ويخاف إن فعل مثل فعلهم أن ينزل به مثل ما نزل بهم، وإن لم ينزل عاجلا فلابد من أن يخاف من العقاب الآجل الذي هو أعظم وأدوم. وأما تخصيصه المتقين بالذكر فكمثل ما بيناه في أول السورة عند قوله : هدى للمتقين  لأنهم إذا اختصموا بالاتعاظ والانزجار والانتفاع بذلك صلح أن يخصوا به، لأنه ليس بمنفعة لغيرهم. الثاني : أن يكون معنى قوله : وموعظة للمتقين  أن يعظ المتقون بعضهم بعضا أي جعلناها نكالا وليعظ به بعض المتقين بعضا فتكون الموعظة مضافة إلى المتقين على معنى أنهم يتعظون بها، وهذا خاص لهم دون غير المتقين، والله أعلم.

### الآية 2:67

> ﻿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [2:67]

قوله تعالى : وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين . 
اعلم أن هذا هو النوع الثاني من التشديدات. روي عن ابن عباس وسائر المفسرين أن رجلا في بني إسرائيل قتل قريبا لكي يرثه ثم رماه في مجمع الطريق ثم شكا ذلك إلى موسى عليه السلام فاجتهد موسى في تعرف القاتل، فلما لم يظهر قالوا له : سل لنا ربك حتى يبينه، فسأله فأوحى الله إليه : إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة  فتعجبوا من ذلك ثم شددوا على أنفسهم بالاستفهام حالا بعد حال واستقصوا في طلب الوصف فلما تعينت لم يجدوها بذلك النعت إلا عند إنسان معين ولم يبعها إلا بأضعاف ثمنها، فاشتروها وذبحوها وأمرهم موسى أن يأخذوا عضوا منها فيضربوا به القتيل، ففعلوا فصار المقتول حيا وسمي لهم قاتله وهو الذي ابتدأ بالشكاية فقتلوه قودا، ثم ههنا مسائل :
المسألة الأولى : أن الإيلام والذبح حسن وإلا لما أمر الله به، ثم عندنا وجه الحسن فيه أنه تعالى مالك الملك فلا اعتراض لأحد عليه، وعند المعتزلة إنما يحسن لأجل الأعواض. 
المسألة الثانية : أنه تعالى أمر بذبح بقرة من بقر الدنيا وهذا هو الواجب المخير فدل ذلك على صحة قولنا بالواجب المخير. 
المسألة الثالثة : القائلون بالعموم اتفقوا على أن قوله تعالى : إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة  معناه اذبحوا أي بقرة شئتم فهذه الصيغة تفيد هذا العموم، وقال منكرو العموم : إن هذا لا يدل على العموم واحتجوا عليه بوجوه :( الأول ) أن المفهوم من قول القائل اذبح بقرة. يمكن تقسيمه إلى قسمين، فإنه يصح أن يقال : اذبح بقرة معينة من شأنها كيت وكيت ويصح أيضا أن يقال اذبح بقرة أي بقرة شئت، فإذن المفهوم من قولك **«اذبح »** معنى مشترك بين هذين القسمين والمشترك بين القسمين لا يستلزم واحدا منهما، فإذن قوله اذبحوا بقرة لا يستلزم معناه معنى قوله : اذبحوا بقرة، أي بقرة شئتم، فثبت أنه لا يفيد العموم لأنه لو أفاد العموم لكان قوله : اذبحوا بقرة أي بقرة شئتم تكريرا ولكان قوله : اذبحوا بقرة معينة نقضا، ولما لم يكن كذلك علمنا فساد هذا القول، الثاني : أن قوله تعالى : اذبحوا بقرة  كالنقيض لقولنا لا تذبحوا بقرة، وقولنا لا تذبحوا بقرة يفيد النفي العام فوجب أن يكون قولنا اذبحوا بقرة يرفع عموم النفي ويكفي في ارتفاع عموم النفي خصوص الثبوت على وجه واحد، فإذن قوله : اذبحوا بقرة يفيد الأمر بذبح بقرة واحدة فقط، أما الإطلاق في ذبح أي بقرة شاءوا فذلك لا حاجة إليه في ارتفاع ذلك النفي فوجب أن لا يكون مستفادا من اللفظ، الثالث : أن قوله تعالى : بقرة  لفظة مفردة منكرة والمفرد المنكر إنما يفيد فردا معينا في نفسه غير معين بحسب القول الدال عليه ولا يجوز أن يفيد فردا أي فرد كان بدليل أنه إذا قال : رأيت رجلا فإنه لا يفيد إلا ما ذكرناه فإذا ثبت أنه في الخبر كذلك وجب أن يكون في الأمر كذلك، واحتج القائلون بالعموم بأنه لو ذبح أي بقرة كانت فإنه يخرج عن العهدة فوجب أن يفيد العموم. والجواب : أن هذا مصادرة على المطلوب الأول، فإن هذا إنما يثبت لو ثبت أن قوله : اذبح بقرة معناه اذبح أي بقرة شئت، وهذا هو عين المتنازع فيه. فهذا هو الكلام في هذه المسألة. إذا عرفت هذا فنقول : اختلف الناس في أن قوله تعالى : اذبحوا بقرة  هل هو أمر بذبح بقرة معينة مبينة أو هو أمر بذبح بقرة أي بقرة كانت، فالذين يجوزون تأخير البيان عن وقت الخطاب قالوا : إنه كان أمرا بذبح بقرة معينة ولكنها ما كانت مبينة، وقال المانعون منه : هو وإن كان أمرا بذبح أي بقرة كانت إلا أن القوم لما سألوا تغير التكليف عند ذلك، وذلك لأن التكليف الأول كان كافيا لو أطاعوا وكان التخيير في جنس البقر إذ ذاك هو الصلاح، فلما عصوا ولم يمتثلوا ورجعوا بالمسألة لم يمتنع تغير المصلحة وذلك معلوم في المشاهد، لأن المدبر لولده قد يأمره بالسهل اختيارا، فإذا امتنع الولد منه فقد يرى المصلحة في أن يأمره بالصعب فكذا ههنا. 
**واحتج الفريق الأول بوجوه الأول :**
قوله تعالى : ادع لنا ربك يبين لنا ما هي  و  ما لونها  وقول الله تعالى :( إنه يقول إنها بقرة لا فارض، إنها بقرة صفراء، إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ) منصرف إلى ما أمروا بذبحه من قبل وهذه الكنايات تدل على أن المأمور به ما كان ذبح بقرة أي بقرة كانت، بل كان المأمور به ذبح بقرة معينة. 
الثاني : أن الصفات المذكورة في الجواب عن السؤال الثاني إما أن يقال : إنها صفات البقرة التي أمروا بذبحها أولا أو صفات بقرة وجبت عليهم عند ذلك السؤال وانتسخ ما كان واجبا عليهم قبل ذلك، والأول هو المطلوب. والثاني : يقتضي أن يقع الاكتفاء بالصفات المذكورة آخرا، وأن لا يجب حصول الصفات المذكورة قبل ذلك، ولما أجمع المسلمون على أن تلك الصفات بأسرها كانت معتبرة علمنا فساد هذا القسم. فإن قيل أما الكنايات فلا نسلم عودها إلى البقرة فلم لا يجوز أن يقال : إنها كنايات عن القصة والشأن، وهذه طريقة مشهورة عند العرب ؟ 
**قلنا : هذا باطل لوجوه :**
أحدها : أن هذه الكنايات لو كانت عائدة إلى القصة والشأن لبقي ما بعد هذه الكنايات غير مفيد، لأنه لا فائدة في قوله : بقرة صفراء  بل لابد من إضمار شيء آخر وذلك خلاف الأصل، أما إذا جعلنا الكنايات عائدة إلى المأمور به أولا لم يلزم هذا المحذور. 
وثانيها : أن الحكم برجوع الكناية إلى القصة والشأن خلاف الأصل، لأن الكناية يجب عودها إلى شيء جرى ذكره والقصة والشأن لم يجر ذكرهما فلا يجوز عود الكناية إليهما لكنا خالفنا هذا الدليل للضرورة في بعض المواضع فبقي ما عداه على الأصل. 
وثالثها : أن الضمير في قوله :( ما لونها وما هي ) لا شك أنه عائد إلى البقرة المأمور بها فوجب أن يكون الضمير في قوله : إنها بقرة صفراء  عائدا إلى تلك البقرة وإلا لم يكن الجواب مطابقا للسؤال. الثالث : أنهم لو كانوا سائلين معاندين لم يكن في مقدار ما أمرهم به موسى ما يزيل الاحتمال لأن مقدار ما ذكره موسى أن تكون بقرة صفراء متوسطة في السن كاملة في القوة، وهذا القدر موضع للاحتمالات الكثيرة، فلما سكتوا ههنا واكتفوا به علمنا أنهم ما كانوا معاندين. واحتج الفريق الثاني بوجوه. أحدها : أن قوله تعالى : إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة  معناه يأمركم أن تذبحوا بقرة أي بقرة كانت، وذلك يقتضي العموم، وذلك يقتضي أن يكون اعتبار الصفة بعد ذلك تكليفا جديدا، وثانيها : لو كان المراد ذبح بقرة معينة لما استحقوا التعنيف على طلب البيان بل كانوا يستحقون المدح عليه، فلما عنفهم الله تعالى في قوله : فافعلوا ما تؤمرون ، وفي قوله : فذبحوها وما كادوا يفعلون  علمنا تقصيرهم في الإتيان بما أمروا به أولا وذلك إنما يكون لو كان المأمور به أولا ذبح بقرة معينة. الثالث : ما روي عن ابن عباس أنه قال : لو ذبحوا أية بقرة أرادوا لأجزأت منهم لكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم. ورابعها : أن الوقت الذي فيه أمروا بذبح البقرة كانوا محتاجين إلى ذبحها، فلو كان المأمور به ذبح بقرة معينة مع أن الله تعالى ما بينها لكان ذلك تأخيرا للبيان عن وقت الحاجة وإنه غير جائز، والجواب : عن الأول ما بينا في أول المسألة أن قوله : إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة  لا يدل على أن المأمور به ذبح بقرة، أي بقرة كانت. 
وعن الثاني : أن قوله تعالى : وما كادوا يفعلون  ليس فيه دلالة على أنهم فرطوا في أول القصة وأنهم كادوا يفرطون بعد استكمال البيان، بل اللفظ محتمل لكل واحد منهما فنحمله على الأخير وهو أنهم لما وقفوا على تمام البيان توقفوا عند ذلك وما كادوا يفعلونه، وعن الثالث : أن هذه الرواية عن ابن عباس من باب الآحاد وبتقدير الصحة، فلا تصلح أن تكون معارضة لكتاب الله تعالى، وعن الرابع : أن تأخير البيان عن وقت الحاجة إنما يلزم أن لو دل الأمر على الفور وذلك عندنا ممنوع. 
واعلم أنا إذا فرعنا على القول بأن المأمور به بقرة أي بقرة كانت، فلابد وأن نقول : التكاليف مغايرة فكلفوا في الأول : أي بقرة كانت، وثانيا : أن تكون لا فارضا ولا بكرا بل عوانا، فلما لم يفعلوا ذلك كلفوا أن تكون صفراء، فلما لم يفعلوا ذلك كلفوا أن تكون مع ذلك لا ذلولا تثير الأرض ولا تسقي الحرث. ثم اختلف القائلون بهذا المذهب، منهم من قال في التكليف الواقع أخيرا يجب أن يكون مستوفيا لكل صفة تقدمت حتى تكون البقرة مع الصفة الأخيرة لا فارض ولا بكر وصفراء فاقع، ومنهم من يقول : إنما يجب كونها بالصفة الأخيرة فقط، وهذا أشبه بظاهر الكلام إذا كان تكليفا بعد تكليف وإن كان الأول أشبه بالروايات وبطريقة التشديد عليهم عند تردد الامتثال، وإذا ثبت أن البيان لا يتأخر فلابد من كونه تكليفا بعد تكليف، وذلك يدل على أن الأسهل قد ينسخ بالأشق ويدل على جواز النسخ قبل الفعل ولكنه لا يدل على جواز النسخ قبل وقت الفعل، ويدل على وقوع النسخ في شرع موسى عليه السلام، وله أيضا تعلق بمسألة أن الزيادة على النسخ هل هو نسخ أم لا، ويدل على حسن وقوع التكليف ثانيا لمن عصى ولم يفعل ما كلف أولا. 
أما قوله تعالى : قالوا أتتخذنا هزوا  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرئ : هزوا  بالضم وهزؤا بسكون الزاي نحو كفؤا وكفء وقرأ حفص :( هزوا ) بالضمتين والواو وكذلك كفوا. 
المسألة الثانية : قال القفال قوله تعالى : قالوا أتتخذنا هزؤا  استفهام على معنى الإنكار والهزء يجوز أن يكون في معنى المهزوء به كما يقال : كان هذا في علم الله أي في معلومه والله رجاؤنا أي مرجونا ونظيره قوله تعالى : فاتخذتموهم سخريا  قال صاحب **«الكشاف »** : أتتخذنا هزؤا  أتجعلنا مكان هزء أو أهل هزء أو مهزوأ بنا والهزء نفسه فرط الاستهزاء. 
المسألة الثالثة : القوم إنما قالوا ذلك لأنهم لما طلبوا من موسى عليه السلام تعيين القاتل فقال موسى : اذبحوا بقرة لم يعرفوا بين هذا الجواب وذلك السؤال مناسبة، فظنوا أنه عليه السلام يلاعبهم، لأنه من المحتمل أن موسى عليه السلام أمرهم بذبح البقرة وما أعلمهم أنهم إذا ذبحوا البقرة ضربوا القتيل ببعضها فيصير حيا فلا جرم، وقع هذا القول منهم موقع الهزء، ويحتمل أنه عليه السلام وإن كان قد بين لهم كيفية الحال إلا أنهم تعجبوا من أن القتيل كيف يصير حيا بأن يضربوه ببعض أجزاء البقرة فظنوا أن ذلك يجري مجرى الاستهزاء. 
المسألة الرابعة : قال بعضهم : إن أولئك القوم كفروا بقولهم لموسى عليه السلام : أتتخذنا هزؤا لأنهم إن قالوا ذلك وشكوا في قدرة الله تعالى على إحياء الميت، فهو كفر وإن شكوا في أن الذي أمرهم به موسى عليه السلام هل هو بأمر الله تعالى، فقد جوزوا الخيانة على موسى عليه السلام في الوحي، وذلك أيضا كفر. ومن الناس من قال : إنه لا يوجب الكفر وبيانه من وجهين. ( الأول ) : أن الملاعبة على الأنبياء جائزة فلعلهم ظنوا به عليه السلام أنه يلاعبهم ملاعبة حقة، وذلك لا يوجب الكفر. ( الثاني ) : أن معنى قوله تعالى : أتتخذنا هزؤا  أي ما أعجب هذا الجواب كأنك تستهزىء بنا لا أنهم حققوا على موسى الاستهزاء. 
أما قوله تعالى :{ قال أعوذ بالله أن أكون من الجا

### الآية 2:68

> ﻿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ ۖ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ [2:68]

واعلم أن القوم سألوا موسى عليه السلام عن أمور ثلاثة مما يتعلق بالبقرة :
السؤال الأول : ما حكى الله تعالى عنهم أنهم : قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي  فأجاب موسى عليه السلام بقوله : إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون  واعلم أن في الآية أبحاثا :
الأول : أنا إذا قلنا إن قوله تعالى : إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة  يدل على الأمر بذبح بقرة معينة في نفسها غير مبين التعيين حسن موقع سؤالهم، لأن المأمور به لما كان مجملا حسن الاستفسار والاستعلام. أما على قول من يقول : إنه في أصل اللغة للعموم فلابد من بيان أنه ما الذي حملهم على هذا الاستفسار ؟ وفيه وجوه. ( أحدها ) : أن موسى عليه السلام لما أخبرهم بأنهم إذا ذبحوا البقرة وضربوا القتيل ببعضها صار حيا تعجبوا من أمر تلك البقرة، وظنوا أن تلك البقرة التي يكون لها مثل هذه الخاصة لا تكون إلا بقرة معينة، فلا جرم استقصوا في السؤال عن وصفها كعصا موسى المخصوصة من بين سائر العصي بتلك الخواص، إلا أن القوم كانوا مخطئين في ذلك، لأن هذه الآية العجيبة ما كانت خاصية البقرة، بل كانت معجزة يظهرها الله تعالى على يد موسى عليه السلام. ( وثانيها ) : لعل القوم أرادوا بقرة أي بقرة كانت، إلا أن القاتل خاف من الفضيحة، فألقى الشبهة في التبيين وقال المأمور به بقرة معينة لا مطلق البقرة، لما وقعت المنازعة فيه، رجعوا عند ذلك إلى موسى. ( وثالثها ) : أن الخطاب الأول وإن أفاد العموم إلا أن القوم أرادوا الاحتياط فيه، فسألوا طلبا لمزيد البيان وإزالة لسائر الاحتمالات، إلا أن المصلحة تغيرت واقتضت الأمر بذبح البقرة المعينة. 
البحث الثاني : أن سؤال **«ما هي »** طلب لتعريف الماهية والحقيقة، لأن **«ما »** سؤال، و**«هي »** إشارة إلى الحقيقة، فما هي لا بد وأن يكون طلبا للحقيقة وتعريف الماهية والحقيقة لا يكون إلا بذكر أجزائها ومقدماتها لا بذكر صفاتها الخارجة عن ماهيتها، ومعلوم أن وصف السن من الأمور الخارجة عن الماهية فوجب أن لا يكون هذا الجواب مطابقا لهذا السؤال : والجواب عنه : أن الأمر وإن كان كما ذكرتم لكن قرينة الحال تدل على أنه ما كان مقصودهم من قولهم : ما البقر طلب ماهيته وشرح حقيقته بل كان مقصودهم طلب الصفات التي بسببها يتميز بعض البقر عن بعض، فلهذا حسن ذكر الصفات الخارجة جوابا عن هذا السؤال. 
البحث الثالث : قال صاحب الكشاف : الفارض المسنة وسميت فارضا لأنها فرضت سنها، أي قطعتها وبلغت آخرها، والبكر : الفتية والعوان النصف، قال القاضي : أما البكر، فقيل : إنها الصغيرة وقيل ما لم تلد، وقيل : إنها التي ولدت مرة واحدة، قال المفضل بن سلمة \[ الضبي \] : إنه ذكر في الفارض أنها المسنة وفي البكر أنها الشابة وهي من النساء التي لم توطأ ومن الإبل التي وضعت بطنا واحدا. قال القفال : البكر يدل على الأول ومنه الباكورة لأول الثمر ومنه بكرة النهار ويقال : بكرت عليهما البارحة إذا جاء في أول الليل، وكأن الأظهر أنها هي التي لم تلد لأن المعروف من اسم البكر من الإناث في بني آدم ما لم ينز عليها الفحل، وقال بعضهم : العوان التي ولدت بطنا بعد بطن. وحرب عوان : إذا كانت حربا قد قوتل فيها مرة بعد مرة، وحاجة عوان إذا كانت قد قضيت مرة بعد مرة. 
البحث الرابع : احتج العلماء بقوله تعالى : عوان بين ذلك  على جواز الاجتهاد واستعمال غالب الظن في الأحكام إذ لا يعلم أنها بين الفارض والبكر إلا من طريق الاجتهاد وههنا سؤالان :
الأول : لفظة **«بين »** تقتضي شيئين فصاعدا فمن أين جاز دخوله على ذلك ؟ الجواب : لأنه في معنى شيئين حيث وقع مشارا به إلى ما ذكر من الفارض والبكر. 
السؤال الثاني : كيف جاز أن يشار بلفظه :( ذلك ) إلى مؤنثين مع أنه للإشارة إلى واحد مذكر ؟ الجواب : جاز ذكر ذلك على تأويل ما ذكر أو ما تقدم للاختصار في الكلام. 
أما قوله تعالى : فافعلوا ما تؤمرون  ففيه تأويلان : الأول : فافعلوا ما تؤمرون به من قولك : أمرتك الخير، والثاني : أن يكون المراد فافعلوا أمركم بمعنى مأموركم تسمية للمفعول بالمصدر كضرب الأمير. واعلم أن المقصود الأصلي من هذا الجواب كون البقرة في أكمل أحوالها، وذلك لأن الصغيرة تكون ناقصة لأنها بعدما وصلت إلى حالة الكمال، والمسنة كأنها صارت ناقصة وتجاوزت عن حد الكمال، فأما المتوسطة فهي التي تكون في حالة الكمال.

### الآية 2:69

> ﻿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ [2:69]

ثم إنه تعالى حكى سؤالهم الثاني وهو قوله تعالى : قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها  واعلم أنهم لما عرفوا حال السن شرعوا بعده في تعرف حال اللون فأجابهم الله تعالى بأنها : صفراء فاقع لونها ، والفقوع أشدها يكون من الصفرة وأنصعه، يقال في التوكيد أصفر فاقع وأسود حالك وأبيض يقق وأحمر قان وأخضر ناضر، وههنا سؤالان :
الأول :**«فاقع »** ههنا واقع خبرا عن اللون فكيف يقع تأكيدا لصفراء ؟ الجواب : لم يقع خبرا عن اللون إنما وقع تأكيدا لصفراء إلا أنه ارتفع اللون به ارتفاع الفاعل واللون سببها وملتبس بها، فلم يكن فرق بين قولك : صفراء فاقعة وصفراء فاقع لونها. 
السؤال الثاني : فهلا قيل صفراء فاقعة وأي فائدة في ذكر اللون ؟ الجواب : الفائدة فيه التوكيد لأن اللون اسم للهيئة وهي الصفرة، فكأنه قيل شديدة الصفرة صفرتها فهو من قولك : جد جده وجنون مجنون. وعن وهب : إذ نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها. 
أما قوله تعالى : تسر الناظرين  فالمعنى أن هذه البقرة لحسن لونها تسر من نظر إليها، قال الحسن : الصفراء ههنا بمعنى السوداء، لأن العرب تسمي الأسود أصفر، نظيره قوله تعالى في صفة الدخان : كأنه جمالات صفر  أي سود، واعترضوا على هذا التأويل بأن الأصفر لا يفهم منه الأسود البتة، فلم يكن حقيقة فيه، وأيضا السواد لا ينعت بالفقوع، إنما يقال : أصفر فاقع وأسود حالك والله أعلم، وأما السرور فإنه حالة نفسانية تعرض عند حصول اعتقاد أو علم أو ظن بحصول شيء لذيذ أو نافع.

### الآية 2:70

> ﻿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ [2:70]

ثم إنه تعالى حكى سؤالهم الثالث وهو قوله تعالى : قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون  وههنا مسائل :
المسألة الأولى : قال الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :( والذي نفس محمد بيده لو لم يقولوا إن شاء الله لحيل بينهم وبينها أبدا )، واعلم أن ذلك يدل على أن التلفظ بهذه الكلمة مندوب في كل عمل يراد تحصيله، ولذلك قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله  وفيه استعانة بالله وتفويض الأمر إليه، والاعتراف بقدرته ونفاذ مشيئته. 
المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذا على أن الحوادث بأسرها مرادة لله تعالى فإن عند المعتزلة أن الله تعالى لما أمرهم بذلك فقد أراد اهتداءهم لا محالة، وحينئذ لا يبقى لقولهم إن شاء الله فائدة. أما على قول أصحابنا فإنه قد يأمر بما لا يريد فحينئذ يبقى لقولنا إن شاء الله فائدة. 
المسألة الثالثة : احتجت المعتزلة على أن مشيئة الله تعالى محدثة بقوله : إن شاء الله  من وجهين : الأول : أن دخول كلمة **«أن »** عليه يقتضي الحدوث. والثاني : وهو أنه تعالى علق حصول الاهتداء على حصول مشيئة الاهتداء، فلما لم يكن حصول الاهتداء أزليا وجب أن لا تكون مشيئة الاهتداء أزلية. ولنرجع إلى التفسير، فأما قوله تعالى : يبين لنا ما هي  ففيه السؤال المذكور وهو أن قولنا : ما هو طلب بيان الحقيقة، والمذكور ههنا في الجواب الصفات العرضية المفارقة فكيف يكون هذا الجواب مطابقا للسؤال ؟ وقد تقدم جوابه. 
أما قوله تعالى : إن البقر تشابه علينا  فالمعنى أن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا أيها نذبح، وقرئ تشابه بمعنى تتشابه بطرح التاء وإدغامها في الشين و \[ قرئ \] تشابهت ومتشابهة ومتشابه. 
أما قوله تعالى : وإنا إن شاء الله لمهتدون  ففيه وجوه ذكرها القفال. ( أحدها ) : وإنا بمشيئة الله نهتدي للبقرة المأمور بذبحها عند تحصيلنا أوصافها التي بها تمتاز عما عداها. ( وثانيها ) : وإنا إن شاء الله تعريفها إيانا بالزيادة لنا في البيان نهتدي إليها. ( وثالثها ) : وإنا إن شاء الله على هدى في استقصائنا في السؤال عن أوصاف البقرة أي نرجوا أنا لسنا على ضلالة فيما نفعله من هذا البحث. ( ورابعها ) : إنا بمشيئة الله نهتدي للقاتل إذا وصفت لنا هذه البقرة بما به تمتاز هي عما سواها.

### الآية 2:71

> ﻿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ [2:71]

ثم أجاب الله تعالى عن سؤالهم بقوله تعالى : إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض  وقوله : لا ذلول  صفة لبقرة بمعنى بقرة غير ذلول بمعنى لم تذلل للكراب وإثارة الأرض ولا هي من البقر التي يسقى عليها فتسقي الحرث و**«لا »** الأولى للنفي والثانية مزيدة لتوكيد الأولى، لأن المعنى لا ذلول تثير وتسقي على أن الفعلين صفتان لذلول كأنه قيل لا ذلول مثيرة وساقية، وجملة القول أن الذلول بالعمل لا بد من أن تكون ناقصة فبين تعالى أنها لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث لأن هذين العملين يظهر بهما النقص. 
أما قوله تعالى : مسلمة  ففيه وجوه :
( أحدها ) : من العيوب مطلقا. ( وثانيها ) : من آثار العمل المذكور. ( وثالثها ) : مسلمة أي وحشية مرسلة عن الحبس. ( ورابعها ) : مسلمة من الشية التي هي خلاف لونها أي خلصت صفرتها عن اختلاط سائر الألوان بها، وهذا الرابع ضعيف وإلا لكان قوله : لا شية فيها  تكرارا غير مفيد، بل الأولى حمله على السلامة من العيوب واللفظ يقتضي ذلك لأن ذلك يفيد السلامة الكاملة عن العلل والمعايب، واحتج العلماء به على جواز استعمال الظاهر مع تجويز أن يكون الباطن بخلافه لأن قوله : مسلمة  إذا فسرناها بأنها مسلمة من العيوب فذلك لا نعلمه من طريق الحقيقة إنما نعلمه من طريق الظاهر. 
أما قوله تعالى : لا شية فيها  فالمراد أن صفرتها خالصة غير ممتزجة بسائر الألوان لأن البقرة الصفراء قد توصف بذلك إذا حصلت الصفرة في أكثرها فأراد تعالى أن يبين عموم ذلك بقوله : لا شية فيها  روي أنها كانت صفراء الأظلاف صفراء القرون، والوشي خلط لون بلون. ثم أخبر الله تعالى عنهم بأنهم وقفوا عند هذا البيان واقتصروا عليه فقالوا : الآن جئت بالحق  أي الآن بانت هذه البقرة عن غيرها لأنها بقرة عوان صفراء غير مذللة بالعمل. 
قال القاضي : قوله تعالى : الآن جئت بالحق  كفر من قبلهم لا محالة لأنه يدل على أنهم اعتقدوا فيما تقدم من الأوامر أنها ما كانت حقه، وهذا ضعيف لاحتمال أن يكون المراد الآن ظهرت حقيقة ما أمرنا به حتى تميزت من غيرها فلا يكون كفرا. 
أما قوله تعالى : فذبحوها وما كادوا يفعلون  فالمعنى فذبحوا البقرة وما كادوا يذبحونها، وههنا بحث : وهو أن النحويين ذكروا **«لكاد »** تفسيرين. ( الأول ) : قالوا : إن نفيه إثبات وإثباته نفي. فقولنا : كاد يفعل كذا معناه قرب من أن يفعل لكنه ما فعله وقولنا : ما كاد يفعل كذا معناه قرب من أن يفعل لكنه فعله. ( والثاني ) : وهو اختيار الشيخ عبد القاهر \[ الجرجاني \] النحوي أن كاد معناه المقاربة فقولنا كاد يفعل معناه قرب من الفعل وقولنا ما كاد يفعل معناه ما قرب منه وللأولين أن يحتجوا على فساد هذا الثاني بهذه الآية لأن قوله تعالى : وما كادوا يفعلون  معناه وما قاربوا الفعل ونفي المقاربة من الفعل يناقض إثبات وقوع الفعل، فلو كان كاد للمقاربة لزم وقوع التناقض في هذه الآية. 
**وههنا أبحاث :**
البحث الأول : روي أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عجلة فأتى بها الغيضة وقال : اللهم إني استودعتكها لابني حتى تكبر وكان برا بوالديه فشبت وكانت من أحسن البقر وأسمنها فتساوموها اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء مسكها ذهبا وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير، وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة. 
البحث الثاني : روي عن الحسن أن البقرة تذبح ولا تنحر وعن عطاء أنها تنحر، قال : فتلوت الآية عليه فقال : الذبح والنحر سواء، وحكي عن قتادة والزهري إن شئت نحرت وإن شئت ذبحت وظاهر الآية يدل على أنهم أمروا بالذبح وأنهم فعلوا ما يسمى ذبحا والنحر وإن أجزأ عن الذبح فصورته مخالفة لصورة الذبح، فالظاهر يقتضي ما قلناه حتى لو نحروا ولا دليل يدل على قيامه مقام الذبح لكان لا يجزي. 
البحث الثالث : اختلفوا في السبب الذي لأجله ما كادوا يذبحون، فعن بعضهم لأجل غلاء ثمنها وعن آخرين أنهم خافوا الشهرة والفضيحة، وعلى كلا الوجهين، فالإحجام عن المأمور به غير جائز، أما الأول : فلأنهم لما أمروا بذبح البقرة المعينة، وذلك الفعل ما كان يتم إلا بالثمن الكثير وجب عليهم أداؤه لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب إلا أن يدل الدليل على خلافه، وإنما لا يلزم المصلي أن يتطهر بالماء إذا لم يجده إلا بغلاء من حيث الشرع، ولولاه للزم ذلك إذا وجب التطهر مطلقا. وأما الثاني : وهو خوف الفضيحة فذاك لا يرفع التكليف، فإن القود إذا كان واجبا عليه لزمه تسليم النفس من ولي الدم إذا طالب وربما لزمه التعريف ليزول الشر والفتنة وربما لزمه ذلك لتزول التهمة في القتل عن القوم الذين طرح القتيل بالقرب منهم، لأنه الذي عرضهم للتهمة فيلزمه إزالتها فكيف يجوز جعله سببا للتثاقل في هذا الفعل. 
البحث الرابع : احتج القائلون بأن الأمر للوجوب بهذه الآية، وذلك لأنه لم يوجد في هذه الصورة إلا مجرد الأمر، ثم إنه تعالى ذم التثاقل فيه والتكاسل في الاشتغال بمقتضاه، وذلك يدل على أن الأمر للوجوب. قال القاضي : إذا كان الغرض من المأمور إزالة شر وفتنة دل ذلك على وجوبه وإنما أمر تعالى بذبحها لكي يظهر القاتل فتزول الفتنة والشر المخوف فيهم، والتحرز عن هذا الجنس الضار واجب، فلما كان العلاج إزالته بهذا الفعل صار واجبا وأيضا فغير ممتنع أن في تلك الشريعة أن التعبد بالقربان لا يكون إلا سبيل الوجوب، فلما تقدم علمهم بذلك كفاهم مجرد الأمر. وأقول : حاصل هذين السؤالين يرجع إلى حرف واحد وهو أنا وإنا كنا لا نقول إن الأمر يقتضي الوجوب فلا نقول : إنه ينافي الوجوب أيضا فلعله فهم الوجوب ههنا بسبب آخر سوى الأمر، وذلك السبب المنفصل إما قرينة حالية وهي العلم بأن دفع المضار واجب، أو مقالية وهي ما تقدم بيانه من أن القربان لا يكون مشروعا إلا على وجه الوجوب. والجواب : أن المذكور مجرد قوله تعالى : إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة  فلما ذكر الذم والتوبيخ على ترك الذبح المأمور به علمنا أن منشأ ذلك هو مجرد ورود الأمر به لما ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علة لذلك الحكم. 
البحث الخامس : احتج القائلون بأن الأمر يفيد الفور بهذه الآية، قالوا : لأنه ورد التعنيف على ترك المأمور به عند ورود الأمر المجرد فدل على أنه للفور.

### الآية 2:72

> ﻿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ۖ وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [2:72]

أما قوله تعالى : وإذ قتلتم نفسا فادرأتم فيها  فاعلم أن وقوع ذلك القتل لا بد وأن يكون متقدما لأمره تعالى بالذبح. أما الإخبار عن وقوع ذلك القتل وعن أنه لابد وأن يضرب القتيل ببعض تلك البقرة فلا يجب أن يكون متقدما على الإخبار عن قصة البقرة، فقول من يقول : هذه القصة يجب أن تكون متقدمة في التلاوة على الأولى خطأ، لأن هذه القصة في نفسها يجب أن تكون متقدمة على الأول في الوجود، فأما التقدم في الذكر فغير واجب لأنه تارة يتقدم ذكر السبب على ذكر الحكم وأخرى على العكس من ذلك، فكأنه لما وقعت لهم تلك الواقعة أمرهم تعالى بذبح البقرة فلما ذبحوها قال : وإذ قتلتم نفسا من قبل واختلفتم وتنازعتم فإني مظهر لكم القاتل الذي سترتموه بأن يضرب القتيل ببعض هذه البقرة المذبوحة، وذلك مستقيم. فإن قيل : هب أنه لا خلل في هذا النظم، ولكن النظم الآخر كان مستحسنا فما الفائدة في ترجيح هذا النظم ؟ قلنا : إنما قدمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة ولو كانت قصة واحدة لذهب الغرض من بينية التفريع. 
أما قوله تعالى : فادرأتم فيها  ففيه وجوه. ( أحدها ) : اختلفتم واختصمتم في شأنها لأن المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضا أي يدافعه ويزاحمه. ( وثانيها ) :**«ادارأتم »** ينفي كل واحد منكم القتل عن نفسه ويضيفه إلى غيره. ( وثالثها ) : دفع بعضكم بعضا عن البراءة والتهمة، وجملة القول فيه أن الدرء هو الدفع. فالمتخاصمون إذا تخاصموا فقد دفع كل واحد منهم عن نفسه تلك التهمة، ودفع كل واحد منهم حجة صاحبه عن تلك الفعلة، ودفع كل واحد منهم حجة صاحبه في إسناد تلك التهمة إلى غيره وحجة صاحبه في براءته عنه، قال القفال : والكناية في ( فيها ) للنفس، أي فاختلفتم في النفس ويحتمل في القتلة لأن قوله : قتلتم  يدل على المصدر. 
أما قوله تعالى : والله مخرج ما كنتم تكتمون  أي مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتل. فإن قيل : كيف أعمل **«مخرج »** وهو في معنى المضي ؟ قلنا : قد حكى ما كان مستقبلا في وقت التدارء كما حكى الحاضر في قوله : باسط ذراعيه  وهذه الجملة اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وهما **«ادارأتم، فقلنا »** ثم فيه مسائل :
المسألة الأولى : قالت المعتزلة قوله : والله مخرج ما كنتم تكتمون  أي لا بد وأن يفعل ذلك وإنما حكم بأنه لا بد وأن يفعل ذلك، لأن الاختلاف والتنازع في باب القتل يكون سببا للفتن والفساد والله لا يحب الفساد فلأجل هذا قال : لا بد وأن يزيل هذا الكتمان ليزول ذلك الفساد، فدل ذلك على أنه سبحانه لا يريد الفساد ولا يرضى به ولا يخلقه. 
المسألة الثانية : الآية تدل على أنه تعالى عالم بجميع المعلومات وإلا لما قدر على إظهار ما كتموه. 
المسألة الثالثة : تدل الآية على أن ما يسره العبد من خير أو شر ودام ذلك منه فإن الله سيظهره. قال عليه الصلاة والسلام :( إن عبدا لو أطاع الله من وراء سبعين حجابا لأظهر الله ذلك على ألسنة الناس ) وكذلك المعصية. وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام :**«قل لبني إسرائيل يخفون لي أعمالهم وعلي أن أظهرها لهم »**. 
المسألة الرابعة : دلت الآية على أنه يجوز ورود العام لإرادة الخاص لأن قوله : ما كنتم تكتمون  يتناول كل المكتومات ثم إن الله تعالى أراد هذه الواقعة.

### الآية 2:73

> ﻿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [2:73]

أما قوله تعالى : فقلنا اضربوه ببعضها  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : المروي عن ابن عباس أن صاحب بقرة بني إسرائيل طلبها أربعين سنة حتى وجدها، ثم ذبحت إلا أن هذه الرواية على خلاف ظاهر القرآن لأن الفاء في قوله تعالى : فقلنا اضربوه ببعضها  للتعقيب، وذلك يدل على أن قوله : اضربوه ببعضها  حصل عقيب قوله تعالى : إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة . 
المسألة الثانية : الهاء في قوله تعالى : اضربوه  ضمير وهو إما أن يرجع إلى النفس وحينئذ يكون التذكير على تأويل الشخص والإنسان وإما إلى القتيل وهو الذي دل عليه قوله : ما كنتم تكتمون . 
المسألة الثالثة : يجوز أن يكون الله تعالى إنما أمر بذبح البقرة، لأنه تعلق بذبحها مصلحة لا تحصل إلا بذبحها ويجوز أن يكون الحال فيها وفي غيرها على السوية والأقرب هو الأول، لأنه لو قام غيرها مقامها لما وجبت على التعيين، بل على التخير بينها وبين غيرها وههنا سؤالان :
السؤال الأول : ما الفائدة في ضرب المقتول ببعض البقرة مع أن الله تعالى قادر على أن يحييه ابتداء ؟ الجواب : الفائدة فيه لتكون الحجة أوكد وعن الحيلة أبعد فقد كان يجوز لملحد أن يوهم أن موسى عليه السلام إنما أحياه بضرب من السحر والحيلة، فإنه إذا حيي عندما يضرب بقطعة من البقرة المذبوحة انتفت الشبهة في أنه لم يحي بشيء انتقل إليه من الجسم الذي ضرب به، إذا كان ذلك إنما حيي بفعل فعلوه هم، فدل ذلك على أن إعلام الأنبياء إنما يكون من عند الله لا بتمويه من العباد وأيضا فتقديم القربان مما يعظم أمر القربان. 
السؤال الثاني : هلا أمر بذبح غير البقرة، وأجابوا بأن الكلام في غيرها لو أمروا به كالكلام فيه، ثم ذكروا فيها فوائد، منها التقرب بالقربان الذي كانت العادة به جارية ولأن هذا القربان كان عندهم من أعظم القرابين ولما فيه من مزيد الثواب لتحمل الكلفة في تحصيل هذه البقرة على غلاء ثمنها، ولما فيه من حصول المال العظيم لمالك البقرة. 
المسألة الرابعة : اختلفوا في أن ذلك البعض الذي ضربوا القتيل به ما هو ؟ والأقرب أنهم كانوا مخيرين في أبعاض البقرة لأنهم أمروا بضرب القتيل ببعض البقرة وأي بعض من أبعاض البقرة ضربوا القتيل به، فإنهم كانوا ممتثلين لمقتضى قوله : اضربوه ببعضها  والإتيان بالمأمور به يدل على الخروج عن العهدة على ما ثبت في أصول الفقه، وذلك يقتضي التخيير. واختلفوا في البعض الذي ضرب به القتيل فقيل : لسانها وقيل : فخذها اليمنى وقيل : ذنبها وقيل : العظم الذي يلي الغضروف وهو أصل الآذان، وقيل : البضعة بين الكتفين، ولا شك أن القرآن لا يدل عليه فإن ورد خبر صحيح قبل وإلا وجب السكوت عنه. 
المسألة الخامسة : في الكلام محذوف والتقدير، فقلنا اضربوه ببعضها فضربوه ببعضها فحيي إلا أنه حذف ذلك لدلالة قوله تعالى : كذلك يحيي الله الموتى  وعليه هو كقوله تعالى : اضرب بعصاك الحجر فانفجرت  أي فضرب فانفجرت، روي أنهم لما ضربوه قام بإذن الله وأوداجه تشخب دما، وقال قتلني فلان، وفلان لابني عمه ثم سقط ميتا : وقتلا. 
أما قوله تعالى : كذلك يحيي الله الموتى  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : في هذه الآية وجهان : أحدهما : أن يكون إشارة إلى نفس ذلك الميت. والثاني : أنه احتجاج في صحة الإعادة، ثم هذا الاحتجاج أهو على المشركين أو على غيرهم ؟ فيه وجهان. الأول : قال الأصم : إنه على المشركين لأنه إن ظهر لهم بالتواتر أن هذا الإحياء قد كان على هذا الوجه علموا صحة الإعادة، وإن لم يظهر ذلك بالتواتر فإنه يكون داعية لهم إلى التفكر. قال القاضي : وهذا هو الأقرب لأنه تقدم منه تعالى ذكر الأمر بالضرب وأنه سبب إحياء ذلك الميت، ثم قال : كذلك يحيي الله الموتى  فجمع  الموتى  ولو كان المراد ذلك القتيل لما جمع في القول فكأنه قال : دل بذلك على أن الإعادة كالابتداء في قدرته. الثاني : قال القفال : ظاهر الكلام يدل على أن الله تعالى قال لبني إسرائيل : إحياء الله تعالى لسائر الموتى يكون مثل هذا الإحياء الذي شاهدتم، لأنهم وإن كانوا مؤمنين بذلك إلا أنهم لم يؤمنوا به إلا من طريق الاستدلال ولم يشاهدوا شيئا منه، فإذا شاهدوه اطمأنت قلوبهم وانتفت عنهم الشبهة التي لا يخلو منها المستدل، وقد قال إبراهيم عليه السلام : رب أرني كيف تحيي الموتى  إلى قوله : ليطمئن قلبي  فأحيا الله تعالى لبني إسرائيل القتيل عيانا، ثم قال لهم : كذلك يحيي الله الموتى  أي كالذي أحياه في الدنيا يحيي في الآخرة من غير احتياج في ذلك الإيجاد إلى مادة ومدة ومثال وآلة. 
المسألة الثانية : من الناس من استدل بقوله تعالى : كذلك يحيي الله الموتى  على أن المقتول ميت وهو ضعيف لأنه تعالى قاس على إحياء ذلك القتيل إحياء الموتى، فلا يلزم من هذا كون القتيل ميتا. 
أما قوله تعالى : ويريكم آياته  فلقائل أن يقول : إن ذلك كان آية واحدة فلم سميت بالآيات ؟ والجواب : أنها تدل على وجود الصانع القادر على كل المقدورات. العالم بكل المعلومات، المختار في الإيجاد والإبداع، وعلى صدق موسى عليه السلام، وعلى براءة ساحة من لم يكن قاتلا. وعلى تعين تلك التهمة على من باشر ذلك القتل، فهي وإن كانت آية واحدة إلا أنها لما دلت على هذه المدلولات الكثيرة لا جرم جرت مجرى الآيات الكثيرة. 
أما قوله تعالى : لعلكم تعقلون  ففيه بحثان :
الأول : أن كلمة **«لعل »** قد تقدم تفسيرها في قوله تعالى : لعلكم تتقون . 
الثاني : أن القوم كانوا عقلاء قبل عرض هذه الآيات عليهم وإذا كان العقل حاصلا امتنع أن يقال : إني عرضت عليك الآية الفلانية لكي تصير عاقلا، فإذن لا يمكن إجراء الآية على ظاهرها بل لا بد من التأويل وهو أن يكون المراد لعلكم تعملون على قضية عقولكم وأن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها لعدم الاختصاص، حتى لا ينكروا البعث، هذا آخر الكلام في تفسير الآية. واعلم أن كثيرا من المتقدمين ذكر أن من جملة أحكام هذه الآية أن القاتل هل يرث أم لا ؟ قالوا : لا. لأنه روي عن عبيدة السلماني أن الرجل الذي كان قاتلا في هذه الواقعة حرم من الميراث لأجل كونه قاتلا. قال القاضي : لا يجوز جعل هذه المسألة من أحكام هذه الآية لأنه ليس في الظاهر أن القاتل هل كان وارثا لقتيله أم لا ؟ وبتقدير أن يكون وارثا له فهل حرم الميراث أم لا ؟ وليس يجب إذا روي عن أبي عبيدة أن القاتل حرم لمكان قتله الميراث أن يعد ذلك في جملة أحكام القرآن إذا كان لا يدل عليه لا مجملا ولا مفصلا، وإذا كان لم يثبت أن شرعهم كشرعنا وأنه لا يلزم الاقتداء بهم، فإدخال هذا الكلام في أحكام القرآن تعسف. 
واعلم أن الذي قاله القاضي حق، ومع ذلك فلنذكر هذه المسألة فنقول : اختلف المجتهدون في أن القاتل هل يرث أم لا، فعند الشافعي رضي الله عنه لا يرث سواء كان القتل غير مستحق عمدا كان أو خطأ أو كان مستحقا كالعادل إذا قتل الباغي، وعند أبي حنيفة رحمه الله، لا يرث في العمد والخطأ إلا أن العادل إذا قتل الباغي فإنه يرثه، وكذا القاتل إذا كان صبيا أو مجنونا يرثه لا من ديته ولا من سائر أمواله، وهو قول علي وعمر وابن عباس وسعيد بن المسيب، وقال عثمان البتي : قاتل الخطأ يرث وقاتل العمد لا يرث، وقال مالك : لا يرثه من ديته ويرثه من سائر أمواله وهو قول الحسن ومجاهد والزهري والأوزاعي. واحتج الشافعي رضي الله عنه بعموم الخبر المشهور المستفيض أنه صلى الله عليه وسلم قال :( ليس للقاتل من الميراث شيء ) إلا أن الاستدلال بهذا الخبر إنما يصح لو جوزنا تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد، والكلام فيه مذكور في أصول الفقه، ثم ههنا دقيقة وهي أن تطرق التخصيص إلى العام يفيد نوع ضعف فلو خصصنا هذا الخبر ببعض الصور فحينئذ يتوالى عليه أسباب الضعف، فإن كونه خبر واحد يوجب الضعف وكونه على مصادمة الكتاب سبب آخر وكونه مخصوصا سبب آخر، فلو خصصنا عموم الكتاب به لكنا قد رجحنا الضعيف جدا على القوي جدا. أما إذا لم يخصص هذا الخبر البتة اندفع عنه بعض أسباب الضعف فحينئذ لا يبعد تخصيص عموم الكتاب به. واحتج أبو بكر الرازي على أن العادل إذا قتل الباغي فإنه لا يصير محروما عن الميراث بأنا لا نعلم خلافا أن من وجب له القود على إنسان فقتله قودا أنه لا يحرم من الميراث، واعلم أن الشافعية يمنعون هذه الصورة والله أعلم.

### الآية 2:74

> ﻿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [2:74]

قوله تعالى : ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون 
اعلم أن قوله تعالى : ثم قست قلوبكم من بعد ذلك  فيه مسائل :
المسألة الأولى : الشيء الذي من شأنه بأصل ذاته أن يقبل الأثر عن شيء آخر ثم إنه عرض لذلك القابل ما لأجله صار بحيث لا يقبل الأثر فيقال لذلك القابل : إنه صار صلبا غليظا قاسيا، فالجسم من حيث إنه جسم يقبل الأثر عن الغير إلا أن صفة الحجرية لما عرضت للجسم صار جسم الحجر غير قابل وكذلك القلب من شأنه أن يتأثر عن مطالعة الدلائل والآيات والعبر وتأثره عبارة عن ترك التمرد والعتو والاستكبار وإظهار الطاعة والخضوع لله والخوف من الله تعالى، فإذا عرض للقلب عارض أخرجه عن هذه الصفة صار في عدم التأثر شبيها بالحجر فيقال : قسا القلب وغلظ، ولذلك كان الله تعالى وصف المؤمنين بالرقة فقال : كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم . 
المسألة الثانية : قال القفال : يجوز أن يكون المخاطبون بقوله : قلوبكم  أهل الكتاب الذين كانوا في زمان محمد صلى الله عليه وسلم، أي اشتدت قلوبكم وقست وصلبت من بعد البينات التي جاءت أوائلكم والأمور التي جرت عليهم والعقاب الذي نزل بمن أصر على المعصية منهم والآيات التي جاءهم بها أنبياؤهم والمواثيق التي أخذوها على أنفسهم وعلى كل من دان بالتوراة ممن سواهم، فاخبر بذلك عن طغيانهم وجفائهم مع ما عندهم من العلم بآيات الله التي تلين عندها القلوب، وهذا أولى لأن قوله تعالى : ثم قست قلوبكم  خطاب مشافهة، فحمله على الحاضرين أولى، ويحتمل أيضا أن يكون المراد أولئك اليهود الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام خصوصا، ويجوز أن يريد من قبلهم من سلفهم. 
المسألة الثالثة : قوله تعالى : من بعد ذلك  يحتمل أن يكون المراد من بعد ما أظهره الله تعالى من إحياء ذلك القتيل عند ضربه ببعض البقرة المذبوحة حتى عين القاتل، فإنه روي أن ذلك القتيل لما عين القاتل نسبه القاتل إلى الكذب وما ترك الإنكار، بل طلب الفتنة وساعده عليه جمع، فعنده قال تعالى واصفا لهم : إنهم بعد ظهور مثل هذه الآية قست قلوبهم، أي صارت قلوبهم بعد ظهور مثل هذه الآية في القسوة كالحجارة ويحتمل أن يكون قوله : من بعد ذلك  إشارة إلى جميع ما عدد الله سبحانه من النعم العظيمة والآيات الباهرة التي أظهرها على يد موسى عليه السلام، فإن أولئك اليهود بعد أن كثرت مشاهدتهم لها ما خلوا من العناد والاعتراض على موسى عليه السلام وذلك بين في أخبارهم في التيه لمن نظر فيها. 
أما قوله تعالى : أو أشد قسوة  فيه مسائل. 
المسألة الأولى : كلمة ****«أو »**** للترديد وهي لا تليق بعلام الغيوب، فلا بد من التأويل وهو وجوه. ( أحدها ) : أنها بمعنى الواو كقوله تعالى : إلى مائة ألف أو يزيدون  بمعنى ويزيدون، وكقوله تعالى : ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن  والمعنى وآبائهن وكقوله : أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم  يعني وبيوت آبائكم. ومن نظائره قوله تعالى : لعله يتذكر أو يخشى   فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا  ( وثانيها ) : أنه تعالى أراد أن يبهمه على العباد فقال ذلك كما يقول المرء لغيره : أكلت خبزا أو تمرا وهو لا يشك أنه أكل أحدهما إذا أراد أن يبينه لصاحبه. ( وثالثها ) : أن يكون المراد فهي كالحجارة، ومنها ما هو أشد قسوة من الحجارة، ( ورابعها ) : أن الآدميين إذا اطلعوا على أحوال قلوبهم قالوا : إنها كالحجارة أو هي أشد قسوة من الحجارة وهو المراد في قوله : فكان قاب قوسين أو أدنى  أي في نظركم واعتقادكم. ( وخامسها ) : أن كلمة ****«أو »**** بمعنى بل وأنشدوا :

فوالله ما أدري أسلمى تغولت  أم القوم أو كل إلى حبيبالمسألة الثانية : قال صاحب **«الكشاف »** :**«أشد »** معطوف على الكاف، إما على معنى أو مثل :**«أشد قسوة »** فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وإما على أو هي أنفسها أشد قسوة. 
المسألة الثالثة : إنما وصفها بأنها أشد قسوة لوجوه. ( أحدها ) : أن الحجارة لو كانت عاقلة ولقيتها هذه الآية لقبلنها كما قال : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله  ( وثانيها ) : أن الحجارة ليس فيها امتناع مما يحدث فيها بأمر الله تعالى وإن كانت قاسية بل هي منصرفة على مراد الله غير ممتنعة من تسخيره، وهؤلاء مع ما وصفنا من أحوالهم في اتصال الآيات عندهم وتتابع النعم من الله عليهم يمتنعون من طاعته ولا تلين قلوبهم لمعرفة حقه وهو كقوله تعالى : وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه  إلى قوله تعالى : والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات  كأن المعنى أن الحيوانات من غير بني آدم أمم سخر كل واحد منها لشيء وهو منقاد لما أريد منه وهؤلاء الكفار يمتنعون عما أراد الله منهم. ( وثالثها ) : أو أشد قسوة، لأن الأحجار ينتفع بها من بعض الوجوه، ويظهر منها الماء في بعض الأحوال، أما قلوب هؤلاء فلا نفع فيها البتة ولا تلين لطاعة الله بوجه من الوجوه. 
المسألة الرابعة : قال القاضي : إن كان تعالى هو الخالق فيهم الدوام على ما هم عليه من الكفر، فكيف يحسن ذمهم بهذه الطريقة ولو أن موسى عليه السلام خاطبهم فقالوا له : إن الذي خلق الصلابة في الحجارة هو الذي خلق في قلوبنا القسوة والخالق في الحجارة انفجار الأنهار هو القادر على أن ينقلنا عما نحن عليه من الكفر بخلق الإيمان فينا، فإذا لم يفعل فعذرنا ظاهر لكانت حجتهم عليه أوكد من حجته عليهم، وهذا النمط من الكلام قد تقدم تقريرا وتفريعا مرارا وأطوارا. 
المسألة الخامسة : إنما قال : أشد قسوة  ولم يقل أقسى، لأن ذلك أدل على فرط القسوة ووجه آخر وهو أن لا يقصد معنى الأقسى، ولكن قصد وصف القسوة بالشدة كأنه قيل : اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة، وقرئ **«قساوة »** وترك ضمير المفضل عليه لعدم الإلباس كقولك : زيد كريم وعمرو أكرم. ثم إنه سبحانه وتعالى فضل الحجارة على قلوبهم بأن بين أن الحجارة قد يحصل منها ثلاثة أنواع من المنافع، ولا يوجد في قلوب هؤلاء شيء من المنافع. ( فأولها ) : قوله تعالى : وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار  وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرئ :**«وإن »** بالتخفيف وهي إن المخففة من الثقيلة التي تلزمها اللام الفارقة، ومنها قوله تعالى : وإن كل لما جميع لدينا محضرون . 
المسألة الثانية : التفجر التفتح بالسعة والكثرة، يقال : انفجرت قرحة فلان، أي انشقت بالمدة ومنه الفجر والفجور. وقرأ مالك بن دينار **«ينفجر »** بمعنى وإن من الحجارة ما ينشق فيخرج منه الماء الذي يجري حتى تكون منه الأنهار. قالت الحكماء : إن الأنهار إنما تتولد عن أبخرة تجتمع في باطن الأرض، فإن كان ظاهر الأرض رخوا انشقت تلك الأبخرة وانفصلت، وإن كان ظاهر الأرض صلبا حجريا اجتمعت تلك الأبخرة، ولا يزال يتصل تواليها بسوابقها حتى تكثر كثرة عظيمة فيعرض حينئذ من كثرتها وتواتر مدها أن تنشق الأرض وتسيل تلك المياه أودية وأنهارا. ( وثانيها ) : قوله تعالى : وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء ، أي من الحجارة لما ينصدع فيخرج منه الماء فيكون عينا لا نهرا جاريا، أي أن الحجارة قد تندى بالماء الكثير وبالماء القليل، وفي ذلك دليل تفاوت الرطوبة فيها، وأنها قد تكثر في حال حتى يخرج منها ما يجري منه الأنهار وقد تقل، وهؤلاء قلوبهم في نهاية الصلابة لا تندي بقبول شيء من المواعظ ولا تنشرح لذلك ولا تتوجه إلى الاهتداء وقوله تعالى : يشقق  أي يتشقق، فأدغم التاء كقوله : يذكر  أي يتذكر وقوله : يا أيها المزمل   يا أيها المدثر  ( وثالثها ) : قوله تعالى : وإن منها لما يهبط من خشية الله . 
واعلم أن فيه إشكالا وهو أن الهبوط من خشية الله صفة الأحياء العقلاء، والحجر جماد فلا يتحقق ذلك فيه، فلهذا الإشكال ذكروا في هذه الآية وجوها ؛ أحدها : قول أبي مسلم خاصة وهو أن الضمير في قوله تعالى : وإن منها  راجع إلى القلوب، فإنه يجوز عليها الخشية والحجارة لا يجوز عليها الخشية : وقد تقدم ذكر القلوب كما تقدم ذكر الحجارة، أقصى ما في الباب أن الحجارة أقرب المذكورين، إلا أن هذا الوصف لما كان لائقا بالقلوب دون الحجارة وجب رجوع هذا الضمير إلى القلوب دون الحجارة، واعترضوا عليه من وجهين. الأول : أن قوله تعالى : فهي كالحجارة أو أشد قسوة  جملة تامة، ثم ابتدأ تعالى فذكر حال الحجارة بقوله : وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار  فيجب في قوله تعالى : وإن منها لما يهبط من خشية الله  أن يكون راجعا إليها، الثاني : أن الهبوط يليق بالحجارة لا بالقلوب، فليس تأويل الهبوط أولى من تأويل الخشية، وثانيها : قول جمع من المفسرين : إن الضمير عائد إلى الحجارة، لكن لا نسلم أن الحجارة ليست حية عاقلة، بيانه أن المراد من ذلك جبل موسى عليه السلام حين تقطع وتجلى له ربه، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى خلق فيه الحياة والعقل والإدراك، وهذا غير مستبعد في قدرة الله، ونظيره قوله تعالى :
 وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء  فكما جعل الجلد ينطق ويسمع ويعقل، فكذلك الجبل وصفه بالخشية، وقال أيضا : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله  والتقدير أنه تعالى لو جعل فيه العقل والفهم لصار كذلك، وروي أنه حن الجزع لصعود رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما أتاه الوحي في أول المبعث وانصرف النبي صلى الله عليه وسلم إلى منزله سلمت عليه الأحجار والأشجار، فكلها كانت تقول : السلام عليك يا رسول الله، قالوا : فغير ممتنع أن يخلق في بعض الأحجار عقل وفهم حتى تحصل الخشية فيه، وأنكرت المعتزلة هذا التأويل لما أن عندهم البنية واعتدال المزاج شرط قبول الحياة والعقل، ولا دلالة لهم على اشتراط البنية إلا مجرد الاستبعاد، فوجب أن لا يلتفت إليهم. وثالثها : قول أكثر المفسرين وهو أن الضمير عائد إلى الحجارة، وأن الحجارة لا تعقل ولا تفهم، وذكروا على هذا القول أنواعا من التأويل. الأول : أن من الحجارة ما يتردى من الموضع العالي الذي يكون فيه فينزل إلى أسفل وهؤلاء الكفار مصرون على العناد والتكبر، فكأن الهبوط من العلو جعل مثلا للانقياد، وقوله : من خشية الله ، أي ذلك الهبوط لو وجد من العاقل المختار لكان به خاشيا لله وهو كقوله : فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه  أي جدارا قد ظهر فيه الميلان ومقاربة السقوط ما لو ظهر مثله في حي مختار لكان مريدا للانقضاض، ونحو هذا قول بعضهم :بخيل تضل البلق من حجراته  ترى الأكم فيه سجدا للحوافر**وقول جرير :**لما أتى خبر الزبير تضعضعت  سور المدينة والجبال الخشعفجعل الأول ما ظهر في الأكم من أثر الحوافر مع عدم امتناعها من دفع ذلك عن نفسها كالسجود منها للحوافر، وكذلك الثاني : جعل ما ظهر في أهل المدينة من آثار الجزع كالخشوع. وعلى هذا الوجه تأول أهل النظر قوله تعالى :{ تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمد

### الآية 2:75

> ﻿۞ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [2:75]

قوله تعالى : أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون 
اعلم أنه سبحانه لما ذكر قبائح أفعال أسلاف اليهود إلى ههنا، شرح من هنا قبائح أفعال اليهود الذين كانوا في زمن محمد صلى الله عليه وسلم، قال القفال رحمه الله : إن فيما ذكره الله تعالى في هذه السورة من أقاصيص بني إسرائيل وجوها من المقصد، أحدها : الدلالة بها على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر عنها من غير تعلم، وذلك لا يمكن أن يكون إلا بالوحي ويشترك في الانتفاع بهذه الدلالة أهل الكتاب والعرب، أما أهل الكتاب فلأنهم كانوا يعلمون هذه القصص فلما سمعوها من محمد من غير تفاوت أصلا، علموا لا محالة أنه ما أخذها إلا من الوحي. وأما العرب فلما يشاهدون من أن أهل الكتاب يصدقون محمدا في هذه الأخبار، وثانيها : تعديد النعم على بني إسرائيل وما من الله تعالى به على أسلافهم من أنواع الكرامة والفضل كالإنجاء من آل فرعون بعدما كانوا مقهورين مستعبدين ونصره إياهم وجعلهم أنبياء وملوكا وتمكينه لهم في الأرض وفرقه بهم البحر وإهلاكه عدوهم وإنزاله النور والبيان عليهم بواسطة إنزال التوراة والصفح عن الذنوب التي ارتكبوها من عبادة العجل ونقض المواثيق ومسألة النظر إلى الله جهرة، ثم ما أخرجه لهم في التيه من الماء العذب من الحجر وإنزاله عليهم المن والسلوى ووقايتهم من حر الشمس بتظليل الغمام، فذكرهم الله هذه النعم القديمة والحديثة، وثالثها : إخبار النبي عليه السلام بتقديم كفرهم وخلافهم وشقاقهم وتعنتهم مع الأنبياء ومعاندتهم لهم وبلوغهم في ذلك ما لم يبلغه أحد من الأمم قبلهم، وذلك لأنهم بعد مشاهدتهم الآيات الباهرة عبدوا العجل بعد مفارقة موسى عليه السلام إياهم بالمدة اليسيرة، فدل على بلادتهم، ثم لما أمروا بدخول الباب سجدا وأن يقولوا حطة ووعدهم أن يغفر لهم خطاياهم ويزيد في ثواب محسنهم بدلوا القول وفسقوا، ثم سألوا الفوم والبصل بدل المن والسلوى، ثم امتنعوا من قبول التوراة بعد إيمانهم بموسى وضمانهم له بالمواثيق أن يؤمنوا به وينقادوا لما يأتي به حتى رفع فوقهم الجبل ثم استحلوا الصيد في السبت واعتدوا، ثم لما أمروا بذبح البقرة شافهوا موسى عليه السلام بقولهم : أتتخذنا هزوا  ثم لما شاهدوا إحياء الموتى ازدادوا قسوة، فكأن الله تعالى يقول : إذا كانت هذه أفعالهم فيما بينهم ومعاملاتهم مع نبيهم الذي أعزهم الله به وأنقذهم من الرق والآفة بسببه، فغير بديع ما يعامل به أخلافهم محمدا عليه السلام، فليهن عليكم أيها النبي والمؤمنون ما ترونه من عنادهم وإعراضهم عن الحق. ورابعها : تحذير أهل الكتاب الموجودين في زمان النبي صلى الله عليه وسلم من نزول العذاب عليهم كما نزل بأسلافهم في تلك الوقائع المعدودة. 
وخامسها : تحذير مشركي العرب أن ينزل العذاب عليهم كما نزل على أولئك اليهود، وسادسها : أنه احتجاج على مشركي العرب المنكرين للإعادة مع إقرارهم بالابتداء، وهو المراد من قوله تعالى : كذلك يحيي الله الموتى  إذا عرفت هذا فنقول : إنه عليه السلام كان شديد الحرص على الدعاء إلى الحق وقبولهم الإيمان منه، وكان يضيق صدره بسبب عنادهم وتمردهم، فقص الله تعالى عليه أخبار بني إسرائيل في العناد العظيم مع مشاهدة الآيات الباهرة تسلية لرسوله فيما يظهر من أهل الكتاب في زمانه من قلة القبول والاستجابة، فقال تعالى : أفتطمعون أن يؤمنوا لكم  وههنا مسائل :
المسألة الأولى : في قوله تعالى : أفتطمعون أن يؤمنوا لكم  وجهان : الأول : وهو قول ابن عباس أنه خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم خاصة لأنه هو الداعي وهو المقصود بالاستجابة واللفظ وإن كان للعموم، لكنا حملناه على الخصوص لهذه القرينة، روي أنه عليه السلام حين دخل المدينة ودعا اليهود إلى كتاب الله وكذبوه فأنزل الله تعالى هذه الآية. الثاني : وهو قول الحسن أنه خطاب مع الرسول والمؤمنين، قال القاضي : وهذا أليق بالظاهر لأنه عليه السلام وإن كان الأصل في الدعاء فقد كان في الصحابة من يدعوهم إلى الإيمان ويظهر لهم الدلائل وينبههم عليها، فصح أن يقول تعالى : أفتطمعون أن يؤمنوا لكم  ويريد به الرسول ومن هذا حاله من أصحابه وإذا كان ذلك صحيحا فلا وجه لترك الظاهر. 
المسألة الثانية : المراد بقوله : أن يؤمنوا لكم  هم اليهود الذين كانوا في زمن الرسول عليه السلام لأنهم الذين يصح فيهم الطمع في أن يؤمنوا وخلافه لأن الطمع إنما يصح في المستقبل لا في الواقع. 
المسألة الثالثة : ذكروا في سبب الاستبعاد وجوها. أحدها : أفتطمعون أن يؤمنوا لكم مع أنهم ما آمنوا بموسى عليه السلام، وكان هو السبب في أن الله خلصهم من الذل وفضلهم على الكل، ومع ظهور المعجزات المتوالية على يده وظهور أنواع العذاب على المتمردين. الثاني : أفتطمعون أن يؤمنوا ويظهروا التصديق ومن علم منهم الحق لم يعترف بذلك، بل غيره وبدله. الثالث : أفتطمعون أن يؤمن لكم هؤلاء من طريق النظر والاستدلال وكيف وقد كان فريق من أسلافهم يسمعون كلام الله ويعلمون أنه حق ثم يعاندونه. 
المسألة الرابعة : لقائل أن يقول : القوم مكلفون بأن يؤمنوا بالله. فما الفائدة في قوله : أفتطمعون أن يؤمنوا لكم  ؟ الجواب : أنه يكون إقرارا لهم بما دعوا إليه ولو كان الإيمان لله كما قال تعالى : فآمن له لوط  لما أقر بنبوته وبتصديقه، ويجوز أن يراد بذلك أن يؤمنوا لأجلكم ولأجل تشددكم في دعائهم إليه فيكون هذا معنى الإضافة. 
أما قوله تعالى : وقد كان فريق منهم  فقد اختلفوا في ذلك الفريق، منهم من قال : المراد بالفريق من كان في أيام موسى عليه السلام لأنه تعالى وصف هذا الفريق بأنهم يسمعون كلام الله. والذين سمعوا كلام الله هم أهل الميقات، ومنهم من قال : بل المراد بالفريق من كان في زمن محمد عليه الصلاة والسلام، وهذا أقرب لأن الضمير في قوله تعالى : وقد كان فريق منهم  راجع إلى ما تقدم وهم الذين عناهم الله تعالى بقوله : أفتطمعون أن يؤمنوا لكم  وقد بينا أن الذين تعلق الطمع بإيمانهم هم الذين كانوا في زمن محمد عليه الصلاة والسلام. فإن قيل : الذين سمعوا كلام الله هم الذين حضروا الميقات، قلنا : لا نسلم بل قد يجوز فيمن سمع التوراة أن يقال : إنه سمع كلام الله كما يقال لأحدنا سمع كلام الله إذا قرئ عليه القرآن. 
أما قوله تعالى : ثم يحرفونه  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال القفال : التحريف التغيير والتبديل وأصله من الانحراف عن الشيء والتحريف عنه، قال تعالى : إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة  والتحريف هو إمالة الشيء عن حقه، يقال : قلم محرف إذا كان رأسه قط مائلا غير مستقيم. 
المسألة الثانية : قال القاضي : إن التحريف إما أن يكون في اللفظ أو في المعنى، وحمل التحريف على تغيير اللفظ أولى من حمله على تغيير المعنى، لأن كلام الله تعالى إذا أمكن أن يحمل على ذلك كما روي عن ابن عباس من أنهم زادوا فيه ونقصوا فهو أولى، وإن لم يمكن ذلك فيجب أن يحمل على تغيير تأويله وإن كان التنزيل ثابتا، وإنما يمتنع ذلك إذا ظهر كلام الله ظهورا متواترا كظهور القرآن، فأما قبل أن يصير كذلك فغير ممتنع تحريف نفس كلامه، لكن ذلك ينظر فيه، فإن كان تغييرهم له يؤثر في قيام الحجة به فلا بد من أن يمنع الله تعالى منه وإن لم يؤثر في ذلك صح وقوعه فالتحريف الذي يصح في الكلام يجب أن يقسم على ما ذكرناه، فأما تحريف المعنى فقد يصح على وجه ما، لم يعلم قصد الرسول باضطرار فإنه متى علم ذلك امتنع منهم التحريف لما تقدم من علمهم بخلافه كما يمتنع الآن أن يتأول متأول تحريم لحم الخنزير والميتة والدم على غيرها. 
المسألة الثالثة : اعلم أنا إن قلنا بأن المحرفين هم الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام، فالأقرب أنهم حرفوا ما لا يتصل بأمر محمد صلى الله عليه وسلم. روي أن قوما من السبعين المختارين سمعوا كلام الله حين كلم موسى بالطور وما أمر به موسى وما نهى عنه، ثم قالوا : سمعنا الله يقول في آخره : إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا وإن شئتم أن لا تفعلوا فلا بأس، وأما إن قلنا : المحرفون هم الذين كانوا في زمن محمد عليه الصلاة والسلام فالأقرب أن المراد تحريف أمر محمد عليه الصلاة والسلام، وذلك إما أنهم حرفوا نعت الرسول وصفته أو لأنهم حرفوا الشرائع كما حرفوا آية الرجم وظاهر القرآن لا يدل على أنهم أي شيء حرفوا. 
المسألة الرابعة : لقائل أن يقول : كيف يلزم من إقدام البعض على التحريف حصول اليأس من إيمان الباقين، فإن عناد البعض لا ينافي إقرار الباقين ؟ أجاب القفال عنه فقال : يحتمل أن يكون المعنى كيف يؤمن هؤلاء وهم إنما يأخذون دينهم ويتعلمونه من قوم هم يتعمدون التحريف عنادا، فأولئك إنما يعلمونهم ما حرفوه وغيروه عن وجهه والمقلدة لا يقبلون إلا ذلك ولا يلتفتون إلى قول أهل الحق وهو كقولك للرجل : كيف تفلح وأستاذك فلان ! أي وأنت عنه تأخذ ولا تأخذ عن غيره. 
المسألة الخامسة : اختلفوا في قوله : أفتطمعون  فقال قائلون : آيسهم الله تعالى من إيمان هذه الفرقة وهم جماعة بأعيانهم. وقال آخرون : لم يؤيسهم من ذلك إلا من جهة الاستبعاد له منهم مع ما هم عليه من التحريف والتبديل والعناد، قالوا : وهو كما لا نطمع لعبيدنا وخدمنا أن يملكوا بلادنا. ثم إنا لا نقطع بأنهم لا يملكون بل نستبعد ذلك. ولقائل أن يقول : إن قوله تعالى : أفتطمعون أن يؤمنوا لكم  استفهام على سبيل الإنكار، فكان ذلك جزما بأنهم لا يؤمنون البتة فإيمان من أخبر الله عنه أنه لا يؤمن ممتنع، فحينئذ تعود الوجوه المقررة للخبر على ما تقدم. 
أما قوله تعالى : من بعد ما عقلوه ، فالمراد أنهم علموا بصحته وفساد ما خلقوه فكانوا معاندين مقدمين على ذلك بالعمد، فلأجل ذلك يجب أن يحمل الكلام على أنهم العلماء منهم وأنهم فعلوا ذلك لضرب من الأغراض على ما بينه الله تعالى من بعد في قوله تعالى : واشتروا به ثمنا قليلا  \[ آل عمران : ١٨٧ \] وقال تعالى : يعرفونه كما يعرفون أبناءهم  \[ البقرة : ١٤٦ \] \[ الأنعام : ٢٠ \] ويجب أن يكون في عددهم قلة لأن الجمع العظيم لا يجوز عليهم كتمان ما يعتقدون لأنا إن جوزنا ذلك لم يعلم المحق من المبطل وإن كثر العدد. 
أما قوله تعالى : وهم يعلمون  فلقائل أن يقول : قوله تعالى : عقلوه وهم يعلمون  تكرار لا فائدة فيه : أجاب القفال عنه من وجهين، الأول : من بعد ما عقلوه مراد الله فأولوه تأويلا فاسدا يعلمون أنه غير مراد الله تعالى. الثاني : أنهم عقلوا مراد الله تعالى، وعلموا أن التأويل الفاسد يكسبهم الوزر والعقوبة من الله تعالى، ومتى تعمدوا التحريف مع العلم بما فيه من الوزر كانت قسوتهم أشد وجراءتهم أعظم، ولما كان المقصود من ذلك تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام وتصبيره على عنادهم فكلما كان عنادهم أعظم كان ذلك في التسلية أقوى، وفي الآية مسألتان :
المسألة الأولى : قال القاضي قوله تعالى : أفتطمعون أن يؤمنوا لكم  على ما تقدم تفسيره، يدل على أن إيمانهم من قبلهم لأنه لو كان بخلق الله تعالى فيهم لكان لا يتغير حال الطبع

### الآية 2:76

> ﻿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [2:76]

قوله تعالى : وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون 
اعلم أن هذا هو النوع الثاني من قبائح أفعال اليهود الذين كانوا في زمن محمد قالوا لهم : آمنا بالذي آمنتم به ونشهد أن صاحبكم صادق وأن قوله حق ونجده بنعته وصفته في كتابنا، ثم إذا خلا بعضهم إلى بعض قال الرؤساء لهم : أتحدثونهم بما فتح الله عليكم في كتابه من نعته وصفته ليحاجوكم به، فإن المخالف إذا اعترف بصحة التوراة واعترف بشهادة التوراة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فلا حجة أقوى من ذلك، فلا جرم كان بعضهم يمنع بعضا من الاعتراف بذلك عند محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال القفال : قوله : فتح الله عليكم  مأخوذ من قولهم قد فتح على فلان في علم كذا أي رزق ذلك وسهل له طلبه. 
أما قوله : عند ربكم  ففيه وجوه. أحدها : أنهم جعلوا محاجتهم به وقوله هو في كتابكم هكذا محاجة عند الله، ألا تراك تقول هو في كتاب الله هكذا وهو عند الله هكذا بمعنى واحد. وثانيها : قال الحسن : أي ليحاجوكم في ربكم لأن المحاجة فيما ألزم الله تعالى من اتباع الرسل تصح أن توصف بأنها محاجة فيه لأنها محاجة في دينه. وثالثها : قال الأصم : المراد يحاجوكم يوم القيامة وعند التساؤل فيكون ذلك زائدا في توبيخكم وظهور فضيحتكم على رؤوس الخلائق في الموقف لأنه ليس من اعتراف بالحق ثم كتم كمن ثبت على الإنكار فكان القوم يعتقدون أن ظهور ذلك مما يزيد في انكشاف فضيحتهم في الآخرة. ورابعها : قال القاضي أبو بكر : إن المحتج بالشيء قد يحتج ويكون غرضه من إظهار تلك الحجة حصول السرور بسبب غلبة الخصم وقد يكون غرضه منه الديانة والنصيحة، فقط ليقطع عذر خصمه ويقرر حجة الله عليه فقال القوم عند الخلوة قد حدثتموهم بما فتح الله عليكم من حجتهم في التوراة فصاروا يتمكنون من الاحتجاج به على وجه الديانة والنصيحة، لأن من يذكر الحجة على هذا الوجه قد يقول لصاحبه قد أوجبت عليك عند الله وأقمت عليك الحجة بيني وبين ربي فإن قبلت أحسنت إلى نفسك وإن جحدت كنت الخاسر الخائب. وخامسها : قال القفال : يقال : فلان عندي عالم أي في اعتقادي وحكمي، وهذا عند الشافعي حلال وعند أبي حنيفة حرام، أي في حكمهما وقوله : ليحاجوكم به عند ربكم  أي لتصيروا محجوجين بتلك الدلائل في حكم الله. وتأول بعض العلماء قوله تعالى : فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون  أي في حكم الله وقضائه لأن القاذف إذا لم يأت بالشهود لزمه حكم الكاذبين وإن كان في نفسه صادقا. 
أما قوله : أفلا تعقلون  ففيه وجوه. أحدها : أنه يرجع إلى المؤمنين فكأنه تعالى قال : أفلا تعقلون لما ذكرته لكم من صفتهم أن الأمر لا مطمع لكم في إيمانهم. وهو قول الحسن. وثانيها : أنه راجع إليهم فكأن عندما خلا بعضهم ببعض قالوا لهم أتحدثونهم بما يرجع وباله عليكم وتصيرون محجوجين به، أفلا تعقلون أن ذلك لا يليق بما أنتم عليه. وهذا الوجه أظهر لأنه من تمام الحكاية عنهم فلا وجه لصرفه عنهم إلى غيرهم.

### الآية 2:77

> ﻿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ [2:77]

أما قوله تعالى : أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون  ففيه قولان، الأول : وهو قول الأكثرين إن اليهود كانوا يعرفون الله ويعرفون أنه تعالى يعلم السر والعلانية فخوفهم الله به. الثاني : أنهم ما علموا بذلك فرغبهم بهذا القول في أن يتفكروا فيعرفوا أن لهم ربا يعلم سرهم وعلانيتهم وأنهم لا يأمنون حلول العقاب بسبب نفاقهم، وعلى القولين جميعا، فهذا الكلام زجر لهم عن النفاق، وعن وصية بعضهم بعضا بكتمان دلائل نبوة محمد. والأقرب أن اليهود المخاطبين بذلك كانوا عالمين بذلك، لأنه لا يكاد يقال على طريق الزجر : أولا يعلم كيت وكيت إلا وهو عالم بذلك الشيء، ويكون ذلك الشيء زاجرا له عن ذلك الفعل، وقال بعضهم : هؤلاء اليهود كيف يستجيزون أن يسر إلى إخوانهم النهي عن إظهار دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهم ليسوا كالمنافقين الذين لا يعلمون الله ولا يعلمون كونه عالما بالسر والعلانية، فشأنهم من هذه الجهة أعجب. قال القاضي : الآية تدل على أمور. أحدها : أنه تعالى إن كان هو الخالق لأفعال العباد فكيف يصح أن يزجرهم عن تلك الأقوال والأفعال. وثانيها : أنها تدل على صحة الحجاج والنظر وأن ذلك كان طريقة الصحابة والمؤمنين وأن ذلك كان ظاهرا عند اليهود حتى قال بعضهم لبعض ما قالوه، وثالثها : أنها تدل على أن الحجة قد تكون إلزامية لأنهم لما اعترفوا بصحة التوراة وباشتمالها على ما يدل على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام لا جرم لزمهم الاعتراف بالنبوة ولو منعوا إحدى تينك المقدمتين لما تمت الدلالة. ورابعها : أنها تدل على أن الآتي بالمعصية مع العلم بكونها معصية يكون أعظم جرما ووزرا، والله أعلم.

### الآية 2:78

> ﻿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [2:78]

قوله تعالى : ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون 
اعلم أن المراد بقوله : ومنهم أميون  اليهود لأنه تعالى لما وصفهم بالعناد وأزال الطمع عن إيمانهم بين فرقهم، فالفرقة الأولى هي الفرقة الضالة المضلة، وهم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه. والفرقة الثانية : المنافقون، والفرقة الثالثة : الذين يجادلون المنافقين، والفرقة الرابعة : هم المذكورون في هذه الآية وهم العامة الأميون الذين لا معرفة عندهم بقراءة ولا كتابة وطريقتهم التقليد وقبول ما يقال لهم، فبين الله تعالى أن الذين يمتنعون عن قبول الإيمان ليس سبب ذلك الامتناع واحدا بل لكل قسم منهم سبب آخر ومن تأمل ما ذكره الله تعالى في هذه الآية من شرح فرق اليهود وجد ذلك بعينه في فرق هذه الأمة، فإن فيهم من يعاند الحق ويسعى في إضلال الغير وفيهم من يكون متوسطا، وفيهم من يكون عاميا محضا مقلدا، وههنا مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في الأمي فقال بعضهم هو من لا يقر بكتاب ولا برسول. وقال آخرون : من لا يحسن الكتابة والقراءة وهذا الثاني أصوب لأن الآية في اليهود وكانوا مقرين بالكتاب والرسول ولأنه عليه الصلاة والسلام قال :( نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ) وذلك يدل على هذا القول، ولأن قوله : لا يعلمون الكتاب  لا يليق إلا بذلك. 
المسألة الثانية :**«الأماني »** جمع أمنية ولها معان مشتركة في أصل واحد، أحدها : ما تخيله الإنسان فيقدر في نفسه وقوعه ويحدثها بكونه، ومن هذا قولهم : فلان يعد فلانا ويمنيه ومنه قوله تعالى : يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا  فإن فسرنا الأماني بهذا كان قوله :( إلا أماني ) إلا ما هم عليه من أمانيهم في أن الله تعالى لا يؤاخذهم بخطاياهم وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم وما تمنيهم أحبارهم من أن النار لا تمسهم إلا أياما معدودة. وثانيها : إلا أماني  إلا أكاذيب مختلقة سمعوها من علمائهم فقبلوها على التقليد، قال أعرابي لابن دأب في شيء حدث به : أهذا شيء رويته أم تمنيته أم اختلقته. وثالثها : إلا أماني  أي إلا ما يقرأون من قوله : تمنى كتاب الله أول ليلة. قال صاحب **«الكشاف »** والاشتقاق من منى، إذا قدر لأن المتمني يقدر في نفسه ويجوز ما يتمناه، وكذلك المختلق والقارئ يقدر أن كلمة كذا بعد كذا، قال أبو مسلم : حمله على تمني القلب أولى بدليل قوله تعالى : وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم  أي تمنيهم. وقال الله تعالى : ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به  وقال : تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم  وقال تعالى : وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون  بمعنى يقدرون ويخرصون. وقال الأكثرون : حمله على القراءة أولى كقوله تعالى : إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته  ولأن حمله على القراءة أليق بطريقة الاستثناء لأنا إذا حملناه على ذلك كان له به تعلق فكأنه قال : لا يعلمون الكتاب إلا بقدر ما يتلى عليهم فيسمعونه وبقدر ما يذكر لهم فيقبلونه، ثم إنهم لا يتمكنون من التدبر والتأمل، وإذا حمل على أن المراد الأحاديث والأكاذيب أو الظن والتقدير وحديث النفس كان الاستثناء فيه نادرا. 
المسألة الثالثة : قوله تعالى : إلا أماني  من الاستثناء المنقطع، قال النابغة :

حلفت يمينا غير ذي مثنوية  ولا علم إلا حسن ظن بغائبوقرئ **«إلا أماني »** بالتخفيف. أما قوله تعالى : وإن هم إلا يظنون  فكالمحقق لما قلناه لأن الأماني إن أريد بها التقدير والفكر لأمور لا حقيقة لها، فهي ظن ويكون ذلك تكرارا. ولقائل أن يقول : حديث النفس غير والظن غير فلا يلزم التكرار وإذا حملناه على التلاوة عليهم يحسن معناه، فكأنه تعالى قال : ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا بأن يتلى عليهم فيسمعوه وإلا بأن يذكرهم تأويله كما يراد فيظنون، وبين تعالى أن هذه الطريقة لا توصل إلى الحق، وفي الآية مسائل. أحدها : أن المعارف كسبية لا ضرورية فلذلك ذم من لا يعلم ويظن. وثانيها : بطلان التقليد مطلقا وهو مشكل لأن التقليد في الفروع جائز عندنا. وثالثها : أن المضل وإن كان مذموما فالمغتر بإضلال المضل أيضا مذموم لأنه تعالى ذمهم وإن كانوا بهذه الصفة، ورابعها : أن الاكتفاء بالظن في أصول الدين غير جائز والله أعلم.

### الآية 2:79

> ﻿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [2:79]

أما قوله تعالى : فويل  فقالوا : الويل كلمة يقولها كل مكروب، وقال ابن عباس : إنه العذاب الأليم. وعن سفيان الثوري : إنه مسيل صديد أهل جهنم، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إنه واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره ) قال القاضي :**«ويل »** يتضمن نهاية الوعيد والتهديد فهذا القدر لا شبهة فيه سواء كان الويل عبارة عن واد في جهنم أو عن العذاب العظيم. 
أما قوله تعالى : يكتبون الكتاب بأيديهم  ففيه وجهان. الأول : أن الرجل قد يقول كتبت إذا أمر بذلك ففائدة قوله : بأيديهم  أنه لم يقع منهم إلا على هذا الوجه. الثاني : أنه تأكيد وهذا الموضع مما يحسن فيه التأكيد كما تقول لمن ينكر معرفة ما كتبه : يا هذا كتبته بيمينك. أما قوله تعالى : ثم يقولون هذا من عند الله  فالمراد أن من يكتب هذه الكتابة ويكسب هذا الكسب في غاية الرداءة لأنهم ضلوا عن الدين وأضلوا وباعوا آخرتهم بدنياهم، فذنبهم أعظم من ذنب غيرهم، فإن المعلوم أن الكذب على الغير بما يضر يعظم إثمه فكيف بمن يكذب على الله ويضم إلى الكذب الإضلال ويضم إليهما حب الدنيا والاحتيال في تحصيلها ويضم إليها أنه مهد طريقا في الإضلال باقيا على وجه الدهر، فلذلك عظم تعالى ما فعلوه. فإن قيل : إنه تعالى حكى عنهم أمرين. أحدهما : كتبة الكتاب والآخر : إسناده إلى الله تعالى على سبيل الكذب، فهذا الوعيد مرتب على الكتبة أو على إسناده المكتوب إلى الله أو عليهما معا ؟ قلنا : لا شك أن كتبة الأشياء الباطلة لقصد الإضلال من المنكرات والكذب على الله تعالى أيضا كذلك والجمع بينهما منكر عظيم جدا. أما قوله تعالى : ليشتروا به ثمنا قليلا  فهو تنبيه على أمرين. الأول : أنه تنبيه على نهاية شقاوتهم لأن العاقل يجب أن لا يرضى بالوزر القليل في الآخرة لأجل الأجر العظيم في الدنيا، فكيف يليق به أن يرضى بالعقاب العظيم في الآخرة لأجل النفع الحقير في الدنيا، الثاني : أنه يدل على أنهم ما فعلوا ذلك التحريف ديانة بل إنما فعلوه طلبا للمال والجاه، وهذا يدل على أن أخذ المال على الباطل وإن كان بالتراضي فهو محرم، لأن الذي كانوا يعطونه من المال كان على محبة ورضا، ومع ذلك فقد نبه تعالى على تحريمه. 
أما قوله تعالى : فويل لهم مما كتبت أيديهم  فالمراد أن كتبتهم لما كتبوه ذنب عظيم بانفراده، وكذلك أخذهم المال عليه، فلذلك أعاد ذكر الويل في الكسب، ولو لم يعد ذكره كان يجوز أن يقال : إن مجموعهما يقتضي الوعيد العظيم دون كل واحد منهما، فأزال الله تعالى هذه الشبهة واختلفوا في قوله تعالى : مما يكسبون  هل المراد ما كانوا يأخذون على هذه الكتابة والتحريف فقط أو المراد بذلك سائر معاصيهم والأقرب في نظام الكلام أنه راجع إلى المذكور من المال المأخوذ على هذا الوجه وإن كان الأقرب من حيث العموم أنه يشمل الكل، لكن الذي يرجح الأول أنه متى لم يقيد كسبهم بهذا القيد لم يحسن الوعيد عليه لأن الكسب يدخل فيه الحلال والحرام، فلا بد من تقييده وأولى ما يقيد به ما تقدم ذكره. قال القاضي : دلت الآية على أن كتابتهم ليست خلقا لله تعالى، لأنها لو كانت خلقا لله تعالى لكانت إضافتها إليه تعالى بقولهم : هو من عند الله  ذلك حقيقة لأنه تعالى إذا خلقها فيهم فهب أن العبد مكتسب إلا أن انتساب الفعل إلى الخالق أقوى من انتسابه إلى المكتسب فكان إسناد تلك الكتبة إلى الله تعالى أولى من إسنادها إلى العبد، فكان يجب أن يستحقوا الحمد على قولهم فيها. أنها من عند الله ولما لم يكن كذلك علمنا أن تلك الكتبة ليست مخلوقة لله تعالى. والجواب : أن الداعية الموجبة لها من خلق الله تعالى بالدلائل المذكورة فهي أيضا تكون كذلك، والله أعلم.

### الآية 2:80

> ﻿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [2:80]

قوله تعالى : وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل اتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون 
اعلم أن هذا هو النوع الثالث من قبائح أقوالهم وأفعالهم وهو جزمهم بأن الله تعالى لا يعذبهم إلا أياما قليلة، وهذا الجزم لا سبيل إليه بالعقل البتة أما على قولنا، فلأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد عليه في فعله، فلا طريق إلى معرفة ذلك إلا بالدليل السمعي، وأما على قول المعتزلة فلأن العقل يدل عندهم على أن المعاصي يستحق بها من الله العقاب، فلما دل العقل على ذلك احتج في تقدير العقاب مدة ثم في زواله بعدها إلى سمع يبين ذلك، فثبت أن على المذهبين لا سبيل إلى معرفة ذلك إلا بالدليل السمعي، وحيث توجد الدلالة السمعية لم يجز الجزم بذلك، وههنا مسألتان :
المسألة الأولى : ذكروا في تفسير الأيام المعدودة وجهين. الأول : أن لفظ الأيام لا تضاف إلا إلى العشرة فما دونها، ولا تضاف إلى ما فوقها. فيقال : أيام خمسة وأيام عشرة ولا يقال أيام أحد عشر إلا أن هذا يشكل بقوله تعالى : كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات  هي أيام الشهر كله، وهي أزيد من العشرة. ثم قال القاضي : إذا ثبت أن الأيام محمولة على العشرة فما دونها فالأشبه أن يقال : إنه الأقل أو الأكثر لأن من يقول ثلاثة يقول أحمله على أقل الحقيقة فله وجه، ومن يقول عشرة يقول أحمله على الأكثر وله وجه، فأما حمله على الواسطة أعني على ما هو أقل من العشرة وأزيد من الثلاثة فلا وجه له، لأنه ليس عدد أولى من عدد اللهم إلا إذا جاءت في تقديرها رواية صحيحة فحينئذ يجب القول بها، وجماعة من المفسرين قدروها بسبعة أيام، قال مجاهد : إن اليهود كانت تقول : الدنيا سبعة آلاف سنة فالله تعالى يعذبهم مكان كل ألف سنة يوما، فكانوا يقولون : إن الله تعالى يعذبنا سبعة أيام. وحكى الأصم عن بعض اليهود أنهم عبدوا العجل سبعة أيام فكانوا يقولون إن الله تعالى يعذبنا سبعة أيام وهذان الوجهان ضعيفان. أما الأول : فلأنه ليس بين كون الدنيا سبعة آلاف سنة وبين كون العذاب سبعة أيام مناسبة وملازمة البتة. وأما الثاني : فلأنه لا يلزم من كون المعصية مقدرة بسبعة أيام أن يكون عذابها كذلك. أما على قولنا فلأنه يحسن من الله كل شيء بحكم المالكية، وأما عند المعتزلة فلأن العاصي يستحق على عصيانه العقاب الدائم ما لم توجد التوبة أو العفو، فإن قيل : أليس أنه تعالى منع من استيفاء الزيادة فقال : وجزاء سيئة سيئة مثلها  فوجب أن لا يزيد العقاب على المعصية ؟ قلنا : إن المعصية تزداد بقدر النعمة. فلما كانت نعم الله على العباد خارجة عن الحصر والحد لا جرم كانت معصيتهم عظيمة جدا. 
الوجه الثاني : روي عن ابن عباس أنه فسر هذه الأيام بالأربعين، وهو عدد الأيام التي عبدوا العجل فيها، والكلام عليه أيضا كالكلام على السبعة. 
الوجه الثالث : قيل في معنى **«معدودة »** قليلة، كقوله تعالى : وشروه بثمن بخس دراهم معدودة  والله أعلم. 
المسألة الثانية : ذهبت الحنفية إلى أن أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة، واحتجوا عليه بقوله صلى الله عليه وسلم :( دعي الصلاة أيام إقرائك ) فمدة الحيض ما يسمى أياما وأقل عدد يسمى أياما ثلاثة وأكثره عشرة على ما بيناه، فوجب أن يكون أقل الحيض ثلاثة وأكثره عشرة، والإشكال عليه ما تقدم. 
المسألة الثالثة : ذكر ههنا : وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة  وفي آل عمران : إلا أياما معدودات  ولقائل أن يقول : لم كانت الأولى معدودة والثانية معدودات والموصوف في المكانين موصوف واحد وهو **«أياما »** ؟ والجواب : أن الاسم إن كان مذكرا فالأصل في صفة جمعه التاء. يقال : كوز وكيزان مكسورة وثياب مقطوعة وإن كان مؤنثا كان الأصل في صفة جمعه الألف والتاء، يقال : جرة وجرار مكسورات وخابية وخوابي مكسورات. إلا أنه قد يوجد الجمع بالألف والتاء فيما واحده مذكر في بعض الصور نادرا نحو حمام وحمامات وجمل سبطر وسبطرات وعلى هذا ورد قوله تعالى : في أيام معدودات  و  في أيام معلومات  فالله تعالى تكلم في سورة البقرة بما هو الأصل وهو قوله : أياما معدودة  وفي آل عمران بما هو الفرع. 
أما قوله تعالى : قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : العهد في هذا الموضع يجري مجرى الوعد والخبر، وإنما سمي خبره سبحانه عهدا لأن خبره سبحانه أوكد من العهود المؤكدة منا بالقسم والنذر، فالعهد من الله لا يكون إلا بهذا الوجه. 
المسألة الثانية : قال صاحب **«الكشاف »** :**«فلن يخلف الله »** متعلق بمحذوف وتقديره إن اتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده. 
المسألة الثالثة : قوله تعالى : اتخذتم  ليس باستفهام، بل هو إنكار لأنه لا يجوز أن يجعل تعالى حجة رسوله في إبطال قولهم أن يستفهمهم، بل المراد التنبيه على طريقة الاستدلال وهي أنه لا سبيل إلى معرفة هذا التقدير إلا بالسمع، فلما لم يوجد الدليل السمعي وجب ألا يجوز الجزم بهذا التقدير. 
المسألة الرابعة : قوله تعالى : فلن يخلف الله عهده  يدل على أنه سبحانه وتعالى منزه عن الكذب وعده ووعيده. قال أصحابنا : لأن الكذب صفة نقص، والنقص على الله محال، وقالت المعتزلة : لأنه سبحانه عالم بقبح القبيح وعالم بكونه غنيا عنه، والكذب قبيح لأنه كذب والعالم بقبح القبيح وبكونه غنيا عنه يستحيل أن يفعله، فدل على أن الكذب منه محال، فلهذا قال : فلن يخلف الله عهده ، فإن قيل : العهد هو الوعد وتخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي ما عداه، فلما خص الوعد بأنه لا يخلفه علمنا أن الخلف في الوعيد جائز، ثم العقل يطابق ذلك، لأن الخلف في الوعد لؤم وفي الوعيد كرم. قلنا : الدلالة المذكورة قائمة في جميع أنواع الكذب. 
المسألة الخامسة : قال الجبائي : دلت الآية على أنه تعالى لم يكن وعد موسى ولا سائر الأنبياء بعده على أنه تعالى يخرج أهل المعاصي والكبائر من النار بعد التعذيب، لأنه لو وعدهم بذلك لما جاز أن ينكر على اليهود هذا القول، وإذا ثبت أنه تعالى ما دلهم على ذلك وثبت أنه تعالى دلهم على وعيد العصاة إذا كان بذلك زجرهم عن الذنوب، فقد وجب أن يكون عذابهم دائما على ما هو قول الوعيدية، وإذا ثبت ذلك في سائر الأمم وجب ثبوته في هذه الأمة، لأن حكمه تعالى في الوعد والوعيد لا يجوز أن يختلف في الأمم، إذ كان قدر المعصية من الجميع لا يختلف، واعلم أن هذا الوجه في نهاية التعسف فنقول : لا نسلم أنه تعالى ما وعد موسى أنه يخرج أهل الكبائر من النار، قوله : لو وعدهم بذلك لما أنكر على اليهود قولهم، قلنا : لم قلت إنه تعالى لو وعدهم ذلك لما أنكر على اليهود ذلك، وما الدليل على هذه الملازمة ؟ ثم إنا نبين شرعا أن ذلك غير لازم من وجوه. أحدها : لعل الله تعالى إنما أنكر عليهم لأنهم قللوا أيام العذاب، فإن قولهم : لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ، يدل على أيام قليلة جدا، فالله تعالى أنكر عليهم جزمهم بهذه القلة لا أنه تعالى أنكر عليهم انقطاع العذاب. وثانيها : أن المرجئة يقطعون في الجملة بالعفو، فأما في حق الشخص المعين فلا سبيل إلى القطع، فلما حكموا في حق أنفسهم بالتخفيف على سبيل الجزم لا جرم أنكر الله عليهم ذلك. وثالثها : أنهم كانوا كافرين وعندنا عذاب الكافر دائم لا ينقطع، سلمنا أنه تعالى ما وعد موسى عليه السلام أنه يخرج أهل الكبائر من النار، فلم قلت أنه لا يخرجهم من النار ؟ بيانه أنه فرق بين أن يقال إنه تعالى ما وعده إخراجهم من النار وبين أن يقال : إنه أخبره أنه لا يخرجهم من النار والأول لا مضرة فيه، فإنه تعالى ربما لم يقل ذلك لموسى إلا أنه سيفعله يوم القيامة، وإنما رد على اليهود وذلك لأنهم جزموا به من غير دليل، فكان يلزمهم أن يتوقفوا فيه وأن لا يقطعوا لا بالنفي ولا بالإثبات، سلمنا أنه تعالى لا يخرج عصاة قوم موسى من النار، فلم قلت : إنه لا يخرج عصاة هذه الأمة من النار، وأما قول الجبائي : لأن حكمه تعالى في الوعد والوعيد لا يجوز أن يختلف في الأمم. فهو تحكم محض، فإن العقاب حق الله تعالى، فله أن يتفضل على البعض بالإسقاط وأن لا يتفضل بذلك على الباقين، فثبت أن هذا الاستدلال ضعيف. أما قوله تعالى : أم تقولون على الله ما لا تعلمون  فهو بيان لتمام الحجة المذكورة، فإنه إذا كان لا طريق إلى التقدير المذكور إلا السمع وثبت أنه لم يوجد السمع، كان الجزم بذلك التقدير قولا على الله تعالى بما لا يكون معلوما لا محالة، وهذه الآية تدل على فوائد. أحدها : أنه تعالى لما عاب عليهم القول الذي قالوه لا عن دليل علمنا أن القول بغير دليل باطل. وثانيها : أن كل ما جاز وجوده وعدمه عقلا لم يجز المصير إلى الإثبات أو إلى النفي إلا بدليل سمعي. وثالثها : أن منكري القياس وخبر الواحد يتمسكون بهذه الآية. قالوا : لأن القياس وخبر الواحد لا يفيد العلم، فوجب أن لا يكون التمسك به جائزا لقوله تعالى : أم تقولون على الله ما لا تعلمون  ذكر ذلك في معرض الإنكار. والجواب : أنه لما دلت الدلالة على وجوب العمل عند حصول الظن المستند إلى القياس أو إلى خبر الواحد كان وجوب العمل معلوما، فكان القول به قولا بالمعلوم لا بغير المعلوم.

### الآية 2:81

> ﻿بَلَىٰ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:81]

قوله تعالى : بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون 
قال صاحب الكشاف :**«بلى »** إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله تعالى : لن تمسنا النار ، أي بلى تمسكم أبدا بدليل قوله : هم فيها خالدون . أما السيئة فإنها تتناول جميع المعاصي. قال تعالى : وجزاء سيئة سيئة مثلها   من يعمل سوءا يجز به  ولما كان من الجائز أن يظن أن كل سيئة صغرت أو كبرت فحالها سواء في أن فاعلها يخلد في النار لا جرم بين تعالى أن الذي يستحق به الخلود أن يكون سيئة محيطة به، ومعلوم أن لفظ الإحاطة حقيقة في إحاطة جسم بجسم آخر كإحاطة السور بالبلد والكوز بالماء وذلك ههنا ممتنع فنحمله على ما إذا كانت السيئة كبيرة لوجهين. أحدهما : أن المحيط يستر المحاط به والكبيرة لكونها محيطة لثواب الطاعات كالساترة لتلك الطاعات، فكانت المشابهة حاصلة من هذه الجهة، والثاني : أن الكبيرة إذا أحبطت ثواب الطاعات فكأنها استولت على تلك الطاعات وأحاطت بها كما يحيط عسكر العدو بالإنسان، بحيث لا يتمكن الإنسان من التخلص منه، فكأنه تعالى قال : بلى من كسب كبيرة وأحاطت كبيرته بطاعاته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، فإن قيل : هذه الآية وردت في حق اليهود، قلنا : العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، هذا هو الوجه الذي استدلت المعتزلة به في إثبات الوعيد لأصحاب الكبائر. 
واعلم أن هذه المسألة من معظمات المسائل، ولنذكرها ههنا فنقول : اختلف أهل القبلة في وعيد أصحاب الكبائر، فمن الناس من قطع بوعيدهم وهم فريقان، منهم من أثبت الوعيد المؤبد وهو قول جمهور المعتزلة والخوارج. ومنهم من أثبت وعيدا منقطعا وهو قول بشر المريسي والخالد، ومن الناس من قطع بأنه لا وعيد لهم وهو قول شاذ ينسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر، والقول الثالث : أنا نقطع بأنه سبحانه وتعالى يعفو عن بعض المعاصي ولكنا نتوقف في حق كل أحد على التعيين أنه هل يعفو عنه أم لا، ونقطع بأنه تعالى إذا عذب أحدا منهم مدة فإنه لا يعذبه أبدا، بل يقطع عذابه، وهذا قول أكثر الصحابة والتابعين وأهل السنة والجماعة وأكثر الإمامية، فيشتمل هذا البحث على مسألتين. إحداهما : في القطع بالوعيد، والأخرى : في أنه لو ثبت الوعيد فهل يكون ذلك على نعت الدوام أم لا ؟
المسألة الأولى : في الوعيد ولنذكر دلائل المعتزلة أولا. ثم دلائل المرجئة الخالصة ثم دلائل أصحابنا رحمهم الله، أما المعتزلة فإنهم عولوا على العمومات الواردة في هذا الباب وتلك العمومات على جهتين. بعضها وردت بصيغة ********«من »******** في معرض الشرط وبعضها وردت بصيغة الجمع، أما النوع الأول فآيات، إحداها : قوله تعالى في آية المواريث : تلك حدود الله  إلى قوله :
 ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها ، وقد علمنا أن من ترك الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وارتكب شرب الخمر والزنا وقتل النفس المحرمة فهو متعد لحدود الله، فيجب أن يكون من أهل العقاب، وذلك لأن كلمة ********«من »******** في معرض الشرط تفيد العموم على ما ثبت في أصول الفقه، فمتى حمل الخصم هذه الآية على الكافر دون المؤمن كان ذلك على خلاف الدليل ثم الذي يبطل قوله وجهان : أحدهما : أنه تعالى بين حدوده في المواريث ثم وعد من يطيعه في تلك الحدود وتوعد من يعصيه فيها، ومن تمسك بالإيمان والتصديق به تعالى فهو أقرب إليها إلى الطاعة فيها ممن يكون منكرا لربوبيته ومكذبا لرسله وشرائعه، فترغيبه في الطاعة فيها أخص ممن هو أقرب إلى الطاعة فيها وهو المؤمن، ومتى كان المؤمن مرادا بأول الآية فكذلك بآخرها، الثاني : أنه قال : تلك حدود الله  ولا شبهة في أن المراد به الحدود المذكورة، ثم علق بالطاعة فيها الوعد وبالمعصية فيها الوعيد، فاقتضى سياق الآية أن الوعيد متعلق بالمعصية في هذه الحدود فقط دون أن يضم إلى ذلك تعدي حدود أخر، ولهذا كان مزجورا بهذا الوعيد في تعدي هذه الحدود فقط ولو لم يكن مرادا بهذا الوعيد لما كان مزجورا به، وإذا ثبت أن المؤمن مراد بها كالكافر بطل قول من يخصها بالكافر، فإن قيل : إن قوله تعالى : ويتعد حدوده  جمع مضاف والجمع المضاف عندكم يفيد العموم، كما لو قيل : ضربت عبيدي، فإنه يكون ذلك شاملا لجميع عبيده، وإذا ثبت ذلك اختصت هذه الآية بمن تعدى جميع حدود الله وذلك هو الكافر لا محالة دون المؤمن، قلنا : الأمر وإن كان كما ذكرتم نظرا إلى اللفظ لكنه وجدت قرائن تدل على أنه ليس المراد ههنا تعدي جميع الحدود، أحدها : أنه تعالى قدم على قوله : ويتعد حدوده  قوله تعالى : تلك حدود الله  فانصرف قوله : ويتعد حدوده  إلى تلك الحدود، وثانيها : أن الأمة متفقون على أن المؤمن مزجور بهذه الآية عن المعاصي، ولو صح ما ذكرتم لكان المؤمن غير مزجور بها، وثالثها : أنا لو حملنا الآية على تعدي جميع الحدود لم يكن للوعيد بها فائدة لأن أحدا من المكلفين لا يتعدى جميع حدود الله، لأن في الحدود ما لا يمكن الجمع بينها في التعدي لتضادها، فإنه لا يتمكن أحد من أن يعتقد في حالة واحدة مذهب الثنوية والنصرانية وليس يوجد في المكلفين من يعصي الله بجميع المعاصي، ورابعها : قوله تعالى في قاتل المؤمن عمدا : ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها  دلت الآية على أن ذلك جزاؤه، فوجب أن يحصل له هذا الجزاء لقوله تعالى : من يعمل سوءا يجز به  وخامسها : قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا  إلى قوله : ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير  وسادسها : قوله تعالى : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره  وسابعها : قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل  إلى قوله تعالى : ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا  وثامنها : قوله تعالى : إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى  فبين تعالى أن الكافر والفاسق من أهل العقاب الدائم كما أن المؤمن من أهل الثواب، وتاسعها : قوله تعالى : وقد خاب من حمل ظلما  وهذا يوجب أن يكون الظالم من أهل الصلاة داخلا تحت هذا الوعيد، وعاشرها : قوله تعالى بعد تعداد المعاصي : ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا  بين أن الفاسق كالكافر في أنه من أهل الخلود، إلا من تاب من الفساق أو آمن من الكفار، والحادية عشرة : قوله تعالى : من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون ومن جاء بالسيئة  الآية، وهذا يدل على أن المعاصي كلها متوعد عليها كما أن الطاعات كلها موعود عليها، والثانية عشرة : قوله تعالى : فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى  والثالثة عشرة : قوله تعالى : ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم  الآية ولم يفصل بين الكافر والفاسق، والرابعة عشرة : قوله تعالى : وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة  ثم إن الله كذبهم فيه، ثم قال : بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون  فهذه هي الآيات التي تمسكوا بها في المسألة لاشتمالها على صيغة ********«من »******** في معرض الشرط واستدلوا على أن هذه اللفظة تفيد العموم بوجوه. أحدها : أنها لو لم تكن موضوعة للعموم لكانت إما موضوعة للخصوص أو مشتركة بينهما والقسمان باطلان، فوجب كونها موضوعة للعموم، أما أنه لا يجوز أن تكون موضوعة للخصوص فلأنه لو كان كذلك لما حسن من المتكلم أن يعطي الجزاء لكل من أتى بالشرط، لأن على هذا التقدير لا يكون ذلك الجزاء مرتبا على ذلك الشرط، لكنهم أجمعوا على أنه إذا قال : من دخل داري أكرمته أنه يحسن أن يكرم كل من دخل داره فعلمنا أن هذه اللفظة ليست للخصوص، وأما أنه لا يجوز أن تكون موضوعة للاشتراك، أما أولا : فلأن الاشتراك خلاف الأصل، وأما ثانيا : فلأنه لو كان كذلك لما عرف كيفية ترتب الجزاء على الشرط إلا بعد الاستفهام عن جميع الأقسام الممكنة مثل أنه إذا قال : من دخل داري أكرمته، فيقال له : أردت الرجال أو النساء، فإذا قال : أردت الرجال يقال له : أردت العرب أو العجم، فإذا قال : أردت العرب يقال له : أردت ربيعة أو مضر وهلم جرا إلى أن يأتي على جميع التقسيمات الممكنة، ولما علمنا بالضرورة من عادة أهل اللسان قبح ذلك علمنا أن القول بالاشتراك باطل. 
وثانيها : أنه إذا قال : من دخل داري أكرمته حسن استثناء كل واحد من العقلاء منه والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه لأنه لا نزاع في أن المستثنى من الجنس لا بد وأن يكون بحيث يصح دخوله تحت المستثنى منه، فإما أن يعتبر مع الصحة الوجوب أو لا يعتبر والأول باطل، أما أولا : فلأنه يلزم أن لا يبقى بين الاستثناء من الجمع المنكر كقوله : جاءني الفقهاء إلا زيدا وبين الاستثناء من الجمع المعرف كقوله : جاءني الفقهاء إلا زيدا فرق لصحة دخول زيد في الكلامين، لكن الفرق بينهما معلوم بالضرورة. وأما ثانيا : فلأن الاستثناء من العدد يخرج ما لولاه لوجب دخوله تحته فوجب أن يكون هذا فائدة الاستثناء في جميع المواضع لأن أحدا من أهل اللغة لم يفصل بين الاستثناء الداخل على العدد وبين الداخل على غيره من الألفاظ، فثبت بما ذكرنا أن الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه وذلك يدل على أن صيغة ********«من »******** في معرض الشرط للعموم، وثالثها : أنه تعالى لما أنزل قوله : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم  الآية قال ابن الزبعري : لأخصمن محمدا ثم قال : يا محمد أليس قد عبدت الملائكة أليس قد عبد عيسى ابن مريم فتمسك بعموم اللفظ والنبي عليه الصلاة والسلام لم ينكر عليه ذلك، فدل على أن هذه الصيغة تفيد العموم. النوع الثاني : من دلائل المعتزلة : التمسك في الوعيد بصيغة الجمع المعرفة بالألف واللام وهي في آيات. إحداها : قوله تعالى : وإن الفجار لفي جحيم  واعلم أن القاضي والجبائي وأبا الحسن يقولون : إن هذه الصيغة تفيد العموم، وأبو هاشم يقول : إنها لا تفيد العموم، فنقول : الذي يدل على أنها للعموم وجوه. أحدها : أن الأنصار لما طلبوا الإمامة احتج عليهم أبو بكر رضي الله عنه بقوله عليه الصلاة والسلام :( الأئمة من قريش ) والأنصار سلموا تلك الحجة ولو لم يدل الجمع المعرف بلام الجنس على الاستغراق لما صحت تلك الدلالة، لأن قولنا : بعض الأئمة من قريش لا ينافي وجود إمام من قوم آخرين. أما كون كل الأئمة من قريش ينافي كون بعض الأئمة من غيرهم، وروي أن عمر رضي الله عنه قال لأبي بكر لما هم بقتال مانعي الزكاة : أليس قال النبي صلى الله عليه وسلم :( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ) احتج على أبي بكر بعموم اللفظ ثم لم يقل أبو بكر ولا أحد من الصحابة : إن اللفظ لا يفيده بل عدل إلى الاستثناء، فقال إنه عليه الصلاة والسلام قال :( إلا بحقها ) وإن كان الزكاة من حقها، وثانيها : أن هذا الجمع يؤكد بما يقتضي الاستغراق، فوجب أن يفيد الاستغراق، أما أنه يؤكد فلقوله تعالى : فسجد الملائكة كلهم أجمعون  وأما أنه بعد التأكيد ي

### الآية 2:82

> ﻿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:82]

قوله تعالى : والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون 
اعلم أنه سبحانه وتعالى ما ذكر في القرآن آية في الوعيد إلا وذكر بجنبها آية في الوعد، وذلك لفوائد : أحدها : ليظهر بذلك عدله سبحانه، لأنه لما حكم بالعذاب الدائم على المصرين على الكفر وجب أن يحكم بالنعيم الدائم على المصرين على الإيمان، وثانيها : أن المؤمن لا بد وأن يعتدل خوفه ورجاؤه على ما قال عليه الصلاة والسلام :( لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا )، وذلك الاعتدال لا يحصل إلا بهذا الطريق، وثالثها : أنه يظهر بوعده كمال رحمته وبوعيده كمال حكمته فيصير ذلك سببا للعرفان، وههنا مسائل :
المسألة الأولى : العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان لأنه تعالى قال : والذين آمنوا وعملوا الصالحات  فلو دل الإيمان على العمل الصالح لكان ذكر العمل الصالح بعد الإيمان تكرارا أجاب القاضي بأن الإيمان وإن كان يدخل فيه جميع الأعمال الصالحة، إلا أن قوله : آمن لا يفيد إلا أنه فعل فعلا واحدا من أفعال الإيمان، فلهذا حسن أن يقول : والذين آمنوا وعملوا الصالحات . والجواب : أن فعل الماضي يدل على حصول المصدر في زمان مضى والإيمان هو المصدر، فلو دل ذلك على جميع الأعمال الصالحة لكان قوله : آمن دليلا على صدور كل تلك الأعمال منه، والله أعلم. 
المسألة الثانية : هذه الآية تدل على أن صاحب الكبيرة قد يدخل الجنة لأنا نتكلم فيمن أتى بالإيمان وبالأعمال الصالحة، ثم أتى بعد ذلك بالكبيرة ولم يتب عنها، فهذا الشخص قبل إتيانه بالكبيرة كان قد صدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات في ذلك الوقت، ومن صدق عليه ذلك صدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات وإذا صدق عليه ذلك وجب اندراجه تحت قوله : أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ، فإن قيل قوله تعالى : وعملوا الصالحات  لا يصدق عليه إلا إذا أتى بجميع الصالحات ومن جملة الصالحات التوبة، فإذا لم يأت بها لم يكن آتيا بالصالحات، فلا يندرج تحت الآية قلنا : قد بينا أنه قبل الإتيان بالكبيرة صدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات في ذلك الوقت وإذا صدق عليه ذلك فقد صدق عليه انه آمن وعمل الصالحات لأنه متى صدق المركب يجب صدق المفرد، بل إنه إذا أتى بالكبيرة لم يصدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات في كل الأوقات، لكن قولنا : آمن وعمل الصالحات أعم من قولنا : إنه كذلك في كل الأوقات أو في بعض الأوقات، والمعتبر في الآية هو القدر المشترك، فثبت أنه مندرج تحت حكم الوعد. بقي قولهم : إن الفاسق أحبط عقاب معصيته ثواب طاعته فيكون الترجيح لجانب الوعيد إلا أن الكلام عليه قد تقدم. 
المسألة الثالثة : احتج الجبائي بهذه الآية على أن من يدخل الجنة لا يدخلها تفضلا، لأن قوله : أولئك أصحاب الجنة  للحصر، فدل على أنه ليس للجنة أصحاب إلا هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات، قلنا : لم لا يجوز أن يكون المراد أنهم هم الذين يستحقونها فمن أعطى الجنة تفضلا لم يدخل تحت هذا الحكم، والله أعلم.

### الآية 2:83

> ﻿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ [2:83]

قوله تعالى : وإذا أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون 
اعلم أن هذا نوع آخر من أنواع النعم التي خصهم الله بها، وذلك لأن التكليف بهذه الأشياء موصل إلى أعظم النعم وهو الجنة، والموصل إلى النعمة نعمة، فهذا التكليف لا محالة من النعم، ثم إنه تعالى بين ههنا أنه كلفهم بأشياء : التكليف الأول : قوله تعالى : لا تعبدون إلا الله  وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي ****«يعبدون »**** بالياء والباقون بالتاء، ووجه الياء أنهم غيب أخبر عنهم، ووجه التاء أنهم كانوا مخاطبين والاختيار التاء، قال أبو عمرو : ألا ترى أنه جل ذكره قال : وقولوا للناس حسنا  فدلت المخاطبة على التاء. 
المسألة الثانية : اختلفوا في موضع ****«يعبدون »**** من الإعراب على خمسة أقوال :
القول الأول : قال الكسائي : رفعه على أن لا يعبدوا كأنه قيل : أخذنا ميثاقهم بأن لا يعبدوا إلا أنه لما أسقطت ******«أن »****** رفع الفعل كما قال طرفة :

ألا أيهذا اللاثمي أحضر الوغى  وأن أشهد اللذات هل أنت مخلديأراد أن أحضر ولذلك عطف عليه ******«أن »****** وأجاز هذا الوجه الأخفش والفراء والزجاج وقطرب وعلي بن عيسى وأبو مسلم. 
القول الثاني : موضعه رفع على أنه جواب القسم، كأنه قيل : وإذ أقسمنا عليهم لا يعبدون، وأجاز هذا الوجه المبرد والكسائي والفراء والزجاج وهو أحد قولي الأخفش. 
القول الثالث : قول قطرب : أنه يكون في موضع الحال فيكون موضعه نصبا كأنه قال : أخذنا ميثاقكم غير عابدين إلا الله. 
القول الرابع : قول الفراء أن موضع **«لا تعبدون »** على النهي إلا أنه جاء على لفظ الخبر كقوله تعالى : لا تضار والدة بولدها  بالرفع والمعنى على النهي، والذي يؤكد كونه نهيا أمور. أحدها : قوله : أقيموا ، وثانيها أنه ينصره قراءة عبد الله وأبي : لا تعبدوا  وثالثها : أن الإخبار في معنى الأمر والنهي آكد وأبلغ من صريح الأمر والنهي، لأنه كأنه سورع إلى الامتثال والانتهاء فهو يخبر عنه. 
القول الخامس : التقدير أن لا تعبدوا تكون ******«أن »****** مع الفعل بدلا عن الميثاق، كأنه قيل : أخذنا ميثاق بني إسرائيل بتوحيدهم. 
المسألة الثالثة : هذا الميثاق يدل على تمام ما لا بد منه في الدين لأنه تعالى لما أمر بعبادة الله تعالى ونهى عن عبادة غيره، ولا شك أن الأمر بعبادته والنهي عن عبادة غيره مسبوق بالعلم بذاته سبحانه، وجميع ما يجب ويجوز ويستحيل عليه وبالعلم بوحدانيته وبراءته عن الأضداد والأنداد والبراءة عن الصاحبة والأولاد، ومسبوق أيضا بالعلم بكيفية تلك العبادة التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالوحي والرسالة، فقوله : لا تعبدون إلا الله  يتضمن كل ما اشتمل عليه علم الكلام وعلم الفقه والأحكام لأن العبادة لا تتأتى إلا معها. 
التكليف الثاني : قوله تعالى : وبالوالدين إحسانا  وفيه مسائل :
المسألة الأولى : يقال : بم يتصل الباء في قوله تعالى : وبالوالدين إحسانا  وعلام انتصب ؟ قلنا فيه ثلاثة أقوال : الأول : قال الزجاج : انتصب على معنى أحسنوا بالوالدين إحسانا. والثاني : قيل على معنى وصيناهم بالوالدين إحسانا لأن اتصال الباء به أحسن على هذا الوجه ولو كان على الأول لكان. وإلى الوالدين كأنه قيل : وأحسنوا إلى الوالدين. الثالث : قيل : بل هو على الخبر المعطوف على المعنى الأول يعني أن تعبدوا وتحسنوا. 
المسألة الثانية : إنما أردف عبادة الله بالإحسان إلى الوالدين لوجوه. أحدها : أن نعمة الله تعالى على العبد أعظم، فلا بد من تقديم شكره على شكر غيره ثم بعد نعمة الله فنعمة الوالدين أعم النعم، وذلك لأن الوالدين هما الأصل والسبب في كون الولد ووجوده كما أنهما منعمان عليه بالتربية، وأما غير الوالدين فلا يصدر عنه الإنعام بأصل الوجود، بل بالتربية فقط، فثبت أن إنعامهما أعظم وجوه الإنعام بعد إنعام الله تعالى. وثانيها : أن الله سبحانه هو المؤثر في وجود الإنسان في الحقيقة والوالدان هما المؤثران في وجوده بحسب العرف الظاهر، فلما ذكر المؤثر الحقيقي أردفه بالمؤثر بحسب العرف الظاهر. وثالثها : أن الله تعالى لا يطلب بإنعامه على العبد عوضا البتة بل المقصود إنما هو محض الإنعام والوالدان كذلك، فإنهما لا يطلبان على الإنعام على الولد عوضا ماليا ولا ثوابا، فإن من ينكر الميعاد يحسن إلى ولده ويربيه، فمن هذا الوجه أشبه إنعامهما إنعام الله تعالى الرابع : أن الله تعالى لا يمل من الإنعام على العبد ولو أتى العبد بأعظم الجرائم، فإنه لا يقطع عنه مواد نعمه وروادف كرمه، وكذا الوالدان لا يملان الولد ولا يقطعان عنه مواد منحهما وكرمهما، وإن كان الولد مسيئا إلى الوالدين. الخامس : كما أن الوالد المشفق يتصرف في مال ولده بالاسترباح وطلب الزيادة ويصونه عن البخس والنقصان، فكذا الحق سبحانه وتعالى متصرف في طاعة العبد فيصونها عن الضياع ثم إنه سبحانه يجعل أعماله التي لا تبقى كالشيء الباقي أبد الآباد كما قال : مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة  السادس : أن نعمة الله وإن كانت أعظم من نعمة الوالدين ولكن نعمة الله معلومة بالاستدلال ونعمة الوالدين معلومة بالضرورة، إلا أنها قليلة بالنسبة إلى نعم الله فاعتدلا من هذه الجهة والرجحان لنعم الله فلا جرم جعلنا نعم الوالدين كالتالية لنعم الله تعالى. 
المسألة الثالثة : اتفق أكثر العلماء على أنه يجب تعظيم الوالدين وإن كانا كافرين، ويدل عليه وجوه. أحدها : أن قوله في هذه الآية : وبالوالدين إحسانا  غير مقيد بكونهما مؤمنين أم لا، ولأنه ثبت في أصول الفقه أن الحكم المرتب على الوصف مشعر بعلية الوصف، فدلت هذه الآية على أن الأمر بتعظيم الوالدين لمحض كونهما والدين وذلك يقتضي العموم، وهكذا الاستدلال بقوله تعالى : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا . وثانيها : قوله تعالى : فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما  الآية، وهذا نهاية المبالغة في المنع من إياذئهما، ثم إنه تعالى قال في آخر الآية : وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا  فصرح ببيان السبب في وجوب هذا التعظيم. وثالثها : أن الله تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه كيف تلطف في دعوة أبيه من الكفر إلى الإيمان في قوله : يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا  ثم إن أباه كان يؤذيه ويذكر الجواب الغليظ وهو عليه السلام كان يتحمل ذلك، وإذا ثبت ذلك في حق إبراهيم عليه السلام ثبت مثله في حق هذه الأمة لقوله تعالى : ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا . 
المسألة الرابعة : اعلم أن الإحسان إليهما هو ألا يؤذيهما البتة ويوصل إليهما من المنافع قدر ما يحتاجان إليه، فيدخل فيه دعوتهما إلى الإيمان إن كانا كافرين وأمرهما بالمعروف على سبيل الرفق إن كانا فاسقين. 
التكليف الثالث : قوله تعالى : وذي القربى  وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الشافعي رضي الله عنه : لو أوصى لأقارب زيد دخل فيه الوارث المحرم وغير المحرم، ولا يدخل الأب والابن لأنهما لا يعرفان بالقريب، ويدخل الأحفاد والأجداد، وقيل : لا يدخل الأصول والفروع وقيل بدخول الكل. وههنا دقيقة، وهي أن العرب يحفظون الأجداد العالية فيتسع نسلهم وكلهم أقارب، فلو ترقينا إلى الجد العالي وحسبنا أولاده كثروا، فلهذا قال الشافعي رضي الله عنه : يرتقي إلى أقرب جد ينتسب هو إليه ويعرف به وإن كان كافرا، وذكر الأصحاب في مثاله : أنه لو أوصى لأقارب الشافعي رضي الله عنه فإنا نصرفه إلى بني شافع دون بني المطلب وبني عبد مناف وإن كانوا أقارب، لأن الشافعي ينتسب في المشهور إلى شافع دون عبد مناف. قال الشيخ الغزالي : وهذا في زمان الشافعي، أما في زماننا فلا ينصرف إلا إلى أولاد الشافعي رضي الله عنه ولا يرتقي إلى بني شافع لأنه أقرب من يعرف به أقاربه في زماننا، أما قرابة الأم فإنها تدخل في وصية العجم ولا تدخل في وصية العرب على الأظهر، لأنهم لا يعدون ذلك قرابة، أما لو قال لأرحام فلان دخل فيه قرابة الأب والأم. 
المسألة الثانية : اعلم أن حق ذي القربى كالتابع لحق الوالدين لأن الإنسان إنما يتصل به أقرباؤه بواسطة اتصالهم بالوالدين والاتصال بالوالدين مقدم على الاتصال بذي القربى، فلهذا أخر الله ذكره عن الوالدين، وعن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال :( إن الرحم سجنة من الرحمن فإذا كان يوم القيامة يقول : أي رب إني ظلمت، إني أسيء إلي، إني قطعت. قال فيجيبها ربها : ألا ترضين أني أقطع من قطعك وأصل من وصلك ) ثم قرأ  فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم  والسبب العقلي في تأكيد رعاية هذا الحق أن القرابة مظنة الاتحاد والألفة والرعاية والنصرة، فلو لم يحصل شيء من ذلك لكان ذلك أشق على القلب وأبلغ في الإيلام والإيحاش والضرورة، وكلما كان أقوى كان دفعه أوجب، فلهذا وجبت رعاية حقوق الأقارب. 
التكليف الرابع : قوله تعالى : واليتامى  وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : اليتيم الذي مات أبوه حتى يبلغ الحلم وجمعه أيتام ويتامى، كقولهم : نديم وندامى، ولا يقال لمن ماتت أمه إنه يتيم. قال الزجاج : هذا في الإنسان، أما في غير الإنسان فيتمه من قبل أمه. 
المسألة الثانية : اليتيم كالتالي لرعاية حقوق الأقارب وذلك لأنه لصغره لا ينتفع به وليتمه وخلوه عمن يقوم به، يحتاج إلى من ينفعه والإنسان قلما يرغب في صحبة مثل هذا، وإذا كان هذا التكليف شاقا على النفس لا جرم كانت درجته عظيمة في الدين. 
التكليف الخامس : قوله تعالى : والمساكين  وفيه مسائل :
المسألة الأولى : والمساكين  واحدها مسكين، أخذ من السكون كأن الفقر قد سكنه وهو أشد فقرا من الفقير عند أكثر أهل اللغة وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه واحتجوا بقوله تعالى : أو مسكينا ذا متربة  وعند الشافعي رضي الله عنه : الفقير أسوأ حالا، لأن الفقير اشتقاقه من فقار الظهر كأن فقاره انكسر لشدة حاجته وهو قول ابن الأنباري. واحتجوا عليه بقوله تعالى : أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر  جعلهم مساكين مع أن السفينة كانت ملكا لهم. 
المسألة الثانية : إنما تأخرت درجتهم عن اليتامى لأن المسكين قد يكون بحيث ينافع به في الاستخدام فكان الميل إلى مخالطته أكثر من الميل إلى مخالطة اليتامى، ولأن المسكين أيضا يمكنه الاشتغال بتعهد نفسه ومصالح معيشته، واليتيم ليس كذلك فلا جرم قدم الله ذكر اليتيم على المسكين. 
المسألة الثالثة : الإحسان إلى ذي القربى واليتامى، لا بد وأن يكون مغايرا للزكاة لأن العطف يقتضي التغاير. 
التكليف السادس : قوله تعالى : وقولوا للناس حسنا  وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي :( حسنا ) بفتح الحاء والسين على معنى الوصف للقول، كأنه قال : قولوا للناس قولا حسنا، والباقون بضم الحاء وسكون السين، واستشهدوا بقوله تعالى : ووصينا الإنسان بوالديه حسنا  وبقوله : ثم بدل حسنا بعد سوء  وفيه أ

### الآية 2:84

> ﻿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ [2:84]

قوله تعالى : وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون . 
اعلم أن هذه الآية تدل على نوع آخر من نعم الله عليهم وهو أنه تعالى كلفهم هذا التكليف وأنهم أقروا بصحته ثم خالفوا العهد فيه. 
وأما قوله : وإذ أخذنا ميثاقكم  ففيه وجوه. أحدها : أنه خطاب لعلماء اليهود في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وثانيها : أنه خطاب مع أسلافهم، وتقديره وإذ أخذنا ميثاق آبائكم. وثالثها : أنه خطاب للأسلاف وتقريع للأخلاف ومعنى : أخذنا ميثاقكم  أمرناكم وأكدنا الأمر وقبلتم وأقررتم بلزومه ووجوبه. 
أما قوله تعالى : لا تسفكون دماءكم  ففيه إشكال، وهو أن الإنسان ملجأ إلى أن لا يقتل نفسه، وإذا كان كذلك فلا فائدة في النهي عنه. والجواب عنه من أوجه، أحدها : أن هذا الإلجاء قد يتغير كما ثبت في أهل الهند أنهم يقدرون في قتل النفس التخلص من عالم الفساد واللحوق بعالم النور والصلاح أو كثير ممن صعب عليه الزمان، وثقل عليه أمر من الأمور، فيقتل نفسه، فإذا انتفى كون الإنسان ملجأ إلى ترك قتله نفسه صح كونه مكلفا به، وثانيها : المراد لا يقتل بعضكم بعضا، وجعل غير الرجل نفسه إذا اتصل به نسبا ودينا وهو كقوله تعالى : فاقتلوا أنفسكم  وثالثها : أنه إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه لأنه يقتص منه، ورابعها : لا تتعرضوا لمقاتلة من يقتلكم فتكونوا قد قتلتم أنفسكم، وخامسها : لا تسفكون دماءكم من قوامكم في مصالح الدنيا بهم فتكونون مهلكين لأنفسكم. 
أما قوله تعالى : ولا تخرجون أنفسكم  ففيه وجهان، الأول : لا تفعلوا ما تستحقون بسببه أن تخرجوا من دياركم، الثاني : المراد النهي عن إخراج بعضهم بعضا من ديارهم لأن ذلك مما يعظم فيه المحنة والشدة حتى يقرب من الهلاك. 
أما قوله تعالى : ثم أقررتم وأنتم تشهدون  ففيه وجوه، أحدها : وهو الأقوى، أي : ثم أقررتم بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه، وأنتم تشهدون عليها كقولك فلان مقر على نفسه بكذا أي شاهد عليها، وثانيها : اعترفتم بقبوله وشهد بعضكم على بعض بذلك لأنه كان شائعا فيما بينهم مشهورا. وثالثها : وأنتم تشهدون اليوم يا معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق، ورابعها : الإقرار الذي هو الرضاء بالأمر والصبر عليه كأن يقال : فلان لا يقر على الضيم فيكون المعنى أنه تعالى يأمركم بذلك ورضيتم به فأقمتم عليه وشهدتم بوجوبه وصحته، فإن قيل : لم قال : أقررتم وأنتم تشهدون  والمعنى واحد، قلنا فيه ثلاثة أقوال : الأول : أقررتم يعني أسلافكم وأنتم تشهدون الآن يعني على إقرارهم، الثاني : أقررتم في وقت الميثاق الذي مضى وأنتم بعد ذلك تشهدون، الثالث : أنه للتأكيد.

### الآية 2:85

> ﻿ثُمَّ أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [2:85]

قوله تعالى : ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون 
أما قوله تعالى : ثم أنتم هؤلاء  ففيه إشكال لأن قوله : أنتم  للحاضرين و هؤلاء  للغائبين فكيف يكون الحاضر نفس الغائب، وجوابه من وجوه، أحدها : تقديره ثم أنتم يا هؤلاء، وثانيها : تقديره ثم أنتم أعني هؤلاء الحاضرين، وثالثها : أنه بمعنى الذي وصلته ****«تقتلون »**** وموضع تقتلون رفع إذا كان خبرا ولا موضع له إذا كان صلة. قال الزجاج : ومثله في الصلة قوله تعالى : وما تلك بيمينك يا موسى  يعني وما تلك التي بيمينك، ورابعها : هؤلاء تأكيد لأنتم، والخبر ****«تقتلون »****، وأما قوله تعالى : تقتلون أنفسكم  فقد ذكرنا فيه الوجوه، وأصحها أن المراد يقتل بعضكم بعضا، وقتل البعض للبعض قد يقال فيه إنه قتل للنفس إذ كان الكل بمنزلة النفس الواحدة وبينا المراد بالإخراج من الديار ما هو. 
أما قوله تعالى : تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي **«تظاهرون »** بتخفيف الظاء، والباقون بالتشديد فوجه التخفيف الحذف لإحدى التاءين كقوله : ولا تعاونوا  ووجه التشديد إدغام التاء في الظاء، كقوله تعالى : اثاقلتم  والحذف أخف والإدغام أدل على الأصل. 
المسألة الثانية : اعلم أن التظاهر هو التعاون، ولما كان الإخراج من الديار وقتل البعض بعضا مما تعظم به الفتنة واحتيج فيه إلى اقتدار وغلبة بين الله تعالى أنهم فعلوه على وجه الاستعانة بمن يظاهرهم على الظلم والعدوان. 
المسألة الثالثة : الآية تدل على أن الظلم كما هو محرم فكذا إعانة الظالم على ظلمه محرمة، فإن قيل : أليس أن الله تعالى لما أقدر الظالم على الظلم وأزال العوائق والموانع وسلط عليه الشهوة الداعية إلى الظلم كان قد أعانه على الظلم، فلو كانت إعانة الظالم على ظلمه قبيحة لوجب أن لا يوجد ذلك من الله تعالى، والجواب : أنه تعالى وإن مكن الظالم من ذلك فقد زجره عن الظلم بالتهديد والزجر، بخلاف المعين للظالم على ظلمه فإنه يرغبه فيه ويحسنه في عينه ويدعوه إليه فظهر الفرق. 
المسألة الرابعة : الآية لا تدل على أن قدر ذنب المعين مثل قدر ذنب المباشر، بل الدليل دل على أنه دونه لأن الإعانة لو حصلت بدون المباشرة لما أثرت في حصول الظلم ولو حصلت المباشرة بدون الإعانة لحصل الضرر والظلم، فعلمنا أن المباشرة أدخل في الحرمة من الإعانة. 
أما قوله تعالى : وإن يأتوكم أسارى تفادوهم  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ نافع وعاصم والكسائي : أسارى تفادوهم  بالألف فيهما، وقرأ حمزة وحده بغير ألف فيهما والباقون :**«أسارى »** بالألف و**«تفدوهم »** بغير ألف و**«الأسرى »** جمع أسير كجريح وجرحى، وفي أسارى قولان : أحدهما : أنه جمع أسرى كسكرى وسكارى، والثاني : جمع أسير، وفرق أبو عمرو بين الأسرى والأسارى، وقال : الأسارى الذين في وثاق، والأسرى الذين في اليد، كأنه يذهب إلى أن أسارى أشد مبالغة، وأنكر ثعلب ذلك، وقال علي بن عيسى : الاختيار أسارى بالألف لأن عليه أكثر الأئمة ولأنه أدل على معنى الجمع إذ كان يقال بكثرة فيه، وهو قليل في الواحد نحو شكاعى ولأنها لغة أهل الحجاز. 
المسألة الثانية : تفدوهم وتفادوهم لغتان مشهورتان تفدوهم من الفداء وهو العوض من الشيء صيانة له، يقال : فداه فدية وتفادوهم من المفاداة. 
المسألة الثالثة : جمهور المفسرين قالوا : المراد من قوله : تفادوهم  وصف لهم بما هو طاعة وهو التخليص من الأسر ببذل مال أو غيره ليعودوا إلى كفرهم، وذكر أبو مسلم أنه ضد ذلك، والمراد أنكم مع القتل والإخراج إذا وقع أسير في أيديكم لم ترضوا منه إلا بأخذ مال، وإن كان ذلك محرما عليكم ثم عنده تخرجونه من الأسر، قال أبو مسلم والمفسرون : إنما أتوا من جهة قوله تعالى : أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ، وهذا ضعيف لأن هذا القول راجع إلى ما تقدم من ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليهم، والمراد أنه إذا كان في الكتاب الذي معكم نبأ محمد فجحدتموه فقد آمنتم ببعض الكتاب وكفرتم ببعض، وكلا القولين يحتمل لفظ المفاداة لأن الباذل عن الأسير يوصف بأنه فاداه والأخذ منه للتخليص يوصف أيضا بذلك، إلا أن الذي أجمع المفسرون عليه أقرب، لأن عود قوله : أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض  إلى ما تقدم ذكره في هذه الآية أولى من عوده إلى أمور تقدم ذكرها بعد آيات. 
المسألة الرابعة : قال بعضهم : الذين أخرجوا والذين فودوا فريق واحد، وذلك أن قريظة والنضير كانا أخوين كالأوس والخزرج، فافترقوا فكانت النضير مع الخزرج وقريظة مع الأوس. فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه وإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه، فعيرتهم العرب وقالوا : كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم فيقولون : أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم، ولكنا نستحي أن نذل حلفاءنا، وقال آخرون : ليس الذين أخرجوهم فودوا ولكنهم قوم آخرون فعابهم الله عليه. 
أما قوله تعالى : وهو محرم عليكم إخراجهم  ففي قوله : وهو  وجهان، الأول : أنه ضمير القصة والشأن كأنه قيل والقصة محرم عليكم إخراجهم، الثاني : أنه كناية عن الإخراج أعيد ذكره توكيدا لأنه فصل بينهما بكلام فموضعه على هذا رفع كأنه قيل وإخراجهم محرم عليكم، ثم أعيد ذكر إخراجهم مبينا للأول. 
أما قوله : أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض  فقد اختلف العلماء فيه على وجهين، أحدهما : إخراجهم كفر، وفداؤهم إيمان، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة وابن جريج، ولم يذمهم على الفداء، وإنما ذمهم على المناقضة إذا أتوا ببعض الواجب وتركوا البعض، وقد تكون المناقضة أدخل في الذم لا يقال هب أن ذلك الإخراج معصية فلم سماها كفرا مع أنه ثبت أن العاصي لا يكفر، لأنا نقول لعلهم صرحوا أن ذلك الإخراج غير واجب مع أن صريح التوراة كان دالا على وجوبه. وثالثهما : المراد منه التنبيه على أنهم في تمسكهم بنبوة موسى عليه السلام مع التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم مع أن الحجة في أمرهما على سواء يجري مجرى طريقة السلف منهم في أن يؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض والكل في الميثاق سواء. 
أما قوله تعالى : إلا خزي في الحياة الدنيا  فأصل الخزي الذل والمقت. يقال : أخزاه الله، إذا مقته وأبعده، وقيل : أصله الاستحياء، فإذا قيل : أخزاه الله كأنه قيل : أوقعه موقعا يستحيا منه، وبالجملة فالمراد منه الذم العظيم، واختلفوا في هذا الخزي على وجوه. أحدها : قال الحسن : المراد الجزية والصغار، وهو ضعيف لأنه لا دلالة على أن الجزية كانت ثابتة في شريعتهم، بل إن حملنا الآية على الذين كانوا في زمان محمد صلى الله عليه وسلم صح هذا الوجه، لأن من جملة الخزي الواقع بأهل الذمة أخذ الجزية منهم. وثانيها : إخراج بني النضير من ديارهم، وقتل بني قريظة وسبي ذراريهم، وهذا إنما يصح لو حملنا الآية على الحاضرين في زمان محمد صلى الله عليه وسلم، وثالثها : وهو الأولى أن المراد منه الذم العظيم والتحقير البالغ من غير تخصيص ذلك ببعض الوجوه دون بعض والتنكير في قوله :**«خزي »** يدل على أن الذم واقع في النهاية العظمى. 
أما قوله : ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب  ففيه سؤال وهو أن عذاب الدهرية الذين ينكرون الصانع يجب أن يكون أشد من عذاب اليهود، فكيف قال في حق اليهود : يردون إلى أشد العذاب  والجواب : المراد منه أنه أشد من الخزي الحاصل في الدنيا، فلفظ **«الأشد »** وإن كان مطلقا إلا أن المراد أشد من هذه الجهة. 
أما قوله تعالى : وما الله بغافل عما تعملون  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ونافع وعاصم بتاء الخطاب والباقون بياء الغيبة، وجه الأول : البناء على أول الكلام، أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، ووجه الثاني : البناء على أنه آخر الكلام واختيار الخطاب لأن عليه الأكثر ولأنه أدل على المعنى لتغليب الخطاب على الغيبة إذا اجتمعا. 
المسألة الثانية : قوله تعالى : وما الله بغافل عما تعملون  تهديد شديد وزجر عظيم عن المعصية وبشارة عظيمة على الطاعة، لأن الغفلة إذا كانت ممتنعة عليه سبحانه مع أنه أقدر القادرين وصلت الحقوق لا محالة إلى مستحقيها.

### الآية 2:86

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ [2:86]

قوله تعالى : أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون . 
اعلم أن الجمع بين تحصيل لذات الدنيا ولذات الآخرة ممتنع غير ممكن والله سبحانه مكن المكلف من تحصيل أيهما شاء وأراد، فإذا اشتغل بتحصيل أحدهما فقد فوت الآخر على نفسه، فجعل الله ما أعرض اليهود عنه من الإيمان بما في كتبهم وما حصل في أيديهم من الكفر ولذات الدنيا كالبيع والشراء، وذلك من الله تعالى في نهاية الذم لهم لأن المغبون في البيع والشراء في الدنيا مذموم حتى يوصف بأنه تغير في عقله فبأن يذم مشتري متاع الدنيا بالآخرة أولى. 
أما قوله تعالى : فلا يخفف عنهم العذاب  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : في دخول الفاء في قوله : فلا يخفف  قولان، أحدهما : العطف على  اشتروا  والقول الآخر بمعنى جواب الأمر، كقولك أولئك الضلال انتبه فلا خير فيهم والأول أوجه لأنه لا حاجة فيه إلى الإضمار. 
المسألة الثانية : بعضهم حمل التخفيف على أنه لا ينقطع بل يدوم، لأنه لو انقطع لكان قد خف، وحمله آخرون على شدته لا على دوامه والأولى أن يقال : إن العذاب قد يخف بالانقطاع وقد يخف بالقلة في كل وقت أو في بعض الأوقات، فإذا وصف تعالى عذابهم بأنه لا يخفف اقتضى ذلك نفي جميع ما ذكرناه. 
أما قوله تعالى : ولا هم ينصرون  ففيه وجهان : الأكثرون حملوه على نفي النصرة في الآخرة يعني أن أحدا لا يدفع هذا العذاب عنهم ولا هم ينصرون على من يريد عذابهم ومنهم من حمله على نفي النصرة في الدنيا، والأول أولى لأنه تعالى جعل ذلك جزاء على صنيعهم، ولذلك قال : فلا يخفف عنهم العذاب  وهذه الصفة لا تليق إلا بالآخرة، لأن عذاب الدنيا وإن حصل فيصير كالحدود التي تقام على المقصر ولأن الكفار قد يصيرون غالبين للمؤمنين في بعض الأوقات.

### الآية 2:87

> ﻿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ۖ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ [2:87]

قوله تعالى : ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون . 
اعلم أن هذا نوع آخر من النعم التي أفاضها الله عليهم ثم إنهم قابلوه بالكفر والأفعال القبيحة، وذلك لأنه تعالى لما وصف حال اليهود من قبل بأنهم يخالفون أمر الله تعالى في قتل أنفسهم وإخراج بعضهم بعضا من ديارهم وبين أنهم بهذا الصنيع اشتروا الدنيا بالآخرة، زاد في تبكيتهم بما ذكره في هذه الآية. أما الكتاب فهو التوراة آتاه الله إياها جملة واحدة، روي عن ابن عباس أن التوراة لما نزلت أمر الله تعالى موسى بحملها فلم يطق ذلك، فبعث الله لكل حرف منها ملكا فلم يطيقوا حملها فخففها الله على موسى فحملها. 
وأما قوله تعالى : وقفينا من بعده الرسل  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : قفينا، أتبعنا مأخوذ من الشيء يأتي في قفاه الشيء، أي بعد نحو ذنبه من الذنب، ونظيره قوله : ثم أرسلنا رسلنا تترى . 
المسألة الثانية : روي أن بعد موسى عليه السلام إلى أيام عيسى عليه السلام كانت الرسل تتواتر ويظهر بعضهم في أثر بعض، والشريعة واحدة إلى أيام عيسى عليه السلام، فإنه صلوات الله عليه جاء بشريعة مجددة، واستدلوا على صحة ذلك بقوله تعالى : وقفينا من بعده بالرسل  فإنه يقتضي أنهم على حد واحد في الشريعة يتبع بعضهم بعضا فيها، قال القاضي : إن الرسول الثاني لا يجوز أن يكون على شريعة الأول حتى لا يؤدي إلى تلك الشريعة بعينها من غير زيادة ولا نقصان، مع أن تلك الشريعة محفوظة يمكن معرفتها بالتواتر عن الأول، لأن الرسول إذا كان هذا حاله لم يمكن أن يعلم من جهة إلا ما كان قد علم من قبل أو يمكن أن يعلم من قبل، فكما لا يجوز أن يبعث الله تعالى رسولا لا شريعة معه أصلا، تبين العقليات لهذه العلة، فكذا القول في مسألتنا : فثبت أنه لا بد في الرسل الذين جاؤوا من بعد موسى عليه السلام أن يكونوا قد أتوا بشريعة جديدة إن كانت الأولى محفوظة أو محيية لبعض ما اندرس من الشريعة الأولى. والجواب : لم لا يجوز أن يكون المقصود من بعثة هؤلاء الرسل تنفيذ تلك الشريعة السالفة على الأمة أو نوع آخر من الألطاف لا يعلمها إلا الله، وبالجملة، فالقاضي ما أتى في هذه الدلالة إلا بإعادة الدعوى، فلم قال : إنه لا يجوز بعث هؤلاء الرسل إلا لشريعة جديدة أو لإحياء شريعة اندرست وهل النزاع وقع إلا في هذا ؟
المسألة الثالثة : هؤلاء الرسل هم : يوشع، وشمويل، وشمعون، وداود، وسليمان وشعياء، وأرمياء، وعزير، وحزقيل، وإلياس، واليسع، ويونس، وزكريا، ويحيى، وغيرهم. أما قوله تعالى : وآتينا عيسى ابن مريم البينات  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : السبب في أن الله تعالى أجمل ذكر الرسول ثم فصل ذكر عيسى لأن من قبله من الرسل جاءوا بشريعة موسى فكانوا متبعين له، وليس كذلك عيسى، لأن شرعه نسخ أكثر شرع موسى عليه السلام. 
المسألة الثانية : قيل عيسى بالسريانية أيشوع، ومريم بمعنى الخادم، وقيل : مريم بالعبرانية من النساء كزير من الرجال، وبه فسر قول رؤبة
قلت لزير لم تصله مريمة \*\*\*. . . 
المسألة الثالثة : في البينات وجوه. أحدها : المعجزات من إحياء الموتى ونحوها عن ابن عباس، وثانيها : أنها الإنجيل. وثالثها : وهو الأقوى أن الكل يدخل فيه، لأن المعجز يبين صحة نبوته كما أن الإنجيل يبين كيفية شريعته فلا يكون للتخصيص معنى. 
أما قوله تعالى : وأيدناه بروح القدس  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرئ وأيدناه قرأ ابن كثير **«القدس »** بالتخفيف والباقون بالتثقيل وهما لغتان مثل رعب ورعب. 
المسألة الثانية : اختلفوا في الروح على وجوه. أحدها : أنه جبريل عليه السلام وإنما سمي بذلك لوجوه، الأول : أن المراد من روح القدس الروح المقدسة كما يقال : حاتم الجود ورجل صدق فوصف جبريل بذلك تشريفا له وبيانا لعلو مرتبته عند الله تعالى. الثاني : سمي جبريل عليه السلام بذلك لأنه يحيا به الدين كما يحيا البدن بالروح فإنه هو المتولي لإنزال الوحي إلى الأنبياء والمكلفون في ذلك يحيون في دينهم. الثالث : أن الغالب عليه الروحانية وكذلك سائر الملائكة غير أن روحانيته أتم وأكمل. الرابع : سمي جبريل عليه السلام روحا، لأنه ما ضمته أصلاب الفحول وأرحام الأمهات، وثانيها : المراد بروح القدس الإنجيل، كما قال في القرآن : روحا من أمرنا  وسمي به لأن الدين يحيا به ومصالح الدنيا تنتظم لأجله. وثالثها : أنه الاسم الذي كان يحيي به عليه السلام الموتى، عن ابن عباس وسعيد بن جبير، ورابعها : أنه الروح الذي نفخ فيه والقدس هو الله تعالى فنسب روح عيسى عليه السلام إلى نفسه تعظيما له وتشريفا، كما يقال : بيت الله وناقة الله، عن الربيع، وعلى هذاب المراد به الروح الذي يحيا به الإنسان. 
واعلم أن إطلاق اسم الروح على جبريل وعلى الإنجيل وعلى الاسم الأعظم مجاز لأن الروح هو الريح المتردد في مخارق الإنسان ومنافذه ومعلوم أن هذه الثلاثة ما كانت كذلك إلا أنه سمي كل واحد من هذه الثلاثة بالروح على سبيل التشبيه من حيث أن الروح كما أنه سبب لحياة الرجل، فكذلك جبريل عليه السلام سبب لحياة القلوب بالعلوم، والإنجيل سبب لظهور الشرائع وحياتها، والاسم الأعظم سبب لأن يتوسل به إلى تحصيل الأغراض إلا أن المشابهة بين مسمى الروح وبين جبريل أتم لوجوه. أحدها : لأن جبريل عليه السلام مخلوق من هواء نورا، لطيف فكانت المشابهة أتم، فكان إطلاق اسم الروح على جبريل أولى. وثانيها : أن هذه التسمية فيه أظهر منها فيما عداه، وثالثها : أن قوله تعالى : وأيدناه بروح القدس  يعني قويناه، والمراد من هذه التقوية الإعانة وإسناد الإعانة إلى جبريل عليه السلام حقيقة وإسنادها إلى الإنجيل والاسم الأعظم مجاز، فكان ذلك أولى، ورابعها : وهو أن اختصاص عيسى بجبريل عليهما السلام من آكد وجوه الاختصاص بحيث لم يكن لأحد من الأنبياء عليهم السلام مثل ذلك لأنه هو الذي بشر مريم بولادتها وإنما ولد عيسى عليه السلام من نفخة جبريل عليه السلام وهو الذي رباه في جميع الأحوال وكان يسير معه حيث سار وكان معه حين صعد إلى السماء. 
أما قوله تعالى : أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم  فهو نهاية الذم لهم، لأن اليهود من بني إسرائيل كانوا إذا أتاهم الرسول بخلاف ما يهوون كذبوه، وإن تهيأ لهم قتله قتلوه. وإنما كانوا كذلك لإرادتهم الرفعة في الدنيا وطلبهم لذاتها والترؤس على عامتهم وأخذ أموالهم بغير حق، وكانت الرسل تبطل عليهم ذلك فيكذبونهم لأجل ذلك ويوهمون عوامهم كونهم كاذبين ويحتجون في ذلك بالتحريف وسوء التأويل، ومنهم من كان يستكبر على الأنبياء استكبار إبليس على آدم. 
أما قوله تعالى : ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون  فلقائل أن يقول : هلا قيل وفريقا قتلتم ؟ وجوابه من وجهين : أحدهما : أن يراد الحال الماضية لأن الأمر فظيع فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب. الثاني : أن يراد فريقا تقتلونهم بعد لأنكم حاولتم قتل محمد صلى الله عليه وسلم لولا أني أعصمه منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة. وقال عليه السلام عند موته :( ما زالت أكلة خيبر تعاودني. فهذا أوان انقطاع أبهري ) والله أعلم.

### الآية 2:88

> ﻿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ [2:88]

قوله تعالى : وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون 
أما الغلف ففيه ثلاثة أوجه. أحدها : أنه جمع أغلف والأغلف هو ما في غلاف أي قلوبنا مغشاة بأغطية مانعة من وصول أثر دعوتك إليها، وثانيها : روى الأصم عن بعضهم أن قلوبهم غلف بالعلم ومملوءة بالحكمة فلا حاجة معها بهم إلى شرع محمد عليه السلام، وثالثها : غلف أي كالغلاف الخالي لا شيء فيه مما يدل على صحة قولك. أما المعتزلة فإنهم اختاروا الوجه الأول، ثم قالوا : هذه الآية تدل على أنه ليس في قلوب الكفار ما لا يمكنهم معه الإيمان، لا غلاف ولا كن ولا سد على ما يقوله المجبرة لأنه لو كان كذلك لكان هؤلاء اليهود صادقين في هذا القول، فكان لا يكذبهم الله بقوله : بل لعنهم الله بكفرهم  لأنه تعالى إنما يذم الكاذب المبطل لا الصادق المحق المعذور، قالوا : وهذا يدل على أن معنى قوله : إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا  وقوله : إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا  وقوله : وجعلنا من بين أيديهم سدا  ليس المراد كونهم ممنوعين من الإيمان، بل المراد إما منع الألطاف أو تشبيه حالهم في إصرارهم على الكفر بمنزلة المجبور على الكفر. قالوا : ونظير ذم الله تعالى اليهود على هذه المقالة ذمه تعالى الكافرين على مثل هذه المقالة وهو قوله تعالى : وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب  ولو كان الأمر على ما يقوله المجبرة لكان هؤلاء القوم صادقين في ذلك، ولو كانوا صادقين لما ذمهم بل كان الذي حكاه عنهم إظهارا لعذرهم ومسقطا للومهم. 
واعلم أنا بينا في تفسير الغلف وجوها ثلاثة فلا يجب الجزم بواحد منها من غير دليل. سلمنا أن المراد منه ذلك الوجه لكن لم قلت إن الآية تدل على أن ذلك القول مذموم ؟
أما قوله تعالى : بل لعنهم الله بكفرهم  ففيه أجوبة. ( أحدها ) : هذا يدل على أنه تعالى لعنهم بسبب كفرهم، أما لم قلتم بأنه إنما لعنهم بسبب هذه المقالة فلعله تعالى حكى عنهم قولا ثم بين أن من حالهم أنهم ملعونون بسبب كفرهم. ( وثانيها ) : المراد من قوله : وقالوا قلوبنا غلف  أنهم ذكروا ذلك على سبيل الاستفهام بمعنى الإنكار يعني ليست قلوبنا في أغلاف ولا في أغطية، بل قوية وخواطرنا منيرة ثم إنا بهذه الخواطر والأفهام تأملنا في دلائلك يا محمد، فلم نجد منها شيئا قويا. فلما ذكروا هذا التصلف الكاذب لا جرم لعنهم الله على كفرهم الحاصل بسبب هذا القول، ( وثالثها ) لعل قلوبهم ما كانت في الأغطية بل كانوا عالمين بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما قال تعالى :
 يعرفونه كما يعرفون أبناءهم  إلا أنهم أنكروا تلك المعرفة وادعوا أن قلوبهم غلف وغير واقفة على ذلك فكان كفرهم كفر العناد فلا جرم لعنهم الله على ذلك الكفر. 
أما قوله تعالى : فقليلا ما يؤمنون  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : في تفسيره ثلاثة أوجه. ( أحدها ) : أن القليل صفة المؤمن، أي لا يؤمن منهم إلا القليل عن قتادة والأصم وأبي مسلم. ( وثانيها ) : أنه صفة الإيمان، أي لا يؤمنون إلا بقليل مما كلفوا به لأنهم كانوا يؤمنون بالله، إلا أنهم كانوا يكفرون بالرسل. ( وثالثها ) : معناه لا يؤمنون أصلا لا قليلا ولا كثيرا كما يقال : قليلا ما يفعل بمعنى لا يفعل البتة. قال الكسائي : تقول العرب : مررنا بأرض قليلا ما تنبت، يريدون ولا تنبت شيئا. والوجه الأول أولى لأنه نظير قوله : بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا  ولأن الجملة الأولى إذا كان المصرح فيها ذكر القوم فيجب أن يتناول الاستثناء بعض هؤلاء القوم. 
المسألة الثانية : في انتصاب **«قليلا »** وجوه. أحدها : فإيمانا قليلا ما يؤمنون **«وما »** مزيدة وهو إيمانهم ببعض الكتاب، وثانيها : انتصب بنزع الخافض أي بقليل يؤمنون، وثالثها : فصاروا قليلا ما يؤمنون.

### الآية 2:89

> ﻿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ [2:89]

ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين 
اعلم أن هذا نوع من قبائح اليهود. أما قوله تعالى : كتاب  فقد اتفقوا على أن هذا الكتاب هو القرآن لأن قوله تعالى : مصدق لما معهم  يدل على أن هذا الكتاب غير ما معهم وما ذاك إلا القرآن. أما قوله تعالى : مصدق لما معهم  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : لا شبهة في أن القرآن مصدق لما معهم في أمر يتعلق بتكليفهم بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم في النبوة واللائق بذلك هو كونه موافقا لما معهم في دلالة نبوته إذ قد عرفوا أنه ليس بموافق لما معهم في سائر الشرائع وعرفنا أنه لم يرد الموافقة في باب أدلة القرآن، لأن جميع كتب الله كذلك ولما بطل الكل ثبت أن المراد موافقته لكتبهم فيما يختص بالنبوة وما يدل عليها من العلامات والنعوت والصفات. 
المسألة الثانية : قرئ : مصدقا  على الحال، فإن قيل : كيف جاز نصبها عن النكرة ؟ قلنا : إذا وصفت النكرة تخصصت فصح انتصاب الحال عنها وقد وصف  كتاب  بقوله : من عند الله . 
المسألة الثالثة : في جواب **«لما »** ثلاثة أوجه، أحدها : أنه محذوف كقوله تعالى : ولو أن قرانا سيرت به الجبال  فإن جوابه محذوف وهو. لكان هذا القرآن، عن الأخفش والزجاج، وثانيها : أنه على التكرير لطول الكلام والجواب : كفروا به كقوله تعالى : أيعدكم أنكم  إلى قوله تعالى : أنكم مخرجون  عن المبرد، وثالثها : أن تكون الفاء جوابا للما الأولى  وكفروا به  جوابا للما الثانية وهو كقوله : فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم  الآية عن الفراء. 
أما قوله تعالى : وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا  ففي سبب النزول وجوه. ( أحدها ) : أن اليهود من قبل مبعث محمد عليه السلام ونزول القرآن كانوا يستفتحون، أي يسألون الفتح والنصرة وكانوا يقولون : اللهم افتح علينا وانصرنا بالنبي الأمي. ( وثانيها ) كانوا يقولون لمخالفيهم عند القتال : هذا نبي قد أظل زمانه ينصرنا عليكم، عن ابن عباس. ( وثالثها ) : كانوا يسألون العرب عن مولده ويصفونه بأنه نبي من صفته كذا وكذا، ويتفحصون عنه على الذين كفروا أي على مشركي العرب، عن أبي مسلم. ( ورابعها ) : نزلت في بني قريظة والنضير، كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله قبل المبعث. عن ابن عباس وقتادة والسدي. ( وخامسها ) : نزلت في أحبار اليهود كانوا إذا قرؤوا وذكروا محمدا في التوراة وأنه مبعوث وأنه من العرب سألوا مشركي العرب عن تلك الصفات ليعلموا أنه هل ولد فيهم من يوافق حاله حال هذا المبعوث. 
أما قوله تعالى : فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : تدل الآية على أنهم كانوا عارفين بنبوته وفيه سؤال : وهو أن التوراة نقلت نقلا متواترا، فأما أن يقال : إنه حصل فيها نعت محمد صلى الله عليه وسلم على سبيل التفصيل، أعني بيان أن الشخص الموصوف بالصورة الفلانية والسيرة الفلانية سيظهر في السنة الفلانية في المكان الفلاني، أو لم يوجد هذا الوصف على هذا الوجه، فإن كان الأول كان القوم مضطرين إلى معرفة شهادة التوراة على صدق محمد عليه الصلاة والسلام، فكيف يجوز على أهل التواتر إطباقهم على الكذب وإن لم يكن الوصف على هذه الصفة لم يلزم من الأوصاف المذكورة في التوراة كون محمد صلى الله عليه وسلم رسولا، فكيف قال الله تعالى : فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به  ؟ والجواب : أن الوصف المذكور في التوراة كان وصفا إجماليا وأن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يعرفوا نبوته بمجرد تلك الأوصاف، بل بظهور المعجزات صارت تلك الأوصاف كالمؤكدة، فلهذا ذمهم الله تعالى على الإنكار. 
المسألة الثانية : يحتمل أن يقال : كفروا به لوجوه. ( أحدها ) : أنهم كانوا يظنون أن المبعوث يكون من بني إسرائيل لكثرة من جاء من الأنبياء من بني إسرائيل وكانوا يرغبون الناس في دينه ويدعونهم إليه، فلما بعث الله تعالى محمدا من العرب من نسل إسماعيل صلوات الله عليه، عظم ذلك عليهم فأظهروا التكذيب وخالفوا طريقهم الأول. ( وثانيها ) : اعترافهم بنبوته كان يوجب عليهم زوال رياساتهم وأموالهم فأبوا وأصروا على الإنكار. ( وثالثها ) : لعلهم ظنوا أنه مبعوث إلى العرب خاصة فلا جرم كفروا به. 
المسألة الثالثة : أنه تعالى كفرهم بعدما بين كونهم عالمين بنبوته، وهذا يدل على أن الكفر ليس هو الجهل بالله تعالى فقط. 
أما قوله تعالى : فلعنة الله على الكافرين  فالمراد الإبعاد من خيرات الآخرة، لأن المبعد من خيرات الدنيا لا يكون ملعونا. فإن قيل : أليس أنه تعالى ذكر في الآية المتقدمة : وقولوا للناس حسنا  وقال : ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم  قلنا : العام قد يتطرق إليه التخصيص على أنا بينا فيما قبل أن لعن من يستحق اللعن من القول الحسن والله أعلم.

### الآية 2:90

> ﻿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ ۚ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ [2:90]

قوله تعالى : بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباؤوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين 
اعلم أن البحث عن حقيقة بئسما لا يحصل إلا في مسائل :
المسألة الأولى : أصل نعم وبئس نعم وبئس بفتح الأول وكسر الثاني كقولنا :**«علم »** إلا أن ما كان ثانيه حرف حلق وهو مكسور يجوز فيه أربع لغات، الأول : على الأصل أعني بفتح الأول وكسر الثاني. والثاني : اتباع الأول للثاني وهو أن يكون بكسر النون والعين، وكذا يقال : فخذ بكسر الفاء والخاء، وهم وإن كانوا يفرون من الجمع بين الكسرتين إلا أنهم جوزوه ههنا لكون الحرف الحلقي مستتبعا لما يجاوره. الثالث : إسكان الحرف الحلقي المكسور وترك ما قبله على ما كان فيقال : نعم وبئس بفتح الأول وإسكان الثاني كما يقال : فخذ بفتح الفاء وإسكان الخاء ؛ الرابع : أن يسكن الحرف الحلقي وتنقل كسرته إلى ما قبله فيقال : نعم بكسر النون وإسكان العين كما يقال : فخذ بكسر الفاء وإسكان الخاء. 
واعلم أن هذا التغيير الأخير وإن كان في حد الجواز عند إطلاق هاتين الكلمتين إلا أنهم جعلوه لازما لهما لخروجهما عما وضعت له الأفعال الماضية من الإخبار عن وجود المصدر في الزمان الماضي وصيرورتهما كلمتي مدح وذم ويراد بهما المبالغة في المدح والذم، ليدل هذا التغيير اللازم في اللفظ على التغيير عن الأصل في المعنى فيقولون : نعم الرجل زيد ولا يذكرونه على الأصل إلا في ضرورة الشعر كما أنشد المبرد :
ففداء لبني قيس على \*\*\* ما أصاب الناس من شر وضر
ما أقلت قدماي إنهم \*\*\* نعم الساعون في الأمر المبر
المسألة الثانية : أنهما فعلان من نعم ينعم وبئس ويبأس والدليل عليه دخول التاء التي هي علامة التأنيث فيهما، فيقال : نعمت وبئست، والفراء يجعلهما بمنزلة الأسماء ويحتج بقول حسان ابن ثابت رضي الله عنه. 
ألسنا بنعم الجار يؤلف بيته \*\*\* من الناس ذا مال كثير ومعدما
وبما روي أن أعرابيا بشر بمولودة فقيل له : نعم المولود مولودتك، فقال : والله ما هي بنعم المولودة والبصريون يجيبون عنه بأن ذلك بطريق الحكاية. 
المسألة الثالثة : اعلم أن **«نعم وبئس »** أصلان للصلاح والرداءة ويكون فاعلهما اسما يستغرق الجنس إما مظهرا وإما مضمرا، والمظهر على وجهين، الأول : نحو قولك، نعم الرجل زيد لا تريد رجلا دون الرجل وإنما تقصد الرجل على الإطلاق. والثاني : نحو قولك نعم غلام الرجل زيد، أما قوله :
فنعم صاحب قوم لا سلاح لهم \*\*\* وصاحب الركب عثمان بن عفانا
فنادر وقيل : كان ذلك لأجل أن قوله :**«وصاحب الركب »** قد يدل على المقصود إذ المراد واحد فإذا أتى في الركب بالألف واللام فكأنه قد أتى به في القوم، وأما المضمر فكقولك : نعم رجلا زيد، الأصل : نعم الرجل رجلا زيد ثم ترك ذكر الأول لأن النكرة المنصوبة تدل عليه ورجلا نصب على التمييز، مثله في قولك : عشرون رجلا والمميز لا يكون إلا نكرة، ألا ترى أن أحدا لا يقول عشرون الدرهم ولو أدخلوا الألف واللام على هذا فقالوا : نعم الرجل بالنصب لكان نقضا للغرض، إذ لو كانوا يريدون الإتيان بالألف واللام لرفعوا وقالوا نعم الرجل وكفوا أنفسهم مؤنة الإضمار وإنما أضمروا الفاعل قصدا للاختصار، إذ كان **«نعم رجلا »** يدل على الجنس الذي فضل عليه. 
المسألة الرابعة : إذا قلت نعم الرجل زيد فهو على وجهين : أحدهما : أن يكون مبتدأ مؤخرا كأنه قيل : زيد نعم الرجل، أخرت زيدا والنية به التقديم، كما تقول : مررت به المسكين تريد المسكين مررت به، فأما الراجع إلى المبتدأ فإن الرجل لما كان شائعا ينتظم فيه الجنس كان زيد داخلا تحته فصار بمنزلة الذكر الذي يعود إليه، والوجه الآخر : أن يكون زيد في قولك : نعم الرجل زيد خبر مبتدأ محذوف كأنه لما قيل : نعم الرجل، قيل : من هذا الذي أثنى عليه ؟ فقيل : زيد أي هو زيد. 
المسألة الخامسة : المخصوص بالمدح والذم لا يكون إلا من جنس المذكور بعد نعم وبئس كزيد من الرجال وإذا كان كذلك كان المضاف إلى القوم في قوله تعالى : ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا  محذوفا وتقديره ساء مثلا مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا، وإذ قد لخصنا هذه المسائل فلنرجع إلى التفسير. 
أما قوله تعالى : بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى :**«ما »** نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس بمعنى بئس الشيء شيئا اشتروا به أنفسهم والمخصوص بالذم **«أن يكفروا »**. 
المسألة الثانية : في الشراء ههنا قولان، أحدهما : أنه بمعنى البيع، وبيانه أنه تعالى لما مكن المكلف من الإيمان الذي يفضي به إلى الجنة والكفر الذي يؤدي به إلى النار صار اختياره لأحدهما على الآخر بمنزلة اختيار تملك سلعة على سلعة فإذا اختار الإيمان الذي فيه فوزه ونجاته. قيل : نعم ما اشترى، ولما كان الغرض بالبيع والشراء هو إبدال ملك بملك صلح أن يوصف كل واحد منهما بأنه بائع ومشتر لوقوع هذا المعنى من كل واحد منهما فصح تأويل قوله تعالى : بئسما اشتروا به أنفسهم  بأن المراد باعوا أنفسهم بكفرهم لأن الذي حصلوه على منافع أنفسهم لما كان هو الكفر صاروا بائعين أنفسهم بذلك، الوجه الثاني : وهو الأصح عندي أن المكلف إذا كان يخاف على نفسه من عقاب الله يأتي بأعمال يظن أنها تخلصه من العقاب فكأنه قد اشترى نفسه بتلك الأعمال، فهؤلاء اليهود لما اعتقدوا فيما أتوا به أنها تخلصهم من العقاب، وتوصلهم إلى الثواب فقد ظنوا أنهم اشتروا أنفسهم بها، فذمهم الله تعالى، وقال : بئسما اشتروا به أنفسهم  وهذا الوجه أقرب إلى المعنى واللفظ من الأول، ثم إنه تعالى بين تفسير ما اشتروا به أنفسهم بقوله تعالى : أن يكفروا بما أنزل الله  ولا شبهة أن المراد بذلك كفرهم بالقرآن لأن الخطاب في اليهود وكانوا مؤمنين بغيره، ثم بين الوجه الذي لأجله اختاروا هذا الكفر بما أنزل الله فقال : بغيا  وأشار بذلك إلى غرضهم بالكفر كما يقال يعادي فلان فلانا حسدا تنبيها بذلك على غرضه ولولا هذا القول لجوزنا أن يكفروا جهلا لا بغيا. 
واعلم أن هذه الآية تدل على أن الحسد حرام. ولما كان البغي قد يكون لوجوه شتى بين تعالى غرضهم من هذا البغي بقوله : أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده  والقصة لا تليق إلا بما حكيناه من أنهم ظنوا أن هذا الفضل العظيم بالنبوة المنتظرة يحصل في قومهم فلما وجدوه في العرب حملهم ذلك على البغي والحسد. 
أما قوله تعالى : فباؤوا بغضب على غضب  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : في تفسير الغضبين وجوه، أحدها : أنه لا بد من إثبات سببين للغضبين أحدهما : ما تقدم وهو تكذيبهم عيسى عليه السلام وما أنزل عليه والآخر تكذيبهم محمد عليه الصلاة والسلام وما أنزل عليه فصار ذلك دخولا في غضب بعد غضب وسخط بعد سخط من قبله تعالى لأجل أنهم دخلوا في سبب بعد سبب، وهو قول الحسن والشعبي وعكرمة وأبي العالية وقتادة، الثاني : ليس المراد إثبات غضبين فقط بل المراد إثبات أنواع من الغضب مترادفة لأجل أمور مترادفة صدرت عنهم نحو قولهم : عزيز ابن الله   يد الله مغلولة   إن الله فقير ونحن أغنياء  وغير ذلك من أنواع كفرهم، وهو قول عطاء وعبيد بن عمير، الثالث : أن المراد به تأكيد الغضب وتكثيره لأجل أن هذا الكفر وإن كان واحدا إلا أنه أعظم، وهو قول أبي مسلم الرابع : الأول بعبادتهم العجل والثاني بكتمانهم صفة محمد وجحدهم نبوته عن السدي. 
المسألة الثانية : الغضب عبارة عن التغير الذي يعرض للإنسان في مزاجه عند غليان دم قلبه بسبب مشاهدة أمر مكروه وذلك محال في حق الله تعالى، فهو محمول على إرادته لمن عصاه الإضرار من جهة اللعن والأمر بذلك. 
المسألة الثالثة : أنه يصح وصفه تعالى بالغضب وأن غضبه يتزايد ويكثر ويصح فيه ذلك كصحته في العذاب فلا يكون غضبه على من كفر بخصلة واحدة كغضبه على من كفر بخصال كثيرة. 
أما قوله تعالى : وللكافرين عذاب مهين  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله : وللكافرين عذاب مهين  له مزية على قوله ولهم عذاب مهين لأن العبارة الأولى يدخل فيها أولئك الكفار وغيرهم والعبارة الثانية لا يدخل فيها إلا هم. 
المسألة الثانية : العذاب في الحقيقة لا يكون مهينا لأن معنى ذلك أنه أهان غيره وذلك مما لا يتأتى إلا فيما يعقل، فالله تعالى هو المهين للمعذبين بالعذاب الكثير إلا أن الإهانة لما حصلت مع العذاب جاز أن يجعل ذلك من وصفه، فإن قيل : العذاب لا يكون إلا مع الإهانة فما الفائدة في هذا الوصف ؟ قلنا : كون العذاب مقرونا بالإهانة أمر لا بد فيه من الدليل، فالله تعالى ذكر ذلك ليكون دليلا عليه. 
المسألة الثالثة : قال قوم : قوله تعالى : وللكافرين عذاب مهين  يدل على أنه لا عذاب إلا للكافرين، ثم بعد تقرير هذه المقدمة احتج بهذه الآية فريقان، أحدهما : الخوارج قالوا : ثبت بسائر الآيات أن الفاسق يعذب، وثبت بهذه الآية أنه لا يعذب إلا الكافر فيلزم أن يقال الفاسق كافر. وثانيها : المرجئة قالوا : ثبت بهذه الآية أنه لا يعذب إلا الكافر وثبت أن الفاسق ليس بكافر، فوجب القطع بأنه لا يعذب وفساد هذين القولين لا يخفى.

### الآية 2:91

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ ۗ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [2:91]

قوله تعالى : وإذا قيل لهم آمنوا بما انزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلما تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين 
اعلم أن هذا النوع أيضا من قبائح أفعالهم : وإذا قيل لهم  يعني به اليهود : آمنوا بما أنزل الله  أي بكل ما أنزل الله، والقائلون بالعموم احتجوا بهذه الآية على أن لفظة ****«ما »**** بمعنى الذي تفيد العموم، قالوا : لأن الله تعالى أمرهم بأن يؤمنوا بما أنزل الله فلما آمنوا بالبعض دون البعض ذمهم على ذلك ولولا أن لفظة ****«ما »**** تفيد العموم لما حسن هذا الذم، ثم إنه تعالى حكى عنهم أنهم لما أمروا بذلك : قالوا نؤمن بما أنزل علينا  يعني بالتوراة وكتب سائر الأنبياء الذين أتوا بتقرير شرع موسى عليه السلام ثم أخبر الله تعالى عنهم أنهم يكفرون بما وراءه وهو الإنجيل والقرآن وأورده هذه الحكاية عنهم على سبيل الذم لهم وذلك أنه لا يجوز أن يقال لهم آمنوا بما أنزل الله إلا ولهم طريق إلى أن يعرفوا كونه منزلا من عند الله وإلا كان ذلك تكليف ما لا يطاق وإذا دل الدليل على كونه منزلا من عند الله وجب الإيمان به، فثبت أن الإيمان ببعض ما أنزل الله دون البعض تناقض. 
أما قوله تعالى : وهو الحق مصدقا لما معهم  فهو كالإشارة إلى ما يدل على وجوب الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبيانه من وجهين :( الأول ) : ما دل عليه قوله تعالى : وهو الحق  أنه لما ثبتت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بالمعجزات التي ظهرت عليه، إنه عليه الصلاة والسلام أخبر أن هذا القرآن منزل من عند الله تعالى وأنه أمر المكلفين بالإيمان به وكان الإيمان به واجبا لا محالة، وعند هذا يظهر أن الإيمان ببعض الأنبياء وبعض الكتب مع الكفر ببعض الأنبياء وبعض الكتب محال. ( الثاني ) : ما دل عليه قوله : مصدقا لما معهم  وتقريره من وجهين، الأول : أن محمدا صلوات الله وسلامه عليه لم يتعلم علما ولا استفاد من أستاذ، فلما أتى بالحكايات والقصص موافقة لما في التوراة من غير تفاوت أصلا علمنا أنه عليه الصلاة والسلام إنما استفادها من الوحي والتنزيل. الثاني : أن القرآن يدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فلما أخبر الله تعالى عنه أنه مصدق للتوراة وجب اشتمال التوراة على الإخبار عن نبوته، وإلا لم يكن القرآن مصدقا للتوراة بل مكذبا لها وإذا كانت التوراة مشتملة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام وهم قد اعترفوا بوجوب الإيمان بالتوراة لزمهم من هذه الجهة وجوب الإيمان بالقرآن وبنبوة محمد عليه الصلاة والسلام. 
أما قوله تعالى : فلم تقتلون أنبياء الله من قبل  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : أنه سبحانه وتعالى بين من جهة أخرى أن دعواهم كونهم مؤمنين بالتوراة متناقضة من وجوه أخر، وذلك لأن التوراة دلت على أن المعجزة تدل على الصدق ودلت على أن من كان صادقا في ادعاء النبوة فإن قتله كفر، وإذا كان الأمر كذلك كان السعي في قتل يحيى وزكريا وعيسى عليهم السلام كفرا فلم سعيتم في ذلك إن صدقتم في ادعائكم كونكم مؤمنين بالتوراة. 
المسألة الثانية : هذه الآية دالة على أن المجادلة في الدين من حرف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وإن إيراد المناقضة على الخصم جائز. 
المسألة الثالثة : قوله : فلم تقتلون  وإن كان خطاب مشافهة لكن المراد من تقدم من سلفهم ويدل عليه وجوه، أحدها : أن الأنبياء في ذلك الزمان ما كانوا موجودين. وثانيها : أنهم ما أقدموا على ذلك، وثالثها : أنه لا يتأتى فيه من قبل. فأما المراد به الماضي فظاهر لأن القرينة دالة عليه. فإن قيل قوله : آمنوا  خطاب لهؤلاء الموجودين  ولم تقتلون  حكاية فعل أسلافهم فكيف وجه الجمع بينهما ؟ قلنا معناه : أنكم بهذا التكذيب خرجتم من الإيمان بما آمنتم كما خرج أسلافكم بقتل بعض الأنبياء عن الإيمان بالباقين. 
المسألة الرابعة : يقال كيف جاز قوله : لم تقتلون من قبل ولا يجوز أن يقال : أنا أضربك أمس ؟ والجواب فيه قولان، أحدهما : أن ذلك جائز فيما كان بمنزلة الصفة اللازمة كقولك لمن تعرفه بما سلف من قبح فعله : ويحك لم تكذب ؟ كأنك قلت : لم يكن هذا من شأنك. قال الله تعالى : واتبعوا ما تتلوا الشياطين  ولم يقل ما تلت لأنه أراد من شأنها التلاوة. والثاني : كأنه قال : لم ترضون بقتل الأنبياء من قبل إن كنتم آمنتم بالتوراة، والله أعلم.

### الآية 2:92

> ﻿۞ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ [2:92]

قوله تعالى : ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون 
اعلم أن تكرير هذه الآية يغني عن تفسيرها والسبب في تكريرها أنه تعالى لما حكى طريقة اليهود في زمان محمد صلى الله عليه وسلم ووصفهم بالعناد والتكذيب ومثلهم بسلفهم في قتلهم الأنبياء الذي يناسب التكذيب لهم بل يزيد عليه، أعاد ذكر موسى عليه السلام وما جاء به من البينات وأنهم مع وضوح ذلك أجازوا أن يتخذوا العجل إلها وهو مع ذلك صابر ثابت على الدعاء إلى ربه والتمسك بدينه وشرعه فكذلك القول في حالي معكم وإن بالغتم في التكذيب والإنكار.

### الآية 2:93

> ﻿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ۖ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [2:93]

قوله تعالى : وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين 
اعلم أن في الإعادة وجوها : أحدها : أن التكرار في هذا وأمثاله للتأكيد وإيجاب الحجة على الخصم على عادة العرب، وثانيها : أنه إنما ذكر ذلك مع زيادة وهي قولهم : سمعنا وعصينا  وذلك يدل على نهاية لجاجهم. 
أما قوله تعالى : قالوا سمعنا وعصينا  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : أن إظلال الجبل لاشك أنه من أعظم المخوفات ومع ذلك فقد أصروا على كفرهم وصرحوا بقولهم  سمعنا وعصينا  وهذا يدل على أن التخويف وإن عظم لا يوجب الانقياد. 
المسألة الثانية : الأكثرون من المفسرين اعترفوا بأنهم قالوا هذا القول، قال أبو مسلم : وجائز أن يكون المعنى سمعوه فتلقوه بالعصيان فعبر عن ذلك بالقول وإن لم يقولوه كقوله تعالى : أن يقول له كن فيكون  وكقوله : قالتا أتينا طائعين  والأول أولى لأن صرف الكلام عن ظاهره بغير الدليل لا يجوز. 
أما قوله تعالى : وأشربوا في قلوبهم العجل  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : وأشربوا في قلوبهم حب العجل، وفي وجه هذا الاستعارة وجهان، الأول : معناه تداخلهم حبه والحرص على عبادته كما يتداخل الصبغ الثوب، وقوله : في قلوبهم  بيان لمكان الإشراف كقوله : إنما يأكلون في بطونهم نارا  الثاني : كما أن الشرب مادة لحياة ما تخرجه الأرض فكذا تلك المحبة كانت مادة لجميع ما صدر عنهم من الأفعال. 
المسألة الثانية : قوله : وأشربوا  يدل على أن فاعلا غيرهم فعل بهم ذلك، ومعلوم أنه لا يقدر عليه سوى الله، أجابت المعتزلة عنه من وجهين : الأول : ما أراد الله أن غيرهم فعل بهم ذلك لكنهم لفرط ولوعهم وإلفهم بعبادته أشربوا قلوبهم حبه فذكر ذلك على ما لم يسم فاعله كما يقال فلان : معجب بنفسه، الثاني : أن المراد من أشرب أي زينه عندهم ودعاهم إليه كالسامري وإبليس وشياطين الإنس والجن. أجاب الأصحاب عن الوجهين بأن كلا الوجهين صرف اللفظ عن ظاهره وذلك لا يجوز المصير إليه إلا لدليل منفصل، ولما أقمنا الدلائل العقلية القطعية على أن محدث كل الأشياء هو الله لم يكن بنا حاجة إلى ترك هذا الظاهر. 
أما قوله تعالى : بكفرهم  فالمراد باعتقادهم التشبيه على الله وتجويزهم العبادة لغيره سبحانه وتعالى. 
أما قوله : قل بئسما يأمركم به إيمانكم  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : المراد بئسما يأمركم به إيمانكم بالتوراة لأنه ليس في التوراة عبادة العجل وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم كما قال في قصة شعيب : أصلاتك تأمرك  وكذلك إضافة الإيمان إليهم. 
المسألة الثانية : الإيمان عرض ولا يصح منه الأمر والنهي لكن الداعي إلى الفعل قد يشبه بالآمر كقوله تعالى : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر . 
أما قوله تعالى : إن كنتم مؤمنين  فالمراد التشكيك في إيمانهم والقدح في صحة دعواهم.

### الآية 2:94

> ﻿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [2:94]

قوله تعالى : قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين 
اعلم أن هذا نوع آخر من قبائحهم وهو ادعاؤهم أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس ويدل عليه وجوه. أحدها : أنه لا يجوز أن يقال على طريق الاستدلال على الخصم إن كان كذا وكذا فافعل كذا إلا والأول مذهبه ليصح إلزام الثاني عليه. وثانيها : ما حكى الله عنهم في قوله : وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى  وفي قوله : نحن أبناء الله وأحباؤه  وفي قوله : وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة  وثالثها : اعتقادهم في أنفسهم أنهم هم المحقون لأن النسخ غير جائز في شرعهم، وأن سائر الفرق مبطلون، ورابعها : اعتقادهم أن انتسابهم إلى أكابر الأنبياء عليهم السلام أعني يعقوب وإسحاق وإبراهيم يخلصهم من عقاب الله تعالى ويوصلهم إلى ثوابه، ثم إنهم لهذه الأشياء عظموا شأن أنفسهم فكانوا يفتخرون على العرب وربما جعلوه كالحجة في أن النبي المنتظر المبشر به في التوراة منهم لا من العرب وكانوا يصرفون الناس بسبب هذه الشبهة عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إن الله احتج على فساد قولهم بقوله : قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت  وبيان هذه الملازمة أن نعم الدنيا قليلة حقيرة بالقياس إلى نعم الآخرة، ثم إن نعم الدنيا على قلتها كانت منغصة عليهم بسبب ظهور محمد صلى الله عليه وسلم ومنازعته معهم بالجدال والقتال، ومن كان في النعم القليلة المنغصة، ثم إن تيقن أنه بعد الموت لا بد وأن ينتقل إلى تلك النعم العظيمة فإنه لا بد وأن يكون راغبا في الموت لأن تلك النعم العظيمة مطلوبة ولا سبيل إليها إلا بالموت وما يتوقف عليه المطلوب وجب أن يكون مطلوبا فوجب أن يكون هذا الإنسان راضيا بالموت متمنيا له، فثبت أن الدار الآخرة لو كانت لهم خالصة لوجب أن يتمنوا الموت. ثم إن الله تعالى أخبر أنهم ما تمنوا الموت بل لن يتمنوه أبدا، وحينئذ يلزم قطعا بطلان ادعائهم في قولهم إن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس. 
فإن قيل لا نسلم أنه لو كانت لهم الدار الآخرة خالصة لوجب أن يتمنوا الموت، قوله لأن نعيم الآخرة مطلوب ولا سبيل إليه إلا بالموت والذي يتوقف عليه المطلوب، لا بد وأن يكون مطلوبا. قلنا : الذي يتوقف عليه المطلوب يجوز أن يكون مطلوبا نظرا إلى كونه وسيلة إلى ذلك المطلوب إلا أنه يكون مكروها نظرا إلى ذاته والموت مما لا يحصل إلا بالآلام العظيمة وما كانوا يطيقونها فلا جرم ما تمنوا الموت. 
السؤال الثاني : أنه كان لهم أن يقلبوا هذا السؤال على محمد صلى الله عليه وسلم فيقولوا : إنك تدعي أن الدار الآخرة خالصة لك ولأمتك دون من ينازعك في الأمر فإن كان الأمر كذلك فارض بأن نقتلك ونقتل أمتك، فإنا نراك ونرى أمتك في الضر الشديد والبلاء العظيم بسبب الجدال والقتال وبعد الموت فإنكم تتخلصون إلى نعيم الجنة فوجب أن ترضوا بقتلكم !
السؤال الثالث : لعلهم كانوا يقولون الدار الآخرة خالصة لمن كان على دينهم لكن بشرط الاحتراز عن الكبائر، فأما صاحب الكبيرة فإنه يبقى مخلدا في النار أبدا لأنهم كانوا وعيدية أو لأنهم جوزوا في صاحب الكبيرة أن يصير معذبا فلأجل هذا ما تمنوا الموت وليس لأحد أن يدفع هذا السؤال بأن مذهبهم أنه لا تمسهم النار إلا أياما معدودة لأن كل يوم من أيام القيامة كألف سنة مما تعدون فكانت هذه الأيام وإن كانت قليلة بحسب العدد لكنها طويلة بحسب المدة فلا جرم ما تمنوا الموت بسبب هذا الخوف. 
السؤال الرابع : أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن تمني الموت فقال :( لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ولكن ليقل اللهم أحيني إن كانت الحياة خيرا لي وتوفني إن كانت الوفاة خيرا لي ) وأيضا قال الله تعالى في كتابه : يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها  فكيف يجوز أن ينهى عن الاستعجال، ثم إنه يتحدى القوم بذلك. 
السؤال الخامس : أن لفظ التمني مشترك بين التمني الذي هو المعنى القائم بالقلب وبين اللفظ الدال على ذلك المعنى وهو قول القائل : ليتني مت، لليهود أن يقولوا إنك طلبت منا التمني والتمني لفظ مشترك، فإن ذكرناه باللسان فله أن يقول : ما أردت به هذا اللفظ، وإنما أردت به المعنى الذي في القلب وإن فعلنا ذلك المعنى القائم بالقلب فله أن يقول : كذبتم ما أتيتم بذلك في قلوبكم ولما علم اليهود أنه أتى بلفظة مشتركة لا يمكن الاعتراض عليها لا جرم لم يلتفتوا إليه. 
السؤال السادس : هب أن الدار الآخرة لو كانت لهم لوجب أن يتمنوا الموت فلم قلتم إنهم ما تمنوا الموت والاستدلال بقوله تعالى : ولن يتمنوه أبدا  ضعيف لأن الاستدلال بهذا إنما يصح لو ثبت كون القرآن حقا، والنزاع ليس إلا فيه. ( الجواب ) : قوله \[ أولا \] كون الموت متضمنا للألم يكون كالصارف عن تمنيه، قلنا كما أن الألم الحاصل عند الحجامة لا يصرف عن الحجامة للعلم الحاصل بأن المنفعة الحاصلة بسبب الحجامة عظيمة وجب أن يكون الأمر ههنا كذلك. قوله ثانيا : إنهم لو قلبوا الكلام على محمد صلى الله عليه وسلم لزمه أن يرضى بالقتل، قلنا : الفرق بين محمد عليه السلام وبينهم أن محمدا كان يقول إني بعثت لتبليغ الشرائع إلى أهل التواتر، وهذا المقصود لم يحصل بعد فلأجل هذا لا أرضى بالقتل وأما أنتم فلستم كذلك فظهر الفرق، قوله ثالثا : كانوا خائفين من عقاب الكبائر، قلنا : القوم ادعوا كون الآخرة خالصة لهم وذلك يؤمنهم من امتزاج ثوابها بالعقاب قوله رابعا : نهى عن تمني الموت قلنا هذا النهي طريقة الشرع فيجوز أن يختلف الحال فيه بحسب اختلاف الأوقات، روي أن عليا رضي الله عنه كان يطوف بين الصفين في غلالة فقال له ابنه الحسن رضي الله عنه ما هذا بزي المحاربين فقال يا بني لا يبالي أبوك أعلى الموت سقط أم عليه يسقط الموت، وقال عمار رضي الله عنه بصفين :
الآن ألقى الأحبة \*\*\* محمدا وحزبه
وقد ظهر عن الأنبياء في كثير من الأوقات تمني الموت على أن هذا النهي مختص بسبب مخصوص فإنه عليه الصلاة والسلام حرم أن يتمنى الإنسان الموت عند الشدائد لأن ذلك كالجزع والخروج عن الرضاء بما قسم الله، فأين هذا من التمني الذي يدل على صحة النبوة. قوله خامسا : إنهم ما عرفوا أن المراد هو التمني باللسان أو بالقلب، قلنا : التمني في لغة العرب لا يعرف إلا ما يظهر \[ منه \] كما أن الخبر لا يعرف إلا ما يظهر بالقول والذي في القلب من ذلك لا يسمى بهذا الاسم، وأيضا فمن المحال أن يقول النبي عليه الصلاة والسلام لهم تمنوا الموت ويريد بذلك ما لا يمكن الوقوف عليه مع أن الغرض بذلك لا يتم إلا بظهوره، قوله سادسا : ما الدليل على أنه ما وجد التمني، قلنا من وجوه، أحدها : أنه لو حصل ذلك لنقل نقلا متواترا لأنه أمر عظيم فإن بتقدير عدمه يثبت القول بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبتقدير حصول هذا التمني يبطل القول بنبوته وما كان كذلك كان من الوقائع العظيمة، فوجب أن ينقل نقلا متواترا، ولما لم ينقل علمنا أنه لم يوجد، وثانيها : أنه عليه الصلاة والسلام مع تقدمه في الرأي والحزم وحسن النظر في العاقبة والوصول إلى المنصب الذي وصل إليه في الدنيا والدين والوصول إلى الرياسة العظيمة التي انقاد لها المخالف قهرا والموافق طوعا لا يجوز وهو غير واثق من جهة ربه بالوحي النازل عليه أن يتحداهم بأمر لا يأمن عاقبة الحال فيه ولا يأمن من خصمه أن يقهره بالدليل والحجة لأن العاقل الذي لم يجرب الأمور لا يكاد يرضى بذلك فكيف الحال في أعقل العقلاء فيثبت أنه عليه الصلاة والسلام ما أقدم على تحرير هذه الأدلة إلا وقد أوحى الله تعالى إليه بأنهم لا يتمنونه، وثالثها : ما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال :( لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار ولو خرج الذين يباهلون لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا )
وقال ابن عباس : لو تمنوا الموت لشرقوا به ولماتوا، وبالجملة فالأخبار الواردة في أنهم ما تمنوا بلغت مبلغ التواتر فحصلت الحجة، فهذا آخر الكلام في تقرير هذا الاستدلال، ولنرجع إلى التفسير. 
أما قوله تعالى : قل إن كانت لكم الدار الآخرة  فالمراد الجنة لأنها هي المطلوبة من دار الآخرة دون النار لأنهم كانوا يزعمون أن لهم الجنة. 
وأما قوله تعالى : عند الله  فليس المراد المكان بل المنزلة ولا بعد أيضا في حمله على المكان فلعل اليهود كانوا مشبهة فاعتقدوا العندية المكانية فأبطل الله كل ذلك بالدلالة التي ذكرها. 
وأما قوله تعالى : خالصة  فنصب على الحال من الدار الآخرة، أي سالمة لكم خاصة بكم ليس لأحد سواكم فيها حق، يعني إن صح قولكم لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى و ( الناس ) للجنس، وقيل : للعهد وهم المسلمون والجنس أولى لقوله إلا من كان هودا أو نصارى ولأنه لم يوجد ههنا معهود. 
وأما قوله : من دون الناس  فالمراد به سوى لا معنى المكان كما يقول القائل لمن وهب منه ملكا : هذا لك من دون الناس. 
وأما قوله تعالى : فتمنوا الموت إن كنتم صادقين  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : هذا أمر معلق على شرط مفقود وهو كونهم صادقين فلا يكون الأمر موجودا والغرض منه التحدي وإظهار كذبهم في دعواهم. 
المسألة الثانية : في هذا التمني قولان، أحدهما : قول ابن عباس إنهم يتحدوا بأن يدعو الفريقان بالموت على أي فريق كان أكذب. والثاني : أن يقولوا ليتنا نموت وهذا الثاني أولى لأنه أقرب إلى موافقة اللفظ.

### الآية 2:95

> ﻿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [2:95]

أما قوله تعالى : ولن يتمنوه  فخبر قاطع عن أن ذلك لا يقع في المستقبل وهذا إخبار عن الغيب لأن مع توفر الدواعي على تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وسهولة الإتيان بهذه الكلمة، أخبر بأنهم لا يأتون بذلك فهذا إخبار جازم عن أمر قامت الأمارات على ضده فلا يمكن الوصول إليه إلا بالوحي. 
وأما قوله تعالى : أبدا  فهو غيب آخر لأنه أخبر أن ذلك لا يوجد ولا في شيء من الأزمنة الآتية في المستقبل ولا شك أن الإخبار عن عدمه بالنسبة إلى عموم الأوقات فهما غيبان. 
وأما قوله تعالى : بما قدمت أيديهم  فبيان للعلة التي لها لا يتمنون \[ الموت \] لأنهم إذا علموا سوء طريقتهم وكثرة ذنوبهم دعاهم ذلك إلى أن لا يتمنوا الموت. 
وأما قوله تعالى : والله عليم بالظالمين  فهو كالزجر والتهديد لأنه إذا كان عالما بالسر والنجوى ولم يمكن إخفاء شيء عنه صار تصور المكلف لذلك من أعظم الصوارف عن المعاصي، وإنما ذكر الظالمين لأن كل كافر ظالم وليس كل ظالم كافرا فلما كان ذلك أعم كان أولى بالذكر فإن قيل : إنه تعالى قال ههنا : ولن يتمنوه أبدا  وقال في سورة الجمعة : ولا يتمنونه أبدا  فلم ذكر ههنا ( لن ) وفي سورة الجمعة  لا  قلنا : إنهم في هذه السورة، ادعوا أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس وادعوا في سورة الجمعة أنهم أولياء لله من دون الناس والله تعالى أبطل هذين الأمرين بأنه لو كان كذلك لوجب أن يتمنوا الموت والدعوى الأولى أعظم من الثانية إذ السعادة القصوى هي الحصول في دار الثواب، وأما مرتبة الولاية فهي وإن كانت شريفة إلا أنها إنما تراد ليتوسل بها إلى الجنة فلما كانت الدعوة الأولى أعظم لا جرم بين تعالى فساد قولهم بلفظ :**«لن »** لأنه أقوى الألفاظ النافية ولما كانت الدعوى الثانية ليست في غاية العظمة لا جرم اكتفى في إبطالها بلفظ **«لا »** لأنه ليس في نهاية القوة في إفادة معنى النفي، والله أعلم.

### الآية 2:96

> ﻿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [2:96]

قوله تعالى : ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون . 
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أخبر عنهم في الآية المتقدمة أنهم لا يتمنون الموت أخبر في هذه الآية أنهم في غاية الحرص على الحياة لأن ههنا قسما ثالثا وهو أن يكون الإنسان بحيث لا يتمنى الموت ولا يتمنى الحياة فقال : ولتجدنهم أحرص الناس على حياة . 
أما قوله تعالى : ولتجدنهم  فهو من وجد بمعنى علم المتعدي إلى المفعولين في قوله : وجدت زيدا ذا حفاظ، ومفعولاه **«هم »** و **«أحرص »** وإنما قال : على حياة  بالتنكير لأنه حياة مخصوصة وهي الحياة المتطاولة ولذلك كانت القراءة بها أوقع من قراءة أبي **«على الحياة »** أما الواو في قوله : ومن الذين أشركوا  ففيه ثلاثة أقوال :
أحدها : أنها واو عطف والمعنى أن اليهود أحرص الناس على حياة وأحرص من الذين أشركوا كقولك : هو أسخى الناس ومن حاتم. هذا قول الفراء والأصم. فإن قيل : ألم يدخل الذين أشركوا تحت الناس ؟ قلنا : بلى ولكنهم أفردوا بالذكر لأن حرصهم شديد وفيه توبيخ عظيم لأن الذين أشركوا لا يؤمنون بالمعاد وما يعرفون إلا الحياة الدنيا فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم فإذا زاد عليهم في الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء كان حقيقيا بأعظم التوبيخ، فإن قيل : ولم زاد حرصهم على حرص المشركين ؟ قلنا : لأنهم علموا أنهم صائرون إلى النار لا محالة والمشركون لا يعلمون ذلك. 
القول الثاني : أن هذه الواو واو استئناف وقد تم الكلام عند قوله :**«على حياة »** \[ و \] تقديره ومن الذين أشركوا أناس يود أحدهم على حذف الموصوف كقوله : وما منا إلا له مقام معلوم . 
القول الثالث : أن فيه تقديما وتأخيرا وتقديره. ولتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص الناس على حياة، ثم فسر هذه المحبة بقوله : يود أحدهم لو يعمر ألف سنة  وهو قول أبي مسلم، والقول الأول أولى لأنه إذا كانت القصة في شأن اليهود خاصة فالأليق بالظاهر أن يكون المراد : ولتجدن اليهود أحرص على الحياة من سائر الناس ومن الذين أشركوا ليكون ذلك أبلغ في إبطال دعواهم وفي إظهار كذبهم في قولهم. إن الدار الآخرة لنا لا لغيرنا والله أعلم. 
المسألة الثانية : اختلفوا في المراد بقوله تعالى : ومن الذين أشركوا  على ثلاثة أقوال قيل المجوس : لأنهم كانوا يقولون لملكهم : عش ألف نيروز وألف مهرجان، وعن ابن عباس هو قول الأعاجم : زي هزارسال، وقيل : المراد مشركوا العرب وقيل : كل مشرك لا يؤمن بالمعاد، لأنا بينا أن حرص هؤلاء على الدنيا ينبغي أن يكون أكثر وليس المراد من ذكر ألف سنة قول الأعاجم عش ألف سنة، بل المراد به التكثير وهو معروف في كلام العرب. 
أما قوله تعالى : يود أحدهم لو يعمر ألف سنة  فالمراد أنه تعالى بين بعدهم عن تمني الموت من حيث إنهم يتمنون هذا البقاء ويحرصون عليه هذا الحرص الشديد، ومن هذا حاله كيف يتصور منه تمني الموت ؟
أما قوله تعالى : وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : في أن قوله : وما هو  كناية عماذا ؟ فيه ثلاثة أقوال، أحدها : أنه كناية عن **«أحدهم »** الذي جرى ذكره أي وما أحدهم بمن يزحزحه من النار تعميره، وثانيها : أنه ضمير لما دل عليه **«يعمر »** من مصدره و( أن يعمر ) بدل منه، وثالثها : أن يكون مبهما و( أن يعمر ) موضحه. 
المسألة الثانية : الزحزحة التبعيد والإنحاء، قال القاضي : والمراد أنه لا يؤثر في إزالة العذاب أقل تأثير ولو قال تعالى : وما هو بمبعده وبمنجيه لم يدل على قلة التأثير كدلالة هذا القول. 
وأما قوله تعالى : والله بصير بما يعملون  فاعلم أن البصر قد يراد به العلم، يقال : إن لفلان بصرا بهذا الأمر، أي معرفة، وقد يراد به أنه على صفة لو وجدت المبصرات لأبصرها وكلا الوصفين يصحان عليه سبحانه إلا أن من قال : إن في الأعمال ما لا يصح أن يرى حمل هذا البصر على العلم لا محالة والله أعلم.

### الآية 2:97

> ﻿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ [2:97]

قوله تعالى : قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين . 
اعلم أن هذا النوع أيضا من أنواع قبائح اليهود ومنكرات أقوالهم وأفعالهم وفيه مسائل :
المسألة الأولى : أن قوله تعالى : قل من كان عدوا لجبريل  لا بد له من سبب وأمر قد ظهر من اليهود حتى يأمره تعالى بأن يخاطبهم بذلك لأنه يجري مجرى المحاجة، فإذا لم يثبت منهم في ذلك أمر لا يجوز أن يأمره الله تعالى بذلك والمفسرون ذكروا أمورا، أحدها : أنه عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة أتاه عبد الله بن صوريا فقال : يا محمد كيف نومك، فقد أخبرنا عن نوم النبي الذي يجيء في آخر الزمان ؟ فقال عليه السلام :**«تنام عيناي ولا ينام قلبي »** قال : صدقت يا محمد، فأخبرني عن الولد أمن الرجل يكون أم من المرأة ؟ فقال : أما العظام والعصب والعروق فمن الرجل، وأما اللحم والدم والظفر والشعر، فمن المرأة فقال صدقت. فما بال الرجل يشبه أعمامه دون أخواله أو يشبه أخواله دون أعمامه ؟ فقال : أيهما غلب ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له، قال : صدقت فقال : أخبرني أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه وفي التوراة أن النبي الأمي يخبر عنه ؟ فقال عليه السلام :**«أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضا شديدا فطال سقمه فنذر لله نذرا لئن عافاه الله من سقمه ليحرمن على نفسه أحب الطعام والشراب، وهو لحمان الإبل وألبانها ؟ فقالوا : نعم. فقال له : بقيت خصلة واحدة إن قلتها آمنت بك، أي ملك يأتيك بما تقول عن الله ؟ قال جبريل : قال إن ذلك عدونا ينزل بالقتال والشدة، ورسولنا ميكائيل يأتي بالبشر والرخاء فلو كان هو الذي يأتيك آمنا بك »** فقال عمر : وما مبدأ هذه العداوة ؟ فقال ابن صوريا مبدأ هذه العداوة أن الله تعالى أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخرب في زمان رجل يقال له : بختنصر ووصفه لنا فطلبناه فلما وجدناه بعثنا لقتله رجالا فدفع عنه جبريل وقال : إن سلطكم الله على قتله فهذا ليس هو ذاك الذي أخبر الله عنه أنه سيخرب بيت المقدس، فلا فائدة في قتله، ثم إنه كبر وقوى وملك وغزانا وخرب بيت المقدس وقتلنا، فلذلك نتخذه عدوا، وأما ميكائيل فإنه عدو جبريل فقال عمر : فإني أشهد أن من كان عدوا لجبريل فهو عدو لميكائيل وهما عدوان لمن عداهما فأنكر ذلك على عمر فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين. وثانيها : روي أنه كان لعمر أرض بأعلى المدينة وكان ممره على مدراس اليهود وكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم فقالوا : يا عمر قد أحببناك وإنا لنطمع فيك فقال : والله ما أجيئكم لحبكم ولا أسألكم لأني شاك في ديني وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأرى آثاره في كتابكم، ثم سألهم عن جبريل فقالوا : ذاك عدونا يطلع محمدا على أسرارنا وهو صاحب كل خسف وعذاب، وإن ميكائيل يجيء بالخصب والسلم فقال لهم : وما منزلتهما من الله ؟ قالوا : أقرب منزلة، جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره وميكائيل عدوا لجبريل فقال عمر : لئن كان كما تقولون فما هما بعدوين ولأنتم أكفر من الحمير، ومن كان عدو لأحدهما كان عدوا للآخر ومن كان عدوا لهما كان عدوا الله، ثم رجع عمر فوجد جبريل عليه السلام قد سبقه بالوحي فقال النبي صلى الله عليه وسلم :**«لقد وافقك ربك يا عمر »** قال عمر : لقد رأيتني في دين بعد ذلك أصلب من الحجر، وثالثها : قال مقاتل زعمت اليهود أن جبريل عليه السلام عدونا، أمر أن يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا فأنزل الله هذه الآيات. 
واعلم أن الأقرب أن يكون سبب عداوتهم له أنه كان ينزل القرآن على محمد عليه السلام لأن قوله : من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله  مشعر بأن هذا التنزيل لا ينبغي أن يكون سببا للعداوة لأنه إنما فعل ذلك بأمر الله فلا ينبغي أن يكون سببا للعداوة وتقرير هذا من وجوه، أولها : أن الذي نزله جبريل من القرآن بشارة المطيعين بالثواب وإنذار العصاة بالعقاب والأمر بالمحاربة والمقاتلة لما لم يكن ذلك باختياره بل بأمر الله الذي يعترفون أنه لا محيص عن أمره ولا سبيل إلى مخالفته فعداوة من هذا سبيله توجب عداوة الله وعداوة الله كفر، فيلزم أن عداوة من هذا سبيله كفر، وثانيها : أن الله تعالى لو أمر ميكائيل بإنزال مثل هذا الكتاب فإما أن يقال : إنه كان يتمرد أو يأبى عن قبول أمر الله وذلك غير لائق بالملائكة المعصومين أو كان يقبله ويأتي به على وفق أمر الله فحينئذ يتوجه على ميكائيل ما ذكروه على جبريل عليهما السلام فما الوجه في تخصيص جبريل بالعداوة ؟ وثالثها : أن إنزال القرآن على محمد كما شق على اليهود فإنزال التوراة على موسى شق على قوم آخرين، فإن اقتضت نفرة بعض الناس لإنزال القرآن قبحه فلتقتض نفرة أولئك المتقدمين إنزال التوراة على موسى عليه السلام قبحه ومعلوم أن كل ذلك باطل فثبت بهذه الوجوه فساد ما قالوه. 
المسألة الثانية : من الناس من استبعد أن يقول قوم من اليهود : إن جبريل عدوهم قالوا : لأنا نرى اليهود في زماننا هذا مطبقين على إنكار ذلك مصرين على أن أحدا من سلفهم لم يقل بذلك، واعلم أن هذا باطل لأن حكاية الله أصدق، ولأن جهلهم كان شديدا وهم الذين قالوا  اجعل لنا إلها كما لهم آلهة 
المسألة الثالثة : قرأ ابن كثير :**«جبريل »** بفتح الجيم وكسر الراء من غير همز، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بفتح الجيم والراء مهموزا والباقون بكسر الجيم والراء غير مهموز بوزن قنديل وفيه سبع لغات ثلاث منها ذكرناها، وجبرائل على وزن جبراعل وجبرائيل على وزن جبراعيل وجبرايل على وزن جبراعل وجبرين بالنون ومنع الصرف للتعريف والعجمة. 
المسألة الرابعة : قال بعضهم : جبريل معناه عبد الله، ف **«جبر »** عبد و****«إيل »**** الله : وميكائيل عبد الله وهو قول ابن عباس وجماعة من أهل العلم، قال : أبو علي السوسي : هذا لا يصح لوجهين : أحدهما : أنه لا يعرف من أسماء الله ****«إيل »**** والثاني : أنه لو كان كذلك لكان آخر الاسم مجرورا. 
أما قوله تعالى : فإنه نزله على قلبك  ففيه سؤالات :
السؤال الأول : الهاء في قوله تعالى :**«فإنه »** وفي قوله :**«نزله »** إلى ماذا يعود ؟ الجواب فيه قولان : أحدهما : أن الهاء الأولى تعود على جبريل والثانية : على القرآن وإن لم يجر له ذكر لأنه كالمعلوم كقوله : ما ترك على ظهرها من دابة  يعني على الأرض وهذا قول ابن عباس وأكثر أهل العلم. أي إن كانت عداوتهم لأن جبريل ينزل القرآن فإنما ينزله بإذن الله. قال صاحب **«الكشاف »** : إضمار ما لم يسبق ذكره فيه فخامة لشأن صاحبه حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر شيء من صفاته، وثانيهما : المعنى فإن الله نزل جبريل عليه السلام لا أنه نزل نفسه. 
السؤال الثاني : القرآن : إنما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم فما السبب في قوله نزله على قلبك ؟ الجواب : هذه المسألة ذكرناها في سورة الشعراء في قوله : نزل به الروح الأمين على قلبك  وأكثر الأمة على أنه أنزل القرآن عليه لا على قلبه إلا أنه خص القلب بالذكر لأجل أن الذي نزل به ثبت في قلبه حفظا حتى أداه إلى أمته، فلما كان سبب تمكنه من الأداء ثباته في قلبه حفظا جاز أن يقال : نزله على قلبك وإن كان في الحقيقة نزله عليه لا على قلبه. 
السؤال الثالث : كان حق الكلام أن يقال على قلبي، والجواب : جاءت على حكاية كلام الله كما تكلم به كأنه قيل : قل ما تكلمت به من قولي، من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك. 
السؤال الرابع : كيف استقام قوله : فإنه نزله  جزاء للشرط ؟ والجواب فيه وجهان : الأول : أنه سبحانه وتعالى بين أن هذه العداوة فاسدة لأنه ما أتى إلا أنه أمر بإنزال كتاب فيه الهداية والبشارة فأنزله، فهو من حيث إنه مأمور وجب أن يكون معذورا، ومن حيث إنه أتى بالهداية والبشارة يجب أن يكون مشكورا فكيف تليق به العداوة، والثاني : أنه تعالى بين أن اليهود إن كانوا يعادونه فيحق لهم ذاك، لأنه نزل عليك الكتاب برهانا على نبوتك، ومصداقا لصدقك وهم يكرهون ذلك فكيف لا يبغضون من أكد عليهم الأمر الذي يكرهونه. 
أما قوله تعالى : بإذن الله  فالأظهر بأمر الله وهو أولى من تفسيره بالعلم لوجوه. ( أولها ) : أن الإذن حقيقة في الأمر مجاز في العلم واللفظ واجب الحمل على حقيقته ما أمكن. ( وثانيها ) : أن إنزاله كان من الواجبات والوجوب مستفاد من الأمر لا من العلم. ( وثالثها ) : أن ذلك الإنزال إذا كان عن أمر لازم كان أوكد في الحجة. 
أما قوله تعالى : مصدقا لما بين يديه  فمحمول على ما أجمع عليه أكثر المفسرين من أن المراد ما قبله من كتب الأنبياء ولا معنى لتخصيص كتاب دون كتاب، ومنهم من خصه بالتوراة وزعم أنه أشار إلى أن القرآن يوافق التوراة في الدلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. فإن قيل : أليس أن شرائع القرآن مخالفة لشرائع سائر الكتب، فلم صار بأن يكون مصدقا لها لكونها متوافقة في الدلالة على التوحيد ونبوة محمد أولى بأن يكون غير مصدق لها ؟ قلنا : الشرائع التي تشتمل عليها سائر الكتب كانت مقدرة بتلك الأوقات ومنتهية في هذا الوقت بناء على أن النسخ بيان انتهاء مدة العبادة، وحينئذ لا يكون بين القرآن وبين سائر الكتب اختلاف في الشرائع. 
أما قوله تعالى : وهدى  فالمراد به أن القرآن مشتمل على أمرين. ( أحدهما ) : بيان ما وقع التكليف به من أعمال القلوب وأعمال الجوارح وهو من هذا الوجه هدى. ( وثانيهما ) : بيان أن الآتي بتلك الأعمال كيف يكون ثوابه وهو من هذا الوجه بشرى، ولما كان الأول مقدما على الثاني في الوجود لا جرم قدم الله لفظ الهدى على لفظ البشرى، فإن قيل : ولم خص كونه هدى وبشرى بالمؤمنين مع أنه كذلك بالنسبة إلى الكل ؟ الجواب من وجهين : الأول : أنه تعالى إنما خصهم بذلك، لأنهم هم الذين اهتدوا بالكتاب فهو كقوله تعالى : هدى للمتقين . والثاني : أنه لا يكون بشرى إلا للمؤمنين، وذلك لأن البشرى عبارة عن الخبر الدال على حصول الخير العظيم وهذا لا يحصل إلا في حق المؤمنين، فلهذا خصهم الله به.

### الآية 2:98

> ﻿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ [2:98]

أما الآية الثانية وهي قوله تعالى : من كان عدوا لله وملائكته  فاعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى : من كان عدوا لجبريل  لأجل أنه نزل القرآن على قلب محمد، وجب أن يكون عدوا لله تعالى، بين في هذه الآية أن من كان عدوا لله كان عدوا له، فبين أن في مقابلة عداوتهم ما يعظم ضرر الله عليهم وهو عداوة الله لهم، لأن عداوتهم لا تؤثر ولا تنفع ولا تضر، وعداوته تعالى تؤدي إلى العذاب الدائم الأليم الذي لا ضرر أعظم منه، وههنا سؤالات :
السؤال الأول : كيف يجوز أن يكونوا أعداء الله ومن حق العداوة الإضرار بالعدو، وذلك محال على الله تعالى ؟ والجواب : أن معنى العداوة على الحقيقة لا يصح إلا فينا لأن العدو للغير هو الذي يريد إنزال المضار به، وذلك محال على الله تعالى، بل المراد منه أحد وجهين، إما أن يعادوا أولياء الله فيكون ذلك عداوة لله كقوله : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله  وكقوله : إن الذين يؤذون الله ورسوله  لأن المراد بالآيتين أولياء الله دونه لاستحالة المحاربة والأذية عليه، وإما أن يراد بذلك كراهتهم القيام بطاعته وعبادته وبعدهم عن التمسك بذلك فلما كان العدو لا يكاد يوافق عدوه أو ينقاد له شبه طريقتهم في هذا الوجه بالعداوة، فأما عداوتهم لجبريل والرسل فصحيحة لأن الإضرار جائز عليهم لكن عداوتهم لا تؤثر فيهم لعجزهم عن الأمور المؤثرة فيهم، وعداوتهم مؤثرة في اليهود لأنها في العاجل تقتضي الذلة والمسكنة، وفي الآجل تقتضي العذاب الدائم. 
السؤال الثاني : لما ذكر الملائكة فلم أعاد ذكر جبريل وميكائيل مع اندراجهما في الملائكة ؟ الجواب لوجهين، الأول : أفردهما بالذكر لفضلهما كأنهما لكمال فضلهما صارا جنسا آخر سوى جنس الملائكة، الثاني : أن الذي جرى بين الرسول واليهود هو ذكرهما والآية إنما نزلت بسببهما، فلا جرم نص على اسميهما، واعلم أن هذا يقتضي كونهما أشرف من جميع الملائكة وإلا لم يصح هذا التأويل، وإذا ثبت هذا فنقول : يجب أن يكون جبريل عليه السلام أفضل من ميكائيل لوجوه، أحدها : أنه تعالى قدم جبريل عليه السلام في الذكر، وتقديم المفضول على الفاضل في الذكر مستقبح عرفا فوجب أن يكون مستقبحا شرعا لقوله عليه السلام :( ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن )، وثانيها : أن جبريل عليه السلام ينزل بالقرآن والوحي والعلم وهو مادة بقاء الأرواح، وميكائيل ينزل بالخصب والأمطار وهي مادة بقاء الأبدان، ولما كان العلم أشرف من الأغذية وجب أن يكون جبريل أفضل من ميكائيل، وثالثها : قوله تعالى في صفة جبريل : مطاع ثم أمين  ذكره يوصف المطاع على الإطلاق، وظاهره يقتضي كونه مطاعا بالنسبة إلى ميكائيل فوجب أن يكون أفضل منه. 
المسألة الثانية : قرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم ميكال بوزن قنطار، ونافع ميكائل مختلسة ليس بعد الهمزة ياء على وزن ميكاعل، وقرأ الباقون ميكائيل على وزن ميكاعيل، وفيه لغة أخرى ميكيئل على وزن ميكيعل، وميكئيل كميكعيل، قال ابن جني : العرب إذا نطقت بالأعجمي خلطت فيه. 
المسألة الثالثة : الواو في جبريل وميكال، قيل : واو العطف، وقيل : بمعنى أو يعني من كان عدوا لأحد من هؤلاء فإن الله عدو لجميع الكافرين. 
المسألة الرابعة : عدو للكافرين  أراد عدو لهم إلا أنه جاء بالظاهر ليدل على أن الله تعالى إنما عاداهم لكفرهم، وأن عداوة الملائكة كفر.

### الآية 2:99

> ﻿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ [2:99]

قوله تعالى : ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون . 
اعلم أن هذا نوع آخر من قبائحهم وفضائحهم قال ابن عباس : إن اليهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه فلما بعث من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه : فقال لهم معاذ بن جبل يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل الشرك وتخبروننا أنه مبعوث وتصفون لنا صفته، فقال بعضهم ما جاءنا بشيء من البينات وما هو بالذي كنا نذكر لكم فأنزل الله تعالى هذه الآية وههنا مسائل :
المسألة الأولى : الأظهر أن المراد من الآيات البينات آيات القرآن الذي لا يأتي بمثله الجن والإنس ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، وقال بعضهم : لا يمتنع أن يكون المراد من الآيات البينات القرآن مع سائر الدلائل نحو امتناعهم من المباهلة ومن تمني الموت وسائر المعجزات نحو إشباع الخلق الكثير من الطعام القليل ونبوع الماء من بين أصابعه وانشقاق القمر. قال القاضي : الأولى تخصيص ذلك بالقرآن لأن الآيات إذا قرنت إلى التنزيل كانت أخص بالقرآن ؛ والله أعلم. 
المسألة الثانية : الوجه في تسمية القرآن بالآيات وجوه، أحدها : أن الآية هي الدالة وإذا كانت أبعاض القرآن دالة بفصاحتها على صدق المدعي كانت آيات، وثانيها : أن منها ما يدل على الإخبار عن الغيوب فهي دالة على تلك الغيوب، وثالثها : أنها دالة على دلائل التوحيد والنبوة والشرائع فهي آيات من هذه الجهة، فإن قيل : الدليل لا يكون إلا بينا فما معنى وصف الآيات بكونها بينة، وليس لأحد أن يقول المراد كون بعضها أبين من بعض لأن هذا إنما يصح لو أمكن في العلوم أن يكون بعضها أقوى من بعض وذلك محال، وذلك لأن العالم بالشيء إما أن يحصل معه تجويز نقيض ما اعتقده أو لا يحصل، فإن حصل معه ذلك التجويز لم يكن ذلك الاعتقاد علما وإن لم يحصل استحال أن يكون شيء آخر آكد منه. قلنا : التفاوت لا يقع في نفس العلم بل في طريقه ؛ فإن العلوم تنقسم إلى ما يكون طريق تحصيله والدليل الدال عليه أكثر مقدمات فيكون الوصول إليه أصعب، وإلى ما يكون أقل مقدمات فيكون الوصول إليه أقرب، وهذا هو الآية البينة. 
المسألة الثالثة : الإنزال عبارة عن تحريك الشيء من الأعلى إلى الأسفل وذاك لا يتحقق إلا في الجسمي فهو على هذا الكلام محال لكن جبريل لما نزل من الأعلى إلى الأسفل وأخبر به سمي ذلك إنزالا. 
أما قوله : وما يكفر بها إلا الفاسقون  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : الكفر بها من وجهين. ( أحدهما ) : جحودها مع العلم بصحتها. ( والثاني ) : جحودها مع الجهل وترك النظر فيها والإعراض عن دلائلها وليس في الظاهر تخصيص فيدخل الكل فيه. 
المسألة الثانية : الفسق في اللغة خروج الإنسان عما حد له قال الله تعالى : إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه  وتقول العرب للنواة : إذا خرجت من الرطبة عند سقوطها فسقت النواة، وقد يقرب من معناه الفجور لأنه مأخوذ من فجور السد الذي يمنع الماء من أن يصير إلى الموضع الذي يفسد \[ إذا صار إليه \] فشبه تعدي الإنسان ما حد له إلى الفساد بالذي فجر السد حتى صار إلى حيث يفسد. فإن قيل : أليس أن صاحب الصغيرة تجاوز أمر الله ولا يوصف بالفسق والفجور ؟ قلنا : إنه إنما يسمى بهما كل أمر يعظم من الباب الذي ذكرنا لأن من فتح من النهر نقبا يسيرا لا يوصف بأنه فجر ذلك النهر وكذلك الفسق إنما يقال : إذا عظم التعدي. إذا ثبت هذا فنقول في قوله : إلا الفاسقون  وجهان، ( أحدهما ) : أن كل كافر فاسق ولا ينعكس فكأن ذكر الفاسق يأتي على الكافر وغيره فكان أولى. ( الثاني ) : أن يكون المراد ما يكفر بها إلا الكافر المتجاوز عن كل حد في كفره والمعنى أن هذه الآيات لما كانت بينة ظاهرة لم يكفر بها إلا الكافر الذي يبلغ في الكفر إلى النهاية القصوى وتجاوز عن كل حد مستحسن في العقل والشرع.

### الآية 2:100

> ﻿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [2:100]

قوله تعالى : أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون . 
اعلم أن هذا نوع آخر من قبائحهم، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله : أو كلما عاهدوا عهدا  واو عطف دخلت عليه همزة الاستفهام وقيل الواو زائدة وليس بصحيح لأنه مع صحة معناه لا يجوز أن يحكم بالزيادة. 
المسألة الثانية : قال صاحب **«الكشاف »** : الواو للعطف على محذوف معناه : أكفروا بالآيات والبينات وكلما عاهدوا، وقرأ أبو السماك بسكون الواو على أن الفاسقون بمعنى الذين فسقوا فكأنه قيل وما يكفر بها إلا الذين فسقوا أو نقضوا عهد الله مرارا كثيرة وقرئ عوهدوا وعهدوا. 
المسألة الثالثة : المقصود من هذا الاستفهام، الإنكار وإعظام ما يقدمون عليه لأن مثل ذلك إذا قيل بهذا اللفظ كان أبلغ في التنكير والتبكيت ودل بقول : أو كلما عاهدوا  على عهد بعد عهد نقضوه ونبذوه، بل يدل على أن ذلك كالعادة فيهم فكأنه تعالى أراد تسلية الرسول عند كفرهم بما أنزل عليه من الآيات بأن ذلك ليس ببدع منهم، بل هو سجيتهم وعادتهم وعادة سلفهم على ما بينه في الآيات المتقدمة من نقضهم العهود والمواثيق حالا بعد حال لأن من يعتاد منه هذه الطريقة لا يصعب على النفس مخالفته كصعوبة من لم تجر عادته بذلك. 
المسألة الرابعة : في العهد وجوه، أحدها : أن الله تعالى لما أظهر الدلائل الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى صحة شرعه كان ذلك كالعهد منه سبحانه وقبولهم لتلك الدلائل كالمعاهدة منهم لله سبحانه وتعالى، وثانيها : أن العهد هو الذي كانوا يقولون قبل مبعثه عليه السلام لئن خرج النبي لنؤمنن به ولنخرجن المشركين من ديارهم، وثالثها : أنهم كانوا يعاهدون الله كثيرا وينقضونه، ورابعها : أن اليهود كانوا قد عاهدوه على أن لا يعينوا عليه أحدا من الكافرين فنقضوا ذلك وأعانوا عليه قريشا يوم الخندق، قال القاضي : إن صحت هذه الرواية لم يمتنع دخوله تحت الآية لكن لا يجوز قصر الآية عليه بل الأقرب أن يكون المراد ما له تعلق بما تقدم ذكره من كفرهم بآيات الله، وإذا كان كذلك فحمله على نقض العهد فيما تضمنته الكتب المتقدمة والدلائل العقلية من صحة القول ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم أقوى. 
المسألة الخامسة : إنما قال : نبذه فريق  لأن في جملة من عاهد من آمن أو يجوز أن يؤمن فلما لم يكن ذلك صفة جميعهم خص الفريق بالذكر، ثم لما كان يجوز أن يظن أن ذلك الفريق هم الأقلون بين أنهم الأكثرون فقال : بل أكثرهم لا يؤمنون  وفيه قولان، الأول : أكثر أولئك الفساق لا يصدقون بك أبدا لحسدهم وبغيهم، والثاني : لا يؤمنون أي لا يصدقون بكتابهم لأنهم كانوا في قومهم كالمنافقين مع الرسول يظهرون لهم الإيمان بكتابهم ورسولهم ثم لا يعملون بموجبه ومقتضاه.

### الآية 2:101

> ﻿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [2:101]

قوله تعالى : ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون . 
اعلم أن معنى كون الرسول مصدقا لما معهم هو أنه كان معترفا بنبوة موسى عليه السلام وبصحة التوراة أو مصدقا لما معهم من حيث إن التوراة بشرت بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم فإذا أتى محمد كان مجرد مجيئه مصدقا للتوراة. 
أما قوله تعالى : نبذ فريق  فهو مثل لتركهم وإعراضهم عنه بمثل ما يرمي به وراء الظهر استغناء عنه وقلة التفات إليه. 
أما قوله تعالى : من الذين أوتوا الكتاب  ففيه قولان، أحدهما : أن المراد ممن أوتي علم الكتاب من يدرسه ويحفظه، قال هذا القائل : الدليل عليه أنه تعالى وصف هذا الفريق بالعلم عند قوله تعالى : كأنهم لا يعلمون ، الثاني : المراد من يدعي التمسك بالكتاب سواء علمه أو لم يعلمه، وهذا كوصف المسلمين بأنهم من أهل القرآن لا يراد بذلك من يختص بمعرفة علومه، بل المراد من يؤمن به ويتمسك بموجبه. 
أما قوله تعالى : كتاب الله وراء ظهورهم  فقيل : إنه التوراة، وقيل : إنه القرآن، وهذا هو الأقرب لوجهين، الأول : أن النبذ لا يعقل إلا فيما تمسكوا به أولا وأما إذا لم يلتفتوا إليه لا يقال إنهم نبذوه، الثاني : أنه قال : نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب  ولو كان المراد به القرآن لم يكن لتخصيص الفريق معنى لأن جميعهم لا يصدقون بالقرآن، فإن قيل : كيف يصح نبذهم التوراة وهم يتمسكون به ؟ قلنا : إذا كان يدل على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام لما فيه من النعت والصفة وفيه وجوب الإيمان ثم عدلوا عنه كانوا نابذين للتوراة. 
أما قوله تعالى : كأنهم لا يعلمون  فدلالة على أنهم نبذوه عن علم ومعرفة لأنه لا يقال ذلك إلا فيمن يعلم، فدلت الآية من هذه الجهة على أن هذا الفريق كانوا عالمين بصحة نبوته إلا أنهم جحدوا ما يعلمون، وقد ثبت أن الجمع العظيم لا يصح الجحد عليهم فوجب القطع بأن أولئك الجاحدين كانوا في القلة بحيث تجوز المكابرة عليهم.

### الآية 2:102

> ﻿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [2:102]

قوله تعالى : واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون 
اعلم أن هذا هو نوع آخر من قبائح أفعالهم وهو اشتغالهم بالسحر وإقبالهم عليه ودعاؤهم الناس إليه. 
أما قوله تعالى : واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله تعالى : واتبعوا  حكاية عمن تقدم ذكره وهم اليهود، ثم فيه أقوال، أحدها : أنهم اليهود الذين كانوا في زمان محمد عليه الصلاة والسلام، وثانيها : أنهم الذين تقدموا من اليهود، وثالثها : أنهم الذين كانوا في زمن سليمان عليه السلام من السحرة لأن أكثر اليهود ينكرون نبوة سليمان عليه السلام ويعدونه من جملة الملوك في الدنيا، فالذين كانوا منهم في زمانه لا يمتنع أن يعتقدوا فيه أنه إنما وجد ذلك الملك العظيم بسبب السحر، ورابعها : أنه يتناول الكل وهذا أولى لأنه ليس صرف اللفظ إلى البعض أولى من صرفه إلى غيره، إذ لا دليل على التخصيص. قال السدي : لما جاءهم محمد عليه الصلاة والسلام عارضوه بالتوراة فخاصموه بها فاتفقت التوراة والقرآن فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت فلم يوافق القرآن، فهذا قوله تعالى : ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم  ثم أخبر عنهم بأنهم اتبعوا كتب السحر. 
المسألة الثانية : ذكروا في تفسير : تتلوا  وجوها، أحدها : أن المراد منه التلاوة والإخبار، وثانيها : قال أبو مسلم ( تتلوا ) أي تكذب على ملك سليمان. يقال : تلا عليه إذا كذب وتلا عنه، إذا صدق وإذا أبهم جاز الأمران. والأقرب هو الأول لأن التلاوة حقيقة في الخبر، إلا أن المخبر يقال في خبره إذا كان كذبا إنه تلا فلان وإنه قد تلا على فلان ليميز بينه وبين الصدق الذي لا يقال فيه، روي عن فلان، بل يقال : روي عن فلان وأخبر عن فلان وتلا عن فلان وذلك لا يليق إلا بالأخبار والتلاوة، ولا يمتنع أن يكون الذي كانوا يخبرون به عن سليمان مما يتلى ويقرأ فيجتمع فيه كل الأوصاف. 
المسألة الثالثة : اختلفوا في الشياطين فقيل : المراد شياطين الجن وهو قول الأكثرين، وقيل : شياطين الإنس وهو قول المتكلمين من المعتزلة، وقيل : هم شياطين الإنس والجن معا. أما الذين حملوه على شياطين الجن قالوا : إن الشياطين كانوا يسترقون السمع ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها ويلقونها إلى الكهنة، وقد دونوها في كتب يقرءونها ويعلمونها الناس وفشا ذلك في زمن سليمان عليه السلام حتى قالوا : إن الجن تعلم الغيب وكانوا يقولون : هذا علم سليمان وما تم له ملكه إلا بهذا العلم وبه يسخر الجن والإنس والريح التي تجري بأمره. وأما الذين حملوه على شياطين الإنس قالوا : روي في الخبر أن سليمان عليه السلام كان قد دفن كثيرا من العلوم التي خصه الله تعالى بها تحت سرير ملكه حرصا على أنه إن هلك الظاهر منها يبقى ذلك المدفون، فلما مضت مدة على ذلك توصل قوم من المنافقين إلى أن كتبوا في خلال ذلك أشياء من السحر تناسب تلك الأشياء من بعض الوجوه، ثم بعد موته واطلاع الناس على تلك الكتب أوهموا الناس أنه من عمل سليمان وأنه ما وصل إلى ما وصل إليه إلا بسبب هذه الأشياء فهذا معنى : ما تتلوا الشياطين ، واحتج القائلون بهذا الوجه على فساد القول الأول بأن شياطين الجن لو قدروا على تغيير كتب الأنبياء وشرائعهم بحيث يبقى ذلك التحريف محققا فيما بين الناس لارتفع الوثوق عن جميع الشرائع وذلك يفضي إلى الطعن في كل الأديان. فإن قيل : إذا جوزتم ذلك على شياطين الإنس فلم لا يجوز مثله على شياطين الجن ؟ قلنا : الفرق أن الذي يفعله الإنسان لا بد وأن يظهر من بعض الوجوه، أما لو جوزنا هذا الافتعال من الجن وهو أن نزيد في كتب سليمان بخط مثل خط سليمان فإنه لا يظهر ذلك ويبقى مخفيا فيفضي إلى الطعن في جميع الأديان. 
المسألة الرابعة : أما قوله : على ملك سليمان  فقيل في ملك سليمان، عن ابن جريج، وقيل على عهد ملك سليمان والأقرب أن يكون المراد واتبعوا ما تتلوا الشياطين افتراء على ملك سليمان لأنهم كانوا يقرءون من كتب السحر ويقولون إن سليمان إنما وجد ذلك الملك بسبب هذا العلم، فكانت تلاوتهم لتلك الكتب كالافتراء على ملك سليمان. 
المسألة الخامسة : اختلفوا في المراد بملك سليمان، فقال القاضي : إن ملك سليمان هو النبوة، أو يدخل فيه النبوة وتحت النبوة الكتاب المنزل عليه والشريعة. وإذا صح ذلك ثم أخرج القوم صحيفة فيها ضروب السحر وقد دفنوها تحت سرير ملكه ثم أخرجوها بعد موته وأوهموا أنها من جهته صار ذلك منهم تقولا على ملكه في الحقيقة. والأصح عندي أن يقال : إن القوم لما ادعوا أن سليمان إنما وجد تلك المملكة بسبب ذلك العلم كان ذلك الادعاء كالافتراء على ملك سليمان. 
المسألة السادسة : السبب في أنهم أضافوا السحر إلى سليمان عليه السلام وجوه. ( أحدها ) : أنهم أضافوا السحر إلى سليمان تفخيما لشأنه وتعظيما لأمره وترغيبا للقوم في قبول ذلك منهم، ( وثانيها ) : أن اليهود ما كانوا يقرون بنبوة سليمان بل كانوا يقولون إنما وجد ذلك الملك بسبب السحر. ( وثالثها ) : أن الله تعالى لما سخر الجن لسليمان فكان يخالطهم ويستفيد منهم أسرارا عجيبة فغلب على الظنون أنه عليه الصلاة والسلام استفاد السحر منهم. 
أما قوله تعالى : وما كفر سليمان  فهذا تنزيه له عليه السلام عن الكفر، وذلك يدل على أن القوم نسبوه إلى الكفر والسحر : قيل فيه أشياء، ( أحدها ) : ما روي عن بعض أخبار اليهود أنهم قالوا : ألا تعجبون من محمد يزعم أن سليمان كان نبيا وما كان إلا ساحرا، فأنزل الله هذه الآية. ( وثانيها ) : أن السحرة من اليهود زعموا أنهم أخذوا السحر عن سليمان فنزهه الله تعالى منه. ( وثالثها ) : أن قوما زعموا أن قوام ملكه كان بالسحر فبرأه الله منه لأن كونه نبيا ينافي كونه ساحرا كافرا، ثم بين تعالى أن الذي برأه منه لاصق بغيره فقال : ولكن الشياطين كفروا  يشير به إلى ما تقدم ذكره ممن اتخذ السحر كالحرفة لنفسه وينسبه إلى سليمان، ثم بين تعالى ما به كفروا فقد كان يجوز أن يتوهم أنهم ما كفروا أولا بالسحر فقال تعالى : يعلمون الناس السحر  واعلم أن الكلام في السحر يقع من وجوه. 
المسألة الأولى : في البحث عنه بحسب اللغة فنقول : ذكر أهل اللغة أنه في الأصل عبارة عما لطف وخفي سببه والسحر بالنصب هو الغذاء لخفائه ولطف مجاريه، قال لبيد :
ونسحر بالطعام وبالشراب \*\*\*. . . . 
قيل فيه وجهان، ( أحدهما ) : أنا نعلل ونخدع كالمسحور المخدوع، ( والآخر ) : نغذى وأي الوجهين كان فمعناه الخفاء وقال :
فإن تسألينا فيم نحن فإننا \*\*\* عصافير من هذا الأنام المسحر
وهذا البيت يحتمل من المعنى ما احتمله الأول، ويحتمل أيضا أن يريد بالمسحر أنه ذو سحر، والسحر هو الرئة، وما تعلق بالحلقوم وهذا أيضا يرجع إلى معنى الخفاء ومنه قول عائشة رضي الله عنها :**«توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري »**، وقوله تعالى : إنما أنت من المسحرين  يعني من المخلوقين الذي يطعم ويشرب يدل عليه قولهم : ما أنت إلا بشرا مثلنا  ويحتمل أنه ذو سحر مثلنا، وقال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام أنه قال للسحرة : ما جئتم به السحر إن الله سيبطله  وقال : فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم  فهذا هو معنى السحر في أصل اللغة. 
المسألة الثانية : اعلم أن لفظ السحر في عرف الشرع مختص بكل أمر يخفى سببه ويتخيل على غير حقيقته ويجري مجرى التمويه والخداع، ومتى أطلق ولم يقيد أفاد ذم فاعله. قال تعالى : سحروا أعين الناس  يعني موهوا عليهم حتى ظنوا أن حبالهم وعصيهم تسعى وقال تعالى : يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى  وقد يستعمل مقيدا فيما يمدح ويحمد. روي أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم، فقال لعمرو : خبرني عن الزبرقان، فقال : مطاع في ناديه شديد العارضة مانع لما وراء ظهره، فقال الزبرقان : هو والله يعلم أني أفضل منه، فقال عمرو : إنه زمن المروءة ضيق العطن أحمق الأب لئيم الخال يا رسول الله صدقت فيهما، أرضاني فقلت : أحسن ما علمت وأسخطني فقلت أسوأ ما علمت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
**«إن من البيان لسحرا »** فسمى النبي صلى الله عليه وسلم بعض البيان سحرا لأن صاحبه يوضح الشيء المشكل ويكشف عن حقيقته بحسن بيانه وبليغ عبارته، فإن قيل : كيف يجوز أن يسمى ما يوضح الحق وينبئ عنه سحرا ؟ وهذا القائل إنما قصد إظهار الخفي لا إخفاء الظاهر ولفظ السحر إنما يفيد إخفاء الظاهر ؟ قلنا : إنما سماه سحرا لوجهين، الأول : أن ذلك القدر للطفه وحسنه استمال القلوب فأشبه السحر الذي يستميل القلوب، فمن هذا الوجه سمي سحرا، لا من الوجه الذي ظننت. الثاني : أن المقتدر على البيان يكون قادرا على تحسين ما يكون قبيحا وتقبيح ما يكون حسنا فذلك يشبه السحر من هذا الوجه. 
المسألة الثالثة : في أقسام السحر : اعلم أن السحر على أقسام. الأول : سحر الكلدانيين والكسدانيين الذين كانوا في قديم الدهر وهم قوم يعبدون الكواكب ويزعمون أنها هي المدبرة لهذا العالم، ومنها تصدر الخيرات والشرور والسعادة والنحوسة وهم الذين بعث الله تعالى إبراهيم عليه السلام مبطلا لمقالتهم ورادا عليهم في مذهبهم. أما المعتزلة فقد اتفقت كلمتهم على أن غير الله تعالى لا يقدر على خلق الجسم والحياة واللون والطعم، واحتجوا بوجوه ذكرها القاضي ولخصها في تفسيره وفي سائر كتبه ونحن ننقل تلك الوجوه وننظر فيها. أولها : وهو النكتة العقلية التي عليها يعولون أن كل ما سوى الله إما متحيز وإما قائم بالمتحيز، فلو كان غير الله فاعلا للجسم والحياة لكان ذلك الغير متحيزا، وذلك المتحيز لا بد وأن يكون قادرا بالقدرة، إذ لو كان قادرا لذاته لكان كل جسم كذلك بناء على أن الأجسام متماثلة لكن القادر بالقدرة لا يصح منه فعل الجسم والحياة، ويدل عليه وجهان. الأول : أن العلم الضروري حاصل بأن الواحد منا لا يقدر على خلق الجسم والحياة ابتداء، فقدرتنا مشتركة في امتناع ذلك عليها، فهذا الامتناع حكم مشترك فلا بد له من علة مشتركة ولا مشترك ههنا إلا كوننا قادرين بالقدرة، وإذا ثبت هذا وجب فيمن كان قادرا بالقدرة أن يتعذر عليه فعل الجسم والحياة، الثاني : أن هذه القدرة التي لنا لا شك أن بعضها يخالف بعضا، فلو قدرنا قدرة صالحة لخلق الجسم والحياة لم تكن مخالفتها لهذه القدرة أشد من مخالفة بعض هذه القدرة للبعض، فلو كفى ذلك القدر من المخالفة في صلاحيتها لخلق الجسم والحياة لوجب في هذه القدرة أن يخالف بعضها بعضا، وأن تكون صالحة لخلق الجسم والحياة، ولما لم يكن كذلك علمنا أن القادر بالقدرة لا يقدر على خلق الج

### الآية 2:103

> ﻿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [2:103]

قوله تعالى : ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون . 
اعلم أن الضمير عائد إلى اليهود الذين تقدم ذكرهم، فإنه تعالى لما بين فيهم الوعيد بقوله : ولبئس ما شروا به  أتبعه بالوعد جامعا بين الترهيب والترغيب لأن الجمع بينهما أدعى إلى الطاعة والعدول عن المعصية. 
أما قوله تعالى : آمنوا  فاعلم أنه تعالى لما قال : نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم  ثم وصفهم بأنهم اتبعوا ما تتلوا الشياطين وأنهم تمسكوا بالسحر. قال من بعد : ولو أنهم آمنوا  يعني بما نبذوه من كتاب الله. فإن حملت ذلك على القرآن جاز، وإن حملته على كتابهم المصدق للقرآن جاز ؛ وإن حملته على الأمرين جاز، والمراد من التقوى الاحتراز عن فعل المنهيات وترك المأمورات. 
أما قوله تعالى : لمثوبة من عند الله خير  ففيه وجوه، أحدها : أن الجواب محذوف وتقديره ولو أنهم آمنوا واتقوا لأثيبوا إلا أنه تركت الجملة الفعلية إلى هذه الاسمية لما في الجملة الاسمية من الدلالة على ثبات المثوبة واستقرارها. فإن قيل : هلا قيل لمثوبة الله خير ؟ قلنا : لأن المراد لشيء من ثواب الله خير لهم. وثانيها : يجوز أن يكون قوله : ولو أنهم آمنوا  تمنيا لإيمانهم على سبيل المجاز عن إرادة الله إيمانهم كأنه قيل : وليتهم آمنوا، ثم ابتدأ. لمثوبة من عند الله خير.

### الآية 2:104

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [2:104]

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم 
اعلم أن الله تعالى لما شرح قبائح أفعالهم قبل مبعث محمد عليه الصلاة والسلام أراد من ههنا أن يشرح قبائح أفعالهم عند مبعث محمد صلى الله عليه وسلم وجدهم واجتهادهم في القدح فيه والطعن في دينه وهذا هو النوع الأول من هذا الباب وههنا مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن الله تعالى خاطب المؤمنين بقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا  في ثمانية وثمانين موضعا من القرآن. قال ابن عباس : وكان يخاطب في التوراة بقوله : يا أيها المساكين فكأنه سبحانه وتعالى لما خاطبهم أولا بالمساكين أثبت المسكنة لهم آخرا حيث قال : وضربت عليهم الذلة والمسكنة  وهذا يدل على أنه تعالى لما خاطب هذه الأمة بالإيمان أولا فإنه تعالى يعطيهم الأمان من العذاب في النيران يوم القيامة، وأيضا فاسم المؤمن أشرف الأسماء والصفات، فإذا كان يخاطبنا في الدنيا بأشرف الأسماء والصفات فنرجو من فضله أن يعاملنا في الآخرة بأحسن المعاملات. 
المسألة الثانية : أنه لا يبعد في الكلمتين المترادفتين أن يمنع الله من أحدهما ويأذن في الأخرى، ولذلك فإن عند الشافعي رضي الله عنه لا تصلح الصلاة بترجمة الفاتحة سواء كانت بالعبرية أو بالفارسية، فلا يبعد أن يمنع الله من قوله : راعنا  ويأذن في قوله : انظرنا  وإن كانتا مترادفتين ولكن جمهور المفسرين على أنه تعالى إنما منع من قوله : راعنا  لاشتمالها على نوع مفسدة ثم ذكروا فيه وجوها، أحدها : كان المسلمون يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا عليهم شيئا من العلم : راعنا يا رسول الله، واليهود كانت لهم كلمة عبرانية يتسابون بها تشبه هذه الكلمة وهي **«راعينا »** ومعناها : اسمع لا سمعت، فلما سمعوا المؤمنين يقولون : راعنا افترضوه وخاطبوا به النبي وهم يعنون تلك المسبة، فنهي المؤمنون عنها وأمروا بلفظة أخرى وهي قوله : انظرنا ، ويدل على صحة هذه التأويل قوله تعالى في سورة النساء : ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين  وروي أن سعد بن معاذ سمعها منهم فقال : يا أعداء الله عليكم لعنة الله والذي نفسي بيده لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله لأضربن عنقه، فقالوا : أو لستم تقولونها ؟ فنزلت هذه الآية، وثانيها : قال قطرب : هذه الكلمة وإن كانت صحيحة المعنى إلا أن أهل الحجاز ما كانوا يقولونها إلا عند الهزؤ والسخرية، فلا جرم نهى الله عنها، وثالثها : أن اليهود كانوا يقولون : راعينا أي أنت راعي غنمنا فنهاهم الله عنها، ورابعها : أن قوله :******«راعنا »****** مفاعلة من الرعي بين اثنين، فكان هذا اللفظ موهما للمساواة بين المخاطبين كأنهم قالوا : أرعنا سمعك لنرعيك أسماعنا، فنهاهم الله تعالى عنه وبين أن لا بد من تعظيم الرسول عليه السلام في المخاطبة على ما قال : لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا  وخامسها : أن قوله :******«راعنا »****** خطاب مع الاستعلاء كأنه يقول : راع كلامي ولا تغفل عنه ولا تشتغل بغيره، وليس في ****«انظرنا »**** إلا سؤال الانتظار كأنهم قالوا له توقف في كلامك وبيانك مقدار ما نصل إلى فهمه، وسادسها : أن قوله :******«راعنا »****** على وزن عاطنا من المعاطاة، ورامنا من المراماة، ثم إنهم قلبوا هذه النون إلى النون الأصلية وجعلوها كلمة مشتقة من الرعونة وهي الحق، فالراعن اسم فاعل من الرعونة، فيحتمل أنهم أرادوا به المصدر. كقولهم : عياذا بك، أي أعوذ عياذا بك، فقولهم : راعنا : أي فعلت رعونة. ويحتمل أنهم أرادوا به : صرت راعنا، أي صرت ذا رعونة، فلما قصدوا هذه الوجوه الفاسدة لا جرم نهى الله تعالى عن هذه الكلمة. وسابعها : أن يكون المراد لا تقولوا قولا : راعنا أي : قولا منسوبا إلى الرعونة بمعنى راعن، كتامر ولابن. 
أما قوله تعالى : وقولوا انظرنا  ففيه وجوه، أحدها : أنه من نظره أي انتظره، قال تعالى : انظرونا نقتبس من نوركم  فأمرهم تعالى بأن يسألوه الإمهال لينقلوا عنه، فلا يحتاجون إلى الاستعاذة. فإن قيل : أفكان النبي صلى الله عليه وسلم يعجل عليهم حتى يقولون هذا ؟ فالجواب من وجهين : أحدهما : أن هذه اللفظة قد تقال في خلال الكلام وإن لم تكن هناك عجلة تحوج إلى ذلك كقول الرجل في خلال حديثه : اسمع أو سمعت. الثاني : أنهم فسروا قوله تعالى : لا تحرك به لسانك لتعجل به  أنه عليه السلام كان يعجل قول ما يلقيه إليه جبريل عليه السلام حرصا على تحصيل الوحي وأخذ القرآن، فقيل له : لا تحرك به لسانك لتعجل به فلا يبعد أن يعجل فيما يحدث به أصحابه من أمر الدين حرصا على تعجيل أفهامهم فكانوا يسألونه في هذه الحالة أن يمهلهم فيما يخاطبهم به إلى أن يفهموا كل ذلك الكلام، وثانيها :****«انظرنا »**** معناه **«انظر »** إلينا إلا أنه حذف حرف **«إلى »** كما في قوله : واختار موسى قومه  والمعنى من قومه، والمقصود منه أن المعلم إذا نظر إلى المتعلم كان إيراده للكلام على نعت الإفهام والتعريف أظهر وأقوى. وثالثها : قرأ أبي بن كعب **«أنظرنا »** من النظرة أي أمهلنا. 
أما قوله تعالى : واسمعوا  فحصول السماع عند سلامة الحاسة أمر ضروري خارج عن قدرة البشر، فلا يجوز وقوع الأمر به، فإذن المراد منه أحد أمور ثلاثة، أحدها : فرغوا أسماعكم لما يقول النبي عليه السلام حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة، وثانيها : اسمعوا سماع قبول وطاعة ولا يكن سماعكم سماع اليهود حيث قالوا : سمعنا وعصينا، وثالثها : اسمعوا ما أمرتم به حتى لا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه تأكيدا عليهم، ثم إنه تعالى بين ما للكافرين من العذاب الأليم إذا لم يسلكوا مع الرسول هذه الطريقة من الإعظام والتبجيل والإصغاء إلى ما يقول والتفكر فيما يقول، ومعنى **«العذاب الأليم »** قد تقدم.

