---
title: "تفسير سورة البقرة - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/2/book/366.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/2/book/366"
surah_id: "2"
book_id: "366"
book_name: "الجامع لأحكام القرآن"
author: "القرطبي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة البقرة - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/2/book/366)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة البقرة - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي — https://quranpedia.net/surah/1/2/book/366*.

Tafsir of Surah البقرة from "الجامع لأحكام القرآن" by القرطبي.

### الآية 2:1

> الم [2:1]

بسم الله الرحمان الرحيم " رب يسر وأعين " 
الآية : ١  الم 
قوله تعالى :" الم " اختلف أهل التأويل في الحروف التي في أوائل السورة، فقال عامر الشعبي وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين : هي سر الله في القرآن، ولله في كل كتاب من كتبه سر. فهي من المتشابه الذي انفرد الله تعالى بعلمه، ولا يجب[(١)](#foonote-١) أن يتكلم فيها، ولكن نؤمن بها ونقرأ كما جاءت. وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما. وذكر أبو الليث السمرقندي عن عمر وعثمان وابن مسعود أنهم قالوا : الحروف المقطعة من المكتوم الذي لا يفسر. وقال أبو حاتم : لم نجد الحروف المقطعة في القرآن إلا في أوائل السور، ولا ندري ما أراد الله جل وعز بها. 
قلت : ومن هذا المعنى ما ذكره أبو بكر الأنباري : حدثنا الحسن بن الحباب حدثنا أبو بكر بن أبي طالب حدثنا أبو المنذر الواسطي عن مالك بن مغول عن سعيد بن مسروق عن الربيع بن خثيم[(٢)](#foonote-٢) قال : إن الله تعالى أنزل هذا القران فاستأثر منه بعلم ما شاء، وأطلعكم على ما شاء، فأما ما استأثر به لنفسه فلستم بنائليه فلا تسألوا عنه، وأما الذي أطلعكم عليه فهو الذي تسألون عنه وتخبرون[(٣)](#foonote-٣) به، وما بكل القرآن تعلمون، ولا بكل ما تعلمون تعملون. قال أبو بكر : فهذا يوضح أن حروفا من القرآن سترت معانيها عن جميع العالم، اختبارا من الله عز وجل وامتحانا، فمن آمن بها أثيب وسعد، ومن كفر وشك أثم وبعد. حدثنا أبو يوسف بن يعقوب القاضي حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن الأعمش عن عمارة عن حريث بن ظهير عن عبد الله قال : ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب، ثم قرأ :" الذين يؤمنون بالغيب " \[ البقرة : ٣ \]. 
قلت : هذا القول في المتشابه وحكمه، وهو الصحيح على ما يأتي بيانه في ( آل عمران ) إن شاء الله تعالى[(٤)](#foonote-٤). وقال جمع من العلماء كبير : بل يجب أن نتكلم فيها، ويلتمس الفوائد التي تحتها، والمعاني التي تتخرج عليها، واختلفوا في ذلك على أقوال عديدة، فروي عن ابن عباس وعلي أيضا : أن الحروف المقطعة في القرآن اسم الله الأعظم، إلا أنا لا نعرف تأليفه منها. وقال قطرب والفراء وغيرهما : هي إشارة إلى حروف الهجاء أعلم الله بها العرب حين تحداهم بالقرآن أنه مؤتلف من حروف هي التي منها بناء كلامهم، ليكون عجزهم عنه أبلغ في الحجة عليهم إذ لم يخرج عن كلامهم. قال قطرب : كانوا ينفرون عند استماع القرآن، فلما سمعوا :" الم " و " المص " استنكروا هذا اللفظ، فلما أنصتوا له صلى الله عليه وسلم أقبل عليهم بالقرآن المؤتلف ليثبته في أسماعهم وآذانهم ويقيم الحجة عليهم. وقال قوم : روي أن المشركين لما أعرضوا عن سماع القرآن بمكة وقالوا :" لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه[(٥)](#foonote-٥)
 " \[ فصلت : ٢٦ \] نزلت ليستغربوها فيفتحون لها أسماعهم فيسمعون القرآن بعدها فتجب عليهم الحجة. وقال جماعة : هي حروف دالة على أسماء أخذت منها وحذفت بقيتها، كقول ابن عباس وغيره : الألف من الله، واللام من جبريل، والميم من محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل : الألف مفتاح اسمه الله، واللام مفتاح اسمه لطيف، والميم مفتاح اسمه مجيد. وروى أبو الضحى عن ابن عباس في قوله :" الم " قال : أنا الله أعلم، " الر " أنا الله أرى، " المص " أنا الله أفضل. فالألف تؤدي عن معنى أنا، واللام تؤدي عن اسم الله، والميم تؤدي عن معنى أعلم. واختار هذا القول الزجاج وقال : اذهب إلى أن كل حرف منها يؤدي عن معنى، وقد تكلمت العرب بالحروف المقطعة نظما لها ووضعا بدل الكلمات التي الحروف منها، كقوله :
فقلت لها : قفي، فقالت : قاف
**أراد : قالت وقفت. وقال زهير :**

بالخير خيرات وإن شرّاً فا  ولا أريد الشر إلا أنْ تاأراد : وإن شرا فشر. وأراد : إلا أن تشاء. 
**وقال آخر :**نادوهم ألا الجِموا ألا تا  قالوا جميعا كلهم ألا فاأراد : ألا تركبون، قالوا : ألا فاركبوا. وفي الحديث :( من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة ) قال شقيق : هو أن يقول في أقتل : أقْ، كما قال عليه السلام ( كفى بالسيف شا ) معناه : شافيا. 
وقال زيد بن أسلم : هي أسماء للسور. وقال الكلبي : هي أقسام أقسم الله تعالى بها لشرفها وفضلها، وهي من أسمائه، عن ابن عباس أيضا ورد بعض العلماء هذا القول فقال : لا يصح أن يكون قسما لأن القسم معقود على حروف مثل : إن وقد ولقد وما، ولم يوجد ههنا حرف من هذه الحروف، فلا يجوز أن يكون يمينا. والجواب أن يقال : موضع القسم قوله تعالى :" لا ريب فيه " فلو أن إنسانا حلف فقال : والله هذا الكتاب لا ريب فيه، لكان الكلام سديدا، وتكون " لا " جواب القسم. فثبت أن قول الكلبي وما روي عن ابن عباس سديد صحيح. 
فإن قيل : ما الحكمة في القسم من الله تعالى، وكان القوم في ذلك الزمان على صنفين : مصدق، ومكذب، فالمصدق يصدق بغير قسم، والمكذب لا يصدق مع القسم ؟. قيل له : القرآن نزل بلغة العرب، والعرب إذا أراد بعضهم أن يؤكد كلامه أقسم على كلامه، والله تعالى أراد أن يؤكد عليهم الحجة فأقسم أن القرآن من عنده. وقال بعضهم :" الم " أي أنزلت عليك هذا الكتاب من اللوح المحفوظ. وقال قتادة في قوله :" الم " قال : اسم من أسماء القرآن. وروي عن محمد بن علي الترمذي أنه قال : إن الله تعالى أودع جميع ما في تلك السورة من الأحكام والقصص في الحروف التي ذكرها في أول السورة، ولا يعرف ذلك إلا نبي أو ولي، ثم بين ذلك في جميع السورة ليفقّه الناس. وقيل غير هذا من الأقوال، فالله أعلم. 
والوقف على هذه الحروف على السكون لنقصانها إلا إذا أخبرت عنها أو عطفتها فإنك تعربها. واختلف : هل لها محل من الإعراب ؟ فقيل : لا ؛ لأنها ليست أسماء متمكنة، ولا أفعالا مضارعة، وإنما هي بمنزلة حروف التهجي فهي محكية. هذا مذهب الخليل وسيبويه. ومن قال : إنها أسماء السور فموضعها عنده الرفع على أنها عنده خبر ابتداء مضمر، أي هذه " الم "، كما تقول : هذه سورة البقرة. أو تكون رفعا على الابتداء والخبر ذلك، كما تقول : زيد ذلك الرجل. وقال ابن كَيسان النحوي :" الم " في موضع نصب، كما تقول : اقرأ " الم " أو عليك " الم ". وقيل : في موضع خفض بالقسم، لقول ابن عباس : إنها أقسام أقسم الله بها. 
١ في نسخة من الأصل: "ولا يجوز أن نتكلم فيها... وتمر كما" الخ. وفي نسخة: "وتقر كما جاءت..
٢ قال صاحب تهذيب التهذيب: "في التقريب الربيع بن خثيم، بضم المعجمة وفتح المثلثة. ولكن في الخلاصة بفتح المعجمة والمثلثة بينهما تحتانية ساكنة..
٣ في نسخة من الأصل: "تجزون به"..
٤ راجع ج ٤ ص ٩.
٥ راجع ج ١٥ ص ٣٥٦..

### الآية 2:2

> ﻿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [2:2]

قوله تعالى :" ذلك الكتاب " قيل : المعنى هذا الكتاب. و " ذلك " قد تستعمل في الإشارة إلى حاضر، وإن كان موضوعا للإشارة إلى غائب، كما قال تعالى في الإخبار عن نفسه جل وعز :" ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم[(١)](#foonote-١) " \[ السجدة : ٦ \]، ومنه قول خُفاف بن نُدبة :
أقول له والرمح يَأْطِرُ[(٢)](#foonote-٢) متنَه \*\*\* تأمل خُفافا إنني أنا ذلكا
أي أنا هذا. ف " ذلك " إشارة إلى القرآن، موضوع موضع هذا، تلخيصه : الم هذا الكتاب لا ريب فيه. وهذا قول أبي عبيدة وعكرمة وغيرهما، ومنه قوله تعالى :" وتلك حجتنا آتيناها[(٣)](#foonote-٣) إبراهيم " \[ الأنعام : ٨٣ \] " تلك آيات[(٤)](#foonote-٤) الله نتلوها عليك بالحق " \[ البقرة : ٢٥٢ \] أي هذه، لكنها لما انقضت صارت كأنها بعدت فقيل تلك. وفي البخاري " وقال معمر ذلك الكتاب هذا القرآن ". " هدى للمتقين " بيان ودلالة، كقوله :" ذلكم حكم الله[(٥)](#foonote-٥) يحكم بينكم " \[ الممتحنة : ١٠ \] هذا حكم الله. 
قلت : وقد جاء " هذا " بمعنى " ذلك "، ومنه قوله عليه السلام في حديث أم حرام :( يركبون ثبج[(٦)](#foonote-٦) هذا البحر ) أي ذلك البحر، والله أعلم. وقيل : هو على بابه إشارة إلى غائب. 
واختلف في ذلك الغائب على أقوال عشرة، فقيل :" ذلك الكتاب " أي الكتاب الذي كتبتُ على الخلائق بالسعادة والشقاوة والأجل والرزق لا ريب فيه، أي لا مبدل له. وقيل : ذلك الكتاب، أي الذي كتبتُ على نفسي في الأزل ( أن رحمتي سبقت غضبي ). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لما قضى الله الخلق كتب في كتابه على نفسه فهو موضوع عنده أن رحمتي تغلب غضبي ) في رواية :( سبقت ). وقيل : إن الله تعالى قد كان وعد نبيه عليه السلام أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماء، فأشار إلى ذلك الوعد كما في صحيح مسلم من حديث عياض بن حِمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب وقال إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظان ) الحديث. وقيل : الإشارة إلى ما قد نزل من القرآن بمكة. وقيل : إن الله تبارك وتعالى لما أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم بمكة :" إنا سنلقي عليك[(٧)](#foonote-٧) قولا ثقيلا " \[ المزمل : ٥ \] لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مستشرفا ( وفي النسخة : مستسرفا ) لإنجاز هذا الوعد من ربه عز وجل، فلما أنزل عليه بالمدينة :" الم. ذلك الكتاب لا ريب فيه " \[ البقرة : ١ - ٢ \] كان فيه معنى هذا القرآن الذي أنزلته عليك بالمدينة، ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أوحيه إليك بمكة. وقيل : إن " ذلك " إشارة إلى ما في التوراة والإنجيل. و " الم " اسم للقرآن، والتقدير هذا القرآن ذلك الكتاب المفسر في التوراة والإنجيل، يعني أن التوراة والإنجيل يشهدان بصحته ويستغرق ما فيهما ويزيد عليهما ما ليس فيهما. وقيل : إن " ذلك الكتاب " إشارة إلى التوراة والإنجيل كليهما، والمعنى : الم ذانك الكتابان أو مثل ذينك الكتابين، أي هذا القرآن جامع لما في ذينك الكتابين، فعبر ب " بذلك " عن الاثنين بشاهد من القرآن، قال الله تبارك وتعالى :" إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك " \[ البقرة : ٦٨ \] أي عوان بين تينك : الفارض والبكر، وسيأتي[(٨)](#foonote-٨). وقيل : إن " ذلك " إشارة إلى اللوح المحفوظ. وقال الكسائي :" ذلك " إشارة إلى القرآن الذي في السماء لم ينزل بعد. وقيل : إن الله تعالى قد كان وعد أهل الكتاب أن ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم كتابا، فالإشارة إلى ذلك الوعد. قال المبرد : المعنى هذا القرآن ذلك الكتاب الذي كنتم تستفتحون به على الذين كفروا. وقيل : إلى حروف المعجم في قول من قال :" الم " الحروف التي تحديتكم بالنظم منها. 
والكتاب مصدر من كتب يكتب إذا جمع، ومنه قيل : كتيبة، لاجتماعها. وتكتَّبت الخيل صارت كتائب. وكتبتُ البغلة : إذا جمعت بين شُفْري رَحِمِها بحلقة أو سير، قال :
لا تأمنن فَزاريا حللت به \*\*\* على قَلوصك واكتبها بأَسْيَارِ
والكتبة ( بضم الكاف ) : الخرزة، والجمع كتب. والكتب : الخزر. قال ذو الرمة :
وفْرَاءَ غَرْفِيةٍ أثْأَى خوارِزُها \*\*\* مُشَلشِلٌ ضيَّعتْه بينها الكُتَبُ[(٩)](#foonote-٩)
والكتاب : هو خط الكاتب حروف المعجم مجموعة أو متفرقة، وسمي كتابا وإن كان مكتوبا، كما قال الشاعر :
تؤمِّل رجعةً منِّي وفيها \*\*\* كتابٌ مثل ما لصق الغِرَاءُ
والكتاب : الفرض والحكم والقدر، قال الجَعدِي :
يا ابنة عمي كتاب الله أخرجني \*\*\* عنكم وهل أمنعنَّ الله ما فعلا
قوله تعالى :" لا ريب " نفي عام، ولذلك نصب الريب به. وفي الريب ثلاثة معان :
أحدها : الشك، قال عبد الله بن الزبعرى :
ليس في الحق يا أميمةُ ريبٌ \*\*\* إنما الريب ما يقول الجهول
**وثانيها : التهمة، قال جميل :**
بثينةُ قالت يا جميل أرَبْتَنِي\*\*\* فقلت كلانا يا بثينُ مريب
وثالثها : الحاجة، قال[(١٠)](#foonote-١٠) :
قضينا من تهامةَ كلَّ ريب \*\*\* وخيبر ثم أجمعنا السيوفا
فكتاب الله تعالى لا شك فيه ولا ارتياب، والمعنى : أنه في ذاته حق وأنه منزل من عند الله، وصفة من صفاته، غير مخلوق ولا محدث، وإن وقع ريب للكفار. وقيل : هو خبر ومعناه النهي، أي لا ترتابوا، وتم الكلام كأنه قال ذلك الكتاب حقا. وتقول : رابني هذا الأمر إذا أدخل عليك شكا وخوفا. وأراب : صار ذا ريبة، فهو مريب. ورابني أمره. وريب الدهر : صروفه. 
الأول : قوله تعالى :" فيه هدى للمتقين " الهاء في " فيه " في موضع خفض بفي، وفيه خمسة أوجه، أجودها : فيهِ هدى. ويليه : فيهُ هدى ( بضم الهاء بغير واو )[(١١)](#foonote-١١) وهي قراءة الزهري وسلام أبي المنذر. ويليه : فيهي هدى ( بإثبات الياء ) وهي قراءة ابن كثير. ويجوز فيهو هدى ( بالواو ). ويجوز فيه هدى ( مدغما ) وارتفع " هدى " على الابتداء والخبر " فيه ". والهدى في كلام العرب معناه الرشد والبيان، أي فيه كشف لأهل المعرفة ورشد وزيادة بيان وهدى. 
الثانية : الهدى هُديان : هدى دلالة، وهو الذي تقدر عليه الرسل وأتباعهم، قال الله تعالى :" ولكل قوم هاد[(١٢)](#foonote-١٢) " \[ الرعد : ٧ \]. وقال :" وإنك لتهدي إلى صراط[(١٣)](#foonote-١٣) مستقيم " \[ الشورى : ٥٢ \] فأثبت لهم الهدى الذي معناه الدلالة والدعوة والتنبيه، وتفرد هو سبحانه بالهدى الذي معناه التأييد والتوفيق، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم :" إنك لا تهدي[(١٤)](#foonote-١٤) من أحببت " \[ القصص : ٥٦ \] فالهدى على هذا يجيء بمعنى خلق الإيمان في القلب، ومنه قوله تعالى :" أولئك على هدى من ربهم " \[ البقرة : ٥ \] وقوله :" ويهدي من يشاء " \[ فاطر : ٨ \] والهدى : الاهتداء، ومعناه راجع إلى معنى الإرشاد كيفما تصرفت. قال أبو المعالي : وقد ترد الهداية والمراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان والطرق المفضية إليها، من ذلك قوله تعالى في صفة المجاهدين :" فلن يضل أعمالهم[(١٥)](#foonote-١٥). سيهديهم " \[ محمد : ٤ - ٥ \] ومنه قوله تعالى :" فاهدوهم إلى صراط[(١٦)](#foonote-١٦) الجحيم " \[ الصافات : ٢٣ \] معناه فاسلكوهم إليها. 
الثالثة : الهدى لفظ مؤنث. قال الفراء : بعض بني أسد تؤنث الهدى فتقول : هذه هدى حسنة. وقال اللحياني : هو مذكر، ولم يعرب لأنه مقصور والألف لا تتحرك، ويتعدى بحرف وبغير حرف وقد مضى في " الفاتحة[(١٧)](#foonote-١٧) "، تقول : هديته الطريق وإلى الطريق والدار وإلى الدار، أي عرفته. الأولى لغة أهل الحجاز، والثانية حكاها الأخفش. وفي التنزيل :" اهدنا الصراط المستقيم[(١٨)](#foonote-١٨) " و " الحمد لله الذي هدانا[(١٩)](#foonote-١٩) لهذا " \[ الأعراف : ٤٣ \] وقيل : إن الهدى اسم من أسماء النهار ؛ لأن الناس يهتدون فيه لمعايشهم وجميع مأربهم، ومنه قول ابن مُقبل :
\[ حتى استَبَنْتُ الهدى والبيدُ هاجمةٌ \*\*\* يخشعن في الآل غُلْفاً أو يُصلِّينَا \][(٢٠)](#foonote-٢٠)
قوله تعالى :" للمتقين " خص الله تعالى المتقين بهدايته وإن كان هدى للخلق أجمعين تشريفا لهم، لأنهم آمنوا وصدقوا بما فيه. وروي عن أبى رَوق أنه قال :" هدى للمتقين " أي كرامة لهم، يعني إنما أضاف إليهم إجلالا لهم وكرامة لهم وبيانا لفضلهم. وأصل " للمتقين " : للموتقيين بياءين مخففتين، حذفت الكسرة من الياء الأولى لثقلها ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين وأبدلت الواو تاء على أصلهم في اجتماع الواو والتاء وأدغمت التاء في التاء فصار للمتقين. 
الخامسة : التقوى يقال أصلها في اللغة قلة الكلام، حكاه ابن فارس. 
قلت : ومنه الحديث ( التقيُّ مُلْجَم والمتَّقي فوق المؤمن والطائع ) وهو الذي يتقي بصالح عمله وخالص دعائه عذاب الله تعالى، مأخوذ من اتقاء المكروه بما تجعله حاجزا بينك وبينه، كما قال النابغة :
سقط النَّصِيفُ[(٢١)](#foonote-٢١) ولم تُرِدْ إسقاطَهُ \*\*\* فتناولته واتقتنا باليد
**وقال آخر :**
فألقت قناعا دونه الشمس واتقت \*\*\* بأحسن موصولين كفٌّ ومِعْصَمُ
وخرج أبو محمد عبد الغني الحافظ من حديث سعيد بن زَربي أبي عبيدة عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن ابن مسعود قال : قال يوما لابن أخيه : يا ابن أخي ترى الناس ما أكثرهم ؟ قال : نعم، قال : لا خير فيهم إلا تائب أو تقي ثم قال : يا ابن أخي ترى الناس ما أكثرهم ؟ قلت : بلى، قال : لا خير فيهم إلا عالم أو متعلم. وقال أبو يزيد البسطامي : المتقي من إذا قال : قال لله، ومن إذا عمل، عمل لله. وقال أبو سليمان الداراني : المتقون الذين نزع الله عن قلوبهم حب الشهوات. وقيل : المتقي الذي اتقى الشرك وبرئ من النفاق. قال ابن عطية : وهذا فاسد، لأنه قد يكون كذلك وهو فاسق. وسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه أُبيا عن التقوى، فقال : هل أخذت طريقا ذا شوك ؟ قال : نعم : قال فما عملت فيه ؟ قال : تشمرت وحذرت، قال : فذاك التقوى. وأخذ هذا المعنى ابن المعتز فنظمه :
خل الذنوب صغيرها \*\*\* وكبيرها ذاك التُّقَى
واصنع كماش فوق أر \*\*\* ض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة \*\*\* إن الجبال من الحصى
السادسة : التقوى فيها جماع الخير كله، وهي وصية الله في الأولين والآخرين، وهي خير ما يستفيده الإنسان، كما قال أبو الدرداء وقد قيل له : إن أصحابك يقولون الشعر وأنت ما حفظ عنك شيء، فقال :
يريد المرء أن يؤتى مناه \*\*\* ويأبى الله إلا ما أرادا
يقول المرء فائدتي ومالي \*\*\* وتقوى الله أفضل ما استفادا
وروى ابن ماجه في سننه عن أبى أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول :( ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خير له من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته وإن نظر إليها سرته وإن أقسم عليها أبرته وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله ). والأصل في التقوى : وَقْوَى على وزن فعلى فقلبت الواو تاء من وقيته أقيه أي منعته، ورجل تقي أي خائف، أصله وقي، وكذلك تقاة، كانت في الأصل : وقاة، كما قالوا : تجاه وتراث، والأصل وجاه ووراث.

١ سورة السجدة آية ٦.
٢ يأطر: يثني.
٣ سورة الأنعام آية ٨٣.
٤ سورة البقرة آية ٢٥٢.
٥ سورة الممتحنة آية ١٠.
٦ ثبج البحر: وسطه ومعظمه..
٧ سورة المزمل آية ٥.
٨ آية ٦٨ راجع ص ٤٤٨ من هذا الجزء.
٩ قوله: "وفراء" أي واسعة. و"غرفية" مدبوغة بالغرف، وهو نبت تدبغ به الجلود. والثَّأْي والثأَي (بسكون الهمزة وفتحها): خرم خرز الأديم. والمشلشل: الذي يكاد يتصل قطره وسيلانه لتتابعه..
١٠ هو كعب بن مالك الأنصاري؛ كما في اللسان مادة (ريب)..
١١ أي بعد الهاء من "فيه".
١٢ راجع ج ٩ ص ٢٨٥.
١٣ راجع ج ١٦ ص ٦٠..
١٤ راجع ج ١٣ ص ٢٩٩.
١٥ راجع ج ١٦ ص ٢٣٠.
١٦ راجع ج ١٥ ص ٧٣.
١٧ راجع ص ١٤٦ من هذا الجزء.
١٨ راجع ص ١٤٦ من هذا الجزء.
١٩ راجع ج ٧ ص ٢٠٧..
٢٠ هذا البيت ساقط في جميع الأصول، والزيادة من اللسان مادة (هدى) والبحر المحيط في هذا الموضوع..
٢١ النصيف: ثوب تتجلل به المرأة فوق ثيابها كلها، سمي نصيفا؛ لأنه نصف بين الناس وبينها فحجز أبصارهم عنها..

### الآية 2:3

> ﻿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [2:3]

**فيها ست وعشرون مسألة :**
الأولى : قوله :" الذين " في موضع خفض نعت " للمتقين "، ويجوز الرفع على القطع أي هم الذين، ويجوز النصب على المدح. " يؤمنون " يصدقون. والإيمان في اللغة : التصديق، وفي التنزيل :" وما أنت[(١)](#foonote-١) بمؤمن لنا " \[ يوسف : ١٧ \] أي بمصدق، ويتعدى بالباء واللام، كما قال :" ولا تؤمنوا إلا لمن تبع[(٢)](#foonote-٢) دينكم " \[ آل عمران : ٧٣ \] " فما آمن[(٣)](#foonote-٣) لموسى " \[ يونس : ٨٣ \] وروى حجاج بن حجاج الأحول - ويلقب بزقّ العسل - قال سمعت قتادة يقول : يا ابن آدم، إن كنت لا تريد أن تأتي الخير إلا عن نشاط فإن نفسك مائلة إلى السآمة والفترة والملة، ولكن المؤمن هو المتحامل[(٤)](#foonote-٤)، والمؤمن هو المتقوي، والمؤمن هو المتشدد، وإن المؤمنين هم العجَّاجون[(٥)](#foonote-٥) إلى الله الليل والنهار، والله ما يزال المؤمن يقول : ربنا في السر والعلانية حتى استجاب لهم في السر والعلانية. 
الثانية : قوله تعالى :" بالغيب " الغيب في كلام العرب : كل ما غاب عنك، وهو من ذوات الياء يقال منه : غابت الشمس تغيب، والغيبة معروفة. وأغابت المرأة، فهي مغيبة : إذا غاب عنها زوجها، ووقعنا في غيبة وغيابة، أي هبطة من الأرض، والغيابة : الأجمة، وهي جماع الشجر يغاب فيها، ويسمى المطمئن من الأرض : الغيب ؛ لأنه غاب عن البصر. 
الثالثة : واختلف المفسرون في تأويل الغيب هنا، فقالت فرقة : الغيب في هذه الآية : الله سبحانه. وضعفه ابن العربي. وقال آخرون : القضاء والقدر. وقال آخرون : القرآن وما فيه من الغيوب. وقال آخرون : الغيب كل ما أخبر به الرسول عليه السلام مما لا تهتدي إليه العقول من أشراط الساعة وعذاب القبر والحشر والنشر والصراط والميزان والجنة والنار. قال ابن عطية : وهذه الأقوال لا تتعارض بل يقع الغيب على جميعها. 
قلت : وهذا الإيمان الشرعي المشار إليه في حديث جبريل عليه السلام حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم : فأخبرني عن الإيمان. قال :( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره ). قال : صدقت. وذكر الحديث. وقال عبد الله بن مسعود : ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب، ثم قرأ :" الذين يؤمنون بالغيب " \[ البقرة : ٣ \]. 
قلت : وفي التنزيل :" وما كنا غائبين[(٦)](#foonote-٦) " \[ الأعراف : ٧ \] وقال :" الذين يخشون ربهم[(٧)](#foonote-٧) بالغيب " \[ الأنبياء : ٤٩ \] فهو سبحانه غائب عن الأبصار، غير مرئي في هذه الدار، غير غائب بالنظر والاستدلال، فهم يؤمنون أن لهم ربا قادرا يجازي على الأعمال، فهم يخشونه في سرائرهم وخلواتهم التي يغيبون فيها عن الناس، لعلمهم بإطلاعه عليهم، وعلى هذا تتفق الآي ولا تتعارض، والحمد لله. وقيل :" بالغيب " أي بضمائرهم وقلوبهم بخلاف المنافقين، وهذا قول حسن. وقال الشاعر :وبالغيب آمَنَّا وقد كان قومُنَا  يصلّون للأوثان قبل محمدالرابعة : قوله تعالى :" ويقيمون الصلاة " معطوف جملة على جملة. وإقامة الصلاة أداؤها بأركانها وسننها وهيئاتها في أوقاتها، على ما يأتي بيانه. يقال : قام الشيء أي دام وثبت، وليس من القيام على الرجل، وإنما هو من قولك : قام الحق أي ظهر وثبت، قال الشاعر :
وقامت الحرب بنا على ساق
**وقال آخر :**وإذا يقال أتيتم لم يبرحوا  حتى تقيم الخيل سوقَ طِعانِوقيل :" يقيمون " يديمون، وأقامه أي أدامه، وإلى هذا المعنى أشار عمر بقوله : من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع. 
الخامسة : إقامة الصلاة معروفة، وهي سنة عند الجمهور، وأنه لا إعادة على تاركها. وعند الأوزاعي وعطاء ومجاهد وابن أبي ليلى هي واجبة وعلى من تركها الإعادة، وبه قال أهل الظاهر، وروي عن مالك، واختاره ابن العربي قال : لأن في حديث الأعرابي ( وأقم ) فأمره بالإقامة كما أمره بالتكبير والاستقبال والوضوء. 
قال : فأما أنتم الآن وقد وقفتم على الحديث فقد تعين عليكم أن تقولوا بإحدى روايتي مالك الموافقة للحديث وهي أن الإقامة فرض. قال ابن عبد البر قوله :( وتحريمها التكبير ) دليل على أنه لم يدخل في الصلاة من لم يحرم، فما كان قبل الإحرام فحكمه ألا تعاد منه الصلاة إلا أن يجمعوا على شيء فيسلم للإجماع كالطهارة والقبلة والوقت ونحو ذلك. وقال بعض علمائنا : من تركها عمدا أعاد الصلاة، وليس ذلك لوجوبها إذ لو كان ذلك لاستوى سهوها وعمدها، وإنما ذلك للاستخفاف بالسنن، والله أعلم. 
السادسة : واختلف العلماء فيمن سمع الإقامة هل يسرع أو لا ؟ فذهب الأكثر إلى أنه لا يسرع وإن خاف فوت الركعة لقوله عليه السلام :( إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا ). رواه أبو هريرة أخرجه مسلم. وعنه أيضا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إذا ثوب بالصلاة فلا يَسْعَ إليها أحدكم ولكن ليمش وعليه السكينة والوقار صل ما أدركت واقض ما سبقك ). وهذا نص. ومن جهة المعنى أنه إذا أسرع انبهر[(٨)](#foonote-٨) فشوش عليه دخوله في الصلاة وقراءتها وخشوعها. وذهب جماعة من السلف منهم ابن عمر وابن مسعود على اختلاف عنه أنه إذا خاف فواتها أسرع. وقال إسحاق : يسرع إذا خاف فوات الركعة، وروي عن مالك نحوه. وقال : لا بأس لمن كان على فرس أن يحرك الفرس، وتأوله بعضهم على الفرق بين الماشي والراكب، لأن الراكب لا يكاد أن ينبهر كما ينبهر الماشي. 
قلت : واستعمال سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل حال أولى، فيمشي كما جاء الحديث وعليه السكينة والوقار ؛ لأنه في صلاة ومحال أن يكون خبره صلى الله عليه وسلم على خلاف ما أخبر، فكما أن الداخل في الصلاة يلزم الوقار والسكون كذلك الماشي، حتى يحصل له التشبه به فيحصل له ثوابه. ومما يدل على صحة هذا ما ذكرناه من السنة، وما خرجه الدارمي في مسنده قال : حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا سفيان عن محمد بن عجلان عن المقبري عن كعب بن عُجْرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إذا توضأت فعمدت إلى المسجد فلا تشبكن بين أصابعك فإنك في صلاة ). فمنع صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وهو صحيح مما هو أقل من الإسراع وجعله كالمصلي، وهذه السنن تبين معنى قوله تعالى :" فاسعوا إلى[(٩)](#foonote-٩)
ذكر الله " \[ الجمعة : ٩ \] وأنه ليس المراد به الاشتداد على الأقدام، وإنما عنى العمل والفعل، هكذا فسره مالك. وهو الصواب في ذلك والله أعلم. 
السابعة : واختلف العلماء في تأويل قوله عليه السلام :( وما فاتكم فأتموا ) وقوله :( واقض ما سبقك ) هل هما بمعنى واحد أو لا ؟ فقيل : هما بمعنى واحد وأن القضاء قد يطلق ويراد به التمام، قال الله تعالى :" فإذا قضيت[(١٠)](#foonote-١٠) الصلاة " \[ الجمعة : ١٠ \] وقال :" فإذا قضيتم[(١١)](#foonote-١١) مناسككم " \[ البقرة : ٢٠٠ \]. وقيل : معناهما مختلف وهو الصحيح، ويترتب على هذا الخلاف خلاف فيما يدركه الداخل هل هو أول صلاته أو أخرها ؟ فذهب إلى الأول جماعة من أصحاب مالك - منهم ابن القاسم - ولكنه يقضي ما فاته بالحمد وسورة، فيكون بانيا في الأفعال قاضيا في الأقوال. قال ابن عبد البر : وهو المشهور من المذهب. وقال ابن خويز منداد : وهو الذي عليه أصحابنا، وهو قول الأوزاعي والشافعي ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل والطبري وداود بن علي. وروى أشهب وهو الذي ذكره ابن عبد الحكم عن مالك، ورواه عيسى عن ابن القاسم عن مالك، أن ما أدرك فهو آخر صلاته، وأنه يكون قاضيا في الأفعال والأقوال، وهو قول الكوفيين. قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب : وهو مشهور مذهب مالك. قال ابن عبد البر : من جعل ما أدرك أول صلاته فأظنهم راعوا الإحرام، لأنه لا يكون إلا في أول الصلاة، والتشهد والتسليم لا يكون إلا في أخرها، فمن ههنا قالوا : إن ما أدرك فهو أول صلاته، مع ما ورد في ذلك من السنة من قوله :( فأتموا ) والتمام هو الآخر. 
واحتج الآخرون بقوله :( فاقضوا ) والذي يقضيه هو الفائت، إلا أن رواية من روى " فأتموا " أكثر، وليس يستقيم على قول من قال : إن ما أدرك أول صلاته ويطرد، إلا ما قاله عبد العزيز بن أبي سلمة الماجِشون والمزني وإسحاق وداود من أنه يقرأ مع الإمام بالحمد وسورة إن أدرك ذلك معه، وإذا قام للقضاء قرأ بالحمد وحدها، فهؤلاء اطرد على أصلهم قولهم وفعلهم، رضي الله عنهم. 
الثامنة : الإقامة تمنع من ابتداء صلاة نافلة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ) خرجه مسلم وغيره، فأما إذا شرع في نافلة فلا يقطعها، لقوله تعالى :" ولا تبطلوا أعمالكم[(١٢)](#foonote-١٢) " \[ محمد : ٣٣ \] وخاصة إذا صلى ركعة منها. وقيل : يقطعها لعموم الحديث في ذلك. والله أعلم. 
التاسعة : واختلف العلماء فيمن دخل المسجد ولم يكن ركع ركعتي الفجر ثم أقيمت الصلاة، فقال مالك : يدخل مع الإمام ولا يركعهما، وإن كان لم يدخل المسجد، فإن لم يخف فوات ركعة فليركع خارج المسجد، ولا يركعهما في شيء من أفنية المسجد - التي تصلى فيها الجمعة - اللاصقة بالمسجد، وإن خاف أن تفوته الركعة الأولى فليدخل وليصل معه، ثم يصليهما إذا طلعت الشمس إن أحب، ولأن يصليهما إذا طلعت الشمس أحب إلي وأفضل من تركهما، وقال أبو حنيفة وأصحابه : إن خشي أن تفوته الركعتان ولا يدرك الإمام قبل رفعه من الركوع في الثانية دخل معه، وإن رجا أن يدرك ركعة صلى ركعتي الفجر خارج المسجد، ثم يدخل مع الإمام وكذلك قال الأوزاعي، إلا أنه يجوز ركوعهما في المسجد ما لم يخف فوت الركعة الأخيرة. وقال الثوري : إن خشي فوت ركعة دخل معهم ولم يصلهما وإلا صلاهما وإن كان قد دخل المسجد. وقال الحسن بن حي ويقال ابن حيان : إذا أخذ المقيم في الإقامة فلا تطوع إلا ركعتي الفجر. وقال الشافعي : من دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة دخل مع الإمام ولم يركعهما لا خارج المسجد ولا في المسجد. وكذلك قال الطبري، وبه قال أحمد بن حنبل وحكي عن مالك، وهو الصحيح في ذلك، لقوله عليه السلام. ( إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ). وركعتا الفجر إما سنة، وإما فضيلة، وإما رغيبة، والحجة عند التنازع حجة السنة. ومن حجة قول مالك المشهور وأبي حنيفة ما روي عن ابن عمر أنه جاء والإمام يصلي صلاة الصبح فصلاهما في حجرة حفصة، ثم إنه صلى مع الإمام. ومن حجة الثوري والأوزاعي ما روي عن عبد الله بن مسعود أنه دخل المسجد. وقد أقيمت الصلاة فصلى إلى أسطوانة[(١٣)](#foonote-١٣) في المسجد ركعتي الفجر، ثم دخل الصلاة بمحضر من حذيفة وأبي موسى رضي الله عنهما. قالوا :( وإذا جاز أن يشتغل بالنافلة عن المكتوبة خارج المسجد جاز له ذلك في المسجد )، روى مسلم عن عبد الله بن مالك ابن بُحَينة[(١٤)](#foonote-١٤) قال : أقيمت صلاة الصبح فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يصلي والمؤذن يقيم، فقال :( أتصلي الصبح أربعا ) وهذا إنكار منه صلى الله عليه وسلم على الرجل لصلاته ركعتي الفجر في المسجد والإمام يصلي، ويمكن أن يستدل به أيضا على أن ركعتي الفجر إن وقعت في تلك الحال صحت، لأنه عليه السلام لم يقطع عليه صلاته مع تمكنه من ذلك، والله أعلم. 
العاشرة : الصلاة أصلها في اللغة الدعاء، مأخوذة من صلى يصلي إذا دعا، ومنه قوله عليه السلام :( إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطرا ف١ سورة يوسف آية ١٧.
٢ سورة آل عمران آية ٣٧.
٣ سورة يونس آية ٨٣.
٤ تحامل في الأمر وبه: تكلفه على مشقة وإعياء..
٥ العج: رفع الصوت بالتلبية..
٦ سورة الأعراف آية ٧..
٧ سورة الأنبياء آية ٤٩..
٨ البهر (بالضم): تتابع النفس من الإعياء..
٩ سورة الجمعة آية ٩..
١٠ سورة الجمعة آية ١٠.
١١ سورة البقرة آية ٢٠٠..
١٢ سورة محمد آية ٣٣.
١٣ الأسطوانة: العامود..
١٤ "بحينة": أمة، وهي بنت الحارث بن عبد المطلب. وأبوه مالك بن القشب بن فضلة الأزدى..

### الآية 2:4

> ﻿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [2:4]

قوله تعالى :" والذين يؤمنون بما أنزل إليك " قيل : المراد مؤمنو أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وفيه نزلت، ونزلت الأولى في مؤمني العرب. وقيل : الآيتان جميعا في المؤمنين، وعليه فإعراب " الذين " خفض على العطف، ويصح أن يكون رفعا على الاستئناف أي وهم الذين. ومن جعلها في صنفين فإعراب " الذين " رفع بالابتداء، وخبره " أولئك على هدى " ويحتمل الخفض عطفا. 
قوله تعالى :" بما أنزل إليك " يعني القرآن " وما أنزل من قبلك " يعني الكتب السالفة، بخلاف ما فعله اليهود والنصارى حسب ما أخبر الله عنهم في قوله :" وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا[(١)](#foonote-١) نؤمن بما أنزل علينا " \[ البقرة : ٩١ \] الآية. ويقال : لما نزلت هذه الآية :" الذين يؤمنون بالغيب " قالت اليهود والنصارى : نحن آمنا بالغيب، فلما قال :" ويقيمون الصلاة " \[ البقرة : ٣ \] قالوا : نحن نقيم الصلاة، فلما قال " ومما رزقناهم ينفقون " قالوا : نحن ننفق ونتصدق، فلما قال :" والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك " نفروا من ذلك. وفي حديث أبي ذر قال : قلت : يا رسول الله كم كتابا أنزل الله ؟ قال :( مائة كتاب وأربعة كتب أنزل الله على شيث خمسين صحيفة وعلى أخنوخ[(٢)](#foonote-٢) ثلاثين صحيفة وعلى إبراهيم عشر صحائف وأنزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ). الحديث أخرجه الحسين الآجرّي وأبو حاتم البستي. 
وهنا مسألة : إن قال قائل : كيف يمكن الإيمان بجميعها مع تنافي أحكامها ؟ قيل له فيه جوابان : أحدهما - أن الإيمان بأن جميعها نزل من عند الله، وهو قول من أسقط التعبد بما تقدم من الشرائع. الثاني - أن الإيمان بما لم ينسخ منها، وهذا قول من أوجب التزام الشرائع المتقدمة، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. 
قوله تعالى :" وبالآخرة هم يوقنون " أي وبالبعث والنشر هم عالمون. واليقين : العلم دون الشك، يقال منه : يَقِنْتُ الأمر ( بالكسر ) يقنا، وأيقنت واستيقنت وتيقنت كله بمعنى، وأنا على يقين منه. وإنما صارت الياء واوا في قولك : موقن، للضمة قبلها، وإذا صغرته رددته إلى الأصل فقلت مييقن والتصغير يرد الأشياء إلى أصولها وكذلك الجمع. وربما عبروا باليقين عن الظن، ومنه قول علمائنا في اليمين اللغو : هو أن يحلف بالله على أمر يوقنه ثم يتبين له أنه خلاف ذلك فلا شيء عليه، قال الشاعر[(٣)](#foonote-٣) :

تحسّبَ هوّاسٌ وأيقن أنني  بها مفتدٍ من واحد لا أغامرهيقول : تشمم الأسد ناقتي، يظن أنني مفتد بها منه، وأستحمي نفسي فأتركها له ولا أقتحم المهالك بمقاتلته. فأما الظن بمعنى اليقين فورد في التنزيل وهو في الشعر كثير، وسيأتي. والآخرة مشتقة من التأخر لتأخرها عنا وتأخرنا عنها، كما أن الدنيا مشتقة من الدنوّ، على ما يأتي. 
١ راجع ج ٢ ص ٢٩.
٢ أخنوخ هو إدريس عليه السلام..
٣ هو أبو سدرة الأسدي، ويقال: الهجيمي..

### الآية 2:5

> ﻿أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [2:5]

قوله تعالى :" أولئك على هدى " قال النحاس أهل نجد يقولون : أُلاك، وبعضهم يقول : أُلالك، والكاف للخطاب. قال الكسائي : من قال أولئك فواحده ذلك، ومن قال ألاك فواحده ذاك، وألالك مثل أولئك، وأنشد ابن السكيت :

ألالك قومي لم يكونوا أُشابة[(١)](#foonote-١)  وهل يعظ الضِّلّيل إلا ألالكاوربما قالوا : أولئك في غير العقلاء، قال الشاعر :ذُمّ المَنَازِلَ بعد منزلةِ اللِّوَى  والعيشَ بعد أولئكَ الأيامِوقال تعالى :" إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا[(٢)](#foonote-٢) " \[ الإسراء : ٣٦ \] وقال علماؤنا : إن في قوله تعالى :" من ربهم " ردا على القدرية في قولهم : يخلقون إيمانهم وهداهم، تعالى الله عن قولهم ولو كان كما قالوا لقال :" من أنفسهم "، وقد تقدم الكلام فيه[(٣)](#foonote-٣) وفي الهدى[(٤)](#foonote-٤) فلا معنى لإعادة ذلك. 
 " وأولئك هم المفلحون " " هم " يجوز أن يكون مبتدأ ثانيا وخبره " المفلحون "، والثاني وخبره خبر الأول، ويجوز أن تكون " هم " زائدة - يسميها البصريون فاصلة والكوفيون عمادا - و " المفلحون " خبر " أولئك ". 
والفلح أصله في اللغة الشق والقطع، قال الشاعر :
إن الحديد بالحديد يُفلَح
أي يشق، ومنه فلاحة الأرضين إنما هو شقها للحرث، قال أبو عبيد. ولذلك سمي الأكّار[(٥)](#foonote-٥) فلاحا. ويقال للذي شقت شفته السفلى أفلح، وهو بيّن الفلَحة، فكأن المفلح قد قطع المصاعب حتى نال مطلوبه. وقد يستعمل في الفوز والبقاء، وهو أصله أيضا في اللغة، ومنه قول الرجل لامرأته : استفلحي بأمرك، معناه فوزي بأمرك، وقال الشاعر :لو كان حيّ مدرك الفلاح  أدركه مُلاعب الرماحوقال الأضبط بن قُرَيع السعدي في الجاهلية الجهلاء :لكل هم من الهموم سعهْ  والمُسيُ والصُبح لا فلاح معهْيقول : ليس مع كر الليل والنهار بقاء. وقال آخر :نحل بلادا كلها حل قبلنا  ونرجو الفلاح بعد عاد وحمير**أي البقاء : وقال عبيد :**أفلح بما شئت فقد يُدْرَكُ بالض  عف وقد يُخدَّع الأريبأي أبق بما شئت من كيس وحمق فقد يرزق الأحمق ويحرم العاقل. فمعنى " وأولئك هم المفلحون " : أي الفائزون بالجنة والباقون فيها. وقال ابن أبي إسحاق : المفلحون هم الذين أدركوا ما طلبوا ونجوا من شر ما منه هربوا، والمعنى واحد. وقد استعمل الفلاح في السحور، ومنه الحديث : حتى كاد يفوتنا الفلاح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت : وما الفلاح ؟ قال : السحور. أخرجه أبو داود. فكأن معنى الحديث أن السحور به بقاء الصوم فلهذا سماه فلاحا. والفلاح ( بتشديد اللام ) : المُكاري في قول القائل[(٦)](#foonote-٦) :لها رِطلٌ تكيل الزيت فيه  وفلاَّحٌ يسوق لها حماراثم الفلاح في العرف : الظفر بالمطلوب، والنجاة من المرهوب. 
مسألة : إن قال كيف قرأ حمزة : عليهُم وإليهُم ولديهُم، ولم يقرأ من ربهُم ولا فيهُم ولا جنتيهُم ؟ فالجواب أن عليهم وإليهم ولديهم الياء فيه منقلبة من ألف، والأصل علاهم ولداهم وإلاهم فأقرت الهاء على ضمتها، وليس ذلك في فيهم ولا من ربهم ولا جنتيهم، ووافقه الكسائي في " عليهم الذلة " و " إليهم اثنين " على ما هو معروف من القراءة عنهما. 
١ الأشابة من الناس: الأخلاط: والأشابة في الكسب: ما خالطه الحرام الذي لا خير فيه والسحت..
٢ راجع ج ١٠ ص ٢٥٩..
٣ راجع المسألة الحادية والثلاثين ص ١٤٩..
٤ راجع المسألة الثانية ص ١٦٠ من هذا الجزء..
٥ الذي يحرث الأرض.
٦ هو عمرو بن أحمد الباهلي، كما في اللسان مادة (فلح)..

### الآية 2:6

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [2:6]

قوله تعالى : إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ٦  لما ذكر المؤمنين وأحوالهم ذكر الكافرين ومآلهم. والكفر ضد الإيمان وهو المراد في الآية. وقد يكون بمعنى جحود النعمة والإحسان، ومنه قوله عليه السلام في النساء في حديث الكسوف :( ورأيت النار فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع ورأيت أكثر أهلها النساء ) قيل : بم يا رسول الله ؟ قال :( بكفرهن )، قيل أيكفرن بالله ؟ قال :( يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط ) أخرجه البخاري وغيره. 
وأصل الكفر في كلام العرب : الستر والتغطية، ومنه قول الشاعر :
في ليلة كفر النجومَ غمامُها
أي سترها. 
ومنه سمي الليل كافرا ؛ لأنه يغطي كل شيء بسواده، قال الشاعر[(١)](#foonote-١) :

فتذكَّرَا ثَقَلاً رَثيداً بعدما  ألقت ذُكاءُ يمينها في كافرذكاء ( بضم الذال والمد ) : اسم للشمس، ومنه قول الآخر :فوردت قبل انبلاج الفجر  وابنُ ذُكاء كامنٌ في كَفْرأي في ليل. والكافر أيضا : البحر والنهر العظيم. والكافر : الزارع، والجمع كفار، قال الله تعالى :" كمثل غيث أعجب الكفار نباته[(٢)](#foonote-٢) " \[ الحديد : ٢٠ \]. يعني الزراع لأنهم يغطون الحب. ورماد مكفور : سفت الريح عليه التراب. والكافر من الأرض : ما بعد عن الناس لا يكاد ينزله ولا يمر به أحد، ومن حل بتلك المواضع فهم أهل الكُفُور. ويقال الكفور : القرى. 
قوله تعالى :" سواء عليهم " معناه معتدل عندهم الإنذار وتركه، أي سواء عليهم هذا. وجيء بالاستفهام من أجل التسوية، ومثله قوله تعالى :" سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين[(٣)](#foonote-٣) " \[ الشعراء : ١٣٦ \]. وقال الشاعر[(٤)](#foonote-٤) :وليل يقول الناس من ظلماته  سواء صحيحاتُ العيون وعورُهاقوله تعالى :" أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون " الإنذار الإبلاغ والإعلام، ولا يكاد يكون إلا في تخويف يتسع زمانه للاحتراز، فإن لم يتسع زمانه للاحتراز كان إشعارا ولم يكن إنذارا، قال الشاعر :أنذرت عَمرًا وهو في مَهَلٍ  قبل الصباح فقد عصى عمرُووتناذر بنو فلان هذا الأمر إذا خوفه بعضهم بعضا
واختلف العلماء في تأويل هذه الآية، فقيل : هي عامة ومعناها الخصوص فيمن حقت عليه كلمة العذاب، وسبق في علم الله أنه يموت على كفره. أراد الله تعالى أن يعلم أن في الناس من هذه حاله دون أن يعين أحدا. وقال ابن عباس والكلبي : نزلت في رؤساء اليهود، منهم حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف ونظراؤهما. وقال الربيع بن أنس : نزلت فيمن قتل يوم بدر من قادة الأحزاب، والأول أصح، فإن من عين أحدا فإنما مثل بمن كشف الغيب عنه بموته على الكفر، وذلك داخل في ضمن الآية. 
قوله تعالى " لا يؤمنون " موضعه رفعٌ خبر " إنّ " أي إن الذين كفروا لا يؤمنون. وقيل : خبر " إن " " سواء " وما بعده يقوم مقام الصلة، قاله ابن كيسان. وقال محمد بن يزيد :" سواء " رفع بالابتداء، " أأنذرتهم أم لم تنذرهم " الخبر، والجملة خبر " إن ". قال النحاس : أي إنهم تبالهوا فلم تغن فيهم النذارة شيئا. واختلف القراء في قراءة " أأنذرتهم " فقرأ أهل المدينة وأبو عمرو والأعمش وعبد الله بن أبي إسحاق :" آنذرتهم " بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية، واختارها الخليل وسيبويه، وهي لغة قريش وسعد بن بكر، وعليها قول الشاعر[(٥)](#foonote-٥) :أيا ظبيةَ الوعساءِ بين جُلاَجِلٍ  وبين النَّقَا آنتَ أمْ أمّ سالمِهجاء " آنت " ألف واحدة. وقال آخر :
تطالَلْتُ فاستشرفتُه فعرفته \*\*\* فقلت له : آنت زيدُ الأرانب
وروي عن ابن مُحَيصِن أنه قرأ :" أنذرتهم أم لم تنذرهم " بهمزة لا ألف بعدها، فحذف لالتقاء الهمزتين، أو لأن أم تدل على الاستفهام، كما قال الشاعر :ترُوحُ من الحي أم تبتكر  وماذا يضيرُكَ لو تنتظرأراد : أتروح، فاكتفى بأم من الألف. وروي عن ابن أبي إسحاق أنه قرأ :" أأنذرتهم " فحقق الهمزتين وأدخل بينهما ألفا لئلا يجمع بينهما. قال أبو حاتم : ويجوز أن تدخل بينهما ألفا وتخفف الثانية، وأبو عمرو ونافع يفعلان ذلك كثيرا. وقرأ حمزة وعاصم والكسائي بتحقيق الهمزتين :" أأنذرتهم " وهو اختيار أبي عبيد، وذلك بعيد عند الخليل. وقال سيبويه : يشبه في الثقل ضَنِنوا. قال الأخفش : ويجوز تخفيف الأولى من الهمزتين وذلك رديء ؛ لأنهم إنما يخففون بعد الاستثقال، وبعد حصول الواحدة. قال أبو حاتم : ويجوز تخفيف الهمزتين جميعا. فهذه سبعة أوجه من القراءات، ووجه ثامن يجوز في غير القرآن، لأنه مخالف للسواد[(٦)](#foonote-٦). قال الأخفش سعيد : تبدل من الهمزة هاء تقول : هأنذرتهم، كما يقال هياك وإياك، وقال الأخفش في قوله تعالى :" ها أنتم " \[ آل عمران : ٦٦ \] إنما هو أاأنتم. 
١ هو ثعلبة بن صعيرة المازني، يصف الظليم والنعامة ورواحهما إلى بيضهما عند غروب الشمس. والثقل (بالتحريك) هنا: بيض النعام المصون. والرشيد: المنضد بعضه فوق بعض أو إلى جنب بعض. وألقت يمينا في كافر: أي بدأت في المغيب. اللسان مادة (كفر)..
٢ راجع ج ١٧ ص ٢٥٥..
٣ راجع ج ١٣ ص ١٢٥..
٤ هو أعشى قيس الملقب بالأعشى الأكبر..
٥ هو ذو الرمة كما في كتاب سيبويه، والمفصل للزمخشري..
٦ السواد من الناس هم الجمهور الأعظم..

### الآية 2:7

> ﻿خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [2:7]

قوله تعالى : ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم ٧ 
**فيها عشر مسائل :**
الأولى : قوله تعالى : ختم الله  بَيَّن سبحانه في هذه الآية المانع لهم من الإيمان بقوله :" ختم الله ". والختم مصدر ختمت الشيء ختما فهو مختوم ومختم، شدد للمبالغة، ومعناه التغطية على الشيء والاستيثاق منه حتى لا يدخله شيء، ومنه : ختم الكتاب والباب وما يشبه ذلك، حتى لا يوصل إلى ما فيه، ولا يوضع فيه غير ما فيه. 
وقال أهل المعاني : وصف الله تعالى قلوب الكفار بعشرة أوصاف : بالختم والطبع والضيق والمرض والرَّين والموت والقساوة والانصراف والحَمِية والإنكار. فقال في الإنكار :" قلوبهم منكرة وهم مستكبرون[(١)](#foonote-١) " \[ النحل : ٢٢ \]. وقال في الحمية :" إذ جعل الذين[(٢)](#foonote-٢) كفروا في قلوبهم الحمية ". \[ الفتح : ٢٦ \] وقال في الانصراف :" ثم انصرفوا صرف[(٣)](#foonote-٣) الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون " \[ التوبة : ١٢٧ \]. وقال في القساوة :" فويل للقاسية[(٤)](#foonote-٤) قلوبهم من ذكر الله " \[ الزمر : ٢٢ \]. وقال :" ثم قست[(٥)](#foonote-٥) قلوبكم من بعد ذلك " \[ البقرة : ٧٤ \]. وقال في الموت :" أو من كان[(٦)](#foonote-٦) ميتا فأحييناه " \[ الأنعام : ١٢٢ \]. وقال :" إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى[(٧)](#foonote-٧) يبعثهم الله " \[ الأنعام : ٣٦ \]. وقال في الرين :" كلا بل ران[(٨)](#foonote-٨) على قلوبهم ما كانوا يكسبون ". \[ المطففين : ١٤ \]. وقال في المرض :" في قلوبهم مرض ". \[ محمد : ٢٩ \] وقال في الضيق :" ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا[(٩)](#foonote-٩) حرجا ". \[ الأنعام : ١٢٥ \]. وقال في الطبع :" وطبع على قلوبهم[(١٠)](#foonote-١٠) فهم لا يفقهون " \[ التوبة : ٨٧ \]. وقال :" بل طبع الله عليها[(١١)](#foonote-١١) بكفرهم " \[ النساء : ١٥٥ \]. وقال في الختم :" ختم الله على قلوبهم ". \[ البقرة : ٧ \]. وسيأتي بيانها كلها في مواضعها إن شاء الله تعالى. 
الثانية : الختم يكون محسوسا كما بينا، ومعنى كما في هذه الآية. فالختم على القلوب : عدم الوعي عن الحق - سبحانه - مفهوم مخاطباته والفكر في آياته. وعلى السمع : عدم فهمهم للقرآن إذا تلي عليهم أو دعوا إلى وحدانيته. وعلى الأبصار : عدم هدايتها للنظر في مخلوقاته وعجائب مصنوعاته، هذا معنى قول ابن عباس وابن مسعود وقتادة وغيرهم. 
الثالثة : في هذه الآية أدل دليل وأوضح سبيل على أن الله سبحانه خالق الهدى والضلال، والكفر والإيمان، فاعتبروا أيها السامعون، وتعجبوا أيها المفكرون من عقول القدرية القائلين بخلق إيمانهم وهداهم، فإن الختم هو الطبع فمن أين لهم الإيمان ولو جهدوا، وقد طبع على قلوبهم وعلى سمعهم وجعل على أبصارهم غشاوة، فمتى يهتدون، أو من يهديهم من بعد الله إذا أضلهم وأصمهم وأعمى أبصارهم " ومن يضلل[(١٢)](#foonote-١٢) الله فما له من هاد " \[ الزمر : ٢٣ \] وكان فعل الله ذلك عدلا فيمن أضله وخذله، إذ لم يمنعه حقا وجب له فتزول صفة العدل، وإنما منعهم ما كان له أن يتفضل به عليهم لا ما وجب لهم. 
فإن قالوا : إن معنى الختم والطبع والغشاوة التسمية والحكم والإخبار بأنهم لا يؤمنون، لا الفعل. قلنا : هذا فاسد ؛ لأن حقيقة الختم والطبع إنما هو فعل ما يصير به القلب مطبوعا مختوما، لا يجوز أن تكون حقيقته التسمية والحكم، ألا ترى أنه إذا قيل : فلان طبع الكتاب وختمه، كان حقيقة أنه فعل ما صار به الكتاب مطبوعا ومختوما، لا التسمية والحكم. هذا ما لا خلاف فيه بين أهل اللغة، ولأن الأمة مجمعة على أن الله تعالى قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين مجازاة لكفرهم، كما قال تعالى :" بل طبع الله عليها بكفرهم " \[ النساء : ١٥٥ \]. وأجمعت الأمة على أن الطبع والختم على قلوبهم من جهة النبي عليه السلام والملائكة والمؤمنين ممتنع، فلو كان الختم والطبع هو التسمية والحكم لما امتنع من ذلك الأنبياء والمؤمنون، لأنهم كلهم يسمون الكفار بأنهم مطبوع على قلوبهم، وأنهم مختوم عليها وأنهم في ضلال لا يؤمنون، ويحكمون عليهم بذلك. فثبت أن الختم والطبع هو معنى غير التسمية والحكم، وإنما هو معنى يخلقه الله في القلب يمنع من الإيمان به، دليله قوله تعالى :" كذلك نسلكه في قلوب المجرمين[(١٣)](#foonote-١٣). لا يؤمنون به " \[ الحجر : ١٣، ١٢ \]. وقال :" وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه[(١٤)](#foonote-١٤) " \[ الأنعام : ٢٥ \]. أي يفقهوه، وما كان مثله. 
الرابعة : قوله :" على قلوبهم " فيه دليل على فضل القلب على جميع الجوارح. والقلب للإنسان وغيره. وخالص كل شيء وأشرفه قلبه، فالقلب موضع الفكر. وهو في الأصل مصدر قلبت الشيء أقلبه قلبا إذا رددته على بداءته. وقلبت الإناء : رددته على وجهه. ثم نقل هذا اللفظ فسمي به هذا العضو الذي هو أشرف الحيوان، لسرعة الخواطر إليه، ولترددها عليه، كما قيل :

ما سمي القلب إلا من تقلبه  فاحذر على القلب من قلبٍ وتحويلِثم لما نقلت العرب هذا المصدر لهذا العضو الشريف التزمت فيه تفخيم قافه، تفريقا بينه وبين أصله. روى ابن ماجه عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( مثل القلب مثل ريشة تقلبها الرياح بفلاة ). ولهذا المعنى كان عليه الصلاة والسلام يقول :( اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك ). فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوله مع عظيم قدره وجلال منصبه فنحن أولى بذلك اقتداء به، قال الله تعالى :" واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه " \[ الأنفال : ٢٤ \]. وسيأتي[(١٥)](#foonote-١٥). 
الخامسة : الجوارح وإن كانت تابعة للقلب فقد يتأثر القلب - وإن رئيسها وملكها - بأعمالها للارتباط الذي بين الظاهر والباطن، قال صلى الله عليه وسلم :( إن الرجل ليصدق فتنكت في قلبه نكتة بيضاء وإن الرجل ليكذب الكذبة فيسود قلبه ). وروى الترمذي وصححه عن أبي هريرة :( أن الرجل ليصيب الذنب فيسود قلبه فإن هو تاب صقل قلبه ). قال : وهو الرين الذي ذكره الله في القرآن في قوله :" كلا بل ران[(١٦)](#foonote-١٦) على قلوبهم ما كانوا يكسبون " \[ المطففين : ١٤ \]. وقال مجاهد : القلب كالكف يقبض منه بكل ذنب إصبع، ثم يطبع. 
قلت : وفي قول مجاهد هذا، وقوله عليه السلام :( إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ) دليل على أن الختم يكون حقيقيا، والله أعلم. وقد قيل : إن القلب يشبه الصنوبرة، وهو يعضد قول مجاهد، والله أعلم. 
وقد روى مسلم عن حذيفة قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر : حدثنا أن ( الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة ). ثم حدثنا عن رفع الأمانة قال :( ينام الرجل النومة، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل الوكت، ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل المَجْل كجمر دحرجته على رجلك فنَفطَ فتراه منتبرا وليس فيه شيء - ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة، حتى يقال : إن في بني فلان رجلا أمينا حتى يقال للرجل : ما أجلده ما أظرفه ما أعقله، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت ؟ لئن كان مسلما ليردنه علي دينه ولئن كان نصرانيا أو يهوديا ليردنه علي ساعيه، [(١٧)](#foonote-١٧) وأما اليوم فما كنت لأبايع منكم إلا فلانا وفلانا ). 
ففي قوله :( الوكت ) وهو الأثر اليسير. ويقال للبُسر إذا وقعت فيه نكتة من الإرطاب : قد وكَّت، فهو موكت. وقوله :( المَجْل )، وهو أن يكون بين الجلد واللحم ماء، وقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله :( كجمر دحرجته ) أي دورته على رجلك فنفط. ( فتراه منتبرا ) أي مرتفعا - ما يدل على أن ذلك كله محسوس في القلب يفعل فيه، وكذلك الختم والطبع، والله أعلم. وفي حديث حذيفة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأي قلب أُشْرِبها نُكت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى يصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض والآخر أسودُ مُربادٌّ[(١٨)](#foonote-١٨) كالكوز مُجَخِّيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه. . . ) وذكر الحديث ( مجخيا ) : يعني مائلا. 
السادسة : القلب قد يعبر عنه بالفؤاد والصدر، قال الله تعالى :" كذلك لنثبت به فؤادك[(١٩)](#foonote-١٩) " \[ الفرقان : ٣٢ \] وقال :" ألم نشرح لك صدرك[(٢٠)](#foonote-٢٠) " \[ الشرح : ١ \] يعني في الموضعين قلبك. وقد يعبر به عن العقل، قال الله تعالى :" إن في ذلك لذكرى[(٢١)](#foonote-٢١) لمن كان له قلب " \[ ق : ٣٧ \] أي عقل، لأن القلب محل العقل في قول الأكثرين. والفؤاد محل القلب، والصدر محل الفؤاد، والله أعلم. 
السابعة : قوله تعالى : وعلى سمعهم  استدل بها من فضل السمع على البصر لتقدمه عليه، وقال تعالى :" قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم[(٢٢)](#foonote-٢٢) وأبصاركم " \[ الأنعام : ٤٦ \]. وقال :" وجعل لكم السمع[(٢٣)](#foonote-٢٣) والأبصار والأفئدة " \[ السجدة : ٩ \]. قال : والسمع يدرك به من الجهات الست، وفي النور والظلمة، ولا يدرك بالبصر إلا من الجهة المقابلة، وبواسطة من ضياء وشعاع. وقال أكثر المتكلمين بتفضيل البصر على السمع، لأن السمع لا يدرك به إلا الأصوات والكلام، والبصر يدرك به الأجسام والألوان والهيئات كلها. قالوا : فلما كانت تعلقاته أكثر كان أفضل، وأجازوا الإدراك بالبصر من الجهات الست. 
الثامنة : إن قال قائل : لم جمع الأبصار ووحد السمع ؟ قيل له : إنما وحده لأنه مصدر يقع للقليل والكثير، يقال : سمعت الشيء أسمعه سمعا وسماعا، فالسمع مصدر سمعت، والسمع أيضا اسم للجارحة المسموع بها سميت بالمصدر. وقيل : إنه لما أضاف السمع إلى الجماعة دل على أنه يراد به أسماع الجماعة، كما قال الشاعر[(٢٤)](#foonote-٢٤) :بها جِيَفُ الحَسْرَى فأما عظامها  فبيض وأما جلدها فصليبُإنما يريد جلودها فوحد، لأنه قد علم أنه لا يكون للجماعة جلد واحد. وقال آخر[(٢٥)](#foonote-٢٥) في مثله :لا تنكر القتل وقد سُبِينا  في حلقكم عظمٌ وقد شَجِينا**يريد في حلوقكم، ومثله قول الآخر :**كأنه وجهُ تُرْكِيَّيْن قد غضبا  مستهدف لطعان غير تذبيبوإنما يريد وجهين، فقال وجه تركيين، لأنه قد علم أنه لا يكون للاثنين وجه واحد، ومثله كثير جدا. وقرئ :" وعلى أسماعهم " ويحتمل أن يكون المعنى وعلى مواضع سمعهم ؛ لأن السمع لا يختم وإنما يختم موضع السمع، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقد يكون السمع بمعنى الاستماع، يقال : سَمْعُك حديثي - أي استماعك إلى حديثي - يعجبني، ومنه قول ذي الرمة يصف ثورا تسمع إلى صوت صائد وكلاب :وقد توجس رِكزا مقفرٌ نَدُسٌ  بنَبْأَةِ الصوت ما في سمعه كذبأي ما في استماعه كذب، أي هو صادق الاستماع. والندس : الحاذق. والنبأة : الصوت الخفي، وكذلك الركز. والسِّمع ( بكسر السين وإسكان الميم ) : ذكر الإنسان بالجميل، يقال : ذهب سمعه في الناس أي ذكره. والسمع أيضا : ولد الذئب من الضبع. والوقف هنا :" وعلى سمعهم ". و " غشاوة " رفع على الابتداء وما قبله خبر. والضمائر في " قلوبهم " وما عطف عليه لمن سبق في علم الله أنه لا يؤمن من كفار قريش، وقيل من المنافقين، وقيل من اليهود، وقيل من الجميع، وهو أصوب، لأنه يعم. فالختم على القلوب والأسماع. والغشاوة على الأبصار. والغش١ راجع ج ١٠ ص ٩٥.
٢ راجع ج ١٦ ص ٢٨٨.
٣ راجع ج ٨ ص ٢٠٠..
٤ راجع ج ١٥ ص ٢٤٨.
٥ راجع ج ١ ص ٤٦٢.
٦ راجع ج ٧ ص ٧٨.
٧ راجع ج ٦ ص ٤١٨.
٨ راجع ج ١٩ ص ٢٥٧.
٩ راجع ج ٧ ص ٨١.
١٠ راجع ج ١٨ ص ١٢٤.
١١ راجع ج ٦ ص ٧.
١٢ راجع ج ١٥ ص ٢٥٠..
١٣ راجع ج ١٠ ص ٧ و ١٧١..
١٤ راجع ج ١٠ ص ٧ و ١٧١..
١٥ راجع ج ٧ ص ٣٩٠..
١٦ راجع ج ١٩ ص ٢٥٧..
١٧ ساعيه: هو رئيسهم الذي يصدرون عن رأيه ولا يمضون أمرا دونه (النهاية)..
١٨ ويروى: "مربد" أي اختلط سواده بكدرة..
١٩ راجع ج ١٣ ص ٢٨.
٢٠ راجع ج ٢٠ ص ١٠٤.
٢١ راجع ج ١٧ ص ٢٣.
٢٢ راجع ج ٧ ص ٣٩٠..
٢٣ راجع ج ١٩ ص ٢٥٧..
٢٤ هو علقمة، بن عبدة. وصف طريقا بعيدا شاقا على من سلكه. فجيف الحسرى وهي المعيبة من الإبل مستقرة فيه. وقوله: فأما عظامها فبيض، أي أكلت السباع والطير ما عليها من اللحم فتعرت وبدا وضحها. وقوله: وأما جلدها الخ، أي محرم باس لأنه ملقى بالفلاة لم يدبغ، ويقال: الصليب هنا الودك؛ أي: قد سأل ما فيه من رطوبة لإحماء الشمس عليه. (عن شرح الشواهد الشنتمري)..
٢٥ هو المسيب بن زيد مناة الغنوي؛ كما في كتاب سيبويه..

### الآية 2:8

> ﻿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [2:8]

قوله تعالى : ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ٨ 
**فيه سبع مسائل :**
الأولى : روى ابن جريج عن مجاهد قال : نزلت أربع آيات من سورة البقرة في المؤمنين، واثنتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة في المنافقين. وروى أسباط عن السدي في قوله :" ومن الناس " قال : هم المنافقون. وقال علماء الصوفية : الناس اسم جنس، واسم الجنس لا يخاطب به الأولياء. 
الثانية : واختلف النحاة في لفظ الناس، فقيل : هو اسم من أسماء الجموع، جمع إنسان وإنسانة، على غير اللفظ، وتصغيره : نويس. فالناس من النوس وهو الحركة، يقال : ناس ينوس أي تحرك، ومنه حديث أم زرع :" أناسَ من حُليٍّ أذني ". وقيل : أصله من نسي، فأصل ناس نسي قلب فصار نيس تحركت الياء فانفتح ما قبلها فانقلبت ألفا، ثم دخلت الألف واللام فقيل : الناس. قال ابن عباس : نسي آدم[(١)](#foonote-١) عهد الله فسمي إنسانا. وقال عليه السلام :( نسي آدم فنسيت ذريته ). وفي التنزيل :" ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي " \[ طه : ١١٥ \] وسيأتي وعلى هذا فالهمزة زائدة، قال الشاعر :

لا تنسين تلك العهود فإنما  سميت إنسانا لأنك ناسي**وقال آخر :**فإن نسيت عهودا منك سالفةً  فاغفر فأول ناس أول الناسوقيل : سمي إنسانا لأنسه بحواء. وقيل : لأنسه بربه، فالهمزة أصلية، قال الشاعر :وما سمي الإنسان إلا لأنسه  ولا القلب إلا أنه يتقلبالثالثة : لما ذكر الله جل وتعالى المؤمنين أولا، وبدأ بهم لشرفهم وفضلهم، ذكر الكافرين في مقابلتهم، إذ الكفر والإيمان طرفان. ثم ذكر المنافقين بعدهم وألحقهم بالكافرين قبلهم، لنفي الإيمان عنهم بقوله الحق :" وما هم بمؤمنين ". ففي هذا رد على الكرَّامية حيث قالوا : إن الإيمان قول باللسان وإن لم يعتقد بالقلب، واحتجوا بقوله تعالى :" فأثابهم الله[(٢)](#foonote-٢) بما قالوا " \[ المائدة : ٨٥ \]. ولم يقل : بما قالوا وأضمروا، وبقوله عليه السلام :( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم ). وهذا منهم قصور وجمود، وترك نظر لما نطق به القرآن والسنة من العمل مع القول والاعتقاد، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( الإيمان معرفة بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان ). أخرجه ابن ماجه في سننه. فما ذهب إليه محمد بن كرام السجستاني وأصحابه هو النفاق وعين الشقاق، ونعوذ بالله من الخذلان وسوء الاعتقاد. 
الرابعة : قال علماؤنا رحمة الله عليهم : المؤمن ضربان : مؤمن يحبه الله ويواليه، ومؤمن لا يحبه الله ولا يواليه، بل يبغضه ويعاديه، فكل من علم الله أنه يوافي بالإيمان، فالله محب له، موال له، راض عنه. وكل من علم الله أنه يوافي بالكفر، فالله مبغض له، ساخط عليه، معاد له، لا لأجل إيمانه، ولكن لكفره وضلاله الذي يوافي به. والكافر ضربان : كافر يعاقب لا محالة، وكافر لا يعاقب. فالذي يعاقب هو الذي يوافي بالكفر، فالله ساخط عليه معاد له. والذي لا يعاقب هو الموافي بالإيمان، فالله غير ساخط على هذا ولا مبغض له، بل محب له موال، لا لكفره لكن لإيمانه الموافي به. فلا يجوز أن يطلق القول وهي :
الخامسة : بأن المؤمن يستحق الثواب، والكافر يستحق العقاب، بل يجب تقييده بالموافاة، ولأجل هذا قلنا : إن الله راض عن عمر في الوقت الذي كان يعبد الأصنام، ومريد لثوابه ودخوله الجنة، لا لعبادته الصنم، لكن لإيمانه الموافي به. وإن الله تعالى ساخط على إبليس في حال عبادته، لكفره الموافي به. 
وخالفت القدرية في هذا وقالت : إن الله لم يكن ساخطا على إبليس وقت عبادته، ولا راضيا عن عمر وقت عبادته للصنم. وهذا فاسد، لما ثبت أن الله سبحانه عالم بما يوافي به إبليس لعنه الله، وبما يوافي به عمر رضي الله عنه فيما لم يزل، فثبت أنه كان ساخطا على إبليس محبا لعمر. ويدل عليه إجماع الأمة على أن الله سبحانه وتعالى غير محب لمن علم أنه من أهل النار، بل هو ساخط عليه، وأنه محب لمن علم أنه من أهل الجنة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( وإنما الأعمال بالخواتيم ) ولهذا قال علماء الصوفية : ليس الإيمان ما يتزين به العبد قولا وفعلا، لكن الإيمان جَرْيُ السعادة في سوابق الأزل، وأما ظهوره على الهياكل فربما يكون عاريا، وربما يكون حقيقة. 
قلت : هذا كما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن عبد الله بن مسعود قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق :( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك ثم يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ). فإن قيل وهي :
السادسة : فقد خرج الإمام الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد المصري من حديث محمد بن سعيد الشامي المصلوب في الزندقة، وهو محمد بن أبي قيس، عن سليمان بن موسى وهو الأشدق، عن مجاهد بن جبر عن ابن عباس أخبرنا أبو رَزين العقيلي قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لأشربن أنا وأنت يا أبا رزين من لبن لم يتغير طعمه ) قال : قلت : كيف يحيي الله الموتى ؟ قال :( أما مررت بأرض لك مجدبة ثم مررت بها مخصبة ثم مررت بها مجدبة ثم مررت بها مخصبة ) قلت : بلى. قال :( كذلك النشور ) قال قلت : كيف لي أن أعلم أني مؤمن ؟ قال :( ليس أحد من هذه الأمة - قال ابن أبي قيس : أو قال من أمتي - عمل حسنة وعلم أنها حسنة وأن الله جازيه بها خيرا أو عمل سيئة وعلم أنها سيئة وأن الله جازيه بها شرا أو يغفرها إلا مؤمن ). 
قلت : وهذا الحديث وإن كان سنده ليس بالقوي فإن معناه صحيح وليس بمعارض لحديث ابن مسعود، فإن ذلك موقوف على الخاتمة، كما قال عليه السلام :( وإنما الأعمال بالخواتيم ). وهذا إنما يدل على أنه مؤمن في الحال، والله أعلم. 
السابعة : قال علماء اللغة : إنما سمي المنافق منافقا لإظهاره غير ما يضمر، تشبيها باليربوع، له جحر يقال له : النافقاء، وآخر يقال له : القاصعاء. وذلك أنه يخرق الأرض حتى إذا كاد يبلغ ظاهر الأرض أرق التراب، فإذا رابه ريب دفع ذلك التراب برأسه فخرج، فظاهر جحره تراب، وباطنه حفر. وكذلك المنافق ظاهره إيمان، وباطنه كفر، وقد تقدم هذا المعنى. 
١ راجع ج ١١ ص ٢٥١..
٢ راجع ج ٦ ص ٢٦٠..

### الآية 2:9

> ﻿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [2:9]

قوله تعالى : يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ٩ 
قال علماؤنا : معنى " يخادعون الله " أي يخادعونه عند أنفسهم وعلى ظنهم. وقيل : قال ذلك لعملهم عمل المخادع. وقيل : في الكلام حذف، تقديره : يخادعون رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن الحسن وغيره. وجعل خداعهم لرسوله خداعا له، لأنه دعاهم برسالته، وكذلك إذا خادعوا المؤمنين فقد خادعوا الله. ومخادعتهم : ما أظهروه من الإيمان خلاف ما أبطنوه من الكفر، ليحقنوا دماءهم وأموالهم، ويظنون أنهم قد نجوا وخدعوا. قاله جماعة من المتأولين. وقال أهل اللغة : أصل المخدع في كلام العرب الفساد، حكاه ثعلب عن ابن الأعرابي. وأنشد :

أبيض اللون لذيذٌ طعمه  طيبُ الريق إذا الريق خَدَعْ[(١)](#foonote-١)قلت : ف " يخادعون الله " على هذا، أي يفسدون إيمانهم وأعمالهم فيما بينهم وبين الله تعالى بالرياء. وكذا جاء مفسر عن النبي صلى الله عليه وسلم على ما يأتي. وفي التنزيل :" يراؤون الناس[(٢)](#foonote-٢) ". \[ النساء : ١٤٢ \] وقيل : أصله الإخفاء، ومنه مخدع البيت الذي يحرز فيه الشيء، حكاه ابن فارس وغيره. وتقول العرب : انخدع الضب في جحره. 
قوله تعالى : وما يخدعون إلا أنفسهم  نفي وإيجاب، أي ما تحل عاقبة الخدع إلا بهم. ومن كلامهم : من خدع من لا يخدع فإنما يخدع نفسه. وهذا صحيح، لأن الخداع إنما يكون مع من لا يعرف البواطن، وأما من عرف البواطن فمن دخل معه في الخداع فإنما يخدع نفسه. ودل هذا على أن المنافقين لم يعرفوا الله إذ لو عرفوه لعرفوا أنه لا يخدع، وقد تقدم من قوله عليه السلام أنه قال :( لا تخادع الله فإنه من يخادع الله يخدعه الله ونفسه يخدع لو يشعر ) قالوا : يا رسول الله، وكيف يخادع الله ؟ قال :( تعمل بما أمرك الله به وتطلب به غيره ). وسيأتي بيان الخدع من الله تعالى كيف هو عند قوله تعالى :" الله يستهزئ بهم " \[ البقرة : ١٥ \]. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو :" يخادعون " في الموضعين، ليتجانس اللفظان. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر :" يخدعون " الثاني. والمصدر خدع ( بكسر الخاء ) وخديعة، حكى ذلك أبو زيد. وقرأ مورِّق العجلي :" يخدِّعون الله " ( بضم الياء وفتح الخاء وتشديد الدال ) على التكثير. وقرأ أبو طالوت عبد السلام بن شداد والجارود بضم الياء وإسكان الخاء وفتح الدال، على معنى وما يخدعون إلا عن أنفسهم، فحذف حرف الجر، كما قال تعالى :" واختار موسى قومه " \[ الأعراف : ١٥٥ \] أي من قومه. 
قوله تعالى :" وما يشعرون " أي يفطنون أن وبال خدعهم راجع عليهم، فيظنون أنهم قد نجوا بخدعهم وفازوا، وإنما ذلك في الدنيا، وفي الآخرة يقال لهم :" ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا " \[ الحديد : ١٣ \] على ما يأتي[(٣)](#foonote-٣). قال أهل اللغة : شعرت بالشيء أي فطنت له، ومنه الشاعر لفطنته، لأنه يفطن لما لا يفطن له غيره من غريب المعاني. ومنه قولهم : ليت شعري، أي ليتني علمت. 
١ قاله سويد بن أبي كاهل. يصف ثغر امرأة..
٢ راجع ج ٥ ص ٤٢٢..
٣ راجع ج ١٧ ص ٢٤٦.

### الآية 2:10

> ﻿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [2:10]

قوله تعالى : في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون ١٠ 
قوله تعالى :" في قلوبهم مرض " ابتداء وخبر. والمرض عبارة مستعارة للفساد الذي في عقائدهم. وذلك إما أن يكون شكا ونفاقا، وإما جحدا وتكذيبا. والمعنى : قلوبهم مرضى لخلوها عن العصمة والتوفيق والرعاية والتأييد. قال ابن فارس اللغوي : المرض كل ما خرج به الإنسان عن حد الصحة من علة أو نفاق أو تقصير في أمر. والقراء مجمعون على فتح الراء من " مرض " إلا ما روى الأصمعي عن أبي عمرو أنه سكن الراء. 
قوله تعالى :" فزادهم الله مرضا " قيل : هو دعاء عليهم. ويكون معنى الكلام : زادهم الله شكا ونفاقا جزاء على كفرهم وضعفا عن الانتصار وعجزا عن القدرة، كما قال الشاعر :

يا مرسل الريح جنوبا وصَبَا  إذ غضبت زيدٌ فزدها غضباأي لا تهدها على الانتصار فيما غضبت منه. وعلى هذا يكون في الآية دليل على جواز الدعاء على المنافقين والطرد لهم، لأنهم شر خلق الله. وقيل : هو إخبار من الله تعالى عن زيادة مرضهم، أي فزادهم الله مرضا إلى مرضهم، كما قال في آية أخرى :" فزادتهم رجسا إلى رجسهم[(١)](#foonote-١) " \[ التوبة : ١٢٥ \]. وقال أرباب المعاني :" في قلوبهم مرض " أي بسكونهم إلى الدنيا وحبهم لها وغفلتهم عن الآخرة وإعراضهم عنها. وقوله :" فزادهم الله مرضا " أي وكلهم إلى أنفسهم، وجمع عليهم هموم الدنيا فلم يتفرغوا من ذلك إلى اهتمام بالدين. قوله تعالى :" ولهم عذاب أليم " بما يفنى عما يبقى. وقال الجنيد : علل القلوب من اتباع الهوى، كما أن علل الجوارح من مرض البدن. 
قوله تعالى :" ولهم عذاب أليم " ( أليم ) في كلام العرب معناه مؤلم أي موجع، مثل السميع بمعنى المسمع، قال ذو الرمة يصف إبلا :
ونرفع من صدور شَمَرْدَلاَتٍ\*\*\* يصُكُّ وجوهها وهجٌ أليم[(٢)](#foonote-٢)
وآلم إذا أوجع. والإيلام : الإيجاع. والألم : الوجع، وقد ألِم يألم ألما. والتألم : التوجع. ويجمع أليم على ألماء مثل كريم وكرماء، وآلام مثل أشراف. 
قوله تعالى :" بما كانوا يكذبون " ما مصدرية، أي بتكذيبهم الرسل وردهم على الله جل وعز وتكذيبهم بآياته، قاله أبو حاتم. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالتخفيف، ومعناه بكذبهم وقولهم آمنا وليسوا بمؤمنين. 
مسألة : واختلف العلماء في إمساك النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل المنافقين مع علمه بنفاقهم على أربعة أقوال :
القول الأول : قال بعض العلماء : إنما لم يقتلهم لأنه لم يعلم حالهم أحد سواه. وقد اتفق العلماء على بكرة أبيهم[(٣)](#foonote-٣) على أن القاضي لا يقتل بعلمه، وإنما اختلفوا في سائر الأحكام. قال ابن العربي : وهذا منتقض، فقد قُتِلَ بالمُجذَّر بن زياد الحارثُ بن سويد بن الصامت، لأن المجذر قتل أباه سويدا يوم بُعاث[(٤)](#foonote-٤)، فأسلم الحارث وأغفله يوم أحد فقتله، فأخبر به جبريلُ النبيَ صلى الله عليه وسلم فقتله به، لأن قتله كان غيلة[(٥)](#foonote-٥)، وقتل الغيلة حد من حدود الله. 
قلت : وهذه غفلة من هذا الإمام، لأنه إن ثبت الإجماع المذكور فليس بمنتقض بما ذكر، لأن الإجماع لا ينعقد ولا يثبت إلا بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وانقطاع الوحي، وعلى هذا فتكون تلك قضية في عين بوحي، فلا يحتج بها أو منسوخة بالإجماع. والله أعلم. 
القول الثاني : قال أصحاب الشافعي : إنما لم يقتلهم لأن الزنديق وهو الذي يسر الكفر ويظهر الإيمان يستتاب ولا يقتل. قال ابن العربي : وهذا وهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستتبهم ولا نقل ذلك أحد، ولا يقول أحد إن استتابة الزنديق واجبة[(٦)](#foonote-٦) وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم معرضا عنهم علمه بهم. فهذا المتأخر من أصحاب الشافعي الذي قال : إن استتابة الزنديق جائزة[(٧)](#foonote-٧) قال قولا لم يصح لأحد. 
القول الثالث : إنما لم يقتلهم مصلحة لتأليف القلوب عليه لئلا تنفر عنه، وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى بقوله لعمر :( معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي ) أخرجه البخاري ومسلم. وقد كان يعطي للمؤلفة قلوبهم مع علمه بسوء اعتقادهم تألفا، وهذا هو قول علمائنا وغيرهم. قال ابن عطية : وهي طريقة أصحاب مالك رحمه الله في كف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين، نص على هذا محمد بن الجهم والقاضي إسماعيل والأبهري وابن الماجشون، واحتج بقوله تعالى :" لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض[(٨)](#foonote-٨) " \[ الأحزاب : ٦٠ \] إلى قوله :" وقتلوا تقتيلا " \[ الأحزاب : ٦١ \]. قال قتادة : معناه إذا هم أعلنوا النفاق. قال مالك رحمه الله : النفاق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الزندقة فينا اليوم، فيقتل الزنديق إذا شهد عليه بها دون استتابة، وهو أحد قولي الشافعي. قال مالك : وإنما كف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين ليبين لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه، إذ لم يشهد على المنافقين. قال القاضي إسماعيل : لم يشهد على عبد الله[(٩)](#foonote-٩) بن أبي إلا زيد بن أرقم وحده، ولا على الجُلاس[(١٠)](#foonote-١٠) بن سويد إلا عمير بن سعد ربيبه، ولو شهد على أحد منهم رجلان بكفره ونفاقه لقتل. وقال الشافعي رحمه الله محتجا للقول الآخر : السنة فيمن شهد عليه بالزندقة فجحد وأعلن بالإيمان وتبرأ من كل دين سوى الإسلام أن ذلك يمنع من إراقة دمه. وبه قال أصحاب الرأي وأحمد والطبري وغيرهم. قال الشافعي وأصحابه : وإنما منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم، لأن ما يظهرونه يجُبُّ ما قبله. وقال الطبري : جعل الله تعالى الأحكام بين عباده على الظاهر، وتولى الحكم في سرائرهم دون أحد من خلقه، فليس لأحد أن يحكم بخلاف ما ظهر، لأنه حكم بالظنون، ولو كان ذلك لأحد كان أولى الناس به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد حكم للمنافقين بحكم المسلمين بما أظهروا، ووكل سرائرهم إلى الله. وقد كذب الله ظاهرهم في قوله :" والله يشهد إن المنافقين لكاذبون " \[ المنافقون : ١ \] قال ابن عطية : ينفصل المالكيون عما لزموه من هذه الآية بأنها لم تعين أشخاصهم فيها وإنما جاء فيها توبيخ لكل مغموص[(١١)](#foonote-١١) عليه بالنفاق، وبقي لكل واحد منهم أن يقول : لم أُرَدْ بها، وما أنا إلا مؤمن، ولو عين أحد لما جب كذبه شيئا. 
قلت : هذا الانفصال فيه نظر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم أو كثيرا منهم بأسمائهم وأعيانهم بإعلام الله تعالى إياه، وكان حذيفة يعلم ذلك بإخبار النبي عليه السلام إياه حتى كان عمر رضي الله عنه يقول له : يا حذيفة هل أنا منهم ؟ فيقول له : لا. 
القول الرابع : وهو أن الله تعالى كان قد حفظ أصحاب نبيه عليه السلام بكونه ثبتهم أن يفسدهم المنافقون أو يفسدوا دينهم فلم يكن في تبقيتهم ضرر، وليس كذلك اليوم ؛ لأنا لا نأمن من الزنادقة أن يفسدوا عامتنا وجهالنا. 
١ راجع ج ٨ ص ٢٩٩..
٢ شمردلات: إبل طوال. ونرفع: نستحثها في السير. والوهج: الحر الشديد المؤلم..
٣ قوله: على بكرة أبيهم" هذه كلمة للعرب يريدون بها الكثرة وتوفير العدد..
٤ بعاث: موضع في نواحي المدينة، كانت به وقائع بين والأوس والخزرج في الجاهلية؛ وكان الظفر فيه يومئذ للأوس على الخزرج..
٥ راجع هذه القصة في سيرة ابن هشام (ص ٣٥٦، ٥٧٩) طبع أوربا..
٦ الذي في كتاب الأحكام لابن العربي: "... أن استتابة الزنديق غير واجبة"..
٧ كذا في الأصول وكتاب الأحكام لابن العربي. ولعل صواب العبارة: "إن استتابة الزنديق واجبة".
٨ راجع ج ١٤ ص ٢٤٥.
٩ سيذكر الإمام القرطبي قصته عند تفسير سورة "المنافقون"..
١٠ كان متهما بالنفاق، وهو الذي نزل فيه قوله تعالى: "يحلفون بالله ما قالوا" الآية. وستأتي قصته عند تفسير هذه الآية في سورة "براءة" إن شاء الله تعالى. وقد أوردها ابن هشام في سيرته ص ٣٥٥ طبع أوربا. وابن عبد البر في الاستيعاب ج ١ ص ٩٧ طبع الهند..
١١ قوله: لكل مغموص؛ أي: مطعون في دينه، متهم بالنفاق..

### الآية 2:11

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ [2:11]

قوله تعالى : وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ١١ 
 " إذا " في موضع نصب على الظرف والعامل فيها " قالوا "، وهي تؤذن بوقوع الفعل المنتظر. قال الجوهري :" إذا " اسم يدل على زمان مستقبل، ولم تستعمل إلا مضافة إلى جملة، تقول : أجيئك إذا أحمر البسر، وإذا قدم فلان. والذي يدل على أنها اسم وقوعها موقع قولك : آتيك يوم يقدم فلان، فهي ظرف وفيها معنى المجازاة. وجزاء الشرط ثلاثة : الفعل والفاء وإذا، فالفعل قولك : إن تأتني آتك. والفاء : إن تأتني فأنا أحسن إليك. وإذا كقوله تعالى :" وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون[(١)](#foonote-١) " \[ الروم : ٣٦ \]. ومما جاء من المجازاة بإذا في الشعر قول قيس بن الخطيم :

إذا قصرت أسيافنا كان وصلُها  خُطَانا إلى أعدائنا فنُضَارِبُ[(٢)](#foonote-٢)فعطف " فنضارب " بالجزم على " كان " لأنه مجزوم، ولو لم يكن مجزوما لقال : فنضارب، بالنصب. وقد تزاد على " إذا " " ما " تأكيدا، فيجزم بها أيضا، ومنه قول الفرزدق :فقام أبو ليلى إليه ابنُ ظالمٍ  وكان إذا ما يسلُلِ السيفَ يضربِقال سيبويه : والجيد ما قال كعب بن زهير :وإذا ما تشاءُ تبعثُ منها  مغربَ الشمس ناشطا مَذْعُورَا[(٣)](#foonote-٣)يعني : أن الجيد ألا يجزم بإذا، كما لم يجزم في هذا البيت. وحكي عن المبرد أنها في قولك في المفاجأة : خرجت فإذا زيد، ظرف مكان ؛ لأنها تضمنت جُثة. وهذا مردود ؛ لأن المعنى خرجت فإذا حضور زيد، فإنما تضمنت المصدر كما يقتضيه سائر ظروف الزمان، ومنه قولهم :" اليوم خمر وغدا أمر " فمعناه وجود خمر ووقوع أمر. 
قوله :" قيل " من القول وأصله قَوِل، نقلت كسرة الواو إلى القاف فانقلبت الواو ياء. ويجوز :" قيلْ لّهم " بإدغام اللام في اللام وجاز الجمع بين ساكنين، لأن الياء حرف مد ولين. قال الأخفش : ويجوز " قيل " بضم القاف والياء. وقال الكسائي : ويجوز إشمام القاف الضم ليدل على أنه لما لم يسم فاعله، وهي لغة قيس وكذلك جيء وغيض وحيل وسيق وسيء وسيئت. وكذلك روى هشام عن ابن عباس[(٤)](#foonote-٤)، وروي[(٥)](#foonote-٥) عن يعقوب. وأشم منها نافع سيء وسيئت خاصة. وزاد ابن ذكوان : حيل وسيق، وكسر الباقون في الجميع. فأما هذيل وبنو دبير من أسد وبني فقعس فيقولون :" قول " بواو ساكنة. 
قوله :" لا تفسدوا " ( لا ) نهي. والفساد ضد الصلاح، وحقيقته العدول عن الاستقامة إلى ضدها. فسد الشيء فسادا وفسودا، وهو : فاسد وفسيد. والمعنى في الآية : لا تفسدوا في الأرض بالكفر وموالاة أهله، وتفريق الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. وقيل : كانت الأرض قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم فيها الفساد، ويفعل فيها بالمعاصي، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم ارتفع الفساد وصلحت الأرض. فإذا عملوا بالمعاصي فقد أفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، كما قال في آية أخرى :" ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها[(٦)](#foonote-٦) " \[ الأعراف : ٥٦ \]. 
قوله :" في الأرض " الأرض مؤنثة، وهي اسم جنس، وكان حق الواحدة منها أن يقال أرضة، ولكنهم لم يقولوا. والجمع أرضات، لأنهم قد يجمعون المؤنث الذي ليست فيه هاء التأنيث بالتاء كقولهم : عُرُسات. ثم قالوا : أرضون فجمعوا بالواو والنون، والمؤنث لا يجمع بالواو والنون إلا أن يكون منقوصا كثبة وظبة، ولهم جعلوا الواو والنون عوضا من حذفهم الألف والتاء وتركوا فتحة الراء على حالها، وربما سكنت. وقد تجمع على أروض. وزعم أبو الخطاب أنهم يقولون : أرض وآراض، كما قالوا : أهل وآهال. والأراضي أيضا على غير قياس، كأنهم جمعوا آرُضا. وكل ما سفل فهو أرض. وأرض أريضة، أي زكية بينة الأراضة. وقد أرِضت بالضم، أي زكت. قال أبو عمرو : نزلنا أرضا أريضة، أي معجبة للعين، ويقال : لا أرض لك، كما يقال : لا أم لك. والأرض : أسفل قوائم الدابة، قال حميد يصف فرسا :ولم يقلب أرضها البَيطارُ  ولا لحَبْلَيْهِ بها حَبَارُأي أثر والأرض : النفضة والرعدة. روى حماد بن سلمة عن قتادة عن عبد الله بن الحارث قال : زلزلت الأرض بالبصرة، فقال ابن عباس : والله ما أدري أزلزلت الأرض أم بي أرْض ؟ أي أم بي رعدة، وقال ذو الرمة يصف صائدا :إذا توجس ركزا من سنابكها  أو كان صاحب أرض أو به المُومُ[(٧)](#foonote-٧)والأرض : الزكام. وقد آرضه الله إيراضا، أي أزكمه فهو مأروض. وفسيل مستأرض، وودية مستأرضة ( بكسر الراء ) وهو أن يكون له عرق في الأرض، فأما إذا نبت على جذع النخل فهو الراكب. والإراض ( بالكسر ) : بساط ضخم من صوف أو وبر. ورجل أريض، أي متواضع خليق للخير. قال الأصمعي يقال : هو آرضهم أن يفعل ذلك، أي أخلقهم. وشيء عريض أريض إتباع له، وبعضهم يفرده ويقول : جدي أريض أي سمين. 
قوله :" نحن " أصل " نَحْن " نَحُن قلبت حركة الحاء على النون وأسكنت الحاء، قاله هشام بن معاوية النحوي. وقال الزجاج :" نحن " لجماعة، ومن علامة الجماعة الواو، والضمة من جنس الواو، فلما اضطروا إلى حركة " نحن " لالتقاء الساكنين حركوها بما يكون للجماعة. قال : لهذا ضموا واو الجمع في قوله عز وجل :" أولئك الذين اشتروا الضلالة " \[ البقرة : ١٦ \] وقال محمد بن يزيد :" نحن " مثل قبل وبعد، لأنها متعلقة بالإخبار عن اثنين وأكثر، ف " أنا " للواحد " نحن " للتثنية والجمع، وقد يخبر به المتكلم عن نفسه في قوله : نحن قمنا، قال الله تعالى :" نحن قسمنا بينهم معيشتهم " \[ الزخرف : ٣٢ \] والمؤنث في هذا إذا كانت متكلمة بمنزلة المذكر، تقول المرأة : قمت وذهبت، وقمنا وذهبنا، وأنا فعلت ذاك، ونحن فعلنا. هذا كلام العرب فاعلم. 
قوله تعالى :" مصلحون " اسم فاعل من أصلح. والصلاح : ضد الفساد. وصلح الشيء ( بضم اللام وفتحها ) لغتان، قال ابن السكيت. والصلوح ( بضم الصاد ) مصدر صلح ( بضم اللام )، قال الشاعر :فكيف بإطراقي إذا ما شتمتني  وما بعد شتم الوالدين صُلُوحُوصلاح من أسماء مكة. والصلح ( بكسر الصاد ) : نهر. 
وإنما قالوا ذلك على ظنهم ؛ لأن إفسادهم عندهم إصلاح، أي أن ممالأتنا للكفار إنما نريد بها الإصلاح بينهم وبين المؤمنين. قاله ابن عباس وغيره. 
١ راجع ج ١٤ ص ٣٤.
٢ يقول: إذا قصرت أسيافنا في اللقاء عن الوصول إلى الأقران وصلناها بخطانا مقدمين عليهم حتى تنالهم..
٣ وصف ناقته بالنشاط والسرعة بعد سير النهار كله، فشبهها في انبعاثها مسرعة بناشط قد ذعر من صائد أو سبع. والناشط: الثور يخرج من بلد إلى بلد، فذلك أوحش له وأذعر..
٤ في نسخة: "ابن عامر".
٥ رويس (كزبير) محمد بن المتوكل القارئ، راوي يعقوب ابن إسحاق..
٦ راجع ج ص ٢٢٦..
٧ توجس: تسمع. الركز: الحس والصوت الخفي. سنابكها: حوافرها. الموم: البرسام وهو: الخبل. وقيل: الموم الجدري الكثير المتراكب. ومعناه: أن الصياد يُذْهِبُ نَفسَهُ إلى السماء ويفغر إليها أبدا لئلا يجد الوحش نفسه فينفر. وشبه بالمبرسم أو المزكوم لأن البرسام مفغر والزكام مفغر. (عن اللسان). راجع ج ١٦ ص ٨٣..

### الآية 2:12

> ﻿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِنْ لَا يَشْعُرُونَ [2:12]

قوله تعالى : ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ١٢ 
قوله عز وجل :" ألا إنهم هم المفسدون " ردا عليهم وتكذيبا لقولهم. قال أرباب المعاني : من أظهر الدعوى كذب، ألا ترى أن الله عز وجل يقول : ألا إنهم هم المفسدون وهذا صحيح. وكسرت " إن " لأنها مبتدأة، قال النحاس. وقال علي بن سليمان. يجوز فتحها[(١)](#foonote-١)، كما أجاز سيبويه : حقا أنك منطلق، بمعنى ألا. و " هم " يجوز أن يكون مبتدأ و " المفسدون " خبره والمبتدأ وخبره خبر " إن ". ويجوز أن تكون " هم " توكيدا للهاء والميم في " إنهم ". ويجوز أن تكون فاصلة - والكوفيون يقولون عمادا - و " المفسدون " خبر " إن "، والتقدير ألا إنهم المفسدون، كما تقدم في قوله :" وأولئك هم المفلحون ". 
قوله تعالى :" ولكن لا يشعرون " قال ابن كيسان يقال : ما على من لم يعلم أنه مفسد من الذم، إنما يذم إذا علم أنه مفسد ثم أفسد على علم، قال : ففيه جوابان : أحدهما - أنهم كانوا يعملون الفساد سرا ويظهرون الصلاح وهم لا يشعرون أن أمرهم يظهر عند النبي صلى الله عليه وسلم. والوجه الآخر : أن يكون فسادهم عندهم صلاحا وهم لا يشعرون أن ذلك فساد، وقد عصوا الله ورسوله في تركهم تبيين الحق واتباعه " ولكن " حرف تأكيد واستدراك ولا بد فيه من نفي وإثبات، إن كان قبله نفي كان بعده إيجاب، وإن كان قبله إيجاب كان بعده نفي. ولا يجوز الاقتصار بعده على اسم واحد إذا تقدم الإيجاب، ولكنك تذكر جملة مضادة لما قبلها كما في هذه الآية، وقولك : جاءني زيد لكن عمرو لم يجئ، ولا يجوز جاءني زيد لكن عمرو ثم تسكت، لأنهم قد استغنوا ببل في مثل هذا الموضع عن لكن، وإنما يجوز ذلك إذا تقدم النفي كقولك : ما جاءني زيد لكن عمرو.

١ في العبارة غموض. ولعل المعنى المراد: يجوز فتحها كما أجاز سيبويه: أما أنك منطلق على معنى حقا أنك منطلق. وأما بمعنى ألا، فإذا فتحت إن بعدهما كانتا بمعنى حقا أنك... وإذا كسرت كانتا أداتي استفتاح. راجع كتاب سيبويه ج ١ ص ٤٦٢ طبع بولاق..

### الآية 2:13

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِنْ لَا يَعْلَمُونَ [2:13]

قوله تعالى : وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون ١٣ 
قوله تعالى :" وإذا قيل لهم " يعني المنافقين في قول مقاتل وغيره. " آمنوا كما آمن الناس " أي صدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وشرعه، كما صدق المهاجرون والمحققون[(١)](#foonote-١) من أهل يثرب. وألف " آمنوا " ألف قطع، لأنك تقول : يؤمن، والكاف في موضع نصب، لأنها نعت لمصدر محذوف، أي إيمانا كإيمان الناس. 
قوله تعالى :" قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء " ألا إنهم هم السفهاء " يعني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، عن ابن عباس. وعنه أيضا : مؤمنو أهل الكتاب. وهذا القول من المنافقين إنما كانوا يقولونه في خفاء واستهزاء فأطلع الله نبيه والمؤمنين على ذلك، وقرر أن السفه ورِقَّة الحُلوم وفساد البصائر إنما هي في حيزهم وصفة لهم، وأخبر أنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون للرين الذي على قلوبهم. وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنها نزلت في شأن اليهود، أي وإذا قيل لهم - يعني اليهود - آمنوا كما آمن الناس : عبد الله بن سلام وأصحابه، قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ! يعني الجهال والخرقاء. وأصل السَّفَه في كلام العرب : الخفة والرقة، يقال : ثوب سفيه إذا كان رديء النسج خفيفه، أو كان باليا رقيقا. وتسفهت الريح الشجر : مالت به، قال ذو الرمة :

مشينَ كما اهتزت رماح تَسَفَّهَتْ  أعاليَها مر الرياح النواسمِ[(٢)](#foonote-٢)وتسفهت الشيء : استحقرته. والسفه : ضد الحلم. ويقال : إن السفه أن يكثر الرجل شرب الماء فلا يروى. ويجوز في همزتي السفهاء[(٣)](#foonote-٣) أربعة أوجه، أجودها أن تحقق الأولى وتقلب الثانية واوا خالصة، وهي قراءة أهل المدينة والمعروف من قراءة أبي عمرو. وإن شئت خففتهما جميعا فجعلت الأولى بين الهمزة والواو وجعلت الثانية واوا خالصة. وإن شئت خففت الأولى وحققت الثانية. وإن شئت حققتهما جميعا. 
قوله تعالى :" ولكن لا يعلمون " مثل " ولكن لا يشعرون "، وقد تقدم. والعلم معرفة المعلوم على ما هو به، تقول : علمت الشيء أعلمه علما عرفته، وعالمت الرجل فعلمته أعلمه ( بالضم في المستقبل ). غلبته بالعلم. 
١ المحققون هنا هم الذين يكون إيمانهم مقرونا بالإخلاص خالصا عن شوائب النفاق كما قال الألوسي وغيره..
٢ وصف نساء فيقول: إذا مشين اهتززن في مشيهن وتثنين فكأنهن رماح نصبت فمرت عليها الرياح فاهتزت وتثنت. والنواسم: الخفيفة الهبوب..
٣ أي مع كلمة ألا التي بعدها..

### الآية 2:14

> ﻿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [2:14]

قوله تعالى : وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمن وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون ١٤ 
قوله تعالى :" وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا " أنزلت هذه الآية في ذكر المنافقين. أصل لقوا : لقيوا، نقلت الضمة إلى القاف وحذفت الياء لالتقاء الساكنين. وقرأ محمد بن السميقع اليماني :" لاقوا الذين آمنوا ". والأصل : لاقيوا، تحركت الياء وقبلها فتحة انقلبت ألفا، اجتمع ساكنان الألف والواو فحذفت الألف لالتقاء الساكنين ثم حركت الواو بالضم. 
وإن قيل : لم ضمت الواو في لاقوا في الإدراج وحذفت من لقوا ؟ فالجواب : أن قبل الواو التي في لقوا ضمة فلو حركت الواو بالضم لثقل على اللسان النطق بها فحذفت لثقلها، وحركت في لاقوا لأن قبلها فتحة. 
قوله تعالى :" وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم " إن قيل : لم وصلت " خلوا " ب " إلى " وعرفها أن توصل بالباء ؟ قيل له :" خلوا " هنا بمعنى ذهبوا وانصرفوا، ومنه قول الفرزدق :

كيف تراني قالبا مِجَنِّي  \[ أضرب أمري ظهره لبطن \][(١)](#foonote-١)قد قتل الله زياداً عنِّي
لما أنزله منزلة صَرَف. وقال قوم :" إلى " بمعنى مع، وفيه ضعف. وقال قوم :" إلى " بمعنى الباء، وهذا يأباه الخليل وسيبويه. وقيل : المعنى وإذا خلوا من المؤمنين إلى شياطينهم، ف " إلى " على بابها. والشياطين جمع شيطان على التكسير، وقد تقدم القول في اشتقاقه ومعناه في الاستعاذة[(٢)](#foonote-٢). واختلف المفسرون في المراد بالشياطين هنا، فقال ابن عباس والسدي : هم رؤساء الكفر. وقال الكلبي : هم شياطين الجن. وقال جمع من المفسرين : هم الكهان. ولفظ الشيطنة الذي معناه البعد عن الإيمان والخير يعم جميع من ذكر. والله أعلم. 
قوله تعالى :" إنما نحن مستهزئون " أي مكذبون بما ندعى إليه. وقيل : ساخرون. والهزء : السخرية واللعب، يقال : هزئ به واستهزأ، قال الراجز[(٣)](#foonote-٣) :قد هزئت مني أم طَيْسَلَةَ  قالت أراه مُعدِما لا مال لَهْوقيل : أصل الاستهزاء : الانتقام، كما قال الآخر :قد استهزؤوا منهم بألفي مُدجج  سرَاتُهُم وسط الصحاصح جُثَّمُ[(٤)](#foonote-٤)١ الزيادة عن كتاب النقائض. وزياد هو زياد بن أبيه. والمجن. الترس..
٢ راجع ص ٩٠..
٣ هو صخر الغي الهلالي. والبيت كما ذكره القالي في أماليه (ج ٢ ص ٢٨٤) طبع دار الكتب المصرية: تهزأ مني أخت آل طيسله \*\*\* قالت أراه مبلطا لا شيء له.
٤ الصحاصح (جمع صحصح): الأرض ليس بها شيء ولا شجر ولا قرار للماء. والجاثم: اللازم مكانه لا يبرح..

### الآية 2:15

> ﻿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [2:15]

قوله تعالى : الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون ١٥ 
قوله تعالى :" الله يستهزئ بهم " أي ينتقم منهم ويعاقبهم، ويسخر بهم ويجازيهم على استهزائهم، فسمى العقوبة باسم الذنب. هذا قول الجمهور من العلماء، والعرب تستعمل ذلك كثيرا في كلامهم، من ذلك قول عمرو بن كلثوم :

ألا لا يجهلن أحد علينا  فنجهل فوق جهل الجاهلينافسمى انتصاره جهلا، والجهل لا يفتخر به ذو عقل، وإنما قال ليزدوج الكلام فيكون أخف على اللسان من المخالفة بينهما. وكانت العرب إذا وضعوا لفظا بإزاء لفظ جوابا له وجزاء ذكروه بمثل لفظه وإن كان مخالفا له في معناه، وعلى ذلك جاء القرآن والسنة. وقال الله عز وجل :" وجزاء سيئة سيئة مثلها " \[ الشورى : ٤٠ \]. وقال :" فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " \[ البقرة : ١٩٤ \] والجزاء لا يكون سيئة. والقصاص لا يكون اعتداء، لأنه حق وجب، ومثله :" ومكروا ومكر الله " \[ آل عمران : ٥٤ \]. و " إنهم يكيدون كيدا، وأكيد كيدا " \[ الطارق : ١٥ - ١٦ \]. و " إنما نحن مستهزئون، الله يستهزئ بهم " وليس منه سبحانه مكر ولا هزء إنما هو جزاء لمكرهم واستهزائهم وجزاء كيدهم، وكذلك " يخادعون الله وهو خادعهم " \[ النساء : ١٤٢ \]. " فيسخرون منهم سخر الله منهم " \[ التوبة : ٧٩ \]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن الله لا يمل حتى تملوا ولا يسأم حتى تسأموا ). قيل : حتى بمعنى الواو أي وتملوا. وقيل المعنى وأنتم تملون. وقيل : المعنى لا يقطع عنكم ثواب أعمالكم حتى تقطعوا العمل. وقال قوم : إن الله تعالى يفعل بهم أفعالا هي في تأمل البشر هزء وخدع ومكر، حسب ما روى :( إن النار تجمد كما تجمد الإهالة[(١)](#foonote-١) فيمشون عليها ويظنونها منجاة فتخسف بهم ). وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى :" وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا أمنا " هم منافقو أهل الكتاب، فذكرهم وذكر استهزاءهم، وأنهم إذا خلوا إلى شياطينهم يعني رؤساءهم في الكفر - على ما تقدم قالوا : إنا معكم على دينكم " إنما نحن مستهزئون " بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. " الله يستهزئ بهم " في الآخرة، يفتح لهم باب جهنم من الجنة، ثم يقال لهم : تعالوا، فيقبلون يسبحون في النار، والمؤمنون على الأرائك - وهي السرر - في الحجال ينظرون إليهم، فإذا انتهوا إلى الباب سد عنهم، فيضحك المؤمنون منهم، فذلك قول الله عز وجل :" الله يستهزئ بهم " أي في الآخرة، ويضحك المؤمنون منهم حين غلقت دونهم الأبواب، فذلك قوله تعالى :" فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون[(٢)](#foonote-٢). على الأرائك ينظرون " \[ المطففين : ٣٤ - ٣٥ \] إلى أهل النار " هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون " \[ المطففين : ٣٦ \]. وقال قوم : الخداع من الله والاستهزاء هو استدراجهم بدرور النعم الدنيوية عليهم، فالله سبحانه وتعالى يظهر لهم من الإحسان في الدنيا خلاف ما يغيب عنهم، ويستر عنهم من عذاب الآخرة، فيظنون أنه راض عنهم، وهو تعالى قد حتم عذابهم، فهذا على تأمل البشر كأنه استهزاء ومكر وخداع، ودل على هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم :( إذا رأيتم الله عز وجل يعطي العبد ما يحب وهو مقيم على معاصيه فإنما ذلك منه استدراج ). ثم نزع بهذه الآية :" فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون[(٣)](#foonote-٣) فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين " \[ الأنعام : ٤٤ - ٤٥ \]. وقال بعض العلماء في قوله تعالى :" سنستدرجهم[(٤)](#foonote-٤) من حيث لا يعلمون " :\[ الأعراف : ١٨٢ \] كلما أحدثوا ذنبا أحدث لهم نعمة. 
قوله تعالى :" ويمدهم " أي يطيل لهم المدة ويمهلهم ويملي لهم، كما قال :" إنما نملي[(٥)](#foonote-٥) لهم ليزدادوا إثما " \[ آل عمران : ١٧٨ \] وأصله الزيادة. قال يونس بن حبيب : يقال مد لهم في الشر، وأمد في الخير، قال الله تعالى :" وأمددناكم بأموال وبنين[(٦)](#foonote-٦) ". \[ الإسراء : ٦ \]. وقال :" وأمددناهم بفاكهة[(٧)](#foonote-٧) ولحم مما يشتهون " \[ الطور : ٢٢ \]. وحكي عن الأخفش : مددت له إذا تركته، وأمددته إذا أعطيته. وعن الفراء واللحياني : مددت، فيما كانت زيادته من مثله، يقال : مد النهرُ النهرَ[(٨)](#foonote-٨)، وفي التنزيل :" والبحر يمده[(٩)](#foonote-٩) من بعده سبعة أبحر " \[ لقمان : ٢٧ \]. وأمددت، فيما كانت زيادته من غيره، كقولك : أمددت الجيش بمدد، ومنه :" يمددكم[(١٠)](#foonote-١٠) ربكم بخمسة آلاف من الملائكة ". \[ آل عمران : ١٢٥ \]. وأمدّ الجرح ؛ لأن المدة من غيره، أي : صارت فيه مدة. 
قوله تعالى :" في طغيانهم " كفرهم وضلالهم. وأصل الطغيان مجاوزة الحد، ومنه قوله تعالى :" إنا لما طغى[(١١)](#foonote-١١) الماء " \[ الحاقة : ١١ \] أي ارتفع وعلا وتجاوز المقدار الذي قدرته الخُزَّان. وقوله في فرعون :" إنه طغى[(١٢)](#foonote-١٢) " \[ طه : ٢٤ \] أي أسرف في الدعوى حيث قال :" أنا ربكم الأعلى " \[ النازعات : ٢٤ \]. والمعنى في الآية : يمدهم بطول العمر حتى يزيدوا في الطغيان فيزيدهم في عذابهم. 
قوله تعالى :" يعمهون " يعمون. وقال مجاهد : أي يترددون متحيرين في الكفر. وحكى أهل اللغة : عَمِه الرجل يعمه عموها وعمها فهو عمه وعامه إذا حار، ويقال رجل عامه وعمه : حائر متردد، وجمعه عُمّه. وذهبت إبله العُمَّهَى إذا لم يدر أين ذهبت. والعمى في العين، والعمه في القلب، وفي التنزيل :" فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور[(١٣)](#foonote-١٣) " \[ الحج : ٤٦ \]
١ الإهالة: ما أذيب من الألية واالشحم. وقيل: الدسم الجامد..
٢ راجع ج ١٩ ص ٢٦٦..
٣ راجع ج ٦ ص ٤٢٦ وقد ذكر القرطبي هنالك الحديث برواية تختلف في بعض اللفظ، وفيه: ثم تلا "فلما نسوا" الآية بدل نزع..
٤ راجع ج ٧ ص ٣٢٩.
٥ راجع ج ٤ ص ٢٨٧.
٦ راجع ج ١٠ ص ٢١٧.
٧ راجع ج ١٧ ص ٦٨.
٨ الزيادة عن اللسان مادة (مد)..
٩ راجع ج ١٤ ص ٧٦.
١٠ راجع ج ٤ ص ١٩٠..
١١ راجع ج ١٨ ص ٢٦٣.
١٢ راجع ج ١٩ ص ١٩٩..
١٣ راجع ج ١٢ ص ٧٧..

### الآية 2:16

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [2:16]

قوله تعالى : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى  قال سيبويه : ضمت الواو في " اشتروا " فرقا بينها وبين الواو الأصلية، نحو :" وأن لو استقاموا على الطريقة ". \[ الجن : ١٦ \]. وقال ابن كيسان : الضمة في الواو أخف من غيرها لأنها من جنسها. وقال الزجاج : حركت بالضم كما فعل في " نحن ". وقرأ ابن أبي إسحاق ويحيى بن يعمر[(١)](#foonote-١) بكسر الواو على أصل التقاء الساكنين. وروى أبو زيد الأنصاري عن قعنب أبي السمال العدوي أنه قرأ بفتح الواو لخفة الفتحة وإن كان[(٢)](#foonote-٢) ما قبلها مفتوحا. وأجاز الكسائي همز الواو وضمها كأدؤر. واشتروا : من الشراء. والشراء هنا مستعار. والمعنى استحبوا الكفر على الإيمان، كما قال :" فاستحبوا العمى على الهدى " \[ فصلت : ١٧ \] فعبر عنه بالشراء، لأن الشراء إنما يكون فيما يحبه مشتريه. فأما أن يكون معنى شراء المعاوضة فلا، لأن المنافقين لم يكونوا مؤمنين فيبيعون إيمانهم. وقال ابن عباس : أخذوا الضلالة وتركوا الهدى. ومعناه استبدلوا واختاروا الكفر على الإيمان. وإنما أخرجه بلفظ الشراء توسعا، لأن الشراء والتجارة راجعان إلى الاستبدال، والعرب تستعمل ذلك في كل من استبدل شيئا بشيء. قال أبو ذؤيب :

فإن تَزْعُمِيني كنت أجهلُ فيكم  فإني شريتُ[(٣)](#foonote-٣) الحلم بعدك بالجهلوأصل الضلالة : الحيرة. ويسمى النسيان ضلالة لما فيه من الحيرة، قال له جل وعز :" فعلتها إذا وأنا من الضالين[(٤)](#foonote-٤) " \[ الشعراء : ٢٠ \] أي الناسين. ويسمى الهلاك ضلالة، كما قال عز وجل :" وقالوا أإذا ضللنا في الأرض[(٥)](#foonote-٥) " \[ السجدة : ١٠ \]. 
قوله تعالى :" فما ربحت تجارتهم " أسند تعالى الربح إلى التجارة على عادة العرب في قولهم : ربح بيعك، وخسرت صفقتك، وقولهم : ليل قائم، ونهار صائم، والمعنى : ربحت وخسرت في بيعك، وقمت في ليلك وصمت في نهارك، أي فما ربحوا في تجارتهم. وقال الشاعر :نهارُك هائمٌ وليلك نائمُ  كذلك في الدنيا تعيشُ البهائمُابن كيسان : ويجوز تجارة وتجائر، وضلالة وضلائل. 
قوله تعالى :" وما كانوا مهتدين " في اشترائهم الضلالة. وقيل : في سابق علم الله. والاهتداء ضد الضلال، وقد تقدم[(٦)](#foonote-٦). 
١ قال صاحب تهذيب التهذيب: "في التقريب بفتح التحتانية والميم وبينهما مهملة ساكنة. وفي المعنى بفتح الميم وضمها"..
٢ في بعض الأصول: "وإن ما قبلها مفتوحا"، وفي البعض الآخر: "وإن كان قبلها مفتوحا".
٣ ويروى: "اشتريت" كما في ديوان أبي ذؤيب. يقول: إن كنت تزعمين أني كنت أجهل في هواي لكم وصبوتي إليكم فقد شريت بذلك الجهل والصبا حلما وعقلا، ورجعت عما كنت عليه (عن شرح الشواهد)..
٤ راجع ج ١٣ ص ٩٥.
٥ راجع ج ١٤ ص ٩١.
٦ راجع ص ١٦٠ من هذا الجزء.

### الآية 2:17

> ﻿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ [2:17]

قوله تعالى : مثلهم كمثل الذي استوقد نارا  فمثلهم رفع بالابتداء والخبر في الكاف، فهي اسم، كما هي في قول الأعشى :

أتنتهون ولن ينهى ذوِي شطط  كالطعن يذهب فيه الزيت والفُتُلُ[(١)](#foonote-١)**وقول امرئ القيس :**ورحنا بكَابْنِ الماء يُجنَب وسَطنا  تَصَوَّبُ فيه العين طوراً وترتقي[(٢)](#foonote-٢)أراد مثل الطعن، وبمثل ابن الماء. ويجوز أن يكون الخبر محذوفا، تقديره مثلهم مستقر كمثل، فالكاف على هذا حرف. والمثل والمثل والمثيل واحد ومعناه الشبيه. والمتماثلان : المتشابهان، هكذا قال أهل اللغة. 
قوله " الذي " يقع للواحد والجمع. قال ابن الشجري هبة الله بن علي : ومن العرب من يأتي بالجمع بلفظ الواحد، كما قال :وإن الذي حانت بفَلْج دماؤهم  هم القوم كل القوم يا أم خالد[(٣)](#foonote-٣)وقيل في قول الله تعالى " والذي[(٤)](#foonote-٤) جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون " \[ الزمر : ٣٣ \] : إنه بهذه اللغة، وكذلك قوله :" مثلهم كمثل الذي " قيل : المعنى كمثل الذين استوقدوا، ولذلك قال :" ذهب الله بنورهم "، فحمل أول الكلام على الواحد، وآخره على الجمع. فأما قوله تعالى :" وخضتم كالذي[(٥)](#foonote-٥) خاضوا " \[ التوبة : ٦٩ \] فإن الذي ههنا وصف لمصدر محذوف تقديره وخضتم كالخوض الذي خاضوا. وقيل : إنما وحد " الذي " و " استوقد " لأن المستوقد كان واحدا من جماعة تولي الإيقاد لهم، فلما ذهب الضوء رجع عليهم جميعا فقال " بنورهم ". واستوقد بمعنى أوقد، مثل استجاب بمعنى أجاب، فالسين والتاء زائدتان. قاله الأخفش، ومنه قول الشاعر[(٦)](#foonote-٦) :وداع دعا يا من يجيب إلى الندى  فلم يستجبه عند ذاك مجيبأي يجبه. واختلف النحاة في جواب لما، وفي عود الضمير من " نورهم "، فقيل : جواب لما محذوف وهو طفئت، والضمير في " نورهم " على هذا للمنافقين، والإخبار بهذا عن حال تكون في الآخرة، كما قال تعالى :" فضرب بينهم بسور له باب[(٧)](#foonote-٧) " \[ الحديد : ١٣ \]. وقيل : جوابه " ذهب "، والضمير في " نورهم " عائد على " الذي "، وعلى هذا القول يتم تمثيل المنافق بالمستوقد ؛ لأن بقاء المستوقد في ظلمات لا يبصر كبقاء المنافق في حيرته وتردده. والمعنى المراد بالآية ضرب مثل للمنافقين، وذلك أن ما يظهرونه من الإيمان الذي تثبت لهم به أحكام المسلمين من المناكح والتوارث والغنائم والأمن على أنفسهم وأولادهم وأموالهم بمثابة من أوقد نارا في ليلة مظلمة فاستضاء بها ورأى ما ينبغي أن يتقيه وأمن منه، فإذا طفئت عنه أو ذهبت وصل إليه الأذى وبقي متحيرا، فكذلك المنافقون لما آمنوا اغتروا بكلمة الإسلام، ثم يصيرون بعد الموت إلى العذاب الأليم - كما أخبر التنزيل :" إن المنافقين[(٨)](#foonote-٨) في الدرك الأسفل من النار " \[ النساء : ١٤٥ \] - ويذهب نورهم، ولهذا يقولون :" انظرونا نقتبس[(٩)](#foonote-٩) من نوركم " \[ الحديد : ١٣ \]. وقيل : إن إقبال المنافقين إلى المسلمين وكلامهم معهم كالنار، وانصرافهم عن مودتهم وارتكاسهم عندهم كذهابها. وقيل غير هذا. 
قوله :" نارا " النار مؤنثة وهي من النور وهو أيضا الإشراق. وهي من الواو، لأنك تقول في التصغير : نويرة، وفي الجمع نور وأنوار ونيران، انقلبت الواو ياء لكسر ما قبلها. 
قوله تعالى :" فلما أضاءت ما حوله " ضاءت وأضاءت لغتان، يقال : ضاء القمر يضوء ضوءا وأضاء يضيء، يكون لازما ومتعديا. وقرأ محمد بن السميقع : ضاءت بغير ألف، والعامة بالألف، قال الشاعر :أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم  دجى الليل حتى نظَّمَ الجَزْعَ[(١٠)](#foonote-١٠) ثاقبُهْ( ما حوله ) " ما " زائدة مؤكدة. وقيل : مفعولة بأضاءت. و " حوله " ظرف مكان، والهاء في موضع خفض بإضافته إليها. " ذهب " وأذهب لغتان من الذهاب، وهو زوال الشيء. " وتركهم " أي أبقاهم. " في ظلمات " جمع ظُلْمة. وقرأ الأعمش :" ظلْمات " بإسكان اللام على الأصل. ومن قرأها بالضم فللفرق بين الاسم والنعت. وقرأ أشهب العقيلي :" ظلَمات " بفتح اللام. قال البصريون : أبدل من الضمة فتحة لأنها أخف. وقال الكسائي :" ظلمات " جمع الجمع، جمع ظلم. " لا يبصرون " فعل. مستقبل في موضع الحال، كأنه قال : غير مبصرين، فلا يجوز الوقف على هذا على " ظلمات ". 
١ المعنى: لا ينهى أصحاب الجور مثل طعن جائف؛ أي: نافذ إلى الجوف، يغيب فيه الزيت والفتل. (عن خزانة الأدب)..
٢ يقول رجعنا بفرس كأنه ابن ماء (طير ماء) خفة وحسنا وطول عنق. وهو يجنب: أي يقاد فلا يركب..
٣ فلج (بفتح أوله وسكون ثانيه): موضع بين البصرة وضرية. وقيل هو واد بطريق البصرة إلى مكة، ببطنه منازل للحاج. قائله: الأشهب بن رميلة يرى قوما قتلوا في هذا الموضع (عن اللسان)..
٤ راجع ج ١٥ ص ٢٥٦.
٥ راجع ج ٨ ص ٢٠١..
٦ هو كعب بن سعد الغنوي يرى أخاه أبا المغوار (عن اللسان)..
٧ راجع ج ١٧ ص ٢٤٦..
٨ راجع ج ٥ ص ٤٢٤.
٩ راجع ج ١٧ ص ٢٤٥.
١٠ الجزع (بفتح الجيم وكسرها): ضرب من الخرز. وقيل: هو الخرز اليماني، وهو الذي فيه بياض وسواد، فشبه به الأعين..

### الآية 2:18

> ﻿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ [2:18]

قوله تعالى : صم بكم عمي  ( صمٌّ ) أي هم صم، فهو خبر ابتداء مضمر. وفي قراءة عبد الله بن مسعود وحفصة : صماً بكماً عمياً، فيجوز النصب على الذم، كما قال تعالى :" ملعونين[(١)](#foonote-١) أينما ثقفوا " \[ الأحزاب : ٦١ \]، وكما قال :" وامرأته حمالة[(٢)](#foonote-٢) الحطب " \[ المسد : ٤ \]، وكما قال الشاعر[(٣)](#foonote-٣) :

سقوني الخمر ثم تكنَّفوني  عداةَ الله من كذب وزورفنصب " عداة الله " على الذم. فالوقف على " يبصرون " على هذا المذهب صواب حسن. ويجوز أن ينصب صما ب " تركهم "، كأنه قال : وتركهم صما بكما عميا، فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على " يبصرون ". والصمم في كلام العرب : الانسداد، يقال : قناة صماء إذا لم تكن مجوفة. وصممت القارورة إذا سددتها. فالأصم : من انسدت خروق مسامعه. والأبكم : الذي لا ينطق ولا يفهم، فإذا فهم فهو الأخرس. وقيل : الأخرس والأبكم واحد. ويقال : رجل أبكم وبكيم، أي أخرس بين الخرس والبكم، قال :
فليت لساني كان نصفين منهما\*\*\* بكيمٌ ونصفٌ عند مجرى الكواكب
والعمى : ذهاب البصر، وقد عمي فهو أعمى، وقوم عمي، وأعماه الله. وتعامى الرجل : أرى ذلك من نفسه. وعمي عليه الأمر إذا التبس، ومنه قوله تعالى :" فعميت عليهم الأنباء يومئذ[(٤)](#foonote-٤) " \[ القصص : ٦٦ \]. وليس الغرض مما ذكرناه نفي الإدراكات عن حواسهم جملة، وإنما الغرض نفيها من جهة ما، تقول : فلان أصم عن الخنا. ولقد أحسن الشاعر حيث قال :
أصمُّ عما ساءَهُ سميعُ
**وقال آخر :**وعوراء الكلام صممتُ عنها  ولو أني أشاء بها سميع**وقال الدارمي :**أعمى إذا ما جارتي خرجت  حتى يواريَ جارتِي الجُدْرُوقال بعضهم في وصاته لرجل يكثر الدخول على الملوك :اُدخل إذا ما دخلتَ أعمَى  واخرج إذا ما خرجت أخرسوقال قتادة :" صم " عن استماع الحق، " بكم " عن التكلم به، " عمي " عن الإبصار له. 
قلت : وهذا المعنى هو المراد في وصف النبي صلى الله عليه وسلم ولاة آخر الزمان في حديث جبريل ( وإذا رأيت الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض فذاك من أشراطها ). والله أعلم. 
قوله تعالى :" فهم لا يرجعون " أي إلى الحق لسابق علم الله تعالى فيهم. يقال : رجع بنفسه رجوعا، ورَجَعَه غيره، وهذيل تقول : أرجعه غيره. وقوله تعالى :" يرجع بعضهم إلى بعض القول[(٥)](#foonote-٥) " \[ سبأ : ٣١ \] أي يتلاومون فيما بينهم، حسب ما بينه التنزيل في سورة " سبأ " [(٦)](#foonote-٦). 
١ راجع ج ١٤ ص ٢٤٧.
٢ راجع ج ٢٠ ص ٢٣٩.
٣ هو عروة بن الورد وصف ما كان من فعل قوم امرأته عليه وسقوه الخمر حتى أجابهم إلى مفاداتها وكانت سبية عنده (عن شرح الشواهد)..
٤ راجع ج ١٣ ص ٣٠٤..
٥ راجع ج ١٤ ص ٣٠٢.
٦ راجع ج ١٤ ص ٣٠٢.

### الآية 2:19

> ﻿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ۚ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ [2:19]

قوله تعالى :" أو كصيب من السماء " قال الطبري :" أو " بمعنى الواو، وقاله الفراء. 
**وأنشد :**
وقد زعمت ليلى بأني فاجر \*\*\* لنفسي تقاها أو عليها فجورها[(١)](#foonote-١)
وقال آخر[(٢)](#foonote-٢) :
نال الخلافة[(٣)](#foonote-٣) أو كانت له قَدَراً \*\*\* كما أتى ربه موسى على قدر
أي وكانت. وقيل :" أو " للتخيير أي مثّلوهم بهذا أو بهذا، لا على الاقتصار على أحد الأمرين، والمعنى أو كأصحاب صيب. والصيب : المطر. واشتقاقه من صاب يصوب إذا نزل، قال علقمة :
فلا تعدلي بيني وبين مغمَّرٍ \*\*\* سقتكِ روايا المزن حيث تصُوبُ[(٤)](#foonote-٤)
وأصله : صَيوب، اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت، كما فعلوا في ميت وسيد وهين ولين. وقال بعض الكوفيين : أصله صويب على مثال فعيل. قال النحاس :" لو كان كما قالوا لما جاز إدغامه، كما لا يجوز إدغام طويل. وجمع صيب صيايب. والتقدير في العربية : مثلهم كمثل الذي استوقد نارا أو كمثل[(٥)](#foonote-٥) صيب ". 
قوله تعالى :" من السماء " السماء تذكر وتؤنث، وتجمع على أسمية وسموات وسمي، على فُعول، قال العجاج :
تلفُّهُ الرياحُ والسُّمِيّ[(٦)](#foonote-٦)
والسماء : كل ما علاك فأظلك، ومنه قيل لسقف البيت : سماء. والسماء : المطر، سمي به لنزوله من السماء. قال حسان بن ثابت :
ديارٌ من بني الحسحاس قفرٌ \*\*\* تعفيها الروامسُ والسماء
وقال آخر[(٧)](#foonote-٧) :
إذا سقط السماء بأرض قوم \*\*\* رعيناه وإن كانوا غضابا
ويسمى الطين والكلأ أيضا سماء، يقال : ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم. يريدون الكلأ والطين. ويقال لظهر الفرس أيضا سماء لعلوه، قال :[(٨)](#foonote-٨)
وأحمرُ كالديباج أما سماؤه \*\*\* فَرَيّا وأما أرضه فمُحُولُ
والسماء : ما علا. والأرض : ما سفل، على ما تقدم. 
قوله تعالى :" فيه ظلمات " ابتداء وخبر. " ورعد وبرق " معطوف عليه. وقال : ظلمات بالجمع إشارة إلى ظلمة الليل وظلمة الدَّجْن، وهو الغيم، ومن حيث تتراكب وتتزايد جمعت. وقد مضى ما فيه من اللغات[(٩)](#foonote-٩) فلا معنى للإعادة، وكذا كل ما تقدم إن شاء الله تعالى. 
واختلف العلماء في الرعد، ففي الترمذي عن ابن عباس قال : سألت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد ما هو ؟ قال :( ملك من الملائكة موكل[(١٠)](#foonote-١٠) بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله ). فقالوا : فما هذا الصوت الذي نسمع ؟ قال :( زجره بالسحاب إذا زجره حتى ينتهي إلى حيث أمر الله ) قالوا : صدقت. الحديث بطوله. وعلى هذا التفسير أكثر العلماء. فالرعد : اسم الصوت المسموع، وقاله علي رضي الله عنه، وهو المعلوم في لغة العرب، وقد قال لبيد في جاهليته :
فَجَّعني الرعد والصواعق بال \*\*\* فارس يوم الكريهة النَّجِدِ
وروي عن ابن عباس أنه قال : الرعد ريح تختنق بين السحاب فتصوت ذلك الصوت. واختلفوا في البرق، فروي عن علي وابن مسعود وابن عباس رضوان الله عليهم : البرق مخراق حديد بيد الملك يسوق به السحاب. 
قلت : وهو الظاهر من حديث الترمذي. وعن ابن عباس أيضا هو سوط من نور بيد الملك يزجر به السحاب. وعنه أيضا البرق ملك يتراءى. 
وقالت الفلاسفة : الرعد صوت اصطكاك أجرام السحاب. والبرق ما ينقدح من اصطكاكها. وهذا مردود لا يصح به نقل، والله أعلم. ويقال : أصل الرعد من الحركة، ومنه الرعديد للجبان. وارتعد : اضطرب، ومنه الحديث :( فجيء بهما ترعد فرائصهما ) الحديث. أخرجه أبو داود. والبرق أصله من البريق والضوء، ومنه البراق : دابة ركبها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به وركبها الأنبياء عليهم السلام قبله. ورعدت السماء من الرعد، وبرقت من البرق. ورعدت المرأة وبرقت : تحسنت وتزينت. ورعد الرجل وبرق : تهدد وأوعد، قال ابن أحمر :
يا جُلَّ ما بعدت عليك بلادنا \*\*\* وطِلابُنا فابرُق بأرضك وارعُدِ
وأرعد القوم وأبرقوا : أصابهم رعد وبرق. وحكى أبو عبيدة وأبو عمرو : أرعدت السماء وأبرقت، وأرعد الرجل وأبرق إذا تهدد وأوعد، وأنكره الأصمعي. واحتج عليه بقول الكميت :
أبرِق وأرعد يا يزي \*\*\* د فما وعيدك لي بضائر
فقال : ليس الكميت بحجة. 
فائدة : روى ابن عباس قال : كنا مع عمر بن الخطاب في سفرة بين المدينة والشام ومعنا كعب الأحبار، قال : فأصابتنا ريح وأصابنا رعد ومطر شديد وبرد، وفرق الناس. قال : فقال لي كعب : إنه من قال حين يسمع الرعد : سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، عوفي مما يكون في ذلك السحاب والبرد والصواعق. قال : فقلتها أنا وكعب، فلما أصبحنا واجتمع الناس قلت لعمر : يا أمير المؤمنين، كأنا كنا في غير ما كان فيه الناس قال : وما ذاك ؟ قال : فحدثته حديث كعب. قال : سبحان الله أفلا قلتم لنا فنقول كما قلتم ! في رواية، فإذا بردة[(١١)](#foonote-١١) قد أصابت أنف عمر فأثرت به. وستأتي هذه الرواية في سورة " الرعد[(١٢)](#foonote-١٢) " إن شاء الله. ذكر الروايتين أبو بكر بن علي بن ثابت الخطيب في روايات الصحابة عن التابعين رحمة الله عليهم أجمعين. وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع الرعد والصواعق قال :( اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك ). 
قوله تعالى :" يجعلون أصابعهم في آذانهم " جعلهم أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا القرآن فيؤمنوا به وبمحمد عليه السلام، وذلك عندهم كفر والكفر موت. وفي واحد الأصابع خمس لغات : إصبع بكسر الهمزة وفتح الباء، وأصبع بفتح الهمزة وكسر الباء، ويقال بفتحهما جميعا، وضمهما جميعا، وبكسرهما جميعا، ومؤنثة. وكذلك الأذن وتخفف وتثقل وتصغر، فيقال : أذينة. ولو سميت بها رجلا ثم صغرته. قلت : أذين، فلم تؤنث لزوال التأنيث عنه بالنقل إلى المذكر فأما قولهم : أذينة في الاسم العلم فإنما سمي به مصغرا، والجمع آذان. وتقول : أذنته إذا ضربت أذنه. ورجل أذُن : إذا كان يسمع كلام كل أحد، يستوي فيه الواحد والجمع. وأذاني : عظيم الأذنين. ونعجة أذناء، وكبش آذن. وأذّنت النعل وغيرها تأذينا : إذا جعلت لها أذنا. وأذنت الصبي : عركت أذنه. 
قوله تعالى :" من الصواعق " أي من أجل الصواعق. والصواعق جمع صاعقة. قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما : إذا اشتد غضب الرعد الذي هو الملك طار النار من فيه وهي الصواعق. وكذا قال الخليل، قال : هي الواقعة الشديدة من صوت الرعد، يكون معها أحيانا قطعة نار تحرق ما أتت عليه. وقال أبو زيد : الصاعقة نار تسقط من السماء في رعد شديد. وحكى الخليل عن قوم : الساعقة ( بالسين ). وقال أبو بكر النقاش : يقال صاعقة وصعقة وصاقعة بمعنى واحد. وقرأ الحسن : من " الصواقع " ( بتقديم القاف )، ومنه قول أبي النجم :
يحكون بالمصقولة القواطع \*\*\* تَشَقُّق البرق عن الصواقع
قال النحاس : وهي لغة تميم وبعض بني ربيعة. ويقال : صعقتهم السماء إذا ألقت عليهم. الصاعقة. والصاعقة أيضا صيحة العذاب، قال الله عز وجل :" فأخذتهم صاعقة[(١٣)](#foonote-١٣) العذاب الهون " \[ فصلت : ١٧ \] ويقال : صعق الرجل صعقة وتصعاقا، أي غشي عليه، وفي قوله تعالى :" وخر موسى صعقا[(١٤)](#foonote-١٤) " \[ الأعراف : ١٤٣ \] فأصعقه غيره. قال ابن مقبل :
ترى النُّعَرات الزُّرْقَ تحت لَبانِه \*\*\* أُحادَ ومَثْنَى أصعقتها صواهلُه[(١٥)](#foonote-١٥)
وقوله تعالى :" فصعق[(١٦)](#foonote-١٦) من في السموات ومن في الأرض " \[ الزمر : ٦٨ \] أي مات. وشبه الله تعالى في هذه الآية أحوال المنافقين بما في الصيب من الظلمات والرعد والبرق والصواعق. فالظلمات مثل لما يعتقدونه من الكفر، والرعد والبرق مثل لما يخوفون به. وقيل : مثل الله تعالى القرآن بالصيب لما فيه من الإشكال عليهم، والعمى هو الظلمات، وما فيه من الوعيد والزجر هو الرعد، وما فيه من النور والحجج الباهرة التي تكاد أحيانا أن تبهرهم هو البرق. والصواعق، مثل لما في القرآن من الدعاء إلى القتال في العاجل والوعيد في الآجل. وقيل : الصواعق تكاليف الشرع التي يكرهونها من الجهاد والزكاة وغيرهما. 
قوله :" حذر الموت " حذر وحذار بمعنى، وقرئ بهما. قال سيبويه : هو منصوب، لأنه موقوع له أي مفعول من أجله، وحقيقته أنه مصدر، وأنشد سيبويه :
وأغفرُ عوراءَ الكريم ادَّخَارَهُ \*\*\* وأعرضُ عن شتم اللئيم تكرُّما[(١٧)](#foonote-١٧)
وقال الفراء : هو منصوب على التمييز والموت : ضد الحياة. وقد مات يموت، ويمات أيضا، قال الراجز :
بنيتي سيدة البنات\*\*\* عيشي ولا يؤمن أن تَمَاتِي
فهو ميت وميت، وقوم موتى وأموات وميتون وميتون. والموات ( بالضم ) : الموت. والموات ( بالفتح ) : ما لا روح فيه. والموات أيضا : الأرض التي لا مالك لها من الآدميين ولا ينتفع بها أحد. والمَوَتان ( بالتحريك ) : خلاف الحيوان، يقال : اشتر الموتان، ولا تشتر الحيوان، أي اشتر الأرضين والدور، ولا تشتر الرقيق والدواب. والمُوتان ( بالضم ) : موت يقع في الماشية، يقال : وقع في المال موتان. وأماته الله وموته، شدد للمبالغة. وقال :
فعروة مات موتا مستريحا \*\*\* فهأنذا أُمَوَّتُ كل يوم
وأماتت الناقة إذا مات ولدها، فهي مميت ومميتة. قال أبو عبيد : وكذلك المرأة، وجمعها مماويت. قال ابن السكيت : أمات فلان إذا مات له ابن أو بنون. والمتماوت من صفة الناسك المرائي. وموت مائت، كقولك : ليل لائل، يؤخذ من لفظه ما يؤكد به. والمستميت للأمر : المسترسل له، قال رؤبة :
وزَبَدُ البحر له كَتِيتُ \*\*\* والليل فوق الماء مستميتُ[(١٨)](#foonote-١٨)
المستميت أيضا : المستقتل الذي لا يبالي في الحرب من الموت، وفي الحديث :( أرى القوم مستميتين ) وهم الذين يقاتلون على الموت. والمُوتة ( بالضم ) : جنس من الجنون والصرع يعتري الإنسان، فإذا أفاق عاد إليه كمال عقله كالنائم والسكران. ومُؤتة ( بضم الميم وهمز الواو ) : اسم أرض[(١٩)](#foonote-١٩) قتل بها جعفر بن أبي طالب عليه السلام. 
قوله تعالى :" والله محيط بالكافرين " ابتداء وخبر، أي لا يفوتونه. يقال : أحاط السلطان بفلان إذا أخذه أخذا حاصرا من كل جهة، قال الشاعر :
أحطنا بهم حتى إذا ما تيَقَّنوا \*\*\* بما قد رأوا مالوا جميعا إلى السِّلْمِ
ومنه قوله تعالى :" وأحيط[(٢٠)](#foonote-٢٠) بثمره " \[ الكهف : ٤٢ \]. وأصله محيط، نقلت حركة الياء إلى الحاء فسكنت. فالله سبحانه محيط بجميع المخلوقات، أي هي في قبضته وتحت قهره، كما قال :" والأرض جميعا قبضته يوم القيامة[(٢١)](#foonote-٢١) " \[ الزمر : ٦٧ \]. وقيل :" محيط بالكافرين " أي عالم بهم. دليله :" وأن الله قد أحاط بكل شيء علما[(٢٢)](#foonote-٢٢) " \[ الطلاق : ١٢ \]. وقيل : مهلكهم وجامعهم. دليله قوله تعالى :" إلا أن يحاط بكم[(٢٣)](#foonote-٢٣) " \[ يوسف : ٦٦ \] أي إلا أن تهلكوا جميعا. وخص الكافرين بالذكر لتقدم ذكرهم في الآية. والله أعلم.

١ البيت من قصيدة لتوبة الخفاجي قالها في ليلى الأخيلية..
٢ هو جرير بن عطية يمدح عمر بن عبد العزيز.
٣ في ديوانه المخطوط: "إذ" بدل "أو"..
٤ المغمر والغمر: الجاهل الذي لم يجرب الأمور، كأن الجهل غمره واستولى عليه. وروايا المزن: التي تروي بكثرة مائها..
٥ في الأصل: "... نارا أو كصيب". والتصويب عن كتاب إعراب القرآن للنحاس..
٦ السمي يريد الأمطار..
٧ هو معاوية بن مالك..
٨ القائل هو طفيل الغنوي، كما في اللسان مادة (سما).
٩ راجع ص ٢١٣ من هذا الجزء..
١٠ زيادة عن الترمذي..
١١ البرد (بالتحريك): حب الغمام..
١٢ راجع ج ٩ ص ٢٩٥..
١٣ راجع ج ١٥ ص ٤٣٩.
١٤ راجع ج ٧ ص ٢٧٩.
١٥ النعرة (مثال الهمزة): ذباب ضخم أزرق العين أخضر، له إبرة في طرف ذنبه يلسع بها ذوات الحافز خاصة. واللبان: الصدر، وقيل: وسطه، وقيل: ما بين الثديين، ويكون الإنسان وغيره. وأصعقتها صواهله: أي قتلها صهيله..
١٦ راجع ج ١٥ ص ٢٧٩..
١٧ البيت لحاتم الطائي: يقول: إذا جهل علي الكريم احتملت جهله إبقاء عليه وادخار له، وإن سبني اللئيم أعرضت عن شتمه..
١٨ كذا في الأصول واللسان مادة "موت". والذي في ديوانه المخطوط المحفوظ بدار الكتب المصرية برقم ٥١٦ أدب.
 وزبد البحر له كتيت \*\*\* تراه والحوت له نئيت
 كلاهما مغتمس مغتوت\*\*\* وكلكل الماء له مبيت
 والليل فوق الماء مستميت\*\*\*يدفع عنه جوفه المسحوت
 الكتيت: الهدير. والنئيت والزحير والطحير والأنيت كله: الزحير (إخراج الصوت أو النفس عند عمل بأنين أو شدة)..
١٩ المغتوت: المغموم. والمسحوت: الذي لا يشبع..
٢٠ وقيل إنها قرية من قرى البلقاء في حدود الشام. وقيل: إنها بمشارف الشام وعلى اثني عشر ميلا من أذرح. راجع تاج العروس مادة "مأت"..
٢١ راجع ج ١٠ ص ٤٠٩.
٢٢ راجع ج ١٥ ص ٢٧٧.
٢٣ راجع ج ١٨ ص ١٧٦ راجع ج ٩ ص ٢٢٥..

### الآية 2:20

> ﻿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ۖ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2:20]

قوله تعالى :" يكاد البرق يخطف أبصارهم " ( يكاد ) معناه يقارب، يقال : كاد يفعل كذا إذا قارب ولم يفعل. ويجوز في غير القرآن : يكاد أن يفعل، كما قال رؤبة :
قد كاد من طول البلى أن يَمْصَحَا[(١)](#foonote-١)
مشتق من المصح وهو : الدرس. والأجود أن تكون بغير " أن "، لأنها لمقاربة الحال، و " أن " تصرف الكلام إلى الاستقبال، وهذا متناف، قال الله عز وجل :" يكاد سنا برقه[(٢)](#foonote-٢) يذهب بالأبصار " \[ النور : ٤٣ \]. ومن كلام العرب : كاد النعام يطير، وكاد العروس يكون أميرا، لقربهما من تلك الحال. وكاد فعل متصرف على فعل يفعل. وقد جاء خبره بالاسم وهو قليل، قال :" وما كدت[(٣)](#foonote-٣) آئبا ". ويجري مجرى كاد كرب وجعل وقارب وطفق، في كون خبرها بغير " أن "، قال الله عز وجل :" وطفقا[(٤)](#foonote-٤) يخصفان عليهما من ورق الجنة " \[ الأعراف : ٢٢ \] لأنها كلها بمعنى الحال والمقاربة، والحال لا يكون معها " أن "، فأعلم. 
قوله تعالى :" يخطف أبصارهم " الخطف : الأخذ بسرعة، ومنه سمي الطير خطافا لسرعته. فمن جعل القرآن مثلا للتخويف فالمعنى أن خوفهم مما ينزل بهم يكاد يذهب أبصارهم. ومن جعله مثلا للبيان الذي في القرآن فالمعنى أنهم جاءهم من البيان ما بهرهم. ويخْطَف ويخْطِف لغتان قرئ بهما. وقد خطفه ( بالكسر ) يخطفه خطفا، وهي اللغة الجيدة، واللغة الأخرى حكاها الأخفش : خطف يخطف. الجوهري : وهي قليلة رديئة لا تكاد تعرف. وقد قرأ بها يونس في قوله تعالى " يكاد البرق يخطف أبصارهم " وقال النحاس : في " يخطف " سبعة أوجه، القراءة الفصيحة : يخطَف. وقرأ علي بن الحسين ويحيى بن وثاب : يخطف بكسر الطاء، قال سعيد الأخفش : هي لغة. وقرأ الحسن وقتادة وعاصم الجحدري وأبو رجاء العطاردي بفتح الياء وكسر الخاء والطاء. وروي عن الحسن أيضا أنه قرأ بفتح الخاء. قال الفراء : وقرأ بعض أهل المدينة بإسكان الخاء وتشديد الطاء. قال الكسائي والأخفش والفراء : يجوز " يخطف " بكسر الياء والخاء والطاء. فهذه ستة أوجه موافقة للخط. والسابعة حكاها عبد الوارث قال : رأيت في مصحف أبي بن كعب " يتخطف "، وزعم سيبويه والكسائي أن من قرأ " يخطف " بكسر الخاء والطاء فالأصل عنده يختطف، ثم أدغم التاء في الطاء فالتقى ساكنان فكسرت الخاء لالتقاء الساكنين. قال سيبويه : ومن فتح الخاء ألقى حركة التاء عليها. وقال الكسائي : ومن كسر الياء فلأن الألف في اختطف مكسورة. فأما ما حكاه الفراء عن أهل المدينة من إسكان الخاء والإدغام فلا يعرف ولا يجوز، لأنه جمع بين ساكنين. قال النحاس وغيره. 
قلت : وروي عن الحسن أيضا وأبي رجاء " يخِطَّف ". قال ابن مجاهد : وأظنه غلطا، واستدل على ذلك بأن " خطِف الخطفة[(٥)](#foonote-٥) " لم يقرأه أحد بالفتح. 
 " أبصارهم " جمع بصر، وهي حاسة الرؤية. والمعنى : تكاد حجج القرآن وبراهينه الساطعة تبهرهم. ومن جعل " البرق " مثلا للتخويف فالمعنى أن خوفهم مما ينزل بهم يكاد يذهب أبصارهم. 
قوله تعالى :" كلما أضاء لهم مشوا فيه " " كلما " منصوب لأنه ظرف. وإذا كان " كلما " بمعنى " إذا " فهي موصولة والعامل فيه " مشوا " وهو جوابه، ولا يعمل فيه " أضاء "، لأنه في صلة ما. والمفعول في قول المبرد محذوف، التقدير عنده : كلما أضاء لهم البرق الطريق. وقيل : يجوز أن يكون فعل وأفعل بمعنى، كسكت وأسكت، فيكون أضاء وضاء سراء فلا يحتاج إلى تقدير حذف مفعول. قال الفراء : يقال ضاء وأضاء، وقد تقدم. والمعنى أنهم كلما سمعوا القرآن وظهرت لهم الحجج أنسوا ومشوا معه، فإذا نزل من القرآن ما يعمون فيه ويضلون به أو يكلفونه " قاموا " أي ثبتوا على نفاقهم، عن ابن عباس. وقيل : المعنى كلما صلحت أحوالهم في زروعهم ومواشيهم وتوالت النعم قالوا : دين محمد دين مبارك، وإذا نزلت بهم مصيبة وأصابتهم شدة سخطوا وثبتوا في نفاقهم، عن ابن مسعود وقتادة. قال النحاس : وهذا قول حسن، ويدل على صحته :" ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه[(٦)](#foonote-٦) " \[ الحج : ١١ \] وقال علماء الصوفية : هذا مثل ضربه الله تعالى لمن لم تصح له أحوال الإرادة بدءا، فارتقى من تلك الأحوال بالدعاوى إلى أحوال الأكابر، كأن تضيء عليه أحوال الإرادة لو صححها بملازمة آدابها، فلما مزجها بالدعاوى أذهب الله عنه تلك الأنوار وبقي في ظلمات دعاويه لا يبصر طريق الخروج منها. وروي عن ابن عباس أن المراد اليهود، لما نصر النبي صلى الله عليه وسلم ببدر طمعوا وقالوا : هذا والله النبي الذي بشرنا به موسى لا ترد له راية، فلما نكب بأحد ارتدوا وشكوا، وهذا ضعيف. والآية في المنافقين، وهذا أصح عن ابن عباس، والمعنى يتناول الجميع. 
قوله تعالى :" ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم " " لو " حرف تمن وفيه معنى الجزاء، وجوابه اللام. والمعنى : ولو شاء الله لأطلع المؤمنين عليهم فذهب منهم عز الإسلام بالاستيلاء عليهم وقتلهم وإخراجهم من بينهم. وخص السمع والبصر لتقدم ذكرهما في الآية أولا، أو لأنهما أشرف ما في الإنسان. وقرئ " بأسماعهم " على الجمع، وقد تقدم الكلام في هذا[(٧)](#foonote-٧). 
قوله تعالى :" إن الله على كل شيء قدير " عموم، ومعناه عند المتكلمين فيما يجوز وصفه تعالى بالقدرة عليه. وأجمعت الأمة على تسمية الله تعالى بالقدير، فهو سبحانه قدير قادر مقتدر. والقدير أبلغ في الوصف من القادر، قاله الزجاجي. وقال الهروي : والقدير والقادر بمعنى واحد، يقال : قدرت على الشيء أقدر قدْرا وقدَرا ومقْدِرة ومقْدُرة وقدرانا، أي قدرة. والاقتدار على الشيء : القدرة عليه. فالله جل وعز قادر مقتدر قدير على كل ممكن يقبل الوجود والعدم. فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الله تعالى قادر، له قدرة بها فعل ويفعل ما يشاء على وفق علمه واختياره. ويجب عليه أيضا أن يعلم أن للعبد قدرة يكتسب بها ما أقدره الله تعالى عليه على مجرى العادة، وأنه غير مستبد بقدرته. وإنما خص هنا تعالى صفته التي هي القدرة بالذكر دون غيرها، لأنه تقدم ذكر فعل مضمنه الوعيد والإخافة، فكان ذكر القدرة مناسبا لذلك. والله أعلم. 
فهذه عشرون آية على عدد الكوفيين، أربع آيات في وصف المؤمنين، ثم تليها آيتان في ذكر الكافرين، وبقيتها في المنافقين. وقد تقدمت الرواية فيها عن ابن جريج، وقاله مجاهد أيضا.

١ يمصح: يذهب ويدرس..
٢ راجع ج ١٢ ص ٢٩٠..
٣ قائله تأبط شرا والبيت بتمامه: 
 فأبت إلى فهم وما كدت آئبا \*\*\* وكم مثلها فارقتها وهي تصفر.
٤ راجع ج ٧ ص ١٨٠..
٥ راجع ج ١٥ ص ٦٧..
٦ راجع ج ١٢ ص ١٧..
٧ راجع المسألة الثامنة ص ١٩٠ من هذا الجزء..

### الآية 2:21

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [2:21]

قوله سبحانه وتعالى :" يا أيها الناس اعبدوا ربكم " قال علقمة ومجاهد : كل آية أولها " يا أيها الناس " فإنما نزلت بمكة، وكل آية أولها " يا أيها الذين آمنوا " فإنما نزلت بالمدينة. قلت : وهذا يرده أن هذه السورة والنساء مدنيتان وفيهما يا أيها الناس. وأما قولهما في " يا أيها الذين آمنوا " \[ النساء : ١٩ \] الآية فصحيح. وقال عروة بن الزبير : ما كان من حد أو فريضة فإنه نزل بالمدينة، وما كان من ذكر الأمم والعذاب فإنه نزل بمكة. وهذا واضح. 
و " يا " في قوله :" يا أيها " حرف نداء " أي " منادى مفرد مبني على الضم، لأنه منادى في اللفظ، و " ها " للتنبيه. " الناس " مرفوع صفة لأي عند جماعة النحويين، ما عدا المازني فإنه أجاز النصب قياسا على جوازه في : يا هذا الرجل. وقيل : ضمت " أي " كما ضم المقصود المفرد، وجاؤوا ب " ها " عوضا عن ياء أخرى، وإنما لم يأتوا بياء لئلا ينقطع الكلام فجاؤوا ب " ها " حتى يبقى الكلام متصلا. قال سيبويه : كأنك كررت " يا " مرتين وصار الاسم بينهما، كما قالوا : ها هو ذا. وقيل لما تعذر عليهم الجمع بين حرفي تعريف أتوا في الصورة بمنادي مجرد عن حرف تعريف، وأجروا عليه المعرف باللام المقصود بالنداء، والتزموا رفعه ؛ لأنه المقصود بالنداء، فجعلوا إعرابه بالحركة التي كان يستحقها لو باشرها النداء تنبيها على أنه المنادي، فاعلمه. 
واختلف من المراد بالناس هنا على قولين : أحدهما : الكفار الذين لم يعبدوه، يدل عليه قوله :" وإن كنتم في ريب " \[ البقرة : ٢٣ \] الثاني : أنه عام في جميع الناس، فيكون خطابه للمؤمنين باستدامة العبادة، وللكافرين بابتدائها. وهذا حسن. 
قوله تعالى :" اعبدوا " أمر بالعبادة له. والعبادة هنا عبارة عن توحيده والتزام شرائع دينه. وأصل العبادة الخضوع والتذلل، يقال : طريق معبدة إذا كانت موطوءة بالأقدام. قال طرفة :
وظِيفًا وظيفًا فوق مَوْرٍ مُعَبَّدِ[(١)](#foonote-١)
والعبادة : الطاعة. والتعبد : التنسك. وعبدت فلانا : اتخذته عبد ا. 
قوله تعالى :" الذي خلقكم " خص تعالى خلقه لهم من بين سائر صفاته إذ كانت العرب مقرة بأن الله خلقها، فذكر ذلك حجة عليهم وتقريعا لهم. وقيل : ليذكرهم بذلك نعمته عليهم. وفي أصل الخلق وجهان : أحدهما : التقدير، يقال : خلقت الأديم للسقاء إذا قدرته قبل القطع، قال الشاعر[(٢)](#foonote-٢) :

ولأنت تفْرِي ما خلقت وبع  ض القوم يخلق ثم لا يفْرِيوقال الحجاج : ما خلقت إلا فريت، ولا وعدت إلا وفيت. الثاني : الإنشاء والاختراع والإبداع، قال الله تعالى :" وتخلقون[(٣)](#foonote-٣) إفكا " \[ العنكبوت : ١٧ \]. 
قوله تعالى :" والذين من قبلكم " فيقال إذا ثبت عندهم خلقهم ثبت عندهم خلق غيرهم، فالجواب : أنه إنما يجري الكلام على التنبيه والتذكير ليكون أبلغ في العظة، فذكرهم من قبلهم ليعلموا أن الذي أمات من قبلهم وهو خلقهم يميتهم، وليفكروا فيمن مضى قبلهم كيف كانوا، وعلى أي الأمور مضوا من إهلاك من أهلك، وليعلموا أنهم يبتلون كما ابتلوا. والله أعلم. 
قوله تعالى :" لعلكم تتقون " " لعل " متصلة باعبدوا لا بخلقكم، لأن من ذرأه الله لجهنم لم يخلقه ليتقي. وهذا وما كان مثله فيما ورد في كلام الله تعالى من قوله :" لعلكم تعقلون، لعلكم تشكرون، لعلكم تذكرون، لعلكم تهتدون " فيه ثلاث تأويلات. 
الأول : أن " لعل " على بابها من الترجي والتوقع، والترجي والتوقع إنما هو في حيز البشر، فكأنه قيل لهم : افعلوا ذلك على الرجاء منكم والطمع أن تعقلوا وأن تذكروا وأن تتقوا. هذا قول سيبويه ورؤساء اللسان قال سيبويه في قوله عز وجل :" اذهبا إلى فرعون إنه طغى، فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى " \[ طه : ٤٣ - ٤٤ \] قال معناه : اذهبا على طمعكما ورجائكما أن يتذكر أو يخشى[(٤)](#foonote-٤). واختار هذا القول أبو المعالي. 
الثاني : أن العرب استعملت " لعل " مجردة من الشك بمعنى لام كي. فالمعنى لتعقلوا ولتذكروا ولتتقوا، وعلى ذلك يدل قول الشاعر :وقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا  نكفُّ ووثقتم لنا كل موثقفلما كففنا الحرب كانت عهودكم  كلمعِ سرابٍ في الملا مُتَأَلِّقِالمعنى : كفوا الحروب لنكف، ولو كانت " لعل " هنا شكا لم يوثقوا لهم كل موثق، وهذا القول عن قطرب والطبري. 
الثالث : أن تكون " لعل " بمعنى التعرض للشيء، كأنه قيل : افعلوا متعرضين لأن تعقلوا، أو لأن تذكروا أو لأن تتقوا. والمعنى في قوله " لعلكم تتقون " أي لعلكم أن تجعلوا بقبول ما أمركم الله به وقاية بينكم وبين النار. وهذا من قول العرب : اتقاه بحقه إذا استقبله به، فكأنه جعل دفعه حقه إليه وقاية له من المطالبة، ومنه قول علي رضي الله عنه : كنا إذا احمر البأس اتقينا بالنبي صلى الله عليه وسلم، أي جعلناه وقاية لنا من العدو. وقال عنترة :ولقد كررتُ المُهْرَ يَدْمَى نَحْرُه  حتى اتقتنِي الخيلُ بابني حِذيَمِ١ صدر البيت:
 تبارى عتاقا ناجيات وأتبعت
 تبارى: والناجيات: تعارض، يقال: هما يتباريان في السير، إذا فعل هذا شيئا فعل مثله. والعتاق: الكرام من الإبل البيض. والناجيات: السراع. والوظيف: عظم الساق. وقوله أتبعت وظيفا وظيفا؛ أي أتبعت هذه الناقة وظيف رجلها وظيف يدها، ويستحب من الناقة أن تجعل رجلها في موضع يدها إذا سارت. والمور. الطريق (عن شرح المعلقات)..
٢ هو زهير بن أبي سلمى يمدح هرم كبن سنان. يقول: أنت إذا قدرت أمرا قطعته وأمضيته. وغيرك يقدر ما لا يقطعه؛ لأنه ليس بماضي العزم وأنت مضاء على ما عزمت عليه. (عن اللسان)..
٣ راجع ج ١٣ ص ٣٣٥..
٤ راجع ج ١١ ص ١٩٩..

### الآية 2:22

> ﻿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [2:22]

قوله تعالى : الذي جعل لكم الأرض فراشا  فيه ست مسائل :
الأول : قوله تعالى :" الذي جعل " معناه هنا صير لتعديه إلى مفعولين : ويأتي بمعنى خلق، ومنه قوله تعالى :" ما جعل الله من[(١)](#foonote-١) بحيرة ولا سائبة " \[ المائدة : ١٠٣ \] وقوله :" وجعل الظلمات والنور " \[ الأنعام : ١ \] ويأتي بمعنى سمى، ومنه قوله تعالى :" حم. والكتاب المبين. إنا جعلناه قرآنا عربيا " \[ الزخرف : ١ - ٣ \]. وقوله :" وجعلوا له من عباده جزءا " \[ الزخرف : ١٥ \]. " وجعلوا[(٢)](#foonote-٢) الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا " \[ الزخرف : ١٩ \] أي سموهم. ويأتي بمعنى أخذ، كما قال الشاعر[(٣)](#foonote-٣) :
وقد جعلت نفسي تطيب لضَغْمَةٍ \*\*\* لضَغْمِهِمَا ها يقرع العظم نابها
**وقد تأتي زائدة، كما قال الآخر :**
وقد جعلت أرى الاثنين أربعةً \*\*\* والواحد اثنين لما هدني الكبر
وقد قيل في قوله تعالى " وجعل الظلمات والنور " : إنها زائدة. وجعل واجتعل بمعنى واحد، قال الشاعر[(٤)](#foonote-٤) :
ناط أمرَ الضِّعاف واجتعل اللي \*\*\* ل كحبل العاديّة الممدود
 " فراشا " أي وطاء يفترشونها ويستقرون عليها. وما ليس بفراش كالجبال والأوعار والبحار فهي من مصالح ما يفترش منها، لأن الجبال كالأوتاد كما قال :" ألم نجعل[(٥)](#foonote-٥) الأرض مهادا. والجبال أوتادا " \[ النبأ : ٦ - ٧ \]. والبحار تركب إلى سائر منافعها كما قال :" والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس[(٦)](#foonote-٦) " \[ البقرة : ١٦٤ \]. 
الثانية : قال أصحاب الشافعي : لو حلف رجل ألا يبيت على فراش أو لا يستسرج بسراج فبات على الأرض وجلس في الشمس لم يحنث ؛ لأن اللفظ لا يرجع إليهما عرفا. وأما المالكية فبنوه على أصلهم في الأيمان أنها محمولة على النية أو السبب أو البساط الذي جرت عليه اليمين، فإن عدم ذلك فالعرف. 
الثالثة : قوله تعالى :" والسماء بناء " السماء للأرض كالسقف للبيت، ولهذا قال وقوله الحق " وجعلنا السماء سقفا محفوظا[(٧)](#foonote-٧) " \[ الأنبياء : ٣٢ \] وكل ما علا فأظل قيل له سماء، وقد تقدم القول[(٨)](#foonote-٨) فيه والوقف على " بناء " أحسن منه على " تتقون "، لأن قوله :" الذي جعل لكم الأرض فراشا " نعت للرب. ويقال : بنى فلان بيتا، وبنى على أهله - بناء فيهما - أي زفها. والعامة تقول : بنى بأهله، وهو خطأ، وكأن الأصل فيه أن الداخل بأهله كان يضرب عليها قبة ليلة دخوله بها، فقيل لكل داخل بأهله : بانٍ، وبنّى ( مقصورا ) شدد للكثرة، وابتنى دارا وبنى بمعنى، ومنه بنيان الحائط، وأصله وضع لبنة على أخرى حتى تثبت. 
وأصل الماء موه، قلبت الواو ألفا لتحركها وتحرك ما قبلها فقلت : ماه، فالتقى حرفان خفيان فأبدلت من الهاء همزة ؛ لأنها أجلد، وهي بالألف أشبه، فقلت : ماء، الألف الأولى عين الفعل، وبعدها الهمزة التي هي بدل من الهاء، وبعد الهمزة بدل من التنوين. قال أبو الحسن : لا يجوز أن يكتب إلا بألفين عند البصريين، وإن شئت بثلاث، فإذا جمعوا أو صغروا ردوا إلى الأصل فقالوا : مويه وأمواه ومياه، مثل جمال وأجمال. 
الرابعة : قوله تعالى :" فأخرج به من الثمرات رزقا لكم " الثمرات جمع ثمرة. ويقال : ثمر مثل شجر. ويقال ثمر مثل خشب. ويقال : ثمر مثل بدن. وثمار مثل إكام جمع ثمر. وسيأتي لهذا مزيد بيان في " الأنعام " إن[(٩)](#foonote-٩) شاء الله. وثمار السياط : عقد أطرافها. 
والمعنى في الآية أخرجنا لكم ألوانا من الثمرات، وأنواعا من النبات. " رزقا " طعاما لكم، وعلفا لدوابكم، وقد بين هذا قوله تعالى :" إنا صببنا الماء صبا. ثم شققنا الأرض شقا. فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا. وحدائق غلبا. وفاكهة وأبا. متاعا لكم ولأنعامكم[(١٠)](#foonote-١٠) " \[ عبس : ٢٥ - ٣٢ \] وقد مضى الكلام في الرزق مستوفى[(١١)](#foonote-١١) والحمد لله. 
فإن قيل : كيف أطلق اسم الرزق على ما يخرج من الثمرات قبل التملك ؟ قيل له : لأنها معدة لأن تملك ويصح بها الانتفاع، فهي رزق. 
الخامسة : قلت : ودلت هذه الآية على أن الله تعالى أغنى الإنسان عن كل مخلوق، ولهذا قال عليه السلام مشيرا إلى هذا المعنى :( والله لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يسأل أحدا أعطاه أو منعه ). أخرجه مسلم. ويدخل في معنى الاحتطاب جميع الأشغال من الصنائع وغيرها، فمن أحوج نفسه إلى بشر مثله بسبب الحرص والأمل والرغبة في زخرف الدنيا فقد أخذ بطرف من جعل لله ندا. وقال علماء الصوفية : أعلم الله عز وجل في هذه الآية سبيل الفقر، وهو أن تجعل الأرض وطاء والسماء غطاء، والماء طيبا والكلأ طعاما، ولا تعبد أحدا في الدنيا من الخلق بسبب الدنيا، فإن الله عز وجل قد أتاح لك ما لا بد لك منه، من غير منة فيه لأحد عليك. وقال نوف البكالي : رأيت علي بن أبي طالب خرج فنظر إلى النجوم فقال : يا نوف، أراقد أنت أم رامق ؟ قلت : بل رامق يا أمير المؤمنين، قال : طوبى للزاهدين في الدنيا والراغبين في الآخرة، أولئك قوم اتخذوا الأرض بساطا، وترابها فراشا، وماءها طيبا، والقرآن والدعاء دثارا وشعارا، فرفضوا الدنيا على منهاج المسيح عليه السلام. . . وذكر باقي الخبر، وسيأتي تمامه في هذه السورة عند قوله تعالى :" أجيب دعوة الداع " \[ البقرة : ١٨٦ \] إن شاء الله تعالى. 
السادسة : قوله تعالى :" فلا تجعلوا " نهي. " لله أندادا " أي أكفاء وأمثالا ونظراء، واحدها ند، وكذلك قرأ محمد بن السميقع " ندا "، قال الشاعر :
نحمد الله ولا ند له \*\*\* عنده الخير وما شاء فعل
**وقال حسان :**
أتهجوه ولست له بند \*\*\* فشركما لخيركما الفداء
ويقال : ند ونديدة على المبالغة، قال لبيد :
لكيلا يكون السَّندَري نديدتي \*\*\* وأجعل أقواما عموما عَمَاعِمَا[(١٢)](#foonote-١٢)
وقال أبو عبيدة " أندادا " أضدادا. النحاس :" أندادا " مفعول أول، و " لله " في موضع الثاني. الجوهري : والند ( بفتح النون ) : التل المرتفع في السماء. والند من الطيب ليس بعربي. وند البعير يند ندا وندادا وندودا : نفر وذهب على وجهه، ومنه قرأ بعضهم " يوم التناد[(١٣)](#foonote-١٣) ". وندد به أي شهره وسمع به. 
السابعة : قوله تعالى :" وأنتم تعلمون " ابتداء وخبر، والجملة في موضع الحال، والخطاب للكافرين والمنافقين، عن ابن عباس. فإن قيل : كيف وصفهم بالعلم وقد نعتهم بخلاف ذلك من الختم والطبع والصمم والعمى. فالجواب من وجهين : أحدهما - " وأنتم تعلمون " يريد العلم الخاص بأن الله تعالى خلق الخلق وأنزل الماء وأنبت الرزق، فيعلمون أنه المنعم عليهم دون الأنداد. الثاني - أن يكون المعنى وأنتم تعلمون وحدانيته بالقوة والإمكان لو تدبرتم ونظرتم، والله أعلم. وفي هذا دليل على الأمر باستعمال حجج العقول وإبطال التقليد. وقال ابن فورك : يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين، فالمعنى لا ترتدوا أيها المؤمنون وتجعلوا لله أندادا بعد علمكم الذي هو نفي الجهل بأن الله واحد.

١ راجع ج ٦ ص ٣٣٥ و ٣٨٦..
٢ راجع ج ١٦ ص ٦١ و ٦٩ و ٧١..
٣ هو مغلس بن لقيط الأسدي. وصف شدة أصابه بها رجلان من قومه، فيقول: قد جعلت نفسي تطيب لإصابتهما بمثل الشدة التي أصاباني بها. وضرب الضغمة مثلا ثم وصف الضغمة فقال: يقرع العظم نابها. فجعل لها نابا على السعة والمعنى: يصل الناب فيها إلى العظم فيقرعه. (عن شرح الشواهد للشنتمزي)..
٤ هو أبو زبيد الطائي يرثي اللجلاج ابن أخته، يقول: جعل يسير الليل كله مستقيما كاستقامة حبل البئر إلى الماء. ناط: علق. والعادية: البئر القديمة. (عن اللسان)..
٥ راجع ج ١٩ ص ١٦٩..
٦ راجع ج ٢ ص ١٩٤..
٧ راجع ج ١١ ص ٢٨٥.
٨ راجع ص ٢١٦ من هذا الجزء..
٩ راجع ج ٧ ص ٤٩.
١٠ راجع ج ١٩ ص ٢١٨.
١١ راجع ١٧٧ و١٧٨ من هذا الجزء..
١٢ السندري: وابن يزيد الكلابي، شاعر كان مع علقمة بن علاثة، وكان لبيد مع عامر بن الطفيل، فدعي لبيد إلى مهاجماته فأبى وقال البيت: والعماعم: الجماعات المتفرقون. ومعنى الشطر الثاني: وأجعل أقواما مجتمعين فرقا. (عن شرح القاموس واللسان)..
١٣ راجع ج ١٥ ص ٣١١..

### الآية 2:23

> ﻿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [2:23]

قوله تعالى :" وإن كنتم في ريب " أي في شك. " مما نزلنا " يعني القرآن، والمراد المشركون الذين تُحدوا، فإنهم لما سمعوا القرآن قالوا : ما يشبه هذا كلام الله، وإنا لفي شك منه، فنزلت الآية. ووجه اتصالها بما قبلها أن الله سبحانه لما ذكر في الآية الأولى الدلالة على وحدانيته وقدرته ذكر بعدها الدلالة على نبوة نبيه، وأن ما جاء به ليس مفترى من عنده. 
قوله تعالى :" على عبدنا " يعني محمد صلى الله عليه وسلم. والعبد مأخوذ من التعبد وهو التذلل، فسمى المملوك - من جنس ما يفعله - عبدا لتذلله لمولاه، قال طرفة :
إلى أن تحامتني العشيرة كلها \*\*\* وأُفْرِدَت إفراد البعير المعبَّدِ
أي المذلل. قال بعضهم : لما كانت العبادة أشرف الخصال والتسمي بها أشرف الخطط، سمى نبيه عبدا، وأنشدوا :
يا قوم قلبي عند زهراء \*\*\* يعرفه السامع والرائي
لا تدعُنِي إلا بيا عبدها \*\*\* فإنه أشرف أسمائي
 " فأتوا بسورة من مثله " الفاء جواب الشرط، ائتوا مقصور لأنه من باب المجيء. قاله ابن كيسان. وهو أمر معناه التعجيز، لأنه تعالى علم عجزهم عنه. والسورة واحدة السور. وقد تقدم الكلام فيها[(١)](#foonote-١) وفي إعجاز[(٢)](#foonote-٢) القرآن، فلا معنى للإعادة. " ومن " في قوله " من مثله " زائدة، كما قال " فأتوا بسورة مثله " والضمير في " مثله " عائد على القرآن عند الجمهور من العلماء، كقتادة ومجاهد وغيرهما. وقيل : يعود على التوراة والإنجيل. فالمعنى فأتوا بسورة من كتاب مثله فإنها تصدق ما فيه. وقيل : يعود على النبي صلى الله عليه وسلم. المعنى : من بشر أمي مثله لا يكتب ولا يقرأ. فمن على هذين التأويلين للتبعيض والوقف على " مثله " ليس بتام ؛ لأن " وادعوا " نسق عليه. 
قوله تعالى :" وادعوا شهداءكم " معناه أعوانكم ونصراءكم. الفراء : آلهتكم. وقال ابن كيسان : فإن قيل كيف ذكر الشهداء هاهنا، وإنما يكون الشهداء ليشهدوا أمرا، أو ليخبروا بأمر شهدوه، وإنما قيل لهم :" فأتوا بسورة من مثله " ؟ فالجواب : أن المعنى استعينوا بمن وجدتموه من علمائكم، وأحضروهم ليشاهدوا ما تأتون به، فيكون الرد على الجميع أوكد في الحجة عليهم. 
قلت : هذا هو معنى قول مجاهد. قال مجاهد : معنى :" وادعوا شهداءكم " أي : ادعوا ناسا يشهدون لكم، أي يشهدون أنكم عارضتموه. النحاس :" شهداءكم " نصب بالفعل جمع شهيد، يقال : شاهد وشهيد، مثل قادر وقدير. وقوله " " من دون الله " أي من غيره، ودون نقيض فوق، وهو تقصير عن الغاية، ويكون ظرفا. والدون : الحقير الخسيس، قال :
إذا ما علا المرء رام العلاء \*\*\* ويقنع بالدُّون من كان دونا
ولا يشتق منه فعل، وبعضهم يقول منه : دان يدون دونا. ويقال : هذا دون ذاك، أي أقرب منه. ويقال في الإغراء بالشيء : دونكه. قالت تميم للحجاج : أقبرنا[(٣)](#foonote-٣) صالحا - وكان قد صلبه - فقال : دونكموه. 
قوله تعالى :" إن كنتم صادقين " فيما قلتم من أنكم تقدرون على المعارضة، لقولهم في آية أخرى :" لو نشاء لقلنا[(٤)](#foonote-٤) مثل هذا " \[ الأنفال : ٣١ \] والصدق : خلاف الكذب، وقد صدق في الحديث. والصدق : الصلب من الرماح. ويقال : صدقوهم القتال. والصديق : الملازم للصدق. ويقال : رجل صدق، كما يقال : نعم الرجل. والصداقة مشتقة من الصدق في النصح والود.

١ راجع ص ٦٥ من هذا الجزء..
٢ راجع ص ٦٩- ٧٨ من هذا الجزء..
٣ أقبرنا، أي ائذن لنا في أن نقبره. وصالح بن عبد الرحمن مولى تميم، كان كاتبا للحجاج، ويرى رأي الخوارج..
٤ راجع ج ٧ ص ٣٩٧.

### الآية 2:24

> ﻿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [2:24]

قوله تعالى :" فإن لم تفعلوا " يعني فيما مضى " ولن تفعلوا " أي تطيقوا ذلك فيما يأتي. والوقف على هذا على " صادقين " تام. وقال جماعة من المفسرين : معنى الآية وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ولن تفعلوا، فإن لم تفعلوا فاتقوا النار فعلى هذا التفسير لا يتم الوقف على " صادقين ". 
فإن قيل : كيف دخلت " إن " على " لم " ولا يدخل عامل على عامل ؟ فالجواب أن " إن " ههنا غير عاملة في اللفظ، فدخلت على " لم " كما تدخل على الماضي، لأنها لا تعمل في " لم " كما لا تعمل في الماضي، فمعنى إن لم تفعلوا إن تركتم الفعل. 
قوله تعالى " ولن تفعلوا " نصب بلن، ومن العرب من يجزم بها، ذكره أبو عبيدة، ومنه بيت النابغة :
فلن[(١)](#foonote-١) أُعَرِّضْ أبيتَ اللعنَ بالصَّفَدِ
وفي حديث ابن عمر حين ذهب به إلى النار في منامه : فقيل لي " لن تُرَع ". هذا على تلك اللغة. وفي قوله :" ولن تفعلوا " إثارة لهممهم، وتحريك لنفوسهم، ليكون عجزهم بعد ذلك أبدع، وهذا من الغيوب التي أخبر بها القرآن قبل وقوعها وقال ابن كيسان :" ولن تفعلوا " توقيفا لهم على أنه الحق، وأنهم ليسوا صادقين فيما زعموا من أنه كذب، وأنه مفترى وأنه سحر وأنه شعر، وأنه أساطير الأولين، وهم يدعون العلم ولا يأتون بسورة من مثله. 
وقوله " فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة " جواب " فإن لم تفعلوا " أي اتقوا النار بتصديق النبي صلى الله عليه وسلم وطاعة الله تعالى. وقد تقدم معنى التقوى[(٢)](#foonote-٢) فلا معنى لإعادتها. ويقال : إن لغة تميم وأسد " فتقوا النار ". وحكى سيبويه : تقى يتْقي، مثل قضى يقضي. " النار " مفعولة. " التي " من نعتها. وفيها ثلاث لغات : التي واللتِ ( بكسر التاء ) واللتْ ( بإسكانها ). وهي اسم مبهم للمؤنث وهي معرفة، ولا يجوز نزع الألف واللام منها للتنكير، ولا تتم إلا بصلة. وفي تثنيتها ثلاث لغات أيضا : اللتان واللتا ( بحذف النون ) واللتان ( بتشديد النون ) وفي جمعها خمس لغات : اللاتي، وهي لغة القرآن. واللات ( بكسر التاء بلا ياء ). واللواتي. واللوات ( بلا ياء )، وأنشد أبو عبيدة :

من اللواتي واللتي واللاتي  زعمن أن قد كبرت لداتيواللوا ( بإسقاط التاء )، هذا ما حكاه الجوهري وزاد ابن الشجري : اللائي ( بالهمز وإثبات الياء ). واللاء ( بكسر الهمزة وحذف الياء ). واللا ( بحذف الهمزة ) فإن جمعت الجمع قلت في اللاتي : اللواتي وفي اللائي : اللوائي. قال الجوهري : وتصغير التي اللتيا ( بالفتح والتشديد )، قال الراجز[(٣)](#foonote-٣) :بعد اللتيا واللتيا والتي  إذا عَلَتْهَا أنفس تردَّتِوبعض الشعراء أدخل على " التي " حرف النداء، وحروف النداء لا تدخل على ما فيه الألف واللام إلا في قولنا : يا الله، وحده. فكأنه شبهها به من حيث كانت الألف واللام غير مفارقتين لها، وقال :من أجلك يا التي تيمت قلبي  وأنت بخيلة بالود عنيويقال : وقع فلان في اللتيا والتي، وهما اسمان من أسماء الداهية. والوقود ( بالفتح ) : الحطب. وبالضم : التوقد. و " الناس " عموم، ومعناه الخصوص فيمن سبق عليه القضاء أنه يكون حطبا لها، أجارنا الله منها. " والحجارة " هي حجارة الكبريت الأسود - عن ابن مسعود والفراء - وخصت بذلك لأنها تزيد على جميع الأحجار بخمسة أنواع من العذاب : سرعة الاتقاد، نتن الرائحة، كثرة الدخان، شدة الالتصاق بالأبدان، قوة حرها إذا حميت. وليس في قوله تعالى :" وقودها الناس والحجارة " دليل على أن ليس فيها غير الناس والحجارة، بدليل ما ذكره في غير موضع من كون الجن والشياطين فيها. وقيل : المراد بالحجارة الأصنام، لقوله تعالى :" إنكم وما تعبدون من دون الله حصب[(٤)](#foonote-٤) جهنم " \[ الأنبياء : ٩٨ \] أي حطب جهنم. وعليه فتكون الحجارة والناس وقودا للنار وذكر ذلك تعظيما للنار أنها تحرق الحجارة مع إحراقها للناس. وعلى التأويل الأول يكونون معذبين بالنار والحجارة. وقد جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( كل مؤذ في النار ). وفي تأويله وجهان : أحدهما - أن كل من آذى الناس في الدنيا عذبه الله في الآخرة بالنار. الثاني - أن كل ما يؤذي الناس في الدنيا من السباع والهوام وغيرها في النار معد لعقوبة أهل النار. وذهب بعض أهل التأويل إلى أن هذه النار المخصوصة بالحجارة هي نار الكافرين خاصة. والله أعلم. 
روى مسلم عن العباس بن عبد المطلب قال قلت : يا رسول الله، إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك، فهل نفعه ذلك ؟ قال :( نعم وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح[(٥)](#foonote-٥) - في رواية - ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار ). " وقودها " مبتدأ. " الناس " خبره. " والحجارة " عطف عليهم. وقرأ الحسن ومجاهد وطلحة بن مصرف :" وُقودها " ( بضم الواو ). وقرأ عبيد بن عمير :" وقيدها الناس ". قال الكسائي والأخفش : الوقود ( بفتح الواو ) : الحطب، و( بالضم ) : الفعل، يقال : وقدت النار تقد وقودا ( بالضم ) ووَقَدا وقِدة \[ ووقيدا ووقْدا \][(٦)](#foonote-٦) وَوَقَدَانًا، أي توقدت. وأوقدتها أنا واستوقدتها أيضا. والاتقاد مثل التوقد، والموضع موقد، مثل مجلس، والنار موْقَدة. والوقدة : شدة الحر، وهي عشرة أيام أو نصف شهر. قال النحاس : يجب على هذا ألا يقرأ إلا " وقودها " \[ بفتح الواو \][(٧)](#foonote-٧) لأن المعنى حطبها، إلا أن الأخفش قال : وحكي أن بعض العرب يجعل الوَقود والوُقود بمعنى الحطب والمصدر. قال النحاس : وذهب إلى أن الأول أكثر، قال : كما أن الوضوء الماء، والوضوء المصدر. 
قوله تعالى :" أعدت للكافرين " ظاهره أن غير الكافرين لا يدخلها وليس كذلك، بدليل ما ذكره في غير موضع من الوعيد للمذنبين وبالأحاديث الثابتة في الشفاعة، على ما يأتي. وفيه دليل على ما يقوله أهل الحق من أن النار موجودة مخلوقة، خلافا للمبتدعة في قولهم إنها لم تخلق حتى الآن. وهو القول الذي سقط فيه القاضي منذر بن سعيد البلوطي الأندلسي. روى مسلم عن عبد الله[(٨)](#foonote-٨) بن مسعود قال كنا مع رسول الله إذ سمع وجبة[(٩)](#foonote-٩)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( تدرون ما هذا ) قال قلنا : الله ورسوله أعلم، قال :( هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفا فهو يهوي في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها ). وروى البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( احتجت النار والجنة فقالت هذه : يدخلني الجبارون والمتكبرون، وقالت هذه : يدخلني الضعفاء والمساكين فقال الله عز وجل لهذه : أنت عذابي أعذب به من أشاء وقال لهذه : أنت رحمتي أرحم بك من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها ). وأخرجه مسلم[(١٠)](#foonote-١٠) بمعناه. يقال : احتجت بمعنى تحتج، للحديث المتقدم حديث ابن مسعود[(١١)](#foonote-١١)، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أريهما في صلاة الكسوف، ورآهما أيضا في إسرائه ودخل الجنة، فلا معنى لما خالف ذلك. وبالله التوفيق. و " أعدت " يجوز أن يكون حالا للنار على معنى معدة، وأضمرت معه قد، كما قال :" أو جاؤوكم حصرت صدورهم[(١٢)](#foonote-١٢) " \[ النساء : ٩٠ \] فمعناه قد حصرت صدورهم، فمع " حصرت " قد مضمرة لأن الماضي لا يكون حالا إلا مع قد، فعلى هذا لا يتم الوقف على " الحجارة ". ويجوز أن يكون كلاما منقطعا عما قبله، كما قال :" وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم[(١٣)](#foonote-١٣) " \[ فصلت : ٢٣ \]. وقال السجستاني :" أعدت للكافرين " من صلة " التي " كما قال في آل عمران :" واتقوا النار التي أعدت للكافرين[(١٤)](#foonote-١٤) " \[ آل عمران : ١٣١ \]. ابن الأنباري : وهذا غلط، لأن التي في سوره البقرة قد وصلت بقوله :" وقودها الناس " فلا يجوز أن توصل بصلة ثانية، وفي آل عمران ليس لها صله غير " أعدت ". 
١ رواية الديوان وهي المشهورة في مصادر الأدب: "فلم أعرض". ويروى: "فما عرضت". وصدر البيت:
 هذا الثناء فإن تسمع به حسنا
 وقوله: أبيت اللعن: تحية كانوا يحيون بها الملوك. والصفد: العطاء؛ معناه: أبيت أن تأتي ومن الأمور ما تلعن عليه وتذم: يقول: هذا الثناء الصحيح الصادق فمن الحق أن تقبله مني، فلم أمدحك متعرضا لعطائك، لكن امتدحت إقرارا بفضلك (عن شرح الديوان)..
٢ راجع ص ١٦١ من هذا الجزء..
٣ هو العجاج. وصف دواهي شنيعة. يقول: بعد الجهد والمشرف الذي أشرفت عليه. ومعنى تردت: سقطت هاوية وهلكت..
٤ راجع ج ١١ ص ٣٤٣..
٥ الضحضاح في الأصل: ما رق من الماء على وجه الأرض ما يبلغ الكعبين، واستعير للنار..
٦ الزيادة عن هامش بعض نسخ الأصل..
٧ الزيادة عن كتاب "إعراب القرآن للنحاس"..
٨ كذا في الأصول. وفي صحيح مسلم: "عن أبي هريرة"..
٩ الوجبة: صوت الشيء يسقط فيسمع له، كالهدة..
١٠ بمراجعة صحيحي البخاري ومسلم وجدنا أن الرواية لمسلم، وأخرجه البخاري بمعناه..
١١ يلاحظ أن راوي الحديث المتقدم في صحيحي مسلم والبخاري أبو هريرة..
١٢ راجع ج ٥ ص ٣٠٩..
١٣ راجع ج ١٥ ص ٣٥٣.
١٤ راجع ج ٤ ص ٢٠٢..

### الآية 2:25

> ﻿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا ۙ قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ ۖ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ۖ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:25]

قوله تعالى : وبشر الذين آمنوا  فيه ثلاث مسائل :
الأولى : لما ذكر الله عز وجل جزاء الكافرين ذكر جزاء المؤمنين أيضا. والتبشير الإخبار بما يظهر أثره على البشرة - وهي ظاهر الجلد لتغيرها بأول خبر يرد عليك، ثم الغالب أن يستعمل في السرور مقيدا بالخير المبشر به، وغير مقيد أيضا. ولا يستعمل في الغم والشر إلا مقيدا منصوصا على الشر المبشر به، قال الله تعالى " فبشرهم بعذاب أليم " \[ الانشقاق : ٢٤ \] ويقال : بشرته وبشرته - مخفف ومشدد - بشارة ( بكسر الباء ) فأبشر واستبشر. وبشر يبشر إذا فرح. ووجه بشير إذا كان حسنا بين البشارة ( بفتح الباء ). والبشرى : ما يعطاه المبشر. وتباشير الشيء : أوله. 
الثانية : أجمع العلماء على أن المكلف إذا قال : من بشرني من عبيدي بكذا فهو حر، فبشره واحد من عبيده فأكثر فإن أولهم يكون حرا دون الثاني. واختلفوا إذا قال : من أخبرني من عبيدي بكذا فهو حر فهل يكون الثاني مثل الأول، فقال أصحاب الشافعي : نعم، لأن كل واحد منهم مخبر. وقال علماؤنا : لا، لأن المكلف إنما قصد خبرا يكون بشارة، وذلك يختص بالأول، وهذا معلوم عرفا فوجب صرف القول إليه. وفرق محمد بن الحسن بين قوله : أخبرني، أو حدثني، فقال : إذا قال الرجل : أي غلام لي أخبرني بكذا، أو أعلمني بكذا وكذا فهو حر - ولا نية له - فأخبره غلام له بذلك بكتاب أو كلام أو رسول فإن الغلام يعتق، لأن هذا خبر. وإن أخبره بعد ذلك غلام له عتق، لأنه قال : أي غلام أخبرني فهو حر. ولو أخبروه كلهم عتقوا، وإن كان عنى - حين حلف - بالخبر كلام مشافهة لم يعتق واحد منهم إلا أن يخبره بكلام مشافهة بذلك الخبر. قال : وإذا قال أي غلام لي حدثني، فهذا على المشافهة، لا يعتق واحد منهم. 
الثالثة : قوله تعالى :" وعملوا الصالحات " رد على من يقول : إن الإيمان بمجرده يقتضي الطاعات، لأنه لو كان ذلك ما أعادها فالجنة تنال بالإيمان والعمل الصالح. وقيل : الجنة تنال بالإيمان، والدرجات تستحق بالأعمال الصالحات. والله أعلم. 
 " أن لهم " في موضع نصب ب " بشر " والمعنى وبشر الذين آمنوا بأن لهم، أو لأن لهم، فلما سقط الخافض عمل الفعل. وقال الكسائي وجماعة من البصريين :" أن " في موضع خفض بإضمار الباء. 
 " جنات " في موضع نصب اسم " أن "، " وأن وما عملت فيه في موضع المفعول الثاني. والجنات : البساتين، وإنما سميت جنات لأنها تجن من فيها أي تستره بشجرها، ومنه : المجن والجنين والجنة. 
 " تجري " في موضع النعت لجنات وهو مرفوع ؛ لأنه فعل مستقبل فحذفت الضمة من الياء لثقلها معها. " من تحتها " أي من تحت أشجارها، ولم يجر لها ذكر، لأن الجنات دالة عليها. 
 " الأنهار " أي ماء الأنهار، فنسب الجري إلى الأنهار توسعا، وإنما يجري الماء وحده فحذف اختصارا، كما قال تعالى :" واسأل القرية[(١)](#foonote-١) " \[ يوسف : ٨٢ \] أي أهلها. وقال الشاعر[(٢)](#foonote-٢) :

نبئت أن النار بعدك أوقدت  واستبَّ بعدك يا كليب المجلسأراد : أهل المجلس، فحذف. والنهر : مأخوذ من أنهرت، أي وسعت، ومنه قول قيس بن الخطيم :ملكْتُ[(٣)](#foonote-٣) بها كفي فأنهرت فَتْقَها  يرى قائم من دونها ما وراءهاأي وسعتها، يصف طعنة. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم :( ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه ). معناه : ما وسع الذبح حتى يجري الدم كالنهر. وجمع النهر : نهر وأنهار. ونهر نهر : كثير الماء، قال أبو ذؤيب :أقامت به فابتنت خيمةً  على قَصَبٍ وفراتٍ نَهِرْ[(٤)](#foonote-٤)وروي : أن أنهار الجنة ليست في أخاديد، إنما تجري على سطح الجنة منضبطة بالقدرة حيث شاء أهلها. والوقف على " الأنهار " حسن وليس بتام، لأن قوله :" كلما رزقوا منها من ثمرة " من وصف الجنات. 
 " رزقاً " مصدره، وقد تقدم القول في الرزق[(٥)](#foonote-٥). ومعنى " من قبل " يعني في الدنيا، وفيه وجهان : أحدهما : أنهم قالوا هذا الذي وعدنا به في الدنيا. والثاني : هذا الذي رزقنا في الدنيا ؛ لأن لونها يشبه لون ثمار الدنيا، فإذا أكلوا وجدوا طعمه غير ذلك وقيل :" من قبل " يعني في الجنة لأنهم يرزقون ثم يرزقون، فإذا أتوا بطعام وثمار في أول النهار فأكلوا منها، ثم أتوا منها في آخر النهار قالوا : هذا الذي رزقنا من قبل، يعني أطعمنا في أول النهار ؛ لأن لونه يشبه ذلك، فإذا أكلوا منها وجدوا لها طعما غير طعم الأول. 
 " وأتوا " فعلوا من أتيت. وقرأه الجماعة بضم الهمزة والتاء. وقرأ هارون الأعور " وأتوا " بفتح الهمزة والتاء. فالضمير في القراءة الأولى لأهل الجنة، وفي الثانية للخدام. 
 " به متشابهاً " حال من الضمير في " به "، أي يشبه بعضه بعضا في المنظر ويختلف في الطعم. قاله ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم. وقال عكرمة : يشبه ثمر الدنيا ويباينه في جل الصفات. ابن عباس : هذا على وجه التعجب، وليس في الدنيا شيء مما في الجنة سوى الأسماء، فكأنهم تعجبوا لما رأوه من حسن الثمرة وعظم خلقها. وقال قتادة : خيارا لا رذل فيه، كقوله تعالى :" كتابا متشابها " \[ الزمر : ٢٣ \] وليس كثمار الدنيا التي لا تتشابه، لأن فيها خيارا وغير خيار. 
قوله :" ولهم فيها أزواج " ابتداء وخبر. وأزواج : جمع زوج. والمرأة : زوج الرجل. والرجل زوج المرأة. قال الأصمعي : ولا تكاد العرب تقول زوجة. وحكى الفراء أنه يقال : زوجة، وأنشد الفرزدق :
وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي\*\*\* كساع إلى أسد الشَّرَى يستَبِيلُها[(٦)](#foonote-٦)
وقال عمار بن ياسر في شأن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها : والله إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم. ذكره البخاري، واختاره الكسائي. 
 " مطهرة " نعت للأزواج ومطهرة في اللغة أجمع من طاهرة وأبلغ، ومعنى هذه الطهارة من الحيض والبصاق وسائر أقذار الآدميات. ذكر عبد الرزاق قال أخبرني الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد :" مطهرة " قال : لا يبلن ولا يتغوطن ولا يلدن ولا يحضن ولا يمنين ولا يبصقن. وقد أتينا على هذا كله في وصف أهل الجنة وصفة الجنة ونعيمها من كتاب التذكرة. والحمد لله. 
 " وهم فيها خالدون " " هم " مبتدأ. " خالدون " خبره، والظرف ملغى. ويجوز في غير القرآن نصب خالدين على الحال. والخلود : البقاء ومنه جنة الخلد. وقد تستعمل مجازا فيما يطول، ومنه قولهم في الدعاء : خلد الله ملكه أي طوله. قال زهير :ألا لا أرى على الحوادث باقيا  ولا خالدا إلا الجبال الرواسياوأما الذي في الآية فهو أبدي حقيقة. 
١ راجع ج ٩ ص ٦٤٦..
٢ هو مهلهل أخو كليب.
٣ ملكت: أي شددت وقويت..
٤ قال الأصمعي: "قصب البطحاء ومياه تجري إلى عيون الركايا (الآبار). يقول: أقامت بين قصب أي ركايا وماء عذب، وكل فرات فهو عذب (عن اللسان وشرح الديوان)..
٥ راجع ص ١٧٧ من هذا الجزء..
٦ الشرى: مأسدة جانب الفرات يضرب بها المثل. يستبيلها أي يأخذ بولها في يده..

### الآية 2:26

> ﻿۞ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ [2:26]

قوله تعالى :" إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا " قال ابن عباس في رواية أبي صالح : لما ضرب الله سبحانه هذين المثلين للمنافقين : يعني " مثلهم كمثل الذي استوقد نارا " \[ البقرة : ١٧ \] وقوله :" أو كصيب من السماء " \[ البقرة : ١٩ \] قالوا : الله أجل وأعلى من أن يضرب الأمثال، فأنزل الله هذه الآية. وفي رواية عطاء عن ابن عباس قال : لما ذكر الله آلهة المشركين فقال :" وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه[(١)](#foonote-١) " \[ الحج : ٧٣ \] وذكر كيد الآلهة فجعله كبيت العنكبوت، قالوا : أرأيت حيث ذكر الله الذباب والعنكبوت فيما أنزل من القرآن على محمد، أي شيء يصنع ؟ فأنزل الله الآية. وقال الحسن وقتادة : لما ذكر الله الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب للمشركين به المثل، ضحكت اليهود وقالوا : ما يشبه هذا كلام الله، فأنزل الله الآية. 
و " يستحيي " أصله يستحيِيُ، عينه ولامه حرفا علة، أعلت اللام منه بأن استثقلت الضمة على الياء فسكنت. واسم الفاعل في هذا : مستحيٍ، والجمع مستحيون ومستحيين. وقرأ ابن محيصن " يستحي " بكسر الحاء وياء واحدة ساكنة، وروى عن ابن كثير، وهي لغة تميم وبكر ابن وائل، نقلت فيها حركة الياء الأولى إلى الحاء فسكنت، ثم استثقلت الضمة على الثانية فسكنت، فحذفت إحداهما للالتقاء، واسم الفاعل مستح، والجمع مستحون ومستحين. قاله الجوهري. واختلف المتأولون في معنى " يستحيي " في هذه الآية فقيل : لا يخشى، ورجحه الطبري، وفي التنزيل :" وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه[(٢)](#foonote-٢) " \[ الأحزاب : ٣٧ \] بمعنى تستحي. وقال غيره : لا يترك. وقيل : لا يمتنع. وأصل الاستحياء الانقباض عن الشيء والامتناع منه خوفا من مواقعة القبيح، وهذا محال على الله تعالى. وفي صحيح مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : جاءت أم سليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق. المعنى لا يأمر بالحياء فيه، ولا يمتنع من ذكره. 
قوله تعالى :" أن يضرب مثلا ما " " يضرب " معناه يبين، و " أن " مع الفعل في موضع نصب بتقدير حذف من. " مثلا " منصوب بيضرب " بعوضة " في نصبها أربعة أوجه :
الأول : تكون " ما " زائدة، و " بعوضة " بدلا من " مثلا ". 
الثاني : تكون " ما " نكرة في موضع نصب على البدل من قوله :" مثلا ". و " بعوضة " نعت لما، فوصفت " ما " بالجنس المنكر لإبهامها لأنها بمعنى قليل، قاله الفراء والزجاج وثعلب. 
الثالث : نصبت على تقدير إسقاط الجار، المعنى أن يضرب مثلا ما بين بعوضة، فحذفت " بين " وأعربت بعوضة بإعرابها، والفاء بمعنى إلى، أي إلى ما فوقها. وهذا قول الكسائي والفراء أيضا، وأنشد أبو العباس :

يا أحسن الناس ما قَرْناً إلى قدم  ولا حبالَ مُحِبٍّ واصلٍ تصلأراد ما بين قرن، فلما أسقط " بين " نصب. 
الرابع : أن يكون " يضرب " بمعنى يجعل، فتكون " بعوضة " المفعول الثاني. وقرأ الضحاك وإبراهيم بن أبي عبلة ورؤبة بن العجاج " بعوضة " بالرفع، وهي لغة تميم. قال أبو الفتح : ووجه ذلك أن " ما " اسم بمنزلة الذي، و " بعوضة " رفع على إضمار المبتدأ، التقدير : لا يستحيي أن يضرب الذي هو بعوضة مثلا، فحذف العائد على الموصول وهو مبتدأ. ومثله قراءة بعضهم :" تماما على الذي أحسن " أي على الذي هو أحسن. وحكى سيبويه : ما أنا بالذي قائل لك شيئا، أي هو قائل. قال النحاس : والحذف في " ما " أقبح منه في " الذي "، لأن " الذي " إنما له وجه واحد والاسم معه أطول. ويقال : إن معنى ضربت له مثلا، مثلت له مثلا. وهذه الأبنية على ضرب واحد، وعلى مثال واحد ونوع واحد والضرب النوع. والبعوضة : فعولة من بَعَض إذا قطع اللحم، يقال : بضع وبعض بمعنى، وقد بعضته تبعيضا، أي جزأته فتبعض. والبعوض : البق[(٣)](#foonote-٣)، الواحدة بعوضة، سميت بذلك لصغرها. قاله الجوهري وغيره. 
قوله تعالى :" فما فوقها " قد تقدم أن الفاء بمعنى إلى، ومن جعل " ما " الأولى صلة زائدة ف " ما " الثانية عطف عليها. وقال الكسائي وأبو عبيدة وغيرهما : معنى " فما فوقها " - والله أعلم - ما دونها، أي إنها فوقها في الصغر. قال الكسائي : وهذا كقولك في الكلام : أتراه قصيرا ؟ فيقول القائل : أو فوق ذلك، أي هو أقصر مما ترى. وقال قتادة وابن جريج : المعنى في الكبر. 
قوله تعالى :" فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم " الضمير في " أنه " عائد على المثل أي أن المثل حق. والحق خلاف الباطل. والحق : واحد الحقوق. والحقة ( بفتح الحاء ) أخص منه، يقال : هذه حقتي، أي حقي. " وأما الذين كفروا " لغة بني تميم وبني عامر في " أما " أيما، يبدلون من إحدى الميمين ياء كراهية التضعيف، وعلى هذا ينشد بيت عمر بن أبي ربيعة :رأت رجلا أيْمَا إذا الشمس عارضت  فيضحَى وأيْمَا بالعشي فيَخْصَرُ[(٤)](#foonote-٤)قوله تعالى :" فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا " اختلف النحويون في " ماذا "، فقيل : هي بمنزلة اسم واحد بمعنى أي شيء أراد الله، فيكون في موضع نصب ب " أراد ". قال ابن كيسان : وهو الجيد. وقيل :" ما " اسم تام في موضع رفع بالابتداء، و " ذا " بمعنى الذي وهو خبر الابتداء، ويكون التقدير : ما الذي أراده الله بهذا مثلا، ومعنى كلامهم هذا : الإنكار بلفظ الاستفهام. و " مثلا " منصوب على القطع، التقدير : أراد مثلا، قاله ثعلب. وقال ابن كيسان : هو منصوب على التمييز الذي وقع موقع الحال. 
قوله تعالى :" يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا " قيل : هو من قول الكافرين، أي ما مراد الله بهذا المثل الذي يفرق به الناس إلى ضلالة وإلى هدى. وقيل : بل هو خبر من الله عز وجل، وهو أشبه، لأنهم يقرون بالهدى أنه من عنده، فالمعنى : قل يضل الله به كثيرا ويهدي به كثيرا، أي يوفق ويخذل، وعليه فيكون فيه رد على من تقدم ذكرهم من المعتزلة وغيرهم في قولهم : إن الله لا يخلق الضلال ولا الهدى. قالوا : ومعنى " يضل به كثيرا " التسمية هنا، أي يسميه ضالا، كما يقال : فسقت فلانا، يعني سميته فاسقا ؛ لأن الله تعالى لا يضل أحدا. هذا طريقهم في الإضلال، وهو خلاف أقاويل المفسرين، وهو غير محتمل في اللغة، لأنه يقال : ضلله إذا سماه ضالا، ولا يقال : أضله إذا سماه ضالا، ولكن معناه ما ذكره المفسرون أهل التأويل من الحق أنه يخذل به كثيرا من الناس مجازاة لكفرهم. 
 " وما يضل به إلا الفاسقين " ولا خلاف أن قوله :" وما يضل به إلا الفاسقين " أنه من قول الله تعالى. و " الفاسقين " نصب بوقوع الفعل عليهم، والتقدير : وما يضل به أحدا إلا الفاسقين الذين سبق في علمه أنه لا يهديهم. ولا يجوز أن تنصبهم على الاستثناء لأن الاستثناء لا يكون إلا بعد تمام الكلام. وقال نوف البكالي : قال عزير فيما يناجي ربه عز وجل : إلهي تخلق خلقا فتضل من تشاء وتهدي من تشاء. قال فقيل : يا عزير اعرض عن هذا ! لتعرضن[(٥)](#foonote-٥) عن هذا أو لأمحونك من النبوة، إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون. والضلال أصله الهلاك، يقال منه : ضل الماء في اللبن إذا استهلك، ومنه قوله تعالى :" أإذا ضللنا في الأرض[(٦)](#foonote-٦) " \[ السجدة : ١٠ \] وقد تقدم في الفاتحة[(٧)](#foonote-٧). والفسق أصله في كلام العرب الخروج عن الشيء، يقال : فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها، والفأرة من جحرها. والفويسقة : الفأرة، وفي الحديث :( خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحُدَيَّا ). روته عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أخرجه مسلم. وفي رواية ( العقرب ) مكان ( الحية ). فأطلق صلى الله عليه وسلم عليها اسم الفسق لأذيتها، على ما يأتي بيانه في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. وفسق الرجل يفسق ويفسق أيضا - فسقا وفسوقا، أي فجر. فأما قوله تعالى :" ففسق عن أمر ربه " فمعناه خرج. وزعم ابن الأعرابي أنه لم يسمع قط في كلام الجاهلية ولا في شعرهم[(٨)](#foonote-٨) فاسق. قال : وهذا عجب، وهو كلام عربي حكاه عنه ابن فارس والجوهري. 
قلت : قد ذكر أبو بكر الأنباري في كتاب " الزاهر " له لما تكلم على معنى الفسق قول الشاعر :يذهبن في نجد وغَوْراًوغورا[(٩)](#foonote-٩) غائرا  فواسقا عن قصدها جوائراوالفِسّيق : الدائم الفسق. ويقال في النداء : يا فسق ويا خبث، يريد : يا أيها الفاسق، ويا أيها الخبيث. والفسق في عرف الاستعمال الشرعي : الخروج من طاعة الله عز وجل، فقد يقع على من خرج بكفر وعلى من خرج بعصيان. 
١ راجع ج ١٢ ص ٩٧..
٢ راجع ج ١٤ ص ١٩٠..
٣ قال الدميري: "هو وهم". وذكر البعوض بأوصافها. ويدل على أن البعوض غير البق ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم: "لو كانت الدنيا تعدل عند الله بعوضة.." الحديث..
٤ الخصر (بالتحريك): البرد..
٥ في نسخة من الأصل: أعرض عن هذا، وإلا محوتك من النبوة..
٦ راجع ج ١٤ ص ٩١..
٧ راجع ص ١٥٠.
٨ أي بمعنى الخارج من طاعة الله، وهو بهذا المعنى حقيقة شرعية..
٩ غورا، منصوب بفعل محذوف؛ أي: ويسلكن. (راجع كتاب سيبويه ج ١ ص ٤٩ طبع بولاق)..