### الآية 2:105

> ﻿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [2:105]

قوله تعالى : ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم 
واعلم أنه تعالى لما بين حال اليهود والكفار في العداوة والمعاندة حذر المؤمنين منهم فقال : ما يود الذين كفروا  فنفى عن قلوبهم الود والمحبة لكل ما يظهر به فضل المؤمنين وههنا مسألتان : المسألة الأولى :**«من »** الأولى للبيان لأن الذين كفروا جنس تحته نوعان : أهل الكتاب والمشركون، والدليل عليه قوله تعالى : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين  والثانية : مزيدة لاستغراق الخير، والثالثة : لابتداء الغاية. 
المسألة الثانية : الخير الوحي وكذلك الرحمة، يدل عليه قوله تعالى : أهم يقسمون رحمة ربك  المعنى أنهم يرون أنفسهم أحق بأن يوحي إليهم فيحسدونكم وما يحبون أن ينزل عليكم شيء من الوحي. 
ثم بين سبحانه أن ذلك الحسد لا يؤثر في زوال ذلك، فإنه سبحانه يختص برحمته وإحسانه من يشاء.

### الآية 2:106

> ﻿۞ مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2:106]

قوله تعالى : ما ننسخ من آية أو نسسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير 
اعلم أن هذا هو النوع الثاني من طعن اليهود في الإسلام، فقالوا : ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولا وغدا يرجع عنه، فنزلت هذه الآية، والكلام في الآية مرتب على مسائل :
المسألة الأولى : النسخ في أصل اللغة بمعنى إبطال الشيء، وقال القفال : إنه للنقل والتحويل لنا أنه يقال : نسخت الريح آثار القوم إذا عدمت، ونسخت الشمس الظل إذا عدم، لأنه قد لا يحصل الظل في مكان آخر حتى يظن أنه انتقل إليه، وقال تعالى : إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان  أي يزيله ويبطله، والأصل في الكلام الحقيقة. وإذا ثبت كون اللفظ حقيقة في الإبطال وجب أن لا يكون حقيقة في النقل دفعا للاشتراك. فإن قيل : وصفهم الريح بأنها ناسخة للآثار، والشمس بأنها ناسخة للظل مجاز، لأن المزيل للآثار والظل هو الله تعالى، وإذا كان ذلك مجازا امتنع الاستدلال به على كون اللفظ حقيقة في مدلوله ثم نعارض ما ذكرتموه ونقول : بل النسخ هو النقل والتحويل ومنه نسخ الكتاب إلى كتاب آخر كأنه ينقله إليه أو ينقل حكايته، ومنه تناسخ الأرواح وتناسخ القرون قرنا بعد قرن، وتناسخ المواريث إنما هو التحول من واحد إلى آخر بدلا عن الأول، وقال تعالى : هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون  فوجب أن يكون اللفظ حقيقة في النقل ويلزم أن لا يكون حقيقة في الإبطال دفعا للاشتراك، والجواب عن الأول من وجهين. ( أحدهما ) : أنه لا يمنع أن يكون الله هو الناسخ لذلك من حيث إنه فعل الشمس والريح المؤثرتين في تلك الإزالة ويكونان أيضا ناسخين لكونهما مختصين بذلك التأثير. ( والثاني ) : أن أهل اللغة إنما أخطؤوا في إضافة النسخ إلى الشمس والريح، فهب أنه كذلك، لكن متمسكنا إطلاقهم لفظ النسخ على الإزالة لإسنادهم هذا الفعل إلى الريح والشمس، وعن الثاني : أن النقل أخص من الإبطال لأنه حيث وجد النقل فقد عدمت صفة وحصل عقيبها صفة أخرى، فإن مطلق العدم أهم من عدم يحصل عقيبه شيء آخر، وإذا دار اللفظ بين الخاص والعام كان جعله حقيقة في العام أولى والله أعلم. 
المسألة الثانية : قرأ ابن عامر :( ما ننسخ ) بضم النون وكسر السين والباقون بفتحهما، أما قراءة ابن عامر ففيها وجهان. ( أحدهما ) : أن يكون نسخ وأنسخ بمعنى واحد. ( والثاني ) : أنسخته جعلته ذا نسخ كما قال قوم للحجاج وقد صلب رجلا. أقبروا فلانا، أي اجعلوه ذا قبر، قال تعالى : ثم أماته فأقبره  وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : ننسأها  بفتح النون والهمزة وهو جزم بالشرط ولا يدع أبو عمرو الهمزة في مثل هذا، لأن سكونها علامة للجزم وهو من النسء وهو التأخير ومنه : إنما النسيء زيادة في الكفر  ومنه سمي بيع الأجل نسيئة، وقال أهل اللغة : أنسأ الله أجله ونسأ في أجله، أي أخر وزاد، وقال عليه الصلاة والسلام :( من سره النسء في الأجل والزيادة في الرزق فليصل رحمه ) والباقون بضم النون وكسر السين وهو من النسيان، ثم الأكثرون حملوه على النسيان الذي هو ضد الذكر، ومنهم من حمل النسيان على الترك على حد قوله تعالى : فنسي ولم نجد له عزما  أي فترك وقال : فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا  أي نتركهم كما تركوا، والأظهر أن حمل النسيان على الترك مجاز، لأن المنسي يكون متروكا، فلما كان الترك من لوازم النسيان أطلقوا اسم الملزوم على اللازم وقرئ ننسها وننسها بالتشديد، وتنسها وتنسها على خطاب الرسول، وقرأ عبد الله : ما ننسك من آية أو ننسخها، وقرأ حذيفة : ما ننسخ من آية أو ننسكها. 
المسألة الثالثة :****«ما »**** في هذه الآية جزائية كقولك : ما تصنع أصنع وعملها الجزم في الشرط والجزاء إذا كانا مضارعين فقوله : ننسخ  شرط وقوله : نأت  جزاء وكلاهما مجزومان. 
المسألة الرابعة : اعلم أن التناسخ في اصطلاح العلماء عبارة عن طريق شرعي يدل على أن الحكم الذي كان ثابتا بطريق شرعي لا يوجد بعد ذلك مع تراخيه عنه على وجه لولاه لكان ثابتا، فقولنا : طريق شرعي نعني به القدر المشترك بين القول الصادر عن الله تعالى وعن رسوله، والفعل المنقول عنهما، ويخرج عنه إجماع الأمة على أحد القولين، لأن ذلك ليس بطريق شرعي على هذا التفسير، ولا يلزم أن يكون الشرع ناسخا لحكم العقل، لأن العقل ليس طريقا شرعيا. ولا يلزم أن يكون المعجز ناسخا للحكم الشرعي لأن المعجز ليس طريقا شرعيا ولا يلزم تقيد الحكم بغاية أو شرط أو استثناء، لأن ذلك غير متراخ، ولا يلزم ما إذا أمرنا الله بفعل واحد ثم نهانا عن مثله لأنه لو لم يكن مثل هذا النهي ناسخا لم يكن مثل حكم الأمر ثابتا. 
المسألة الخامسة : النسخ عندنا جائز عقلا واقع سمعا خلافا لليهود، فإن منهم من أنكره عقلا ومنهم من جوزه عقلا، لكنه منع منه سمعا، ويروى عن بعض المسلمين إنكار النسخ، واحتج الجمهور من المسلمين على جواز النسخ ووقوعه، لأن الدلائل دلت على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته لا تصح إلا مع القول بنسخ شرع من قبله، فوجب القطع بالنسخ، وأيضا قلنا : على اليهود إلزامان الأول : جاء في التوراة أن الله تعالى قال لنوح عليه السلام عند خروجه من الفلك :**«إني جعلت كل دابة مأكلا لك ولذريتك وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب ما خلا الدم فلا تأكلوه »**، ثم إنه تعالى حرم على موسى وعلى بني إسرائيل كثيرا من الحيوان، الثاني : كان آدم عليه السلام يزوج الأخت من الأخ وقد حرمه بعد ذلك على موسى عليه السلام. قال منكرو النسخ : لا نسلم أن نبوة محمد عليه الصلاة والسلام لا تصح إلا مع القول بالنسخ لأن من الجائز أن يقال : إن موسى وعيسى عليهما السلام أمر الناس بشرعهما إلى زمان ظهور شرع محمد عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك أمر الناس باتباع محمد عليه الصلاة والسلام فعند ظهور شرع محمد عليه الصلاة والسلام زال التكليف بشرعهما وحصل التكليف بشرع محمد عليه الصلاة والسلام، لكنه لا يكون ذلك نسخا، بل جاريا مجرى قوله : ثم أتموا الصيام إلى الليل  والمسلمون الذين أنكروا وقوع النسخ أصلا بنوا مذهبهم على هذا الحرف وقالوا : قد ثبت في القرآن أن موسى وعيسى عليهما السلام قد بشرا في التوراة والإنجيل بمبعث محمد عليه الصلاة والسلام، وأن عند ظهوره يجب الرجوع إلى شرعه، وإذا كان الأمر كذلك فمع قيام هذا الاحتمال امتنع الجزم بوقوع النسخ وهذا هو الاعتراض على الإلزامين المذكورين، واحتج منكروا النسخ بأن قالوا : إن الله تعالى لما بين شرع عيسى عليه السلام، فاللفظ الدال على تلك الشريعة، إما أن يقال : إنها دالة على دوامها أو لا على دوامها أو ما كان فيها دلالة على الدوام ولا على اللادوام، فإن بين فيها ثبوتها على الدوام، ثم تبين أنها ما دامت كان الخبر الأول كذبا وإنه غير جائز على الشرع، وأيضا، فلو جوزنا ذلك لم يكن لنا طريق إلى العلم بأن شرعنا لا يصير منسوخا، لأن أقصى ما في الباب أن يقول الشرع : هذه الشريعة دائمة ولا تصير منسوخة قط البتة، ولكنا إذا رأينا مثل هذا الكلام حاصلا في شرع موسى وعيسى عليهما السلام مع أنهما لم يدوما زال الوثوق عنه في كل الصور. فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : ذكر اللفظ الدال على الدوام، ثم قرن به ما يدل على أنه سينسخه أو ما قرن به إلا أنه نص على ذلك إلا أنه لم ينقل إلينا في الجملة ؟ قلنا : هذا ضعيف لوجوه. أحدها : أن التنصيص على اللفظ الدال على الدوام مع التنصيص على أنه لا يدوم جمع بين كلامين متناقضين، وإنه سفه وعبث، وثانيها : على هذا التقدير قد بين الله تعالى أن شرعهما سيصير منسوخا، فإذا نقل شرعه وجب أن ينقل هذه الكيفية أيضا، لأنه لو جاز أن ينقل أصل الشرع بدون هذه الكيفية لجاز مثله في شرعنا أيضا، وحينئذ لا يكون لنا طريق إلى القطع بأن شرعنا غير منسوخ لأن ذلك من الوقائع العظيمة التي تتوفر فيها الدواعي على نقله، وما كان كذلك وجب اشتهاره وبلوغه إلى حد التواتر، وإلا فلعل القرآن عورض، ولم تنقل معارضته ولعل محمدا صلى الله عليه وسلم غير هذا الشرع عن هذا الوضع ولم ينقل، وإذا ثبت وجوب أن تنقل هذه الكيفية على سبيل التواتر فنقول : لو أن الله تعالى نص في زمان موسى وعيسى عليهما السلام على أن شرعيهما سيصيران منسوخين لكان ذلك مشهورا لأهل التواتر، ومعلوما لهم بالضرورة، ولو كان كذلك لاستحال منازعة الجمع العظيم فيه، فحيث رأينا اليهود والنصارى مطبقين على إنكار ذلك علمنا أنه لم يوجد التنصيص على أن شرعيهما يصيران منسوخين. 
وأما القسم الثاني : وهو أن يقال : إن الله تعالى نص على شرع موسى عليه السلام وقرن به ما يدل به على أنه منقطع غير دائم. فهذا باطل لما ثبت أنه لو كان كذلك لوجب أن يكون ذلك معلوما بالضرورة لأهل التواتر، وأيضا فبتقدير صحته لا يكون ذلك نسخا، بل يكون ذلك انتهاء للغاية. 
وأما القسم الثالث : وهو أنه تعالى نص على شرع موسى عليه السلام ولم يبين فيه كونه دائما أو كونه غير دائم فنقول : قد ثبت في أصول الفقه أن مجرد الأمر لا يفيد التكرار وإنما يفيد المرة الواحدة، فإذا أتى المكلف بالمرة الواحدة فقد خرج عن عهدة الأمر، فورود أمر آخر بعد ذلك لا يكون نسخا للأمر الأول، فثبت بهذا التقسيم أن القول بالنسخ محال. 
واعلم أنا بعد أن قررنا هذه الجملة في كتاب المحصول في أصول الفقه تمسكنا في وقوع النسخ بقوله تعالى : ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ، والاستدلال به أيضا ضعيف، لأن ****«ما »**** ههنا تفيد الشرط والجزاء، وكما أن قولك : من جاءك فأكرمه لا يدل على حصول المجيء، بل على أنه متى جاء وجب الإكرام، فكذا هذه الآية لا تدل على حصول النسخ، بل على أنه متى حصل النسخ وجب أن يأتي بما هو خير منه، فالأقوى أن نعول في الإثبات على قوله تعالى : وإذا بدلنا آية مكان آية  وقوله : يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب  والله تعالى أعلم. 
المسألة السادسة : اتفقوا على وقوع النسخ في القرآن، وقال أبو مسلم بن بحر : أنه لم يقع، واحتج الجمهور على وقوعه في القرآن بوجوه. أحدها : هذه الآية وهي قوله تعالى : ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ، أجاب أبو مسلم عنه بوجوه. الأول : أن المراد من الآيات المنسوخة هي الشرائع التي في الكتب القديمة من التوراة والإنجيل، كالسبت والصلاة إلى المشرق والمغرب مما وضعه الله تعالى عنا وتعبدنا بغيره، فإن اليهود والنصارى كانوا يقولون : لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، فأبطل الله عليهم ذلك بهذه الآية، الوجه الثاني : المراد من النسخ نقله من اللوح المحفوظ وتحويله عنه إلى سائر الكتب وهو كما يقال نسخت الكتاب. الوجه الثالث : أنا بينا أن هذه الآية لا تدل على وقوع النسخ، بل على أنه لو وقع النسخ لوقع إلى خير منه، ومن الناس من أجاب عن الاعتراض الأول بأن الآيات إذا أطلقت فالمراد بها آيات القرآن لأنه هو المعهود عندنا، وعن الثاني : بأن نقل القرآن من اللوح المحفوظ لا يختص ببعض القرآن وهذا النسخ مختص

### الآية 2:107

> ﻿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [2:107]

قوله تعالى : ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير . 
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما حكم بجواز النسخ عقبه ببيان أن ملك السموات والأرض له لا لغيره، وهذا هو التنبيه على أنه سبحانه وتعالى إنما حسن منه الأمر والنهي لكونه مالكا للخلق وهذا هو مذهب أصحابنا وإنه إنما حسن التكليف منه لمحض كونه مالكا للخلق مستوليا عليهم لا لثواب يحصل، أو لعقاب يندفع. قال القفال : ويحتمل أن يكون هذا إشارة إلى أمر القبلة، فإنه تعالى أخبرهم بأنه مالك السموات والأرض وأن الأمكنة والجهات كلها له وأنه ليس بعض الجهات أكبر حرمة من البعض إلا من حيث يجعلها هو تعالى له، وإذا كان كذلك وكان الأمر باستقبال القبلة إنما هو محض التخصيص بالتشريف، فلا مانع يمنع من تغيره من جهة إلى جهة، وأما الولي والنصير فكلاهما فعيل بمعنى فاعل على وجه المبالغة، ومن الناس من استدل بهذه الآية على أن الملك غير القدرة، فقال إنه تعالى قال أولا : ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير  ثم قال بعده : ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض  فلو كان الملك عبارة عن القدرة لكان هذا تكريرا من غير فائدة، والكلام في حقيقة الملك والقدرة قد تقدم في قوله : مالك يوم الدين .

### الآية 2:108

> ﻿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِنْ قَبْلُ ۗ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [2:108]

قوله تعالى : أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل  اعلم ان ههنا مسائل :
المسألة الأولى :**«أم »** على ضربين متصلة ومنقطعة، فالمتصلة عديلة الألف وهي مفرقة لما جمعته أي، كما أن **«أو »** مفرقة لما جمعته تقول : اضرب أيهم شئت زيدا أم عمرا، فإذا قلت : اضرب أحدهم قلت : اضرب زيدا أو عمرا، والمنقطعة لا تكون إلا بعد كلام تام، لأنها بمعنى بل والألف، كقول العرب : إنها الإبل أم شاء، كأنه قال : بل هي شاء، ومنه قوله تعالى : أم يقولون افتراه  أي : بل يقولون، قال الأخطل :

كذبتك عينك أم رأيت بواسط  غلس الظلام من الرباب خيالاالمسألة الثانية : اختلفوا في المخاطب به على وجوه. أحدها : أنهم المسلمون وهو قول الأصم والجبائي وأبي مسلم، واستدلوا عليه بوجوه. الأول : أنه قال في آخر الآية : ومن يتبدل الكفر بالإيمان  وهذا الكلام لا يصح إلا في حق المؤمنين. الثاني : أن قوله : أم تريدون  يقتضي معطوفا عليه وهو قوله : لا تقولوا راعنا  فكأنه قال : وقولوا انظرنا واسمعوا فهل تفعلون ذلك كما أمرتم أم تريدون أن تسألوا رسولكم ؟ الثالث : أن المسلمين كانوا يسألون محمدا صلى الله عليه وسلم عن أمور لا خير لهم في البحث عنها ليعلموها كما سأل اليهود موسى عليه السلام ما لم يكن لهم فيه خير عن البحث عنه، الرابع : سأل قوم من المسلمين أن يجعل لهم ذات أنواط كما كان للمشركين ذات أنواط، وهي شجرة كانوا يعبدونها ويعلقون عليها المأكول والمشروب، كما سألوا موسى أن يجعل لهم إلها كما لهم آلهة. القول الثاني : أنه خطاب لأهل مكة وهو قول ابن عباس ومجاهد. قال : إن عبد الله بن أمية المخزومي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من قريش فقال : يا محمد والله ما أؤمن بك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب، أو يكون لك بيت من زخرف، أو ترقى في السماء بأن تصعد، ولن نؤمن لرقيك بعد ذلك حتى تنزل علينا كتابا من الله إلى عبد الله بن أمية أن محمدا رسول الله فاتبعوه. وقال له بقية الرهط : فإن لم تستطع ذلك فائتنا بكتاب من عند الله جملة واحدة فيه الحلال والحرام والحدود والفرائض كما جاء موسى إلى قومه بالألواح من عند الله فيها كل ذلك، فنؤمن بك عند ذلك. فأنزل الله تعالى : أم تريدون أن تسألوا رسولكم محمدا أن يأتيكم الآيات من عند الله كما سأل السبعون فقالوا : أرنا الله جهرة. وعن مجاهد أن قريشا سألت محمدا عليه السلام أن يجعل لهم الصفا ذهبا وفضة، فقال : نعم هو لكم كالمائدة لبني إسرائيل فأبوا ورجعوا. 
القول الثالث : المراد اليهود، وهذا القول أصح لأن هذه السورة من أول قوله :
 يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي  حكاية عنهم ومحاجة معهم ولأن الآية مدنية ولأنه جرى ذكر اليهود وما جرى ذكر غيرهم، ولأن المؤمن بالرسول لا يكاد يسأله فإذا سأله كان متبدلا كفرا بالإيمان. 
المسألة الثالثة : ليس في ظاهر قوله : أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل  أنهم أتوا بالسؤال فضلا عن كيفية السؤال، بل المرجع فيه إلى الروايات التي ذكرناها في أنهم سألوا والله أعلم. 
المسألة الرابعة : اعلم أن السؤال الذي ذكروه إن كان ذلك طلبا للمعجزات فمن أين أنه كفر ؟ ومعلوم أن طلب الدليل على الشيء لا يكون كفرا، وإن كان ذلك طلبا لوجه الحكمة المفصلة في نسخ الأحكام، فهذا أيضا لا يكون كفرا ؛ فإن الملائكة طلبوا الحكمة التفصيلية في خلقة البشر ولم يكن ذلك كفرا، فلعل الأولى حمل الآية على أنهم طلبوا منه أن يجعل لهم إلها كما لهم آلهة، وإن كانوا طلبوا المعجزات فإنهم يطلبونها على سبيل التعنت واللجاج فلهذا كفروا بسبب هذا السؤال. 
المسألة الخامسة : ذكروا في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوها، أحدها : أنه تعالى لما حكم بجواز النسخ في الشرائع فلعلهم كانوا يطالبونه بتفاصيل ذلك الحكم فمنعهم الله تعالى عنها وبين أنهم ليس لهم أن يشتغلوا بهذه الأسئلة كما أنه ما كان لقوم موسى أن يذكروا أسئلتهم الفاسدة. وثانيها : لما تقدم من الأوامر والنواهي قال لهم : إن لم تقبلوا ما أمرتكم به وتمردتم عن الطاعة كنتم كمن سأل موسى ما ليس له أن يسأله، عن أبي مسلم، وثالثها : لما أمر ونهى قال : أتفعلون ما أمرتم أم تفعلون كما فعل من قبلكم من قوم موسى ؟
المسألة السادسة : سواء السبيل  وسطه قال تعالى : فاطلع فرآه في سواء الجحيم  أي وسط الجحيم، والغرض التشبيه دون نفس الحقيقة، ووجه التشبيه في ذلك أن من سلك طريقة الإيمان فهو جار على الاستقامة المؤدية إلى الفوز والظفر بالطلبة من الثواب والنعيم، فالمبدل لذلك بالكفر عادل عن الاستقامة فقيل فيه إنه ضل سواء السبيل.

### الآية 2:109

> ﻿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ۖ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2:109]

قوله تعالى : ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير 
اعلم أن هذا هو النوع الثالث من كيد اليهود مع المسلمين، وذلك لأنه روي أن فنحاص بن عازوراء، وزيد بن قيس ونفرا من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد : ألم تروا ما أصابكم، ولو كنتم على الحق ما هزمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل ونحن أهدى منكم سبيلا، فقال عمار : كيف نقض العهد فيكم ؟ قالوا : شديد، قال : فإني قد عاهدت أني لا أكفر بمحمد ما عشت، فقالت اليهود : أما هذا فقد صبأ، وقال حذيفة : وأما أنا فقد رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبالقرآن إماما وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبراه فقال : أصبتما خيرا وأفلحتما، فنزلت هذه الآية، واعلم أنا نتكلم أولا في الحسد ثم نرجع إلى التفسير. 
المسألة الأولى : في ذم الحسد ويدل عليه أخبار كثيرة، الأول : قوله عليه السلام :( الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ). الثاني : قال أنس :«كنا يوما جالسين عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يطلع عليكم الآن من هذا الفج رجل من أهل الجنة، فطلع رجل من الأنصار ينظف لحيته من وضوئه وقد علق نعليه في شماله فسلم، فلما كان الغد قال عليه السلام مثل ذلك فطلع ذلك الرجل، وقال في اليوم الثالث مثل ذلك فطلع ذلك الرجل، فلما قام النبي عليه السلام تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال : إني تأذيت من أبي فأقسمت لا أدخل عليه ثلاثا، فإن رأيت أن تذهب بي إلى دارك فعلت، قال : نعم، فبات عنده ثلاث ليال فلم يره يقوم من الليل شيئا غير أنه إذا انقلب على فراشه ذكر الله ولا يقوم حتى يقوم لصلاة الفجر، غير أني لم أسمعه يقول : إلا خيرا، فلما مرت الثلاث وكدت أن أحتقر عمله، قلت : يا عبد الله لم يكن بيني وبين والدي غضب ولا هجر، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا وكذا، فأردت أن أعرف عملك، فلم أرك تعمل عملا كثيرا، فما الذي بلغ بك ذاك ؟ قال : ما هو إلا ما رأيت. فلما وليت دعاني فقال : ما هو إلا ما رأيت غير أني لم أجد على أحد من المسلمين في نفسي عيبا ولا حسدا على خير أعطاه الله إياه، فقال عبد الله : هي التي بلغت بك وهي التي لا تطاق ) الثالث : قال عليه السلام :( دب إليكم داء الأمم قبلكم، الحسد والبغضاء والبغضة هي الحالقة، لا أقول حالقة الشعر ولكن حالقة الدين ) الرابع : قال :( إنه سيصيب أمتي داء الأمم، قالوا : ما داء الأمم ؟ قال : الأشر والبطر والتكاثر والتنافس في الدنيا والتباعد والتحاسد حتى يكون البغي ثم الهرج )
الخامس : أن موسى عليه السلام لما ذهب إلى ربه رأى في ظل العرش رجلا يغبط بمكانه وقال : إن هذا لكريم على ربه فسأل ربه أن يخبره باسمه فلم يخبره باسمه وقال : أحدثك من عمله ثلاثا : كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، وكان لا يعق والديه ولا يمشي بالنميمة. السادس : قال عليه السلام :**«إن لنعم الله أعداء، قيل : وما أولئك ؟ قال : الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله »**. السابع : قال عليه السلام :**«ستة يدخلون النار قبل الحساب، الأمراء بالجور، والعرب بالعصبية والدهاقين بالتكبر، والتجار بالخيانة، وأهل الرستاق بالجهالة، والعلماء بالحسد »**. 
أما الآثار، فالأول : حكي أن عوف بن عبد الله دخل على الفضل بن المهلب وكان يومئذ على واسط، فقال : إني أريد أن أعظك بشيء، إياك والكبر فإنه أول ذنب عصى الله به إبليس، ثم قرأ : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر  وإياك والحرص فإنه أخرج آدم من الجنة. أسكنه الله في جنة عرضها السموات والأرض فأكل منها، فأخرجه الله، ثم قرأ : اهبطا منها  وإياك والحسد فإنه قتل ابن آدم أخاه حين حسده، ثم قرأ : واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق  الثاني : قال ابن الزبير : ما حسدت أحدا على شيء من أمر الدنيا لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة في الجنة، وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار. الثالث : قال رجل للحسن : هل يحسد المؤمن ؟ قال : ما أنساك بني يعقوب إلا أنه لا يضرك ما لم تعد به يدا ولسانا. الرابع : قال معاوية : كل الناس أقدر على رضاه إلا الحاسد فإنه لا يرضيه إلا زوال النعمة. الخامس : قيل : الحاسد لا ينال من المجالس إلا مذمة وذلا، ولا ينال من الملائكة إلا لعنة وبغضا، ولا ينال من الخلق إلا جزعا وغما، ولا ينال عند الفزع إلا شدة وهولا، وعند الموقف إلا فضيحة ونكالا. 
المسألة الثانية : في حقيقة الحسد : إذا أنعم الله على أخيك بنعمة فإن أردت زوالها فهذا هو الحسد، وإن اشتهيت لنفسك مثلها فهذا هو الغبطة والمنافسة، أما الأول : فحرام بكل حال، إلا نعمة أصابها فاجر أو كافر يستعين بها على الشر والفساد فلا يضرك محبتك لزوالها فإنك ما تحب زوالها من حيث إنها نعمة، بل من حيث إنها يتوسل بها إلى الفساد والشر والأذى. والذي يدل على أن الحسد ما ذكرنا آيات. ( أحدها ) : هذه الآية وهي قوله تعالى : لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم  فأخبر أن حبهم زوال نعمة الإيمان حسد. ( وثانيها ) : قوله تعالى : ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء  ( وثالثها ) : قوله تعالى : إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها  وهذا الفرح شماتة، والحسد والشماتة متلازمان، ( ورابعها ) : ذكر الله تعالى حسد إخوة يوسف وعبر عما في قلوبهم بقوله : قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم  فبين تعالى أن حسدهم له عبارة عن كراهتهم حصول تلك النعمة له. ( وخامسها ) : قوله تعالى : ولا يجدون فى صدورهم حاجة مما أوتوا  أي لا تضيق به صدورهم ولا يغتمون، فأثنى الله عليهم بعدم الحسد. ( وسادسها ) : قال تعالى في معرض الإنكار : أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله  ( وسابعها ) : قال الله تعالى : كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين  إلى قوله : إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم  قيل في التفسير : حسدا. ( وثامنها ) : قوله تعالى : وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم  فأنزل الله العلم ليؤلف بينهم على طاعته فتحاسدوا واختلفوا، إذ أراد كل واحد أن ينفرد بالرياسة وقبول القول. ( وتاسعها ) : قال ابن عباس : كانت اليهود قبل مبعث النبي عليه السلام إذا قاتلوا قوما قالوا : نسألك بالنبي الذي وعدتنا أن ترسله وبالكتاب الذي تنزله إلا تنصرنا، فكانوا ينصرون، فلما جاء النبي عليه السلام من ولد إسماعيل عرفوه وكفروا به بعد معرفتهم إياه فقال تعالى : وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا  إلى قوله : أن يكفروا بما أنزل الله بغيا  أي حسدا. وقالت صفية بنت حيي للنبي عليه السلام : جاء أبي وعمي من عندك فقال أبي لعمي ما تقول فيه ؟ قال : أقول : إنه النبي الذي بشر به موسى عليه السلام، قال : فما ترى ؟ قال : أرى معاداته أيام الحياة، فهذا حكم الحسد. أما المنافسة فليست بحرام وهي مشتقة من النفاسة، والذي يدل على أنها ليست بحرام وجوه. ( أولها ) قوله تعالى : وفى ذلك فليتنافس المتنافسون . ( وثانيها ) قوله تعالى : سابقوا إلى مغفرة من ربكم  وإنما المسابقة عند خوف الفوت وهو كالعبدين يتسابقان إلى خدمة مولاهما إذ يجزع كل واحد أن يسبقه صاحبه فيحظى عند مولاه بمنزلة لا يحظى هو بها. ( وثالثها ) قوله عليه السلام :( لا حسد إلا في اثنتين، رجل آتاه الله مالا فأنفقه في سبيل الله، ورجل آتاه الله علما فهو يعمل به ويعلمه الناس ). وهذا الحديث يدل على أن لفظ الحسد قد يطلق على المنافسة، ثم نقول : المنافسة قد تكون واجبة ومندوبة ومباحة، أما الواجبة فكما إذا كانت تلك النعمة نعمة دينية واجبة كالإيمان والصلاة والزكاة، فههنا يجب عليه أن يحب له مثل ذلك، لأنه إن لم يحب ذلك كان راضيا بالمعصية وذلك حرام، وأما إن كانت تلك النعمة من الفضائل المندوبة كالإنفاق في سبيل الله والتشمير لتعليم الناس كانت المنافسة فيها مندوبة، وأما إن كانت تلك النعمة من المباحات كانت المنافسة فيها من المباحات، وبالجملة فالمذموم أن يحب زوالها عن الغير، فأما أن يحب حصولها له وزوال النقصان عنه فهذا غير مذموم، لكن ههنا دقيقة وهي أن زوال النقصان عنه بالنسبة إلى الغير له طريقان. 
( أحدهما ) : أن يحصل له مثل ما حصل للغير. ( والثاني ) : أن يزول عن الغير ما لم يحصل له فإذا حصل اليأس عن أحد الطريقين فيكاد القلب لا ينفك عن شهوة الطريق الآخر، فههنا إن وجد قلبه بحيث لو قدر على إزالة تلك الفضيلة عن تلك الشخص لأزالها، فهو صاحب الحسد المذموم وإن كان يجد قلبه بحيث تردعه التقوى عن إزالة تلك النعمة عن الغير فالمرجو من الله تعالى أن يعفو عن ذلك، ولعل هذا هو المراد من قوله عليه السلام :( ثلاث لا ينفك المؤمن عنهن، الحسد والظن والطيرة ثم قال : وله منهم مخرج إذا حسدت فلا تبغ )، أي إن وجدت في قلبك شيئا فلا تعمل به، فهذا هو الكلام في حقيقة الحسد وكله من كلام الشيخ الغزالي رحمة الله عليه. 
المسألة الثالثة : في مراتب الحسد، قال الغزالي رحمه الله هي أربعة. ( الأولى ) : أن يحب زوال تلك النعمة وإن كان ذلك لا يحصل له وهذا غاية الحسد. ( والثانية ) : أن يحب زوال تلك النعمة عنه إليه وذلك مثل رغبته في دار حسنة أو امرأة جميلة أو ولاية نافذة نالها غيره وهو يحب أن تكون له، فالمطلوب بالذات حصوله له، فأما زواله عن غيره فمطلوب بالعرض. ( الثالثة ) : أن لا يشتهي عنها بل يشتهي لنفسه مثلها، فإن عجز عن مثلها أحب زوالها لكي لا يظهر التفاوت بينهما. ( الرابعة ) : أن يشتهي لنفسه مثلها، فإن لم يحصل فلا يحب زوالها، وهذا الأخير هو المعفو عنه إن كان في الدنيا والمندوب إليه إن كان في الدين، والثالثة : منها مذمومة وغير مذمومة، والثانية : أخف من الثالثة، والأول : مذموم محض قال تعالى : ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض  فتمنيه لمثل ذلك غير مذموم وأما تمنيه عين ذلك فهو مذموم. 
المسألة الرابعة : ذكر الشيخ الغزالي رحمة الله عليه للحسد سبعة أسباب :
السبب الأول : العداوة والبغضاء، فإن من آذاه إنسان أبغضه قلبه وغضب عليه، وذلك الغضب يولد الحقد والحقد يقتضي التشفي والانتقام، فإن عجز المبغض عن التشفي بنفسه أحب أن يتشفى منه الزمان، فمهما أصاب عدوه آفة وبلاء فرح، ومهما أصابته نعمة ساءته، وذلك لأنه ضد مراده، فالحسد من لوازم البغض والعداوة ولا يفارقهما، وأقصى الإمكان في هذا الباب أن لا يظهر تلك العداوة من نفسه وأن يكره تلك الحالة من نفسه، فأما أن يبغض إنسانا ثم تستوي عنده مسرته ومساءته فهذا غير ممكن، وهذا النوع من الحسد هو الذي وصف الله الكفار به، إذ قال :{ وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور، إن تم

### الآية 2:110

> ﻿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [2:110]

قوله تعالى : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير . 
اعلم أنه تعالى أمر بالعفو والصفح عن اليهود، ثم عقبه بقوله تعالى : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة  تنبيها على أنه كما ألزمهم لحظ الغير وصلاحه العفو والصفح، فكذلك ألزمهم لحظ أنفسهم وصلاحها القيام بالصلاة والزكاة الواجبتين، ونبه بهما على ما عداهما من الواجبات. ثم قال بعده : وما تقدموا لأنفسكم من خير  والأظهر أن المراد به التطوعات من الصلوات والزكوات، وبين تعالى أنهم يجدونه وليس المراد أنهم يجدون عين تلك الأعمال لأنها لا تبقى ولأن وجدان عين تلك الأشياء لا يرغب فيه، فبقي أن المراد وجدان ثوابه وجزائه، ثم قال : إن الله بما تعملون بصير  أي أنه لا يخفى عليه القليل ولا الكثير من الأعمال وهو ترغيب من حيث يدل على أنه تعالى يجازي على القليل كما يجازي على الكثير، وتحذير من خلافه الذي هو الشر، وأما الخير فهو النفع الحسن وما يؤدي إليه، فلما كان ما يأتيه المرء من الطاعة يؤدي به إلى المنافع العظيمة، وجب أن يوصف بذلك، وعلى هذا الوجه قال تعالى : وافعلوا الخير لعلكم تفلحون .

### الآية 2:111

> ﻿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [2:111]

اعلم أن هذا هو النوع الرابع من تخليط اليهود وإلقاء الشبه في قلوب المسلمين، واعلم أن اليهود لا تقول في النصارى : إنها تدخل الجنة، ولا النصارى في اليهود، فلابد من تفصيل في الكلام فكأنه قال : وقالت اليهود : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، وقالت النصارى : لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، ولا يصح في الكلام سواه، مع علمنا بأن كل واحد من الفريقين يكفر الآخر، ونظيره : قالوا كونوا هودا أو نصارى  والهود : جمع هائد، كعائذ وعوذ وبازل وبزل، فإن قيل : كيف قيل : كان هودا، على توحيد الاسم، وجمع الخبر ؟ قلنا : حمل الاسم على لفظ ( من ) والخبر على معناه كقراءة الحسن : إلا من هو صال الجحيم  وقرأ أبي بن كعب : إلا من كان يهوديا أو نصرانيا  أما قوله تعالى : تلك أمانيهم  فالمراد أن ذلك متمنياتهم، ثم إنهم لشدة تمنيهم لذلك قدروه حقا في نفسه، فإن قيل : لم قال : تلك أمانيهم  وقولهم : لن يدخل الجنة  أمنية واحدة ؟ قلنا : أشير بها إلى الأماني المذكورة، وهي أمنيتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم، وأمنيتهم أن يردوهم كفارا، وأمنيتهم أن لا يدخل الجنة غيرهم، أي : تلك الأماني الباطلة أمانيهم، وقوله تعالى : قل هاتوا برهانكم  متصل بقوله : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى  و  تلك أمانيهم  اعتراض، قال عليه الصلاة والسلام ( الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني ) وقال علي رضي الله عنه :**«لا تتكل على المنى فإنها بضائع التولي »**. 
أما قوله تعالى : قل هاتوا برهانكم  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : هات : صوت بمنزلة هاء في معنى أحضر. 
المسألة الثانية : دلت الآية على أن المدعي سواء ادعى نفيا، أو إثباتا، فلابد له من الدليل والبرهان، وذلك من أصدق الدلائل على بطلان القول بالتقليد قال الشاعر :
من ادعى شيئا بلا شاهد \*\*\* لابد أن تبطل دعواه

### الآية 2:112

> ﻿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2:112]

أما قوله تعالى : بلى  ففيه وجوه. ( الأول ) : أنه إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة. ( الثاني ) : أنه تعالى لما نفى أن يكون لهم برهان أثبت أن لمن أسلم وجهه لله برهانا. ( الثالث ) : كأنه قيل لهم : أنتم على ما أنتم عليه لا تفوزون بالجنة، بلى إن غيرتم طريقتكم وأسلمتم وجهكم لله وأحسنتم فلكم الجنة، فيكون ذلك ترغيبا لهم في الإسلام، وبيانا لمفارقة حالهم لحال من يدخل الجنة لكي يقلعوا عما هم عليه ويعدلوا إلى هذه الطريقة، فأما معنى : من أسلم وجهه لله  فهو إسلام النفس لطاعة الله، وإنما خص الوجه بالذكر لوجوه. 
( أحدها ) : لأنه أشرف الأعضاء من حيث أنه معدن الحواس والفكر والتخيل، فإذا تواضع الأشرف كان غيره أولى. ( وثانيها ) : أن الوجه قد يكنى به عن النفس، قال الله تعالى : كل شيء هالك إلا وجهه   إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى  ( وثالثها ) : أن أعظم العبادات السجدة وهي إنما تحصل بالوجه فلا جرم خص الوجه بالذكر، ولهذا قال زيد بن عمرو بن نفيل.

وأسلمت وجهي لمن أسلمت  له الأرض تحمل صخرا ثقالاوأسلمت وجهي لمن أسلمت  له المزن تحمل عذبا زلالافيكون المرء واهبا نفسه لهذا الأمر بإذلالها، وذكر الوجه وأراد به نفس الشيء، وذلك لا يكون إلا بالانقياد والخضوع وإذلال النفس في طاعته وتجنب معاصيه، ومعنى ( لله ) أي : خالصا لله لا يشوبه شرك، فلا يكون عابدا مع الله غيره، أو معلقا رجاءه بغيره، وفي ذلك دلالة على أن المرء لا ينتفع بعمله إلا إذا فعله على وجه العبادة في الإخلاص والقربة. 
أما قوله تعالى : وهو محسن  أي : لابد وأن يكون تواضعه لله بفعل حسن لا بفعل قبيح، فإن الهند يتواضعون لله لكن بأفعال قبيحة، وموضع قوله : وهو محسن  موضع حال كقولك : جاء فلان وهو راكب، أي جاء فلان راكبا، ثم بين أن من جمع بين هذين فله أجره عند ربه، يعني به الثواب العظيم، ثم مع هذا النعيم لا يلحقه خوف ولا حزن، فأما الخوف فلا يكون إلا من المستقبل، وأما الحزن فقد يكون من الواقع والماضي كما قد يكون من المستقبل فنبه تعالى بالأمرين على نهاية السعادة لأن النعيم العظيم إذا دام وكثر وخلص من الخوف والحزن فلا يحزن على أمر فاته ولا على أمر يناله ولا يخاف انقطاع ما هو فيه وتغيره فقد بلغ النهاية وفي ذلك ترغيب في هذه الطريقة وتحذير من خلافها الذي هو طريقة الكفار المذكورين من قبل، واعلم أنه تعالى وحد أولا ثم جمع، ومثله قوله : وكم من ملك في السموات  ثم قال : شفاعتهم  وقوله : ومنهم من يستمع إليك  وقال في موضع آخر  يستمعون إليك  وقال : ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك  ولم يقل : خرج، واعلم أنا لما فسرنا قوله : من أسلم وجهه لله  بالإخلاص فلنذكر ههنا حقيقة الإخلاص وذلك لا يمكن بيانه إلا في مسائل :
المسألة الأولى : في فضل النية قال عليه الصلاة والسلام :( إنما الأعمال بالنيات ) وقال :( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم ونياتكم ) وفي الإسرائيليات أن رجلا مر بكثبان من رمل في مجاعة فقال في نفسه : لو كان هذا الرمل طعاما لقسمته بين الناس فأوحى الله تعالى إلى نبيهم قل له : إن الله قبل صدقتك وشكر حسن نيتك وأعطاك ثواب ما لو كان طعاما فتصدقت به. 
المسألة الثانية : الإنسان إذا علم أو ظن أو اعتقد أن له في فعل من الأفعال جلب نفع أو دفع ضر ظهر في قلبه ميل وطلب، وهو صفة تقتضي ترجيح وجود ذلك الشيء على عدمه، وهي الإرادة فهذه الإرادة هي النية والباعث له على تلك النية ذلك العلم أو الاعتقاد أو الظن، إذا عرفت هذا فنقول : الباعث على الفعل إما أن يكون أمرا واحدا، وإما أن يكون أمرين، وعلى التقدير الثاني فإما أن يكون كل واحد منهما مستقلا بالبعث، أو لا يكون واحد منهما مستقلا بذلك، أو يكون أحدهما مستقلا بذلك دون الآخر، فهذه أقسام أربعة ( الأول ) : أن يكون الباعث واحدا وهو كما إذا هجم على الإنسان سبع فلما رآه قام من مكانه فهذا الفعل لا داعي إليه إلا اعتقاده ما في الهرب من النفع وما في ترك الهرب من الضرر، فهذه النية تسمى خالصة، ويسمى العمل بموجبها إخلاصا. ( الثاني ) : أن يجتمع على الفعل باعثان مستقلان، كما إذا سأله رفيقه الفقير حاجة فيقضيها لكونه رفيقا له، وكونه فقيرا، مع كون كل واحد من الوصفين بحيث لو انفرد لاستقل بالاستقضاء، واسم هذا موافقة الباعث. ( الثالث ) : أن لا يستقل واحد منهما لو انفرد، لكن المجموع مستقل، واسم هذا مشاركة. ( الرابع ) : أن يستقل أحدهما ويكون الآخر معاضدا مثل أن يكون للإنسان ورد من الطاعات فاتفق أن حضر في وقت أدائها جماعة من الناس فصار الفعل عليه أخف بسبب مشاهدتهم، واسم هذا معاونة. 
المسألة الثالثة : في تفسير قوله عليه السلام :( نية المؤمن خير من عمله ) ذكروا فيه وجوها. ( أحدها ) : أن النية سر، والعمل علن، وطاعة السر أفضل من طاعة العلانية، وهذا ليس بشيء لأنه يقتضي أن تكون نية الصلاة خيرا من نفس الصلاة. ( وثانيها ) : النية تدوم إلى آخر العمل، والأعمال لا تدوم، والدائم خير من المنقطع، وهذا ليس بشيء لأنه يرجع معناه إلى أن العمل الكثير خير من العمل القليل، وأيضا فنية عمل الصلاة قد لا تحصل إلا في لحظات قليلة، والأعمال تدوم، ( وثالثها ) : أن النية بمجردها خير من العمل بمجرده، وهو ضعيف، إذ العمل بلا نية لا خير فيه، وظاهر الترجيح للمشتركين في أصل الخيرية. ( ورابعها ) : أن لا يكون المراد من الخير إثبات الأفضلية بل المراد أن النية خير من الخيرات الواقعة بعمله، وهو ضعيف، لأن حمل الحديث عليه لا يفيد إلا إيضاح الواضحات، بل الوجه الجيد في التأويل أن يقال : النية ما لم تخل عن جميع أنواع الفتور لا تكون نية جازمة، ومتى خلت عن جميع جهات الفتور وجب ترتب الفعل عليها لو لم يوجد عائق، وإذا كان كذلك : ثبت أن النية لا تنفك البتة عن الفعل، فيدعى أن هذه النية أفضل من ذلك العمل، وبيانه من وجوه. ( أولها ) : أن المقصود من جميع الأعمال تنوير القلب بمعرفة الله وتطهيره عما سوى الله، والنية صفة القلب، والفعل ليس صفة القلب، وتأثير صفة القلب أقوى من تأثير صفة الجوارح في القلب، فلا جرم نية المؤمن خير من عمله. ( وثانيها ) : أنه لا معنى للنية إلا القصد إلى إيقاع تلك الأعمال طاعة للمعبود وانقيادا له، وإنما يراد الأعمال ليستحفظ التذكر بالتكرير، فيكون الذكر والقصد الذي في القلب بالنسبة إلى العمل كالمقصود بالنسبة إلى الوسيلة، ولا شك أن المقصود أشرف من الوسيلة. ( وثالثها ) : أن القلب أشرف من الجسد، ففعله أشرف من فعل الجسد، فكانت النية أفضل من العمل. 
المسألة الرابعة : اعلم أن الأعمال على ثلاثة أقسام : طاعات، ومعاصي، ومباحات، أما المعاصي فهي لا تتغير عن موضوعاتها بالنية، فلا يظن الجاهل أن قوله عليه الصلاة والسلام :( إنما الأعمال بالنيات ) يقتضي انقلاب المعصية طاعة بالنية كالذي يطعم فقيرا من مال غيره، أو يبني مسجدا من مال حرام. ( الثاني ) : الطاعات وهي مرتبطة بالنيات في الأصل وفي الفضيلة، أما في الأصل فهو أن ينوي بها عبادة الله تعالى، فإن نوى الرياء صارت معصية، وأما الفضيلة فبكثرة النيات تكثر الحسنة كمن قعد في المسجد وينوي فيه نيات كثيرة. ( أولها ) : أن يعتقد أنه بيت الله ويقصد به زيارة مولاه كما قال عليه الصلاة والسلام :( من قعد في المسجد فقد زار الله وحق على المزور إكرام زائره ). ( وثانيها ) : أن ينتظر الصلاة بعد الصلاة فيكون حال الانتظار كمن هو في الصلاة. ( وثالثها ) : إغضاء السمع والبصر وسائر الأعضاء كما لا ينبغي، فإن الاعتكاف كف وهو في معنى الصوم، وهو نوع ترهب، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام :( رهبانية أمتي القعود في المساجد ). ( ورابعها ) : صرف القلب والسر بالكلية إلى الله تعالى. ( وخامسها ) : إزالة ما سوى الله عن القلب. ( وسادسها ) : أن يقصد إفادة علم أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر. ( وسابعها ) : أن يستفيد أخا في الله فإن ذلك غنيمة أهل الدين. ( وثامنها ) : أن يترك الذنوب حياء من الله فهذا طريق تكثير النيات، وقس به سائر الطاعات. 
القسم الثالث : سائر المباحات ولا شيء منها إلا ويحتمل نية أو نيات يصير بها من محاسن القربات، فما أعظم خسران من يغفل عنها ولا يصرفها إلى القربات، وفي الخبر : من تطيب لله جاء يوم القيامة وريحه أطيب من ريح المسك، ومن تطيب لغير الله جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة فإن قلت : فاشرح لي كيفية هذه النية، فاعلم أن القصد من التطيب إن كان هو التنعم بلذات الدنيا أو إظهار التفاخر بكثرة المال أو رياء الخلق أو ليتودد به إلى قلوب النساء، فكل ذلك يجعل التطيب معصية، وإن كان القصد إقامة السنة ودفع الروائح المؤذية عن عباد الله وتعظيم المسجد، فهو عين الطاعة، وإذا عرفت ذلك فقس عليه سائر المباحات، والضابط أن كل ما فعلته لداعي الحق فهو العمل الحق، وكل ما عملته لغير الله فحلالها حساب وحرامها عذاب. 
المسألة الخامسة : اعلم أن الجاهل إذا سمع الوجوه العقلية والنقلية في أنه لابد من النية فيقول في نفسه عند تدريسه وتجارته : نويت أن أدرس لله وأتجر لله يظن أن ذلك نية وهيهات فذاك حديث نفس أو حديث لسان والنية بمعزل عن جميع ذلك إنما النية انبعاث النفس وميلها إلى ما ظهر لها أن فيه غرضها إما عاجلا وإما آجلا. والميل إذا لم يحصل لم يقدر الإنسان على اكتسابه وهو كقول الشبعان نويت أن أشتهي الطعام، أو كقول الفارغ نويت أن أعشق، بل لا طريق إلى اكتساب الميل إلى الشيء إلا باكتساب أسبابه وليست هي إلا تحصيل العلم بما فيه من المنافع، ثم هذا العلم لا يوجب هذا الميل إلا عند خلو القلب عن سائر الشواغل، فإذا غلبت شهوة النكاح ولم يعتقد في الولد غرضا صحيحا لا عاجلا ولا آجلا، لا يمكنه أن يواقع على نية الولد بل لا يمكن إلا على نية قضاء الشهوة إذ النية هي إجابة الباعث ولا باعث إلا الشهوة فكيف ينوي الولد ؟ فثبت أن النية ليست عبارة عن القول باللسان أو بالقلب بل هي عبارة عن حصول هذا الميل، وذلك أمر معلق بالغيب فقد يتيسر في بعض الأوقات، وقد يتعذر في بعضها. 
المسألة السادسة : اعلم أن نيات الناس في الطاعات أقسام : فمنهم من يكون عملهم إجابة لباعث الخوف فإنه يتقي النار، ومنهم من يعمل لباعث الرجاء وهو الرغبة في الجنة والعامل لأجل الجنة عامل لبطنه وفرجه كالأجير السوء ودرجته درجة البله، وأما عبادة ذوي الألباب فلا تجاوز ذكر الله والفكر فيه حبا لجلاله وسائر الأعمال مؤكدات له وهم الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه وثواب الناس بقدر نياتهم فلا جرم صار المقربون متنعمين بالنظر إلى وجهه الكريم ونسبة شرف الالتذاذ بنعيم الجنة إلى شرف الالتذاذ بهذا المقام كنسبة نعيم الجنة إلى وجهه الكريم.

### الآية 2:113

> ﻿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [2:113]

قوله تعالى : وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون 
اعلم أنه تعالى لما جمعهم في الخبر الأول فصلهم في هذه الآية، وبين قول كل فريق منهم في الآخر، وكيف ينكر كل طائفة دين الأخرى، وههنا مسائل :
المسألة الأولى : قوله : ليست النصارى على شيء  أي على شيء يصح ويعتد به وهذه مبالغة عظيمة وهو كقولهم : أقل من لا شيء، ونظيره قوله تعالى : قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة ، فإن قيل : كيف قالوا ذلك مع أن الفريقين كانا يثبتان الصانع وصفاته سبحانه وتعالى، وذلك قول فيه فائدة ؟ قلنا : الجواب من وجهين، ( الأول ) : أنهم لما ضموا إلى ذلك القول الحسن قولا باطلا يحبط ثواب الأول، فكأنهم ما أتوا بذلك الحق. ( الثاني ) : أن يخص هذا العام بالأمور التي اختلفوا فيها، وهي ما يتصل بباب النبوات. 
المسألة الثانية : روي أن وفد نجران لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم أحبار اليهود فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم، فقالت اليهود : ما أنتم على شيء من الدين وكفروا بعيسى عليه السلام والإنجيل، وقالت النصارى لهم : نحوه وكفروا بموسى عليه السلام والتوراة. 
المسألة الثالثة : اختلفوا فيمن هم الذين عناهم الله تعالى أهم الذين كانوا من بعثة عيسى عليه السلام أو في زمن محمد عليه السلام، والظاهر الحق أنه لا دليل في الظاهر عليه وإن كان الأولى أن يحمل على كل اليهود وكل النصارى بعد بعثة عيسى عليه السلام، ولا يجب لما نقل في سبب الآية أن يهوديا خاطب النصارى بذلك فأنزل الله هذه الآية أن لا يراد بالآية سواه، إذا أمكن حمله على ظاهره وقوله : وقالت اليهود ليست النصارى على شيء  يفيد العموم فما الوجه في حمله على التخصيص ومعلوم من طريقة اليهود والنصارى أنهم منذ كانوا فهذا قول كل فريق منهما في الآخر. 
أما قوله تعالى : وهم يتلون الكتاب  فالواو للحال، والكتاب للجنس، أي قالوا ذلك وحالهم أنهم من أهل العلوم والتلاوة للكتب، وحق من حمل التوراة أو الإنجيل أو غيرهما من كتب الله وآمن به أن لا يكفر بالباقي لأن كل واحد من الكتابين مصدق للثاني شاهد لصحته، فإن التوراة مصدقة بعيسى عليه السلام، والإنجيل مصدق بموسى عليه السلام. 
أما قوله تعالى : كذلك قال الذين لا يعلمون  فإنه يقتضي أن من تقدم ذكره يجب أن يكون عالما لكي يصح هذا الفرق، فبين تعالى أنهم مع المعرفة والتلاوة إذا كانوا يختلفون هذا الاختلاف فكيف حال من لا يعلم، واعلم أن هذه الواقعة بعينها قد وقعت في أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإن كل طائفة تكفر الأخرى مع اتفاقهم على تلاوة القرآن، ثم اختلفوا فيمن هم الذين لا يعلمون على وجوه. ( أولها ) : أنهم كفار العرب الذين قالوا : إن المسلمين ليسوا على شيء فبين تعالى أنه إذا كان قول اليهود والنصارى وهم يقرؤون الكتب لا ينبغي أن يقبل ويلتفت إليه فقول كفار العرب أولى أن لا يلتفت إليه. ( وثانيها ) : أنه إذا حملنا قوله : وقالت اليهود ليست النصارى على شيء  على الذين كانوا حاضرين في زمان محمد صلى الله عليه وسلم، حملنا قوله : كذلك قال الذين لا يعلمون  على المعاندين وعكسه أيضا محتمل. ( وثالثها ) : أن يحمل قوله : وقالت اليهود ليست النصارى على شيء  على علمائهم ويحمل قوله : كذلك قال الذين لا يعلمون  على عوامهم فصلا بين خواصهم وعوامهم، والأول أقرب ؛ لأن كل اليهود والنصارى دخلوا في الآية فمن ميز عنهم بقوله : كذلك قال الذين لا يعلمون  يجب أن يكون غيرهم. 
أما قوله تعالى : فالله يحكم بينهم  ففيه أربعة أوجه. ( أحدها ) : قال الحسن : يكذبهم جميعا ويدخلهم النار. ( وثانيها ) : حكم الانتصاف من الظالم المكذب للمظلوم المكذب. ( وثالثها ) : يريهم من يدخل الجنة عيانا ومن يدخل النار عيانا، وهو قول الزجاج. ( ورابعها ) : يحكم بين المحق والمبطل فيما اختلفوا فيه، والله أعلم.

### الآية 2:114

> ﻿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [2:114]

قوله تعالى : ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم . 
**اعلم أن في هذه الآية مسائل :**
المسألة الأولى : أجمع المفسرون على أنه ليس المراد من هذه الآية مجرد بيان الشرط والجزاء، أعني مجرد بيان أن من فعل كذا فإن الله يفعل به كذا بل المراد منه بيان أن منهم من منع عمارة المساجد وسعى في خرابها، ثم أن الله تعالى جازاهم بما ذكر في الآية إلا أنهم اختلفوا في أن الذين منعوا من عمارة المسجد وسعوا في خرابه من هم ؟ وذكروا فيه أربعة أوجه. ( أولها ) : قال ابن عباس : أن ملك النصارى غزا بيت المقدس فخربه وألقى فيه الجيف وحاصر أهله وقتلهم وسبى البقية وأحرق التوراة، ولم يزل بيت المقدس خرابا حتى بناه أهل الإسلام في زمن عمر. ( وثانيها ) : قال الحسن وقتادة والسدي : نزلت في بختنصر حيث خرب بيت المقدس وبعض النصارى أعانه على ذلك بغضا لليهود. 
قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن : هذان الوجهان غلطان لأنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير أن عهد بختنصر كان قبل مولد المسيح عليه السلام بدهر طويل والنصارى كانوا بعد المسيح فكيف يكونون مع بختنصر في تخريب بيت المقدس وأيضا فإن النصارى يعتقدون في تعظيم بيت المقدس مثل اعتقاد اليهود وأكثر، فكيف أعانوا على تخريبه. ( وثالثها ) : أنها نزلت في مشركي العرب الذين منعوا الرسول عليه الصلاة والسلام عن الدعاء إلى الله بمكة وألجؤه إلى الهجرة، فصاروا مانعين له ولأصحابه أن يذكروا الله في المسجد الحرام، وقد كان الصديق رضي الله عنه بنى مسجدا عند داره فمنع وكان ممن يؤذيه ولدان قريش ونساؤهم، وقيل : إن قوله تعالى : ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها 
نزلت في ذلك فمنع من الجهر لئلا يؤذى، وطرح أبو جهل العذرة على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم فقيل : ومن أظلم من هؤلاء المشركين الذين يمنعون المسلمين الذين يوحدون الله ولا يشركون به شيئا ويصلون له تذللا وخشوعا، ويشغلون قلوبهم بالفكر فيه، وألسنتهم بالذكر له، وجميع جسدهم بالتذلل لعظمته وسلطانه. ( ورابعها ) : قال أبو مسلم : المراد منه الذين صدوه عن المسجد الحرام حين ذهب إليه من المدينة عام الحديبية، واستشهد بقوله تعالى : هم الذين كفروا وصدوكم عند المسجد الحرام  وبقوله : وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام  وحمل قوله : إلا خائفين  بما يعلي الله من يده، ويظهر من كلمته، كما قال في المنافقين : لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا  وعندي فيه وجه خامس وهو أقرب إلى رعاية النظم : وهو أن يقال : أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة شق ذلك على اليهود فكانوا يمنعون الناس عن الصلاة عند توجههم إلى الكعبة، ولعلهم سعوا أيضا في تخريب الكعبة بأن حملوا بعض الكفار على تخريبها، وسعوا أيضا في تخريب مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم لئلا يصلوا فيه متوجهين إلى القبلة، فعابهم الله بذلك وبين سوء طريقتهم فيه، وهذا التأويل أولى مما قبله، وذلك لأن الله تعالى لم يذكر في الآيات السابقة على هذه الآية إلا قبائح أفعال اليهود والنصارى، وذكر أيضا بعدها قبائح أفعالهم فكيف يليق بهذه الآية الواحدة أن يكون المراد منها قبائح أفعال المشركين في صدهم الرسول عن المسجد الحرام، وأما حمل الآية على سعي النصارى في تخريب بيت المقدس فضعيف أيضا على ما شرحه أبو بكر الرازي، فلم يبق إلا ما قلناه. 
المسألة الثانية : في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه : فأما من حملها على النصارى وخراب بيت المقدس قال : تتصل بما قبلها من حيث أن النصارى ادعوا أنهم من أهل الجنة فقط، فقيل لهم : كيف تكونون كذلك مع أن معاملتكم في تخريب المساجد والسعي في خرابها هكذا، وأما من حمله على المسجد الحرام وسائر المساجد قال : جرى ذكر مشركي العرب في قوله : كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم  وقيل : جرى ذكر جميع الكفار وذمهم، فمرة وجه الذم إلى اليهود والنصارى ومرة إلى المشركين. 
المسألة الثالثة : قوله : مساجد الله  عموم فمنهم من قال : المراد به كل المساجد، ومنهم من حمله على ما ذكرناه من المسجد الحرام وغيره من مساجد مكة، وقالوا : قد كان لأبي بكر رضي الله عنه مسجد بمكة يدعو الله فيه، فخربوه قبل الهجرة، ومنهم من حمله على المسجد الحرام فقط وهو قول أبي مسلم حيث فسر المنع بصد الرسول عن المسجد الحرام عام الحديبية، فإن قيل : كيف يجوز حمل لفظ المساجد على مسجد واحد ؟ قلنا : فيه وجوه. ( أحدها ) : هذا كمن يقول لمن آذى صالحا واحدا : ومن أظلم ممن آذى الصالحين. ( وثانيها ) : أن المسجد موضع السجود فالمسجد الحرام لا يكون في الحقيقة مسجدا واحدا بل مساجد. 
المسألة الرابعة : قوله : أن يذكر فيها اسمه  في محل النصب واختلفوا في العامل فيه على أقوال. ( الأول ) : أنه ثاني مفعولي منع لأنك تقول : منعته كذا، ومثله : وما منعنا أن نرسل بالآيات   وما منع الناس أن يؤمنوا  ( الثاني ) : قال الأخفش : يجوز أن يكون على حذف ( من ) كأنه قيل : منع مساجد الله من أن يذكر فيها اسمه. ( الثالث ) : أن يكون على البدل من مساجد الله. ( الرابع ) : قال الزجاج : يجوز أن يكون على معنى كراهة أن يذكر فيها اسمه، والعامل فيه ( منع ). 
المسألة الخامسة : السعي في تخريب المسجد قد يكون لوجهين. ( أحدهما ) : منع المصلين والمتعبدين والمتعهدين له من دخوله فيكون ذلك تخريبا. ( والثاني ) : بالهدم والتخريب وليس لأحد أن يقول : كيف يصح أن يتأول على بيت الله الحرام ولم يظهر فيه التخريب لأن منع الناس من إقامة شعار العبادة فيه يكون تخريبا له، وقيل : إن أبا بكر رضي الله عنه كان له موضع صلاة فخربته قريش لما هاجر. 
المسألة السادسة : ظاهر الآية يقتضي أن هذا الفعل أعظم أنواع الظلم وفيه إشكال لأن الشرك ظلم على ما قال تعالى : إن الشرك لظلم عظيم  مع أن الشرك أعظم من هذا الفعل، وكذا الزنا وقتل النفس أعظم من هذا الفعل، ( والجواب عنه ) : أقصى ما في الباب أنه عام دخله التخصيص فلا يقدح فيه. 
أما قوله تعالى : أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين  فاعلم أن في الآية مسائل :
المسألة الأولى : ظاهر الكلام أن الذين آمنوا وسعوا في تخريب المسجد هم الذين يحرم عليهم دخوله إلا خائفين، وأما من يجعله عاما في الكل فذكروا في تفسير هذا الخوف وجوها. ( أحدها ) : ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين على حال الهيبة وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلا أن يستولوا عليها ويمنعوا المؤمنين منها، والمعنى ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وعتوهم. ( وثانيها ) : أن هذا بشارة من الله للمسلمين بأنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم حتى لا يدخل المسجد الحرام واحد منهم إلا خائفا يخاف أن يؤخذ فيعاقب، أو يقتل أن لم يسلم، وقد أنجز الله صدق هذا الوعد فمنعهم من دخول المسجد الحرام، ونادى فيهم عام حج أبو بكر رضي الله عنه : ألا لا يحجن بعد العام مشرك، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بإخراج اليهود من جزيرة العرب، فحج من العام الثاني ظاهرا على المساجد لا يجترئ أحد من المشركين أن يحج ويدخل المسجد الحرام، وهذا هو تفسير أبي مسلم في حمل المنع من المساجد على صدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام عام الحديبية ويحمل هذا الخوف على ظهور أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وغلبته لهم بحيث يصيرون خائفين منه ومن أمته. ( وثالثها ) : أن يحمل هذا الخوف على ما يلحقهم من الصغار والذل بالجزية والإذلال. ( ورابعها ) : أنه يحرم عليهم دخول المسجد الحرام إلا في أمر يتضمن الخوف نحو أن يدخلوا للمخاصمة والمحاكمة والمحاجة. لأن كل ذلك يتضمن الخوف والدليل عليه قوله تعالى : ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر  ( وخامسها ) : قال قتادة والسدي : قوله : إلا خائفين  بمعنى أن النصارى لا يدخلون بيت المقدس إلا خائفين، ولا يوجد فيه نصراني إلا أوجع ضربا وهذا التأويل مردود، لأن بيت المقدس بقي أكثر من مائة سنة في أيدي النصارى بحيث لم يتمكن أحد من المسلمين من الدخول فيه إلا خائفا، إلى أن استخلصه الملك صلاح الدين رحمه الله في زماننا. 
( وسادسها ) : أن قوله : ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين  وإن كان لفظه لفظ الخبر لكن المراد منه النهي عن تمكينهم من الدخول، والتخلية بينهم وبينه كقوله : وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله . 
أما قوله تعالى : لهم في الدنيا خزي  فقد اختلفوا في الخزي، فقال بعضهم : ما يلحقهم من الذل بمنعهم من المساجد، وقال آخرون بالجزية في حق أهل الذمة وبالقتل في حق أهل الحرب، واعلم أن كل ذلك محتمل فإن الخزي لا يكون إلا ما يجري مجرى العقوبة من الهوان والإذلال فكل ما هذه صفته يدخل تحته وذلك ردع من الله تعالى عن ثباتهم على الكفر لأن الخزي الحاضر يصرف عن التمسك بما يوجبه ويقتضيه، وأما العذاب العظيم فقد وصفه الله تعالى بما جرى مجرى النهاية في المبالغة، لأن الذين قدم ذكرهم وصفهم بأعظم الظلم، فبين أنهم يستحقون العقاب العظيم، وفي الآية مسألتان :
المسألة الأولى : في أحكام المساجد وفيه وجوه. ( الأول ) : في بيان فضل المساجد ويدل عليه القرآن والأخبار والمعقول، أما القرآن فآيات، ( أحدها ) : قوله تعالى : وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا . أضاف المساجد إلى ذاته بلام الاختصاص، ثم أكد ذلك الاختصاص بقوله : فلا تدعوا مع الله أحدا . ( وثانيها ) : قوله تعالى : إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر  فجعل عمارة المسجد دليلا على الإيمان، بل الآية تدل بظاهرها على حصر الإيمان فيهم، لأن كلمة إنما للحصر. ( وثالثها ) : قوله تعالى : في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال  ( ورابعها ) : هذه الآية التي نحن في تفسيرها وهي قوله تعالى : ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه  فإن ظاهرها يقتضي أن يكون الساعي في تخريب المساجد أسوأ حالا من المشرك لأن قوله : ومن أظلم  يتناول المشرك لأنه تعالى قال : إن الشرك لظلم عظيم  فإذا كان الساعي في تخريبه في أعظم درجات الفسق وجب أن يكون الساعي في عمارته في أعظم درجات الإيمان. وأما الأخبار، ( فأحدها ) : ما روى الشيخان في صحيحيهما أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أراد بناء المسجد فكره الناس ذلك وأحبوا أن يدعه، فقال عثمان رضي الله عنه : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :( من بنى لله مسجدا بنى الله له كهيئته في الجنة ). وفي رواية أخرى :**«بنى الله له بيتا في الجنة »**. ( وثانيها ) : ما روى أبو هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال :( أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها )
واعلم أن هذا الخبر تنبيه على ما هو السر العقلي في تعظيم المساجد وبيانه أن الأمكنة والأزمنة إنما تتشرف بذكر الله تعالى، فإذا كان المسجد مكانا لذكر الله تعالى حتى أن الغافل عن ذكر الله إذا دخل الم

### الآية 2:115

> ﻿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [2:115]

قوله تعالى : ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم 
**اعلم أن في هذه الآية مسائل :**
المسألة الأولى : اختلفوا في سبب نزول هذه الآية، الضابط أن الأكثرين زعموا أنها إنما نزلت في أمر يختص بالصلاة ومنهم من زعم أنها إنما نزلت في أمر لا يتعلق بالصلاة، أما القول الأول فهو أقوى لوجهين، ( أحدها ) : أنه هو المروي عن كافة الصحابة والتابعين وقولهم حجة. ( وثانيهما ) : أن ظاهر قوله : فأينما تولوا  يفيد التوجه إلى القبلة في الصلاة، ولهذا لا يعقل من قوله : فولوا وجوهكم  إلا هذا المعنى إذا ثبت هذا فنقول : القائلون بهذا القول اختلفوا على وجوه :
( أحدها ) : أنه تعالى أراد به تحويل المؤمنين عن استقبال بيت المقدس إلى الكعبة، فبين تعالى أن المشرق والمغرب وجميع الجهات والأطراف كلها مملوكة له سبحانه ومخلوقة له، فأينما أمركم الله باستقباله فهو القبلة، لأن القبلة ليست قبلة لذاتها، بل لأن الله تعالى جعلها قبلة، فإن جعل الكعبة قبلة فلا تنكروا ذلك لأنه تعالى يدبر عباده كيف يريد وهو واسع عليم بمصالحهم فكأنه تعالى ذكر ذلك بيانا لجواز نسخ القبلة من جانب إلى جانب آخر، فيصير ذلك مقدمة لما كان يريد تعالى من نسخ القبلة. ( وثانيها ) : أنه لما حولت القبلة عن بيت المقدس أنكر اليهود ذلك فنزلت الآية ردا عليهم وهو قول ابن عباس وهو نظير قوله : قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم  ( وثالثها ) : قول أبي مسلم وهو أن اليهود والنصارى كل واحد منهم قال : إن الجنة له لا لغيره، فرد الله عليهم بهذه الآية لأن اليهود إنما استقبلوا بيت المقدس لأنهم اعتقدوا أن الله تعالى صعد السماء من الصخرة والنصارى استقبلوا المشرق لأن عيسى عليه السلام إنما ولد هناك على ما حكى الله ذلك في قوله تعالى : واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا  فكل واحد من هذين الفريقين وصف معبوده بالحلول في الأماكن ومن كان هكذا فهو مخلوق لا خالق، فكيف تخلص لهم الجنة وهم لا يفرقون بين المخلوق والخالق. ( ورابعها ) : قال بعضهم : إن الله تعالى نسخ بيت المقدس بالتخيير إلى أي جهة شاء بهذه الآية، فكان للمسلمين أن يتوجهوا إلى حيث شاءوا في الصلاة إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يختار التوجه إلى بيت المقدس مع أنه كان له أن يتوجه حيث شاء، ثم أنه تعالى نسخ ذلك بتعيين الكعبة، وهو قول قتادة وابن زيد. ( وخامسها ) : أن المراد بالآية من هو مشاهد للكعبة فإن له أن يستقبلها من أي جهة شاء وأراد. ( وسادسها ) : ما روى عبد الله بن عامر بن ربيعة قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة في ليلة سوداء مظلمة فلم نعرف القبلة فجعل كل رجل منا مسجده حجارة موضوعة بين يديه، ثم صلينا فلما أصبحنا إذا نحن على غير القبلة فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية وهذا الحديث يدل على أنهم كانوا قد نقلوا حينئذ إلى الكعبة لأن القتال فرض بعد الهجرة بعد نسخ قبلة بيت المقدس. ( وسابعها ) : أن الآية نزلت في المسافر يصلي النوافل حيث تتوجه به راحلته. وعن سعيد بن جبير عن ابن عمر أنه قال : إنما نزلت هذه الآية في الرجل يصلي إلى حيث توجهت به راحلته في السفر. وكان عليه السلام إذا رجع من مكة صلى على راحلته تطوعا يومئ برأسه نحو المدينة، فمعنى الآية : فأينما تولوا  وجوهكم لنوافلكم في أسفاركم : فثم وجه الله  فقد صادفتم المطلوب : إن الله واسع  الفضل غني، فمن سعة فضله وغناه رخص لكم في ذلك لأنه لو كلفكم استقبال القبلة في مثل هذه الحال لزم أحد الضررين، إما ترك النوافل، وإما النزول عن الراحلة والتخلف عن الرفقة بخلاف الفرائض، فإنها صلوات معدودة محصورة فتكليف النزول عن الراحلة عند أدائها واستقبال القبلة فيها لا يفضي إلى الحرج بخلاف النوافل، فإنها غير محصورة، فتكليف الاستقبال يفضي إلى الحرج. فإن قيل : فأي هذه الأقاويل أقرب إلى الصواب. قلنا : إن قوله : فأينما تولوا فثم وجه الله  مشعر بالتخيير والتخيير لا يثبت إلا في صورتين. ( أحدهما ) : في التطوع على الراحلة. ( وثانيهما ) : في السفر عند تعذر الاجتهاد للظلمة أو لغيرها، لأن في هذين الوجهين المصلي مخير فأما على غير هذين الوجهين فلا تخيير وقول من يقول : إن الله تعالى خير المكلفين في استقبال أي جهة شاءوا بهذه الآية، وهم كانوا يختارون بيت المقدس لا لأنه لازم، بل لأنه أفضل وأولى بعيد لأنه لا خلاف أن لبيت المقدس قبل التحويل إلى الكعبة اختصاصا في الشريعة ولو كان الأمر كما قالوا : لم يثبت ذلك الاختصاص وأيضا فكان يجب أن يقال : إن بيت المقدس صار منسوخا بالكعبة فهذه الدلالة تقتضي أن يكون حمل الآية على الوجه الثالث والرابع، وأما الذين حملوا الآية على الوجه الأول فلهم أن يقولوا : إن القبلة لما حولت تكلم اليهود في صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم وصلاة المؤمنين إلى بيت المقدس فبين تعالى بهذه الآية أن تلك القبلة كان التوجه إليها صوابا في ذلك الوقت والتوجه إلى الكعبة صواب في هذا الوقت، وبين أنهم أينما يولوا من هاتين القبلتين في المأذون فيه فثم وجه الله، قالوا : وحمل الكلام على هذا الوجه أولى، لأنه يعم كل مصل، وإذا حمل على الأول لا يعم لأنه يصير محمولا على التطوع دون الفرض، وعلى السفر في حالة مخصوصة دون الحضر، وإذا أمكن إجراء اللفظ العام على عمومه فهو أولى من التخصيص، وأقصى ما في الباب أن يقال : إن على هذا التأويل لابد أيضا من ضرب تقييد وهو أن يقال : فأينما تولوا  من الجهات المأمور بها : فثم وجه الله  إلا أن هذا الإضمار لابد منه على كل حال، لأنه من المحال أن يقول تعالى : فأينما تولوا  بحسب ميل أنفسكم  فثم وجه الله  بل لابد من الإضمار الذي ذكرناه، وإذا كان كذلك فقد زالت طريقة التخيير ونظيره : إذا أقبل أحدنا على ولده وقد أمره بأمور كثيرة مترتبة فقال له : كيف تصرفت فقد اتبعت رضائي، فإنه يحمل ذلك على ما أمره على الوجه الذي أمره من تضييق أو تخيير، ولا يحمل ذلك على التخيير المطلق فكذا ههنا. 
( القول الثاني ) : وهو قول من زعم أن هذه الآية نزلت في أمر سوى الصلاة فلهم أيضا وجوه :( أولها ) : أن المعنى أن هؤلاء الذين ظلموا بمنع مساجدي أن يذكر فيها اسمي وسعوا في خرابها أولئك لهم كذا وكذا، ثم أنهم أينما ولوا هاربين عني وعن سلطاني فإن سلطاني يلحقهم، وقدرتي تسبقهم وأنا عليم بهم، لا يخفى علي مكانهم وفي ذلك تحذير من المعاصي وزجر عن ارتكابها، وقوله تعالى : إن الله واسع عليم  نظير قوله : إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان  فعلى هذا يكون المراد منه سعة العلم، وهو نظير : وهو معكم أينما كنتم  وقوله : ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم  وقوله : ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما  وقوله : وسع كل شيء علما  أي عم كل شيء بعلمه وتدبيره وإحاطته به وعلوه عليه. ( وثانيها ) قال قتادة : إن النبي عليه السلام قال :( إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه، قالوا : نصلي على رجل ليس بمسلم ) فنزل قوله تعالى : وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب  فقالوا : إنه كان يصلي إلى غير القبلة، فأنزل الله تعالى : ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله  ومعناها أن الجهات التي يصلي إليها أهل الملل من شرق وغرب وما بينهما، كلها لي فمن وجه وجهه نحو شيء منها بأمر يريدني ويبتغي طاعتي وجدني هناك أي وجد ثوابي فكان في هذا عذر للنجاشي وأصحابه الذين ماتوا على استقبالهم المشرق وهو نحو قوله تعالى : وما كان الله ليضيع إيمانكم  ( وثالثها ) : لما نزل قوله تعالى : ادعوني أستجب لكم  قالوا : أين ندعوه فنزلت هذه الآية، وهو قول الحسن ومجاهد والضحاك. ( ورابعها ) : أنه خطاب للمسلمين، أي لا يمنعكم تخريب من خرب مساجد الله عن ذكره حيث كنتم من أرضه فلله المشرق والمغرب والجهات كلها، وهو قول علي بن عيسى. ( وخامسها ) : من الناس من يزعم أنها نزلت في المجتهدين الوافين بشرائط الاجتهاد سواء كان في الصلاة أو في غيرها، والمراد منه أن المجتهد إذا رأى بشرائط الاجتهاد فهو مصيب. 
المسألة الثانية : إن فسرنا الآية بأنها تدل على تجويز التوجه إلى أي جهة أريد، فالآية منسوخة وإن فسرناها بأنها تدل على نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة فالآية ناسخة، وإن فسرناها بسائر الوجوه فهي لا ناسخة ولا منسوخة. 
المسألة الثالثة : اللام في قوله تعالى : ولله المشرق والمغرب  لام الاختصاص أي هو خالقهما ومالكهما، وهو كقوله : رب المشرقين ورب المغربين  وقوله : برب المشارق والمغارب  و رب المشرق والمغرب  ثم أنه سبحانه أشار بذكرهما إلى ذكر من بينهما من المخلوقات، كما قال : ثم استوى إلى السماء وهى دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين . 
المسألة الرابعة : الآية من أقوى الدلائل على نفي التجسيم وإثبات التنزيه، وبيانه من وجهين، ( الأول ) : أنه تعالى قال : ولله المشرق والمغرب  فبين أن هاتين الجهتين مملوكتان له وإنما كان كذلك لأن الجهة أمر ممتد في الوهم طولا وعرضا وعمقا، وكل ما كان كذلك فهو منقسم، وكل منقسم فهو مؤلف مركب، وكل ما كان كذلك فلابد له من خالق وموجد، وهذه الدلالة عامة في الجهات كلها، أعني الفوق والتحت، فثبت بهذا أنه تعالى خالق الجهات كلها، والخالق متقدم على المخلوق لا محالة، فقد كان الباري تعالى قبل خلق العالم منزها عن الجهات والأحياز، فوجب أن يبقى بعد خلق العالم كذلك لا محالة لاستحالة انقلاب الحقائق والماهيات. ( الوجه الثاني ) : أنه تعالى قال : فأينما تولوا فثم وجه الله  ولو كان الله تعالى جسما وله وجه جسماني لكان وجهه مختصا بجانب معين وجهة معينة فما كان يصدق قوله : فأينما تولوا فثم وجه الله  فلما نص الله تعالى على ذلك علمنا أنه تعالى منزه عن الجسمية واحتج الخصم بالآية من وجهين، ( الأول ) : أن الآية تدل على ثبوت الوجه لله تعالى والوجه لا يحصل إلا من كان جسما. ( الثاني ) : أنه تعالى وصف نفسه بكونه واسعا، والسعة من صفة الأجسام. ( والجواب عن الأول ) : أن الوجه وإن كان في أصل اللغة عبارة عن العضو المخصوص لكنا بينا أنا لو حملناه ههنا على العضو لكذب قوله تعالى : فأينما تولوا فثم وجه الله  لأن الوجه لو كان محاذيا للمشرق لاستحال في ذلك الزمان أن يكون محاذيا للمغرب أيضا، فإذن لابد فيه من التأويل وهو من وجوه ( الأول ) : أن إضافة وجه الله كإضافة بيت الله وناقة الله، والمراد منها الإضافة بالخلق والإيجاد على سبيل التشريف، فقوله : فثم وجه الله  أي : فثم وجهه الذي وجهكم إليه لأن المشرق والمغرب له بوجهيهما، والمقصود من القبلة إنما يكون قبلة لنصبه تعالى إياها فأي وجه من وجوه العالم المضاف إليه بالخلق والإيجاد نصبه وعينه فهو قبلة. ( الثاني ) : أن يكون المراد من الوجه القصد والنية قال الشاعر :
أستغفر الله ذنبا لست أحص

### الآية 2:116

> ﻿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۖ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ [2:116]

قوله تعالى : وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السموات والأرض كل له قانتون بديع السموات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون . 
اعلم أن هذا هو النوع العاشر من مقابح أفعال اليهود والنصارى والمشركين، واعلم أن الظاهر قوله تعالى : وقالوا اتخذ الله ولدا  أن يكون راجعا إلى قوله : ومن أظلم ممن منع مساجد الله  وقد ذكرنا أن منهم من تأوله على النصارى، ومنهم من تأوله على مشركي العرب، ونحن قد تأولناه على اليهود وكل هؤلاء أثبتوا الولد لله تعالى، لأن اليهود قالوا : عزيز ابن الله، والنصارى قالوا : المسيح ابن الله، ومشركو العرب قالوا : الملائكة بنات الله فلا جرم صحت هذه الحكاية على جميع التقديرات، قال ابن عباس رضي الله عنهما : أنها نزلت في كعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، ووهب بن يهودا فإنهم جعلوا عزير ابن الله، أما قوله تعالى : سبحانه  فهو كلمة تنزيه ينزه بها نفسه عما قالوه، كما قال تعالى في موضع آخر : سبحانه أن يكون له ولد  فمرة أظهره، ومرة اقتصر عليه لدلالة الكلام عليه، واحتج على هذا التنزيه بقوله : بل له ما في السموات والأرض  ووجه الاستدلال بهذا على فساد مذهبهم من وجوه. ( الأول ) : أن كل ما سوى الموجود الواجب ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته محدث، وكل محدث فهو مخلوق لواجب الوجود، والمخلوق لا يكون ولدا، أما بيان أن ما سوى الموجود الواجب ممكن لذاته، فلأنه لو وجد موجودان واجبان لذاتهما لاشتركا في وجوب الوجود، ولامتاز كل واحد منهما عن الآخر بما به التعين، وما به المشاركة، غير ما به الممايزة، ويلزم تركب كل واحد منهما من قيدين، وكل مركب فإنه مفتقر إلى كل واحد من أجزائه، وكل واحد من أجزائه من غيره، فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته، فكل واحد من الموجودين الواجبين لذاتهما ممكن لذاته، هذا خلف، ثم نقول : إن كان كل واحد من ذينك الجزأين واجبا عاد التقسيم المذكور فيه، ويقضي إلى كونه مركبا من أجزاء غير متناهية، وذلك محال، ومع تسليم أنه غير محال فالمقصود حاصل، لأن كل كثرة فلابد فيها من الواحد، فتلك الآحاد إن كانت واجبة لذواتها كانت مركبة على ما ثبت، فالبسيط مركب هذا خلف، وإن كانت ممكنة كان المركب المفتقر إليها أولى بالإمكان، فثبت بهذا البرهان أن كل ما عدا الموجود الواجب ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته فهو محتاج إلى المؤثر، وتأثير ذلك المؤثر فيه إما أن يكون حال عدمه أو حال وجوده، فإن كان الأول فذلك الممكن محدث، وإن كان الثاني فاحتياج ذلك الموجود إلى المؤثر، إما أن يكون حال بقائه أو حال حدوثه، والأول محال لأنه يقتضي إيجاد الوجود فتعين الثاني وذلك يقتضي كون ذلك الممكن محدثا فثبت أن كل ما سوى الله محدث مسبوق بالعدم وأن وجوده إنما حصل بخلق الله تعالى وإيجاده وإبداعه، فثبت أن كل ما سواه فهو عبده وملكه فيستحيل أن يكون شيء مما سواه ولدا له، وهذا البرهان إنما استفدناه من قوله : بل له ما في السموات والأرض  أي له كل ما سواه على سبيل الملك والخلق والإيجاد والإبداع. 
( والثاني ) : أن هذا الذي أضيف إليه بأنه ولده إما أن يكون قديما أزليا أو محدثا، فإن كان أزليا لم يكن حكمنا بجعل أحدهما ولدا والآخر والدا أولى من العكس، فيكون ذلك الحكم حكما مجردا من غير دليل وإن كان الولد حادثا كان مخلوقا لذلك القديم وعبدا له فلا يكون ولدا له. ( والثالث ) : أن الولد لابد وأن يكون من جنس الوالد، فلو فرضنا له ولدا لكان مشاركا له من بعض الوجوه، وممتازا عنه من وجه آخر، وذلك يقتضي كون كل واحد منهما مركبا ومحدثا وذلك محال، فإذن المجانسة ممتنعة فالولدية ممتنعة. ( الرابع ) : أن الولد إنما يتخذ للحاجة إليه في الكبر ورجاء الانتفاع بمعونته حال عجز الأب عن أمور نفسه، فعلى هذا إيجاد الولد إنما يصح على من يصح عليه الفقر والعجز والحاجة، فإذا كان كل ذلك محال كان إيجاد الولد عليه سبحانه وتعالى محالا، واعلم أنه تعالى حكى في مواضع كثيرة عن هؤلاء الذين يضيفون إليه الأولاد قولهم، واحتج عليهم بهذه الحجة وهي أن كل من في السموات والأرض عبد له، وبأنه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون، وقال في مريم : ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون  وقال أيضا في آخر هذه السورة : وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا  فإن قيل : ما الحكمة في أنه تعالى استدل في هذه الآية بكونه مالكا لما في السموات والأرض، وفي سورة مريم بكونه مالكا لمن في السموات والأرض على ما قال : إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا  ؟ قلنا : قوله تعالى في هذه السورة : بل له ما في السموات والأرض  أتم، لأن كلمة ( ما ) تتناول جميع الأشياء، وأما قوله تعالى : كل له قانتون  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : القنوت : أصله الدوام، ثم يستعمل على أربعة أوجه : الطاعة، كقوله تعالى : يا مريم اقنتي لربك  وطول القيام، كقوله عليه السلام لما سئل : أي الصلاة أفضل ؟ قال :**«طول القنوت »** وبمعنى السكوت، كما قال زيد ابن أرقم : كنا نتكلم في الصلاة حتى نزل قوله تعالى : وقوموا لله قانتين  فأمسكنا عن الكلام، ويكون بمعنى الدوام، إذا عرفت هذا فنقول : قال بعض المفسرين : كل له قانتون  أي كل ما في السموات والأرض قانتون مطيعون، والتنوين في كل عوض عن المضاف إليه وهو قول مجاهد وابن عباس، فقيل لهؤلاء الكفار : ليسوا مطيعين، فعند هذا قال آخرون : المعنى أنهم يطيعون يوم القيامة، وهو قول السدي، فقيل لهؤلاء : هذه صفة المكلفين، وقوله : له ما في السموات  يتناول من لا يكون مكلفا فعند هذا فسروا القنوت بوجوه أخر. ( الأول ) : بكونها شاهدة على وجود الخالق سبحانه بما فيها من آثار الصنعة وأمارات الحدوث والدلالة على الربوبية. ( الثاني ) : كون جميعها في ملكه وقهره يتصرف فيها كيف يشاء، وهو قول أبي مسلم، وعلى هذين الوجهين الآية عامة. ( الثالث ) : أراد به الملائكة وعزيرا والمسيح، أي كل من هؤلاء الذين حكموا عليهم بالولد أنهم قانتون له، يحكى عن علي بن أبي طالب قال لبعض النصارى : لولا تمرد عيسى عن عبادة الله لصرت على دينه، فقال النصراني : كيف يجوز أن ينسب ذلك إلى عيسى مع جده في طاعة الله، فقال علي رضي الله عنه : فإن كان عيسى إلها فالإله كيف يعبد غيره إنما العبد هو الذي يليق به العبادة، فانقطع النصراني. 
المسألة الثانية : لما كان القنوت في أصل اللغة عبارة عن الدوام كان معنى الآية أن دوام الممكنات وبقاءها به سبحانه ولأجله وهذا يقتضي أن العالم حال بقائه واستمراره محتاج إليه سبحانه وتعالى، فثبت أن الممكن يقتضي أن لا تنقطع حاجته عن المؤثر لا حال حدوثه ولا حال بقائه. 
المسألة الثالثة : يقال كيف جاء بما الذي لغير أولي العلم مع قوله : قانتون  جوابه : كأنه جاء بما دون من تحقيرا لشأنهم.

### الآية 2:117

> ﻿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [2:117]

أما قوله تعالى : بديع السموات والأرض  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : البديع والمبدع بمعنى واحد. قال القفال : وهو مثل أليم بمعنى مؤلم وحكيم بمعنى محكم، غير أن في بديع مبالغة للعدول فيه وأنه يدل على استحقاق الصفة في غير حال الفعل على تقدير أن من شأنه الإبداع فهو في ذلك بمنزلة : سامع وسميع وقد يجيء بديع بمعنى مبدع، والإبداع الإنشاء ونقيض الإبداع الاختراع على مثال ولهذا السبب فإن الناس يسمون من قال أو عمل ما لم يكن قبله مبتدعا. 
المسألة الثانية : اعلم أن هذا من تمام الكلام الأول، لأنه تعالى قال : بل له ما في السموات والأرض  فبين بذلك كونه مالكا لما في السموات والأرض ثم بين بعده أنه المالك أيضا للسموات والأرض، ثم أنه تعالى بين أنه كيف يبدع الشيء فقال : وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون  وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال بعض الأدباء : القضاء مصدر في الأصل سمي به ولهذا جمع على أقضية كغطاء وأغطية، وفي معناه القضية، وجمعها القضايا ووزنه فعال من تركيب **«ق ض ى »** وأصله **«قضاي »** إلا أن الياء لما وقعت طرفا بعد الألف الزائدة اعتلت فقلبت ألفا، ثم لما لاقت هي ألف فعال قلبت همزة لامتناع التقاء الألفين لفظا، ومن نظائره المضاء والإتاء، من مضيت وأتيت والسقاء والشفاء، من سقيت وشفيت، والدليل على إصالة الياء دون الهمزة ثباتها في أكثر تصرفات الكلمة تقول : قضيت وقضينا، وقضيت إلى قضيتن، وقضيا وقضين، وهما يقضيان، وهي وأنت تقضي، والمرأتان وأنتما تقضيان، وهن يقضين، وأما أنت تقضين، فالياء فيه ضمير المخاطبة، وأما معناه فالأصل الذي يدل تركيبه عليه هو معنى القطع، من ذلك قولهم : قضى القاضي لفلان على فلان بكذا قضاء إذا حكم، لأنه فصل للدعوى، ولهذا قيل : حاكم فيصل إذا كان قاطعا للخصومات وحكى ابن الأنباري عن أهل اللغة أنهم قالوا : القاضي معناه القاطع للأمور المحكم لها، وقولهم انقضى الشيء إذا تم وانقطع، وقولهم : قضى حاجته، معناه قطعها عن المحتاج ودفعها عنه وقضى دينه إذا أداه إليه كأنه قطع التقاضي والاقتضاء عن نفسه أو انقطع كل منهما عن صاحبه، وقولهم : قضى الأمر، إذا أتمه وأحكمه، ومنه قوله تعالى : فقضاهن سبع سموات  وهو من هذا لأن في إتمام العمل قطعا له وفراغا منه، ومنه : درع قضاء من قضاها إذا أحكمها وأتم صنعها، وأما قولهم : قضى المريض وقضى نحبه إذا مات، وقضى عليه : قتله فمجاز مما ذكر والجامع بينهما ظاهر، وأما تقضي البازي فليس من هذا التركيب، ومما يعضد ذلك دلالة ما استعمل من تقليب ترتيب هذا التركيب عليه وهو القيض والضيق، أما الأول فيقال : قاضه فانقاض، أي شقه فانشق، ومنه قيض البيض لما انفلق من قشره الأعلى، وانقاض الحائط إذا انهدم من غير هدم، والقطع والشق والفلق والهدم متقاربة، وأما الضيق وما يشتق منه فدلالته على معنى القطع بينة، وذلك أن الشيء إذا قطع ضاق أو على العكس، ومما يؤكد ذلك أن ما يقرب من هذا التركيب يدل أيضا على معنى القطع، ( فأولها ) : قضبه إذا قطعه، ومنه القضبة المرطبة، لأنها تقضب أي تقطع تسمية بالمصدر، والقضيب : الغصن، فعيل بمعنى مفعول، والمقضب ما يقضب به كالمنجل. ( وثانيها ) القضم وهو الأكل بأطراف الأسنان، لأن فيه قطعا للمأكول، وسيف قضيم : في طرفه تكسر وتفلل. ( وثالثها ) : القضف وهو الدقة، يقال رجل قضيف، أي : نحيف، لأن القلة من مسببات القطع. ( ورابعها ) : القضأة فعلة وهي الفساد، يقال قضئت القربة إذا عفيت وفسدت وفي حسبه قضأة أي عيب، وهذا كله من أسباب القطع أو مسبباته فهذا هو الكلام في مفهومه الأصلي بحسب اللغة. 
المسألة الثانية : في محامل لفظ القضاء في القرآن قالوا : أنه يستعمل على وجوه. ( أحدها ) : بمعنى الخلق، قوله تعالى : فقضاهن سبع سموات  يعني خلقهن. ( وثانيها ) : بمعنى الأمر قال تعالى : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه  ( وثالثها ) : بمعنى الحكم، ولهذا يقال للحاكم : القاضي. ( ورابعا ) : بمعنى الإخبار، قال تعالى : وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب  أي أخبرناهم، وهذا يأتي مقرونا بإلى. ( وخامسها ) : أن يأتي بمعنى الفراغ من الشيء قال تعالى : فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين  يعني لما فرغ من ذلك، وقال تعالى : وقضي الأمر واستوت على الجودي  يعني فرغ من إهلاك الكفار وقال : ليقضوا تفثهم  بمعنى ليفرغوا منه، إذا عرفت هذا فنقول : قوله : إذا قضى أمرا  قيل : إذا خلق شيئا، وقيل : حكم بأنه يفعل شيئا، وقيل : أحكم أمرا، قال الشاعر :

وعليهما مسرودتان قضاهما  داود أو صنع السوابغ تبعالمسألة الثالثة : اتفقوا على أن لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص، وهل هو حقيقة في الفعل والشأن الحق ؟ نعم وهو المراد بالأمر ههنا، وبسط القول فيه مذكور في أصول الفقه. 
المسألة الرابعة : قرأ ابن عامر : كن فيكون  بالنصب في كل القرآن إلا في موضعين : في أول آل عمران : كن فيكون الحق  وفي الأنعام : كن فيكون قوله الحق  فإنه رفعهما، وعن الكسائي بالنصب في النحل ويس وبالرفع في سائر القرآن، والباقون بالرفع في كل القرآن، أما النصب فعلى جواب الأمر، وقيل هو بعيد، والرفع على الاستئناف أي فهو يكون. 
المسألة الخامسة : اعلم أنه ليس المراد من قوله تعالى : فإنما يقول له كن فيكون  هو أنه تعالى يقول له : كن  فحينئذ يتكون ذلك الشيء فإن ذلك فاسد والذي يدل عليه وجوه. ( الأول ) : أن قوله : كن فيكون  إما أن يكون قديما أو محدثا والقسمان فاسدان فبطل القول بتوقف حدوث الأشياء على  كن  إنما قلنا : إنه لا يجوز أن يكون قديما لوجوه. ( الأول ) : أن كلمة  كن  لفظة مركبة من الكاف والنون بشرط تقدم الكاف على النون، فالنون لكونه مسبوقا بالكاف لابد وأن يكون محدثا، والكاف لكونه متقدما على المحدث بزمان واحد يجب أن يكون محدثا. ( الثاني ) : أن كلمة  إذا  لا تدخل إلا على سبيل الاستقبال، فذلك القضاء لابد وأن يكون محدثا لأنه دخل عليه حرف  إذا  وقوله  كن  مرتب على القضاء بفاء التعقيب لأنه تعالى قال : فإنما يقول له كن  والمتأخر عن المحدث محدث، فاستحال أن يكون : كن  قديما. ( الثالث ) : أنه تعالى رتب تكون المخلوق على قوله : كن  بفاء التعقيب فيكون قوله : كن  مقدما على تكون المخلوق بزمان واحد والمتقدم على المحدث بزمان واحد لابد وأن يكون محدثا فقوله : كن  لا يجوز أن يكون قديما، ولا جائز أيضا أن يكون قوله : كن  محدثا لأنه لو افتقر كل محدث إلى قوله : كن  وقوله : كن  أيضا محدث فيلزم افتقار : كن  آخر ويلزم إما التسلسل وإما الدور وهما محالان، فثبت بهذا الدليل أنه لا يجوز توقف إحداث الحوادث على قوله : كن . 
الحجة الثانية : أنه تعالى إما أن يخاطب المخلوق بكن قبل دخوله في الوجود أو حال دخوله في الوجود، ( والأول ) : باطل لأن خطاب المعدوم حال عدمه سفه، ( والثاني ) : أيضا باطل لأنه يرجع حاصله إلى أنه تعالى أمر الموجود بأن يصير موجودا وذلك أيضا لا فائدة فيه. 
الحجة الثالثة : أن المخلوق قد يكون جمادا، وتكليف الجماد عبث ولا يليق بالحكيم. 
الحجة الرابعة : أن القادر هو الذي يصح منه الفعل وتركه بحسب الإرادات، فإذا فرضنا القادر المريد منفكا عن قوله : كن  فإما أن يتمكن من الإيجاد والإحداث أو لا يتمكن، فإن تمكن لم يكن الإيجاد موقوفا على قوله : كن  وإن لم يتمكن فحينئذ يلزم أن لا يكون القادر قادرا على الفعل إلا عند تكلمه بكن فيرجع حاصل الأمر إلى أنكم سمعتم القدرة بكن وذلك نزاع في اللفظ. 
الحجة الخامسة : أن  كن  لو كان له أثر في التكوين لكنا إذا تكلمنا بهذه الكلمة وجب أن يكون لها ذلك التأثير، ولما علمنا بالضرورة فساد ذلك علمنا أنه لا تأثير لهذه الكلمة. 
الحجة السادسة : أن  كن  كلمة مركبة من الكاف والنون، بشرط كون الكاف متقدما على النون، فالمؤثر إما أن يكون هو أحد هذين الحرفين أو مجموعهما، فإن كان الأول لم يكن لكلمة  كن  أثر البتة، بل التأثير لأحد هذين الحرفين، وإن كان الثاني فهو محال، لأنه لا وجود لهذا المجموع البتة لأنه حين حصل الحرف الأول لم يكن الثاني حاصلا، وحين جاء الثاني فقد فات الأول، وإن لم يكن للمجموع وجود البتة استحال أن يكون للمجموع أثر البتة. 
الحجة السابعة : قوله تعالى : إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون  بين أن قوله : كن  متأخر عن خلقه إذ المتأخر عن الشيء لا يكون مؤثرا في المتقدم عليه، فعلمنا أنه لا تأثير لقوله : كن  في وجود الشيء فظهر بهذه الوجوه فساد هذا المذهب، وإذا ثبت هذا فنقول لابد من التأويل وهو من وجوه :
( الأول ) : وهو الأقوى أن المراد من هذه الكلمة سرعة نفاذ قدرة الله في تكوين الأشياء، وأنه تعالى يخلق الأشياء لا بفكرة ومعاناة وتجربة ونظيره قوله تعالى عند وصف خلق السموات والأرض : فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين  من غير قول كان منهما لكن على سبيل سرعة نفاذ قدرته في تكوينهما من غير ممانعة ومدافعة ونظيره قول العرب : قال الجدار للوتد لم تشقني ؟ قال : سل من يدقني فإن الذي ورائي ما خلاني ورائي ونظيره قوله تعالى : وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم  ( الثاني ) : أنه علامة يفعلها الله تعالى للملائكة إذا سمعوها علموا أنه أحدث أمرا يحكى ذلك عن أبي الهذيل. ( الثالث ) : أنه خاص بالموجودين الذين قال لهم  كونوا قردة خاسئين  ومن جرى مجراهم وهو قول الأصم. ( الرابع ) : أنه أمر للأحياء بالموت وللموتى بالحياة والكل ضعيف والقوي هو الأول.

### الآية 2:118

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [2:118]

قوله تعالى : وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون 
اعلم أن هذا هو النوع الحادي عشر من قبائح اليهود والنصارى والمشركين، ففيه مسائل :
المسألة الأولى : أن الله تعالى لما حكى عن اليهود والنصارى والمشركين ما يقدح في التوحيد وهو أنه تعالى اتخذ الولد، حكى الآن عنهم ما يقدح في النبوة، وقال أكثر المفسرين : هؤلاء هم مشركو العرب والدليل عليه قوله تعالى : وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا  وقالوا : لولا يأتينا بآية كما أرسل الأولون  وقالوا  لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا  هذا قول أكثر المفسرين، إلا أنه ثبت أن أهل الكتاب سألوا ذلك، والدليل عليه قوله تعالى : يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك  فإن قيل : الدليل على أن المراد مشركو العرب أنه تعالى وصفهم بأنهم لا يعلمون، وأهل الكتاب أهل العلم، قلنا : المراد أنهم لا يعلمون التوحيد والنبوة كما ينبغي، وأهل الكتاب كانوا كذلك. 
المسألة الثانية : تقرير هذه الشبهة التي تمسكوا بها أن الحكيم إذا أراد تحصيل شيء فلابد وأن يختار أقرب الطرق المفضية إليه وأبعدها عن الشكوك والشبهات، إذا ثبت هذا فنقول : إن الله تعالى يكلم الملائكة وكلم موسى وأنت تقول : يا محمد، إنه كلمك والدليل عليه قوله تعالى : فأوحى إلى عبده ما أوحى  فلم لا يكلمنا مشافهة ولا ينص على نبوتك حتى يتأكد الاعتقاد وتزول الشبهة وأيضا فإن كان تعالى لا يفعل ذلك فلم لا يخصك بآية ومعجزة وهذا منهم طعن في كون القرآن آية ومعجزة، لأنهم لو أقروا بكونه معجزة لاستحال أن يقولوا : هلا يأتينا بآية ثم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله : كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون ، وحاصل هذا الجواب أنا قد أيدنا قول محمد صلى الله عليه وسلم بالمعجزات، وبينا صحة قوله بالآيات وهي القرآن وسائر المعجزات، فكان طلب هذه الزوائد من باب التعنت وإذا كان كذلك لم يجب إجابتها لوجوه. ( الأول ) : أنه إذا حصلت الدلالة الواحدة فقد تمكن المكلف من الوصول إلى المطلوب، فلو كان غرضه طلب الحق لاكتفى بتلك الدلالة، فحيث لم يكتف بها وطلب الزائد عليها علمنا أن ذلك للطلب من باب العناد واللجاج، فلم تكن إجابتها واجبة ونظيره قوله تعالى : وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم  فبكتهم بما في القرآن من الدلالة الشافية. ( وثانيها ) : لو كان في معلوم الله تعالى أنهم يؤمنون عند إنزال هذه الآية لفعلها، ولكنه علم أنه لو أعطاهم ما سألوه لما ازدادوا إلا لجاجا فلا جرم لم يفعل ذلك ولذلك قال تعالى : ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون  ( وثالثها ) : إنما حصل في تلك الآيات أنواع من المفاسد وربما أوجب حصولها هلاكهم واستئصالهم إن استمروا بعد ذلك على التكذيب وربما كان بعضها منتهيا إلى حد الإلجاء المخل بالتكليف، وربما كانت كثرتها وتعاقبها يقدح في كونها معجزة، لأن الخوارق متى توالت صار انخراق العادة عادة، فحينئذ يخرج عن كونه معجزا وكل ذلك أمور لا يعلمها إلا الله علام الغيوب فثبت أن عدم إسعافهم بهذه الآيات لا يقدح في النبوة. 
أما قوله تعالى : تشابهت قلوبهم  فالمراد أن المكذبين للرسل تتشابه أقوالهم وأفعالهم، فكما أن قوم موسى كانوا أبدا في التعنت واقتراح الأباطيل، كقولهم : لن نصبر على طعام واحد  وقولهم : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة  وقولهم : أتتخذنا هزوا  وقولهم : أرنا الله جهرة  فكذلك هؤلاء المشركون يكونون أبدا في العناد واللجاج وطلب الباطل. 
أما قوله تعالى : قد بينا الآيات لقوم يوقنون  فالمراد أن القرآن وغيره من المعجزات كمجيء الشجرة وكلام الذئب، وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل، آيات قاهرة، ومعجزات باهرة لمن كان طالبا لليقين.

### الآية 2:119

> ﻿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۖ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ [2:119]

قوله تعالى : إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم . 
اعلم أن القوم لما أصروا على العناد واللجاج الباطل واقترحوا المعجزات على سبيل التعنت بين الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه لا مزيد على ما فعله في مصالح دينهم من إظهار الأدلة وكما بين ذلك بين أنه لا مزيد على ما فعله الرسول في باب الإبلاغ والتنبيه لكي لا يكثر غمه بسبب إصرارهم على كفرهم وفي قوله : بالحق  وجوه. ( أحدها ) : أنه متعلق بالإرسال، أي أرسلناك إرسالا بالحق. ( وثانيها ) : أنه متعلق بالبشير والنذير أي أنت مبشر بالحق ومنذر به. ( وثالثها ) : أن يكون المراد من الحق الدين والقرآن، أي أرسلناك بالقرآن حال كونه بشيرا لمن أطاع الله بالثواب ونذيرا لمن كفر بالعقاب، والأولى أن يكون البشير والنذير صفة للرسول صلى الله عليه وسلم فكأنه تعالى قال : إنا أرسلناك يا محمد بالحق لتكون مبشرا لمن اتبعك واهتدى بدينك ومنذرا لمن كفر بك وضل عن دينك. 
أما قوله تعالى : ولا تسأل عن أصحاب الجحيم  ففيه قراءتان :
الجمهور برفع التاء واللام على الخبر، وأما نافع فبالجزم وفتح التاء على النهي. 
أما على القراءة الأولى ففي التأويل وجوه. ( أحدها ) : أن مصيرهم إلى الجحيم فمعصيتهم لا تضرك ولست بمسؤول عن ذلك وهو كقوله : فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب  وقوله : عليه ما حمل وعليكم ما حملتم  ( والثاني ) : أنك هاد وليس لك من الأمر شيء، فلا تأسف ولا تغتم لكفرهم ومصيرهم إلى العذاب ونظيره قوله : فلا تذهب نفسك عليهم حسرات  ( الثالث ) : لا تنظر إلى المطيع والعاصي في الوقت، فإن الحال قد يتغير فهو غيب فلا تسأل عنه، وفي الآية دلالة على أن أحدا لا يسأل عن ذنب غيره ولا يؤاخذ بما اجترمه سواه سواء كان قريبا أو كان بعيدا. 
أما القراءة الثانية ففيها وجهان، ( الأول ) : روي أنه قال : ليت شعري ما فعل أبواي ؟ فنهي عن السؤال عن الكفرة وهذه الرواية بعيدة لأنه عليه الصلاة والسلام كان عالما بكفرهم، وكان عالما بأن الكافر معذب، فمع هذا العلم كيف يمكن أن يقول : ليت شعري ما فعل أبواي. ( والثاني ) : معنى هذا النهي تعظيم ما وقع فيه الكفار من العذاب، كما إذا سألت عن إنسان واقع في بلية فيقال لك : لا تسأل عنه، ووجه التعظيم أن المسئول يجزع أن يجري على لسانه ما هو فيه لفظاعته فلا تسأله ولا تكلفه ما يضجره، أو أنت يا مستخبر لا تقدر على استماع خبره لإيحاشه السامع وإضجاره، فلا تسأل، والقراءة الأولى يعضدها قراءة أبي :( وما تسأل ) وقراءة عبد الله ( ولن تسأل ).

### الآية 2:120

> ﻿وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [2:120]

قوله تعالى : ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير 
اعلم أنه تعالى لما صبر رسوله بما تقدم من الآية وبين أن العلة قد انزاحت من قبله لا من قبلهم وأنه لا عذر لهم في الثبات على التكذيب به عقب ذلك بأن القوم بلغ حالهم في تشددهم في باطلهم وثباتهم على كفرهم أنهم يريدون مع ذلك أن يتبع ملتهم ولا يرضون منه بالكتاب، بل يريدون منه الموافقة لهم فيما هم عليه فبين بذلك شدة عداوتهم للرسول وشرح ما يوجب اليأس من موافقتهم والملة هي الدين ثم قال : قل إن هدى الله هو الهدى  بمعنى أن هدى الله هو الذي يهدي إلى الإسلام وهو الهدى الحق والذي يصلح أن يسمى هدى وهو الهدى كله ليس وراءه هدى، وما يدعون إلى اتباعه ما هو بهدى إنما هو هوى، ألا ترى إلى قوله : ولئن اتبعت أهواءهم  أي أقوالهم التي هي أهواء وبدع،  بعد الذي جاءك من العلم  أي من الدين المعلوم صحته بالدلائل القاطعة.  ما لك من الله من ولي ولا نصير  أي معين يعصمك ويذب عنك، بل الله يعصمك من الناس إذا أقمت على الطاعة والاعتصام بحبله قالوا : الآية تدل على أمور منها أن الذي علم الله منه أنه لا يفعل الشيء يجوز منه أن يتوعده على فعله، فإن في هذه الصورة علم الله أنه لا يتبع أهواءهم ومع ذلك فقد توعده عليه ونظيره قوله : لئن أشركت ليحبطن عملك  وإنما حسن هذا الوعيد لاحتمال أن الصارف له عن ذلك الفعل هو هذا الوعيد أو هذا الوعيد أحد صوارفه. ( وثانيها ) : أن قوله : بعد الذي جاءك من العلم  يدل على أنه لا يجوز الوعيد إلا بعد نصب الأدلة وإذا صح ذلك فبأن لا يجوز الوعيد إلا بعد القدرة أولى فبطل به قول من يجوز تكليف ما لا يطاق. ( وثالثها ) : فيها دلالة على أن اتباع الهوى لا يكون إلا باطلا، فمن هذا الوجه يدل على بطلان التقليد. ( ورابعها ) : فيها دلالة على أنه لا شفيع لمستحق العقاب لأن غير الرسول إذا اتبع هواه لو كان يجد شفيعا ونصيرا لكان الرسول أحق بذلك وهذا ضعيف، لأن اتباع أهوائهم كفر، وعندنا لا شفاعة في الكفر.

### الآية 2:121

> ﻿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۗ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [2:121]

قوله تعالى : الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون  اعلم أن في الآية مسائل :
المسألة الأولى : الذين  موضعه رفع بالابتداء. و أولئك  ابتداء ثان و يؤمنون به  خبره. 
المسألة الثانية : المراد بقوله : الذين آتيناهم الكتاب  من هم فيه قولان :
القول الأول : أنهم المؤمنون الذين آتاهم الله القرآن واحتجوا عليه من وجوه. ( أحدها ) : أن قوله : يتلونه حق تلاوته  حث وترغيب في تلاوة هذا الكتاب، ومدح على تلك التلاوة، والكتاب الذي هذا شأنه هو القرآن لا التوراة والإنجيل، فإن قراءتهما غير جائزة. ( وثانيها ) : أن قوله تعالى : أولئك يؤمنون به  يدل على أن الإيمان مقصور عليهم، ولو كان المراد أهل الكتاب لما كان كذلك. ( وثالثها ) : قوله : ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون  والكتاب الذي يليق به هذا الوصف هو القرآن. 
( القول الثاني ) : أن المراد بالذين آتاهم الكتاب، هم الذين آمنوا بالرسول من اليهود، والدليل عليه أن الذين تقدم ذكرهم هم أهل الكتاب فلما ذم طريقتهم وحكى عنهم سوء أفعالهم، أتبع ذلك بمدح من ترك طريقتهم، بل تأمل التوراة وترك تحريفها وعرف منها صحة نبوة محمد عليه السلام. 
أما قوله تعالى : يتلونه حق تلاوته  فالتلاوة لها معنيان. ( أحدهما ) : القراءة. ( الثاني ) : الإتباع فعلا، لأن من اتبع غيره يقال تلاه فعلا، قال الله تعالى : والقمر إذا تلاها  فالظاهر أنه يقع عليهما جميعا، ويصح فيهما جميعا المبالغة لأن التابع لغيره قد يستوفي حق الإتباع فلا يخل بشيء منه، وكذلك التالي يستوفي حق قراءته فلا يخل بما يلزم فيه، والذين تأولوه على القراءة هم الذين اختلفوا على وجوه. ( فأولها ) : أنهم تدبروه فعملوا بموجبه حتى تمسكوا بأحكامه من حلال وحرام وغيرهما. ( وثانيها ) : أنهم خضعوا عند تلاوته، وخشعوا إذا قرؤا القرآن في صلاتهم وخلواتهم. ( وثالثها ) : أنهم عملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه، وتوقفوا فيما أشكل عليهم منه وفوضوه إلى الله سبحانه. ( ورابعها ) : يقرؤنه كما أنزل الله، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يتأولونه على غير الحق. ( وخامسها ) : أن تحمل الآية على كل هذه الوجوه لأنها مشتركة في مفهوم واحد، وهو تعظيمها، والانقياد لها لفظا ومعنى، فوجب حمل اللفظ على هذا القدر المشترك تكثيرا لفوائد كلام الله تعالى والله أعلم.

### الآية 2:122

> ﻿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [2:122]

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مَنْ هُمْ فِيهِ قَوْلَانِ:
 الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آتَاهُمُ اللَّهُ الْقُرْآنَ وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ حَثٌّ وَتَرْغِيبٌ فِي تِلَاوَةِ هَذَا الْكِتَابِ، وَمَدْحٌ عَلَى تِلْكَ التِّلَاوَةِ، وَالْكِتَابُ الَّذِي هَذَا شَأْنُهُ هُوَ الْقُرْآنُ لَا التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ، فَإِنَّ قِرَاءَتَهُمَا غَيْرُ جَائِزَةٍ. وَثَانِيهَا: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ مقصود عَلَيْهِمْ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ أَهْلَ الْكِتَابِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وَالْكِتَابُ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ هَذَا الْوَصْفُ هُوَ الْقُرْآنُ.
 الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِالَّذِينِ آتَاهُمُ الْكِتَابَ، هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالرَّسُولِ مِنَ الْيَهُودِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَمَّا ذَمَّ طَرِيقَتَهُمْ وَحَكَى عَنْهُمْ سُوءَ أَفْعَالِهِمْ، أَتْبَعَ ذَلِكَ بِمَدْحِ مَنْ تَرَكَ طَرِيقَتَهُمْ، بَلْ تَأَمَّلَ التَّوْرَاةَ وَتَرَكَ تَحْرِيفَهَا وَعَرَفَ مِنْهَا صِحَّةَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
 أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ فَالتِّلَاوَةُ لَهَا مَعْنَيَانِ. أَحَدُهُمَا: الْقِرَاءَةُ. الثَّانِي: الِاتِّبَاعُ فِعْلًا، لِأَنَّ مَنِ اتَّبَعَ غَيْرَهُ يُقَالُ تَلَاهُ فِعْلًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها \[الشَّمْسِ: ٢\] فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، وَيَصِحُّ فِيهِمَا جَمِيعًا الْمُبَالَغَةُ لِأَنَّ التَّابِعَ لِغَيْرِهِ قَدْ يَسْتَوْفِي حَقَّ الِاتِّبَاعِ فَلَا يُخِلُّ بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ التَّالِي يَسْتَوْفِي حَقَّ قِرَاءَتِهِ فَلَا يُخِلُّ بِمَا يَلْزَمُ فِيهِ، وَالَّذِينَ تَأَوَّلُوهُ عَلَى الْقِرَاءَةِ هُمُ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا عَلَى وُجُوهٍ. فَأَوَّلُهَا: أَنَّهُمْ تَدَبَّرُوهُ فَعَمِلُوا بِمُوجِبِهِ حَتَّى تَمَسَّكُوا بِأَحْكَامِهِ مِنْ حَلَالٍ وَحَرَامٍ وَغَيْرِهِمَا. وَثَانِيهَا: أَنَّهُمْ خَضَعُوا عند تلاوته، وخشعوا إذا قرءوا الْقُرْآنَ فِي صَلَاتِهِمْ وَخَلَوَاتِهِمْ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُمْ عَمِلُوا بِمُحْكَمِهِ وَآمَنُوا بِمُتَشَابِهِهِ، وَتَوَقَّفُوا فِيمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ منه وفوضوه إلى الله سبحانه. ورابعها: يقرءونه كَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَلَا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَلَا يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ. وَخَامِسُهَا: أَنْ تُحْمَلَ الْآيَةُ عَلَى كُلِّ هَذِهِ الْوُجُوهِ لِأَنَّهَا مُشْتَرِكَةٌ فِي مَفْهُومٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ تَعْظِيمُهَا، وَالِانْقِيَادُ لَهَا لَفْظًا وَمَعْنًى، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ تَكْثِيرًا لِفَوَائِدِ كَلَامِ الله تعالى والله أعلم.
 \[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٢٢ الى ١٢٤\]
 يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣) وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لَا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)
 اعْلَمْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمَّا اسْتَقْصَى فِي شَرْحِ وُجُوهِ نِعَمِهِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ثُمَّ فِي شَرْحِ قَبَائِحِهِمْ فِي أَدْيَانِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَخَتَمَ هَذَا الْفَصْلَ بما بدأ به وهو قوله: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ إِلَى قَوْلِهِ: وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ شرع سبحانه هاهنا فِي نَوْعٍ آخَرَ مِنَ الْبَيَانِ وَهُوَ أَنْ ذَكَرَ قِصَّةَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَيْفِيَّةَ أَحْوَالِهِ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ شَخْصٌ يعترف بفضله جميع الطوائف والملل، فالمشركين كَانُوا مُعْتَرِفِينَ بِفَضْلِهِ مُتَشَرِّفِينَ بِأَنَّهُمْ مِنْ أَوْلَادِهِ ومن ساكني حرمه وخادمي بيته.
 \[أما قوله تعالى وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ إلى قوله لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ\] وَأَهْلُ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَانُوا أَيْضًا

مُقِرِّينَ بِفَضْلِهِ مُتَشَرِّفِينَ بِأَنَّهُمْ مِنْ أَوْلَادِهِ، فَحَكَى الله سبحانه وتعالى عن إبراهيم عليه السلام أُمُورًا تُوجِبُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَعَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى قبول قوله مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالِاعْتِرَافَ بِدِينِهِ وَالِانْقِيَادَ لِشَرْعِهِ، وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ:
 أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَهُ بِبَعْضِ التَّكَالِيفِ فَلَمَّا وَفَّى بِهَا وَخَرَجَ عَنْ عُهْدَتِهَا لَا جَرَمَ نَالَ النُّبُوَّةَ وَالْإِمَامَةَ وَهَذَا مِمَّا يُنَبِّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ عَلَى أَنَّ الْخَيْرَ لَا يَحْصُلُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا بِتَرْكِ التَّمَرُّدِ وَالْعِنَادِ وَالِانْقِيَادِ لِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَكَالِيفِهِ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُ تَعَالَى حَكَى عَنْهُ أَنَّهُ طَلَبَ الْإِمَامَةَ لِأَوْلَادِهِ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْصِبَ الْإِمَامَةِ وَالرِّيَاسَةِ فِي الدِّينِ لَا يَصِلُ إِلَى الظَّالِمِينَ، فَهَؤُلَاءِ مَتَى أَرَادُوا وِجْدَانَ هَذَا الْمَنْصِبِ وَجَبَ عَلَيْهِمْ تَرْكُ اللَّجَاجِ وَالتَّعَصُّبِ لِلْبَاطِلِ وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْحَجَّ مِنْ خَصَائِصِ دِينِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَحَكَى اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ لِيَكُونَ ذَلِكَ كَالْحُجَّةِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي وُجُوبِ الِانْقِيَادِ لِذَلِكَ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ الْقِبْلَةَ لَمَّا حُوِّلَتْ إِلَى الْكَعْبَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ هَذَا الْبَيْتَ قِبْلَةُ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي يَعْتَرِفُونَ بِتَعْظِيمِهِ وَوُجُوبِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ زَوَالَ ذَلِكَ الْغَضَبِ عَنْ قُلُوبِهِمْ.
 وَخَامِسُهَا: أَنَّ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ فَسَّرَ الْكَلِمَاتِ الَّتِي ابْتَلَى اللَّهُ تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ بِهَا بِأُمُورٍ يَرْجِعُ حَاصِلُهَا إِلَى تَنْظِيفِ الْبَدَنِ وَذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ اخْتِيَارَ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُعْتَرِفِينَ بِفَضْلِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَيُوجِبُ عَلَيْهِمْ تَرْكَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّلَطُّخِ بِالدِّمَاءِ وَتَرْكِ النَّظَافَةِ وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ فَسَّرَ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ بِمَا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَبَرَ عَلَى مَا ابْتُلِيَ بِهِ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى/ وَهُوَ النَّظَرُ فِي الْكَوَاكِبِ وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ وَمُنَاظَرَةُ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، ثُمَّ الِانْقِيَادُ لِأَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَبْحِ الْوَلَدِ وَالْإِلْقَاءِ فِي النَّارِ، وَهَذَا يُوجِبُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَعْتَرِفُونَ بِفَضْلِهِ أَنْ يَتَشَبَّهُوا بِهِ فِي ذَلِكَ وَيَسْلُكُوا طَرِيقَتَهُ فِي تَرْكِ الْحَسَدِ وَالْحَمِيَّةِ وَكَرَاهَةِ الِانْقِيَادِ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَهَذِهِ الْوُجُوهُ الَّتِي لِأَجْلِهَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى قِصَّةَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
 وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى حَكَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أُمُورًا يَرْجِعُ بَعْضُهَا إِلَى الْأُمُورِ الشَّاقَّةِ الَّتِي كَلَّفَهُ بِهَا، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إِلَى التَّشْرِيفَاتِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي خَصَّهُ اللَّهُ بِهَا، وَنَحْنُ نَأْتِي عَلَى تَفْسِيرِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهَذِهِ الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى تَكْلِيفٍ حَصَلَ بَعْدَهُ تَشْرِيفٌ.
 أَمَّا التَّكْلِيفُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ وَفِيهِ مَسَائِلُ:
 الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: \[الْعَامِلُ فِي إِذِ\] قال صاحب الكشاف: العامل في إِذِ إِمَّا مُضْمَرٌ نَحْوُ: وَاذْكُرْ إِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ أَوْ إِذِ ابْتَلَاهُ كَانَ كَيْتَ وَكَيْتَ وَإِمَّا قالَ إِنِّي جاعِلُكَ.
 الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ تَكْلِيفَهُ إِيَّاهُ بِبَلْوَى تَوَسُّعًا لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا يَكُونُ مِنَّا عَلَى جِهَةِ الْبَلْوَى وَالتَّجْرِبَةِ وَالْمِحْنَةِ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْرِفُ مَا يَكُونُ مِمَّنْ يَأْمُرُهُ، فَلَمَّا كَثُرَ ذَلِكَ فِي الْعُرْفِ بَيْنَنَا جَازَ أَنْ يَصِفَ اللَّهُ تَعَالَى أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ بِذَلِكَ مَجَازًا لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الِاخْتِبَارُ وَالِامْتِحَانُ لِأَنَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ الَّتِي لَا نِهَايَةَ لَهَا عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ مِنَ الْأَزَلِ إِلَى الْأَبَدِ، وَقَالَ هِشَامُ بن الحكم: إنه تعالى كَانَ فِي الْأَزَلِ عَالِمًا بِحَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ وَمَاهِيَّاتِهَا فَقَطْ، فَأَمَّا حُدُوثُ تِلْكَ الْمَاهِيَّاتِ وَدُخُولُهَا فِي الْوُجُودِ فَهُوَ تَعَالَى لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا عِنْدَ وُقُوعِهَا وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِالْآيَةِ وَالْمَعْقُولِ، أَمَّا الْآيَةُ فَهِيَ هَذِهِ الْآيَةُ، قَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى صَرَّحَ بِأَنَّهُ يَبْتَلِي عِبَادَهُ وَيَخْتَبِرُهُمْ وَذَكَرَ نَظِيرَهُ فِي سَائِرِ الْآيَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ \[مُحَمَّدٍ: ٣١\] وَقَالَ: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا \[هُودٍ: ٧\] وَقَالَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ ذَلِكَ: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ

وَالْجُوعِ
 \[الْبَقَرَةِ: ١٥٥\] وَذَكَرَ أَيْضًا مَا يُؤَكِّدُ هَذَا الْمَذْهَبَ نَحْوَ قَوْلِهِ: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى \[طه: ٤٤\] وَكَلِمَةُ **«لَعَلَّ»** للترجي وقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ \[الْبَقَرَةِ: ٢١\] فَهَذِهِ الْآيَاتُ وَنَظَائِرُهَا دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يَعْلَمُ وُقُوعَ الْكَائِنَاتِ قَبْلَ وُقُوعِهَا، أَمَّا الْعَقْلُ فَدَلَّ عَلَى وُجُوهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ كَانَ عَالِمًا بِوُقُوعِ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ وُقُوعِهَا لَزِمَ نَفْيُ الْقُدْرَةِ عَنِ الْخَالِقِ وَعَنِ الْخَلْقِ، وَذَلِكَ مُحَالٌ فَمَا أَدَّى إِلَيْهِ مِثْلُهُ بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّ مَا عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى وُقُوعَهُ اسْتَحَالَ أَنْ لَا يَقَعَ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِوُقُوعِ الشَّيْءِ وَبِلَا وُقُوعِ ذَلِكَ الشَّيْءِ مُتَضَادَّانِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ مُحَالٌ، وَكَذَلِكَ مَا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ كَانَ وُقُوعُهُ مُحَالًا لِعَيْنِ هَذِهِ الدَّلَالَةِ، فَلَوْ كَانَ الْبَارِي تَعَالَى عَالِمًا بِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ الْجُزْئِيَّةِ قَبْلَ وُقُوعِهَا لَكَانَ بَعْضُهَا وَاجِبَ الْوُقُوعِ وَبَعْضُهَا مُمْتَنِعَ الْوُقُوعِ، وَلَا قُدْرَةَ الْبَتَّةَ لَا عَلَى الْوَاجِبِ وَلَا عَلَى الْمُمْتَنِعِ فَيَلْزَمُ نَفْيُ الْقُدْرَةِ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ عَنِ الْخَالِقِ تَعَالَى وَعَنِ الْخَلْقِ وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ أَمَّا فِي حَقِّ الْخَالِقِ فَلِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ الْعَالَمَ مُحْدَثٌ وَلَهُ مُؤَثِّرٌ وَذَلِكَ الْمُؤَثِّرُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا إِذْ لَوْ كَانَ مُوجِبًا لِذَاتِهِ لَزِمَ مِنْ قِدَمِهِ قِدَمُ الْعَالَمِ أَوْ مِنْ حُدُوثِ الْعَالَمِ حُدُوثُهُ، وَأَمَّا/ فِي حَقِّ الْخَلْقِ فَلِأَنَّا نَجِدُ مِنْ أَنْفُسِنَا وِجْدَانًا ضَرُورِيًّا كَوْنَنَا مُتَمَكِّنِينَ مِنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّا إِنْ شِئْنَا الْفِعْلَ قَدَرْنَا عَلَيْهِ، وَإِنْ شِئْنَا التَّرْكَ قَدَرْنَا عَلَى التَّرْكِ، فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا وَاجِبًا وَالْآخَرُ مُمْتَنِعًا لَمَا حَصَلَتْ هَذِهِ الْمُكْنَةُ الَّتِي يُعْرَفُ ثُبُوتُهَا بِالضَّرُورَةِ. وَثَانِيهَا: أَنَّ تَعَلُّقَ الْعِلْمِ بِأَحَدِ الْمَعْلُومَيْنِ مُغَايِرٌ لِتَعَلُّقِهِ بِالْمَعْلُومِ الْآخَرِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَصِلُ مِنَّا تعقل أحد التعلقين مع الذهول عن التعليق الْآخَرِ، وَلَوْ كَانَ التَّعَلُّقَانِ تَعَلُّقًا وَاحِدًا لَاسْتَحَالَ ذَلِكَ، لِأَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا مَذْهُولًا عَنْهُ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: لَوْ كَانَ تَعَالَى عَالِمًا بِجَمِيعِ هَذِهِ الْجُزْئِيَّاتِ، لَكَانَ لَهُ تَعَالَى عُلُومٌ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، أَوْ كَانَ لِعِلْمِهِ تَعَلُّقَاتٌ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَيَلْزَمُ حُصُولُ مَوْجُودَاتٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَذَلِكَ مُحَالٌ، لِأَنَّ مَجْمُوعَ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ أَزْيَدُ مِنْ ذَلِكَ الْمَجْمُوعِ بِعَيْنِهِ عِنْدَ نُقْصَانِ عَشَرَةٍ مِنْهُ، فَالنَّاقِصُ مُتَنَاهٍ، وَالزَّائِدُ زَادَ عَلَى الْمُتَنَاهِي بِتِلْكَ الْعَشَرَةِ، وَالْمُتَنَاهِي إِذَا ضُمَّ إِلَيْهِ غَيْرُ الْمُتَنَاهِي كَانَ الْكُلُّ مُتَنَاهِيًا، فَإِذًا وُجُودُ أُمُورٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ مُحَالٌ، فَإِنْ قِيلَ: الْمَوْجُودُ هُوَ الْعِلْمُ، فَأَمَّا تِلْكَ التَّعَلُّقَاتُ فَهِيَ أُمُورٌ نِسْبِيَّةٌ لَا وُجُودَ لَهَا فِي الْأَعْيَانِ، قُلْنَا: الْعِلْمُ إِنَّمَا يَكُونُ عِلْمًا لَوْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِالْمَعْلُومِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ حَاصِلًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ الْعِلْمُ عِلْمًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَذَلِكَ مُحَالٌ. وَثَالِثُهَا:
 أَنَّ هَذِهِ الْمَعْلُومَاتِ الَّتِي لَا نِهَايَةَ لَهَا، هَلْ يَعْلَمُ اللَّهُ عَدَدَهَا أَوْ لَا يَعْلَمُ، فَإِنْ عَلِمَ عَدَدَهَا فَهِيَ مُتَنَاهِيَةٌ، لِأَنَّ كُلَّ مَا لَهُ عَدَدٌ مُعَيَّنٌ فَهُوَ مُتَنَاهٍ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ اللَّهُ تَعَالَى عَدَدَهَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهَا عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، وَكَلَامُنَا لَيْسَ إِلَّا فِي الْعِلْمِ التَّفْصِيلِيِّ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ كُلَّ مَعْلُومٍ فَهُوَ مُتَمَيِّزٌ فِي الذِّهْنِ عَمَّا عَدَاهُ، وَكُلُّ مُتَمَيِّزٍ عَمَّا عَدَاهُ فَإِنَّ مَا عَدَاهُ خَارِجٌ عَنْهُ، وَكُلُّ مَا خَرَجَ عَنْهُ فَهُوَ مُتَنَاهٍ، فَإِذَنْ كُلُّ مَعْلُومٍ فَهُوَ مُتَنَاهٍ، فَإِذَنْ كُلُّ مَا هُوَ غَيْرُ مُتَنَاهٍ اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا. وَخَامِسُهَا: أَنَّ الشَّيْءَ إِنَّمَا يَكُونُ مَعْلُومًا لَوْ كَانَ لِلْعِلْمِ تَعَلُّقٌ بِهِ وَنِسْبَةٌ إِلَيْهِ وَانْتِسَابُ الشَّيْءِ إِلَى الشَّيْءِ يُعْتَبَرُ تَحَقُّقُهُ فِي نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ تَعَيُّنٌ اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ نِسْبَةٌ، وَالشَّيْءُ الْمُشَخَّصُ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي الْوُجُودِ لَمْ يَكُنْ مُشَخَّصًا الْبَتَّةَ، فَاسْتَحَالَ كَوْنُهُ مُتَعَلِّقَ الْعِلْمِ، فَإِنْ قِيلَ: يَبْطُلُ هَذَا بِالْمُحَالَاتِ وَالْمُرَكَّبَاتِ قَبْلَ دُخُولِهَا فِي الْوُجُودِ فَإِنَّا نَعْلَمُهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا تَعَيُّنَاتٌ الْبَتَّةَ، قُلْنَا: هَذَا الَّذِي أَوْرَدْتُمُوهُ نَقْضٌ عَلَى كَلَامِنَا، وَلَيْسَ جَوَابًا عَنْ كَلَامِنَا، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُزِيلُ الشَّكَّ، وَالشُّبْهَةَ، قَالَ هِشَامٌ: فَهَذِهِ الْوُجُوهُ الْعَقْلِيَّةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَى صَرْفِ هَذِهِ الْآيَاتِ عَنْ ظَوَاهِرِهَا، وَاعْلَمْ أَنَّ هِشَامًا كَانَ رَئِيسَ الرَّافِضَةِ، فلذلك ذهب قدماء الروافض إلى القول بالنداء، أَمَّا الْجُمْهُورُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ قَبْلَ وُقُوعِهَا، وَاحْتَجُّوا عَلَيْهَا بِأَنَّهَا قَبْلَ وُقُوعِهَا تَصِحُّ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لِلَّهِ تَعَالَى إِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهَا تَصِحُّ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لِأَنَّا نَعْلَمُهَا قَبْلَ وُقُوعِهَا فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الشَّمْسَ غَدًا تَطْلُعُ مِنْ مَشْرِقِهَا، وَالْوُقُوعُ يَدُلُّ عَلَى الْإِمْكَانِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ لَمَّا صَحَّ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً وَجَبَ أَنْ تَكُونَ معلومة لله تعالى، لأن تعلق اللَّهِ تَعَالَى بِالْمَعْلُومِ أَمْرٌ ثَبَتَ لَهُ لِذَاتِهِ، فَلَيْسَ تَعَلُّقُهُ بِبَعْضِ مَا يَصِحُّ أَنْ يَعْلَمَ أَوْلَى مِنْ تَعَلُّقِهِ بِغَيْرِهِ، فَلَوْ حَصَلَ التَّخْصِيصُ لَافْتَقَرَ إِلَى مُخَصِّصٍ، وَذَلِكَ/ مُحَالٌ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَعْلُومَاتِ أَصْلًا وَإِنْ تَعَلَّقَ بِالْبَعْضِ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّهَا وَهُوَ الْمَطْلُوبُ أَمَّا الشُّبْهَةُ الْأُولَى: فَالْجَوَابُ عَنْهَا أَنَّ الْعِلْمَ بِالْوُقُوعِ تَبَعٌ لِلْوُقُوعِ، وَالْوُقُوعُ تَبَعٌ لِلْقُدْرَةِ، فَالتَّابِعُ لَا يُنَافِي الْمَتْبُوعَ، فَالْعِلْمُ لَازِمٌ لَا يُغْنِي عَنِ الْقُدْرَةِ.
 وَأَمَّا الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: فَالْجَوَابُ عَنْهَا: أَنَّهَا مَنْقُوضَةٌ بِمَرَاتِبِ الْأَعْدَادِ الَّتِي لَا نِهَايَةَ لَهَا.
 وَأَمَّا الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: فَالْجَوَابُ عَنْهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَعْلَمُ عَدَدَهَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ إِثْبَاتُ الْجَهْلِ، لِأَنَّ الْجَهْلَ هُوَ أَنْ يَكُونَ لَهَا عَدَدٌ مُعَيَّنٌ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَعْلَمُ عَدَدَهَا، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يكن فِي نَفْسِهَا عَدَدٌ، لَمْ يَلْزَمْ مِنْ قَوْلِنَا:
 أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَعْلَمُ عَدَدَهَا إِثْبَاتُ الْجَهْلِ.
 وَأَمَّا الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ: فَالْجَوَابُ عَنْهَا: أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْمَعْلُومِ أَنْ يَعْلَمَ الْعِلْمُ تَمَيُّزَهُ عَنْ غَيْرِهِ، لِأَنَّ الْعِلْمَ بِتَمَيُّزِهِ عَنْ غَيْرِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِذَلِكَ الْغَيْرِ، فَلَوْ كَانَ تَوَقُّفُ الْعِلْمِ بِالشَّيْءِ عَلَى الْعِلْمِ بِتَمَيُّزِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَثَبَتَ أَنَّ الْعِلْمَ بِتَمَيُّزِهِ مِنْ غَيْرِهِ يُوقَفُ عَلَى الْعِلْمِ بِغَيْرِهِ، لَزِمَ أَنْ لَا يَعْلَمَ الْإِنْسَانُ شَيْئًا وَاحِدًا إِلَّا إِذَا عَلِمَ أُمُورًا لَا نِهَايَةَ لَهَا.
 وَأَمَّا الشُّبْهَةُ الْخَامِسَةُ: فَالْجَوَابُ عَنْهَا بِالنَّقْضِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَإِذَا انْتَقَضَتِ الشُّبْهَةُ سَقَطَتْ، فَيَبْقَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى عُمُومِ عَالِمِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى سَالِمًا عَنِ الْمُعَارِضِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
 الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اعْلَمْ أن الضمير لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ عَائِدًا إِلَى مَذْكُورٍ سَابِقٍ، فَالضَّمِيرُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْمَذْكُورِ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا لَفْظًا وَمُتَأَخِّرًا مَعْنًى، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِالْعَكْسِ، مِنْهُ. أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ متقدماً لفظاً ومعنى فالمشهور عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ، وَقَالَ ابْنُ جِنِّي بِجَوَازِهِ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِالشِّعْرِ وَالْمَعْقُولِ، أَمَّا الشِّعْرُ فَقَوْلُهُ:

جَزَى رَبُّهُ عَنِّي عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ  جَزَاءَ الْكِلَابِ الْعَاوِيَاتِ وَقَدْ فَعَلْ وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَلِأَنَّ الْفَاعِلَ مُؤَثِّرٌ وَالْمَفْعُولَ قَابِلٌ وَتَعَلُّقَ الْفِعْلِ بِهِمَا شَدِيدٌ، فَلَا يَبْعُدُ تَقْدِيمُ أَيِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَ عَلَى الْآخَرِ فِي اللَّفْظِ، ثُمَّ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قُدِّمَ الْمَنْصُوبُ عَلَى الْمَرْفُوعِ فِي اللَّفْظِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ، فَكَذَا إِذَا لَمْ يُقَدَّمْ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ التَّقْدِيمَ جَائِزٌ. الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ مُتَأَخِّرًا لَفْظًا وَمَعْنًى، وَهَذَا لَا نِزَاعَ فِي صِحَّتِهِ، كَقَوْلِكَ: ضَرَبَ زَيْدٌ غُلَامَهُ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ مُتَقَدِّمًا فِي اللَّفْظِ مُتَأَخِّرًا فِي الْمَعْنَى وَهُوَ كَقَوْلِكَ: ضَرَبَ غُلَامَهُ زَيْدٌ، فَهَهُنَا الضَّمِيرُ وَإِنْ كَانَ مُتَقَدِّمًا فِي اللَّفْظِ لَكِنَّهُ مُتَأَخِّرٌ فِي الْمَعْنَى، لِأَنَّ الْمَنْصُوبَ مُتَأَخِّرٌ عَنِ الْمَرْفُوعِ فِي التَّقْدِيرِ، فَيَصِيرُ كَأَنَّكَ قُلْتَ: زَيْدٌ ضَرَبَ غُلَامَهُ فَلَا جَرَمَ كَانَ جَائِزًا. الْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ مُتَقَدِّمًا فِي الْمَعْنَى مُتَأَخِّرًا فِي اللَّفْظِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ فَإِنَّ الْمَرْفُوعَ

مُقَدَّمٌ فِي الْمَعْنَى عَلَى الْمَنْصُوبِ، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: وَإِذِ ابْتَلَى رَبُّهُ إِبْرَاهِيمَ، إِلَّا أَنَّ الْأَمْرَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ بِحَسَبِ الْمَعْنَى لَكِنْ لَمَّا لم يكن الضمير متقدماً في الفظ بَلْ كَانَ مُتَأَخِّرًا لَا جَرَمَ كَانَ جَائِزًا حَسَنًا.
 الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ إِبْرَاهَامَ بِأَلِفٍ بَيْنَ الْهَاءِ وَالْمِيمِ، وَالْبَاقُونَ، (إِبْرَاهِيمَ) وَهُمَا لُغَتَانِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو حَيْوَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِرَفْعِ إِبْرَاهِيمَ وَنَصْبِ رَبِّهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ دَعَاهُ بِكَلِمَاتٍ مِنَ الدُّعَاءِ فِعْلَ الْمُخْتَبِرِ هَلْ يُجِيبُهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِنَّ أَمْ لَا.
 الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي أَنَّ ظَاهِرَ اللَّفْظِ هَلْ يَدُلُّ عَلَى تِلْكَ الْكَلِمَاتِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ:
 اللَّفْظُ يَدُلُّ عَلَيْهَا وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْإِمَامَةِ وَتَطْهِيرِ الْبَيْتِ وَرَفْعِ قَوَاعِدِهِ وَالدُّعَاءِ بِإِبْعَاثِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ أُمُورٌ شَاقَّةٌ، أَمَّا الْإِمَامَةُ فَلِأَنَّ الْمُرَادَ منها هاهنا هُوَ النُّبُوَّةُ، وَهَذَا التَّكْلِيفُ يَتَضَمَّنُ مَشَاقَّ عَظِيمَةً، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْزَمُهُ أن يحتمل جَمِيعَ الْمَشَاقِّ وَالْمَتَاعِبِ فِي تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَأَنْ لَا يَخُونَ فِي أَدَاءِ شَيْءٍ مِنْهَا، وَلَوْ لَزِمَهُ الْقَتْلُ، بِسَبَبِ ذَلِكَ وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَشَاقِّ، وَلِهَذَا قُلْنَا: إِنَّ ثَوَابَ النَّبِيِّ أَعْظَمُ مِنْ ثَوَابِ غَيْرِهِ، وَأَمَّا بِنَاءُ الْبَيْتِ وَتَطْهِيرُهُ وَرَفْعُ قَوَاعِدِهِ، فَمَنْ وَقَفَ عَلَى مَا رُوِيَ فِي كَيْفِيَّةِ بِنَائِهِ عَرَفَ شِدَّةَ الْبَلْوَى فِيهِ، ثُمَّ إِنَّهُ يَتَضَمَّنُ إِقَامَةَ الْمَنَاسِكِ، وَقَدِ امْتَحَنَ اللَّهُ الْخَلِيلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالشَّيْطَانِ فِي الْمَوْقِفِ لِرَمْيِ الْجِمَارِ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا اشْتِغَالُهُ بِالدُّعَاءِ فِي أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، فَهَذَا مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِزَالَةُ الْحَسَدِ عَنِ الْقَلْبِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَثَبَتَ أَنَّ الْأُمُورَ الْمَذْكُورَةَ عَقِيبَ هَذِهِ الْآيَةِ: تَكَالِيفُ شَاقَّةٌ شَدِيدَةٌ، فَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنِ ابْتِلَاءِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُ بِالْكَلِمَاتِ هُوَ ذَلِكَ، ثُمَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ ذَلِكَ أَنَّهُ عَقَّبَهُ بِذِكْرِهِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بِحَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ الْعَطْفِ فَلَمْ يَقْبَلْ، وَقَالَ: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا، بَلْ قَالَ: إِنِّي جاعِلُكَ فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الِابْتِلَاءَ لَيْسَ إِلَّا التَّكْلِيفَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ، وَاعْتَرَضَ الْقَاضِي عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَقَالَ: هَذَا إِنَّمَا يَجُوزُ لَوْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهَا إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى قَالَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا فَأَتَمَّهُنَّ، إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ ذَكَرَ قَوْلَهُ: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً بَعْدَ قَوْلِهِ: فَأَتَمَّهُنَّ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى امْتَحَنَهُ بِالْكَلِمَاتِ وَأَتَمَّهَا إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى قَالَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ:
 إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ الْكَلِمَاتِ الْإِمَامَةَ فَقَطْ، بَلِ الْإِمَامَةَ وَبِنَاءَ الْبَيْتِ وَتَطْهِيرَهُ وَالدُّعَاءَ فِي بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ابْتَلَاهُ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ ابْتَلَاهُ بِأُمُورٍ عَلَى الْإِجْمَالِ، ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْهُ أَنَّهُ أَتَمَّهَا، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالشَّرْحِ وَالتَّفْصِيلِ، وَهَذَا مِمَّا لَا يعد فِيهِ.
 الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْمُرَادِ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ وَهَذَا القول يحتمل وجهين، أحدهما:
 بِكَلِمَاتٍ كَلَّفَهُ اللَّهُ بِهِنَّ، وَهِيَ أَوَامِرُهُ وَنَوَاهِيهِ فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ مِمَّا شَاءَ كَلَّفَهُ بِالْأَمْرِ بِهَا. وَالْوَجْهُ الثاني: بكلمات تكون من إبراهيم يلكم بِهَا قَوْمَهُ، أَيْ يُبَلِّغُهُمْ إِيَّاهَا، وَالْقَائِلُونَ بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ ذَلِكَ التَّكْلِيفَ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ عَلَى أَقْوَالٍ. أَحَدُهَا: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ عَشْرُ خِصَالٍ كَانَتْ فَرْضًا فِي شَرْعِهِ وَهِيَ سُنَّةٌ فِي شَرْعِنَا، خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ وَخَمْسٌ فِي الْجَسَدِ، أَمَّا الَّتِي فِي الرَّأْسِ: فَالْمَضْمَضَةُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ/ وَفَرْقُ الرَّأْسِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَالسِّوَاكُ، وَأَمَّا الَّتِي فِي الْبَدَنِ: فَالْخِتَانُ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَالِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ. وَثَانِيهَا: قَالَ بَعْضُهُمْ: ابْتَلَاهُ بِثَلَاثِينَ خَصْلَةً مِنْ خِصَالِ الْإِسْلَامِ، عَشْرٌ مِنْهَا فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ \[التَّوْبَةِ: ١١٢\] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَعَشْرٌ مِنْهَا فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ:

إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ \[الْأَحْزَابِ: ٣٥\] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَعَشْرٌ مِنْهَا فِي الْمُؤْمِنُونَ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ \[الْمُؤْمِنُونَ: ١\] إِلَى قَوْلِهِ: أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ \[الْمُؤْمِنُونَ: ١٠\] وَرُوِيَ عَشْرٌ فِي: سَأَلَ سائِلٌ \[الْمَعَارِجِ: ١\] إِلَى قَوْلِهِ: وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ \[الْمَعَارِجِ: ٣٤\] فَجَعَلَهَا أَرْبَعِينَ سَهْمًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَثَالِثُهَا: أَمَرَهُ بِمَنَاسِكِ الْحَجِّ، كَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالرَّمْيِ وَالْإِحْرَامِ وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَرَابِعُهَا:
 ابْتَلَاهُ بِسَبْعَةِ أَشْيَاءَ: بِالشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ، وَالْكَوَاكِبِ، وَالْخِتَانِ عَلَى الْكِبَرِ، وَالنَّارِ، وَذَبْحِ الْوَلَدِ، وَالْهِجْرَةِ، فَوَفَّى بِالْكُلِّ فَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى \[النَّجْمِ: ٣٧\] عَنِ الْحَسَنِ. وَخَامِسُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ مَا ذَكَرَهُ فِي قَوْلِهِ: إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ \[الْبَقَرَةِ: ١٣١\]. وَسَادِسُهَا: الْمُنَاظَرَاتُ الْكَثِيرَةُ فِي التَّوْحِيدِ مَعَ أَبِيهِ وَقَوْمِهِ ومع نمرود وَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَالصَّوْمُ، وَقَسْمُ الْغَنَائِمِ، وَالضِّيَافَةُ، وَالصَّبْرُ عَلَيْهَا، قَالَ الْقَفَّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّ الِابْتِلَاءَ يَتَنَاوَلُ إِلْزَامَ كُلِّ مَا فِي فعله كلفة شدة وَمَشَقَّةٌ، فَاللَّفْظُ يَتَنَاوَلُ مَجْمُوعَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَيَتَنَاوَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا، فَلَوْ ثَبَتَتِ الرِّوَايَةُ فِي الْكُلِّ وَجَبَ الْقَوْلُ بِالْكُلِّ، وَلَوْ ثَبَتَتِ الرِّوَايَةُ فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ فَحِينَئِذٍ يَقَعُ التَّعَارُضُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ، فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَالَ الْقَاضِي: هَذَا الِابْتِلَاءُ إِنَّمَا كَانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَبَّهَ عَلَى أَنَّ قِيَامَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِهِنَّ كَالسَّبَبِ لِأَنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ إِمَامًا، وَالسَّبَبُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُسَبَّبِ، فَوَجَبَ كَوْنُ هَذَا الِابْتِلَاءِ مُتَقَدِّمًا فِي الْوُجُودِ عَلَى صَيْرُورَتِهِ إِمَامًا وَهَذَا أَيْضًا مُلَائِمٌ لِقَضَايَا الْعُقُولِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَفَاءَ مِنْ شَرَائِطِ النُّبُوَّةِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالْإِعْرَاضِ عَنْ جَمِيعِ مَلَاذِّ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتِهَا وَتَرْكِ الْمُدَاهَنَةِ مَعَ الْخَلْقِ وَتَقْبِيحِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْأَدْيَانِ الْبَاطِلَةِ وَالْعَقَائِدِ الْفَاسِدَةِ، وَتَحَمُّلِ الْأَذَى مِنْ جَمِيعِ أَصْنَافِ الْخَلْقِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ أَعْظَمِ الْمَشَاقِّ وَأَجَلِّ الْمَتَاعِبِ، وَلِهَذَا السَّبَبِ يَكُونُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ أُمَّتِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَاللَّهُ تَعَالَى ابْتَلَاهُ بِالتَّكَالِيفِ الشَّاقَّةِ، فَلَمَّا وَفَّى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِهَا لَا جَرَمَ أَعْطَاهُ خُلْعَةَ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، وَقَالَ آخَرُونَ:
 إِنَّهُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا يَعْلَمُ كَوْنَهُ مُكَلَّفًا بِتِلْكَ التَّكَالِيفِ إِلَّا مِنَ الْوَحْيِ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِ الْوَحْيِ عَلَى مَعْرِفَتِهِ بِكَوْنِهِ كَذَلِكَ، أَجَابَ الْقَاضِي عَنْهُ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيْهِ عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِهَذِهِ التَّكَالِيفِ الشَّاقَّةِ، فَلَمَّا تَمَّمَ ذَلِكَ جَعَلَهُ نَبِيًّا مَبْعُوثًا إِلَى الْخَلْقِ، إِذَا عَرَفْتَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَنَقُولُ قَالَ الْقَاضِي: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْكَلِمَاتِ، مَا ذَكَرَهُ الْحَسَنُ مِنْ حَدِيثِ الْكَوْكَبِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِذَلِكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، أَمَّا ذَبْحُ الْوَلَدِ وَالْهِجْرَةُ وَالنَّارُ فَكُلُّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، وَكَذَا الْخِتَانُ، فَإِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُرْوَى أَنَّهُ خَتَنَ نَفْسَهُ وَكَانَ سِنُّهُ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قَامَتِ الدَّلَالَةُ السَّمْعِيَّةُ الْقَاهِرَةُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْكَلِمَاتِ/ هَذِهِ الأشياء كان المراد من قوله: فَأَتَمَّهُنَّ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ عَلِمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يُتِمُّهُنَّ وَيَقُومُ بِهِنَّ بَعْدَ النُّبُوَّةِ فَلَا جَرَمَ أَعْطَاهُ خُلْعَةَ الْإِمَامَةِ وَالنُّبُوَّةِ.
 الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: الضَّمِيرُ الْمُسْتَكِنُّ فِي فَأَتَمَّهُنَّ فِي إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ لِإِبْرَاهِيمَ بِمَعْنَى فَقَامَ بِهِنَّ حَقَّ الْقِيَامِ، وَأَدَّاهُنَّ أَحْسَنَ التَّأْدِيَةِ، مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ وَتَوَانٍ. وَنَحْوُهُ: وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى وَفِي الْأُخْرَى لِلَّهِ تَعَالَى بِمَعْنَى: فَأَعْطَاهُ مَا طلبه لم ينقض منه شيئاً.
 أما \[التشريف ف\] قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً فَالْإِمَامُ اسْمُ مَنْ يُؤْتَمُّ بِهِ كَالْإِزَارِ لِمَا يُؤْتَزَرُ بِهِ، أَيْ يَأْتَمُّونَ بِكَ فِي دِينِكَ. وَفِيهِ مسائل:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ أَهْلُ التَّحْقِيقِ: الْمُرَادُ مِنَ الإمام هاهنا النَّبِيُّ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ. أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ:
 لِلنَّاسِ إِماماً يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَهُ إِمَامًا لِكُلِّ النَّاسِ وَالَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ رَسُولًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُسْتَقِلًّا بِالشَّرْعِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ تَبَعًا لِرَسُولٍ آخَرَ لَكَانَ مَأْمُومًا لِذَلِكَ الرَّسُولِ لَا إِمَامًا لَهُ، فَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ الْعُمُومُ.
 وَثَانِيهَا: أَنَّ اللَّفْظَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِمَامٌ فِي كُلِّ شَيْءِ وَالَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ نَبِيًّا. وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ أَئِمَّةٌ مِنْ حَيْثُ يَجِبُ عَلَى الْخَلْقِ اتِّبَاعُهُمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا \[الْأَنْبِيَاءِ: ٧٣\] وَالْخُلَفَاءُ أَيْضًا أَئِمَّةٌ لِأَنَّهُمْ رَتَّبُوا فِي الْمَحَلِّ الَّذِي يَجِبُ عَلَى النَّاسِ اتِّبَاعُهُمْ وَقَبُولُ قَوْلِهِمْ وَأَحْكَامِهِمْ وَالْقُضَاةُ وَالْفُقَهَاءُ أَيْضًا أَئِمَّةٌ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَالَّذِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ يُسَمَّى أَيْضًا إِمَامًا لِأَنَّ مَنْ دَخَلَ فِي صَلَاتِهِ لَزِمَهُ الِائْتِمَامُ بِهِ.
 قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: **«إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ إِمَامًا لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا وَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَى إِمَامِكُمْ»**
 فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ اسْمَ الْإِمَامِ لِمَنِ اسْتَحَقَّ الِاقْتِدَاءَ بِهِ فِي الدِّينِ وَقَدْ يُسَمَّى بِذَلِكَ أَيْضًا مَنْ يُؤْتَمُّ بِهِ فِي الْبَاطِلِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ \[الْقَصَصِ: ٤١\] إِلَّا أَنَّ اسْمَ الْإِمَامِ لَا يَتَنَاوَلُهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ لَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ إِلَّا مُقَيَّدًا، فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَئِمَّةَ الضَّلَالِ قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ كَمَا أَنَّ اسْمَ الْإِلَهِ لَا يَتَنَاوَلُ إِلَّا الْمَعْبُودَ الْحَقَّ، فَأَمَّا الْمَعْبُودُ الْبَاطِلُ فَإِنَّمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْإِلَهِ مَعَ الْقَيْدِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ \[هُودٍ: ١٠١\] وَقَالَ:
 وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً \[طه: ٩٧\] إِذَا ثَبَتَ أَنَّ اسْمَ الْإِمَامِ يَتَنَاوَلُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَثَبَتَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الْإِمَامَةِ وَجَبَ حمل اللفظ هاهنا عَلَيْهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ لَفْظَ الْإِمَامِ هاهنا فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ، فَلَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ تِلْكَ النِّعْمَةُ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ لِيَحْسُنَ نِسْبَةُ الِامْتِنَانِ فَوَجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الْإِمَامَةِ عَلَى النُّبُوَّةِ.
 الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا وَعَدَهُ بِأَنْ يَجْعَلَهُ إِمَامًا لِلنَّاسِ حَقَّقَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ الْوَعْدَ فِيهِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْأَدْيَانِ عَلَى شَدَّةِ اخْتِلَافِهَا وَنِهَايَةِ تَنَافِيهَا يُعَظِّمُونَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَيَتَشَرَّفُونَ بِالِانْتِسَابِ إِلَيْهِ إِمَّا فِي النَّسَبِ وَإِمَّا فِي الدِّينِ وَالشَّرِيعَةِ حَتَّى إِنَّ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ كَانُوا مُعَظِّمِينَ لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ/ حَنِيفاً \[النحل: ١٢٣\] وقال: مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ \[الْبَقَرَةِ: ١٣٠\] وَقَالَ فِي آخِرِ سُورَةِ الْحَجِّ: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ \[الْحَجِّ: ٧٨\] وَجَمِيعُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَقُولُونَ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ وَتَرَحَّمْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ.
 الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يَصِيرُ إِمَامًا إِلَّا بِالنَّصِّ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ فَقَالُوا: إِنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّهُ إِنَّمَا صَارَ إِمَامًا بِسَبَبِ التَّنْصِيصِ عَلَى إِمَامَتِهِ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً \[الْبَقَرَةِ: ٣٠\] فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ له منصب الخلافة إلا بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ المراد بالإمامة هاهنا النُّبُوَّةُ ثُمَّ إِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا مُطْلَقُ الْإِمَامَةِ لَكِنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّصَّ طَرِيقُ الْإِمَامَةِ وَذَلِكَ لَا نِزَاعَ فِيهِ، إِنَّمَا النِّزَاعُ فِي أَنَّهُ هَلْ تَثْبُتُ الْإِمَامَةُ بِغَيْرِ النَّصِّ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ تَعَرُّضٌ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا بِالنَّفْيِ وَلَا بِالْإِثْبَاتِ.
 الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ مَعْصُومًا عَنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ لِأَنَّ الْإِمَامَ هُوَ الَّذِي يُؤْتَمُّ بِهِ وَيُقْتَدَى، فَلَوْ صَدَرَتِ الْمَعْصِيَةُ مِنْهُ لَوَجَبَ عَلَيْنَا الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِي ذَلِكَ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْنَا فِعْلُ الْمَعْصِيَةِ وَذَلِكَ مُحَالٌ لِأَنَّ كَوْنَهُ مَعْصِيَةً عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مَمْنُوعًا مِنْ فِعْلِهِ وَكَوْنَهُ وَاجِبًا عِبَارَةٌ عَنْ

كَوْنِهِ مَمْنُوعًا مِنْ تَرْكِهِ وَالْجَمِيعُ مُحَالٌ.
 أَمَّا قوله: مِنْ ذُرِّيَّتِي فَفِيهِ مَسَائِلُ:
 الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الذُّرِّيَّةُ: الْأَوْلَادُ وأولاد الأولاد للرجل وهو من ذرأ اللَّهِ الْخَلْقَ وَتَرَكُوا هَمْزَهَا لِلْخِفَّةِ كَمَا تَرَكُوا فِي الْبَرِّيَّةِ وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ مَنْسُوبَةً إِلَى الذَّرِّ.
 الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي عُطِفَ عَلَى الْكَافِ كَأَنَّهُ قَالَ: وَجَاعِلُ بَعْضِ ذُرِّيَّتِي كَمَا يُقَالُ لَكَ:
 سَأُكْرِمُكَ، فَتَقُولُ: وَزَيْدًا.
 الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ تَعَالَى أَعْلَمَهُ أَنَّ فِي ذُرِّيَّتِهِ أَنْبِيَاءَ فَأَرَادَ أَنْ يَعْلَمَ هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي كُلِّهِمْ أَوْ فِي بَعْضِهِمْ وَهَلْ يَصْلُحُ جَمِيعُهُمْ لِهَذَا الْأَمْرِ؟ فَأَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ فِيهِمْ ظَالِمًا لَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَكَرَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعْلَامِ وَلَمَّا لَمْ يَعْلَمْ عَلَى وَجْهِ الْمَسْأَلَةِ، فَأَجَابَهُ اللَّهُ تَعَالَى صَرِيحًا بِأَنَّ النُّبُوَّةَ لَا تَنَالُ الظَّالِمِينَ مِنْهُمْ، فَإِنْ قِيلَ: هَلْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَأْذُونًا فِي قَوْلِهِ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي أَوْ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا فِيهِ؟ فَإِنْ أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذَا الدُّعَاءِ فَلِمَ رَدَّ دُعَاءَهُ؟ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ كَانَ ذَلِكَ ذَنْبًا، قُلْنَا: قَوْلُهُ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ طَلَبَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ ذُرِّيَّتِهِ أَئِمَّةً لِلنَّاسِ، وَقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ تَعَالَى إِجَابَةَ دُعَائِهِ فِي الْمُؤْمِنِينَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ كَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَجَعَلَ آخِرَهُمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَئِمَّةِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
 أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: قالَ لَا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ فَفِيهِ مَسَائِلُ:
 الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَرَأَ حَمْزَةُ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ: عَهْدِي بِإِسْكَانِ الْيَاءِ، وَالْبَاقُونَ بفتحها، / وقرأ بعضهم: لا ينال عهدي الظالمون أَيْ مَنْ كَانَ ظَالِمًا مِنْ ذُرِّيَّتِكَ فَإِنَّهُ لَا يَنَالُ عَهْدِي.
 الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: ذَكَرُوا فِي الْعَهْدِ وُجُوهًا: أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا الْعَهْدَ هُوَ الْإِمَامَةُ الْمَذْكُورَةُ فِيمَا قَبْلُ، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ تِلْكَ الْإِمَامَةِ هُوَ النُّبُوَّةَ فَكَذَا وَإِلَّا فَلَا. وَثَانِيهَا: عَهْدِي أَيْ رَحْمَتِي عَنْ عَطَاءٍ. وَثَالِثُهَا: طَاعَتِي عَنِ الضَّحَّاكِ. وَرَابِعُهَا: أَمَانِي عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي طَلَبٌ لِتِلْكَ الْإِمَامَةِ الَّتِي وَعَدَهُ بِهَا بِقَوْلِهِ: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً فَقَوْلُهُ: لَا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ لَا يَكُونُ جَوَابًا عَنْ ذَلِكَ السُّؤَالِ إِلَّا إِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِهَذَا الْعَهْدِ تِلْكَ الْإِمَامَةَ.
 الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى سَيُعْطِي بَعْضَ وَلَدِهِ مَا سَأَلَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ الْجَوَابُ: لَا، أَوْ يَقُولُ: لَا يَنَالُ عَهْدِي ذُرِّيَّتَكَ، فَإِنْ قِيلَ: أَفَمَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَالِمًا بِأَنَّ النُّبُوَّةَ لَا تَلِيقُ بِالظَّالِمِينَ، قُلْنَا:
 بَلَى، وَلَكِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَالَ ذُرِّيَّتِهِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ فِيهِمْ مَنْ هَذَا حَالُهُ وَأَنَّ النُّبُوَّةَ إِنَّمَا تَحْصُلُ لِمَنْ لَيْسَ بِظَالِمٍ.
 الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: الرَّوَافِضُ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى الْقَدْحِ فِي إِمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ. الْأَوَّلُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانَا كَافِرَيْنِ، فَقَدْ كَانَا حَالَ كُفْرِهِمَا ظَالِمَيْنِ، فَوَجَبَ أَنْ يَصْدُقَ عَلَيْهِمَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَنَّهُمَا لَا يَنَالَانِ عَهْدَ الْإِمَامَةِ الْبَتَّةَ، وَإِذَا صَدَقَ عَلَيْهِمَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَنَّهُمَا لَا يَنَالَانِ عَهْدَ الْإِمَامَةِ الْبَتَّةَ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ ثَبَتَ أَنَّهُمَا لَا يَصْلُحَانِ لِلْإِمَامَةِ. الثَّانِي: أَنَّ مَنْ كَانَ مُذْنِبًا فِي الْبَاطِنِ كَانَ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِذَنْ مَا لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مَا كَانَا مِنَ الظَّالِمِينَ الْمُذْنِبِينَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَجَبَ أَنْ لَا يَحْكُمَ بِإِمَامَتِهِمَا وَذَلِكَ

إِنَّمَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ مَنْ تَثْبُتُ عِصْمَتُهُ وَلَمَّا لَمْ يَكُونَا مَعْصُومَيْنِ بِالِاتِّفَاقِ وَجَبَ أَنْ لَا تَتَحَقَّقَ إِمَامَتُهُمَا الْبَتَّةَ. الثَّالِثُ:
 قَالُوا: كَانَا مُشْرِكَيْنِ، وَكُلُّ مُشْرِكٍ ظَالِمٌ وَالظَّالِمُ لَا يَنَالُهُ عَهْدُ الْإِمَامَةِ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَنَالَهُمَا عَهْدُ الْإِمَامَةِ، أَمَّا أَنَّهُمَا كَانَا مُشْرِكَيْنِ فَبِالِاتِّفَاقِ، وَأَمَّا أَنَّ الْمُشْرِكَ ظَالِمٌ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ \[لُقْمَانَ: ١٣\] وَأَمَّا أَنَّ الظَّالِمَ لَا يَنَالُهُ عَهْدُ الْإِمَامَةِ فَلِهَذِهِ الْآيَةِ، لَا يُقَالُ إِنَّهُمَا كَانَا ظَالِمَيْنِ حَالَ كُفْرِهِمَا، فَبَعْدَ زَوَالِ الْكُفْرِ لَا يَبْقَى هَذَا الِاسْمُ لِأَنَّا نَقُولُ الظَّالِمُ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ الظُّلْمُ، وَقَوْلُنَا: وُجِدَ مِنْهُ الظُّلْمُ أَعَمُّ مِنْ قَوْلِنَا وُجِدَ مِنْهُ الظُّلْمُ فِي الْمَاضِي أَوْ فِي الْحَالِ بِدَلِيلِ أَنَّ هَذَا الْمَفْهُومَ يُمْكِنُ تَقْسِيمُهُ إِلَى هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ، وَمَوْرِدُ التَّقْسِيمِ بِالتَّقْسِيمِ بِالْقِسْمَيْنِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ القسمين وما كان مشتركاً بين القسمين لا يَلْزَمُ انْتِفَاؤُهُ لِانْتِفَاءِ أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ كَوْنِهِ ظَالِمًا فِي الْحَالِ نَفْيُ كَوْنِهِ ظَالِمًا وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ نَظَرًا إِلَى الدَّلَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ أَنَّ النَّائِمَ يُسَمَّى مُؤْمِنًا وَالْإِيمَانُ هُوَ التَّصْدِيقُ وَالتَّصْدِيقُ غَيْرُ حَاصِلٍ حَالَ كَوْنِهِ نَائِمًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُسَمَّى مُؤْمِنًا لِأَنَّ الْإِيمَانَ كَانَ حَاصِلًا قَبْلُ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ ظَالِمًا لِظُلْمٍ وُجِدَ مِنْ قَبْلُ، وَأَيْضًا فَالْكَلَامُ عِبَارَةٌ عَنْ حُرُوفٍ مُتَوَالِيَةٍ، وَالْمَشْيُ عِبَارَةٌ عَنْ حُصُولَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ فِي أَحْيَازٍ مُتَعَاقِبَةٍ، فَمَجْمُوعُ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ الْبَتَّةَ لَا وُجُودَ لَهَا، فَلَوْ كَانَ حُصُولُ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ شَرْطًا فِي كَوْنِ الِاسْمِ الْمُشْتَقِّ حَقِيقَةً وَجَبَ أَنْ يَكُونَ اسْمُ الْمُتَكَلِّمِ وَالْمَاشِي وَأَمْثَالِهِمَا حَقِيقَةً فِي شَيْءٍ أَصْلًا، وَأَنَّهُ بَاطِلٌ قَطْعًا/ فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ حُصُولَ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ لَيْسَ شَرْطًا لِكَوْنِ الِاسْمِ الْمُشْتَقِّ حَقِيقَةً؟ وَالْجَوَابُ: كُلُّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مُعَارَضٌ، بِمَا أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يُسَلِّمُ عَلَى كَافِرٍ فَسَلَّمَ عَلَى إِنْسَانٍ مُؤْمِنٍ فِي الْحَالِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ كَافِرًا قَبْلُ بِسِنِينَ مُتَطَاوِلَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ، فَدَلَّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ، وَلِأَنَّ التَّائِبَ عَنِ الْكُفْرِ لَا يُسَمَّى كَافِرًا وَالتَّائِبَ عَنِ الْمَعْصِيَةِ لَا يُسَمَّى عَاصِيًا، فَكَذَا الْقَوْلُ فِي نَظَائِرِهِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا \[هُودٍ: ١١٣\] فَإِنَّهُ نَهَى عَنِ الرُّكُونِ إِلَيْهِمْ حَالَ إِقَامَتِهِمْ عَلَى الظُّلْمِ، وَقَوْلُهُ: مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ \[التَّوْبَةِ: ٩١\] مَعْنَاهُ: مَا أَقَامُوا عَلَى الْإِحْسَانِ، عَلَى أَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْإِمَامَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: النُّبُوَّةُ، فَمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلنُّبُوَّةِ.
 الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَالَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ: الْفَاسِقُ حَالَ فِسْقِهِ لَا يَجُوزُ عَقْدُ الْإِمَامَةِ لَهُ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْفِسْقَ الطَّارِئَ هَلْ يُبْطِلُ الْإِمَامَةَ أَمْ لَا؟ وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْفَاسِقَ لَا يَصْلُحُ أَنْ تُعْقَدَ لَهُ الْإِمَامَةُ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا مِنْ وَجْهَيْنِ. الْأَوَّلُ: مَا بَيَّنَّا أَنَّ قَوْلَهُ: لَا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ جَوَابٌ لِقَوْلِهِ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي وَقَوْلَهُ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي طَلَبٌ لِلْإِمَامَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَذَا الْعَهْدِ هُوَ الْإِمَامَةُ، لِيَكُونَ الْجَوَابُ مُطَابِقًا لِلسُّؤَالِ، فَتَصِيرُ الْآيَةُ كَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: لَا يَنَالُ الْإِمَامَةُ الظَّالِمِينَ، وَكُلُّ عَاصٍ فَإِنَّهُ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، فَكَانَتِ الْآيَةُ دَالَّةً عَلَى مَا قُلْنَاهُ، فَإِنْ قِيلَ: ظَاهِرُ الْآيَةِ يَقْتَضِي انْتِفَاءَ كَوْنِهِمْ ظَالِمِينَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِي الْأَئِمَّةِ وَالْقُضَاةِ، قُلْنَا: أَمَّا الشِّيعَةُ فَيَسْتَدِلُّونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ فِي وُجُوبِ الْعِصْمَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَأَمَّا نَحْنُ فَنَقُولُ: مُقْتَضَى الْآيَةِ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّا تَرَكْنَا اعْتِبَارَ الْبَاطِنِ فَتَبْقَى الْعَدَالَةُ الظَّاهِرَةُ مُعْتَبَرَةً، فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ \[الْأَنْبِيَاءِ: ٨٧\] وَقَالَ آدَمُ: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا \[الْأَعْرَافِ: ٢٣\] قُلْنَا: الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ هُوَ الظُّلْمُ الْمُطْلَقُ، وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي آدَمَ وَيُونُسَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَهْدَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، قَالَ الله تعالى: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ \[يس: ٦٠\] يَعْنِي أَلَمْ آمُرْكُمْ بِهَذَا، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قالُوا إِنَّ اللَّهَ

عَهِدَ إِلَيْنا
 \[آلِ عِمْرَانَ: ١٨٣\] يَعْنِي أَمَرَنَا، وَمِنْهُ عُهُودُ الْخُلَفَاءِ إِلَى أُمَرَائِهِمْ وَقُضَاتِهِمْ إِذَا ثَبَتَ أَنَّ عَهْدَ اللَّهِ هُوَ أَمْرُهُ فَنَقُولُ: لَا يَخْلُو قَوْلُهُ لَا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ مِنْ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الظَّالِمِينَ غَيْرُ مَأْمُورِينَ، وَأَنَّ الظَّالِمِينَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا بِمَحَلِّ مَنْ يُقْبَلُ مِنْهُمْ أَوَامِرُ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَمَّا بَطَلَ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ لِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ أَوَامِرَ اللَّهِ تَعَالَى لَازِمَةٌ لِلظَّالِمِينَ كَلُزُومِهَا لِغَيْرِهِمْ ثَبْتَ الْوَجْهُ الْآخَرُ، وَهُوَ أَنَّهُمْ غَيْرُ مُؤْتَمَنِينَ عَلَى أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى وَغَيْرُ مُقْتَدًى بِهِمْ فِيهَا فَلَا يَكُونُونَ أَئِمَّةً فِي الدِّينِ، فَثَبَتَ بِدَلَالَةِ الْآيَةِ بُطْلَانُ إِمَامَةِ الْفَاسِقِ،
 قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: **«لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ»**، 
 وَدَلَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْفَاسِقَ لَا يَكُونُ حَاكِمًا، وَأَنَّ أَحْكَامَهُ لَا تُنَفَّذُ إِذَا وَلِيَ الْحُكْمَ، وَكَذَلِكَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَلَا خَبَرُهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا فُتْيَاهُ إِذَا أَفْتَى، وَلَا يُقَدَّمُ لِلصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ هُوَ بِحَيْثُ لَوِ اقْتُدِيَ بِهِ فَإِنَّهُ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَظُنُّ/ أَنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ كَوْنُ الْفَاسِقِ إِمَامًا وَخَلِيفَةً، وَلَا يَجُوزُ كَوْنُ الْفَاسِقِ قَاضِيًا، قَالَ: وَهَذَا خَطَأٌ، وَلَمْ يُفَرِّقْ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ الْخَلِيفَةِ وَالْحَاكِمِ فِي أَنَّ شَرْطَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْعَدَالَةُ، وَكَيْفَ يَكُونُ خَلِيفَةً وَرِوَايَتُهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَأَحْكَامُهُ غَيْرُ نَافِذَةٍ، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَدَّعِيَ ذَلِكَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَقَدْ أَكْرَهَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِي أَيَّامِ بَنِي أُمَيَّةَ عَلَى الْقَضَاءِ، وَضَرَبَهُ فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ فَحُبِسَ، فَلَحَّ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَجَعَلَ يَضْرِبُهُ كُلَّ يَوْمٍ أَسْوَاطًا، فَلَمَّا خِيفَ عَلَيْهِ، قَالَ لَهُ الْفُقَهَاءُ: تَوَلَّ لَهُ شَيْئًا مِنْ عَمَلِهِ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ حَتَّى يَزُولَ عَنْكَ الضَّرْبُ، فَتَوَلَّى لَهُ عَدَّ أَحْمَالِ التِّبْنِ الَّتِي تَدْخُلُ فَخَلَّاهُ، ثُمَّ دَعَاهُ الْمَنْصُورُ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ حَتَّى عَدَّ لَهُ اللَّبِنَ الَّذِي كَانَ يُضْرَبُ لِسُورِ مَدِينَةِ الْمَنْصُورِ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ وَقِصَّتُهُ فِي أَمْرِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ مَشْهُورَةٌ، وَفِي حَمْلِهِ الْمَالَ إِلَيْهِ وَفُتْيَاهُ النَّاسَ سِرًّا فِي وُجُوبِ نُصْرَتِهِ وَالْقِتَالِ مَعَهُ، وَكَذَلِكَ أَمْرُهُ مَعَ مُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ ابْنِي عَبْدِ اللَّهِ بن الحسن، ثم قَالَ: وَإِنَّمَا غَلِطَ مَنْ غَلِطَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ: إِنَّ الْقَاضِيَ إِذَا كَانَ عَدْلًا فِي نَفْسِهِ، وَتَوَلَّى الْقَضَاءَ مِنْ إِمَامٍ جَائِرٍ فَإِنَّ أَحْكَامَهُ نَافِذَةٌ، وَالصَّلَاةَ خَلْفَهُ جَائِزَةٌ، لِأَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا كَانَ عَدْلًا فِي نَفْسِهِ وَيُمْكِنُهُ تَنْفِيذُ الْأَحْكَامِ كَانَتْ أَحْكَامُهُ نَافِذَةً، فَلَا اعْتِبَارَ فِي ذَلِكَ بِمَنْ وَلَّاهُ، لِأَنَّ الَّذِي وَلَّاهُ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ أَعْوَانِهِ، وَلَيْسَ شرط أعوان القاضي أن يكون عُدُولًا أَلَا تَرَى أَنَّ أَهْلَ بَلَدٍ لَا سُلْطَانَ عَلَيْهِمْ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى الرِّضَا بِتَوْلِيَةِ رَجُلٍ عَدْلٍ مِنْهُمُ الْقَضَاءَ حَتَّى يَكُونُوا أَعْوَانًا لَهُ عَلَى مَنِ امْتَنَعَ مِنْ قَبُولِ أَحْكَامِهِ لَكَانَ قَضَاؤُهُ نَافِذًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وِلَايَةٌ مِنْ جِهَةِ إِمَامٍ وَلَا سُلْطَانٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
 الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ وَجْهَيْنِ. الْأَوَّلُ: أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا الْعَهْدِ:
 الْإِمَامَةُ. وَلَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ إِمَامٌ، فَإِنَّ الْإِمَامَ هُوَ الَّذِي يُؤْتَمُّ بِهِ، وَالنَّبِيُّ أَوْلَى النَّاسِ، وَإِذَا دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَكُونُ فَاسِقًا، فَبِأَنْ تَدُلَّ عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَاسِقًا فَاعِلًا لِلذَّنْبِ وَالْمَعْصِيَةِ أَوْلَى. الثَّانِي:
 قَالَ: لَا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ فَهَذَا الْعَهْدُ إِنْ كَانَ هُوَ النُّبُوَّةَ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ لَا يَنَالُهَا أَحَدٌ مِنَ الظَّالِمِينَ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْإِمَامَةَ، فَكَذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ إِمَامًا يُؤْتَمُّ بِهِ، وَكُلُّ فَاسِقٍ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ فَوَجَبَ أَنْ لَا تَحْصُلَ النُّبُوَّةُ لِأَحَدٍ مِنَ الْفَاسِقِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
 الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: اعْلَمْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ بَيَّنَ أَنَّ لَهُ مَعَكَ عَهْدًا، وَلَكَ مَعَهُ عَهْدًا، وَبَيَّنَ أَنَّكَ مَتَى تَفِي بِعَهْدِكَ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يَفِي أَيْضًا بِعَهْدِهِ فَقَالَ: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ \[الْبَقَرَةِ: ٤٠\] ثُمَّ فِي سَائِرِ الْآيَاتِ فَإِنَّهُ أَفْرَدَ عَهْدَكَ بِالذِّكْرِ، وَأَفْرَدَ عَهْدَ نَفْسِهِ أَيْضًا بِالذِّكْرِ، أَمَّا عَهْدُكَ فَقَالَ فِيهِ: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا \[الْبَقَرَةِ: ١٧٧\] وَقَالَ: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ \[الْمُؤْمِنُونَ: ٨\] وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ

\[الْمَائِدَةِ: ١\] وَقَالَ: لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ \[الصَّفِّ: ٢، ٣\] وَأَمَّا عَهْدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَقَالَ فِيهِ: وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ \[التَّوْبَةِ: ١١١\] ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ عَهْدِهِ إِلَى أَبِينَا آدَمَ فَقَالَ:
 وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً \[طه: ١١٥\] ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ عَهْدِهِ إِلَيْنَا فَقَالَ: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي/ آدَمَ \[يس: ٦٠\] ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ عَهْدِهِ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ \[آلِ عِمْرَانَ: ١٨٣\] ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ عَهْدِهِ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَقَالَ: وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ \[الْبَقَرَةِ: ١٢٥\] ثُمَّ بَيَّنَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ عَهْدَهُ لَا يَصِلُ إِلَى الظَّالِمِينَ فَقَالَ: لَا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ فَهَذِهِ الْمُبَالَغَةُ الشَّدِيدَةُ فِي هَذِهِ الْمُعَاهَدَةِ تَقْتَضِي الْبَحْثَ عَنْ حَقِيقَةِ هَذِهِ الْمُعَاهَدَةِ فَنَقُولُ: الْعَهْدُ الْمَأْخُوذُ عَلَيْكَ لَيْسَ إِلَّا عَهْدَ الْخِدْمَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ، وَالْعَهْدُ الَّذِي الْتَزَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ جِهَتِهِ لَيْسَ إِلَّا عَهْدَ الرَّحْمَةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ، ثُمَّ إِنَّ الْعَاقِلَ إِذَا تَأَمَّلَ فِي حَالِ هَذِهِ الْمُعَاهَدَةِ لَمْ يَجِدْ مِنْ نَفْسِهِ إِلَّا نَقْضَ هَذَا الْعَهْدِ، وَمِنْ رَبِّهِ إِلَّا الْوَفَاءَ بِالْعَهْدِ، فَلْنَشْرَعْ فِي مَعَاقِدِ هَذَا الْبَابِ فَنَقُولُ: أَوَّلُ إِنْعَامِهِ عَلَيْكَ إِنْعَامُ الْخَلْقِ وَالْإِيجَادِ وَالْإِحْيَاءِ وَإِعْطَاءِ الْعَقْلِ وَالْآلَةِ وَالْمَقْصُودُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ اشْتِغَالُكَ بِالطَّاعَةِ وَالْخِدْمَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ عَلَى مَا قَالَ: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ \[الذَّارِيَاتِ: ٥٦\] وَنَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْخَلْقُ وَالْإِيجَادُ مِنْهُ عَلَى سَبِيلِ الْعَبَثِ فَقَالَ:
 وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ \[الأنبياء: ١٦\] ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ \[الدخان: ٣٩\] وَقَالَ أَيْضًا: وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا \[ص: ٢٧\] وَقَالَ: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لَا تُرْجَعُونَ \[الْمُؤْمِنُونَ: ١١٥\] ثُمَّ بَيَّنَ عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ مَا هُوَ الْحِكْمَةُ فِي الْخَلْقِ وَالْإِيجَادِ فَقَالَ: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فَهُوَ سُبْحَانَهُ وَفَّى بِعَهْدِ الرُّبُوبِيَّةِ حَيْثُ خَلَقَكَ وَأَحْيَاكَ وَأَنْعَمَ عَلَيْكَ بِوُجُوهِ النِّعَمِ وَجَعَلَكَ عَاقِلًا مُمَيِّزًا فَإِذَا لَمْ تَشْتَغِلْ بِخِدْمَتِهِ وَطَاعَتِهِ وَعُبُودِيَّتِهِ فَقَدْ نَقَضْتَ عَهْدَ عُبُودِيَّتِكَ مَعَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَفَّى بِعَهْدِ رُبُوبِيَّتِهِ. وَثَانِيهَا: أَنَّ عَهْدَ الرُّبُوبِيَّةِ يَقْتَضِي إِعْطَاءَ التَّوْفِيقِ وَالْهِدَايَةِ وَعَهْدَ الْعُبُودِيَّةِ مِنْكَ يَقْتَضِي الْجِدَّ وَالِاجْتِهَادَ فِي الْعَمَلِ، ثُمَّ إِنَّهُ وَفَّى بِعَهْدِ الرُّبُوبِيَّةِ فَإِنَّهُ مَا تَرَكَ ذَرَّةً مِنَ الذَّرَّاتِ إِلَّا وَجَعَلَهَا هَادِيَةً لَكَ إِلَى سَبِيلِ الْحَقِّ: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ \[الْإِسْرَاءِ: ٤٤\] وَأَنْتَ مَا وَفَّيْتَ الْبَتَّةَ بِعَهْدِ الطَّاعَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ.
 وَثَالِثُهَا: أَنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ بِالْإِيمَانِ أَعْظَمُ النِّعَمِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ هَذِهِ النِّعْمَةَ لَوْ فَاتَتْكَ لَكُنْتَ أَشْقَى الْأَشْقِيَاءِ أَبَدَ الْآبِدِينَ وَدَهْرَ الدَّاهِرِينَ، ثُمَّ هَذِهِ النِّعْمَةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ \[النَّحْلِ: ٥٣\] ثُمَّ مَعَ أَنَّ هَذِهِ النِّعْمَةَ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَشْكُرُكَ عَلَيْهَا وَقَالَ: فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً \[الْإِسْرَاءِ: ١٩\] فَإِذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى يَشْكُرُكَ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ فَبِأَنْ تَشْكُرَهُ عَلَى مَا أَعْطَى مِنَ التَّوْفِيقِ وَالْهِدَايَةِ كَانَ أَوْلَى، ثُمَّ إِنَّكَ مَا أَتَيْتَ إِلَّا بِالْكُفْرَانِ عَلَى مَا قَالَ: قُتِلَ الْإِنْسانُ مَا أَكْفَرَهُ \[عَبَسَ: ١٧\] فَهُوَ تَعَالَى وَفَّى بِعَهْدِهِ، وَأَنْتَ نَقَضْتَ عَهْدَكَ. وَرَابِعُهَا: أَنْ تُنْفَقَ نِعَمُهُ فِي سَبِيلِ مَرْضَاتِهِ، فَعَهْدُهُ مَعَكَ أَنْ يُعْطِيَكَ أَصْنَافَ النِّعَمِ وَقَدْ فَعَلَ وَعَهْدُكَ مَعَهُ أَنْ تَصْرِفَ نِعَمَهُ فِي سَبِيلِ مَرْضَاتِهِ وَأَنْتَ مَا فَعَلْتَ ذَلِكَ: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى \[الْعَلَقِ: ٦، ٧\]. وَخَامِسُهَا:
 أَنْعَمَ عَلَيْكَ بِأَنْوَاعِ النِّعَمِ لِتَكُونَ مُحْسِنًا إِلَى الْفُقَرَاءِ: وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ثُمَّ إِنَّكَ تَوَسَّلْتَ بِهِ إِلَى إِيذَاءِ النَّاسِ وإيحاشهم: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ \[الحديد: ٢٤\] \[النِّسَاءِ: ٣٧\]. وَسَادِسُهَا:
 أَعْطَاكَ النِّعَمَ الْعَظِيمَةَ لِتَكُونَ مُقْبِلًا على حمده وأنت تحمد غيره فانظر إن السُّلْطَانِ الْعَظِيمِ لَوْ أَنْعَمَ عَلَيْكَ بِخُلْعَةٍ نَفِيسَةٍ، ثُمَّ إِنَّكَ فِي حَضْرَتِهِ تُعْرِضُ عَنْهُ وَتَبْقَى مَشْغُولًا بِخِدْمَةِ بَعْضِ الْأَسْقَاطِ كَيْفَ تَسْتَوْجِبُ الْأَدَبَ والمقت فكذا هاهنا، وَاعْلَمْ أَنَّا لَوِ اشْتَغَلْنَا/ بِشَرْحِ كَيْفِيَّةِ وَفَائِهِ سُبْحَانَهُ بِعَهْدِ الْإِحْسَانِ وَالرُّبُوبِيَّةِ وَكَيْفِيَّةِ نَقْضِنَا لِعَهْدِ الإخلاص

### الآية 2:123

> ﻿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ [2:123]

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مَنْ هُمْ فِيهِ قَوْلَانِ:
 الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آتَاهُمُ اللَّهُ الْقُرْآنَ وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ حَثٌّ وَتَرْغِيبٌ فِي تِلَاوَةِ هَذَا الْكِتَابِ، وَمَدْحٌ عَلَى تِلْكَ التِّلَاوَةِ، وَالْكِتَابُ الَّذِي هَذَا شَأْنُهُ هُوَ الْقُرْآنُ لَا التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ، فَإِنَّ قِرَاءَتَهُمَا غَيْرُ جَائِزَةٍ. وَثَانِيهَا: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ مقصود عَلَيْهِمْ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ أَهْلَ الْكِتَابِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وَالْكِتَابُ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ هَذَا الْوَصْفُ هُوَ الْقُرْآنُ.
 الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِالَّذِينِ آتَاهُمُ الْكِتَابَ، هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالرَّسُولِ مِنَ الْيَهُودِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَمَّا ذَمَّ طَرِيقَتَهُمْ وَحَكَى عَنْهُمْ سُوءَ أَفْعَالِهِمْ، أَتْبَعَ ذَلِكَ بِمَدْحِ مَنْ تَرَكَ طَرِيقَتَهُمْ، بَلْ تَأَمَّلَ التَّوْرَاةَ وَتَرَكَ تَحْرِيفَهَا وَعَرَفَ مِنْهَا صِحَّةَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
 أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ فَالتِّلَاوَةُ لَهَا مَعْنَيَانِ. أَحَدُهُمَا: الْقِرَاءَةُ. الثَّانِي: الِاتِّبَاعُ فِعْلًا، لِأَنَّ مَنِ اتَّبَعَ غَيْرَهُ يُقَالُ تَلَاهُ فِعْلًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها \[الشَّمْسِ: ٢\] فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، وَيَصِحُّ فِيهِمَا جَمِيعًا الْمُبَالَغَةُ لِأَنَّ التَّابِعَ لِغَيْرِهِ قَدْ يَسْتَوْفِي حَقَّ الِاتِّبَاعِ فَلَا يُخِلُّ بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ التَّالِي يَسْتَوْفِي حَقَّ قِرَاءَتِهِ فَلَا يُخِلُّ بِمَا يَلْزَمُ فِيهِ، وَالَّذِينَ تَأَوَّلُوهُ عَلَى الْقِرَاءَةِ هُمُ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا عَلَى وُجُوهٍ. فَأَوَّلُهَا: أَنَّهُمْ تَدَبَّرُوهُ فَعَمِلُوا بِمُوجِبِهِ حَتَّى تَمَسَّكُوا بِأَحْكَامِهِ مِنْ حَلَالٍ وَحَرَامٍ وَغَيْرِهِمَا. وَثَانِيهَا: أَنَّهُمْ خَضَعُوا عند تلاوته، وخشعوا إذا قرءوا الْقُرْآنَ فِي صَلَاتِهِمْ وَخَلَوَاتِهِمْ. وَثَالِثُهَا: أَنَّهُمْ عَمِلُوا بِمُحْكَمِهِ وَآمَنُوا بِمُتَشَابِهِهِ، وَتَوَقَّفُوا فِيمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ منه وفوضوه إلى الله سبحانه. ورابعها: يقرءونه كَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَلَا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَلَا يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ. وَخَامِسُهَا: أَنْ تُحْمَلَ الْآيَةُ عَلَى كُلِّ هَذِهِ الْوُجُوهِ لِأَنَّهَا مُشْتَرِكَةٌ فِي مَفْهُومٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ تَعْظِيمُهَا، وَالِانْقِيَادُ لَهَا لَفْظًا وَمَعْنًى، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ تَكْثِيرًا لِفَوَائِدِ كَلَامِ الله تعالى والله أعلم.
 \[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٢٢ الى ١٢٤\]
 يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣) وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لَا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)
 اعْلَمْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمَّا اسْتَقْصَى فِي شَرْحِ وُجُوهِ نِعَمِهِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ثُمَّ فِي شَرْحِ قَبَائِحِهِمْ فِي أَدْيَانِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَخَتَمَ هَذَا الْفَصْلَ بما بدأ به وهو قوله: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ إِلَى قَوْلِهِ: وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ شرع سبحانه هاهنا فِي نَوْعٍ آخَرَ مِنَ الْبَيَانِ وَهُوَ أَنْ ذَكَرَ قِصَّةَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَيْفِيَّةَ أَحْوَالِهِ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ شَخْصٌ يعترف بفضله جميع الطوائف والملل، فالمشركين كَانُوا مُعْتَرِفِينَ بِفَضْلِهِ مُتَشَرِّفِينَ بِأَنَّهُمْ مِنْ أَوْلَادِهِ ومن ساكني حرمه وخادمي بيته.
 \[أما قوله تعالى وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ إلى قوله لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ\] وَأَهْلُ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَانُوا أَيْضًا

مُقِرِّينَ بِفَضْلِهِ مُتَشَرِّفِينَ بِأَنَّهُمْ مِنْ أَوْلَادِهِ، فَحَكَى الله سبحانه وتعالى عن إبراهيم عليه السلام أُمُورًا تُوجِبُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَعَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى قبول قوله مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالِاعْتِرَافَ بِدِينِهِ وَالِانْقِيَادَ لِشَرْعِهِ، وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ:
 أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَهُ بِبَعْضِ التَّكَالِيفِ فَلَمَّا وَفَّى بِهَا وَخَرَجَ عَنْ عُهْدَتِهَا لَا جَرَمَ نَالَ النُّبُوَّةَ وَالْإِمَامَةَ وَهَذَا مِمَّا يُنَبِّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ عَلَى أَنَّ الْخَيْرَ لَا يَحْصُلُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا بِتَرْكِ التَّمَرُّدِ وَالْعِنَادِ وَالِانْقِيَادِ لِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَكَالِيفِهِ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُ تَعَالَى حَكَى عَنْهُ أَنَّهُ طَلَبَ الْإِمَامَةَ لِأَوْلَادِهِ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْصِبَ الْإِمَامَةِ وَالرِّيَاسَةِ فِي الدِّينِ لَا يَصِلُ إِلَى الظَّالِمِينَ، فَهَؤُلَاءِ مَتَى أَرَادُوا وِجْدَانَ هَذَا الْمَنْصِبِ وَجَبَ عَلَيْهِمْ تَرْكُ اللَّجَاجِ وَالتَّعَصُّبِ لِلْبَاطِلِ وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْحَجَّ مِنْ خَصَائِصِ دِينِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَحَكَى اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ لِيَكُونَ ذَلِكَ كَالْحُجَّةِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي وُجُوبِ الِانْقِيَادِ لِذَلِكَ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ الْقِبْلَةَ لَمَّا حُوِّلَتْ إِلَى الْكَعْبَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ هَذَا الْبَيْتَ قِبْلَةُ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي يَعْتَرِفُونَ بِتَعْظِيمِهِ وَوُجُوبِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ زَوَالَ ذَلِكَ الْغَضَبِ عَنْ قُلُوبِهِمْ.
 وَخَامِسُهَا: أَنَّ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ فَسَّرَ الْكَلِمَاتِ الَّتِي ابْتَلَى اللَّهُ تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ بِهَا بِأُمُورٍ يَرْجِعُ حَاصِلُهَا إِلَى تَنْظِيفِ الْبَدَنِ وَذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ اخْتِيَارَ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُعْتَرِفِينَ بِفَضْلِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَيُوجِبُ عَلَيْهِمْ تَرْكَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّلَطُّخِ بِالدِّمَاءِ وَتَرْكِ النَّظَافَةِ وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ فَسَّرَ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ بِمَا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَبَرَ عَلَى مَا ابْتُلِيَ بِهِ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى/ وَهُوَ النَّظَرُ فِي الْكَوَاكِبِ وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ وَمُنَاظَرَةُ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، ثُمَّ الِانْقِيَادُ لِأَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَبْحِ الْوَلَدِ وَالْإِلْقَاءِ فِي النَّارِ، وَهَذَا يُوجِبُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَعْتَرِفُونَ بِفَضْلِهِ أَنْ يَتَشَبَّهُوا بِهِ فِي ذَلِكَ وَيَسْلُكُوا طَرِيقَتَهُ فِي تَرْكِ الْحَسَدِ وَالْحَمِيَّةِ وَكَرَاهَةِ الِانْقِيَادِ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَهَذِهِ الْوُجُوهُ الَّتِي لِأَجْلِهَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى قِصَّةَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
 وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى حَكَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أُمُورًا يَرْجِعُ بَعْضُهَا إِلَى الْأُمُورِ الشَّاقَّةِ الَّتِي كَلَّفَهُ بِهَا، وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إِلَى التَّشْرِيفَاتِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي خَصَّهُ اللَّهُ بِهَا، وَنَحْنُ نَأْتِي عَلَى تَفْسِيرِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهَذِهِ الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى تَكْلِيفٍ حَصَلَ بَعْدَهُ تَشْرِيفٌ.
 أَمَّا التَّكْلِيفُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ وَفِيهِ مَسَائِلُ:
 الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: \[الْعَامِلُ فِي إِذِ\] قال صاحب الكشاف: العامل في إِذِ إِمَّا مُضْمَرٌ نَحْوُ: وَاذْكُرْ إِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ أَوْ إِذِ ابْتَلَاهُ كَانَ كَيْتَ وَكَيْتَ وَإِمَّا قالَ إِنِّي جاعِلُكَ.
 الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ تَكْلِيفَهُ إِيَّاهُ بِبَلْوَى تَوَسُّعًا لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا يَكُونُ مِنَّا عَلَى جِهَةِ الْبَلْوَى وَالتَّجْرِبَةِ وَالْمِحْنَةِ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْرِفُ مَا يَكُونُ مِمَّنْ يَأْمُرُهُ، فَلَمَّا كَثُرَ ذَلِكَ فِي الْعُرْفِ بَيْنَنَا جَازَ أَنْ يَصِفَ اللَّهُ تَعَالَى أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ بِذَلِكَ مَجَازًا لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الِاخْتِبَارُ وَالِامْتِحَانُ لِأَنَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ الَّتِي لَا نِهَايَةَ لَهَا عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ مِنَ الْأَزَلِ إِلَى الْأَبَدِ، وَقَالَ هِشَامُ بن الحكم: إنه تعالى كَانَ فِي الْأَزَلِ عَالِمًا بِحَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ وَمَاهِيَّاتِهَا فَقَطْ، فَأَمَّا حُدُوثُ تِلْكَ الْمَاهِيَّاتِ وَدُخُولُهَا فِي الْوُجُودِ فَهُوَ تَعَالَى لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا عِنْدَ وُقُوعِهَا وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِالْآيَةِ وَالْمَعْقُولِ، أَمَّا الْآيَةُ فَهِيَ هَذِهِ الْآيَةُ، قَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى صَرَّحَ بِأَنَّهُ يَبْتَلِي عِبَادَهُ وَيَخْتَبِرُهُمْ وَذَكَرَ نَظِيرَهُ فِي سَائِرِ الْآيَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ \[مُحَمَّدٍ: ٣١\] وَقَالَ: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا \[هُودٍ: ٧\] وَقَالَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ ذَلِكَ: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ

وَالْجُوعِ
 \[الْبَقَرَةِ: ١٥٥\] وَذَكَرَ أَيْضًا مَا يُؤَكِّدُ هَذَا الْمَذْهَبَ نَحْوَ قَوْلِهِ: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى \[طه: ٤٤\] وَكَلِمَةُ **«لَعَلَّ»** للترجي وقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ \[الْبَقَرَةِ: ٢١\] فَهَذِهِ الْآيَاتُ وَنَظَائِرُهَا دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يَعْلَمُ وُقُوعَ الْكَائِنَاتِ قَبْلَ وُقُوعِهَا، أَمَّا الْعَقْلُ فَدَلَّ عَلَى وُجُوهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ كَانَ عَالِمًا بِوُقُوعِ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ وُقُوعِهَا لَزِمَ نَفْيُ الْقُدْرَةِ عَنِ الْخَالِقِ وَعَنِ الْخَلْقِ، وَذَلِكَ مُحَالٌ فَمَا أَدَّى إِلَيْهِ مِثْلُهُ بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ: أَنَّ مَا عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى وُقُوعَهُ اسْتَحَالَ أَنْ لَا يَقَعَ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِوُقُوعِ الشَّيْءِ وَبِلَا وُقُوعِ ذَلِكَ الشَّيْءِ مُتَضَادَّانِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ مُحَالٌ، وَكَذَلِكَ مَا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ كَانَ وُقُوعُهُ مُحَالًا لِعَيْنِ هَذِهِ الدَّلَالَةِ، فَلَوْ كَانَ الْبَارِي تَعَالَى عَالِمًا بِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ الْجُزْئِيَّةِ قَبْلَ وُقُوعِهَا لَكَانَ بَعْضُهَا وَاجِبَ الْوُقُوعِ وَبَعْضُهَا مُمْتَنِعَ الْوُقُوعِ، وَلَا قُدْرَةَ الْبَتَّةَ لَا عَلَى الْوَاجِبِ وَلَا عَلَى الْمُمْتَنِعِ فَيَلْزَمُ نَفْيُ الْقُدْرَةِ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ عَنِ الْخَالِقِ تَعَالَى وَعَنِ الْخَلْقِ وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ أَمَّا فِي حَقِّ الْخَالِقِ فَلِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ الْعَالَمَ مُحْدَثٌ وَلَهُ مُؤَثِّرٌ وَذَلِكَ الْمُؤَثِّرُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا إِذْ لَوْ كَانَ مُوجِبًا لِذَاتِهِ لَزِمَ مِنْ قِدَمِهِ قِدَمُ الْعَالَمِ أَوْ مِنْ حُدُوثِ الْعَالَمِ حُدُوثُهُ، وَأَمَّا/ فِي حَقِّ الْخَلْقِ فَلِأَنَّا نَجِدُ مِنْ أَنْفُسِنَا وِجْدَانًا ضَرُورِيًّا كَوْنَنَا مُتَمَكِّنِينَ مِنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّا إِنْ شِئْنَا الْفِعْلَ قَدَرْنَا عَلَيْهِ، وَإِنْ شِئْنَا التَّرْكَ قَدَرْنَا عَلَى التَّرْكِ، فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا وَاجِبًا وَالْآخَرُ مُمْتَنِعًا لَمَا حَصَلَتْ هَذِهِ الْمُكْنَةُ الَّتِي يُعْرَفُ ثُبُوتُهَا بِالضَّرُورَةِ. وَثَانِيهَا: أَنَّ تَعَلُّقَ الْعِلْمِ بِأَحَدِ الْمَعْلُومَيْنِ مُغَايِرٌ لِتَعَلُّقِهِ بِالْمَعْلُومِ الْآخَرِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَصِلُ مِنَّا تعقل أحد التعلقين مع الذهول عن التعليق الْآخَرِ، وَلَوْ كَانَ التَّعَلُّقَانِ تَعَلُّقًا وَاحِدًا لَاسْتَحَالَ ذَلِكَ، لِأَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا مَذْهُولًا عَنْهُ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: لَوْ كَانَ تَعَالَى عَالِمًا بِجَمِيعِ هَذِهِ الْجُزْئِيَّاتِ، لَكَانَ لَهُ تَعَالَى عُلُومٌ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، أَوْ كَانَ لِعِلْمِهِ تَعَلُّقَاتٌ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَيَلْزَمُ حُصُولُ مَوْجُودَاتٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَذَلِكَ مُحَالٌ، لِأَنَّ مَجْمُوعَ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ أَزْيَدُ مِنْ ذَلِكَ الْمَجْمُوعِ بِعَيْنِهِ عِنْدَ نُقْصَانِ عَشَرَةٍ مِنْهُ، فَالنَّاقِصُ مُتَنَاهٍ، وَالزَّائِدُ زَادَ عَلَى الْمُتَنَاهِي بِتِلْكَ الْعَشَرَةِ، وَالْمُتَنَاهِي إِذَا ضُمَّ إِلَيْهِ غَيْرُ الْمُتَنَاهِي كَانَ الْكُلُّ مُتَنَاهِيًا، فَإِذًا وُجُودُ أُمُورٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ مُحَالٌ، فَإِنْ قِيلَ: الْمَوْجُودُ هُوَ الْعِلْمُ، فَأَمَّا تِلْكَ التَّعَلُّقَاتُ فَهِيَ أُمُورٌ نِسْبِيَّةٌ لَا وُجُودَ لَهَا فِي الْأَعْيَانِ، قُلْنَا: الْعِلْمُ إِنَّمَا يَكُونُ عِلْمًا لَوْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِالْمَعْلُومِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ حَاصِلًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ الْعِلْمُ عِلْمًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَذَلِكَ مُحَالٌ. وَثَالِثُهَا:
 أَنَّ هَذِهِ الْمَعْلُومَاتِ الَّتِي لَا نِهَايَةَ لَهَا، هَلْ يَعْلَمُ اللَّهُ عَدَدَهَا أَوْ لَا يَعْلَمُ، فَإِنْ عَلِمَ عَدَدَهَا فَهِيَ مُتَنَاهِيَةٌ، لِأَنَّ كُلَّ مَا لَهُ عَدَدٌ مُعَيَّنٌ فَهُوَ مُتَنَاهٍ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ اللَّهُ تَعَالَى عَدَدَهَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهَا عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، وَكَلَامُنَا لَيْسَ إِلَّا فِي الْعِلْمِ التَّفْصِيلِيِّ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ كُلَّ مَعْلُومٍ فَهُوَ مُتَمَيِّزٌ فِي الذِّهْنِ عَمَّا عَدَاهُ، وَكُلُّ مُتَمَيِّزٍ عَمَّا عَدَاهُ فَإِنَّ مَا عَدَاهُ خَارِجٌ عَنْهُ، وَكُلُّ مَا خَرَجَ عَنْهُ فَهُوَ مُتَنَاهٍ، فَإِذَنْ كُلُّ مَعْلُومٍ فَهُوَ مُتَنَاهٍ، فَإِذَنْ كُلُّ مَا هُوَ غَيْرُ مُتَنَاهٍ اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا. وَخَامِسُهَا: أَنَّ الشَّيْءَ إِنَّمَا يَكُونُ مَعْلُومًا لَوْ كَانَ لِلْعِلْمِ تَعَلُّقٌ بِهِ وَنِسْبَةٌ إِلَيْهِ وَانْتِسَابُ الشَّيْءِ إِلَى الشَّيْءِ يُعْتَبَرُ تَحَقُّقُهُ فِي نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ تَعَيُّنٌ اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ نِسْبَةٌ، وَالشَّيْءُ الْمُشَخَّصُ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي الْوُجُودِ لَمْ يَكُنْ مُشَخَّصًا الْبَتَّةَ، فَاسْتَحَالَ كَوْنُهُ مُتَعَلِّقَ الْعِلْمِ، فَإِنْ قِيلَ: يَبْطُلُ هَذَا بِالْمُحَالَاتِ وَالْمُرَكَّبَاتِ قَبْلَ دُخُولِهَا فِي الْوُجُودِ فَإِنَّا نَعْلَمُهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا تَعَيُّنَاتٌ الْبَتَّةَ، قُلْنَا: هَذَا الَّذِي أَوْرَدْتُمُوهُ نَقْضٌ عَلَى كَلَامِنَا، وَلَيْسَ جَوَابًا عَنْ كَلَامِنَا، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُزِيلُ الشَّكَّ، وَالشُّبْهَةَ، قَالَ هِشَامٌ: فَهَذِهِ الْوُجُوهُ الْعَقْلِيَّةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَى صَرْفِ هَذِهِ الْآيَاتِ عَنْ ظَوَاهِرِهَا، وَاعْلَمْ أَنَّ هِشَامًا كَانَ رَئِيسَ الرَّافِضَةِ، فلذلك ذهب قدماء الروافض إلى القول بالنداء، أَمَّا الْجُمْهُورُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ قَبْلَ وُقُوعِهَا، وَاحْتَجُّوا عَلَيْهَا بِأَنَّهَا قَبْلَ وُقُوعِهَا تَصِحُّ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لِلَّهِ تَعَالَى إِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهَا تَصِحُّ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لِأَنَّا نَعْلَمُهَا قَبْلَ وُقُوعِهَا فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الشَّمْسَ غَدًا تَطْلُعُ مِنْ مَشْرِقِهَا، وَالْوُقُوعُ يَدُلُّ عَلَى الْإِمْكَانِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ لَمَّا صَحَّ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً وَجَبَ أَنْ تَكُونَ معلومة لله تعالى، لأن تعلق اللَّهِ تَعَالَى بِالْمَعْلُومِ أَمْرٌ ثَبَتَ لَهُ لِذَاتِهِ، فَلَيْسَ تَعَلُّقُهُ بِبَعْضِ مَا يَصِحُّ أَنْ يَعْلَمَ أَوْلَى مِنْ تَعَلُّقِهِ بِغَيْرِهِ، فَلَوْ حَصَلَ التَّخْصِيصُ لَافْتَقَرَ إِلَى مُخَصِّصٍ، وَذَلِكَ/ مُحَالٌ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَعْلُومَاتِ أَصْلًا وَإِنْ تَعَلَّقَ بِالْبَعْضِ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّهَا وَهُوَ الْمَطْلُوبُ أَمَّا الشُّبْهَةُ الْأُولَى: فَالْجَوَابُ عَنْهَا أَنَّ الْعِلْمَ بِالْوُقُوعِ تَبَعٌ لِلْوُقُوعِ، وَالْوُقُوعُ تَبَعٌ لِلْقُدْرَةِ، فَالتَّابِعُ لَا يُنَافِي الْمَتْبُوعَ، فَالْعِلْمُ لَازِمٌ لَا يُغْنِي عَنِ الْقُدْرَةِ.
 وَأَمَّا الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: فَالْجَوَابُ عَنْهَا: أَنَّهَا مَنْقُوضَةٌ بِمَرَاتِبِ الْأَعْدَادِ الَّتِي لَا نِهَايَةَ لَهَا.
 وَأَمَّا الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: فَالْجَوَابُ عَنْهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَعْلَمُ عَدَدَهَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ إِثْبَاتُ الْجَهْلِ، لِأَنَّ الْجَهْلَ هُوَ أَنْ يَكُونَ لَهَا عَدَدٌ مُعَيَّنٌ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَعْلَمُ عَدَدَهَا، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يكن فِي نَفْسِهَا عَدَدٌ، لَمْ يَلْزَمْ مِنْ قَوْلِنَا:
 أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَعْلَمُ عَدَدَهَا إِثْبَاتُ الْجَهْلِ.
 وَأَمَّا الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ: فَالْجَوَابُ عَنْهَا: أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْمَعْلُومِ أَنْ يَعْلَمَ الْعِلْمُ تَمَيُّزَهُ عَنْ غَيْرِهِ، لِأَنَّ الْعِلْمَ بِتَمَيُّزِهِ عَنْ غَيْرِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِذَلِكَ الْغَيْرِ، فَلَوْ كَانَ تَوَقُّفُ الْعِلْمِ بِالشَّيْءِ عَلَى الْعِلْمِ بِتَمَيُّزِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَثَبَتَ أَنَّ الْعِلْمَ بِتَمَيُّزِهِ مِنْ غَيْرِهِ يُوقَفُ عَلَى الْعِلْمِ بِغَيْرِهِ، لَزِمَ أَنْ لَا يَعْلَمَ الْإِنْسَانُ شَيْئًا وَاحِدًا إِلَّا إِذَا عَلِمَ أُمُورًا لَا نِهَايَةَ لَهَا.
 وَأَمَّا الشُّبْهَةُ الْخَامِسَةُ: فَالْجَوَابُ عَنْهَا بِالنَّقْضِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَإِذَا انْتَقَضَتِ الشُّبْهَةُ سَقَطَتْ، فَيَبْقَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى عُمُومِ عَالِمِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى سَالِمًا عَنِ الْمُعَارِضِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
 الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اعْلَمْ أن الضمير لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ عَائِدًا إِلَى مَذْكُورٍ سَابِقٍ، فَالضَّمِيرُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْمَذْكُورِ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا لَفْظًا وَمُتَأَخِّرًا مَعْنًى، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِالْعَكْسِ، مِنْهُ. أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ متقدماً لفظاً ومعنى فالمشهور عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ، وَقَالَ ابْنُ جِنِّي بِجَوَازِهِ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِالشِّعْرِ وَالْمَعْقُولِ، أَمَّا الشِّعْرُ فَقَوْلُهُ:

جَزَى رَبُّهُ عَنِّي عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ  جَزَاءَ الْكِلَابِ الْعَاوِيَاتِ وَقَدْ فَعَلْ وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَلِأَنَّ الْفَاعِلَ مُؤَثِّرٌ وَالْمَفْعُولَ قَابِلٌ وَتَعَلُّقَ الْفِعْلِ بِهِمَا شَدِيدٌ، فَلَا يَبْعُدُ تَقْدِيمُ أَيِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَ عَلَى الْآخَرِ فِي اللَّفْظِ، ثُمَّ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قُدِّمَ الْمَنْصُوبُ عَلَى الْمَرْفُوعِ فِي اللَّفْظِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ، فَكَذَا إِذَا لَمْ يُقَدَّمْ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ التَّقْدِيمَ جَائِزٌ. الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ مُتَأَخِّرًا لَفْظًا وَمَعْنًى، وَهَذَا لَا نِزَاعَ فِي صِحَّتِهِ، كَقَوْلِكَ: ضَرَبَ زَيْدٌ غُلَامَهُ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ مُتَقَدِّمًا فِي اللَّفْظِ مُتَأَخِّرًا فِي الْمَعْنَى وَهُوَ كَقَوْلِكَ: ضَرَبَ غُلَامَهُ زَيْدٌ، فَهَهُنَا الضَّمِيرُ وَإِنْ كَانَ مُتَقَدِّمًا فِي اللَّفْظِ لَكِنَّهُ مُتَأَخِّرٌ فِي الْمَعْنَى، لِأَنَّ الْمَنْصُوبَ مُتَأَخِّرٌ عَنِ الْمَرْفُوعِ فِي التَّقْدِيرِ، فَيَصِيرُ كَأَنَّكَ قُلْتَ: زَيْدٌ ضَرَبَ غُلَامَهُ فَلَا جَرَمَ كَانَ جَائِزًا. الْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ مُتَقَدِّمًا فِي الْمَعْنَى مُتَأَخِّرًا فِي اللَّفْظِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ فَإِنَّ الْمَرْفُوعَ

مُقَدَّمٌ فِي الْمَعْنَى عَلَى الْمَنْصُوبِ، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: وَإِذِ ابْتَلَى رَبُّهُ إِبْرَاهِيمَ، إِلَّا أَنَّ الْأَمْرَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ بِحَسَبِ الْمَعْنَى لَكِنْ لَمَّا لم يكن الضمير متقدماً في الفظ بَلْ كَانَ مُتَأَخِّرًا لَا جَرَمَ كَانَ جَائِزًا حَسَنًا.
 الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ إِبْرَاهَامَ بِأَلِفٍ بَيْنَ الْهَاءِ وَالْمِيمِ، وَالْبَاقُونَ، (إِبْرَاهِيمَ) وَهُمَا لُغَتَانِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو حَيْوَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِرَفْعِ إِبْرَاهِيمَ وَنَصْبِ رَبِّهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ دَعَاهُ بِكَلِمَاتٍ مِنَ الدُّعَاءِ فِعْلَ الْمُخْتَبِرِ هَلْ يُجِيبُهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِنَّ أَمْ لَا.
 الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي أَنَّ ظَاهِرَ اللَّفْظِ هَلْ يَدُلُّ عَلَى تِلْكَ الْكَلِمَاتِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ:
 اللَّفْظُ يَدُلُّ عَلَيْهَا وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْإِمَامَةِ وَتَطْهِيرِ الْبَيْتِ وَرَفْعِ قَوَاعِدِهِ وَالدُّعَاءِ بِإِبْعَاثِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ أُمُورٌ شَاقَّةٌ، أَمَّا الْإِمَامَةُ فَلِأَنَّ الْمُرَادَ منها هاهنا هُوَ النُّبُوَّةُ، وَهَذَا التَّكْلِيفُ يَتَضَمَّنُ مَشَاقَّ عَظِيمَةً، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْزَمُهُ أن يحتمل جَمِيعَ الْمَشَاقِّ وَالْمَتَاعِبِ فِي تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَأَنْ لَا يَخُونَ فِي أَدَاءِ شَيْءٍ مِنْهَا، وَلَوْ لَزِمَهُ الْقَتْلُ، بِسَبَبِ ذَلِكَ وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَشَاقِّ، وَلِهَذَا قُلْنَا: إِنَّ ثَوَابَ النَّبِيِّ أَعْظَمُ مِنْ ثَوَابِ غَيْرِهِ، وَأَمَّا بِنَاءُ الْبَيْتِ وَتَطْهِيرُهُ وَرَفْعُ قَوَاعِدِهِ، فَمَنْ وَقَفَ عَلَى مَا رُوِيَ فِي كَيْفِيَّةِ بِنَائِهِ عَرَفَ شِدَّةَ الْبَلْوَى فِيهِ، ثُمَّ إِنَّهُ يَتَضَمَّنُ إِقَامَةَ الْمَنَاسِكِ، وَقَدِ امْتَحَنَ اللَّهُ الْخَلِيلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالشَّيْطَانِ فِي الْمَوْقِفِ لِرَمْيِ الْجِمَارِ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا اشْتِغَالُهُ بِالدُّعَاءِ فِي أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، فَهَذَا مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِزَالَةُ الْحَسَدِ عَنِ الْقَلْبِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَثَبَتَ أَنَّ الْأُمُورَ الْمَذْكُورَةَ عَقِيبَ هَذِهِ الْآيَةِ: تَكَالِيفُ شَاقَّةٌ شَدِيدَةٌ، فَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنِ ابْتِلَاءِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُ بِالْكَلِمَاتِ هُوَ ذَلِكَ، ثُمَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ ذَلِكَ أَنَّهُ عَقَّبَهُ بِذِكْرِهِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بِحَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ الْعَطْفِ فَلَمْ يَقْبَلْ، وَقَالَ: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا، بَلْ قَالَ: إِنِّي جاعِلُكَ فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الِابْتِلَاءَ لَيْسَ إِلَّا التَّكْلِيفَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ، وَاعْتَرَضَ الْقَاضِي عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَقَالَ: هَذَا إِنَّمَا يَجُوزُ لَوْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهَا إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى قَالَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا فَأَتَمَّهُنَّ، إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ ذَكَرَ قَوْلَهُ: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً بَعْدَ قَوْلِهِ: فَأَتَمَّهُنَّ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى امْتَحَنَهُ بِالْكَلِمَاتِ وَأَتَمَّهَا إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى قَالَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ:
 إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ الْكَلِمَاتِ الْإِمَامَةَ فَقَطْ، بَلِ الْإِمَامَةَ وَبِنَاءَ الْبَيْتِ وَتَطْهِيرَهُ وَالدُّعَاءَ فِي بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ابْتَلَاهُ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ ابْتَلَاهُ بِأُمُورٍ عَلَى الْإِجْمَالِ، ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْهُ أَنَّهُ أَتَمَّهَا، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالشَّرْحِ وَالتَّفْصِيلِ، وَهَذَا مِمَّا لَا يعد فِيهِ.
 الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْمُرَادِ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ وَهَذَا القول يحتمل وجهين، أحدهما:
 بِكَلِمَاتٍ كَلَّفَهُ اللَّهُ بِهِنَّ، وَهِيَ أَوَامِرُهُ وَنَوَاهِيهِ فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ مِمَّا شَاءَ كَلَّفَهُ بِالْأَمْرِ بِهَا. وَالْوَجْهُ الثاني: بكلمات تكون من إبراهيم يلكم بِهَا قَوْمَهُ، أَيْ يُبَلِّغُهُمْ إِيَّاهَا، وَالْقَائِلُونَ بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ ذَلِكَ التَّكْلِيفَ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ عَلَى أَقْوَالٍ. أَحَدُهَا: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ عَشْرُ خِصَالٍ كَانَتْ فَرْضًا فِي شَرْعِهِ وَهِيَ سُنَّةٌ فِي شَرْعِنَا، خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ وَخَمْسٌ فِي الْجَسَدِ، أَمَّا الَّتِي فِي الرَّأْسِ: فَالْمَضْمَضَةُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ/ وَفَرْقُ الرَّأْسِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَالسِّوَاكُ، وَأَمَّا الَّتِي فِي الْبَدَنِ: فَالْخِتَانُ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَالِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ. وَثَانِيهَا: قَالَ بَعْضُهُمْ: ابْتَلَاهُ بِثَلَاثِينَ خَصْلَةً مِنْ خِصَالِ الْإِسْلَامِ، عَشْرٌ مِنْهَا فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ \[التَّوْبَةِ: ١١٢\] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَعَشْرٌ مِنْهَا فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ:

إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ \[الْأَحْزَابِ: ٣٥\] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَعَشْرٌ مِنْهَا فِي الْمُؤْمِنُونَ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ \[الْمُؤْمِنُونَ: ١\] إِلَى قَوْلِهِ: أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ \[الْمُؤْمِنُونَ: ١٠\] وَرُوِيَ عَشْرٌ فِي: سَأَلَ سائِلٌ \[الْمَعَارِجِ: ١\] إِلَى قَوْلِهِ: وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ \[الْمَعَارِجِ: ٣٤\] فَجَعَلَهَا أَرْبَعِينَ سَهْمًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَثَالِثُهَا: أَمَرَهُ بِمَنَاسِكِ الْحَجِّ، كَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالرَّمْيِ وَالْإِحْرَامِ وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَرَابِعُهَا:
 ابْتَلَاهُ بِسَبْعَةِ أَشْيَاءَ: بِالشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ، وَالْكَوَاكِبِ، وَالْخِتَانِ عَلَى الْكِبَرِ، وَالنَّارِ، وَذَبْحِ الْوَلَدِ، وَالْهِجْرَةِ، فَوَفَّى بِالْكُلِّ فَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى \[النَّجْمِ: ٣٧\] عَنِ الْحَسَنِ. وَخَامِسُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ مَا ذَكَرَهُ فِي قَوْلِهِ: إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ \[الْبَقَرَةِ: ١٣١\]. وَسَادِسُهَا: الْمُنَاظَرَاتُ الْكَثِيرَةُ فِي التَّوْحِيدِ مَعَ أَبِيهِ وَقَوْمِهِ ومع نمرود وَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَالصَّوْمُ، وَقَسْمُ الْغَنَائِمِ، وَالضِّيَافَةُ، وَالصَّبْرُ عَلَيْهَا، قَالَ الْقَفَّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّ الِابْتِلَاءَ يَتَنَاوَلُ إِلْزَامَ كُلِّ مَا فِي فعله كلفة شدة وَمَشَقَّةٌ، فَاللَّفْظُ يَتَنَاوَلُ مَجْمُوعَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَيَتَنَاوَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا، فَلَوْ ثَبَتَتِ الرِّوَايَةُ فِي الْكُلِّ وَجَبَ الْقَوْلُ بِالْكُلِّ، وَلَوْ ثَبَتَتِ الرِّوَايَةُ فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ فَحِينَئِذٍ يَقَعُ التَّعَارُضُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ، فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: قَالَ الْقَاضِي: هَذَا الِابْتِلَاءُ إِنَّمَا كَانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَبَّهَ عَلَى أَنَّ قِيَامَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِهِنَّ كَالسَّبَبِ لِأَنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ إِمَامًا، وَالسَّبَبُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُسَبَّبِ، فَوَجَبَ كَوْنُ هَذَا الِابْتِلَاءِ مُتَقَدِّمًا فِي الْوُجُودِ عَلَى صَيْرُورَتِهِ إِمَامًا وَهَذَا أَيْضًا مُلَائِمٌ لِقَضَايَا الْعُقُولِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَفَاءَ مِنْ شَرَائِطِ النُّبُوَّةِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالْإِعْرَاضِ عَنْ جَمِيعِ مَلَاذِّ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتِهَا وَتَرْكِ الْمُدَاهَنَةِ مَعَ الْخَلْقِ وَتَقْبِيحِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْأَدْيَانِ الْبَاطِلَةِ وَالْعَقَائِدِ الْفَاسِدَةِ، وَتَحَمُّلِ الْأَذَى مِنْ جَمِيعِ أَصْنَافِ الْخَلْقِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ أَعْظَمِ الْمَشَاقِّ وَأَجَلِّ الْمَتَاعِبِ، وَلِهَذَا السَّبَبِ يَكُونُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ أُمَّتِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَاللَّهُ تَعَالَى ابْتَلَاهُ بِالتَّكَالِيفِ الشَّاقَّةِ، فَلَمَّا وَفَّى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِهَا لَا جَرَمَ أَعْطَاهُ خُلْعَةَ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، وَقَالَ آخَرُونَ:
 إِنَّهُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا يَعْلَمُ كَوْنَهُ مُكَلَّفًا بِتِلْكَ التَّكَالِيفِ إِلَّا مِنَ الْوَحْيِ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِ الْوَحْيِ عَلَى مَعْرِفَتِهِ بِكَوْنِهِ كَذَلِكَ، أَجَابَ الْقَاضِي عَنْهُ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَعَالَى أَوْحَى إِلَيْهِ عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِهَذِهِ التَّكَالِيفِ الشَّاقَّةِ، فَلَمَّا تَمَّمَ ذَلِكَ جَعَلَهُ نَبِيًّا مَبْعُوثًا إِلَى الْخَلْقِ، إِذَا عَرَفْتَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَنَقُولُ قَالَ الْقَاضِي: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْكَلِمَاتِ، مَا ذَكَرَهُ الْحَسَنُ مِنْ حَدِيثِ الْكَوْكَبِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِذَلِكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، أَمَّا ذَبْحُ الْوَلَدِ وَالْهِجْرَةُ وَالنَّارُ فَكُلُّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، وَكَذَا الْخِتَانُ، فَإِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُرْوَى أَنَّهُ خَتَنَ نَفْسَهُ وَكَانَ سِنُّهُ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قَامَتِ الدَّلَالَةُ السَّمْعِيَّةُ الْقَاهِرَةُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْكَلِمَاتِ/ هَذِهِ الأشياء كان المراد من قوله: فَأَتَمَّهُنَّ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ عَلِمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يُتِمُّهُنَّ وَيَقُومُ بِهِنَّ بَعْدَ النُّبُوَّةِ فَلَا جَرَمَ أَعْطَاهُ خُلْعَةَ الْإِمَامَةِ وَالنُّبُوَّةِ.
 الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: الضَّمِيرُ الْمُسْتَكِنُّ فِي فَأَتَمَّهُنَّ فِي إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ لِإِبْرَاهِيمَ بِمَعْنَى فَقَامَ بِهِنَّ حَقَّ الْقِيَامِ، وَأَدَّاهُنَّ أَحْسَنَ التَّأْدِيَةِ، مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ وَتَوَانٍ. وَنَحْوُهُ: وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى وَفِي الْأُخْرَى لِلَّهِ تَعَالَى بِمَعْنَى: فَأَعْطَاهُ مَا طلبه لم ينقض منه شيئاً.
 أما \[التشريف ف\] قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً فَالْإِمَامُ اسْمُ مَنْ يُؤْتَمُّ بِهِ كَالْإِزَارِ لِمَا يُؤْتَزَرُ بِهِ، أَيْ يَأْتَمُّونَ بِكَ فِي دِينِكَ. وَفِيهِ مسائل:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ أَهْلُ التَّحْقِيقِ: الْمُرَادُ مِنَ الإمام هاهنا النَّبِيُّ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ. أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ:
 لِلنَّاسِ إِماماً يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَهُ إِمَامًا لِكُلِّ النَّاسِ وَالَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ رَسُولًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُسْتَقِلًّا بِالشَّرْعِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ تَبَعًا لِرَسُولٍ آخَرَ لَكَانَ مَأْمُومًا لِذَلِكَ الرَّسُولِ لَا إِمَامًا لَهُ، فَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ الْعُمُومُ.
 وَثَانِيهَا: أَنَّ اللَّفْظَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِمَامٌ فِي كُلِّ شَيْءِ وَالَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ نَبِيًّا. وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ أَئِمَّةٌ مِنْ حَيْثُ يَجِبُ عَلَى الْخَلْقِ اتِّبَاعُهُمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا \[الْأَنْبِيَاءِ: ٧٣\] وَالْخُلَفَاءُ أَيْضًا أَئِمَّةٌ لِأَنَّهُمْ رَتَّبُوا فِي الْمَحَلِّ الَّذِي يَجِبُ عَلَى النَّاسِ اتِّبَاعُهُمْ وَقَبُولُ قَوْلِهِمْ وَأَحْكَامِهِمْ وَالْقُضَاةُ وَالْفُقَهَاءُ أَيْضًا أَئِمَّةٌ لِهَذَا الْمَعْنَى، وَالَّذِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ يُسَمَّى أَيْضًا إِمَامًا لِأَنَّ مَنْ دَخَلَ فِي صَلَاتِهِ لَزِمَهُ الِائْتِمَامُ بِهِ.
 قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: **«إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ إِمَامًا لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا وَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَى إِمَامِكُمْ»**
 فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ اسْمَ الْإِمَامِ لِمَنِ اسْتَحَقَّ الِاقْتِدَاءَ بِهِ فِي الدِّينِ وَقَدْ يُسَمَّى بِذَلِكَ أَيْضًا مَنْ يُؤْتَمُّ بِهِ فِي الْبَاطِلِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ \[الْقَصَصِ: ٤١\] إِلَّا أَنَّ اسْمَ الْإِمَامِ لَا يَتَنَاوَلُهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ لَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ إِلَّا مُقَيَّدًا، فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَئِمَّةَ الضَّلَالِ قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ كَمَا أَنَّ اسْمَ الْإِلَهِ لَا يَتَنَاوَلُ إِلَّا الْمَعْبُودَ الْحَقَّ، فَأَمَّا الْمَعْبُودُ الْبَاطِلُ فَإِنَّمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْإِلَهِ مَعَ الْقَيْدِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ \[هُودٍ: ١٠١\] وَقَالَ:
 وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً \[طه: ٩٧\] إِذَا ثَبَتَ أَنَّ اسْمَ الْإِمَامِ يَتَنَاوَلُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَثَبَتَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الْإِمَامَةِ وَجَبَ حمل اللفظ هاهنا عَلَيْهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ لَفْظَ الْإِمَامِ هاهنا فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ، فَلَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ تِلْكَ النِّعْمَةُ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ لِيَحْسُنَ نِسْبَةُ الِامْتِنَانِ فَوَجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الْإِمَامَةِ عَلَى النُّبُوَّةِ.
 الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا وَعَدَهُ بِأَنْ يَجْعَلَهُ إِمَامًا لِلنَّاسِ حَقَّقَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ الْوَعْدَ فِيهِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْأَدْيَانِ عَلَى شَدَّةِ اخْتِلَافِهَا وَنِهَايَةِ تَنَافِيهَا يُعَظِّمُونَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَيَتَشَرَّفُونَ بِالِانْتِسَابِ إِلَيْهِ إِمَّا فِي النَّسَبِ وَإِمَّا فِي الدِّينِ وَالشَّرِيعَةِ حَتَّى إِنَّ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ كَانُوا مُعَظِّمِينَ لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ/ حَنِيفاً \[النحل: ١٢٣\] وقال: مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ \[الْبَقَرَةِ: ١٣٠\] وَقَالَ فِي آخِرِ سُورَةِ الْحَجِّ: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ \[الْحَجِّ: ٧٨\] وَجَمِيعُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَقُولُونَ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآلَ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ وَتَرَحَّمْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ.
 الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يَصِيرُ إِمَامًا إِلَّا بِالنَّصِّ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ فَقَالُوا: إِنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّهُ إِنَّمَا صَارَ إِمَامًا بِسَبَبِ التَّنْصِيصِ عَلَى إِمَامَتِهِ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً \[الْبَقَرَةِ: ٣٠\] فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ له منصب الخلافة إلا بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ المراد بالإمامة هاهنا النُّبُوَّةُ ثُمَّ إِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا مُطْلَقُ الْإِمَامَةِ لَكِنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّصَّ طَرِيقُ الْإِمَامَةِ وَذَلِكَ لَا نِزَاعَ فِيهِ، إِنَّمَا النِّزَاعُ فِي أَنَّهُ هَلْ تَثْبُتُ الْإِمَامَةُ بِغَيْرِ النَّصِّ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ تَعَرُّضٌ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا بِالنَّفْيِ وَلَا بِالْإِثْبَاتِ.
 الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ مَعْصُومًا عَنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ لِأَنَّ الْإِمَامَ هُوَ الَّذِي يُؤْتَمُّ بِهِ وَيُقْتَدَى، فَلَوْ صَدَرَتِ الْمَعْصِيَةُ مِنْهُ لَوَجَبَ عَلَيْنَا الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِي ذَلِكَ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْنَا فِعْلُ الْمَعْصِيَةِ وَذَلِكَ مُحَالٌ لِأَنَّ كَوْنَهُ مَعْصِيَةً عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مَمْنُوعًا مِنْ فِعْلِهِ وَكَوْنَهُ وَاجِبًا عِبَارَةٌ عَنْ

كَوْنِهِ مَمْنُوعًا مِنْ تَرْكِهِ وَالْجَمِيعُ مُحَالٌ.
 أَمَّا قوله: مِنْ ذُرِّيَّتِي فَفِيهِ مَسَائِلُ:
 الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الذُّرِّيَّةُ: الْأَوْلَادُ وأولاد الأولاد للرجل وهو من ذرأ اللَّهِ الْخَلْقَ وَتَرَكُوا هَمْزَهَا لِلْخِفَّةِ كَمَا تَرَكُوا فِي الْبَرِّيَّةِ وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ مَنْسُوبَةً إِلَى الذَّرِّ.
 الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي عُطِفَ عَلَى الْكَافِ كَأَنَّهُ قَالَ: وَجَاعِلُ بَعْضِ ذُرِّيَّتِي كَمَا يُقَالُ لَكَ:
 سَأُكْرِمُكَ، فَتَقُولُ: وَزَيْدًا.
 الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ تَعَالَى أَعْلَمَهُ أَنَّ فِي ذُرِّيَّتِهِ أَنْبِيَاءَ فَأَرَادَ أَنْ يَعْلَمَ هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي كُلِّهِمْ أَوْ فِي بَعْضِهِمْ وَهَلْ يَصْلُحُ جَمِيعُهُمْ لِهَذَا الْأَمْرِ؟ فَأَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ فِيهِمْ ظَالِمًا لَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَكَرَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعْلَامِ وَلَمَّا لَمْ يَعْلَمْ عَلَى وَجْهِ الْمَسْأَلَةِ، فَأَجَابَهُ اللَّهُ تَعَالَى صَرِيحًا بِأَنَّ النُّبُوَّةَ لَا تَنَالُ الظَّالِمِينَ مِنْهُمْ، فَإِنْ قِيلَ: هَلْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَأْذُونًا فِي قَوْلِهِ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي أَوْ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا فِيهِ؟ فَإِنْ أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذَا الدُّعَاءِ فَلِمَ رَدَّ دُعَاءَهُ؟ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ كَانَ ذَلِكَ ذَنْبًا، قُلْنَا: قَوْلُهُ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ طَلَبَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ ذُرِّيَّتِهِ أَئِمَّةً لِلنَّاسِ، وَقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ تَعَالَى إِجَابَةَ دُعَائِهِ فِي الْمُؤْمِنِينَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ كَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَجَعَلَ آخِرَهُمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَئِمَّةِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
 أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: قالَ لَا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ فَفِيهِ مَسَائِلُ:
 الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَرَأَ حَمْزَةُ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ: عَهْدِي بِإِسْكَانِ الْيَاءِ، وَالْبَاقُونَ بفتحها، / وقرأ بعضهم: لا ينال عهدي الظالمون أَيْ مَنْ كَانَ ظَالِمًا مِنْ ذُرِّيَّتِكَ فَإِنَّهُ لَا يَنَالُ عَهْدِي.
 الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: ذَكَرُوا فِي الْعَهْدِ وُجُوهًا: أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا الْعَهْدَ هُوَ الْإِمَامَةُ الْمَذْكُورَةُ فِيمَا قَبْلُ، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ تِلْكَ الْإِمَامَةِ هُوَ النُّبُوَّةَ فَكَذَا وَإِلَّا فَلَا. وَثَانِيهَا: عَهْدِي أَيْ رَحْمَتِي عَنْ عَطَاءٍ. وَثَالِثُهَا: طَاعَتِي عَنِ الضَّحَّاكِ. وَرَابِعُهَا: أَمَانِي عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي طَلَبٌ لِتِلْكَ الْإِمَامَةِ الَّتِي وَعَدَهُ بِهَا بِقَوْلِهِ: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً فَقَوْلُهُ: لَا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ لَا يَكُونُ جَوَابًا عَنْ ذَلِكَ السُّؤَالِ إِلَّا إِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِهَذَا الْعَهْدِ تِلْكَ الْإِمَامَةَ.
 الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى سَيُعْطِي بَعْضَ وَلَدِهِ مَا سَأَلَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ الْجَوَابُ: لَا، أَوْ يَقُولُ: لَا يَنَالُ عَهْدِي ذُرِّيَّتَكَ، فَإِنْ قِيلَ: أَفَمَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَالِمًا بِأَنَّ النُّبُوَّةَ لَا تَلِيقُ بِالظَّالِمِينَ، قُلْنَا:
 بَلَى، وَلَكِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَالَ ذُرِّيَّتِهِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ فِيهِمْ مَنْ هَذَا حَالُهُ وَأَنَّ النُّبُوَّةَ إِنَّمَا تَحْصُلُ لِمَنْ لَيْسَ بِظَالِمٍ.
 الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: الرَّوَافِضُ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى الْقَدْحِ فِي إِمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ. الْأَوَّلُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانَا كَافِرَيْنِ، فَقَدْ كَانَا حَالَ كُفْرِهِمَا ظَالِمَيْنِ، فَوَجَبَ أَنْ يَصْدُقَ عَلَيْهِمَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَنَّهُمَا لَا يَنَالَانِ عَهْدَ الْإِمَامَةِ الْبَتَّةَ، وَإِذَا صَدَقَ عَلَيْهِمَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَنَّهُمَا لَا يَنَالَانِ عَهْدَ الْإِمَامَةِ الْبَتَّةَ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ ثَبَتَ أَنَّهُمَا لَا يَصْلُحَانِ لِلْإِمَامَةِ. الثَّانِي: أَنَّ مَنْ كَانَ مُذْنِبًا فِي الْبَاطِنِ كَانَ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِذَنْ مَا لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مَا كَانَا مِنَ الظَّالِمِينَ الْمُذْنِبِينَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَجَبَ أَنْ لَا يَحْكُمَ بِإِمَامَتِهِمَا وَذَلِكَ

إِنَّمَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ مَنْ تَثْبُتُ عِصْمَتُهُ وَلَمَّا لَمْ يَكُونَا مَعْصُومَيْنِ بِالِاتِّفَاقِ وَجَبَ أَنْ لَا تَتَحَقَّقَ إِمَامَتُهُمَا الْبَتَّةَ. الثَّالِثُ:
 قَالُوا: كَانَا مُشْرِكَيْنِ، وَكُلُّ مُشْرِكٍ ظَالِمٌ وَالظَّالِمُ لَا يَنَالُهُ عَهْدُ الْإِمَامَةِ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَنَالَهُمَا عَهْدُ الْإِمَامَةِ، أَمَّا أَنَّهُمَا كَانَا مُشْرِكَيْنِ فَبِالِاتِّفَاقِ، وَأَمَّا أَنَّ الْمُشْرِكَ ظَالِمٌ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ \[لُقْمَانَ: ١٣\] وَأَمَّا أَنَّ الظَّالِمَ لَا يَنَالُهُ عَهْدُ الْإِمَامَةِ فَلِهَذِهِ الْآيَةِ، لَا يُقَالُ إِنَّهُمَا كَانَا ظَالِمَيْنِ حَالَ كُفْرِهِمَا، فَبَعْدَ زَوَالِ الْكُفْرِ لَا يَبْقَى هَذَا الِاسْمُ لِأَنَّا نَقُولُ الظَّالِمُ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ الظُّلْمُ، وَقَوْلُنَا: وُجِدَ مِنْهُ الظُّلْمُ أَعَمُّ مِنْ قَوْلِنَا وُجِدَ مِنْهُ الظُّلْمُ فِي الْمَاضِي أَوْ فِي الْحَالِ بِدَلِيلِ أَنَّ هَذَا الْمَفْهُومَ يُمْكِنُ تَقْسِيمُهُ إِلَى هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ، وَمَوْرِدُ التَّقْسِيمِ بِالتَّقْسِيمِ بِالْقِسْمَيْنِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ القسمين وما كان مشتركاً بين القسمين لا يَلْزَمُ انْتِفَاؤُهُ لِانْتِفَاءِ أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ كَوْنِهِ ظَالِمًا فِي الْحَالِ نَفْيُ كَوْنِهِ ظَالِمًا وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ نَظَرًا إِلَى الدَّلَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ أَنَّ النَّائِمَ يُسَمَّى مُؤْمِنًا وَالْإِيمَانُ هُوَ التَّصْدِيقُ وَالتَّصْدِيقُ غَيْرُ حَاصِلٍ حَالَ كَوْنِهِ نَائِمًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُسَمَّى مُؤْمِنًا لِأَنَّ الْإِيمَانَ كَانَ حَاصِلًا قَبْلُ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ ظَالِمًا لِظُلْمٍ وُجِدَ مِنْ قَبْلُ، وَأَيْضًا فَالْكَلَامُ عِبَارَةٌ عَنْ حُرُوفٍ مُتَوَالِيَةٍ، وَالْمَشْيُ عِبَارَةٌ عَنْ حُصُولَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ فِي أَحْيَازٍ مُتَعَاقِبَةٍ، فَمَجْمُوعُ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ الْبَتَّةَ لَا وُجُودَ لَهَا، فَلَوْ كَانَ حُصُولُ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ شَرْطًا فِي كَوْنِ الِاسْمِ الْمُشْتَقِّ حَقِيقَةً وَجَبَ أَنْ يَكُونَ اسْمُ الْمُتَكَلِّمِ وَالْمَاشِي وَأَمْثَالِهِمَا حَقِيقَةً فِي شَيْءٍ أَصْلًا، وَأَنَّهُ بَاطِلٌ قَطْعًا/ فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ حُصُولَ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ لَيْسَ شَرْطًا لِكَوْنِ الِاسْمِ الْمُشْتَقِّ حَقِيقَةً؟ وَالْجَوَابُ: كُلُّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مُعَارَضٌ، بِمَا أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يُسَلِّمُ عَلَى كَافِرٍ فَسَلَّمَ عَلَى إِنْسَانٍ مُؤْمِنٍ فِي الْحَالِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ كَافِرًا قَبْلُ بِسِنِينَ مُتَطَاوِلَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ، فَدَلَّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ، وَلِأَنَّ التَّائِبَ عَنِ الْكُفْرِ لَا يُسَمَّى كَافِرًا وَالتَّائِبَ عَنِ الْمَعْصِيَةِ لَا يُسَمَّى عَاصِيًا، فَكَذَا الْقَوْلُ فِي نَظَائِرِهِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا \[هُودٍ: ١١٣\] فَإِنَّهُ نَهَى عَنِ الرُّكُونِ إِلَيْهِمْ حَالَ إِقَامَتِهِمْ عَلَى الظُّلْمِ، وَقَوْلُهُ: مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ \[التَّوْبَةِ: ٩١\] مَعْنَاهُ: مَا أَقَامُوا عَلَى الْإِحْسَانِ، عَلَى أَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْإِمَامَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: النُّبُوَّةُ، فَمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلنُّبُوَّةِ.
 الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَالَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ: الْفَاسِقُ حَالَ فِسْقِهِ لَا يَجُوزُ عَقْدُ الْإِمَامَةِ لَهُ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْفِسْقَ الطَّارِئَ هَلْ يُبْطِلُ الْإِمَامَةَ أَمْ لَا؟ وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْفَاسِقَ لَا يَصْلُحُ أَنْ تُعْقَدَ لَهُ الْإِمَامَةُ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا مِنْ وَجْهَيْنِ. الْأَوَّلُ: مَا بَيَّنَّا أَنَّ قَوْلَهُ: لَا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ جَوَابٌ لِقَوْلِهِ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي وَقَوْلَهُ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي طَلَبٌ لِلْإِمَامَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَذَا الْعَهْدِ هُوَ الْإِمَامَةُ، لِيَكُونَ الْجَوَابُ مُطَابِقًا لِلسُّؤَالِ، فَتَصِيرُ الْآيَةُ كَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: لَا يَنَالُ الْإِمَامَةُ الظَّالِمِينَ، وَكُلُّ عَاصٍ فَإِنَّهُ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، فَكَانَتِ الْآيَةُ دَالَّةً عَلَى مَا قُلْنَاهُ، فَإِنْ قِيلَ: ظَاهِرُ الْآيَةِ يَقْتَضِي انْتِفَاءَ كَوْنِهِمْ ظَالِمِينَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِي الْأَئِمَّةِ وَالْقُضَاةِ، قُلْنَا: أَمَّا الشِّيعَةُ فَيَسْتَدِلُّونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ فِي وُجُوبِ الْعِصْمَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَأَمَّا نَحْنُ فَنَقُولُ: مُقْتَضَى الْآيَةِ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّا تَرَكْنَا اعْتِبَارَ الْبَاطِنِ فَتَبْقَى الْعَدَالَةُ الظَّاهِرَةُ مُعْتَبَرَةً، فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ \[الْأَنْبِيَاءِ: ٨٧\] وَقَالَ آدَمُ: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا \[الْأَعْرَافِ: ٢٣\] قُلْنَا: الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ هُوَ الظُّلْمُ الْمُطْلَقُ، وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي آدَمَ وَيُونُسَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَهْدَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، قَالَ الله تعالى: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ \[يس: ٦٠\] يَعْنِي أَلَمْ آمُرْكُمْ بِهَذَا، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قالُوا إِنَّ اللَّهَ