### الآية 2:27

> ﻿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [2:27]

**فيه سبع مسائل :**
الأول : قوله تعالى :" الذين " ( الذين ) في موضع نصب على النعت للفاسقين، وإن شئت جعلته في موضع رفع على أنه خبر ابتداء محذوف، أي هم الذين. وقد تقدم[(١)](#foonote-١). 
الثانية : قوله تعالى :" ينقضون " النقض : إفساد ما أبرمته من بناء أو حبل أو عهد. والنُّقَاضَة : ما نقض من حبل الشعر. والمناقضة في القول : أن تتكلم بما تناقض معناه. والنقيضة في الشعر : ما ينقض به. والنِّقْض : المنقوض. واختلف الناس في تعيين هذا العهد، فقيل : هو الذي أخذه الله على بني آدم حين استخرجهم من ظهره. وقيل : هو وصية الله تعالى إلى خلقه، وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه على ألسنة رسله، ونقضهم ذلك ترك العمل به. وقيل : بل نصب الأدلة على وحدانيته بالسماوات والأرض وسائر الصنعة هو بمنزلة العهد، ونقضهم ترك النظر في ذلك. وقيل : هو ما عهده إلى من أوتي الكتاب أن يبينوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولا يكتموا أمره. فالآية على هذا في أهل الكتاب. قال أبو إسحاق الزجاج : عهده جل وعز ما أخذه على النبيين ومن اتبعهم ألا يكفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم. ودليل ذلك :" وإذ أخذ الله ميثاق النبيين[(٢)](#foonote-٢) " \[ آل عمران : ٨١ \] إلى قوله تعالى :" وأخذتم على ذلكم إصري " \[ آل عمران : ٨١ \] أي عهدي. 
قلت : وظاهر ما قبل وما بعد يدل على أنها في الكفار. فهذه خمسة أقوال، والقول الثاني يجمعها. 
الثالثة : قوله تعالى :" من بعد ميثاقه " الميثاق : العهد المؤكد باليمين، مفعال من الوثاقة والمعاهدة، وهي الشدة في العقد والربط ونحوه. والجمع المواثيق على الأصل، لأن أصل ميثاق موثاق، صارت الواو ياء لانكسار ما قبلها - والمياثق والمياثيق أيضا، وأنشد ابن الأعرابي :حمىً لا يُحِلُّ الدهر إلا بإذننا  ولا نسأل الأقوام عهد الميَاثِق[(٣)](#foonote-٣)والموثق : الميثاق. والمواثقة : المعاهدة، ومنه قوله تعالى :" وميثاقه الذي واثقكم به ". 
الرابعة : قوله تعالى :" ويقطعون " القطع معروف، والمصدر - في الرحم - القطيعة، يقال : قطع رحمه قطيعة فهو رجل قطَع وقطعة، مثال همزة. وقطعت الحبل قطعا. وقطعت النهر قطوعا. وقطعت الطير قُطوعا وقُطاعا وقِطاعا إذا خرجت من بلد إلى بلد. وأصاب الناس قطعة : إذا قلت مياههم. ورجل به قطع : أي انبهار[(٤)](#foonote-٤). 
الرابعة : قوله تعالى :" ما أمر الله به أن يوصل " " ما " في موضع نصب ب " يقطعون ". و " أن " إن شئت كانت بدلا من " ما " وإن شئت من الهاء في " به " وهو أحسن. ويجوز أن يكون لئلا يوصل، أي كراهة أن يوصل. واختلف ما الشيء الذي أمر بوصله ؟ فقيل : صلة الأرحام. وقيل : أمر أن يوصل القول بالعمل، فقطعوا بينهما بأن قالوا ولم يعملوا. وقيل : أمر أن يوصل التصديق بجميع أنبيائه، فقطعوه بتصديق بعضهم وتكذيب بعضهم. وقيل : الإشارة إلى دين الله وعبادته في الأرض، وإقامة شرائعه وحفظ حدوده. فهي عامة في كل ما أمر الله تعالى به أن يوصل. هذا قول الجمهور، والرحم جزء من هذا. 
السادسة : قوله تعالى :" ويفسدون في الأرض " أي يعبدون غير الله تعالى ويجورون في الأفعال، إذ هي بحسب شهواتهم، وهذا غاية الفساد. 
 " أولئك هم الخاسرون " ابتداء وخبر. و " هم " زائدة، ويجوز أن تكون " هم " ابتداء ثان، " الخاسرون " خبره، والثاني وخبره خبر الأول كما تقدم[(٥)](#foonote-٥). والخاسر : الذي نقص نفسه حظها من الفلاح والفوز. والخسران : النقصان، كان في ميزان أو غيره، قال جرير :إن سليطًا في الخَسَارِ إنه  أولاد قوم خلقوا أقِنّهْ[(٦)](#foonote-٦)يعني بالخسار ما ينقص من حظوظهم وشرفهم. قال الجوهري : وخسرت الشيء ( بالفتح ) وأخسرته نقصته. والخسار والخسارة والخيسرى : الضلال والهلاك. فقيل للهالك : خاسر، لأنه خسر نفسه وأهله يوم القيامة ومنع منزله من الجنة. 
السابعة : في هذه الآية دليل على أن الوفاء بالعهد والتزامه وكل عهد جائز ألزمه المرء نفسه فلا يحل له نقضه سواء أكان بين مسلم أم غيره، لذم الله تعالى من نقض عهده. وقد قال :" أوفوا بالعقود[(٧)](#foonote-٧) " \[ المائدة : ١ \] وقد قال لنبيه عليه السلام :" وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء " \[ الأنفال : ٥٨ \] فنهاه عن الغدر وذلك لا يكون إلا بنقض العهد على ما يأتي بيانه في موضعه[(٨)](#foonote-٨) إن شاء الله تعالى. 
١ راجع ص ١٦٢ من هذا الجزء..
٢ راجع ج ٤ ص ١٢٤..
٣ في اللسان وشرح القاموس مادة (وثق): "عقد الميثاق" والبيت لعياض بن درة الطائي..
٤ البهر (بالضم): تتابع النفس من الإعياء. وقيل: انقطاعه..
٥ راجع ص ١٨١ من هذا الجزء..
٦ سليط: أبو قبيلة. والقن: الذي ملك هو وأبواه..
٧ راجع ج ٦ ص ٣٢.
٨ راجع ج ٨ ص ٣١..

### الآية 2:28

> ﻿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [2:28]

" كيف " سؤال عن الحال، وهي اسم في موضع نصب ب " تكفرون "، وهي مبنية على الفتح وكان سبيلها أن تكون ساكنة، لأن فيها معنى الاستفهام الذي معناه التعجب فأشبهت الحروف، واختير لها الفتح لخفته، أي هؤلاء ممن يجب أن يتعجب منهم حين كفروا وقد ثبتت عليهم الحجة. 
فإن قيل : كيف يجوز أن يكون هذا الخطاب لأهل الكتاب وهم لم يكفروا بالله ؟ فالجواب ما سبق من أنهم لما لم يثبتوا أمر محمد عليه السلام ولم يصدقوه فيما جاء به فقد أشركوا، لأنهم لم يقروا بأن القرآن من عند الله. ومن زعم أن القرآن كلام البشر فقد أشرك بالله وصار ناقضا للعهد. وقيل :" كيف " لفظه لفظ الاستفهام وليس به، بل هو تقرير وتوبيخ، أي كيف تكفرون نعمه عليكم وقدرته هذه قال الواسطي : وبخهم بهذا غاية التوبيخ، لأن الموات والجماد لا ينازع صانعه في شيء، وإنما المنازعة من الهياكل الروحانية. 
قوله تعالى :" وكنتم أمواتا " هذه الواو واو الحال، وقد مضمرة. قال الزجاج : التقدير وقد كنتم، ثم حذفت قد. وقال الفراء :" أمواتا " خبر " كنتم ". 
 " فأحياكم ثم يميتكم " هذا وقف التمام، كذا قال أبو حاتم. ثم قال :" ثم يحييكم ". واختلف أهل التأويل في ترتيب هاتين الموتتين والحياتين، وكم من موتة وحياة للإنسان ؟ فقال ابن عباس وابن مسعود : أي كنتم أمواتا معدومين قبل أن تخلقوا فأحياكم - أي خلقكم - ثم يميتكم عند انقضاء آجالكم، ثم يحييكم يوم القيامة. قال ابن عطية : وهذا القول هو المراد بالآية، وهو الذي لا محيد للكفار عنه لإقرارهم بهما، وإذا أذعنت نفوس الكفار لكونهم أمواتا معدومين، ثم للإحياء في الدنيا، ثم للإماتة فيها قوي عليهم لزوم الإحياء الآخر وجاء جحدهم له دعوى لا حجة عليها. قال غيره : والحياة التي تكون في القبر على هذا التأويل في حكم حياة الدنيا. وقيل : لم يعتد بها كما لم يعتد بموت من أماته في الدنيا ثم أحياه في الدنيا. وقيل : كنتم أمواتا في ظهر آدم ثم أخرجكم من ظهره كالذر، ثم يميتكم موت الدنيا ثم يبعثكم. وقيل : كنتم أمواتا - أي نطفا - في أصلاب الرجال وأرحام النساء، ثم نقلكم من الأرحام فأحياكم، ثم يميتكم بعده هذه الحياة، ثم يحييكم في القبر للمسألة، ثم يميتكم في القبر، ثم يحييكم حياة النشر إلى الحشر، وهي الحياة التي ليس بعدها موت. 
قلت : فعلى هذا التأويل هي ثلاث موتات، وثلاث إحياءات. وكونهم موتى في ظهر آدم، وإخراجهم من ظهره والشهادة عليهم غير كونهم نطفا في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فعلى هذا تجيء أربع موتات وأربع إحياءات. وقد قيل : إن الله تعالى أوجدهم قبل خلق آدم عليه السلام كالهباء ثم أماتهم، فيكون على هذا خمس موتات، وخمس إحياءات. وموتة سادسة للعصاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إذا دخلوا النار، لحديث أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أما أهل النار الذي هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم - أو قال بخطاياهم - فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحما أذِن في الشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل : يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل ). فقال رجل من القوم : كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان يرعى بالبادية[(١)](#foonote-١). أخرجه مسلم. 
قلت : فقوله ( فأماتهم الله ) حقيقة في الموت ؛ لأنه أكده بالمصدر، وذلك تكريما لهم. وقيل : يجوز أن يكون ( أماتهم ) عبارة عن تغييبهم عن آلامها بالنوم، ولا يكون ذلك موتا على الحقيقة، والأول أصح. وقد أجمع النحويون على أنك إذا أكدت الفعل بالمصدر لم يكن مجازا، وإنما هو على الحقيقة، ومثله :" وكلم الله موسى تكليما " \[ النساء : ١٦٤ \] على ما يأتي بيانه[(٢)](#foonote-٢) إن شاء الله تعالى. وقيل : المعنى وكنتم أمواتا بالخمول فأحياكم بأن ذكرتم وشرفتم بهذا الدين والنبي الذي جاءكم، ثم يميتكم فيموت ذكركم، ثم يحييكم للبعث. 
قوله تعالى :" ثم إليه ترجعون " أي إلى عذابه مرجعكم لكفركم. وقيل : إلى الحياة وإلى المسألة، كما قال تعالى :" كما بدأنا أول خلق نعيده[(٣)](#foonote-٣) " \[ الأنبياء : ١٠٤ \] فإعادتهم كابتدائهم، فهو رجوع. و " تُرجَعون " قراءة الجماعة. ويحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق ومجاهد وابن محيصن وسلام بن يعقوب يفتحون حرف المضارعة ويكسرون الجيم حيث وقعت.

١ الذي في صحيح مسلم: ".. قد كان بالبادية". والضبائر: هم الجماعات في تفرقة، واحدتها ضبارة، مثل عمارة وعمائر، وكل مجتمع ضبارة. والحبة (بالكسر): بذور البقل: وقيل وهو نبت صغير ينبت في الحشيش؛ فأما الحبة (بالفتح) فهي الحنطة والشعير ونحوهما. وحميل السيل: هو ما يجيء به السيل من الغثاء..
٢ راجع ج ٦ ص ١٨..
٣ مراجع ج ١١ ص ٣٤٨..

### الآية 2:29

> ﻿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [2:29]

قوله تعالى : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا  فيه عشر مسائل :
الأولى :" خلق " معناه اخترع وأوجد بعد العدَم. وقد يقال في الإنسان :" خلق " عند إنشائه شيئا، ومنه قول الشاعر :
من كان يخلق ما يقو \*\*\* ل فحِيلتِي فيه قليلة
وقد تقدم[(١)](#foonote-١) هذا المعنى. وقال ابن كيسان :" خلق لكم " أي من أجلكم. وقيل : المعنى أن جميع ما في الأرض منعم به عليكم فهو لكم. وقيل : إنه دليل على التوحيد والاعتبار. 
قلت : وهذا هو الصحيح على ما نبينه. ويجوز أن يكون عُني به ما هم إليه محتاجون من جميع الأشياء. 
الثانية : استدل من قال إن أصل الأشياء التي ينتفع بها الإباحة بهذه الآية وما كان مثلها - كقوله :" وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه[(٢)](#foonote-٢) " \[ الجاثية : ١٣ \] الآية - حتى يقوم الدليل على الحظر. وعضدوا هذا بأن قالوا : إن المآكل الشهية خلقت مع إمكان ألا تخلق فلم تخلق عبثا، فلا بد لها من منفعة. وتلك المنفعة لا يصح رجوعها إلى الله تعالى لاستغنائه بذاته، فهي راجعة إلينا. ومنفعتنا إما في نيل لذتها، أو في اجتنابها لنختبر بذلك، أو في اعتبارنا بها. ولا يحصل شيء من تلك الأمور إلا بذوقها، فلزم أن تكون مباحة. وهذا فاسد ؛ لأنا لا نسلم لزوم العبث من خلقها إلا لمنفعة، بل خلقها كذلك لأنه لا يجب عليه أصل المنفعة، بل هو الموجب. ولا نسلم حصر المنفعة فيما ذكروه، ولا حصول بعض تلك المنافع إلا بالذوق، بل قد استدل على الطعوم بأمور أخر كما هو معروف عند الطبائعيين. ثم هو معارض بما يخاف أن تكون سموما مهلكة، ومعارضون بشبهات أصحاب الحظر. وتوقف آخرون وقالوا : ما من فعل لا ندرك منه حسنا ولا قبحا إلا ويمكن أن يكون حسنا في نفسه، ولا معين قبل ورود الشرع، فتعين الوقف إلى ورود الشرع، وهذه الأقاويل الثلاثة للمعتزلة. وقد أطلق الشيخ أبو الحسن وأصحابه وأكثر المالكية والصيرفي في هذه المسألة القول بالوقف. ومعناه عندهم أن لا حكم فيها في تلك الحال، وأن للشرع إذا جاء أن يحكم بما شاء، وأن العقل لا يحكم بوجوب ولا غيره وإنما حظه تعرف الأمور على ما هي عليه. قال ابن عطية : وحكى ابن فورك عن ابن الصائغ أنه قال : لم يخل العقل قط من السمع، ولا نازلة إلا وفيها سمع، أو لها تعلق به، أو لها حال تستصحب. قال : فينبغي أن يعتمد على هذا، ويغني عن النظر في حظر وإباحة ووقف. 
الثالثة : الصحيح في معنى قوله تعالى :" خلق لكم ما في الأرض " الاعتبار. يدل عليه ما قبله وما بعده من نصب العبر : الإحياء والإماتة والخلق والاستواء إلى السماء وتسويتها، أي الذي قدر على إحيائكم وخلقكم وخلق السموات والأرض، لا تبعد منه القدرة على الإعادة. 
فإن قيل : إن معنى " لكم " الانتفاع، أي : لتنفعوا بجميع ذلك، قلنا المراد بالانتفاع الاعتبار لما ذكرنا. فإن قيل : وأي اعتبار في العقارب والحيات. قلنا : قد يتذكر الإنسان ببعض ما يرى من المؤذيات ما أعد الله للكفار في النار من العقوبات فيكون سببا للإيمان وترك المعاصي، وذلك أعظم الاعتبار. قال ابن العربي : وليس في الإخبار بهذه القدرة عن هذه الجملة ما يقتضي حظرا ولا إباحة ولا وقفا، وإنما جاء ذكر هذه الآية في معرض الدلالة والتنبيه ليستدل بها على وحدانيته. 
وقال أرباب المعاني في قوله :" خلق لكم ما في الأرض جميعا " لتتقووا به على طاعته، لا لتصرفوه في وجوه معصيته. وقال أبو عثمان : وهب لك الكل وسخره لك لتستدل به على سعة جوده، وتسكن إلى ما ضمن لك من جزيل عطائه في المعاد، ولا تستكثر كثير بره على قليل عملك، فقد ابتدأك بعظيم النعم قبل العمل وهو التوحيد. 
الرابعة : روى زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما عندي شيء ولكن ابتع علي فإذا جاء شيء قضينا ) فقال له عمر : هذا أعطيت إذا كان عندك فما كلفك الله ما لا تقدر. فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قول عمر، فقال رجل من الأنصار : يا رسول الله : أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرف السرور في وجهه لقول الأنصاري. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( بذلك أمرت ). قال علماؤنا رحمة الله عليهم : فخوف الإقلال من سوء الظن بالله ؛ لأن الله تعالى خلق الأرض بما فيها لولد آدم، وقال في تنزيله :" خلق لكم ما في الأرض جميعا " " وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه " \[ الجاثية : ١٣ \]. فهذه الأشياء كلها مسخرة للآدمي قطعا لعذره وحجة عليه ؛ ليكون له عبد ا كما خلقه عبدا، فإذا كان العبد حسن الظن بالله لم يخف الإقلال لأنه يخلف عليه، كما قال تعالى :" وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين[(٣)](#foonote-٣) " \[ سبأ : ٣٩ \] وقال :" فإن ربي[(٤)](#foonote-٤) غني كريم " \[ النمل : ٤٠ \]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( قال الله تعالى : سبقت رحمتي غضبي يا ابن آدم، أنْفِق أنفق عليك يمين الله ملأى سحّا[(٥)](#foonote-٥) لا يغيضها شيء الليل والنهار ). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما : اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا ). وكذا في المساء عند الغروب يناديان أيضا، وهذا كله صحيح رواه الأئمة والحمد لله. فمن استنار صدره، وعلم غنى ربه وكرمه أنفق ولم يخف الإقلال، وكذلك من ماتت شهواته عن الدنيا واجتزأ باليسير من القوت المقيم لمهجته، وانقطعت مشيئته لنفسه، فهذا يعطي من يسره وعسره ولا يخاف إقلالا. وإنما يخاف الإقلال من له مشيئة في الأشياء، فإذا أعطي اليوم وله غدا مشيئة في شيء خاف ألا يصيب غدا، فيضيق عليه الأمر في نفقة اليوم لمخافة إقلاله. روى مسلم عن أسماء بنت أبي بكر قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ( انفحي أو انضحي[(٦)](#foonote-٦) أو أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك ولا توعي فيوعي[(٧)](#foonote-٧) عليك ). وروى النسائي عن عائشة قالت : دخل علي سائل مرة وعندي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرت له بشيء ثم دعوت به فنظرت إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أما تريدين ألا يدخل بيتك شيء ولا يخرج إلا بعلمك ) قلت : نعم، قال :( مهلا يا عائشة لا تحصي فيحصي الله عز وجل عليك ). 
الخامسة : قوله تعالى :" ثم استوى " " ثم " لترتيب الإخبار لا لترتيب الأمر في نفسه. والاستواء في اللغة : الارتفاع والعلو على الشيء، قال الله تعالى :" فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك " \[ المؤمنون : ٢٨ \]، وقال " لتستووا على ظهوره " \[ الزخرف : ١٣ \]، وقال الشاعر :
فأوردتهم ماء بفَيْفَاء قفرة \*\*\* وقد حلَّق النجم اليماني فاستوى
أي ارتفع وعلا، واستوت الشمس على رأسي واستوت الطير على قمة رأسي، بمعنى علا. وهذه الآية من المشكلات، والناس فيها وفيما شاكلها على ثلاثة أوجه، قال بعضهم : نقرؤها ونؤمن بها ولا نفسرها، وذهب إليه كثير من الأئمة، وهذا كما روى عن مالك رحمه الله أن رجلا سأله عن قوله تعالى :" الرحمن على العرش[(٨)](#foonote-٨) استوى " \[ طه : ٥ \] قال مالك : الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأراك رجل سوء أخرجوه. وقال بعضهم : نقرؤها ونفسرها على ما يحتمله ظاهر اللغة. وهذا قول المشبهة. وقال بعضهم : نقرؤها ونتأولها ونحيل حملها على ظاهرها. وقال الفراء في قوله عز وجل :" ثم استوى إلى السماء فسواهن " قال : الاستواء في كلام العرب على وجهين، أحدهما : أن يستوي الرجل وينتهي شبابه وقوته، أو يستوي عن اعوجاج. فهذان وجهان. ووجه ثالث أن تقول : كان[(٩)](#foonote-٩) فلان مقبلا على فلان ثم استوى علي وإلي يشاتمني. على معنى أقبل إلي وعلي. فهذا معنى قوله :" ثم استوى إلى السماء " والله أعلم. قال وقد قال ابن عباس : ثم استوى إلى السماء صعد. وهذا كقولك : كان قاعدا فاستوى قائما، وكان قائما فاستوى قاعدا، وكل ذلك في كلام العرب جائز. وقال البيهقي أبو بكر أحمد بن علي بن الحسين : قوله :" استوى " بمعنى أقبل صحيح ؛ لأن الإقبال هو القصد إلى خلق السماء، والقصد هو الإرادة، وذلك جائز في صفات الله تعالى. ولفظة " ثم " تتعلق بالخلق لا بالإرادة. وأما ما حكي عن ابن عباس فإنما أخذه عن تفسير الكلبي، والكلبي ضعيف. وقال سفيان بن عيينة وابن كيسان في قوله " ثم استوى إلى السماء " : قصد إليها، أي بخلقه واختراعه، فهذا قول. وقيل : على دون تكييف ولا تحديد، واختاره الطبري. ويذكر عن أبي العالية الرياحي في هذه الآية أنه يقال : استوى بمعنى أنه ارتفع. قال البيهقي : ومراده من ذلك - والله أعلم - ارتفاع أمره، وهو بخار الماء الذي وقع منه خلق السماء. وقيل : إن المستوى الدخان. وقال ابن عطية : وهذا يأباه وصف الكلام. وقيل : المعنى استولى، كما قال الشاعر[(١٠)](#foonote-١٠) :
قد استوى بشر على العراق \*\*\* من غير سيف ودم مُهْرَاقِ
قال ابن عطية : وهذا إنما يجيء في قوله تعالى :" الرحمن على العرش استوى " \[ طه : ٥ \]. 
قلت : قد تقدم في قول الفراء علي وإلي بمعنى. وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في سورة " الأعراف[(١١)](#foonote-١١) " إن شاء الله تعالى. والقاعدة في هذه الآية ونحوها منع الحركة والنقلة. 
السادسة : يظهر من هذه الآية أنه سبحانه خلق الأرض قبل السماء، وكذلك في " حم السجدة[(١٢)](#foonote-١٢) ". وقال في النازعات :" أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها[(١٣)](#foonote-١٣) " \[ النازعات : ٢٧ \] فوصف خلقها، ثم قال :" والأرض بعد ذلك دحاها " \[ النازعات : ٣٠ \]. فكأن السماء على هذا خلقت قبل الأرض، وقال تعالى " الحمد لله الذي خلق السموات والأرض[(١٤)](#foonote-١٤) " \[ الأنعام : ١ \] وهذا قول قتادة : إن السماء خلقت أولا، حكاه عنه الطبري. وقال مجاهد وغيره من المفسرين : إنه تعالى أيبس الماء الذي كان عرشه عليه فجعله أرضا وثار منه دخان فارتفع، فجعله سماء فصار خلق الأرض قبل خلق السماء، ثم قصد أمره إلى السماء فسواهن سبع سماوات، ثم دحا[(١٥)](#foonote-١٥) الأرض بعد ذلك، وكانت إذ خلقها غير مدحوة. 
قلت : وقول قتادة يخرج على وجه صحيح إن شاء الله تعالى، وهو أن الله تعالى خلق أولا دخان السماء ثم خلق الأرض، ثم استوى إلى السماء وهي دخان فسواها، ثم دحا الأرض بعد ذلك. 
ومما[(١٦)](#foonote-١٦) يدل على أن الدخان خلق أولا قبل الأرض ما رواه السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل :" هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات " \[ البقرة : ٢٩ \] قال : إن الله تبارك وتعالى كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئا قبل الماء، فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء، فسما عليه، فسماه سماء، ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين، في الأحد والاثنين. فجعل الأرض على حوت - والحوت هو النون الذي ذكر الله تبارك وتعالى في القرآن بقوله :" ن والقلم[(١٧)](#foonote-١٧) " \[ القلم : ١ \] والحوت في الماء و\[ الماء[(١٨)](#foonote-١٨) \] على صفاة[(١٩)](#foonote-١٩)، والصفاة على ظهر ملك، والملك على الصخرة، والصخرة في الريح - وهي الصخرة التي ذكر لقمان : ليست في السماء ولا ف

١ راجع ص ٢٢٦ من هذا الجزء..
٢ راجع ج ١٦ ص ١٦٠..
٣ راجع ج ١٤ ص ٣٠٧.
٤ راجع ج ١٣ ص ٢٠٦..
٥ أي دائمة الصب والهطل بالعطاء..
٦ قال النووي: "والنفح والنضح العطاء، ويطلق النضح أيضا على الصب فلعله المراد هنا ويكون أبلغ من النفح"..
٧ الإيعاء: جعل الشيء في الوعاء؛ أي لا تجمعي وتشحي بالنفقة فيشح عليك..
٨ راجع ج ١١ ص ١٦٩..
٩ عبارة الأصول: "... كان مقبلا على يشاتمني وإلى سواء، على معنى... الخ" وبها لا يستقيم المعنى. والتصويب عن اللسان وشرح والقاموس وتفسير الطبري..
١٠ هو الأخطل كما في شرح القاموس..
١١ مراجع ج ٧ ص ٢١٩..
١٢ راجع ج ١٥ ص ٣٤٢٣..
١٣ راجع ج ١٩ ص ٢٠١..
١٤ راجع ج ٦ ص ٣٨٤..
١٥ كدحا الشيء: بسطه..
١٦ يلاحظ أن المؤلف رحمه الله خرج عما سنه في مقدمته لهذا الكتاب من إضرابه عن هذا القصص وأمثاله مما ملئت به كتب التفسير الأخرى والذي لا يتمشى مع روح الدين الإسلامي، فجل من له لعصمة..
١٧ راجع ج ١٨ ص ٢٢٣.
١٨ تكملة عن تفسير الطبري وتاريخه..
١٩ الصفاة: العريض من الحجارة الأملس..

### الآية 2:30

> ﻿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [2:30]

قوله تعالى : وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة  فيه سبع عشرة مسألة :
لأولى : قوله تعالى :" وإذ قال ربك للملائكة " إذ وإذا حرفا توقيت، فإذ للماضي، وإذا للمستقبل، وقد توضع إحداهما موضع الأخرى. وقال المبرد : إذا جاء " إذ " مع مستقبل كان معناه ماضيا، 
نحو قوله :" وإذ يمكر بك " \[ الأنفال : ٣٠ \] " وإذ تقول للذي أنعم الله عليه " \[ الأحزاب : ٣٧ \] معناه مكروا، وإذ قلت. وإذا جاء " إذا " مع الماضي كان معناه مستقبلا، كقوله تعالى :" فإذا جاءت الطامة " \[ النازعات : ٣٤ \] " فإذا جاءت الصاخة " \[ عبس : ٣٣ \] و " إذا جاء نصر الله " \[ النصر : ١ \] أي يجيء. وقال معمر بن المثنى أبو عبيدة :" إذ " زائدة، والتقدير : وقال ربك، واستشهد بقول الأسود بن يعفر :
فإذ[(١)](#foonote-١) وذلك لا مهاةَ لذكره \*\*\* والدهر يُعقب صالحا بفساد
وأنكر هذا القول الزجاج والنحاس وجميع المفسرين. قال النحاس : وهذا خطأ، لأن " إذ " اسم وهي ظرف زمان ليس مما تزاد. وقال الزجاج : هذا اجترام من أبي عبيدة، ذكر الله عز وجل خلق الناس وغيرهم، فالتقدير وابتدأ خلقكم إذ قال، فكان هذا من المحذوف الذي دل عليه الكلام، كما قال :
فإن المنية من يخشها \*\*\* فسوف تصادفه أينما
يريد أينما ذهب. ويحتمل أن تكون متعلقة بفعل مقدر تقديره واذكر إذ قال. وقيل : هو مردود إلى قوله تعالى :" اعبدوا ربكم الذي خلقكم " \[ البقرة : ٢١ \] فالمعنى الذي خلقكم إذ قال ربك للملائكة. وقول الله تعالى وخطابه للملائكة متقرر قديم في الأزل بشرط وجودهم وفهمهم. وهكذا الباب كله في أوامر الله تعالى ونواهيه ومخاطباته. وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري، وهو الذي ارتضاه أبو المعالي. وقد أتينا عليه في كتاب : الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفات الله العلى. والرب : المالك والسيد والمصلح والجابر، وقد تقدم[(٢)](#foonote-٢) بيانه. 
والرب : المالك والسيد والمصلح والجابر، وقد تقدم بيانه :
الثانية : قوله تعالى :" للملائكة " الملائكة واحدها ملك. قال ابن كيسان وغيره : وزن ملك فعل من الملك. وقال أبو عبيدة، هو مفعل من لأك إذا أرسل. والألوكة والمألَكة والمألُكة : الرسالة، قال لبيد :
وغلام أرسلته أمه \*\*\* بألوك فبذلنا ما سأل
وقال آخر[(٣)](#foonote-٣) :
أبلغ النعمان عني مَأْلُكًا \*\*\* إنني قد طال حبسي وانتظاري
ويقال : ألكني أي أرسلني، فأصله على هذا مألك، الهمزة فاء الفعل فإنهم قلبوها إلى عينه فقالوا : ملأك، ثم سهلوه فقالوا ملك. وقيل أصله ملأك من ملك يملك، نحو شمأل من شمل، فالهمزة زائدة عن ابن كيسان أيضا، وقد تأتي في الشعر على الأصل، قال الشاعر :
فلست لإنسيٍ ولكن لملأكٍ \*\*\* تنزل من جو السماء يصوبُ
وقال النضر بن شميل : لا اشتقاق للملك عند العرب. والهاء في الملائكة تأكيد لتأنيث الجمع، ومثله الصلادمة. والصلادم : الخيل الشداد، واحدها صلدم. وقيل : هي للمبالغة، كعلامة ونسابة. وقال أرباب المعاني : خاطب الله الملائكة لا للمشورة ولكن لاستخراج ما فيهم من رؤية الحركات والعبادة والتسبيح والتقديس، ثم ردهم إلى قيمتهم، فقال عز وجل :" اسجدوا لآدم " \[ البقرة : ٣٤ \]. 
الثالثة : قوله تعالى :" إني جاعل في الأرض خليفة " " جاعل " هنا بمعنى خالق، ذكره الطبري عن أبي روق، ويقضي بذلك تعديها إلى مفعول واحد، وقد تقدم. والأرض قيل إنها مكة. روى ابن سابط عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( دحيت الأرض من مكة ) ولذلك سميت أم القرى، قال : وقبر نوح وهود وصالح وشعيب بين زمزم والركن والمقام. و " خليفة " يكون بمعنى فاعل، أي يخلف من كان قبله من الملائكة في الأرض، أو من كان قبله من غير الملائكة على ما روي. ويجوز أن يكون " خليفة " بمعنى مفعول أي مخلف، كما يقال : ذبيحة بمعنى مفعولة. والخلف ( بالتحريك ) من الصالحين، وبتسكينها من الطالحين، هذا هو المعروف، وسيأتي له مزيد بيان في " الأعراف[(٤)](#foonote-٤) " إن شاء الله. و " خليفة " بالفاء قراءة الجماعة، إلا ما روي عن زيد بن علي فإنه قرأ " خليقة " بالقاف. والمعني بالخليفة هنا - في قول ابن مسعود وابن عباس وجميع أهل التأويل - آدم عليه السلام، وهو خليفة الله في إمضاء أحكامه وأوامره، لأنه أول رسول إلى الأرض، كما في حديث أبي ذر، قال قلت : يا رسول الله أنبيا كان مرسلا ؟ قال :( نعم ) الحديث ويقال : لمن كان رسولا ولم يكن في الأرض أحد ؟ فيقال : كان رسولا إلى ولده، وكانوا أربعين ولدا في عشرين بطنا في كل بطن ذكر وأنثى، وتوالدوا حتى كثروا، كما قال الله تعالى :" خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء[(٥)](#foonote-٥) " \[ النساء : ١ \]. وأنزل عليهم تحريم الميتة والدم ولم الخنزير. وعاش تسعمائة وثلاثين سنة، هكذا ذكر أهل التوراة وروي عن وهب بن منبه أنه عاش ألف سنة، والله أعلم. 
الرابعة : هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع، لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة. ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة إلا ما روي عن الأصم[(٦)](#foonote-٦) حيث كان عن الشريعة أصم، وكذلك كل من قال بقوله واتبعه على رأيه ومذهبه، قال : إنها غير واجبة في الدين بل يسوغ ذلك، وأن الأمة متى أقاموا حجهم وجهادهم، وتناصفوا فيما بينهم، وبذلوا الحق من أنفسهم، وقسموا الغنائم والفيء والصدقات على أهلها، وأقاموا الحدود على من وجبت عليه، أجزأهم ذلك، ولا يجب عليهم أن ينصبوا إماما يتولى ذلك. ودليلنا قول الله تعالى :" إني جاعل في الأرض خليفة " \[ البقرة : ٣٠ \]، وقوله تعالى :" يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض " \[ ص : ٢٦ \]، وقال :" وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض " \[ النور : ٥٥ \] أي يجعل منهم خلفاء، إلى غير ذلك من الآي. 
وأجمعت الصحابة على تقديم الصديق بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة في التعيين، حتى قالت الأنصار : منا أمير ومنكم أمير، فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك، وقالوا لهم : إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش، ورووا لهم الخبر في ذلك، فرجعوا وأطاعوا لقريش. فلو كان فرض الإمام غير واجب لا في قريش ولا في غيرهم لما ساغت هذه المناظرة والمحاورة عليها، ولقال قائل : إنها ليست بواجبة لا في قريش ولا في غيرهم، فما لتنازعكم وجه ولا فائدة في أمر ليس بواجب. ثم إن الصديق رضي الله عنه لما حضرته الوفاة عهد إلى عمر في الإمامة، ولم يقل له أحد هذا أمر غير واجب علينا ولا عليك، فدل على وجوبها وأنها ركن من أركان الدين الذي به قوام المسلمين، والحمد لله رب العالمين. 
وقالت الرافضة : يجب نصبه عقلا، وإن السمع إنما ورد على جهة التأكيد لقضية العقل، فأما معرفة الإمام فإن ذلك مدرك من جهة السمع دون العقل. وهذا فاسد ؛ لأن العقل لا يوجب ولا يحظر ولا يقبح ولا يحسن، وإذا كان كذلك ثبت أنها واجبة من جهة الشرع لا من جهة العقل، وهذا واضح. فإن قيل وهي :
الخامسة : إذا سلم أن طريق وجوب الإمامة السمع، فخبرونا هل يجب من جهة السمع بالنص على الإمام من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، أم من جهة اختيار أهل الحل والعقد له، أم بكمال خصال الأئمة فيه، ودعاؤه مع ذلك إلى نفسه كاف فيه ؟. 
فالجواب أن يقال : اختلف الناس في هذا الباب، فذهبت الإمامية وغيرها إلى أن الطريق الذي يعرف به الإمام هو النص من الرسول عليه السلام ولا مدخل للاختيار فيه. وعندنا : النظر طريق إلى معرفة الإمام، وإجماع أهل الاجتهاد طريق أيضا إليه، وهؤلاء الذين قالوا لا طريق إليه إلا النص بنوه على أصلهم أن القياس والرأي والاجتهاد باطل لا يعرف به شيء أصلا، وأبطلوا القياس أصلا وفرعا. ثم اختلفوا على ثلاث فرق : فرقة تدعي النص على أبي بكر، وفرقة تدعي النص على العباس، وفرقة تدعي النص على علي بن أبي طالب رضي الله عنهم. والدليل على فقد النص وعدمه على إمام بعينه هو أنه صلى الله عليه وسلم لو فرض على الأمة طاعة إمام بعينه بحيث لا يجوز العدول عنه إلى غيره لعلم ذلك، لاستحالة تكليف الأمة بأسرها طاعة الله في غير معين، ولا سبيل لهم إلى العلم بذلك التكليف، وإذا وجب العلم به لم يخل ذلك العلم من أن يكون طريقه أدلة العقول أو الخبر، وليس في العقل ما يدل على ثبوت الإمامة لشخص معين، وكذلك ليس في الخبر ما يوجب العلم بثبوت إمام معين، لأن ذلك الخبر إما أن يكون تواترا أوجب العلم ضرورة أو استدلالا، أو يكون من أخبار الآحاد، ولا يجوز أن يكون طريقه التواتر الموجب للعلم ضرورة أو دلالة، إذ لو كان كذلك لكان كل مكلف يجد من نفسه العلم بوجوب الطاعة لذلك المعين وأن ذلك من دين الله عليه، كما أن كل مكلف علم أن من دين الله الواجب عليه خمس صلوات، وصوم رمضان، وحج البيت ونحوها، ولا أحد يعلم ذلك من نفسه ضرورة، فبطلت هذه الدعوى، وبطل أن يكون معلوما بأخبار الآحاد لاستحالة وقوع العلم به. وأيضا فإنه لو وجب المصير إلى نقل النص على الإمام بأي وجه كان، وجب إثبات إمامة أبي بكر والعباس، لأن لكل واحد منهما قوما ينقلون النص صريحا في إمامته، وإذا بطل إثبات الثلاثة بالنص في وقت واحد - على ما يأتي بيانه - كذلك الواحد، إذ ليس أحد الفرق أولى بالنص من الآخر. وإذا بطل ثبوت النص لعدم الطريق الموصل إليه ثبت الاختيار والاجتهاد. فإن تعسف متعسف وادعى التواتر والعلم الضروري بالنص فينبغي أن يقابلوا على الفور بنقيض دعواهم في النص على أبي بكر وبأخبار في ذلك كثيرة تقوم أيضا في جملتها مقام النص، ثم لا شك في تصميم من عدا الإمامية على نفي النص، وهم الخلق الكثير والجم الغفير. والعلم الضروري لا يجتمع على نفيه من ينحط عن معشار أعداد مخالفي الإمامية، ولو جاز رد الضروري في ذلك لجاز أن ينكر طائفة بغداد والصين الأقصى وغيرهما. 
السادسة : في رد الأحاديث التي احتج بها الإمامية في النص على علي رضي الله عنه، وأن الأمة كفرت بهذا النص وارتدت، وخالفت أمر الرسول عنادا، منها قوله عليه السلام :( من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ). قالوا : والمولى في اللغة بمعنى أولى، فلما قال :( فعلي مولاه ) بفاء التعقيب علم أن المراد بقوله " مولى " أنه أحق وأولى. فوجب أن يكون أراد بذلك الإمامة وأنه مفترض الطاعة، وقوله عليه السلام لعلي :( أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ). قالوا : ومنزلة هارون معروفة، وهو أنه كان مشاركا له في النبوة ولم يكن ذلك لعلي، وكان أخا له ولم يكن ذلك لعلي، وكان خليفة، فعلم أن المراد به الخلافة، إلى غير ذلك مما احتجوا به على ما يأتي ذكره في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. 
والجواب عن الحديث الأول : أنه ليس بمتواتر، وقد اختلف في صحته، وقد طعن فيه أبو داود السجستاني وأبو حاتم الرازي، واستدلا على بطلانه بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( مزينة وجهينة وغفار وأسلم موالي دون الناس كلهم ليس لهم مولى دون الله ورسوله ). قالوا : فلو كان قد قال :( من كنت مولاه فعلي مولاه ) لكان أحد الخبرين كذبا. 
جواب ثان : وهو أن الخبر وإن كان صحيحا رواه ثقة

١ يلاحظ أن رواية البيت: "فإذا" ولا يستقيم الوزن إلا به..
٢ راجع المسألة الثامنة وما بعدها ص ١٢٦ من هذا الجزء..
٣ هو عدي بن زيد، كما في اللسان مادة ويروي "إنه" بدل: "إنني".
٤ راجع ج ٧ ص ٣١٠..
٥ راجع ج ٤ ص ٢.
٦ الأصم: من كبار المعتزلة واسمه أبو بكر..

### الآية 2:31

> ﻿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [2:31]

**فيه سبع مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" وعلم آدم الأسماء كلها " ( علّم ) عرّف. وتعليمه هنا إلهام علمه ضرورة. ويحتمل أن يكون بواسطة ملك وهو جبريل عليه السلام، على ما يأتي. وقرئ :" وعُلِّم " غير مسمى الفاعل. والأول أظهر، على ما يأتي. قال علماء الصوفية : علمها بتعليم الحق إياه وحفظها بحفظه عليه ونسي ما عهد إليه ؛ لأن وكله فيه إلى نفسه فقال :" ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما[(١)](#foonote-١) ". \[ طه : ١١٥ \]. وقال ابن عطاء : لو لم يكشف لآدم علم تلك الأسماء لكان أعجز من الملائكة في الإخبار عنها. وهذا واضح. 
وآدم عليه السلام يكنى أبا البشر. وقيل : أبا محمد، كني بمحمد خاتم الأنبياء صلوات الله عليهم، قاله السهيلي. وقيل : كنيته في الجنة أبو محمد، وفي الأرض أبو البشر. وأصله بهمزتين، لأنه أفعل إلا أنهم لينوا الثانية، فإذا احتجت إلى تحريكها جعلتها واوا فقلت : أوادم في الجمع، لأنه ليس لها أصل في الياء معروف، فجعلت الغالب عليها الواو، عن الأخفش. 
واختلف في اشتقاقه، فقيل : هو مشتق من أدمة الأرض وأديمها وهو وجهها، فسمي بما خلق منه، قال ابن عباس. وقيل : إنه مشتق من الأدمة وهي السمرة. واختلفوا في الأدمة، فزعم الضحاك أنها السمرة، وزعم النضر أنها البياض، وأن آدم عليه السلام كان أبيض، مأخوذ من قولهم : ناقة أدماء، إذا كانت بيضاء. وعلى هذا الاشتقاق جمعه أدم وأوادم، كحمر وأحامر، ولا ينصرف بوجه. وعلى أنه مشتق من الأدمة جمعه آدمون، ويلزم قائلو هذه المقالة صرفه. قلت : الصحيح أنه مشتق من أديم الأرض. قال سعيد بن جبير : إنما سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض، وإنما سمي إنسانا لأنه نسي، ذكره ابن سعد في الطبقات. وروى السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود في قصة خلق آدم عليه السلام قال : فبعث الله جبريل عليه السلام إلى الأرض ليأتيه بطين منها، فقالت الأرض : أعوذ بالله منك أن تنقص[(٢)](#foonote-٢) مني أو تشينني، فرجع ولم يأخذ وقال : يا رب إنها عاذت بك فأعذتها. فبعث ميكائيل فعاذت منه فأعاذها، فرجع فقال كما قال جبريل، فبعث ملك الموت فعاذت منه فقال : وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره. فأخذ من وجه الأرض وخلط، ولم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين - ولذلك سمي آدم لأنه أخذ من أديم الأرض - فصعد به، فقال الله تعالى له :( أما رحمت الأرض حين تضرعت إليك ) فقال : رأيت أمرك أوجب من قولها. فقال :( أنت تصلح لقبض أرواح ولده ) فبل التراب حتى عاد طينا لازبا، اللازب : هو الذي يلتصق بعضه ببعض، ثم ترك حتى أنتن، فذلك حيث يقول :" من حمأ مسنون " \[ الحجر : ٢٦ \] قال : منتن. ثم قال للملائكة :" إني خالق بشرا من طين. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين[(٣)](#foonote-٣) " \[ ص : ٧١ \]. فخلقه الله بيده لكيلا يتكبر إبليس عنه. يقول : أتتكبر عما خلقت بيدي ولم أتكبر أنا عنه ! فخلقه بشرا فكان جسدا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة، فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه وكان أشدهم منه فزعا إبليس فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت الفخار تكون له صلصلة، فذلك حين يقول :" من صلصال كالفخار[(٤)](#foonote-٤) " \[ الرحمن : ١٤ \]. ويقول لأمر ما خلقت !. ودخل من فمه وخرج من دبره، فقال إبليس للملائكة : لا ترهبوا من هذا فإنه أجوف ولئن سلطت عليه لأهلكنه. ويقال : إنه كان إذا مر عليه مع الملائكة يقول : أرأيتم هذا الذي لم تروا من الخلائق يشبهه إن فضل عليكم وأمرتم بطاعته ما أنتم فاعلون ! قالوا : نطيع أمر ربنا، فأسر إبليس في نفسه لئن فضل علي فلا أطيعه، ولئن فضلت عليه لأهلكنه، فلما بلغ الحين الذي أريد أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة : إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له، فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه عطس، فقالت له الملائكة : قل الحمد لله، فقال : الحمد لله، فقال الله له : رحمك ربك، فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام فوثب قبل أن يبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة، فذلك حين يقول :" خلق الإنسان من عجل[(٥)](#foonote-٥) " \[ الأنبياء : ٣٧ \] " فسجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا إبليس أبي أن يكون مع الساجدين[(٦)](#foonote-٦) " \[ الأعراف : ١١ \] وذكر القصة. وروى الترمذي عن أبي موسى الأشعري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( إن الله عز وجل خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض، فجاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيب ). قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح. أديم : جمع أدم، قال الشاعر :الناس أخيافٌ[(٧)](#foonote-٧) وشتَّى في الشِّيَمْ  وكلهم يجمعُهُم وجهُ الأدَمْفآدم مشتق من الأديم والأدم، لا من الأدمة، والله أعلم. ويحتمل أن يكون منهما جميعا. وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في خلق آدم في " الأنعام[(٨)](#foonote-٨) " وغيرها إن شاء الله تعالى. 
و " آدم " لا ينصرف. قال أبو جعفر النحاس :" آدم لا ينصرف في المعرفة بإجماع النحويين، لأنه على أفعل وهو معرفة، ولا يمتنع شي من الصرف عند البصريين إلا لعلتين. فإن نكرته ولم يكن نعتا لم يصرفه الخليل وسيبويه، وصرفه الأخفش سعيد ؛ لأنه كان نعتا وهو على وزن الفعل، فإذا لم يكن نعتا صرفه. قال أبو إسحاق الزجاج : القول قول سيبويه، ولا يفرق بين النعت وغيره لأنه هو ذاك بعينه ". 
الثانية : قوله تعالى :" الأسماء كلها " " الأسماء " هنا بمعنى العبارات، فإن الاسم قد يطلق ويراد به المسمى، كقولك : زيد قائم، والأسد شجاع. وقد يراد به التسمية ذاتها، كقولك : أسد ثلاثة أحرف، ففي الأول يقال : الاسم هو المسمى بمعنى يراد به المسمى، وفي الثاني لا يراد المسمى، وقد يجرى اسم في اللغة مجرى ذات العبارة وهو الأكثر من استعمالها، ومنه قوله تعالى :" وعلم آدم الأسماء كلها " \[ البقرة : ٣١ \] على أشهر التأويلات، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم :( إن لله تسعة وتسعين اسما ). ويجري مجرى الذات، يقال : ذات ونفس وعين واسم بمعنى، وعلى هذا حمل أكثر أهل العلم قوله تعالى :" سبح اسم ربك الأعلى[(٩)](#foonote-٩) " \[ الأعلى : ١ \] " تبارك اسم ربك " \[ الرحمن : ٧٨ \] " إن هي إلا أسماء سميتموها " \[ النجم : ٢٣ \]. 
الثالثة : واختلف أهل التأويل في معنى الأسماء التي علمها لآدم عليه السلام، فقال ابن عباس وعكرمة وقتادة ومجاهد وابن جبير : علمه أسماء جميع الأشياء كلها جليلها وحقيرها. وروى عاصم بن كليب عن سعد مولى الحسن بن علي قال : كنت جالسا عند ابن عباس فذكروا اسم الآنية واسم السوط، قال ابن عباس :" وعلم آدم الأسماء كلها ". 
قلت : وقد روي هذا المعنى مرفوعا على ما يأتي، وهو الذي يقتضيه لفظ " كلها " إذ هو اسم موضوع للإحاطة والعموم، وفي البخاري من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( ويجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا فيأتون آدم فيقولون أنت أبو الناس خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء ) الحديث. قال ابن خويز منداد : في هذه الآية دليل على أن اللغة مأخوذة توقيفا، وأن الله تعالى علمها آدم عليه السلام جملة وتفصيلا. وكذلك قال ابن عباس : علمه أسماء كل شيء حتى الجفنة والمحلب. وروى شيبان عن قتادة قال : علم آدم من الأسماء أسماء خلقه ما لم يعلم الملائكة، وسمي كل شيء باسمه وأنحى[(١٠)](#foonote-١٠) منفعة كل شيء إلى جنسه. قال النحاس : وهذا أحسن ما روي في هذا. والمعنى علمه أسماء الأجناس وعرفه منافعها، هذا كذا، وهو يصلح لكذا. وقال الطبري : علمه أسماء الملائكة وذريته، واختار هذا ورجحه بقوله :" ثم عرضهم على الملائكة " قال ابن زيد : علمه أسماء ذريته، كلهم. الربيع ابن خثيم[(١١)](#foonote-١١) : أسماء الملائكة خاصة. القتبي : أسماء ما خلق في الأرض. وقيل : أسماء الأجناس والأنواع. 
قلت : القول الأول أصح، لما ذكرناه آنفا ولما نبينه إن شاء الله تعالى. 
الرابعة : واختلف المتأولون أيضا هل عرض على الملائكة أسماء الأشخاص أو الأسماء دون الأشخاص، فقال ابن مسعود وغيره : عرض الأشخاص لقوله تعالى :" عرضهم " وقوله :" أنبئوني بأسماء هؤلاء ". وتقول العرب : عرضت الشيء فأعرض، أي أظهرته فظهر. ومنه : عرضت الشيء للبيع. وفي الحديث ( إنه عرضهم أمثال الذر ). وقال ابن عباس وغيره : عرض الأسماء وفي حرف ابن مسعود :" عرضهن "، فأعاد على الأسماء دون الأشخاص، لأن الهاء والنون أخص بالمؤنث. وفي حرف أبي :" عرضها ". مجاهد : أصحاب الأسماء. فمن قال في الأسماء إنها التسميات فاستقام على قراءة أبي " عرضها ". وتقول في قراءة من قرأ " عرضهم " : إن لفظ الأسماء يدل على أشخاص، فلذلك ساغ أن يقال للأسماء :" عرضهم ". وقال في " هؤلاء " المراد بالإشارة : إلى أشخاص الأسماء، لكن وإن كانت غائبة فقد حضر ما هو منها بسبب وذلك أسماؤها. قال ابن عطية : والذي يظهر أن الله تعالى علم آدم الأسماء وعرضهن عليه مع تلك الأجناس بأشخاصها، ثم عرض تلك على الملائكة وسألهم عن تسمياتها التي قد تعلمها، ثم إن آدم قال لهم : هذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا. وقال الماوردي : وكان الأصح توجه العرض إلى المسمين. ثم في زمن عرضهم قولان : أحدهما أنه عرضهم بعد أن خلقهم. الثاني - أنه صورهم لقلوب الملائكة ثم عرضهم. 
الخامسة : واختلف في أول من تكلم باللسان العربي، فروي عن كعب الأحبار : أن أول من وضع الكتاب العربي والسرياني والكتب كلها بالألسنة كلها آدم عليه السلام. وقاله غير كعب الأحبار. 
فإن قيل : قد روي عن كعب الأحبار من وجه حسن قال : أول من تكلم بالعربية جبريل عليه السلام وهو الذي ألقاها على لسان نوح عليه السلام وألقاها نوح على لسان ابنه سام، ورواه ثور ابن زيد عن خالد بن معدان عن كعب. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل وهو ابن عشر سنين ). وقد روي أيضا : أن أول من تكلم بالعربية يعرب بن قحطان، وقد روي غير ذلك. قلنا : الصحيح أن أول من تكلم باللغات كلها من البشر آدم عليه السلام، والقرآن يشهد له، قال الله تعالى :" وعلم آدم الأسماء كلها " \[ البقرة : ٣١ \] واللغات كلها أسماء فهي داخلة تحته وبهذا جاءت السنة، قال صلى الله عليه وسلم :( وعلم آدم الأسماء كلها حتى القصعة والقصيعة ) وما ذكروه يحتمل أن يكون المراد به أول من تكلم بالعربية من ولد إبراهيم عليه السلام إسماعيل عليه السلام. وكذلك إن صح ما سواه فإنه يكون محمولا على أن المذكور أول من تكلم من قبيلته بالعربية بدليل ما ذكرنا، والله أعلم. وكذلك جبريل أول من تكلم بها من الملائكة وألقاها على لسان نوح بعد أن علمها الله آدم أو جبريل، على ما تقدم، والله أعلم. 
قوله تعالى :" هؤلاء " لفظ مبني على الكسر. ولغة تميم وبعض قيس وأسد فيه القصر، قال الأعشى :هؤلا ثم هؤلا كلاًّ أعطي  ت نعالا مَحْذُوَّةً بمثالِومن العرب من يقول : هولاء، فيحذف الألف والهمزة[(١٢)](#foonote-١٢). 
السادسة : قوله تعالى :" إن كنتم صادقين " شرط، والجواب محذوف تقديره : إن كنتم صادقين أن بني١ راجع ج ١١ ص ٢٥١..
٢ في نسخة. "أن تقبض مني أو تسيئني". وفي تاريخ الطبري (ص ٨٧ قسم أول طبع أوربا): "أن تنقض مني شيئا وتشينني"..
٣ راجع ج ١٥ ص ٢٢٧.
٤ راجع ج ١٧ ص ١٦٠..
٥ راجع ج ١١ ص ٢٨٨.
٦ راجع ج ١٠ ص ٢٥.
٧ الأخياف: المختلفون في الأخلاق والأشكال..
٨ راجع ج ٦ ص ٣٨٧ و ج٧ ص ١٦٨..
٩ راجع ج ٢٠ ص ١٣.
١٠ أنحى: صرف. وفي الطبري: "ألجأ"..
١١ في التقريب بضم المعجمة وفتح المثلثة. وفي الخلاصة "خثيم" بفتح المعجمة والمثلثة بينهما تحتانية ساكنة..
١٢ في البحر لأبي حيان "بحذف ألف ها وهمزة أولاء وإقرار الواو التي بعد تلك الهمزة"..

### الآية 2:32

> ﻿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [2:32]

قوله تعالى : قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا  فيه ثلاث مسائل :
الأولى : قوله تعالى :" سبحانك " أي تنزيها لك عن أن يعلم الغيب أحد سواك. وهذا جوابهم عن قوله :" أنبئوني " فأجابوا أنهم لا يعلمون إلا ما أعلمهم به ولم يتعاطوا ما لا علم لهم به كما يفعله الجهال منا. و " ما " في " ما علمتنا " بمعنى الذي، أي إلا الذي علمتنا، ويجوز أن تكون مصدرية بمعنى إلا تعليمك إيانا. 
الثانية : الواجب على من سئل عن علم أن يقول إن لم يعلم : الله أعلم ولا أدري، اقتداء بالملائكة والأنبياء والفضلاء من العلماء، لكن قد أخبر الصادق أن بموت العلماء يقبض العلم، فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون. وأما ما ورد من الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين بعدهم في معنى الآية فروى البستي[(١)](#foonote-١) في المسند الصحيح له عن ابن عمر أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي البقاع شر ؟ قال :( لا أدري حتى أسأل جبريل ) فسأل جبريل، فقال : لا أدري حتى أسأل ميكائيل، فجاء فقال : خير البقاع المساجد، وشرها الأسواق. وقال الصديق للجدة : ارجعي حتى أسأل الناس. وكان علي يقول : وأبردها على الكبد، ثلاث مرات. قالوا وما ذلك يا أمير المؤمنين ؟ قال : أن يسأل الرجل عما لا يعلم فيقول : الله أعلم. وسأل ابن عمر رجل عن مسألة فقال : لا علم لي بها، فلما أدبر الرجل. قال ابن عمر : نعم ما قال ابن عمر، سئل عما لا يعلم فقال لا علم لي به ! ذكره الدارمي في مسنده. وفي صحيح مسلم عن أبي عقيل يحيى بن المتوكل صاحب بهية[(٢)](#foonote-٢) قال : كنت جالسا عند القاسم بن عبيد الله ويحيى بن سعيد، فقال يحيى للقاسم : يا أبا محمد إنه قبيح على مثلك عظيم أن يسأل عن شيء من أمر هذا الدين فلا يوجد عندك منه علم ولا فرج، أو علم ولا مخرج ؟ فقال له القاسم : وعم ذاك ؟ قال : لأنك ابن إمامي هدى : ابن أبي بكر وعمر[(٣)](#foonote-٣). قال يقول له القاسم : أقبح من ذاك عند من عقل عن الله أن أقول بغير علم أو آخذ عن غير ثقة. فسكت فما أجابه. وقال مالك بن أنس : سمعت ابن هرمز يقول : ينبغي للعالم أن يورث جلساءه من بعده لا أدري حتى يكون أصلا في أيديهم، فإذا سئل أحدهم عما لا يدري قال : لا أدري. وذكر الهيثم بن جميل قال : شهدت مالك بن أنس سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها : لا أدري. 
قلت : ومثله كثير عن الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين. وإنما يحمل على ترك ذلك الرياسة وعدم الإنصاف في العلم. قال ابن عبد البر : من بركة العلم وآدابه الإنصاف فيه، ومن لم ينصف لم يفهم ولم يتفهم. روى يونس بن عبد الأعلى قال : سمعت ابن وهب يقول : سمعت مالك بن أنس يقول : ما في زماننا شيء أقل من الإنصاف. 
قلت : هذا في زمن مالك فكيف في زماننا اليوم الذي عم فينا الفساد وكثر فيه الطغام ! وطلب فيه العلم للرياسة لا للدراية، بل للظهور في الدنيا وغلبة الأقران بالمراء والجدال الذي يقسي القلب ويورث الضغن، وذلك مما يحمل على عدم التقوى وترك الخوف من الله تعالى. أين هذا مما روي عن عمر رضي الله عنه وقد قال : لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية ولو كانت بنت ذي العصبة - يعني يزيد بن الحصين الحارثي - فمن زاد ألقيت زيادته في بيت المال، فقامت امرأة من صوب النساء طويلة فيها فطس[(٤)](#foonote-٤) فقالت : ما ذلك لك ! قال : ولم ؟ قالت لأن الله عز وجل يقول :" وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا " \[ النساء : ٢٠ \] فقال عمر : امرأة أصابت ورجل أخطأ ! وروى وكيع عن أبي معشر عن محمد بن كعب القرظي قال : سأل رجل عليا رضي الله عنه عن مسألة فقال فيها، فقال الرجل : ليس كذلك يا أمير المؤمنين، ولكن كذا وكذا، فقال علي : أصبت وأخطأت، وفوق كل ذي علم عليم. وذكر أبو محمد قاسم بن أصبغ قال : لما رحلت إلى المشرق نزلت القيروان فأخذت على بكر بن حماد حديث مسدد، ثم رحلت إلى بغداد ولقيت الناس، فلما انصرفت عدت إليه لتمام حديث مسدد، فقرأت عليه فيه يوما حديث النبي صلى الله عليه وسلم :( أنه قدم عليه قوم من مضر من مجتابي[(٥)](#foonote-٥) النمار ) فقال : إنما هو مجتابي الثمار، فقلت : إنما هو مجتابي النمار، هكذا قرأته على كل من قرأته عليه بالأندلس والعراق، فقال لي : بدخولك العراق تعارضنا وتفخر علينا ! أو نحو هذا. ثم قال لي : قم بنا إلى ذلك الشيخ - لشيخ كان في المسجد - فإن له بمثل هذا علما، فقمنا إليه فسألناه عن ذلك فقال : إنما هو مجتابي النمار، كما قلت. وهم قوم كانوا يلبسون الثياب مشققة[(٦)](#foonote-٦)، جيوبهم أمامهم. والنمار جمع نمرة[(٧)](#foonote-٧). فقال بكر بن حماد وأخذ بأنفه : رغم أنفي للحق، رغم أنفي للحق. وانصرف. وقال يزيد بن الوليد بن عبد الملك فأحسن :

إذا ما تحدثت في مجلس  تناهى حديثي إلى ما علمتُولم أعْدُ علمي إلى غيره  وكان إذا ما تناهى سكتُّالثالثة : قوله تعالى :" سبحانك " ( سبحان ) منصوب على المصدر عند الخليل وسيبويه، يؤدي عن معنى نسبحك تسبيحا. وقال الكسائي : هو منصوب على أنه نداء مضاف. و " العليم " فعيل للمبالغة والتكبير في المعلومات في خلق الله تعالى. و " الحكيم " معناه الحاكم، وبينهما مزيد المبالغة. وقيل معناه المحكم ويجيء الحكيم على هذا من صفات الفعل، صرف عن مفعل إلى فعيل، كما صرف عن مسمع إلى سميع ومؤلم إلى أليم، قاله ابن الأنباري. وقال قوم : الحكيم المانع من الفساد، ومنه سميت حكمة اللجام، لأنها تمنع الفرس من الجري والذهاب في غير قصد. قال جرير :أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم  إني أخاف عليكم أن أغضَبَا**أي امنعوهم من الفساد. وقال زهير :**القائد الخيل منكوبا دوابرُها[(٨)](#foonote-٨)  قد أحكمت حكمات القِدِّ والأبَقَاالقد : الجلد. والأبق : القنب[(٩)](#foonote-٩). والعرب تقول : أحكم اليتيم عن كذا وكذا، يريدون منعه. والسورة المحكمة : الممنوعة من التغيير وكل التبديل، وأن يلحق بها ما يخرج عنها، ويزاد عليها ما ليس منها، والحكمة من هذا، لأنها تمنع صاحبها من الجهل. ويقال : أحكم الشيء إذا أتقنه ومنعه من الخروج عما يريد. فهو محكم وحكيم على التكثير. 
١ في نسخة "النسائي"..
٢ بهية (بالتصغير): مولاة أبي بكر رضي الله عنه، تروي عن عائشة. وروى عنها أبو عقيل المذكور..
٣ القاسم هذا، هو ابن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب. وأم القاسم هي أم عبد الله بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فأبو بكر جده الأعلى لأمه، وعمر جده الأعلى لأبيه، وابن عمر جده الحقيقي لأبيه. رضي الله عنهم أجمعين. (عن شرح النووي على صحيح مسلم)..
٤ الفطس (بالتحريك): انخفاض قصبة الأنف وتطامنها وانتشارها..
٥ مشققة مخططة..
٦ مجتابي النمار، أي لابسها. يقال: اجتبت القميص والظلام دخلت فيهما..
٧ وهي كل شملة مخططة من مآزر الأعراب، كأنما أخذت من لون النمر..
٨ النكب: أن ينكب الحجر ظفرا أو حافزا. والدوابر. أواخر الحوافز. يقول: يقود الخيل في الغزو ويبعد بها حتى تنكب دوابرها؛ أي: تأكلها الأرض وتؤثر فيها..
٩ القنب (بكسر القاف وضمها): ضرب من الكتان..

### الآية 2:33

> ﻿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [2:33]

قوله تعالى : قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم  فيه خمس مسائل :
الأولى : قوله تعالى :" أنبئهم بأسمائهم " أمره الله أن يعلمهم بأسمائهم بعد أن عرضهم على الملائكة ليعلموا أنه أعلم بما سألهم عنه تنبيها على فضله وعلو شأنه، فكان أفضل منهم بأن قدمه عليهم وأسجدهم له وجعلهم تلامذته وأمرهم بأن يتعلموا منه. فحصلت له رتبة الجلال والعظمة بأن جعله مسجودا له، مختصا بالعلم. 
الثانية : في هذه الآية دليل على فضل العلم وأهله، وفي الحديث :( وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم ) أي تخضع وتتواضع وإنما تفعل ذلك لأهل[(١)](#foonote-١) العلم خاصة من بين سائر عيال[(٢)](#foonote-٢) الله ؛ لأن الله تعالى ألزمها ذلك في آدم عليه السلام فتأدبت بذلك الأدب. فكلما ظهر لها علم في بشر خضعت له وتواضعت وتذللت إعظاما للعلم وأهله، ورضا منهم[(٣)](#foonote-٣) بالطلب له والشغل به. هذا في الطلاب منهم فكيف بالأحبار فيهم والربانيين منهم جعلنا الله منهم وفيهم، إنه ذو فضل عظيم. 
الثالثة : اختلف العلماء من هذا الباب، أيما أفضل الملائكة أو بنو آدم على قولين : فذهب قوم إلى أن الرسل من البشر أفضل من الرسل من الملائكة، والأولياء من البشر أفضل من الأولياء من الملائكة. وذهب آخرون إلى أن الملأ الأعلى أفضل. احتج من فضل الملائكة بأنهم " عباد مكرمون. لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون " \[ الأنبياء : ٢٧ \] " لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون " \[ التحريم : ٦ \]. وقوله :" لن يستنكف المسيح أن يكون عبد ا لله ولا الملائكة المقربون[(٤)](#foonote-٤) " \[ النساء : ١٧٢ \] وقوله :" قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك[(٥)](#foonote-٥) " \[ الأنعام : ٥٠ \]. وفي البخاري :( يقول الله عز وجل :" من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ). وهذا نص. احتج من فضل بني آدم بقوله تعالى :" إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البريئة[(٦)](#foonote-٦) " \[ الأنعام : ٥٠ \] بالهمز، من برأ الله الخلق. وقوله عليه السلام :( وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضي لطالب العلم ) الحديث. أخرجه أبو داود، وبما جاء في أحاديث من أن الله تعالى يباهي بأهل عرفات الملائكة، ولا يباهي إلا بالأفضل، والله أعلم. وقال بعض العلماء : ولا طريق إلى القطع بأن الأنبياء أفضل من الملائكة، ولا القطع بأن الملائكة خير منهم ؛ لأن طريق ذلك خبر الله تعالى وخبر رسوله أو إجماع الأمة، وليس ههنا شيء من ذلك خلافا للقدرية والقاضي أبي بكر رحمه الله حيث قالوا : الملائكة أفضل. قال : وأما من قال من أصحابنا والشيعة : إن الأنبياء أفضل لأن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم، فيقال لهم : المسجود له لا يكون أفضل من الساجد، ألا ترى أن الكعبة مسجود لها والأنبياء والخلق يسجدون نحوها، ثم إن الأنبياء خير من الكعبة باتفاق الأمة. ولا خلاف أن السجود لا يكون إلا لله تعالى ؛ لأن السجود عبادة، والعبادة لا تكون إلا لله، فإذا كان كذلك فكون السجود إلى جهة لا يدل على أن الجهة خير من الساجد العابد، وهذا واضح. وسيأتي له مزيد بيان في الآية بعد هذا. 
الرابعة : قوله تعالى :" إني أعلم غيب السماوات والأرض " دليل على أن أحدا لا يعلم من الغيب إلا ما أعلمه الله كالأنبياء أو من أعلمه من أعلمه الله تعالى فالمنجمون والكهان وغيرهم كذبة. وسيأتي بيان هذا في " الأنعام[(٧)](#foonote-٧) " إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى :" وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو " 
الخامسة : قوله تعالى :" وأعلم ما تبدون " أي من قولهم :" أتجعل فيها من يفسد فيها " حكاه مكي والماوردي. وقال الزهراوي : ما أبدوه هو بدارهم بالسجود لآدم. " وما كنتم تكتمون " قال ابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير : المراد ما كتمه إبليس في نفسه من الكبر والمعصية. قال ابن عطية : وجاء " تكتمون " للجماعة، والكاتم واحد في هذا القول على تجوز العرب واتساعها، كما يقال لقوم قد جنى سفيه منهم : أنتم فعلتم كذا. أي منكم فاعله، وهذا مع قصد تعنيف، ومنه قوله تعالى :" إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون[(٨)](#foonote-٨) " \[ الحجرات : ٤ \] وإنما ناداه منهم عيينة، وقيل الأقرع. وقالت طائفة : الإبداء والمكتوم ذلك على معنى العموم في معرفة أسرارهم وظواهرهم أجمع. وقال مهدي بن ميمون : كنا عند الحسن فسأله الحسن بن دينار ما الذي كتمت الملائكة ؟ قال : إن الله عز وجل لما خلق آدم رأت الملائكة خلقا عجبا، وكأنهم دخلهم من ذلك شيء، قال : ثم أقبل بعضهم على بعض وأسروا ذلك بينهم، فقالوا[(٩)](#foonote-٩) : وما يهمكم من هذا المخلوق إن الله لم يخلق خلقا إلا كنا أكرم عليه منه. و " ما " في قوله :" ما تبدون " يجوز أن ينتصب ب " أعلم " على أنه فعل، ويجوز أن يكون بمعنى عالم وتنصب به " ما " فيكون مثل حواج بيت الله، وقد تقدم[(١٠)](#foonote-١٠).

١ في نسخة من الأصل: "لأجل"..
٢ في نسخ من الأصل: "عمال الله"..
٣ في نسخة: "ورضي الله عنهم..." الخ..
٤ راجع ج ٦ ص ٢٦.
٥ راجع ج ٦ ص ٤٢٩..
٦ راجع ج ٢٠ ص ١٤٥..
٧ راجع ج ص ١.
٨ راجع ج ١٦ ص ٣٠٩.
٩ زيادة عن تفسير الطبري.
١٠ راجع ص ٢٧٨..

### الآية 2:34

> ﻿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [2:34]

**فيه عشر مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" وإذ قلنا " أي واذكر. وأما قول أبي عبيدة : إن " إذ " زائدة فليس بجائز ؛ لأن إذ ظرف. وقد تقدم[(١)](#foonote-١) وقال :" قلنا " ولم يقل قلت لأن الجبار العظيم يخبر عن نفسه بفعل الجماعة تفخيما وإشادة بذكره. والملائكة جمع ملك، وقد تقدم[(٢)](#foonote-٢) وتقدم القول أيضا في آدم واشتقاقه[(٣)](#foonote-٣) فلا معنى لإعادته ؛ وروي عن ابن جعفر بن القعقاع أنه ضم تاء التأنيث من الملائكة إتباعا لضم الجيم في " اسجدوا ". ونظيره " الحمد لله ". 
الثانية : قوله تعالى :" اسجدوا " السجود معناه في كلام العرب التذلل والخضوع، قال الشاعر :بجمعٍ تَضِلُّ البلقُ في حَجراته  ترى الأُكم فيها سجّدا للحوافرالأكم : الجبال الصغار. جعلها سجدا للحوافر لقهر الحوافر إياها وأنها لا تمتنع عليها. وعين ساجدة، أي فاترة عن النظر، وغايته وضع الوجه بالأرض. قال ابن فارس : سجد إذا تطامن، وكل ما سجد فقد ذل. والإسجاد : إدامة النظر. قال أبو عمرو : وأسجد إذا طأطأ رأسه، قال[(٤)](#foonote-٤) :فُضُول أزمتها أسجدت  سجود النصارى لأحبارهاقال أبو عبيدة : وأنشدني أعرابي من بني أسد :
وقلن له أسْجِد لليلى فأسجدا
يعني البعير إذا طأطأ رأسه. ودراهم الإسجاد : دراهم كانت عليها صور كانوا يسجدون لها، قال :
وافى بها كدراهم الإسجاد
الثالثة : استدل من فضل آدم وبنيه بقوله تعالى للملائكة :" اسجدوا لآدم ". قالوا : وذلك يدل على أنه كان أفضل منهم. والجواب أن معنى " اسجدوا لآدم " اسجدوا لي مستقبلين وجه آدم. وهو كقوله تعالى :" أقم الصلاة لدلوك الشمس " \[ الإسراء : ٧٨ \] أي عند دلوك الشمس وكقوله :" ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين " \[ ص : ٧٢ \] أي فقعوا لي عند إتمام خلقه ومواجهتكم إياه ساجدين. وقد بينا أن المسجود له لا يكون أفضل من الساجد بدليل القبلة. فإن قيل : فإذا لم يكن أفضل منهم فما الحكمة في الأمر بالسجود له ؟ قيل له : إن الملائكة لما استعظموا بتسبيحهم وتقديسهم أمرهم بالسجود لغيره ليريهم استغناءه عنهم وعن عبادتهم. وقال بعضهم : عيروا آدم واستصغروه ولم يعرفوا خصائص الصنع به فأمروا بالسجود له تكريما. ويحتمل أن يكون الله تعالى أمرهم بالسجود له معاقبة لهم على قولهم :" أتجعل فيها من يفسد فيها " لما قال لهم :" إني جاعل في الأرض خليفة " \[ البقرة : ٣٠ \] وكان علم منهم أنه إن خاطبهم أنهم قائلون هذا، فقال لهم :" إني خالق بشرا من طين " \[ ص : ٧١ \] وجاعله خليفة، فإذا نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين. والمعنى : ليكون ذلك عقوبة لكم في ذلك الوقت على ما أنتم قائلون لي الآن. فإن قيل : فقد استدل ابن عباس على فضل البشر بأن الله تعالى أقسم بحياة رسوله صلى الله عليه وسلم فقال :" لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون[(٥)](#foonote-٥) " \[ الحجر : ٧٢ \]. وأمنه من العذاب بقوله :" ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر[(٦)](#foonote-٦) " \[ الفتح : ٢ \]. وقال للملائكة :" و من يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم[(٧)](#foonote-٧) " \[ الأنبياء : ٢٩ \]. قيل له : إنما لم يقسم بحياة الملائكة كما لم يقسم بحياة نفسه سبحانه، فلم يقل : لعمري. وأقسم بالسماء والأرض، ولم يدل على أنهما أرفع قدرا من العرش والجنان السبع. وأقسم بالتين والزيتون. وأما قول سبحانه :" ومن يقل منهم إني إله من دونه " \[ الأنبياء : ٢٩ \] فهو نظير قوله لنبيه عليه السلام :" لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين " \[ الزمر : ٦٥ \] فليس فيه إذا دلالة، والله أعلم. 
الرابعة : واختلف الناس في كيفية سجود الملائكة لآدم بعد اتفاقهم على أنه لم يكن سجود عبادة، فقال الجمهور : كان هذا أمرا للملائكة بوضع الجباه على الأرض، كالسجود المعتاد في الصلاة، لأنه الظاهر من السجود في العرف والشرع، وعلى هذا قيل : كان ذلك السجود تكريما لآدم وإظهارا لفضله، وطاعة لله تعالى، وكان آدم كالقبلة لنا. ومعنى " لآدم " : إلى آدم، كما يقال صلى للقبلة، أي إلى القبلة. وقال قوم : لم يكن هذا السجود المعتاد اليوم الذي هو وضع الجبهة على الأرض ولكنه مبقى على أصل اللغة، فهو من التذلل والانقياد، أي اخضعوا لآدم وأقروا له بالفضل. " فسجدوا " أي امتثلوا ما أمروا به. 
واختلف أيضا هل كان ذلك السجود خاصا بآدم عليه السلام فلا يجوز السجود لغيره من جميع العالم إلا لله تعالى، أم كان جائزا بعده إلى زمان يعقوب عليه السلام، لقوله تعالى :" ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا[(٨)](#foonote-٨) " \[ يوسف : ١٠٠ \] فكان آخر ما أبيح من السجود للمخلوقين ؟ والذي عليه الأكثر أنه كان مباحا إلى عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن أصحابه قالوا له حين سجدت له الشجرة والجمل : نحن أولى بالسجود لك من الشجرة والجمل الشارد، فقال لهم :( لا ينبغي أن يسجد لأحد إلا لله رب العالمين ). روى ابن ماجه في سننه والبستي في صحيحه عن أبي واقد قال : لما قدم معاذ بن جبل من الشام سجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ما هذا ) فقال : يا رسول الله، قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لبطارقتهم وأساقفتهم، فأردت أن أفعل ذلك بك، قال :( فلا تفعل فإني لو أمرت شيئا أن يسجد لشيء لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها، حتى لو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه ). لفظ البستي. ومعنى القتب أن العرب يعز عندهم وجود كرسي للولادة فيحملون نساءهم على القتب[(٩)](#foonote-٩) عند الولادة. وفي بعض طرق معاذ : ونهى عن السجود للبشر وأمر بالمصافحة. 
قلت : وهذا السجود المنهي عنه قد اتخذه جهال المتصوفة عادة في سماعهم وعند دخولهم على مشايخهم واستغفارهم، فيرى الواحد منهم إذا أخذه الحال بزعمه يسجد للأقدام[(١٠)](#foonote-١٠) لجهله سواء أكان للقبلة أم غيرها جهالة منه، ضل سعيهم وخاب عملهم. 
الخامسة : قوله :" إلا إبليس " نصب على الاستثناء المتصل ؛ لأنه كان من الملائكة على قول الجمهور : ابن عباس وابن مسعود وابن جريج وابن المسيب وقتادة وغيرهم، وهو اختيار الشيخ أبي الحسن، ورجحه الطبري، وهو ظاهر الآية. قال ابن عباس : وكان اسمه عزازيل، وكان من أشراف الملائكة وكان من الأجنحة الأربعة ثم أبلس بعد. روى سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال : كان إبليس من الملائكة فلما عصى الله غضب عليه فلعنه فصار شيطانا. وحكى الماوردي عن قتادة : أنه كان من أفضل صنف من الملائكة يقال لهم الجنة. وقال سعيد بن جبير : إن الجن سبط من الملائكة خلقوا من نار وإبليس منهم، وخلق سائر[(١١)](#foonote-١١) الملائكة من نور. وقال ابن زيد والحسن وقتادة أيضا : إبليس أبو الجن كما أن آدم أبو البشر ولم يكن ملكا، وروى نحوه عن ابن عباس وقال : اسمه الحارث. وقال شهر بن حوشب وبعض الأصوليين : كان من الجن الذين كانوا في الأرض وقاتلتهم الملائكة فسبوه صغيرا وتعبد مع الملائكة وخوطب، وحكاه الطبري عن ابن مسعود. والاستثناء على هذا منقطع، مثل قوله تعالى :" ما لهم به من علم إلا اتباع الظن " \[ النساء : ١٧٥ \] وقوله :" إلا ما ذكيتم " \[ المائدة : ٣ \] في أحد القولين، وقال الشاعر :ليس عليك عطش ولا جوع  إلا الرقادُ والرقادُ ممنوعُواحتج بعض أصحاب هذا القول بأن الله جل وعز وصف الملائكة فقال :" لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون " \[ التحريم : ٦ \]، وقوله تعالى :" إلا إبليس كان من الجن " \[ الكهف : ٥٠ \] والجن غير الملائكة. أجاب أهل المقالة الأولى بأنه لا يمتنع أن يخرج إبليس من جملة الملائكة لما سبق في علم الله بشقائه عدلا منه، لا يسأل عما يفعل، وليس في خلقه من نار ولا في تركيب الشهوة حين غضب عليه ما يدفع أنه من الملائكة. وقول من قال : إنه كان من جن الأرض فسبي، فقد روي في مقابلته أن إبليس هو الذي قاتل الجن في الأرض مع جند من الملائكة، حكاه المهدوي وغيره. وحكى الثعلبي عن ابن عباس : أن إبليس كان من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم، وخلقت الملائكة من نور، وكان اسمه بالسريانية عزازيل، وبالعربية الحارث، وكان من خزان الجنة وكان رئيس ملائكة السماء الدنيا وكان له سلطانها وسلطان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهادا وأكثرهم علما، وكان يسوس ما بين السماء والأرض، فرأى لنفسه بذلك شرفا وعظمة، فذلك الذي دعاه إلى الكفر فعصى الله فمسخه شيطانا رجيما. فإذا كانت خطيئة الرجل في كبر فلا ترجه، وإن كانت خطيئته في معصية فارجه، وكانت خطيئة آدم عليه السلام معصية، وخطيئة إبليس كبرا. والملائكة قد تسمى جنا لاستتارها، وفي التنزيل :" وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا[(١٢)](#foonote-١٢) " \[ الصافات : ١٥٨ \]، وقال الشاعر[(١٣)](#foonote-١٣) في ذكر سليمان عليه السلام :وسخَّر من جن الملائك تسعة  قياما لديه يعملون بلا أجروأيضا لما كان من خزان الجنة نسب إليها فاشتق اسمه من اسمها، والله أعلم. وإبليس وزنه إفعيل، مشتق من الإبلاس وهو اليأس من رحمة الله تعالى. ولم ينصرف ؛ لأنه معرفة ولا نظير له في الأسماء فشبه بالأعجمية. قاله أبو عبيدة وغيره. وقيل : هو أعجمي لا اشتقاق له فلم ينصرف للعجمة والتعريف، قاله الزجاج وغيره. 
السادسة : قوله تعالى :" أبى " معناه امتنع من فعل ما أمر به، ومنه الحديث الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم :( إذا قرأ ابن آدم السجدة \[ فسجد \][(١٤)](#foonote-١٤) اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله - وفي راوية : يا ويلي - أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار ). خرجه مسلم. يقال : أبي يأبى إباء، وهو حرف نادر جاء على فعل يفعل ليس فيه حرف من حروف الحلق، وقد قيل : إن الألف مضارعة لحروف الحلق. قال الزجاج : سمعت إسماعيل بن إسحاق القاضي يقول : القول عندي أن الألف مضارعة لحروف الحلق. قال النحاس : ولا أعلم أن أبا إسحاق روى إسماعيل نحوا غير هذا الحرف. 
السابعة : قوله تعالى :" واستكبر " الاستكبار : الاستعظام، فكأنه كره السجود في حقه واستعظمه في حق آدم، فكان ترك السجود لآدم تسفيها لأمر الله وحكمته. وعن هذا الكبر عبر عليه السلام بقوله :( لا يدخل الجنة من \[ كان \][(١٥)](#foonote-١٥) في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر ). في رواية فقال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة. قال :( إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس ). أخرجه مسلم. ومعنى بطر الحق : تسفيهه وإبطاله. وغمط الناس : الاحتقار لهم والازدراء بهم. ويروى :" وغمص " بالصاد المهملة، والمعنى واحد، يقال : غمصه يغمصه غمصا واغتمصه، أي استصغره ولم يره شيئا. وغمص فلان النعمة إذا لم يشكرها. وغمصت عليه قولا قاله، أي عبته عليه. وقد صرح اللعين بهذا المعنى فقال :" أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين[(١٦)](#foonote-١٦) " \[ ص : ٧٦ \]. " أأسجد لمن خلقت طينا " \[ الإسراء : ٦١ \]. " لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون " \[ الحجر : ٢٦ \] فكفره الله بذلك. فكل من سفه شيئا من أوامر الله تعالى أو أمر رسوله عليه السلام كان حكمه حكمه، وهذا ما لا خلاف فيه. وروى ابن القاسم عن مالك أنه قال بلغني أن أول معصية كانت الحسد والكبر، حسد إبليس آدم، وشح آدم في أكله من الشجرة. وقال قتادة : حسد إبليس آدم، على ما أعطاه الله من الكرامة فقال : أنا ناري وهذا طيني ١ راجع المسألة الأولى ص ٢٦١..
٢ راجع المسألة الثانية ص ٢٦٢..
٣ راجع المسألة الأولى ص ٢٧٩..
٤ هو حميد بن ثور يصف نساء. يقول: لما ارتحلن ولوين فضول أزمة جمالهن على معاصمهن أسجدت- طأطأت رءوسها- لهن. (عن اللسان وشرح القاموس)..
٥ راجع ج ١٠ ص ٢٩..
٦ راجع ج ١٦ ص ٦٢..
٧ راجع ج ١١ ص ٢٨٢..
٨ راجع ج ٩ ص ٢٦٤..
٩ القتب: رحل صغير على قدر السنام..
١٠ في نسخ من الأصل: "للأقدام"..
١١ في نسخ: "معاشر"..
١٢ راجع ج ١٥ ص ١٣٤.
١٣ هو أعشى قيس، كما في تفسير الطبري وأبي حيان..
١٤ الزيادة من صحيح مسلم..
١٥ زيادة عن صحيح مسلم..
١٦ راجع ج ٧ ص ١٧٠..

### الآية 2:35

> ﻿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [2:35]

**فيه ثلاث عشرة مسألة :**
الأولى : قوله تعالى :" وقلنا يا آدم اسكن " لا خلاف أن الله تعالى أخرج إبليس عند كفره وأبعده عن الجنة، وبعد إخراجه قال لآدم : اسكن، أي لازم الإقامة واتخذها مسكنا، وهو محل السكون. وسكن إليه يسكن سكونا. والسكن : النار، قال الشاعر :
قد قُوِّمت بسكَنٍ وأدهان
والسكن : كل ما سكن إليه. والسكين معروف سمي به لأنه يسكن حركة المذبوح، ومنه المسكين لقلة تصرفه وحركته. وسكان[(١)](#foonote-١) السفينة عربي ؛ لأنه يسكنها عن الاضطراب. 
الثانية : في قوله تعالى :" اسكن " تنبيه على الخروج ؛ لأن السكنى لا تكون ملكا، ولهذا قال بعض العارفين : السكنى تكون إلى مدة ثم تنقطع، فدخولهما في الجنة كان دخول سكنى لا دخول إقامة[(٢)](#foonote-٢). 
قلت : وإذا كان هذا فيكون فيه دلالة على ما يقول الجمهور من العلماء : إن من أسكن رجلا مسكنا له أنه لا يملكه بالسكنى، وأن له أن يخرجه إذا انقضت مدة الإسكان. وكان الشعبي يقول : إذا قال الرجل داري لك سكنى حتى تموت فهي له حياته وموته، وإذا قال : داري هذه اسكنها حتى تموت فإنها ترجع إلى صاحبها إذا مات. ونحو من السكنى، العُمْرَى، إلا أن الخلاف في العمرى أقوى منه في السكنى. وسيأتي الكلام في العُمْرَى في " هود[(٣)](#foonote-٣) " إن شاء الله تعالى. قال الحربي : سمعت ابن الإعرابي يقول : لم يختلف العرب في أن هذه الأشياء على ملك أربابها ومنافعها لمن جعلت له العُمرى والرُّقبى والإفقار والإخبال والمنحة والعرية والسكنى والإطراق. وهذا حجة مالك وأصحابه في أنه لا يملك شيء من العطايا إلا المنافع دون الرقاب، وهو قول الليث بن سعد والقاسم بن محمد، ويزيد بن قسيط. 
والعمرى : هو إسكانك الرجل في دار لك مدة عمرك أو عمره. ومثله الرُّقْبَى : وهو أن يقول : إن مت قبلي رجعت إلي وإن مت قبلك فهي لك، وهي من المراقبة. والمراقبة : أن يرقب كل واحد منهما موت صاحبه، ولذلك اختلفوا في إجازتها ومنعها، فأجازها أبو يوسف والشافعي، وكأنها وصية عندهم. ومنعها مالك والكوفيون ؛ لأن كل واحد منهم يقصد إلى عوض لا يدري هل يحصل له، ويتمنى كل واحد منهما موت صاحبه. وفي الباب حديثان أيضا بالإجازة والمنع ذكرهما ابن ماجه في سننه، الأول رواه جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( العمرى جائزة لمن أعمرها، والرقبى جائزة لمن أرقبها ) ففي هذا الحديث التسوية بين العمرى والرقبى في الحكم. الثاني رواه ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا رقبى فمن أرقب شيئا فهو له حياته ومماته ). قال : والرقبى أن يقول هو للآخر : مني ومنك موتا. فقوله :( لا رقبى ) نهي يدل على المنع، وقوله :( من أرقب شيئا فهو له ) يدل على الجواز، وأخرجهما أيضا النسائي. وذكر عن ابن عباس قال : العمرى والرقبى سواء. وقال ابن المنذر : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( العمرى جائزة لمن أعمرها والرقبى جائزة لمن أرقبها ). فقد صحح الحديث ابن المنذر، وهو حجة لمن قال بأن العمرى والرقبى سواء. وروي عن علي وبه قال الثوري وأحمد، وأنها لا ترجع إلى الأول أبدا، وبه قال إسحاق. وقال طاوس : من أرقب شيئا فهو سبيل الميراث. 
والإفقار مأخوذ من فقار الظهر. أفقرتك ناقتي : أعرتك فقارها لتركبها. وأفقرك الصيد إذا أمكنك من فقاره حتى ترميه. ومثله الإخبال، يقال : أخبلت فلانا إذا أعرته ناقة يركبها أو فرسا يغزو عليه، قال زهير :هنالك إن يَسْتَخْبِلُوا المال يُخْبِلُوا وإن  يسألوا يعطوا وإن يَيْسِروا يغلواوالمنحة : العطية. والمنحة : منحة اللبن. والمنيحة : الناقة أو الشاة يعطيها الرجل آخر يحتلبها ثم يردها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضي والزعيم غارم ). رواه أبو أمامة، أخرجه الترمذي والدارقطني وغيرهما، وهو صحيح. والإطراق : إعارة الفحل، استطرق فلان فلانا فحله : إذا طلبه ليضرب في إبله، فأطرقه إياه، ويقال : أطرقني فحلك أي أعرني فحلك ليضرب في إبلي. وطرق الفحل الناقة يطرق طروقا أي قعا عليها. وطروقة الفحل : أنثاه، يقال : ناقة طروقة الفحل للتي بلغت أن يضربها الفحل. 
الثالثة : قوله تعالى :" أنت وزوجك " " أنت " تأكيد للمضمر الذي في الفعل، ومثله " فاذهب أنت وربك ". ولا يجوز اسكن وزوجك، ولا اذهب وربك، إلا في ضرورة الشعر، كما قال :قلت إذ أقبلت وزُهْرٌ تَهَادَى  كنعاج المَلاَ تعَسَّفْنَ رَمْلاَ[(٤)](#foonote-٤)ف " زهر " معطوف على المضمر في " أقبلت " ولم يؤكد ذلك المضمر. ويجوز في غير القرآن على بعد : قم وزيد. 
الرابعة : قوله تعالى :" وزوجك " لغة القرآن " زوج " بغير هاء، وقد تقدم القول فيه[(٥)](#foonote-٥). وقد جاء في صحيح مسلم :" زوجة " حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب قال حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مع إحدى نسائه فمر به رجل فدعاه فجاء فقال :( يا فلان هذه زوجتي فلانة ) : فقال يا رسول الله، من كنت أظن به فلم أكن أظن بك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم ). وزوج آدم عليه السلام هي حواء عليها السلام، وهو أول من سماها بذلك حين خلقت من ضلعه[(٦)](#foonote-٦) من غير أن يحس آدم عليه السلام بذلك، ولو ألم بذلك لم يعطف رجل على امرأته، فلما انتبه قيل له : من هذه ؟ قال : امرأة قيل : وما اسمها ؟ قال : حواء، قيل : ولم سميت امرأة ؟ قال : لأنها من المرء أخذت، قيل : ولم سميت حواء ؟ قال : لأنها خلقت من حي. روي أن الملائكة سألته عن ذلك لتجرب علمه، وأنهم قالوا له : أتحبها يا آدم ؟ قال : نعم، قالوا لحواء : أتحبينه يا حواء ؟ قالت : لا، وفي قلبها أضعاف ما في قلبه من حبه. قالوا : فلو صدقت امرأة في حبها لزوجها لصدقت حواء. وقال ابن مسعود وابن عباس : لما أسكن آدم الجنة مشى فيها مستوحشا، فلما نام خلقت حواء من ضلعه القُصْرَى من شقه الأيسر ليسكن إليها ويأنس بها، فلما انتبه رآها فقال : من أنت ؟ قالت : امرأة خلقت من ضلعك لتسكن إلي، وهو معنى قوله تعالى :" هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها[(٧)](#foonote-٧) " \[ الزمر : ٦ \]. قال العلماء : ولهذا كانت المرأة عوجاء ؛ لأنها خلقت من أعوج وهو الضلع. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن المرأة خلقت من ضلع - في رواية : وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه - لن تستقيم لك على طريقة واحدة فإن استمتعت بها[(٨)](#foonote-٨) استمتعت بها وبها عوج وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها ). وقال الشاعر :هي الضلع العوجاء ليست تُقِيمُهَا  ألا إن تقويم الضلوع انكسارهاأتجمع ضعفا واقتدارا على الفتى  أليس عجيبا ضَعفها واقتدارهاومن هذا الباب استدل العلماء على ميراث الخنثى المشكل إذا تساوت فيه علامات النساء والرجال في اللحية والثدي والمبال بنقص الأعضاء. فإن نقصت أضلاعه عن أضلاع المرأة أعطي نصيب رجل - روي ذلك عن علي رضي الله عنه - لخلق حواء من أحد أضلاعه، وسيأتي في المواريث بيان هذا إن شاء الله تعالى[(٩)](#foonote-٩). 
الخامسة : قوله تعالى :" الجنة " الجنة : البستان، وقد تقدم القول[(١٠)](#foonote-١٠) فيها. ولا التفات لما ذهبت إليه المعتزلة والقدرية من أنه لم يكن في جنة الخلد وإنما كان في جنة بأرض عدن. واستدلوا على بدعتهم بأنها لو كانت جنة الخلد لما وصل إليه إبليس، فإن الله يقول :" لا لغو فيها[(١١)](#foonote-١١) ولا تأثيم " \[ الطور : ٢٣ \] وقال " لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا[(١٢)](#foonote-١٢) " \[ النبأ : ٣٥ \] وقال :" لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما. إلا قيلا سلاما[(١٣)](#foonote-١٣) " \[ الواقعة : ٢٥ \]. وأنه لا يخرج منها أهلها لقوله :" وما هم منها بمخرجين[(١٤)](#foonote-١٤) " \[ الحجر : ٤٨ \]. وأيضا فإن جنة الخلد هي دار القدس، قدست عن الخطايا والمعاصي تطهيرا لها. وقد لغا فيها إبليس وكذب، وأخرج منها آدم وحواء بمعصيتهما. قالوا : وكيف يجوز على آدم مع مكانه من الله وكمال عقله أن يطلب شجرة الخلد وهو في دار الخلد والملك الذي لا يبلى ؟ فالجواب : أن الله تعالى عرف الجنة بالألف واللام، ومن قال : أسأل الله الجنة، لم يفهم منه في تعارف الخلق إلا طلب جنة الخلد. ولا يستحيل في العقل دخول إبليس الجنة لتغرير آدم، وقد لقي موسى آدم عليهما السلام فقال له موسى : أنت أشقيت ذريتك وأخرجتهم من الجنة، فأدخل الألف واللام ليدل على أنها جنة الخلد المعروفة، فلم ينكر ذلك آدم، ولو كانت غيرها لرد على موسى، فلما سكت آدم على ما قرره موسى صح أن الدار التي أخرجهم الله عز وجل منها بخلاف الدار التي أخرجوا إليها. وأما ما احتجوا به من الآي فذلك إنما جعله الله فيها بعد دخول أهلها فيها يوم القيامة، ولا يمتنع أن تكون دار الخلد لمن أراد الله تخليده فيها وقد يخرج منها من قضي عليه بالفناء. وقد أجمع أهل التأويل على أن الملائكة يدخلون الجنة على أهل الجنة ويخرجون منها، وقد كان مفاتيحها بيد إبليس ثم انتزعت منه بعد المعصية، وقد دخلها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء ثم خرج منها وأخبر بما فيها وأنها هي جنة الخلد حقا. وأما قولهم : إن الجنة دار القدس وقد طهرها الله تعالى من الخطايا فجهل منهم، وذلك أن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يدخلوا الأرض المقدسة وهي الشام، وأجمع أهل الشرائع على أن الله تعالى قدسها وقد شوهد فيها المعاصي والكفر والكذب ولم يكن تقديسها مما يمنع فيها المعاصي، وكذلك دار القدس. قال أبو الحسن بن بطال : وقد حكى بعض المشايخ أن أهل السنة مجمعون على أن جنة الخلد هي التي أهبط منها آدم عليه السلام، فلا معنى لقول من خالفهم. وقولهم : كيف يجوز على آدم في كمال عقله أن يطلب شجرة الخلد وهو في دار الخلد، فيعكس عليهم ويقال : كيف يجوز على آدم وهو في كمال عقله أن يطلب شجرة الخلد في دار الفناء هذا ما لا يجوز على من له أدنى مسكة من عقل، فكيف بآدم الذي هو أرجح الخلق عقلا، على ما قال أبو أمامة على ما يأتي. 
السادسة : قوله تعالى :" وكلا منها رغدا حيث شئتما " قراءة الجمهور " رغدا " بفتح الغين. وقرأ النخعي وابن وثاب بسكونها. والرغد : العيش الدارُّ الهَنِيُّ الذي لا عناء فيه، قال :بينما المرء تراه ناعما  يأمن الأحداث في عيش رغد[(١٥)](#foonote-١٥)ويقال : رغد عيشهم ورغد ( بضم الغين وكسرها ). وأرغد القوم : أخصبوا وصاروا في رغد من العيش. وهو منصوب على الصفة لمصدر محذوف، وحيثُ وحيثَ وحيثِ، وحوثَ وحوثِ وحاث، كلها لغات، ذكرها النحاس وغيره. 
قوله تعالى " وكلا منها رغدا " حذفت النون من " كلا " لأنه أمر، وحذفت الهمزة لكثرة الاستعمال، وحذفها شاذ. قال سيبويه : من العرب من يقول أأكل، فيتم. يقال منه : أكلت الطعام أكلا ومأكلا. والأكلة ( بالفتح ) : المرة الواحدة حتى تشبع. والأكلة ( بالضم ) : اللقمة، تقول : أكلت أكلة واحدة، أي لقمة، وهي القرصة أيضا. وهذا الشيء أكلة لك، أي طعمة لك. والأكل أيضا ما أكل. ويقال : فلان ذو أكل إذا كان ذا حظ من الدنيا ورزق واسع. " رغدا " نعت لمصدر محذوف، أي أكلا رغدا. قال ابن كيسان : ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال. وقال مجاهد :" رغدا " أي لا حساب عليهم. والرغد ١ السكان (بالضم): ذئب السفينة التي به تعدل..
٢ في بعض الأصول: "لا دخول ثواب"..
٣ راجع ج ٩ ص ٥٧..
٤ قائله عمر بن أبي ربيعة. و"زهر" جمع زهراء، وهي البيضاء المشرقة. والتمادي: المشي الرويد الساكن، والنعاج: بقر الوحش. "تعسفن": ركبن..
٥ راجع ص ٢٤٠ من هذا الجزء..
٦ الضلع، كعنب وجذع..
٧ راجع ج ٧ ص ٣٣٧..
٨ الزيادة عن صحيح مسلم..
٩ راجع ج ٥ ص ٦٥..
١٠ راجع ص ٢٣٩ من هذا الجزء..
١١ راجع ج ١٧ص ٦٨..
١٢ راجع ج ١٩ ص ١٨٢.
١٣ راجع ج ١٧ ص ٢٠٦..
١٤ راجع ج ١٠ ص ٣٤..
١٥ القائل هو امرؤ القيس، كما تفسير أبي حيان والطبري..

### الآية 2:36

> ﻿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ [2:36]

قوله تعالى : فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه  فيه عشر مسائل :
الأولى : قوله تعالى :" فأزلهما الشيطان عنها " قرأ الجماعة " فأزلهما " بغير ألف، من الزلة وهي الخطيئة، أي استزلهما وأوقعهما فيها. وقرأ حمزة " فأزالهما " بألف، من التنحية، أي نحاهما. يقال : أزلته فزال. قال ابن كيسان : فأزالهما من الزوال، أي صرفهما عما كانا عليه من الطاعة إلى المعصية. 
قلت : وعلى هذا تكون القراءتان بمعنى، إلا أن قراءة الجماعة أمكن في المعنى. يقال منه : أزللته فزل. ودل على هذا قوله تعالى :" إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا[(١)](#foonote-١) " \[ آل عمران : ١٥٥ \]، وقوله :" فوسوس لهما الشيطان " والوسوسة إنما هي إدخالهما في الزلل بالمعصية، وليس للشيطان قدرة على زوال أحد من مكان إلى مكان، إنما قدرته \[ على \] إدخاله في الزلل، فيكون ذلك سببا إلى زواله من مكان إلى مكان يذنبه. وقد قيل : إن معنى أزلهما من زل عن المكان إذا تنحى، فيكون في المعنى كقراءة حمزة من الزوال. قال امرؤ القيس :
يزل الغلام الخِفُّ عن صهواته \*\*\* ويُلْوِي بأثواب العنيف المثَقَّلِ[(٢)](#foonote-٢)
**وقال أيضا :**
كُمَيْتٍ يُزِلُّ اللِّبْدَ عن حال مَتْنِه \*\*\* كما زَلَّتِ الصفواءُ بالمتنزَّلِ[(٣)](#foonote-٣)
الثانية : قوله تعالى :" فأخرجهما مما كانا فيه " إذا جعل أزال من زال عن المكان فقوله :" فأخرجهما " تأكيد وبيان للزوال، إذ قد يمكن أن يزولا عن مكان كانا فيه إلى مكان آخر من الجنة، وليس كذلك، وإنما كان إخراجهما من الجنة إلى الأرض ؛ لأنهما خلقا منها، وليكون آدم خليفة في الأرض. ولم يقصد إبليس - لعنه الله - إخراجه منها وإنما قصد إسقاطه من مرتبته وإبعاده كما أبعد هو، فلم يبلغ مقصده ولا أدرك مراده، بل ازداد سخنة[(٤)](#foonote-٤) عين وغيظ نفس وخيبة ظن. قال الله جل ثناؤه :" ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى[(٥)](#foonote-٥) " \[ طه : ١٢٢ \] فصار عليه السلام خليفة الله في أرضه بعد أن كان جارا له في داره، فكم بين الخليفة والجار صلى الله عليه وسلم. ونسب ذلك إلى إبليس ؛ لأنه كان بسببه وإغوائه. ولا خلاف بين أهل التأويل وغيرهم أن إبليس كان متولي إغواء آدم، واختلف في الكيفية، فقال ابن مسعود وابن عباس وجمهور العلماء أغواهما مشافهة، ودليل ذلك قوله تعالى :" وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين " والمقاسمة ظاهرها المشافهة. وقال بعضهم، وذكره عبد الرزاق عن وهب بن منبه، دخل الجنة في فم الحية وهى ذات أربع كالبختية من أحسن دابة خلقها الله تعالى بعد أن عرض نفسه على كثير من الحيوان فلم يدخله إلا الحية، فلما دخلت به الجنة خرج من جوفها إبليس فأخذ من الشجرة التي نهى الله آدم وزوجه عنها فجاء بها إلى حواء فقال : انظري إلى هذه الشجرة، ما أطيب ريحها وأطيب طعمها وأحسن لونها، فلم يزل يغويها حتى أخذتها حواء فأكلتها. ثم أغوى آدم، وقالت له حواء : كل فإني قد أكلت فلم يضرني، فأكل منها فبدت لهما سوآتهما وحصلا في حكم الذنب، فدخل آدم في جوف الشجرة، فناداه ربه : أين أنت ؟ فقال : أنا هذا يا رب، قال : ألا تخرج ؟ قال أستحي منك يا رب، قال : اهبط إلى الأرض التي خلقت منها. ولعنت الحية وردت قوائمها في جوفها وجعلت العداوة بينها وبين بني آدم، ولذلك أمرنا بقتلها، على ما يأتي بيانه. وقيل لحواء : كما أدميت الشجرة فكذلك يصيبك الدم كل شهر وتحملين وتضعين كرها تشرفين به على الموت مرارا. زاد الطبري والنقاش : وتكوني سفيهة وقد كنت حليمة. وقالت طائفة : إن إبليس لم يدخل الجنة إلى آدم بعد ما أخرج منها وإنما أغوى بشيطانه وسلطانه ووسواسه التي أعطاه الله تعالى، كما قال صلى الله عليه وسلم :( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ). والله أعلم. وسيأتي في الأعراف[(٦)](#foonote-٦) أنه لما أكل بقي عريانا وطلب ما يستتر به فتباعدت عنه الأشجار وبكتوه بالمعصية، فرحمته شجرة التين، فأخذ من ورقه فاستتر به، فبلي بالعري دون الشجر. والله أعلم. وقيل : إن الحكمة في إخراج آدم من الجنة عمارة الدنيا. 
الثالثة : يذكر أن الحية كانت خادم آدم عليه السلام في الجنة فخانته بأن مكنت عدو الله من نفسها وأظهرت العداوة له هناك، فلما أهبطوا تأكدت العداوة وجعل رزقها التراب، وقيل لها : أنت عدو بني آدم وهم أعداؤك وحيث لقيك منهم أحد شدخ رأسك. روى ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( خمس يقتلهن المحرم ) فذكر الحية فيهن. وروى أن إبليس قال لها : أدخليني الجنة وأنت في ذمتي، فكان ابن عباس يقول : أخفروا[(٧)](#foonote-٧) ذمة إبليس. وروت ساكنة بنت الجعد عن سراء[(٨)](#foonote-٨) بنت نبهان الغنوية قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( اقتلوا ) الحيات صغيرها وكبيرها وأسودها وأبيضها فإن من قتلها كانت له فداء من النار ومن قتلته كان شهيدا ). قال علماؤنا : وإنما كانت له فداء من النار لمشاركتها إبليس وإعانته على ضرر آدم وولده، فذلك كان من قتل حية فكأنما قتل كافرا. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدا ). أخرجه مسلم وغيره. 
الرابعة : روى ابن جريج عن عمرو بن دينار عن أبي عبيدة[(٩)](#foonote-٩) بن عبد الله بن مسعود قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى فمرت حية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( اقتلوها ) فسبقتنا إلى حجر فدخلته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( هاتوا بسعفة ونار فأضرموها عليه نارا ). قال علماؤنا : وهذا الحديث يخص نهيه عليه السلام عن المُثْلة وعن أن يعذب أحد بعذاب الله تعالى، قالوا : فلم يبق[(١٠)](#foonote-١٠) لهذا العدو حرمة حيث فاته حتى أوصل إليه الهلاك من حيث قدر. 
فإن قيل : قد روي عن إبراهيم النخعي أنه كره أن تحرق العقرب بالنار، وقال : هو مثلة. قيل له : يحتمل أن يكون لم يبلغه هذا الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعمل على الأثر الذي جاء :( لا تعذبوا بعذاب الله ) فكان على هذا سبيل العمل عنده. 
فإن قيل : فقد روى مسلم عن عبد الله بن مسعود قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار وقد أنزلت عليه :" والمرسلات عرفا " \[ المرسلات : ١ \] فنحن نأخذها من فيه رطبة، إذ خرجت علينا حية، فقال :( اقتلوها )، فابتدرناها لنقتلها فسبقتنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( وقاها الله شركم كما وقاكم شرها ). فلم يضرم نارا ولا احتال في قتلها. قيل له : يحتمل أن يكون لم يجد نارا فتركها، أو لم يكن الحجر بهيئة ينتفع بالنار هناك مع ضرر الدخان وعدم وصوله إلى الحيوان. والله أعلم. وقوله :( وقاها الله شركم ) أي قتلكم إياها ( كما وقاكم شرها ) أي لسعها. 
الخامسة : الأمر بقتل الحيات من باب الإرشاد إلى دفع المضرة المخوفة من الحيات، فما كان منها متحقق الضرر وجبت المبادرة إلى قتله، لقوله :( اقتلوا الحيات واقتلوا ذا الطفيتين[(١١)](#foonote-١١) والأبتر فإنهما يخطفان البصر ويسقطان الحبل ). فخصهما بالذكر مع أنهما دخلا في العموم ونبه على ذلك بسبب عظم ضررهما. وما لم يتحقق ضرره فما كان منها في غير البيوت قتل أيضا لظاهر الأمر العام، ولأن نوع الحيات غالبه الضرر، فيستصحب ذلك فيه، ولأنه كله مروع بصورته وبما في النفوس من النفرة عنه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم :( إن الله يحب الشجاعة ولو على قتل حية ). فشجع على قتلها. وقال فيما خرجه أبو داود من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعا :( اقتلوا الحيات كلهن[(١٢)](#foonote-١٢) فمن خاف ثأرهن فليس مني ). والله أعلم. 
السادسة : ما كان من الحيات في البيوت فلا يقتل حتى يؤذن ثلاثة أيام، لقوله عليه السلام :( إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام ). وقد حمل بعض العلماء هذا الحديث على المدينة وحدها لإسلام الجن بها، قالوا : ولا نعلم هل أسلم من جن غير المدينة أحد أو لا، قاله ابن نافع. وقال مالك : نهى عن قتل جنان[(١٣)](#foonote-١٣) البيوت في جميع البلاد. وهو الصحيح، لأن الله عز وجل قال :" وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن[(١٤)](#foonote-١٤) " \[ الأحقاف : ٢٩ \] الآية. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( أتاني داعي الجن فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن ) وفيه : وسألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة، الحديث. وسيأتي بكماله في سورة " الجن[(١٥)](#foonote-١٥) " إن شاء الله تعالى. وإذا ثبت هذا فلا يقتل شيء منها حتى يحرج[(١٦)](#foonote-١٦) عليه وينذر، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. 
السابعة : روى الأئمة عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة أنه دخل على أبي سعيد الخدري في بيته، قال : فوجدته يصلي، فجلست انتظره حتى يقضي صلاته، فسمعت تحريكا في عراجين ناحية البيت، فالتفت فإذا حية، فوثبت لأقتلها، فأشار إلي أن أجلس فجلست، فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار فقال : أترى هذا البيت ؟ فقلت نعم، فقال : كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس، قال : فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله، فاستأذنه يوما، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ( خذ عليك سلاحك فإني أخشى عليك قريظة ). فأخذ الرجل سلاحه ثم رجع، فإذا امرأته بين البابين قائمة فأهوى إليها بالرمح ليطعنها به وأصابته غيرة، فقالت له : اكفف عليك رمحك، وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به، ثم خرج فركزه في الدار فاضطربت عليه، فما يدرى أيهما كان أسرع موتا، الحية أم الفتى قال : فجئنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له، وقلنا : ادع الله يحييه لنا[(١٧)](#foonote-١٧)، فقال :( استغفروا لأخيكم[(١٨)](#foonote-١٨) - ثم قال :- إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان ). وفي طريق أخرى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن لهذه البيوت عوامر[(١٩)](#foonote-١٩) فإذا رأيتم شيئا منها فحرجوا عليها ثلاثا فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر - وقال لهم :- اذهبوا فادفنوا صاحبكم ). قال علماؤنا رحمة الله عليهم : لا يفهم من هذا الحديث أن هذا الجان الذي قتله هذا الفتى كان مسلما وأن الجن قتلته به قصاصا ؛ لأنه لو سلم أن القصاص مشروع بيننا وبين الجن لكان إنما يكون في العمد المحض، وهذا الفتى لم يقصد ولم يتعمد قتل نفس مسلمة، إذ لم يكن عنده علم من ذلك، وإنما قصد إلى قتل ما سوغ قتل نوعه شرعا، فهذا قتل خطأ ولا قصاص فيه. فالأولى أن يقال : إن كفار الجن أو فسقتهم قتلوا بصاحبهم عدوا وانتقاما. وقد قتلت سعد بن عبادة رضي الله عنه، وذلك أنه وجد ميتا في مغتسله وقد اخضر جسده، ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلا يقول ولا يرون أحدا :
قد قتلنا سيد الخز \*\*\* رج سعد بن عبادَهْ
ورميناه بسهمي \*\*\* ن فلم نُخْطِ فؤادَهْ
وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم :( إن بالمدينة جنا قد أسلموا ) ليبين طريقا يحصل به التحرز من قتل المسلم منهم ويتسلط به على قتل الكافر منهم. روي من وجوه أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قتلت جانا فأريت في المنام أن قائلا يقول لها : لقد قتلت مسلما، فقالت : لو كان مسلما لم يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ق

١ راجع ج ٤ ص ٢٤٣..
٢ الخف (بالكسر): الخفيف. والصهوة: موضع اللبد من ظهر الفرس. ويلوي بها: يذهب بها من شدة عوده. والعنيف: الذي لا يحسن الركوب، وليس له رفق بركوب الخيل. والمثقل: الثقيل..
٣ الكميت: لون ليس بأشقر ولا أدهم. والحال: موضع اللبد من ظهر الفرس. والصفواء (جمع صفاة): الصخرة اللمساء. والمتنزل: الذي ينزل عليها فينزلق عنها..
٤ سخنت عينه: نقيض قرت..
٥ راجع ج ١١ ص ٢٥٧..
٦ راجع ج ٧ ص ١٨١..
٧ أي انقضوا عهده وذمامه..
٨ في التقريب: "بفتح أولها وتشديد الراء المهملة مع المد" وفي أسد الغابة: "بفتح السين وإمالة الراء المشددة، وآخره ياء ساكنة"..
٩ كذا في جميع نسخ الأصل. وفي غيرها من التفاسير: عن عبد الله بن مسعود". ويبدو أن الأصل: "عن أبي عبيدة عن أبيه عبد الله) الخ..
١٠ الضمير للحديث؛ أي: لم يبق هذا الحديث الخ..
١١ ذو الطفيتين: حية لها خطان أسودان كالطفيتين أي الخوصتين..
١٢ الزيادة عن سنن أبي داود..
١٣ جنان (بتشديد النون الأولى، جمع جان): ضرب من الحيات الدقيق الخفيف يضرب إلى الصفرة ليس بسام، وهو كثير في بيوت الناس..
١٤ راجع ج ١٦ ص ٢١٠..
١٥ راجع ج ١٩ ص ١ فما لعد..
١٦ في هامش نسخة من الأصل: "التحريج هو أن يقول لها: أنت في حرج – أي في ضيق- إن عدت إلينا فلا تلومينا أن نضيق عليك بالتتبع والطرد والقتل". وكذلك هو في نهاية ابن الأثير واللسان.
 .
١٧ الزيادة عن صحيح مسلم..
١٨ في صحيح مسلم: "لصاحبكم"..
١٩ العوامر: الحيات التي تكون في البيوت، واحدها عامر وعامرة..

### الآية 2:37

> ﻿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [2:37]

قوله تعالى : فتلقى آدم من ربه كلمات  فيه ثمان مسائل :
الأولى : قوله تعالى " فتلقى آدم من ربه كلمات " تلقى، قيل : معناه فهم وفطن. وقيل : قبل وأخذ وكان عليه السلام يتلقى الوحي أي يستقبله ويأخذه ويتلقفه. تقول : خرجنا نتلقى الحجيج أي نستقبلهم. وقيل معنى : تلقى، تلقن، هذا في المعنى صحيح، ولكن لا يجوز أن يكون التلقي من التلقن في الأصل ؛ لأن أحد الحرفين إنما يقلب ياء إذا تجانسا، مثل تظنى من تظنن، وتقصى من تقصص، ومثله تسريت من تسررت، وأمليت من أمللت وشبه ذلك. ولهذا لا يقال : تقبَّى من تقبل ولا تلقى من تلقن فاعلم. وحكى مكي أنه ألهمها فانتفع بها. وقال الحسن : قبولها تعلمه لها وعمله بها. 
الثانية : واختلف أهل التأويل في الكلمات، فقال ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير والضحاك ومجاهد هي : قوله " ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين[(١)](#foonote-١) " \[ الأعراف : ٢٣ \] وعن مجاهد أيضا : سبحانك اللهم لا إله إلا أنت ربي ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم : وقالت طائفة رأى مكتوبا على ساق العرش " محمد رسول الله " فتشفع بذلك، فهي الكلمات. وقالت طائفة : المراد بالكلمات البكاء والحياء والدعاء وقيل : الندم والاستغفار والحزن. قال ابن عطية : وهذا يقتضي أن آدم عليه السلام لم يقل شيئا إلا الاستغفار المعهود. وسئل بعض السلف عما ينبغي أن يقول المذنب ؟ فقال : يقول ما قاله أبواه " ربنا ظلمنا أنفسنا " الآية وقال موسى " رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي[(٢)](#foonote-٢) " \[ القصص : ١٦ \] وقال يونس " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين[(٣)](#foonote-٣) " \[ الأنبياء : ٨٧ \] وعن ابن عباس ووهب بن منبه : أن الكلمات " سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي اغفر لي إنك خير الغافرين سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم " وقال محمد بن كعب : هي قوله :" لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم. لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت الغفور الرحيم. لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فارحمني إنك أرحم الراحمين " وقيل : الكلمات قوله حين عطس " الحمد لله " والكلمات : جمع كلمة، والكلمة تقع على القليل والكثير وقد تقدم. [(٤)](#foonote-٤) :
الثالثة : قوله تعالى :" فتاب عليه " أي قبل توبته، أو وفقه للتوبة. وكان ذلك في يوم عاشوراء في يوم جمعة على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وتاب العبد : رجع إلى طاعة ربه. وعبد تواب : كثير الرجوع إلى الطاعة وأصل التوبة الرجوع، يقال : تاب وثاب وأب وأناب : رجع. 
الرابعة : إن قيل : لم قال " عليه " لم يقل عليهما وحواء مشاركة له في الذنب بإجماع، وقد قال " ولا تقربا هذه الشجرة " \[ البقرة : ٣٥ \] و " قالا ربنا ظلمنا أنفسنا " \[ الأعراف : ٢٣ \] فالجواب : أن آدم عليه السلام لما خاطب في أول القصة بقوله " اسكن " خصه بالذكر في التلقي ؛ فلذلك كملت القصة بذكره وحده، وأيضا فلأن المرأة حرمة ومستورة فأراد الله الستر لها ؛ ولذلك لم يذكرها في المعصية في قوله " وعصى آدم ربه فغوى " \[ طه : ١٢١ \] وأيضا لما كانت المرأة تابعة للرجل في غالب الأمر لم تذكر كما لم يذكر فتى موسى مع موسى في قوله " ألم أقل لك " \[ الكهف : ٧٥ \] وقيل : إنه دل بذكر التوبة عليه أنه تاب عليها إذ أمرهما سواء، قاله الحسن. وقيل : إنه مثل قوله تعالى " وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا[(٥)](#foonote-٥) إليها " \[ الجمعة : ١١ \] أي التجارة لأنها كانت مقصود القوم فأعاد الضمير عليها ولم يقل إليهما والمعنى متقارب. وقال الشاعر[(٦)](#foonote-٦) :

رماني بأمر كنت منه ووالدي  بريئا ومن فوق الطََّوِيِّ[(٧)](#foonote-٧) رمانيوفي التنزيل " والله ورسوله أحق أن يرضوه[(٨)](#foonote-٨) " \[ التوبة : ٦٢ \] فحذف إيجازا واختصارا. 
الخامسة : قوله تعالى :" إنه هو التواب الرحيم " وصف نفسه سبحانه وتعالى بأنه التواب وتكرر في القرآن معرفا ومنكرا واسما وفعلا، وقد يطلق على العبد أيضا تواب قال الله تعالى " إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين[(٩)](#foonote-٩) " \[ البقرة : ٢٢٢ \]. قال ابن العربي : ولعلمائنا في وصف الرب بأنه تواب ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه يجوز في حق الرب سبحانه وتعالى فيدعى به كما في الكتاب والسنة ولا يتأول. وقال آخرون : هو وصف حقيقي لله سبحانه وتعالى وتوبة الله على العبد رجوعه من حال المعصية إلى حال الطاعة وقال آخرون : توبة الله على العبد قبوله توبته، وذلك يحتمل أن يرجع إلى قوله سبحانه وتعالى : قبلت توبتك وأن يرجع إلى خلقه الإنابة والرجوع في قلب المسيء وإجراء الطاعات على جوارحه الظاهرة. 
السادسة : لا يجوز أن يقال في حق الله تعالى : تائب اسم فاعل من تاب يتوب ؛ لأنه ليس لنا أن نطلق عليه من الأسماء والصفات إلا ما أطلقه هو على نفسه أو نبيه عليه السلام أو جماعة المسلمين، وإن كان في اللغة محتملا جائزا. هذا هو الصحيح في هذا الباب على ما بيناه في ( الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى ) قال الله تعالى " لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار[(١٠)](#foonote-١٠) " \[ التوبة : ١١٧ \] وقال :" وهو الذي يقبل التوبة عن عباده[(١١)](#foonote-١١) " \[ التوبة : ١٠٤ \] وإنما قيل لله عز وجل تواب، لمبالغة الفعل وكثرة قبوله توبة عباده لكثرة من يتوب إليه. 
السابعة : اعلم أنه ليس لأحد قدرة على خلق التوبة ؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو المنفرد بخلق الأعمال، خلافا للمعتزلة ومن قال بقولهم. وكذلك ليس لأحد أن يقبل توبة من أسرف على نفسه ولا أن يعفو عنه قال علماؤنا : وقد كفرت اليهود والنصارى بهذا الأصل العظيم في الدين " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله " \[ التوبة : ٣١ \] جل وعز، وجعلوا لمن أذنب أن يأتي الحبر أو الراهب فيعطيه شيئا ويحط عنه ذنوبه " افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين[(١٢)](#foonote-١٢) " \[ الأنعام : ١٤٠ \]
الثامنة : قرأ ابن كثير " فتلقى آدم من ربه كلمات " والباقون برفع " آدم " ونصب " كلمات " والقراءتان ترجعان إلى معنى ؛ لأن آدم إذا تلقي الكلمات فقد تلقته. وقيل لما كانت الكلمات هي المنقذة لآدم بتوفيق الله تعالى له لقبوله إياها ودعائه بها كانت الكلمات فاعله، وكأن الأصل على هذه القراءة " فتلقت آدم من ربه كلمات " ولكن لما بعد ما بين المؤنث وفعله حسن حذف علامة التأنيث. وهذا أصل يجري في كل القرآن والكلام إذ ا جاء فعل المؤنث بغير علامة. ومنه قولهم : حضر القاضي اليوم امرأة. وقيل : إن الكلمات لما لم يكن تأنيثه حقيقيا حمل على معنى الكلم فذكر. وقرأ الأعمش " آدم من ربه " مدغما. وقرأ أبو نوفل بن أبي عقرب :" أنه " بفتح الهمزة على معنى لأنه وكسر الباقون على الاستئناف. وأدغم الهاء في الهاء عمرو وعيسى وطلحة فيما حكى أبو حاتم عنهم وقيل لا يجوز ؛ لأن بينهما واوا في اللفظ لا في الخط. قال النحاس أجاز سيبويه أن تحذف هذه الواو وأنشد :له زجَلٌ كأنه صوت حادٍ  إذا طلب الوسيقَةَ أو زَمِيرُ[(١٣)](#foonote-١٣)فعلى هذا يجوز الإدغام وهو رفع بالابتداء " التواب " خبره والجملة خبر " إن " ويجوز أن يكون " هو " توكيدا للهاء، ويجوز أن تكون فاصلة، على ما تقدم. 
وقال سعيد بن جبير : لما أهبط آدم إلى الأرض لم يكن فيها شيء غير النسر في البر والحوت في البحر، فكان النسر يأوي إلى الحوت فيبيت عنده، فلما رأى النسر آدم قال : يا حوت لقد أهبط اليوم إلى الأرض شيء يمشى على رجليه ويبطش بيديه، فقال الحوت : لئن كنت صادقا ما لي منه في البحر منجى، ولا لك في البر منه مخلص. 
١ راجع ج ٧ ص ١٨١..
٢ راجع ج ١٣ ص ٢٦١..
٣ راجع ج ١١ ص ٣٣٣..
٤ راجع ص ٦٧ من هذا الجزء..
٥ راجع ج ١٨ ص ١٠٩..
٦ هو عمرو بن أحمر الباهلي..
٧ الذي في شرح شواهد سيبويه: "ومن أجل الطوي". والطوي: البئر المطوية بالحجارة. قال الشنتمري: "وصف في البيت رجلا كانت بينه وبينه مشاجرة في بئر، فذكر أنه رماه بأمر يكرهه ورمى أباه بمثله على براءتهما منه من أجل المشاجرة التي كانت بينهما". راجع ج ٨ ص ١٩٣..
٨ راجع ج ٨ ص ١٩٣..
٩ راجع ج ٣ ص ٩١..
١٠ راجع ج ٥٨ ص ٢٧٧..
١١ راجع ج ١٦ ص ٢٦..
١٢ راجع ج ٥٧ ص ٩٦..
١٣ البيت للشماخ. وصف حمار وحش هائجا، فيقول: إذا طلب وسيقته- وهي أنثاه التي يضمها- صوت بها، وكأن صوته لما فيه من الزجل والحنين ومن حسن الترجيح والتطريب صوت حاد بإبل يتغنى ويطربها، أو صوت مزمار. والزجل: صوت فيه حنين وترنم. (عن شرح الشواهد)..

### الآية 2:38

> ﻿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2:38]

قوله تعالى :" قلنا اهبطوا " كرر الأمر على جهة التغليظ وتأكيده، كما تقول لرجل : قم قم. وقيل : كرر الأمر لما علق بكل أمر منهما حكما غير حكم الآخر فعلق بالأول العداوة، وبالثاني إتيان الهدى. وقيل : الهبوط الأول من الجنة إلى السماء، والثاني من السماء إلى الأرض، وعلى هذا يكون فيه دليل على أن الجنة في السماء السابعة كما دل عليه حديث الإسراء على ما يأتي[(١)](#foonote-١)
 " جميعا " نصب على الحال، وقال وهب بن منبه : لما هبط آدم عليه السلام إلى الأرض قال إبليس للسباع : إن هذا عدو لكم فأهلكوه فاجتمعوا وولوا أمرهم إلى الكلب، وقالوا : أنت أشجعنا وجعلوه رئيسا، فلما رأى ذلك آدم عليه السلام تحير في ذلك، فجاءه جبريل عليه السلام، وقال له : امسح يدك على رأس الكلب ففعل، فلما رأت السباع أن الكلب ألف آدم تفرقوا واستأمنه الكلب فأمنه آدم، فبقي معه ومع أولاده، وقال الترمذي الحكيم نحو هذا، وأن آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض جاء إبليس إلى السباع فأشلاهم[(٢)](#foonote-٢) على آدم ليؤذوه وكان أشدهم عليه الكلب، فأميت فؤاده، فروي في الخبر أن جبريل عليه السلام أمره أن يضع يده على رأسه فوضعها فاطمأن إليه وألفه فصار ممن يحرسه ويحرس ولده ويألفهم وبموت فؤاده يفزع من الآدميين، فلو رمي بمدر ولى هاربا ثم يعود آلفا لهم، ففيه شعبة من إبليس وفيه شعبة من مسحة آدم عليه السلام، فهو بشعبة إبليس ينبح ويهر ويعدو على الآدمي، وبمسحة آدم مات فؤاده حتى ذل وانقاد وألف به وبولده يحرسهم، ولهثه[(٣)](#foonote-٣) على كل أحواله من موت فؤاده ؛ ولذلك شبه الله سبحانه وتعالى العلماء السوء بالكلب على ما يأتي بيانه في " الأعراف[(٤)](#foonote-٤) " إن شاء الله تعالى، ونزلت عليه تلك العصا التي جعلها الله آية لموسى فكان يطرد بها السباع عن نفسه. 
قوله تعالى :" فإما يأتينكم مني هدى " اختلف في معنى قوله " هدى " فقيل : كتاب الله، قاله السدي. وقيل : التوفيق للهداية، وقالت فرقة : الهدى الرسل، وهي إلى آدم من الملائكة وإلى بنيه من البشر كما جاء في حديث أبي ذر، وخرجه الآجري، وفي قوله " مني " إشارة إلى أن أفعال العباد خلق لله تعالى خلافا للقدرية وغيرهم كما تقدم[(٥)](#foonote-٥). وقرأ الجحدري " هديّ " وهو لغة هذيل يقولون : هدي وعصي ومحيي وأنشد النحويون لأبي ذؤيب يرثي بنيه :

سبقوا هَوَيَّ وأعْنَقُوا لهواهم  فَتُخُرِّمُوا ولكلِّ جنب مَصْرَعُ[(٦)](#foonote-٦)قال النحاس : وعلة هذه اللغة عند الخليل وسيبويه أن سبيل ياء الإضافة أن يكسر ما قبلها، فلما لم يجز أن تتحرك الألف أبدلت ياء وأدغمت و " ما " في قوله " إما " زائدة على " إن " التي للشرط، وجواب الشرط الفاء مع الشرط الثاني في قوله " فمن تبع " و " من " في موضع رفع بالابتداء و " تبع " في موضع جزم بالشرط " فلا خوف " جوابه قال سيبويه : الشرط الثاني وجوابه هما جواب الأول، وقال الكسائي :" فلا خوف عليهم " جواب الشرطين جميعا. 
قوله تعالى :" فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون " الخوف هو الذعر ولا يكون إلا في المستقبل، وخاوفني فلان فخفته ؛ أي : كنت أشد خوفا منه. والتخوف : التنقص، ومنه قوله تعالى " أو يأخذهم على تخوف[(٧)](#foonote-٧) " \[ النحل : ٤٧ \] وقرأ الزهري والحسن وعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق ويعقوب " فلا خوف " بفتح الفاء على التبرئة والاختيار عند النحويين الرفع والتنوين على الابتداء ؛ لأن الثاني معرفة لا يكون فيه إلا الرفع لأن " لا " لا تعمل في معرفة فاختاروا في الأول الرفع أيضا ليكون الكلام من وجه واحد ويجوز أن تكون " لا " في قولك فلا خوف بمعنى ليس. 
والحُزن والحَزَن ضد السرور ولا يكون إلا على ماض، وحزن الرجل ( بالكسر ) فهو حزن وحزين وأحزنه غيره وحزنه أيضا مثل أسلكه وسلكه ومحزون بني عليه. قال اليزيدي : حزنه لغة قريش وأحزنه لغة تميم وقد قرئ بهما. واحتزن وتحزن بمعنىً، والمعنى في الآية فلا خوف عليهم فيما بين أيديهم من الآخرة ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا. وقيل : ليس فيه دليل على نفي أهوال يوم القيامة وخوفها على المطيعين لما وصفه الله تعالى ورسوله من شدائد القيامة إلا أنه يخففه عن المطيعين وإذا صاروا إلى رحمته فكأنهم لم يخافوا. والله أعلم. 
١ راجع ج ١٠ ص ٢٠٥..
٢ أشلاهم: أغراهم..
٣ لهث الكلب: إذا أخرج لسانه من التعب أو العطش..
٤ راجع ج ٧ ص ٣٢٣..
٥ راجع المسألة ص ١٨٦ من هذا الجزء..
٦ "هوى": يريد هواي؛ أي: ماتوا قبلي وكنت أحب أن أموت قبلهم. "وأعنقوا لهواهم" جعلهم كأنهم هووا الذهاب إلى المنية لسرعتهم إليها وهم لم يهووها. "فتخرموا" أي أخذوا واحدا واحدا..
٧ راجع ج ١٠ ص ١٠٩..

### الآية 2:39

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:39]

قوله تعالى :" والذين كفروا " أي أشركوا، لقوله :" وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار " الصحبة : الاقتران بالشيء في حالة ما في زمان ما فإن كانت الملازمة والخلطة فهي كمال الصحبة، وهكذا هي صحبة أهل النار لها. وبهذا القول ينفك الخلاف في تسمية الصحابة رضي الله عنهم إذ مراتبهم متباينة على ما نبينه في " براءة[(١)](#foonote-١) " إن شاء الله. وباقي ألفاظ الآية تقدم معناها. والحمد لله.

١ راجع ج ٨ ص ١٤٨..

### الآية 2:40

> ﻿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [2:40]

قوله تعالى :" يا بني إسرائيل " نداء مضاف علامة النصب فيه الياء وحذفت منه النون للإضافة. الواحد : ابن، والأصل فيه : بني وقيل : بنو، فمن قال المحذوف منه واو احتج بقولهم البنوة، وهذا لا حجة فيه ؛ لأنهم قد قالوا الفتوة وأصله الياء. وقال الزجاج : المحذوف منه عندي ياء كأنه من بنيت. الأخفش : اختار أن يكون المحذوف منه الواو ؛ لأن حذفها أكثر لثقلها، ويقال : ابن بين البنوة والتصغير بُنَيّ. قال الفراء : يقال يا بنيِّ ويا بنيَّ لغتان، مثل يا أبتِ ويا أبتَ وقرئ بهما، وهو مشتق من البناء وهو وضع الشيء على الشيء، والابن فرع للأب وهو موضوع عليه. وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام. قال أبو الفرج الجوزي : وليس في الأنبياء من له اسمان غيره إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإن له أسماء كثيرة ذكره في كتاب " فهوم الآثار " له. 
قلت : وقد قيل في المسيح أنه اسم علم لعيسى عليه السلام غير مشتق وقد سماه الله روحا وكلمة، وكانوا يسمونه : أبِيل الأبِيلين، ذكره الجوهري في الصحاح. وذكر البيهقي في دلائل النبوة عن الخليل بن أحمد : خمسة من الأنبياء : ذوو اسمين محمد وأحمد نبينا صلى الله عليه وسلم وعيسى والمسيح وإسرائيل ويعقوب ويونس وذو النون وإلياس وذو الكفل صلى الله عليهم وسلم. 
قلت : ذكرنا أن لعيسى أربعة أسماء، وأما نبينا صلى الله عليه وسلم فله أسماء كثيرة بيانها في مواضعها. وإسرائيل : اسم أعجمي ؛ ولذلك لم ينصرف، وهو في موضع خفض بالإضافة، وفيه سبع لغات إسرائيل وهي لغة القرآن وإسرائيل بمدة مهموزة مختلسة حكاها شنبوذ عن ورش وإسراييل بمدة بعد الياء من غير همز وهي قراءة الأعمش وعيسى بن عمر، وقرأ الحسن والزهري بغير همز ولا مد وإسرائِل بغير ياء بهمزة مكسورة، وإسراءَل بهمزة مفتوحة، وتميم يقولون إسرائين بالنون. ومعنى إسرائيل عبد الله قال ابن عباس : إسرا بالعبرانية هو عبد وإيل هو الله، وقيل إسرا هو صفوة الله، وإيل هو : الله، وقيل إسرا من الشد، فكأن إسرائيل الذي شده الله وأتقن خلقه، ذكره المهدوي. وقال السهيلي : سمي إسرائيل لأنه أسرى ذات ليلة حين هاجر إلى الله تعالى فسمي إسرائيل أي أسرى إلى الله، ونحو هذا، فيكون بعض الاسم عبرانيا وبعضه موافقا للعرب، والله أعلم. 
قوله تعالى :" اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم " الذكر اسم مشترك، فالذكر بالقلب ضد النسيان، والذكر باللسان ضد الإنصات، وذكرت الشيء بلساني وقلبي ذكرا، واجعله منك على ذكر ( بضم الذال ) أي لا تنسه. قال الكسائي : ما كان بالضمير فهو مضموم الذال، وما كان باللسان فهو مكسور الذال. وقال غيره : هما لغتان يقال ذِكر وذُكر، ومعناهما واحد والذكر ( بفتح الذال ) خلاف الأنثى، والذكر أيضا الشرف ومنه قوله " وإنه لذكر لك ولقومك[(١)](#foonote-١) " \[ الزخرف ٤٤ \] قال ابن الأنباري : والمعنى في الآية : اذكروا شكر نعمتي، فحذف الشكر اكتفاء بذكر النعمة. وقيل إنه أراد الذكر بالقلب، وهو المطلوب أي لا تغفلوا عن نعمتي التي أنعمت عليكم ولا تناسوها وهو حسن. والنعمة هنا اسم جنس فهي مفردة بمعنى الجمع قال الله تعالى " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها[(٢)](#foonote-٢) " \[ إبراهيم : ٣٤ \] أي نعمه، ومن نعمه عليهم أن أنجاهم من آل فرعون وجعل منهم أنبياء، وأنزل عليهم الكتب والمن والسلوى وفجر لهم في الحجر الماء إلى ما استودعهم من التوراة التي فيها صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته ورسالته والنعم على الآباء نعم على الأبناء ؛ لأنهم يشرفون بشرف آبائهم. 
تنبيه : قال أرباب المعاني ربط سبحانه وتعالى بني إسرائيل بذكر النعمة، وأسقطه عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى ذكره فقال " اذكروني[(٣)](#foonote-٣) أذكركم " \[ البقرة : ١٥٢ \] ليكون نظر الأمم من النعمة إلى المنعم ونظر أمة محمد صلى الله عليه وسلم من المنعم إلى النعمة. 
قوله تعالى :" وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم " أمر وجوابه. وقرأ الزهري " أوَفِّ " ( بفتح الواو وشد الفاء ) للتكثير. واختلف في هذا العهد ما هو فقال الحسن : عهده قوله :" خذوا ما آتيناكم بقوة[(٤)](#foonote-٤) " \[ البقرة : ٦٣ \] وقوله " ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا[(٥)](#foonote-٥) " \[ المائدة : ١٢ \] وقيل هو قوله " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه[(٦)](#foonote-٦) " \[ آل عمران : ١٨٧ \] وقال الزجاج " أوفوا بعهدي " الذي عهدت إليكم في التوراة من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم " أوف بعهدكم " بما ضمنت لكم على ذلك إن أوفيتم به فلكم الجنة، وقيل :" أوفوا بعهدي " في أداء الفرائض على السنة والإخلاص " أوف " بقبولها منكم ومجازاتكم \[ في النسخة : مجاراتكم \] عليها. وقال بعضهم :" أوفوا بعهدي " في العبادات " أوف بعهدكم " أي أوصلكم إلى منازل الرعايات. وقيل :" أوفوا بعهدي " في حفظ آداب الظواهر " أوف بعهدكم " بتزيين سرائركم. وقيل : هو عام في جميع أوامره ونواهيه ووصاياه، فيدخل في ذلك ذكر محمد صلى الله عليه وسلم الذي في التوراة وغيره. هذا قول الجمهور من العلماء وهو الصحيح. وعهده سبحانه وتعالى هو أن يدخلهم الجنة. 
قلت : وما طلب من هؤلاء من الوفاء بالعهد هو مطلوب منا قال الله تعالى " أوفوا بالعقود " \[ المائدة : ١ \] " أوفوا بعهد الله " \[ النحل : ٩١ \]، وهو كثير ووفاؤهم بعهد الله أمارة لوفاء الله تعالى لهم لا علة له بل ذلك تفضل منه عليهم
قوله تعالى :" وإياي فارهبون " أي خافون والرهب. والرهب والرهبة : الخوف، ويتضمن الأمر به معنى التهديد وسقطت الياء بعد النون ؛ لأنها رأس آية. وقرأ ابن أبي إسحاق " فارهبوني " بالياء وكذا " فاتقوني " على الأصل " وإياي " منصوب بإضمار فعل وكذا الاختيار في الأمر والنهي والاستفهام، التقدير : وإياي ارهبوا فارهبون. ويجوز في الكلام وأنا فارهبون على الابتداء والخبر وكون " فارهبون " الخبر على تقدير الحذف، المعنى وأنا ربكم فارهبون.

١ راجع ج ١٦ ص ٩٣..
٢ راجع ج ٩ ص ٣٦٧..
٣ راجع ج ٢ ص ١٧١..
٤ راجع ص ٤٣٧ من هذا الجزء..
٥ راجع ج ٦ ص ١١٢..
٦ راجع ج ٤ ص ٣٠٤..

### الآية 2:41

> ﻿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ [2:41]

قوله تعالى :" وآمنوا بما أنزلت " أي صدقوا، يعني بالقرآن. " مصدقا " حال من الضمير في " أنزلت "، التقدير بما أنزلته مصدقا، والعامل فيه أنزلت. ويجوز أن يكون حالا من ما والعامل فيه آمنوا التقدير آمنوا بالقران مصدقا. ويجوز أن تكون مصدرية التقدير آمنوا بإنزال. " لما معكم " يعني من التوراة. 
قوله تعالى :" ولا تكونوا أول كافر به " الضمير في " به " قيل هو عائد على محمد صلى الله عليه وسلم، قاله أبو العالية. وقال ابن جريج : هو عائد على القرآن، إذ تضمنه قوله " بما أنزلت ". وقيل : على التوراة، إذ تضمنها قوله :" لما معكم " فإن قيل كيف قال " كافر " ولم يقل كافرين. قيل التقدير : ولا تكونوا أول فريق كافر به، وزعم الأخفش والفراء أنه محمول على معنى الفعل ؛ لأن المعنى أول من كفر به. وحكى سيبويه : هو أظرف الفتيان وأجمله، وكان ظاهر الكلام هو أظرف فتى وأجمله وقال " أول كافر به " وقد كان قد كفر قبلهم كفار قريش فإنما معناه من أهل الكتاب ؛ إذ هم منظور إليهم في مثل هذا ؛ لأنهم حجة مظنون بهم عِلم. و " أول " عند سيبويه نصب على خبر كان وهو مما لم ينطق منه بفعل، وهو على أفعل عينه وفاؤه واو، وإنما لم ينطق منه بفعل لئلا يعتل من جهتين العين والفاء، وهذا مذهب البصريين. وقال الكوفيون : هو من وأل إذا نجا، فأصله : أوأل، ثم خففت الهمزة، وأبدلت واوا وأدغمت فقيل : أول كما تخفف همزة خطيئة، قال الجوهري : والجمع الأوائل والأوالي أيضا على القلب. وقال قوم : أصله وولِّ على فوعل، فقلبت الواو الأولى همزة، وإنما لم يجمع على أواول لاستثقالهم اجتماع الواوين بينهما ألف الجمع، وقيل هو أفعل من آل يؤول فأصله أأول قلب فجاء أعفل مقلوبا من أفعل فسهل وأبدل وأدغم. 
مسألة : لا حجة في هذه الآية لمن يمنع القول بدليل الخطاب، وهم الكوفيون ومن وافقهم ؛ لأن المقصود من الكلام النهي عن الكفر أولا وآخرا، وخص الأول بالذكر ؛ لأن التقدم[(١)](#foonote-١) فيه أغلظ، فكان حكم المذكور والمسكوت عنه واحدا، وهذا واضح. 
قوله تعالى : ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا  فيه أربع مسائل :
الأولى : قوله تعالى :" ولا تشتروا " معطوف على قوله " ولا تكونوا " نهاهم عن أن يكونوا أول من كفر، وألا يأخذوا على آيات الله ثمنا أي على تغيير صفة محمد صلى الله عليه وسلم رشى. وكان الأحبار يفعلون ذلك فنهوا عنه، قاله قوم من أهل التأويل منهم الحسن وغيره. وقيل : كانت لهم مأكل يأكلونها على العلم كالراتب، فنهوا عن ذلك. وقيل : إن الأحبار كانوا يعلمون دينهم بالأجرة فنهوا عن ذلك، وفي كتبهم : يا ابن آدم علم مجانا كما علمت مجانا أي باطلا بغير أجرة، قاله أبو العالية. وقيل المعنى : ولا تشتروا بأوامري ونواهي وآياتي ثمنا قليلا، يعني : الدنيا ومدتها، والثمن الذي هو نزر لا خطر له، فسمي ما اعتاضوه عن ذلك ثمنا ؛ لأنهم جعلوه عوضا، فانطلق عليه اسم الثمن وإن لم يكن ثمنا وقد تقدم هذا المعنى وقال الشاعر :

إن كنت حاولت ذنبا أو ظفرت به  فما أصبت بترك الحج من ثمنقلت : وهذه الآية وإن كانت خاصة ببني إسرائيل فهي تتناول من فعل فعلهم، فمن أخذ رشوة على تغيير حق أو إبطاله أو امتنع من تعليم ما وجب عليه أو أداء ما علمه، وقد تعين عليه حتى يأخذ عليه أجرا، فقد دخل في مقتضى الآية، والله أعلم. 
وقد روى أبو داود عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة ) يعني ريحها. 
الثانية : وقد اختلف العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن والعلم - لهذه الآية وما كان في معناها، فمنع ذلك الزهري وأصحاب الرأي وقالوا : لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن ؛ لأن تعليمه واجب من الواجبات التي يحتاج فيها إلى نية التقرب والإخلاص، فلا يؤخذ عليها أجرة كالصلاة والصيام وقد قال تعالى " ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ". وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( معلمو صبيانكم شراركم أقلهم رحمة باليتيم، وأغلظهم على المسكين. روى أبو هريرة قال : قلت يا رسول الله ما تقول في المعلمين قال ( درهمهم حرام وثوبهم سحت وكلامهم رياء ) وروى عبادة بن الصامت قال : علمت ناسا من أهل الصفة القرآن والكتابة، فأهدى إلي رجل منهم قوسا فقلت : ليست بمال وأرمي عنها في سبيل الله. فسألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :( إن سرك أن تطوق بها طوقا من نار فاقبلها ). وأجاز أخذ الأجرة على تعليم القرآن مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وأكثر العلماء لقوله عليه السلام حديث ابن عباس حديث الرقية ( إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله ) أخرجه البخاري وهو نص يرفع الخلاف فينبغي أن يعول عليه. 
وأما ما احتج به المخالف من القياس على الصلاة والصيام فاسد ؛ لأنه في مقابلة النص، ثم إن بينهما فرقانا، وهو أن الصلاة والصوم عبادات مختصة بالفاعل وتعليم القرآن عبادة متعدية لغير المعلم فتجوز الأجرة على محاولته النقل كتعليم كتابة القرآن. قال ابن المنذر وأبو حنيفة : يكره تعليم القرآن بأجرة، ويجوز أن يستأجر الرجل يكتب له لوحا أو شعرا أو غناء معلوما بأجر معلوم، فيجوز الإجارة فيما هو معصية ويبطلها فيما هو طاعة. 
وأما الجواب عن الآية - فالمراد بها بنو إسرائيل، وشرع من قبلنا هل هو شرع لنا، فيه خلاف، وهو لا يقول به. 
جواب ثان : وهو أن تكون الآية فيمن تعين عليه التعليم فأبى حتى يأخذ عليه أجرا، فأما إذا لم يتعين فيجوز له أخذ الأجرة بدليل السنة في ذلك، وقد يتعين عليه إلا أنه ليس عنده ما ينفقه على نفسه ولا على عياله، فلا يجب عليه التعليم، وله أن يقبل على صنعته وحرفته. ويجب على الإمام أن يعين لإقامة الدين إعانته وإلا فعلى المسلمين ؛ لأن الصديق رضي الله عنه لما ولي الخلافة وعين لها لم يكن عنده ما يقيم به أهله فأخذ ثيابا وخرج إلى السوق فقيل له في ذلك، فقال : ومن أين أنفق على عيالي فردوه وفرضوا له كفايته. وأما الأحاديث فليس شيء منها يقوم على ساق ولا يصح منها شيء عند أهل العلم بالنقل، أما حديث ابن عباس فرواه سعيد بن طريف عن عكرمة عنه وسعيد متروك. وأما حديث أبي هريرة فرواه علي بن عاصم عن حماد بن سلمة عن أبي جرهم عنه وأبو جرهم مجهول لا يعرف ولم يرو حماد بن سلمة عن أحد يقال له : أبو جرهم وإنما رواه عن أبي المهزِّم، وهو متروك الحديث أيضا، وهو حديث لا أصل له. وأما حديث عبادة بن الصامت فرواه أبو داود من حديث المغيرة بن زياد الموصلي عن عبادة بن نسي عن الأسود بن ثعلبة عنه، والمغيرة معروف عند[(٢)](#foonote-٢) أهل العلم، ولكنه له مناكير هذا منها، قاله أبو عمر. ثم قال : وأما حديث القوس فمعروف عند أهل العلم ؛ لأنه روي عن عبادة من وجهين، وروي عن أبي بن كعب من حديث موسى بن علي عن أبيه عن أبي، وهو منقطع. وليس في الباب حديث يجب العمل به من جهة النقل، وحديث عبادة وأبي يحتمل التأويل ؛ لأنه جائز أن يكون علمه لله ثم أخذ عليه أجرا. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( خير الناس وخير من يمشي على جديد الأرض المعلمون، كلما خلق الدين جددوه، أعطوهم ولا تستأجروهم فتحرجوهم، فإن المعلم إذا قال للصبي قل : بسم الله الرحمن الرحيم، فقال الصبي : بسم الله الرحمن الرحيم كتب الله براءة للصبي، وبراءة للمعلم، وبراءة لأبويه من النار )
الثالثة : واختلف العلماء في حكم المصلي بأجرة، فروى أشهب عن مالك أنه سئل عن الصلاة خلف من استؤجر في رمضان يقوم للناس، فقال : أرجو ألا يكون به بأس، وهو أشد كراهة له في الفريضة. وقال الشافعي وأصحابه وأبو ثور : لا بأس بذلك ولا بالصلاة خلفه. وقال الأوزاعي : لا صلاة له. وكرهه أبو حنيفة وأصحابه على ما تقدم : قال ابن عبد البر : وهذه المسألة معلقة من التي قبلها وأصلهما واحد. 
قلت : ويأتي لهذا أصل آخر من الكتاب في " براءة " إن شاء الله تعالى. وكره ابن القاسم أخذ الأجرة على تعليم الشعر والنحو. وقال ابن حبيب : لا بأس بالإجارة على تعليم ا لشعر والرسائل وأيام العرب ويكره من الشعر ما فيه الخمر والخنا والهجاء، قال أبو الحسن اللخمي : ويلزم على قوله أن يجيز الإجارة على كتبه. وأما الغناء والنوح فممنوع على كل حال. 
الرابعة : روى الدارمي أبو محمد في مسنده أخبرنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن عمر بن الكميت قال حدثنا علي بن وهب الهمداني قال أخبرنا الضحاك بن موسى قال مر سليمان بن عبد الملك بالمدينة وهو يريد مكة، فأقام بها أياما فقال : هل بالمدينة أحد أدرك أحدا من أصحاب النبي ؟ قالوا له : أبو حازم، فأرسل إليه، فلما دخل عليه قال له : يا أبا حازم ما هذا الجفاء ؟ قال أبو حازم يا أمير المؤمنين وأي جفاء رأيت مني ؟ قال : أتاني وجوه أهل المدينة ولم تأتني، قال : يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تقول ما لم يكن، ما عرفتني قبل هذا اليوم ولا أنا رأيتك. قال فالتفت إلى محمد بن شهاب الزهري فقال : أصاب الشيخ وأخطأت، قال سليمان : يا أبا حازم ما لنا نكره الموت. قال : لأنكم أخربتم الآخرة وعمرتم الدنيا، فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب، قال : أصبت يا أبا حازم فكيف القدوم غدا على الله تعالى ؟ قال : أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه، فبكى سليمان وقال : ليت شعري ما لنا عند الله ؟ قال : اعرض عملك على كتاب الله. قال : وأي مكان أجده قال " إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم[(٣)](#foonote-٣) " \[ الإنفطار : ١٣ - ١٤ \] قال سليمان فأين رحمة الله يا أبا حازم ؟ قال أبو حازم رحمة الله قريب من المحسنين. قال له سليمان : يا أبا حازم فأي عباد الله أكرم ؟ قال : أولو المروءة والنهى. قال له سليمان : فأي الأعمال أفضل ؟ قال أبو حازم : أداء الفرائض مع اجتناب المحارم. قال سليمان : فأي الدعاء أسمع ؟ قال : دعاء المحسن إليه للمحسن، فقال أي الصدقة أفضل ؟ قال : للسائل البائس وجهد المقل[(٤)](#foonote-٤) ليس فيها منٌ ولا أذى. قال : فأي القول أعدل ؟ قال : قول الحق عند من تخافه أو ترجوه. قال : فأي المؤمنين أكيس ؟ قال : رجل عمل بطاعة الله ودل الناس عليها، قال : فأي المؤمنين أحمق ؟ قال : رجل انحط في هوى أخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره. قال له سليمان : أصبت فما قولك فيما نحن فيه ؟ قال : يا أمير المؤمنين أوَ تُعفيني ؟ قال له سليمان : لا ولكن نصيحة تلقيها إلي، قال : يا أمير المؤمنين إن آباءك قهروا الناس بالسيف، وأخذوا هذا الملك عنوة على غير مشورة من المسلمين ولا رضاهم حتى قتلوا منهم مقتلة عظيمة فقد ارتحلوا عنها، فلو شعرت ما قالوه وما قيل لهم ؟ فقال له رجل من جلسائه : بئس ما قلت يا أبا حازم، قال أبو حازم : كذبت إن الله أخذ ميثاق العلماء ليبينه للناس ولا يكتمونه قال له سليمان : فكيف لنا أن نصلح ؟ قال : تدعون الصلف وتتمسكون بالمروءة وتقسمون بالسوية. قال له سليمان : فكيف لنا بالمأخذ به ؟ قال أبو حازم : تأخذه من حله وتضعه في أهله. قال له سليمان : هل لك يا أبا حازم أن تصحبنا فتصيب منا ونصيب منك ؟ قال أعوذ بالله قال له سليمان : ولم١ في نسخة من الأصل: ".. لأن النقل منه أعظم"..
٢ في نسخة: "معروف بحمل العلم"..
٣ راجع ج ١٩ ص ٢٤٧.
٤ جهد المقل: أي قدر ما يحتمله حال القليل المال..

### الآية 2:42

> ﻿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [2:42]

قوله تعالى :" ولا تلبسوا الحق بالباطل " اللبس : الخلط، لبست عليه الأمر ألبسه، إذا مزجت بينه بمشكله وحقه بباطله قال الله تعالى " وللبسنا عليهم ما يلبسون[(١)](#foonote-١) " \[ الأنعام : ٩ \] وفي الأمر لبسة أي ليس بواضح، ومن هذا المعنى قول علي رضي الله عنه للحارث بن حوط يا حارث ( إنه ملبوس عليك، إن الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله ) وقالت الخنساء :

ترى الجليس يقول الحق تحسبه  رُشْداً وهيهات فانظر ما به التبساصدِّق مقالته واحذر عداوته  والبس عليه أمورا مثلَ ما لبسا**وقال العجاج :**لما لَبَسْنَ الحق بالتَّجَنِّي  غَنِينَ واستبدلن زيدا مِنِّيروى سعيد عن قتادة في قوله :" ولا تلبسوا الحق بالباطل " \[ البقرة : ٤٢ \]، يقول : لا تلبسوا اليهودية والنصرانية بالإسلام، وقد علمتم أن دين الله - الذي لا يقبل غيره ولا يجزئ إلا به - الإسلام، وأن اليهودية والنصرانية بدعة وليست من الله. والظاهر من قول عنترة :
وكتيبة لبّستها بكتيبة
أنه من هذا المعنى، ويحتمل أن يكون من اللباس. وقد قيل هذا في معنى الآية، أي لا تغطوا. ومنه لبس الثوب يقال لبست الثوب ألبسه ولباس الرجل زوجته وزوجها لباسها. قال الجعدي :إذا ما الضجيع ثَنَى جيدها  تَثَنَّت عليه فكانت لباسا**وقال الأخطل :**وقد لبست لهذا الأمر أعصُرَه  حتى تَجَلَّلَ رأسي الشيبُ فاشتعلاواللبوس : كل ما يلبس من ثياب ودرع، قال الله تعالى " وعلمناه صنعة لبوس لكم[(٢)](#foonote-٢) " \[ الأنبياء : ٨٠ \] ولابست فلانا حتى عرفت باطنه. وفي فلان ملبس أي مستمتع قال :ألا إن بعد العُدْمِ للمرء قُنْوةٌ[(٣)](#foonote-٣)  وبعد المشيب طولَ عُمْرٍ وَملْبَسَاولبس الكعبة والهودج ما عليهما من لباس ( بكسر اللام ). قوله تعالى " بالباطل " الباطل في كلام العرب خلاف الحق، ومعناه الزائل. قال لبيد :
ألا كل شيء ما خلا الله باطل. 
وبطل الشيء يبطل بطلا وبطولا وبطلانا، ذهب ضياعا وخسرا[(٤)](#foonote-٤) وأبطله غيره. ويقال : ذهب دمه بطلا أي هدرا والباطل الشيطان والبطل الشجاع سمي بذلك ؛ لأنه يبطل شجاعة صاحبه، قال النابغة :لهم لواءٌ بأيدي ماجد بطل  لا يقطع الخرق إلا طرفُه ساميوالمرأة بطلة. وقد بطل الرجل ( أي بالضم ) يبطل بطولة وبطالة[(٥)](#foonote-٥) أي صار شجاعا وبطل الأجير ( بالفتح ) بطالة أي تعطل فهو بطال. واختلف أهل التأويل في المراد بقوله :" الحق بالباطل " فروي عن ابن عباس وغيره لا تخلطوا ما عندكم من الحق في الكتاب بالباطل، وهو التغيير والتبديل. وقال أبو العالية : قالت اليهود : محمد مبعوث ولكن إلى غيرنا. فإقرارهم ببعثه حق، وجحدهم أنه بعث إليهم باطل. وقال ابن زيد : المراد بالحق التوراة، والباطل ما بدلوا فيها من ذكر محمد عليه السلام وغيره. وقال مجاهد : لا تخلطوا اليهودية والنصرانية بالإسلام. وقاله قتادة وقد تقدم. 
قلت : وقول ابن عباس أصوب ؛ لأنه عام فيدخل فيه جميع الأقوال والله المستعان. 
قوله تعالى :" وتكتموا الحق " يجوز أن يكون معطوفا على " تلبسوا " فيكون مجزوما ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار أن، التقدير لا يكن منكم لبس الحق وكتمانه أي وأن تكتموه قال ابن عباس :( يعني كتمانهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم وهم يعرفونه ) وقال محمد بن سيرين :
نزل عصابة من ولد هارون يثرب لما أصاب بني إسرائيل ما أصابهم من ظهور العدو عليهم والذلة، وتلك العصابة هم حملة التوراة يومئذ، فأقاموا بيثرب يرجون أن يخرج محمد صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم، وهم مؤمنون مصدقون بنبوته، فمضى أولئك الآباء وهم مؤمنون وخلف الأبناء وأبناء الأبناء، فأدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم فكفروا به وهم يعرفونه، وهو معنى قوله تعالى " فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به[(٦)](#foonote-٦) " \[ البقرة : ٨٩ \]
قوله تعالى :" وأنتم تعلمون " جملة في موضع الحال أي أن محمدا عليه السلام حق، فكفرهم كان كفر عناد ولم يشهد تعالى لهم بعلم وإنما نهاهم عن كتمان ما علموا. ودل هذا على تغليظ الذنب على من واقعه على علم وأنه أعصى من الجاهل. وسيأتي بيان هذا عند قوله تعالى :" أتأمرون الناس بالبر " \[ البقرة : ٤٤ \] الآية[(٧)](#foonote-٧). 
١ راجع ج ٦ ص ٣٩٤..
٢ راجع ج ١١ ص ٣٢٠..
٣ "القنوة (بكسر الأول وضمه): الكسبة..
٤ الزيادة عن اللسان..
٥ في تاج العروس: (والبطالة بالكسر والضم لغتان في البطالة بالفتح بمعنى الشجاعة. الكسر نقله الليث، والضم حكاه ونقله صاحب المصباح"..
٦ راجع ج ٢ ص ٢٦..
٧ ص ٣٦٥..

### الآية 2:43

> ﻿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [2:43]

الأولى : قوله تعالى :" وأقيموا الصلاة " أمر معناه الوجوب ولا خلاف فيه، وقد تقدم القول في معنى إقامة الصلاة واشتقاقها وفي جملة من أحكامها[(١)](#foonote-١)، والحمد لله. 
الثانية : قوله تعالى :" وآتوا الزكاة " أمر أيضا يقتضي الوجوب. والإيتاء : الإعطاء، آتيته : أعطيته. قال الله تعالى " لئن آتانا من فضله لنصدقن " \[ التوبة : ٧٥ \] وأتيته - بالقصر من غير مد - جئته، فإذا كان المجيء بمعنى الاستقبال مُدّ، ومنه الحديث ( ولآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأخبرنه ) وسيأتي. 
الثالثة : الزكاة مأخوذة من زكا الشيء إذا نما وزاد. يقال زكا الزرع والمال يزكو، إذا كثر وزاد ورجل زكي أي زائد الخير، وسمي الإخراج من المال زكاة، وهو نقص منه من حيث ينمو بالبركة أو بالأجر الذي يثاب به المزكي، ويقال : زرع زاك بين الزكاء. وزكأت الناقة بولدها تزكأ به إذا رمت به من بين رجليها وزكا الفرد : إذا صار زوجا بزيادة الزائد عليه حتى صار شفعا. قال الشاعر :

كانوا خَسًا أو زَكًا من دون أربعة  لم يَخلُقُوا وجُدُودُ الناس تَعْتَلِجُجمع جد وهو : الحظ والبخت. تعتلج : أي ترتفع اعتلجت الأرض طال نباتها. فخسا : الفرد. وزكا : الزوج. 
وقيل : أصلها الثناء الجميل، ومنه زكّى القاضي الشاهد. فكأن من يخرج الزكاة يحصل لنفسه الثناء الجميل، وقيل الزكاة مأخوذة من التطهير، كما يقال زكا فلان ؛ أي : طهر من دنس الجرحة والإغفال[(٢)](#foonote-٢). فكأن الخارج من المال يطهره من تبعة الحق الذي جعل الله فيه للمساكين، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى ما يخرج من الزكاة أوساخ الناس، وقد قال تعالى " خذ من أموالهم صدقه تطهرهم وتزكيهم بها[(٣)](#foonote-٣) " \[ التوبة : ١٠٣ \]
الرابعة : واختلف في المراد بالزكاة هنا فقيل : الزكاة المفروضة لمقارنتها الصلاة وقيل : صدقة الفطر قاله مالك في سماع ابن القاسم. 
قلت : فعلى الأول - وهو قول أكثر العلماء - فالزكاة في الكتاب مجملة بينها النبي صلى الله عليه وسلم فروى الأئمة عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ليس في حب ولا تمر صدقة حتى تبلغ خمسة أوسق، [(٤)](#foonote-٤) ولا فيما دون خمس ذود[(٥)](#foonote-٥) صدقة ولا فيما دون خمس أواق صدقة ) وقال البخاري :( خمس أواق من الورق ) وروى البخاري عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثَريّاً[(٦)](#foonote-٦) العشر، وما سقي بالنضح[(٧)](#foonote-٧) نصف العشر ) وسيأتي بيان هذا الباب في " الأنعام[(٨)](#foonote-٨) " إن شاء الله تعالى. ويأتي في " براءة " زكاة العين والماشية وبيان المال الذي لا يؤخذ منه زكاة عند قوله تعالى " خذ من أموالهم صدقة[(٩)](#foonote-٩) " \[ التوبة : ١٠٣ \] وأما زكاة الفطر فليس لها في الكتاب نص عليها إلا ما تأوله مالك هنا، وقوله تعالى " قد أفلح من تزكى[(١٠)](#foonote-١٠) وذكر اسم ربه فصلى " \[ الأعلى : ١٥ \] والمفسرون يذكرون الكلام عليها في سورة " الأعلى "، ورأيت الكلام عليها في هذه السورة عند كلامنا على آي الصيام ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر في رمضان، الحديث. وسيأتي، فأضافها إلى رمضان. 
الخامسة : قوله تعالى :" واركعوا " الركوع في اللغة الانحناء بالشخص وكل منحن راكع قال لبيد :أخَبِّرُ أخبارَ القُرونِ التي مضت  أَدِبُّ كأني كلما قمتُ راكعوقال ابن دريد : الركعة الهوة في الأرض لغة يمانية، وقيل الانحناء يعم الركوع والسجود، ويستعار أيضا في الانحطاط في المنزلة. قال :ولا تُعَادِ الضعيفَ علَّك أنْ  تركع يوما والدهرُ قد رفعهالسادسة : واختلف الناس في تخصيص الركوع بالذكر فقال قوم : جعل الركوع لما كان من أركان الصلاة عبارة عن الصلاة. 
قلت : وهذا ليس مختصا بالركوع وحده، فقد جعل الشرع القراءة عبارة[(١١)](#foonote-١١) عن الصلاة والسجود عبارة عن الركعة بكمالها فقال :" وقرآن الفجر " أي صلاة الفجر. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من أدرك سجدة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ) وأهل الحجاز يطلقون على الركعة سجدة، وقيل : إنما خص الركوع بالذكر ؛ لأن بني إسرائيل لم يكن في صلاتهم ركوع. وقيل : لأنه كان أثقل على القوم في الجاهلية حتى لقد قال بعض من أسلم أظنه عمران بن حصين للنبي صلى الله عليه وسلم : وعلى ألا أَخِرَّ إلا قائما. فمن تأويله على ألا أركع، فلما تمكن الإسلام من قلبه اطمأنت بذلك نفسه وامتثل ما أمر به من الركوع. 
السابعة : الركوع الشرعي هو أن يحني الرجل صلبه ويمد ظهره وعنقه ويفتح أصابع يديه ويقبض على ركبتيه، ثم يطمئن راكعا يقول : سبحان ربي العظيم ثلاثا، وذلك أدناه ( روى مسلم عن عائشة قالت :( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه[(١٢)](#foonote-١٢) ولكن بين ذلك ) وروى البخاري عن أبي حميد الساعدي قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر جعل يديه حذو منكبيه وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه ثم هصر[(١٣)](#foonote-١٣) ظهره. . . . الحديث. 
الثامنة : الركوع فرض، قرآنا وسنة، وكذلك السجود لقوله تعالى في آخر الحج " اركعوا واسجدوا[(١٤)](#foonote-١٤) " \[ الحج : ٧٧ \]. وزادت السنة : الطمأنينة فيهما والفصل بينهما، وقد تقدم القول في ذلك وبينا صفة الركوع آنفا. 
وأما السجود فقد جاء مبينا من حديث أبي حميد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ( إذا سجد مكن جبهته وأنفه من الأرض ونحى يديه عن جنبيه ووضع كفيه حذو منكبيه ). خرجه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح. وروى مسلم عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب ). وعن البراء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك ). وعن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد خوّى بيديه - يعني جنح حتى يرى وضح إبطيه من ورائه - وإذا قعد اطمأن على فخذه اليسرى. 
التاسعة : واختلف العلماء فيمن وضع جبهته في السجود دون أنفه أو أنفه دون جبهته، فقال مالك : يسجد على جبهته وأنفه، وبه قال الثوري وأحمد، وهو قول النخعي. قال أحمد : لا يجزئه السجود على أحدهما دون الآخر، وبه قال أبو خيثمة[(١٥)](#foonote-١٥) وابن أبي شيبة. قال إسحاق : إن سجد على أحدهما دون الآخر فصلاته فاسدة. وقال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز، وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة وعبد الرحمن بن أبي ليلى كلهم أمر بالسجود على الأنف. وقالت طائفة : يجزئ أن يسجد على جبهته دون أنفه، هذا قول عطاء وطاوس وعكرمة وابن سيرين والحسن البصري، وبه قال الشافعي وأبو ثور ويعقوب ومحمد. قال ابن المنذر : وقال قائل : إن وضع جبهته ولم يضع أنفه أو وضع أنفه ولم يضع جبهته فقد أساء وصلاته تامة، هذا قول النعمان. قال ابن المنذر : ولا أعلم أحدا سبقه إلى هذا القول ولا تابعه عليه. 
قلت : الصحيح في السجود وضع الجبهة والأنف، لحديث أبي حميد، وقد تقدم. وروى البخاري عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة - وأشار بيده إلى أنفه - واليدين والركبتين وأطراف القدمين ولا نكفت[(١٦)](#foonote-١٦) الثياب والشعر ). وهذا كله بيان لمجمل الصلاة فتعين القول به. والله أعلم. وروي عن مالك أنه يجزيه أن يسجد على جبهته دون أنفه، كقول عطاء والشافعي والمختار عندنا قول الأول ولا يجزئ عند مالك إذا لم يسجد على جبهته. 
العاشرة : ويكره السجود على كور العمامة، وإن كان طاقة أو طاقتين مثل الثياب التي تستر الركب والقدمين فلا بأس، والأفضل مباشرة الأرض أو ما يسجد عليه، فإن كان هناك ما يؤذيه أزاله قبل دخول في الصلاة، فإن لم يفعل فليمسحه مسحة واحدة. وروى مسلم عن معيقيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد قال ( إن كنت فاعلا فواحدة ) وروي عن أنس بن مالك قال :( كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه ). 
الحادية عشرة : لما قال تعالى :" اركعوا واسجدوا " \[ الحج : ٧٧ \] قال بعض علمائنا وغيرهم : يكفي منها ما يسمى ركوعا وسجودا، وكذلك من القيام ولم يشترطوا الطمأنينة في ذلك فأخذوا بأقل الاسم في ذلك، وكأنهم لم يسمعوا الأحاديث الثابتة في إلغاء الصلاة. قال ابن عبد البر : ولا يجزي ركوع ولا سجود ولا وقوف بعد الركوع ولا جلوس بين السجدتين حتى يعتدل راكعا وواقفا وساجدا وجالسا. وهو الصحيح في الأثر، وعليه جمهور العلماء وأهل النظر، وهى رواية ابن وهب وأبي مصعب عن مالك. وقال القاضي أبو بكر بن العربي : وقد تكاثرت الرواية عن ابن القاسم وغيره بوجوب الأصل وسقوط الطمأنينة، وهو وهم عظيم ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها وأمر بها وعلمها. فإن كان لابن القاسم عذر أن كان لم يطلع عليها فما لكم أنتم وقد انتهى العلم إليكم وقامت الحجة به عليكم. روى النسائي والدارقطني وعلي بن عبد العزيز عن رفاعة بن رافع. قال : كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فدخل المسجد فصلى، فلما قضى الصلاة جاء فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى القوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ارجع فصل فإنك لم تصل ) وجعل يصلي وجعلنا نرمق صلاته لا ندري ما يعيب منها، فلما جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى القوم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ( وعليك ارجع فصل فانك لم تصل ) قال همام :[(١٧)](#foonote-١٧) فلا ندري أمره بذلك مرتين أو ثلاثا. فقال له الرجل : ما أَلَوْتُ فلا أدري ما عبت علي من صلاتي. فقال صلى الله عليه وسلم ( إنه لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين، ثم يكبر الله تعالى ويثني عليه، ثم يقرأ أم القرآن وما أذن له فيه وتيسر، ثم يكبر فيركع فيضع كفيه على ركبتيه حتى تطمئن مفاصله ويسترخي ثم يقول : سمع الله لمن حمده ويستوي قائما حتى يقيم صلبه ويأخذ كل عظم مأخوذه ثم يكبر فيسجد فيمكن وجهه. قال همام : وربما قال جبهته من الأرض حتى تطمئن مفاصله ويسترخي ثم يكبر فيستوي قاعدا على مقعده ويقيم صلبه، فوصف الصلاة هكذا أربع ركعات حتى فرغ ثم قال : لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك ) ومثله حديث أبي هريرة خرجه مسلم وقد تقدم. 
قلت : فهذا بيان الصلاة المجملة في الكتاب بتعليم النبي عليه السلام وتبليغه إياها جميع الأنام، فمن لم يقف عند هذا البيان وأخل بما فرض عليه الرحمن، ولم يمتثل ما بلغه عن نبيه عليه السلام كان من جملة من دخل في قوله تعالى :" فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات " \[ مريم : ٥٩ \] على ما يأتي بيانه هناك[(١٨)](#foonote-١٨) إن شاء الله تعالى. روى البخاري عن زيد بن وهب قال رأى حذيفة رجلا لا يتم الركوع ولا السجود فقال ( ما صليت ولو مت لمت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدا صلى الله عليه وسلم )
الثانية عشرة : قوله تعالى :" مع الراكعين " ( مع ) تقتضي المعية والجمعية ولهذا قال جماعة من أهل التأويل بالقرآن : إن الأمر بالصلاة أولا لم يقتض شهود الجماعة، فأمرهم بقوله " مع " شهود الجماعة، وقد اختلف العلماء في شهود الجماعة ع١ راجع ص ١٦٤- ١٧٧ من هذا الجزء..
٢ في نسخة: "أو الإغفال" وكذا في تفسير ابن عطية..
٣ راجع ج ٨ ص ٢٤٤..
٤ الوسق (بالفتح): ستون صاعا، وهو ثلثمائة وعشرون رطلا عند أهل الحجاز..
٥ الذود من الإبل: ما بين الثنتين إلى التسع. وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر. واللفظة مؤنثة، ولا واحدا لها من لفظها..
٦ العثري (بفتح المهملة والثاء المثلثة المخففة وكسر الراء وتشديد الياء). قال ابن الأثير: "هو من النخيل الذي يشرب عروقه من ماء المطر يجتمع في حفيرة. وقيل: هو العذي (الزرع الذي لا يسقى سيحا، والأول أشهر}..
٧ والنضح (بفتح النون وسكون المعجمة بعدها مهملة): ما سقي من الآبار..
٨ راجع ج ٧ ص ٩٩..
٩ راجع ج ٨ ص ٢٤٤..
١٠ راجع ج ٢٠ ص ٢١..
١١ زيادة يقتضيها السياق..
١٢ الإشخاص: الرفع، والتصويب: الخفض..
١٣ هصر ظهره: أي ثناه إلى الأرض..
١٤ راجع ج ١٢ ص ٩٨..
١٥ كذا في بعض نسخ الأصل وتفسير العلامي نقلا عن القرطبي. وفي نسخة: "أبو حنيفة"..
١٦ قوله: "ولا نكفت" أي لا نضمها ونجمعها. يريد جمع الثوب باليدين عند الركوع والسجود..
١٧ همام هذا، أحد رجال سند هذا الحديث..
١٨ راجع ج ١١ ص ١٢١..

### الآية 2:44

> ﻿۞ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [2:44]

الأولى : قوله تعالى :" أتأمرون الناس بالبر " هذا استفهام التوبيخ والمراد في قول أهل التأويل علماء اليهود. قال ابن عباس ( كان يهود المدينة يقول الرجل منهم لصهره ولذي قرابته ولمن بينه وبينه رضاع من المسلمين : اثبت على الذي أنت عليه وما يأمرك به هذا الرجل يريدون محمد صلى الله عليه وسلم، فإن أمره حق فكانوا يأمرون الناس بذلك ولا يفعلونه ) وعن ابن عباس أيضا ( كان الأحبار يأمرون مقلديهم وأتباعهم باتباع التوراة، وكانوا يخالفونها في جحدهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم ) وقال ابن جريج : كان الأحبار يحضون على طاعة الله وكانوا هم يواقعون المعاصي. وقالت فرقة : كانوا يحضون على الصدقة ويبخلون والمعنى متقارب. وقال بعض أهل الإشارات : المعنى أتطالبون الناس بحقائق المعاني وأنتم تخالفون عن ظواهر رسومها. 
الثانية : في شدة عذاب من هذه صفته، روى حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ليلة أسري بي مررت على ناس تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقلت : يا جبريل من هؤلاء ؟ قال هؤلاء الخطباء من أهل الدنيا[(١)](#foonote-١) يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون ) وروى أبو أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم يجرون قصبهم[(٢)](#foonote-٢) في نار جهنم فيقال لهم : من أنتم ؟ فيقولون : نحن الذين كنا نأمر الناس بالخير وننسى أنفسنا ). 
قلت : وهذا الحديث وإن كان فيه لين ؛ لأن في سنده الخصيب بن جحدر كان الإمام أحمد يستضعفه، وكذلك ابن معين يرويه عن أبي غالب عن أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي وأبو غالب هو - فيما حكى يحيى بن معين - حزور القرشي مولى خالد بن عبدالله بن أسيد وقيل مولى باهلة. وقيل مولى عبد الرحمن الحضرمي. كان يختلف إلى الشام في تجارته. قال يحيى بن معين هو صالح الحديث فقد رواه مسلم في صحيحه بمعناه عن أسامة بن زيد قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، [(٣)](#foonote-٣) فيجتمع إليه أهل النار فيقولون : يا فلان ما لك ألم تكن[(٤)](#foonote-٤) تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ فيقول : بلى قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه ) القصب ( بضم القاف ) المعى وجمعه أقصاب والأقتاب الأمعاء واحدها قتب. ومعنى " فتندلق " : فتخرج بسرعة. وروينا " فتنفلق ". 
قلت : فقد دل الحديث الصحيح وألفاظ الآية على أن عقوبة من كان عالما بالمعروف وبالمنكر وبوجوب القيام بوظيفة كل واحد منهما أشد ممن لم يعلمه، وإنما ذلك لأنه كالمستهين بحرمات الله تعالى ومستخف بأحكامه وهو ممن لا ينتفع بعلمه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه ) أخرجه ابن ماجه في سننه. 
الثالثة : اعلم وفقك الله تعالى أن التوبيخ في الآية بسبب ترك فعل البر لا بسبب الأمر بالبر ؛ ولهذا ذم الله تعالى في كتابه قوما كانوا يأمرون بأعمال البر ولا يعملون بها وبخهم به توبيخا يتلى على طول الدهر إلى يوم القيامة فقال " أتأمرون الناس بالبر " الآية وقال منصور الفقيه فأحسن :
إن قوما يأمرونا\*\*\* بالذي لا يفعلونا
لمجانين وإن هم\*\*\* لم يكونوا يصرعونا
**وقال أبو العتاهية :**

وصفتَ التُّقَى حتى كأنك ذو تقى  وريحُ الخطايَا من ثيابك تَسْطَعُ**وقال أبو الأسود الدؤلي :**لا تنه عن خلق وتأتي مثله  عارٌ عليك إذا فعلت عظيموابدأ بنفسك فانهها عن غَيِّهَا  فإن انتهت عنه فأنت حكيمفهناك يقبل إن وعظت ويقتدى  بالقول منك وينفع التعليموقال أبو عمرو بن مطر : حضرت مجلس أبي عثمان الحيري الزاهد فخرج وقعد على موضعه الذي كان يقعد عليه للتذكير، فسكت حتى طال سكوته، فناداه رجل كان يعرف بأبي العباس : ترى أن تقول في سكوتك شيئا ؟ فأنشأ يقول :وغيرُ تقي يأمر الناس بالتقى  طبيبٌ يداوي والطبيبُ مريضقال : فارتفعت الأصوات بالبكاء والضجيج. 
قال إبراهيم النخعي : إني لأكره القصص لثلاث آيات، قوله تعالى :" أتأمرون الناس بالبر " \[ البقرة : ٤٤ \] الآية، وقوله :" لم تقولون ما لا تفعلون[(٥)](#foonote-٥) " \[ الصف : ٢ \]، وقوله :" وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه[(٦)](#foonote-٦) " \[ هود : ٨٨ \]. وقال سلم بن عمرو[(٧)](#foonote-٧) :ما أقبح التزهيد من واعظ  يزهد الناس ولا يزهدلو كان في تزهيده صادقا  أضحى وأمسى بيتُه المسجدإنْ رفضَ الدنيا فما بالُه  يستمنح الناس ويَسْتَرْفِدُوالرزق مقسوم على من ترى  يناله[(٨)](#foonote-٨) الأبيض والأسودوقال الحسن لمطرف بن عبدالله : عظ أصحابك، فقال : إني أخاف أن أقول ما لا أفعل، قال : يرحمك الله وأينا يفعل ما يقول ؟ ويود الشيطان أنه قد ظفر بهذا، فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر. وقال مالك عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن سمعت سعيد بن جبير يقول : لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء، ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر. قال مالك : وصدق، من ذا الذي ليس فيه[(٩)](#foonote-٩) شيء. 
الخامسة : قوله تعالى :" البر " البر هنا الطاعة والعمل الصالح. والبر : الصدق. والبر : ولد الثعلب. والبر : سوق الغنم، ومنه قولهم :" لا يعرف هرّاً من بِر " أي لا يعرف دعاء الغنم من سوقها. فهو مشترك، وقال الشاعر :لا هم رب إن بكرا[(١٠)](#foonote-١٠) دونكا  يَبَرُّك الناس ويفجُرُونَكاأراد بقوله " يبرك الناس " : أي يطيعونك. ويقال : إن البر الفؤاد في قوله :أكون مكان البر منه ودونه[(١١)](#foonote-١١)  وأجعل مالي دونه وأوامرهوالبر ( بضم الباء ) معروف، و( بفتحها ) الإجلال والتعظيم، ومنه ولد بر وبار، أي يعظم والديه ويكرمهما. 
السادسة : قوله تعالى :" وتنسون أنفسكم " أي تتركون. والنسيان ( بكسر النون ) يكون بمعنى الترك، وهو المراد هنا، وفي قوله تعالى :" نسوا الله فنسيهم[(١٢)](#foonote-١٢) " \[ التوبة : ٦٧ \]، وقوله :" فلما نسوا ما ذكروا به[(١٣)](#foonote-١٣) " \[ الأنعام : ٤٤ \]، وقوله :" ولا تنسوا الفضل بينكم[(١٤)](#foonote-١٤) " \[ البقرة : ٢٣٧ \]. ويكون خلاف الذكر والحفظ، ومنه الحديث :( نسي آدم فنسيت ذريته ). وسيأتي. يقال : رجل نَسيان ( بفتح النون ) : كثير النسيان للشيء. وقد نسيت الشيء نسيانا، ولا تقل نَسَيانا ( بالتحريك ) ؛ لأن النسَيان إنما هو تثنية نسا العرق. وأنفس : جمع نفس، جمع قلة. والنفس : الروح، يقال : خرجت نفسه، قال أبو خراش :نجا سالمٌ والنفس منه بشدِقهِ  ولم ينجُ إلا جفن سيفٍ ومِئزراأي بجفن سيف ومئزر. ومن الدليل على أن النفس الروح قوله تعالى :" الله يتوفى الأنفس حين موتها[(١٥)](#foonote-١٥) " \[ الزمر : ٤٢ \] يريد الأرواح في قول جماعة من أهل التأويل على ما يأتي، وذلك بين في قول بلال للنبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن شهاب : أخذ بنفسي يا رسول الله الذي أخذ بنفسك. وقوله عليه السلام في حديث زيد بن أسلم ( إن الله قبض أرواحنا ولو شاء لردها إلينا في حين غير هذا ) رواهما مالك. وهو أولى ما يقال به. والنفس أيضا الدم يقال سالت نفسه قال الشاعر[(١٦)](#foonote-١٦) :تسيل على حد السيوف[(١٧)](#foonote-١٧) نفوسنا  وليست على غير الظُبَاتِ تسيلُوقال إبراهيم النخعي ما ليس له نفس سائلة فإنه لا ينجس الماء إذا مات فيه والنفس أيضا : الجسد قال الشاعر[(١٨)](#foonote-١٨) :نبئتُ أن بني سُحَيْم أدخلوا  أبياتهم تَامُورَ نفسِ المُنْذِرِوالتامور أيضا : الدم. 
السابعة : قوله تعالى :" وأنتم تتلون الكتاب " توبيخ عظيم لمن فهم. " وتتلون " : تقرؤون " الكتاب " التوراة. وكذا من فعل فعلهم كان مثلهم وأصل التلاوة الاتباع، ولذلك استعمل في القراءة ؛ لأنه يتبع بعض الكلام ببعض في حروفه حتى يأتي على نسقه : يقال : تلوته إذا تبعته تلوا وتلوت القرآن تلاوة. وتلوت الرجل تلوا إذا خذلته. والتلية والتلاوة ( بضم التاء ) البقية يقال تليت لي من حقي تلاوة وتلية أي بقيت. وأتليت أبقيت وتتلّيت حقي إذا تتبعته حتى تستوفيه. قال أبو زيد : تلَّى الرجل إذا كان بآخر رمق. 
الثامنة : قوله تعالى :" أفلا تعقلون " أي أفلا تمنعون أنفسكم من مواقعة هذه الحال المردية لكم. والعقل المنع، ومنه عقال البعير ؛ لأنه يمنع عن الحركة، ومنه العقل للدية ؛ لأنه يمنع ولي المقتول عن قتل الجاني، ومنه اعتقال البطن واللسان، ومنه يقال : للحصن معقل والعقل نقيض الجهل، والعقل ثوب أحمر تتخذه نساء العرب تُغَشَّى به الهوادج. قال علقمة :عقلا ورقما تكاد الطير تخطفه  كأنه من دم الأجواف مَدمومُالمدموم ( بالدال المهملة ) الأحمر، وهو المراد هنا، والمدموم الممتلئ شحما من البعير وغيره. ويقال : هما ضربان من البرود. قال ابن فارس : والعقل من شيات الثياب ما كان نقشه طولا، وما كان نقشه مستديرا فهو الرقم. وقال الزجاج : العاقل من عمل بما أوجب الله عليه فمن لم يعمل فهو جاهل. 
التاسعة : اتفق أهل الحق على أن العقل كائن موجود ليس بقديم ولا معدوم ؛ لأنه لو كان معدوما لما اختص بالاتصاف به بعض الذوات دون بعض، وإذا ثبت وجوده فيستحيل القول بقدمه ؛ إذ الدليل قد قام على أن لا قديم إلا الله تعالى على ما يأتي بيانه في هذه السورة وغيرها إن شاء الله تعالى. وقد صارت الفلاسفة إلى أن العقل قديم ثم منهم من صار إلى أنه جوهر لطيف في البدن ينبث شعاعه منه بمنزلة السراج في البيت يفصل به بين حقائق المعلومات، ومنهم من قال : إنه جوهر بسيط أي غير مركب. ثم اختلفوا في محله فقالت طائفة منهم محله الدماغ ؛ لأن الدماغ محل الحس، وقالت طائفة أخرى : محله القلب لأن القلب معدن الحياة ومادة الحواس، وهذا القول في العقل بأنه جوهر فاسد من حيث إن الجواهر متماثلة، فلو كان جوهر عقلا لكان كل جوهر عقلا. وقيل إن العقل هو المدرك للأشياء على ما هي عليه من حقائق المعاني، وهذا القول وإن كان أقرب مما قبله فيبعد عن الصواب من جهة أن الإدراك من صفات الحي والعقل عرض يستحيل ذلك منه كما يستحيل أن يكون ملتذا ومشتهيا. وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري والأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني وغيرهما من المحققين : العقل هو العلم، بدليل أنه لا يقال : عقلت وما علمت أو علمت وما عقلت. وقال القاضي أبو بكر : العقل علوم ضرورية بوجوب الواجبات وجواز الجائزات واستحالة المستحيلات، وهو اختيار أبي المعالي في الإرشاد. واختار في البرهان أنه صفة يتأتى بها درك العلوم واعترض على مذهب القاضي، واستدل على فساد مذهبه وحكي في البرهان عن المحاسبي أنه قال العقل غريزة. وحكى الأستاذ أبو بكر عن الشافعي وأبي عبدالله بن مجاهد أنهما قال : العقل آلة التمييز. وحكى عن أبي العباس القلانسي أنه قال : العقل قوة التمييز. وحكي عن المحاسبي أنه قال : العقل أنوار وبصائر ثم رتب هذه الأقوال وحملها على محامل فقال : والأولى ألا يصح هذا النقل عن الشافعي ولا عن ابن مجاهد، فإن الآلة إنما تستعمل في الآلة المثبتة[(١٩)](#foonote-١٩) واستعمالها في الأعراض مجاز، وكذلك قول من قال : إنه قوة فإنه لا يعقل من القوة إلا القدرة. والقلانسي أطلق ما أطلقه توسعا في العبارات وكذلك المحاسبي. والعقل ليس بصورة ولا نور ولكن تستفاد به الأنوار والبصائر، وسيأتي في هذه السورة بيان فائدته في آية[(٢٠)](#foonote-٢٠) التوحيد إن شاء الله تعالى. 
١ كذا في مسند الإمام أحمد بن حنبل (ج ٣ ص ١٢٠) وتفسير الفخر الرازي (ج ١ ص ٤٩٦). وفي الأصول: "من أولئك"..
٢ سيأتي معنى "القصب"..
٣ الزيادة من صحيح مسلم.
٤ الزيادة من صحيح مسلم.
٥ ؤاجع ج ١٨ ص ٧٧..
٦ راجع ج ٩ ص ٨٩.
٧ كذا في الأصول. والصحيح أن الأبيات للجماز، وهو ابن أخت سلم بن عمرو الخاسر. يراجع الأغاني (ج ٤ ص ٧٦) طبع دار الكتب المصرية..
٨ كذا في الأغاني. وقد الأصول: "يسعى له"..
٩ في نسخة: "عليه"..
١٠ كذا في البحر المحيط لأبي حيان. وفي الأصول: "بكوا" بالواو. وفي تفسير الشوكاني: "إن يكونوا"..
١١ كذا في الأصول واللسان مادة "برر". وفي شرح القاموس: 
 يكون مكان البر مني ودونه.
١٢ راجع ج ٨ ص ١٩٩.
١٣ راجع ج ٦ ص ٤٢٦.
١٤ راجع ج ٣ ص ٢٠٨..
١٥ راجع ج ١٥ ص ٢٦٠..
١٦ هو السموءل.
١٧ في اللسان: "حد الظبات"..
١٨ هو أوس بن حجر، يحرض عمرو بن هند علي بني حنيفة، وهم قتلة أبيه المنذر بن ماء السماء. أي حملوا إلى أبياتهم. (عن اللسان)..
١٩ في بعض نسخ الأصل: "في الآلة المبنية"..
٢٠ راجع ج ٢ ص ١٩١..

### الآية 2:45

> ﻿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [2:45]

**فيه ثمان مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" واستعينوا بالصبر والصلاة " الصبر الحبس في اللغة : وقتل فلان صبرا أي أمسك وحبس حتى أتلف. وصبرت نفسي على الشيء : حبستها. والمصبورة التي نهي عنها في الحديث هي المحبوسة على الموت، وهي المجثَّمة. وقال عنترة :فصبرتُ عارفةً لذلك حرّةً  تَرْسُو إذا نَفْسُ الجَبَانِ تَطلَّعالثانية : أمر تعالى بالصبر على الطاعة وعن المخالفة في كتابه فقال :" واصبروا " يقال فلان صابر عن المعاصي، وإذا صبر عن المعاصي فقد صبر على الطاعة، هذا أصح ما قيل. قال النحاس : ولا يقال لمن صبر على المصيبة : صابر، إنما يقال صابر على كذا. فإذا قلت صابر مطلقا فهو على ما ذكرنا، قال الله تعالى " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب[(١)](#foonote-١) " \[ الزمر : ١٠ \]. 
الثالثة : قوله تعالى :" والصلاة " خص الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات تنويها بذكرها، وكان عليه السلام إذا حزبه[(٢)](#foonote-٢) أمر فزع إلى الصلاة. ومنه ما روي أن عبدالله بن عباس نعي له أخوه قثم - وقيل بنت له - وهو في سفر فاسترجع وقال :( عورة سترها الله، ومؤونة كفاها الله، وأجر ساقه الله، ثم تنحى عن الطريق وصلى، ثم انصرف إلى راحلته وهو يقرأ :" واستعينوا بالصبر والصلاة " فالصلاة على هذا التأويل هي الشرعية، وقال قوم : هي الدعاء على عرفها في اللغة، فتكون الآية على هذا التأويل مشبهة لقوله تعالى :" إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله " \[ الأنفال ٤٥ \] لأن الثبات هو الصبر، والذكر هو الدعاء. وقول ثالث، قال مجاهد : الصبر في هذه الآية الصوم، ومنه قيل لرمضان شهر الصبر فجاء الصوم والصلاة على هذا القول في الآية متناسبا في أن الصيام يمنع من الشهوات ويزهد في الدنيا والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وتخشع ويقرأ فيها القرآن الذي يذكر الآخرة والله أعلم. 
الرابعة : الصبر على الأذى والطاعات من باب جهاد النفس وقمعها عن شهواتها ومنعها من تطاولها وهو من أخلاق الأنبياء والصالحين، قال يحيى بن اليمان : الصبر ألا تتمنى حالة سوى ما رزقك الله والرضا بما قضى الله من أمر دنياك وآخرتك. وقال الشعبي : قال علي رضي الله عنه : الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد. قال الطبري : وصدق علي رضي الله منه وذلك أن الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح فمن لم يصبر على العمل بجوارحه لم يستحق الإيمان بالإطلاق. فالصبر على العمل بالشرائع نظير الرأس من الجسد للإنسان الذي لا تمام له إلا به. 
الخامسة : وصف الله تعالى جزاء الأعمال وجعل لها نهاية وحدا فقال :" من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها[(٣)](#foonote-٣) " \[ الأنعام ١٦٠ \] وجعل جزاء الصدقة في سبيل الله فوق هذا فقال :" مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة[(٤)](#foonote-٤) " \[ البقرة : ٢٦١ \] الآية. وجعل أجر الصابرين بغير حساب ومدح أهله فقال " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " \[ الزمر : ١٠ \] وقال " ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور[(٥)](#foonote-٥) " \[ الشورى : ٤٣ \]. وقد قيل أن المراد بالصابرين في قوله " إنما يوفى الصابرون " \[ الزمر : ١٠ \] أي الصائمون ؛ لقوله تعالى في صحيح السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم : الصيام لي وأنا أجزي به. فلم يذكر ثوابا مقدرا كما لم يذكره في الصبر والله أعلم. 
السادسة : من فضل الصبر وصف الله تعالى نفسه به كما في حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( ليس أحد أو ليس شيء أصبر على أذى سمعه من الله تعالى، إنهم ليدعون له ولدا وإنه ليعافيهم ويرزقهم ). أخرجه البخاري. قال علماؤنا : وصف الله تعالى بالصبر إنما هو بمعنى الحلم ومعنى وصفه تعالى بالحلم هو تأخير العقوبة عن المستحقين لها، ووصفه تعالى بالصبر لم يرد في التنزيل وإنما ورد في حديث أبي موسى وتأوله أهل السنة على تأويل الحلم قال ابن فورك وغيره : وجاء في أسمائه " الصبور " للمبالغة في الحلم عمن عصاه. 
السابعة : قوله تعالى :" وإنها لكبيرة " اختلف المتأولون في عود الضمير من قوله :" وإنها "، فقيل : على الصلاة وحدها خاصة، لأنها تكبر على النفوس ما لا يكبر الصوم. والصبر هنا الصوم، فالصلاة فيها سجن النفوس والصوم إنما فيه منع الشهوة، فليس من منع شهوة واحدة أو شهوتين كمن منع جميع الشهوات. فالصائم إنما منع شهوة النساء والطعام والشراب، ثم ينبسط في سائر الشهوات من الكلام والمشي والنظر إلى غير ذلك من ملاقاة الخلق، فيتسلى بتلك الأشياء عما منع والمصلي يمتنع من جميع ذلك فجوارحه كلها مقيدة بالصلاة عن جميع الشهوات. وإذا كان ذلك كانت الصلاة أصعب على النفس ومكابدتها أشد. فلذلك قال " وإنها لكبيرة " وقيل عليهما، ولكنه كنى عن الأغلب وهو الصلاة، كقوله " والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله[(٦)](#foonote-٦) " \[ التوبة : ٣٤ \] وقوله " وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها[(٧)](#foonote-٧) " \[ الجمعة : ١١ \]. فرد الكناية إلى الفضة لأنها الأغلب والأعم وإلى التجارة لأنها الأفضل والأهم. وقيل : إن الصبر لما كان داخلا في الصلاة أعاد عليها كما قال :" والله ورسوله أحق أن يرضوه[(٨)](#foonote-٨) " \[ التوبة : ٦٢ \] ولم يقل يرضوهما ؛ لأن رضا الرسول داخل في رضا الله جل وعز ومنه قول الشاعر[(٩)](#foonote-٩) :إن شَرْخَ الشباب والشَّعَر الأس  ود ما لم يُعَاصَ كان جنوناولم يقل يعاصيا، رد إلى الشباب ؛ لأن الشعر داخل فيه. وقيل رد الكناية إلى كل واحد منهم لكن حذف اختصارا، قال الله تعالى " وجعلنا ابن مريم وأمه آية[(١٠)](#foonote-١٠) " \[ المؤمنون : ٥٠ \] ولم يقل آيتين. ومنه قول الشاعر[(١١)](#foonote-١١) :فمن يك أمسى بالمدينة  رَحْلُهُ فإني وقَيَّارٌ بهَا لغريبوقال آخر[(١٢)](#foonote-١٢) :لكل هم من الهموم سَعَه  والصبح والمُسْيُ لا فلاح معهأراد : لغريبان، لا فلاح معهما، وقيل على العبادة التي يتضمنها بالمعنى ذكر الصبر والصلاة. وقيل على المصدر وهى الاستعانة التي يقتضيها قوله :" واستعينوا " وقيل على أجابه محمد عليه السلام، لأن الصبر والصلاة مما كان يدعو إليه. وقيل على الكعبة ؛ لأن الأمر بالصلاة إنما هو إليها. " وكبيرة " معناه ثقيلة شاقة، خبر " إن " ويجوز في غير القرآن :" وإنه لكبيرة إلا على الخاشعين " فإنها خفيفة عليهم. قال أرباب المعاني : إلا على من أيد في الأزل بخصائص الاجتباء والهدى. 
الثامنة : قوله تعالى :" على الخاشعين " الخاشعون جمع خاشع، وهو المتواضع. والخشوع : هيئة في النفس يظهر منها في الجوارح سكون وتواضع. وقال قتادة : الخشوع في القلب وهو الخوف وغض البصر في الصلاة. قال الزجاج : الخاشع الذي يرى أثر الذل والخشوع عليه كخشوع الدار بعد الإقواء هذا هو الأصل قال النابغة :رمادٌ ككُحل العين لأياً أبيّنه  ونُؤيٌ كَجِذْمِ الحوض أثْلَمُ خاشعومكان خاشع : لا يهتدى له. وخشعت الأصوات أي سكنت، وخشعت خراشي صدره إذا ألقى بصاقا لزجا. وخشع ببصره إذا غضه. والخُشْعة قطعة من الأرض رخوة. وفي الحديث ( كانت خُشْعة على الماء ثم دحيت بعد[(١٣)](#foonote-١٣) ). وبلدة خاشعة مغبرة لا منزل بها. قال سفيان الثوري : سألت الأعمش عن الخشوع فقال : يا ثوري أنت تريد أن تكون إماما للناس، ولا تعرف الخشوع، سألت إبراهيم النخعي عن الخشوع فقال : أُعَيْمِش تريد أن تكون إماما للناس ولا تعرف الخشوع ليس الخشوع بأكل الخشن ولبس الخشن وتطأطؤ الرأس، لكن الخشوع أن ترى الشريف والدنيء في الحق سواء، وتخشع لله في كل فرض افترض عليك. ونظر عمر بن الخطاب إلى شاب قد نكس رأسه فقال يا هذا ! ارفع رأسك فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب. وقال علي بن أبي طالب : الخشوع في القلب، وأن تلين كفيك للمرء المسلم وألا تلتفت في صلاتك. وسيأتي هذا المعنى مجودا عند قوله تعالى " قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون[(١٤)](#foonote-١٤) " \[ المؤمنون : ١ - ٢ \] فمن أظهر للناس خشوعا فوق ما في قلبه فإنما أظهر نفاقا على نفاق. قال سهل بن عبدالله : لا يكون خاشعا حتى تخشع كل شعرة على جسده لقول الله تبارك وتعالى :" تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم[(١٥)](#foonote-١٥) " \[ الزمر : ٢٣ \]. 
قلت : هذا هو الخشوع المحمود ؛ لأن الخوف إذا سكن القلب أوجب خشوع الظاهر فلا يملك صاحبه دفعه فتراه مطرقا متأدبا متذللا. وقد كان السلف يجتهدون في ستر ما يظهر من ذلك، وأما المذموم فتكلفه والتباكي ومطأطأة الرأس كما يفعله الجهال ليروا بعين البر والإجلال، وذلك خدع من الشيطان وتسويل من نفس الإنسان. روى الحسن أن رجلا تنفس عند عمر بن الخطاب، كأنه يتحازن فلكزه عمر أو قال لكمه. وكان عمر رضي الله عنه إذا تكلم أسمع وإذا مشى أسرع وإذا ضرب أوجع وكان ناسكا صدقا وخاشعا حقا. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : الخاشعون هم المؤمنون حقا. 
١ راجع ج ١٥ ص ٢٤١..
٢ حزبه: أي نزل به مهم أو أصابه غم..
٣ راجع ج ٧ ص ١٥٠..
٤ راجع ج ٣ ص ٣٠٢..
٥ راجع ج ١٦ ص ٤٤..
٦ راجع ج ٨ ص ١٢٣- ١٢٧..
٧ راجع ج ١٨ ص ١٠٩..
٨ راجع ج ٨ ص ١٩٣..
٩ هو حسان بن ثابت..
١٠ راجع ج ١٢ ص ١٢٦..
١١ هو ضابئ البرجمي، كما في اللسان مادة (قير) والكامل للمبرد (ج ١ ص ١٨١) طبع أوربا..
١٢ هو الأضبط بن قريع لسعدي، عن اللسان مادة (مسا)..
١٣ الذي في نهاية ابن الأثير مادة (خشع): "كانت الكعبة خشعة على الماء فدحيت منها الأرض"..
١٤ راجع ج ١٢ ص ١٠٢..
١٥ راجع ج ١٥ ص ٢٤٨.

### الآية 2:46

> ﻿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [2:46]

قوله تعالى :" الذين يظنون " ( الذين ) في موضع خفض على النعت للخاشعين، ويجوز الرفع على القطع. والظن هنا في قول الجمهور بمعنى اليقين ومنه قوله تعالى " إني ظننت أني ملاق حسابيه[(١)](#foonote-١) " \[ الحاقة : ٢٠ \] وقوله :" فظنوا أنهم مواقعوها[(٢)](#foonote-٢) " \[ الكهف : ٥٣ \]. قال دريد بن الصمة :
فقلت لهم ظُنُّوا بألفَيْ مُدَجَّجٍ \*\*\* سَرَاتُهُم في الفارسي المُسَرَّد
**وقال أبو داود :**
ربَّ هَمٍّ فرجته بغَرِيم \*\*\* وغيوب كشفتها بظنون
وقد قيل : إن الظن في الآية يصح أن يكون على بابه، ويضمر في الكلام بذنوبهم، فكأنهم يتوقعون لقاءه مذنبين. ذكر المهدوي والماوردي. قال ابن عطية : وهذا تعسف. وزعم الفراء أن الظن قد يقع بمعنى الكذب ولا يعرف ذلك البصريون. وأصل الظن وقاعدته الشك مع ميل إلى أحد معتقديه، وقد يوقع موقع اليقين، كما في هذه الآية وغيرها لكنه لا يوقع فيما قد خرج إلى الحس لا تقول العرب في رجل مرئي حاضر : أظن هذا إنسانا. وإنما تجد الاستعمال فيما لم يخرج إلى الحس بمعنى كهذه الآية والشعر، وكقوله تعالى " فظنوا أنهم مواقعوها ". وقد يجيء اليقين بمعنى الظن وقد تقدم بيانه أول السورة وتقول : سؤت به ظنا وأسأت به الظن. يدخلون الألف إذا جاؤوا بالألف واللام. ومعنى " ملاقو ربهم " جزاء ربهم. وقيل : إذا جاء على المفاعلة وهو من واحد، مثل عافاه الله. " وأنهم " بفتح الهمزة عطف على الأول ويجوز " وإنهم " بكسرها على القطع. " إليه " أي إلى ربهم، وقيل إلى جزائه. " راجعون " إقرار بالبعث والجزاء والعرض على الملك الأعلى.

١ راجع ج ١٨ ص ٢٧٠..
٢ راجع ج ١١ ص ٣٠..

### الآية 2:47

> ﻿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [2:47]

قوله تعالى :" يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم " تقدم[(١)](#foonote-١). " وأني فضلتكم على العالمين " يريد على عالمي زمانهم، وأهل كل زمان عالم. وقيل : على كل العالمين بما جعل فيهم من الأنبياء. وهذا خاصة لهم وليست لغيرهم.

١ راجع ص ٣٣٠ من هذا الجزء..

### الآية 2:48

> ﻿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ [2:48]

قوله تعالى :" واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا " أمر معناه الوعيد، وقد مضى الكلام في التقوى[(١)](#foonote-١). " يوماً " يريد عذابه وهوله وهو يوم القيامة. وتنصب على المفعول ب " اتقوا ". ويجوز في غير القرآن يوم لا تجزي على الإضافة. وفي الكلام حذف بين النحويين فيه اختلاف. قال البصريون : التقدير يوما لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئا ثم حذف فيه كما قال :
ويوما شهدناه سُلَيْماً وعامرا[(٢)](#foonote-٢)
أي شهدنا فيه. وقال الكسائي : هذا خطأ لا يجوز حذف " فيه " ولكن التقدير : واتقوا يوما لا تجزيه نفس، ثم حذف الهاء. وإنما يجوز حذف الهاء لأن الظروف عنده لا يجوز حذفها قال : لا يجوز أن تقول هذا رجلا قصدت، ولا رأيت رجلا أرغب، وأنت تريد قصدت إليه وأرغب فيه قال : ولو جاز ذلك لجاز الذي تكلمت زيد بمعنى تكلمت فيه زيد. وقال الفراء يجوز أن تحذف الهاء وفيه. وحكى المهدوي أن الوجهين جائزان عند سيبويه والأخفش والزجاج. ومعنى " لا تجزي نفس عن نفس شيئا " أي لا تؤاخذ نفس بذنب أخرى ولا تدفع عنها شيئا تقول : جزى عني هذا الأمر يجزي، كما تقول : قضى عني واجتزأت بالشيء اجتزاء إذا اكتفيت به، قال الشاعر :

فإن الغدر في الأقوام عارٌ  وأن الحر يَجْزَأُ بالكُرَاعِأي يكتفي بها وفي حديث عمر ( إذا أجريت الماء على الماء جزى عنك ) يريد إذا صببت الماء على البول في الأرض فجرى عليه طهر المكان ولا حاجة بك إلى غسل ذلك الموضع وتنشيف الماء بخرقة أو غيرها كما يفعل كثير من الناس. وفي صحيح الحديث عن أبي بردة بن نيار في الأضحية ( لن تجزي عن أحد بعدك ) أي لن تغني. فمعنى لا تجزي لا تقضي ولا تغني ولا تكفي إن لم يكن عليها شيء، فإن كان فإنها تجزي وتقضي وتغني، بغير اختيارها من حسناتها ما عليها من الحقوق، كما في حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه ). خرجه البخاري. ومثله حديثه الآخر في المفلس وقد ذكرناه في التذكرة خرجه مسلم[(٣)](#foonote-٣). وقرئ " تجزئ " بضم التاء والهمز. ويقال جزى وأجزى بمعنى واحد، وقد فرق بينهما قوم فقالوا : جزى بمعنى قضى وكافأ، وأجزى بمعنى أغنى وكفى. أجزأني الشيء يجزئني : أي كفاني قال الشاعروأجزأت أمرَ العالمين ولم يكن  ليجزئ إلا كاملٌ وابنُ كاملالثالثة[(٤)](#foonote-٤) - قوله تعالى :" ولا يقبل منها شفاعة " الشفاعة مأخوذة من الشفع، وهما الاثنان، تقول كان وترا فشفعته شفعا. والشفعة منه لأنك تضم ملك شريكك إلى ملكك. والشفيع صاحب الشفعة وصاحب الشفاعة وناقة شافع : إذا اجتمع لها حمل وولد يتبعها، تقول منه : شفعت الناقة شفعا وناقة شفوع، وهي التي تجمع بين محلبين في حلبة واحدة، واستشفعته إلى فلان : سألته أن يشفع لي إليه. وتشفعت إليه في فلان فشفعني فيه. 
فالشفاعة إذاً ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع وإيصال منفعته للمشفوع. 
الرابعة : مذهب أهل الحق أن الشفاعة حق، وأنكرها المعتزلة وخلدوا المؤمنين من المذنبين الذين دخلوا النار في العذاب، والأخبار متظاهرة بأن من كان من العصاة المذنبين الموحدين من أمم النبيين هم الذين تنالهم شفاعة الشافعين من الملائكة والنبيين والشهداء والصالحين. 
وقد تمسك القاضي عليهم في الرد بشيئين، أحدهما : الأخبار الكثيرة التي تواترت في المعنى. 
والثاني : الإجماع من السلف على تلقي هذه الأخبار بالقبول ولم يبد من أحد منهم في عصر من الأعصار نكير فظهور روايتها وإطباقهم على صحتها وقبولهم لها دليل قاطع على صحة عقيدة أهل الحق وفساد دين المعتزلة. 
فإن قالوا : قد وردت نصوص من الكتاب بما يوجب رد هذه الأخبار مثل قوله " ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع " \[ غافر : ١٨ \] قالوا : وأصحاب الكبائر ظالمون وقال " من يعمل سوءا يجز[(٥)](#foonote-٥) به " \[ النساء : ١٢٣ \] " ولا يقبل منها شفاعة " \[ البقرة : ٤٨ \] قلنا : ليست هذه الآيات عامة في كل ظالم والعموم لا صيغة له، فلا تعم هذه الآيات كل من يعمل سوءا وكل نفس، وإنما المراد بها الكافرون دون المؤمنين بدليل الأخبار الواردة في ذلك، وأيضا فإن الله تعالى أثبت شفاعة لأقوام ونفاها عن أقوام فقال في صفة الكافرين " فما تنفعهم شفاعة الشافعين[(٦)](#foonote-٦) " \[ المدثر : ٤٨ \] وقال " ولا يشفعون إلا لمن ارتضى[(٧)](#foonote-٧) " \[ الأنبياء : ٢٨ \] وقال " ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له[(٨)](#foonote-٨) " \[ سبأ : ٢٣ \] فعلمنا بهذه الجملة أن الشفاعة إنما تنفع المؤمنين دون الكافرين. وقد أجمع المفسرون على أن المراد بقوله تعالى " واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة " النفس الكافرة لا كل نفس. ونحن وإن قلنا بعموم العذاب لكل ظالم عاص فلا نقول إنهم مخلدون فيها بدليل الأخبار التي رويناها وبدليل قوله " ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء[(٩)](#foonote-٩) " \[ النساء : ٤٨ \] وقوله " انه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون " \[ يوسف : ٨٧ \]. 
فإن قالوا : فقد قال تعالى :" ولا يشفعون إلا لمن ارتضى " والفاسق غير مرتضى قلنا لم يقل لمن لا يرضى وإنما قال " لمن ارتضى " ومن ارتضاه الله للشفاعة هم الموحدون، بدليل قوله " لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا[(١٠)](#foonote-١٠) " \[ مريم ٨٧ \] وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم ما عهد الله مع خلقه قال ( أن يؤمنوا ولا يشركوا به شيئا ) وقال المفسرون : إلا من قال لا إله إلا الله. 
فإن قالوا : المرتضى هو التائب الذي اتخذ عند الله عهدا بالإنابة إليه بدليل أن الملائكة استغفروا لهم، وقال " فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك " \[ غافر : ٧ \] وكذلك شفاعة الأنبياء عليهم السلام إنما هي لأهل التوبة دون أهل الكبائر. قلنا : عندكم يجب على الله تعالى قبول التوبة فإذا قبل الله توبة المذنب فلا يحتاج إلى الشفاعة ولا إلى الاستغفار. وأجمع أهل التفسير على أن المراد بقوله " فاغفر للذين تابوا " أي من الشرك " واتبعوا سبيلك " أي سبيل المؤمنين. سألوا الله تعالى أن يغفر لهم ما دون الشرك من ذنوبهم كما قال تعالى " ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " \[ النساء : ٤٨ \]. 
فإن قالوا : جميع الأمة يرغبون في شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم فلو كانت لأهل الكبائر خاصة بطل سؤالهم. 
قلنا : إنما يطلب كل مسلم شفاعة الرسول ويرغب إلى الله في أن تناله لاعتقاده أنه غير سالم من الذنوب ولا قائم لله سبحانه بكل ما افترض عليه بل كل واحد معترف على نفسه بالنقص، فهو لذلك يخاف العقاب ويرجو النجاة وقال صلى الله عليه وسلم ( لا ينجو أحد إلا برحمة الله تعالى فقيل : ولا أنت يا رسول الله فقال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ). 
الخامسة : قوله تعالى :" ولا يقبل " قرأ ابن كثير وأبو عمرو " تقبل " بالتاء لأن الشفاعة مؤنثة وقرأ الباقون بالياء على التذكير ؛ لأنها بمعنى الشفيع. وقال الأخفش : حسن التذكير لأنك قد فرقت، كما تقدم في قوله " فتلقى آدم من ربه كلمات[(١١)](#foonote-١١) " \[ البقرة : ٣٧ \]. 
السادسة : قوله تعالى :" ولا يؤخذ منها عدل " أي فداء. والعدل ( بفتح العين ) الفداء و( بكسرها ) المثل يقال عدل وعديل للذي يماثلك في الوزن والقدر. ويقال : عدل الشيء هو الذي يساويه قيمة وقدرا وإن لم يكن من جنسه والعدل ( بالكسر ) هو الذي يساوي الشيء من جنسه وفي جرمه وحكى الطبري أن من العرب من يكسر العين من معنى الفدية، فأما واحد الأعدال فبالكسر لا غير. 
قوله تعالى :" ولا هم ينصرون " أي يعانون والنصر العون والأنصار الأعوان ومنه قوله " من أنصاري إلى الله[(١٢)](#foonote-١٢) " \[ آل عمران : ٥٢ \] أي من يضم نصرته إلى نصرتي وانتصر الرجل أنتقم والنصر الإتيان يقال نصرت أرض بني فلان أتيتها قال الشاعر[(١٣)](#foonote-١٣) :إذا دخل الشهر الحرام فودِّعي  بلاد تميم وانصري أرضَ عامروالنصر : المطر. يقال : نصرت الأرض مطرت والنصر : العطاء قال :إني وأسطارٍ سُطِرْنَ سَطْرا  لقائلٌ يا نصرُ نصراً نصرَاوكان سبب هذه الآية فيما ذكروا أن بني إسرائيل قالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه وأبناء أنبيائه وسيشفع لنا آباؤنا، فأعلمهم الله تعالى عن يوم القيامة أنه لا تقبل فيه الشفاعات، ولا يؤخذ فيه فدية وإنما خص الشفاعة والفدية والنصر بالذكر ؛ لأنها هي المعاني التي اعتادها بنو آدم في الدنيا فإن الواقع في الشدة لا يتخلص إلا بأن يشفع له أو ينصر أو يفتدي. 
١ راجع ص ١٦١ من هذا الجزء..
٢ سليم وعامر: قبيلتان من قيس عيلان..
٣ راجع صحيح مسلم، باب تحريم الظلم (ج ٢ ص ٢٨٣) طبع بولاق..
٤ راجع ج ١٨ ص ٢٧٠. يلاحظ أن جميع نسخ الأصل التي بأيدينا لم تذكر المسألة الأولى والثانية في هذه الآية..
٥ راجع ج ٥ ص ٣٩٦.
٦ راجع ج ١٩ ص ٨٦.
٧ راجع ج ١١ ص ٢٨١..
٨ راجع ج ١٤ ص ٢٩٥.
٩ راجع ج ٥ ص ٢٤٥.
١٠ راجع ج ١١ ص ١٥٣.
١١ راجع ص ٣٢٦.
١٢ راجع ج ١٨ ص ٨٩.
١٣ هو الراعي يخاطب خيلا (عن اللسان)..