عَهِدَ إِلَيْنا
 \[آلِ عِمْرَانَ: ١٨٣\] يَعْنِي أَمَرَنَا، وَمِنْهُ عُهُودُ الْخُلَفَاءِ إِلَى أُمَرَائِهِمْ وَقُضَاتِهِمْ إِذَا ثَبَتَ أَنَّ عَهْدَ اللَّهِ هُوَ أَمْرُهُ فَنَقُولُ: لَا يَخْلُو قَوْلُهُ لَا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ مِنْ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الظَّالِمِينَ غَيْرُ مَأْمُورِينَ، وَأَنَّ الظَّالِمِينَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا بِمَحَلِّ مَنْ يُقْبَلُ مِنْهُمْ أَوَامِرُ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَمَّا بَطَلَ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ لِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ أَوَامِرَ اللَّهِ تَعَالَى لَازِمَةٌ لِلظَّالِمِينَ كَلُزُومِهَا لِغَيْرِهِمْ ثَبْتَ الْوَجْهُ الْآخَرُ، وَهُوَ أَنَّهُمْ غَيْرُ مُؤْتَمَنِينَ عَلَى أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى وَغَيْرُ مُقْتَدًى بِهِمْ فِيهَا فَلَا يَكُونُونَ أَئِمَّةً فِي الدِّينِ، فَثَبَتَ بِدَلَالَةِ الْآيَةِ بُطْلَانُ إِمَامَةِ الْفَاسِقِ،
 قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: **«لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ»**، 
 وَدَلَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْفَاسِقَ لَا يَكُونُ حَاكِمًا، وَأَنَّ أَحْكَامَهُ لَا تُنَفَّذُ إِذَا وَلِيَ الْحُكْمَ، وَكَذَلِكَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَلَا خَبَرُهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا فُتْيَاهُ إِذَا أَفْتَى، وَلَا يُقَدَّمُ لِلصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ هُوَ بِحَيْثُ لَوِ اقْتُدِيَ بِهِ فَإِنَّهُ لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَظُنُّ/ أَنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ كَوْنُ الْفَاسِقِ إِمَامًا وَخَلِيفَةً، وَلَا يَجُوزُ كَوْنُ الْفَاسِقِ قَاضِيًا، قَالَ: وَهَذَا خَطَأٌ، وَلَمْ يُفَرِّقْ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ الْخَلِيفَةِ وَالْحَاكِمِ فِي أَنَّ شَرْطَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْعَدَالَةُ، وَكَيْفَ يَكُونُ خَلِيفَةً وَرِوَايَتُهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَأَحْكَامُهُ غَيْرُ نَافِذَةٍ، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَدَّعِيَ ذَلِكَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَقَدْ أَكْرَهَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِي أَيَّامِ بَنِي أُمَيَّةَ عَلَى الْقَضَاءِ، وَضَرَبَهُ فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ فَحُبِسَ، فَلَحَّ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَجَعَلَ يَضْرِبُهُ كُلَّ يَوْمٍ أَسْوَاطًا، فَلَمَّا خِيفَ عَلَيْهِ، قَالَ لَهُ الْفُقَهَاءُ: تَوَلَّ لَهُ شَيْئًا مِنْ عَمَلِهِ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ حَتَّى يَزُولَ عَنْكَ الضَّرْبُ، فَتَوَلَّى لَهُ عَدَّ أَحْمَالِ التِّبْنِ الَّتِي تَدْخُلُ فَخَلَّاهُ، ثُمَّ دَعَاهُ الْمَنْصُورُ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ حَتَّى عَدَّ لَهُ اللَّبِنَ الَّذِي كَانَ يُضْرَبُ لِسُورِ مَدِينَةِ الْمَنْصُورِ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ وَقِصَّتُهُ فِي أَمْرِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ مَشْهُورَةٌ، وَفِي حَمْلِهِ الْمَالَ إِلَيْهِ وَفُتْيَاهُ النَّاسَ سِرًّا فِي وُجُوبِ نُصْرَتِهِ وَالْقِتَالِ مَعَهُ، وَكَذَلِكَ أَمْرُهُ مَعَ مُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ ابْنِي عَبْدِ اللَّهِ بن الحسن، ثم قَالَ: وَإِنَّمَا غَلِطَ مَنْ غَلِطَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ: إِنَّ الْقَاضِيَ إِذَا كَانَ عَدْلًا فِي نَفْسِهِ، وَتَوَلَّى الْقَضَاءَ مِنْ إِمَامٍ جَائِرٍ فَإِنَّ أَحْكَامَهُ نَافِذَةٌ، وَالصَّلَاةَ خَلْفَهُ جَائِزَةٌ، لِأَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا كَانَ عَدْلًا فِي نَفْسِهِ وَيُمْكِنُهُ تَنْفِيذُ الْأَحْكَامِ كَانَتْ أَحْكَامُهُ نَافِذَةً، فَلَا اعْتِبَارَ فِي ذَلِكَ بِمَنْ وَلَّاهُ، لِأَنَّ الَّذِي وَلَّاهُ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ أَعْوَانِهِ، وَلَيْسَ شرط أعوان القاضي أن يكون عُدُولًا أَلَا تَرَى أَنَّ أَهْلَ بَلَدٍ لَا سُلْطَانَ عَلَيْهِمْ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى الرِّضَا بِتَوْلِيَةِ رَجُلٍ عَدْلٍ مِنْهُمُ الْقَضَاءَ حَتَّى يَكُونُوا أَعْوَانًا لَهُ عَلَى مَنِ امْتَنَعَ مِنْ قَبُولِ أَحْكَامِهِ لَكَانَ قَضَاؤُهُ نَافِذًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وِلَايَةٌ مِنْ جِهَةِ إِمَامٍ وَلَا سُلْطَانٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
 الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ وَجْهَيْنِ. الْأَوَّلُ: أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا الْعَهْدِ:
 الْإِمَامَةُ. وَلَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ إِمَامٌ، فَإِنَّ الْإِمَامَ هُوَ الَّذِي يُؤْتَمُّ بِهِ، وَالنَّبِيُّ أَوْلَى النَّاسِ، وَإِذَا دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَكُونُ فَاسِقًا، فَبِأَنْ تَدُلَّ عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَاسِقًا فَاعِلًا لِلذَّنْبِ وَالْمَعْصِيَةِ أَوْلَى. الثَّانِي:
 قَالَ: لَا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ فَهَذَا الْعَهْدُ إِنْ كَانَ هُوَ النُّبُوَّةَ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ لَا يَنَالُهَا أَحَدٌ مِنَ الظَّالِمِينَ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْإِمَامَةَ، فَكَذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ إِمَامًا يُؤْتَمُّ بِهِ، وَكُلُّ فَاسِقٍ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ فَوَجَبَ أَنْ لَا تَحْصُلَ النُّبُوَّةُ لِأَحَدٍ مِنَ الْفَاسِقِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
 الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: اعْلَمْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ بَيَّنَ أَنَّ لَهُ مَعَكَ عَهْدًا، وَلَكَ مَعَهُ عَهْدًا، وَبَيَّنَ أَنَّكَ مَتَى تَفِي بِعَهْدِكَ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يَفِي أَيْضًا بِعَهْدِهِ فَقَالَ: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ \[الْبَقَرَةِ: ٤٠\] ثُمَّ فِي سَائِرِ الْآيَاتِ فَإِنَّهُ أَفْرَدَ عَهْدَكَ بِالذِّكْرِ، وَأَفْرَدَ عَهْدَ نَفْسِهِ أَيْضًا بِالذِّكْرِ، أَمَّا عَهْدُكَ فَقَالَ فِيهِ: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا \[الْبَقَرَةِ: ١٧٧\] وَقَالَ: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ \[الْمُؤْمِنُونَ: ٨\] وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ

\[الْمَائِدَةِ: ١\] وَقَالَ: لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ \[الصَّفِّ: ٢، ٣\] وَأَمَّا عَهْدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَقَالَ فِيهِ: وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ \[التَّوْبَةِ: ١١١\] ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ عَهْدِهِ إِلَى أَبِينَا آدَمَ فَقَالَ:
 وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً \[طه: ١١٥\] ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ عَهْدِهِ إِلَيْنَا فَقَالَ: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي/ آدَمَ \[يس: ٦٠\] ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ عَهْدِهِ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ \[آلِ عِمْرَانَ: ١٨٣\] ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ عَهْدِهِ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَقَالَ: وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ \[الْبَقَرَةِ: ١٢٥\] ثُمَّ بَيَّنَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ عَهْدَهُ لَا يَصِلُ إِلَى الظَّالِمِينَ فَقَالَ: لَا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ فَهَذِهِ الْمُبَالَغَةُ الشَّدِيدَةُ فِي هَذِهِ الْمُعَاهَدَةِ تَقْتَضِي الْبَحْثَ عَنْ حَقِيقَةِ هَذِهِ الْمُعَاهَدَةِ فَنَقُولُ: الْعَهْدُ الْمَأْخُوذُ عَلَيْكَ لَيْسَ إِلَّا عَهْدَ الْخِدْمَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ، وَالْعَهْدُ الَّذِي الْتَزَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ جِهَتِهِ لَيْسَ إِلَّا عَهْدَ الرَّحْمَةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ، ثُمَّ إِنَّ الْعَاقِلَ إِذَا تَأَمَّلَ فِي حَالِ هَذِهِ الْمُعَاهَدَةِ لَمْ يَجِدْ مِنْ نَفْسِهِ إِلَّا نَقْضَ هَذَا الْعَهْدِ، وَمِنْ رَبِّهِ إِلَّا الْوَفَاءَ بِالْعَهْدِ، فَلْنَشْرَعْ فِي مَعَاقِدِ هَذَا الْبَابِ فَنَقُولُ: أَوَّلُ إِنْعَامِهِ عَلَيْكَ إِنْعَامُ الْخَلْقِ وَالْإِيجَادِ وَالْإِحْيَاءِ وَإِعْطَاءِ الْعَقْلِ وَالْآلَةِ وَالْمَقْصُودُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ اشْتِغَالُكَ بِالطَّاعَةِ وَالْخِدْمَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ عَلَى مَا قَالَ: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ \[الذَّارِيَاتِ: ٥٦\] وَنَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْخَلْقُ وَالْإِيجَادُ مِنْهُ عَلَى سَبِيلِ الْعَبَثِ فَقَالَ:
 وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ \[الأنبياء: ١٦\] ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ \[الدخان: ٣٩\] وَقَالَ أَيْضًا: وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا \[ص: ٢٧\] وَقَالَ: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لَا تُرْجَعُونَ \[الْمُؤْمِنُونَ: ١١٥\] ثُمَّ بَيَّنَ عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ مَا هُوَ الْحِكْمَةُ فِي الْخَلْقِ وَالْإِيجَادِ فَقَالَ: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فَهُوَ سُبْحَانَهُ وَفَّى بِعَهْدِ الرُّبُوبِيَّةِ حَيْثُ خَلَقَكَ وَأَحْيَاكَ وَأَنْعَمَ عَلَيْكَ بِوُجُوهِ النِّعَمِ وَجَعَلَكَ عَاقِلًا مُمَيِّزًا فَإِذَا لَمْ تَشْتَغِلْ بِخِدْمَتِهِ وَطَاعَتِهِ وَعُبُودِيَّتِهِ فَقَدْ نَقَضْتَ عَهْدَ عُبُودِيَّتِكَ مَعَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَفَّى بِعَهْدِ رُبُوبِيَّتِهِ. وَثَانِيهَا: أَنَّ عَهْدَ الرُّبُوبِيَّةِ يَقْتَضِي إِعْطَاءَ التَّوْفِيقِ وَالْهِدَايَةِ وَعَهْدَ الْعُبُودِيَّةِ مِنْكَ يَقْتَضِي الْجِدَّ وَالِاجْتِهَادَ فِي الْعَمَلِ، ثُمَّ إِنَّهُ وَفَّى بِعَهْدِ الرُّبُوبِيَّةِ فَإِنَّهُ مَا تَرَكَ ذَرَّةً مِنَ الذَّرَّاتِ إِلَّا وَجَعَلَهَا هَادِيَةً لَكَ إِلَى سَبِيلِ الْحَقِّ: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ \[الْإِسْرَاءِ: ٤٤\] وَأَنْتَ مَا وَفَّيْتَ الْبَتَّةَ بِعَهْدِ الطَّاعَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ.
 وَثَالِثُهَا: أَنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ بِالْإِيمَانِ أَعْظَمُ النِّعَمِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ هَذِهِ النِّعْمَةَ لَوْ فَاتَتْكَ لَكُنْتَ أَشْقَى الْأَشْقِيَاءِ أَبَدَ الْآبِدِينَ وَدَهْرَ الدَّاهِرِينَ، ثُمَّ هَذِهِ النِّعْمَةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ \[النَّحْلِ: ٥٣\] ثُمَّ مَعَ أَنَّ هَذِهِ النِّعْمَةَ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَشْكُرُكَ عَلَيْهَا وَقَالَ: فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً \[الْإِسْرَاءِ: ١٩\] فَإِذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى يَشْكُرُكَ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ فَبِأَنْ تَشْكُرَهُ عَلَى مَا أَعْطَى مِنَ التَّوْفِيقِ وَالْهِدَايَةِ كَانَ أَوْلَى، ثُمَّ إِنَّكَ مَا أَتَيْتَ إِلَّا بِالْكُفْرَانِ عَلَى مَا قَالَ: قُتِلَ الْإِنْسانُ مَا أَكْفَرَهُ \[عَبَسَ: ١٧\] فَهُوَ تَعَالَى وَفَّى بِعَهْدِهِ، وَأَنْتَ نَقَضْتَ عَهْدَكَ. وَرَابِعُهَا: أَنْ تُنْفَقَ نِعَمُهُ فِي سَبِيلِ مَرْضَاتِهِ، فَعَهْدُهُ مَعَكَ أَنْ يُعْطِيَكَ أَصْنَافَ النِّعَمِ وَقَدْ فَعَلَ وَعَهْدُكَ مَعَهُ أَنْ تَصْرِفَ نِعَمَهُ فِي سَبِيلِ مَرْضَاتِهِ وَأَنْتَ مَا فَعَلْتَ ذَلِكَ: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى \[الْعَلَقِ: ٦، ٧\]. وَخَامِسُهَا:
 أَنْعَمَ عَلَيْكَ بِأَنْوَاعِ النِّعَمِ لِتَكُونَ مُحْسِنًا إِلَى الْفُقَرَاءِ: وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ثُمَّ إِنَّكَ تَوَسَّلْتَ بِهِ إِلَى إِيذَاءِ النَّاسِ وإيحاشهم: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ \[الحديد: ٢٤\] \[النِّسَاءِ: ٣٧\]. وَسَادِسُهَا:
 أَعْطَاكَ النِّعَمَ الْعَظِيمَةَ لِتَكُونَ مُقْبِلًا على حمده وأنت تحمد غيره فانظر إن السُّلْطَانِ الْعَظِيمِ لَوْ أَنْعَمَ عَلَيْكَ بِخُلْعَةٍ نَفِيسَةٍ، ثُمَّ إِنَّكَ فِي حَضْرَتِهِ تُعْرِضُ عَنْهُ وَتَبْقَى مَشْغُولًا بِخِدْمَةِ بَعْضِ الْأَسْقَاطِ كَيْفَ تَسْتَوْجِبُ الْأَدَبَ والمقت فكذا هاهنا، وَاعْلَمْ أَنَّا لَوِ اشْتَغَلْنَا/ بِشَرْحِ كَيْفِيَّةِ وَفَائِهِ سُبْحَانَهُ بِعَهْدِ الْإِحْسَانِ وَالرُّبُوبِيَّةِ وَكَيْفِيَّةِ نَقْضِنَا لِعَهْدِ الإخلاص

### الآية 2:124

> ﻿۞ وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [2:124]

قوله تعالى : وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين . 
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما استقصى في شرح وجوه نعمه على بني إسرائيل ثم في شرح قبائحهم في أديانهم وأعمالهم وختم هذا الفصل بما بدأ به وهو قوله : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي  إلى قوله : ولا هم ينصرون  شرع سبحانه ههنا في نوع آخر من البيان وهو أن ذكر قصة إبراهيم عليه السلام وكيفية أحواله، والحكمة فيه أن إبراهيم عليه السلام شخص يعترف بفضله جميع الطوائف والملل، فالمشركين كانوا معترفين بفضله متشرفين بأنهم من أولاده ومن ساكني حرمه وخادمي بيته. وأهل الكتاب من اليهود والنصارى كانوا أيضا مقرين بفضله متشرفين بأنهم من أولاده، فحكى الله سبحانه وتعالى عن إبراهيم عليه السلام أمورا توجب على المشركين وعلى اليهود والنصارى قبول قول محمد صلى الله عليه وسلم والاعتراف بدينه والانقياد لشرعه، وبيانه من وجوه :
( أحدها ) : أنه تعالى لما أمره ببعض التكاليف فلما وفى بها وخرج عن عهدتها لا جرم نال النبوة والإمامة وهذا مما ينبه اليهود والنصارى والمشركين على أن الخير لا يحصل في الدنيا والآخرة إلا بترك التمرد والعناد والانقياد لحكم الله تعالى وتكاليفه. ( وثانيها ) : أنه تعالى حكى عنه أنه طلب الإمامة لأولاده فقال الله تعالى : لا ينال عهدي الظالمين  فدل ذلك على أن منصب الإمامة والرياسة في الدين لا يصل إلى الظالمين، فهؤلاء متى أرادوا وجدان هذا المنصب وجب عليهم ترك اللجاج والتعصب للباطل. ( وثالثها ) : أن الحج من خصائص دين محمد صلى الله عليه وسلم، فحكى الله تعالى ذلك عن إبراهيم ليكون ذلك كالحجة على اليهود والنصارى في وجوب الانقياد لذلك. ( ورابعها ) : أن القبلة لما حولت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود والنصارى، فبين الله تعالى أن هذا البيت قبلة إبراهيم الذي يعترفون بتعظيمه ووجوب الاقتداء به فكان ذلك مما يوجب زوال ذلك الغضب عن قلوبهم. ( وخامسها ) : أن من المفسرين من فسر الكلمات التي ابتلى الله تعالى إبراهيم بها بأمور يرجع حاصلها إلى تنظيف البدن وذلك مما يوجب على المشركين اختيار هذه الطريقة لأنهم كانوا معترفين بفضل إبراهيم عليه السلام ويوجب عليهم ترك ما كانوا عليه من التلطخ بالدماء وترك النظافة ومن المفسرين من فسر تلك الكلمات بما أن إبراهيم عليه السلام صبر على ما ابتلى به في دين الله تعالى وهو النظر في الكواكب والقمر والشمس ومناظرة عبدة الأوثان، ثم الانقياد لأحكام الله تعالى في ذبح الولد والإلقاء في النار، وهذا يوجب على هؤلاء اليهود والنصارى والمشركين الذين يعترفون بفضله أن يتشبهوا به في ذلك ويسلكوا طريقته في ترك الحسد والحمية وكراهة الانقياد لمحمد صلى الله عليه وسلم، فهذه الوجوه التي لأجلها ذكر الله تعالى قصة إبراهيم عليه السلام. 
واعلم أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أمورا يرجع بعضها إلى الأمور الشاقة التي كلفه بها، وبعضها يرجع إلى التشريفات العظيمة التي خصه الله بها، ونحن نأتي على تفسيرها إن شاء الله تعالى، وهذه الآية دالة على تكليف حصل بعده تشريف. 
أما التكليف فقوله تعالى : وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن  وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال صاحب الكشاف : العامل في  إذا  إما مضمر نحو : واذكر إذ ابتلى إبراهيم أو إذ ابتلاه كان كيت وكيت وإما  قال إني جاعلك . 
المسألة الثانية : أنه تعالى وصف تكليفه إياه ببلوى توسعا لأن مثل هذا يكون منا على جهة البلوى والتجربة والمحنة من حيث لا يعرف ما يكون ممن يأمره، فلما كثر ذلك في العرف بيننا جاز أن يصف الله تعالى أمره ونهيه بذلك مجازا لأنه تعالى لا يجوز عليه الاختبار والامتحان لأنه تعالى عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها على سبيل التفصيل من الأزل إلى الأبد، وقال هشام ابن الحكم : إنه تعالى كان في الأزل عالما بحقائق الأشياء وماهياتها فقط، فأما حدوث تلك الماهيات ودخولها في الوجود فهو تعالى لا يعلمها إلا عند وقوعها واحتج عليه بالآية والمعقول، أما الآية فهي هذه الآية، قال : إنه تعالى صرح بأنه يبتلي عباده ويختبرهم وذكر نظيره في سائر الآيات كقوله تعالى : ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين  وقال : ليبلوكم أيكم أحسن عملا  وقال في هذه السورة بعد ذلك : ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع  وذكر أيضا ما يؤكد هذا المذهب نحو قوله : فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى  وكلمة  لعل  للترجي وقال : يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون  فهذه الآيات ونظائرها دالة على أنه سبحانه وتعالى لا يعلم وقوع الكائنات قبل وقوعها، أما العقل فدل على وجوه. ( أحدها ) : أنه تعالى لو كان عالما بوقوع الأشياء قبل وقوعها لزم نفي القدرة عن الخالق وعن الخلق، وذلك محال فما أدى إليه مثله بيان الملازمة : أن ما علم الله تعالى وقوعه استحال أن لا يقع لأن العلم بوقوع الشيء وبلا وقوع ذلك الشيء متضادان والجمع بين الضدين محال، وكذلك ما علم الله أنه لا يقع كان وقوعه محالا لعين هذه الدلالة، فلو كان الباري تعالى عالما بجميع الأشياء الجزئية قبل وقوعها لكان بعضها واجب الوقوع وبعضها ممتنع الوقوع، ولا قدرة البتة لا على الواجب ولا على الممتنع فيلزم نفي القدرة على هذه الأشياء عن الخالق تعالى وعن الخلق وإنما قلنا : إن ذلك محال أما في حق الخالق فلأنه ثبت أن العالم محدث وله مؤثر وذلك المؤثر يجب أن يكون قادرا إذ لو كان موجبا لذاته لزم من قدمه قدم العالم أو من حدوث العالم حدوثه، وأما في حق الخلق فلأنا نجد من أنفسنا وجدانا ضروريا كوننا متمكنين من الفعل والترك، على معنى أنا إن شئنا الفعل قدرنا عليه، وإن شئنا الترك قدرنا على الترك، فلو كان أحدهما واجبا والآخر ممتنعا لما حصلت هذه المكنة التي يعرف ثبوتها بالضرورة. ( وثانيها ) : أن تعلق العلم بأحد المعلومين مغاير لتعلقه بالمعلوم الآخر، ولذلك فإنه يصل منا تعقل أحد التعلقين مع الذهول عن التعلق الآخر، ولو كان التعلقان تعلقا واحدا لاستحال ذلك، لأن الشيء الواحد يستحيل أن يكون معلوما مذهولا عنه، وإذا ثبت هذا فنقول : لو كان تعالى عالما بجميع هذه الجزئيات، لكان له تعالى علوم غير متناهية، أو كان لعلمه تعلقات غير متناهية، وعلى التقديرين فيلزم حصول موجودات غير متناهية دفعة واحدة وذلك محال، لأن مجموع تلك الأشياء أزيد من ذلك المجموع بعينه عند نقصان عشرة منه، فالناقص متناه، والزائد زاد على المتناهي بتلك العشرة، والمتناهي إذا ضم إليه غير المتناهي كان الكل متناهيا، فإذا وجود أمور غير متناهية محال، فإن قيل : الموجود هو العلم، فأما تلك التعلقات فهي أمور نسبية لا وجود لها في الأعيان، قلنا : العلم إنما يكون علما لو كان متعلقا بالمعلوم، فلو لم يكن ذلك التعلق حاصلا في نفس الأمر لزم أن لا يكون العلم علما في نفس الأمر وذلك محال. ( وثالثها ) : أن هذه المعلومات التي لا نهاية لها، هل يعلم الله عددها أو لا يعلم، فإن علم عددها فهي متناهية، لأن كل ما له عدد معين فهو متناه، وإن لم يعلم الله تعالى عددها لم يكن عالما بها على سبيل التفصيل، وكلامنا ليس إلا في العلم التفصيلي. ( ورابعها ) : أن كل معلوم فهو متميز في الذهن عما عداه، وكل متميز عما عداه فإن ما عداه خارج عنه، وكل ما خرج عنه غيره فهو متناه، فإذن كل معلوم فهو متناه، فإذن كل ما هو غير متناه استحال أن يكون معلوما. ( وخامسها ) : أن الشيء إنما يكون معلوما لو كان للعلم تعلق به ونسبة إليه وانتساب الشيء إلى الشيء يعتبر تحققه في نفسه، فإنه إذا لم يكن للشيء في نفسه تعين استحال أن يكون لغيره إليه من حيث هو هو نسبة، والشيء المشخص قبل دخوله في الوجود لم يكن مشخصا البتة، فاستحال كونه متعلق العلم، فإن قيل : يبطل هذا بالمحالات والمركبات دخولها في الوجود، فإنا نعلمها وإن لم يكن لها تعينات البتة، قلنا : هذا الذي أوردتموه نقض على كلامنا، وليس جوابا عن كلامنا، وذلك مما لا يزيل الشك والشبهة، قال هشام : فهذه الوجوه العقلية تدل على أنه لا حاجة إلى صرف هذه الآيات عن ظواهرها، واعلم أن هشاما كان رئيس الرافضة، فلذلك ذهب قدماء الروافض إلى القول بالنداء، أما الجمهور من المسلمين فإنهم اتفقوا على أنه سبحانه وتعالى يعلم الجزئيات قبل وقوعها، واحتجوا عليها بأنها قبل وقوعها تصح أن تكون معلومة لله تعالى إنما قلنا أنها تصح أن تكون معلومة لأنا نعلمها قبل وقوعها فإنا نعلم أن الشمس غدا تطلع من مشرقها، والوقوع يدل على الإمكان، وإنما قلنا : أنه لما صح أن تكون معلومة وجب أن تكون معلومة لله تعالى، لأن تعلق علم الله تعالى بالمعلوم أمر ثبت له لذاته، فليس تعلقه ببعض ما يصح أن يعلم أولى من تعلقه بغيره، فلو حصل التخصيص لافتقر إلى مخصص، وذلك محال، فوجب أن لا يتعلق بشيء من المعلومات أصلا وإن تعلق بالبعض فإنه يتعلق بكلها وهو المطلوب. 
( أما الشبهة الأولى ) : فالجواب عنها أن العلم بالوقوع تبع للوقوع، والوقوع تبع للقدرة، فالتابع لا ينافي المتبوع، فالعلم لازم لا يغني عن القدرة. 
( وأما الشبهة الثانية ) : فالجواب عنها : أنها منقوضة بمراتب الأعداد التي لا نهاية لها. 
( وأما الشبهة الثالثة ) : فالجواب عنها : أن الله تعالى لا يعلم عددها، ولا يلزم منه إثبات الجهل، لأن الجهل هو أن يكون لها عدد معين، ثم أن الله تعالى لا يعلم عددها، فأما إذا لم يكن لها في نفسها عدد، لم يلزم من قولنا : أن الله تعالى لا يعلم عددها إثبات الجهل. 
( وأما الشبهة الرابعة ) : فالجواب عنها : أنه ليس من شرط المعلوم أن يعلم العلم تميزه عن غيره، لأن العلم بتميزه عن غيره يتوقف على العلم بذلك الغير، فلو كان توقف العلم بالشيء على العلم بتميزه عن غيره، وثبت أن العلم بتميزه من غيره يوقف على العلم بغيره، لزم أن لا يعلم الإنسان شيئا واحدا إلا إذا علم أمورا لا نهاية لها. 
( وأما الشبهة الخامسة ) : فالجواب عنها بالنقض الذي ذكرناه، وإذا انتقضت الشبهة سقطت، فيبقى ما ذكرناه من الدلالة على عموم عالمية الله تعالى سالما عن المعارض، وبالله التوفيق. 
المسألة الثالثة : اعلم أن الضمير لابد وأن يكون عائدا إلى مذكور سابق، فالضمير إما أن يكون متقدما على المذكور لفظا ومعنى، وإما أن يكون متأخرا عنه لفظا ومعنى، وإما أن يكون متقدما لفظا ومتأخرا معنى، وإما أن يكون بالعكس منه. ( أما القسم الأول ) : وهو أن يكون متقدما لفظا ومعنى فالمشهور عند النحويين أنه غير جائز، وقال ابن جني بجوازه، واحتج عليه بالشعر والمعقول، أما الشعر فقوله :

جزى ربه عني عدي بن حاتم  جزاء الكلاب العاويات وقد فعلوأما المعقول فلأن الفاعل مؤثر والمفعول قابل وتعلق الفعل بهما شديد، فلا يبعد تقديم أي واحد منهما كان على الآخر في اللفظ، ثم أجمعنا على أنه لو قدم المنصوب على المرفوع في اللفظ فإنه جائز، فكذا إذا لم يقدم مع أن ذلك التقديم جائ

### الآية 2:125

> ﻿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ۖ وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [2:125]

قوله تعالى : وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود . 
اعلم أنه تعالى بين كيفية حال إبراهيم عليه السلام حين كلفه بالإمامة، وهذا شرح التكليف الثاني، وهو التكليف بتطهير البيت، ثم نقول : أما البيت فإنه يريد البيت الحرام، واكتفى بذكر البيت مطلقا لدخول الألف واللام عليه، إذا كانتا تدخلان لتعريف المعهود أو الجنس، وقد علم المخاطبون أنه لم يرد به الجنس فانصرف إلى المعهود عندهم وهو الكعبة، ثم نقول : ليس المراد نفس الكعبة، لأنه تعالى وصفه بكونه ( آمنا ) وهذا صفة جميع الحرم لا صفة الكعبة فقط والدليل على أنه يجوز إطلاق البيت والمراد منه كل الحرم قوله تعالى : هديا بالغ الكعبة  والمراد الحرم كله لا الكعبة نفسها، لأنه لا يذبح في الكعبة، ولا في المسجد الحرام وكذلك قوله : فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا  والمراد والله أعلم منعهم من الحج حضور مواضع النسك، وقال في آية أخرى : أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا  وقال الله تعالى في آية أخرى مخبرا عن إبراهيم : رب اجعل هذا البلد آمنا  فدل هذا على أنه وصف البيت بالأمن فاقتضى جميع الحرم، والسبب في أنه تعالى أطلق لفظ البيت وعنى به الحرم كله أن حرمة الحرم لما كانت معلقة بالبيت جاز أن يعبر عنه باسم البيت. 
أما قوله تعالى : مثابة للناس  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال أهل اللغة : أصله من ثاب يثوب مثابة وثوبا إذا رجع يقال : ثاب الماء إذا رجع إلى النهر بعد انقطاعه، وثاب إلى فلان عقله أي رجع وتفرق عنه الناس، ثم ثابوا : أي عادوا مجتمعين، والثواب من هذا أخذ، كأن ما أخرجه من مال أو غيره فقد رجع إليه، والمثاب من البئر : مجتمع الماء في أسفلها، قال القفال قيل : إن مثابا ومثابة لغتان مثل : مقام ومقامة وهو قول الفراء والزجاج، وقيل : الهاء إنما دخلت في مثابة مبالغة كما في قولهم : نسابة وعلامة، وأصل مثابة مثوبة مفعلة. 
المسألة الثانية : قال الحسن : معناه أنهم يثوبون إليه في كل عام، وعن ابن عباس ومجاهد : أنه لا ينصرف عنه أحد إلا وهو يتمنى العود إليه، قال الله تعالى : فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم  وقيل : مثابة أي يحجون إليه فيثابون عليه، فإن قيل : كون البيت مثابة يحصل بمجرد عودهم إليه، وذلك يحصل بفعلهم لا بفعل الله تعالى، فما معنى قوله : وإذ جعلنا البيت مثابة للناس  قلنا : أما على قولنا ففعل العبد مخلوق لله تعالى فهذه الآية حجة على قولنا في هذه المسألة، وأما على قول المعتزلة فمعناه أنه تعالى ألقى تعظيمه في القلوب ليصير ذلك داعيا لهم إلى العودة إليه مرة بعد مرة، وإنما فعل الله تعالى ذلك لما فيه من منافع الدنيا والآخرة، أما منافع الدنيا فلأن أهل المشرق والمغرب يجتمعون هناك، فيحصل هناك من التجارات وضروب المكاسب ما يعظم به النفع، وأيضا فيحصل بسبب السفر إلى الحج عمارة الطريق والبلاد، ومشاهدة الأحوال المختلفة في الدنيا، وأما منافع الدين فلأن من قصد البيت رغبة منه في التمسك والتقرب إلى الله تعالى، وإظهار العبودية له، والمواظبة على العمرة والطواف، وإقامة الصلاة في ذلك المسجد المكرم والاعتكاف فيه، يستوجب بذلك ثوابا عظيما عند الله تعالى. 
المسألة الثانية : تمسك بعض أصحابنا في وجوب العمرة بقوله تعالى : وإذ جعلنا البيت مثابة للناس  ووجه الاستدلال به أن قوله : وإذ جعلنا البيت مثابة للناس  إخبار عن أنه تعالى جعله موصوفا بصفة كونه مثابة للناس، لكن لا يمكن إجراء الآية على هذا المعنى لأن كونه مثابة للناس صفة تتعلق باختيار الناس، وما يتعلق باختيار الناس لا يمكن تحصيله بالجبر والإلجاء، وإذا ثبت تعذر إجراء الآية على ظاهرها وجب حمل الآية على الوجوب لأنا متى حملناه على الوجوب كان ذلك أفضى إلى صيرورته كذلك مما إذا حملناه على الندب، فثبت أن الله تعالى أوجب علينا العود إليه مرة بعد أخرى، وقد توافقنا على أن هذا الوجوب لا يتحقق فيما سوى الطواف، فوجب تحققه في الطواف، هذا وجه الاستدلال بهذه الآية، وأكثر من تكلم في أحكام القرآن طعن في دلالة هذه الآية على هذا المطلوب، ونحن قد بينا دلالتها عليه من هذا الوجه الذي بيناه. 
أما قوله تعالى : وأمنا  أي موضع أمن، ثم لا شك أن قوله : جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا  خبر، فتارة نتركه على ظاهره ونقول أنه خبر، وتارة نصرفه عن ظاهره ونقول أنه أمر. 
( أما القول الأول ) : فهو أن يكون المراد أنه تعالى جعل أهل الحرم آمنين من القحط والجدب على ما قال : أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا  وقوله : أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبي إليه ثمرات كل شيء  ولا يمكن أن يكون المراد منه الإخبار عن عدم وقوع القتل في الحرم، لأنا نشاهد أن القتل الحرام قد يقع فيه، وأيضا فالقتل المباح قد يوجد فيه، قال الله تعالى : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم  فأخبر عن وقوع القتل فيه. 
( القول الثاني ) : أن نحمله على الأمر على سبيل التأويل، والمعنى أن الله تعالى أمر الناس بأن يجعلوا ذلك الموضع أمنا من الغارة والقتل، فكان البيت محترما بحكم الله تعالى، وكانت الجاهلية متمسكين بتحريمه، لا يهيجون على أحد التجأ إليه، وكانوا يسمون قريشا : أهل الله تعظيما له، ثم اعتبر فيه أمر الصيد حتى أن الكلب ليهم بالظبي خارج الحرم فيفر الظبي منه فيتبعه الكلب فإذا دخل الظبي الحرم لم يتبعه الكلب، ورويت الأخبار في تحريم مكة قال عليه الصلاة والسلام :( إن الله حرم مكة وأنها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها كما كانت ) فذهب الشافعي رضي الله عنه إلى أن المعنى : أنها لم تحل لأحد بأن ينصب الحرب عليها وأن ذلك أحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما من دخل البيت من الذين تجب عليهم الحدود فقال الشافعي رضي الله عنه : إن الإمام يأمر بالتضييق عليه بما يؤدي إلى خروجه من الحرم، فإذا خرج أقيم عليه الحد في الحل، فإن لم يخرج حتى قتل في الحرم جاز، وكذلك من قاتل في الحرم جاز قتله فيه، وقال أبو حنيفة رحمه الله : لا يجوز، واحتج الشافعي رحمه الله بأنه عليه الصلاة والسلام أمر عندما قتل عاصم بن ثابت بن الأفلح وخبيب بقتل أبي سفيان في داره بمكة غيلة إن قدر عليه، قال الشافعي رحمه الله : وهذا في الوقت الذي كانت مكة فيه محرمة فدل أنها لا تمنع أحدا من شيء وجب عليه وأنها إنما تمنع من أن ينصب الحرب عليها كما ينصب على غيرها، واحتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية، والجواب عنه أن قوله : وأمنا  ليس فيه بيان أنه جعله أمنا فيما ذا فيمكن أن يكون أمنا من القحط، وأن يكون أمنا من نصب الحروب، وأن يكون أمنا من إقامة الحدود، وليس اللفظ من باب العموم حتى يحمل على الكل، بل حمله على الأمن من القحط والآفات أولى لأنا على هذا التفسير لا نحتاج إلى حمل لفظ الخبر على معنى الأمر وفي سائر الوجوه نحتاج إلى ذلك، فكان قول الشافعي رحمه الله أولى. 
أما قوله تعالى : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم والكسائي : واتخذوا  بكسر الخاء على صيغة الأمر، وقرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء على صيغة الخبر. 
( أما القراءة الأولى ) : فقوله : واتخذوا  عطف على ماذا، وفيه أقوال، ( الأول ) : أنه عطف على قوله : اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين   واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى . ( الثاني ) : إنه عطف على قوله : إني جاعلك للناس إماما  والمعنى أنه لما ابتلاه بكلمات وأتمهن، قال له جزاء لما فعله من ذلك : إني جاعلك للناس إماما  وقال : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى  ويجوز أن يكون أمر بهذا ولده، إلا أنه تعالى أضمر قوله وقال، ونظيره قوله تعالى : وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة  ( الثالث ) : أن هذا أمر من الله تعالى لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، وهو كلام اعترض في خلال ذكر قصة إبراهيم عليه السلام، وكأن وجهه : وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا  أنتم من مقام إبراهيم مصلى والتقدير أنا لما شرفناه ووصفناه بكونه مثابة للناس وأمنا فاتخذوه أنتم قبلة لأنفسكم، والواو والفاء قد يذكر كل واحد منهما في هذا الوضع وإن كانت الفاء أوضح، أما من قرأ : واتخذوا  بالفتح فهو إخبار عن ولد إبراهيم أنهم اتخذوا من مقامه مصلى، فيكون هذا عطفا على : جعلنا البيت  واتخذوه مصلى، ويجوز أن يكون عطفا على : وإذ جعلنا البيت  وإذ اتخذوه مصلى. 
المسألة الثانية : ذكروا أقوالا في أن مقام إبراهيم عليه السلام أي شيء هو :
( القول الأول ) : إنه موضع الحجر قام عليه إبراهيم عليه السلام، ثم هؤلاء ذكروا وجهين :( أحدهما ) : أنه هو الحجر الذي كانت زوجة إسماعيل وضعته تحت قدم إبراهيم عليه السلام حين غسلت رأسه فوضع إبراهيم عليه السلام رجله عليه وهو راكب فغسلت أحد شقي رأسه ثم رفعته من تحته وقد غاصت رجله في الحجر فوضعته تحت الرجل الأخرى فغاصت رجله أيضا فيه فجعله الله تعالى من معجزاته وهذا قول الحسن وقتادة والربيع بن أنس. ( وثانيها ) : ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن إبراهيم عليه السلام كان يبني البيت وإسماعيل يناوله الحجارة ويقولان : ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم  فلما ارتفع البنيان وضعف إبراهيم عليه الصلاة والسلام عن وضع الحجارة قام على حجر وهو مقام إبراهيم عليه السلام. 
( القول الثاني ) : أن مقام إبراهيم الحرم كله وهو قول مجاهد. ( الثالث ) : أنه عرفة والمزدلفة والجمار وهو قول عطاء. ( الرابع ) : الحج كله مقام إبراهيم وهو قول ابن عباس، واتفق المحققون على أن القول الأولى أولى ويدل عليه وجوه. ( الأول ) : ما روى جابر أنه عليه السلام لما فرغ من الطواف أتى المقام وتلا قوله تعالى : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى  فقراءة هذه اللفظة عند ذلك الموضع تدل على أن المراد من هذه اللفظة هو ذلك الموضع ظاهر. ( وثانيها ) : أن هذا الاسم في العرف مختص بذلك الموضع والدليل عليه أن سائلا لو سأل المكي بمكة عن مقام إبراهيم لم يجبه ولم يفهم منه إلا هذا الموضع. ( وثالثها ) : ما روي أنه عليه السلام مر بالمقام ومعه عمر فقال : يا رسول الله أليس هذا مقام أبينا إبراهيم ؟ قال : بلى. قال : أفلا نتخذه مصلى ؟ قال : لم أومر بذلك، فلم تغب الشمس من يومهم حتى نزلت الآية. ( ورابعها ) : أن الحجر صار تحت قدميه في رطوبة الطين حتى غاصت فيه رجلا إبراهيم عليه السلام، وذلك من أظهر الدلائل على وحدانية الله تعالى ومعجزة إبراهيم عليه السلام فكان اختصاصه بإبراهيم أولى من اختصاص غيره به، فكان إطلاق هذا الاسم عليه أولى. ( وخامسها ) : أنه تعالى قال : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى  وليس للصلاة تعلق بالحرم ولا بسائر المواضع إلا بهذا الموضع، فوجب أن يكون مقام إبراهيم هو هذا الموضع. ( وسادسها ) : أن مقام إبراهيم هو موضع قيامه، و

### الآية 2:126

> ﻿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [2:126]

قوله تعالى : وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير . 
اعلم أن هذا هو النوع الثالث من أحوال إبراهيم عليه السلام التي حكاها الله تعالى ههنا، قال القاضي : في هذه الآيات تقديم وتأخير، لأن قوله : رب اجعل هذا بلدا آمنا  لا يمكن إلا بعد دخول البلد في الوجود، والذي ذكره من بعد وهو قوله : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت  وإن كان متأخرا في التلاوة فهو متقدم في المعنى، وههنا مسائل :
المسألة الأولى : المراد من الآية دعاء إبراهيم للمؤمنين من سكان مكة بالأمن والتوسعة بما يجلب إلى مكة لأنها بلد لا زرع ولا غرس فيه، فلولا الأمن لم يجلب إليها من النواحي وتعذر العيش فيها. ثم إن الله تعالى أجاب دعاءه وجعله آمنا من الآفات، فلم يصل إليه جبار إلا قصمه الله كما فعل بأصحاب الفيل، وههنا سؤالان :
( السؤال الأول ) : أليس أن الحجاج حارب ابن الزبير وخرب الكعبة وقصد أهلها بكل سوء وتم له ذلك ؟
الجواب : لم يكن مقصوده تخريب الكعبة لذاتها، بل كان مقصوده شيئا آخر. 
( السؤال الثاني ) : المطلوب من الله تعالى هو أن يجعل البلد آمنا كثير الخصب، وهذا مما يتعلق بمنافع الدنيا فكيف يليق بالرسول المعظم طلبها. 
والجواب عنه من وجوه، ( أحدها ) : أن الدنيا إذا طلبت ليتقوى بها على الدين، كان ذلك من أعظم أركان الدين، فإذا كان البلد آمنا وحصل فيه الخصب تفرغ أهله لطاعة الله تعالى، وإذا كان البلد على ضد ذلك كانوا على ضد ذلك. ( وثانيها ) : أنه تعالى جعله مثابة للناس والناس إنما يمكنهم الذهاب إليه إذا كانت الطرق آمنة والأقوات هناك رخيصة. ( وثالثها ) : لا يبعد أن يكون الأمن والخصب مما يدعو الإنسان إلى الذهاب إلى تلك البلدة، فحينئذ يشاهد المشاعر المعظمة والمواقف المكرمة فيكون الأمن والخصب سبب اتصاله في تلك الطاعة. 
المسألة الثانية : بلدا آمنا  يحتمل وجهين. ( أحدهما ) : مأمون فيه كقوله تعالى : في عيشة راضية  أي مرضية. ( والثاني ) : أن يكون المراد أهل البلد كقوله : واسأل القرية  أي أهلها وهو مجاز لأن الأمن والخوف لا يلحقان البلد. 
المسألة الثالثة : اختلفوا في الأمن المسئول في هذه الآية على وجوه. ( أحدها ) : سأله الأمن من القحط لأنه أسكن أهله بواد غير ذي زرع ولا ضرع. ( وثانيها ) : سأله الأمن من الخسف والمسخ. ( وثالثها ) : سأله الأمن من القتل وهو قول أبو بكر الرازي، واحتج عليه بأنه عليه السلام سأله الأمن أولا، ثم سأله الرزق ثانيا، ولو كان الأمن المطلوب هو الأمن من القحط لكان سؤال الرزق بعده تكرارا فقال في هذه الآية : رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات  وقال في آية أخرى : رب اجعل هذا البلد آمنا  ثم قال في آخر القصة : ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع  إلى قوله : وارزقهم من الثمرات  واعلم أن هذه الحجة ضعيفة فإن لقائل أن يقول : لعل الأمن المسئول هو الأمن من الخسف والمسخ، أو لعله الأمن من القحط، ثم الأمن من القحط قد يكون بحصول ما يحتاج إليه من الأغذية وقد يكون بالتوسعة فيها فهو بالسؤال الأول طلب إزالة القحط وبالسؤال الثاني طلب التوسعة العظيمة. 
المسألة الرابعة : اختلفوا في أن مكة هل كانت آمنة محرمة قبل دعوة إبراهيم عليه السلام أو إنما صارت كذلك بدعوته فقال قائلون : إنها كانت كذلك أبدا لقوله عليه السلام :( إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض ) وأيضا قال إبراهيم : ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم  وهذا يقتضي أنها كانت محرمة قبل ذلك، ثم إن إبراهيم عليه السلام أكده بهذا الدعاء، وقال آخرون : إنها إنما صارت حرما آمنا بدعاء إبراهيم عليه السلام وقبله كانت لسائر البلاد والدليل عليه قوله عليه السلام :( اللهم إني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ). ( والقول الثالث ) : إنها كانت حراما قبل الدعوة بوجه غير الوجه الذي صارت به حراما بعد الدعوة. ( فالأول ) : يمنع الله تعالى من الاصطلام وبما جعل في النفوس من التعظيم. ( والثاني ) : بالأمر على ألسنة الرسل. 
المسألة الخامسة : إنما قال في هذه السورة : بلدا آمنا  على التنكير وقال في سورة إبراهيم : هذا البلد آمنا  على التعريف لوجهين. ( الأول ) : أن الدعوة الأولى وقعت ولم يكن المكان قد جعل بلدا، كأنه قال : اجعل هذا الوادي بلدا آمنا لأنه تعالى حكى عنه أنه قال : ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع  فقال : ههنا اجعل هذا الوادي بلدا آمنا، والدعوة الثانية وقعت وقد جعل بلدا، فكأنه قال : اجعل هذا المكان الذي صيرته بلدا ذا أمن وسلامة، كقولك : جعلت هذا الرجل آمنا. ( الثاني ) : أن تكون الدعوتان وقعتا بعدما صار المكان بلدا، فقوله : اجعل هذا بلدا آمنا  تقديره : اجعل هذا البلد بلدا آمنا، كقولك : كان اليوم يوما حارا، وهذا إنما تذكره للمبالغة في وصفه بالحرارة، لأن التنكير يدل على المبالغة، فقوله : رب اجعل هذا بلدا آمنا  معناه : اجعله من البلدان الكاملة في الأمن، وأما قوله : رب اجعل هذا البلد آمنا  فليس فيه إلا طلب الأمن لا طلب المبالغة، وأما قوله : وارزق أهله من الثمرات  فالمعنى أنه عليه السلام سأل أن يدر على ساكني مكة أقواتهم، فاستجاب الله تعالى له فصارت مكة يجبى إليها ثمرات كل شيء، أما قوله : من آمن منهم  فهو يدل من قوله : أهله  يعني وارزق المؤمنين من أهله خاصة، وهو كقوله : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا  واعلم أنه تعالى لما أعلمه أن منهم قوما كفارا بقوله : لا ينال عهدي الظالمين  لا جرم خصص دعاءه بالمؤمنين دون الكافرين وسبب هذا التخصيص النص والقياس، أما النص فقوله تعالى : فلا تأس على القوم الكافرين  وأما القياس فمن وجهين :
( الوجه الأول ) : أنه لما سأل الله تعالى أن يجعل الإمامة في ذريته، قال الله تعالى : لا ينال عهدي الظالمين  فصار ذلك تأديبا في المسألة، فلما ميز الله تعالى المؤمنين عن الكافرين في باب الإمامة، لا جرم خصص المؤمنين بهذا الدعاء دون الكافرين ثم أن الله تعالى أعلمه بقوله : فأمتعه قليلا  الفرق بين النبوة ورزق الدنيا، لأن منصب النبوة والإمامة لا يليق بالفاسقين، لأنه لابد في الإمامة والنبوة من قوة العزم والصبر على ضروب المحنة حتى يؤدي عن الله أمره ونهيه ولا تأخذه في الدين لومة لائم وسطوة جبار، أما الرزق فلا يقبح إيصاله إلى المطيع والكافر والصادق والمنافق، فمن آمن فالجنة مسكنه ومثواه، ومن كفر فالنار مستقره ومأواه. 
( الوجه الثاني ) : يحتمل أن إبراهيم عليه السلام قوي في ظنه أنه إن دعا للكل كثر في البلد الكفار فيكون في غلبتهم وكثرتهم مفسدة ومضرة من ذهاب الناس إلى الحج، فخص المؤمنين بالدعاء لهذا السبب، أما قوله تعالى : ومن كفر فأمتعه قليلا  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرأ ابن عامر  فأمتعه  بسكون الميم خفية من أمتعت، والباقون بفتح الميم مشددة من متعت، والتشديد يدل على التكثير بخلاف التخفيف. 
المسألة الثانية : أمتعه قيل : بالرزق، وقيل : بالبقاء في الدنيا، وقيل : بهما إلى خروج محمد صلى الله عليه وسلم فيقتله أو يخرجه من هذه الديار إن أقام على الكفر، والمعنى أن الله تعالى كأنه قال : إنك وإن كنت خصصت بدعائك المؤمنين فإني أمتع الكافر منهم بعاجل الدنيا، ولا أمنعه من ذلك ما أتفضل به على المؤمنين إلى أن يتم عمره فأقبضه ثم اضطره في الآخرة إلى عذاب النار، فجعل ما رزق الكافر في دار الدنيا قليلا، إذ كان واقعا في مدة عمره، وهي مدة واقعة فيما بين الأزل والأبد، وهو بالنسبة إليهما قليل جدا، والحاصل أن الله تعالى بين أن نعمة المؤمن في الدنيا موصولة بالنعمة في الآخرة، بخلاف الكافر فإن نعمته في الدنيا تنقطع عند الموت وتتخلص منه إلى الآخرة، أما قوله : ثم أضطره إلى عذاب النار  فاعلم أن في الاضطرار قولين :( أحدهما ) أن يفعل به ما يتعذر عليه الخلاص منه وههنا كذلك، كما قال الله تعالى : يوم يدعون إلى نار جهنم دعا  و يوم يسبحون في النار على وجوههم  يقال : اضطررته إلى الأمر أي ألجأته وحملته عليه من حيث كان كارها له، وقالوا : إن أصله من الضر وهو إدناء الشيء من الشيء، ومنه ضرة المرأة لدنوها وقربها. 
( والثاني ) : أن الاضطرار هو أن يصير الفاعل بالتخويف والتهديد إلى أن يفعل ذلك الفعل اختيارا، كقوله تعالى : فمن اضطر غير باغ ولا عاد  فوصفه بأنه مضطر إلى تناول الميتة، وإن كان ذلك الأكل فعله فيكون المعنى : أن الله تعالى يلجئه إلى أن يختار النار والاستقرار فيها بأن أعلمه بأنه لو رام التخلص لمنع منه، لأن من هذا حاله يجعل ملجأ إلى الوقوع في النار، ثم بين تعالى أن ذلك بئس المصير، لأن نعم المصير ما ينال فيه النعيم والسرور، وبئس المصير ضده.

### الآية 2:127

> ﻿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [2:127]

قوله تعالى : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم 
اعلم أن هذا هو النوع الرابع من الأمور التي حكاها الله تعالى عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وهو أنهما عند بناء البيت ذكرا ثلاثة من الدعاء ثم ههنا مسائل :
المسألة الأولى : قوله : وإذ يرفع  حكاية حال ماضية والقواعد جمع قاعدة وهي الأساس، والأصل لما فوقه، وهي صفة غالبة، ومعناها الثابتة، ومنه أقعدك الله أي أسأل الله أن يقعدك أي يثبتك ورفع الأساس البناء عليها، لأنها إذا بني عليها نقلت عن هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع وتطاولت بعد التقاصر ويجوز أن يكون المراد بها سافات البناء لأن كل ساف قاعدة للذي يبنى عليه ويوضع فوقه، ومعنى رفع القواعد رفعها بالبناء لأنه إذا وضع سافا فوق ساف فقد رفع السافات والله أعلم. 
المسألة الثانية : الأكثرون من أهل الأخبار على أن هذا البيت كان موجودا قبل إبراهيم عليه السلام على ما روينا من الأحاديث فيه واحتجوا بقوله : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت  فإن هذا صريح في أن تلك القواعد كانت موجودة متهدمة إلا أن إبراهيم عليه السلام رفعها وعمرها. 
المسألة الثالثة : اختلفوا في أنه هل كان إسماعيل عليه السلام شريكا لإبراهيم عليه السلام في رفع قواعد البيت وبنائه ؟ قال الأكثرون : إنه كان شريكا له في ذلك والتقدير وإذ يرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت والدليل عليه أنه تعالى عطف إسماعيل على إبراهيم فلابد وأن يكون ذلك العطف في فعل من الأفعال التي سلف ذكرها ولم يتقدم إلا ذكر رفع قواعد البيت موجب أن يكون إسماعيل معطوفا على إبراهيم في ذلك، ثم إن اشتراكهما في ذلك يحتمل وجهين. ( أحدهما ) : أن يشتركا في البناء ورفع الجدران. ( والثاني ) : أن يكون أحدهما بانيا للبيت والآخر يرفع إليه الحجر والطين، ويهيئ له الآلات والأدوات، وعلى الوجهين تصح إضافة الرفع إليهما، وإن كان الوجه الأول أدخل في الحقيقة ومن الناس من قال : إن إسماعيل في ذلك الوقت كان طفلا صغيرا وروي معناه عن علي رضي الله عنه، وأنه لما بنى البيت خرج وخلف إسماعيل وهاجر فقالا : إلى من تكلنا ؟ فقال إبراهيم : إلى الله فعطش إسماعيل فلم ير شيئا من الماء فناداهما جبريل عليه السلام وفحص الأرض بأصبعه فنبعت زمزم وهؤلاء جعلوا الوقف على قوله : من البيت  ثم ابتدؤوا : وإسماعيل ربنا تقبل منا طاعتنا ببناء هذا البيت فعلى هذا التقدير يكون إسماعيل شريكا في الدعاء لا في البناء، وهذا التأويل ضعيف لأن قوله : تقبل منا  ليس فيه ما يدل على أنه تعالى ماذا يقبل فوجب صرفه إلى المذكور السابق وهو رفع البيت فإذا لم يكن ذلك من فعله كيف يدعو الله بأن يتقبله منه، فإذن هذا القول على خلاف ظاهر القرآن فوجب رده والله أعلم. 
المسألة الرابعة : إنما قال : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت  ولم يقل يرفع قواعد البيت لأن في إبهام القواعد وتبيينها بعد الإبهام من تفخيم الشأن ما ليس في العبارة الأخرى، واعلم أن الله تعالى حكى عنهما بعد ذلك ثلاثة أنواع من الدعاء. 
النوع الأول : في قوله تعالى : تقبل منا إنك أنت السميع العليم  وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في تفسير قوله : تقبل منا  فقال المتكلمون : كل عمل يقبله الله تعالى فهو يثيب صاحبه ويرضاه منه، والذي لا يثيبه عليه ولا يرضاه منه فهو المردود، فههنا عبر عن أحد المتلازمين باسم الآخر، فذكر لفظ القبول وأراد به الثواب والرضا لأن التقبل هو أن يقبل الرجل ما يهدى إليه، فشبه الفعل من العبد بالعطية، والرضا من الله بالقبول توسعا. وقال العارفون : فرق بين القبول والتقبل فإن التقبل عبارة عن أن يتكلف الإنسان في قبوله وذلك إنما يكون حيث يكون العمل ناقصا لا يستحق أن يقبل فهذا اعتراف منهما بالتقصير في العمل، واعتراف بالعجز والانكسار، وأيضا فلم يكن المقصود إعطاء الثواب عليه، لأن كون الفعل واقعا موقع القبول من المخدوم ألذ عند الخادم العاقل من إعطاء الثواب عليه وتمام تحقيقه سيأتي في تفسير المحبة في قوله تعالى : والذين آمنوا أشد حبا لله  والله أعلم. 
المسألة الثانية : إنهم بعد أن أتوا بتلك العبادة مخلصين تضرعوا إلى الله تعالى في قبولها وطلبوا الثواب عليها على ما قاله المتكلمون، ولو كان ترتيب الثواب على الفعل المقرون بالإخلاص واجبا على الله تعالى، لما كان في هذا الدعاء والتضرع فائدة، فإنه يجري مجرى أن الإنسان يتضرع إلى الله فيقول : يا إلهي اجعل النار حارة والجمد باردا بل ذلك الدعاء أحسن لأنه لا استبعاد عند المتكلم في صيرورة النار حال بقائها على صورتها في الإشراق والاشتعال باردة، والجمد حال بقائه على صورته في الانجماد والبياض حارا ويستحيل عند المعتزلة أن لا يترتب الثواب على مثل هذا الفعل فوجب أن يكون الدعاء ههنا أقبح فلما لم يكن كذلك علمنا أنه لا يجب للعبد على الله شيء أصلا والله أعلم. 
المسألة الثانية : إنما عقب هذا الدعاء بقوله : إنك أنت السميع العليم  كأنه يقول : تسمع دعاءنا وتضرعنا، وتعلم ما في قلبنا من الإخلاص وترك الالتفات إلى أحد سواك. فإن قيل : قوله : إنك أنت السميع العليم  يفيد الحصر وليس الأمر كذلك، فإن غيره قد يكون سميعا. قلنا : إنه سبحانه لكماله في هذه الصفة يكون كأنه هو المختص بها دون غيره.

### الآية 2:128

> ﻿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [2:128]

النوع الثاني من الدعاء قوله : ربنا واجعلنا مسلمين لك  وفيه مسائل :
المسألة الأولى : احتج أصحابنا في مسألة خلق الأعمال بقوله : ربنا واجعلنا مسلمين لك  فإن الإسلام إما أن يكون المراد منه الدين والاعتقاد، أو الاستسلام والانقياد، وكيف كان فقد رغبا في أن يجعلهما بهذه الصفة : وجعلهما بهذه الصفة لا معنى له إلا خلق ذلك فيهما، فإن الجعل عبارة عن الخلق، قال الله تعالى : وجعل الظلمات والنور  فدل هذا على أن الإسلام مخلوق لله تعالى، فإن قيل : هذه الآية متروكة الظاهر لأنها تقتضي أنهما وقت السؤال غير مسلمين، إذ لو كانا مسلمين لكان طلب أن يجعلهما مسلمين طلبا لتحصيل الحاصل وإنه باطل، لكن المسلمين أجمعوا على أنهما كانا في ذلك الوقت مسلمين، ولأن صدور هذا الدعاء منهما لا يصلح إلا بعد أن كانا مسلمين، وإذا ثبت أن الآية متروكة الظاهر لم يجز التمسك بها، سلمنا أنها ليست متروكة الظاهر، لكن لا نسلم أن الجعل عبارة عن الخلق والإيجاد، بل له معان أخر سوى الخلق. ( أحدها ) : جعل بمعنى صير، قال الله تعالى : هو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا  ( وثانيها ) : جعل بمعنى وهب، نقول : جعلت لك هذه الضيعة وهذا العبد وهذا الفرس. ( وثالثها ) : جعل بمعنى الوصف للشيء والحكم به كقوله تعالى : وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا  وقال : وجعلوا لله شركاء الجن  ( ورابعها ) : جعله كذلك بمعنى الأمر كقوله تعالى : وجعلناهم أئمة  يعني أمرناهم بالاقتداء بهم، وقال : إني جاعلك للناس إماما  فهو بالأمر. ( وخامسها ) : أن يجعله بمعنى التعليم كقوله : جعلته كاتبا وشاعرا إذا علمته ذلك. ( وسادسها ) : البيان والدلالة تقول : جعلت كلام فلان باطلا إذا أوردت من الحجة ما يبين بطلان ذلك، إذا ثبت ذلك فنقول : لم لا يجوز أن يكون المراد وصفهما بالإسلام والحكم لهما بذلك كما يقال : جعلني فلان لصا وجعلني فاضلا أديبا إذا وصفه بذلك، سلمنا أن المراد من الجعل الخلق، لكن لم لا يجوز أن يكون المراد منه خلق الألطاف الداعية لهما إلى الإسلام وتوفيقهما لذلك فمن وفقه الله لهذه الأمور حتى يفعلها فقد جعله مسلما له، ومثاله : من يؤدب ابنه حتى يصير أديبا فيجوز أن يقال : صيرتك أديبا وجعلتك أديبا، وفي خلاف ذلك يقال : جعل ابنه لصا محتالا، سلمنا أن ظاهر الآية يقتضي كونه تعالى خالقا للإسلام، لكنه على خلاف الدلائل العقلية فوجب ترك القول به، وإنما قلنا : أنه على خلاف الدلائل العقلية لأنه لو كان فعل العبد خلقا لله تعالى لما استحق العبد به مدحا ولا ذما، ولا ثوابا ولا عقابا، ولوجب أن يكون الله تعالى هو المسلم المطيع لا العبد. ( والجواب ) : قوله : الآية متروكة الظاهر، قلنا : لا نسلم وبيانه من وجوه. ( الأول ) : أن الإسلام عرض قائم بالقلب وأنه لا يبقى زمانين فقوله : واجعلنا مسلمين لك  أي اخلق هذا العرض فينافي الزمان المستقبل دائما، وطلب تحصيله في الزمان المستقبل لا ينافي حصوله في الحال. 
( الثاني ) : أن يكون المراد منه الزيادة في الإسلام كقوله : ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم   والذين اهتدوا زادهم هدى  وقال إبراهيم : ولكن ليطمئن قلبي  فكأنهما دعواه بزيادة اليقين والتصديق، وطلب الزيادة لا ينافي حصول الأصل في الحال. ( الثالث ) : أن الإسلام إذا أطلق يفيد الإيمان والاعتقاد، فأما إذا أضيف بحرف اللام كقوله : مسلمين لك  فالمراد الاستسلام له والانقياد والرضا بكل ما قدر وترك المنازعة في أحكام الله تعالى وأقضيته، فلقد كانا عارفين مسلمين لكن لعله بقي في قلوبهما نوع من المنازعة الحاصلة بسبب البشرية فأراد أن يزيل الله ذلك عنهما بالكلية ليحصل لهما مقام الرضا بالقضاء على سبيل الكمال، فثبت بهذه الوجوه أن الآية ليست متروكة الظاهر، قوله : يحمل الجعل على الحكم بذلك، قلنا : هذا مدفوع من وجوه :
( أحدها ) : أن الموصوف إذا حصلت الصفة له فلا فائدة في الصفة، وإذا لم يكن المطلوب بالدعاء هو مجرد الوصف وجب حمله على تحصيل الصفة، ولا يقال : وصفه تعالى بذلك ثناء ومدح وهو مرغوب فيه، قلنا : نعم لكن الرغبة في تحصيل نفس الشيء أكثر من الرغبة في تحصيل الوصف به والحكم به، فكان حمله على الأول أولى. ( وثانيها ) : أنه متى حصل الإسلام فيهما فقد استحقا التسمية بذلك والله تعالى لا يجوز عليه الكذب، فكان ذلك الوصف حاصلا وأي فائدة في طلبه بالدعاء. ( وثالثها ) : أنه لو كان المراد به التسمية لوجب أن كل من سمى إبراهيم مسلما جاز أن يقال جعله مسلما، أما قوله : يحمل ذلك على فعل الألطاف، قلنا : هذا أيضا مدفوع من وجوه. ( أحدها ) : أن لفظ الجعل مضاف إلى الإسلام فصرفه عنه إلى غيره ترك للظاهر. ( وثانيها ) : أن تلك الألطاف قد فعلها الله تعالى وأوجدها وأخرجها إلى الوجود على مذهب المعتزلة، فطلبها يكون طلبا لتحصيل الحاصل وأنه غير جائز. ( وثالثها ) : أن تلك الألطاف إما أن يكون لها أثر في ترجيح جانب الفعل على الترك أو لا يكون، فإن لم يكن لها أثر في هذا الترجيح لم يكن ذلك لطفا وإن كان لها أثر في الترجيح فنقول : متى حصل الرجحان فقد حصل الوجوب وذلك لأن مع حصول ذلك القدر من الترجيح إما أن يجب الفعل أو يمتنع أو لا يجب ولا يمتنع، فإن وجب فهو المطلوب، وإن امتنع فهو مانع لا مرجح، وإن لم يجب ولا يمتنع فحينئذ يمكن وقوع الفعل معه تارة ولا وقوعه أخرى فاختصاص وقت الوقوع بالوقوع إما أن يكون لانضمام أمر إليه لأجله تميز ذلك الوقت بالوقوع أو ليس كذلك فإن كان الأول كان المرجح مجموع اللطف مع هذه الضميمة الزائدة فلم يكن لهذا اللطف أثر في الترجيح أصلا وقد فرضناه كذلك هذا خلف، وإن كان الثاني لزم رجحان أحد طرفي الممكن المساوي على الآخر من غير مرجح وهو محال، فثبت أن القول بهذا اللطف غير معقول، قوله : الدلائل العقلية دلت على امتناع وقوع فعل العبد بخلق الله تعالى وهو فصل المدح والذم، قلنا : إنه معارض بسؤال العلم وسؤال الداعي على ما تقدم تقريره مرارا وأطوارا والله أعلم. 
واعلم أن السؤال المشهور في هذه الآية من أنهما لما كانا مسلمين فكيف طلبا الإسلام ؟ قد أدرجناه في هذه المسألة وذكرنا عنه أجوبة شافية كافية والحمد لله على ذلك، ثم إن الذي يدل من جهة العقل على أن صيرورتهما مسلمين له سبحانه لا يكون إلا منه سبحانه وتعالى ما ذكرنا أن القدرة الصالحة للإسلام هل هي صالحة لتركه أم لا ؟ فإن لم تكن صالحة لتركه فتلك القدرة موجبة فخلق تلك القدرة الموجبة فيهما جعلهما مسلمين، وإن كانت صالحة لتركه فهو باطل ومع تسليم إمكانه فالمقصود حاصل أما بطلانه فلأن الترك عبارة عن بقاء الشيء على عدمه الأصل والعدم نفي محض فيستحيل أن يكون للقدرة فيه أثر ولأنه عدم باق والباقي لا يكون متعلق القدرة فثبت بهذا أنه لا قدرة على ذلك العدم المستمر، فإذن لا قدرة إلا على الوجود، فالقدرة غير صالحة إلا للوجود، وأما أن بتقدير تسليم كون القدرة صالحة للوجود والعدم فالمقصود حاصل، فلأن تلك القدرة الصالحة لا تختص بطرف الوجود إلا لمرجح، ويجب انتهاء المرجحات إلى فعل الله تعالى قطعا للتسلسل، وعند حصول المرجح من الله تعالى يجب وقوع الفعل، فثبت أن قوله : ربنا واجعلنا مسلمين لك  هو الذي يصح على قوانين الدلائل العقلية. 
المسألة الثانية : قوله : ربنا واجعلنا مسلمين لك  يفيد الحصر أي أن نكون مسلمين لك لا لغيرك وهذا يدل على أن كمال سعادة العبد في أن يكون مسلما لأحكام الله تعالى وقضائه وقدره، وأن لا يكون ملتفت الخاطر إلى شيء سواه، وهذا هو المراد من قول إبراهيم عليه السلام في موضع آخر : فإنهم عدو لي إلا رب العالمين  ثم ههنا قولان :( أحدهما ) : ربنا واجعلنا مسلمين لك  أي موحدين مخلصين لا نعبد إلا إياك. ( والثاني ) : قائمين بجميع شرائع الإسلام وهو الأوجه لعمومه. 
المسألة الثالثة : أما إن العبد لا يخاطب الله تعالى وقت الدعاء إلا بقوله : ربنا فسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في تفسير قوله : وقال ربكم ادعوني أستجب لكم  في شرائط الدعاء. 
أما قوله تعالى : ومن ذريتنا أمة مسلمة لك  فالمعنى : واجعل من أولادنا و ( من ) للتبعيض وخص بعضهم لأنه تعالى أعلمهما أن في ذريتهما الظالم بقوله تعالى : لا ينال عهدي الظالمين  ومن الناس من قال : أراد به العرب لأنهم من ذريتهما، و أمة  قيل هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم بدليل قوله : وابعث فيهم رسولا منهم  وههنا سؤالات :
السؤال الأول : قد بينا أن قوله : لا ينال عهدي الظالمين  كما يدل على أن في ذريته من يكون ظالما فكذلك يوجد فيهم من لا يكون ظالما، فإذن كون بعض ذريته أمة مسلمة صار معلوما بتلك الآية فما الفائدة في طلبه بالدعاء مرة أخرى ؟
( الجواب ) : تلك الدلالة ما كانت قاطعة، والشفيق بسوء الظن مولع. 
السؤال الثاني : لم خص ذريتهما بالدعاء أليس أن هذا يجري مجرى البخل في الدعاء ؟
( والجواب ) : الذرية أحق بالشفقة والمصلحة قال الله تعالى : قوا أنفسكم وأهليكم نارا  ولأن أولاد الأنبياء إذا صلحوا صلح بهم غيرهم وتابعهم على الخيرات، ألا ترى أن المتقدمين من العلماء والكبراء إذا كانوا على السداد كيف يتسببون إلى سداد من وراءهم. 
السؤال الثالث : الظاهر أن الله تعالى لو رد هذا الدعاء لصرح بذلك الرد فلما لم يصرح بالرد علمنا أنه أجابه إليه، وحينئذ يتوجه الإشكال، فإن في زمان أجداد محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن أحد من العرب مسلما، ولم يكن أحد سوى العرب من ذرية إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. 
( والجواب ) : قال القفال : أنه لم يزل في ذريتهما من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا، ولم تزل الرسل من ذرية إبراهيم، وقد كان في الجاهلية : زيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة، ويقال عبد المطلب بن هاشم جد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعامر ابن الظرب كانوا على دين الإسلام يقرون بالإبداء والإعادة، والثواب والعقاب، ويوحدون الله تعالى، ولا يأكلون الميتة، ولا يعبدون الأوثان. 
أما قوله تعالى : وأرنا مناسكنا  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : في  أرنا  قولان، ( الأول ) : معناه علمنا شرائع حجنا إذ أمرتنا ببناء البيت لنحجه وندعوا الناس إلى حجه، فعلمنا شرائعه وما ينبغي لنا أن نأتيه فيه من عمل وقول مجاز هذا من رؤية العلم، قال الله تعالى : ألم تر إلى ربك كيف مد الظل   ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل  ( الثاني ) : أظهرها لأعيننا حتى نراها. قال الحسن : إن جبريل عليه السلام أرى إبراهيم المناسك كلها، حتى بلغ عرفات، فقال : يا إبراهيم أعرفت ما أريتك من المناسك ؟ قال : نعم فسميت عرفات فلما كان يوم النحر أراد أن يزور البيت عرض له إبليس فسد عليه الطريق، فأمره جبريل عليه السلام أن يرميه بسبع حصيات ففعل، فذهب الشيطان ثم عرض له في اليوم الثاني والثالث والرابع كل ذلك يأمره جبريل عليه السلام برمي الحصيات. 
وههنا قول ثالث وهو أن المراد العلم والرؤية معا. وهو قول القاضي لأن الحج لا يتم إلا بأمور بعضها يعلم ولا يرى، وبعضها لا يتم الغرض منه إلا بالرؤية، فوجب حمل اللفظ على الأمر

### الآية 2:129

> ﻿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [2:129]

النوع الثالث : قوله : ربنا وابعث فيهم رسولا منهم  واعلم أنه لا شبهة في أن قوله : ربنا وابعث فيهم رسولا  يريد من أراد بقوله : ومن ذريتنا أمة مسلمة لك  لأنه المذكور من قبل ووصفه لذريته بذلك لا يليق إلا بأمة محمد صلى الله عليه وسلم، فعطف عليه بقوله تعالى : ربنا وابعث فيهم رسولا منهم  وهذا الدعاء يفيد كمال حال ذريته من وجهين. ( أحدهما ) : أن يكون فيهم رسول يكمل لهم الدين والشرع ويدعوهم إلى ما يثبتون به على الإسلام. ( والثاني ) : أن يكون ذلك المبعوث منهم لا من غيرهم لوجوه. ( أحدها ) : ليكون محلهم ورتبتهم في العز والدين أعظم، لأن الرسول والمرسل إليه إذا كانا معا من ذريته، كان أشرف لطلبته إذا أجيب إليها. ( وثانيها ) : أنه إذا كان منهم فإنهم يعرفون مولده ومنشأه فيقرب الأمر عليهم في معرفة صدقه وأمانته. ( وثالثها ) : أنه إذا كان منهم كان أحرص الناس على خيرهم وأشفق عليهم من الأجنبي لو أرسل إليهم، إذا ثبت هذا فنقول : إذا كان مراد إبراهيم عليه السلام عمارة الدين في الحال وفي المستقبل، وكان قد غلب على ظنه أن ذلك إنما يتم ويكمل بأن يكون القوم من ذريته حسن منه أن يريد ذلك ليجتمع له بذلك نهاية المراد في الدين، وينضاف إليه السرور العظيم بأن يكون هذا الأمر في ذريته لأن لا عز ولا شرف أعلى من هذه الرتبة، وأما إن الرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم فيدل عليه وجوه. ( أحدها ) : إجماع المفسرين وهو حجة. ( وثانيها ) : ما روي عنه عليه السلام أنه قال :( أنا دعوة إبراهيم وبشارة عيسى ) وأراد بالدعوة هذه الآية، وبشارة عيسى عليه السلام ما ذكر في سورة الصف من قوله : مبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد  ( وثالثها ) : أن إبراهيم عليه السلام إنما دعا بهذا الدعاء بمكة لذريته الذين يكونون بها وبما حولها ولم يبعث الله تعالى إلى من بمكة وما حولها إلا محمدا صلى الله عليه وسلم. 
وههنا سؤال وهو أنه يقال : ما الحكمة في ذكر إبراهيم عليه السلام مع محمد صلى الله عليه وسلم في باب الصلاة حيث يقال : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ؟
وأجابوا عنه من وجوه، ( أولها ) : أن إبراهيم عليه السلام دعا لمحمد عليه السلام حيث قال : ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك  فلما وجب للخليل على الحبيب حق دعائه له : قضى الله تعالى عنه حقه بأن أجرى ذكره على ألسنة أمته إلى يوم القيامة. ( وثانيها ) : أن إبراهيم عليه السلام سأل ذلك ربه بقوله : واجعل لي لسان صدق في الآخرين  يعني ابق لي ثناء حسنا في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فأجابه الله تعالى إليه وقرن ذكره بذكر حبيبه إبقاء للثناء الحسن عليه في أمته. ( وثالثها ) : أن إبراهيم كان أب الملة لقوله : ملة أبيكم إبراهيم  ومحمد كان أب الرحمة، وفي قراءة ابن مسعود :( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم ) وقال في قصته : بالمؤمنين رءوف رحيم  وقال عليه السلام :( إنما أنا لكم مثل الوالد ) يعني في الرأفة والرحمة، فلما وجب لكل واحد منهم حق الأبوة من وجه قرب بين ذكرهما في باب الثناء والصلاة. ( ورابعها ) : أن إبراهيم عليه السلام كان منادي الشريعة في الحج : وأذن في الناس بالحج  وكان محمد عليه السلام منادي الدين : سمعنا مناديا ينادي للإيمان  فجمع الله تعالى بينهما في الذكر الجميل. 
واعلم أنه تعالى لما طلب بعثة رسول منهم إليهم، ذكر لذلك الرسول صفات. ( أولها ) : قوله : يتلو عليهم آياتك  وفيه وجهان ( الأول ) : أنها الفرقان الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم لأن الذي كان يتلوه عليهم ليس إلا ذلك، فوجب حمله عليه. ( الثاني ) : يجوز أن تكون الآيات هي الأعلام الدالة على وجود الصانع وصفاته سبحانه وتعالى، ومعنى تلاوته إياها عليهم : أنه كان يذكرهم بها ويدعوهم إليها ويحملهم على الإيمان بها. ( وثانيها ) : قوله : ويعلمهم الكتاب  والمراد أنه يأمرهم بتلاوة الكتاب ويعلمهم معاني الكتاب وحقائقه، وذلك لأن التلاوة مطلوبة لوجوه : منها بقاء لفظها على ألسنة أهل التواتر فيبقى مصونا عن التحريف والتصحيف، ومنها أن يكون لفظه ونظمه معجزا لمحمد صلى الله عليه وسلم، ومنها أن يكون في تلاوته نوع عبادة وطاعة، ومنها أن تكون قراءته في الصلوات وسائر العبادات نوع عبادة، فهذا حكم التلاوة إلا أن الحكمة العظمى والمقصود الأشرف تعليم ما فيه من الدلائل والأحكام، فإن الله تعالى وصف القرآن بكونه هدى ونورا لما فيه من المعاني والحكم والأسرار، فلما ذكر الله تعالى أولا أمر التلاوة ذكر بعده تعليم حقائقه وأسراره فقال : ويعلمهم الكتاب . ( الصفة الثالثة ) : من صفات الرسول صلى الله عليه وسلم قوله :( والحكمة ) أي ويعلمهم الحكمة. واعلم أن الحكمة هي : الإصابة في القول والعمل، ولا يسمى حكيما إلا من اجتمع له الأمران وقيل : أصلها من أحكمت الشيء أي رددته، فكأن الحكمة هي التي ترد عن الجهل والخطأ، وذلك إنما يكون بما ذكرنا من الإصابة في القول والفعل، ووضع كل شيء موضعه. قال القفال : وعبر بعض الفلاسفة عن الحكمة بأنها التشبه بالإله بقدر الطاقة البشرية. واختلف المفسرون في المراد بالحكمة ههنا على وجوه. ( أحدها ) : قال ابن وهب قلت لمالك : ما الحكمة ؟ قال : معرفة الدين، والفقه فيه، والاتباع له. ( وثانيها ) : قال الشافعي رضي الله عنه : الحكمة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو قول قتادة، قال أصحاب الشافعي رضي الله عنه : والدليل عليه أنه تعالى ذكر تلاوة الكتاب أولا وتعليمه ثانيا ثم عطف عليه الحكمة فوجب أن يكون المراد من الحكمة شيئا خارجا عن الكتاب، وليس ذلك إلا سنة الرسول عليه السلام. فإن قيل : لم لا يجوز حمله على تعليم الدلائل العقلية على التوحيد والعدل والنبوة ؟ قلنا : لأن العقول مستقبلة بذلك فحمل هذا اللفظ على ما لا يستفاد من الشرع أولى. ( وثالثها ) : الحكمة هي الفصل بين الحق والباطل، وهو مصدر بمعنى الحكم، كالقعدة والجلسة، والمعنى : يعلمهم كتابك الذي تنزله عليهم، وفصل أقضيتك وأحكامك التي تعلمه إياها، ومثال هذا : الخبر والخبرة، والعذر والعذرة، والغل والغلة، والذل والذلة. ( ورابعها ) : ويعلمهم الكتاب أراد به الآيات المحكمة. ( والحكمة ) أراد بها الآيات المتشابهات. ( وخامسها ) : يعلمهم الكتاب  أي يعلمهم ما فيه من الأحكام. ( والحكمة ) أراد بها أنه يعلمهم حكمة تلك الشرائع وما فيها من وجوه المصالح والمنافع، ومن الناس من قال : الكل صفات الكتاب كأنه تعالى وصفه بأنه آيات، وبأنه كتاب، وبأنه حكمة. ( الصفة الرابعة ) : من صفات الرسول صلى الله عليه وسلم : قوله : ويزكيهم  واعلم أن كمال حال الإنسان في أمرين. ( أحدهما ) : أن يعرف الحق لذاته. ( والثاني ) : أن يعرف الخير لأجل العمل به، فإن أخل بشيء من هذين الأمرين لم يكن طاهرا عن الرذائل والنقائص، ولم يكن زكيا عنها، فلما ذكر صفات الفضل والكمال أردفها بذكر التزكية عن الرذائل والنقائص، فقال : ويزكيهم  واعلم أن الرسول لا قدرة له على التصرف في بواطن المكلفين، وبتقدير أن تحصل له هذه القدرة لكنه لا يتصرف فيها وإلا لكان ذلك الزكاء حاصلا فيهم على سبيل الجبر لا على سبيل الاختيار، فإذن هذه التزكية لها تفسيران. ( الأول ) : ما يفعله سوى التلاوة وتعليم الكتاب والحكمة، حتى يكون ذلك كالسبب لطهارتهم، وتلك الأمور ما كان يفعله عليه السلام من الوعد والإيعاد، والوعظ والتذكير، وتكرير ذلك عليهم، ومن التشبث بأمور الدنيا إلى أن يؤمنوا ويصلحوا، فقد كان عليه السلام يفعل من هذا الجنس أشياء كثيرة ليقوي بها دواعيهم إلى الإيمان والعمل الصالح، ولذلك مدحه تعالى بأنه على خلق عظيم، وأنه أوتي مكارم الأخلاق. ( الثاني ) : يزكيهم، يشهد لهم بأنهم أزكياء يوم القيامة إذا شهد على كل نفس بما كسبت، كتزكية المزكي الشهود، والأول أجود لأنه أدخل في مشاكلة مراده بالدعاء، لأن مراده أن يتكامل لهذه الذرية الفوز بالجنة، وذلك لا يتم إلا بتعليم الكتاب والحكمة، ثم بالترغيب الشديد في العمل والترهيب عن الإخلال بالعمل وهو التزكية، هذا هو الكلام الملخص في هذه الآية، وللمفسرين فيه عبارات. ( أحدها ) : قال الحسن : يزكيهم : يطهرهم من شركهم، فدلت الآية على أنه سيكون في ذرية إسماعيل جهال لا حكمة فيهم ولا كتاب، وأن الشرك ينجسهم، وأنه تعالى يبعث فيهم رسولا منهم يطهرهم ويجعلهم حكماء الأرض بعد جهلهم. ( وثانيها ) : التزكية هي الطاعة لله والإخلاص عن ابن عباس. ( وثالثها ) : ويزكيهم عن الشرك وسائر الأرجاس، كقوله : ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث  واعلم أنه عليه السلام لما ذكر هذه الدعوات ختمها بالثناء على الله تعالى فقال : إنك أنت العزيز الحكيم  والعزيز : هو القادر الذي لا يغلب، والحكيم هو العالم الذي لا يجهل شيئا، وإذا كان عالما قادرا كان ما يفعله صوابا ومبرأ عن العبث والسفه، ولولا كونه كذلك لما صح منه إجابة الدعاء ولا بعثة الرسل، ولا إنزال الكتاب، واعلم أن العزيز من صفات الذات إذا أريد اقتداره على الأشياء وامتناعه من الهضم والذلة، لأنه إذا كان منزها عن الحاجات لم تلحقه ذلة المحتاج، ولا يجوز أن يمنع من مراده حتى يلحقه اهتضام، فهو عزيز لا محالة، وأما الحكيم فإذا أريد به معنى العليم فهو من صفات الذات، فإذا أريد بالعزة كمال العزة وهو الامتناع من استيلاء الغير عليه، وأريد بالحكمة أفعال الحكمة لم يكن العزيز والحكيم من صفات الذات بل من صفات الفعل والفرق بين هذين النوعين من الصفات وجوه. ( أحدها ) : أن صفات الذات أزلية، وصفات الفعل ليست كذلك. ( وثانيها ) : أن صفات الذات لا يمكن أن تصدق نقائضها في شيء من الأوقات، وصفات الفعل ليست كذلك. ( وثالثها ) : أن صفات الفعل أمور نسبية يعتبر في تحققها صدور الآثار عن الفاعل، وصفات الذات ليست كذلك، واحتج النظام على أنه تعالى غير قادر على القبيح بأن قال : الإله يجب أن يكون حكيما لذاته، وإذا كان حكيما لذاته لم يكن القبيح مقدورا، والحكمة لذاتها تنافي فعل القبيح، فالإله يستحيل منه فعل القبيح، وما كان محال لم يكن مقدورا، إنما قلنا : الإله يجب أن يكون حكيما لأنه لو لم يجب ذلك لجاز تبدله بنقيضه، فحينئذ يلزم أن يكون الإله إلها مع عدم الحكمة وذلك بالاتفاق محال، وأما أن الحكمة تنافي فعل السفه فذلك أيضا معلوم بالبديهة، وأما أن مستلزم المنافي مناف فمعلوم بالبديهة، فإذن الإلهية لا يمكن تقريرها مع فعل السفه، وأما أن المحال غير مقدور فبين، فثبت أن الإله لا يقدر على فعل القبيح. 
( والجواب عنه ) : أما على مذهبنا فليس شيء من الأفعال سفها منه فزال السؤال، والله أعلم.

### الآية 2:130

> ﻿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [2:130]

قوله تعالى : ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين 
اعلم أن الله تعالى بعد أن ذكر أمر إبراهيم عليه السلام وما أجراه على يده من شرائف شرائعه التي ابتلاه بها، ومن بناء بيته وأمره بحج عباد الله إليه وما جبله الله تعالى عليه من الحرص على مصالح عباده ودعائه بالخير لهم، وغير ذلك من الأمور التي سلف في هذه الآية السالفة عجب الناس فقال : ومن يرغب عن ملة إبراهيم  والإيمان بما أتى من شرائعه فكان في ذلك توبيخ اليهود والنصارى ومشركي العرب لأن اليهود إنما يفتخرون به ويوصلون بالوصلة التي بينهم وبينه من نسب إسرائيل، والنصارى فافتخارهم ليس بعيسى وهو منتسب من جانب الأم إلى إسرائيل، وأما قريش فإنهم إنما نالوا كل خير في الجاهلية بالبيت الذي بناه فصاروا لذلك يدعون إلى كتاب الله، وسائر العرب وهم العدنانيون فمرجعهم إلى إسماعيل وهم يفتخرون على القحطانيين بإسماعيل بما أعطاه الله تعالى من النبوة، فرجع عند التحقيق افتخار الكل بإبراهيم عليه السلام، ولما ثبت أن إبراهيم عليه السلام هو الذي طلب من الله تعالى بعثة هذا الرسول في آخر الزمان وهو الذي تضرع إلى الله تعالى في تحصيل هذا المقصود، فالعجب ممن أعظم مفاخره وفضائله الانتساب إلى إبراهيم عليه السلام، ثم إنه لا يؤمن بالرسول الذي هو دعوة إبراهيم عليه السلام ومطلوبه بالتضرع لا شك أن هذا مما يستحق أن يتعجب منه. 
أما قوله : ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : يقال : رغبت من الأمر إذا كرهته، ورغبت فيه إذا أردته. ( ومن ) الأول استفهام بمعنى الإنكار، والثانية بمعنى الذي، قال صاحب الكشاف : من سفه  في محل الرفع على البدل من الضمير في يرغب وإنما صح البدل لأن من يرغب غير موجب كقولك : هل جاءك أحد إلا زيد. 
المسألة الثانية : لقائل أن يقول ههنا سؤال وهو أن المراد بملة إبراهيم هو الملة التي جاء بها محمد عليه السلام لأن المقصود من الكلام ترغيب الناس في قبول هذا الدين فلا يخلو إما أن يقال : إن هذه الملة عين ملة إبراهيم في الأصول والفروع، أو يقال : هذه الملة هي تلك الملة في الأصول أعني التوحيد والنبوة ورعاية مكارم الأخلاق، ولكنهما يختلفان في فروع الشرائع وكيفية الأعمال. 
( أما الأول ) : فباطل لأنه عليه السلام كان يدعي أن شرعه نسخ كل الشرائع، فكيف يقال هذا الشرع هو عين ذلك الشرع. 
( وأما الثاني ) : فهو لا يفيد المطلوب لأن الاعتراف بالأصول أعني التوحيد والعدل ومكارم الأخلاق والمعاد لا يقتضي الاعتراف بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف يتمسك بهذا الكلام في هذا المطلوب. 
وسؤال آخر وهو أن محمدا صلى الله عليه وسلم لما اعترف بأن شرع إبراهيم منسوخ، ولفظ الملة يتناول الأصول والفروع، فيلزم أن يكون محمد عليه الصلاة والسلام راغبا أيضا عن ملة إبراهيم فيلزم ما ألزم عليهم. 
( وجوابه ) : أنه تعالى لما حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه تضرع إلى الله تعالى وطلب منه بعثه هذا الرسول ونصرته وتأييده ونشر شريعته، عبر عن هذا المعنى بأنه ملة إبراهيم فلما سلم اليهود والنصارى والعرب كون إبراهيم عليه السلام محقا في مقاله، وجب عليهم الاعتراف بنبوة هذا الشخص الذي هو مطلوب إبراهيم عليه السلام. 
قال السائل : إن القول ما سلموا أن إبراهيم طلب مثل هذا الرسول من الله تعالى، وإنما محمد عليه الصلاة والسلام روى هذا الخبر عن إبراهيم عليه السلام ليبني على هذه الرواية إلزام أنه يجب عليهم الاعتراف بنبوة محمد عليه السلام، فإذن لا تثبت نبوته ما لم تثبت هذه الرواية، ولا تثبت هذه الرواية ما لم تثبت نبوته، فيفضي إلى الدور وهو ساقط، سلمنا أن القوم سلموا صحة هذه الرواية لكن ليس في هذه الرواية إلا أن إبراهيم طلب من الله تعالى أن يبعث رسولا من ذريته وذرية إسماعيل، فكيف القطع بأن ذلك الرسول هو هذا الشخص ؟ فلعله شخص آخر سيجيء بعد ذلك، وإذا جاز أن تتأخر إجابة هذا الدعاء بمقدار ألفي سنة، وهو الزمان الذي بين إبراهيم وبين محمد عليهما السلام، فلم لا يجوز أن تتأخر بمقدار ثلاثة آلاف سنة حتى يكون المطلوب بهذا الدعاء شخصا آخر سوى هذا الشخص المعين ؟
( والجواب عن السؤال الأول ) : لعل التوراة والإنجيل شاهدان بصحة هذه الرواية، ولولا ذلك لكان اليهود والنصارى من أشد الناس مسارعة إلى تكذيبه في هذه الدعوى. ( وعن الثاني ) : أن المعتمد في إثبات نبوته عليه السلام : ظهور المعجز على يده، وهو القرآن وإخباره عن الغيوب التي لا يعلمها إلا نبي مثل هذه الحكايات، ثم إن هذه الحجة تجري مجرى المؤكد للمقصود والمطلوب والله تعالى أعلم. 
المسألة الثالثة : في انتصاب ( نفسه ) قولان. ( الأول ) : لأنه مفعول، قال المبرد : سفه لازم، وسفه متعد، وعلى هذا القول وجوه. ( الأول ) : امتهنها واستخف بها، وأصل السفه الخفة، ومنه زمام سفيه، والدليل عليه ما جاء في الحديث :( الكبر أن تسفه الحق وتغمص الناس ) وذلك أنه إذا رغب عما لا يرغب عنه عاقل قط فقد بالغ في إزالة نفسه وتعجيزها، حيث خالف بها كل نفس عاقلة. ( والثاني ) قال الحسن : إلا من جهل نفسه وخسر نفسه، وحقيقته أنه لا يرغب عن ملة إبراهيم إلا من جهل فلم يفكر فيها، فيستدل بما يجده فيها من آثار الصنعة على وحدانية الله تعالى وعلى حكمته، فيستدل بذلك على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ( والثالث ) : أهلك نفسه وأوبقها عن أبي عبيدة. ( والرابع ) : أضل نفسه. ( القول الثاني ) : أن نفسه ليست مفعولا وذكروا على هذا القول وجوها. ( الأول ) : أن نفسه نصب بنزع الخافض تقديره سفه في نفسه. ( والثاني ) : أنه نصب على التفسير عن الفراء ومعناه سفه نفسا ثم أضاف وتقديره إلا السفيه، وذكر النفس تأكيد كما يقال : هذا الأمر نفسه والمقصود منه المبالغة في سفهه. ( الثالث ) : قرئ : إلا من سفه نفسه  بتشديد الفاء ثم إنه تعالى لما حكم بسفاهة من رغب عن ملة إبراهيم عليه السلام بين السبب فقال : ولقد اصطفيناه في الدنيا  والمراد به أنا إذا اخترناه للرسالة من دون سائر الخليقة، وعرفناه الملة التي هي جامعة للتوحيد والعدل والشرائع والإمامة الباقية إلى قيام الساعة ثم أضيف إليه حكم الله تعالى فشرفه الله بهذا اللقب الذي فيه نهاية الجلالة لمن نالها من ملك من ملوك البشر فكيف من نالها من ملك الملوك والشرائع فليحقق كل ذي لب وعقل أن الراغب عن ملته فهو سفيه، ثم بين أنه في الآخرة عظيم المنزلة ليرغب في مثل طريقته لينال مثل تلك المنزلة، وقيل في الآية تقديم وتأخير وتقديره : ولقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين، وإذا صح الكلام من غير تقديم وتأخير كان أولى، قال الحسن : من الذين يستوجبون الكرامة وحسن الثواب على كرم الله تعالى.

### الآية 2:131

> ﻿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [2:131]

قوله تعالى : إذ قال ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين . 
اعلم أن هذا النوع الخامس من الأمور التي حكاها الله عن إبراهيم عليه السلام، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : موضع ( إذ ) نصب وفي عامله وجهان. ( الوجه الأول ) : أنه نصب باصطفيناه، أي اصطفيناه في الوقت الذي قال له ربه أسلم، فكأنه تعالى ذكر الاصطفاء ثم عقبه بذكر سبب الاصطفاء، فكأنه لما أسلم نفسه لعبادة الله تعالى وخضع لها وانقاد علم تعالى من حاله أنه لا يتغير على الأوقات وأنه مستمر على هذه الطريقة، وهو مع ذلك مطهر من كل الذنوب، فعند ذلك اختاره للرسالة واختصه بها لأنه تعالى لا يختار للرسالة إلا من هذا حاله في البدء والعاقبة، فإسلامه لله تعالى وحسن إجابته منطوق به، فإن قيل قوله : ولقد اصطفيناه  إخبار عن النفس وقوله : إذ قال له ربه أسلم  إخبار عن المغايبة فكيف يعقل أن يكون هذا النظم واحدا ؟ قلنا : هذا من باب الالتفات الذي ذكرناه مرارا. ( الثاني ) : أنه نصب بإضمار أذكر كأنه قيل : اذكر ذلك الوقت ليعلم أنه المصطفى الصالح الذي لا يرغب عن ملة مثله. 
المسألة الثانية : اختلفوا في أن الله تعالى متى قال له أسلم ؟ ومنشأ الإشكال أنه إنما يقال له : أسلم في زمان لا يكون مسلما فيه، فهل كان إبراهيم عليه السلام غير مسلم في بعض الأزمنة ليقال له في ذلك الزمان أسلم ؟ فالأكثرون على أن الله تعالى إنما قال ذلك قبل النبوة وقبل البلوغ، وذلك عند استدلاله بالكوكب والقمر والشمس، واطلاعه على أمارات الحدوث فيها، وإحاطته بافتقارها إلى مدبر يخالفها في الجسمية وأمارات الحدوث، فلما عرف ربه قال له تعالى : أسلم قال أسلمت لرب العالمين  لأنه لا يجوز أن يقول له ذلك قبل أن عرف ربه ويحتمل أيضا أن يكون قوله : أسلم  كان قبل الاستدلال، فيكون المراد من هذا القول لا نفس القول بل دلالة الدليل عليه على حسب مذاهب العرب في هذا كقول الشاعر :

امتلأ الحوض وقال قطني  مهلا رويدا قد ملأت بطنيوأصدق دلالة منه قوله تعالى : أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون  فجعل دلالة البرهان كلاما، ومن الناس من قال : هذا الأمر كان بعد النبوة، وقوله : أسلم  ليس المراد منه الإسلام والإيمان بل أمور أخر. ( أحدها ) : الانقياد لأمر الله تعالى، والمسارعة إلى تلقيها بالقبول، وترك الإعراض بالقلب واللسان، وهو المراد من قوله : ربنا واجعلنا مسلمين لك  ( وثانيها ) : قال الأصم : أسلم  أي أخلص عبادتك واجعلها سليمة من الشرك وملاحظة الأغيار. ( وثالثها ) : استقم على الإسلام واثبت على التوحيد كقوله تعالى : فاعلم أنه لا إله إلا الله  ( ورابعها ) : أن الإيمان صفة القلب والإسلام صفة الجوارح، وأن إبراهيم عليه السلام كان عارفا بالله تعالى بقلبه وكلفه الله تعالى بعد ذلك بعمل الجوارح والأعضاء بقوله :( أسلم ).

### الآية 2:132

> ﻿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [2:132]

قوله تعالى : ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون . 
اعلم أن هذا هو النوع السادس من الأمور المستحسنة التي حكاها الله عن إبراهيم وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ نافع وابن عامر ( وأوصى ) بالألف وكذلك هو في مصاحف المدينة والشام والباقون بغير ألف بالتشديد وكذلك هو في مصاحفهم والمعنى واحد إلا أن في ( وصى ) دليل مبالغة وتكثير. 
المسألة الثانية : الضمير في ( بها ) إلى أي شيء يعود ؟ فيه قولان :( الأول ) أنه عائد إلى قوله : أسلمت لرب العالمين  على تأويل الكلمة والجملة، ونحوه رجوع الضمير في قوله : وجعلها كلمة باقية  إلى قوله : إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني  وقوله : كلمة باقية  دليل على أن التأنيث على تأويل الكلمة. ( القول الثاني ) : أنه عائد إلى الملة في قوله : ومن يرغب عن ملة إبراهيم  قال القاضي وهذا القول أولى من الأول من وجهين. ( الأول ) : أن ذلك غير مصرح به ورد الإضمار إلى المصرح بذكره إذا أمكن أولى من رده إلى المدلول والمفهوم. ( الثاني ) : أن الملة أجمع من تلك الكلمة ومعلوم أنه ما وصى ولده إلا بما يجمع فيهم الفلاح والفوز بالآخرة، والشهادة وحدها لا تقتضي ذلك. 
المسألة الثالثة : اعلم أن هذه الحكاية اشتملت على دقائق مرغبة في قبول الدين. ( أحدها ) : أنه تعالى لم يقل وأمر إبراهيم بنيه بل قال : وصاهم ولفظ الوصية أوكد من الأمر، لأن الوصية عند الخوف من الموت، وفي ذلك الوقت يكون احتياط الإنسان لدينه أشد وأتم، فإذا عرف أنه عليه السلام في ذلك الوقت كان مهتما بهذا الأمر متشددا فيه، كان القول إلى قبوله أقرب. ( وثانيها ) : أنه عليه السلام خصص بنيه بذلك، وذلك لأن شفقة الرجل على أبنائه أكثر من شفقته على غيرهم، فلما خصهم بذلك في آخر عمره، علمنا أن اهتمامه بذلك كان أشد من اهتمامه بغيره. ( وثالثها ) : أنه عمم بهذه الوصية جميع بنيه ولم يخص أحدا منهم بهذه الوصية، وذلك أيضا يدل على شدة الاهتمام. 
( ورابعها ) : أنه عليه السلام أطلق هذه الوصية غير مقيدة بزمان معين ومكان معين، ثم زجرهم أبلغ الزجر عن أن يموتوا غير مسلمين، وذلك يدل أيضا على شدة الاهتمام بهذا الأمر. ( وخامسها ) : أنه عليه السلام ما مزج بهذه الوصية وصية أخرى، وهذا يدل أيضا على شدة الاهتمام بهذا الأمر، ولما كان إبراهيم عليه السلام هو الرجل المشهود له بالفضل وحسن الطريقة وكمال السيرة، ثم عرف أنه كان في نهاية الاهتمام بهذا الأمر، عرف حينئذ أن هذا الأمر أولى الأمور بالاهتمام، وأجراها بالرعاية، فهذا هو السبب في أنه خص أهله وأبناءه بهذه الوصية، وإلا فمعلوم من حال إبراهيم عليه السلام أنه كان يدعو الكل أبدا إلى الإسلام والدين. 
أما قوله : ويعقوب  ففيه قولان :( الأول ) : وهو الأشهر أنه معطوف على إبراهيم، والمعنى أنه وصى كوصية إبراهيم. ( والثاني ) : قرئ  ويعقوب  بالنصب عطفا على بنيه، ومعناه : وصى إبراهيم بنيه، ونافلته يعقوب، أما قوله : يا بني  فهو على إضمار القول عند البصريين، وعند الكوفيين يتعلق بوصي لأنه في معنى القول، وفي قراءة أبي وابن مسعود، أن يا بني. 
أما قوله : اصطفى لكم الدين  فالمراد أنه تعالى استخلصه بأن أقام عليه الدلائل الظاهرة الجلية ودعاكم إليه ومنعكم عن غيره. 
أما قوله : فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون  فالمراد بعثهم على الإسلام، وذلك لأن الرجل إذا لم يأمن الموت في كل طرفة عين، ثم إنه أمر بأن يأتي بالشيء قبل الموت صار مأمورا به في كل حال، لأنه يخشى إن لم يبادر إليه أن تعاجله المنية فيفوته الظفر بالنجاة ويخاف الهلاك فيصير مدخلا نفسه في الخطر والغرور.

### الآية 2:133

> ﻿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [2:133]

قوله تعالى : أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله أبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق إلها واحدا ونحن له مسلمون 
اعلم أنه تعالى لما حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه بالغ في وصية بنيه في الدين والإسلام، ذكر عقيبه أن يعقوب وصى بنيه بمثل ذلك تأكيدا للحجة على اليهود والنصارى، ومبالغة في البيان وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن  أم  معناها حرف الاستفهام، أو حرف العطف، وهي تشبه من حروف العطف **«أو »** وهي تأتي على وجهين : متصلة بما قبلها ومنقطعة منه، أما المتصلة فاعلم أنك إذا قلت : أزيد عندك أم عمرو ؟ فأنت لا تعلم كون أحدهما عنده فتسأل هل أحد هذين عندك فلا جرم كان جوابه لا أو نعم، أما إذا علمت كون أحد هذين الرجلين عنده لكنك لا تعلم أن الكائن عنده زيد أو عمرو فسألته عن التعيين قلت : أزيد عندك أم عمرو ؟ أي اعلم أن أحدهما عندك لكن أهو هذا أو ذاك ؟ وأما المنقطعة فقالوا : إنها بمعنى ****«بل »**** مع همزة الاستفهام، مثاله : إذا قال إنها لا بل أم شاء، فكأن قائل هذا الكلام سبق بصره إلى الأشخاص فقدر أنها إبل فأخبر على مقتضى ظنه أنها الإبل، ثم جاءه الشك وأراد أن يضرب عن ذلك الخبر وأن يستفهم أنها هل هي شاء أم لا، فالإضراب عن الأول هو معنى ****«بل »**** والاستفهام عن أنها شاء هو المراد بهمزة الاستفهام، فقولك : إنها لا بل أم شاء جار مجرى قولك : إنها لا بل أهي شاء فقولك : أهي شاء كلام مستأنف غير متصل بقوله : إنها لا بل، وكيف وذلك قد وقع الإضراب عنه بخلاف المتصلة فإن قولك : أزيد عندك أم عمرو ؟ بمعنى أيهما عندك ولم يكن **«ما »** بعد ********«أم »******** منقطعا عما قبله بدليل أن عمرا قرين زيد وكفى دليلا على ذلك أنك تعبر عن ذلك باسم مفرد فتقول : أيهما عندك ؟ وقد جاء في كتاب الله تعالى من النوعين كثير، أما المتصلة فقوله تعالى : أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها  أي أيكما أشد، وأما المنقطعة فقوله تعالى : الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه  والله أعلم بل يقولون افتراه، فدل على الإضراب عن الأول والاستفهام عما بعده، إذ ليس في الكلام معنى، أي كما كان في قولك : أزيد عندك أم عمرو ؟ ومن لا يحقق من المفسرين يقولون إن ********«أم »******** ههنا بمنزلة الهمزة وذلك غير صحيح لما ذكرنا أن ********«أم »******** هذه المنقطعة : تتضمن معنى بل، إذا عرفت هذه المقدمة فنقول ********«أم »******** في هذه الآية منفصلة أم متصلة ؟ فيه قولان ( الأول ) : أنها منقطعة عما قبلها، ومعنى الهمزة فيها الإنكار أي : بل ما كنتم شهداء، **«والشهداء »** جمع شهيد بمعنى الحاضر أي ما كنتم حاضرين عندما حضر يعقوب الموت، والخطاب مع أهل الكتاب، كأنه تعالى قال لهم فيما كانوا يزعمون من أن الدين الذي هم عليه دين الرسل : كيف تقولون ذلك وأنتم تشهدون وصايا الأنبياء بالدين ولو شهدتم ذلك لتركتم ما أنتم عليه من الدين ولرغبتم في دين محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو نفس ما كان عليه إبراهيم عليه السلام ويعقوب وسائر الأنبياء عليهم السلام بعده. 
فإن قيل : الاستفهام على سبيل الإنكار إنما يتوجه على كلام باطل، والمحكى عن يعقوب في هذه الآية ليس كلاما باطلا بل حقا، فكيف يمكن صرف الاستفهام على سبيل الإنكار إليه ؟ قلنا : الاستفهام على سبيل الإنكار متعلق بمجرد ادعائهم الحضور عند وفاته هذا هو الذي أنكره الله تعالى. فأما ذكره بعد ذلك من قول يعقوب عليه السلام : ما تعبدون من بعدي  فهو كلام مفصل بل كأنه تعالى لما أنكر حضورهم في ذلك الوقت شرح بعد ذلك كيفية تلك الوصية. 
( القول الثاني ) : في أن  أم  في هذه الآية متصلة، وطريق ذلك أن يقدر قبلها محذوف كأنه قيل : أتدعون على الأنبياء اليهودية، أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت ؛ يعني إن أوائلكم من بني إسرائيل كانوا مشاهدين له إذ دعا بنيه إلى ملة الإسلام والتوحيد، وقد علمتم ذلك فما لكم تدعون على الأنبياء ما هم منه براء. 
أما قوله : إذ قال لبنيه  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : قال القفال قوله : إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه  أن  إذ  الأولى وقت الشهداء، والثانية وقت الحضور. 
المسألة الثانية : الآية دالة على أن شفقة الأنبياء عليهم السلام على أولادهم كانت في باب الدين وهمتهم مصروفة إليه دون غيره. 
أما قوله : ما تعبدون من بعدي  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : لفظة  ما  لغير العقلاء فكيف أطلقه في المعبود الحق ؟
وجوابه من وجهين :( الأول ) : أن  ما  عام في كل شيء والمعنى أي شيء تعبدون. ( والثاني ) : قوله : ما تعبدون  كقولك عند طلب الحد والرسم : ما الإنسان ؟
المسألة الثانية : قوله : من بعدي  أما قوله : قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : هذه الآية تمسك بها فريقان من أهل الجهل. ( الأول ) : المقلدة قالوا : إن أبناء يعقوب اكتفوا بالتقليد، وهو عليه السلام ما أنكره عليهم فدل على أن التقليد كاف. ( الثاني ) : التعليمية. قالوا : لا طريق إلى معرفة الله إلا بتعليم الرسول والإمام والدليل عليه هذه الآية، فإنهم لم يقولوا : نعبد الإله الذي دل عليه العقل، بل قالوا : نعبد الإله الذي أنت تعبده وآباءك يعبدونه وهذا يدل على أن طريق المعرفة هو التعلم. 
( والجواب ) : كما أنه ليس في الآية دلالة على أنهم عرفوا الإله بالدليل العقلي، فليس فيها أيضا دلالة على أنهم ما أقروا بالإله إلا على طريقة التقليد والتعليم، ثم إن القول بالتقليد والتعليم لما بطل بالدليل علمنا أن إيمان القوم ما كان على هذه الطريقة بل كان حاصلا على سبيل الاستدلال، أقصى ما في الباب أن يقال : فلم لم يذكروا طريقة الاستدلال. 
( والجواب ) عنه من وجوه، ( أولها ) : أن ذلك أخصر في القول من شرح صفات الله تعالى بتوحيده وعلمه وقدرته وعدله. ( وثانيها ) : أنه أقرب إلى سكون نفس يعقوب عليه السلام فكأنهم قالوا : لسنا نجري إلا على مثل طريقتك فلا خلاف منا عليك فيما نعبده ونخلص العبادة له. ( وثالثها ) : لعل هذا إشارة إلى ذكر الدليل على وجود الصانع على ما ذكره الله تعالى في أول هذه السورة في قوله : يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم  وههنا مرادهم بقولهم : نعبد إلهك وإله آبائك  أي : نعبد الإله الذي دل عليه وجودك ووجود آبائك وعلى هذا الطريق يكون ذلك إشارة إلى الاستدلال لا إلى التقليد. 
المسألة الثانية : قال القفال : وفي بعض التفاسير أن يعقوب عليه السلام لما دخل مصر رأى أهلها يعبدون النيران والأوثان فخاف على بنيه بعد وفاته، فقال لهم هذا القول تحريضا لهم على التمسك بعبادة الله تعالى. وحكى القاضي عن ابن عباس : أن يعقوب عليه السلام جمعهم إليه عند الوفاة، وهم كانوا يعبدون الأوثان والنيران، فقال : يا بني ما تعبدون من بعدي ؟ قالوا : نعبد إلهك وإله آبائك ثم قال القاضي : هذا بعيد لوجهين. ( الأول ) : أنهم بادروا إلى الاعتراف بالتوحيد مبادرة من تقدم منه العلم واليقين. ( الثاني ) : أنه تعالى ذكر في الكتاب حال الأسباط من أولاد يعقوب وأنهم كانوا قوما صالحين وذلك لا يليق بحالهم. 
المسألة الثالثة : قوله : إبراهيم وإسماعيل وإسحاق  عطف بيان لآبائك. قال القفال : وقيل أنه قدم ذكر إسماعيل على إسحاق لأن إسماعيل كان أسن من إسحاق. 
المسألة الرابعة : قال الشافعي رضي الله عنه : الأخوة والأخوات للأب والأم أو للأب لا يسقطون بالجد وهو قول عمر وعثمان وعلي وعبد الله بن مسعود وزيد رضي الله عنهم وهو قول مالك وأبي يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة : أنهم يسقطون بالجد وهو قول أبو بكر الصديق وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم، ومن التابعين قول الحسن وطاوس وعطاء، أما الأولون وهم الذين يقولون : إنهم لا يسقطون بالجد فلهم قولان ( أحدهما ) : أن الجد خير الأمرين : إما المقاسمة معهم أو ثلث جميع المال، ثم الباقي بين الأخوة والأخوات للذكر مثل حظ الأنثيين وهذا مذهب زيد بن ثابت وقول الشافعي رضي الله عنه. ( والثاني ) : أنه بمنزلة أحد الأخوة ما لم تنقصه المقاسمة من السدس فإن نقصته المقاسمة من السدس أعطى السدس ولم ينقص منه شيء واحتج أبو حنيفة على قوله بأن الجد أب والأب يحجب الأخوات والأخوة فيلزم أن يحجبهم الجد، وإنما قلنا : أن الجد أب للآية والأثر. أما الآية فاثنان هذه الآية وهي قوله تعالى : نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق  فأطلق لفظ الأب على الجد. 
فإن قيل : فقد أطلقه في العم وهو إسماعيل مع أنه بالاتفاق ليس بأب. 
قلنا : الاستعمال دليل الحقيقة ظاهرا ترك العمل به في حق العم لدليل قام فيه فيبقى في الباقي حجة الآية الثانية قوله تعالى مخبرا عن يوسف عليه السلام : واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب . 
وأما الأثر فما روى عطاء عن ابن عباس أنه قال : من شاء لاعنته عند الحجر الأسود، إن الجد أب، وقال أيضا : ألا لا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أب الأب أبا، وإذا ثبت أن الجد أب وجب أن يدخل تحت قوله تعالى : وورثه أبواه فلأمه الثلث  في استحقاق الجد الثلثين دون الأخوة كما استحقه الأب دونهم إذا كان باقيا، قال الشافعي رضي الله عنه : لا نسلم أن الجد أب، والدليل عليه وجوه. ( أحدها ) : أنكم كما استدللتم بهذه الآيات على أن الجد أب، فنحن نستدل على أنه ليس بأب بقوله تعالى : ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب  فإن الله تعالى ما أدخل يعقوب في بنيه لأنه ميزه عنهم، فلو كان الصاعد في الأبوة أبا لكان النازل في البنوة ابنا في الحقيقة، فلما لم يكن كذلك ثبت أن الجد ليس بأب. ( وثانيها ) : لو كان الجد أبا على الحقيقة لما صح لمن مات أبوه وجده حي أن ينفي أن له أبا، كما لا يصح في الأب القريب ولما صح ذلك علمنا أنه ليس بأب في الحقيقة. 
فإن قيل : اسم الأبوة وإن حصل في الكل إلا أن رتبة الأدنى أقرب من رتبة الأبعد فلذلك صح فيه النفي. 
قلنا : لو كان الاسم حقيقة فيهما جميعا لم يكن الترتيب في الوجود سببا لنفي اسم الأب عنه، ( وثالثها ) : لو كان الجد أبا على الحقيقة لصح القول بأنه مات وخلف أما وآباء كثيرين وذلك مما لم يطلقه أحد من الفقهاء وأرباب اللغة والتفسير. ( ورابعها ) : لو كان الجد أبا ولا شك أن الصحابة عارفون باللغة لما كانوا يختلفون في ميراث الجد، ولو كان الجد أبا لكانت الجدة أما، ولو كان كذلك لما وقعت الشبهة في ميراث الجدة حتى يحتاج أبو بكر رضي الله عنه إلى السؤال عنه، فهذه الدلائل دلت على أن الجد ليس بأب. ( وخامسها ) : قوله تعالى : يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين  فلو كان الجد أبا لكان ابن الابن ابنا لا محالة فكان يلزم بمقتضى هذه الآية حصول الميراث لابن الابن مع قيام الابن، ولما لم يكن كذلك علمنا أن الجد ليس بأب، فأما الآيات التي تمسكتم بها في بيان أن الجد أب فالجواب عن وجه التمسك بها من وجوه. 
( أولها ) : أنه قرأ أبي : وإله إبراهيم  بطرح آبائك إلا أن هذا لا يقدح في الغرض لأن القراءة الشاذة لا ترفع القراءة المتواترة، بل الجواب أن يقال : إنه أطلق لفظ الأب على الجد وعلى العم وقال عليه الصلاة والسلام في العباس :**«هذا بقية آبائي »** و

### الآية 2:134

> ﻿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [2:134]

أما قوله تعالى : تلك أمة قد خلت  فهو إشارة إلى من ذكرهم الله تعالى في الآية المتقدمة، وهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وبنوه الموحدون. و الأمة  الصنف.  خلت  سلفت ومضت وانقرضت، والمعنى أني اقتصصت عليكم أخبارهم وما كانوا عليه من الإسلام والدعوة إلى الإسلام فليس لكم نفع في سيرتهم دون أن تفعلوا ما فعلوه، فإن أنتم فعلتم ذلك انتفعتم وإن أبيتم لم تنتفعوا بأفعالهم، والآية دالة على مسائل :
المسألة الأولى : الآية دالة على بطلان التقليد، لأن قوله : لها ما كسبت  يدل على أن كسب كل أحد يختص به ولا ينتفع به غيره، ولو كان التقليد جائزا لكان كسب المتبوع نافعا للتابع، فكأنه قال : إني ما ذكرت حكاية أحوالهم طلبا منكم أن تقلدوهم، ولكن لتنبهوا على ما يلزمكم فتستدلوا وتعلموا أن ما كانوا عليه من الملة هو الحق. 
المسألة الثانية : الآية دالة على ترغيبهم في الإيمان، واتباع محمد عليه الصلاة والسلام، وتحذيرهم من مخالفته. 
المسألة الثالثة : الآية دالة على أن الأبناء لا يثابون على طاعة الآباء بخلاف قول اليهود من أن صلاح آبائهم ينفعهم، وتحقيقه ما روي عنه عليه السلام أنه قال :**«يا صفية عمة محمد، يا فاطمة بنت محمد، ائتوني يوم القيامة بأعمالكم لا بأنسابكم فإني لا أغني عنكم من الله شيئا »**. 
وقال ( ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه ) وقال الله تعالى  فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون  وقال تعالى  ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به  وكذلك قوله تعالى  ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى  وقال فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم }. 
المسألة الرابعة : الآية تدل على بطلان قول من يقول : الأبناء يعذبون بكفر آبائهم، وكان اليهود يقولون : إنهم يعذبون في النار لكفر آبائهم باتخاذ العجل، وهو قوله تعالى  وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة  وهي أيام عبادة العجل فبين الله تعالى بطلان ذلك. 
المسألة الخامسة : الآية دالة على أن العبد مكتسب وقد اختلف أهل السنة والمعتزلة في تفسير الكسب. أما أهل السنة فقد اتفقوا على أنه ليس معنى كون العبد مكتسبا دخول شيء من الأعراض بقدرته من العدم إلى الوجود، ثم بعد اتفاقهم على هذا الأصل ذكروا لهذا الكسب ثلاث تفسيرات ( أحدها ) وهو قول الأشعري رضي الله عنه أن القدرة صفة متعلقة بالمقدور من غير تأثير القدرة في المقدور، بل القدرة والمقدور حصلا بخلق الله تعالى، كما أن العلم والمعلوم حصلا بخلق الله تعالى، لكن الشيء الذي حصل بخلق الله تعالى وهو متعلق القدرة الحادثة هو الكسب ( وثانيها ) أن ذات الفعل توجد بقدرة الله تعالى، ثم يحصل لذلك الفعل وصف كونه طاعة أو معصية وهذه الصفة حاصلة بالقدرة الحادثة. وهو قول أبي بكر الباقلاني ( وثالثها ) أن القدرة الحادثة والقدرة القديمة، إذا تعلقتا بمقدور واحد وقع المقدور بهما، وكأنه فعل العبد وقع بإعانة الله، فهذا هو الكسب وهذا يعزى إلى أبي إسحاق الأسفرايني لأنه يروى عنه أنه قال الكسب والفعل الواقع بالمعين. 
أما القائلون بأن القدرة الحادثة مؤثرة، فهم فريقان ( الأول ) الذين يقولون بأن القدرة مع الداعي توجب الفعل فالله تعالى هو الخالق للكل بمعنى أنه سبحانه وتعالى هو الذي وضع الأسباب المؤدية إلى دخول هذه الأفعال في الوجود والعبد هو المكتسب بمعنى أن المؤثر في وقوع فعله هو القدرة والداعية القائمتان به، وهذا مذهب إمام الحرمين رحمه الله تعالى اختاره في الكتاب الذي سماه بالنظامية ويقرب قول أبي الحسين البصري منه وإن كان لا يصرح به. 
الفريق الثاني من المعتزلة، وهم الذين يقولون : القدرة مع الداعي لا توجب الفعل، بل العبد قادر على الفعل والترك متمكن منهما، إن شاء فعل وإن شاء ترك، وهذا الفعل والكسب قالت المعتزلة للأشعري : إذا كان مقدور العبد واقعا بخلق الله تعالى، فإذا خلقه فيه استحال من العبد أن لا يتصف في ذلك الوقت بذلك الفعل، وإذا لم يخلقه فيه : استحال منه في ذلك الوقت أن يتصف به. وإذا كان كذلك لم يكن البتة متمكنا من الفعل والترك ولا معنى للقادر إلا ذلك، فالعبد البتة غير قادر، وأيضا فهذا الذي هو مكتسب العبد. إما أن يكون واقعا بقدرة الله، أو لم يقع البتة بقدرة الله، أو وقع بالقدرتين معا، فإن وقع بقدرة الله تعالى لم يكن العبد فيه مؤثرا فكيف يكون مكتسبا له ؟ وإن وقع بقدرة العبد فهذا هو المطلوب وإن وقع بالقدرتين معا فهذا محال، لأن قدرة الله تعالى مستقلة بالإيقاع، فعند تعلق قدرة الله تعالى به فكيف يبقى لقدرة العبد فيه أثر، وأما قول الباقلاني فضعيف، لأن المحرم من الجلوس في الدار المغصوبة ليس إلا شغل تلك الأحياز، فهذا الشغل إن حصل بفعل الله تعالى فنفس المنهي عنه قد خلقه الله تعالى فيه وهذا هو عين تكليف ما لا يطاق، وإن حصل بقدرة العبد فهو المطلوب، وأما قول الأسفرايني فضعيف لما بينا أن قدرة الله تعالى مستقلة بالتأثير، فلا يبقى لقدرة العبد معها أثر البتة، قال أهل السنة : كون العبد مستقلا بالإيجاد والخلق محال لوجوه ( أولها ) أن العبد لو كان موجدا لأفعاله، لكان عالما بتفاصيل فعله، وهو غير عالم بتلك التفاصيل، فهو غير موجد لها ( وثانيها ) لو كان العبد موجدا لفعل نفسه ؛ لما وقع إلا ما أراده العبد، وليس كذلك، لأن الكافر يقصد تحصيل العلم فلا يحصل إلا الجهل ( وثانيها ) لو كان العبد موجدا لفعل نفسه لكان كونه موجدا لذلك الفعل زائدا على ذات ذلك الفعل وذات القدرة لأنه يمكننا أن نعقل ذات الفعل وذات القدرة مع الذهول عن كون العبد موجدا له، والمعقول غير المغفول عنه، ثم تلك الموجدية حادثة، فإن كان حدوثها بالعبد لزم افتقارها إلى موجدية أخرى، ولزم التسلسل وهو محال، وإن كان الله تعالى والأثر واجب الحصول عند حصول الموجدية فيلزم استناد الفعل إلى الله تعالى، ولا يلزمنا ذلك في موجدية الله تعالى لأنه قديم، فكانت موجديته قديمة فلا يلزم افتقار تلك الموجدية إلى موجدية أخرى. 
هذا ملخص الكلام من الجانبين والمنازعات بين الفريقين في الألفاظ والمعاني كثيرة والله الهادي.

### الآية 2:135

> ﻿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا ۗ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [2:135]

قوله تعالى : وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين . 
اعلم أنه تعالى لما بين الدلائل التي تقدمت صحة دين الإسلام حكى بعدها أنواعا من شبه المخالفين الطاعنين في الإسلام. 
( الشبهة الأولى ) : حكي عنهم أنهم قالوا : كونوا هودا أو نصارى تهتدوا  ولم يذكروا في تقرير ذلك شبهة، بل أصروا على التقليد، فأجابهم الله تعالى عن هذه الشبهة من وجوه. ( الأول ) : ذكر جوابا إلزاميا وهو قوله : قل بل ملة إبراهيم حنيفا  وتقرير هذا الجواب أنه إن كان طريق الدين التقليد فالأولى في ذلك اتباع ملة إبراهيم، لأن هؤلاء المختلفين قد اتفقوا على صحة دين إبراهيم والأخذ بالمتفق أولى من الأخذ بالمختلف إن كان المعول في الدين على التقليد، فكأنه سبحانه قال : إن كان المعول في الدين على الاستدلال والنظر، فقد قدمنا الدلائل، وإن كان المعول على التقليد فالرجوع إلى دين إبراهيم عليه السلام وترك اليهودية والنصرانية أولى. 
فإن قيل : أليس أن كل واحد من اليهود والنصارى يدعي أنه على دين إبراهيم عليه السلام. 
قلنا : لما ثبت أن إبراهيم كان قائلا بالتوحيد، وثبت أن النصارى يقولون بالتثليث، واليهود يقولون بالتشبيه، فثبت أنهم ليسوا على دين إبراهيم عليه السلام، وأن محمدا عليه السلام لما دعا إلى التوحيد، كان هو على دين إبراهيم. 
ولنرجع إلى تفسير الألفاظ : أما قوله : وقالوا كونوا هودا أو نصارى  فلا يجوز أن يكون المراد به التخيير، إذ المعلوم من حال اليهود أنها لا تجوز اختيار النصرانية على اليهودية، بل تزعم أنه كفر. والمعلوم من حال النصارى أيضا ذلك بل المراد أن اليهود تدعو إلى اليهودية والنصارى إلى النصرانية، فكل فريق يدعو إلى دينه، ويزعم أنه الهدى فهذا معنى قوله : تهتدوا  أي أنكم إذا فعلتم ذلك اهتديتم وصرتم على سنن الاستقامة. أما قوله : بل ملة إبراهيم  ففي اتنصاب ملة أربعة أقوال. ( الأول ) : لأنه عطف في المعنى على قوله : كونوا هودا أو نصارى  وتقديره قالوا : اتبعوا اليهودية قل بل اتبعوا ملة إبراهيم. ( الثاني ) : على الحذف تقديره : بل نتبع ملة إبراهيم. ( الثالث ) : تقديره : بل نكون أهل ملة إبراهيم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه كقوله : واسأل القرية  أي أهلها. ( الرابع ) التقدير : بل اتبعوا ملة إبراهيم، وقرأ الأعرج : ملة إبراهيم  بالرفع أي ملته ملتنا، أو ديننا ملة إبراهيم، وبالجملة فأنت بالخيار في أن تجعله مبتدأ أو خبرا. 
أما قوله : حنيفا  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : لأهل اللغة في الحنيف قولان. ( الأول ) : أن الحنيف هو المستقيم، ومنه قيل للأعرج : أحنف، تفاؤلا بالسلامة، كما قالوا للديغ : سليم، والمهلكة : مفازة، قالوا : فكل من أسلم لله ولم ينحرف عنه في شيء فهو حنيف، وهو مروي عن محمد بن كعب القرظي. ( الثاني ) : أن الحنيف المائل، لأن الأحنف هو الذي يميل كل واحد من قدميه إلى الأخرى بأصابعها، وتحنف إذا مال، فالمعنى أن إبراهيم عليه السلام حنف إلى دين الله، أي مال إليه، فقوله : بل ملة إبراهيم حنيفا  أي مخالفا لليهود والنصارى منحرفا عنهما، وأما المفسرون فذكروا عبارات، ( أحدها ) : قول ابن عباس والحسن ومجاهد : أن الحنيفية حج البيت. ( وثانيها ) : أنها اتباع الحق، عن مجاهد. ( وثالثها ) : اتباع إبراهيم في شرائعه التي هي شرائع الإسلام. ( ورابعها ) : إخلاص العمل وتقديره : بل نتبع ملة إبراهيم التي هي التوحيد عن الأصم قال القفال : وبالجملة فالحنيف لقب لمن دان بالإسلام كسائر ألقاب الديانات، وأصله من إبراهيم عليه السلام. 
المسألة الثانية : في نصب حنيفا قولان، ( أحدهما ) : قول الزجاج أنه نصب على الحال من إبراهيم كقولك : رأيت وجه هند قائمة. ( الثاني ) : أنه نصب على القطع أراد بل ملة إبراهيم الحنيف فلما سقطت الألف واللام لم تتبع النكرة المعرفة فانقطع منه فانتصب، قاله نحاة الكوفة. 
أما قوله : وما كان من المشركين  ففيه وجوه، ( أحدها ) : أنه تنبيه على أن في مذهب اليهود والنصارى شركاء على ما بيناه، لأنه تعالى حكى عن بعض اليهود قولهم : عزير ابن الله، والنصارى قالوا : المسيح ابن الله وذلك شرك. ( وثانيها ) : أن الحنيف اسم لمن دان بدين إبراهيم عليه السلام ومعلوم أنه عليه السلام أتى بشرائع مخصوصة، من حج البيت والختان وغيرهما، فمن دان بذلك فهو حنيف، وكانت العرب تدين بهذه الأشياء. ثم كانت تشرك، فقيل من أجل هذا : حنيفا وما كان من المشركين  ونظيره قوله : حنفاء لله غير مشركين به  وقوله : وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون  قال القاضي : الآية تدل على أن للواحد منا أن يحتج على غيره بما يجري مجرى المناقضة لقوله إفحاما له وإن لم يكن ذلك حجة في نفسه لأن من المعلوم أنه عليه السلام لم يكن يحتج على نبوته بأمثال هذه الكلمات بل كان يحتج بالمعجزات الباهرة التي ظهرت عليه لكنه عليه السلام لما كان قد أقام الحجة بها وأزاح العلة ثم وجدهم معاندين مستمرين على باطلهم، فعند ذلك أورد عليهم من الحجة ما يجانس ما كانوا عليه فقال : إن كان الدين بالاتباع فالمتفق عليه وهو ملة إبراهيم عليه السلام أولى بالاتباع، ولقائل أن يقول : اليهود والنصارى إن كانوا معترفين بفضل إبراهيم، ومقرين أن إبراهيم ما كان من القائلين بالتشبيه والتثليث، امتنع أن يقولوا بذلك، بل لا بد وأن يكونوا قائلين بالتنزيه والتوحيد، ومتى كانوا قائلين بذلك لم يكن في دعوتهم إليه فائدة، وإن كانوا منكرين فضل إبراهيم أو كانوا مقرين به، لكنهم أنكروا كونه منكرا للتجسيم والتثليث لم يكن ذلك متفقا عليه فحينئذ لا يصح إلزام القول بأن هذا متفق عليه فكان الأخذ به أولى. 
( والجواب ) : أنه كان معلوما بالتواتر أن إبراهيم عليه السلام ما أثبت الولد لله تعالى فلما صح عن اليهود والنصارى أنهم قالوا بذلك ثبت أن طريقتهم مخالفة لطريقة إبراهيم عليه السلام.

### الآية 2:136

> ﻿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [2:136]

قوله تعالى : قولوا آمنا بالله وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون 
اعلم أنه تعالى لما أجاب بالجواب الجدلي أولا، ذكر بعده جوابا برهانيا في هذه الآية وهو : أن الطريق إلى معرفة نبوة الأنبياء عليهم السلام ظهور المعجز عليهم، ولما ظهر المعجز على يد محمد صلى الله عليه وسلم وجب الاعتراف بنبوته والإيمان برسالته، فإن تخصيص البعض بالقبول وتخصيص البعض بالرد يوجب المناقضة في الدليل وأنه ممتنع عقلا، فهذا هو المراد من قوله : قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا  إلى آخر الآية، وهذا هو الغرض الأصلي من ذكر هذه الآية، فإن قيل : كيف يجوز الإيمان بإبراهيم وموسى وعيسى مع القول بأن شرائعهم منسوخة، قلنا : نحن نؤمن بأن كل واحد من تلك الشرائع كان حقا في زمانه فلا يلزم منا المناقضة، أما اليهود والنصارى لما اعترفوا بنبوة بعض من ظهر المعجز عليه، وأنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم مع قيام المعجز على يده، فحينئذ يلزمهم المناقضة فظهر الفرق، ثم نقول :
المسألة الأولى : أن الله تعالى لما حكى عنهم أنهم قالوا : كونوا هودا أو نصارى  ذكروا في مقابلته للرسول عليه السلام : قل بل ملة إبراهيم  ثم قال لأمته : قولوا آمنا بالله  وهذا قول الحسن وقال القاضي قوله : قولوا آمنا بالله  يتناول جميع المكلفين، أعني النبي عليه السلام وأمته، والدليل عليه وجهان :( أحدهما ) : أن قوله : قولوا  خطاب عام فيتناول الكل. ( الثاني ) : أن قوله : وما أنزل إلينا  لا يليق إلا به صلى الله عليه وسلم، فلا أقل من أن يكون هو داخلا فيه، واحتج الحسن على قوله بوجهين. ( الأول ) : أنه عليه السلام أمر من قبل بقوله : قل بل ملة إبراهيم . ( الثاني ) : أنه في نهاية الشرف، والظاهر إفراده بالخطاب. 
( والجواب ) : أن هذه القرائن وإن كانت محتملة إلا أنها لا تبلغ في القوة إلى حيث تقتضي تخصيص عموم قوله : قولوا آمنا بالله  أما قوله : قولوا آمنا بالله  فإنما قدمه لأن الإيمان بالله أصل الإيمان بالشرائع، فمن لا يعرف الله استحال أن يعرف نبيا أو كتابا. وهذا يدل على فساد مذهب التعليمية والمقلدة القائلين بأن طريق معرفة الله تعالى : الكتاب والسنة. 
أما قوله : والأسباط  قال الخليل : السبط في بني إسرائيل كالقبيلة في العرب، وقال صاحب **«الكشاف »** السبط، الحافد، وكان الحسن والحسين سبطي رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأسباط : الحفدة وهم حفدة يعقوب عليه السلام وذراري أبنائه الإثني عشر. 
أما قوله : لا نفرق بين أحد منهم  ففيه وجهان. ( الأول ) : أنا لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض، فإنا لو فعلنا ذلك كانت المناقضة لازمة على الدليل وذلك غير جائز. ( الثاني ) : لا نفرق بين أحد منهم، أي لا نقول : إنهم متفرقون في أصول الديانات، بل هم مجتمعون على الأصول التي هي الإسلام، كما قال الله تعالى : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه . ( والوجه الأول ) : أليق بسياق الآية. 
أما قوله : ونحن له مسلمون  فالمعنى أن إسلامنا لأجل طاعة الله تعالى لا لأجل الهوى، وإذا كان كذلك فهو يقتضي أنه متى ظهر المعجز وجب الإيمان به، فأما تخصيص بعض أصحاب المعجزات بالقبول، والبعض بالرد، فذلك يدل على أن المقصود من ذلك الإيمان ليس طاعة الله والانقياد له، بل اتباع الهوى والميل.

### الآية 2:137

> ﻿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ۖ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [2:137]

قوله تعالى : فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم . 
اعلم أنه تعالى لما بين الطريق الواضح في الدين، وهو أن يعترف الإنسان بنبوة من قامت الدلالة على نبوته، وأن يحترز في ذلك عن المناقضة : رغبهم في مثل هذا الإيمان فقال : فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا . 
من وجوه ( أحدها ) : أن المقصود منه التثبيت والمعنى : إن حصلوا دينا آخر مثل دينكم ومساويا له في الصحة والسداد فقد اهتدوا، لما استحال أن يوجد دين آخر يساوي هذا الدين في السداد استحال الاهتداء بغيره ونظيره قولك للرجل الذي تشير عليه : هذا هو الرأي والصواب فإن كان عندك رأي أصوب منه فاعمل به وقد علمت أن لا أصوب من رأيك ولكنك تريد تثبيت صاحبك وتوقيفه على أن ما رأيت لا رأي وراءه، وإنما قلنا : إنه يستحيل أن يوجد دين آخر يساوي هذا الدين في السداد لأن هذا الدين مبناه على أن كل من ظهر عليه المعجز وجب الاعتراف بنبوته، وكل ما غاير هذا الدين لا بد وأن يشتمل على المناقضة، والمتناقض يستحيل أن يكون مساويا لغير المتناقض في السداد والصحة. ( وثانيها ) : أن المثل صلة في الكلام قال الله تعالى : ليس كمثله شيء  أي ليس كهو شيء، وقال الشاعر : وصاليات ككما يؤثفين \*\*\*. . . . . 
**وكانت أم الأحنف ترقصه وتقول :**
والله لولا حنف برجله \*\*\* ودقة في ساقه من هزله
ما كان منكم أحد كمثله \*\*\*. . . 
( وثالثها ) : أنكم آمنتم بالفرقان من غير تصحيف وتحريف، فإن آمنوا بمثل ذلك وهو التوراة من غير تصحيف وتحريف فقد اهتدوا لأنهم يتصلون به إلى معرفة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ( ورابعها ) : أن يكون قوله : فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به  أي فإن صاروا مؤمنين بمثل ما به صرتم مؤمنين فقد اهتدوا، فالتمثيل في الآية بين الإيمانين والتصديقين، وروى محمد بن جرير الطبري أن ابن عباس قال : لا تقولوا فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فليس لله مثل ولكن قولوا فإن آمنوا بالذي آمنتم به، قال القاضي : لا وجه لترك القراءة المتواترة من حيث يشكل المعنى ويلبس لأن ذلك إن جعله المرء مذهبا لزمه أن يغير تلاوة كل الآيات المتشابهات وذلك محظور والوجه الأول في الجواب هو المعتمد. 
أما قوله : فقد اهتدوا  فالمراد فقد عملوا بما هدوا إليه وقبلوه، ومن هذا حاله يكون وليا لله داخلا في أهل رضوانه، فالآية تدل على أن الهداية كانت موجودة قبل هذا الاهتداء، وتلك الهداية لا يمكن حملها إلا على الدلائل التي نصبها الله تعالى وكشف عنها وبين وجوه دلالتها، ثم بين على وجه الزجر ما يلحقهم إن تولوا فقال : وإن تولوا فإنما هم في شقاق  وفي الشقاق بحثان :
( البحث الأول ) : قال بعض أهل اللغة : الشقاق مأخوذ من الشق، كأنه صار في شق غير شق صاحبه بسبب العداوة وقد شق عصا المسلمين إذا فرق جماعتهم وفارقها، ونظيره : المحادة وهي أن يكون هذا في حد وذاك في حد آخر، والتعادي مثله لأن هذا يكون في عدوة وذاك في عدوة، والمجانبة أن يكون هذا في جانب وذاك في جانب آخر وقال آخرون : إنه من المشقة لأن كل واحد منهما يحرص على ما يشق على صاحبه ويؤذيه قال الله تعالى : وإن خفتم شقاق بينهما  أي فراق بينهما في الاختلاف حتى يشق أحدهما على الآخر. 
( البحث الثاني ) : قوله : وإن تولوا فإنما هم في شقاق  أي إن تركوا مثل هذا الإيمان فقد التزموا المناقضة والعاقل لا يلتزم المناقضة البتة فحيث التزموها علمنا أنه ليس غرضهم طلب الدين والانقياد للحق وإنما غرضهم المنازعة وإظهار العداوة ثم للمفسرين عبارات. ( أولها ) : قال ابن عباس رضي الله عنهما : فإنما هم في شقاق  في خلاف مذ فارقوا الحق وتمسكوا بالباطل فصاروا مخالفين لله. ( وثانيها ) : قال أبو عبيدة ومقاتل في شقاق. أي في ضلال. ( وثالثها ) : قال ابن زيد في منازعة ومحاربة. ( ورابعها ) : قال الحسن في عداوة قال القاضي : ولا يكاد يقال في المعاداة على وجه الحق أو المخالفة التي لا تكون معصية أنه شقاق وإنما يقال ذلك في مخالفة عظيمة توقع صاحبها في عداوة الله وغضبه ولعنه وفي استحقاق النار فصار هذا القول وعيدا منه تعالى لهم وصار وصفهم بذلك دليلا على أن القوم معادون للرسول مضمرون له السؤال مترصدون لإيقاعه في المحن، فعند هذا آمنه الله تعالى من كيدهم وآمن المؤمنين من شرهم ومكرهم فقال : فسيكفيكهم الله  تقوية لقلبه وقلب المؤمنين لأنه تعالى إذا تكفل بالكفاية في أمر حصلت الثقة به قال المتكلمون : هذا إخبار عن الغيب فيكون معجزا دالا على صدقه وإنما قلنا إنه إخبار عن الغيب وذلك لأنا وجدنا مخبر هذا القول على ما أخبر به لأنه تعالى كفاه شر اليهود والنصارى ونصره عليهم حتى غلبهم المسلمون وأخذوا ديارهم وأموالهم فصاروا أذلاء في أيديهم يؤدون إليهم الخراج والجزية أو لا يقدرون البتة على التخلص من أيديهم وإنما قلنا : إنه معجز لأنه المتخرص لا يصيب في مثل ذلك على التفصيل، قال الملحدون : لا نسلم أن هذا معجز وذلك لأن المعجز هو الذي يكون ناقضا للعادة، وقد جرت العادة بأن كل من كان مبتلى بإيذاء غيره فإنه يقال له : اصبر فإن الله يكفيك شره، ثم قد يقع ذلك تارة ولا يقع أخرى، وإذا كان هذا معتادا فكيف يقال : إنه معجز وأيضا لعله توصل إلى ذلك برؤيا رآها، وذلك مما لا سبيل إلى دفعه، فإن المنجمين يقولون : من كان سهم الغيب في طالعه فإنه يأتي بمثل هذه الأخبار وإن لم يكن نبيا. ( والجواب ) : أنه ليس غرضنا من قولنا أنه معجز أن هذا الإخبار وحده معجز، بل غرضنا أن القرآن يشتمل على كثير من هذا النوع، والإخبار عن الأشياء الكثيرة على سبيل التفصيل مما لا يتأتى من المتخرص الكاذب. 
ثم إنه تعالى لما وعده بالنصرة والمعونة أتبعه بما يدل على أن ما يسرون وما يعلنون من هذا الأمر لا يخفى عليه تعالى فقال : وهو السميع العليم  وفيه وجهان. ( الأول ) : أنه وعيد لهم والمعنى أنه يدرك ما يضمرون ويقولون وهو عليم بكل شيء فلا يجوز لهم أن يقع منهم أمر إلا وهو قادر على كفايته إياهم فيه. ( الثاني ) : أنه وعد للرسول عليه السلام يعني : يسمع دعاءك ويعلم نيتك وهو يستجيب لك ويوصلك إلى مرادك، واحتج الأصحاب بقوله : وهو السميع العليم  على أن سمعه تعالى زائد على علمه بالمسموعات لأن قوله : عليم  بناء مبالغة فيتناول كونه عالم بجميع المعلومات، فلو كان كونه سميعا عبارة عن علمه بالمسموعات لزم التكرار وأنه غير جائز، فوجب أن يكون صفة كونه تعالى سميعا أمرا زائدا على وصفه بكونه عليما والله أعلم بالصواب. 
أما قوله : بمثل ما آمنتم به  ففيه إشكال وهو أن الذي آمن به المؤمنون ليس له مثل، وجوابه قوله تعالى : صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون .

### الآية 2:138

> ﻿صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ [2:138]

قوله تعالى : صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون . 
اعلم أنه تعالى لما ذكر الجواب الثاني وهو أن ذكر ما يدل على صحة هذا الدين ذكر بعده ما يدل على أن دلائل هذا الدين واضحة جلية فقال : صبغة الله  ثم في الآية مسائل :
المسألة الأولى : الصبغ ما يلون به الثياب ويقال : صبغ الثوب يصبغه بفتح الباء وكسرها وضمها ثلاث لغات صبغا بفتح الصاد وكسرها لغتان. ( والصبغة ) فعلة من صبغ كالجلسة من جلس، وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ، ثم اختلفوا في المراد بصبغة الله على أقوال. ( الأول ) : أنه دين الله وذكروا في أنه لم سمي دين الله بصبغة الله وجوها. ( أحدها ) : أن بعض النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون : هو تطهير لهم. وإذا فعل الواحد بولده ذلك قال : الآن صار نصرانيا. فقال الله تعالى : اطلبوا صبغة الله وهي الدين، والإسلام لا صبغتهم، والسبب في إطلاق لفظ الصبغة على الدين طريقة المشاكلة كما تقول لمن يغرس الأشجار وأنت تريد أن تأمره بالكرم : اغرس كما يغرس فلان تريد رجلا مواظبا على الكرم، ونظيره قوله تعالى : إنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم   يخادعون الله وهو خادعهم   ومكروا ومكر الله   وجزاء سيئة سيئة مثلها   إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم . ( وثانيها ) : اليهود تصبغ أولادها يهودا والنصارى تصبغ أولادها نصارى بمعنى يلقونهم فيصبغونهم بذلك لما يشربون في قلوبهم، عن قتادة قال ابن الأنباري : يقال : فلان يصبغ فلانا في الشيء، أي يدخله فيه ويلزمه إياه كما يجعل الصبغ لازما للثواب وأنشد ثعلب :

دع الشر وأنزل بالنجاة تحرزا  إذا أنت لم يصبغك في الشر صابغ( وثالثها ) : سمي الدين صبغة لأن هيئته تظهر بالمشاهدة من أثر الطهارة والصلاة، قال الله تعالى : سيماهم فى وجوههم من أثر السجود  ( ورابعها ) : قال القاضي قوله : صبغة الله  متعلق بقوله : قولوا آمنا بالله  إلى قوله : ونحن له مسلمون  فوصف هذا الإيمان منهم بأنه صبغة الله تعالى ليبين أن المباينة بين هذا الدين الذي اختاره الله، وبين الدين الذي اختاره المبطل ظاهرة جلية، كما تظهر المباينة بين الألوان والأصباغ لذي الحس السليم. ( القول الثاني ) : أن صبغة الله فطرته وهو كقوله : فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله  ومعنى هذا الوجه أن الإنسان موسوم في تركيبه وبنيته بالعجز والفاقة، والآثار الشاهدة عليه بالحدوث والافتقار إلى الخالق فهذه الآثار كالصبغة له وكالسمة اللازمة. قال القاضي : من حمل قوله : صبغة الله  على الفطرة فهو مقارب في المعنى، لقول من يقول : هو دين الله لأن الفطرة التي أمروا بها هو الذي تقتضيه الأدلة من عقل وشرع، وهو الدين أيضا، لكن الدين أظهر لأن المراد على ما بينا هو الذي وصفوا أنفسهم به في قوله  قولوا آمنا بالله  فكأنه تعالى قال في ذلك : إن دين الله الذي ألزمكم التمسك به فالنفع به سيظهر دينا ودنيا كظهور حسن الصبغة، وإذا حمل الكلام على ما ذكرناه لم يكن لقول من يقول : إنما قال ذلك لعادة جارية لليهود والنصارى في صبغ يستعملونه في أولادهم معنى، لأن الكلام إذا استقام على أحسن الوجوه بدونه فلا فائدة فيه ولنذكر الآن بقية أقوال المفسرين :
القول الثالث : أن صبغة الله هي الختان، الذي هو تطهير، أي كما أن المخصوص الذي للنصارى تطهير لهم فكذلك الختان تطهير للمسلمين عن أبي العالية. 
القول الرابع : إنه حجة الله، عن الأصم، وقيل : إنه سنة الله، عن أبي عبيدة، والقول الجيد هو الأول، والله أعلم. 
المسألة الثانية : في نصب صبغة أقوال. ( أحدها ) : أنه بدل من ملة وتفسير لها. ( الثاني ) : اتبعوا صبغة الله. ( الثالث ) : قال سيبويه : إنه مصدر مؤكد فينتصب عن قوله : آمنا بالله  كما انتصب وعد الله عما تقدمه. 
أما قوله : ومن أحسن من الله صبغة  فالمراد أنه يصبغ عباده بالإيمان ويطهرهم به من أوساخ الكفر، فلا صبغة أحسن من صبغته. 
أما قوله تعالى : ونحن له عابدون  فقال صاحب **«الكشاف »** : إنه عطف على : آمنا بالله  وهذا يرد قول من يزعم أن صبغة الله بدل من ملة إبراهيم أو نصب على الإغراء بمعنى عليكم صبغة الله لما فيه من فك النظم وانتصابها على أنها مصدر مؤكد هو الذي ذكره سيبويه، والقول ما قالت حذام.

### الآية 2:139

> ﻿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ [2:139]

قوله تعالى : قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون 
**اعلم أن في الآية مسائل :**
المسألة الأولى : اختلفوا في تلك المحاجة وذكروا وجوها. ( أحدها ) : أن ذلك كان قولهم أنهم أولى بالحق والنبوة لتقدم النبوة فيهم والمعنى : أتجادلوننا في أن الله اصطفى رسول من العرب لا منكم وتقولون : لو أنزل الله على أحد لأنزل عليكم، وترونكم أحق بالنبوة منا. ( وثانيها ) : قولهم : نحن أحق بالإيمان من العرب الذين عبدوا الأوثان. ( وثالثها ) : قولهم ؛  نحن أبناء الله وأحباؤه  وقولهم : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى  وقولهم : كونوا هودا أو نصارى تهتدوا  عن الحسن. ( ورابعها ) : أتحاجوننا في الله  أي : أتحاجوننا في دين الله. 
المسألة الثانية : هذه المحاجة كانت مع من ؟ ذكروا فيه وجوها. ( أحدها ) : أنه خطاب لليهود والنصارى. ( وثانيها ) : أنه خطاب مع مشركي العرب حيث قالوا : لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم  والعرب كانوا مقرين بالخالق. ( وثالثها ) : أنه خطاب مع الكل، والقول الأول أليق بنظم الآية. 
أما قوله : وهو ربنا وربكم  ففيه وجهان. ( الأول ) : أنه أعلم بتدبير خلقه وبمن يصلح للرسالة وبمن لا يصلح لها، فلا تعترضوا على ربكم، فإن العبد ليس له أن يعترض على ربه، بل يجب عليه تفويض الأمر بالكلية له. ( الثاني ) : أنه لا نسبة لكم إلى الله تعالى إلا بالعبودية، وهذه النسبة مشتركة بيننا وبينكم، فلم ترجحون أنفسكم علينا، بل الترجيح من جانبنا لأنا مخلصون له في العبودية، ولستم كذلك، وهو المراد بقوله : ونحن له مخلصون  وهذا التأويل أقرب. 
أما قوله تعالى : وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم  فالمراد منه النصيحة في الدين كأنه تعالى قال لنبيه : قل لهم هذا القول على وجه الشفقة والنصيحة، أي لا يرجع إلى من أفعالكم القبيحة ضرر حتى يكون المقصود من هذا القول دفع ذلك الضرر وإنما المراد نصحكم وإرشادكم إلى الأصلح، وبالجملة فالإنسان إنما يكون مقبول القول إذا كان خاليا عن الأغراض الدنيوية، فإذا كان لشيء من الأغراض لم ينجع قوله في القلب البتة فهذا هو المراد فيكون فيه من الردع والزجر ما يبعث على النظر وتحرك الطباع على الاستدلال وقبول الحق، وأما معنى الإخلاص فقد تقدم.

### الآية 2:140

> ﻿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ۗ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [2:140]

قوله تعالى : أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كنتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون  اعلم أن في الآية مسألتين :
المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم : أم تقولون  بالتاء على المخاطبة كأنه قال : أتحاجوننا أم تقولون، والباقون بالياء على أنه إخبار عن اليهود والنصارى فعلى الأول يحتمل أن تكون ( أم ) متصلة وتقديره : بأي الحجتين تتعلقون في أمرنا، أبالتوحيد فنحن موحدون، أم باتباع دين الأنبياء فنحن متبعون ؟ وأن تكون منقطعة بمعنى : بل أتقولون والهمزة للإنكار أيضا، وعلى الثاني تكون منقطعة لانقطاع معناه بمعنى الانقطاع إلى حجاج آخر غير الأول، كأنه قيل : أتقولون إن الأنبياء كانوا قبل نزول التوراة والإنجيل هودا أو نصارى. 
المسألة الثانية : إنما أنكر الله تعالى ذلك القول عليهم لوجوه. ( أحدها ) : لأن محمدا صلى الله عليه وسلم ثبتت نبوته بسائر المعجزات، وقد أخبر عن كذبهم في ذلك فثبت لا محالة كذبهم فيه. ( وثانيها ) : شهادة التوراة والإنجيل على أن الأنبياء كانوا على التوحيد والحنيفية. ( وثالثها ) : أن التوراة والإنجيل أنزلا بعدهم. ( ورابعها ) : أنهم ادعوا ذلك من غير برهان فوبخهم الله تعالى على الكلام في معرض الاستفهام على سبيل الإنكار والغرض منه الزجر والتوبيخ وأن يقرر الله في نفوسهم أنهم يعلمون أنهم كانوا كاذبين فيما يقولون. 
أما قوله تعالى : قل أأنتم أعلم أم الله  فمعناه أن الله أعلم وخبره أصدق وقد أخبر في التوراة والإنجيل وفي القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا مسلمين مبرئين عن اليهودية والنصرانية. فإن قيل : إنما يقال هذا فيمن لا يعلم وهم علموه وكتموه فكيف يصح الكلام ؟ قلنا : من قال : إنهم كانوا على ظن وتوهم فالكلام ظاهر ومن قال : علموا وجحدوا فمعناه أن منزلتكم منزلة المعترضين على ما يعلم أن الله أخبر به فلا ينفعه ذلك مع إقراره بأن الله أعلم. 
أما قوله : ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله  ففيه ثلاثة أوجه. ( أحدها ) : أن في الآية تقديما وتأخيرا والتقدير : ومن أظلم عند الله ممن كتم شهادة حصلت عنده كقولك : ومن أظلم من زيد من جملة الكاتمين للشهادة والمعنى. لو كان إبراهيم وبنوه هود أو نصارى، ثم إن الله كتم هذه الشهادة لم يكن أحد ممن يكتم شهادة أظلم منه لكن لما استحال ذلك مع عدله وتنزهه عن الكذب، علمنا أنه ليس الأمر كذلك. ( وثانيها ) : ومن أظلم منكم معاشر اليهود والنصارى إن كتمتم هذه الشهادة من الله فمن في قوله : من الله  تتعلق بالكاتم على القول الأول وبالمكتوم منه على القول الثاني كأنه قال : ومن أظلم ممن عنده شهادة فلم يقمها عند الله بل كتمها وأخفاها. ( وثالثها ) : أن يكون : من  في قوله : من الله  صلة الشهادة والمعنى : ومن أظلم ممن كتم شهادة جاءته من عند الله فجحدها كقول الرجل لغيره عندي شهادة منك، أي شهادة سمعتها منك وشهادة جاءتني من جهتك ومن عندك. 
أما قوله : وما الله بغافل عما تعملون  فهو الكلام الجامع لكل وعيد، ومن تصور أنه تعالى عالم بسره وإعلانه ولا يخفى عليه خافية أنه من وراء مجازاته إن خيرا فخير وإن شرا فشر لا يمضي عليه طرفة عين إلا وهو حذر خائف ألا ترى أن أحدنا لو كان عليه رقيب من جهة سلطان يعد عليه الأنفاس لكان دائم الحذر والوجل مع أن ذلك الرقيب لا يعرف إلا الظاهر، فكيف بالرب الرقيب الذي يعلم السر وأخفى إذا هدد وأوعد بهذا الجنس من القول.

### الآية 2:141

> ﻿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [2:141]

قوله تعالى : تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون 
اعلم أنه تعالى لما حاج اليهود في هؤلاء الأنبياء عقبه بهذه الآية لوجوه. ( أحدها ) : ليكون وعظا لهم وزجرا حتى لا يتكلوا على فضل الآباء فكل واحد يؤخذ بعمله. ( وثانيها ) : أنه تعالى بين أنه متى لا يستنكر أن يكون فرضكم عين فرضهم لاختلاف المصالح لم يستنكر أن تختلف المصالح فينقلكم محمد صلى الله عليه وسلم من ملة إلى ملة أخرى. ( وثالثها ) : أنه تعالى لما ذكر حسن طريقة الأنبياء الذين ذكرهم في هذه الآيات بين أن الدليل لا يتم بذلك بل كل إنسان مسئول عن عمله، ولا عذر له في ترك الحق بأن توهم أنه متمسك بطريقة من تقدم، لأنهم أصابوا أم أخطئوا لا ينفع هؤلاء ولا يضرهم لئلا يتوهم أن طريقة الدين التقليد، فإن قيل لم كررت الآية ؟ قلنا فيه قولان ( أحدهما ) : أنه عنى بالآية الأولى إبراهيم ومن ذكر معه، والثانية أسلاف اليهود. قال الجبائي قال القاضي : هذا بعيد لأن أسلاف اليهود والنصارى لم يجر لهم ذكر مصرح وموضع الشبهة في هذا القول أن القوم لما قالوا في إبراهيم وبنيه إنهم كانوا هودا فكأنهم قالوا : إنهم كانوا على مثل طريقة أسلافنا من اليهود فصار سلفهم في حكم المذكورين فجاز أن يقول : تلك أمة قد خلت  ويعينهم ولكن ذلك كالتعسف بل المذكور السابق هو إبراهيم وبنوه فقوله : تلك أمة  يجب أن يكون عائدا إليهم، والقول الثاني : أنه متى اختلفت الأوقات والأحوال والمواطن لم يكن التكرار عبثا فكأنه تعالى قال : ما هذا إلا بشر فوصف هؤلاء الأنبياء فيما أنتم عليه من الدين لا يسوغ التقليد في هذا الجنس فعليكم بترك الكلام في تلك الأمة فلها ما كسبت وانظروا فيما دعاكم إليه محمد صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك أنفع لكم وأعود عليكم ولا تسألون إلا عن عملكم.

### الآية 2:142

> ﻿۞ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [2:142]

قوله تعالى : سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم 
اعلم أن هذا هو الشبهة الثانية من الشبه التي ذكرها اليهود والنصارى طعنا في الإسلام فقالوا : النسخ يقتضي إما الجهل أو التجهيل، وكلاهما لا يليق بالحكيم، وذلك لأن الأمر إما أن يكون خاليا عن القيد، وإما أن يكون مقيدا بلا دوام، وإما أن يكون مقيدا بقيد الدوام، فإن كان خاليا عن القيد لم يقتضي الفعل إلا مرة واحدة، فلا يكون ورود الأمر بعد ذلك على خلافه ناسخا وإن كان مقيدا بقيد اللادوام فههنا ظاهر أن الوارد بعده على خلافه لا يكون ناسخا له، وإن كان مقيدا بقيد الدوام فإن كان الأمر يعتقد فيه أنه يبقى دائما مع أنه ذكر لفظا يدل على أنه يبقى دائما ثم إنه رفعه بعد ذلك، فههنا كان جاهلا ثم بدا له ذلك، وإن كان عالما بأنه لا يبقى دائما مع أنه ذكر لفظا يدل على أنه يبقى دائما كان ذلك تجهيلا فثبت أن النسخ يقتضي إما الجهل أو التجهيل وهما محالان على الله تعالى، فكان النسخ منه محالا، فالآتي بالنسخ في أحكام الله تعالى يجب أن يكون مبطلا فبهذا الطريق توصلوا بالقدح في نسخ القبلة إلى الطعن في الإسلام، ثم إنهم خصصوا هذه الصورة بمزيد شبهة فقالوا : إنا إذا جوزنا النسخ إنما نجوزه عند اختلاف المصالح وههنا الجهات متساوية في أنها لله تعالى ومخلوقة له فتغيير القبلة من جانب فعل خال عن المصلحة فيكون عبثا والعبث لا يليق بالحكيم، فدل هذا على أن هذا التغيير ليس من الله تعالى، فتوصلوا بهذا الوجه إلى الطعن في الإسلام، ولنتكلم الآن في تفسير الألفاظ ثم لنذكر الجواب عن هذه الشبهة على الوجه الذي قرره الله تعالى في كتابه الكريم. 
أما قوله : سيقول السفهاء  ففيه قولان :( الأول ) وهو اختيار القفال : أن هذا اللفظ وإن كان للمستقبل ظاهرا لكنه قد يستعمل في الماضي أيضا، كالرجل يعمل عملا فيطعن فيه بعض أعدائه فيقول : أنا أعلم أنهم سيطعنون علي فيما فعلت، ومجاز هذا أن يكون القول فيما يكرر ويعاد، فإذا ذكروه مرة فسيذكرونه بعد ذلك مرة أخرى، فصح على هذا التأويل أن يقال : سيقول السفهاء من الناس ذلك، وقد وردت الأخبار أنهم لما قالوا ذلك نزلت الآية. ( القول الثاني ) : إن الله تعالى أخبر عنهم قبل أن ذكروا هذا الكلام أنهم سيذكرونه وفيه فوائد. ( أحدها ) : أنه عليه الصلاة والسلام إذا أخبر عن ذلك قبل وقوعه، كان هذا إخبارا عن الغيب فيكون معجزا. ( وثانيها ) : أنه تعالى إذا أخبر عن ذلك أولا ثم سمعه منهم، فإنه يكون تأذية من هذا الكلام أقل مما إذا سمعه منهم أولا. ( وثالثها ) : أن الله تعالى إذا أسمعه ذلك أولا ثم ذكر جوابه معه فحين يسمعه النبي عليه الصلاة والسلام منهم يكون الجواب حاضرا، فكان ذلك أولى مما إذا سمعه ولا يكون الجواب حاضرا، وأما السفه في أصل اللغة فقد شرحناه في تفسير قوله تعالى :
 قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء  وبالجملة فإن من لا يميز بين ما له وعليه، ويعدل عن طريق منافعه إلى ما يضره، يوصف بالخفة والسفه، ولا شك أن الخطأ في باب الدين أعظم مضرة منه في باب الدنيا فإذا كان العادل عن الرأي الواضح في أمر دنياه يعد سفيها، فمن يكون كذلك في أمر دينه كان أولى بهذا الاسم فلا كافر إلا وهو سفيه فهذا اللفظ يمكن حمله على اليهود، وعلى المشركين وعلى المنافقين، وعلى جملتهم، ولقد ذهب إلى كل واحد من هذه الوجوه قوم من المفسرين. ( فأولها ) : قال ابن عباس ومجاهد : هم اليهود، وذلك لأنهم كانوا يأتسون بموافقة الرسول لهم في القبلة، وكانوا يظنون أن موافقته لهم في القبلة ربما تدعوه إلى أن يصير موافقا لهم بالكلية، فلما تحول عن تلك القبلة استوحشوا من ذلك واغتموا وقالوا : قد عاد إلى طريقة آبائه، واشتاق إلى دينهم، ولو ثبت على قبلتنا لعلمنا أنه الرسول المنتظر المبشر به في التوراة، فقالوا : ما حكى الله عنهم في هذه الآية. ( وثانيها ) : قال ابن عباس والبراء بن عازب والحسن والأصم، إنهم مشركو العرب، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام كان متوجها إلى بيت المقدس حين كان بمكة، والمشركون كانوا يتأذون منه بسبب ذلك فلما جاء إلى المدينة وتحول إلى الكعبة قالوا : أبى إلا الرجوع إلى موافقتنا، ولو ثبت عليه لكان أولى به. ( وثالثها ) : أنهم المنافقون وهو قول السدي، وهؤلاء إنما ذكروا ذلك استهزاء من حيث لا يتميز بعض الجهات عن بعض بخاصية معقولة تقتضي تحويل القبلة إليها، فكان هذا التحويل مجرد العبث والعمل بالرأي والشهوة، وإنما حملنا لفظ السفهاء على المنافقين لأن هذا الاسم مختص بهم، قال الله تعالى : ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون  ( ورابعها ) : أنه يدخل فيه الكل لأن لفظ السفهاء لفظ عموم دخل فيه الألف واللام، وقد بينا صلاحيته لكل الكفار بحسب الدليل العقلي والنص أيضا يدل عليه وهو قوله : ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه  فوجب أن يتناول الكل. قال القاضي : المقصود من الآية بيان وقوع هذا الكلام منهم في الجملة وإذا كان كذلك لم يكن ادعاء العموم فيه بعيدا قلنا : هذا القدر لا ينافي العموم ولا يقتضي تخصيصه بل الأقرب أن يكون الكل قد قال ذلك لأن الأعداء مجبولون على القدح والطعن فإذا وجدوا مجالا لم يتركوا مقالا البتة. 
أما قوله تعالى : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : ولاه عنه صرفه عنه وولى إليه بخلاف ولى عنه ومنه قوله : ومن يولهم يومئذ دبره  وقوله : ما ولاهم  استفهام على جهة الاستهزاء والتعجب. 
المسألة الثانية : في هذا التولي وجهان. ( الأول ) : وهو المشهور المجمع عليه عند المفسرين : أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة من بيت المقدس عاب الكفار المسلمين فقالوا : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها فالضمير في قوله : ما ولاهم  للرسول والمؤمنين والقبلة التي كانوا عليها هي بيت المقدس، واختلفت الروايات في أنه عليه الصلاة والسلام متى حول القبلة بعد ذهابه إلى المدينة فعن أنس بن مالك رضي الله عنه بعد تسعة أشهر أو عشرة أشهر، وعن معاذ بعد ثلاثة عشر شهرا وعن قتادة بعد ستة عشر شهرا وعن ابن عباس والبراء بن عازب بعد سبعة عشر شهرا، وهذا القول أثبت عندنا من سائر الأقوال وعن بعضهم ثمانية عشر شهرا من مقدمه، قال الواقدي : صرفت القبلة يوم الاثنين النصف من رجب على رأس سبعة عشر شهرا، وقال آخرون : بل سنتان. ( الوجه الثاني ) : قول أبي مسلم وهو أنه لما صح الخبر بأن الله تعالى حوله عن بيت المقدس إلى الكعبة وجب القول به، ولولا ذلك لاحتمل لفظ الآية أن يراد بقوله كانوا عليها، أي السفهاء كانوا عليها فإنهم كانوا لا يعرفون إلا قبلة اليهود وقبلة النصارى، فالأولى إلى المغرب والثانية إلى المشرق، وما جرت عادتهم بالصلاة حتى يتوجهوا إلى شيء من الجهات فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم متوجها نحو الكعبة كان ذلك عندهم مستنكرا، فقالوا : كيف يتوجه أحد إلى هاتين الجهتين المعروفتين، فقال الله تعالى رادا عليهم  قل لله المشرق والمغرب  واعلم أن أبا مسلم صدق فإنه لولا الروايات الظاهرة لكان هذا القول محتملا والله أعلم. 
المسألة الثالثة : قال القفال : القبلة هي الجهة التي يستقبلها الإنسان، وهي من المقابلة، وإنما سميت القبلة قبلة لأن المصلي يقابلها وتقابله، وقال قطرب : يقولون في كلامهم ليس لفلان قبلة، أي ليس له جهة يأوي إليها، وهو أيضا مأخوذ من الاستقبال، وقال غيره : إذ تقابل الرجلان فكل واحد منهما قبلة للآخر، وقال بعض المحدثين :
جعلت مأواك لي قرارا \*\*\* وقبلة حيثما لجأت
أما قوله تعالى : قل لله المشرق والمغرب  فاعلم أن هذا هو الجواب الأول عن تلك الشبهة، وتقريره أن الجهات كلها لله ملكا وملكا، فلا يستحق شيء منها لذاته أن يكون قبلة، بل إنما تصير قبلة لأن الله تعالى جعلها قبلة، وإذا كان الأمر كذلك فلا اعتراض عليه بالتحويل من جهة إلى جهة أخرى، فإن قيل : ما الحكمة أولا في تعيين القبلة ؟ ثم ما الحكمة في تحويل القبلة من جهة إلى جهة ؟ قلنا : أما المسألة الأولى ففيها الخلاف الشديد بين أهل السنة والمعتزلة، أما أهل السنة فإنهم يقولون : لا يجب تعليل أحكام الله تعالى البتة، واحتجوا عليه بوجوه. ( أحدها ) : أن كل من فعل فعلا لغرض، فإما أن يكون وجود ذلك الغرض أولى له من لا وجوده، وإما أن لا يكون كذلك، بل الوجود والعدم بالنسبة إليه سيان، فإن كان الأول، كان ناقصا لذاته مستكملا بغيره، وذلك على الله محال، وإن كان الثاني استحال أن يكون غرضا ومقصودا ومرجحا فإن قيل : إنه وإن كان وجوده وعدمه بالنسبة إليه على السوية إلا أن وجوده لما كان أنفع للغير من عدمه، فالحكيم يفعله ليعود النفع إلى الغير قلنا : عود النفع إلى الغير ولا عوده إليه، هل هما بالنسبة إلى الله تعالى على السواء، أو ليس الأمر كذلك، وحينئذ يعود التقسيم. ( وثانيها ) : أن كل من فعل فعلا لغرض فإما أن يكون قادرا على تحصيل ذلك الغرض من دون تلك الواسطة، أو لا يكون قادرا عليه. فإن كان الأول كان توسط تلك الواسطة عبثا، وإن كان الثاني كان عجزا وهو على الله محال. ( وثالثها ) : أنه تعالى إن فعل فعلا لغرض فذلك الغرض وإن كان قديما لزم من قدمه قدم الفعل وهو محال، وإن كان محدثا توقف إحداثه على غرض آخر، ولزم الدور أو التسلسل وهو محال. ( ورابعها ) : أن تخصيص إحداث العالم بوقت معين دون ما قبله وما بعده إن كان لحكمة اختص بها ذلك الوقت دون ما قبله وما بعده كان طلب العلة في أنه لم حصلت تلك الحكمة في ذلك الوقت دون سائر الأوقات كطلب العلة في أنه لم حصل العالم في ذلك الوقت دون سائر الأوقات، فإن استغنى أحدهما عن المرجح فكذا الآخر، وإن افتقر فكذا الآخر وإن لم يتوقف ذلك على الحكمة فقد بطل توقيف فاعلية الله على الحكمة والغرض. ( وخامسها ) : ما سبق من الدلائل على أن جميع الكائنات من الخير والشر، والكفر والإيمان، والطاعة والعصيان واقع بقدرة الله تعالى وإرادته، وذلك يبطل القول بالغرض، لأنه يستحيل أن يكون لله غرض يرجع إلى العبد في خلق الكفر فيه وتعذيبه عليه أبد الآباد. ( وسادسها ) : أن تعلق قدرة الله تعالى وإرادته بإيجاد الفعل المعين في الأزل، إما أن يكون جائزا أو واجبا، فإن كان جائزا افتقر إلى مؤثر آخر ويلزم التسلسل، ولأنه يلزم صحة العدم على القديم، وإن كان واجبا فالواجب لا يعلل فثبت عندنا بهذه الوجوه أن تعليل أفعال الله وأحكامه بالدواعي والأغراض محال، وإذا كان كذلك كانت فاعليته بمحض الإلهية والقدرة والنفاذ والاستيلاء، وهذا هو الذي دل عليه صريح قوله تعالى : قل لله المشرق والمغرب  فإنه علل جواز النسخ بكونه مالكا للمشرق والمغرب، والملك يرجع حاصله إلى القدرة، ولم يعلل ذلك بالحكمة على ما تقوله المعتزلة، فثبت أن هذه الآية دالة بصريحها على قولنا ومذهبنا، أما المعتزلة فقد قالوا : لما دلت الدلائل على أنه تعالى حكيم، والحكيم لا يجوز أن تكون أفعاله خالية عن الأغراض، علمنا أن له سبحانه في كل أفعال

### الآية 2:143

> ﻿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [2:143]

قوله تعالى : وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا . 
**اعلم أن في هذه الآية مسائل :**
المسألة الأولى : الكاف في  كذلك  كاف التشبيه، والمشبه به أي شيء هو ؟ وفيه وجوه. ( أحدها ) : أنه راجع إلى معنى يهدي، أي كما أنعمنا عليكم بالهداية، كذلك أنعمنا عليكم بأن جعلناكم أمة وسطا. ( وثانيها ) : قول أبي مسلم تقريره كما هديناكم إلى قبلة هي أوسط القبل وكذلك جعلناكم أمة وسطا. ( وثالثها ) : أنه عائد إلى ما تقدم من قوله في حق إبراهيم عليه السلام : ولقد اصطفيناه في الدنيا  أي فكما اصطفيناه في الدنيا فكذلك جعلناكم أمة وسطا. ( ورابعها ) : يحتمل عندي أن يكون التقدير : ولله المشرق والمغرب  فهذه الجهات بعد استوائها في كونها ملكا لله وملكا له، خص بعضها بمزيد التشريف والتكريم بأن جعله قبلة فضلا منه وإحسانا فكذلك العباد كلهم مشتركون في العبودية إلا أنه خص هذه الأمة بمزيد الفضل والعبادة فضلا منه وإحسانا لا وجوبا. ( وخامسها ) : أنه قد يذكر ضمير الشيء وإن لم يكن المضمر مذكورا إذا كان المضمر مشهورا معروفا كقوله تعالى : إنا أنزلناه في ليلة القدر  ثم من المشهور المعروف عند كل أحد أنه سبحانه هو القادر على إعزاز من شاء وإذلال من شاء فقوله : وكذلك جعلناكم  أي ومثل ذلك الجعل العجيب الذي لا يقدر عليه أحد سواه جعلناكم أمة وسطا. 
المسألة الثانية : اعلم أنه إذا كان الوسط اسما حركت الوسط كقوله : أمة وسطا  والظرف مخفف تقول : جلست وسط القوم، واختلفوا في تفسير الوسط وذكروا أمورا. ( أحدها ) : أن الوسط هو العدل والدليل عليه الآية والخبر والشعر والنقل والمعنى، أما الآية فقوله تعالى : قال أوسطهم  أي أعدلهم، وأما الخبر فما روى القفال عن الثوري عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم :( أمة وسطا قال عدلا ) وقال عليه الصلاة والسلام :( خير الأمور أوسطها ) أي أعدلها، وقيل : كان النبي صلى الله عليه وسلم أوسط قريش نسبا، وقال عليه الصلاة والسلام :( عليكم بالنمط الأوسط ) وأما الشعر فقول زهير :

هم وسط يرضى الأنام بحكمهم  إذا نزلت إحدى الليالي العظائموأما النقل فقال الجوهري في **«الصحاح »** : وكذلك جعلناكم أمة وسطا  أي عدلا وهو الذي قاله الأخفش والخليل وقطرب، وأما المعنى فمن وجوه. ( أحدها ) : أن الوسط حقيقة في البعد عن الطرفين ولا شك أن طرفي الإفراط والتفريط رديئان فالمتوسط في الأخلاق يكون بعيدا عن الطرفين فكان معتدلا فاضلا. ( وثانيها ) : إنما سمي العدل وسطا لأنه لا يميل إلى أحد الخصمين، والعدل هو المعتدل الذي لا يميل إلى أحد الطرفين. ( وثالثها ) : لا شك أن المراد بقوله : وكذلك جعلناكم أمة وسطا  طريقة المدح لهم لأنه لا يجوز أن يذكر الله تعالى وصفا ويجعله كالعلة في أن جعلهم شهودا له ثم يعطف على ذلك شهادة الرسول إلا وذلك مدح فثبت أن المراد بقوله :( وسطا ) ما يتعلق بالمدح في باب الدين، ولا يجوز أن يمدح الله الشهود حال حكمه عليهم بكونهم شهودا إلا بكونهم عدولا، فوجب أن يكون المراد في الوسط العدالة. ( ورابعها ) : أن أعدل بقاع الشيء وسطه، لأن حكمه مع سائر أطرافه على سواء وعلى اعتدال، والأطراف يتسارع إليها الخلل والفساد والأوسط محمية محوطة فلما صح ذلك في الوسط صار كأنه عبارة عن المعتدل الذي لا يميل إلى جهة دون جهة. 
( القول الثاني ) : أن الوسط من كل شيء خياره قالوا : وهذا التفسير أولى من الأول لوجوه :( الأول ) : أن لفظ الوسط يستعمل في الجمادات قال صاحب **«الكشاف »** : اكتريت جملا من أعرابي بمكة للحج فقال : أعطني من سطا تهنة أراد من خيار الدنانير ووصف العدالة لا يوجد في الجمادات فكان هذا التفسير أولى. ( الثاني ) : أنه مطابق لقوله تعالى : كنتم خير أمة أخرجت للناس . 
( القول الثالث ) : أن الرجل إذا قال : فلان أوسطنا نسبا فالمعنى أنه أكثر فضلا وهذا وسط فيهم كواسطة القلادة، وأصل هذا أن الاتباع يتحوشون الرئيس فهو في وسطهم وهم حوله فقيل وسط لهذا المعنى. 
( القول الرابع ) : يجوز أن يكونوا وسطا على معنى أنهم متوسطون في الدين بين المفرط والمفرط والغالي والمقصر في الأشياء لأنهم لم يغلوا كما غلت النصارى فجعلوا ابنا وإلها ولا قصروا كتقصير اليهود في قتل الأنبياء وتبديل الكتب وغير ذلك مما قصروا فيه. 
واعلم أن هذه الأقوال متقاربة غير متنافية والله أعلم. 
المسألة الثالثة : احتج الأصحاب بهذه الآية على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى لأن هذه الآية دالة على أن عدالة هذه الأمة وخيريتهم بجعل الله وخلقه وهذا صريح في المذهب، قالت المعتزلة : المراد من هذا الجعل فعل الألطاف التي علم الله تعالى أنه متى فعلها لهذه الأمة اختاروا عندها الصواب في القول والعمل، أجاب الأصحاب عنه من وجوه. ( الأول ) : أن هذا ترك للظاهر وذلك مما لا يصار إليه إلا عند قيام الدلائل على أنه لا يمكن حمل الآية على ظاهرها، لكنا قد بينا أن الدلائل العقلية الباهرة ليست إلا معنا، أقصى ما للمعتزلة في هذا الباب التمسك بفصل المدح والذم والثواب والعقاب، وقد بينا مرارا كثيرة أن هذه الطريقة منتقضة على أصولهم بمسألة العلم ومسألة الداعي، والكلام المنقوض لا التفات إليه البتة ( الوجه الثاني ) : أنه تعالى قال قبل هذه الآية : يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم  وقد بينا دلالة هذه الآية على قولنا في أنه تعالى يخص البعض بالهداية دون البعض، فهذه الآية يجب أن تكون محمولة على ذلك لتكون كل واحدة منهما مؤكدة لمضمون الأخرى. ( الوجه الثالث ) : أن كل ما في مقدور الله تعالى من الألطاف في حق الكل فقد فعله، وإذا كان كذلك لم يكن لتخصيص المؤمنين بهذا المعنى فائدة. ( الوجه الرابع ) : وهو أن الله تعالى ذكر ذلك في معرض الامتنان على هذه الأمة وفعل اللطف واجب والواجب لا يجوز ذكره في معرض الامتنان. 
المسألة الرابعة : احتج جمهور الأصحاب وجمهور المعتزلة بهذه الآية على أن إجماع الأمة حجة فقالوا : أخبر الله تعالى عن عدالة هذه الأمة وعن خيريتهم فلو أقاموا على شيء من المحظورات لما اتصفوا بالخيرية وإذا ثبت أنهم لا يقدمون على شيء من المحظورات وجب أن يكون قولهم حجة، فإن قيل : الآية متروكة الظاهر، لأن وصف الأمة بالعدالة يقتضي اتصاف كل واحد منهم بها وخلاف ذلك معلوم بالضرورة، فلابد من حملها على البعض فنحن نحملها على الأئمة المعصومين، سلمنا أنها ليست متروكة الظاهر لكن لا نسلم أن الوسط من كل شيء خياره والوجوه التي ذكرتموها معارضة بوجهين ( الأول ) : أن عدالة الرجل عبارة عن أداء الواجبات واجتناب المحرمات وهذا من فعل العبد وقد أخبر الله تعالى أن جعلهم وسطا فاقتضى ذلك أن كونهم وسطا من فعل الله تعالى، وذلك يقتضي أن يكون كونهم وسطا غير كونهم عدولا وإلا لزم وقوع مقدور واحد بقادرين وهو محال. ( الثاني ) : أن الوسط اسم لما يكون متوسطا بين شيئين، فجعله حقيقة في العدالة والخيرية يقتضي الاشتراك وهو خلاف الأصل، سلمنا اتصافهم بالخيرية ولكن لم لا يكفي في حصول هذا الوصف الاجتناب عن الكبائر فقط، وإذا كان كذلك احتمل أن الذي أجمعوا عليه وإن كان خطأ لكنه من الصغائر فلا يقدح ذلك في خيريتهم، ومما يؤكد هذا الاحتمال أنه تعالى حكم بكونهم عدولا ليكونوا شهداء على الناس وفعل الصغائر لا يمنع الشهادة، سلمنا اجتنابهم عن الصغائر والكبائر ولكن الله تعالى بين أن اتصافهم بذلك إنما كان لكونهم شهداء على الناس معلوم أن هذه الشهادة إنما تتحقق في الآخرة فيلزم وجوب تحقق عدالتهم هناك لأن عدالة الشهود إنما تعتبر حالة الأداء لا حالة التحمل، وذلك لا نزاع فيه، لأن الأمة تصير معصومة في الآخرة فلم قلت إنهم في الدنيا كذلك ؟ سلمنا وجوب كونهم عدولا في الدنيا لكن المخاطبين بهذا الخطاب هم الذين كانوا موجودين عند نزول هذه الآية لأن الخطاب مع من لم يوجد محال وإذا كان كذلك فهذه الآية تقتضي عدالة أولئك الذين كانوا موجودين في ذلك الوقت ولا تقتضي عدالة غيرهم، فهذه الآية تدل على أن إجماع أولئك حق فيجب أن لا نتمسك بالإجماع إلا إذا علمنا حصول قول كل أولئك فيه لكن ذلك لا يمكن إلا إذا علمنا كل واحد من أولئك الأقوام بأعيانهم وعلمنا بقاء كل واحد منهم إلى ما بعد وفاة محمد صلى الله عليه وسلم وعلمنا حصول أقوالهم بأسرهم في ذلك الإجماع ولما كان ذلك كالمتعذر امتنع التمسك بالإجماع. 
( والجواب عن قوله الآية متروكة الظاهر ) قلنا : لا نسلم فإن قوله : وكذلك جعلناكم أمة وسطا  يقتضي أنه تعالى جعل كل واحد منهم عند اجتماعه مع غيره بهذه الصفة، وعندنا أنهم في كل أمر اجتمعوا عليه فإن كل واحد منهم يكون عدلا في ذلك الأمر، بل إذا اختلفوا فعند ذلك قد يفعلون القبيح، وإنما قلنا إن هذا خطاب معهم حال الاجتماع، لأن قوله : جعلناكم  خطاب لمجموعهم لا لكل واحد منهم وحده، على أن وإن سلمنا أن هذا يقتضي كون كل واحد منهم عدلا لكنا نقول ترك العمل به في حق البعض لدليل قام عليه فوجب أن يبقى معمولا به في حق الباقي وهذا معنى ما قال العلماء : ليس المراد من الآية أن كلهم كذلك، بل المراد أنه لا بد وأن يوجد فيما بينهم من يكون بهذه الصفة، فإذا كنا لا نعلم بأعيانهم افتقرنا إلى اجتماع جماعتهم على القول والفعل، لكي يدخل المعتبرون في جملتهم، مثاله : أن الرسول عليه الصلاة والسلام إذا قال إن واحدا من أولاد فلان لا بد وإن يكون مصيبا في الرأي والتدبير فإذا لم نعلمه بعينه ووجدنا أولاده مجتمعين على رأي علمناه حقا لأنه لا بد وأن يوجد فيهم ذلك المحق، فأما إذا اجتمعوا سوى الواحد على رأي لم نحكم بكونه حقا لتجويز أن يكون الصواب مع ذلك الواحد الذي خالف، ولهذا قال كثير من العلماء : إنا لو ميزنا في الأمة من كان مصيبا عمن كان مخطئا كانت الحجة قائمة في قول المصيب ولم نعتبر البتة بقول المخطئ قوله : لو كان المراد من كونهم وسطا هو المراد من عدالتهم، لزم أن يكون فعل العبد خلقا لله تعالى قلنا : هذا مذهبنا على ما تقدم بيانه، قوله : لم قلتم أن إخبار الله تعالى عن عدالتهم وخيريتهم يقتضي اجتنابهم عن الصغائر ؟ قلنا : خبر الله تعالى صدق، والخبر الصدق يقتضي حصول المخبر عنه، وفعل الصغيرة ليس بخير، فالجمع بينهما متناقض، ولقائل أن يقول : الإخبار عن الشخص بأنه خير أعم من الإخبار عنه بأنه خير في جميع الأمور، أو في بعض الأمور، ولذلك فإنه يصح تقسيمه إلى هذين القسمين فيقال : الخير إما أن يكون خيرا في بعض الأمور دون البعض أو في كل الأمور، ومورد التقسيم مشترك بين القسمين، فمن كان خيرا من بعض الوجوه دون البعض، يصدق عليه أنه خير، فإذن إخبار الله تعالى عن خيرية الأمة لا يقتضي إخباره تعالى عن خيريتهم في كل الأمور، فثبت أن هذا لا ينافي إقدامهم على الكبائر فضلا عن الصغائر، وكنا قد نصرنا هذه الدلالة في أصول الفقه إلا أن هذا السؤال وارد عليها، أما السؤال الآخر فقد أجيب عنه بأن قوله : وكذلك جعلناكم أمة وسطا  خطاب لجميع الأمة أولها وآخرها، من كان منهم موجودا وقت نزول هذه الآية ومن جاء بعدهم إلى قيام الساعة، كما أن قوله :
{ كتب عليكم الق

### الآية 2:144

> ﻿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [2:144]

قوله تعالى : قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون 
اعلم أن قوله : قد نرى تقلب وجهك في السماء  فيه قولان :
القول الأول : وهو المشهور الذي عليه أكثر المفسرين أن ذلك كان لانتظار تحويله من بيت المقدس إلى الكعبة، والقائلون بهذا القول ذكروا وجوها. ( أحدها ) : أنه كان يكره التوجه إلى بيت المقدس، ويحب التوجه إلى الكعبة، إلا أنه ما كان يتكلم بذلك فكان يقلب وجهه في السماء لهذا المعنى، روى عن ابن عباس أنه قال :**«يا جبريل وددت أن الله تعالى صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها فقد كرهتها »** فقال له جبريل :**«أنا عبد مثلك فاسأل ربك ذلك »** فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يديم النظر إلى السماء رجاء مجيء جبريل بما سأل فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهؤلاء ذكروا في سبب هذه المحنة أمورا. ( الأول ) : أن اليهود كانوا يقولون : إنه يخالفنا ثم إنه يتبع قبلتنا ولولا نحن لم يدر أين يستقبل، فعند ذلك كره أن يتوجه إلى قبلتهم. ( الثاني ) : أن الكعبة كانت قبلة إبراهيم. ( الثالث ) : أنه عليه السلام كان يقدر أن يصير ذلك سببا لاستمالة العرب ولدخولهم في الإسلام. ( الرابع ) : أنه عليه السلام أحب أن يحصل هذا الشرف للمسجد الذي في بلدته ومنشئه لا في مسجد آخر، واعترض القاضي على هذا الوجه وقال : أنه لا يليق به عليه السلام أن يكره قبلة أمر أن يصلي إليها، وأن يحب أن يحوله ربه عنها إلى قبلة يهواها بطبعه، ويميل إليها بحسب شهوته لأنه عليه السلام علم وعلم أن الصلاح في خلاف الطبع والميل : واعلم أن هذا التأويل قليل التحصيل، لأن المستنكر من الرسول أن يعرض عما أمره الله تعالى به، ويشتغل بما يدعوه طبعه إليه، فأما أن يميل قلبه إلى شيء فيتمنى في قلبه أن يأذن الله له فيه، فذلك مما لا إنكار عليه، لاسيما إذا لم ينطق به، أي بعد في أن يميل طبع الرسول إلى شيء فيتمنى في قلبه أن يأذن الله له فيه، وهذا مما لا استبعاد فيه بوجه من الوجوه. 
الوجه الثاني : أنه عليه السلام قد استأذن جبريل عليه السلام في أن يدعو الله تعالى بذلك فأخبره جبريل بأن الله قد أذن له في هذا الدعاء، وذلك لأن الأنبياء لا يسألون الله تعالى شيئا إلا بإذن منه لئلا يسألوا ما لا صلاح فيه فلا يجابوا إليه فيفضي ذلك إلى تحقير شأنهم، فلما أذن الله تعالى له في الإجابة علم أنه يستجاب إليه فكان يقلب وجهه في السماء ينتظر مجيء جبريل عليه السلام بالوحي في الإجابة. 
الوجه الثالث : قال الحسن : إن جبريل عليه السلام أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره أن الله تعالى سيحول القبلة عن بيت المقدس إلى قبلة أخرى، ولم يبين له إلى أي موضع يحولها، ولم تكن قبلة أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكعبة فكان رسول الله يقلب وجهه في السماء ينتظر الوحي، لأنه عليه السلام علم أن الله تعالى لا يتركه بغير صلاة، فأتاه جبريل عليه السلام فأمره أن يصل نحو الكعبة والقائلون بهذا الوجه اختلفوا فمنهم من قال : إنه عليه السلام منع من استقبال بيت المقدس ولم يعين له القبلة، فكان يخاف أن يرد وقت الصلاة ولم تظهر القبلة فتتأخر صلاته فلذلك كان يقلب وجهه عن الأصم، وقال آخرون : بل وعد بذلك وقبلة بيت المقدس باقية بحيث تجوز الصلاة إليها، لكن لأجل الوعد كان يتوقع ذلك، ولأنه كان يرجو عند التحويل عن بيت المقدس إلى الكعبة وجوها كثيرة من المصالح الدينية، نحو : رغبة العرب في الإسلام، والمباينة عن اليهود، وتمييز الموافق من المنافق، فلهذا كان يقلب وجهه، وهذا الوجه أولى، وإلا لما كانت القبلة الثانية ناسخة للأولى، بل كانت مبتدأة، والمفسرون أجمعوا على أنها ناسخة للأولى، ولأنه لا يجوز أن يؤمر بالصلاة إلا مع بيان موضع التوجه. ( الرابع ) : أن تقلب وجهه في السماء هو الدعاء. 
القول الثاني : وهو قول أبي مسلم الأصفهاني، قالوا : لولا الأخبار التي دلت على هذا القول وإلا فلفظ الآية يحتمل وجها آخر، وهو أنه يحتمل أنه عليه السلام إنما كان يقلب وجهه في أول مقدمه المدينة، فقد روي أنه عليه السلام كان إذا صلى بمكة جعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، وهذه صلاة إلى الكعبة فلما هاجر لم يعلم أين يتوجه فانتظر أمر الله تعالى حتى نزل قوله : فول وجهك شطر المسجد الحرام . 
المسألة الثانية : اختلفوا في صلاته إلى بيت المقدس، فقال قوم : كان بمكة يصلي إلى الكعبة فلما صار إلى المدينة أمر بالتوجه إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرا، وقال قوم : بل كان بمكة يصلي إلى بيت المقدس، إلا أنه يجعل الكعبة بينه وبينها : وقال قوم : بل كان يصلي إلى بيت المقدس فقط وبالمدينة أولا سبعة عشر شهرا، ثم أمره الله تعالى بالتوجه إلى الكعبة لما فيه من الصلاح. 
المسألة الثالثة : اختلفوا في توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس هل كان فرضا لا يجوز غيره، أو كان النبي صلى الله عليه وسلم مخيرا في توجهه إليه وإلى غيره، فقال الربيع بن أنس : قد كان مخيرا في ذلك وقال ابن عباس : كان التوجه إليه فرضا محققا بلا تخيير. 
واعلم أنه على أي الوجهين كان قد صار منسوخا، واحتج الذاهبون إلى القول الأول بالقرآن والخبر، أما القرآن فقوله تعالى : ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله  وذلك يقتضي كونه مخيرا في التوجه إلى أي جهة شاء، وأما الخبر فما روى أبو بكر الرازي في كتاب **«أحكام القرآن »** : أن نفرا قصدوا الرسول عليه الصلاة والسلام من المدينة إلى مكة للبيعة قبل الهجرة، وكان فيهم البراء بن معرور، فتوجه بصلاته إلى الكعبة في طريقه، وأبى الآخرون وقالوا : إنه عليه السلام يتوجه إلى بيت المقدس، فلما قدموا مكة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له : قد كنت على قبلة -يعني بيت المقدس- لو ثبت عليها أجزأك ولم يأمره باستئناف الصلاة فدل على أنهم قد كانوا مخيرين، واحتج الذاهبون إلى القول الثاني بأنه تعالى قال : فلنولينك قبلة ترضاها  فدل على أنه عليه السلام ما كان يرتضي القبلة الأولى، فلو كان مخيرا بينها وبين الكعبة ما كان يتوجه إليها فحيث توجه إليها مع أنه كان ما يرتضيها علمنا أنه ما كان مخيرا بينها وبين الكعبة. 
المسألة الرابعة : المشهور أن التوجه إلى بيت المقدس إنما صار منسوخا بالأمر بالتوجه إلى الكعبة، ومن الناس من قال : التوجه إلى بيت المقدس صار منسوخا بقوله تعالى : ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله  ثم إن ذلك صار منسوخا بقوله : فول وجهك شطر المسجد الحرام  واحتجوا عليه بالقرآن والأثر، أما القرآن فهو أنه تعالى ذكر أولا قوله : ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله  ثم ذكر بعد : سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها  ثم ذكر بعده : فول وجهك شطر المسجد الحرام  وهذا الترتيب يقتضي صحة المذهب الذي قلناه بأن التوجه إلى بيت المقدس صار منسوخا بقوله : فول وجهك شطر المسجد الحرام  فلزم أن يكون قوله تعالى : سيقول السفهاء من الناس  متأخرا في النزول والدرجة عن قوله تعالى : فول وجهك شطر المسجد الحرام  فحينئذ يكون تقديمه عليه في الترتيب على خلاف الأصل، فثبت ما قلناه، وأما الأثر فما روي عن ابن عباس أمر القبلة أول ما نسخ من القرآن، والأمر بالتوجه إلى بيت المقدس غير مذكور في القرآن، إنما المذكور في القرآن : ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله  فوجب أن يكون قوله : فول وجهك شطر المسجد الحرام  ناسخا لذلك، لا للأمر بالتوجه إلى بيت المقدس. 
أما قوله : فلنولينك قبلة ترضاها  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : فلنولينك  فلنعطينك ولنمكننك من استقبالها من قولك وليته كذا، إذا جعلته واليا له، أو فلنجعلنك تلي سمتها دون سميت بيت المقدس. 
المسألة الثانية : قوله  ترضاها  فيه وجوه. ( أحدها ) : ترضاها تحبها وتميل إليها، لأن الكعبة كانت أحب إليه من غيرها بحسب ميل الطبع، قال القاضي : هذا لا يجوز فإنه من المحال أن يقول الله تعالى : فلنولينك قبلة يميل طبعك إليها، لأن ذلك يقدح في حكمته تعالى فيما يكلف، ويقدح في حال النبي عليه الصلاة والسلام فيما يريده في حال التكليف، وهذا الاعتراض ضعيف لأن الطعن إنما يتوجه لو قال الله تعالى : أنا حولناك إلى القبلة التي مال طبعك إليها بمجرد ميل طبعك فأما لو قال : أنا حولناك إلى القبلة التي مال طبعك إليها لأجل أن الحكمة والمصلحة وافقت ميل طبعك فأي ضرر يلزم منه وقال عليه الصلاة والسلام :
( وجعلت قرة عيني في الصلاة ) فكان طبعه يميل إلى الصلاة مع أن المصلحة كانت موافقة لذلك. ( وثانيها ) : قبلة ترضاها  أي تحبها بسبب اشتمالها على المصالح الدينية. ( وثالثها ) قال الأصم : أي كل جهة وجهك الله إليها فهي لك رضا لا يجوز أن تسخط، كما فعل من انقلب على عقيبه من العرب الذين كانوا قد أسلموا، فلما تحولت القبلة ارتدوا. ( ورابعها ) : ترضاها  أي ترضى عاقبتها لأنك تعرف بها من يتبعك للإسلام، فمن يتبعك لغير ذلك من دنيا يصيبها أو مال يكتسبه. 
أما قوله تعالى : فول وجهك شطر المسجد الحرام  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : المراد من الوجه ههنا جملة بدن الإنسان لأن الواجب على الإنسان أن يستقبل القبلة بجملته لا بوجهه فقط والوجه يذكر ويراد به نفس الشيء لأن الوجه أشرف الأعضاء ولأن بالوجه تميز بعض الناس عن بعض، فلهذا السبب قد يعبر عن كل الذات بالوجه. 
المسألة الثانية : قال أهل اللغة : الشطر اسم مشترك يقع على معنيين. ( أحدهما ) : النصف يقال : شطرت الشيء أي جعلته نصفين، ويقال في المثل أجلب جلبا لك شطره أي نصفه. ( والثاني ) : نحوه وتلقاءه وجهته، واستشهد الشافعي رضي الله عنه في كتاب **«الرسالة »** على هذا بأبيات أربعة : قال خقاف بن ندبة :
ألا من مبلغ عمرا رسولا \*\*\* وما تغني الرسالة شطر عمرو
**وقال ساعدة بن جؤبة :**
أقول لأم زنباع : أقيمي \*\*\* صدور العيس شطر بني تميم
**وقال لقيط الأيادي :**
وقد أظلكم من شطر شعركم \*\*\* هول له ظلم يغشاكم قطعا
**وقال آخر :**
إن العسير بها داء مخامرها \*\*\* فشطرها بصر العينين مسحور
قال الشافعي رضي الله عنه : يريد تلقاءها بصر العينين مسحور، إذا عرفت هذا فنقول : في الآية قولان :
( الأول ) : وهو قول جمهور المفسرين من الصحابة والتابعين والمتأخرين، واختيار الشافعي رضي الله عنه في كتاب الرسالة : أن المراد جهة المسجد الحرام وتلقاءه وجانبه، قرأ أبي بن كعب تلقاء المسجد الحرام. 
( القول الثاني ) : وهو قول الجبائي واختيار القاضي أن المراد من الشطر ههنا : وسط المسجد ومنتصفه لأن الشطر هو النصف، والكعبة واقعة من المسجد في النصف من جميع الجوانب، فلما كان الواجب هو التوجه إلى الكعبة، وكانت الكعبة واقعة في نصف المسجد حسن منه تعالى أن يقول : فول وجهك شطر المسجد الحرام  يعني النصف من كل جهة، وكأنه عبارة عن بقعة الكعبة، قال القاضي : ويدل على أن المراد ما ذكرنا وجهان. ( الأول ) : أن المصلي خارج المسجد لو وقف بحيث يكون متوجها إل

### الآية 2:145

> ﻿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ۚ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ [2:145]

قوله تعالى : ولئن أتيت الذين أتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين 
اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن الذين أوتوا الكتاب يعلمون أن هذه القبلة حق، بين بعد ذلك صفتهم لا تتغير في الاستمرار على المعاندة، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في قوله : ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب  فقال الأصم : المراد علماؤهم الذين أخبر الله تعالى عنهم في الآية المتقدمة بقوله : وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم  واحتج عليه بوجوه ( أحدها ) قوله : ولئن اتبعت أهواءهم  فوصفهم بأنهم يتبعون الهوى، ومن اعتقد في الباطل أنه حق فإنه لا يكون متبعا لهوى النفس، بل يكون في ظنه أنه متبع للهدى فأما الذين يعلمون بقلوبهم، ثم ينكرون بألسنتهم، فهم المتبعون للهوى ( وثانيها ) : أن ما قبل هذه الآية وهو قوله : وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلموا أنه الحق  لا يتناول عوامهم بل هو مختص بالعلماء، وما بعدها وهو قوله : الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم  مختص بالعلماء أيضا إذ لو كان عاما في الكل امتنع الكتمان لأن الجمع العظيم لا يجوز عليهم الكتمان، وإذا كان ما قبلها وما بعدها خاصا فكذا هذه الآية المتوسطة ( وثالثها ) : أن الله تعالى أخبر عنهم بأنهم مصرون على قولهم، ومستمرون على باطلهم، وأنهم لا يرجعون عن ذلك المذهب بسبب شيء من الدلائل والآيات، وهذا شأن المعاند اللجوج، لا شأن المعاند المتحير ( ورابعها ) : أنا لو حملناه على العموم لصارت الآية كذبا لأن كثيرا من أهل الكتاب آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وتبع قبلته. 
وقال آخرون : بل المراد جميع أهل الكتاب من اليهود والنصارى، واحتجوا عليه بأن قوله : الذين أوتوا الكتاب  صيغة عموم فيتناول الكل، ثم أجابوا عن الحجة الأولى أن صاحب الشبهة صاحب هوى في الحقيقة، لأنه ما تمم النظر والاستدلال فإنه لو أتى بتمام النظر والاستدلال لوصل إلى الحق، فحيث لم يصل إليه علمنا أنه ترك النظر التام بمجرد الهوى، وأجابوا عن الحجة الثانية بأنه ليس يمتنع أن يراد في الآية الأولى بعضهم، وفي الآية الثانية كلهم، وأجابوا عن الحجة الثالثة أن العلماء لما كانوا مصرين على الشبهات، والعوام كانوا مصرين على اتباع أولئك العلماء كان الإصرار حاصلا في الكل، وأجابوا عن الحجة الرابعة بأنه تعالى أخبر عنهم أنهم بكليتهم لا يؤمنون، وقولنا : كل اليهود لا يؤمنون مغاير لقولنا إن أحدا منهم لا يؤمن. 
المسألة الثانية : احتج الكعبي بهذه الآية على جواز أن لا يكون في المقدور لطف لبعضهم، قال : لأنه لو حصل في المقدور لهؤلاء لطف، لكان في جملة الآيات ما لو أتاهم به لكانوا يؤمنون، فكان لا يصح هذا الخبر على وجه القطع. 
المسألة الثالثة : احتج أبو مسلم بهذه الآية على أن علم الله تعالى في عباده وما يفعلونه ليس بحجة لهم فيما يرتكبون، فإنهم مستطيعون لأن يفعلوا الخير الذي أمروا به ويتركوا ضده الذي نهوا عنه، واحتج أصحابنا به على القول بتكليف ما لا يطاق وهو أنه تعالى أخبر عنهم بأنهم لا يتبعون قبلته، فلو اتبعوا قبلته لزم انقلاب خبر الله الصدق كذبا وعلمه جهلا وهو محال، ومستلزم المحال محال، فكان ذلك محالا وقد أمروا به فقد أمروا بالمحال وتمام القول فيه مذكور في قوله تعالى : إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون . 
المسألة الرابعة : إنما حكم الله تعالى عليهم بأنهم لا يرجعون عن أباطيلهم بسبب البرهان، وذلك لأن إعراضهم عن قبول هذا الدين ليس عن شبهة يزيلها بإيراد الحجة، بل هو محض المكابرة والعناد والحسد، وذلك لا يزول بإيراد الدلائل. 
المسألة الخامسة : اختلفوا في قوله  ما تبعوا قبلتك  قال الحسن والجبائي : أراد جميعهم، كأنه قال : لا يجتمعون على اتباع قبلتك، على نحو قوله : ولو شاء الله لجمعهم على الهدى  وقال الأصم وغيره : بل المراد أن أحدا منهم لا يؤمن، قال القاضي : إن أريد بأهل الكتاب كلهم العلماء منهم والعوام فلا بد من تأويل الحسن، وإن أريد به العلماء نظرنا فإن كان في علمائهم المخاطبين بهذه الآية من قد آمن وجب أيضا ذلك التأويل، وإن لم يكن فيهم من قد آمن صح إجراؤه على ظاهره في رجوع النفي إلى كل واحد منهم، لأن ذلك أليق بالظاهر إذ لا فرق بين قوله : ما تبعوا قبلتك  وبين قوله : ما تبع أحد منهم قبلتك. 
المسألة السادسة : لئن  بمعنى  لو  وأجيب بجواب لو وللعلماء فيه خلاف فقيل : إنهما لما تقاربا استعمل كل واحد منهما مكان الآخر، وأجيب بجوابه نظيره قوله تعالى : ولئن أرسلنا ريحا  ثم قال : لظلوا  على جواب : لو  وقال : ولو أنهم آمنوا واتقوا  ثم قال : لمثوبة  على جواب : لئن  وذلك أن أصل  لو  للماضي  ولئن  للمستقبل هذا قول الأخفش وقال سيبويه : إن كل واحدة منهما على موضعها، وإنما ألحق في الجواب هذا التداخل لدلالة اللام على معنى القسم، فجاء الجواب كجواب القسم. 
المسألة السابعة : الآية وزنها فعلة أصلها : أية، فاستثقلوا التشديد في الآية فأبدلوا من الياء الأولى ألفا لانفتاح ما قبلها، والآية الحجة والعلامة، وآية الرجل : شخصه، وخرج القوم بآيتهم جماعتهم، وسميت آية القرآن بذلك لأنها جماعة حروف. وقيل : لأنها علامة لانقطاع الكلام الذي بعدها. وقيل : لأنها دالة على انقطاعها عن المخلوقين، وأنها ليست إلا من كلام الله تعالى. 
المسألة الثامنة : روي أن يهود المدينة ونصارى نجران قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم : ائتنا بآية كما أتى الأنبياء قبلك فأنزل الله تعالى هذه الآية والأقرب أن هذه الآية ما نزلت في واقعة مبتدأ بل هي من بقية أحكام تحويل القبلة. 
أما قوله تعالى : وما أنت بتابع قبلتهم  ففيه أقوال ( الأول ) : أنه دفع لتجويز النسخ، وبيان أن هذه القبلة لا تصير منسوخة ( والثاني ) : حسما لأطماع أهل الكتاب فإنهم قالوا : لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره، وطمعوا في رجوعه إلى قبلتهم ( الثالث ) : المقابلة يعني ما هم بتاركي باطلهم وما أنت بتارك حقك ( الرابع ) : أراد أنه لا يجب عليك استصلاحهم باتباع قبلتهم، لأن ذلك معصية ( الخامس ) : وما أنت بتابع قبلة جميع أهل الكتاب من اليهود والنصارى لأن قبلة اليهود مخالفة لقبلة النصارى، فلليهود بيت المقدس وللنصارى المشرق، فالزم قبلتك ودع أقوالهم. 
أما قوله : وما بعضهم بتابع قبلة بعض  قال القفال : هذا يمكن حمله على الحال وعلى الاستقبال، أما على الحال فمن وجوه ( الأول ) : أنهم ليسوا مجتمعين على قبلة واحدة حتى يمكن إرضاؤهم باتباعها. ( الثاني ) : أن اليهود والنصارى مع اتفاقهم على تكذيبك متباينون في القبلة فكيف يدعونك إلى ترك قبلتك مع أنهم فيما بينهم مختلفون ( الثالث ) : أن هذا إبطال لقولهم إنه لا يجوز مخالفة أهل الكتاب لأنه إذا جاز أن تختلف قبلتاهما للمصلحة جاز أن تكون المصلحة في ثالث، وأما حمل الآية على الاستقبال ففيه إشكال وهو أن قوله : وما بعضهم بتابع قبلة بعض  ينفي أن يكون أحد منهم قد اتبع قبلة الآخر لكن ذلك قد وقع فيفضي إلى الخلف، وجوابه أنا إن حملنا أهل الكتاب على علمائهم الذين كانوا في ذلك الزمان فلم يثبت عندنا أن أحدا منهم يتبع قبلة الآخر فالخلف غير لازم، وإن حملناه على الكل قلنا إنه عام دخله التخصيص. 
أما قوله : ولئن اتبعت أهواءهم  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : الهوى المقصور هو ما يميل إليه الطبع والهواء الممدود معروف. 
المسألة الثانية : اختلفوا في المخاطب بهذا الخطاب، قال بعضهم : الرسول وقال بعضهم : الرسول وغيره. وقال آخرون : بل غيره، لأنه تعالى عرف أن الرسول لا يفعل ذلك فلا يجوز أن يخصه بهذا الخطاب، وهذا القول الثالث خطأ لأن كل ما لو وقع من الرسول لقبح، والإلجاء عنه مرتفع، فهو منهي عنه، وإن كان المعلوم منه أنه لا يفعله، ويدل عليه وجوه ( أحدها ) : أنه لو كان كل ما علم الله أنه لا يفعله وجب أن لا ينهاه عنه، لكان ما علم أنه يفعله وجب أن لا يأمره به، وذلك يقتضي أن لا يكون النبي مأمورا بشيء ولا منهيا عن شيء وأنه بالاتفاق باطل ( وثانيها ) : لولا تقدم النهي والتحذير لما احترز النبي صلى الله عليه وسلم عنه فلما كان ذلك الاحتراز مشروطا بذلك النهي والتحذير فكيف يجعل ذلك الاحتراز منافيا للنهي والتحذير ( وثالثها ) : أن يكون الغرض من النهي والوعيد أن يتأكد قبح ذلك في العقل، فيكون الغرض منه التأكيد ولما حسن من الله التنبيه على أنواع الدلائل الدالة على التوحيد بعدما قررها في العقول والغرض منه تأكيد العقل بالنقل فأي بعد في مثل هذا الغرض ههنا ( ورابعا ) : قوله تعالى في حق الملائكة : ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم  مع أنه تعالى أخبر عن عصمتهم في قوله : يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون  وقال في حق محمد صلى الله عليه وسلم : لئن أشركت ليحبطن عملك  وقد أجمعوا على أنه عليه الصلاة والسلام ما أشرك وما مال إليه، وقال : يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين  وقال تعالى : ودوا لو تدهن فيدهنون  وقال : بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته  وقوله : ولا تكونن من المشركين  فثبت بما ذكرنا أنه عليه الصلاة والسلام منهي عن ذلك، وأن غيره أيضا منهي عنه لأن النهي عن هذه الأشياء ليس من خواص الرسول عليه الصلاة والسلام بقي أن يقال : فلم خصه بالنهي دون غيره ؟ فنقول فيه وجوه، ( أحدها ) : أن كل من كان نعم الله عليه أكثر، كان صدور الذنب منه أقبح، ولا شك أن نعم الله تعالى على الرسول عليه الصلاة والسلام أكثر فكان حصول الذنب منه أقبح فكان أولى بالتخصيص. ( وثانيها ) : أن مزيد الحب يقتضي التخصيص بمزيد التحذير. ( وثالثها ) : أن الرجل الحازم إذا أقبل على أكبر أولاده وأصلحهم فزجره عن أمر بحضرة جماعة أولاده فإنه يكون منبها بذلك على عظم ذلك الفعل إن اختاروه وارتكبوه وفي عادة الناس أن يوجهوا أمرهم ونهيهم إلى من هو أعظم درجة تنبيها للغير أو توكيدا، فهذه قاعدة مقررة في أمثال هذه الآية. 
القول الثاني : أن قوله : ولئن اتبعت أهواءهم  ليس المراد منه أن اتبع أهواءهم في كل الأمور فلعله عليه الصلاة والسلام كان في بعض الأمور يتبع أهواءهم، مثل ترك المخاشنة في القول والغلظة في الكلام، طمعا منه عليه الصلاة والسلام في استمالتهم، فنهاه الله تعالى عن ذلك القدر أيضا وآيسه منهم بالكلية على ما قال : ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا . 
القول الثالث : إن ظاهر الخطاب وإن كان مع الرسول إلا أن المراد منه غيره، وهذا كما أنك إذا عاتبت إنسانا أساء عبده إلى عبدك فتقول له : لو فعلت مرة أخرى مثل هذا الفعل لعاقبتك عليه عقابا شديدا، فكان الغرض منه لا يميل إلى مخاطبتهم ومتابعتهم أحد من الأمة. 
أما قوله تعالى : من بعد ما جاءك من العلم  فيه مسألتان :
المسألة الأولى : أنه تعالى لم يرد بذلك أنه نفس العلم جاءك، بل المراد الدلائل والآيات وا

### الآية 2:146

> ﻿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [2:146]

قوله تعالى : الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون الحق من ربك فلا تكونن من الممترين 
**اعلم أن في الآية مسائل :**
المسألة الأولى : قوله : الذين آتيناهم الكتاب  وإن كان عاما بحسب اللفظ لكنه مختص بالعلماء منهم، والدليل عليه أنه تعالى وصفهم بأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، والجمع العظيم الذي علموا شيئا استحال عليهم الاتفاق على كتمانه في العادة، ألا ترى أن واحدا لو دخل البلد وسأل عن الجامع لم يجز أن لا يلقاه أحد إلا بالكذب والكتمان، بل إنما يجوز ذلك على الجمع القليل، والله أعلم. 
المسألة الثانية : الضمير في قوله : يعرفونه  إلى ماذا يرجع ؟ ذكروا فيه وجوها. ( أحدها ) : أنه عائد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أي يعرفونه معرفة جلية، يميزون بينه وبين غيره كما يعرفون أبناءهم، لا تشتبه عليهم وأبناء غيرهم. عن عمر رضي الله عنه أنه سأل عبد الله بن سلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أنا أعلم به مني بإبني، قال : ولم ؟ قال : لأني لست أشك في محمد أنه نبي وأما ولدي فلعل والدته خانت. فقبل عمر رأسه، وجاز الإضمار وإن لم يسبق له ذكر لأن الكلام يدل عليه ولا يلتبس على السامع ومثل هذا الإضمار فيه تفخيم وإشعار بأنه لشهرته معلوم بغير إعلام وعلى هذا القول أسئلة. 
السؤال الأول : أنه لا تعلق لهذا الكلام بما قبله من أمر القبلة. 
( الجواب ) : أنه تعالى في الآية المتقدمة لما حذر أمة محمد صلى الله عليه وسلم عن اتباع اليهود والنصارى بقوله : ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين  أخبر المؤمنين بحاله عليه الصلاة والسلام في هذه الآية فقال : اعلموا يا معشر المؤمنين أن علماء أهل الكتاب يعرفون محمدا وما جاء به وصدقه ودعوته وقبلته لا يشكون فيه كما لا يشكون في أبنائهم. 
السؤال الثاني : هذه الآية نظيرها قوله تعالى : يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل  وقال : ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد  إلا أنا نقول من المستحيل أن يعرفوه كما يعرفون أبناءهم، وذلك لأنه وصفه في التوراة والإنجيل إما أن يكون قد أتى مشتملا على التفصيل التام، وذلك إنما يكون بتعيين الزمان والمكان والصفة والخلقة والنسب والقبيلة أو هذا الوصف ما أتى مع هذا النوع من التفصيل فإن كان الأول وجب أن يكون بمقدمه في الوقت المعين من البلد المعين من القبلة المعينة على الصفة المعينة معلوما لأهل المشرق والمغرب لأن التوراة والإنجيل كانا مشهورين فيما بين أهل المشرق والمغرب، ولو كان الأمر كذلك لما تمكن أحد من النصارى واليهود من إنكار ذلك. 
وأما القسم الثاني : فإنه لا يفيد القطع بصدق نبوة محمد عليه الصلاة والسلام لأنا نقول : هب أن التوراة اشتملت على أن رجلا من العرب سيكون نبيا إلا أن ذلك الوصف لما لم يكن منتهيا في التفصيل إلى حد اليقين، لم يلزم من الاعتراف به الاعتراف بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. 
( والجواب ) : عن هذا الإشكال إنما يتوجه لو قلنا بأن العلم بنبوته إنما حصل من اشتمال التوراة والإنجيل على وصفه ونحن لا نقول به بل نقول أنه ادعى النبوة وظهرت المعجزة على يده وكل من كان كذلك كان نبيا صادقا فهذا برهان والبرهان يفيد اليقين، فلا جرم كان العلم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم أقوى وأظهر من العلم بنبوة الأبناء وأبوة الآباء. 
السؤال الثالث : فعلى هذا الوجه الذي قررتموه كان العلم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم علما برهانيا غير محتمل للغلط، أما العلم بأن هذا ابني فذلك ليس علما يقينيا بل ظن ومحتمل للغلط، فلم شبه اليقين بالظن ؟
( والجواب ) : ليس المراد أن العلم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم يشبه العلم ببنوة الأبناء، بل المراد به تشبيه العلم بأشخاص الأبناء وذواتهم فكما أن الأب يعرف شخص ابنه معرفة لا يشتبه هو عنده بغيره، فكذا ههنا وعند هذا يستقيم التشبيه لأن هذا العلم ضروري وذلك نظري وتشبيه النظري بالضروري يفيد المبالغة وحسن الاستعارة. 
السؤال الرابع : لم خص الأبناء الذكور ؟
( الجواب ) : لأن الذكور أعرف وأشهر وهم بصحبة الآباء ألزم وبقلوبهم ألصق. 
القول الثاني : الضمير في قوله : يعرفونه  راجع إلى أمر القبلة : أي علماء أهل الكتاب يعرفون أمر القبلة التي نقلت إليها كما يعرفون أبناءهم وهو قول ابن عباس وقتادة والربيع وابن زيد. 
واعلم أن القول الأول أولى من وجوه ( أحدها ) : أن الضمير إنما يرجع إلى مذكور سابق، وأقرب المذكورات العلم في قوله : من بعد ما جاءك من العلم  والمراد من ذلك العلم : النبوة، فكأنه تعالى قال : إنهم يعرفون ذلك العلم كما يعرفون أبناءهم، وأما أمر القبلة فما تقدم ذكره البتة ( وثانيها ) : أن الله تعالى ما أخبر في القرآن أن أمر تحويل القبلة مذكور في التوراة والإنجيل، وأخبر فيه أن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم مذكورة في التوراة والإنجيل، فكان صرف هذه المعرفة إلى أمر النبوة أولى ( وثالثها ) : أن المعجزات لا تدل أول دلالتها إلا على صدق محمد عليه السلام، فأما أمر القبلة فذلك إنما يثبت لأنه أحد ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فكان صرف هذه المعرفة إلى أمر النبوة أولى. 
أما قوله تعالى : وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون  فاعلم أن الذين أوتوا الكتاب وعرفوا الرسول فمنهم من آمن به مثل عبد الله بن سلام وأتباعه، ومنهم من بقي على كفره، ومن آمن لا يوصف بكتمان الحق، وإنما يوصف بذلك من بقي على كفره، لا جرم قال الله تعالى : وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون  فوصف البعض بذلك، ودل بقوله : ليكتمون الحق  على سبيل الذم، على أن كتمان الحق في الدين محظور إذا أمكن إظهاره، واختلفوا في المكتوم فقيل : أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل : أمر القبلة وقد استقصينا في هذه المسألة.

### الآية 2:147

> ﻿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [2:147]

أما قوله : الحق من ربك  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : يحتمل أن يكون  الحق  خبر مبتدأ محذوف، أي هو الحق، وقوله : من ربك  يجوز أن يكون خبرا بغير خبر، وأن يكون حالا، ويجوز أيضا أن يكون مبتدأ خبره : من ربك  وقرأ علي رضي الله عنه : لحق من ربك  على الإبدال من الأول، أي يكتمون الحق من ربك. 
المسألة الثانية : الألف واللام في قوله : الحق  فيه وجهان : الأول : أن يكون للعهد، والإشارة إلى الحق الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إلى الحق الذي في قوله : ليكتمون الحق  أي هذا الذي يكتمونه هو الحق من ربك، وأن يكون للجنس على معنى : الحق من الله تعالى لا من غيره يعني إن الحق ما ثبت أنه من الله تعالى كالذي أنت عليه وما لم يثبت أنه من الله كالذي عليه أهل الكتاب فهو الباطل. 
أما قوله : فلا تكونن من الممترين  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : فلا تكونن من الممترين  في ماذا اختلفوا فيه على أقوال. ( أحدها ) : فلا تكونن من الممترين في أن الذين تقدم ذكرهم علموا صحة نبوتك، وأن بعضهم عاند وكتم، قاله الحسن ( وثانيها ) : بل يرجع إلى أمر القبلة. ( وثالثها ) : إلى صحة نبوته وشرعه، وهذا هو الأقرب لأن أقرب المذكورات إليه قوله : الحق من ربك  فإذا كان ظاهره يقتضي النبوة وما تشتمل عليه من قرآن ووحي وشريعة، فقوله : فلا تكونن من الممترين  وجب أن يكون راجعا إليه. 
المسألة الثانية : أنه تعالى وإن نهاه عن الامتراء فلا يدل ذلك على أنه كان شاكا فيه، وقد تقدم القول في بيان هذه المسألة والله أعلم.

### الآية 2:148

> ﻿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2:148]

قوله تعالى : ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير . 
اعلم أنهم اختلفوا في المراد بقوله : ولكل  وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : إنما قال : ولكل  ولم يقل لكل قوم أو أمة لأنه معروف المعنى عندهم فلم يضر حذف المضاف إليه وهو كثير في كلامهم كقوله : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا . 
المسألة الثانية : ذكروا فيه أربعة أوجه ( أحدها ) : أنه يتناول جميع الفرق، أعني المسلمين واليهود والنصارى والمشركين، وهو قول الأصم، قال : لأن في المشركين من كان يعبد الأصنام ويتقرب بذلك إلى الله تعالى كما حكى الله تعالى عنهم في قوله : هؤلاء شفعاؤنا عند الله  ( وثانيها ) : وهو قول أكثر علماء التابعين، أن المراد أهل الكتاب وهم : المسلمون واليهود والنصارى، والمشركون غير داخلين فيه ( وثالثها ) قال بعضهم : المراد لكل قوم من المسلمين وجهة أي جهة من الكعبة يصلي إليها : جنوبية أو شمالية، أو شرقية أو غربية، واحتجوا على هذا القول بوجهين ( الأول ) : قوله تعالى : هو موليها  يعني الله موليها وتولية الله لم تحصل إلا في الكعبة، لأن ما عداها تولية الشيطان ( الثاني ) : أن الله تعالى عقبه بقوله : فاستبقوا الخيرات  والظاهر أن المراد من هذه الخيرات ما لكل أحد من جهة، والجهات الموصوفة بالخيرية ليست إلا جهات الكعبة. ( ورابعها ) : قال آخرون : ولكل وجهة أي لكل واحد من الرسل وأصحاب الشرائع جهة قبلة، فقبلة المقربين : العرش، وقبلة الروحانيين : الكرسي، وقبلة الكروبيين : البيت المعمور، وقبلة الأنبياء الذين قبلك بيت المقدس، وقبلتك الكعبة. 
أما قوله تعالى : وجهة  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرئ : ولكل وجهة  على الإضافة والمعنى : وكل وجهة هو موليها فزيدت اللام لتقدم المفعول كقولك : لزيد ضربت، ولزيد أبوه ضارب. 
المسألة الثانية : قال الفاء : وجهة، ووجه بمعنى واحد، واختلفوا في المراد فقال الحسن : المراد المنهاج والشرع، وهو كقوله تعالى : لكل أمة جعلنا منسكا   لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا  والمراد منه أن للشرائع مصالح، فلا جرم اختلفت الشرائع بحسب اختلاف الأشخاص، وكما اختلف بحسب اختلاف الأشخاص لم يبعد أيضا اختلافها بحسب اختلاف الزمان بالنسبة إلى شخص واحد، فلهذا صح القول بالنسخ والتغيير، وقال الباقون : المراد منه أمر القبلة، لأنه تقدم قوله تعالى : فول وجهك شطر المسجد الحرام  فهذه الوجهة يجب أن تكون محمولة على ذلك. 
أما قوله : هو موليها  ففيه وجهان ( الأول ) : أنه عائد إلى الكل، أي ولكل أحد وجهة هو مولي وجهه إليها ( الثاني ) : أنه عائد إلى اسم الله تعالى، أي الله تعالى يوليها إياه، وتقدير الكلام على الوجه الأول أن نقول : أن لكل منكم وجهة أي جهة من القبلة هو موليها، أي هو مستقبلها. ومتوجه إليها لصلاته التي هو متقرب بها إلى ربه، وكل يفرح بما هو عليه ولا يفارقه، فلا سبيل إلى اجتماعكم على قبلة واحدة، مع لزوم الأديان المختلفة : فاستبقوا الخيرات  أي فالزموا معاشر المسلمين قبلتكم فإنكم على خيرات من ذلك في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فلشرفكم بقبلة إبراهيم وأما في الآخرة فللثواب العظيم الذي تأخذونه على انقيادكم لأوامره فإن إلى الله مرجعكم، وأينما تكونوا من جهات الأرض يأت بكم الله جميعا في صعيد القيامة، فيفصل بين المحق منكم والمبطل، حتى يتبين من المطيع منكم ومن العاصي، ومن المصيب منكم ومن المخطئ، إنه على ذلك قادر، ومن قال بهذا التأويل قال : المراد أن لكل من أهل الملل وجهة قد اختارها، إما بشريعة وإما بهوى، فلستم تؤخذون بفعل غيركم، فإنما لهم أعمالهم ولكم أعمالكم، وإما تقرير الكلام على الوجه الثاني أعني أن يكون الضمير في قوله : هو موليها  عائدا إلى الله تعالى فههنا وجهان ( الأول ) : أن الله تعالى عرفنا أن كل واحدة من هاتين القبلتين اللتين هما بيت المقدس والكعبة جهة يوليها الله تعالى عباده، إذا شاء يفعله على حسب ما يعلمه صلاحا فالجهتان من الله تعالى وهو الذي ولى وجوه عباده إليهما، فاستبقوا الخيرات بالانقياد لأمر الله في الحالتين، فإن انقيادكم خيرات لكم، ولا تلتفتوا إلى مطاعن هؤلاء الذين يقولون : ما ولاهم عن قبلتهم  فإن الله يجمعكم وهؤلاء السفهاء جميعا في عرصة القيامة، فيفصل بينكم ( الثاني ) : أنا إذا فسرنا قوله : ولكل وجهة  بجهات الكعبة ونواحيها، كان المعنى : ولكل قوم منكم معاشر المسلمين وجهة، أي ناحية من الكعبة : فاستبقوا الخيرات  بالتوجه إليها من جميع النواحي، فإنها وإن اختلفت بعد أن تؤدي إلى الكعبة فهي كجهة واحدة ولا يخفى على الله نياتهم فهو يحشرهم جميعا ويثيبهم على أعمالهم. 
أما قوله تعالى : هو موليها  أي هو موليها وجهه فاستغنى عن ذكر الوجه، قال الفراء : أي مستقبلها وقال أبو معاذ : موليها على معنى متوليها يقال : قد تولاها ورضيها وأتبعها، وفي قراءة عبد الله بن عامر النخعي : هو مولاها  وهي قراءة ابن عباس وأبي جعفر ومحمد بن علي الباقر وفي قراءة الباقين : موليها  ولقراءة ابن عامر معنيان ( أحدهما ) : أن ما وليته فقد ولاك، لأن معنى وليته أي جعلته بحيث تليه وإذا صار هذا بحيث يلي ذلك فذاك أيضا، يلي هذا، فإذن قد ولى كل واحد منهما الآخر وهو كقوله تعالى : فتلقى آدم من ربه كلمات  و لا ينال عهدي الظالمين  والظالمون، وهذا قول الفراء ( والثاني ) : هو موليها  أي قد زينت له تلك الجهة وحببت إليه، أي صارت بحيث يحبها ويرضاها. 
أما قوله : فاستبقوا الخيرات  فمعناه الأمر بالبدار إلى الطاعة في وقتها، واعلم أن أداء الصلاة في أول الوقت عند الشافعي رضي الله عنه أفضل، خلافا لأبي حنيفة، واحتج الشافعي بوجوه :( أولها ) أن الصلاة خير لقوله صلى الله عليه وسلم :( الصلاة خير موضوع ) وإذا كان كذلك وجب أن يكون تقديمه أفضل لقوله تعالى : فاستبقوا الخيرات  وظاهر الأمر للوجوب، فإذا لم يتحقق فلا أقل من الندب ( وثانيها ) : قوله  سابقوا إلى مغفرة من ربكم  ومعناه إلى ما يوجب المغفرة والصلاة مما يوجب المغفرة فوجب أن تكون المسابقة إليها مندوبة. ( وثالثها ) قوله تعالى : والسابقون السابقون أولئك المقربون  ولا شك أن المراد منه السابقون في الطاعات، ولا شك أن الصلاة من الطاعات، وقوله تعالى : أولئك المقربون  يفيد الحصر، فمعناه أنه لا يقرب عند الله إلا السابقون وذلك يدل على أن كمال الفضل منوط بالمسابقة ( ورابعها ) قوله تعالى : وسارعوا إلى مغفرة من ربكم  والمعنى : وسارعوا إلى ما يوجب المغفرة، ولا شك أن الصلاة كذلك، فكانت المسارعة بها مأمورة ( وخامسها ) : أنه مدح الأنبياء المتقدمين بقوله تعالى : إنهم كانوا يسارعون في الخيرات  ولا شك أن الصلاة من الخيرات، لقوله عليه السلام :( خير أعمالكم الصلاة ) ( وسادسها ) : أنه تعالى ذم إبليس في ترك المسارعة فقال : ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك  وهذا يدل على أن ترك المسارعة موجب للذم ( وسابعها ) : قوله تعالى : حافظوا على الصلوات  والمحافظة لا تحصل إلا بالتعجيل، ليأمن الفوت بالنسيان وسائر الأشغال. ( وثامنها ) قوله تعالى : حكاية عن موسى عليه السلام : وعجلت إليك رب لترضى  فثبت أن الاستعجال أولى ( وتاسعها ) : قوله تعالى : لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا  فبين أن المسابقة سبب لمزيد الفضيلة فكذا في هذه الصورة ( وعاشرها ) : ما روى عمر وجرير بن عبد الله وأنس وأبو محذورة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( الصلاة في أول الوقت رضوان الله وفي آخره عفو الله ) قال الصديق رضي الله عنه : رضوان الله أحب إلينا من عفوه. قال الشافعي رضي الله عنه : رضوان الله إنما يكون للمحسنين والعفو يوشك أن يكون عن المقصرين فإن قيل هذا احتجاج في غير موضعه لأنه يقتضي أن يأثم بالتأخير، وأجمعنا على أنه لا يأثم فلم يبق إلا أن يكون معناه أن الفعل في آخر الوقت يوجب العفو عن السيئات السابقة، وما كان كذلك فلا شك أنه يوجب رضوان الله، فكان التأخير موجبا للعفو والرضوان، والتقديم موجبا للرضوان دون العفو فكان التأخير أولى قلنا : هذا ضعيف من وجوه ( الأول ) : أنه لو كان كذلك لوجب أن يكون تأخير المغرب أفضل وذلك لم يقله أحد. ( الثاني ) : أنه عدم المسارعة الامتثال يشبه عدم الالتفات، وذلك يقتضي العقاب، إلا أنه لما أتى بالفعل بعد ذلك سقط ذلك الاقتضاء ( الثالث ) : أن تفسير أبي بكر الصديق رضي الله عنه يبطل هذا التأويل الذي ذكروه. 
الحادي عشر : روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( يا علي ثلاث لا تؤخرها : الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤا ). 
الثاني عشر : عن ابن مسعود أنه سأل الرسول صلى الله عليه وسلم فقال : أي الأعمال أفضل ؟ فقال : الصلاة لميقاتها الأول. 
الثالث عشر : روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( إن الرجل ليصلي الصلاة وقد فاته من أول الوقت ما هو خير له من أهله وماله ). 
الرابع عشر : قال عليه السلام :( من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ) فمن كان أسبق في الطاعة كان هو الذي سن عمل الطاعة في ذلك الوقت، فوجب أن يكون ثوابه أكثر من ثواب المتأخر. 
الخامس عشر : إنا توافقنا على أن أحد أسباب الفضيلة فيما بين الصحابة المسابقة إلى الإسلام حتى وقع الخلاف الشديد بين أهل السنة وغيرهم أن أبا بكر أسبق إسلاما أم عليا، وما ذاك إلا اتفاقهم على أن المسابقة في الطاعة توجب مزيد الفضل وذلك يدل على قولنا. 
السادس عشر : قوله عليه السلام في خطبة له :( وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشتغلوا ) ولا شك أن الصلاة من الأعمال الصالحة. 
السابع عشر : أن تعجيل حقوق الآدميين أفضل من تأخيرها، فوجب أن يكون الحال في أداء حقوق الله تعالى كذلك، والجامع بينهما رعاية معنى التعظيم. 
الثامن عشر : أن المبادرة والمسارعة إلى الصلاة إظهار للحرص على الطاعة، والولوع بها، والرغبة فيها وفي التأخير كسل عنها، فيكون الأول أولى. 
التاسع عشر : أن الاحتياط في تعجيل الصلاة لأنه إذا أداها في أول الوقت تفرغت ذمته، فإذا أخر فربما عرض له شغل فمنعه عن أدائها فيبقى الواجب في ذمته، فالوجه الذي يحصل فيه الاحتياط لا شك أنه أولى. 
العشرون : أجمعنا في صوم رمضان أن تعجيله أفضل من تأخيره وذلك لأن المريض يجوز له أن يفطر ويؤخر الصوم، ويجوز له أن يعجل ويصوم في الحال، ثم أجمعنا على أن التعجيل في الصوم أفضل على ما قال : وأن تصوموا خير لكم  فوجب أيضا أن يكون التعجيل في الصلاة أولى فإن قيل : تنتقض هذه الدلائل القياسية بالظهر في شدة الحر، أو بما إذا حصل له رجاء إدراك الجماعة أو وجود الماء قلنا : التأخير ثبت في هذه المواضع لأمور عارضة، وكلامنا في مقتضى الأصل. 
الحادي والعشرون : المسارعة إلى الامتثال أحسن في العرف من ترك المسارعة، فوجب أن يكون في الشرع كذلك لقوله عليه السلام :( ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله ح

### الآية 2:149

> ﻿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۖ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [2:149]

قوله تعالى : ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون 
اعلم أن أول ما في هذه الآية من البحث أن الله تعالى قال قبل هذه الآيات : قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أن الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون  وذكر ههنا ثانيا قوله تعالى : ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون  وذكر ثالثا قوله : ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة  فهل في هذا التكرار فائدة أم لا ؟ وللعلماء فيه أقوال ( أحدها ) : أن الأحوال ثلاثة، ( أولها ) : أن يكون الإنسان في المسجد الحرام. ( وثانيها ) : أن يخرج عن المسجد الحرام ويكون في البلد ( وثالثها ) : أن يخرج عن البلد إلى أقطار الأرض، فالآية الأولى محمولة على الحالة الأولى، والثانية على الثانية، والثالثة على الثالثة، لأنه قد كان يتوهم أن للقرب حرمة لا تثبت فيها للعبد، فلأجل إزالة هذا الوهم كرر الله تعالى هذه الآيات. 
( والجواب الثاني ) : أنه سبحانه إنما أعاد ذلك ثلاث مرات لأنه علق بها كل مرة فائدة زائدة أما في المرة الأولى فبين أن أهل الكتاب يعلمون أن أمر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأمر هذه القبلة حق، لأنهم شاهدوا ذلك في التوراة والإنجيل، وأما في المرة الثانية فبين أنه تعالى يشهد أن ذلك حق، وشهادة الله بكونه حقا مغايرة لعلم أهل الكتاب بكونه حقا، وأما في المرة الثالثة فبين أنه إنما فعل ذلك لئلا يكون للناس عليكم حجة، فلما اختلفت هذه الفوائد حسنت إعادتها لأجل أن يترتب في كل واحدة من المرات واحدة من هذه الفوائد، ونظيره قوله تعالى : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون . 
( والجواب الثالث ) : أنه تعالى قال في الآية الأولى : فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره  فكان ربما يخطر ببال جاهل أنه تعالى إنما فعل ذلك طلبا لرضا محمد صلى الله عليه وسلم لأنه قال : فلنولينك قبلة ترضاها  فأزال الله تعالى هذا الوهم الفاسد بقوله : ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك  أي نحن ما حولناك إلى هذه القبلة بمجرد رضاك، بل لأجل أن هذا التحويل هو الحق الذي لا محيد عنه فاستقبالها ليس لأجل الهوى والميل كقبلة اليهود المنسوخة التي إنما يقيمون عليها بمجرد الهوى والميل، ثم أنه تعالى قال ثالثا : ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره  والمراد دوموا على هذه القبلة في جميع الأزمنة والأوقات، ولا تولوا فيصير ذلك التولي سببا للطعن في دينكم، والحاصل أن الآية السالفة أمر بالدوام في جميع الأمكنة والثانية أمر بالدوام في جميع الأزمنة والأمكنة، والثالثة أمر بالدوام في جميع الأزمنة وإشعار بأن هذا لا يصير منسوخا البتة. 
( والجواب الرابع ) : أن الأمر الأول مقرون بإكرامه إياهم بالقبلة التي كانوا يحبونها وهي قبلة أبيهم إبراهيم عليه السلام والثاني مقرون بقوله تعالى : ولكل وجهة هو موليها  أي لكل صاحب دعوة وملة قبلة يتوجه إليها فتوجهوا أنتم إلى أشرف الجهات التي يعلم الله تعالى أنها حق وذلك هو قوله : ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك . والثالث مقرون بقطع الله تعالى حجة من خاصمه من اليهود في أمر القبلة فكانت هذه عللا ثلاثا قرن بكل واحدة منها أمر بالتزام القبلة نظيره أن يقال : ألزم هذه القبلة فإنها القبلة التي كنت تهواها، ثم يقال : ألزم هذه القبلة فإنها قبلة الحق لا قبلة الهوى، وهو قوله : وإنه للحق من ربك  ثم يقال : الزم هذه القبلة فإن في لزومك إياها انقطاع حجج اليهود عنك، وهذا التكرار في هذا الموضع كالتكرار في قوله تعالى : فبأي آلاء ربكما تكذبان  وكذلك ما كرر في قوله تعالى : إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين . 
( والجواب الخامس ) : أن هذه الواقعة أول الوقائع التي ظهر النسخ فيها في شرعنا فدعت الحاجة إلى التكرار لأجل التأكيد والتقرير وإزالة الشبهة وإيضاح البينات. 
أما قوله تعالى : وما الله بغافل عما تعملون  يعني ما يعمله هؤلاء المعاندون الذين يكتمون الحق وهم يعرفونه ويدخلون الشبهة على العامة بقولهم : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها  وبأنه قد اشتاق إلى مولده ودين آبائه فإن الله عالم بهذا فأنزل ما أبطله وكشف عن وهنه وضعفه.

### الآية 2:150

> ﻿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [2:150]

أما قوله : لئلا يكون للناس عليكم حجة  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن هذا الكلام يوهم حجاجا وكلاما تقدم من قبل في باب القبلة عن القوم فأراد الله تعالى أن يبين أن تلك الحجة تزول الآن باستقبال الكعبة، وفي كيفية تلك الحجة روايات ( أحدها ) : أن اليهود قالوا : تخالفنا في ديننا وتتبع قبلتنا ( وثانيها ) : قالوا : ألم يدر محمد أين يتوجه في صلاته حتى هديناه. ( وثالثها ) : أن العرب قالوا إنه كان يقول : أنا على دين إبراهيم والآن ترك التوجه إلى الكعبة، ومن ترك التوجه إلى الكعبة فقد ترك دين إبراهيم عليه السلام فصارت هذه الوجوه وسائل لهم إلى الطعن في شرعه عليه الصلاة والسلام، إلا أن الله تعالى لما علم أن الصلاح في ذلك أوجب عليهم التوجه إلى بيت المقدس لما فيه من المصلحة في الدين، لأن قولهم لا يؤثر في المصالح، وقد بينا من قبل تلك المصلحة، وهي تميز من اتبعه بمكة ممن أقام على تكذيبه، فإن ذلك الامتياز ما كان يظهر إلا بهذا الجنس ولما انتقل عليه الصلاة والسلام إلى المدينة تغيرت المصلحة فاقتضت الحكمة تحويل القبلة إلى الكعبة، فلهذا قال الله تعالى : لئلا يكون للناس عليكم حجة  يعني تلك الشبهة التي ذكروها تزول بسبب هذا التحويل، ولما كان فيهم من المعلوم من حاله أنه يتعلق عند هذا التحويل بشبهة أخرى، وهو قول بعض العرب : إن محمدا عليه الصلاة والسلام عاد إلى ديننا في الكعبة وسيعود إلى ديننا بالكلية وكان التمسك بهذه الشبهة والاستمرار عليها سببا للبقاء على الجهل والكفر، وذلك ظلم على النفس على ما قال تعالى : إن الشرك لظلم عظيم  فلا جرم قال الله تعالى : إلا الذين ظلموا منهم . 
المسألة الثانية : قرأ نافع : ليلا  يترك الهمزة وكل همزة مفتوحة قبلها كسرة فإنه يقلبها ياء والباقون بالهمزة وهو الأصل. 
المسألة الثالثة : لئلا  موضعه نصب، والعامل فيه  ولوا  أي ولو الئلا، وقال الزجاج التقدير : عرفتكم ذلك لئلا يكون للناس عليكم حجة. 
المسألة الرابعة : قيل : الناس هم أهل الكتاب عن قتادة والربيع وقيل : هو على العموم. 
المسألة الخامسة : ههنا سؤال، وهو أن شبهة هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم ليست بحجة، فكيف يجوز استثناؤها عن الحجة وقد اختلف الناس فيه على أقوال. ( الأول ) : أنه استثناء متصل ثم على هذا القول يمكن دفع السؤال من وجوه :
( الوجه الأول ) : أن الحجة كما أنها قد تكون صحيحة، قد تكون أيضا باطلة، قال الله تعالى  حجتهم داحضة عند ربهم  وقال تعالى : فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم  والمحاجة هي أن يورد كل واحد منهم على صاحبه حجة وهذا يقتضي أن يكون الذي يورد المبطل يسمى بالحجة ولأن الحجة اشتقاقها من حجة إذا علا عليه فكل كلام يقصد به غلبة الغير فهو حجة، وقال بعضهم : إنها مأخوذة من محجة الطريق، فكل كلام يتخذه الإنسان مسلكا لنفسه في إثبات أو إبطال فهو حجة، وإذا ثبت أن الشبهة قد تسمى حجة كان الاستثناء متصلا. 
( الوجه الثاني ) : في تقرير أنه استثناء متصل : أن المراد بالناس أهل الكتاب فإنهم وجدوه في كتابهم أنه عليه الصلاة والسلام يحول القبلة فلما حولت، بطلت حجتهم إلا الذين ظلموا بسبب أنهم كتموا ما عرفوا عن أبي روق. 
( الوجه الثالث ) : أنهم لما أوردوا تلك الشبهة على اعتقاد أنها حجة سماها الله. ( حجة ) بناء على معتقدهم أو لعله تعالى سماها ( حجة ) تهكما بهم. 
( الوجه الرابع ) : أراد بالحجة المحاجة والمجادلة فقال : لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم  فإنهم يحاجونكم بالباطل. 
( القول الثاني ) : أنه استثناء منقطع، ومعناه لكن الذين ظلموا منهم يتعلقون بالشبهة ويضعونها موضع الحجة، وهو كقوله تعالى : ما لهم به من علم إلا اتباع الظن  وقال النابغة :
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم \*\*\* بهن فلول من قراع الكتائب
ومعناه : لكن بسيوفهم فلول وليس بعيب ويقال ما له على حق إلا التعدي يعني لكنه يتعدى ويظلم، ونظيره أيضا قوله تعالى : إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم  وقال : لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم  وهذا النوع من الكلام عادة مشهورة للعرب. 
القول الثالث : زعم أبو عبيدة أن  إلا  بمعنى الواو كأنه تعالى قال : لئلا يكون للناس عليكم حجة وللذين ظلموا وأنشد :
وكل أخ مفارقه أخوه \*\*\* لعمر أبيك إلا الفرقدان
يعني : والفرقدان. 
القول الرابع : قال قطرب : موضع  الذين  خفض لأنه بدل من الكاف والميم في عليكم كأنه قيل : لئلا يكون عليكم حجة إلا الذين ظلموا فإنه يكون حجة عليهم وهم الكفار، قال علي ابن عيسى : هذان الوجهان بعيدان. 
أما قوله تعالى : فلا تخشوهم واخشوني  فالمعنى لا تخشوا من تقدم ذكره ممن يتعنت ويجادل ويحاج، ولا تخافوا مطاعنهم في قبلتكم فإنهم لا يضررنكم واخشوني. يعني احذروا عقابي إن أنتم عدلتم عما ألزمتكم وفرضت عليكم، وهذه الآية يدل على أن الواجب على المرء في كل أفعاله وتروكه أن ينصب بين عينيه : خشية عقاب الله، وأن يعلم أنه ليس في يد الخلق شيء البتة، وأن لا يكون مشتغل القلب بهم، ولا ملتفت الخاطر إليهم. 
أما قوله تعالى : ولأتم نعمتي عليكم  فقد اختلفوا في متعلق اللام على وجوه. ( أحدها ) : أنه راجع إلى قوله تعالى : لئلا يكون للناس عليكم حجة ولأتم نعمتي عليكم  فبين الله تعالى أنه حولهم إلى هذه الكعبة لهاتين الحكمتين. ( إحداهما ) : لانقطاع حجتهم عنه. ( والثانية ) : لتمام النعمة، وقد بين أبو مسلم بن بحر الأصفهاني ما في ذلك من النعمة، وهو أن القوم كانوا يفتخرون باتباع إبراهيم في جميع ما كانوا يفعلون فلما حول صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس لحقهم ضعف قلب، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب التحول إلى الكعبة لما فيه من شرف البقعة فهذا موضع النعمة ( وثانيها ) : أن متعلق اللام محذوف ؛ معناه : ولإتمام النعمة عليكم وإرادتي اهتداءكم أمرتكم بذلك ( وثالثها ) : أن يعطف على علة مقدرة، كأنه قيل : واحشوني لأوفقكم ولأتم نعمتي عليكم، والقول الأول أقرب إلى الصواب فإن قيل : إنه تعالى أنزل عند قرب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي  فبين أن تمام النعمة إنما حصل ذلك اليوم، فكيف قال قبل ذلك اليوم بسنين كثيرة في هذه الآية : ولأتم نعمتي عليكم  قلنا : تمام النعمة اللائقة في كل وقت هو الذي خصه به، وفي الحديث :( تمام النعمة دخول الجنة ) وعن علي رضي الله عنه : تمام النعمة الموت على الإسلام. 
واعلم أن الذي حكيناه عن أبي مسلم رحمه الله من التشكك في صلاة الرسول وصلاة أمته إلى بيت المقدس، فإن كان مراده أن ألفاظ القرآن لا تدل على ذلك فقد أصاب، لأن شيئا من ألفاظ القرآن لا دلالة فيه على ذلك البتة على ما بيناه، وإن أراد به إنكاره أصلا، فبعيد. لأن الأخبار في ذلك قريبة من المتواتر، ولأبي مسلم رحمه الله أن يمنع التواتر، وعند ذلك يقول : لا يصح التعويل في القطع بوقوع النسخ في شرعنا على خبر الواحد والله أعلم.

### الآية 2:151

> ﻿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [2:151]

قوله تعالى : كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون . 
اعلم أنا قد بينا أن الله تعالى استدل على صحة دين محمد عليه الصلاة والسلام بوجوه : بعضها إلزامية، وهو أن هذا الدين دين إبراهيم فوجب قبوله، وهو المراد بقوله : ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه  وبعضها برهانية وهو قوله : قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط  ثم إنه سبحانه وتعالى عقب هذا الاستدلال بحكاية شبهتين لهم ( إحداهما ) : قوله : وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا  ( والثانية ) : استدلالهم بإنكار النسخ على القدح في هذه الشريعة، وهو قول : سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها  وأطنب الله تعالى في الجواب عن الشبهة وبالحق فعل ذلك، لأن أعظم الشبهة لليهود في إنكار نبوة محمد عليه الصلاة والسلام إنكار النسخ، فلا جرم أطنب الله تعالى في الجواب عن هذه الشبهة، وختم ذلك الجواب بقوله : ولأتم نعمتي عليكم  فصار هذا الكلام مع ما فيه من الجواب عن الشبهة تنبيها على عظيم نعم الله تعالى، ولا شك أن ذلك أشد استمالة لحصول العز والشرف في الدنيا، والتخلص في الذل والمهانة يكون مرغوبا فيه، وعند اجتماع الأمرين فقد بلغ النهاية في هذا الباب. 
أما قوله : كما أرسلنا  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : هذا الكاف إما أن يتعلق بما قبله أو بما بعده، فإن قلنا : إنه متعلق بما قبله ففيه وجوه. ( الأول ) : أنه راجع إلى قوله : ولأتم نعمتي عليكم  أي ولأتم نعمتي عليكم في الدنيا بحصول الشرف، وفي الآخرة بالفوز بالثواب، كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول. ( الثاني ) : أن إبراهيم عليه السلام قال : ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويزكيهم  وقال أيضا : ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا  فكأنه تعالى قال : ولأتم نعمتي عليكم ببيان الشرائع، وأهديكم إلى الدين إجابة لدعوة إبراهيم، كما أرسلنا فيكم رسولا إجابة لدعوته عن ابن جرير. ( الثالث ) : قول أبي مسلم الأصفهاني، وهو أن التقدير : وكذلك جعلناكم أمة وسطا كما أرسلنا فيكم رسولا، أي كما أرسلنا فيكم رسولا من شأنه وصفته كذا وكذا، فكذلك جعلناكم أمة وسطا، وأما إن قلنا : أنه متعلق بما بعده، فالتقدير : كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يعلمكم الدين والشرع، فاذكروني أذكركم وهو اختيار الأصم وتقريره إنكم كنتم على صورة لا تتلون كتابا، ولا تعلمون رسولا، ومحمد صلى الله عليه وسلم رجل منكم ليس بصاحب كتاب، ثم أتاكم بأعجب الآيات يتلوه عليكم بلسانكم وفيه ما في كتب الأنبياء، وفيه الخبر عن أحوالهم، وفيه التنبيه على دلائل التوحيد والمعاد وفيه التنبيه على الأخلاق الشريفة، والنهي عن أخلاق السفهاء، وفي ذلك أعظم البرهان على صدقه فقال : كما أوليتكم هذه النعمة وجعلتها لكم دليلا، فاذكروني بالشكر عليها، أذكركم برحمتي وثوابي، والذي يؤكده قوله تعالى : لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا منهم  فلما ذكرهم هذه النعمة والمنة، أمرهم في مقابلتها بالذكر والشكر فإن قيل : كما  هل يجوز أن يكون جوابا ؟ قلنا : جوزه الفراء وجعل لأذكروني جوابين. ( أحدهما ) : كما . والثاني : أذكركم  ووجه ذلك لأنه أوجب عليهم الذكر ليذكرهم الله برحمته، ولما سلف من نعمته، قال القاضي : والوجه الأول أولى لأنه قبل الكلام إذا وجد ما يتم به الكلام من غير فصل فتعلقه به أولى. 
المسألة الثانية : في وجه التشبيه قولان : إن قلنا لكاف متعلق بقوله ولأتم نعمتي كان المعنى أن النعمة في أمر القبلة كالنعمة بالرسالة لأنه تعالى يفعل الأصلح، وإن قلنا إنه متعلق بقوله تعالى : اذكروني  دل ذلك على أن النعمة بالذكر جارية مجرى النعمة بالرسالة. 
المسألة الثالثة : ما  في قوله : كما أرسلنا  مصدرية كأنه قيل : كإرسالنا فيكم، ويحتمل أن تكون كافة. 
أما قوله تعالى : فيكم  فالمراد به العرب وكذلك قوله : منكم  وفي إرساله فيهم ومنهم، نعم عظيمة عليهم لما لهم فيه الشرف، ولأن المشهور من حال العرب الأنفة الشديدة من الانقياد للغير فبعثه الله تعالى من واسطتهم ليكونوا إلى القبول أقرب. 
أما قوله تعالى : يتلو عليكم آياتنا  فاعلم أنه من أعظم النعم لأنه معجزة باقية، ولأنه يتلى فيتأدى به العبادات ؛ ولأنه يتلى فيستفاد منه جميع العلوم، ولأنه يتلى فيستفاد منه مجامع الأخلاق الحميدة، فكأنه يحصل من تلاوته كل خيرات الدنيا والآخرة. 
أما قوله : ويزكيكم  ففيه أقوال. ( أحدها ) : أنه عليه الصلاة والسلام يعلمهم ما إذا تمسكوا به صاروا أزكياء عن الحسن. ( وثانيها ) : يزكيهم بالثناء والمدح، أي يعلم ما أنتم عليه من محاسن الأخلاق فيصفكم به، كما يقال : إن المزكي زكي الشاهد، أي وصفه بالزكاء. ( وثالثها ) : أن التزكية عبارة عن التنمية، كأنه قال يكثركم، كما قال : إذ كنتم قليلا فكثركم  وذلك بأن يجمعهم على الحق فيتواصلوا ويكثروا، عن أبي مسلم، قال القاضي : وهذه الوجوه غير متنافية فلعله تعالى يفعل بالمطيع كل ذلك. 
أما قوله تعالى : ويعلمكم الكتاب  فليس بتكرار لأن تلاوة القرآن عليهم غير تعليمه إياهم، وأما  الحكمة  فهي العلم بسائر الشريعة التي يشتمل القرآن على تفصيلها، ولذلك قال الشافعي رضي الله عنه  الحكمة  هي سنة الرسول عليه السلام. 
أما قوله : ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون  فهذا تنبيه على أنه تعالى أرسله على حين فترة من الرسل وجهالة من الأمم، فالخلق كانوا متحيرين ضالين في أمر أديانهم فبعث الله تعالى محمدا بالحق حتى علمهم ما احتاجوا إليه في دينهم وذلك من أعظم أنواع النعم.

### الآية 2:152

> ﻿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ [2:152]

قوله تعالى : فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون . 
اعلم أن الله تعالى كلفنا في هذه الآية بأمرين : الذكر، والشكر، أما الذكر فقد يكون باللسان، وقد يكون بالقلب، وقد يكون بالجوارح، فذكرهم إياه باللسان أن يحمدوه ويسبحوه ويمجدوه ويقرؤا كتابه، وذكرهم إياه بقلوبهم على ثلاثة أنواع. ( أحدها ) : أن يتفكروا في الدلائل الدالة على ذاته وصفاته، ويتفكروا في الجواب عن الشبهة الفادحة في تلك الدلائل. ( وثانيها ) : أن يتفكروا في الدلائل الدالة على كيفية تكاليفه وأحكامه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده، فإذا عرفوا كيفية التكليف وعرفوا ما في الفعل من الوعد، وفي الترك من الوعيد سهل فعله عليهم. ( وثالثها ) : أن يتفكروا في أسرار مخلوقات الله تعالى حتى تصير كل ذرة من ذرات المخلوقات كالمرآة المجلوة المحاذية لعالم القدس، فإذا نظر العبد إليها انعكس شعاع بصره منها إلى عالم الجلال وهذا المقام مقام لا نهاية له، أما ذكرهم إياه تعالى بجوارحهم، فهو أن تكون جوارحهم مستغرقة في الأعمال التي أمروا بها، وخالية عن الأعمال التي نهوا عنها، وعلى هذا الوجه سمى الله تعالى الصلاة ذكرا بقوله : فاسعوا إلى ذكر الله  فصار الأمر بقوله : اذكروني  متضمنا جميع الطاعات، فلهذا روي عن سعيد بن جبير أنه قال : اذكروني بطاعتي فأجمله حتى يدخل الكل فيه، أما قوله : أذكركم  فلابد من حمله على ما يليق بالموضع، والذي له تعلق بذلك الثواب والمدح، وإظهار الرضا والإكرام، وإيجاب المنزلة، وكل ذلك داخل تحت قوله : أذكركم  ثم للناس في هذه الآية عبارات. ( الأولى ) : اذكروني بطاعتي أذكركم برحمتي. ( الثانية ) : اذكروني بالإجابة والإحسان وهو بمنزلة قوله : ادعوني أستجب لكم  وهو قول أبي مسلم قال : أمر الخلق بأن يذكروه راغبين راهبين، وراجين خائفين ويخلصوا الذكر له عن الشركاء، فإذا هم ذكروه بالإخلاص في عبادته وربوبيته ذكرهم بالإحسان والرحمة والنعمة في العاجلة والآجلة. ( الثالثة ) : اذكروني بالثناء والطاعة أذكركم بالثناء والنعمة. ( الرابعة ) : اذكروني في الدنيا أذكركم في الآخرة. ( الخامسة ) : اذكروني في الخلوات أذكركم في الفلوات. ( السادسة ) : اذكروني في الرخاء أذكركم في البلاء. ( السابعة ) : اذكروني بطاعتي أذكركم بمعونتي. ( الثامنة ) : اذكروني بمجاهدتي أذكركم بهدايتي. ( التاسعة ) : اذكروني بالصدق والإخلاص أذكركم بالخلاص ومزيد الاختصاص. ( العاشرة ) : اذكروني بالربوبية في الفاتحة أذكركم بالرحمة والعبودية في الخاتمة.

### الآية 2:153

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [2:153]

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين . 
اعلم أنه تعالى لما أوجب بقوله : فاذكروني  جميع العبادات، وبقوله : واشكروا لي  ما يتصل بالشكر أردفه ببيان ما يعين عليهما فقال : استعينوا بالصبر والصلاة  وإنما خصهما بذلك لما فيهما من المعونة على العبادات، أما الصبر فهو قهر النفس على احتمال المكاره في ذات الله تعالى وتوطينها على تحمل المشاق وتجنب الجزع، ومن حمل نفسه وقلبه على هذا التذليل سهل عليه فعل الطاعات وتحمل مشاق العبادات، وتجنب المحظورات ومن الناس من حمل الصبر على الصوم، ومنهم من حمله على الجهاد لأنه تعالى ذكر بعده : ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله  وأيضا فلأنه تعالى أمر بالتثبت في الجهاد فقال : إذا لقيتم فئة فاثبتوا  وبالتثبت في الصلاة أي في الدعاء فقال : وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين  إلا أن القول الذي اخترناه أولى لعموم اللفظ وعدم تقييده، والاستعانة بالصلاة لأنها يجب أن تفعل على طريق الخضوع والتذلل للمعبود والإخلاص له، ويجب أن يوفر همه وقلبه عليها وعلى ما يأتي فيها من قراءة فيتدبر الوعد والوعيد والترغيب والترهيب ومن سلك هذه الطريقة في الصلاة فقد ذلل نفسه لاحتمال المشقة فيما عداها من العبادات ولذلك قال : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر  ولذلك نرى أهل الخير عند النوائب متفقين على الفزع إلى الصلاة، وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. 
ثم قال : إن الله مع الصابرين  يعني في النصر لهم كما قال : فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم  فكأنه تعالى ضمن لهم إذا هم استعانوا على طاعاته بالصبر والصلاة أن يزيدهم توفيقا وتسديدا وألطافا كما قال : ويزيد الله الذين اهتدوا هدى .

### الآية 2:154

> ﻿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِنْ لَا تَشْعُرُونَ [2:154]

قوله تعالى : ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون . 
اعلم أن هذه الآية نظير قوله في آل عمران : بل أحياء عند ربهم يرزقون  ووجه تعلق الآية بما قبلها كأنه قيل : استعينوا بالصبر والصلاة في إقامة ديني، فإن احتجتم في تلك الإقامة إلى مجاهدة عدوي بأموالكم وأبدانكم ففعلتم ذلك فتلفت نفوسكم فلا تحسبوا أنكم ضيعتم أنفسكم بل اعلموا أن قتلاكم أحياء عندي وههنا مسائل :
المسألة الأولى : قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت الآية في قتلى بدر وقتل من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلا، ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار، فمن المهاجرين : عبيدة بن الحرث بن عبد المطلب، وعمر بن أبي وقاص، وذو الشمالين، وعمرو بن نفيلة، وعامر بن بكر، ومهجع بن عبد الله. ومن الأنصار : سعيد بن خيثمة، وقيس بن عبد المنذر، وزيد بن الحرث، وتميم بن الهمام، ورافع بن المعلى، وحارثة بن سراقة، ومعوذ بن عفراء، وعوف بن عفراء، وكانوا يقولون : مات فلان ومات فلان فنهى الله تعالى أن يقال فيهم أنهم ماتوا. وعن آخرين أن الكفار والمنافقين قالوا : إن الناس يقتلون أنفسهم طلبا لمرضاة محمد من غير فائدة فنزلت هذه الآية. 
المسألة الثانية : أموات  رفع لأنه خبر مبتدأ محذوف تقديره : لا تقولوا هم أموات. 
**المسألة الثالثة : في الآية أقوال :**
( القول الأول ) : أنهم في الوقت أحياء كأن الله تعالى أحياهم لإيصال الثواب إليهم وهذا قول أكثر المفسرين وهذا دليل على أن المطيعين يصل ثوابهم إليهم وهم في القبور، فإن قيل : نحن نشاهد أجسادهم ميتة في القبور، فكيف يصح ما ذهبتم إليه ؟ قلنا : أما عندنا فالبنية ليست شرطا في الحياة ولا امتناع في أن يعيد الله الحياة إلى كل واحد من تلك الذرات والأجزاء الصغيرة من غير حاجة إلى التركيب والتأليف، وأما عند المعتزلة فلا يبعد أن يعيد الله الحياة إلى الأجزاء التي لا بد منها في ماهية الحي ولا يعتبر بالأطراف، ويحتمل أيضا أن يجيبهم إذا لم يشاهدوا. 
القول الثاني : قال الأصم : يعني لا تسموهم بالموتى وقولوا لهم الشهداء الأحياء ويحتمل أن المشركين قالوا : هم أموات في الدين كما قال الله تعالى : أو من كان ميتا فأحييناه  فقال : ولا تقولوا للشهداء ما قاله المشركون، ولكن قولوا : هم أحياء في الدين ولكن لا يشعرون، يعني المشركون لا يعلمون أن من قتل على دين محمد عليه الصلاة والسلام حي في الدين، وعلى هدى من ربه ونور كما روي في بعض الحكايات أن رجلا قال لرجل : ما مات رجل خلف مثلك، وحكى عن بقراط أنه كان يقول لتلامذته : موتوا بالإرادة تحيوا بالطبيعة أي بالروح. 
القول الثالث : أن المشركين كانوا يقولون : إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقتلون أنفسهم ويخسرون حياتهم فيخرجون من الدنيا بلا فائدة ويضيعون أعمارهم إلى غير شيء، وهؤلاء الذين قالوا ذلك، يحتمل أنهم كانوا دهرية ينكرون المعاد، ويحتمل أنهم كانوا مؤمنين بالمعاد إلا أنهم كانوا منكرين لنبوة محمد عليه الصلاة والسلام، فلذلك قالوا هذا الكلام، فقال الله تعالى : ولا تقولوا كما قال المشركون إنهم أموات لا ينشرون ولا ينتفعون بما تحملوا من الشدائد في الدنيا، ولكن اعلموا أنهم أحياء، أي سيحيون فيثابون وينعمون في الجنة وتفسير قوله : أحياء  بأنهم سيحيون غير بعيد، قال الله تعالى :
 إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم  وقال : أحاط بهم سرادقها  وقال  إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار  وقال : فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم  على معنى أنهم سيصيرون كذلك وهذا القول اختيار الكعبي وأبي مسلم الأصفهاني واعلم أن أكثر العلماء على ترجيح القول الأول، والذي يدل عليه وجوه. ( أحدها ) : الآيات الدالة على عذاب القبر، كقوله تعالى : قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين  والموتتان لا تحصل إلا عند حصول الحياة في القبر، وقال الله تعالى : أغرقوا فأدخلوا نارا  والفاء للتعقيب، وقال : النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب  وإذا ثبت عذاب القبر وجب القول بثواب القبر أيضا لأن العذاب حق الله تعالى على العبد والثواب حق للعبد على الله تعالى، فإسقاط العقاب أحسن من إسقاط الثواب فحيثما أسقط العقاب إلى يوم القيامة بل حققه في القبر، كان ذلك في الثواب أولى. ( وثانيها ) : أن المعنى لو كان على ما قيل في القول الثاني والثالث لم يكن لقوله : ولكن لا تشعرون  معنى لأن الخطاب للمؤمنين وقد كانوا لا يعلمون أنهم سيحيون يوم القيامة، وأنهم ماتوا على هدى ونور، فعلم أن الأمر على ما قلنا من أن الله تعالى أحياهم في قبورهم. ( وثالثها ) : أن قوله : ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم  دليل على حصول الحياة في البرزخ قبل البعث. ( ورابعها ) : قوله عليه الصلاة والسلام :( القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران ) والأخبار في ثواب القبر وعذابه كالمتواترة، وكان عليه الصلاة والسلام يقول في آخر صلاته :**«وأعوذ بك من عذاب القبر »** ( وخامسها ) : أنه لو كان المراد من قوله : أنهم أحياء أنهم سيحيون، فحينئذ لا يبقى لتخصيصهم بهذا فائدة، أجاب عنه أبو مسلم بأنه تعالى إنما خصهم بالذكر لأن درجتهم في الجنة أرفع ومنزلتهم أعلى وأشرف لقوله تعالى : ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين  فأرادهم بالذكر تعظيما. 
واعلم أن هذا الجواب ضعيف وذلك لأن منزلة النبيين والصديقين أعظم مع أن الله تعالى ما خصهم بالذكر. ( وسادسها ) : أن الناس يزورون قبور الشهداء ويعظمونها وذلك يدل من بعض الوجوه على ما ذكرناه، واحتج أبو مسلم على ترجيح قوله بأنه تعالى ذكر هذه الآية في آل عمران فقال : بل أحياء عند ربهم  وهذه العندية ليست بالمكان، بل بالكون في الجنة، ومعلوم أن أهل الثواب لا يدخلون الجنة إلا بعد القيامة. ( والجواب ) : لا نسلم أن هذه العندية ليست إلا بالكون في الجنة بل بإعلاء الدرجات وإيصال البشارات إليه وهو في القبر أو في موضع آخر، واعلم أن في الآية قولا آخر وهو : أن ثواب القبر وعذابه للروح لا للقالب، وهذا القول بناء على معرفة الروح، ولنشر إلى خلاصة حاصل قول هؤلاء، فنقول : إنهم قالوا إن الإنسان لا يجوز أن يكون عبارة عن هذا الهيكل المحسوس، أما إنه لا يجوز أن يكون عبارة عن هذا الهيكل فلوجهين :
( الوجه الأول ) : أن أجزاء هذا الهيكل أبدا في النمو والذبول والزيادة والنقصان والاستكمال والذوبان ولا شك أن الإنسان من حيث هو أمر باق من أول عمره، والباقي غير ما هو غير باق، والمشار إليه عند كل أحد بقوله :( أنا ) وجب أن يكون مغايرا لهذا الهيكل. 
( الوجه الثاني ) : أني أكون عالما بأني أنا حال ما أكون غافلا عن جميع أجزائي وأبعاضي، والمعلوم غير ما هو غير معلوم، فالذي أشير إليه بقولي ( أنا ) مغاير لهذه الأعضاء والأبعاض، وأما أن الإنسان غير محسوس فلأن المحسوس إنما هو السطح واللون، ولا شك أن الإنسان ليس هو مجرد اللون والسطح، ثم اختلفوا عند ذلك في أن الذي يشير إليه كل أحد بقوله ( أنا ) أي شيء هو ؟ والأقوال فيه كثيرة إلا أن أشدها تلخيصا وتحصيلا وجهان. ( أحدهما ) : أن أجزاء جسمانية سارية في هذا الهيكل سريان النار في الفحم والدهن في السمسم وماء الورد في الورود والقائلون بهذا القول فريقان. ( أحدهما ) : الذين اعتقدوا تماثل الأجسام فقالوا : إن تلك الأجسام مماثلة لسائر الأجزاء التي منها يتألف هذا الهيكل إلا أن القادر المختار سبحانه يبقي بعض الأجزاء من أول العمر إلى آخره. فتلك الأجزاء هي التي يشير إليها كل أحد بقوله ( أنا ) ثم أن تلك الأجزاء حية بحياة يخلقها الله تعالى فيها فإذا زالت الحياة ماتت وهذا قول أكثر المتكلفين. ( وثانيهما ) : الذين اعتقدوا اختلاف الأجسام وزعموا أن الأجسام التي هي باقية من أول العمر إلى آخر العمر أجسام مخالفة بالماهية والحقيقة للأجسام التي يتألف منها هذا الهيكل وتلك الأجسام حية لذاتها مدركة لذاتها، فإذا خالطت هذا البدن وصارت سارية في هذا الهيكل، سريان النار في الفحم صار هذا الهيكل مستطيرا بنور ذلك الروح متحركا بتحركه، ثم إن هذا الهيكل أبدا في الذوبان والتحلل والتبدل، إلا أن تلك الأجزاء باقية بحالها، وإنما لا يعرض لها التحلل لأنها مخالفة بالماهية لهذه الأجسام البالية، فإذا فسد هذا القالب انفصلت تلك الأجسام اللطيفة النورانية إلى عالم السموات والقدس والطهارة إن كانت من جملة السعداء، وإلى الجحيم وعالم الآفات إن كانت من جملة الأشقياء. 
( والقول الثاني ) : أن الذي يشير إليه كل احد بقوله :( أنا موجود ) ليس بمتحيز ولا قائم بالمتحيز، وأنه ليس داخل العالم ولا خارج العالم ولا يلزم من كونه كذلك أن يكون مثل الله تعالى لأن الاشتراك في السلوب لا يقتضي الاشتراك في الماهية، واحتجوا على ذلك بأن في المعلومات ما هو فرد حقا فوجب أن يكون العلم به فردا حقا، فوجب أن يكون الموصوف بذلك العلم فردا حقا، وكل جسم وكل حال في الجسم فليس بفرد حقا، فذلك الذي يصدق عليه منا أنه يعلم هذه المفردات، وجب أن لا يكون جسما ولا جسمانيا أما أن في المعلومات ما هو فرد حقا فلأنه لا شك في وجود شيء، فهذا الموجود إن كان فردا حقا فهو المطلوب، وإن كان مركبا فالمركب مركب على الفرد، فلا بد من الفرد على كل الأحوال، وأما أنه إذا كان في المعلومات ما هو فرد كان في المعلوم ما هو فرد لأن العلم المتعلق بذلك الفرد إن كان منقسما فكل واحد من أجزائه أو بعض أجزائه إما أن يكون علما بذلك المعلوم وهو محال، لأنه يلزم أن يكون الجزء مساويا للكل وهو محال، وإما أن لا يكون شيء من أجزائه علما بذلك المعلوم، فعند اجتماع تلك الأجزاء إما أن يحدث زائد هو العلم بذلك المعلوم الفرد، فحينئذ يكون العلم بذلك المعلوم هو هذه الكيفية الحادثة لا تلك الأشياء التي فرضناها قبل ذلك ثم هذه الكيفية إن كانت منقسمة عاد الحديث فيه وإن لم تكن منقسمة فهو المطلوب، وأما إنه إذا كان في المعلوم علم لا يقبل القسمة كان الموصوف به أيضا كذلك، فلأن الموصوف به لو كان قبل القسمة، لكان كل واحد من تلك الأجزاء أو شيء منها إن كان موصوفا به بتمامه فحينئذ يكون العرض الواحد حالا في أشياء كثيرة وهو محال، أو يتوزع أجزاء الحال على أجزاء المحل، فيقسم الحال وقد فرضنا أنه غير منقسم أو لا يتصف شيء من أجزاء المحل إلا بتمام الحال ولا شيء من أجزاء ذلك الحال، فحينئذ يكون ذلك المحل خاليا عن ذلك الحال وقد فرضناه موصوفا به هذا خلف، وأما أن كل متحيز ينقسم فبالدلائل المذكورة في نفي الجوهر الفرد، قالوا : فثبت أن الذي يشير إليه كل أحد بقوله :( أنا موجود ) ليس بمتحيز ولا قائم بالمتحيز ثم نقول : هذا الموجود لابد أن يكون مدركا للجزئيات لأنه لا يمكنني أن أحكم على هذا الشخص المشار إليه بأنه إنسان وليس بفرس، والحاكم بشيء على شيء لا بد وأن يحضر المقضي عليهما فهذا الشيء مدرك لهذا الجزئي وللإنسان الكلي حتى يمكنه أن يحكم بهذا الكلي على

### الآية 2:155

> ﻿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [2:155]

قوله تعالى : ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين . 
اعلم أن القفال رحمه الله قال : هذا متعلق بقوله : واستعينوا بالصبر والصلاة  أي استعينوا بالصبر والصلاة فإنا نبلوكم بالخوف وبكذا وفيه مسائل :
المسألة الأولى : فإن قيل إنه تعالى قال : واشكروا لي ولا تكفرون  والشكر يوجب المزيد على ما قال : لئن شكرتم لأزيدنكم  فكيف أردفه بقوله : ولنبلونكم بشيء من الخوف  ( والجواب ) من وجهين :( الأول ) : أنه تعالى أخبر أن إكمال الشرائع إتمام النعمة، فكان ذلك موجبا للشكر، ثم أخبر أن القيام بتلك الشرائع لا يمكن إلا بتحمل المحن، فلا جرم أمر فيها بالصبر. ( الثاني ) : أنه تعالى أنعم أولا فأمر بالشكر، ثم ابتلى وأمر بالصبر، لينال الرجل درجة الشاكرين والصابرين معا، فيكمل إيمانه على ما قال عليه الصلاة والسلام :( الإيمان نصفان : نصف صبر ونصف شكر ). 
المسألة الثانية : روي عن عطاء والربيع بن أنس أن المراد بهذه المخاطبة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة. 
المسألة الثالثة : أما أن الابتلاء كيف يصح على الله تبارك وتعالى فقد تقدم في تفسير قوله تعالى : وإذا ابتلى إبراهيم ربه  وأما الحكمة في تقديم تعريف هذا الابتلاء ففيها وجوه. ( أحدها ) : ليوطنوا أنفسهم على الصبر عليها إذا وردت، فيكون ذلك أبعد لهم عن الجزع، وأسهل عليهم بعد الورود. ( وثانيها ) : إذا علموا أنه ستصل إليهم تلك المحن، اشتد خوفهم، فيصير ذلك الخوف تعجيلا للابتلاء، فيستحقون به مزيد الثواب. ( وثالثها ) : أن الكفار إذا شاهدوا محمدا وأصحابه مقيمين على دينهم مستقرين عليه مع ما كانوا عليه من نهاية الضر والمحنة والجوع، يعلمون أن القوم إنما اختاروا هذا الدين لقطعهم بصحته، فيدعوهم ذلك إلى مزيد التأمل في دلائله، ومن المعلوم الظاهر أن التبع إذا عرفوا أن المتبوع في أعظم المحن بسبب المذهب الذي ينصره، ثم رأوه مع ذلك مصرا على ذلك المذهب كان ذلك أدعى لهم إلى اتباعه مما إذا رأوه مرفه الحال لا كلفة عليه في ذلك المذهب. ( ورابعها ) : أنه تعالى أخبر بوقوع ذلك الابتلاء قبل وقوعه، فوجد مخبر ذلك الخبر على ما أخبر عنه فكان ذلك إخبارا عن الغيب فكان معجزا. ( وخامسها ) : أن من المنافقين من أظهر متابعة الرسول طمعا منه في المال وسعة الرزق فإذا اختبره تعالى بنزول هذه المحن فعند ذلك يتميز المنافق عن الموافق لأن المنافق إذا سمع ذلك نفر منه وترك دينه فكان في هذا الاختبار هذه الفائدة. ( وسادسها ) : أن إخلاص الإنسان حالة البلاء ورجوعه إلى باب الله تعالى أكثر من إخلاصه حال إقبال الدنيا عليه، فكانت الحكمة في هذا الابتلاء ذلك. 
المسألة الرابعة : إنما قال بشيء على الوحدان، ولم يقل بأشياء على الجمع لوجهين. ( الأول ) : لئلا يوهم بأشياء من كل واحد، فيدل على ضروب الخوف والتقدير بشيء من كذا وشيء من كذا. ( الثاني ) : معناه بشيء قليل من هذه الأشياء. 
المسألة الخامسة : اعلم أن كل ما يلاقيك من مكروه ومحبوب، فينقسم إلى موجود في الحال وإلى ما كان موجودا في الماضي وإلى ما سيوجد في المستقبل، فإذا خطر ببالك موجود فيما مضى سمي ذكرا وتذكرا وإن كان موجودا في الحال : يسمى ذوقا ووجدا وإنما سمي وجدا لأنها حالة تجدها من نفسك وإن كان قد خطر ببالك وجود شيء في الاستقبال وغلب ذلك على قلبك، سمي انتظارا وتوقعا، فإن كان المنتظر مكروها حصل منه ألم في القلب يسمى خوفا وإشفاقا، وإن كان محبوبا سمي ذلك ارتياحا، والارتياح رجاء، فالخوف هو تألم القلب لانتظار ما هو مكروه عنده، والرجاء هو ارتياح القلب لانتظار ما هو محبوب عنده، وأما الجوع فالمراد منه القحط وتعذر تحصيل القوت : قال القفال رحمه الله : أما الخوف الشديد فقد حصل لهم عند مكاشفتهم العرب بسبب الدين، فكانوا لا يأمنون قصدهم إياهم واجتماعهم عليهم، وقد كان من الخوف في وقعة الأحزاب ما كان، قال الله تعالى : هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا  وأما الجوع فقد أصابهم في أول مهاجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لقلة أموالهم، حتى أنه عليه السلام كان يشد الحجر على بطنه، وروى أبو الهيثم بن التيهان أنه عليه السلام لما خرج التقى مع أبي بكر قال : ما أخرجك ؟ قال : الجوع. قال : أخرجني ما أخرجك : وأما النقص في الأموال والأنفس فقد يحصل ذلك عند محاربة العدو بأن ينفق الإنسان ماله في الاستعداد للجهاد وقد يقتل، فهناك يحصل النقص في المال والنفس وقال الله تعالى : وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم  وقد يحصل الجوع في سفر الجهاد عند فناء الزاد قال الله تعالى : ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله  وقد يكون النقص في النفس بموت بعض الإخوان والأقارب على ما هو التأويل في قوله : ولا تقتلوا أنفسكم  وأما نقص الثمرات فقد يكون بالجدب وقد يكون بترك عمارة الضياع للاشتغال بجهاد الأعداء، وقد يكون ذلك بالإنفاق على من كان يرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوفود، هذا آخر كلام القفال رحمه الله، قال الشافعي رضي الله عنه، الخوف : خوف الله، والجوع : صيام شهر رمضان، والنقص من الأموال : الزكوات والصدقات، ومن الأنفس : الأمراض، ومن الثمرات : موت الأولاد ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الأشياء بين جملة الصابرين على هذه الأمور بقوله تعالى : وبشر الصابرين  وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن الصبر واجب على هذه الأمور إذا كان من قبله تعالى لأنه يعلم أن كل ذلك عدل وحكمة، فأما من لم يكن محققا في الإيمان كان كمن قال فيه : ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة  فأما ما يكون من جانب الظلمة فلا يجب الصبر عليه مثاله : أن المراهق يلزمه أن يصبر على ما يفعله به أبوه من التأديب، ولو فعله به غيره، لكان له أن يمانع بل يحارب، وكذا في العبد مع مولاه فما يدبر تعالى عباده عليه ليس ذلك إلا حكمة وصوابا بخلاف ما يفعل العباد من الظلم. 
المسألة الثانية : الخطاب في  وبشر  لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يتأتى منه البشارة. 
المسألة الثالثة : قال الشيخ الغزالي رحمه الله : اعلم أن الصبر من خواص الإنسان ولا يتصور ذلك في البهائم والملائكة، أما في البهائم فلنقصانها، وأما في الملائكة فلكمالها، بيانه أن البهائم سلطت عليها الشهوات، وليس لشهواتها عقل يعارضها، حتى يسمى ثبات تلك القوة في مقابلة مقتضى الشهوة صبرا، وأما الملائكة فإنهم جردوا للشوق إلى حضرة الربوبية والابتهاج بدرجة القرب منها ولم يسلط عليهم شهوة صارفة عنها، حتى تحتاج إلى مصادمة ما يصرفها عن حضرة الجلال بجند آخر، وأما الإنسان فإنه خلق في ابتداء الصبا ناقصا مثل البهيمة، ولم يخلق فيه إلا شهوة الغذاء الذي هو محتاج إليه، ثم يظهر فيه شهوة اللعب، ثم شهوة النكاح، وليس له قوة الصبر البتة، إذ الصبر عبارة عن ثبات جند في مقابلة جند آخر، قام القتال بينهما لتضاد مطالبهما أما البالغ فإن فيه شهوة تدعوه إلى طلب اللذات العاجلة، والإعراض عن الدار الآخرة، وعقلا يدعوه إلى الإعراض عنها، وطلب اللذات الروحانية الباقية، فإذا عرف العقل أن الاشتغال بطلب هذه اللذات العاجلة، عن الوصول إلى تلك اللذات الباقية، صارت داعية العقل صادة ومانعة لداعية الشهوة من العمل، فيسمى ذلك الصد والمنع صبرا، ثم اعلم أن الصبر ضربان. ( أحدهما ) : بدني، كتحمل المشاق بالبدن والثبات عليه، وهو إما بالفعل كتعاطي الأعمال الشاقة أو بالاحتمال كالصبر على الضرب الشديد والألم العظيم. ( والثاني ) : هو الصبر النفساني وهو منع النفس عن مقتضيات الشهوة ومشتهيات الطبع، ثم هذا الضرب إن كان صبرا عن شهوة البطن والفرج سمي عفة، وإن كان على احتمال مكروه اختلفت أساميه عند الناس باختلاف المكروه الذي عليه الصبر، فإن كان في مصيبة اقتصر عليه باسم الصبر ويضاده حالة تسمى الجزع والهلع، وهو إطلاق داعي الهوى في رفع الصوت وضرب الخد وشق الجيب وغيرها وإن كان في حال الغنى يسمى ضبط النفس ويضاده حالة تسمى : البطر. وإن كان في حرب ومقاتلة يسمى : شجاعة، ويضاده الجبن، وإن كان في كظم الغيظ والغضب يسمى : حلما، ويضاده النزق، وإن كان في نائبة من نوائب الزمان مضجرة سمي : سعة الصدر، ويضاده الضجر والندم وضيق الصدر وإن كان في إخفاء كلام يسمى : كتمان النفس ويسمى صاحبه : كتوما، وإن كان عن فضول العيش سمي زهدا، ويضاده الحرص وإن كان على قدر يسير من المال سمي بالقناعة ويضاده الشره وقد جمع الله تعالى أقسام ذلك وسمي الكل صبرا فقال : الصابرين في البأساء  أي المصيبة.  والضراء  أي الفقر : وحين البأس  أي المحاربة  أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون  قال القفال رحمه الله ليس الصبر أن لا يجد الإنسان ألم المكروه ولا أن لا يكره ذلك لأن ذلك غير ممكن، إنما الصبر هو حمل النفس على ترك إظهار الجزع، فإذا كظم الحزن وكف النفس عن إبراز آثاره كان صاحبه صابرا، وإن ظهر دمع عين أو تغير لون، قال عليه السلام :**«الصبر عند الصدمة الأولى »** وهو كذلك، لأن من ظهر منه في الابتداء ما لا يعد معه من الصابرين ثم صبر، فذلك يسمى سلوا وهو مما لابد منه قال الحسن : لو كلف الناس إدامة الجزع لم يقدروا عليه والله أعلم. 
المسألة الرابعة : في فضيلة الصبر قد وصف الله تعالى الصابرين بأوصاف وذكر الصبر في القرآن في نيف وسبعين موضعا وأضاف أكثر الخيرات إليه فقال : وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا  وقال : وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا  وقال : ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون  وقال : أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا  وقال : إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب  فما من طاعة إلا وأجرها مقدرا إلا الصبر، ولأجل كون الصوم من الصبر قال تعالى :( الصوم لي ) فأضافه إلى نفسه، ووعد الصابرين بأنه معهم فقال : واصبروا إن الله مع الصابرين  وعلق النصرة على الصبر فقال : بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة  وجمع للصابرين أمورا لم يجمعها لغيرهم فقال : أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون  وأما الأخبار فقال عليه الصلاة والسلام :**«الصبر نصف الإيمان »** وتقريره أن الإيمان لا يتم إلا بعد ترك ما لا ينبغي من الأقوال والأعمال والعقائد، وبحصول ما ينبغي، فالاستمرار على ترك ما لا ينبغي هو الصبر وهو النصف الآخر، فعلى مقتضى هذا الكلام يجب أن يكون الإيمان كله صبرا إلا أن ترك ما لا ينبغي وفعل ما ينبغي قد يكون مطابقا للشهوة، فلا يحتاج فيه إلى الصبر، وقد يكون مخالفا للشهوة فيحتاج فيه إلى الصبر، فلا جرم جعل الصبر نصف الإيمان، وقال عليه السلام :**«من أفضل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ومن أعطى حظه منهما لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار »** وقال عليه السلام :**«الإيمان هو الصبر »** وهذا شبه قوله عليه السلام :**«الحج عرفة »**. 
المسأ

### الآية 2:156

> ﻿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [2:156]

قوله تعالى : الذين إذا أصابتهم قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون . 
اعلم أنه تعالى لما قال : وبشر الصابرين  بين في هذه الآية أن الإنسان كيف يكون صابرا، وأن تلك البشارة كيف هي ؟ ثم في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن هذه المصائب قد تكون من فعل الله تعالى وقد تكون من فعل العبد، أما الخوف الذي يكون من الله فمثل الخوف من الغرق والحرق والصاعقة وغيرها، والذي من فعل العبد، فهو أن العرب كانوا مجتمعين على عداوة النبي صلى الله عليه وسلم، وأما الجوع فلأجل الفقر، وقد يكون الفقر من الله بأن يتلف أموالهم، وقد يكون من العبد بأن يغلبوا عليه فيتلفوه، ونقص الأموال من الله تعالى إنما يكون بالجوائح التي تصيب الأموال والثمرات، ومن العباد إنما يكون لأن القوم لاشتغالهم لا يتفرغون لعمارة الأراضي، ونقص الأنفس من الله بالإماتة ومن العباد بالقتل. 
المسألة الثانية : قال القاضي : إنه تعالى لم يضف هذه المصيبة إلى نفسه بل عمم وقال : الذين إذا أصابتهم مصيبة  فالظاهر أنه يدخل تحتها كل مضرة ينالها من قبل الله تعالى، وينالها من قبل العباد، لأن في الوجهين جميعا عليه تكليفا، وإن عدل عنه إلى خلافه كان تاركا للتمسك بأدائه فالذي يناله من قبله تعالى يجب أن يعتقد فيه أنه حكمة وصواب وعدل وخير وصلاح وأن الواجب عليه الرضا به وترك الجزع وكل ذلك داخل تحت قوله : إنا لله  لأن في إقرارهم بالعبودية تفويض الأمور إليه والرضا بقضائه فيما يبتليهم به، لأنه لا يقضي إلا بالحق كما قال تعالى : والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء  أما إذا نزلت به المصيبة من غيره فتكليفه أن يرجع إلى الله تعالى في الانتصاف منه وأن يكظم غيظه وغضبه فلا يتعدى إلى ما لا يحل له من شفعاء غيظه، ويدخل أيضا تحت قوله : إنا لله  لأنه الذي ألزمه سلوك هذه الطريقة حتى لا يجاوز أمره كأنه يقول في الأول، إنا الله يدبر فينا كيف يشاء، وفي الثاني يقول : إنا لله ينتصف لنا كيف يشاء. 
المسألة الثالثة : أمال الكسائي في بعض الروايات من  إنا  ولام  لله  والباقون بالتفخيم وإنما جازت الإمالة في هذه الألف للكسرة مع كثرة الاستعمال، حتى صارت بمنزلة الكلمة الواحدة، قال الفراء والكسائي : لا يجوز إمالة  إنا  مع غير اسم الله تعالى، وإنما وجب ذلك لأن الأصل في الحروف وما جرى مجراها امتناع الإمالة وكذلك لا يجوز إمالة  حتى  و لكن . 
أما قوله : إنا لله وإنا إليه راجعون  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال أبو بكر الوراق  إنا لله  إقرار منا له بالملك : وإنا إليه راجعون  إقرار على أنفسنا بالهلاك، واعلم أن الرجوع إليه ليس عبارة عن الانتقال إلى مكان أو جهة، فإن ذلك على الله محال، بل المراد أنه يصير إلى حيث لا يملك الحكم فيه سواه، وذلك هو الدار الآخرة، لأن عند ذلك لا يملك لهم أحد نفعا ولا ضرا، وما داموا في الدنيا قد يملك غير الله نفعهم وضرهم بحسب الظاهر، فجعل الله تعالى هذا رجوعا إليه تعالى، كما يقال : إن الملك والدولة يرجع إليه لا بمعنى الانتقال بل بمعنى القدرة وترك المنازعة. 
المسألة الثانية : هذا يدل على أن ذلك إقرار بالبعث والنشور، والاعتراف بأنه سبحانه سيجازي الصابرين على قدر استحقاقهم، ولا يضيع عنده أجر المحسنين. 
المسألة الثالثة : قوله : إنا لله  يدل على كونه راضيا بكل ما نزل به في الحال من أنواع البلاء وقوله : وإنا إليه راجعون  يدل على كونه في الحال راضيا بكل ما سينزل به بعد ذلك، من إثابته على ما كان منه، ومن تفويض الأمر إليه على ما نزل به، ومن الانتصاف ممن ظلمه، فيكون مذللا نفسه، راضيا بما وعده الله به من الأجر في الآخرة. 
المسألة الرابعة : الأخبار في هذا الباب كثيرة :
( أحدها ) : عن النبي صلى الله عليه وسلم :( من استرجع عند المصيبة : جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفا صالحا يرضاه ). ( وثانيها ) : روي أنه طفئ سراج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :**«إنا لله وإنا إليه راجعون »** فقيل أمصيبة هي ؟ قال : نعم كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة. ( وثالثها ) : قالت أم سلمة : حدثني أبو سلمة أنه عليه الصلاة والسلام قال :( ما من مسلم يصاب بمصيبة فيفزع إلى ما أمر الله به من قوله : إنا لله وإنا إليه راجعون  اللهم عندك احتسبت مصيبتي فأجرني فيها وعوضني خيرا منها إلا آجره الله عليها وعوضه خيرا منها ) قالت : فلما توفي أبو سلمة ذكرت هذا الحديث وقلت هذا القول : فعوضني الله تعالى محمدا عليه الصلاة والسلام. ( ورابعها ) : قال ابن عباس : أخبر الله أن المؤمن إذا سلم لأمر الله تعالى ورجع واسترجع عند مصيبته كتب الله تعالى له ثلاث خصال : الصلاة من الله، والرحمة وتحقيق سبيل الهدى. 
( وخامسها ) : عن عمر رضي الله عنه قال : نعم العدلان وهما : أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة  ونعمت العلاوة وهي قوله : وأولئك هم المهتدون  وقال ابن مسعود : لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أقول لشيء قضاه الله تعالى : ليته لم يكن.

### الآية 2:157

> ﻿أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [2:157]

أما قوله : أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة  فاعلم أن الصلاة من الله هي : الثناء والمدح والتعظيم، وأما رحمته فهي : النعم التي أنزلها به عاجلا ثم آجلا. 
وأما قوله : وأولئك هم المهتدون  ففيه وجوه. ( أحدها ) : أنهم المهتدون لهذه الطريقة الموصلة بصاحبها إلى كل خير. ( وثانيها ) : المهتدون إلى الجنة، الفائزون بالثواب. ( وثالثها ) : المهتدون لسائر ما لزمهم، والأقرب فيه ما يصير داخلا في الوعد حتى يكون عطفه على ما ذكره من الصلوات والرحمة صحيحا، ولا يكون كذلك إلا والمراد به أنهم الفائزون بالثواب والجنة، والطريق إليها لأن كل ذلك داخل في الاهتداء، وإن كان لا يمتنع أن يراد بذلك أنهم المتأدبون بآدابه المتمسكون بما ألزم وأمر، قال أبو بكر الرازي : اشتملت الآية على حكمين : فرض ونفل، أما الفرض فهو التسليم لأمر الله تعالى، والرضا بقضائه، والصبر على أداء فرائضه، لا يصرف عنها مصائب الدنيا وأما النفل فإظهارا لقوله : إنا لله وإنا إليه راجعون  فإن في إظهاره فوائد جزيلة منها أن غيره يقتدي به إذا سمعه، ومنها غيظ الكفار وعلمهم بجده واجتهاده في دين الله والثبات عليه وعلى طاعته، وحكي عن داود الطائي قال : الزهد في الدنيا أن لا يحب البقاء فيها، وأفضل الأعمال الرضا عن الله ولا ينبغي للمسلم أن يحزن لأنه يعلم أن لكل مصيبة ثوابا. 
ولنختم تفسير هذه الآية ببيان الرضا بالقضاء فنقول : العبد إنما يصبر راضيا بقضاء الله تعالى بطريقتين : إما بطريق التصرف، أو بطريق الجذب، أما طريق التصرف فمن وجوه. ( أحدها ) : أنه متى مال قلبه إلى شيء والتفت خاطره إلى شيء جعل ذلك الشيء منشأ للآفات فحينئذ ينصرف وجه القلب عن عالم الحدوث إلى جانب القدس فإن آدم عليه السلام لما تعلق قلبه بالجنة جعلها محنة عليه حتى زالت الجنة، فبقي آدم مع ذكر الله، ولما استأنس يعقوب بيوسف -عليهما السلام - أوقع الفراق بينهما حتى بقي يعقوب مع ذكر الحق، ولما طمع محمد عليه السلام من أهل مكة في النصرة والإعانة صاروا من أشد الناس عليه حتى قال :**«ما أوذي نبي مثل ما أوذيت »** ( وثانيها ) : أن لا يجعل ذلك الشيء بلاء ولكن يرفعه من البين حتى لا يبقى لا البلاء ولا الرحمة فحينئذ يرجع العبد إلى الله تعالى. ( وثالثها ) : أن العبد متى توقع من جانب شيئا أعطاه الله تعالى بلا واسطة خيرا من متوقعه فيستحي العبد فيرجع إلى باب رحمة الله. 
وأما طريق الجذب فهو كما قال عليه السلام :**«جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين »** ومن جذبه الحق إلى نفسه صار مغلوبا لأن الحق غالب لا مغلوب، وصفة الرب الربوبية، وصفة العبد العبودية، والربوبية غالبة على العبودية لا بالضد، وصفة الحق حقيقة، وصفة العبد مجاز، والحقيقة غالبة على المجاز لا بالضد، والغالب يقلب المغلوب من صفة إلى صفة تليق به، والعبد إذا دخل على السلطان المهيب نسي نفسه وصار بكل قلبه وفكره وحسه مقبلا عليه ومشتغلا به وغافلا عن غيره، فكيف بمن لحظ نصره حضرة السلطان الذي كان من عداه حقير بالنسبة إليه، فيصير العبد هنالك كالفاني عن نفسه وعن حظوظ نفسه فيصير هنالك راضيا بأقضية الحق سبحانه وتعالى وأحكامه من غير أن يبقى في طاعته شبهة المنازعة.

### الآية 2:158

> ﻿۞ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [2:158]

قوله تعالى : إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم  وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها من وجوه. ( أحدها ) : أن الله تعالى بين أنه إنما حول القبلة إلى الكعبة ليتم إنعامه على محمد صلى الله عليه وسلم وأمته بإحياء شرائع إبراهيم ودينه على ما قال : ولأتم نعمتي عليكم  وكان السعي بين الصفا والمروة من شعائر إبراهيم على ما ذكر في قصة بناء الكعبة وسعي هاجر بين الجبلين فلما كان الأمر كذلك ذكر الله تعالى هذا الحكم عقيب تلك الآية. ( وثانيها ) : أنه تعالى لما قال : ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع  إلى قوله : وبشر الصابرين  قال : إن الصفا والمروة من شعائر الله  وإنما جعلهما كذلك لأنهما من آثار هاجر وإسماعيل مما جرى عليهما من البلوى واستدلوا بذلك على أن من صبر على البلوى لا بد وأن يصل إلى أعظم الدرجات وأعلى المقامات. ( وثالثها ) : أن أقسام تكليف الله تعالى ثلاثة. ( أحدها ) : ما يحكم العقل بحسنه في أول الأمر فذكر هذا القسم أولا وهو قوله : اذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون  فإن كان عاقل يعلم أن ذكر المنعم بالمدح والثناء والمواظبة على شكره أمر مستحسن في العقول. ( وثانيها ) : ما يحكم العقل بقبحه في أول الأمر إلا أنه بسبب ورود الشرع به يسلم حسنه، وذلك مثل إنزال الآلام والفقر والمحن فإن ذلك كالمستقبح في العقول لأن الله تعالى لا ينتفع به ويتألم العبد منه فكان ذلك كالمستقبح إلا أن الشرع لما ورد به وبين الحكمة فيه، وهي الابتلاء والامتحان على ما قال : ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع  فحينئذ يعتقد المسلم حسنه وكونه حكمة وصوابا. ( وثالثها ) : الأمر الذي لا يهتدي لا إلى حسنه ولا إلى قبحه، بل يراه كالعبث الخالي عن المنفعة والمضرة وهو مثل أفعال الحج من السعي بين الصفا والمروة، فذكر الله تعالى هذا القسم عقيب القسمين الأولين ليكون قد نبه على جميع أقسام تكاليفه وذاكرا لكلها على سبيل الاستيفاء والاستقصاء والله أعلم. 
المسألة الثانية : اعلم أن الصفا والمروة علمان للجبلين المخصوصين إلا أن الناس تكلموا في أصل اشتقاقهما قال القفال رحمه الله : قيل إن الصفا واحد ويجمع على صفي وأصفاء كما يقال عصا وعصي، ورحا وأرحاء قال الراجز :
كأن متنيه من النفي \*\*\* مواقع الطير من الصفي
وقد يكون بمعنى جمع واحدته صفاة قال جرير :
إنا إذا قرع العدو صفاتنا \*\*\* لاقوا لنا حجرا أصم صلودا
وفي كتاب الخليل : الصفا الحجر الضخم الصلب الأملس، وإذا نعتوا الصخرة قالوا : صفاة صفواء، وإذا ذكروا قالوا : صفا صفوان، فجعل الصفا والصفاة كأنهما في معنى واحد وقال المبرد الصفا كل حجر لا يخالطه غيره من طين أو تراب متصل به، واشتقاقه من صفا يصفوا إذا خلص وأما المروة فقال الخليل : من الحجارة ما كان أبيض أملس صلبا شديد الصلابة، وقاله غير : هو الحجارة الصغيرة يجمع في القليل مروات وفي الكثير مرو قال أبو ذؤيب :
حتى كأني للحوادث مروة \*\*\* بصفا المشاعر كل يوم يقرع
وأما  شعائر الله  فهي أعلام طاعته، وكل شيء جعل علما من أعلام طاعة الله فهو من شعائر الله، قال الله تعالى : والبدن جعلناها لكم من شعائر الله  أي علامة للقربة، وقال : ذلك ومن يعظم شعائر الله  وشعائر الحج : معالم نسكه ومنه المشعر الحرام، ومنه إشعار السنام : وهو أن يعلم بالمدية فيكون ذلك علما على إحرام صاحبها، وعلى أنه قد جعله هديا لبيت الله، ومنه الشعائر في الحرب، وهو العلامة التي يتبين بها إحدى الفئتين من الأخرى والشعائر جمع شعيرة، وهو مأخوذ من الإشعار الذي هو الإعلام ومنه قولك : شعرت بكذا، أي علمت. 
المسألة الثالثة : الشعائر إما أن نحملها على العبادات أو على النسك، أو نحملها على مواضع العبادات والنسك، فإن قلنا بالأول حصل في الكلام حذف، لأن نفس الجبلين لا يصح وصفهما بأنهما دين ونسك، فالمراد به أن الطواف بينهما والسعي من دين الله تعالى، وإن قلنا بالثاني استقام ظاهر الكلام، لأن هذين الجبلين يمكن أن يكونا موضعين للعبادات والمناسك وكيف كان فالسعي بين هذين الجبلين من شعائر الله ومن أعلام دينه، وقد شرعه الله تعالى لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ولإبراهيم عليه السلام قبل ذلك، وهو من المناسك الذي حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه قال : وأرنا مناسكنا  واعلم أن السعي ليس عبادة تامة في نفسه بل إنما يصير عبادة إذا صار بعضا من أبعاض الحج، فلهذا السر بين الله تعالى الموضع الذي فيه يصير السعي عبادة فقال : فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما . 
المسألة الرابعة : الحكمة في شرع هذا السعي الحكاية المشهورة وهي أن هاجر أم إسماعيل حين ضاق بها الأمر في عطشها وعطش ابنها إسماعيل عليه السلام أغاثها الله تعالى بالماء الذي أنبعه لها ولابنها من زمزم حتى يعلم الخلق أنه سبحانه وإن كان لا يخلي أولياءه في دار الدنيا من أنواع المحن إلا أن فرجه قريب ممن دعاه فإنه غياث المستغيثين، فانظر إلى حال هاجر وإسماعيل كيف أغاثهما وأجاب دعاءهما، ثم جعل أفعالهما طاعة لجميع المكلفين إلى يوم القيامة، وآثارهما قدوة للخلائق أجمعين ليعلم أن الله لا يضيع أجر المحسنين، وكل ذلك تحقيق لما أخبر به قبل ذلك من أنه يبتلي عباده بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات إلا أن من صبر على ذلك نال السعادة في الدارين وفاز بالمقصد الأقصى في المنزلين. 
المسألة الخامسة : ذكر القفال في لفظ الحج أقوالا. ( الأول ) : الحج في اللغة كثرة الاختلاف إلى شيء والتردد إليه، فمن زار البيت للحج فإنه يأتيه أولا ليعرفه ثم يعود إليه للطواف ثم ينصرف إلى منى ثم يعود إليه لطواف الزيارة ثم يعود إليه لطواف الصدر. ( الثاني ) : قال قطرب : الحج الحلق يقال : احجج شجتك، وذلك أن يقطع الشعر من نواحي الشجة ليدخل المحجاج في الشجة، فيكون المعنى : حج فلان أي حلق، قال القفال وهذا محتمل لقوله تعالى : لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين  أي حجاجا وعمارا، فعبر عن ذلك بالحلق فلا يبعد أن يكون الحج مسمى بهذا الاسم لمعنى الحلق. ( الثالث ) : قال قوم الحج القصد، يقال : رجل محجوج، ومكان محجوج إذا كان مقصودا، ومن ذلك محجة الطريق، فكان البيت لما كان مقصودا بهذا النوع من العبادة سمي ذلك الفعل حجا، قال القفال : والقول الأول أشبه بالصواب لأن قولهم رجل محجوج إنما هو فيمن يختلف إليه مرة بعد أخرى، وكذلك محجة الطريق هو الذي كثر السير إليه. 
وأما العمرة فقال أهل اللغة : الاعتمار هو القصد والزيارة، قال الأعشى :
وجاشت النفس لما جاء جمعهم \*\*\* وراكب جاء من تثليث معتمر
وقال قطرب : العمرة في كلام عبد القيس : المسجد، والبيعة، والكنيسة، قال القفال : ولا شبهة في العمرة إذا أضيفت إلى البيت أن تكون بمعنى الزيارة، لأن المعتمر يطوف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم ينصرف كالزائر، وأما الجناح فهو من قولهم : جنح إلى كذا أي مال إليه، قال الله تعالى : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها  وجنحت السفينة إذا لزمت الماء فلم تمض، وجنح الرجل في الشيء يعلمه بيده إذا مال إليه بصدره وقيل للأضلاع : جوانح لاعوجاجها، وجناح الطائر من هذا، لأنه يميل في أحد شقيه ولا يطير على مستوى خلقته فثبت أن أصله من الميل، ثم من الناس من قال إنه بقي في عرف القرآن كذلك أيضا فمعنى : لا جناح عليه أينما ذكر في القرآن : لا ميل لأحد عليه بمطالبة شيء من الأشياء، ومنهم من قال : بل هو مختص بالميل إلى الباطل وإلى ما يأثم به. 
وقوله : أن يطوف بهما  أي يتطوف فأدغمت التاء في الطاء كما قال : يا أيها المدثر   يا أيها المزمل  أي المتدثر والمتزمل، ويقال : طاف وأطاف بمعنى واحد. 
المسألة السادسة : ظاهر قوله تعالى : لا جناح عليهن  أنه لا إثم عليه، والذي يصدق عليه أنه لا إثم في فعله يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح، ثم يمتاز كل واحد من هذه الثلاثة عن الآخر بقيد زائد، فإذن ظاهر هذه الآية لا يدل على أن السعي بين الصفا والمروة واجب، أو ليس بواجب، لأن اللفظ الدال على القدر المشترك بين الأقسام لا دلالة فيه البتة على خصوصية من الرجوع إلى دليل آخر، إذا عرفت هذا فنقول : مذهب الشافعي رحمه الله أن هذا السعي ركن، ولا يقوم الدم مقامه، وعند أبي حنيفة رحمه الله أنه ليس بركن، ويقوم الدم مقامه، وروي عن ابن الزبير ومجاهد وعطاء، أن من تركه فلا شيء عليه، حجة الشافعي رضي الله عنه من وجوه. ( أحدها ) : ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا ) فإن قيل : هذا الحديث متروك الظاهر، لأنه يقتضي وجوب السعي وهو العدو، ذلك غير واجب قلنا : لا نسلم أن السعي عبارة عن العدو بدليل قوله : فاسعوا إلى ذكر الله  والعدو فيه غير واجب، وقال الله تعالى : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى  وليس المراد منه العدو، بل الجد والاجتهاد في القصد والنية، سلمنا أنه يدل على العدو، ولكن العدو مشتمل على صفة ترك العمل به في حق هذه الصفة، فيبقى أصل المشي واجبا ( وثانيها ) : ما ثبت أنه عليه السلام سعى لما دنا من الصفا في حجته، وقال :( إن الصفا والمروة من شعائر الله ابدؤا بما بدأ الله به ) فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت، وإذا ثبت أنه عليه السلام سعى وجب أن يجب علينا السعي للقرآن والخبر، أما القرآن : فقوله تعالى : واتبعوه  وقوله : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني  وقوله : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة  وأما الخبر فقوله عليه السلام :( خذوا عني مناسككم ) والأمر للوجوب، ( وثالثها ) : أنه أشواط شرعت في بقعة من بقاع الحرم، أو يؤتى به في إحرام كامل فكان جنسها ركنا كطواف الزيارة، ولا يلزم طواف الصدر لأن الكلام للجنس لوجوبه مرة، واحتج أبو حنيفة رضي الله عنه بوجهين. ( أحدهما ) : هذه الآية وهي قوله : لا جناح عليه أن يطوف بهما  وهذا لا يقال في الواجبات. ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله : ومن تطوع خيرا  فبين أنه تطوع وليس بواجب. ( وثانيهما ) : قوله :**«الحج عرفة »** ومن أدرك عرفة فقد تم حجه، وهذا يقتضي التمام من جميع الوجوه، ترك العمل به في بعض الأشياء، فيبقى معمولا به في السعي والجواب عن الأول من وجوه. ( الأول ) : ما بينا أن قوله : فلا جناح عليه  ليس فيه إلا أنه لا إثم على فاعله، وهذا القدر المشترك بين الواجب وغيره، فلا يكون فيه دلالة على نفي الوجوب والذي يحقق ذلك قوله تعالى : فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم  والقصر عند أبي حنيفة واجب، مع أنه قال فيه : فلا جناح عليه  فكذا ههنا ( الثاني ) : أنه رفع الجناح عن الطواف بهما لا عن الطواف بينهما، وعندنا الأول غير واجب، وإنما الثاني هو الواجب. ( الثالث ) : قال ابن عباس : كان على الصفا صنم وعلى المروة صنم وكان أهل الجاهلية يطوفون بهما ويتمسحون بهما فلما جاء الإسلام كره المسلمون الطواف بينهما لأجل الصنمين فأنزل الله تعالى هذه الآية، إذا عرفت هذا فنقول انصرف

### الآية 2:159

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [2:159]

قوله تعالى : إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون  وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في قوله : إن الذين يكتمون  قولان. ( أحدهما ) : أنه كلام مستأنف يتناول كل من كتم شيئا من الدين. ( والثاني ) : أنه ليس يجري على ظاهره في العموم ثم من هؤلاء من زعم أنه في اليهود خاصة قال ابن عباس : إن جماعة من الأنصار سألوا نفرا من اليهود عما في التوراة من صفات النبي عليه الصلاة والسلام، ومن الأحكام، فكتموا، فنزلت الآية وقيل : نزلت في أهل الكتاب من اليهود والنصارى عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والربيع والسدي والأصم. والأول أقرب إلى الصواب لوجوه. ( أحدها ) : أن اللفظ عام والعارض الموجود، وهو نزوله عند سبب معين لا يقتضي الخصوص على ما ثبت في أصول الفقه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ( وثانيها ) : أنه ثبت أيضا في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علة لذلك الحكم لاسيما إذا كان الوصف مناسبا للحكم، ولا شك أن كتمان الدين يناسبه استحقاق اللعن من الله تعالى، وإذا كان هذا الوصف علة لهذا الحكم وجب عموم هذا الحكم عند عموم الوصف. ( وثالثها ) : أن جماعة من الصحابة حملوا هذا اللفظ على العموم، وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : من زعم أن محمدا عليه الصلاة والسلام كتم شيئا من الوحي فقد أعظم الفرية على الله، والله تعالى يقول : إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى  فحملت الآية على العموم، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : لولا آيتان من كتاب الله ما حدثت حديثا بعد أن قال الناس : أكثر أبو هريرة. وتلا : إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى  واحتج من خص الآية بأهل الكتاب، أن الكتمان لا يصح إلا منهم في شرع نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، فأما القرآن فإنه متواتر، فلا يصح كتمانه، قلنا : القرآن قبل صيرورته متواترا يصح كتمانه، والمجمل من القرآن إذا كان بيانه عند الواحد صح كتمانه وكذا القول فيما يحتاج المكلف إليه من الدلائل العقلية. 
المسألة الثانية : قال القاضي : الكتمان ترك إظهار الشيء مع الحاجة إليه، وحصول الداعي إلى إظهاره لأنه متى لم يكن كذلك لا يعد كتمانا، فلما كان ما أنزله الله من البينات والهدى من أشد ما يحتاج إليه في الدين، وصف من علمه ولم يظهره بالكتمان، كما يوصف أحدنا في أمور الدنيا بالكتمان، إذا كانت مما تقوى الدواعي على إظهارها، وعلى هذا الوجه يمدح من يقدر على كتمان السر، لأن الكتمان مما يشق على النفس. 
المسألة الثالثة : هذه الآية تدل على أن ما يتصل بالدين ويحتاج إليه المكلف لا يجوز أن يكتم، ومن كتمه فقد عظمت خطيئته، ونظيره هذه الآية قوله تعالى :
 وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه  وقريب منهما قوله تعالى : إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا  فهذه الآية كلها موجبة لإظهار علوم الدين تنبيها للناس وزاجرة عن كتمانها، ونظيرها في بيان العلم وإن لم يكن فيها ذكر الوعيد لكاتمه قوله تعالى : فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون  وروى حجاج عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( من كتم علما يعلمه جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار ). 
أما قوله تعالى : ما أنزلنا من البينات  فالمراد كل ما أنزله على الأنبياء كتابا وحيا دون أدلة العقول، وقوله تعالى : والهدى  يدخل فيه الدلائل العقلية والنقلية، لأنا بينا في تفسير قوله تعالى : هدى للمتقين  أن الهدى عبارة عن الدلائل فيعم الكل فإن قيل : فقد قال : والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب  فعاد إلى الوجه الأول قلنا : الأول هو التنزيل والثاني ما يقتضيه التنزيل من الفوائد. 
واعلم أن الكتاب لما دل على أن خبر الواحد والإجماع والقياس حجة فكل ما يدل عليه أحد هذه الأمور فقد دل عليه الكتاب فكان كتمانه داخلا تحت الآية فثبت أنه تعالى توعد على كتمان الدلائل السمعية والعقلية وجمع بين الأمرين في الوعيد، فهذه الآية تدل على أن من أمكنه بيان أصول الدين بالدلائل العقلية لمن كان محتاجا إليها ثم تركها أو كتم شيئا من أحكام الشرع مع شدة الحاجة إليه فقد لحقه الوعيد العظيم. 
المسألة الرابعة : هذا الإظهار فرض على الكفاية لا على التعيين وهذا لأنه إذا أظهر البعض صار بحيث يتمكن كل أحد من الوصول إليه فلم يبق مكتوما، وإذا خرج عن حد الكتمان لم يجب على الباقيين إظهاره مرة أخرى. 
المسألة الخامسة : من الناس من يحتج بهذه الآيات في قبول خبر الواحد فقال : دلت هذه الآيات على أن إظهار هذه الأحكام واجب، ولو لم يجب العمل بها لم يكن إظهارها واجبا وتمام التقرير فيه قوله تعالى في آخر الآية : إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا  فحكم بوقوع البيان بخبرهم فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون كل واحد منهيا عن الكتمان ومأمورا بالبيان ليكثر المخبرون فيتواتر الخبر ؟
قلنا : هذا غلط لأنهم ما نهوا عن الكتمان إلا وهم ممن يجوز عليهم الكتمان ومن جاز منهم التواطؤ على الكتمان جاز منهم التواطؤ على الوضع والافتراء، فلا يكون خبرهم موجبا للعلم. 
المسألة السادسة : احتجوا بهذه الآية على أنه لا يجوز أخذ الأجرة على التعليم لأن الآية لما دلت على وجوب ذلك التعليم كان أخذ الأجرة عليه أخذا للأجرة على أداء الواجب وأنه غير جائز ويدل عليه أيضا قوله تعالى : إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا  وظاهر ذلك بمنع أخذ الأجرة على الإظهار وعلى الكتمان جميعا لأن قوله : ويشترون به ثمنا قليلا  مانع أخذ البدل عليه من جميع الوجوه. 
أما قوله تعالى : من بعد ما بيناه للناس في الكتاب  قيل في التوراة والإنجيل من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن الأحكام، وقيل : أراد بالمنزل الأول ما في كتب المتقدمين، والثاني : ما في القرآن. 
أما قوله تعالى : أولئك يلعنهم الله  فاللعنة في أصل اللغة هي الإبعاد وفي عرف الشرع الإبعاد من الثواب. 
أما قوله تعالى : ويلعنهم اللاعنون  فيجب أن يحمل على من للعنة تأثير، وقد اتفقوا على أن الملائكة والأنبياء والصالحين كذلك فهم داخلون تحت هذا العموم لا محالة، ويؤكده قوله تعالى : إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين  والناس ذكروا وجوها أخر. ( أحدها ) : أن اللاعنين هم دواب الأرض وهوامها، فإنها تقول : منعنا القطر بمعاصي بني آدم عن مجاهد وعكرمة وإنما قال : اللاعنون  ولم يقل اللاعنات لأنه تعالى وصفها بصفة من يعقل فجمعها جمع من يعقل كقوله : والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين  و يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم  و قالوا لجلودهم لم شهدتم علينا   وكل في فلك يسبحون  ( وثانيها ) : كل شيء سوى الثقلين الجن والإنس، فإن قيل : كيف يصح اللعن من البهائم والجمادات ؟ قلنا : على وجهين :( الأول ) : على سبيل المبالغة، وهو أنها لو كانت عاقلة لكانت تلعنهم ( الثاني ) : أنها في الآخرة إذا أعيدت وجعلت من العقلاء فإنها تلعن من فعل ذلك في الدنيا ومات عليه. ( وثالثها ) : أن أهل النار يلعنونهم أيضا حيث كتموهم الدين، فهو على العموم. ( ورابعها ) : قال ابن مسعود : إذا تلاعن المتلاعنان وقعت اللعنة على المستحق، فإن لم يكن مستحق رجعت على اليهود الذين كتموا ما أنزل الله سبحانه وتعالى. ( وخامسها ) : عن ابن عباس : إن لهم لعنتين : لعنة الله. ولعنة الخلائق، قال : وذلك إذا وضع الرجل في قبره فيسأل : ما دينك ؟ ومن نبيك ؟ ومن ربك ؟ فيقول : ما أدري فيضرب ضربة يسمعها كل شيء إلا الثقلين الإنس والجن، فلا يسمع شيء صوته إلا لعنه، ويقول له الملك : لا دريت ولا تليت، كذلك كنت في الدنيا. ( وسادسها ) : قال أبو مسلم :( اللاعنون ) هم الذين آمنوا به، ومعنى اللعن منهم : مباعدة الملعون ومشاقته ومخالفته مع السخط عليه والبراءة منه. قال القاضي : دلت الآية على أن هذا الكتمان من الكبائر لأنه تعالى أوجب فيه اللعن، ويدل على أن أحدا من الأنبياء لم يكتم ما حمل من الرسالة وإلا كان داخلا في الآية.

### الآية 2:160

> ﻿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [2:160]

قوله تعالى : إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم . 
اعلم أنه تعالى لما بين عظيم الوعيد في الذين يكتمون ما أنزل الله كان يجوز أن يتوهم أن الوعيد يلحقهم على كل حال، فبين تعالى أنهم إذا تابوا تغير حكمهم، ودخلوا في أهل الوعيد، وقد ذكرنا أن التوبة عبارة عن الندم على فعل القبيح لا لغرض سواه، لأن من ترك رد الوديعة ثم ندم عليه لأن الناس ذموه، أو لأن الحاكم رد شهادته لم يكن تائبا، وكذلك لو عزم على رد كل وديعة، والقيام بكل واجب، لكي تقبل شهادته، أو يمدح بالثناء عليه لم يكن تائبا، وهذا معنى الإخلاص في التوبة ثم بين تعالى أنه لا بد له بعد التوبة من إصلاح ما أفسده مثلا لو أفسد على غيره دينه بإيراد شبهة عليه يلزمه إزالة تلك الشبهة، ثم بين ثالثا أنه بعد ذلك يجب عليه فعل ضد الكتمان، وهو البيان وهو المراد بقوله : وبينوا  فدلت هذه الآية على أن التوبة لا تحصل إلا بترك كل ما لا ينبغي وبفعل كل ما ينبغي، قالت المعتزلة : الآية تدل على أن التوبة عن بعض المعاصي مع الإصرار على البعض لا تصح، لأن قوله : وأصلحوا  عام في الكل. ( والجواب عنه ) : أن اللفظ المطلق يكفي في صدقه حصول فرد واحد من أفراده. قال أصحابنا : تدل الآية على أن قبول التوبة غير واجب عقلا، لأنه تعالى ذكر ذلك في معرض المدح والثناء على نفسه ولو كان كذلك واجبا لما حسن هذا المدح ومعنى : أتوب عليهم  أقبل توبتهم وقبول التوبة يتضمن إزالة عقاب ما تاب منها فإن قيل : هلا قلتم أن معنى  فأولئك أتوب عليهم  هو قبول التوبة بمعنى المجازاة والثواب كما تقولون في قبول الطاعة قلنا : الطاعة إنما أفاد قبولها استحقاق الثواب، لأنه لا يستحق بها سواه وهو الغرض بفعلها وليس كذلك التوبة لأنها موضوعة لإسقاط العقاب، وهو الغرض بفعلها، وإن كان لا بد من أن يستحق بها الثواب إذا لم يكن مخطئا، ومعنى قوله : وأنا التواب  القابل لتوبة كل ذي توبة فهو مبالغة في هذا الباب، ومعنى الرحيم عقيب ذلك : التنبيه على أنه لرحمته بالمكلفين من عباده، يقبل توبتهم بعد التفريط العظيم منهم.

### الآية 2:161

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [2:161]

قوله تعالى : إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون 
**اعلم أن في الآية مسائل :**
المسألة الأولى : أن ظاهر قوله تعالى : إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار  عام في حق كل من كان كذلك فلا وجه لتخصيصه ببعض من كان كذلك، وقال أبو مسلم : يجب حمله على الذين تقدم ذكرهم، وهم الذين يكتمون الآيات، واحتج عليه بأنه تعالى لما ذكر حال الذين يكتمون، ثم ذكر حال التائبين منهم، ذكر أيضا حال من يموت منهم من غير توبة، وأيضا أنه تعالى لما ذكر أن أولئك الكاتمين ملعونون حال الحياة، بين في هذه الآية أنهم ملعونون أيضا بعد الممات. ( والجواب عنه ) : أن هذا إنما يصح متى كان الذين يموتون من غير توبة لا يكونون داخلين تحت الآية الأولى، فأما إذا دخلوا تحت الأولى : استغنى عن ذكرهم فيجب حمل الكلام على أمر مستأنف. 
المسألة الثانية : لما ذكر في الكلام أنه إذا مات على كفره صار الوعيد لازما من غير شرط ولما كان المعلق على الشرط عدما عند عدم الشرط ؛ علمنا أن الكافر إذا تاب قبل الموت لم يكن حاله كذلك. 
المسألة الثالثة : إن قيل : كيف يلعنه الناس أجمعون، وأهل دينه لا يلعنونه ؟ قلنا الجواب عنه من وجوه ( أحدها ) : أن أهل دينه يلعنونه في الآخرة، لقوله تعالى : ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا  ( وثانيها ) : قال قتادة والربيع : أراد بالناس أجمعين المؤمنين، كأنه لم يعتد بغيرهم وحكم بأن المؤمنين هم الناس لا غير ( وثالثها ) : أن كل أحد يلعن الجاهل والظالم لأن قبح ذلك مقرر في العقول، فإذا كان هو في نفسه جاهلا أو ظالما وإن كان لا يعلم هو من نفسه كونه كذلك، كانت لعنته على الجاهل والظالم تتناول نفسه عن السدي. ( ورابعها ) : أن يحمل وقوع اللعن على استحقاق اللعن، وحينئذ يعم ذلك. 
المسألة الرابعة : قال أبو بكر الرازي في الآية دلالة على أن على المسلمين لعن من مات كافرا، وأن زوال التكليف عنه بالموت لا يسقط عنا لعنه والبراءة منه، لأن قوله : والناس أجمعين  قد اقتضى أمرنا بلعنه بعد موته وهذا يدل على أن الكافر لو جن لم يكن زوال التكليف عنه بالجنون مسقطا للعنه والبراءة منه، وكذلك السبيل فيما يوجب المدح والموالاة من الإيمان والصلاح، فإن موت من كان كذلك أو جنونه، لا يغير حكمه عما كان عليه قبل حدوث الحال به. 
المسألة الخامسة : القائلون بالموافاة احتجوا بهذه الآية فقالوا : علق تعالى وجوب لعنته بأن يموت على كفره فلو استحق ذلك قبل الموت لم يصح ذلك، فعلمنا أن الكفر إنما يفيد استحقاق اللعن لو مات صاحبه عليه وكذا الإيمان إنما يفيد استحقاق المدح إذا مات صاحبه عليه ( الجواب ) : الحكم المرتب على الذين ماتوا على الكفر مجموع أمور منها اللعن لو مات، ومنها الخلود في النار، وعندنا أن هذا المجموع وهو اللعن وحده، لم قلتم : أنه لا يحصل إلا فيه. 
المسألة السادسة : القائلون بأن الكفر من الأسماء الشرعية، وما بقي على الوضع الأصلي وهم المعتزلة احتجوا بقوله تعالى : وماتوا وهم كفار  والله تعالى وصفهم حال موتهم بأنهم كفار ومعلوم أن الكفر بمعنى الستر والتغطية، لا يبقى فيهم حال الموت، لأن التغطية لا تحصل إلا في حق الحي الفاهم. 
المسألة السابعة : الآية تدل على جواز التخصيص مع التوكيد، لأنه تعالى قال : والناس أجمعين  مع أنه مخصوص على مذهب من قال : المراد بالناس بعضهم.

### الآية 2:162

> ﻿خَالِدِينَ فِيهَا ۖ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ [2:162]

وأما قوله تعالى : خالدين فيها  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : الخلود اللزوم الطويل، ومنه يقال : أخلد إلى كذا أي لزمه وركن إليه. 
المسألة الثانية : العامل في ( خالدين ) الظرف من قوله ( عليهم ) لأن فيه معنى الاستقرار للعنة فهو حال من الهاء والميم في عليهم كقولك : عليهم المال صاغرين. 
المسألة الثالثة : خالدين فيها  أي في اللعنة، وقيل في النار إلا أنها أضمرت تفخيما لشأنها وتهويلا كما في قوله تعالى : إنا أنزلناه في ليلة القدر  والأول أولى لوجوه. ( الأول ) : أن الضمير إذا وجد له مذكور متقدم فرده إليه أولى من رده إلى ما لم يذكر. ( الثاني ) : أن حمل هذا الضمير على اللعنة أكثر فائدة من حمله على النار، لأن اللعنة هو الإبعاد من الثواب بفعل العقاب في الآخرة وإيجاده في الدنيا فكان اللعن يدخل فيه النار وزيادة فكان حمل اللفظ عليه أولى. ( الثالث ) : أن قوله : خالدين فيها  إخبار عن الحال، وفي حمل الضمير على اللعن يكون ذلك حاصلا في الحال، وفي حمله على النار لا يكون حاصلا في الحال، بل لا بد من التأويل ؛ فكان ذلك أولى، واعلم أنه تعالى وصف هذا العذاب بأمور ثلاثة. ( أحدها ) : الخلود وهو المكث الطويل عندنا، والمكث الدائم عند المعتزلة، على ما تقدم القول فيه في تفسير قوله تعالى : بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون  ( وثانيها ) : عدم التخفيف، ومعناه أن الذي ينالهم من عذاب الله فهو متشابه في الأوقات كلها، لا يصير بعض الأوقات أقل من بعض، فإن قيل : هذا التشابه ممتنع لوجوه ( الأول ) : أنه إذا تصور حال غيره في شدة كالعقاب، كان ذلك كالتخفيف منه. ( الثاني ) : أنه تعالى يوفر عليهم ما فات وقته من العذاب ثم تنقطع تلك الزيادة فيكون ذلك تخفيفا ( الثالث ) : أنهم حيثما يخاطبون بقوله : اخسئوا فيها ولا تكلمون  لا شك أنه يزداد غمهم في ذلك الوقت ( أجابوا عنه ) بأن التفاوت في هذه الأمور القليلة، فالمستغرق بالعذاب الشديد لا ينتبه لهذا القدر القليل من التفاوت ؛ قالوا : ولما دلت الآية على أن هذا العقاب متشابه، وجب أن يكون دائما لأنهم لو جوزوا انقطاع ذلك مما يخفف عنهم إذا تصوروه، وبيان ذلك أن الواقع في محنة عظيمة في الدنيا إذا بشر بالخلاص بعد أيام فإنه يفرح ويسر ويسهل عليه موقع محنته وكلما كانت محنته أعظم، كان ما يلحقه من الروح والتخفيف بتصور الانقطاع أكثر. 
( الصفة الثالثة ) : من صفات ذلك العقاب : قوله : ولا هم ينظرون  والإنظار هو التأجيل والتأخير قال تعالى : فنظرة إلى ميسرة  والمعنى : إن عذابهم لا يؤجل، بل يكون حاضرا متصلا بعذاب مثله فكأنه تعالى أعلمنا أن حكم دار العذاب والثواب بخلاف حكم الدنيا فإنهم يمهلون فيها إلى آجال قدرها الله تعالى، وفي الآخرة لا مهلة البتة فإذا استمهلوا لا يمهلون، وإذا استغاثوا لا يغاثون وإذا استعتبوا لا يعتبون، وقيل لهم  اخسئوا فيها ولا تكلمون  نعوذ بالله من ذلك والحاصل أن هذه الصفات الثلاثة التي ذكرها الله تعالى للعقاب في هذه الآية دلت على يأس الكافر من الانقطاع والتخفيف والتأخير.

### الآية 2:163

> ﻿وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ [2:163]

قوله تعالى : وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم . 
اعلم أن الكلام في تفسير لفظ الإله قد تقدم في تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم  أما الواحد ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال أبو علي : قولهم واحد اسم جرى على وجهين في كلامهم. ( أحدهما ) : أن يكون اسما والآخر أن يكون وصفا، فالاسم الذي ليس بصفة قولهم : واحد المستعمل في العدد نحو : واحد اثنان ثلاثة، فهذا اسم ليس بوصف كما أن سائر أسماء العدد كذلك، وأما كونه صفة فنحو قولك مررت برجل واحد وهذا شيء واحد فإذا أجرى هذا الاسم على الحق سبحانه وتعالى جاز أن يكون الذي هو الوصف كالعالم والقادر، وجاز أن يكون الذي هو الاسم كقولنا شيء ويقوي الأول قوله : وإلهكم إله واحد  وأقول : تحقيق هذا الكلام في العقل أن الأشياء التي يصدق عليها إنها واحد مشتركة في مفهوم الوحدانية، ومختلفة في خصوصيات ماهياتها، أعني كونها جوهرا، أو عرضا، أو جسما، أو مجردا، ويصح أيضا فعل كل واحد منهما، أعني ماهيته، وكونه واحدا مع الذهول عن الآخر، فإذن كون الجوهر جوهرا مثلا غير، وكونه واحدا غير، والمركب منهما غير، فلفظ الواحد تارة يفيد مجرد معنى أنه واحد، وهذا هو الاسم، وتارة يفيد معنى أنه واحد حين ما يحصل نعتا لشيء آخر، وهذا معنى كونه نعتا. 
المسألة الثانية : الواحدية هل هي صفة زائدة على الذات أم لا ؟ اختلفوا فيها فقال قوم : إنها صفة زائدة على الذات، واحتجوا عليه بأنا إذا قلنا : هذا الجوهر واحد، فالمفهوم من كونه جوهرا، غير المفهوم من كونه واحدا، بدليل أن الجوهر يشاركه العرض في كونه واحدا، ولا يشاركه في كونه جوهرا، ولأنه يصح أن يعقل كونه جوهرا حال الذهول عن كونه واحدا والمعلوم مغايرا لغير المعلوم، ولأنه لو كان كونه واحدا نفس كونه جوهرا، لكان قولنا الجوهر واحد جاريا مجرى قولنا : الجوهر جوهر، ولأن مقابل الجوهر هو العرض، ومقابل الواحد هو الكثير، فثبت أن المفهوم من كونه واحدا، إما أن يكون سلبيا أو ثبوتيا لا جائز أن يكون سلبيا لأنه لو كان سلبيا لكان سلبا للكثرة والكثرة إما أن تكون سلبية أو ثبوتية، فإن كانت الكثرة سلبية، والوحدة سلب الكثرة، كانت الوحدة سلبا للسلب وسلب السلب ثبوت، فالوحدة ثبوتية وهو المطلوب وإن كانت الكثرة ثبوتية ولا معنى للكثرة إلا مجموع الوحدات فلو كانت الوحدة سلبية مع الكثرة كان مجموع المعدومات أمرا موجودا وهو محال، فثبت أن الوحدة صفة زائدة ثبوتية، ثم هذه الصفة الزائدة إما أن يقال إنه لا تحقق لها إلا في الذهن أولها تحقق خارج الذهن والأول باطل وإلا لم يكن الذهني مطابقا لما في الخارج، فيلزم أن لا يكون الشيء الواحد في نفسه واحدا وهو محال لأنا نعلم بالضرورة أن الشيء المحكوم عليه بأنه واحد قد كان واحدا في نفسه قبل أن وجد ذهنيا وفرضيا واعتباريا، فثبت أن كون الشيء واحدا صفة ثبوتية زائدة على ذاته قائمة بتلك الذات، واحتج من أبى كون الوحدة صفة ثبوتية بأن قال : لو كانت الوحدة صفة زائدة على الذات، كانت الوحدات متساوية في ماهية كونها واحدة ومتباينة بتعيناتها، فيلزم أن يكون للوحدة وحدة أخرى، وينجر ذلك إلى ما لا نهاية له وهو محال. 
المسألة الثالثة : الواحد هو الشيء الذي لا ينقسم من جهة ما قيل له إنه واحد، فالإنسان الواحد يستحيل أن ينقسم من حيث هو إنسان إلى إنسانين بل قد ينقسم إلى الأبعاض والأجزاء من الموجودات لا ينفك عن الوحدة حتى العدد فإن العشرة الواحدة من حيث إنها عشرة واحدة قد عرضت الوحدة لها فإن قلت : عشرتان فالعشرتان مرة واحدة قد عرضت الوحدة لها من هذه الجهة، فلا شيء من الموجودات ينفك عن الوحدة ولأجل هذا اشتبه على بعضهم الوحدة بالموجود فظن أن كل موجود لما صدق عليه أنه واحد كان وجوده نفس وحدته والحق أنه ليس كذلك، لأن الوجود ينقسم إلى الواحد والكثير والمنقسم إلى شيء مغاير لما به الانقسام. 
المسألة الرابعة : الحق سبحانه وتعالى  واحد  باعتبارين ( أحدهما ) : أنه ليست ذاته مركبة من اجتماع أمور كثيرة. ( والثاني ) : أنه ليس في الوجود ما يشاركه في كونه واجب الوجود وفي كونه مبدأ لوجود جميع الممكنات، فالجوهر الفرد عند من يثبته واحد بالتفسير الأول، وليس واحد بالتفسير الثاني. والبرهان على ثبوت الوحدة بالتفسير الأول أنه لو كان مركبا لافتقر تحققه إلى تحقق كل واحد من أجزائه، وكل واحد من أجزائه غيره، فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره، وكل مفتقر إلى غيره ممكن لذاته واجب لغيره فهو مركب مفتقر إلى غيره ممكن لذاته، فما لا يكون كذلك استحال أن يكون مركبا، فإذن حقيقته سبحانه حقيقة أحدية فردية لا كثرة فيها بوجه من الوجوه، لا كثرة مقدارية، كما تكون للأجسام، ولا كثرة معنوية كما تكون للنوع المتركب من الفصل والجنس أو الشخص المتركب من الماهية والتشخيص إلا أنه قد صعب ذلك على أقوام وذلك لأنه سبحانه عالم قادر حي مريد، فالمفهوم من هذه الصفات إما هو نفس المفهوم من ذاته أو ليس كذلك والأول باطل لوجوه. ( أحدها ) : أنه يمكننا أن نتعقل ذاته مع الذهول عن كل واحد من هذه الصفات، وإن لم يمكن ذلك فلا شك أنه يمكننا تعقل كل واحد من هذه الصفات مع الذهول عن أن نتعقل ذاته المخصوصة بل هذا هو الواجب عند من يقول : إن ذاته المخصوصة غير معلومة، وصفاته معلومة والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم، فإذن هذه الصفات أمور زائدة على الذات. ( وثانيها ) : أن هذه الصفات لو كانت هي نفس الذات لكان قولنا في الذات : إنها عالمة أو ليست عالمة جاريا مجرى قولنا الذات ذات أو لا ذات، ولا استحال أن يكون ذلك في البحث يحتمل أن يقام البرهان على نفيه وإثباته فإن من قال : الذات ذات علم كل أحد بالضرورة صدقه ومن قال : الذات ليست بذات علم كل أحد بالضرورة كذبه، ولما كان قولنا : الذات عالمة أو ليست عالمة ليس بمثابة قولنا لذات ذات الذات ليست بذات علمنا أن هذه الصفات أمور زائدة على الذات. ( وثالثها ) : أنه لو كان المرجع بهذه الصفات إلى ذاته فقط وذاته ليست إلا شيئا واحدا لكان المرجع بهذه الصفات إلى شيء واحد، فكان ينبغي أن تكون إقامة الدلالة على كونه قادرا تغني عن إقامة الدلالة على كونه عالما، وعلى كونه حيا، فلما لم يكن كذلك بل افتقرنا في كل صفة إلى دليل خاص، علمنا أنه ليس المرجع بها إلى الذات، إذا ثبت أن هذه الصفات أمور زائدة على الذات، فنقول : هذه الصفات إما أن تكون سلبية أو ثبوتية، لا جائز أن تكون سلبية، لأن السلب نفي محض، والنفي المحض لا تخصص فيه، ولأنا جعلنا كونه عالما قادرا عبارة عن نفي الجهل والعجز، فالجهل والعجز إما أن يكون المرجع بهما إلى العدم وأنه ليس بعالم ولا قادر، أو يكون المرجع إلى أمر ثبوتي : وهو أن الجهل عبارة عن اعتقاد غير مطابق، والعجز عبارة عن إخلال حال القدرة، فإن كان الأول كان العلم والقدرة عبارة عن سلب السلب، فيكون ثبوتيا، وإن كان الثاني لم يلزم من انتفاء الجهل والعجز بهذا المعنى تحقق العلم والقدرة، فإن الجماد قد انتفى عنه الجهل والعجز بهذا المعنى مع أنه غير موصوف بالعلم والقدرة، فثبت أن صفات الله تعالى أمور زائدة على ذاته قائمة بذاته، والإله عبارة عن مجموع الذات والصفات، فقد عاد القول إلى أن حقيقة الإله تعالى مركبة من أمور كثيرة، فكيف القول فيه ؟
( وإشكال آخر ) : وهو أنا قد دللنا على أن الوحدة صفة زائدة على الذات قائمة بالذات، فإذا كانت حقيقة الحق واحدة، فهناك أمور ثلاثة : تلك الحقيقة، وتلك الواحدية وموصوفية تلك الحقيقة بتلك الواحدية، فذلك ثالث ثلاثة، فأين التوحيد ؟
( وإشكال ثالث ) : وهو أن تلك الحقيقة هل هي موجودة وواجبة الوجود أم لا ؟ فإن كانت موجودة فهي بوجودها تشارك سائر الموجودات وبماهياتها تمتاز عن سائر الموجودات، فهناك كثرة حاصلة بسبب الوجود والماهية، وإن لم تكن موجودة فهذا إشارة إلى العدم وكذا القول في الوجوب، فإنها إن كانت واجبة الوجود لذاتها، فوجوب وجودها يستحيل أن يكون عين الذات لأن الوجوب صفة لانتساب الموضوع إلى المحمول بالموصوفية والانتساب مغاير بين الشيئين مغاير لكل واحد منهما من حيث هو فلأن تكون صفة ذلك الانتساب مغايرة لهما أولى، وأيضا فالذات قائمة بنفسها ويستحيل أن يكون مسمى الواجب أمرا قائما بالنفس ولأنا نصف الذات بالوجوب ووصف الشيء بنفسه محال، فثبت أنه لو وجب موجود واجب الوجود لكان وجوب وجوده زائدا على ذاته، فهناك أمران تلك الذات مع ذلك الوجوب ومع الموصوفية بذلك الوجوب فقد عاد التثليث. 
( وإشكال رابع ) : وهو أن هذه الحقيقة البسيطة هل يمكن الإخبار عنها وهل يمكن التعبير عنها أم لا. والأول محال لأن الإخبار إنما يكون بشيء عن شيء، فالمخبر عنه غير المخبر به فهما أمران لا واحد، وإن لم يكن التعبير عنه فهو غير معلوم البتة لا بالنفي ولا بالإثبات فهو مغفول عنه، فهذا جملة ما في هذا المقام من السؤال :
( والجواب عن الأول ) : أنه سبحانه ذات موصوفة بهذه الصفات ولا شك أن المجموع مفتقر في تحققه إلى تحقق أجزائه إلا أن الذات قائمة بنفسها واجبة لذاتها، ثم إنها بعد وجوبها بعدية بالرتبة مستلزمة لتلك النعوت والصفات فهذا مما لا امتناع فيه عند العقل. 
وأما الإشكال الثاني : وهو أن الوحدة صفة زائدة على الذات فإذا نظرت إليها من حيث أنها واحدة فهناك أمور ثلاثة لا أمر واحد، فالجواب أن الذي ذكرته حق ولكن فرق بين النظر إليه من حيث أنه هو وبين النظر إليه من حيث أنه محكوم عليه بأنه واحد، فإذا نظرت إليه من حيث أنه هو مع ترك الالتفات إلى أنه واحد فهناك تتحقق الوحدة وههنا حالة عجيبة فإن العقل ما دام يلتفت إلى الوحدة فهو بعد لم يصل إلى عالم الوحدة، فإذا ترك الوحدة فقد وصل إلى الوحدة فاعتبر هذه الحالة بذهنك اللطيف لعلك تصل إلى سره وهذا أيضا هو الجواب عن إشكال الوجود وإشكال الوجوب. 
( أما الإشكال الرابع ) : وهو أنه هل يمكن التعبير عنه ؟ فالحق أنه لا يمكن التعبير عنه لأنك متى عبرت عنه فقد أخبرت عنه بأمر آخر، والمخبر عنه مغاير للمخبر به لا محالة، فليس هناك توحيد، ولو أخبرت عنه بأنه لا يمكن الإخبار عنه، فهناك ذات مع سلب خاص، فلا يكون هناك توحيد فأما إذا نظرت إليه من حيث أنه هو من غير أن تخبر عنه لا بالنفي ولا بالإثبات، فهناك تحقق الوصول إلى مبادئ عالم التوحيد، ثم الالتفات المذكور لا يمكن التعبير عنه إلا بقوله  هو  فلذلك عظم وقع هذه الكلمة عند الخائضين في بحار التوحيد، وسنذكر شمة من حقائقها في تفسير هذه الآية بعون الله تعالى، أما الوحدة بالمعنى الثاني، وهي أنه ليس في الوجود شيء يشاركه في وجوب الوجود، فكأن هذه الوحدة هي الوحدة الخاصة بذات الحق سبحانه وتعالى، وبراهين ذلك مذكورة في تفسير قوله تعالى : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا  أم الوحدة بالتفسير الأول، فليست من خواص ذات الحق سبحانه وتعالى لأنه لا شك في وجود موجودات وهذه الموجودات إما مفردات أو مركبات، فالمركب لا بد فيه من المفردات فثبت أنه لا بد من إثبات المفردات في ع

### الآية 2:164

> ﻿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [2:164]

قوله تعالى : إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون 
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما حكم بالفردانية والوحدانية ذكر ثمانية أنواع من الدلائل التي يمكن أن يستدل بها على وجوده سبحانه أولا وعلى توحيده وبراءته على الأضداد والأنداد ثانيا، وقبل الخوض في شرح تلكم الدلائل لا بد من بيان مسائل :
المسألة الأولى : وهي أن الناس اختلفوا في أن الخلق هل هو المخلوق أو غيره ؟ فقال عالم من الناس : الخلق هو المخلوق. واحتجوا عليه بالآية والمعقول، أما الآية فهي هذه الآية، وذلك لأنه تعالى قال : إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار  إلى قول : لآيات لقوم يعقلون  ومعلوم أن الآيات ليست إلا في المخلوق هو الذي يدل على الصانع فدلت هذه الآية على أن الخلق هو المخلوق، وأما المعقول فقد احتجوا عليه بأمور. ( أحدها ) : أن الخلق عبارة عن إخراج الشيء من العدم إلى الوجود، فهذا الإخراج لو كان أمرا مغايرا للقدرة والأثر فهو إما أن يكون قديما أو حديثا، فإن كان قديما فقد حصل في الأزل مسمى الإخراج من العدم إلى الوجود والإخراج من العدم إلى الوجود مسبوق بالعدم والأزل هو نفي المسبوقية فلو حصل الإخراج في الأزل لزم اجتماع النقيضين وهو محال، وإن كان محدثا فلا بد له أيضا من مخرج يخرجه من العدم إلى الوجود فلا بد له من إخراج آخر والكلام فيه كما في الأول ويلزم التسلسل. ( وثانيها ) : أنه تعالى في الأزل لم يكن مخرجا للأشياء من عدمها إلى وجودها، ثم في الأزل هل أحدث أمرا أو لم يحدث ؟ فإن أحدث أمرا فذلك الأمر الحادث هو المخلوق، وإن لم يحدث أمرا فالله تعالى قط لم يخلق شيئا ( وثالثها ) : أن المؤثرية نسبة بين ذات المؤثر وذات الأثر والنسبة بين الأمرين يستحيل تقريرها بدون المنتسب فهذه المؤثرية إن كانت حادثة لزم التسلسل وإن كانت قديمة كانت من لوازم ذات الله تعالى، وحصول الأثر إما في الحال أو في الاستقبال من لوازم هذا الصفة القديمة العظيمة ولازم اللازم لازم فيلزم أن يكون الأثر من لوازم ذات الله تعالى فلا يكون الله تعالى قادرا مختارا بل ملجأ مضطرا إلى ذلك التأثير فيكون علة موجبة وذلك كفر. 
واحتج القائلون بأن الخلق غير المخلوق بوجوه. ( أولها ) : أن قالوا : لا نزاع في أن الله تعالى موصوف بأنه خالق قبل أن يخلق الأشياء، والخالق هو الموصوف بالخلق، فلو كان الخلق هو المخلوق لزم كونه تعالى موصوفا بالمخلوقات التي منها الشياطين والأبالسة والقاذورات، وذلك لا يقوله عاقل ( وثانيها ) : أنا إذا رأينا حادثا حدث بعد أن لم يكن قلنا : لم وجد هذا الشيء بعد أن لم يكن فإذا قيل لنا إن الله تعالى خلقه وأوجده قبلنا ذلك وقلنا : إنه حق وصواب، ولو قيل إنه إنما وجد بنفسه لقلنا إنه خطأ وكفر ومتناقض، فلما صح تعليل حدوثه بعد ما لم يكن بأن الله تعالى خلقه ولم يصح تعليل حدوثه بحدوثه بنفسه، علمنا أن خلق الله تعالى إياه مغاير لوجوده في نفسه، فالخلق غير المخلوق. ( وثالثها ) : أنا نعرف أفعال العباد ونعرف الله تعالى وقدرته مع أنا لا نعرف أن المؤثر في أفعال العباد أهو قدرة الله أم هو قدرة العبد والمعلوم غير ما هو معلوم فمؤثرية قدرة القادر في وقوع المقدور مغايرة لنفس تلك القدرة ولنفس ذلك المقدور، ثم إن هذه المغايرة يستحيل أن تكون سلبية لأنه نقيض المؤثرية التي هي عدمية، فهذه المؤثرية صفة ثبوتية زائدة على ذات المؤثر وذات الأثر وهو المطلوب. ( ورابعها ) : أن النحاة قالوا : إذ قلنا خلق الله العالم فالعالم ليس هو المصدر بل هو المفعول به، وذلك يدل على أن خلق العالم غير العالم ( وخامسها ) : أنه يصح أن يقال : خلق السواد وخلق البياض وخلق الجوهر وخلق العرض فمفهوم الخلق أمر واحد في الكل مغاير لهذه الماهيات المختلفة بدليل أنه يصح تقسيم الخالقية إلى خالقية الجوهر وخالقية العرض ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام، فثبت أن الخلق غير المخلوق فهذا جملة ما في هذه المسألة. 
المسألة الثانية : قال أبو مسلم رحمه الله : أصل الخلق في كلام العرب التقدير وصار ذلك اسما لأفعال الله تعالى لما كان جميعها صوابا قال تعالى : وخلق كل شيء فقدره تقديرا  ويقول الناس في كل أمر محكم هو معمول على تقدير. 
المسألة الثالثة : دلت هذه الآية على أنه لا بد من الاستدلال على وجود الصانع بالدلائل العقلية وأن التقليد ليس طريقا البتة إلى تحصيل هذا الغرض. 
المسألة الرابعة : ذكر ابن جرير في سبب نزول هذه الآية : عن عطاء أنه عليه السلام عند قدومه المدينة نزل عليه : وإلهكم إله واحد  فقال كفار قريش بمكة كيف يسع الناس إله واحد ؟ فأنزل الله تعالى : إن في خلق السموات والأرض  وعن سعيد بن مسروق قال : سألت قريش اليهود فقالوا حدثونا عما جاءكم به موسى من الآيات فحدثوهم بالعصا وباليد البيضاء وسألوا النصارى عن ذلك فحدثوهم بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى فقالت قريش عند ذلك للنبي عليه السلام ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهبا فنزداد يقينا وقوة على عدونا، فسأل ربه ذلك فأوحى الله تعالى إليه أن يعطيهم ولكن إن كذبوا بعد ذلك عذبتهم عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين فقال عليه السلام :**«ذرني وقومي أدعوهم يوما فيوما »** فأنزل الله تعالى هذه الآية مبينا لهم أنهم إن كانوا يريدون أن أجعل لهم الصفا ذهبا ليزدادوا يقينا فخلق السموات والأرض وسائر ما ذكر أعظم. 
واعلم أن الكلام في هذه الأنواع الثمانية من الدلائل على أقسام :
القسم الأول : في تفصيل القول في كل واحد منها، فالنوع الأول من الدلائل : الاستدلال بأحوال السموات وقد ذكرنا طرفا من ذلك في تفسير قوله تعالى : الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء  ولنذكر ههنا نمطا آخر من الكلام :
روي أن عمر بن الحسام كان يقرأ كتاب المجسطي على عمر الأبهري، فقال بعض الفقهاء يوما : ما الذي تقرؤنه فقال : أفسر آية من القرآن، وهي قوله تعالى : أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها  فأنا أفسر كيفية بنيانها، ولقد صدق الأبهري فيما قال فإن كل من كان أكثر توغلا في بحار مخلوقات الله تعالى كان أكثر علما بجلال الله تعالى وعظمته فنقول : الكلام في أحوال السموات على الوجه المختصر الذي يليق بهذا الموضع مرتب في فصول :
الفصل الأول
في ترتيب الأفلاك
قالوا : أقربها إلينا كرة القمر، وفوقها كرة عطارد، ثم كرة الزهرة، ثم كرة الشمس، ثم كرة المريخ، ثم كرة المشتري، ثم كرة زحل، ثم كرة الثوابت، ثم الفلك الأعظم. 
**واعلم أن في هذا الموضع أبحاثا :**
البحث الأول : ذكروا في طريق معرفة هذا الترتيب ثلاثة أوجه. ( الأول ) : السير، وذلك أن الكوكب الأسفل إذا مر بين أبصارنا وبين الكوكب الأعلى فإنهما يبصران ككوكب واحد، . ويتميز السائر عن المستور بلونه الغالب، كصفرة عطارد، وبياض الزهرة وحمرة المريخ، ودرية المشتري، وكمودة زحل، ثم إن القدماء وجدوا القمر يكسف الكواكب الستة، وكثيرا من الثوابت في طريقه في ممر البروج، وكوكب عطارد يكسف الزهرة، والزهرة تكسف المريخ وعلى هذا الترتيب فهذا الطريق يدل على كون القمر تحت الشمس لانكسافها به، لكن لا يدل على كون الشمس فوق سائر الكواكب أو تحتها، لأن الشمس لا تنكسف بشيء منها لاضمحلال أضوائها في ضوء الشمس، فسقط هذا الطريق بالنسبة إلى الشمس. ( الثاني ) : اختلاف المنظر فإنه محسوس للقمر وعطارد والزهرة، وغير محسوس للمريخ والمشتري وزحل، وأما في حق الشمس فقليل جدا، فوجب أن تكون الشمس متوسطة بين القسمين، وهذا الطريق بين جدا لمن اعتبر اختلاف منظر الكواكب، وشاهده على الوجه الذي حكيناه، فأما من لم يمارسه، فإنه يكون مقلدا فيه، لاسيما وأن أبا الريحان وهو أستاذ هذه الصناعة ذكر في تلخيصه لفصول الفرغاني أن اختلاف المنظر لا يحس به إلا في القمر. ( الثالث ) : قال بطليموس : إن زحل والمشتري والمريخ تبعد عن الشمس في جميع الأبعاد، وأما عطارد والزهرة فإنهما لا يبعدان عن الشمس بعد التسديس فضلا عن سائر الأبعاد، فوجب كون الشمس متوسطة بين القسمين، وهذا الدليل ضعيف، فإنه منقوض بالقمر، فإنه يبعد عن الشمس كل الأبعاد، مع أنه تحت الكل. 
البحث الثاني : في أعداد الأفلاك، قالوا إنها تسعة فقط، والحق أن الرصد لما دل على هذه التسعة أثبتناها، فأما ما عداها، فلما لم يدل الرصد عليه، لا جرم ما جزمنا بثبوتها ولا بانتفائها، وذكر ابن سينا في الشفاء : أنه لم يتبين لي إلى الآن أن كرة الثوابت كرة واحدة، أو كرات منطبق بعضها على بعض، وأقول : هذا الاحتمال واقع، لأن الذي يمكن أن يستدل به على وحدة كرة الثوابت ليس إلا أن يقال : إن حركاتها متساوية، وإذا كان كذلك وجب كونها مركوزة في كرة واحدة، والمقدمتان ضعيفتان. 
( أما المقدمة الأولى ) : فلأن حركاتها وإن كانت في حواسنا متشابهة، لكنها في الحقيقة لعلها ليست كذلك، لأنا لو قدرنا أن الواحد منها يتم الدور في ستة وثلاثين ألف سنة، والآخر يتم هذا الدور في مثل هذا الزمان لكن ينقصان عاشرة، إذا وزعنا تلك العاشرة على أيام ستة وثلاثين ألف سنة، لا شك أن حصة كل يوم، بل كل سنة، بل كل ألف سنة مما لا يصير محسوسا، وإذا كان كذلك سقط القطع بتشابه حركات الثوابت. 
( وأما المقدمة الثانية ) : وهي أنها لما تشابهت في حركاتها وجب كونها مركوزة في كرة واحدة وهي أيضا ليست يقينية، فإن الأشياء المختلفة لا يستبعد اشتراكها في لازم واحد، بل أقول هذا الاحتمال الذي ذكره ابن سينا في كرة الثوابت قائم في جميع الكرات، لأن الطريق إلى وحدة كل كرة ليس إلا ما ذكرناه وزيفناه، فإذن لا يمكن الجزم بوحدة الكرة المتحركة اليومية فلعلها كرات كثيرة مختلفة في مقادير حركاتها بمقدار قليل جدا لا تفي بضبط ذلك التفاوت أعمارنا، وكذلك القول في جميع الممثلات والحوامل. 
ومن الناس من أثبت كرة فوق كرة الثوابت، وتحت الفلك الأعظم، واحتجوا من وجوه. ( الأول ) : أن الراصدين للميل الأعظم وجدوه مختلف المقدار، وكل من كان رصده أقدم كان وجدان الميل الأعظم أعظم، فإن بطليموس وجده. ( كج نا ) ثم وجد في زمان المأمون ( كج له ) ثم وجد بعد المأمون وقد تناقص بدقيقة، وذلك يقتضي أن من شأن القطبين أن يقل ميلهما تارة ويكثر أخرى، وهذا إنما يمكن إذا كان بين كرة الكل، وكرة الثوابت كرة أخرى يدور قطباها حول قطبي كرة الكل، وتكون كرة الثوابت يدور أيضا قطباها حول قطبي تلك الكرة فيعرض لقطبها تارة أن يصير إلى جانب الشمال منخفضا، وتارة إلى جانب الجنوب مرتفعا فيلزم من ذلك أن ينطبق معدل النهار على منطقة البروج، وأن ينفصل عنه تارة أخرى إلى الجنوب. ( وثانيها ) : أن أصحاب الأرصاد اضطربوا اضطرابا شديدا في مقدار مسير الشمس على ما هو مشروح في المطولات، حتى أن بطليموس حكى عن ابرخس أنه كان شاكا في أن هذا السير يكون في أزمنة متساوية أو مختلفة. 
ثم إن الناس ذك

### الآية 2:165

> ﻿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ [2:165]

قوله تعالى : ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذي ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب 
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما قرر التوحيد بالدلائل القاهرة القاطعة أردف ذلك بتقبيح ما يضاد التوحيد لأن تقبيح ضد الشيء مما يؤكد حسن الشيء ولذلك قال الشاعر : وبضدها تتبين الأشياء، وقالوا أيضا النعمة مجهولة، فإذا فقدت عرفت، والناس لا يعرفون قدر الصحة، فإذا مرضوا ثم عادت الصحة إليهم عرفوا قدرها، وكذا القول في جميع النعم، فلهذا السبب أردف الله تعالى الآية الدالة على التوحيد بهذه الآية، وهنا مسائل :
المسألة الأولى : أما الند فهو المثل المنازع، وقد بينا تحقيقه في قوله تعالى في أول هذه السورة : فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون  واختلفوا في المراد بالأنداد على أقوال. ( أحدها ) : أنها هي الأوثان التي اتخذوها آلهة لتقربهم إلى الله زلفى، ورجوا من عندها النفع والضر، وقصدوها بالمسائل، ونذروا لها النذور، وقربوا لها القرابين، وهو قول أكثر المفسرين، وعلى هذا الأصنام أنداد بعضها لبعض، أي أمثال ليس إنها أندادا لله، أو المعنى : إنها أنداد لله تعالى بحسب ظنونهم الفاسدة. ( وثانيها ) : إنهم السادة الذين كانوا يطيعونهم فيحلون لمكان طاعتهم ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، عن السدي، والقائلون بهذا القول رجحوا هذا القول على الأول من وجوه. ( الأول ) : أن قوله : يحبونهم كحب الله  الهاء والميم فيه ضمير العقلاء. ( الثاني ) : أنه يبعد أنهم كانوا يحبون الأصنام كمحبتهم الله تعالى مع علمهم بأنها لا تضر ولا تنفع. ( الثالث ) : أن الله تعالى ذكره بعد هذه الآية : إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا  وذلك لا يليق إلا بمن اتخذ الرجال أنداد وأمثالا لله تعالى، يلتزمون من تعظيمهم والانقياد لهم، ما يلتزمه المؤمنون من الانقياد لله تعالى. 
( القول الثالث ) : في تفسير الأنداد قول الصوفية والعارفين، وهو أن كل شيء شغلت قلبك به سوى الله تعالى، فقد جعلته في قلبك ندا لله تعالى وهو المراد من قوله : أفرأيت من اتخذ إلهه هواه . 
أما قوله تعالى : يحبونهم كحب الله  فاعلم أنه ليس المراد محبة ذاتهم فلا بد من محذوف، والمراد يحبون عادتهم أو التقرب إليهم والانقياد لهم، أو جميع ذلك، وقوله : كحب الله  فيه ثلاثة أقوال : قيل فيه كحبهم لله، وقيل فيه : كالحب اللازم عليهم لله، وقيل فيه : كحب المؤمنين لله، وإنما اختلفوا هذا الاختلاف من حيث إنهم اختلفوا في أنهم هل كانوا يعرفون الله أم لا ؟ فمن قال : كانوا يعرفون مع اتخاذهم الأنداد تأول على أن المراد كحبهم لله ومن قال إنهم ما كانوا عارفين بربهم حمل الآية على أحد الوجهين الباقيين إما كالحب اللازم لهم أو كحب المؤمنين لله والقول الأول أقرب لأن قوله : يحبونهم كحب الله  راجع إلى الناس الذين تقدم ذكرهم، وظاهر قوله : كحب الله  يقتضي حبا لله ثابتا فيهم، فكأنه تعالى بين في الآية السالفة أن الإله واحد، ونبه على دلائله، ثم حكى قول من يشرك معه، وذلك يقتضي كونهم مقرين بالله تعالى. 
فإن قيل : العاقل يستحيل أن يكون حبه للأوثان كحبه لله، وذلك لأنه بضرورة العقل يعلم أن هذه الأوثان أحجار لا تنفع، ولا تضر، ولا تسمع، ولا تبصر ولا تعقل، وكانوا مقرين بأن لهذا العالم صانعا مدبرا حكيما ولهذا قال تعالى : ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله  ومع هذا الاعتقاد كيف يعقل أن يكون حبهم لتلك الأوثان كحبهم لله تعالى، وأيضا فإن الله تعالى حكى عنهم أنهم قالوا : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى  وإذا كان كذلك، كان المقصود الأصلي طلب مرضات الله تعالى، فكيف يعقل الاستواء مع هذا القول، قلنا قوله : يحبونهم كحب الله  أي في الطاعة لها، والتعظيم لها، فالاستواء على هذا القول في المحبة لا ينافي ما ذكرتموه. 
أما قوله تعالى : والذين آمنوا أشد حبا لله  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : في البحث عن ماهية محبة العبد لله تعالى، اعلم أنه لا نزاع بين الأمة في إطلاق هذه اللفظة، وهي أن العبد قد يحب الله تعالى، والقرآن ناطق به، كما في هذه الآية، وكما في قوله : يحبهم ويحبونه  وكذا الأخبار، روي أن إبراهيم عليه السلام قال لملك الموت عليه السلام وقد جاءه لقبض روحه : هل رأيت خليلا يميت خليله ؟ فأوحى الله تعالى إليه : هل رأيت خليلا يكره لقاء خليله ؟ فقال : يا ملك الموت الآن فاقبض، وجاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :( يا رسول الله متى الساعة ؟ فقال ما أعددت لها ؟ فقال ما أعددت كثير صلاة ولا صيام، إلا أني أحب الله ورسوله، فقال عليه الصلاة والسلام : المرء مع من أحب ) فقال أنس : فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام فرحهم بذلك، وروي أن عيسى عليه السلام مر بثلاثة نفر، وقد نحلت أبدانهم، وتغيرت ألوانهم، فقال لهم : ما الذي بلغ بكم إلى ما أرى ؟ فقالوا : الخوف من النار، فقال حق على الله أن يؤمن الخائف، ثم تركهم إلى ثلاثة آخرين، فإذا هم أشد نحولا وتغيرا، فقال لهم : ما الذي بلغ بكم إلى هذا المقام ؟ قالوا : الشوق إلى الجنة، فقال : حق على الله أن يعطيكم ما ترجون ثم تركهم إلى ثلاثة آخرين فإذا هم أشد نحولا وتغيرا، كأن وجوههم المرايا من النور، فقال : كيف بلغتم إلى هذه الدرجة، قالوا : بحب الله فقال عليه الصلاة والسلام :( أنتم المقربون إلى الله يوم القيامة ) وعند السدي قال : تدعى الأمم يوم القيامة بأنبيائها، فيقال : يا أمة موسى، ويا أمة عيسى، ويا أمة محمد، غير المحبين منهم، فإنهم ينادون : يا أولياء الله، وفي بعض الكتب :**«عبدي أنا وحقك لك محب فبحقي عليك كن لي محبا »**. 
واعلم أن الأمة وإن اتفقوا في إطلاق هذه اللفظة، لكنهم اختلفوا في معناها، فقال جمهور المتكلمين : إن المحبة نوع من أنواع الإرادة، والإرادة لا تعلق لها إلا بالجائزات، فيستحيل تعلق المحبة بذات الله تعالى وصفاته، فإذا قلنا : نحب الله، فمعناه نحب طاعة الله وخدمته، أو نحب ثوابه وإحسانه، وأما العارفون فقد قالوا : العبد قد يحب الله تعالى لذاته، وأما حب خدمته أو حب ثوابه فدرجة نازلة، واحتجوا بأن قالوا إنا وجدنا أن اللذة محبوبة لذاتها، والكمال أيضا محبوب لذاته، أما اللذة فإنه إذا قيل لنا : لم تكتسبون ؟ قلنا : لنجد المال، فإن قيل : ولم تطلبون المال ؟ قلنا : لنجد به المأكول والمشروب، فإن قالوا : لم تطلبون المأكول والمشروب ؟ قلنا : لتحصل اللذة ويندفع الألم، فإن قيل لنا : ولما تطلبون اللذة وتكرهون الألم ؟ قلنا : هذا غير معلل، فإنه لو كان كل شيء إنما كان مطلوبا لأجل شيء آخر، لزم إما التسلسل، وإما الدور، وهما محالان، فلا بد من الانتهاء إلى ما يكون مطلوبا لذاته، وإذا أثبت ذلك فنحن نعلم أن اللذة مطلوبة الحصول لذاتها، والألم مطلوب الدفع لذاته، لا لسبب آخر، وأما الكمال فلأنا نحب الأنبياء والأولياء لمجرد كونهم موصوفين بصفات الكمال، وإذا سمعنا حكاية بعض الشجعان مثل رستم، واستفنديار، واطلعنا على كيفية شجاعتهم مالت قلوبنا إليهم، حتى أنه قد يبلغ ذلك الميل إلى إنفاق المال العظيم في تقرير تعظيمه، وقد ينتهي ذلك إلى المخاطرة بالروح، وكون اللذة محبوبة لذاتها لا ينافي كون الكمال محبوبا لذاته، إذا ثبت هذا فنقول : الذين حملوا محبة الله تعالى على محبة طاعته، أو على محبة ثوابه، فهؤلاء هم الذين عرفوا أن اللذة محبوبة لذاتها، ولم يعرفوا أن الكمال محبوب لذاته، أما العارفون الذين قالوا : إنه تعالى محبوب في ذاته ولذاته، فهم الذين انكشف لهم أن الكمال محبوب لذاته، وذلك لأن أكمل الكاملين هو الحق سبحانه وتعالى، فإنه لوجوب وجوده : غنى عن كل ما عداه، وكمال كل شيء فهو مستفاد منه وأنه سبحانه وتعالى أكمل الكاملين في العلم والقدرة فإذا كنا نحب الرجل العالم لكماله في علمه والرجل الشجاع لكماله في شجاعته والرجل الزاهد لبراءته عما لا ينبغي من الأفعال، فكيف لا نحب الله وجميع العلوم بالنسبة إلى علمه كالعدم، وجميع القدر بالنسبة إلى قدرته كالعدم وجميع ما للخلق من البراءة عن النقائص بالنسبة إلى ما للحق من ذلك كالعدم، فلزم القطع بأن المحبوب الحق هو الله تعالى، وأنه محبوب في ذاته ولذاته، سواء أحبه غيره أو ما أحبه غيره، واعلم أنك لما وقفت على النكتة في هذا الباب، فنقول : العبد لا سبيل له إلى الإطلاع على الله سبحانه ابتداء، بل ما لم ينظر في مملوكاته لا يمكنه الوصول إلى ذلك المقام، فلا جرم كل من كان اطلاعه على دقائق حكمة الله وقدرته في المخلوقات أتم، كان علمه بكماله أتم، فكان له حبه أتم، ولما كان لا نهاية لمراتب وقوف العبد على دقائق حكمة الله تعالى، فلا جرم لا نهاية لمراتب محبة العباد لجلال حضرة الله تعالى، ثم تحدث هناك حالة أخرى، وهي أن العبد إذا كثرت مطالعته لدقائق حكمة الله تعالى، كثر ترقيه في مقام محبة الله، فإذا كثر ذلك صار ذلك سببا لاستيلاء حب الله تعالى على قلب العبد، وغوصه فيه على مثال القطرات النازلة من الماء على الصخرة الصماء فإنها مع لطافتها تثقب الحجارة الصلدة فإذا غاصت محبة الله في القلب تكيف القلب بكيفيتها، واشتد ألفه بها وكلما كان ذلك الألف أشد كان النفرة عما سواه أشد لأن الالتفات إلى ما عداه يشغله عن الالتفات إليه والمانع عن حضور المحبوب مكروه فلا تزال تتعاقب محبة الله، ونفرته عما سواه على القلب، ويشتد كل واحد منهما بالآخر، إلى أن يصير القلب نفورا عما سوى الله تعالى، والنفرة توجب الإعراض عما سوى الله، والإعراض يوجب الفناء عما سوى الله تعالى فيصير ذلك القلب مستنيرا بأنوار القدس، مستضيئا بأضواء عالم العصمة فانيا عن الحظوظ المتعلقة بعالم الحدوث وهذا المقام أعلى الدرجات، وليس له في هذا العالم مثال إلا العشق الشديد على أي شيء كان فإنك ترى من التجار المشغوفين بتحصيل المال من نسي جوعه وطعامه وشرابه عند استغراقه في حفظ المال فإذا عقل ذلك في ذلك المقام الخسيس فكيف يستبعد ذلك عند مطالعة جلال الحضرة الصمدية. 
المسألة الثانية : في معنى الشوق إلى الله تعالى، اعلم أن الشوق لا يتصور إلا إلى شيء أدرك من وجه، ولم يدرك من وجه فأما الذي لم يدرك أصلا، فلا يشتاق إليه، فإن لم ير شخصا ولم يسمع وصفه، لم يتصور أن يشتاق إليه ولو أدرك كماله لا يشتاق إليه، ثم إن الشوق إلى المعشوق من وجهين. ( أحدهما ) : أنه إذا رآه ثم غاب عنه اشتاق إلى استكمال خياله بالرؤية. ( والثاني ) : أن يرى وجه محبوبه ولا يرى شعره، ولا سائر محاسنه، فيشتاق إلى أن ينكشف له ما لم يره قط، والوجهان جميعا متصوران في حق الله تعالى، بل هما لازمان بالضرورة لكل العارفين، فإن الذي اتضح للعارفين من الأمور الإلهية وإن كان في غاية الوضوح، مشوب بشوائب الخيالات، فإن الخيالات لا تفتر في هذا العالم عن المحاكاة والتمثيلات، وهي مدركات للمعار

### الآية 2:166

> ﻿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ [2:166]

قوله تعالى : إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لناكرة فنتبرأ منهم كمكا تبرؤا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار 
اعلم أنه تعالى لما بين حال من يتخذ من دون الله أندادا بقوله : ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب  على طريق التهديد زاد في هذا الوعيد بقوله تعالى : إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا  فبين أن الذين أفنوا عمرهم على عبادتهم واعتقدوا أنهم أوكد أسباب نجاتهم فإنهم يتبرؤون منهم عند احتياجهم إليهم ونظيره قوله تعالى : يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا  وقال أيضا : الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين  وقال : كلما دخلت أمة لعنت أختها  وحكى عن إبليس أنه قال : إني كفرت بما أشركتمون من قبل  وههنا مسائل :
المسألة الأولى : في قوله : إذ تبرأ  قولان، ( الأول ) : أنه بدل من : إذ يرون العذاب  ( الثاني ) : أن عامل الإعراب في ( إذ ) معنى شديد كأنه قال : هو شديد العذاب إذ تبرأ يعني في وقت التبرؤ. 
المسألة الثانية : معنى الآية أن المتبوعين يتبرؤن من الأتباع ذلك اليوم فبين تعالى ما لأجله يتبرؤن منهم وهو عجزهم عن تخليصهم من العذاب الذي رأوه لأن قوله : وتقطعت بهم الأسباب  يدخل في معناه أنهم لم يجدوا إلى تخليص أنفسهم وأتباعهم سببا، والآيس من كل وجه يرجو به الخلاص مما نزل به وبأوليائه من البلاء يوصف بأنه تقطعت به الأسباب واختلفوا في المراد بهؤلاء المتبوعين على وجوه. ( أحدها ) : أنهم السادة والرؤساء من مشركي الإنس، عن قتادة والربيع وعطاء. ( وثانيها ) : أنهم شياطين الجن الذين صاروا متبوعين للكفار بالوسوسة عن السدي. ( وثالثها ) : أنهم شياطين الجن والإنس. ( ورابعها ) : الأوثان الذين كانوا يسمونها بالآلهة والأقرب هو الأول لأن الأقرب في الذين اتبعوا أنهم الذين يصح منهم الأمر والنهي حتى يمكن أن يتبعوا وذلك لا يليق بالأصنام، ويجب أيضا حملهم على السادة من الناس لأنهم الذين يصح وصفهم من عظمهم بأنهم يحبونهم كحب الله دون الشياطين ويؤكده قوله تعالى : إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا  وقرأ مجاهد الأول على البناء للفاعل، والثاني على البناء للمفعول أي تبرأ الأتباع من الرؤساء. 
المسألة الثالثة : ذكروا في تفسير التبرؤ وجوها. ( أحدها ) : أن يقع منهم ذلك بالقول. ( وثانيها ) : أن يكون نزول العذاب بهم، وعجزهم عن دفعهم عن أنفسهم فكيف عن غيرهم فتبرؤا. ( وثالثها ) : أنه ظهر فيهم الندم على ما كان منهم من الكفر بالله والإعراض عن أنبيائه ورسله فسمي ذلك الندم تبرؤا والأقرب هو الأول، لأنه هو الحقيقة في اللفظ. 
أما قوله تعالى : ورأوا العذاب  الواو للحال، أي يتبرؤون في حال رؤيتهم العذاب وهذا أولى من سائر الأقوال، لأن في تلك الحالة يزداد الهول والخوف. 
أما قوله تعالى : وتقطعت بهم الأسباب  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : أنه عطف على  تبرأ  وذكروا في تفسير الأسباب سبعة أقوال. ( الأول ) : أنها المواصلات التي كانوا يتواصلان عليها، عن مجاهد وقتادة والربيع. ( الثاني ) : الأرحام التي كانوا يتعاطفون بها عن ابن عباس وابن جريج. ( الثالث ) : الأعمال التي كانوا يلزمونها عن ابن زيد والسدي. ( والرابع ) : العهود والحلف التي كانت بينهم يتوادون عليها، عن ابن عباس. ( الخامس ) : ما كانوا يتواصلون به من الكفر وكان بها انقطاعهم عن الأصم. ( السادس ) : المنازل التي كانت لهم في الدنيا عن الضحاك والربيع بن أنس. ( السابع ) : أسباب النجاة تقطعت عنهم والأظهر دخول الكل فيه، لأن ذلك كالنفي فيعم الكل فكأنه قال : وزال عنهم كل سبب يمكن أن يتعلق به وأنهم لا ينتفعون بالأسباب على اختلافها من منزلة وسبب ونسب وخلف وعقد وعهد، وذلك نهاية ما يكون من اليأس فحصل فيه التوكيد العظيم في الزجر. 
المسألة الثانية : الباء في قوله تعالى : بهم الأسباب  بمعنى ( عن ) كقوله تعالى : فاسأل به خبيرا  أي عنه قال علقمة بن عبدة :
فإن تسألوني بالنساء فإنني\*\*\* بصير بأدواء النساء طبيب
أي عن النساء. 
المسألة الثالثة : أصل السبب في اللغة الحبل قالوا : ولا يدعى الحبل سببا حتى ينزل ويصعد به، ومنه قوله تعالى : فليمدد بسبب إلى السماء  ثم قيل لكل شيء وصلت به إلى موضع أو حاجة تريدها سبب. يقال : ما بيني وبينك سبب أي رحم ومودة، وقيل للطريق : سبب لأنك بسلوكه تصل الموضع الذي تريدها، قال تعالى : فأتبع سببا  أي طريقا، وأسباب السموات : أبوابها لأن الوصول إلى السماء يكون بدخولها، قال تعالى مخبرا عن فرعون : لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات  قال زهير :

ومن هاب أسباب المنايا تناله  ولو رام أسباب السماء بسلموالمودة بين القوم تسمى سببا لأنهم بها يتواصلون.

### الآية 2:167

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [2:167]

أما قوله تعالى : وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤا منا  فذلك تمن منهم لأن يتمكنوا من الرجعة إلى الدنيا وإلى حال التكليف فيكون الاختيار إليهم حتى يتبرؤن منهم في الدنيا كما تبرؤا منهم يوم القيامة، ومفهوم الكلام أنهم تمنوا لهم في الدنيا ما يقارب العذاب فيتبرؤن منهم ولا يخلصونهم ولا ينصرونهم كما فعلوا بهم يوم القيامة وتقديره : فلو أن لنا كرة فنتبرأ منهم وقد دهمهم مثل هذا الخطب كما تبرؤا منا والحالة هذه لأنهم إن تمنوا التبرأ منهم مع سلامة فليس فيه فائدة. 
أما قوله : كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : في قوله : كذلك يريهم  وجهان. ( الأول ) : كتبرؤ بعضهم من بعض يريهم الله أعمالهم حسرات وذلك لانقطاع الرجاء من كل أحد. ( الثاني ) : كما أراهم العذاب يريهم الله أعمالهم حسرات، لأنهم أيقنوا بالهلاك. 
المسألة الثانية : في المراد بالأعمال أقوال. ( الأول ) : الطاعات يتحسرون لم ضيعوها عن السدي. ( الثاني ) : المعاصي وأعمالهم الخبيثة عن الربيع وابن زيد يتحسرون لم عملوها. ( الثالث ) : ثواب طاعاتهم التي أتوا بها فأحبطوه بالكفر عن الأصم. ( الرابع ) : أعمالهم التي تقربوا بها إلى رؤسائهم من تعظيمهم والانقياد لأمرهم، والظاهر أن المراد الأعمال التي اتبعوا فيها السادة، وهو كفرهم ومعاصيهم، وإنما تكون حسرة بأن رأوها في صحيفتهم، وأيقنوا بالجزاء عليها، وكان يمكنهم تركها والعدول إلى الطاعات، وفي هذا الوجه الإضافة حقيقية لأنهم عملوها، وفي الثاني مجاز بمعنى لزمهم فلم يقوموا به. 
المسألة الثالثة : حسرات ثالث مفاعيل : رأى. 
المسألة الرابعة : قال الزجاج : الحسرة شدة الندامة حتى يبقى النادم كالحسير من الدواب، وهو الذي لا منفعة فيه، يقال : حسر فلان يحسر حسرة وحسرا إذا اشتد ندمه على أمر فاته، وأصل الحسر الكشف، يقال : حسر عن ذراعيه أي كشف والحسرة انكشاف عن حال الندامة، والحسور : الإعياء لأنه انكشاف الحال عما أوجبه طول السفر، قال تعالى : ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون  والمحسرة المكنسة لأنها تكشف عن الأرض، والطير تنحسر لأنها تنكشف بذهاب الريش. 
أما قوله تعالى : وما هم بخارجين من النار  فقد احتج به الأصحاب على أن أصحاب الكبيرة من أهل القبلة يخرجون من النار فقالوا : إن قوله  وما هم  تخصيص لهم بعدم الخروج على سبيل الحصر فوجب أن يكون عدم الخروج مخصوصا بهم، وهذه الآية تكشف عن المراد بقوله : وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين  وثبت أن المراد بالفجار ههنا الكفار لدلالة هذه الآية عليه.

### الآية 2:168

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [2:168]

قوله عز وجل : يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين، إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون . 
اعلم أنه تعالى لما بين التوحيد ودلائله، وما للموحدين من الثواب وأتبعه بذكر الشرك ومن يتخذ من دون الله أندادا، ويتبع رؤساء الكفر أتبع ذلك بذكر إنعامه على الفريقين وإحسانه إليهم وأن معصية من عصاه وكفر من كفر به لم تؤثر في قطع إحسانه ونعمه عنهم، فقال : يا أيها الناس كلوا مما في الأرض  وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال ابن عباس : نزلت الآية في الذين حرموا على أنفسهم السوائب، والوصائل والبحائر وهم قوم من ثقيف وبني عامر بن صعصعة وخزاعة وبني مدلج. 
المسأل الثانية : الحلال المباح الذي انحلت عقدة الحظر عنه وأصله من الحل الذي هو نقيض العقد ومنه : حل بالمكان إذا نزل به، لأنه حل شد الارتحال للنزول وحل الدين إذا وجب لانحلال العقدة بإنقضاء المدة، وحل من إحرامه، لأنه حل عقدة الإحرام، وحلت عليه العقوبة، أي وجبت لانحلال العقدة بالمانعة من العذاب، والحلة الإزار والرداء، لأنه يحل عن الطي للبس، ومن هذا تحلة اليمين، لأنه عقدة اليمين تنحل به، واعلم أن الحرام قد يكون حراما لخبثه كالميتة والدم والخمر، وقد يكون حراما لا لخبثه، كملك الغير إذا لم يأذن في أكله فالحلال هو الخالي عن القيدين. 
المسألة الثالثة : قوله  حلالا طيبا  إن شئت نصبته على الحال مما في الأرض وإن شئت نصبته على أنه مفعول. 
المسألة الرابعة : الطيب في اللغة قد يكون بمعنى الطاهر والحلال يوصف بأنه طيب، لأن الحرام يوصف بأنه خبيث قال تعالى : قل لا يستوي الخبيث والطيب  والطيب في الأصل هو ما يستلذ به ويستطاب ووصف به الطاهر والحلال على جهة التشبيه، لأن النجس تكرهه النفس فلا تستلذه والحرام غير مستلذ، لأن الشرع يزجر عنه وفي المراد بالطيب في الآية وجهان الأول : أنه المستلذ لأنا لو حملناه على الحلال لزم التكرار فعلى هذا إنما يكون طيبا إذا كان من جنس ما يشتهي لأنه إن تناول ما لا شهوة له فيه عاد حراما وإن كان يبعد أن يقع ذلك من العاقل إلا عند شبهة والثاني : المراد منه المباح وقوله يلزم التكرار قلنا : لا نسلم فإن قوله : حلالا  المراد منه ما يكون جنسه حلالا وقوله  طيبا  المراد منه لا يكون متعلقا به حق الغير فإن أكل الحرام وإن استطابه الأكل فمن حيث يفضي إلى العقاب يصير مضرة ولا يكون مستطابا، كما قال تعالى : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا . 
أما قوله تعالى : لا تتبعوا خطوات الشيطان  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن عامر والكسائي، وهي إحدى الروايتين عن ابن كثير وحفص عن عاصم  خطوات  بضم الخاء والطاء والباقون بسكون الطاء، أما من ضم العين فلأن الواحدة خطوة فإذا جمعت حركت العين للجمع، كما فعل بالأسماء التي على هذا الوزن نحو غرفة وغرفات، وتحريك العين للجمع كما فعل في نحو هذا الجمع للفصل بين الاسم والصفة، وذلك أن ما كان اسما جمعته بتحريك العين نحو تمرة وتمرات وغرفة وغرفات وشهوة وشهوات، وما كان نعتا جمع بسكون العين نحو ضخمة وضخمات وعبلة وعبلات، والخطوة من الأسماء لا من الصفات فيجمع بتحريك العين، وأما من خفف العين فبقاه على الأصل وطلب الخفة. 
المسألة الثانية : قال ابن السكيت فيما رواه عنه الجبائي الخطوة والخطوة بمعنى واحد وحكى عن الفراء : خطوت خطوة والخطوة ما بين القدمين كما يقال : حثوت حثوة، والحثوة اسم لما تحثيت، وكذلك غرفت غرفة والغرفة اسم لما اغترفت، وإذا كان كذلك فالخطوة المكان المتخطى كما أن الغرفة هي الشيء المغترف بالكف فيكون المعنى : لا تتبعوا سبيله ولا تسلكوا طريقه لأن الخطوة اسم مكان، وهذا قول الزجاج وابن قتيبة فإنهما قالا : خطوات الشيطان طرقه وإن جعلت الخطوة بمعنى الخطوة كما ذكره الجبائي فالتقدير : لا تأتموا به ولا تقفوا أثره والمعنيان مقاربان وإن اختلف التقديران هذا ما يتعلق باللغة، وأما المعنى فليس مراد الله ههنا ما يتعلق باللغة بل كأنه قيل لمن أبيح له الأكل على الوصف المذكور احذر أن تتعداه إلى ما يدعوك إليه الشيطان وزجر المكلف بهذا الكلام عن تخطي الحلال إلى الشبه كما زجره عن تخطيه إلى الحرام لأن الشيطان إنما يلقي إلى المرء ما يجري مجرى الشبهة فيزين بذلك ما لا يحل له فزجر الله تعالى عن ذلك، ثم بين العلة في هذا التحذير، وهو كونه عدوا مبينا أي متظاهر بالعداوة، وذلك لأن الشيطان التزم أمورا سبعة في العداوة أربعة منها في قوله تعالى : ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله  وثلاثة منها في قوله تعالى : لأقعدن لهم صراطك المستقيم \* ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين  فلما التزم الشيطان هذه الأمور كان عدوا متظاهرا بالعداوة فلهذا وصفه الله تعالى بذلك.

### الآية 2:169

> ﻿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [2:169]

وأما قوله تعالى : إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون  فهذا كالتفصيل لجملة عداوته، وهو مشتمل على أمور ثلاثة أولها : السوء، وهو متناول جميع المعاصي سواء كانت تلك المعاصي من أفعال الجوارح أو من أفعال القلوب وثانيها : الفحشاء وهي نوع من السوء، لأنها أقبح أنواعه، وهو الذي يستعظم ويستفحش من المعاصي وثالثها : أن تقولوا على الله ما لا تعلمون  وكأنه أقبح أنواع الفحشاء، لأنه وصف الله تعالى بما لا ينبغي من أعظم أنواع الكبائر، فصارت هذه الجملة كالتفسير لقوله تعالى : ولا تتبعوا خطوات الشيطان  فيدخل في الآية أن الشيطان يدعو إلى الصغائر والكبائر والكفر والجهل بالله، وههنا مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن أمر الشيطان ووسوسته عبارة عن هذه الخواطر التي نجدها من أنفسنا، وقد اختلفت الناس في هذه الخواطر من وجوه أحدها : اختلفوا في ماهياتها فقال بعضهم إنها حروف وأصوات خفية، وقال الفلاسفة : إنها تصورات الحروف والأصوات وتخيلاتها على مثال الصور المنطبعة في المرايا، فإن تلك الصور تشبه تلك الأشياء من بعض الوجوه، وإن لم تكن مشابهة لها في كل الوجوه. 
ولقائل أن يقول : صور هذه الحروف وتخيلاتها هل تشبه هذه الحروف في كونها حروفا أولا تشبهها ؟ فإن كان الأول فصور الحروف حروف، فعاد القول إلى أن هذه الخواطر أصوات وحروف خفية، وإن كان الثاني لم تكن تصورات هذه الحروف حروفا، لكني أجد من نفسي هذه الحروف والأصوات مترتبة منتظمة على حسب انتظامها في الخارج، والعربي لا يتكلم في قلبه إلا بالعربية، وكذا العجمي، وتصورات هذه الحروف وتعاقبها وتواليها لا يكون إلا على مطابقة تعاقبها وتواليها في الخارج، فثبت أنها في أنفسها حروف وأصوات خفية وثانيها : أن فاعل هذه الخواطر من هو ؟ أما على أصلنا وهو أن خالف الحوادث بأسرها هو الله تعالى، فالأمر ظاهر وأما على أصل المعتزلة فهم لا يقولون بذلك، وأيضا فلأن المتكلم عندهم من فعل الكلام فلو كان فاعل هذه الخواطر هو الله تعالى، وفيها ما يكون كذبا وسخفا، لزم كون الله موصوفا بذلك تعالى الله عنه، ولا يمكن أن يقال : إن فاعلها هو العبد، لأن العبد قد يكره حصول تلك الخواطر، ويحتال في دفعها عن نفسه مع أنها البتة لا تندفع، بل ينجر البعض إلى البعض على سبيل الاتصال، فإذن لا بد ههنا من شيء آخر، وهو إما الملك وإما الشيطان، فلعلهما يتكلمان بهذا الكلام في أقصى الدماغ، وفي أقصى القلب، حتى إن الإنسان وإن كان في غاية الصمم، فإنه يسمع هذه الحروف والأصوات ثم إن قلنا بأن الشيطان والملك ذوات قائمة بأنفسها، غير متحيزة البتة، لم يبعد كونها قادرة على مثل هذه الأفعال، وإن قلنا بأنها أجسام لطيفة لم يبعد أيضا أن يقال : إنها وإن كانت لا تتولج بواطن البشر إلا أنهم يقدرون على إيصال هذا الكلام إلى بواطن البشر، ولا بعد أيضا أن يقال إنها لغاية لطاقتها تقدر على النفوذ في مضايق باطن البشر ومخارق جسمه وتوصل الكلام إلى أقصى قلبه ودماغه، ثم إنها مع لطافتها تكون مستحكمة التركيب، بحيث يكون اتصال بعض أجزائه بالبعض اتصالا لا ينفصل، فلا جرم لا يقتضي نفوذها في هذه المضايق والمخارق انفصالها وتفرق أجزائها وكل هذه الاحتمالات مما لا دليل على فسادها والأمر في معرفة حقائقها عند الله تعالى، ومما يدل على إثبات إلهام الملائكة بالخير قوله تعالى :
 إذ يوحى ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا  أي ألهموهم الثبات وشجعوهم على أعدائهم، ويدل عليه من الأخبار قوله عليه الصلاة والسلام **«إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة »** وفي الحديث أيضا **« إذا ولد المولود لبني آدم قرن إبليس به شيطانا وقرن الله به ملكا، فالشيطان جاثم على أذن قلبه الأيسر، والملك جاثم على أذن قلبه الأيمن فهما يدعوانه »** ومن صوفية والفلاسفة من فسر الملك الداعي إلى الخير بالقوة العقلية، وفسر الشيطان الداعي إلى الشر بالقوة والشهوانية والغضبية. 
المسألة الثاني : دلت الآية على أن الشيطان لا يأمر إلا بالقبائح لأنه تعالى ذكره بكلمة  إنما  وهي للحصر، وقال بعض العارفين : إن الشيطان قد يدعو إلى الخير لكن لغرض أن يجره منه إلى الشر وذلك يدل على أنواع : إما أن يجره من الأفضل إلى الفاضل ليتمكن من أن يخرجه من الفاضل إلى الشر، وإما أن يجره من الفاضل الأسهل إلى الأفضل الأشق ليصير ازدياد المشقة سببا لحصول النفرة عن الطاعة بالكلية. 
المسألة الثالثة : قوله تعالى : وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون  يتناول جميع المذاهب الفاسدة بل يتناول مقلد الحق لأنه وإن كان مقلدا للحق لكنه قال ما لا يعلمه فصار مستحقا للذم لاندراجه تحت الذم في هذه الآية. 
المسألة الرابعة : تمسك نفاة القياس بقوله : وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون  والجواب عنه : أنه متى قامت الدلالة على أن العمل بالقياس واجب كان العمل بالقياس قولا على الله بما يعلم لا بما لا يعلم.

### الآية 2:170

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ [2:170]

قوله تعالى : وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألقينا علينا آباءنا أولو كان آباءهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون . 
اعلم أنهم اختلفوا في الضمير في قوله : لهم  على ثلاثة أقوال أحدها : أنه عائد على  من  في قوله : من يتخذ من دون الله أندادا  وهم مشركو العرب، وقد سبق ذكرهم وثانيها : يعود على  الناس  في قوله : يا أيها الناس  فعدل عن المخاطبة إلى المغايبة على طريق الإلتفات مبالغة في بيان ضلالهم، كأنه يقول للعقلاء : انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون وثالثها : قال ابن عباس : نزلت في اليهود، وذلك حين دعاهم رسول الله إلى الإسلام، فقالوا : نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، فهم كانوا خير منا، وأعلم منا، فعلى هذا الآية مستأنفة، والكناية في  لهم  تعود إلى غير مذكور، إلا أن الضمير قد يعود على المعلوم، كما يعود على المذكور، ثم حكى الله تعالى عنهم أنهم قالوا  بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا  وفيه مسائل :
المسألة الأولى : الكسائي يدغم لام  هل  و  بل  في ثمانية أحرف : التاء كقوله  بل تؤثرون  والنون  بل نتبع  والثاء  هل ثوب  والسين  بل سولت  والزاي  بل زين  والضاد  بل ضلوا  والظاء  بل ظننتم  والطاء  بل طبع  وأكثر القراء على الإظهار، ومنهم من يوافقه في البعض، والإظهار هو الأصل. 
المسألة الثانية : ألفينا  بمعنى وجدنا، بدليل قوله تعالى في آية أخرى  بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا  ويدل عليه أيضا قوله تعالى : وألفيا سيدها لدى الباب  وقوله : إنهم ألفوا آباءهم ضالين . 
المسألة الثالثة : معنى الآية : أن الله تعالى أمرهم بأن يتبعوا ما أنزل الله من الدلائل الباهرة فهم قالوا لا نتبع ذلك، وإنما نتبع آباءنا وأسلافنا، فكأنهم عارضوا الدلالة بالتقليد، وأجاب الله تعالى عنهم بقوله : أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون  وفيه مسائل :
المسألة الأولى : الواو في  أو لو  واو العطف، دخلت عليها همزة الاستفهام المنقولة إلى معنى التوبيخ والتقريع، وإنما جعلت همزة الاستفهام للتوبيخ، لأنها تقتضي الإقرار بشيء يكون الإقرار به فضيحة، كما يقتضي الاستفهام الإخبار عن المستفهم عنه. 
الثانية : تقرير هذا الجواب من وجوه أحدها : أن يقال للمقلد : هل تعترف بأن شرط جواز تقليد الإنسان أن يعلم كونه محقا أم لا ؟ فإن اعترفت بذلك لم نعلم جواز تقليده إلا بعد أن تعرف كونه محقا، فكيف عرفت أنه محق ؟ وإن عرفته بتقليد آخر لزم التسلسل، وإن عرفته بالعقل فذاك كاف، فلا حاجة إلى التقليد، وإن قلت : ليس من شرط جواز تقليده أن يعلم كونه محقا، فإذن قد جوزت تقليده، وإن كان مبطلا فإذن أنت على تقليدك لا تعلم أنك محق أو مبطل وثانيها : هب أن ذلك المتقدم كان عالما بهذا الشيء إلا أنا لو قدرنا أن ذلك المتقدم ما كان عالما بذلك الشيء قط وما اختار فيه البتة مذهبا، فأنت ماذا كنت تعمل ؟ فعلى تقدير أن لا يوجد ذلك المتقدم ولا مذهبه كان لا بد من العدول إلى النظر فكذا ههنا وثالثها : أنك إذا قلدت من قبلك، فذلك المتقدم كيف عرفته ؟ أعرفته بتقليد أم لا بتقليد ؟ فإن عرفته بتقليد لزم إما الدور وإما التسلسل، وإن عرفته لا بتقليد بل بدليل، فإذا أوجبت تقليد ذلك المتقدم وجب أن تطلب العلم بالدليل لا بالتقليد، لأنك لو طلبت بالتقليد لا بالدليل، مع أن ذلك المتقدم طلبه بالدليل لا بالتقليد كنت مخالفا له، فثبت أن القول بالتقليد يفضي ثبوته إلى نفيه فيكون باطلا. 
المسألة الثالثة : إنما ذكر تعالى هذه الآية عقيب الزجر عن اتباع خطوات الشيطان، تنبيها على أنه لا فرق بين متابعة وساوس الشيطان، وبين متابع التقليد، وفيه أقوى دليل على وجوب النظر والإستدلال، وترك التعويل على ما يقع في الخاطر من غير دليل، أو على ما يقوله الغير من غير دليل. 
المسألة الرابعة : قوله : لا يعقلون شيئا  لفظ عام، ومعناه الخصوص، لأنهم كانوا يعقلون كثيرا من أمور الدنيا، فهذا يدل على جواز ذكر العام مع أن المراد به الخاص. 
المسألة الخامسة : قوله : لا يعقلون شيئا  المراد أنهم لا يعلمون شيئا من الدين وقوله تعالى : ولا يهتدون  المراد أنهم لا يهتدون إلى كيفية اكتسابه.

### الآية 2:171

> ﻿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ۚ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [2:171]

قوله تعالى : ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون . 
اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم عند الدعاء إلى اتباع ما أنزل الله تركوا النظر والتدبر، وأخلدوا إلى التقليد، وقالو : بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا  ضرب لهم هذا المثل تنبيها للسامعين لهم إنهم إنما وقعوا فيما وقعوا فيه بسبب ترك الإصغاء، وقلة الإهتمام بالدين، فصيرهم من هذا الوجه بمنزل الأنعام، ومثل هذا المثل يزيد السامع معرفة بأحوال الكفار، ويحقر إلى الكافر نفسه إذا سمع ذلك، فيكون كسرا لقلبه، وتضييقا لصدره، حيث صيره كالبهيمة فيكون في ذلك نهاية الزجر والردع لمن يسمعه عن أن يسلك مثل طريقه في التقليد، وههنا مسائل :
المسألة الأولى : نعق الراعي بالغنم إذا صاح بها وأما نعق الغراب فبالغين المعجمة. 
المسألة الثانية : للعلماء من أهل التأويل في هذه الآية طريقان أحدهما : تصحيح المعنى بالإضمار في الآية والثاني : إجراء الآية على ظاهرها من غير إضمار، أما الذين أضمروا فذكروا وجوها الأول : وهو قول الأخفش والزجاج وابن قتيبة، كأنه قال : ومثل من يدعو الذين كفروا إلى الحق كمثل الذي ينعق، فصار الناعق الذي هو الراعي بمنزل الداعي إلى الحق، وهو الرسول عليه الصلاة والسلام وسائر الدعاة إلى الحق وصار الكفار بمنزلة الغنم المنعوق بها ووجه التشبيه أن البهيمة تسمع الصوت ولا تفهم المراد، وهؤلاء الكفار كانوا يسمعون صوت الرسول وألفاظه، وما كانوا ينتفعون بها وبمعانيها لا جرم حصل وجه التشبيه الثاني : مثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم من الأوثان كمثل الناعق في دعائه ما لا يسمع كالغنم، وما يجرى مجراه من الكلام والبهائم لا تفهم : فشبه الأصنام في أنها لا تفهم بهذه البهائم، فإذا كان لا شك أن ههنا المحذوف هو المدعو، وفي القول الذي قبله المحذوف هو الداعي، وفيه سؤال، وهو أن قوله : إلا دعاء ونداء  لا يساعد عليه لأن الأصنام لا تسمع شيئا الثالث : قال ابن زيد : مثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم كمثل الناعق في دعائه عند الجبل، فإنه لا يسمع إلا صدى صوته فإذا قال : يا زيد يسمع من الصدى : يا زيد. فكذلك هؤلاء الكفار إذا دعوا هذه الأوثان لا يسمعون إلا ما تلفظوا به من الدعاء والنداء. 
الطريق الثاني : في الآية وهو إجراؤها على ظاهرها من غير إضمار وفيه وجهان أحدهما : أن يقول : مثل الذين كفروا في قلة عقلهم في عبادتهم لهذه الأوثان، كمثل الراعي إذا تكلم مع البهائم فكما أنه يقضي على ذلك الراعي بقلة العقل، فكذا ههنا الثاني : مثل الذين كفروا في اتباعهم آباءهم وتقليدهم لهم، كمثل الراعي إذا تكلم مع البهائم فكما أن الكلام مع البهائم عبث عديم الفائد، فكذا التقليد عبث عديم الفائدة. 
أما قوله تعالى : صم بكم عمي  فاعلم أنه تعالى لما شبههم بالبهائم زاد في تبكيتهم، فقال : صم بكم عمي  لأنهم صاروا بمنزلة الصم في أن الذي سمعوه كأنهم لم يسمعوه وبمنزلة البكم في أن لا يستجيبوا لما دعوا إليه وبمنزلة العمى من حيث أنهم أعرضوا عن الدلائل فصاروا كأنهم لم يشاهدوها، قال النحويون  صم  أي هم صم وهو رفع على الذم، أما قوله : فهم لا يعقلون  فالمراد العقل الاكتسابي لأن العقل المطبوع كان حاصلا لهم قال : العقل عقلان مطبوع ومسموع. 
ولما كان طريق اكتساب العقل المكتسب هو الاستعانة بهذه القوى الثلاثة فلما أعرضوا عنها فقدوا العقل المكتسب ولهذا قيل : من فقد حسا فقد علما.

### الآية 2:172

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [2:172]

اعلم أن هذه الآية شبيهة بما تقدم من قوله : كلوا مما في الأرض حلالا طيبا  ثم نقول : إن الله سبحانه وتعالى تكلم من أول السورة إلى ههنا في دلائل التوحيد والنبوة واستقصى في الرد على اليهود والنصارى، ومن هنا شرع في بيان الأحكام، اعلم أن في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن الأكل قد يكون واجبا، وذلك عند دفع الضرر عن النفس، وقد يكون مندوبا، وذلك أن الضيف قد يمتنع من الأكل إذا انفرد وينبسط في ذلك إذا سوعد، فهذا الأكل مندوب، وقد يكون مباحا إذا خلا عن هذه العوارض، والأصل في الشيء أن يكون خاليا عن العوارض، فلا جرم كان مسمى الأكل مباحا وإذا كان الأمر كذلك كان قوله  كلوا  في هذا الموضع لا يفيد الإيجاب والندب بل الإباحة. 
المسألة الثانية : احتج الأصحاب على أن الرزق قد يكون حراما بقوله تعالى : من طيبات ما رزقناكم  فإن الطيب هو الحلال فلو كان كل رزق حلالا لكان قوله : من طيبات ما رزقناكم  معناه من محللات ما أحللنا لكم، فيكون تكرارا وهو خلاف الأصل، أجابوا عنه بأن الطيب في أصل اللغة عبارة عن المستلذ المستطاب، ولعل أقواما ظنوا أن التوسع في المطاعم والاستكثار من طيباتها ممنوع منه. فأباح الله تعالى ذلك بقوله : كلوا من لذائذ ما أحللناه لكم فكان تخصيصه بالذكر لهذا المعنى. 
المسألة الثالثة : قوله : وأشكروا لله  أمر : وليس بإباحة فإن قيل : الشكر إما أن يكون بالقلب أو باللسان أو بالجوارح، أما بالقلب فهو إما العلم بصدور النعمة عن ذلك المنعم، أو العزم على تعظيمه باللسان وبالجوارح، أما ذلك العلم فهو من لوازم كمال العقل، فإن العاقل لا ينسى ذلك فإذا كان ذلك العلم ضروريا فكيف يمكن إيجابه، وأما العزم على تعظيمه باللسان والجوارح فذلك العزم القلبي مع الإقرار باللسان والعمل بالجوارح، فإذا بينا أنهما لا يجيبان كان العزم بأن لا يجب أولى، وأما الشكر باللسان فهو إما أن يقر بالاعتراف له بكونه منعما أو بالثناء عليه فهذا غير واجب بالاتفاق بل هو من باب المندوبات، وأما الشكر بالجوارح والأعضاء فهو أن يأتي بأفعال دالة على تعظيمه، وذلك أيضا غير واجب، وإذا ثبت هذا فنقول : ظهر أنه لا يمكن القول بوجوب الشكر قلنا الذي تلخص في هذا الباب أنه يجب عليه اعتقاد كونه مستحقا للتعظيم وإظهار ذلك باللسان أو بسائر الأفعال إن وجدت هناك تهمة. 
أما قوله تعالى : إن كنتم إياه تعبدون  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : في هذه الآية وجوها أحدها : واشكروا لله  إن كنتم عارفين بالله وبنعمه، فعبر عن معرفة الله تعالى بعبادته، إطلاقا لإسم الأثر على المؤثر وثانيها : معناه : إن كنتم تريدون أن تعبدوا الله فاشكروه، فإن الشكر رأس العبادات وثالثها : واشكروا لله  الذي رزقكم هذه النعم  إن كنتم إياه تعبدون  أي إن صح أنكم تخصونه بالعبادة وتقرون أنه سبحانه المنعم لا غيره، عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم :
**« يقول الله تعالى : إني والجن والإنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري، وأزرق ويشكر غيري »**
المسألة الثانية : احتج من قال : إن المعلق بلفظ : أن، لا يكون عدما عند عدم ذلك الشيء بهذه الآية، فإنه تعالى علق الأمر بالشكر بكلمة  إن  على فعل العبادة، مع أن من لا يفعل هذه العبادات يجب عليه الشكر أيضا.

### الآية 2:173

> ﻿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ۖ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2:173]

قوله تعالى : إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم 
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أمرنا في الآية السالفة بتناول الحلال فصل في هذه الآية أنواع الحرام، والكلام فيها على نوعين النوع الأول : ما يتعلق بالتفسير والنوع الثاني : ما يتعلق بالأحكام التي استنبطها العلماء من هذه الآية **«فالنوع الأول »** فيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن كلمة  إنما  على وجهين أحدهما : أن تكون حرفا واحدا، كقولك : إنما داري دارك، وإنما مالي مالك الثاني : أن تكون ( ما ) منفصلة من : إن، وتكون ( ما ) بمعنى الذي، كقولك : إن ما أخذت مالك، وإن ما ركبت دابتك، وجاء في التنزيل على الوجهين، أما على الأول فقوله : إنما الله إله واحد وإنما أنت نذير  وأما على الثاني فقوله : إنما صنعوا كيد ساحر  ولو نصبت كيد ساحر على أن تجعل  إنما  حرفا واحدا كان صوابا، وقوله : إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم  تنصب المودة وترفع على هذين الوجهين، واختلفوا في حكمها على الوجه الأول، فمنهم من قال  إنما  تفيد الحصر واحتجوا عليه بالقرآن والشعر والقياس، أما القرآن فقوله تعالى : إنما الله إله واحد  أي ما هو إلا إله واحد، وقال : إنما الصدقات للفقراء والمساكين  أي لهم لا لغيرهم وقال تعالى لمحمد : قل إنما أنا بشر مثلكم  أي ما أنا إلا بشر مثلكم، وكذا هذه الآية فإنه تعالى قال في آية أخرى  قل لا أجد فيما أوحي إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير  وصارت الآيتان واحدة فقوله : إنما حرم عليكم  في هذه الآية مفسر لقوله : قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما  إلا كذا في تلك الآية، وأما الشعر فقوله الأعشى :
ولست بالأكثر منهم حصى \*\*\* وإنما العزة للكاثر
**وقول الفرزدق :**
أنا الذائد الحامي الذمار وإنما \*\*\* يدافع عن أحسابه أنا أو مثلي
وأما القياس، فهو أن كلمة  إن  للإثبات وكلمة  ما  للنفي فإذا اجتمعا فلا بد وأن يبقيا على أصليهما ؛ فإما أن يفيدا ثبوت غير المذكور، ونفي المذكور وهو باطل بالاتفاق، أو ثبوت المذكور، ونفي غير المذكور وهو المطلوب، واحتج من قال : إنه لا يفيد الحصر بقوله تعالى : إنما أنت نذير  ولقد كان غيره نذيرا، وجوابه معناه : ما أنت إلا نذير فهو يفيد الحصر، ولا ينفي وجود نذير آخر. 
المسألة الثانية : قرئ  حرم  على البناء للفاعل و  حرم  للبناء للمفعول و  حرم  بوزن كرم. 
المسألة الثالثة : قال الواحدي : الميتة ما فارقته الروح من غير ذكاة مما يذبح، وأما الدم فكانت العرب تجعل الدم في المباعر وتشويها ثم تأكلها، فحرم الله الدم وقوله : لحم الخنزير  أراد الخنزير بجميع أجزائه، لكنه خص اللحم لأنه المقصود بالأكل وقوله : وما أهل به لغير الله  قال الأصمعي : الإهلال أصله رفع الصوت فكل رافع صوته فهو مهل، وقال ابن أحمر :
يهل بالفدفد ركبانها \*\*\* كما يهل الراكب المعتمر
هذا معنى الإهلال في اللغة، ثم قيل للمحرم مهل لرفعه الصوت بالتلبية عند الإحرام، هذا معنى الإهلال، يقال : أهل فلان بحجة أو عمرة أي أحرم بها، وذلك لأنه يرفع الصوت بالتلبية عند الإحرام، والذابح مهل، لأن العرب كانوا يسمون الأوثان عند الذبح، ويرفعون أصواتهم بذكرها ومنه : استهل الصبي، فمعنى قوله : وما أهل به لغير الله  يعني ما ذبح للأصنام، وهو قول مجاهد، والضحاك وقتادة، وقال الربيع بن أنس وابن زيد : يعني ما ذكر عليه غير اسم الله، وهذا القول أولى، لأنه أشد مطابقة للفظ، قال العلماء : لو أن مسلما ذبح ذبيحة، وقصد بذبحها التقرب إلى غير الله، صار مرتدا وذبيحة ذبيحة مرتد، وهذا الحكم في غير ذبائح أهل الكتاب، أما ذبائح أهل الكتاب، فتحل لنا لقوله تعالى : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم . 
أما قوله تعالى : فمن اضطر  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر والكسائي : فمن اضطر  بضم النون والباقون بالكسر، فالضم للاتباع، والكسر على أصل الحركة لإلتقاء الساكنين. 
المسألة الثانية : اضطر : أحوج وألجئ، وهو افتعل من الضرورة، وأصله من الضرر، وهو الضيق. 
المسألة الثالثة : لما حرم الله تعالى تلك الأشياء، استثنى عنها حال الضرورة، وهذه الضرورة لها سببان أحدهما : الجوع الشديد، وأن لا يجد مأكولا حلالا يسد به الرمق، فعند ذلك يكون مضطرا الثاني : إذا أكرهه على تناوله مكره، فيحل له تناوله. 
المسألة الرابعة : أن الاضطرار ليس من أفعال المكلف، حتى يقال إنه  لا إثم عليه إن الله غفور رحيم  فإذن لا بد ههنا من إضمار وهو الأكل والتقدير : فمن اضطر فأكل فلا إثم عليه والحذف ههنا كالحذف في قوله : فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر  أي فأفطر فحذف فأفطر وقوله : فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة  ومعناه فحلق ففدية، وإنما جاز الحذف لعلم المخاطبين بالحذف، ولدلالة الخطاب عليه. 
أما قوله تعالى : غير باغ  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الفراء  غير  ههنا لا تصلح أن تكون بمعنى الاستثناء، لأن غير ههنا بمعنى النفي، ولذلك عطف عليها لا لأنها في معنى : لا، وهي ههنا حال للمضطر، كأنك قلت : فمن اضطر باغيا، ولا عاديا فهو له حلال. 
المسألة الثانية : أصل البغي في اللغة الفساد، وتجاوز الحد قال الليث : البغي في عدو الفرس اختيال ومروح، وأنه يبغي في عدوه ولا يقال : فرس باغ، والبغي الظلم والخروج عن الإنصاف ومنه قوله تعالى :
 والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون  وقال الأصمعي : بغي الجرح يبغي بغيا، إذا بدأ بالفساد، وبغت السماء، إذا كثر مطرها حتى تجاوز الحد، وبغى الجرح والبحر والسحاب إذا طغى. 
أما قوله تعالى : ولا عاد  فالعدو هو التعدي في الأمور، وتجاوز ما ينبغي أن يقتصر عليه، يقال عدا عليه عدوا، وعدوانا، واعتداء وتعديا، إذا ظلمه ظلما مجاوزا للحد، وعدا طوره : جاوز قدره. 
المسألة الثالثة : لأهل التأويل في قوله : غير باغ ولا عاد  قولان أحدهما : أن يكون قوله  غير باغ ولا عاد  مختصا بالأكل والثاني : أن يكون عاما في الأكل وغيره، أما على القول الأول ففيه وجوه الأول : غير باغ  وذلك بأن يجد حلالا تكرهه النفس، فعدل إلى أكل الحرام اللذيذ  ولا عاد  أي متجاوز قدر الرخصة الثاني : غير باغ للذة أي طالب لها، ولا عاد متجاوز سد الجوعة، عن الحسن، وقتادة، والربيع، ومجاهد، وابن زيد الثالث : غير باغ على مضطر آخر بالاستيلاء عليه، ولا عاد في سد الجوعة. 
القول الثاني : أن يكون المعنى غير باغ على إمام المسلمين في السفر من البغي، ولا عاد بالمعصية أي مجاوز طريقة المحقين، والكلام في ترجيح أحد هذين التأويلين على الآخر سيجيء إن شاء الله تعالى. 
أما قوله : فلا إثم عليه  ففيه سؤالان أحدهما : أن الأكل في تلك الحالة واجب وقوله : لا إثم عليه  يفيد الإباحة الثاني : أن المضطر كالملجأ إلى الفعل والملجأ لا يوصف بأنه لا إثم عليه، قلنا : قد بينا في تفسير قوله : فلا جناح عليه أن يطوف بهما  أن نفي الإثم قدر مشترك بين الواجب والمندوب والمباح، وأيضا فقوله تعالى : فلا إثم عليه  معناه رفع الحرج والضيق، واعلم أن هذا الجائع إن حصلت فيه شهوة الميتة، ولم يحصل فيه النفرة الشديدة فإنه يصير ملجأ إلى تناول ما يسد به الرمق كما يصير ملجأ إلى الهرب من السبع إذا أمكنه ذلك، أما إذا حصلت النفرة الشديدة فإنه بسبب تلك النفرة يخرج عن أن يكون ملجأ ولزمه تناول الميتة على ما هو عليه من النفار، وههنا يتحقق معنى الوجوب. 
أما قوله تعالى : في آخر الآية : إن الله غفور رحيم  ففيه إشكال وهو أنه لما قال : فلا إثم عليه  فكيف يليق أن يقول بعده : إن الله غفور رحيم  فإن الغفران إنما يكون عند حصول الإثم. 
والجواب : من وجوه أحدها : أن المقتضى للحرمة قائم في الميتة والدم، إلا أنه زالت الحرمة لقيام المعارض، فلما كان تناوله تناولا لما حصل فيه المقتضى للحرمة عبر عنه بالمغفرة، ثم ذكر بعده أنه رحيم، يعني لأجل الرحمة عليكم أبحت لكم ذلك وثانيها : لعل المضطر يزيد على تناول الحاجة، فهو سبحانه غفور بأن يغفر ذنبه في تناول الزيادة، رحيم حيث أباح في تناول قدر الحاجة وثالثها : أنه تعالى لما بين هذه الأحكام عقبها بكونه غفورا رحيما لأنه غفور للعصاة إذا تابوا، رحيم بالمطيعين المستمرين على نهج حكمه سبحانه وتعالى. 
النوع الثاني : من الكلام في هذه الآية المسائل الفقهية التي استنبطها العلماء منها وهي مرتبة على فصول :
الفصل الأول
فيما يتعلق بالميتة
**والكلام فيه مرتب على مقدمة ومقاصد :**
**أما المقدمة : ففيها ثلاث مسائل :**
المسألة الأولى : اختلفوا في أن التحريم المضاف إلى الأعيان، هل يقتضي الإجمال ؟ فقال الكرخي : إنه يقتضي الإجمال، لأن الأعيان لا يمكن وصفها بالحل والحرمة، فلا بد من صرفهما إلى فعل من أفعالنا فيها، وليست جميع أفعالنا فيها محرمة لأن تبعيدها عن النفس وعما يجاوز المكان فعل من الأفعال فيها، وهو غير محرم، فإذن لا بد من صرف هذا التحريم إلى فعل خاص، وليس بعض الأفعال أولى من بعض فوجب صيرورة الآية مجملة، وأما أكثر العلماء فإنهم أصروا على أنه ليس من المجملات بل هذه اللفظة تفيد في العرف حرمة التصرف في هذه الأجسام كما أن الذوات لا تملك وإنما يملك التصرفات فيها، فإذا قيل فلان يملك جارية فهم كل أحد أنه يملك التصرف فيها فكذا هنا، وقد استقصينا الكلام فيه من كتاب المحصول في علم الأصول. 
المسألة الثانية : لما ثبت الأصل الذي قدمناه وجب أن تدل الآية على حرمة جميع التصرفات إلا ما أخرجه الدليل المخصص، فإن قيل : لم لا يجوز تخصيص هذا التحريم بالأكل، والذي يدل عليه وجوه أحدها : أن المتعارف من تحريم الميتة تحريم أكلها وثانيها : أنه ورد عقيب قوله : كلوا من طيبات ما رزقناكم  وثالثها : ما روي عن الرسول عليه السلام في خبر شاة ميمونة، إنما حرم من الميتة أكلها. 
والجواب عن الأول : لا نسلم أن المتعارف من تحريم الميتة تحريم أكلها وعن الثاني : أن هذه الآية مستقلة بنفسها فلا يجب قصرها على ما تقدم، بل يجب إجراؤها على ظاهرها وعن الثالث : أن ظاهر القرآن مقدم على خبر الواحد، لكن هذا إنما يستقيم إذا لم يجوز تخصيص القرآن بخبر الواحد، ويمكن أن يجاب عنه بأن المسلمين إنما رجعوا في معرفة وجوه الحرمة إلى هذه الآية، فدل إنعقاد إجماعهم على أنها غير مخصوصة ببيان حرمة الأكل، وللسائل أن يمنع هذا الإجماع. 
المسألة الثالثة : الميتة من حيث اللغة هو الذي خرج من أن يكون حيا من دون نقض بنيه ولذلك فرقوا بين المقتول والميت، وأما من جهة الشرع فهو غير المذكي إما لأنه لم يذبح أو أنه ذبح ولكن لم يكن ذبحه ذكاة وسنذكر حد الذكاة في موضعه، فإن قيل : كيف يصح ذلك وقد قال تعالى في سورة المائدة :
 حرمت عليكم الميتة والدم  ثم ذكر من بعده المنخنقة والموقوذة والمتردية فدل هذا على أن غير المذكى منه ما هو ميتة ومنه ما ليس كذلك، قلنا

### الآية 2:174

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۙ أُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [2:174]

**الحكم الثاني :**
قوله تعالى : إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم . 
اعلم أن في قوله : إن الذين يكتمون  مسائل :
المسألة الأولى : قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في رؤساء اليهود ؛ كعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، ومالك بن الصيف، وحيي بن أخطب، وأبي ياسر بن أخطب، كانوا يأخذون من أتباعهم الهدايا، فلما بعث محمد عليه السلام خافوا انقطاع تلك المنافع، فكتموا أمر محمد عليه السلام وأمر شرائعه فنزلت هذه الآية. 
المسألة الثانية : اختلفوا في أنهم أي شيء كانوا يكتمون ؟ فقيل : كانوا يكتمون صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته والبشارة به، وهو قول ابن عباس وقتادة والسدي والأصم وأبي مسلم، وقال الحسن : كتموا الأحكام وهو قوله تعالى : إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله . 
المسألة الثالثة : اختلفوا في كيفية الكتمان، فالمروى عن ابن عباس : أنهم كانوا محرفين يحرفون التوراة والإنجيل، وعند المتكلمين هذا ممتنع، لأنهما كانا كتابين بلغا في الشهرة والتواتر إلى حيث يتعذر ذلك فيهما، بل كانوا يكتمون التأويل، لأنه قد كان فيهم من يعرف الآيات الدالة على نبوة محمد عليه السلام، وكانوا يذكرون لها تأويلات باطلة، ويصرفونها عن محاملها الصحيحة الدالة على نبوة محمد عليه السلام، فهذا هو المراد من الكتمان، فيصير المعنى : إن الذين يكتمون معاني ما أنزل الله من الكتاب. 
أما قوله تعالى : ويشترون به ثمنا قليلا  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : الكناية في : به، يجوز أن تعود إلى الكتمان والفعل يدل على المصدر، ويحتمل أن تكون عائدة إلى ما أنزل الله، ويحتمل أن تكون عائدة إلى المكتوم. 
المسألة الثانية : معنى قوله : ويشترون به ثمنا قليلا  كقوله : ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا  وقد مر ذلك وبالجملة فكان غرضهم من ذلك الكتمان : أخذ الأموال بسبب ذلك، فهذا هو المراد من اشترائهم بذلك ثمنا قليلا. 
المسألة الثالثة : إنما سماه قليلا إما لأنه في نفسه قليل، وإما لأنه بالإضافة إلى ما فيه من الضرر العظيم قليل. 
المسألة الرابعة : من الناس من قال : كان غرضهم من ذلك الكتمان أخذ الأموال من عوامهم وأتباعهم، وقال آخرون : بل كان غرضهم من ذلك أخذهم الأموال من كبرائهم وأغنيائهم الذين كانوا ناصرين لذلك المذهب، وليس في الظاهر أكثر من اشترائهم بذلك الكتمان الثمن القليل، وليس فيه بيان من طمعوا فيه وأخذوا منه، فالكلام مجمل وإنما يتوجه الطمع في ذلك إلى من يجتمع إليه الجهل، وقلة المعرفة المتمكن من المال والشح على المألوف في الدين فينزل عليه ما يلتمس منه فهذا هو معلوم بالعادة، واعلم أنه سبحانه وتعالى لما ذكر هذه الحكاية عنهم ذكر الوعيد على ذلك من وجوه أولها : قوله تعالى : أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار  وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قال بعضهم : ذكر البطن ههنا زيادة بيان لأنه يقال أكل فلان المال إذا بدره وأفسده وقال آخرون : بل فيه فائدة فقوله : في بطونهم  أي ملء بطونهم يقال : أكل فلان في بطنه وأكل في بعض بطنه. 
المسألة الثانية : قيل : إن أكلهم في الدنيا وإن كان طيبا في الحال فعاقبته النار فوصف بذلك كقوله : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا  عن الحسن والربيع وجماعة من أهل العلم، وذلك لأنه لما أكل ما يوجب النار فكأنه أكل النار، كما روي في حديث آخر **« الشارب من آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم »** وقوله : إني أراني أعصر خمرا  أي عنبا فسماه بإسم ما يؤول إليه وقيل : إنهم في الآخرة يأكلون النار لأكلهم في الدنيا الحرام عن الأصم وثانيها : قوله تعالى : ولا يكلمهم الله  فظاهره : أنه لا يكلمهم أصلا لكنه لما أورده مورد الوعيد فهم منه ما يجري مجرى العقوبة لهم، وذكروا فيه ثلاثة أوجه الأول : أنه قد دلت الدلائل على أنه سبحانه وتعالى يكلمهم، وذلك قوله : فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون  وقوله : فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين  فعرفنا أنه يسأل كل واحد من المكلفين، والسؤال لا يكون إلا بكلام فقالوا : وجب أن يكون المراد من الآية أنه تعالى لا يكلمهم بتحية وسلام وإنما يكلمهم بما يعظم عنده من الغم والحسرة من المناقشة والمساءلة وبقوله : اخسئوا فيها ولا تكلمون  والثاني : أنه تعالى لا يكلمهم وأما قوله تعالى : فوربك لنسألنهم أجمعين  فالسؤال إنما يكون من الملائكة بأمره تعالى وإنما كان عدم تكليمهم يوم القيامة مذكورا في معرض التهديد لأن يوم القيامة هو اليوم الذي يكلم الله تعالى فيه كل الخلائق بلا واسطة فيظهر عند كلامه السرور في أوليائه، وضده في أعدائه، ويتميز أهل الجنة بذلك من أهل النار فلا جرم كان ذلك من أعظم الوعيد الثالث : أن قوله : ولا يكلمهم  استعارة عن الغضب لأن عادة الملوك أنهم عند الغضب يعرضون عن المغضوب عليه ولا يكلمونه كما أنهم عند الرضا يقبلون عليه بالوجه والحديث وثالثها : قوله : ولا يزكيهم  وفيه وجوه الأول : لا ينسبهم إلى التزكية ولا يثني عليهم الثاني : لا يقبل أعمالهم كما يقبل أعمال الأزكياء الثالث : لا ينزلهم منازل الأزكياء ورابعها : قوله : ولهم عذاب أليم  واعلم أن الفعيل قد يكون بمعنى الفاعل كالسميع بمعنى السامع والعليم بمعنى العالم، وقد يكون بمعنى المفعول كالجريح والقتيل بمعنى المجروح والمقتول، وقد يكون بمعنى المفعل كالبصير بمعنى المبصر والأليم بمعنى المؤلم واعلم أن هذه الآية مشتملة على مسائل :
المسألة الأولى : أن علماء الأصول قالوا : العقاب هو المضرة الخالصة المقرونة بالإهانة فقوله : ولا يكلمهم الله ولا يزكيهم  إشارة إلى الإهانة والاستخفاف، وقوله : ولهم عذاب أليم  إشارة إلى المضرة وقدم الإهانة على المضرة تنبيها على أن الإهانة أشق وأصعب. 
المسألة الثانية : دلت الآية على تحريم الكتمان لكل علم في باب الدين يجب إظهاره. 
المسألة الثالثة : العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فالآية وإن نزلت في اليهود لكنها عامة في حق كل من كتم شيئا من باب الدين يجب إظهاره فتصلح لأن يتمسك بها القاطعون بوعيد أصحاب الكبائر والله اعلم.

### الآية 2:175

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ ۚ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ [2:175]

قوله تعالى : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب وبالمغفرة فما أصبرهم على النار . 
اعلم أنه تعالى لما وصف علماء اليهود بكتمان الحق وعظم في الوعيد عليه، وصف ذلك الجرم ليعلم أن ذلك العقاب إنما عظم لهذا الجرم العظيم، واعلم أن الفعل إما أن يعتبر حاله في الدنيا أو في الآخرة، أما في الدنيا فأحسن الأشياء الاهتداء والعلم وأقبح الأشياء الضلال والجهل فلما تركوا الهدى والعلم في الدنيا، ورضوا بالضلال والجهل، فلا شك أنهم في نهاية الخيانة في الدنيا، وأما في الآخرة فأحسن الأشياء المغفرة، وأخسرها العذاب، فلما تركوا المغفرة ورضوا بالعذاب، فلا شك أنهم في نهاية الخسارة في الآخرة وإذا كانت صفتهم على ما ذكرناه، كانوا لا محالة أعظم الناس خسارا في الدنيا وفي الآخرة، وإنما حكم تعالى عليهم بأنهم اشتروا العذاب بالمغفرة، لأنهم لما كانوا عالمين بما هو الحق، وكانوا عالمين بأن في إظهاره وإزالة الشبهة عنه أعظم الثواب، وفي إخفائه وإلقاء الشبهة فيه أعظم العقاب، فلما أقدموا على إخفاء ذلك الحق كانوا بائعين للمغفرة بالعذاب لا محالة. 
أما قوله : فما أصبرهم على النار  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن في هذه اللفظة قولان أحدهما : أن  ما  في هذه الآية استفهام التوبيخ معناه : ما الذي أصبرهم وأي شيء صبرهم على النار حتى تركوا الحق واتبعوا الباطل وهذا قول عطاء وابن زيد وقال ابن الأنباري : وقد يكون أصبر بمعنى صبر وكثيرا ما يكون أفعل بمعنى فعل نحو أكرم وكرم، وأخبر وخبر الثاني : أنه بمعنى التعجب وتقريره أن الراضي بموجب الشيء لا بد وأن يكون راضيا بمعلوله ولازمه إذا علم ذلك اللزوم فلما أقدموا على ما يوجب النار ويقتضي عذاب الله مع علمهم بذلك صاروا كالراضين بعذاب الله تعالى، والصابرين عليه، فلهذا قال تعالى : فما أصبرهم على النار  وهو كما تقول لمن يتعرض لما يوجب غضب السلطان ما أصبرك على القيد والسجن إذا عرفت هذا ظهر أنه يجب حمل قوله : فما أصبرهم على النار  على حالهم في الدنيا لأن ذلك وصف لهم في حال التكليف، وفي حال اشترائهم الضلالة بالهدى، وقال الأصم : المراد أنه إذا قيل لهم  اخسئوا فيها ولا تكلمون  فهم يسكتون ويصبرون على النار لليأس من الخلاص، وهذا ضعيف لوجوه أحدها : أن الله تعالى وصفهم بذلك في الحال فصرفه إلى أنهم سيصيرون كذلك خلاف الظاهر وثانيها : أن أهل النار قد يقع منهم الجزع والاستغاثة. 
المسألة الثانية : في حقيقة التعجب وفي الألفاظ الدالة عليه في اللغة وههنا بحثان :
البحث الأول : في التعجب : وهو استعظام الشيء مع خفاء سبب حصول عظم ذلك الشيء فما لم يوجد المعنيان لا يحصل التعجب هذا هو الأصل، ثم قد تستعمل لفظة التعجب عند مجرد الاستعظام من غير خفاء السبب أو من غير أن يكون للعظمة سبب حصول، ولهذا أنكر شريح قراءة من قرأ
 بل عجبت ويسخرون  بضم التاء من عجبت، فإنه رأى أن خفاء شيء ما على الله محال قال النخعي : معنى التعجب في حق الله تعالى مجرد الاستعظام، وإن كان في حق العباد لا بد مع الاستعظام من خفاء السبب كما أنه يجوز إضافة السخرية والاستهزاء والمكر إلى الله تعالى، لا بالمعنى الذي يضاف إلى العباد. 
البحث الثاني : اعلم أن للتعجب صيغتين أحدهما : ما أفعله كقوله تعالى : فما أصبرهم على النار  والثاني : أفعل به كقوله : أسمع بهم وأبصر . 
أما العبارة الأولى : وهي قولهم ؛ ما أصبره ففيها مذاهب. 
القول الأول : وهو اختيار البصريين أن  ما  اسم مبهم يرتفع بالابتداء، وأحسن فعل وهو خبر المبتدأ وزيدا مفعول وتقديره : شيء حسن زيدا أي صيره حسنا. 
واعلم أن هذا القول عند الكوفيين فاسدا واحتجوا عليه بوجوه الأول : أنه يصح أن يقال ما أكرم الله، وما أعظمه وما أعلمه، وكذا القول في سائر صفاته ويستحيل شيء جعل الله كريما وعظيما وعالما، لأن صفات الله سبحانه وتعالى واجبة لذاته فإن قيل. هذه اللفظة إذا أطلقت فيما يجوز عليه الحدوث كان المراد منه الاستعظام مع خفاء سببه وإذا أطلقت على الله تعالى كان المراد منه أحد شطريه وهو الاستعظام فحسب، قلنا : إذا قلنا ما أعظم الله فكلمة  ما  ههنا ليست بمعنى شيء فلا تكون مبتدأ، ولا يكون أعظم خبرا عنه، فلا بد من صرفه إلى وجه آخر، وإذا كان كذلك ثبت أن تفسير هذه الآية بهذه الأشياء في مقام التعجب غير صحيح. 
الحجة الثانية : أنه لو كان معنى قولنا. ما أحسن زيدا شيء حسن زيدا، لوجب أن يبقى معنى التعجب إذا صرحنا بهذا الكلام، ومعلوم أنا إذا قلنا : شيء حسن زيدا فإنه لا يبقى فيه معنى التعجب البتة، بل كان ذلك كالهذيان، فعلمنا أنه لا يجوز تفسير قولنا : ما أحسن زيدا بقولنا شيء حسن زيدا. 
الحجة الثالثة : أن الذي حسن زيدا والشمس والقمر والعالم هو الله سبحانه وتعالى ولا يجوز التعبير عنه بما وإن جاز ذلك لكن التعبير عنه سبحانه بمن أولى، فكان ينبغي أنا لو قلنا من أحسن زيدا أن يبقى معنى التعجب، ولما لم يبق علمنا فساد ما قالوه. 
الحجة الرابعة : أن على التفسير الذي قالوه لا فرق بين قوله : ما أحسن زيدا وبين قوله زيدا ضرب عمرا فكما أن هذا ليس بتعجب وجب أن يكون الأول كذلك. 
الحجة الخامسة : أن كل صفة ثبتت للشيء فثبوتها له إما أن يكون له من نفسه أو من غيره فإذا كان المؤثر في تلك الصفة نفسه أو غيره وعلى التقديرين فشيء صيره حسنا، إما أن يكون ذلك الشيء هو نفسه أو غيره، فإذن العلم بأن شيئا صيره حسنا علم ضروري والعلم بكونه متعجبا منه غير ضروري، فإذن لا يجوز تفسير قولنا : ما أحسن زيدا بقولنا شيء حسن زيدا. 
الحجة السادسة : أنهم قالوا : المبتدأ لا يجوز أن يكون نكرة فكيف جعلوا ههنا أشد الأشياء تنكيرا مبتدأ ؟ وقالوا : لا يجوز أن يقال : رجل كاتب لأن كل أحد يعلم أن في الدنيا رجلا كاتبا فلا يكون هذا الكلام مفيدا : وكذا كل أحد يعلم أن شيئا ما هو الذي حسن زيدا فأي فائدة في هذا الإخبار ؟
الحجة السابعة : دخول التصغير الذي هو من خاصية الأسماء في قولك : ما أحسن زيدا، فإن قيل : جواز دخول التصغير إنما كان لأن هذا الفعل قد لزم طريقة واحدة، فصار مشابها للاسم فأخذ خاصيته وهو التصغير قلنا : لا شك أن للفعل ماهية وللتصغير ماهية فهاتان الماهيتان : إما أن يكونا متنافيتين، أو لا يكون متنافيتين فإن كانتا متنافيتين استحال اجتماعهما في كل المواضع فحيث اجتماعهما ههنا علمنا أن هذا ليس بفعل، وإن لم يكونا متنافيتين وجب صحة تطرق التصغير إلى كل الأفعال، ولما لم يكن كذلك علمنا فساد هذا القسم. 
الحجة الثامنة : تصحيح هذه اللفظة وإبطال إعلاله فإنك تقول في التعجب : ما أقوم زيدا بتصحيح الواو كما تقول : زيد أقوم من عمرو، ولو كانت فعلا لكانت واوه ألفا لفتحة ما قبلها، ألا تراهم يقولون : أقام يقيم فإن قيل : هذه اللفظة لما لزمت طريقة واحدة صارت بمنزلة الاسم، وتمام التقرير أن الإعلال في الأفعال ما كان لعلة كونها فعلا ولا التصحيح في الأسماء لعلة الإسمية، بل كان الإعلال في الأفعال لطلب الخفة عند وجوب كثرة التصرف، وعدم الإعلال في الأسماء لعدم التصرف وهذا الفعل بمنزلة الاسم في علة التصحيح والإمتناع من الإعلال قلنا : لما كان الإعلال في الأفعال لطلب الخفة، فكان ينبغي أن يجعل خفيفا ثم يترك على خفته فإن هذا أقرب إلى العقل. 
الحجة التاسعة : أن قولك : أحسن لو كان فعلا، وقولك : زيدا مفعولا لجاز الفصل بينهما بالظرف، فيقال : ما أحسن عندك زيدا، وما أجمل اليوم عبد الله، والرواية الظاهرة أن ذلك غير جائز، فبطل ما ذهبتم إليه. 
الحجة العاشرة : أن الأمر لو كان على ما ذكرتم لكان ينبغي أن يجوز التعجب بكل فعل متعد مجردا كان أو مزيدا، ثلاثيا كان أو رباعيا، وحيث لم يجز إلا من الثلاثي المجرد دل على فساد هذا القول، واحتج البصريون على أن أحسن في قولنا، ما أحسن زيدا فعل بوجوه أولها : بأن أحسن فعل بالاتفاق فنحن على فعليته إلى قيام الدليل الصارف عنه وثانيها : أن أحسن مفتوح الآخر، ولو كان اسما لوجب أن يرتفع إذا كان خبرا لمبتدأ وثالثها : الدليل على كونه فعلا اتصال الضمير المنصوب به، وهو قولك : ما أحسنه. 
والجواب عن الأول : أن أحسن كما أنه قد يكون فعلا، فهو أيضا قد يكون اسما، حين ما يكون كلمة تفضيل، وأيضا فقد دللنا بالوجوه الكثيرة على أنه لا يجوز أن يكون فعلا وأنتم ماطلبتمونا إلا بالدلالة. 
والجواب عن الثاني : أنا سنذكر العلة في لزوم الفتحة لآخر هذه الكلمة. 
والجواب عن الثالث : أنه منتقض بقولك : لعلي وليتني، والعجب أن الاستدلال بالتصغير على الإسمية أقوى من الإستدلال بهذا الضمير على الفعلية، فإذا تركتم ذلك الدليل القوي، فبأن تتركوا هذا الضعيف أولى، فهذا جملة الكلام في هذا القول. 
القول الثاني : وهو اختيار الأخفش قال : القياس أن يجعل المذكور بعد كلمة  ما  وهو قولك : أحسن صلة لما، ويكون خبر  ما  مضمرا، وهذا أيضا ضعيف لأكثر الوجوه المذكورة منها أنك لو قلت : الذي أحسن زيدا ليس هو بكلام منتظم، وقولك : ما أحسن زيدا كلام منتظم وكذا القول في بقية الوجوه. 
القول الثالث : وهو اختيار الفراء : أن كلمة  ما  للاستفهام وأفعل اسم، وهو للتفضيل، كقولك : زيد أحسن من عمرو، ومعناه أي شيء أحسن من زيد فهو استفهام تحته إنكار أنه وجد شيء أحسن منه، كما يقول من أخبر عن علم إنسان فأنكره غيره فيقول هذا المخبر : ومن أعلم من فلان ؟ إظهارا منه ما يدعيه منازعه على خلاف الحق، وأن لا يمكنه إقامة الدليل عليه ويظهر عجزه في ذلك عند مطالبتي إياه بالدليل، ثم قولك أحسن وإن كان ينبغي أن يكون مرفوعا كما في قولك : ما أحسن زيد إذا استفهمت عن أحسن عضو من أعضائه، إلا أنه نصب ليقع الفرق بين ذلك الاستفهام وبين هذا، فإن هناك معنى قولك : ما أحسن زيد أي عضو من زيد أحسن، وفي هذا معناه أي شيء من الموجودات في العالم أحسن من زيد، وبينهما فرق كما ترى، واختلاف الحركات موضوع للدلالة على اختلاف المعاني والنصب قولنا زيدا أيضا للفرق لأنه هناك خفض لأنه أضيف أحسن إليه، ونصب هنا للفرق، وأيضا ففي كل تفضيل معنى الفعل، وفي كل ما فضل عليه غيره معنى المفعول، فإن معنى قولك : زيد أعلم من عمرو، أن زيدا جاوز عمرا في العلم، فجعل هذا المعنى معتبرا عند الحاجة إلى الفرق. 
القول الرابع : وهو أيضا قول بعض الكوفيين قال إن  ما  للاستفهام وأحسن فعل كما يقوله البصريون، معناه : أي شيء حسن زيدا، كأنك تستدل بكمال هذا الحسن على كمال فاعل هذا الحسن، ثم تقول : إن عقلي لا يحيط بكنه كماله، فتسأل غيرك أن يشرح لك كماله، فهذا جملة ما قيل في هذا الباب. 
وأما تحقيق الكلام في أفعل به فسنذكره إن شاء الله في قوله : أسمع بهم وأبصر .

### الآية 2:176

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [2:176]

قوله تعالى : ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد  اعلم أن في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في أن قوله : ذلك  إشارة إلى ماذا ؟ فذكروا وجهين :
الأول : أنه إشارة إلى ما تقدم من الوعيد، لأنه تعالى لما حكم على الذين يكتمون البينات بالوعيد الشديد، بين أن ذلك الوعيد على ذلك الكتمان إنما كان لأن الله نزل الكتاب بالحق في صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن هؤلاء اليهود والنصارى لأجل مشاقة الرسول يخفونه ويوقعون الشبهة فيه، فلا جرم استحقوا ذلك الوعيد الشديد، ثم قد تقدم في وعيدهم أمور : أحدها : أنهم اشتروا العذاب بالمغفرة وثانيها : اشتروا الضلالة بالهدى وثالثها : أن لهم عذابا أليما ورابعها : أن الله لا يزكيهم وخامسها : أن الله لا يكلمهم فقوله : ذلك  يصلح أن يكون إشارة إلى كل واحد من هذه الأشياء، وأن يكون إشارة إلى مجموعها. 
الثاني : أن  ذلك  إشارة إلى ما يفعلونه من جراءتهم على الله في مخالفتهم أمر الله، وكتمانهم ما أنزل الله تعالى، فبين تعالى أن ذلك إنما هو من أجل أن الله نزل الكتاب بالحق، وقد نزل فيه أن هؤلاء الرؤساء من أهل الكتاب لا يؤمنون ولا ينقادون، ولا يكون منهم إلا الإصرار على الكفر، كما قال : إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون . 
المسألة الثانية : قوله  ذلك  يحتمل أن يكون في محل الرفع أو في محل النصب، أما في محل الرفع بأن يكون مبتدأ، ولا محالة له خبر، وذلك الخبر وجهان الأول : التقدير ذلك الوعيد معلوم لهم بسبب أن الله نزل الكتاب بالحق، فبين فيه وعيد من فعل هذه الأشياء فكان هذا الوعيد معلوما لهم لا محالة الثاني : التقدير : ذلك العذاب بسبب أن الله نزل الكتاب وكفروا به فيكون الباء في محل الرفع بالخبرية، وأما في محل النصب فلأن التقدير : فعلنا ذلك بسبب أن الله نزل الكتاب بالحق وهم قد حرفوه. 
المسألة الثالثة : المراد من الكتاب يحتمل أن يكون هو التوراة والإنجيل المشتملين على بعث محمد صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون هو القرآن، فإن كان الأول كان المعنى : وإن الذين اختلفوا في تأويله وتحريفه لفي شقاق بعيد، وإن كان الثاني كان المعنى وإن الذين اختلفوا في كونه حقا منزلا من عند الله لفي شقاق بعيد. 
المسألة الرابعة : قوله : بالحق  أي بالصدق، وقيل ببيان الحق. 
وقوله تعالى : وإن الذين اختلفوا  فيه مسألتان :
المسألة الأولى : إن الذين اختلفوا قيل : هم الكفار أجمع اختلفوا في القرآن، والأقرب حمله على التوراة والإنجيل اللذين ذكرت البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم فيهما، لأن القوم قد عرفوا ذلك وكتموه وحرفوا تأويله، فإذا أورد تعالى ما يجري مجرى العلة في إنزال العقوبة بهم فالأقرب أن يكون المراد كتابهم الذي هو الأصل عندهم دون القرآن الذي إذا عرفوه فعلى وجه التبع لصحة كتابهم، أما قوله : بالحق  فقيل : بالصدق، وقيل : ببيان الحق، وأما قوله : وإن الذين اختلفوا في الكتاب  فاعلم أنا وإن قلنا : المراد من الكتاب هو القرآن، كان اختلافهم فيه أن بعضهم قال : إنه كهانة، وآخرون قالوا : إنه سحر، وثالث قال : رجز، ورابع قال : إنه أساطير الأولين وخامس قال : إنه كلام منقول مختلق، وإن قلنا : المراد من الكتاب التوراة والإنجيل فالمراد باختلافهم يحتمل وجوها أحدها : أنهم مختلفون في دلالة التوراة على نبوة المسيح، فاليهود قالوا : إنها دالة على القدح في عيسى والنصارى قالوا إنها دالة على نبوته وثانيها : أن القوم اختلفوا في تأويل الآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فذكر كل واحد منهم له تأويلا آخر فاسدا لأن الشيء إذا لم يكن حقا واجب القبول بل كان متكلفا كان كل أحد يذكر شيئا آخر على خلاف قول صاحبه، فكان هذا هو الاختلاف وثالثها : ما ذكره أبو مسلم فقال : قوله : اختلفوا  من باب افتعل الذي يكون مكان فعل، كما يقال : كسب واكتسب، وعمل واعتمل، وكتب واكتتب، وفعل وافتعل، ويكون معنى قوله : الذين اختلفوا في الكتاب  الذين خلفوا فيه أي توارثوه وصاروا خلفاء فيه كقوله :
 فخلف من بعدهم خلف  وقوله : إن في اختلاف الليل والنهار  أي كل واحد يأتي خلف الآخر، وقوله : وهو الذي جعل الليل والنهار خلفه لمن أراد أن يذكر  أي كل واحد منهما يخلف الآخر، وفي الآية تأويل ثالث، وهو أن يكون المراد بالكتاب جنس ما أنزل الله والمراد بالذين اختلفوا في الكتاب الذين اختلف قولهم في الكتاب، فقبلوا بعض كتب الله وردوا البعض وهم اليهود والنصارى حيث قبلوا بعض كتب الله وهو التوراة والإنجيل وردوا الباقي وهو القرآن. 
أما قوله : لفي شقاق بعيد  ففيه وجوه أحدها : أن هؤلاء الذين يختلفون في كيفية تحريف التوراة والإنجيل لأجل عداوتك هم فيما بينهم في شقاق بعيد ومنازعة شديدة فلا ينبغي أن تلتفت إلى اتفاقهم على العداوة فإنه ليس فيما بينهم مؤالفة وموافقة وثانيها : كأنه تعالى يقول لمحمد هؤلاء وإن اختلفوا فيما بينهم فإنهم كالمتفقين على عداوتك وغاية المشاقة لك فلهذا خصهم الله بذلك الوعيد وثالثها : أن هؤلاء الذين اتفقوا على أصل التحريف واختلفوا في كيفية التحريف فإن كل واحد منهم يكذب صاحبه ويشاقه وينازعه، وإذا كان كذلك فقد اعترفوا بكذبهم بقولهم فلا يكون قدحهم فيك قادحا فيك البتة، والله أعلم.

### الآية 2:177

> ﻿۞ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [2:177]

**الحكم الثالث :**
قوله تعالى : ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبة ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون 
**اعلم أن في هذه الآية مسائل :**
المسألة الأولى : اختلف العلماء في أن هذا الخطاب عام أو خاص فقال بعضهم : أراد بقوله : ليس البر أهل الكتاب  لما شددوا في الثبات على التوجه نحو بيت المقدس فقال تعالى : ليس البر هذه الطريقة ولكن البر من آمن بالله وقال بعضهم : بل المراد مخاطبة المؤمنين لما ظنوا أنهم قد نالوا البغية بالتوجه إلى الكعبة من حيث كانوا يحبون ذلك فخوطبوا بهذا الكلام، وقال بعضهم بل هو خطاب للكل لأن عند نسخ القبلة وتحويلها حصل من المؤمنين الإغتباط بهذه القبلة وحصل منهم التشدد في تلك القبلة حتى ظنوا أنه الغرض الأكبر في الدين فبعثهم الله تعالى بهذا الخطاب على استيفاء جميع العبادات والطاعات، وبين أن البر ليس بأن تولوا وجوهكم شرقا وغربا، وإنما البر كيت وكيت، وهذا أشبه بالظاهر إذ لا تخصيص فيه فكأنه تعالى قال : ليس البر المطلوب هو أمر القبلة، بل البر المطلوب هذه الخصال التي عدها. 
المسألة الثانية : الأكثرون على أن  ليس  فعل ومنهم من أنكره وزعم أنه حرف، حجة من قال : إنها فعل اتصال الضمائر بها التي لا تتصل إلا بالأفعال كقولك : لست ولسنا ولستم والقوم ليسوا قائمين، وهذه الحجة منقوضة بقوله : إنني وليتني ولعل وحجة المنكرين أولها : أنها لو كانت فعلا لكانت ماضيا ولا يجوز أن تكون فعلا ماضيا، فلا يجوز أن تكون فعلا، بيان الملازمة أن كل من قال إنه فعل قال : إنه فعل ماض وبيان أنه لا يجوز أن يكون فعلا ماضيا اتفاق الجمهور على أنه لنفي الحال، ولو كان ماضيا لكان لنفي الماضي لا لنفي الحال وثانيها : أنه يدخل على الفعل، فنقول : ليس يخرج زيد، والفعل لا يدخل على الفعل عقلا ونقلا، وقول من قال إن  ليس  داخل على ضمير القصة والشأن وهذه الجملة تفسير لذلك الضمير ضعيف، فإنه لو جاز ذلك جاز مثله في  ما  وثالثها : أن الحرف  ما  يظهر معناه في غيره، وهذه الكملة كذلك فإنك لو قلت : ليس زيد لم يتم الكلام، بل لا بد وأن تقول ليس زيد قائما ورابعها : أن  ليس  لو كان فعلا لكان  ما  فعلا وهذا باطل، فذاك باطل بيان الملازمة أن  ليس  لو كان فعلا لكان ذلك لدلالته على حصول معنى السلب مقرونا بزمان مخصوص وهو الحال، وهذا المعنى قائم في  ما  فوجب أن يكون  ما  فعلا فلما لم يكن هذا فعلا فكذا القول ذلك، أو نذكر هذا المعنى بعبارة أخرى فنقول : ليس  كلمة جامدة وضعت لنفي الحال فأشبهت  ما  في نفي الفعلية وخامسها : إنك تصل  ما  بالأفعال الماضية فتقول : ما أحسن زيد ولا يجوز أن تصل  ما  بليس فلا تقول ما ليس زيد يذكرك وسادسها : أنه على غير أوزان الفعل لأن فعل غير موجود في أبنية الفعل، فكان في القول بأنه فعل إثبات ما ليس من أوزان الفعل. 
فإن قيل : أصله ليس مثل صيد البعير إلا أنهم خففوه وألزموه التخفيف لأنه لا يتصرف للزومه حالة واحدة، وإنما تختلف أبنية الأفعال لاختلاف الأوقات التي تدل عليها، وجعلوا للبناء الذي خصوه به ماضيا، لأنه أخف الأبنية. 
قلنا : هذا كله خلاف الأصل، فالأصل عدمه ولأن الأصل في الفعل التصرف، فلما منعوه التصرف كان من الواجب أن يبقوه على بنائه الأصلي لئلا يتوالى عليه النقصانات، فأما أن يجعل منع التصرف الذي هو خلاف الأصل علة لتغير البناء الذي هو أيضا خلاف الأصل فذاك فاسد جدا وسابعها : ذكر القتيبي أنها كلمة مركبة من الحروف النافي الذي هو لا، و : أيس، أي موجود قال ولذلك يقولون : أخرجه من الليسية إلى الأيسية أي من العدم إلى الوجود، وأيسته أي وجدته وهذا نص في الباب، قال وذكر الخليل أن  ليس  كلمة جحود معناها : لا أيس، فطرحت الهمزة استخفافا لكثرة ما يجري في الكلام، والدليل عليه قول العرب : ائتني به من حيث أيس وليس، ومعناه : من حيث هو ولا هو وثامنها : الاستقراء دل على أن الفعل إنما يوضع لإثبات المصدر، وهذا إنما يفيد السلب أو لا يكون فعلا، فإن قيل : ينتقض قولكم بقوله : نفي زيدا وأعدمه، قلنا : قولك نفي زيدا مشتق من النفي فقولك نفي دل على حصول معنى النفي فكانت الصيغة الفعلية دالة تحقق مصدرها، فلم يكن السؤال واردا، وأما القائلون بأن  ليس  فعل فقد تكلفوا في الجواب عن الكلام الأول بأن  ليس  قد يجيء لنفي الماضي كقولهم : جاءني القوم ليس زيدا، وعن الثاني أنه منقوض بقولهم : أخذ يفعل كذا وعن الثالث : أنه منقوض بسائر الأفعال الناقصة وعن الرابع : أن المشابهة من بعض الوجوه لا تقتضي المماثلة وعن الخامس : أن ذلك إنما امتنع من قبل أن : ما، للحال  وليس  للماضي، فلا يكون الجمع بينهما وعن السادس : أن تغير البناء وإن كان على خلاف الأصل لكنه يجب المصير إليه ضرورة العمل بما ذكرنا من الدليل وعن السابع : أن الليسية اسم فلم قلتم أن ليس اسم، وأما قوله : من حيث أيس وليس فلم قلتم أن المضاف إليه يجب كونه اسما، وأما الكتاب فممنوع منه بالدليل وعن الثامن : أن  ليس  مشتق من الليسية فهي دالة على تقرير معنى الليسية، فهذا ما يمكن أن يقال في هذه المسألة وإن كانت هذه الجوابات مختلفة. 
المسألة الثالثة : قرأ حمزة وحفص عن عاصم  ليس البر  بنصب الراء، والباقون بالرفع، قال الواحدي : وكلا القراءتين حسن لأن اسم  ليس  وخبرها اجتمعا في التعريف فاستويا في كون كل واحد منهما اسما، والآخر خبرا، وحجة من رفع  البر  أن اسم  ليس  مشبه بالفاعل، وخبرها بالمفعول، والفاعل بأن يلي الفعل أولى من المفعول، ومن نصب  البر  ذهب إلى أن بعض النحويين قال : أن  مع صلتها أولى أن تكون اسم  ليس  لشبهها بالمضمر في أنها لا توصف كما لا يوصف المضمر، فكان ههنا اجتمع مضمر ومظهر، والأولى إذا اجتمعا أن يكون المضمر الإسم من حيث كان أذهب في الاختصاص من المظهر، وعلى هذا قرئ في التنزيل قوله : فكان عاقبتهما أنهما في النار  وقوله : ما كان جواب قومه إلا أن قالوا، وما كان حجتهم إلا أن قالوا  والاختيار رفع البر لأنه روي عن ابن مسعور أنه قرأ : ليس البر بأن  والباء تدخل في خبر ليس. 
المسألة الرابعة : البر اسم جامع للطاعات، وأعمال الخير المقربة إلى الله تعالى، ومن هذا بر الوالدين، قال تعالى : إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم  فجعل البر ضد الفجور وقال : وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان  فجعل البر ضد الإثم فدل على أنه اسم عام لجميع ما يؤجر عليه الإنسان وأصله من الاتساع ومنه البر الذي هو خلاف البحر لاتساعه. 
المسألة الخامسة : قال القفال : قد قيل في نزول هذه الآية أقوال، والذي عندنا أنه أشار إلى السفهاء الذين طعنوا في المسلمين وقالوا : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها مع أن اليهود كانوا يستقبلون المغرب، والنصارى كانوا يستقبلون المشرق، فقال الله تعالى : إن صفة البر لا تحصل بمجرد استقبال المشرق والمغرب، بل البر لا يحصل إلا عند مجموع أمور أحدها : الإيمان بالله وأهل الكتاب أخلوا بذلك، أما اليهود فقولهم : بالتجسيم ولقولهم : بأن عزيرا ابن الله، وأما النصارى، فقولهم : المسيح ابن الله، ولأن اليهود وصفوا الله تعالى بالبخل، على ما حكى الله تعالى ذلك عنهم بقوله : قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء  وثانيها : الإيمان باليوم الآخر واليهود أخلوا بهذا الإيمان حيث قالوا : وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى  وقالوا : لن تمسنا النار إلا أياما معدودة  والنصارى أنكروا المعاد الجسماني، وكل ذلك تكذيب باليوم الآخر وثالثها : الإيمان بالملائكة، واليهود أخلوا ذلك حيث أظهروا عداوة جبريل عليه السلام ورابعها : الإيمان بكتب الله، واليهود والنصارى قد أخلوا بذلك، لأن مع قيام الدلالة على أن القرآن كتاب الله ردوه ولم يقبلوه قال تعالى :
 وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض  وخامسها : الإيمان بالنبيين واليهود أخلوا بذلك حيث قتلوا الأنبياء، على ما قال تعالى : ويقتلون النبيين بغير الحق  وحيث طعنوا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وسادسها : بذل الأموال على وفق أمر الله سبحانه واليهود وأخلوا بذلك لأنهم يلقون الشبهات لطلب المال القليل كما قال  واشتروا به ثمنا قليلا  وسابعها : إقامة الصلوات والزكوات واليهود كانوا يمنعون الناس منها وثامنها : الوفاء بالعهد، واليهود نقضوا العهد حيث قال : أوفوا بعهدي أوف بعهدكم  وههنا سؤال : وهو أنه تعالى نفى أن يكون التوجه إلى القبلة برا ثم حكم بأن البر مجموع أمور أحدها الصلاة ولا بد فيها من استقبال فيلزم التناقض ولأجل هذا السؤال اختلف المفسرون على أقوال الأول : أن قوله : ليس البر  نفي لكمال البر وليس نفيا لأصله كأنه قال ليس البر كله هو هذا، البر اسم لمجموع الخصال الحميدة واستقبال القبلة واحد منها، فلا يكون ذلك تمام البر الثاني : أن يكون هذا نفيا لأصل كونه برا، لأن استقبالهم للمشرق والمغرب كان خطأ في وقت النفي حين ما نسخ الله تعالى ذلك، بل كان ذلك إثما وفجورا لأنه عمل بمنسوخ قد نهى الله عنه، وما يكون كذلك فإنه لا يعد في البر الثالث : أن استقبال القبلة لا يكون برا إذا لم يقارنه معرفة الله، وإنما يكون برا إذا أتي به مع الإيمان، وسائر الشرائط كما أن السجدة لا تكون من أفعال البر، إلا إذا أتى بها مع الإيمان بالله ورسوله، فأما إذا أتى بها بدون هذا الشرط، فإنها لا تكون من أفعال البر، روى أنه لما حولت القبلة كثر الخوض في نسخها وصار كأنه لا يراعي بطاعة الله إلا الاستقبال، فأنزل الله تعالى هذه الآية كأنه تعالى قال ما هذا الخوض الشديد في أمر القبلة مع الإعراض عن كل أركان الدين. 
المسألة السادسة : قوله : ولكن البر من آمن بالله  فيه حذف وفي كيفيته وجوه أحدها : ولكن البر بر من آمن بالله، فحذف المضاف وهو كثير في الكلام كقوله : واشربوا في قلوبهم العجل  أي حب العجل، ويقولون : الجود حاتم والشعر زهير، والشجاعة عنترة، وهذا اختيار الفراء، والزجاج، وقطرب، قال أبو علي : ومثل هذه الآية قوله : أجعلتم سقاية الحاج  ثم قال  كمن آمن  وتقديره، أجعلتم أهل سقاية الحاج كمن آمن، أو أجعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن ليقع التمثيل بين مصدرين أو بين فاعلين، إذا لا يقع التمثيل بين مصدر وفاعل وثانيها : قال أبو عبيدة البر ههنا بمعنى الباء كقوله :
 والعاقبة للتقوى  أي للمتقين ومنه قوله : إن أصبح ماؤكم غورا  أي غائرا، وقالت الخنساء :
فإنما هي إقبال وإدبار \*\*\*. . . 
أي مقبلة ومدبرة معا وثالثها : أن معناه ولكن ذا البر فحذف كقولهم : هم درجات عند الله أي ذووا درجات عن الزجاج ورابعها : التقدير ولكن البر يحصل بالإيمان وكذا وكذا عن المفصل. 
واعلم أن الوجه الأول

### الآية 2:178

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَىٰ بِالْأُنْثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [2:178]

الحكم الرابع
قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأثنى بالأنثى فمن عفى له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم 
قبل الشروع في التفسير لا بد من ذكر سبب النزول وفيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن سبب نزوله إزالة الأحكام التي كانت ثابتة قبل مبعث محمد عليه السلام، وذلك لأن اليهود كانوا يوجبون القتل فقط، والنصارى كانوا يوجبون العفو فقط، وأما العرب فتارة كانوا يوجبون القتل، وأخرى يوجبون الدية لكنهم كانوا يظهرون التعدي في كل واحد من هذين الحكمين، أما في القتل فلأنه إذا وقع القتل بين قبيلتين إحداهما أشرف من الأخرى، فالأشراف كانوا يقولون : لنقتلن بالعبد منا الحر منهم، وبالمرأة منا الرجل منهم، وبالرجل منا الرجلين منهم، وكانوا يجعلون جراحاتهم ضعف جراحات خصومهم، وربما زادوا على ذلك على ما يروي أن واحدا قتل إنسانا من الأشراف، فاجتمع أقارب القاتل عند والد المقتول، وقالوا : ماذا تريد ؟ فقال إحدى ثلاث قالوا : وما هي ؟ قال : إما تحيون ولدي، أو تملأون داري من نجوم السماء، أو تدفعوا إلى جملة قومكم حتى أقتلهم، ثم لا أرى أني أخذت عوضا. 
وأما الظلم في أمر الدية فهو أنهم ربما جعلوا دية الشريف أضعاف دية الرجل الخسيس، فلما بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم أوجب رعاية العدل وسوى بين عباده في حكم القصاص وأنزل هذه الآية. 
والرواية الثانية : في هذا المعنى وهو قول السدي : إن قريظة والنضير كانوا مع تدينهم بالكتاب سلكوا طريقة العرب في التعدي. 
والرواية الثالثة : أنها نزلت في واقعة قتل حمزة رضي الله عنه. 
والرواية الرابعة : ما نقلها محمد بن جرير الطبري عن بعض الناس ورواها عن علي بن أبي طالب وعن الحسن البصري أن المقصود من هذه الآية بيان أن بين الحرين والعبدين والذكرين والأنثيين يقع القصاص ويكفي ذلك فقط، فأما إذا كان القاتل للعبد حرا، أو للحر عبدا فإنه يجب مع القصاص التراجع، وأما حر قتل عبدا فهو قوده، فإن شاء موالي العبد أن يقتلوا الحر قتلوه بشرط أن يسقطوا ثمن العبد من دية الحر، ويردوا إلى أولياء الحر بقية ديته، وإن قتل عبدا حرا فهو به قود، فإن شاء أولياء الحر قتلوا العبد وأسقطوا قيمة العبد من دية الحر، وأدوا بعد ذلك إلى أولياء الحر بقية ديته، وإن شاؤوا أخذوا كل الدية وتركوا قتل العبد، وإن قتل رجل امرأة فهو بها قود، فإن شاء أولياء المرأة قتلوه وأدوا نصف الدية، وإن قتلت المرأة رجلا فهي به قود، فإن شاء أولياء الرجل قتلوها وأخذوا نصف الدية، وإن شاؤوا أعطوا كل الدية وتركوها، قالوا فالله تعالى أنزل هذه الآية لبيان أن الاكتفاء بالقصاص مشروع بين الحرين والعبدين والأنثيين والذكرين فأما عند اختلاف الجنس فالاكتفاء بالقصاص غير مشروع فيه إذا عرفنا سبب النزول فلنرجع إلى التفسير. 
أما قوله تعالى : كتب عليكم  فمعناه : فرض عليكم فهذه اللفظة تقتضي الوجوب من وجهين : أحدهما : أن قوله تعالى : كتب  يفيد الوجوب في عرف الشرع قال تعالى : كتب عليكم الصيام  وقال : كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية  وقد كانت الوصية واجبة ومنه الصلوات المكتوبات أي المفردات، وقال عليه السلام :**« ثلاث كتبن علي ولم تكتب عليكم »** والثاني : لفظة  عليكم  مشعرة بالوجوب كما في قوله تعالى : ولله على الناس حج البيت  وأما القصاص فهو أن يفعل بالإنسان مثل ما فعل، من قولك : اقتص فلان أثر فلان إذا فعل مثل فعله، قال تعالى  فارتدا على آثارهما قصصا  وقال تعالى : وقالت لأخته قصيه  أي اتبعي أثره، وسميت القصة قصة لأن بالحكاية تساوي المحكي، وسمي القصص لأنه يذكر مثل أخبار الناس، ويسمى المقص مقصا لتعادل جانبيه. 
أما قوله تعالى : في القتلى  أي بسبب قتل القتلى، لأن كلمة  في  قد تستعمل للسببية كقوله عليه السلام :**« في النفس المؤمنة مائة من الإبل »** إذا عرفت هذا فصار تقدير الآية : يا أيها الذين آمنوا وجب عليكم القصاص بسبب قتل القتلى، فدل ظاهر الآية على وجوب القصاص على جميع المؤمنين بسبب قتل جميع القتلى، إلا أنهم أجمعوا على أن غير القاتل خارج من هذا العموم وأما القاتل فقد دخله التخصيص أيضا في صور كثيرة، وهي إذا قتل الوالد ولده، والسيد عبده وفيما إذا قتل المسلم حربيا أو معاهدا، وفيما إذا قتل مسلم مسلما خطأ إلا أن العام الذي دخله التخصيص يبقى حجة فيما عداه. 
فإن قيل : قولكم هذه الآية تقتضي وجوب القصاص فيه إشكالان الأول : أن القصاص لو وجب لوجب إما على القاتل، أو على ولي الدم، أو على ثالث، والأقسام الثلاثة باطلة، وإنما قلنا : إنه لا يجب على القاتل لأن القاتل لا يجب عليه أن يقتل نفسه، بل يحرم عليه ذلك، وإنما قلنا : إنه غير واجب على ولي الدم لأن ولي الدم مخير في الفعل والترك، بل هو مندوب إلى الترك بقوله : وأن تعفوا أقرب للتقوى  والثالث أيضا باطل لأنه يكون أجنبيا عن ذلك القتل والأجنبي عن الشيء لا تعلق له به. 
السؤال الثاني : إذا بينا أن القصاص عبارة عن التسوية فكان مفهوم الآية إيجاب التسوية وعلى هذا التقدير لا تكون الآية دالة على إيجاب القتل البتة، بل أقصى ما في الباب أن الآية تدل على وجوب رعاية التسوية في القتل الذي يكون مشروعا وعلى هذا التقدير تسقط دلالة الآية على كون القتل مشروعا بسبب القتل. 
والجواب عن السؤال الأول : من وجهين الأول : أن المراد إيجاب إقامة القصاص على الإمام أو من يجري مجراه، لأنه متى حصلت شرائط وجوب القود فإنه لا يحل للإمام أن يترك القود لأنه من جملة المؤمنين، والتقدير : يا أيها الأئمة كتب عليكم استيفاء القصاص إن أراد ولي الدم استيفاءه والثاني : أنه خطاب مع القاتل والتقدير : يا أيها القاتلون كتب عليكم تسليم النفس عند مطالبة الولي بالقصاص وذلك لأن القاتل ليس له أن يمتنع ههنا وليس له أن ينكر، بل للزاني والسارق الهرب من الحد ولهما أيضا أن يستترا بستر الله ولا يقرا، والفرق أن ذلك حق الآدمي. 
وأما الجواب عن السؤال الثاني : فهو أن ظاهر الآية يقتضي إيجاب التسوية في القتل والتسوية في القتل صفة القتل وإيجاب الصفة يقتضي إيجاب الذات، فكانت الآية مفيدة لإيجاب القتل من هذا الوجه ويتفرع على ما ذكرنا مسائل :
المسألة الأولى : ذهب أبو حنيفة إلى موجب العمد هو القصاص، وذهب الشافعي في أحد قوليه إلى أن موجب العمد إما القصاص وإما الدية، واحتج أبو حنيفة بهذه الآية، ووجه الاستدلال بها في غاية الضعف، لأنه سواء كان المخاطب بهذا الخطاب هو الإمام أو ولي الدم فهو بالاتفاق مشروط بما إذا كان ولي الدم يريد القتل على التعيين، وعندنا أنه متى كان الأمر كذلك كان القصاص متعينا، إنما النزاع في أن ولي الدم هل يتمكن من العدول إلى الدية وليس في الآية دلالة على أنه إذا أراد الدية ليس له ذلك. 
المسألة الثانية : اختلفوا في كيفية المماثلة التي دلت هذه الآية على إيجابها فقال الشافعي : يراعي جهة القتل الأول فإن كان الأول قتله بقطع اليد قطعت يد القاتل فإن مات منه في تلك المرة وإلا حزت رقبته، وكذلك لو أحرق الأول بالنار أحرق الثاني، فإن مات في تلك المرة وإلا حزت رقبته، وقال أبو حنيفة رحمه الله : المراد بالمثل تناول النفس بأرجى ما يمكن فعلى هذا لا اقتصاص إلا بالسيف بحز الرقبة، حجة الشافعي رحمه الله أن الله تعالى أوجب التسوية بين الفعلين وذلك يقتضي حصول التسوية من جميع الوجوه الممكنة، ويدل عليه وجوه أحدها : أنه يجوز أن يقال كتبت التسوية في القتلى إلا في كيفية القتل، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل، فدخل هذا على أن كيفية القتل داخلة تحت النص وثانيها : أنا لو لم نحكم بدلالة هذه الآية على التسوية في كل الأمور لصارت الآية مجملة ولو حكمنا فيها بالعموم كانت الآية مفيدة، لكنها بما صارت مخصوصة في بعض الصور والتخصيص أهون من الإجمال وثالثها : أن الآية لو لم تفد إلا الإيجاب للتسوية في أمر من الأمور فلا شيئين إلا وهما متساويان في بعض الأمور، فحينئذ لا يستفاد من هذه الآية شيء البتة، وهذا الوجه قريب من الثاني فثبت أن هذه الآية تفيد وجوب التسوية من كل الوجوه ثم تأكد هذا النص بسائر النصوص المقتضية لوجوب المماثلة، كقوله تعالى : وجزاء سيئة سيئة مثلها، فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم، من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها  ثم تأكدت هذه النصوص المتواترة بالخبر المشهور عن الرسول عليه السلام وهو قوله :**« من حرق حرقناه، ومن غرق غرقناه »** ومما يروي أن يهوديا رضخ رأس صبيه بالحجارة فقتلها، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن ترضخ رأس اليهودي بالحجارة، وإذا ثبت هذا بلغت دلالة الآية مع سائر الآيات، ومع هذه الأحاديث على قول الشافعي مبلغا قويا، واحتج أبو حنيفة بقوله عليه السلام :**« لا قود إلا بالسيف »** وبقوله عليه السلام :**« لا يعذب بالنار إلا ربها »** والجواب أن الأحاديث لما تعارضت بقيت دلالة الآيات خالية عن المعارضات والله أعلم. 
المسألة الثالثة : اتفقوا على أن هذا القاتل إذا لم يتب وأصر على ترك التوبة ؛ فإن القصاص مشروع في حقه عقوبة من الله تعالى وأما إذا كان تائبا فقد اتفقوا على أنه لا يجوز أن يكون عقوبة وذلك لأن الدلائل دلت على أن التوبة مقبولة قال تعالى : وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات  وإذا صارت التوبة مقبولة امتنع أن يبقى التائب مستحقا للعقاب، ولأنه عليه السلام قال :**« التوبة تمحو الحربة »** فثبت أن شرع القصاص في حق التائب لا يمكن أن يكون عقوبة ثم عند هذا اختلفوا فقال أصحابنا : يفعل الله ما يشاء ولا اعتراض عليه في شيء وقالت المعتزلة إنما شرع ليكون لطفا به ثم سألوا أنفسهم فقالوا : إنه لا تكلف بعد القتل فكيف يكون هذا القتل لطفا به ؟ وأجابوا عنه بأن هذا القتل فيه منفعة لولي المقتول من حيث التشفي ومنفعة لسائر المكلفين من حيث يزجر سائر الناس عن القتل، ومنفعة للقاتل من حيث إنه متى علم أنه لا بد وأن يقتل صار ذلك داعيا له إلى الخير وترك الإصرار والتمرد. 
أما قوله تعالى : الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى  ففيه قولان :
القول الأول : إن هذه الآية تقتضي أن لا يكون القصاص مشروعا إلا بين الحرين وبين العبدين وبين الأنثيين. 
واحتجوا عليه بوجوه الأول : أن الألف واللام في قوله : الحر  تفيد العموم فقوله : الحر بالحر  يفيد أن يقتل كل حر بالحر، فلو كان قتل حر بعبد مشروعا لكان ذلك الحر مقتولا لا بالحر وذلك ينافي إيجاب أن يكون كل حر مقتولا بالحر الثاني : أن الباء من حروف الجر فيكون متعلقا لا محالة بفعل، فيكون التقدير : الحر يقتل بالحر والمبتدأ لا يكون أعم من الخبر، بل إما أن يكون مساويا له أو أخص منه، وعلى التقديرين فهذا يقتضي أن يكون كل حر مقتولا بالحر وذلك ينافي كون حر مقتولا بالعبد. الثالث : وهو أنه تعالى أوجب في أول الآية رعاية المماثلة وهو قوله : كتب عليكم القصاص في القتلى  فلما ذكر عقيبه

### الآية 2:179

> ﻿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [2:179]

قوله تعالى : ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون . 
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أوجب في الآية المتقدمة القصاص وكان القصاص من باب الإيلام توجه فيه سؤال وهو أن يقال كيف يليق بكمال رحمته إيلام العبد الضعيف ؟ فلأجل دفع هذا السؤال ذكر عقبة حكمة شرع القصاص فقال : ولكم في القصاص حياة  وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : في الآية وجوه الأول : أنه ليس المراد من هذه الآية أن نفس القصاص حياة لأن القصاص إزالة للحياة وإزالة الشيء يمتنع أن تكون نفس ذلك الشيء، بل المراد أن شرع القصاص يفضي إلى الحياة في حق من يريد أن يكون قاتلا، وفي حق من يراد جعله مقتولا وفي حق غيرهما أيضا، أما في حق من يريد أن يكون قاتلا فلأنه إذا علم أنه لو قتل قتل ترك القتل فلا يقتل فيبقى حيا، وأما في حق من يراد جعله مقتولا فلأن من أراد قتله إذا خاف من القصاص ترك قتله فيبقى غير مقتول، وأما في حق غيرهما فلأن في شرع القصاص بقاء من هم بالقتل، أو من يهم به وفي بقائهما بقاء من يتعصب لهما، لأن الفتنة تعظم بسبب القتل فتؤدي إلى المحاربة التي تنتهي إلى قتل عالم من الناس وفي تصور كون القصاص مشروعا زوال كل ذلك وفي زواله حياة الكل. 
الوجه الثاني : في تفسير الآية أن المراد منها أن نفس القصاص سبب الحياة وذلك لأن سافك الدم إذا أقيد منه ارتدع من كان يهم بالقتل فلم يقتل، فكان القصاص نفسه سببا للحياة من هذا الوجه، واعلم أن الوجه الذي ذكرناه غير مخص بالقصاص الذي هو القتل، يدخل فيه القصاص في الجوارح والشجاج وذلك لأنه إذا علم أنه إن جرح عدوه اقتص منه زجره ذلك عن الإقدام فيصير سببا لبقائهما لأن المجروح لا يؤمن فيه الموت وكذلك الجارح إذا اقتص منه وأيضا فالشجة والجراحة التي لا قود فيها داخلة تحت الآية لأن الجارح لا يأمن أن تؤدى جراحته إلى زهوق النفس فيلزم القود، فخوف القصاص حاصل في النفس. 
الوجه الثالث : أن المراد من القصاص إيجاب التسوية فيكون المراد أن في إيجاب التسوية حياة لغير القاتل، لأنه لا يقتل غير القاتل بخلاف ما يفعله أهل الجاهلية وهو قول السدي. 
والوجه الرابع : قرأ أبو الجوزاء  ولكم في القصاص حياة  أي فيما قص عليكم من حكم القتل والقصاص وقيل : القصاص  القرآن، أي لكم في القرآن حياة للقلوب كقوله : روحا من أمرنا ويحيي من حي عن بينة  والله أعلم. 
المسألة الثانية : اتفق علماء البيان على أن هذه الآية في الإيجاز مع جمع المعاني باللغة بالغة إلى أعلى الدرجات، وذلك لأن العرب عبروا عن هذا المعنى بألفاظ كثير، كقولهم : قتل البعض إحياء للجميع، وقول آخرين : أكثروا القتل ليقل القتل، وأجود الألفاظ المنقولة عنهم في هذا الباب قولهم : القتل أنفى للقتل، ثم إن لفظ القرآن أفصح من هذا، وبيان التفاوت من وجوه : أحدها : أن قوله : ولكم في القصاص حياة  أخصر من الكل، لأن قوله : ولكم  لا يدخل في هذا الباب، إذ لا بد في الجميع من تقدير ذلك، لأن قول القاتل : قتل البعض إحياء للجميع لا بد فيه من تقدير مثله، وكذلك في قولهم : القتل أنفى للقتل فإذا تأملت علمت أن قوله : في القصاص حياة  أشد اختصارا من قولهم : القتل أنفى للقتل وثانيها : أن قولهم : القتل أنفى للقتل ظاهرة يقتضي كون الشيء سببا لانتفاء نفسه وهو محال، وقوله : في القصاص حياة  ليس كذلك، لأن المذكور هو نوع من القتل وهو القصاص، ثم ما جعله سببا لمطلق الحياة لأنه ذكر الحياة منكرة، بل جعله سببا لنوع من أنواع الحياة وثالثها : أن قولهم القتل أنفى للقتل، فيه تكرار للفظ القتل وليس قوله : في القصاص حياة  كذلك ورابعها : أن قول القائل : القتل أنفى للقتل. لا يفيد إلا الردع عن القتل، وقوله : في القصاص حياة  يفيد الردع عن القتل وعن الجرح وغيرهما فهو أجمع للفوائد وخامسها : أن نفي القتل مطلوب تبعا من حيث إنه يتضمن حصول الحياة، وأما الآية فإنها دالة على حصول الحياة وهو مقصود أصلي، فكان هذا أولى وسادسها : أن القتل ظلما قتل، مع أنه لا يكون نافيا للقتل بل هو سبب لزيادة القتل، إنما النافي لوقوع القتل هو القتل المخصوص وهو القصاص، فظاهر قولهم باطل، أما الآية فهي صحيحة ظاهرا وتقديرا، فظهر التفاوت بين الآية وبين كلام العرب. 
المسألة الثانية : احتجت المعتزلة بهذه الآية على فساد قول أهل السنة في قولهم : إن المقتول لو لم يقتل لوجب أن يموت. فقالوا إذا كان الذي يقتل يجب أن يموت لو لم يقتل، فهب أن شرع القصاص يزجر من يريد أن يكون قاتلا عن الإقدام على القتل، لكن ذلك الإنسان يموت سواء قتله هذا القاتل أو لم يقتله، فحينئذ لا يكون شرع القصاص مفضيا إلى حصول الحياة. 
فإن قيل : أنا إنما نقول فيمن قتل لو لم يقتل كان يموت لا فيمن أريد قتله ولم يقتل فلا يلزم ما قلتم، قلنا أليس إنما يقال فيمن قتل لو لم يقتل كيف يكون حاله ؟ فإذا قلتم : كان يموت فقد حكمتم في أن من حق كل وقت صح وقوع قتله أن يكون موته كقتله، وذلك يصحح ما ألزمناكم لأنه لا بد من أن يكون على قولكم المعلوم أنه لو لم يقتله إما لأن منعه مانع عن القتل، أو بأن خاف قتله أنه كان يموت وفي ذلك صحة ما ألزمناكم، هذا كله ألفاظ القاضي. 
أما قوله تعالى : يا أولي الألباب  فالمراد به العقلاء الذين يعرفون العواقب ويعلمون جهات الخوف، فإذا أرادوا الإقدام على قتل أعداءهم، وعلموا أنهم يطالبون بالقود صار ذلك رادعا لهم لأن العاقل لا يريد إتلاف غيره بإتلاف نفسه فإذا خاف ذلك كان خوفه سببا للكف والامتناع، إلا أن هذا الخوف إنما يتولد من الفكر الذي ذكرناه ممن له عقل يهديه إلى هذا الفكر فمن لا عقل له يهديه إلى هذا الفكر لا يحصل له هذا الخوف، فلهذا السبب خص الله سبحانه بهذا الخطاب أولي الألباب. 
وأما قوله تعالى : لعلكم تتقون  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : لفظة  لعل  للترجي، وذلك إنما يصح في حق من لم يكن عالما بجميع المعلومات، وجوابه ما سبق في قوله تعالى : يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون . 
المسألة الثانية : قال الجبائي : هذا يدل على أنه تعالى أراد من الكل التقوى، سواء كان في المعلوم أنهم يتقون أو لا يتقون بخلاف قول المجبرة، وقد سبق جوابه أيضا في تلك الآية. 
المسألة الثالثة : في تفسير الآية قولان أحدهما : قول الحسن والأصم أن المراد لعلكم تتقون نفس القتل بخوف القصاص والثاني : أن المراد هو التقوى من كل الوجوه وليس في الآية تخصيص للتقوى، فحمله على الكل أولى : ومعلوم أن الله تعالى إنما كتب على العباد الأمور الشاقة من القصاص وغيره لأجل أن يتقوا النار باجتناب المعاصي ويكفوا عنها، فإذا كان هذا هو المقصود الأصلي وجب حمل الكلام عليه.

### الآية 2:180

> ﻿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [2:180]

قوله تعالى : كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين . 
اعلم أن قوله تعالى ( كتب عليكم ) يقتضي الوجوب على ما بيناه، أما قوله ( إذا حضر أحدكم الموت ) فليس المراد منه معاينة الموت، لأن في ذلك الوقت يكون عاجزا عن الإيصاء ثم ذكروا في تفسيره وجهين الأول : وهو اختيار الأكثرين أن المراد حضور أمارة الموت، وهو المرض المخوف وذلك ظاهر في اللغة، يقال فيمن يخاف عليه الموت : إنه قد حضره الموت كما يقال لمن قارب البلد إنه قد وصل والثاني : قول الأصم أن المراد فرض عليكم الوصية في حالة الصحة بأن تقولوا : إذا حضرنا الموت فافعلوا كذا قال القاضي : والقول الأول أولى لوجهين أحدهما : أن الموصي وإن لم يذكر في وصيته الموت جاز والثاني : أن ما ذكرناه هو الظاهر، وإذا أمكن ذلك لم يجز حمل الكلام على غيره. 
أما قوله  إن ترك خيرا  فلا خلاف أنه المال ههنا والخير يراد به المال في كثير من القرآن كقوله : وما تنفقوا من خير، وإنه لحب الخير، من خير فقير  وإذا عرفت هذا فنقول : ههنا قولان : أحدهما : أنه لا فرق بين القليل والكثير، وهو قول الزهري، فالوصية واجبة في الكل، واحتج عليه بوجهين : الأول  أن الله تعالى أوجب الوصية فيما إذا ترك خيرا، والمال القليل خير، يدل عليه القرآن والمعقول، أما القرآن فقوله تعالى : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره  وأيضا قوله تعالى : لما أنزلت إلى من خير فقير  وأما المعقول فهو أن الخير ما ينتفع به، والمال القليل كذلك فيكون خيرا. 
الحجة الثانية : أن الله تعالى اعتبر أحكام المواريث فيما يبقى من المال قل أم كثر، بدليل قوله تعالى : للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا  فوجب أن يكون الأمر كذلك في الوصية. 
والقول الثاني : وهو أن لفظ الخير في هذه الآية مختص بالمال الكثير، واحتجوا عليه بوجوه الأول : أن من ترك درهما لا يقال : إنه ترك خيرا، كما يقال : فلان ذو مال، فإنما يراد تعظيم ماله ومجاوزته حد أهل الحاجة، وإن كان اسم المال قد يقع في الحقيقة على كل ما يتموله الإنسان من قليل أو كثير، وكذلك إذا قيل : فلان في نعمة، وفي رفاهية من العيش. فإنما يراد به تكثير النعمة، وإن كان أحد لا ينفك عن نعمة الله، وهذا باب من المجاز مشهور وهو نفي الاسم عن الشيء لنقصه، كما قد روي من قوله :**« لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد »**
وقوله :**« ليس بمؤمن من بات شبعانا وجاره جائع »** ونحو هذا. 
الحجة الثالثة : لو كانت الوصية واجبة في كل ما ترك، سواء كان قليلا، أو كثيرا، لما كان التقييد بقوله : إن ترك خيرا  كلاما مفيدا، لأن كل أحد لا بد وأن يترك شيئا ما، قليلا كان أو كثيرا، أما الذي يموت عريانا ولا يبقى معه كسرة خبز، ولا قدر من الكرباس الذي يستر به عورته، فذاك في غاية الندرة، فإذا ثبت أن المراد ههنا من الخير المال الكثير، فذاك المال هل هو مقدر بمقدار معين محدود أم لا فيه قولان :
القول الأول : أنه مقدر بمقدار معين، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا، فروي عن علي رضي الله عنه أنه دخل على مولى لهم في الموت، وله سبعمائة درهم، فقال أولا أوصي، قال : لا إنما قال الله تعالى : إن ترك خيرا  وليس لك كثير مال، وعن عائشة رضي الله عنها أن رجلا قال لها : إني أريد أن أوصي، قالت : كم مالك ؟ قال ثلاثة آلاف، قالت : كم عيالك ؟ قال أربعة قالت : قال الله  إن ترك خيرا  وإن هذا لشيء يسير فاتركه لعيالك فهو أفضل، وعن ابن عباس إذا ترك سبعمائة درهم فلا يوصي فإن بلغ ثمانمائة درهم أوصي وعن قتادة ألف درهم، وعن النخعي من ألف وخمسمائة درهم. 
والقول الثاني : أنه غير مقدر بمقدار معين. بل يختلف ذلك باختلاف حال الرجال، لأن بمقدار من المال يوصف المرء بأنه غني، وبذلك القدر لا يوصف غيره بالغني لأجل كثرة العيال وكثرة النفقة، ولا يمتنع في الإيجاب أن يكون متعلقا بمقدار مقدر بحسب الاجتهاد، فليس لأحد أن يجعل فقد البيان في مقدار المال دلالة على أن هذه الوصية لم تجب فيها قط بأن يقول لو وجبت لوجب أن يقدر المال الواجب فيها. 
أما قوله : الوصية  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : إنما قال : كتب  لأنه أراد بالوصية الإيصاء، ولذلك ذكر الضمير في قوله : فمن بدله بعدما سمعه  وأيضا إنما ذكر للفصل بين الفعل والوصية، لأن الكلام لما طال كان الفاصل بين المؤنث والفعل، كالعوض من تاء التأنيث، والعرب تقول حضر القاضي امرأة، فيذكرون لأن القاضي فصل بين الفعل وبين المرأة. 
المسألة الثانية : رفع الوصية من وجهين أحدهما : على ما لم يسم فاعله والثاني : على أن يكون مبتدأ وللوالدين الخبر، وتكون الجملة في موضع رفع بكتب، كما تقول قيل عبد الله قائم، فقولك عبد الله قائم جملة مركبة من مبتدأ وخبر، والجملة في موضع رفع بقيل. 
أما قوله : للوالدين والأقربين  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن الله تعالى لما بين أن الوصية واجبة، بين بعد ذلك أنها واجبة لمن فقال : للوالدين والأقربين، وفيه وجهان : الأول : قال الأصم : إنهم كانوا يوصون للأبعدين طلبا للفخر والشرف، ويتركون الأقارب في الفقر والمسكنة، فأوجب الله تعالى في أول الإسلام الوصية لهؤلاء منعا للقوم عما كانوا اعتادوه وهذا بين الثاني : قال آخرون إن إيجاب هذه الوصية لما كان قبل آية المواريث، جعل الله الخيار إلى الموصي في ماله وألزمه أن لا يتعدى في إخراجه ماله بعد موته عن الوالدان والأقربين فيكون واصلا إليهم بتمليكه واختياره، ولذلك لما نزلت آية المواريث قال عليه الصلاة والسلام :
**« إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث »** فبين أن ما تقدم كان واصلا إليهم بعطية الموصي، فأما الآن فالله تعالى قدر لكل ذي حق حقه، وأن عطية الله أولى من عطية الموصي، وإذا كان كذلك فلا وصية لوارث البتة، فعلى هذا الوجه كانت الوصية من قبل واجبة للوالدين والأقربين. 
المسألة الثانية : اختلفوا في قوله : والأقربين  من هم ؟ فقال قائلون : هم الأولاد فعلى هذا أمر الله تعالى بالوصية للوالدين والأولاد وهو قول عبد الرحمن بن زيد عن أبيه. 
والقول الثاني : وهو قول ابن عباس ومجاهد أن المراد من الأقربين من عدا الوالدين. 
والقول الثالث : أنهم جميع القرابات من يرث منهم ومن لا يرث وهذا معنى قول من أوجب الوصية للقرابة، ثم رآها منسوخة. 
والقول الرابع : هم من لا يرثون من الرجل من أقاربه، فأما الوارثون فهم خارجون عن اللفظ، أما قوله : بالمعروف  فيحتمل أن يكون المراد منه قدر ما يوصي به، ويحتمل أن يكون المراد منه تمييز من يوصي له من الأقربين ممن لا يوصي، لأن كلا الوجهين بدخل في المعروف، فكأنه تعالى أمره في الوصية أن يسلك الطريق الجميلة، فإذا فاضل بينهم، فبالمعروف وإذا سوي فكمثل، وإذا حرم البعض فكمثل لأنه لو حرم الفقير وأوصى للغني لم يكن ذلك معروفا، ولو سوى بين الوالدين مع عظم حقهما وبين بني العم لم يكن معروفا، ولو أوصى لأولاد الجد البعيد مع حضور الأخوة لم يكن ما يأتيه معروفا فالله تعالى كلفه الوصية على طريقة جميلة خالية عن شوائب الإيحاش وذلك من باب ما يعلم بالعادة فليس لأحد أن يقول : لو كانت الوصية واجبة لم يشترط تعالى فيه هذا الشرط، الذي لا يمكن الوقوف عليه لما بينا. 
أما قوله تعالى : حقا على المتقين  فزيادة في توكيد وجوبه، فقوله : حقا  مصدر مؤكد، أي حق ذلك حقا، فإن قيل : ظاهر هذا الكلام يقتضي تخصيص هذا التكليف بالمتقين دون غيرهم. 
فالجواب : من وجهين الأول : أن المراد بقوله : حقا على المتقين  أنه لازم لمن آثر التقوى، وتحراه وجعله طريقة له ومذهبا فيدخل الكل فيه الثاني : أن هذه الآية تقتضي وجوب هذا المعنى على المتقين والإجماع دل على أن الواجبات والتكاليف عامة في حق المتقين، وغيرهم، فبهذا الطريق يدخل الكل تحت هذا التكليف ؛ فهذا جملة ما يتعلق بتفسير هذه الآية. 
اعلم أن الناس اختلفوا في هذه الوصية، منهم من قال : كانت واجبة ومنهم من قال : كانت ندبا واحتج الأولون بقوله : كتب  وبقوله : عليكم  وكلا اللفظين ينبئ عن الوجوب، ثم إنه تعالى أكد ذلك الإيجاب بقوله : حقا على المتقين  وهؤلاء اختلفوا منهم من قال هذه الآية صارت منسوخة، ومنهم من قال إنها ما صارت منسوخة، وهذا اختيار أبي مسلم الأصفهاني، وتقرير قوله من وجوه أحدها : أن هذه الآية ما هي مخالفة لآية المواريث ومعناها كتب عليكم ما أوصى به الله تعالى من توريث الوالدين والأقربين من قوله تعالى : يوصيكم الله في أولادكم  أو كتب على المختصر أن يوصي للوالدين والأقربين بتوفير ما أوصى به الله لهم عليهم وأن لا ينقص من أنصباتهم وثانيها : أنه لا منافاة بين ثبوت الميراث للأقرباء مع ثبوت الوصية بالميراث عطية من الله تعالى والوصية عطية ممن حضره الموت، فالوارث جمع له بين الوصية والميراث بحكم الآيتين وثالثها : لو قدرنا حصول المنافاة لكان يمكن جعل آية الميراث مخصصة لهذه الآية وذلك لأن هذه الآية توجب الوصية للأقربين، ثم آية الميراث تخرج القريب الوارث ويبقى القريب الذي لا يكون وارثا داخلا تحت هذه الآية، وذلك لأن من الوالدين من يرث، ومنهم من لا يرث، وذلك بسبب اختلاف الدين والرق والقتل ومن الأقارب الذين لا يسقطون في فريضة من لا يرث بهذه الأسباب الحاجبة ومنهم من يسقط في حال ويثبت في حال، إذا كان في الواقعة من هو أولى بالميراث منهم، ومنهم من يسقط في كل حال إذا كانوا ذوي رحم فكل من كان من هؤلاء وارثا لم يجز الوصية له، ومن لم يكن وارثا جازت الوصية له لأجل صلة الرحم، فقد أكد الله تعالى ذلك بقوله : واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام  وبقوله : إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى  فهذا تقرير مذهب أبي مسلم في هذا الباب. أما القائلون بأن الآية منسوخة فيتوجه تفريعا على هذا المذهب أبحاث :
البحث الأول : اختلفوا في أنها بأي دليل صارت منسوخة ؟ وذكروا وجوها أحدها : أنها صارت منسوخة بإعطاء الله تعالى أهل المواريث كل ذي حق حقه فقط وهذا بعيد لأنه لا يمتنع مع قدر من الحق بالميراث وجوب قدر آخر بالوصية وأكثر ما يوجبه ذلك التخصيص لا النسخ بأن يقول قائل : إنه لا بد وأن تكون منسوخة فيمن لم يختلف إلا الوالدين من حيث يصير كل المال حقا لهما بسبب الإرث فلا يبقى للوصية شيء إلا أن هذا تخصيص لا نسخ وثانيها : أنها صارت منسوخة بقوله عليه السلام :
**« ألا لا وصية لوارث »** وهذا أقرب إلا أن الإشكال فيه أن هذا خبر واحد فلا يجوز نسخ القرآن به، وأجيب عن هذا السؤال بأن هذا الخبر وإن كان خبر واحد إلا أن الأئمة تلقته بالقبول فالتحق بالمتواتر. 
ولقائل أن يقول : يدعى أن الأئمة تلقته بالقبول على وجه الظن أو على وجه القطع، والأول مسلم إلا أن ذلك يكون إجماعا منهم على أنه خبر واحد، فلا يجوز نسخ القرآن به والثاني ممنوع لأنهم لو قطعوا بصحته مع أنه من باب الآحاد لكانوا قد أجمعوا على الخط

### الآية 2:181

> ﻿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [2:181]

قوله تعالى : فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم . 
اعلم أنه تعالى لما ذكر أمر الوصية ووجوبها، وعظم أمرها، أتبعه بما يجري مجرى الوعيد في تغييرها. 
أما قوله تعالى : فمن بدله  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : هذا المبدل من هو ؟ فيه قولان أحدهما : وهو المشهور أنه هو الوصي أو الشاهد أو سائر الناس، أما الوصي فبأن يغير الوصي الوصية إما في الكتابة وإما في قسمة الحقوق وأما الشاهد فبأن يغير شهادة أو يكتمها، وأما غير الوصي والشاهد فبأن يمنعوا من وصول ذلك المال إلى مستحقه، فهؤلاء كلهم داخلوا تحت قوله تعالى : فمن بدله . 
والقول الثاني : أن المنهي عن التغيير هو الموصي نهى عن تغيير الوصية عن المواضع التي بين الله تعالى بالوصية إليها وذلك لأنا بينا أنهم كانوا في الجاهلية يوصون للأجانب ويتركون الأقارب في الجوع والضر، فالله تعالى أمرهم بالوصية للأقربين، ثم زجر بقوله : فمن بدله بعدما سمعه  من أعرض عن هذا التكليف. 
المسألة الثانية : الكناية في قوله : فمن بدله  عائد إلى الوصية، مع أن الكناية المذكورة مذكرة والوصية مؤنثة، وذكروا فيه وجوها أحدها : أن الوصية بمعنى الإيصاء ودالة عليه، كقوله تعالى : فمن جاءه موعظة  أي وعظ، والتقدير : فمن بدل ما قاله الميت، أو ما أوصى به أو سمعه عنه وثانيها : قيل الهاء راجعة إلى الحكم والفرض والتقدير فمن بدل الأمر المقدم ذكره وثالثها : أن الضمير عائد إلى ما أوصى به الميت فلذلك ذكره، وإن كانت الوصية مؤنثة ورابعها : أن الكناية تعود إلى معنى الوصية وهو قول أو فعل وخامسها : أن تأنيث الوصية ليس بالحقيقي فيجوز أن يكنى عنها بكناية المذكر. . 
أما قوله : بعدما سمعه  فهو يدل على أن الإثم إنما يثبت أو يعظم بشرط أن يكون المبدل قد علم ذلك، لأنه لا معنى للسماع لو لم يقع العلم به، فصار إثبات سماعه كإثبات علمه. 
أما قوله : فإنما إثمه على الذين يبدلونه  فاعلم أن كلمة  إنما  للحصر والضمير في قوله : إثمه  عائد إلى التبديل، والمعنى : أن إثم ذلك التبديل لا يعود إلا إلى المبدل، وقد تقدم بيان أن المبدل من هو. 
واعلم أن العلماء استدلوا بهذه الآية على أحكام أحدها : أن الطفل لا يعذب على كفر أبيه وثانيها : أن الإنسان إذا أمر الوارث بقضاء دينه، ثم إن الوارث قصر فيه بأن لا يقضي دينه فإن الإنسان الميت لا يعذب بسبب تقصير ذلك الوارث خلافا لبعض الجهال وثالثها : أن الميت لا يعذب ببكاء غيره عليه، وذلك لأن هذه الآية دالة على أن إثم التبديل لا يعود إلا إلى المبدل، فإن الله تعالى لا يؤاخذ أحدا بذنب غيره وتتأكد دلالة هذه الآية بقوله تعالى :
 ولا تكسب كل نفس إلا عليها، ولا تزر وازرة وزر أخرى، من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت . 
المسألة الثالثة : إذا أوصى للأجانب، وفي الأقارب من تشتد حاجته هل يجوز للوصي تغيير الوصية أما من يقول بوجوب الوصية لمن لا يرث من الوالدين والأقربين اختلفوا فيه، فمنهم من قال : كانت الوصية للأقارب واجبة عليه، فإذا لم يفعل وصرف الوصية إلى الأجانب كان ذلك الأجنبي أحق به، ومنهم من قال : ينقض ذلك ويرد إلى الأقربين وقد ذكرنا تفصيل قول هؤلاء، أما من لا يوجب الوصية للقريب الذي لا يرث، فإما أن يكون ذلك بالثلث أو بأكثر من الثلث، فإن كان بالثلث فهو جائز ولا يجوز تغييره، ثم اختلفوا في المستحب، فكان الحسن يقول : المستحب هو النقصان من الثلث، لأنه عليه الصلاة والسلام قال :**« الثلث والثلث كثير »** فندب إلى النقصان، ومنهم من قال : بل الثلث مستحب، لأنه حقه والثواب فيه أكثر، ومنهم من يعتبر حال الميت وحال الورثة وقدر التركة، وهذا هو الأولى، فأما إن كانت الوصية بأكثر من الثلث فقد اختلفوا فيه، فمنهم من قال : لا يجوز ذلك إلا بأمر الورثة، والتماس الرضا منهم، وقال آخرون : لا تأثير لقول الورثة إلا بعد الموت، ثم إذا أوصى بأكثر من الثلث اختلفوا فمنهم من قال : يجوز إن أجازه الوارث ويكون عطية من الميت، ومنهم من يقول : بل يكون كابتداء عطية من الوارث. 
أما قوله : إن الله سميع عليم  فمعناه أنه تعالى سميع للوصية على حدها، ويعلمها على صفتها، فلا يخفى عليه خافية من التغيير الواقع فيها، والله أعلم.

### الآية 2:182

> ﻿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2:182]

قوله تعالى : فمن خاف من موص جنفا أو إثما فاصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم . 
اعلم أنه تعالى لما توعد من يبدل الوصية، بين أن المراد بذلك التبديل أن يبدله عن الحق إلى الباطل، أما إذا غيره عن باطل إلى حق على طريق الإصلاح فقد أحسن، وهو المراد من قوله : فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم  لأن الإصلاح يقتضي ضربا من التبديل والتغيير فذكر تعالى الفرق بين هذا التبديل وبين ذلك التبديل الأول بأن أوجب الإثم في الأول وأزاله عن الثاني بعد اشتراكهما في كونهما تبديلين وتغييرين، لئلا يقدر أن حكمهما واحد في هذا الباب، وههنا مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم  موص  بالتشديد، والباقون بالتخفيف وهما لغتان : وصى وأوصى بمعنى واحد. 
المسألة الثانية : الجنف : الميل في الأمور، وأصله العدول عن الاستواء، يقال : جنف يجنف بكسر النون في الماضي، وفتحها في المستقبل، جنفا، وكذلك : تجانف، ومنه قوله تعالى : غير متجانف لإثم  والفرق بين الجنف والإثم أن الجنف هو الخطأ من حيث لا يعلم به والإثم هو العمد. 
المسألة الثالثة : في قوله تعالى : فمن خاف  قولان : أحدهما : أن المراد منه هو الخوف والخشية. 
فإن قيل : الخوف إنما يصح في أمر منتظر، والوصية وقعت فكيف يمكن تعلقها بالخوف. 
والجواب من وجوه أحدها : أن المراد أن هذا المصلح إذا شاهد الموصي يوصي فظهرت منه أمارات الجنف الذي هو الميل عن طريقة الحق مع ضرب من الجهالة، أو مع التأويل أو شاهد منه تعمدا بأن يزيد غير المستحق، أو ينقص المستحق حقه، أو يعدل عن المستحق، فعند ظهور أمارات ذلك وقبل تحقيق الوصية يأخذ في الإصلاح، لأن إصلاح الأمر عند ظهور أمارات فساده وقبل تقرير فساده يكون أسهل، فلذلك علق تعالى بالخوف من دون العلم، فكأن الموصي يقول وقد حضر الوصي والشاهد على وجه المشورة، أريد أن أوصي للأباعد دون الأقارب وأن أزيد فلانا مع أنه لا يكون مستحقا للزيادة، أو أنقص فلانا مع أنه مستحق للزيادة، فعند ذلك يصير السامع خائفا من جنف وإثم لا قاطعا عليه، ولذلك قال تعالى : فمن خاف من موص جنفا  فعلقه بالخوف الذي هو الظن ولم يعلقه بالعلم. 
الوجه الثاني : في الجواب أنه إذا أوصي على الوجه الذي ذكرناه لكنه يجوز أن لا يستمر الموصي على تلك الوصية بل يفسخها ويجوز أن يستمر لأن الموصي ما لم يمت فله الرجوع عن الوصية وتغييرها بالزيادة والنقصان فلما كان كذلك لم يصر الجنف والإثم معلومين، لأن تجويز فسخة يمنع من أن يكون مقطوعا عليه، فلذلك علقه بالخوف. 
الوجه الثالث : في الجواب أن بتقدير أن تستقر الوصية ومات الموصي، فمن ذلك يجوز أن يقع بين الورثة والموصي لهم مصالحة على وجه ترك الميل والخطأ، فلما كان ذلك منتظرا لم يكن حكم الجنف والإثم ماضيا مستقرا، فصح أن يعلقه تعالى بالخوف وزوال اليقين، فهذه الوجوه يمكن أن تذكر في معنى الخوف وإن كان الوجه الأول هو الأقوى. 
القول الثاني : في تفسير قوله تعالى : فمن خاف  أي فمن علم والخوف والخشية يستعملان بمعنى العلم وذلك لأن الخوف عبارة عن حالة مخصوصة متولدة من ظن مخصوص وبين العلم وبين الظن مشابهة في أمور كثيرة فلهذا صح إطلاق اسم كل واحد منهما على الآخر، وعلى هذا التأويل يكون معنى الآية أن الميت إذا أخطأ في وصيته أو جار فيها متعمدا فلا حرج على من علم ذلك أن يغيره ويرده إلى الصلاح بعد موته، وهذا قول ابن عباس وقتادة والربيع. 
المسألة الرابعة : قد ذكرنا أن الجنف هو الخطأ والإثم هو العمد ومعلوم أن الخطأ في حق الغير في أنه يجب إبطاله بمنزلة العمد فلا فصل بين الخطأ والعمد في ذلك، فمن هذا الوجه سوى عز وجل بين الأمرين. 
أما قوله تعالى : فأصلح بينهم  فيه مسائل :
المسألة الأولى : هذا المصلح من هو ؟ الظاهر أنه هو الوصي الذي لا بد منه في الوصية وقد يدخل تحته الشاهد، وقد يكون المراد منه من يتولى ذلك بعد موته من وال أو ولي أو وصي، أو من يأمر بالمعروف. فكل هؤلاء يدخلون تحت قوله تعالى : فمن خاف من موص  إذا ظهرت لهم أمارات الجنف والاسم في الوصية، أو علموا ذلك فلا وجه للتخصيص في هذا الباب، بل الوصي والشاهد أولى بالدخول تحت هذا التكليف وذلك لأن بهم تثبت الوصية فكان تعلقهم بها أشد. 
المسألة الثانية : لقائل أن يقول : الضمير في قوله : فأصلح بينهم  لا بد وأن يكون عائدا إلى مذكور سابق فما ذلك المذكور السابق ؟
وجوابه : أن لا شبهة أن المراد بين أهل الوصايا، لأن قوله : من موص  دل على من له الوصية فصار كأنهم ذكروا فصلح أن يقول تعالى فأصلح بينهم كأنه قال : فأصلح بين أهل الوصية وقال القائلون : المراد فأصلح بين أهل الوصية والميراث، وذلك هو أن يزيد الموصي في الوصية على قدر الثلث، فالمصلح يصلح بين أهل الوصايا والورثة في ذلك، وهذا القول ضعيف من وجوه أحدها : أن لفظ الموصي إنما يدل على أهل الوصية لا على الورثة وثانيها : أن الجنف والإثم لا يدخل في أن يوصي بأكثر من الثلث لأن ذلك لما لم يجز إلا بالرضا صار ذكره كلا ذكر، ولا يحتاج في إبطاله إلى إصلاح لأنه ظاهر البطلان. 
المسألة الثالثة : في بيان كيفية هذا الإصلاح وههنا بحثان :
البحث الأول : في بيان كيفية هذا الإصلاح قبل أن صارت هذه الآية منسوخة، فنقول بينا أن ذلك الجنف والإثم كان إما بزيادة أو نقصان أو بعدول فإصلاحها إنما يكون بإزالة هذه الأمور الثلاثة ورد كل حق إلى مستحقه. 
البحث الثاني : في كيفية هذا الإصلاح بعد أن صارت هذه الآية المنسوخة فنقول الجنف والإثم ههنا يقع على وجوه منها أن يظهر من المريض ما يدل على أنه يحاول منع وصول المال إلى الوارث، إما بذكر إقرار، أو بالتزام عقد، فههنا يمنع منه ومنها أن يوصي بأكثر من الثلث ومنها أن يوصي للأباعد وفي الأقارب شدة حاجة، ومنها أن يوصي مع قلة المال وكثرة العيال إلى غير ذلك من الوجوه. 
أما قوله تعالى : فلا إثم عليه  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : لقائل أن يقول : هذا المصلح قد أتي بطاعة عظيمة في هذا الإصلاح وهو يستحق الثواب عليه، فكيف يليق به أن يقال : فلا إثم عليه. وجوابه من وجوه الأول : أنه تعالى لما ذكر إثم المبدل في أول الآية، وهذا أيضا من التبديل بين مخالفته للأول، وأنه لا إثم عليه لأنه رد الوصية إلى العدل والثاني : لما كان المصلح ينقص الوصايا وذلك يصعب على الموصي له ويوهم فيه إثما أزال الشبهة وقال : فلا إثم عليه  والثالث : بين أن بالوصية والإشهاد لا يتحتم ذلك، وأنه متى غير إلى الحق وإن كان خالف الوصية فلا إثم عليه، وإن حصل فيه مخالفة لوصية الموصي وصرف لماله عمن أحب إلى من كره، لأن ذلك يوهم القبح، فبين الله عز وجل أن ذلك حسن لقوله : فلا إثم عليه  والرابع : أن الإصلاح بين الجماعة يحتاج فيه إلى الإكثار من القول ويخاف فيه أن يتخلله بعض ما لا ينبغي من القول والفعل، فبين تعالى أنه لا إثم على المصلح في هذا الجنس إذا كان قصده في الإصلاح جميلا. 
المسألة الثانية : دلت هذه الآية على جواز الصلح بين المتنازعين إذا خاف من يريد الصلح إفضاء تلك المنازعة إلى أمر محذور في الشرع. 
أما قوله : إن الله غفور رحيم  ففيه أيضا سؤال : وهو أن هذا الكلام إنما يليق بمن فعل فعلا لا يجوز، أما هذا الإصلاح فهو من جملة الطاعات فكيف به هذا الكلام وجوابه من وجوه أحدها : أن هذا من باب تنبيه الأدنى على الأعلى كأنه قال أنا الذي أغفر الذنوب ثم أرحم المذنب فبأن أوصل رحمتي وثوابي إليك مع أنك تحملت المحن الكثيرة في إصلاح هذا المهم كان أولى، وثانيها : يحتمل أن يكون المراد أن ذلك الموصي الذي أقدم على الجنف والإثم متى أصلحت وصيته فإن الله غفور رحيم يغفر له ويرحمه بفضله وثالثها : أن المصلح ربما احتاج في إيتاء الإصلاح إلى أقوال وأفعال كان الأولى تركها فإذا علم تعالى منه أن غرضه ليس إلا الإصلاح فإنه لا يؤاخذه بها لأنه غفور رحيم.