### الآية 2:49

> ﻿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ [2:49]

**فيه ثلاث عشرة مسألة :**
الأولى : قوله تعالى :" وإذ نجيناكم " " إذ " في موضع نصب عطف على " اذكروا نعمتي " وهذا وما بعده تذكير ببعض النعم التي كانت له عليهم أي اذكروا نعمتي بإنجائكم من عدوكم وجعل الأنبياء فيكم. والخطاب للموجودين والمراد من سلف من الآباء كما قال " إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية[(١)](#foonote-١)[(٢)](#foonote-٢) " \[ الحاقة : ١١ \] أي حملنا آباءكم وقيل : إنما قال " نجيناكم " لأن نجاة الآباء كانت سببا لنجاة هؤلاء الموجودين. ومعنى " نجيناكم " ألقيناكم على نجوة من الأرض، وهي ما ارتفع منها هذا هو الأصل، ثم سمى كل فائز ناجيا فالناجي من خرج من ضيق إلى سعة وقرئ " وإذ نجيتكم " على التوحيد. 
الثانية : قوله تعالى :" من آل فرعون " " آل فرعون " قومه وأتباعه وأهل دينه وكذلك آل الرسول صلى الله عليه وسلم من هو على دينه وملته في عصره وسائر الأعصار سواء كان نسيبا له أو لم يكن. ومن لم يكن على دينه وملته فليس من آله ولا أهله وإن كان نسيبه وقريبه. خلافا للرافضة ؛ حيث قالت : إن آل الرسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة والحسن والحسين فقط. دليلنا قوله تعالى " وأغرقنا آل فرعون " \[ البقرة : ٥٠ \] " أدخلوا آل فرعون أشد العذاب[(٣)](#foonote-٣) " \[ غافر : ٤٦ \] أي آل دينه إذ لم يكن له ابن ولا بنت ولا أب ولا عم ولا أخ ولا عصبة، ولأنه لا خلاف أن من ليس بمؤمن ولا موحد فإنه ليس من آل محمد وإن كان قريبا له ؛ ولأجل هذا يقال : إن أبا لهب وأبا جهل ليسا من آله، ولا من أهله وإن كان بينهما وبين النبي صلى الله عليه وسلم قرابة ؛ ولأجل هذا قال الله تعالى في ابن نوح " إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح[(٤)](#foonote-٤) " \[ هود : ٤٦ \] وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم جهارا غير سر يقول ( ألا[(٥)](#foonote-٥) إن آل أبي - يعني[(٦)](#foonote-٦) فلانا - ليسوا لي[(٧)](#foonote-٧) بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين ) وقالت طائفة : آل محمد أزواجه وذريته خاصة لحديث أبي حميد الساعدي أنهم قالوا : يا رسول الله كيف نصلي عليك ؟ قال ( قولوا اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته كما صلت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ) رواه مسلم وقالت طائفة من أهل العلم : الأهل معلوم والآل الأتباع. والأول أصح لما ذكرناه ولحديث عبدالله بن أبي أوفى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه قوم بصدقتهم قال ( اللهم صل عليهم ) فأتاه أبي بصدقته فقال ( اللهم صل على آل أبي أوفى )
الثالثة : اختلف النحاة هل يضاف الآل إلى البلدان أو لا ؟ فقال الكسائي : إنما يقال آل فلان وآل فلانة ولا يقال في البلدان هو من آل حمص ولا من آل المدينة. قال الأخفش : إنما يقال في الرئيس الأعظم نحو آل محمد صلى الله عليه وسلم وآل فرعون ؛ لأنه رئيسهم في الضلالة قال : وقد سمعناه في البلدان قالوا : أهل المدينة وآل المدينة. 
الرابعة : واختلف النحاة أيضا هل يضاف الآل إلى المضمر أو لا ؟ فمنع من ذلك النحاس والزبيدي والكسائي فلا يقال إلا : اللهم صل على محمد وآل محمد ولا يقال وآله، والصواب أن يقال أهله. وذهبت طائفة أخرى إلى أن ذلك يقال. منهم ابن السيد وهو الصواب ؛ لأن السماع الصحيح يعضده فإنه قد جاء في قول عبد المطلب :
لا هُمَّ إن العبد يم \*\*\* نع رحله فامنع حِلاَلَكْ[(٨)](#foonote-٨)
وانصر على آل الصلي \*\*\* ب وعابديه اليوم آلَكْ
**وقال ندبة :**
أنا الفارس الحامي حقيقةَ والدي\*\*\* وآلي كما تحمي حقيقةَ آلكا
الحقيقة \[ بقافين \] ما يحق على الإنسان أن يحميه أي تجب عليه حمايته
الخامسة : واختلفوا أيضا في أصل آل فقال النحاس : أصله أهل ثم أبدل من الهاء ألفا، فإن صغرته رددته إلى أصله. فقلت : أهيل وقال المهدوي : أصله أول وقيل : أهل، قبلت الهاء همزة، ثم أبدلت الهمزة ألفا وجمعه آلون وتصغيره أويل فيما حكى الكسائي. وحكى غيره : أهيل، وقد ذكرناه عن النحاس. وقال أبو الحسن بن كيسان : إذا جمعت : آلا، قلت : آلون، فإن جمعت آلا الذي هو السراب، قلت : آوال مثل : مال وأموال. 
السادسة : قوله تعالى :" فرعون " قيل : إنه اسم ذلك الملك بعينه، وقيل : إنه اسم كل ملك من ملوك العمالقة مثل كسرى للفرس وقيصر للروم والنجاشي للحبشة، وأن اسم فرعون موسى قابوس في قول أهل الكتاب. وقال وهب : اسمه الوليد بن مصعب بن الريان، ويكنى : أبا مرة، وهو من بني عمليق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام. قال السهيلي : وكل من ولى القبط ومصر فهو فرعون، وكان فارسيا من أهل اصطخر. قال المسعودي : لا يعرف لفرعون تفسير بالعربية. قال الجوهري : فرعون لقب الوليد بن مصعب ملك مصر، وكل عات فرعون، والعتاة الفراعنة، وقد تفرعن، وهو ذو فرعنة أي دهاء ومكر. وفي الحديث ( أخذنا فرعون هذه الأمة ) " وفرعون " في موضع خفض إلا أنه لا ينصرف لعجمته. 
السابعة : قوله تعالى :" يسومونكم " قيل معناه يذيقونكم ويلزمونكم إياه وقال أبو عبيدة : يولونكم يقال سامه خطة خسف إذا أولاه إياها ومنه قول عمرو بن كلثوم
إذا ما الملك سامَ الناس خسفا \*\*\* أبَيْنَا أن نُقِرَّ الخَسْف فينا
وقيل : يديمون تعذيبكم، والسوم الدوام، ومنه سائمة الغنم لمداومتها الرعي. قال الأخفش : وهو في موضع رفع على الابتداء[(٩)](#foonote-٩) وإن شئت كان في موضع نصب على الحال أي سائمين لكم
الثامنة : قوله تعالى :" سوء العذاب " مفعول ثان ل " يسومونكم " ومعناه أشد العذاب، ويجوز أن يكون بمعنى سوم العذاب، وقد يجوز أن يكون نعتا بمعنى سوما سيئا، فروي أن فرعون جعل بني إسرائيل خدما وخولا وصنفهم في أعماله، فصنف يبنون وصنف يحرثون ويزرعون وصنف يتخدمون، وكان قومه جندا ملوكا ومن لم يكن منهم في عمل من هذه الأعمال ضربت عليه الجزية فذلك سوء العذاب. 
التاسعة : قوله تعالى :" يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم " " يذبحون " بغير واو على البدل من قومه " يسومونكم " كما قال أنشده سيبويه :
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا \*\*\* تجد حطبا جَزْلاً وناراً تأجَّجَا
قال الفراء وغيره " يذبحون " بغير واو على التفسير لقوله " يسومونكم سوء العذاب " \[ البقرة : ٤٩ \] كما تقول أتاني القوم زيد وعمرو فلا تحتاج إلى الواو في زيد ونظيره :" ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب[(١٠)](#foonote-١٠) " \[ الفرقان : ٦٨ - ٦٩ \] وفي سورة إبراهيم " ويذبحون " بالواو لأن المعنى يعذبونكم بالذبح وبغير الذبح، فقوله " ويذبحون أبناءكم " جنس آخر من العذاب لا تفسير لما قبله والله أعلم. 
قلت : قد يحتمل أن يقال : إن الواو زائدة بدليل سورة " البقرة " والواو قد تزاد كما قال :
فلما أَجَزْنَا ساحةَ الحَيِّ وانتَحَى
**أي قد انتحى وقال آخر :**
إلى الملك القَرْمِ وابن الهمام \*\*\* وليثِ الكتيبةِ في المُزْدَحَم
أراد إلى الملك القرم ابن الهمام ليث الكتيبة وهو كثير. 
العاشرة : قوله تعالى :" يذبحون " قراءة الجماعة بالتشديد على التكثير، وقرأ ابن محيصن " يذبحون " بفتح الباء والذبح الشق والذبح المذبوح، والذباح : تشقق في أصول الأصابع، وذبحت الدن بزلته أي كشفته، وسعد الذابح أحد السعود، والمذابح المحاريب والمذابح جمع مذبح، وهو إذا جاء السيل فخد في الأرض، فما كان كالشبر ونحوه سمي مذبحا. فكان فرعون يذبح الأطفال ويبقي البنات وعبر عنهم باسم النساء بالمآل، وقالت طائفة :" يذبحون أبناءكم " يعني الرجال وسموا أبناء لما كانوا كذلك، واستدل هذا القائل بقوله " نساءكم " والأول أصح لأنه الأظهر. والله أعلم. 
الحادية عشرة : نسب الله تعالى الفعل إلى آل فرعون، وهم إنما كانوا يفعلون بأمره وسلطانه لتوليهم ذلك بأنفسهم، وليعلم أن المباشر مأخوذ بفعله. قال الطبري : ويقتضي أن من أمره ظالم بقتل أحد فقتله المأمور فهو المأخوذ به. 
قلت : وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال : يقتلان جميعا هذا بأمره والمأمور بمباشرته، هكذا قال النخعي. وقال الشافعي ومالك في تفصيل لهما. قال الشافعي : إذا أمر السلطان رجلا بقتل رجل والمأمور يعلم أنه أمر بقتله ظلما كان عليه وعلى الإمام القود كقاتلين معا، وإن أكرهه الإمام عليه وعلم أنه يقتله ظلما كان على الإمام القود، وفي المأمور قولان : أحدهما : أن عليه القود والآخر لا قود عليه، وعليه نصف الدية. حكاه ابن المنذر. وقال علماؤنا : لا يخلو المأمور أن يكون ممن تلزمه طاعة الآمر ويخاف شره كالسلطان والسيد لعبده، فالقود في ذلك لازم لهما أو يكون ممن لا يلزمه ذلك فيقتل المباشر وحده دون الآمر، وذلك كالأب يأمر ولده أو المعلم بعض صبيانه أو الصانع بعض متعلميه إذا كان محتلما فإن كان غير محتلم فالقتل على الآمر وعلى عاقلة الصبي نصف الدية. وقال ابن نافع : لا يقتل السيد إذا أمر عبده وإن كان أعجميا بقتل إنسان. قال ابن حبيب : وبقول ابن القاسم أقول إن القتل عليهما فأما أمر من لا خوف على المأمور في مخالفته، فإنه لا يلحق بالإكراه بل يقتل المأمور دون الآمر، ويضرب الآمر ويحبس. وقال أحمد في السيد يأمر عبده أن يقتل رجلا : يقتل السيد. وروي هذا القول عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة رضي الله عنهما وقال علي ويستودع العبد السجن. وقال أحمد : ويحبس العبد ويضرب ويؤدب. وقال الثوري : يعزر السيد. وقال الحكم وحماد : يقتل العبد. وقال قتادة : يقتلان جميعا. وقال الشافعي : إن كان العبد فصيحا يعقل قتل العبد وعوقب السيد وإن كان العبد أعجميا فعلى السيد القود. وقال سليمان بن موسى : لا يقتل الآمر ولكن تقطع يديه ثم يعاقب ويحبس، وهو القول الثاني، ويقتل المأمور للمباشرة وكذلك قال عطاء والحكم وحماد والشافعي وأحمد وإسحاق في الرجل يأمر الرجل بقتل الرجل وذكره ابن المنذر. وقال زفر : لا يقتل واحد منهما وهو القول الثالث. حكاه أبو المعالي في البرهان ورأى أن الآمر والمباشر ليس كل واحد منهما مستقلا في القود ؛ فلذلك يقتل لا واحد منهما عنده والله أعلم. 
الثانية عشرة : قرأ الجمهور " يذبحون " بالتشديد على المبالغة، وقرأ ابن محيصن " يذبحون " بالتخفيف والأولى أرجح إذ الذبح متكرر، وكان فرعون على ما روي قد رأى في منامه نارا خرجت من بيت المقدس، فأحرقت بيوت مصر فأولت له رؤياه أن مولودا من بني إسرائيل ينشأ، فيكون خراب ملكه على يديه، وقيل غير هذا والمعنى متقارب. 
الثالثة عشرة : قوله تعالى :" وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم " إشارة إلى جملة الأمر إذ هو خبر فهو كمفرد حاضر أي وفي فعلهم ذلك بكم بلاء أي امتحان واختبار و " بلاء " نعمة. ومنه قوله تعالى " وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا " \[ الأنفال : ١٧ \] قال أبو الهيثم : البلاء يكون حسنا. ويكون سيئا وأصله المحنة والله عز وجل يبلو عبده بالصنع الجميل ليمتحن شكره ويبلوه بالبلوى التي يكرهها ليمتحن صبره، فقيل : للحسن بلاء وللسيئ بلاء. حكاه الهروي. وقال قوم : الإشارة ب " ذلكم " إلى التنجية فيكون البلاء على هذا في الخير أي تنجيتكم نعمة من الله عليكم. وقال الجمهور : الإشارة إلى الذبح ونحوه. والبلاء هنا في الشر والمعنى وفي الذبح مكروه وامتحان وقال ابن كيسان : ويقال في الخير : أبلاه الله وبلاه وأنشد :
جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم \*\*\* وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو[(١١)](#foonote-١١)
فجمع بين اللغتين ١ راجع ج ١٨ ص ٢٧٠..
٢ راجع ج ١٨ ص ٢٦٣..
٣ راجع ج ١٥ ص ٣١٩.
٤ راجع ج ٩ ص ٤٦..
٥ الزيادة عن صحيح مسلم..
٦ قوله: يعني فلانا. "ألا إن آل أبي فلان" فال النووي: "هذه الكناية هي من بعض الرواة، خشي أن يسميه فيترتب عليه من النفر الذين كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته. راجع سيرة ابن هاشم (ج ١ ص ٢٧٦) طبع أوربا..
٧ الزيادة عن صحيح مسلم..
٨ الحلال (بالكسر): القوم المقيمون المتجاورون. يريد بهم سكان الحرم..
٩ يريد أنها مستأنفة. وعبارة البحر لأبي حيان: "يحتمل أن تكون وهذه الجملة مستأنفة وهي حكاية حال ماضية، ويحتمل أن تكون في موضع الحال؛ أي سائليكم"..
١٠ راجع ج ١٣ ص ٧٦..
١١ قائله زهير.

### الآية 2:50

> ﻿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [2:50]

قوله تعالى :" وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم " " إذ " في موضع نصب و " فرقنا " فلقنا فكان كل فرق كالطود العظيم أي الجبل العظيم، وأصل الفرق الفصل ومنه فرق الشعر، ومنه الفرقان ؛ لأنه يفرق بين الحق والباطل أي يفصل ومنه :" فالفارقات فرقا[(١)](#foonote-١) " \[ المرسلات : ٤ \] يعني الملائكة تنزل بالفرق ببن الحق والباطل ومنه " يوم الفرقان[(٢)](#foonote-٢) " \[ الأنفال : ٤١ \] يعني يوم بدر كان، فيه فرق بين الحق والباطل ومنه " وقرآنا فرقناه[(٣)](#foonote-٣) " \[ الإسراء : ١٠٦ \] أي فصلناه وأحكمناه. وقرأ الزهري " فرقنا " بتشديد الراء أي جعلناه فرقا ومعنى " بكم " أي لكم فالباء بمعنى اللام وقيل الباء في مكانها أي فرقنا البحر بدخولكم إياه أي صاروا بين الماءين فصار الفرق بهم وهذا أولى يبينه " فانفلق ". 
قوله تعالى :" بكم البحر " البحر معروف سمي بذلك لاتساعه. ويقال فرسٌ بحرٌ : إذا كان واسع الجري أي كثيره، ومن ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في مندوب فرس أبي طلحة ( وإن وجدناه لبحرا ) والبحر الماء الملح، ويقال : أبحر الماء ملُحَ. قال نُصَيْب :
وقد عاد ماء الأرض بحراً فزادني\*\*\* إلى مرضي أن أبحرَ المشربُ العذبُ
والبحر البلدة يقال : هذه بحرتنا أي بلدتنا. قال الأموي : والبحر السلال[(٤)](#foonote-٤) يصيب الإنسان. ويقولون لقيته صَحْرَةً بَحْرَةً ؛ أي : بارزا مكشوفا. وفي الخبر عن كعب الأحبار قال : إن لله ملكا يقال له : صندفاييل، البحار كلها في نقرة إبهامه. ذكره أبو نعيم في ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن كعب. 
قوله تعالى :" فأنجيناكم " أي أخرجناكم منه يقال : نجوت من كذا نجاء ممدود ونجاة مقصور والصدق منجاة. وأنجيت غيري ونجيته وقرئ بهما " وإذ نجيناكم " " فأنجيناكم ". 
قوله تعالى :" وأغرقنا آل فرعون " يقال غرق في الماء غرقا فهو غرق وغارق أيضا ومنه قول أبي النجم :
من بين مقتولٍ وطافٍ غارقِ[(٥)](#foonote-٥)
وأغرقه غيره وغرقه فهو مغرق وغريق. ولجام مغرق بالفضة أي محلى والتغريق : القتل. قال الأعشى :
ألا ليت قيساً غرَّقْتْهُ القَوابِل[(٦)](#foonote-٦)
وذلك أن القابلة كانت تغرق المولود في ماء السلى عام القحط ذكرا كان أو أنثى، حتى يموت ثم جعل كل قتل تغريقا، ومنه قول ذي الرمة :

إذا غرَّقَتْ أرباضُها ثِنْيَ بَكْرَةٍ  بِتَيْهَاء لم تصبح رَؤُوماً سَلُوبُهَاوالأرباض : الحبال. والبكرة : الناقة الفتية. وثنيها بطنها الثاني، وإنما لم تعطف على ولدها لما لحقها من التعب. 
القول في اختلاف العلماء في كيفية إنجاء بني إسرائيل
فذكر الطبري أن موسى عليه السلام أوحي إليه أن يسري من مصر ببني إسرائيل، فأمرهم موسى أن يستعيروا الحلي والمتاع من القبط، وأحل الله ذلك لبني إسرائيل، فسرى بهم موسى من أول الليل، فأعلم فرعون فقال : لا يتبعهم أحد حتى تصيح الديكة، فلم يصح تلك الليلة بمصر ديك، وأمات الله تلك الليلة كثيرا من أبناء القبط، فاشتغلوا في الدفن وخرجوا في الأتباع مشرقين كما قال تعالى " فأتبعوهم مشرقين[(٧)](#foonote-٧) " \[ الشعراء : ٦٠ \] وذهب موسى إلى ناحية البحر حتى بلغه. وكانت عدة بني إسرائيل نيفا على ستمائة ألف. وكانت عدة فرعون ألف ألف ومائتي ألف. وقيل : إن فرعون اتبعه في ألف ألف حصان سوى الإناث وقيل دخل إسرائيل - وهو يعقوب عليه السلام - مصر في ستة وسبعين نفسا من ولده وولد ولده، فأنمى الله عددهم وبارك في ذريته حتى خرجوا إلى البحر يوم فرعون، وهم ستمائة ألف من المقاتلة سوى الشيوخ والذرية والنساء، وذكر أبو بكر عبدالله بن محمد بن أبي شيبة قال : حدثنا شبابة بن سوار عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبدالله بن مسعود أن موسى عليه السلام حين أسرى ببني إسرائيل بلغ فرعون فأمر بشاة فذبحت، ثم قال : لا والله لا يفرغ من سلخها حتى تجتمع لي ستمائة ألف من القبط، قال : فانطلق موسى حتى انتهى إلى البحر فقال له : افرق، فقال له البحر : لقد استكبرت يا موسى، وهل فرقت لأحد من ولد آدم، فأفرق لك. قال : ومع موسى رجل على حصان له قال : فقال له ذلك الرجل : أين أمرت يا نبي الله ؟ قال : ما أمرت إلا بهذا الوجه، قال : فأقحم فرسه فسبح فخرج. فقال : أين أمرت يا نبي الله ؟ قال : ما أمرت إلا بهذا الوجه. قال : والله ما كذبت ولا كذبت، ثم أقتحم الثانية، فسبح به حتى خرج، فقال : أين أمرت يا نبي الله ؟ فقال ما أمرت إلا بهذا الوجه. قال : والله ما كذبت ولا كذبت. قال : فأوحى الله إليه " أن اضرب بعصاك البحر " \[ الأعراف : ١٦٠ \] فضربه موسى بعصاه " فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم " \[ الشعراء : ٦٣ \] فكان فيه اثنا عشر فرقا لاثني عشر سبطا، لكل سبط طريق يتراءون، وذلك أن أطواد الماء صار فيها طيقانا وشبابيك يرى منها بعضهم بعضا، فلما خرج أصحاب موسى وقام أصحاب فرعون التطم البحر عليهم فأغرقهم، ويذكر أن البحر هو بحر القلزم، وأن الرجل الذي كان مع موسى على الفرس هو فتاه يوشع بن نون، وأن الله تعالى أوحى إلى البحر : أن انفلق لموسى إذا ضربك، فبات البحر تلك الليلة يضطرب، فحين أصبح ضرب البحر وكناه أبا خالد. [(٨)](#foonote-٨) ذكره ابن أبي شيبة أيضا وقد أكثر المفسرون في قصص هذا المعنى وما ذكرناه كاف وسيأتي في سورة " يونس والشعراء[(٩)](#foonote-٩) " زيادة بيان أن شاء الله تعالى. 
فصل : ذكر الله تعالى الإنجاء والإغراق ولم يذكر اليوم الذي كان ذلك فيه، فروى مسلم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما هذا اليوم الذي تصومونه ) فقالوا : هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وغرق فرعون وقومه فصامه موسى شكرا فنحن نصومه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( فنحن أحق وأولى بموسى منكم ) فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه. وأخرجه البخاري أيضا عن ابن عباس وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ( أنتم أحق بموسى منهم فصوموا ). 
مسألة : ظاهر هذه الأحاديث تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما صام عاشوراء وأمر بصيامه اقتداء بموسى عليه السلام على ما أخبره به اليهود. وليس كذلك لما روته عائشة رضي الله عنها قالت : كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله صلى يصومه في الجاهلية فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك صيام يوم عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه أخرجه البخاري ومسلم. 
فإن قيل : يحتمل أن تكون قريش إنما صامته بإخبار اليهود لها ؛ لأنهم كانوا يسمعون منهم ؛ لأنهم كانوا عندهم أهل علم فصامه النبي عليه السلام كذلك في الجاهلية أي بمكة، فلما قدم المدينة ووجد اليهود يصومونه قال ( نحن أحق وأولى بموسى منكم ) فصامه اتباعا لموسى. ( وأمر بصيامه ) أي أوجبه وأكد أمره حتى كانوا يصومونه الصغار قلنا : هذه شبهة من قال : إن النبي صلى لعله كان متعبدا بشريعة موسى وليس كذلك على ما يأتي بيانه في " الأنعام[(١٠)](#foonote-١٠) " عند قوله تعالى " فبهداهم اقتده " \[ الأنعام : ٩٠ \]
مسألة : اختلف في يوم عاشوراء هل هو التاسع من المحرم أو العاشر ؟ فذهب الشافعي إلى أنه التاسع لحديث الحكم بن الأعرج قال : انتهيت إلى ابن عباس رضي الله عنهما وهو متوسد رداءه في زمزم فقلت له : أخبرني عن صوم عاشوراء فقال : إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائما. قلت : هكذا كان محمد صلى الله عليه وسلم يصومه ؟ قال نعم خرجه مسلم. وذهب سعيد بن المسيب والحسن البصري ومالك وجماعة من السلف إلى أنه العاشر. وذكر الترمذي حديث الحكم ولم يصفه بصحة ولا حسن. ثم أردفه : أنبأنا قتيبة أنبأنا عبد الوارث عن يونس عن الحسن عن ابن عباس قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوم عاشوراء يوم العاشر. قال أبو عيسى : حديث ابن عباس حديث حسن صحيح. قال الترمذي : وروي عن ابن عباس أنه قال : صوموا التاسع والعاشر وخالفوا اليهود. وبهذا الحديث يقول الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق. قال غيره : وقول ابن عباس للسائل ( فاعدد وأصبح يوم التاسع صائما ) ليس فيه دليل على ترك صوم العاشر، بل وعد أن يصوم التاسع مضافا إلى العاشر. قالوا : فصيام اليومين جمع بين الأحاديث. وقول ابن عباس للحكم لما قال له : هكذا كان محمد صلى الله عليه وسلم يصومه ؟ قال نعم. معناه أن لو عاش وإلا فما كان النبي صلى الله عليه وسلم صام التاسع قط يبينه ما خرجه ابن ماجه في سننه ومسلم في صحيحه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لئن بقيت إلى قابل لأصومن اليوم التاسع ). 
فضيلة : روى أبو قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله ) أخرجه مسلم والترمذي وقال : لا نعلم في شيء من الروايات أنه قال :( صيام يوم عاشوراء كفارة سنة ) إلا في حديث أبي قتادة. 
قوله تعالى :" وأنتم تنظرون " جملة في موضع الحال ومعناه بأبصاركم فيقال : إن آل فرعون طفوا على الماء فنظروا إليهم يغرقون وإلى أنفسهم ينجون ففي هذا أعظم المنة. وقد قيل : إنهم أخرجوا لهم حتى رأوهم فهذه منة بعد منة وقيل : المعنى " وأنتم تنظرون " أي ببصائركم الاعتبار ؛ لأنهم كانوا في شغل عن الوقوف والنظر بالأبصار وقيل : المعنى وأنتم بحال من ينظر لو نظر كما تقول هذا الأمر منك بمرأى ومسمع أي بحال تراه وتسمعه إن شئت. وهذا القول والأول أشبه بأحوال بني إسرائيل لتوالى عدم الاعتبار فيما صدر من بني إسرائيل بعد خروجهم من البحر، وذلك أن الله تعالى لما أنجاهم وغرق عدوهم قالوا : يا موسى إن قلوبنا لا تطمئن إن فرعون قد غرق حتى أمر الله البحر فلفظه فنظروا إليه. 
ذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن قيس بن عباد أن بني إسرائيل قالت : ما مات فرعون وما كان ليموت أبدا قال : فلما أن سمع[(١١)](#foonote-١١) الله تكذيبهم نبيه عليه السلام رمى به على ساحل البحر، كأنه ثور أحمر يتراءاه بنو إسرائيل، فلما اطمأنوا وبعثوا من طريق البر إلى مدائن فرعون حتى نقلوا كنوزه وغرقوا في النعمة، رأوا قوما يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، حتى زجرهم موسى وقال : أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين أي عالمي زمانه ثم أمرهم أن يسيروا إلى الأرض المقدسة التي كانت مساكن آبائهم ويتطهروا من أرض فرعون، وكانت الأرض المقدسة في أيدي الجبارين قد غلبوا عليها فاحتاجوا إلى دفعهم عنها بالقتال، فقالوا : أتريد أن تجعلنا لحمة للجبارين ؟ فلو أنك تركتنا في يد فرعون كان خيرا لنا قال :" يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم " \[ المائدة : ٢١ \] إلى قول " قاعدون " حتى دعا عليهم وسماهم فاسقين، فبقوا في التيه أربعين سنة عقوبة ثم رحمهم فمن عليهم بالسلوى وبالغمام - على ما يأتي بيانه - ثم سار موسى إلى طور سيناء ليجيئهم بالتوراة فاتخذوا العجل - على ما يأتي بيانه[(١٢)](#foonote-١٢) - ثم قيل لهم : قد وصلتم إلى بيت المقدس فادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة - على ما يأتي - وكان موسى عليه السلام شديد الحياء ستيرا، فقالوا : إنه آدر، [(١٣)](#foonote-١٣)، فلما اغتسل وضع على الحجر ثوبه فعدا الحجر بثوبه إلى مجالس بني إسرائيل وموسى على أثره عريان وهو يقول : يا حجر ثوبي فذلك قوله تعالى " يا أيها الذين أمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأ١ راجع ج ١٩ ص ١٥٣.
٢ راجع ج ٨ ص ٢٠.
٣ راجع ج ١٠ ص ٣٣٩.
٤ السلال (كغراب): قرحة في الرئة أو زكام ونوازل أو سعال طويل، وتلزمها حمى هادئة.(عن القاموس)..
٥ صدر البيت: فأصبحوا في الماء والخنادق.
٦ المراد به قيس بن مسعود الشيباني. صدر البيت: أطورين في عام غزاة ورحلة.
٧ راجع ج ١٣ ص ١٠٥..
٨ أي كني موسى البحر.
٩ راجع ج ٨ ص ٣٧٧ و ج ١٣ ص ١٠٥..
١٠ راجع ج ٧ ص ٣٥..
١١ في نسخة: "فلم بعد أن سمع... " الخ..
١٢ راجع ج ٧ ص ٢٧٣.
١٣ الأدرة (بالضم): نفخة في الخصية..

### الآية 2:51

> ﻿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ [2:51]

الأولى : قوله تعالى :" وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة " قرأ أبو عمرو " وعدنا " بغير ألف، واختاره أبو عبيد ورجحه وأنكر " واعدنا " قال : لأن المواعدة إنما تكون من البشر، فأما الله جل وعز فإنما هو المنفرد بالوعد والوعيد. على هذا وجدنا القرآن، كقوله عز وجل :" وعدكم وعد الحق[(١)](#foonote-١) " ( إبراهيم : ٢٢ ) وقوله :" وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات[(٢)](#foonote-٢) " ( الفتح : ٢٩ ) وقوله :" وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم " \[ الأنفال : ٧ \]. 
قال مكي : وأيضا فإن ظاهر اللفظ فيه وعد من الله تعالى لموسى، وليس فيه وعد من موسى، فوجب حمله على الواحد ؛ لظاهر النص أن الفعل مضاف إلى الله تعالى وحده، وهي قراءة الحسن وأبي رجاء وأبي جعفر وشيبة وعيسى بن عمر، وبه قرأ قتادة وابن أبي إسحاق. قال أبو حاتم : قراءة العامة عندنا " وعدنا " بغير ألف، لأن المواعدة أكثر ما تكون بين المخلوقين والمتكافئين، كل واحد منهما يَعِد صاحبه. قال الجوهري : الميعاد : المواعدة والوقت والموضع. قال مكي : المواعدة أصلها من اثنين، وقد تأتي المفاعلة من واحد في كلام العرب، قالوا : طارقت النعل، وداويت العليل، وعاقبت اللص، والفعل من واحد. فيكون لفظ المواعدة من الله خاصة لموسى كمعنى وعدنا، فتكون القراءتان بمعنى واحد. والاختبار " واعدنا " بالألف لأنه بمعنى " وعدنا " في أحد معنييه ؛ ولأنه لا بدّ لموسى من وعد أو قبول يقوم مقام الوعد فتصح المفاعلة. قال النحاس : وقراءة " واعدنا " بالألف أجود وأحسن، وهي قراءة مجاهد والأعرج وابن كثير ونافع والأعمش وحمزة والكسائي، وليس قوله عز وجل :" وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات " من هذا في شيء، لأن " واعدنا موسى " إنما هو من باب الموافاة، وليس هذا من الوعد والوعيد في شيء، وإنما هو من قولك : موعدك يوم الجمعة، وموعدك موضع كذا. والفصيح في هذا أن يقال : واعدته. قال أبو إسحاق الزجاج :" واعدنا " ههنا بالألف جيد ؛ لأن الطاعة في القبول بمنزلة المواعدة، فمن الله جل وعز وعد، ومن موسى قبول واتباع يجري مجرى المواعدة. قال ابن عطية. ورجح أبو عبيدة " وعدنا " وليس بصحيح، لأن قبول موسى لوعد الله والتزامه وارتقابه يشبه المواعدة. 
الثانية : قوله تعالى :" موسى " اسم أعجمي لا ينصرف للعجمة والتعريف والقبط على - ما يروى - يقولون للماء : مو، وللشجر : شا[(٣)](#foonote-٣). فلما وجد موسى في التابوت عند ماء وشجر سمي موسى. قال السدي : لما خافت عليه أمه جعلته في التابوت وألقته في اليَمّ - كما أوحى الله إليها - فألقته في اليم بين أشجار عند بيت فرعون، فخرج جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن فوجدنه، فسمي باسم المكان. وذكر النقاش وغيره : أن اسم الذي التقطته صابوث. قال ابن إسحاق : وموسى هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب إسرائيل الله[(٤)](#foonote-٤) بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام. 
الثالثة : قوله تعالى :" أربعين ليلة " أربعين نصب على المفعول الثاني، وفي الكلام حذف. قال الأخفش : التقدير وإذ واعدنا موسى تمام أربعين ليلة كما قال " واسأل القرية " والأربعون كلها داخلة في الميعاد. 
والأربعون في قول أكثر المفسرين ذو القعدة وعشرة من ذي الحجة، وكان ذلك بعد أن جاوز البحر وسأل قومه أن يأتيهم بكتاب من عند الله فخرج إلى الطور في سبعين من خيار بني إسرائيل وصعدوا الجبل وواعدهم إلى تمام أربعين ليلة فعدوا - فيما ذكر المفسرون - عشرين يوما وعشرين ليلة وقالوا قد أخلفنا موعده. فاتخذوا العجل وقال لهم السامري : هذا إلهكم وإله موسى فاطمأنوا إلى قوله. ونهاهم هارون وقال :" يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى[(٥)](#foonote-٥) " \[ طه : ٩٠ \] فلم يتبع هارون ولم يطعه في ترك عبادة العجل إلا اثنا عشر ألفا فيما روي في الخبر. وتهافت في عبادته سائرهم وهم أكثر من ألفي ألف فلما رجع موسى ووجدهم على تلك الحال ألقى الألواح فرفع من جملتها ستة أجزاء وبقي جزء واحد، وهو الحلال والحرام وما يحتاجون وأحرق العجل وذراه في البحر فشربوا من مائه حبا للعجل فظهرت على شفاههم صفرة وورمت بطونهم فتابوا ولم تقبل توبتهم دون أن يقتلوا أنفسهم فذلك قوله تعالى :" فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم " \[ البقرة : ٥٤ \] فقاموا بالخناجر والسيوف بعضهم إلى بعض من لدن طلوع الشمس إلى ارتفاع الضحى، فقتل بعضهم بعضا لا يسأل والد عن ولده ولا ولد عن والده ولا أخ عن أخيه ولا أحد عن أحد كل من استقبله ضربه بالسيف وضربه الآخر بمثله حتى عج موسى إلى الله صارخا : يا رباه قد فنيت بنو إسرائيل فرحمهم الله وجاد عليهم بفضله فقبل توبة من بقي وجعل من قتل في الشهداء على ما يأتي. 
الرابعة : إن قيل : لم خص الليالي بالذكر دون الأيام ؟ قيل له : لأن الليلة أسبق من اليوم قبله في الرتبة ؛ ولذلك وقع بها التاريخ فالليالي أول الشهور والأيام تبع لها. 
الخامسة : قال النقاش : في هذه الآية إشارة إلى صلة الصوم ؛ لأنه تعالى لو ذكر الأيام لأمكن أن يعتقد أنه كان يفطر بالليل، فلما نص على الليالي اقتضت قوة الكلام أنه عليه السلام واصل أربعين يوما بلياليها. قال ابن عطية : سمعت أبي يقول : سمعت الشيخ الزاهد الإمام الواعظ أبا الفضل الجوهري رحمه الله يعظ الناس في الخلوة بالله والدنو منه في الصلاة ونحوه، وأن ذلك يشغل عن كل طعام وشراب ويقول : أين حال موسى في القرب من الله، ووصال ثمانين من الدهر من قول حين سار إلى الخضر لفتاه في بعض يوم " آتنا غداءنا " \[ الكهف : ٦٢ \]. قلت : وبهذا استدل علماء الصوفية على الوصال، وأن أفضله أربعون يوما، وسيأتي الكلام في الوصال في آي الصيام[(٦)](#foonote-٦) من هذه السورة إن شاء الله تعالى ويأتي في " الأعراف[(٧)](#foonote-٧) " زيادة أحكام لهذه الآية عند قوله تعالى " وواعدنا موسى ثلاثين ليلة " \[ الأعراف : ١٤٢ \] ويأتي لقصة العجل بيان في كيفيته وخواره هناك وفي " طه[(٨)](#foonote-٨) " إن شاء الله تعالى. 
السادسة : قوله تعالى :" ثم اتخذتم العجل من بعده " أي اتخذتموه إلها من بعد موسى وأصل اتخذتم ائتخذتم من الأخذ ووزنه افتعلتم سهلت الهمزة الثانية لامتناع همزتين فجاء إيتخذتم، فاضطربت الياء في التصريف جاءت ألفا في ياتخذ وواوا في موتخذ، فبدلت بحرف جلد ثابت من جنس ما بعدها وهي التاء وأدغمت، ثم اجتلبت ألف الوصل للنطق، وقد يستغنى عنها إذا كان معنى الكلام التقرير كقوله تعالى " قل اتخذتم عند الله عهدا " \[ البقرة : ٨٠ \] فاستغنى عن ألف الوصل بألف التقرير قال الشاعر[(٩)](#foonote-٩) :
استحدث الركب عن أشياعهم خبرا\*\*\* أم راجع القلبَ من أطرابه طربُ
ونحوه في القرآن " أطلع الغيب " \[ مريم : ٧٨ \] " أصطفى البنات " \[ الصافات : ١٥٣ \] " أستكبرت أم كنت " \[ ص : ٧٥ \] ومذهب أبي علي الفارسي أن " اتخذتم " من تخذ لا من أخذ. 
قوله تعالى :" وأنتم ظالمون " جملة في موضع الحال وقد تقدم معنى الظلم[(١٠)](#foonote-١٠) والحمد لله.

١ راجع ج ٩ ص ٣٥٦..
٢ راجع ج ١٢ ص ٢٩٧.
٣ كذا في بعض نسخ الأصل، وفي بعضها: (سا" بالسين المهملة. وفي القاموس وشرحه: "... وما الشجر، كذا في سائر النسخ، وقال ابن الجواليقي: هو بالشين المعجمة"..
٤ كذا في الأصول، واسم الجلالة زائد، ولا يبعد أن يكون الأصل: عبد الله، وهو معنى إسرائيل. راجع ص ٣٣١ من هذا الجزء..
٥ راجع ج ١١ ص ٢٣٦..
٦ راجع ٢ ص ٣٢٩..
٧ راجع ج ٧ ص ٢٧٤ وص ٢٨٤.
٨ راجع ج ١١ ص ٢٣٥..
٩ هو ذو الرمة.
١٠ راجع ص ٣٠٩.

### الآية 2:52

> ﻿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [2:52]

الأولى : قوله تعالى :" ثم عفونا عنكم " العفو عفو الله جل وعز عن خلقه، وقد يكون بعد العقوبة وقبلها بخلاف الغفران، فإنه لا يكون معه عقوبة البتة. وكل من استحق عقوبة فتركت له فقد عفي عنه، فالعفو : محو الذنب أي محونا ذنوبكم وتجاوزنا عنكم مأخوذ من قولك : عفت الريح الأثر أي أذهبته وعفا الشيء كثر فهو من الأضداد، ومنه قوله تعالى " حتى عفوا ". \[ الأعراف ٩٥ \]
الثانية : قوله تعالى :" من بعد ذلك " أي من بعد عبادتكم العجل وسمي العجل عجلا لاستعجالهم عبادته. والله أعلم. والعجل ولد البقرة والعجول مثله، والجمع العجاجيل، والأنثى عجلة عن أبي الجراح. 
الثالثة : قوله تعالى :" لعلكم تشكرون " كي تشكروا عفو الله عنكم، وقد تقدم معنى لعل، [(١)](#foonote-١). 
وأما الشكر فهو في اللغة الظهور من قول دابة شكور إذا ظهر عليها من السمن فوق ما تعطى من العلف وحقيقته الثناء على الإنسان بمعروف يوليكه. كما تقدم في الفاتحة[(٢)](#foonote-٢). قال الجوهري : الشكر الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف يقال : شكرته وشكرت له وباللام أفصح والشكران خلاف الكفران وتشكرت له مثل شكرت له. وروى الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لا يشكر الله من لا يشكر الناس ) قال الخطابي : هذا الكلام يتأول على معنيين أحدهما - أن من كان من طبعه كفران نعمة الناس وترك الشكر لمعروفهم كان من عادته كفران نعمة الله عز وجل وترك الشكر له. والوجه الآخر - أن الله سبحانه لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس إليه ويكفر معروفهم لاتصال أحد الأمرين بالآخر. 
الرابعة : في عبارات العلماء في معنى الشكر، فقال سهل بن عبد الله : الشكر : الاجتهاد في بذل الطاعة مع الاجتناب للمعصية في السر والعلانية. وقالت فرقة أخرى : الشكر هو : الاعتراف في تقصير الشكر للمنعم ؛ ولذلك قال تعالى " اعملوا آل داود شكرا[(٣)](#foonote-٣) " \[ سبأ : ١٣ \] فقال داود : كيف أشكرك يا رب والشكر نعمة منك قال : الآن قد عرفتني وشكرتني إذ قد عرفت أن الشكر مني نعمة قال : يا رب فأرني أخفى نعمك علي قال : يا داود تنفس فتنفس داود، فقال الله تعالى من يحصي هذه النعمة الليلَ والنهارَ، وقال موسى عليه السلام : كيف أشكرك وأصغر نعمة وضعتها بيدي من نعمك لا يجازى بها عملي كله، فأوحى الله إليه يا موسى الآن شكرتني. وقال الجنيد : حقيقة الشكر العجز عن الشكر وعنه قال : كنت بين يدي السري السقطي ألعب وأنا ابن سبع سنين وببن يديه جماعة يتكلمون في الشكر فقال لي : يا غلام ما الشكر ؟ فقلت : ألا يعصى الله بنعمه، فقال لي : أخشى أن يكون حظك من الله لسانك قال الجنيد : فلا أزال أبكي على هذه الكلمة التي قالها السري لي. وقال الشبلي : الشكر : التواضع والمحافظة على الحسنات ومخالفة الشهوات وبذل الطاعات ومراقبة جبار الأرض والسماوات. وقال ذو النون المصري أبو الفيض : الشكر لمن فوقك بالطاعة ولنظيرك بالمكافأة، ولمن دونك بالإحسان والإفضال.

١ راجع ص ٢٢٧ من هذا الجزء.
٢ راجع ص ١٣٣ من هذا الجزء.
٣ راجع ج ١٤ ص ٢٧٦.

### الآية 2:53

> ﻿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [2:53]

قوله تعالى :" وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان " " إذا " اسم للوقت الماضي و " إذا " اسم للوقت المستقبل و " آتينا " أعطينا وقد تقدم جميع هذا[(١)](#foonote-١) والكتاب : التوراة بإجماع من المتأولين، واختلف في الفرقان فقال الفراء وقطرب : المعنى آتينا موسى التوراة ومحمدا عليه السلام الفرقان. قال النحاس : هذا خطأ في الإعراب والمعنى : أما الإعراب فإن المعطوف على الشيء مثله وعلى هذا القول يكون المعطوف على الشيء خلافه، وأما المعنى فقد قال تعالى " ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان " قال أبو إسحاق الزجاج : يكون الفرقان هو الكتاب أعيد ذكره باسمين تأكيدا، وحكي عن الفراء ومنه قول الشاعر :

وقَدَّمَتِ[(٢)](#foonote-٢) الأديمَ لِرَاهِشَيْهِ  وألفى قولَها كَذِباً ومَيْنَاوقال آخر[(٣)](#foonote-٣) :ألا حبذا هند وأرض بها هند  وهند أتى من دونها النأيُ والبعدفنسق البعد على النأي، والمين على الكذب ؛ لاختلاف اللفظين تأكيدا. ومنه قول عنترة :حييت من طلل تقادم عهده  أقوى وأقفر بعد أم الهيثمقال النحاس : وهذا إنما يجيء في الشعر وأحسن ما قيل في هذا قول مجاهد : فرقا بين الحق والباطل أي الذي علمه إياه. وقال ابن زيد : الفرقان انفراق البحر له حتى صار فرقا، فعبروا وقيل : الفرقان الفرج من الكرب ؛ لأنهم كانوا مستعبدين مع القبط، ومنه قوله تعالى " إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا " \[ الأنفال : ٢٩ \] أي فرجا ومخرجا وقيل : إنه الحجة والبيان قاله ابن بحر. وقيل الواو صلة والمعنى آتينا موسى الكتاب الفرقان، والواو قد تزاد في النعوت كقولهم : فلان حسن وطويل وأنشد :إلى الملك القَرْمِ وابنِ الهُمَام  وليثِ الكتيبة في المزدَحَمْأراد إلى الملك القرم بن الهمام ليث الكتيبة، ودليل هذا التأويل قوله عز وجل :" ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء[(٤)](#foonote-٤) " \[ الأنعام : ١٥٤ \] أي بين الحرام والحلال والكفر والإيمان والوعد والوعيد وغير ذلك. وقيل : الفرقان الفرق بينهم وبين قوم فرعون، أنجى هؤلاء وأغرق أولئك. ونظيره :" يوم الفرقان " فقيل : يعني به يوم بدر نصر الله فيه محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأهلك أبا جهل وأصحابه. 
قوله تعالى :" لعلكم تهتدون " لكي تهتدوا من الضلالة وقد تقدم[(٥)](#foonote-٥). 
١ راجع ص ٣٢٦١ ص ٣٤٣.
٢ الرواية المشهورة في البيت: "فقددت الأديم" وهو لعدي بن زيد. والقد: القطع. والأديم: الجلد. والراهشان: عرقان في باطن الذراع..
٣ هو الحطيئة..
٤ راجع ج ٧ ص ١٤٢.
٥ راجع ص ١٦٠ من هذا الجزء..

### الآية 2:54

> ﻿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [2:54]

قوله تعالى :" وإذ قال موسى لقومه " القوم : الجماعة الرجال دون النساء قال الله تعالى :" لا يسخر قوم من قوم " \[ الحجرات : ١١ \] ثم قال :" ولا نساء من نساء " \[ الحجرات : ١١ \] وقال زهير :

وما أدري وسوف إخال أدري  أقوم آلُ حصن أم نساءوقال تعالى :" ولوطا إذ قال لقومه " \[ الأعراف : ٨٠ \] أراد الرجال دون النساء، وقد يقع القوم على الرجل والنساء قال الله تعالى :" إنا أرسلنا نوحا إلى قومه " \[ نوح : ١ \] وكذا كل نبي مرسل إلى النساء والرجال جميعا. 
قوله تعالى :" يا قوم " منادى مضاف وحذفت الياء في " يا قوم " لأنه موضع حذف والكسرة تدل عليها وهي بمنزلة التنوين فحذفتها كما تحذف التنوين من المفرد، ويجوز في غير القرآن إثباتها ساكنة فتقول : يا قومي ؛ لأنها اسم وهي في موضع خفض، وإن شئت فتحتها وإن شئت ألحقت معها هاء. فقلت : يا قوميه، وإن شئت أبدلت منها ألفا ؛ لأنها أخف فقلت : يا قوما وإن شئت قلت : يا قوم بمعنى يا أيها القوم وإن جعلتهم نكرة نصبت ونونت وواحد القوم امرؤ على غير اللفظ وتقول : قوم وأقوام وأقاوم جمع الجمع، والمراد هنا بالقوم عبدة العجل وكانت مخاطبته عليه السلام لهم بأمر من الله تعالى. 
قوله تعالى :" إنكم ظلمتم أنفسكم " استغنى بالجمع القليل عن الكثير والكثير نفوس، وقد يوضع الجمع الكثير موضع جمع القلة والقليل موضع الكثرة قال الله تعالى :" ثلاثة قروء " " البقرة : ٢٢٨ \] وقال " وفيها ما تشتهيه الأنفس " \[ الزخرف : ٧١ \] ويقال لكل من فعل فعلا يعود عليه ضرره : إنما أسأت إلى نفسك. وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه. 
قوله تعالى :" باتخاذكم العجل " قال بعض أرباب المعاني : عجل كل إنسان نفسه، فمن أسقطه وخالف مراده فقد برئ من ظلمه، والصحيح أنه هنا عجل على الحقيقة عبدوه كما نطق به التنزيل والحمد لله. 
قوله تعالى :" فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم " لما قال لهم فتوبوا إلى بارئكم قالوا كيف ؟ قال " فاقتلوا أنفسكم " قال أرباب الخواطر : ذللوها بالطاعات وكفوها عن الشهوات. والصحيح أنه قتل على الحقيقة هنا والقتل : إماتة الحركة، وقتلت الخمر : كسرت شدتها بالماء قال سفيان بن عيينة : التوبة نعمة من الله أنعم الله بها على هذه الأمة دون غيرها من الأمم، وكانت توبة بني إسرائيل القتل. وأجمعوا على أنه لم يؤمر كل واحد من عبدة العجل بأن يقتل نفسه بيده. قال الزهري : لما قيل لهم :" فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم " قاموا صفين وقتل بعضهم بعضا حتى قيل لهم : كفوا فكان ذلك شهادة للمقتول وتوبة للحي على ما تقدم، وقال بعض المفسرين : أرسل الله عليهم ظلاما ففعلوا ذلك، وقيل : وقف الذين عبدوا العجل صفا ودخل الذين لم يعبدوه عليهم بالسلاح فقتلوهم. وقيل : قام السبعون الذين كانوا مع موسى فقتلوا - إذ لم يعبدوا العجل - من عبد العجل. ويروى أن يوشع بن نون خرج عليهم وهم محتبون فقال : ملعون من حل حبوته أو مد طرفه إلى قاتله أو اتقاه. بيد أو رجل فما حل أحد منهم حبوته حتى قتل منهم - يعني من قتل - وأقبل الرجل يقتل من يليه ذكره النحاس وغيره. وإنما عوقب الذين لم يعبدوا العجل بقتل أنفسهم - على القول الأول - لأنهم لم يغيروا المنكر حين عبدوه، وإنما اعتزلوا وكان الواجب عليهم أن يقاتلوا من عبده. وهذه سنة الله في عباده إذا فشا المنكر ولم يغير عوقب الجميع روى جرير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز منهم وأمنع لا يغيرون إلا عمهم الله بعقاب ) أخرجه ابن ماجه في سننه، وسيأتي الكلام في هذا المعنى إن شاء الله تعالى. فلما استحر[(١)](#foonote-١) فيهم القتل وبلغ سبعين ألفا عفا الله عنهم قاله ابن عباس وعلي رضي الله عنهما. وإنما رفع الله عنهم القتل ؛ لأنهم أعطوا المجهود في قتل أنفسهم فما أنعم الله على هذه الأمة نعمة بعد الإسلام هي أفضل من التوبة وقرأ قتادة فأقيلوا أنفسكم - من الإقالة - أي استقبلوها من العثرة بالقتل. 
قوله تعالى : بارئكم " البارئ الخالق وبينهما فرق، وذلك أن البارئ هو المبدع المحدث والخالق هو المقدر الناقل من حال إلى حال. والبرية : الخلق وهي فعيلة بمعنى مفعولة غير أنها لا تهمز، وقرأ أبو عمرو " بارئكم " - بسكون الهمزة - ويشعركم وينصركم ويأمركم، واختلف النحاة في هذا فمنهم من يسكن الضمة والكسرة في الوصل، وذلك في الشعر. وقال أبو العباس المبرد : لا يجوز التسكين مع توالي الحركات في حرف الإعراب في كلام ولا شعر وقراءة أبي عمرو لحن قال النحاس وغيره : وقد أجاز ذلك النحويون القدماء الأئمة وأنشدوا :إذا اعوجَجْنَ قلتُ صاحب قَوِّمِ  بالدَّوّ أمثالَ السَّفِينِ العُوَّمِ[(٢)](#foonote-٢)**وقال امرؤ القيس :**فاليوم أشرب غير مستَحْقِبٍ  إثما من الله ولا واغِلِ[(٣)](#foonote-٣)**وقال آخر :**
قالت سليمى اشتر لنا سَوِيقا
**وقال الآخر :**رحت وفي رجليك ما فيهما  وقد بدا هَنُكِ من المِئْزَرِفمن أنكر التسكين في حرف الإعراب، فحجته أن ذلك لا يجوز من حيث كان علما للإعراب. قال أبو علي : وأما حركة البناء فلم يختلف النحاة في جواز تسكينها مع توالي الحركات، وأصل برأ من تبري الشيء من الشيء، وهو انفصاله منه فالخلق قد فصلوا من العدم إلى الوجود، ومنه برئت من المرض برءا ( بالفتح ) كذا يقول أهل الحجاز وغيرهم يقول : برئت من المرض برءا ( بالضم ) وبرئت منك ومن الديون والعيوب براءة، ومنه : المبارأة للمرأة وقد بارأ شريكه وامرأته
قوله تعالى :" فتاب عليكم " في الكلام حذف تقديره ففعلتم " فتاب عليكم " أي فتجاوز عنكم أي على الباقين منكم. 
قوله تعالى :" إنه هو التواب الرحيم " تقدم[(٤)](#foonote-٤) معناه والحمد لله. 
١ استحر: اشتد وكثر..
٢ الدو (بفتح الدال وتشديد الواو): الصحراء. وأراد بأمثال السفين رواحل ومحملة تقطع الصحراء قطع السفن البحر 
 .
٣ المستحقب: المتكسب. والواغل: الذي يدخل على القوم في طعامهم وشرابهم من غير أن يدعوه. يقول هذا حين قتل أبوه ونذر ألا يشرب الخمر حتى يثأر به، فلما أدرك ثأره حلت له بزعمه فلا إثم بشربها، إذ وفّى بنذره فيها..
٤ راجع ص ١٠٣ فما بعدها و ص ٣٢٥.

### الآية 2:55

> ﻿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [2:55]

الأولى : قوله تعالى :" وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله " " وإذ قلتم " معطوف " يا موسى " نداء مفرد " لن نؤمن لك " أي نصدقك " حتى نرى الله جهرة " قيل : هم السبعون الذين اختارهم موسى، وذلك أنهم لما أسمعهم كلام الله تعالى قالوا له بعد ذلك :" لن نؤمن لك " \[ البقرة : ٥٥ \] والإيمان بالأنبياء واجب بعد ظهور معجزاتهم، فأرسل الله عليهم نارا من السماء فأحرقهم، ثم دعا موسى ربه فأحياهم كما قال تعالى :" ثم بعثناكم من بعد موتكم " \[ البقرة : ٥٦ \] وستأتي قصة السبعين في الأعراف[(١)](#foonote-١) إن شاء الله تعالى. 
قال ابن فورك : يحتمل أن تكون معاقبتهم لإخراجهم طلب الرؤية عن طريقة بقولهم لموسى " أرنا الله جهرة " \[ النساء : ١٥٣ \] وليس ذلك من مقدور موسى عليه السلام. 
وقد اختلف في جواز رؤية الله تعالى، فأكثر المبتدعة على إنكارها في الدنيا والآخرة وأهل السنة والسلف على جوازها فيهما ووقوعها في الآخرة، فعلى هذا لم يطلبوا من الرؤية محالا وقد سألها موسى عليه السلام. وسيأتي الكلام في الرؤية في " الأنعام " و " الأعراف[(٢)](#foonote-٢) " إن شاء الله تعالى. 
الثانية : قوله تعالى :" جهرة " مصدر في موضع الحال ومعناه علانية، وقيل عيانا قاله ابن عباس. وأصل الجهر الظهور، ومنه الجهر بالقراءة إنما هو إظهارها. والمجاهرة بالمعاصي : المظاهرة بها. ورأيت الأمير جهارا وجهرة أي غير مستتر بشيء. وقرأ ابن عباس " جهرة " بفتح الهاء، وهما لغتان : مثل زهرة وزهرة. وفي الجهر وجهان :
أحدهما : أنه صفة لخطابهم لموسى أنهم جهروا به، وأعلنوا فيكون في الكلام تقديم وتأخير والتقدير : وإذ قلتم جهرة يا موسى. 
الثاني : أنه صفة لما سألوه من روية الله تعالى أن يروه جهرة وعيانا فيكون الكلام عله نسقه لا تقديم فيه ولا تأخير، وأكد بالجهر فرقا بين رؤية العيان ورؤية المنام. 
الثالثة : قوله تعالى :" فأخذتكم الصاعقة[(٣)](#foonote-٣) " قد تقدم في أول السورة معنى الصاعقة، وقرأ عمر وعثمان وعلي " الصعقة " وهي قراءة ابن محيصين في جميع القرآن. 
قوله تعالى :" وأنتم تنظرون " جملة في موضع الحال ويقال : كيف يموتون وهم ينظرون ؟ فالجواب أن العرب تقول دور آل فلان تراءى أي يقابل بعضها بعضا وقيل : المعنى " تنظرون " أي إلى حالكم وما نزل بكم من الموت وآثار الصعقة.

١ راجع ج ٧ ص ٢٩٤.
٢ راجع ج ٧ ص ٥٤ و ص ٢٧٨.
٣ راجع ص ٢١٩ من هذا الجزء..

### الآية 2:56

> ﻿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [2:56]

الرابعة : قوله تعالى : ثم بعثناكم من بعد موتكم  أي أحييناكم. قال قتادة : ماتوا وذهبت أرواحهم، ثم ردوا لاستيفاء آجالهم. قال النحاس : وهذا احتجاج على من لم يؤمن بالبعث من قريش، واحتجاج على أهل الكتاب إذ خبروا بهذا. والمعنى :" لعلكم تشكرون " ما فعل بكم من البعث بعد الموت. وقيل : ماتوا موت همود يعتبر به الغير، ثم أرسلوا. 
وأصل البعث الإرسال. وقيل : بل أصله إثارة الشيء من محله، يقال : بعثت الناقة : أثرتها، أي حركتها، قال امرؤ القيس :

وفتيانِ صدقٍ قد بَعَثْتُ بسُحْرَةٍ[(١)](#foonote-١)  فقاموا جميعا بين عاثٍ ونشوان**وقال عنترة :**وصحابةٍ شمِّ الأنوفِ بعثتهم  ليلا وقد مال الكَرَى بِطُلاَهَا[(٢)](#foonote-٢)وقال بعضهم :" بعثناكم من بعد موتكم " \[ البقرة : ٥٦ \] علمناكم من بعد جهلكم. 
قلت : والأول أصح، لأن الأصل الحقيقة، وكان موت عقوبة، ومنه قوله تعالى :" ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم " على ما يأتي[(٣)](#foonote-٣) \[ البقرة : ٢٤٣ \]
الخامسة : قال الماوردي : واختلف في بقاء تكليف من أعيد بعد موته ومعاينة الأحوال المضطرة إلى المعرفة على قولين : أحدهما : بقاء تكليفهم لئلا يخلو عاقل من تعبد. الثاني : سقوط تكليفهم معتبرا بالاستدلال دون الاضطرار. 
قلت : والأول أصح، فإن بني إسرائيل قد رأوا الجبل في الهواء ساقطا عليهم والنار محيطة بهم، وذلك مما اضطرهم إلى الإيمان، وبقاء التكليف ثابت عليهم، ومثلهم قوم يونس. ومحال أن يكونوا غير مكلفين والله أعلم. 
١ السحرة (بضم أوله): السحر. وقيل: أعلى السحر. وقيل: هو من ثلث الليل الآخر إلى طلوع الفجر..
٢ الطلى (بضم ففتح): الأعناق..
٣ راجعه ج ٣ ص ٢٣٠..

### الآية 2:57

> ﻿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ۖ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [2:57]

**فيه ثماني مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" وظللنا عليكم الغمام " أي جعلناه عليكم كالظلة. والغمام جمع غمامة كسحابة وسحاب قاله الأخفش سعيد. قال الفراء : ويجوز غمائم وهي السحاب ؛ لأنها تغم المساء أي تسترها، وكل مغطى فهو مغموم، ومنه المغموم على عقله. وغم الهلال إذا غطاه الغيم والغين مثل الغيم ومنه قول عليه السلام :( إنه ليغان على قلبي ) قال صاحب العين : غين عليه غطى عليه والغين شجر ملتف. وقال السدي : الغمام السحاب الأبيض وفعل هذا بهم ليقيهم حر الشمس نهارا وينجلي في آخره ليستضيؤوا بالقمر ليلا. 
 وذكر المفسرون أن هذا جرى في التيه بين مصر والشام لما امتنعوا من دخول مدينة الجبارين وقتالهم. وقالوا لموسى :" فاذهب أنت وربك فقاتلا[(١)](#foonote-١) " \[ المائدة : ٢٤ \] فعوقبوا في ذلك الفحص[(٢)](#foonote-٢) أربعين سنة يتيهون في خمسة فراسخ أو ستة، روي أنهم كانوا يمشون النهار كله وينزلون للمبيت فيصبحون حيث كانوا بكرة أمس. وإذا كانوا بأجمعهم في التيه قالوا لموسى : من لنا بالطعام فأنزل الله عليهم المن والسلوى قالوا : من لنا من حر الشمس، فظلل عليهم الغمام. قالوا : فبم نستصبح ؟ فضرب لهم عمود نور في وسط محلتهم. وذكر مكي : عمود من نار قالوا : من لنا بالماء ؟ فأمر موسى بضرب الحجر قالوا : من لنا باللباس ؟ فأعطوا ألا يبلى لهم ثوب ولا يخلق ولا يدرن، وأن تنمو صغارها حسب نمو الصبيان والله أعلم. 
الثانية : قوله تعالى :" وأنزلنا عليكم المن والسلوى " اختلف في المن ما هو وتعيينه على أقوال فقيل : الترنجبين[(٣)](#foonote-٣) - بتشديد الراء وتسكين النون ذكره النحاس. ويقال : الطرنجبين بالطاء - وعلى هذا أكثر المفسرين. وقيل : صمغة حلوة. وقيل : عسل، وقيل شراب حلو. وقيل : خبز الرقاق عن وهب بن منبه وقيل :" المن " مصدر يعم جميع ما من الله به على عباده من غير تعب ولا زرع، ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل :( الكمأة من المن الذي أنزل الله على بني إسرائيل وماؤها شفاء للعين ) في رواية ( من المن الذي أنزل الله على موسى ). رواه مسلم. قال علماؤنا : وهذا الحديث يدل على أن الكمأة مما أنزل الله على بني إسرائيل أي مما خلقه الله لهم في الآية. قال أبو عبيد : إنما شبهها بالمن ؛ لأنه لا مؤونة فيها ببذر ولا سقي ولا علاج، فهي منه أي من جنس مَن بني إسرائيل في أنه كان دون تكلف روي أنه كان ينزل عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس كالثلج، فيأخذ الرجل ما يكفيه ليومه فإن ادخر منه شيئا فسد عليه إلا في يوم الجمعة، فإنهم كانوا يدخرون ليوم السبت فلا يفسد عليهم ؛ لأن يوم السبت يوم عبادة وما كان ينزل عليهم يوم السبت شيء. 
الثالثة : لما نص عليه السلام على أن ماء الكمأة شفاء للعين قال بعض أهل العلم بالطب : أما لتبريد العين من بعض ما يكون فيها من الحرارة فتستعمل بنفسها مفردة، وأما لغير ذلك فمركبة مع غيرها. وذهب أبو هريرة رضي الله عنه إلى استعمالها بحتا في جميع مرض العين. وهذا كما استعمل أبو وجزة العسل في جميع الأمراض كلها حتى في الكحل على ما يأتي بيانه في سورة " النحل[(٤)](#foonote-٤) " إن شاء الله تعالى، وقال أهل اللغة : الكمء واحد وكمآن اثنان وأكمؤ ثلاثة، فإذا زادوا قالوا كمأة - بالتاء - على عكس شجرة وشجر. والمن اسم جنس لا واحد له لفظه مثل الخير والشر. قاله الأخفش. 
الرابعة : قوله تعالى :" والسلوى " اختلف في السلوى فقيل : هو السماني بعينه، قاله الضحاك. قال ابن عطية : السلوى طير بإجماع المفسرين وقد غلط الهذلي[(٥)](#foonote-٥) فقال :وقاسمها بالله جهدا لأنتم  ألذ من السلوى إذا ما نَشُورُهَاظن السلوى العسل. 
قلت : ما ادعاه من الإجماع لا يصح، وقد قال المؤرج[(٦)](#foonote-٦) أحد علماء اللغة والتفسير : إنه العسل، واستدل ببيت الهذلي، وذكر أنه كذلك بلغة كنانة سمي به ؛ لأنه يسلى به ومنه عين السلوان[(٧)](#foonote-٧)، وأنشد :لو أشرب السلوان ما سَليتُ  ما بي غنى عنك وإن غنيت[(٨)](#foonote-٨)وقال الجوهري : والسلوى العسل وذكر بيت الهذلي :
ألذ من السلوى إذا ما نشورها
ولم يذكر غلطا، والسلوانة ( بالضم ) : خرزة، كانوا يقولون إذا صب عليها ماء المطر فشربه العاشق سلا قال :شربتُ على سُلوانةٍ ماءَ مُزْنَةٍ  فلا وجديد العيش ياميّ ما أسلوواسم ذلك الماء السلوان، وقال بعضهم : السلوان دواء يسقاه الحزين فيسلو، والأطباء يسمونه المفرح يقال : سليت وسلوت لغتان. وهو في سلوة من العيش أي في رغد عن أبى زيد. 
الخامسة : واختلف في السلوى هل هو جمع أو مفرد ؟ فقال الأخفش : جمع لا واحد له من لفظه، مثل الخير والشر، وهو يشبه أن يكون واحده سلوى مثل جماعته كما قالوا : دفلى[(٩)](#foonote-٩) للواحد والجماعة، وسمانى وشكاعى[(١٠)](#foonote-١٠) في الواحد والجميع. وقال الخليل : واحده سلواة وأنشد :وإني لتعروني لذكرك هِزَّةٌ[(١١)](#foonote-١١)  كما انْتَفَضَ السَّلواةُ من بَلَلِ القَطْرِوقال الكسائي : السلوى واحدة وجمعه سلاوى. 
السادسة :" السلوى " عطف على " المن " ولم يظهر فيه الإعراب لأنه مقصور ووجب هذا في المقصور كله ؛ لأنه لا يخلو من أن يكون في آخره ألف. قال الخليل : والألف حرف هوائي لا مستقر له فأشبه الحركة فاستحالت حركته. وقال الفراء : لو حركت الألف صارت همزة. 
السابعة : قوله تعالى :" كلوا من طيبات ما رزقناكم " " كلوا " فيه حذف تقديره وقلنا كلوا فحذف اختصار الدلالة الظاهر عليه والطيبات هنا قد جمعت الحلال واللذيذ. 
قوله تعالى :" وما ظلمونا " يقدر قبله فعصوا، ولم يقابلوا النعم بالشكر " ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " لمقابلتهم النعم بالمعاصي. 
١ راجع ج ٦ ص ١٢٨.
٢ الفحص: كل موضع يسكن. وفي حديث كعب: "إن الله بارك في الشام وخص بالتقديس من فحص الأردن إلى رفح.." وفحصه ما بسط منه وكسف من نواحيه. (عن القاموس والنهاية)..
٣ الترنجبين: طل يقع من السماء وهو ندى شبيه بالعسل جامد متحبب (عن مفردات ابن البيطار)..
٤ راجع ج ١٠ ص ١٣٦.
٥ هو خالد بن زهير.
٦ هو مؤرج بن عمر السدوسي، ويكنى أبا فيد. كان من أصحاب الخليل بن أحمد، مات سنة خمس وتسعين ومائة..
٧ عين السلوان: عين نضاخة يتبرك بها ويستشفى منها بالبيت المقدس. (عن معجم ياقوت)..
٨ البيت لرؤبة..
٩ الدفلى (كذكرى): شجر مر أخضر حسن المنظر يكون في الأودية..
١٠ الشكاعى (كحبارى وقد تفتح): من دق النبات، وهي دقيقة العيدان خضراء، والناس يتداووون بها..
١١ في الأصول: "سلوة" وهو تحريف..

### الآية 2:58

> ﻿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ [2:58]

**فيه تسع مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" وإذ قلنا ادخلوا " حذفت الألف من " قلنا " لسكونها وسكون الدال بعدها والألف التي يبتدأ بها قبل الدال ألف وصل لأنه من يدخل. 
الثانية : قوله تعالى :" هذه القرية " أي المدينة سميت بذلك ؛ لأنها تقرت أي اجتمعت، ومنه قريت الماء في الحوض أي جمعته، واسم ذلك الماء قرى ( بكسر القاف ) مقصور، وكذلك ما قري به الضيف قال الجوهري : والمقراة للحوض، والقري لمسيل الماء، والقرا للظهر ومنه قوله[(١)](#foonote-١) :
لاحقُ بطنٍ بِقِراً سَمِينِ
**والمقاري : الجفان الكبار. قال :**
عظامُ المقاري ضيفهم لا يُفَزَّعُ
وواحد المقاري مقراة، وكله بمعنى الجمع غير مهموز، والقرية ( بكسر القاف ) لغة اليمن، واختلف في تعيينها فقال الجمهور : هي بيت المقدس وقيل : أريحاء من بيت المقدس. قال عمر بن شبة : كانت قاعدة ومسكن ملوك. ابن كيسان الشام : الضحاك : الرملة والأردن وفلسطين وتدمر. وهذه نعمة أخرى، وهى أنه أباح لهم دخول البلدة وأزال عنهم التيه. 
الثالثة : قوله تعالى :" فكلوا منها حيث شئتم " إباحة. 
قوله تعالى :" رغدا " كثيرا واسعا، وهو نعت لمصدر محذوف أي أكلاً رغداً، ويجوز أن يكون في موضع الحال على ما تقدم وكانت أرضا مباركة عظيمة الغلة فلذلك قال " رغدا " 
الرابعة : قوله تعالى :" وادخلوا الباب سجدا " الباب يجمع أبوابا وقد قالوا : أبوبة للازدواج قال الشاعر[(٢)](#foonote-٢) :هتَّاكُ أخْبِيَةٍ ولاَّج أبوبةٍ  يخلط بالبر منه الجِدَّ واللِّيناولو أفرده لم يجز. ومثله قول عليه السلام :( مرحبا بالقوم - أو بالوفد - غير خزايا ولا ندامى ) وتبوبت بوابا اتخذته. وأبواب مبوبة كما قالوا : أصناف مصنفة. وهذا شيء من بابتك أي يصلح لك. وقد تقدم معنى السجود[(٣)](#foonote-٣) فلا معنى لإعادته والحمد لله. 
والباب الذي أمروا بدخول هو باب في بيت المقدس يعرف اليوم ب " باب حطه " عن مجاهد وغيره. وقيل : باب القبة التي كان يصلي إليها موسى وبنو إسرائيل و " سجدا " قال ابن عباس : منحنين ركوعا. وقيل : متواضعين خشوعا لا على هيئة متعينة. 
الخامسة : قوله تعالى :" وقولوا " عطف على أدخلوا. 
قوله تعالى :" حطة " بالرفع قراءة الجمهور على إضمار مبتدأ أي مسألتنا حطة أو يكون حكاية. قال الأخفش : وقرئت " حطة " بالنصب على معنى احطط عنا ذنوبنا حطة. قال النحاس : الحديث[(٤)](#foonote-٤) عن ابن عباس أنه قيل لهم : قولوا لا إله إلا الله وفي حديث آخر عنه قيل لهم قولوا مغفرة - تفسير للنصب، أي قولوا شيئا يحط ذنوبكم كما يقال : قل خيرا، والأئمة من القراء على الرفع. وهو أولى في اللغة لما حكي عن العرب في معنى بدل. قال أحمد بن يحيى : يقال بدلته، أي غيرته ولم أزل عينه. وأبدلته أزلت عينه وشخصه كما قال :[(٥)](#foonote-٥)
عزل الأمير للأمير المُبْدَلِ
وقال الله عز وجل :" قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله " \[ يونس : ١٥ \] وحديث[(٦)](#foonote-٦) ابن مسعود قالوا " حطة " تفسير على الرفع، هذا كله قول النحاس وقال الحسن وعكرمة :" حطه " بمعنى حط ذنوبنا، أمروا أن يقولوا لا إله إلا الله ليحط بها ذنوبهم. وقال ابن جبير : معناه الاستغفار أبان بن تغلب : التوبة قال الشاعر :فاز بالحطة التي جعل الل  ه بها ذنب عبده مغفوراوقال ابن فارس في المجمل :" حطة " كلمة أمر بها بنو إسرائيل لو قالوها لحطت أوزارهم، وقاله الجوهري أيضا في الصحاح. 
قلت : يحتمل أن يكونوا تعبدوا بهذا اللفظ بعينه، وهو الظاهر من الحديث. روى مسلم عن أبي هريرة : قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( قيل لبني إسرائيل أدخلوا الباب سجدا وقولوا حطة يغفر لكم خطاياكم فبدلوا فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم وقالوا حبة في شعرة ) وأخرجه البخاري وقال :( فبدلوا[(٧)](#foonote-٧) وقالوا حطة حبة في شعرة ) في غير الصحيحين :" حنطة في شعر " وقيل : قالوا : هطا سمهاثا وهي لفظة عبرانية، تفسيرها : حنطة حمراء، حكاها ابن قتيبة، وحكاه الهروي عن السدي ومجاهد، وكان قصدهم خلاف ما أمرهم الله به فعصوا وتمردوا واستهزؤوا فعاقبهم الله بالرجز وهو العذاب. وقال ابن زيد : كان طاعونا أهلك منهم سبعين ألفا. وروي أن الباب جعل قصيرا ليدخلوه ركعا فدخلوه متوركين على أستاههم والله أعلم. 
السادسة : استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن تبديل الأقوال المنصوص عليها في الشريعة لا يخلو أن يقع التعبد بلفظها أو بمعناها، فإن كان التعبد وقع بلفظها، فلا يجوز تبديلها لذم الله تعالى من بدل ما أمره بقوله وإن وقع بمعناها جاز تبديلها بما يؤدي إلى ذلك المعنى ولا يجوز تبديلها بما يخرج عنه. 
وقد اختلف العلماء في هذا المعنى، فحكي عن مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم أنه يجوز للعالم بمواقع الخطاب البصير بآحاد كلماته نقل الحديث بالمعنى، لكن بشرط المطابقة للمعنى بكماله، وهو قول الجمهور. ومنع ذلك جمع كثير من العلماء منهم ابن سيرين والقاسم بن محمد ورجاء بن حيوة. وقال مجاهد : انقص من الحديث إن شئت ولا تزد فيه. وكان مالك بن أنس يشدد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم التاء والياء ونحو هذا، وعلى هذا جماعة من أئمة الحديث لا يرون إبدال اللفظ ولا تغييره حتى إنهم يسمعون ملحونا ويعلمون ذلك ولا يغيرونه. وروى أبو مجلز عن قيس بن عباد قال : قال عمر بن الخطاب من سمع حديثا فحدث به كما سمع فقد سلم. وروى نحوه عن عبد الله بن عمرو وزيد بن أرقم. وكذا الخلاف في التقديم والتأخير والزيادة والنقصان، فإن منهم من يعتد بالمعنى ولا يعتد باللفظ ومنهم من يشدد في ذلك ولا يفارق اللفظ. 
وذلك هو الأحوط في الدين والأتقى والأولى، ولكن أكثر العلماء على خلافه. والقول بالجواز هو الصحيح إن شاء الله تعالى، وذلك أن المعلوم من سيرة الصحابة رضي الله عنهم هو أنهم كانوا يروون الوقائع المتحدة بألفاظ مختلفة، وما ذاك إلا أنهم كانوا يصرفون عنايتهم للمعاني ولم يلتزموا التكرار على الأحاديث ولا كتبها. وروي عن واثلة بن الأسقع أنه قال : ليس كل ما أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم نقلناه إليكم حسبكم المعنى. وقال قتادة عن زرارة بن أوفى : لقيت عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فاختلفوا علي في اللفظ واجتمعوا في المعنى، وكان النخعي والحسن والشعبي رحمهم الله يأتون بالحديث على المعاني. وقال الحسن : إذا أصبت المعنى أجزأك. وقال سفيان الثوري رحمه الله : إذا قلت لكم إني أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني إنما هو المعنى. وقال وكيع رحمه الله : إن لم يكن المعنى واسعا فقد هلك الناس. واتفق العلماء على جواز نقل الشرع للعجم بلسانهم وترجمته لهم، وذلك هو النقل بالمعنى. وقد فعل الله ذلك في كتابه فيما قص من أنباء ما قد سلف فقص قصصا ذكر بعضها في مواضع بألفاظ مختلقة والمعنى واحد ونقلها من ألسنتهم إلى اللسان العربي، وهو مخالف لها في التقديم والتأخير والحذف والإلغاء والزيادة والنقصان. وإذا جاز إبدال العربية بالعجمية فلأن يجوز بالعربية أولى. احتج بهذا المعنى الحسن والشافعي وهو الصحيح في الباب. 
فإن قيل : فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :( نضر الله امرأ سمع مقالتي فبلغها كما سمعها ) وذكر الحديث. وما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر رجلا أن يقول عند مضجعه في دعاء علمه :( آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت ) فقال الرجل : ورسولك الذي أرسلت فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( ونبيك الذي أرسلت ) قالوا : أفلا ترى أنه لم يسوغ لمن علمه الدعاء مخالفة اللفظ وقال :( فأداها كما سمعها ) قيل لهم : أما قوله ( فأداها كما سمعها ) فالمراد حكمها لا لفظها لأن اللفظ غير معتد به. ويدلك على أن المراد من الخطاب حكمه قوله :( فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ) ثم إن هذا الحديث بعينه قد نقل بألفاظ مختلفة والمعنى واحد وإن أمكن أن يكون جميع الألفاظ قول النبي صلى الله عليه وسلم في أوقات مختلفة، لكن الأغلب أنه حديث واحد نقل بألفاظ مختلفة وذلك أدل على الجواز وأما رده عليه السلام الرجل من قوله :( ورسولك - إلى قوله - ونبيك ) لأن لفظ النبي صلى الله عليه وسلم أمدح ولكل نعت من هذين النعتين موضع. ألا ترى أن اسم الرسول يقع على الكافة واسم النبي صلى الله عليه وسلم يستحقه إلا الأنبياء عليهم السلام، وإنما فضل المرسلون من الأنبياء لأنهم جمعوا النبوة والرسالة. فلما قال :( ونبيك ) جاء بالنعت الأمدح ثم قيده بالرسالة بقوله :( الذي أرسلت ) وأيضا فإن نقله من قوله :( ورسولك - إلى قوله - ونبيك ) ليجمع بين النبوة والرسالة. ومستقبح في الكلام أن تقول : هذا رسول فلان الذي أرسله وهذا قتيل زيد الذي قتله لأنك تجتزئ بقولك : رسول فلان وقتيل فلان عن إعادة المرسل والقاتل إذ كنت لا تفيد به إلا المعنى الأول. وإنما يحسن أن تقول : هذا رسول عبد الله الذي أرسله إلى عمرو وهذا قتيل زيد الذي قتله بالأمس أوفي وقعة كذا والله ولي التوفيق. 
فإن قيل : إذا جاز للراوي الأول تغيير ألفاظ الرسول عليه السلام جاز للثاني تغيير ألفاظ الأول ويؤدي ذلك إلى طمس الحديث بالكلية لدقة الفروق وخفائها. قيل له : الجواز مشروط بالمطابقة والمساواة كما ذكرنا فإن عدمت لم يجز. قال ابن العربي : الخلاف في هذه المسألة إنما يتصور بالنظر إلى عصر الصحابة والتابعين لتساويهم في معرفة اللغة الجبلية الذوقية، وأما من بعدهم فلا نشك في أن ذلك لا يجوز إذ الطباع قد تغيرت والفهوم قد تباينت والعوائد قد اختلفت وهذا هو الحق والله أعلم. 
قال بعض علمائنا : لقد تعاجم ابن العربي رحمه الله فإن الجواز إذا كان مشروطا بالمطابقة فلا فرق بين زمن الصحابة والتابعين وزمن غيرهم ؛ ولهذا لم يفصل أحد من الأصوليين ولا أهل الحديث هذا التفصيل. نعم، لو قال : المطابقة في زمنه أبعد كان أقرب والله أعلم. 
السابعة : قوله تعالى :" نغفر لكم خطاياكم " قراءة نافع بالياء مع ضمها وابن عامر بالتاء مع ضمها وهي قراءة مجاهد وقرأها الباقون بالنون مع نصبها وهي أبينها لأن قبلها " وإذ قلنا ادخلوا " فجرى " نغفر " على الأخبار عن الله تعالى، والتقدير وقلنا ادخلوا الباب سجدا نغفر، ولأن بعده " وسنزيد " بالنون. و " خطاياكم " اتباعا للسواد وأنه على بابه. ووجه من قرأ بالتاء أنه أثبت لتأنيث لفظ الخطايا لأنها جمع خطيئة على التكسير. ووجه القراءة بالياء أنه ذكر لما حال بين المؤنث وبين فعله على ما تقدم في قوله :" فتلقى آدم من ربه كلمات " \[ البقرة : ٣٧ \] وحسن الياء والتاء وإن كان قبله إخبار عن الله تعالى في قوله " وإذ قلنا " لأنه قد علم أن ذنوب الخاطئين لا يغفرها إلا الله تعالى فاستغنى عن النون ورد الفعل إلى الخطايا المغفورة. 
الثامنة : واختلف في أصل خطايا جمع خطية بالهمزة فقال الخليل : الأصل في خطايا أن يقول : خطايئ ثم وجب بهذه أن تهمز الياء كما همزتها في مدائن فتقول : خطائىء ولا تجتمع همزتان في كلمة، فأبدلت من الثانية ياء فقلت : خطائي ثم عملت كما عملت في الأول. وقال الفراء : خطايا جمع خطية بلا همزة كما تقول : هدية وهدايا. قال الفراء : ولو جمعت خطيئة مهموزة لقلت خطاءا وقال الكسائي : لو جمعتها مهموزة أدغمت الهمزة في الهمزة كما قلت : دوا١ هو حميد الأرقط. وصف فرسا بضمور البطن ثم نفى أن يكون ضمره من هزال، فقال: "بقرا سمين". واللاحق الضامر. (عن شرح الشواهد)..
٢ وهو القلاح بن جناب. وقيل: هو ابن مقبل. (عن اللسان).
٣ راجع ص ٣٤٥.
٤ في الأصول: 'قال النحاس: جاء الحديث..." والتصويب عن إعراب القرآن للنحاس. و"الحديث" مبتدأ وخبره "تفسير"..
٥ هو أبو النجم. (عن إعراب القرآن للنحاس)..
٦ في الأصل: "والحديث ابن مسعود" والتصويب عن النحاس..
٧ الزيادة عن صحيح مسلم..

### الآية 2:59

> ﻿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [2:59]

الأولى : قوله تعالى :" فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم " " الذين " في موضع رفع أي فبدل الظالمون منهم قولا غير الذي قيل لهم. وذلك أنه قيل لهم : قولوا حطة فقالوا حنطة، على ما تقدم فزادوا حرفا في الكلام فلقوا من البلاء ما لقوا تعريفا أن الزيادة في الدين والابتداع في الشريعة عظيمة الخطر شديدة الضرر. هذا في تغيير كلمة هي عبارة عن التوبة أوجبت كل ذلك من العذاب فما ظنك بتغيير ما هو من صفات المعبود هذا، والقول أنقص من العمل فكيف بالتبديل والتغيير في الفعل. 
الثانية : قوله تعالى :" فبدل " تقدم معنى بدل وأبدل وقرئ " عسى ربنا أن يبدلنا " على الوجهين قال الجوهري : وأبدلت الشيء بغيره. وبدله الله من الخوف أمنا. وتبديل الشيء أيضا تغييره وإن لم يأت ببدل. واستبدل الشيء بغيره، وتبدل به إذا أخذه مكانه. والمبادلة التبادل. والأبدال : قوم من الصالحين لا تخلو الدنيا منهم إذا مات واحد منهم أبدل الله مكانه بآخر. قال ابن دريد : الواحد بديل والبديل البدل. وبدل الشيء : غيره يقال : بدل وبدل لغتان مصل : شبَه وشِبْه ومثَلَ ومِثْل ونكَلَ ونِكْل قال أبو عبيد[(١)](#foonote-١) : لم يسمع في فعَلَ وفِعْل غير هذه الأربعة اليدين والرجلين. وقد بدل ( بالكسر ) يبدل بدلا. 
الثالثة : قوله تعالى :" فأنزلنا على الذين ظلموا " كرر لفظ " ظلموا " ولم يضمره تعظيما للأمر. والتكرير يكون على ضربين : أحدهما : استعماله بعد تمام الكلام كما في هذه الآية وقوله :" فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم " \[ البقرة : ٧٩ \] ثم قال بعد :" فويل لهم مما كتبت أيديهم " ولم يقل : مما كتبوا وكرر الويل تغليظا لفعلهم، ومنه قول الخنساء :

تعرَّقَنِي الدهر نَهْساً[(٢)](#foonote-٢) وحَزّاً  وأوجعني الدهر قَرْعاً وغَمْزاًأرادت أن الدهر أوجعها بكبريات نوائبه وصغرياتها. والضرب الثاني : مجي تكرير الظاهر في موضع المضمر قبل أن يتم الكلام كقوله تعالى " الحاقة ما الحاقة " \[ الحاقة : ١ - ٢ \] و " القارعة ما القارعة " \[ القارعة : ١ - ٢ \] كان القياس لولا ما أريد به من التعظيم والتفخيم : الحاقة ما هي، والقارعة ما هي، ومثله :" فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة. " كرر " أصحاب الميمنة " تفخيما لما ينيلهم من جزيل الثواب وكرر لفظ " أصحاب المشأمة " لما ينالهم من أليم العذاب. ومن هذا الضرب قول الشاعر :ليت الغرابَ غداة يَنْعَبُ دَائِباً  كانَ الغُرَابُ مقطَّع الأودَاجِ**وقد جمع عدي بن زيد المعنيين فقال :**لا أرى الموت يسبق الموت شيءٌ  نغَّص الموتُ ذا الغنى والفقيرافكرر لفظ الموت ثلاثا، وهو من الضرب الأول ومنه قول الآخر :ألا حبَّذا هندٌ وأرضٌ بها هند  وهندٌ أتى من دونها النأي والبعدفكرر ذكر محبوبته ثلاثا تفخيما لها. 
الرابعة : قوله تعالى :" رجزا من السماء " قراءة الجماعة " رجزا " بكسر الراء وابن محيصن بضم الراء والرجز : العذاب ( بالزاي ) و( بالسين ) النتن والقذر، ومنه قوله تعالى " فزادتهم رجسا إلى رجسهم " \[ التوبة : ١٢٥ \] أي نتنا إلى نتنهم قاله الكسائي. وقال الفراء : الرجز هو : الرجس. قال أبو عبيد : كما يقال : السدغ والزدغ وكذا رجس ورجز بمعنى. قال الفراء : وذكر بعضهم أن الرجز ( بالضم ) اسم صنم كانوا يعبدونه، وقرئ بذلك في قوله تعالى :" والرجز فاهجر[(٣)](#foonote-٣) " والرجز ( بفتح الراء والجيم ) نوع من الشعر وأنكر الخليل أن يكون شعرا، وهو مشتق من الرجز وهو داء يصيب الإبل في أعجازها، فإذا ثارت ارتعشت أفخاذها. 
قوله تعالى :" بما كانوا يفسقون " أي بفسقهم والفسق الخروج وقد تقدم[(٤)](#foonote-٤). وقرأ ابن وثاب والنخعي " يفسقون " بكسر السين. . 
١ في الأصل: "أبو عبيدة" والتصويب عن اللسان وصحاح الجوهري..
٢ في بعض الأصول: "نهشا" بالسين المعجمة. والنهش: أن يتناول المرء الشيء بفمه ليعضه فيؤثر فيه ولا يجرحه. والنهس: القبض على اللحم أي جذبه..
٣ راجع ج ١٩ ص ٦٥.
٤ يراجع ص ٣٤٥ من هذا الجزء..

### الآية 2:60

> ﻿۞ وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ ۖ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ [2:60]

**فيه ثماني مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" وإذ استسقى موسى لقومه " كسرت الذال لالتقاء الساكنين والسين سين السؤال مثل استعلم واستخبر واستنصر، ونحو ذلك أي طلب وسأل السقيَ لقومه. والعرب تقول : سقيته وأسقيته لغتان بمعنى، قال[(١)](#foonote-١) :سقى قومي بني مجدٍ وأسقَى  نُمَيراً والقبائل من هلالوقيل : سقيته من سقي الشفة وأسقيته دللته على الماء. 
الثانية : الاستسقاء إنما يكون عند عدم الماء وحبس القطر، وإذا كان كذلك فالحكم حينئذ إظهار العبودية والفقر والمسكنة والذلة مع التوبة النصوح. وقد استسقى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فخرج إلى المصلى متواضعا متذللا متخشعا مترسلا متضرعا وحسبك به، فكيف بنا ولا توبة معنا إلا العناد ومخالفة رب العباد، فأنَّى نسقى، لكن قد قال صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر :( ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا ) الحديث. وسيأتي بكماله إن شاء الله. 
الثالثة : سنة الاستسقاء الخروج إلى المصلى - على الصفة التي ذكرنا - والخطبة والصلاة، وبهذا قال جمهور العلماء. وذهب أبو حنيفة إلى أنه ليس من سنته صلاة ولا خروج، وإنما هو دعاء لا غير. واحتج بحديث أنس الصحيح أخرجه البخاري ومسلم. ولا حجة له فيه فإن ذلك كان دعاء عجلت إجابته، فاكتفي به عما سواه ولم يقصد بذلك بيان سنة، ولما قصد البيان بين بفعله حسب ما رواه عبد الله بن يزيد المازني قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى فاستسقى وحول رداءه ثم صلى ركعتين رواه مسلم. وسيأتي من أحكام الاستسقاء زيادة في سورة " هود[(٢)](#foonote-٢) " إن شاء الله. 
الرابعة : قوله تعالى :" فقلنا اضرب بعصاك الحجر " العصا : معروف وهو اسم مقصور مؤنث وألفه منقلبة عن واو، قال[(٣)](#foonote-٣) :
على عَصْوَيْهَا[(٤)](#foonote-٤) سابِرِيٌّ مُشَبْرَقُ
والجمع عُصِيّ وعِصِيّ وهو فعول، وإنما كسرت العين لما بعدها من الكسرة، وأعص أيضا مثله مثل زمن وأزمن، وفي المثل :" العصا من العصية " أي بعض الأمر من بعض، وقولهم " ألقى عصاه " أي أقام وترك الأسفار وهو مَثَل. قال :فألقت عصاها واستقر بها النوى  كما قر عيناً بالإياب المسافروفي التنزيل :" وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكأ عليها " \[ طه : ١٧ - ١٨ \] وهناك[(٥)](#foonote-٥) يأتي الكلام في منافعها إن شاء الله تعالى. قال الفراء : أول لحن سمع بالعراق هذه عصاتي، وقد يعبر بالعصا عن الاجتماع والافتراق، ومنه يقال في الخوارج : قد شقوا عصا المسلمين أي اجتماعهم وائتلافهم. وانشقت العصا أي وقع الخلاف قال الشاعر :إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا  فحسبك والضحاك سيف مهندأي يكفيك ويكفي الضحاك. وقولهم : لا ترفع عصاك عن أهلك براد به الأدب والله أعلم. والحجر معروف وقياس جمعه في أدنى العدد أحجار، وفي الكثير حجار وحجارة، والحجارة نادر. وهو كقولنا : جمل وجمالة، وذكر وذكارة، كذا قال ابن فارس والجوهري. 
قلت : وفي القرآن " فهي كالحجارة " \[ البقرة : ٧٤ \] " وإن من الحجارة " \[ البقرة : ٧٤ \] " قل كونوا حجارة " \[ الإسراء : ٥٠ \] " ترميهم بحجارة " \[ الفيل : ٤ \] " وأمطرنا عليهم حجارة " \[ الحجر : ٧٤ \] فكيف يكون نادرا، إلا أن يريدا أنه نادر في القياس كثير في الاستعمال فصيح. والله أعلم. 
قوله تعالى :" فانفجرت منه " في الكلام حذف تقديره فضرب فانفجرت. وقد كان تعالى قادرا على تفجير الماء وفلق الحجر من غير ضرب لكن أراد أن بربط المسببات بالأسباب حكمة منه للعباد في وصولهم إلى المراد وليرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم في المعاد. والانفجار : الانشقاق ومنه انشق الفجر. وانفجر الماء انفجارا : انفتح. والفجرة : موضع تفجر الماء. والانبجاس أضيق من الانفجار، لأنه يكون انبجاسا ثم يصير انفجارا. وقيل : انبجس وتبجس وتفجر وتفتق بمعنى واحد حكاه الهروي وغيره. 
الخامسة : قوله تعالى :" اثنتا عشرة عينا " " اثنتا " في موضع رفع ب " انفجرت " وعلامة الرفع فيها الألف وأعربت دون نظائرها ؛ لأن التثنية معربة أبدا لصحة معناها. " عينا " نصب على البيان. وقرأ مجاهد وطلحة وعيسى " عشرة " بكسر الشين وهي لغة بني تميم وهذا من لغتهم نادر ؛ لأن سبيلهم التخفيف. ولغة أهل الحجاز " عشْرة " وسبيلهم التثقيل. قال جميعه النحاس. والعين من الأسماء المشتركة يقال : عن الماء وعين الإنسان وعين الركبة[(٦)](#foonote-٦) وعين الشمس. والعَيْن : سحابة تقبل من ناحية القبلة والعين : مطر يدوم خمسا أو ستا لا يقلع. وبلد قليل العَيْن : أي قليل الناس. وما بها عين، محركة الياء[(٧)](#foonote-٧) والعين : الثقب في المزادة والعَين من الماء مشبهة بالعين من الحيوان لخروج الماء منها كخروج الدمع من عين الحيوان. وقيل : لما كان عين الحيوان أشرف ما فيه شبهت به عين الماء ؛ لأنها أشرف ما في الأرض. 
السادسة : لما استسقى موسى عليه السلام لقومه أمر أن يضرب عند استسقائه بعصاه حجرا، قيل مربعا طوريا ( من الطور ) على قدر رأس الشاة يلقى في كسر جوالق ويرحل به، فإذا نزلوا وضع في وسط محلتهم، وذكر أنهم لم يكونوا يحملون الحجر لكنهم كانوا يجدونه في كل مرحلة في منزلته من المرحلة الأولى، وهذا أعظم في الآية والإعجاز. وقيل : إنه أطلق له اسم الحجر ليضرب موسى أي حجر شاء وهذا أبلغ في الإعجاز. وقيل : إن الله تعالى أمره أن يضرب حجرا بعينه بينه لموسى عليه السلام ولذلك ذكر بلفظ التعريف. قال سعيد بن جبير : هو الحجر الذي وضع عليه موسى ثوبه لما اغتسل وفر بثوبه حتى برأه الله مما رماه به قومه. قال ابن عطية : ولا خلاف أنه كان حجرا منفصلا مربعا تطرد من كل جهة ثلاث عيون إذا ضربه موسى، وإذا استغنوا عن الماء ورحلوا جفت العيون. 
قلت : ما أوتي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من نبع الماء وانفجاره من يده وبين أصابعه أعظم في المعجزة، فإنا نشاهد الماء يتفجر من الأحجار آناء الليل وآناء النهار ومعجزة نبينا عليه السلام لم تكن لنبي قبل نبينا صلى الله عليه وسلم يخرج الماء من بين لحم ودم. روى الأئمة الثقات والفقهاء الأثبات عن عبد الله قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم نجد ماء فأتي بتَوْرٍ[(٨)](#foonote-٨)، فأدخل يده فيه فلقد رأيت الماء يتفجر من بين أصابعه ويقول :( حي على الطهور ) قال الأعمش : فحدثني سالم بن أبي الجعد قال : قلت لجابر : كم كنتم يومئذ ؟ قال ألفا وخمسمائة. لفظ النسائي. 
السابعة : قوله تعالى :" قد علم كل أناس مشربهم " يعني أن لكل سبط منهم عينا قد عرفها لا يشرب من غيرها. والمشرب : موضع الشرب وقيل : المشروب. والأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب، وهم ذرية الاثني عشر أولاد يعقوب عليه السلام وكان لكل سبط عين من تلك العيون لا يتعداها. قال عطاء : كان للحجر أربعة أوجه يخرج من كل وجه ثلاث أعين لكل سبط عين لا يخالطهم سواهم. وبلغنا أنه كان في كل سبط خمسون ألف مقاتل سوى خيلهم ودوابهم. قال عطاء : كان يظهر على كل موضع من ضربة موسى مثل ثدي المرأة على الحجر فيعرق أولاً ثم يسيل. 
الثامنة : قوله تعالى :" كلوا واشربوا من رزق الله " في الكلام حذف تقديره، وقلنا لهم كلوا المن والسلوى واشربوا الماء المتفجر من الحجر المنفصل. . 
قوله تعالى :" ولا تعثوا في الأرض " أي لا تفسدوا والعيث : شدة الفساد، نهاهم عن ذلك. يقال : عث يعث عثيا وعثا يعثو عُثُوًّا، وعاث يعيث عَيْثًا وعُيُوثًا ومَعَاثًا والأول لغة القرآن. ويقال : عث يعث في المضاعف أفسد ومنه العثة، وهي السوسة التي تلحس الصوف. 
قوله تعالى :" مفسدين " حال وتكرر المعنى تأكيدا لاختلاف اللفظ. وفي هذه الكلمات إباحة النعم وتعدادها والتقدم في المعاصي والنهي عنها. . 
١ هو لبيد (كما في اللسان)..
٢ لم يذكر المصنف شيئا عن الاستسقاء في سورة (هود) وإنما هو مذكور في سورة (نوح) ج ١٨ ص ٣٠٢..
٣ هو ذو الرمة. وصدر البيت: فجاءت بنسج العنكبوت كأنه.
٤ عصويها: عرقوتي الدلو، وهما الخشيبتان اللتان يعترضان على الدلو كالصليب. والسابري: الدقيق من الثياب. والمشبرق: المخرق..
٥ راجع ج ١١ ص ١٨٦..
٦ كذا في بعض نسخ الأصل. وعين الركبة (براء مضمونة وباء موحدة): نقرة في مقدمها عند الساق، ولكل ركبة عينان، على التشبيه بنقرة العين الحاسة. وفي البعض الآخر: "عين الركبة" (براء مفتوحة وياء مثناة من تحت) وهي مفجر ماء البئر ومنبعها..
٧ الذي في القاموس: أن الياء تحرك وتسكن في العين بهذا المعنى.
 .
٨ التور (بالتاء المثناة): إناء من صفر أو حجارة يشرب منه أو يتوضأ..

### الآية 2:61

> ﻿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَنْ نَصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [2:61]

قوله تعالى :" وإذ قلتم يا موسى لن نصبر " كان هذا القول منهم في التيه حين ملوا المن والسلوى وتذكروا عيشهم الأول بمصر. قال الحسن : كانوا نَتَانَى أهل كراث وأبصال وأعداس فنزعوا إلى عِكرِهم[(١)](#foonote-١) عِكْرِ السوء، واشتاقت طباعهم إلى ما جرت عليه عادتهم فقالوا : لن نصبر على طعام واحد وكنوا عن المن والسلوى بطعام واحد، وهما اثنان لأنهم كانوا يأكلون أحدهما بالآخر ؛ فلذلك قالوا طعام واحد، وقيل : لتكرارهما في كل يوم غذاء، كما تقول لمن يداوم على الصوم والصلاة والقراءة : هو على أمر واحد لملازمته لذلك. وقيل : المعنى لن نصبر على الغنى فيكون جميعنا أغنياء، فلا يقدر بعضنا على الاستعانة ببعض لاستغناء كل واحد منا بنفسه، وكذلك كانوا فهم أول من اتخذ العبيد والخدم. 
قوله تعالى :" على طعام واحد " الطعام يطلق على ما يطعم ويشرب قال الله تعالى " ومن لم يطعمه فإنه مني " وقال :" ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا " \[ المائدة : ٩٣ \] أي ما شربوه من الخمر على ما يأتي بيانه[(٢)](#foonote-٢). وإن كان السلوى العسل - كما حكى المؤرج - فهو مشروب أيضا. وربما خص بالطعام البر والتمر كما في حديث أبي سعيد الخدري قال : كنا نخرج صدقة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من طعام أو صاعا من شعير الحديث. والعرف جار بأن القائل : ذهبت إلى سوق الطعام فليس يفهم منه إلا موضع به دون غيره مما يؤكل أو يشرب والطعم ( بالفتح ) : هو ما يؤديه الذوق يقال : طعمه مر. والطعم أيضا : ما يشتهى منه يقال : ليس له طعم. وما فلان بذي طعم : إذا كان غثا. والطعم ( بالضم ) : الطعام قال أبو خراش :

أرُدُّ شُجَاعَ البطن لو[(٣)](#foonote-٣) تعلمينه  وأُوثِرُ غيري من عيالك بالطُّعْمِوأغْتَبِقُ الماء القَرَاحَ فأنتهي  إذا الزاد أمسى للمُزَلَّجِ[(٤)](#foonote-٤) ذا طعمأراد بالأول الطعام وبالثاني ما يشتهى منه، وقد طعم يطعم فهو طاعم إذا أكل وذاق ومنه قوله تعالى " ومن لم يطعمه فإنه مني " \[ البقرة : ٢٤٩ \] أي من لم يذقه. وقال :" فإذا طعمتم فانتشروا " \[ الأحزاب : ٥٣ \] أي أكلتم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمزم :( إنها طعام طعم وشفاء سقم )[(٥)](#foonote-٥) واستطعمني فلان الحديث إذا أراد أن تحدثه. وفي الحديث :( إذا استطعمكم الإمام فأطعموه ) يقول : إذا استفتح فافتحوا عليه وفلان ما يطعم النوم إلا قائما. وقال الشاعر :نَعَاماً بوَجْرة صفر الخدو  د ما تطعم النوم إلا صياما[(٦)](#foonote-٦)قوله تعالى :" فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض " لغة بني عامر " فادع " بكسر العين لالتقاء الساكنين، يجرون المعتل مجرى الصحيح ولا يراعون المحذوف. و " يخرج " مجزوم على معنى سلْه وقل له : أخرج، يخرج. وقيل : هو على معنى الدعاء على تقدير حذف اللام وضعفه الزجاج. و " من " في قول " مما " زائدة في قول الأخفش وغير زائدة في قول سيبويه ؛ لأن الكلام موجب. قال النحاس : وإنما دعا الأخفش إلى هذا ؛ لأنه لم يجد مفعولا ل " يخرج " فأراد أن يجعل " ما " مفعولا. والأوْلى أن يكون المفعول محذوفا دل عليه سائر الكلام، التقدير : يخرج لنا مما تنبت الأرض مأكولا. ف " من " الأولى على هذا للتبعيض والثانية للتخصيص. 
قوله تعالى :" من بقلها " بدل من " ما " بإعادة الحرف، والبقل معروف وهو كل نبات ليس له ساق. والشجر : ما له ساق. 
و " وقثائها " عطف عليه وكذا ما بعده فاعلمه، والقثاء أيضا معروف وقد تضم قافه، وهى قراءة يحيى بن وثاب وطلحة بن مصرف لغتان، والكسر أكثر. وقيل في جمع قثاء : قثائي مثل علباء وعلابي إلا أن قثاء من ذوات الواو، تقول : اقثأئت القوم أي أطعمتهم ذلك. وقثأت القدر سكنت غليانها بالماء قال الجعدي :تفور علينا قدرهم فنُدِيمُها  ونَقْثَؤُهَا عنا إذا حَمْيُهَا غلاوقثأت[(٧)](#foonote-٧) الرجل إذا كسرته عنك بقول أو غيره وسكنت غضبه. وعدا حتى أقثأ ؛ أي : أعيا وانبهر، وأقثأ الحر ؛ أي : سكن وفتر، ومن أمثالهم في اليسير من البر قولهم : إن الرثيئة تقثأ في الغضب. وأصله أن رجلا كان غضب على قوم وكان مع غضبه جامعا فسقوه رثيئة فسكن غضبه وكف عنهم. الرثيئة : اللبن المحلوب على الحامض ليخثر. رثأت اللبن رثأ إذا حلبته على حامض فخثر، والاسم الرثيئة، وارتثأ اللبن خثر. 
وروى ابن ماجه حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا يونس بن بكير حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : كانت أمي تعالجني للسمنة، تريد أن تدخلني على رسول الله صلى الله عليه وسلم فما استقام لها ذلك، حتى أكلت القثاء بالرطب فسمنت كأحسن سمنة. وهذا إسناد صحيح. 
قوله تعالى :" وفومها " اختلف في الفوم فقيل هو : الثوم ؛ لأنه المشاكل للبصل. رواه جويبر عن الضحاك والثاء تبدل من الفاء كما قالوا : مغافير ومغاثير[(٨)](#foonote-٨). وجدث وجدف للقبر. وقرأ ابن مسعود " ثومها " بالثاء المثلثة وروي ذلك عن ابن عباس. وقال أمية بن أبي الصلت :كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرةٌ  فيها الفَرَادِيسُ والفُومَانُ والبصلالفراديس : واحدها فرديس. وكرم مفردس أي معرش. وقال حسان :وأنتم أناس لئام الأصول  طعامكم الفوم والحَوقَليعني الثوم والبصل، وهو قول الكسائي والنضر بن شميل. وقيل : الفوم الحنطة. روي عباس أيضا وأكثر المفسرين، واختاره النحاس قال : وهو أولى، ومن قال به أعلى وأسانيده صحاح، وليس جويبر بنظير لروايته وإن كان الكسائي والفراء قد اختارا القول الأول لإبدال العرب الفاء من الثاء والإبدال لا يقاس عليه، وليس ذلك بكثير في كلام العرب. وأنشد عباس لمن سأله عن الفوم وأنه الحنطة قول أحيحة بن الجلاح :قد كنت أغنى الناس شخصا واجدا  ورد المدينة عن زراعة فُوم[(٩)](#foonote-٩)وقل أبو إسحاق الزجاج : وكيف يطلب القوم طعاما لا بر فيه، والبر أصل الغذاء !. وقال الجوهري أبو نصر : الفوم الحنطة. وأنشد الأخفش :قد كنت أحسبني كأغنى واجد  نزل المدينة عن زراعة فوم**وقال ابن دريد : الفومة السنبلة وأنشد :**وقال ربيئُهم[(١٠)](#foonote-١٠) لما أتانا  بكفِّه فومة أو فُومَتَانِوالهاء في " كفه " غير مشبعة. وقال بعضهم : الفوم الحمص لغة شامية. وبائعه فامي مغير عن فومي ؛ لأنهم قد يغيرون في النسب، كما قالوا : سهلي ودهري. ويقال : فوموا لنا أي اختبزوا. قال الفراء : هي لغة قديمة. وقال عطاء وقتادة : الفوم كل حب يختبز. 
مسألة : اختلف العلماء في أكل البصل والثوم وما له رائحة كريهة من سائر البقول. جمهور العلماء إلى إباحة ذلك، للأحاديث الثابتة في ذلك، وذهبت طائفة من أهل الظاهر - القائلين بوجوب الصلاة في الجماعة فرضا - إلى المنع، وقالوا : كل ما منع من إتيان الفرض والقيام به فحرام عمله والتشاغل به. واحتجوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماها خبيثة، والله عز قد وصف نبيه عليه السلام بأنه يحرم الخبائث. ومن الحجة للجمهور ما ثبت عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي ببَدْرٍ فيه[(١١)](#foonote-١١) خضرات من بقول فوجد لها ريحا، قال : فأخبر بما فيها من البقول، فقال :( قربوها ) - إلى بعض أصحابه كان معه - فلما رآه كره أكلها، قال :( كل فإني أناجي من لا تناجي ). أخرجه مسلم وأبو داود. فهذا بين في الخصوص له والإباحة لغيره. وفي صحيح مسلم أيضا عن أبي أيوب أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل على أبي أيوب، فصنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما فيه ثوم، فلما رد إليه سأل عن موضع أصابع النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل له : لم يأكل. ففزع وصعد إليه فقال : أحرام هو ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم :( لا ولكني أكرهه ). قال : فإني أكره ما تكره أو ما كرهت، قال : وكان النبي صلى الله عليه وسلم يؤتى ( يعني يأتيه الوحي ). فهذا نص على عدم التحريم. وكذلك ما رواه أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم حين أكلوا الثوم زمن خيبر وفتحها :( أيها الناس إنه ليس لي تحريم ما أحل الله ولكنها شجرة أكره ريحها ) الأحاديث تشعر بأن الحكم خاص به، إذ هو المخصوص بمناجاة الملك. لكن قد علمنا هذا الحكم في حديث جابر بما يقتضي التسوية بينه وبين غيره في هذا الحكم ؛ حيث قال :( من أكل من هذه البقلة الثوم وقال مرة : من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم ) وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حديث فيه طول : إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين، هذا البصل والثوم. ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليمتهما طبخا. خرجه مسلم. 
قوله تعالى :" وعدسها وبصلها " العدس معروف. والعدسة : بثرة تخرج بالإنسان، وربما قتلت. وعدس : زجر للبغال، قال :عَدَسْ ما لعبَّاد عليك إمارة  نجوتِ وهذا تحملين طليق[(١٢)](#foonote-١٢)والعدس : شدة الوطء، والكدح أيضا، يقال : عدسة. وعدس في الأرض : ذهب فيها. وعدست إليه المنية أي سارت، قال الكميت :أُكَلِّفُهَا هولَ الظلام ولم أزل  أخَا الليل معدوساً إلي وعادساأي يسار إلي بالليل. وعدس : لغة في حدس، قاله الجوهري. ويؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث علي أنه قال :( عليكم بالعدس فإنه مبارك مقدس، وإنه يرق القلب ويكثر الدمعة، فإنه بارك فيه سبعون نبيا آخرهم عيسى ابن مريم )، ذكره الثعلبي وغيره. وكان عمر بن عبد العزيز يأكل يوما خبزا بزيت، ويوما بلحم[(١٣)](#foonote-١٣)، ويوما بعدس. قال الحليمي : والعدس والزيت طعام الصالحين، ولو لم يكن له فضيلة إلا أنه ضيافة إبراهيم عليه السلام في مدينته لا تخلو منه، لكان فيه كفاية. وهو مما يخفف البدن فيخف للعبادة، لا تثور منه الشهوات كما تثور من اللحم. والحنطة من جملة الحبوب وهي الفوم على الصحيح، والشعير قريب منها وكان طعام أهل المدينة، كما كان العدس من طعام قرية إبراهيم عليه السلام، فصار لكل واحد من الحبتين بأحد النبيين عليهما السلام فضيلة، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشبع هو وأهله من خبز بر ثلاثة أيام متتابعة منذ قدم المدينة إلى أن توفاه الله عز وجل. 
قوله تعالى :" قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير " الاستبدال : وضع الشيء موضع الآخر، ومنه البدل، وقد تقدم. و " أدنى " مأخوذ عند الزجاج من الدنو أي القرب في القيمة، من قولهم : ثوب مقارب، أي قليل الثمن. وقال علي بن سليمان : هو مهموز من الدنيء البين الدناءة بمعنى الأخس، إلا أنه خفف همزته. وقيل : هو مأخوذ من الدون أي الأحط، فأصله أدون، أفعل، قلب فجاء أفلع، وحولت الواو ألفا لتطرفها. وقرئ في الشواذ " أدنى[(١٤)](#foonote-١٤) ". ومعنى الآية : أتستبدلون البقل والقثاء والفوم والعدس والبصل الذي هو أدنى بالمن والسلوى الذي هو خير. 
واختلف في الوجوه التي توجب فضل المن والسلوى على الشيء الذي طلبوه وهى خمسة : الأول : أن البقول لما كانت لا خطر لها بالنسبة إلى المن والسلوى كانا أفضل، قاله الزجاج. 
الثاني : لما كان المن والسلوى طعاما مّن الله به عليهم وأمرهم بأكله وكان في استدامة أمر الله وشكر نعمته أجر وذخر في الآخرة، والذي طلبوه عار من هذه الخصائل كان أدنى في هذا الوجه. الثالث : لما كان ما مّن الله به عليهم أطيب وألذ من الذي سألو١ العكر (بكسر أوله وسكون ثانيه): الأصل. وقيل: العادة والديدان. والعكر (بالتحريك): دردي كل شيء..
٢ راجع ج ٦ ص ٢٩٣..
٣ في ديوان الهذليين واللسان مادة "طعم": "قد تعلمينه"..
٤ المزلج: من معانيه البخيل والمزلق بالقوم وليس منهم. وكلاهما محتمل..
٥ أي يشبع الإنسان إذا شرب مائها كما يشبع من الطعام..
٦ كذا في نسخ الأصل. ووجرة (بفتح فسكون): موضع بين مكة والبصرة. والذي في كتب اللغة ومعاجم البلدان:
 نعاما بخطمة صعر الخدو \*\*\* دلا تطعم الماء إلا صياما
 وقبله : فأما بنو عامر بالنسار \*\*\* غداة لقونا فكانوا نعاما
 وهو لبشر بن أبي حازم. وخطمة (بفتح فسكون): موضع أعلى المدينة. وفي اللسان بعد البيت: "يقول: هي صائمة منه لا تطعمه؛ قال: وذلك لأن النعام لا ترد الماء ولا تطعمه".
 .
٧ الكلام الموضوع بين المربعين نقله المؤلف من معاجم اللغة سهوا على أنه من مادة "قثأ" بالقاف؛ والواقع أنه من مادة "فثأ" بالفاء..
٨ المغافير: قيل: هو صمغ يسيل من شجر العرفط رائحته ليست بطيبة..
٩ في الأغاني (ج ٢١ ص ٢١١) طبع أوربا: (عن زراعة فول). وقيل البيت:
 ولقد نظرت إلى الشموس ودونها\*\*\* حرج من الرحمن غير قليل
 وعلى هذا فالقافية لامية..
١٠ في بعض الأصول: "وقال رئيسهم" الربى. (ومثله الربيئة): العين والطليعة الذي ينظر للقوم لئلا يدهمهم عدو، ولا يكون إلا على جبل أو شرف ينظر منه..
١١ في الأصول: "بقدر"والتصويب عن سنن أبي داود. يعني بالبدر الطبق، شبه بالبدر لاستدارته..
١٢ البيت ليزيد بن مفرغ..
١٣ في بعض نسخ الأصل: "بملح"..
١٤ كذا في نسخ الأصل: والذي في كتب الشواذ: "أدنأ بالهمز، وهي قراءة زهير الفرقبي"..

### الآية 2:62

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2:62]

**فيه ثماني مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" إن الذين آمنوا " أي صدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقال سفيان : المراد المنافقون. كأنه قال : الذين أمنوا في ظاهر أمرهم، فلذلك قرنهم باليهود والنصارى والصابئين، ثم بين حكم من آمن بالله واليوم الآخر من جميعهم
الثانية : قوله تعالى :" والذين هادوا " معناه صاروا يهودا، نسبوا إلى يهوذا وهو أكبر ولد يعقوب عليه السلام، فقلبت العرب الذال دالا ؛ لأن الأعجمية إذا عربت غيرت عن لفظها. وقيل : سموا بذلك لتوبتهم عن عبادة العجل. هاد : تاب. والهائد : التائب، قال الشاعر :
إني امرؤ من حبِّه هَائِدُ
أي تائب. وفي التنزيل :" إنا هدنا إليك " \[ الأعراف : ١٥٦ \] أي تبنا. وهاد القوم يهودون هودا وهيادة إذا تابوا. وقال ابن عرفة :" هدنا إليك " أي : سكنا إلى أمرك. والهوادة : السكون والموادعة. قال : ومنه قوله تعالى :" إن الذين أمنوا والذين هادوا ". وقرأ أبو السمال :" هادوا " بفتح الدال. 
الثالثة : قوله تعالى :" والنصارى " جمع واحده نصراني. وقيل : نصران بإسقاط الياء، وهذا قول سيبويه. والأنثى نصرانة، كندمان وندمانة. وهو نكرة يعرف بالألف واللام، قال الشاعر[(١)](#foonote-١) :صدَّت كما صدَّ عما لا يحل له  ساقي نصارى قُبَيلَ الفِصْحِ[(٢)](#foonote-٢) صُوَّامُفوصفه بالنكرة. وقال الخليل : واحد النصارى نصري، كمهري ومهارى. وأنشد سيبويه شاهدا على قوله :تراه إذا دار العشا مُتَحَنِّفاً  ويضحي لديه وهو نصران شامس**وأنشد :**فكلتاهما خرت وأسجد رأسها  كما أسجدت نصرانةٌ لم تَحَنَّفِ[(٣)](#foonote-٣)يقال : أسجد إذا مال. ولكن لا يستعمل نصران ونصرانة إلا بياءي النسب، لأنهم قالوا : رجل نصراني وامرأة نصرانية. ونصره : جعله نصرانيا. وفي الحديث :( فأبواه يهودانه أو ينصرانه ). وقال عليه السلام :( لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار ). وقد جاءت جموع على غير ما يستعمل واحدها، وقياسه النصرانيون. ثم قيل : سموا بذلك لقرية تسمى " ناصرة " كان ينزلها عيسى عليه السلام فنسب إليها فقيل : عيسى الناصري، فلما نسب أصحابه إليه قيل النصارى، قاله ابن عباس وقتادة. وقال الجوهري : ونصران قرية بالشام ينسب إليها النصارى، ويقال ناصرة. وقيل : سموا بذلك لنصرة بعضهم بعضا، قال الشاعر :لما رأيت نبطاً أنصارا  شمرت عن ركبتي الإزاراكنت لهم من النصارى جارا
وقيل : سموا بذلك لقول :" من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله " \[ آل عمران : ٥٢ \]. 
الرابعة : قوله تعالى :" والصابئين " جمع صابئ، وقيل : صاب، ولذلك اختلفوا في همزه، وهمزه الجمهور إلا نافعا. فمن همزه جعله من صبأت النجوم إذا طلعت، وصبأت ثنية الغلام إذا خرجت. ومن لم يهمز جعله من صبا يصبو إذا مال. فالصابئ في اللغة : من خرج ومال من دين إلى دين، ولهذا كانت العرب تقول لمن أسلم قد صبأ. فالصابئون قد خرجوا من دين أهل الكتاب. 
الخامسة : لا خلاف في أن اليهود والنصارى أهل كتاب ولأجل كتابهم جاز نكاح نسائهم وأكل طعامهم على ما يأتي بيانه في المائدة[(٤)](#foonote-٤) وضرب الجزية عليهم، على ما يأتي في سورة " براءة[(٥)](#foonote-٥) " إن شاء الله. 
واختلف في الصابئين، فقال السدي : هم فرقة من أهل الكتاب، وقاله إسحاق بن راهويه. قال ابن المنذر وقال إسحاق : لا بأس بذبائح الصابئين لأنهم طائفة من أهل الكتاب. وقال أبو حنيفة : لا بئس بذبائحهم ومناكحة نسائهم. وقال الخليل : هم قوم يشبه دينهم دين النصارى، إلا أن قبلتهم نحو مهب الجنوب، يزعمون أنهم على دين نوح عليه السلام. وقال مجاهد والحسن وابن أبي نجيح : هم قوم تركب دينهم بين اليهودية والمجوسية، لا تؤكل ذبائحهم. ابن عباس : ولا تنكح نساؤهم. وقال الحسن أيضا وقتادة : هم قوم يعبدون الملائكة ويصلون إلى القبلة ويقرؤون الزبور ويصلون الخمس، رآهم زياد ابن أبي سفيان، فأراد وضع الجزية عنهم حين عرف أنهم يعبدون الملائكة. والذي تحصل من مذهبهم فيما ذكره بعض علمائنا أنهم موحدون معتقدون تأثير النجوم وأنها فعالة، ولهذا أفتى أبو سعيد الاصطخري القادر بالله بكفرهم حين سأله عنهم. 
السادسة : قوله تعالى :" من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم " أي صدق. و " من " في قوله :" من آمن " في موضع نصب بدل من " الذين ". والفاء في قوله " فلهم " داخلة بسبب الإبهام الذي في " من ". و " لهم أجرهم " ابتداء وخبر في موضع خبر إن. ويحسن أن يكون " من " في موضع رفع بالابتداء، ومعناها الشرط. و " آمن " في موضع جزم بالشرط، والفاء الجواب. و " لهم أجرهم " خبر " من "، والجملة كلها خبر " إن "، والعائد على " الذين " محذوف، تقديره من آمن منهم بالله. وفي الإيمان بالله واليوم الآخر اندراج الإيمان بالرسل والكتب والبعث. 
السابعة : إن قال قائل : لم جمع الضمير في قوله تعالى :" لهم أجرهم " و " آمن " لفظ مفرد ليس بجمع، وإنما كان يستقيم لو قال : له أجره. فالجواب أن " من " يقع على الواحد والتثنية والجمع، فجائز أن يرجع الضمير مفردا ومثنى ومجموعا، قال الله تعالى :" ومنهم من يستمعون إليك " \[ يونس : ٤٢ \] على المعنى. وقال :" ومنهم من يستمع إليك " على اللفظ. وقال الشاعر :ألِمَّا بسلمى عنكما إن عَرضْتُمَا  وقولاَ لَهَا عُوجِي على من تخلفوا**وقال الفرزدق :**تعال فإن عاهدتني لا تخونني  نكن مثلَ مَنْ يا ذئب يصطحبانفحمل على المعنى، ولو حمل على اللفظ لقال : يصطحب، وتخلف. قال تعالى :" ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات " فحمل على اللفظ. ثم قال :" خالدين " فحمل على المعنى، ولو راعى اللفظ لقال : خالدا فيها. وإذا جرى ما بعد " من " على اللفظ فجائز أن يخالف به بعد على المعنى كما في هذه الآية. وإذا جرى ما بعدها على المعنى لم يجز أن يخالف به بعد على اللفظ ؛ لأن الإلباس يدخل في الكلام. وقد مضى الكلام في قوله تعالى :" فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون[(٦)](#foonote-٦) ". والله أعلم. 
الثامنة : روي عن ابن عباس أن قوله :" إن الذين آمنوا والذين هادو " \[ الحج : ١٧ \] الآية. منسوخ بقوله تعالى :" يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه " \[ آل عمران : ٨٥ \] الآية. وقال غيره : ليست بمنسوخة. وهى فيمن ثبت على إيمانه من المؤمنين بالنبي عليه السلام. 
١ هو النمر بن تولب. يصف ناقة عرض عليها الماء فعافته..
٢ في نسخ الأصل: "الصبح" بالباء والتصويب عن كتاب سيبويه. والفصح. فطر النصارى، وهو عيد لهم..
٣ البيت لأبي الأخرز الحماني، يصف ناقتين طأطأتا رءوسهما من الإعياء. فشبه رأس الناقة برأس النصرانية إذا طأطأته في صلاتها. (عن شرح القاموس واللسان)..
٤ راجع ج ٦ ص ٧٦..
٥ راجع ج ٨ ص ١١٠..
٦ راجع ص ٣٢٩ من هذا الجزء..

### الآية 2:63

> ﻿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [2:63]

قوله تعالى :" وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور " هذه الآية تفسر معنى قوله تعالى :" وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة[(١)](#foonote-١) " \[ الأعراف : ١٧١ \]. قال أبو عبيدة : المعنى زعزعناه فاستخرجناه من مكانه. قال : وكل شيء قلعته فرميت به فقد نتقته. وقيل : نتقناه رفعناه. قال ابن الأعرابي : الناتق الرافع، والناتق الباسط، والناتق الفاتق. وامرأة ناتق ومنتاق : كثيرة الولد. وقال القتبي : أخذ ذلك من نتق السقاء، وهو نفضه حتى تقتلع الزبدة منه. قال وقوله :" وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة " قال : قلع من أصله. 
واختلف في الطور، فقيل : الطور اسم للجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام وأنزل عليه فيه التوراة دون غيره، رواه ابن جريج عن ابن عباس. وروى الضحاك عنه أن الطور ما أنبت من الجبال خاصة دون ما لم ينبت. وقال مجاهد وقتادة : أي جبل كان. إلا أن مجاهدا قال : هو اسم لكل جبل بالسريانية، وقال أبو العالية. وقد مضى الكلام هل وقع في القرآن ألفاظ مفردة غير معربة من غير كلام في مقدمة الكتاب[(٢)](#foonote-٢). والحمد لله. وزعم البكري أنه سمي بطور بن إسماعيل عليه السلام، والله تعالى أعلم. 
القول في سبب رفع الطور
وذلك أن موسى عليه السلام لما جاء بني إسرائيل من عند الله بالألواح فيها التوراة قال لهم : خذوها والتزموها. فقالوا : لا ! إلا أن يكلمنا الله بها كما كلمك. فصعقوا ثم أحيوا. فقال لهم : خذوها. فقالوا لا، فأمر الله الملائكة فاقتلعت جبلا من جبال فلسطين طوله فرسخ في مثله، وكذلك كان عسكرهم، فجعل عليهم مثل الظلة، وأتوا ببحر من خلفهم، ونار من قبل وجوههم، وقيل لهم : خذوها وعليكم الميثاق ألا تضيعوها، وإلا سقط عليكم الجبل. فسجدوا توبة الله وأخذوا التوراة بالميثاق. قال الطبري عن بعض العلماء : لو أخذوها أول مرة لم يكن عليهم ميثاق. وكان سجودهم على شق، لأنهم كانوا يرقبون الجبل خوفا، فلما رحمهم الله قالوا : لا سجدة أفضل من سجدة تقبلها الله ورحم بها عباده، فأمرُّوا سجودهم على شق واحد. قال ابن عطية : والذي لا يصح سواه أن الله تعالى اخترع وقت سجودهم الإيمان في قلوبهم[(٣)](#foonote-٣) لا أنهم آمنوا كرها وقلوبهم غير مطمئنة بذلك. 
قوله تعالى :" خذوا " أي فقلنا خذوا، فحذف. " ما آتيناكم " أعطيناكم. " بقوة " أي بجد واجتهاد، قاله ابن عباس وقتادة والسدي. وقيل : بنية وإخلاص. مجاهد : القوة العمل بما فيه. وقيل : بقوة، بكثرة درس. " واذكروا ما فيه " أي تدبروه واحفظوا أوامره ووعيده، ولا تنسوه ولا تضيعوه. 
قلت : هذا هو المقصود من الكتب، العمل بمقتضاها لا تلاوتها باللسان وترتيلها، فإن ذلك نبذ لها، على ما قاله الشعبي وابن عيينة، وسيأتي قولهما عند قوله تعالى :" نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب[(٤)](#foonote-٤) " \[ البقرة : ١٠١ \]. وقد روى النسائي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( إن من شر الناس وجلا فاسقا يقرأ القرآن لا يرعوي إلى شيء منه ). فبين صلى الله عليه وسلم أن المقصود العمل كما بينا. وقال مالك : قد يقرأ القرآن من لا خير فيه. فما لزم إذا من قبلنا وأخذ عليهم لازم لنا وواجب علينا. قال الله تعالى :" واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم[(٥)](#foonote-٥) " \[ الزمر : ٥٥ \] فأمرنا باتباع كتابه والعمل بمقتضاه، لكن تركنا ذلك، كما تركت اليهود والنصارى، وبقيت أشخاص الكتب والمصاحف لا تفيد شيئا، لغلبة الجهل وطلب الرياسة واتباع الأهواء. روى الترمذي عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فشخص ببصره إلى السماء ثم قال :( هذا أوان يختلس فيه العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء ). فقال زياد بن لبيد الأنصاري : كيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن ! فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا. فقال :( ثكلتك أمك يا زياد أن كنت لأعدك من فقهاء المدينة هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم ) وذكر الحديث، وسيأتي. وخرجه النسائي من حديث جبير بن نفير أيضا عن عوف بن مالك الأشجعي من طريق صحيحة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لزياد :( ثكلتك أمك يا زياد هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى ). وفي الموطأ عن عبد لله بن مسعود قال لإنسان :" إنك في زمان كثير فقهاؤه، قليل قراؤه، تحفظ فيه حدود القرآن وتضيع حروفه، قليل من يسأل، كثير من يعطي، يطيلون الصلاة ويقصرون فيه الخطبة، يبدؤون فيه أعمالهم قبل أهوائهم. وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه، كثير قراؤه، تحفظ فيه حروف القرآن، وتضيع حدوده، كثير من يسأل، قليل من يعطي، يطيلون فيه الخطبة، ويقصرون الصلاة، يبدؤون فيه أهواءهم قبل أعمالهم ". وهذه نصوص تدل على ما ذكرنا. وقد قال يحيى : سألت ابن نافع عن قوله. يبدؤون أهواءهم قبل أعمالهم ؟ قال يقول : يتبعون أهواءهم ويتركون العمل بالذي افترض عليهم. 
قوله تعالى :" لعلكم تتقون[(٦)](#foonote-٦) " وتقدم القول في معناه فلا معنى لإعادته.

١ راجع ج ٧ ص ٣١٣..
٢ راجع ص ٦٨ من هذا الجزء..
٣ زيادة عن تفسير ابن عطية..
٤ راجع ج ٢ ص ٤١..
٥ راجع ج ١٥ ص ٢٧٠..
٦ راجع ص ٢٢٧ من هذا الجزء..

### الآية 2:64

> ﻿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۖ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [2:64]

وقوله تعالى :" ثم توليتم " تولى تفعل، وأصله الإعراض والإدبار عن الشيء بالجسم، ثم ا ستعمل في الإعراض عن الأوامر والأديان والمعتقدات اتساعا ومجازا. 
قوله تعالى :" من بعد ذلك " أي من بعد البرهان، وهو أخذ الميثاق ورفع الجبل. 
قوله تعالى :" فلولا فضل الله عليكم " " فضل " مرفوع بالابتداء عند سيبويه والخبر محذوف لا يجوز إظهاره ؛ لأن العرب استغنت عن إظهاره، إلا أنهم إذا أرادوا إظهاره جاؤوا بأن، فإذا جاؤوا بها لم يحذفوا الخبر. والقدير فلولا فضل الله تدارككم. 
قوله تعالى :" ورحمته " عطف على " فضل " أي لطفه وإمهاله. " لكنتم " جواب " لولا " " من الخاسرين " خبر كنتم. والخسران : النقصان، وقد تقدم[(١)](#foonote-١). وقيل : فضله قبول التوبة، و " رحمته " العفو. والفضل : الزيادة على ما وجب. والإفضال : فعل ما لم يجب. قال ابن فارس في المجمل : الفضل الزيادة والخير، والإفضال : الإحسان.

١ راجع ص ٢٤٨.

### الآية 2:65

> ﻿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [2:65]

**فيه سبع مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم " " علمتم " معناه عرفتم أعيانهم. وقيل : علمتم أحكامهم. والفرق بينهما : أن المعرفة متوجهة إلى ذات المسمى، والعلم متوجه إلى أحوال المسمى. فإذا قلت : عرفت زيدا، فالمراد شخصه، وإذا قلت : علمت زيدا، فالمراد به العلم بأحواله من فضل ونقص. فعلى الأول يتعدى الفعل إلى مفعول واحد، وهو قول سيبويه :" علمتم " بمعنى عرفتم. وعلى الثاني إلى مفعولين وحكى الأخفش ولقد علمت زيدا ولم أكن أعلمه. وفي التنزيل :" لا تعلمونهم الله يعلمهم " \[ الأنفال : ٦٠ \] كل هذا بمعنى المعرفة، فاعلم. 
 " الذين اعتدوا منكم في السبت " \[ البقرة : ٦٥ \] صلة " الذين ". والاعتداء. التجاوز، وقد تقدم[(١)](#foonote-١). 
الثانية : روى النسائي عن صفوان بن عسال قال : قال يهودي لصاحبه : اذهب بنا إلى هذا النبي. فقال له صاحبه : لا تقل نبي لو سمعك فإن له أربعة أعين[(٢)](#foonote-٢). فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألاه عن تسع آيات بينات، فقال لهم :( لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرفوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تمشوا ببريء إلى سلطان ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تقذفوا المحصنة ولا تولوا يوم الزحف وعليكم خاصة يهود ألا تعدوا في السبت ). فقبلوا يديه ورجليه وقالوا : نشهد أنك نبي. قال :( فما يمنعكم أن تتبعوني ) قالوا : إن داود دعا بألا يزال من ذريته نبي، وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا يهود. وخرجه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح. وسيأتي لفظه في سورة " سبحان[(٣)](#foonote-٣) " إن شاء الله تعالى. 
الثالثة :" في السبت " معناه في يوم السبت، ويحتمل أن يريد في حكم السبت. والأول قول الحسن وأنهم أخذوا فيه الحيتان على جهة الاستحلال. وروى أشهب عن مالك قال : زعم ابن رومان أنهم كانوا يأخذ الرجل منهم خيطا ويضع فيه وهقة[(٤)](#foonote-٤) وألقاها في ذنب الحوت، وفي الطرف الآخر من الخيط وتد وتركه كذلك إلى الأحد، ثم تطرق الناس حين رأوا من صنع لا يبتلى، حتى كثر صيد الحوت ومشي به في الأسواق، وأعلن الفسقة بصيده. فقامت فرقة فنهت وجاهرت بالنهي واعتزلت. ويقال : إن الناهين قالوا : لا نساكنكم، فقسموا القرية بجدار. فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا : إن للناس لشأنا، فعلوا على الجدار فنظروا فإذا هم قردة، ففتحوا الباب ودخلوا عليهم، فعرفت القردة أنسابها من الإنس، ولا يعرف الإنس أنسابهم من القردة، فجعلت القردة تأتي نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي، فيقول : ألم ننهكم فتقول برأسها : نعم. قال قتادة : صار الشبان قردة، والشيوخ خنازير، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم. وسيأتي في " الأعراف[(٥)](#foonote-٥) " قول من قال : إنهم كانوا ثلاث فرق. وهو أصح من قول من قال : إنهم لم يفترقوا إلا فرقتين. والله أعلم. 
والسبت مأخوذ من السبت وهو القطع، فقيل : إن الأشياء سبتت وتمت خلقتها. وقيل : هو مأخوذ من السبوت الذي هو الراحة والدعة. 
واختلف العلماء في الممسوخ هل ينسل على قولين. قال الزجاج : قال قوم يجوز أن تكون هذه القردة منهم. واختاره القاضي أبو بكر بن العربي. وقال الجمهور : الممسوخ لا ينسل وإن القردة والخنازير وغيرهما كانت قبل ذلك، والذين مسخهم الله قد هلكوا ولم يبق لهم نسل، لأنه قد أصابهم السخط والعذاب، فلم يكن لهم قرار في الدنيا بعد ثلاثة أيام. قال ابن عباس : لم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل. قال ابن عطية : وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وثبت أن الممسوخ لا ينسل ولا يأكل ولا يشرب ولا يعيش أكثر من ثلاثة أيام. 
قلت : هذا هو الصحيح من القولين. وأما ما احتج به ابن العربي وغيره على صحة القول الأول من قوله صلى الله عليه وسلم :( فقدت أمة من بني إسرائيل لا يدرى ما فعلت، ولا أراها إلا الفأر ألا ترونها إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشربه، وإذا وضع لها ألبان الشاء شربته ). رواه أبو هريرة أخرجه مسلم، وبحديث الضب رواه مسلم أيضا عن أبي سعيد وجابر، قال جابر : أتي النبي صلى الله عليه وسلم بضب فأبى أن يأكل منه، وقال :( لا أدري لعله من القرون التي مسخت ) فمتأول على ما يأتي. قال ابن العربي : وفي البخاري عن عمرو بن ميمون أنه قال : رأيت في الجاهلية قردة قد زنت فرجموها فرجمتها معهم. ثبت في بعض نسخ البخاري وسقط في بعضها، وثبت في نص الحديث " قد زنت " وسقط هذا اللفظ عند بعضهم. قال ابن العربي : فإن قيل : وكأن البهائم بقيت فيهم معارف الشرائع حتى ورثوها خلفا عن سلف إلى زمان عمرو ؟ قلنا : نعم كذلك كان، لأن اليهود غيروا الرجم فأراد الله أن يقيمه في مسوخهم[(٦)](#foonote-٦) حتى يكون أبلغ في الحجة على ما أنكروه من ذلك وغيروه، حتى تشهد عليهم كتبهم وأحبارهم ومسوخهم[(٧)](#foonote-٧)، حتى يعلموا أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون، ويحصي ما يبدلون وما يغيرون، ويقيم عليهم الحجة من حيث لا يشعرون وينصر نبيه عليه السلام وهم لا ينصرون. 
قلت : هذا كلامه في الأحكام، ولا حجة في شيء منه. وأما ما ذكره من قصة عمرو فذكر الحميدي في جمع الصحيحين : حكى أبو مسعود الدمشقي أن لعمرو بن ميمون الأودي في الصحيحين حكاية من رواية حصين عنه قال : رأيت في الجاهلية قردة اجتمع عليها قردة فرجموها فرجمتها معهم. كذا حكى أبو مسعود ولم يذكر في أي موضع أخرجه البخاري من كتابه، فبحثنا عن ذلك فوجدناه في بعض النسخ لا في كلها، فذكر في كتاب أيام الجاهلية. وليس في رواية النعيمي عن الفربري أصلا شيء من هذا الخبر في القردة، ولعلها من المقحمات في كتاب البخاري. والذي قال البخاري في التاريخ الكبير : قال نعيم بن حماد أخبرنا هشيم عن أبي بلج وحصين عن عمرو بن ميمون قال : رأيت في الجاهلية فردة اجتمع عليها قرود فرجموها فرجمتها معهم. وليس فيه " قد زنت ". فإن صحت هذه الرواية فإنما أخرجها البخاري دلالة على أن عمرو بن ميمون قد أدرك الجاهلية ولم يبال بظنه الذي ظنه في الجاهلية. وذكر أبو عمر في الاستيعاب عمرو بن ميمون وأن كنيته أبو عبدالله " معدود في كبار التابعين من الكوفيين، وهو الذي رأى الرجم في الجاهلية من القردة إن صح ذلك، لأن رواته مجهولون. وقد ذكره البخاري عن نعيم عن هشيم عن حصين عن عمرو بن ميمون الأودي مختصرا قال : رأيت في الجاهلية قردة زنت فرجموها - يعني القردة - فرجمتها معهم. ورواه عباد بن العوام عن حصين كما رواه هشيم مختصرا. وأما القصة بطولها فإنها تدور على عبد الملك بن مسلم عن عيسى بن حطان، وليسا ممن يحتج بهما. وهذا عند جماعة أهل العلم منكر إضافة الزنى إلى غير مكلف، وإقامة الحدود في البهائم. ولو صح لكانوا من الجن، لأن العبادات في الإنس والجن دون غيرهما ". وأما قوله عليه السلام في حديث أبي هريرة :( ولا أراها إلا الفأر ) وفي الضب :( لا أدري لعله من القرون التي مسخت ) وما كان مثله، فإنما كان ظنا وخوفا لأن يكون الضب والفأر وغيرهما مما مسخ، وكان هذا حدسا منه صلى الله عليه وسلم قبل أن يوحى إليه أن الله لم يجعل للمسخ نسلا، فلما أوحى إليه بذلك زال عنه ذلك التخوف، وعلم أن الضب والفأر ليسا مما مسخ، وعند ذلك أخبرنا بقوله صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن القردة والخنازير : هي مما مسخ ؟ فقال :( إن الله لم يهلك قوما أو يعذب قوما فيجعل لهم نسلا وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك ). وهذا نص صريح صحيح رواه عبدالله بن مسعود أخرجه مسلم في كتاب القدر. وثبتت النصوص بأكل الضب بحضرته وعلى مائدته ولم ينكر، فدل على صحة ما ذكرنا. وبالله توفيقنا. وروي عن مجاهد في تفسير هذه الآية أنه إنما مسخت قلوبهم فقط، وردت أفهامهم كأفهام القردة. ولم يقله غيره من المفسرين فيما أعلم، والله أعلم. 
قوله تعالى :" فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين " " قردة " خبر كان. " خاسئين " نعت، وإن شئت جعلته خبرا ثانيا لكان، أوحالا من الضمير في " كونوا ". ومعناه مبعدين. يقال : خسأته فخسأ وخسئ، وانخسأ أي أبعدته فبعد. وقوله تعالى :" ينقلب إليك البصر خاسئا[(٨)](#foonote-٨) " \[ الملك : ٤ \] أي مبعدا. وقوله :" اخسؤوا فيها[(٩)](#foonote-٩) " \[ المؤمنون : ١٠٨ \] أي تباعدوا. تباعد سخط. قال الكسائي : خسأ الرجل خسوءا، وخسأته خسأ. ويكون الخاسئ بمعنى الصاغر القميء. يقال : قمؤ الرجل قماء وقماءة صار قميئا، وهو الصاغر الذليل. وأقمأته : صغرته وذللته، فهو قميء على فعيل. 
١ راجع ص ٤٣٢.
٢ الذي في نسخة النسائي: "لو سمعك كان له أربعة أعين" مع تأنيث العدد أيضا..
٣ راجع ج ١٠ ص ٣٣٥.
٤ الوهق (بالتحريك وتسكن الهاء): الحبل في طرفيه أنشوطة تطرح في عنق الدابة أو الإنسان حتى تؤخذ. والأنشوطة عقدة يسهل انحلالها كعقدة التكة عند جذبها. راجع د ٧ ص ٣٠٦..
٥ راجع ج ٧ ص ٣٠٧..
٦ في الأصول: "ممسوخهم" والتصويب عن أحكام القرآن لابن العربي.
٧ في الأصول: "ممسوخهم" والتصويب عن أحكام القرآن لابن العربي.
٨ راجع ج ١٨ ص ٢٠٩..
٩ راجع ج ١٢ ص ١٥٣.

### الآية 2:66

> ﻿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [2:66]

قوله تعالى :" فجعلناها نكالا " نصب على المفعول الثاني. وفي المجعول نكالا أقاويل، قيل : العقوبة. وقيل : القرية، إذ معنى الكلام يقتضيها وقيل : الأمة التي مسخت. وقيل : الحيتان، وفيه بعد. والنكال : الزجر والعقاب. والنكل والأنكال : القيود. وسميت القيود أنكالا لأنها ينكل بها، أي يمنع. ويقال للجام الثقيل : نَكل[(١)](#foonote-١) ونِكل، لأن الدابة تمنع به ونكل عن الأمر ينكل، ونكل ينكل إذا امتنع. والتنكيل : إصابة الأعداء بعقوبة تنكل من وراءهم، أي تجبنهم. وقال الأزهري : النكال العقوبة. ابن دريد : والمنكل : الشيء الذي ينكل بالإنسان، قال[(٢)](#foonote-٢) :
فارم على أقفائهم بمَنْكَل
قوله تعالى :" لما بين يديها " قال ابن عباس والسدي : لما بين يدي المسخة ما قبلها من ذنوب القوم. 
قوله تعالى :" وما خلفها " لمن يعمل مثل تلك الذنوب. قال الفراء : جعلت المسخة نكالا لما مضى من الذنوب، ولما يعمل بعدها ليخافوا المسخ بذنوبهم. قال ابن عطية : وهذا قول جيد، والضميران للعقوبة. وروى الحكم عن مجاهد عن ابن عباس : لمن حضر معهم ولمن يأتي بعدهم. واختاره النحاس. قال : وهو أشبه بالمعنى، والله أعلم. وعن ابن عباس أيضا. " لما بين يديها وما خلفها " من القرى. وقال قتادة :" لما بين يديها " من ذنوبهم " وما خلفها " من صيد الحيتان. 
قوله تعالى :" وموعظة للمتقين " عطف على نكال، ووزنها مفعلة من الاتعاظ والانزجار. والوعظ : التخويف. والعظة الاسم. قال الخليل : الوعظ التذكير بالخير فيما يرق له القلب. قال الماوردي : وخص المتقين وإن كانت موعظة للعالمين لتفردهم بها عن الكافرين المعاندين. قال ابن عطية : واللفظ يعم كل متق من كل أمة وقال الزجاج " وموعظة للمتقين " لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن ينتهكوا من حرم الله جل وعز ما نهاهم عنه : فيصيبهم ما أصاب أصحاب السبت إذ انتهكوا حرم الله في سبتهم.

١ هذه الكلمة موجودة في بعض نسخ الأصل، ومعاجم اللغة لا تؤيده. والذي بها هو بالكسر لا غير..
٢ القائل رياح المؤملي. وقبله:
 \*يا رب أشقاني بنو مؤمل\* وبعده: بصخرة أو عرض جيش جحفل (عن شرح القاموس)..

### الآية 2:67

> ﻿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [2:67]

قوله تعالى : وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة  فيه أربع مسائل :
الأولى : قوله تعالى :" إن الله يأمركم " حكي عن أبي عمرو أنه قرأ " يأمركم " بالسكون، وحذف الضمة من الراء لثقلها. قال أبو العباس المبرد : لا يجوز هذا لأن الراء حرف الإعراب، وإنما الصحيح عن أبي عمرو انه كان يختلس الحركة. " أن تذبحوا " في موضع نصب ب " يأمركم " أي بأن تذبحوا. " بقره " نصب " تذبحوا ". وقد تقدم[(١)](#foonote-١) معنى الذبح فلا معنى لإعادته. 
الثانية : قوله تعالى :" إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة " مقدم في التلاوة وقوله " قتلتم نفسا " مقدم في المعنى على جميع ما ابتدأ به من شأن البقرة. ويجوز أن يكون قوله :" قتلتم " في النزول مقدما، والأمر بالذبح مؤخرا. ويجوز أن يكون ترتيب نزولها على حسب تلاوتها، فكأن الله أمرهم بذبح البقرة حتى ذبحوها ثم وقع ما وقع في أمر القتل، فأمروا أن يضربوه ببعضها، ويكون " وإذ قتلتم " مقدما في المعنى على القول الأول حسب ما ذكرنا، لأن الواو لا توجب الترتيب. ونظيره في التنزيل في قصة نوج بعد ذكر الطوفان وانقضائه في قوله :" حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا أحمل فيها من كل زوجين اثنين " إلى قوله " إلا قليل[(٢)](#foonote-٢) " \[ هود : ٤٠ \]. فذكر إهلاك من هلك منهم، ثم عطف عليه بقوله :" وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها " \[ هود : ٤١ \]. فذكر الركوب متأخرا في الخطاب، ومعلوم أن ركوبهم كان قبل الهلاك. وكذلك قوله تعالى :" الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما[(٣)](#foonote-٣) " \[ هود : ١٩ \]. وتقديره : أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا، ومثله في القرآن كثير. 
الثالثة : لا خلاف بين العلماء أن الذبح أولى في الغنم، والنحر أولى في الإبل، والتخير في البقر. وقيل : الذبح أولى، لأنه الذي ذكره الله، ولقرب المنحر من المذبح. قال ابن المنذر : لا أعلم أحدا حرم أكل ما نحر مما يذبح، أو ذبح مما ينحر. وكره مالك ذلك. وقد يكره المرء الشيء ولا يحرمه. وسيأتي في سورة " المائدة " أحكام الذبح والذابح وشرائطهما عند قوله تعالى :" إلا ما ذكيتم " \[ المائدة : ٣ \] مستوفى[(٤)](#foonote-٤) إن شاء الله تعالى. قال الماوردي : وإنما أمروا - والله أعلم - بذبح بقرة دون غيرها ؛ لأنها من جنس ما عبدوه من العجل ليهون عندهم ما كان يرونه من تعظيمه، وليعلم بإجابتهم ما كان في نفوسهم من عبادته. وهذا المعنى علة في ذبح البقرة، وليس بعلة في جواب السائل، ولكن المعنى فيه أن يحيا القتيل بقتل حي، فيكون أظهر لقدرته في اختراع الأشياء من أضدادها. 
الرابعة : قوله تعالى :" بقرة " البقرة اسم للأنثى، والثور اسم للذكر مثل ناقة وجمل وامرأة ورجل. وقيل : البقرة واحد البقر، الأنثى والذكر سواء. واصله من قولك : بقر بطنه، أي شقه، فالبقرة تشق الأرض بالحرث وتثيره. ومنه الباقر لأبى جعفر محمد بن علي زين العابدين، لأنه بقر العلم وعرف أصله، أي شقه. والبقيرة : ثوب يشق فتلقيه المرأة في عنقها من غير كمين. وفي حديث ابن عباس في شأن الهدهد ( فبقر الأرض ). قال شمر : بقر نظر موضع الماء، فرأى الماء تحت الأرض. قال الأزهري : البقر اسم للجنس وجمعه[(٥)](#foonote-٥) باقر. ابن عرفة : يقال بقير وباقر وبيقور. وقرأ عكرمة وابن يعمر " إن الباقر ". والثور : واحد الثيران. والثور : السيد من الرجال. والثور القطعة من الأقط. والثور : الطحلب. وثور : الجبل. وثور : قبيلة من العرب. وفي الحديث :( ووقت العشاء ما لم يغب ثور الشفق ) يعني انتشاره، يقال : ثار يثور ثورا وثورانا إذا انتشر في الأفق وفي الحديث :( من أراد العلم فليثور القرآن ). قال شمر : تثوير القرآن قراءته ومفاتشة العلماء به. 
قوله تعالى :" قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين " هذا جواب منهم لموسى عليه السلام لما قال، لهم :" إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة " \[ البقرة : ٦٧ \] وذلك أنهم وجدوا قتيلا بين أظهرهم قيل : اسمه عاميل واشتبه أمر قاتله عليهم، ووقع بينهم خلاف، فقالوا : نقتتل ورسول الله بين أظهرنا، فأتوه وسألوه البيان - وذلك قبل نزول القسامة[(٦)](#foonote-٦) في التوراة، فسألوا موسى أن يدعو الله فسأل موسى عليه السلام ربه فأمرهم بذبح بقرة، فلما سمعوا ذلك من موسى وليس في ظاهره جواب عما سألوه عنه واحتكموا فيه عنده، قالوا : أتتخذنا هزؤا ؟ والهزء : اللعب والسخرية، وقد تقدم[(٧)](#foonote-٧). 
وقرأ الجحدري " أيتخذنا " بالياء، أي قال ذلك بعضهم لبعض فأجابهم موسى عليه السلام بقوله :" أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين " \[ البقرة : ٦٧ \] لأن الخروج عن جواب السائل المسترشد إلى الهزء جهل، فاستعاذ منه عليه السلام، لأنها صفة تنتفي عن الأنبياء. والجهل نقيض العلم. فاستعاذ من الجهل، كما جهلوا في قولهم : أتتخذنا هزؤا، لمن يخبرهم عن الله تعالى، وظاهر هذا القول يدل على فساد اعتقاد من قاله. ولا يصح إيمان من قال لنبي قد ظهرت معجزته، وقال : إن الله يأمرك بكذا : أتتخذنا هزؤا ؟ ولو قال ذلك اليوم أحد عن بعض أقوال النبي صلى لوجب تكفيره. وذهب قوم إلى أن ذلك منهم على جهة غلظ الطبع والجفاء والمعصية، على نحو ما قال القائل للنبي صلى الله عليه وسلم في قسمة غنائم حنين : إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله. وكما قال له الآخر : اعدل يا محمد وفي هذا كله أدل دليل على قبح الجهل، وأنه مفسد للدين. 
قوله تعالى :" هزوا " مفعول ثان، ويجوز تخفيف الهمزة تجعلها بين الواو والهمزة. وجعلها حفص واوا مفتوحة، لأنها همزة مفتوحة قبلها ضمة فهي تجري على البدل، كقوله :" السفهاء ولكن ". ويجوز حذف الضمة من الزاي كما تحذفها من عضد، فتقول : هزؤا، كما قرأ أهل الكوفة، وكذلك " ولم يكن له كفؤا أحد ". وحكى الأخفش عن عيسى بن عمر أن كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم ففيه لغتان : التخفيف والتثقيل، نحو العسر واليسر والهزء. 
ومثله ما كان من الجمع على فعل ككتب وكتب، ورسل ورسل، وعون وعون. وأما قوله تعالى :" وجعلوا له من عباده جزءا " \[ الزخرف : ١٥ \] فليس مثل هزء وكفء ؛ لأنه على فعل، من الأصل. على ما يأتي في موضعه[(٨)](#foonote-٨) إن شاء الله تعالى. 
مسألة : في الآية دليل على منع الاستهزاء بدين الله ودين المسلمين ومن يجب تعظيمه، وأن ذلك جهل وصاحبه مستحق للوعيد. وليس المزاح من الاستهزاء بسبيل، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمزح والأئمة بعده. قال ابن خويز منداد : وقد بلغنا أن رجلا تقدم إلى عبيد الله بن الحسن وهو قاضي الكوفة فمازحه عبيدالله فقال : جبتك هذه من صوف نعجة أو صوف كبش ؟ فقال له : لا تجهل أيها القاضي فقال له عبيدالله : وابن وجدت المزاج جهلا فتلا عليه هذه الآية، فأعرض عنه عبيدالله ؛ لأنه رآه جاهلا لا يعرف المزح من الاستهزاء، وليس أحدهما من الآخر بسبيل.

١ راجع المسألة العاشرة ص ٣٨٥ من هذا الجزء..
٢ راجع ج ٩ ص ٣٣..
٣ راجع ج ١٠ ص ٣٤٦.
٤ راجع ج ٦ ص ٥٤..
٥ في لسان العرب: "فأما بقر وباقر وبقير وباقور باقورة فأسماء للجميع..
٦ سيتكلم المؤلف رحمه الله على القسامة وحكمها عند قوله تعالى: {فقلنا اضربوه ببعضها" راجع ص ٤٥٧ من هذا الجزء..
٧ راجع ص ٢٠٧..
٨ راجع ج ١٦ ص ٦٩..

### الآية 2:68

> ﻿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ ۖ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ [2:68]

قوله تعالى :" قالوا ادع لنا ربك " هذا تعنيت منهم وقلة طواعية، ولو امتثلوا الأمر وذبحوا أي بقرة كانت لحصل المقصود، لكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، قاله ابن عباس وأبو العالية وغيرهما. ونحو ذلك روى الحسن البصري عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولغة بني عامر " ادع ". 
قوله تعالى : وقد تقدم[(١)](#foonote-١) " يبين لنا " مجزوم على جواب الأمر، " ما هي " ابتداء وخبر وماهية الشيء : حقيقته وذاته التي هو عليها. 
قوله تعالى :" قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك " في هذا دليل على جواز النسخ قبل وقت الفعل، لأنه لما أمر ببقرة اقتضى أي بقرة كانت، فلما زاد في الصفة نسخ الحكم الأول بغيره، كما لو قال : في ثلاثين من الإبل بنت مخاض، ثم نسخه بابنة لبون أو حقة. وكذلك ههنا لما عين الصفة، صار ذلك نسخا للحكم المتقدم. والفارض : المسنة. وقد فرضت تفرض فروضا، أي أسنت. ويقال للشيء القديم فارض، قال الراجز :

شيَّبَ أصداغي فرأسي أبيض  محاملٌ[(٢)](#foonote-٢) فيها رجال فُرَّضُ**يعني هرمي، قال آخر :**لعمرك[(٣)](#foonote-٣) قد أعطيتَ جارك فارضاً  تساق إليه ما تقوم على رِجْلِ**أي قديما، وقال آخر :**يا ربّ ذي ضغن علي فارضِ  له قروء كقروء الحائضأي قديم. و " لا فارض " رفع على الصفة لبقرة. " ولا بكر " عطف. وقيل :" لا فارض " خبر مبتدأ مضمر، أي لا هي فارض وكذا " لا ذلول "، وكذلك " لا تسق الحرث " وكذلك " مسلمة " فاعلمه. وقيل : الفارض التي قد ولدت بطونا كثيرة فيتسع جوفها لذلك ؛ لأن معنى الفارض في اللغة الواسع، قال بعض المتأخرين. والبكر : الصغيرة التي لم تحمل. وحكى القتبي أنها التي ولدت. والبكر : الأول من الأولاد، قال :يا بكرَ بِكرينِ ويا خِلْبَ الكَبِد  أصبحتَ مني كذراع من عَضُدْوالبكر أيضا في إناث البهائم. وبني آدم : ما لم يفتحلْهُ الفحل، وهي مكسورة الباء. وبفتحها الفتيّ من الإبل. والعوان : النصف التي قد ولدت بطنا أو بطنين، وهي أقوى ما تكون من البقر وأحسنه، بخلاف الخيل، قال الشاعر يصف فرسا :كميت بهيم اللون ليس بفارض  ولا بعوان ذاتِ لون مُخَصَّفِفرس أخصف : إذا ارتفع البلق من بطنه إلى جنبه. وقال مجاهد : العوان من البقرة هي التي قد ولدت مرة بعد مرة. وحكاه أهل اللغة. ويقال : إن العوان النخلة الطويلة، وهي فيما زعموا لغة يمانية. وحرب عوان : إذا كان قبلها حرب بكر، قال زهير :إذا لقِحَتْ حربٌ عوانٌ مُضِرَّةٌ  ضَرُوسٌ تُهِرُّ[(٤)](#foonote-٤) الناس أنيابُهَا عُصْلأي لا هي صغيرة ولا هي مسنة، أي هي عوان، وجمعها " عون " بضم العين وسكون الواو وسمع " عون " بضم الواو كرسل. وقد تقدم. وحكى الفراء من العوان : عونت تعوينا. 
قوله تعالى :" فافعلوا ما تؤمرون " تجديد للأمر وتأكيد وتنبيه على ترك التعنت فما تركوه وهذا يدل على أن مقتضى الأمر الوجوب كما تقول الفقهاء، وهو الصحيح على ما هو مذكور في أصول الفقه، وعلى أن الأمر على الفور، وهو مذهب أكثر الفقهاء أيضا ويدل على صحة ذلك أنه تعالى استقصرهم حين لم يبادروا إلى فعل ما أمروا به فقال :" فذبحوها وما كادوا يفعلون " \[ البقرة : ٧١ \]. وقيل : لا، بل على التراخي، لأنه لم يعنفهم على التأخير والمراجعة في الخطاب. قاله ابن خويز منداد. 
١ راجع ص ٤٢٣.
٢ في الصحاح للجوهري "محافل" بالفاء، وفيه رواية أخرى رواها ابن الأعرابي هي: يريد أنهم ثقال كالمحامل. راجع اللسان مادة "فرض"..
٣ رواية اللسان: "لعمري لقد" وذكر أنه لعلقمة بن عوف، وقد عنى بقرة هرمة..
٤ في الأصول: "تهز" بالزاي. والتصويب عن شرح الديوان. ومعنى "تهز الناس" أي تصيرهم يهزونها، أي يكرهونها. ولقحت: اشتدت. ومضرة: ملحة. وضروس: عضوض سيئة الخلق. وعصل: كالحة معوجة..

### الآية 2:69

> ﻿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ [2:69]

قوله تعالى :" قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها " " ما " استفهام مبتدأة و " لونها " الخبر. ويجوز نصب " لونها " ب " يبين "، وتكون " ما " زائدة. واللون واحد الألوان وهو هيئة كالسواد والبياض والحمرة. واللون : النوع. وفلان متلون : إذا كان لا يثبت على خلاق واحد وحال واحد، قال :
كل يوم تتلون \*\*\* غير هذا بك أجمل
ولون البسر تلوينا : إذا بدا فيه أثر النضج. واللون : الدقل، وهو ضرب من النخل. قال الأخفش : هو جماعة، واحدها لينة. 
قوله تعالى :" قال إنه يقول إنها بقرة صفراء " جمهور المفسرين أنها صفراء اللون، من الصفرة المعروفة. قال مكي عن بعضهم : حتى القرن والظلف. وقال الحسن وابن جبير : كانت صفراء القرن والظلف فقط. وعن الحسن أيضا :" صفراء " معناه سوداء، قال الشاعر[(١)](#foonote-١) :
تلك خيلي منه وتلك ركابي \*\*\* هن صُفْرٌ أولادُهَا كالزبيب
قلت : والأول أصح لأنه الظاهر، وهذا شاذ لا يستعمل مجازا إلا في الإبل، قال الله تعالى " كأنه جمالة صفر " \[ المرسلات : ٣٣ \] وذلك أن السود من الإبل سوادها صفرة. ولو أراد السواد لما أكده بالفقوع، وذلك نعت مختص بالصفرة، وليس يوصف السواد بذلك تقول العرب : أسود حالك وحَلَكوك وحُلْكوك، ودجوجي وغربيب، وأحمر قانئ، وأبيض ناصع ولهق ولهاق ويقق، وأخضر ناضر، وأصفر فاقع، هكذا نص نقلة اللغة عن العرب. قال الكسائي : يقال فقع لونها يفقع فقوعا إذا خلصت صفرته. والإفقاع : سوء الحال. وفواقع الدهر بوائقه. وفقع بأصابعه إذا صوت، ومنه حديث ابن عباس : نهى عن التفقيع في الصلاة، وهي الفرقعة، وهي غمز الأصابع حتى تنقض[(٢)](#foonote-٢). ولم ينصرف " صفراء " في معرفة ولا نكرة، لأن فيها ألف التأنيث وهى ملازمة فخالفت الهاء ؛ لأن ما فيه الهاء ينصرف في النكرة، كفاطمة وعائشة. 
قوله تعالى :" فاقع لونها " يريد خالصا لونها لا لون فيها سوى لون جلدها. 
قوله تعالى :" تسر الناظرين " قال وهب : كأن شعاع الشمس يخرج من جلدها، ولهذا قال ابن عباس : الصفرة تسر النفس. وحض على لباس النعال الصفر، حكاه عنه النقاش. وقال علي بن أبى طالب رضي الله عنه : من لبس نعلي جلد أصفر قل همه، لأن الله تعالى يقول :" صفراء فاقع لونها تسر الناظرين " حكاه عنه الثعلبي. ونهى ابن الزبير ومحمد بن أبي كثير عن لباس النعال السود ؛ لأنها تُهِمّ. ومعنى " تسر " تعجب. وقال أبو العالية : معناه في سمتها ومنظرها فهي ذات وصفين، والله أعلم.

١ القائل هو الأعشى، كما في اللسان..
٢ كل صوت لمفصل وأصبع فهو نقيض..

### الآية 2:70

> ﻿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ [2:70]

قوله تعالى :" قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا " سألوا سؤالا رابعا، ولم يمتثلوا الأمر بعد البيان. وذكر البقر لأنه بمعنى الجمع، ولذلك قال :" إن البقر تشابه علينا " فذكره للفظ تذكير البقر. قال قطرب : جمع البقرة باقر وباقور وبقر. وقال الأصمعي : الباقر جمع باقرة، قال : ويجمع بقر على باقورة، حكاه النحاس. وقال الزجاج : المعنى إن جنس البقر. وقرأ الحسن فيما ذكر النحاس، والأعرج فيما ذكر الثعلبي " إن البقر تشابه " بالتاء وشد الشين، جعله فعلا مستقبلا وأنثه. والأصل تتشابه، ثم أدغم التاء في الشين. وقرأ مجاهد " تشبه " كقراءتهما، إلا أنه بغير ألف. وفي مصحف أبي " تشابهت " بتشديد الشين. قال أبو حاتم : وهو غلط، لأن التاء في هذا الباب لا تدغم إلا في المضارعة. وقرأ يحيى بن يعمر " إن الباقر يشابه " جعله فعلا مستقبلا، وذكر البقر وأدغم. 
ويجوز " إن البقر تشابه " بتخفيف الشين وضم الهاء، وحكاها الثعلبي عن الحسن. النحاس : ولا يجوز " يشابه " بتخفيف الشين والياء، وإنما جاز في التاء لأن الأصل تتشابه فحذفت لاجتماع التاءين. والبقر والباقر والبيقور والبقير لغات بمعنى، والعرب تذكره وتؤنثه، وإلى ذلك ترجع معاني القراءات في " تشابه ". وقيل إنما قالوا :" إن البقر تشابه علينا " لأن وجوه البقر تشابه، ومنه حديث حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر ( فتنا كقطع الليل تأتي كوجوه البقر ). يريد أنها يشبه بعضها بعضا. ووجوه البقر تتشابه، ولذلك قالت بنو إسرائيل : إن البقر تشابه علينا. 
قوله تعالى :" وإنا إن شاء الله لمهتدون " استثناء منهم، وفي استثنائهم في هذا السؤال الأخير إنابة وانقياد، ودليل ندم على عدم موافقة الأمر. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( لوما استثنوا ما اهتدوا إليها أبدا[(١)](#foonote-١) ). وتقدير الكلام وإنا لمهتدون إن شاء الله. فقدم على ذكر الاهتداء اهتماما به. و " شاء " في موضع جزم بالشرط، وجوابه عند سيبويه الجملة " إن " وما عملت فيه. وعند أبي العباس المبرد محذوف.

١ في نسخة من الأصل: "لولا" وروى الحديث من طرق بلفظ: "لو لم يستثنوا"..

### الآية 2:71

> ﻿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ [2:71]

قوله تعالى :" قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول " قرأ الجمهور " لا ذلول " بالرفع على، الصفة لبقرة. قال الأخفش :" لا ذلول " نعته ولا يجوز نصبه. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي " لا ذلول " بالنصب على النفي والخبر مضمر. ويجوز لا هي ذلول، لا هي تسقى الحرث، هي مسلمة. ومعنى " لا ذلول " لم يذللها العمل، يقال : بقرة مذللة بينة الذل ( بكسر الذال ). ورجل ذليل بين الذل ( بضم الذال ). أي هي بقرة صعبة غير ريضة لم تذلل بالعمل. 
قوله تعالى :" تثير الأرض ولا تسقي الحرث " " تثير " في موضع رفع على الصفة للبقرة أي هي بقرة لا ذلول مثيرة. قال الحسن : وكانت تلك البقرة وحشية، ولهذا وصفها الله تعالى بأنها لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث، أي لا يسنى بها لسقي الزرع ولا يسقى عليها. والوقف ههنا حسن. وقال قوم :" تثير " فعل مستأنف، والمعنى إيجاب الحرث لها وأنها كانت تحرث ولا تسقي. والوقف على هذا التأويل " لا ذلول " والقول الأول أصح لوجهين : أحدهما : ما ذكره النحاس، عن علي بن سليمان أنه قال : لا يجوز أن يكون " تثير " مستأنفا، لأن بعده " ولا تسقي الحرث "، فلو كان مستأنفا لما جمع بين الواو و " لا ". الثاني أنها لو كانت تثير الأرض لكانت الإثارة قد ذللتها، والله تعالى قد نفى عنها الذل بقوله :" لا ذلول " قلت : ويحتمل أن تكون " تثير الأرض " في غير العمل مرحا ونشاطا، كما قال امرؤ القيس :

يُهِيلُ ويُذري تُربه ويُثيره  إثارةَ نبَّاث[(١)](#foonote-١) الهواجر مُخْمِسِفعلى هذا يكون " تثير " مستأنفا، " ولا تسقي " معطوف عليه، فتأمله. وإثارة الأرض : تحريكها وبحثها، ومنه الحديث :( أثيروا القرآن فإنه[(٢)](#foonote-٢) علم الأولين والآخرين ) وفي رواية أخرى :( من أراد العلم فليثور القرآن ) وقد تقدم[(٣)](#foonote-٣). وفي التنزيل :" وأثاروا الأرض " \[ الروم : ٩ \] أي قلبوها للزراعة. والحرث : ما حرث وزرع. وسيأتي. 
مسألة : في هذه الآية أدل دليل على حصر الحيوان بصفاته، وإذا ضبط بالصفة وحصر بها جاز السلم فيه. وبه قال مالك وأصحابه والأوزاعي والليث والشافعي. وكذلك كل ما يضبط بالصفة، لوصف الله تعالى في كتابه وصفا يقوم مقام التعيين، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا تصف المرأة المرأةَ لزوجها حتى كأنه ينظر إليها ). أخرجه مسلم. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الصفة تقوم مقام الرؤية، وجعل صلى الله عليه وسلم دية الخطأ في ذمة من أوجبها عليه دينا إلى أجل ولم يجعلها على الحلول. وهو يرد قول الكوفيين أبي حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن صالح حيث قالوا : لا يجوز السلم في الحيوان. وروي عن ابن مسعود وحذيفة وعبد الرحمن بن سمرة ؛ لأن الحيوان لا يوقف على حقيقة صفته من مشي وحركة، وكل ذلك يزيد في ثمنه ويرفع من قيمته. وسيأتي حكم السلم وشروطه في آخر السورة في آية الدين[(٤)](#foonote-٤)، إن شاء الله تعالى. 
قوله تعالى :" مسلمة " أي هي مسلمة. ويجوز أن يكون وصفا، أي أنها بقرة مسلمة من العرج وسائر العيوب، قاله قتادة وأبو العالية. ولا يقال : مسلمة من العمل لنفي الله العمل عنها. وقال الحسن : يعني سليمة القوائم لا أثر فيها للعمل. 
قوله تعالى :" لا شية فيها " أي ليس فيها لون يخالف معظم لونها، هي صفراء كلها لا بياض فيها ولا حمرة ولا سواد، كما قال :" فاقع لونها ". وأصل " شية " وشي حذفت الواو كما حذفت من يشي، والأصل يوشي، ونظيره الزنة والعدة والصلة. والشية مأخوذة من وشي الثوب إذا نسج على لونين مختلفين. وثور موشى : في وجهه وقوائمه سواد. قال ابن عرفة : الشية اللون. ولا يقال لمن نم : واش، حتى يغير الكلام ويلونه فجعله ضروبا ويزين منه ما شاء. والوشي : الكثرة. ووشى بنو فلان : كثروا. ويقال : فرس أبلق، وكبش أخرج، وتيس أبرق، وغراب أبقع، وثور أشيه كل ذلك بمعنى البُلْقَة، هكذا نص أهل اللغة. 
وهذه الأوصاف في البقرة سببها أنهم شددوا فشدد الله عليهم، ودين الله يسر، والتعمق في سؤال الأنبياء وغيرهم من العلماء مذموم، نسأل الله العافية. وروي في قصص هذه البقرة روايات تلخيصها : أن رجلا من بني إسرائيل ولد له ابن، وكانت له عجلة فأرسلها في غيضة وقال : اللهم إني أستودعك هذه العجلة لهذا الصبي. ومات الرجل، فلما كبر الصبي قالت له أمه وكان برّاً بها : إن أباك استودع الله عجلة لك فاذهب فخذها، فذهب فلما رأته البقرة جاءت إليه حتى أخذ بقرنيها وكانت مستوحشة فجعل يقودها نحو أمه، فلقيه بنو إسرائيل ووجدوا بقرة على الصفة التي أمروا بها، فساموه فاشتط عليهم. وكان قيمتها على ما روي عن عكرمة ثلاثة دنانير، فأتوا به موسى عليه السلام وقالوا : إن هذا اشتط علينا، فقال لهم : أرضوه في ملكه، فاشتروها منه بوزنها مرة، قاله عبيدة. السدي : بوزنها عشر مرات. وقيل : بملء مَسكها دنانير. وذكر مكي : أن هذه البقرة نزلت من السماء ولم تكن من بقر الأرض فالله أعلم. 
قوله تعالى :" قالوا الآن جئت بالحق " أي بينت الحق، قاله قتادة. وحكى الأخفش :" قالوا الآن " قطع ألف الوصل، كما يقال : يا الله. وحكى وجها آخر " قالوا لان " بإثبات الواو. نظيره قراءة أهل المدينة وأبي عمرو " عادا لولى " وقرأ الكوفيون " قالوا الآن " بالهمز. وقراءة أهل المدينة " قال لان " بتخفيف الهمز مع حذف الواو لالتقاء الساكنين. قال الزجاج :" الآن " مبني على الفتح لمخالفته سائر ما فيه الألف واللام، لأن الألف واللام دخلتا لغير عهد، تقول : أنت إلى الآن هنا، فالمعنى إلى هذا الوقت. فبنيت كما بني هذا، وفتحت النون لالتقاء الساكنين. وهو عبارة عما بين الماضي والمستقبل. 
قوله تعالى :" فذبحوها وما كادوا يفعلون " أجاز سيبويه : كاد أن يفعل، تشبيها بعسى. وقد تقدم أول السورة[(٥)](#foonote-٥). وهذا إخبار عن تثبيطهم في ذبحها وقلة مبادرتهم إلى أمر الله. وقال القرظي محمد بن كعب : لغلاء ثمنها. وقيل : خوفا من الفضيحة على أنفسهم في معرفة القاتل منهم. قاله وهب بن منبه. 
١ قوله "نبات الهواجر" يعني الرجل الذي اشتد عليه الحر مال التراب ليصل إلى أثره. والمحمر: صاحب الإبل التي ترد خمسا..
٢ في نهاية ابن الأثير: "فإن فيه"..
٣ راجع ص ٤٤٦..
٤ راجع ج ٣ ص ٣٧٧ فما بعد..
٥ راجع ص ٢٢٢ من هذا الجزء..

### الآية 2:72

> ﻿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ۖ وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [2:72]

قوله تعالى : وإذ قتلتم نفسا فادرأتم فيها  هذا الكلام مقدم على أول القصة، التقدير : وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها. فقال موسى : إن الله يأمركم بكذا. وهذا كقوله :" الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. قيما " \[ الكهف : ١ - ٢ \] أي أنزل على عبده قيما ولم يجعل له عوجا، ومثله كثير، وقد بيناه أول القصة. وفي سبب قتله قولان : أحدهما : لابنة له حسناء أحب أن يتزوجها ابن عمها فمنعه عمه، فقتله وحمله من قريته إلى قرية أخرى فألقاه هناك. وقيل : ألقاه بين قريتين. الثاني : قتله طلبا لميراثه، فإنه كان فقيرا وادعى قتله على بعض الأسباط. قال عكرمة : كان لبني إسرائيل مسجد له اثنا عشر بابا لكل باب قوم يدخلون منه، فوجدوا قتيلا في سبط من الأسباط، فادعى هؤلاء على هؤلاء، وادعى هؤلاء على هؤلاء، ثم أتوا موسى يختصمون إليه فقال :" إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة " \[ البقرة : ٦٧ \] الآية. ومعنى " ادارأتم " \[ البقرة : ٧٢ \] الآية. ومعنى " ادارأتم " : اختلفتم وتنازعتم، قاله مجاهد. وأصله تدارأتم ثم أدغمت التاء في الدال، ولا يجوز الابتداء بالمدغم، لأنه ساكن فزيد ألف الوصل. 
قوله تعالى :" والله مخرج " ابتداء وخبر. " ما كنتم " في موضع نصب ب " مخرج "، ويجوز حذف التنوين على الإضافة. " تكتمون " جمله في موضع خبر كان والعائد محذوف التقدير تكتمونه. 
وعلى القول بأنه قتله طلبا لميراثه لم يرث قاتل عمد من حينئذ، قاله عبيدة السلماني. قال ابن عباس : قتل هذا الرجل عمه ليرثه. قال ابن عطية : وبمثله جاء شرعنا. وحكى مالك رحمه الله في " موطئه " أن قصة أحيحة بن الجلاح في عمه هي كانت سبب ألا يرث قاتل، ثم ثبت ذلك الإسلام كما ثبت كثيرا من نوازل الجاهلية. ولا خلاف بين العلماء أنه لا يرث قاتل العمد من الدية ولا من المال، إلا فرقة شذت عن الجمهور كلهم أهل بدع. ويرث قاتل الخطأ من المال ولا يرث من الدية في قول مالك والأوزاعي وأبي ثور والشافعي ؛ لأنه لا يتهم على أنه قتله ليرثه ويأخذ ماله. وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه، والشافعي في قول له آخر : لا يرث القاتل عمدا ولا خطأ شيئا من المال ولا من الدية. وهو قول شريح وطاوس والشعبي والنخعي. ورواه الشعبي عمر وعلي وزيد قالوا : لا يرث القاتل عمدا ولا خطأً شيئا. وروي عن مجاهد القولان جميعا. وقالت طائفة من البصريين : يرث قاتل الخطأ من الدية ومن المال جميعا، حكاه أبو عمر. وقول مالك أصح، على ما يأتي بيانه في آية المواريث[(١)](#foonote-١) إن شاء الله تعالى.

١ راجع ج ٥ ص ٥٥ فما بعدها..

### الآية 2:73

> ﻿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [2:73]

قوله تعالى :" فقلنا اضربوه ببعضها " قيل : باللسان لأنه آلة الكلام. وقيل : بعجب الذنب، إذ فيه يركب خلق الإنسان. وقيل : بالفخذ. وقيل : بعظم من عظامها، والمقطوع به عضو من أعضائها، فلما ضرب به حيي وأخبر بقاتله ثم عاد ميتا كما كان. 
مسألة : استدل مالك رحمه الله في رواية ابن وهب وابن القاسم على صحة القول بالقسامة بقول المقتول : دمي عند فلان، أو فلان قتلني. ومنعه الشافعي وجمهور العلماء، قالوا : وهو الصحيح ؛ لأن قول المقتول : دمي عند فلان، أو فلان قتلني، خبر يحتمل الصدق والكذب. ولا خلاف أن دم المدعى عليه معصوم إباحته إلا بيقين، ولا يقين مع الاحتمال، فبطل اعتبار قول المقتول دمي عند فلان. وأما قتيل بني إسرائيل فكانت معجزة وأخبر تعالى أنه يحييه، وذلك يتضمن الإخبار بقاتله خبرا جزما لا يدخله احتمال، فافترقا. قال ابن العربي : المعجزة كانت في إحيائه، فلما صار حيا كان كلامه كسائر كلام الناس كلهم في القبول والرد. وهذا فن دقيق من العلم لم يتفطن له إلا مالك، وليس في القرآن أنه إذا أخبر وجب صدقه، فلعله أمرهم بالقسامة معه واستبعد ذلك البخاري والشافعي وجماعة من العلماء فقالوا : كيف يقبل قوله في الدم وهو لا يقبل قوله في درهم. 
مسألة : اختلف العلماء في الحكم بالقسامة، فروي عن سالم وأبي قلابة وعمر بن عبد العزيز والحكم بن عيينة التوقف[(١)](#foonote-١) في الحكم بها. وإليه مال البخاري ؛ لأنه أتى بحديث القسامة في غير موضعه. وقال الجمهور : الحكم بالقسامة ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم اختلفوا في كيفية الحكم بها، فقالت طائفة : يبدأ فيها المدعون بالأيمان فإن حلفوا \] استحقوا، وإن نكلوا حلف المدعى عليهم خمسين يمينا وبرئوا. هذا قول أهل المدينة والليث والشافعي وأحمد وأبي ثور. وهو مقتضى حديث حويصة ومحيصة، خرجه الأئمة مالك وغيره. 
وذهبت طائفة إلى أنه يبدأ بالأيمان المدعى عليهم فيحلفون ويبرؤون. روي هذا عن عمر بن الخطاب والشعبي والنخعي، وبه قال الثوري والكوفيون، واحتجوا بحديث شعبة بن عبيد عن بشير بن يسار، وفيه : فبدأ بالأيمان المدعى عليهم وهم اليهود. وبما رواه أبو داود عن الزهري عن أبى سلمة بن عبدالرحمن عن رجال من الأنصار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لليهود وبدأ بهم :( أيحلف منكم خمسون رجلا ). فأبو ا، فقال للأنصار :( استحقوا ) فقالوا : نحلف على الغيب يا رسول الله، فجعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم دية على يهود، لأنه وجد بين أظهرهم. وبقوله عليه السلام :( ولكن اليمين على المدعى عليه ) فعينوا[(٢)](#foonote-٢). قالوا : وهذا هو الأصل المقطوع به في الدعاوى الذي نبه الشرع على حكمته بقوله عليه السلام ( لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه[(٣)](#foonote-٣) ) رد عليهم أهل المقالة الأولى فقالوا : حديث سعيد بن عبيد في تبدية اليهود وهم عند أهل الحديث، وقد أخرجه النسائي وقال : ولم يتابع سعيد في هذه الرواية فيما أعلم، وقد أسند حديث بشير عن سهل أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بالمدعين يحيى بن سعيد وابن عيينة وحماد بن زيد وعبد الوهاب الثقفي وعيسى بن حماد وبشر بن المفضل، فهؤلاء سبعة. وإن كان أرسله مالك فقد وصله جماعة الحفاظ، وهو أصح من حديث سعيد بن عبيد. قال أبو محمد الأصيلي : فلا يجوز أن يعترض بخبر واحد على خبر جماعة، مع أن سعيد بن عبيد قال في حديثه : فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة من أبل الصدقة، والصدقة لا تعطى في الديات ولا يصالح بها عن غير أهلها، وحديث أبي داود مرسل فلا تعارض به الأحاديث الصحاح المتصلة، وأجابوا عن التمسك بالأصل بأن هذا الحكم أصل بنفسه لحرمة الدماء. قال ابن المنذر : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، والحكم بظاهر ذلك يجب، إلا أن يخص الله في كتابه أو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم حكما في شيء من الأشياء فيستثنى من جملة هذا الخبر. فمما دل عليه الكتاب إلزام القاذف حد المقذوف إذا لم يكن معه أربعة شهداء يشهدون له على صدق ما رمي به المقذوف وخص من رمى زوجته بأن أسقط عنه الحد إذا شهد أربع شهادات. ومما خصته السنة حكم النبي صلى الله عليه وسلم بالقسامة. وقد روى ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( البينة على من ادعى واليمين على من أنكر إلا في القسامة ). خرجه الدارقطني. وقد احتج مالك لهذه المسألة في موطئه بما فيه كفاية، فتأمله هناك. 
مسألة : واختلفوا أيضا في وجوب القود بالقسامة، فأوجبت طائفة القود بها، وهو قول مالك والليث وأحمد وأبي ثور، لقوله عليه السلام لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن :( أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم ). وروى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل رجلا بالقسامة من بني نضر بن مالك. قال الدارقطني : نسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده صحيحة، وكذلك أبو عمر بن عبد البر يصحح حديث عمرو بن شعيب، ويحتج به، وقال البخاري : رأيت علي بن المديني وأحمد بن حنبل والحميدي وإسحاق بن راهويه يحتجون به قاله الدارقطني في السنن. وقالت طائفة : لا قود بالقسامة، وإنما توجب الدية. روي هذا عن عمر وابن عباس، وهو قول النخعي والحسن، وإليه ذهب الثوري والكوفيون الشافعي وإسحاق، واحتجوا بما رواه مالك عن ابن أبي ليلى بن عبدالله عن سهل بن أبي حثمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله للأنصار :( إما أن يدوا صاحبكم وإما أن يؤذنوا بحرب ). قالوا : وهذا يدل على الدية لا على القود، قالوا : ومعنى قوله عليه السلام :( وتستحقون دم صاحبكم ) دية دم قتيلكم لأن اليهود ليسوا بأصحاب لهم، ومن استحق دية صاحبه فقد استحق دمه، لأن الدية قد تؤخذ في العمد فيكون ذلك استحقاقا للدم. 
مسألة : الموجب للقسامة اللوث ولا بد منه. واللوث : أمارة تغلب على الظن صدق مدعي القتل، كشهادة العدل الواحد على رؤية القتل، أو يرى المقتول يتشحط[(٤)](#foonote-٤) في دمه، والمتهم نحوه أو قربه عليه آثار القتل. وقد اختلف في اللوث والقول به، فقال مالك : هو قول المقتول دمي عند فلان. والشاهد العدل لوث. كذا في رواية ابن القاسم عنه. وروى أشهب عن مالك أنه يقسم مع الشاهد غير العدل ومع المرأة. وروى ابن وهب أن شهادة النساء لوث. وذكر محمد عن ابن القاسم أن شهادة المرأتين لوث دون شهادة المرأة الواحدة. قال القاضي أبو بكر بن العربي : اختلف في اللوث اختلافا كثيرا، مشهور المذهب أنه الشاهد العدل. وقال محمد : هو أحب إلي. قال : وأخذ به ابن القاسم وابن عبد الحكم. وروي عن عبد الملك بن مروان : أن المجروح أو المضروب إذا قال دمي عند فلان ومات كانت القسامة. وبه قال مالك والليث بن سعد. واحتج مالك بقتيل بني إسرائيل أنه قال : قتلني فلان. وقال الشافعي : اللوث الشاهد العدل، أو يأتي ببينة وإن لم يكونوا عدولا. وأوجب الثوري والكوفيون القسامة بوجود القتيل فقط، واستغنوا عن مراعاة قول المقتول وعن الشاهد، قالوا : إذا وجد قتيل في محلة قوم وبه أثر حلف أهل ذلك الموضع أنهم لم يقتلوه ويكون عقله عليهم، وإذا لم يكن به أثر لم يكن على العاقلة شيء إلا أن تقوم البينة على واحد. وقال سفيان : وهذا مما أجمع عليه عندنا، وهو قول ضعيف خالفوا فيه أهل العلم، ولا سلف لهم فيه، وهو مخالف للقرآن والسنة، ولأن فيه إلزام العاقلة مالا بغير بينة ثبتت عليهم ولا إقرار منهم. وذهب مالك والشافعي إلى أن القتيل إذا وجد في محلة قوم أنه هدر، لا يؤخذ به أقرب الناس دارا ؛ لأن القتيل قد يقتل ثم يلقى على باب قوم ليلطخوا به، فلا يؤاخذ بمثل ذلك حتى تكون الأسباب التي شرطوها في وجوب القسامة. وقد قال عمر بن عبد العزيز : هذا مما يؤخر فيه القضاء حتى يقضي الله فيه يوم القيامة. 
مسألة : قال القاسم بن مسعدة قلت للنسائي : لا يقول مالك بالقسامة إلا باللوث، فلم أورد حديث القسامة ولا لوث فيه ؟ قال النسائي : أنزل مالك العداوة التي كانت بينهم وببن اليهود بمنزلة اللوث، وأنزل اللوث أو قول الميت بمنزلة العداوة. قال ابن أبي زيد : وأصل هذا في قصة بني إسرائيل حين أحيا الله الذي ضرب ببعض البقرة فقال : قتلني فلان، وبأن العداوة لوث قال الشافعي : ولا نرى قول المقتول لوثا، كما تقدم. قال الشافعي : إذا كان بين قوم وقوم عداوة ظاهرة كالعداوة التي كانت بين الأنصار واليهود، ووجد قتيل في أحد الفريقين ولا يخالطهم غيرهم وجبت القسامة فيه. 
مسألة : واختلفوا في القتيل بوجد في المحلة التي أكراها أربابها، فقال أصحاب الرأي : هو على أهل الخطة وليس على السكان شيء، فإن باعوا دورهم ثم وجد قتيل فالدية على المشتري، وليس على السكان شيء، وإن كان أرباب الدور غيبا وقد أكروا دورهم فالقسامة والدية على أرباب الدور الغيب وليس على السكان الذين وجد القتيل بين أظهرهم شيء. 
ثم رجع يعقوب من بينهم عن هذا القول فقال : القسامة والدية على السكان في الدور. وحكى هذا القول عن ابن أبي ليلى، واحتج بأن أهل خيبر كانوا عمالا سكانا يعملون فوجد القتيل فيهم. قال الثوري ونحن نقول : هو على أصحاب الأصل، يعني أهل الدور. وقال أحمد : القول قول ابن أبي ليلى في القسامة لا في الدية. وقال الشافعي : وذلك كله سواء، ولا عقل ولا قود إلا ببينة تقوم، أو ما يوجب القسامة فيقسم الأولياء. قال ابن المنذر : وهذا أصح. 
مسألة : ولا يحلف في القسامة أقل من خمسين يمينا، لقول عليه السلام في حديث حويصة ومحيصة :( يقسم خمسين منكم على رجل منهم ). فإن كان المستحقون خمسين حلف كل واحد منهم يمينا واحدة، فإن كانوا أقل من ذلك أو نكل منهم من لا يجوز عفوه ردت الأيمان عليهم بحسب عددهم. ولا يحلف في العمد أقل من اثنين من الرجال، لا يحلف فيه الواحد من الرجال ولا النساء، يحلف الأولياء ومن يستعين بهم الأولياء من العصبة خمسين يمينا. هذا مذهب مالك والليث والثوري والأوزاعي وأحمد وداود. وروى مطرف عن مالك أنه لا يحلف مع المدعى عليه أحد ويحلف هم أنفسهم كما لو كانوا واحدا فأكثر خمسين يمينا يبرئون بها أنفسهم، وهو قول الشافعي. قال الشافعي : لا يقسم إلا وارث، كان القتل عمدا أو خطأ. ولا يحلف على مال ويستحقه إلا من له الملك لنفسه أومن جعل الله له الملك من الورثة، والورثة يقسمون على قدر مواريثهم. وبه قال أبو ثور واختاره ابن المنذر وهو الصحيح، لأن من لم يدع عليه لم يكن له سبب يتوجه عليه فيه يمين. ثم مقصود هذه الأيمان البراءة من الدعوى ومن لم يدع عليه بريء. وقال مالك في الخطأ : يحلف فيها الواحد من الرجال والنساء، فمهما كملت خمسين يمينا من واحد أو أكثر استحق الحالف ميراثه، ومن نكل لم يستحق شيئا، فإن جاء من غاب حلف من الأيمان ما كان يجب عليه لو حضر بحسب ميراثه. هذا قول مالك المشهور عنه، وقد روى عنه أنه. لا يرى في الخطأ قسامة. وتتميم مسائل القسامة وفروعها وأحكامها مذكور في كتب الفقه والخلاف، وفيما ذكرناه كفاية، والله الموفق. 
مسألة : في قصة البقرة هذه

١ في نسخة: "الحكم بن عتيبة"..
٢ هذه الكلمة ساقطة في بعض النسخ..
٣ كذا ورد هذا الحديث في بعض نسخ الأصل وصحيح مسلم. قال ابن الملك: إنما ذكر اليمين فقط لأنها هي الحجة في الدعوى آخرا، وإلا فعلى المدعي إقامة البينة أولا..
٤ يتشحط في دمه: أي يتخبط ويضطرب ويتمرغ..

### الآية 2:74

> ﻿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [2:74]

قوله تعالى :" ثم قست قلوبكم من بعد ذلك " القسوة : الصلابة والشدة واليبس وهي عبارة عن خلوها من الإنابة والإذعان لآيات الله تعالى. قال أبو العالية وقتادة وغيرهما : المراد قلوب جميع بني إسرائيل. وقال ابن عباس : المراد قلوب ورثة القتيل، لأنهم حين حيي وأخبر بقاتله وعاد إلى موته أنكروا قتله، وقالوا : كذب، بعد ما رأوا هذه الآية العظمى، فلم يكونوا قط أعمى قلوبا، ولا أشد تكذيبا لنبيهم منهم عند ذلك، لكن نفذ حكم الله بقتله. روى الترمذي عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي ). وفي مسند البزار عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أربعة من الشقاء جمود العين وقساء[(١)](#foonote-١) القلب وطول الأمل والحرص على الدنيا ). 
قوله تعالى :" فهي كالحجارة أو أشد قسوة " " أو " قيل هي بمعنى الواو كما قال :" آثما أو كفورا " \[ الإنسان : ٢٤ \]. " عذرا أو نذرا " وقال الشاعر :
نال الخلافةَ أو كانت له قدرا
أي وكانت. وقيل : هي بمعنى بل، كقوله تعالى :" وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون[(٢)](#foonote-٢) " \[ الصافات : ١٤٧ \] المعنى بل يزيدون. وقال الشاعر :

بدت مثل الشمس في رَوْنَقِ الضحى  وصورتها أو أنت في العين أملح[(٣)](#foonote-٣)أي بل أنت وقيل : معناها الإبهام على المخاطب، ومنه قول أبي الأسود الدؤلي :أحِبُّ محمدا حبا شديدا  وعباسا وحمزة أو عليافإن يك حبهم رُشْداً أُصِبْهُ  ولست بمخطئ إن كان غياولم يشك أبو الأسود أن حبهم رشد ظاهر، وإنما قصد الإبهام. وقد قيل لأبي الأسود حين قال ذلك : شككت قال : كلا، ثم استشهد بقوله تعالى :" وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين[(٤)](#foonote-٤) " \[ سبأ : ٢٤ \] وقال : أو كان شاكا من أخبر بهذا ! وقيل : معناها التخيير، أي شبهوها بالحجارة تصيبوا، أو بأشد من الحجارة تصيبوا، وهذا كقول القائل : جالس الحسن أو ابن سيرين، وتعلم الفقه أو الحديث أو النحو. قيل : بل هي على بابها من الشك، ومعناها عندكم أيها المخاطبون وفي نظركم أن لو شاهدتم قسوتها لشككتم : أهي كالحجارة أو أشد من الحجارة ؟ وقد قيل هذا المعنى في قوله تعالى :" إلى مائة ألف أو يزيدون " \[ الصافات : ١٤٧ \] وقالت فرقة : إنما أراد الله تعالى أن فيهم من قلبه كالحجر، وفيهم من قلبه أشد من الحجر فالمعنى : هم فرقتان. 
قوله تعالى :" أو أشد " أشد مرفوع بالعطف على موضع الكاف في قوله " كالحجارة "، لأن المعنى فهي مثل الحجارة أو أشد. ويجوز أو " أشد " بالفتح عطف على الحجارة. و " قسوة " نصب على التمييز. وقرأ أبو حيوة " قساوة " والمعنى واحد. 
قوله تعالى :" وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء " قد تقدم معنى الانفجار[(٥)](#foonote-٥). ويشقق أصله بتشقق، أدغمت التاء في الشين، وهذه عبارة عن العيون التي لم تعظم حتى تكون أنهارا، أو عن الحجارة التي تتشقق وإن لم يجر ماء منفسح. وقرأ ابن مصرف " ينشقق " بالنون، وقرأ " لما يتفجر " " لما يتشقق " بتشديد " لما " في الموضعين. وهي قراءة غير متجهة. وقرأ مالك بن دينار " ينفجر " بالنون وكسر الجيم. قال قتادة : عذر الحجارة ولم يعذر شقي بني آدم. قال أبو حاتم : يجوز لما تتفجر بالتاء، ولا يجوز لما تتشقق بالتاء، لأنه إذا قال تتفجر أنثه بتأنيث الأنهار، وهذا لا يكون في تشقق. قال النحاس : يجوز ما أنكره على المعنى، لأن المعنى وأن منها لحجارة تتشقق، وأما يشقق فمحمول على لفظ ما. والشق واحد الشقوق، فهو في الأصل مصدر، تقول : بيد فلان ورجليه شقوق، ولا تقل : شقاق، إنما الشقاق داء يكون بالدواب، وهو تشقق يصيب أرساغها وربما ارتفع إلى وظيفها[(٦)](#foonote-٦)، عن يعقوب. والشق : الصبح. و " ما " في قوله :" لما يتفجر " في موضع نصب، لأنها اسم إن واللام للتأكيد. " منه " على لفظ ما، ويجوز منها على المعنى، وكذلك " وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء ". وقرأ قتادة " وإن " في الموضعين، مخففة من الثقيلة. 
قوله تعالى :" وإن منها لما يهبط من خشية الله " يقول : إن من الحجارة ما هو أنفع من قلوبكم، لخروج الماء منها وترديها. قال مجاهد : ما تردى حجر من رأس جبل، ولا تفجر نهر. من حجر، ولا خرج منه ماء إلا من خشية الله، نزل بذلك القرآن الكريم. ومثله عن ابن جريج. وقال بعض المتكلمين في قوله :" وإن منها لما يهبط من خشية الله " : البرد الهابط من السحاب. وقيل : لفظة الهبوط مجاز، وذلك أن الحجارة لما كانت القلوب تعتبر بخلقها، وتخشع بالنظر إليها، أضيف تواضع الناظر إليها، كما قالت العرب : ناقة تاجرة، أي تبعث من يراها على شرائها. وحكى الطبري عن فرقة أن الخشية للحجارة مستعارة، كما استعيرت الإرادة للجدار في قوله :" يريد أن ينقض "، وكما قال زيد الخيل[(٧)](#foonote-٧) :لما أتى خبر الزبير تواضعت  سورُ المدينة والجبال الخُشَّعُوذكر ابن بحر أن الضمير في قوله تعالى :" وإن منها " راجع إلى القلوب لا إلى الحجارة أي من القلوب لما يخضع من خشيه الله. 
قلت : كل ما قيل يحتمله اللفظ، والأول صحيح، فإنه لا يمتنع أن يعطى بعض الجمادات المعرفة فيعقل، كالذي روي عن الجذع الذي كان يستند إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب، فلما تحول عنه حن، وثبت عنه أنه قال :( إن حجرا كان يسلم علي في الجاهلية إني لأعرفه الآن ). وكما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( قال لي ثبير[(٨)](#foonote-٨) اهبط فإني أخاف أن يقتلوك على ظهري فيعذبني الله ). فناداه حراء : إلي يا رسول الله. وفي التنزيل :" إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال[(٩)](#foonote-٩) " \[ الأحزاب : ٧٢ \] الآية. وقال :" لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله[(١٠)](#foonote-١٠) " \[ الحشر : ٢١ \] يعني تذللا وخضوعا، وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة " سبحان[(١١)](#foonote-١١) " إن شاء الله تعالى. 
قوله تعالى :" وما الله بغافل عما تعملون " " بغافل " في موضع نصب على لغة أهل الحجاز، وعلى لغة تميم في موضع رفع. والياء توكيد " عما تعملون " أي عن عملكم حتى لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا يحصيها عليكم، " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره[(١٢)](#foonote-١٢) " \[ الزلزلة : ٧، ٨ \] ولا تحتاج " ما " إلى عائد إلا أن يجعلها بمعنى الذي فيحذف العائد لطول الاسم، أي عن الذي تعملونه. وقرأ ابن كثير " يعلمون " بالياء، والمخاطبة على هذا لمحمد عليه السلام. 
١ القساء (بالفتح والمد: مصدر، مثل القسوة والقساوة..
٢ راجع ١٥ ص ١٣٠..
٣ راجع البيت في خزانة الأدب في الشاهد ٨٩٥..
٤ راجع ١٤ ص ٢٩٨.
٥ راجع ص ٤١٩ من هذا الجزء..
٦ الوظيف: مستدق الذراع والساق. وقيل: ما فوق الرسغ إلى الساق..
٧ نسب هذا البيت في كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد في ترجمة الزبير بن العوام وفي كتاب سيبويه إلى جرير. ويلاحظ أن زيد الخيل توفي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في آخر خلافة عمر رضي الله عنه. فوفاته إذا قبل وفاة الزبير. وقد وصف مقتل الزبير بن العوام حين انصرف يوم الجمل وقتل في الطريق غيلة. ويقول: لما وافى خبره المدينة (مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم) تواضعت هي وجبالها وخشعت حزنا له..
٨ ثبير: جبل معروف عند مكة..
٩ راجع ج ١٤ ص ٢٥٣.
١٠ راجع ج ١٨ ص ٤٤.
١١ راجع ص ١٠ ص ٢٦٧.
١٢ راجع ج ٢٠ ص ١٥٠..

### الآية 2:75

> ﻿۞ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [2:75]

**فيه أربع مسائل :**
الأولى : قوله تعالى : أفتطمعون أن يؤمنوا لكم  هذا استفهام فيه معنى الإنكار، كأنه أيأسهم من إيمان هذه الفرقة من اليهود، أي إن كفروا فلهم سابقة في ذلك. والخطاب لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وذلك أن الأنصار كان لهم حرص على إسلام اليهود للحلف والجوار الذي كان بينهم. وقيل : الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، عن ابن عباس. أي لا تحزن على تكذيبهم إياك، وأخبره أنهم من أهل السوء الذين مضوا. و " أن " في موضع نصب، أي في أن يؤمنوا، نصب بأن، ولذلك حذفت منه النون. يقال : طمع فيه طمعا وطماعية - مخفف - فهو طمع، على وزن فعل. وأطمعه فيه غيره. ويقال في التعجب : طمع الرجل - بضم الميم - أي صار كثير الطمع. والطمع : رزق الجند، يقال : أمر لهم الأمير بأطماعهم، أي بأرزاقهم. وامرأة مطماع : تطمع ولا تمكن. 
الثانية : قوله تعالى : وقد كان فريق منهم  الفريق اسم جمع لا واحد له من لفظه، وجمعه في أدنى العدد أفرقة، وفي الكثير أفرقاء. قوله تعالى :
 يسمعون  في موضع نصب خبر " كان ". ويجوز أن يكون الخبر " منهم "، ويكون " يسمعون " نعتا لفريق وفيه بُعد. 
قوله تعالى : كلام الله  قراءة الجماعة. وقرأ الأعمش " كلم الله " على جمع كلمة. قال سيبويه : واعلم أن ناسا من ربيعة يقولون " منهم " بكسر الهاء اتباعا لكسرة الميم، ولم يكن المسكن حاجزا حصينا عنده. " كلام الله " مفعول ب " يسمعون ". والمراد السبعون الذين اختارهم موسى عليه السلام، فسمعوا كلام الله فلم يمتثلوا أمره، وحرفوا القول في إخبارهم لقومهم. هذا قول الربيع وابن إسحاق، وفي هذا القول ضعف. ومن قال : إن السبعين سمعوا ما سمع موسى فقد أخطأ، وأذهب بفضيلة موسى واختصاصه بالتكليم. وقد قال السدي وغيره : لم يطيقوا سماعه، واختلطت أذهانهم ورغبوا أن يكون موسى يسمع ويعيده لهم، فلما فرغوا وخرجوا بدلت طائفة منهم ما سمعت من كلام الله على لسان نبيهم موسى عليه السلام، كما قال تعالى : وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله[(١)](#foonote-١) . \[ التوبة : ٦ \]. 
فإن قيل : فقد روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن قوم موسى سألوا موسى أن يسأل ربه أن يسمعهم كلامه، فسمعوا صوتا كصوت الشبور[(٢)](#foonote-٢) :" إني أنا الله لا إله إلا أنا الحي القيوم أخرجتكم من مصر بيد رفيعة وذراع شديدة ". 
قلت : هذا حديث باطل لا يصح، رواه ابن مروان عن الكلبي وكلاهما ضعيف لا يحتج به وإنما الكلام شيء خص به موسى من بين جميع ولد آدم، فإن كان كلم قومه أيضا حتى أسمعهم كلامه فما فضل موسى عليهم، وقد قال وقوله الحق : إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي[(٣)](#foonote-٣)  \[ الأعراف : ١٤٤ \]. وهذا واضح. 
الثالثة : واختلف الناس بماذا عرف موسى كلام الله ولم يكن سمع قبل ذلك خطابه، فمنهم من قال : إنه سمع كلاما ليس بحروف وأصوات، وليس فيه تقطيع ولا نفس، فحينئذ علم أن ذلك ليس هو كلام البشر وإنما هو كلام رب العالمين. وقال آخرون : إنه لما سمع كلاما لا من جهة، وكلام البشر يسمع من جهة من الجهات الست، علم أنه ليس من كلام البشر. وقيل : إنه صار جسده كله مسامع حتى سمع بها ذلك الكلام، فعلم أنه كلام الله. وقيل فيه : إن المعجزة دلت على أن ما سمعه هو كلام الله، وذلك أنه قيل له : ألق عصاك، فألقاها فصارت ثعبانا، فكان ذلك علامة على صدق الحال، وأن الذي يقول له : إني أنا ربك[(٤)](#foonote-٤)  \[ طه : ١٢ \] هو الله جل وعز. وقيل : إنه قد كان أضمر في نفسه شيئا لا يقف عليه إلا علام الغيوب، فأخبره الله تعالى في خطابه بذلك الضمير، فعلم أن الذي يخاطبه هو الله جل وعز. وسيأتي في سورة " القصص " بيان معنى قوله تعالى : نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة[(٥)](#foonote-٥)  \[ القصص : ٣٠ \] إن شاء الله تعالى. 
الرابعة : قوله تعالى : ثم يحرفونه  قال مجاهد والسدي : هم علماء اليهود الذين يحرفون التوراة فيجعلون الحرام حلالا والحلال حراما اتباعا لأهوائهم. قوله تعالى :" من بعد ما عقلوه وهم يعلمون " أي عرفوه وعلموه. وهذا توبيخ لهم، أي إن هؤلاء اليهود قد سلفت لآبائهم أفاعيل سوء وعناد فهؤلاء على ذلك السنن، فكيف تطمعون في إيمانهم. 
ودل هذا الكلام أيضا على أن العالم بالحق المعاند فيه بعيد من الرشد، لأنه علم الوعد والوعيد ولم ينهه ذلك عن عناده. 
١ راجع ج ٨ ص ٧٥.
٢ الشبور (على وزن التنور): البوق..
٣ راجع ج ٧ ص ٢٨٠..
٤ راجع ج ١١ ص ١٧٢.
٥ راجع ج ١٣ ص ٢٨١..