### الآية 2:183

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [2:183]

**الحكم السادس :**
قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون . 
اعلم أن الصيام مصدر صام كالقيام، وأصله في اللغة الإمساك عن الشيء والترك له، ومنه قيل للصمت : صوم لأنه إمساك عن الكلام، قال الله تعالى : إني نذرت للرحمن صوما  وصوم النهار إذا اعتدل وقام قائم الظهيرة قال امرؤ القيس :
فدعها وسل الهم عنها بحسرة \*\*\* ذمول إذا صام النهار وهجرا
حتى إذا صام النهار واعتدل \*\*\*. . . 
**وقال آخر :**
وصامت الريح إذا ركدت، وصام الفرس إذا قام على غير اعتلاف
**وقال النابغة :**
خيل صيام وخيل غير صائمة \*\*\* تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما
ويقال : بكرة صائمة إذا قامت فلم تدر، قال الراجز :
والبكرات شرهن الصائمة \*\*\*. . . 
ومصام الشمس حيث تستوي في منتصف النهار، وكذلك مصام النجم قال امرؤ القيس :
كأن الثريا علقت في فصامها \*\*\* بأمراس كتان إلى صم جندل
هذا هو معنى الصوم في اللغة، وفي الشريعة هو الإمساك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس عن المفطرات حال العلم بكونه صائما مع اقتران النية. 
أما قوله تعالى : كما كتب على الذين من قبلكم  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : في هذا التشبيه قولان أحدهما : أنه عائد إلى أصل إيجاب الصوم، يعني هذه العبادة كانت مكتوبة واجبة على الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم، ما أخلى الله أمة من إيجابها عليهم لا يفرضها عليكم وحدكم وفائدة هذا الكلام أن الصوم عبادة شاقة، والشيء الشاق إذا عم سهل تحمله. 
والقول الثاني : أن التشبيه يعود إلى وقت الصوم وإلى قدره، وهذا ضعيف لأن تشبيه الشيء بالشيء يقتضي استواءهما في أمر من الأمور فإما أن يقال : إنه يقتضي الإستواء في كل الأمور فلا، ثم القائلون بهذا القول ذكروا وجوها أحدها : أن الله تعالى فرض صيام رمضان على اليهود والنصارى، أما اليهود فإنها تركت هذا الشهر وصامت يوما من السنة، زعموا أنه يوم غرق فيه فرعون، وكذبوا في ذلك أيضا، لأن ذلك اليوم يوم عاشوراء على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما النصارى فإنهم صاموا رمضان فصادفوا فيه الحر الشديد فحولوه إلى وقت لا يتغير، ثم قالوا عند التحويل نزيد فيه فزادوا عشرا، ثم بعد زمان اشتكى ملكهم فنذر سبعا فزادوه، ثم جاء بعد ذلك ملك آخر فقال : ما بال هذه الثلاثة فأتمه خمسين يوما، وهذا معنى قوله تعالى : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا  وهذا مروى عن الحسن وثانيها : أنهم أخذوا بالوثيقة زمانا فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها يوما، ثم لم يزل الأخير يستسن بسنة القرن الذي قبله حتى صاروا إلى خمسين يوما، ولهذا كره صوم يوم الشك، وهو مروي عن الشعبي وثالثها : أن وجه التشبيه أنه يحرم الطعام والشراب والجماع بعد النوم كما كان ذلك حراما على سائر الأمم واحتج القائلون بهذا القول بأن الأمة مجمعة على أن قوله تعالى :
 أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم  يفيد نسخ هذا الحكم، فهذا الحكم لا بد فيه من دليل يدل عليه ولا دليل عليه إلا هذا التشبيه وهو قوله : كما كتب على الذين من قبلكم  فوجب أن يكون هذا التشبيه دليلا على ثبوت هذا المعنى، قال أصحاب القول الأول : قد بينا أن تشبيه شيء بشيء لا يدل على مشابهتهما من كل الوجوه فلم يلزم من تشبيه صومنا بصومهم أن يكون صومهم مختصا برمضان، وأن يكون صومهم مقدرا بثلاثين يوما، ثم إن هذه الرواية مما ينفر من قبول الإسلام إذا علم اليهود والنصارى كونه كذلك. 
المسألة الثانية : في موضع  كما  ثلاثة أقوال الأول : قال الزجاج موضع  كما  نصب على المصدر لأن المعنى : فرض عليكم فرضا كالذي فرض على الذين من قبلكم الثاني : قال ابن الأنباري يجوز أن يكون في موضع نصب على الحال من الصيام يراد بها : كتب عليكم الصيام مشبها وممثلا بما كتب على الذين من قبلكم الثالث : قال أبو علي : هو صفة لمصدر محذوف تقديره : كتابة كما كتب عليهم، فحذف المصدر وأقيم نعته مقامه قال : ومثله في الإتساع والحذف قولهم في صريح الطلاق : أنت واحدة، ويريدون أنت ذات تطليقة واحدة، فحذف المضاف والمضاف إليه وأقيم صفة المضاف مقام الاسم المضاف إليه. 
أما قوله تعالى : لعلكم تتقون  فاعلم أن تفسير  لعل  في حق الله تعالى قد تقدم، وأما أن هذا الكلام كيف يليق بهذا الموضع ففيه وجوه أحدها : أنه سبحانه بين بهذا الكلام أن الصوم يورث التقوى لما فيه من انكسار الشهوة وانقماع الهوى فإنه يردع عن الأشر والبطر والفواحش ويهون لذات الدنيا ورياستها، وذلك لأن الصوم يكسر شهوة البطن والفرج، وإنما يسعى الناس لهذين، كما قيل في المثل السائر : المرء يسعى لغاريه بطنه وفرجه ؛ فمن أكثر الصوم هان عليه أمر هذين وخفت عليه مؤنتهما، فكان ذلك رادعا له عن ارتكاب المحارم والفواحش، ومهونا عليه أمر الرياسة في الدنيا وذلك جامع لأسباب التقوى فيكون معنى الآية فرضت عليكم الصيام لتكونوا به من المتقين الذين أثنيت عليهم في كتابي، وأعلمت أن هذا الكتاب هدى لهم ولما اختص الصوم بهذه الخاصية حسن منه تعالى أن يقول عند إيجابها  لعلكم تتقون  منها بذلك على وجه وجوبه لأن ما يمنع النفس عن المعاصي لا بد وأن يكون واجبا وثالثها : المعنى ينبغي لكم بالصوم أن يقوي وجاؤكم في التقوى وهذا معنى  لعل  وثانيها : المعنى : لعلكم تتقون الله بصومكم وترككم للشهوات فإن الشيء كلما كانت الرغبة فيه أكثر كان الاتقاء عنه أشق والرغبة في المطعوم والمنكوح أشد من الرغبة في سائر الأشياء فإذا سهل عليكم اتقاء الله بترك المطعوم والمنكوح، كان اتقاء الله بترك سائر الأشياء أسهل وأخف ورابعها : المراد  كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون  إهمالها وترك المحافظة عليها بسبب عظم درجاتها وإصالتها وخامسها : لعلكم تنتظمون بسبب هذه العبادة في زمرة المتقين ؛ لأن الصوم شعارهم، والله أعلم.

### الآية 2:184

> ﻿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ۚ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ۚ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [2:184]

قوله : أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون . 
اعلم أن في قوله تعالى : أياما معدودات  مسائل :
المسألة الأولى : في انتصاب  أياما  أقوال الأول : نصب على الظرف، كأنه قيل : كتب عليكم الصيام في أيام، ونظيره قولك : نويت الخروج يوم الجمعة والثاني : وهو قول الفراء أنه خبر ما لم يسم فاعله، كقولهم : أعطى زيد مالا والثالث : على التفسير والرابع : بإضمار أي فصوموا أياما. 
المسألة الثانية : اختلفوا في هذه الأيام على قولين : الأول : أنها غير رمضان، وهو قول معاذ وقتادة وعطاء، ورواه عن ابن عباس، ثم اختلف هؤلاء فقيل : ثلاثة أيام من كل شهر، عن عطاء، وقيل : ثلاثة أيام من كل شهر، وصوم يوم عاشوراء، عن قتادة، ثم اختلفوا أيضا فقال بعضهم : إنه كان تطوعا ثم فرض، وقيل : بل كان واجبا واتفق هؤلاء على أنه منسوخ بصوم رمضان، واحتج القائلون بأن المراد بهذه الأيام غير صوم رمضان بوجوه الأول : ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن صوم رمضان نسخ كل صوم، فدل هذا على أن قبل وجوب رمضان كان صوما آخر واجبا الثاني : أنه تعالى ذكر حكم المريض والمسافر في هذه الآية، ثم ذكر حكمهما أيضا في الآية التي بعد هذه الآية الدالة على صوم رمضان، فلو كان هذا الصوم هو صوم رمضان، لكان ذلك تكريرا محضا من غير فائدة وأنه لا يجوز الثالث : أن قوله تعالى في هذا الموضع : وعلى الذين يطيقونه فدية  يدل على أن الصوم واجب على التخيير، يعني : إن شاء صام، وإن شاء أعطى الفدية، وأما صوم رمضان فإنه واجب على التعيين، فوجب أن يكون صوم هذه الأيام غير صوم رمضان. 
القول الثاني : وهو اختيار أكثر المحققين، كابن عباس والحسن وأبي مسلم أن المراد بهذه الأيام المعدودات : شهر رمضان قالوا، وتقريره أنه تعالى قال أولا : كتب عليكم الصيام  وهذا محتمل ليوم ويومين وأيام ثم بينه بقوله تعالى : أياما معدودات  فزال بعض الإحتمال ثم بينه بقوله : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن  فعلى هذا الترتيب يمكن جعل الأيام المعدودات بعينها شهر رمضان، وإذا أمكن ذلك فلا وجه لحمله على غيره وإثبات النسخ فيه، لأن كل ذلك زيادة لا يدل اللفظ عليها فلا يجوز القول به. 
أما تمسكهم أولا بقوله عليه السلام :**« إن صوم رمضان نسخ كل صوم »**
فالجواب : أنه ليس في الخبر أنه نسخ عنه وعن أمته كل صوم فلم لا يجوز أن يكون المراد أنه نسخ كل صوم واجب في الشرائع المتقدمة، لأنه كما يصح أن يكون بعض شرعه ناسخا للبعض، فيصح أن يكون شرعه ناسخا لشرع غيره. 
سلمنا أن هذا الخبر يقتضي أن يكون صوم رمضان نسخ صوما ثبت في شرعه، ولكن لم لا يجوز أن يكون ناسخا لصيام وجب بغير هذه الآية فمن أين لنا أن المراد بهذه الآية غير شهر رمضان. 
وأما حجتهم الثانية : وهي أن هذه الأيام لو كانت هي شهر رمضان، لكان حكم المريض والمسافر مكررا. 
فالجواب : أن في الابتداء كان صوم شهر رمضان ليس بواجب معين، بل كان التخيير ثابتا بينه وبين الفدية، فلما كان كذلك ورخص للمسافر الفطر كان من الجائز أن يظن أن الواجب عليه الفدية دون القضاء، ويجوز أيضا أنه لا فدية عليه ولا قضاء لمكان المشقة التي يفارق بها المقيم، فلما لم يكن ذلك بعيدا بين تعالى أن إفطار المسافر والمريض في الحكم خلاف التخيير في حكم المقيم، فإنه يجب عليهما القضاء في عدة من أيام أخر، فلما نسخ الله تعالى ذلك عن المقيم الصحيح وألزمه بالصوم حتما، كان من الجائز أن يظن أن حكم الصوم لما انتقل عن التخيير إلى التضييق حكم يعم الكل حتى يكون المريض والمسافر فيه بمنزلة المقيم الصحيح من حيث تغير حكم الله في الصوم، فبين تعالى أن حال المريض والمسافر ثابت في رخصة الإفطار ووجوب القضاء كحالها أولا، فهذا هو الفائدة في إعادة ذكر حكم المسافر والمريض، لا لأن الأيام المعدودات سوى شهر رمضان. 
وأما حجتهم الثالثة : وهي قولهم صوم هذه الأيام واجب مخير، وصوم شهر رمضان واجب معين. 
فجوابه ما ذكرنا من أن صوم شهر رمضان كان واجبا مخيرا، ثم صار معينا، فهذا تقرير هذا القول، واعلم أن على كلا القولين لا بد من تطرق النسخ إلى هذه الآية، أما على القول الأول فظاهر، وأما على القول الثاني فلأن هذه الآية تقتضي أن يكون صوم رمضان واجبا مخيرا والآية التي بعدها تدل على التعيين، فكانت الآية الثانية ناسخة لحكم هذه الآية، وفيه إشكال وهو أنه كيف يصح أن يكون قوله : فمن شهد منكم الشهر فليصمه  ناسخا للتخيير مع اتصاله بالمنسوخ وذلك لا يصح. 
وجوابه : أن الاتصال في التلاوة لا يوجب الاتصال في النزول وهذا كما قاله الفقهاء في عدة المتوفي عنها زوجها أن المقدم في التلاوة وهو الناسخ والمنسوخ متأخر وهذا ضد ما يجب أن يكون عليه حال الناسخ والمنسوخ فقالوا : إن ذلك في التلاوة أما في الإنزال فكان الاعتداد بالحول هو المتقدم والآية الدالة على أربعة أشهر وعشر هي المتأخرة فصح كونها ناسخة وكذلك نجد في القرآن آية مكية متأخرة في التلاوة عن الآية المدنية وذلك كثير. 
المسألة الثالثة : في قوله : معدودات  وجهان أحدهما : مقدرات بعدد معلوم وثانيهما : قلائل كقوله تعالى : دراهم معدودة  وأصله أن المال القليل يقدر بالعدد ويحتاط في معرفة تقديره، وأما الكثير فإنه يصب صبا ويحثى حثيا والمقصود من هذا الكلام كأنه سبحانه يقول : إني رحمتكم وخففت عنكم حين لم أفرض عليكم صيام الدهر كله، ولا صيام أكثره، ولو شئت لفعلت ذلك ولكني رحمتكم وما أوجبت الصوم عليكم إلا في أيام قليلة، وقال بعض المحققين : يجوز أن يكون قوله : أياما معدودات  من صلة قوله :
 كما كتب على الذين من قبلكم  وتكون المماثلة واقعة بين الفرضين من هذا الوجه، وهو تعليق الصوم بمدة غير متطاولة وإن اختلفت المدتان في الطول والقصر، ويكون المراد ما ذكرناه من تعريفه سبحانه إيانا أن فرض الصوم علينا وعلى من قبلنا ما كان إلا مدة قليلة لا تشتد مشقتها، فكان هذا بيانا لكونه تعالى رحيما بجميع الأمم، ومسهلا أمر التكاليف على كل الأمم. 
أما قوله تعالى : فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر  فالمراد منه أن فرض الصوم في الأيام المعدودات إنما يلزم الأصحاء المقيمين فأما من كان مريضا أو مسافرا فله تأخير الصوم عن هذه الأيام إلى أيام أخر قال القفال رحمه الله : انظروا إلى عجيب ما نبه الله عليه من سعة فضله ورحمته في هذا التكليف، وأنه تعالى بين في أول الآية أن لهذه الأمة في هذا التكليف أسوة بالأمة المتقدمة والغرض منه ما ذكرنا أن الأمور الشاقة إذا عمت خفت، ثم ثانيا بين وجه الحكمة في إيجاب الصوم، وهو أنه سبب لحصول التقوى، فلو لم يفرض الصوم لفات هذا المقصود الشريف، ثم ثالثا : بين أنه مختص بأيام معدودة، فإنه لو جعله أبدا أو في أكثر الأوقات لحصلت المشقة العظيمة ثم بين رابعا : أنه خصه من الأوقات بالشهر الذي أنزل فيه القرآن لكونه أشرف الشهور بسبب هذه الفضيلة، ثم بين خامسا : إزالة المشقة في إلزامه فأباح تأخيره لمن شق عليه من المسافرين والمرضى إلى أن يصيروا إلى الرفاهية والسكون، فهو سبحانه راعى في إيجاب الصوم هذه الوجوه من الرحمة فله الحمد على نعمه كثيرا، إذا عرفت هذا فنقول في الآية مسائل :
المسألة الأولى : قوله تعالى : فمن كان منكم مريضا  إلى قوله : أخر  فيه معنى الشرط والجزاء أي من يكن منكم مريضا أو مسافرا فأفطر فليقض، وإذا قدرت فيه معنى الشرط كان المراد بقوله كان الاستقبال لا الماضي، كما تقول : من أتاني أتيته. 
المسألة الثانية : المرض عبارة عن عدم اختصاص جميع أعضاء الحي بالحالة المقتضية لصدور أفعاله سليمة سلامة تليق به، واختلفوا في المرض المبيح للفطر على ثلاثة أقوال أحدها : أن أي مريض كان، وأي مسافر كان، فله أن يترخص تنزيلا للفظه المطلق على أقل أحواله، وهذا قول الحسن وابن سيرين، يروى أنهم دخلوا على ابن سيرين في رمضان وهو يأكل، فاعتل بوجع أصبعه وثانيها : أن هذه الرخصة مختصة بالمريض الذي لو صام لوقع في مشقة وجهد، وبالمسافر الذي يكون كذلك، وهذا قول الأصم، وحاصله تنزيل اللفظ المطلق على أكمل الأحوال وثالثها : وهو قول أكثر الفقهاء : أن المرض المبيح للفطر هو الذي يؤدي إلى ضرر النفس أو زيادة في العلة، إذ لا فرق في الفعل بين ما يخاف منه وبين ما يؤدي إلى ما يخاف منه كالمحموم إذا خاف أنه لو صام تشتد حماه، وصاحب وجع العين يخاف إن صام أن يشتد وجع عينه، قالوا : وكيف يمكن أن يقال كل مرض مرخص مع علمنا أن في الأمراض ما ينقصه الصوم، فالمراد إذن منه ما يؤثر الصوم في تقويته، ثم تأثيره في الأمر اليسير لا عبرة به، لأن ذل قد يحصل فيمن ليس بمريض أيضا، فإذن يجب في تأثيره ما ذكرناه. 
المسألة الثالثة : أصل السفر من الكشف وذلك أنه يكشف عن أحوال الرجال وأخلاقهم والمسفرة المكنسة، لأنها تسفر التراب عن الأرض، والسفير الداخل بين اثنين للصلح، لأنه يكشف المكروه الذي اتصل بهما، والمسفر المضيء، لأنه قد انكشف وظهر ومنه أسفر الصبح والسفر الكتاب، لأنه يكشف عن المعاني ببيانه، وأسفرت المرأة عن وجهها إذا كشفت النقاب، قال الأزهري : وسمي المسافر مسافرا لكشف قناع الكن عن وجهه وبروزه للأرض الفضاء، وسمي السفر سفرا لأنه يسفر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم، ويظهر ما كان خافيا منهم، واختلف الفقهاء في قدر السفر المبيح للرخص، فقال داود : الرخص حاصلة في كل سفر ولو كان السفر فرسخا، وتمسك فيه بأن الحكم لما كان معلقا على كونه مسافرا، فحيث تحقق هذا المعنى حصل هذا الحكم أقصى ما في الباب أنه يروي خبر واحد في تخصيص هذا العموم، لكن تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد غير جائز، وقال الأوزاعي : السفر المبيح مسافة يوم : وذلك لأن أقل من هذا القدر قد يتفق للمقيم، وأما الأكثر فليس عدد أولى من عدد، فوجب الاقتصار على الواحد، ومذهب الشافعي أنه مقدر بستة عشر فرسخا، ولا يحسب منه مسافة الإياب، كل فرسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم جد الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الذي قدر أميال البادية، كل ميل اثنا عشر ألف قدم وهي أربعة آلاف خطوة، فإن كل ثلاث أقدام خطوة، وهذا مذهب مالك وأحمد وإسحق وقال أبو حنيفة والثوري : رخص السفر لا تحصل إلا في ثلاث مراحل أربعة وعشرين فرسخا، حجة الشافعي وجهان الأول : قوله تعالى : فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر  مقتضاه أن يترخص المسافر مطلقا ترك العمل به فيما إذا كان السفر مرحلة واحدة لأن تعب اليوم الواحد يسهل تحمله، أما إذا تكرر التعب في اليومين فإنه يشق تحمله فيناسب الرخصة تحصيلا لهذا التخفيف. 
الحجة الثانية : من الخبر : وهو ما رواه الشافعي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان، قال أهل اللغة : وكل بريد أربعة فراسخ فيكون مجموعه ستة عشر فرسخا، وروي عن الشافعي أيضا أن عطاء قال لابن عباس : أقصر إلى

### الآية 2:185

> ﻿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [2:185]

قوله تعالى : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون  فيه مسائل :
المسألة الأولى : الشهر مأخوذ من الشهرة يقال، شهر الشيء يشهر شهرة وشهرا إذا ظهر، وسمي الشهر شهرا لشهرة أمره وذلك لأن حاجات الناس ماسة إلى معرفته بسبب أوقات ديونهم، وقضاء نسكهم في صومهم وحجهم، والشهرة ظهور الشيء وسمي الهلال شهرا لشهرته وبيانه قال بعضهم سمي الشهر شهرا باسم الهلال. 
المسألة الثانية : اختلفوا في رمضان على وجوه أحدها : قال مجاهد : إنه اسم الله تعالى، ومعنى قول القائل : شهر رمضان أي شهر الله وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**« لا تقولوا جاء رمضان وذهب رمضان ولكن قولوا : جاء شهر رمضان وذهب شهر رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى »**. 
القول الثاني : أنه اسم للشهر كشهر رجب وشعبان، ثم اختلفوا في اشتقاقه على وجوه الأول : ما نقل عن الخليل أنه من الرمضاء بسكون الميم، وهو مطر يأتي قبل الخريف يطهر وجه الأرض عن الغبار والمعنى فيه أنه كما يغسل ذلك المطروحة الأرض ويطهرها فكذلك شهر رمضان يغسل أبدان هذه الأمة من الذنوب ويطهر قلوبهم الثاني : أنه مأخوذ من الرمض وهو حر الحجارة من شدة حر الشمس، والإسم الرمضاء، فسمي هذا الشهر بهذا الإسم إما لارتماضهم في هذا الشهر من حر الجوع أو مقاساة شدته، كما سموه تابعا لأنه كان يتبعهم أي يزعجهم لشدته عليهم، وقيل : لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر، وقيل : سمي بهذا الإسم يرمض الذنوب أي يحرقها، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :**« إنما سمي رمضان لأنه يرمض ذنوب عباد الله »** الثالث : أن هذا الاسم مأخوذ من قولهم : رمضت النصل أرمضه رمضا إذا دفعته بين حجرين ليرق، ونصل رميض ومرموض، فسمي هذا الشهر : رمضان، لأنهم كانوا يرمضون فيه أسلحتهم ليقضوا منها أوطارهم، وهذا القول يحكى عن الأزهري الرابع : لو صح قولهم : إن رمضان اسم الله تعالى، وهذا الشهر أيضا سمي بهذا الإسم، فالمعنى أن الذنوب تتلاشى في جنب رحمة الله حتى كأنها احترقت، وهذا الشهر أيضا رمضان بمعنى أن الذنوب تحترق في جنب بركته. 
المسألة الثالثة : قرئ  شهر  بالرفع وبالنصب، أما الرفع ففيه وجوه أحدها : وهو قول الكسائي أنه ارتفع على البدل من الصيام، والمعنى : كتب عليكم شهر رمضان والثاني : وهو قول الفراء والأخفش أنه خبر مبتدأ محذوف بدل من قوله : أياما  كأنه قيل : هي شهر رمضان، لأن قوله : شهر رمضان  تفسير للأيام المعدودات وتبيين لها الثالث : قال أبو علي : إن شئت جعلته مبتدأ محذوف الخبر، كأنه لما تقدم  كتب عليكم الصيام  قيل فيما كتب عليكم من الصيام شهر رمضان أي صيامه الرابع : قال بعضهم : يجوز أن يكون بمبتدأ وخبره  الذي  مع صلته كقوله زيد الذي في الدار، قال أبو علي : والأشبه أن يكون  الذي  وصفا ليكون لفظ القرآن نصا في الأمر بصوم الشهر، لأنك إن جعلته خبرا لم يكن شهر رمضان منصوصا على صومه بهذا اللفظ، إنما يكون مخبرا عنه بإنزال القرآن فيه، وأيضا إذا جعلت  الذي  وصفا كان حق النظم أن يكنى عن الشهر لا أن يظهر كقولك : شهر رمضان المبارك من شهده فليصمه وأما قراءة النصب ففيها وجوه أحدها : التقدير : صوموا شهر رمضان وثانيها : على الإبدال من أيام معدودات وثالثها : أنه مفعول  وأن تصوموا  وهذا الوجه ذكره صاحب **«الكشاف »** واعترض عليه بأن قيل : فعلى هذا التقدير يصير النظم : وأن تصوموا رمضان الذي أنزل فيه القرآن خير لكم، وهذا يقتضي وقوع الفصل بين المبتدأ والخبر بهذا الكلام الكثير وهو غير جائز لأن المبتدأ والخبر جاريان مجرى الشيء الواحد وإيقاع الفصل بين الشيء وبين نفسه غير جائز. 
أما قوله : أنزل فيه القرآن  اعلم أنه تعالى لما خص هذا الشهر بهذه العبادة بين العلة لهذا التخصيص، وذلك هو أن الله سبحانه خصه بأعظم آيات الربوبية، وهو أنه أنزل فيه القرآن، فلا يبعد أيضا تخصيصه بنوع عظيم من آيات العبودية وهو الصوم، مما يحقق ذلك أن الأنوار الصمدية متجلية أبدا يمتنع عليها الإخفاء والاحتجاب إلا أن العلائق البشرية مانعة من ظهورها في الأرواح البشرية والصوم أقوى الأسباب في إزالة العلائق البشرية ولذلك فإن أرباب المكاشفات لا سبيل لهم إلى التوصل إليها إلا بالصوم، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام :" لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات " فثبت أن بين الصوم وبين نزول القرآن مناسبة عظيمة فلما كان هذا الشهر مختصا بنزول القرآن، وجب أن يكون مختصا بالصوم، وفي هذا الموضع أسرار كثيرة والقدر الذي أشرنا إليه كاف ههنا، ثم ههنا مسائل :
المسألة الأولى : قوله تعالى : أنزل فيه القرآن  في تفسيره قولان الأول : وهو اختيار الجمهور : أن الله تعالى أنزل القرآن في رمضان عن النبي صلى الله عليه وسلم :" نزل صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين والإنجيل لثلاث عشر والقرآن لأربع وعشرين " وههنا سؤلات :
السؤال الأول : أن القرآن ما نزل على محمد عليه الصلاة والسلام دفعة، وإنما نزل عليه في مدة ثلاث وعشرين سنة منجما مبعضا، وكما نزل بعضه في رمضان نزل بعضه في سائر الشهور، فما معنى تخصيص إنزاله برمضان. 
والجواب عنه من وجهين الأول : أن القرآن أنزل في ليلة القدر جملة إلى سماء الدنيا، ثم نزل إلى الأرض نجوما، وإنما جرت الحال على هذا الوجه لما علمه تعالى من المصلحة على هذا الوجه فإنه لا يبعد أن يكون للملائكة الذين هم سكان سماء الدنيا مصلحة في إنزال ذلك إليهم أو كان في المعلوم أن في ذلك مصلحة للرسول عليه السلام في توقع الوحي من أقرب الجهات، أو كان فيه مصلحة لجبريل عليه السلام، لأنه كان هو المأمور بإنزاله وتأديته، أما الحكمة في إنزال القرآن على الرسول منجما مفرقا فقد شرحناها في سورة الفرقان في تفسير قوله تعالى : وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك . 
الجواب الثاني عن هذا السؤال : أن المراد منه أنه ابتدئ إنزاله ليلة القدر من شهر رمضان وهو قول محمد بن إسحاق وذلك لأن مبادئ الملل والدول هي التي يؤرخ بها لكونها أشرف الأوقات ولأنها أيضا أوقات مضبوطة معلومة. 
واعلم أن الجواب الأول لا يحتاج فيه إلى تحمل شيء من المجاز وههنا يحتاج فإنه لا بد على هذا الجواب من حمل القرآن على بعض أجزائه وأقسامه. 
السؤال الثاني : كيف الجمع بين هذه الآية على هذا القول، وبين قوله تعالى : إنا أنزلناه في ليلة القدر  وبين قوله : إنا أنزلناه في ليلة مباركة . 
والجواب : روي أن ابن عمر استدل بهذه الآية وبقوله : إنا أنزلناه في ليلة القدر  أن ليلة القدر لا بد وأن تكون في رمضان، وذلك لأن ليلة القدر إذا كانت في رمضان كان إنزاله في ليلة القدر إنزالا له في رمضان، وهذا كمن يقول : لقيت فلانا في هذا الشهر فيقال له. في أي يوم منه فيقول يوم كذا فيكون ذلك تفسيرا للكلام الأول فكذا ههنا. 
السؤال الثالث : أن القرآن على هذا القول يحتمل أن يقال : إن الله تعالى أنزل كل القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ثم أنزله إلى محمد صلى الله عليه وسلم منجما إلى آخر عمره، ويحتمل أيضا أن يقال : إنه سبحانه كان ينزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا من القرآن ما يعلم أن محمدا عليه السلام وأمته يحتاجون إليه في تلك السنة ثم ينزله على الرسول على قدر الحاجة ثم كذلك أبدا ما دام فأيهما أقرب إلى الصواب. 
الجواب : كلاهما محتمل، وذلك لأن قوله : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن  يحتمل أن يكون المراد منه الشخص، وهو رمضان معين، وأن يكون المراد منه النوع، وإذا كان كل واحد منهما محتملا صالحا وجب التوقف. 
القول الثاني : في تفسير قوله : أنزل فيه القرآن  قال سفيان بن عيينة : أنزل فيه القرآن معناه أنزل في فضله القرآن، وهذا اختيار الحسين بن الفضل قال : ومثله أن يقال : أنزل في الصديق كذا آية : يريدون في فضله قال ابن الأنباري : أنزل في إيجاب صومه على الخلق القرآن، كما يقول : أنزل الله في الزكاة كذا وكذا يريد في إيجابها وأنزل في الخمر كذا يريد في تحريمها. 
المسألة الثانية : القرآن اسم لما بين الدفتين من كلام الله، واختلفوا في اشتقاقه، فروى الواحدي في **«البسيط »** عن محمد بن عبد الله بن الحكم أن الشافعي رضي الله عنه كان يقول : إن القرآن اسم وليس بمهموز ولم يؤخذ من قرأت ولكنه اسم لكتاب الله مثل التوراة والإنجيل، قال ويهمز قراءة ولا يهمز القرآن كما يقول : وإذا قرأت القرآن  قال الواحدي : وقول الشافعي أنه اسم لكتاب الله يشبه أنه ذهب إلى أنه غير مشتق، وذهب آخرون إلى أنه مشتق، واعلم أن القائلين بهذا القول منهم من لا يهمزه ومنهم من يهمزه، أما الأولون فلهم فيه اشتقاقان أحدهما : أنه مأخوذ من قرنت الشيء بالشيء إذا ضممت أحدهما إلى الآخر، فهو مشتق من قرن والإسم قران غير مهموز، فسمي القرآن قرآنا إما لأن ما فيه من السور والآيات والحروف يقترن بعضها ببعض، أو لأن ما فيه من الحكم والشرائع مقترن بعضها ببعض، أو لأن ما فيه من الدلائل الدالة على كونه من عند الله مقترن بعضها ببعض، أعني اشتماله على جهات الفصاحة وعلى الأسلوب الغريب، وعلى الأخبار عن المغيبات، وعلى العلوم الكثيرة، فعلى هذا التقدير هو مشتق من قرن والإسم قران غير مهموز وثانيهما : قال الفراء : أظن أن القرآن سمي من القرائن، وذلك لأن الآيات يصدق بعضها بعضا على ما قال تعالى : ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا  فهي قرائن، وأما الذين همزوا فلهم وجوه أحدها : أنه مصدر القراءة يقال : قرأت القرآن فأنا أقرؤه قرأ وقراءة وقرآنا، فهو مصدر، ومثل القرآن من المصادر : الرجحان والنقصان والخسران والغفران، قال الشاعر :
ضحوا بأشمط عنوان السجود به \*\*\* يقطع الليل تسبيحا وقرآنا
أي قراءة، وقال الله سبحانه وتعالى : إن قرآن الفجر كان مشهودا  هذا هو الأصل، ثم إن المقروء يسمى قرآنا، لأن المفعول يسمى بالمصدر كما قالوا للمشرب : شراب وللمكتوب كتاب، واشتهر هذا الإسم في العرف حتى جعلوه اسما لكلام الله تعالى وثانيها : قال الزجاج وأبو عبيدة : إنه مأخوذ من القرء وهو الجمع، قال عمرو :
هجان اللون لم تقرأ جنينا \*\*\*. . . 
أي لم تجمع في رحمها ولدا، ومن هذا الأصل : قرء المرأة وهو أيام اجتماع الدم في رحمها، فسمي القرآن قرآنا، لأنه يجمع السور ويضمها وثالثها : قول قطرب وهو أنه سمي قرآنا، لأن القارئ يكتبه، وعند القراءة كأنه يلقيه من فيه أخذا من قول العرب : ما قرأت الناقة سلي قط، أي ما رمت بولد وما أسقطت ولدا قط وما طرحت، وسمي الحيض، قرأ لهذا التأويل، فالقرآن يلفظه القارئ من فيه ويلقيه فسمي قرآنا. 
المسألة الثالثة : قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى :{ وإن كنتم في ر

### الآية 2:186

> ﻿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [2:186]

قوله عز وجل : وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون  في الآية مسائل :
المسألة الأولى : في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه الأول : أنه تعالى لما قال بعض إيجاب فرض الصوم وبيان أحكامه : ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون  فأمر العبد بعد التكبير الذي هو الذكر وبالشكر، بين أنه سبحانه بلطفه ورحمته قريب من العبد مطلع على ذكره وشكره فيسمع نداءه، ويجيب دعاءه، ولا يخيب رجاءه والثاني : أنه أمر بالتكبير أولا ثم رغبه في الدعاء ثانيا، تنبيها على أن الدعاء لا بد وأن يكون مسبوقا بالثناء الجميل، ألا ترى أن الخليل عليه السلام لما أراد الدعاء قدم عليه الثناء، فقال أولا : الذي خلقني فهو يهدين  إلى قوله : والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين  وكل هذا ثناء منه على الله تعالى ثم شرع بعده في الدعاء فقال : رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين  فكذا ههنا أمر بالتكبير أولا ثم شرع بعده في الدعاء ثانيا والثالث : إن الله تعالى لما فرض عليهم الصيام كما فرض على الذين من قبلهم، وكان ذلك على أنهم إذا ناموا حرم عليهم ما يحرم على الصائم، فشق ذلك على بعضهم حتى عصوا الله في ذلك التكليف، ثم ندموا وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن توبتهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية مخبرا لهم بقبول توبتهم، ونسخ ذلك التشديد بسبب دعائهم وتضرعهم. 
المسألة الثانية : ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوها أحدها : ما روي عن كعب أنه قال، قال موسى عليه السلام : يا رب أقريب أنت فأناجيك، أم بعيد فأناديك ؟ فقال : يا موسى أنا جليس من ذكرني، قال : يا رب فإنا نكون على حالة نجلك أن نذكرك عليها من جنابة وغائط، قال : يا موسى اذكرني على كل حال، فلما كان الأمر على هذه الصفة رغب الله تعالى عباده في ذكره وفي الرجوع إليه في جميع الأحوال، فأنزل الله تعالى هذه الآية وثانيها : أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية وثالثها : أنه عليه السلام كان في غزوة وقد رفع أصحابه أصواتهم بالتكبير والتهليل والدعاء، فقال عليه السلام :**« إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا قريبا »** ورابعها : ما روي عن قتادة وغيره أن سببه أن الصحابة قالوا : كيف ندعو ربنا يا نبي الله ؟ فأنزل هذه الآية وخامسها : قال عطاء وغيره : إنهم سألوه في أي ساعة ندعو الله ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية وسادسها : ما ذكره ابن عباس، وهو أن يهود أهل المدينة قالوا : يا محمد كيف يسمع ربك دعاءنا ؟ فنزلت هذه الآية وسابعها : قال الحسن : سأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : أين ربنا ؟ فأنزل الله هذه الآية وثامنها : ما ذكرنا أن قوله : كما كتب على الذين من قبلكم  لما اقتضى تحريم الأكل بعد النوم، ثم إنهم أكلوا ثم ندموا وتابوا وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم أنه تعالى هل يقبل توبتنا ؟ فأنزل الله هذه الآية. 
واعلم أن قوله : وإذا سألك عبادي عني فإني قريب  يدل على أنهم سألوا النبي عليه السلام عن الله تعالى، فذلك السؤال إما أنه كان سؤالا عن ذات الله تعالى، أو عن صفاته، أو عن أفعاله، أما السؤال عن الذات فهو أن يكون السائل ممن يجوز التشبيه، فيسأل عن القرب والبعد بحسب الذات، وأما السؤال عن الصفات فهو أن يكون السائل سأل عن أنه تعالى هل يسمع دعاءنا فيكون السؤال واقعا على كونه تعالى سميعا، أو يكون المقصود من السؤال أنه تعالى كيف أذن في الدعاء، وهل أذن في الدعاء، وهل أذن في أن ندعوه بجميع الأسماء، أو ما أذن إلا بأن ندعوه بأسماء معينة، وهل أذن لنا أن ندعوه كيف شئنا، أو ما أذن بأن ندعوه على وجه معين، كما قال تعالى : ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها  وأما السؤال عن الأفعال فهو أن يكون السائل سأل الله تعالى أنه إذا سمع دعاءنا فهل يجيبنا إلى مطلوبنا، وهل يفعل ما نسأله عنه فقوله سبحانه : وإذا سألك عبادي عني  يحتمل كل هذه الوجوه، إلا أن حمله على السؤال عن الذات أولى لوجهين الأول : أن ظاهر قوله : عني  يدل على أن السؤال وقع عن ذاته لا عن فعله والثاني أن السؤال متى كان مبهما والجواب مفصلا، دل الجواب على أن المراد من ذلك المبهم هو ذلك المعين، فلما قال في الجواب : فإني قريب  علمنا أن السؤال كان عن القرب والبعد بحسب الذات، ولقائل أيضا أن يقول بل السؤال كان على الفعل، وهو أنه تعالى هل يجيب دعاءهم، وهل يحصل مقصود، بدليل أنه لما قال : فإني قريب  قال : أجيب دعوة الداع إذا دعان  فهذا هو شرح هذا المقام. 
أما قوله تعالى : فإني قريب  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه ليس المراد من هذا القريب بالجهة والمكان، بل المراد منه القرب بالعلم والحفظ، فيحتاج ههنا إلى بيان مطلوبين :
المطلوب الأول : في بيان أن هذا القريب ليس قربا بحسب المكان، ويدل عليه وجوه الأول : أنه لو كان في المكان مشارا إليه بالحس لكان منقسما، إذ يمتنع أن يكون في الصغر والحقارة مثل الجوهر الفرد. ولو كان منقسما لكانت ماهيته مفتقرة في تحققها إلى تحقق كل واحد من أجزائها المفروضة وجزء الشيء غيره، فلو كان في مكان لكان مفتقرا إلى غيره، والمفتقر إلى غيره ممكن لذاته ومحدث ومفتقر إلى الخالق، وذلك في حق الخالق القديم محال، فثبت أنه تعالى يمتنع أن يكون في المكان فلا يكون قربه بالمكان والثاني : أنه لو كان في المكان لكان إما أن يكون غير متناه عن جميع الجهات، أو غير متناه عن جهة دون جهة، أو كان متناهيا من كل الجوانب والأول : محال لأن البراهين القاطعة دلت على أن فرض بعد غير متناه محال والثاني : محال أيضا لهذا الوجه، ولأنه لو كان أحد الجانبين متناهيا والآخر غير متناه لكانت حقيقة هذا الجانب المتناهي مخالفة في الماهية لحقيقة ذلك الجانب الذي هو غير متناه، فيلزم منه كونه تعالى مركبا من أجزاء مختلفة الطبائع والخصم لا يقول بذلك. 
وأما القسم الثالث : وهو أن يكون متناهيا من كل الجوانب، فذلك باطل بالاتفاق بيننا وبين خصومنا، فبطل القول بأنه تعالى في الجهة الثالث : وهو أن هذه الآية من أقوى الدلائل على أن القرب المذكور في هذه الآية ليس قربا بالجهة، وذلك لأنه تعالى لو كان في المكان لما كان قريبا من الكل، بل كان يكون قريبا من حملة العرش وبعيدا من غيرهم، ولكان إذا كان قريبا من زيد الذي هو بالمشرق كان بعيدا من عمرو الذي هو بالمغرب، فلما دلت الآية على كونه تعالى قريبا من الكل علمنا أن القرب المذكور في هذه الآية ليس قربا بحسب الجهة، ولما بطل أن يكون المراد منه القرب بالجهة ثبت أن المراد منه القرب بمعنى أنه تعالى يسمع دعاءهم ويرى تضرعهم، أو المراد من هذا القرب : العلم والحفظ وعلى هذا الوجه قال تعالى : وهو معكم أينما كنتم  وقال : ونحن أقرب إليه من حبل الوريد  وقال : ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم  والمسلمون يقولون إنه تعالى بكل مكان ويريدون به التدبير والحفظ والحراسة إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : لا يبعد أن يقال إنه كان في بعض أولئك الحاضرين من كان قائلا بالتشبيه، فقد كان في مشركي العرب وفي اليهود وغيرهم من هذه طريقته، فإذا سألوه عليه الصلاة والسلام فقالوا : أين ربنا ؟ صح أن يكون الجواب : فإني قريب، وكذلك إن سألوه عليه الصلاة والسلام فقالوا : هل يسمع ربنا دعاءنا ؟ صح أن يقول في جوابه : فإني قريب فإن القريب من المتكلم يسمع كلامه، وإن سألوه كيف تدعوه برفع الصوت أو بإخفائه ؟ صح أن يجيب بقوله : فإني قريب، وإن سألوه هل يعطينا مطلوبنا بالدعاء ؟ صلح هذا الجواب أيضا، وإن سألوه إنا إذا أذنبنا ثم تبنا فهل يقبل الله توبتنا ؟ صلح أن يجيب بقوله : فإني قريب أي فأنا القريب بالنظر لهم والتجاوز عنهم وقبول التوبة منهم، فثبت أن هذا الجواب مطابق للسؤال على جميع التقديرات. 
المسألة الثانية : الآية تدل على أنه إنما يعرف بحدوث تلك الأشياء على وفق غرض الداعي فدل على أنه لولا مدبر لهذا العالم يسمع دعاءه ولم يخيب رجاءه وإلا لما حصل ذلك المقصود في ذلك الوقت. 
واعلم أن قوله تعالى : فإني قريب  فيه سر عقلي وذلك لأن اتصاف ماهيات الممكنات بوجوداتها إنما كان بإيجاد الصانع، فكان إيجاد الصانع كالمتوسط بين ماهيات الممكنات وبين وجوداتها فكان الصانع أقرب إلى ماهية كل ممكن من وجود تلك الماهية إليها، بل ههنا كلام أعلى من ذلك وهو أن الصانع هو الذي لأجله صارت ماهيات الممكنات موجودة فهو أيضا لأجله كان الجوهر جوهرا والسواد سوادا والعقل عقلا والنفس نفسا، فكما أن بتأثيره وتكوينه صارت الماهيات موجودة فكذلك بتأثيره وتكوينه صارت كل ماهية تلك الماهية، فعلى قياس ما سبق كان الصانع أقرب إلى كل ماهية من تلك الماهية إلى نفسها، فإن قيل : تكوين الماهية ممتنع لأنه لا يعقل جعل السواد سوادا فنقول ؛ فكذلك أيضا لا يمكن جعل الوجود وجودا لأنه ماهية، ولا يمكن جعل الموصوفية دالة للماهية فإذن الماهية ليست بالفاعل، والوجود ماهية أيضا فلا يكون بالفاعل، وموصوفية الماهية بالوجود هو أيضا ماهية فلا تكون بالفاعل، فإذن لم يقع شيء البتة بالفاعل، وذلك باطل ظاهر البطلان، فإذن وجب الحكم بأن الكل بالفاعل، وعند ذلك يظهر الكلام الذي قررناه. 
أما قوله تعالى : أجيب دعوة الداع إذا دعان  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو وقالون عن نافع  الداعي إذا دعاني  بإثبات الياء فيهما في الوصل والباقون بحذفها فالأولى على الوصل والثانية على التخفيف. 
المسألة الثانية : قال أبو سليمان الخطابي : الدعاء مصدر من قولك : دعوت الشيء أدعوه دعاء ثم أقاموا المصدر مقام الاسم تقول : سمعت دعاء كما تقول سمعت صوتا وقد يوضع المصدر موضع الاسم كقولهم : رجل عدل. وحقيقة الدعاء استدعاء العبد ربه جل جلاله العناية واستمداده إياه المعونة. وأقول : اختلف الناس في الدعاء، فقال بعض الجهال الدعاء شيء عديم الفائدة، واحتجوا عليه من وجوه أحدها : أن المطلوب بالدعاء إن كان معلوم الوقوع عند الله تعالى كان واجب الوقوع، فلا حاجة إلى الدعاء، وإن كان غير معلوم الوقوع كان ممتنع الوقوع، فلا حاجة أيضا إلى الدعاء وثانيها : أن حدوث الحوادث في هذا العالم لا بد من انتهائها بالآخرة إلى المؤثر القديم الواجب لذاته، وإلا لزم إما التسلسل، وإما الدور وإما وقوع الحادث من غير مؤثر وكل ذلك محال وإذا ثبت وجوب انتهائها بالآخرة إلى المؤثر القديم، فكل ما اقتضى ذلك المؤثر القديم وجوده اقتضاء قديما أزليا كان واجب الوقوع، وكل ما لم يقتض المؤثر القديم وجوده اقتضاء قديما أزليا كان ممتنع الوقوع، ولما ثبتت هذه الأمور في الأزل لم يكن للدعاء البتة أثر، وربما عبروا عن هذا الكلام بأن قالوا : الأقدار سابقة والأقضية متقدمة والدعاء لا يزيد فيها وتركه لا ينقص شيئا منها، فأي فائدة في الدعاء، وقال عليه الصلاة والسلام **« قدر الله المقادير قبل أن يخلق الخلق بكذا وكذا عاما »** وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال :« جف القلم بما

### الآية 2:187

> ﻿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [2:187]

قوله عز وجل : أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك الحدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون  فيه مسائل :
المسألة الأولى : أنه ذهب جمهور المفسرين إلى أن في أول شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، كان الصائم إذا أفطر حل له الأكل والشرب والوقاع بشرط أن لا ينام وأن لا يصلي العشاء الأخيرة فإذا فعل أحدهما حرم عليه هذه الأشياء، ثم إن الله تعالى نسخ ذلك بهذه الآية، وقال أبو مسلم الأصفهاني هذه الحرمة ما كانت ثابتة في شرعنا البتة، بل كانت ثابتة في شرع النصارى، والله تعالى نسخ بهذه الآية ما كان ثابتا في شرعهم، وجرى فيه على مذهبه من أنه لم يقع في شرعنا نسخ البتة، واحتج الجمهور على قولهم بوجوه. 
الحجة الأولى : أن قوله تعالى : كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم  يقتضي تشبيه صومنا بصومهم، وقد كانت هذه الحرمة ثابتة في صومهم، فوجب بحكم هذا التشبيه أن تكون ثابتة أيضا في صومنا، وإذا ثبت أن الحرمة كانت ثابتة في شرعنا، وهذه الآية ناسخة لهذه الحرمة لزم أن تكون هذه الآية ناسخة لحكم كان ثابتا في شرعنا. 
الحجة الثانية : التمسك بقوله تعالى : أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم  ولو كان هذا الحل ثابتا لهذه الأمة من أول الأمر لم يكن لقوله  أحل لكم  فائدة. 
الحجة الثالثة : التمسك بقوله تعالى : علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم  ولو كان ذلك حلالا لهم لما كان بهم حاجة إلى أن يختانون أنفسهم. 
الحجة الرابعة : قوله تعالى : فتاب عليكم وعفا عنكم  ولولا أن ذلك كان محرما عليهم وأنهم أقدموا على المعصية بسبب الإقدام على ذلك الفعل، لما صح قوله : فتاب عليكم وعفا عنكم . 
الحجة الخامسة : قوله تعالى : فالآن باشروهن  ولو كان الحل ثابتا قبل ذلك كما هو الآن لم يكن لقوله : فالآن باشروهن  فائدة. 
الحجة السادسة : هي أن الروايات المنقولة في سبب نزول هذه الآية دالة على أن هذه الحرمة كانت ثابتة في شرعنا، هذا مجموع دلائل القائلين بالنسخ، أجاب أبو مسلم عن هذه الدلائل فقال :
أما الحجة الأولى : فضعيفة لأنا بينا أن تشبيه الصوم بالصوم يكفي في صدقة مشابهتهما في أصل الوجوب. 
وأما الحجة الثانية : فضعيفة أيضا لأنا نسلم أن هذه الحرمة كانت ثابتة في شرع من قبلنا، فقوله : أحل لكم  معناه أن الذي كان محرما على غيركم فقد أحل لكم. 
وأما الحجة الثالثة : فضعيفة أيضا، وذلك لأن تلك الحرمة كانت ثابتة في شرع عيسى عليه السلام، وأن الله تعالى أوجب علينا الصوم، ولم يبين في ذلك الإيجاب زوال تلك الحرمة فكان يخطر ببالهم أن تلك الحرمة كانت ثابتة في الشرع المتقدم، ولم يوجد في شرعنا ما دل على زوالها فوجب القول ببقائها، ثم تأكد هذا الوهم بقوله تعالى : كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم  فإن مقتضى التشبيه حصول المشابهة في كل الأمور، فلما كانت هذه الحرمة ثابتة في الشرع المتقدم وجب أن تكون ثابتة في هذا الشرع، وإن لم تكن حجة قوية إلا أنها لا أقل من أن تكون شبهة موهمة فلأجل هذه الأسباب كانوا يعتقدون بقاء تلك الحرمة في شرعنا، فلا جرم شددوا وأمسكوا عن هذه الأمور فقال الله تعالى : علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم  وأراد به تعالى النظر للمؤمنين بالتخفيف لهم بما لو لم تتبين الرخصة فيه لشددوا وأمسكوا عن هذه الأمور ونقصوا أنفسهم من الشهوة، ومنعوها من المراد، وأصل الخيانة النقص، وخان واختان وتخون بمعنى واحد كقولهم : كسب واكتسب وتكسب، فالمراد من الآية : علم الله أنه لو لم يتبين لكم إحلال الأكل والشرب والمباشرة طول الليل أنكم كنتم تنقصون أنفسكم شهواتها وتمنعونها لذاتها ومصلحتها بالإمساك عن ذلك بعد النوم كسنة النصارى. 
وأما الحجة الرابعة : فضعيفة لأن التوبة من العباد الرجوع إلى الله تعالى بالعبادة ومن الله الرجوع إلى العبد بالرحمة والإحسان، وأما العفو فهو التجاوز فبين الله تعالى إنعامه علينا بتخفيف ما جعله ثقيلا على من قبلنا كقوله : ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم . 
وأما الحجة الخامسة : فضعيفة لأنهم كانوا بسبب تلك الشبهة ممتنعين عن المباشرة، فلما بين الله تعالى ذلك وأزال الشبهة فيه لا جرم قال : فالآن باشروهن . 
وأما الحجة السادسة : فضعيفة لأن قولنا : هذه الآية ناسخة لحكم كان مشروعا لا تعلق له بباب العمل ولا يكون خبر الواحد حجة فيه، وأيضا ففي الآية ما يدل على ضعف هذه الروايات لأن المذكور في تلك الروايات أن القوم اعترفوا بما فعلوا عند الرسول، وذلك على خلاف قول الله تعالى : علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم  لأن ظاهره هو المباشرة، لأنه افتعال من الخيانة، فهذا حاصل الكلام في هذه المسألة. 
المسألة الثانية : القائلون بأن هذه الحرمة كانت ثابتة في شرعنا، ثم إنها نسخت ذكروا في سبب نزول هذه الآية أنه كان في أول الشريعة يحل الأكل والشرب والجماع، ما لم يرقد الرجل أو يصل العشاء الآخرة، فإذا فعل أحدهما حرم عليه هذه الأشياء إلى الليلة الآتية، فجاء رجل من الأنصار عشية وقد أجهده الصوم، واختلفوا في اسمه، فقال معاذ : اسمه أبو صرمة، وقال البراء : قيس بن صرمة، وقال الكلبي : أبو قيس بن صرمة، وقيل : صرمة بن أنس، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبب ضعفه فقال : يا رسول الله عملت في النخل نهاري أجمع حتى أمسيت فأتيت أهلي لتطعمني شيئا فأبطأت فنمت فأيقظوني، وقد حرم الأكل فقام عمر فقال : يا رسول الله أعتذر إليك من مثله. رجعت إلى أهلي بعدما صليت العشاء الآخرة، فأتيت امرأتي، فقال عليه الصلاة والسلام : لم تكن جديرا بذلك يا عمر ثم قام رجال فاعترفوا بالذي صنعوا فنزل قوله تعالى : أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم . 
المسألة الثالثة : قال صاحب ******«الكشاف »****** : قرئ  أحل لكم ليلة الصيام الرفث  أي أحل الله وقرأ عبد الله  الرفوث . 
المسألة الرابعة : قال الواحدي : ليلة الصيام أراد ليالي الصيام فوقع الواحد موقع الجماعة، ومنه قول العباس بن مرادس :
فقلنا أسلموا إنا أخوكم \*\*\* فقد برئت من الأحسن الصدور
وأقول فيه وجه آخر وهو أنه ليس المراد من  ليلة الصيام  ليلة واحدة بل المراد الإشارة إلى الليلة المضافة إلى هذه الحقيقة. 
المسألة الخامسة : قال الليث : الرفث أصله قول الفحش، وأنشد الزجاج :
ورب أسراب حجيج كظم \*\*\* عن اللغا ورفث التكلم
يقال رفث في كلامه يرفث وأرفث إذا تكلم بالقبيح قال تعالى : فلا رفث ولا فسوق  وعن ابن عباس أنه أنشد وهو محرم :
وهن يمشين بنا هميسا \*\*\* أن يصدق الطير ننك لميسا
فقيل له : أترفث ؟ فقال : إنما الرفث ما كان عند النساء فثبت أن الأصل في الرفث هو قول الفحش ثم جعل ذلك اسما لما يتكلم به عند النساء من معاني الإفضاء، ثم جعل كناية عن الجماع وعن كل ما يتبعه. 
فإن قيل : لم كنى ههنا عن الجماع بلفظ الرفث الدال على معنى القبح بخلاف قوله : وقد أفضى بعضكم إلى بعض، فلما تغشاها، أو لمستم النساء، دخلتم بهن، فأتوا حرثكم، من قبل أن تمسوهن، فما استمتعتم به منهن، ولا تقربوهن . 
جوابه : السبب فيه استهجان ما وجد منهم قبل الإباحة كما سماه اختيانا لأنفسهم، والله اعلم. 
المسألة السادسة : قال الأخفش : إنما عدى الرفث بإلى لتضمنه معنى الإفضاء في قوله : وقد أفضى بعضكم إلى بعض . 
المسألة السابعة : قوله : أحل لكم ليلة الصيام الرفث  يقتضي حصول الحل في جميع الليل لأن  ليلة  نصب على الظرف، وإنما يكون الليل ظرفا للرفث لو كان الليل كله مشغولا بالرفث، وإلا لكان ظرف ذلك الرفث بعض الليل لا كله، فعلى هذا النسخ حصل بهذا اللفظ، وأما الذي بعده في قوله : وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود  فذاك يكون كالتأكيد لهذا النسخ، وأما الذي يقول : إن قوله : أحل لكم ليلة الصيام الرفث  يفيد حل الرفث في الليل، فهذا القدر لا يقتضي حصول النسخ به فيكون الناسخ هو قوله : كلوا واشربوا . 
أما قوله تعالى : هن لباس لكم وأنتم لباس لهن  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قد ذكرنا في تشبيه الزوجين باللباس وجوها أحدها : أنه لما كان الرجل والمرأة يعتنقان، فيضم كل واحد منهما جسمه إلى جسم صاحبه حتى يصير كل واحد منهما لصاحبه كالثوب الذي يلبسه، سمي كل واحد منهما لباسا، قال الربيع : هن فراش لكم وأنتم لحاف لهن، وقال ابن زيد : هن لباس لكم وأنتم لباس لهن، يريد أن كل واحد منهما يستر صاحبه عند الجماع عن أبصار الناس وثانيها : إنما سمي الزوجان لباسا ليستر كل واحد منهما صاحبه عما لا يحل، كما جاء في الخبر " من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه " وثالثها : أنه تعالى جعلها لباسا للرجل، من حيث إنه يخصها بنفسه، كما يخص لباسه بنفسه، ويراها أهلا لأن يلاقي كل بدنه كل بدنها كما يعمله في اللباس ورابعها : يحتمل أن يكون المراد ستره بها عن جميع المفاسد التي تقع في البيت، لو لم تكن المرأة حاضرة، كما يستتر الإنسان بلباسه عن الحر والبرد وكثير من المضار وخامسها : وذكر الأصم أن المراد أن كل واحد منهما كان كاللباس الساتر للآخر في ذلك المحظور الذي يفعلونه، وهذا ضعيف لأنه تعالى أورد هذا الوصف على طريق الإنعام علينا، فكيف يحمل على التستر بهن في المحظور. 
المسألة الثانية : قال الواحدي : إنما وحد اللباس بعد قوله  هن  لأنه يجري مجرى المصدر، وفعال من مصادر فاعل، وتأويله : هن ملابسات لكم. 
المسألة الثالثة : قال صاحب ******«الكشاف »****** : فإن قلت : ما موقع قوله : هن لباس لكم  فنقول : هو استئناف كالبيان لسبب الإحلال، وهو أنه إذا حصلت بينكم وبينهن مثل هذه المخالطة والملابسة قل صبركم عنهن، وضعف عليكم اجتنابهن، فلذلك رخص لكم في مباشرتهن. 
أما قوله تعالى : علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : يقال : خانه يخونه خونا وخيانة إذا لم يف له، والسيف إذا نبا عن الضربة فقد خانك، وخانه الدهر إذا تغير حاله إلى الشر، وخان الرجل الرجل إذا لم يؤد الأمانة، وناقض العهد خائن، لأنه كان ينتظر منه الوفاء فغدر، ومنه قوله تعالى : وإما تخافن من قوم خيانة  أي نقضا للعهد، ويقال للرجل المدين : إنه خائن، لأنه لم يف بما يليق بدينه، ومنه قوله تعالى : لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم  وقال : وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل  ففي هذه الآية سمى الله المعصية بالخيانة، وإذا علمت معنى الخيانة، فقال صاحب ******«الكشاف »****** : الاختيان من الخيانة، كالاكتساب من الكسب فيه زيادة وشدة. 
المسألة الثانية : أن الله تعالى ذكر ههنا أنهم كانوا يختانون أنفسهم، إلا أنه لم يذكر أن تلك الخيانة كانت في ماذا ؟ فلا بد من حمل هذه الخيانة على شيء يكون له تعلق بما تقدم وما تأخر، والذي تقدم هو ذكر الجماع، والذي تأخر قوله :{ فال

### الآية 2:188

> ﻿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [2:188]

الحكم الثامن من الأحكام المذكورة في هذه السورة : حكم الأموال
قوله تعالى : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون . 
اعلم أنهم مثلوا قوله تعالى : ولا تأكلوا أموالكم بينكم  بقوله : وتلمزوا أنفسكم  وهذا مخالف لها، لأن أكله لمال نفسه بالباطل يصح كما يصح أكله مال غيره، قال الشيخ أبو حامد الغزالي في كتاب الإحياء : المال إنما يحرم لمعنى في عينه أو لحال في جهة اكتسابه. 
والقسم الأول : الحرام لصفة في عينه. 
واعلم أن الأموال إما أن تكون من المعادن أو من النبات، أو من الحيوانات، أما المعادن وهي أجزاء الأرض فلا يحرم شيء منه إلا من حيث يضر بالآكل، وهو ما يجري مجرى السم، وأما النبات فلا يحرم منه إلا ما يزيل الحياة والصحة أو العقل، فمزيل الحياة السموم، ومزيل الصحة الأدوية في غير وقتها، ومزيل العقل الخمر والبنج وسائر المسكرات. 
وأما الحيوانات فتنقسم إلى ما يؤكل وإلى ما لا يؤكل، وما يحل إنما يحل إذا ذبح ذبحا شرعيا ثم إذا ذبحت فلا تحل بجميع أجزائها بل يحرم منها الفرث والدم، وكل ذلك مذكور في كتب الفقه. 
القسم الثاني : ما يحرم لخلل من جهة إثبات اليد عليه، فنقول : أخذ المال إما أن يكون باختيار المتملك، أو بغير اختياره كالإرث، والذي باختياره إما أن يكون مأخوذا من المالك كأخذ المعادن، وإما أن يكون مأخوذا من مالك، وذلك إما أن يؤخذ قهرا أو بالتراضي، والمأخوذ قهرا إما أن لسقوط عصمة الملك كالغنائم أو لاستحقاق الآخذ كزكوات الممتنعين والنفقات الواجبة عليهم، والمأخوذ تراضيا إما أن يؤخذ بعوض كالبيع والصداق والأجرة، وإما أن يؤخذ بغير عوض كالهبة والوصية فيحصل من هذا التقسيم أقسام ستة الأول : ما يؤخذ من غير مالك كنيل المعادن، وإحياء الموت، والاصطياد، والاحتطاب، والاستقاء من الأنهار، والاحتشاش، فهذا حلال بشرط أن لا يكون المأخوذ مختصا بذي حرمة من الآدميين الثاني : المأخوذ قهرا ممن لا حرمة له، وهو الفيء، والغنيمة، وسائر أموال الكفار المحاربين، وذلك حلال للمسلمين إذا أخرجوا منه الخمس، وقسموه بين المستحقين بالعدل، ولم يأخذوه من كافر له حرمة وأمان وعهد والثالث : ما يؤخذ قهرا باستحقاق عند امتناع من عليه فيؤخذ دون رضاه، وذلك حلال إذا تم سبب الاستحقاق، وتم وصف المستحق واقتصر على القدر المستحق الرابع : ما يؤخذ تراضيا بمعاوضة وذلك حلال إذا روعي شرط العوضين وشرط العاقدين وشرط اللفظين ؛ أعني الإيجاب والقبول مما يعتد الشرع به من اجتناب الشرط المفسد الخامس : ما يؤخذ بالرضا من غير عوض كما في الهبة والوصية والصدقة إذا روعي شرط المعقود عليه، وشرط العاقدين، وشرط العقد، ولم يؤد إلى ضرر بوارث أو غيره السادس : ما يحصل بغير اختياره كالميراث، وهو حلال إذا كان الموروث قد اكتسب المال من بعض الجهات الخمس على وجه حلال، ثم كان ذلك بعد قضاء الدين، وتنفيذ الوصايا، وتعديل القسمة بين الورثة، وإخراج الزكاة والحج والكفارة إن كانت واجبة، فهذا مجامع مداخل الحلال، وكتب الفقه مشتملة على تفاصيلها فكل ما كان كذلك كان مالا حلالا، وكل ما كان بخلافه كان حراما، إذا عرفت هذا فنقول : المال إما أن يكون لغيره أو له، فإن كان لغيره كانت حرمته لأجل الوجوه الستة المذكورة، وإن كان له فأكله بالحرام أن يصرف إلى شرب الخمر والزنا واللواط والقمار أو إلى السرف المحرم، وكل هذه الأقسام داخلة تحت قوله : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل  واعلم أن سبحانه كرر هذا النهي في مواضع من كتابه فقال :
 يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة  وقال : الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما  وقال : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين  ثم قال : فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله  ثم قال : وإن تبتم فلكم رؤس أموالكم  ثم قال : ومن عاد فأولئك أصحاب النار فيها خالدون  جعل آكل الربا في أول الأمر مؤذنا بمحاربة الله، وفي آخره متعرضا للنار. 
المسألة الثانية : قوله : ولا تأكلوا  ليس المراد منه الأكل خاصة، لأن غير الأكل من التصرفات كالأكل في هذا الباب لكنه لما كان المقصود الأعظم من المال إنما هو الأكل وقع التعارف فيمن ينفق ماله أن يقال أنه أكله فلهذا السبب عبر الله تعالى عنه بالأكل. 
المسألة الثالثة : الباطل  في اللغة الزائل الذاهب، يقال : بطل الشيء بطولا فهو باطل، وجمع الباطل بواطل، وأباطيل جمع أبطولة، ويقال : بطل الأجير يبطل بطالة إذا تعطل واتبع اللهو. 
أما قوله تعالى : وتدلوا بها إلى الحكام  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : الإدلاء مأخوذ من إدلاء الدلو، وهو إرسالك إياها في البئر للاستقاء يقال. أدليت دلوي أدليها إدلاء فإذا استخرجتها قلت دلوتها قال تعالى : فأدلى دلوه ، ثم جعل كل إلقاء قول أو فعل أدلاء، ومنه يقال للمحتج : أدلى بحجته، كأنه يرسلها ليصير إلى مراده كإدلاء المستقي الولد ليصل إلى مطلوبه من الماء، وفلان يدلي إلى الميت بقرابة أو رحم، إذا كان منتسبا إليه فيطلب الميراث بتلك النسبة، طلب المستحق بالدلو الماء، إذا عرفت هذا فنقول : أنه داخل في حكم النهي، والتقدير : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، ولا تدلوا إلى الحكام، أي لا ترشوها إليهم لتأكلوا طائفة من أموال الناس بالباطل، وفي تشبيه الرشوة بالإدلاء وجهان أحدهما : أن الرشوة رشاء الحاجة، فكما أن الدلو المملوء من الماء يصل من البعيد إلى القريب بواسطة الرشاء فالمقصود البعيد يصير قريبا بسبب الرشوة والثاني : أن الحاكم بسبب أخذ الرشوة يمضي في ذلك الحكم من غير تثبت كمضي الدلو في الإرسال، ثم المفسرون ذكروا وجوها أحدها : قال ابن عباس والحسن وقتادة : المراد منه الودائع وما لا يقوم عليه بينة وثانيها : أن المراد هو مال اليتيم في الأوصياء يدفعون بعضه إلى الحاكم ليبقى عليهم بعضه وثالثها : أن المراد من الحاكم شهادة الزور، وهو قول الكلبي ورابعها : قال الحسن : المراد هو أن يحلف ليذهب حقه وخامسها : هو أن يدفع إلى الحاكم رشوة، وهو أقرب إلى الظاهر، ولا يبعد أيضا حمل اللفظ على الكل، لأنها بأسره أكل بالباطل. 
أما قوله تعالى : وأنتم تعلمون  فالمعنى وأنتم تعلمون أنكم مبطلون، ولا شك أن الإقدام على القبيح مع العلم بقبحه أقبح، وصاحبه بالتوبيخ أحق، روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال، اختصم رجلان إلى النبي صلى الله عليه وسلم : عالم بالخصومة وجاهل بها، فقضي رسول الله صلى الله عليه وسلم العالم، فقال من قضى عليه : يا رسول الله والذي لا إله إلا هو إني محق فقال : إن شئت أعاوده، فعاوده فقضى للعالم، فقال المقضي عليه مثل ما قال أولا ثم عاوده ثالثا، ثم قال عليه الصلاة والسلام :" من اقتطع حق امرئ مسلم بخصومته فإنما اقتطع قطعة من النار " فقال العالم المقضي له : يا رسول الله إن الحق حقه، فقال عليه الصلاة والسلام :" من اقتطع بخصومته وجد له حق غيره فليتبوأ مقعده من النار » ".

### الآية 2:189

> ﻿۞ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [2:189]

الحكم التاسع قوله تعالى : يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون . 
**في الآية مسائل :**
المسألة الأولى : نقل عن ابن عباس أنه قال : ما كان قوم أقل سؤالا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم سألوا عن أربعة عشر حرفا فأجيبوا. 
وأقول : ثمانية منها في سورة البقرة أولها : وإذا سألك عبادي عني فإني قريب  وثانيها : هذه الآية ثم الستة الباقية بعد في سورة البقرة، فالمجموع ثمانية في هذه السورة والتاسع : قوله تعالى في سورة المائدة : يسألونك ماذا أحل لهم  والعاشر : في سورة الأنفال  يسألونك عن الأنفال  والحادي عشر : في بني إسرائيل  يسألونك عن الروح  والثاني عشر : في الكهف  ويسألونك عن ذي القرنين  والثالث عشر : في طه  يسألونك عن الجبال  والرابع عشر : في النازعات  يسألونك عن الساعة  ولهذه الأسئلة ترتيب عجيب : اثنان منها في الأول في شرح المبدأ فالأول : قوله : وإذا سألك عبادي عني  وهذا سؤال عن الذات والثاني : قوله : يسألونك عن الأهلة  وهذا سؤال عن صفة الخلاقية والحكمة في جعل الهلال على هذا الوجه، واثنان منها في الآخرة في شرح المعاد أحدهما : قوله : ويسألونك عن الجبال  والثاني : قوله : يسألونك عن الساعة أيان مرساها  ونظير هذا أنه ورد في القرآن سورتان أولهما : يا أيها الناس  أحدهما : في النصف الأول : وهي السورة الرابعة من سورة النصف الأول، فإن أولاها الفاتحة وثانيتها البقرة وثالثها آل عمران ورابعتها النساء وثانيتهما : في النصف الثاني من القرآن وهي أيضا السورة الرابعة من سور النصف الثاني أولاها مريم، وثانيتها طه، وثالثتها الأنبياء، ورابعتها الحج، ثم  يا أيها الناس  التي في النصف الأول تشتمل على شرح المبدأ فقال  يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة  و يا أيها الناس  التي في النصف الثاني تشتمل على شرح المعاد فقال : يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم  فسبحان من له في هذا القرآن أسرار خفية، وحكم مطوية لا يعرفها إلا الخواص من عبيده. 
المسألة الثانية : روي أن معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم وكل واحد منهما كان من الأنصار قالا يا رسول الله : ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلئ ويستوي، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدا، لا يكون على حالة واحدة كالشمس، فنزلت هذه الآية ويروى أيضا عن معاذ أن اليهود سألت عن الأهلة. 
واعلم أن قوله تعالى : يسألونك عن الأهلة  ليس فيه بيان إنهم عن أي شيء سألوا لكن الجواب كالدال على موضع السؤال، لأن قوله : قل هي مواقيت للناس والحج  يدل على أن سؤالهم كان على وجه الفائدة والحكمة في تغير حال الأهلة في النقصان والزيادة، فصار القرآن والخبر متطابقين في أن السؤال كان عن هذا المعنى. 
المسألة الثالثة : الأهلة جمع هلال وهو أول حال القمر حين يراه الناس، يقال له : هلال ليلتين من أول الشهر ثم يكون قمرا بعد ذلك، وقال أبو الهيثم : يسمى القمر ليلتين من أول الشهر هلالا، وكذلك ليلتين من آخر الشهر، ثم يسمى ما بين ذلك قمرا، قال الزجاج : فعال يجمع في أقل العدد على أفعلة، نحو مثال وأمثلة، وحمار وأحمرة، وفي أكثر العدد يجمع على فعل مثل حمر لأنهم كرهوا في التضعيف فعل، نحو هلل وخلل، فاقتصروا على جمع أدنى العدد. 
أما قوله تعالى : قل هي مواقيت للناس والحج  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : المواقيت جمع الميقات بمعنى الوقت كالميعاد بمعنى الوعد، وقال بعضهم الميقات منتهى الوقت، قال الله تعالى : فتم ميقات ربه  والهلال ميقات الشهر، ومواضع الإحرام مواقيت الحج لأنها مواضع ينتهي إليها، ولا تصرف مواقيت لأنها غاية الجموع، فصار كأن الجمع يكرر فيها فإن قيل : لم صرفت قوارير ؟ قيل : لأنها فاصلة وقعت في رأس آية، فنون ليجري على طريقة الآيات، كما تنون القوافي، مثل قوله :
أقل اللوم عاذل والعتابن \*\*\*. . . 
المسألة الثانية : اعلم أنه سبحانه وتعالى جعل الزمان مقدرا من أربعة أوجه : السنة والشهر واليوم والساعة، أما السنة فهي عبارة عن الزمان الحاصل من حركة الشمس من نقطة معينة من الفلك بحركتها الحاصلة عن خلاف حركة الفلك إلى أن تعود إلى تلك النقطة بعينها، إلا أن القوم اصطلحوا على أن تلك النقطة نقطة الإعتدال الربيعي وهو أول الحمل، وأما الشهر فهو عبارة عن حركة القمر من نقطة معينة من فلكه الخاص به إلى أن يعود إلى تلك النقطة، ولما كان أشهر أحوال القمر وضعه مع الشمس، وأشهر أوضاعه من الشمس هو الهلال العربي، مع أن القمر في هذا الوقت يشبه الموجود بعد العدم والمولود الخارج من الظلم لا جرم جعلوا هذا الوقت منتهى للشهر، وأما اليوم بليلته فهو عبارة عن مفارقة نقطة من دائرة معدل النهار نقطة من دائرة الأفق، أو نقطة من دائرة نصف النهار وعودها إليها، فالزمان المقدر عبارة عن اليوم بليلته، ثم أن المنجمين اصطلحوا على تعيين دائرة نصف النهار مبدأ لليوم بليلته، أما أكثر الأمم فإنهم جعلوا مبادئ الأيام بلياليها من مفارقة الشمس أفق المشرق وعودها إليه من الغداة، واحتج من نصر مذهبهم بأن الشمس عند طلوعها كالموجود بعد العدم فجعله أولا أولى، فزمان النهار عبارة عن مدة كون الشمس فوق الأرض، وزمان الليل عبارة عن كونها تحت الأرض، وفي شريعة الإسلام يفتتحون النهار من أول وقت طلوع الفجر في وجوب الصلاة والصوم وغيرهما من الأحكام، وعند المنجمين مدة الصوم في الشرع هي زمان النهار كله مع زيادة من زمان الليل معلومة المقدار محدودة المبدأ، وأما الساعة فهي على قسمين : مستوية جزء من أربعة وعشرين من يوم وليلة، فهذا كلام مختصر في تعريف السنة والشهر واليوم والساعة. 
فنقول : أما السنة فهي عبارة عن دورة الشمس فتحدث بسببها الفصول الأربعة، وذلك لأن الشمس إذا حصلت في الحمل فإذا تركت من هذا الموضع إلى جانب الشمال، أخذ الهواء في جانب الشمال شيئا من السخونة لقربها من مسامتة الرؤوس، ويتواتر الإسخان إلى أن تصل أول السرطان، وتشتد الحرارة ويزداد الحر ما دامت في السرطان والأسد لقربها من سمت الرؤوس، ويتواتر الإسخان، ثم ينعكس إلى أن يصل الميزان : وحينئذ يطيب الهواء ويعتدل، ثم يأخذ الحر في النقصان والبرد في الزيادة، ولا يزال يزداد البرد إلى أن تصل الشمس إلى أول الجدي، ويشتد البرد حينئذ لبعدها عن سمت الرؤوس، ويتواتر البرد ثم إن الشمس تأخذ في الصعود إلى ناحية الشمال، وما دامت في الجدي والدلو، فالبرد أشد ما يكون إلى أن تنتهي إلى الحمل، فحينئذ يطيب الهواء ويعتدل، وعادت الشمس إلى مبدأ حركتها وانتهى زمان السنة نهايته، وحصلت الفصول الأربعة التي هي الربيع والصيف والخريف والشتاء، ومنافع الفصول الأربعة وتعاقبا ظاهرة مشهورة في الكتب. 
وأما الشهر فهو عبارة عن دورة القمر في فلكه الخاص وزعموا أن نوره مستفاد من الشمس وأبدا يكون أحد نصفيه مضيئا بالتمام إلا أنه عند الاجتماع يكون النصف المضيء هو النصف الفوقاني فلا جرم نحن لا نرى من نوره شيئا وعند الاستقبال يكون نصفه المضيء مواجها لنا فلا جرم نراه مستنيرا بالتمام، وكلما كان القمر أقرب إلى الشمس، كان المرئي من نصفه المضيء أقل وكلما كان أبعد كان المرئي من نصفه المضيء أكثر، ثم أنه من وقت الاجتماع إلى وقت الانفصال يكون كل ليلة أبعد من الشمس، ويرى كل ليلة ضوءه أكثر من وقت الاستقبال إلى وقت الاجتماع، ويكون كل ليلة أقرب إلى الشمس، فلا جرم يرى كل ليلة ضوءه أقل، ولا يزال يقل ويقل  حتى عاد كالعرجون القديم  فهذا ما قاله أصحاب الطبائع والنجوم. 
وأما الذي يقوله الأصوليون فهو أن القمر جسم، والأجسام كلها متساوية في الجسمية، والأشياء المتساوية في تمام الماهية يمتنع اختلافها في اللوازم، وهذه مقدمة يقينية فإذن حصول الضوء في جرم الشمس والقمر أمر جائز أن يحصل، وما كان كذلك امتنع رجحان وجوده على عدمه إلا بسبب الفاعل المختار، وكل ما كان فعلا لفاعل مختار، فإن ذلك يكون قادرا على إيجاده وعلى إعدامه، وعلى هذا التقدير فلا حاجة إلى إسناد هذه الإختلافات الحاصلة في نور القمر إلى قربها وبعدها من الشمس، بل عندنا أن حصول النور في جرم الشمس إنما كان بسبب إيجاد القادر المختار، وكذا الذي في جرم القمر. 
بقي ههنا أن يقال الفاعل المختار لم خصص القمر دون الشمس بهذه الإختلافات، فنقول لعلماء الإسلام في هذا المقام جوابان أحدهما : أن يقال : إن فاعلية الله تعالى لا يمكن تعليلها بغرض ومصلحة، ويدل عليه وجوه أحدها : أن من فعل فعلا لغرض فإن قدر على تحصيل ذلك الغرض بدون تلك الواسطة، فحينئذ يكون فعل تلك الواسطة عبثا، وإن لم يقدر فهو عاجز وثانيها : أن كل من فعل فعلا لغرض، فإن كان وجود ذلك الغرض أولى له من لا وجوده فهو ناقص بذاته، مستكمل بغيره، وإن لم يكن أولى له لم يكن غرضا وثالثها : أنه لو كان فعله معللا بغرض فذلك الغرض إن كان محدثا افتقر إحداثه إلى غرض آخر، وإن كان قديما لزم من قدمه قدم الفعل وهو محال، فلا جرم قالوا : كل شيء صنعه ولا علة لصنعه، ولا يجوز تعليل أفعاله وأحكامه البتة  لا يسأل عما يفعل وهم يسألون . 
والجواب الثاني : قول من قال : لا بد في أفعال الله وأحكامه من رعاية المصالح والحكم، والقائلون بهذا المذهب سلموا أن العقول البشرية قاصرة في أكثر المواضع عن الوصول إلى أسرار حكم الله تعالى في ملكه وملكوته، وقد دللنا على أن القوم إنما سألوا عن الحكمة في اختلاف أحوال القمر فالله سبحانه وتعالى ذكر وجوه الحكمة فيه وهو قوله : قل هي مواقيت للناس والحج  وذكر هذا المعنى في آية أخرى وهو قوله : وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب  وقال في آية ثالثة  فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب  وتفصيل القول فيه أن تقدير الزمان بالشهور فيه منافع بعضها متصل بالدين وبعضها بالدنيا، أما ما يتصل منها بالدين فكثيرة منها الصوم، قال الله تعالى : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن  وثانيها : الحج، قال الله تعالى : الحج أشهر معلومات  وثالثها : عدة المتوفى عنها زوجها قال الله تعالى : يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا  ورابعها : النذور التي تتعلق بالأوقات، ولفضائل الصوم في أيام لا تعلم إلا بالأهلة. 
وأما ما يتصل منها بالدنيا فهو كالمداينات والإجارات والمواعيد ولمدة الحمل والرضاع كما قال  وحمله وفصاله ثلاثون شهرا  وغيرها فكل ذلك مما لا يسهل ضبط أوقاتها إلا عند وقوع الاختلاف في شكل القمر. 
فإن قيل : لا نسلم أنا نحتاج في تقدير الأزمنة إلى حصول الشهر، وذلك لأنه يمكن تقديرها بالسنة التي هي عبارة عن دورة الشمس وبإجرائها مثل أن يقال : كلفتكم بالطاعة الفلانية في أول السنة، أو في سدسها، أو نصفها، وهكذا سائر الأجزاء، ويمكن تقديرها بالأيام مثل أن يقال : كلفتم بالطاعة الفلانية في اليوم الأول من السنة وبعد خمسين يوما من أول

### الآية 2:190

> ﻿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [2:190]

الحكم العاشر ما يتعلق بالقتال قوله تعالى  وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين  وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : أنه تعالى أمر بالاستقامة في الآية المتقدمة بالتقوى في طريق معرفة الله تعالى فقال : وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها  وأمر بالتقوى في طريق طاعة الله، وهو عبارة عن ترك المحظورات وفعل الواجبات فالاستقامة علم، والتقوى عمل، وليس التكليف إلا في هذين، ثم لما أمر في هذه الآية بأشد أقسام التقوى وأشقها على النفس، وهو قتل أعداء الله فقال : وقاتلوا في سبيل الله . 
المسألة الثانية : في سبب النزول قولان الأول : قال الربيع وابن زيد : هذه الآية أول آية نزلت في القتال، فلما نزلت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل من قاتل، ويكف عن قتال من تركه، وبقي على هذه الحالة إلى أن نزل قوله تعالى : اقتلوا المشركين . 
والقول الثاني : أنه عليه الصلاة والسلام خرج بأصحابه لإرادة الحج ونزل الحديبية وهو موضع كثير الشجر والماء فصدهم المشركون عن دخول البيت فأقام شهرا لا يقدر على ذلك ثم صالحوه على أن يرجع ذلك العام ويعود إليهم في العام القابل، ويتركون له مكة ثلاثة أيام حتى يطوف وينحر الهدى ويفعل ما شاء، فرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وصالحهم عليه، ثم عاد إلى المدينة وتجهز في السنة القابلة، ثم خاف أصحابه من قريش أن لا يفوا بالوعد ويصدوهم عن المسجد الحرام وأن يقاتلوهم، وكانوا كارهين لمقاتلتهم في الشهر الحرام وفي الحرم، فأنزل الله تعالى هذه الآيات، وبين لهم كيفية المقاتلة إن احتاجوا إليها، فقال : وقاتلوا في سبيل الله . 
المسألة الثالثة : وقاتلوا في سبيل الله  أي في طاعته وطلب رضوانه، روى أبو موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عمن يقاتل في سبيل الله، فقال :**« هو من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ولا يقاتل رياء ولا سمعة »**
المسألة الرابعة : اختلفوا في المراد بقوله : الذين يقاتلونكم  على وجوه أحدها : وهو قول ابن عباس، المراد منه : قاتلوا الذين يقاتلونكم إما على وجه الدفع عن الحج، أو على وجه المقاتلة ابتداء، وهذا الوجه موافق لما رويناه عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية وثانيها : قاتلوا كل من له قدرة وأهلية على القتال وثالثها : قاتلوا كل من له قدرة على القتال وأهلية كذلك سوى من جنح للسلم، قال تعالى : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها  واعلم أن القول الأول أقرب إلى الظاهر لأن ظاهر قوله تعالى : الذين يقاتلونكم  يقتضي كونهم فاعلين للقتال، فأما المستعد للقتال والمتأهل له قبل إقدامه عليه، فإنه لا يوصف بكونه مقاتلا إلا على سبيل المجاز. 
المسألة الخامسة : من الناس من قال : هذه الآية منسوخة، وذلك لأن هذه الآية دلت على أن الله تعالى أوجب قتال المقاتلين، ونهى عن قتال غير المقاتلين، بدليل أنه قال : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم  ثم بعده : ولا تعتدوا هذا القدر، ولا تقاتلوا من لا يقاتلكم فثبت أن هذه الآية مانعة من قتال غير المقاتلين، ثم قال تعالى بعد ذلك : واقتلوهم حيث ثقفتموهم  فاقتضي هذا حصول الأول في قتال من لم يقاتل، فدل على أن هذه الآية منسوخة، ولقائل أن يقول : نسلم أن هذه الآية دالة على الأمر بقتال من لم يقاتلنا، لكن هذا الحكم ما صار منسوخا. 
أما قوله : إنها دالة على المنع من قتال من لم يقاتلنا، فهذا غير مسلم، وأما قوله تعالى : ولا تعتدوا  فهذا يحتمل وجوها أخر سوى ما ذكرتم، منها أن يكون المعنى : ولا تبدؤوا في الحرم بقتال، ومنها أن يكون المراد : ولا تعتدوا بقتال من نهيتم عن قتاله من الذين بينكم وبينهم عهد، أو بالحيلة أو بالمفاجأة من غير تقديم دعوة، أو بقتل النساء والصبيان والشيخ الفاني، وعلى جميع هذه التقديرات لا تكون الآية منسوخة. 
فإن قيل : هب أنه لا نسخ في الآية، ولكن ما السبب في أن الله تعالى أمر أولا بقتال من يقاتل، ثم في آخر الأمر أذن في قتالهم سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا. 
قلنا : لأن في أول الأمر كان المسلمون قليلين، فكان الصلاح استعمال الرفق واللين والمجاملة، فلما قوي الإسلام وكثر الجمع، وأقام من أقام منهم على الشرك، بعد ظهور المعجزات وتكررها عليهم حالا بعد حال، حصل اليأس من إسلامهم، فلا جرم أمر الله تعالى بقتالهم على الإطلاق. 
المسألة السادسة : المعتزلة احتجوا بقوله تعالى : إن الله لا يحب المعتدين  قالوا : لو كان الاعتداء بإرادة الله تعالى وبتخليقه لما صح هذا الكلام، وجوابه قد تقدم والله أعلم.

### الآية 2:191

> ﻿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ [2:191]

قوله تعالى : واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين  وفيه مسائل :
المسألة الأولى : الثقف وجوده على وجه الأخذ والغلبة ومنه رجل ثقيف سريع الأخذ لأقرانه، قال :

فإما تثقفوني فاقتلوني  فمن أثقف فليس إلى خلودثم نقول قوله تعالى : اقتلوهم  الخطاب فيه واقع على النبي صلى الله عليه وسلم ومن هاجر معه وإن كان الغرض به لازما لكل مؤمن، والضمير في قوله : اقتلوهم  عائد إلى الذين أمر بقتلهم في الآية الأولى وهم الكفار من أهل مكة، فأمر الله تعالى بقتلهم حيث كانوا في الحل والحرم، وفي الشهر الحرام، وتحقيق القول أنه تعالى أمر بالجهاد في الآية الأولى بشرط إقدام الكفار على المقاتلة، وفي هذه زاد في التكليف فأمر بالجهاد معهم سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا، واستثنى منه المقاتلة عند المسجد الحرام. 
المسألة الثانية : نقل عن مقاتل أنه قال : إن الآية المتقدمة على هذه الآية، وهي قوله : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم  منسوخة بقوله تعالى : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام  ثم تلك الآية منسوخة بقوله تعالى : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة  وهذا الكلام ضعيف. 
أما قوله : إن قوله تعالى : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم  منسوخ بهذه الآية، فقد تقدم إبطاله، وأما قوله : إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام  فهذا من باب التخصيص لا من باب النسخ، وأما قوله : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام  منسوخ بقوله : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة  فهو خطأ أيضا لأنه لا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم، وهذا الحكم ما نسخ بل هو باق فثبت أن قوله ضعيف ولأنه يبعد من الحكيم أن يجمع بين آيات متوالية تكون كل واحدة منها ناسخة للأخرى. 
أما قوله تعالى : وأخرجوهم من حيث أخرجوكم  ففيه بحثان :
البحث الأول : أن الإخراج يحتمل وجهين أحدهما : أنهم كلفوهم الخروج قهرا والثاني : أنهم بالغوا في تخويفهم وتشديد الأمر عليهم، حتى صاروا مضطرين إلى الخروج. 
البحث الثاني : أن صيغة  حيث  تحتمل وجهين أحدهما : أخرجوهم من الموضع الذي أخرجوكم وهو مكة والثاني : أخرجوهم من منازلكم، إذا عرفت هذا فنقول : أن الله تعالى أمر المؤمنين بأن يخرجوا أولئك الكفار من مكة إن أقاموا على شركهم إن تمكنوا منه، لكنه كان في المعلوم أنهم يتمكنون منه فيما بعد، ولهذا السبب أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كل مشرك من الحرم. ثم أجلاهم أيضا من المدينة، وقال عليه الصلاة والسلام :**« لا يجتمع دينان في جزيرة العرب »**
أما قوله تعالى : والفتنة أشد من القتل  ففيه وجوه أحدها : وهو منقول عن ابن عباس : أن المراد من الفتنة الكفر بالله تعالى، وإنما سمي الكفر بالفتنة لأنه فساد في الأرض يؤدي إلى الظلم والهرج، وفيه الفتنة، وإنما جعل الكفر أعظم من القتل، لأن الكفر ذنب يستحق صاحبه به العقاب الدائم، والقتل ليس كذلك، والكفر يخرج صاحبه به عن الأمة، والقتل ليس كذلك فكان الكفر أعظم من القتل، وروي في سبب نزول هذه الآية أن بعض الصحابة كان قتل رجلا من الكفار في الشهر الحرام، فالمؤمنون عابوه على ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فكان المعنى ليس لكم أن تستعظموا الإقدام على القتل في الشهر الحرام، فإن إقدام الكفار على الكفر من الشهر الحرام أعظم من ذلك وثانيها : أن الفتنة أصلها عرض الذهب على النار لاستخلاصه من الغش، ثم صار اسما لكل ما كان سببا للامتحان تشبيها بهذا الأصل، والمعنى : أن إقدام الكفار على الكفر وعلى تخويف المؤمنين، وعلى تشديد الأمر عليهم بحيث صاروا ملجئين إلى ترك الأهل والوطن هربا من إضلالهم في الدين، وتخليصا للنفس مما يخافون ويحذرون، فتنة شديدة بل هي أشد من القتل الذي يقتضي التخليص من غموم الدنيا وآفاتها، وقال بعض الحكماء : ما أشد من هذا القتل الذي أوجبه عليكم جزاء غير تلك الفتنة. 
الوجه الثالث : أن يكون المراد من الفتة العذاب الدائم الذي يلزمهم بسبب كفرهم، فكأنه قيل : اقتلوهم من حيث ثقفتموهم، واعلم أن وراء ذلك من عذاب الله ما هو أشد منه كقوله : ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده  وإطلاق اسم الفتنة على العذاب جائز، وذلك من باب إطلاق اسم السبب على المسبب، قال تعالى : يوم هم على النار يفتنون  ثم قال عقيبه : ذوقوا فتنتكم  أي عذابكم، وقال : إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات  أي عذبوهم، وقال : فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله  أي عذابهم كعذابه. 
الوجه الرابع : أن يكون المراد فتنتهم إياكم بصدكم عن المسجد الحرام، أشد من قتلكم إياهم في الحرم، لأنهم يسعون في المنع من العبودية والطاعة التي ما خلقت الجن والإنس إلا لها. 
الوجه الخامس : أن ارتداد المؤمن أشد عليه من أن يقتل محقا والمعنى : وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ولو أتى ذلك على أنفسكم فإنكم إن قتلتم وأنتم على الحق كان ذلك أولى وأسهل عليكم من أن ترتدوا عن دينكم أو تتكاسلوا في طاعة ربكم. 
أما قوله : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : هذا بيان لبقاء هذا الشرط في قتالهم في هذه البقعة خاصة، وقد كان من قبل شرطا في كل القتال وفي الأشهر الحرم. 
المسألة الثانية : قرأ حمزة والكسائي : ولا تقاتلوهم حتى يقاتلوكم فإن قاتلوكم  كله بغير ألف، والباقون جميع ذلك بالألف، وهو في المصحف بغير ألف، وإنما كتبت كذلك للإيجاز، كما كتب : الرحمن بغير ألف، وكذلك : صالح، وما أشبه ذلك من حروف المد واللين، قال القاضي رحمه الله : القراءتان المشهورتان إذا لم يتناف العمل وجب العمل بهما، كما يعمل بالآيتين إذا لم يتناف العمل بهما، وما يقتضيه هاتان القراءتان المشهورتان لا تنافي فيه، فيجب العمل بهما ما لم يقع النسخ فيه، يروى أن الأعمش قال لحمزة : أرأيت قراءتك إذا صار الرجل مقتولا فبعد ذلك كيف يصير قاتلا لغيره ؟ فقال حمزة : إن العرب إذا قتل رجل منهم قالوا قتلنا، وإذا ضرب رجل منهم قالوا ضربنا. 
المسألة الثالثة : الحنفية تمسكوا بهذه الآية في مسألة الملتجئ إلى الحرم، وقالوا : لما لم يجز القتل عند المسجد الحرام بسبب جناية الكفر فلأن لا يجوز القتل في المسجد الحرام بسبب الذنب الذي هو دون الكفر كان أولى، وتمام الكلام فيه في كتب الخلاف.

### الآية 2:192

> ﻿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2:192]

أما قوله تعالى : فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم  فاعلم أنه تعالى أوجب عليهم القتال على ما تقدم ذكره، وكان يجوز أن يقدر أن ذلك القتال لا يزول وإن انتهوا وتابوا كما ثبت في كثير من الحدود أن التوبة لا تزيله، فقال تعالى بعدما أوجب القتل عليهم : فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم  بين بهذا أنهم متى انتهوا عن ذلك سقط وجوب القتل عنهم، ونظيره قوله تعالى : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف  وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قال ابن عباس : فإن انتهوا عن القتال وقال الحسن : فإن انتهوا عن الشرك. 
حجة القول الأول : أن المقصود من الإذن في القتال منع الكفار عن المقاتلة فكان قوله : فإن انتهوا  محمولا على ترك المقاتلة. 
حجة القول الثاني : أن الكافر لا ينال غفران الله ورحمته بترك القتال، بل بترك الكفر. 
المسألة الثانية : الانتهاء عن الكفر لا يحصل في الحقيقة إلا بأمرين أحدهما : التوبة والآخر التمسك بالإسلام، وإن كان قد يقال في الظاهر لمن أظهر الشهادتين : إنه انتهى عن الكفر إلا أن ذلك إنما يؤثر في حقن الدم فقط. أما الذي يؤثر في استحقاق الثواب والغفران والحرمة فليس إلا ما ذكرنا. 
المسألة الثالثة : دلت الآية على أن التوبة من كل ذنب مقبولة، وقول من قال : التوبة عن القتل العمد غير مقبولة خطأ، لأن الشرك أشد من القتل، فإذا قبل الله توبة الكافر فقبول توبة القاتل أولى، وأيضا فالكافر قد يكون بحيث جمع مع كونه كافرا كونه قاتلا. فلما دلت الآية على قبول توبة كل كافر دل على أن توبته إذا كان قاتلا مقبولا والله أعلم.

### الآية 2:193

> ﻿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ [2:193]

قوله تعالى : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين  فيه مسائل :
المسألة الأولى : قال القوم : هذه الآية ناسخة لقوله تعالى : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه  والصحيح أنه ليس كذلك لأن البداية بالمقاتلة عند المسجد الحرام نفت حرمته أقصى ما في الباب أن هذه الصفة عامة ولكن مذهب الشافعي رضي الله عنه وهو الصحيح أن العام سواء كان مقدما على المخصص أو متأخرا عنه فإنه يصير مخصوصا به والله أعلم. 
المسألة الثانية : في المراد بالفتنة ههنا وجوه أحدها : أنها الشرك والفكر، قالوا : كانت فتنتهم أنهم كانوا يضربون ويؤذون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بمكة حتى ذهبوا إلى الحبشة ثم واظبوا على ذلك الإيذاء حتى ذهبوا إلى المدينة وكان غرضهم من إثارة تلك الفتنة أن يتركوا دينهم ويرجعوا كفارا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، والمعنى : قاتلوهم حتى تظهروا عليهم فلا يفتنوكم عن دينكم فلا تقعوا في الشرك وثانيها : قال أبو مسلم : معنى الفتنة ههنا الجرم قال : لأن الله تعالى أمر بقتالهم حتى لا يكون منهم القتال الذي إذا بدؤوا به كان فتنة على المؤمنين لما يخافون عنده من أنواع المضار. فإن قيل : كيف يقال : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة  مع علمنا بأن قتالهم لا يزيل الكفر وليس يلزم من هذا أن خبر الله لا يكون حقا. 
قلنا الجواب من وجهين الأول : أن هذا محمول على الأغلب لأن الأغلب عند قتالهم زوال الكفر والشرك، لأن من قتل فقد زال كفره، ومن لا يقتل يخاف منه الثبات على الكفر فإذا كان هذا هو الأغلب جاز أن يقال ذلك. 
الجواب الثاني : أن المراد قاتلوهم قصدا منكم إلى زوال الكفر، لأن الواجب على المقاتل للكفار أن يكون مراده هذا، ولذلك متى ظن أن من يقاتله يقلع عن الكفر بغير القتال وجب عليه العدول عنه. 
أما قوله تعالى : ويكون الدين لله  فهذا يدل على حمل الفتنة على الشرك، لأنه ليس بين الشرك وبين أن يكون الدين كله واسطة والمراد منه أن يكون تعالى هو المعبود المطاع دون سائر ما يعبد ويطاع غيره، فصار التقدير كأنه تعالى قال : وقاتلوهم حتى يزول الكفر ويثبت الإسلام، وحتى يزول ما يؤدي إلى العقاب ويحصل ما يؤدي إلى الثواب، ونظيره قوله تعالى : تقاتلونهم أو يسلمون  وفي ذلك بيان أنه تعالى إنما أمر بالقتال لهذا المقصود. 
أما قوله تعالى : فإن انتهوا  فالمراد : فإن انتهوا عن الأمر الذي لأجله وجب قتالهم، وهو إما كفرهم أو قتالهم، فعند ذلك لا يجوز قتالهم، وهو كقوله تعالى : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف . 
أما قوله تعالى : فلا عدوان إلا على الظالمين  ففيه وجهان الأول : فإن انتهوا فلا عدوان، أي فلا قتل إلا على الذين لا ينتهون على الكفر فإنهم بإصرارهم على كفرهم ظالمون لأنفسهم على ما قال تعالى : إن الشرك لظلم عظيم . 
فإن قيل : لم سمي ذلك القتل عدوانا مع أنه في نفسه حق وصواب ؟. 
قلنا : لأن ذلك القتل جزاء العدوان فصح إطلاق اسم العدوان عليه كقوله تعالى : وجزاء سيئة سيئة مثلها  وقوله تعالى : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم، ومكروا ومكر الله فيسخرون منهم سخر الله منهم  والثاني : إن تعرضتم لهم بعد انتهائهم عن الشرك والقتال كنتم أنتم ظالمين فنسلط عليكم من يعتدي عليكم.

### الآية 2:194

> ﻿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [2:194]

قوله تعالى : الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين . 
اعلم أن الله تعالى لما أباح القتال وكان ذلك منكرا فيما بينهم، ذكر في هذه الآية ما يزيل ذلك فقال : الشهر الحرام بالشهر الحرام  وفيه وجوه أحدها : روي عن ابن عباس ومجاهد والضحاك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الحديبية للعمرة وكان ذلك في ذي القعدة سنة ست من الهجرة فصده أهل مكة عن ذلك ثم صالحوه عن أن ينصرف ويعود في العام القابل حتى يتركوا له مكة ثلاثة أيام، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام القابل وهو في ذي القعدة سنة سبع ودخل مكة واعتمر، فأنزل الله تعالى هذه الآية يعني إنك دخلت الحرم في الشهر الحرام، والقوم كانوا صدوك في السنة الماضية في هذا الشهر فهذا الشهر بذاك الشهر وثانيها : ما روي عن الحسن أن الكفار سمعوا أن الله تعالى نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن أن يقاتلهم في الأشهر الحرم، فأرادوا مقاتلته وظنوا أنه لا يقاتلهم، وذلك قوله تعالى : يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام  فأنزل الله تعالى هذه الآية لبيان الحكم في هذه الواقعة، فقال : الشهر الحرام بالشهر الحرام  أي من استحل دمكم من المشركين في الشهر الحرام فاستحلوه فيه وثالثها : ما ذكره قوم من المتكلمين وهو أن الشهر الحرام لما لم يمنعكم عن الكفر بالله، فكيف يمنعنا عن مقاتلتكم، فالشهر الحرام من جانبنا، مقابل بالشهر الحرام من جانبكم، والحاصل في الوجوه الثلاثة أن حرمة الشهر الحرام لما لم تمنعهم عن الكفر والأفعال القبيحة، فكيف جعلوه سببا في أن يمنع للقتال من شرهم وفسادهم. 
أما قوله تعالى : والحرمات قصاص  فالحرمات جمع حرمة والحرمة ما منع من انتهاكه والقصاص المساواة وإذا عرفت هذا ففي هذه الآية تعود تلك الوجوه. 
أما على الوجه الأول : فهو أن المراد بالحرمات : الشهر الحرام، والبلد الحرام، وحرمة الإحرام فقوله : والحرمات قصاص  معناه أنهم لما أضاعوا هذه الحرمات في سنة ست فقد وقفتم حتى قضيتموه على زعمكم في سنة سبع. 
وأما على الوجه الثاني : فهو أن المراد : إن أقدموا على مقاتلتكم فقاتلوهم أنتم أيضا، قال الزجاج : وعلم الله تعالى بهذه الآية أنه ليس للمسلمين أن ينتهكوا هذه الحرمات على سبيل الابتداء بل على سبيل القصاص، وهذا القول أشبه بما قبل هذه الآية، وهو قوله : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه  وبما بعدها وهو قوله : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم . 
أما على القول الثالث : فقوله : والحرمات قصاص  يعني حرمة كل واحد من الشهرين كحرمة الآخر فهما مثلان، والقصاص هو المثل فلما لم يمنعكم حرمة الشهر من الكفر والفتنة والقتال فكيف يمنعنا عن القتال. 
أما قوله تعالى : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم  فالمراد منه : الأمر بما يقابل الاعتداء من الجزاء والتقدير : فمن اعتدى عليكم فقابلوه، والسبب في تسميته اعتداء قد تقدم ثم قال : واتقوا الله  وقد تقدم معنى التقوى، ثم قال : واعلموا أن الله مع المتقين  أي بالمعونة والنصرة والحفظ والعلم، وهذا من أقوى الدلائل على أنه ليس بجسم ولا في مكان إذ لو كان جسما لكان في مكان معين، فكان إما أن يكون مع أحد منهم ولم يكن مع الآخر أو يكون مع كل واحد من المؤمنين جزء من أجزائه وبعض من أبعاضه تعالى الله عنه علوا كبيرا.

### الآية 2:195

> ﻿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [2:195]

قوله تعالى : وانفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين . 
اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها من وجهين الأول : أنه تعالى لما أمر بالقتال والاشتغال بالقتال لا يتيسر إلا بالآلات وأدوات يحتاج فيها إلى المال، وربما كان ذو المال عاجزا عن القتال وكان الشجاع القادر على القتال فقيرا عديم المال، فلهذا أمر الله تعالى الأغنياء بأن ينفقوا على الفقراء الذين يقدرون على القتال والثاني : يروى أنه لما نزل قوله تعالى : الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص  قال رجل من الحاضرين : والله يا رسول الله ما لنا زاد وليس أحد يطعمنا فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينفقوا في سبيل الله وأن يتصدقوا وأن لا يكفوا أيديهم عن الصدقة ولو بشق تمرة تحمل في سبيل الله فيهلكوا، فنزلت هذه الآية على وفق رسول الله صلى الله عليه وسلم. 
واعلم أن الإنفاق هو صرف المال إلى وجوه المصالح، فلذلك لا يقال في المضيع : إنه منفق فإذا قيد الإنفاق بذكر سبيل الله، فالمراد به في طريق الدين، لأن السبيل هو الطريق، وسبيل الله هو دينه. فكل ما أمر الله به في دينه من الإنفاق فهو داخل في الآية سواء كان إنفاقا في حج أو عمرة أو كان جهادا بالنفس، أو تجهيزا للغير، أو كان إنفاقا في صلة الرحم، أو في الصدقات أو على العيال، أو في الزكوات والكفارات، أو عمارة السبيل وغير ذلك، إلا أن الأقرب في هذه الآية وقد تقدم ذكر الجهاد أنه يراد به الإنفاق في الجهاد، بل قال : وأنفقوا في سبيل الله  لوجهين الأول : أن هذا كالتنبيه على العلة في وجوب هذا الإنفاق، وذلك لأن المال مال الله فيجب إنفاقه في سبيل الله، ولأن المؤمن إذا سمع ذكر الله اهتز ونشط فيسهل عليه إنفاق المال الثاني : أن هذه الآية إنما نزلت وقت ذهاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة لقضاء العمرة، وكانت تلك العمرة لا بد من أن تفضي إلى القتال إن منعهم المشركون، فكانت عمرة وجهادا، واجتمع فيه المعنيان، فلما كان الأمر كذلك، لا جرم قال تعالى : وأنفقوا في سبيل الله  ولم يقل : وأنفقوا في الجهاد والعمرة. 
أما قوله تعالى : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال أبو عبيدة والزجاج  التهلكة  الهلاك يقال : هلك يهلك هلاكا وهلكا وتهلكة : قال الخارزنجي : لا أعلم في كلام العرب مصدرا على تفعلة بضم العين إلا هذا، قال أبو علي : قد حكى سيبويه : التنصرة والتسترة، وقد جاء هذا المثال اسما غير مصدر، قال : ولا نعلمه جاء صفة قال صاحب **«الكشاف »** : ويجوز أن يقال أصله التهلكة، كالتجربة والتبصرة على أنها مصدر هكذا فأبدلت الضمة بالكسرة، كما جاء الجوار في الجوار. 
وأقول : إني لأتعجب كثيرا من تكلفات هؤلاء النحويين في أمثال هذه المواضع، وذلك أنهم لو وجدوا شعرا مجهولا يشهد لما أرادوه فرحوا به، واتخذوه حجة قوية، فورود هذا اللفظ في كلام الله تعالى المشهود له من الموافق والمخالف بالفصاحة، أولى بأن يدل على صحة هذه اللفظة واستقامتها. 
المسألة الثانية : اتفقوا على أن الباء في قوله : بأيديكم  تقتضي إما زيادة أو نقصانا فقال قوم : الباء زائدة والتقدير : ولا تلقوا أيديكم إلى التهلكة. وهو كقوله : جذبت الثوب بالثوب، وأخذت القلم بالقلم فهما لغتان مستعملتان مشهورتان، أو المراد بالأيدي الأنفس كقوله : بما قدمت يداك  أو  بما كسبت أيديكم  فالتقدير : ولا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة، وقال آخرون : بل ههنا حذف. والتقدير : ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة. 
المسألة الثالثة : قوله : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة  اختلف المفسرون فيه، فمنهم من قال : إنه راجع إلى نفس النفقة، ومنهم من قال : إنه راجع إلى غيرها، أما الأولون فذكروا فيه وجوه الأول : أن لا ينفقوا في مهمات الجهاد أموالهم، فيستولي العدو عليهم ويهلكهم، وكأنه قيل : إن كنت من رجال الدين فأنفق مالك في سبيل الله وفي طلب مرضاته، وإن كنت من رجال الدنيا فأنفق مالك في دفع الهلاك والضرر عن نفسك الوجه الثاني : أنه تعالى لما أمره بالإنفاق نهاه عن أن ينفق كل ماله، فإن إنفاق كل المال يفضي إلى التهلكة عند الحاجة الشديدة إلى المأكول والمشروب والملبوس فكان المراد منه ما ذكره في قوله : والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما  وفي قوله : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط  وأما الذين قالوا : المراد منه غير النفقة فذكروا فيه وجوها أحدها : أن يخلوا بالجهاد فيتعرضوا للهلاك الذي هو عذاب النار فحثهم بذلك على التمسك بالجهاد وهو كقوله : ليهلك من هلك عن بينة  وثانيها : المراد من قوله : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة  أي لا تقتحموا في الحرب بحيث لا ترجون النفع، ولا يكون لكم فيه إلا قتل أنفسكم فإن ذلك لا يحل، وإنما يجب أن يقتحم إذا طمع في النكاية وإن خاف القتل، فأما إذا كان آيسا من النكاية وكان الأغلب أنه مقتول فليس له أن يقدم عليه، وهذا الوجه منقول عن البراء بن عازب، ونقل عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال في هذه الآية : هو الرجل يستقل بين الصفين، ومن الناس من طعن في هذا التأويل وقال : هذا القتل غير محرم واحتج عليه بوجوه الأول : روي أن رجلا من المهاجرين حمل على صف العدو فصاح به الناس فألقى بيده إلى التهلكة فقال أبو أيوب الأنصاري نحن أعلم بهذه الآية وإنما نزلت فينا : صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرناه وشهدنا معه المشاهد فلما قوي الإسلام وكثر أهله رجعنا إلى أهالينا وأموالنا وتصالحنا، فكانت التهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد والثاني : روى الشافعي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الجنة، فقال له رجل من الأنصار : أرأيت يا رسول الله إن قتلت صابرا محتسبا ؟ قال عليه الصلاة والسلام :**« لك الجنة »** فانغمس في جماعة العدو فقتلوه بين يدي رسول الله، وأن رجلا من الأنصار ألقى درعا كانت عليه حين ذكر النبي عليه الصلاة والسلام الجنة ثم انغمس في العدو فقتلوه والثالث : روي أن رجلا من الأنصار تخلف عن بني معاوية فرأى الطير عكوفا على من قتل من أصحابه، فقال لبعض من معه سأتقدم إلى العدو فيقتلونني ولا أتخلف عن مشهد قتل فيه أصحابي، ففعل ذلك فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال فيه قولا حسنا الرابع : روي أن قوما حاصروا حصنا، فقاتل رجل حتى قتل فقيل ألقى بيده إلى التهلكة فبلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذلك فقال : كذبوا أليس يقول الله تعالى  ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله  ولمن نصر ذلك التأويل أن يجيب عن هذه الوجوه فيقول : إنا إنما حرمنا إلقاء النفس في صف العدو إذا لم يتوقع إيقاع نكاية منهم، فإما إذا توقع فنحن نجوز ذلك، فلم قلتم أنه يوجد هذا المعنى في هذه الوقائع الوجه الثالث : في تأويل الآية أن يكون هذا متصلا بقوله : الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص  أي فإن قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم فيه فإن الحرمات قصاص، فجازوا اعتداءهم عليكم ولا تحملنكم حرمة الشهر على أن تستسلموا لمن قاتلكم فتهلكوا بترككم القتال فإنكم بذلك تكونون ملقين بأيديكم إلى التهلكة الوجه الرابع : في التأويل أن يكون المعنى : أنفقوا في سبيل الله ولا تقولوا إنا نخاف الفقر إن أنفقنا فنهلك ولا يبقى معنا شيء، فنهوا أن يجعلوا أنفسهم هالكين بالإنفاق، والمراد من هذا الجعل والإلقاء الحكم بذلك كما يقال جعل فلان فلانا هالكا وألقاه في الهلاك إذا حكم عليه بذلك الوجه الخامس : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة هو الرجل يصيب الذنب الذي يرى أنه لا ينفعه معه عمل فذاك هو إلقاء النفس إلى التهلكة فالحاصل أن معناه النهي عن القنوط عن رحمة الله لأن ذلك يحمل الإنسان على ترك العبودية والإصرار على الذنب الوجه السادس : يحتمل أن يكون المراد وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا ذلك الإنفاق في التهلكة والإحباط، وذلك بأن تفعلوا بعد ذلك الإنفاق فعلا يحبط ثوابه إما بتذكير المنة أو بذكر وجوه الرياء والسمعة، ونظيره قوله تعالى : ولا تبطلوا أعمالكم . 
أما قوله تعالى : وأحسنوا إن الله يحب المحسنين  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : اختفلوا في أن المحسن مشتق من ماذا وفيه وجوه الأول : أنه مشتق من فعل الحسن وأنه كثر استعماله فيمن ينفع غيره بنفع حسن من حيث أن الإحسان حسن في نفسه، وعلى هذا التقدير فالضرب والقتل إذا حسنا كان فاعلهما محسنا الثاني : أنه مشتق من الإحسان، ففاعل الحسن لا يوصف بكونه محسنا إلا إذا كان فعله حسنا وإحسانا معا، فالإشتقاق إنما يحصل من مجموع الأمرين. 
المسألة الثانية : قوله : وأحسنوا  فيه وجوه أحدها : قال الأصم : أحسنوا في فرائض الله وثانيها : وأحسنوا في الإنفاق على من تلزمكم مؤنته ونفقته، والمقصود منه أن يكون ذلك الإنفاق وسطا فلا تسرفوا ولا تقتروا، وهذا هو الأقرب لاتصاله بما قبله ويمكن حمل الآية على جميع الوجوه. 
وأما قوله : إن الله يحب المحسنين  فهو ظاهر وقد تقدم تفسيره مرارا.

### الآية 2:196

> ﻿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ۚ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ۚ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۚ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ۗ ذَٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [2:196]

قوله تعالى : وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى محله  في الآية مسائل :
المسألة الأولى : الحج  في اللغة عبارة عن القصد وإنما يقال : حج فلان الشيء إذا قصده مرة بعد أخرى، وأدام الاختلاف إليه  والحجة  بكسر الحاء السنة، وإنما قيل لها حجة لأن الناس يحجون في كل سنة، وأما في الشرع فهو اسم لأفعال مخصوصة منها أركان ومنها أبعاض ومنها هيئات، فالأركان ما لا يحصل التحلل حتى يأتي به والأبعاض هي الواجبات التي إذا ترك شيء يجبر بالدم، والهيئات ما لا يجب الدم على تركها، والأركان عندنا خمسة : الإحرام والوقوف بعرفة والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، وفي حلق الرأس أو تقصيره قولان : أصحهما أنه نسك لا يحصل التحلل إلا به، وأما الأبعاض فهي الإحرام من الميقات والمقام بعرفة إلى المغرب في قول والبيتوتة بمزدلفة ليلة النحر في قول ورمي جمرة العقبة والبيتوتة بمنى ليالي التشريق في قول ورمي أيامها. 
وأما سائر أعمال الحج فهي سنة. 
وأما أركان العمرة فهي أربعة : الإحرام، والطواف، والسعي، وفي الحلق قولان، ثم المعتمر بعدما فرغ من السعي فإن كان معه هدى ذبحه ثم حلق أو قصر، ولا يتوقف التحلل على ذبح الهدى. 
المسألة الثانية : قوله تعالى : وأتموا  أمر بالإتمام، وهل هذا الأمر مطلق أو مشروط بالدخول فيه، ذهب أصحابنا إلى أنه مطلق، والمعنى : افعلوا الحج والعمرة على نعت الكمال والتمام والقول الثاني : وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه : إن هذا الأمر مشروط، والمعنى أن من شرع فيه فليتمه قالوا : ومن الجائز أن لا يكون الدخول في الشيء واجبا إلا أن بعد الدخول فيه يكون إتمامه واجبا، وفائدة هذا الخلاف أن العمرة واجبة عند أصحابنا، وغير واجبة عن أبي حنيفة رحمه الله حجة أصحابنا من وجوه. 
الحجة الأولى : قوله تعالى : وأتموا الحج والعمرة لله  وجه الاستدلال به أن الإتمام قد يراد به فعل الشيء كاملا تاما، ويحتمل أن يراد به إذا شرعتم في الفعل فأتموه، وإذا ثبت الإحتمال وجب أن يكون المراد من هذا اللفظ هو ذاك، أما بيان الإحتمال فيدل عليه قوله تعالى : وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن  أي فعلهن على سبيل التمام والكمال، وقوله تعالى : ثم أتموا الصيام إلى الليل  أي فافعلوا الصيام تاما إلى الليل، وحمل اللفظ على هذا أولى من قول من قال : المراد فاشرعوا في الصيام ثم أتموه، لأن على هذا التقدير يحتاج إلى الإضمار، وعلى التقدير الذي ذكرناه لا يحتاج إليه فثبت أن قوله : وأتموا الحج  يحتمل أن يكون المراد منه الإتيان به على نعت الكمال والتمام فوجب حمله عليه، أقصى ما في الباب أنه يحتمل أيضا أن يكون المراد منه أنكم إذا شرعتم فيه فأتموه، إلا أن حمل اللفظ على الوجه الأول أولى، ويدل عليه وجوه الأول : أن حمل الآية على الوجه الثاني يقتضي أن يكون هذا الأمر مشروطا، ويكون التقدير : أتموا الحج والعمرة لله إن شرعتم فيهما، وعلى التأويل الأول الذي نصرناه لا يحتاج إلى إضمار هذا الشرط، فكان ذلك أولى والثاني : أن أهل التفسير ذكروا أن هذه الآية هي أول آية نزلت في الحج فحملها على إيجاب الحج أولى من حملها على الإتمام بشرط الشروع فيه الثالث : قرأ بعضهم  وأقيموا الحج والعمرة لله  وهذا وإن كان قراءة شاذة جارية مجرى خبر الواحد لكنه بالإتفاق صالح لترجيح تأويل على تأويل الرابع : أن الوجه الذي نصرناه يفيد وجوب الحج والعمرة، ويفيد وجوب إتمامهما بعد الشروع فيهما، والتأويل الذي ذكرتم لا يفيد إلا أصل الوجوب، فكان الذي نصرناه أكبر فائدة، فكان حمل كلام الله عليه أولى الخامس : أن الباب باب العبادة فكان الاحتياط فيه أولى، والقول بإيجاب الحج والعمرة معا أقرب إلى الاحتياط، فوجب حمل اللفظ عليه السادس : هب أنا نحمل اللفظ على وجوب الإتمام، لكنا نقول : اللفظ دل على وجوب الإتمام جزما، وظاهر الأمر للوجوب فكان الإتمام واجبا جزما والإتمام مسبوق بالشروع، وما لا يتم الواجب إلا به وكان مقدورا للمكلف فهو واجب، فيلزم أن يكون الشروع واجبا في الحج وفي العمرة السابع : روي عن ابن عباس أنه قال : والذي نفسي بيده إنها لقرينتها في كتاب الله، أي إن العمرة لقرينة الحج في الأمر في كتاب الله يعني في هذه الآية فكان كقوله : أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة  فهذا تمام تقرير هذه الحجة. 
فإن قيل : قرأ علي وابن مسعود والشعبي  والعمرة لله  بالرفع وهذا يدل على أنهم قصدوا إخراج العمرة عن حكم الحج في الوجوب. 
قلنا : هذا مدفوع من وجوه الأول : أن هذه قراءة شاذة فلا تعارض القراءة المتواترة، الثاني : أن فيها ضعفا في العربية، لأنها تقتضي عطف الجملة الإسمية على الجملة الفعلية الثالث : أن قوله : والعمرة لله  معناه أن العمرة عبادة الله، ومجرد كونها عبادة الله لا ينافي وجوبها، وإلا وقع التعارض بين مدلول القراءتين، وهو غير جائز الرابع : أنه لما كان قوله : والعمرة لله  معناه : والعمرة عبادة الله، وجب أن يكون العمرة مأمورا بها لقوله تعالى : وما أمروا إلا ليعبدوا الله  والأمر للوجوب، وحينئذ يحصل المقصود. 
الحجة الثانية : في وجوب العمرة أن قوله تعالى : يوم الحج الأكبر  يدل على وجوب حج أصغر على ما عليه حقيقة أفعل، وما ذاك إلا العمرة بالإتفاق، وإذا ثبت أن العمرة حج، وجب أن تكون واجبة لقوله تعالى : وأتموا الحج  ولقوله : ولله على الناس حج البيت . 
الحجة الثالثة : في المسألة أحاديث منها ما أورده ابن الجوزي في المتفق بين الصحيحين أن جبريل عليه السلام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، فقال :**« أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج وتعتمر »** وروى النعمان بن سالم عن عمر بن أوس عن أبي رزين أنه سأل النبي عليه الصلاة والسلام فقال : إن أبي شيخ كفي أدرك الإسلام، ولا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن، فقال عليه الصلاة والسلام :**« حج عن أبيك واعتمر »**، فأمر بهما، والأمر للوجوب، ومنها ما روى ابن سيرين عن زيد بن ثابت أنه عليه الصلاة والسلام قال :**« الحج والعمرة فرضان لا يضرك بأيهما بدأت »** ومنها ما روت عائشة رضي الله عنها بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين، قالت : قلت يا رسول الله هل على النساء جهاد ؟ فقال عليه الصلاة والسلام :**« عليهن جهاد لا قتال فيه : الحج والعمرة »**
الحجة الرابعة : في وجوب العمرة، قال الشافعي رضي الله عنه : اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم قبل الحج، ولو لم تكن العمرة واجبة لكان الأشبه أن يبادر إلى الحج الذي هو واجب، وحجة من قال : العمرة ليست واجبة وجوه :
الحجة الأولى : قصد الأعرابي الذي سأل الرسول عليه الصلاة والسلام عن أركان الإسلام فعلمه الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، فقال الأعرابي : هل علي غير هذا ؟ قال : لا إلا أن تطوع، فقال الأعرابي : لا أزيد على هذا ولا أنقص، فقال عليه الصلاة والسلام :**« أفلح الأعرابي إن صدق »**، وقال عليه الصلاة والسلام :**« بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت »** وقال عليه الصلاة والسلام :**« صلوا خمسكم وزكوا أموالكم وحجوا بيتكم تدخلوا جنة ربكم »** فهذه أخبار مشهورة كالمتواترة فلا يجوز الزيادة عليها ولا ردها، وعن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن العمرة أواجبة هي أم لا ؟ فقال : لا وإن تعتمر خير لك، وعن معاوية الضرير عن أبي صالح الحنفي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**« الحج جهاد والعمرة تطوع »**. 
والجواب : من وجوه أحدها : أن ما ذكرتم أخبار آحاد فلا تعارض القرآن وثانيها : لعل العمرة ما كانت واجبة عندما ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام تلك الأحاديث، ثم نزل بعدها قوله : وأتموا الحج والعمرة لله  وهذا هو الأقرب، لأن هذه الآية إنما نزلت في السنة السابعة من الهجرة وثالثها : أن قصة الأعرابي مشتملة على ذكر الحج وليس فيها بيان تفصيل الحج، وقد بينا أن العمرة حج لأنها هي الحج الأصغر، فلا تكون هي منافية لوجوب العمرة، وأما حديث محمد بن المنكدر فقالوا : رواية حجاج بن أرطاة وهو ضعيف. 
المسألة الثالثة : اعلم أن الحج على ثلاثة أقسام : الإفراد، والقران، والتمتع، فالإفراد أن يحج ثم بعد الفراغ منه يعتمر من أدنى الحل، أو يعتمر قبل أشهر الحج، ثم يحج في تلك السنة، والقران أن يحرم بالحج والعمرة معا في أشهر الحج بأن ينويهما بقلبه، وكذلك لو أحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم قبل الطواف أدخل عليها الحج يصير قرانا، والتمتع هو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويأتي بأعمالها ثم يحج في هذه السنة، وإنما سمي تمتعا لأنه يستمتع بمحظورات الإحرام بعد التحلل عن العمرة قبل أن يحرم بالحج. 
إذا عرفت هذا فنقول : اختلف الناس في الأفضل من هذه الثلاثة فقال الشافعي رضي الله عنه أفضلها الإفراد ثم التمتع ثم القران وقال في اختلاف الحديث التمتع أفضل من الإفراد وبه قال مالك رضي الله عنه، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : القران أفضل، ثم الإفراد، ثم التمتع، وهو قول المزني وأبي إسحق والمروزي من أصحابنا، وقال أبو يوسف ومحمد : القران أفضل، ثم التمتع، ثم الإفراد، حجة الشافعي رضي الله عنه في أن الإفراد أفضل من وجوه الأول : التمسك بقوله تعالى : وأتموا الحج والعمرة لله  والإستدلال به من ثلاثة أوجه الأول : أن الآية اقتضت عطف العمرة على الحج، والعطف يستدعي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، والمغايرة لا تحصل إلا عند الإفراد، فأما عند القران فالموجود شيء واحد، وهو حج وعمرة وذلك مانع من صحة العطف الثاني : قوله : وأتموا الحج والعمرة لله  يقتضي الإفراد، بدليل أنه تعالى قال : فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى  والقارن يلزمه هديان عند الحصر، وأيضا أنه تعالى أوجب على الخلق عند الأداء فدية واحدة، والقارن يلزمه فديتان عند الحصر الثالث : هذه الآية تدل على وجوب الإتمام، والإتمام لا يحصل إلا عند الإفراد ويدل عليه وجهان الأول : أن السفر مقصود في الحج، بدليل أن من أوصى بأن يحج عنه فإنه يحج من وطنه، ولولا أن السفر مقصود في الحج لكان يحج عنه من أدنى المواقيت، ويدل عليه أيضا أنهم قالوا لو نذر أن يحج ماشيا وحج راكبا يلزمه دم، فثبت أن السفر مقصود والقران يقتضي تقليل السفر، لأن بسببه يصير السفران سفرا واحدا، فثبت أن الإتمام لا يحصل إلا بالإفراد الثاني : أن الحج لا معنى له إلا زيارة بقاع مكرمة، ومشاهد مشرفه، والحاج زائر الله، والله تعالى مزوره، ولا شك أنه كلما كانت الزيارة والخدمة أكثر كان موقعها عند المخدوم أعظم، وعند القران تنقلب الزيارتان زيارة واحدة، بل الحق أن جملة أنواع الطاعات في الحج وفي العمرة تكرر عند الإفراد، وتصير واحدة عند القران، فثبت أن الإفراد أقرب إلى التمام، فكان الإفراد إن لم يكن واجبا ع

### الآية 2:197

> ﻿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ۚ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ [2:197]

قوله تعالى  الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا إن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب . 
**فيه مسائل :**
المسألة الأولى : من المعلوم بالضرورة أن الحج ليس نفس الأشهر فلا بد ههنا من تأويل وفيه وجوه أحدها : التقدير : أشهر الحج أشهر معلومات، فحذف المضاف وهو كقولهم : البرد شهران، أي وقت البرد شهران والثاني : التقدير الحج حج أشهر معلومات، أي لا حج إلا في هذه الأشهر، ولا يجوز في غيرها كما كان أهل الجاهلية يستجيزونها في غيرها من الأشهر، فحذف المصدر المضاف إلى الأشهر الثالث : يمكن تصحيح الآية من غير إضمار وهو أنه جعل الأشهر نفس الحج لما كان الحج فيها كقولهم : ليل قائم، ونهار صائم. 
المسألة الثانية : أجمع المفسرون على أن شوالا وذا القعدة من أشهر الحج واختلفوا في ذي الحجة، فقال عروة بن الزبير : إنها بكليتها من أشهر الحج وهو قول مالك رحمه الله تعالى، وقال أبو حنيفة رحمه الله : العشر الأول من ذي الحجة من أشهر الحج، وهو قول ابن عباس وابن عمر والنخعي والشعبي ومجاهد والحسن، وقال الشافعي رضي الله عنه : التسعة الأولى من ذي الحجة من ليلة النحر من أشهر الحج، حجة مالك رضي الله عنه من وجوه الأول : أن الله تعالى ذكر الأشهر بلفظ الجمع وأقله ثلاثة. 
الحجة الثانية : أن أيام النحر يفعل فيها بعض ما يتصل بالحج، وهو رمي الجمار والمرأة إذا حاضت فقد تؤخر الطواف الذي لا بد منه إلى انقضاء أيام بعد العشر، ومذهب عروة جواز تأخير طواف الزيارة إلى آخر الشهر والجواب عن الأول : من وجهين أحدهما : أن لفظ الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد، بدليل قوله : فقد صغت قلوبكما  والثاني : أنه نزل بعض الشهر منزلة كله، كما يقال : رأيتك سنة كذا إنما رآه في ساعة منها والجواب عن الثاني : أن رمي الجمار يفعله الإنسان وقد حج بالحلق والطواف والنحر من إحرامه فكأنه ليس من أعمال الحج، والحائض إذا طافت بعده فكأنه في حكم القضاء لا في حكم الأداء، وأما الذين قالوا إن عشرة أيام من أول ذي الحجة هي من أشهر الحج، فقد تمسكوا فيه بوجهين الأول : أن من المفسرين من زعم أن يوم الحج الأكبر يوم النحر والثاني : أن يوم النحر وقت لركن من أركان الحج، وهو طواف الزيارة، وأما الشافعي رضي الله عنه فإنه احتج على قوله بأن الحج يفوت بطلوع الفجر يوم النحر، والعبادة لا تكون فائته مع بقاء وقتها، فهذا تقرير هذه المذاهب. 
بقي ههنا إشكالان الأول : أنه تعالى قال من قبل : يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج  فجعل كل الأهلة مواقيت للحج الثاني : أنه اشتهر عن أكابر الصحابة أنهم قالوا : من إتمام الحج أن يحرم المرء من دويرة أهله، ومن بعد داره البعد الشديد لا يجوز أن يحرم من دويرة أهله بالحج إلا قبل أشهر الحج، وهذا يدل على أن أشهر الحج غير مقيدة بزمان مخصوص والجواب من الأول : أن تلك الآية عامة، وهذه الآية وهي قوله : الحج أشهر معلومات  خاصة والخاص مقدم على العام وعن الثاني : أن النص لا يعارضه الأثر المروي عن الصحابة. 
المسألة الثالثة : قوله تعالى : معلومات  فيه وجوه أحدها : أن الحج إنما يكون في السنة مرة واحدة في أشهر معلومات من شهورها، ليس كالعمرة التي يؤتى بها في السنة مرارا، وأحالهم في معرفة تلك الأشهر على ما كانوا علموه قبل نزول هذا الشرع وعلى هذا القول فالشرع لم يأت على خلاف ما عرفوا وإنما جاء مقررا له الثاني : أن المراد بها معلومات ببيان الرسول عليه الصلاة والسلام الثالث : المراد بها أنها مؤقتة في أوقات معينة لا يجوز تقديمها ولا تأخيرها، لا كما يفعله الذين نزل فيهم  إنما النسيء زيادة في الكفر . 
المسألة الرابعة : قال الشافعي رضي الله عنه : لا يجوز لأحد أن يهل بالحج قبل أشهر الحج، وبه قال أحمد وإسحاق، وقال مالك والثوري وأبو حنيفة رضي الله عنهم : لا يجوز في جميع السنة حجة الشافعي رضي الله عنه قوله : الحج أشهر معلومات  وأشهر جمع تقليل على سبيل التنكير، فلا يتناول الكل، وإنما أكثره إلى عشرة وأدناه ثلاثة وعند التنكير ينصرف إلى الأدنى، فثبت أن المراد أن أشهر الحج ثلاثة، والمفسرون اتفقوا على أن تلك الثلاثة : شوال، وذو القعدة، وبعض من ذي الحجة، وإذا ثبت هذا فنقول : وجب أن لا يجوز إحرام بالحج قبل الوقت، ويدل عليه ثلاثة أوجه الأول : أن الإحرام بالعبادة قبل وقت الأداء لا يصح قياسا على الصلاة الثاني : أن الخطبة في صلاة الجمعة لا تجوز قبل الوقت، لأنها أقيمت مقام ركعتين من الظهر، حكما فلأن لا يصح الإحرام وهو شروع في العبادة أولى الثالث : أن الإحرام لا يبقى صحيحا لأداء الحج إذا ذهب وقت الحج قبل الأداء فلأن لا ينعقد صحيحا لأداء الحج قبل الوقت أولى لأن البقاء أسهل من الابتداء، حجة أبي حنيفة رضي الله عنه وجهان الأول : قوله تعالى : ويسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج  فجعل الأهلة كلها مواقيت للحج، وهي ليست بمواقيت للحج فثبت إذن أنها مواقيت لصحة الإحرام، ويجوز أن يسمى الإحرام حجا مجازا كما سمي الوقت حجا في قوله : الحج أشهر معلومات  بل هذا أولى لأن الإحرام إلى الحج أقرب من الوقت. 
والحجة الثانية : أن الإحرام التزام للحج، فجاز تقديمه على الوقت كالنذر. 
والجواب عن الأول : أن الآية التي ذكرناها أخص من الآية التي تمسكتم بها. 
والجواب عن الثاني : أن الفرق بين النذر وبين الإحرام أن الوقت معتبر للأداء والاتصال للنذر بالأداء بدليل أن الأداء لا يتصور إلا بعقد مبتدأ وأما الإحرام فإنه مع كونه التزاما فهو أيضا شروع في الأداء وعقد عليه، فلا جرم افتقر إلى الوقت. 
وقوله تعالى : فمن فرض فيهن الحج  فيه مسألتان :
المسألة الأولى : معنى  فرض  في اللغة ألزم وأوجب، يقال : فرضت عليك كذا أي أوجبته وأصل معنى الفرض في اللغة الحز والقطع، قال ابن الأعرابي : الفرض الحز في القدح وفي الوتد وفي غيره، وفرضة القوس، الحز الذي يقع فيه الوتر، وفرضة الوتد الحز الذي فيه، ومنه فرض الصلاة وغيرها، لأنها لازمة للعبد، كلزوم الحز للقدح، ففرض ههنا بمعنى أوجب، وقد جاء في القرآن : فرض بمعنى أبان، وهو قوله : سورة أنزلناها وفرضناها  بالتخفيف، وقوله : قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم  وهذا أيضا راجع إلى معنى القطع، لأن من قطع شيئا فقد أبانه من غيره والله تعالى إذا فرض شيئا أبانه عن غيره، ففرض بمعنى أوجب، وفرض بمعنى أبان، كلاهما يرجع إلى أصل واحد. 
المسألة الثانية : اعلم أن في هذه الآية حذفا، والتقدير : فمن ألزم نفسه فيهن الحج، والمراد بهذا الفرض ما به يصير المحرم محرما إذ لا خلاف أنه لا يصير حاجا إلا بفعل يفعله، فيخرج عن أن يكون حلالا ويحرم عليه الصيد واللبس والطيب والنساء والتغطية للرأس إلى غير ذلك ولأجل تحريم هذه الأمور عليه سمي محرما، لأنه فعل ما حرم به هذه الأشياء على نفسه ولهذا السبب أيضا سميت البقعة حرما لأنه يحرم ما يكون فيها مما لولاه كان لا يحرم فقوله تعالى : فمن فرض فيهن الحج  يدل على أنه لا بد للمحرم من فعل يفعله لأجله يصير حاجا ومحرما، ثم اختلف الفقهاء في أن ذلك الفعل ما هو ؟ قال الشافعي رضي الله عنه : أنه ينعقد الإحرام بمجرد النية من غير حاجة إلى التلبية وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا يصح الشروع في الإحرام بمجرد النية حتى ينضم إليها التلبية أو سوق الهدى، قال القفال رحمه الله في تفسيره : يروى عن جماعة أن من أشعر هدية أو قلده فقد أحرم، وروى نافع عن ابن عمر أنه قال : إذا قلد أو أشعر فقد أحرم، وعن ابن عباس : إذا قلد الهدي وصاحبه يريد العمرة والحج فقد أحرم، حجة الشافعي رضي الله عنه وجوه :
الحجة الأولى : قوله تعالى : فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج  وفرض الحج لا يمكن أن يكون عبارة عن التلبية أو سوق الهدي فإنه لا إشعار البتة في التلبية بكونه محرما لا بحقيقة ولا بمجاز فلم يبق إلا أن يكون فرض الحج عبارة عن النية، وفرض الحج موجب لانعقاد الحج، بدليل قوله تعالى : فلا رفث  فوجب أن تكون النية كافية في انعقاد الحج. 
الحجة الثانية : ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام :" وإنما لكل امرئ ما نوى ". 
الحجة الثالثة : القياس وهو أن ابتداء الحج كف عن المحظورات، فيصح الشروع فيه بالنية كالصوم، حجة أبي حنيفة رضي الله عنه وجهان الأول : ما روى أبو منصور الماتريدي في تفسيره عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : لا يحرم إلا من أهل أو لبى الثاني : أن الحج عبادة لها تحليل وتحريم فلا يشرع فيه إلا بنفس النية كالصلاة. 
وأما قوله تعالى : فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو  فلا رفث ولا فسوق  بالرفع والتنوين  ولا جدال  بالنصب، والباقون قرؤوا الكل بالنصب. 
واعلم أن الكلام في الفرق بين القراءتين في المعنى يجب أن يكون مسبوقا بمقدمتين الأولى : أن كل شيء له اسم، فجوهر الاسم دليل على جوهر المسمى، وحركات الاسم وسائر أحواله دليل على أحوال المسمى، فقولك : رجل يفيد الماهية المخصوصة، وحركات هذه اللفظة، أعني كونها منصوبة ومرفوعة ومجرورة، دال على أحوال تلك الماهية وهي المفعولية والفاعلية والمضافية، وهذا هو الترتيب العقلي حتى يكون الأصل بإزاء الأصل، والصفة بإزاء الصفة، فعلى هذا الأسماء الدالة على الماهيات ينبغي أن يتلفظ بها ساكنة الأواخر فيقال : رحل جدار حجر، وذلك لأن تلك الحركات لما وضعت لتعريف أحوال مختلفة في ذات المسمى فحيث أريد تعريف المسمى من غير التفات إلى تعريف شيء من أحواله وجب جعل اللفظ خاليا عن الحركات، فإن أريد في بعض الأوقات تحريكه وجب أن يقال بالنصب، لأنه أخف الحركات وأقربها إلى السكون. 
المقدمة الثانية : إذا قلت : لا رجل بالنصب، فقد نفيت الماهية، وانتفاء الماهية يوجب انتفاء جميع أفرادها قطعا، أما إذا قلت : لا رجل بالرفع والتنوين، فقد نفيت رجلا منكرا مبهما، وهذا بوصفه لا يوجب انتفاء جميع أفراد هذه الماهية إلا بدليل منفصل، فثبت أن قولك : لا رجل بالنصب أدل على عموم النفي من قولك : لا رجل بالرفع والتنوين. 
إذا عرفت هاتين المقدمتين فلنرجع إلى الفرق بين القراءتين فنقول : أما الذين قرؤوا ثلاثة : بالنصب فلا إشكال وأما الذين قرؤوا الأولين بالرفع مع التنوين، والثالث بالنصب فذلك يدل على أن الاهتمام بنفي الجدال أشد من الإهتمام بنفي الرفث والفسوق وذلك لأن الرفث عبارة عن قضاء الشهوة والجدال مشتمل على ذلك، لأن المجادل يشتهي تمشية قوله، والفسوق عبارة عن مخالفة أمر الله، والمجادل لا ينقاد للحق، وكثيرا ما يقدم على الإيذاء والإيحاش المؤدي إلى العداوة والبغضاء فلما كان الجدال مشتملا على جميع أنواع القبح لا جرم خصه الله تعالى في هذه القراءة بمزيد الزجر والمبالغة في النفي، أما المفسرون فإنهم قالوا : من قرأ الأولين بالرفث والثالث بالنصب فقد حمل الأولين على معنى النهي، كأنه قيل : فلا يكون رفث ولا فسوق وحمل الثالث على الإخبار بانتفاء ال

### الآية 2:198

> ﻿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ [2:198]

قوله تعالى  ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كم هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين  فيه مسائل :
المسألة الأولى : في الآية حذف والتقدير : ليس عليكم جناح في أن تبتغوا فضلا والله أعلم. 
المسألة الثانية : اعلم أن الشبهة كانت حاصلة في حرمة التجارة في الحج من وجوه :
أحدها : أنه تعالى منع عن الجدال فيما قبل هذه الآية، والتجارة كثيرة الإفضاء إلى المنازعة بسبب المنازعة في قلة القيمة وكثرتها، فوجب أن تكون التجارة محرمة وقت الحج وثانيها : أن التجارة كانت محرمة وقت الحج في دين أهل الجاهلية، فظاهر ذلك شيء مستحسن لأن المشتغل بالحج مشتغل بخدمة الله تعالى، فوجب أن لا يتلطخ هذا العمل منه بالأطماع الدنيوية وثالثها : أن المسلمين لما علموا أنه صار كثير من المباحات محرمة عليهم في وقت الحج، كاللبس والطيب والاصطياد والمباشرة مع الأهل غلب على ظنهم أن الحج لما صار سببا لحرمة اللبس مع مساس الحاجة إليه فبأن يصير سببا لحرمة التجارة مع قلة الحاجة إليها كان أولى ورابعها : عند الاشتغال بالصلاة يحرم الاشتغال بسائر الطاعات فضلا عن المباحات فوجب أن يكون الأمر كذلك في الحج فهذه الوجوه تصلح أن تصير شبهة في تحريم الاشتغال بالتجارة عند الاشتغال بالحج، فلهذا السبب بين الله تعالى ههنا أن التجارة جائزة غير محرمة، فإذا عرفت هذا فنقول : المفسرون ذكروا في تفسير قوله : أن تبتغوا فضلا من ربكم  وجهين الأول : أن المراد هو التجارة، ونظيره قوله تعالى : وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله  وقوله : جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله  ثم الذي يدل على صحة هذا التفسير وجهان الأول : ما روى عطاء عن ابن مسعود وابن الزبير أنهما قرآ :( أن تبتغوا فضلا من ربكم ) في مواسم الحج، والثاني : الروايات المذكورة في سبب النزول. 
فالرواية الأولى : قال ابن عباس : كان ناس من العرب يحترزون من التجارة في أيام الحج وإذا دخل العشر بالغوا في ترك البيع والشراء بالكلية، وكانوا يسمون التاجر في الحج : الداج ويقولون : هؤلاء الداج، وليسوا بالحاج، ومعنى الداج : المكتسب الملتقط، وهو مشتق من الدجاجة، وبالغوا في الإحتراز عن الأعمال، إلى أن امتنعوا عن إغاثة الملهوف، وإغاثة الضعيف وإطعام الجائع، فأزال الله تعالى هذا الوهم، وبين أنه لا جناح في التجارة، ثم أنه لما كان ما قبل هذه الآية في أحكام الحج، وما بعدها أيضا في الحج، وهو قوله : فإذا أفضتم من عرفات  دل ذلك على أن هذا الحكم واقع في زمان الحج، فلهذا السبب استغنى عن ذكره. 
والرواية الثانية : ما روي عن ابن عمر أن رجلا قال له إنا قوم نكري وإن قوما يزعمون أنه لا حج لنا، فقال : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما سألت ولم يرد عليه حتى نزل قوله : ليس عليكم جناح  فدعاه وقال : أنتم حجاج وبالجملة فهذه الآية نزلت ردا على من يقول : لا حج للتجار والأجراء والجمالين. 
والرواية الثالثة : أن عكاظ ومجنة وذا المجاز كانوا بتجرون في أيام الموسم فيها، وكانت معايشهم منها، فلما جاء الإسلام كرهوا أن يتجرون في الحج بغير إذن، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية. 
والرواية الرابعة : قال مجاهد : إنهم كانوا لا يتبايعون في الجاهلية بعرفة ولا منى، فنزلت هذه الآية. 
إذا ثبت صحة هذا القول فنقول : أكثر الذاهبين إلى هذا القول حملوا الآية على التجارة في أيام الحج، وأما أبو مسلم فإنه حمل الآية على ما بعد الحج، قال والتقدير : فاتقون في كل أفعال الحج، ثم بعد ذلك  ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم  ونظيره قوله تعالى : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله . 
واعلم أن هذا القول ضعيف من وجوه أحدها : الفاء في قوله : فإذا أفضتم من عرفات  يدل على أن هذه الإفاضة حصلت بعد انتفاء الفضل، وذلك يدل على وقوع التجارة في زمان الحج وثانيها : أن حمل الآية على موضع الشبهة أولى من حملها لا على موضع الشبهة ومعلوم أن محل الشبهة هو التجارة في زمن الحج، فأما بعد الفراغ من الحج فكل أحد يعلم حل التجارة. 
أما ما ذكره أبو مسلم من قياس الحج على الصلاة فجوابه : أن الصلاة أعمالها متصلة فلا يصح في أثنائها التشاغل بغيرها، وأما أعمال الحج فهي متفرقة بعضها عن بعض، ففي خلالها يبقى المرء على الحكم الأول حيث لم يكن حاجا لا يقال : بل حكم الحج باق في كل تلك الأوقات، بدليل أن حرمة التطيب واللبس وأمثالهما باقية، لأنا نقول : هذا قياس في مقابلة النص فيكون ساقطا. 
القول الثالث : أن المراد بقوله تعالى : أن تبتغوا فضلا من ربكم  هو أن يبتغي الإنسان حال كونه حاجا أعمالا أخرى تكون موجبة لاستحقاق فضل الله ورحمته مثل إعانة الضعيف، وإغاثة الملهوف، وإطعام الجائع، وهذا القول منسوب إلى أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهم السلام، واعترض القاضي عليه بأن هذا واجب أو مندوب، ولا يقال في مثله : لا جناح عليكم فيه، وإنما يذكر هذا اللفظ في المباحات. 
والجواب : لا نسلم أن هذا اللفظ لا يذكر إلا في المباحات والدليل عليه قوله تعالى : فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة  والقصر بالاتفاق من المندوبات، وأيضا فأهل الجاهلية كانوا يعتقدون أن ضم سائر الطاعات إلى الحج يوقع خللا في الحج ونقصا فيه، فبين الله تعالى أن الأمر ليس كذلك بقوله : لا جناح عليكم . 
المسألة الثالثة : اتفقوا على أن التجارة إذا أوقعت نقصانا في الطاعة لم تكن مباحة، أما إن لم توقع نقصانا البتة فيها فهي من المباحات التي الأولى تركها، لقوله تعالى : وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين  والإخلاص أن لا يكون له حامل على الفعل سوى كونه عبادة، وقال عليه السلام حكاية عن الله تعالى :**« أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه غيري تركته وشركه »** والحاصل أن الإذن في هذه التجارة جار مجرى الرخص. 
قوله تعالى : فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام  فيه مسائل :
المسألة الأولى : الإفاضة الإندفاع في السير بكثرة، ومنه يقال : أفاض البعير بحرته، إذا وقع بها فألقاها منبثة، وكذلك أفاض الأقداح في الميسر، معناه جميعها ثم ألقاها متفرقة، وإفاضة الماء من هذا لأنه إذا صب تفرق والإفاضة في الحديث إنما هي الإندفاع فيه بإكثار وتصرف في وجوهه، وعليه قوله تعالى : إذ تفيضون فيه  ومنه يقال للناس : فوض، وأيضا جمعهم فوضى ويقال : أفاضت العين دمعها فأصل هذه الكلمة الدفع للشيء حتى يتفرق. فقوله تعالى : أفضتم  أي دفعتم بكثرة، وأصله أفضتم أنفسكم، فترك ذكر المفعول، كما ترك في قولهم : دفعوا من موضع كذا وصبوا، وفي حديث أبي بكر رضي الله عنه : ونزل في وادي قيروان وهو يخدش بعيره بمحجنه. 
المسألة الثانية : عرفات  جمع عرفة، سميت بها بقعة واحدة، كقولهم : ثوب أخلاق، وبرمة أعشار، وأرض سباسب، والتقدير : كأن كل قطعة من تلك الأرض عرفة فسمى مجموع تلك القطع بعرفات، فإن قيل : هلا منعت من الصرف وفيها السببان : التعريف والتأنيث قلنا : هذه اللفظة في الأصل اسم لقطع كثيرة من الأرض كل واحدة منها مسماة بعرفة، وعلى هذا التقدير لم يكن علما ثم جعلت علما لمجموع تلك القطع فتركوها بعد ذلك على أصلها في عدم الصرف. 
المسألة الثالثة : اعلم أن اليوم الثامن من ذي الحجة يسمى بيوم التروية، واليوم التاسع منه يسمى بيوم عرفة، وذلك الموضع المخصوص سمي بعرفات، وذكروا في تعليل هذه الأسماء وجوها أما يوم التروية ففيه قولان أحدهما : من روى يروى تروية، إذا تفكر وأعمل فكره ورويته والثاني : من رواه من الماء يرويه إذا سقاه من عطش أما الأول : ففيه ثلاثة أقوال أحدها : أن آدم عليه السلام أمر ببناء البيت، فلما بناه تفكر فقال : رب إن لكل عامل أجرا فما أجري على هذا العمل ؟ قال : إذا طفت به غفرت لك ذنوبك بأول شوط من طوافك، قال : يا رب زدني قال : أغفر لأولادك إذا طافوا به، قال : زدني قال : أغفر لكل من استغفر له الطائفون من موحدي أولادك، قال : حسبي يا رب حسبي وثانيها : أن إبراهيم عليه السلام رأى في منامه ليلة التروية كأنه يذبح ابنه فأصبح مفكرا هل هذا من الله تعالى أو من الشيطان ؟ فلما رآه ليلة عرفة يؤمر به أصبح فقال : عرفت يا رب أنه من عندك وثالثها : أن أهل مكة يخرجون يوم التروية إلى منى فيروون في الأدعية التي يريدون أن يذكروها في غدهم بعرفات. 
أما القول الثاني : وهو اشتقاقه من تروية الماء، ففيه ثلاثة أقوال : أحدها : أن أهل مكة كانوا يخفون الماء للحجيج الذين يقصدونهم من الآفاق، وكان الحاج يستريحون في هذا اليوم من مشاق السفر، ويتسعون في الماء، ويروون بهائمهم بعد مقاساتهم قلة الماء في طريقهم والثاني : أنهم يتزودون الماء إلى عرفة والثالث : أن المذنبين كالعطاش الذي وردوا بحار رحمة الله فشربوا منها حتى رووا، وأما فضل هذا اليوم فدل عليه قوله تعالى : والشفع والوتر  عن ابن عباس بأن الشفع التروية وعرفة، والوتر يوم النحر، وعن عبادة أنه عليه الصلاة والسلام قال :**« صيام عشر الأضحى كل يوم منها كالشهر، ولمن يصوم يوم التروية سنة، ولمن يصوم يوم عرفة سنتان »** وروى أنس أنه عليه الصلاة والسلام قال :**« من صام يوم التروية أعطاه الله مثل ثواب أيوب على بلائه، ومن صام يوم عرفة أعطاه الله تعالى مثل ثواب عيسى بن مريم عليه السلام »**. 
وأما يوم عرفة فله عشرة أسماء، خمسة منها مختصة به، وخمسة مشتركة بينه وبين غيره، أما الخمسة الأولى فأحدها : عرفة، وفي اشتقاقه ثلاثة أقوال : أحدها : أنه مشتق من المعرفة، وفيه ثمانية أقوال الأول : قول ابن عباس : إن آدم وحواء التقيا بعرفة فعرف أحدهما صاحبه فسمي اليوم عرفة، والموضع عرفات، وذلك أنهما لما أهبطا من الجنة وقع آدم بسرنديب، وحواء بجدة، وإبليس بنيسان، والحية بأصفهان، فلما أمر الله تعالى آدم بالحج لقي حواء بعرفات فتعارفا وثانيها : أن آدم علمه جبريل مناسك الحج، فلما وقف بعرفات قال له : أعرفت ؟ قال نعم، فسمي عرفات وثالثها : قول علي وابن عباس وعطاء والسدي : سمي الموضع عرفات لأن إبراهيم عليه السلام عرفها حين رآها بما تقدم من النعت والصفة ورابعها : أن جبريل كان علم إبراهيم عليه السلام المناسك، وأوصله إلى عرفات، وقال له : أعرفت كيف تطوف وفي أي موضع تقف ؟ قال نعم وخامسها : أن إبراهيم عليه السلام وضع ابنه إسماعيل وأمه هاجر بمكة ورجع إلى الشام ولم يلتقيا سنين، ثم التقيا يوم عرفة بعرفات وسادسها : ما ذكرناه من أمر منام إبراهيم عليه السلام وسابعها : أن الحاج يتعارفون فيه بعرفات إذا وقفوا وثامنها : أنه تعالى يتعرف فيه إلى الحاج بالمغفرة والرحمة. 
القول الثاني : في اشتقاق عرفة أنه من الإعتراف لأن الحجاج إذا وقفوا في عرفة اعترفوا للحق بالربوبية والجلال والصمدية والإستغناء ولأنفسهم بالفقر والذلة والمسكنة والحاجة ويقال : إن آدم وحواء عليهما السلام لما وقفا بعرفات قالا : ربنا ظلمنا أنفسنا، فقال الله سبحانه وتعا

### الآية 2:199

> ﻿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2:199]

قوله تعالى ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم . 
فيه قولان الأول : المراد به الإفاضة من عرفات، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا فالأكثرون منهم ذهبوا إلى أن هذه الآية أمر لقريش وحلفائها وهم الحمس، وذلك أنهم كانوا لا يتجاوزون المزدلفة ويحتجون بوجوه أحدها : أن الحرم أشرف من غيره فوجب أن يكون الوقوف به أولى وثانيها : أنهم كانوا يترفعون على الناس ويقولون : نحن أهل الله فلا نحل حرم الله وثالثها : أنهم كانوا لو سلموا أن الموقف هو عرفات لا الحرم، لكان ذلك يوهم نقصا في الحرم ثم ذلك النقص كان يعود إليهم، ولهذا كان الحمس لا يقفون إلا في المزدلفة، فأنزل الله تعالى هذه الآية أمرا لهم بأن يقفوا في عرفات، وأن يفيضوا منها كما تفعله سائر الناس، وروي أن النبي عليه الصلاة والسلام لما جعل أبا بكر أميرا في الحج أمره بإخراج الناس إلى عرفات، فلما ذهب مر على الحمس وتركهم فقالوا له : إلى أين وهذا مقام آبائك وقومك فلا تذهب، فلم يلتفت إليهم ومضى بأمر الله إلى عرفات ووقف بها، وأمر سائر الناس بالوقوف بها، وعلى هذا التأويل فقوله : من حيث أفاض الناس  يعني لتكن إفاضتكم من حيث أفاض سائر الناس الذين هم واقفون بعرفات، ومن القائلين بأن المراد بهذه الآية الإفاضة من عرفات من يقول قوله : ثم أفيضوا  أمر عام لكل الناس، وقوله : من حيث أفاض الناس  المراد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، فإن سنتهما كانت الإفاضة من عرفات، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقف في الجاهلية بعرفة كسائر الناس، ويخالف الحمس، وإيقاع اسم الجمع على الواحد جائز إذا كان رئيسا يقتدي به، وهو كقوله تعالى : الذين قال لهم الناس  يعني نعيم بن مسعود  إن الناس قد جمعوا لكم  يعني أبا سفيان، وإيقاع اسم الجمع على الواحد المعظم مجاز مشهور، ومنه قوله : إنا أنزلناه في ليلة القدر  وفي الآية وجه ثالث ذكره القفال رحمه الله، وهو أن يكون قوله : من حيث أفاض الناس  عبارة عن تقادم الإفاضة من عرفة وأنه هو الأمر القديم وما سواه فهو مبتدع محدث كما يقال : هذا مما فعله الناس قديما، فهذا جملة الوجوه في تقرير مذهب من قال : المراد من هذه الإفاضة من عرفات. 
القول الثاني : وهو اختيار الضحاك : أن المراد من هذه الإفاضة من المزدلفة إلى منى يوم النحر قبل طلوع الشمس للرمي والنحر وقوله : من حيث أفاض  المراد بالناس إبراهيم وإسماعيل وأتباعهما، وذلك أنه كانت طريقتهم الإفاضة من المزدلفة قبل طلوع الشمس على ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، والعرب الذين كانوا واقفين بالمزدلفة كانوا يفيضون بعد طلوع الشمس، فالله تعالى أمرهم بأن تكون إفاضتهم من المزدلفة في الوقت الذي كان يحصل فيه إفاضة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام واعلم أن على كل واحد من القولين إشكالا :
أما الإشكال على القول الأول : فهو أن قوله تعالى : ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس  يقتضي ظاهره أن هذه الإفاضة غير ما دل عليه قوله : فإذا أفضتم من عرفات  لمكان  ثم  فإنها توجب الترتيب، ولو كان المراد من هذه الآية : الإفاضة من عرفات، مع أنه معطوف على قوله  فإذا أفضتم من عرفات  كان هذا عطفا للشيء على نفسه وأنه غير جائز ولأنه يصير تقدير الآية : فإذا أفضتم من عرفات، ثم أفيضوا من عرفات وإنه غير جائز. 
فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : هذه الآية متقدمة على ما قبلها، والتقدير : فاتقون يا أولي الألباب، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، واستغفروا الله إن الله غفور رحيم، ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم، فإذا أفضتم من عرفات فذكروا الله، وعلى هذا الترتيب يصح في هذه الإفاضة أن تكون تلك بعينها. 
قلنا : هذا وإن كان محتملا إلا أن الأصل عدمه، وإذا أمكن حمل الكلام على القول الثاني من غير التزام إلى ما ذكرتم فأي حاجة بنا إلى التزامه. 
وأما الإشكال على القول الثاني : فهو أن القول لا يتمشى إلا إذا حملنا لفظ  من حيث  في قوله : من حيث أفاض الناس  على الزمان، وذلك غير جائز، فإنه مختص بالمكان لا بالزمان. 
أجاب القائلون بالقول الأول : عن ذلك السؤال بأن  ثم  ههنا على مثال ما في قوله تعالى : وما أدراك ما العقبة فك رقبة  إلى قوله : ثم كان من الذين آمنوا  أي كان مع هذا من المؤمنين، ويقول الرجل لغيره : قد أعطيتك اليوم كذا وكذا، ثم أعطيتك أمس كذا فإن فائدة كلمة  ثم  ههنا تأخر أحد الخبرين عن الآخر، لا تأخر هذا المخبر عنه عن ذلك المخبر عنه. 
وأجاب القائلون بالقول الثاني : بأن التوقيت بالزمان والمكان يتشابهان جدا فلا يبعد جعل اللفظ المستعمل في أحدهما مستعملا في الآخر على سبيل المجاز. 
أما قوله : من حيث أفاض الناس  فقد ذكرنا أن المراد من  الناس  إما الواقفون بعرفات وإما إبراهيم وإسمعيل عليهما السلام وأتباعهما، وفيه قول ثالث وهو قول الزهري. أن المراد بالناس في هذه الآية : آدم عليه السلام، واحتج بقراءة سعيد بن جبير  ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس  وقال : هو آدم نسي ما عهد إليه، ويروى أنه قرأ  الناس  بكسر السين اكتفاء بالكسرة عن الياء، والمعنى : أن الإفاضة مع عرفات شرع قديم فلا تتركوه. 
أما قوله تعالى : واستغفروا الله  فالمراد منه الاستغفار باللسان مع التوبة بالقلب، وهو أن يندم على كل تقصير منه في طاعة الله ويعزم على أن لا يقصر فيما بعد، ويكون غرضه في ذلك تحصيل مرضات الله تعالى لا لمنافعه العاجلة كما أن ذكر الشهادتين لا ينفع إلا والقلب حاضر مستقر على معناهما، وأما الاستغفار باللسان من غير حصول التوبة بالقلب فهو إلى الضرر أقرب. 
فإن قيل : كيف أمر بالاستغفار مطلقا، وربما كان فيهم من لم يذنب فحينئذ لا يحتاج إلى الاستغفار. 
والجواب : أنه إن كان مذنبا فالاستغفار واجب، وإن لم يذنب إلا أنه يجوز من نفسه أنه قد صدر عنه تقصير في أداء الواجبات، والاحتراز عن المحظورات، وجب عليه الاستغفار أيضا تداركا لذلك الخلل المجوز، وإن قطع بأنه لم يصدر عنه البتة خلل في شيء من الطاعات، فهذا كالممتنع في حق البشر، فمن أين يمكنه هذا القطع في عمل واحد، فكيف في أعمال كل العمر، إلا أن بتقدير إمكانه فالاستغفار أيضا واجب، وذلك لأن طاعة المخلوق لا تليق بحضرة الخالق، ولهذا قالت الملائكة : سبحانك ما عبدناك حق عبادتك، فكان الاستغفار لازما من هذه الجهة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام :**« إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة »**
وأما قوله تعالى : إن الله غفور رحيم  قد علمت أن غفورا يفيد المبالغة، وكذا الرحيم، ثم في الآية مسألتان :
المسألة الأولى : هذه الآية تدل على أنه تعالى يقبل التوبة من التائب، لأنه تعالى لما أمر المذنب بالاستغفار، ثم وصف نفسه بأنه كثير الغفران كثير الرحمة، فهذا يدل قطعا على أنه تعالى يغفر لذلك المستغفر، ويرحم ذلك الذي تمسك بحبل رحمته وكرمه. 
المسألة الثانية : اختلف أهل العلم في المغفرة الموعودة في هذه الآية فقال قائلون : إنها عند الدفع من عرفات إلى الجمع، وقال آخرون : إنها عند الدفع من الجمع إلى منى، وهذا الاختلاف مفرع على ما ذكرنا أن قوله : ثم أفيضوا  على أي الأمرين يحمل ؟ قال القفال رحمه الله : ويتأكد القول الثاني بما روى نافع عن ابن عمر، قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية يوم عرفة فقال :**« يا أيها الناس إن الله عز وجل يطلع عليكم في مقامكم هذا، فقبل من محسنكم ووهب مسيئكم لمحسنكم، والتبعات عوضها من عنده أفيضوا على اسم الله »** فقال أصحابه : يا رسول الله أفضت بنا بالأمس كئيبا حزينا وأفضت بنا اليوم فرحا مسرورا، فقال عليه الصلاة والسلام :**« إني سألت ربي عز وجل بالأمس شيئا لم يجد لي به : سألته التبعات فأبى علي به فلما كان اليوم أتاني جبريل عليه السلام فقال : إن ربك يقرئك السلام ويقول لك : التبعات ضمنت عوضها من عندي »** اللهم اجعلنا من أهله بفضلك يا أكرم الأكرمين.

### الآية 2:200

> ﻿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ [2:200]

قوله تعالى : فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا  فيه مسائل :
المسألة الأولى : روى ابن عباس أن العرب كانوا عند الفراغ من حجتهم بعد أيام التشريق يقفون بين مسجد منى وبين الجبل، ويذكر كل واحد منهم فضائل آبائه في السماحة والحماسة وصلة الرحم، ويتناشدون فيها الأشعار، ويتكلمون بالمنثور من الكلام، ويريد كل واحد منهم من ذلك الفعل حصول الشهرة والترفع بمآثر سلفه، فلما أنعم الله عليهم بالإسلام أمرهم أن يكون ذكرهم لربهم كذكرهم لآبائهم، وروى القفال في ****«تفسيره »**** عن ابن عمر قال : طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته القصوى يوم الفتح يستلم الركن بمحجنه ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال :" أما بعد أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم حمية الجاهلية وتفككها، يا أيها الناس إنما الناس رجلان بر تقي كريم على الله أو فاجر شقي هين على الله ثم تلا  يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى  أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم " وعن السدي أن العرب بمنى بعد فراغهم من الحج كان أحدهم يقول : اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة، عظيم القدر، كثير المال، فأعطني مثل ما أعطيته، فأنزل الله تعالى هذه الآية. 
المسألة الثانية : اعلم أن القضاء إذا علق بفعل النفس، فالمراد به الإتمام والفراغ، وإذا علق على فعل الغير فالمراد به الإلزام، نظير الأول قوله تعالى : فقضاهن سبع سموات في يومين، فإذا قضيت الصلاة  وقال عليه الصلاة والسلام :" وما فاتكم فاقضوا " ويقال في الحاكم عند فصل الخصومة قضى بينهما، ونظير الثاني قوله تعالى : وقضى ربك  وإذا استعمل في الإعلام، فالمراد أيضا ذلك كقوله : وقضينا إلى بنى إسرائيل في الكتاب  يعني أعلمناهم. 
إذا ثبت هذا فنقول : قوله تعالى : فإذا قضيتم مناسككم  لا يحتمل إلا الفراغ من جميعه خصوصا وذكر كثير منه قد تقدم من قبل، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون المراد : اذكروا الله عند المناسك ويكون المراد من هذا الذكر ما أمروا به من الدعاء بعرفات والمشعر الحرام والطواف والسعي ويكون قوله : فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله  كقول القائل إذا حججت فطف وقف بعرفة ولا يعني به الفراغ من الحج بل الدخول فيه، وهذا القول ضعيف لأنا بينا أن قوله : فإذا قضيتم مناسككم  مشعر بالفراغ والإتمام من الكل، وهذا مفارق لقول القائل : إذا حججت فقف بعرفات، لأن مراده هناك الدخول في الحج لا الفراغ، وأما هذه الآية فلا يجوز أن يكون المراد منها إلا الفراغ من الحج. 
المسألة الثالثة :**«المناسك »** جمع منسك الذي هو المصدر بمنزلة النسك، أي إذا قضيتم عباداتكم التي أمرتم بها في الحج، وإن جعلتها جمع منسك الذي هو موضع العبادة، كان التقدير : فإذا قضيتم أعمال مناسككم، فيكون من باب حذف المضاف. 
إذا عرفت هذا فنقول : قال بعض المفسرين : المراد من المناسك ههنا ما أمر الله تعالى به الناس في الحج من العبادات، وعن مجاهد أن قضاء المناسك هو إراقة الدماء. 
المسألة الرابعة : الفاء في قوله : فاذكروا الله  يدل على أن الفراغ من المناسك يوجب هذا الذكر، فلهذا اختلفوا في أن هذا الذكر أي ذكر هو ؟ فمنهم من حمله على الذكر على الذبيحة، ومنهم من حمله على الذكر الذي هو التكبيرات بعد الصلاة في يوم النحر وأيام التشريق، على حسب اختلافهم في وقته أولا وآخرا، لأن بعد الفراغ من الحج لا ذكر مخصوص إلا هذه التكبيرات، ومنهم من قال : بل المراد تحويل القوم عما اعتادوه بعد الحج من ذكر التفاخر بأحوال الآباء لأنه تعالى لو لم ينه عن ذلك بإنزال هذه الآية لم يكونوا ليعدلوا عن هذه الطريقة الذميمة، فكأنه تعالى قال : فإذا قضيتم وفرغتم من واجبات الحج وحللتم فتوفروا على ذكر الله دون ذكر الآباء، ومنهم من قال : بل المراد منه أن الفراغ من الحج يوجب الإقبال على الدعاء والاستغفار، وذلك لأن من تحمل مفارقة الأهل والوطن وإنفاق الأموال، والتزام المشاق في سفر الحج فحقيق به بعد الفراغ منه أن يقبل على الدعاء والتضرع وكثرة الاستغفار والانقطاع إلى الله تعالى، وعلى هذا جرت السنة بعد الفراغ من الصلاة بالدعوات الكثيرة وفيه وجه خامس وهو أن المقصود من الاشتغال بهذه العبادة : قهر النفس ومحو آثار النفس والطبيعة ثم هذا العزم ليس مقصودا بالذات بل المقصود منه أن تزول النقوش الباطلة عن لوح الروح حتى يتجلى فيه نور جلال الله، والتقدير : فإذا قضيتم مناسككم وأزلتم آثار البشرية، وأمطتم الأذى عن طريق السلوك فاشتغلوا بعد ذلك بتنوير القلب بذكر الله، فالأول نفي والثاني إثبات والأول إزالة ما دون الحق من سنن الآثار والثاني استنارة القلب بذكر الملك الجبار. 
أما قوله تعالى : كذكركم آباءكم  ففيه وجوه أحدها : وهو قول جمهور المفسرين : أنا ذكرنا أن القوم كانوا بعد الفراغ من الحج يبالغون في الثناء على آبائهم في ذكر مناقبهم وفضائلهم فقال الله سبحانه وتعالى : فاذكروا الله كذكركم آباءكم  يعني توفروا على ذكر الله كما كنتم تتوفرون على ذكر الآباء وابذلوا جهدكم في الثناء على الله وشرح آلائه ونعمائه كما بذلتم جهدكم في الثناء على آبائكم لأن هذا أولى وأقرب إلى العقل من الثناء على الآباء، فإن ذكر مفاخر الآباء إن كان كذبا فذلك يوجب الدناءة في الدنيا والعقوبة في الآخرة وإن كان صدقا فذلك يوجب العجب والكبر وكثرة الغرور، وكل ذلك من أمهات المهلكات، فثبت أن اشتغالكم بذكر الله أولى من أشغالكم بمفاخر آبائكم، فإن لم تحصل الأولوية فلا أقل من التساوي وثانيها : قال الضحاك والربيع : اذكروا الله كذكركم آباءكم وأمهاتكم، واكتفى بذكر الآباء عن الأمهات كقوله :
 سرابيل تقيكم الحر  قالوا وهو قول الصبي أول ما يفصح الكلام أبه أبه، أمه أمه، أي كونوا مواظبين على ذكر الله كما يكون الصبي في صغره مواظبا على ذكر أبيه وأمه وثالثها : قال أبو مسلم : جرى ذكر الآباء مثلا لدوام الذكر، والمعنى أن الرجل كما لا ينسى ذكر أبيه فكذلك يجب أن لا يغفل عن ذكر الله ورابعها : قال ابن الأنباري في هذه الآية : إن العرب كان أكثر أقسامها في الجاهلية بالآباء كقوله وأبي وأبيكم وجدي وجدكم، فقال تعالى : عظموا الله كتعظيمكم آبائكم وخامسها : قال بعض المذكورين : المعنى اذكروا الله بالوحدانية كذكركم آبائكم بالوحدانية فإن الواحد منهم لو نسب إلى والدين لتأذى واستنكف منه ثم كان يثبت لنفسه آلهة فقيل لهم : اذكروا الله بالوحدانية كذكركم آبائكم بالوحدانية، بل المبالغة في التوحيد ههنا أولى من هناك، وهذا هو المراد بقوله : أو أشد ذكرا  وسادسها : أن الطفل كما يرجع إلى أبيه في طلب جميع المهمات ويكون ذاكرا له بالتعظيم، فكونوا أنتم في ذكر الله تعالى وسابعها : يحتمل أنهم كانوا يذكرون آباءهم ليتوسلوا بذكرهم إلى إجابة الدعاء عند الله فعرفهم الله تعالى أن آباءهم ليسوا في هذه الدرجة إذ أفعالهم الحسنة صارت غير معتبرة بسبب شركهم وأمروا أن يجعلوا بدل ذلك تعديد آلاء الله ونعمائه وتكثير الثناء عليه ليكون ذلك وسيلة إلى تواتر النعم في الزمان المستقبل، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يحلفوا بآبائهم فقال :**« من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت »** إذا كان ما سوى الله فإنما هو لله وبالله فالأولى تعظيم الله تعالى ولا إله غيره وثامنها : روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية : هو أن تغضب لله إذا عصى أشد من غضبك لوالدك إذا ذكر بسوء. 
واعلم أن هذه الوجوه وإن كانت محتملة إلا أن الوجه الأول هو المتعين وجميع الوجوه مشتركة في شيء واحد، وهو أنه يجب على العبد أن يكون دائم الذكر لربه دائم التعظيم له دائم الرجوع إليه في طلب مهماته دائم الانقطاع عمن سواه، اللهم اجعلنا بهذه الصفة يا أكرم الأكرمين. 
أما قوله تعالى : أو أشد ذكرا  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : عامل الإعراب في  أشد  قيل : الكاف، فيكون موضعه جرا وقيل : اذكروا  فيكون موضعه نصبا، والتقدير : اذكروا الله مثل ذكركم آباءكم، واذكروه  أشد ذكرا  من آبائكم. 
المسألة الثانية : قوله : أو أشد ذكرا  معناه : بل أشد ذكرا، وذلك لأن مفاخر آبائهم كانت قليلة، أما صفات الكمال لله عز وجل فهي غير متناهية، فيجب أن يكون اشتغالهم بذكر صفات الكمال في حق الله تعالى أشد من اشتغالهم بذكر مفاخر آبائهم، قال القفال رحمه الله : ومجاز اللغة في مثل هذا معروف، يقول الرجل لغيره : افعل هذا إلى شهر أو أسرع منه، لا يريد به التشكيك، إنما يريد به النقل عن الأول إلى ما هو أقرب منه. 
**في الآية مسائل :**
المسألة الأولى : اعلم أن الله تعالى بين أولا تفصيل مناسك الحج، ثم أمر بعدها بالذكر، فقال : فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم  ثم بين أن الأولى أن يترك ذكر غيره، وأن يقتصر على ذكره فقال : فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا  ثم بين بعد ذلك الذكر كيفية الدعاء فقال : فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا  وما أحسن هذا الترتيب، فإنه لا بد من تقديم العبادة لكسر النفس وإزالة ظلماتها، ثم بعد العبادة لا بد من الإشتغال بذكر الله تعالى لتنوير القلب وتجلى نور جلاله، ثم بعد ذلك الذكر يشتغل الرجل بالدعاء فإن الدعاء إنما يكمل إذا كان مسبوقا بالذكر كما حكي عن إبراهيم عليه السلام أنه قدم الذكر فقال : الذي خلقني فهو يهدين  ثم قال : رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين  فقدم الذكر على الدعاء. 
إذا عرفت هذا فنقول : بين الله تعالى أن الذين يدعون الله فريقان أحدهما : أن يكون دعاؤهم مقصورا على طلب الدنيا والثاني : الذين يجمعون في الدعاء بين طلب الدنيا وطلب الآخرة، وقد كان في التقسيم قسم ثالث، وهو من يكون دعاؤه مقصورا على طلب الآخرة، واختلفوا في أن هذا القسم هل هو مشروع أو لا ؟ والأكثرون على أنه غير مشروع، وذلك أن الإنسان خلق محتاجا ضعيفا لا طاقة له بآلام الدنيا ولا بمشاق الآخرة، فالأولى له أن يستعيذ بربه من كل شرور الدنيا والآخرة، روى القفال في ****«تفسيره »**** عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على رجل يعوده وقد أنهكه المرض، فقال : ما كنت تدعو الله به قبل هذا قال : كنت أقول. اللهم ما كنت تعاقبني به في الآخرة فعجل به في الدنيا، فقال النبي عليه السلام :" سبحان الله إنك لا تطيق ذلك ألا قلت  ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار  " قال فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فشفي. 
واعلم أنه سبحانه لو سلط الألم على عرق واحد في البدن، أو على منبت شعرة واحدة، لشوش الأمر على الإنسان وصار بسببه محروما عن طاعة الله تعالى وعن الاشتغال بذكره، فمن ذا الذي يستغني عن إمداد رحمة الله تعالى في أولاه وعقباه، فثبت أن الاقتصار في الدعاء على طلب الآخرة غير جائز، وفي الآية إشارة إليه حيث ذكر القسمين، وأهمل هذا القسم الثالث. 
المسألة الثانية : اختلفوا في أن الذين حكى الله عنهم أنهم يقتصرون في الدعاء على طلب الدنيا من هم ؟ فقال قوم : هم الكفار، روي عن ابن عباس أن المشركين كانوا يقولون إذا وقفوا : اللهم أر

### الآية 2:201

> ﻿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [2:201]

أما قوله تعالى : ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار  فالمفسرون ذكروا فيه وجوها أحدها : أن الحسنة في الدنيا عبارة عن الصحة، والأمن، والكفاية والولد الصالح، والزوجة الصالحة، والنصرة على الأعداء، وقد سمى الله تعالى الخصب والسعة في الرزق، وما أشبهه **«حسنة »** فقال : إن تصبك حسنة تسؤهم  وقيل في قوله : قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين  أنهما الظفر والنصرة والشهادة، وأما الحسنة في الآخرة فهي الفوز بالثواب، والخلاص من العقاب، وبالجملة فقوله : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة  كلمة جامعة لجميع مطالب الدنيا والآخرة، روى حماد بن سلمة عن ثابت أنهم قالوا لأنس : ادع لنا، فقال :**«اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار »** قالوا : زدنا فأعادها قالوا زدنا قال ما تريدون ؟ قد سألت لكم خير الدنيا والآخرة ولقد صدق أنس فإنه ليس للعبد دار سوى الدنيا والآخرة فإذا سأل حسنة الدنيا وحسنة الآخرة لم يبق شيء سواه وثانيها : أن المراد بالحسنة في الدنيا العمل النافع وهو الإيمان والطاعة والحسنة في الآخرة اللذة الدائمة والتعظيم والتنعم بذكر الله وبالأنس به وبمحبته وبرؤيته وروى الضحاك عن ابن عباس أن رجلا دعا ربه فقال في دعائه : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار  فقال النبي عليه الصلاة والسلام :" ما أعلم أن هذا الرجل سأل الله شيئا من أمر الدنيا، فقال بعض الصحابة : بلى يا رسول الله إنه قال :**«ربنا آتنا في الدنيا حسنة »** فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنه يقول : آتنا في الدنيا عملا صالحا " وهذا متأكد بقوله تعالى : والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين  وتلك القرة هي أن يشاهدوا أولادهم وأزواجهم مطيعين مؤمنين مواظبين على العبودية وثالثها : قال قتادة : الحسنة في الدنيا وفي الآخرة طلب العافية في الدارين، وعن الحسن : الحسنة في الدنيا فهم كتاب الله تعالى، وفي الآخرة الجنة، واعلم أن منشأ البحث في الآية أنه لو قيل، آتنا في الدنيا الحسنة وفي الآخرة الحسنة لكان ذلك متناولا لكل الحسنات، ولكنه قال : آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة  وهذا نكرة في محل الإثبات فلا يتناول إلا حسنة واحدة، فلذلك اختلف المتقدمون من المفسرين فكل واحد منهم حمل اللفظ على ما رآه أحسن أنواع الحسنة. 
فإن قيل : أليس أنه لو قيل : آتنا الحسنة في الدنيا والحسنة في الآخرة لكان ذلك متناولا لكل الأقسام فلم ترك ذلك وذكر على سبيل التنكير ؟
قلت : الذي أظنه في هذا الموضع والعلم عند الله أنا بينا فيما تقدم أنه ليس للداعي أن يقول : اللهم أعطني كذا وكذا بل يجب أن يقول : اللهم إن كان كذا وكذا مصلحة لي وموافقا لقضائك وقدرك فأعطني ذلك، فلو قال : اللهم أعطني الحسنة في الدنيا والآخرة لكان ذلك جزما، وقد بينا أنه غير جائز، أما لما ذكر على سبيل التنكير فقال أعطني في الدنيا حسنة كان المراد منه حسنة واحدة وهي الحسنة التي تكون موافقة لقضائه وقدره ورضاه وحكمه وحكمته فكان ذلك أقرب إلى رعاية الأدب والمحافظة على أصول اليقين.

### الآية 2:202

> ﻿أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا ۚ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [2:202]

أما قوله تعالى : أولئك لهم نصيب مما كسبوا  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله تعالى : أولئك  فيه قولان أحدهما : إنه إشارة إلى الفريق الثاني فقط الذين سألوا الدنيا والآخرة، والدليل عليه أنه تعالى ذكر حكم الفريق الأول حيث قال : وما له في الآخرة من خلاق . 
والقول الثاني : أنه راجع إلى الفريقين أي لكل من هؤلاء نصيب من عمله على قدر ما نواه، فمن أنكر البعث وحج التماسا لثواب الدنيا فذلك منه كفر وشرك والله مجازيه، أو يكون المراد أن من عمل للدنيا أعطى نصيب مثله في دنياه كما قال : من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب . 
أما قوله تعالى : لهم نصيب مما كسبوا  ففيه سؤالات :
السؤال الأول : قوله : لهم نصيب مما كسبوا  يجري مجرى التحقير والتقليل فما المراد منه ؟
الجواب : المراد : لهم نصيب من الدنيا ومن الآخرة بسبب كسبهم وعملهم فقوله : من  في قوله : مما كسبوا  لابتداء الغاية لا للتبعيض. 
السؤال الثاني : هل تدل هذه الآية على أن الجزاء على العمل ؟
الجواب : نعم. ولكن بحسب الوعد لا بحسب الاستحقاق الذاتي. 
السؤال الثالث : ما الكسب ؟
الجواب : الكسب يطلق على ما يناله المرء بعمله فيكون كسبه ومكتسبه، بشرط أن يكون ذلك جر منفعة أو دفع مضرة، وعلى هذا الوجه يقال في الأرباح : إنها كسب فلان، وأنه كثير الكسب أو قليل الكسب، لأن لا يراد إلا الربح، فأما الذي يقوله أصحابنا من أن الكسب واسطة بين الجبر والخلق فهو مذكور في الكتب القديمة في الكلام. 
أما قوله تعالى : والله سريع الحساب  ففيه مسائل. 
المسألة الأولى : سريع  فاعل من السرعة، قال ابن السكيت : سرع يسرع سرعا وسرعة فهو سريع  والحساب  مصدر كالمحاسبة، ومعنى الحساب في اللغة العد يقال : حسب يحسب حسابا وحسبة وحسبا إذا عد ذكره الليث وابن السكيت، والحسب ما عد ومنه حسب الرجل وهو ما يعد من مآثره ومفاخره، والاحتساب الاعتداد بالشيء، وقال الزجاج : الحساب في اللغة مأخوذ من قولهم : حسبك كذا أي كفاك فسمى الحساب في المعاملات حسابا لأنه يعلم به ما فيه كفاية وليس فيه زيادة على المقدار ولا نقصان. 
المسألة الثانية : اختلف الناس في معنى كون الله تعالى محاسبا لخلقه على وجوه أحدها : أن معنى الحساب أنه تعالى يعلمهم ما لهم وعليهم، بمعنى أنه تعالى يخلق العلوم الضرورية في قلوبهم بمقادير أعمالهم وكمياتها وكيفياتها، وبمقادير ما لهم من الثواب والعقاب، قالوا : ووجه هذا المجاز أن الحساب سبب لحصول علم الإنسان بما له وعليه، فاطلاق اسم الحساب على هذا الإعلام يكون إطلاقا لاسم السبب على المسبب وهذا مجاز مشهور، ونقل عن ابن عباس أنه قال : إنه لا حساب على الخلق بل يقفون بين يدي الله تعالى ويعطون كتبهم بأيمانهم فيها سيئاتهم، فيقال لهم : هذه سيئاتكم قد تجاوزت عنها، ثم يعطون حسناتهم ويقال : هذه حسناتكم قد ضعفتها لكم. 
والقول الثاني : أن المحاسبة عبارة عن المجازاة قال تعالى : وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا  ووجه المجاز فيه أن الحساب سبب للأخذ والإعطاء وإطلاق اسم السبب على المسبب جائز، فحسن إطلاق لفظ الحساب عن المجازاة. 
والقول الثالث : أنه تعالى يكلم العباد في أحوال أعمالهم وكيفية مالها من الثواب والعقاب فمن قال إن كلامه ليس بحرف ولا بصوت قال إنه تعالى يخلق في أذن المكلف سمعا يسمع به كلامه القديم كما أنه يخلق في عينه رؤية يرى بها ذاته القديمة، ومن قال إنه صوت قال إنه تعالى يخلق كلاما يسمعه كل مكلف إما بأن يخلق ذلك الكلام في أذن كل واحد منهم أو في جسم يقرب من أذنه بحيث لا تبلغ قوة ذلك الصوت أن تمنع الغير من فهم ما كلف به، فهذا هو المراد من كونه تعالى محاسبا لخلقه. 
المسألة الثالثة : ذكروا في معنى كونه تعالى سريع الحساب وجوها أحدها : أن محاسبته ترجع إما إلى أنه يخلق علوما ضرورية في قلب كل مكلف بمقادير أعماله ومقادير ثوابه وعقابه، أو إلى أنه يوصل إلى كل مكلف ما هو حقه من الثواب أو إلى أنه يخلق سمعا في أذن كل مكلف يسمع به الكلام القديم، أو إلى أنه يخلق في أذن كل مكلف صوتا دالا على مقادير الثواب والعقاب وعلى الوجوه الأربعة فيرجع حاصل كونه تعالى محاسبا إلى أنه تعالى يخلق شيئا، ولما كانت قدرة الله تعالى متعلقة بجميع الممكنات، ولا يتوقف تخليقه وإحداثه على سبق مادة ولا مدة ولا آلة ولا يشتغله شأن عن شأن لا جرم كان قادرا على أن يخلق جميع الخلق في أقل من لمحة البصر وهذا كلام ظاهر، ولذلك ورد في الخبر أن الله تعالى يحاسب الخلق في قدر حلب ناقة وثانيها : أن معنى كونه تعالى : سريع الحساب  أنه سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم، وذلك لأنه تعالى في الوقت الواحد يسأله السائلون كل واحد منهم أشياء مختلفة من أمور الدنيا والآخرة فيعطي كل واحد مطلوبه من غير أن يشتبه عليه شيء من ذلك ولو كان الأمر مع واحد من المخلوقين لطال العد واتصل الحساب، فأعلم الله تعالى أنه  سريع الحساب  أي هو عالم بجملة سؤالات السائلين، لأنه تعالى لا يحتاج إلى عقد يد، ولا إلى فكرة وروية، وهذا معنى الدعاء المأثور **«يا من لا يشغله شأن عن شأن »** وحاصل الكلام في هذا القول أن معنى كونه تعالى  سريع الحساب  كونه تعالى عالما بجميع أحوال الخلق وأعمالهم ووجه المجاز فيه أن المحاسب إنما يحاسب ليحصل له العلم بذلك الشيء فالحساب سبب لحصول العلم فأطلق اسم السبب على المسبب وثالثها : أن محاسبة الله سريعة بمعنى آتية لا محالة.

### الآية 2:203

> ﻿۞ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ۚ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [2:203]

قوله تعالى : واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون . 
اعلم أنه لما ذكر ما يتعلق بالمشعر الحرام لم يذكر الرمي لوجهين أحدهما : أن ذلك كان أمرا مشهورا فيما بينهم وما كانوا منكرين لذلك، إلا أنه تعالى ذكر ما فيه من ذكر الله لأنهم كانوا لا يفعلونه والثاني : لعله إنما لم يذكر الرمي لأن في الأمر بذكر الله في هذه الأيام دليلا عليه، إذ كان من سننه التكبير على كل حصاة منها ثم قال : واذكروا الله في أيام معدودات  وفيه مسائل :
المسألة الأولى : إن الله تعالى ذكر في مناسك الحج الأيام المعدودات، والأيام المعلومات فقال هنا : واذكروا الله في أيام معدودات  وقال في سورة الحج : ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات  فمذهب الشافعي رضي الله عنه أن المعلومات هي العشر الأول من ذي الحجة آخرها يوم النحر، وأما المعدودات فثلاثة أيام بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق، واحتج على أن المعدودات هي أيام التشريع بأنه تعالى ذكر الأيام المعدودات، والأيام لفظ جمع فيكون أقلها ثلاثة، ثم قال بعده : فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه  وهذا يقتضي أن يكون المراد  فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه  من هذه الأيام المعدودات، وأجمعت الأمة على أن هذا الحكم إنما ثبت في أيام منى وهي أيام التشريق، فعلمنا أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق، والقفال أكد هذا بما روى في **«تفسيره »** عن عبد الرحمن بن نعمان الديلمي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر مناديا فنادى :" الحج عرفة من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج، وأيام منى ثلاثة أيام فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه " وهذا يدل على أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق، قال الواحدي رحمة الله عليه : أيام التشريق هي ثلاثة أيام بعد يوم النحر أولها : يوم النفر، وهو اليوم الحادي عشر من ذي الحجة ينفر الناس فيه بمنى والثاني : يوم النفر الأول لأن بعض الناس ينفرون في هذا اليوم من منى والثالث : يوم النفر الثاني، وهذه الأيام الثلاثة مع يوم النحر كلها أيام النحر، وأيام رمي الجمار في هذه الأيام الأربعة مع يوم عرفة أيام التبكير إدبار الصلوات على ما سنشرح مذاهب الناس فيه. 
المسألة الثانية : المراد بالذكر في هذه الأيام : الذكر عند الجمرات، فإنه يكبر مع كل حصاة والذكر إدبار الصلوات والناس أجمعوا على ذلك، إلا أنهم اختلفوا في مواضع :
الموضع الأول : أجمعت الأمة على أن التكبيرات المقيدة بإدبار الصلوات مختصة بعيد الأضحى، ثم في ابتدائها وانتهائها خلاف. 
القول الأول : أنها تبتدأ من الظهر يوم النحر إلى ما بعد الصبح من آخر أيام التشريق فتكون التكبيرات على هذا القول في خمس عشرة صلاة، وهو قول ابن عباس وابن عمر، وبه قال مالك والشافعي رضي الله عنهما في أحد أقواله، والحجة فيه أن الأمر بهذه التكبيرات إنما ورد في حق الحاج، قال تعالى : فاذكروا الله كذكركم آباءكم  ثم قال : واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه  وهذا إنما يحصل في حق الحاج، فدل على أن الأمر بهذه التكبيرات إنما ورد في حق الحاج، وسائر الناس تبع لهم في ذلك، ثم إن صلاة الظهر هي أول صلاة يكبر الحاج فيها بمنى، فإنهم يلبون قبل ذلك، وآخر صلاة يصلونها بمنى هي صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، فوجب أن تكون هذه التكبيرات في حق غير الحاج مقيد بهذا الزمان. 
القول الثاني : للشافعي رضي الله عنه أنه يبتدأ به من صلاة المغرب ليلة النحر، إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وعلى هذا القول تكون التكبيرات بعد ثماني عشرة صلاة. 
والقول الثالث : للشافعي رضي الله عنه أن يبتدأ بها من صلاة الفجر يوم عرفة، وينقطع بعد صلاة العصر من يوم النحر من آخر أيام التشريق، فتكون التكبيرات بعد ثلاث وعشرين صلاة، وهو قول أكابر الصحابة، كعلي وعمر وابن مسعود وابن عباس، ومن الفقهاء قول الثوري وأبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق والمزني وابن شريح، وعليه عمل الناس بالبلدان، ويدل عليه وجوه الأول : ما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصبح يوم عرفة، ثم أقبل علينا فقال : الله أكبر، ومد التكبير إلى العصر من آخر أيام التشريق والثاني : أن الذي قاله أبو حنيفة أخذ بالأقل، وهذا القول أخذ بالأكثر، والتكثير في التكبير أولى لقوله تعالى : اذكروا الله ذكرا كثيرا  الثالث : أن هذا هو الأحوط، لأنه لو زاد في التكبيرات فهو خير من أن ينقص منها والرابع : أن هذه التكبيرات تنسب إلى أيام التشريق، فوجب أن يؤتى بها إلى آخر أيام التشريق. 
فإن قيل : هذه التكبيرات مضافة إلى الأيام المعدودات وهي أيام التشريق، فوجب أن لا تكون مشروعة يوم عرفة. 
قلنا : فهذا يقتضي أن لا يكبر يوم النحر وهو باطل بالإجماع، وأيضا لما كان الأغلب في هذه المدة أيام التشريق ؛ صح أن يضاف التكبير إليها. 
الموضع الثاني : قال الشافعي رضي الله عنه : المستحب في التكبيرات أن تكون ثلاثا نسقا أي متتابعا، وهو قول مالك، وقال أبو حنيفة وأحمد : يكبر مرتين، حجة الشافعي ما روى عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، قال : رأيت الأئمة يكبرون في أيام التشريق بعد الصلاة ثلاثا، ولأنه زيادة في التكبير، فكان أولى لقوله تعالى : اذكروا الله ذكرا كثيرا  ثم قال الشافعي رضي الله عنه : ويقول بعد الثلاث :**«لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد »** ثم قال : وما زاد من ذكر الله فهو حسن، وقال في التلبية : وأحب أن لا يزيد على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم، والفرق أن من سنة التلبية التكرار فتكرارها أولى من ضم الزيادة إليها، وههنا يكبر مرة واحدة فتكون الزيادة أولى من السكوت، وأما التكبير على الجمار فقد روي أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يكبر مع كل حصاة، فينبغي أن يفعل ذلك. 
أما قوله تعالى : فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى  ففيه سؤالات :
السؤال الأول : لم قال فمن تعجل ولم يقل فمن عجل ؟. 
الجواب : قال صاحب **«الكشاف »** : تعجل واستعجل يجيئان مطاوعين بمعنى عجل، يقال : تعجل في الأمر واستعجل، ومتعديين يقال : تعجل الذهاب واستعجله. 
السؤال الثاني : قوله : ومن تأخر فلا إثم عليه  فيه إشكال، وذلك لأنه إذا كان قد استوفى كل ما يلزمه في تمام الحج، فما معنى قوله : فلا إثم عليه  فإن هذا اللفظ إنما يقال في حق المقصر ولا يقال في حق من أتى بتمام العمل. 
والجواب : من وجوه : أحدها : أنه تعالى لما أذن في التعجل على سبيل الرخصة احتمل أن يخطر ببال قوم أن من لم يجر على موجب هذه الرخصة فإنه يأثم، ألا ترى أن أبا حنيفة رضي الله عنه يقول : القصر عزيمة، والإتمام غير جائز، فلما كان هذا الإحتمال قائما، لا جرم أزال الله تعالى هذه الشبهة وبين أنه لا إثم في الأمرين، فإن شاء استعجل وجرى على موجب الرخصة، وإن شاء لم يستعجل ولم يجر على موجب الرخصة، ولا إثم عليه في الأمرين جميعا وثانيها : قال بعض المفسرين : إن منهم من كان يتعجل، ومنهم من كان يتأخر، ثم كل واحد من الفريقين يعيب على الآخر فعله، كان المتأخر يرى أن التعجل مخالفة لسنة الحج، وكان المتعجل يرى أن التأخر مخالفة لسنة الحج، فبين الله تعالى أنه لا عيب في واحد من القسمين ولا إثم، فإن شاء تعجل وإن شاء لم يتعجل وثالثها : أن المعنى في إزالة الإثم عن المتأخر إنما هو لمن زاد على مقام الثلاث، فكأنه قيل : إن أيام منى التي ينبغي المقام بها هي ثلاث، فمن نقص عنها فتعجل في اليوم الثاني منها فلا إثم عليه، ومن زاد عليها فتأخر عن الثالث إلى الرابع فلم ينفر مع عامة الناس فلا شيء عليه ورابعها : أن هذا الكلام إنما ذكر مبالغة في بيان أن الحج سبب لزوال الذنوب وتكفير الآثام وهذا مثل أن الإنسان إذا تناول الترياق، فالطبيب يقول له : الآن إن تناولت السم فلا ضرر، وإن لم تتناول فلا ضرر، مقصوده من هذا بيان أن الترياق دواء كامل في دفع المضار، لا بيان أن تناول السم وعدم تناوله يجريان مجرى واحد، فكذا ههنا المقصود من هذا الكلام بيان المبالغة في كون الحج مكفرا لكل الذنوب، لا بيان أن التعجل وتركه سيان، ومما يدل على كون الحج سببا قويا في تكفير الذنوب قوله عليه الصلاة والسلام :
**« من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه »** وخامسها : أن كثيرا من العلماء قالوا : الجوار مكروه، لأنه إذا جاور الحرم والبيت سقط وقعه عن عينه، وإذا كان غائبا إزداد شوقه إليه، وإذا كان كذلك احتمل أن يخطر ببال أحدنا على هذا المعنى أن من تعجل في يومين فحاله أفضل ممن لم يتعجل، وأيضا من تعجل في يومين فقد انصرف إلى مكة لطواف الزيارة وترك المقام بمنى، ومن لم يتعجل فقد اختار المقام بمنى وترك الإستعجال في الطواف فلهذا السبب يبقى في الخاطر تردد في أن المتعجل أفضل أم المتأخر ؟ فبين الله تعالى أنه لا إثم ولا حرج في واحد منهما وسادسها : قال الواحدي رحمه الله تعالى : إنما قال : ومن تأخر فلا إثم عليه  لتكون اللفظة الأولى موافقة للثانية، كقوله : وجزاء سيئة سيئة مثلها  وقوله : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم  ونحن نعلم أن جزاء السيئة والعدوان ليس بسيئة ولا بعدوان، فإذا حمل على موافقة اللفظ ما لا يصح في المعنى، فلأن يحمل على موافقة اللفظ ما يصح في المعنى أولى، لأن المبرور المأجور يصح في المعنى نفي الإثم عنه. 
السؤال الثالث : هل في الآية دلالة على وجوب الإقامة بمنى بعد الإفاضة من المزدلفة ؟. 
الجواب : نعم، كما كان في قوله : فإذا أفضتم من عرفات  دليل على وقوفهم بها. 
واعلم أن الفقهاء قالوا : إنما يجوز التعجل في اليومين لمن تعجل قبل غروب الشمس من اليومين فأما إذا غابت الشمس من اليوم الثاني قبل النفر فليس له أن ينفر إلا في اليوم الثالث لأن الشمس إذا غابت فقد ذهب اليوم، وإنما جعل له التعجل في اليومين لا في الثالث هذا مذهب الشافعي، وقول كثير من فقهاء التابعين، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : يجوز له أن ينفر ما لم يطلع الفجر، لأنه لم يدخل وقت الرمي بعد. 
أما قوله تعالى : لمن اتقى  ففيه وجوه أحدها : أن الحاج يرجع مغفورا له بشرط أن يتقي الله فيما بقي من عمره ولم يرتكب ما يستوجب به العذاب، ومعناه التحذير من الاتكال على ما سلف من أعمال الحج فبين تعالى أن عليهم مع ذلك ملازمة التقوى ومجانبة الاغترار بالحج السابق. وثانيها : أن هذه المغفرة إنما تحصل لمن كان متقيا قبل حجه، كما قال تعالى :
 إنما يتقبل الله من المتقين  وحقيقته أن المصر على الذنب لا ينفعه حجة وإن كان قد أدى الفرض في الظاهر وثالثها : أن هذه المغفرة إنما تحصل لمن كان متقيا عن جميع المحظورات حال اشتغاله بالحج، كما روي في الخبر من قوله عليه الصلاة والسلام :**« من حج فلم يرفث ولم يفسق »** واعلم أن الوجه الأول من هذه الوجوه التي ذكرناها إشارة إلى اعتباره في الحال والتحقيق أنه لا بد من الكل

### الآية 2:204

> ﻿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ [2:204]

قوله تعالى : ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام 
اعلم أنه تعالى لما بين أن الذين يشهدون مشاعر الحج فريقان : كافر وهو الذي يقول : ربنا آتنا في الدنيا  ومسلم وهو الذي يقول : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة  بقي المنافق فذكره في هذه الآية، وشرح صفاته وأفعاله، فهذا ما يتعلق بنظم الآية، والغرض بكل ذلك أن يبعث العباد على الطريقة الحسنة فيما يتصل بأفعال القلوب والجوارح، وأن يعلموا أن المعبود لا يمكن إخفاء الأمور عنه ثم اختلف المفسرون على قولين منهم من قال : هذه الآية مختصة بأقوام معينين ومنهم من قال : إنها عامة في حق كل من كان موصوفا بهذه الصفة المذكورة في هذه الآية، أما الأولون فقد اختلفوا على وجوه :
فالرواية الأولى : أنها نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، وهو حليف لبني زهرة أقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأظهر الإسلام، وزعم أنه يحبه ويحلف بالله على ذلك، وهذا هو المراد بقوله : يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه  غير أنه كان منافقا حسن العلانية خبيث الباطن، ثم خرج من عند النبي عليه السلام فمر بزرع لقوم من المسلمين فأحرق الزرع وقتل الحمر، وهو المراد بقوله : وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل  وقال آخرون المراد بقوله تعالى : يعجبك قوله  هو أن الأخنس أشار على بني زهرة بالرجوع يوم بدر وقال لهم : إن محمدا ابن أختكم، فإن يك كاذبا كفاكموه سائر الناس، وإن يك صادقا كنتم أسعد الناس به قالوا : نعم الرأي ما رأيت، قال : فإذا نودي في الناس بالرحيل فإني أتخنس بكم فاتبعوني ثم خنس بثلثمائة رجل من بني زهرة عن قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمي لهذا السبب أخنس، وكان اسمه : أبي بن شريق، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعجبه، وعندي أن هذا القول ضعيف وذلك لأنه بهذا الفعل لا يستوجب الذم وقوله تعالى : ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه  مذكور في معرض الذم فلا يمكن حمله عليه بل القول الأول هو الأصح. 
والرواية الثانية : في سبب نزول هذه الآية ما روي عن ابن عباس والضحاك أن كفار قريش بعثوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنا قد أسلمنا فابعث إلينا نفرا من علماء أصحابك، فبعث إليهم جماعة فنزلوا ببطن الرجيع، ووصل الخبر إلى الكفار، فركب منهم سبعون راكبا وأحاطوا بهم وقتلوهم وصلبوهم، ففيهم نزلت هذه الآية، ولذلك عقبه من بعد بذكر من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله منبها بذلك على حال هؤلاء الشهداء. 
القول الثاني : في الآية وهو اختيار أكثر المحققين من المفسرين، أن هذه الآية عامة في حق كل من كان موصوفا بهذه الصفات المذكورة، ونقل عن محمد بن كعب القرظي، أنه جرى بينه وبين غيره كلام في هذه الآية، فقال إنها وإن نزلت فيمن ذكر فلا يمتنع أن تنزل الآية في الرجل ثم تكون عامة في كل من كان موصوفا بتلك الصفات، والتحقيق في المسألة أن قوله : ومن الناس  إشارة إلى بعضهم، فيحتمل الواحد ويحتمل الجمع، وقوله : ويشهد الله  لا يدل على أن المراد به واحد من الناس لجواز أن يرجع ذلك إلى اللفظ دون المعنى وهو جمع وأما نزوله على المسبب الذي حكيناه فلا يمتنع من العموم، بل نقول : فيها ما يدل على العموم، وهو من وجوه أحدها : أن ترتب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية، فلما ذم الله تعالى قوما ووصفهم بصفات توجب استحقاق الذم، علمنا أن الموجب لتلك المذمة هو تلك الصفات، فيلزم أن كل من كان موصوفا بتلك الصفات أن يكون مستوجبا للذم وثانيها : أن الحمل على العموم أكثر فائدة، وذلك لأنه يكون زجرا لكل المكلفين عن تلك الطريق المذمومة وثالثها : أن هذا أقرب إلى الإحتياط لأنا إذا حملنا الآية على العموم دخل فيه ذلك الشخص، وأما إذا خصصناه بذلك الشخص لم يثبت الحكم في غيره فثبت بما ذكرنا أن حمل الآية على العموم أولى، إذا عرفت هذا فنقول : اختلفوا في أن الآية هل تدل على أن الموصوف بهذه الصفات منافق أم لا، والصحيح أنها لا تدل على ذلك، لأن الله تعالى وصف هذا المذكور بصفات خمسة، وشيء منها لا يدل على النفاق :
فأولها قوله : يعجبك قوله في الحياة الدنيا  وهذا لا دلالة فيه على صفة مذمومة إلا من جهة الإيماء الحاصل بقوله : في الحياة الدنيا  لأن الإنسان إذا قيل : إنه حلو الكلام فيما يتعلق بالدنيا أوهم نوعا من المذمة. 
وثانيها : قوله : ويشهد الله على ما في قلبه  وهذا لا دلالة فيه على حالة منكرة، فإن أضمرنا فيه أن يشهد الله على ما في قلبه مع أن قلبه بخلاف ذلك فالكلام مع هذا الإضمار لا يدل على النفاق، لأنه ليس في الآية أن الذي يظهره للرسول من أمر الإسلام والتوحيد، فإنه يضمر خلافه حتى يلزم أن يكون منافقا، بل لعل المراد أنه يضمر الفساد ويظهر ضده حتى يكون مرائيا. 
وثالثها : قوله : وهو ألد الخصام  وهذا أيضا لا يوجب النفاق. 
ورابعها : قوله : وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها  والمسلم الذي يكون مفسدا قد يكون كذلك. 
وخامسها : قوله : وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم  فهذا أيضا لا يقتضي النفاق، فعلمنا أن كل هذه الصفات المذكورة في الآية كما يمكن ثبوتها في المنافق يمكن ثبوتها في المرائي، فإذن ليس في الآية دلالة على أن هذا المذكور يجب أن يكون منافقا إلا أن المنافق داخل في الآية، وذلك لأن كل منافق فإنه يكون موصوفا بهذه الصفات الخمسة بل قد يكون الموصوف بهذه الصفات الخمسة غير منافق فثبت أنا متى حملنا الآية على الموصوف بهذه الصفات الخمسة دخل فيها المنافق والمرائي، وإذا عرفت هذه الجملة فنقول : الله تعالى وصف هذا المذكور بصفات خمسة. 
الصفة الأولى : قوله : يعجبك قوله في الحياة الدنيا  والمعنى : يروقك ويعظم في قلبك ومنه الشيء العجيب الذي يعظم في النفس. 
أما في قوله : في الحياة الدنيا  ففيه وجوه أحدهما : أنه نظير قول القائل : يعجبني كلام فلان في هذه المسألة والمعنى : يعجبك قوله وكلامه عندما يتكلم لطلب مصالح الدنيا والثاني : أن يكون التقدير : يعجبك قوله وكلامه في الحياة الدنيا وإن كان لا يعجبك قوله وكلامه في الآخرة لأنه ما دام في الدنيا يكون جريء اللسان حلو الكلام، وأما في الآخرة فإنه تعتريه اللكنة والإحتباس خوفا من هيبة الله وقهر كبريائه. 
الصفة الثانية : قوله : ويشهد الله على ما في قلبه  فالمعنى أنه يقرر صدقة في كلامه ودعواه بالاستشهاد بالله، ثم يحتمل أن يكون ذلك الاستشهاد بالحلف واليمين، ويحتمل أن يكون ذلك بأن يقول : الله يشهد بأن الأمر كما قلت، فهذا يكون استشهادا بالله ولا يكون يمينا، وعامة القراء يقرؤون  ويشهد الله  بضم الياء، أي هذا القائل يشهد الله على ما في ضميره، وقرأ ابن محيصن  يشهد الله على ما في قلبه  بفتح الياء، والمعنى : أن الله يعلم من قلبه خلاف ما أظهره. 
فالقراءة الأولى : تدل على كونه مرائيا وعلى أنه يشهد الله باطلا على نفاقه وريائه. 
وأما القراءة الثانية : فلا تدل إلا على كونه كاذبا، فأما على كونه مستشهدا بالله على سبيل الكذب فلا، فعلى هذا القراءة الأولى أدل على الذم. 
الصفة الثالثة : قوله تعالى : وهو ألد الخصام  وفيه مسائل :
المسألة الأولى : الألد : الشديد الخصومة، يقال : رجل ألد، وقوم لد، وقال الله تعالى : وتنذر به قوما لدا  وهو كقوله : بل هم قوم خصمون  يقال : منه لد يلد، بفتح اللام في يفعل منه، فهو ألد، إذا كان خصما، ولددت الرجل ألده بضم اللام، إذا غلبته بالخصومة، قال الزجاج اشتقاقه من لديدتي العنق وهما صفحتاه، ولديدي الوادي، وهما جانباه، وتأويله أنه في أي وجه أخذه خصمه من يمين وشمال في أبواب الخصومة غلب من خاصمه. 
وأما  الخصام  ففيه قولان أحدهما : وهو قول خليل : إنه مصدر بمعنى المخاصمة، كالقتال والطعام بمعنى المقاتلة والمطاعنة، فيكون المعنى : وهو شديد المخاصمة، ثم في هذه الإضافة وجهان أحدهما : أنه بمعنى  في  والتقدير : ألد في الخصام والثاني : أنه جعل الخصام ألد على سبيل المبالغة. 
والقول الثاني : أن الخصام جمع خصم، كصعاب وصعب، وضخام وضخم، والمعنى : وهو أشد الخصوم خصومة، وهذا قول الزجاج، قال المفسرون : هذه الآية نزلت في الأخنس بن شريق على ما شرحناه : وفيه نزل أيضا قوله : ويل لكل همزة  وقوله : ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم  ثم للمفسرين عبارات في تفسير هذه اللفظة، قال مجاهد  ألد الخصام  معناه : طالب لا يستقيم، وقال السدي : أعوج الخصام وقال قتادة ألد الخصام معناه أنه جدل بالباطل، شديد القسوة في معصية الله، عالم اللسان جاهل العمل. 
المسألة الثانية : تمسك المنكرون للنظر والجدل بهذه الآية، قالوا إنه تعالى ذم ذلك الإنسان بكونه شديدا في الجدل، ولولا أن هذه الصفة من صفات الذم، وإلا لما جاز ذلك وجوابه ما تقدم في قوله : ولا جدال في الحج .

### الآية 2:205

> ﻿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ [2:205]

الصفة الرابعة : قوله تعالى : وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد  اعلم أنه تعالى لما بين من حال ذلك الإنسان أنه حلو الكلام، وأنه يقرر صدق قوله بالاستشهاد بالله وأنه ألد الخصام، بين بعد ذلك أن كل ما ذكره باللسان فقلبه منطو على ضد ذلك فقال : وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها  ثم في الآية مسائل :
المسألة الأولى : قوله تعالى : وإذا تولى  فيه قولان : أحدهما : معناه وإذا انصرف من عندك سعى في الأرض بالفساد، ثم هذا الفساد يحتمل وجهين أحدهما : ما كان من إتلاف الأموال بالتخريب والتحريق والنهب، وعلى هذا الوجه ذكروا روايات منها ما قدمنا أن الأخنس لما أظهر للرسول عليه السلام أنه يحبه وأنه على عزم أن يؤمن فلما خرج من عنده مر بزرع للمسلمين فأحرق الزرع وقتل الحمر، ومنها أنه لما انصرف من بدر مر ببني زهرة وكان بينه وبين ثقيف خصومة فبيتهم ليلا وأهلك مواشيهم وأحرق زرعهم. 
والوجه الثاني في تفسير الفساد : أنه كان بعد الإنصراف من حضرة النبي عليه السلام يشتغل بإدخال الشبه في قلوب المسلمين، وباستخراج الحيل في تقوية الكفر، وهذا المعنى يسمى فسادا، قال تعالى : حكاية عن قوم فرعون حيث قالوا له : أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض  أي يردوا قومك عن دينهم، ويفسدوا عليهم شريعتهم، وقال أيضا : إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد  وقد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض  ما يقرب من هذا الوجه، وإنا سمي هذا المعنى فسادا في الأرض لأنه يوقع الاختلاف بين الناس ويفرق كلمتهم ويؤدي إلى أن يتبرأ بعضهم من بعض، فتنقطع الأرحام وينسفك الدماء، قال تعالى :
 فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم  فأخبر أنهم أن تولوا عن دينه لم يحصلوا إلا على الفساد في الأرض، وقطع الأرحام، وذلك من حيث قلنا وهو كثير في القرآن، واعلم أن حمل الفساد على هذا أولى من حمله على التخريب والنهب، لأنه تعالى قال : ويهلك الحرث والنسل  والمعطوف مغاير للمعطوف عليه لا محالة. 
القول الثاني : في تفسير قوله : وإذا تولى  وإذا صار واليا فعل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل، وقيل : يظهر الظلم حتى يمنع الله بشؤم ظلمه القطر فيهلك الحرث والنسل، والقول الأول أقرب إلى نظم الآية، لأن المقصود بيان نفاقه، وهو أنه عند الحضور يقول الكلام الحسن ويظهر المحبة، وعند الغيبة يسعى في إيقاع الفتنة والفساد. 
المسألة الثانية : قوله : سعى في الأرض  أي اجتهد في إيقاع القتال، وأصل السعي هو المشي بسرعة ولكنه مستعار لإيقاع الفتنة والتخريب بين الناس، ومنه يقال : فلان يسعى بالنميمة قال الله تعالى : لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة . 
المسألة الثالثة : من فسر الفساد بالتخريب قال : إنه تعالى ذكره أولا على سبيل الإجمال، وهو قوله : ليفسد فيها  ثم ذكره ثانيا على سبيل التفصيل فقال : ويهلك الحرث والنسل  ومن فسر الإفساد بإلقاء الشبهة قال : كما أن الدين الحق أمران أولهما العلم، وثانيهما العمل، فكذا الدين الباطل أمران أولهما الشهبات، وثانيهما فعل المنكرات، فههنا ذكر تعالى أولا من ذلك الإنسان اشتغاله بالشبهات، وهو المراد بقوله : ليفسد فيها  ثم ذكر ثانيا إقدامه على المنكرات، وهو المراد بقوله : ويهلك الحرث والنسل  ولا شك في أن هذا التفسير أولى ثم من قال سبب نزول الآية أن الأخنس مر بزرع للمسلمين فأحرق الزرع وقتل الحمر قال : المراد بالحرث الزرع، وبالنسل تلك الحمر، والحرث هو ما يكون منه الزرع، قال تعالى : أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه  وهو يقع على كل ما يحرث ويزرع من أصناف النبات، وقيل : إن الحرث هو شق الأرض، ويقال لما يشق به : محرث، وأما النسل فهو على هذا التفسير نسل الدواب، والنسل في اللغة : الولد، واشتقاقه يحتمل أن يكون من قولهم : نسل ينسله إذا خرج فسقط، ومنه نسل ريش الطائر، ووبر البعير، وشعر الحمار، إذا خرج فسقط، والقطعة منها إذا سقطت نسالة، ومنه قوله تعالى : إلى ربهم ينسلون  أي يسرعون، لأنه أسرع الخروج بحدة، والنسل الولد لخروجه من ظهر الأب وبطن الأم وسقوطه، والناس نسل آدم، وأصل الحرف من النسول وهو الخروج، وأما من قال : إن سبب نزول الآية : أن الأخنس بيت على قوم ثقيف وقتل منهم جمعا، فالمراد بالحرث : إما النسوان لقوله تعالى : نساؤكم حرث لكم  أو الرجال وهو قول قوم من المفسرين الذين فسروا الحرث بشق الأرض، إذ الرجال هم الذين يشقون أرض التوليد، وأما النسل فالمراد منه الصبيان. 
واعلم أنه على جميع الوجوه فالمراد بيان أن ذلك الفساد فساد عظيم لا أعظم منه لأن المراد منها على التفسير الأول. إهلاك النبات والحيوان، وعلى التفسير الثاني : إهلاك الحيوان بأصله وفرعه، وعلى الوجهين فلا فساد أعظم منه، فإذن قوله : ويهلك الحرث والنسل  من الألفاظ الفصيحة جدا الدالة مع اختصارها على المبالغة الكثيرة ونظيره في الاختصار ما قاله في صفة الجنة  وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين  وقال : أخرج منها ماءها ومرعاها . 
فإن قيل : أفتدل الآية على أنه يهلك الحرث والنسل، أو تدل على أنه أراد ذلك ؟. 
قلنا : إن قوله : سعى في الأرض ليفسد فيها  دل على أن غرضه أن يسعى في ذلك، ثم قوله : ويهلك الحرث والنسل  إن عطفناه على الأول لم تدل الآية على وقوع ذلك، فإن تقدير الآية هكذا : سعى في الأرض ليفسد فيها، وسعى ليهلك الحرث والنسل، وإن جعلناه كلاما مبتدأ منقطعا عن الأول، دل على وقوع ذلك، والأول أولى، وإن كانت الأخبار المذكورة في سبب نزول الآية دلت على أن هذه الأشياء قد وقعت ودخلت في الوجود. 
المسألة الرابعة : قرأ بعضهم  ويهلك الحرث والنسل  على أن الفعل للحرث والنسل، وقرأ الحسن بفتح اللام من يهلك وهي لغة نحو : أبى يأبى، وروي عنه  ويهلك  على البناء للمفعول. 
المسألة الخامسة : استدلت المعتزلة على أن الله تعالى لا يريد القبائح بقوله تعالى : والله لا يحب الفساد  قالوا : والمحبة عبارة عن الإرادة، والدليل عليه قوله تعالى : إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة  والمراد بذلك أنهم يريدون، وأيضا نقل عن الرسول عليه السلام أنه قال :**« إن الله أحب لكم ثلاثا وكره لكم ثلاثا، أحب لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تناصحوا من ولاة أمركم وكره لكم القيل والقال وإضاعة المال وكثرة السؤال »** فجعل الكراهة ضد المحبة، ولولا أن المحبة عبارة عن الإرادة وإلا لكانت الكراهة ضدا للإرادة، وأيضا لو كانت المحبة غير الإرادة لصح أن يحب الفعل وإن كرهه، لأن الكراهة على هذا القول إنما تضاد الإرادة دون المحبة، قالوا : وإذا ثبت أن المحبة نفس الإرادة فقوله : والله لا يحب الفساد  جار مجرى قوله والله لا يريد الفساد كقوله : وما الله يريد ظلما للعباد  بل دلالة هذه الآية أقوى لأنه تعالى ذكر ما وقع من الفساد من هذا المنافق ثم قال : والله لا يحب الفساد  إشارة إليه فدل على أن ذلك الواقع وقع لا بإرادة الله تعالى وإذا ثبت أنه تعالى لا يريد الفساد وجب أن لا يكون خالقا له لأن الخلق لا يمكن إلا مع الإرادة فصارت هذه الآية دالة على مسألة الإرادة ومسألة خلق الأفعال والأصحاب أجابوا عنه بوجهين الأول : أن المحبة غير الإرادة بل المحبة عبارة عن مدح الشيء وذكر تعظيمه والثاني : إن سلمنا أن المحبة نفس الإرادة، ولكن قوله : والله لا يحب الفساد  لا يفيد العموم لأن الألف واللام الداخلين في اللفظ لا يفيدان العموم ثم الذي يهدم قوة هذا الكلام وجهان الأول : أن قدرة العبد وداعيته صالحة للصلاح والفساد فترجح الفساد على الصلاح، إن وقع لا لعلة لزم نفي الصانع، وإن وقع لمرجح فذلك المرجح لا بد وأن يكون من الله وإلا لزم التسلسل، فثبت أن الله سبحانه هو المرجح لجانب الفساد على جانب الصلاح فكيف يعقل أن يقال : إنه لا يريده والثاني : أنه عالم بوقوع الفساد فإن أراد أن لا يقع الفساد لزم أن يقال : إنه أراد أن يقلب علم نفسه جهلا وذلك محال.

### الآية 2:206

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [2:206]

الصفة الخامسة : قوله تعالى : وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم  وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الواحدي : قوله تعالى : وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة  معناه أن رسول الله دعاه إلى ترك هذه الأفعال فدعاه الكبر والأنفة إلى الظلم. 
واعلم أن هذا التفسير ضعيف، لأن قوله : وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة  ليس فيه دلالة إلا على أنه متى قيل له هذا القول أخذته العزة، فإما أن هذا القول قيل أو ما قيل فليس في الآية دلالة عليه فإن ثبت ذلك برواية وجب المصير إليه وإن كنا نعلم أنه عليه السلام كان يدعوا الكل إلى التقوى من غير تخصيص. 
المسألة الثانية : أنه تعالى حكى عن هذا المنافق جملة من الأفعال المذمومة أولها : اشتغاله بالكلام الحسن في طلب الدنيا وثانيها : استشهاده بالله كذبا وبهتانا وثالثها : لجاجه في إبطال الحق وإثبات الباطل ورابعها : سعيه في الفساد وخامسها : سعيه في إهلاك الحرث والنسل وكل ذلك فعل منكر قبيح وظاهر قوله : إذا قيل له اتق الله  فليس بأن ينصرف إلى بعض هذه الأمور أولى من بعض، فوجب أن يحمل على الكل فكأنه قيل : اتق الله في إهلاك الحرث والنسل وفي السعي بالفساد، وفي اللجاج الباطل، وفي الإستشهاد بالله كذلك، وفي الحرص على طلب الدنيا فإنه ليس رجوع النهي إلى البعض أولى من بعض. 
المسألة الثالثة : قوله : أخذته العزة بالإثم  فيه وجوه أحدها : أن هذا مأخوذ من قولهم أخذت فلانا بأن يعمل كذا، أي ألزمته ذلك وحكمت به عليه، فتقدير الآية : أخذته العزة بأن يعمل الإثم، وذلك الإثم هو ترك الإلتفات إلى هذا الواعظ وعدم الإصغاء إليه وثانيها : أخذته العزة  أي لزمته يقال : أخذته الحمى أي لزمته، وأخذه الكبر، أي اعتراه ذلك، فمعنى الآية إذا قيل له اتق الله لزمته العزة الحاصلة بالإثم الذي في قلبه، فإن تلك العزة إنما حصلت بسبب ما في قلبه من الكفر والجهل وعدم النظر في الدلائل، ونظيره قوله تعالى :
 بل الذين كفروا في عزة وشقاق  والباء ههنا في معنى اللام، يقول الرجل : فعلت هذا بسببك ولسببك، وعاقبته بجنايته ولجنايته. 
أما قوله تعالى : فحسبه جهنم  قال المفسرون : كافيه جهنم جزاء له وعذابا يقال : حسبك درهم أي كفاك وحسبنا الله، أي كافينا الله، وأما جهنم فقال يونس وأكثر النحويين : هي اسم للنار التي يعذب الله بها في الآخرة وهي أعجمية وقال آخرون. جهنم اسم عربي سميت نار الآخرة بها لبعد قعرها، حكى عن رؤبه أنه قال : ركية جهنام بريد بعيدة القعر. 
أما قوله تعالى : ولبئس المهاد  ففيه وجهان الأول : أن المهاد والتمهيد : التوطئة، وأصله من المهد، قال تعالى : والأرض فرشناها فنعم الماهدون  أي الموطئون الممكنون، أي جعلناها ساكنة مستقرة لا تميد بأهلها ولا تنبو عنهم وقال تعالى : فلأنفسهم يمهدون  أي يفرشون ويمكنون والثاني : أن يكون قوله : ولبئس المهاد  أي لبئس المستقر كقوله : جهنم يصلونها وبئس القرار  وقال بعض العلماء : المهاد الفراش للنوم، فلما كان المعذب في النار يلقى على نار جهنم جعل ذلك مهادا له وفراشا.

### الآية 2:207

> ﻿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [2:207]

قوله تعالى : ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد . 
اعلم أنه تعالى لما وصف في الآية المتقدمة حال من يبذل دينه لطلب الدنيا ذكر في هذه الآية حال من يبذل دنياه ونفسه وماله لطلب الدين فقال : ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله  ثم في الآية مسائل :
المسألة الأولى : في سبب النزول روايات أحدها : روى ابن عباس أن هذه الآية نزلت في صهيب بن سنان مولى عبد الله بن جدعان، وفي عمار بن ياسر، وفي سمية أمه، وفي ياسر أبيه، وفي بلال مولى أبي بكر، وفي خباب بن الأرت، وفي عابس مولى حويطب أخذهم المشركون فعذبوهم، فأما صهيب فقال لأهل مكة : إني شيخ كبير، ولي مال ومتاع، ولا يضركم كنت منكم أو من عدوكم تكلمت بكلام وأنا أكره أن أنزل عنه وأنا أعطيكم مالي ومتاعي وأشتري منكم ديني، فرضوا منه بذلك وخلوا سبيله، فانصرف راجعا إلى المدينة، فنزلت الآية، وعند دخول صهيب المدينة لقيه أبو بكر رضي الله عنه فقال له : ربح بيعك، فقال له صهيب : وبيعك فلا تخسر ما ذاك ؟ فقال : أنزل الله فيك كذا، وقرأ عليه الآية، وأما خباب بن الأرت وأبو ذر فقد فرا وأتيا المدينة، وأما سمية فربطت بين بعيرين ثم قتلت وقتل ياسر، وأما الباقون فأعطوا بسبب العذاب بعض ما أراد المشركون فتركوا، وفيهم نزل قول الله تعالى : والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا  بتعذيب أهل مكة  لنبوأنهم في الدنيا حسنة  بالنصر والغنيمة، ولأجر الآخرة أكبر، وفيهم نزل : إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان . 
والرواية الثانية : أنها نزلت في رجل أمر بمعروف ونهى عن منكر، عن عمر وعلي وابن عباس رضي الله عنهم. 
والرواية الثالثة : نزلت في علي بن أبي طالب بات على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة خروجه إلى الغار، ويروى أنه لما نام على فراشه قام جبريل عليه السلام عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجبريل ينادي : بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة، ونزلت الآية. 
المسألة الثانية : أكثر المفسرين على أن المراد بهذا الشراء : البيع، قال تعالى : وشروه بثمن بخس  أي باعوه، وتحقيقه أن المكلف باع نفسه بثواب الآخرة وهذا البيع هو أنه بذلها في طاعة الله، من الصلاة والصيام والحج والجهاد، ثم توصل بذلك إلى وجدان ثواب الله، كان ما يبذله من نفسه كالسلعة، وصار الباذل كالبائع، والله كالمشتري، كما قال : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة  وقد سمى الله تعالى ذلك تجارة، فقال : يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم  وعندي أنه يمكن إجراء لفظة الشراء على ظاهرها وذلك أن من أقدم على الكفر والشرك والتوسع في ملاذ الدنيا والإعراض عن الآخرة وقع في العذاب الدائم فصار في التقدير كأن نفسه كانت له، فبسبب الكفر والفسق خرجت عن ملكه وصارت حقا للنار والعذاب، فإذا ترك الكفر والفسق وأقدم على الإيمان والطاعة صار كأنه اشترى نفسه من العذاب والنار فصار حال المؤمن كالمكاتب يبذل دراهم معدودة ويشتري بها نفسه فكذلك المؤمن يبذل أنفاسا معدودة ويشتري بها نفسه أبدا لكن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، فكذا المكلف لا ينجو عن رق العبودية ما دام له نفس واحد في الدنيا ولهذا قال عيسى عليه السلام : وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا  وقال تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام : واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  فإن قيل : إن الله تعالى جعل نفسه مشتريا حيث قال : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم  وهذا يمنع كون المؤمن مشتريا. 
قلنا : لا منافاة بين الأمرين، فهو كمن اشترى ثوبا بعبد، فكل واحد منهما بائع، وكل واحد منهما مشتر، فكذا ههنا وعلى هذا التأويل فلا يحتاج إلى ترك الظاهر وإلى حمل لفظ الشراء على البيع. 
إذا عرفت هذا فنقول : يدخل تحت هذا كل مشقة يتحملها الإنسان في طلب الدين، فيدخل فيه المجاهد، ويدخل فيه الباذل مهجته الصابر على القتل، كما فعله أبو عمار وأمه، ويدخل فيه الآبق من الكفار إلى المسلمين، ويدخل في المشتري نفسه من الكفار بماله كما فعل صهيب، ويدخل فيه من يظهر الدين والحق عند السلطان الجائر. 
وروي أن عمر رضي الله تعالى عنه بعث جيشا فحاصروا قصرا فتقدم منهم واحد، فقاتل حتى قتل فقال بعض القوم : ألقى بيده إلى التهلكة، فقال عمر : كذبتم رحم الله أبا فلان، وقرأ  ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله  ثم اعلم أن المشقة التي يتحملها الإنسان لا بد وأن تكون على وفق الشرع حتى يدخل بسببه تحت الآية، فأما لو كان على خلاف الشرع فهو غير داخل فيه بل يعد ذلك من باب إلقاء النفس في التهلكة نحو ما إذا خاف التلف عند الإغتسال من الجنابة ففعل، قال قتادة : أما والله ما هم بأهل حروراء المراق من الدين ولكنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار لما رأوا المشركين يدعون مع الله إلها آخر قاتلوا على دين الله وشروا أنفسهم غضبا لله وجهادا في سبيله. 
المسألة الثانية : يشري نفسه ابتغاء مرضات الله  أي لابتغاء مرضاة الله، و  يشري  بمعنى يشتري. 
أما قوله تعالى : والله رءوف بالعباد  فمن رأفته أنه جعل النعيم الدائم جزاء على العمل القليل المنقطع، ومن رأفته جوز لهم كلمة الكفر إبقاء على النفس، ومن رأفته أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها ومن رأفته ورحمته أن المصر على الكفر مائة سنة إذا تاب ولو في لحظة أسقط كل ذلك العقاب. وأعطاه الثواب الدائم، ومن رأفته أن النفس له والمال، ثم أنه يشتري ملكه بملكه فضلا منه ورحمة وإحسانا.

### الآية 2:208

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [2:208]

قوله تعالى  يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين . 
اعلم أنه تعالى لما حكى عن المنافق أنه يسعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل، أمر المسلمين بما يضاد ذلك، وهو الموافقة في الإسلام وفي شرائعه، فقال : يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة  وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ونافع والكسائي  السلم  بفتح السين، وكذا في قوله : وإن جنحوا للسلم  وقوله : وتدعوا إلى السلم  وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بن عياش  السلم  بكسر السين في الكل، وقرأ حمزة والكسائي بكسر السين في هذه، والتي في البقرة، والتي في سورة محمد في قوله : وتدعوا إلى السلم  وقرأ ابن عامر بكسر السين في هذه التي في البقرة وحدها وبفتح السين في الأنفال، وفي سورة محمد، فذهب ذاهبون إلى أنهما لغتان بالفتح والكسر، مثل : رطل ورطل وجسر وجسر، وقرأ الأعمش بفتح السين واللام. 
المسألة الثانية : أصل هذه الكلمة من الانقياد، قال الله تعالى : إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت  والإسلام إنما سمي إسلاما لهذا المعنى، وغلب اسم السلم على الصلح وترك الحرب، وهذا أيضا راجع إلى هذا المعنى لأن عند الصلح ينقاد كل واحد لصاحبه ولا ينازعه فيه، قال أبو عبيدة : وفيه لغات ثلاث : السلم، والسلم، والسلم. 
المسألة الثالثة : في الآية إشكال، وهو أن كثيرا من المفسرين حملوا السلم على الإسلام، فيصير تقدير الآية : يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في الإسلام، والإيمان هو الإسلام، ومعلوم أن ذلك غير جائز، ولأجل هذا السؤال ذكر المفسرون وجوها في تأويل هذه الآية :
أحدها : أن المراد بالآية المنافقون، والتقدير : يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم ادخلوا بكليتكم في الإسلام، ولا تتبعوا خطوات الشيطان، أي آثار تزيينه وغروره في الإقامة على النفاق، ومن قال بهذا التأويل احتج على صحته بأن هذه الآية إنما وردت عقيب ما مضى من ذكر المنافقين وهو قوله : ومن الناس من يعجبك قوله  الآية فلما وصف المنافق بما ذكر دعا في هذه الآية إلى الإيمان بالقلب وترك النفاق. 
وثانيها : أن هذه الآية نزلت في طائفة من مسلمي أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه وذلك لأنهم حين آمنوا بالنبي عليه السلام أقاموا بعده على تعظيم شرائع موسى، فعظموا السبت، وكرهوا لحوم الإبل وألبانها، وكانوا يقولون : ترك هذه الأشياء مباح في الإسلام، وواجب في التوراة، فنحن نتركها احتياطا فكره الله تعالى ذلك منهم وأمرهم أن يدخلوا في السلم كافة، أي في شرائع الإسلام كافة، ولا يتمسكوا بشيء من أحكام التوراة اعتقادا له وعملا به، لأنها صارت منسوخة  ولا تتبعوا خطوات الشيطان  في التمسك بأحكام التوراة بعد أن عرفتم أنها صارت منسوخة، والقائلون بهذا القول جعلوا قوله : كافة  من وصف السلم، كأنه قيل : ادخلوا في جميع شرائع الإسلام اعتقادا وعملا. 
وثالثها : أن يكون هذا الخطاب واقعا على أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بالنبي عليه السلام فقوله : يا أيها الذين آمنوا  أي بالكتاب المتقدم  ادخلوا في السلم كافة  أي أكملوا طاعتكم في الإيمان وذلك أن تؤمنوا بجميع أنبيائه وكتبه فادخلوا بإيمانكم بمحمد عليه السلام وبكتابه في السلم على التمام، ولا تتبعوا خطوات الشيطان في تحسينه عند الاقتصار على دين التوراة بسبب أنه دين اتفقوا كلهم على أنه حق بسبب أنه جاء في التوراة : تمسكوا بالسبت ما دامت السموات والأرض، وبالجملة فالمراد من خطوات الشيطان الشبهات التي يتمسكون بها في بقاء تلك الشريعة. 
ورابعها : هذا الخطاب واقع على المسلمين  يا أيها الذين آمنوا  بالألسنة  ادخلوا في السلم كافة  أي دوموا على الإسلام فيما تستأنفونه من العمر ولا تخرجوا عنه ولا عن شيء من شرائعه  ولا تتبعوا خطوات الشيطان  أي ولا تلتفتوا إلى الشبهات التي تلقيها إليكم أصحاب الضلالة والغواية ومن قال بهذا التأويل قال : هذا الوجه متأكد بما قبل هذه الآية وبما بعدها، أما ما قبل هذه الآية فهو ما ذكر الله تعالى في صفة ذلك المنافق في قوله : سعى في الأرض ليفسد فيها  وما ذكرنا هناك أن المراد منه إلقاء الشبهات إلى المسلمين، فكأنه تعالى قال : دوموا على إسلامكم ولا تتبعوا تلك الشبهات التي يذكرها المنافقون، وأما ما بعد هذه الآية فهو قوله تعالى : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام  يعني هؤلاء الكفار معاندون مصرون على الكفر قد أزيحت عللهم وهم لا يوقفون قولهم بهذا الدين الحق إلا على أمور باطلة مثل أن يأتيهم الله في ظل من الغمام والملائكة. 
فإن قيل : الموصوف بالشيء يقال له : دم عليه، ولكن لا يقال له : ادخل فيه والمذكور في الآية هو قوله : أدخلوا . 
قلنا إن الكائن في الدار إذا علم أن له في المستقبل خروجا عنها فغير ممتنع أن يؤمر بدخولها في المستقبل حالا بعد حال، وإن كان كائنا فيها في الحال، لأن حال كونه فيها غير الحالة التي أمر أن يدخلها، فإذا كان في الوقت الثاني قد يخرج عنها صح أن يؤمر بدخولها، ومعلوم أن المؤمنين قد يخرجون عن خصال الإيمان بالنوم والسهو وغيرهما من الأحوال فلا يمتنع أن يأمرهم الله تعالى بالدخول في المستقبل في الإسلام وخامسها : أن يكون السلم المذكور في الآية معناه الصلح وترك المحاربة والمنازعة، والتقدير : يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة أي كونوا موافقين ومجتمعين في نصرة الدين واحتمال البلوى فيه، ولا تتبعوا خطوات الشيطان بأن يحملكم على طلب الدنيا والمنازعة مع الناس، وهو كقوله :
 ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم  وقال تعالى : يا أيها الذين آمنوا اصبروا  وقال : واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا  وقال عليه الصلاة والسلام :" المؤمن يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه " وهذه الوجوه في التأويل ذكرها جمهور المفسرين وعندي فيه وجوه أخر أحدها : أن قوله : يا أيها الذين آمنوا  إشارة إلى المعرفة والتصديق بالقلب وقوله : ادخلوا في السلم كافة  إشارة إلى ترك الذنوب والمعاصي، وذلك لأن المعصية مخالفة لله ولرسوله، فيصح أن يسمي تركها بالسلم، أو يكون المراد منه : كونوا منقادين لله في الإتيان بالطاعات، وترك المحظورات، وذلك لأن مذهبنا أن الإيمان باق مع الاشتغال بالمعاصي وهذا تأويل ظاهر وثانيها : أن يكون المراد من السلم كون العبد راضيا ولم يضطرب قلبه على ما روي في الحديث **«الرضا بالقضاء باب الله الأعظم »** وثالثها : أن يكون المراد ترك الانتقام كما في قوله : وإذا مروا باللغو مروا كراما  وفي قوله : خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين  فهذا هو كلام في وجوه تأويلات هذه الآية. 
المسألة الرابعة : قال القفال  كافة  يصح أن يرجع إلى المأمورين بالدخول أي ادخلوا بأجمعكم في السلم. ولا تفرقوا ولا تختلفوا، قال قطرب : تقول العرب : رأيت القوم كافة وكافين ورأيت النسوة كافات ويصلح أن يرجع إلى الإسلام أي ادخلوا في الإسلام كله أي في كل شرائعه قال الواحدي رحمه الله : هذا أليق بظاهر التفسير لأنهم أمروا بالقيام بها كلها، ومعنى الكافة في اللغة الحاجزة المانعة يقال : كففت فلانا عن السوء أي منعته، ويقال : كف القميص لأنه منع الثواب عن الانتشار، وقيل لطرف اليد : كف لأنه يكف بها عن سائر البدن، ورجل مكفوف أي كف بصره من أن يبصر، فالكافة معناها المانعة، ثم صارت اسما للجملة الجامعة وذلك لأن الاجتماع يمنع من التفرق والشذوذ، فقوله : ادخلوا في السلم كافة  أي ادخلوا في شرائع الإسلام إلى حيث ينتهي شرائع الإسلام فتكفوا من أن تتركوا شيئا من شرائعه، أو يكون المعنى ادخلوا كلكم حتى تمنعوا واحدا من أن لا يدخل فيه. 
أما قوله تعالى : ولا تتبعوا خطوات الشيطان  فالمعنى : ولا تطيعوه ومعروف في الكلام أن يقال فيمن اتبع سنة إنسان اقتفى أثره، ولا فرق بين ذلك وبين قوله : اتبعت خطواته. وخطوات جمع خطوة، وقد تقدم ذلك. 
أما قوله تعالى : إنه لكم عدو مبين  فقال أبو مسلم الأصفهاني : إن مبين من صفات البليغ الذي يعرب عن ضميره، وأقول : الذي يدل على صحة هذا المعنى قوله : حم والكتاب المبين  ولا يعني بقوله مبينا إلا ذلك. 
فإن قيل : كيف يمكن وصف الشيطان بأنه مبين مع أنا لا نرى ذاته ولا نسمع كلامه. 
قلنا : إن الله تعالى لما بين عداوته لآدم ونسله لذلك الأمر صح أن يوصف بأنه عدو مبين وإن لم يشاهد ومثاله : من يظهر عداوته لرجل في بلد بعيد فقد يصح أن يقال : إن فلانا عدو مبين لك وإن لم يشاهده في الحال وعندي فيه وجه آخر، وهو أن الأصل في الإبانة القطع والبيان إنما سمي بيانا لهذا المعنى، فإنه يقطع بعض الإحتمالات عن بعض، فوصف الشيطان بأنه مبين معناه أنه يقطع المكلف بوسوسته عن طاعة الله وثوابه ورضوانه. 
فإن قيل : كون الشيطان عدوا لنا إما أن يكون بسبب أنه يقصد إيصال الآلأم والمكاره إلينا في الحال، أو بسبب أنه بوسوسته يمنعنا عن الدين والثواب، والأول باطل، إذ لو كان كذلك لأوقعنا في الأمراض والآلأم والشدائد، ومعلوم أنه ليس كذلك، وإن كان الثاني فهو أيضا باطل لأن من قبل منه تلك الوسوسة من قبل نفسه كما قال : وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي  إذا ثبت هذا فكيف يقال : إنه عدو مبين العداوة، والحال ما ذكرناه ؟. 
الجواب : أنه عدو من الوجهين معا أما من حيث إنه يحاول إيصال الضرر إلينا فهو كذلك إلا أن الله تعالى منعه عن ذلك، وليس يلزم من كونه مريدا الإيصال الضرر إلينا أن يكون قادرا عليها وأما من حيث إنه يقدم على الوسوسة فمعلوم أن تزيين المعاصي وإلقاء الشبهات كل ذلك سبب لوقوع الإنسان في الباطل وبه يصير محروما عن الثواب، فكان ذلك من أعظم جهات العداوة.

### الآية 2:209

> ﻿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [2:209]

قوله تعالى فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم . 
**وفي الآية مسائل :**
المسألة الأولى : قرأ أبو السمال  زللتم  بكسر اللام الأولى وهما لغتان كضللت وضللت. 
المسألة الثانية : يقال : زل يزل زلولا وزلزالا إذا دحضت قدمه وزل في الطين، ويقال لمن زل في حال كان عليها : زلت به الحال، ويسمى الذنب زلة، يريدون به الزلة للزوال عن الواجب فقوله : فإن زللتم  أي أخطأتم الحق وتعديتموه، وأما سبب نزول هذه الآية فقد اختلفوا في السلم كافة، فمن قال في الأول : إنه في المنافقين، فكذا الثاني، ومن قال : إنه في أهل الكتاب فكذا الثاني، وقس الباقي عليه. 
يروى عن ابن عباس : فإن زللتم  في تحريم السبت ولحم الإبل  من بعد ما جاءتكم البينات  محمد صلى الله عليه وسلم وشرائعه  فاعلموا أن الله عزيز  بالنقمة  حكيم  في كل أفعاله، فعند هذا قالوا لئن شئت يا رسول الله لنتركن كل كتاب غير كتابك، فأنزل الله تعالى  يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله . 
المسألة الثالثة : قوله : فإن زللتم  فيه سؤال وهو أن الحكم المشروط إنما يحسن في حق من لا يكون عارفا بعواقب الأمور، وأجاب قتادة عن ذلك فقال : قد علم أنهم سيزلون ولكنه تعالى قدم ذلك وأوعد فيه لكي يكون له حجة على خلقه. 
المسألة الرابعة : قوله تعالى : فإن زللتم  يعني إن انحرفتم عن الطريق الذي أمرتم به، وعلى هذا التقدير يدخل في هذا الكبائر والصغائر فإن الإنحراف كما يحصل بالكثير يحصل بالقليل. فتوعد تعالى على كل ذلك زجرا لهم عن الزوال عن المنهاج لكي يتحرز المؤمن عن قليل ذلك وكثيره لأن ما كان من جملة الكبائر فلا شك في وجوب الاحتراز عنه، وما لم يعلم كونه من الكبائر فإنه لا يؤمن كون العقاب مستحقا به وحينئذ يجب الاحتراز عنه. 
المسألة الخامسة : قوله تعالى : من بعدما جاءتكم البينات  يتناول جميع الدلائل العقلية والسمعية أما الدلائل العقلية فهي الدلائل على الأمور التي تثبت صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلا بعد ثبوتها نحو العلم بحدوث العالم وافتقاره إلى صانع يكون عالما بالمعلومات كلها، قادرا على الممكنات كلها، غنيا عن الحاجات كلها، ومثل العلم بالفرق بين المعجزة والسحر، والعلم بدلالة المعجزة على الصدق فكل ذلك من البينات العقلية، وأما البينات السمعية فهي البيان الحاصل بالقرآن والبيان الحاصل بالسنة فكل هذه البينات داخلة في الآية من حيث أن عذر المكلف لا يزول عند حصول كل هذه البينات. 
المسألة السادسة : قال القاضي : دلت الآية على أن المؤاخذة بالذنب لا تحصل إلا بعد البيان وإزاحة العلة، فإذا علق الوعيد بشرط مجيء البينات وحصولها فبأن لا يجوز أن يحصل الوعيد لمن لا قدرة له على الفعل أصلا أولى، ولأن الدلالة لا ينتفع بها إلا أولوا القدرة، وقد ينتفع بالقدرة مع فقد الدلالة، وقال أيضا : دلت الآية على أن المعتبر حصول البينات لا حصول اليقين من المكلف فمن هذا الوجه دلت الآية على أن المتمكن من النظر والإستدلال يلحقه الوعيد كالعارف، فبطل قول من زعم أن لا حجة لله على من يعلم ويعرف. 
أما قوله تعالى : فاعلموا أن الله عزيز حكيم  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : لقائل أن يقول : إن قوله تعالى : فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات  إشارة إلى أن ذنبهم وجرمهم، فكيف يدل قوله  أن الله عزيز حكيم  على الزجر والتهديد. 
الجواب : أن العزيز من لا يمنع عن مراده، وذلك إنما يحصل بكمال القدرة، وقد ثبت أنه سبحانه وتعالى قادر على جميع الممكنات، فكان عزيزا على الإطلاق، فصار تقدير الآية : فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات، فاعلموا أن الله مقتدر عليكم لا يمنعه مانع عنكم، فلا يفوته ما يريده منكم وهذا نهاية في الوعيد، لأنه يجمع من ضروب الخوف ما لا يجمعه الوعيد بذكر العقاب، وربما قال الوالد لولده : إن عصيتني فأنت عارف بي، وأنت تعلم قدرتي عليك وشدة سطوتي، فيكون هذا الكلام في الزجر أبلغ من ذكر الضرب وغيره، فإن قيل : أفهذه الآية مشتملة على الوعد كما أنها مشتملة على الوعيد ؟ قلنا : نعم من حيث أتبعه بقوله : حكيم  فإن اللائق بالحكمة أن يميز بين المحسن والمسيء فكما يحسن من الحكيم إيصال العذاب إلى المسيء فكذلك يحسن منه إيصال الثواب إلى المحسن، بل هذا أليق بالحكمة وأقرب للرحمة. 
المسألة الثانية : احتج من قال بأنه لا وجوب لشيء قبل الشرع بهذه الآية قال : لأنه تعالى أثبت التهديد والوعيد بشرط مجيء البينات، ولفظ  البينات  لفظ جمع يتناول الكل، فهذا يدل على أن الوعيد مشروط بمجيء كل البينات وقبل الشرع لم تحصل كل البينات، فوجب أن لا يحصل الوعيد، فوجب أن لا يتقرر الوجوب قبل الشرع. 
المسألة الثالثة : قال أبو علي الجبائي : لو كان الأمر كما يقوله المجبرة من أنه تعالى يريد من السفهاء والكفار : السفاهة والكفر لما جاز أن يوصف بأنه حكيم، لأن من فعل السفه وأراده كان سفيها، والسفيه لا يكون حكيما أجاب الأصحاب بأن الحكيم هو العالم بعواقب الأمور فيرجع معنى كونه تعالى حكيما إلى أنه عالم بجميع المعلومات وذلك لا ينافي كونه خالقا لكل الأشياء ومريدا لها، بل يوجب ذلك لما بينا أنه لو أراد ما علم عدمه لكان قد أراد تجهيل نفسه فقالوا : لو لزم ذلك لكان إذا أمر بما علم عدمه فقد أمر بتجهيل نفسه. 
قلنا : هذا إنما يلزم لو كان الأمر بالشيء أمرا بما لا يتم إلا به، وهذا عندنا ممنوع فإن قالوا : لو لم يكن كذلك لزم تكليف ما لا يطاق، قلنا هذا عندنا جائز والله أعلم. 
المسألة الرابعة : يحكى أن قارئا قرأ  غفور رحيم  فسمعه أعرابي فأنكره، وقال إن كان هذا كلام الله فلا يقول كذا الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل لأنه إغراء عليه.