### الآية 2:76

> ﻿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [2:76]

قوله تعالى : وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا  هذا في المنافقين. أصل لقوا : لقيوا وقد تقدم[(١)](#foonote-١). 
 وإذا خلا بعضهم إلى بعض  الآية في اليهود، وذلك أن ناسا منهم أسلموا ثم نافقوا فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذب به آباؤهم، فقالت لهم اليهود : أتحدثونهم بما فتح الله عليكم  أي حكم الله عليكم من العذاب، ليقولوا نحن أكرم على الله منكم، عن ابن عباس والسدي. وقيل : إن عليا لما نازل قريظة يوم خيبر سمع سب رسول الله صلى الله عليه وسلم فانصرف إليه وقال : يا رسول الله، لا تبلغ إليهم، وعرض له، فقال :" أظنك سمعت شتمي منهم لو رأوني لكفوا عن ذلك "، ونهض إليهم، فلما رأوه أمسكوا، فقال لهم :" أنقضتم العهد يا إخوة القردة والخنازير أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته : ، فقالوا : ما كنت جاهلا يا محمد فلا تجهل علينا، من حدثك بهذا ؟ ما خرج هذا الخبر إلا من عندنا ! روي هذا المعنى عن مجاهد. 
قوله تعالى :" وإذا خلا " الأصل في " خلا " خلو، قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وتقدم معنى " خلا " في أول السورة[(٢)](#foonote-٢). ومعنى " فتح " حكم. والفتح عند العرب : القضاء والحكم، ومنه قوله تعالى : ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين[(٣)](#foonote-٣)  أي الحاكمين، والفتاح : القاضي بلغة اليمن، يقال : بيني وبينك الفتاح، قيل ذلك لأنه ينصر المظلوم على الظالم. والفتح : النصر، ومنه قوله :
 يستفتحون على الذين كفروا[(٤)](#foonote-٤) ، \[ البقرة : ٨٩ \]، وقوله : إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح[(٥)](#foonote-٥)  \[ الأنفال : ١٩ \]. ويكون بمعنى الفرق بين الشيئين. 
قوله تعالى : ليحاجوكم به  نصب بلام كي، وإن شئت بإضمار أن، وعلامة النصب حذف النون. قال يونس : وناس من العرب يفتحون لام كي. قال الأخفش : لأن الفتح الأصل. قال خلف الأحمر : هي لغة بني العنبر. ومعنى  ليحاجوكم  ليعيروكم، ويقولوا نحن أكرم على الله منكم. وقيل : المعنى ليحتجوا عليكم بقولكم، يقولون كفرتم به بعد أن وقفتم على صدقه. وقيل : إن الرجل من اليهود كان يلقى صديقه من المسلمين فيقول له : تمسك بدين محمد فإنه نبي حقا. 
قوله تعالى : عند ربكم  قيل في الآخرة، كما قال : ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون[(٦)](#foonote-٦) \[ الزمر : ٣١ \]. وقيل : عند ذكر ربكم. وقيل :" عند " بمعنى " في " أي ليحاجوكم به في ربكم، فيكونوا أحق به منكم لظهور الحجة عليكم، وروي عن الحسن. والحجة : الكلام المستقيم على الإطلاق، ومن ذلك محجة الطريق. وحاججت فلانا فحججته، أي غلبته بالحجة. ومنه الحديث :" فحج آدم موسى ". 
قوله تعالى : أفلا تعقلون  قيل : هو من قول الأحبار للأتباع. وقيل : هو خطاب من الله تعالى للمؤمنين، أي أفلا تعقلون أن بني إسرائيل لا يؤمنون وهم بهذه الأحوال.

١ يراجع ج ١ ث ٢٠٦ طبقة ثانية..
٢ يراجع ج ١ ص ٢٠٦ طبعة ثانية..
٣ راجع ج ٧ ص ٢٥١.
٤ راجع ص ٢٦ من هذا الجزء..
٥ راجع ج ٧ ص ٣٨٦.
٦ راجع ج ١٥ ص ٢٥٤.

### الآية 2:77

> ﻿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ [2:77]

ثم وبخهم توبيخا يتلى فقال : أولا يعلمون  الآية. فهو استفهام معناه التوبيخ والتقريع. وقرأ الجمهور " يعلمون " بالياء، وابن محيصن بالتاء، خطابا للمؤمنين. والذي أسروه كفرهم، والذي أعلنوه الجحد به.

### الآية 2:78

> ﻿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [2:78]

**فيه أربع مسائل :**
الأولى : قوله تعالى : ومنهم أميون  أي من اليهود. وقيل : من اليهود والمنافقين أميون، أي من لا يكتب ولا يقرأ، واحدهم أمي، منسوب إلى الأمة الأمية التي هي على أصل ولادة أمهاتها لم تتعلم الكتابة ولا قراءتها، ومنه قوله عليه السلام :" إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " الحديث. وقد قيل لهم إنهم أميون لأنهم لم يصدقوا بأم الكتاب، عن ابن عباس. وقال أبو عبيدة : إنما قيل لهم أميون لنزول الكتاب عليهم، كأنهم نسبوا إلى أم الكتاب، فكأنه قال : ومنهم أهل الكتاب لا يعلمون الكتاب. عكرمة والضحاك : هم نصارى العرب. وقيل : هم قوم من أهل الكتاب، رفع كتابهم لذنوب ارتكبوها فصاروا أميين. علي رضي الله عنه : هم المجوس. 
قلت : والقول الأول أظهر، والله أعلم. 
الثانية : قوله تعالى : لا يعلمون الكتاب إلا أماني  " إلا " ههنا بمعنى لكن، فهو استثناء منقطع، كقوله تعالى : وما لهم به من علم إلا اتباع الظن[(١)](#foonote-١) \[ النساء : ١٥٧ \]. وقال النابغة :حلفت يمينا غير ذي مَثْنَوِيّةٍ[(٢)](#foonote-٢)  ولا علمَ إلا حُسنَ ظنٍّ بصاحبوقرأ أبو جعفر وشيبة والأعرج " إلا أماني " خفيفة الياء، حذفوا إحدى الياءين استخفافا. قال أبو حاتم : كل ما جاء من هذا النحو واحده مشدد، فلك فيه التشديد والتخفيف، مثل أثافي وأغاني وأماني، ونحوه. وقال الأخفش : هذا كما يقال في جمع مفتاح : مفاتيح ومفاتح، وهي ياء الجمع. قال النحاس : الحذف في المعتل أكثر، كما قال الشاعر[(٣)](#foonote-٣) :وهل يرجع التسليم أو يكشفُ العمى  ثلاثُ الأثافي والرسوم البَلاقع[(٤)](#foonote-٤)والأماني جمع أمنية وهي التلاوة، وأصلها أمنوية على وزن أفعولة، فأدغمت الواو في الياء فانكسرت النون من أجل الياء فصارت أمنية، ومنه قوله تعالى : إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته[(٥)](#foonote-٥)  \[ الحج : ٥٢ \] أي إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته. 
وقال كعب بن مالك : تمنى كتاب الله أول ليله  وآخره لاقى حِمِامَ المقادروقال آخر :تمنى كتاب الله آخر ليله  تمني داود الزبور على رِسْلِوالأماني أيضا الأكاذيب، ومنه قول عثمان رضي الله عنه : ما تمنيت منذ أسلمت، أي ما كذبت. وقول بعض العرب لابن دأب وهو يحدث : أهذا شيء رويته أم شيء تمنيته ؟ أي افتعلته. وبهذا المعنى فسر ابن عباس ومجاهد " أماني " في الآية. والأماني أيضا ما يتمناه الإنسان ويشتهيه. قال قتادة :" إلا أماني " يعني انهم يتمنون على الله ما ليس لهم. وقيل : الأماني التقدير، يقال : منى له أي قدر، قاله الجوهري، وحكاه ابن بحر، وأنشد قول الشاعر : لا تأمنن وإن أمسيت في حرم  حتى تلاقي ما يَمْنِي لك المَانِي[(٦)](#foonote-٦)أي يقدر لك المقدر. 
الثالثة : قوله تعالى : وإن هم إلا يظنون ، " إن " بمعنى ما النافية، كما قال تعالى : إن الكافرون إلا في غرور  \[ الملك : ٢٠ \]. قوله تعالى : إلا يظنون  يكذبون ويحدثون، لأنهم لا علم لهم بصحة ما يتلون، وإنما هم مقلدون لأحبارهم فيما يقرؤون به. قال أبو بكر الأنباري : وقد حدثنا أحمد بن يحيى النحوي أن العرب تجعل الظن علما وشكا وكذبا، وقال : إذا قامت براهين العلم فكانت أكثر من براهين الشك فالظن يقين، وإذا اعتدلت براهين اليقين وبراهين الشك فالظن شك، وإذا زادت براهين الشك على براهين اليقين فالظن كذب، قال الله عز وجل : وإن هم إلا يظنون ، أراد إلا يكذبون. 
١ راجع ج ٦ ص ٩.
٢ المثنوية: الاستثناء في اليمين..
٣ هو ذو الرمة؛ كما في ديوانه..
٤ الأثافي (جمع أثفية، بضم الهمزة وكسرها وسكون الثاء وتشديد الياء): الحجر الذي توضع عليه القدر والرسوم: بقايا الأبنية. والبلاقع (جمع بلقع): الخراب..
٥ راجع ج ١٢ ص ٧٩.
٦ نسب شارح القاموس هذا البيت لسويد بن عامر المصطلقي.

### الآية 2:79

> ﻿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [2:79]

**فيه خمس مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" فويل " " فويل " اختلف في الويل[(١)](#foonote-١) ما هو، فروى عثمان بن عفان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جبل من نار. وروى أبو سعيد الخدري أن الويل واد في جهنم بين جبلين يهوي فيه الهاوي أربعين خريفا. وروى سفيان وعطاء بن يسار : أن الويل في هذه الآية واد يجري بفناء جهنم من صديد أهل النار. وقيل : صهريج في جهنم. وحكى الزهراوي عن آخرين : أنه باب من أبواب جهنم. وعن ابن عباس : الويل المشقة من العذاب. وقال الخليل : الويل شدة الشر[(٢)](#foonote-٢). الأصمعي : الويل تفجع وترحم. سيبويه : ويل لمن وقع في الهلكة، وويح زجر لمن أشرف على الهلكة. ابن عرفة : الويل الحزن : يقال : تويل الرجل إذا دعا بالويل، وإنما يقال ذلك عند الحزن والمكروه، ومنه قوله : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم  \[ البقرة : ٧٩ \]. وقيل : أصله الهلكة، وكل من وقع في هلكة دعا بالويل، ومنه قوله تعالى : يا ويلتنا مال هذا الكتاب[(٣)](#foonote-٣)  \[ الكهف : ٤٩ \]. وهي الويل والويلة، وهما الهلكة، والجمع الويلات، قال :
له الويل إن أمسى ولا أم هاشم
**وقال أيضا :**
فقالت لك الويلات إنك مُرْجِلِي
وارتفع " ويل " بالابتداء، وجاز الابتداء به وإن كان نكرة لأن فيه معنى الدعاء. قال الأخفش : ويجوز النصب على إضمار فعل، أي ألزمهم الله ويلا. وقال الفراء : الأصل في الويل " وي " أي حزن، كما تقول : ويل لفلان، أي حزن له، فوصلته العرب باللام وقدروها منه فأعربوها. والأحسن فيه إذا فصل عن الإضافة الرفع، لأنه يقتضي الوقوع. ويصح النصب على معنى الدعاء، كما ذكرنا. 
قال الخليل : ولم يسمع على بنائه إلا ويح وويس وويه وويك وويل وويب، وكله يتقارب في المعنى. وقد فرق بينها قوم، وهي مصادر لم تنطلق العرب منها بفعل. قال الجرمي : ومما ينتصب انتصاب المصادر ويله وعوله وويحه وويسه، فإذا أدخلت اللام رفعت فقلت : ويل له، وويح له. 
الثانية : قوله تعالى : للذين يكتبون الكتاب  الكتابة معروفة. وأول من كتب بالقلم وخط به إدريس عليه السلام، وجاء ذلك في حديث أبي ذر، خرجه الآجري وغيره. وقد قيل : إن آدم عليه السلام أعطي الخط فصار وراثة في ولده. 
الثالثة : قوله تعالى : بأيديهم  تأكيد، فإنه قد علم أن الكتب لا يكون إلا باليد، فهو مثل قوله : ولا طائر يطير بجناحيه  \[ الأنعام : ٣٨ \]، وقوله : يقولون بأفواههم \[ آل عمران : ١٦٧ \]. وقيل : فائدة  بأيديهم  بيان لجرمهم وإثبات لمجاهرتهم، فإن من تولى الفعل أشد مواقعة ممن لم يتوله وإن كان رأيا له وقال ابن السراج :" بأيديهم " كناية عن أنهم من تلقائهم دون أن ينزل عليهم، وإن لم تكن حقيقة في كتب أيديهم. 
الرابعة : في هذه الآية والتي قبلها التحذير من التبديل والتغيير والزيادة في الشرع، فكل من بدل وغير أو ابتدع في دين الله ما ليس منه ولا يجوز فيه فهو داخل تحت هذا الوعيد الشديد، والعذاب الأليم، وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته لما قد علم ما يكون في آخر الزمان فقال :" ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة " الحديث، وسيأتي. فحذرهم أن يحدثوا من تلقاء أنفسهم في الدين خلاف كتاب الله أو سنته أو سنة أصحابه فيضلوا به الناس، وقد وقع ما حذره وشاع، وكثر وذاع، فإنا لله وإنا إليه راجعون. 
الرابعة : قال علماؤنا رحمة الله عليهم : نعت الله تعالى أحبارهم بأنهم يبدلون ويحرفون فقال وقوله الحق : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ، \[ البقرة : ٧٩ \] الآية. وذلك أنه لما درس الأمر فيهم، وساءت رعية علمائهم، وأقبلوا على الدنيا حرصا وطمعا، طلبوا أشياء تصرف وجوه الناس إليهم، فأحدثوا في شريعتهم وبدلوها، وألحقوا ذلك بالتوراة، وقالوا لسفهائهم هذا من عند الله، ليقبلوها عنهم فتتأكد رياستهم وينالوا به حطام الدنيا وأوساخها. وكان مما أحدثوا فيه أن قالوا : ليس علينا في الأميين سبيل، وهم العرب، أي ما أخذنا من أموالهم فهو حل لنا. وكان مما أحدثوا فيه أن قالوا : لا يضرنا ذنب، فنحن أحباؤه وأبناؤه، تعالى الله عن ذلك ! وإنما كان في التوراة " يا أحباري ويا أبناء رسلي " فغيروه وكتبوا " يا أحبائي ويا أبنائي " فأنزل الله تكذيبهم : وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم[(٤)](#foonote-٤)  \[ المائدة : ١٨ \]. فقالت : لن يعذبنا الله، وإن عذبنا فأربعين يوما مقدار أيام العجل، فأنزل الله تعالى : وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا[(٥)](#foonote-٥) \[ البقرة : ٨٠ \] قال ابن مقسم : يعني توحيدا، بدليل قوله تعالى : إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا[(٦)](#foonote-٦) \[ مريم : ٨٧ \] يعني لا إله إلا الله : فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون  \[ البقرة : ٨٠ \] ثم أكذبهم فقال : بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون[(٧)](#foonote-٧) . \[ البقرة : ٨١ - ٨٢ \]. فبين تعالى أن الخلود في النار والجنة إنما هو بحسب الكفر والإيمان، لا بما قالوه. 
الخامسة : قوله تعالى : ليشتروا به ثمنا قليلا  وصف الله تعالى ما يأخذونه بالقلة، إما لفنائه وعدم ثباته، وإما لكونه حراما، لأن الحرام لا بركة فيه ولا يربو عند الله. قال ابن إسحاق والكلبي : كانت صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابهم ربعة أسمر، فجعلوه آدم سبطا طويلا، وقالوا لأصحابهم وأتباعهم : انظروا إلى صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي يبعث في آخر الزمان ليس يشبهه نعت هذا، وكانت للأحبار والعلماء رياسة ومكاسب، فخافوا إن بينوا أن تذهب مآكلهم ورياستهم، فمن ثم غيروا. 
قوله تعالى : فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون  قيل من المآكل. وقيل من المعاصي. وكرر الويل تغليظا لفعلهم. 
١ قال أبو حيان في البحر المحيط بعد أن ذكر الأقوال التي وردت في معنى الويل: "لو صح في تفسير الويل شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لوجب المصير إليه، وقد تكلمت العرب في نظمها ونثرها بلفظ الويل قبل أن يجيء القرآن ولم تطلقه على شيء من هذه التفاسير، وإنما مدلوله ما فسره به أهل اللغة".
٢ كذا في نسخ الأصل: وكتاب البحر لأبي حيان..
٣ راجع ج ١٠ ص ٤١٨..
٤ راجع ج ٦ ص ١٢٠.
٥ راجع ص ١٠ من هذا الجزء.
٦ راجع ج ١١ ص ١٥٣.
٧ راجع ص ١١ من هذا الجزء..

### الآية 2:80

> ﻿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [2:80]

**فيه ثلاث مسائل :**
الأولى : قوله تعالى : وقالوا  يعني اليهود.  لن تمسنا النار إلا أياما معدودة  اختلف، في سبب نزولها، فقيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لليهود :" من أهل النار " . قالوا : نحن، ثم تخلفونا أنتم. فقال :" كذبتم لقد علمتم أنا لا نخلفكم " فنزلت هذه الآية، قاله ابن زيد. وقال عكرمة عن ابن عباس : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود تقول : إنما هذه الدنيا سبعة آلاف، وإنما يعذب الناس في النار لكل ألف سنة من أيام الدنيا يوم واحد في النار من أيام الآخرة، وإنما هي سبعة أيام، فأنزل الله الآية، وهذا قول مجاهد. وقالت طائفة : قالت اليهود إن في التوراة أن جهنم مسيرة أربعين سنة، وأنهم يقطعون في كل يوم سنة حتى يكملوها وتذهب جهنم. ورواه الضحاك عن ابن عباس. وعن ابن عباس : زعم اليهود أنهم وجدوا في التوراة مكتوبا أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم. وقالوا : إنما نعذب حتى ننتهي إلى شجرة الزقوم فتذهب جهنم وتهلك. وعن ابن عباس أيضا وقتادة : أن اليهود قالت إن الله أقسم أن يدخلهم النار أربعين يوما عدد عبادتهم العجل، فأكذبهم الله، كما تقدم. 
الثانية : في هذه الآية رد على أبي حنيفة وأصحابه حيث استدلوا بقوله عليه السلام :" دعي الصلاة أيام أقرائك " في أن مدة الحيض ما يسمى أيام الحيض، وأقلها ثلاثة وأكثرها عشرة، قالوا : لأن ما دون الثلاثة يسمى يوما ويومين، وما زاد على العشرة يقال فيه أحد عشر يوما ولا يقال فيه أيام، وإنما يقال أيام من الثلاثة إلى العشرة، قال الله تعالى : فصيام ثلاثة أيام في الحج[(١)](#foonote-١)  \[ البقرة. ١٩٦ \]،  تمتعوا في داركم ثلاثة أيام[(٢)](#foonote-٢)  \[ هود : ٦٥ \]،  سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما[(٣)](#foonote-٣)  \[ هود : ٧ \]. 
فيقال لهم : فقد قال الله تعالى في الصوم :" أياما معدودات " يعني جميع الشهر، وقال : لن تمسنا النار إلا أياما معدودات[(٤)](#foonote-٤)  \[ آل عمران : ٢٤ \] يعني أربعين يوما. وأيضا فإذا أضيفت الأيام إلى عارض لم يرد به تحديد العدد، بل يقال : أيام مشيك وسفرك وإقامتك، وإن كان ثلاثين وعشرين وما شئت من العدد، ولعله أراد ما كان معتادا لها، والعادة ست أو سبع، فخرج عليه، والله أعلم. 
الثالثة : قوله تعالى : قل أتخذتم  تقدم القول في " اتخذ[(٥)](#foonote-٥) " فلا معنى لإعادته. 
قوله تعالى : عند الله عهدا  أي أسلفتم عملا صالحا فآمنتم وأطعتم فتستوجبون بذلك الخروج من النار ! أو هل عرفتم ذلك بوحيه الذي عهده إليكم. قوله تعالى : فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون ، توبيخ وتقريع. 
١ راجع ص ٣٩٩ من هذا الجزء..
٢ راجع ج ٩ ص ٦٠..
٣ راجع ج ١٨ ص ٢٥٩.
٤ راجع ج ٤ ص ٣٥١.
٥ راجع ج ١ ص ٣٩٦ طبعة ثانية..

### الآية 2:81

> ﻿بَلَىٰ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:81]

**فيه ثلاث مسائل :**
الأولى : قوله تعالى : بلى  أي ليس الأمر كما ذكرتم. قال سيبويه : ليس " بلى " و " نعم " اسمين. وإنما هما حرفان مثل " بل " وغيره، وهي رد لقولهم : إن تمسنا النار. وقال الكوفيون : أصلها بل التي للإضراب عن الأول، زيدت عليها الياء ليحسن الوقف، وضمنت الياء معنى الإيجاب والإنعام. ف " بل " تدل على رد الجحد، والياء تدل على الإيجاب لما بعد. قالوا : ولو قال قائل : ألم تأخذ دينارا ؟ فقلت : نعم، لكان المعنى لا، لم آخذ، لأنك حققت النفي وما بعده. فإذا قلت : بلى، صار المعنى قد أخذت. قال الفراء : إذا قال الرجل لصاحبه : ما لك علي شيء، فقال الآخر : نعم، كان ذلك تصديقا، لأن لا شيء له عليه، ولو قال : بلى، كان ردا لقوله، وتقديره : بلى لي عليك. وفي التنزيل : ألست بربكم قالوا بلى[(١)](#foonote-١)  \[ الأعراف : ١٧٢ \] ولو قالوا نعم لكفروا. 
الثانية : قوله تعالى : سيئة  السيئة الشرك. قال ابن جريج قلت لعطاء :" من كسب سيئة " ؟ قال : الشرك، وتلا : ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار[(٢)](#foonote-٢) . وكذا قال الحسن وقتادة، قالا : والخطيئة الكبيرة. 
الثالثة : لما قال تعالى : بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته  دل على أن المعلق على شرطين لا يتم بأقلهما، ومثله قوله تعالى : إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا[(٣)](#foonote-٣)  \[ فصلت : ٣٠ \]، وقوله عليه السلام لسفيان بن عبدالله الثقفي وقد قال له : يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك. قال :" قل آمنت بالله ثم استقم ". رواه مسلم. وقد مضى القول في هذا المعنى وما للعلماء فيه عند قوله تعالى لآدم وحواء : ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين[(٤)](#foonote-٤)  \[ البقرة : ٣٥ \]. وقرأ نافع " خطيئاته " بالجمع، الباقون بالإفراد، والمعنى الكثرة، مثل قوله تعالى : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها[(٥)](#foonote-٥) . 
١ راجع ج ٧ ص ٣١٦.
٢ راجع ج ١٣ ص ٢٤٥.
٣ راجع ج ١٥ ص ٣٥٧.
٤ راجع ج ١ ص ٣٠٤.
٥ راجع ج ٩ ص ٣٦٧.

### الآية 2:82

> ﻿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:82]

فَيُقَالُ لَهُمْ: فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الصَّوْمِ:" أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ" يَعْنِي جَمِيعَ الشَّهْرِ، وَقَالَ:" لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ **«١»** " يَعْنِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَأَيْضًا فَإِذَا أُضِيفَتِ الْأَيَّامُ إِلَى عَارِضٍ لَمْ يُرَدْ بِهِ تَحْدِيدُ الْعَدَدِ، بَلْ يُقَالُ: أَيَّامُ مَشْيِكَ وَسَفَرِكَ وَإِقَامَتِكَ، وَإِنْ كَانَ ثَلَاثِينَ وَعِشْرِينَ وَمَا شِئْتَ مِنَ الْعَدَدِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ مَا كَانَ مُعْتَادًا لَهَا، وَالْعَادَةُ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ، فَخَرَجَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى" قُلْ أَتَّخَذْتُمْ" تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي" اتَّخَذَ **«٢»** " فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ" عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً" أَيْ أَسْلَفْتُمْ عَمَلًا صَالِحًا فَآمَنْتُمْ وَأَطَعْتُمْ تستوجبون بِذَلِكَ الْخُرُوجَ مِنَ النَّارِ أَوْ هَلْ عَرَفْتُمْ ذلك بويح الَّذِي عَهِدَهُ إِلَيْكُمْ" فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ" توبيخ وتقريع.
 \[سورة البقرة (٢): الآيات ٨١ الى ٨٢\]
 بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٨٢)
 فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تعالى:" بَلى " أي الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرْتُمْ. قَالَ سِيبَوَيْهِ: لَيْسَ" بَلَى" وَ" نَعَمْ" اسْمَيْنِ. وَإِنَّمَا هُمَا حَرْفَانِ مِثْلُ" بل" وغيره، وهي رد لقولهم: إن تَمَسَّنَا النَّارُ. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: أَصْلُهَا بَلِ الَّتِي لِلْإِضْرَابِ عَنِ الْأَوَّلِ، زِيدَتْ عَلَيْهَا الْيَاءُ لِيَحْسُنَ الْوَقْفُ، وَضُمِّنَتِ الْيَاءُ مَعْنَى الْإِيجَابِ وَالْإِنْعَامِ. فَ" بَلْ" تَدُلُّ عَلَى رَدِّ الْجَحْدِ، وَالْيَاءُ تَدُلُّ عَلَى الْإِيجَابِ لِمَا بَعْدُ. قَالُوا: وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: أَلَمْ تَأْخُذْ دِينَارًا؟ فَقُلْتَ: نَعَمْ، لَكَانَ الْمَعْنَى لَا، لَمْ آخُذْ، لِأَنَّكَ حَقَّقْتَ النَّفْيَ وَمَا بَعْدَهُ. فَإِذَا قُلْتَ: بَلَى، صَارَ الْمَعْنَى قَدْ أَخَذْتُ. قَالَ الْفَرَّاءُ: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لصاحبه: ما لك علي شي، فَقَالَ الْآخَرُ: نَعَمْ، كَانَ ذَلِكَ تَصْدِيقًا، لِأَنَّ لا شي

 (١). راجع ج ٤ ص ٥١.
 (٢). راجع ج ١ ص ٣٩٦ طبعه ثانية.

### الآية 2:83

> ﻿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ [2:83]

**فيه عشر مسائل :**
الأولى : قوله تعالى : وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل  تقدم الكلام في بيان هذه الألفاظ[(١)](#foonote-١). واختلف في الميثاق هنا، فقال مكي : هو الميثاق الذي أخذ عليهم حين أخرجوا من صلب آدم كالذر. وقيل : هو ميثاق أخذ عليهم وهم عقلاء في حياتهم على ألسنة أنبيائهم. 
الثانية : قوله تعالى : لا تعبدون إلا الله  وعبادة الله إثبات توحيده، وتصديق رسله، والعمل بما أنزل في كتبه. " لا تعبدون " قال سيبويه :" لا تعبدون " متعلق بقسم، والمعنى وإذ استخلفناهم والله لا تعبدون، وأجازه المبرد والكسائي والفراء. وقرأ أبي وابن مسعود " لا تعبدوا " على النهي، ولهذا وصل الكلام بالأمر فقال :" وقوموا، وقولوا، وأقيموا، وآتوا ". وقيل : هو في موضع الحال، أي أخذنا ميثاقهم موحدين، أو غير معاندين، قاله قطرب والمبرد أيضا. وهذا إنما يتجه على قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي " يعبدون " بالياء من أسفل. وقال الفراء والزجاج وجماعة : المعنى أخذنا ميثاقهم بألا يعبدوا إلا الله، وبأن يحسنوا للوالدين، وبألا يسفكوا الدماء، ثم حذفت أن والباء فارتفع الفعل لزوالهما، كقوله تعالى : أفغير الله تأمروني[(٢)](#foonote-٢) . قال المبرد : هذا خطأ، لأن كل ما أضمر في العربية فهو يعمل عمله مظهرا، تقول : وبلد قطعت، أي رب بلد. 
قلت : ليس هذا بخطأ، بل هما وجهان صحيحان وعليهما أنشد سيبويه :ألا أيها ذا الزاجريُّ أحْضرَ الوغى  وأن أشهدَ اللذات هل أنت مخلدي[(٣)](#foonote-٣)بالنصب والرفع، فالنصب على إضمار أن، والرفع على حذفها. 
الثالثة : قوله تعالى : وبالوالدين إحسانا  أي وأمرناهم بالوالدين إحسانا. وقرن الله عز وجل في هذه الآية حق الوالدين بالتوحيد ؛ لأن النشأة الأولى من عند الله، والنشء الثاني - وهو التربية - من جهة الوالدين، ولهذا قرن تعالى الشكر لهما بشكره فقال :{ أن اشكر لي ولوالديك
[(٤)](#foonote-٤) } \[ لقمان : ١٤ \]. والإحسان إلى الوالدين : معاشرتهما بالمعروف، والتواضع لهما، وامتثال أمرهما، والدعاء بالمغفرة بعد مماتهما، وصلة أهل ودهما، على ما يأتي بيانه مفصلا في " الإسراء[(٥)](#foonote-٥) " إن شاء الله تعالى. 
الرابعة : قوله تعالى : وذي القربى  عطف ذي القربى على الوالدين. والقربى : بمعنى القرابة، وهو مصدر كالرجعى والعقبى، أي وأمرناهم بالإحسان إلى القرابات بصلة أرحامهم. وسيأتي بيان هذا مفصلا في سورة " القتال[(٦)](#foonote-٦) " إن شاء الله تعالى. 
الخامسة : قوله تعالى : واليتامى  اليتامى عطف أيضا، وهو جمع يتيم، مثل ندمى جمع نديم. واليتم في بني آدم بفقد الأب، وفي البهائم بفقد الأم. وحكى الماوردي أن اليتيم يقال في بني آدم في فقد الأم، والأول المعروف. وأصله الانفراد، يقال : صبي يتيم، أي منفرد من أبيه. وبيت يتيم : أي ليس قبله ولا بعده شيء من الشعر. ودرة يتيمة : ليس لها نظير. وقيل : أصله الإبطاء، فسمي به اليتيم ؛ لأن البر يبطئ عنه. ويقال : يتم ييتم يتما، مثل عظم يعظم. ويتم ييتم يتْما ويتَما، مثل سمع يسمع، ذكر الوجهين الفراء. وقد أيتمه الله. ويدل هذا على الرأفة باليتيم والحض على كفالته وحفظ ماله، على ما يأتي بيانه في " النساء[(٧)](#foonote-٧) ". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة ". وأشار مالك[(٨)](#foonote-٨) بالسبابة والوسطى، رواه أبو هريرة وأخرجه مسلم. وخرج الإمام الحافظ أبو محمد عبدالغني بن سعيد من حديث الحسن بن دينار أبي سعيد البصري وهو الحسن بن واصل[(٩)](#foonote-٩) قال حدثنا الأسود بن عبدالرحمن عن هِصّان[(١٠)](#foonote-١٠) عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ما قعد يتيم مع قوم على قصعتهم فيقرب قصعتهم الشيطان ". وخرج أيضا من حديث حسين بن قيس وهو أبو علي الرحبي[(١١)](#foonote-١١) عن عكرمة عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من ضم يتيما من بين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يغنيه الله عز وجل غفرت له ذنوبه البتة إلا أن يعمل عملا لا يغفر ومن أذهب الله كريمتيه فصبر واحتسب غفرت له ذنوبه - قالوا : وما كريمتاه ؟ قال :- عيناه ومن كان له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات، فأنفق عليهن وأحسن إليهن حتى يَبِنَّ[(١٢)](#foonote-١٢) أو يمتن غفرت له ذنوبه البتة إلا أن يعمل عملا لا يغفر " فناداه رجل من الأعراب ممن هاجر فقال : يا رسول الله أو اثنتين ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أو اثنتين ). فكان ابن عباس إذا حدث بهذا الحديث قال : هذا والله من غرائب الحديث وغرره. 
السادسة : السبابة من الأصابع هي التي تلي الإبهام، وكانت في الجاهلية تدعى بالسبابة، لأنهم كانوا يسبون بها، فلما جاء الله بالإسلام كرهوا هذا الاسم فسموها المشيرة ؛ لأنهم كانوا يشيرون بها إلى الله في التوحيد. وتسمى أيضا بالسباحة، جاء تسميتها بذلك في حديث وائل بن حجر وغيره، ولكن اللغة سارت بما كانت تعرفه في الجاهلية فغلبت. وروي عن أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المشيرة منها كانت أطول من الوسطى، ثم الوسطى أقصر منها، ثم البنصر أقصر من الوسطى. روى يزيد بن هارون قال : أخبرنا عبدالله بن مقسم الطائفي قال حدثتني عمتي سارة بنت مقسم أنها سمعت ميمونة بنت كردم قالت : خرجت في حجة حجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته وسأله أبي عن أشياء، فلقد رأيتني أتعجب وأنا جارية من طول أصبعه التي تلي الإبهام على سائر أصابعه. فقوله عليه السلام :
( أنا وهو كهاتين في الجنة )، وقوله في الحديث الآخر :" أحشر أنا وأبو بكر وعمر يوم القيامة هكذا " وأشار بأصابعه الثلاث، فإنما أراد ذكر المنازل والإشراف على الخلق فقال : نحشر هكذا ونحن مشرفون وكذا كافل اليتيم تكون منزلته رفيعة. فمن لم يعرف شأن أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى حمل تأويل الحديث على الانضمام والاقتراب بعضهم من بعض في محل القربة. وهذا معنى بعيد ؛ لأن منازل الرسل والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين مراتب متباينة، ومنازل مختلفة. 
السابعة : قوله تعالى : والمساكين  " المساكين " عطف أيضا أي وأمرناهم بالإحسان إلى المساكين، وهم الذين أسكنتهم الحاجة وأذلتهم. وهذا يتضمن الحض على الصدقة والمؤاساة وتفقد أحوال المساكين والضعفاء. روى مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله - وأحسبه قال - وكالقائم لا يفتر[(١٣)](#foonote-١٣) وكالصائم لا يفطر ". قال ابن المنذر : وكان طاوس يرى السعي على الأخوات أفضل من الجهاد في سبيل الله. 
الثامنة : قوله تعالى : وقولوا للناس حسنا " " حسنا " نصب على المصدر على المعنى، لأن المعنى ليحسن قولكم. وقيل : التقدير وقولوا للناس قولا ذا حسن، فهو مصدر لا على المعنى. وقرأ حمزة والكسائي " حسنا " بفتح الحاء والسين. قال الأخفش : هما بمعنى واحد، مثل البُخل والبَخل، والرشد والرشد. وحكى الأخفش :" حسنى " بغير تنوين على فعلى. قال النحاس :" وهذا لا يجوز في العربية، لا يقال من هذا شيء إلا بالألف واللام، نحو الفضلى والكبرى والحسنى، هذا قول سيبويه وقرأ عيسى بن عمر " حسنا " بضمتين، مثل " الحلم ". قال ابن عباس : المعنى قولوا لهم لا إله إلا الله ومروهم بها. ابن جريج : قولوا للناس صدقا في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ولا تغيروا نعته. سفيان الثوري : مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر. أبو العالية : قولوا لهم الطيب من القول، وجازوهم بأحسن ما تحبون أن تجازوا به. وهذا كله حض على مكارم الأخلاق، فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس لينا ووجهه منبسطا طلقا مع البر والفاجر، والسني والمبتدع، من غير مداهنة، ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضي مذهبه ؛ لأن الله تعالى قال لموسى وهارون :{ فقولا له قولا لينا[(١٤)](#foonote-١٤)  \[ طه : ٤٤ \]. فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون، والفاجر ليس بأخبث من فرعون، وقد أمرهما الله تعالى باللين معه. وقال طلحة بن عمر : قلت لعطاء إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة، وأنا رجل في حدة فأقول لهم بعض القول الغليظ، فقال : لا تفعل ! يقول الله تعالى :" وقولوا للناس حسنا ". فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى فكيف بالحنيفي[(١٥)](#foonote-١٥) ؟ ؟. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة :" لا تكوني فحاشة فإن الفحش لو كان رجلا لكان رجل سوء ". وقيل : أراد بالناس محمدا صلى الله عليه وسلم، كقوله : أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله[(١٦)](#foonote-١٦)  \[ النساء : ٥٤ \]. فكأنه قال : قولوا للنبي صلى الله عليه وسلم حسنا. وحكى المهدوي عن قتادة أن قوله : وقولوا للناس حسنا  منسوخ بآية السيف. وحكاه أبو نصر عبدالرحيم[(١٧)](#foonote-١٧) عن ابن عباس. قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في الابتداء ثم نسختها آية السيف. قال ابن عطية : وهذا يدل على أن هذه الأمة خوطبت بمثل هذا اللفظ في صدر الإسلام، وأما الخبر عن بني إسرائيل وما أمروا به فلا نسخ فيه، والله أعلم. 
التاسعة : قوله تعالى : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة  تقدم[(١٨)](#foonote-١٨) القول فيه. والخطاب لبني إسرائيل. قال ابن عطية : وزكاتهم هي التي كانوا يضعونها فتنزل النار على ما يتقبل، ولا تنزل على ما لم يتقبل، ولم تكن كزكاة أمة محمد صلى الله عليه وسلم. قلت : وهذا يحتاج إلى نقل، كما ثبت ذلك في الغنائم. وقد روي عن ابن عباس أنه قال : الزكاة التي أمروا بها طاعة الله والإخلاص. 
العاشرة : قوله تعالى : ثم توليتم  الخطاب لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم، وأسند إليهم تولي أسلافهم إذ هم كلهم بتلك السبيل في إعراضهم عن الحق مثلهم، كما قال :" شنشنة[(١٩)](#foonote-١٩) أعرفها من أخزم ".  إلا قليلا منكم  كعبد الله بن سلام وأصحابه. و قليلا  نصب على الاستثناء، والمستثنى عند سيبويه منصوب، لأنه مشبه بالمفعول. وقال محمد بن يزيد : هو مفعول على الحقيقة، المعنى استثنيت قليلا.  وأنتم معرضون  ابتداء وخبر. والإعراض والتولي بمعنى واحد، مخالف بينهما في اللفظ. وقيل : التولي فيه بالجسم، والإعراض بالقلب. قال المهدوي :
 وأنتم معرضون  حال، لأن التولي فيه دلالة على الإعراض. 
١ راجع ج ١ ص ٢٤٦، ٣٣٠..
٢ راجع ج ١٥ ص ٢٧٦.
٣ البيت لطرفة بن العبد في معلقته..
٤ راجع ج ١٤ ص ٦٥.
٥ راجع ج ١٠ ص ٢٣٨.
٦ راجع ج ١٦ ث ٢٤٥.
٧ راجع ج ٥ ث ٨.
٨ مالك: أحد رواة سند هذا الحديث..
٩ لأنه ربيب دينار.
١٠ في تهذيب التهذيب: "بكسر أوله وتشديد المهملة آخره نون" وهو ابن كاهن ويقال ابن كاهل، كان أبوه كاهنا في الجاهلية"..
١١ الرحبي (بفتح الراء والحاء المهملين وباء موحدة): منسوب إلى رحبة بن زرعة..
١٢ يبن: يتزوجن..
١٣ كذا في صحيح مسلم. والذي في نسخ الأصل: "لا يفتر من صلاة... الخ".
١٤ راجع ج ١١ ص ١٩٩.
١٥ في بعض نسخ الأصل: "فكيف في غيرهما"..
١٦ راجع ج ٥ ص ٢٥١..
١٧ في بعض نسخ الأصل: "عبد الرحمن"..
١٨ يراجع ج ١ ص ١٦٤، ٣٤٣ طبعة ثانية.
١٩ الشنشنة (بالكسر): الطبيعة والخليقة والسجية. قال الأصمعي: وهذا بيت رجز تمثل به 
 **لأبي أخزم الطائي، وهو:** 
 إن بني زملوني بالدم \*\*\* شنشنة أعرفها من أخزم
 من يلق آساد الرجل يكلم 
 قال ابن بري: كان أخزم عاقا لأبيه فمات وترك بنين وعقوا جدهم وضربوه وأدموه، فقال ذلك (عن اللسان).
 .

### الآية 2:84

> ﻿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ [2:84]

**فيه مسائل :**
الأولى : قوله تعالى : وإذ أخذنا ميثاقكم  تقدم القول فيه[(١)](#foonote-١).  لا تسفكون دماءكم المراد بنو إسرائيل، ودخل فيه بالمعنى من بعدهم.  لا تسفكون دماءكم  مثل  لا تعبدون[(٢)](#foonote-٢)  \[ البقرة : ٨٣ \] في الإعراب. وقرأ طلحة بن مصرف وشعيب بن أبي حمزة بضم الفاء، وهي لغة، وأبو نهيك " تسفكون " بضم التاء وتشديد الفاء وفتح السين. والسفك : الصب. 
الثانية : فإن قيل : وهل يسفك أحد دمه ويخرج نفسه من داره ؟ قيل له : لما كانت ملتهم واحدة وأمرهم واحد وكانوا في الأمم كالشخص الواحد جعل قتل بعضهم بعضا وإخراج بعضهم بعضا قتلا لأنفسهم ونفيا لها. وقيل : المراد القصاص، أي لا يقتل أحد فيقتل قصاصا، فكأنه سفك دمه. وكذلك لا يزني ولا يرتد، فإن ذلك يبيح الدم. ولا يفسد فينفى، فيكون قد أخرج نفسه من دياره. وهذا تأويل فيه بعد وإن كان صحيح المعنى. 
وإنما كان الأمر أن الله تعالى قد أخذ على بني إسرائيل في التوراة ميثاقا ألا يقتل بعضهم بعضا، ولا ينفيه ولا يسترقه، ولا يدعه يسرق، إلى غير ذلك من الطاعات. 
قلت : وهذا كله محرم علينا، وقد وقع ذلك كله بالفتن فينا، فإنا لله وإنا إليه راجعون ! وفي التنزيل : أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض[(٣)](#foonote-٣)  \[ الأنعام : ٦٥ \] وسيأتي. قال ابن خويز منداد : وقد يجوز أن يراد به الظاهر، لا يقتل الإنسان نفسه، ولا يخرج من داره سفها، كما تقتل الهند أنفسها. أو يقتل الإنسان نفسه من جهد وبلاء يصيبه، أو يهيم في الصحراء ولا يأوي البيوت جهلا في ديانته وسفها في حلمه، فهو عموم في جميع ذلك. وقد روي أن عثمان بن مظعون بايع في عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فعزموا أن يلبسوا المسوح، وأن يهيموا في الصحراء ولا يأووا البيوت، ولا يأكلوا اللحم ولا يغشوا النساء، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فجاء إلى دار عثمان بن مظعون فلم يجده، فقال لامرأته :" ما حديث بلغني عن عثمان " ؟ وكرهت أن تفشي سر زوجها، وأن تكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت : يا رسول الله، إن كان قد بلغك شيء فهو كما بلغك، فقال :" قولي لعثمان أخلاف لسنتي أم على غير ملتي، إني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأغشى النساء وآوي البيوت وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني "، فرجع عثمان وأصحابه عما كانوا عليه. 
قوله تعالى : وقد تقدم[(٤)](#foonote-٤)  ولا تخرجون  معطوف. قوله تعالى : أنفسكم  النفس مأخوذة من النفاسة، فنفس الإنسان أشرف ما فيه. قوله تعالى : من دياركم  والدار : المنزل الذي فيه أبنية المقام بخلاف منزل الارتحال. وقال الخليل : كل موضع حله قوم فهو دار لهم وإن لم تكن فيه أبنية. وقيل : سميت دارا لدورها على سكانها، كما سمي الحائط حائطا لإحاطته على ما يحويه. 
قوله تعالى : ثم أقررتم  من الإقرار، أي بهذا الميثاق الذي أخذ عليكم وعلى أوائلكم. قوله تعالى : وأنتم تشهدون  من الشهادة، أي شهداء بقلوبكم على هذا وقيل : الشهادة بمعنى الحضور، أي تحضرون سفك دمائكم، وإخراج أنفسكم من دياركم. 
١ راجع ج ١ ص٤٣٦.
٢ راجع ص ١٣ من هذا الجزء.
٣ راجع ج ٧ ص ٩..
٤ راجع ج ١ ص ٢٧٥ طبعة ثانية..

### الآية 2:85

> ﻿ثُمَّ أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [2:85]

قوله تعالى : ثم أنتم هؤلاء ،  أنتم  في موضع رفع بالابتداء، ولا يعرب، لأنه مضمر. وضمت التاء من " أنتم " لأنها كانت مفتوحة إذا خاطبت واحدا مذكرا، ومكسورة إذا خاطبت واحدة مؤنثة، فلما ثنيت أو جمعت لم يبق إلا الضمة. قوله تعالى :" هؤلاء " قال القتبي : التقدير يا هؤلاء. قال النحاس : هذا خطأ على قول سيبويه، ولا يجوز هذا أقبل. وقال الزجاج : هؤلاء بمعنى الذين. قوله تعالى : تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم  داخل في الصلة، أي ثم أنتم الذين تقتلون. وقيل :" هؤلاء " رفع بالابتداء، و " أنتم " خبر مقدم، و " تقتلون " حال من أولاء. وقيل :" هؤلاء " نصب بإضمار أعني. وقرأ الزهري " تقتلون " بضم التاء مشددا، وكذلك  فلم تقتلون أنبياء الله  \[ البقرة : ٩١ \]. وهذه الآية خطاب للمواجهين لا يحتمل رده إلى الأسلاف. نزلت في بني قينقاع وقريظة والنضير من اليهود، وكانت بنو قينقاع أعداء قريظة، وكانت الأوس حلفاء بني قينقاع، والخزرج حلفاء بني قريظة. والنضير والأوس والخزرج إخوان، وقريظة والنضير أيضا إخوان، ثم افترقوا فكانوا يقتتلون، ثم يرتفع الحرب فيفدون أساراهم، فعيرهم الله بذلك فقال : وإن يأتوكم أسارى تفادوهم . 
قوله تعالى : تظاهرون  معنى " تظاهرون " تتعاونون، مشتق من الظهر، لأن بعضهم يقوي بعضا فيكون له كالظهر، ومنه قول الشاعر :

تظاهرتم أسْتاه بيت تجَمَّعت[(١)](#foonote-١)  على واحد لا زلتم قِرنَ وَاحِدِوقرأ أهل المدينة وأهل مكة " تظاهرون " بالتشديد، يدغمون التاء في الظاء لقربها منها، والأصل تتظاهرون. وقرأ الكوفيون " تظاهرون " مخففا، حذفوا التاء الثانية لدلالة الأولى عليها، وكذا  وإن تظاهرا عليه[(٢)](#foonote-٢)  \[ التحريم : ٤ \]. وقرأ قتادة " تظهرون عليهم " وكله راجع إلى معنى التعاون، ومنه : وكان الكافر على ربه ظهيرا[(٣)](#foonote-٣)  \[ الفرقان : ٥٥ \] وقوله : والملائكة بعد ذلك ظهير \[ التحريم : ٤ \] فاعلمه[(٤)](#foonote-٤).  بالإثم والعدوان  والإثم : الفعل الذي يستحق عليه صاحبه الذم. والعدوان : الإفراط في الظلم والتجاوز فيه. 
**فيه ست مسائل :**
الأولى : قوله تعالى : وإن يأتوكم أسارى  شرط وجوابه :" تفادوهم " و " أسارى " نصب على الحال. قال أبو عبيد وكان أبو عمرو يقول : ما صار في أيديهم فهم الأسارى، وما جاء مستأسرا فهم الأسرى. ولا يعرف أهل اللغة ما قال أبو عمرو، إنما هو كما تقول : سكارى وسكرى. وقراءة الجماعة " أسارى " ما عدا حمزة فإنه قرأ " أسرى " على فعلى، جمع أسير بمعنى مأسور، والباب - في تكسيره إذا كان كذلك - فعلى، كما تقول : قتيل وقتلى، وجريح وجرحى. قال أبو حاتم : ولا يجوز أسارى. وقال الزجاج : يقال أسارى كما يقال سكارى، وفَعَالى هو الأصل، وفُعَالى داخلة عليها. وحكي عن محمد بن يزيد قال : يقال أسير وأسراء، كظريف وظرفاء. قال ابن فارس : يقال في جمع أسير أسرى وأسارى، وقرئ بهما. وقيل : أسارى ( بفتح الهمزة ) وليست بالعالية. 
الثانية : الأسير مشتق من الإسار، وهو القد الذي يشد به المحمل فسمي أسيرا ؛ لأنه يشد وثاقه، والعرب تقول : قد أسر قتبه، [(٥)](#foonote-٥)أي شده، ثم سمي كل أخيذ أسيرا وإن لم يؤسر، 
وقال الأعشى :وقيدني الشِّعر في بيته  كما قيد الآسِرَاتُ الحِمارا[(٦)](#foonote-٦)أي أنا في بيته، يريد ذلك بلوغه النهاية فيه. فأما الأسر في قوله عز وجل :" وشددنا أسرهم[(٧)](#foonote-٧) " \[ الإنسان : ٢٨ \] فهو الخلق. وأسرة الرجل رهطه، لأنه يتقوى بهم. 
الثالثة : قوله تعالى : تفادوهم  كذا قرأ نافع وحمزة والكسائي. والباقون " تفدوهم " من الفداء. والفداء : طلب الفدية في الأسير الذي في أيديهم. قال الجوهري :" الفداء إذا كسر أوله يمد ويقصر، وإذا فتح فهو مقصور، يقال : قم فدى لك أبي. ومن العرب من يكسر " فداء " بالتنوين إذا جاور لام الجر خاصة، فيقول : فداء لك، لأنه نكرة يريدون به معنى الدعاء. وأنشد الأصمعي للنابغة :مهلاً فداء لك الأقوامُ كلُّهم  وما أُثَمِّرُ من مال ومن ولدويقال : فداه وفاداه إذا أعطى فداءه فأنقذه. وفداه بنفسه، وفداه يفديه إذا قال جعلت فداك. وتفادوا، أي فدى بعضهم بعضا ". والفدية والفدى والفداء كله بمعنى واحد. وفاديت نفسي إذا أطلقتها بعد أن دفعت شيئا، بمعنى فديت، ومنه قول العباس للنبي صلى الله عليه وسلم : فاديت نفسي وفاديت عقيلا. وهما فعلان يتعديان إلى مفعولين الثاني منهما بحرف الجر، تقول : فديت نفسي بمالي وفاديته بمالي، قال الشاعر :قِفي فادِي أسيرك إن قومي  وقومك ما أرى لهم اجتماعاالرابعة : قوله تعالى : وهو محرم عليكم إخراجهم  " هو " مبتدأ وهو كناية عن الإخراج، و " محرم " خبره، و " إخراجهم " بدل من " هو " وإن شئت كان كناية عن الحديث والقصة، والجملة التي بعده خبره، أي والأمر محرم عليكم إخراجهم. ف " إخراجهم " مبتدأ ثان. و " محرم " خبره، والجملة خبر عن " هو "، وفي " محرم " ضمير ما لم يسم فاعله يعود على الإخراج. ويجوز أن يكون " محرم " مبتدأ، و " إخراجهم " مفعول ما لم يسم فاعله يسد مسد خبر " محرم "، والجملة خبر عن " هو ". وزعم الفراء أن " هو " عماد، وهذا عند البصريين خطأ لا معنى له ؛ لأن العماد لا يكون في أول الكلام. ويقرأ " وهو " بسكون الهاء لثقل الضمة، كما قال الشاعر[(٨)](#foonote-٨) :فهْو لا تنمِي[(٩)](#foonote-٩) رميَّتُه  ماله لا عُدَّ من نَفَرِهوكذلك إن جئت باللام وثم، وقد تقدم[(١٠)](#foonote-١٠). 
قال علماؤنا : كان الله تعالى قد أخذ عليهم أربعة عهود : ترك القتل، وترك الإخراج، وترك المظاهرة، وفداء أساراهم، فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء، فوبخهم الله على ذلك توبيخا يتلى فقال : أفتؤمنون ببعض الكتاب  \[ البقرة : ٨٥ \] وهو التوراة  وتكفرون ببعض  \[ البقرة : ٨٥ \] ! !قلت : ولعمر الله لقد أعرضنا نحن عن الجميع بالفتن فتظاهر بعضنا على بعض ! ليت بالمسلمين، بل بالكافرين ! حتى تركنا إخواننا أذلاء صاغرين يجري عليهم حكم المشركين، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم !. 
قال علماؤنا : فداء الأسارى واجب وإن لم يبق درهم واحد. قال ابن خويز منداد : تضمنت الآية وجوب فك الأسرى، وبذلك وردت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فك الأسارى وأمر بفكهم، وجرى بذلك عمل المسلمين وانعقد به الإجماع. ويجب فك الأسارى من بيت المال، فإن لم يكن فهو فرض على كافة المسلمين، ومن قام به منهم أسقط الفرض عن الباقين. وسيأتي[(١١)](#foonote-١١). 
الخامسة : قوله تعالى : فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا  ابتداء وخبر. والخزي الهوان. قال الجوهري : وخزي - بالكسر - يخزى خزيا إذا ذل وهان. قال ابن السكيت : وقع في بلية. وأخزاه الله، وخزي أيضا يخزى خزاية إذا استحيا، فهو خزيان. وقوم خزايا وامرأة خزيا. 
السادسة : قوله تعالى : ويوم القيامة يردون  " يردون " بالياء قراءة العامة، وقرأ الحسن " تردون " بالتاء على الخطاب.  إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون  تقدم القول فيه[(١٢)](#foonote-١٢)، وكذلك : أولئك الذين اشتروا  الآية[(١٣)](#foonote-١٣) فلا معنى للإعادة. " يوم " منصوب ب " يردون ". 
١ كذا في بعض نسخ الأصل. وفي البعض الآخر: "... أستاه قوم.. الخ" وقد وردت رواية البيت في تفسير الشوكاني هكذا: تظاهرتم من كل أوب ووجهة.. الخ".
٢ راجع ج ١٨ ص ١٨٩.
٣ راجع ج ١٣ ص٦١.
٤ راجع ج ١٨ ص ١٩١..
٥ القتب (بكسر فسكون وبالتحريك أيضا): رحل صغير على قدر البعير..
٦ الحمار: من معانيه أنه خشبة في مقدم الرحل تقبض عليها المرأة. وقيل: العود الذي يحمل عليه الأقتاب. والآسرات: النساء اللواتي يؤكدن بالقد ويوثقنها..
٧ راجع ج ١٩ ص ١٤٩..
٨ هو امرؤ القيس، كما في اللسان وشرح الديوان..
٩ أنميت الصيد فنمى ينمي، وذلك أن ترميه فتصيبه ويذهب عنك فيموت بعدما يغيب..
١٠ يراجع ج ١ ص ٢٦١ طبعة ثانية..
١١ راجع ج ٨ ص ٥٢.
١٢ راجع ج ١ ص ٤٦٦.
١٣ راجع ج ١ ص ٢١٠ طبعة ثانية..

### الآية 2:86

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ [2:86]

قلت: وهذا كله محترم عَلَيْنَا، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِالْفِتَنِ فِينَا، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ! وَفِي التَّنْزِيلِ:" أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ **«١»** " وَسَيَأْتِي. قَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادُ: وَقَدْ يَجُوزُ أن يراد به الظاهر، لا يقتل الإنسانية نفسه، ولا يخرج من داره سفها، كم تَقْتُلُ الْهِنْدُ أَنْفُسَهَا. أَوْ يَقْتُلُ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ مِنْ جَهْدٍ وَبَلَاءٍ يُصِيبُهُ، أَوْ يَهِيمُ فِي الصَّحْرَاءِ وَلَا يَأْوِي الْبُيُوتَ جَهْلًا فِي دِيَانَتِهِ وَسَفَهًا فِي حِلْمِهِ: فَهُوَ عُمُومٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ بَايَعَ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَزَمُوا أَنْ يَلْبَسُوا الْمُسُوحَ، وَأَنْ يَهِيمُوا فِي الصَّحْرَاءِ وَلَا يَأْوُوا الْبُيُوتَ: وَلَا يَأْكُلُوا اللَّحْمَ وَلَا يَغْشَوُا النِّسَاءَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ إِلَى دَارِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: (مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْ عُثْمَانَ)؟ وَكَرِهَتْ أَنْ تُفْشِيَ سِرَّ زَوْجِهَا، وَأَنْ تَكْذِبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كَانَ قَدْ بَلَغَكَ شي فَهُوَ كَمَا بَلَغَكَ، فَقَالَ: (قُولِي لِعُثْمَانَ أَخِلَافٌ لِسُنَّتِي أَمْ عَلَى غَيْرِ مِلَّتِي إِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأَغْشَى النِّسَاءَ وَآوِي الْبُيُوتَ وَآكُلُ اللَّحْمَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) فَرَجَعَ عُثْمَانُ وَأَصْحَابُهُ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ.
 \[سورة البقرة (٢): الآيات ٨٥ الى ٨٦\]
 ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)
 قَوْلُهُ تَعَالَى:" ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ"" أَنْتُمْ" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَلَا يُعْرَبُ، لِأَنَّهُ مُضْمَرٌ. وَضُمَّتِ التَّاءُ مِنْ" أَنْتُمْ" لِأَنَّهَا كَانَتْ مَفْتُوحَةً إِذَا خاطبت واحدا مذكرا، ومكسورة

 (١). راجع ج ٧ ص ٩.

إِذَا خَاطَبْتَ وَاحِدَةً مُؤَنَّثَةً، فَلَمَّا ثُنِّيَتْ أَوْ جُمِعَتْ لَمْ يَبْقَ إِلَّا الضَّمَّةُ." هؤُلاءِ" قَالَ الْقُتَبِيُّ: التَّقْدِيرُ يَا هَؤُلَاءِ. قَالَ النَّحَّاسُ: هَذَا خَطَأٌ عَلَى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ هَذَا أقبل. وقال الزجاج: هؤلاء بمعنى الذين. و" تَقْتُلُونَ" دَاخِلٌ فِي الصِّلَةِ، أَيْ ثُمَّ أَنْتُمُ الَّذِينَ تقتلون. وقيل:" هؤُلاءِ" رفع بالابتداء، و" أَنْتُمْ" خبر مقدم، و" تَقْتُلُونَ" حَالٌ مِنْ أُولَاءِ. وَقِيلَ:" هؤُلاءِ" نُصِبَ بِإِضْمَارِ أَعْنِي. وَقَرَأَ الزُّهْرِيُّ" تُقَتِّلُونَ" بِضَمِّ التَّاءِ مُشَدَّدًا، وَكَذَلِكَ" فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ". وَهَذِهِ الْآيَةُ خِطَابٌ لِلْمُوَاجَهِينَ لَا يَحْتَمِلُ رَدَّهُ إِلَى الْأَسْلَافِ. نَزَلَتْ فِي بَنِي قَيْنُقَاعَ وَقُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ مِنَ الْيَهُودِ، وَكَانَتْ بَنُو قَيْنُقَاعَ أَعْدَاءَ قُرَيْظَةَ، وَكَانَتِ الْأَوْسُ حُلَفَاءَ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَالْخَزْرَجُ حُلَفَاءَ بَنِي قُرَيْظَةَ. وَالنَّضِيرُ وَالْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ إِخْوَانٌ، وَقُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ أَيْضًا إِخْوَانٌ، ثُمَّ افْتَرَقُوا فَكَانُوا يَقْتَتِلُونَ، ثُمَّ يرتفع الحرب فيفدون أساراهم، فَعَيَّرَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ فَقَالَ:" وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ". قوله تعالى:" تَظاهَرُونَ" مَعْنَى" تَظاهَرُونَ" تَتَعَاوَنُونَ، مُشْتَقٌّ مِنَ الظَّهْرِ، لِأَنَّ بَعْضَهُمْ يُقَوِّي بَعْضًا فَيَكُونُ لَهُ كَالظَّهْرِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

تَظَاهَرْتُمْ أَسْتَاهَ بَيْتٍ تَجَمَّعَتْ **«١»**  عَلَى وَاحِدٍ لَا زِلْتُمْ قِرْنَ وَاحِدِ وَالْإِثْمُ: الْفِعْلُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ الذَّمَّ. وَالْعُدْوَانُ: الْإِفْرَاطُ فِي الظُّلْمِ وَالتَّجَاوُزُ فِيهِ. وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَهْلُ مَكَّةَ" تَظَّاهَرُونَ" بِالتَّشْدِيدِ، يُدْغِمُونَ التَّاءَ فِي الظَّاءِ لِقُرْبِهَا مِنْهَا، وَالْأَصْلُ تَتَظَاهَرُونَ. وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ" تَظاهَرُونَ" مُخَفَّفًا، حَذَفُوا التَّاءَ الثَّانِيَةَ لِدَلَالَةِ الْأُولَى عَلَيْهَا، وَكَذَا" وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ **«٢»** ". وَقَرَأَ قَتَادَةُ" تَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ" وَكُلُّهُ رَاجِعٌ إِلَى مَعْنَى التَّعَاوُنِ، وَمِنْهُ:" وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً **«٣»** " وَقَوْلُهُ:" وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ" فَاعْلَمْهُ **«٤»**. قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ" فِيهِ سِتُّ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى " شرط، وجوابه:" تُفادُوهُمْ" و" أُسارى " نُصِبَ عَلَى الْحَالِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَكَانَ أَبُو عَمْرٍو يَقُولُ: مَا صَارَ فِي أَيْدِيهِمْ فهم
 (١). كذا في بعض نسخ الأصل. وفى البعض الأخر:"... أستاه قوم... إلخ". وقد وردت رواية البيت في تفسير الشوكاني هكذا:
 تظاهرتم من كل أوب ووجهة
 ... إلخ
 (٢). راجع ج ١٨ ص ١٨٩.
 (٣). راجع ج ١٣ ص ٦١.
 (٤). راجع ج ١٨ ص ١٩١ [..... ]

الْأُسَارَى، وَمَا جَاءَ مُسْتَأْسَرًا فَهُمُ الْأَسْرَى. وَلَا يَعْرِفُ أَهْلُ اللُّغَةِ مَا قَالَ أَبُو عَمْرٍو، إِنَّمَا هُوَ كَمَا تَقُولُ: سُكَارَى وَسَكْرَى. وَقِرَاءَةُ الْجَمَاعَةِ" أُسارى " مَا عَدَا حَمْزَةَ فَإِنَّهُ قَرَأَ" أَسْرَى" عَلَى فَعْلَى، جَمْعُ أَسِيرٍ بِمَعْنَى مَأْسُورٍ، وَالْبَابُ- فِي تَكْسِيرِهِ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ- فَعْلَى، كَمَا تَقُولُ: قَتِيلٌ وَقَتْلَى، وَجَرِيحٌ وَجَرْحَى. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: وَلَا يَجُوزُ أَسَارَى. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: يُقَالُ أَسَارَى كَمَا يُقَالُ سَكَارَى، وَفُعَالَى هُوَ الْأَصْلُ، وَفَعَالَى دَاخِلَةٌ عَلَيْهَا. وَحُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: يُقَالُ أَسِيرٌ وَأُسَرَاءُ، كَظَرِيفٍ وَظُرَفَاءَ. قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: يُقَالُ فِي جَمْعِ أسير أسرى وأسارى، وقرى بِهِمَا. وَقِيلَ: أَسَارَى (بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ) وَلَيْسَتْ بِالْعَالِيَةِ. الثَّانِيَةُ- الْأَسِيرُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْإِسَارِ، وَهُوَ الْقِدُّ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الْمَحْمَلُ فَسُمِّيَ أَسِيرًا، لِأَنَّهُ يُشَدُّ وَثَاقُهُ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ أَسَرَ قَتَبَهُ **«١»**، أَيْ شَدَّهُ، ثُمَّ سُمِّيَ كُلُّ أَخِيذٍ أَسِيرًا وَإِنْ لَمْ يُؤْسَرْ، وَقَالَ الْأَعْشَى:

وَقَيَّدَنِي الشِّعْرُ فِي بَيْتِهِ  كَمَا قَيَّدَ الْآسِرَاتُ الْحِمَارَا **«٢»** أَيْ أنا في بيته، يريد ذلك بُلُوغَهُ النِّهَايَةَ فِيهِ. فَأَمَّا الْأَسْرُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ:" وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ **«٣»** " فَهُوَ الْخَلْقُ. وَأُسْرَةُ الرجل رهطه، لأنه يتقوى بهم. الثالثة- قوله تعالى:" تُفادُوهُمْ" كَذَا قَرَأَ نَافِعٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ. وَالْبَاقُونَ" تَفْدُوهُمْ" مِنَ الْفِدَاءِ. وَالْفِدَاءُ: طَلَبُ الْفِدْيَةِ فِي الْأَسِيرِ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ:" الْفِدَاءُ إِذَا كُسِرَ أَوَّلُهُ يُمَدُّ وَيُقْصَرُ، وَإِذَا فُتِحَ فَهُوَ مَقْصُورٌ، يُقَالُ: قُمْ فَدًى لَكَ أَبِي. وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَكْسِرُ" فِدَاءً" بِالتَّنْوِينِ إِذَا جَاوَرَ لَامَ الْجَرِّ خَاصَّةً، فَيَقُولُ: فِدَاءً لَكَ، لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ يُرِيدُونَ بِهِ مَعْنَى الدُّعَاءِ. وَأَنْشَدَ الْأَصْمَعِيُّ لِلنَّابِغَةِ:مَهْلًا فِدَاءً لَكَ الْأَقْوَامُ كُلُّهُمْ  وَمَا أُثَمِّرُ مِنْ مَالٍ وَمِنْ وَلَدِ وَيُقَالُ: فَدَاهُ وَفَادَاهُ إِذَا أَعْطَى فِدَاءَهُ فَأَنْقَذَهُ. وَفَدَاهُ بِنَفْسِهِ، وَفَدَاهُ يَفْدِيهِ إِذَا قَالَ جُعِلْتُ فِدَاكَ. وَتَفَادَوْا، أَيْ فَدَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا". وَالْفِدْيَةُ وَالْفِدَى والفداء كله بمعنى واحد.
 (١). القتب (بكسر فسكون وبالتحريك أيضا): رحل صغير على قدر سنام البعير.
 (٢). الحمار: من معانيه أنه خشبة في مقدم الرحل تقبض؟ المرأة. وقيل: العود الذي يحمل عليه الأقتاب. والاسرات: النساء اللواتي يؤكدون الرحال بالقد ويوثقنها.
 (٣). راجع ج ١٩ ص ١٤٩

وَفَادَيْتُ نَفْسِي إِذَا أَطْلَقْتَهَا بَعْدَ أَنْ دَفَعْتَ شَيْئًا، بِمَعْنَى فَدَيْتُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَبَّاسِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَادَيْتُ نَفْسِي وَفَادَيْتُ عَقِيلًا. وَهُمَا فِعْلَانِ يَتَعَدَّيَانِ إِلَى مَفْعُولَيْنِ الثَّانِي مِنْهُمَا بِحَرْفِ الْجَرِّ، تَقُولُ: فَدَيْتُ نَفْسِي بِمَالِي وَفَادَيْتُهُ بِمَالِي، قَالَ الشَّاعِرُ:

قِفِي فَادِي أَسِيرَكِ إِنَّ قَوْمِي  وَقَوْمَكِ مَا أَرَى لَهُمُ اجْتِمَاعَا الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى:" وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ"" هُوَ" مبتدأ وهو كناية عن الإخراج، و" مُحَرَّمٌ" خبره، و" إِخْراجُهُمْ" بَدَلٌ مِنْ" هُوَ" وَإِنْ شِئْتَ كَانَ كِنَايَةً عَنِ الْحَدِيثِ وَالْقِصَّةِ، وَالْجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَهُ خَبَرُهُ، أي والامر محرم عليكم إخراجهم. ف" إِخْراجُهُمْ" مبتدأ ثان. و" مُحَرَّمٌ" خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنْ" هُوَ"، وَفِي" مُحَرَّمٌ" ضَمِيرُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ يَعُودُ عَلَى الإخراج. ويجوز أن يكون" مُحَرَّمٌ" مبتدأ، و" إِخْراجُهُمْ" مَفْعُولَ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ يَسُدُّ مَسَدَّ خَبَرِ" مُحَرَّمٌ"، وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنْ" هُوَ". وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ" هُوَ" عِمَادٌ، وَهَذَا عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ خَطَأٌ لَا مَعْنًى لَهُ، لِأَنَّ الْعِمَادَ لَا يَكُونُ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ. وَيُقْرَأُ" وَهْوَ" بِسُكُونِ الْهَاءِ لِثِقَلِ الضَّمَّةِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ **«١»**:فَهْوَ لا تنمى **«٢»** رميته  ما له لَا عُدَّ مِنْ نَفَرِهِ وَكَذَلِكَ إِنْ جِئْتَ بِاللَّامِ وَثُمَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ **«٣»**. قَالَ عُلَمَاؤُنَا: كَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَخَذَ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَةَ عُهُودٍ: تَرْكُ الْقَتْلِ، وَتَرْكُ الْإِخْرَاجِ، وَتَرْكُ الْمُظَاهَرَةِ، وَفِدَاءُ أُسَارَاهُمْ، فَأَعْرَضُوا عَنْ كُلِّ مَا أُمِرُوا بِهِ إِلَّا الْفِدَاءَ، فَوَبَّخَهُمُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ تَوْبِيخًا يُتْلَى فَقَالَ:" أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ" وَهُوَ التَّوْرَاةُ" وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ"!! قُلْتُ: وَلَعَمْرُ اللَّهِ لَقَدْ أَعْرَضْنَا نَحْنُ عَنِ الْجَمِيعِ بِالْفِتَنِ فَتَظَاهَرَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ! لَيْتَ بِالْمُسْلِمِينَ، بَلْ بِالْكَافِرِينَ! حَتَّى تَرَكْنَا إِخْوَانَنَا أَذِلَّاءَ صَاغِرِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ الْمُشْرِكِينَ، فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ!. قَالَ عُلَمَاؤُنَا: فِدَاءُ الْأُسَارَى وَاجِبٌ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ. قَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادُ: تَضَمَّنَتِ الْآيَةُ وُجُوبَ فَكِّ الْأَسْرَى، وَبِذَلِكَ وَرَدَتِ الْآثَارُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ
 (١). هو امرؤ القيس، كما في اللسان وشرح الديوان.
 (٢). أنميت الصيد فنمى يمنى، وذلك أن ترميه فتصيبه ويذهب عنك فيموت بعد ما يغيب.
 (٣). يراجع ج ١ ص ٢٦١ طبعه ثانية.

### الآية 2:87

> ﻿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ۖ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ [2:87]

قوله تعالى : ولقد آتينا موسى الكتاب  يعني التوراة. قوله تعالى :" وقفينا من بعده بالرسل " أي اتبعنا والتقفية : الإتباع والإرداف، مأخوذ من اتباع القفا وهو مؤخر العنق. تقول استقفيته إذا جئت من خلفه، ومنه سميت قافية الشعر، لأنها تتلو سائر الكلام. والقافية : القفا، ومنه الحديث :" يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ". والقفي والقفاوة : ما يدخر من اللبن وغيره لمن تريد إكرامه. وقفوت الرجل : قذفته بفجور. وفلان قفوتي أي تهمتي. وقفوتي أي خيرتي. قال ابن دريد : كأنه من الأضداد. قال العلماء : وهذه الآية مثل قوله تعالى : ثم أرسلنا رسلنا تترى[(١)](#foonote-١)  \[ المؤمنون : ٤٤ \]. وكل رسول جاء بعد موسى فإنما جاء بإثبات التوراة والأمر بلزومها إلى عيسى عليه السلام. ويقال : رسل ورسل لغتان، الأولى لغة الحجاز، والثانية لغة تميم، وسواء كان مضافا أو غير مضاف. وكان أبو عمرو يخفف إذا أضاف إلى حرفين، ويثقل إذا أضاف إلى حرف واحد. 
قوله تعالى : وآتينا عيسى ابن مريم البينات  أي الحجج والدلالات، وهي التي ذكرها الله في " آل عمران " و " المائدة[(٢)](#foonote-٢) "، قاله ابن عباس. قوله تعالى : وأيدناه  أي قويناه. وقرأ مجاهد وابن محيصن " آيدناه " بالمد، وهما لغتان. قوله تعالى : بروح القدس  روى أبو مالك وأبو صالح عن ابن عباس ومعمر عن قتادة قالا : جبريل عليه السلام. وقال حسان :

وجبريل رسول الله فينا  وروح القدس ليس به خفاءقال النحاس : وسمي جبريل روحا وأضيف إلى القدس ؛ لأنه كان بتكوين الله عز وجل له روحا من غير ولادة والد ولده، وكذلك سمي عيسى روحا لهذا. وروى غالب بن عبدالله عن مجاهد قال : القدس هو الله عز وجل. وكذا قال الحسن : القدس هو الله، وروحه جبريل. وروى أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس : بروح القدس  قال : هو الاسم الذي كان يحيي به عيسى الموتى، وقاله سعيد بن جبير وعبيد بن عمير، وهو اسم الله الأعظم. وقيل : المراد الإنجيل، سماه روحا كما سمى الله القرآن روحا في قوله تعالى : وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا[(٣)](#foonote-٣)  \[ الشورى : ٥٢ \]. والأول أظهر، والله تعالى أعلم. والقدس : الطهارة. وقد تقدم[(٤)](#foonote-٤). 
قوله تعالى : أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم  أي بما لا يوافقها ويلائمها، وحذفت الهاء لطول الاسم، أي بما لا تهواه. 
قوله تعالى : استكبرتم  عن إجابته احتقارا للرسل، واستبعادا للرسالة. وأصل الهوى الميل إلى الشيء، ويجمع أهواء، كما جاء في التنزيل، ولا يجمع أهوية، على أنهم قد قالوا في ندى أندية، 
قال الشاعر :في ليلة من جمادى ذاتِ أندية  لا يبصر الكلب في ظلمائها الطُّنُبَا[(٥)](#foonote-٥)قال الجوهري : وهو شاذ، وسمي الهوى لأنه يهوي بصاحبه إلى النار، ولذلك لا يستعمل في الغالب إلا فيما ليس بحق وفيما لا خير فيه، وهذه الآية من ذلك. وقد يستعمل في الحق، ومنه قول عمر رضي الله عنه في أسارى بدر : فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت. وقالت عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم في صحيح الحديث : والله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. أخرجهما مسلم. 
قوله تعالى : ففريقا كذبتم ،  ففريقا  منصوب ب  كذبتم ، وكذا  وفريقا تقتلون  فكان ممن كذبوه عيسى ومحمد عليهما السلام، وممن قتلوه يحيى وزكريا عليهما السلام، على ما يأتي بيانه في " سبحان[(٦)](#foonote-٦) " \[ الإسراء \] إن شاء الله تعالى. 
١ راجع ج ١٢ ص ١٢٥.
٢ راجع ج ٤ ص ٩٣، ج ٦ ص ٣٦٢.
٣ راجع ج ١٦ ص ٥٤.
٤ مراجع ج ١ ص ٢٧٧ طبعة ثانية..
٥ الطنب (بضم الطاء وسكون النون وضمها): حبل الخباء والسرادق وغيرهما..
٦ راجع ج ١٠ ص ٢١٨.

### الآية 2:88

> ﻿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ [2:88]

قوله تعالى : وقالوا  يعني اليهود. قوله تعالى : قلوبنا غلف  بسكون اللام جمع أغلف، أي عليها أغطية. وهو مثل قوله : قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه[(١)](#foonote-١)  \[ فصلت : ٥ \] أي في أوعية. قال مجاهد : غلف  عليها غشاوة. وقال عكرمة : عليها طابع. وحكى أهل اللغة : غلفت السيف جعلت له غلافا، فقلب أغلف، أي مستور عن الفهم والتمييز. وقرأ ابن عباس والأعرج وابن محيصن " غلف " بضم اللام. قال ابن عباس : أي قلوبنا ممتلئة علما لا تحتاج إلى علم محمد صلى الله عليه وسلم ولا غيره. وقيل : هو جميع غلاف. مثل خمار وخمر، أي قلوبنا أوعية للعلم فما بالها لا تفهم عنك وقد وعينا علما كثيرا ! وقيل : المعنى : فكيف يعزب عنها علم محمد صلى الله عليه وسلم. 
فرد الله تعالى عليهم بقوله : بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون  بين أن السبب في نفورهم عن الإيمان إنما هو أنهم لعنوا بما تقدم من كفرهم واجترائهم، وهذا هو الجزاء على الذنب بأعظم منه. وأصل اللعن في كلام العرب الطرد والإبعاد. ويقال للذئب : لعين. وللرجل الطريد : لعين، وقال الشماخ :

ذَعَرتُ به القَطَا ونَفَيْتُ عنه  مقامَ الذِّئب كالرجل اللعينووجه الكلام : مقام الذئب اللعين كالرجل، فالمعنى أبعدهم الله من رحمته. وقيل : من توفيقه وهدايته. وقيل : من كل خير، وهذا عام.  فقليلا  نعت لمصدر محذوف، تقديره فإيمانا قليلا ما يؤمنون. وقال معمر : المعنى لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم ويكفرون بأكثره، ويكون " قليلا " منصوب بنزع حرف الصفة. و " ما " صلة، أي فقليلا يؤمنون. وقال الواقدي : معناه لا يؤمنون قليلا ولا كثيرا، كما تقول : ما أقل ما يفعل كذا، أي لا يفعله البتة. وقال الكسائي : تقول العرب مررنا بأرض قل ما تنبت الكراث والبصل، أي لا تنبت شيئا. 
١ راجع ج ١٥ ص ٣٣٩..

### الآية 2:89

> ﻿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ [2:89]

قوله تعالى : ولما جاءهم  يعني اليهود. قوله تعالى : كتاب من عند الله  يعني القرآن. قوله تعالى : مصدق  نعت لكتاب، ويجوز في غير القرآن نصبه على الحال، وكذلك هو في مصحف أبي بالنصب فيما روي. قوله تعالى :" لما معهم " يعني التوراة والإنجيل يخبرهم بما فيهما. 
قوله تعالى : وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا  أي يستنصرون. والاستفتاح الاستنصار. استفتحت : استنصرت. وفي الحديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح بصعاليك المهاجرين، أي يستنصر بدعائهم وصلاتهم[(١)](#foonote-١). ومنه  فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده[(٢)](#foonote-٢)  \[ المائدة : ٥٢ \]. والنصر : فتح شيء مغلق، فهو يرجع إلى قولهم فتحت الباب. وروى النسائي عن أبي سعيد الخدري[(٣)](#foonote-٣) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إنما نصر[(٤)](#foonote-٤) الله هذه الأمة بضعفائها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم ". وروى النسائي أيضا عن أبي الدرداء قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" أبغوني الضعيف فإنكم إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم ". قال ابن عباس : كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فلما التقوا هزمت يهود، فعادت[(٥)](#foonote-٥) يهود بهذا الدعاء وقالوا : إنا نسألك بحق النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلا تنصرنا عليهم. قال : فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كفروا، فأنزل الله تعالى : وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا  أي بك يا محمد، إلى قوله : فلعنة الله على الكافرين . 
قوله تعالى : فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ،  ولما جاءهم  جواب " لما " الفاء وما بعدها في قوله : فلما جاءهم ما عرفوا  في قول الفراء، وجواب " لما " الثانية " كفروا ". وقال الأخفش سعيد : جواب " لما " محذوف لعلم السامع، وقاله الزجاج. وقال المبرد : جواب " لما " في قوله :" كفروا "، وأعيدت " لما " الثانية لطول الكلام. ويفيد ذلك تقرير الذنب وتأكيدا له.

١ الذي في نهاية ابن الأثير واللسان مادة فتح: "أي يستنصر بهم"..
٢ راجع ج ٦ ص ٢١٧..
٣ يلاحظ أن راوي هذا الحديث هو سعد بن أبي وقاص، ففي سنن النسائي (ج ١ ص ٦٥ طبع المطبعة الميمنية) باب الاستنصار بالضعيف: أخبرنا محمد بن إدريس... عن مصعب بن سعد عن أبيه أنه ظن..." الخ..
٤ الذي في سنن النسائي: "إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها"..
٥ في ب: "فعاذت" بالذال المعجمة..

### الآية 2:90

> ﻿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ ۚ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ [2:90]

قوله تعالى : بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله  بئس في كلام العرب مستوفية للذم، كما أن " نعم " مستوفية للمدح. وفي كل واحدة منها أربع لغات : بِئْس بَئْس بَئِس بِئِس. نِعْم نَعْم نَعِم نِعِم. ومذهب سيبويه أن " ما " فاعلة بئس، ولا تدخل إلا على أسماء الأجناس والنكرات. وكذا نِعم، فتقول نعم الرجل زيد، ونعم رجلا زيد، فإذا كان معها اسم بغير ألف ولام فهو نصب أبدا، فإذا كان فيه ألف ولام فهو رفع أبدا، ونصب رجل على التمييز. وفي نعم مضمر على شريطة التفسير، وزيد مرفوع على وجهين : على خبر ابتداء محذوف، كأنه قيل من الممدوح ؟ قلت هو زيد، والآخر على الابتداء وما قبله خبره. وأجاز أبو علي أن تليها " ما " موصولة وغير موصولة من حيث كانت مبهمة تقع على الكثرة ولا تخص واحدا بعينه، والتقدير عند سيبويه : بئس الشيء اشتروا به أنفسهم أن يكفروا. ف " أن يكفروا " في موضع رفع بالابتداء وخبره فيما قبله، كقولك : بئس الرجل زيد، و " ما " على هذا القول موصولة. وقال الأخفش :" ما " في موضع نصب على التمييز، كقولك : بئس رجلا زيد، فالتقدير بئس شيئا أن يكفروا. ف " اشتروا به أنفسهم " على هذا القول صفة " ما ". وقال الفراء :" بئسما " بجملته شيء واحد ركب كحبذا. وفي هذا القول اعتراض ؛ لأنه يبقى فعل بلا فاعل. وقال الكسائي :" ما " و " اشتروا " بمنزلة اسم واحد قائم بنفسه، والتقدير بئس اشتراؤهم أن يكفروا. وهذا مردود، فإن نعم وبئس لا يدخلان على اسم معين معرف، والشراء قد تعرف بإضافته إلى الضمير. قال النحاس : وأبين هذه الأقوال قول الأخفش وسيبويه. قال الفراء والكسائي :" أن يكفروا " إن شئت كانت " أن " في موضع خفض ردا على الهاء في به. قال الفراء : أي اشتروا أنفسهم بأن يكفروا بما أنزل الله. فاشترى بمعنى باع وبمعنى ابتاع، والمعنى : بئس الشيء الذي اختاروا لأنفسهم حيث استبدلوا الباطل بالحق، والكفر بالإيمان. 
قوله تعالى : بغيا  معناه : حسدا، قاله قتادة والسدي، وهو مفعول من أجله، وهو على الحقيقة مصدر. الأصمعي : وهو مأخوذ من قولهم : قد بغى الجرح إذا فسد. وقيل : أصله الطلب ؛ ولذلك سميت الزانية بغيا. قوله تعالى : أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده  في موضع نصب، أي لأن ينزل، أي لأجل إنزال الله الفضل على نبيه صلى الله عليه وسلم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وابن محيصن " أن ينزل " مخففا، وكذلك سائر ما في القرآن، إلا " وما ننزله " \[ الحجر[(١)](#foonote-١) : ٢١ \]، وفي " الأنعام "  على أن ينزل آية[(٢)](#foonote-٢) . \[ الأنعام : ٣٧ \]. 
قوله تعالى : فباؤوا  أي رجعوا، وأكثر ما يقال في الشر، وقد تقدم[(٣)](#foonote-٣). قوله تعالى : بغضب على غضب  تقدم معنى غضب الله عليهم[(٤)](#foonote-٤)، وهو عقابه، فقيل : الغضب الأول لعبادتهم العجل، والثاني لكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس. وقال عكرمة : لأنهم كفروا بعيسى ثم كفروا بمحمد، يعني اليهود. وروى سعيد عن قتادة : الأول لكفرهم بالإنجيل، والثاني لكفرهم بالقرآن. وقال قوم : المراد التأبيد وشدة الحال عليهم، لا أنه أراد غضبين معللين بمعصيتين. قوله تعالى : وللكافرين عذاب مهين  مأخوذ من الهوان، وهو ما اقتضى الخلود في النار دائما بخلاف خلود العصاة من المسلمين، فإن ذلك تمحيص لهم وتطهير، كرجم الزاني وقطع يد السارق، على ما يأتي بيانه في سورة " النساء[(٥)](#foonote-٥) " من حديث أبي سعيد الخدري إن شاء الله تعالى.

١ راجع ج ١٠ ث ١٤.
٢ راجع ج ٦ ص ٤١٨.
٣ راجع ص ٤٣٠.
٤ راجع ج ١ ص ٥١٤٩ طبعة ثانية..
٥ راجع ج ٥ ص ٨٧- ويأتي أيضا في المائدة والنور، راجع ج ٦ ص ١٥٩، ج ١٦ ص ١٥٩.

### الآية 2:91

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ ۗ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [2:91]

قوله تعالى : وإذا قيل لهم آمنوا  أي صدقوا.  بما أنزل الله  يعني القرآن.  قالوا نؤمن  أي نصدق.  بما أنزل علينا  يعني التوراة.  ويكفرون بما وراءه  أي بما سواه، عن الفراء. وقتادة : بما بعده، وهو قول أبي عبيدة، والمعنى واحد. قال الجوهري : وراء بمعنى خلف، وقد تكون بمعنى قدام. وهي من الأضداد، قال الله تعالى : وكان وراءهم ملك[(١)](#foonote-١)  أي أمامهم، وتصغيرها وريئه ( بالهاء ) وهي شاذة. وانتصب " وراءه " على الظرف. قال الأخفش : يقال لقيته من وراء، فترفعه على الغاية إذا كان غير مضاف تجعله اسما وهو غير متمكن، كقولك : من قبل ومن بعد، وأنشد :

 إذا أنا لم أُومَنْ عليك ولم يكن  لقاؤك إلا من وراءُ وراءُ[(٢)](#foonote-٢)قلت : ومنه قول إبراهيم عليه السلام في حديث الشفاعة :" إنما[(٣)](#foonote-٣) كنت خليلا من وراء وراء ". والوراء : ولد الولد أيضا. 
قوله تعالى : وهو الحق  ابتداء وخبر.  مصدقا  حال مؤكدة عند سيبويه.  لما معهم  ما في موضع خفض باللام، و " معهم " صلتها، 
و " معهم " نصب بالاستقرار، ومن أسكن جعله حرفا. 
قوله تعالى : قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل  رد من الله تعالى عليهم في قولهم إنهم آمنوا بما أنزل عليهم، وتكذيب منه لهم وتوبيخ، المعنى : فكيف قتلتم وقد نهيتم عن ذلك ! فالخطاب لمن حضر محمدا صلى الله عليه وسلم والمراد أسلافهم. وإنما توجه الخطاب لأبنائهم ؛ لأنهم كانوا يتولون أولئك الذين قتلوا، كما قال : ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء[(٤)](#foonote-٤)  \[ المائدة : ٨١ \] فإذا تولوهم فهم بمنزلتهم. وقيل : لأنهم رضوا فعلهم فنسب ذلك إليهم. وجاء  تقتلون  بلفظ الاستقبال وهو بمعنى المضي لما ارتفع الإشكال بقوله : من قبل . وإذا لم يشكل فجائز أن يأتي الماضي بمعنى المستقبل، والمستقبل بمعنى الماضي، 
قال الحطيئة : شهد الحطيئةُ يوم يلقى ربه  أن الوليدَ أحقُّ بالعذرشهد بمعنى يشهد. 
قوله تعالى : إن كنتم مؤمنين  أي إن كنتم معتقدين الإيمان فلم رضيتم بقتل الأنبياء ! وقيل :" إن " بمعنى ما، وأصل " لم " لما، حذفت الألف فرقا بين الاستفهام والخبر، ولا ينبغي أن يوقف عليه ؛ لأنه إن وقف عليه بلا هاء كان لحنا، وإن وقف عليه بالهاء زيد في السواد. 
١ راجع ج ١١ ص ٣٤.
٢ البيت لعتي بن مالك العقيلي. (عن اللسان)..
٣ الذي في النهاية واللسان مادة (وري): "إني كنت... الخ، وفيهما، هكذا يروي مبنيا على الفتح؛ أي: من خلف حجاب"..
٤ راجع ج ٦ ص ٢٥٤.

### الآية 2:92

> ﻿۞ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ [2:92]

قوله تعالى : ولقد جاءكم موسى بالبينات  اللام لام القسم. والبينات قوله تعالى : ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات[(١)](#foonote-١)  \[ الإسراء : ١٠١ \] وهي العصا، والسنون، واليد، والدم، والطوفان، والجراد والقمل، والضفادع، وفلق البحر. وقيل : البينات التوراة، وما فيها من الدلالات. 
قوله تعالى : ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون  توبيخ، و " ثم " أبلغ من الواو في التقريع، أي بعد النظر في الآيات والإتيان بها اتخذتم. وهذا يدل على أنهم إنما فعلوا ذلك بعد مهلة من النظر في الآية، وذلك أعظم لجرمهم.

١ راجع ج ١٠ ص ٣٣٥.

### الآية 2:93

> ﻿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ۖ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [2:93]

قوله تعالى : وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا  تقدم[(١)](#foonote-١) الكلام في هذا. ومعنى  واسمعوا  أطيعوا، وليس معناه الأمر بإدراك القول فقط، وإنما المراد اعملوا بما سمعتم والتزموه، ومنه قولهم : سمع الله لمن حمده، أي قبل وأجاب. 
قال :

 دعوت الله حتى خفتُ ألا  يكون الله يسمع ما أقولأي يقبل، وقال الراجز :والسمع والطاعة والتسليم  خير وأعفى لبني تميم قالوا سمعنا وعصينا  اختلف هل صدر منهم هذا اللفظ حقيقة باللسان نطقا، أو يكونوا فعلوا فعلا قام مقام القول فيكون مجازا، كما قال :امتلأ الحوض وقال قطني  مهلاً رويداً قد ملأت بطنيوهذا احتجاج عليهم في قولهم : نؤمن بما أنزل علينا . 
قوله تعالى : وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم  أي حب العجل والمعنى : جعلت قلوبهم تشربه، وهذا تشبيه ومجاز عبارة عن تمكن أمر العجل في قلوبهم. وفي الحديث :" تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء. . . " الحديث، خرجه مسلم. يقال أشرب قلبه حب كذا، 
قال زهير :فصحوتُ عنها بعد حُبٍّ داخل  والحب تُشْرِبُه فؤادك داءوإنما عبر عن حب العجل بالشرب دون الأكل ؛ لأن شرب الماء يتغلغل في الأعضاء حتى يصل إلى باطنها، والطعام مجاور لها غير متغلغل فيها. وقد زاد على هذا المعنى أحد التابعين فقال في زوجته عثمة، وكان عتب عليها في بعض الأمر فطلقها وكان محبا لها :تغلغل حب عَثْمَة في فؤادي  فباديه مع الخافي يسيرتغلغل حيث لم يبلغ شراب  ولا حزن ولم يبلغ سرورأكاد إذا ذكرت العهد منها  أطير لو أن إنسانا يطيروقال السدي وابن جريج : إن موسى عليه السلام برد العجل وذراه في الماء، وقال لبني إسرائيل : اشربوا من ذلك الماء، فشرب جميعهم، فمن كان يحب العجل خرجت برادة الذهب على شفتيه. وروي أنه ما شربه أحد إلا جن، حكاه القشيري. 
قلت : أما تذريته في البحر فقد دل عليه قوله تعالى : ثم لننسفنه في اليم نسفا[(٢)](#foonote-٢)  \[ طه : ٩٧ \]، وأما شرب الماء وظهور البرادة على الشفاه فيرده قوله تعالى : واشربوا في قلوبهم العجل  والله تعالى أعلم. 
قوله تعالى : قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين  وقد تقدم ذكره.  إيمانكم  أي إيمانكم الذي زعمتم في قولكم : نؤمن بما أنزل علينا. وقيل : إن هذا الكلام خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أمر أن يوبخهم، أي قل لهم يا محمد : بئس هذه الأشياء التي فعلتم وأمركم بها إيمانكم. وقد مضى الكلام في " بئسما " والحمد[(٣)](#foonote-٣) لله وحده. 
١ راجع ج ١ ص ٤٣٦ وما بعدها، طبعة ثانية..
٢ راجع ج ١١ ص ٢٤٣.
٣ راجع ص ٢٧ من هذا الجزء..

### الآية 2:94

> ﻿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [2:94]

قوله تعالى : قل إن كانت لكم الدار الآخرة  لما ادعت اليهود دعاوى باطلة حكاها الله عز وجل عنهم في كتابه، كقوله تعالى : لن تمسنا النار إلا أياما معدودة  \[ البقرة : ٨٠ \]، وقوله : وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى  \[ البقرة : ١١١ \]، وقالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه[(١)](#foonote-١)  \[ المائدة : ١٨ \] أكذبهم الله عز وجل وألزمهم الحجة فقال قل لهم يا محمد : إن كان لكم الدار الآخرة  يعني الجنة 
 فتمنوا الموت إن كنتم صادقين . 
قوله تعالى : عند الله خالصة من دون الناس  نصب على خبر كان، وإن شئت كان حالا، ويكون  عند الله  في موضع الخبر.  فتمنوا الموت إن كنتم صادقين  في أقوالكم، لأن من اعتقد أنه من أهل الجنة كان الموت أحب إليه من الحياة في الدنيا، لما يصير إليه من نعيم الجنة، ويزول عنه من أذى الدنيا، فأحجموا عن تمني ذلك فرقا من الله لقبح أعمالهم ومعرفتهم بكفرهم في قولهم : نحن أبناء الله وأحبائه  \[ المائدة : ١٨ \]، وحرصهم على الدنيا تحقيقا لكذبهم. وأيضا لو تمنوا الموت لماتوا، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقامهم[(٢)](#foonote-٢) من النار ". وقيل : إن الله صرفهم عن إظهار التمني، وقصرهم على الإمساك ليجعل ذلك آية لنبيه صلى الله عليه وسلم، فهذه ثلاثة أوجه في تركهم التمني. وحكى عكرمة عن ابن عباس في قوله : فتمنوا الموت  أن المراد ادعوا بالموت على أكذب الفريقين منا ومنكم، فما دعوا لعلمهم بكذبهم.

١ راجع ج ٦ ص ١٢٠..
٢ في بعض نسخ الأصل: "مقاعدهم"..

### الآية 2:95

> ﻿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [2:95]

فإن قيل : فالتمني يكون باللسان تارة وبالقلب أخرى، فمن أين علم أنهم لم يتمنوه بقلوبهم ؟ قيل له : نطق القرآن بذلك بقول  ولن يتمنوه أبدا  ولو تمنوه بقلوبهم لأظهروه بألسنتهم ردا على النبي صلى الله عليه، سلم وإبطالا لحجته، وهذا بين. 
قوله تعالى : خالصة  نصب على خبر كان، وإن شئت كان حالا، ويكون  عند الله  في موضع الخبر،  أبداج ظرف زمان يقع على القليل والكثير، كالحين والوقت، وهو هنا من أول العمر إلى الموت. و " ما " في قوله " بما " بمعنى الذي والعائد محذوف، والتقدير قدمته، وتكون مصدرية ولا تحتاج إلى عائد. و{ أيديهم  في موضع رفع، حذفت الضمة من الياء لثقلها مع الكسرة، وإن كانت في موضع نصب حركتها ؛ لأن النصب خفيف، ويجوز إسكانها في الشعر.  والله عليم بالظالمين  ابتداء وخبر.

### الآية 2:96

> ﻿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [2:96]

قوله تعالى : ولتجدنهم أحرص الناس على حياة  يعني اليهود.  ومن الذين أشركوا  قيل : المعنى وأحرص، فحذف  من الذين أشركوا  لمعرفتهم بذنوبهم وألا خير لهم عند الله، ومشركو العرب لا يعرفون إلا هذه الحياة ولا علم لهم من الآخرة، ألا ترى قول شاعرهم :

تمتع من الدنيا فإنك فانٍ  من النَّشَوات والنساء الحسان[(١)](#foonote-١)والضمير في  أحدهم  يعود في هذا القول على اليهود. وقيل : إن الكلام تم في  حياة  ثم استؤنف الإخبار عن طائفة من المشركين. قيل : هم المجوس، وذلك بين في أدعياتهم للعاطس بلغاتهم بما معناه " عش ألف سنة ". وخص الألف بالذكر لأنها نهاية العقد في الحساب. وذهب الحسن إلى أن  الذين أشركوا  مشركو العرب، خصوا بذلك لأنهم لا يؤمنون بالبعث، فهم يتمنون طول العمر. وأصل سنة سنهة. وقيل : سنوة. وقيل : في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى ولتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص الناس على حياة. 
قوله تعالى : يود أحدهم لو يعمر ألف سنة  أصل " يود " يودد، أدغمت لئلا يجمع بين حرفين من جنس واحد متحركين، وقلبت حركة الدال على الواو، ليدل ذلك على أنه يفعل. وحكى الكسائي : وددت، فيجوز على هذا يود بكسر الواو. ومعنى يود : يتمنى. 
قوله تعالى : وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر  اختلف النحاة في هو، فقيل : هو ضمير الأحد المتقدم، التقدير ما أحدهم بمزحزحه، وخبر الابتداء في المجرور.  أن يعمر  فاعل بمزحزح وقالت فرقة : هو ضمير التعمير، والتقدير وما التعمير بمزحزحه، والخبر في المجرور،  أن يعمر  بدل من التعمير على هذا القول. وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت :" هو " عماد. 
قلت : وفيه بعد، فإن حق العماد أن يكون بين شيئين متلازمين، مثل قوله : إن كان هذا هو الحق[(٢)](#foonote-٢)  \[ الأنفال : ٣٢ \]، وقوله : ولكن كانوا هم الظالمين[(٣)](#foonote-٣)  \[ الزخرف : ٧٦ \] ونحو ذلك. وقيل :" ما " عاملة حجازية، و " هو " اسمها، والخبر في " بمزحزحه ". وقالت طائفة :" هو " ضمير الأمر والشأن. ابن عطية : وفيه بعد، فإن المحفوظ عن النحاة أن يفسر بجملة سالمة من حرف جر. وقوله :" بمزحزحه " الزحزحة : الإبعاد والتنحية، يقال : زحزحته أي باعدته فتزحزح أي تنحى وتباعد، يكون لازما ومتعديا قال الشاعر في المتعدي :يا قابض الروح من نفس إذا احْتُضِرت  وغافر الذنب زحزحني عن الناروأنشده ذو الرمة : يا قابض الروح عن جسم عصى زمنا  وغافرَ الذنب زحزحني عن الناروقال آخر في اللازم : خليلي ما بال الدجى لا يتزحزح  وما بال ضوء الصبح لا يتوضَّحوروى النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" من صام يوما في سبيل الله زحزح الله وجهه عن النار سبعين خريفا ". . 
قوله تعالى : والله بصير بما يعملون  أي بما يعمل هؤلاء الذين يود أحدهم أن يعمر ألف سنة. ومن قرأ بالتاء فالتقدير عنده. قل لهم يا محمد الله بصير بما تعملون. وقال العلماء : وصف الله عز وجل نفسه بأنه بصير على معنى أنه عالم بخفيات الأمور. والبصير في كلام العرب : العالم بالشيء الخبير به، ومنه قولهم : فلان بصير بالطب، وبصير بالفقه، وبصير بملاقاة الرجال، 
قال : فإن تسألوني بالنساء فإنني  بصير بأدواء النساء طبيبقال الخطابي : البصير العالم، والبصير المبصر. وقيل : وصف تعالى نفسه بأنه بصير على معنى جاعل الأشياء المبصرة ذوات إبصار، أي مدركة للمبصرات بما خلق لها من الآلة المدركة والقوة، فالله بصير بعباده، أي جاعل عباده مبصرين. 
١ البيت لامرئ القيس: والنشوات (جمع نشوة): السكر..
٢ راجع ج ٧ ص ٣٩٨.
٣ راجع ج ١٦ ص ١١٥.

### الآية 2:97

> ﻿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ [2:97]

قوله تعالى : قل من كان عدوا لجبريل  سبب نزولها أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : إنه ليس نبي من الأنبياء إلا يأتيه ملك من الملائكة من عند ربه بالرسالة وبالوحي، فمن صاحبك حتى نتابعك ؟ قال :( جبريل ) قالوا : ذاك الذي ينزل بالحرب وبالقتال، ذاك عدونا ! لو قلت : ميكائيل الذي ينزل بالقطر وبالرحمة تابعناك، فأنزل الله الآية إلى قوله : للكافرين  أخرجه الترمذي. 
قوله تعالى : فإنه نزله على قلبك  الضمير في " إنه " يحتمل معنيين، الأول : فإن الله نزل جبريل على قلبك. الثاني : فإن جبريل نزل بالقرآن على قلبك. وخص القلب بالذكر لأنه موضع العقل والعلم وتلقي المعارف. ودلت الآية على شرف جبريل عليه السلام وذم معاديه. 
قوله تعالى : بإذن الله  أي بإرادته وعلمه.  مصدقا لما بين يديه  يعني التوراة.  وهدى وبشرى للمؤمنين  تقدم معناه[(١)](#foonote-١) والحمد لله.

١ يراجع ج ١ ص ١٦٠، ١٦٢، ٢٣٨ طبعة ثانية..

### الآية 2:98

> ﻿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ [2:98]

قوله تعالى : من كان عدوا لله  شرط، وجوابه  فإن الله عدو للكافرين . وهذا وعيد وذم لمعادي جبريل عليه السلام، وإعلان أن عداوة البعض تقتضي عداوة الله لهم. وعداوة العبد لله هي معصيته واجتناب طاعته، ومعاداة أوليائه. وعداوة الله للعبد تعذيبه وإظهار أثر العداوة عليه. 
فإن قيل : لم خص الله جبريل وميكائيل بالذكر وإن كان ذكر الملائكة قد عمهما ؟
قيل له : خصهما بالذكر تشريفا لهما، كما قال : فيهما فاكهة ونخل ورمان[(١)](#foonote-١)  \[ الرحمن : ٦٨ \]. وقيل : خصا لأن اليهود ذكروهما، ونزلت الآية بسببهما، فذكرهما واجب لئلا تقول اليهود : إنا لم نعاد الله وجميع ملائكته، فنص الله تعالى عليهما لإبطال ما يتأولونه من التخصيص. ولعلماء اللسان في جبريل وميكائيل عليهما السلام لغات، فأما التي في جبريل فعشر :
الأولى : جبريل، وهي لغة أهل الحجاز، قال حسان بن ثابت :
وجبريل رسول الله فينا
الثانية : جبريل ( بفتح الجيم ) وهي قراءة الحسن وابن كثير، وروي عن ابن كثير أنه قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم وهو يقرأ جبريل وميكائيل فلا أزال أقرؤهما أبدا كذلك. 
الثالثة : جبرئيل ( بياء بعد الهمزة، مثال جبرعيل )، كما قرأ أهل الكوفة، وأنشدوا :

شهدنا فما تلقى لنا من كتيبة  مدى الدهر إلا جبرئيلُ أمامها[(٢)](#foonote-٢)وهي لغة تميم وقيس. 
الرابعة : جبرئل ( على وزن جبرعل ) مقصور، وهي قراءة أبي بكر عن عاصم. 
الخامسة : مثلها، وهي قراءة يحيى بن يعمر، إلا أنه شدد اللام. 
السادسة : جبرائل ( بألف بعد الراء ثم همزة ) وبها قرأ عكرمة. 
السابعة : مثلها، إلا أن بعد الهمزة ياء. 
الثامنة : جبرييل ( بياءين بغير همزة ) وبها قرأ الأعمش ويحيى بن يعمر أيضا. 
التاسعة : جبرئين ( بفتح الجيم مع همزة مكسورة بعدها ياء ونون ). 
العاشرة : جبرين ( بكسر الجيم وتسكين الباء بنون من غير همزة ) وهي لغة بني أسد. قال الطبري : ولم يقرأ بها. قال النحاس - وذكر قراءة ابن كثير - :" لا يعرف في كلام العرب فَعليل، وفيه فِعليل، نحو دهليز وقطمير وبرطيل، وليس ينكر أن يكون في كلام العجم ما ليس له نظير في كلام العرب، وليس ينكر أن يكثر تغيره، كما قالوا : إبراهيم وإبرهم وإبراهم وإبراهام ". قال غيره : جبريل اسم أعجمي عربته العرب، فلها فيه هذه اللغات ولذلك لم ينصرف. 
قلت : قد تقدم في أول الكتاب[(٣)](#foonote-٣) أن الصحيح في هذه الألفاظ عربية نزل بها جبريل بلسان عربي مبين. قال النحاس : ويجمع جبريل على التكسير جباريل. وأما اللغات التي في ميكائيل فست :
الأولى : ميكاييل، قراءة نافع. 
الثانية : وميكائيل ( بياء بعد الهمزة ) قراءة حمزة. 
الثالثة : ميكال، لغة أهل الحجاز، وهي قراءة أبي عمرو وحفص عن عاصم. وروي عن ابن كثير الثلاثة أوجه، قال كعب بن مالك :ويوم بدر لقيناكم لنا مدد  فيه مع النصر ميكالٌ وجبريلوقال آخر[(٤)](#foonote-٤) :عبدوا الصليب وكذبوا بمحمد  وبجبرئيل وكذبوا ميكالاالرابعة : ميكئيل، مثل ميكعيل، وهي قراءة ابن محيصن. 
الخامسة : ميكاييل ( بياءين ) وهي قراءة الأعمش باختلاف عنه. 
السادسة : ميكاءل، كما يقال ( إسراءل بهمزة مفتوحة )، وهو اسم أعجمي فلذلك لم ينصرف. وذكر ابن عباس أن جبر وميكا وإسراف هي كلها بالأعجمية بمعنى : عبد ومملوك. وإيل : اسم الله تعالى، ومنه قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين سمع سجع مسيلمة : هذا كلام لم يخرج من إل، وفي التنزيل : لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة  في أحد التأويلين، وسيأتي[(٥)](#foonote-٥). قال الماوردي : إن جبريل وميكائيل اسمان، أحدهما عبدالله، والآخر عبيدالله، لأن إيل هو الله تعالى، وجبر هو عبد، وميكا هو عبيد، فكأن جبريل عبدالله، وميكائيل عبيدالله، هذا قول ابن عباس، وليس له في المفسرين مخالف. 
قلت : وزاد بعض المفسرين : وإسرافيل عبدالرحمن. قال النحاس : ومن تأول الحديث " جبر " عبد، و " إل " الله وجب عليه أن يقول : هذا جبرئل ورأيت جبرئل ومررت بجبرئل، وهذا لا يقال، فوجب أن يكون معنى الحديث أنه مسمى بهذا. قال غيره : ولو كان كما قالوا لكان مصروفا، فترك الصرف يدل على أنه اسم واحد مفرد ليس بمضاف. وروى عبدالغني الحافظ من حديث أفلت بن خليفة - وهو فليت العامري وهو أبو حسان - عن جسرة بنت دجاجة عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" اللهم رب جبريل وميكايل وإسرافيل أعوذ بك من حر النار وعذاب القبر ". 
١ راجع ج ١٧ ص ١٨٥..
٢ البيت لكعب بن مالك، كما في شرح القاموس..
٣ راجع ج ١ ص ٦٨ طبعة ثانية..
٤ هو جرير؛ كما في ديوانه..
٥ راجع ج ٨ ص ٧٩.