### الآية 2:210

> ﻿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [2:210]

قوله تعالى : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور  اعلم أن في الآية مسائل :
المسألة الأولى : الكلام المستقصي في لفظ النظر مذكور في تفسير قوله تعالى : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة  وأجمعوا على أنه يجيء بمعنى الانتظار، قال الله تعالى : فناظرة بم يرجع المرسلون  فالمراد من قوله تعالى : هل ينظرون  هو الانتظار. 
المسألة الثانية : أجمع المعتبرون من العقلاء على أنه سبحانه وتعالى منزه عن المجيء والذهاب ويدل عليه وجوه أحدها : ما ثبت في علم الأصول أن كل ما يصح عليه المجيء والذهاب لا ينفك عن الحركة والسكون، وهما محدثان، وما لا ينفك عن المحدث فهو محدث، فيلزم أن كل ما يصح عليه المجيء والذهاب يجب أن يكون محدثا مخلوقا والإله القديم يستحيل أن يكون كذلك وثانيها : أن كل ما يصح عليه الإنتقال من مكان إلى مكان، فأما أن يكون في الصغر والحقارة كالجزء الذي لا يتجزأ وذلك باطل باتفاق العقلاء، وإما أن لا يكون كذلك بل يكون شيئا كبيرا فيكون أحد جانبيه مغايرا للآخر فيكون مركبا من الأجزاء والأبعاض وكل ما كان مركبا، فإن ذلك المركب يكون مفتقرا في تحققه إلى تحقق كل واحد من أجزائه، وكل واحد من أجزائه غيره فكل مركب هو مفتقر إلى غيره وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته فهو محتاج في وجوده إلى المرجح والموجد، فكل ما كان كذلك فهو محدث مخلوق مسبوق بالعدم، والإله القديم يمتنع أن يكون كذلك وثالثها : أن كل ما يصح عليه الانتقال من مكان إلى مكان فهو محدود ومتناه فيكون مختصا بمقدار معين، مع أنه كان يجوز في العقل وقوعه على مقدار أزيد منه أو أنقص فاختصاصه بذلك القدر المعين لا بد وأن يكون لترجيح مرجح، وتخصيص مخصص، وكل ما كان كذلك كان فعلا لفاعل مختار، وكل ما كان كذلك فهو محدث مخلوق، فالإله القديم الأزلي يمتنع أن يكون كذلك ورابعها : أنا متى جوزنا في الشيء الذي يصح عليه المجيء والذهاب أن يكون إلها قديما أزليا فحينئذ لا يمكننا أن نحكم بنفي الإلهية عن الشمس والقمر، وكان بعض الأذكياء من أصحابنا يقول : الشمس والقمر لا عيب فيهما يمنع من القول بإلهيتهما سوى أنهم جسم يجوز عليه الغيبة والحضور، فمن جوز المجيء والذهاب على الله تعالى فلم لا يحكم بإلهية الشمس، وما الذي أوجب عليه الحكم بإثبات موجود آخر يزعم أنه إله وخامسها : أن الله تعالى حكى عن الخليل عليه الصلاة والسلام أنه طعن في إلهية الكواكب والقمر والشمس بقوله : لا أحب الآفلين  ولا معنى للأفول إلا الغيبة والحضور فمن جوز الغيبة والحضور على الله تعالى فقد طعن في دليل الخليل عليه السلام وكذب الله في تصديق الخليل عليه السلام في ذلك. 
سادسها : أن فرعون لعنة الله تعالى عليه لما سأل موسى عليه السلام فقال : وما رب العالمين  وطلب منه الماهية والجنس والجوهر، فلو كان تعالى جسما موصوفا بالأشكال والمقادير لكان الجواب عن هذا السؤال ليس إلا بذكر الصورة والشكل والقدر : فكان جواب موسى عليه السلام بقوله : رب السموات والأرض، ربكم ورب آبائكم الأولين، رب المشرق والمغرب  خطأ وباطلا، وهذا يقتضي بخطئة موسى عليه السلام فيما ذكر من الجواب، وتصويب فرعون في قوله : إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون  ولما كان كل ذلك باطلا، علمنا أنه تعالى منزه عن أن يكون جسما، وأن يكون في مكان، ومنزه عن أن يصح عليه المجيء والذهاب وسابعها : أنه تعالى قال : قل هو الله أحد  والأحد هو الكامل في الوحدانية وكل جسم فهو منقسم بحسب الغرض والإشارة إلى جزأين، فلما كان تعالى أحدا امتنع أن يكون جسما أو متحيزا، فلما لم يكن جسما ولا متحيزا امتنع عليه المجيء والذهاب، وأيضا قال تعالى : هل تعلم له سميا  أي شبيها ولو كان جسما متحيزا لكان مشابها للأجسام في الجسمية، إنما الاختلاف يحصل فيما وراء الجسمية، وذلك إما بالعظم أو بالصفات والكيفيات، وذلك لا يقدح في حصول المشابهة في الذات، وأيضا قال تعالى  ليس كمثله شيء  ولو كان جسما لكان مثلا للأجسام وثامنها : لو كان جسما متحيزا لكان مشاركا لسائر الأجسام في عموم الجسمية، فعند ذلك لا يخلو إما أن يكون مخالفا في خصوص ذاته المخصوصة، وإما أن لا يكون فإن كان الأول فما به المشاركة غير ما به الممايزة، فعموم كونه جسما مغاير لخصوص ذاته المخصوصة، وهذا محال لأنا إذا وصفنا تلك الذات المخصوصة بالمفهوم من كونه جسما كنا قد جعلنا الجسم صفة وهذا محال لأن الجسم ذات الصفة، وإن قلنا بأن تلك الذات المخصوصة التي هي مغايرة للمفهوم من كونه جسما وغير موصوف بكونه جسما، فحينئذ تكون ذات الله تعالى شيئا مغايرا للمفهوم من الجسم، وغير موصوف به وذلك ينفي كونه تعالى جسما، وإما إن قيل : إن ذاته تعالى بعد أن كانت جسما لا يخالف سائر الأجسام في خصوصية، فحينئذ يكون مثلا لها مطلقا، وكل ما صح عليها فقد صح عليه، فإذا كانت هذه الأجسام محدثة وجب في ذاته أن تكون كذلك، وكل ذلك محال، فثبت أنه تعالى ليس بجسم، ولا بمتحيز، وأنه لا يصح المجيء والذهاب عليه. 
إذا عرفت هذا فنقول : اختلف أهل الكلام في قوله : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله  وذكروا فيه وجوها. 
الوجه الأول : وهو مذهب السلف الصالح أنه لما ثبت بالدلائل القاطعة أن المجيء والذهاب على الله تعالى محال، علمنا قطعا أنه ليس مراد الله تعالى من هذه الآية هو المجيء والذهاب، وأن مراده بعد ذلك شيء آخر فإن عينا ذلك المراد لم نأمن الخطأ، فالأولى السكوت عن التأويل، وتفويض معنى الآية على سبيل التفصيل إلى الله تعالى، وهذا هو المراد بما روي عن ابن عباس أنه قال : نزل القرآن على أربعة أوجه : وجه لا يعرفه أحد لجهالته، ووجه يعرفه العلماء ويفسرونه ووجه نعرفه من قبل العربية فقط، ووجه لا يعلمه إلا الله وهذا القول قد استقصينا القول فيه في تفسير قوله تعالى : الم . 
الوجه الثالث : وهو قول جمهور المتكلمين : أنه لا بد من التأويل على سبيل التفصيل ثم ذكروا فيه وجوها الأول : المراد  هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله  أي آيات الله فجعل مجيء الآيات مجيئا له على التفخيم لشأن الآيات، كما يقال : جاء الملك إذا جاء جيش عظيم من جهته، والذي يدل على صحة هذا التأويل أنه تعالى قال في الآية المتقدمة  فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم  فذكر ذلك في معرض الزجر والتهديد، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله  ومعلوم أن التقدير أن يصح المجيء على الله لم يكن مجرد حضوره سببا للتهديد والزجر، لأنه عند الحضور كما يزجر الكفار ويعاقبهم، فهو يثيب المؤمنين ويخصهم بالتقريب، فثبت أن مجرد الحضور لا يكون سببا للتهديد والوعيد، فلما كان المقصود من الآية إنما هو الوعيد والتهديد، وجب أن يضمر في الآية مجيء الهيبة والقهر والتهديد، ومتى أضمرنا ذلك زالت الشبهة بالكلية، وهذا تأويل حسن موافق لنظم الآية. 
والوجه الثاني : في التأويل أن يكون المراد  هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله  أي أمر الله، ومدار الكلام في هذا الباب أنه تعالى إذا ذكر فعلا وأضافه إلى شيء، فإن كان ذلك محالا فالواجب صرفه إلى التأويل، كما قاله العلماء في قوله : الذين يحاربون الله  والمراد يحاربون أولياءه، وقال : واسأل القرية  والمراد : واسأل أهل القرية، فكذا قوله : يأتيهم الله  المراد به يأتيهم أمر الله، وقوله : وجاء ربك  المراد : جاء أمر ربك، وليس فيه إلا حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، وهو مجاز مشهور، يقال : ضرب الأمير فلانا، وصلبه، وأعطاه، والمراد أنه أمر بذلك، لا أنه تولى ذلك العمل بنفسه، ثم الذي يؤكد القول بصحة هذا التأويل وجهان الأول : أن قوله ههنا : يأتيهم الله  وقوله : وجاء ربك  إخبار عن حال القيامة، ثم ذكر هذه الواقعة بعينها في سورة النحل فقال : هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك  فصار هذا الحكم مفسرا لذلك المتشابه، لأن كل هذه الآيات لما وردت في واقعة واحدة لم يبعد حمل بعضها على البعض والثاني : أنه تعالى قال بعده : وقضى الأمر  ولا شك أن الألف واللام للمعهود السابق، فلا بد وأن يكون قد جرى ذكر أمر قبل ذلك حتى تكون الألف واللام إشارة إليه، وما ذاك إلا الذي أضمرناه من أن قوله : يأتيهم الله  أي يأتيهم أمر الله. 
فإن قيل : أمر الله عندكم صفة قديمة، فالإتيان عليها محال، وعند المعتزلة أنه أصوات فتكون أعراضا، فالإتيان عليها أيضا محال. 
قلنا : الأمر في اللغة له معنيان، أحدهما الفعل والشأن والطريق، قال الله تعالى : وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر، وما أمر فرعون برشيد  وفي المثل : لأمر ما جدع قصير أنفه، لأمر ما يسود من يسود فيحمل الأمر ههنا على الفعل، وهو ما يليق بتلك المواقف من الأهوال وإظهار الآيات المبينة، وهذا هو التأويل الأول الذي ذكرناه، وأما إن حملنا الأمر على الأمر الذي هو ضد النهي ففيه وجهان أحدهما : أن يكون التقدير أن مناديا ينادي يوم القيامة : ألا إن الله يأمركم بكذا وكذا، فذاك هو إتيان الأمر، وقوله : في ظلل من الغمام  أي مع ظلل، والتقدير : إن سماع ذلك النداء ووصول تلك الظلل يكون في زمان واحد والثاني : أن يكون المراد من إتيان أمر الله في ظلل من الغمام حصول أصوات مقطعة مخصوصة في تلك الغمامات تدل على حكم الله تعالى على كل أحد بما يليق به من السعادة والشقاوة، أو يكون المراد أنه تعالى خلق نقوشا منظومة في ظلل من الغمام لشدة بياضها وسواد تلك الكتابة يعرف بها حال أهل الموقف في الوعد والوعيد وغيرهما وتكون فائدة الظلل من الغمام أنه تعالى جعله أمارة لما يريد إنزاله بالقوم فعنده يعلمون أن الأمر قد حضر وقرب. 
الوجه الثالث : في التأويل أن المعنى : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بما وعد من العذاب والحساب، فحذف ما يأتي به تهويلا عليهم، إذ لو ذكر ما يأتي به كان أسهل عليهم في باب الوعيد وإذا لم يذكر كان أبلغ لانقسام خواطرهم، وذهاب فكرهم في كل لوجه، ومثله قوله تعالى : فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين  والمعنى أتاهم الله بخذلانه إياهم من حيث لم يحتسبوا وكذلك قوله تعالى : فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب  فقوله : وأتاهم العذاب  كالتفسير لقوله تعالى : فأتى الله بنيانهم من القواعد  ويقال في العرف الظاهر إذا سمع بولاية جائر : قد جاءنا فلان بجوره وظلمه، ولا شك أن هذا مجاز مشهور. 
الوجه الرابع : في التأويل أن يكون  في  بمعنى الباء، وحروف الجر يقام بعضها مقام البعض، وتقديره هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بظلل من الغمام والملائكة، والمراد العذاب الذي يأتيهم في الغمام مع الملائكة. 
الوجه الخامس : أن المقصود من الآية تصوير عظمة يوم القيامة وهولها وشدتها، وذلك لأن جميع المذنبين إذا حضروا للقضاء والخصومة، وكان القاضي في تلك الخصومة أعظم السلاطين قهرا وأكبرهم هيبة

### الآية 2:211

> ﻿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ۗ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [2:211]

قوله تعالى : سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب . 
**في الآية مسائل :**
المسألة الأولى : سل  كان في الأصل اسأل فتركت الهمزة التي هي عين الفعل لكثرة الدور في الكلام تخفيفا، ونقلت حركتها إلى الساكن الذي قبلها، وعند هذا التصريف استغني عن ألف الوصل، وقال قطرب : يقال سأل يسأل مثل زأر الأسد يزأر، وسأل يسأل، مثل خاف يخاف، والأمر فيه : سل مثل خف، وبهذا التقدير قرأ نافع وابن عامر  سأل سائل  على وزن قال، وكال، وقوله : كم  هو اسم مبني على السكون موضوع للعدد، يقال إنه من تأليف كاف التشبيه مع  ما  ثم قصرت ( ما ) وسكنت الميم، وبنيت على السكون لتضمنها حرف الاستفهام، وهي تارة تستعمل في الخبر وتارة في الاستفهام وأكثر لغة العرب الجر به عند الخبر، والنصب عند الاستفهام، ومن العرب من ينصب به في الخبر، ويجر به في الاستفهام، وهي ههنا يحتمل أن تكون استفهامية، وأن تكون خبرية. 
المسألة الثانية : اعلم أنه ليس المقصود : سل بني إسرائيل ليخبروك عن تلك الآيات فتعلمها وذلك لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان عالما بتلك الأحوال بإعلام الله تعالى إياه، بل المقصود منه المبالغة في الزجر عن الإعراض عن دلائل الله تعالى، وبيان هذا الكلام أنه تعالى قال : يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة، ولا تتبعوا خطوات الشيطان  فأمر بالإسلام ونهى عن الكفر، ثم قال : فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات  أي فإن أعرضتم عن هذا التكليف صرتم مستحقين للتهديد بقوله : فاعلموا أن الله عزيز حكيم  ثم بين ذلك التهديد بقوله : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة  ثم ثلث ذلك التهديد بقوله : سل بنى إسرائيل  يعني سل هؤلاء الحاضرين أنا لما آتينا أسلافهم آيات بينات فأنكروها، لا جرم استوجبوا العقاب من الله تعالى، وذلك تنبيه لهؤلاء الحاضرين على أنهم لو زلوا عن آيات الله لوقعوا في العذاب كما وقع أولئك المتقدمون فيه، والمقصود من ذكر هذه الحكاية أن يعتبروا بغيرهم، كما قال تعالى : فاعتبروا يا أولي الأبصار  وقال : لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب  فهذا بيان وجه النظم. 
المسألة الثالثة : فرق أبو عمرو في  سل  بين الاتصال بواو وفاء وبين الاستئناف، فقرأ  سلهم  و  سل بنى إسرائيل  بغير همزة  واسأل القرية، فاسأل الذين يقرؤون الكتاب، واسألوا الله من فضله  بالهمز، وسوى الكسائي بين الكل، وقرأ الكل بغير همز وجه الفرق أن التخفيف في الاستئناف وصلة إلى إسقاط الهمزة المبتدأة وهي مستقلة وليس كذلك في الاتصال والكسائي اتبع المصحف، لأن الألف ساقطة فيها أجمع. 
المسألة الرابعة : قوله : من آية بينة  فيه قولان أحدها : المراد به معجزات موسى عليه السلام، نحو فلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، ونتق الجبل، وتكليم الله تعالى لموسى عليه السلام من السحاب، وإنزال التوراة عليهم، وتبيين الهدى من الكفر لهم، فكل ذلك آيات بينات. 
والقول الثاني : أن المعنى ؛ كم آتيناهم من حجة بينة لمحمد عليه الصلاة والسلام، يعلم بها صدقه وصحة شريعته. 
أما قوله تعالى : ومن يبدل نعمة الله  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرئ  ومن يبدل  بالتخفيف. 
المسألة الثانية : قال أبو مسلم : في الآية حذف، والتقدير : كم آتيناهم من آية بينة وكفروا بها لكن لا يدل على هذا الإضمار قوله : ومن يبدل نعمة الله . 
المسألة الثالثة : في نعمة الله ههنا قولان أحدهما : أن المراد آياته ودلائله وهي من أجل أقسام نعم الله لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة، ثم على هذا القول في تبديلهم إياها وجهان فمن قال المراد بالآية البينة معجزات موسى عليه السلام، قال : المراد بتبديلها أن الله تعالى أظهرها لتكون أسباب هداهم فجعلوها أسباب ضلالاتهم كقوله : فزادتهم رجسا إلى رجسهم  ومن قال : المراد بالآية البينة ما في التوراة والإنجيل من دلائل نبوة محمد عليه السلام، قال : المراد من تبديلها تحريفها وإدخال الشبهة فيها. 
والقول الثاني : المراد بنعمة الله ما آتاهم الله من أسباب الصحة والأمن والكفاية والله تعالى هو الذي أبدل النعمة بالنقمة لما كفروا، ولكن أضاف التبديل إليهم لأنه سبب من جهتهم وهو ترك القيام بما وجب عليهم من العمل بتلك الآيات البينات. 
أما قوله تعالى : من بعد ما جاءته  فإن فسرنا النعمة بإيتاء الآيات والدلائل كان المراد من قوله : من بعد ما جاءته  أي من بعد ما تمكن من معرفتها، أو من بعد ما عرفها كقوله تعالى : ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون  لأنه إذا لم يتمكن من معرفتها أو لم يعرفها، فكأنها غائبة عنه، وإن فسرنا النعمة بما يتعلق بالدنيا من الصحة والأمن والكفاية، فلا شك أن عند حصول هذه الأسباب يكون الشكر أوجب فكان الكفر أقبح، فلهذا قال : فإن الله شديد العقاب  قال الواحدي رحمه الله تعالى : وفيه إضمار، والمعنى شديد العقاب له، وأقول : بين عبد القاهر النحوي في كتاب **«دلائل الإعجاز »** أن ترك هذا الإضمار أولى، وذلك لأن المقصود من الآية التخويف بكونه في ذاته موصوفا بأنه شديد العقاب، من غير التفات إلى كونه شديد العقاب لهذا أو لذلك، ثم قال الواحدي رحمه الله : والعقاب عذاب يعقب الجرم.

### الآية 2:212

> ﻿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ۘ وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [2:212]

قوله تعالى : زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب . 
اعلم أنه تعالى لما ذكر من قبل حال من يبدل نعمة الله من بعدما جاءته وهم الكفار الذين كذبوا بالدلالة والأنبياء وعدلوا عنها أتبعه الله تعالى بذكر السبب الذي لأجله كانت هذه طريقتهم فقال : زين للذين كفروا الحياة الدنيا  ومحصول هذا الكلام تعريف المؤمنين ضعف عقول الكفار والمشركين في ترجيح الفاني من زينة الدنيا على الباقي من درجات الآخرة. 
**وفي الآية مسائل :**
المسألة الأولى : إنما لم يقل : زينت لوجوه أحدها : وهو قول الفراء : أن الحياة والإحياء واحد، فإن أنث فعلى اللفظ، وإن ذكر فعلى المعنى كقوله : فمن جاءه موعظة من ربه، وأخذ الذين ظلموا الصيحة  وثانيها : وهو قول الزجاج أن تأنيث الحياة ليس بحقيقي، لأنه ليس حيوانا بإزائه ذكر، مثل امرأة ورجل، وناقة وجمل، بل معنى الحياة والعيش والبقاء واحد فكأنه قال : زين للذين كفروا الحياة الدنيا والبقاء وثالثها : وهو قول ابن الأنباري : إنما لم يقل : زينت، لأنه فصل بين زين وبين الحياة الدنيا، بقوله : للذين كفروا  وإذا فصل بين فعل المؤنث وبين الإسم بفاصل، حسن تذكير الفعل، لأن الفاصل يغني عن تاء التأنيث. 
المسألة الثانية : ذكروا في سبب النزول وجوها :
فالرواية الأولى : قال ابن عباس : نزلت في أبي جهل ورؤساء قريش، كانوا يسخرون من فقراء المسلمين، كعبد الله بن مسعود، وعمار، وخباب، وسالم مولى أبي حذيفة، وعامر بن فهيرة وأبي عبيدة بن الجراح بسبب ما كانوا فيه من الفقر والضرر والصبر على أنواع البلاء مع أن الكفار كانوا في التنعم والراحة. 
والرواية الثانية : نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم من بني قريظة والنضير وبني قينقاع، سخروا من فقراء المسلمين المهاجرين، حيث أخرجوا من ديارهم وأموالهم. 
والرواية الثالثة : قال مقاتل : نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه، كانوا يسخرون من ضعفاء المسلمين وفقراء المهاجرين، واعلم أنه لا مانع من نزولها في جميعهم. 
والمسألة الثالثة : اختلفوا في كيفية هذا التزيين، أما المعتزلة فذكروا وجوها أحدها : قال الجبائي : المزين هو غواة الجن والإنس، زينوا للكفار الحرص على الدنيا، وقبحوا أمر الآخرة في أعينهم، وأوهموا أن لا صحة لما يقال من أمر الآخرة، فلا تنغصوا عيشتكم في الدنيا قال : وأما الذي يقوله المجبرة من أنه تعالى زين ذلك فهو باطل، لأن المزين للشيء هو المخبر عن حسنه فإن كان المزين هو الله تعالى، فإما أن يكون صادقا في ذلك التزين، وإما أن يكون كاذبا، فإن كان صادقا وجب أن يكون ما زينه حسنا، فيكون فاعله المستحسن له مصيبا وذلك يوجب أن الكافر مصيب في كفره ومعصيته، وهذا القول كفر، وإن كان كاذبا في ذلك التزيين أدى ذلك إلى أن لا يوثق منه تعالى بقول ولا خبر، وهذا أيضا كفر، قال : فصح أن المراد من الآية أن المزين هو الشيطان، هذا تمام كلام أبي علي الجبائي في تفسيره. 
وأقول هذا ضعيف لأن قوله تعالى : زين للذين كفروا  يتناول جميع الكفار، فهذا يقتضي أن يكون لجميع الكفار مزين، والمزين لجميع الكفار لا بد وأن يكون مغايرا لهم، إلا أن يقال : إن كل واحد منهم كان يزين للآخر، وحينئذ يصير دورا فثبت أن الذين يزين الكفر لجميع الكفار لا بد وأن يكون مغايرا لهم، فبطل قوله : إن المزين هم غواة الجن والإنس، وذلك لأن هؤلاء الغواة داخلون في الكفار أيضا، وقد بينا أن المزين لا بد وأن يكون غيرهم، فثبت أن هذا التأويل ضعيف، وأما قوله : المزين للشيء هو المخبر عن حسنه فهذا ممنوع، بل المزين من يجعل الشيء موصوفا بالزينة، وهي صفات قائمة بالشيء باعتبارها يكون الشيء مزينا، وعلى هذا التقدير سقط كلامه، ثم إن سلمنا أن المزين للشيء هو المخبر عن حسنه، فلم لا يجوز أن يقال : الله تعالى أخبر عن حسنه، والمراد أنه تعالى أخبر عما فيها من اللذات والطيبات والراحات، والإخبار عن ذلك ليس بكذب، والتصديق بها ليس بكفر، فسقط كلام أبي علي في هذا الباب بالكلية. 
التأويل الثاني : قال أبو مسلم : يحتمل في  زين للذين كفروا  أنهم زينوا لأنفسهم والعرب يقولون لمن يبعد منهم : أين يذهب بك لا يريدون أن ذاهبا ذهب به وهو معنى قوله تعالى في الآي الكثيرة : أنى يؤفكون، أنى يصرفون  إلى غير ذلك، وأكده بقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله  فأضاف ذلك إليهما لما كانا كالسبب، ولما كان الشيطان لا يملك أن يحمل الإنسان على الفعل قهرا فالإنسان في الحقيقة هو الذي زين لنفسه، واعلم أن هذا ضعيف، وذلك لأن قوله : زين  يقضي أن مزينا زينه، والعدول عن الحقيقة إلى المجاز غير ممكن. 
التأويل الثالث : أن هذا المزين هو الله تعالى ويدل على صحة هذا التأويل وجهان أحدهما : قراءة من قرأ  زين للذين كفروا الحياة الدنيا  على البناء للفاعل الثاني : قوله تعالى : إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا  ثم القائلون بهذا التأويل ذكروا وجوها الأول : يمتنع أن يكون تعالى هو المزين بما أظهره في الدنيا من الزهرة والنضارة والطيب واللذة، وإنما فعل ذلك ابتلاء لعباده، ونظيره قوله تعالى : زين للناس حب الشهوات  إلى قوله : قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات  وقال أيضا : المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا  وقالوا : فهذه الآيات متوافقة، والمعنى في الكل أن الله جل جلاله جعل الدنيا دار ابتلاء وامتحان، فركب في الطباع الميل إلى اللذات وحب الشهوات لا على سبيل الإلجاء الذي لا يمكن تركه، بل على سبيل التحبيب الذي تميل إليه النفس مع إمكان ردها عنه ليتم بذلك الإمتحان، وليجاهد المؤمن هواه فيقصر نفسه على المباح ويكفها عن الحرام الثاني : أن المراد من التزيين أنه تعالى أمهلهم في الدنيا، ولم يمنعهم عن الإقبال عليها، والحرص الشديد في طلبها، فهذا الإمهال هو المسمى بالتزيين. 
واعلم أن جملة هذه الوجوه التي نقلناها عن المعتزلة يتوجه عليها سؤال واحد وهو أن حصول هذه الزينة في قلوب الكفار لا بد له من محدث وإلا فقد وقع المحدث لا عن مؤثر وهذا محال ثم هذا التزيين الحاصل في قلوب الكفار هل رجح جانب الكفر والمعصية على جانب الإيمان والطاعة أو ما رجح فإن لم يرجح ألبتة بل الإنسان مع حصول هذه الزينة في قلبه كهولا مع حصولها في قلبه فهذا يمنع كونه تزيينا في قلبه، والنص دل على أنه حصل هذا التزيين، وإن قلنا بأن حصول هذا التزيين في قلبه يرجح جانب الكفر والمعصية، على جانب الإيمان والطاعة، فقد زال الاختيار لأن حال الإستواء لما امتنع حصول الرجحان، فحال صيرورة أحد الطرفين مرجوحا كان أولى بامتناع الوقوع، وإذا صار المرجح ممتنع الوقوع صار الراجح واجب الوقوع، ضرورة أنه لا خروج عن النقيضين فهذا هو توجيه السؤال ومعلوم أنه لا يندفع بالوجوه التي ذكرها هؤلاء المعتزلة. 
الوجه الثالث : في تقرير هذا التأويل أن المراد : أن الله تعالى زين من الحياة الدنيا ما كان من المباحات دون المحظورات، وعلى هذا الوجه سقط الإشكال، وهذا أيضا ضعيف، وذلك لأن الله تعالى خص بهذا التزيين الكفار، وتزيين المباحات لا يختص به الكافر، فيمتنع أن يكون المراد بهذا التزيين تزيين المباحات، وأيضا فإن المؤمن إذا تمتع بالمباحات من طيبات الدنيا يكون تمتعه بها مع الخوف والوجل من الحساب في الآخرة فهو وإن كثر ماله وجاهه فعيشه مكدر منغص، وأكثر غرضه أجر الآخرة، وإنما يعد الدنيا كالوسيلة إليها، وليس كذلك الكافر، فإنه وإن قلت ذات يده فسروره بها يكون غالبا على ظنه، لاعتقاده أنها كمال المقصود دون غيرها، وإذا كان هذا حاله صح أنه ليس المراد من الآية تزيين المباحات، وأيضا أنه تعالى أتبع تلك الآية بقوله : ويسخرون من الذين آمنوا  وذلك مشعر بأنهم كانوا يسخرون منهم في تركهم اللذات المحظورة، وتحملهم المشاق الواجبة، فدل على أن ذلك التزيين ما وقع في المباحات بل وقع في المحظورات. 
وأما أصحابنا فإنهم حملوا التزيين على أنه تعالى خلق في قلبه إرادة الأشياء والقدرة على تلك الأشياء، بل خلق تلك الأفعال والأحوال، وهذا بناء على أن الخالق لأفعال العباد ليس إلا الله سبحانه، وعلى هذا الوجه ظهر المراد من الآية. 
أما قوله تعالى : ويسخرون من الذين آمنوا  فقد روينا في كيفية تلك السخرية وجوها من الروايات، قال الواحدي : قوله : ويسخرون  مستأنف غير معطوف على زين، ولا يبعد استئناف المستقبل بعد الماضي، وذلك لأن الله أخبر عنهم بزين وهو ماض، ثم أخبر عنهم بفعل يديمونه فقال : ويسخرون من الذين آمنوا  ومعنى هذه السخرية أنهم كانوا يقولون هؤلاء المساكين تركوا لذات الدنيا وطيباتها وشهواتها ويتحملون المشاق والمتاعب لطلب الآخرة مع أن القول بالآخرة قول باطل، ولا شك أنه لو بطل القول بالمعاد لكانت هذه السخرية لازمة أما لو ثبت القول بصحة المعاد كانت السخرية منقلبة عليهم لأن من أعرض عن الملك الأبدي بسبب لذات حقيرة في أنفاس معدودة لم يوجد في الخلق أحد أولى بالسخرية منه، بل قال بعض المحققين الإعراض عن الدنيا، والإقبال على الآخرة هو الحزم على جميع التقديرات فإنه إن بطل القول بالآخرة لم يكن الفائت إلا لذات حقيرة وأنفاسا معدودة وإن صح القول بالآخرة كان الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة أمرا متعينا فثبت أن تلك السخرية كانت باطلة وأن عود السخرية عليهم أولى. 
أما قوله تعالى : والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة  ففيه سؤالات :
السؤال الأول : لم قال : من الذين آمنوا  ثم قال : والذين اتقوا  ؟. 
الجواب : ليظهر به أن السعادة الكبرى لا تحصل إلا للمؤمن التقي، وليكون بعثا للمؤمنين على التقوى. 
السؤال الثاني : ما المراد بهذه الفوقية ؟. 
الجواب : فيه وجوه أحدها : أن يكون المراد بالفوقية الفوقية بالمكان، لأن المؤمنين يكونون في عليين من السماء والكافرين يكونون في سجين من الأرض وثانيها : يحتمل أن يكون المراد بالفوقية الفوقية في الكرامة والدرجة. 
فإن قيل : إنما يقال : فلان فوق فلان في الكرامة، إذا كان كل واحد منهما في الكرامة ثم يكون أحدهما أزيد حالا من الآخر في تلك الكرامة، والكافر ليس له شيء من الكرامة فكيف يقال : المؤمن فوقه في الكرامة. 
قلنا : المراد أنهم كانوا فوقهم في سعادات الدنيا ثم في الآخرة ينقلب الأمر، فالله تعالى يعطي المؤمن من سعادات الآخرة ما يكون فوق السعادات الدنيوية التي كانت حاصلة للكافرين، وثالثها : أن يكون المراد : أنهم فوقهم في الحجة يوم القيامة، وذلك لأن شبهات الكفار ربما كانت تقع في قلوب المؤمنين، ثم إنهم كانوا يردونها عن قلوبهم بمدد توفيق الله تعالى، وأما يوم القيامة فلا يبقى شيء من ذلك، بل تزول الشبهات، ولا تؤثر وساوس الشيطان، كما قال تعالى :{ إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون-إلى قوله- فا

### الآية 2:213

> ﻿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [2:213]

قوله تعالى : كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . 
اعلم أنه تعالى لما بين في هذه الآية المتقدمة أن سبب إصرار هؤلاء الكفار على كفرهم هو حب الدنيا، بين في هذه الآية أن هذا المعنى غير مختص بهذا الزمان، بل كان حاصلا في الأزمنة المتقادمة، لأن الناس كانوا أمة واحدة قائمة على الحق، ثم اختلفوا وما كان اختلافهم إلا بسبب البغي والتحاسد والتنازع في طلب الدنيا فهذا هو الكلام في ترتيب النظم. 
**وفي الآية مسائل :**
المسألة الأولى : قال القفال : الأمة القوم المجتمعون على الشيء الواحد يقتدي بعضهم ببعض، وهو مأخوذ من الائتمام. 
المسألة الثانية : دلت الآية على أن الناس كانوا أمة واحدة، ولكنها ما دلت على أنهم كانوا أمة واحدة في الحق أم في الباطل، واختلف المفسرون فيه على ثلاثة أقوال :
القول الأول : أنهم كانوا على دين واحد وهو الإيمان والحق، وهذا قول أكثر المحققين، ويدل عليه وجوه الأول : ما ذكره القفال فقال : الدليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية : فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه  فهذا يدل على أن الأنبياء عليهم السلام إنما بعثوا حين الاختلاف، ويتأكد هذا بقوله تعالى : وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا  ويتأكد أيضا بما نقل عن ابن مسعود أنه قرأ : كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين -إلى قوله - ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه . 
إذا عرفت هذا فنقول : الفاء في قوله : فبعث الله النبيين  تقتضي أن يكون بعثهم بعد الاختلاف ولو كانوا قبل ذلك أمة واحدة في الكفر، لكانت بعثة الرسل قبل هذا الاختلاف أولى، لأنهم لما بعثوا عندما كان بعضهم محقا وبعضهم مبطلا، فلأن يبعثوا حين ما كانوا كلهم مبطلين مصرين على الكفر كان أولى، وهذا الوجه الذي ذكره القفال رحمه الله حسن في هذا الموضوع وثانيها : أنه تعالى حكم بأنه كان الناس أمة واحدة، ثم أدرجنا فيه فاختلفوا بحسب دلالة الدليل عليه، وبحسب قراءة ابن مسعود، ثم قال : وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم  والظاهر أن المراد من هذا الاختلاف هو الاختلاف الحاصل بعد ذلك الإتفاق المشار إليه، بقوله : كان الناس أمة واحدة  ثم حكم على هذا الاختلاف بأنه إنما حصل بسبب البغي، وهذا الوصف لا يليق إلا بالمذاهب الباطلة، فدلت الآية على أن المذاهب الباطلة إنما حصلت بسبب البغي، وهذا يدل على أن الاتفاق الذي كان حاصلا قبل حصول هذا الاختلاف إنما كان في الحق لا في الباطل، فثبت أن الناس كانوا أمة واحدة في الدين الحق لا في الدين الباطل وثالثها : أن آدم عليه السلام لما بعثه الله رسولا إلى أولاده، فالكل كانوا مسلمين مطيعين لله تعالى، ولم يحدث فيما بينهم اختلاف في الدين، إلى أن قتل قابيل هابيل بسبب الحسد والبغي، وهذا المعنى ثابت بالنقل المتواتر، والآية منطبقة عليه، لأن الناس هم آدم وأولاده من الذكور والإناث، كانوا أمة واحدة على الحق، ثم اختلفوا بسبب البغي والحسد، كما حكى الله عن ابني آدم  إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر  فلم يكن ذلك القتل والكفر بالله إلا بسبب البغي والحسد، وهذا المعنى ثابت بالنقل المتواتر والآية منطبقة عليه ورابعها : أنه لما غرقت الأرض بالطوفان لم يبق إلا أهل السفينة، وكلهم كانوا على الحق والدين الصحيح، ثم اختلفوا بعد ذلك، وهذه القصة مما عرف ثبوتها بالدلائل القاطعة والنقل المتواتر، إلا أنهم اختلفوا بعد ذلك، فثبت أن الناس كانوا أمة واحدة على الحق ثم اختلفوا بعد ذلك ولم يثبت البتة بشيء من الدلائل أنهم كانوا مطبقين على الباطل والكفر، وإذا كان كذلك وجب حمل اللفظ على ما ثبت بالدليل وأن لا يحمل على ما لم يثبت بشيء من الدلائل. 
وخامسها : وهو أن الدين الحق لا سبيل إليه إلا بالنظر والنظر لا معنى له إلا ترتيب المقدمات لتوصل بها إلى النتائج، وتلك المقدمات إن كانت نظرية افتقرت إلى مقدمات أخر ولزم الدور أو التسلسل وهما باطلان فوجب انتهاء النظريات بالآخرة إلى الضروريات، وكما أن المقدمات يجب انتهاؤها إلى الضروريات فترتيب المقدمات يجب انتهاؤه أيضا إلى ترتيب تعلم صحته بضرورة العقل وإذا كانت النظريات مستندة إلى مقامات تعلم صحتها بضرورة العقل، وإلى ترتيبات تعلم صحتها بضرورة العقل، وجب القطع بأن العقل السليم لا يغلط لو لم يعرض له سبب من خارج، فأما إذا عرض له سبب خارجي، فهناك يحصل الغلط فثبت أن ما بالذات هو الصواب وما بالعرض هو الخطأ، وما بالذات أقدم مما بالعرض بحسب الاستحقاق وبحسب الزمان أيضا، هذا هو الأظهر فثبت أن الأولى أن يقال : كان الناس أمة واحدة في الدين الحق، ثم اختلفوا بعد ذلك لأسباب خارجية هي البغي والحسد، فهذا دليل معقول ولفظ القرآن مطابق له فوجب المصير إليه. 
فإن قيل : فما المراد من قوله : ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم . 
قلنا : المعنى ولأجل أن يرحمهم خلقهم. 
وسادسها : قوله عليه السلام :**« كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه »** دل الحديث على أن المولود لو ترك مع فطرته الأصلية لما كان على شيء من الأديان الباطلة، وأنه إنما يقدم على الدين الباطل لأسباب خارجية، وهي سعي الأبوين في ذلك وحصول الأغراض الفاسدة من البغي والحسد وسابعها : أن الله تعالى لما قال : ألست بربكم قالوا بلى  فذلك اليوم كانوا أمة واحدة على الدين الحق، وهذا القول مروي عن أبي بن كعب وجماعة من المفسرين، إلا أن للمتكلمين في هذه القصة أبحاثا كثيرة، ولا حاجة بنا في نصرة هذا القول بعد تلك الوجوه الستة التي ذكرناها إلى هذا الوجه، فهذا جملة الكلام في تقرير هذا القول. 
أما الوجه الثاني : هو أن الناس كانوا أمة واحدة في الدين الباطل، فهذا قول طائفة من المفسرين كالحسن وعطاء وابن عباس، واحتجوا بالآية والخبر أما الآية فقوله : فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين  وهو لا يليق إلا بذلك، وأما الخبر فما روي عن النبي عليه السلام :**« أن الله تعالى نظر إلى أهل الأرض عربهم وعجمهم فبعثهم إلا بقايا من أهل الكتاب »**. 
وجوابه : ما بينا أن هذا لا يليق إلا بضده، وذلك لأن عند الاختلاف لما وجبت البعثة. فلو كان الإتفاق السابق اتفاقا على الكفر لكانت البعثة في ذلك الوقت أولى، وحيث لم تحصل البعثة هناك علمنا أن ذلك الإتفاق كان اتفاقا على الحق لا على الباطل، ثم اختلف القائلون بهذا القول أنه متى كان الناس متفقين على الكفر فقيل من وفاة آدم إلى زمان نوح عليه السلام كانوا كفارا، ثم سألوا أنفسهم سؤالا وقالوا : أليس فيهم من كان مسلما نحو هابيل وشيث وإدريس، وأجابوا بأن الغالب كان هو الكفر والحكم للغالب، ولا يعتد بالقليل في الكثير كما لا يعتد بالشعير القليل في البر الكثير، وقد يقال : دار الإسلام وإن كان فيها غير المسلمين ودار الحرب وإن كان فيها مسلمون. 
القول الثالث : وهو اختيار أبي مسلم والقاضي : أن الناس كانوا أمة واحدة في التمسك بالشرائع العقلية، وهي الإعتراف بوجود الصانع وصفاته، والإشتغال بخدمته وشكر نعمته، والإجتناب عن القبائح العقلية، كالظلم، والكذب، والجهل، والعبث وأمثالها. 
واحتج القاضي على صحة قوله بأن لفظ النبيين يفيد العموم والإستغراق، وحرف الفاء يفيد التراخي، فقوله : فبعث الله النبيين  يفيد أن بعثه جميع الأنبياء كانت متأخرة عن كون الناس أمة واحدة، فتلك الوحدة المتقدمة على بعثة جميع الشرائع لا بد وأن تكون وحدة في شرعه غير مستفادة من الأنبياء، فوجب أن تكون في شريعة مستفادة من العقل وذلك ما بيناه، وأيضا فالعلم بحسن شكر المنعم، وطاعة الخالق والإحسان إلى الخلق، والعدل، مشترك فيه بين الكل، والعلم بقبح الكذب والظلم والجهل والعبث مشترك فيه بين الكل، فالأظهر أن الناس كانوا في أول الأمر على ذلك، ثم اختلفوا بعد ذلك لأسباب منفصلة، ثم سأل نفسه، فقال : أليس أول الناس آدم عليه السلام وأنه كان نبيا، فكيف يصح إثبات الناس مكلفين قبل بعثة الرسل، وأجاب بأنه يحتمل أنه عليه السلام مع أولاده كانوا مجتمعين على التمسك بالشرائع العقلية أولا، ثم إن الله تعالى بعد ذلك بعثه إلى أولاده، ويحتمل أن بعد ذلك صار شرعه مندرسا، فالناس رجعوا إلى التمسك بالشرائع العقلية، واعلم أن هذا القول لا يصح إلا مع إثبات تحسين العقل وتقبيحه، والكلام فيه مشهور في الأصول. 
القول الرابع : أن الآية دلت على أن الناس كانوا أمة واحدة، وليس فيها أنهم كانوا على الإيمان أو على الكفر، فهو موقوف على الدليل. 
القول الخامس : أن المراد من الناس ههنا أهل الكتاب ممن آمن بموسى عليه السلام، وذلك لأنا بينا أن هذه الآية متعلقة بما تقدم من قوله : يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة  وذكرنا أن كثيرا من المفسرين زعموا أن تلك الآية نزلت في اليهود، فقوله تعالى : كان الناس أمة واحدة  أي كان الذين آمنوا بموسى أمة واحدة، على دين واحد، ومذهب واحد، ثم اختلفوا بسبب البغي والحسد، فبعث الله النبيين، وهم الذين جاؤوا بعد موسى عليه السلام وأنزل معهم الكتاب، كما بعث الزبور إلى داود، والتوراة إلى موسى، والإنجيل إلى عيسى، والفرقان إلى محمد عليه السلام لتكون تلك الكتب حاكمة عليهم في تلك الأشياء التي اختلفوا فيها، وهذا القول مطابق لنظم الآية وموافق لما قبلها ولما بعدها، وليس فيها إشكال إلا أن تخصيص لفظ الناس في قوله : كان الناس  بقوم معينين خلاف الظاهر إلا أنك تعلم أن الألف واللام كما تكون للاستغراق فقد تكون أيضا للعهد فهذا ما يتعلق بهذه الآية. 
أما قوله تعالى : فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين  فاعلم أنا ذكرنا أنه لا بد ههنا من الإضمار، والتقدير كان الناس أمة واحدة - فاختلفوا - فبعث الله النبيين واعلم أنه الله تعالى وصف النبيين بصفات ثلاث :
الصفة الأولى : كونهم مبشرين. 
الصفة الثانية : كونهم منذرين ونظيره قوله تعالى : رسلا مبشرين ومنذرين  وإنما قدم البشارة على الإنذار، لأن البشارة تجري مجرى حفظ الصحة، والإنذار يجري مجرى إزالة المرض، ولا شك أن المقصود بالذات هو الأول دون الثاني فلا جرم وجب تقديمه في الذكر. 
الصفة الثالثة : قوله : وأنزل معهم الكتاب بالحق  فإن قيل : إنزال الكتاب يكون قبل وصول الأمر والنهي إلى المكلفين، ووصول الأمر والنهي إليهم يكون قبل التبشير والإنذار فلم قدم ذكر التبشير والإنذار على إنزال الكتب ؟ أجاب القاضي عنه فقال : لأن الوعد والوعيد منهم قبل بيان الشرع ممكن فيما يتصل بالعقليات من المعرفة بالله وترك الظلم وغيرهما وعندي فيه وجه آخر وهو أن المكلف إنما يتحمل النظر في دلالة المعجز ع

### الآية 2:214

> ﻿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ۖ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [2:214]

قوله تعالى : أم حسبتم أن تدخلوا ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء الضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب . 
في النظم وجهان الأول : أنه تعالى قال في الآية السالفة : والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم  : والمراد أنه يهدي من يشاء إلى الحق وطلب الجنة فبين في هذه الآية أن ذلك الطلب لا يتم ولا يكمل إلا باحتمال الشدائد في التكليف فقال : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم  الآية الثاني : أنه في الآية السالفة ما بين أنه هداهم لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه بين في هذه الآية أنهم بعد تلك الهداية احتملوا الشدائد في إقامة الحق وصبروا على البلوى، فكذا أنتم يا أصحاب محمد لا تستحقون الفضيلة في الدين إلا بتحمل هذه المحن. 
**وفي الآية مسائل :**
المسألة الأولى : استقصينا الكلام في لفظ  أم  في تفسير قوله تعالى : أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت  والذي نريده ههنا أن نقول  أم  استفهام متوسط كما أن ( هل ) استفهام سابق، فيجوز أن يقول : هل عندك رجل، أعندك رجل ؟ ابتداء، ولا يجوز أن يقال : أم عندك رجل، فأما إذا كان متوسطا جاز سواء كان مسبوقا باستفهام آخر أو لا يكون، أما إذا كان مسبوقا باستفهام آخر فهو كقولك : أنت رجل لا تنصف، أفعن جهل تفعل هذا أم لك سلطان ؟ وأما الذي لا يكون مسبوقا بالاستفهام فهو كقوله : الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه  وهذا القسم يكون في تقدير القسم الأول، والتقدير : أفيؤمنون بهذا أم يقولون أفتراه ؟ فكذا تقدير هذه الآية : فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فصبروا على استهزاء قومهم بهم، أفتسلكون سبيلهم، أم تحسبون أن تدخلوا الجنة من غير سلوك سبيلهم ؟ هذا ما لخصه القفال رحمه الله، والله أعلم. 
المسألة الثانية : قوله تعالى : ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم  أي ولم يأتكم مثل الذين خلوا وذكر الكوفيون من أهل النحو أن  لما  إنما هي  لم  و  ما  زائدة وقال سيبويه : ما  ليست زائدة لأن  لما  تقع في مواضع لا تقع فيها  لم  يقول الرجل لصاحبه : أقدم فلان ؟ فيقول : لما  ولا يقول : لم  مفردة، قال المبرد : إذا قال القائل : لم يأتني زيد، فهو نفي لقولك أتاك زيد وإذا قال : لما يأتني فمعناه أنه لم يأتني بعد وأنا أتوقعه قال النابغة :

أزف الترحل غير أن ركابنا  لما تزل برحالنا وكأن قدفعلى هذا قوله : ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم  يدل على أن إتيان ذلك متوقع منتظر. 
المسألة الثالثة : قال ابن عباس : لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، اشتد الضرر عليهم، لأنهم خرجوا بلا مال، وتركوا ديارهم وأموالهم في أيدي المشركين، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى تطبيبا لقلوبهم  أم حسبتم  وقال قتادة والسدي : نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والحزن، وكان كما قال سبحانه وتعالى : وبلغت القلوب الحناجر  وقيل نزلت في حرب أحد لما قال عبد الله بن أبي لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم : إلى متى تقتلون أنفسكم وترجون الباطل ولو كان محمد نبيا لما سلط الله عليكم الأسر والقتل، فأنزل الله تعالى هذه الآية. 
واعلم أن تقدير الآية : أم حسبتم أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة بمجرد الإيمان بي وتصديق رسولي، دون أن تعبدوا الله بكل ما تعبدكم به، وابتلاكم بالصبر عليه، وأن ينالكم من أذى الكفار، ومن احتمال الفقر والفاقة، ومكابدة الضر والبؤس في المعيشة، ومقاساة الأهوال في مجاهدة العدو، كما كان كذلك من قبلكم من المؤمنين، وهو المراد من قوله : ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم  والمثل هو المثل وهو الشبه، وهما لغتان : مثل ومثل كشبه وشبه، إلا أن المثل مستعار لحالة غريبة أو قصة عجيبة لها شأن ومنه قوله تعالى : ولله المثل الأعلى  أي الصفة التي لها شأن عظيم. 
واعلم أن في الكلام حذفا تقديره : مثل محنة الذين من قبلكم، وقوله : مستهم  بيان للمثل، وهو استئناف كأن قائلا قال : فكيف كان ذلك المثل ؟ فقال : مستهم البأساء والضراء وزلزلوا . 
أما  البأساء  فهو اسم من البؤس بمعنى الشدة وهو الفقر والمسكنة ومنه يقال فلان في بؤس وشدة. 
وأما  الضراء  فالأقرب فيه أنه ورود المضار عليه من الآلام والأوجاع وضروب الخوف، وعندي أن البأساء عبارة عن تضييق جهات الخير والمنفعة عليه، والضراء عبارة عن انفتاح جهات الشر والآفة والألم عليه. 
وأما قوله : وزلزلوا  أي حركوا بأنواع البلايا والرزايا قال الزجاج : أصل الزلزلة في اللغة من أزال الشيء عن مكانه فإذا قلت : زلزلته فتأويله أنك كررت تلك الأزالة فضوعف لفظه بمضاعفة معناه، وكل ما كان فيه تكرير كررت فيه فاء الفعل، نحو صر، وصرصر، وصل وصلصل، وكف، وكفكف، وأقل الشيء، أي رفعه من موضعه، فإذا كرر قيل : قلقل، وفسر بعضهم  زلزلوا  ههنا يخوفوا، وحقيقته غير ما ذكرنا، وذلك لأن الخائف لا يستقر بل يضطرب قلبه، ولذلك لا يقال ذلك إلا في الخوف المقيم المقعد، لأنه يذهب السكون، فيجب أن يكون زلزلوا ههنا مجازا، والمراد : خوفوا، ويجوز أن يكونوا مضطربين لا يستقرون لما في قلوبهم من الجزع والخوف، ثم أنه تعالى بعد ذكر هذه الأشياء ذكر شيئا آخر وهو النهاية في الدلالة على كمال الضر والبؤس والمحنة، فقال : حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله  وذلك لأن الرسل عليهم السلام يكونون في غاية الثبات والصبر وضبط النفس عند نزول البلاء، فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجوا، كان ذلك هو الغاية القصوى في الشدة، فلما بلغت بهم الشدة إلى هذه الدرجة العظيمة قيل لهم : ألا إن نصر الله قريب  إجابة لهم إلى طلبهم، فتقدير الآية هكذا : كانت حالهم إلى أن أتاهم نصر الله ولم يغيرهم طول البلاء عن دينهم، وأنتم يا معشر المسلمين كونوا على ذلك وتحملوا الأذى والمشقة في طلب الحق، فإن نصر الله قريب، لأنه آت، وكل ما هو آت قريب، وهذه الآية مثل قوله :
 الم\* أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون \* ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله  وقال : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين  والمقصود من هذه الآية ما ذكرنا أن أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام كان ينالهم الأمر العظيم من البأساء والضراء من المشركين والمنافقين واليهود، ولما أذن لهم في القتال نالهم من الجراح وذهاب الأموال والنفوس ما لا يخفى، فعزاهم الله في ذلك وبين أن حال من قبلهم في طلب الدين كان كذلك، والمصيبة إذا عمت طابت، وذكر الله من قصة إبراهيم عليه السلام وإلقائه في النار، ومن أمر أيوب عليه السلام وما ابتلاه الله به، ومن أمر سائر الأنبياء عليهم السلام في مصابرتهم على أنواع البلاء ما صار ذلك في سلوة المؤمنين. 
روى قيس بن أبي حازم عن خباب بن الأرث، قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نلقى من المشركين، فقال :**« إن من كان قبلكم من الأمم كانوا يعذبون بأنواع البلاء فلم يصرفهم ذلك عن دينهم، حتى إن الرجل يوضع على رأسه المنشار فيشق فلقتين، ويمشط الرجل بأمشاط الحديد فيما دون العظم من لحم وعصب وما يصرفه ذلك عن دينه، وأيم الله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون »**
المسألة الرابعة : قرأ نافع  حتى يقول  برفع اللام والباقون بالنصب، ووجهه أن  حتى  إذا نصبت المضارع تكون على ضربين أحدهما : أن تكون بمعنى : إلى، وفي هذا الضرب يكون الفعل الذي حصل قبل  حتى  والذي حصل بعدها قد وجدا ومضيا، تقول : سرت حتى أدخلها، أي إلى أن أدخلها، فالسير والدخول قد وجدا مضيا، وعليه النصب في هذه الآية، لأن التقدير : وزلزلوا إلى أن يقول الرسول، والزلزلة والقول قد وجدا والثاني : أن تكون بمعنى : كي، كقوله : أطعت الله حتى أدخل الجنة، أي كي أدخل الجنة، والطاعة قد وجدت والدخول لم يوجد، ونصب الآية لا يمكن أن يكون على هذا الوجه، وأما الرفع فاعلم أن الفعل الواقع بعد  حتى  لا بد وأن يكون على سبيل الحال المحكية التي وجدت، كما حكيت الحال في قوله : هذا من شيعته وهذا من عدوه  وفي قوله : كلبهم باسط ذراعيه بالوصيد  لأن هذا لا يصح إلا على سبيل أن في ذلك الوقت كان يقال هذا الكلام، ويقال : شربت الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنه، والمعنى شربت حتى إن من حضر هناك يقال : يجيء البعير يجر بطنه، ثم هذا قد يصدق عند انقضاء السبب وحده دون المسبب، كقولك : سرت حتى أدخل البلد. فيحتمل أن السير والدخول قد وجدا وحصلا، ويحتمل أن يكون قد وجد السير والدخول بعد لم يوجد، فهذا هو الكلام في تقرير وجه النصب ووجه الرفع، واعلم أن الأكثرين اختاروا النصب لأن قراءة الرفع لا تصح إلا إذا جعلنا الكلام حكاية عمن يخبر عنها حال وقوعها، وقراءة النصب لا تحتاج إلى هذا الفرض فلا جرم كانت قراءة النصب أولى. 
المسألة الخامسة : في الآية إشكال، وهو أنه كيف يليق بالرسول القاطع بصحة وعد الله ووعيده أن يقول على سبيل الاستبعاد  متى نصر الله . 
والجواب عنه من وجوه أحدها : أن كونه رسولا لا يمنع من أن يتأذى من كيد الأعداء، قال تعالى : ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون  وقال تعالى : لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين  وقال تعالى : حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجى  وعلى هذا فإذا ضاق قلبه وقلت حيلته، وكان قد سمع من الله تعالى أنه ينصره إلا أنه ما عين له الوقت في ذلك، قال عند ضيق قلبه : متى نصر الله  حتى إنه إن علم قرب الوقت زال همه وغمه وطاب قلبه، والذي يدل على صحة ذلك أنه قال في الجواب : ألا إن نصر الله قريب  فلما كان الجواب بذكر القرب دل على أن السؤال كان واقعا عن القرب، ولو كان السؤال وقع عن أنه هل يوجد النصر أم لا ؟ لما كان هذا الجواب مطابقا لذلك السؤال، وهذا هو الجواب المعتمد. 
والجواب الثاني : أنه تعالى أخبر عن الرسول والذين آمنوا أنهم قالوا قولا ثم ذكر كلامين أحدهما : متى نصر الله  والثاني : ألا إن نصر الله قريب  فوجب إسناد كل واحد من هذين الكلامين إلى واحد من ذينك المذكورين : فالذين آمنوا قالوا : متى نصر الله  والرسول صلى الله عليه وسلم قال : ألا إن نصر الله قريب  قالوا ولهذا نظير من القرآن والشعر، أما القرآن فقوله :
 ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله  والمعنى : لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله في النهار، وأما من الشعر فقول امرئ لقيس :كأن قلوب الطير رطبا ويابسا  لدى وكرها العناب والحشف الباليفالتشبيه بالعناب للرطب وبالحشف البالي لليابس، فهذا جواب ذكره قوم وهو متكلف جدا. 
المسألة السادسة : ألا إن نصر الله قريب  يحتمل أن يكون جوابا من الله تعالى لهم، إذ قالوا : متى نصر الله  فيكون كلامهم قد انتهى عند قوله : متى نصر الله  ثم قال الله عند ذلك { ألا إن نصر ال

### الآية 2:215

> ﻿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ۖ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [2:215]

قوله تعالى : يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم . 
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما بالغ في بيان أنه يجب على كل مكلف أن يكون معرضا عن طلب العاجل، وأن يكون مشتغلا بطلب الآجل، وأن يكون بحيث يبذل النفس والمال في ذلك شرع بعد ذلك في بيان الأحكام وهو من هذه الآية إلى قوله : ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم  لأن من عادة القرآن أن يكون بيان التوحيد وبيان الوعظ والنصيحة وبيان الأحكام مختلطا بعضها بالبعض، ليكون كل واحد منها مقويا للآخر ومؤكدا له. 
الحكم الأول
فيما يتعلق بالنفقة هو هذه الآية وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال عطاء : عن ابن عباس نزلت هذه الآية في رجل أتى للنبي عليه الصلاة والسلام فقال إن لي دينارا فقال : أنفقه على نفسك قال : إن لي دينارين قال : أنفقهما على أهلك قال : إن لي ثلاثة قال : أنفقها على خادمك قال : إن لي أربعة قال : أنفقها على والديك قال : إن لي خمسه قال : أنفقها على قرابتك قال إن لي ستة قال : أنفقها في سبيل الله وهو أحسنها : وروى الكلبي عن ابن عباس أن الآية نزلت عن عمرو بن الجموح وكان شيخا كبيرا هرما، وهو الذي قتل يوم أحد وعنده مال عظيم، فقال : ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها فنزلت هذه الآية. 
المسألة الثانية : للنحويين في  ماذا  قولان أحدهما : أن يجعل ( ما ) مع ( ذا ) بمنزلة اسم واحد ويكون الموضع نصبا بينفقون، والدليل عليه أن العرب يقولون : عماذا تسأل ؟ بإثبات الألف في  ما  فلولا أن ( ما ) مع ( ذا ) بمنزلة اسم واحد لقالوا : عماذا تسأل ؟ بحذف الألف كما حذفوها من قوله تعالى : عم يتساءلون  وقوله : فيم أنت من ذكراها  فلما لم يحذفوا الألف من آخر ( ما ) علمت أنه مع ( ذا ) بمنزلة اسم واحد ولم يحذفوا الألف منه لما لم يكن آخر الاسم والحذف يلحقها إذا كان آخرا إلا أن يكون في شعر كقوله :

غلاما قام يشتمني لئيم  كخنزير تمرغ في رمادوالقول الثاني : أن يجعل ( ذا ) بمعنى الذي ويكون ( ما ) رفعا بالابتداء خبرها ( ذا ) والعرب قد يستعملون ( ذا ) بمعنى الذي، فيقولون : من ذا يقول ذاك ؟ أي من ذا الذي يقول ذاك، فعلى هذا يكون تقدير الآية : يسألونك ما الذي ينفقون. 
المسألة الثالثة : في الآية سؤال، وهو أن القوم سألوا عما ينفقون لا عمن تصرف النفقة إليهم، فكيف أجابهم بهذا ؟
والجواب عنه من وجوه أحدها : أنه حصل في الآية ما يكون جوابا عن السؤال وضم إليه زيادة بها يكمل ذلك المقصود، وذلك لأن قوله : ما أنفقتم من خير  جواب عن السؤال، ثم إن ذلك الإنفاق لا يكمل إلا إذا كان مصروفا إلى جهة الإستحقاق، فلهذا لما ذكر الله تعالى الجواب أردفه بذكر المصرف تكميلا للبيان وثانيها : قال القفال : إنه وإن كان السؤال واردا بلفظ  ما  إلا أن المقصود : السؤال عن الكيفية لأنهم كانوا عالمين أن الذي أمروا به إنفاق مال يخرج قربة إلى الله تعالى، وإذا كان هذا معلوما لم ينصرف الوهم إلى أن ذلك المال أي شيء هو ؟ وإذا خرج هذا عن أن يكون مرادا تعين أن المطلوب بالسؤال أن مصرفه أي شيء هو ؟ وحينئذ يكون الجواب مطابقا للسؤال، ونظيره قوله تعالى : قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا قال أنه يقول إنها بقرة لا ذلول  وإنما كان هذا الجواب موافقا لذلك السؤال، لأنه كان من المعلوم أن البقرة هي البهيمة التي شأنها وصفتها كذا، فقوله : ما هي  لا يمكن حمله على طلب الماهية، فتعين أن يكون المراد منه طلب الصفة التي بها تتميز تلك البقرة عن غيرها، فبهذا الطريق قلنا : إن ذلك الجواب مطابق لذلك السؤال، فكذا ههنا لما علمنا أنهم كانوا عالمين بأن الذي أمروا بإنفاقه ما هو، وجب أن يقطع بأن مرادهم من قولهم : ماذا ينفقون  ليس هو طلب الماهية، بل طلب المصرف فلهذا حسن الجواب وثالثها : يحتمل أن يكون المراد أنهم سألوا هذا السؤال فكأنهم قيل لهم : هذا السؤال فاسد أنفق أي شيء كان ولكن بشرط أن يكون مالا حلالا وبشرط أن يكون مصروفا إلى المصرف وهذا مثل ما إذا كان الإنسان صحيح المزاج لا يضره أكل أي طعام كان، فقال للطبيب : ماذا آكل ؟ فيقول الطبيب : كل في اليوم مرتين، كان المعنى : كل ما شئت لكن بهذا الشرط كذا ههنا المعنى : أنفق أي شيء أردت بشرط أن يكون المصرف ذلك. 
المسألة الرابعة : اعلم أنه تعالى راعى الترتيب في الإنفاق، فقدم الوالدين، وذلك لأنهما كالمخرج له من العدم إلى الوجود في عالم الأسباب، ثم ربياه في الحال الذي كان في غاية الضعف، فكان إنعامهما على الابن أعظم من إنعام غيرهما عليه، ولذلك قال تعالى : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين  وفيه إشارة إلى أنه ليس بعد رعاية حق الله تعالى شيء أوجب من رعاية حق الوالدين، لأن الله تعالى هو الذي أخرج الإنسان من العدم إلى الوجود في الحقيقة، والوالدان هما اللذان أخرجاه إلى عالم الوجود في عالم الأسباب الظاهرة، فثبت أن حقهما أعظم من حق غيرهما فلهذا أوجب تقديمهما على غيرهما في رعاية الحقوق، ثم ذكر تعالى بعد الوالدين الأقربين، والسبب فيه أن الإنسان لا يمكنه أن يقوم بمصالح جميع الفقراء، بل لا بد وأن يرجح البعض على البعض، والترجيح لا بد له من مرجح، والقرابة تصلح أن تكون سببا للترجيح من وجوه أحدها : أن القرابة مظنة المخالطة، والمخالطة سبب لاطلاع كل واحد منهم على حال الآخر، فإذا كان أحدهما غنيا والآخر فقيرا كان اطلاع الفقير على الغني أتم، واطلاع الغني على الفقير أتم، وذلك من أقوى الحوامل على الإنفاق وثانيها : أنه لو لم يراع جانب الفقير، احتاج الفقير للرجوع إلى غيره وذلك عار وسيئة في حقه فالأولى أن يتكفل بمصالحهم دفعا للضرر عن النفس وثالثها : أن قريب الإنسان جار مجرى الجزء منه والإنفاق على النفس أولى من الإنفاق على الغير، فلهذا السبب كان الإنفاق على القريب أولى من الإنفاق على البعيد، ثم إن الله تعالى ذكر بعد الأقربين اليتامى، وذلك لأنهم لصغرهم لا يقدرون على الاكتساب ولكونهم يتامى ليس لهم أحد يكتسب لهم، فالطفل الذي مات أبوه قد عدم الكسب والكاسب، وأشرف على الضياع، ثم ذكر تعالى بعدهم المساكين وحاجة هؤلاء أقل من حاجة اليتامى لأن قدرتهم على التحصيل أكثر من قدرة اليتامى ثم ذكر تعالى بعدهم ابن السبيل بأنه بسبب انقطاعه عن بلده، قد يقع في الاحتياج والفقر، فهذا هو الترتيب الصحيح الذي رتبه الله تعالى في كيفية الإنفاق، ثم لما فصل هذا التفصيل الحسن الكامل أردفه بعد ذلك بالإجمال فقال : وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم  أي وكل ما فعلتموه من خير إما مع هؤلاء المذكورين وإما مع غيرهم حسبة لله وطلبا لجزيل ثوابه وهربا من أليم عقابه فإن الله به عليم، والعليم مبالغة في كونه عالما يعني لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء فيجازيكم أحسن الجزاء عليه كما قال : إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى  وقال : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره . 
المسألة الخامسة : المراد من الخير هو المال لقوله عز وجل : وإنه لحب الخير لشديد  وقال : إن ترك خيرا الوصية  فالمعنى وما تفعلوا من إنفاق شيء من المال قل أو كثر، وفيه قول آخر وهو أن يكون قوله : وما تفعلوا من خير  يتناول هذا الإنفاق وسائر وجوه البر والطاعة، وهذا أولى. 
المسألة السادسة : قال بعضهم : هذه الآية منسوخة بآية المواريث، وهذا ضعيف لأنه يحتمل حمل هذه الآية على وجوه لا يتطرق النسخ إليها أحدها : قال أبو مسلم الإنفاق على الوالدين واجب عند قصورهما عن الكسب والملك، والمراد بالأقربين الولد وولد الولد وقد تلزم نفقتهم عند فقد الملك، وإذا حملنا الآية على هذا الوجه فقول من قال أنها منسوخة بآية المواريث، لا وجه له لأن هذه النفقة تلزم في حال الحياة والميراث يصل بعد الموت، وأيضا فما يصل بعد الموت لا يوصف بأنه نفقة وثانيها : أن يكون المراد من أحب التقرب إلى الله تعالى في باب النفقة فالأولى له أن ينفقه في هذه الجهات فيقدم الأولى فالأولى فيكون المراد به التطوع وثالثها : أن يكون المراد الوجوب فيما يتصل بالوالدين والأقربين من حيث الكفاية وفيما يتصل باليتامى والمساكين مما يكون زكاة ورابعها : يحتمل أن يريد بالإنفاق على الوالدين والأقربين ما يكون بعثا على صلة الرحم وفيما يصرفه لليتامى والمساكين ما يخلص للصدقة فظاهر الآية محتمل لكل هذه الوجوه من غير نسخ.

### الآية 2:216

> ﻿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [2:216]

الحكم الثاني : فيما يتعلق بالقتال
قوله تعالى : كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون  وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه عليه الصلاة والسلام كان غير مأذون في القتال مدة إقامته بمكة فلما هاجر أذن له في قتال من يقاتله من المشركين، ثم أذن له في قتال المشركين عامة، ثم فرض الله الجهاد واختلف العلماء في هذه الآية فقال قوم : إنها تقتضي وجوب القتال على الكل وعن مكحول أنه كان يحلف عند البيت بالله أن الغزو واجب ونقل عن ابن عمر وعطاء : أن هذه الآية تقتضي وجوب القتال على أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك الوقت فقط حجة الأولين أن قوله : كتب  يقتضي الوجوب وقوله : عليكم  يقتضيه أيضا، والخطاب بالكاف في قوله : عليكم  لا يمنع من الوجوب على الموجودين وعلى من سيوجد بعد ذلك كما في قوله : كتب عليكم القصاص، كتب عليكم الصيام . 
فإن قيل : ظاهر الآية هل يقتضي أن يكون واجبا على الأعيان أو على الكفاية. 
قلنا : بل يقتضي أن يكون واجبا على الأعيان لأن قوله : عليكم  أي على كل واحد من آحادكم كما في قوله : كتب عليكم القصاص، كتب عليكم الصيام  حجة عطاء أن قوله : كتب  يقتضي الإيجاب، ويكفي في العمل به مرة واحدة وقوله : عليكم  يقتضي تخصيص هذا الخطاب بالموجودين في ذلك الوقت إلا أنا قلنا : إن قوله : كتب عليكم القصاص، كتب عليكم الصيام  حال الموجودين فيه كحال من سيوجد بعد ذلك، بدلالة منفصلة وهي الإجماع، وتلك الدلالة مفقودة ههنا فوجب أن يبقى على الوضع الأصلي، قالوا : ومما يدل على صحة هذا القول قوله تعالى : وكلا وعد الله الحسنى  ولو كان القاعد مضيعا فرضا لما كان موعودا بالحسنى، اللهم إلا أن يقال : الفرض كان ثابتا ثم نسخ، إلا أن التزام القوم بالنسخ من غير أن يدل عليه دليل غير جائز، ويدل عليه أيضا قوله تعالى : وما كان المؤمنون لينفروا كافة  والقول بالنسخ غير جائز على ما بيناه، والإجماع اليوم منعقد على أنه من فروض الكفايات، إلا أن يدخل المشركون ديار المسلمين فإنه يتعين الجهاد حينئذ على الكل والله أعلم. 
المسألة الثانية : قوله : وهو كره لكم  فيه إشكال وهو أن الظاهر من قوله : كتب عليكم  أن هذا الخطاب مع المؤمنين، والعقل يدل عليه أيضا لأن الكافر لا يؤمر بقتال الكافر، وإذا كان كذلك فكيف قال : وهو كره لكم  فإن هذا يشعر بكون المؤمن كارها لحكم الله وتكليفه وذلك غير جائز، لأن المؤمن لا يكون ساخطا لأوامر الله تعالى وتكاليفه، بل يرضى بذلك ويحبه ويتمسك به ويعلم أنه صلاحه وفي تركه فساده. 
والجواب من وجهين : الأول : أن المراد من الكره، كونه شاقا على النفس، والمكلف وإن علم أن ما أمره الله به فهو صلاحه، لكن لا يخرج بذلك عن كونه ثقيلا شاقا على النفس، لأن التكليف عبارة عن إلزام ما في فعله كلفة ومشقة، ومن المعلوم أن أعظم ما يميل إليه الطبع الحياة، فلذلك أشق الأشياء على النفس القتال الثاني : أن يكون المراد كراهتهم للقتال قبل أن يفرض لما فيه من الخوف، ولكثرة الأعداء فبين الله تعالى أن الذي تكرهونه من القتال خير لكم من تركه لئلا تكرهونه بعد أن فرض عليكم. 
المسألة الثالثة : الكره بضم الكاف هو الكراهة بدليل قوله : وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم  ثم فيه وجهان أحدهما : أن يكون المعنى وضع المصدر موضع الوصف مبالغة كقول الخنساء :
فإنما هي إقبال وإدبار \*\*\*. . . 
كأنه في نفسه كراهة لفرط كراهتهم له والثاني : أن يكون فعلا بمعنى مفعول، كالخبر بمعنى المخبور أي وهو مكروه لكم وقرأ السلمي بالفتح وهما لغتان كالضعف والضعف، ويجوز أن يكون بمعنى الإكراه على سبيل المجاز، كأنهم أكرهوا عليه لشدة كراهتهم له، ومشقته عليهم، ومنه قوله تعالى : حملته أمه كرها ووضعته كرها  والله أعلم وقال بعضهم : الكره، بالضم ما كرهته مما لم تكره عليه، وإذا كان بالإكراه فبالفتح. 
أما قوله : وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : عسى  فعل درج مضارعه وبقي ماضيه فيقال منه، عسيتما وعسيتم قال تعالى : فهل عسيتم  ويرتفع الاسم بعده كما يرتفع بعد الفعل فتقول : عسى زيد. كما تقول : قام زيد ومعناه : قرب قال تعالى : قل عسى أن يكون ردف لكم  أي قرب، فقولك عسى زيد أن يقوم تقديره عسى قيام زيد أي قرب قيام زيد. 
المسألة الثانية : معنى الآية ربما كان الشيء شاقا عليكم في الحال، وهو سبب للمنافع الجليلة في المستقبل وبالضد، ولأجله حسن شرب الدواء المر في الحال لتوقع حصول الصحة في المستقبل، وحسن تحمل الأخطار في الأسفار لتوقع حصول الربح في المستقبل، وحسن تحمل المشاق في طلب العلم للفوز بالسعادة العظيمة في الدنيا وفي العقبى، وههنا كذلك وذلك لأن ترك الجهاد وإن كان يفيد في الحال صون النفس عن خطر القتل، وصون المال عن الإنفاق، ولكن فيه أنواع من المضار منها : أن العدو إذا علم ميلكم إلى الدعة والسكون قصة بلادكم وحاول قتلكم فأما أن يأخذكم ويستبيح دماءكم وأموالكم، وإما أن تحتاجوا إلى قتالهم من غير إعداد آلة وسلاح، وهذا يكون كترك مداواة المرض في أول ظهوره بسبب نفرة النفس عن تحمل مرارة الدواء، ثم في آخر الأمر يصير المرء مضطرا إلى تحمل أضعاف تلك النفرة والمشقة، والحاصل أن القتال سبب لحصول الأمن، وذلك خير من الانتفاع بسلامة الوقت، ومنها وجدان الغنيمة، ومنها السرور العظيم بالاستيلاء على الأعداء. 
أما ما يتعلق بالدين فكثيرة، منها ما يحصل للمجاهد من الثواب العظيم إذا فعل الجهاد تقربا وعبادة وسلك طريقة الاستقامة فلم يفسد ما فعله، ومنها أنه يخشى عدوكم أن يستغنمكم فلا تصبرون على المحنة فترتدون عن الدين، ومنها أن عدوكم إذا رأى جدكم في دينكم وبذلكم أنفسكم وأموالكم في طلبه مال بسبب ذلك إلى دينكم فإذا أسلم على يدكم صرتم بسبب ذلك مستحقين للأجر العظيم عند الله، ومنها أن من أقدم على القتال طلبا لمرضاة الله تعالى كان قد تحمل ألم القتل بسبب طلب رضوان الله، وما لم يصر الرجل متيقنا بفضل الله وبرحمته وأنه لا يضيع أجر المحسنين، وبأن لذات الدنيا أمور باطلة لا يرضى بالقتل ومتى كان كذلك فارق الإنسان الدنيا على حب الله وبغض الدنيا، وذلك من أعظم سعادات الإنسان. 
فثبت بما ذكرنا أن الطبع ولو كان يكره القتال من أعداء الله فهو خير كثير وبالضد، ومعلوم أن الأمرين متى تعارضا فالأكثر منفعة هو الراجح وهذا هو المراد من قوله : وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم . 
المسألة الثالثة : الشر  السوء وأصله من شررت الشيء إذا بسطته، يقال : شررت اللحم والثوب إذا بسطته ليجف، ومنه قوله :
وحتى أشرت بالأكف المصاحف \*\*\*. . . 
والشرر اللهب لانبساطه فعلى هذا الشر انبساط الأشياء الضارة. 
المسألة الرابعة : عسى  توهم الشك مثل  لعل  وهي من الله تعالى يقين، ومنهم من قال إنها كلمة مطمعة، فهي لا تدل على حصول الشك للقائل إلا أنها تدل على حصول الشك للمستمع وعلى هذا التقدير لا يحتاج إلى التأويل، أما إن قلنا بأنها بمعنى  لعل  فالتأويل فيه هو الوجوه المذكورة في قوله تعالى : لعلكم تتقون  قال الخليل : عسى  من الله واجب في القرآن قال : فعسى الله أن يأتي بالفتح  وقد وجد  وعسى الله أن يأتيني بهم جميعا  وقد حصل والله أعلم. 
أما قوله تعالى : والله يعلم وأنتم لا تعلمون  فالمقصود منه الترغيب العظيم في الجهاد وذلك لأن الإنسان إذا اعتقد قصور علم نفسه، وكمال علم الله تعالى، ثم علم أنه سبحانه لا يأمر العبد إلا بما فيه خيرته ومصلحته، علم قطعا أن الذي أمره الله تعالى به وجب عليه امتثاله، سواء كان مكروها للطبع أو لم يكن فكأنه تعالى قال : يا أيها العبد اعلم أن علمي أكمل من علمك فكن مشتغلا بطاعتي ولا تلتفت إلى مقتضى طبعك فهذه الآية في هذا المقام تجري مجرى قوله تعالى في جواب الملائكة  إني أعلم ما لا تعلمون .

### الآية 2:217

> ﻿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:217]

قوله تعالى  يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عنه الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون 
**في الآية مسائل :**
المسألة الأولى : اختلفوا في أن هذا السائل أكان من المسلمين أو من الكافرين والقائلون بأنه من المسلمين فريقان الأول : الذين قالوا إنه تعالى لما كتب عليهم القتال وقد كان عند القوم الشهر الحرام والمسجد الحرام أعظم الحرمة في المنع من القتال لم يبعد عندهم أن يكون الأمر بالقتال مقيدا بأن يكون في غير هذا الزمان وفي غير هذا المكان فدعاهم ذلك إلى أن سألوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا : أيحل لنا قتالهم في هذا الشهر وفي هذا الموضع ؟ فنزلت الآية، فعلى هذا الوجه الظاهر أن هذا السؤال كان من المسلمين. 
الفريق الثاني : وهم أكثر المفسرين : رووا عن ابن عباس أنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش الأسدي وهو ابن عمته قبل قتال بدر بشهرين، وبعد سبعة عشر شهرا من مقدمه المدينة في ثمانية رهط، وكتب له كتابا وعهدا ودفعه إليه، وأمره أن يفتحه بعد منزلتين، ويقرأه على أصحابه، ويعمل بما فيه، فإذا فيه : أما بعد فسر على بركة الله تعالى بمن اتبعك حتى تنزل بطن نخل، فترصد بها عير قريش لعلك أن تأتينا منه بخير، فقال عبد الله : سمعا وطاعة لأمره فقال لأصحابه : من أحب منكم الشهادة فلينطلق معي فإني ماض لأمره، ومن أحب التخلف فليتخلف فمضى حتى بلغ بطن نخل بين مكة والطائف، فمر عليهم عمرو بن الحضرمي وثلاثة معه، فلما رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حلقوا رأس واحد منهم وأوهموا بذلك أنهم قوم عمار، ثم أتى واقد بن عبد الله الحنظلي وهو أحد من كان مع عبد الله بن جحش ورمى عمرو بن الحضرمي فقتله، وأسروا اثنين وساقوا العير بما فيه حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضجت قريش وقالوا : قد استحل محمد الشهر الحرام، شهر يأمن فيه الخائف فيسفك فيه الدماء، والمسلمون أيضا قد استبعدوا ذلك، فقال عليه الصلاة والسلام : إني ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام، وقال عبد الله بن جحش يا رسول الله إنا قتلنا ابن الحضرمي، ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري أفي رجب أصبناه أم في جمادى فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والأسارى، فنزلت هذه الآية، فأخذ رسول الله عليه الصلاة والسلام الغنيمة، وعلى هذا التقدير فالأظهر أن هذا السؤال إنما صدر عن المسلمين لوجوه أحدها : أن أكثر الحاضرين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا مسلمين وثانيها : أن ما قبل هذه الآية وما بعدها خطاب مع المسلمين أما ما قبل هذه الآية فقوله : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة  وهو خطاب مع المسلمين وقوله :
 يسألونك عن الخمر والميسر ويسألونك عن اليتامى  وثالثها : روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال : ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض كلهن في القرآن منها  يسألونك عن الشهر الحرام . 
والقول الثاني : أن هذا السؤال كان من الكفار قالوا : سألوا الرسول عليه الصلاة والسلام عن القتال في الشهر الحرام حتى لو أخبرهم بأنه حلال فتكوا به واستحلوا قتاله فيه فأنزل الله تعالى هذه الآية : يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه  أي يسألونك عن قتال في الشهر الحرام  قل قتال فيه كبير  ولكن الصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام والكفر به أكبر من ذلك القتال  ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم  فبين تعالى أن غرضهم من هذا السؤال أن يقاتلوا المسلمين ثم أنزل الله تعالى بعده قوله : الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم  فصرح في هذه الآية بأن القتال على سبيل الدفع جائز. 
المسألة الثانية : قوله تعالى : قتال فيه  خفض على البدل من الشهر الحرام، وهذا يسمى بدل الاشتمال، كقولك : أعجبني زيد علمه ونفعني زيد كلامه وسرق زيد ماله، وسلب زيد ثوابه، قال تعالى : قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود  وقال بعضهم الخفض في قتال على تكرير العامل والتقدير : يسألونك عن الشهر الحرام عن قتال فيه، وهكذا هو في قراءة ابن مسعود والربيع، ونظيره قوله تعالى : للذين استضعفوا لمن آمن منهم  وقرأ عكرمة  قتل فيه . 
أما قوله تعالى : قل قتال فيه كبير  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : قتال فيه  مبتدأ و  كبير  خبره، وقوله : قتال  وإن كان نكرة إلا أنه تخصص بقوله : فيه  فحسن جعله مبتدأ والمراد من قوله : كبير  أي عظيم مستنكر كما يسمى الذنب العظيم كبيرة قال تعالى : كبرت كلمة تخرج من أفواههم . 
فإن قيل : لم نكر القتال في قوله تعالى : قتال فيه  ومن حق النكرة إذا تكررت أن تجيء باللام حتى يكون المذكور الثاني هو الأول، لأنه لو لم يكن كذلك كان المذكور الثاني غير الأول كما في قوله تعالى : إن مع العسر يسرا . 
قلنا : نعم ما ذكرتم أن اللفظ إذا تكرر وكانا نكرتين كان المراد بالثاني إذن غير الأول والقوم أرادوا بقولهم : يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه  ذلك القتال المعين الذي أقدم عليه عبد الله بن جحش، فقال تعالى : قل قتال فيه كبير  وفيه تنبيه على أن القتال الذي يكون كبيرا ليس هو هذا القتال الذي سألتم عنه، بل هو قتال آخر لأن هذا القتال كان الغرض به نصرة الإسلام وإذلال الكفر فكيف يكون هذا من الكبائر، إنما القتال الكبير هو الذي يكون الغرض فيه هدم الإسلام وتقوية الكفر فكان اختيار التنكير في اللفظين لأجل هذه الدقيقة إلا أنه تعالى ما صرح بهذا الكلام لئلا تضيق قلوبهم بل أبهم الكلام بحيث يكون ظاهره كالموهم لما أرادوه، وباطنه يكون موافقا للحق، وهذا إنما حصل بأن ذكر هذين اللفظين على سبيل التنكير، ولو أنه وقع التعبير عنهما أو عن أحدهما بلفظ التعريف لبطلت هذه الفائدة الجليلة، فسبحان من له تحت كل كلمة من كلمات هذا الكتاب سر لطيف لا يهتدي إليه إلا أولوا الألباب. 
المسألة الثانية : اتفق الجمهور على أن حكم هذه الآية حرمة القتال في الشهر الحرام ثم اختلفوا أن ذلك الحكم هل بقي أم نسخ فنقل عن ابن جريج أنه قال : حلف لي عطاء بالله أنه لا يحل للناس الغزو في الحرم، ولا في الأشهر الحرم، إلا على سبيل الدفع، روى جابر قال : لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى وسئل سعيد بن المسيب هل يصلح للمسلمين أن يقاتلوا الكفار في الشهر الحرام ؟ قال نعم، قال أبو عبيد : والناس بالثغور اليوم جميعا على هذا القول يرون الغزو مباحا في الشهور كلها، ولم أر أحدا من علماء الشام والعراق ينكره عليهم كذلك حسب قول أهل الحجاز. 
والحجة في إباحته قوله تعالى : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم  وهذه الآية ناسخة لتحريم القتال في الشهر الحرام، والذي عندي أن قوله تعالى : قل قتال فيه كبير  هذا نكرة في سياق الإثبات فيتناول فردا واحدا، ولا يتناول كل الأفراد، فهذه الآية لا دلالة فيها على تحريم القتال مطلقا في الشهر الحرام، فلا حاجة إلى تقدير النسخ فيه. 
أما قوله تعالى : وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : للنحويين في هذه الآية وجوه الأول : قول البصريين وهو الذي اختاره الزجاج، أن قوله : وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه  كلها مرفوعة بالابتداء، وخبرها قوله : أكبر عند الله  والمعنى : أن القتال الذي سألتم عنه، وإن كان كبيرا، إلا أن هذه الأشياء أكبر منه، فإذا لم تمتنعوا عنها في الشهر الحرام، فكيف تعيبون عبد الله بن جحش على ذلك القتال مع أن له فيه عذرا ظاهرا، فإنه كان يجوز أن يكون ذلك القتل واقعا في جمادى الآخرة، ونظيره قوله تعالى لبني إسرائيل : أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم، لم تقولون ما لا تفعلون  وهذا وجه ظاهر، إلا أنهم اختلفوا في الجر في قوله : والمسجد الحرام  وذكروا فيه وجهين أحدهما : أنه عطف على الهاء في به والثاني : وهو قول الأكثرين : أنه عطف على  سبيل الله  قالوا : وهو متأكد بقوله تعالى : إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام . 
واعترضوا على الوجه الأول بأنه لا يجوز العطف على الضمير، فإنه لا يقال : مررت به وعمرو، وعلى الثاني بأن على هذا الوجه يكون تقدير الآية : صد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، فقوله : عن المسجد الحرام صلة للصد، والصلة والموصول في حكم الشيء الواحد، فإيقاع الأجنبي بينهما لا يكون جائزا. 
أجيب عن الأول : لم لا يجوز إضمار حرف الجر فيه حتى يكون التقدير : وكفر به وبالمسجد الحرام، والإضمار في كلام الله ليس بغريب، ثم يتأكد هذا بقراءة حمزة  تساءلون به والأرحام  على سبيل الخفض ولو أن حمزة روى هذه اللغة لكان مقبولا بالاتفاق، فإذا قرأ به في كتاب الله تعالى كان أولى أن يكون مقبولا، وأما الأكثرون الذين اختاروا القول الثاني قالوا : لا شك أنه يقتضي وقوع الأجنبي بين الصلة والموصول، والأصل أنه لا يجوز إلا أنا تحملناه ههنا لوجهين الأول : أن الصد عن سبيل الله والكفر به كالشيء الواحد في المعنى، فكأنه لا فصل الثاني : أن موضع قوله : وكفر به  عقيب قوله : والمسجد الحرام  إلا أنه قدم عليه لفرط العناية، كقوله تعالى : ولم يكن له كفؤا أحدا  كان من حق الكلام أن يقال : ولم يكن له أحد كفؤا إلا أن فرط العناية أوجب تقديمه فكذا ههنا. 
الوجه الثاني : في هذه الآية، وهو اختيار الفراء وأبي مسلم الأصفهاني أن قوله تعالى : والمسجد الحرام  عطف بالواو على الشهر الحرام، والتقدير : يسألونك عن قتال في الشهر الحرام والمسجد الحرام، ثم بعد هذا طريقان أحدهما : أن قوله : قتال فيه  مبتدأ، وقوله : كبير وصد عن سبيل الله وكفر به  خبر بعد خبر، والتقدير : إن قتلا فيه محكوم عليه بأنه كبير وبأنه صد عن سبيل الله، وبأنه كفر بالله. 
والطريق الثاني : أن يكون قوله : قتال فيه كبير  جملة مبتدأ وخبر، وأما قوله : وصد عن سبيل الله  فهو مرفوع بالابتداء، وكذا قوله : وكفر به  والخبر محذوف لدلالة ما تقدم عليه، والتقدير : قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله كبير وكفر به كبير، ونظيره قولك : زيد منطلق وعمرو، تقديره : وعمرو منطلق، طعن البصريون في هذا الجواب فقالوا : أما قولكم تقدير الآية : يسألونك عن قتال في المسجد الحرام فهو ضعيف لأن السؤال كان واقعا عن القتال في الشهر الحرام لا عن القتال في المسجد الحرام، وطعنوا في الوجه الأول بأنه يقتضي أن يكون القتال في الشهر الحرام كفرا بالله، وهو خطأ بالإجماع، وطعنوا في الوجه الثاني بأنه لما قال بعد ذلك : وإخراج أهله منه أكبر  أي أكبر من كل ما تقدم فيلزم أن يكون إخراج أهل المسجد من المسجد أكبر عند الله من الكفر، وهو خطأ بالإجماع. 
وأقول : للفراء أن يجي

### الآية 2:218

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2:218]

قوله عز وجل : إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم 
**في الآية مسألتان :**
المسألة الأولى : في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان الأول : أن عبد الله بن جحش قال : يا رسول الله هب أنه لا عقاب فيما فعلنا، فهل نطمع منه أجرا وثوابا فنزلت هذه الآية، لأن عبد الله كان مؤمنا، وكان مهاجرا، وكان بسبب هذه المقاتلة مجاهدا والثاني : أنه تعالى لما أوجب الجهاد من قبل بقوله : كتب عليكم القتال وهو كره لكم  وبين أن تركه سبب للوعيد أتبع ذلك بذكر من يقوم به فقال : إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله  ولا يكاد يوجد وعيد إلا ويعقبه وعد. 
المسألة الثانية : هاجروا  أي فارقوا أوطانهم وعشائرهم، وأصله من الهجر الذي هو ضد الوصل، ومنه قيل للكلام القبيح : هجر، لأنه مما ينبغي أن يهجر، والهاجرة وقت يهجر فيه العمل، والمهاجرة مفاعلة من الهجرة، وجاز أن يكون المراد منه أن الأحباب والأقارب هجروه بسبب هذا الدين، وهو أيضا هجرهم بهذا السبب، فكان ذلك مهاجرة، وأما المجاهدة فأصلها من الجهد الذي هو المشقة، ويجوز أن يكون معنى المجاهدة أن يضم جهده إلى جهد آخر في نصرة دين الله، كما أن المساعدة عبارة عن ضم الرجل ساعده إلى ساعد آخر ليحصل التأييد والقوة، ويجوز أن يكون المراد من المجاهدة بذل الجهد في قتال العدو، وعند فعل العدو، ومثل ذلك فتصير مفاعلة. 
ثم قال تعالى : أولئك يرجون رحمة الله  وفيه قولان : الأول أن المراد منه الرجاء، وهو عبارة عن ظن المنافع التي يتوقعها، وأراد تعالى في هذا الموضع أنهم يطمعون في ثواب الله وذلك لأن عبد الله بن جحش ما كان قاطعا بالفوز والثواب في عمله، بل كان يتوقعه ويرجوه. 
فإن قيل : لم جعل الوعد مطلقا بالرجاء، ولم يقع به كما في سائر الآيات ؟. 
قلنا : الجواب من وجوه أحدها : أن مذهبنا أن الثواب على الإيمان والعمل غير واجب عقلا، بل بحكم الوعد، فلذلك علقه بالرجاء وثانيها : هب أنه واجب عقلا بحكم الوعد، ولكنه تعلق بأن لا يكفر بعد ذلك وهذا الشرط مشكوك فيه لا متيقن، فلا جرم كان الحاصل هو الرجاء لا القطع وثالثها : أن المذكور ههنا هو الإيمان، والهجرة، والجهاد في سبيل الله، ولا بد للإنسان مع ذلك من سائر الأعمال، وهو أن يرجو أن يوفقه الله لها، كما وفقه لهذه الثلاثة، فلا جرم علقه على الرجاء ورابعها : ليس المراد من الآية أن الله شكك العبد في هذه المغفرة، بل المراد وصفهم بأنهم يفارقون الدنيا مع الهجرة والجهاد، مستقصرين أنفسهم في حق الله تعالى، يرون أنهم لم يعبدوه حق عبادته، ولم يقضوا ما يلزمهم في نصرة دينه، فيقدمون على الله مع الخوف والرجاء، كما قال : والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون . 
القول الثاني : أن المراد من الرجاء : القطع واليقين في أصل الثواب، والظن إنما دخل في كميته وفي وقته، وفيه وجوه قررناها في تفسير قوله تعالى : الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم . 
ثم قال تعالى : والله غفور رحيم  أي إن الله تعالى يحقق لهم رجاءهم إذا ماتوا على الإيمان والعمل الصالح، وأنه غفور رحيم، غفر لعبد الله بن جحش وأصحابه ما لم يعلموا ورحمهم.

### الآية 2:219

> ﻿۞ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ۗ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [2:219]

الحكم الثالث : في الخمر
قوله عز وجل : يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما . 
اعلم أن قوله : يسألونك عن الخمر والميسر  ليس فيه بيان أنهم عن أي شيء سألوا، فإنه يحتمل أنهم سألوا عن حقيقته وماهيته، ويحتمل أنهم سألوا عن حل الانتفاع به، ويحتمل أنهم سألوا عن حل شربه وحرمته إلا أنه تعالى لما أجاب بذكر الحرمة دل تخصيص الجواب على أن ذلك السؤال كان وقعا عن الحل والحرمة. 
**وفي الآية مسائل :**
المسألة الأولى : قالوا : نزلت في الخمر أربع آيات، نزل بمكة قوله تعالى : ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا  وكان المسلمون يشربونها وهي حلال لهم، ثم إن عمر ومعاذا ونفرا من الصحابة قالوا : يا رسول الله أفتنا في الخمر، فإنها مذهبة للعقل، مسلبة للمال، فنزل فيها قوله تعالى : قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس  فشربها قوم وتركها آخرون، ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناسا منهم، فشربوا وسكروا، فقام بعضهم يصلي فقرأ : قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، فنزلت : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى  فقل من شربها، ثم اجتمع قوم من الأنصار وفيهم سعد بن أبي وقاص، فلما سكروا افتخروا وتناشدوا الأشعار حتى أنشد سعد شعرا فيه هجاء للأنصار، فضربه أنصاري بلحى بعير فشجه شجة موضحة، فشكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فنزل : إنما الخمر والميسر  إلى قوله : فهل أنتم منتهون  فقال عمر : انتهينا يا رب، قال القفال رحمه الله : والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب أن الله تعالى علم أن القوم قد كانوا ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم بذلك كثيرا، فعلم أنه لو منعهم دفعة واحدة لشق ذلك عليهم، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدريج، وهذا الرفق، ومن الناس من قال بأن الله حرم الخمر والميسر بهذه الآية، ثم نزل قوله تعالى : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى  فاقتضى ذلك تحريم شرب الخمر وقت الصلاة، لأن شارب الخمر لا يمكنه أن يصلي إلا مع السكر، فكان المنع من ذلك منعا من الشرب ضمنا، ثم نزلت آية المائدة فكانت في غاية القوة في التحريم، وعن الربيع بن أنس أن هذه الآية نزلت بعد تحريم الخمر. 
المسألة الثانية : اعلم أن عندنا أن هذه الآية دالة على تحريم الخمر فنفتقر إلى بيان أن الخمر ما هو ؟ ثم إلى بيان أن هذه الآية دالة على تحريم شرب الخمر. 
أما المقام الأول : في بيان أن الخمر ما هو ؟ قال الشافعي رحمه الله : كل شراب مسكر فهو خمر، وقال أبو حنيفة : الخمر عبارة عن عصير العنب الشديد الذي قذف بالزبد، حجة الشافعي على قوله وجوه أحدها : ما روى أبو داود في **«سننه »** : عن الشعبي عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال : نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة : من العنب، والتمر، والحنطة، والشعير، والذرة، والخمر ما خامر العقل، وجه الاستدلال به من ثلاثة أوجه أحدها : أن عمر رضي الله عنه أخبر أن الخمر حرمت يوم حرمت وهي تتخذ من الحنطة والشعير، كما أنها كانت تتخذ من العنب والتمر، وهذا يدل على أنهم كانوا يسمونها كلها خمرا وثانيها : أنه قال : حرمت الخمر يوم حرمت، وهي تتخذ من هذه الأشياء الخمر، وهذا كالتصريح بأن تحريم الخمر يتناول تحريم هذه الأنواع الخمسة وثالثها : أن عمر رضي الله عنه ألحق بها كل ما خامر العقل من شراب، ولا شك أن عمر كان عالما باللغة، وروايته أن الخمر اسم لكل ما خامر العقل فغيره. 
الحجة الثانية : روى أبو داود عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**« إن من العنب خمرا، وإن من التمر خمرا، وإن من العسل خمرا، وإن من البر خمرا، وإن من الشعير خمرا »** والاستدلال به من وجهين أحدهما : أن هذا صريح في أن هذه الأشياء داخلة تحت اسم الخمر فتكون داخلة تحت الآية الدالة على تحريم الخمر والثاني : أنه ليس مقصود الشارع تعليم اللغات، فوجب أن يكون مراده من ذلك بيان أن الحكم الثابت في الخمر ثابت فيها، أو الحكم المشهور الذي اختص به الخمر هو حرمة الشرب، فوجب أن يكون ثابتا في هذه الأشربة، قال الخطابي رحمه الله : وتخصيص الخمر بهذه الأشياء الخمسة ليس لأجل أن الخمر لا يكون إلا من هذه الخمسة بأعيانها، وإنما جرى ذكرها خصوصا لكونها معهودة في ذلك الزمان، فكل ما كان في معناها من ذرة أو سلت أو عصارة شجرة، فحكمها حكم هذه الخمسة، كما أن تخصيص الأشياء الستة بالذكر في خبر الربا لا يمنع من ثبوت حكم الربا في غيرها. 
الحجة الثالثة : روى أبو داود أيضا عن نافع عن ابن عمر، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**« كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام »** قال الخطابي : قوله عليه السلام **« كل مسكر خمر »** دل على وجهين أحدهما : أن الخمر اسم لكل ما وجد منه السكر من الأشربة كلها، والمقصود منه أن الآية لما دلت على تحريم الخمر، وكان مسمى الخمر مجهولا للقوم حسن من الشارع أن يقال : مراد الله تعالى من هذه اللفظة هذا إما على سبيل أن هذا هو مسماه في اللغة العربية، أو على سبيل أن يضع اسما شرعيا على سبيل الأحداث كما في الصلاة والصوم وغيرهما. 
والوجه الآخر : أن يكون معناه أنه كالخمر في الحرمة، وذلك لأن قوله هذا خمر فحقيقة هذا اللفظ يفيد كونه في نفسه خمرا فإن قام دليل على أن ذلك ممتنع وجب حمله مجازا على المشابهة في الحكم، الذي هو خاصية ذلك الشيء. 
الحجة الرابعة : روى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البتع، فقال :" كل شراب أسكر فهو حرام " قال الخطابي : البتع شراب يتخذ من العسل، وفيه إبطال كل تأويل يذكره أصحاب تحليل الأنبذة، وإفساد لقول من قال : إن القليل من المسكر مباح، لأنه عليه السلام سئل عن نوع واحد من الأنبذة فأجاب عنه بتحريم الجنس، فيدخل فيه القليل والكثير منها، ولو كان هناك تفصيل في شيء من أنواعه ومقاديره لذكره ولم يهمله. 
الحجة الخامسة : روى أبو داود عن جابر بن عبد الله، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما أسكر كثيره فقليله حرام " 
الحجة السادسة : روي أيضا عن القاسم عن عائشة، قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام " قال الخطابي :**«الفرق »** مكيال يسع ستة عشر رطلا، وفيه أبين البيان أن الحرمة شاملة لجميع أجزاء الشراب. 
الحجة السابعة : روى أبو داود عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، قالت : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر، قال الخطابي : المفتر كل شراب يورث الفتور والخدر في الأعضاء، وهذا لا شك أنه متناول لجميع أنواع الأشربة، فهذه الأحاديث كلها دالة على أن كل مسكر فهو خمر، وهو حرام. 
النوع الثاني : من الدلائل على أن كل مسكر خمر التمسك بالاشتقاقات، قال أهل اللغة : أصل هذا الحرف التغطية، سمي الخمار خمارا لأنه يغطي رأس المرأة، والخمر ما واراك من شجر وغيره، من وهدة وأكمة، وخمرت رأس الإناء أي غطيته، والخامر هو الذي يكتم شهادته، قال ابن الأنباري : سميت خمرا لأنها تخامر العقل، أي تخالطه، يقال : خامره الداء إذا خالطه، وأنشد لكثير :
هنيئا مريئا غير داء مخامر \*\*\*. . . 
ويقال خامر السقام كبده، وهذا الذي ذكره راجع إلى الأول، لأن الشيء إذا خالط الشيء صار بمنزلة الساتر له، فهذه الاشتقاقات دالة على أن الخمر ما يكون ساترا للعقل، كما سميت مسكرا لأنها تسكر العقل أي تحجزه، وكأنها سميت بالمصدر من خمره خمرا إذا ستره للمبالغة، ويرجع حاصله إلى أن الخمر هو السكر، لأن السكر يغطي العقل، ويمنع من وصول نوره إلى الأعضاء، فهذه الاشتقاقات من أقوى الدلائل على أن مسمى الخمر هو المسكر، فكيف إذا انضافت الأحاديث الكثيرة إليه لا يقال هذا إثبات للغة بالقياس، وهو غير جائز، لأنا نقول : ليس هذا إثباتا للغة بالقياس، بل هو تعيين المسمى بواسطة هذه الاشتقاقات، كما أن أصحاب أبي حنيفة رحمهم الله يقولون إن مسمى النكاح هو الوطء ويثبتونه بالاشتقاقات، ومسمى الصوم هو الإمساك، ويثبتونه بالاشتقاقات. 
النوع الثالث : من الدلائل الدالة على أن الخمر هو المسكر، أن الأمة مجمعة على أن الآيات الواردة في الخمر ثلاثة واثنان منها وردا بلفظ الخمر أحدهما : هذه الآية والثانية : آية المائدة والثالثة : وردت في السكر وهو قوله : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى  وهذا يدل على أن المراد من الخمر هو المسكر. 
النوع الرابع : من الحجة أن سبب تحريم الخمر هو أن عمر ومعاذا قالا : يا رسول الله إن الخمر مسلبة للعقل، مذهبة للمال، فبين لنا فيه، فهما إنما طلبا الفتوى من الله ورسوله بسبب كون الخمر مذهبة للعقل، فوجب أن يكون كل ما كان مساويا للخمر في هذا المعنى إما أن يكون خمرا وإما أن يكون مساويا للخمر في هذا الحكم. 
النوع الخامس : من الحجة أن الله علل تحريم الخمر بقوله تعالى : إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة  ولا شك أن هذه الأفعال معللة بالسكر، وهذا التعليل يقيني، فعلى هذا تكون هذه الآية نصا في أن حرمة الخمر معللة بكونها مسكرة، فإما أن يجب القطع بأن كل مسكر خمر، وإن لم يكن كذلك فلا بد من ثبوت هذا الحكم في كل مسكر، وكل من أنصف وترك العناد، علم أن هذه الوجوه ظاهرة جلية في إثبات هذا المطلوب حجة أبي حنيفة رحمه الله من وجوه أحدها : قوله تعالى : ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا  من الله تعالى علينا باتخاذ السكر والرزق الحسن، وما نحن فيه سكر ورزق حسن، فوجب أن يكون مباحا لأن المنة لا تكون إلا بالمباح. 
والحجة الثانية : ما روى ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام أتى السقاية عام حجة الوداع فاستند إليها، وقال : اسقوني، فقال العباس : ألا أسقيك مما ننبذه في بيوتنا ؟ فقال : ما تسقي الناس، فجاءه بقدح من نبيذ فشمه، فقطب وجهه ورده، فقال العباس : يا رسول الله أفسدت على أهل مكة شرابهم، فقال : ردوا علي القدح، فردوه عليه، فدعا بماء من زمزم وصب عليه وشرب، وقال : إذا اغتلمت عليكم هذه الأشربة فاقطعوا منتها بالماء. 
وجه الاستدلال به أن التقطيب لا يكون إلا من الشديد، ولأن المزج بالماء كان لقطع الشدة بالنص، ولأن اغتلام الشراب شدته، كاغتلام البعير سكره. 
الحجة الثالثة : التمسك بآثار الصحابة. 
والجواب عن الأول : أن قوله تعالى : تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا  نكرة في الإثبات، فلم قلتم : إن ذلك السكر والرزق الحسن هو هذا النبيذ ؟ ثم أجمع المفسرون على أن تلك الآية كانت نازلة قبل هذه الآيات الثلاث الدالة على تحريم الخمر، فكانت هذه الثلاثة إما ناسخة، أو مخصصة لها. 
وأما الحديث فلعل ذلك النبيذ كان ماء نبذت تمرات فيه لتذهب الملوحة فتغير طعم الماء قليلا إلى الحموضة، وطبعه عليه السلام كان في غاية اللطافة، فلم يحتمل طبعه الكريم ذلك الطعم، فلذلك قطب وجهه، وأيضا كان المراد بصب الماء فيه إزالة ذلك القذر

### الآية 2:220

> ﻿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۗ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ۖ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [2:220]

الحكم الخامس : في اليتامى
قوله تعالى ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم . 
**في الآية مسائل :**
المسألة الأولى : أن أهل الجاهلية كانوا قد اعتادوا الانتفاع بأموال اليتامى وربما تزوجوا باليتيمة طمعا في مالها أو يزوجها من ابن له لئلا يخرج مالها من يده، ثم إن الله تعالى أنزل قوله : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا  وأنزل في الآيات : وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء  وقوله : ويستفتونك في النساء قل الله بفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللآتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن، والمستضعفين من الولدان، وأن تقوموا لليتامى بالقسط، وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما  وقوله : ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن  فعند ذلك ترك القوم مخالطة اليتامى، والمقاربة من أموالهم، والقيام بأمورهم، فعند ذلك اختلت مصالح اليتامى وساءت معيشتهم، فثقل ذلك على الناس، وبقوا متحيرين إن خالطوهم وتولوا أمر أموالهم، استعدوا للوعيد الشديد، وإن تركوا وأعرضوا عنهم، اختلت معيشة اليتامى، فتحير القوم عند ذلك. 
ثم ههنا يحتمل أنهم سألوا الرسول عن هذه الواقعة، يحتمل أن السؤال كان في قلبهم، وأنهم تمنوا أن يبين الله لهم كيفية الحال في هذا الباب، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ويروى أنه لما نزلت تلك الآيات اعتزلوا أموال اليتامى، واجتنبوا مخالطتهم في كل شيء، حتى كان يوضع لليتيم طعام فيفضل منه شيء فيتركونه ولا يأكلونه حتى يفسد، وكان صاحب اليتيم يفرد له منزلا وطعاما وشرابا فعظم ذلك على ضعفة المسلمين، فقال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله ما لكلنا منازل تسكنها الأيتام ولا كلنا يجد طعاما وشرابا يفردهما لليتيم، فنزلت هذه الآية. 
المسألة الثانية : قوله : قل إصلاح لهم خير  فيه وجوه أحدها : قال القاضي : هذا الكلام يجمع النظر في صلاح مصالح اليتيم بالتقويم والتأديب وغيرهما، لكي ينشأ على علم وأدب وفضل لأن هذا الصنع أعظم تأثيرا فيه من إصلاح حاله بالتجارة، ويدخل فيه أيضا إصلاح ماله كي لا تأكله النفقة من جهة التجارة، ويدخل فيه أيضا معنى قوله تعالى : وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب  ومعنى قوله : خير  يتناول حال المتكفل، أي هذا العمل خير له من أن يكون مقصرا في حق اليتيم، ويتناول حال اليتيم أيضا، أي هذا العمل خير لليتيم من حيث أنه يتضمن صلاح نفسه، وصلاح ماله، فهذه الكلمة جامعة لجميع مصالح اليتيم والولي. 
فإن قيل : ظاهر قوله : قل إصلاح لهم خير  لا يتناول إلا تدبير أنفسهم دون مالهم. 
قلنا : ليس كذلك لأن ما يؤدي إلى إصلاح ماله بالتنمية والزيادة يكون إصلاحا له، فلا يمتنع دخوله تحت الظاهر، وهذا القول أحسن الأقوال المذكورة في هذا الموضع وثانيها : قول من قال : الخبر عائد إلى الولي، يعني إصلاح أموالهم من غير عوض ولا أجرة خير للولي وأعظم أجرا له، والثالث : أن يكون الخبر عائدا إلى اليتيم، والمعنى أن مخالطتهم بالإصلاح خير لهم من التفرد عنهم والإعراض عن مخالطتهم، والقول الأول أولى، لأن اللفظ مطلق فتخصيصه ببعض الجهات دون البعض، ترجيح من غير مرجح وهو غير جائز، فوجب حمله على الخيرات العائدة إلى الولي، وإلى اليتيم في إصلاح النفس، وإصلاح المال، وبالجملة فالمراد من الآية أن جهات المصالح مختلفة غير مضبوطة، فينبغي أن يكون عين المتكفل لمصالح اليتيم على تحصيل الخير في الدنيا والآخرة لنفسه، واليتيم في ماله وفي نفسه، فهذه كلمة جامعة لهذه الجهات بالكلية. 
أما قوله تعالى : وإن تخالطوهم فإخوانكم  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : المخالطة جمع يتعذر فيه التمييز، ومنه يقال للجماع : الخلاط ويقال : خولط الرجل إذا جن، والخلاط الجنون لاختلاط الأمور على صاحبه بزوال عقله. 
المسألة الثانية : في تفسير الآية وجوه أحدها : المراد : وإن تخالطوهم في الطعام والشراب والمسكن والخدم فإخوانكم، والمعنى : أن القوم ميزوا طعامه عن طعام أنفسهم، وشرابه عن شراب أنفسهم ومسكنه عن مسكن أنفسهم، فالله تعالى أباح لهم خلط الطعامين والشرابين، والاجتماع في المسكن الواحد، كما يفعله المرء بمال ولده، فإن هذا أدخل في حسن العشرة والمؤالفة، والمعنى وإن تخالطوهم بما لا يتضمن إفساد أموالهم فذلك جائز وثانيها : أن يكون المراد بهذه المخالفة أن ينتفعوا بأموالهم بقدر ما يكون أجره مثل ذلك العمل والقائلون بهذا القول منهم من جوز ذلك سواء كان القيم غنيا أو فقيرا، ومنهم من قال : إذا كان القيم غنيا لم يأكل من ماله لأن ذلك فرض عليه وطلب الأجرة على العمل الواجب لا يجوز، واحتجوا عليه بقوله تعالى : ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف  وأما إن كان القيم فقيرا فقالوا إنه يأكل بقدر الحاجة ويرده إذا أيسر، فإن لم يوسر تحلله من اليتيم، وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : أنزلت نفسي من مال الله تعالى بمنزلة ولي اليتيم : إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت قرضا بالمعروف ثم قضيت، وعن مجاهد أنه إذا كان فقيرا وأكل بالمعروف فلا قضاء عليه. 
القول الثالث : أن يكون معنى الآية إن يخلطوا أموال اليتامى بأموال أنفسهم على سبيل الشركة بشرط رعاية جهات المصلحة والغبطة للصبي. 
والقول الرابع : وهو اختيار أبي مسلم : أن المراد بالخلط المصاهرة في النكاح، على نحو قوله : وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا  وقوله عز من قائل : ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء  قال وهذا القول راجح على غيره من وجوه أحدها : أن هذا القول خلط لليتيم نفسه والشركة خلط لماله وثانيها : أن الشركة داخلة في قوله : قل إصلاح لهم خير  والخلط من جهة النكاح، وتزويج البنات منهم لم يدخل في ذلك، فحمل الكلام في هذا الخلط أقرب وثالثها : أن قوله تعالى : فإخوانكم  يدل على أن المراد بالخلط هو هذا النوع من الخلط، لأن اليتيم لو لم يكن من أولاد المسلمين لوجب أن يتحرى صلاح أمواله كما يتحراه إذا كان مسلما، فوجب أن تكون الإشارة بقوله : فإخوانكم  إلى نوع آخر من المخالطة ورابعها : أنه تعالى قال بعد هذه الآية : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن  فكان المعنى أن المخالطة المندوب إليها إنما هي في اليتامى الذين هم لكم إخوان بالإسلام فهم الذين ينبغي أن تناكحوهم لتأكيد الألفة، فإن كان اليتيم من المشركات فلا تفعلوا ذلك. 
المسألة الثالثة : قوله : فإخوانكم  أي فهم إخوانكم، قال الفراء : ولو نصبته كان صوابا، والمعنى فإخوانكم تخالطون. 
أما قوله : والله يعلم المفسد من المصلح  فقيل : المفسد لأموالهم من المصلح لها، وقيل : يعلم ضمائر من أراد الإفساد والطمع في مالهم بالنكاح من المصلح، يعني : إنكم إذا أظهرتم من أنفسكم إرادة الإصلاح فإذا لم تريدوا ذلك في قلوبكم بل كان مرادكم منه غرضا آخر فالله مطلع على ضمائركم عالم بما في قلوبكم، وهذا تهديد عظيم، والسبب أن اليتيم لا يمكنه رعاية الغبطة لنفسه، وليس له أحد يراعيها فكأنه تعالى قال : لما لم يكن له أحد يتكفل بمصالحه فأنا ذلك المتكفل وأنا المطالب لوليه، وقيل : والله يعلم المصلح الذي يلي من أمر اليتيم ما يجوز له بسببه الانتفاع بماله ويعلم المفسد الذي لا يلي من إصلاح أمر اليتيم ما يجوز له بسببه الانتفاع بماله، فاتقوا أن تتناولوا من مال اليتيم شيئا من غير إصلاح منكم لمالهم. 
أما قوله تعالى : ولو شاء الله لأعنتكم  ففيه مسائل :
المسألة الأولى :**«الإعنات »** الحمل على مشقة لا تطاق يقال : أعنت فلان فلانا إذا أوقعه فيما لا يستطيع الخروج منه وتعنته تعنتا إذا لبس عليه في سؤاله، وعنت العظم المجبور إذا انكسر بعد الجبر وأصل  العنت  من المشقة، وأكمة عنوت إذا كانت شاقة كدودا، ومنه قوله تعالى : عزيز عليه ما عنتم  أي شديد عليه ما شق عليكم، ويقال أعنتني في السؤال أي شدد علي وطلب عنتي وهو الإضرار وأما المفسرون فقال ابن عباس : لو شاء الله لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقا وقال عطاء : ولو شاء الله لأدخل عليكم المشقة كما أدخلتم على أنفسكم ولضيق الأمر عليكم في مخالطتهم، وقال الزجاج : ولو شاء الله لكلفكم ما يشتد عليكم. 
المسألة الثانية : احتج الجبائي بهذه الآية، فقال : إنها تدل على أنه تعالى لم يكلف العبد بما لا يقدر عليه، لأن قوله : ولو شاء الله لأعنتكم  يدل على أنه تعالى لم يفعل الإعنات والضيق في التكليف، ولو كان مكلفا بما لا يقدر العبد عليه لكان قد تجاوز حد الإعنات وحد الضيق. 
واعلم أن وجه هذا الاستدلال أن كلمة  لو  تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، ثم سألوا أنفسهم بأن هذه الآية وردت في حق اليتيم، وأجابوا عنه بأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وأيضا فولى هذا اليتيم قد لا يفعل تعالى فيه قدرة الإصلاح، لأن هذا هو قولهم فيمن يختار خلاف الإصلاح وإذا كان كذلك فكيف يجوز أن يقول تعالى فيه خاصة  ولو شاء الله لأعنتكم  مع أنه كلفه بما لا يقدر عليه، ولا سبيل له إلى فعله، وأيضا فالإعنات لا يصح إلا فيمن يتمكن من الشيء فيشق عليه ويضيق، فأما من لا يتمكن البتة فذلك لا يصح فيه، وعند الخصم الولي إذا اختار الصلاح فإنه لا يمكنه فعل الفساد، وإذا لم يقدر على الفساد لا يصح أن يقال فيه  ولو شاء الله لأعنتكم . 
والجواب عنه : المعارضة بمسألة العلم والداعي والله أعلم. 
المسألة الثالثة : احتج الكعبي بهذه الآية على أنه تعالى قادر على خلاف العدل، لأنه لو امتنع وصفه بالقدرة على الإعنات ما جاز أن يقول : ولو شاء الله لأعنتكم  وللنظام أن يجيب بأن هذا معلق على مشيئة الإعنات، فلم قلتم بأن هذه المشيئة ممكنة الثبوت في حقه تعالى، والله أعلم.

### الآية 2:221

> ﻿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا ۚ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ۖ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [2:221]

الحكم السادس : فيما يتعلق بالنكاح
قوله تعالى  ولا تنكحوا حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون . 
اعلم أن هذه الآية نظير قوله : ولا تمسكوا بعصم الكوافر  وقرئ بضم التاء، أي لا تزوجوهن وعلى هذه القراءة لا يزوجونهن. 
واعلم أن المفسرين اختلفوا في أن هذه الآية ابتداء حكم وشرع، أو هو متعلق بما تقدم، فالأكثرون على أنه ابتداء شرع في بيان ما يحل ويحرم، وقال أبو مسلم : بل هو متعلق بقصة اليتامى، فإنه تعالى لما قال : وإن تخالطوهم فإخوانكم  وأراد مخالطة النكاح عطف عليه ما يبعث على الرغبة في اليتامى، وأن ذلك أولى مما كانوا يتعاطون من الرغبة في المشركات، وبين أن أمة مؤمنة خير من مشركة وإن بلغت النهاية فيما يقتضي الرغبة فيها، ليدل بذلك على ما يبعث على التزوج باليتامى، وعلى تزويج الأيتام عند البلوغ ليكون ذلك داعية لما أمر به من النظر في صلاحهم وصلاح أموالهم، وعلى الوجهين فحكم الآية لا يختلف، ثم في الآية مسائل :
المسألة الأولى : روي عن ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام بعث مرثد بن أبي مرثد حليفا لبني هاشم إلى مكة ليخرج أناسا من المسلمين بها سرا، فعند قدومه جاءته امرأته يقال لها عناق خليلة له في الجاهلية، أعرضت عنه عند الإسلام، فالتمست الخلوة، فعرفها أن الإسلام يمنع من ذلك، ثم وعدها أن يستأذن الرسول صلى الله عليه وسلم ثم يتزوج بها، فلما انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفه ما جرى في أمر عناق، وسأله هل يحل له التزوج بها فأنزل الله تعالى هذه الآية. 
المسألة الثانية : اختلف الناس في لفظ النكاح، فقال أكثر أصحاب الشافعي رحمه الله : إنه حقيقة في العقد، واحتجوا عليه بوجوه أحدها : قوله عليه الصلاة والسلام :" لا نكاح إلا بولي وشهود " وقف النكاح على الولي والشهود، والمتوقف على الولي والشهود هو العقد لا الوطء، والثاني : قوله عليه الصلاة والسلام :" ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح " دل الحديث على أن النكاح كالمقابل للسفاح، ومعلوم أن السفاح مشتمل على الوطء، فلو كان النكاح اسما للوطء لامتنع كون النكاح مقابلا للسفاح وثالثها : قوله تعالى : وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم  ولا شك أن لفظ ( أنكحوا ) لا يمكن حمله إلا على العقد، ورابعها : قول الأعشى، أنشده الواحدي في **«البسيط »** :

فلا تقربن من جارة إن سرها  عليك حرام فانكحن أو تأيماوقوله : فانكحن  لا يحتمل إلا الأمر بالعقد، لأنه قال :**«لا تقربن جارة »** يعني مقاربتها على الطريق الذي يحرم فاعقد وتزوج وإلا فتأيم وتجنب النساء، وقال الجمهور من أصحاب أبي حنيفة : أنه حقيقة في الوطء، واحتجوا عليه بوجوه أحدها : قوله تعالى : فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره  نفي الحل ممتد إلى غاية النكاح، والنكاح الذي تنتهي به هذه الحرمة ليس هو العقد بدليل قوله عليه الصلاة والسلام :**« لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك »** فوجب أن يكون المراد منه هو الوطء وثانيها : قوله عليه الصلاة والسلام :**« ناكح اليد ملعون وناكح البهيمة ملعون »** أثبت النكاح مع عدم العقد وثالثها : أن النكاح في اللغة عبارة عن الضم والوطء، يقال : نكح المطر الأرض إذا وصل إليها، ونكح النعاس عينه، وفي المثل أنكحنا الفرا فسترى، وقال الشاعر :التاركين على طهر نساءهم  والناكحين بشطي دجلة البقرا**وقال المتنبي :**أنكحت صم حصاها خف يعملة  تعثرت بي إليك السهل والجبلاومعلوم أن معنى الضم والوطء في المباشرة أتم منه في العقد، فوجب حمله عليه، ومن الناس من قال : النكاح عبارة عن الضم، ومعنى الضم حاصل في العقد وفي الوطء، فيحسن استعمال هذا اللفظ فيهما جميعا، قال ابن جني : سألت أبا علي عن قولهم : نكح المرأة، فقال : فرقت العرب في الاستعمال فرقا لطيفا حتى لا يحصل الالتباس، فإذا قالوا : نكح فلان فلانة : أرادوا أنه تزوجها وعقد عليها، وإذا قالوا : نكح امرأته أو زوجته، لم يريدوا غير المجامعة، لأنه إذا ذكر أنه نكح امرأته أو زوجته فقد استغنى عن ذكر العقد، فلم تحتمل الكلمة غير المجامعة، فهذا تمام ما في هذا اللفظ من البحث، وأجمع المفسرون على أن المراد من قوله : ولا تنكحوا  في هذه الآية أي لا تعقدوا عليهن عقد النكاح. 
المسألة الثالثة : اختلفوا في أن لفظ المشرك هل يتناول الكفار من أهل الكتاب، فأنكر بعضهم ذلك، والأكثرون من العلماء على أن لفظ المشرك يندرج فيه الكفار من أهل الكتاب وهو المختار، ويدل عليه وجوه أحدها : قوله تعالى : وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله  ثم قال في آخر الآية : سبحانه عما يشركون  وهذه الآية صريحة في أن اليهودي والنصراني مشرك وثانيها : قوله تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء  دلت هذه الآية على أن ما سوى الشرك قد يغفره الله تعالى في الجملة فلو كان كفر اليهودي والنصراني ليس بشرك لوجب بمقتضى هذه الآية أن يغفر الله تعالى في الجملة، ولما كان ذلك باطلا علمنا أن كفرهما شرك وثالثها : قوله تعالى : لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة  فهذا التثليث إما أن يكون لاعتقادهم وجود صفات ثلاثة، أو لاعتقادهم وجود ذوات ثلاثة، والأول باطل، لأن المفهوم من كونه تعالى عالما غير المفهوم من كونه قادرا ومن كونه حيا، وإذا كانت هذه المفهومات الثلاثة لا بد من الاعتراف بها، كان القول بإثبات صفات ثلاثة من ضرورات دين الإسلام، فكيف يمكن تكفير النصارى بسبب ذلك، ولما بطل ذلك علمنا أنه تعالى إنما كفرهم لأنهم أثبتوا ذواتا ثلاثة قديمة مستقلة، ولذلك فإنهم جوزوا في أقنوم الكلمة أن يحل في عيسى، وجوزوا في أقنوم الحياة أن يحل في مريم ولولا أن هذه الأشياء المسماة عندهم بالأقانيم ذوات قائمة بأنفسها، لما جوزوا عليها الانتقال من ذات إلى ذات، فثبت أنهم قائلون بإثبات ذوات قائمة بالنفس قديمة أزلية وهذا شرك، وقول بإثبات الآلهة، فكانوا مشركين، وإذا ثبت دخولهم تحت اسم المشرك ؛ وجب أن يكون اليهودي كذلك ضرورة أنه لا قائل بالفرق ورابعها : ما روى أنه عليه الصلاة والسلام أمر أميرا وقال : إذا لقيت عددا من المشركين فادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، وإن أبوا فادعهم إلى الجزية وعقد الذمة، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، سمى من يقبل منه الجزية وعقد الذمة بالمشرك، فدل على أن الذمي يسمى بالمشرك وخامسها : ما احتج به أبو بكر الأصم فقال : كل من جحد رسالته فهو مشرك، من حيث إن تلك المعجزات التي ظهرت على يده كانت خارجة عن قدرة البشر، وكانوا منكرين صدورها عن الله تعالى، بل كانوا يضيفونها إلى الجن والشياطين، لأنهم كانوا يقولون فيها : إنها سحر وحصلت من الجن والشياطين، فالقوم قد أثبتوا شريكا لله سبحانه في خلق هذه الأشياء الخارجة عن قدرة البشر، فوجب القطع بكونهم مشركين لأنه لا معنى للإله إلا من كان قادرا على خلق هذه الأشياء، واعترض القاضي فقال : إنما يلزم هذا إذا سلم اليهودي أن ما ظهر على يد محمد صلى الله عليه وسلم من الأمور الخارجة عن قدرة البشر، فعند ذلك إذا أضافه إلى غير الله تعالى كان مشركا، أما إذا أنكر ذلك وزعم أن ما ظهر على يد محمد صلى الله عليه وسلم من جنس ما يقدر العباد عليه لم يلزم أن يكون مشركا بسبب ذلك إلى غير الله تعالى. 
والجواب : أنه لا اعتبار بإقراره أن تلك المعجزات خارجة عن مقدور البشر أم لا، إنما الاعتبار يدل على أن ذلك المعجز خارج عن قدرة البشر، فمن نسب ذلك إلى غير الله تعالى كان مشركا، كما أن إنسانا لو قال : إن خلق الجسم والحياة من جنس مقدور البشر ثم أسند خلق الحيوان والنبات إلى الأفلاك والكواكب كان مشركا فكذا ههنا، فهذا مجموع ما يدل على أن اليهودي والنصراني يدخلان تحت اسم المشرك، واحتج من أباه بأن الله تعالى فصل بين أهل الكتاب وبين المشركين في الذكر، وذلك يدل على أن أهل الكتاب لا يدخلون تحت اسم المشرك، وإنما قلنا أنه تعالى فصل لقوله تعالى :
 إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا  وقال أيضا : ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين  وقال : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين  ففي هذه الآيات فصل بين القسمين وعطف أحدهما على الآخر، وذلك يوجب التغاير. 
والجواب : أن هذا مشكل بقوله تعالى : وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح  وبقوله تعالى : من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال  فإن قالوا إنما خص بالذكر تنبيها على كمال الدرجة في ذلك الوصف المذكور، قلنا : فههنا أيضا إنما خص عبدة الأوثان في هذه الآيات بهذا الاسم تنبيها على كمال درجتهم في هذا الكفر، فهذا جملة ما في هذه المسألة ثم اعلم أن القائلين بأن اليهود والنصارى يندرجون تحت اسم المشرك اختلفوا على قولين فقال قوم : وقوع هذا الاسم عليهم من حيث اللغة لما بينا أن اليهود والنصارى قائلون بالشرك، وقال الجبائي والقاضي هذا الإسم من جملة الأسماء الشرعية، واحتجا على ذلك بأنه قد تواتر النقل عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه كان يسمى كل من كان كافرا بالمشرك، ومن كان في الكفار من لا يثبت إلها أصلا أو كان شاكا في وجوده، أو كان شاكا في وجود الشريك، وقد كان فيهم من كان عند البعثة منكرا للبعث والقيامة، فلا جرم كان منكرا للبعثة والتكليف، وما كان يعبد شيئا من الأوثان، والذين كانوا يعبدون الأوثان فيهم من كانوا يقولون : إنها شركاء الله في الخلق وتدبير العالم، بل كانوا يقولون : هؤلاء شفعاؤنا عند الله فثبت أن الأكثرين منهم كانوا مقرين بأن إله العالم واحد وأنه ليس له في الإلهية معين في خلق العالم وتدبيره وشريك ونظير إذا ثبت هذا ظهر أن وقوع اسم المشرك على الكافر ليس من الأسماء اللغوية، بل من الأسماء الشرعية، كالصلاة والزكاة وغيرهما، وإذا كان كذلك وجب اندراج كل كافر تحت هذا الإسم، فهذا جملة الكلام في هذه المسألة وبالله التوفيق. 
المسألة الرابعة : الذين قالوا : إن اسم المشرك لا يتناول إلا عبدة الأوثان قالوا : إن قوله تعالى : ولا تنكحوا المشركات  نهى عن نكاح الوثنية، أما الذين قالوا : إن اسم المشرك يتناول جميع الكفار قالوا : ظاهر قوله تعالى : ولا تنكحوا المشركات  يدل على أنه لا يجوز نكاح الكافرة أصلا، سواء كانت من أهل الكتاب أو لا، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا فالأكثرون من الأئمة قالوا إنه يجوز للرجل أن يتزوج بالكتابية، وعن ابن عمر ومحمد بن الحنفية والهادي وهو أحد الأئمة الزيدية أن ذلك حرام، حجة الجمهور قوله تعالى في سورة المائدة : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب  وسورة المائدة كلها ثابتة لم ينسخ منها شيء قط. 
فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد منه : من آمن بعد أن كان من أهل الكتاب ؟. 
قلنا : هذا لا يصح من قبل أنه تعالى أ

### الآية 2:222

> ﻿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [2:222]

الحكم السابع : في المحيض
قوله تعالى  ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين 
**في الآية مسائل :**
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى جمع في هذا الموضع ستة من الأسئلة، فذكر الثلاثة الأول بغير الواو، وذكر الثلاثة الأخيرة بالواو، والسبب أن سؤالهم عن تلك الحوادث الأول وقع في أحوال متفرقة فلم يؤت فيها بحرف العطف، لأن كل واحد من تلك السؤالات سؤال مبتدأ، وسألو عن المسائل الثلاثة الأخيرة في وقت واحد، فجيء بحرف الجمع لذلك، كأنه قيل : يجمعون لك بين السؤال عن الخمر والميسر، والسؤال عن كذا، والسؤال عن كذا. 
المسألة الثانية : روي أن اليهود والمجوس كانوا يبالغون في التباعد عن المرأة حال حيضها، والنصارى كانوا يجامعونهن، ولا يبالون بالحيض، وأن أهل الجاهلية كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، ولم يجالسوها على فرش ولم يساكنوها في بيت كفعل اليهود والمجوس فلما نزلت هذه الآية أخذ المسلمون بظاهر الآية فأخرجوهن من بيوتهن فقال ناس من الأعراب : يا رسول الله البرد شديد، والثياب قليلة، فإن آثرناهن بالثياب هلك سائر أهل البيت، وإن استأثرناها هلكت الحيض، فقال عليه الصلاة والسلام :" إنما أمرتكم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن، ولم آمركم بإخراجهن من البيوت كفعل الأعاجم "، فلما سمع اليهود ذلك قالوا : هذا الرجل يريد أن لا يدع شيئا من أمرنا إلا خالفنا فيه، ثم جاء عباد بن بشير، وأسيد بن حضير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبراه بذلك وقالا : يا رسول الله أفلا ننكحهن في المحيض ؟ فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أنه غضب عليهما فقاما، فجاءته هدية من لبن، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهما فسقاهما فعلمنا أنه لم يغضب عليهما. 
المسألة الثالثة : أصل الحيض في اللغة السيل يقال : حاض السيل وفاض، قال الأزهري : ومنه قيل للحوض حوض، لأن الماء يحيض إليه أي يسيل إليه، والعرب تدخل الواو على الياء والياء على الواو لأنهما من جنس واحد. 
إذا عرفت هذا فنقول : إن هذا البناء قد يجيء للموضع، كالمبيت، والمقيل، والمغيب، وقد يجيء أيضا بمعنى المصدر، يقال : حاضت محيضا، وجاء مجيئا، وبات مبيتا، وحكى الواحدي في **«البسيط »** عن ابن السكيت : إذا كان الفعل من ذوات الثلاثة، نحو : كال يكيل، وحاض يحيض، وأشباهه فإن الإسم منه مكسور، والمصدر مفتوح من ذلك مال ممالا، وهذا مميله يذهب بالكسر إلى الاسم، وبالفتح إلى المصدر، ولو فتحهما جميعا أو كسرهما في المصدر والاسم لجاز، تقول العرب : المعاش والمعيش، والمغاب والمغيب، والمسار والمسير، فثبت أن لفظ المحيض حقيقة في موضوع الحيض، وهو أيضا اسم لنفس الحيض وإذا ثبت هذا فاعلم أن أكثر المفسرين من الأدباء زعموا أن المراد بالمحيض ههنا الحيض، وعندي أنه ليس كذلك، إذ لو كان المراد بالمحيض ههنا الحيض لكان قوله : فاعتزلوا النساء في المحيض  معناه : فاعتزلوا النساء في الحيض، ويكون المراد فاعتزلوا النساء في زمان الحيض، فيكون ظاهره مانعا من الاستمتاع بها فيما فوق السرة ودون الركبة ولما كان هذا المنع غير ثابت لزم القول بتطرق النسخ أو التخصيص إلى الآية، ومعلوم أن ذلك خلاف الأصل أما إذا حملنا المحيض على موضع الحيض كان معنى الآية : فاعتزلوا النساء في موضع الحيض، ويكون المعنى : فاعتزلوا موضع الحيض من النساء، وعلى هذا التقدير لا يتطرق إلى الآية نسخ ولا تخصيص، ومن المعلوم أن اللفظ إذا كان مشتركا بين معنيين، وكان حمله على أحدهما يوجب محذورا وعلى الآخر لا يوجب ذلك المحذور، فإن حمل اللفظ على المعنى الذي لا يوجب المحذور أولى، هذا إذا سلمنا أن لفظ المحيض مشترك بين الموضع وبين المصدر، مع أنا نعلم أن استعمال هذا اللفظ في موضع أكثر وأشهر منه في المصدر. 
فإن قيل : الدليل على أن المراد من المحيض الحيض أنه قال : هو أذى  أي المحيض أذى، ولو كان المراد من المحيض الموضع لما صح هذا الوصف. 
قلنا : بتقدير أن يكون المحيض عبارة عن الحيض، فالحيض في نفسه ليس بأذى لأن الحيض عبارة عن الدم المخصوص، والأذى كيفية مخصوصة، وهو عرض، والجسم لا يكون نفس العرض، فلا بد وأن يقولوا : المراد منه أن الحيض موصوف بكونه أذى، وإذا جاز ذلك فيجوز لنا أيضا أن نقول : المراد أن ذلك الموضع ذو أذى، وأيضا لم لا يجوز أن يكون المراد من المحيض الأول هو الحيض، ومن المحيض الثاني موضع الحيض، وعلى هذا التقدير يزول ما ذكرتم من الإشكال، فهذا ما عندي في هذا الموضع وبالله التوفيق. 
أما قوله تعالى : قل هو أذى  فقال عطاء وقتادة والسدي : أي قذر، واعلم أن الأذى في اللغة ما يكره من كل شيء وقوله : فاعتزلوا النساء في المحيض  الاعتزال التنحي عن الشيء، قدم ذكر العلة وهو الأذى، ثم رتب الحكم عليه، وهو وجوب الإعتزال. 
فإن قيل : ليس الأذى إلا الدم وهو حاصل وقت الاستحاضة مع أن اعتزال المرأة في الاستحاضة غير واجب فقد انتقضت هذه العلة. 
قلنا : العلة غير منقوضة لأن دم الحيض دم فاسد يتولد من فضلة تدفعها طبيعة المرأة من طريق الرحم، ولو احتبست تلك الفضلة لمرضت المرأة، فذلك الدم جار مجرى البول والغائط، فكان أذى وقذر، أما دم الاستحاضة فليس كذلك، بل هو دم صالح يسيل من عروق تنفجر في عمق الرحم فلا يكون أذى، هذا ما عندي في هذا الباب، وهو قاعدة طيبة، وبتقريرها يتلخص ظاهر القرآن من الطعن والله أعلم بمراده. 
المسألة الرابعة : اعلم أن دم الحيض موصوف بصفات حقيقية ويتفرع عليه أحكام شرعية، أما الصفات الحقيقية فأمران أحدهما : المنبع ودم الحيض دم يخرج من الرحم، قال تعالى : ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله فى أرحامهن  قيل في تفسيره : المراد منه الحيض والحمل، وأما دم الاستحاضة، فإنه لا يخرج من الرحم، لكن من عروق تنقطع في فم الرحم، قال عليه والسلام في صفة دم الاستحاضة :**« إنه دم عرق انفجر »** وهذا الكلام يؤيد ما ذكرنا في دفع للنقض عن تعليل القرآن. 
والنوع الثاني : من صفات دم الحيض : الصفات التي وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم دم الحيض بها أحدها : أنه أسود والثاني : أنه ثخين، والثالث : أنه محتدم وهو المحترق من شدة حرارته، الرابعة : أنه يخرج برفق ولا يسيل سيلانا، والخامسة : أن له رائحة كريهة بخلاف سائر الدماء وذلك لأنه من الفضلات التي تدفعها الطبيعة السادسة : أنه بحراني، وهو شديد الحمرة وقيل : ما تحصل فيه كدورة تشبيها له بماء البحر، فهذه الصفات هي الصفات الحقيقية. 
ثم من الناس من قال : دم الحيض يتميز عن دم الاستحاضة فكل دم كان موصوفا بهذه الصفات فهو دم الحيض، وما لا يكون كذلك لا يكون دم حيض، وما اشتبه الأمر فيه فالأصل بقاء التكاليف وزوالها إنما يكون لعارض الحيض، فإذا كان غير معلوم الوجود بقيت التكاليف التي كانت واجبة على ما كان، ومن الناس من قال : هذه الصفات قد تشتبه على المكلف، فإيجاب التأمل في تلك الدماء وفي تلك الصفات يقتضي عسرا ومشقة، فالشارع قدر وقتا مضبوطا متى حصلت الدماء فيه كان حكمها حكم الحيض كيف كانت تلك الدماء، ومتى حصلت خارج ذلك الوقت لم يكن حكمها حكم الحيض كيف كانت صفة تلك الدماء، والمقصود من هذا إسقاط العسر والمشقة عن المكلف، ثم إن الأحكام الشرعية للحيض هي المنع من الصلاة والصوم واجتناب دخول المسجد ومس المصحف وقراءة القرآن، وتصير المرأة به بالغة، والحكم الثابت للحيض بنص القرآن إنما هو حظر الجماع على ما بينا كيفية دلالة الآية عليه. 
المسألة الخامسة : اختلف الناس في مدة الحيض فقال الشافعي رحمه الله تعالى : أقلها يوم وليلة، وأكثرها خمسة عشر يوما، وهذا قول علي بن أبي طالب وعطاء بن أبي رباح والأوزاعي وأحمد وإسحق رضي الله عنهم، وقال أبو حنيفة والثوري : أقله ثلاثة أيام ولياليهن فإن نقص عنه فهو دم فاسد، وأكثره عشرة أيام، قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن : وقد كان أبو حنيفة يقول بقول عطاء : إن أقل الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوما، ثم تركه وقال مالك لا تقدير لذلك في القلة والكثرة، فإن وجد ساعة فهو حيض، وإن وجد أياما فكذلك، واحتج أبو بكر الرازي في أحكام القرآن على فساد قول مالك فقال : لو كان المقدار ساقطا في القليل والكثير لوجب أن يكون الحيض هو الدم الموجود من المرأة فكان يلزم أن لا يوجد في الدنيا مستحاضة، لأن كل ذلك الدم يكون حيضا على هذا المذهب وذلك باطل بإجماع الأمة، ولأنه روي أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت للنبي صلى الله عليه وسلم إني أستحاض فلا أطهر، وأيضا روي أن حمنة استحيضت سبع سنين ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم لهما إن جميع ذلك حيض، بل أخبرهما أن منه ما هو حيض ومنه ما هو استحاضة، فبطل هذا القول والله أعلم. 
وأعلم أن هذه الحجة ضعيفة لأن لقائل أن يقول : إنما يميز دم الحيض عن دم الاستحاضة بالصفات التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم لدم الحيض، فإذا علمنا ثبوتها حكمنا بالحيض، وإذا علمنا عدمها حكمنا بعدم الحيض، وإذا ترددنا في الأمرين كان طريان الحيض مجهولا وبقاء التكليف الذي هو الأصل معلوم والمشكوك لا يعارض المعلوم، فلا جرم حكم ببقاء التكاليف الأصلية، فبهذا الطريق يميز الحيض عن الاستحاضة وإن لم يجعل للحيض زمان معين، وحجة مالك من وجهين الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم بين علامة دم الحيض وصفته بقوله :**« دم الحيض هو الأسود المحتدم »** فمتى كان الدم موصوفا بهذه الصفة كان الحيض حاصلا، فيدخل تحت قوله تعالى : فاعتزلوا النساء في المحيض  وتحت قوله عليه السلام لفاطمة بنت أبي حبيش :**« إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة »**. 
الحجة الثانية : أنه تعالى قال في دم الحيض : هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض  ذكر وصف كونه أذى في معرض بيان العلة لوجوب الإعتزال، وإنما كان أذى للرائحة المنكرة التي فيه، واللون الفاسد وللحدة القوية التي فيه، وإذا كان وجوب الاعتزال معللا بهذه المعاني فعند حصول هذه المعاني وجب الاحتراز عملا بالعلة المذكورة في كتاب الله تعالى على سبيل التصريح، وعندي أن قول مالك قوي جدا، أما الشافعي فاحتج على أبي حنيفة وجهين :
الحجة الأولى : أنه وجد دم الحيض في اليوم بليلته وفي الزائد على العشرة بدليل أنه عليه السلام وصف دم الحيض بأنه أسود محتدم، فإذا وجد ذلك فقد حصل الحيض، فيدخل تحت عموم قوله تعالى : فاعتزلوا النساء في المحيض  تركنا العمل بهذا الدليل في الأقل من يوم وليلة، وفي الأكثر من خمسة عشر يوما بالاتفاق بيني وبين أبي حنيفة، فوجب أن يبقى معمولا به في هذه المدة. 
الحجة الثانية : للشافعي في جانب الزيادة ما روي أنه صلى الله عليه وسلم لما وصف النسوان بنقصان الدين، فسر ذلك بأن قال : تمكث إحداهن شطر عمرها لا تصلي، وهذا يدل على أن الحيض قد يكون خمسة عشر يوما، لأن على هذا التقدير يكون الطهر أيضا خمسة عشر يوما فيكون

### الآية 2:223

> ﻿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [2:223]

**الحكم الثامن :**
قوله تعالى نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين . في الآية مسائل :
المسألة الأولى : ذكروا في سبب النزول وجوها أحدها : روي أن اليهود قالوا : من جامع امرأته في قبلها من دبرها كان ولدها أحول مخبلا، وزعموا أن ذلك في التوراة، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : كذبت اليهود ونزلت هذه الآية وثانيها : روي عن ابن عباس أن عمر جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله هلكت، وحكى وقوع ذلك منه، فأنزل الله تعالى هذه الآية وثالثها : كانت الأنصار تنكر أن يأتي الرجل المرأة من دبرها في قبلها، وكانوا أخذوا ذلك من اليهود، وكانت قريش تفعل ذلك فأنكرت الأنصار ذلك عليهم، فنزلت الآية. 
المسألة الثانية : حرث لكم  أي مزرع ومنبت للولد، وهذا على سبيل التشبيه، ففرج المرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالنبات الخارج، والحرث مصدر، ولهذا وحد الحرث فكان المعنى نساؤكم ذوات حرث لكم فيهن تحرثون للولد، فحذف المضاف، وأيضا قد يسمى موضع الشيء باسم الشيء على سبيل المبالغة كقوله :
فإنما هي إقبالي وإدبار \*\*\*. . . 
ويقال : هذا أمر الله، أي مأموره، وهذا شهوة فلان، أي مشتهاه، فكذلك حرث الرجل محرثة. 
المسألة الثالثة : ذهب أكثر العلماء إلى أن المراد من الآية أن الرجل مخير بين أن يأتيها من قبلها في قبلها، وبين أن يأتيها من دبرها في قبلها، فقوله : أنى شئتم  محمول على ذلك، ونقل نافع عن ابن عمر أنه كان يقول : المراد من الآية تجويز إتيان النساء في أدبارهن، وسائر الناس كذبوا نافعا في هذه الرواية، وهذا قول مالك، واختيار السيد المرتضى من الشيعة، والمرتضى رواه عن جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه، وحجة من قال : إنه لا يجوز إتيان النساء في أدبارهن من وجوه :
الحجة الأولى : أن الله تعالى قال في آية المحيض : قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض  جعل قيام الأذى علة لحرمة إتيان موضع الأذى، ولا معنى للأذى إلا ما يتأذى الإنسان منه وههنا يتأذى الإنسان بنتن روائح ذلك الدم وحصول هذه العلة في محل النزاع أظهر فإذا كانت تلك العلة قائمة ههنا وجب حصول الحرمة. 
الحجة الثانية : قوله تعالى : فأتوهن من حيث أمركم الله  وظاهر الأمر للوجوب، ولا يمكن أن يقال : إنه يفيد وجوب إتيانهن لأن ذلك غير واجب، فوجب حمله على أن المراد منه أن من أتى المرأة وجب أن يأتيها في ذلك الموضع الذي أمر الله تعالى به ثم هذا غير محمول على الدبر، لأن ذلك بالإجماع غير واجب فتعين أن يكون محمولا على القبل، وذلك هو المطلوب. 
الحجة الثالثة : روى خزيمة بن ثابت أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن إتيان النساء في أدبارهن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :
 " حلال، فلما ولى الرجل دعاه فقال : كيف قلت في أي الخربتين، أو في أي الخرزتين، أو في أي الخصفتين، أو من قبلها في قبلها فنعم، أمن دبرها في قبلها فنعم، أمن دبرها في دبرها فلا، إن الله لا يستحي من الحق :«لا تؤتوا النساء في أدبارهن " وأراد بخربتها مسلكها، وأصل الخربة عروة المزادة شبه الثقب بها، والخرزة هي التي يثقبها الخراز، كنى به عن المأتي، وكذلك الخصفة من قولهم : خصفت الجلد إذا خرزته، حجة من قال بالجواز وجوه :
الحجة الأولى : التمسك بهذه الآية من وجهين الأول : أنه تعالى جعل الحرث اسما للمرأة فقال : نساؤكم حرث لكم  فهذا يدل على أن الحرث اسم للمرأة لا للموضع المعين، فلما قال بعده : فأتوا حرثكم أنى شئتم  كان المراد فأتوا نساءكم أنى شئتم فيكون هذا إطلاقا في إتيانهن على جميع الوجوه، فيدخل فيه محل النزاع. 
الوجه الثاني : أن كلمة  أنى  معناها أين، قال الله تعالى : أنى لك هذا قالت هو من عند الله  والتقدير : من أين لك هذا فصار تقدير الآية : فأتوا حرثكم أين شئتم وكلمة : أين شئتم، تدل على تعدد الأمكنة : اجلس أين شئت ويكون هذا تخييرا بين الأمكنة. 
إذا ثبت هذا فنقول : ظهر أنه لا يمكن حمل الآية على الإتيان من قبلها في قبلها، أو من دبرها في قبلها لأن على هذا التقدير المكان واحد، والتعداد إنما وقع في طريق الإتيان، واللفظ اللائق به أن يقال : اذهبوا إليه كيف شئتم فلما لم يكن المذكور ههنا لفظة : كيف، بل لفظة  أنى  ويثبت أن لفظة  أنى  مشعرة بالتخيير بين الأمكنة، ثبت أنه ليس المراد ما ذكرتم بل ما ذكرناه. 
الحجة الثانية : لهم : التمسك بعموم قوله تعالى : إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم  ترك العمل به في حق الذكور لدلالة الإجماع، فوجب أن يبقى معمولا به في حق النسوان. 
الحجة الثالثة : توافقنا على أنه لو قال للمرأة : دبرك على حرام ونوى الطلاق أنه يكون طلاقا، وهذا يقتضي كون دبرها حلالا له، هذا مجموع كلام القوم في هذا الباب. 
أجاب الأولون فقالوا : الذي يدل على أنه لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية إتيان النساء في غير المأتي وجوه الأول : أن الحرث اسم لموضع الحراثة، ومعلوم أن المراد بجميع أجزائها ليست موضعا للحراثة، فامتنع إطلاق اسم الحرث على ذات المرأة، ويقتضي هذا الدليل أن لايطلق لفظ الحرث على ذات المرأة إلا أنا تركنا العمل بهذا الدليل في قوله : نساؤكم حرث لكم  لأن الله تعالى صرح ههنا بإطلاق لفظ الحرث على ذات المرأة، فحملنا ذلك على المجاز المشهور من تسمية كل الشيء باسم جزئه، وهذه الصورة مفقودة في قوله : فأتوا حرثكم  فوجب حمل الحرث ههنا على موضع الحراثة على التعيين، فثبت أن الآية لا دلالة فيها إلا على إتيان النساء في المأتي. 
الوجه الثاني : في بيان أن هذه الآية لا يمكن أن تكون دالة على ما ذكروه لما بينا أن ما قبل هذه الآية يدل على المنع مما ذكروه من وجهين أحدهما : قوله : قل هو أذى  والثاني : قوله : فأتوهن من حيث أمركم الله  فلو دلت هذه الآية على التجويز لكان ذلك جمعا بين ما يدل على التحريم وبين ما يدل على التحليل في موضع واحد، والأصل أنه لا يجوز. 
الوجه الثالث : الروايات المشهورة في أن سبب نزول هذه الآية اختلافهم في أنه هل يجوز إتيانها من دبرها في قبلها، وسبب نزول الآية لا يكون خارجا عن الآية فوجب كون الآية متناولة لهذه الصورة، ومتى حملناها على هذه الصورة لم يكن بنا حاجة إلى حملناها على الصورة الأخرى فثبت بهذه الوجوه أن المراد من الآية ليس ما ذكروه، وعند هذا نبحث عن الوجوه التي تمسكوا بها على التفصيل. 
أما الوجه الأول : فقد بينا أن قوله : فأتوا حرثكم  معناه : فأتوه موضع الحرث. 
وأما الثاني : فإنه لما كان المراد بالحرث في قوله : فأتوا حرثكم  ذلك الموضع المعين لم يكن حمل  أنى شئتم  على التخيير في مكان، وعند هذا يضمر فيه زيادة، وهي أن يكون المراد من  أنى شئتم  فيضمر لفظة : من، لا يقال ليس حمل لفظ الحرث على حقيقته، والتزام هذا الإضمار أولى من حمل لفظ الحرث على المرأة على سبيل المجاز، حتى لا يلزمنا هذا الإضمار لأن نقول : بل هذا أولى، لأن الأصل في الإبضاع الحرمة. 
وأما الثالث : فجوابه : أن قوله : إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم  عام، ودلائلنا خاصة، والخاص مقدم على العام. 
وأما الرابع : فجوابه : أن قوله : دبرك على حرام، إنما صلح أن يكون كناية عن الطلاق، لأنه محل لحل الملابسة والمضاجعة، فصار ذلك كقوله : يدك طالق، والله أعلم. 
المسألة الرابعة : اختلف المفسرون في تفسير قوله : أنى شئتم  والمشهور ما ذكرناه أنه يجوز للزوج أن يأتيها من قبلها في قبلها، ومن دبرها في قبلها والثاني : أن المعنى : أي وقت شئتم من أوقات الحل : يعنى إذا لم تكن أجنبية، أو محرمة، أو صائمة، أو حائضا والثالث : أنه يجوز للرجل أن ينكحها قائمة أو باركة، أو مضطجعة، بعد أن يكون في الفرج الرابع : قال ابن عباس : المعنى إن شاء، وإن شاء لم يعزل، وهو منقول عن سعيد بن المسيب الخامس : متى شئتم من ليل أو نهار. 
فإن قيل : فما المختار من هذه الأقاويل ؟. 
قلنا : قد ظهر عن المفسرين أن سبب نزول هذه الآية هو أن اليهود كانوا يقولون : من أتى المرأة من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله تعالى هذا لتكذيب قولهم، فكان الأولى حمل اللفظ عليه، وأما الأوقات فلا مدخل لها في هذا الباب، لأن  أنى  يكون بمعنى  متى  ويكون بمعنى  كيف  وأما العزل وخلافه فلا يدخل تحت  أنى  لأن حال الجماع لا يختلف بذلك، فلا وجه لحمل الكلام إلا على ما قلنا. 
أما قوله : وقدموا لأنفسكم  فمعناه : افعلوا ما تستوجبون به الجنة والكرامة ونظيره أن يقول الرجل لغيره : قدم لنفسك عملا صالحا، وهو كقوله : وتزودوا فإن خير الزاد التقوى  ونظير لفظ التقديم ما حكى الله تعالى عن فريق من أهل النار وهو قوله : قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار . 
فإن قيل : كيف تعلق هذا الكلام بما قبله ؟. 
قلنا : نقل عن ابن عباس أنه قال : معناه التسمية عند الجماع وهو في غاية البعد، والذي عندي فيه أن قوله : نساؤكم حرث لكم  جار مجرى التنبيه على سبب إباحة الوطء، كأنه قيل : هؤلاء النسوان إنما حكم الشرع بإباحة وطئهن لكم لأجل أنهن حرث لكم أي بسبب أنه يتولد الولد منها ثم قال بعده : فأتوا حرثكم أنى شئتم  أي لما كان السبب في إباحة وطئها لكم حصول الحرث، فأتوا حرثكم، ولاتأتوا غير موضع الحرث، فكان قوله : فأتوا حرثكم  دليلا على الإذن في ذلك الموضع، والمنع من غير ذلك الموضع، فلما اشتملت الآية على الإذن في أحد الموضعين، والمنع عن الموضع الآخر، لا جرم قال : وقدموا لأنفسكم  أي لا تكونوا في قيد قضاء الشهوة بل كونوا في قيد تقديم الطاعة، ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله : واتقوا الله  ثم أكده ثالثا بقوله : واعلموا أنكم ملاقوه  وهذه التهديدات الثلاثة المتوالية لا يليق ذكرها إلا إذا كانت مسبوقة بالنهي عن شيء لذيذ مشتهى، فثبت أن ما قبل هذه الآية دال على تحريم هذا العمل، وما بعدها أيضا دال على تحريمه، فظهر أن المذهب الصحيح في تفسير هذه الآية ما ذهب إليه جمهور المجتهدين. 
أما قوله تعالى : واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه  فاعلم أن الكلام في التقوى قد تقدم، والكلام في تفسير لقاء الله تعالى قد تقدم في قوله : الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم  واعلم أنه تعالى ذكر هذه الأمور الثلاثة أولها : وقدموا لأنفسكم  والمراد منه فعل الطاعات وثانيها : قوله : واتقوا الله  والمراد منه ترك المحظورات وثالثها : قوله : واعلموا أنكم ملاقوه  وفيه إشارة إلى أني إنما كلفتكم بتحمل المشقة في فعل الطاعات وترك المحظورات لأجل يوم البعث والنشور والحساب، فلولا ذلك اليوم لكان تحمل المشقة في فعل الطاعات وترك المحظورات عبثا وما أحسن هذا الترتيب، ثم قال : وبشر المؤمنين  والمراد منه رعاية الترتيب المعتبر في القرآن وهو أن يجعل مع كل وعيد وعدا والمعنى وبشر المؤمنين خاصة بالثواب والكرامة فحذف ذكرهما لما أنهم كالمعلوم، فصار كقوله : وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا .

### الآية 2:224

> ﻿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [2:224]

الحكم التاسع : في الإيمان
قوله تعالى ولا تجعلوا الله عرضة لإيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين النالس والله سميع عليم . 
والمفسرون أكثروا من الكلام في هذه الآية، وأجود ما ذكروه وجهان الأول : وهو الذي ذكره أبو مسلم الأصفهاني، وهو الأحسن أن قوله : ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم  نهى عن الجراءة على الله بكثرة الحلف به، لأن من أكثر ذكر شيء في معنى من المعاني فقد جعله عرضة له يقول الرجل : قد جعلتني عرضة للومك، وقال الشاعر :
ولا تجعلني عرضة للوائم \*\*\*. . . 
وقد ذم الله تعالى من أكثر الحلف بقوله : ولا تطع كل حلاف مهين  وقال تعالى : واحفظوا أيمانكم  والعرب كانوا يمدحون الإنسان بالإقلال من الحلف، كما قال كثير :
قليل الألا يا حافظ ليمينه \*\*\* وإن سبقت منه الألية برت
والحكمة في الأمر بتقليل الإيمان أن من حلف في كل قليل وكثير بالله انطلق لسانه بذلك ولا يبقى لليمين في قلبه وقع، فلا يؤمن إقدامه على اليمين الكاذبة، فيختل ما هو الغرض الأصلي في اليمين، وأيضا كلما كان الإنسان أكثر تعظيما لله تعالى كان أكمل في العبودية ومن كمال التعظيم أن يكون ذكر الله تعالى أجل وأعلى عنده من أن يستشهد به في غرض من الأغراض الدنيوية. 
وأما قوله تعالى بعد ذلك : أن تبروا  فهو علة لهذا النهي، فقوله : أن تبروا  أي إرادة أن تبروا، والمعنى : إنما نهيتكم عن هذا لما أن توفي ذلك من البر والتقوى والإصلاح، فتكونون يا معشر المؤمنين بررة أتقياء مصلحين في الأرض غير مفسدين. 
فإن قيل : وكيف يلزم من ترك الحلف حصول البر والتقوى والإصلاح بين الناس ؟. 
قلنا : لأن من ترك الحلف لاعتقاده أن الله تعالى أجل وأعظم أن يستشهد باسمه العظيم في مطالب الدنيا وخسائس مطالب الحفل، فلا شك أن هذا من أعظم أبواب البر وأما معنى التقوى فظاهر أنه اتقى أن يصدر منه ما يخل بتعظيم الله، وأما الإصلاح بين الناس فمتى اعتقدوا في صدق لهجته، وبعده عن الأغراض الفاسدة فيقبلون قوله فيحصل الصلح بتوسطه. 
التأويل الثاني : قالوا : العرضة عبارة عن المانع، والدليل على صحة هذه اللغة أنه يقال : أردت أفعل كذا فعرض لي أمر كذا، واعترض أي تحامى ذلك فمنعني منه، واشتقاقها من الشيء الذي يوضع في عرض الطريق فيصير مانعا للناس من السلوك والمرور ويقال : اعترض فلان على كلام فلان، وجعل كلامه معارضا لكلام آخر، أي ذكر ما يمنعه من تثبيت كلامه، إذا عرفت أصل الإشتقاق فالعرضة فعلة بمعنى المفعول، كالقبضة، والغرفة، فيكون اسما لما يجعل معرضا دون الشيء، ومانعا منه، فثبت أن العرضة عبارة عن المانع، وأما اللام في قوله : لإيمانكم  فهو للتعليل. 
إذا عرفت هذا فنقول : تقدير الآية : ولا تجعلوا ذكر الله مانعا بسبب أيمانكم من أن تبروا أو في أن تبروا، فأسقط حرف الجر لعدم الحاجة إليه بسبب ظهوره، قالوا : وسبب نزول الآية أن الرجل كان يحلف على ترك الخيرات من صلة الرحم، أو إصلاح ذات البين، أو إحسان إلى أحد أدعيائه ثم يقول : أخاف الله أن أحنث في يميني فيترك البر إرادة البر في يمينه فقيل : لا تجعلوا ذكر الله مانعا بسبب هذه الأيمان عن فعل البر والتقوى هذا أجود ما ذكره المفسرون وقد طولوا في كلمات أخر، ولكن لا فائدة فيها فتركناها، ثم قال في آخر الآية : والله سميع عليم  أي : إن حلفتم يسمع، وإن تركتم الحلف تعظيما لله وإجلالا له من أن يستشهد باسمه الكريم في الأغراض العاجلة فهو عليم عالم بما في قلوبكم ونيتكم.

### الآية 2:225

> ﻿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ [2:225]

قوله تعالى  لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم . 
**في الآية مسألتان :**
المسألة الأولى : اللغو  الساقط الذي لا يعتد به، سواء كان كلاما أو غيره، أما ورود هذه اللفظة في الكلام، فيدل عليه الآية والخبر والرواية، أما الآية فقوله تعالى : وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه  وقوله : لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما  وقوله : لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه  وقوله : لا تسمع فيها لاغية  أما قوله : وإذا مروا باللغو مروا كراما  فيحتمل أن يكون المراد، وإذا مروا بالكلام الذي يكون لغوا، وأن يكون المراد، وإذا مروا بالفعل الذي يكون لغوا. 
وأما الخبر فقوله صلى الله عليه وسلم :**« من قال يوم الجمعة لصاحبه صه والإمام يخطب فقد لغا »**. 
وأما الرواية فيقال : لغا الطائر يلغو لغوا إذا صوت، ولغو الطائر تصويته، وأما ورود هذا اللفظ في غير الكلام، فهو أنه يقال لما لا يعتد به من أولاد الإبل : لغو، قال جرير :
يعد الناسبون بني تميم \*\*\* بيوت المجد أربعة كبارا
وتخرج منهم المرئى لغوا \*\*\* كما ألغيت في الدية الحوارا
**وقال العجاج :**
ورب أسراب حجيج كظم \*\*\* عن اللغا ورفث التكلم
قال الفراء : اللغا، مصدر للغيت، و  اللغو  مصدر للغوت، فهذا ما يتعلق باللغة. 
أما المفسرون فقد ذكروا وجوها الأول : قال الشافعي رضي الله عنه : إنه قول العرب : لا والله، وبلى والله، مما يؤكدون به كلامهم ولا يخطر ببالهم الحلف، ولو قيل لواحد منهم : سمعتك اليوم تحلف في المسجد الحرام ألف مرة لأنكر ذلك، ولعله قال : لا والله ألف مرة والثاني : وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه : أن اللغو هو أن يحلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن فهذا هو اللغو، وفائدة هذا الاختلاف أن الشافعي لا يوجب الكفارة في قول الرجل لا والله وبلى والله ويوجبها فيما إذا حلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن، وأبو حنيفة يحكم بالضد من ذلك ومذهب الشافعي هو قول عائشة، والشعبي، وعكرمة، وقول أبي حنيفة هو قول ابن عباس، والحسن، ومجاهد، والنخعي والزهري، وسليمان بن يسار، وقتادة، والسدي، ومكحول، حجة الشافعي رضي الله عنه على قوله وجوه الأول : ما روت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**« لغو اليمين قول الرجل في كلامه كلا والله، وبلى والله، ولا والله »** وروي أنه صلى الله عليه وسلم مر بقوم ينتضلون، ومعه رجل من أصحابه فرمى رجل من القوم، فقال : أصبت والله، ثم أخطأ، ثم قال الذي مع النبي صلى الله عليه وسلم : حنث الرجل يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم :**« كل أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة »** وعن عائشة أنها قالت : أيمان اللغو ما كان في الهزل والمراء والخصومة التي لا يعقد عليها القلب، وأثر الصحابي في تفسير كلام الله حجة. 
الحجة الثانية : أن قوله : لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم  يدل على أن لغو اليمين كالمقابل المضاد لما يحصل بسبب كسب القلب، ولكن المراد من قوله : بما كسبت قلوبكم  هو الذي يقصده الإنسان على الجد ويربط قلبه به، وإذا كان كذلك وجب أن يكون اللغو الذي هو كالمقابل له أن يكون معناه ما لا يقصده الإنسان بالجد، ولا يربط قلبه به، وذلك هو قول الناس على سبيل التعود في الكلام : لا والله بلى والله، فأما إذا حلف على شيء بالجد أنه كان حاصلا ثم ظهر أنه لم يكن فقد قصد الإنسان بذلك اليمين تصديق قول نفسه وربط قلبه بذلك، فلم يكن ذلك لغوا ألبتة بل كان ذلك حاصلا بكسب القلب. 
الحجة الثالثة : أنه سبحانه ذكر قبل هذه الآية : ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم  وقد ذكرنا أن معناه النهي عن كثرة الحلف واليمين، وهؤلاء الذين يقولون على سبيل الاعتياد : لا والله وبلى والله لا شك أنهم يكثرون الحلف، فذكر تعالى عقيب قوله : ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم  حال هؤلاء الذين يكثرون الحلف على سبيل الاعتياد في الكلام لا على سبيل القصد إلى الحلف، وبين أنه لا مؤاخذة عليهم، ولا كفارة، لأن إيجاب المؤاخذة والكفارة عليهم يفضي إما إلى أن يمتنعوا عن الكلام، أو يلزمهم في كل لحظة كفارة وكلاهما حرج في الدين، فظهر أن تفسير اللغو بما ذكرناه هو المناسب لما قبل الآية، فأما الذي قال أبو حنيفة رضي الله عنه فإنه لا يناسب ما قبل الآية فكان تأويل الشافعي أولى، حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه. 
الحجة الأولى : قوله صلى الله عليه وسلم :**« من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه »** الحديث دل على وجوب الكفارة على الحانث مطلقا من غير فصل بين المجد والهازل. 
الحجة الثانية : أن اليمين معنى لا يلحقه الفسخ، فلا يعتبر فيه القصد كالطلاق والعتاق، فهاتان الحجتان يوجبان الكفارة في قول الناس : لا والله بلى والله، إذا حصل الحنث، ثم الذي يدل على أن اللغو لا يمكن تفسيره بما قال الشافعي، ويجب تفسيره بما قاله أبو حنيفة أن اليمين في اللغة عبارة عن القوة قال الشاعر :
إذا ما راية رفعت لمجد \*\*\* تلقاها عرابة باليمين
أي بالقوة، والمقصود من اليمين تقوية جانب البر على جانب الحنث بسبب اليمين، وهذا إنما يفعل في الموضع الذي يكون قابلا للتقوية، وهذا إنما يكون إذا وقع اليمين على فعل في المستقبل، فأما إذا وقع اليمين على الماضي فذلك لا يقبل التقوية البتة، فعلى هذا اليمين على الماضي تكون خالية عن الفائدة المطلوبة منها، والخالي عن المطلوب يكون لغوا، فثبت أن اللغو هو اليمين على الماضي، وأما اليمين على المستقبل فهو قابل للتقوية، فلم تكن هذه اليمين خالية عن الغرض المطلوب منها فلا تكون لغوا. 
القول الثالث : في تفسير يمين اللغو : هو أنه إذا حلف على ترك طاعة، أو فعل معصية، فهذا هو يمين اللغوا وهو المعصية. قال تعالى : وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه  فبين أنه تعالى لا يؤاخذ بترك هذه الأيمان، ثم قال : ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم  أي بإقامتكم على ذلك الذي حلفتم عليه من ترك الطاعة وفعل المعصية، قالوا : وهذا التأويل مناف لقوله عليه السلام :**«من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر »** وهذا التأويل ضعيف من وجهين الأول : هو أن المؤاخذة المذكورة في هذه الآية صارت مفسرة في آية المائدة بقوله تعالى : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته  ولما كان المراد بالمؤاخذة إيجاب الكفارة وههنا الكفارة واجبة، علمنا أن المراد من الآية ليس هو هذه الصورة الثاني : أنه تعالى جعل المقابل للغو هو كسب القلب، ولا يمكن تفسيره بما ذكره من الإصرار على الشيء الذي حلفوا عليه لأن كسب القلب مشعر بالشروع في فعل جديد، فأما الاستمرار على ما كان فذلك لا يسمى كسب القلب. 
القول الرابع : في تفسير يمين اللغو : أنها اليمين المكفرة سميت لغوا لأن الكفارة أسقطت الإثم، فكأنه قيل : لا يؤاخذكم الله باللغو إذا كفرتم، وهذا قول الضحاك. 
القول الخامس : وهو قول القاضي : أن المراد به ما يقع سهوا غير مقصود إليه، والدليل عليه قوله تعالى بعد ذلك : ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم  أي يؤاخذكم إذا تعمدتم، ومعلوم أن المقابل للعمد هو السهو. 
المسألة الثانية : احتج الشافعي رضي الله عنه بهذه الآية على وجوب الكفارة في اليمين الغموس، قال : إنه تعالى ذكر ههنا  ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم  وقال في آية المائدة : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان  وعقد اليمين محتمل لأن يكون المراد منه عقد القلب به، ولأن يكون المراد به العقد الذي يضاد الحل، فلما ذكر ههنا قوله : بما كسبت قلوبكم  علمنا أن المراد من ذلك العقد هو عقد القلب، وأيضا ذكر المؤاخذة ههنا، ولم يبين أن تلك المؤاخذة ما هي، وبينها في آية المائدة بقوله : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته  فبين أن المؤاخذة هي الكفارة، فكل واحدة من هاتين الآيتين مجملة من وجه، مبينة من وجه آخر فصارت كل واحدة منهما مفسرة للأخرى من وجه، وحصل من كل واحدة منهما أن كل يمين ذكر على سبيل الجد وربط القلب، فالكفارة واجبة فيها، واليمين الغموس كذلك فكانت الكفارة واجبة فيها. 
أما قوله تعالى : والله غفور رحيم  فقد علمت أن : الغفور، مبالغة في ستر الذنوب، وفي إسقاط عقوبتها، وأما : الحليم، فاعلم أن الحلم في كلام العرب الأناة والسكون، يقال : ضع الهودج على أحلم الجمال، أي على أشدها تؤدة في السير، ومنه الحلم لأنه يرى في حال السكون، وحلمة الثدي، ومعنى : الحليم، في صفة الله : الذي لا يعجل بالعقوبة، بل يؤخر عقوبة الكفار والفجار.

### الآية 2:226

> ﻿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ۖ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2:226]

الحكم العاشر : فيا يتعلق بالإيلاء والطلاق
قوله تعالى : للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم، وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم . 
**في الآية مسائل :**
المسألة الأولى : آلى يؤالي إيلاء، وتألى يتألى تأليا، وائتلى يأتلي ائتلاء، والإسم منه ألية وألوة، كلاهما بالتشديد، وحكى أبو عبيدة الوة وألوة والوة ثلاثة لغات، وبالجملة فالألية والقسم واليمين، والحلف، كلها عبارات عن معنى واحد، وفي الحديث حكاية عن الله تعالى :**« آليت أفعل خلاف المقدرين »** وقال كثير :

قليل الألايا حافظ ليمينه  فإن سبقت منه الألية برتهذا هو معنى اللفظ بحسب أصل اللغة، أما في عرف الشرع فهو اليمين على ترك الوطء، كما إذا قال : والله لا أجامعك، ولا أباضعك، ولا أقربك، ومن المفسرين من قال : في الآية حذف تقديره : للذين يؤلون أن يعتزلوا من نسائهم، إلا أنه حذف لدلالة الباقي عليه، وأنا أقول : هذا الإضمار إنما يحتاج إليه إذا حملنا لفظ الإيلاء على المعهود اللغوي، أما إذا حملناه على المتعارف في الشرع استغنينا عن هذا الإضمار. 
المسألة الثانية : روي أن الإيلاء في الجاهلية كان طلاقا قال سعيد بن المسيب : كان الرجل لا يريد المرأة ولا يحب أن يتزوجها غيره فيحلف أن لا يقربها، فكان يتركها بذلك لا أيما ولا ذات بعل، والغرض منه مضارة المرأة، ثم إن أهل الإسلام كانوا يفعلون ذلك أيضا، فأزال الله تعالى ذلك وأمهل للزوج مدة حتى يتروى ويتأمل، فإن رأى المصلحة في ترك هذه المضارة فعلها، وإن رأى المصلحة في المفارقة عن المرأة فارقها. 
المسألة الثالثة : قرأ عبد الله  آلوا من نسائهم  وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما  يقسمون من نسائهم . 
أما قوله : من نسائهم  ففيه سؤال، وهو أنه يقال : المتعارف أن يقال : حلف فلان على كذا أو آلى على كذا، فلم أبدلت لفظة على ههنا بلفظة  من  ؟. 
والجواب من وجهين : الأول : أن يراد لهم من نسائهم تربص أربعة أشهر، كما يقال : لي منك كذا والثاني : أنه ضمن في هذا القسم معنى البعد، فكأنه قيل : يبعدون من نسائهم مولين أو مقسمين. 
أما قوله تعالى : تربص أربعة أشهر  فاعلم أن التربص التلبث والانتظار يقال : تربصت الشيء تربصا، ويقال : ما لي على هذا الأمر ربصة، أي تلبث، وإضافة التربص إلى أربعة أشهر إضافة المصدر إلى الظرف كقوله : بينهما مسيرة يوم، أي مسيرة في يوم ومثله كثير. 
أما قوله : فإن فاءوا  فمعناه فإن رجعوا، والفيء في اللغة هو رجوع الشيء إلى ما كان عليه من قبل، ولهذا قيل لما تنسخه الشمس من الظل ثم يعود : فيء، وفرق أهل العربية بين الفيء والظل، فقالوا : الفيء ما كان بالعشي، لأنه الذي نسخته الشمس والظل ما كان بالغداة لأنه لم تنسخه الشمس وفي الجنة ظل وليس فيها فيء، لأنه لا شمس فيها، قال الله تعالى :
 وظل ممدود  وأنشدوا :فلا الظل من برد الضحى يستطيعه  ولا الفيء من برد العشي يذوقوقيل : فلان سريع الفيء والفيئة حكاهما الفراء عن العرب، أي سريع الرجوع عن الغضب إلى الحالة المتقدمة وقيل : لما رده الله على المسلمين من مال المشركين فيء كأنه كان لهم فرجع إليهم فقوله : فإن فاءوا  معناه فإن فرجعوا عما حلفوا عليه من ترك جماعها  فإن الله غفور رحيم  للزوج إذا تاب من إضراره بامرأته كما أنه غفور رحيم لكل التائبين.

### الآية 2:227

> ﻿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [2:227]

أما قوله تعالى : وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم  فاعلم أن العزم عقد القلب على الشيء يقال عزم على الشيء يعزم عزما وعزيمة، وعزمت عليك لتفعلن، أي أقسمت، والطلاق مصدر طلقت المرأة أطلق طلاقا، وقال الليث : طلقت بضم اللام، وقال ابن الأعرابي : طلقت بضم اللام من الطلاق أجود، ومعنى الطلاق هو حل عقد النكاح بما يكون حلالا في الشرع، وأصله من الإنطلاق، وهو الذهاب، فالطلاق عبارة عن انطلاق المرأة، فهذا ما يتعلق بتفسير لفظ الآية. 
أما الأحكام فكثيرة ونذكر هاهنا بعض ما دلت الآية عليه في مسائل :
المسألة الأولى : كل زوج يتصور منه الوقاع، وكان تصرفه معتبرا في الشرع، فإنه يصح منه الإيلاء، وهذا القيد معتبر طردا وعكسا. أما الطرد فهو أن كل من كان كذلك صح إيلاؤه، ويتفرع عليه أحكام الأول : يصح إيلاء الذمي، وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه، وقال أبو يوسف ومحمد : لا يصح إيلاؤه بالله تعالى ويصح بالطلاق والعتاق لنا قوله تعالى : للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر  وهذا العموم يتناول الكافر والمسلم. 
الحكم الثاني : قال الشافعي رضي الله عنه : مدة الإيلاء لا تختلف بالرق والحرية فهي أربعة أشهر سواء كان الزوجان حرين أو رقيقين، أو أحدهما كان حرا والآخر رقيقا، وعند أبي حنيفة ومالك رضي الله عنهما تتنصف بالرق، إلا أن عند أبي حنيفة تتصف برق المرأة، وعند مالك برق الرجل، كما قالا في الطلاق لنا إن ظاهر قوله تعالى : للذين يؤلون من نسائهم  يتناول الكل، والتخصيص خلاف الظاهر، لأن تقدير هذه المدة إنما كان لأجل معنى يرجع إلى الجبلة والطبع، وهو قلة الصبر على مفارقة الزوج، فيستوي فيه الحر والرقيق، كالحيض، ومدة الرضاع ومدة العنة. 
الحكم الثالث : يصح الإيلاء في حال الرضا والغضب، وقال مالك : لا يصح إلا في حال الغضب لنا ظاهر هذه الآية. 
الحكم الرابع : يصح الإيلاء من المرأة سواء كانت في صلب النكاح، أو كانت مطلقة طلقة رجعية، بدليل أن الرجعية يصدق عليها أنها من نسائه، بدليل أنه لو قال : نسائي طوالق، وقع الطلاق عليها، وإذا ثبت أنها من نسائه دخلت تحت الآية لظاهر قوله : للذين يؤلون من نسائهم . 
أما عكس هذه القضية. وهو أن من لا يتصور منه الوقاع لا يصح إيلاؤه، ففيه حكمان :
الحكم الأول : إيلاء الخصي صحيح، لأنه يجامع كما يجامع الفحل، إنما المفقود في حقه إلا يزال وذلك لا أثر له : ولأنه داخل تحت عموم الآية. 
الحكم الثاني : المجبوب إن بقي منه ما يمكنه أن يجامع به صح إيلاؤه وإن لم يبق ففيه قولان أحدهما : أنه لا يصح إيلاؤه وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه والثاني : أنه يصح لعموم هذه الآية، لأن قصد المضارة باليمين قد حصل منه. 
القيد الثاني : أن يكون زوجا، فلو قال لأجنبية : والله لا أجامعك ثم نكحها لم يكن مؤليا لأن قوله تعالى : للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر  يفيد أن هذا الحكم لهم لا لغيرهم، كقوله : لكم دينكم ولى دين  أي لكم لا لغيركم. 
المسألة الثانية : المحلوف به والحلف إما أن يكون بالله أو بغيره، فإن كان بالله كان موليا، ثم إن جامعها في مدة الإيلاء خرج عن الإيلاء، وهل تجب كفارة اليمين فيه قولان : الجديد وهو الأصح، وقول أبي حنيفة رضي الله عنه أنه تجب كفارة اليمين، والقديم أنه إذا فاء بعد مضي المدة أو في خلال المدة فلا كفارة عليه، حجة القول : والله لا أقربك ثم يقربها، وبين أن يقول : والله لا أكلمك ثم يكلمها وحجة القول القديم قوله تعالى : فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم  والاستدلال به من وجهين أحدهما : أن الكفارة لو كانت واجبة لذكرها الله ههنا، لأن الحاجة ههنا داعية إلى معرفتها، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز والثاني : أنه تعالى كما لم يذكر وجوب الكفارة نبه على سقوطها بقوله : فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم  والغفران يوجب ترك المؤاخذة وللأولين أن يجيبوا فيقولوا : إنما ترك الكفارة ههنا لأنه تعالى بينها في القرآن وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سائر المواضع. 
أما قوله : غفور رحيم  فهو يدل على عدم العقاب، لكن عدم العقاب لا ينافي وجوب الفعل، كما أن التائب عن الزنا والقتل لا عقاب عليه، ومع ذلك يجب عليه الحد والقصاص، وأما إن كان الحلف في الإيلاء بغير الله كما إذا قال : إن وطئتك فعبدي حر، أو أنت طالق، أو ضرتك طالق، أو ألزم أمرا في الذمة، فقال : إن وطئتك فلله علي عتق رقبة، أو صدقة، أو صوم، أو حج، أو صلاة، فهل يكون موليا للشافعي رضي الله عنه فيه قولان : قال في القديم : لا يكون موليا، وبه قال أحمد في ظاهر الرواية دليله أن الإيلاء معهود في الجاهلية، ثم قد ثبت أن معهود الجاهلية في هذا الباب هو الحلف بالله، وأيضا روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : من حلف فليحلف بالله، فمطلق الحلف يفهم منه الحلف بالله، وقال في الجديد، وهو قول أبي حنيفة ومالك وجماعة العلماء رحمهم الله أنه يكون موليا لأن لفظ الإيلاء يتناول الكل، وعلق القولين فيمينه منعقدة فإن كان قد علق به عتقا أو طلاقا، فإذا وطئها يقع ذلك المتعلق، وإن كان المعلق به التزام قربة في الذمة فعليه ما في نذر اللجاج، وفيه أقوال أحثها : أن عليه كفارة اليمين والثاني : عليه الوفاء بما سمى، والثالث : أنه يتخير بين كفارة اليمين وبين الوفاء بما سمى، وفائدة هذين القولين أنا إن قلنا إنه يكون موليا فبعد مضي أربعة أشهر يضيق الأمر عليه حتى يفيء أو يطلق وإن قلنا : لا يكون موليا لا يضيق عليه الأمر. 
المسألة الثالثة : اختلفوا في مقدار مدة الإيلاء على أقوال فالأول : قول ابن عباس أنه لا يكون موليا حتى يحلف على أن لا يطأها أبدا والثاني : قول الحسن البصري وإسحق : إن أي مدة حلف عليها كان موليا وإن كانت يوما، وهذان المذهبان في غاية التباعد والثالث : قول أبي حنيفة والثوري أنه لا يكون موليا حتى يحلف على أنه لا يطأها أربعة أشهر أو فيما زاد والرابع : قول الشافعي وأحمد ومالك رضي الله عنهم : إنه لا يكون مواليا حتى تزيد المدة على أربعة أشهر وفائدة الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي رضي الله عنهما أنه إذا آلى منها أكثر من أربعة أشهر أجل أربعة، وهذه المدة تكون حقا للزوج، فإذا مضت تطالب المرأة الزوج بالفيئة أو بالطلاق، فإن امتنع الزوج منهما طلقها الحاكم عليه، وعن أبي حنيفة : إذا مضت أربعة أشهر يقع الطلاق بنفسه، حجة الشافعي من وجوه :
الحجة الأولى : أن الفاء في قوله : فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم، وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم  تقتضي كون هذين الحكمين مشروعين متراخيا عن انقضاء الأربعة أشهر. 
فإن قيل : ما ذكرتموه ممنوع لأن قوله : فإن فاؤا، وإن عزموا الطلاق  تفصيل لقوله : الذين يؤلون من نسائهم  والتفصيل يعقب المفصل، كما تقول : أنا أنزل عندكم هذا الشهر فإن أكرمتموني بقيت معكم وإلا ترحلت عنكم. 
قلنا : هذا ضعيف لأن قوله : للذين يؤلون من نسائهم تربص  هذه المدة يدل على الأمرين والفاء في قوله : فان فاءوا  ورد عقيب ذكرهما، فيكون هذا الحكم مشروعا عقيب الإيلاء، وعقيب حصول التربص في هذه المدة بخلاف المثال الذي ذكره وهو قوله : أنا أنزل عندكم فإن أكرمتموني بقيت وإلا ترحلت، لأن هناك الفاء متأخرة عن ذلك النزول، أما ههنا فالفاء مذكورة عقيب ذكر الإيلاء وذكر التربص، فلا بد وأن يكون ما دخل الفاء عليه واقعا عقيب هذين الأمرين، وهذا كلام ظاهر. 
الحجة الثانية : للشافعي رضي الله عنه أن قوله : وإن عزموا الطلاق  صريح في أن وقوع الطلاق إنما يكون بإيقاع الزوج، وعلى قول أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه يقع الطلاق بمضي المدة لا بإيقاع الزوج. 
فإن قيل : الإيلاء الطلاق في نفسه. فالمراد من قوله : وإن عزموا الطلاق  الإيلاء المتقدم. 
قلنا : هذا بعيد لأن قوله : وإن عزموا الطلاق  لا بد وأن يكون معناه : وإن عزم الذين يؤلون الطلاق، فجعل المؤلى عازما، وهذا يقتضي أن يكون الإيلاء والعزم قد اجتمعا، وأما الطلاق فهو متعلق العزم، ومتعلق العزم متأخر عن العزم، فإذا الطلاق متأخر عن العزم لا محالة، والإيلاء إما أن يكون مقارنا للعزم أو متقدما، وهذا يفيد القطع بأن الطلاق في هذه الآية مغاير لذلك الإيلاء وهذا كلام ظاهر. 
الحجة الثالثة : أن قوله تعالى : وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم  يقتضي أن يصدر من الزوج شيء يكون مسموعا، وما ذاك إلا أن نقول تقدير الآية فإن عزموا الطلاق وطلقوا فإن الله سميع لكلامهم، عليم بما في قلوبهم. 
فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد إن الله سميع لذلك الإيلاء. 
قلنا : هذا يبعد لأن هذا التهديد لم يحصل على نفس الإيلاء، بل إنما حصل على شيء حصل بعد الإيلاء، وهو كلام غيره حتى يكون  فإن الله سميع عليم  تهديدا عليه. 
الحجة الرابعة : أن قوله تعالى : فان فاءوا وإن عزموا  ظاهره التخيير بين الأمرين، وذلك يقتضي أن يكون وقت ثبوتهما واحدا، وعلى قول أبي حنيفة ليس الأمر كذلك. 
الحجة الخامسة : أن الإيلاء في نفسه ليس بطلاق، بل هو حلف على الامتناع من الجماع مدة مخصوصة إلا أن الشرع ضرب مقدارا معلوما من الزمان، وذلك لأن الرجل قد يترك جماع المرأة مدة من الزمان لا بسبب المضارة، وهذا إنما يكون إذا كان الزمان قصيرا، فأما ترك الجماع زمانا طويلا فلا يكون إلا عند قصد المضارة، ولما كان الطول والقصر في هذا الباب أمرا غير مضبوط، بين تعالى حدا فاصلا بين القصير والطويل، فعند حصول هذه تبين قصد المضارة، وذلك لا يوجب ألبتة وقوع الطلاق، بل اللائق بحكمة الشرع عند ظهور قصد المضارة أنه يؤمر إما بترك المضارة أو بتخليصها من قيد الإيلاء، وهذا المعنى معتبر في الشرع كما قلنا في ضرب الأجل في مدة العنين وغيره حجة أبي حنيفة رضي الله عنه أن عبد الله بن مسعود قرأ، فإن فاؤا فيهن. 
والجواب الصحيح : أن القراءة الشاذة مردودة لأن كل ما كان قرآنا وجب أن يثبت بالتواتر فحيث لم يثبت بالتواتر قطعنا أنه ليس بقرآن وأولى الناس بهذا أبو حنيفة، فإنه بهذا الحرف تمسك في أن التسمية ليست من القرآن، وأيضا فقد بينا أن الآية مشتملة على أمور ثلاثة دلت على أن هذه الفيئة لا تكون في المدة، فالقراءة الشاذة لما كانت مخالفة لها وجب القطع بفسادها.

### الآية 2:228

> ﻿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [2:228]

قوله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله فى أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الأخر . 
اعلم أنه تعالى ذكر في هذا الموضع أحكاما كثيرة للطلاق :
فالحكم الأول للطلاق وجوب العدة : اعلم أن المطلقة هي المرأة التي أوقع الطلاق عليها، وهي إما أن تكون أجنبية أو منكوحة، فإن كانت أجنبية فإذا أوقع الطلاق عليها فهي مطلقة بحسب اللغة، لكنها غير مطلقة بحسب عرف الشرع، والعدة غير واجبة عليها بالإجماع، وأما المنكوحة فهي إما أن تكون مدخولا بها أو لا تكون، فإن لم تكن مدخولا بها لم تجب العدة عليها، قال الله تعالى : إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها  وأما إن كانت مدخولا بها فهي إما أن تكون حائلا أو حاملا، فإن كانت حاملا فعدتها بوضع الحمل لا بالإقراء قال الله تعالى : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن  وأما إن كانت حائلا فأما أن يكون الحيض ممكنا في حقها أو لا يكون فإن امتنع الحيض في حقها إما للصغر المفرط، أو للكبر المفرط كانت عدتها بالأشهر لا بالإقراء، قال الله تعالى : واللائى يئسن من المحيض  وأما إذا كان الحيض في حقها ممكنا فإما أن تكون رقيقة، وإما أن تكون حرة، فإن كانت رقيقة كانت عدتها بقرأين لا بثلاثة، أما إذا كانت المرأة منكوحة، وكانت مطلقة بعد الدخول، وكانت حائلا، وكانت من ذوات الحيض وكانت حرة، فعند اجتماع هذه الصفات كانت عدتها بالإقراء الثلاثة على ما بين الله حكمها في هذه الآية، وفي الآية سؤالات :
السؤال الأول : العام إنما يحسن تخصيصه إذا كان الباقي بعد التخصيص أكثر من حيث أنه جرت العادة بإطلاق لفظ الكل على الغالب، يقال في الثوب : إنه أسود إذا كان الغالب عليه السواد، أو حصل فيه بياض قليل، فأما إذا كان الغالب عليه البياض، وكان السواد قليلا، كان انطلاق لفظ الأسود عليه كذبا، فثبت أن الشرط في كون العام مخصوصا أن يكون الباقي بعد التخصيص أكثر، وهذه الآية ليست كذلك فإنكم أخرجتم من عمومها خمسة أقسام وتركتم قسما واحدا، فإطلاق لفظ العام في مثل هذا الموضع لا يليق بحكمة الله تعالى. 
والجواب : أما الأجنبية فخارجة عن اللفظ فإن الأجنبية لا يقال فيها : إنها مطلقة، وأما غير المدخول بها فالقرينة تخرجها لأن المقصود من العدة براءة الرحم، والحاجة إلى البراءة لا تحصل إلا عند سبق الشغل، وأما الحامل والآيسة فهما خارجتان عن اللفظ لأن إيجاب الاعتداد بالإقراء إنما يكون حيث تحصل الإقراء، وهذان القسمان لم تحصل الإقراء في حقهما، وأما الرقيقة فتزويجها كالنادر فثبت أن الأعم الأغلب باق تحت هذا العموم. 
السؤال الثاني : قوله : يتربصن  لا شك أنه خبر، والمراد منه الأمر فما الفائدة في التعبير عن الأمر بلفظ الخبر. 
والجواب من وجهين : الأول : أنه تعالى لو ذكره بلفظ الأمر لكان ذلك يوهم أنه لا يحصل المقصود إلا إذا شرعت فيها بالقصد والاختيار، وعلى هذا التقدير فلو مات الزوج ولم تعلم المرأة ذلك حتى انقضت العدة وجب أن لا يكون ذلك كافيا في المقصود، لأنها لما كانت مأمورة بذلك لم تخرج عن العهدة إلا إذا قصدت أداء التكليف، أما لما ذكر الله تعالى هذا التكليف بلفظ الخبر زال ذلك الوهم، وعرف أنه مهما انقضت هذه العدة حصل المقصود، سواء علمت ذلك أو لم تعلم وسواء شرعت في العدة بالرضا أو بالغضب الثاني : قال صاحب ****«الكشاف »**** : التعبير عن الأمر بصيغة الخبر يفيد تأكيد الأمر إشعارا بأنه مما يجب أن يتعلق بالمسارعة إلى امتثاله، فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص فهو يخبر عنه موجودا، ونظيره قولهم في الدعاء : رحمك الله أخرج في صورة الخبر ثقة بالإجابة كأنها وجدت الرحمة فهو يخبر عنها. 
السؤال الثالث : لو قال يتربص المطلقات : لكان ذلك جملة من فعل وفاعل، فما الحكمة في ترك ذلك، وجعل المطلقات مبتدأ، ثم قوله : يتربصن  إسناد الفعل إلى الفاعل، ثم جعل هذه الجملة خبرا عن ذلك المبتدأ. 
الجواب : قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني في كتاب **«دلائل الإعجاز »** : إنك إذا قدمت الاسم فقلت : زيد فعل فهذا يفيد من التأكيد والقوة ما لا يفيده قولك : فعل زيد، وذلك لأن قولك : زيد فعل يستعمل في أمرين أحدهما : أن يكون لتخصيص ذلك الفاعل بذلك الفعل، كقولك : أنا أكتب في المهم الفلاني إلى السلطان، والمراد دعوى الإنسان الانفراد الثاني : أن لا يكون المقصود ذلك، بل المقصود أن تقديم ذكر المحدث عنه بحديث كذا لإثبات ذلك الفعل، كقولهم : هو يعطي الجزيل لا يريد الحصر، بل أن يحقق عند السامع أن إعطاء الجزيل دأبه ومثله قوله تعالى : والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون  ليس المراد تخصيص المخلوقية وقوله تعالى : وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به  وقول الشاعر :
هما يلبسان المجد أحسن لبسة \*\*\* شجيعان ما اسطاعا عليه كلاهما
والسبب في حصول هذا المعنى عند تقديم ذكر المبتدأ أنك إذا قلت : عبد الله، فقد أشعرت بأنك تريد الاخبار عنه، فيحصل في العقل شوق إلى معرفة ذلك فإذا ذكرت ذلك الخبر قبله العقل قبول العاشق لمعشوقه، فيكون ذلك أبلغ في التحقيق ونفي الشبهة. 
السؤال الرابع : هلا قيل : يتربصن ثلاثة قروء كما قيل : تربص أربعة أشهر  وما الفائدة في ذكر الأنفس. 
الجواب : في ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص وزيادة بعث، لأن فيه ما يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن، وذلك لأن أنفس النساء طوامح إلى الرجال فأراد أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ويخبرنها على التربص. 
السؤال الخامس : لفظ ( أنفس ) جمع قلة، مع أنهن نفوس كثيرة، والقروء جمع كثرة، فلم ذكر جمع الكثرة مع أن المراد هذه القروء الثلاثة وهي قليلة. 
والجواب : أنهم يتسعون في ذلك فيستعملون كل واحد من الجمعين مكان الآخر لاشتراكهما في معنى الجمعية، أو لعل القروء كانت أكثر استعمالا في جمع قرء من الإقراء. 
السؤال السادس : لم لم يقل : ثلاث قروء، كما يقال : ثلاثة حيض. 
الجواب : لأنه أتبع تذكير اللفظ ولفظ القروء مذكر فهذا ما يتعلق بالسؤالات في هذه الآية وبقى من الكلام في هذه الآية مسألة واحدة في حقيقة القروء، فنقول : القروء جمع قرء وقرء، ولا خلاف أن اسم القرء يقع على الحيض والطهر، قال أبو عبيدة : الإقراء من الأضداد في كلام العرب، والمشهور أنه حقيقة فيهما كالشفق اسم للحمرة والبياض جميعا، وقال آخرون إنه حقيقة في الحيض، مجاز في الطهر، ومنهم من عكس الأمر، وقال قائلون : إنه موضوع بحيثية معنى واحد مشترك بين الحيض والطهر، والقائلون بهذا القول اختلفوا على ثلاثة أقوال فالأول : أن القرء هو الاجتماع، ثم في وقت الحيض يجتمع الدم في الرحم، وفي وقت الطهر يجتمع الدم في البدن، وهو قول الأصمعي والأخفش والفراء والكسائي. 
والقول الثاني : وهو قول أبي عبيد : أنه عبارة عن الانتقال من حالة إلى حالة. 
والقول الثالث : وهو قول أبي عمرو بن العلاء : أن القرء هو الوقت، يقال : أقرأت النجوم إذا طلعت، وأقرأت إذا أفلت، ويقال : هذا قارىء الرياح لوقت هبوبها، وأنشدوا للهذلي :
إذا هبت لقارئها الرياح \*\*\*. . . 
وإذا ثبت أن القرء هو الوقت دخل فيه الحيض والطهر، لأن لكل واحد منهما وقتا معينا، واعلم أنه تعالى أمر المطلقة أن تعتد بثلاثة قروء، والظاهر يقتضي أنها إذا اعتدت بثلاثة أشياء تسمى ثلاثة أقراء إن تخرج عن عهدة التكليف، إلا أن العلماء أجمعوا على أنه لا يكفي ذلك، بل عليها أن تعتد بثلاثة أقراء من أحد الجنسين، واختلفوا فيه فمذهب الشافعي رضي الله عنه أنها الأطهار، روي ذلك عن ابن عمر، وزيد، وعائشة، والفقهاء السبعة، ومالك، وربيعة، وأحمد رضي الله عنهم في رواية، وقال علي وعمر وابن مسعود هي الحيض، وهو قول أبي حنيفة، والثوري والأوزاعي وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وإسحاق رضي الله عنهم، وفائدة الخلاف أن مدة العدة عند الشافعي أقصر، وعندهم أطول، حتى لو طلقها في حال الطهر يحسب بقية الطهر قرءا وإن حاضت عقيبه في الحال، فإذا شرعت في الحيضة الثالثة انقضت عدتها، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه ما لم تطهر من الحيضة الثالثة إن كان الطلاق في حال الطهر، ومن الحيضة الرابعة إن كان في حال الحيض لا يحكم بانقضاء عدتها، ثم قال إذا طهرت لأكثر الحيض تنقضي عدتها قبل الغسل وإن طهرت لأقل الحيض لم تنقض عدتها حتى تغتسل أو تتيمم عند عدم الماء، أو يمضي عليها وقت صلاة، حجة الشافعي من وجوه :
الحجة الأولى : قوله تعالى : فطلقوهن لعدتهن  ومعناه في وقت عدتهن، لكن الطلاق في زمان الحيض منهي عنه فوجب أن يكون زمان العدة غير زمان الحيض، أجاب صاحب ****«الكشاف »**** عنه فقال بمعنى مستقبلات لعدتهن، كما يقول لثلاث بقين من الشهر، يريد مستقبلا لثلاث، وأقول هذا الكلام يقوى استدلال الشافعي رضي الله عنه لأن قول القائل لثلاث بقين من الشهر معناه لزمان يقع الشروع في الثلاث عقيبه، فكذا ههنا قوله : فطلقوهن لعدتهن  معناه طلقوهن بحيث يحصل الشروع في العدة عقيبه، ولما كان الأمر حاصلا بالتطليق في جميع زمان الطهر وجب أن يكون الطهر الحاصل عقيب زمان التطليق من العدة، وذلك هو المطلوب. 
الحجة الثانية : ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : هل تدرون الأقراء ؟ الأقراء الأطهار، ثم قال الشافعي رضي الله عنه : والنساء بهذا أعلم، لأن هذا إنما يبتلي به النساء. 
الحجة الثالثة :( القرء ) عبارة عن الجمع، يقال : ما قرأت الناقة نسلا قط، أي ما جمعت في رحمها ولدا قط ومنه قول عمرو بن كلثوم :
هجان اللون لم تقرأ جنينا \*\*\*. . . 
وقال الأخفش يقال : ما قرأت حيضة، أي ما ضمت رحمها على حيضة، وسمي الحوض مقرأة لأنه يجتمع فيه الماء، وأقرأت النجوم إذا اجتمعت للغروب، وسمي القرآن قرآنا لاجتماع حروفه وكلماته ولاجتماع العلوم الكثيرة فيه، وقرأ القارىء أي جمع الحروف بعضها إلى بعض. 
إذا ثبت هذا فنقول : وقت اجتماع الدم إنما هو زمان الطهر لأن الدم يجتمع في ذلك الزمان في البدن. 
فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : بل زمان الحيض أولى بهذا الاسم، لأن الدم يجتمع في هذا الزمان في الرحم. 
قلنا : الدماء لا تجتمع في الرحم ألبتة بل تنفصل قطرة قطرة أما وقت الطهر فالكل مجتمع في البدن فكان معنى الاجتماع في وقت الطهر أتم، وتمام التقرير فيه أن اسم القرء لما دل على الاجتماع فأكثر أحوال الرحم اجتماعا واشتمالا في الدم آخر الطهر، إذ لو لم تمتلىء بذلك الفائض لما سالت إلى الخارج، فمن أولى الطهر يأخذ في الاجتماع والازدياد إلى آخره، والآخر هو حال كمال الاجتماع فكان آخر الطهر هو القرء في الحقيقة وهذا كلام بين. 
الحجة الثالثة : أن الأصل أن لا يكون لأحد على أحد من العقلاء المكلفين حق الحبس والمنع من التصرفات تركنا العمل به عند قيام الدليل عليه، وهو أقل ما يسمى بالإقراء الثلاثة وهي الأطهار، لأن الاعتداد بالأطهار أقل زمانا من الاعتداد بالحيض، فلما كان كذلك أثبتنا الأقل ضرورة العمل بهذه الآية وطرحن

### الآية 2:229

> ﻿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [2:229]

قوله تعالى : الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان . 
اعلم أن هذا هو الحكم الثالث من أحكام الطلاق، وهو الطلاق الذي تثبت فيه الرجعة. 
**وفي الآية مسائل :**
المسألة الأولى : كان الرجل في الجاهلية يطلق امرأته ثم يراجعها قبل أن تنقضي عدتها، ولو طلقها ألف مرة كانت القدرة على المراجعة ثابتة له، فجاءت امرأة إلى عائشة رضي الله عنها، فشكت أن زوجها يطلقها ويراجعها يضارها بذلك، فذكرت عائشة رضي الله عنها ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل قوله تعالى : الطلاق مرتان . 
المسألة الثانية : اختلف المفسرون في أن هذا الكلام حكم مبتدأ وهو متعلق بما قبله، قال قوم : إنه حكم مبتدأ، ومعناه أن التطليق الشرعي يجب أن يكون تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة، وهذا التفسير هو قول من قال : الجمع بين الثلاث حرام، وزعم أبو زيد الدبوسي في الأسرار : أن هذا هو قول عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله ابن عباس، وعبد الله بن عمر، وعمران بن الحصين، وأبي موسى الأشعري، وأبي الدرداء وحذيفة. 
والقول الأول : في تفسير الآية أن هذا ليس ابتداء كلام بل هو متعلق بما قبله، والمعنى أن الطلاق الرجعي مرتان، ولا رجعة بعد الثلاث، وهذا التفسير هو قول من جوز الجمع بين الثلاث، وهو مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه. 
حجة القائلين بالقول الأول : أن لفظ الطلاق يفيد الاستغراق، لأن الألف واللام إذا لم يكونا للمعهود أفادا الاستغراق، فصار تقدير الآية : كل الطلاق مرتان، ومرة ثالثة، ولو قال هكذا لأفاد أن الطلاق المشروع متفرق، لأن المرات لا تكون إلا بعد تفرق بالإجماع. 
فإن قيل : هذه الآية وردت لبيان الطلاق المسنون، وعندي الجمع مباح لا مسنون. 
قلنا : ليس في الآية بيان صفة السنة، بل كان تفسير الأصل الطلاق، ثم قال هذا الكلام وإن كان لفظه لفظ الخبر، إلا أن معناه هو الأمر، أي طلقوا مرتين يعني دفعتين، وإنما وقع العدول عن لفظ الأمر إلى لفظ الخبر لما ذكرنا فيما تقدم أن التعبير عن الأمر بلفظ الخبر يفيد تأكيد معنى الأمر، فثبت أن هذه الآية دالة على الأمر بتفريق الطلقات، وعلى التشديد في ذلك الأمر والمبالغة فيه، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا على قولين الأول : وهو اختيار كثير من علماء الدين، أنه لو طلقها اثنين أو ثلاثا لا يقع إلا الواحدة، وهذا القول هو الأقيس، لأن النهي يدل على اشتمال المنهي عنه على مفسدة راجحة، والقول بالوقوع سعى في إدخال تلك المفسدة في الوجود وأنه غير جائز، فوجب أن يحكم بعدم الوقوع. 
والقول الثاني : وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه : أنه وإن كان محرما إلا أنه يقع، وهذا منه بناء على أن النهي لا يدل على الفساد. 
القول الثالث : في تفسير هذه الآية أن نقول : أنها ليست كلاما مبتدأ، بل هي متعلقة بما قبلها، وذلك لأنه تعالى بين في الآية الأولى أن حق المراجعة ثابت للزوج ولم يذكر أن ذلك الحق ثابت دائما أو إلى غاية معينة، فكان ذلك كالمجمل المفتقر إلى المبين، أو كالعام المفتقر إلى المخصص فبين في هذه الآية أن ذلك الطلاق الذي ثبت فيه للزوج حق الرجعة، هو أن يوجد طلقتان فقط وأما بعد الطلقتين فلا يثبت ألبتة حق الرجعة بالألف واللام في قوله : الطلاق للمعهود السابق، يعني ذلك الطلاق الذي حكمنا فيه بثبوت الرجعة هو أن يوجد مرتين، فهذا تفسير حسن مطابق لنظم الآية والذي يدل على أن هذا التفسير أولى لوجوه الأول : أن قوله : وبعولتهن أحق بردهن  إن كان لكل الأحوال فهو مفتقر إلى المخصص، وإن لم يكن عاما فهو مجمل، لأنه ليس فيه بيان الشرط الذي عنده يثبت حق الرجعة، فيكون مفتقرا إلى البيان، فإذا جعلنا الآية الثانية متعلقة بما قبلها كان المخصص حاصلا مع العام المخصوص، أو كان البيان حاصلا مع المجمل، وذلك أولى من أن لا يكون كذلك، لأن تأخير البيان عن وقت الخطاب وإن كان جائزا إلا أن الأرجح أن لا يتأخر. 
الحجة الثانية : إذا جعلنا هذا الكلام مبتدأ، كان قوله : الطلاق مرتان  يقتضي حصر كل الطلاق في المرتين وهو باطل بالإجماع، لا يقال : إنه تعالى ذكر الطلقة الثالثة، وهو قوله : أو تسريح بإحسان  فصار تقدير الآية : الطلاق مرتان ومرة، لأنا نقول : إن قوله : أو تسريح بإحسان  متعلق بقوله : فإمساك بمعروف  لا بقوله : الطلاق مرتان  ولأن لفظ التسريح بالإحسان لا إشعار فيه بالطلاق، ولأنا لو جعلنا التسريح هو الطلقة الثالثة، لكان قوله فإن طلقها طلقة رابعة وإنه غير جائز. 
الحجة الثالثة : ما روينا في سبب نزول هذه الآية، إنها إنما نزلت بسبب امرأة شكت إلى عائشة رضي الله عنها أن زوجها يطلقها ويراجعها كثيرا بسبب المضارة، وقد أجمعوا على أن سبب نزول الآية لا يجوز أن يكون خارجا عن عموم الآية، فكان تنزيل هذه الآية على هذا المعنى أولى من تنزيلها على حكم آخر أجنبي عنه. 
أما قوله تعالى : فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : الإمساك خلاف الإطلاق والمساك والمسكة اسمان منه، يقال : إنه لذو مسكة ومساكة إذا كان بخيلا قال الفراء : يقال إنه ليس بمساك غلمانه، وفيه مساكة من جبر، أي قوة، وأما التسريح فهو الإرسال، وتسريح الشعر تخليصك بعضه من بعض، وسرح الماشية إذا أرسلها ترعى. 
المسألة الثانية : تقدير الآية ذلك الطلاق الذي حكمنا فيه بثبوت الرجعة للزوج، هو أن يوجد مرتان، ثم الواجب بعد هاتين المرتين إما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، ومعنى الإمساك بالمعروف هو أن يراجعها لا على قصد المضارة، بل على قصد الإصلاح والإنفاع، وفي معنى الآية وجهان أحدهما : أن توقع عليها الطلقة الثالثة، **« روي أنه لما نزل قوله تعالى : الطلاق مرتان  قيل له صلى الله عليه وسلم : فأين الثالثة ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : هو قوله : أو تسريح بإحسان  »** والثاني : أن معناه أن يترك المراجعة حتى تبين بانقضاء العدة، وهو مروي عن الضحاك والسدي. 
واعلم أن هذا الوجه هو الأقرب لوجوه أحدها : أن الفاء في قوله : فإن طلقها  تقتضي وقوع الطلقة متأخرة عن ذلك التسريح، فلو كان المراد بالتسريح هو الطلقة الثالثة، لكان قوله : فإن طلقها طلقة رابعة وأنه لا يجوز وثانيها : أنا لو حملنا التسريح على ترك المراجعة كانت الآية متناولة لجميع الأحوال، لأنه بعد الطلقة الثانية، إما أن يراجعها وهو المراد بقوله : فإمساك بمعروف  أو لا يراجعها بل يتركها حتى تنقضي العدة وتحصل البينونة وهو المراد بقوله : أو تسريح بإحسان  أو يطلقها وهو المراد بقوله : فإن طلقها  فكانت الآية مشتملة على بيان كل الأقسام، أما لو جعلنا التسريح بالإحسان طلاقا آخر لزم ترك أحد الأقسام الثلاث، ولزم التكرير في ذكر الطلاق وأنه غير جائز وثالثها : أن ظاهر التسريح هو الإرسال والإهمال فحمل اللفظ على ترك المراجعة أولى من حمله على التطليق ورابعها : أنه قال بعد ذكر التسريح  ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا  والمراد به الخلع، ومعلوم أنه لا يصح الخلع بعد أن طلقها الثالثة، فهذه الوجوه ظاهرة لو لم يثبت الخبر الذي رويناه في صحة ذلك القول، فإن صح ذلك الخبر فلا مزيد عليه. 
واعلم أن المراد من الإحسان، هو أنه إذا تركها أدى إليها حقوقها المالية، ولا يذكرها بعد المفارقة بسوء ولا ينفر الناس عنها. 
المسألة الثالثة : الحكمة في إثبات حق الرجعة أن الإنسان ما دام يكون مع صاحبه لا يدري أنه هل تشق عليه مفارقته أو لا فإذا فارقه فعند ذلك يظهر، فلو جعل الله الطلقة الواحدة مانعة من الرجوع لعظمت المشقة على الإنسان بتقدير أن تظهر المحبة بعد المفارقة، ثم لما كان كمال التجربة لا يحصل بالمرة الواحدة، فلا جرم أثبت تعالى حق المراجعة بعد المفارقة مرتين، وعند ذلك قد جرب الإنسان نفسه في تلك المفارقة وعرف حال قلبه في ذلك الباب، فإن كان الأصلح إمساكها راجعها وأمسكها بالمعروف، وإن كان الأصلح له تسريحها سرحها على أحسن الوجوه وهذا التدريج والترتيب يدل على كمال رحمته ورأفته بعبده. 
قوله تعالى : ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون . 
واعلم أن هذا هو الحكم الرابع من أحكام الطلاق وهو بيان الخلع، واعلم أنه تعالى لما أمر أن يكون التسريح مقرونا بالإحسان، بين في هذه الآية أن من جملة الإحسان أنه إذا طلقها لا يأخذ منها شيئا من الذي أعطاها من المهر والثياب وسائر ما تفضل به عليها، وذلك لأنه ملك بضعها، واستمتع بها في مقابلة ما أعطاها، فلا يجوز أن يأخذ منها شيئا، ويدل في هذا النهي أن يضيق عليها ليلجئها إلى الافتداء، كما قال في سورة النساء : ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن  وقوله ههنا : إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله  هو كقوله هناك : إلا أن يأتين بفاحشة مبينة  فثبت أن الإتيان بالفاحشة المبينة قد يكون بالبذاء وسوء الخلق، ونظيره قوله تعالى : لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة  فقيل المراد من الفاحشة المبينة البذاء على أحمائها وقال أيضا : فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا  فعظم في أخذ شيء من ذلك بعد الإفضاء. 
فإن قيل : لمن الخطاب في قوله : ولا يحل لكم أن تأخذوا  فإن كان للأزواج لم يطابقه قوله : فإن خفتم ألا يقيما حدود الله  وإن قلت للأئمة والحكام فهؤلاء لا يأخذون منهن شيئا. 
قلنا : الأمران جائزان فيجوز أن يكون أول الآية خطابا للأزواج وآخرها خطابا للأئمة والحكام، وذلك غير غريب في القرآن، ويجوز أن يكون الخطاب كله للأئمة والحكام، لأنهم هم الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم فكأنهم هم الآخذون والمؤتون. 
أما قوله تعالى : إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله  فاعلم أنه تعالى لما منع الرجل أن يأخذ من امرأته عند الطلاق شيئا استثنى هذه الصورة وهي مسألة الخلع وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : روى أن هذه الآية نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي، وفي زوجها ثابت بن قيس بن شماس، وكانت تبغضه أشد البغض، وكان يحبها أشد الحب، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت :" فرق بيني وبينه فإني أبغضه، ولقد رفعت طرف الخباء فرأيته يجيء في أقوام فكان أقصرهم قامة، وأقبحهم وجها، وأشدهم سوادا، وإني أكره الكفر بعد الإسلام "، فقال ثابت : يا رسول الله مرها فلترد علي الحديقة التي أعطيتها، فقال لها : ما تقولين ؟ قالت : نعم وأزيده فقال صلى الله عليه وسلم : لا حديقته فقط، ثم قال لثابت : خذ منها ما أعطيتها وخل سبيلها ففعل فكان ذلك أول خلع في الإسلام » وفي سنن أبي داود أن المرأة كانت حفصة بنت سهل الأنصارية. 
المسألة الثانية : اختفلوا في أن قوله تعالى : إلا أن يخافا  هو استثناء متصل أو منقطع، وفائدة هذا الخلاف تظهر في مسألة فقهية، وهي أن أكثر المجتهدين قالوا : يجوز الخلع في غير

### الآية 2:230

> ﻿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [2:230]

قوله تعالى : فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون . 
اعلم أن هذا هو الحكم الخامس من أحكام الطلاق، وهو بيان أن الطلقة الثالثة قاطعة لحق الرجعة، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : الذين قالوا : إن قوله  أو تسريح بإحسان  إشارة إلى الطلقة الثالثة قالوا إن قوله : فإن طلقها  تفسير لقوله : تسريح بإحسان  وهذا قول مجاهد، إلا أنا بينا أن الأولى أن لا يكون المراد من قوله : تسريح بإحسان  الطلقة الثالثة، وذلك لأن للزوج مع المرأة بعد الطلقة الثانية أحوالا ثلاثة أحدها : أن يراجعها، وهو المراد بقوله : فإمساك بمعروف  والثاني : أن لا يراجعها بل يتركها حتى تنقضي العدة وتحصل البينونة، وهو المراد بقوله : أو تسريح بإحسان  والثالث : أن يطلقها طلقة ثالثة، وهو المراد بقوله : فإن طلقها  فإذا كانت الأقسام ثلاثة، والله تعالى ذكر ألفاظا ثلاثة وجب تنزيل كل واحد من الألفاظ الثلاثة على معنى من المعاني الثلاثة، فأما إن جعلنا قوله : أو تسريح بإحسان  عبارة عن الطلقة الثالثة كنا قد صرفنا لفظين إلى معنى واحد على سبيل التكرار، وأهملنا القسم الثالث، ومعلوم أن الأول أولى. 
واعلم أن وقوع آية الخلع فيما بين هاتين الآيتين كالشيء الأجنبي، ونظم الآية  الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره . 
فإن قيل : فإذا كان النظم الصحيح هو هذا فما السبب في إيقاع آية الخلع فيما بين هاتين الآيتين ؟. 
قلنا : السبب أن الرجعة والخلع لا يصحان إلا قبل الطلقة الثالثة، أما بعدها فلا يبقى شيء من ذلك : فلهذا السبب ذكر الله حكم الرجعة، ثم أتبعه بحكم الخلع، ثم ذكر بعد الكل حكم الطلقة الثالثة لأنها كالخاتمة لجميع الأحكام المعتبرة في هذا الباب والله أعلم. 
المسألة الثانية : مذهب جمهور المجتهدين أن المطلقة بالثلاث لا تحل لذلك الزوج إلا بخمس شرائط : تعتد منه، وتعقد الثاني، ويطؤها، ثم يطلقها، ثم تعتد منه، وقال سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب : تحل بمجرد العقد، واختلف العلماء في أن شرط الوطء بالسنة، أو بالكتاب، قال أبو مسلم الأصفهاني : الأمران معلومان بالكتاب وهذا هو المختار. 
وقبل الخوض في الدليل لا بد من التنبيه على مقدمة، قال عثمان بن جني : سألت أبا علي عن قولهم : نكح المرأة، فقال : فرقت العرب بالاستعمال، فإذا قالوا : نكح فلان فلانة، أرادوا أنه عقد عليها، وإذا قالوا : نكح امرأته أو زوجته أرادوا به المجامعة، وأقول : هذا الذي قاله أبو علي كلام محقق بحسب القوانين العقلية، لأن الإضافة الحاصلة بين الشيئين مغايرة لذات كل واحد من المضافين، فإذا قيل : نكح فلان زوجته، فهذا النكاح أمر حاصل بينه وبين زوجته فهذا النكاح مغاير له ولزوجته، ثم الزوجة ليست اسما لتلك المرأة بحسب ذاتها بل اسما لتلك الذات بشرط كونها موصوفة بالزوجية، فالزوجة ماهية مركبة من الذات ومن الزوجية والمفرد مقدم لا محالة على المركب. 
إذا ثبت هذا فنقول : إذا قلنا نكح فلان زوجته، فالناكح متأخر عن المفهوم من الزوجية، والزوجية متقدمة على الزوجة من حيث إنها زوجة، تقدم المفرد على المركب، وإذا كان كذلك لزم القطع بأن ذلك النكاح غير الزوجية، إذا ثبت هذا كان قوله : حتى تنكح زوجا غيره  يقتضي أن يكون ذلك النكاح غير الزوجية، فكل من قال بذلك قال : إنه الوطء، فثبت أن الآية دالة على أنه لا بد من الوطء، فقوله : تنكح  يدل على الوطء، وقوله : زوجا  يدل على العقد، وأما قول من يقول : إن الآية غير دالة على الوطء، وإنما ثبت الوطء بالسنة فضعيف، لأن الآية تقتضي نفي الحل ممدودا إلى غاية، وهي قوله : حتى تنكح  وما كان غاية للشيء يجب انتهاء الحكم عند ثبوته، فيلزم انتهاء الحرمة عند حصول النكاح، فلو كان النكاح عبارة عن العقد لكانت الآية دالة على وجوب انتهاء الحرمة عند حصول العقد، فكان رفعها بالخبر نسخا للقرآن بخبر الواحد، وأنه غير جائز، أما إذا حملنا النكاح على الوطء، وحملنا قوله : زوجا  على العقد، لم يلزم هذا الإشكال، وأما الخبر المشهور في السنة فما روي أن تميمة بنت عبد الرحمن القرظي، كانت تحت رفاعة بن وهب بن عتيك القرظي ابن عمها، فطلقها ثلاثا، فتزوجت بعبد الرحمن بن الزبير القرظي، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم وقالت : كنت تحت رفاعة فطلقني فبت طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإن ما معه مثل هدبة الثواب، وأنه طلقني قبل أن يمسني أفأرجع إلى ابن عمي ؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :**« أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك »** والمراد بالعسيلة الجماع شبه اللذة فيه بالعسل، فلبثت ما شاء الله ثم عادت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت : إن زوجي مسني فكذبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال : كذبت في الأول فلن أصدقك في الآخر، فلبثت حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتت أبا بكر فاستأذنت، فقال : لا ترجعي إليه فلبثت حتى مضى لسبيله، فأتت عمر فاستأذنت فقال لئن رجعت إليه لأرجمنك، وفي قصة رفاعة نزل قوله : فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره . 
أما القياس فلأن المقصود من توقيف حصول الحل على هذا الشرط زجر الزوج عن الطلاق لأن الغالب أن الزوج يستنكر أن يفترش زوجته رجل آخر، ولهذا المعنى قال بعض أهل العلم إنما حرم الله تعالى على نساء النبي أن ينكحن غيره لما فيه من الغضاضة، ومعلوم أن الزجر إنما يحصل بتوقيف الحل على الدخول فأما مجرد العقد فليس فيه زيادة نفرة فلا يصح جعله مانعا وزاجرا. 
المسألة الثالثة : قال الشافعي : إذا طلق زوجته واحدة أو اثنتين، ثم نكحت زوجا آخر وأصابها، ثم عادت إلى الأول بنكاح جديد لم يكن له عليها إلا طلقة واحدة، وهي التي بقيت له من الطلقات الأولى، وقال أبو حنيفة : بل يملك عليها ثلاثا كما لو نكحت زوجا بعد الثلاث، حجة الشافعي أن هذه طلقة ثالثة، فوجب أن تحصل الحرمة الغليظة، إنما قلنا إنها طلقة ثالثة لأنها طلقة وجدت بعد الطلقتين، والطلقة الثالثة موجبة للحرمة الغليظة، لقوله تعالى : فإن طلقها فلا تحل له من بعد  الآية وقوله : فإن طلقها  أعم من أن يطلقها الطلقة الثالثة مسبوقا بنكاح غيره، أو غير مسبوق بنكاح غيره فكان الكل داخلا فيه. 
المسألة الرابعة : مذهب الشافعي رضي الله عنه : إذا تزوج بالمطلقة ثلاثا للغير على أنه إذا أحلها للأول بأن أصابها فلا نكاح بينهما، فهذا نكاح متعة بأجل مجهول، وهو باطل ولو تزوجها بشرط أن لا يطلقها إذا أحلها للأول ففيه قولان أحدهما : لا يصح والثاني : يصح ويبطل الشرط وبه قال أبو حنيفة، ولو تزوجها مطلقا معتقدا بأنه إذا أحلها طلقها فالنكاح صحيح ويكره ذلك ويأثم به، وقال مالك والثوري وأحمد : هذا النكاح باطل دليلنا أن الآية تدل على أن الحرمة تنتهي بوطء مسبوق بعقد، وقد وجدت فوجب القول بانتهاء الحرمة وحيث حكمنا بفساد النكاح، فوطئها هل يقع به التحليل قولان والأصح أنه لا يقع به التحليل. 
أما قوله تعالى : فإن طلقها  فالمعنى : إن طلقها الزوج الثاني الذي تزوجها بعد الطلقة الثالثة لأنه تعالى قد ذكره بقوله : حتى تنكح زوجا غيره فلا جناح عليهما  أي على المرأة المطلقة والزوج الأول أن يتراجعا بنكاح جديد، فذكر لفظ النكاح بلفظ التراجع، لأن الزوجية كانت حاصلة بينهما قبل ذلك، فإذا تناكحا فقد تراجعا إلى ما كانا عليه من النكاح، فهذا تراجع لغوي، بقي في الآية مسألتان :
المسألة الأولى : ظاهر الآية يقتضي أن عندما يطلقها الزوج الثاني تحل المراجعة للزوج الأول، إلا أنه مخصوص بقوله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء  لأن المقصود من العدة استبراء الرحم، وهذا المعنى حاصل ههنا، وهذا هو الذي عول عليه سعيد بن المسيب في أن التحليل يحصل بمجرد العقد، لأن الوطء لو كان معتبرا لكانت العدة واجبة، وهذه الآية تدل على سقوط العدة، لأن الفاء في قوله : فلا جناح عليهما أن يتراجعا  تدل على أن حل المراجعة حاصل عقيب طلاق الزوج الثاني إلا أن الجواب ما قدمنا. 
المسألة الثانية : قال الخليل والكسائي : موضع  أن يتراجعا  خفض بإضمار الخافض، تقديره : في أن يتراجعا، وقال الفراء : موضعه نصب بنزع الخافض. 
أما قوله تعالى : إن ظنا أن يقيما حدود الله  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : قال كثير من المفسرين  إن ظنا  أي إن علما وأيقنا أنهما يقيمان حدود الله، وهذا القول ضعيف من وجوه أحدها : أنك لا تقول : علمت أن يقوم زيد ولكن علمت أنه يقوم زيد والثاني : أن الإنسان لا يعلم ما في القدر وإنما يظنه والثالث : أنه بمنزلة قوله تعالى : وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا  فإن المعتبر هناك الظن فكذا ههنا، وإذا بطل هذا القول فالمراد منه نفس الظن، أي متى حصل هذا الظن، وحصل لهما العزم على إقامة حدود الله، حسنت هذه المراجعة ومتى لم يحصل هذا الظن وخافا عند المراجعة من نشوز منها أو إضرار منه فالمراجعة تحرم. 
المسألة الثانية : كلمة  إن  في اللغة للشرط والمعلق بالشرط عدم عند عدم الشرط فظاهر الآية يقتضي أنه متى لم يحصل هذا الظن لم يحصل جواز المراجعة، لكنه ليس الأمر كذلك، فإن جواز المراجعة ثابت سواء حصل هذا الظن أو لم يحصل إلا أنا نقول : ليس المراد أن هذا شرط لصحة المراجعة : بل المراد منه أنه يلزمهم عند المراجعة بالنكاح الجديد رعاية حقوق الله تعالى، وقصد الإقامة لحدود الله وأوامره، ثم قال بعد ذلك : وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون  وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله تعالى : وتلك حدود الله  إشارة إلى ما بينها من التكاليف، وقوله : يبينها  إشارة إلى الاستقبال والجمع بينهما متناقض وعندي أن هذه النصوص التي تقدمت أكثرها عامة يتطرق إليها تخصيصات كثيرة، وأكثر تلك المخصصات إنما عرفت بالسنة، فكان المراد والله أعلم أن هذه الأحكام التي تقدمت هي حدود الله وسيبينها الله تعالى كمال البيان على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو كقوله تعالى : ليبين للناس ما نزل إليهم . 
المسألة الثانية : قرأ عاصم في رواية أبان  نبينها  بالنون وهي نون التعظيم والباقون بالياء على أنه يرجع على اسم الله تعالى. 
والمسألة الثالثة : إنما خص العلماء بهذا البيان لوجوه أحدها : أنهم هم الذين ينتفعون بالآيات فغيرهم بمنزلة من لا يعتد به، وهو كقوله : فيه هدى للمتقين  والثاني : أنه خصهم بالذكر كقوله : وملائكته ورسله وجبريل وميكال  والثالث : يعني به العرب لعلمهم باللسان، والرابع : يريد من له عقل وعلم، كقوله : وما يعقلها إلا العالمون  والمقصود أنه لا يكلف إلا عاقلا عالما بما يكلفه، لأنه متى كان كذلك فقد أزيح عذر المكلف، والخامس : أن قوله : تلك حدود الله  يعني ما تقدم ذكره من الأحكام يبينها الله لمن يعلم أن الله أنزل الكتاب وبعث الرسول ليعملوا بأمره وينتهوا عم

### الآية 2:231

> ﻿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ۚ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [2:231]

قوله تعالى  وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا ان الله لكل شيء عليم . 
**اعلم أن في الآية مسائل :**
المسألة الأولى : أول ما يجب تقديمه في هذه الآية أن لقائل أن يقول : لا فرق بين هذه الآية وبين قوله : الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان  فتكون إعادة هذه الآية بعد ذكر تلك الآية تكريرا لكلام واحد في موضع واحد من غير فائدة وأنه لا يجوز. 
والجواب : أما أصحاب أبي حنيفة فهم الذين حملوا قوله : الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان  على أن الجمع بين الطلقات غير مشروع، وإنما المشروع هو التفريق، فهذا السؤال ساقط عنهم، لأن تلك الآية في بيان كيفية الجمع والتفريق، وهذه الآية في بيان كيفية الرجعة، وأما أصحاب الشافعي رحمهم الله وهم الذين حملوا تلك الآية على كيفية الرجعة فهذا السؤال وارد عليهم، ولهم أن يقولوا : إن من ذكر حكما يتناول صورا كثيرة، وكان إثبات ذلك الحكم في بعض تلك الصور أهم لم يبعد أن يعيد بعد ذلك الحكم العام تلك الصورة الخاصة مرة أخرى، ليدل ذلك التكرير على أن في تلك الصورة من الاهتمام ما ليس في غيرها وههنا كذلك وذلك لأن قوله : الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان  فيه بيان أنه لا بد في مدة العدة من أحد هذين الأمرين، وأما في هذه الآية ففيه بيان أن عند مشارفة العدة على الزوال لا بد من رعاية أحد هذين الأمرين ومن المعلوم أن رعاية أحد هذين الأمرين عند مشارفة زوال العدة أولى بالوجوب من سائر الأوقات التي قبل هذا الوقت، وذلك لأن أعظم أنواع الإيذاء أن يطلقها، ثم يراجعها مرتين عند آخر الأجل حتى تبقى في العدة تسعة أشهر، فلما كان هذا أعظم أنواع المضارة لم يقبح أن يعيد الله حكم هذه الصورة تنبيها على أن هذه الصورة أعظم الصور اشتمالا على المضارة وأولاها بأن يحترز المكلف عنها. 
المسألة الثانية : قوله : فأمسكوهن بمعروف  إشارة إلى المراجعة واختلف العلماء في كيفية المراجعة، فقال الشافعي رضي الله عنه : لما لم يكن نكاح ولا طلاق إلا بكلام، لم تكن الرجعة إلا بكلام، وقال أبو حنيفة والثوري رضي الله عنهما : تصح الرجعة بالوطء، وقال مالك رضي الله عنه : إن نوى الرجعة بالوطء كانت رجعة وإلا فلا. 
حجة الشافعي رضي الله عنه ما روي أن ابن عمر رضي الله عنه لما طلق زوجته وهي حائض فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال عليه الصلاة والسلام " مره فليراجعها ثم ليمسكها " حتى تطهر أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالمراجعة مطلقا، وقيل : درجات الأمر الجواز فنقول : إنه كان مأذونا بالمراجعة في زمان الحيض، وما كان مأذونا بالوطء في زمان الحيض فيلزم أن لا يكون الوطء رجعة وحجة أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه تعالى قال : فأمسكوهن بمعروف  أمر بمجرد الإمساك، وإذا وطئها فقد أمسكها، فوجب أن يكون كافيا، أما الشافعي رضي الله تعالى عنه فإنه لما قال : إنه لا بد من الكلام، فظاهر مذهبه أن الإشهاد على الرجعة مستحب ولا يجب وبه قال مالك وأبو حنيفة رضي الله عنهما، وقال في **«الإملاء »** : هو واجب، وهو اختيار محمد بن جرير الطبري، والحجة فيه قوله تعالى : فأمسكوهن بمعروف  ولا يكون معروفا إلا إذا عرفه الغير، وأجمعنا على أنه لا يجب عرفان غير الشاهد، فوجب أن يكون عرفان الشاهد واجبا وأجاب الأولون بأن المراد بالمعروف هو المراعاة وإيصال الخير لا ما ذكرتم. 
المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : إنه تعالى أثبت عند بلوغ الأجل حق المراجعة، وبلوغ الأجل عبارة عن انقضاء العدة، وعند انقضاء العدة لا يثبت حق المراجعة. 
والجواب من وجهين : أحدهما : المراد ببلوغ الأجل مشارفة البلوغ لا نفس البلوغ، وبالجملة فهذا من باب المجاز الذي يطلق فيه اسم الكل على الأكثر، وهو كقول الرجل إذا قارب البلد : قد بلغنا الثاني : أن الأجل اسم للزمان فنحمله على الزمان الذي هو آخر زمان يمكن إيقاع الرجعة إليه، بحيث إذا فات لا يبقى بعده مكنة الرجعة، وعلى هذا التأويل فلا حاجة بنا إلى المجاز. 
أما قوله تعالى : ولا تمسكوهن ضرارا  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : لقائل أن يقول : فلا فرق بين أن يقول : فأمسكوهن بمعروف  وبين قوله : ولا تمسكوهن ضرارا  لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده فما الفائدة في التكرار ؟. 
والجواب : الأمر لا يفيد إلا مرة واحدة، فلا يتناول كل الأوقات، أما النهي فإنه يتناول كل الأوقات، فلعله يمسكها بمعروف في الحال، ولكن في قلبه أن يضارها في الزمان المستقبل، فلما قال تعالى : ولا تمسكوهن ضرارا  اندفعت الشبهات وزالت الاحتمالات. 
المسألة الثانية : قال القفال : الضرار هو المضارة قال تعالى : والذين اتخذوا مسجدا ضرارا  أي اتخذوا المسجد ضرارا ليضاروا المؤمنين، ومعناه رجع إلى إثارة العداوة وإزالة الألفة وإيقاع الوحشة، وموجبات النفرة، وذكر المفسرون في تفسير هذا الضرار وجوها أحدها : ما روي أن الرجل كان يطلق المرأة ثم يدعها، فإذا قارب انقضاء القرء الثالث راجعها، وهكذا يفعل بها حتى تبقى في العدة تسعة أشهر أو أكثر والثاني : في تفسير الضرار سوء العشرة والثالث : تضييق النفقة، واعلم أنهم كانوا يفعلون في الجاهلية أكثر هذه الأعمال رجاء أن تختلع المرأة منه بمالها. 
أما قوله تعالى : لتعتدوا  ففيه وجهان الأول : المراد لا تضاروهن فتكونوا معتدين، يعني فتكون عاقبة أمركم ذلك وهو كقوله : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا  أي فكان لهم وهي لام العاقبة والثاني : أن يكون المعنى : لا تضاروهن على قصد الاعتداء عليهن، فحينئذ تصيرون عصاة الله، وتكونون متعمدين قاصدين لتلك المعصية، ولا شك أن هذا أعظم أنواع المعاصي. 
أما قوله تعالى : ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه  ففيه وجوه أحدها : ظلم نفسه بتعريضها لعذاب الله وثانيها : ظلم نفسه بأن فوت عليها منافع الدنيا والدين، أما منافع الدنيا فإنه إذا اشتهر فيما بين الناس بهذه المعاملة القبيحة لا يرغب في التزوج به ولا معاملته أحد، وأما منافع الدين فالثواب الحاصل على حسن العشرة مع الأهل والثواب الحاصل على الانقياد لأحكام الله تعالى وتكاليفه. 
أما قوله تعالى : ولا تتخذوا آيات الله هزوا  ففيه وجوه الأول : أن من نسي فلم يفعله بعد أن نصب نفسه منصب من يطيع ذلك الأمر، يقال فيه أنه استهزأ بهذا الأمر ويلعب به، فعلى هذا كل من أمر بأنه تجب عليه طاعة الله وطاعة رسوله، ثم وصلت إليه هذه التكاليف التي تقدم ذكرها في العدة والرجعة والخلع وترك المضارة فلا يتشمر لأدائها، كان كالمستهزىء بها، وهذا تهديد عظيم للعصاة من أهل الصلاة وثانيها : المراد : ولا تتسامحوا في تكاليف الله كما يتسامح فيما يكون من باب الهزل والعبث والثالث : قال أبو الدرداء : كان الرجل يطلق في الجاهلية، ويقول : طلقت وأنا لاعب، ويعتق وينكح، ويقول مثل ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال :**« من طلق، أو حرر، أو نكح، فزعم أنه لاعب فهو جد »** والرابع : قال عطاء : المعنى أن المستغفر من الذنب إذا كان مصرا عليه أو على مثله، كان كالمستهزىء بآيات الله تعالى، والأقرب هو الوجه الأول، لأن قوله : ولا تتخذوا آيات الله هزوا  تهديد، والتهديد إذا ذكر بعد ذكر التكاليف كان ذلك التهديد تهديدا على تركها، لا على شيء آخر غيرها، واعلم أنه تعالى لما رغبهم في أداء التكاليف بما ذكر من التهديد، رغبهم أيضا في أدائها بأن ذكرهم أنواع نعمه عليهم، فبدأ أولا بذكرها على سبيل الإجمال فقال : واذكروا نعمة الله عليكم  وهذا يتناول كل نعم الله على العبد في الدنيا وفي الدين، ثم إنه تعالى ذكر بعد هذا نعم الدين، وإنما خصها بالذكر لأنها أجل من نعم الدنيا، فقال : وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به  والمعنى أنه إنما أنزل الكتاب والحكمة ليعظكم به، ثم قال : واتقوا الله  أي في أوامره كلها، ولا تخالفوه في نواهيه  واعلموا أن الله بكل شىء عليم .

### الآية 2:232

> ﻿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [2:232]

قوله تعالى وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون . 
اعلم أن هذا هو الحكم السادس من أحكام الطلاق، وهو حكم المرأة المطلقة بعد انقضاء العدة وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : في سبب نزول الآية وجهان الأول : روي أن معقل بن يسار زوج أخته جميل بن عبد الله بن عاصم، فطلقها ثم تركها حتى انقضت عدتها، ثم ندم فجاء يخطبها لنفسه ورضيت المرأة بذلك، فقال لها معقل : إنه طلقك ثم تريدين مراجعته وجهي من وجهك حرام إن راجعتيه فأنزل الله تعالى هذه الآية، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم معقل بن يسار وتلا عليه هذه الآية فقال معقل : رغم أنفي لأمر ربي، اللهم رضيت وسلمت لأمرك، وأنكح أخته زوجها والثاني : روي عن مجاهد والسدي أن جابر ابن عبد الله كانت له بنت عم فطلقها زوجها وأراد رجعتها بعد العدة فأبى جابر، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وكان جابر يقول في نزلت هذه الآية. 
المسألة الثانية : العضل المنع، يقال : عضل فلان ابنته، إذا منعها من التزوج، فهو يعضلها ويعضلها، بضم الضاد وبكسرها وأنشد الأخفش :

وإن قصائدي لك فاصطنعني  كرائم قد عضلن عن النكاحوأصل العضل في اللغة الضيق، يقال : عضلت المرأة إذا نشب الولد في بطنها، وكذلك عضلت الشاة، وعضلت الأرض بالجيش إذا ضاقت بهم لكثرتهم، قال أوس بن حجر :ترى الأرض منا بالفضاء مريضة  معضلة منا بجيش عرمرموأعضل المريض الأطباء أي أعياهم، وسميت العضلة عضلة لأن القوى المحركة منشؤها منها، ويقال : داء عضال، للأمر إذا اشتد، ومنه قول أوس :وليس أخوك الدائم العهد بالذي  يذمك إن ولى ويرضيك مقبلاولكنه النائي إذا كنت آمنا  وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلاالمسألة الثالثة : اختلف المفسرون في أن قوله : فلا تعضلوهن  خطاب لمن ؟ فقال الأكثرون إنه خطاب للأولياء، وقال بعضهم إنه خطاب للأزواج، وهذا هو المختار، الذي يدل عليه أن قوله تعالى : وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن  جملة واحدة مركبة من شرط وجزاء، فالشرط قوله : وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن  والجزاء قوله : فلا تعضلوهن  ولا شك أن الشرط وهو قوله : وإذا طلقتم النساء  خطاب مع الأزواج، فوجب أن يكون الجزاء وهو قوله : فلا تعضلوهن  خطابا معهم أيضا، إذ لو لم يكن كذلك لصار تقدير الآية : إذا طلقتم النساء أيها الأزواج فلا تعضلوهن أيها الأولياء وحيئنذ لا يكون بين الشرط وبين الجزاء مناسبة أصلا وذلك يوجب تفكك نظم الكلام وتنزيه كلام الله عن مثله واجب، فهذا كلام قوي متين في تقرير هذا القول، ثم إنه يتأكد بوجهين آخرين الأول : أن من أول آية في الطلاق إلى هذا الموضع كان الخطاب كله مع الأزواج، والبتة ما جرى للأولياء ذكر فكان صرف هذا الخطاب إلى الأولياء على خلاف النظم والثاني : ما قبل هذه الآية خطاب مع الأزواج في كيفية معاملتهم مع النساء قبل انقضاء العدة، فإذا جعلنا هذه الآية خطابا لهم في كيفية معاملتهم مع النساء بعد انقضاء العدة كان الكلام منتظما، والترتيب مستقيما، أما إذا جعلناه خطابا للأولياء لم يحصل فيه مثل هذا الترتيب الحسن اللطيف، فكان صرف الخطاب إلى الأزواج أولى. 
حجة من قال الآية خطاب للأولياء وجوه الأول : وهو عمدتهم الكبرى : أن الروايات المشهورة في سبب نزول الآية دالة على أن هذه الآية خطاب مع الأولياء لا مع الأزواج، ويمكن أن يجاب عنه بأنه لما وقع التعارض بين هذه الحجة وبين الحجة التي ذكرناها كانت الحجة التي ذكرناها أولى بالرعاية لأن المحافظة على نظم الكلام أولى من المحافظة على خبر الواحد وأيضا فلأن الروايات متعارضة، فروي عن معقل أنه كان يقول، إن هذه الآية لو كانت خطابا مع الأزواج لكانت إما أن تكون خطابا قبل انقضاء العدة أو مع انقضائها، والأول باطل لأن ذلك مستفاد من الآية، فلو حملنا هذه الآية على مثل ذلك المعنى كان تكرارا من غير فائدة، وأيضا فقد قال تعالى : فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف  فنهى عن العضل حال حصول التراضي، ولا يحصل التراضي بالنكاح إلا بعد التصريح بالخطبة، ولا يجوز التصريح بالخطبة إلا بعد انقضاء العدة، قال تعالى : ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله  والثاني : أيضا باطل لأن بعد انقضاء العدة ليس للزوج قدرة على عضل المرأة، فكيف يصرف هذا النهي إليه، ويمكن أن يجاب عنه بأن الرجل قد يكون بحيث يشتد ندمه على مفارقة المرأة بعد انقضاء عدتها وتلحقه الغيرة إذا رأى من يخطبها، وحينئذ يعضلها عن أن ينكحها غيره إما بأن يجحد الطلاق أو يدعي أنه كان راجعها في العدة، أو يدس إلى من يخطبها بالتهديد والوعيد، أو يسيء القول فيها وذلك بأن ينسبها إلى أمور تنفر الرجل عن الرغبة فيها، فالله تعالى نهى الأزواج عن هذه الأفعال وعرفهم أن ترك هذه الأفعال أزكى لهم وأطهر من دنس الآثام. 
الحجة الثالثة لهم قالوا قوله تعالى : أن ينكحن أزواجهن  معناه : ولا تمنعوهن من أن ينكحن الذين كانوا أزواجا لهن قبل ذلك، وهذا الكلام لا ينتظم إلا إذا جعلنا الآية خطابا للأولياء، لأنهم كانوا يمنعونهن من العود إلى الذين كانوا أزواجا لهن قبل ذلك، فأما إذا جعلنا الآية خطابا للأزواج، فهذا الكلام لا يصح، ويمكن أن يجاب عنه بأن معنى قوله : ينكحن أزواجهن  من يريدون أن يتزوجوهن فيكونون أزواجا والعرب قد تسمي الشيء باسم ما يؤول إليه، فهذا جملة الكلام في هذا الباب. 
المسألة الرابعة : تمسك الشافعي رضي الله عنه بهذه الآية في بيان أن النكاح بغير ولي لا يجوز وبنى ذلك الاستدلال على أن الخطاب في هذه الآية مع الأولياء، قال : وإذا ثبت هذا وجب أن يكون التزويج إلى الأولياء لا إلى النساء، لأنه لو كان للمرأة أن تتزوج بنفسها أو توكل من يزوجها لما كان الولي قادرا على عضلها من النكاح، ولو لم يقدر الولي على هذا العضل لما نهاه الله عز وجل عن العضل، وحيث نهاه عن العضل كان قادرا على العضل، وإذا كان الولي قادرا على العضل وجب أن لا تكون المرأة متمكنة من النكاح، واعلم أن هذا الاستدلال بناء على أن هذا الخطاب مع الأولياء، وقد تقدم ما فيه من المباحث، ثم إن سلمنا هذه المقدمة لكن لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله : ولا تعضلوهن  أن يخليها ورأيها في ذلك، وذلك لأن الغالب في النساء الأيامى أن يركن إلى رأي الأولياء في باب النكاح، وإن كان الاستئذان الشرعي لهن، وإن يكن تحت تدبيرهم ورأيهم، وحينئذ يكونون متمكنين من منعهن لتمكنهم من تزويجهن، فيكون النهي محمولا على هذا الوجه، وهو منقول عن ابن عباس في تفسير الآية، وأيضا فثبوت العضل في حق الولي ممتنع، لأنه مهما عضل لا يبقى لعضله أثر، وعلى هذا الوجه فصدور العضل عنه غير معتبر، وتمسك أبو حنيفة رضي الله عنه بقوله تعالى : وأن ينكحن أزواجهن  على أن النكاح بغير ولي جائز، وقال إنه تعالى أضاف النكاح إليها إضافة الفعل إلى فاعله، والتصرف إلى مباشره، ونهى الولي عن منعها من ذلك، ولو كان ذلك التصرف فاسدا لما نهى الولي عن منعها منه، قالوا : وهذا النص متأكد بقوله تعالى : حتى تنكح زوجا غيره  وبقوله : فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن فى أنفسهن بالمعروف  وترويجها نفسها من الكفء فعل بالمعروف فوجب أن يصح، وحقيقة هذه الإضافة على المباشر دون الخطاب، وأيضا قوله تعالى : وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبى أن يستنكحها  دليل واضح مع أنه لم يحضر هناك ولي البتة، وأجاب أصحابنا بأن الفعل كما يضاف إلى المباشر قد يضاف أيضا إلى المتسبب، يقال : بنى الأمير دارا، وضرب دينارا، وهذا وإن كان مجازا إلا أنه يجب المصير إليه لدلالة الأحاديث على بطلان هذا النكاح. 
المسألة الخامسة : قوله تعالى : فبلغن أجلهن  محمول في هذه الآية على انقضاء العدة، قال الشافعي رضي الله عنه : دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين، ومعنى هذا الكلام أنه تعالى قال في الآية السابقة : فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف  ولو كانت عدتها قد انقضت لما قال : فأمسكوهن بمعروف  لأن إمساكها بعد انقضاء العدة لا يجوز، ولما قال : أو سرحوهن بمعروف  لأنها بعد انقضاء العدة تكون مسرحة فلا حاجة إلى تسريحها، وأما هذه الآية التي نحن فيها فالله تعالى نهى عن عضلهن عن التزوج بالأزواج، وهذا النهي إنما يحسن في الوقت الذي يمكنها أن تتزوج فيه بالأزواج، وذلك إنما يكون بعد انقضاء العدة، فهذا هو المراد من قول الشافعي رضي الله عنه، دل سياق الكلامين على افتراق البلوعين. 
أما قوله تعالى : إذا تراضوا بينهم بالمعروف  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : في التراضي وجهان أحدهما : ما وافق الشرع من عقد حلال ومهر جائز وشهود عدول وثانيها : أن المراد منه ما يضاد ما ذكرناه في قوله تعالى : ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا  فيكون معنى الآية أن يرضى كل واحد منهما ما لزمه في هذا العقد لصاحبه، حتى تحصل الصحبة الجميلة، وتدوم الألفة. 
المسألة الثانية : قال بعضهم : التراضي بالمعروف، هو مهر المثل، وفرعوا عليه مسألة فقهية وهي أنها إذا زوجت نفسها ونقصت عن مهر مثلها نقصانا فاحشا، فالنكاح صحيح عند أبي حنيفة، وللولي أن يعترض عليها بسبب النقصان عن المهر، وقال أبو يوسف ومحمد : ليس للولي ذلك. 
حجة أبي حنيفة رحمه الله في هذه الآية هو قوله تعالى : إذا تراضوا بينهم بالمعروف  وأيضا أنها بهذا النقصان أرادت إلحاق الشين بالأولياء، لأن الأولياء يتضررون بذلك لأنهم يعيرون بقلة المهور، ويتفاخرون بكثرتها، ولهذا يكتمون المهر القليل حياء ويظهرون المهر الكثير رياء، وأيضا فإن نساء العشيرة يتضررن بذلك لأنه ربما وقعت الحاجة إلى إيجاب مهر المثل لبعضهن، فيعتبرون ذلك بهذا المهر القليل، فلا جرم للأولياء أن يمنعوها عن ذلك وينوبوا عن نساء العشيرة ثم أنه تعالى لما بين حكمة التكليف قرنه بالتهديد فقال : ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر  وذلك لأن من حق الوعظ أن يتضمن التحذير من المخالفة كما يتضمن الترغيب في الموافقة، فكانت الآية تهديدا من هذا الوجه. 
**وفي الآية سؤالان :**
السؤال الأول : لم وحد الكاف في قوله تعالى : ذلك  مع أنه يخاطب جماعة ؟. 
والجواب : هذا جائز في اللغة، والتثنية أيضا جائزة، والقرآن نزل باللغتين جميعا، قال تعالى : ذلكما مما علمنى ربي  وقال : فذلكن الذي لمتننى فيه  وقال : يوعظ به  وقال : ألم أنهكما عن تلكما الشجرة . 
السؤال الثاني : لم خصص هذا الوعظ بالمؤمنين دون غيرهم ؟. 
الجواب : لوجوه أحدها : لما كان المؤمن هو المنتفع به حسن تخصيصه به كقوله : هدى للمتقين  وهو هدى للكل، كما قال : هدى للناس  وقال : إنما أنت منذر من يخشاها، إنما تنذر من اتبع الذكر  مع أنه كان منذرا للكل كما قال : ليكون للعالمين نذيرا  وثانيها : احتج بعضهم بهذه الآية على أن الكفار ليسو

### الآية 2:233

> ﻿۞ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ۚ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ۗ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ۗ وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [2:233]

الحكم الثاني عشر : في الرضاع
قوله تعالى : والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما . 
اعلم أن في قوله تعالى : والوالدات  ثلاثة أقوال الأول : أن المراد منه ما أشعر ظاهر اللفظ وهو جميع الوالدات، سواء كن مزوجات أو مطلقات، والدليل عليه أن اللفظ عام وما قام دليل التخصيص فوجب تركه على عمومه. 
والقول الثاني : المراد منه : الوالدات المطلقات، قالوا : والذي يدل على أن المراد ذلك وجهان أحدها : أن الله تعالى ذكر هذه الآية عقيب آية الطلاق، فكانت هذه الآية تتمة تلك الآيات ظاهرا، وسبب التعليق بين هذه الآية وبين ما قبلها أنه إذا حصلت الفرقة حصل التباغض والتعادي، وذلك يحمل المرأة على إيذاء الولد من وجهين أحدهما : أن إيذاء الولد يتضمن إيذاء الزوج المطلق والثاني : أنها ربما رغبت في التزوج بزوج آخر، وذلك يقتضي إقدامها على إهمال أمر الطفل فلما كان هذا الاحتمال قائما لا جرم ندب الله الوالدات المطلقات إلى رعاية جانب الأطفال والاهتمام بشأنهم، فقال : والوالدات يرضعن أولادهن  والمراد المطلقات. 
الحجة الثانية لهم : ما ذكره السدي، قال : المراد بالوالدات المطلقات، لأن الله تعالى قال بعد هذه الآية : وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن  ولو كانت الزوجية باقية لوجب على الزوج ذلك بسبب الزوجية لا لأجل الرضاع، واعلم أنه يمكن الجواب عن الحجة الأولى أن هذه الآية مشتملة على حكم مستقل بنفسه، فلم يجب تعلقها بما قبلها، وعن الحجة الثانية لا يبعد أن تستحق المرأة قدرا من المال لمكان الزوجية وقدرا آخر لمكان الرضاع فإنه لا منافاة بين الأمرين. 
القول الثالث : قال الواحدي في **«البسيط »** : الأولى أن يحمل على الزوجات في حال بقاء النكاح لأن المطلقة لا تستحق الكسوة وإنما تستحق الأجرة. 
فإن قيل : إذا كانت الزوجية باقية فهي مستحقة النفقة والكسوة بسبب النكاح سواء أرضعت الولد أو لم ترضع فما وجه تعليق هذا الاستحقاق بالإرضاع. 
قلنا : النفقة والكسوة يجبان في مقابلة التمكين، فإذا أشغلت بالحضانة والإرضاع لم تتفرغ لخدمة الزوج فربما توهم متوهم أن نفقتها وكسوتها تسقط بالخلل الواقع في خدمة الزوج فقطع الله ذلك الوهم بإجاب الرزق والكسوة، وإن اشتغلت المرأة بالإرضاع، هذا كله كلام الواحدي رحمه الله. 
أما قوله تعالى : يرضعن أولادهن  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : هذا الكلام وإن كان في اللفظ خبرا إلا أنه في المعنى أمر وإنما جاز ذلك لوجهين الأول : تقدير الآية : والوالدات يرضعن أولادهن في حكم الله الذي أوجبه، إلا أنه حذف لدلالة الكلام عليه والثاني : أن يكون معنى يرضعن : ليرضعن، إلا أنه حذف ذلك للتصرف في الكلام مع زوال الإيهام. 
المسألة الثانية : هذا الأمر ليس أمر إيجاب، ويدل عليه وجهان الأول : قوله تعالى : فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن  ولو وجب عليها الرضاع لما استحقت الأجرة والثاني : أنه تعالى قال بعد ذلك : وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى  وهذا نص صريح، ومنهم من تمسك في نفي الوجوب عليها بقوله تعالى : وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن  والوالدة قد تكون مطلقة فلم يكن وجوب رزقها على الوالد إلا بسبب الإرضاع، فلو كان الإرضاع واجبا عليها لما وجب ذلك، وفيه البحث الذي قدمناه، إذا ثبت أن الإرضاع غير واجب على الأم فهذا الأمر محمول على الندب من حيث أن تربية الطفل بلبن الأم أصلح له من سائر الألبان، ومن حيث إن شفقة الأم عليه أتم من شفقة غيرها هذا إذا لم يبلغ الحال في الولد إلى حد الاضطرار بأن لا يوجد غير الأم، أو لا يرضع الطفل إلا منها، فواجب عليها عند ذلك أن ترضعه كما يجب على كل أحد مواساة المضطر في الطعام. 
أما قوله تعالى : حولين كاملين  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : أصل الحول من حال الشيء يحول إذا انقلب فالحول منقلب من الوقت الأول إلى الثاني، وإنما ذكر الكمال لرفع التوهم من أنه على مثل قولهم أقام فلان بمكان كذا حولين أو شهرين، وإنما أقام حولا وبعض الآخر، ويقولون : اليوم يومان مذ لم أره، وإنما يعنون يوما وبعض اليوم الآخر. 
المسألة الثانية : اعلم أنه ليس التحديد بالحولين تحديد إيجاب ويدل عليه وجهان الأول : أنه تعالى قال بعد ذلك : لمن أراد أن يتم الرضاعة  فلما علق هذا الإتمام بإرادتنا ثبت أن هذا الإتمام غير واجب الثاني : أنه تعالى قال : فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما  فثبت أنه ليس المقصود من ذكر هذا التحديد إيجاب هذا المقدار، بل فيه وجوه الأول : وهو الأصح أن المقصود منه قطع التنازع بين الزوجين إذا تنازعا في مدة الرضاع، فقدر الله ذلك بالحولين حتى يرجعا إليه عند وقوع التنازع بينهما، فإن أراد الأب أن يفطمه قبل الحولين ولم ترض الأم لم يكن له ذلك، وكذلك لو كان على عكس هذا فأما إذا اجتمعا على أن يفطما الولد قبل تمام الحولين فلهما ذلك. 
الوجه الثاني : في المقصود من هذا التحديد هو أن للرضاع حكما خاصا في الشريعة، وهو قوله صلى الله عليه وسلم :**« يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب »** والمقصود من ذكر هذا التحديد بيان أن الارتضاع ما لم يقع في هذا الزمان، لا يفيد هذا الحكم، هذا هو مذهب الشافعي رضي الله عنه، وهو قول علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعلقمة والشعبي والزهري رضي الله عنهم، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : مدة الرضاع ثلاثون شهرا. 
**حجة الشافعي رضي الله عنه من وجوه :**
الحجة الأولى : أنه ليس المقصود من قوله : لمن أراد أن يتم الرضاعة  هو التمام بحسب حاجة الصبي إلى ذلك، إذ من المعلوم أن الصبي كما يستغني عن اللبن عند تمام الحولين، فقد يحتاج إليه بعد الحولين لضعف في تركيبه لأن الأطفال يتفاوتون في ذلك، وإذا لم يجز أن يكون المراد بالتمام هذا المعنى، وجب أن يكون المراد هو الحكم المخصوص المتعلق بالرضاع، وعلى هذا التقدير تصير الآية دالة على أن حكم الرضاع لا يثبت إلا عند حصول الإرضاع في هذه المدة. 
الحجة الثانية : روي عن علي رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال :**«لا رضاع بعد فصال »** وقال تعالى : وفصاله فى عامين . 
الحجة الثالثة : ما روى ابن عباس رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال :**« لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين »**. 
والوجه الثالث : في المقصود من هذا التحديد ما روى ابن عباس أنه قال للتي تضع لستة أشهر أنها ترضع حولين كاملين، فإن وضعت لسبعة أشهر أرضعت ثلاثة وعشرين شهرا، وقال آخرون : الحولان هذا الحد في رضاع كل مولود، وحجة ابن عباس رضي الله عنهما أنه تعالى قال : وحمله وفصاله ثلاثون شهرا  دلت هذه الآية على أن زمان هاتين الحالتين هو هذا القدر من الزمان، فكما ازداد في مدة إحدى الحالتين انتقص من مدة الحالة الأخرى. 
المسألة الثالثة : روي أن رجلا جاء إلى علي رضي الله عنه فقال : تزوجت جارية بكرا وما رأيت بها ريبة، ثم ولدت لستة أشهر، فقال علي رضي الله عنه قال الله : وحمله وفصاله ثلاثون شهرا  وقال تعالى : والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين  فالحمل ستة أشهر الولد ولدك، وعن عمر أنه جىء بامرأة وضعت لستة أشهر، فشاور في رجمها، فقال ابن عباس : إن خاصمتكم بكتاب الله خصمتكم، ثم ذكر هاتين الآيتين واستخرج منهما أن أقل الحمل ستة أشهر. 
أما قوله تعالى : لمن أراد أن يتم الرضاعة  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرأ ابن عباس رضي الله عنهما : أن يكمل الرضاعة  وقرىء  الرضاعة  بكسر الراء. 
المسألة الثانية : في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجهان الأول : أن تقدير الآية : هذا الحكم لمن أراد إتمام الرضاعة، وعن قتادة أنزل الله حولين كاملين، ثم أنزل اليسر والتخفيف فقال : لمن أراد أن يتم الرضاعة  والمعنى أنه تعالى جوز النقصان بذكر هذه الآية والثاني : أن اللام متعلقة بقوله : يرضعن  كما تقول : أرضعت فلانة لفلان ولده، أي يرضعن حولين لمن أراد أن يتم الإرضاع من الآباء، لأن الأب يجب عليه إرضاع الولد دون الأم لما بيناه. 
أما قوله تعالى : وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : المولود له  هو الوالد، وإنما عبر عنه بهذا الاسم لوجوه الأول : قال صاحب **«الكشاف »** : إن السبب فيه أن يعلم أن الوالدات إنما ولدن الأولاد للآباء، ولذلك ينسبون إليهم لا إلى الأمهات وأنشد للمأمون بن الرشيد :

وإنما أمهات الناس أوعية  مستودعات وللآباء أبناءالثاني : أن هذا تنبيه على أن الولد إنما يلتحق بالوالد لكونه مولودا على فراشه على ما قال صلى الله عليه وسلم :" الولد للفراش " فكأنه قال : إذا ولدت المرأة الولد للرجل وعلى فراشه، وجب عليه رعاية مصالحه، فهذا تنبيه على أن سبب النسب واللحاق مجرد هذا القدر الثالث : أنه قيل في تفسير قوله : قال ابن أم  أن المراد منه أن الأم مشفقة على الولد، فكان الغرض من ذكر الأم تذكير الشفقة، فكذا ههنا ذكر الوالد بلفظ المولود له تنبيها على أن هذا الولد إنما ولد لأجل الأب، فكأن نقصه عائدا إليه، ورعاية مصالحه لازمة له، كما قيل : كلمة لك، وكلمة عليك. 
المسألة الثانية : أنه تعالى كما وصى الأم برعاية جانب الطفل في قوله تعالى : والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين  وصى الأب برعاية جانب الأم حتى تكون قادرة على رعاية مصلحة الطفل فأمره برزقها وكسوتها بالمعروف، والمعرف في هذا الباب قد يكون محدودا بشرط وعقد، وقد يكون غير محدود إلا من جهة العرف، لأنه إذا قام بما يكفيها في طعامها وكسوتها، فقد استغنى عن تقدير الأجرة، فإنه إن كان ذلك أقل من قدر الكفاية لحقها من الجوع والعري، فضررها يتعدى إلى الولد. 
المسألة الثالثة : أنه تعالى وصى الأم برعاية الطفل أولا، ثم وصى الأب برعايته ثانيا، وهذا يدل على أن احتياج الطفل إلى رعاية الأم أشد من احتياجه إلى رعاية الأب، لأنه ليس بين الطفل وبين رعاية الأم واسطة البتة، أما رعاية الأب فإنما تصل إلى الطفل بواسطة، فإنه يستأجر المرأة على إرضاعه وحضانته بالنفقة والكسوة، وذلك يدل على أن حق الأم أكثر من حق الأب، والأخبار المطابقة لهذا المعنى كثيرة مشهورة، ثم قال تعالى : لا تكلف نفس إلا وسعها  وفيه مسائل :
المسألة الأولى : التكليف : الإلزام، يقال : كلفه الأمر فتكلف وكلف، وقيل : إن أصله من الكلف، وهو الأثر على الوجه من السواد، فمعنى تكلف الأمر اجتهد أن يبين فيه أثره وكلفه ألزمه ما يظهر فيه أثره، والوسع ما يسع الإنسان فيطيقه أخذه، من سعة الملك أي العرض، ولو ضاق لعجز عنه، والسعة بمنزلة القدرة، فلهذا قيل : الوسع فوق الطاقة. 
المسألة الثانية : المراد من الآية أن أب هذا الصبي لا يكلف الإنفاق عليه وعلى أمه، إلا ما تتسع له قدرته، لأن الوسع في اللغة ما تتسع له القدرة، ولا يبلغ استغراقها، وبين أنه لا يلزم الأب إلا ذلك، وهو نظير قوله في سورة الطلاق :{ ف

### الآية 2:234

> ﻿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ۖ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [2:234]

الحكم الثالث عشر : عدة الوفاة
قوله تعالى : والذين يتفوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير  وفيه مسائل :
المسألة الأولى : يتوفون معناه يموتون ويقبضون قال الله تعالى : الله يتوفى الأنفس حين موتها  وأصل التوفي أخذ الشيء وافيا كاملا، فمن مات فقد وجد عمره وافيا كاملا، ويقال : توفي فلان، وتوفي إذا مات، فمن قال : توفي. كان معناه قبض وأخذ ومن قال : توفى. كان معناه توفى أجله واستوفى أكله وعمره وعليه قراءة علي عليه السلام يتوفون بفتح الياء. 
وأما قوله : ويذرون  معناه : يتركون، ولا يستعمل منه الماضي ولا المصدر استغناء عنه يترك تركا، ومثله يدع في رفض مصدره وماضيه، فهذان الفعلان العابر والأمر منهما موجودان، يقال : فلان يدع كذا ويذر ويقال : دعه وذره أما الماضي والمصدر فغير موجودين منهما والأزواج ههنا النساء والعرب تسمى الرجل زوجا وامرأته زوجا له، وربما ألحقوا بها الهاء. 
المسألة الثانية : قوله : والذين  مبتدأ ولا بد له من خبر، واختلفوا في خبره على أقوال الأول : أن المضاف محذوف والتقدير، وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن والثاني : وهو قول الأخفش التقدير : يتربصن بعدهم إلا أنه أسقط لظهوره كقوله : السمن منوان بدرهم وقوله تعالى : ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور  والثالث : وهو قول المبرد : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا، أزواجهم يتربصن، قال : وإضمار المبتدأ ليس بغريب قال تعالى : قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار  يعني هو النار، وقوله : فصبر جميل . 
فإن قيل : أنتم أضمرتم ههنا مبتدأ مضافا، وليس ذلك شيئا واحدا بل شيئان، والأمثلة التي ذكرتم المضمر فيها شيء واحد. 
قلنا : كما ورد إضمار المبتدأ المفرد، فقد ورد أيضا إضمار المبتدأ المضاف، قال تعالى  لا يغرنك تقلب الذين كفروا فى البلاد \* متاع قليل  والمعنى : تقلبهم متاع قليل الرابع : وهو قول الكسائي والفراء، أن قوله تعالى : والذين يتوفون منكم  مبتدأ، إلا أن الغرض غير متعلق ههنا ببيان حكم عائد إليهم، بل ببيان حكم عائد إلى أزوجهم، فلا جرم لم يذكر لذلك المبتدأ خبرا، وأنكر المبرد والزجاج ذلك، لأن مجىء المبتدأ بدون الخبر محال. 
المسألة الثالثة : قد بينا فيما تقدم معنى التربص، وبينا الفائدة في قوله : بأنفسهن  وبينا أن هذا وإن كان خبرا إلا أن المقصود منه هو الأمر، وبينا الفائدة في العدول عن لفظ الأمر إلى لفظ الخبر. 
المسألة الرابعة : قوله : وعشرا  مذكور بلفظ التأنيث مع أن المراد عشرة أيام، وذكروا في العذر عنه وجوها الأول : تغليب الليالي على الأيام وذلك أن ابتداء الشهر يكون من الليل، فلما كانت الليالي هي الأوائل غلبت، لأن الأوائل أقوى من الثواني، قال ابن السكيت : يقولون صمنا خمسا من الشهر، فيغلبون الليالي على الأيام، إذ لم يذكروا الأيام، فإذا أظهروا الأيام قالوا صمنا خمسة أيام الثاني : أن هذه الأيام أيام الحزن والمكروه، ومثل هذه الأيام تسمى بالليالي على سبيل الاستعارة، كقولهم : خرجنا ليالي الفتنة، وجئنا ليالي إمارة الحجاج والثالث : ذكره المبرد، وهو أنه إنما أنث العشر لأن المراد به المدة، معناه عشر مدد، وتلك المدة كل مدة منها يوم وليلة الرابع : ذهب بعض الفقهاء إلى ظاهر الآية، فقال : إذا انقضى لها أربعة أشهر وعشر ليال حلت للأزواج، فيتأول العشرة بالليالي، وإليه ذهب الأوزاعي وأبو بكر الأصم. 
المسألة الخامسة : روي عن أبي العالية أن الله سبحانه إنما حد العدة بهذا القدر لأن الولد ينفخ فيه الروح في العشر بعد الأربعة، وهو أيضا منقول عن الحسن البصري. 
المسألة السادسة : اعلم أن هذه العدة واجبة في كل امرأة مات عنها زوجها إلا في صورتين أحداهما : أن تكون أمة فإنها تعتد عند أكثر الفقهاء نصف عدة الحرة، وقال أبو بكر الأصم : عدتها عدة الحرائر، وتمسك بظاهر الآية، وأيضا الله تعالى جعل وضع الحمل في حق الحامل بدلا عن هذه المدة، ثم وضع الحمل مشترك فيه الحرة والرقيقة، فكذا الاعتداد بهذه المدة يجب أن يشتركا فيه، وسائر الفقهاء قالوا : التنصيف في هذه المدة ممكن، وفي وضع الحمل غير ممكن، فظهر الفرق. 
الصورة الثانية : أن يكون المراد إن كانت حاملا فإن عدتها تنقضي بوضع الحمل، فإذا وضعت الحمل حلت، وإن كان بعد وفاة الزوج بساعة، وعن علي عليه السلام : تتربص أبعد الأجلين، والدليل عليه القرآن والسنة. 
أما القرآن فقوله تعالى : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن  ومن الناس من جعل هذه الآية مخصصة لعموم قوله تعالى : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا  والشافعي لم يقل بذلك لوجهين الأول : أن كل واحدة من هاتين الآيتين أعم من الأخرى من وجه وأخص منها من وجه، لأن الحامل قد يتوفى عنها زوجها وقد لا يتوفى، كما أن التي توفى عنها زوجها قد تكون حاملا وقد لا تكون، ولما كان الأمر كذلك امتنع جعل إحدى الآيتين مخصصة للأخرى والثاني : أن قوله : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن  إنما ورد عقيب ذكر المطلقات، فربما يقول قائل : هي في المطلقة لا في المتوفى عنها زوجها. فلهذين السببين لم يعول الشافعي في الباب على القرآن، وإنما عول على السنة، وهي ما روى أبو داود بإسناده أن سبيعة بنت الحرث الأسلمية كانت تحت سعد بن خولة، فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر، فلما طهرت من دمها تجملت للخطاب، فقال لها بعض الناس : ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر، قالت سبيعة : فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، فأمرني بالتزوج إن بدا لي، إذا عرفت هذا الأصل فههنا تفاريع الأول : لا فرق في عدة الوفاة بين الصغيرة والكبيرة وقال ابن عباس : لا عدة عليها قبل الدخول وهذا قول متروك لأن الآية عامة في حق الكل. 
الحكم الثاني : إذا تمت أربعة أشهر وعشر انقضت عدتها، وإن لم تر عادتها من الحيض فيها وقال مالك : لا تنقضي عدتها حتى ترى عادتها من الحيض في تلك الأيام، مثلا إن كانت عادتها أن تحيض في كل مرة فعليها في عدة الوفاة أربع حيض، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل شهرين مرة فعليها حيضتان، وإن كانت عادتها أن تحيض في كل خمسة أشهر مرة فههنا تكفيها الشهور حجة الشافعي رحمه الله أن هذه الآية دلت على أنه تعالى أمر المتوفى عنها زوجها بهذه المدة ولم يزد على هذا القدر فوجب أن يكون هذا القدر كافيا، ثم قال الشافعي : إنها إن ارتابت استبرأت نفسها من الريبة، كما أن ذات الأقراء لو ارتابت وجب عليها أن تحتاط. 
الحكم الثالث : إذا مات الزوج فإن كان بقي من شهر الوفاة أكثر من عشرة أيام فالشهر الثاني والثالث والرابع يؤخذ بالأهلة سواء خرجت كاملة أو ناقصة، ثم تكمل الشهر الأول بالخامس ثلاثين يوما، ثم تضم إليها عشرة أيام، وإن مات وقد بقي من الشهر أقل من عشرة أيام اعتبر أربعة أشهر بعد ذلك بالأهلة وكمل العشر من الشهر السادس. 
المسألة السابعة : أجمع الفقهاء على أن هذه الآية ناسخة لما بعدها من الاعتداد بالحول وإن كانت متقدمة في التلاوة غير أبي مسلم الأصفهاني فإنه أبى نسخها، وسنذكر كلامه من بعد إن شاء الله تعالى، والتقدم في التلاوة لا يمنع التأخر في النزول، إذ ليس ترتيب المصحف على ترتيب النزول، وإنما ترتيب التلاوة في المصاحف هو ترتيب جبريل بأمر الله تعالى. 
المسألة الثامنة : اختلفوا في أن هذه العدة سببها الوفاة أو العلم بالوفاة، فقال بعضهم : ما لم تعلم بوفاة زوجها لا تعتد بانقضاء الأيام في العدة، واحتجوا بأنه تعالى قال : يتربصن بأنفسهن  ولا يحصل إلا إذا قصدت هذا التربص، والقصد إلى التربص لا يحصل إلا مع العلم بذلك، والأكثرون قالوا السبب هو الموت، فلو انقضت المدة أو أكثرها ثم بلغها خبر وفاة الزوج وجب أن تعتد بما انقضى، قالوا والدليل عليه أن الصغيرة التي لا علم لها يكفي في انقضاء عدتها انقضاء هذه المدة. 
المسألة التاسعة : المراد من تربصها بنفسها الامتناع عن النكاح، والامتناع عن الخروج من المنزل الذي توفي زوجها فيه : والامتناع عن التزين وهذا اللفظ كالمجمل لأنه ليس فيه بيان أنها تتربص في أي شيء إلا أنا نقول : الامتناع عن النكاح مجمع عليه، وأما الامتناع عن الخروج من المنزل فواجب إلا عند الضرورة والحاجة، وأما ترك التزين فهو واجب، لما روي عن عائشة وحفصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
**« لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا »** وقال الحسن والشعبي : هو غير واجب لأن الحديث يقتضي حل الإحداد لا وجوبه والله أعلم. 
واحتجوا بما روي عن أسماء بنت عميس قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**« وتلبثي ثلاثا ثم اصنعي ما شئت »**. 
المسألة العاشرة : احتج من قال : إن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشرائع بقوله تعالى : والذين يتوفون منكم  فقوله : منكم  خطاب مع المؤمنين، فدل على أن الخطاب بهذه الفروع مختص بالمؤمنين فقط. 
وجوابه : أن المؤمنين لما كانوا هم العاملين بذلك خصهم بالذكر كقوله : إنما أنت منذر من يخشاها  مع أنه كان منذرا للكل، لقوله تعالى : ليكون للعالمين نذيرا . 
وأما قوله تعالى : فإذا بلغن أجلهن  فالمعنى إذا انقضت هذه المدة التي هي أجل العدة فلا جناح عليكم قيل الخطاب مع الأولياء لأنهم الذين يتولون العقد، وقيل : الخطاب مع الحكام وصلحاء المسلمين، وذلك لأنهن إن تزوجن في مدة العدة وجب على كل واحد منعهن عن ذلك إن قدر على المنع، فإن عجز وجب عليه أن يستعين بالسلطان، وذلك لأن المقصود من هذه العدة أنه لا يؤمن اشتمال فرجها على ماء زوجها الأول، وفي الآية وجه ثالث وهو أنه  لا جناح عليكم  تقديره : لا جناح على النساء وعليكم، ثم قال : فيما فعلن فى أنفسهن بالمعروف  أي ما يحسن عقلا وشرعا لأنه ضد المنكر الذي لا يحسن، وذلك هو الحلال من التزوج إذا كان مستجمعا لشرائط الصحة، ثم ختم الآية بالتهديد، فقال : والله بما تعملون خبير . بقي في الآية مسائل :
المسألة الأولى : تمسك بعضهم في وجوب الإحداد على المرأة بقوله تعالى : فيما فعلن فى أنفسهن  فإن ظاهره يقتضي أن يكون المراد منه ما تنفرد المرأة بفعله، والنكاح ليس كذلك، فإنه لا يتم إلا مع الغير فوجب أن يحمل ذلك على ما يتم بالمرأة وحدها من التزين والتطيب وغيرهما. 
المسألة الثانية : تمسك أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية في جواز النكاح بغير ولي، قالوا : إنها إذا زوجت نفسها وجب أن يكون ذلك جائزا لقوله تعالى : ولا جناح عليكم فيما فعلن فى أنفسهن  وإضافة الفعل إلى الفاعل محمول على المباشرة، لأن هذا هو الحقيقة في اللفظة، وتمسك أصحاب الشافعي رضي الله تعالى عنه في أن هذا النكاح لا يصح إلا من الولي لأن قوله : لا جناح عليكم  خطاب مع الأولياء ولولا أن هذا العقد لا يصح إلا من الولي وإلا لما صار مخاطبا بقوله : لا جناح عليكم  وبالله التوف

### الآية 2:235

> ﻿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ ۚ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا ۚ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [2:235]

الحكم الرابع عشر : في خطبة النساء
قوله تعالى : ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم فى أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا  وفي مسائل :
المسألة الأولى : التعريض في اللغة ضد التصريح، ومعناه أن يضمن كلامه ما يصلح للدلالة على مقصوده ويصلح للدلالة على غير مقصوده إلا أن إشعاره بجانب المقصود أتم وأرجح وأصله من عرض الشيء وهو جانبه كأنه يحوم حوله ولا يظهره، ونظيره أن يقول المحتاج للمحتاج إليه : جئتك لأسلم عليك ولأنظر إلى وجهك الكريم ولذلك قالوا :
وحسبك بالتسليم مني تقاضيا \*\*\*. . . 
والتعريض قد يسمى تلويحا لأنه يلوح منه ما يريد والفرق بين الكناية والتعريض أن الكناية أن تذكر الشيء بذكر لوازمه، كقولك : فلان طويل النجاد، كثير الرماد، والتعريض أن تذكر كلاما يحتمل مقصودك ويحتمل غير مقصودك إلا أن قرائن أحوالك تؤكد حمله على مقصودك، وأما الخطبة فقال الفراء : الخطبة مصدر بمنزلة الخطب وهو مثل قولك : أنه لحسن القعدة والجلسة تريد العقود والجلوس وفي اشتقاقه وجهان الأول : أن الخطب هو الأمر، والشأن يقال : ما خطبك، أي ما شأنك، فقولهم : خطب فلان فلانة، أي سألها أمرا وشأنا في نفسها الثاني : أصل الخطبة من الخطاب الذي هو الكلام، يقال : خطب المرأة خطبة لأنه خاطب في عقد النكاح، وخطب خطبة أي خاطب بالزجر والوعظ والخطب : الأمر العظيم، لأنه يحتاج فيه إلى خطاب كثير. 
المسألة الثانية : النساء في حكم الخطبة على ثلاثة أقسام أحدها : التي تجوز خطبتها تعريضا وتصريحا وهي التي تكون خالية عن الأزواج والعدد لأنه لما جاز نكاحها في هذه الحالة فكيف لا تجوز خطبتها، بل يستثنى عنه صورة واحدة، وهي ما روى الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**« لا يخطبن أحدكم على خطبة أخيه »** ثم هذا الحديث وإن ورد مطلقا لكن فيه ثلاثة أحوال. 
الحالة الأولى : إذا خطب امرأته فأجيب إليه صريحا ههنا لا يحل لغيره أن يخطبها لهذا الحديث. 
الحالة الثانية : إذا وجد صريح الإباء عن الإجابة فههنا يحل لغيره أن يخطبها. 
الحالة الثالثة : إذا لم يوجد صريح الإجابة ولا صريح الرد للشافعي ههنا قولان أحدهما : أنه يجوز للغير خطبتها، لأن السكوت لا يدل على الرضا والثاني : وهو القديم وقول مالك : أن السكوت وإن لم يدل على الرضا لكنه لا يدل أيضا على الكراهة، فربما كانت الرغبة حاصلة من بعض الوجوه فتصير هذه الخطبة الثانية مزيلة لذلك القدر من الرغبة. 
القسم الثاني : التي لا تجوز خطبتها لا تصريحا ولا تعريضا، وهي ما إذا كانت منكوحة للغير لأن خطبته إياها ربما صارت سببا لتشويش الأمر على زوجها من حيث أنها إذا علمت رغبة الخاطب فربما حملها ذلك على الامتناع من تأدية حقوق الزوج، والتسبب إلى هذا حرام، وكذا الرجعة فإنها في حكم المنكوحة، بدليل أنه يصح طلاقها وظاهرها ولعانها، وتعتد منه عدة الوفاة، ويتوارثان. 
القسم الثالث : أن يفصل في حقها بين التعريض والتصريح وهي المعتدة غير الرجعية وهي أيضا على ثلاثة أقسام :
القسم الأول : التي تكون في عدة الوفاة فتجوز خطبتها تعريضا لا تصريحا، أما جواز التعريض فلقوله تعالى : لا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء  وظاهره أنه للمتوفى عنها زوجها، لأن هذه الآية مذكورة عقيب تلك الآية، أما أنه لا يجوز التصريح، فقال الشافعي : لما خصص التعريض بعدم الجناح وجب أن يكون التصريح بخلافه، ثم المعنى يؤكد ذلك، وهو أن التصريح لا يحتمل غير النكاح، فلا يؤمن أن يحملها الحرص على النكاح على الإخبار عن انقضاء العدة قبل أوانها بخلاف التعريض فإنه يحتمل غير ذلك فلا يدعوها ذلك إلى الكذب. 
القسم الثاني : المعتدة عن الطلاق الثلاث، قال الشافعي رحمه الله في **«الأم »** : ولا أحب التعريض لخطبتها، وقال في **«القديم »** و **«الإملاء »** : يجوز لأنها ليست في النكاح، فأشبهت المعتدة عن الوفاة وجه المنع هو أن المعتدة عن الوفاة يؤمن عليها بسبب الخطبة الخيانة في أمر العدة فإن عدتها تنقضي بالأشهر أما ههنا تنقضي عدتها بالإقراء فلا يؤمن عليها الخيانة بسبب رغبتها في هذا الخاطب وكيفية الخيانة هي أن تخبر بانقضاء عدتها قبل أن تنقضي. 
القسم الثالث : البائن التي يحل لزوجها نكاحها في عدتها، وهي المختلعة والتي انفسخ نكاحها بعيب أو عنة أو إعسار نفقته فههنا لزوجها التعريض والتصريح ؛ لأنه لما كان له نكاحها في العدة فالتصريح أولى وأما غير الزوج فلا شك في أنه لا يحل له التصريح وفي التعريض قولان أحدهما : يحل كالمتوفى عنها زوجها والمطلقة ثلاثا والثاني : وهو الأصح أنه لا يحل لأنها معتدة تحل للزوج أن ينكحها في عدتها فلم يحل التعريض لها كالرجعية. 
المسألة الثالثة : قال الشافعي : والتعريض كثير، وهو كقوله : رب راغب فيك، أو من يجد مثلك ؟ أو لست بأيم وإذا حللت فأدريني، وذكر سائر المفسرين من ألفاظ التعريض : إنك لجميلة وإنك لصالحه، وإنك لنافعة، وإن من عزمي أن أتزوج، وإني فيك لراغب. 
أما قوله تعالى : أو أكننتم فى أنفسكم  فاعلم أن الإكنان الإخفاء والستر قال الفراء : للعرب في أكننت الشيء أي سترته لغتان : كننته وأكننته في الكن وفي النفس بمعنى، ومنه : ما تكن صدورهم، وبيض مكنون  وفرق قوم بينهما، فقالوا : كننت الشيء إذا صنته حتى لا تصيبه آفة، وإن لم يكن مستورا يقال : در مكنون، وجارية مكنونة، وبيض مكنون، مصون عن التدحرج وأما أكننت فمعناه أضمرت، ويستعمل ذلك في الشيء الذي يخفيه الإنسان ويستره عن غيره، وهو ضد أعلنت وأظهرت، والمقصود من الآية أنه لا حرج في التعريض للمرأة في عدة الوفاة ولا فيما يضمره الرجل من الرغبة فيها. 
فإن قيل : إن التعريض بالخطبة أعظم حالا من أن يميل قلبه إليها ولا يذكر شيئا فلما قدم جواز التعريض بالخطبة كان قوله بعد ذلك : أو أكننتم فى أنفسكم  جاريا مجرى إيضاح الواضحات. 
قلنا : ليس المراد ما ذكرتم بل المراد منه أنه أباح التعريض وحرم التصريح في الحال، ثم قال : أو أكننتم فى أنفسكم  والمراد أنه يعقد قلبه على أنه سيصرح بذلك في المستقبل، فالآية الأولى إباحة للتعريض في الحال، وتحريم للتصريح في الحال، والآية الثانية إباحة لأن يعقد قلبه على أنه سيصرح بذلك بعد انقضاء زمان العدة، ثم أنه تعالى ذكر الوجه الذي لأجله أباح ذلك، فقال : علم الله أنكم ستذكرونهن  لأن شهوة النفس إذا حصلت في باب النكاح لا يكاد يخلو ذلك المشتهي من العزم والتمني، فلما كان دفع هذا الخاطر كالشيء الشاق أسقط تعالى عنه هذا الحرج وأباح له ذلك. 
ثم قال تعالى : ولكن لا تواعدوهن سرا  وفيه سؤالان :
السؤال الأول : أين المستدرك بقوله تعالى : ولكن لا تواعدوهن سرا  الجواب : هو محذوف لدلالة ستذكرونهن عليه، تقديره :( علم الله أنكم ستذكرونهن ) فاذكرونهن ( ولكن لا تواعدوهن ). 
السؤال الثاني : ما معنى السر ؟. 
والجواب : أن السر ضد الجهر والإعلان، فيحتمل أن يكون السر ههنا صفة المواعدة على شيء : ولا تواعدوهن مواعدة سرية ويحتمل أن يكون صفة للموعود به على معنى ولا تواعدوهن بالشيء الذي يكون موصوفا بوصف كونه سرا، أما على التقدير الأول وهو أظهر التقديرين، فالمواقعة بين الرجل وبين المرأة على وجه السر لا تنفك ظاهرا عن أن تكون مواعدة بشيء من المنكرات، وههنا احتمالات الأول : أن يواعدها في السر بالنكاح فيكون المعنى أن أول الآية إذن في التعريض بالخطبة وآخر الآية منع عن التصريح بالخطبة الثاني : أن يواعدها بذكر الجماع والرفث، لأن ذكر ذلك بين الأجنبي والأجنبية غير جائز، قال تعالى لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم : فلا تخضعن بالقول  أي لا تقلن من أمر الرفث شيئا  فيطمع الذي فى قلبه مرض  الثالث : قال الحسن : ولكن لا تواعدوهن سرا  بالزنا طعن القاضي في هذا الوجه، وقال : إن المواعدة محرمة بالإطلاق فحمل الكلام ما يخص به الخاطب حال العدة أولى. 
والجواب : روى الحسن أن الرجل يدخل على المرأة، وهو يعرض بالنكاح فيقول لها : دعيني أجامعك فإذا أتممت عدتك أظهرت نكاحك، فالله تعالى نهى عن ذلك الرابع : أن يكون ذلك نهيا عن أن يسار الرجل المرأة الأجنبية، لأن ذلك يورث نوع ريبة فيها الخامس : أن يعاهدها بأن لا يتزوج أحدا سواها. 
أما إذا حملنا السر على الموعود به ففيه وجوه الأول : السر الجماع قال امرؤ القيس :
وأن لا يشهد السر أمثالي \*\*\*. . . 
**وقال الفرزدق :**
موانع للأسرار إلا من أهلها \*\*\* ويخلفن ما ظن الغيور المشغف
أي الذي شغفه بهن، يعني أنهن عفائف يمنعن الجماع إلا من أزواجهن، قال ابن عباس رضي الله عنهما : المراد لا يصف نفسه لها فيقول : آتيك الأربعة والخمسة الثاني : أن يكون المراد من السر النكاح، وذلك لأن الوطء يسمى سرا والنكاح سببه وتسمية الشيء باسم سببه جائز. 
أما قوله تعالى : إلا أن تقولوا قولا معروفا  ففيه سؤال، وهو أنه تعالى بأي شيء علق هذا الاستثناء. 
وجوابه : أنه تعالى لما أذن في أول الآية بالتعريض، ثم نهى عن المسارة معها دفعا للريبة والغيبة استثنى عنه أن يساررها بالقول المعروف، وذلك أن يعدها في السر بالإحسان إليها، والاهتمام بشأنها، والتكفل بمصالحها، حتى يصير ذكر هذه الأشياء الجميلة مؤكدا لذلك التعريض والله أعلم. 
قوله تعالى : ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما فى أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم . 
اعلم أن في لفظ العزم وجوها الأول : أنه عبارة عن عقد القلب على فعل من الأفعال، قال تعالى : فإذا عزمت فتوكل على الله  واعلم أن العزم إنما يكون عزما على الفعل، فلا بد في الآية من إضمار فعل، وهذا اللفظ إنما يعدي إلى الفعل بحرف على فيقال : فلان عزم على كذا إذا ثبت هذا كان تقدير الآية : ولا تعزموا على عقدة النكاح، قال سيبويه : والحذف في هذه الأشياء لا يقاس، فعلى هذا تقدير الآية : ولا تعزموا عقدة النكاح أن تقدروها حتى يبلغ الكتاب أجله والمقصود منه المبالغة في النهي عن النكاح في زمان العدة فإن العزم متقدم على المعزوم عليه، فإذا ورد النهي عن العزم فلأن يكون النهي متأكدا عن الإقدام على المعزوم عليه أولى. 
القول الثاني : أن يكون العزم عبارة عن الإيجاب، يقال : عزمت عليكم، أي أوجبت عليكم ويقال : هذا من باب العزائم لا من باب الرخص، وقال عليه الصلاة والسلام :**« عزمة من عزمات ربنا »** وقال :**« إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه »** ولذلك فإن العزم بهذا المعنى جائز على الله تعالى، وبالوجه الأول لا يجوز. 
إذا عرفت هذا فنقول : الإيجاب سبب الوجود ظاهرا، فلا يبعد أن يستفاد لفظ العزم في الوجود وعلى هذا فقوله : ولا تعزموا عقدة النكاح  أي لا تحققوا ذلك ولا تنشئوه، ولا تفرغوا منه فعلا، حتى يبلغ الكتاب أجله، وهذا القول هو اختيار أكثر المحققين. 
القول الثالث : قال القفال رحمه الله : إنما لم يقل ولا تعزموا على عقدة النكاح، لأن المعنى : لا تعزموا عليهن عقدة النكاح، أي لا تعزموا عليهن أن يعقد

### الآية 2:236

> ﻿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [2:236]

الحكم الخامس عشر : حكم المطلقة قبل الدخول
قوله تعالى : لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين . 
اعلم أن أقسام المطلقات أربعة أحدها : المطلقة التي تكون مفروضا لها ومدخولا بها وقد ذكر الله تعالى فيما تقدم أحكام هذا القسم وهو أنه لا يؤخذ منهن على الفراق شيء على سبيل الظلم ثم أخبر أن لهن كمال المهر، وأن عدتهن ثلاثة قروء. 
والقسم الثاني : من المطلقات ما لا يكون مفروضا ولا مدخولا بها وهو الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية، وذكر أنه ليس لها مهر، وأن لها المتعة بالمعروف. 
والقسم الثالث : من المطلقات : التي يكون مفروضا لها، ولكن لا يكون مدخولا بها وهي المذكورة في الآية التي بعد هذه الآية، وهي قوله سبحانه وتعالى : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم  واعلم أنه تعالى بين حكم عدة غير المدخول بها وذكر في سورة الأحزاب أنه لا عدة عليها ألبتة، فقال : إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن . 
القسم الرابع : من المطلقات : التي تكون مدخولا بها، ولكن لا يكون مفروضا لها، وحكم هذا القسم مذكور في قوله : فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن  أيضا القياس الجلي دال عليه وذلك لأن الأمة مجمعة على أن الموطوءة بالشبهة لها مهر المثل، فالموطوءة بنكاح صحيح أولى بهذا الحكم، فهذا التقسيم تنبيه على المقصود من هذه الآية، ويمكن أن يعبر عن هذا التقسيم بعبارة أخرى، فيقال : إن عقد النكاح يوجب بدلا على كل حال، ثم ذلك البدل إما أن يكون مذكورا أو غير مذكور، فإن كان البدل مذكورا، فإن حصل الدخول استقر كله، وهذا هو حكم المطلقات التي ذكرهن الله تعالى قبل هذه الآية، وإن لم يحصل الدخول سقط نصف المذكور بالطلاق، وهذا هو حكم المطلقات التي ذكرهن الله تعالى في الآية التي تجىء عقيب هذه الآية. فإن لم يكن البدل مذكورا فإن لم يحصل الدخول فهو هذه المطلقة التي ذكر الله تعالى حكمها في هذه الآية، وحكمها أنه لا مهر لها، ولا عدة عليها، ويجب عليه لها المتعة، وإن حصل الدخول فحكمها غير مذكور في هذه الآيات، إلا أنهم اتفقوا على أن الواجب فيها مهر المثل، ولما نبهنا على هذا التقسيم فلنرجع إلى التفسير. 
أما قوله تعالى : لا جناح عليكم إن طلقتم النساء  فهذا نص في أن الطلاق جائز، واعلم أن كثيرا من أصحابنا يتمسكون بهذه الآية في بيان أن الجمع بين الثلاث ليس بحرام، قالوا : لأن قوله : لا جناح عليكم إن طلقتم النساء  يتناول جميع أنواع التطليقات، بدليل أنه يصح استثناء الثلاث منها فيقال لا جناح عليكم إن طلقتم النساء إلا إذا طلقتموهن ثلاث طلقات فإن هناك يثبت الجناح، قالوا : وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، فثبت أن قوله : لا جناح عليكم إن طلقتم النساء  يتناول جميع أنواع التطليقات، أعني حال الإفراد وحال الجمع، وهذا الاستدلال عندي ضعيف، وذلك لأن الآية دالة على الإذن في تحصيل هذه الماهية في الوجود، ويكفي في العمل به إدخاله في الوجود مرة واحدة، ولهذا قلنا : إن الأمر المطلق لا يفيد التكرار، ولهذا قلنا : إنه إذا قال لامرأته : إن دخلت الدار فأنت طالق انعقدت اليمين على المرة الواحدة فقط ؛ فثبت أن هذا اللفظ لا يتناول حالة الجمع، وأما الاستثناء الذي ذكروه فنقول : يشكل هذا بالأمر فإنه لا يفيد التكرار بالاتفاق من المحققين، مع أنه يصح أن يقال : صل إلا في الوقت الفلاني وصم إلا في اليوم الفلاني، والله أعلم. 
أما قوله تعالى : ما لم تمسوهن  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي  تماسوهن  بالألف على المفاعلة، وكذلك في الأحزاب والباقون  تمسوهن  بغير ألف، حجة حمزة والكسائي أن بدن كل واحد يمس بدن صاحبه ويتماسان جميعا وأيضا يدل على ذلك قوله تعالى : من قبل أن يتماسا  وهو إجماع وحجة الباقين إجماعهم على قوله : ولم يمسسني بشر  ولأن أكثر الألفاظ في هذا المعنى جاء على المعنى بفعل دون فاعل كقوله : لم يطمثهن  وكقوله : فانكحوهن بإذن أهلهن  وأيضا المراد من هذا المس : الغشيان، وذلك فعل الرجل، ويدل في الآية الثانية على أن المراد من هذا المس الغشيان، وأما ما جاء في الظهار من قوله تعالى : من قبل أن يتماسا  فالمراد به المماسة التي هي غير الجماع وهي حرام في الظهار، وبعض من قرأ : تماسوهن  قال : إنه بمعنى  تمسوهن  لأن فاعل قد يراد به فعل، كقوله : طارقت النعل، وعاقبت اللص، وهو كثير. 
المسألة الثانية : لقائل أن يقول : ظاهر الآية مشعر بأن نفي الجناح عن المطلق مشروط بعدم المسيس وليس كذلك فإنه لا جناح عليه أيضا بعد المسيس. 
وجوابه من وجوه الأول : أن الآية دالة على إباحة الطلاق قبل المسيس مطلقا، وهذا الإطلاق غير ثابت بعد المسيس، فإنه لا يحل الطلاق بعد المسيس في زمان الحيض، ولا في الطهر الذي جامعها فيه، فلما كان المذكور في الآية حل الطلاق على الإطلاق، وحل الطلاق على الإطلاق لا يثبت إلا بشرط عدم المسيس، صح ظاهر اللفظ. 
الوجه الثاني : في الجواب قال بعضهم : إن  ما  في قوله : ما لم تمسوهن  بمعنى الذي والتقدير : لا جناح عليكم إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهن، إلا أن  ما  اسم جامد لا ينصرف، ولا يبين فيه الإعراب ولا العدد، وعلى هذا التقدير لا يكون لفظ  ما  شرطا، فزال السؤال. 
الوجه الثالث : في الجواب ما يدور حوله القفال رحمه الله، وحاصله يرجع إلى ما أقوله، وهو أن المراد من الجناح في هذه الآية لزوم المهر، فتقدير الآية : لا مهر عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة، بمعنى : لا يجب المهر إلا بأحد هذين الأمرين، فإذا فقدا جميعا لم يجب المهر، وهذا كلام ظاهر إلا أنا نحتاج إلى بيان أن قوله : لا جناح  معناه لا مهر، فنقول : إطلاق لفظ الجناح على المهر محتمل، والدليل دل عليه فوجب المصير إليه، وأما بيان الاحتمال فهو أن أصل الجناح في اللغة هو الثقل، يقال : أجنحت السفينة إذا مالت لثقلها والذنب يسمى جناحا لما فيه من الثقل، قال تعالى :
 وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم  إذا ثبت أن الجناح هو الثقل، ولزوم أداء المال ثقل فكان جناحا، فثبت أن اللفظ محتمل له، وإنما قلنا : إن الدليل دل على أنه هو المراد لوجهين الأول : أنه تعالى قال : لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة  نفى الجناح محدودا إلى غاية وهي إما المسيس أو الفرض، والتقدير : فوجب أن يثبت ذلك الجناح عند حصول أحد هذين الأمرين ثم إن الجناح الذي يثبت عند أحد هذين الأمرين هو لزوم المهر، فوجب القطع بأن الجناح المنفي في أول الآية هو لزوم المهر الثاني : أن تطليق النساء قبل المسيس على قسمين أحدهما : الذي يكون قبل المسيس وقبل تقدير المهر، وهو المذكور في هذه الآية والثاني : الذي يكون قبل المسيس وبعد تقدير المهر وهو المذكور في الآية التي بعد هذه الآية وهي قوله : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة  ثم إنه في هذا القسم أوجب نصف المفروض وهذا القسم كالمقابل لذلك القسم فيلزم أن يكون الجناح المنفي هناك هو المثبت ههنا، فلما كان المثبت ههنا هو لزوم المهر وجب أن يقال : الجناح المنفي هناك هو لزوم المهر والله أعلم. 
واعلم أنا قد ذكرنا في أول تفسير هذه الآية أن أقسام المطلقات أربعة، وهذه الآية تكون مشتملة على بيان حكم ثلاثة أقسام منها، لأنه لما صار تقدير الآية : لا مهر إلا عند المسيس أو عند التقدير، عرف منه أن التي لا تكون ممسوسة ولا مفروضا لها لا يجب لها المهر، وعرف أن التي تكون ممسوسة ولا تكون مفروضا لها والتي تكون مفروضا لها ولا تكون ممسوسة يجب لكل واحدة منهما المهر، فتكون هذه الآية مشتملة على بيان حكم هذه الأقسام الثلاثة. 
وأما القسم الرابع : وهي التي تكون ممسوسة ومفروضا لها، فبيان حكمه مذكور في الآية المتقدمة، وعلى هذا التقدير تكون هذه الآيات مشتملة على بيان حكم هذه الأقسام الأربعة بالتمام وهذا من لطائف الكلمات والحمد لله على ذلك. 
المسألة الثالثة : قال أبو بكر الأصم والزجاج : هذه الآية تدل على أن عقد النكاح بغير المهر جائز، وقال القاضي : إنها لا تدل على الجواز لكنها تدل على الصحة، أما بيان دلالتها على الصحة، فلأنه لو لم يكن صحيحا لم يكن الطلاق مشروعا، ولم تكن المتعة لازمة، وأما أنها لا تدل على الجواز، فلأنه لا يلزم من الصحة الجواز، بدليل أن الطلاق في زمان الحيض حرام ومع ذلك واقع وصحيح. 
المسألة الرابعة : اتفقوا على أن المراد من المسيس في هذه الآية الدخول، قال أبو مسلم : وإنما كنى تعالى بقوله : تمسوهن  عن المجامعة تأديبا للعباد في اختيار أحسن الألفاظ فيما يتخاطبون به، والله أعلم. 
أما قوله تعالى : أو تفرضوا لهن فريضة  فالمعنى يقدر لها مقدارا من المهر يوجبه على نفسه، لأن الفرض في اللغة هو التقدير، وذكر كثير من المفسرين أن  أو  ههنا بمعنى الواو، ويريد : ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة، كقوله : أو يزيدون  وأنت إذا تأملت فيما لخصناه علمت أن هذا التأويل متكلف، بل خطأ قطعا والله أعلم. 
أما قوله تعالى : ومتعوهن  فاعلم أنه تعالى لما بين أنه لا مهر عند عدم المسيس، والتقدير بين أن المتعة لها واجبة، وتفسير لفظ المتعة قد تقدم في قوله : فمن تمتع بالعمرة إلى الحج . 
**وفي الآية مسائل :**
المسألة الأولى : المطلقات قسمان، مطلقة قبل الدخول، ومطلقة بعد الدخول، أما المطلقة قبل الدخول ينظر إن لم يكن فرض لها مهر فلها المتعة بهذه الآية التي نحن فيها، وإن كان قد فرض لها فلا متعة، لأن الله تعالى أوجب في حقها نصف المهر ولم يذكر المتعة، ولو كانت واجبة لذكرها وقال ابن عمر : لكل مطلقة متعة إلا التي فرض لها ولم يدخل بها فحسبها نصف المهر، وأما المطلقة بعد الدخول سواء فرض لها أو لم يفرض، فهل تستحق المتعة، فيه قولان : قال في **«القديم »** وبه قال أبو حنيفة : لا متعة لها، لأنها تستحق المهر كالمطلقة بعد الفرض قبل الدخول، وقال في **«الجديد »** : بل لها المتعة، وهو قول علي بن أبي طالب عليه السلام، والحسن بن علي، وابن عمر، والدليل عليه قوله تعالى : وللمطلقات متاع بالمعروف  وقال تعالى : فتعالين أمتعكن  وكان ذلك في نساء دخل بهن النبي صلى الله عليه وسلم، وليس كالمطلقة بعد الفرض قبل المسيس، لأنها استحقت الصداق لا بمقابلة استباحة عوض فلم تستحق المتعة والمطلقة بعد الدخول استحقت الصداق بمقابلة استباحة البضع فتجب لها المتعة للإيحاش بالفراق. 
المسألة الثانية : مذهب الشافعي وأبي حنيفة أن المتعة واجبة، وهو قول شريح والشعبي والزهري، وروي عن الفقهاء السبعة من أهل المدينة أنهم كانوا لا يرونها واجبة، وهو قول مالك لنا قوله تعالى : ومتعوهن  وظاهر الأمر للإيجاب، وقال : وللمطلقات متاع  فجعل ملكا لهن أو في معنى الملك، وحجة مالك أنه تعالى قال في آخر ال

### الآية 2:237

> ﻿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ۚ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [2:237]

قوله تعالى  وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم وإن الله بما تعملون بصير . 
اعلم أنه تعالى لما ذكر حكم المطلقة غير الممسوسة إذا لم يفرض لها مهر، تكلم في المطلقة غير الممسوسة إذا كان قد فرض لها مهر. وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : مذهب الشافعي أن الخلوة لا تقرر المهر، وقال أبو حنيفة : الخلوة الصحيحة تقرر المهر، ويعني بالخلوة الصحيحة : أن يخلوا بها وليس هناك مانع حسي ولا شرعي، فالحسي نحو : الرتق والقرن والمرض، أو يكون معهما ثالث وإن كان نائما، والشرعي نحو، الحيض والنفاس وصوم الفرض وصلاة الفرض والإحرام المطلق سواء كان فرضا أو نفلا، حجة الشافعي أن الطلاق قبل المسيس يوجب سقوط نصف المهر وههنا وجد الطلاق قبل المسيس فوجب القول بسقوط نصف المهر. 
بيان المقدمة الأولى : قوله تعالى : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم  فقوله : فنصف ما فرضتم  ليس كلاما تاما بل لا بد من إضمار آخر ليتم الكلام، فأما أن يضمر  فنصف ما فرضتم  ساقط، أو يضمر  فنصف ما فرضتم  ثابت والأول هو المقصود، والثاني مرجوح لوجوه أحدها : أن المعلق على الشيء بكلمة إن عدم ذلك الشيء ظاهرا، فلو حملناه على الوجوب تركنا العمل بقضية التعليق، لأنه غير منفي قبله، أما لو حملناه على السقوط، عملنا بقضية التعليق، لأنه منفي قبله وثانيها : أن قوله تعالى : وقد فرضتم لهن فريضة  يقتضي وجوب كل المهر عليه، لأنه لما التزم لزمه الكل لقوله تعالى : أوفوا بالعقود  فلم تكن الحاجة إلى بيان ثبوت النصف قائمة لأن المقتضى لوجوب الكل مقتض أيضا لوجوب النصف إنما المحتاج إليه بيان سقوط النصف، لأن عند قيام المقتضى لوجوب الكل كان الظاهر هو وجوب الكل، فكان سقوط البعض في هذا المقام هو المحتاج إلى البيان، فكان حمل الآية على بيان السقوط أولى من حملها على بيان الوجوب وثالثها : أن الآية الدالة على وجوب إيتاء كل المهر قد تقدمت كقوله : ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا  فحمل الآية على سقوط النصف أولى من حملها على وجوب النصف ورابعها : وهو أن المذكور في الآية هو الطلاق قبل المسيس، وكون الطلاق واقعا قبل المسيس يناسب سقوط نصف المهر، ولا يناسب وجوب شيء، فلما كان المذكور في الآية ما يناسب السقوط، لا ما يناسب الوجوب كان إضمار السقوط أولى، وإنما استقصينا في هذه الوجوه لأن منهم من قال : إن معنى الآية : فنصف ما فرضتم واجب، وتخصيص النصف بالوجوب لا يدل على سقوط النصف الآخر، إلا من حيث دليل الخطاب، وهو عند أبي حنيفة ليس بحجة، فكان غرضنا من هذا الاستقصاء دفع هذا السؤال. 
بيان المقدمة الثانية : وهي أن ههنا وجد الطلاق قبل المسيس، هو أن المراد بالمسيس إما حقيقة المس باليد أو جعل كناية عن الوقاع، وأيهما كان فقد وجد الطلاق قبله، حجة أبي حنيفة قوله تعالى : وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا  إلى قوله : وقد أفضى بعضكم إلى بعض  وجه التمسك به من وجهين الأول : هو أنه تعالى نهى عن أخذ المهر، ولم يفصل بين الطلاق وعدم الطلاق إلا أن توافقنا على أنه خص الطلاق قبل الخلوة، ومن ادعى التخصيص ههنا فعليه البيان والثاني : أن الله تعالى نهى عن أخذ المهر وعلل بعلة الإفضاء، وهي الخلوة، والإفضاء مشتق من الفضاء، وهو المكان الخالي، فعلمنا أن الخلوة تقرر المهر. 
وجوابنا عن ذلك أن الآية التي تمسكوا بها عامة، والآية التي تمسكنا بها خاصة والخاص مقدم على العام، والله أعلم. 
المسألة الثانية : قوله : وقد فرضتم لهن فريضة  حال من مفعول  طلقتموهن  والتقدير : طلقتموهن حال ما فرضتم لهن فريضة. 
أما قوله تعالى : إلا أن يعفون  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : إنما لم تسقط النون من  يعفون  وإن دخلت عليه  أن  الناصبة للأفعال لأن  يعفون  فعل النساء، فاستوى فيه الرفع والنصب والجزم، والنون في  يعفون  إذا كان الفعل مسندا إلى النساء ضمير جمع المؤنث، وإذا كان الفعل مسندا إلى الرجال فالنون علامة الرفع فلذلك لم تسقط النون التي هي ضمير جمع المؤنث، كما لم تسقط الواو التي هي ضمير جمع المذكر، والساقط في  يعفون  إذا كان للرجال الواو التي هي لام الفعل في  يعفون  لا الواو التي هي ضمير الجمع، والله أعلم. 
المسألة الثانية : المعنى : إلا أن يعفون المطلقات عن أزواجهن فلا يطالبنهم بنصف المهر، وتقول المرأة : ما رآني ولا خدمته، ولا استمتع بي فكيف آخذ منه شيئا. 
أما قوله تعالى : أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : في الآية قولان الأول : أنه الزوج، وهو قول علي بن أبي طالب عليه السلام، وسعيد بن المسيب، وكثير من الصحابة والتابعين وهو قول أبي حنيفة. 
والقول الثاني : أنه الولي، وهو قول الحسن، ومجاهد وعلقمة، وهو قول أصحاب الشافعي. 
حجة القول الأول وجوه الأول : أنه ليس للولي أن يهب مهر موليته صغيرة كانت أو كبيرة فلا يمكن حمل هذه الآية على الولي والثاني : أن الذي بيد الولي هو عقد النكاح، فإذا عقد حصلت العقدة، لأن بناء الفعلة يدل على المفعول، كالأكلة واللقمة، وأما المصدر فالعقد كالأكل واللقم، ثم من المعلوم أن العقدة الحاصلة بعد العقد في يد الزوج لا في يد الولي والثالث : أن قوله تعالى : الذى بيده عقدة النكاح  معناه الذي بيده عقدة نكاح ثابت له لا لغيره، كما أن قوله : ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى  أي نهى النفس عن الهوى الثابت له لا لغيره، كانت الجنة ثابتة له، فتكون مأواه الرابع : ما روي عن جبير بن مطعم، أنه تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها فأكمل الصداق، وقال : أنا أحق بالعفو، وهذا يدل على أن الصحابة فهموا من الآية العفو الصادر من الزوج. 
حجة من قال : المراد هو الولي وجوه الأول : أن الصادر من الزوج هو أن يعطيها كل المهر، وذلك يكون هبة، والهبة لا تسمى عفوا، أجاب الأولون عن هذا من وجوه أحدها : أنه كان الغالب عندهم أن يسوق المهر إليها عند التزوج، فإذا طلقها استحق أن يطالبها بنصف ما ساق إليها، فإذا ترك المطالبة فقد عفا عنها وثانيها : سماه عفوا على طريق المشاكلة وثالثها : أن العفو قد يراد به التسهيل يقال : فلان وجد المال عفوا صفوا، وقد بينا وجه هذا القول في تفسير قوله تعالى : فمن عفي له من أخيه شيء  وعلى هذا عفو الرجل أن يبعث إليها كل الصداق على وجه السهولة. 
أجاب القائلون بأن المراد هو الولي عن السؤال الأول بأن صدور العفو عن الزوج على ذلك الوجه لا يحصل إلا على بعض التقديرات والله تعالى ندب إلى العفو مطلقا وحمل المطلق على المقيد خلاف الأصل، وأجابوا عن السؤال الثاني أن العفو الصادر عن المرأة هو الإبراء وهذا عفو في الحقيقة أما الصادر عن الرجل محض الهبة فكيف يسمى عفوا ؟
وأجابوا عن السؤال الثالث بأنه لو كان العفو هو التسهيل لكان كل من سهل على إنسان شيئا يقال إنه عفا عنه ومعلوم أنه ليس كذلك. 
الحجة الثانية : للقائلين بأن المراد هو الولي هو أن ذكر الزوج قد تقدم بقوله عز وجل : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن  فلو كان المراد بقوله : أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح  هو الزوج، لقال : أو تعفو على سبيل المخاطبة، فلما لم يفعل ذلك بل عبر عنه بلفظ المغايبة، علمنا أن المراد منه غير الزواج. 
وأجاب الأولون بأن سبب العدول عن الخطاب إلى الغيبة التنبيه على المعنى الذي من أجله يرغب الزوج في العفو، والمعنى : إلا أن يعفو أو يعفو الزوج الذي حبسها بأن ملك عقدة نكاحها عن الأزواج ثم لم يكن منها سبب في الفراق وإنما فارقها الزوج، فلا جرم كان حقيقا بأن لا ينقصها من مهرها ويكمل لها صداقها. 
الحجة الثالثة : للقائلين بأنه هو الولي هو أن الزوج ليس بيده ألبتة عقدة النكاح، وذلك لأن قبل النكاح كان الزوج أجنبيا عن المرأة، ولا قدرة له على التصرف فيها بوجه من الوجوه، فلا يكون له قدرة على إنكاحها البتة وأما بعد النكاح فقد حصل النكاح ولا قدرة على إيجاد الموجود بل له لا قدرة على إزالة النكاح، والله تعالى أثبت العفو لمن في يده وفي قدرته عقدة النكاح، فلما ثبت أن الزوج ليس له يد ولا قدرة على عقد النكاح ثبت أنه ليس المراد هو الزوج، أما الولي فله قدرة على إنكاحها، فكان المراد من الآية هو الولي لا الزوج، ثم إن القائلين بهذا القول أجابوا عن دلائل من قال : المراد هو الزوج. 
أما الحجة الأولى : فإن الفعل قد يضاف إلى الفاعل تارة عند المباشرة وأخرى عند السبب يقال بنى الأمير دارا، وضرب دينارا، والظاهر أن النساء إنما يرجعن في مهماتهن وفي معرفة مصالحهن إلى أقوال الأولياء والظاهر أن كل ما يتعلق بأمر التزوج فإن المرأة لا تخوض فيه، بل تفوضه بالكلية إلى رأي الولي، وعلى هذا التقدير يكون حصول العفو باختيار الولي وبسعيه فلهذا السبب أضيف العفو إلى الأولياء. 
وأما الحجة الثانية : وهي قولهم : الذي بيد الولي عقد النكاح لا عقدة النكاح، قلنا : العقدة قد يراد بها العقد قال تعالى : ولا تعزموا عقدة النكاح  سلمنا أن العقدة هي المعقودة لكن تلك المعقودة إنما حصلت وتكونت بواسطة العقد، وكان عقد النكاح في يد الولي ابتداء، فكانت عقدة النكاح في يد الولي أيضا بواسطة كونها من نتائج العقد ومن آثاره. 
وأما الحجة الثالثة : وهي قوله : إن المراد من الآية الذي بيده عقدة النكاح لنفسه فجوابه : أن هذا التقييد لا يقتضيه اللفظ لأنه إذا قيل : فلان في يده الأمر والنهي والرفع والخفض فلا يراد به أن الذي في يده الأمر نفسه ونهى نفسه بل المراد أن في يده أمر غيره ونهى غيره فكذا ههنا. 
المسألة الثانية : للشافعي أن يتمسك بهذه الآية في بيان أنه لا يجوز النكاح إلا بالولي، وذلك لأن جمهور المفسرين أجمعوا على أن المراد من قوله : أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح  إما الزوج وإما الولي، وبطل حمله على الزوج لما بينا أن الزوج لا قدرة له البتة على عقدة النكاح، فوجب حمله على الولي. 
إذا ثبت هذا فنقول : قوله : بيده عقدة النكاح  هذا يفيد الحصر لأنه إذا قيل : بيده الأمر والنهي معناه أنه بيده لا بيد غيره، قال تعالى : لكم دينكم  أي لا لغيركم، فكذا ههنا بيد الولي عقدة النكاح لا بيد غيره، وإذا كان كذلك فوجب أن يكون بيد المرأة عقدة النكاح وذلك هو المطلوب والله أعلم. 
قوله تعالى : وأن تعفو أقرب للتقوى  فيه مسائل :
المسألة الأولى : هذا خطاب للرجال والنساء جميعا إلا أن الغلبة للذكور إذا اجتمعوا مع الإناث، وسبب التغليب أن الذكورة أصل والتأنيث فرع في اللفظ وفي المعنى أما في اللفظ فلأنك تقول : قائم. ثم تريد التأنيث فتقول : قائمة. فاللفظ الدال على المذكر هو الأصل، والدال على المؤنث فرع عليه، وأما في المعنى فلأن الكمال للذكور والنقصان للإناث، فلهذا السبب متى اجتمع التذكير والتأنيث كان جانب التذكير مغلبا. 
المسألة الثانية : موضع  أن  رفع بالاب

### الآية 2:238

> ﻿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [2:238]

الحكم السادس عشر : حكم المحافظة على الصلوات والصلاة الوسطى
قوله تعالى حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين . 
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما بين للمكلفين ما بين من معالم دينه، وأوضح لهم من شرائع شرعه أمرهم بعد ذلك بالمحافظة على الصلوات وذلك لوجوه أحدها : أن الصلاة لما فيها من القراءة والقيام والركوع والسجود والخضوع والخشوع تفيد انكسار القلب من هيبة الله تعالى، وزوال التمرد عن الطبع، وحصول الانقياد لأوامر الله تعالى والانتهاء عن مناهيه، كما قال : إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر  والثاني : أن الصلاة تذكر العبد جلالة الربوبية وذلة العبودية وأمر الثواب والعقاب فعند ذلك يسهل عليه الانقياد للطاعة ولذلك قال : استعينوا بالصبر والصلاة  والثالث : أن كل ما تقدم من بيان النكاح والطلاق والعدة اشتغال بمصالح الدنيا، فأتبع ذلك بذكر الصلاة التي هي مصالح الآخرة، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : أجمع المسلمون على أن الصلاة المفروضة خمسة، وهذه الآية التي نحن في تفسيرها دالة على ذلك، لأن قوله : حافظوا على الصلوات  يدل على الثلاثة من حيث أن أقل الجمع ثلاثة، ثم إن قوله تعالى : والصلاة الوسطى  يدل على شيء أزيد من الثلاثة، وإلا لزم التكرار، والأصل عدمه، ثم ذلك الزائد يمتنع أن يكون أربعة، وإلا فليس لها وسطى، فلا بد وأن ينضم إلى تلك الثلاثة عدد آخر يحصل به للمجموع وسط، وأقل ذلك أن يكون خمسة، فهذه الآية دالة على وجوب الصلوات الخمسة بهذا الطريق، واعلم أن هذا الاستدلال إنما يتم إذا بينا أن المراد من الوسطى ما تكون وسطى في العدد لا ما تكون وسطى بسبب الفضيلة ونبين ذلك بالدليل إن شاء الله تعالى إلا أن هذه الآية وإن دلت على وجوب الصلوات الخمس لكنها لا تدل على أوقاتها، والآيات الدالة على تفصيل الأوقات أربع :
الآية الأولى : قوله : فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون  وهذه الآية أبين آيات المواقيت فقوله : فسبحان الله  أي سبحوا الله معناه صلوا لله حين تمسون، أراد به صلاة المغرب والعشاء  وحين تصبحون  أراد صلاة الصبح  وعشيا  أراد به صلاة العصر  وحين تظهرون  صلاة الظهر. 
الآية الثانية : قوله : أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل  أراد بالدلوك زوالها فدخل فيه صلاة الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ثم قال : وقرآن الفجر  أراد صلاة الصبح. 
الآية الثالثة : قوله : وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء اليل فسبح وأطراف النهار  فمن الناس من قال : هذه الآية تدل على الصلوات الخمس، لأن الزمان إما أن يكون قبل طلوع الشمس أو قبل غروبها، فالليل والنهار داخلان في هاتين اللفظتين. 
الآية الرابعة : قوله تعالى : وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل  فالمراد بطرفي النهار : الصبح، والعصر، وقوله : وزلفا من اليل  المغرب والعشاء، وكان بعضهم يتمسك به في وجوب الوتر، لأن لفظ زلفا جمع فأقله الثلاثة. 
المسألة الثانية : اعلم أن الأمر بالمحافظة على الصلاة أمر بالمحافظة على جميع شرائطها، أعني طهارة البدن، والثوب، والمكان، والمحافظة على ستر العورة، واستقبال القبلة، والمحافظة على جميع أركان الصلاة، والمحافظة على الاحتراز عن جميع مبطلات الصلاة سواء كان ذلك من أعمال القلوب أو من أعمال اللسان، أو من أعمال الجوارح، وأهم الأمور في الصلاة، رعاية النية فإنها هي المقصود الأصلي من الصلاة، قال تعالى : وأقم الصلاة لذكري  فمن أدى الصلاة على هذا الوجه كان محافظا على الصلاة وإلا فلا. 
فإن قيل : المحافظة لا تكون إلا بين اثنين، كالمخاصمة، والمقاتلة، فكيف المعنى ههنا ؟. 
والجواب : من وجهين أحدهما : أن هذه المحافظة تكون بين العبد والرب، كأنه قيل له : احفظ الصلاة ليحفظك الإله الذي أمرك بالصلاة وهذا كقوله : فاذكروني أذكركم  وفي الحديث :**« احفظ الله يحفظك »** الثاني : أن تكون المحافظة بين المصلي والصلاة فكأنه قيل : احفظ الصلاة حتى تحفظك الصلاة، واعلم أن حفظ الصلاة للمصلي على ثلاثة أوجه الأول : أن الصلاة تحفظه عن المعاصي، قال تعالى : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر  فمن حفظ الصلاة حفظته الصلاة عن الفحشاء والثاني : أن الصلاة تحفظه من البلايا والمحن، قال تعالى : واستعينوا بالصبر والصلاة  وقال تعالى : وقال الله إنى معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكواة  ومعناه : إني معكم بالنصرة والحفظ إن كنتم أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة والثالث : أن الصلاة تحفظ صاحبها وتشفع لمصليها، قال تعالى : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكواة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله  ولأن الصلاة فيها القراءة، والقرآن يشفع لقارئه، وهو شافع مشفع وفي الخبر :**« إنه تجيء البقرة وآل عمران كأنهما عمامتان فيشهدان ويشفعان »** وأيضا في الخبر **« سورة الملك تصرف عن المتهجد بها عذاب القبر وتجادل عنه في الحشر وتقف في الصراط عند قدميه وتقول للنار لا سبيل لك عليه »** والله أعلم. 
المسألة الثالثة : اختلفوا في الصلاة الوسطى على سبعة مذاهب. 
فالقول الأول : أن الله تعالى أمر بالمحافظة عليها، ولم يبين لنا أنها أي صلاة هي، وإنما قلنا : إنه لم يبين لأنه لو بين ذلك لكان إما أن يقال : إنه تعالى بينها بطريق قطعي، أو بطريق ظني والأول باطل لأنه بيان إما أن يكون بهذه الآية، أو بطريق آخر قاطع، أو خبر متواتر ولا يمكن أن يكون البيان حاصلا في هذه الآية، لأن عدد الصلوات خمس، وليس في الآية ذكر لأولها وآخرها، وإذا كان كذلك أمكن في كل واحدة من تلك الصلوات أن يقال : إنما هي الوسطى، وإما أن يقال : بيان حصل في آية أخرى أو في خبر متواتر، وذلك مفقود، وأما بيانه بالطريق الظني وهو خبر الواحد والقياس فغير جائز، لأن الطريق المفيد للظن معتبر في العمليات، وهذه المسألة ليست كذلك، فثبت أن الله تعالى لم يبين أن الصلاة الوسطى ما هي ؟ ثم قالوا : والحكمة فيه أنه تعالى لما خصها بمزيد التوكيد، مع أنه تعالى لم يبينها جوز المرء في كل صلاة يؤديها أنها هي الوسطى فيصير ذلك داعيا إلى أداء الكل على نعت الكمال والتمام، ولهذا السبب أخفى الله تعالى ليلة القدر في رمضان، وأخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة، وأخفى اسمه الأعظم في جميع الأسماء، وأخفى وقت الموت في الأوقات ليكون المكلف خائفا من الموت في كل الأوقات، فيكون آتيا بالتوبة في كل الأوقات، وهذا القول اختاره جمع من العلماء، قال محمد بن سيرين : إن رجلا سأل زيد بن ثابت عن الصلاة الوسطى فقال : حافظ على الصلوات كلها تصبها، وعن الربيع بن خيثم أنه سأله واحد عنها، فقال : يا ابن عم الوسطى واحدة منهن فحافظ على الكل تكن محافظا على الوسطى ثم قال الربيع : لو علمتها بعينها لكنت محافظا لها ومضيعا لسائرهن ؟ قال السائل : لا. قال الربيع : فإن حافظت عليهن فقد حافظت على الوسطى. 
القول الثاني : هي مجموع الصلوات الخمس وذلك لأن هذه الخمسة هي الوسطى من الطاعات وتقريره أن الإيمان بضع وسبعون درجة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والصلوات المكتوبات دون الإيمان وفوق إماطة الأذى فهي واسطة بين الطرفين. 
القول الثالث : أنها صلاة الصبح، وهذا القول من الصحابة قول علي عليه السلام، وعمر وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبي أمامة الباهلي، ومن التابعين قول طاوس، وعطاء، وعكرمة ومجاهد، وهو مذهب الشافعي رحمه الله والذي يدل على صحة هذا القول وجوه الأول : أن هذه الصلاة تصلى في الغلس فأولها يقع في الظلام فأشبهت صلاة الليل، وآخرها يقع في الضوء فأشبهت صلاة النهار الثاني : أن هذه الصلاة تؤدى بعد طلوع الصبح، وقبل طلوع الشمس، وهذا القدر من الزمان لا تكون الظلمة فيه تامة، ولا يكون الضوء أيضا تاما، فكأنه ليس بليل ولا نهار فهو متوسط بينهما الثالث : أنه حصل في النهار التام صلاتان : الظهر والعصر، وفي الليل صلاتان : المغرب والعشاء، وصلاة الصبح كالمتوسط بين صلاتي الليل والنهار. 
فإن قيل : فهذه المعاني حاصلة في صلاة المغرب قلنا : إنا نرجح صلاة الصبح على المغرب بكثرة فضائل صلاة الصبح على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى الرابع : أن الظهر والعصر يجمعان بعرفة بالاتفاق، وفي السفر عند الشافعي، وكذا المغرب والعشاء، وأما صلاة الفجر فهي منفردة في وقت واحد فكان وقت الظهر والعصر وقتا واحدا ووقت المغرب والعشاء وقتا واحدا، ووقت الفجر متوسطا بينهما، قال القفال رحمه الله : وتحقيق هذا الاحتجاج يرجع إلى أن الناس يقولون : فلان وسط، إذا لم يمل إلى أحد الخصمين، فكان منفردا بنفسه عنهما، والله أعلم الخامس : قوله تعالى : إن قرآن الفجر كان مشهودا  وقد ثبت بالتواتر أن المراد منه صلاة الفجر، وإنما جعلها مشهودا لأنها تؤدى بحضرة ملائكة الليل وملائكة النهار. 
إذا عرفت هذا فوجه الاستدلال بهذه الآية من وجهين أحدهما : أن الله تعالى أفرد صلاة الفجر بالذكر، فدل هذا على مزيد فضلها، ثم إنه تعالى خص الصلاة الوسطى بمزيد التأكيد، فيغلب على الظن أن صلاة الفجر لما ثبت أنها أفضل بتلك الآية، وجب أن تكون هي المراد بالتأكيد المذكور في هذه الآية والثاني : أن الملائكة تتعاقب بالليل والنهار، فلا تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في وقت واحد إلا صلاة الفجر، فثبت أن صلاة الفجر قد أخذت بطرفي الليل والنهار من هذا الوجه، فكانت كالشيء المتوسط السادس : أنه تعالى قال بعد ذكر الصلاة الوسطى : وقوموا لله قانتين  قرن هذه الصلاة بذكر القنوت، وليس في الشرع صلاة ثبت بالأخبار الصحاح القنوت فيها إلا الصبح، فدل على أن المراد بالصلاة الوسطى هي صلاة الصبح السابع : لا شك أنه تعالى إنما أفردها بالذكر لأجل التأكيد، ولا شك أن صلاة الصبح أحوج الصلوات إلى التأكيد، إذ ليس في الصلاة أشق منها، لأنها تجب على الناس في ألذ أوقات النوم، حتى إن العرب كانوا يسمون نوم الفجر العسيلة للذتها، ولا شك أن ترك النوم اللذيذ الطيب في ذلك الوقت، والعدول إلى استعمال الماء البارد، والخروج إلى المسجد والتأهب للصلاة شاق صعب على النفس، فيجب أن تكون هي المراد بالصلاة الوسطى إذ هي أشد الصلوات حاجة إلى التأكيد الثامن : أن صلاة الصبح أفضل الصلوات، وإذا كان كذلك وجب أن يكون المراد من الصلاة الوسطى صلاة الصبح، إنما قلنا : إنها أفضل الصلوات لوجوه أحدها : قوله تعالى : الصابرين والصادقين  إلى قوله تعالى : والمستغفرين بالأسحار  فجعل ختم طاعاتهم الشريفة وعباداتهم الكاملة بذكر كونهم مستغفرين بالأسحار، ثم يجب أن يكون أعظم أنواع الاستغفار هو أداء الفرض، لقوله عليه الصلاة والسلام حاكيا عن ربه تعالى **« لن يتقرب إلي المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم »** وذلك يقتضي أن أفضل الطاعات بعد الإيمان هو صلاة الصبح وثانيها : ما روي فيها أن التكبيرة الأولى منها مع الجماعة خير من الدنيا وما فيها وثالثها : أنه ثبت بالأخبار الصحيحة أن صلاة الصبح مخصوصة بال

### الآية 2:239

> ﻿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ۖ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [2:239]

قوله تعالى  فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون . 
اعلم أنه تعالى لما أوجب المحافظة على الصلوات والقيام على أدائها بأركانها وشروطها، بين من بعد أن هذه المحافظة على هذا الحد لا تجب إلا مع الأمن دون الخوف، فقال : فإن خفتم فرجالا أو ركبانا  وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : يروى  فرجالا  بضم الراء و  رجالا  بالتشديد و  رجلا . 
المسألة الثانية : قال الواحدي رحمه الله معنى الآية : فإن خفتم عدوا فحذف المفعول لإحاطة العلم به، قال صاحب الكشاف : فإن كان بكم خوف من عدو أو غيره، وهذا القول أصح لأن هذا الحكم ثابت عند حصول الخوف، سواء كان الخوف من العدو أو من غيره، وفيه قول ثالث وهو أن المعنى : فإن خفتم فوات الوقت إن أخرتم الصلاة إلى أن تفرغوا من حربكم فصلوا رجالا أو ركبانا، وعلى هذا التقدير الآية تدل على تأكيد فرض الوقت حتى يترخص لأجل المحافظة عليه بترك القيام والركوع والسجود. 
المسألة الثالثة : في الرجال قولان أحدهما : رجالا جمع راجل مثل تجار وتاجر وصحاب وصاحب والراجل هو الكائن على رجله ماشيا كان أو وافقا ويقال في جمع راجل : رجل ورجالة ورجالة ورجال ورجال. 
والقول الثاني : ما ذكره القفال، وهو أنه يجوز أن يكون جمع الجمع، لأن راجلا يجمع على راجل، ثم يجمع رجل على رجال، والركبان جمع راكب، مثل فرسان وفارس، قال القفال : ويقال إنه إنما يقال راكب لمن كان على جمل، فأما من كان على فرس فإنما يقال له فارس، والله أعلم. 
المسألة الرابعة : رجالا نصب على الحال، والعامل فيه محذوف، والتقدير : فصلوا رجالا أو ركبانا. 
المسألة الخامسة : صلاة الخوف قسمان أحدهما : أن تكون في حال القتال وهو المراد بهذه الآية والثاني : في غير حال القتال وهو المذكور في سورة النساء في قوله تعالى : وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك  وفي سياق الآيتين بيان اختلاف القولين. 
إذا عرفت هذا فنقول : إذا التحم القتال ولم يمكن ترك القتال لأحد، فمذهب الشافعي رحمه الله أنهم يصلون ركبانا على دوابهم ومشاة على أقدامهم إلى القبلة وإلى غير القبلة يؤمئون بالركوع والسجود، ويجعلون السجود أخفض من الركوع ويحترزون عن الصيحات لأنه لا ضرورة إليها وقال أبو حنيفة : لا يصلي الماشي بل يؤخر، واحتج الشافعي رحمه الله بهذه الآية من وجهين الأول : قال ابن عمر : فرجالا أو ركبانا  يعني مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها قال نافع : لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. 
الوجه الثاني : وهو أن الخوف الذي تجوز معه الصلاة مع الترجل والمشي ومع الركوب والركض لا يمكن معه المحافظة على الاستقبال، فصار قوله : فرجالا أو ركبانا  يدل على الترخص في ترك التوجه، وأيضا يدل على الترخص في ترك الركوع والسجود إلى الإيماء لأن مع الخوف الشديد من العدو لا يأمن الرجل على نفسه إن وقف في مكانه لا يتمكن من الركوع والسجود، فصح بما ذكرنا دلالة رجالا أو ركبانا على جواز ترك الاستقبال، وعلى جواز الاكتفاء بالإيماء في الركوع والسجود. 
إذا ثبت هذا فنتكلم فيما يسقط عنه وفيما لا يسقط، فنقول : لا شك أن الصلاة إنما تتم بمجموع أمور ثلاثة أحدها : فعل القلب وهو النية، وذلك لا يسقط لأنه لا يتبدل حال الخوف بسبب ذلك والثاني : فعل اللسان وهي القراءة، وهي لا تسقط عند الخوف، ولا يجوز له أيضا أن يتكلم حال الصلاة بكلام أجنبي، أو يأتي بصيحات لا ضرورة إليها والثالث : أعمال الجوارح فنقول : أما القيام والقعود فساقطان عنه لا محالة وأما الاستقبال فساقط على ما بيناه، وأما الركوع والسجود فالإيماء قائم مقامهما، فيجب أن يجعل الإيماء النائب عن السجود أخفض من الإيماء النائب عن الركوع، لأن هذا القدر ممكن، وأما ترك الطهارة فغير جائز لأجل الخوف، فإنه يمكنه التطهير بالماء أو التراب، إنما الخلاف في أنه إذا وجد الماء وامتنع عليه التوضي به هل يجوز له أن يتيمم بالغبار الذي يتمكن منه حال ركوبه، والأصح أنه يجوز، لأنه إذا كان خوف العطش يرخص التيمم، فالخوف على النفس أولى أن يرخص في ذلك، فهذا تفصيل قول الشافعي رحمه الله وبالجملة فاعتماده في هذا الباب على قوله عليه الصلاة والسلام :**«إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم »** واحتج أبو حنيفة بأنه عليه السلام أخر الصلاة يوم الخندق فوجب علينا ذلك أيضا. 
والجواب : أن يوم الخندق لم يبلغ الخوف هذا الحد ومع ذلك فإنه صلى الله عليه وسلم أخر الصلاة فعلمنا كون هذه الآية ناسخة لذلك الفعل. 
المسألة السادسة : اختلفوا في الخوف الذي يفيد هذه الرخصة وطريق الضبط أن نقول : الخوف إما أن يكون في القتال، أو في غير القتال، أما الخوف في القتال فإما أن يكون في قتال واجب، أو مباح، أو محظور، أما القتال الواجب فهو كالقتال مع الكفار وهو الأصل في صلاة الخوف، وفيه نزلت الآية، ويلتحق به قتال أهل البغي، قال تعالى : فقاتلوا التى تبغى حتى تفىء إلى أمر الله  وأما القتال المباح فقد قال القاضي أبو المحاسن الطبري في كتاب شرح المختصر : أن دفع الإنسان عن نفسه مباح غير واجب بخلاف ما إذا قصد الكافر نفسه، فإنه يجب الدفع لئلا يكون إخلالا بحق الإسلام. 
إذا عرفت هذا فنقول : أما القتال في الدفع عن النفس وفي الدفع عن كل حيوان محترم، فإنه يجوز فيه صلاة الخوف، أما قصد أخذ ماله، أو إتلاف حاله، فهل له أن يصلي صلاة شدة الخوف، فيه قولان : الأصح أن يجوز، واحتج الشافعي بقوله عليه السلام :**« من قتل دون ماله فهو شهيد »** فدل هذا على أن الدفع عن المال كالدفع عن النفس والثاني : لا يجوز لأن حرمة الزوج أعظم، أما القتال المحظور فإنه لا تجوز فيه صلاة الخوف، لأن هذا رخصة والرخصة إعانة والعاصي لا يستحق الإعانة، أما الخوف الحاصل لا في القتال، كالهارب من الحرق والغرق والسبع وكذا المطالب بالدين إذا كان معسرا خائفا من الحبس، عاجزا عن بينة الإعسار، فلهم أن يصلوا هذه الصلاة، لأن قوله تعالى : فإن خفتم  مطلق يتناول الكل. 
فإن قيل : قوله : فرجالا أو ركبانا  يدل على أن المراد منه الخوف من العدو حال المقاتلة. 
قلنا : هب أنه كذلك إلا أنه لما ثبت هناك دفعا للضرر، وهذا المعنى قائم ههنا، فوجب أن يكون ذلك الحكم مشروعا والله أعلم. 
المسألة الرابعة : روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : فرض الله على لسان نبيكم الصلاة في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة، والجمهور على أن الواجب في الحضر أربع، وفي السفر ركعتان سواء كان في الخوف أو لم يكن، وأن قول ابن عباس متروك. 
أما قوله تعالى : فإذا أمنتم  فالمعنى بزوال الخوف الذي هو سبب الرخصة  فاذكروا الله كما علمكم  وفيه قولان الأول : فاذكروا بمعنى فافعلوا الصلاة كما علمكم بقوله : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين  وكما بينه بشروطه وأركانه، لأن سبب الرخصة إذا زال عاد الوجوب فيه كما كان من قبل، والصلاة قد تسمى ذكرا لقوله تعالى : فاسعوا إلى ذكر الله . 
والقول الثاني : فاذكروا الله  أي فاشكروه لأجل إنعامه عليكم بالأمن، طعن القاضي في هذا القول وقال : إن هذا الذكر لما كان معلقا بشرط مخصوص، وهو حصول الأمن بعد الخوف لم يكن حمله على ذكر يلزم مع الخوف والأمن جميعا على حد واحد، ومعلوم أن مع الخوف يلزم الشكر، كما يلزم مع الأمن، لأن في كلا الحالين نعمة الله تعالى متصلة، والخوف ههنا من جهة الكفار لا من جهته تعالى، فالواجب حمل قوله تعالى : فاذكروا الله  على ذكر يختص بهذه الحالة. 
والقول الثالث : أنه دخل تحت قوله : فاذكروا الله  الصلاة والشكر جميعا، لأن الأمن بسبب الشكر محدد يلزم فعله مع فعل الصلاة في أوقاتها. 
أما قوله تعالى : كما علمكم  فبيان إنعامه علينا بالتعليم والتعريف، وأن ذلك من نعمه تعالى، ولولا هدايته لم نصل إلى ذلك، ثم إن أصحابنا فسروا هذا التعليم بخلق العلم والمعتزلة فسروه بوضع الدلائل، وفعل الألطاف، وقوله تعالى : ما لم تكونوا تعلمون  إشارة إلى ما قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم من زمان الجهالة والضلالة.

### الآية 2:240

> ﻿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ۚ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [2:240]

الحكم السابع عشر : الوفاة
قوله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم . 
**فيه مسائل :**
المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ونافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم  وصية  بالرفع، والباقون بالنصب، أما الرفع ففيه أقوال الأول : أن قوله : وصية  مبتدأ وقوله : لأزواجهم  خبر، وحسن الابتداء بالنكرة، لأنها متخصصة بسبب تخصيص الموضع، كما حسن قوله : سلام عليكم، وخير بين يديك والثاني : أن يكون قوله : وصية لأزواجهم  مبتدأ، ويضمر له خبر، والتقدير فعليهم وصية لأزواجهم، ونظيره قوله : فنصف ما فرضتم، فدية مسلمة، فصيام ثلاثة أيام  والثالث : تقدير الآية : الأمر وصية، أو المفروض، أو الحكم وصية، وعلى هذا الوجه أضمرنا المبتدأ والرابع : تقدير الآية : كتب عليكم وصية والخامس : تقديره : ليكون منكم وصية والسادس : تقدير الآية : ووصية الذين يتوفون منكم وصية إلى الحول، وكل هذه الوجوه جائزة حسنة، وأما قراءة النصب ففيها وجوه الأول : تقدير الآية فليوصوا وصية والثاني : تقديرها : توصون وصية، كقولك : إنما أنت سير البريد أي تسير سير البريد الثالث : تقديرها : ألزم الذين يتوفون وصية. 
أما قوله تعالى : متاعا  ففيه وجوه الأول : أن يكون على معنى : متعوهن متاعا، فيكون التقدير : فليوصوا لهن وصية، وليمتعوهن متاعا الثاني : أن يكون التقدير : جعل الله لهن ذلك متاعا لأن ما قبل الكلام يدل على هذا الثالث : أنه نصب على الحال. 
أما قوله : غير إخراج  ففيه قولان الأول : أنه نصب بوقوعه موقع الحال كأنه قال : متعوهن مقيمات غير مخرجات والثاني : انتصب بنزع الخافض، أراد من غير إخراج. 
المسألة الثانية : في هذه الآية ثلاثة أقوال الأول : وهو اختيار جمهور المفسرين، أنها منسوخة، قالوا : كان الحكم في ابتداء الإسلام أنه إذا مات الرجل لم يكن لامرأته من ميراثه شيء إلا النفقة والسكنى سنة، وكان الحول عزيمة عليها في الصبر عن التزوج، ولكنها كانت مخيرة في أن تعتد إن شاءت في بيت الزوج، وإن شاءت خرجت قبل الحول، لكنها متى خرجت سقطت نفقتها، هذا جملة ما في هذه الآية، لأنا إن قرأنا  وصية  بالرفع، كان المعنى : فعليهم وصية، وإن قرأناها بالنصب، كان المعنى : فليوصوا وصية، وعلى القراءتين هذه الوصية واجبة، ثم إن هذه الوصية صارت مفسرة بأمرين أحدهما : المتاع والنفقة إلى الحول والثاني : السكنى إلى الحول، ثم أنزل تعالى أنهن إن خرجن فلا جناح عليكم في ذلك، فثبت أن هذه الآية توجب أمرين أحدهما : وجوب النفقة والسكنى من مال الزوج سنة والثاني : وجوب الاعتداد سنة، لأن وجوب السكنى والنفقة من مال الميت سنة توجب المنع من التزوج بزوج آخر في هذه السنة، ثم إن الله تعالى نسخ هذين الحكمين، أما الوصية بالنفقة والسكنى فلأن القرآن دل على ثبوت الميراث لها، والسنة دلت على أنه لا وصية لوارث، فصار مجموع القرآن والسنة ناسخا للوصية للزوجة بالنفقة والسكنى في الحول، وأما وجوب العدة في الحول فهو منسوخ بقوله : يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا  فهذا القول هو الذي اتفق عليه أكثر المتقدمين والمتأخرين من المفسرين. 
القول الثاني : وهو قول مجاهد : أن الله تعالى أنزل في عدة المتوفى عنها زوجها آيتين أحدهما : ما تقدم وهو قوله : يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا  والأخرى : هذه الآية، فوجب تنزيل هاتين الآيتين على حالتين. فنقول : إنها إن لم تختر السكنى في دار زوجها ولم تأخذ النفقة من مال زوجها، كانت عدتها أربعة أشهر وعشرا على ما في تلك الآية المتقدمة، وأما إن اختارت السكنى في دار زوجها، والأخذ من ماله وتركته، فعدتها هي الحول، وتنزيل الآيتين على هذين التقديرين أولى، حتى يكون كل واحد منهما معمولا به. 
القول الثالث : وهو قول أبي مسلم الأصفهاني : أن معنى الآية : من يتوفى منكم ويذرون أزواجا، وقد وصوا وصية لأزواجهم بنفقة الحول وسكنى الحول فإن خرجن قبل ذلك وخالفن وصية الزوج بعد أن يقمن المدة التي ضربها الله تعالى لهن فلا حرج فيما فعلن في أنفسهن من معروف أي نكاح صحيح، لأن إقامتهن بهذه الوصية غير لازمة، قال : والسبب أنهم كانوا في زمان الجاهلية يوصون بالنفقة والسكنى حولا كاملا، وكان يجب على المرأة الاعتداد بالحول، فبين الله تعالى في هذه الآية أن ذلك غير واجب، وعلى هذا التقدير فالنسخ زائل، واحتج على قوله بوجوه أحدها : أن النسخ خلاف الأصل فوجب المصير إلى عدمه بقدر الإمكان الثاني : أن يكون الناسخ متأخرا عن المنسوخ في النزول، وإذا كان متأخرا عنه في النزول كان الأحسن أن يكون متأخرا عنه في التلاوة أيضا، لأن هذا الترتيب أحسن، فأما تقدم الناسخ على المنسوخ في التلاوة، فهو وإن كان جائزا في الجملة، إلا أنه يعد من سوء الترتيب وتنزيه كلام الله تعالى عنه واجب بقدر الإمكان ولما كانت هذه الآية متأخرة عن تلك التلاوة، كان الأولى أن لا يحكم بكونها منسوخة بتلك. 
الوجه الثالث : وهو أنه ثبت في علم أصول الفقه أنه متى وقع التعارض بين النسخ وبين التخصيص، كان التخصيص أولى، وههنا إن خصصنا هاتين الآيتين بالحالتين على ما هو قول مجاهد اندفع النسخ فكان المصير إلى قول مجاهد أولى من التزام النسخ من غير دليل، وأما على قول أبي مسلم فالكلام أظهر، لأنكم تقولون تقدير الآية : فعليهم وصية لأزواجهم، أو تقديرها : فليوصوا وصية، فأنتم تضيفون هذا الحكم إلى الله تعالى، وأبو مسلم يقول : بل تقدير الآية : والذين يتوفون منكم ولهم وصية لأزواجهم، أو تقديرها : وقد أوصوا وصية لأزواجهم، فهو يضيف هذا الكلام إلى الزوج، وإذا كان لا بد من الإضمار فليس إضماركم أولى من إضماره، ثم على تقدير أن يكون الإضمار ما ذكرتم يلزم تطرق النسخ إلى الآية، وعند هذا يشهد كل عقل سليم بأن إضمار أبي مسلم أولى من إضماركم، وأن التزام هذا النسخ التزام له من غير دليل، مع ما في القول بهذا النسخ من سوء الترتيب الذي يجب تنزيه كلام الله تعالى عنه، وهذا كلام واضح. 
وإذا عرفت هذا فنقول : هذه الآية من أولها إلى آخرها تكون جملة واحدة شرطية، فالشرط هو قوله : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج  فهذا كله شرط، والجزاء هو قوله : فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن فى أنفسهن من معروف  فهذا تقرير قول أبي مسلم، وهو في غاية الصحة. 
المسألة الثالثة : المعتدة عن فرقة الوفاة لا نفقة لها ولا كسوة، حاملا كانت أو حائلا، وروي عن علي عليه السلام وابن عمر رضي الله عنهما، أن لها النفقة إذا كانت حاملا، وعن جابر وابن عباس رضي الله عنهم أنهما قالا لا نفقة لها حسبها الميراث، وهل تستحق السكنى فيه قولان أحدهما : لا تستحق السكنى وهو قول علي عليه السلام وابن عباس وعائشة، ومذهب أبي حنيفة واختيار المزني والثاني : تستحق وهو قول عمر وعثمان وابن مسعود وأم سلمة رضي الله عنهم وبه قال مالك والثوري وأحمد، وبناء القولين على خبر فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري قتل زوجها قالت : فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أرجع إلى أهلي فإن زوجي ما تركني في منزل يملكه فقال عليه السلام :**« نعم فانصرفت حين إذا كنت في المسجد أو في الحجرة دعاني فقال : امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله »**، واختلفوا في تنزيل هذا الحديث، قيل لم يوجب في الابتداء، ثم أوجب فصار الأول منسوخا، وقيل : أمرها بالمكث في بيتها أمرا على سبيل الاستحباب لا على سبيل الوجوب، واحتج المزني رحمه الله على أنه لا سكنى لها، فقال : أجمعنا على أنه لا نفقة لها، لأن الملك انقطع بالموت، فكذلك السكنى، بدليل أنهم أجمعوا على أن من وجب له نفقة وسكنى من والد وولد على رجل فمات انقطعت نفقتهم وسكناهم، لأن ماله صار ميراثا للورثة، فكذا ههنا. 
أجاب الأصحاب فقالوا : لا يمكن قياس السكنى على النفقة لأن المطلقة الثلاث تستحق السكنى بكل حال ولا تستحق النفقة لنفسها عند المزني ولأن النفقة وجبت في مقابلة التمكين من الاستمتاع ولا يمكن ههنا، وأما السكنى فوجبت لتحصين النساء وهو موجود ههنا فافترقا. 
إذا عرفت هذا فنقول : القائلون بأن هذه الآية منسوخة لا بد وأن يختلف قولهم بسبب هذه المسألة، وذلك لأن هذه الآية توجب النفقة والسكنى، أما وجوب النفقة فقد صار منسوخا، وأما وجوب السكنى فهل صار منسوخا أم لا ؟ والكلام فيه ما ذكرناه. 
المسألة الرابعة : القائلون بأن هذه الوصية كانت واجبة أوردوا على أنفسهم سؤالا فقالوا : الله تعالى ذكر الوفاة، ثم أمر بالوصية، فكيف يوصي المتوفي ؟ وأجابوا عنه بأن المعنى : والذين يقاربون الوفاة ينبغي أن يفعلوا هذا فالوفاة عبارة عن الإشراف عليها وجواب آخر وهو أن هذه الوصية يجوز أن تكون مضافة إلى الله تعالى بمعنى أمره وتكليفه، كأنه قيل : وصية من الله لأزواجهم، كقوله : يوصيكم الله فى أولادكم  وإنما يحسن هذا المعنى على قراءة من قرأ بالرفع. 
أما قوله تعالى : فلا جناح عليكم  فالمعنى : لا جناح عليكم يا أولياء الميت فيما فعلن في أنفسهن من التزين، ومن الإقدام على النكاح، وفي رفع الجناح وجهان أحدهما : لا جناح في قطع النفقة عنهن إذا خرجن قبل انقضاء الحول والثاني : لا جناح عليكم في ترك منعهم من الخروج، لأن مقامها حولا في بيت زوجها ليس بواجب عليها.

### الآية 2:241

> ﻿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [2:241]

الحكم الثامن عشر : في المطلقات
قوله تعالى  وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون . 
يروى أن هذه الآية إنما نزلت، لأن الله تعالى لما أنزل قوله تعالى : ومتعوهن  إلى قوله : حقا على المحسنين  قال رجل من المسلمين : إن أردت فعلت، وإن لم أرد لم أفعل، فقال تعالى : وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين  يعني على كل من كان متقيا عن الكفر، واعلم أن المراد من المتاع ههنا فيه قولان أحدهما : أنه هو المتعة، فظاهر هذه الآية يقتضي وجوب هذه المتعة لكل المطلقات، فمن الناس من تمسك بظاهر هذه الآية وأوجب المتعة لجميع المطلقات، وهو قول سعيد بن جبير وأبي العالية والزهري قال الشافعي رحمه الله تعالى : لكل مطلقة إلا المطلقة التي فرض لها مهر ولم يوجد في حقها المسيس، وهذه المسألة قد ذكرناها في تفسير قوله تعالى : ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره . 
فإن قيل : لم أعيد ههنا ذكر المتعة مع أن ذكرها قد تقدم في قوله : ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره . 
قلنا : هناك ذكر حكما خاصا، وههنا ذكر حكما عاما. 
والقول الثاني : أن المراد بهذه المتعة النفقة، والنفقة قد تسمى متاعا وإذا حملنا هذا المتاع على النفقة اندفع التكرار فكان ذلك أولى، وههنا آخر الآيات الدالة على الأحكام، الله أعلم.

### الآية 2:242

> ﻿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [2:242]

وَأَمَّا السُّكْنَى فَوَجَبَتْ لِتَحْصِينِ النِّسَاءِ وَهُوَ مَوْجُودٌ هاهنا فَافْتَرَقَا.
 إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: الْقَائِلُونَ بِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ لَا بُدَّ وَأَنْ يَخْتَلِفَ قَوْلُهُمْ بِسَبَبِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تُوجِبُ النَّفَقَةَ وَالسُّكْنَى، أَمَّا وُجُوبُ النَّفَقَةِ فَقَدْ صَارَ مَنْسُوخًا، وَأَمَّا وُجُوبُ السُّكْنَى فَهَلْ صَارَ مَنْسُوخًا أَمْ لَا؟ وَالْكَلَامُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ.
 الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: الْقَائِلُونَ بِأَنَّ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ كَانَتْ وَاجِبَةً أَوْرَدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ سُؤَالًا فَقَالُوا: اللَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ الْوَفَاةَ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْوَصِيَّةِ، فَكَيْفَ يُوصِي الْمُتَوَفَّى؟ وَأَجَابُوا عَنْهُ بِأَنَّ الْمَعْنَى: وَالَّذِينَ يُقَارِبُونَ الْوَفَاةَ يَنْبَغِي أَنَّ يَفْعَلُوا هَذَا فَالْوَفَاةُ عِبَارَةٌ عَنِ الْإِشْرَافِ عَلَيْهَا وَجَوَابٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُضَافَةً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَعْنَى أَمْرِهِ وَتَكْلِيفِهِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: وَصِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ لِأَزْوَاجِهِمْ، كَقَوْلِهِ: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ \[النِّسَاءِ: ١١\] وَإِنَّمَا يَحْسُنُ هَذَا الْمَعْنَى عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ بِالرَّفْعِ.
 أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فَالْمَعْنَى: لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ يَا أَوْلِيَاءَ الْمَيِّتِ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنَ التَّزَيُّنِ، وَمِنَ الْإِقْدَامِ عَلَى النِّكَاحِ، وَفِي رَفْعِ الْجُنَاحِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: لَا جُنَاحَ فِي قَطْعِ النَّفَقَةِ عَنْهُنَّ إِذَا خَرَجْنَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَوْلِ وَالثَّانِي: لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي تَرْكِ مَنْعِهِنَّ مِنَ الْخُرُوجِ، لِأَنَّ مُقَامَهَا حَوْلًا فِي بَيْتِ زَوْجِهَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عليها.
 \[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٤١ الى ٢٤٢\]
 وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)
 الحكم الثامن عشر في المطلقات
 يُرْوَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ إِنَّمَا نَزَلَتْ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَنْزَلَ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَمَتِّعُوهُنَّ إِلَى قَوْلِهِ: حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ \[الْبَقَرَةِ: ٢٣٦\] قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: إِنْ أَرَدْتُ فَعَلْتُ، وَإِنْ لَمْ أُرِدْ لَمْ أَفْعَلْ، فَقَالَ تَعَالَى:
 وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ يَعْنِي عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ مُتَّقِيًا عَنِ الْكُفْرِ، وَاعْلَمْ أن المراد من المتاع هاهنا فِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ هُوَ الْمُتْعَةُ، فَظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ يَقْتَضِي وُجُوبَ هَذِهِ الْمُتْعَةِ لِكُلِّ الْمُطَلَّقَاتِ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ تَمَسَّكَ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ وَأَوْجَبَ الْمُتْعَةَ لِجَمِيعِ الْمُطَلَّقَاتِ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَالزُّهْرِيِّ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ إِلَّا الْمُطَلَّقَةَ الَّتِي فُرِضَ لَهَا مَهْرٌ وَلَمْ يُوجَدْ فِي حَقِّهَا الْمَسِيسُ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ \[الْبَقَرَةِ: ٢٣٦\].
 فَإِنْ قِيلَ: لم أعيد هاهنا ذِكْرُ الْمُتْعَةِ مَعَ أَنَّ ذِكْرَهَا قَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ.
 قُلْنَا: هُنَاكَ ذَكَرَ حُكْمًا خَاصًّا، وهاهنا ذَكَرَ حُكْمًا عَامًّا.

### الآية 2:243

> ﻿۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ [2:243]

من قصص بني إسرائيل
قوله تعالى  ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون . 
اعلم أن عادته تعالى في القرآن أن يذكر بعد بيان الأحكام القصص ليفيد الإعتبار للسامع، ويحمله ذلك الإعتبار على ترك التمرد والعناد، ومزيد الخضوع والانقياد فقال : ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم  أما قوله : ألم تر  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن الرؤية قد تجىء بمعنى رؤية البصيرة والقلب، وذلك راجع إلى العلم، كقوله : وأرنا مناسكنا  معناه : علمنا، وقال : لتحكم بين الناس بما أراك الله  أي علمك، ثم إن هذا اللفظ قد يستعمل فيما تقدم للمخاطب العلم به، وفيما لا يكون كذلك فقد يقول الرجل لغيره يريد تعريفه ابتداء : ألم تر إلى ما جرى على فلان، فيكون هذا ابتداء تعريف، فعلى هذا يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرف هذه القصة إلا بهذه الآية، ويجوز أن نقول : كان العلم بها سابقا على نزول هذه الآية، ثم إن الله تعالى أنزل هذه الآية على وفق ذلك العلم. 
المسألة الثانية : هذا الكلام ظاهره خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه لا يبعد أن يكون المراد هو وأمته، إلا أنه وقع الابتداء بالخطاب معه، كقوله تعالى : يا أيها النبى إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن . 
المسألة الثالثة : دخول لفظة  إلى  في قوله تعالى : ألم تر إلى الذين  يحتمل أن يكون لأجل أن  إلى  عندهم حرف للانتهاء كقولك : من فلان إلى فلان، فمن علم بتعليم معلم، فكأن ذلك المعلم أوصل ذلك المتعلم إلى ذلك المعلوم وأنهاه إليه، فحسن من هذا الوجه دخول حرف  إلى  فيه، ونظيره قوله تعالى : ألم تر إلى ربك كيف مد الظل . 
أما قوله : إلى الذين خرجوا من ديارهم  ففيه روايات أحدها : قال السدي : كانت قرية وقع فيها الطاعون وهرب عامة أهلها، والذين بقوا مات أكثرهم، وبقي قوم منهم في المرض والبلاء، ثم بعد ارتفاع المرض والطاعون رجع الذين هربوا سالمين، فقال من بقي من المرضى : هؤلاء أحرص منا، لو صنعنا ما صنعوا لنجونا من الأمراض والآفات، ولئن وقع الطاعون ثانيا خرجنا فوقع وهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفا، فلما خرجوا من ذلك الوادي، ناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه : أن موتوا، فهلكوا وبليت أجسامهم، فمر بهم نبي يقال له حزقيل، فلما رآهما وقف عليهم وتفكر فيهم فأوحى الله تعالى إليه أتريد أن أريك كيف أحييهم ؟ فقال نعم فقيل له : ناد أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي، فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض حتى تمت العظام ثم أوحى الله إليه : ناد يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحما ودما، فصارت لحما ودما، ثم قيل : ناد إن الله يأمرك أن تقومي فقامت، فلما صاروا أحياء قاموا، وكانوا يقولون :**«سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت »** ثم رجعوا إلى قريتهم بعد حياتهم، وكانت أمارات أنهم ماتوا ظاهرة في وجوههم ثم بقوا إلى أن ماتوا بعد ذلك بحسب آجالهم. 
الرواية الثانية : قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن ملكا من ملوك بني إسرائيل أمر عسكره بالقتال، فخافوا القتال وقالوا لملكهم : إن الأرض التي نذهب إليها فيها الوباء، فنحن لا نذهب إليها حتى يزول ذلك الوباء، فأماتهم الله تعالى بأسرهم، وبقوا ثمانية أيام حتى انتفخوا، وبلغ بني إسرائيل موتهم، فخرجوا لدفنهم، فعجزوا من كثرتهم، فحظروا عليهم حظائر، فأحياهم الله بعد الثمانية، وبقي فيهم شيء من ذلك النتن وبقي ذلك في أولادهم إلى هذا اليوم، واحتج القائلون بهذا القول بقوله تعالى عقيب هذه الآية  وقاتلوا في سبيل الله . 
والرواية الثالثة : أن حزقيل النبي عليه السلام ندب قومه إلى الجهاد فكرهوا وجبنوا، فأرسل الله عليهم الموت، فلما كثر فيهم خرجوا من ديارهم فرارا من الموت، فلما رأى حزقيل ذلك قال : اللهم إله يعقوب وإله موسى ترى معصية عبادك فأرهم آية في أنفسهم تدلهم على نفاذ قدرتك وأنهم لا يخرجون عن قبضتك، فأرسل الله عليهم الموت، ثم إنه عليه السلام ضاق صدره بسبب موتهم، فدعا مرة أخرى فأحياهم الله تعالى. 
أما قوله تعالى : وهم ألوف  ففيه قولان الأول : أن المراد منه بيان العدد، واختلفوا في مبلغ عددهم، قال الواحدي رحمه الله : ولم يكونوا دون ثلاثة آلاف، ولا فوق سبعين ألفا، والوجه من حيث اللفظ أن يكون عددهم أزيد من عشرة آلاف لأن الألوف جمع الكثرة، ولا يقال في عشرة فما دونها ألوف. 
والقول الثاني : أن الألوف جمع آلاف كقعود وقاعد، وجلوس وجالس، والمعنى أنهم كانوا مؤتلفي القلوب، قال القاضي : الوجه الأول أولى، لأن ورود الموت عليهم وهم كثرة عظيمة يفيد مزيد اعتبار بحالهم، لأن موت جمع عظيم دفعة واحدة لا يتفق وقوعه يفيد اعتبارا عظيما، فأما ورود الموت على قوم بينهم ائتلاف ومحبة، كوروده وبينهم اختلاف في أن وجه الاعتبار لا يتغير ولا يختلف. 
ويمكن أن يجاب عن هذا السؤال بأن المراد كون كل واحد منهم آلفا لحياته، محبا لهذه الدنيا فيرجع حاصله إلى ما قال تعالى في صفتهم : ولتجدنهم أحرص الناس على حياة  ثم إنهم مع غاية حبهم للحياة والفهم بها، أماتهم الله تعالى وأهلكهم، ليعلم أن حرص الإنسان على الحياة لا يعصمه من الموت فهذا القول على هذا الوجه ليس في غاية البعد. 
أما قوله : حذر الموت  فهو منصوب لأنه مفعول له، أي لحذر الموت، ومعلوم أن كل أحد يحذر الموت، فلما خص هذا الموضع بالذكر، علم أن سبب الموت كان في تلك الواقعة أكثر، إما لأجل غلبة الطاعون أو لأجل الأمر بالمقاتلة. 
أما قوله تعالى : فقال لهم الله موتوا  ففي تفسير  قال الله  وجهان الأول : أنه جار مجرى قوله : إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون  وقد تقدم أنه ليس المراد منه إثبات قول، بل المراد أنه تعالى متى أراد ذلك وقع من غير منع وتأخير، ومثل هذا عرف مشهور في اللغة، ويدل عليه قوله : ثم أحياهم  فإذا صح الإحياء بالقول، فكذا القول في الإماتة. 
والقول الثاني : أنه تعالى أمر الرسول أن يقول لهم : موتوا، وأن يقول عند الإحياء ما رويناه عن السدي، ويحتمل أيضا ما رويناه من أن الملك قال ذلك، والقول الأول أقرب إلى التحقيق. 
أما قوله تعالى : ثم أحياهم  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : الآية دالة على أنه تعالى أحياهم بعد أن ماتوا فوجب القطع به، وذلك لأنه في نفسه جاء والصادق أخبر عن وقوعه فوجب القطع بوقوعه، أما الإمكان فلأن تركب الأجزاء على الشكل المخصوص ممكن، وإلا لما وجد أولا، واحتمال تلك الأجزاء للحياة ممكن وإلا لما وجد أولا، ومتى ثبت هذا فقد ثبت الإمكان، وأما إن الصادق قد أخبر عنه ففي هذه الآية، ومتى أخبر الصادق عن وقوع ما ثبت في العقل إمكان وقوعه وجب القطع به. 
المسألة الثانية : قالت المعتزلة : إحياء الميت فعل خارق للعادة، ومثل هذا لا يجوز من الله تعالى إظهاره إلا عندما يكون معجزة لنبي، إذ لو جاز ظهوره لا لأجل أن يكون معجزة لنبي لبطلت دلالته على النبوة، وأما عند أصحابنا فإنه يجوز إظهار خوارق العادات لكرامة الولي، ولسائر الأغراض، فكأن هذا الحصر باطلا، ثم قالت المعتزلة : وقد روي أن هذا الإحياء إنما وقع في زمان حزقيل النبي عليه السلام ببركة دعائه، وهذا يحقق ما ذكرناه من أن مثل هذا لا يوجد إلا ليكون معجزة للأنبياء عليهم السلام، وقيل : حزقيل هو ذو الكفل، وإنما سمي بذلك لأنه تكفل بشأن سبعين نبيا وأنجاهم من القتل، وقيل : إنه عليه السلام مر بهم وهم موتى فجعل يفكر فيهم متعجبا، فأوحى الله تعالى إليه : إن أردت أحييتهم وجعلت ذلك الإحياء آية لك، فقال : نعم فأحياهم الله تعالى بدعائه. 
المسألة الثالثة : أنه قد ثبت بالدلائل أن معارف المكلفين تصير ضرورية عند القرب من الموت : وعند معاينة الأهوال والشدائد، فهؤلاء الذين أماتهم الله ثم أحياهم لا يخلو إما أن يقال إنهم عاينوا الأهوال والأحوال التي معها صارت معارفهم ضرورية، وإما ما شاهدوا شيئا من تلك الأهوال بل الله تعالى أماتهم بغتة، كالنوم الحادث من غير مشاهدة الأهوال ألبتة، فإن كان الحق هو الأول، فعندما أحياهم يمتنع أن يقال : إنهم نسوا تلك الأهوال ونسوا ما عرفوا به ربهم بضرورة العقل، لأن الأحوال العظيمة لا يجوز نسيانها مع كمال العقل، فكان يجب أن تبقى تلك المعارف الضرورية معهم بعد الإحياء، وبقاء تلك المعارف الضرورية يمنع من صحة التكليف، كما أنه لا يبقى التكليف في الآخرة، وإما أن يقال : إنهم بقوا بعد الإحياء غير مكلفين، وليس في الآية ما يمنع منه، أو يقال : إن الله تعالى حين أماتهم ما أراهم شيئا من الآيات العظيمة التي تصير معارفهم عندها ضرورية، وما كان ذلك الموت كموت سائر المكلفين الذين يعاينون الأهوال عند القرب من الموت، والله أعلم بحقائق الأمور. 
المسألة الرابعة : قال قتادة : إنما أحياهم ليستوفوا بقية آجالهم، وهذا القول فيه كلام كثير وبحث طويل. 
أما قوله تعالى : إن الله لذو فضل على الناس  ففيه وجوه أحدها : أنه تفضل على أولئك الأقوام الذين أماتهم بسبب أنه أحياهم، وذلك لأنهم خرجوا من الدنيا على المعصية، فهو تعالى أعادهم إلى الدنيا ومكنهم من التوبة والتلافي وثانيها : أن العرب الذين كانوا ينكرون المعاد كانوا متمسكين بقول اليهود في كثير من الأمور، فلما نبه الله تعالى اليهود على هذه الواقعة التي كانت معلومة لهم، وهم يذكرونها للعرب المنكرين للمعاد، فالظاهر أن أولئك المنكرين يرجعون من الدين الباطل الذي هو الإنكار إلى الدين الحق الذي هو الإقرار بالبعث والنشور فيخلصون من العقاب، ويستحقون الثواب، فكان ذكر هذه القصة فضلا من الله تعالى وإحسانا في حق هؤلاء المنكرين وثالثها : أن هذه القصة تدل على أن الحذر من الموت لا يفيد، فهذه القصة تشجع الإنسان على الإقدام على طاعة الله تعالى كيف كان، وتزيل عن قلبه الخوف من الموت، فكان ذكر هذه القصة سببا لبعد العبد عن المعصية وقربه من الطاعة التي بها يفوز بالثواب العظيم، فكان ذكر هذه القصة فضلا وإحسانا من الله تعالى على عبده، ثم قال : ولكن أكثر الناس لا يشكرون  وهو كقوله : فأبى أكثر الناس إلا كفورا .

### الآية 2:244

> ﻿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [2:244]

قوله تعالى : وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم  فيه قولان الأول : أن هذا خطاب للذين أحيوا، قال الضحاك : أحياهم ثم أمرهم بأن يذهبوا إلى الجهاد لأنه تعالى إنما أماتهم بسبب أن كرهوا الجهاد. 
واعلم أن القول لا يتم إلا بإضمار محذوف تقديره : وقيل لهم قاتلوا. 
والقول الثاني : وهو اختيار جمهور المحققين : أن هذا استئناف خطاب للحاضرين، يتضمن الأمر بالجهاد إلا أنه سبحانه بلطفه ورحمته قدم على الأمر بالقتال ذكر الذين خرجوا من ديارهم لئلا ينكص عن أمر الله بحب الحياة بسبب خوف الموت، وليعلم كل أحد أنه يترك القتال لا يثق بالسلامة من الموت، كما قال في قوله : قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا  فشجعهم على القتال الذي به وعد إحدى الحسنيين، إما في العاجل الظهور على العدو، أو في الآجل الفوز بالخلود في النعيم، والوصول إلى ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين. 
أما قوله تعالى : فى سبيل الله  فالسبيل هو الطريق، وسميت العبادات سبيلا إلى الله تعالى من حيث أن الإنسان يسلكها، ويتوصل إلى الله تعالى بها، ومعلوم أن الجهاد تقوية للدين، فكان طاعة، فلا جرم كان المجاهد مقاتلا في سبيل الله ثم قال : واعلموا أن الله سميع عليم  أي هو يسمع كلامكم في ترغيب الغير في الجهاد، وفي تنفير الغير عنه، وعليم بما في صدوركم من البواعث والأغراض وأن ذلك الجهاد لغرض الدين أو لعاجل الدنيا.

### الآية 2:245

> ﻿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [2:245]

قوله تعالى  من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون  في الآية مسائل :
المسألة الأولى : أنه تعالى لما أمر بالقتال في سبيل الله ثم أردفه بقوله : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا  اختلف المفسرون فيه على قولين الأول أن هذه الآية متعلقة بما قبلها والمراد منها القرض في الجهاد خاصة، فندب العاجز عن الجهاد أن ينفق على الفقير القادر على الجهاد، وأمر القادر على الجهاد أن ينفق على نفسه في طريق الجهاد، ثم أكد تعالى ذلك بقوله : والله يقبض ويبسط  وذلك لأن من علم ذلك كان اعتماده على فضل الله تعالى أكثر من اعتماده على ماله وذلك يدعوه إلى إنفاق المال في سبيل الله، والاحتراز عن البخل بذلك الإنفاق. 
والقول الثاني : أن هذا الكلام مبتدأ لا تعلق له بما قبله، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا فمنهم من قال : المراد من هذا القرض إنفاق المال، ومنهم من قال : إنه غيره، والقائلون بأنه إنفاق المال لهم ثلاثة أقوال الأول : أن المراد من الآية ما ليس بواجب من الصدقة، وهو قول الأصم واحتج عليه بوجهين الأول : أنه تعالى سماه بالقرض والقرض لا يكون إلا تبرعا. 
الحجة الثانية : سبب نزول الآية قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت الآية في أبي الدحداح قال :" يا رسول الله إن لي حديقتين فإن تصدقت بإحداهما فهل لي مثلاها في الجنة ؟ قال : نعم، قال : وأم الدحداح معي ؟ قال : نعم، قال : والصبية معي ؟ قال : نعم، فتصدق بأفضل حديقته، وكانت تسمى الحنينة، فرجع أبو الدحداح إلى أهله وكانوا في الحديقة التي تصدق بها، فقام على باب الحديقة، وذكر ذلك لامرأته فقالت أم الحداح : بارك الله لك فيما اشتريت، فخرجوا منها وسلموها، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : كم من نخلة رداح، تدلي عروقها في الجنة لأبي الدحداح ". 
إذا عرفت سبب نزول هذه الآية ظهر أن المراد بهذا القرض ما كان تبرعا لا واجبا. 
والقول الثاني : أن المراد من هذا القرض الإنفاق الواجب في سبيل الله، واحتج هذا القائل على قوله بأنه تعالى ذكر في آخر الآية : وإليه ترجعون  وذلك كالزجر، وهو إنما يليق بالواجب. 
والقول الثالث : وهو الأقرب أنه يدخل فيه كلا القسمين، كما أنه داخل تحت قوله : مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت  من قال : المراد من هذا القرض شيء سوى إنفاق المال، قالوا : روي عن بعض أصحاب ابن مسعود أنه قول الرجل **«سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر »** قال القاضي : وهذا بعيد، لأن لفظ الإقراض لا يقع عليه في عرف اللغة ثم قال : ولا يمكن حمل هذا القول على الصحة، إلا أن نقول : الفقير الذي لا يملك شيئا إذا كان في قلبه أنه لو كان قادرا لأنفق وأعطى فحينئذ تكون تلك النية قائمة مقام الإنفاق، وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :
**« من لم يكن عنده ما يتصدق به فليلعن اليهود فإنه له صدقة »**. 
المسألة الثانية : اختلفوا في أن إطلاق لفظ القرض على هذا الإنفاق حقيقة أو مجاز، قال الزجاج : إنه حقيقة، وذلك لأن القرض هو كل ما يفعل ليجازى عليه، تقول العرب : لك عندي قرض حسن وسيء، والمراد منه الفعل الذي يجازى عليه، قال أمية بن أبي الصلت :

كل امرىء سوف يجزى قرضه حسنا  أو سيئا أو مدينا كالذي داناومما يدل على أن القرض ما ذكرناه أن القرض أصله في اللغة القطع، ومنه القراض، وانقرض القوم إذا هلكوا، وذلك لانقطاع أثرهم فإذا أقرض فالمراد قطع له من ماله أو عمله قطعة يجازى عليها. 
والقول الثاني : أن لفظ القرض ههنا مجاز، وذلك لأن القرض هو أن يعطي الإنسان شيئا ليرجع إليه مثله وههنا المنفق في سبيل الله إنما ينفق ليرجع إليه بدله إلا أنه جعل الاختلاف بين هذا الإنفاق وبين القرض من وجوه أحدها : أن القرض إنما يأخذه من يحتاج إليه لفقره وذلك في حق الله تعالى محال وثانيها : أن البدل في القرض المعتاد لا يكون إلا المثل، وفي هذا الإنفاق هو الضعف وثالثها : أن المال الذي يأخذه المستقرض لا يكون ملكا له، ههنا هذا المال المأخوذ ملك لله، ثم مع حصول هذه الفروق سماه الله قرضا، والحكمة فيه التنبيه على أن ذلك لا يضيع عند الله، فكما أن القرض يجب أداؤه لا يجوز الإخلال به فكذا الثواب الواجب على هذا الإنفاق واصل إلى المكلف لا محالة، ويروى أنه لما نزلت هذه الآية قالت اليهود : إن الله فقير ونحن أغنياء، فهو يطلب منا القرض، وهذا الكلام لائق بجهلهم وحمقهم، لأن الغالب عليهم التشبيه، ويقولون : إن معبودهم شيخ، قال القاضي : من يقول في معبوده مثل هذا القول لا يستبعد منه أن يصفه بالفقر. 
فإن قيل : فما معنى قوله تعالى : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا  ولأي فائدة جرى الكلام على طريق الاستفهام. 
قلنا : إن ذلك في الترغيب في الدعاء إلى الفعل أقرب من ظاهر الأمر. 
أما قوله تعالى : قرضا حسنا  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : قال الواحدي : القرض في هذه الآية اسم لا مصدر، ولو كان مصدرا لكان ذلك إقراضا. 
المسألة الثانية : كون القرض حسنا يحتمل وجوها أحدها : أراد به حلالا خالصا لا يختلط به الحرام، لأن مع الشبهة يقع الاختلاط، ومع الاختلاط ربما قبح الفعل وثانيها : أن لا يتبع ذلك الإنفاق منا ولا أذى وثالثها : أن يفعله على نية التقرب إلى الله تعالى، لأن ما يفعل رياء وسمعة لا يستحق به الثواب. 
أما قوله تعالى : فيضاعفه له  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : في قوله : فيضاعفه  أربع قراءات أحدها : قرأ أبو عمرو ونافع وحمزة والكسائي  فيضاعفه  بالألف والرفع والثاني : قرأ عاصم  فيضاعفه  بألف والنصب والثالث : قرأ ابن كثير  فيضعفه  بالتشديد والرفع بلا ألف والرابع : قرأ ابن عامر  فيضعفه  بالتشديد والنصب. 
فنقول : أما التشديد والتخفيف فهما لغتان، ووجه الرفع العطف على يقرض، ووجه النصب أن يحمل الكلام على المعنى لا على اللفظ لأن المعنى يكون قرضا فيضاعفه، والاختيار الرفع لأن فيه معنى الجزاء، وجواب الجزاء بالفاء لا يكون إلا رفعا. 
المسألة الثانية : التضعيف والإضعاف والمضاعفة واحد وهو الزيادة على أصل الشيء حتى يبلغ مثلين أو أكثر، وفي الآية حذف، والتقدير : فيضاعف ثوابه. 
أما قوله تعالى : أضعافا كثيرة  فمنهم من ذكر فيه قدرا معينا، وأجود ما يقال فيه : إنه القدر المذكور في قوله تعالى : مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل  فيقال يحمل المجمل على المفسر لأن كلتا الآيتين وردتا في الإنفاق، ويمكن أن يجاب عنه بأنه تعالى لم يقتصر في هذه الآية على التحديد، بل قال بعده : والله يضاعف لمن يشاء . 
والقول الثاني : وهو الأصح واختيار السدي : أن هذا التضعيف لا يعلم أحد ما هو وكم هو ؟ وإنما أبهم تعالى ذلك لأن ذكر المبهم في باب الترغيب أقوى من ذكر المحدود. 
أما قوله تعالى : والله يقبض ويبسط  ففي بيان أن هذا كيف يناسب ما تقدم وجوه أحدها : أن المعنى أنه تعالى لما كان هو القابض الباسط، فإن كان تقدير هذا الذي أمر بإنفاق المال الفقر فلينفق المال في سبيل الله، فإنه سواء أنفق أو لم ينفق فليس له إلا الفقر، وإن كان تقديره الغني فلينفق فإنه سواء أنفق أو لم ينفق فليس له إلا الغنى والسعة وبسط اليد، فعلى كلا التقديرين يكون إنفاق المال في سبيل الله أولى وثانيها : أن الإنسان إذا علم أن القبض والبسط بالله انقطع نظره عن مال الدنيا، وبقي اعتماده على الله، فحينئذ يسهل عليه إنفاق المال في سبيل مرضاة الله تعالى وثالثها : أنه تعالى يوسع عن عباده ويقتر، فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم، لئلا يبدل السعة الحاصلة لكم بالضيق ورابعها : أنه تعالى لما أمرهم بالصدقة وحثهم عليها أخبر أنه لا يمكنهم ذلك إلا بتوفيقه وإعانته، فقال : والله يقبض ويبسط  يعني يقبض القلوب حتى لا تقدم على هذه الطاعة، ويبسط بعضها حتى يقدم على هذه الطاعة، ثم قال : وإليه ترجعون  والمراد به إلى حيث لا حاكم ولا مدبر سواه، والله أعلم.

### الآية 2:246

> ﻿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [2:246]

القصة الثانية
قصة طالوت
قوله عز وجل  ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا قالوا ومالنا أن لا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين . 
الملأ الأشراف من الناس، وهو اسم الجماعة، كالقوم والرهط والجيش، وجمعه أملاء، قال الشاعر :

وقال لها الأملاء من كل معشر  وخير أقاويل الرجال سديدهاوأصلها من الملء، وهم الذين يملأون العيون هيبة ورواء، وقيل : هم الذين يملأون المكان إذا حضروا، وقال الزجاج : الملأ الرؤساء، سموا بذلك لأنهم يملأون القلوب بما يحتاج إليه، من قولهم : ملأ الرجل يملأ ملأة فهو ملىء. 
قوله تعالى : إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا  في الآية مسائل :
المسألة الأولى : تعلق هذه الآية بما قبلها من حيث إنه تعالى لما فرض القتال بقوله : وقاتلوا في سبيل الله  ثم أمرنا بالإنفاق فيه لما له من التأثير في كمال المراد بالقتال ذكر قصة بني إسرائيل، وهي أنهم لما أمروا بالقتال نكثوا وخالفوا فذمهم الله تعالى عليه، ونسبهم إلى الظلم والمقصود منه أن لا يقدم المأمورون بالقتال من هذه الأمة على المخالفة، وأن يكونوا مستمرين في القتال مع أعداء الله تعالى. 
المسألة الثانية : لا شك أن المقصود الذي ذكرناه حاصل، سواء علمنا أن النبي من كان من أولئك، وأن أولئك الملأ من كانوا أو لم نعلم شيئا من ذلك، لأن المقصود هو الترغيب في باب الجهاد وذلك لا يختلف، وإنما يعلم من ذلك النبي ومن ذلك الملأ بالخبر المتواتر وهو مفقود، وأما خبر الواحد فإنه لا يفيد إلا الظن، ومنهم من قال : إنه يوشع بن نون بن افرايم بن يوسف، والدليل عليه قوله تعالى : من بعد موسى  وهذا ضعيف لأن قوله : من بعد موسى  كما يحتمل الاتصال يحتمل الحصول من بعد زمان، ومنهم من قال : كان اسم ذلك النبي أشمويل من بني هرون واسمه بالعربية : إسماعيل، وهو قول الأكثرين، وقال السدي : هو شمعون، سمته أمه بذلك، لأنها دعت الله تعالى أن يرزقها ولدا فاستجاب الله تعالى دعاءها، فسمته شمعون، يعني سمع دعاءها فيه، والسين تصير شينا بالعبرانية، وهو من ولد لاوي بن يعقوب عليه السلام. 
المسألة الثالثة : قال وهب والكلبي : إن المعاصي كثرت في بني إسرائيل، والخطايا عظمت فيهم، ثم غلب عليهم عدو لهم فسبي كثيرا من ذراريهم، فسألوا نبيهم ملكا تنتظم به كلمتهم ويجتمع به أمرهم، ويستقيم حالهم في جهاد عدوهم، وقيل تغلب جالوت على بني إسرائيل، وكان قوام بني إسرائيل بملك يجتمعون عليه يجاهد الأعداء، ويجري الأحكام، ونبي يطيعه الملك، ويقيم أمر دينهم، ويأتيهم بالخبر من عند ربهم. 
أما قوله : نقاتل فى سبيل الله  فاعلم أنه قرىء  نقاتل  بالنون والجزم على الجواب، وبالنون والرفع على أنه حال، أي ابعثه لنا مقدرين القتال، أو استئناف كأنه قيل : ما تصنعون بالملك، قالوا نقاتل، وقرىء بالياء والجزم على الجواب، وبالرفع على أنه صفة لقوله : ملكا  أما قوله : قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ نافع وحده  عسيتم  بكسر السين ههنا، وفي سورة محمد صلى الله عليه وسلم، واللغة المشهورة فتحها ووجه قراءة نافع ما حكاه ابن الأعرابي أنهم يقولون : هو عسى بكذا وهذا يقوي  عسيتم  بكسر السين، ألا ترى أن عسى بكذا، مثل حري وشحيح وطعن أبو عبيدة في هذه القراءة فقال لو جاز ذلك لجاز  عسى ربكم  أجاب أصحاب نافع عنه من وجهين الأول : أن الياء إذا سكنت وانفتح ما قبلها حصل في التلفظ بها نوع كلفة ومشقة، وليست الياء من  عسى  كذلك، لأنها وإن كانت في الكتابة ياء إلا أنها في اللفظ مدة، وهي خفيفة فلا تحتاج إلى خفة أخرى. 
والجواب الثاني : هب أن القياس يقتضي جواز  عسى ربكم  إلا أنا ذكرنا أنهما لغتان، فله أن يأخذ باللغتين فيستعمل إحداهما في موضع والأخرى في موضع آخر. 
المسألة الثانية : خبر  هل عسيتم  وهو قوله : أن لا تقاتلوا  والشرط فاصل بينهما، والمعنى هل قاربتم أن تقاتلوا بمعنى أتوقع جبنكم عن القتال فأدخل  هل  مستفهما عما هو متوقع عنده ومظنون، وأراد بالاستفهام التقرير، وثبت أن المتوقع كائن له، وأنه صائب في توقعه كقوله تعالى : هل أتى على الإنسان حين من الدهر  معناه التقرير، ثم إنه تعالى ذكر أن القوم قالوا : وما لنا أن لا نقاتل فى سبيل الله  وهذا يدل على ضمان قوي خصوصا واتبعوا ذلك بعلة قوية توجب التشدد في ذلك، وهو قولهم : وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا  لأن من بلغ منه العدو هذا المبلغ فالظاهر من أمره الاجتهاد في قمع عدوه ومقاتلته. 
فإن قيل : المشهور أنه يقال : مالك تفعل كذا ؟ ولا يقال : مالك أن تفعل كذا ؟ قال تعالى : مالكم لا ترجون لله وقارا  وقال : وما لكم لا تؤمنون بالله . 
والجواب من وجهين : الأول : وهو قول المبرد : أن  ما  في هذه الآية جحد لا استفهام كأنه قال : ما لنا نترك القتال، وعلى هذا الطريق يزول السؤال. 
الوجه الثاني : أن نسلم أن  ما  ههنا بمعنى الاستفهام، ثم على هذا القول وجوه الأول : قال الأخفش : أن ههنا زائدة، والمعنى : ما لنا لا نقاتل وهذا ضعيف، لأن القول بثبوت الزيادة في كلام الله خلاف الأصل الثاني : قال الفراء : الكلام ههنا محمول على المعنى، لأن قولك : مالك لا تقاتل معناه ما يمنعك أن تقاتل ؟ فلما ذهب إلى معنى المنع حسن إدخال أن فيه قال تعالى : ما منعك أن تسجد  وقال : مالك أن لا تكون مع الساجدين  الثالث : قال الكسائي : معنى  وما لنا أن لا نقاتل  أي شيء لنا في ترك القتال ؟ ثم سقطت كلمة  فى  ورجح أبو علي الفارسي، قول الكسائي على قول الفراء، قال : وذلك لأن على قول الفراء لا بد من إضمار حرف الجر، والتقدير : ما يمنعنا من أن نقاتل، إذا كان لا بد من إضمار حرف الجر على القولين، ثم على قول الكسائي يبقى اللفظ مع هذا الإضمار على ظاهره، وعلى قول الفراء لا يبقى، فكان قول الكسائي لا محالة أولى وأقوى. 
أما قوله : فلما كتب عليهم القتال تولوا  فاعلم أن في الكلام محذوفا تقديره : فسأل الله تعالى ذلك فبعث لهم ملكا وكتب عليهم القتال فتولوا. 
أما قوله : إلا قليلا منهم  فهم الذين عبروا منهم النهر وسيأتي ذكرهم، وقيل : كان عدد هذا القليل ثلثمائة وثلاثة عشر على عدد أهل بدر  والله عليم بالظالمين  أي هو عالم بمن ظلم نفسه حين خالف ربه ولم يف بما قيل من ربه، وهذا هو الذي يدل على تعلق هذه الآية بقوله قبل ذلك : وقاتلوا في سبيل الله  فكأنه تعالى أكد وجوب ذلك بأن ذكر قصة بني إسرائيل في الجهاد وعقب ذلك بأن من تقدم على مثله فهو ظالم والله أعلم بما يستحقه الظالم وهذا بين في كونه زجرا عن مثل ذلك في المستقبل وفي كونه بعثا على الجهاد، وأن يستمر كل مسلم على القيام بذلك، والله أعلم.

### الآية 2:247

> ﻿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [2:247]

قوله تعالى  وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علنا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم . 
اعلم أنه لما بين في الآية الأولى أنه أجابهم إلى ما سألوا، ثم إنهم تولوا فبين أن أول ما تولوا إنكارهم إمرة طالوت، وذلك لأنهم طلبوا من نبيهم أن يطلب من الله أن يعين لهم ملكا فأجابهم بأن الله قد بعث لهم طالوت ملكا، قال صاحب **«الكشاف »** : طالوت اسم أعجمي، كجالوت، وداود وإنما امتنع من الصرف لتعريفه وعجمته، وزعموا أنه من الطول لما وصف به من البسطة في الجسم، ووزنه إن كان من الطول فعلوت، وأصله طولوت، إلا أن امتناع صرفه يدفع أن يكون منه، إلا أن يقال : هو اسم عبراني وافق عربيا كما وافق حطة حنطة، وعلى هذا التقدير يكون أحد سببيه العجمة لكونه عبرانيا، ثم إن الله تعالى لما عينه لأن يكون ملكا لهم أظهروا التولي عن طاعته، والإعراض عن حكمه، وقالوا : أنى يكون له الملك علينا  واستبعدوا جدا أن يكون هو ملكا عليهم، قال المفسرون : وسبب هذا الاستبعاد أن النبوة كانت مخصوصة بسبط معين من أسباط بني إسرائيل، وهو سبط لاوى بن يعقوب، ومنه موسى وهرون، وسبط المملكة، سبط يهوذا، ومنه داود وسليمان، وأن طالوت ما كان من أحد هذين السبطين، بل كان من ولد بنيامين فلهذا السبب أنكروا كونه ملكا لهم، وزعموا أنهم أحق بالملك منه، ثم أنهم أكدوا هذه الشبهة بشبهة أخرى، وهي قولهم : ولم يؤت سعة من المال، وذلك إشارة إلى أنه فقير، واختلفوا فقال وهب، كان دباغا، وقال السدي : كان مكاريا، وقال آخرون، كان سقاء. 
فإن قيل : ما الفرق بين الواوين في قوله : ونحن أحق  وفي قوله : ولم يؤت . 
قلنا : الأولى للحال، والثانية لعطف الجملة على الجملة الواقعة حالا، والمعنى : كيف يتملك علينا والحال أنه لا يستحق التملك لوجود من هو أحق بالملك، وأنه فقير ولا بد للملك من مال يعتضد به، ثم إنه تعالى أجاب عن شبههم بوجوه الأول : قوله : إن الله اصطفاه عليكم  وفيه مسائل :
المسألة الأولى : معنى الآية أنه تعالى خصه بالملك والإمرة. 
واعلم أن القوم لما كانوا مقرين بنبوة ذلك النبي، كان إخباره عن الله تعالى أنه جعل طالوت ملكا عليهم حجة قاطعة في ثبوت الملك له لأن تجويز الكذب على الأنبياء عليهم السلام يقتضي رفع الوثوق بقولهم وذلك يقدح في ثبوت نبوتهم ورسالتهم، وإذا ثبت صدق المخبر ثبت أن الله تعالى خصه بالملك، وإذا ثبت ذلك كان ملكا واجب الطاعة وكانت الاعتراضات ساقطة. 
المسألة الثانية : قوله : اصطفاه  أي أخذ الملك من غيره صافيا له، واصطفاه، واستصفاه بمعنى الاستخلاص، وهو أن يأخذ الشيء خالصا لنفسه، وقال الزجاج : إنه مأخوذ من الصفوة، والأصل فيه اصتفى بالتاء فأبدلت التاء طاء ليسهل النطق بها بعد الصاد، وكيفما كان الاشتقاق فالمراد ما ذكرناه أنه تعالى خصه بالملك والإمرة، وعلى هذا الوجه وصف تعالى نفسه بأنه اصطفى الرسل ووصفهم بأنهم : المصطفون الأخيار ووصف الرسول بأنه المصطفى. 
المسألة الثالثة : هذه الآية تدل على بطلان قول من يقول : إن الإمامة موروثة، وذلك لأن بني إسرائيل أنكروا أن يكون ملكهم من لا يكون من بيت المملكة، فأعلمهم الله تعالى أن هذا ساقط، والمستحق لذلك من خصه الله تعالى بذلك وهو نظير قوله : تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء . 
الوجه الثاني : في الجواب عن هذه الشبهة قوله تعالى : وزاده بسطة في العلم والجسم  وتقرير هذا الجواب أنهم طعنوا في استحقاقه للملك بأمرين أحدهما : أنه ليس من أهل بيت الملك الثاني : أنه فقير، والله تعالى بين أنه أهل للملك وقرر ذلك بأنه حصل له وصفان أحدهما : العلم والثاني : القدرة، وهذان الوصفان أشد مناسبة لاستحقاقه الملك من الوصفين الأولين وبيانه من وجوه أحدها : أن العلم والقدرة من باب الكمالات الحقيقية، والمال والجاه ليسا كذلك والثاني : أن العلم والقدرة من الكمالات الحاصلة لجوهر نفس الإنسان والمال والجاه أمران منفصلان عن ذات الإنسان الثالث : أن العلم والقدرة لا يمكن سلبهما عن الإنسان، والمال والجاه يمكن سلبهما عن الإنسان والرابع : أن العلم بأمر الحروب، والقوي الشديد على المحاربة يكون الانتفاع به في حفظ مصلحة البلد، وفي دفع شر الأعداء أتم من الانتفاع بالرجل النسيب الغني إذا لم يكن له علم بضبط المصالح، وقدرة على دفع الأعداء، فثبت بما ذكرنا أن إسناد الملك إلى العالم القادر، أولى من إسناده إلى النسيب الغني ثم ههنا مسائل :
المسألة الأولى : احتج أصحابنا في مسألة خلق الأعمال بقوله : وزاده بسطة في العلم والجسم  وهذا يدل على أن العلوم الحاصلة للخلق، إنما حصلت بتخليق الله تعالى وإيجاده، وقالت المعتزلة هذه الإضافة إنما كانت لأنه تعالى هو الذي يعطي العقل ونصب الدلائل، وأجاب الأصحاب بأن الأصل في الإضافة المباشرة دون التسبب. 
المسألة الثانية : قال بعضهم : المراد بالبسطة في الجسم طول القامة، وكان يفوق الناس برأسه ومنكبه، وإنما سمي طالوت لطوله، وقيل المراد من البسطة في الجسم الجمال، وكان أجمل بني إسرائيل وقيل : المراد القوة، وهذا القول عندي أصح لأن المنتفع به في دفع الأعداء هو القوة والشدة، لا الطول والجمال. 
المسألة الثالثة : أنه تعالى قدم البسطة في العلم، على البسطة في الجسم، وهذا منه تعالى تنبيه على أن الفضائل النفسانية أعلى وأشرف وأكمل من الفضائل الجسمانية. 
الوجه الثالث : في الجواب عن الشبهة قوله تعالى : والله يؤتي ملكه من يشاء  وتقريره أن الملك لله والعبيد لله فهو سبحانه يؤتي ملكه من يشاء ولا اعتراض لأحد عليه في فعله، لأن المالك إذا تصرف في ملكه فلا اعتراض لأحد عليه في فعله. 
الوجه الرابع : في الجواب قوله تعالى : والله واسع عليم  وفيه ثلاثة أقوال أحدها : أنه تعالى واسع الفضل والرزق والرحمة، وسعت رحمته كل شيء، والتقدير : أنتم طعنتم في طالوت بكونه فقيرا، والله تعالى واسع الفضل والرحمة، فإذا فوض الملك إليه، فإن علم أن الملك لا يتمشى إلا بالمال، فالله تعالى يفتح عليه باب الرزق والسعة في المال. 
والقول الثاني : أنه واسع، بمعنى موسع، أي يوسع على من يشاء من نعمه، وتعلقه بما قبله على ما ذكرناه والثالث : أنه واسع بمعنى ذو سعة، ويجيء فاعل ومعناه ذو كذا، كقوله : عيشة راضية  أي ذات رضا، وهم ناصب ذو نصب، ثم بين بقوله : عليم  أنه تعالى مع قدرته على إغناء الفقير عالم بمقادير ما يحتاج إليه في تدبير الملك، وعالم بحال ذلك الملك في الحاضر والمستقبل، فيختار لعلمه بجميع العواقب ما هو مصلحته في قيامه بأمر الملك.

### الآية 2:248

> ﻿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [2:248]

قوله تعالى  وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين . 
اعلم أن ظاهر الآية المتقدمة يدل على أن أولئك الأقوام كانوا مقرين بنبوة النبي الذي كان فيهم لأن قوله تعالى حكاية عنهم  إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا  كالظاهر في أنهم كانوا معترفين بنبوة ذلك النبي، ومقرين بأنه مبعوث من عند الله تعالى، ثم إن ذلك النبي لما قال : إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا  كان هذا دليلا قاطعا في كون طالوت ملكا، ثم إنه تعالى لكمال رحمته بالخلق، ضم إلى ذلك الدليل دليلا آخر يدل على كون ذلك النبي صادقا في ذلك الكلام، ويدل أيضا على أن طالوت نصبه الله تعالى للملك وإكثار الدلائل من الله تعالى جائز، ولذلك أنه كثرت معجزات موسى عليه السلام، ومحمد عليه الصلاة والسلام، فلهذا قال تعالى : وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت  وفيه مسائل :
المسألة الأولى : أن مجيء ذلك التابوت لا بد وأن يقع على وجه يكون خارقا للعادة حتى يصح أن يكون آية من عند الله، دالة على صدق تلك الدعوى، ثم قال أصحاب الأخبار : إن الله تعالى أنزل على آدم عليه السلام تابوتا فيه صور الأنبياء من أولاده، فتوارثه أولاد آدم إلى أن وصل إلى يعقوب، ثم بقي في أيدي بني إسرائيل، فكانوا إذا اختلفوا في شيء تكلم وحكم بينهم وإذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم، وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر وهم يقاتلون العدو فإذا سمعوا من التابوت صيحة استيقنوا بالنصرة، فلما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت وسلبوه، فلما سألوا نبيهم البينة على ملك طالوت، قال ذلك النبي : إن آية ملكه أنكم تجدون التابوت في داره، ثم إن الكفار الذين سلبوا ذلك التابوت كانوا قد جعلوه في موضع البول والغائط، فدعا النبي عليهم في ذلك الوقت، فسلط الله على أولئك الكفار البلاء حتى إن كل من بال عنده أو تغوط ابتلاه الله تعالى بالبواسير، فعلم الكفار أن ذلك لأجل استخفافهم بالتابوت، فأخرجوه ووضعوه على ثورين فأقبل الثوران يسيران ووكل الله تعالى بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما، حتى أتوا منزل طالوت، ثم إن قوم ذلك النبي رأوا التابوت عند طالوت، فعلموا أن ذلك دليل على كونه ملكا لهم، فذلك هو قوله تعالى : وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت  والإتيان على هذا مجاز، لأنه أتى به ولم يأت هو فنسب إليه توسعا، كما يقال : ربحت الدراهم، وخسرت التجارة. 
والرواية الثانية : أن التابوت صندوق كان موسى عليه السلام يضع التوراة فيه، وكان من خشب، وكانوا يعرفونه، ثم إن الله تعالى رفعه بعد ما قبض موسى عليه السلام لسخطه على بني إسرائيل، ثم قال نبي ذلك القوم : إن آية ملك طالوت أن يأتيكم التابوت من السماء، ثم إن التابوت لم تحمله الملائكة ولا الثوران، بل نزل من السماء إلى الأرض، والملائكة كانوا يحفظونه، والقوم كانوا ينظرون إليه حتى نزل عند طالوت، وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما، وعلى هذا الإتيان حقيقة في التابوت، وأضيف الحمل إلى الملائكة في القولين جميعا، لأن من حفظ شيئا في الطريق جاز أن يوصف بأنه حمل ذلك الشيء وإن لم يحمله كما يقول القائل : حملت الأمتعة إلى زيد إذا حفظها في الطريق، وإن كان الحامل غيره. 
واعلم أنه تعالى جعل إتيان التابوت معجزة، ثم فيه احتمالان أحدهما : أن يكون مجىء التابوت معجزا، وذلك هو الذي قررناه والثاني : أن لا يكون التابوت معجزا، بل يكون ما فيه هو المعجز، وذلك بأن يشاهدوا التابوت خاليا، ثم إن ذلك النبي يضعه بمحضر من القوم في بيت ويغلقوا البيت، ثم إن النبي يدعي أن الله تعالى خلق فيه ما يدل على واقعتنا، فإذا فتحوا باب البيت ونظروا في التابوت رأوا فيه كتابا يدل على أن ملكهم هو طالوت، وعلى أن الله سينصرهم على أعدائهم فهذا يكون معجزا قاطعا دالا على أنه من عند الله تعالى، ولفظ القرآن يحتمل هذا، لأن قوله : يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم  يحتمل أن يكون المراد منه أنهم يجدون في التابوت هذا المعجز الذي هو سبب لاستقرار قلبهم واطمئنان أنفسهم فهذا محتمل. 
المسألة الثانية : قال صاحب **«الكشاف »** : وزن التابوت إما أن يكون فعلوتا أو فاعولا، والثاني مرجوح، لأنه يقل في كلام العرب لفظ يكون فاؤه ولامه من جنس واحد، نحو : سلس وقلق، فلا يقال : تابوت من تبت قياسا على ما نقل، وإذا فسد هذا القسم تعين الأول، وهو أنه فعلوت من التوب، وهو الرجوع لأنه ظرف يوضع فيه الأشياء، ويودع فيه فلا يزول يرجع إليه ما يخرج منه وصاحبه يرجع إليه فيما يحتاج إليه من مودعاته. 
المسألة الثالثة : قرأ الكل : التابوت بالتاء، وقرأ أبي وزيد بن ثابت  التابوه  بالهاء وهي لغة الأنصار. 
المسألة الرابعة : من الناس من قال : إن طالوت كان نبيا، لأنه تعالى أظهر المعجزة على يده وكل من كان كذلك كان نبيا، ولا يقال : إن هذا كان من كرامات الأولياء، لأن الفرق بين الكرامة والمعجزة أن الكرامة لا تكون على سبيل التحدي، وهذا كان على سبيل التحدي، فوجب أن لا يكون من جنس الكرامات. 
والجواب : لا يبعد أن يكون ذلك معجزة لنبي ذلك الزمان، ومع كونه معجزة له فإنه كان آية قاطعة في ثبوت ملكه. 
أما قوله تعالى : فيه سكينة من ربكم  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : السكينة  فعيلة من السكون، وهو ضد الحركة وهي مصدر وقع موقع الاسم، نحو : القضية والبقية والعزيمة. 
المسألة الثانية : اختلفوا في السكينة، وضبط الأقوال فيها أن نقول : المراد بالسكينة إما أن يقال إنه كان شيئا حاصلا في التابوت أو ما كان كذلك. 
والقسم الثاني : هو قول أبي بكر الأصم، فإنه قال : آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم  أي تسكنون عند مجيئه وتقرون له بالملك، وتزول نفرتكم عنه، لأنه متى جاءهم التابوت من السماء وشاهدوا تلك الحالة فلا بد وأن تسكن قلوبهم إليه وتزول نفرتهم بالكلية. 
وأما القسم الأول : وهو أن المراد من السكينة شيء كان موضوعا في التابوت، وعلى هذا ففيه أقوال الأول : وهو قول أبي مسلم أنه كان في التابوت بشارات من كتب الله تعالى المنزلة على موسى وهارون ومن بعدهما من الأنبياء عليهم السلام، بأن الله ينصر طالوت وجنوده، ويزيل خوف العدو عنهم الثاني : وهو قول علي عليه السلام : كان لها وجه كوجه الإنسان، وكان لها ريح هفافة والثالث : قول ابن عباس رضي الله عنهما : هي صورة من زبرجد أو ياقوت لها رأس كرأس الهر، وذنب كذنبه، فإذا صاحت كصياح الهر ذهب التابوت نحو العدو وهم يمضون معه فإذا وقف وقفوا ونزل النصر. 
القول الرابع : وهو قول عمرو بن عبيد : إن السكينة التي كانت في التابوت شيء لا يعلم. 
واعلم أن السكينة عبارة عن الثبات والأمن، وهو كقوله في قصة الغار : فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين  فكذا قوله تعالى : فيه سكينة من ربكم  معناه الأمن والسكون. 
واحتج القائلون بأنه حصل في التابوت شيء بوجهين الأول : أن قوله : فيه سكينة  يدل على كون التابوت ظرفا للسكينة والثاني : وهو أنه عطف عليه قوله : وبقية مما ترك آل موسى  فكما أن التابوت كان ظرفا للبقية وجب أن يكون ظرفا للسكينة. 
والجواب عن الأول : أن كلمة  فى  كما تكون للظرفية فقد تكون للسببية قال عليه الصلاة والسلام :**« في النفس المؤمنة مائة من الإبل »** وقال :**« في خمس من الإبل شاة »** أي بسببه فقوله في هذه الآية : فيه سكينة  أي بسببه تحصل السكينة. 
والجواب عن الثاني : لا يبعد أن يكون المراد بقية مما ترك آل موسى وآل هارون من الدين والشريعة، والمعنى أن بسبب هذا التابوت ينتظم أمر ما بقي من دينهما وشريعتهما. 
وأما القائلون بأن المراد بالبقية شيء كان موضوعا في التابوت فقالوا : البقية هي رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وشيء من التوراة وقفير من المن الذي كان ينزل عليهم. 
أما قوله : آل موسى وآل هارون  ففيه قولان الأول : قال بعض المفسرين يحتمل أن يكون المراد من آل موسى وآل هارون هو موسى وهارون أنفسهما، والدليل عليه قوله عليه الصلاة والسلام لأبي موسى الأشعري :
 " لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود " وأراد به داود نفسه، لأنه لم يكن لأحد من آل داود من الصوت الحسن مثل ما كان لداود عليه السلام. 
والقول الثاني : قال القفال رحمه الله : إنما أضيف ذلك إلى آل موسى وآل هارون، لأن ذلك التابوت قد تداولته القرون بعدهما إلى وقت طالوت، وما في التابوت أشياء توارثها العلماء من أتباع موسى وهارون، فيكون الآل هم الأتباع، قال تعالى : ادخلوا آل فرعون أشد العذاب . 
وأما قوله : تحمله الملائكة  فقد تقدم القول فيه. 
وأما قوله : إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين  فالمعنى أن هذه الآية معجزة باهرة إن كنتم ممن يؤمن بدلالة المعجزة على صدق المدعي.

### الآية 2:249

> ﻿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [2:249]

قوله تعالى : فلما فصل طالوت بالجنود  فيه مسائل. 
المسألة الأولى : اعلم أن وجه اتصال هذه الآية بما قبلها يظهر بتقدير محذوف يدل عليه باقي الكلام، والتقدير أنه لما أتاهم بآية التابوت أذعنوا له، وأجابوا إلى المسير تحت رايته. فلما فصل بهم أي فارق بهم حد بلده وانقطع عنه، ومعنى الفصل القطع، يقال : قول فصل، إذا كان يقطع بين الحق والباطل وفصلت اللحم عن العظم فصلا وفاصل الرجل شريكه وامرأته فصالا، ويقال للفطام فصال، لأنه يقطع عن الرضاع، وفصل عن المكان قطعه بالمجاوزة عنه، ومنه قوله : ولما فصلت العير  قال صاحب ******«الكشاف »****** قوله : فصل عن موضع كذا أصله فصل نفسه، ثم لأجل الكثرة في الاستعمال حذفوا المفعول حتى صار في حكم غير المتعدي كما يقال انفصل والجنود جمع جند وكل صنف من الخلق جند على حدة، يقال للجراد الكثيرة إنها جنود الله، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام :" الأرواح جنود مجندة ". 
المسألة الثانية : روي أن طالوت قال لقومه : لا ينبغي أن يخرج معي رجل يبني بناء لم يفرغ منه ولا تاجر مشتغل بالتجارة، ولا متزوج بامرأة لم يبن عليها ولا أبغي إلا الشاب النشيط الفارغ فاجتمع إليه ممن اختار ثمانون ألفا. 
أما قوله تعالى : قال إن الله مبتليكم بنهر  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في أن هذا القائل من كان فقال الأكثرون : أنه هو طالوت وهذا هو الأظهر لأن قوله لا بد وأن يكون مسندا إلى مذكور سابق، والمذكور السابق هو طالوت، ثم على هذا يحتمل أن يكون القول من طالوت لكنه تحمله من نبي الوقت، وعلى هذا التقدير لا يلزم أن يكون طالوت نبيا ويحتمل أن يكون من قبل نفسه فلا بد من وحي أتاه عن ربه، وذلك يقتضي أنه مع الملك كان نبيا. 
والقول الثاني : أن قائل هذا القول هو النبي المذكور في أول الآية، والتقدير : فلما فصل طالوت بالجنود قال لهم نبيهم : إن الله مبتليكم بنهر  ونبي ذلك الوقت هو اشمويل عليه السلام. 
المسألة الثانية : في حكمة هذا الابتلاء وجهان الأول : قال القاضي : كان مشهورا من بني إسرائيل أنهم يخالفون الأنبياء والملوك مع ظهور الآيات الباهرة فأراد الله تعالى إظهار علامة قبل لقاء العدو يتميز بها من يصبر على الحرب ممن لا يصبر لأن الرجوع قبل لقاء العدو لا يؤثر كتأثيره حال لقاء العدو، فلما كان هذا هو الصلاح قبل مقاتلة العدو لا جرم قال : فإن الله مبتليكم بنهر  الثاني : أنه تعالى ابتلاهم ليتعودوا الصبر على الشدائد. 
المسألة الثالثة : في النهر أقوال أحدها : وهو قول قتادة والربيع، أنه نهر بين الأردن وفلسطين والثاني : وهو قول ابن عباس والسدي : أنه نهر فلسطين، قال القاضي : والتوفيق بين القولين أن النهر الممتد من بلد قد يضاف إلى أحد البلدين. 
القول الثالث : وهو الذي رواه صاحب ******«الكشاف »****** : أن الوقت كان قيظا فسلكوا مفازة فسألوا الله أن يجري لهم نهرا فقال : إن الله مبتليكم بما اقترحتموه من النهر. 
المسألة الرابعة : قوله : مبتليكم بنهر  أي ممتحنكم امتحان العبد كما قال : إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه  ولما كان الابتلاء بين الناس إنما يكون لظهور الشيء، وثبت أن الله تعالى لا يثبت، ولا يعاقب على علمه، إنما يفعل ذلك بظهور الأفعال بين الناس، وذلك لا يحصل إلا بالتكليف لا جرم سمي التكليف ابتلاء، وفيه لغتان بلا يبلو، وابتلى يبتلي، قال الشاعر :

ولقد بلوتك وابتليت خليفتي  ولقد كفاك مودتي بتأدبفجاء باللغتين. 
المسألة الخامسة : نهر ونهر بتسكين الهاء وتحريكها لغتان، وكل ثلاثي حشوه حرف من حروف الحلق فإنه يجىء على هذين، كقولك : صخر وصخر، وشعر وشعر، وقالوا : بحر وبحر، وقال الشاعر :كأنما خلقت كفاء من حجر  فليس بين يديه والندى عمليرى التيمم في بر وفي بحر  مخافة أن يرى في كفه بللأما قوله تعالى : فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قوله : فليس مني  كالزجر، يعني ليس من أهل ديني وطاعتي، ونظيره قوله تعالى : والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر  ثم قال قبل هذا : المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف  وأيضا نظيره قوله صلى الله عليه وسلم :" ليس منا من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا " أي ليس على ديننا ومذهبنا والله أعلم. 
المسألة الثانية : قال أهل اللغة  لم يطعمه  أي لم يذقه، وهو من الطعم، وهو يقع على الطعام والشراب هذا ما قاله أهل اللغة، وعندي إنما اختير هذا اللفظ لوجهين من الفائدة أحدهما : أن الإنسان إذا عطش جدا، ثم شرب الماء وأراد وصف ذلك الماء بالطيب واللذة قال : إن هذا الماء كأنه الجلاب، وكأنه عسل فيصفه بالطعوم اللذيذة، فقوله : ومن لم يطعمه  معناه أنه وإن بلغ به العطش إلى حيث يكون ذلك الماء في فمه كالموصوف بهذه الطعوم الطيبة فإنه يجب عليه الاحتراز عنه، وأن لا يشربه والثاني : أن من جعل الماء في فمه وتمضمض به ثم أخرجه من الفم، فإنه يصدق عليه أنه ذاقه وطعمه، ولا يصدق عليه أنه شربه، فلو قال : ومن لم يشربه فإنه مني كان المنع مقصورا على الشرب، أما لما قال : ومن لم يطعمه  كان المنع حاصلا في الشرب، وفي المضمضة، ومعلوم أن هذا التكليف أشق، وأن الممنوع من شرب الماء إذا تمضمض به وجد نوع خفة وراحة. 
المسألة الثالثة : أنه تعالى قال في أول الآية : فمن شرب منه فليس مني  ثم قال بعده : ومن لم يطعمه  وكان ينبغي أن يقال : ومن لم يطعم منه ليكون آخر الآية مطابقا أولها، إلا أنه ترك ذلك اللفظ، واختير هذا لفائدة، وهي أن الفقهاء اختلفوا في أن من حلف لا يشرب من هذا النهر كيف يحنث ؟ قال أبو حنيفة لا يحنث إلا إذا كرع من النهر، حتى لو اغترف بالكوز ماء من ذلك النهر وشربه لا يحنث، لأن الشرب من الشيء هو أن يكون ابتداء شربه متصلا بذلك الشيء، وهذا لا يحصل إلا بأن يشرب من النهر، وقال الباقون إذا اغترف الماء بالكوز من ذلك النهر وشربه يحنث، لأن ذلك وإن كان مجازا إلا أنه مجاز معروف مشهور. 
إذا عرفت هذا فنقول : إن قوله : فمن شرب منه فليس مني  ظاهره أن يكون النهي مقصورا على الشرب من النهر، حتى لو أخذه بالكوز وشربه لا يكون داخلا تحت النهي، فلما كان هذا الاحتمال قائما في اللفظ الأول ذكر في اللفظ الثاني ما يزيل هذا الإبهام، فقال : ومن لم يطعمه فإنه مني  أضاف الطعم والشرب إلى الماء لا إلى النهر إزالة لذلك الإبهام. 
أما قوله : إلا من اغترف غرفة بيده  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو  غرفة  بفتح الغين، وكذلك يعقوب وخلف، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بالضم، قال أهل اللغة الغرفة بالضم الشيء القليل الذي يحصل في الكف، والغرفة بالفتح الفعل، وهو الاغتراف مرة واحدة، ومثله الأكلة والأكلة، يقال : فلان يأكل في النهار أكله واحدة، وما أكلت عندهم إلا أكلة بالضم أي شيئا قليلا كاللقمة، ويقال : الحزة من اللحم بالضم للقطعة اليسيرة منه، وحززت اللحم حزة أي قطعته مرة واحدة، ونحوه : الخطوة والخطوة بالضم مقدار ما بين القدمين، والخطوة أن يخطو مرة واحدة، وقال المبرد : غرفة بالفتح مصدر يقع على قليل ما في يده وكثيره والغرفة بالضم اسم ملء الكف أو ما اغترف به. 
المسألة الثانية : قوله : إلا من اغترف  استثناء من قوله : فمن شرب منه فليس مني  وهذه الجملة في حكم المتصلة بالاستثناء، إلا أنها قدمت في الذكر للعناية. 
المسألة الثالثة : قال ابن عباس رضي الله عنهما : كانت الغرفة يشرب منها هو ودوابه وخدمه، ويحمل منها. 
وأقول : هذا الكلام يحتمل وجهين أحدهما : أنه كان مأذونا أن يأخذ من الماء ما شاءه مرة واحدة، بغرفة واحدة، بحيث كان المأخوذ في المرة الواحدة يكفيه ولدوابه وخدمه، ولأن يحمله مع نفسه والثاني : أنه كان يأخذ القليل إلا أن الله تعالى يجعل البركة فيه حتى يكفي لكل هؤلاء، وهذا كان معجزة لنبي ذلك الزمان، كما أنه تعالى كان يروي الخلق العظيم من الماء القليل في زمان محمد عليه الصلاة والسلام. 
أما قوله تعالى : فشربوا منه إلا قليلا منهم  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ أبي والأعمش  إلا قليل  قال صاحب ******«الكشاف »****** : وهذا بسبب ميلهم إلى المعنى، وإعراضهم عن اللفظ، لأن قوله : فشربوا منه  في معنى : فلم يطيعوه، لا جرم حمل عليه كأنه قيل : فلم يطيعوه إلا قليل منهم. 
المسألة الثانية : قد ذكرنا أن المقصود من هذا الابتلاء أن يتميز الصديق عن الزنديق، والموافق عن المخالف، فلما ذكر الله تعالى أن الذين يكونون أهلا لهذا القتال هم الذين لا يشربون من هذا النهر، وأن كل من شرب منه فإنه لا يكون مأذونا في هذا القتال، وكان في قلبهم نفرة شديدة عن ذلك القتال، لا جرم أقدموا على الشرب، فتميز الموافق عن المخالف، والصديق عن العدو، ويروى أن أصحاب طالوت لما هجموا على النهر بعد عطش شديد، وقع أكثرهم في النهر، وأكثروا الشرب، وأطاع قوم قليل منهم أمر الله تعالى، فلم يزيدوا على الاغتراف، وأما الذين شربوا وخالفوا أمر الله فاسودت شفاههم وغلبهم العطش ولم يرووا، وبقوا على شط النهر، وجبنوا على لقاء العدو، وأما الذين أطاعوا أمر الله تعالى، فقوي قلبهم وصح إيمانهم، وعبروا النهر سالمين. 
المسألة الثالثة : القليل الذي لم يشرب قيل : إنه أربعة آلاف، والمشهور وهو قول الحسن أنهم كانوا على عدد أهل بدر ثلثمائة وبضعة عشر وهم المؤمنون، والدليل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر : أنتم اليوم على عدة أصحاب طالوت حين عبروا النهر وما جاز معه إلا مؤمن، قال البراء بن عازب : وكنا يومئذ ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا. 
أما قوله : فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : لا خلاف بين المفسرين أن الذين عصوا الله وشربوا من النهر رجعوا إلى بلدهم ولم يتوجه معه إلى لقاء العدو إلا من أطاع الله تعالى في باب الشرب من النهر، وإنما اختلفوا في أن رجوعهم إلى بلدهم كان قبل عبور النهر أو بعده، وفيه قولان الأول : أنه ما عبر معه إلا المطيع، واحتج هذا القائل بأمور الأول : أن الله تعالى قال : فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه  فالمراد بقوله : الذين آمنوا معه  الذين وافقوه في تلك الطاعة، فلما ذكر الله تعالى كل العسكر، ثم خص المطيعين بأنهم عبروا النهر، علمنا أنه ما عبر النهر أحد إلا المطيعين. 
الحجة الثانية : الآية المتقدمة وهي قوله تعالى حكاية عن طالوت  فمن شرب منه فليس مني  أي ليس من أصحابي في سفري، كالرجل الذي يقول لغيره : لست أنت منا في هذا الأمر، قال : ومعنى  فشربوا منه  أي ليتسببوا به إلى الرجوع، وذلك لفساد دينهم وقلبهم. 
الحجة الثالثة : أن المقصود من هذا الابتلاء أن يتميز المطيع عن العاصي والمتمرد، حتى يصرفهم عن نفسه ويردهم قبل أن يرتدوا عند حضور العدو، وإذا كان المقصود من هذا الابتلاء ليس إلا هذا المعنى كان الظاهر أنه صرفهم عن نفسه في ذلك الوقت وما أذن له

### الآية 2:250

> ﻿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [2:250]

قوله تعالى  ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ عليا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين . 
**فيه مسائل :**
المسألة الأولى : المبارزة في الحروب، هي أن يبرز كل واحد منهم لصاحبه وقت القتال، والأصل فيها أن الأرض الفضاء التي لا حجاب فيها يقال لها البراز، فكان البروز عبارة عن حصول كل واحد منهما في الأرض المسماة بالبراز، وهو أن يكون كل واحد منهما بحيث يرى صاحبه. 
المسألة الثانية : أن العلماء والأقوياء من عسكر طالوت لما قرروا مع العوام والضعفاء أنه كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، وأوضحوا أن الفتح والنصرة لا يحصلان إلا بإعانة الله، لا جرم لما برز عسكر طالوت إلى عسكر جالوت ورأوا القلة في جانبهم، والكثرة في جانب عدوهم، لا جرم اشتغلوا بالدعاء والتضرع، فقالوا : ربنا أفرغ علينا صبرا  ونظيره ما حكى الله عن قوم آخرين أنهم قالوا حين الالتقاء مع المشركين : وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير  إلى قوله : وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا فى أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين  وهكذا كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل المواطن، وروي عنه في قصة بدر أنه عليه السلام لم يزل يصلي ويستنجز من الله وعده، وكان متى لقي عدوا قال :**« اللهم إني أعوذ بك من شرورهم وأجعلك في نحورهم »** وكان يقول :**« اللهم بك أصول وبك أجول »**. 
المسألة الثالثة : الإفراغ الصب، يقال : أفرغت الإناء إذا صببت ما فيه، وأصله من الفراغ، يقال : فلان فارغ معناه أنه خال مما يشغله، والإفراغ إخلاء الإناء مما فيه، وإنما يخلو بصب كل ما فيه. 
إذا عرفت هذا فنقول قوله : أفرغ علينا صبرا  يدل على المبالغة في طلب الصبر من وجهين أحدهما : أنه إذا صب الشيء في الشيء فقد أثبت فيه بحيث لا يزول عنه، وهذا يدل على التأكيد والثاني : أن إفراغ الإناء هو إخلاؤه، وذلك يكون بصب كل ما فيه، فمعنى : أفرغ علينا صبرا : أي أصبب علينا أتم صب وأبلغه. 
المسألة الرابعة : اعلم أن الأمور المطلوبة عند المحاربة مجموع أمور ثلاثة فأولها : أن يكون الإنسان صبورا على مشاهدة المخاوف والأمور الهائلة، وهذا هو الركن الأعلى للمحارب فإنه إذا كان جبانا لا يحصل منه مقصود أصلا وثانيها : أن يكون قد وجد من الآلات والأدوات والاتفاقات الحسنة مما يمكنه أن يقف ويثبت ولا يصير ملجأ إلى الفرار وثالثها : أن تزداد قوته على قوة عدوه حتى يمكنه أن يقهر العدو. 
إذا عرفت هذا فنقول المرتبة الأولى : هي المراد من قوله : أفرغ علينا صبرا  والثانية : هي المراد بقوله : وثبت أقدامنا  والثالثة : هي المراد بقوله : وانصرنا على القوم الكافرين . 
المسألة الخامسة : احتج الأصحاب على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى بقوله : ربنا أفرغ علينا صبرا  وذلك لأنه لا معنى للصبر إلا القصد على الثبات، ولا معنى للثبات إلا السكون والاستقرار وهذه الآية دالة على أن ذلك القصد المسمى بالصبر من الله تعالى، وهو قوله : أفرغ علينا صبرا  وعلى أن الثبات والسكون الحاصل عند ذلك القصد أيضا بفعل الله تعالى، وهو قوله : وثبت أقدامنا  وهذا صريح في أن الإرادة من فعل العبد وبخلق الله تعالى، أجاب القاضي عنه بأن المراد من الصبر وتثبيت القدم تحصيل أسباب الصبر، وأسباب ثبات القدم، وتلك الأسباب أمور أحدها : أن يجعل في قلوب أعدائهم الرعب والجبن منهم فيقع بسبب ذلك منهم الاضطراب فيصير ذلك سببا لجراءة المسلمين عليهم، ويصير داعيا لهم إلى الصبر على القتال وترك الانهزام، وثانيها : أن يلطف ببعض أعدائهم في معرفة بطلان ما هم عليه فيقع بينهم الاختلاف والتفرق ويصير ذلك سببا لجراءة المؤمنين عليهم وثالثها : أن يحدث تعالى فيهم وفي ديارهم وأهاليهم من البلاء مثل الموت والوباء، وما يكون سببا لاشتغالهم بأنفسهم، ولا يتفرغون حينئذ للمحاربة فيصير ذلك سببا لجراءة المسلمين عليهم ورابعها : أن يبتليهم بمرض وضعف يعمهم أو يعم أكثرهم، أو يموت رئيسهم ومن يدبر أمرهم فيعرف المؤمنون ذلك فيصير ذلك سببا لقوة قلوبهم، وموجبا لأن يحصل لهم الصبر والثبات، هذا كلام القاضي. 
والجواب عنه من وجهين : الأول : أنا بينا أن الصبر عبارة عن القصد إلى السكوت والثبات عبارة عن السكون، فدلت هذه الآية على أن إرادة العبد ومراده من الله تعالى وذلك يبطل قولكم وأنتم تصرفون الكلام عن ظاهره وتحملونه على أسباب الصبر وثبات الأقدام، ومعلوم أن ترك الظاهر بغير دليل لا يجوز. 
الوجه الثاني : في الجواب أن هذه الأسباب التي سلمتم أنها بفعل الله تعالى إذا حصلت ووجدت فهل لها أثر في الترجيح الداعي أوليس لها أثر فيه وإن لم يكن لها أثر فيه لم يكن لطلبها من الله قائدة وإن كان لها أثر في الترجيح فعند صدور هذه الأسباب المرجحة من الله يحصل الرجحان، وعند حصول الرجحان يمتنع الطرف المرجوح، فيجب حصول الطرف الراجح، لأنه لا خروج عن طرفي النقيض، وهو المطلوب، والله أعلم.

### الآية 2:251

> ﻿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [2:251]

قوله تعالى  فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين . 
المعنى : أن الله تعالى استجاب دعاءهم، وأفرغ الصبر عليهم، وثبت أقدامهم، ونصرهم على القوم الكافرين : جالوت وجنوده وحقق بفضله ورحمته ظن من قال : كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله وهزموهم بإذن الله  وأصل الهزم في اللغة الكسر، يقال سقاء منهزم إذا تشقق مع جفاف، وهزمت العظم أو القصبة هزما، والهزمة نقرة في الجبل، أو في الصخرة، قال سفيان بن عيينة في زمزم : هي هزمة جبريل يريد هزمها برجله فخرج الماء، ويقال : سمعت هزمة الرعد كأنه صوت فيه تشقق، ويقال للسحاب : هزيم، لأنه يتشقق بالمطر، وهزم الضرع وهزمه ما يكسر منه، ثم أخبر تعالى أن تلك الهزيمة كانت بإذن الله وبإعانته وتوفيقه وتيسيره، وأنه لولا إعانته وتيسيره لما حصل البتة ثم قال : وقتل داوود جالوت  قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن داود عليه السلام كان راعيا وله سبعة أخوة مع طالوت فلما أبطأ خبر إخوته على أبيهم إيشا أرسل ابنه داود إليهم ليأتيه بخبرهم، فأتاهم وهم في المصاف وبدر جالوت الجبار وكان من قوم عاد إلى البراز فلم يخرج إليه أحد فقال : يا بني إسرائيل لو كنتم على حق لبارزني بعضكم فقال داود لإخوته أما فيكم من يخرج إلى هذا الأقلف ؟ فسكتوا، فذهب إلى ناحية من الصف ليس فيها إخوته فمر به طالوت وهو يحرض الناس، فقال له داود : ما تصنعون بمن يقتل هذا الأقلف ؟ فقال طالوت : أنكحه ابنتي وأعطيه نصف ملكي فقال داود : فأنا خارج إليه وكان عادته أن يقاتل بالمقلاع الذئب والأسد في الرعي، وكان طالوت عارفا بجلادته، فلما هم داود بأن يخرج رماه فأصابه في صدره، ونفذ الحجر فيه، وقتل بعده ناسا كثيرا، فهزم الله جنود جالوت  وقتل داوود جالوت  فحسده طالوت وأخرجه من مملكته، ولم يف له بوعده، ثم ندم فذهب يطلبه إلى أن قتل، وملك داود وحصلت له النبوة، ولم يجتمع في بني إسرائيل الملك والنبوة إلا له. 
اعلم أن قوله : فهزموهم بإذن الله وقتل داوود جالوت  يدل على أن هزيمة عسكر جالوت كانت من طالوت وإن كان قتل جالوت ما كان إلا من داود ولا دلالة في الظاهر على أن انهزام العسكر كان قبل قتل جالوت أو بعده، لأن الواو لا تفيد الترتيب. 
أما قوله تعالى : وآتاه الله الملك والحكمة  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال بعضهم آتاه الله الملك والنبوة جزاء على ما فعل من الطاعة العظيمة، وبذل النفس في سبيل الله، مع أنه تعالى كان عالما بأنه صالح لتحمل أمر النبوة، والنبوة لا يمتنع جعلها جزاء على الطاعات كما قال تعالى :
 ولقد اخترناهم على علم على العالمين \* وآتيناهم من الايات ما فيه بلاء مبين  وقال : الله أعلم حيث يجعل رسالته  وظاهر هذه الآية يدل أيضا على ذلك لأنه تعالى لما حكى عن داود أنه قتل جالوت، قال بعده : وآتاه الله الملك والحكمة  والسلطان إذا أنعم على بعض عبيده الذين قاموا بخدمة شاقة، يغلب على الظن أن ذلك الإنعام لأجل تلك الخدمة، وقال الأكثرون : إن النبوة لا يجوز جعلها جزاء على الأعمال، بل ذلك محض التفضل والإنعام، قال تعالى : الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس . 
المسألة الثانية : قال بعضهم : ظاهر الآية يدل على أن داود حين قتل جالوت آتاه الله الملك والنبوة، وذلك لأنه تعالى ذكر إيتاء الملك والنبوة عقيب ذكره لقتل داود جالوت، وترتيب الحكم على الوصف المناسب مشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم، وبيان المناسبة أنه عليه السلام لما قتل مثل ذلك الخصم العظيم بالمقلاع والحجر، كان ذلك معجزا، لا سيما وقد تعلقت الأحجار معه وقالت : خذنا فإنك تقتل جالوت بنا، فظهور المعجز يدل على النبوة، وأما الملك فلأن القوم لما شاهدوا منه قهر ذلك العدو العظيم المهيب بذلك العمل القليل، فلا شك أن النفوس تميل إليه وذلك يقتضي حصول الملك له ظاهرا، وقال الأكثرون : إن حصول الملك والنبوة له تأخر عن ذلك الوقت بسبع سنين على ما قاله الضحاك، قالوا والروايات وردت بذلك، قالوا : لأن الله تعالى كان قد عين طالوت للملك فيبعد أن يعزله عن الملك حال حياته، والمشهور في أحوال بني إسرائيل كان نبي ذلك الزمان أشمويل، وملك ذلك الزمان طالوت، فلما توفي أشمويل أعطى الله تعالى النبوة لداود، ولما مات طالوت أعطى الله تعالى الملك لداود، فاجتمع الملك والنبوة فيه. 
المسألة الثالثة : الحكمة  هي وضع الأمور مواضعها على الصواب والصلاح، وكمال هذا المعنى إنما يحصل بالنبوة، فلا يبعد أن يكون المراد بالحكمة ههنا النبوة، قال تعالى : أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما  وقال فيما بعث به نبيه عليه السلام  ويعلمهم الكتاب والحكمة . 
فإن قيل : فإذا كان المراد من الحكمة النبوة، فلم قدم الملك على الحكمة ؟ مع أن الملك أدون حالا من النبوة. 
قلنا : لأن الله تعالى بين في هذه الآية كيفية ترقي داود عليه السلام إلى المراتب العالية، وإذا تكلم المتكلم في كيفية الترقي، فكل ما كان أكثر تأخرا من الذكر كان أعلى حالا وأعظم رتبة. 
أما قوله تعالى : وعلمه مما يشاء  ففيه وجوه أحدها : أن المراد به ما ذكره في قوله : وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم  وقال : وألنا له الحديد \* أن اعمل سابغات وقدر فى السرد 
وثانيها : أن المراد كلام الطير والنمل، قال تعالى حكاية عنه : علمنا منطق الطير  وثالثها : أن المراد به ما يتعلق بمصالح الدنيا وضبط الملك، فإنه ما ورث الملك من آبائه، لأنهم ما كانوا ملوكا بل كانوا رعاة ورابعها : علم الدين، قال تعالى : وآتينا داوود زبورا  وذلك لأنه كان حاكما بين الناس، فلا بد وأن يعلمه الله تعالى كيفية الحكم والقضاء وخامسها : الألحان الطيبة، ولا يبعد حمل اللفظ على الكل. 
فإن قيل : إنه تعالى لما ذكر إنه آتاه الحكمة، وكان المراد بالحكمة النبوة، فقد دخل العلم في ذلك، فلم ذكر بعده  علمه مما يشاء . 
قلنا : المقصود منه التنبيه على أن العبد قط لا ينتهي إلى حالة يستغني عن التعلم، سواء كان نبيا أو لم يكن، ولهذا السبب قال لمحمد صلى الله عليه وسلم : وقل رب زدني علما  ثم قال تعالى : ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض . 
اعلم أنه تعالى لما بين أن الفساد الواقع بجالوت وجنوده زال بما كان من طالوت وجنوده، وبما كان من داود من قتل جالوت بين عقيب ذلك جملة تشتمل كل تفصيل في هذا الباب، وهو أنه تعالى يدفع الناس بعضهم ببعض لكي لا تفسد الأرض، فقال : ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض  وههنا مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو  ولولا دفع الله  بغير ألف، وكذلك في سورة الحج  ولولا دفع الله  وقرآ جميعا  إن الله يدفع عن الذين آمنوا  بغير ألف ووافقهما عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر اليحصبي على دفع الله بغير ألف إلا أنهم قرؤا  إن الله يدافع عن الذين آمنوا  بالألف، وقرأ نافع  ولولا دفاع الله  و  إن الله يدافع  بالألف. 
إذا عرفت هذه الروايات فنقول : أما من قرأ : ولولا دفع الله، إن الله يدفع  فوجهه ظاهر، وأما من قرأ : ولولا دفاع الله، إن الله يدافع عن الذين آمنوا  فوجه الإشكال فيه أن المدافعة مفاعلة، وهي عبارة عن كون كل واحد من المدافعين دافعا لصاحبه ومانعا له من فعله، وذلك من العبد في حق الله تعالى محال، وجوابه أن لأهل اللغة في لفظ دفاع قولين أحدهما : أنه مصدر لدفع، تقول : دفعته دفعا ودفاعا، كما تقول : كتبته كتبا وكتابا، قالوا : وفعال كثيرا يجيء مصدرا للثلاثي من فعل وفعل، تقول : جمح جماحا، وطمح طماحا، وتقول : لقيته لقاء، وقمت قياما، وعلى هذا التأويل كان قوله : ولولا دفاع الله  معناه ولولا دفع الله. 
والقول الثاني : قول من جعل دفاع من دافع، فالمعنى أنه سبحانه إنما يكف الظلمة والعصاة عن ظلم المؤمنين على أيدي أنبيائه ورسله وأئمة دينه وكان يقع بين أولئك المحقين وأولئك المبطلين مدافعات ومكافحات، فحسن الإخبار عنه بلفظ المدافعة، كما قال :
 يحاربون الله ورسوله، وشاقوا الله  وكما قال : قاتلهم الله  ونظائره والله أعلم. 
المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآية المدفوع والمدفوع به، فقوله : ولولا دفع الله الناس بعضهم  إشارة إلى المدفوع، وقوله : ببعض  إشارة إلى المدفوع به، فأما المدفوع عنه فغير مذكور في الآية، فيحتمل أن يكون المدفوع عنه الشرور في الدين ويحتمل أن يكون المدفوع عنه الشرور في الدنيا، ويحتمل أن يكون مجموعهما. 
أما القسم الأول : وهو أن يكون المدفوع عنه الشرور في الدين، فتلك الشرور إما أن يكون المرجع بها إلى الكفر، أو إلى الفسق، أو إليهما، فلنذكر هذه الاحتمالات. 
الاحتمال الأول : أن يكون المعنى : ولولا دفع الله بعض الناس عن الكفر بسبب البعض، وعلى هذا التقدير فالدافعون هم الأنبياء وأئمة الهدى فإنهم الذين يمنعون الناس عن الوقوع في الكفر بإظهار الدلائل والبراهين والبينات قال تعالى : كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور . 
والاحتمال الثاني : أن يكون المراد : ولولا دفع الله بعض الناس عن المعاصي والمنكرات بسبب البعض، وعلى هذا التقدير فالدافعون هم القائمون بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر على ما قال تعالى : كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر  ويدخل في هذا الباب : الأئمة المنصوبون من قبل الله تعالى لأجل إقامة الحدود وإظهار شعائر الإسلام ونظيره قوله تعالى : ادفع بالتي هى أحسن السيئة  وفي موضع آخر : ويدرؤن بالحسنة السيئة . 
الاحتمال الثالث : ولولا دفع الله بعض الناس عن الهرج والمرج وإثارة الفتن في الدنيا بسبب البعض، واعلم أن الدافعين على هذا التقدير هم الأنبياء عليهم السلام، ثم الأئمة والملوك الذابون عن شرائعهم، وتقريره : أن الإنسان الواحد لا يمكنه أن يعيش وحده، لأنه ما لم يخبز هذا لذاك ولا يطحن ذاك لهذا، ولا يبني هذا لذاك، ولا ينسج ذاك لهذا، لا تتم مصلحة الإنسان الواحد، ولا تتم إلا عند اجتماع جمع في موضع واحد، فلهذا قيل : الإنسان مدني بالطبع، ثم إن الاجتماع بسبب المنازعة المفضية إلى المخاصمة أولا، والمقاتلة ثانيا، فلا بد في الحكمة الإلهية من وضع شريعة بين الخلق، لتكون الشريعة قاطعة للخصومات والمنازعات، فالأنبياء عليهم السلام الذين أوتوا من عند الله بهذه الشرائع هم الذين دفع الله بسببهم وبسبب شريعتهم الآفات عن الخلق فإن الخلق ما داموا يبقون متمسكين بالشرائع لا يقع بينهم خصام ولا نزاع، فالملوك والأئمة متى كانوا يتمسكون بهذه الشرائع كانت الفتن زائلة، والمصالح حاصلة. فظهر أن الله تعالى يدفع عن المؤمنين أنواع شرور الدنيا بسبب بعثة الأنبياء عليهم السلام واعلم أنه كما لا بد في قطع الخصومات والمنازعات من الشريعة فكذا لا بد في تنفيذ الشريعة م

### الآية 2:252

> ﻿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [2:252]

اعلم أن قوله : تلك  إشارة إلى القصص التي ذكرها من حديث الألوف وإماتتهم وإحيائهم وتمليك طالوت، وإظهار الآية التي هي نزول التابوت من السماء، وغلب الجبابرة على يد داود وهو صبي فقير، ولا شك أن هذه الأحوال آيات باهرة دالة على كمال قدرة الله تعالى وحكمته ورحمته. 
فإن قيل : لم قال : تلك  ولم يقل :( هذه ) مع أن تلك يشار بها إلى غائب لا إلى حاضر ؟. 
قلنا : قد بينا في تفسير قوله : ذلك الكتاب لا ريب فيه  أن تلك وذلك يرجع إلى معنى هذه وهذا، وأيضا فهذه القصص لما ذكرت صارت بعد ذكرها كالشيء الذي انقضى ومضى، فكانت في حكم الغائب فلهذا التأويل قال : تلك . 
أما قوله تعالى : نتلوها  يعني يتلوها جبريل عليه السلام عليك لكنه تعالى جعل تلاوة جبريل عليه السلام تلاوة لنفسه، وهذا تشريف عظيم لجبريل عليه السلام، وهو كقوله : إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله . 
أما قوله : بالحق  ففيه وجوه أحدها : أن المراد من ذكر هذه القصص أن يعتبر بها محمد صلى الله عليه وسلم، وتعتبر بها أمته في احتمال الشدائد في الجهاد، كما احتملها المؤمنون في الأمم المتقدمة وثانيها : بالحق  أي باليقين الذي لا يشك فيه أهل الكتاب، لأنه في كتبهم، كذلك من غير تفاوت أصلا وثالثها : إنا أنزلنا هذه الآيات على وجه تكون دالة في نبوتك بسبب ما فيها من الفصاحة والبلاغة ورابعها : تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق  أي يجب أن يعلم أن نزول هذه الآيات عليك من قبل الله تعالى، وليس بسبب إلقاء الشياطين، ولا بسبب تحريف الكهنة والسحرة. 
ثم قال : وإنك لمن المرسلين  وإنما ذكر هذا عقيب ما تقدم لوجوه أحدها : أنك أخبرت عن هذه الأقاصيص من غير تعلم ولا دراسة، وذلك يدل على أنه عليه الصلاة والسلام إنما ذكرها وعرفها بسبب الوحي من الله تعالى وثانيها : أنك قد عرفت بهذه الآيات ما جرى على الأنبياء عليهم السلام في بني إسرائيل من الخوف عليهم والرد لقولهم، فلا يعظمن عليك كفر من كفر بك، وخلاف من خالف عليك، لأنك مثلهم، وإنما بعث الكل لتأدية الرسالة ولامتثال الأمر على سبيل الاختيار والتطوع، لا على سبيل الإكراه، فلا عتب عليك في خلافهم وكفرهم والوبال في ذلك يرجع عليهم فيكون تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم فيما يظهر من الكفار والمنافقين، ويكون قوله : وإنك لمن المرسلين  كالتنبيه على ذلك.

### الآية 2:253

> ﻿۞ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [2:253]

تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد  في الآية مسائل :
المسألة الأولى : تلك  ابتداء، وإنما قال : تلك  ولم يقل أولئك الرسل، لأنه ذهب إلى الجماعة، كأنه قيل : تلك الجماعة الرسل بالرفع، لأنه صفة لتلك وخبر الابتداء  فضلنا بعضهم على بعض . 
المسألة الثانية : في قوله : تلك الرسل  أقوال أحدها : أن المراد منه : من تقدم ذكرهم من الأنبياء عليهم السلام في القرآن، كإبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب وموسى وغيرهم صلوات الله عليهم والثاني : أن المراد منه من تقدم ذكرهم في هذه الآية كأشمويل وداود وطالوت على قول من يجعله نبيا والثالث : وهو قول الأصم : تلك الرسل الذين أرسلهم الله لدفع الفساد، الذين إليهم الإشارة بقوله تعالى : ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض . 
المسألة الثالثة : وجه تعليق هذه الآية بما قبلها ما ذكره أبو مسلم وهو أنه تعالى أنبأ محمدا صلى الله عليه وسلم من أخبار المتقدمين مع قومهم، كسؤال قوم موسى  أرنا الله جهرة  وقولهم : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة  وكقوم عيسى بعد أن شاهدوا منه إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله فكذبوه وراموا قتله، ثم أقام فريق على الكفر به وهم اليهود، وفريق زعموا أنهم أولياؤه وادعت على اليهود من قتله وصلبه ما كذبهم الله تعالى فيه كالملأ من بني إسرائيل حسدوا طالوت ودفعوا ملكه بعد المسألة، وكذلك ما جرى من أمر النهر، فعزى الله رسوله عما رأى من قومه من التكذيب والحسد، فقال : هؤلاء الرسل الذين كلم الله تعالى بعضهم، ورفع الباقين درجات وأيد عيسى بروح القدس، قد نالهم من قومهم ما ذكرناه بعد مشاهدة المعجزات، وأنت رسول مثلهم فلا تحزن على ما ترى من قومك، فلو شاء الله لم تختلفوا أنتم وأولئك، ولكن ما قضى الله فهو كائن، وما قدره فهو واقع وبالجملة فالمقصود من هذا الكلام تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم على إيذاء قومه له. 
المسألة الرابعة : أجمعت الأمة على أن بعض الأنبياء أفضل من بعض، وعلى أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل من الكل، ويدل عليه وجوه أحدها : قوله تعالى : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين  فلما كان رحمة لكل العالمين لزم أن يكون أفضل من كل العالمين. 
الحجة الثانية : قوله تعالى : ورفعنا لك ذكرك  فقيل فيه لأنه قرن ذكر محمد بذكره في كلمة الشهادة وفي الأذان وفي التشهيد ولم يكن ذكر سائر الأنبياء كذلك. 
الحجة الثالثة : أنه تعالى قرن طاعته بطاعته، فقال : من يطع الرسول فقد أطاع الله  وبيعته ببيعته فقال : إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم  وعزته بعزته فقال : ولله العزة ولرسوله  ورضاه برضاه فقال : والله ورسوله أحق أن يرضوه  وإجابته بإجابته فقال : يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول . 
الحجة الرابعة : أن الله تعالى أمر محمدا بأن يتحدى بكل سورة من القرآن فقال : فأتوا بسورة من مثله  وأقصر السور سورة الكوثر وهي ثلاث آيات، وكان الله تحداهم بكل ثلاث آيات من القرآن، ولما كان كل القرآن ستة آلاف آية، وكذا آية، لزم أن لا يكون معجز القرآن معجزا واحدا بل يكون ألفى معجزة وأزيد. 
وإذا ثبت هذا فنقول : إن الله سبحانه ذكر تشريف موسى بتسع آيات بينات، فلأن يحصل التشريف لمحمد بهذه الآيات الكثيرة كان أولى. 
الحجة الخامسة : أن معجزة رسولنا صلى الله عليه وسلم أفضل من معجزات سائر الأنبياء فوجب أن يكون رسولنا أفضل من سائر الأنبياء. 
بيان الأول قوله عليه السلام :**« القرآن في الكلام كآدم في الموجودات »**. 
بيان الثاني أن الخلعة كلما كانت أشرف كان صاحبها أكرم عند الملك. 
الحجة السادسة : أن معجزته عليه السلام هي القرآن وهي من جنس الحروف والأصوات وهي أعراض غير باقية وسائر معجزات سائر الأنبياء من جنس الأمور الباقية ثم إنه سبحانه جعل معجزة محمد صلى الله عليه وسلم باقية إلى آخر الدهر، ومعجزات سائر الأنبياء فانية منقضية. 
الحجة السابعة : أنه تعالى بعد ما حكى أحوال الأنبياء عليهم السلام قال : أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده  فأمر محمدا صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بمن قبله، فإما أن يقال : إنه كان مأمورا بالاقتداء بهم في أصول الدين وهو غير جائز لأنه تقليد، أو في فروع الدين وهو غير جائز، لأن شرعه نسخ سائر الشرائع، فلم يبق إلا أن يكون المراد محاسن الأخلاق، فكأنه سبحانه قال : إنا أطلعناك على أحوالهم وسيرهم، فاختر أنت منها أجودها وأحسنها وكن مقتديا بهم في كلها، وهذا يقتضي أنه اجتمع فيه من الخصال المرضية ما كان متفرقا فيهم، فوجب أن يكون أفضل منهم. 
الحجة الثامنة : أنه عليه السلام بعث إلى كل الخلق وذلك يقتضي أن تكون مشقته أكثر، فوجب أن يكون أفضل، أما إنه بعث إلى كل الخلق فلقوله تعالى : وما أرسلناك إلا كافة للناس  وأما أن ذلك يقتضي أن تكون مشتقه أكثر فلأنه كان إنسانا فردا من غير مال ولا أعوان وأنصار، فإذا قال لجميع العالمين : يا أيها الكافرون صار الكل أعداء له، وحينئذ يصير خائفا من الكل، فكانت المشقة عظيمة، وكذلك فإن موسى عليه السلام لما بعث إلى بني إسرائيل فهو ما كان يخاف أحدا إلا من فرعون وقومه، وأما محمد عليه السلام فالكل كانوا أعداء له، يبين ذلك أن إنسانا لو قيل له : هذا البلد الخالي عن الصديق والرفيق فيه رجل واحد ذو قوة وسلاح فاذهب إليه اليوم وحيدا وبلغ إليه خبرا يوحشه ويؤذيه، فإنه قلما سمحت نفسه بذلك، مع أنه إنسان واحد، ولو قيل له : اذهب إلى بادية بعيدة ليس فيها أنيس ولا صديق، وبلغ إلى صاحب البادية كذا وكذا من الأخبار الموحشة لشق ذلك على الإنسان، أما النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان مأمورا بأن يذهب طول ليله ونهاره في كل عمره إلى الجن والإنس الذين لا عهد له بهم، بل المعتاد منهم أنهم يعادونه ويؤذونه ويستخفونه، ثم إنه عليه السلام لم يمل من هذه الحالة ولم يتلكأ، بل سارع إليها سامعا مطيعا، فهذا يقتضي أنه تحمل في إظهار دين الله أعظم المشاق، ولهذا قال تعالى :
 لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل  ومعلوم أن ذلك البلاء كان على الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا عظم فضل الصحابة بسبب تلك الشدة فما ظنك بالرسول، وإذا ثبت أن مشقته أعظم من مشقة غيره وجب أن يكون فضله أكثر من فضل غيره لقوله عليه السلام :**« أفضل العبادات أحمزها »**. 
الحجة التاسعة : أن دين محمد عليه السلام أفضل الأديان، فيلزم أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء، بيان الأول أنه تعالى جعل الإسلام ناسخا لسائر الأديان، والناسخ يجب أن يكون أفضل لقوله عليه السلام :**« من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة »** فلما كان هذا الدين أفضل وأكثر ثوابا، كان واضعه أكثر ثوابا من واضعي سائر الأديان، فيلزم أن يكون محمد عليه السلام أفضل من سائر الأنبياء. 
الحجة العاشرة : أمة محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأمم، فوجب أن يكون محمد أفضل الأنبياء، بيان الأول قوله تعالى : كنتم خير أمة أخرجت للناس  بيان الثاني أن هذه الأمة إنما نالت هذه الفضيلة لمتابعة محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله  وفضيلة التابع توجب فضيلة المتبوع، وأيضا أن محمدا صلى الله عليه وسلم أكثر ثوابا لأنه مبعوث إلى الجن والإنس، فوجب أن يكون ثوابه أكثر، لأن لكثرة المستجيبين أثرا في علو شأن المتبوع. 
الحجة الحادية عشر : أنه عليه السلام خاتم الرسل، فوجب أن يكون أفضل، لأن نسخ الفاضل بالمفضول قبيح في المعقول. 
الحجة الثانية عشرة : أن تفضيل بعض الأنبياء على بعض يكون لأمور منها : كثرة المعجزات التي هي دالة على صدقهم وموجبة لتشريفهم، وقد حصل في حق نبينا عليه السلام ما يفضل على ثلاثة آلاف، وهي بالجملة على أقسام، منها ما يتعلق بالقدرة، كإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل، وإروائهم من الماء القليل، ومنها ما يتعلق بالعلوم كالإخبار عن الغيوب، وفصاحة القرآن، ومنها اختصاصه في ذاته بالفضائل، نحو كونه أشرف نسبا من أشراف العرب، وأيضا كان في غاية الشجاعة، كما روي أنه قال بعد محاربة علي رضي الله عنه لعمرو بن ود :" كيف وجدت نفسك يا علي، قال : وجدتها لو كان كل أهل المدينة في جانب وأنا في جانب لقدرت عليهم فقال : تأهب فإنه يخرج من هذا الوادي فتى يقاتلك "، الحديث إلى آخره وهو مشهور، ومنها في خلقه وحلمه ووفائه وفصاحته وسخائه، وكتب الحديث ناطقة بتفصيل هذه الأبواب. 
الحجة الثالثة عشرة : قوله عليه السلام :" آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيام " وذلك يدل على أنه أفضل من آدم ومن كل أولاده، وقال عليه السلام :" أنا سيد ولد آدم ولا فخر " وقال عليه السلام :" لا يدخل الجنة أحد من النبيين حتى أدخلها أنا، ولا يدخلها أحد من الأمم حتى تدخلها أمتي " وروى أنس قال صلى الله عليه وسلم :" أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا مبشرهم إذا أيسوا، لواء الحمد بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر " وعن ابن عباس قال : جلس ناس من الصحابة يتذاكرون فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثهم فقال بعضهم : عجبا إن الله اتخذ إبراهيم خليلا، وقال آخر : ماذا بأعجب من كلام موسى كلمه تكليما، وقال آخر : فعيسى كلمة الله وروحه، وقال آخر : آدم اصطفاه الله فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :" قد سمعت كلامكم وحجتكم أن إبراهيم خليل الله وهو كذلك، وموسى نجى الله وهو كذلك، وعيسى روح الله وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله تعالى وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول شافع وأنا أول مشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يحرك حلقة الجنة فيفتح لي فأدخلها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر ". 
الحجة الرابعة عشرة : روى البيهقي في **«فضائل الصحابة »** أنه ظهر علي بن أبي طالب من بعيد فقال عليه السلام :" هذا سيد العرب " فقالت عائشة : ألست أنت سيد العرب ؟ " فقال أنا أسيد العالمين وهو سيد العرب "، وهذا يدل على أنه أفضل الأنبياء عليهم السلام. 
الحجة الخامسة عشرة : روى مجاهد عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي ولا فخر، بعثت إلى الأحمر والأسود وكان النبي قبلي يبعث إلى قومه، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، ونصرت بالرعب أمامي مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ولم تكن لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة فادخرتها لأمتي، فهي نائلة إن شاء الله تعالى لمن لا يشرك بالله شيئا " وجه الاستدلال أنه صريح في أن الله فضله بهذه الفضائل على غيره. 
الحجة السادسة عشرة : قال محمد بن عيسى الحكيم الترمذي في تقرير هذا المعنى : إن كل أمي

### الآية 2:254

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ۗ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [2:254]

قوله تعالى  يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون . 
اعلم أن أصعب الأشياء على الإنسان بذل النفس في القتال، وبذل المال في الإنفاق فلما قدم الأمر بالقتال أعقبه بالأمر بالإنفاق، وأيضا فيه وجه آخر، وهو أنه تعالى أمر بالقتال فيما سبق بقوله : وقاتلوا في سبيل الله  ثم أعقبه بقوله : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا  والمقصود منه إنفاق المال في الجهاد، ثم إنه مرة ثانية أكد الأمر بالقتال وذكر فيه قصة طالوت، ثم أعقبه بالأمر بالإنفاق في الجهاد، وهو قوله : ياأيها الذين آمنوا أنفقوا . 
إذا عرفت وجه النظم فنقول في الآية مسائل :
المسألة الأولى : المعتزلة احتجوا على أن الرزق لا يكون إلا حلالا بقوله : أنفقوا مما رزقناكم  فنقول : الله تعالى أمر بالإنفاق من كل ما كان رزقا بالإجماع أما ما كان حراما فإنه لا يجوز إنفاقه، وهذا يفيد القطع بأن الرزق لا يكون حراما، والأصحاب قالوا : ظاهر الآية وإن كان يدل على الأمر بإنفاق كل ما كان رزقا إلا أنا نخصص هذا الأمر بإنفاق كل ما كان رزقا حلالا. 
المسألة الثانية : اختلفوا في أن قوله : أنفقوا  مختص بالإنفاق الواجب كالزكاة أم هو عام في كل الإنفاقات سواء كانت واجبة أو مندوبة، فقال الحسن : هذا الأمر مختص بالزكاة، قال لأن قوله : من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة  كالوعد والوعيد لا يتوجه إلا على الواجب وقال الأكثرون : هذا الأمر يتناول الواجب والمندوب، وليس في الآية وعيد، فكأنه قيل : حصلوا منافع الآخرة حين تكونون في الدنيا، فإنكم إذا خرجتم من الدنيا لا يمكنكم تحصيلها واكتسابها في الآخرة والقول الثالث : أن المراد منه الإنفاق في الجهاد : والدليل عليه أنه مذكور بعد الأمر بالجهاد، فكان المراد منه الإنفاق في الجهاد، وهذا قول الأصم. 
المسألة الثالثة : قرأ ابن كثير وأبو عمرو  لا بيع، ولا خلة، ولا شفاعة  بالنصب، وفي سورة إبراهيم عليه السلام  لا بيع فيه ولا خلال  وفي الطور  لا لغو فيها ولا تأثيم  والباقون جميعا بالرفع، والفرق بين النصب والرفع قد ذكرناه في قوله : فلا رفث ولا فسوق ولا جدال . 
المسألة الرابعة : المقصود من الآية أن الإنسان يجىء وحده، ولا يكون معه شيء مما حصله في الدنيا، قال تعالى : ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم  وقال : ونرثه ما يقول ويأتينا فردا . 
أما قوله : لا بيع فيه  ففيه وجهان الأول : أن البيع ههنا بمعنى الفدية، كما قال : فاليوم لا يؤخذ منكم فدية  وقال : ولا يقبل منها عدل  وقال : وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها  فكأنه قال : من قبل أن يأتي يوم لا تجارة فيه فتكتسب ما تفتدي به من العذاب والثاني : أن يكون المعنى : قدموا لأنفسكم من المال الذي هو في ملككم قبل أن يأتي اليوم الذي لا يكون فيه تجارة ولا مبايعة حتى يكتسب شيء من المال. 
أما قوله : ولا خلة  فالمراد المودة، ونظيره من الآيات قوله تعالى : الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين  وقال : وتقطعت بهم الأسباب  وقال : ويوم القيامة يكفرون بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا  وقال حكاية عن الكفار : فما لنا من شافعين ولا صديق حميم  وقال : وما للظالمين من أنصار  وأما قوله : ولا شفاعة  يقتضي نفي كل الشفاعات. 
واعلم أن قوله : ولا خلة ولا شفاعة  عام في الكل، إلا أن سائر الدلائل دلت على ثبوت المودة والمحبة بين المؤمنين، وعلى ثبوت الشفاعة للمؤمنين، وقد بيناه في تفسير قوله تعالى : واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة . 
واعلم أن السبب في عدم الخلة والشفاعة يوم القيامة أمور أحدها : أن كل أحد يكون مشغولا بنفسه، على ما قال تعالى : لكل امرىء منهم يومئذ شأن  والثاني : أن الخوف الشديد غالب على كل أحد، على ما قال : يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى  والثالث : أنه إذا نزل العذاب بسبب الكفر والفسق صار مبغضا لهذين الأمرين، وإذا صار مبغضا لهما صار مبغضا لمن كان موصوفا بهما. 
أما قوله تعالى : والكافرون هم الظالمون  فنقل عن عطاء بن يسار أنه كان يقول : الحمد لله الذي قال : والكافرون هم الظالمون  ولم يقل الظالمون هم الكافرون، ثم ذكروا في تأويل هذه الآية وجوها أحدها : أنه تعالى لما قال : ولا خلة ولا شفاعة  أوهم ذلك نفي الخلة والشفاعة مطلقا، فذكر تعالى عقيبه : والكافرون هم الظالمون  ليدل على أن ذلك النفي مختص بالكافرين، وعلى هذا التقدير تصير الآية دالة على إثبات الشفاعة في حق الفساق، قال القاضي : هذا التأويل غير صحيح لأن قوله : والكافرون هم الظالمون  كلام مبتدأ فلم يجب تعليقه بما تقدم. 
والجواب : أنا لو جعلنا هذا الكلام مبتدأ، تطرق الخلف إلى كلام الله تعالى، لأن غير الكافرين قد يكون ظالما، أما إذا علقناه بما تقدم زال الإشكال فوجب المصير إلى تعليقه بما قبله. 
التأويل الثاني : أن الكافرين إذا دخلوا النار عجزوا عن التخلص عن ذلك العذاب، فالله تعالى لم يظلمهم بذلك العذاب، بل هم الذين ظلموا أنفسهم حيث اختاروا الكفر والفسق حتى صاروا مستحقين لهذا العذاب، ونظيره قوله تعالى : ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا . 
والتأويل الثالث : أن الكافرين هم الظالمون حيث تركوا تقديم الخيرات ليوم فاقتهم وحاجتهم وأنتم أيها الحاضرون لا تقتدوا بهم في هذا الاختيار الردىء، ولكن قدموا لأنفسكم ما تجعلونه يوم القيامة فدية لأنفسكم من عذاب الله. 
والتأويل الرابع : الكافرون هم الظالمون لأنفسهم بوضع الأمور في غير مواضعها، لتوقعهم الشفاعة ممن لا يشفع لهم عند الله، فإنهم كانوا يقولون في الأوثان : هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وقالوا أيضا : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى فمن عبد جمادا وتوقع أن يكون شفيعا له عند الله فقد ظلم نفسه حيث توقع الخير ممن لا يجوز التوقع منه. 
والتأويل الخامس : المراد من الظلم ترك الإنفاق، قال تعالى : آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا  أي أعطت ولم تمنع فيكون معنى الآية والكافرون التاركون للإنفاق في سبيل الله، وأما المسلم فلا بد وأن ينفق منه شيئا قل أو كثر. 
والتأويل السادس : والكافرون هم الظالمون  أي هم الكاملون في الظلم البالغون المبلغ العظيم فيه كما يقال : العلماء هم المتكلمون أي هم الكاملون في العلم فكذا ههنا، وأكثر هذه الوجوه قد ذكرها القفال رحمه الله والله أعلم.

### الآية 2:255

> ﻿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [2:255]

قوله تعالى : الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم و ما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم . 
اعلم أن من عادته سبحانه وتعالى في هذا الكتاب الكريم أنه يخلط هذه الأنواع الثلاثة بعضها ببعض، أعني علم التوحيد، وعلم الأحكام، وعلم القصص، والمقصود من ذكر القصص إما تقرير دلائل التوحيد، وإما المبالغة في إلزام الأحكام والتكاليف، وهذا الطريق هو الطريق الأحسن لا إبقاء الإنسان في النوع الواحد لأنه يوجب الملال، فأما إذا انتقل من نوع من العلوم إلى نوع آخر فكأنه يشرح به الصدر ويفرح به القلب، فكأنه سافر من بلد إلى بلد آخر وانتقل من بستان إلى بستان آخر، وانتقل من تناول طعام لذيذ إلى تناول نوع آخر، ولا شك أنه يكون ألذ وأشهى، ولما ذكر فيما تقدم من علم الأحكام ومن علم القصص ما رآه مصلحة ذكر الآن ما يتعلق بعلم التوحيد، فقال : الله لا إله إلا هو الحي القيوم  وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : في فضائل هذه الآية روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :**« ما قرئت هذه الآية في دار إلا اهتجرتها الشياطين ثلاثين يوما ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة »** وعن علي أنه قال : سمعت نبيكم على أعواد المنبر وهو يقول :**« من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه أمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات التي حوله »** وتذاكر الصحابة أفضل ما في القرآن فقال لهم علي : أين أنتم من آية الكرسي، ثم قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :**« يا علي سيد البشر آدم، وسيد العرب محمد ولا فخر، وسيد الكلام القرآن، وسيد القرآن البقرة، وسيد البقرة آية الكرسي »** وعن علي أنه قال : لما كان يوم بدر قاتلت ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنظر ماذا يصنع، قال فجئت وهو ساجد يقول : يا حي يا قيوم، لا يزيد على ذلك، ثم رجعت إلى القتال ثم جئت وهو يقول ذلك، فلا أزال أذهب وأرجع وأنظر إليه، وكان لا يزيد على ذلك إلى أن فتح الله له. 
واعلم أن الذكر والعلم يتبعان المذكور والمعلوم فكلما كان المذكور والمعلوم أشرف كان الذكر والعلم أشرف، وأشرف المذكورات والمعلومات هو الله سبحانه بل هو متعال عن أن يقال : إنه أشرف من غيره، لأن ذلك يقتضي نوع مجانسة ومشاكلة، وهو مقدس عن مجانسة ما سواه، فلهذا السبب كل كلام اشتمل على نعوت جلاله وصفات كبريائه، كان ذلك الكلام في نهاية الجلال والشرف، ولما كانت هذه الآية كذلك لا جرم كانت هذه الآية بالغة في الشرف إلى أقصى الغايات وأبلغ النهايات. 
المسألة الثانية : اعلم أن تفسير لفظة  الله  قد تقدم في أول الكتاب وتفسير قوله  لا إله إلا هو  قد تقدم في قوله  وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو  \[ البقرة : ١٦٣ \] بقي ههنا أن نتكلم في تفسير قوله : الحي القيوم  وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه كان يقول : أعظم أسماء الله  الحي القيوم  وما روينا أنه صلوات الله وسلامه عليه ما كان يزيد على ذكره في السجود يوم بدر يدل على عظمة هذا الاسم والبراهين العقلية دالة على صحته وتقريره، ومن الله التوفيق : أنه لا شك في وجود الموجودات فهي إما أن تكون بأسراها ممكنة، وإما أن تكون بأسراها واجبة وإما أن تكون بعضها ممكنة وبعضها واجبة لا جائز أن تكون بأسراها ممكنة، لأن كل مجموع فهو مفتقر إلى كل واحد من أجزائه وكل واحد من أجزاء هذا المجموع ممكن والمفتقر إلى الممكن أولى بالإمكان، فهذا المجموع ممكن بذاته وكل واحد من أجزائه ممكن فإنه لا يترجح وجوده على عدمه إلا لمرجح مغاير له، فهذا المجموع مفتقر بحسب كونه مجموعا وبحسب كل واحد من أجزائه إلى مرجح مغاير له وكل ما كان مغايرا لكل الممكنات لم يكن ممكنا فقد وجد موجود ليس بممكن، فبطل القول بأن كل موجود ممكن وأما القسم الثاني وهو أن يقال الموجودات بأسرها واجبة فهذا أيضا باطل. لأنه لو حصل وجودان كل واحد منهما واجب لذاته لكانا مشتركين في الوجوب بالذات ومتغايرين بالنفي، وما به المشاركة مغاير لما به الممايزة، فيكون كل واحد منهما مركبا في الوجوب الذي به المشاركة، ومن الغير الذي به الممايزة، وكل مركب فهو مفتقر إلى كل واحد من جزئه وجزء غيره، وكل مركب فهو مفتقر إلى غيره، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته، فلو كان واجب الوجود أكثر من واحد لما كان شيء منها واجب الوجود وذلك محال، ولما بطلل هذان القسمان ثبت أنه حصل في مجموع الموجودات موجود واحد واجب الوجود لذاته وأن كل ما عداه فهو ممكن لذاته موجود بإيجاد ذلك الموجود الذي هو واجب الوجود لذاته، ولما بطل هذان فالواجب لذاته موجود لذاته وبذاته، ومستغن في وجوده عن كل ما سواه، وأما كل ما سواه فمفتقر في وجوده وماهيته إلى إيجاد الواجب لذاته، فالواجب لذاته قائم بذاته وسبب لتقوم كل ما سواه في ماهيته وفي وجوده، فهو القيوم الحي بالنسبة إلى كل الموجودات، فالقيوم هو المتقوم بذاته، المقوم لكل ما عداه في ماهيته ووجوده، ولما كان واجب الوجود لذاته كان هو القيوم الحق بالنسبة إلى الكل، ثم إنه لما كان المؤثر في الغير إما أن يكون مؤثرا على سبيل العلية والإيجاب وإما أن يكون مؤثرا على سبيل الفعل والاختيار : لا جرم أزال وهم كونه مؤثرا بالعلية والإيجاب بقوله  الحي القيوم  فإن  الحي  هي الدراك الفعال، فبقوله  الحي  دل على كونه عالما قادرا، وبقوله  القيوم  دل على كونه قائما بذاته ومقوما لكل ما عداه، ومن هذين الأصلين تتشعب جميع المسائل المعتبرة في علم التوحيد. 
فأولها : أن واجب الوجود واحد بمعنى أن ماهيته غير مركبة من الأجزاء، وبرهانه أن كل مركب فإنه مفتقر في تحققه إلى تحقق كل واحد من أجزائه، وجزؤه غيره، وكل مركب فهو متقوم بغيره والمتقوم بغيره لا يكون متقوما بذاته فلا يكون قيوما، وقد بينا بالبرهان أنه قيوم وإذا ثبت أنه تعالى في ذاته واحد، فهذا الأصل له لازمان ( أحدها ) أن واجب الوجود واحد بمعنى أنه ليس في الوجود شيئان كل واحد منهما واجب لذاته، إذ لو فرض ذلك لاشتركا في الوجوب، وتباينا في التعين، وما به المشاركة غير ما به المباينة، فيلزم كون كل واحد منهما في ذاته مركبا من جزأين، وقد بينا أنه محال. 
( اللازم الثاني ) : أنه لما امتنع في حقيقته أن تكون مركبة من جزأين امتنع كونه متحيزا، لأن كل متحيز فهو منقسم، وقد ثبت أن التركيب عليه ممتنع، وإذا ثبت أنه ليس بمتحيز امتنع كونه في الجهة، لأنه لا معنى للمتحيز إلا ما يمكن أن يشار إليه إشارة حسية، وإذا ثبت أنه ليس بمتحيز وليس في الجهة، امتنع أن يكون له أعضاء وحركة وسكون. 
( وثانيها ) : أنه لما كان قيوما كان قائما بذاته، وكونه قائما بذاته يستلزم أمور :
اللازم الأول : أن لا يكون عرضا في موضوع، ولا صورة في مادة، ولا حالا في محل أصلا لأن الحال مفتقر إلى المحل والمفتقر إلى الغير لا يكون قيوما بذاته. 
واللازم الثاني : قال بعض العلماء : لا معنى للعلم إلا حضور حقيقة المعلوم للعالم، فإذا كان قيوما بمعنى كونه قائما بنفسه لا بغيره كانت حقيقته حاضرة عند ذاته، وإذا كان لا معنى للعلم إلا هذا الحضور، وجب أن تكون حقيقته معلومة لذاته فإذن ذاته معلومة لذاته، وكل ما عداه فإنه إنما يحصل بتأثيره، ولأنا بينا أنه قيوم بمعنى كونه مقوما لغيره، وذلك التأثير إن كان بالاختيار فالفاعل المختار لابد وأن يكون له شعور بفعله وإن كان بالإيجاب لزم أيضا كونه عالما بكل ما سواه لأن ذاته موجبة لكل ما سواه، وقد دللنا على أنه يلزم من كونه قائما بالنفس لذاته كونه عالما بذاته، والعلم بالعلة علة للعلم بالمعلول، فعلى التقديرات كلها يلزم من كونه قيوما كونه عالما بجميع المعلومات. 
( وثالثها ) لما كان قيوما لكل ما سواه كان كل ما سواه محدثا، لأن تأثيره في تقويم ذلك الغير يمتنع أن يكون حال بقاء ذلك الغير لأن تحصيل الحاصل محال فهو إما حال عدمه وإما حال حدوثه وعلى التقديرين وجب أن يكون الكل محدثا. 
( ورابعها ) أنه لما كان قيوما لكل الممكنات استندت كل الممكنات إليه إما بواسطة أو بغير واسطة، وعلى التقديرين كان القول بالقضاء والقدر حقا، وهذا مما قد فصلناه وأوضحناه في هذا الكتاب في آيات كثيرة فأنت إن ساعدك التوفيق وتأملت في هذه المعاقد التي ذكرناها علمت أنه لا سبيل إلى الإحاطة بشيء من المسائل المتعلقة بالعلم الإلهي إلا بواسطة كونه تعالى حيا قيوما فلا جرم لا يبعد أن يكون الاسم الأعظم هو هذا، وأما سائر الآيات الإلهية، كقوله  وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو  \[ البقرة : ١٦٣ \] وقوله  شهد الله أنه لا إله إلا هو  \[ آل عمران : ١٨ \] ففيه بيان التوحيد بمعنى نفي الضد والند، وأما قوله  قل هو الله أحد  \[ الصمد : ١ \] ففيه بيان التوحيد بمعنى نفي الضد والند، وبمعنى أن حقيقته غير مركبة من الأجزاء، وأما قوله  إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض  \[ الأعراف : ٥٤ \] ففيه بيان صفة الربوبية وليس فيه بيان وحدة الحقيقة، أما قوله  الحي القيوم  فإنه يدل على الكل لأن كونه قيوما يقتضي أن يكون قائما بذاته، وأن يكون مقوما لغيره وكونه قائما بذاته يقتضي الوحدة بمعنى نفي الكثرة في حقيقته، وذلك يقتضي الوحدة بمعنى نفي الضد والند ويقتضي نفي التحيز وبواسطته يقتضي نفي الجهة، وأيضا كونه قيوما بمعنى كونه مقوما لغيره يقتضي حدوث كل ما سواه جسما كان أو روحا عقلا كان أو نفسا، ويقتضي استناد الكل إليه وانتهاء جملة الأسباب والمسببات إليه، وذلك يوجب القول بالقضاء والقدر فظهر أن هذين اللفظين كالمحيطين بجميع مباحث العلم الإلهي، فلا جرم بلغت هذه الآية في الشرف إلى المقصد الأقصى واستوجب أن يكون هو الاسم الأعظم من أسماء الله تعالى. 
ثم إنه تعالى لما بين أنه حي قيوم أكد ذلك بقوله  لا تأخذه سنة ولا نوم  والمعنى : أنه لا يغفل عن تدبير الخلق، لأن القيم بأمر الطفل لو غفل عنه ساعة لاختل أمر الطفل، فهو سبحانه قيم جميع المحدثات، وقيوم الممكنات، فلا يمكن أن يغفل عن تدبيرهم، فقوله  لا تأخذه سنة ولا نوم  كالتأكيد لبيان كونه تعالى قائما، وهو كما يقال لمن ضيع وأهمل : إنك لو سنان نائم، ثم إنه تعالى لما بين كونه قيوما بمعنى كونه قائما بذاته، مقوما لغيره، رتب عليه حكما وهو قوله  له ما في السماوات وما في الأرض  لأنه لما كان كل ما سواه إنما تقومت ماهيته، وإنما يحصل وجوده بتقويمه وتكوينه وتخليقه لزم أن يكون كل ما سواه ملكا له وملكا له، وهو المراد من قوله  له ما في السماوات وما في الأرض  ثم لما ثبت أنه هو الملك والمالك لكل ما سواه، ثبت أن حكمه في الكل جار ليس لغيره في شيء من الأشياء حكم إلا بإذنه وأمره، وهو المراد بقوله  من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه  ثم لما بين أنه يلزم من كونه مالكا للكل، أن لا يكون لغيره في ملكه تصرف بوجه من

### الآية 2:256

> ﻿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انْفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [2:256]

قوله تعالى  لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم  فيه مسألتان :
المسألة الأولى : اللام في  الدين  فيه قولان أحدهما : أنه لام العهد والثاني : أنه بدل من الإضافة، كقوله  فإن الجنة هي المأوى  \[ النازعات : ٤١ \] أي مأواه، والمراد في دين الله. 
المسألة الثانية : في تأويل الآية وجوه أحدها : وهو قول أبي مسلم والقفال وهو الأليق بأصول المعتزلة : معناه أنه تعالى ما بنى أمر الإيمان على الإجبار والقسر، وإنما بناه على التمكن والاختيار، ثم احتج القفال على أن هذا هو المراد بأنه تعالى لما بين دلائل التوحيد بيانا شافيا قاطعا للعذر، قال بعد ذلك : إنه لم يبق بعد إيضاح هذه الدلائل للكافر عذر في الإقامة على الكفر إلا أن يقسر على الإيمان ويجبر عليه، وذلك مما لا يجوز في دار الدنيا التي هي دار الابتلاء، إذ في القهر والإكراه على الدين بطلان معنى الابتلاء والامتحان، ونظير هذا قوله تعالى : فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر  \[ الكهف : ٢٩ \] وقال في سورة أخرى  ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين  \[ الشعراء : ٣، ٤ \] وقال في سورة الشعراء  لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين  ومما يؤكد هذا القول أنه تعالى قال بعد هذه الآية  قد تبين الرشد من الغي  يعني ظهرت الدلائل، ووضحت البينات، ولم يبق بعدها إلا طريق القسر والإلجاء والإكراه، وذلك غير جائز لأنه ينافي التكليف فهذا تقرير هذا التأويل. 
القول الثاني : في التأويل هو أن الإكراه أن يقول المسلم للكافر : إن آمنت وإلا قتلتك فقال تعالى : لا إكراه في الدين  أما في حق أهل الكتاب وفي حق المجوس، فلأنهم إذا قبلوا الجزية سقط القتل عنهم، وأما سائر الكفار فإذا تهودوا أو تنصروا فقد اختلف الفقهاء فيهم، فقال بعضهم : إنه يقر عليه ؛ وعلى هذا التقدير يسقط عنه القتل إذا قبل الجزية، وعلى مذهب هؤلاء كان قوله  لا إكراه في الدين  عاما في كل الكفار، أما من يقول من الفقهاء بأن سائر الكفار إذا تهودوا أو تنصروا فإنهم لا يقرون عليه، فعلى قوله يصح الإكراه في حقهم، وكان قوله  لا إكراه  مخصوصا بأهل الكتاب. 
والقول الثالث : لا تقولوا لمن دخل في الدين بعد الحرب إنه دخل مكرها، لأنه إذا رضي بعد الحرب وصح إسلامه فليس بمكره، ومعناه لا تنسبوهم إلى الإكراه، ونظيره قوله تعالى : ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا  \[ النساء : ٩٤ \]. 
أما قوله تعالى : قد تبين الرشد من الغي  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : يقال : بان الشيء واستبان وتبين إذا ظهر ووضح، ومنه المثل : قد تبين الصبح لذي عينين، وعندي أن الإيضاح والتعريف إنما سمي بيانا لأنه يوقع الفصل والبينونة بين المقصود وغيره، والرشد في اللغة معناه إصابة الخير، وفيه لغتان : رشد ورشد والرشاد مصدر أيضا كالرشد، والغي نقيض الرشد، يقال غوى يغوي غيا وغواية، إذا سلك غير طريق الرشد. 
المسألة الثانية : تبين الرشد من الغي  أي تميز الحق من الباطل، والإيمان من الكفر والهدى من الضلالة بكثرة الحجج والآيات الدالة، قال القاضي : ومعنى  قد تبين الرشد  أي أنه قد اتضح وانجلى بالأدلة لا أن كل مكلف تنبه لأن المعلوم ذلك وأقول : قد ذكرنا أن معنى  تبين  انفصل وامتاز، فكان المراد أنه حصلت البينونة بين الرشد والغي بسبب قوة الدلائل وتأكيد البراهين، وعلى هذا كان اللفظ مجرى على ظاهره. 
أما قوله تعالى : فمن يكفر بالطاغوت  فقد قال النحويون : الطاغوت وزنه فعلوت، نحو جبروت، والتاء زائدة وهي مشتقة من طغا، وتقديره طغووت، إلا أن لام الفعل قلبت إلى موضع العين كعادتهم في القلب، نحو : الصاقعة والصاعقة، ثم قلبت الواو ألفا لوقوعها في موضع حركة وانفتاح ما قبلها، قال المبرد في الطاغوت : الأصوب عندي أنه جمع قال أبو علي الفارسي : وليس الأمر عندنا كذلك، وذلك لأن الطاغوت مصدر كالرغبوت والرهبوت والملكوت، فكما أن هذه الأسماء آحاد كذلك هذا الاسم مفرد وليس بجمع، ومما يدل على أنه مصدر مفرد قوله  أولياؤهم الطاغوت  فأفرد في موضع الجمع، كما يقال : هم رضاهم عدل، قالوا : وهذا اللفظ يقع على الواحد وعلى الجمع، أما في الواحد فكما في قوله تعالى : يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به  \[ النساء : ٦٠ \] وأما في الجمع فكما في قوله تعالى : والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت  \[ البقرة : ٢٥٧ \] وقالوا : الأصل فيه التذكير، فأما قوله : والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها  \[ الزمر : ١٧ \] فإنما أنثت إرادة الآلهة. 
إذا عرفت هذا فنقول : ذكر المفسرون فيه خمسة أقوال الأول : قال عمر ومجاهد وقتادة هو الشيطان الثاني : قال سعيد بن جبير : الكاهن الثالث : قال أبو العالية : هو الساحر الرابع : قال بعضهم الأصنام الخامس : أنه مردة الجن والإنس وكل ما يطغى، والتحقيق أنه لما حصل الطغيان عند الاتصال بهذه الأشياء جعلت هذه الأشياء أسبابا للطغيان كما في قوله  رب إنهن أضللن كثيرا من الناس  \[ إبراهيم : ٣٦ \]. 
أما قوله  ويؤمن بالله  ففيه إشارة إلى أنه لابد للكافر من أن يتوب أولا عن الكفر، ثم يؤمن بعد ذلك. 
أما قوله  فقد استمسك بالعروة الوثقى  فاعلم أنه يقال : استمسك بالشيء إذا تمسك به والعروة جمعها عرا نحو عروة الدلو والكوز وإنما سميت بذلك، لأن العروة عبارة عن الشيء الذي يتعلق به والوثقى تأنيث الأوثق، وهذا من باب استعارة المحسوس للمعقول، لأن من أراد إمساك شيء يتعلق بعروته، فكذا ههنا من أراد إمساك هذا الدين تعلق بالدلائل الدالة عليه، ولما كانت دلائل الإسلام أقوى الدلائل وأوضحها، لا جرم وصفها بأنها العروة الوثقى. 
أما قوله  لا انفصام لها  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : الفصم كسر الشيء من غير إبانة، والانفصام مطاوع الفصم فصمته فانفصم والمقصود من هذا اللفظ المبالغة، لأنه إذا لم يكن لها انفصام، فإن لا يكون لها انقطاع أولى. 
المسألة الثانية : قال النحويون : نظم الآية بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، والعرب تضمر ( التي ) و ( الذي ) و ( من ) وتكتفي بصلاتها منها، قال سلامة بن جندل :

والعاديات أسامي للدماء بها  كأن أعناقها أنصاب ترحيبيريد العاديات التي قال الله : وما منا إلا له مقام معلوم  \[ الصافات : ١٦٤ \] أي من له. 
ثم قال : والله سميع عليم  وفيه قولان :
القول الأول : أنه تعالى يسمع قول من يتكلم بالشهادتين، وقول من يتكلم بالكفر، ويعلم ما في قلب المؤمن من الاعتقاد الطاهر، وما في قلب الكافر من الاعتقاد الخبيث. 
والقول الثاني : روى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب إسلام أهل الكتاب من اليهود الذين كانوا حول المدينة، وكان يسأل الله تعالى ذلك سرا وعلانية، فمعنى قوله  والله سميع عليم  يريد لدعائك يا محمد بحرصك عليه واجتهادك.

### الآية 2:257

> ﻿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:257]

قوله تعالى  الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون . 
**فيه مسألتان :**
المسألة الأولى :( الولي ) فعيل بمعنى فاعل من قولهم : ولي فلان الشيء يليه ولاية فهو وال وولي، وأصله من الولي الذي هو القرب، قال الهذلي :
وعدت عواد دون وليك تشغب \*\*\*. . . 
ومنه يقال : داري تلي دارها، أي تقرب منها، ومنه يقال : للمحب المعاون : ولي لأنه يقرب منك بالمحبة والنصرة ولا يفارقك، ومنه الوالي، لأنه يلي القوم بالتدبير والأمر والنهي ومنه المولى ومن ثم قالوا في خلاف الولاية : العداوة من عدا الشيء إذا جاوزه، فلأجل هذا كانت الولاية خلاف العداوة. 
المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن ألطاف الله تعالى في حق المؤمن فيما يتعلق بالدين أكثر من ألطافه في حق الكافر، بأن قالوا : الآية دلت على أنه تعالى ولي الذين آمنوا على التعيين ومعلوم أن الولي للشيء هو المتولي لما يكون سببا لصلاح الإنسان واستقامة أمره في الغرض المطلوب ولأجله قال تعالى : يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياءه إلا المتقون  \[ الأنفال : ٣٤ \] فجعل القيم بعمارة المسجد وليا له ونفى في الكفار أن يكونوا أولياءه، فلما كان معنى الولي المتكفل بالمصالح، ثم إنه تعالى جعل نفسه وليا للمؤمنين على التخصيص، علمنا أنه تعالى تكفل بمصالحهم فوق ما تكفل بمصالح الكفار، وعند المعتزلة أنه تعالى سوى بين الكفار والمؤمنين في الهداية والتوفيق والألطاف، فكانت هذه الآية مبطلة لقولهم، قالت المعتزلة : هذا التخصيص محمول على أحد وجوه الأول : أن هذا محمول على زيادة الألطاف، كما ذكره في قوله  والذين اهتدوا زادهم هدى  \[ محمد : ١٧ \] وتقريره من حيث العقل أن الخير والطاعة يدعو بعضه إلى بعض، وذلك لأن المؤمن إذا حضر مجلسا يجري فيه الوعظ، فإنه يلحق قلبه خشوع وخضوع وانكسار، ويكون حاله مفارقا لحال من قسا قلبه بالكفر والمعاصي، وذلك يدل على أنه يصح في المؤمن من الألطاف ما لا يصح في غيره، فكان تخصيص المؤمنين بأنه تعالى وليهم محمولا على ذلك. 
والوجه الثاني : أنه تعالى يثيبهم في الآخرة، ويخصهم بالنعيم المقيم والإكرام العظيم فكان التخصيص محمولا عليه. 
والوجه الثالث : وهو أنه تعالى وإن كان وليا للكل بمعنى كونه متكفلا بمصالح الكل على السوية، إلا أن المنتفع بتلك الولاية هو المؤمن، فصح تخصيصه بهذه الآية، كما في قوله  هدى للمتقين  \[ البقرة : ٢ \]. 
الوجه الرابع : أنه تعالى ولي المؤمنين، بمعنى : أنه يحبهم، والمراد أنه يحب تعظيمهم. 
أجاب الأصحاب عن الأول بأن زيادة الألطاف متى أمكنت وجبت عندكم، ولا يكون لله تعالى في حق المؤمن إلا أداء الواجب، وهذا المعنى بتمامه حاصل في حق الكافر، بل المؤمن فعل ما لأجله استوجب من الله ذلك المزيد من اللطف. 
أما السؤال الثاني : وهو أنه تعالى يثيبه في الآخرة فهو أيضا بعيد، لأن ذلك الثواب واجب على الله تعالى، فولي المؤمن هو الذي جعله مستحقا على الله ذلك الثواب، فيكون وليه هو نفسه ولا يكون الله هو وليا له. 
وأما السؤال الثالث : وهو أن المنتفع بولاية الله هو المؤمن، فنقول : هذا الأمر الذي امتاز به المؤمن عن الكافر في باب الولاية صدر من العبد لا من الله تعالى، فكان ولي العبد على هذا القول هو العبد نفسه لا غير. 
وأما السؤال الرابع : وهو أن الولاية ههنا معناها المحبة والجواب : أن المحبة معناها إعطاء الثواب، وذلك هو السؤال الثاني، وقد أجبنا عنه. 
أما قوله تعالى : يخرجهم من الظلمات إلى النور  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : أجمع المفسرون على أن المراد ههنا من الظلمات والنور : الكفر والإيمان فتكون الآية صريحة في أن الله تعالى هو الذي أخرج الإنسان من الكفر وأدخله في الإيمان، فيلزم أن يكون الإيمان بخلق الله، لأنه لو حصل بخلق العبد لكان هو الذي أخرج نفسه من الكفر إلى الإيمان، وذلك يناقض صريح الآية. 
أجابت المعتزلة عنه من وجهين الأول : أن الإخراج من الظلمات إلى النور محمول على نصب الدلائل، وإرسال الأنبياء، وإنزال الكتب، والترغيب في الإيمان بأبلغ الوجوه، والتحذير عن الكفر بأقصى الوجوه، وقال القاضي : قد نسب الله تعالى الإضلال إلى الصنم في قوله  رب إنهن أضللن كثيرا من الناس  \[ إبراهيم : ٣٦ \] لأجل أن الأصنام سبب بوجه ما لضالهم، فإن يضاف الإخراج من الظلمات إلى النور إلى الله تعالى مع قوة الأسباب التي فعلها بمن يؤمن كان أولى. 
والوجه الثاني : أن يحمل الإخراج من الظلمات إلى النور على أنه تعالى يعدل بهم من النار إلى الجنة قال القاضي : هذا أدخل في الحقيقة، لأن ما يقع من ذلك في الآخرة يكون من فعله تعالى فكأنه فعله. 
والجواب عن الأول من وجهين : أحدهما : أن هذه الإضافة حقيقة في الفعل، مجاز في الحث والترغيب، والأصل حمل اللفظ على الحقيقة والثاني : أن هذه الترغيبات إن كانت مؤثرة في ترجيح الداعية صار الراجح واجبا، والمرجوح ممتنعا، وحينئذ يبطل قول المعتزلة وإن لم يكن لها أثر في الترجيح لم يصح تسميتها بالإخراج. 
وأما السؤال الثاني : وهو حمل اللفظ على العدول بهم من النار إلى الجنة فهو أيضا مدفوع من وجهين الأول : قال الواقدي : كل ما كان في القرآن  من الظلمات إلى النور  فإنه أراد به الكفر والإيمان، غير قوله تعالى في سورة الأنعام  وجعل الظلمات والنور  \[ الأنعام : ١ \] فإنه يعني به الليل والنهار، وقال : وجعل الكفر ظلمة، لأنه كالظلمة في المنع من الإدراك، وجعل الإيمان نورا لأنه كالسبب في حصول الإدراك. 
والجواب الثاني : أن العدول بالمؤمن من النار إلى الجنة أمر واجب على الله تعالى عند المعتزلة فلا يجوز حمل اللفظ عليه. 
المسألة الثانية : قوله  يخرجهم من الظلمات إلى النور  ظاهره يقتضي أنهم كانوا في الكفر ثم أخرجهم الله تعالى من ذلك الكفر إلى الإيمان، ثم ههنا قولان :
القول الأول : أن يجري اللفظ على ظاهره، وهو أن هذه الآية مختصة بمن كان كافرا ثم أسلم، والقائلون بهذا القول ذكروا في سبب النزول روايات أحدهما : قال مجاهد : هذه الآية نزلت في قوم آمنوا بعيسى عليه السلام وقوم كفروا به، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم آمن به من كفر بعيسى، وكفر به من آمن بعيسى عليه السلام وثانيتها : أن الآية نزلت في قوم آمنوا بعيسى عليه السلام على طريقة النصارى، ثم آمنوا بعده بمحمد صلى الله عليه وسلم، فقد كان إيمانهم بعيسى حين آمنوا به ظلمة وكفرا، لأن القول بالاتحاد كفر، والله تعالى أخرجهم من تلك الظلمات إلى نور الإسلام وثالثتها : أن الآية نزلت في كل كافر أسلم بمحمد صلى الله عليه وسلم. 
والقول الثاني : أن يحمل اللفظ على كل من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم سواء كان ذلك الإيمان بعد الكفر أو لم يكن كذلك، وتقريره أنه لا يبعد أن يقال يخرجهم من النور إلى الظلمات وإن لم يكونوا في الظلمات البتة، ويدل على جوازه : القرآن والخبر والعرف، أما القرآن فقوله تعالى : وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها  \[ آل عمران : ١٠٣ \] ومعلوم أنهم ما كانوا قط في النار وقال  لما ءامنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي  \[ يونس : ٩٨ \] ولم يكن نزل بهم عذاب البتة، وقال في قصة يوسف عليه السلام : تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله  \[ يوسف : ٣٧ \] ولم يكن فيها قط، وقال : ومنكم من يرد إلى أرذل العمر  \[ النحل : ٧٠ \] وما كانوا فيه قط، وأما الخبر فروي **« أنه صلى الله عليه وسلم سمع إنسانا قال : أشهد أن لا إله إلا الله، فقال على الفطرة، فلما قال : أشهد أن محمدا رسول الله، فقال خرج من النار »**، ومعلوم أنه ما كان فيها، وروي أيضا **« أنه صلى الله عليه وسلم أقبل على أصحابه فقال : تتهافتون في النار تهافت الجراد، وها أنا آخذ بحجزكم »**، ومعلوم أنهم ما كانوا متهافتين في النار، وأما العرف فهو أن الأب إذا أنفق كل ماله فالابن قد يقول له : أخرجتني من مالك أي لم تجعل لي فيه شيئا، لا أنه كان فيه ثم أخرج منه، وتحقيقه أن العبد لو خلا عن توفيق الله تعالى لوقع في الظلمات. فصار توفيقه تعالى سببا لدفع تلك الظلمات عنه، وبين الدفع والرفع مشابهة، فهذا الطريق يجوز استعمال الإخراج والإبعاد في معنى الدفع والرفع والله أعلم. 
أما قوله تعالى : والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت  فاعلم أنه قرأ الحسن " أولياؤهم الطواغيت " واحتج بقوله تعالى بعده  يخرجونهم  إلا أنه شاذ مخالف للمصحف وأيضا قد بينا في اشتقاق هذا اللفظ أنه مفرد لا جمع. 
أما قوله تعالى  يخرجونهم من النور إلى الظلمات  فقد استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن الكفر ليس من الله تعالى، قالوا : لأنه تعالى أضافه إلى الطاغوت مجازا باتفاق، لأن المراد من الطاغوت على أظهر الأقوال هو الصنم ويتأكد هذا بقوله تعالى : رب إنهن أضللن كثيرا من الناس  \[ إبراهيم : ٣٦ \] فأضاف الإضلال إلى الصنم، وإذا كانت هذه الإضافة بالاتفاق بيننا وبينكم مجازا، خرجت عن أن تكون حجة لكم. 
ثم قال تعالى : أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون  يحتمل أن يرجع ذلك إلى الكفار فقط، ويحتمل أن يرجع إلى الكفار والطواغيت معا، فيكون زجرا للكل ووعيدا، لأن لفظ  أولئك  إذا كان جمعا وصح رجوعه إلى كلا المذكورين، وجب رجوعه إليهما معا، والله تعالى أعلم بالصواب.

### الآية 2:258

> ﻿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [2:258]

قوله تعالى  ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين. أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير . 
اعلم أنه تعالى ذكر ههنا قصصا ثلاثة : الأولى : منها في بيان إثبات العلم بالصانع، والثانية والثالثة : في إثبات الحشر والنشر والبعث، والقصة الأولى مناظرة إبراهيم صلى الله عليه وسلم مع ملك زمانه وهي هذه الآية التي نحن في تفسيرها فنقول :
أما قوله تعالى : ألم تر  فهي كلمة يوقف بها المخاطب على تعجب منها، ولفظها لفظ الاستفهام وهي كما يقال : ألم تر إلى فلان كيف يصنع، معناه : هل رأيت كفلان في صنعه كذا. 
أما قوله : إلى الذي حاج إبراهيم في ربه  فقال مجاهد : هو نمروذ بن كنعان، وهو أول من تجبر وادعى الربوبية، واختلفوا في وقت هذه المحاجة قيل : إنه عند كسر الأصنام قبل الإلقاء في النار عن مقاتل، وقيل : بعد إلقائه في النار، والمحاجة المغالبة، يقال : حاججته فحججته، أي غالبته فغلبته، والضمير في قوله  في ربه  يحتمل أن يعود إلى إبراهيم، ويحتمل أن يرجع إلى الطاعن، والأول أظهر، كما قال : وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله  \[ الأنعام : ٨٠ \] والمعنى وحاجه قومه في ربه. 
أما قوله : أن آتاه الله الملك  فاعلم أن في الآية قولين الأول : أن الهاء في آتاه عائد إلى إبراهيم، يعني أن الله تعالى آتى إبراهيم صلى الله عليه وسلم الملك، واحتجوا على هذا القول بوجوه الأول : قوله تعالى : فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما  \[ النساء : ٥٤ \] أي سلطانا بالنبوة، والقيام بدين الله تعالى والثاني : أنه تعالى لا يجوز أن يؤتي الملك الكفار، ويدعي الربوبية لنفسه والثالث : أن عود الضمير إلى أقرب المذكورين واجب، وإبراهيم أقرب المذكورين إلى هذا الضمير، فوجب أن يكون هذا الضمير عائدا إليه والقول الثاني : وهو قول جمهور المفسرين : أن الضمير عائد إلى ذلك الإنسان الذي حاج إبراهيم. 
وأجابوا عن الحجة الأولى بأن هذه الآية دالة على حصول الملك لآل إبراهيم، وليس فيها دلالة على حصول الملك لإبراهيم عليه السلام. 
وعن الحجة الثانية بأن المراد من الملك ههنا التمكن والقدرة والبسطة في الدنيا، والحس يدل على أنه تعالى قد يعطي الكافر هذا المعنى، وأيضا فلم لا يجوز أن يقال : إنه تعالى أعطاه الملك حال ما كان مؤمنا، ثم أنه بعد ذلك كفر بالله تعالى. 
وعن الحجة الثالثة بأن إبراهيم عليه السلام وإن كان أقرب المذكورين إلا أن الروايات الكثيرة واردة بأن الذي حاج إبراهيم كان هو الملك، فعود الضمير إليه أولى من هذه الجهة، ثم احتج القائلون بهذا القول على مذهبهم من وجوه الأول : أن قوله تعالى : أن آتاه الله الملك  يحتمل تأويلات ثلاثة، وكل واحد منها إنما يصح إذا قلنا : الضمير عائد إلى الملك لا إلى إبراهيم، وأحد تلك التأويلات أن يكون المعنى حاج إبراهيم في ربه لأجل أن آتاه الله الملك، على معنى أن إيتاء الملك أبطره وأورثه الكبر والعتو فحاج لذلك، ومعلوم أن هذا إنما يليق بالملك العاتي، والتأويل الثاني أن يكون المعنى أنه جعل محاجته في ربه شكرا على أن آتاه ربه الملك، كما يقال : عاداني فلان لأني أحسنت إليه، يريد أنه عكس ما يجب عليه من الموالاة لأجل الإحسان، ونظيره قوله تعالى :
 وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون  \[ الواقعة : ٨٢ \] وهذا التأويل أيضا لا يليق بالنبي فإنه يجب عليه إظهار المحاجة قبل حصول الملك وبعده أما الملك العاتي فإنه لا يليق به إظهار هذا العتو الشديد إلا بعد أن يحصل الملك العظيم له، فثبت أنه لا يستقيم لقوله  أن آتاه الله الملك  معنى وتأويل إلا إذا حملناه على الملك العاتي. 
الحجة الثانية : أن المقصود من هذه الآية بيان كمال حال إبراهيم صلى الله عليه وسلم في إظهار الدعوة إلى الدين الحق، ومتى كان الكافر سلطانا مهيبا، وإبراهيم ما كان ملكا، كان هذا المعنى أتم مما إذا كان إبراهيم ملكا، ولما كان الكافر ملكا، فوجب المصير إلى ما ذكرنا. 
الحجة الثانية : ما ذكره أبو بكر الأصم، وهو أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم لو كان هو الملك لما قدر الكافر أن يقتل أحد الرجلين ويستبقي الآخر، بل كان إبراهيم صلى الله عليه وسلم يمنعه منه أشد منع، بل كان يجب أن يكون كالملجأ إلى أن لا يفعل ذلك، قال القاضي هذا الاستدلال ضعيف، لأنه من المحتمل أن يقال : إن إبراهيم صلى الله عليه وسلم كان ملكا وسلطانا في الدين والتمكن من إظهار المعجزات، وذلك الكافر كان ملكا مسلطا قادرا على الظلم، فلهذا السبب أمكنه قتل أحد الرجلين، وأيضا فيجوز أن يقال إنما قتل أحد الرجلين قودا، وكان الاختيار إليه، واستبقى الآخر، إما لأنه لا قتل عليه أو بذل الدية واستبقاه. 
وأيضا قوله  أنا أحيي وأميت  خبر ووعد، ولا دليل في القرآن على أنه فعله، فهذا ما يتعلق بهذه المسألة. 
أما قوله تعالى : إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : الظاهر أن هذا جواب سؤال سابق غير مذكور، وذلك لأن من المعلوم أن الأنبياء عليهم السلام بعثوا للدعوة، والظاهر أنه متى ادعى الرسالة، فإن المنكر يطالبه بإثبات أن للعالم إلها، ألا ترى أن موسى عليه السلام لما قال : إني رسول رب العالمين  \[ الزخرف : ٤٦ \]  قال فرعون وما رب العالمين  \[ الشعراء : ٢٣ \] فاحتج موسى عليه السلام على إثبات الإلهية بقوله  رب السماوات والأرض  فكذا ههنا الظاهر أن إبراهيم ادعى الرسالة، فقال نمروذ : من ربك ؟ فقال إبراهيم : ربي الذي يحيي ويميت، إلا أن تلك المقدمة حذفت، لأن الواقعة تدل عليها. 
المسألة الثانية : دليل إبراهيم عليه السلام كان في غاية الصحة، وذلك لا سبيل إلى معرفة الله تعالى إلا بواسطة أفعاله التي لا يشاركه فيها أحد من القادرين، والإحياء والإماتة كذلك، لأن الخلق عاجزون عنهما، والعلم بعد الاختيار ضروري، فلا بد من مؤثر آخر غير هؤلاء القادرين الذين تراهم، وذلك المؤثر إما أن يكون موجبا أو مختارا، والأول : باطل، لأنه يلزم من دوامه دوام الأثر، فكان يجب أن لا يتبدل الإحياء بالإماتة، وأن لا تتبدل الإماتة بالإحياء، والثاني : وهو أنا نرى في الحيوان أعضاء مختلفة في الشكل والصفة والطبيعة والخاصية، وتأثير المؤثر الموجب بالذات لا يكون كذلك فعلمنا أنه لابد في الإحياء والإماتة من وجود آخر يؤثر على سبيل القدرة، والاختيار في إحياء هذه الحيوانات وفي إماتتها، وذلك هو الله سبحانه وتعالى، وهو دليل متين قوي ذكره الله سبحانه وتعالى في مواضع في كتابه كقوله  ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين  \[ المؤمنون : ١٢ \] إلى آخره، وقوله  لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين  \[ التين : ٤، ٥ \] وقال تعالى : الذي خلق الموت والحياة  \[ الملك : ٢ \]. 
المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : إنه تعالى قدم الموت على الحياة في آيات منها قوله تعالى : كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم  \[ البقرة : ٢٨ \] وقال : الذي خلق الموت والحياة  \[ الملك : ٢ \] وحكي عن إبراهيم أنه قال في ثنائه على الله تعالى : والذي يميتني ثم يحيين  \[ الشعراء : ٨١ \] فلأي سبب قدم في هذه الآية ذكر الحياة على الموت، حيث قال : ربي الذي يحيي ويميت . 
والجواب : لأن المقصود من ذكر الدليل إذا كان هو الدعوة إلى الله تعالى وجب أن يكون الدليل في غاية الوضوح، ولا شك أن عجائب الخلقة حال الحياة أكثر، واطلاع الإنسان عليها أتم، فلا جرم وجب تقديم الحياة ههنا في الذكر. 
أما قوله تعالى : أنا أحيي وأميت  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : يروى أن إبراهيم عليه السلام لما احتج بتلك الحجة، دعا ذلك الملك الكافر شخصين، وقتل أحدهما، واستبقى الآخر، وقال : أنا أيضا أحيي وأميت، هذا هو المنقول في التفسير، وعندي أنه بعيد، وذلك لأن الظاهر من حال إبراهيم أنه شرح حقيقة الأحياء وحقيقة الإماتة على الوجه الذي لخصناه في الاستدلال، ومتى شرحه على ذلك الوجه امتنع أن يشتبه على العاقل الإماتة والإحياء على ذلك الوجه بالإماتة والإحياء بمعنى القتل وتركه، ويبعد في الجمع العظيم أن يكونوا في الحماقة بحيث لا يعرفون هذا القدر من الفرق، والمراد من الآية والله أعلم شيء آخر، وهو أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم لما احتج بالإحياء والإماتة من الله قال المنكر، تدعى الإحياء والإماتة من الله ابتداء من غير واسطة الأسباب الأرضية والأسباب السماوية، أو تدعى صدور الإحياء والإماتة من الله تعالى بواسطة الأسباب الأرضية والأسباب السماوية، أما الأول : فلا سبيل إليه، وأما الثاني : فلا يدل على المقصود لأن الواحد منا يقدر على الإحياء والإماتة بواسطة سائر الأسباب، فإن الجماع قد يفضي إلى الولد الحي بواسطة الأسباب الأرضية والسماوية، وتناول السم قد يفضي إلى الموت، فلما ذكر نمروذ هذا السؤال على هذا الوجه أجاب إبراهيم عليه السلام بأن قال : هب أن الإحياء والإماتة حصلا من الله تعالى بواسطة الاتصالات الفلكية إلا أنه لا بد لتلك الاتصالات والحركات الفلكية من فاعل مدبر، فإذا كان المدبر لتلك الحركات الفلكية هو الله تعالى، كان الإحياء والإماتة الحاصلان بواسطة تلك الحركات الفلكية أيضا من الله تعالى، وأما الإحياء والإماتة الصادران على البشر بواسطة الأسباب الفلكية والعنصرية فليست كذلك، لأنه لا قدرة للبشر على الاتصالات الفلكية، فظهر الفرق. 
وإذا عرفت هذا فقوله  إن الله يأت بالشمس من المشرق  ليس دليلا آخر، بل تمام الدليل الأول : ومعناه : أنه وإن كان الإحياء والإماتة من الله بواسطة حركات الأفلاك، إلا أن حركات الأفلاك من الله فكان الإحياء والإماتة أيضا من الله تعالى، وأما البشر فإنه وإن صدر منه الإحياء والإماتة بواسطة الاستعانة بالأسباب السماوية والأرضية إلا أن الأسباب ليست واقعة بقدرته، فثبت أن الإحياء والإماتة الصادرين عن البشر ليست على ذلك الوجه، وأنه لا يصلح نقضا عليه، فهذا هو الذي أعتقده في كيفية جريان هذه المناظرة، لا ما هو المشهور عند الكل، والله أعلم بحقيقة الحال. 
المسألة الثانية : أجمع القراء على إسقاط ألف  أنا  في الوصل في جميع القرآن، إلا ما روي عن نافع من إثباته عند استقبال الهمزة، والصحيح ما عليه الجمهور، لأن ضمير المتكلم هو  أن  وهو الهمزة والنون، فأما الألف فإنما تلحقها في الوقف كما تلحق الهاء في سكوته للوقف، وكما إن هذه الهاء تسقط عند الوصل، فكذا هذه الألف تسقط عند الوصل، لأن ما يتصل به يقوم مقامه، ألا ترى أن همزة ال

### الآية 2:259

> ﻿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ ۖ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2:259]

القصة الثانية
والمقصود منها إثبات المعاد، قوله تعالى : أو كالذي مر على قرية وهى خاوية على عروشها . 
**وفي الآية مسائل :**
المسألة الأولى : اختلف النحويون في إدخال الكاف في قوله  أو كالذي  وذكروا فيه ثلاثة أوجه الأول : أن يكون قوله  ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم  \[ البقرة : ٢٥٨ \] في معنى ( ألم تر كالذي حاج إبراهيم ) وتكون هذه الآية معطوفة عليه، والتقدير : أرأيت كالذي حاج إبراهيم، أو كالذي مر على قرية، فيكون هذا عطفا على المعنى، وهو قول الكسائي والفراء وأبي علي الفارسي، وأكثر النحويين قالوا : ونظيره من القرآن قوله تعالى : قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله  \[ المؤمنون : ٨٤، ٨٥ \] ثم قال : من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله  \[ المؤمنون : ٨٥، ٨٦ \] فهذا عطف على المعنى لأن معناه : لمن السماوات ؟ فقيل لله. قال الشاعر :

معاوي إننا بشر فأسجح  فلسنا بالجبال ولا الحديدافحمل على المعنى وترك اللفظ. 
والقول الثاني : وهو اختيار الأخفش : أن الكاف زائدة، والتقدير : ألم تر إلى الذي حاج والذي مر على قرية. 
والقول الثالث : وهو اختيار المبرد : أنا نضمر في الآية زيادة، والتقدير : ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم، وألم تر إلى من كان كالذي مر على قرية. 
المسألة الثانية : اختلفوا في الذي مر بالقرية، فقال قوم : كان رجلا كافرا شاكا في البعث وهو قول مجاهد وأكثر المفسرين من المعتزلة، وقال الباقون : إنه كان مسلما، ثم قال قتادة وعكرمة والضحاك والسدي : هو عزير، وقال عطاء عن ابن عباس : هو أرمياء، ثم من هؤلاء من قال : إن أرمياء هو الخضر عليه السلام، وهو رجل من سبط هارون بن عمران عليهما السلام، وهو قول محمد بن إسحاق، وقال وهب بن منبه : إن أرمياء هو النبي الذي بعثه الله عندما خرب بختنصر بيت المقدس وأحرق التوراة، حجة من قال : إن هذا المار كان كافرا وجوه الأول : أن الله حكى عنه أنه قال : أنى يحيي هذه الله بعد موتها  وهذا كلام من يستبعد من الله الإحياء بعد الإماتة وذلك كفر. 
فإن قيل : يجوز أن ذلك وقع منه قبل البلوغ. 
قلنا : لو كان كذلك لم يجز من الله تعالى أن يعجب رسوله منه إذ الصبي لا يتعجب من شكه في مثل ذلك، وهذه الحجة ضعيفة لاحتمال أن ذلك الاستبعاد ما كان بسبب الشك في قدرة الله تعالى على ذلك، بل كان بسبب اطراد العادات في أن مثل ذلك الموضع الخراب قلما يصيره الله معمورا وهذا كما أن الواحد منا يشير إلى جبل، فيقول : متى يقلبه الله ذهبا، أو ياقوتا، لا أن مراده منه الشك في قدرة الله تعالى، بل على أن مراده منه أن ذلك لا يقع ولا يحصل في مطرد العادات، فكذا ههنا. 
الوجه الثاني : قالوا : إنه تعالى قال في حقه  فلما تبين له  وهذا يدل على أنه قبل ذلك لم يكن ذلك التبين حاصلا له وهذا أيضا ضعيف لأن تبين الإحياء على سبيل المشاهدة ما كان حاصلا له قبل ذلك، فأما أن تبين ذلك على سبيل الاستدلال ما كان حاصلا فهو ممنوع. 
الوجه الثالث : أنه قال : أعلم أن الله على كل شيء قدير  وهذا يدل على أن هذا العالم إنما حصل له في ذلك الوقت، وأنه كان خاليا عن مثل ذلك العلم قبل ذلك الوقت، وهذا أيضا ضعيف لأن تلك المشاهدة لا شك أنها أفادت نوع توكيد وطمأنينة ووثوق، وذلك القدر من التأكيد إنما حصل في ذلك الوقت، وهذا لا يدل على أن أصل العلم ما كان حاصلا قبل ذلك. 
الوجه الرابع : لهم أن هذا المار كان كافرا لانتظامه مع نمروذ في سلك واحد وهو ضعيف أيضا، لأن قبله وإن كان قصة نمروذ، ولكن بعده قصة سؤال إبراهيم، فوجب أن يكون نبيا من جنس إبراهيم. 
وحجة من قال : إنه كان مؤمنا وكان نبيا وجوه الأول : أن قوله  أنى يحيي هذه الله بعد موتها  يدل على أنه كان عالما بالله، وعلى أنه كان عالما بأنه تعالى يصح منه الإحياء في الجملة، لأن تخصيص هذا الشيء باستبعاد الإحياء إنما يصح أن لو حصل الاعتراف بالقدرة على الإحياء في الجملة فأما من يعتقد أن القدرة على الإحياء ممتنعة لم يبق لهذا التخصيص فائدة. 
الحجة الثانية : أن قوله  كم لبثت  لا بد له من قائل والمذكور السابق هو الله تعالى فصار التقدير : قال الله تعالى : كم لبثت  فقال ذلك الإنسان  لبثت يوما أو بعض يوم  فقال الله تعالى : بل لبثت مائة عام  ومما يؤكد أن قائل هذا القول هو الله تعالى قوله  ولنجعلك آية للناس  ومن المعلوم أن القادر على جعله آية للناس هو الله تعالى، ثم قال : وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما  ولا شك أن قائل هذا القول هو الله تعالى ؛ فثبت أن هذه الآية دالة من هذه الوجوه الكثيرة على أنه تكلم معه، ومعلوم أن هذا لا يليق بحال هذا الكافر. 
فإن قيل : لعله تعالى بعث إليه رسولا أو ملكا حتى قال له هذا القول عن الله تعالى. 
قلنا : ظاهر هذا الكلام يدل على أن قائل هذه الأقوال معه هو الله تعالى، فصرف اللفظ عن هذا الظاهر إلى المجاز من غير دليل يوجبه غير جائز. 
والحجة الثالثة : أن إعادته حيا وإبقاء الطعام والشراب على حالهما، وإعادة الحمار حيا بعد ما صار رميما مع كونه مشاهدا لإعادة أجزاء الحمار إلى التركيب وإلى الحياة إكرام عظيم وتشريف كريم، وذلك لا يليق بحال الكافر له. 
فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : إن كل هذه الأشياء إنما أدخلها الله تعالى في الوجود إكراما لإنسان آخر كان نبيا في ذلك الزمان. 
قلنا : لم يجر في هذه الآية ذكر هذا النبي، وليس في هذه القصة حالة مشعرة بوجود النبي أصلا فلو كان المقصود من إظهار هذه الأشياء إكرام ذلك النبي وتأييد رسالته بالمعجزة لكان ترك ذكر ذلك الرسول إهمالا لما هو الغرض الأصلي من الكلام وأنه لا يجوز. 
فإن قيل : لو كان ذلك الشخص لكان إما أن يقال : إنه ادعى النبوة من قبل الإماتة والإحياء أو بعدهما، والأول : باطل، لأن إرسال النبي من قبل الله يكون لمصلحة تعود على الأمة، وذلك لا يتم بعد الإماتة، وإن ادعى النبوة بعد الإحياء فالمعجز قد تقدم على الدعوى، وذلك غير جائز. 
قلنا : إظهار خوارق العادات على يد من يعلم الله أنه سيصير رسولا جائز عندنا، وعلى هذا الطريق زال السؤال. 
الحجة الرابعة : أنه تعالى قال في حق هذا الشخص  ولنجعلك آية للناس  وهذا اللفظ إنما يستعمل في حق الأنبياء والرسل قال تعالى : وجعلناها وابنها آية للعالمين  \[ الأنبياء : ٩١ \] فكان هذا وعدا من الله تعالى بأنه يجعله نبيا، وأيضا فهذا الكلام لم يدل على النبوة بصريحه فلا شك أنه يفيد التشريف العظيم، وذلك لا يليق بحال من مات على الكفر وعلى الشك في قدرة الله تعالى. 
فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من جعله آية أن من عرفه من الناس شابا كاملا إذا شاهدوه بعد مائة سنة على شبابه وقد شاخوا أو هرموا، أو سمعوا بالخبر أنه كان مات منذ زمان وقد عاد شابا صح أن يقال لأجل ذلك إنه آية للناس لأنهم يعتبرون بذلك ويعرفون به قدرة الله تعالى، ونبوة نبي ذلك الزمان. 
والجواب من وجهين الأول : أن قوله  ولنجعلك آية  إخبار عن أنه تعالى يجعله آية، وهذا الإخبار إنما وقع بعد أن أحياه الله، وتكلم معه، والمجعول لا يجعل ثانيا، فوجب حمل قوله  ولنجعلك آية للناس  على أمر زائد عن هذا الإحياء، وأنتم تحملونه على نفس هذا الإحياء فكان باطلا والثاني : أنه وجه التمسك أن قوله  ولنجعلك آية للناس  يدل على التشريف العظيم، وذلك لا يليق بحال من مات على الكفر والشك في قدرة الله تعالى. 
الحجة الخامسة : ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في سبب نزول الآية قال : إن بختنصر غزا بني إسرائيل فسبى منهم الكثيرون، ومنهم عزير وكان من علمائهم، فجاء بهم إلى بابل، فدخل عزير يوما تلك القرية ونزل تحت شجرة وهو على حمار، فربط حماره وطاف في القرية فلم ير فيها أحدا فعجب من ذلك وقال : أنى يحيي هذه الله بعد موتها  لا على سبيل الشك في القدرة، بل على سبيل الاستبعاد بحسب العادة، وكانت الأشجار مثمرة، فتناول من الفاكهة التين والعنب، وشرب من عصير العنب ونام، فأماته الله تعالى في منامه مائة عام وهو شاب، ثم أعمى عن موته أيضا الإنس والسباع والطير، ثم أحياه الله تعالى بعد المائة ونودي من السماء : يا عزير  كم لبثت  بعد الموت فقال  يوما  فأبصر من الشمس بقية فقال  أو بعض يوم  فقال الله تعالى : بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك  من التين والعنب وشرابك من العصير لم يتغير طعمهما، فنظر فإذا التين والعنب كما شاهدهما ثم قال : وانظر إلى حمارك  فنظر فإذا هو عظام بيض تلوح وقد تفرقت أوصاله وسمع صوتا أيتها العظام البالية إني جاعل فيك روحا فانضم أجزاء العظام بعضها إلى بعض، ثم التصق كل عضو بما يليق به الضلع إلى الضلع والذراع إلى مكانه ثم جاء الرأس إلى مكانه ثم العصب والعروق ثم أنبت طراء اللحم عليه، ثم انبسط الجلد عليه، ثم خرجت الشعور عن الجلد، ثم نفخ فيه الروح، فإذا هو قائم ينهق فخر عزير ساجدا، وقال : أعلم أن الله على كل شيء قدير  ثم إنه دخل بيت المقدس فقال القوم : حدثنا آباؤنا أن عزير بن شرخياء مات ببابل، وقد كان بختنصر قتل ببيت المقدس أربعين ألفا ممن قرأ التوراة وكان فيهم عزير، والقوم ما عرفوا أنه يقرأ التوراة، فلما أتاهم بعد مائة عام جدد لهم التوراة وأملاها عليهم عن ظهر قلبه لم يخرم منها حرفا، وكانت التوراة قد دفنت في موضع فأخرجت وعورض بما أملاه فما اختلفا في حرف، فعند ذلك قالوا : عزير بن الله، وهذه الرواية مشهورة فيما بين الناس، وذلك يدل على أن ذلك المار كان نبيا. 
المسألة الثالثة : اختلفوا في تلك القرية فقال وهب وقتادة وعكرمة والربيع : إيلياء وهي بيت المقدس، وقال ابن زيد : هي القرية التي خرج منها الألوف حذر الموت. 
أما قوله تعالى : وهى خاوية على عروشها  قال الأصمعي : خوي البيت فهو يخوي خواء ممدود إذا ما خلا من أهله، والخوا : خلو البطن من الطعام، وفي الحديث :**« كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد خوي »** أي خلى ما بين عضديه وجنبيه، وبطنه وفخذيه، وخوي الفرس ما بين قوائمه، ثم يقال للبيت إذا انهدم : خوي لأنه بتهدمه يخلو من أهله، وكذلك : خوت النجوم وأخوت إذا سقطت ولم تمطر لأنها خلت عن المطر، والعرش سقف البيت، والعروش الأبنية، والسقوف من الخشب يقال : عرش الرجل يعرش ويعرش إذا بني وسقف بخشب، فقوله : وهى خاوية على عروشها  أي منهدمة ساقطة خراب، قاله ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه وجوه أحدها : أن حيطانها كانت قائمة وقد تهدمت سقوفها، ثم انقعرت الحيطان من قواعدها فتساقطت على السقوف المنهدمة، ومعنى الخاوية المنقلعة وهي المنقلعة من أصولها يدل عليه قوله تعالى : أعجاز نخل خاوية  \[ الحاقة : ٧ \] وموضع آخر  أعجاز نخل منقعر  \[ القمر : ٢٠ \] وهذه الصفة في خراب المنازل من أحسن ما يوصف به والثاني : قوله تعالى : خاوية على عروشها  أي خاوية عن عروشها، جعل ( على ) بمعنى ( عن ) كقوله  إذا اكتالوا على الناس  \[ المطففين : ٢ \] أي عنهم والثالث : أن المراد أن القرية خاوية مع كون أشجارها معروشة فكان التعجب من ذلك أكثر، لأن الغالب من القرية الخالية الخاوية أن يبطل ما فيها من عروش الفاكهة، فل

### الآية 2:260

> ﻿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [2:260]

القصة الثالثة
**وهي أيضا دالة على صحة البعث :**
قوله تعالى  وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم  في الآية مسائل :
المسألة الأولى : في عامل  إذ  قولان قال الزجاج التقدير : اذكر إذ قال إبراهيم، وقال غيره إنه معطوف على قوله  ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم  ألم تر إذ حاج إبراهيم في ربه، وألم تر إذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى. 
المسألة الثانية : أنه تعالى لم يسم عزيرا حين قال : أو كالذي مر على قرية  \[ البقرة : ٢٥٩ \] وسمي ههنا إبراهيم مع أن المقصود من البحث في كلتا القصتين شيء واحد، والسبب أن عزيرا لم يحفظ الأدب، بل قال : أنى يحيي هذه الله بعد موتها  وإبراهيم حفظ الأدب فإنه أثنى على الله أولا بقوله  رب  ثم دعا حيث قال : أرني  وأيضا أن إبراهيم لما راعى الأدب جعل الإحياء والإماتة في الطيور، وعزيرا لما لم يراع الأدب جعل الإحياء والإماتة في نفسه. 
المسألة الثالثة : ذكروا في سبب سؤال إبراهيم وجوها الأول : قال الحسن والضحاك وقتادة وعطاء وابن جريج : أنه رأى جيفة مطروحة في شط البحر فإذا مد البحر أكل منها دواب البحر، وإذا جزر البحر جاءت السباع فأكلت، وإذا ذهبت السباع جاءت الطيور فأكلت وطارت، فقال إبراهيم : رب أرني كيف تجمع أجزاء الحيوان من بطون السباع والطيور ودواب البحر، فقيل : أو لم تؤمن قال بلى ولكن المطلوب من السؤال أن يصير العلم بالاستدلال ضروريا. 
الوجه الثاني : قال محمد بن إسحاق والقاضي : سبب السؤال أنه مع مناظرته مع نمروذ لما قال : ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت  فأطلق محبوسا وقتل رجلا قال إبراهيم : ليس هذا بإحياء وإماتة، وعند ذلك قال : رب أرني كيف تحيي الموتى  لتنكشف هذه المسألة عند نمروذ وأتباعه، وروي عن نمرود أنه قال : قل لربك حتى يحيي وإلا قتلتك، فسأل الله تعالى ذلك، وقوله  ليطمئن قلبي  بنجاتي من القتل أو ليطمئن قلبي بقوة حجتي وبرهاني، وإن عدولي منها إلى غيرها ما كان بسبب ضعف تلك الحجة، بل كان بسبب جهل المستمع. 
والوجه الثالث : قال ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي رضي الله عنهم : أن الله تعالى أوحى إليه إني متخذ بشرا خليلا : فاستعظم ذلك إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وقال إلهي ما علامات ذلك ؟ فقال : علامته أنه يحيي الميت بدعائه، فلما عظم مقام إبراهيم عليه السلام في درجات العبودية وأداء الرسالة، خطر بباله : إني لعلي أن أكون ذلك الخليل، فسأل إحياء الميت فقال الله  أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي  على أنني خليل لك. 
الوجه الرابع : أنه صلى الله عليه وسلم إنما سأل ذلك لقومه وذلك أتباع الأنبياء كانوا يطالبونهم بأشياء تارة باطلة وتارة حقة، كقولهم لموسى عليه السلام :
 اجعل لنا إلها كما لهم آلهة  \[ الأعراف : ١٣٨ \] فسأل إبراهيم ذلك. والمقصود أن يشاهده فيزول الإنكار عن قلوبهم. 
الوجه الخامس : ما خطر ببالي فقلت : لا شك أن الأمة كما يحتاجون في العلم بأن الرسول صادق في ادعاء الرسالة إلى معجز يظهر على يده فكذلك الرسول عند وصول الملك إليه وإخباره إياه بأن الله بعثه رسولا يحتاج إلى معجز يظهر على يد ذلك الملك ليعلم الرسول أن ذلك الواصل ملك كريم لا شيطان رجيم وكذا إذا سمع الملك كلام الله احتاج إلى معجز يدل على أن ذلك الكلام كلام الله تعالى لا كلام غيره وإذا كان كذلك فلا يبعد أن يقال : إنه لما جاء الملك إلى إبراهيم وأخبره بأن الله تعالى بعثك رسولا إلى الخلق طلب المعجز فقال : رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي  على أن الآتي ملك كريم لا شيطان رجيم. 
الوجه السادس : وهو على لسان أهل التصوف : أن المراد من الموتى القلوب المحجوبة عن أنوار المكاشفات والتجلي، والإحياء عبارة عن حصول ذلك التجلي والأنوار الإلهية فقوله  أرني كيف تحيي الموتى  طلب لذلك التجلي والمكاشفات فقال أولم تؤمن قال بلى أؤمن به إيمان الغيب، ولكن أطلب حصولها ليطمئن قلبي بسبب حصول ذلك التجلي، وعلى قول المتكلمين : العلم الاستدلالي مما يتطرق إليه الشبهات والشكوك فطلب علما ضروريا يستقر القلب معه استقرار لا يتخالجه شيء من الشكوك والشبهات. 
الوجه السابع : لعله طالع في الصحف التي أنزلها الله تعالى عليه أنه يشرف ولده عيسى بأنه يحيي الموتى بدعائه فطلب ذلك فقيل له  أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي  على أني لست أقل منزلة في حضرتك من ولدي عيسى. 
الوجه الثامن : أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم أمر بذبح الولد فسارع إليه، ثم قال : أمرتني أن أجعل ذا روح بلا روح ففعلت، وأنا أسألك أن تجعل غير ذي روح روحانيا، فقال : أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي على أنك اتخذتني خليلا. 
الوجه التاسع : نظر إبراهيم صلى الله عليه وسلم في قلبه فرآه ميتا بحب ولده فاستحيى من الله وقال : أرني كيف تحيي الموتى أي القلب إذا مات بسبب الغفلة كيف يكون إحياؤه بذكر الله تعالى. 
الوجه العاشر : تقدير الآية أن جميع الخلق يشاهدون الحشر يوم القيامة فأرني ذلك في الدنيا، فقال : أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي على أن خصصتني في الدنيا بمزيد هذا التشريف. 
الوجه الحادي عشر : لم يكن قصد إبراهيم إحياء الموتى، بل كان قصده سماع الكلام بلا واسطة. 
الثاني عشر : ما قاله قوم من الجهال، وهو أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم كان شاكا في معرفة المبدأ وفي معرفة المعاد، أما شكه في معرفة المبدأ فقوله  هذا ربي  وقوله  لئن لم يهدني ربى لأكونن من القوم الضالين  \[ الأنعام : ٧٧ \] وأما شكه في المعاد فهو في هذه الآية، وهذا القول سخيف، بل كفر وذلك لأن الجاهل بقدرة الله تعالى على إحياء الموتى كافر، فمن نسب النبي المعصوم إلى ذلك فقد كفر النبي المعصوم، فكان هذا بالكفر أولى، ومما يدل على فساد ذلك وجوه أحدها : قوله تعالى : أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي  ولو كان شاكا لم يصح ذلك وثانيها : قوله  ولكن ليطمئن قلبي  وذلك كلام عارف طالب لمزيد اليقين، ومنها أن الشك في قدرة الله تعالى يوجب الشك في النبوة فكيف يعرف نبوة نفسه. 
أما قوله تعالى : أولم تؤمن  ففيه وجهان أحدهما : أنه استفهام بمعنى التقرير، قال الشاعر :

ألستم خير من ركب المطايا  وأندى العالمين بطون راحوالثاني : المقصود من هذا السؤال أن يجيب بما أجاب به ليعلم السامعون أنه عليه السلام كان مؤمنا بذلك عارفا به وأن المقصود من هذا السؤال شيء آخر. 
أما قوله تعالى : قال بلى ولكن ليطمئن قلبي  فاعلم أن اللام في  ليطمئن  متعلق بمحذوف، والتقدير : سألت ذلك إرادة طمأنينة القلب، قالوا. والمراد منه أن يزول عنه الخواطر التي تعرض للمستدل وإلا فاليقين حاصل على كلتا الحالتين. 
وههنا بحث عقلي وهو أن التفسير مفرع على أن العلوم يجوز أن يكون بعضها أقوى من بعض، وفيه سؤال صعب، وهو أن الإنسان حال حصول العلم له إما أن يكون مجوزا لنقيضه، وإما أن لا يكون، فإن جوز نقيضه بوجه من الوجوه، فذاك ظن قوي لا اعتقاد جازم، وإن لم يجوز نقيضه بوجه من الوجوه امتنع وقوع التفاوت في العلوم. 
واعلم أن هذا الإشكال إنما يتوجه إذا قلنا المطلوب هو حصول الطمأنينة في اعتقاد قدرة الله تعالى على الإحياء، أما لو قلنا : المقصود شيء آخر فالسؤال زائل. 
أما قوله تعالى : فخذ أربعة من الطير  فقال ابن عباس رضي الله عنهما : أخذ طاوسا ونسرا وغرابا وديكا، وفي قول مجاهد وابن زيد رضي الله عنهما : حمامة بدل النسر، وههنا أبحاث :
البحث الأول : أنه لما خص الطير من جملة الحيوانات بهذه الحالة ذكروا فيه وجهين الأول : أن الطيران في السماء، والارتفاع في الهواء، والخليل كانت همته العلو والوصول إلى الملكوت فجعلت معجزته مشاكلة لهمته. 
والوجه الثاني : أن الخليل عليه السلام لما ذبح الطيور وجعلها قطعة قطعة، ووضع على رأس كل جبل قطعا مختلطة، ثم دعاها طار كل جزء إلى مشاكله، فقيل له كما طار كل جزء إلى مشاكله كذا يوم القيامة يطير كل جزء إلى مشاكله حتى تتألف الأبدان وتتصل به الأرواح، ويقرره قوله تعالى : يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر  \[ القمر : ٧ \]. 
البحث الثاني : أن المقصود من الإحياء والإماتة كان حاصلا بحيوان واحد، فلم أمر بأخذ أربع حيوانات، وفيه وجهان الأول : أن المعنى فيه أنك سألت واحدا على قدر العبودية وأنا أعطي أربعا على قدر الربوبية والثاني : أن الطيور الأربعة إشارة إلى الأركان الأربعة التي منها تركيب أبدان الحيوانات والنباتات والإشارة فيه أنك ما لم تفرق بين هذه الطيور الأربعة لا يقدر طير الروح على الارتفاع إلى هواء الربوبية وصفاء عالم القدس. 
البحث الثالث : إنما خص هذه الحيوانات لأن الطاوس إشارة إلى ما في الإنسان من حب الزينة والجاه والترفع، قال تعالى : زين للناس حب الشهوات  \[ آل عمران : ١٤ \] والنسر إشارة إلى شدة الشغف بالأكل والديك إشارة إلى شدة الشغف بقضاء الشهوة من الفرج والغراب إشارة إلى شدة الحرص على الجمع والطلب، فإن من حرص الغراب أنه يطير بالليل ويخرج بالنهار في غاية البرد للطلب، والإشارة فيه إلى أن الإنسان ما لم يسع في قتل شهوة النفس والفرج وفي إبطال الحرص وإبطال التزين للخلق لم يجد في قلبه روحا وراحة من نور جلال الله. 
أما قوله تعالى : فصرهن إليك  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة  فصرهن إليك  بكسر الصاد، والباقون بضم الصاد، أما الضم ففيه قولان الأول : أن من صرت الشيء أصوره إذا أملته إليه ورجل أصور أي مائل العنق، ويقال : صار فلان إلى كذا إذا قال به ومال إليه، وعلى هذا التفسير يحصل في الكلام محذوف، كأنه قيل : أملهن إليك وقطعهن، ثم اجعل على كل جبل منهن جزأ، فحذف الجملة التي هي قطعهن لدلالة الكلام عليه كقوله  أن اضرب بعصاك البحر فانفلق  على معنى : فضرب فانفلق لأن قوله  ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا  يدل على التقطيع. 
فإن قيل : ما الفائدة في أمره بضمها إلى نفسه بعد أن يأخذها ؟. 
قلنا : الفائدة أن يتأمل فيها ويعرف أشكالها وهيآتها لئلا تلتبس عليه بعد الإحياء، ولا يتوهم أنها غير تلك. 
والقول الثاني : وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد  صرهن إليك  معناه قطعهن، يقال : صار الشيء يصوره صورا، إذ قطعه، قال رؤبة يصف خصما ألد : صرناه بالحكم، أي قطعناه، وعلى هذا القول لا يحتاج إلى الإضمار، وأما قراءة حمزة بكسر الصاد، فقد فسر هذه الكلمة أيضا تارة بالإمالة، وأخرى بالتقطيع، أما الإمالة فقال الفراء : هذه لغة هذيل وسليم : صاره يصيره إذا أماته، وقال الأخفش وغيره  صرهن  بكسر الصاد : قطعهن. يقال : صاره يصيره إذا قطعه، قال الفراء : أظن أن ذلك مقلوب من صرى يصري إذا قطع، فقدمت ياؤها، كما قالوا : عثا وعاث، قال المبرد : وهذا لا يصح، لأن كل واحد من هذين اللفظين أصل في نفسه مستقل بذاته، فلا يجوز جعل أحدهما فرعا عن الآخر. 
المسألة الثانية : أجمع أهل التفسير على أن المراد بالآية : قطعهن، وأن

### الآية 2:261

> ﻿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [2:261]

قوله تعالى  مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم . 
اعلم أنه سبحانه لما ذكر من بيان أصول العلم بالمبدأ وبالمعاد ومن دلائل صحتهما ما أراد، أتبع ذلك ببيان الشرائع والأحكام والتكاليف. 
فالحكم الأول : في بيان التكاليف المعتبرة في إنفاق الأموال، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : في كيفية النظم وجوه الأول : قال القاضي رحمه الله : إنه تعالى لما أجمل في قوله  من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة  فصل بعد ذلك في هذه الآية تلك الأضعاف، وإنما ذكر بين الآيتين الأدلة على قدرته بالإحياء والإماتة من حيث لولا ذلك لم يحسن التكليف بالإنفاق، لأنه لولا وجود الإله المثيب المعاقب، لكان الإنفاق في سائر الطاعات عبثا، فكأنه تعالى قال لمن رغبه في الإنفاق قد عرفت أني خلقتك وأكملت نعمتي عليك بالإحياء والأقدار وقد علمت قدرتي على المجازاة والإثابة، فليكن علمك بهذه الأحوال داعيا إلى إنفاق المال، فإنه يجازي القليل بالكثير، ثم ضرب لذلك الكثير مثلا، وهو أن من بذر حبة أخرجت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، فصارت الواحدة سبعمائة. 
الوجه الثاني : في بيان النظم ما ذكره الأصم، وهو أنه تعالى ضرب هذا المثل بعد أن احتج على الكل بما يوجب تصديق النبي صلى الله عليه وسلم ليرغبوا في المجاهدة بالنفس والمال في نصرته وإعلاء شريعته. 
والوجه الثالث : لما بين تعالى أنه ولي المؤمنين، وأن الكفار أولياؤهم الطاغوت بين مثل ما ينفق المؤمن في سبيل الله وما ينفق الكافر في سبيل الطاغوت. 
المسألة الثانية : في الآية إضمار، والتقدير : مثل صدقات الذين ينفقون أموالهم كمثل حبة وقيل : مثل الذين ينفقون أموالهم كمثل زارع حبة. 
المسألة الثالثة : معنى  ينفقون أموالهم في سبيل الله  يعني في دينه، قيل : أراد النفقة في الجهاد خاصة، وقيل : جميع أبواب البر، ويدخل فيه الواجب والنفل من الإنفاق في الهجرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن الإنفاق في الجهاد على نفسه وعلى الغير، ومن صرف المال إلى الصدقات، ومن إنفاقها في المصالح، لأن كل ذلك معدود في السبيل الذي هو دين الله وطريقته لأن كل ذلك إنفاق في سبيل الله. 
فإن قيل : فهل رأيت سنبلة فيها مائة حبة حتى يضرب المثل بها ؟. 
قلنا : الجواب عنه من وجوه الأول : أن المقصود من الآية أنه لو علم إنسان يطلب الزيادة والربح أنه إذا بذر حبة واحدة أخرجت له سبعمائة حبة ما كان ينبغي له ترك ذلك ولا التقصير فيه فكذلك ينبغي لمن طلب الأجر في الآخرة عند الله أن لا يتركه إذا علم أنه يحصل له على الواحدة عشرة ومائة، وسبعمائة، وإذا كان هذا المعنى معقولا سواء وجد في الدنيا سنبلة بهذه الصفة أو لم يوجد كان المعنى حاصلا مستقيما، وهذا قول القفال رحمه الله وهو حسن جدا. 
والجواب الثاني : أنه شوهد ذلك في سنبلة الجاورس، وهذا الجواب في غاية الركاكة. 
المسألة الرابعة : كان أبو عمرو وحمزة والكسائي يدغمون التاء في السين في قوله  أنبتت سبع سنابل  لأنهما حرفان مهموسان، والباقون بالإظهار على الأصل. 
ثم قال : والله يضاعف لمن يشاء  وليس فيه بيان كمية تلك المضاعفة، ولا بيان من يشرفه الله بهذه المضاعفة، بل يجب أن يجوز أنه تعالى يضاعف لكل المتقين، ويجوز أن يضاعف لبعضهم من حيث يكون إنفاقه أدخل في الإخلاص، أو لأنه تعالى بفضله وإحسانه يجعل طاعته مقرونة بمزيد القبول والثواب. 
ثم قال : والله سميع  أي واسع القدرة على المجازاة على الجود والافضال عليهم، بمقادير الإنفاقات، وكيفية ما يستحق عليها، ومتى كان الأمر كذلك لم يصر عمل العامل ضائعا عند الله تعالى.

### الآية 2:262

> ﻿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ۙ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2:262]

قوله تعالى: الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا وأذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون }. 
اعلم أنه تعالى لما عظم أمر الإنفاق في سبيل الله، أتبعه ببيان الأمور التي يجب تحصيلها حتى يبقى ذلك الثواب، منها ترك المن والأذى ثم في الآية مسائل :
المسألة الأولى : نزلت الآية في عثمان وعبد الرحمن بن عوف، أما عثمان فجهز جيش العسرة في غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها وألف دينار، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه يقول : يا رب عثمان رضيت عنه فارض عنه، وأما عبد الرحمن بن عوف فإنه تصدق بنصف ماله أربعة آلاف دينار فنزلت الآية. 
المسألة الثانية : قال بعض المفسرين : إن الآية المتقدمة مختصة بمن أنفق على نفسه، وهذه الآية بمن أنفق على غيره فبين تعالى أن الإنفاق على الغير إنما يوجب الثواب العظيم المذكور في الآية إذا لم يتبعه بمن ولا أذى قال القفال رحمه الله : وقد يحتمل أن يكون هذا الشرط معتبرا أيضا فيمن أنفق على نفسه، وذلك هو أن ينفق على نفسه ويحضر الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين ابتغاء لمرضاة الله تعالى، ولا يمن به على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ولا يؤذي أحدا من المؤمنين، مثل أن يقول : لو لم أحضر لما تم هذا الأمر، ويقول لغيره : أنت ضعيف بطال لا منفعة منك في الجهاد. 
المسألة الثالثة : المن في اللغة على وجوه أحدها : بمعنى الإنعام، يقال : قد من الله على فلان، إذا أنعم، أو لفلان على منة، وأنشد ابن الأنباري :

فمنى علينا بالسلام فإنما  كلامك ياقوت ودر منظمومنه قوله صلى الله عليه وسلم :**« ما من الناس أحد أمن علينا في صحبته ولا ذات يده من ابن أبي قحافة »** يريد أكثر إنعاما بماله، وأيضا الله تعالى يوصف بأنه منان أي منعم. 
والوجه الثاني : في التفسير المن النقص من الحق والبخس له، قال تعالى : وإن لك لأجرا غير ممنون  أي غير مقطوع وغير ممنوع، ومنه سمي الموت : منونا لأنه ينقص الأعمار، ويقطع الأعذار : ومن هذا الباب المنة المذمومة، لأن ينقص النعمة، ويكدرها، والعرب يمتدحون بترك المن بالنعمة، قال قائلهم :زاد معروفك عندي عظما  أنه عندي مستور حقيرتتناساه كأن لم تأته  وهو في العالم مشهور كثيرإذا عرفت هذا فنقول : المن هو إظهار الاصطناع إليهم، والأذى شكايته منهم بسبب ما أعطاهم وإنما كان المن مذموما لوجوه الأول : أن الفقير الآخذ للصدقة منكسر القلب لأجل حاجته إلى صدقة غير معترف باليد العليا للمعطي، فإذا أضاف المعطي إلى ذلك إظهار ذلك الإنعام، زاد ذلك في انكسار قلبه، فيكون في حكم المضرة بعد المنفعة، وفي حكم المسيء إليه بعد أن أحسن إليه والثاني : إظهار المن يبعد أهل الحاجة عن الرغبة في صدقته إذا اشتهر من طريقه ذلك الثالث : أن المعطي يجب أن يعتقد أن هذه النعمة من الله تعالى عليه، وأن يعتقد أن لله عليه نعما عظيمة حيث وفقه لهذا العمل، وأن يخاف أنه هل قرن بهذا الإنعام ما يخرجه عن قبول الله إياه، ومتى كان الأمر كذلك امتنع أن يجعله منة على الغير الرابع : وهو السر الأصلي أنه إن علم أن ذلك الإعطاء إنما تيسر لأن الله تعالى هيأ له أسباب الإعطاء وأزال أسباب المنع، ومتى كان الأمر كذلك كان المعطي هو الله في الحقيقة لا العبد، فالعبد إذا كان في هذه الدرجة كان قلبه مستنيرا بنور الله تعالى وإذا لم يكن كذلك بل كان مشغولا بالأسباب الجسمانية الظاهرة وكان محروما عن مطالعة الأسباب الربانية الحقيقة فكان في درجة البهائم الذين لا يترقى نظرهم عن المحسوس إلى المعقول وعن الآثار إلى المؤثر، وأما الأذى فقد اختلفوا فيه، منهم من حمله على الإطلاق في أذى المؤمنين وليس ذلك بالمن بل يجب أن يكون مختصا بما تقدم ذكره وهو مثل أن يقول للفقير : أنت أبدا تجيئني بالإيلام وفرج الله عني منك وباعد ما بيني وبينك، فبين سبحانه وتعالى أن من أنفق ماله ثم أنه لا يتبعه المن والأذى فله الأجر العظيم والثواب الجزيل. 
فإن قيل : ظاهر اللفظ أنهما بمجموعهما يبطلان الأجر فيلزم أنه لو وجد أحدهما دون الثاني لا يبطل الأجر. 
قلنا : بل الشرط أن لا يوجد واحد منهما لأن قوله  لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى  يقتضي أن لا يقع منه لا هذا ولا ذاك. 
المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : الآية دالة على أن الكبائر تحبط ثواب فاعلها، وذلك لأنه تعالى بين أن هذا الثواب إنما يبقى إذا لم يوجد المن والأذى، لأنه لو ثبت مع فقدهما ومع وجودهما لم يكن لهذا الاشتراط فائدة. 
أجاب أصحابنا بأن المراد من الآية أن حصول المن والأذى يخرجان الإنفاق من أن يكون فيه أجر وثواب أصلا، من حيث يدلان على أنه إنما أنفق لكي يمن، ولم ينفق لطلب رضوان الله، ولا على وجه القربة والعبادة، فلا جرم بطل الأجر، طعن القاضي في هذا الجواب فقال : إنه تعالى بين أن هذا الإنفاق قد صح، ولذلك قال : ثم لا يتبعون ما أنفقوا  وكلمة  ثم  للتراخي، وما يكون متأخرا عن الإنفاق موجب للثواب، لأن شرط المتأثر يجب أن يكون حاصلا حال حصول المؤثر لا بعده. 
أجاب أصحابنا عنه من وجوه الأول : أن ذكر المن والأذى وإن كان متأخرا عن الإنفاق، إلا أن هذا الذكر المتأخر يدل ظاهرا على أنه حين أنفق ما كان إنفاقه لوجه الله، بل لأجل الترفع على الناس وطلب الرياء والسمعة، ومتى كان الأمر كذلك كان إنفاقه غير موجب للثواب والثاني : هب أن هذا الشرط متأخر، ولكن لم يجوز أن يقال : إن تأثير المؤثر يتوقف على أن لا يوجد بعده ما يضاده على ما هو مذهب أصحاب الموافاة، وتقريره معلوم في علم الكلام. 
المسألة الخامسة : الآية دلت أن المن والأذى من الكبائر، حيث تخرج هذه الطاعة العظيمة بسبب كل واحد منهما عن أن تفيد ذلك الثواب الجزيل. 
أما قوله  لهم أجرهم  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن العمل يوجب الأجر على الله تعالى، وأصحابنا يقولون : حصول الأجر بسبب الوعد لا بسبب نفس العمل لأن العمل واجب على العبد وأداء الواجب لا يوجب الأجر. 
المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على نفي الإحباط، وذلك لأنها تدل على أن الأجر حاصل لهم على الإطلاق، فوجب أن يكون الأجر حاصلا لهم بعد فعل الكبائر، وذلك يبطل القول بالإحباط. 
المسألة الثالثة : أجمعت الأمة على أن قوله  لهم أجرهم عند ربهم  مشروط بأن لا يوجد منه الكفر، وذلك يدل على أنه يجوز التكلم بالعام لإرادة الخاص، ومتى جاز ذلك في الجملة لم تكن دلالة اللفظ العام على الاستغراق دلالة قطعية، وذلك يوجب سقوط دلائل المعتزلة في التمسك بالعمومات على القطع بالوعيد. 
أما قوله  ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون  ففيه قولان الأول : أن إنفاقهم في سبيل الله لا يضيع، بل ثوابه موفر عليهم يوم القيامة، لا يخافون من أن لا يوجد، ولا يحزنون بسبب أن لا يوجد، وهو كقوله تعالى : ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما  \[ طه : ١١٢ \] والثاني : أن يكون المراد أنهم يوم القيامة لا يخافون العذاب البتة، كما قال : وهم من فزع يومئذ ءامنون  \[ النمل : ٨٩ \] وقال : لا يحزنهم الفزع الأكبر  \[ الأنبياء : ١٠٣ \].

### الآية 2:263

> ﻿۞ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ [2:263]

قوله تعالى  قول معروف ومغفرة من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم، يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فبمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين، ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فأتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير . 
أما القول المعروف، فهو القول الذي تقبله القلوب ولا تنكره، والمراد منه ههنا أن يرد السائل بطريق جميل حسن، وقال عطاء : عدة حسنة، أما المغفرة ففيه وجوه أحدها : أن الفقير إذا رد بغير مقصوده شق عليه ذلك، فربما حمله ذلك على بذاءة اللسان، فأمر بالعفو عن بذاءة الفقير والصفح عن إساءته وثانيها : أن يكون المراد ونيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل وثالثها : أن يكون المراد من المغفرة أن يستر حاجة الفقير ولا يهتك ستره، والمراد من القول المعروف رده بأحسن الطرق وبالمغفرة أن لا يهتك ستره بأن يذكر حاله عند من يكره الفقير وقوفه على حاله ورابعها : أن قوله  قول معروف  خطاب مع المسئول بأن يرد السائل بأحسن الطرق، وقوله  ومغفرة  خطاب مع السائل بأن يعذر المسئول في ذلك الرد، فربما لم يقدر على ذلك الشيء في تلك الحالة، ثم بين تعالى أن فعل الرجل لهذين الأمرين خير له من صدقة يتبعها أذى، وسبب هذا الترجيح أنه إذا أعطى، ثم أتبع الإعطاء بالإيذاء، فهناك جمع بين الانفاع والإضرار، وربما لم يف ثواب الانفاع بعقاب الإضرار، وأما القول المعروف ففيه إنفاع من حيث إنه يتضمن إيصال السرور إلى قلب المسلم ولم يقترن به الإضرار، فكان هذا خيرا من الأول. 
واعلم أن من الناس من قال : إن الآية واردة في التطوع، لأن الواجب لا يحل منعه، ولا رد السائل منه، وقد يحتمل أن يراد به الواجب، وقد يعدل به عن سائل إلى سائل وعن فقير إلى فقير. 
ثم قال : والله غنى  عن صدقة العباد فإنما أمركم بها ليثيبكم عليها  حليم  إذا لم يعجل بالعقوبة على من يمن ويؤذي بصدقته، وهذا سخط منه ووعيد له.

### الآية 2:264

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [2:264]

ثم إنه تعالى وصف هذين النوعين على الإنفاق أحدهما : الذي يتبعه المن والأذى والثاني : الذي لا يتبعه المن والأذى، فشرح حال كل واحد منهما، وضرب مثلا لكل واحد منهما. 
فقال في القسم الأول : الذي يتبعه المن والأذى  يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الأخر  وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قال القاضي : إنه تعالى آكد النهي عن إبطال الصدقة بالمن والأذى وأزال كل شبهة للمرجئة بأن بين أن المراد أن المن والأذى يبطلان الصدقة، ومعلوم أن الصدقة قد وقعت وتقدمت، فلا يصح أن تبطل فالمراد إبطال أجرها وثوابها، لأن الأجر لم يحصل بعد وهو مستقبل فيصح إبطاله بما يأتيه من المن والأذى. 
واعلم أنه تعالى ذكر لكيفية إبطال أجر الصدقة بالمن والأذى مثلين، فمثله أولا : بمن ينفق ماله رئاء الناس، وهو مع ذلك كافر لا يؤمن بالله واليوم الآخر، لأن بطلان أجر نفقة هذا المرائي الكافر أظهر من بطلان أجر صدقة من يتبعها المن والأذى، ثم مثله ثانيا : بالصفوان الذي وقع عليه تراب وغبار، ثم أصابه المطر القوي، فيزيل ذلك الغبار عنه حتى يصير كأنه ما كان عليه غبار ولا تراب أصلا، فالكافر كالصفوان، والتراب مثل ذلك الإنفاق والوابل كالكفر الذي يحبط عمل الكافر، وكالمن والأذى اللذين يحبطان عمل هذا المنفق، قال : فكما أن الوابل أزال التراب الذي وقع على الصفوان، فكذا المن والأذى يوجب أن يكونا مبطلين لأجر الإنفاق بعد حصوله، وذلك صريح في القول بالإحباط والتفكير، قال الجبائي : وكما دل هذا النص على صحة قولنا فالعقل دل عليه أيضا، وذلك لأن من أطاع وعصى، فلو استحق ثواب طاعته وعقاب معصيته لوجب أن يستحق النقيضين، لأن شرط الثواب أن يكون منفعة خالصة دائمة مقرونة بالإجلال، وشرط العقاب أن يكون مضرة خالصة دائمة مقرونة بالإذلال فلو لم تقع المحابطة لحصل استحقاق النقيضين وذلك محال، ولأنه حين يعاقبه فقد منعه الإثابة ومنع الإثابة ظلم، وهذا العقاب عدل، فيلزم أن يكون هذا العقاب عدلا من حيث إنه حقه، وأن يكون ظلما من حيث إنه منع الإثابة، فيكون ظالما بنفس الفعل الذي هو عادل فيه وذلك محال، فصح بهذا قولنا في الإحباط والتفكير بهذا النص وبدلالة العقل، هذا كلام المعتزلة. 
وأما أصحابنا فإنهم قالوا : ليس المراد بقوله  لا تبطلوا  النهي عن إزالة هذا الثواب بعد ثبوته بل المراد به أن يأتي بهذا العمل باطلا، وذلك لأنه إذا قصد به غير وجه الله تعالى فقد أتى به من الابتداء على نعت البطلان، واحتج أصحابنا على بطلان قول المعتزلة بوجوه من الدلائل :
أولها : أن النافي والطارىء إن لم يكن بينهما منافاة لم يلزم من طريان الطارىء زوال النافي، وإن حصلت بينهما منافاة لم يكن اندفاع الطارىء أولى من زوال النافي، بل ربما كان هذا أولى لأن الدفع أسهل من الرفع. 
ثانيها : أن الطارىء لو أبطل لكان إما أن يبطل ما دخل منه في الوجود في الماضي وهو محال لأن الماضي انقضى ولم يبق في الحال وإعدام المعدوم محال وإما أن يبطل ما هو موجود في الحال وهو أيضا محال لأن الموجود في الحال لو أعدمه في الحال لزم الجمع بين العدم والوجود وهو محال، وإما أن يبطل ما سيوجد في المستقبل وهو محال، لأن الذي سيوجد في المستقبل معدوم في الحال وإعدام ما لم يوجد بعد محال. 
وثالثها : أن شرط طريان الطارىء زوال النافي فلو جعلنا زوال النافي معللا بطريان الطارىء لزم الدور وهو محال. 
ورابعها : أن الطارىء إذا طرأ وأعدم الثواب السابق فالثواب السابق إما أن يعدم من هذا الطارىء شيئا أو لا يعدم منه شيئا، والأول هو الموازنة وهو قول أبي هاشم وهو باطل، وذلك لأن الموجب لعدم كل واحد منهما وجود الآخر فلو حصل العدمان معا اللذان هما معلولان لزم حصول الوجودين اللذين هما علتان فيلزم أن يكون كل واحد منهما موجودا حال كون كل واحد منهما معدوما وهو محال. 
وأما الثاني : وهو قول أبي علي الجبائي فهو أيضا باطل لأن العقاب الطارىء لما أزال الثواب السابق، وذلك الثواب السابق ليس له أثر البتة في إزالة الشيء من هذا العقاب الطارىء، فحينئذ لا يحصل له من العمل الذي أوجب الثواب السابق فائدة أصلا لا في جلب ثواب ولا في دفع عقاب وذلك على مضادة النص الصريح في قوله  فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره  \[ الزلزلة : ٧ \] ولأنه خلاف العدل حيث يحمل العبد مشقة الطاعة، ولم يظهر له منها أثر لا في جلب المنفعة ولا في دفع المضرة. 
وخامسها : وهو أنكم تقولون : الصغيرة تحبط بعض أجزاء الثواب دون البعض، وذلك محال من القول، لأن أجزاء الاستحقاقات متساوية في الماهية، فالصغيرة الطارئة إذا انصرف تأثيرها إلى بعض تلك الاستحقاقات دون البعض مع استواء الكل في الماهية كان ذلك ترجيحا للممكن من غير مرجح وهو محال، فلم يبق إلا أن يقال بأن الصغيرة الطارئة تزيل كل تلك الاستحقاقات وهو باطل بالاتفاق، أو لا تزيل شيئا منها وهو المطلوب. 
وسادسها : وهو أن عقاب الكبيرة إذا كان أكثر من ثواب العمل المتقدم، فإما أن يقال بأن المؤثر في إبطال الثواب بعض أجزاء العقاب الطارىء أو كلها والأول : باطل لأن اختصاص بعض تلك الأجزاء بالمؤثرية دون البعض مع استواء كلها في الماهية ترجيح للممكن من غير مرجح وهو محال، والقسم الثاني باطل، لأنه حينئذ يجتمع على إبطال الجزء الواحد من الثواب جزآن من العقاب مع أن كل واحد من ذينك الجزأين مستقل بإبطال ذلك الثواب، فقد اجتمع على الأثر الواحد مؤثران مستقلان وذلك محال، لأنه يستغني بكل واحد منهما فيكون غنيا عنهما معا حال كونه محتاجا إليهما معا وهو محال. 
وسابعها : وهو أنه لا منافاة بين هذين الاستحقاقين لأن السيد إذا قال لعبده : احفظ المتاع لئلا يسرقه السارق، ثم في ذلك الوقت جاء العدو وقصد قتل السيد، فاشتغل العبد بمحاربة ذلك العدو وقتله فذلك الفعل من العبد يستوجب استحقاقه للمدح والتعظيم حيث دفع القتل عن سيده، ويوجب استحقاقه للذم حيث عرض ماله للسرقة، وكل واحد من الاستحقاقين ثابت، والعقلاء يرجعون في مثل هذه الواقعة إلى الترجيح أو إلى المهايأة، فأما أن يحكموا بانتفاء أحد الاستحقاقين وزواله فذلك مدفوع في بداهة العقول. 
وثامنها : أن الموجب لحصول هذا الاستحقاق هو الفعل المتقدم فهذا الطارىء إما أن يكون له أثر في جهة اقتضاء ذلك الفعل لذلك الاستحقاق أو لا يكون، والأول : محال لأن ذلك الفعل إنما يكون موجودا في الزمان الماضي، فلو كان لهذا الطارىء أثر في ذلك الفعل الماضي لكان هذا إيقاعا للتأثير في الزمان الماضي وهو محال، وإن لم يكن للطارىء أثر في اقتضاء ذلك الفعل السابق لذلك الاستحقاق وجب أن يبقى ذلك الاقتضاء كما كان وأن لا يزول ولا يقال لم لا يجوز أن يكون هذا الطارىء مانعا من ظهور الأثر على ذلك السابق، لأنا نقول : إذا كان هذا الطارىء لا يمكنه أن يعمل بجهة اقتضاء ذلك الفعل السابق أصلا والبتة من حيث إيقاع الأثر في الماضي محال، واندفاع أثر هذا الطارىء ممكن في الجملة كان الماضي على هذا التقدير أقوى من هذا الحادث فكان الماضي بدفع هذا الحادث أولى من العكس. 
وتاسعها : أن هؤلاء المعتزلة يقولون : إن شرب جرعة من الخمر يحبط ثواب الإيمان وطاعة سبعين سنة على سبيل الإخلاص، وذلك محال، لأنا نعلم بالضرورة أن ثواب هذه الطاعات أكثر من عقاب هذه المعصية الواحدة، والأعظم لا يحيط بالأقل، قال الجبائي : إنه لا يمتنع أن تكون الكبيرة الواحدة أعظم من كل طاعة، لأن معصية الله تعظم على قدر كثرة نعمه وإحسانه، كما أن استحقاق قيام الربانية وقد رباه وملكه وبلغه إلى النهاية العظيمة أعظم من قيامه بحقه لكثرة نعمه، فإذا كانت نعم الله على عباده بحيث لا تضبط عظما وكثرة لم يمتنع أن يستحق على المعصية الواحدة العقاب العظيم الذي يوافي على ثواب جملة الطاعات، واعلم أن هذا العذر ضعيف لأن الملك إذا عظمت نعمه على عبده ثم إن ذلك العبد قام بحق عبوديته خمسين سنة ثم إنه كسر رأس قلم ذلك الملك قصدا، فلو أحبط الملك جميع طاعاته بسبب ذلك القدر من الجرم فكل أحد يذمه وينسبه إلى ترك الإنصاف والقسوة، ومعلوم أن جميع المعاصي بالنسبة إلى جلال الله تعالى أقل من كسر رأس القلم، فظهر أن ما قالوه على خلاف قياس العقول. 
وعاشرها : أن إيمان ساعة يهدم كفر سبعين سنة، فالإيمان سبعين سنة كيف يهدم بفسق ساعة، وهذا مما لا يقبله العقل والله أعلم، فهذه جملة الدلائل العقلية على فساد القول بالمحابطة، في تمسك المعتزلة بهذه الآية. فنقول : قوله تعالى : لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى  يحتمل أمرين أحدهما : لا تأتوا به باطلا، وذلك أن ينوي بالصدقة الرياء والسمعة، فتكون هذه الصدقة حين وجدت حصلت باطلة، وهذا التأويل لا يضرنا البتة. 
الوجه الثاني : أن يكون المراد بالإبطال أن يؤتي بها على وجه يوجب الثواب، ثم بعد ذلك إذا اتبعت بالمن والأذى صار عقاب المن والأذى مزيلا لثواب تلك الصدقة، وعلى هذا الوجه ينفعهم التمسك بالآية، فلم كان حمل اللفظ على هذا الوجه الثاني أولى من حمله على الوجه الأول واعلم أن الله تعالى ذكر لذلك مثلين أحدهما : يطابق الاحتمال الأول، وهو قوله  كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله  إذ من المعلوم أن المراد من كونه عمل هذا باطلا أنه دخل في الوجود باطلا، لا أنه دخل صحيحا، ثم يزول، لأن المانع من صحة هذا العمل هو الكفر، والكفر مقارن له، فيمتنع دخوله صحيحا في الوجود، فهذا المثل يشهد لما ذهبنا إليه من التأويل، وأما المثل الثاني وهو الصفوان الذي وقع عليه غبار وتراب ثم أصابه وابل، فهذا يشهد لتأويلهم، لأنه تعالى جعل الوابل مزيلا لذلك الغبار بعد وقوع الغبار على الصفوان فكذا ههنا يجب أن يكون المن والأذى مزيلين للأجر والثواب بعد حصول استحقاق الأجر، إلا أن لنا أن نقول : لا نسلم أن المشبه بوقوع الغبار على الصفوان حصول الأجر للكافر، بل المشبه بذلك صدور هذا العمل الذي لولا كونه مقرونا بالنية الفاسدة لكان موجبا لحصول الأجر والثواب، فالمشبه بالتراب الواقع على الصفوان هو ذلك العمل الصادر منه، وحمل الكلام على ما ذكرناه أولى، لأن الغبار إذا وقع على الصفوان لم يكن ملتصقا به ولا غائصا فيه البتة، بل كان ذلك الاتصال كالانفصال، فهو في مرأى العين متصل، وفي الحقيقة غير متصل، فكذا الإنفاق المقرون بالمن والأذى، يرى في الظاهر أنه عمل من أعمال البر، وفي الحقيقة ليس كذلك، فظهر أن استدلالهم بهذه الآية ضعيف، وأما الحجة العقلية التي تمسكوا بها فقد بينا أنه لا منافاة في الجمع بين الاستحقاقين، وأن مقتضى ذلك الجمع إما الترجيح وإما المهايأة. 
المسألة الثانية : قال ابن عباس رضي الله عنهما : لا تبطلوا صدقاتكم بالمن على الله بسبب صدقتكم، وبالأذى لذلك السائل، وقال الباقون : بالمن على الفقير، وبالأذى للفقير. وقول ابن عباس رضي الله عنهما محتمل، لأن الإنسان إذا أنفق متبجحا بفعله، ولم يسلك طريقة التواضع والانقط

### الآية 2:265

> ﻿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [2:265]

ثم قال تعالى : ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فأتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير . 
اعلم أن الله تعالى لما ذكر مثل المنفق الذي يكون مانا ومؤذيا ذكر مثل المنفق الذي لا يكون كذلك، وهو هذه الآية، وبين تعالى أن غرض هؤلاء المنفقين من هذا الإنفاق أمران أحدهما : طلب مرضاة الله تعالى، والابتغاء افتعال من بغيت أي طلبت، وسواء قولك : بغيت وابتغيت. 
والغرض الثاني : هو تثبيت النفس، وفيه وجوه أحدها : أنهم يوطنون أنفسهم على حفظ هذه الطاعة وترك ما يفسدها، ومن جملة ذلك ترك إتباعها بالمن والأذى، وهذا قول القاضي وثانيها : وتثبيتا من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة في الإيمان مخلصة فيه، ويعضده قراءة مجاهد  وتثبيتا من بعض أنفسهم  وثالثها : أن النفس لا ثبات لها في موقف العبودية، إلا إذا صارت مقهورة بالمجاهدة، ومعشوقها أمران : الحياة العاجلة والمال، فإذا كلفت بإنفاق المال فقد صارت مقهورة من بعض الوجوه، وإذا كلفت ببذل الروح فقد صارت مقهورة من بعض الوجوه فلا جرم حصل بعض التثبيت، فلهذا دخل فيه  من  التي هي التبعيض، والمعنى أن من بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه، ومن بذل ماله وروحه معا فهو الذي ثبتها كلها، وهو المراد من قوله  وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم  \[ الصف : ١١ \] وهذا الوجه ذكره صاحب **«الكشاف »**، وهو كلام حسن وتفسير لطيف ورابعها : وهو الذي خطر ببالي وقت كتابة هذا الموضع : أن ثبات القلب لا يحصل إلا بذكر الله على ما قال : ألا بذكر الله تطمئن القلوب  \[ الرعد : ٢٨ \] فمن أنفق ماله في سبيل الله لم يحصل له اطمئنان القلب في مقام التجلي، إلا إذا كان إنفاقه لمحض غرض العبودية، ولهذا السبب حكي عن علي رضي الله عنه أنه قال في إنفاقه  إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا  \[ الإنسان : ٩ \] ووصف إنفاق أبي بكر فقال : وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى، ولسوف يرضى  \[ الليل : ١٩، ٢٠، ٢١ \] فإذا كان إنفاق العبد لأجل عبودية الحق لا لأجل غرض النفس وطلب الحض. فهناك اطمأن قلبه، واستقرت نفسه، ولم يحصل لنفسه منازعه مع قلبه، ولهذا قال أولا في هذا الإنفاق إنه لطلب مرضاة الله، ثم أتبع ذلك بقوله  وتثبيتا من أنفسهم  وخامسها : أنه ثبت في العلوم العقلية، أن تكرير الأفعال سبب لحصول الملكات. 
إذا عرفت هذا فنقول : إن من يواظب على الإنفاق مرة بعد أخرى لابتغاء مرضاة الله حصل له من تلك المواظبة أمران أحدهما : حصول هذا المعنى والثاني : صيرورة هذا الابتغاء والطلب ملكة مستقرة في النفس، حتى يصير القلب بحيث لو صدر عنه فعل على سبيل الغفلة والاتفاق رجع القلب في الحال إلى جناب القدس، وذلك بسبب أن تلك العبادة صارت كالعادة والخلق للروح، فإتيان العبد بالطاعة لله، ولابتغاء مرضاة الله، يفيد هذه الملكة المستقرة، التي وقع التعبير عنها في القرآن بتثبيت النفس، وهو المراد أيضا بقوله  يثبت الله الذين آمنوا  وعند حصول هذا التثبيت تصير الروح في هذا العالم من جوهر الملائكة الروحانية والجواهر القدسية، فصار العبد كما قاله بعض المحققين : غائبا حاضرا، ظاعنا مقيما وسادسها : قال الزجاج : المراد من التثبيت أنهم ينفقونها جازمين بأن الله تعالى لا يضيع عملهم، ولا يخيب رجاءهم، لأنها مقرونة بالثواب والعقاب والنشور بخلاف المنافق، فإنه إذا أنفق عد ذلك الإنفاق ضائعا، لأنه لا يؤمن بالثواب، فهذا الجزم هو المراد بالتثبيت وسابعها : قال الحسن ومجاهد وعطاء : المراد أن المنفق يتثبت في إعطاء الصدقة فيضعها في أهل الصلاح والعفاف، قال الحسن : كان الرجل إذا هم بصدقة تثبت، فإذا كان لله أعطى، وإن خالطه أمسك، قال الواحدي : وإنما جاز أن يكون التثبيت، بمعنى التثبيت، لأنهم ثبتوا أنفسهم في طلب المستحق، وصرف المال في وجهه، ثم إنه تعالى بعد أن شرح أن غرضهم من الإنفاق هذان الأمران ضرب لإنفاقهم مثلا، فقال : كمثل جنة بربوة أصابها وابل  وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ عاصم وابن عامر  بربوة  بفتح الراء وفي المؤمنين  إلى ربوة  وهو لغة تميم، والباقون بضم الراء فيهما، وهو أن أشهر اللغات ولغة قريش، وفيه سبع لغات  ربوة  بتعاقب الحركات الثلاث على الراء، و ( رباوة ) بالألف بتعاقب الحركات الثلاث على الراء، و ( ربو ) والربوة المكان المرتفع، قال الأخفش : والذي اختاره  ربوة  بالضم، لأن جمعها الربى، وأصلها من قولهم : ربا الشيء يربو إذا ازداد وارتفع، ومنه الرابية، لأن أجزاءها ارتفعت، ومنه الربو إذا أصابه نفس في جوفه زائد، ومنه الربا، لأنه يأخذ الزيادة. 
واعلم أن المفسرين قالوا : البستان إذا كان في ربوة من الأرض كان أحسن وأكثر ريعا. 
ولي فيه إشكال : وهو أن البستان إذا كان في مرتفع من الأرض كان فوق الماء ولا ترتفع إليه أنهار وتضربه الرياح كثيرا فلا يحسن ريعه، وإذا كان في وهدة من الأرض انصبت مياه الأنهار، ولا يصل إليه إثارة الرياح فلا يحسن أيضا ريعه، فإذن البستان إنما يحسن ريعه إذا كان على الأرض المستوية التي لا تكون ربوة ولا وهدة، فإذن ليس المراد من هذه الربوة ما ذكروه، بل المراد منه كون الأرض طينا حرا، بحيث إذا نزل المطر عليه انتفخ وربا ونما، فإن الأرض متى كانت على هذه الصفة يكثر ريعها، وتكمل الأشجار فيها، وهذا التأويل الذي ذكرته متأكد بدليلين أحدهما : قوله تعالى : وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت  \[ الحج : ٥ \] والمراد من ربوها ما ذكرنا فكذا ههنا والثاني : أنه تعالى ذكر هذا المثل في مقابلة المثل الأول، ثم كان المثل الأول هو الصفوان الذي لا يؤثر فيه المطر، ولا يربو، ولا ينمو بسبب نزول المطر عليه، فكان المراد بالربوة في هذا المثل كون الأرض بحيث تربو وتنمو، فهذا ما خطر ببالي والله أعلم بمراده. 
ثم قال تعالى : أصابها وابل فأتت أكلها ضعفين  وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو  أكلها  بالتخفيف، والباقون بالتثقيل، وهو الأصل، والأكل بالضم الطعام لأن من شأنه أن يؤكل قال الله تعالى : تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها  \[ إبراهيم : ٢٥ \] أي ثمرتها وما يؤكل منها، فالأكل في المعنى مثل الطعمة، وأنشد الأخفش :

فما أكلة إن نلتها بغنيمة  ولا جوعة إن جعتها بقراموقال أبو زيد : يقال إنه لذو أكل إذا كان له حظ من الدنيا. 
المسألة الثانية : قال الزجاج : آتت أكلها ضعفين  يعني مثلين لأن ضعف الشيء مثله زائدا عليه، وقيل ضعف الشيء مثلاه قال عطاء : حملت في سنة من الريع ما يحمل غيرها في سنتين، وقال الأصم : ضعف ما يكون في غيرها، وقال أبو مسلم : مثلي ما كان يعهد منها. 
ثم قال تعالى : فإن لم يصبها وابل فطل  الطل : مطر صغير الفطر، ثم في المعنى وجوه :
الأول : المعنى أن هذه الجنة إن لم يصبها وابل فيصيبها مطر دون الوابل، إلا أن ثمرتها باقية بحالها على التقديرين لا ينقص بسبب انتقاص المطر وذلك بسبب كرم المنبت الثاني : معنى الآية إن لم يصبها وابل حتى تضاعف ثمرتها فلا بد وأن يصيبها طل يعطي ثمرا دون ثمر الوابل، فهي على جميع الأحوال لا تخلوا من أن تثمر، فكذلك من أخرج صدقة لوجه الله تعالى لا يضيع كسبه قليلا كان أو كثيرا. 
ثم قال : والله بما تعملون بصير  والمراد من البصير العليم، أي هو تعالى عالم بكمية النفقات وكيفيتها، والأمور الباعثة عليها، وأنه تعالى مجاز بها إن خيرا فخير وإن شرا فشر.

### الآية 2:266

> ﻿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [2:266]

أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون . 
اعلم أن هذا مثل آخر ذكره الله تعالى في حق من يتبع إنفاقه بالمن والأذى، والمعنى أن يكون للإنسان جنة في غاية الحسن والنهاية، كثيرة النفع، وكان الإنسان في غاية العجز عن الكسب وفي غاية شدة الحاجة، وكما أن الإنسان كذلك فله ذرية أيضا في غاية الحاجة، وفي غاية العجز، ولا شك أن كونه محتاجا أو عاجزا مظنة الشدة والمحنة، وتعلق جمع من المحتاجين العاجزين به زيادة محنة على محنة، فإذا أصبح الإنسان وشاهد تلك الجنة محرقة بالكلية، فانظر كم يكون في قلبه من الغم والحسرة، والمحنة والبلية تارة بسبب أنه ضاع مثل ذلك المملوك الشريف النفيس، وثانيا : بسبب أنه بقي في الحاجة والشدة مع العجز عن الاكتساب واليأس عن أن يدفع إليه أحد شيئا، وثالثا : بسبب تعلق غيره به، ومطالبتهم إياه بوجوه النفقة، فكذلك من أنفق لأجل الله، كان ذلك نظيرا للجنة المذكورة وهو يوم القيامة، كذلك الشخص العاجز الذي يكون كل اعتماده في وجوه الانتفاع على تلك الجنة، وأما إذا أعقب إنفاقه بالمن أو بالأذى كان ذلك كالإعصار الذي يحرق تلك الجنة، ويعقب الحسرة والحيرة والندامة فكذا هذا المال المؤذي إذا قدم يوم القيامة، وكان في غاية الاحتياج إلى الانتفاع بثواب عمله، لم يجد هناك شيئا فيبقى لا محالة في أعظم غم، وفي أكمل حسرة وحيرة، وهذا المثل في غاية الحسن، ونهاية الكمال، ولنذكر ما يتعلق بألفاظ الآية. 
أما قوله  أيود أحدكم  فيه مسألتان :
المسألة الأولى : الود، هو المحبة الكاملة. 
المسألة الثانية : الهمزة في  أيود  استفهام لأجل الإنكار، وإنما قال : أيود  ولم يقل أيريد لأنا ذكرنا أن المودة هي المحبة التامة ومعلوم أن محبة كل أحد لعدم هذه الحالة محبة كاملة تامة فلما كان الحاصل هو مودة عدم هذه الحالة ذكر هذا اللفظ في جانب الثبوت فقال : أيود أحدكم  حصول مثل هذه الحالة تنبيها على الإنكار التام، والنفرة البالغة إلى الحد الذي لا مرتبة فوقه. 
أما قوله  جنة من نخيل وأعناب  فاعلم أن الله تعالى وصف هذه الجنة بصفات ثلاث :
الصفة الأول : كونها من نخيل وأعناب، واعلم أن الجنة تكون محتوية على النخيل والأعناب، ولا تكون الجنة من النخيل والأعناب إلا أن بسبب كثرة النخيل والأعناب، صار كأن الجنة إنما تكون من النخيل والأعناب، وإنما خص النخيل والأعناب بالذكر لأنهما أشرف الفواكه ولأنهما أحسن الفواكه مناظر حين تكون باقية على أشجارها. 
والصفة الثانية : قوله  تجرى من تحتها الأنهار  ولا شك أن هذا سبب لزيادة الحسن في هذه الجنة. 
الصفة الثالثة : قوله  له فيها من كل الثمرات  ولا شك أن هذا يكون سببا لكمال حال هذا البستان فهذه هي الصفات الثلاثة التي وصف الله تعالى هذه الجنة بها، ولا شك أن هذه الجنة تكون في غاية الحسن، لأنها مع هذه الصفات حسنة الرؤية والمنظر كثيرة النفع والريع، ولا تمكن الزيادة في حسن الجنة على ذلك، ثم إنه تعالى بعد ذلك شرع في بيان شدة حاجة المالك إلى هذه الجنة، فقال : وأصابه الكبر  وذلك لأنه إذا صار كبيرا، وعجز عن الاكتساب كثرت جهات حاجاته في مطعمه، وملبسه، ومسكنه، ومن يقوم بخدمته، وتحصيل مصالحه، فإذا تزايدت جهات الحاجات وتناقصت جهات الدخل والكسب، إلا من تلك الجنة، فحينئذ يكون في نهاية الاحتياج إلى تلك الجنة. 
فإن قيل : كيف عطف  وأصابه  على  أيود  وكيف يجوز عطف الماضي على المستقبل. 
قلنا الجواب عنه من وجوه الأول : قال صاحب **«الكشاف »**  الواو  للحال لا للعطف، ومعناه  أيود أحدكم أن تكون له جنة  حال ما أصابه الكبر ثم إنها تحرق. 
والجواب الثاني : قال الفراء : وددت أن يكون كذا ووددت لو كان كذا فحمل العطف على المعنى، كأنه قيل : أيود أحدكم إن كان له جنة وأصابه الكبر. 
ثم إنه تعالى زاد في بيان احتياج ذلك الإنسان إلى تلك الجنة فقال : وله ذرية ضعفاء  والمراد من ضعف الذرية : الضعف بسبب الصغر والطفولية، فيصير المعنى أن ذلك الإنسان كان في غاية الضعف والحاجة إلى تلك الجنة بسبب الشيخوخة والكبر، وله ذرية في غاية الضعف والحاجة بسبب الطفولية والصغر. 
ثم قال تعالى : فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت  والإعصار ريح ترتفع وتستدير نحو السماء كأنها عمود، وهي التي يسميها الناس الزوبعة، وهي ريح في غاية الشدة ومنه قول شاعر :
إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا \*\*\*. . . 
والمقصود من هذا المثل بيان أنه يحصل في قلب هذا الإنسان من الغم والمحنة والحسرة والحيرة ما لا يعلمه إلا الله، فكذلك من أتى بالأعمال الحسنة، إلا أنه لا يقصد بها وجه الله، بل يقرن بها أمورا تخرجها عن كونها موجبة للثواب، فحين يقدم يوم القيامة وهو حينئذ في غاية الحاجة ونهاية العجز عن الاكتساب عظمت حسرته وتناهت حيرته، ونظير هذه الآية قوله تعالى : وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون  \[ الزمر : ٤٧ \] وقوله  وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا  \[ الفرقان : ٢٣ \]. 
ثم قال : كذلك يبين الله لكم الآيات  أي كما بين الله لكم آياته ودلائله في هذا الباب ترغيبا وترهيبا كذلك يبين الله لكم آياته ودلائله في سائر أمور الدين  لعلكم تتفكرون . 
**وفيه مسألتان :**
المسألة الأولى : أن : لعل، للترجي وهو لا يليق بالله تعالى. 
المسألة الثانية : أن المعتزلة تمسكوا به في أنه يدل على أنه تعالى أراد من الكل الإيمان وقد تقدم شرح هاتين الآيتين مرارا.

### الآية 2:267

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [2:267]

قوله تعالى  يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد . 
اعلم أنه رغب في الإنفاق، ثم بين أن الإنفاق على قسمين : منه ما يتبعه المن والأذى، ومنه ما لا يتبعه ذلك. 
ثم إنه تعالى شرح ما يتعلق بكل واحد من هذين القسمين، وضرب لكل واحد منهما مثلا يكشف عن المعنى ويوضح المقصود منه على أبلغ الوجوه. 
ثم إنه تعالى ذكر في هذه الآية أن المال الذي أمر بإنفاقه في سبيل الله كيف ينبغي أن يكون فقال : أنفقوا من طيبات ما كسبتم  واختلفوا في أن قوله  أنفقوا  المراد منه ماذا فقال الحسن : المراد منه الزكاة المفروضة وقال قوم : المراد منه التطوع وقال ثالث : إنه يتناول الفرض والنفل، حجة من قال المراد منه الزكاة المفروضة أن قوله  أنفقوا  أمر وظاهر الأمر للوجوب والإنفاق الواجب ليس إلا الزكاة وسائر النفقات الواجبة، حجة من قال المراد صدقة التطوع ما روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه والحسن ومجاهد : أنهم كانوا يتصدقون بشرار ثمارهم ورديء أموالهم فأنزل الله هذه الآية، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : جاء رجل ذات يوم بعذق حشف فوضعه في الصدقة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**« بئس ما صنع صاحب هذا »** فأنزل الله تعالى هذه الآية، حجة من قال الفرض والنفل داخلان في هذه الآية أن المفهوم من الأمر ترجيح جانب الفعل على جانب الترك من غير أن يكون فيه بيان أنه يجوز الترك أو لا يجوز، وهذا المفهوم قدر مشترك بين الفرض والنفل، فوجب أن يكونا داخلين تحت الأمر. 
إذا عرفت هذا فنقول : أما على القول الأول وهو أنه للوجوب فيتفرع عليه مسائل :
المسألة الأولى : ظاهر الآية يدل على وجوب الزكاة في كل مال يكتسبه الإنسان، فيدخل فيه زكاة التجارة، وزكاة الذهب والفضة، وزكاة النعم، لأن ذلك مما يوصف بأنه مكتسب، ويدل على وجوب الزكاة في كل ما تنبته الأرض، على ما هو قول أبي حنيفة رحمه الله، واستدلاله بهذه الآية ظاهر جدا، إلا أن مخالفيه خصصوا هذا العموم بقوله صلى الله عليه وسلم :**« ليس في الخضراوات صدقة »** وأيضا مذهب أبي حنيفة أن إخراج الزكاة من كل ما أنبتته الأرض واجب قليلا كان أو كثيرا وظاهر الآية يدل على قوله إلا أن مخالفيه خصصوا هذا العموم بقوله صلى الله عليه وسلم :**« ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة »**
المسألة الثانية : اختلفوا في المراد بالطيب في هذه الآية على قولين :
القول الأول : أنه الجيد من المال دون الرديء، فأطلق لفظ الطيب على الجيد على سبيل الاستعارة، وعلى هذا التفسير فالمراد من الخبيث المذكور في هذه الآية الرديء. 
والقول الثاني : وهو قول ابن مسعود ومجاهد : أن الطيب هو الحلال، والخبيث هو الحرام حجة الأول وجوه :
الحجة الأولى : إنا ذكرنا في سبب النزول أنهم يتصدقون برديء أموالهم فنزلت الآية وذلك يدل على أن المراد من الطيب الجيد. 
الحجة الثانية : أن المحرم لا يجوز أخذه لا بإغماض ولا بغير إغماض، والآية تدل على أن الخبيث يجوز أخذه بالإغماض قال القفال رحمه الله : ويمكن أن يجاب عنه بأن المراد من الإغماض المسامحة وترك الاستقصاء، فيكون المعنى : ولستم بآخذيه وأنتم تعلمون أنه محرم إلا أن ترخصوا لأنفسكم أخذ الحرام، ولا تبالوا من أي وجه أخذتم المال، أمن حلاله أو من حرامه. 
الحجة الثالثة : أن هذا القول متأيد بقوله تعالى : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون  \[ آل عمران : ٩٢ \] وذلك يدل على أن المراد بالطيبات الأشياء النفيسة التي يستطاب ملكها، لا الأشياء الخسيسة التي يجب على كل أحد دفعها عن نفسه وإخراجها عن بيته، واحتج القاضي للقول الثاني فقال : أجمعنا على أن المراد من الطيب في هذه الآية إما الجيد وإما الحلال، فإذا بطل الأول تعين الثاني، وإنما قلنا إنه بطل الأول لأن المراد لو كان هو الجيد لكان ذلك أمرا بإنفاق مطلق الجيد سواء كان حراما أو حلالا وذلك غير جائز والتزام التخصيص خلاف الأصل، فثبت أن المراد ليس هو الجيد بل الحلال، ويمكن أن يذكر فيه قول ثالث وهو أن المراد من الطيب ههنا ما يكون طيبا من كل الوجوه فيكون طيبا بمعنى الحلال، ويكون طيبا بمعنى الجودة، وليس لقائل أن يقول حمل اللفظ المشترك على مفهوميه لا يجوز لأنا نقول الحلال إنما سمي طيبا لأنه يستطيبه العقل والدين، والجيد إنما يسمى طيبا لأنه يستطيبه الميل والشهوة، فمعنى الاستطابة مفهوم واحد مشترك بين القسمين، فكان اللفظ محمولا عليه إذا أثبت أن المراد منه الجيد الحلال فنقول : الأموال الزكاتية إما أن تكون كلها شريفة أو كلها خسيسة أو تكون متوسطة أو تكون مختلطة، فإن كان الكل شريفا كان المأخوذ بحساب الزكاة كذلك، وإن كان الكل خسيسا كان الزكاة أيضا من ذلك الخسيس ولا يكون خلافا للآية لأن المأخوذ في هذه الحالة لا يكون خسيسا من ذلك المال بل إن كان في المال جيد ورديء، فحينئذ يقال للإنسان لا تجعل الزكاة من رديء مالك وأما إن كان المال مختلطا فالواجب هو الوسط قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن **« أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم وإياك وكرائم أموالهم »** هذا كله إذا قلنا المراد من قوله  أنفقوا من طيبات ما كسبتم  الزكاة الواجبة، أما على القول الثاني وهو أن يكون المراد منه صدقة التطوع، أو قلنا المراد منه الإنفاق الواجب والتطوع، فنقول : إن الله تعالى ندبهم إلى أن يتقربوا إليه بأفضل ما يملكونه، كمن تقرب إلى السلطان الكبير بتحفة وهدية، فإنه لا بد وأن تكون تلك التحفة أفضل ما في ملكه وأشرفها، فكذا ههنا، بقي في الآية سؤال واحد، وهو أن يقال ما الفائدة في كلمة  من  في قوله  ومما أخرجنا لكم من الأرض . 
وجوابه : تقدير الآية : أنفقوا من طيبات ما كسبتم، وأنفقوا من طيبات ما أخرجنا لكم من الأرض، إلا أن ذكر الطيبات لما حصل مرة واحدة حذف في المرة الثانية لدلالة المرة الأولى عليه. 
أما قوله تعالى : ولا تيمموا الخبيث  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : يقال : أممته، ويممته، وتأممته، كله بمعنى قصدته قال الأعشى :

تيممت قيسا وكم دونه  من الأرض من مهمه ذي شرفالمسألة الثانية : قرأ ابن كثير وحده  ولا تيمموا  بتشديد التاء لأنه كان في الأصل تاءان تاء المخاطبة، وتاء الفعل فأدغم إحداهما في الأخرى، والباقون بفتح التاء مخففة وعلى هذا الخلاف في أخواتها، وهي ثلاثة وعشرون موضعا : لا تفرقوا، توفاهم، تعاونوا، فتفرق بكم، تلقف، تولوا، تنازعوا، تربصون، فإن تولوا، لا تكلم، تلقونه، تبرجن، تبدل، تناصرون، تجسسوا، تنابزوا، لتعارفوا، تميز، تخيرون، تلهى، تلظى، تنزل الملائكة، وههنا بحثان :
البحث الأول : قال أبو علي : هذا الإدغام غير جائز، لأن المدغم يسكن وإذا سكن لزم أن تجلب همزة الوصل عند الابتداء به، كما جلبت في أمثلة الماضي نحو : أدارأتم، وارتبتم واطيرنا، لكن أجمعوا على أن همزة الوصل لا تدخل على المضارع. 
البحث الثاني : اختلفوا في التاء المحذوفة على قراءة العامة، فقال بعضهم : هي التاء الأولى وسيبويه لا يسقط إلا الثانية، والفراء يقول : أيهما أسقطت جاز لنيابة الباقية عنها. 
أما قوله تعالى : منه تنفقون . 
فاعلم أن في كيفية نظم الآية وجهين الأول : أنه تم الكلام عند قوله  ولا تيمموا الخبيث  ثم ابتدأ، فقال : منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه  فقوله  منه تنفقون  استفهام على سبيل الإنكار، والمعنى : أمنه تنفقون مع أنكم لستم بآخذيه إلا مع الإغماض والثاني : أن الكلام إنما يتم عند قوله  إلا أن تغمضوا فيه  ويكون الذي مضمرا، والتقدير : ولا تيمموا الخبيث منه الذي تنفقونه ولستم بآخذيه إلا بالإغماض فيه، ونظيره إضمار التي في قوله تعالى : فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها  \[ البقرة : ٢٥٦ \] والمعنى الوثقى التي لا انفصام لها. 
أما قوله تعالى : ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : الإغماض في اللغة غض البصر، وإطباق جفن على جفن وأصله من الغموض، وهو الخفاء يقال : هذا الكلام غامض أي خفي الإدراك والغمض المتطامن الخفي من الأرض. 
المسألة الثانية : في معنى الإغماض في هذه الآية وجوه الأول : أن المراد بالإغماض ههنا المساهلة، وذلك لأن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينيه لئلا يرى ذلك ثم كثر ذلك حتى جعل كل تجاوز ومساهلة في البيع وغيره إغماضا، فقوله  ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه  يقول لو أهدى إليكم مثل هذه الأشياء لما أخذتموها إلا على استحياء وإغماض، فكيف ترضون لي ما لا ترضونه لأنفسكم والثاني : أن يحمل الإغماض على المتعدى كما تقول : أغمضت بصر الميت وغمضته والمعنى ولستم بآخذيه إلا إذا أغمضتم بصر البائع يعني أمرتموه بالإغماض والحط من الثمن. 
ثم ختم الآية بقوله  واعلموا أن الله غني حميد  والمعنى أنه غني عن صدقاتكم، ومعنى حميد، أي محمود على ما أنعم بالبيان وفيه وجه آخر، وهو أن قوله  غنى  كالتهديد على إعطاء الأشياء الرديئة في الصدقات و  حميد  بمعنى حامد أي أنا أحمدكم على ما تفعلونه من الخيرات وهو كقوله  فأولئك كان سعيهم مشكورا .

### الآية 2:268

> ﻿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [2:268]

قوله تعالى  الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم 
اعلم أنه تعالى لما رغب الإنسان في إنفاق أجود ما يملكه حذره بعد ذلك من وسوسة الشيطان فقال : الشيطان يعدكم الفقر  أي يقال إن أنفقت الأجود صرت فقيرا فلا تبال بقوله فإن الرحمن  يعدكم مغفرة منه وفضلا  وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في الشيطان فقيل إبليس وقيل سائر الشياطين وقيل شياطين الجن والإنس وقيل النفس الأمارة بالسوء. 
المسألة الثانية : الوعد يستعمل في الخير والشر، قال الله تعالى : النار وعدها الله الذين كفروا  \[ الحج : ٧٢ \] ويمكن أن يكون هذا محمولا على التهكم، كما في قوله  فبشرهم بعذاب أليم . 
المسألة الثالثة : الفقر والفقر لغتان، وهو الضعيف بسبب قلة المال وأصل الفقر في اللغة كسر الفقار، يقال : رجل فقر وفقير إذا كان مكسور الفقار، قال طرفة
إنني لست بمرهون فقر \*\*\*. . . 
قال صاحب **«الكشاف »** : قرىء الفقر بالضم والفقر بفتحتين. 
المسألة الرابعة : أما الكلام في حقيقة الوسوسة، فقد ذكرناه في أول الكتاب في تفسير  أعوذ بالله من الشيطان الرجيم  روي عن ابن مسعود رضي الله عنه : إن للشيطان لمة وهي الإيعاد بالشر، وللملك لمة وهي الوعد بالخير، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله ومن وجد الأول فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وقرأ هذه الآية وروى الحسن، قال بعض المهاجرين : من سره أن يعلم مكان الشيطان منه فليتأمل موضعه من المكان الذي منه يجد الرغبة في فعل المنكر، 
أما قوله تعالى : ويأمركم بالفحشاء  ففيه وجوه الأول : أن الفحشاء هي البخل  ويأمركم بالفحشاء  أي ويغريكم على البخل إغراء الآمر للمأمور والفاحش عند العرب البخيل، قال طرفة :
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي\*\*\* عقيلة مال الفاحش المتشدد
ويعتام منقول من عام فلان إلى اللبن إذا اشتهاه وأراد بالفاحش البخيل، قال تعالى : وإنه لحب الخير لشديد  \[ العاديات : ٨ \] وقد نبه الله تعالى في هذه الآية على لطيفة وهي أن الشيطان يخوفه أولا بالفقر ثم يتوصل بهذا التخويف إلى أن يأمره بالفحشاء ويغريه بالبخل، وذلك لأن البخل صفة مذمومة عند كل أحد فالشيطان لا يمكنه تحسين البخل في عينه إلا بتقديم تلك المقدمة، وهي التخويف من الفقر. 
الوجه الثاني : في تفسير الفحشاء، وهو أنه يقول : لا تنفق الجيد من مالك في طاعة الله لئلا تصير فقيرا، فإذا أطاع الرجل الشيطان في ذلك زاد الشيطان، فيمنعه من الإنفاق في الكلية حتى لا يعطي لا الجيد ولا الرديء وحتى يمنع الحقوق الواجبة، فلا يؤدي الزكاة ولا يصل الرحم ولا يرد الوديعة، فإذا صار هكذا سقط وقع الذنوب عن قلبه ويصير غير مبال بارتكابها، وهناك يتسع الخرق ويصير مقداما على كل الذنوب، وذلك هو الفحشاء وتحقيقه أن لكل خلق طرفين ووسطا فالطرف الكامل هو أن يكون بحيث يبذل كل ما يملكه في سبيل الله الجيد والرديء والطرف الفاحش الناقص لا ينفق شيئا في سبيل الله لا الجيد ولا الرديء والأمر المتوسط أن يبخل بالجيد وينفق الرديء، فالشيطان إذا أراد نقله من الطرف الفاضل إلى الطرف الفاحش، لا يمكنه إلا بأن يجره إلى الوسط، فإن عصى الإنسان الشيطان في هذا المقام انقطع طمعه عنه، وإن أطاعه فيه طمع في أن يجره من الوسط إلى الطرف الفاحش، فالوسط هو قوله تعالى : يعدكم الفقر  والطرف الفاحش قوله  ويأمركم بالفحشاء  ثم لما ذكر سبحانه وتعالى درجات وسوسة الشيطان أردفها بذكر إلهامات الرحمن فقال : والله يعدكم مغفرة منه وفضلا  فالمغفرة إشارة إلى منافع الآخرة، والفضل إشارة إلى ما يحصل في الدنيا من الخلق، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أن الملك ينادي كل ليلة **« اللهم أعط كل منفق خلفا وكل ممسك تلفا »**
وفي هذه الآية لطيفة وهي أن الشيطان يعدك الفقر في غد دنياك، والرحمن يعدك المغفرة في غد عقباك، ووعد الرحمن في غد العقبى أولى بالقبول من وجوه أحدها : أن وجدان غد الدنيا مشكوك فيه، ووجدان غد العقبى متيقن مقطوع به وثانيها : أن بتقدير وجدان غد الدنيا، فقد يبقى المال المبخول به، وقد لا يبقى وعند وجدان غد العقبى لا بد من وجدان المغفرة الموعود بها من عند الله تعالى، لأنه الصادق الذي يمتنع وجود الكذب في كلامه وثالثها : أن بتقدير بقاء المال المبخول به في غد الدنيا، فقد يتمكن الإنسان من الانتفاع به وقد لا يتمكن إما بسبب خوف أو مرض أو اشتغال بمهم آخر وعند وجدان غد العقبى الانتفاع حاصل بمغفرة الله وفضله وإحسانه ورابعها : أن بتقدير حصول الانتفاع بالمال المبخول به في غد الدنيا لا شك أن ذلك الانتفاع ينقطع ولا يبقى، وأما الانتفاع بمغفرة الله وفضله وإحسانه فهو الباقي الذي لا ينقطع ولا يزول، وخامسها : أن الانتفاع بلذات الدنيا مشوب بالمضار، فلا ترى شيئا من اللذات إلا ويكون سببا للمحنة من ألف وجه بخلاف منافع الآخرة فإنها خالصة عن الشوائب، ومن تأمل فيما ذكرناه علم أن الانقياد لوعد الرحمن بالفضل والمغفرة أولى من الانقياد لوعد الشيطان. 
إذا عرفت هذا فنقول : المراد بالمغفرة تكفير الذنوب كما قال : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها  \[ التوبة : ١٠٣ \] وفي الآية لفظان يدلان على كمال هذه المغفرة أحدها : التنكير في لفظة المغفرة، والمعنى مغفرة أي مغفرة والثاني : قوله  مغفرة منه  فقوله  منه  يدل على كمال حال هذه المغفرة لأن كمال كرمه ونهاية جوده معلوم لجميع العقلاء وكون المغفرة منه معلوم أيضا لكل أحد فلما خص هذه المغفرة بأنها منه علم أن المقصود تعظيم حال هذه المغفرة، لأن عظم المعطي يدل على عظم العطية، وكمال هذه المغفرة يحتمل أن يكون المراد منه ما قاله في آية أخرى  فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات  \[ الفرقان : ٧٠ \] ويحتمل أن يكون المراد منه أن يجعله شفيعا في غفران ذنوب سائر المذنبين، ويحتمل أن يكون كمال تلك المغفرة أمرا لا يصل إليه عقلنا ما دمنا في دار الدنيا فإن تفاصيل أحوال الآخرة أكثرها محجوبة عنا ما دمنا في الدنيا، وأما معنى الفضل فهو الخلف المعجل في الدنيا، وهذا الفضل يحتمل عندي وجوها أحدها : أن المراد من هذا الفضل الفضيلة الحاصلة للنفس وهي فضيلة الجود والسخاء، وذلك لأن مراتب السعادة ثلاث : نفسانية، وبدنية، وخارجية، وملك المال من الفضائل الخارجية وحصول خلق الجود والسخاوة من الفضائل النفسانية وأجمعوا على أن أشرف هذه المراتب الثلاث : السعادات النفسانية، وأخسها السعادات الخارجية فمتى لم يحصل إنفاق المال كانت السعادة الخارجية حاصلة والنقيضة النفسانية معها حاصلها ومتى حصل الإنفاق حصل الكمال النفساني والنقصان الخارجي ولا شك أن هذه الحالة أكمل، فثبت أن مجرد الإنفاق يقتضي حصول ما وعد الله به من حصول الفضل والثاني : وهو أنه متى حصل ملكة الإنفاق زالت عن الروح هيئة الاشتغال بلذات الدنيا والتهالك في مطالبها، ولا مانع للروح من تجلي نور جلال الله لها إلا حب الدنيا، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام :**« لولا أن الشياطين يوحون إلى قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماوات »** وإذا زال عن وجه القلب غبار حب الدنيا استنار بأنوار عالم القدس وصار كالكوكب الدري والتحق بأرواح الملائكة، وهذا هو الفضل لا غير والثالث : وهو أحسن الوجوه : أنه مهما عرف من الإنسان كونه منفقا لأمواله في وجوه الخيرات مالت القلوب إليه فلا يضايقونه في مطالبه، فحينئذ تنفتح عليه أبواب الدنيا، ولأن أولئك الذين أنفق ماله عليهم يعينونه بالدعاء والهمة فيفتح الله عليه أبواب الخير. 
ثم ختم الآية بقوله  والله واسع عليم  أي أنه واسع المغفرة، قادر على إغنائكم، وإخلاف ما تنفقونه وهو عليم لا يخفى عليه ما تنفقون، فهو يخلفه عليكم.

### الآية 2:269

> ﻿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [2:269]

قوله تعالى  يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب . 
اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة أن الشيطان يعد بالفقر ويأمر بالفحشاء، وأن الرحمن يعد بالمغفرة والفضل نبه على أن الأمر الذي لأجله وجب ترجيح وعد الرحمن على وعد الشيطان هو أن وعد الرحمن ترجحه الحكمة والعقل، ووعد الشيطان ترجحه الشهوة والنفس من حيث إنهما يأمران بتحصيل اللذة الحاضرة واتباع أحكام الخيال والوهم، ولا شك أن حكم الحكمة والعقل هو الحكم الصادق المبرأ عن الزيغ والخلل، وحكم الحس والشهوة والنفس توقع الإنسان في البلاء والمحنة، فكان حكم الحكمة والعقل أولى بالقبول، فهذا هو الإشارة إلى وجه النظم. بقي في الآية مسائل :
المسألة الأولى : المراد من الحكمة إما العلم وإما فعل الصواب يروى عن مقاتل أنه قال : تفسير الحكمة في القرآن على أربعة أوجه أحدها : مواعظ القرآن، قال في البقرة  وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به  \[ البقرة : ٢٣١ \] يعني مواعظ القرآن وفي النساء  وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة  يعني المواعظ، ومثلها في آل عمران وثانيها : الحكمة بمعنى الفهم والعلم، ومنه قوله تعالى : وآتيناه الحكم صبيا  \[ مريم : ١٢ \] وفي لقمان  ولقد آتينا لقمان الحكمة  \[ لقمان : ١٢ \] يعني الفهم والعلم وفي الأنعام  أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم  \[ الأنعام : ٨٩ \] وثالثها : الحكمة بمعنى النبوة في النساء  فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة  \[ النساء : ٥٤ \] يعني النبوة، وفي ص  وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب  \[ ص : ٢٠ \] يعني النبوة، وفي البقرة  وآتاه الله الملك والحكمة  \[ البقرة : ٢٥١ \] ورابعها : القرآن بما فيه من عجائب الأسرار في النحل  ادع إلى سبيل ربك بالحكمة  \[ النحل : ١٢٥ \] وفي هذه الآية  ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا  وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم، ثم تأمل أيها المسكين فإنه تعالى ما أعطى إلا القليل من العلم، قال تعالى : وما أوتيتم من العلم إلا قليلا  \[ الإسراء : ٨٥ \] وسمى الدنيا بأسرها قليلا، فقال : قل متاع الدنيا قليل  \[ النساء : ٧٧ \] وانظر كم مقدار هذا القليل حتى تعرف عظمة ذلك الكثير، والبرهان العقلي أيضا يطابقه لأن الدنيا متناهية المقدار، متناهية المدة، والعلوم لا نهاية لمراتبها وعددها ومدة بقائها، والسعادة الحاصلة منها، وذلك ينبئك على فضيلة العلم والاستقصاء في هذا الباب قد مر في تفسير قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها  \[ البقرة : ٣١ \] وأما الحكمة بمعنى فعل الصواب فقيل في حدها : إنها التخلق بأخلاق الله بقدر الطاقة البشرية، ومداد هذا المعنى على قوله صلى الله عليه وسلم :**« تخلقوا بأخلاق الله تعالى »** واعلم أن الحكمة لا يمكن خروجها عن هذين المعنيين، وذلك لأن كمال الإنسان في شيئين : أن يعرف الحق لذاته، والخير لأجل العمل به، فالمرجع بالأول : إلى العلم والإدراك المطابق، وبالثاني : إلى فعل العدل والصواب، فحكي عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم قوله  رب هب لي حكما  \[ الشعراء : ٨٣ \] وهو الحكمة النظرية  وألحقني بالصالحين  \[ الشعراء : ٨٣ \] الحكمة العملية، ونادى موسى عليه السلام فقال : إنني أنا الله لا إله إلا أنا  وهو الحكمة النظرية، ثم قال : فاعبدني  وهو الحكمة العملية، وقال عن عيسى عليه السلام إنه قال : إني عبد الله  \[ مريم : ٣٠ \] الآية، وكل ذلك للحكمة النظرية، ثم قال : وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا  \[ مريم : ٣١ \] وهو الحكمة العملية، وقال في حق محمد صلى الله عليه وسلم : فاعلم أنه لا إله إلا الله  \[ محمد : ١٩ \] وهو الحكمة النظرية، ثم قال : واستغفر لذنبك  \[ غافر : ٥٥ \] \[ محمد : ١٩ \] وهو الحكمة العملية، وقال في جميع الأنبياء  ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشآء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا  \[ النحل : ٢ \] وهو الحكمة النظرية : ثم قال : فاتقون  وهو الحكمة العملية، والقرآن هو من الآية الدالة على أن كمال حال الإنسان ليس إلا في هاتين القوتين، قال أبو مسلم : الحكمة فعلة من الحكم، وهي كالنحلة من النحل، ورجل حكيم إذا كان ذا حجى ولب وإصابة رأي، وهو في هذا الموضع في معنى الفاعل ويقال : أمر حكيم، أي محكم، وهو فعيل بمعنى مفعول، قال الله تعالى : فيها يفرق كل أمر حكيم  \[ الدخان : ٤ \] وهذا الذي قاله أبو مسلم من اشتقاق اللغة يطابق ما ذكرناه من المعنى. 
المسألة الثانية : قال صاحب **«الكشاف »** : قرىء  ومن يؤتى الحكمة  بمعنى : ومن يؤته الله الحكمة، وهكذا قرأ الأعمش. 
المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى وذلك لأن الحكمة إن فسرناها بالعلم لم تكن مفسرة بالعلوم الضرورية، لأنها حاصلة للبهائم والمجانين والأطفال، وهذه الأشياء لا توصف بأنها حكم، فهي مفسرة بالعلوم النظرية، وإن فسرناها بالأفعال الحسية فالأمر ظاهر، وعلى التقديرين فيلزم أن يكون حصول العلوم النظرية والأفعال الحسية ثابتا من غيرهم، وبتقدير مقدر غيرهم، وذلك الغير ليس إلا الله تعالى بالاتفاق، فدل على أن فعل العبد خلق لله تعالى. 
فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من الحكمة النبوة والقرآن، أو قوة الفهم والحسية على ما هو قول الربيع بن أنس. 
قلنا : الدليل الذي ذكرناه يدفع هذه الاحتمالات، وذلك لأنه بالنقل المتواتر ثبت أنه يستعمل لفظ الحكيم في غير الأنبياء، فتكون الحكمة مغايرة للنبوة والقرآن، بل هي مفسرة إما بمعرفة حقائق الأشياء، أو بالإقدام على الأفعال الحسنة الصائبة، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل، فإن حاولت المعتزلة حمل الإيتاء على التوفيق والإعانة والألطاف، قلنا : كل ما فعله من هذا الجنس في حق المؤمنين فقد فعل مثله في حق الكفار، مع أن هذا المدح العظيم المذكور في هذه الآية لا يتناولهم، فعلمنا أن الحكمة المذكورة في هذه الآية شيء آخر سوى فعل الألطاف، والله أعلم. 
ثم قال : وما يذكر إلا أولوا الألباب  والمراد به عندي والله أعلم أن الإنسان إذا رأى الحكم والمعارف حاصلة في قلبه، ثم تأمل وتدبر وعرف أنها لم تحصل إلا بإيتاء الله تعالى وتيسيره، كان من أولي الألباب، لأنه لم يقف عند المسببات، بل ترقى منها إلى أسبابها، فهذا الانتقال من المسبب إلى السبب هو التذكر الذي لا يحصل إلا لأولي الألباب، وأما من أضاف هذه الأحوال إلى نفسه، واعتقد أنه هو السبب في حصولها وتحصيلها، كان من الظاهريين الذين عجزوا عن الانتقال من المسببات إلى الأسباب، وأما المعتزلة فإنهم لما فسروا الحكمة بقوة الفهم ووضع الدلائل، قالوا : هذه الحكمة لا تقوم بنفسها، وإنما ينتفع بها المرء بأن يتدبر ويتفكر، فيعرف ماله وما عليه، وعند ذلك يقدم أو يحجم.

### الآية 2:270

> ﻿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ۗ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [2:270]

وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من أنصار 
اعلم أنه تعالى لما بين أن الإنفاق يجب أن يكون من أجود المال، ثم حث أولا : بقوله  ولا تيمموا الخبيث  \[ البقرة : ٢٦٧ \] وثانيا : بقوله  الشيطان يعدكم الفقر  \[ البقرة : ٢٦٨ \] حيث عليه ثالثا : بقوله  وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه  وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : في قوله  فإن الله يعلمه  على اختصاره، يفيد الوعد العظيم للمطيعين، والوعيد الشديد للمتمردين، وبيانه من وجوه أحدها : أنه تعالى عالم بما في قلب المتصدق من نية الإخلاص والعبودية أو من نية الرياء والسمعة وثانيها : أن علمه بكيفية نية المتصدق يوجب قبول تلك الطاعات، كما قال : إنما يتقبل الله من المتقين  \[ المائدة : ٢٧ \] وقوله  فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره  \[ الزلزلة : ٧، ٨ \] وثالثها : أنه تعالى يعلم القدر المستحق من الثواب والعقاب على تلك الدواعي والنيات فلا يهمل شيئا منها، ولا يشتبه عليه شيء منها. 
المسألة الثانية : إنما قال : فإن الله يعلمه  ولم يقل : يعلمها، لوجهين الأول : أن الضمير عائد إلى الأخير، كقوله  ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا  وهذا قول الأخفش، والثاني : أن الكتابة عادت إلى ما في قوله  وما أنفقتم من نفقة  لأنها اسم كقوله  وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به  \[ البقرة : ٢٣١ \]. 
المسألة الثالثة : النذر ما يلتزمه الإنسان بإيجابه على نفسه يقال : نذر ينذر، وأصله من الخوف لأن الإنسان إنما يعقد على نفسه خوف التقصير في الأمر المهم عنده، وأنذرت القوم إنذارا بالتخويف، وفي الشريعة على ضربين : مفسر وغير مفسر، فالمفسر أن يقول : لله علي عتق رقبة، ولله علي حج، فههنا يلزم الوفاء به، ولا يجزيه غيره وغير المفسر أن يقول : نذرت لله أن لا أفعل كذا ثم يفعله، أو يقول : لله علي نذر من غير تسمية فيلزم فيه كفارة يمين، لقوله صلى الله عليه وسلم :**« من نذر نذرا وسمى فعليه ما سمى، ومن نذر نذرا ولم يسم فعليه كفارة يمين »**
أما قوله تعالى : وما للظالمين من أنصار  ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : أنه وعيد شديد للظالمين، وهو قسمان، أما ظلمه نفسه فذاك حاصل في كل المعاصي، وأما ظلمه غيره فبأن لا ينفق أو يصرف الإنفاق عن المستحق إلى غيره، أو يكون نيته في الإنفاق على المستحق الرياء والسمعة، أو يفسدها بالمعاصي، وهذان القسمان الأخيران ليسا من باب الظلم على الغير، بل من باب الظلم على النفس. 
المسألة الثانية : المعتزلة تمسكوا بهذه الآية في نفي الشفاعة عن أهل الكبائر، قالوا : لأن ناصر الإنسان من يدفع الضرر عنه فلو اندفعت العقوبة عنهم بشفاعة الشفعاء لكان أولئك أنصارا لهم وذلك يبطل قوله تعالى : وما للظالمين من أنصار . 
واعلم أن العرف لا يسمي الشفيع ناصرا، بدليل قوله تعالى : واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون  \[ البقرة : ٤٨ \] ففرق تعالى بين الشفيع والناصر فلا يلزم من نفي الأنصار نفي الشفعاء. 
والجواب الثاني : ليس لمجموع الظالمين أنصار، فلم قلتم ليس لبعض الظالمين أنصار. 
فإن قيل : لفظ الظالمين ولفظ الأنصار جمع، والجمع إذا قوبل بالجمع توزع الفرد على الفرد، فكان المعنى : ليس لأحد من الظالمين أحد من الأنصار. 
قلنا : لا نسلم أن مقابلة الجمع بالجمع توجب توزع الفرد على الفرد لاحتمال أن يكون المراد مقابلة الجمع بالجمع فقط لا مقابلة الفرد بالفرد. 
والجواب الثالث : أن هذا الدليل النافي للشفاعة عام في حق الكل، وفي كل الأوقات، والدليل المثبت للشفاعة خاص في حق البعض وفي بعض الأوقات، والخاص مقدم على العام والله أعلم. 
والجواب الرابع : ما بينا أن اللفظ العام لا يكون قاطعا في الاستغراق، بل ظاهرا على سبيل الظن القوي فصار الدليل ظنيا، والمسألة ليست ظنية، فكان التمسك بها ساقطا. 
المسألة الثالثة : الأنصار جمع نصير، كإشراف وشريف، وأحباب وحبيب.

### الآية 2:271

> ﻿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [2:271]

قوله تعالى  إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم سيئاتكم والله بما تعملون خبير . 
اعلم أنه تعالى بين أولا : أن الإنفاق منه ما يتبعه المن والأذى، ومنه ما لا يكون كذلك، وذكر حكم كل واحد من القسمين، ثم ذكر ثانيا : أن الإنفاق قد يكون من جيد ومن رديء، وذكر حكم كل واحد من القسمين، وذكر في هذه الآية أن الإنفاق قد يكون ظاهرا وقد يكون خفيا، وذكر كل واحد من القسمين، فقال : إن تبدوا الصدقات فنعما هي  وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم : صدقة السر أفضل أم صدقة العلانية فنزلت هذه الآية. 
المسألة الثانية : الصدقة تطلق على الفرض والنفل قال تعالى : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم  \[ التوبة : ١٠٣ \] وقال : إنما الصدقات للفقراء  وقال صلى الله عليه وسلم :" نفقة المرء على عياله صدقة " والزكاة لا تطلق إلا على الفرض، قال أهل اللغة أصل الصدقة **«ص د ق »** على هذا الترتيب موضوع للصحة والكمال، ومنه قولهم : رجل صدق النظر، وصدق اللقاء، وصدقوهم القتال، وفلان صادق المودة، وهذا خل صادق الحموضة، وشيء صادق الحلاوة، وصدق فلان في خبره إذا أخبر به على الوجه الذي هو عليه صحيحا كاملا، والصديق يسمى صديقا لصدقه في المودة، والصداق سمي صداقا لأن عقد النكاح به يتم ويكمل، وسمى الله تعالى الزكاة صدقة لأن المال بها يصح ويكمل، فهي سبب إما لكمال المال وبقائه، وإما لأنه يستدل بها على صدق العبد في إيمانه وكماله فيه. 
المسألة الثالثة : الأصل في قوله  فنعما  نعم ما، إلا أنه أدغم أحد الميمين في الآخر، ثم فيه ثلاثة أوجه من القراءة : قرأ أبو عمرو وقالون وأبو بكر عن عاصم  فنعما  بكسر النون وإسكان العين وهو اختيار أبي عبيد، قال : لأنها لغة النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لعمرو بن العاص :" نعما بالمال الصالح للرجل الصالح " هكذا روي في الحديث بسكون العين، والنحويون قالوا : هذا يقتضي الجمع بين الساكنين، وهو غير جائز إلا فيما يكون الحرف الأول منهما حرف المد واللين، نحو : دابة وشابة، لأن ما في الحرف من المد يصير عوضا عن الحركة، وأما الحديث فلأنه لما دل الحس على أنه لا يمكن الجمع بين هذين الساكنين علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تكلم به أوقع في العين حركة خفيفة على سبيل الاختلاس والقراءة الثانية قرأ ابن كثير ونافع برواية ورش وعاصم في رواية حفص  فنعما هي  بكسر النون والعين وفي تقريره وجهان أحدهما : أنهم لما احتاجوا إلى تحريك العين حركوها مثل حركة ما قبلها والثاني : أن هذا على لغة من يقول  نعم  بكسر النون والعين، قال سيبويه : وهي لغة هذيل، القراء الثالثة وهي قراءة سائر القراء  فنعما هي  بفتح النون وكسر العين، ومن قرأ بهذه القراءة، فقد أتى بهذه الكلمة على أصلها وهي  نعم  قال طرفة :
نعم الساعون في الأمر المير \*\*\*
المسألة الرابعة : قال الزجاج : ما في تأويل الشيء، أي نعم الشيء هو، قال أبو علي الجيد : في تمثيل هذا أن يقال : ما في تأويل شيء، لأن ما ههنا نكرة، فتمثيله بالنكرة أبين، والدليل على أن ما نكرة ههنا أنها لو كانت معرفة فلا بد لها من الصلة، وليس ههنا ما يوصل به، لأن الموجود بعد ما هو هي، وكلمة هي مفردة والمفرد لا يكون صلة لما وإذا بطل هذا القول فنقول : ما نصب على التمييز، والتقدير : نعم شيئا هي إبداء الصدقات، فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه. 
المسألة الخامسة : اختلفوا في أن المراد بالصدقة المذكورة في هذه الآية : التطوع، أو الواجب، أو مجموعهما. 
فالقول الأول : وهو قول الأكثرين : أن المراد منه صدقة التطوع، قالوا : لأن الإخفاء في صدقة التطوع أفضل، والإظهار في الزكاة أفضل، وفيه بحثان :
البحث الأول : في أن الأفضل في إعطاء صدقة التطوع إخفاؤه، أو إظهاره، فلنذكر أولا الوجوه الدالة على إخفاءه أفضل فالأول : أنها تكون أبعد عن الرياء والسمعة، قال صلى الله عليه وسلم :**« لا يقبل الله مسمع ولا مراء ولا منان »** والمتحدث بصدقته لا شك أنه يطلب السمعة والمعطى في ملأ من الناس يطلب الرياء، والإخفاء والسكوت هو المخلص منهما، وقد بالغ قوم في قصد الإخفاء، واجتهدوا أن لا يعرفهم الآخذ، فكان بعضهم يلقيه في يد أعمى، وبعضهم يلقيه في طريق الفقير، وفي موضع جلوسه حيث يراه ولا يرى المعطي، وبعضهم كان يشده في أثواب الفقير وهو نائم، وبعضهم كان يوصل إلى يد الفقير على يد غيره، والمقصود عن الكل الاحتراز عن الرياء والسمعة والمنة، لأن الفقير إذا عرف المعطي فقد حصل الرياء والمنة معا وليس في معرفة المتوسط الرياء وثانيها : أنه إذا أخفى صدقته لم يحصل له بين الناس شهرة ومدح وتعظيم، فكان ذلك يشق على النفس، فوجب أن يكون ذلك أكثر ثوابا وثالثها : قوله صلى الله عليه وسلم :**« أفضل الصدقة جهد المقل إلى الفقير في سر »** وقال أيضا **« إن العبد ليعمل عملا في السر يكتبه الله له سرا فإن أظهره نقل من السر وكتب في العلانية، فإن تحدث به نقل من السر والعلانية وكتب في الرياء »** وفي الحديث المشهور **« سبعة يظلهم الله تعالى يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا ظله : أحدهم رجل تصدق بصدقة فلم تعلم شماله بما أعطاه يمينه »** وقال صلى الله عليه وسلم :**« صدقة السر تطفيء غضب الرب »** ورابعها : أن الإظهار يوجب إلحاق الضرر بالآخذ من وجوه، والإخفاء لا يتضمن ذلك، فوجب أن يكون الإخفاء أولى، وبيان تلك المضار من وجوه الأول : أن في الإظهار هتك عرض الفقير وإظهار فقره، وربما لا يرضى الفقير بذلك والثاني : أن في الإظهار إخراج الفقير من هيئة التعفف وعدم السؤال، والله تعالى مدح ذلك في الآية التي تأتي بعد هذه الآية، وهو قوله تعالى : يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا  \[ البقرة : ٢٧٣ \] والثالث : أن الناس ربما أنكروا على الفقير أخذ تلك الصدقة، ويظنون أنه أخذها مع الاستغناء عنها، فيقع الفقير في المذمة والناس في الغيبة والرابع : أن في إظهار الإعطاء إذلالا للآخذ وإهانة له وإذلال المؤمن غير جائز والخامس : أن الصدقة جارية مجرى الهدية، وقال عليه الصلاة والسلام :**« من أهدى إليه هدية وعنده قوم فهم شركاؤه فيها »** وربما لا يدفع الفقير من تلك الصدقة شيئا إلى شركائه الحاضرين فيقع الفقير بسبب إظهار تلك الصدقة في فعل ما لا ينبغي فهذه جملة الوجوه الدالة على أن إخفاء صدقة التطوع أولى. 
وأما الوجه في جواز إظهار الصدقة، فهو أن الإنسان إذا علم أنه إذا أظهرها، صار ذلك سببا لاقتداء الخلق به في إعطاء الصدقات، فينتفع الفقراء بها فلا يمتنع، والحال هذه أن يكون الإظهار أفضل، وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**« السر أفضل من العلانية، والعلانية أفضل لمن أراد الاقتداء به »** قال محمد بن عيسى الحكيم الترمذي : الإنسان إذا أتى بعمل وهو يخفيه عن الخلق وفي نفسه شهوة أن يرى الخلق منه ذلك وهو يدفع تلك الشهوة فههنا الشيطان يورد عليه ذكر رؤية الخلق، والقلب ينكر ذلك ويدفعه، فهذا الإنسان في محاربة الشيطان فضوعف العمل سبعين ضعفا على العلانية، ثم إن لله عبادا راضوا أنفسهم حتى من الله عليهم بأنواع هدايته فتراكمت على قلوبهم أنوار المعرفة، وذهبت عنهم وساوس النفس، لأن الشهوات قد ماتت منهم ووقعت قلوبهم في بحار عظمة الله تعالى، فإذا عمل عملا علانية لم يحتج أن يجاهد، لأن شهوة النفس قد بطلت، ومنازعة النفس قد اضمحلت، فإذا أعلن به فإنما يريد به أن يقتدي به غيره فهذا عبد كملت ذاته فسعى في تكميل غيره ليكون تاما وفوق التمام، ألا ترى أن الله تعالى أثنى على قوم في تنزيله وسماهم عباد الرحمن، وأوجب لهم أعلى الدرجات في الجنة، فقال : أولئك يجزون الغرفة  \[ الفرقان : ٧٥ \] ثم ذكر من الخصال التي طلبوها بالدعاء أن قالوا  واجعلنا للمتقين إماما  \[ الفرقان : ٧٤ \] ومدح أمة موسى عليه السلام فقال : ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون  \[ الأعراف : ١٥٩ \] ومدح أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقال : كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر  \[ آل عمران : ١١٠ \] ثم أبهم المنكر فقال : وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون  \[ الأعراف : ١٨١ \] فهؤلاء أئمة الهدى وأعلام الدين وسادة الخلق بهم يهتدون في الذهاب إلى الله. 
فإن قيل : إن كان الأمر على ما ذكرتم فلم رجح الإخفاء على الإظهار في قوله  وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم . 
والجواب : من وجهين الأول : لا نسلم قوله  فهو خير لكم  يفيد الترجيح فإنه يحتمل أن يكون المعنى أن إعطاء الصدقة حال الإخفاء خير من الخيرات، وطاعة من جملة الطاعات، فيكون المراد منه بيان كونه في نفسه خيرا وطاعة، لا أن المقصود منه بيان الترجيح. 
والوجه الثاني : سلمنا أن المراد منه الترجيح، لكن المراد من الآية أنه إذا كانت الحال واحدة في الإبداء والإخفاء، فالأفضل هو الإخفاء، فأما إذا حصل في الإبداء أمر آخر لم يبعد ترجيح الإبداء على الإخفاء. 
البحث الثاني : أن الإظهار في إعطاء الزكاة الواجبة أفضل، ويدل عليه وجوه الأول : أن الله تعالى أمر الأئمة بتوجيه السعاة لطلب الزكاة، وفي دفعها إلى السعاة إظهارها وثانيها : أن في إظهارها نفي التهمة، روي أنه صلى الله عليه وسلم كان أكثر صلاته في البيت إلا المكتوبة فإذا اختلف حكم فرض الصلاة ونفلها في الإظهار والإخفاء لنفي التهمة، فكذا في الزكاة وثالثها : أن إظهارها يتضمن المسارعة إلى أمر الله تعالى وتكليفه، وإخفاءها يوهم ترك الالتفات إلى أداء الواجب فكان الإظهار أولى، هذا كله في بيان قول من قال المراد بالصدقات المذكورة في هذه الآية صدقة التطوع فقط. 
القول الثاني : وهو قول الحسن البصري أن اللفظ متناول للواجب والمندوب، وأجاب عن قول من قال : الإظهار في الواجب أولى من وجوه الأول : أن إظهار زكاة الأموال توجب إظهار قدر المال، وربما كان ذلك سببا للضرر، بأن يطمع الظلمة في ماله، أو بكثرة حساده، وإذا كان الأفضل له إخفاء ماله لزم منه لا محالة أن يكون إخفاء الزكاة أولى والثاني : أن هذه الآية إنما نزلت في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة ما كانوا متهمين في ترك الزكاة فلا جرم كان إخفاء الزكاة أولى لهم لأنه أبعد عن الرياء والسمعة أما الآن فلما حصلت التهمة كان الإظهار أولى بسبب حصول التهمة الثالث : أن لا نسلم دلالة قوله  فهو خير  على الترجيح وقد سبق بيانه. 
أما قوله تعالى : وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم  فالإخفاء نقيض الإظهار وقوله  فهو  كناية عن الإخفاء، لأن الفعل يدل على المصدر، أي الإخفاء خير لكم، وقد ذكرنا أن قوله  خير لكم  يحتمل أن يكون المراد منه أنه في نفسه خير من الخيرات، كما يقال : الثريد خير وأن يكون المراد منه الترجيح، وإنما شرط تعالى في كون الإخفاء أفضل أن تؤتوها الفقراء لأن عند الإخفاء الأقرب أن يعدل بالزكاة عن الفقراء، إلى الأحباب والأصدقاء الذين لا يكونون مستحقين للزكاة، ولذلك شرط في الإخفاء أن يحصل معه إيتا

### الآية 2:272

> ﻿۞ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۗ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ۚ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ [2:272]

قوله تعالى  ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لاتظلمون 
هذا هو الحكم الرابع من أحكام الإنفاق، وهو بيان أن الذي يجوز الإنفاق عليه من هو ثم في الآية مسائل :
المسألة الأولى : في بيان سبب النزول وجوه أحدها : أن هذه الآية نزلت حين جاءت نتيلة أم أسماء بنت أبي بكر إليها تسألها، وكذلك جدتها وهما مشركتان، أتيا أسماء يسألانها شيئا فقالت لا أعطيكما حتى أستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنكما لستما على ديني، فاستأمرته في ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتصدق عليهما. 
والرواية الثانية : كان أناس من الأنصار لهم قرابة من قريظة والنضير وكانوا لا يتصدقون عليهم، ويقولون ما لم تسلموا لا نعطيكم شيئا فنزلت هذه الآية. 
والرواية الثالثة : أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يتصدق على المشركين، حتى نزلت هذه الآية فتصدق علهيم والمعنى على جميع الروايات : ليس عليك هدى من خالفك حتى تمنعهم الصدقة لأجل أن يدخلوا في الإسلام، فتصدق عليهم لوجه الله، ولا توقف ذلك على إسلامهم، ونظيره قوله تعالى : لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم  \[ الممتحنة : ٨ \] فرخص في صلة هذا الضرب من المشركين. 
المسألة الثانية : أنه صلى الله عليه وسلم كان شديد الحرص على إيمانهم كما قال تعالى : فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا  \[ الكهف : ٦ \]  لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين  \[ الشعراء : ٣ \] وقال : أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين  \[ يونس : ٩٩ \] وقال : لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم  \[ التوبة : ١٢٨ \] فأعلمه الله تعالى أنه بعثه بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ومبينا للدلائل، فأما كونهم مهتدين فليس ذلك منك ولا بك، فالهدى ههنا بمعنى الاهتداء، فسواء اهتدوا أو لم يهتدوا فلا تقطع معونتك وبرك وصدقتك عنهم، وفيه وجه آخر : ليس عليك أن تلجئهم إلى الاهتداء بواسطة أن توقف صدقتك عنهم على إيمانهم، فإن مثل هذا الإيمان لا ينتفعون به، بل الإيمان المطلوب منهم الإيمان على سبيل التطوع والاختيار. 
المسألة الثالثة : ظاهر قوله  ليس عليك هداهم  خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم ولكن المراد به هو وأمته، ألا تراه قال : إن تبدوا الصدقات  \[ البقرة : ٢٧١ \] وهذا خطاب عام، ثم قال : ليس عليك هداهم  وهو في الظاهر خاص، ثم قال بعده  وما تنفقوا من خير فلأنفسكم  وهذا عام فيفهم من عموم ما قبل الآية وعموم ما بعدها عمومها أيضا. 
أما قوله تعالى : ولكن الله يهدى من يشاء  فقد احتج به الأصحاب على أن هداية الله تعالى غير عامة، بل هي مخصوصة بالمؤمنين قالوا : لأن قوله  ولكن الله يهدى من يشاء  إثبات للهداية التي نفاها بقوله  ليس عليك هداهم  لكن المنفي بقوله  ليس عليك هداهم  هو حصول الاهتداء على سبيل الاختيار، فكان قوله  ولكن الله يهدى من يشاء  عبارة عن حصول الاهتداء على سبيل الاختيار وهذا يقتضي أن يكون الاهتداء الحاصل بالاختيار واقعا بتقدير الله تعالى وتخليقه وتكوينه وذلك هو المطلوب. 
قالت المعتزلة  ولكن الله يهدى من يشاء  يحتمل وجوها أحدها : أنه يهدي بالإثابة والمجازاة من يشاء ممن استحق ذلك وثانيها : يهدي بالألطاف وزيادات الهدى من يشاء وثالثها : ولكن الله يهدي بالإكراه من يشاء على معنى أنه قادر على ذلك وإن لم يفعله ورابعها : أنه يهدي بالاسم والحكم من يشاء، فمن اهتدى استحق أن يمدح بذلك. 
أجاب الأصحاب عن هذه الوجوه بأسرها أن المثبت في قوله  ولكن الله يهدى من يشاء  هو المنفي أولا بقوله  ليس عليك هداهم  لكن المراد بذلك المنفي بقوله أولا : ليس عليك هداهم  هو الاهتداء على سبيل الاختيار، فالمثبت بقوله  ولكن الله يهدى من يشاء  يجب أن يكون هو الاهتداء على سبيل الاختيار، وعلى هذا التقدير يسقط كل الوجوه. 
ثم قال : وما تنفقوا من خير فلأنفسكم  فالمعنى : وكل نفقة تنفقونها من نفقات الخير فإنما هو لأنفسكم أي ليحصل لأنفسكم ثوابه فليس يضركم كفرهم. 
ثم قال تعالى : وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله  وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في هذه الآية وجوه الأول أن يكون المعنى : ولستم في صدقتكم على أقاربكم من المشركين تقصدون إلا وجه الله، فقد علم الله هذا من قلوبكم، فانفقوا عليهم إذا كنتم إنما تبتغون بذلك وجه الله في صلة رحم وسد خلة مضطر : وليس عليكم اهتداؤهم حتى يمنعكم ذلك من الإنفاق عليهم الثاني : أن هذا وإن كان ظاهره خبرا إلا أن معناه نهي، أي ولا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله، وورد الخبر بمعنى الأمر والنهي كثيرا قال تعالى : الوالدات يرضعن أولادهن  \[ البقرة : ٢٣٣ \]  والمطلقات يتربصن  \[ البقرة : ٢٢٨ \] الثالث : أن قوله  وما تنفقون  أي ولا تكونوا منفقين مستحقين لهذا الاسم الذي يفيد المدح حتى تبتغوا بذلك وجه الله. 
المسألة الثانية : ذكر في الوجه في قوله  إلا ابتغاء وجه الله  قولان أحدهما : أنك إذا قلت : فعلته لوجه زيد فهو أشرف في الذكر من قولك : فعلته له لأن وجه الشيء أشرف ما فيه، ثم كثر حتى صار يعبر عن الشرف بهذا اللفظ والثاني : أنك إذا قلت : فعلت هذا الفعل له فههنا يحتمل أن يقال : فعلته له ولغيره أيضا، أما إذا قلت فعلت هذا الفعل لوجهه، فهذا يدل على أنك فعلت الفعل له فقط وليس لغيره فيه شركة. 
المسألة الثالثة : أجمعوا على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى غير المسلم، فتكون هذه الآية مختصة بصدقة التطوع، وجوز أبو حنيفة رضي الله عنه صرف صدقة الفطر إلى أهل الذمة، وأباه غيره، وعن بعض العلماء : لو كان شر خلق الله لكان لك ثواب نفقتك. 
ثم قال تعالى : وما تنفقوا من خير يوف إليكم  أي يوف إليكم جزاؤه في الآخرة، وإنما حسن قوله  إليكم  مع التوفية لأنها تضمنت معنى التأدية. 
ثم قال : وأنتم لا تظلمون  أي لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئا لقوله تعالى : أتت أكلها ولم تظلم منه شيئا  \[ الكهف : ٣٣ \] يريد لم تنقص.

### الآية 2:273

> ﻿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [2:273]

قوله تعالى  للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا وتنفقوا من خير فإن الله به عليم . 
اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أنه يجوز صرف الصدقة إلى أي فقير كان، بين في هذه الآية أن الذي يكون أشد الناس استحقاقا بصرف الصدقة إليه من هو ؟ فقال : للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله  وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : اللام في قوله  للفقراء  متعلق بماذا فيه وجوه الأول : لما تقدمت الآيات الكثيرة في الحث على الإنفاق، قال بعدها  للفقراء  أي ذلك الإنفاق المحثوث عليه للفقراء، وهذا كما إذا تقدم ذكر رجل فتقول : عاقل لبيب، والمعنى أن ذلك الذي مر وصفه عاقل لبيب، وكذلك الناس يكتبون على الكيس الذي يجعلون فيه الذهب والدراهم : ألفان ومائتان أي ذلك الذي في الكيس ألفان ومائتان هذا أحسن الوجوه الثاني : أن تقدير الآية اعمدوا للفقراء واجعلوا ما تنفقون للقراء الثالث : يجوز أن يكون خبر المبتدأ محذوف والتقدير وصدقاتكم للفقراء. 
المسألة الثانية : نزلت في فقراء المهاجرين، وكانوا نحو أربعمائة، وهم أصحاب الصفة لم يكن لهم مسكن ولا عشائر بالمدينة، وكانوا ملازمين المسجد، ويتعلمون القرآن، ويصومون ويخرجون في كل غزوة، عن ابن عباس : وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما على أصحاب الصفة فرأى فقرهم وجدهم فطيب قلوبهم، فقال :**« أبشروا يا أصحاب الصفة فمن لقيني من أمتي على النعت الذي أنتم عليه راضيا بما فيه فإنه من رفاقي »**
واعلم أن الله تعالى وصف هؤلاء الفقراء بصفات خمس :
الصفة الأولى : قوله  الذين أحصروا في سبيل الله  \[ البقرة : ٢٧٣ \] فنقول : الاحصار في اللغة أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين سفره، من مرض أو كبر أو عدو أو ذهاب نفقة، أو ما يجري مجرى هذه الأشياء، يقال : أحصر الرجل فهو محصر، ومضى الكلام في معنى الاحصار عند قوله  فإن أحصرتم  بما يعني عن الإعادة، أما التفسير فقد فسرت هذه الآية بجميع الأعداد الممكنة في معنى الاحصار فالأول : أن المعنى : إنهم حصروا أنفسهم ووقفوها على الجهاد، وأن قوله  في سبيل الله  مختص بالجهاد في عرف القرآن، ولأن الجهاد كان واجبا في ذلك الزمان، وكان تشتد الحاجة إلى من يحبس نفسه للمجاهدة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فيكون مستعدا لذلك، متى مست الحاجة، فبين تعالى في هؤلاء الفقراء أنهم بهذه الصفة، ومن هذا حاله يكون وضع الصدقة فيهم يفيد وجوها من الخير أحدها : إزالة عيلتهم والثاني : تقوية قلبهم لما انتصبوا إليه وثالثها : تقوية الإسلام بتقوية المجاهدين ورابعها : أنهم كانوا محتاجين جدا مع أنهم كانوا لا يظهرون حاجتهم، على ما قال تعالى : لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف . 
والقول الثاني : وهو قول قتادة وابن زيد : منعوا أنفسهم من التصرفات في التجارة للمعاش خوف العدو من الكفار لأن الكفار كانوا مجتمعين حول المدينة، وكانوا متى وجدوهم قتلوهم. 
والقول الثالث : وهو قول سعيد بن المسيب واختيار الكسائي : أن هؤلاء القوم أصابتهم جراحات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاروا زمنى، فأحصرهم المرض والزمانة عن الضرب في الأرض. 
والقول الرابع : قال ابن عباس هؤلاء قوم من المهاجرين حبسهم الفقر عن الجهاد في سبيل الله فعذرهم الله. 
والقول الخامس : هؤلاء قوم كانوا مشتغلين بذكر الله وطاعته وعبوديته، وكانت شدة استغراقهم في تلك الطاعة أحصرتهم عن الاشتغال بسائر المهمات. 
الصفة الثانية لهؤلاء الفقراء : قوله تعالى : لا يستطيعون ضربا في الأرض  يقال ضربت في الأرض ضربا إذا سرت فيها، ثم عدم الاستطاعة إما أن يكون لأن اشتغالهم بصلاح الدين وبأمر الجهاد، يمنعهم من الاشتغال بالكسب والتجارة، وإما لأن خوفهم من الأعداء يمنعهم من السفر، وإما لأن مرضهم وعجزهم يمنعهم منه، وعلى جميع الوجوه فلا شك في شدة احتياجهم إلى من يكون معينا لهم على مهماتهم. 
الصفة الثالثة لهم : قوله تعالى : يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف  وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ عاصم وابن عامر وحمزة  يحسبهم  بفتح السين والباقون بكسرها وهما اللتان بمعنى واحد، وقرئ في القرآن ما كان من الحسبان باللغتين جميعا الفتح والكسر والفتح عند أهل اللغة أقيس، لأن الماضي إذا كان على فعل، نحو حسب كان المضارع على يفعل، مثل فرق يفرق وشرب يشرب، وشذ حسب يحسب فجاء على يفعل مع كلمات أخر، والكسر حسن لمجيء السمع به وإن كان شاذا عن القياس. 
المسألة الثانية : الحسبان هو الظن، وقوله  الجاهل  لم يرد به الجهل الذي هو ضد العقل، وإنما أراد الجهل الذي هو ضد الاختبار، يقول : يحسبهم من لم يختبر أمرهم أغنياء من التعفف، وهو تفعل من العفة ومعنى العفة في اللغة ترك الشيء والكف عنه وأراد من التعفف عن السؤال فتركه للعلم، وإنما يحسبهم أغنياء لإظهارهم التجمل وتركهم المسألة. 
الصفة الرابعة لهؤلاء الفقراء : قوله تعالى : تعرفهم بسيماهم  السيما والسيميا العلامة التي يعرف بها الشيء، وأصلها من السمة التي هي العلامة، قلبت الواو إلى موضع العين قال الواحدي : وزنه يكون فعلا، كما قالوا : له جاه عند الناس أي وجه، وقال قوم : السيما الارتفاع لأنها علامة وضعت للظهور، قال مجاهد  سيماهم  التخشع والتواضع، قال الربيع والسدي : أثر الجهد من الفقر والحاجة وقال الضحاك صفرة ألوانهم من الجوع وقال ابن زيد رثاثة ثيابهم والجوع خفي وعندي أن كل ذلك فيه نظر لأن كل ما ذكروه علامات دالة على حصول الفقر وذلك يناقضه قوله  يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف  بل المراد شيء آخر هو أن لعباد الله المخلصين هيبة ووقعا في قلوب الخلق، كل من رآهم تأثر منهم وتواضع لهم وذلك إدراكات روحانية، لا علات جسمانية، ألا ترى أن الأسد إذا مر هابته سائر السباع بطباعها لا بالتجربة، لأن الظاهر أن تلك التجربة ما وقعت، والبازي إذا طار تهرب منه الطيور الضعيفة، وكل ذلك إدراكات روحانية لا جسمانية، فكذا ههنا، ومن هذا الباب آثار الخشوع في الصلاة، كما قال تعالى : سيماهم في وجوههم من أثر السجود  \[ الفتح : ٢٩ \] وأيضا ظهور آثار الفكر، روي أنهم كانوا يقومون الليل للتهجد ويحتطبون بالنهار للتعفف. 
الصفة الخامسة لهؤلاء الفقراء : قوله تعالى : لا يسألون الناس إلحافا  عن ابن مسعود رضي الله عنه : إن الله يحب العفيف المتعفف، ويبغض الفاحش البذيء السائل الملحف الذي إن أعطى كثيرا أفرط في المدح، وإن أعطى قليلا أفرط في الذم، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا يفتح أحد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر، ومن يستغن يغنه الله، ومن يستعفف يعفه الله تعالى، لأن يأخذ أحدكم حبلا يحتطب فيبيعه بمد من تمر خير له من أن يسأل الناس ". واعلم أن هذه الآية مشكلة، وذكروا في تأويلها وجوها الأول : أن الإلحاف هو الإلحاح والمعنى أنهم سألوا بتلطف ولم يلحوا، وهو اختيار صاحب **«الكشاف »** وهو ضعيف، لأن الله تعالى وصفهم بالتعفف عن السؤال قبل ذلك فقال : يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف  وذلك ينافي صدور السؤال عنهم والثاني : وهو الذي خطر ببالي عند كتابة هذا الموضوع : أنه ليس المقصود من قوله  لا يسألون الناس إلحافا  وصفهم بأنهم لا يسألون الناس إلحافا، وذلك لأنه تعالى وصفهم قبل ذلك بأنهم يتعففون عن السؤال، وإذا علم أنهم لا يسألون البتة فقد علم أيضا أنهم لا يسألون إلحافا، بل المراد التنبيه على سوء طريقة من يسأل الناس إلحافا، ومثاله إذا حضر عندك رجلان أحدهما عاقل وقور ثابت، والآخر طياش مهذار سفيه، فإذا أردت أن تمدح أحدهما وتعرض بذم الآخر قلت فلان رجل عاقل وقور قليل الكلام، لا يخوض في الترهات، ولا يشرع في السفاهات، ولم يكن غرضك من قولك، لا يخوض في الترهات والسفاهات وصفه بذلك، لأن ما تقدم من الأوصاف الحسنة يغني عن ذلك، بل غرضك التنبيه على مذمة الثاني وكذا ههنا قوله  لا يسألون الناس إلحافا  بعد قوله  يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف  الغرض منه التنبيه على من يسأل الناس إلحافا وبيان مباينة أحد الجنسين عن الآخر في استيجاب المدح والتعظيم. 
الوجه الثالث : أن السائل الملحف الملح هو الذي يستخرج المال بكثرة تلطفه، فقوله  لا يسألون الناس  بالرفق والتلطف، وإذا لم يوجد السؤال على هذا الوجه فبأن لا يوجد على وجه العنف أولى فإذا امتنع القسمان فقد امتنع حصول السؤال، فعلى هذا يكون قوله  لا يسألون الناس إلحافا  كالموجب لعدم صدور السؤال منهم أصلا. 
والوجه الرابع : هو الذي خطر ببالي أيضا في هذا الوقت، وهو أنه تعالى بين فيما تقدم شدة حاجة هؤلاء الفقراء، ومن اشتدت حاجته فإنه لا يمكنه ترك السؤال إلا بإلحاح شديد منه على نفسه، فكانوا لا يسألون الناس وإنما أمكنهم ترك السؤال عندما ألحوا على النفس ومنعوها بالتكليف الشديد عن ذلك السؤال، ومنه قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه :

ولي نفس أقول لها إذا ما  تنازعني لعلي أو عسانيالوجه الخامس : أن كل من سأل فلا بد وأن يلح في بعض الأوقات، لأنه إذا سأل فقد أراق ماء وجهه، ويحمل الذلة في إظهار ذلك السؤال، فيقول : لما تحملت هذه المشاق فلا أرجع بغير مقصود، فهذا الخاطر يحمله على الإلحاف والإلحاح، فثبت أن كل من سأل فلا بد وأن يقدم على الإلحاح في بعض الأوقات، فكان نفي الإلحاح عنهم مطلقا موجبا لنفي السؤال عنهم مطلقا. 
الوجه السادس : وهو أيضا خطر ببالي في هذا الوقت، وهو أن من أظهر من نفسه آثار الفقر والذلة والمسكنة، ثم سكت عن السؤال، فكأنه أتى بالسؤال الملح الملحف، لأن ظهور إمارات الحاجة تدل على الحاجة وسكوته يدل على أنه ليس عنده ما يدفع به تلك الحاجة ومتى تصور الإنسان من غير ذلك رق قلبه جدا، وصار حاملا له على أن يدفع إليه شيئا، فكان إظهار هذه الحالة هو السؤال على سبيل الإلحاف، فقوله  لا يسألون الناس إلحافا  معناه أنهم سكتوا عن السؤال لكنهم لا يضمون إلى ذلك السكوت من رثاثة الحال وإظهار الانكسار ما يقوم مقام السؤال على سبيل الإلحاف بل يزينون أنفسهم عند الناس ويتجملون بهذا الخلق ويجعلون فقرهم وحاجتهم بحيث لا يطلع عليه إلا الخالق، فهذا الوجه أيضا مناسب معقول وهذه الآية من المشكلات وللناس فيها كلمات كثيرة، وقد لاحت هذه الوجوه الثلاثة بتوفيق الله تعالى وقت كتب تفسير هذه الآية والله أعلم بمراده. 
واعلم أنه تعالى ذكر صفات هؤلاء الفقراء، ثم قال بعده  وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم  \[ البقرة : ٢٧٣ \] وهو نظير ما ذكر قبل هذه الآية من قوله  وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون  \[ البقرة : ٢٧٢ \] وليس هذا من باب التكرار وفيه وجهان أحدهما : أنه تعالى لما قال : وما تنفقوا من خير يوف إليكم  وكان من المعلوم أن توفية الأجر من غير بخس ونقصان لا يمكن إلا عند العلم بمقدار العمل وكيفية جهاته المؤثرة في استحقاق الثواب لا جرم قرر في هذه الآية كونه تعالى عالما بمقادير الأعمال وكيفياتها. 
وا

### الآية 2:274

> ﻿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2:274]

قوله تعالى  الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون  وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : في كيفية النظم أقوال الأول : لما بين في هذه الآية المتقدمة أن أكمل من تصرف إليه النفقة من هو بين في هذه الآية أن أكمل وجوه الإنفاق كيف هو، فقال : الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم  والثاني : أنه تعالى ذكر هذه الآية لتأكيد ما تقدم من قوله  إن تبدوا الصدقات فنعما هي  \[ البقرة : ٢٧١ \] والثالث : أن هذه الآية آخر الآيات المذكورة في أحكام الإنفاق، فلا جرم أرشد الخلق إلى أكمل وجوه الإنفاقات. 
المسألة الثانية : في سبب النزول وجوه الأول : لما نزل قوله تعالى : للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله  بعث عبد الرحمن بن عوف إلى أصحاب الصفة بدنانير، وبعث علي رضي الله عنه بوسق من تمر ليلا، فكان أحب الصدقتين إلى الله تعالى صدقته، فنزلت هذه الآية فصدقة الليل كانت أكمل والثاني : قال ابن عباس : إن عليا عليه السلام ما كان يملك غير أربعة دراهم، فتصدق بدرهم ليلا، وبدرهم نهارا، وبدرهم سرا، وبدرهم علانية، فقال صلى الله عليه وسلم :" ما حملك على هذا ؟ فقال : أن استوجب ما وعدني ربي، فقال : لك ذلك " فأنزل الله تعالى هذه الآية والثالث : قال صاحب **«الكشاف »** : نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين تصدق بأربعين ألف دينار : عشرة بالليل، وعشرة بالنهار، وعشرة في السر، وعشرة في العلانية والرابع : نزلت في علف الخيل وارتباطها في سبيل الله، فكان أبو هريرة إذا مر بفرس سمين قرأ هذه الآية الخامس : أن الآية عامة في الذين يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة تحرضهم على الخير، فكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروها ولم يعلقوها بوقت ولا حال، وهذا هو أحسن الوجوه، لأن هذا آخر الآيات المذكورة في بيان حكم الإنفاقات فلا جرم ذكر فيها أكمل وجوه الإنفاقات، والله أعلم. 
المسألة الثالثة : قال الزجاج  الذين  رفع بالابتداء وجاز أن تكون الفاء من قوله  فلهم  جواب الذين لأنها تأتي بمعنى الشرط والجزاء، فكان التقدير : من أنفق فلا يضيع أجره، وتقديره أنه لو قال : الذي أكرمني له درهم لم يفد أن الدرهم بسبب الإكرام، أما لو قال : الذي أكرمني فله درهم يفيد أن الدرهم بسبب الإكرام، فههنا الفاء دلت على أن حصول الأجر إنما كان بسبب الإنفاق، والله أعلم. 
المسألة الرابعة : في الآية إشارة إلى أن صدقة السر أفضل من صدقة العلانية، وذلك لأنه قدم الليل على النهار، والسر على العلانية في الذكر. 
ثم قال في خاتمة الآية  فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون  والمعنى معلوم وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : أنها تدل على أن أهل الثواب لا خوف عليهم يوم القيامة، ويتأكد ذلك بقوله تعالى : لا يحزنهم الفزع الأكبر  \[ الأنبياء : ١٠٣ \]. 
المسألة الثانية : أن هذا مشروط عند الكل بأن لا يحصل عقيبه الكفر، وعند المعتزلة أن لا يحصل عقيبه كبيرة محبطة، وقد أحكمنا هذه المسألة، وههنا آخر الآيات المذكورة في بيان أحكام الإنفاق. 
الحكم الثاني : من الأحكام الشرعية المذكورة في هذا الموضع من هذه السورة حكم الربا :

### الآية 2:275

> ﻿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:275]

قوله تعالى  الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون . 
اعلم أن بين الربا وبين الصدقة مناسبة من جهة التضاد، وذلك لأن الصدقة عبارة عن تنقيص المال بسبب أمر الله بذلك، والربا عبارة عن طلب الزيادة على المال مع نهي الله عنه، فكانا متضادين، ولهذا قال الله تعالى : يمحق الله الربا ويربى الصدقات  فلما حصل بين هذين الحكمين هذا النوع من المناسبة، لا جرم ذكر عقيب حكم الصدقات حكم الربا. 
أما قوله  الذين يأكلون الربا  فالمراد الذين يعاملون به، وخص الأكل لأنه معظم الأمر، كما قال : الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما  \[ النساء : ١٠ \] وكما لا يجوز أكل مال اليتيم لا يجوز إتلافه، ولكنه نبه بالأكل على ما سواه وكذلك قوله  ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل  \[ البقرة : ١٨٨ \] وأيضا فلأن نفس الربا الذي هو الزيادة في المال على ما كانوا يفعلون في الجاهلية لا يؤكل، إنما يصرف في المأكول فيؤكل، والمراد التصرف فيه، فمنع الله من التصرف في الربا بما ذكرنا من الوعيد، وأيضا فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم :" لعن آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه والمحلل له " فعلمنا أن الحرمة غير مختصة بالآكل، وأيضا فقد ثبت بشهادة الطرد والعكس، أن ما يحرم لا يوقف تحريمه على الأكل دون غيره من التصرفات فثبت بهذه الوجوه الأربعة أن المراد من أكل الربا في هذه الآية التصرف في الربا، وأما الربا ففيه مسائل :
المسألة الأولى : الربا في اللغة عبارة عن الزيادة يقال : ربا الشيء يربو ومنه قوله  اهتزت وربت  \[ الحج : ٥ \] أي زادت، وأربى الرجل إذا عامل في الربا، ومنه الحديث " من أجبى فقد أربى " أي عامل بالربا، والإجباء بيع الزرع قبل أن يبدو صلاحه، هذا معنى الربا في اللغة. 
المسألة الثانية : قرأ حمزة والكسائي  الربا  بالإمالة لمكان كسرة الراء والباقون بالتفخيم بفتح الباء، وهي في المصاحف مكتوبة بالواو، وأنت مخير في كتابتها بالألف والواو والياء، قال صاحب **«الكشاف »** : الربا كتبت بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة والزكاة وزيدت الألف بعدها تشبيها بواو الجمع. 
المسألة الثالثة : اعلم أن الربا قسمان : ربا النسيئة، وربا الفضل. 
أما ربا النسيئة فهو الأمر الذي كان مشهورا متعارفا في الجاهلية، وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدرا معينا، ويكون رأس المال باقيا، ثم إذا حل الدين طالبوا المديون برأس المال، فإن تعذر عليه الأداء زادوا في الحق والأجل، فهذا هو الربا الذي كانوا في الجاهلية يتعاملون به. 
وأما ربا النقد فهو أن يباع من الحنطة بمنوين منها وما أشبه ذلك. 
إذا عرفت هذا فنقول : المروي عن ابن عباس أنه كان لا يحرم إلا القسم الأول فكان يقول : لا ربا إلا في النسيئة، وكان يجوز بالنقد، فقال له أبو سعيد الخدري : شهدت ما لم تشهد، أو سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم تسمع ثم روي أنه رجع عنه قال محمد بن سيرين : كنا في بيت ومعنا عكرمة، فقال رجل : يا عكرمة ما تذكر ونحن في بيت فلان ومعنا ابن عباس، فقال : إنما كنت استحللت التصرف برأيي، ثم بلغني أنه صلى الله عليه وسلم حرمه، فاشهدوا أني حرمته وبرئت منه إلى الله، وحجة ابن عباس أن قوله  وأحل الله البيع  يتناول بيع الدرهم بالدرهمين نقدا، وقوله  وحرم الربا  لا يتناوله لأن الربا عبارة عن الزيادة، وليست كل زيادة محرمة، بل قوله  وحرم الربا  إنما يتناول العقد المخصوص الذي كان مسمى فيما بينهم بأنه ربا. وذلك هو ربا النسيئة، فكان قوله  وحرم الربا  مخصوصا بالنسيئة، فثبت أن قوله  وأحل الله البيع  يتناول ربا النقد، وقوله  وحرم الربا  لا يتناوله، فوجب أن يبقى على الحل، ولا يمكن أن يقال : إنما يحرمه بالحديث، لأنه يقتضي تخصيص ظاهر القرآن بخبر الواحد وأنه غير جائز، وهذا هو عرف ابن عباس وحقيقته راجعة إلى أن تخصيص القرآن بخبر الواحد هل يجوز أم لا ؟
وأما جمهور المجتهدين فقد اتفقوا على تحريم الربا في القسمين، أما القسم الأول فبالقرآن، وأما ربا النقد فبالخبر، ثم إن الخبر دل على حرمة ربا النقد في الأشياء الستة، ثم اختلفوا فقال عامة الفقهاء : حرمة التفاضل غير مقصورة على هذه الستة، بل ثابتة في غيرها، وقال نفاة القياس : بل الحرمة مقصورة عليها وحجة هؤلاء من وجوه :
الحجة الأولى : أن الشارع خص من المكيلات والمطعومات والأقوات أشياء أربعة، فلو كان الحكم ثابتا في كل المكيلات أو في كل المطعومات لقال : لا تبيعوا المكيل بالمكيل متفاضلا، أو قال : لا تبيعوا المطعوم بالمطعوم متفاضلا، فإن هذا الكلام يكون أشد اختصارا، وأكثر فائدة، فلما لم يقل ذلك بل عد الأربعة، علمنا أن حكم الحرمة مقصور عليها فقط. 
الحجة الثانية : أنا بينا في قوله تعالى : وأحل الله البيع  يقتضي حل ربا النقد فأنتم أخرجتم ربا النقد من تحت هذا العموم بخبر الواحد في الأشياء الستة، ثم أثبتم الحرمة في غيرها بالقياس عليها، فكان هذا تخصيصا لعموم نص القرآن في الأشياء الستة بخبر الواحد، وفي غيرها بالقياس على الأشياء الستة، ثبت الحكم فيها بخبر الواحد، ومثل هذا القياس يكون أضعف بكثير من خبر الواحد، وخبر الواحد أضعف من ظاهر القرآن، فكان هذا ترجيحا للأضعف على الأقوى، وإنه غير جائز. 
الحجة الثالثة : أن التعدية من محل النص إلى غير محل النص، لا تمكن إلا بواسطة تعليل الحكم في مورد النص، وذلك غير جائز، أما أولا : فلأنه يقتضي تعليل حكم الله، وذلك محال على ما ثبت في الأصول، وأما ثانيا : فلأن الحكم في مورد النص معلوم، واللغة مظنونة وربط المعلوم بالمظنون غير جائز، وأما جمهور الفقهاء فقد اتفقوا على أن حرمة ربا النقد غير مقصورة على هذه الأشياء الستة، بل هي ثابتة في غيرها، ثم من المعلوم أنه لا يمكن تعدية الحكم عن محل النص إلى غير محل النص إلا بتعليل الحكم الثابت في محل النص بعلة حاصلة في غير محل النص فلهذا المعنى اختلفوا في العلة على مذاهب. 
فالقول الأول : وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه : أن العلة في حرمة الربا الطعم في الأشياء الأربعة واشتراط اتحاد الجنس، وفي الذهب والفضة النقدية. 
والقول الثاني : قول أبي حنيفة رضي الله عنه : أن كل ما كان مقدرا ففيه الربا، والعلة في الدراهم والدنانير الوزن، وفي الأشياء الأربعة الكيل واتحاد الجنس. 
والقول الثالث : قول مالك رضي الله عنه أن العلة هو القوت أو ما يصلح به القوت، وهو الملح. 
والقول الرابع : وهو قول عبد الملك بن الماجشون : أن كل ما ينتفع به ففيه الربا، فهذا ضبط مذاهب الناس في حكم الربا، والكلام في تفاريع هذه المسائل لا يليق بالتفسير. 
المسألة الرابعة : ذكروا في سبب تحريم الربا وجوها أحدها : الربا يقتضي أخذ مال الإنسان من غير عوض، لأن من يبيع الدرهم بالدرهمين نقدا أو نسيئة فيحصل له زيادة درهم من غير عوض، ومال الإنسان متعلق حاجته وله حرمة عظيمة، قال صلى الله عليه وسلم :**« حرمة مال الإنسان كحرمة دمه »** فوجب أن يكون أخذ ماله من غير عوض محرما. 
فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون لبقاء رأس المال في يده مدة مديدة عوضا عن الدرهم الزائد، وذلك لأن رأس المال لو بقي في يده هذه المدة لكان يمكن المالك أن يتجر فيه ويستفيد بسبب تلك التجارة ربحا فلما تركه في يد المديون وانتفع به المديون لم يبعد أن يدفع إلى رب المال ذلك الدرهم الزائد عوضا عن انتفاعه بماله. 
قلنا : إن هذا الانتفاع الذي ذكرتم أمر موهوم قد يحصل وقد لا يحصل، وأخذ الدرهم الزائد أمر متيقن، فتفويت المتيقن لأجل الأمر الموهوم لا ينفك عن نوع ضرر وثانيها : قال بعضهم : الله تعالى إنما حرم الربا من حيث إنه يمنع الناس عن الاشتغال بالمكاسب، وذلك لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم الزائد نقدا كان أو نسيئة خف عليه اكتساب وجه المعيشة، فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب والتجارة والصناعات الشاقة، وذلك يفضي إلى انقطاع منافع الخلق، ومن المعلوم أن مصالح العالم لا تنتظم إلا بالتجارات والحرف والصناعات والعمارات وثالثها : قيل : السبب في تحريم عقد الربا، أنه يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض، لأن الربا إذا طابت النفوس بقرض الدرهم واسترجاع مثله، ولو حل الربا لكانت حاجة المحتاج تحمله على أخذ الدرهم بدرهمين، فيفضي ذلك إلى انقطاع المواساة والمعروف والإحسان ورابعها : هو أن الغالب أن المقرض يكون غنيا، والمستقرض يكون فقيرا، فالقول بتجويز عقد الربا تمكين للغنى من أن يأخذ من الفقير الضعيف مالا زائدا، وذلك غير جائز برحمة الرحيم وخامسها : أن حرمة الربا قد ثبتت بالنص، ولا يجب أن يكون حكم جميع التكاليف معلومة للخلق، فوجب القطع بحرمة عقد الربا، وإن كنا لا نعلم الوجه فيه. 
أما قوله تعالى : لا يقومون  فأكثر المفسرين قالوا : المراد منه القيام يوم القيامة، وقال بعضهم : المراد منه القيام من القبر، واعلم أنه لا منافاة بين الوجهين، فوجب حمل اللفظ عليهما. 
أما قوله تعالى : إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : التخبط معناه الضرب على غير استواء، ويقال للرجل الذي يتصرف في أمر ولا يهتدي فيه : إنه يخبط خبط عشواء، وخبط البعير للأرض بأخفافه، وتخبطه الشيطان إذا مسه بخبل أو جنون لأنه كالضرب على غير الاستواء في الادهاش، وتسمى إصابة الشيطان بالجنون والخبل خبطة، ويقال : به خبطة من جنون، والمس الجنون، يقال : مس الرجل فهو ممسوس وبه مس، وأصله من المس باليد، كأن الشيطان يمس الإنسان فيجنه، ثم سمي الجنون مسا، كما أن الشيطان يتخبطه ويطؤه برجله فيخبله، فسمي الجنون خبطة، فالتخبط بالرجل والمس باليد، ثم فيه سؤالان :
السؤال الأول : التخبط تفعل، فكيف يكون متعديا ؟. 
الجواب : تفعل بمعنى فعل كثير، نحو تقسمه بمعنى قسمه، وتقطعه بمعنى قطعه. 
السؤال الثاني : بم تعلق قوله  من المس . 
قلنا : فيه وجهان أحدهما : بقوله  لا يقومون  والتقدير : لا يقومون من المس الذي لهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان والثاني : أنه متعلق بقوله  يقوم  والتقدير لا يقومون إلا كما يقوم المتخبط بسبب المس. 
المسألة الثانية : قال الجبائي : الناس يقولون المصروع إنما حدثت به تلك الحالة لأن الشيطان يمسه ويصرعه وهذا باطل، لأن الشيطان ضعيف لا يقدر على صرع الناس وقتلهم ويدل عليه وجوه :
أحدها : قوله تعالى حكاية عن الشيطان  وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي  \[ إبراهيم : ٢٢ \] وهذا صريح في أنه ليس للشيطان قدرة على الصرع والقتل والإيذاء والثاني : الشيطان إما أن يقال : إنه كثيف الجسم، أو يقال : إنه من الأجسام اللطيفة، فإن كان الأول وجب أن يرى ويشاهد، إذ لو جاز فيه أن يكون كثيفا ويحضر ثم لا يرى لجاز أن يكون بح

### الآية 2:276

> ﻿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [2:276]

قوله تعالى  يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم  اعلم أنه تعالى لما بالغ في الزجر عن الربا، وكان قد بالغ في الآيات المتقدمة في الأمر بالصدقات، ذكر ههنا ما يجري مجرى الدعاء إلى ترك الصدقات وفعل الربا، وكشف عن فساده، وذلك لأن الداعي إلى فعل الربا تحصيل المزيد في الخيرات، والصارف عن الصدقات الاحتراز عن نقصان الخير فبين تعالى أن الربا وإن كان زيادة في الحال، إلا أنه نقصان في الحقيقة، وأن الصدقة وإن كانت نقصانا في الصورة، إلا أنها زيادة في المعنى، ولما كان الأمر كذلك كان اللائق بالعاقل أن لا يلتفت إلى ما يقضي به الطبع والحس من الدواعي والصوارف، بل يعول على ما ندبه الشرع إليه من الدواعي والصوارف فهذا وجه النظم وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : المحق نقصان الشيء حالا بعد حال، ومنه المحاق في الهلال يقال : محقه الله فانمحق وامتحق، ويقال : هجير ماحق إذا نقص في كل شيء بحرارته. 
المسألة الثانية : اعلم أن محق الربا وإرباء الصدقات يحتمل أن يكون في الدنيا، وأن يكون في الآخرة، أما في الدنيا فنقول : محق الربا في الدنيا من وجوه أحدها : أن الغالب في المرابي وإن كثر ماله أنه تؤول عاقبته إلى الفقر، وتزول البركة عن ماله، قال صلى الله عليه وسلم :**« الربا وإن كثر فإلى قل »** وثانيها : إن لم ينقص ماله فإن عاقبته الذم، والنقص، وسقوط العدالة، وزوال الأمانة، وحصول اسم الفسق والقسوة والغلظة وثالثها : أن الفقراء الذين يشاهدون أنه أخذ أموالهم بسبب الربا يلعنونه ويبغضونه ويدعون عليه، وذلك يكون سببا لزوال الخير والبركة عنه في نفسه وماله ورابعها : أنه متى اشتهر بين الخلق أنه إنما جمع ماله من الربا توجهت إليه الأطماع، وقصده كل ظالم ومارق وطماع، ويقولون : إن ذلك المال ليس له في الحقيقة فلا يترك في يده، وأما إن الربا سبب للمحق في الآخرة فلوجوه الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : معنى هذا المحق أن الله تعالى لا يقبل منه صدقة ولا جهادا، ولا حجا، ولا صلة رحم وثانيها : إن مال الدنيا لا يبقى عند الموت، ويبقى التبعة والعقوبة، وذلك هو الخسار الأكبر وثالثها : أنه ثبت في الحديث أن الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام، فإذا كان الغني من الوجه الحلال كذلك، فما ظنك بالغني من الوجه الحرام المقطوع بحرمته كيف يكون، فذلك هو المحق والنقصان. 
وأما إرباء الصدقات فيحتمل أن يكون المراد في الدنيا، وأن يكون المراد في الآخرة. 
أما في الدنيا فمن وجوه أحدها : أن من كان لله كان الله له، فإذا كان الإنسان مع فقره وحاجته يحسن إلى عبيد الله، فالله تعالى لا يتركه ضائعا في الدنيا، وفي الحديث الذي رويناه فيما تقدم أن الملك ينادي كل يوم **« اللهم يسر لكل منفق خلفا ولممسك تلفا »** وثانيها : أنه يزداد كل يوم في جاهه وذكره الجميل، وميل القلوب إليه وسكون الناس إليه وذلك أفضل من المال مع أضداد هذه الأحوال وثالثها : أن الفقراء يعينونه بالدعوات الصالحة ورابعها : الأطماع تنقطع عنه فإنه متى اشتهر أنه متشمر لإصلاح مهمات الفقراء والضعفاء، فكل أحد يحترز عن منازعته، وكل ظالم، وكل طماع لا يجوز أخذ شيء من ماله، اللهم إلا نادرا، فهذا هو المراد بإرباء الصدقات في الدنيا. 
وأما إرباؤها في الآخرة فقد روى أبو هريرة أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**« إن الله تعالى يقبل الصدقات ولا يقبل منها إلا الطيب، ويأخذها بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم مهره أو فلوه حتى أن اللقمة تصير مثل أحد »** وتصديق ذلك بين في كتاب الله  ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات  \[ التوبة : ١٠٤ \]  يمحق الله الربا ويربى الصدقات  \[ البقرة : ٢٧٦ \] قال القفال رحمه الله تعالى : ونظير قوله  يمحق الله الربا  المثل الذي ضربه فيما تقدم بصفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا، ونظير قوله  ويربى الصدقات  المثل الذي ضربه الله بحبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة. 
أما قوله  والله لا يحب كل كفار أثيم  فاعلم أن الكفار فعال من الكفر، ومعناه من كان ذلك منه عادة، والعرب تسمي المقيم على الشيء بهذا، فتقول : فلان فعال للخير أمار به، والأثيم فعيل بمعنى فاعل، وهو الآثم، وهو أيضا مبالغة في الاستمرار على اكتساب الآثام والتمادي فيه، وذلك لا يليق إلا بمن ينكر تحريم الربا فيكون جاحدا، وفيه وجه آخر وهو أن يكون الكفار راجعا إلى المستحيل، والأثيم يكون راجعا إلى من يفعله مع اعتقاد التحريم، فتكون الآية جامعة للفريقين.

### الآية 2:277

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2:277]

قوله تعالى  إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وأتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون . 
اعلم أن عادة الله في القرآن مطردة بأنه تعالى مهما ذكر وعيدا ذكر بعده وعدا، فلما بالغ ههنا في وعيد المرابي أتبعه بهذا الوعد، وقد مضى تفسير هذه الآية في غير موضع، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : احتج من قال بأن العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان بهذه الآية فإنه قال : إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات  فعطف عمل الصالحات على الإيمان والمعطوف مغاير للمعطوف عليه ومن الناس من أجاب عنه أليس أنه قال في هذه الآية  وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة  مع أنه لا نزاع في أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة داخلان تحت  وعملوا الصالحات  فكذا فيما ذكرتم، وأيضا قال تعالى : الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله  \[ محمد : ٣٤ \] وقال : الذين كفروا وكذبوا بآياتنا  \[ البقرة : ٢٣٩ \]. 
وللمستدل الأول أن يجيب عنه بأن الأصل حمل كل لفظة على فائدة جديدة ترك العمل به عند التعذر، فيبقى في غير موضع التعذر على الأصل. 
المسألة الثانية : لهم أجرهم عند ربهم  أقوى من قوله : على ربهم أجرهم لأن الأول يجري مجرى ما إذا باع بالنقد، فذاك النقد هناك حاضر، متى شاء البائع أخذه، وقوله : أجرهم على ربهم. يجري مجرى ما إذا باع بالنسيئة في الذمة، ولا شك أن الأول أفضل. 
المسألة الثالثة : اختلفوا في قوله  ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون  فقال ابن عباس : لا خوف عليهم فيما يستقبلهم من أحوال القيامة، ولا هم يحزنون بسبب ما تركوه في الدنيا، فإن المنتقل من حالة إلى حالة أخرى فوقها ربما يحزن على بعض ما فاته من الأحوال السالفة، وإن كان مغتبطا بالثانية لأجل إلفه وعادته، فبين تعالى أن هذا القدر من الغصة لا يلحق أهل الثواب والكرامة، وقال الأصم : لا خوف عليهم من عذاب يومئذ، ولا هم يحزنون بسبب أنه فاتهم النعيم الزائد الذي قد حصل لغيرهم من السعداء، لأنه لا منافسة في الآخرة، ولا هم يحزنون أيضا بسبب أنه لم يصدر منا في الدنيا طاعة أزيد مما صدر حتى صرنا مستحقين لثواب أزيد مما وجدناه وذلك لأن هذه الخواطر لا توجد في الآخرة. 
المسألة الرابعة : في قوله تعالى : إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم  إشكال هو أن المرأة إذا بلغت عارفة بالله وكما بلغت حاضت، ثم عند انقطاع حيضها ماتت، أو الرجل بلغ عارفا بالله، وقبل أن تجب عليه الصلاة والزكاة مات، فهما بالاتفاق من أهل الثواب، فدل ذلك على أن استحقاق الأجر والثواب لا يتوقف على حصول الأعمال، وأيضا من مذهبنا أن الله تعالى قد يثيب المؤمن الفاسق الخالي عن جميع الأعمال، وإذا كان كذلك، فكيف وقف الله ههنا حصول الأجر على حصول الأعمال ؟. 
الجواب : أنه تعالى إنما ذكر هذه الخصال لا لأجل أن استحقاق الثواب مشروط بهذا، بل لأجل أن لكل واحد منهما أثرا في جلب الثواب، كما قال في ضد هذا  والذين لا يدعون مع الله إلها ءاخر  \[ الفرقان : ٦٨ \] ثم قال : ومن يفعل ذلك يلق آثاما  \[ الفرقان : ٦٨ \] ومعلوم أن من ادعى مع الله إلها آخر لا يحتاج في استحقاقه العذاب إلى عمل آخر، ولكن الله جمع الزنا وقتل النفس على سبيل الاستحلال مع دعاء غير الله إلها لبيان أن كل واحد من هذه الخصال يوجب العقوبة.

### الآية 2:278

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [2:278]

قوله تعالى  يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون، وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون، اتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفي كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون  في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة أن من انتهى عن الربا فله ما سلف فقد كان يجوز أن يظن أنه لا فرق بين المقبوض منه وبين الباقي في ذمة القوم، فقال تعالى في هذه الآية  وذروا ما بقى من الربا  وبين به أن ذلك إذا كان عليهم ولم يقبض، فالزيادة تحرم، وليس لهم أن يأخذوا إلا رؤوس أموالهم، وإنما شدد تعالى في ذلك، لأن من انتظر مدة طويلة في حلول الأجل، ثم حضر الوقت وظن نفسه على أن تلك الزيادة قد حصلت له، فيحتاج في منعه عنه إلى تشديد عظيم، فقال : اتقوا الله  واتقاؤه ما نهى عنه  وذروا ما بقى من الربا  يعني إن كنتم قد قبضتم شيئا فيعفو عنه، وإن لم تقبضوه، أو لم تقبضوا بعضه، فذلك الذي لم تقبضوه كلا كان، أو بعضا، فإنه محرم قبضه. 
واعلم أن هذه الآية أصل كبير في أحكام الكفار إذا أسلموا، وذلك لأن ما مضى في وقت الكفر فإنه يبقى ولا ينقص، ولا يفسخ، وما لا يوجد منه شيء في حال الكفر فحكمه محمول على الإسلام، فإذا تناكحوا على ما يجوز عندهم ولا يجوز في الإسلام فهو عفو لا يتعقب، وإن كان النكاح وقع على محرم فقبضته المرأة فقد مضى، وإن كانت لم تقبضه فلها مهر مثلها دون المهر المسمى، هذا مذهب الشافعي رضي الله عنه. 
فإن قيل : كيف قال : يا أيها الذين ءامنوا اتقوا  ثم قال في آخره  إن كنتم مؤمنين . 
الجواب : من وجوه الأول : أن هذا مثل ما يقال : إن كنت أخا فأكرمني، معناه : إن من كان أخا أكرم أخاه والثاني : قيل : معناه إن كنتم مؤمنين قبله الثالث : إن كنتم تريدون استدامة الحكم لكم بالإيمان الرابع : يا أيها الذين آمنوا بلسانهم ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين بقلوبكم. 
المسألة الثانية : في سبب نزول الآية روايات :
الرواية الأولى : أنها خطاب لأهل مكة كانوا يرابون فلما أسلموا عند فتح مكة أمرهم الله تعالى أن يأخذوا رؤوس أموالهم دون الزيادة. 
والرواية الثانية : قال مقاتل : إن الآية نزلت في أربعة أخوة من ثقيف : مسعود، وعبد يا ليل، وحبيب، وربيعة، بنو عمرو بن عمير الثقفي كانوا يداينون بني المغيرة، فلما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على الطائف أسلم الأخوة، ثم طالبوا برباهم بني المغيرة، فأنزل الله تعالى هذه الآية. 
والرواية الثالثة : نزلت في العباس، وعثمان بن عفان رضي الله عنهما وكانا أسلفا في التمر، فلما حضر الجداد قبضا بعضا، وزاد في الباقي فنزلت الآية، وهذا قول عطاء وعكرمة. 
الرواية الرابعة : نزلت في العباس وخالد بن الوليد، وكانا يسلفان في الربا، وهو قول السدي. 
المسألة الثالثة : قال القاضي : قوله  إن كنتم مؤمنين  كالدلالة على أن الإيمان لا يتكامل إذا أصر الإنسان على كبيرة وإنما يصير مؤمنا بالإطلاق إذا اجتنب كل الكبائر. 
والجواب : لما دلت الدلائل الكثيرة المذكورة في تفسير قوله  الذين يؤمنون بالغيب  \[ البقرة : ٣ \] على أن العمل خارج عن مسمى الإيمان كانت هذه الآية محمولة على كمال الإيمان وشرائعه، فكان التقدير : إن كنتم عاملين بمقتضى شرائع الإيمان، وهذا وإن كان تركا للظاهر لكنا ذهبنا إليه لتلك الدلائل.

### الآية 2:279

> ﻿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ [2:279]

ثم قال تعالى : فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله  وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة  فآذنوا  مفتوحة الألف ممدودة مكسورة الذال على مثال  فآمنوا  والباقون  فأذنوا  بسكون الهمزة مفتوحة الذال مقصورة، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن علي رضي الله عنه أنهما قرآ كذلك  فآذنوا  ممدودة، أي فاعلموا من قوله تعالى : فقل آذنتكم على سواء  \[ الأنبياء : ١٠٩ \] ومفعول الإيذان محذوف في هذه الآية، والتقدير : فاعلموا من لم ينته عن الربا بحرب من الله ورسوله، وإذا أمروا بإعلام غيرهم فهم أيضا قد علموا ذلك لكن ليس في علمهم دلالة على إعلام غيرهم، فهذه القراءة في البلاغة آكد، وقال أحمد بن يحيى : قراءة العامة من الإذن، أي كونوا على علم وإذن، وقرأ الحسن  فأيقنوا  وهو دليل لقراءة العامة. 
المسألة الثانية : اختلفوا في أن الخطاب بقوله  فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله  خطاب مع المؤمنين المصرين على معاملة الربا، أو هو خطاب مع الكفار المستحلين للربا، الذين قالوا إنما البيع مثل الربا، قال القاضي : والاحتمال الأول أولى، لأن قوله  فأذنوا  خطاب مع قوم تقدم ذكرهم، وهم المخاطبون بقوله  يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا  وذلك يدل على أن الخطاب مع المؤمنين. 
فإن قيل : كيف أمر بالمحاربة مع المسلمين ؟
قلنا : هذه اللفظة قد تطلق على من عصى الله غير مستحل، كما جاء في الخبر **« من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة »** وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم :**« من لم يدع المخابرة فليأذن بحرب من الله ورسوله »** وقد جعل كثير من المفسرين والفقهاء قوله تعالى : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله  \[ المائدة : ٣٣ \] أصلا في قطع الطريق من المسلمين، فثبت أن ذكر هذا النوع من التهديد مع المسلمين وارد في كتاب الله وفي سنة رسوله. 
إذا عرفت هذا فنقول : في الجواب عن السؤال المذكور وجهان الأول : المراد المبالغة في التهديد دون نفس الحرب والثاني : المراد نفس الحرب وفيه تفصيل، فنقول : الإصرار على عمل الربا إن كان من شخص وقدر الإمام عليه قبض عليه وأجرى فيه حكم الله من التعزير والحبس إلى أن تظهر منه التوبة، وإن وقع ممن يكون له عسكر وشوكة، حاربه الإمام كما يحارب الفئة الباغية وكما حارب أبو بكر رضي الله عنه ما نعي الزكاة، وكذا القوم لو اجتمعوا على ترك الأذان، وترك دفن الموتى، فإنه يفعل بهم ما ذكرناه، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : من عامل بالربا يستتاب فإن تاب وإلا ضرب عنقه. 
والقول الثاني : في هذه الآية أن قوله  فإن لم تفعلوا فأذنوا  \[ البقرة : ٢٧٩ \] خطاب للكفار، وأن معنى الآية  وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين  \[ البقرة : ٢٧٨ \] معترفين بتحريم الربا  فإن لم تفعلوا  أي فإن لم تكونوا معترفين بتحريمه  فأذنوا بحرب من الله ورسوله  ومن ذهب إلى هذا القول قال : إن فيه دليلا على أن من كفر بشريعة واحدة من شرائع الإسلام كان كافرا، كما لو كفر بجميع شرائعه. 
ثم قال تعالى : وإن تبتم  والمعنى على القول الأول تبتم من معاملة الربا، وعلى القول الثاني من استحلال الربا  فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون  أي لا تظلمون الغريم بطلب الزيادة على رأس المال، ولا تظلمون أي بنقصان رأس المال.

### الآية 2:280

> ﻿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [2:280]

ثم قال تعالى : وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة  وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : قال النحويون  كان  كلمة تستعمل على وجوه أحدها : أن تكون بمنزلة حدث ووقع، وذلك في قوله : قد كان الأمر، أي وجد، وحينئذ لا يحتاج إلى خبر والثاني : أن يخلع منه معنى الحدث، فتبقى الكلمة مجردة للزمان، وحينئذ يحتاج إلى الخبر، وذلك كقوله : كان زيد ذاهبا. 
واعلم أني حين كنت مقيما بخوارزم، وكان هناك جمع من أكابر الأدباء، أوردت عليهم إشكالا في هذا الباب فقلت : إنكم تقولون إن  كان  إذا كانت ناقصة إنها تكون فعلا وهذا محال، لأن الفعل ما دل على اقتران حدث بزمان، فقولك  كان  يدل على حصول معنى الكون في الزمان الماضي، وإذا أفاد هذا المعنى كانت تامة لا ناقصة، فهذا الدليل يقتضي أنها إن كانت فعلا كانت تامة لا ناقصة، وإن لم تكن تامة لم تكن فعلا البتة بل كانت حرفا، وأنتم تنكرون ذلك، فبقوا في هذا الإشكال زمانا طويلا، وصنفوا في الجواب عنه كتبا، وما أفلحوا فيه ثم انكشف لي فيه سر أذكره ههنا وهو أن كان لا معنى له إلا حدث ووقع ووجد، إلا أن قولك وجد وحدث على قسمين أحدها : أن يكون المعنى : وجد وحدث الشيء كقولك : وجد الجوهر وحدث العرض والثاني : أن يكون المعنى : وجد وحدث موصوفية الشيء بالشيء، فإذا قلت : كان زيد عالما فمعناه حدث في الزمان الماضي موصوفية زيد بالعلم، والقسم الأول هو المسمى بكان التامة والقسم الثاني هو المسمى بالناقصة، وفي الحقيقة فالمفهوم من  كان  في الموضعين هو الحدوث والوقوع، إلا أن في القسم الأول المراد حدوث الشيء في نفسه، فلا جرم كان الاسم الواحد كافيا، والمراد في القسم الثاني حدوث موصوفية أحد الأمرين بالآخر، فلا جرم لم يكن الاسم الواحد كافيا، بل لا بد فيه من ذكر الاسمين حتى يمكنه أن يشير إلى موصوفية أحدهما بالآخر، وهذا من لطائف الأبحاث، فأما إن قلنا إنه فعل كان دالا على وقوع المصدر في الزمان الماضي، فحينئذ تكون تامة لا ناقصة، وإن قلنا : إنه ليس بفعل بل حرف فكيف يدخل فيه الماضي والمستقبل والأمر، وجميع خواص الأفعال، وإذا حمل الأمر على ما قلناه تبين أنه فعل وزال الإشكال بالكلية. 
المفهوم الثالث : لكان يكون بمعنى صار، وأنشدوا :

بتيهاء قفر والمطي كأنها  قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضهاوعندي أن هذا اللفظ ههنا محمول على ما ذكرناه، فإن معنى صار أنه حدث موصوفية الذات بهذه الصفة بعد أنها ما كانت موصوفة بذلك، فيكون هنا بمعنى حدث ووقع، إلا أنه حدوث مخصوص، وهو أنه حدث موصوفية الذات بهذه الصفة بعد أن كان الحاصل موصوفية الذات بصفة أخرى. 
المفهوم الرابع : أن تكون زائدة وأنشدوا :سراة بني أبي بكر تسامى  على كان المسومة الجيادإذا عرفت هذه القاعدة فلنرجع إلى التفسير فنقول : في  كان  في هذه الآية وجهان الأول : أنها بمعنى وقع وحدث، والمعنى : وإن وجد ذو عسرة، ونظيره قوله  إلا أن تكون تجارة حاضرة  بالرفع على معنى : وإن وقعت تجارة حاضرة، ومقصود الآية إنما يصح على هذا اللفظ وذلك لأنه لو قيل : وإن كان ذا عسرة لكان المعنى : وإن كان المشتري ذا عسرة فنظرة، فتكون النظرة مقصورة عليه، وليس الأمر كذلك، لأن المشتري وغيره إذا كان ذا عسرة فله النظرة إلى الميسرة الثاني : أنها ناقصة على حذف الخبر، تقديره وإن كان ذو عسرة غريما لكم، وقرأ عثمان  ذا عسرة  والتقدير : إن كان الغريم ذا عسرة، وقرئ ( ومن كان ذا عسرة ). 
المسألة الثانية : العسرة اسم من الاعسار، وهو تعذر الموجود من المال، يقال : أعسر الرجل، إذا صار إلى حالة العسرة، وهي الحالة التي يتعسر فيها وجود المال. 
ثم قال تعالى : فنظرة إلى ميسرة  وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في الآية حذف، والتقدير : فالحكم أو فالأمر نظرة، أو فالذي تعاملونه نظرة. 
المسألة الثانية : نظرة أي تأخير، والنظرة الاسم من الانظار، وهو الإمهال، تقول : بعته الشيء بنظرة وبانظار، قال تعالى : قال رب أنظرنى إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم  \[ الحجر : ٣٦، ٣٧، ٣٨ \]. 
المسألة الثالثة : قرئ  فنظرة  بسكون الظاء، وقرأ عطاء ( فناظره ) أي فصاحب الحق أي منتظره، أو صاحب نظرته، على طريق النسب، كقولهم : مكان عاشب وباقل، أي ذو عشب وذو بقل، وعنه فناظره على الأمر أي فسامحه بالنظرة إلى الميسرة. 
المسألة الرابعة : الميسرة مفعلة من اليسر واليسار، الذي هو ضد الإعسار، وهو تيسر الموجود من المال، ومنه يقال : أيسر الرجل فهو موسر، أي صار إلى اليسر، فالميسرة واليسر والميسور الغنى. 
المسألة الخامسة : قرأ نافع  إلى ميسرة  بضم السين والباقون بفتحها، وهما لغتان مشهورتان كالمقبرة، والمشرفة، والمشربة، والمسربة، والفتح أشهر اللغتين، لأنه جاء في كلامهم كثيرا. 
المسألة السادسة : اختلفوا في أن حكم الأنظار مختص بالربا أو عام في الكل، فقال ابن عباس وشريح والضحاك والسدي وإبراهيم : الآية في الربا، وذكر عن شريح أنه أمر بحبس أحد الخصمين فقيل : إنه معسر، فقال شريح : إنما ذلك في الربا، والله تعالى قال في كتابه  إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها  \[ النساء : ٥٨ \] وذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية أنه لما نزل قوله تعالى : فأذنوا بحرب من الله ورسوله  قالت الإخوة الأربعة الذين كانوا يعاملون بالربا : بل نتوب إلى الله فإنه لا طاقة لنا بحرب الله ورسوله، فرضوا برأس المال وطلبوا بني المغيرة بذلك، فشكا بنو المغيرة العسرة، وقالوا : أخرونا إلى أن تدرك الغلات، فأبوا أن يؤخروهم، فأنزل الله تعالى : وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة . 
القول الثاني : وهو قول مجاهد وجماعة من المفسرين : إنها عامة في كل دين، واحتجوا بما ذكرنا من أنه تعالى قال : وإن كان ذو عسرة  ولم يقل : وإن كان ذا عسرة، ليكون الحكم عاما في كل المفسرين، قال القاضي : والقول الأول أرجح، لأنه تعالى قال في الآية المتقدمة  وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم  من غير بخس ولا نقص، ثم قال في هذه الآية : وإن كان من عليه المال معسرا وجب إنظاره إلى وقت القدرة، لأن النظرة يراد بها التأخر، فلا بد من حق تقدم ذكره حتى يلزم التأخر، بل لما ثبت وجوب الإنظار في هذه بحكم النص، ثبت وجوبه في سائر الصور ضرورة الاشتراك في المعنى، وهو أن العاجز عن أداء المال لا يجوز تكليفه به، وهذا قول أكثر الفقهاء كأبي حنيفة ومالك والشافعي رضي الله عنهم. 
المسألة السابعة : اعلم أنه لابد من تفسير الإعسار، فنقول : الإعسار هو أن لا يجد في ملكه ما يؤديه بعينه، ولا يكون له ما لو باعه لأمكنه أداء الدين من ثمنه، فلهذا قلنا : من وحد دارا وثيابا لا يعد في ذوي العسرة، إذا ما أمكنه بيعها وأداء ثمنها، ولا يجوز أن يحبس إلا قوت يوم لنفسه وعياله، وما لا بد لهم من كسوة لصلاتهم ودفع البرد والحر عنهم، واختلفوا إذا كان قويا هل يلزمه أن يؤاجر نفسه من صاحب الدين أو غيره، فقال بعضهم : يلزمه ذلك، كما يلزمه إذا احتاج لنفسه ولعياله، وقال بعضهم : لا يلزمه ذلك، واختلفوا أيضا إذا كان معسرا، وقد بذل غيره ما يؤديه، هل يلزمه القبول والأداء أو لا يلزمه ذلك، فأما من له بضاعة كسدت عليه، فواجب عليه أن يبيعها بالنقصان إن لم يكن إلا ذلك، ويؤديه في الدين. 
المسألة الثامنة : إذا علم الإنسان أن غريمه معسر حرم عليه حبسه، وأن يطالبه بما له عليه، فوجب الإنظار إلى وقت اليسار، فأما إن كانت له ريبة في إعساره فيجوز له أن يحبسه إلى وقت ظهور الإعسار، واعلم أنه إذا ادعى الإعسار وكذبه للغريم، فهذا الدين الذي لزمه إما أن يكون عن عوض حصل له كالبيع والقرض، أو لا يكون كذلك، وفي القسم الأول لا بد من إقامة شاهدين عدلين على أن ذلك العوض قد هلك، وفي القسم الثاني وهو أن يثبت الدين عليه لا بعوض، مثل إتلاف أو صداق أو ضمان، كان القول قوله وعلى الغرماء البينة لأن الأصل هو الفقر. 
ثم قال تعالى : وأن تصدقوا خير لكم  وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ عاصم  تصدقوا  بتخفيف الصاد والباقون بتشديدها، والأصل فيه : أن تتصدقوا بتاءين، فمن خفف حذف إحدى التاءين تخفيفا، ومن شدد أدغم إحدى التاءين في الأخرى. 
المسألة الثانية : في التصدق قولان الأول : معناه : وأن تصدقوا على المعسر بما عليه من الدين إذ لا يصح التصدق به على غيره، وإنما جاز هذا الحذف للعلم به، لأنه قد جرى ذكر المعسر وذكر رأس المال فعلم أن التصدق راجع إليهما، وهو كقوله  وأن تعفوا أقرب للتقوى  \[ البقرة : ٢٣٧ \] والثاني : أن المراد بالتصدق الإنظار لقوله عليه السلام **« لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة »** وهذا القول ضعيف، لأن الإنظار ثبت وجوبه بالآية الأولى، فلا بد من حمل هذه الآية على فائدة جديدة، ولأن قوله  خير لكم  لا يليق بالواجب بل بالمندوب. 
المسألة الثالثة : المراد بالخير حصول الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة. 
ثم قال : إن كنتم تعلمون  وفيه وجوه الأول : معناه إن كنتم تعلمون أن هذا التصدق خير لكم إن عملتموه، فجعل العمل من لوازم العلم، وفيه تهديد شديد على العصاة والثاني : إن كنتم تعلمون فضل التصدق على الإنظار والقبض والثالث : إن كنتم تعلمون أن ما يأمركم به ربكم أصلح لكم.

### الآية 2:281

> ﻿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [2:281]

ثم قال تعالى : واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون  اعلم أن هذه الآية في العظماء الذين كانوا يعاملون بالربا وكانوا أصحاب ثروة وجلال وأنصار وأعوان وكان قد يجري منهم التغلب على الناس بسبب ثروتهم، فاحتاجوا إلى مزيد زجر ووعيد وتهديد، حتى يمتنعوا عن الربا، وعن أخذ أموال الناس بالباطل، فلا جرم توعدهم الله بهذه الآية، وخوفهم على أعظم الوجوه، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال ابن عباس : هذه الآية آخر أية نزلت على الرسول عليه الصلاة والسلام، وذلك لأنه عليه السلام لما حج نزلت  يستفتونك  \[ النساء : ١٢٧ \] وهي آية الكلالة، ثم نزل وهو واقف بعرفة  اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي  \[ المائدة : ٣ \] ثم نزل  واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله  \[ البقرة : ٢٨١ \] فقال جبريل عليه السلام : يا محمد ضعها على رأس ثمانين آية ومائتي آية من البقرة، وعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها أحدا وثمانين يوما، وقيل : أحدا وعشرين وقيل : سبعة أيام، وقيل : ثلاث ساعات. 
المسألة الثانية : قرأ أبو عمرو  ترجعون  بفتح التاء والباقون بضم التاء، واعلم أن الرجوع لازم، والرجع متعد، وعليه تخرج القراءتان. 
المسألة الثالثة : انتصب  يوما  على المفعول به، لا على الظرف، لأنه ليس المعنى : واتقوا في هذا اليوم، لكن المعنى تأهبوا للقائه بما تقدمون من العمل الصالح، ومثله قوله  فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا  \[ المزمل : ١٧ \] أي كيف تتقون هذا اليوم الذي هذا وصفه مع الكفر بالله. 
المسألة الرابعة : قال القاضي : اليوم عبارة عن زمان مخصوص، وذلك لا يتقي، وإنما يتقي ما يحدث فيه من الشدة والأهوال واتقاء تلك الأهوال لا يمكن إلا في دار الدنيا بمجانبة المعاصي وفعل الواجبات، فصار قوله  واتقوا يوما  يتضمن الأمر بجميع أقسام التكاليف. 
المسألة الخامسة : الرجوع إلى الله تعالى ليس، المراد منه ما يتعلق بالمكان والجهة فإن ذلك محال على الله تعالى، وليس المراد منه الرجوع إلى علمه وحفظه، فإنه معهم أينما كانوا لكن كل ما في القرآن من قوله  ترجعون إلى الله  له معنيان الأول : أن الإنسان له أحوال ثلاثة على الترتيب. 
فالحالة الأولى : كونهم في بطون أمهاتهم، ثم لا يملكون نفعهم ولا ضرهم، بل المتصرف فيهم ليس إلا الله سبحانه وتعالى. 
والحالة الثانية : كونهم بعد البروز عن بطون أمهاتهم، وهناك يكون المتكفل بإصلاح أحوالهم في أول الأمر الأبوين، ثم بعد ذلك يتصرف بعضهم في البعض في حكم الظاهر. 
والحالة الثالثة : بعد الموت وهناك لا يكون المتصرف فيهم ظاهرا في الحقيقة إلا الله سبحانه، فكأنه بعد الخروج عن الدنيا عاد إلى الحالة التي كان عليها قبل الدخول في الدنيا، فهذا هو معنى الرجوع إلى الله والثاني : أن يكون المراد يرجعون إلى ما أعد الله لهم من ثواب أو عقاب، وكلا التأويلين حسن مطابق للفظ. 
ثم قال : ثم توفى كل نفس ما كسبت  وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : المراد أن كل مكلف فهو عند الرجوع إلى الله لا بد وأن يصل إليه جزاء عمله بالتمام، كما قال : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره  \[ الزلزلة : ٧، ٨ \] وقال : إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله  \[ لقمان : ١٦ \] وقال : ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين  \[ الأنبياء : ٤٧ \] وفي تأويل قوله  ما كسبت  وجهان الأول : أن فيه حذفا والتقدير جزاء ما كسبت والثاني : أن المكتسب هو ذلك الجزاء، لأن ما يحصله الرجل بتجارته من المال فإنه يوصف في اللغة بأنه مكتسبه، فقوله  توفى كل نفس ما كسبت  أي توفى كل نفس مكتسبها، وهذا التأويل أولى، لأنه مهما أمكن تفسير الكلام بحيث لا يحتاج فيه إلى الإضمار كان أولى. 
المسألة الثانية : الوعيدية يتمسكون بهذه الآية على القطع بوعيد الفساق، وأصحابنا يتمسكون بها في القطع بعدم الخلود، لأنه لما آمن فلا بد وأن يصل ثواب الإيمان إليه، ولا يمكن ذلك إلا بأن يخرج من النار ويدخل الجنة. 
ثم قال : وهم لا يظلمون  وفيه سؤال وهو أن قوله  توفي كل نفس ما كسبت  لا معنى له إلا أنهم لا يظلمون، فكان ذلك تكريرا. 
وجوابه : أنه تعالى لما قال : توفى كل نفس ما كسبت  كان ذلك دليلا على إيصال العذاب إلى الفساق والكفار، فكان لقائل أن يقول : كيف يليق بكرم أكرم الأكرمين أن يعذب عبيده فأجاب عنه بقوله  وهم لا يظلمون  والمعنى أن العبد هو الذي أوقع نفسه في تلك الورطة لأن الله تعالى مكنه وأزاح عذره، وسهل عليه طريق الاستدلال، وأمهله فمن قصر فهو الذي أساء إلى نفسه، وهذا الجواب إنما يستقيم على أصول المعتزلة، وأما على أصول أصحابنا فهو أنه سبحانه مالك الخلق، والمالك إذا تصرف في ملكه كيف شاء وأراد لم يكن ظلما، فكان قوله  وهم لا يظلمون  بعد ذكر الوعيد إشارة إلى ما ذكرناه. 
الحكم الثالث : من الأحكام الشرعية المذكورة في هذا الموضع من هذه السورة آية المداينة.

### الآية 2:282

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ۚ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ۖ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ۚ وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا ۖ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [2:282]

قوله تعالى  يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضآر كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم 
**اعلم أن في الآية مسائل :**
المسألة الأولى : أن في كيفية النظم وجهين الأول : أن الله سبحانه لما ذكر قبل هذا الحكم نوعين من الحكم أحدهما : الإنفاق في سبيل الله وهو يوجب تنقيص المال والثاني : ترك الربا، وهو أيضا سبب لتنقيص المال، ثم إنه تعالى ختم ذينك الحكمين بالتهديد العظيم، فقال : واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله  والتقوى تسد على الإنسان أكثر أبواب المكاسب والمنافع أتبع ذلك بأن ندبه إلى كيفية حفظ المال الحلال وصونه عن الفساد والبوار فإن القدرة على الإنفاق في سبيل الله، وعلى ترك الربا، وعلى ملازمة التقوى لا يتم ولا يكمل إلا عند حصول المال، ثم إنه تعال لأجل هذه الدقيقة بالغ في الوصية بحفظ المال الحلال عن وجوه التوي والتلف، وقد ورد نظيره في سورة النساء  ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما  \[ النساء : ٥ \] فحث على الاحتياط في أمر الأموال لكونها سببا لمصالح المعاش والمعاد، قال القفال رحمه الله تعالى : والذي يدل على ذلك أن ألفاظ القرآن جارية في الأكثر على الاختصار، وفي هذه الآية بسط شديد، ألا ترى أنه قال : إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه  ثم قال ثانيا : وليكتب بينكم كاتب بالعدل  ثم قال ثالثا : ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله  فكان هذا كالتكرار لقوله  وليكتب بينكم كاتب بالعدل  لأن العدل هو ما علمه الله، ثم قال رابعا : فليكتب  وهذا إعادة الأمر الأول، ثم قال خامسا : وليملل الذي عليه الحق  وفي قوله  وليكتب بينكم كاتب بالعدل  كفاية عن قوله  وليملل الذي عليه الحق  لأن الكاتب بالعدل إنما يكتب ما يملى عليه، ثم قال سادسا : وليتق الله ربه  وهذا تأكيد، ثم قال سابعا : ولا يبخس منه شيئا  فهذا كالمستفاد من قوله  وليتق الله ربه  ثم قال ثامنا : ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله  وهو أيضا تأكيد لما مضى، ثم قال تاسعا : ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا  فذكر هذه الفوائد الثلاثة لتلك التأكيدات السالفة، وكل ذلك يدل على أنه لما حث على ما يجري مجرى سبب تنقيص المال في الحكمين الأولين بالغ في هذا الحكم في الوصية بحفظ المال الحلال، وصونه عن الهلاك والبوار ليتمكن الإنسان بواسطته من الإنفاق في سبيل الله، والإعراض عن مساخط الله من الربا وغيره، والمواظبة على تقوى الله فهذا هو الوجه الأول من وجوه النظم، وهو حسن لطيف. 
والوجه الثاني : أن قوما من المفسرين قالوا : المراد بالمداينة السلم، فالله سبحانه وتعالى لما منع الربا في الآية المتقدمة أذن في السلم في جميع هذه الآية مع أن جميع المنافع المطلوبة من الربا حاصلة في السلم، ولهذا قال بعض العلماء : لا لذة ولا منفعة يوصل إليها بالطريق الحرام إلا وضعه الله سبحانه وتعالى لتحصيل مثل ذلك اللذة طريقا حلالا وسبيلا مشروعا فهذا ما يتعلق بوجه النظم. 
المسألة الثانية : التداين تفاعل من الدين، ومعناه داين بعضكم بعضا، وتداينتم تبايعتم بدين، قال أهل اللغة : القرض غير الدين، لأن القرض أن يقرض الإنسان دراهم، أو دنانير، أو حبا، أو تمرا، أو ما أشبه ذلك، ولا يجوز فيه الأجل والدين يجوز فيه الأجل، ويقال من الدين أدان إذا باع سلعته بثمن إلى أجل، ودان يدين إذا أقرض، ودان إذا استقرض وأنشد الأحمر :

ندين ويقضي الله عنا وقد نرى  مصارع قوم لا يدينون ضيقاإذا عرفت هذا فنقول : في المراد بهذه المداينة أقوال : قال ابن عباس : أنها نزلت في السلف لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهم يسلفون في التمر السنتين والثلاث، فقال صلى الله عليه وسلم :" من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم " ثم أن الله تعالى عرف المكلفين وجه الاحتياط في الكيل والوزن والأجل، فقال : إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه . 
والقول الثاني : أنه القرض وهو ضعيف لما بينا أن القرض لا يمكن أن يشترط فيه الأجل والدين المذكور في الآية قد اشترط فيه الأجل. 
والقول الثالث : وهو قول أكثر المفسرين : أن البياعات على أربعة أوجه أحدها : بيع العين بالعين، وذلك ليس بمداينة البتة والثاني : بيع الدين بالدين وهو باطل، فلا يكون داخلا تحت هذه الآية، بقي هنا قسمان : بيع العين بالدين، وهو ما إذا باع شيئا بثمن مؤجل وبيع الدين بالعين وهو المسمى بالسلم، وكلاهما داخلان تحت هذه الآية، وفي الآية سؤالات :
السؤال الأول : المداينة مفاعلة، وحقيقتها أن يحصل من كل واحد منهما دين، وذلك هو بيع الدين بالدين وهو باطل بالاتفاق. 
والجواب : أن المراد من تداينتم تعاملتم، والتقدير : إذا تعاملتم بما فيه دين. 
السؤال الثاني : قوله  تداينتم  يدل على الدين فما الفائدة بقوله  بدين . 
الجواب من وجوه الأول : قال ابن الأنباري : التداين يكون لمعنيين أحدهما : التداين بالمال، والآخر التداين بمعنى المجازاة، من قولهم : كما تدين تدان، والدين الجزاء، فذكر الله تعالى الدين لتخصيص أحد المعنيين الثاني : قال صاحب **«الكشاف »** : إنما ذكر الدين ليرجع الضمير إليه في قوله  فاكتبوه  إذ لو لم يذكر ذلك لوجب أن يقال : فاكتبوا الدين، فلم يكن النظم بذلك الحسن الثالث : أنه تعالى ذكره للتأكيد، كقوله تعالى : فسجد الملائكة كلهم أجمعون  \[ الحجر : ٣٠ \] \[ ص : ٧٣ \]  ولا طائر يطير بجناحيه  \[ الأنعام : ٣٨ \] الرابع : فإذا تداينتم أي دين كان صغيرا أو كبيرا، على أي وجه كان، من قرض أو سلم أو بيع عين إلى أجل الخامس : ما خطر ببالي أنا ذكرنا أن المداينة مفاعلة، وذلك إنما يتناول بيع الدين بالدين وهو باطل، فلو قال : إذا تداينتم لبقي النص مقصورا على بيع الدين بالدين وهو باطل، أما لما قال : إذا تداينتم بدين  كان المعنى : إذا تداينتم تداينا يحصل فيه دين واحد، وحينئذ يخرج عن النص بيع الدين بالدين، ويبقى بيع العين بالدين، أو بيع الدين بالعين فإن الحاصل في كل واحد منهما دين واحد لا غير. 
السؤال الثالث : المراد من الآية : كلما تداينتم بدين فاكتبوه، وكلمة  إذا  لا تفيد العموم فلم قال : تداينتم  ولم يقل كلما تداينتم. 
الجواب : أن كلمة  إذا  وإن كانت لا تقتضي العموم، إلا أنها لا تمنع من العموم وههنا قام الدليل على أن المراد هو العموم، لأنه تعالى بين العلة في الأمر بالكتبة في آخر الآية، وهو قوله  ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا  والمعنى إذا وقعت المعاملة بالدين ولم يكتب، فالظاهر أنه تنسى الكيفية، فربما توهم الزيادة، فطلب الزيادة وهو ظلم، وربما توهم النقصان فترك حقه من غير حمد ولا أجر، فأما إذا كتب كيفية الواقعة أمن من هذه المحذورات فلما دل النص على أن هذا هو العلة، ثم إن هذه العلة قائمة في الكل، كان الحكم أيضا حاصلا في الكل. 
أما قوله تعالى : إلى أجل مسمى  ففيه سؤالان :
السؤال الأول : ما الأجل ؟. 
الجواب : الأجل في اللغة هو الوقت المضروب لانقضاء الأمد، وأجل الإنسان هو الوقت لانقضاء عمره، وأجل الدين لوقت معين في المستقبل، وأصله من التأخير، يقال : أجل الشيء يأجل أجولا إذا تأخر، والآجل نقيض العاجل. 
السؤال الثاني : المداينة لا تكون إلا مؤجلة فما الفائدة في ذكر الأجل بعد ذكر المداينة ؟. 
الجواب : إنما ذكر الأجل ليمكنه أن يصفه بقوله  مسمى  والفائدة في قوله  مسمى  ليعلم أن من حق الأجل أن يكون معلوما، كالتوقيت بالسنة والشهر والأيام، ولو قال : إلى الحصاد، أو إلى الدياس، أو إلى قدوم الحاج، لم يجز لعدم التسمية. 
أما قوله تعالى : فاكتبوه  فاعلم أنه تعالى أمر في المداينة بأمرين أحدهما : الكتبة وهي قوله ههنا  فاكتبوه  الثاني : الإشهاد وهو قوله  فاستشهدوا شهيدين من رجالكم  وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : فائدة الكتبة والإشهاد أن ما يدخل فيه الأجل، تتأخر فيه المطالبة ويتخلله النسيان، ويدخل فيه الجحد، فصارت الكتابة كالسبب لحفظ المال من الجانبين لأن صاحب الدين إذا علم أن حقه قد قيد بالكتابة والإشهاد يحذر من طلب الزيادة، ومن تقديم المطالبة قبل حلول الأجل، ومن عليه الدين إذا عرف ذلك يحذر عن الجحود، ويأخذ قبل حلول الأجل في تحصيل المال، ليتمكن من أدائه وقت حلول الدين، فلما حصل في الكتابة والإشهاد هذه الفوائد لا جرم أمر الله به، والله أعلم. 
المسألة الثانية : القائلون بأن ظاهر الأمر للندب لا إشكال عليهم في هذه، وأما القائلون بأن ظاهره للوجوب فقد اختلفوا فيه، فقال قوم بالوجوب وهو مذهب عطاء، وابن جريج والنخعي واختيار محمد بن جرير الطبري، وقال النخعي يشهد ولو على دستجة بقل، وقال آخرون : هذا الأمر محمول على الندب، وعلى هذا جمهور الفقهاء المجتهدين، والدليل عليه أنا نرى جمهور المسلمين في جميع ديار الإسلام يبيعون بالأثمان المؤجلة من غير كتابة ولا إشهاد، وذلك إجماع على عدم وجوبهما، ولأن في إيجابهما أعظم التشديد على المسلمين، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول :**« بعثت بالحنيفية السهلة السمحة »** وقال قوم : بل كانت واجبة، إلا أن ذلك صار منسوخا بقوله  فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي أؤتمن أمانته  \[ البقرة : ٢٨٣ \] وهذا مذهب الحسن والشعبي والحكم وابن عيينة، وقال التيمي : سألت الحسن عنها فقال : إن شاء أشهد وإن شاء لم يشهد، ألا تسمع قوله تعالى : فإن أمن بعضكم بعضا  واعلم أنه تعالى لما أمر بكتب هذه المداينة اعتبر في تلك الكتبة شرطين :
الشرط الأول : أن يكون الكاتب عدلا وهو قوله  وليكتب بينكم كاتب بالعدل  واعلم أن قوله تعالى : فاكتبوه  ظاهره يقتضي أنه يجب على كل أحد أن يكتب، لكن ذلك غير ممكن، فقد لا يكون ذلك الإنسان كاتبا، فصار معنى قوله  فاكتبوه  أي لا بد من حصول هذه الكتبة، وهو كقوله تعالى : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء  \[ المائدة : ٣٨ \] فإن ظاهره وإن كان يقتضي خطاب الكل بهذا الفعل، إلا أنا علمنا أن المقصود منه أنه لا بد من حصول قطع اليد من إنسان واحد، إما الإمام أو نائبه أو المولى، فكذا ههنا ثم تأكد هذا الذي قلناه بقوله تعالى : وليكتب بينكم كاتب بالعدل  فإن هذا يدل على أن المقصود حصول هذه الكتبة من أي شخص كان. 
أما قوله  بالعدل  ففيه وجوه الأول : أن يكتب بحيث لا يزيد

### الآية 2:283

> ﻿۞ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [2:283]

قوله تعالى  وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم 
اعلم أنه تعالى جعل البياعات في هذه الآية على ثلاثة أقسام : بيع بكتاب وشهود، وبيع برهان مقبوضة، وبيع الأمانة، ولما أمر في آخر الآية المتقدمة بالكتبة والإشهاد، واعلم أنه ربما تعذر ذلك في السفر إما بأن لا يوجد الكاتب، أو إن وجد لكنه لا توجد آلات الكتابة ذكر نوعا آخر من الاستيثاق وهو أخذ الرهن فهذا وجه النظم وهذا أبلغ في الاحتياط من الكتبة والإشهاد ثم في الآية مسائل :
المسألة الأولى : ذكرنا اشتقاق في السفر في قوله تعالى : فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر  \[ البقرة : ١٨٤ \] ونعيده ههنا قال أهل اللغة : تركيب هذه الحروف للظهور والكشف فالسفر هو الكتاب، لأنه يبين الشيء ويوضحه، وسمي السفر سفرا، لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، أي يكشف، أو لأنه لما خرج من الكن إلى الصحراء فقد انكشف للناس، أو لأنه لما خرج إلى الصحراء، فقد صارت أرض البيت منكشفة خالية، وأسفر الصبح إذا ظهر، وأسفرت المرأة عن وجهها، أي كشفت وسفرت عن القوم أسفر سفارة إذا كشفت ما في قلوبهم، وسفرت أسفر إذا كنست، والسفر الكنس، وذلك لأنك إذا كنست، فقد أظهرت ما كان تحت الغبار والسفر من الورق ما سفر به الريح، ويقال لبقية بياض النهار بعد مغيب الشمس سفر لوضوحه والله أعلم. 
المسألة الثانية : أصل الرهن من الدوام، يقال : رهن الشيء إذا دام وثبت، ونعمة راهنة أي دائمة ثابتة. 
إذا عرفت أصل المعنى فنقول : أصل الرهن مصدر. يقال : رهنت عند الرجل أرهنه رهنا إذا وضعت عنده، قال الشاعر :

يراهنني فيرهنني بنيه  وأرهنه بني بما أقولإذا عرفت هذا فنقول : إن المصادر قد تنقل فتجعل أسماء ويزول عنها عمل الفعل، فإذا قال : رهنت عند زيد رهنا لم يكن انتصابه انتصاب المصدر، لكن انتصاب المفعول به كما تقول : رهنت عند زيد ثوبا، ولما جعل اسما بهذا الطريق جمع كما تجعل الأسماء وله جمعان : رهن ورهان، ومما جاء على رهن قول الأعشى :آليت لا أعطيه من أبنائنا  رهنا فيفسدهم كمن قد أفسدا**وقال بعيث :**بانت سعاد وأمسى دونها عدن  وغلقت عندها من قبلك الرهنونظيره قولنا : رهن ورهن، سقف وسقف، ونشر ونشر، وخلق وخلق، قال الزجاج : فعل وفعلى قليل، وزعم الفراء أن الرهن جمعه رهان، ثم الرهان جمعه رهن فيكون رهن جمع الجمع وهو كقولهم ثمار وثمر، ومن الناس من عكس هذا فقال : الرهن جمعه رهن، والرهن جمعه رهان، واعلم أنهما لما تعارضا تساقطا لاسيما وسيبويه لا يرى جمع الجمع مطردا، فوجب أن لا يقال به إلا عند الاتفاق، وأما أن الرهان جمع رهن فهو قياس ظاهر، مثل نعل ونعال، وكبش وكباش وكعب وكعاب، وكلب وكلاب. 
المسألة الثالثة : قرأ ابن كثير أبو عمرو  فرهن  بضم الراء والهاء، وروي عنهما أيضا  فرهن  برفع الراء وإسكان الهاء والباقون  فرهان  قال أبو عمرو : لا أعرف الرهان إلا في الخيل، فقرأت  فرهن  للفصل بين الرهان في الخيل وبين جمع الرهن، وأما قراءة أبي عمرو بضم الراء وسكون الهاء، فقال الأخفش : إنها قبيحة لأن فعلا لا يجمع على فعل إلا قليلا شاذا كما يقال : سقف وسقف تارة بضم القاف وأخرى بتسكينها، وقلب للنخل ولحد ولحد وبسط وبسط وفرس ورد، وخيل ورد. 
المسألة الرابعة : في الآية حذف فإن شئنا جعلناه مبتدأ وأضمرنا الخبر، والتقدير : فرهن مقبوضة بدل من الشاهدين، أو ما يقوم مقامهما، أو فعليه رهن مقبوضة، وإن شئنا جعلناه خبرا وأضمرنا المبتدأ، والتقدير : فالوثيقة رهن مقبوضة. 
المسألة الخامسة : اتفقت الفقهاء اليوم على أن الرهن في السفر والحضر سواء في حال وجود الكاتب وعدمه، وكان مجاهد يذهب إلى أن الرهن لا يجوز إلا في السفر أخذا بظاهر الآية، ولا يعمل بقوله اليوم وإنما تقيدت الآية بذكر السفر على سبيل الغالب، كقوله  فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم  \[ النساء : ١٠١ \] وليس الخوف من شرط جواز القصر. 
المسألة السادسة : مسائل الرهن كثيرة، واحتج من قال بأن رهن المشاع لا يجوز بأن الآية دلت على أن الرهن يجب أن يكون مقبوضا والعقل أيضا يدل عليه لأن المقصود من الرهن استيثاق جانب صاحب الحق بمنع الجحود، وذلك لا يحصل إلا بالقبض والمشاع لا يمكن أن يكون مقبوضا فوجب ألا يصح رهن المشاع. 
ثم قال تعالى : فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي أؤتمن أمانته  واعلم أن هذا هو القسم الثالث من البياعات المذكورة في الآية، وهو بيع الأمانة، أعني ما لا يكون فيه كتابة ولا شهود ولا يكون فيه رهن، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : أمن فلان غيره إذا لم يكن خائفا منه، قال تعالى : هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه  \[ يوسف : ٦٤ \] فقوله  فإن أمن بعضكم بعضا  أي لم يخف خيانته وجحوده  فليؤد الذي أؤتمن أمانته  أي فليؤد المديون الذي كان أمينا ومؤتمنا في ظن الدائن، فلا يخلف ظنه في أداء أمانته وحقه إليه، يقال : أمنته وائتمنته فهو مأمون ومؤتمن. 
ثم قال : وليتق الله ربه  أي هذا المديون يجب أن يتقي الله ولا يجحد، لأن الدائن لما عامله المعاملة الحسنة حيث عول على أمانته ولم يطالبه بالوثائق من الكتابة والإشهاد والرهن فينبغي لهذا المديون أن يتقي الله ويعامله بالمعاملة الحسنة في أن لا ينكر ذلك الحق، وفي أن يؤديه إليه عند حلول الأجل، وفي الآية قول آخر، وهو أنه خطاب للمرتهن بأن يؤدي الرهن عند استيفاء المال فإنه أمانة في يده، والوجه هو الأول. 
المسألة الثانية : من الناس من قال : هذه الآية ناسخة للآيات المتقدمة الدالة على وجوب الكتابة والإشهاد وأخذ الرهن، واعلم أن التزام وقوع النسخ من غير دليل يلجئ إليه خطأ، بل تلك الأوامر محمولة على الإرشاد ورعاية الاحتياط، وهذه الآية محمولة على الرخصة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : ليس في آية المداينة نسخ، ثم قال : ولا تكتموا الشهادة  وفي التأويل وجوه :
الوجه الأول : قال القفال رحمه الله : إنه تعالى لما أباح ترك الكتابة والإشهاد والرهن عند اعتقاد كون المديون أمينا، ثم كان من الجائز في هذا المديون أن يخلف هذا الظن، وأن يخرج خائنا جاحدا للحق، إلا أنه من الجائز أن يكون بعض الناس مطلعا على أحوالهم، فههنا ندب الله تعالى ذلك الإنسان إلى أن يسعى في إحياء ذلك الحق، وأن يشهد لصاحب الحق بحقه، ومنعه من كتمان تلك الشهادة سواء عرف صاحب الحق تلك الشهادة، أو لم يعرف وشدد فيه بأن جعله آثم القلب لو تركها، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر يدل على صحة هذا التأويل، وهو قوله " خير الشهود من شهد قبل أن يستشهد ". الوجه الثاني : في تأويل أن يكون المراد من كتمان الشهادة أن ينكر العلم بتلك الواقعة، ونظيره قوله تعالى : أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله  \[ البقرة : ١٤٠ \] والمراد الجحود وإنكار العلم. 
الوجه الثالث : في كتمان الشهادة والامتناع من أدائها عند الحاجة إلى إقامتها، وقد تقدم ذلك في قوله  ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا  \[ البقرة : ٢٨٢ \] وذلك لأنه متى امتنع عن إقامة الشهادة فقد بطل حقه، وكان هو بالامتناع من الشهادة كالمبطل لحقه، وحرمة مال المسلم كحرمة دمه، فهذا بالغ في الوعيد. 
ثم قال : ومن يكتمها فإنه آثم قلبه  وفيه مسائل :
المسألة الأولى : الآثم الفاجر، روي أن عمر كان يعلم أعرابيا  إن شجرة الزقوم طعام الأثيم  \[ الدخان : ٤٣، ٤٤ \] فكان يقول : طعام اليتيم، فقال له عمر : طعام الفاجر. فهذا يدل على أن الآثم بمعنى الفجور. 
المسألة الثانية : قال صاحب **«الكشاف »** : آثم خبر إن وقلبه رفع بآثم على الفاعلية كأنه قيل فإنه يأثم قلبه وقرئ  قلبه  بالفتح كقوله  سفه نفسه  \[ البقرة : ١٣٠ \] وقرأ ابن أبي عبلة  آثم قلبه  أي جعله آثما. 
المسألة الثالثة : اعلم أن كثيرا من المتكلمين قالوا. إن الفاعل والعارف والمأمور والمنهي هو القلب، وقد استقصينا هذه المسألة في سورة الشعراء في تفسير قوله تعالى : نزل به الروح الأمين على قلبك  \[ الشعراء : ١٩٣، ١٩٤ \] وذكرنا طرفا منه في تفسير قوله  قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك  \[ البقرة : ٩٧ \] وهؤلاء يتمسكون بهذه الآية ويقولون : إنه تعالى أضاف الآثم إلى القلب فلولا أن القلب هو الفاعل وإلا لما كان آثما. 
وأجاب من خالف في هذا القول بأن إضافة الفعل إلى جزء من أجزاء البدن إنما يكون لأجل أن أعظم أسباب الإعانة على ذلك الفعل إنما يحصل من ذلك العضو، فيقال : هذا مما أبصرته عيني وسمعته أذني وعرفه قلبي، ويقال : فلان خبيث الفرج ومن المعلوم أن أفعال الجوارح تابعة لأفعال القلوب ومتولدة مما يحدث في القلوب من الدواعي والصوارف، فلما كان الأمر كذلك فلهذا السبب أضيف الآثم ههنا إلى القلب. 
ثم قال عز وجل : والله بما تعملون عليم  وهو تحذير من الإقدام على هذا الكتمان، لأن المكلف إذا علم أنه لا يعزب عن علم الله ضمير قلبه كان خائفا حذرا من مخالفة أمر الله تعالى، فإنه يعلم أنه تعالى يحاسبه على كل تلك الأفعال، ويجازيه عليها إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا.

### الآية 2:284

> ﻿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2:284]

قوله تعالى  لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير . 
**في الآية مسائل :**
المسألة الأولى : في كيفية النظم وجوه الأول : قال الأصم : إنه تعالى لما جمع في هذه السورة أشياء كثيرة من علم الأصول، وهو دليل التوحيد والنبوة، وأشياء كثيرة من علم الأصول ببيان الشرائع والتكاليف، وهي في الصلاة، والزكاة، والقصاص، والصوم، والحج، والجهاد، والحيض، والطلاق، والعدة، والصداق، والخلع، والإيلاء، والرضاع، والبيع، والربا، وكيفية المداينة ختم الله تعالى هذه السورة بهذه الآية على سبيل التهديد. 
وأقول إنه قد ثبت أن الصفات التي هي كمالات حقيقية ليست إلا القدرة والعلم، فعبر سبحانه عن كمال القدرة بقوله  لله ما في السماوات وما في الأرض  ملكا وملكا، وعبر عن كمال العلم المحيط بالكليات والجزئيات بقوله  وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله  وإذا حصل كمال القدرة والعلم، فكان كل من في السماوات والأرض عبيدا مربوبين وجدوا بتخليقه وتكوينه كان ذلك غاية الوعد للمطيعين، ونهاية الوعيد للمذنبين، فلهذا السبب ختم الله هذه السورة بهذه الآية. 
والوجه الثاني : في كيفية النظم، قال أبو مسلم : إنه تعالى لما قال في آخر الآية المتقدمة  والله بما تعملون عليم  \[ البقرة : ٢٨٣ \] ذكر عقيبه ما يجري مجرى الدليل العقلي فقال : لله ما في السماوات وما في الأرض  ومعنى هذا الملك أن هذه الأشياء لما كانت محدثة فقد وجدت بتخليقه وتكوينه وإبداعه ومن كان فاعلا لهذه الأفعال المحكمة المتقنة العجيبة الغريبة المشتملة على الحكم المتكاثرة والمنافع العظيمة لا بد وأن يكون عالما بها إذ من المحال صدور الفعل المحكم المتقن عن الجاهل به، فكان الله تعالى احتج بخلقه السماوات والأرض مع ما فيهما من وجوه الإحكام والإتقان على كونه تعالى عالما بها محيطا بأجزائها وجزئياتها. 
الوجه الثالث : في كيفية النظم، قال القاضي : إنه تعالى لما أمر بهذه الوثائق أعني الكتبة والإشهاد والرهن، فكان المقصود من الأمر بها صيانة الأموال، والاحتياط في حفظها بين الله تعالى أنه إنما المقصود لمنفعة ترجع إلى الخلق لا لمنفعة تعود إليه سبحانه منها فإنه له ملك السماوات والأرض. 
الوجه الرابع : قال الشعبي وعكرمة ومجاهد : إنه تعالى لما نهى عن كتمان الشهادة وأوعد عليه بين أنه له ملك السماوات والأرض فيجازي على الكتمان والإظهار. 
المسألة الثانية : احتج الأصحاب بقوله  لله ما في السماوات وما في الأرض  على أن فعل العبد خلق الله تعالى، لأنه من جملة ما في السماوات والأرض بدليل صحة الاستثناء، واللام في قوله  لله  ليس لام الغرض، فإنه ليس غرض الفاسق من فسقه طاعة الله، فلا بد وأن يكون المراد منه لام الملك والتخليق. 
المسألة الثالثة : احتج الأصحاب بهذه الآية على أن المعدوم ليس بشيء لأن من جملة ما في السماوات والأرض حقائق الأشياء وماهياتها فهي لا بد وأن تكون تحت قدرة الله سبحانه وتعالى وإنما تكون الحقائق والماهيات تحت قدرته لو كان قادرا على تحقيق تلك الحقائق، وتكوين تلك الماهيات، فإذا كان كذلك كانت قدرة الله تعالى مكونة للذوات، ومحققة للحقائق، فكان القول بأن المعدوم شيء باطلا. 
ثم قال تعالى : وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله  يروى عن ابن عباس أنه قال : لما نزلت هذه الآية جاء أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ وناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا : يا رسول الله كلفنا من العمل ما لا نطيق إن أحدنا ليحدث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه، وإن له الدنيا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :**« فلعلكم تقولون كما قال بنو إسرائيل سمعنا وعصينا قولوا : سمعنا وأطعنا »**، فقالوا سمعنا وأطعنا، واشتد ذلك عليهم فمكثوا في ذلك حولا فأنزل الله تعالى : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها  \[ البقرة : ٢٨٦ \] فنسخت هذه الآية، فقال صلى الله عليه وسلم :**« إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثوا به أنفسهم ما لم يعملوا أو يتكلموا به »**. 
واعلم أن محل البحث في هذه الآية أن قوله  وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله  يتناول حديث النفس، والخواطر الفاسدة التي ترد على القلب، ولا يتمكن من دفعها، فالمؤاخذة بها تجري مجرى تكليف ما لا يطاق، والعلماء أجابوا عنه من وجوه :
الوجه الأول : أن الخواطر الحاصلة في القلب على قسمين، فمنها ما يوطن الإنسان نفسه عليه ويعزم على إدخاله في الوجود، ومنها ما لا يكون كذلك بل تكون أمورا خاطرة بالبال مع أن الإنسان يكرهها ولكنه لا يمكنه دفعها عن النفس، فالقسم الأول : يكون مؤاخذا به، والثاني : لا يكون مؤاخذا به، ألا ترى إلى قوله تعالى : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم  \[ البقرة : ٢٢٥ \] وقال في آخر هذه السورة  لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت  \[ البقرة : ٢٨٦ \] وقال : إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين ءامنوا  \[ النور : ١٩ \] هذا هو الجواب المعتمد. 
والوجه الثاني : أن كل ما كان في القلب مما لا يدخل في العمل، فهو في محل العفو وقوله  وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله  فالمراد منه أنه يدخل ذلك العمل في الوجود إما ظاهرا وإما على سبيل الخفية وأما ما وجد في القلب من العزائم والإرادات ولم يتصل بالعمل فكل ذلك في محل العفو وهذا الجواب ضعيف، لأن أكثر المؤاخذات إنما تكون بأفعال القلوب ألا ترى أن اعتقاد الكفر والبدع ليس إلا من أعمال القلوب : وأعظم أنواع العقاب مرتب عليه، وأيضا فأفعال الجوارح إذا خلت عن أفعال القلوب لا يترتب عليها عقاب كأفعال النائم والساهي فثبت ضعف هذا الجواب. 
والوجه الثالث في الجواب : أن الله تعالى يؤاخذه بها لكن مؤاخذتها هي الغموم والهموم في الدنيا، روى الضحاك عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ما حدث العبد به نفسه من شر كانت محاسبة الله عليه بغم يبتليه به في الدنيا أو حزن أو أذى، فإذا جاءت الآخرة لم يسأل عنه ولم يعاقب عليه، وروت أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فأجابها بما هذا معناه. 
فإن قيل : المؤاخذة كيف تحصل في الدنيا مع قوله تعالى : اليوم تجزى كل نفس بما كسبت  \[ غافر : ١٧ \]. 
قلنا : هذا خاص فيكون مقدما على ذلك العام. 
الوجه الرابع في الجواب : أنه تعالى قال : يحاسبكم به الله  ولم يقل : يؤاخذكم به الله وقد ذكرنا في معنى كونه حسيبا ومحاسبا وجوها كثيرة، وذكرنا أن من جملة تفاسيره كونه تعالى عالما بها، فرجع معنى هذه الآية إلى كونه تعالى عالما بكل ما في الضمائر والسرائر، روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : إن الله تعالى إذا جمع الخلائق يخبرهم بما كان في نفوسهم، فالمؤمن يخبره ثم يعفو عنه، وأهل الذنوب يخبرهم بما أخفوا من التكذيب والذنب. 
الوجه الخامس في الجواب : أنه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله  فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء  فيكون الغفران نصيبا لمن كان كارها لورود تلك الخواطر، والعذاب يكون نصيبا لمن يكون مصرا على تلك الخواطر مستحسنا لها. 
الوجه السادس : قال بعضهم : المراد بهذه الآية كتمان الشهادة، وهو ضعيف، لأن اللفظ عام، وإن كان واراه عقيب تلك القضية لا يلزم قصره عليه. 
الوجه السابع في الجواب : ما روينا عن بعض المفسرين أن هذه الآية منسوخة بقوله  لا يكلف الله نفسا إلا وسعها  \[ البقرة : ٢٨٦ \] وهذا أيضا ضعيف لوجوه أحدها : أن هذا النسخ إنما يصح لو قلنا : أنهم كانوا قبل هذا النسخ مأمورين بالاحتراز عن تلك الخواطر التي كانوا عاجزين عن دفعها، وذلك باطل، لأن التكليف قط ما ورد إلا بما في القدرة، ولذلك قال عليه السلام :**« بعثت بالحنيفية السهلة السمحة »** والثاني : أن النسخ إنما يحتاج إليه لو دلت الآية على حصول العقاب على تلك الخواطر، وقد بينا أن الآية لا تدل على ذلك والثالث : أن نسخ الخبر لا يجوز إنما الجائز هو نسخ الأوامر والنواهي. 
واعلم أن الناس اختلافا في أن الخبر هل ينسخ أم لا ؟ وقد ذكرنا في أصول الفقه، والله أعلم. 
ثم قال : فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء  وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : الأصحاب قد احتجوا بهذه الآية على جواز غفران ذنوب أصحاب الكبائر وذلك لأن المؤمن المطيع مقطوع بأنه يثاب ولا يعاقب، والكافر مقطوع بأنه يعاقب ولا يثاب، وقوله  فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء  رفع للقطع واحد من الأمرين، فلم يبق إلا أن يكون ذلك نصيبا للمؤمن يرثه المذنب بأعماله. 
المسألة الثانية : قرأ عاصم وابن عامر ( فيغفر، ويعذب ) برفع الراء والباء، وأما الباقون فبالجزم أما الرفع فعلى الاستئناف، والتقدير : فهو يغفر، وأما الجزم فبالعطف على يحاسبكم ونقل عن أبي عمرو أنه أدغم الراء في اللام في قوله  يغفر لمن يشاء  قال صاحب **«الكشاف »** : إنه لحن ونسبته إلى أبي عمرو كذب، وكيف يليق مثل هذا اللحن بأعلم الناس بالعربية. 
ثم قال : والله على كل شيء قدير  وقد بين بقوله  لله ما في السماوات وما في الأرض  أنه كامل الملك والملكوت، وبين بقوله  وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله  أنه كامل العلم والإحاطة، ثم بين بقوله  والله على كل شيء قدير  أنه كامل القدرة مستولي على كل الممكنات بالقهر والقدرة والتكوين والإعدام ولا كمال أعلى وأعظم من حصول الكمال في هذه الصفات والموصوف بهذه الكمالات يجب على كل عاقل أن يكون عبدا منقادا له، خاضعا لأوامره ونواهيه محترزا عن سخطه ونواهيه، وبالله التوفيق.

### الآية 2:285

> ﻿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [2:285]

قوله تعالى  آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير . 
**في الآية مسائل :**
المسألة الأولى : في كيفية النظم وجوه الأول : وهو أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة كمال الملك، وكمال العلم، وكمال القدرة لله تعالى، وذلك يوجب كمال صفات الربوبية أتبع ذلك بأن بين كون المؤمنين في نهاية الانقياد والطاعة والخضوع لله تعالى، وذلك هو كمال العبودية وإذا ظهر لنا كمال الربوبية، وقد ظهر منا كمال العبودية، فالمرجو من عميم فضله وإحسانه أن يظهر يوم القيامة في حقنا كمال العناية والرحمة والإحسان اللهم حقق هذا الأمل. 
الوجه الثاني في النظم : أنه تعالى لما قال : وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله  \[ البقرة : ٢٨٤ \] بين أنه لا يخفى عليه من سرنا وجهرنا وباطننا وظاهرنا شيء البتة، ثم إنه تعالى ذكر عقيب ذلك ما يجري مجرى المدح لنا والثناء علينا، فقال : آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون  كأنه بفضله يقول عبدي أنا وإن كنت أعلم جميع أحوالك، فلا أظهر من أحوالك، ولا أذكر منها إلا ما يكون مدحا لك وثناء عليك، حتى تعلم أني كما أنا الكامل في الملك والعلم والقدرة، فأنا الكامل في الجود والرحمة، وفي إظهار الحسنات، وفي الستر على السيئات. 
الوجه الثالث : أنه بدأ في السورة بمدح المتقين الذين يؤمنون بالغيب، ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، وبين في آخر السورة أن الذين مدحهم في أول السورة هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فقال : والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله  وهذا هو المراد بقوله في أول السورة  الذين يؤمنون بالغيب  \[ البقرة : ٣ \]. 
ثم قال ههنا  وقالوا سمعنا وأطعنا  وهو المراد بقوله في أول السورة  ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون . 
ثم قال ههنا  غفرانك ربنا وإليك المصير  وهو المراد بقوله في أول السورة  وبالآخرة هم يوقنون  \[ البقرة : ٤ \] ثم حكى عنهم ههنا كيفية تضرعهم إلى ربهم في قولهم  ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا  \[ البقرة : ٢٨٦ \] إلى آخر السورة وهو المراد بقوله في أول السورة  أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون  \[ البقرة : ٥ \] فانظر كيف حصلت الموافقة بين أول السورة وآخرها. 
والوجه الرابع : وهو أن الرسول إذا جاءه الملك من عند الله، وقال له : إن الله بعثك رسولا إلى الخلق، فههنا الرسول لا يمكنه أن يعرف صدق ذلك الملك إلا بمعجزة يظهرها الله تعالى على صدق ذلك الملك في دعواه ولولا ذلك المعجز لجوز الرسول أن يكون ذلك المخبر شيطانا ضالا مضلا، وذلك الملك أيضا إذا سمع كلام الله تعالى افتقر إلى معجز يدل على أن المسموع هو كلام الله تعالى لا غير، وهذه المراتب معتبرة أولها : قيام المعجز على أن المسموع كلام الله لا غيره، فيعرف الملك بواسطة ذلك المعجز أنه سمع كلام الله تعالى وثانيها : قيام المعجزة عند النبي صلى الله عليه وسلم على أن ذلك الملك صادق في دعواه، وأنه ملك بعثه الله تعالى وليس بشيطان وثالثها : أن تقوم المعجزة على يد الرسول عند الأمة حتى تستدل الأمة بها على أن الرسول صادق في دعواه فإذن لما لم يعرف الرسول كونه رسولا من عند الله لا تتمكن الأمة من أن يعرفوا ذلك، فلما ذكر الله تعالى في هذه السورة أنواع الشرائع وأقسام الأحكام، قال : آمن الرسول  فبين أن الرسول عرف أن ذلك وحي من الله تعالى وصف إليه، وأن الذي أخبره بذلك ملك مبعوث من قبل الله تعالى معصوم من التحريف، وليس بشيطان مضل، ثم ذكر إيمان الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك، وهو المرتبة المتقدمة، وذكر عقيبه إيمان المؤمنين بذلك وهو المرتبة المتأخرة، فقال : والمؤمنون كل آمن بالله  ومن تأمل في لطائف نظم هذه السورة وفي بدائع ترتيبها علم أن القرآن كما أنه معجز بحسب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه، فهو أيضا معجز بحسب ترتيبه ونظم آياته ولعل الذين قالوا : إنه معجز بحسب أسلوبه أرادوا ذلك إلا أني رأيت جمهور المفسرين معرضين عن هذه اللطائف غير متنبهين لهذه الأمور، وليس الأمر في هذا الباب كما قيل :

والنجم تستصغر الأبصار رؤيته  والذنب للطرف لا للنجم في الصغرونسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا، ويعلمنا ما ينفعنا به بفضله ورحمته. 
المسألة الثانية : قوله تعالى : آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه  فالمعنى أنه عرف بالدلائل القاهرة والمعجزات الباهرة أن هذا القرآن وجملة ما فيه من الشرائع والأحكام نزل من عند الله تعالى، وليس ذلك من باب إلقاء الشياطين، ولا من نوع السحر والكهانة والشعبذة، وإنما عرف الرسول لأنه صلى الله عليه وسلم ذلك بما ظهر من المعجزات القاهرة على يد جبريل عليه السلام. 
فأما قوله  والمؤمنون  ففيه احتمالان أحدهما : أن يتم الكلام عند قوله  والمؤمنون  فيكون المعنى : آمن الرسول والمؤمنون بما أنزل إليه من ربه، ثم ابتدأ بعد ذلك بقوله  كل آمن بالله  والمعنى : كل واحد من المذكورين فيما تقدم، وهم الرسول والمؤمنون آمن بالله. 
الاحتمال الثاني : أن يتم الكلام عند قوله  بما أنزل إليه من ربه  ثم يبتدىء من قوله  والمؤمنون كل آمن بالله  ويكون المعنى أن الرسول آمن بكل ما أنزل إليه من ربه، وأما المؤمنون فإنهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله، فالوجه الأول يشعر بأنه عليه الصلاة والسلام ما كان مؤمنا بربه، ثم صار مؤمنا به، ويحتمل عدم الإيمان على وقت الاستدلال، وعلى الوجه الثاني يشعر اللفظ بأن الذي حدث هو إيمانه بالشرائع التي أنزلت عليه، كما قال :
 ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان  \[ الشورى : ٥٢ \] وأما الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله على الإجمال، فقد كان حاصلا منذ خلقه الله من أول الأمر، وكيف يستبعد ذلك مع أن عيسى عليه السلام حين انفصل عن أمه قال : إني عبد الله آتاني الكتاب، فإذا لم يبعد أن عيسى عليه السلام رسولا من عند الله حين كان طفلا، فكيف يستبعد أن يقال : إن محمدا صلى الله عليه وسلم كان عارفا بربه من أول ما خلق كامل العقل. 
المسألة الثالثة : دلت الآية على أن الرسول آمن بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله، وإنما خص الرسول بذلك، لأن الذي أنزل إليه من ربه قد يكون كلاما متلوا يسمه الغير ويعرفه ويمكنه أن يؤمن به، وقد يكون وحيا لا يعلمه سواه، فيكون هو صلى الله عليه وسلم مختصا بالإيمان به، ولا يتمكن غيره من الإيمان به، فلهذا السبب كان الرسول مختصا في باب الإيمان بما لا يمكن حصوله في غيره. 
ثم قال الله تعالى : والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله  وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن هذه الآية دلت على أن معرفة هذه المراتب الأربعة من ضرورات الإيمان. 
فالمرتبة الأولى : هي الإيمان بالله سبحانه وتعالى، وذلك لأنه ما لم يثبت أن للعالم صانعا قادرا على جميع المقدورات، عالما بجميع المعلومات، غنيا عن كل الحاجات، لا يمكن معرفة صدق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فكانت معرفة الله تعالى هي الأصل، فلذلك قدم الله تعالى هذه المرتبة في الذكر. 
والمرتبة الثانية : أنه سبحانه وتعالى إنما يوحي إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بواسطة الملائكة، فقال : ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشآء من عباده  \[ النحل : ٢ \] وقال : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء  \[ الشورى : ٥١ \] وقال : فإنه نزله على قلبك  \[ البقرة : ٩٧ \] وقال : نزل به الروح الأمين على قلبك  \[ الشعراء : ١٩٣، ١٩٤ \] وقال : علمه شديد القوى  \[ النجم : ٥ \] فإذا ثبت أن وحي الله تعالى إنما يصل إلى البشر بواسطة الملائكة فالملائكة يكونون كالواسطة بين الله تعالى وبين البشر، فلهذا السبب جعل ذكر الملائكة في المرتبة الثانية، ولهذا السر قال أيضا : شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط  \[ آل عمران : ١٨ \]. 
والمرتبة الثالثة : الكتب، وهو الوحي الذي يتلقفه الملك من الله تعالى ويوصله إلى البشر وذلك في ضرب المثال يجري مجرى استنارة سطح القمر من نور الشمس فذات الملك كالقمر وذات الوحي كاستنارة القمر فكما أن ذات القمر مقدمة في الرتبة على استنارته فكذلك ذات الملك متقدم على حصول ذلك الوحي المعبر عنه بهذه الكتب، فلهذا السبب كانت الكتب متأخرة في الرتبة عن الملائكة، فلا جرم أخر الله تعالى ذكر الكتب عن ذكر الملائكة. 
والمرتبة الرابعة : الرسل، وهم الذين يقتبسون أنوار الوحي من الملائكة، فيكونون متأخرين في الدرجة عن الكتب فلهذا السبب جعل الله تعالى ذكر الرسل في المرتبة الرابعة، واعلم أن ترتيب هذه المراتب الأربعة على هذا الوجه أسرار غامضة، وحكما عظيمة لا يحسن إيداعها في الكتب والقدر الذي ذكرناه كاف في التشريف. 
المسألة الثانية : المراد بالإيمان بالله عبارة عن الإيمان بوجوده، وبصفاته، وبأفعاله، وبأحكامه، وبأسمائه. 
أما الإيمان بوجوده، فهو أن يعلم أن وراء المتحيزات موجودا خالقا لها، وعلى هذا التقدير فالمجسم لا يكون مقرا بوجود الإله تعالى لأنه لا يثبت ما وراء المتحيزات شيئا آخر فيكون اختلافه معنا في إثبات ذات الله تعالى أما الفلاسفة والمعتزلة فإنهم مقرون بإثبات موجود سوى المتحيزات موجد لها، فيكون الخلاف معهم لا في الذات بل في الصفات. 
وأما الإيمان بصفاته، فالصفات إما سلبية، وإما ثبوتية. 
فأما السلبية : فهي أن يعلم أنه فرد منزه عن جميع جهات التركيب، فإن كل مركب مفتقر إلى كل واحد من أجزائه، وكل واحد من أجزائه غيره، فهو مركب، فهو مفتقر إلى غيره ممكن لذاته، فإذن كل مركب فهو ممكن لذاته، وكل ما ليس ممكنا لذاته، بل كان واجبا لذاته امتنع أن يكون مركبا بوجه من الوجوه، بل كان فردا مطلقا، وإذا كان فردا في ذاته لزم أن لا يكون متحيزا، ولا جسما، ولا جوهرا، ولا في مكان، ولا حالا، ولا في محل، ولا متغيرا، ولا محتاجا بوجه من الوجوه البتة. 
وأما الصفات الثبوتية : فبأن يعلم أن الموجب لذاته نسبته إلى بعض الممكنات كنسبته إلى البواقي، فلما رأينا أن هذه المخلوقات وقعت على وجه يمكن وقوعها على خلاف تلك الأحوال، علمنا أن المؤثر فيها قادر مختار لا موجب بالذات، ثم يستدل بما في أفعاله من الإحكام والإتقان على كمال علمه، فحينئذ يعرفه قادرا عالما حيا سميعا بصيرا موصوفا منعوتا بالجلال وصفات الكمال، وقد استقصينا ذلك في تفسير قوله  الله لا إله إلا هو الحي القيوم  \[ البقرة : ٢٥٥ \]. 
وأما الإيمان بأفعاله، فبأن تعلم أن كل ما سواه فهو ممكن محدث، وتعلم ببديهة عقلك أن الممكن المحدث لا يوجد بذاته، بل لا بد له من موجد يوجده وهو القديم، وهذا الدليل يحملك على أن تجزم بأن كل ما سواه فإنما حصل بتخليقه وإيجاده وتكوينه إلا أنه وقع في البين عقدة وهي الحوادث التي هي الأفعال الاختيارية للحيوانات، فالحكم الأول وهو أنها ممكنة محدثة فلا بد من إسنادها إلى واجب ا

### الآية 2:286

> ﻿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [2:286]

قوله تعالى  لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا  اعلم أن في الآية مسائل :
المسألة الأولى : قوله  لا يكلف الله نفسا إلا وسعها  يحتمل أن يكون ابتداء خبر من الله ويحتمل أن يكون حكاية عن الرسول والمؤمنين على نسق الكلام في قوله  وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير  \[ البقرة : ٢٨٥ \] وقالوا  لا يكلف الله نفسا إلا وسعها  ويؤيد ذلك ما أردفه من قوله  ربنا لا تؤاخذنا  فكأنه تعالى حكى عنهم طريقتهم في التمسك بالإيمان والعمل الصالح وحكى عنهم في جملة ذلك أنهم وصفوا ربهم بأنه لا يكلف نفسا إلا وسعها. 
المسألة الثانية : في كيفية النظم : إن قلنا إن هذا من كلام المؤمنين فوجه النظم أنهم لما قالوا  سمعنا وأطعنا  فكأنهم قالوا : كيف لا نسمع ولا نطيع، وأنه تعالى لا يكلفنا إلا ما في وسعنا وطاقتنا، فإذا كان هو تعالى بحكم الرحمة الإلهية لا يطالبنا إلا بالشيء السهل الهين، فكذلك نحن بحكم العبودية وجب أن نكون سامعين مطيعين، وإن قلنا : إن هذا من كلام الله تعالى فوجه النظم أنهم لما قالوا  سمعنا وأطعنا  ثم قالوا بعده  غفرانك ربنا  دل ذلك على أن قولهم  غفرانك  طلبا للمغفرة فيما يصدر عنهم من وجوه التقصير منهم على سبيل العمد فلما كان قولهم : غفرانك  طلبا للمغفرة في ذلك التقصير، لا جرم خفف الله تعالى عنهم ذلك وقال : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها  والمعنى أنكم إذا سمعتم وأطعتم، وما تعمدتم التقصير، فعند ذلك لو وقع منكم نوع تقصير على سبيل السهو والغفلة فلا تكونوا خائفين منه فإن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها، وبالجملة فهذا إجابة لهم في دعائهم في قولهم  غفرانك ربنا . 
المسألة الثالثة : يقال : كلفته الشيء فتكلف، والكلف اسم منه، والوسع ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه ولا يحرج فيه، قال الفراء : هو اسم كالوجد والجهد، وقال بعضهم : الوسع دون المجهود في المشقة، وهو ما يتسع له قدرة الإنسان. 
المسألة الرابعة : المعتزلة عولوا على هذه الآية في أنه تعالى لا يكلف العبد ما لا يطيقه ولا يقدر عليه، ونظيره قوله تعالى : وما جعل عليكم في الدين من حرج  \[ الحج : ٧٨ \] وقوله  يريد الله أن يخفف عنكم  \[ النساء : ٢٨ \] وقوله  يريد الله بكم اليسر  \[ البقرة : ١٨٥ \] وقالوا : هذه الآية صريحة في نفي تكليف ما لا يطاق، قالوا : وإذا ثبت هذا فههنا أصلان الأول : أن العبد موجد لأفعال نفسه، فإنه لو كان موجدها هو الله تعالى، لكان تكليف العبد بالفعل تكليفا بما لا يطاق، فإن الله تعالى إذا خلق الفعل وقع لا محالة ولا قدرة البتة للعبد على ذلك الفعل ولا على تركه، أما إنه لا قدرة له على الفعل فلأن ذلك الفعل وجد بقدرة الله تعالى، والموجود لا يوجد ثانيا، وأما إنه لا قدر له على الدفع فلأن قدرته أضعف من قدرة الله تعالى، فكيف تقوى قدرته على دفع قدرة الله تعالى وإذا لم يخلق الله الفعل استحال أن يكون للعبد قدرة على التحصيل، فثبت أنه لو كان الموجد لفعل العبد هو الله تعالى لكان تكليف العبد بالفعل تكليفا بما لا يطاق والثاني : أن الاستطاعة قبل الفعل وإلا لكان الكافر المأمور بالإيمان لم يكن قادرا على الإيمان، فكان ذلك التكليف بما لا يطاق هذا تمام استدلال المعتزلة في هذا الموضع. 
أما الأصحاب فقالوا : دلت الدلائل العقلية على وقوع التكليف على هذا الوجه، فوجب المصير إلى تأويل هذه الآية. 
الحجة الأولى : أن من مات على الكفر ينبىء موته على الكفر أن الله تعالى كان عالما في الأزل بأنه يموت على الكفر ولا يؤمن قط، فكان العلم بعدم الإيمان موجودا، والعلم بعدم الإيمان ينافي وجود الإيمان على ما قررناه في مواضع، وهو أيضا مقدم بينة بنفسها، فكان تكليفه بالإيمان مع حصول العلم بعدم الإيمان تكليفا بالجمع بين النقيضين، وهذه الحجة كما أنها جارية في العلم، فهي أيضا جارية في الجبر. 
الحجة الثانية : أن صدور الفعل عن العبد يتوقف على الداعي، وتلك الداعية مخلوقة لله تعالى ومتى كان الأمر كذلك كان تكليف ما لا يطاق لازما، إنما قلنا : إن صدور الفعل عن العبد يتوقف على الداعي، لأن قدرة العبد لما كانت صالحة للفعل والترك، فلو ترجح أحد الجانبين على الآخر من غير مرجح لزم وقوع الممكن من غير مرجح وهو نفي الصانع، وإنما قلنا : إن تلك الداعية من الله تعالى لأنها لو كانت من العبد لافتقر إيجادها إلى داعية أخرى ولزم التسلسل، وإنما قلنا : إنه متى كان الأمر كذلك لزم الجبر، لأن عند حصول الداعية المرجحة لأحد الطرفين صار الطرف الآخر مرجوحا، والمرجوح ممتنع الوقوع، وإذا كان المرجوح ممتنعا كان الراجح واجبا ضرورة أنه لا خروج عن النقيضين، فإذن صدور الإيمان من الكافر يكون ممتنعا وهو مكلف به، فكان التكليف تكليف ما لا يطاق. 
الحجة الثالثة : أن التكليف إما أن يتوجه على العبد حال استواء الداعيين، أو حال رجحان أحدهما، فإن كان الأول فهو تكليف ما لا يطاق، لأن الاستواء يناقض الرجحان، فإذا كلف حال حصول الاستواء بالرجحان، فقد كلف بالجمع بين النقيضين، وإن كان الثاني فالراجح واجب، والمرجوح ممتنع، وإن وقع التكليف بالراجح فقد وقع بالواجب، وإن وقع بالمرجوح فقد وقع بالممتنع. 
الحجة الرابعة : أنه تعالى كلف أبا لهب الإيمان، والإيمان تصديق الله في كل ما أخبر عنه، وهو مما أخبر أنه لا يؤمن، فقد صار أبو لهب مكلفا بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، وذلك تكليف ما لا يطاق. 
الحجة الخامسة : العبد غير عالم بتفاصيل فعله، لأن من حرك أصبعه لم يعرف عدد الأحيان التي حرك أصبعه فيها، لأن الحركة البطيئة عبارة عند المتكلمين عن حركات مختلطة بسكنات، والعبد لم يخطر بباله أنه يتحرك في بعض الأحيان، ويسكن في بعضها، وأنه أين تحرك وأين سكن، وإذا لم يكن عالما بتفاصيل فعله لم يكن موجدا لها، لأنه لم يقصد إيجاد ذلك العدد المخصوص من الأفعال، فلو فعل ذلك العدد دون الأزيد ودون الأنقص فقد ترجح الممكن لا لمرجح وهو محال، فثبت أن العبد غير موجد، فإذا لم يكن موجدا كان تكليف ما لا يطاق لازما على ما ذكرتم، فهذه وجوه عقلية قطعية يقينية في هذا الباب، فعلمنا أنه لا بد للآية من التأويل وفيه وجوه الأول : وهو الأصوب : أنه قد ثبت أنه متى وقع التعارض من القاطع العقلي، والظاهر السمعي، فإما أن يصدقهما وهو محال، لأنه جمع بين النقيضين، وإما أن يكذبهما وهو محال، لأنه إبطال النقيضين، وإما أن يكذب القاطع العقلي، ويرجح الظاهر السمعي، وذلك يوجب تطرق الطعن في الدلائل العقلية، ومتى كان كذلك بطل التوحيد والنبوة والقرآن، وترجيح الدليل السمعي يوجب القدح في الدليل العقلي والدليل السمعي معا، فلم يبق إلا أن يقطع بصحة الدلائل العقلية، ويحمل الظاهر السمعي على التأويل، وهذا الكلام هو الذي تعول المعتزلة عليه أبدا في دفع الظواهر التي تمسك بها أهل التشبيه، فبهذا الطريق علمنا أن لهذه الآية تأويلا في الجملة، سواء عرفناه أو لم نعرفه، وحينئذ لا يحتاج إلى الخوض فيه على سبيل التفصيل. 
الوجه الثاني في الجواب : هو أنه لا معنى للتكليف في الأمر والنهي إلا الإعلام بأنه متى فعل كذا فإنه يثاب، ومتى لم يفعل فإنه يعاقب، فإذا وجد ظاهر الأمر فإن كان المأمور به ممكنا كان ذلك أمرا وتكليفا في الحقيقة، وإلا لم يكن في الحقيقة تكليفا، بل كان إعلاما بنزول العقاب به في الدار الآخرة، وإشعارا بأنه إنما خلق للنار. 
والجواب الثالث : وهو أن الإنسان ما دام لم يمت، وأنا لا ندري أن الله تعالى علم منه أنه يموت على الكفر أو ليس كذلك، فنحن شاكون في قيام المانع، فلا جرم نأمره بالإيمان ونحثه عليه، فإذا مات على الكفر علمنا بعد موته أن المانع كان قائما في حقه. فتبين أن شرط التكليف كان زائلا عنه حال حياته، وهذا قول طائفة من قدماء أهل الجبر. 
الجواب الرابع : أنا بينا أن قوله  لا يكلف الله نفسا إلا وسعها  ليس قول الله تعالى، بل هو قول المؤمنين، فلا يكون حجة، إلا أن هذا ضعيف، وذلك لأن الله تعالى لما حكاه عنهم في معرض المدح لهم والثناء عليهم، فبسبب هذا الكلام وجب أن يكونوا صادقين في هذا الكلام، إذ لو كانوا كاذبين فيه لما جاز تعظيمهم بسببه، فهذا أقصى ما يمكن أن يقال في هذا الموضع ونسأل الله العظيم أن يرحم عجزنا وقصور فهمنا، وأن يعفو عن خطايانا، فإنا لا نطلب إلا الحق، ولا نروم إلا الصدق. 
أما قوله تعالى : لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت  ففيه مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في أنه هل في اللغة فرق بين الكسب والاكتساب، قال الواحدي رحمه الله : الصحيح عند أهل اللغة أن الكسب والاكتساب واحد لا فرق بينهما، قال ذو الرمة :
ألقى أباه بذاك الكسب يكتسب \*\*\*. . . 
والقرآن أيضا ناطق بذلك، قال الله تعالى : كل نفس بما كسبت رهينة  \[ المدثر : ٣٨ \] وقال : ولا تكسب كل نفس إلا عليها  \[ الأنعام : ١٦٤ \] وقال : بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته  \[ البقرة : ٨١ \] وقال : والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا  \[ الأحزاب : ٥٨ \] فدل هذا على إقامة كل واحد من هذين اللفظين مقام الآخر، ومن الناس من سلم الفرق، ثم فيه قولان أحدهما : أن الاكتساب أخص من الكسب، لأن الكسب ينقسم إلى كسبه لنفسه ولغيره، والاكتساب لا يكون إلا ما يكتسب الإنسان لنفسه خاصة يقال فلان كاسب لأهله، ولا يقال مكتسب لأهله والثاني : قال صاحب **«الكشاف »** : إنما خص الخير بالكسب، والشر بالاكتساب، لأن الاكتساب اعتمال، فلما كان الشر مما تشتهيه النفس، وهي منجذبة إليه، وأمارة به كانت في تحصيله أعمل وأجد، فجعلت لهذا المعنى مكتسبة فيه ولما لم يكن كذلك في باب الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال والله أعلم. 
المسألة الثانية : المعتزلة احتجوا بهذه الآية على أن فعل العبد بإيجاده وتكوينه، قالوا لأن الآية صريحة في إضافة خيره وشره إليه ولو كان ذلك بتخليق الله تعالى لبطلت هذه الإضافة ويجري صدور أفعاله منه مجرى لونه وطوله وشكله وسائر الأمور التي لا قدرة له عليها البتة والكلام فيه معلوم وبالله التوفيق، قال القاضي : لو كان خالقا أفعالهم فما الفائدة في التكليف، وأما الوجه في أن يسألوه أن لا يثقل عليهم والثقيل على قولهم كالخفيف في أنه تعالى يخلقه فيهم وليس يلحقهم به نصب ولا لغوب. 
المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية على فساد القول بالمحابطة قالوا : لأنه تعالى أثبت كلا الأمرين على سبيل الجمع، فبين أن لها ثواب ما كسبت وعليها عقاب ما اكتسبت، وهذا صريح في أن هذين الاستحقاقين يجتمعان، وأنه لا يلزم من طريان أحدهما زوال الآخر، قال الجبائي : ظاهر الآية وإن دل على الإطلاق إلا أنه مشروط والتقدير : لها ما كسبت من ثواب العمل الصالح إذا لم تبطله، وعليها ما اكتسبت من العقاب إذا لم تكفره بالتوبة، وإنما صرنا إلى إضمار هذا الشرط لما بينا أن الثواب يجب أن يكون منفعة خالصة دائمة وأن العقاب يجب أن يكون مضرة خالصة دائمة، والجمع بينهما محال في العقول، فكان

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/2.md)
- [كل تفاسير سورة البقرة
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/2.md)
- [ترجمات سورة البقرة
](https://quranpedia.net/translations/2.md)
- [صفحة الكتاب: مفاتيح الغيب](https://quranpedia.net/book/352.md)
- [المؤلف: فخر الدين الرازي](https://quranpedia.net/person/4003.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/2/book/352) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