### الآية 2:99

> ﻿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ [2:99]

قال ابن عباس رضي الله عنهما : هذا جواب لابن صوريا[(١)](#foonote-١) حيث قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل عليك من آية بينة فنتبعك بها ؟ فأنزل الله هذه الآية، ذكره الطبري.

١ كذا في نسخ الأصل وتفسير الطبري وأسباب النزول للواحدي. وفي سيرة ابن هشام (ص ٣٧٩ طبع أوربا): "أبو صلوبا الفطيوني"..

### الآية 2:100

> ﻿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [2:100]

قوله تعالى : أوكلما عاهدوا عهدا  الواو واو العطف، دخلت عليها ألف الاستفهام كما تدخل على الفاء في قوله :{ أفحكم الجاهلية
[(١)](#foonote-١) " \[ المائدة : ٥٠ \]،  أفأنت تسمع الصم[(٢)](#foonote-٢)  \[ الزخرف : ٤٠ \]،  أفتتخذونه وذريته[(٣)](#foonote-٣)  \[ الكهف : ٥٠ \]. وعلى ثم كقوله : أثم إذا ما وقع[(٤)](#foonote-٤) \[ يونس : ٥١ \] هذا قول سيبويه. وقال الأخفش : الواو زائدة. ومذهب الكسائي أنها أو، حركت الواو منها تسهيلا. وقرأها قوم أو، ساكنة الواو فتجيء بمعنى بل، كما يقول القائل : لأضربنك، فيقول المجيب : أو يكفي الله. قال ابن عطية : وهذا كله متكلف، والصحيح قول سيبويه. " كلما " نصب على الظرف، والمعني في الآية مالك بن الصيف، ويقال فيه ابن الضيف[(٥)](#foonote-٥)، كان قد قال : والله ما أخذ علينا عهد في كتابنا أن نؤمن بمحمد ولا ميثاق، فنزلت الآية. وقيل : إن اليهود عاهدوا لئن خرج محمد لنؤمن به ولنكونن معه على مشركي العرب، فلما بعث كفروا به. وقال عطاء : هي العهود التي كانت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين اليهود فنقضوها كفعل قريظة والنضير، دليله قوله تعالى : الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون[(٦)](#foonote-٦) \[ الأنفال : ٥٦ \]. 
قوله تعالى : نبذه فريق منهم  النبذ : الطرح والإلقاء، ومنه النبيذ والمنبوذ، قال أبو الأسود :

وخبرني من كنت أرسلت إنما  أخذت كتابي معرضاً بشمالكانظرت إلى عنوانه فنبذته  كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا**آخر :**إن الذين أمرتهم أن يعدلوا  نبذوا كتابك واستحلوا المَحْرَماوهذا مثل يضرب لمن استخف بالشيء فلا يعمل به، تقول العرب : اجعل هذا خلف ظهرك، ودبرا منك، وتحت قدمك، أي اتركه وأعرض عنه، قال الله تعالى : واتخذتموه وراءكم ظهريا[(٧)](#foonote-٧)  \[ هود : ٩٢ \]. وأنشد الفراء :تميمَُ بنَُ زيد لا تكونن حاجتي  بظهر فلا يعيا علي جوابها[(٨)](#foonote-٨)قوله تعالى : بل أكثرهم  ابتداء.  لا يؤمنون  فعل مستقبل في موضع الخبر. 
١ راجع ج ٦ ص ٢١٤.
٢ راجع ج ٨ ص ٣٤٦.
٣ راجع ج ١٠ ص ٤٢٠.
٤ راجع ج ٨ ص ٣٥١..
٥ في ١، ب، ح: "الصيت" بالتاء المثناة، وفي ج: "الصيب" بالباء. والتصويب عن سيرة ابن هشام ص ٣٥٢ طبع أوربا..
٦ ج ٨ ث ٣٠..
٧ ج ٩ ص ٩١.
٨ البيت للفرزدق يخاطب تميم بن زيد القيني وكان على السند. (عن النقائض ص ٣٨١) طبع أوربا..

### الآية 2:101

> ﻿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [2:101]

قوله تعالى : ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم  نعت لرسول، ويجوز نصبه على الحال.  نبذ فريق  جواب " لما ".  من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم  نصب ب " نبذ "، والمراد التوراة ؛ لأن كفرهم بالنبي عليه السلام وتكذيبهم له نبذ لها. قال السدي : نبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف، وسحر هاروت وماروت. وقيل : يجوز أن يعني به القرآن. قال الشعبي : هو بين أيديهم يقرؤونه، ولكن نبذوا العمل به. وقال سفيان بن عيينة : أدرجوه في الحرير والديباج، وحلوه بالذهب والفضة، ولم يحلوا حلاله ولم يحرموا حرامه، فذلك النبذ. وقد تقدم بيانه مستوفا[(١)](#foonote-١).  كأنهم لا يعلمون  تشبيه بمن لا يعلم إذ فعلوا فعل الجاهل فيجيء من اللفظ أنهم كفروا على علم

١ في الصفحة السابقة..

### الآية 2:102

> ﻿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [2:102]

**فيه أربع وعشرون مسألة :**
الأولى : قوله تعالى : واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان  هذا إخبار من الله تعالى عن الطائفة الذين نبذوا الكتاب بأنهم اتبعوا السحر أيضا، وهم اليهود. وقال السدي : عارضت اليهود محمدا صلى الله عليه وسلم بالتوراة فاتفقت التوراة والقرآن فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وبسحر هاروت وماروت. وقال محمد بن إسحاق : لما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم سليمان في المرسلين قال بعض أحبارهم : يزعم محمد أن ابن داود كان نبيا ! والله ما كان إلا ساحرا، فأنزل الله عز وجل : وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا  أي ألقت إلى بني آدم أن ما فعله سليمان من ركوب البحر واستسخار الطير والشياطين كان سحرا. وقال الكلبي : كتبت الشياطين السحر والنيرنجيات[(١)](#foonote-١) على لسان آصف كاتب سليمان، ودفنوه تحت مصلاه حين انتزع الله ملكه ولم يشعر بذلك سليمان، فلما مات سليمان استخرجوه وقالوا للناس : إنما ملككم بهذا فتعلموه، فأما علماء بني إسرائيل فقالوا : معاذ الله أن يكون هذا علم سليمان ! وأما السفلة فقالوا : هذا علم سليمان، وأقبلوا على تعليمه ورفضوا كتب أنبيائهم حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل على نبيه عذر سليمان وأظهر براءته مما رمي به فقال : واتبعوا ما تتلوا الشياطين . قال عطاء :" تتلو " تقرأ من التلاوة. وقال ابن عباس :" تتلو " تتبع، كما تقول : جاء القوم يتلو بعضهم بعضا. وقال الطبري :" اتبعوا " بمعنى فضلوا. 
قلت : لأن كل من اتبع شيئا وجعله أمامه فقد فضله على غيره، ومعنى " تتلو " يعني تلت، فهو بمعنى المضي، 
قال الشاعر : وإذا مررتَ بقبره فاعْقِرْ به  كُومَ الهِجَانِ[(٢)](#foonote-٢) وكل طرف سابحوانضح جوانب قبره بدمائها  فلقد يكون أخا دمٍ وذبائحأي فلقد كان. و " ما " مفعول ب " اتبعوا " أي اتبعوا ما تقولته الشياطين على سليمان وتلته. وقيل :" ما " نفي، وليس بشيء لا في نظام الكلام ولا في صحته، قاله ابن العربي. 
 " على ملك سليمان " أي على شرعه ونبوته. قال الزجاج : قال الفراء على عهد ملك سليمان. وقيل : المعنى في ملك سليمان، يعني في قصصه وصفاته وأخباره. قال الفراء : تصلح على وفي، في مثل هذا الموضع. وقال " على " ولم يقل بعد لقوله تعالى : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته[(٣)](#foonote-٣)  \[ الحج : ٥٢ \] أي في تلاوته. وقد تقدم معنى الشيطان واشتقاقه، فلا معنى لإعادته[(٤)](#foonote-٤). والشياطين هنا قيل : هم شياطين الجن، وهو المفهوم من هذا الاسم. وقيل : المراد شياطين الإنس المتمردون في الضلال، كقول جرير :أيام يدعونني الشيطان من غزلي  وكنّ يَهْويْنَني إذ كنت شيطاناالثانية : قوله تعالى : وما كفر سليمان  تبرئة من الله لسليمان ولم يتقدم في الآية أن أحدا نسبه إلى الكفر، ولكن اليهود نسبته إلى السحر، ولكن لما كان السحر كفرا صار بمنزلة من نسبه إلى الكفر.  ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر  فأثبت كفرهم بتعليم السحر. و " يعلمون " في موضع نصب على الحال، ويجوز أن يكون في موضع رفع على أنه خبر ثان. وقرأ الكوفيون سوى عاصم " ولكن الشياطين " بتخفيف " لكن "، ورفع النون من " الشياطين "، وكذلك في الأنفال  ولكن الله رمى[(٥)](#foonote-٥)  \[ الأنفال : ١٧ \] ووافقهم ابن عامر. الباقون بالتشديد والنصب. و " لكن " كلمة لها معنيان : نفي الخبر الماضي، وإثبات الخبر المستقبل، وهي مبنية من ثلاث كلمات : لا، ك، إن. " لا " نفي، و " الكاف " خطاب، 
و " إن " إثبات وتحقيق، فذهبت الهمزة استثقالا، وهي تثقل وتخفف، فإذا ثقلت نصبت كإنَّ الثقيلة، وإذا خففت رفعت بها كما ترفع بإن الخفيفة. 
الثالثة : السحر، قيل : السحر أصله التمويه والتخاييل، وهو أن يفعل الساحر أشياء ومعاني، فيخيل للمسحور أنها بخلاف ما هي به، كالذي يرى السراب من بعيد فيخيل إليه أنه ماء، وكراكب السفينة السائرة سيرا حثيثا يخيل إليه أن ما يرى من الأشجار والجبال سائرة معه. وقيل : هو مشتق من سحرت الصبي إذا خدعته، وكذلك إذا عللته، والتسحير مثله، قال لبيد :فإن تسألينا فيم نحن فإننا  عصافيرُ من هذا الأنام المُسَحَّرِآخر[(٦)](#foonote-٦) :أرانا موضعين لأمر غَيْبٍ[(٧)](#foonote-٧)  ونُسْحَرُ بالطعام وبالشرابعصافيرٌ وذِبَّانٌ ودُودُ  وأجرأُ من مُجَلِّحَةِ[(٨)](#foonote-٨) الذئابِوقوله تعالى : إنما أنت من المسحرين  \[ الشعراء : ١٥٣ \] يقال : المسحر الذي خلق ذا سحر، ويقال من المعللين، أي ممن يأكل الطعام ويشرب الشراب. وقيل : أصله الخفاء، فإن الساحر يفعله في خفية. وقيل : أصله الصرف، يقال : ما سحرك عن كذا، أي ما صرفك عنه، فالسحر مصروف عن جهته. وقيل : أصله الاستمالة، وكل من استمالك فقد سحرك. وقيل في قوله تعالى : بل نحن قوم مسحورون  \[ الحجر : ١٥ \] أي سحرنا فأزلنا بالتخييل عن معرفتنا. وقال الجوهري : السحر الأخذة، وكل ما لطف مأخذه ودق فهو سحر، وقد سحره يسحره سحرا. والساحر : العالم، وسحره أيضا بمعنى خدعه، وقد ذكرناه. وقال ابن مسعود : كنا نسمي السحر في الجاهلية العضه. والعضه عند العرب : شدة البهت وتمويه الكذب، 
قال الشاعر : أعوذ بربي من النافثات  في عِضَهِ العاضِه المُعَضِهالرابعة : واختلف هل له حقيقة أم لا ؟ فذكر الغزنوي الحنفي في عيون المعاني له : أن السحر عند المعتزلة خدع لا أصل له، وعند الشافعي وسوسة وأمراض. قال : وعندنا أصله طلسم يبنى على تأثير خصائص الكواكب، كتأثير الشمس في زئبق عصي فرعون، أو تعظيم الشياطين ليسهلوا له ما عسر. 
قلت : وعندنا أنه حق وله حقيقة يخلق الله عنده ما شاء، على ما يأتي. ثم من السحر ما يكون بخفة اليد كالشعوذة. والشعوذي : البريد لخفة سيره. قال ابن فارس في المجمل : الشعوذة ليست من كلام أهل البادية، وهي خفة في اليدين وأخذة كالسحر، ومنه ما يكون كلاما يحفظ، ورقى من أسماء الله تعالى. وقد يكون من عهود الشياطين، ويكون أدوية وأدخنة وغير ذلك. 
الخامسة : سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفصاحة في الكلام واللسانة فيه سحرا، فقال :" إن من البيان لسحرا " أخرجه مالك وغيره. وذلك لأن فيه تصويب الباطل حتى يتوهم السامع أنه حق، فعلى هذا يكون قوله عليه السلام :" إن من البيان لسحرا " خرج مخرج الذم للبلاغة والفصاحة، إذ شبهها بالسحر. وقيل : خرج مخرج المدح للبلاغة والتفضيل للبيان، قاله جماعة من أهل العلم. والأول أصح، والدليل عليه قوله عليه السلام :" فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض "، وقوله :" إن أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون ". الثرثرة : كثرة الكلام وترديده، يقال : ثرثر الرجل فهو ثرثار مهذار. والمتفيهق نحوه. قال ابن دريد. فلان يتفيهق في كلامه إذا توسع فيه وتنطع، قال : وأصله الفهق وهو الامتلاء، كأنه ملأ به فمه. 
قلت : وبهذا المعنى الذي ذكرناه فسره عامر الشعبي راوي الحديث وصعصعة بن صوحان فقالا : أما قوله صلى الله عليه وسلم :" إن من البيان لسحرا "، فالرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق وهو عليه، وإنما يحمد العلماء البلاغة واللسانة ما لم تخرج إلى حد الإسهاب والإطناب، وتصوير الباطل في صورة الحق. وهذا بين، والحمد لله. 
السادسة : من السحر ما يكون كفرا من فاعله، مثل ما يدعون من تغيير صور الناس، وإخراجهم في هيئة بهيمة، وقطع مسافة شهر في ليلة، والطيران في الهواء، فكل من فعل هذا ليوهم الناس أنه محق فذلك كفر منه، قاله أبو نصر عبدالرحيم القشيري. قال أبو عمرو : من زعم أن الساحر يقلب الحيوان من صورة إلى صورة، فيجعل الإنسان حمارا أو نحوه، ويقدر على نقل الأجساد وهلاكها وتبديلها، فهذا يرى قتل الساحر لأنه كافر بالأنبياء، يدعي مثل آياتهم ومعجزاتهم، ولا يتهيأ مع هذا علم صحة النبوة إذ قد يحصل مثلها بالحيلة. وأما من زعم أن السحر خدع ومخاريق وتمويهات وتخييلات فلم يجب على أصله قتل الساحر، إلا أن يقتل بفعله أحدا فيقتل به. 
السابعة : ذهب أهل السنة إلى أن السحر ثابت وله حقيقة. وذهب عامة المعتزلة وأبو إسحاق الإسترابادي من أصحاب الشافعي إلى أن السحر لا حقيقة له، وإنما هو تمويه وتخييل وإيهام لكون الشيء على غير ما هو به، وأنه ضرب من الخفة والشعوذة، كما قال تعالى : يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى[(٩)](#foonote-٩)  \[ طه : ٦٦ \] ولم يقل تسعى على الحقيقة، ولكن قال  يخيل إليه . وقال أيضا : سحروا أعين الناس[(١٠)](#foonote-١٠) 
\[ الأعراف : ١١٦ \]. وهذا لا حجة فيه، لأنا لا ننكر أن يكون التخييل وغيره من جملة السحر، ولكن ثبت وراء ذلك أمور جوزها العقل وورد بها السمع، فمن ذلك ما جاء في هذه الآية من ذكر السحر وتعليمه، ولو لم يكن له حقيقة لم يمكن تعليمه، ولا أخبر تعالى أنهم يعلمونه الناس، فدل على أن له حقيقة. وقوله تعالى في قصة سحرة فرعون : وجاؤوا بسحر عظيم  وسورة " الفلق "، مع اتفاق المفسرين على أن سبب نزولها ما كان من سحر لبيد بن الأعصم، وهو مما خرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها قالت : سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي من يهود بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم، الحديث. وفيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما حل السحر :" إن الله شفاني ". والشفاء إنما يكون برفع العلة وزوال المرض، فدل على أن له حقا وحقيقة، فهو مقطوع به بإخبار الله تعالى ورسوله على وجوده ووقوعه. وعلى هذا أهل الحل والعقد الذين ينعقد بهم الإجماع، ولا عبرة مع اتفاقهم بحثالة المعتزلة ومخالفتهم أهل الحق. ولقد شاع السحر وذاع في سابق الزمان وتكلم الناس فيه، ولم يبد من الصحابة ولا من التابعين إنكار لأصله. وروى سفيان عن أبي الأعور عن عكرمة عن ابن عباس قال : علم السحر في قرية من قرى مصر يقال لها : الفَرَما، فمن كذب به فهو كافر، مكذب لله ورسوله، منكر لما علم مشاهدة وعيانا. 
الثامنة : قال علماؤنا : لا ينكر أن يظهر على يد الساحر خرق العادات مما ليس في مقدور البشر من مرض وتفريق وزوال عقل وتعويج عضو إلى غير ذلك مما قام الدليل على استحالة كونه من مقدورات العباد. قالوا : ولا يبعد في السحر أن يستدق جسم الساحر حتى يتولج في الكوات والخوخات والانتصاب على رأس قصبة، والجري على خيط مستدق، والطيران في الهواء والمشي على الماء وركوب كلب وغير ذلك. ومع ذلك فلا يكون السحر موجبا لذلك، ولا علة لوقوعه ولا سببا مولدا، ولا يكون الساحر مستقلا به، وإنما يخلق الله تعالى هذه الأشياء ويحدثها عند وجود السحر، كما يخلق الشبع عند الأكل، والري عند شرب الماء. روى سفيان عن عمار الذهبي أن ساحرا كان عند الوليد بن عقبة يمشي على الحبل، ويدخل في است الحمار ويخرج من فيه، فاشتمل له جندب على السيف فقتله جندب - هذا هو جندب بن كعب الأزدي ويقال البجلي - وهو الذي قال في حقه النبي صلى الله عليه وسلم :( يكون في أمتي رجل يقال له جندب يضرب ضربة بالسيف يفرق بين الحق والباطل ). فكانوا يرونه جندبا هذا قاتل الساحر. 
قال علي بن المديني : روى عنه حارثة بن م١ اختلف الأصول في رسم هذه الكلمة، والذي في القاموس: "النيرنج" قال شارح القاموس: "هكذا في سائر النسخ، والمنقول عن نص كلام الليث: "النيرج" بإسقاط النون الثانية: وكذا ورد في اللسان. وهو أُخَذٌ كالسحر وليس به، إنما هو تشبيه وتلبيس"..
٢ الكوم (بالضم): جمع كوماء، وهي الناقة العظيمة السنام. والهجان من الإبل: البيض الكرام..
٣ راجع ج ١٢ ص ٧٩.
٤ راجع ج ١ ص ٩٠ طبعة ثانية..
٥ راجع ج ٧ ص ٣٨٤..
٦ هو امرؤ القيس؛ كما في ديوانه واللسان..
٧ موضعين: مسرعين. لأمر غيب: يريد الموت، وأنه قد غيب عنا وقته، ونحن نلهى عنه بالطعام والشراب..
٨ ذئب مجلح: جريء..
٩ راجع ج ١١ ص ٢٢٢.
١٠ راجع ج ٧ ص ٢٥٩..

### الآية 2:103

> ﻿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [2:103]

قوله تعالى : ولو أنهم آمنوا واتقوا  أي اتقوا السحر.  لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون  المثوبة الثواب، وهي جواب  ولو أنهم آمنوا  عند قوم. قال الأخفش سعيد : ليس ل " لو " هنا جواب في اللفظ ولكن في المعنى، والمعنى لأثيبوا. وموضع " أن " من قوله : ولو أنهم  موضع رفع، أي لو وقع إيمانهم، لأن " لو " لا يليها إلا الفعل ظاهرا أو مضمرا، لأنها بمنزلة حروف الشرط إذ كان لا بد له من جواب، و " أن " يليه فعل. قال محمد بن يزيد : وإنما لم يجاز ب " لو " لأن سبيل حروف المجازاة كلها أن تقلب الماضي إلى معنى المستقبل، فلما لم يكن هذا في " لو " لم يجز أن يجازى بها.

### الآية 2:104

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [2:104]

**فيه خمس مسائل :**
الأولى : قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا  ذكر شيئا آخر من جهالات اليهود والمقصود نهي المسلمين عن مثل ذلك. وحقيقة 
 راعنا  في اللغة أرعنا ولنرعك ؛ لأن المفاعلة من اثنين، فتكون من رعاك الله، أي احفظنا ولنحفظك، وارقبنا ولنرقبك. ويجوز أن يكون من أرعنا سمعك، أي فرغ سمعك لكلامنا. وفي المخاطبة بهذا جفاء، فأمر المؤمنين أن يتخيروا من الألفاظ أحسنها ومن المعاني أرقها. قال ابن عباس : كان المسلمون يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم : راعنا. على جهة الطلب والرغبة - من المراعاة - أي التفت إلينا، وكان هذا بلسان اليهود سبا، أي اسمع لا سمعت، فاغتنموها وقالوا : كنا نسبه سرا فالآن نسبه جهرا، فكانوا يخاطبون بها النبي صلى الله عليه وسلم ويضحكون فيما بينهم، فسمعها سعد بن معاذ وكان يعرف لغتهم، فقال لليهود : عليكم لعنة الله ! لئن سمعتها من رجل منكم يقولها للنبي صلى الله عليه وسلم لأضربن عنقه، فقالوا : أولستم تقولونها ؟ فنزلت الآية، ونهوا عنها لئلا تقتدي بها اليهود في اللفظ وتقصد المعنى الفاسد فيه. 
الثانية : في هذه الآية دليلان :\[ أحدهما \] على تجنب الألفاظ المحتملة التي فيها التعريض للتنقيص والغض، ويخرج من هذا فهم القذف بالتعريض، وذلك يوجب الحد عندنا خلافا لأبي حنيفة والشافعي وأصحابهما حين قالوا : التعريض محتمل للقذف وغيره، والحد مما يسقط بالشبهة. وسيأتي في " النور[(١)](#foonote-١) " بيان هذا، إن شاء الله تعالى. 
\[ الدليل الثاني \] التمسك بسد الذرائع[(٢)](#foonote-٢) وحمايتها وهو مذهب مالك وأصحابه وأحمد بن حنبل في رواية عنه، وقد دل على هذا الأصل الكتاب والسنة. والذريعة عبارة عن أمر غير ممنوع لنفسه يخاف من ارتكابه الوقوع في ممنوع. أما الكتاب فهذه الآية، ووجه التمسك بها أن اليهود كانوا يقولون ذلك وهي سب بلغتهم، فلما علم الله ذلك منهم منع من إطلاق ذلك اللفظ، لأنه ذريعة للسب، وقوله تعالى : ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم[(٣)](#foonote-٣)  \[ الأنعام : ١٠٨ \] فمنع من سب آلهتهم مخافة مقابلتهم بمثل ذلك، وقوله تعالى : واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر[(٤)](#foonote-٤)  \[ الأعراف : ١٦٣ \] الآية، فحرم عليهم تبارك وتعالى الصيد في يوم السبت، فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعا، أي ظاهرة، فسدوا عليها يوم السبت وأخذوها يوم الأحد، وكان السد ذريعة للاصطياد، فمسخهم الله قردة وخنازير، وذكر الله لنا ذلك معنى التحذير عن ذلك، وقوله تعالى لآدم وحواء : ولا تقربا هذه الشجرة  \[ البقرة : ٣٥ \] وقد تقدم[(٥)](#foonote-٥). وأما السنة فأحاديث كثيرة ثابتة صحيحة، منها حديث عائشة رضي الله عنها أن أم حبيبة وأم سلمة رضي الله عنهن ذكرتا كنيسة رأياها بالحبشة فيها تصاوير \[ فذكرتا ذلك[(٦)](#foonote-٦) \] لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله ". أخرجه البخاري ومسلم. قال علماؤنا : ففعل ذلك أوائلهم ليتأنسوا برؤية تلك الصور ويتذكروا أحوالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم ويعبدون الله عز وجل عند قبورهم، فمضت لهم بذلك أزمان، ثم أنهم خلف من بعدهم خلوف جهلوا أغراضهم، ووسوس لهم الشيطان أن آباءكم وأجدادكم كانوا يعبدون هذه الصورة فعبدوها، فحذر النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل ذلك، وشدد النكير والوعيد على من فعل ذلك، وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك فقال :" اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد "، وقال :" اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ". وروى مسلم عن النعمان بن بشير قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" الحلال بيّن والحرام بين وبينهما أمور متشابهات فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه[(٧)](#foonote-٧) " الحديث، فمنع من الإقدام على الشبهات مخافة الوقوع في المحرمات، وذلك سدا للذريعة. وقال صلى الله عليه وسلم :" لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به البأس ". وقال صلى الله عليه وسلم :" إن من الكبائر شتم الرجل والديه " قالوا : يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه ؟ قال :" نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه ". فجعل التعرض لسب الآباء كسب الآباء. وقال صلى الله عليه وسلم :" إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه منكم حتى ترجعوا إلى دينكم ". وقال أبو عبيد الهروي : العينة هو أن يبيع الرجل من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمى، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها به. قال : فإن اشترى بحضرة طالب العينة سلعة من آخر بثمن معلوم وقبضها ثم باعها من طالب العينة بثمن أكثر مما اشتراه إلى أجل مسمى ثم باعها المشتري من البائع الأول بالنقد بأقل من الثمن فهذه أيضا عينة، وهي أهون من الأولى، وهو جائز عند بعضهم. وسميت عينة لحصول النقد لصاحب العينة، وذلك لأن العين هو المال الحاضر والمشتري إنما يشتريها ليبيعها بعين حاضر يصل إليه من فوره. وروى ابن وهب عن مالك أن أم ولد لزيد بن الأرقم ذكرت لعائشة رضي الله عنها أنها باعت من زيد عبدا بثمانمائة إلى العطاء ثم ابتاعته منه بستمائة نقدا، فقالت عائشة : بئس ما شريت، وبئس ما اشتريت ! أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتب. ومثل هذا لا يقال بالرأي، لأن إبطال الأعمال لا يتوصل إلى معرفتها إلا بالوحي، فثبت أنه مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : دعوا الربا والريبة. ونهى ابن عباس رضي الله عنهما عن دراهم بدراهم بينهما حريزة. 
[(٨)](#foonote-٨). قلت : فهذه هي الأدلة التي لنا على سد الذرائع، وعليه بنى المالكية كتاب الآجال وغيره من المسائل في البيوع وغيرها. وليس عند الشافعية كتاب الآجال. لأن ذلك عندهم عقود مختلفة مستقلة، قالوا : وأصل الأشياء على الظواهر لا على الظنون. والمالكية جعلوا السلعة محللة ليتوصل بها إلى دراهم بأكثر منها، وهذا هو الربا بعينه، فاعلمه. 
الثالثة : قوله تعالى : لا تقولوا راعنا  نهي يقتضي التحريم، على ما تقدم. وقرأ الحسن  راعنا  منونة. وقال : أي هجرا من القول، وهو مصدر ونصبه بالقول، أي لا تقولوا رعونة. وقرأ زر بن حبيش والأعمش " راعونا "، يقال لما نتأ من الجبل : رعن، والجبل أرعن. وجيش أرعن أي متفرق. وكذا رجل أرعن، أي متفرق الحجج وليس عقله مجتمعا، عن النحاس. وقال ابن فارس : رعن الرجل يرعن رعنا فهو أرعن، أي أهوج. والمرأة رعناء. وسميت البصرة رعناء لأنها تشبه برعن الجبل، قال ابن دريد ذلك، وأنشد للفرزدق :لولا ابن عتبة عمرو والرجاء له  ما كانت البصرة الرعناء لي وطناالرابعة : قوله تعالى : وقولوا انظرنا  أمروا أن يخاطبوه صلى الله عليه وسلم بالإجلال، والمعنى : أقبل علينا وانظر إلينا، فحذف حرف التعدية، كما قال : ظاهرات الجمال والحسن ينظر  ن كما ينظر الأراكَ الظباءُأي إلى الأراك. وقال مجاهد : المعنى فهمنا وبين لنا. وقيل : المعنى انتظرنا وتأن بنا، قال[(٩)](#foonote-٩) :فإنكما إن تنظراني ساعة  من الدهر ينفعني لدى أم جُنْدَبِوالظاهر استدعاء نظر العين المقترن بتدبر الحال، وهذا هو معنى راعنا، فبدلت اللفظة للمؤمنين وزال تعلق اليهود. وقرأ الأعمش وغيره 
 انظرنا بقطع الألف وكسر الظاء، بمعنى أخرنا وأمهلنا حتى نفهم عنك ونتلقى منك، 
قال الشاعر[(١٠)](#foonote-١٠) : أبا هند فلا تعجل علينا  وانظرنا نُخْبركَ اليَقيناالخامسة : قوله تعالى : واسمعوا وللكافرين عذاب أليم  لما نهى وأمر جل وعز، حض على السمع الذي في ضمنه الطاعة وأعلم أن لمن خالف أمره فكفر عذابا أليما. 
١ راجع ج ١٢ ص ١٧٥.
٢ الذرائع (جمع الذريعة) وهي لغة: الوسيلة والسبب إلى الشيء..
٣ راجع ج ٧ ص ٦١ وص ٣٠٤.
٤ راجع ج ٧ ص ٦١ وص ٣٠٤.
٥ راجع ج ١ ص ٣٠٤..
٦ زيادة عن صحيح البخاري..
٧ ورد هذا في صحيح مسلم –كتاب البيوع- ببعض اختلاف في ألفاظه..
٨ كذا في ا. وفي ب: "حريرة". وفي "جريزة". ولم نوفق إلى وجه لصواب فيها..
٩ القائل هو امرؤ القيس، كما في ديوانه..
١٠ هو عمرو بن كلثوم..

### الآية 2:105

> ﻿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [2:105]

قوله تعالى : ما يود  أي ما يتمنى، وقد تقدم[(١)](#foonote-١).  الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين  معطوف على " أهل ". ويجوز : ولا المشركون، تعطفه على الذين، قاله النحاس.  أن ينزل عليكم من خير من ربكم  " من " زائدة، " خير " اسم ما لم يسم فاعله. و " أن " في موضع نصب، أي بأن ينزل. 
قوله تعالى : والله يختص برحمته من يشاء  قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : يختص برحمته  أي بنبوته، خص بها محمدا صلى الله عليه وسلم. وقال قوم : الرحمة القرآن. وقيل : الرحمة في هذه الآية عامة لجميع أنواعها التي قد منحها الله عباده قديما وحديثا، يقال : رحم يرحم إذا رق. والرحم والمرحمة والرحمة بمعنى، قال ابن فارس. ورحمة الله لعباده : إنعامه عليهم وعفوه لهم. 
قوله تعالى : والله ذو الفضل العظيم  " ذو " بمعنى صاحب.

١ يراجع ص ٣٤ من هذا الجزء..

### الآية 2:106

> ﻿۞ مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2:106]

الأولى : قوله تعالى : ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها ، " ننسها " عطف على " ننسخ " وحذفت الياء للجزم. ومن قرأ " ننسأها " حذف الضمة من الهمزة للجزم، وسيأتي معناه. " نأت " جواب الشرط، وهذه آية عظمى في الأحكام. وسببها أن اليهود لما حسدوا المسلمين في التوجه إلى الكعبة وطعنوا في الإسلام بذلك، وقالوا : إن محمدا يأمر أصحابه بشيء ثم ينهاهم عنه، فما كان هذا القرآن إلا من جهته، ولهذا يناقض بعضه بعضا، فأنزل الله : وإذا بدلنا آية مكان آية[(١)](#foonote-١)  \[ النحل : ١٠١ \] وأنزل  ما ننسخ من آية . 
الثانية : معرفة هذا الباب أكيدة وفائدته عظيمة، لا يستغني عن معرفته العلماء، ولا ينكره إلا الجهلة الأغبياء، لما يترتب عليه من النوازل في الأحكام، ومعرفة الحلال من الحرام. روى أبو البختري قال : دخل علي رضي الله عنه المسجد فإذا رجل يخوف الناس، فقال : ما هذا ؟ قالوا : رجل يذكر الناس، فقال : ليس برجل يذكر الناس ! لكنه يقول أنا فلان ابن فلان فاعرفوني، فأرسل إليه فقال : أتعرف الناسخ من المنسوخ ؟ ! فقال : لا، قال : فاخرج من مسجدنا ولا تذكر فيه. وفي رواية أخرى : أعلمت الناسخ والمنسوخ ؟ قال : لا، قال : هلكت وأهلكت !. ومثله عن ابن عباس رضي الله عنهما. 
الثالثة : النسخ في كلام العرب على وجهين :
\[ أحدهما \] النقل، كنقل كتاب من آخر. وعلى هذا يكون القرآن كله منسوخا، أعني من اللوح المحفوظ وإنزاله إلى بيت العزة في السماء الدنيا، وهذا لا مدخل له في هذه الآية، ومنه قوله تعالى : إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون[(٢)](#foonote-٢)  \[ الجاثية : ٢٩ \] أي نأمر بنسخه وإثباته. 
الثاني : الإبطال والإزالة، وهو المقصود هنا، وهو منقسم في اللغة على ضربين : أحدهما : إبطال الشيء وزواله وإقامة آخر مقامه، ومنه نسخت الشمس الظل إذا أذهبته وحلت محله، وهو معنى قوله تعالى : ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها . وفي صحيح مسلم :" لم تكن نبوة قط إلا تناسخت "، أي تحولت من حال إلى حال، يعني أمر الأمة. قال ابن فارس : النسخ نسخ الكتاب، والنسخ : أن تزيل أمرا كان من قبل يعمل به ثم تنسخه بحادث غيره، كالآية تنزل بأمر ثم ينسخ بأخرى. وكل شيء خلف شيئا فقد انتسخه، يقال : انتسخت الشمس الظل، والشيب الشباب. وتناسخ الورثة : أن تموت ورثة بعد ورثة وأصل الميراث قائم لم يقسم، وكذلك تناسخ الأزمنة والقرون. 
الثاني : إزالة الشيء دون أن يقوم آخر مقامه، كقولهم : نسخت الريح الأثر، ومن هذا المعنى قوله تعالى فينسخ الله ما يلقي الشيطان[(٣)](#foonote-٣)  \[ الحج : ٥٢ \] أي يزيله فلا يتلى ولا يثبت في المصحف بدله. وزعم أبو عبيد أن هذا النسخ الثاني قد كان ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم السورة فترفع فلا تتلى ولا تكتب. 
قلت : ومنه ما روي عن أبي بن كعب وعائشة رضي الله عنهما أن سورة " الأحزاب " كانت تعدل سورة البقرة في الطول، على ما يأتي مبينا هناك[(٤)](#foonote-٤) إن شاء الله تعالى. ومما يدل على هذا ما ذكره أبو بكر الأنباري حدثنا أبي حدثنا نصر بن داود حدثنا أبو عبيد حدثنا عبدالله بن صالح عن الليث عن يونس وعقيل عن ابن شهاب قال : حدثني أبو أمامة بن سهل بن حنيف في مجلس سعيد بن المسيب أن رجلا قام من الليل ليقرأ سورة من القرآن فلم يقدر على شيء منها، وقام آخر فلم يقدر على شيء منها، فغدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أحدهم : قمت الليلة يا رسول الله لأقرأ سورة من القرآن فلم أقدر على شيء منها، فقام الآخر فقال : وأنا والله كذلك يا رسول الله، فقام الآخر فقال : وأنا والله كذلك يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إنها مما نسخ الله البارحة " . وفي إحدى الروايات : وسعيد بن المسيب يسمع ما يحدث به أبو أمامة فلا ينكره. 
الرابعة : أنكرت طوائف من المنتمين للإسلام المتأخرين جوازه، وهم محجوجون بإجماع السلف السابق على وقوعه في الشريعة. وأنكرته أيضا طوائف من اليهود، وهم محجوجون بما جاء في توراتهم بزعمهم أن الله تعالى قال لنوح عليه السلام عند خروجه من السفينة : إني قد جعلت كل دابة مأكلا لك ولذريتك، وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب، ما خلا الدم فلا تأكلوه. ثم حرم على موسى وعلى بني إسرائيل كثيرا من الحيوان، وبما كان آدم عليه السلام يزوج الأخ من الأخت، وقد حرم الله ذلك على موسى عليه السلام وعلى غيره، وبأن إبراهيم الخليل أمر بذبح ابنه ثم قال له : لا تذبحه، وبأن موسى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا من عبد منهم العجل، ثم أمرهم برفع السيف عنهم، وبأن نبوته غير متعبد بها قبل بعثه، ثم تعبد بها بعد ذلك، إلى غير ذلك. وليس هذا من باب البداء بل هو نقل العباد من عبادة إلى عبادة، وحكم إلى حكم، لضرب من المصلحة، إظهارا لحكمته وكمال مملكته. ولا خلاف بين العقلاء أن شرائع الأنبياء قصد بها مصالح الخلق الدينية والدنيوية، وإنما كان يلزم البداء لو لم يكن عالما بمآل الأمور، وأما العالم بذلك فإنما تتبدل خطاباته بحسب تبدل المصالح، كالطبيب المراعي أحوال العليل، فراعى ذلك في خليقته بمشيئته وإرادته، لا إله إلا هو، فخطابه يتبدل، وعلمه وإرادته لا تتغير، فإن ذلك محال في جهة الله تعالى. 
وجعلت اليهود النسخ والبداء شيئا واحدا، ولذلك لم يجوزوه فضلوا. قال النحاس : والفرق بين النسخ والبداء أن النسخ تحويل العبادة من شيء إلى شيء قد كان حلالا فيحرم، أو كان حراما فيحلل. وأما البداء فهو ترك ما عزم عليه، كقولك : امض إلى فلان اليوم، ثم تقول لا تمض إليه، فيبدو لك العدول عن القول الأول، وهذا يلحق البشر لنقصانهم. وكذلك إن قلت : ازرع كذا في هذه السنة، ثم قلت : لا تفعل، فهو البداء. 
الخامسة : اعلم أن الناسخ على الحقيقة هو الله تعالى، ويسمى الخطاب الشرعي ناسخا تجوزا، إذ به يقع النسخ، كما قد يتجوز فيسمى المحكوم فيه ناسخا، فيقال : صوم رمضان ناسخ لصوم عاشوراء، فالمنسوخ هو المزال، والمنسوخ عنه هو المتعبد بالعبادة المزالة، وهو المكلف. 
السادسة : اختلفت عبارات أئمتنا في حد الناسخ، فالذي عليه الحذاق من أهل السنة أنه إزالة ما قد استقر من الحكم الشرعي بخطاب وارد متراخيا، هكذا حده القاضي عبد الوهاب والقاضي أبو بكر، وزادا : لولاه لكان السابق ثابتا، فحافظا على معنى النسخ اللغوي، إذ هو بمعنى الرفع والإزالة، وتحرزا من الحكم العقلي، وذكر الخطاب ليعم وجوه الدلالة من النص والظاهر والمفهوم وغيره، وليخرج القياس والإجماع، إذ لا يتصور النسخ فيهما ولا بهما. وقيدا بالتراخي، لأنه لو اتصل به لكان بيانا لغاية الحكم لا ناسخا، أو يكون آخر الكلام يرفع أوله، كقولك : قم لا تقم. 
السابعة : المنسوخ عند أئمتنا أهل السنة هو الحكم الثابت نفسه لا مثله، كما تقوله المعتزلة بأنه الخطاب الدال على أن مثل الحكم الثابت فيما يستقبل بالنص المتقدم زائل. والذي قادهم إلى ذلك مذهبهم في أن الأوامر مراده، وأن الحسن صفة نفسية للحسن، ومراد الله حسن، وهذا قد أبطله علماؤنا في كتبهم. 
الثامنة : اختلف علماؤنا في الأخبار هل يدخلها النسخ، فالجمهور على أن النسخ إنما هو مختص بالأوامر والنواهي، والخبر لا يدخله النسخ لاستحالة الكذب على الله تعالى. وقيل : إن الخبر إذا تضمن حكما شرعيا جاز نسخه، كقوله تعالى : ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا  \[ النحل : ٦٧ \]. وهناك[(٥)](#foonote-٥) يأتي القول فيه إن شاء الله تعالى. 
التاسعة : التخصيص من العموم يوهم أنه نسخ وليس به ؛ لأن المخصص لم يتناول العموم قط، ولو ثبت تناول العموم لشيء ما ثم أخرج ذلك الشيء عن العموم لكان نسخا لا تخصيصا، والمتقدمون يطلقون على التخصيص نسخا توسعا ومجازا. 
العاشرة : اعلم أنه قد يرد في الشرع أخبار ظاهرها الإطلاق والاستغراق، ويرد تقييدها في موضع آخر فيرتفع ذلك الإطلاق، كقوله تعالى : وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان[(٦)](#foonote-٦)  \[ البقرة : ١٨٦ \]. فهذا الحكم ظاهره خبر عن إجابة كل داع على كل حال، لكن قد جاء ما قيده في موضع آخر، كقوله : فيكشف ما تدعون إليه إن شاء[(٧)](#foonote-٧)  \[ الأنعام : ٤١ \]. فقد يظن من لا بصيرة عنده أن هذا من باب النسخ في الأخبار وليس كذلك، بل هو من باب الإطلاق والتقييد. وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان في موضعها إن شاء الله تعالى. 
الحادية عشرة : قال علماؤنا رحمهم الله تعالى : جائز نسخ الأثقل إلى الأخف، كنسخ الثبوت لعشرة بالثبوت لاثنين[(٨)](#foonote-٨). ويجوز نسخ الأخف إلى الأثقل، كنسخ يوم عاشوراء والأيام المعدودة برمضان، على ما يأتي بيانه في آية الصيام[(٩)](#foonote-٩). وينسخ المثل بمثله ثقلا وخفة، كالقبلة. وينسخ الشيء لا إلى بدل كصدقة النجوى. وينسخ القرآن بالقرآن. والسنة بالعبارة، وهذه العبارة يراد بها الخبر المتواتر القطعي. وينسخ خبر الواحد بخبر الواحد. وحذاق الأئمة على أن القرآن ينسخ بالسنة، وذلك موجود في قوله عليه السلام :" لا وصية لوارث ". وهو ظاهر مسائل مالك. وأبى ذلك الشافعي وأبو الفرج المالكي، والأول أصح، بدليل أن الكل حكم الله تعالى ومن عنده وإن اختلفت في الأسماء. وأيضا فإن الجلد ساقط في حد الزنى عن الثيب الذي يرجم، ولا مسقط لذلك إلا السنة فعل النبي صلى الله عليه وسلم، هذا بين. والحذاق أيضا على أن السنة تنسخ بالقرآن وذلك موجود في القبلة، فإن الصلاة إلى الشام لم تكن في كتاب الله تعالى. وفي قوله تعالى :{ فلا ترجعوهن إلى الكفار
[(١٠)](#foonote-١٠) } \[ الممتحنة : ١٠ \] فإن رجوعهن إنما كان بصلح النبي صلى الله عليه وسلم لقريش. والحذاق على تجويز نسخ القرآن بخبر الواحد عقلا، واختلفوا هل وقع شرعا، فذهب أبو المعالي وغيره إلى وقوعه في نازلة مسجد قباء، على ما يأتي بيانه[(١١)](#foonote-١١)، وأبى ذلك قوم. ولا يصح نسخ نص بقياس، إذ من شروط القياس ألا يخالف نصا. وهذا كله في مدة النبي صلى الله عليه وسلم، وأما بعد موته واستقرار الشريعة فأجمعت الأمة أنه لا نسخ، ولهذا كان الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به إذ انعقاده بعد انقطاع الوحي، فإذا وجدنا إجماعا يخالف نصا فيعلم أن الإجماع استند إلى نص ناسخ لا نعلمه نحن، وأن ذلك النص المخالف متروك العمل به، وأن مقتضاه نسخ وبقي سنة يقرأ ويروى، كما آية عدة السنة[(١٢)](#foonote-١٢) في القرآن تتلى، فتأمل هذا فإنه نفيس، ويكون من باب نسخ الحكم دون التلاوة، ومثله صدقة النجوى. وقد تنسخ التلاوة دون الحكم كآية الرجم. وقد تنسخ التلاوة والحكم معا، ومنه قول الصديق رضي الله عنه : كنا نقرأ " لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر " ومثله كثير. 
والذي عليه الحذاق أن من لم يبلغه الناسخ فهو متعبد بالحكم الأول، كما يأتي بيانه في تحويل القبلة. والحذاق على جواز نسخ الحكم قبل فعله، وهو موجود في قصة الذبيح، وفي فرض خمسين صلاة قبل فعلها بخمس، على ما يأتي بيانه في " الإسراء[(١٣)](#foonote-١٣) " و " الصافات[(١٤)](#foonote-١٤) "، إن شاء الله تعالى. 
الثانية عشرة : لمعرفة الناسخ طرق، منها - أن يكون في اللفظ ما يدل عليه، كقوله عليه السلام :" كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ونهيتكم ع

١ راجع ج ١٠ ص ١٧٦..
٢ راجع ج ١٦ ص ١٧٥.
٣ راجع ج ١٦ ص ٧٩.
٤ راجع ج ١٤ ص ١١٣..
٥ راجع ج ١٠ ص ١٢٧.
٦ ص ٣٠٨ من هذا الجزء..
٧ ج ٦ ص ٤٢٣.
٨ وهو أن الله تعالى نسخ وقوف الواحد للعشرة في الجهاد بثبوته لاثنين..
٩ ص ٢٧٥ من هذا الجزء..
١٠ راجع ج ١٨ ص ٦٣.
١١ ج ٨ ص ٢٥٩.
١٢ يريد قوله تعالى: ""متاعا إلى الحول... " فإنه قد نسخ حكمها وبقيت تلاوتها. راجع ج ٣ ص ٢١٠.
١٣ ج ١٠ ص ٢١٠.
١٤ ج ١٥ ص ١٠٧..

### الآية 2:107

> ﻿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [2:107]

قوله تعالى : ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض  " ألم تعلم " جزم بلم، وحروف الاستفهام لا تغير عمل العامل، وفتحت " أن " لأنها في موضع نصب.  له ملك السماوات والأرض  أي بالإيجاد والاختراع، والملك والسلطان، ونفوذ الأمر والإرادة. وارتفع " ملك " بالابتداء، والخبر " له " والجملة خبر " أن ". والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته. 
قوله تعالى : وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير  المعنى أي قل لهم يا محمد ألم تعلموا أن لله سلطان السموات والأرض وما لكم من دون الله من ولي، من وليت أمر فلان، أي قمت به، ومنه ولي العهد، أي القيم بما عهد إليه من أمر المسلمين. ومعنى  من دون الله  سوى الله وبعد الله، كما قال أمية بن أبي الصلت :

 يا نفس ما لك دون الله من واق  وما على حَدَثَانِ الدهر من باقوقراءة الجماعة  ولا نصير  بالخفض عطفا على " ولي " ويجوز " ولا نصير " بالرفع عطفا على الموضع، لأن المعنى ما لكم من دون الله ولي ولا نصير.

### الآية 2:108

> ﻿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِنْ قَبْلُ ۗ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [2:108]

قوله تعالى : أم تريدون  هذه " أم " المنقطعة التي بمعنى بل، أي بل تريدون، ومعنى الكلام التوبيخ. 
 أن تسألوا رسولكم  في موضع نصب " تريدون ". " كما سئل موسى من قبل " الكاف في موضع نصب نعت لمصدر، أي سؤال كما. و " موسى " في موضع رفع على ما لم يسم فاعله. " من قبل " : سؤالهم إياه أن يريهم الله جهرة، وسألوا محمدا أن يأتي بالله والملائكة قبيلا. عن ابن عباس ومجاهد : سألوا أن يجعل لهم الصفا ذهبا. وقرأ الحسن " كما سيل "، وهذا على لغة من قال : سلت أسأل، ويجوز أن يكون على بدل الهمزة ياء ساكنة على غير قياس فانكسرت السين قبلها. قال النحاس : بدل الهمزة بعيد. 
قوله تعالى : ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل  والسواء من كل شيء : الوسط. قاله أبو عبيدة معمر بن المثنى، ومنه قوله : في سواء الجحيم  \[ الصافات : ٥٥ \]. وحكى عيسى بن عمر قال : ما زلت أكتب حتى انقطع سوائي. 
 وأنشد قول حسان يرثي رسول الله صلى الله عليه وسلم :

يا ويح أصحابِ النبي ورهطه  بعد المغيب في سواء الملحدوقيل : السواء القصد، عن الفراء، أي ذهب عن قصد الطريق وسمته، أي طريق طاعة الله عز وجل. وعن ابن عباس أيضا أن سبب نزول هذه الآية أن رافع بن خزيمة ووهب بن زيد قالا للنبي صلى الله عليه وسلم : ائتنا بكتاب من السماء نقرؤه، وفجر لنا أنهارا نتبعك.

### الآية 2:109

> ﻿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ۖ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2:109]

قوله تعالى : ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق  فيها مسألتان :
الأولى :" ود " تمنى، وقد تقدم[(١)](#foonote-١). " كفارا " مفعول ثان ب " يردونكم ". " من عند أنفسهم " قيل : هو متعلق " بود ". وقيل : ب " حسدا "، فالوقف على قوله :" كفارا ". و " حسدا " مفعول له، أي ودوا ذلك للحسد، أو مصدر دل على ما قبله على الفعل. ومعنى " من عند أنفسهم " أي من تلقائهم من غير أن يجدوه في كتاب ولا أمروا به، ولفظة الحسد تعطى هذا. فجاء " من عند أنفسهم " تأكيدا وإلزاما، كما قال تعالى :
 يقولون بأفواههم[(٢)](#foonote-٢) \[ آل عمران : ١٦٧ \]،  يكتبون الكتاب بأيديهم  \[ البقرة : ٧٩ \]،  ولا طائر يطير بجناحيه[(٣)](#foonote-٣) . 
\[ الأنعام : ٣٨ \]. والآية في اليهود. 
الثانية : الحسد نوعان : مذموم ومحمود، فالمذموم : أن تتمنى زوال نعمة الله عن أخيك المسلم، وسواء تمنيت مع ذلك أن تعود إليك أو لا، وهذا النوع الذي ذمه الله تعالى في كتابه بقوله : أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله[(٤)](#foonote-٤)  \[ النساء : ٥٤ \] وإنما كان مذموما لأن فيه تسفيه الحق سبحانه، وأنه أنعم على من لا يستحق. وأما المحمود فهو ما جاء في صحيح الحديث من قوله عليه السلام :" لا حسد إلا في اثنين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار ". وهذا الحسد معناه الغبطة. وكذلك ترجم عليه البخاري " باب الاغتباط في العلم والحكمة ". وحقيقتها : أن تتمنى أن يكون لك ما لأخيك المسلم من الخير والنعمة ولا يزول عنه خيره، وقد يجوز أن يسمى هذا منافسة، ومنه قوله تعالى : وفي ذلك فليتنافس المتنافسون[(٥)](#foonote-٥)  \[ المطففين : ٢٦ \] أي  من بعد ما تبين لهم الحق  أي من بعد ما تبين الحق لهم وهو محمد صلى الله عليه وسلم، والقرآن الذي جاء به. 
قوله تعالى : فاعفوا واصفحوا  فيه مسألتان :
الأولى : قوله تعالى : فاعفوا  والأصل اعفووا، حذفت الضمة لثقلها، ثم حذفت الواو لالتقاء الساكنين. والعفو : ترك المؤاخذة بالذنب. والصفح : إزالة أثره من النفس. صفحت عن فلان إذا أعرضت عن ذنبه. وقد ضربت عنه صفحا إذا أعرضت عنه وتركته، ومنه قوله تعالى :
 أفنضرب عنكم الذكر صفحا[(٦)](#foonote-٦)  \[ الزخرف : ٥ \]. 
الثانية : هذه الآية منسوخة بقوله : قاتلوا الذين لا يؤمنون  \[ التوبة : ٢٩ \] إلى قوله : صاغرون[(٧)](#foonote-٧)  \[ التوبة : ٢٩ \] عن ابن عباس. وقيل : الناسخ لها  فاقتلوا المشركين[(٨)](#foonote-٨)  \[ التوبة : ٥ \]. قال أبو عبيدة : كل آية فيها ترك للقتال فهي مكية منسوخة بالقتال. قال ابن عطية : وحكمه بأن هذه الآية مكية ضعيف، لأن معاندات اليهود إنما كانت بالمدينة. 
قلت : وهو الصحيح، روى البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار عليه قطيفة فدكية[(٩)](#foonote-٩) وأسامة وراءه، يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر، فسارا حتى مرا بمجلس فيه عبد الله بن أبي ابن سلول[(١٠)](#foonote-١٠) - وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي - فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفي المسلمين عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة[(١١)](#foonote-١١) الدابة خمَّر[(١٢)](#foonote-١٢) ابن أبي أنفه بردائه وقال : لا تغبروا علينا ! فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وقف فنزل، فدعاهم إلى الله تعالى وقرأ عليهم القرآن، فقال له عبدالله بن أبي بن سلول : أيها المرء، لا أحسن مما تقول إن كان حقا ! فلا تؤذنا به في مجالسنا، \[ ارجع إلى رحلك \] فمن جاءك فاقصص عليه. قال عبدالله بن رواحة : بلى يا رسول الله، فاغشنا في مجالسنا، فإنا نحب ذلك. فاستتب المشركون والمسلمون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكنوا، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( \[ يا سعد \][(١٣)](#foonote-١٣) ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب - يريد عبدالله بن أبي - قال كذا وكذا ) فقال : أي رسول الله، بأبي أنت وأمي ! اعف عنه واصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب بالحق لقد جاءك الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة[(١٤)](#foonote-١٤) على أن يتوجوه ويعصبوه بالعصابة، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك شرق بذلك، فذلك فعل ما رأيت، فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله تعالى، ويصبرون على الأذى، قال الله عز وجل : ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا[(١٥)](#foonote-١٥)  \[ آل عمران : ١٨٦ \]، وقال : ود كثير من أهل الكتاب  فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأول في العفو عنهم ما أمره الله به حتى أذن له فيهم، فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا فقتل الله به من قتل من صناديد الكفار وسادات قريش، فقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه غانمين منصورين، معهم أسارى من صناديد الكفار وسادات قريش، قال عبدالله بن أبي ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان : هذا أمر قد توجه[(١٦)](#foonote-١٦)، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام، فأسلموا. 
قوله تعالى : حتى يأتي الله بأمره  يعني قتل قريظة وجلاء بني النضير.  إن الله على كل شيء قدير [(١٧)](#foonote-١٧) تقدم ذكره ولله الحمد.

١ راجع ص ٣٤ من هذا الجزء..
٢ راجع ج ٤ ص ٢٦٧.
٣ ج ٦ ص ٤١٩.
٤ ج ٥ ص ٢٥١.
٥ ج ١٩ ص ٢٦٤.
٦ ج ١٦ ص ٦٢.
٧ ج ٨ ص ١٠٩.
٨ ج ٨ ص ٧٢..
٩ فدكية: منسوبة إلى فدك (بالتحريك) قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان..
١٠ سلول: أم عبد الله بن أبي..
١١ العجاج: الغبار..
١٢ خمر أنفه: غطاه..
١٣ زيادة عن صحيحي البخاري ومسلم يقتضيها السياق. والرحل: المنزل..
١٤ البحيرة (تصغير البحرة): مدينة الرسول عليه السلام، وقد جاء في رواية مكبرا..
١٥ راجع ج ٤ ص ٣٠٣.
١٦ أي ظهر وجهه.
١٧ يراجع ج ١ ص ١٦٤ وما بعدها، ٢٢٤، ٣٤٣، وما بعدها، طبعة ثانية..

### الآية 2:110

> ﻿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [2:110]

قوله تعالى : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة  تقدم. والحمد لله تعالى.  وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله  جاء في الحديث " أن العبد إذا مات قال الناس ما خلف وقالت الملائكة ما قدم ". وخرج البخاري والنسائي عن عبدالله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله ". قالوا : يا رسول الله، ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ليس منكم من أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله. مالك ما قدمت ومال وارثك ما أخرت )، لفظ النسائي. ولفظ البخاري : قال عبدالله : قال النبي صلى الله عليه وسلم :" أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله " قالوا : يا رسول الله، ما منا أحد إلا ماله أحب إليه، قال :" فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر " . وجاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه مر ببقيع الغرقد[(١)](#foonote-١) فقال : السلام عليكم أهل القبور، أخبار ما عندنا أن نساءكم قد تزوجن، ودوركم قد سكنت، وأموالكم قد قسمت. فأجابه هاتف : يا ابن الخطاب أخبار ما عندنا أن ما قدمناه وجدناه، وما أنفقناه فقد ربحناه، وما خلفناه فقد خسرناه. 
ولقد أحسن القائل : قدم لنفسك قبل موتك صالحا \*\*\* واعمل فليس إلى الخلود سبيل
وقال آخر : قدم لنفسك توبة مرجوة \*\*\* قبل الممات وقبل حبس الألسن
وقال آخر : ولدتك إذ ولدتك أمك باكيا \*\*\* والقوم حولك يضحكون سرورا
فاعمل ليوم تكون فيه إذا بكوا \*\*\* في يوم موتك ضاحكا مسرورا
وقال آخر : سابق إلى الخير وبادر به \*\*\* فإنما خلفك ما تعلم
 وقدم الخير فكل امرئ \*\*\* على الذي قدمه يقد
**وأحسن من هذا كله قول أبي العتاهية :**
 إسعد بمالك في حياتك \*\*\* إنما يبقى وراءك مصلح أو مفسدُ
 وإذا تركت لمفسد لم يبقه \*\*\* وأخو الصلاح قليله يتزيَّدُ
 وإن استطعت فكن لنفسك وارثا \*\*\* إن المورث نفسه لمسدد
 إن الله بما تعملون بصير  تقدم[(٢)](#foonote-٢).

١ بقيع الغرقد: مقبرة أهل المدينة..
٢ يراجع ص ٣٥ من هذا الجزء..

### الآية 2:111

> ﻿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [2:111]

قوله تعالى : وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم  المعنى : وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا. وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا. وأجاز الفراء أن يكون " هودا " بمعنى يهوديا، حذف منه الزائد، وأن يكون جمع هائد. وقال الأخفش سعيد :" إلا من كان " جعل " كان " واحدا على لفظ " من "، ثم قال هودا فجمع، لأن معنى " من " جمع. ويجوز " تلك أمانيهم " وتقدم[(١)](#foonote-١) الكلام في هذا، والحمد لله. 
قوله تعالى : قل هاتوا برهانكم "  أصل " هاتوا " هاتيوا، حذفت الضمة لثقلها ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، يقال في الواحد المذكر : هات، مثل رام، وفي المؤنث : هاتي، مثل رامي. والبرهان : الدليل الذي يوقع اليقين، وجمعه براهين، مثل قربان وقرابين، وسلطان وسلاطين. قال الطبري : طلب الدليل هنا يقضي إثبات النظر ويرد على من ينفيه. " إن كنتم صادقين " يعني في إيمانكم أو في قولكم تدخلون الجنة، أي بينوا ما قلتم ببرهان.

١ راجع المسألة الثانية ص ٥ من هذا الجزء..

### الآية 2:112

> ﻿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2:112]

ثم قال تعالى : بلى  ردا عليهم وتكذيبا لهم، أي ليس كما تقولون. وقيل : إن " بلى " محمولة على المعنى، كأنه قيل أما يدخل الجنة أحد ؟ فقيل : بلى من أسلم وجهه لله  ومعنى : أسلم  استسلم وخضع. وقيل : أخلص عمله. وخص الوجه بالذكر لكونه أشرف ما يرى من الإنسان، ولأنه موضع الحواس، وفيه يظهر العز والذل. والعرب تخبر بالوجه عن جملة الشيء. ويصح أن يكون الوجه في هذه الآية المقصد.  وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون  جملة في موضع الحال، وعاد الضمير في  وجهه  و له  على لفظ " من " وكذلك  أجره  وعاد في  عليهم  على المعنى، وكذلك في  يحزنون  وقد تقدم[(١)](#foonote-١).

١ راجع ج ١ ص ٢٢٩ طبعة ثانية..

### الآية 2:113

> ﻿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [2:113]

قوله تعالى : وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء . 
معناه ادعى كل فريق منهم أن صاحبه ليس على شيء، وأنه أحق برحمة الله منه. " وهم يتلون الكتاب " يعني التوراة والإنجيل، والجملة في موضع الحال.  كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون  والمراد  بالذين لا يعلمون  في قول الجمهور : كفار العرب، لأنهم لا كتاب لهم. وقال عطاء : المراد أمم كانت قبل اليهود والنصارى. الربيع بن أنس : المعنى كذلك قالت اليهود قبل النصارى. ابن عباس : قدم أهل نجران على النبي صلى الله عليه وسلم فأتتهم أحبار يهود، فتنازعوا عند النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت كل فرقة منهم للأخرى لستم على شيء، فنزلت الآية.

### الآية 2:114

> ﻿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [2:114]

**فيه سبع مسائل :**
الأولى : قوله تعالى : ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها  " ومن " رفع بالابتداء، و " أظلم " خبره، والمعنى لا أحد أظلم. و " أن " في موضع نصب على البدل من " مساجد "، ويجوز أن يكون التقدير : كراهية أن يذكر، ثم حذف. ويجوز أن يكون التقدير : من أن يذكر فيها، وحرف الخفض يحذف مع " أن " لطول الكلام. وأراد بالمساجد هنا بيت المقدس ومحاريبه. وقيل الكعبة، وجمعت لأنها قبلة المساجد أو للتعظيم. وقيل : المراد سائر المساجد، والواحد مسجد ( بكسر الجيم )، ومن العرب من يقول : مسجد، ( بفتحها ). قال الفراء :" كل ما كان على فعل يفعل، مثل دخل يدخل، فالمفعل منه بالفتح اسما كان أو مصدرا، ولا يقع فيه الفرق، مثل دخل يدخل مدخلا، وهذا مدخله، إلا أحرفا من الأسماء ألزموها كسر العين، من ذلك : المسجد والمطلع والمغرب والمشرق والمسقط والمفرق والمجزر والمسكن والمرفق ( من رفق يرفق ) والمنبت والمنسك ( من نسك ينسك )، فجعلوا الكسر علامة للاسم، وربما فتحه بعض العرب في الاسم ". والمسجد ( بالفتح ) : جبهة الرجل حيث يصيبه ندب السجود. والآراب[(١)](#foonote-١) السبعة مساجد، قاله الجوهري. 
الثانية : واختلف الناس في المراد بهذه الآية وفيمن نزلت، فذكر المفسرون أنها نزلت في بخت نصر، لأنه كان أخرب بيت المقدس. وقال ابن عباس وغيره : نزلت في النصارى، والمعنى كيف تدعون أيها النصارى أنكم من أهل الجنة ! وقد خربتم بيت المقدس ومنعتم المصلين من الصلاة فيه. ومعنى الآية على هذا : التعجب من فعل النصارى ببيت المقدس مع تعظيمهم له، وإنما فعلوا ما فعلوا عداوة لليهود. روى سعيد عن قتادة قال : أولئك أعداء الله النصارى. حملهم إبغاض اليهود على أن أعانوا بخت نصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس. وروي أن هذا التخريب بقي إلى زمن عمر رضي الله عنه. وقيل : نزلت في المشركين إذ منعوا المصلين والنبي صلى الله عليه وسلم، وصدوهم عن المسجد الحرام عام الحديبية. وقيل : المراد من منع من كل مسجد إلى يوم القيامة، وهو الصحيح، لأن اللفظ عام ورد بصيغة الجمع، فتخصيصها ببعض المساجد وبعض الأشخاص ضعيف، والله تعالى أعلم. 
الثالثة : خراب المساجد قد يكون حقيقيا كتخريب بخت نصر والنصارى بيت المقدس على ما ذكر أنهم غزوا بني إسرائيل مع بعض ملوكهم - قيل : اسمه نطوس[(٢)](#foonote-٢) بن اسبيسانوس الرومي فيما ذكر الغزنوي - فقتلوا وسبوا، وحرقوا التوراة، وقذفوا في بيت المقدس العذرة وخربوه. 
ويكون مجازا كمنع المشركين المسلمين حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام، وعلى الجملة فتعطيل المساجد عن الصلاة وإظهار شعائر الإسلام فيها خراب لها. 
الرابعة : قال علماؤنا : ولهذا قلنا لا يجوز منع المرأة من الحج إذا كانت ضرورة[(٣)](#foonote-٣)، سواء كان لها محرم أو لم يكن، ولا تمنع أيضا من الصلاة في المساجد ما لم يخف عليها الفتنة، وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم :" لا تمنعوا إماء الله مساجد الله " ولذلك قلنا : لا يجوز نقض المسجد ولا بيعه ولا تعطيله وإن خربت المحلة، ولا يمنع بناء المساجد إلا أن يقصدوا الشقاق والخلاف، بأن يبنوا مسجدا إلى جنب مسجد أو قربه، يريدون بذلك تفريق أهل المسجد الأول وخرابه واختلاف الكلمة، فإن المسجد الثاني ينقض ويمنع من بنيانه، ولذلك قلنا : لا يجوز أن يكون في المصر جامعان، ولا لمسجد واحد إمامان، ولا يصلي في مسجد جماعتان. وسيأتي لهذا كله مزيد بيان في سورة " براءة[(٤)](#foonote-٤) " إن شاء الله تعالى، وفي " النور[(٥)](#foonote-٥) " حكم المساجد وبنائها بحول الله تعالى. ودلت الآية أيضا على تعظيم أمر الصلاة، وأنها لما كانت أفضل الأعمال وأعظمها أجرا كان منعها أعظم إثما. 
الخامسة : كل موضع يمكن أن يعبد الله فيه ويسجد له يسمى مسجدا، قال صلى الله عليه وسلم :" جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا "، أخرجه الأئمة. وأجمعت الأمة على أن البقعة إذا عينت للصلاة بالقول خرجت عن جملة الأملاك المختصة بربها وصارت عامة لجميع المسلمين، فلو بنى رجل في داره مسجدا وحجزه على الناس واختص به لنفسه لبقي على ملكه ولم يخرج إلى حد المسجدية، ولو أباحه للناس كلهم كان حكمه حكم سائر المساجد العامة، وخرج عن اختصاص الأملاك. 
السادسة : قوله تعالى : أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين ، " أولئك " مبتدأ وما بعده خبره. " خائفين " حال، يعني إذا استولى عليها المسلمون وحصلت تحت سلطانهم فلا يتمكن الكافر حينئذ من دخولها. فإن دخلوها، فعلى خوف من إخراج المسلمين لهم، وتأديبهم على دخولها. وفي هذا دليل على أن الكافر ليس له دخول المسجد بحال، على ما يأتي في " براءة " إن شاء الله تعالى. ومن جعل الآية في النصارى روى أنه مر زمان بعد بناء عمر بيت المقدس في الإسلام لا يدخله نصراني إلا أوجع ضربا بعد أن كان متعبدهم. ومن جعلها في قريش قال : كذلك نودي بأمر النبي صلى الله عليه وسلم :" ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان ". وقيل : هو خبر ومقصوده الأمر، أي جاهدوهم واستأصلوهم حتى لا يدخل أحد منهم المسجد الحرام إلا خائفا، كقوله : وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله[(٦)](#foonote-٦)  \[ الأحزاب. ٥٣ \] فإنه نهي ورد بلفظ الخبر. 
السابعة : قوله تعالى : لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم  قيل القتل للحربي، والجزية للذمي، عن قتادة. السدي : الخزي لهم في الدنيا قيام المهدي، وفتح عمورية ورومية وقسطنطينية، وغير ذلك من مدنهم، على ما ذكرناه في كتاب التذكرة. ومن جعلها في قريش جعل الخزي عليهم في الفتح، والعذاب في الآخرة لمن مات منهم كافرا. 
١ الآراب (جمع إرب بكسر فسكون): الأعضاء، والمراد بالسبعة: الجبهة واليدان والركبتان والقدمان.
 .
٢ اضطربت الأصول في رسم هذا الاسم، ففي أ، ح، ز "بطوس" بالباء الموحدة التحتانية، وفي ب: "تطوس" بالتاء المثناة من فوق، وفي ح: "نطوس" بالنون.
 .
٣ الضرورة: التي لم تحج قط.
٤ راجع ج ٨ ص ٣٥٤ و ص ١٠٤.
٥ ج ١٢ ص ٢٦٥.
٦ راجع ج ١٤ ص ٢٢٨..

### الآية 2:115

> ﻿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [2:115]

**فيه مسائل :**
الأولى : قوله تعالى : ولله المشرق والمغرب  " المشرق " موضع الشروق. " والمغرب " موضع الغروب، أي هما له ملك وما بينهما من الجهات والمخلوقات بالإيجاد والاختراع، كما تقدم. وخصهما بالذكر والإضافة إليه تشريفا، نحو بيت الله، وناقة الله، ولأن سبب الآية اقتضى ذلك، على ما يأتي. 
الثانية : قوله تعالى : فأينما تولوا فثم وجه الله  " فأينما تولوا " شرط، ولذلك حذفت النون، و " أين " العاملة، و " ما " زائدة، والجواب " فثم وجه الله ". وقرأ الحسن " تولوا " بفتح التاء واللام، والأصل تتولوا. و " ثم " في موضع نصب على الظرف، ومعناها البعد، إلا أنها مبنية على الفتح غير معربة لأنها مبهمة، تكون بمنزلة هناك للبعد، فإن أردت القرب قلت هنا. 
الثالثة : اختلف العلماء في المعنى الذي نزلت فيه " فأينما تولوا " على خمسة أقوال : فقال عبدالله بن عامر بن ربيعة : نزلت فيمن صلى إلى غير القبلة في ليلة مظلمة، أخرجه الترمذي عنه عن أبيه قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت : فأينما تولوا فثم وجه الله . قال أبو عيسى : هذا حديث ليس إسناده بذاك، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان، وأشعث بن سعيد أبو الربيع يضعف في الحديث. وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى هذا، قالوا : إذا صلى في الغيم لغير القبلة ثم استبان له بعد ذلك أنه صلى لغير القبلة فإن صلاته جائزة، وبه يقول سفيان وابن المبارك وأحمد وإسحاق. 
قلت : وهو قول أبي حنيفة ومالك، غير أن مالكا قال : تستحب له الإعادة في الوقت، وليس ذلك بواجب عليه، لأنه قد أدى فرضه على ما أمر، والكمال يستدرك في الوقت، استدلالا بالسنة فيمن صلى وحده ثم أدرك تلك الصلاة في وقتها في جماعة أنه يعيد معهم، ولا يعيد في الوقت استحبابا إلا من استدبر القبلة أو شرق أو غرب جدا مجتهدا، وأما من تيامن أو تياسر قليلا مجتهدا فلا إعادة عليه في وقت ولا غيره. وقال المغيرة والشافعي : لا يجزيه ؛ لأن القبلة شرط من شروط الصلاة. وما قاله مالك أصح ؛ لأن جهة القبلة تبيح الضرورة تركها في المسايفة، وتبيحها أيضا الرخصة حالة السفر. وقال ابن عمر : نزلت في المسافر يتنفل حيثما توجهت به راحلته. أخرجه مسلم عنه، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه، قال : وفيه نزلت  فأينما تولوا فثم وجه الله . ولا خلاف بين العلماء في جواز النافلة على الراحلة لهذا الحديث وما كان مثله. ولا يجوز لأحد أن يدع القبلة عامدا بوجهة من الوجوه إلا في شدة الخوف، على ما يأتي. 
واختلف قول مالك في المريض يصلي على محمله، فمرة قال : لا يصلي على ظهر البعير فريضة وإن اشتد مرضه. قال سحنون : فإن فعل أعاد، حكاه الباجي. ومرة قال : إن كان ممن لا يصلي بالأرض إلا إيماء فليصل على البعير بعد أن يوقف له ويستقبل القبلة وأجمعوا على أنه لا يجوز لأحد صحيح أن يصلي فريضة إلا بالأرض إلا في الخوف الشديد خاصة، على ما يأتي بيانه. 
واختلف الفقهاء في المسافر سفرا لا تقصر في مثله الصلاة، فقال مالك وأصحابه والثوري : لا يتطوع على الراحلة إلا في سفر تقصر في مثله الصلاة، قالوا : لأن الأسفار التي حكي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يتطوع فيها كانت مما تقصر فيه الصلاة. وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والحسن بن حي والليث بن سعد وداود بن علي : يجوز التطوع على الراحلة خارج المصر في كل سفر، وسواء كان مما تقصر فيه الصلاة أو لا ؛ لأن الآثار ليس فيها تخصيص سفر من سفر، فكل سفر جائز ذلك فيه، إلا أن يخص شيء من الأسفار بما يجب التسليم له. وقال أبو يوسف : يصلي في المصر على الدابة بالإيماء، لحديث يحيى بن سعيد عن أنس بن مالك أنه صلى على حمار في أزقة المدينة يومئ إيماء. وقال الطبري : يجوز لكل راكب وماش حاضرا كان أو مسافرا أن يتنفل على دابته وراحلته وعلى رجليه \[ بالإيماء \]. وحكي عن بعض أصحاب الشافعي أن مذهبهم جواز التنفل على الدابة في الحضر والسفر. وقال الأثرم : قيل لأحمد بن حنبل الصلاة على الدابة في الحضر، فقال : أما في السفر فقد سمعت، وما سمعت في الحضر. قال ابن القاسم : من تنفل في محمله تنفل جالسا، قيامه تربع، يركع واضعا يديه على ركبتيه ثم يرفع رأسه. وقال قتادة : نزلت في النجاشي، وذلك أنه لما مات دعا النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى الصلاة عليه خارج المدينة، فقالوا : كيف نصلي على رجل مات ؟ وهو يصلي لغير قبلتنا، وكان النجاشي ملك الحبشة - واسمه أصحمة وهو بالعربية عطية - يصلي إلى بيت المقدس حتى مات، وقد صرفت القبلة إلى الكعبة فنزلت الآية، ونزل فيه : وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله[(١)](#foonote-١)  \[ آل عمران : ١٩٩ \] فكان هذا عذرا للنجاشي، وكانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه سنة تسع من الهجرة. وقد استدل بهذا من أجاز الصلاة على الغائب، وهو الشافعي. قال ابن العربي : ومن أغرب مسائل الصلاة على الميت ما قال الشافعي : يصلي على الغائب، وقد كنت ببغداد في مجلس الإمام فخر الإسلام فيدخل عليه الرجل من خراسان فيقول له : كيف حال فلان ؟ فيقول له : مات، فيقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ! ثم يقول لنا : قوموا فلأصل لكم، فيقوم فيصلي عليه بنا، وذلك بعد ستة أشهر من المدة، وبينه وبين بلده ستة أشهر. 
والأصل عندهم في ذلك صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي. وقال علماؤنا رحمة الله عليهم : النبي صلى الله عليه وسلم بذلك مخصوص لثلاثة أوجه :
أحدها : أن الأرض دحيت له جنوبا وشمالا حتى رأى نعش النجاشي، كما دحيت له شمالا وجنوبا حتى رأى المسجد الأقصى. وقال المخالف : وأي فائدة في رؤيته، وإنما الفائدة في لحوق بركته. 
الثاني : أن النجاشي لم يكن له هناك ولي من المؤمنين يقوم بالصلاة عليه. قال المخالف : هذا محال عادة ملك على دين لا يكون له اتباع، والتأويل بالمحال محال. 
الثالث : أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد بالصلاة على النجاشي إدخال الرحمة عليه واستئلاف بقية الملوك بعده إذا رأوا الاهتمام به حيا وميتا. قال المخالف : بركة الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم ومن سواه تلحق الميت باتفاق. قال ابن العربي : والذي عندي في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي أنه علم أن النجاشي ومن آمن معه ليس عندهم من سنة الصلاة على الميت أثر، فعلم أنهم سيدفنونه بغير صلاة فبادر إلى الصلاة عليه. 
قلت : والتأويل الأول أحسن، لأنه إذا رآه فما صلى على غائب وإنما صلى على مرئي حاضر، والغائب ما لا يرى. والله تعالى أعلم. 
القول الرابع : قال ابن زيد : كانت اليهود قد استحسنت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس وقالوا : ما اهتدى إلا بنا، فلما حول إلى الكعبة قالت اليهود : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، فنزلت : ولله المشرق والمغرب  فوجه النظم على هذا القول : أن اليهود لما أنكروا أمر القبلة بين الله تعالى أن له أن يتعبد عباده بما شاء، فإن شاء أمرهم بالتوجه إلى بيت المقدس، وإن شاء أمرهم بالتوجه إلى الكعبة، فعل لا حجة[(٢)](#foonote-٢) عليه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. 
القول الخامس : أن الآية منسوخة بقوله : وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره[(٣)](#foonote-٣)  \[ البقرة : ١٤٤ \] ذكره ابن عباس، فكأنه كان يجوز في الابتداء أن يصلي المرء كيف شاء ثم نسخ ذلك. وقال قتادة : الناسخ قوله تعالى : فول وجهك شطر المسجد الحرام  \[ البقرة : ١٤٤ \] أي تلقاءه، حكاه أبو عيسى الترمذي. 
وقول سادس : روي عن مجاهد والضحاك أنها محكمة، المعنى : أينما كنتم من شرق وغرب فثم وجه الله الذي أمرنا باستقباله وهو الكعبة. وعن مجاهد أيضا وابن جبير لما نزلت : ادعوني استجب لكم  قالوا : إلى أين ؟ فنزلت : فأينما تولوا فثم وجه الله . وعن ابن عمر والنخعي : أينما تولوا في أسفاركم ومنصرفاتكم فثم وجه الله. وقيل : هي متصلة بقوله تعالى : ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه  \[ البقرة : ١١٤ \] الآية، فالمعنى أن بلاد لله أيها المؤمنون تسعكم، فلا يمنعكم تخريب من خرب مساجد الله أن تولوا وجوهكم نحو قبلة الله أينما كنتم من أرضه. وقيل : نزلت حين صد النبي صلى الله عليه وسلم عن البيت عام الحديبية فاغتم المسلمون لذلك. فهذه عشرة أقوال. 
ومن جعلها منسوخة فلا اعتراض عليه من جهة كونها خبرا، لأنها محتملة لمعنى الأمر. يحتمل أن يكون معنى  فأينما تولوا فثم وجه الله  : ولوا وجوهكم نحو وجه الله، وهذه الآية هي التي تلا سعيد بن جبير رحمه الله لما أمر الحجاج بذبحه إلى الأرض. 
الرابعة : اختلف الناس في تأويل الوجه المضاف إلى الله تعالى في القرآن والسنة، فقال الحذاق : ذلك راجع إلى الوجود، والعبارة عنه بالوجه من مجاز الكلام، إذ كان الوجه أظهر الأعضاء في الشاهد وأجلها قدرا. وقال ابن فورك : قد تذكر صفة الشيء والمراد بها الموصوف توسعا، كما يقول القائل : رأيت علم فلان اليوم، ونظرت إلى علمه، وإنما يريد بذلك رأيت العالم ونظرت إلى العالم، كذلك إذا ذكر الوجه هنا، والمراد من له الوجه، أي الوجود. وعلى هذا يتأول قوله تعالى : إنما نطعمكم لوجه الله[(٤)](#foonote-٤)  \[ الإنسان : ٩ \] لأن المراد به : لله الذي له الوجه، وكذلك قوله : إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى[(٥)](#foonote-٥)  \[ الليل : ٢٠ \] أي الذي له الوجه. قال ابن عباس : الوجه عبارة عنه عز وجل، كما قال :
 ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام[(٦)](#foonote-٦) \[ الرحمن : ٢٧ \]. وقال بعض الأئمة : تلك صفة ثابتة بالسمع زائدة على ما توجبه العقول من صفات القديم تعالى. قال ابن عطية : وضعف أبو المعالي هذا القول، وهو كذلك ضعيف، وإنما المراد وجوده. وقيل : المراد بالوجه هنا الجهة التي وجهنا إليها أي القبلة. وقيل : الوجه القصد، كما قال الشاعر :أستغفر الله ذنبا لستُ محصيه  ربَّ العباد إليه الوجه والعملوقيل : المعنى فثم رضا الله وثوابه، كما قال : إنما نطعمكم لوجه الله  \[ الإنسان : ٩ \] أي لرضائه وطلب ثوابه، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :
 " من بنى مسجدا يبتغي به وجه لله بنى الله له مثله في الجنة ". وقوله :( يجاء يوم القيامة بصحف مختمة فتنصب بين يدي الله تعالى فيقول عز وجل لملائكته ألقوا هذا واقبلوا هذا فتقول الملائكة وعزتك يا ربنا ما رأينا إلا خيرا وهو أعلم فيقول إن هذا كان لغير وجهي ولا أقبل من العمل إلا ما ابتغي به وجهي ) أي خالصا لي، خرجه الدارقطني. وقيل : المراد فثم الله، والوجه صلة، وهو كقوله :" وهو معكم ". قاله الكلبي والقتبي، ونحوه قول المعتزلة. 
الخامسة : قوله تعالى : إن الله واسع عليم  أي يوسع على عباده في دينهم، ولا يكلفهم ما ليس في وسعهم. وقيل :" واسع " بمعنى أنه يسع علمه كل شيء، كما قال : وسع كل شيء علما[(٧)](#foonote-٧)  \[ طه : ٩٨ \]. وقال الفراء : الواسع هو الجواد الذي يسع عطاؤه كل شيء، دليله قوله تعالى : ورحمتي وسعت كل شيء[(٨)](#foonote-٨) \[ الأعراف : ١٥٦ \]. وقيل : واسع المغفرة أي لا يتعاظمه ذنب. وقيل : متف١ راجع ج ٤ ص ٣٢٢..
٢ في ب، ج، "لا حجر"..
٣ راجع ص ٣١٥٩، ١٦٨ من هذا الجزء..
٤ راجع ج ١٩ ص ١٢٨.
٥ راجع ج ٢٠ ص ٨٨..
٦ راجع ج ١٧ ص ١٦٥.
٧ راجع ج ١١ ص ٢٤٣.
٨ راجع ج ٧ ص ٢٩٦.

### الآية 2:116

> ﻿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۖ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ [2:116]

**فيه خمس مسائل :**
الأولى : قوله تعالى : وقالوا اتخذ الله ولدا  هذا إخبار عن النصارى في قولهم : المسيح ابن الله. وقيل عن اليهود في قولهم : عزير ابن الله. وقيل عن كفرة العرب في قولهم : الملائكة بنات الله. وقد جاء مثل هذه الأخبار عن الجهلة الكفار في " مريم " و\[ الأنبياء[(١)](#foonote-١) \]. 
الثانية : قوله تعالى : سبحانه بل له  الآية. خرج البخاري عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" قال الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان وأما شتمه إياي فقوله لي ولد فسبحاني أن اتخذ صاحبة أو ولدا ". 
الثالثة : سبحان  منصوب على المصدر، ومعناه التبرئة والتنزيه والمحاشاة، من قولهم : اتخذ الله ولدا، بل هو الله تعالى واحد في ذاته، أحد في صفاته، لم يلد فيحتاج إلى صاحبة،  أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء  \[ الأنعام : ١٠١ \] ولم يولد فيكون مسبوقا، جل وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا.  بل له ما في السماوات والأرض  " ما " رفع بالابتداء والخبر في المجرور، أي كل ذلك له ملك بالإيجاد والاختراع. والقائل بأنه اتخذ ولدا داخل في جملة السموات والأرض. وقد تقدم أن معنى سبحان الله : براءة الله من السوء[(٢)](#foonote-٢). 
الرابعة : لا يكون الولد إلا من جنس الوالد، فكيف يكون للحق سبحانه أن يتخذ ولدا من مخلوقاته وهو لا يشبهه شيء، وقد قال : إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا[(٣)](#foonote-٣)  \[ مريم : ٩٣ \]، كما قال هنا : بل له ما في السموات والأرض  فالولدية تقتضي الجنسية والحدوث، والقدم يقتضي الوحدانية والثبوت، فهو سبحانه القديم الأزلي الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. ثم إن البنوة تنافي الرق والعبودية. - على ما يأتي بيانه في سورة " مريم[(٤)](#foonote-٤) " إن شاء الله تعالى - فكيف يكون ولد عبدا هذا محال، وما أدى إلى المحال محال. 
الخامسة : قوله تعالى : كل له قانتون  ابتداء وخبر، والتقدير كلهم، ثم حذف الهاء والميم. " قانتون " أي مطيعون وخاضعون، فالمخلوقات كلها تقنت لله، أي تخضع وتطبع. والجمادات قنوتهم في ظهور الصنعة عليهم وفيهم. فالقنوت الطاعة، والقنوت السكوت، ومنه قول زيد بن أرقم : كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبه إلى جنبه حتى نزلت : وقوموا لله قانتين  \[ البقرة : ٢٣٨ \] فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام. والقنوت : الصلاة، 
قال الشاعر : قانتاً لله يتلو كتبه  وعلى عمد من الناس اعتزلوقال السدي وغيره في قوله : كل له قانتون  أي يوم القيامة. الحسن : كل قائم بالشهادة أنه عبده. والقنوت في اللغة أصله القيام، ومنه الحديث :( أفضل الصلاة طول القنوت ) قاله الزجاج. فالخلق قانتون، أي قائمون بالعبودية إما إقرارا وإما أن يكونوا على خلاف ذلك، فأثر الصنعة بين عليهم. وقيل : أصله الطاعة، ومنه قوله تعالى : والقانتين والقانتات  \[ الأحزاب : ٣٥ \]. وسيأتي لهذا مزيد بيان عند قوله تعالى :
 وقوموا لله قانتين[(٥)](#foonote-٥)  \[ البقرة : ٢٣٨ \]. 
١ راجع ج ١١ ص ١٥٨ فما بعدها وص ٢٨١.
٢ راجع ج ١ ص ٢٧٦ طبعة ثانية.
٣ راجع ج ١١ ص ١٥٨ فما بعدها وص ٢٨١.
٤ راجع ج ١١ ص ١٥٨ فما بعدها وص ٢٨١.
٥ راجع ج ٣ ص ٢١٣..

### الآية 2:117

> ﻿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [2:117]

**فيه ست مسائل :**
الأولى : قوله تعالى : بديع السماوات والأرض  فعيل للمبالغة، وارتفع على خبر ابتداء محذوف، واسم الفاعل مبدع، كبصير من مبصر. أبدعت الشيء لا عن مثال، فالله عز وجل بديع السموات والأرض، أي منشئها وموجدها ومبدعها ومخترعها على غير حد ولا مثال. وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه قيل له مبدع، ومنه أصحاب البدع. وسميت البدعة بدعة لأن قائلها ابتدعها من غير فعل أو مقال إمام، وفي البخاري :" ونعمت البدعة هذه " يعني قيام رمضان. 
الثانية : كل بدعة صدرت من مخلوق فلا يجوز أن يكون لها أصل في الشرع أولا، فإن كان لها أصل كانت واقعة تحت عموم ما ندب الله إليه وخص رسول عليه، فهي في حيز المدح. وإن لم يكن مثاله موجودا كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف، فهذا فعله من الأفعال المحمودة، وإن لم يكن الفاعل قد سبق إليه. ويعضد هذا قول عمر رضي الله عنه : نعمت البدعة[(١)](#foonote-١) هذه، لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح، وهي وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد صلاها إلا أنه تركها ولم يحافظ عليها، ولا جمع الناس، عليها، فمحافظة عمر رضي الله عنه عليها، وجمع الناس لها، وندبهم إليها، بدعة لكنها بدعة محمودة ممدوحة. وإن كانت في خلاف ما أمر الله به ورسول فهي في حيز الذم والإنكار، قال معناه الخطابي وغيره. 
قلت : وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم في خطبته :" وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة " يريد ما لم يوافق كتابا أو سنة، أو عمل الصحابة رضي الله عنهم، وقد بين هذا بقول :" من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ". وهذا إشارة إلى ما ابتدع من قبيح وحسن، وهو أصل هذا الباب، وبالله العصمة والتوفيق، لا رب غيره. 
الثالثة : قوله تعالى :" وإذا قضى } أي إذا أراد إحكامه وإتقانه - كما سبق في علمه - قال له كن. قال ابن عرفة : قضاء الشيء إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه، ومنه سمي القاضي، لأنه إذا حكم فقد فرغ مما ببن الخصمين. وقال الأزهري : قضى في اللغة على وجوه، مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه. 
قال أبو ذؤيب : وعليهما مسرودتان قضاهما  داود أو صَنَعُ السوابغ تُبَّعُ[(٢)](#foonote-٢)وقال الشماخ في عمر بن الخطاب رضي الله عنه : قضيتَ أمورا ثم غادرت بعدها  بواثق في أكمامها لم تُفَتَّقِقال علماؤنا : قضى  لفظ مشترك، يكون بمعنى الخلق، قال الله تعالى : فقضاهن سبع سماوات في يومين[(٣)](#foonote-٣)  \[ فصلت : ١٢ \] أي خلقهن. ويكون بمعنى الإعلام، قال الله تعالى : وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب[(٤)](#foonote-٤)  \[ الإسراء : ٤ \] أي أعلمنا. ويكون بمعنى الأمر، كقوله تعالى : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه[(٥)](#foonote-٥)  \[ الإسراء : ٢٣ \]. ويكون بمعنى الإلزام وإمضاء الأحكام، ومنه سمي الحاكم قاضيا. ويكون بمعنى توفية الحق، قال الله تعالى : فلما قضى موسى الأجل[(٦)](#foonote-٦)  \[ القصص : ٢٩ \]. ويكون بمعنى الإرادة، كقوله تعالى : فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون  \[ غافر : ٦٨ \] أي إذا أراد خلق شيء. قال ابن عطية :" قضى " معناه قدر، وقد يجيء بمعنى أمضى، ويتجه في هذه الآية المعنيان على مذهب أهل السنة قدر في الأزل وأمضى فيه. وعلى مذهب المعتزلة أمضى عند الخلق والإيجاد. 
الرابعة : قوله تعالى : أمرا  الأمر واحد الأمور، وليس بمصدر أمر يأمر. قال علماؤنا : والأمر في القرآن يتصرف على أربعة عشر وجها :
الأول : الدين، قال الله تعالى : حتى جاء الحق وظهر أمر الله[(٧)](#foonote-٧)  \[ التوبة : ٤٨ \] يعني دين الله الإسلام. 
الثاني : القول، ومنه قوله تعالى : فإذا جاء أمرنا  يعني قولنا، وقوله : فتنازعوا أمرهم بينهم  \[ طه : ٦٢ \] يعني قولهم. 
الثالث : العذاب، ومنه قوله تعالى : لما قضي الأمر[(٨)](#foonote-٨)  \[ إبراهيم : ٢٢ \] يعني لما وجب العذاب بأهل النار. 
الرابع : عيسى عليه السلام، قال الله تعالى : إذا قضى أمرا[(٩)](#foonote-٩)  \[ آل عمران : ٤٧ \] يعني عيسى، وكان في علمه أن يكون من غير أب. 
الخامس : القتل ببدر، قال الله تعالى : فإذا جاء أمر الله[(١٠)](#foonote-١٠)  \[ غافر : ٧٨ \] يعني القتل ببدر، وقوله تعالى : ليقضي الله أمرا كان مفعولا[(١١)](#foonote-١١) \[ الأنفال : ٤٢ \] يعني قتل كفار مكة. 
السادس : فتح مكة، قال الله تعالى : فتربصوا حتى يأتي الله بأمره[(١٢)](#foonote-١٢) \[ التوبة : ٢٤ \] يعني فتح مكة. 
السابع : قتل قريظة وجلاء بني الضير، قال الله تعالى : فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره  \[ البقرة : ١٠٩ \]. 
الثامن : القيامة، قال الله تعالى : أتى أمر الله  \[ النحل : ١ \]. 
التاسع : القضاء، قال الله تعالى : يدبر الأمر  \[ يونس : ٣ \] يعني القضاء. 
العاشر : الوحي، قال الله تعالى : يدبر الأمر من السماء إلى الأرض \[ السجدة : ٥ \] يقول : ينزل الوحي من السماء إلى الأرض، وقوله : يتنزل الأمر بينهن \[ الطلاق : ١٢ \] يعني الوحي. 
الحادي عشر : أمر الخلق، قال الله تعالى : ألا إلى الله تصير الأمور  \[ الشورى : ٥٣ \] يعني أمور الخلائق. 
الثاني عشر : النصر، قال الله تعالى : يقولون هل لنا من الأمر من شيء  \[ آل عمران : ١٥٤ \] يعنون النصر،  قل إن الأمر كله لله  
\[ آل عمران : ١٥٤ \] يعني النصر. 
الثالث عشر : الذنب، قال الله تعالى : فذاقت وبال أمرها  \[ الطلاق : ٩ \] يعني جزاء ذنبها. 
الرابع عشر : الشأن والفعل، قال الله تعالى : وما أمر فرعون برشيد  \[ هود : ٩٧ \] أي فعله وشأنه، وقال : فليحذر الذين يخالفون عن أمره  \[ النور : ٦٣ \] أي فعله. 
الخامسة : قوله تعالى : فإنما يقول له كن  قيل : الكاف من كينونه، والنون من نوره، وهي المراد بقوله عليه السلام :" أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ". ويروى :" بكلمة الله التامة " على الإفراد. فالجمع لما كانت هذه الكلمة في الأمور كلها، فإذا قال لكل أمر كن، ولكل شيء كن، فهن كلمات. يدل على هذا ما روي عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكى عن الله تعالى :" عطائي كلام وعذابي كلام ". خرجه الترمذي في حديث فيه طول. والكلمة على الإفراد بمعنى الكلمات أيضا، لكن لما تفرقت الكلمة الواحدة في الأمور في الأوقات صارت كلمات ومرجعهن إلى كلمة واحدة. وإنما قيل " تامة " لأن أقل الكلام عند أهل اللغة على ثلاثة أحرف : حرف مبتدأ، وحرف تحشى به الكلمة، وحرف يسكت عليه. وإذا كان على حرفين فهو عندهم منقوص، كيد ودم وفم، وإنما نقص لعلة. فهي من الآدميين المنقوصات لأنها على حرفين، ولأنها كلمة ملفوظة بالأدوات. ومن ربنا تبارك وتعالى تامة، لأنها بغير الأدوات، تعالى عن شبه المخلوقين. 
السادسة : قوله تعالى : فيكون  قرئ برفع النون على الاستئناف. قال سيبويه. فهو يكون، أو فإنه يكون. وقال غيره : هو معطوف على 
 يقول ، فعلى الأول كائنا بعد الأمر، وإن كان معدوما فإنه بمنزلة الموجود إذا هو عنده معلوم، على ما يأتي بيانه. وعلى الثاني كائنا مع الأمر، واختاره الطبري وقال : أمره للشيء ب  كن  لا يتقدم الوجود ولا يتأخر عنه، فلا يكون الشيء مأمورا بالوجود إلا وهو موجود بالأمر، ولا موجودا إلا وهو مأمور بالوجود، على ما يأتي بيانه. قال : ونظيره قيام الناس من قبورهم لا يتقدم دعاء الله ولا يتأخر عنه، كما قال : ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون[(١٣)](#foonote-١٣) \[ الروم : ٢٥ \]. وضعف ابن عطية هذا القول وقال : هو خطأ من جهة المعنى ؛ لأنه يقتضي أن القول[(١٤)](#foonote-١٤) مع التكوين والوجود. 
وتلخيص المعتقد في هذه الآية : أن الله عز وجل لم يزل آمرا للمعدومات بشرط وجودها، قادرا مع تأخر المقدورات، عالما مع تأخر المعلومات. فكل ما في الآية يقتضي الاستقبال فهو بحسب المأمورات، إذ المحدثات تجيء بعد أن لم تكن. وكل ما يسند إلى الله تعالى من قدرة وعلم فهو قديم ولم يزل. والمعنى الذي تقتضيه عبارة " كن " : هو قديم قائم بالذات. 
وقال أبو الحسن الماوردي فإن قيل : ففي أي حال يقول له كن فيكون ؟ أفي حال عدمه، أم في حال وجوده ؟ فإن كان في حال عدمه استحال أن يأمر إلا مأمورا، كما يستحيل أن يكون الأمر إلا من آمر، وإن كان في حال وجوده فتلك حال لا يجوز أن يأمر فيها بالوجود والحدوث، لأنه موجود حادث ؟ قيل عن هذا السؤال أجوبة ثلاثة :
أحدها : أنه خبر من الله تعالى عن نفوذ أوامره في خلقه الموجود، كما أمر في بني إسرائيل أن يكونوا قردة خاسئين، ولا يكون هذا واردا في إيجاد المعدومات. 
الثاني : أن الله عز وجل عالم هو كائن قبل كونه، فكانت الأشياء التي لم تكن وهي كائنة بعلمه قبل كونها مشابهة للتي هي موجودة، فجاز أن يقول لها : كوني. ويأمرها بالخروج من حال العدم إلى حال الوجود، لتصور جميعها له ولعلمه بها في حال العدم. 
الثالث : أن ذلك خبر من الله تعالى عام عن جميع ما يحدثه ويكونه إذا أراد خلقه وإنشاءه كان، ووجد من غير أن يكون هناك قول يقوله، وإنما هو قضاء يريده، فعبر عنه بالقول وإن لم يكن قولا، كقول أبي النجم : قد قالت الأنساعُ للبطن الْحَقِ. 
ولا قول هناك، وإنما أراد أن الظهر قد لحق بالبطن، وكقول عمرو بن حممة الدوسي :
فأصبحت مثل النسر طارت فراخه\*\*\* إذا رام تَطْيَاراً يقال له قَع
وكما قال الآخر : قالت جناحاه لساقيه الحقا  ونجّيا لحمكما أن يمزقا١ يريد: قيام رمضان..
٢ مسرودتان: درعان مخزونتان. والصنع: الحاذق بالعمل..
٣ راجع ج ١٥ ص ٣٤٥.
٤ راجع ج ١٥ ص ٣٤٥.
٥ راجعة ج ١٠ ص ٢١٤، ٢٣٦.
٦ راجع ج ١٣ ص ٢٨٠..
٧ راجع ج ٨ ص ١٥٧.
٨ راجع ج ٩ ص ٣٥٦.
٩ راجع ج ٤ ص ٩٣.
١٠ راجع ج ١٥ ص ٣٣٤.
١١ راجع ج ٨ ص ٢٢.
١٢ راجع ج ٨ ص ٩٥.
١٣ راجع ج ١٤ ص ١٩.
١٤ في ا: "من جهة التكوين"..

### الآية 2:118

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [2:118]

قوله تعالى : وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية  قال ابن عباس : هم اليهود. مجاهد : النصارى، ورجحه الطبري ؛ لأنهم المذكورون في الآية أولا. وقال الربيع والسدي وقتادة : مشركو العرب. و لولا  بمعنى : هلا، تحضيض، كما قال الأشهب بن رميلة[(١)](#foonote-١) :
تعُدُّون عَقْرَ النِّيب أفضل مجدكم\*\*\* بَنِي ضَوْطَرَى لولا الكَمِيّ المُقَنَّعَا
وليست هذه " لولا " التي تعطي منع الشيء لوجود غيره، والفرق بينهما عند علماء اللسان أن " لولا " بمعنى التحضيض لا يليها إلا الفعل مظهرا أو مقدرا، والتي للامتناع يليها الابتداء، وجرت العادة بحذف الخبر. ومعنى الكلام هلا يكلمنا الله بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم فنعلم أنه نبي فنؤمن به، أو يأتينا بآية تكون علامة على نبوته. والآية : الدلالة والعلامة، وقد تقدم[(٢)](#foonote-٢).  كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم ، 
 الذين من قبلهم  اليهود والنصارى في قول من جعل الذين لا يعلمون كفار العرب، أو الأمم السالفة في قول من جعل الذين لا يعلمون  اليهود والنصارى، أو اليهود في قول من جعل " الذين لا يعلمون " النصارى. " تشابهت قلوبهم " قيل : في التعنيت والاقتراح وترك الإيمان. وقال الفراء.  تشابهت قلوبهم  في اتفاقهم على الكفر.  قد بينا الآيات لقوم يوقنون  تقدم[(٣)](#foonote-٣).

١ كذا في الأصول. وقال البغدادي صاحب خزانة الأدب: نسبة ابن الشجري في أماليه للأشهب، والصحيح أنه من قصيدة لجرير، لا خلاف بين الرواة أنها له، وهي جواب عن قصيدة تقدمت للفرزدق على قافيتها". وقضية عقر الإبل مشهورة في التواريخ. والنيب (بكسر النون وسكون الياء جمع ناب): الناقة المسنة: وضوطرى: قيل الرجل الضخم اللئيم الذي لا غناء عنده. وقيل: الحمقى. والكمي: الشجاع. والمقنع: الذي على رأسه البيضة والمغفر. راجع خزانة الأدب في الشاهد الرابع والستين بعد المائة. وكتاب المغنى في "لولا"والنقائض ص ٨٣٣ طبع أوربا، وذيل أمالي القالي..
٢ راجع ج ١ ص ٦٦٦ طبعة ثانية..
٣ راجع ج ١ ص ١٨٠ طبعة ثانية..

### الآية 2:119

> ﻿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۖ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ [2:119]

قوله تعالى : إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ،  بشيرا  نصب على الحال،  ونذيرا  عطف عليه، قد تقدم معناهما[(١)](#foonote-١).  ولا تسأل عن أصحاب الجحيم ، قال مقاتل : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لو أنزل الله بأسه باليهود لآمنوا ، فأنزل الله تعالى : ولا تسأل عن أصحاب الجحيم ، برفع تسأل، وهي قراءة الجمهور، ويكون في موضع الحال بعطفه على  بشيرا ونذيرا . والمعنى إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا غير مسؤول. وقال سعيد الأخفش : ولا تسأل ( بفتح التاء وضم اللام )، ويكون في موضع الحال عطفا على  بشيرا ونذيرا . والمعنى : إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا غير سائل عنهم ؛ لأن علم الله بكفرهم بعد إنذارهم يغني عن سؤاله عنهم. هذا معنى غير سائل. ومعنى غير مسؤول لا يكون مؤاخذا بكفر من كفر بعد التبشير والإنذار. وقال ابن عباس ومحمد بن كعب : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ذات يوم :
 " ليت شعري ما فعل أبواي ". فنزلت هذه الآية، وهذا على قراءة من قرأ : ولا تسأل  جزما على النهي، وهي قراءة نافع وحده، وفيه وجهان :
أحدهما : أنه نهى عن السؤال عمن عصى وكفر من الأحياء ؛ لأنه قد يتغير حاله فينتقل عن الكفر إلى الإيمان، وعن المعصية إلى الطاعة. 
والثاني : وهو الأظهر، أنه نهى عن السؤال عمن مات على كفره ومعصيته، تعظيما لحاله وتغليظا لشأنه، وهذا كما يقال : لا تسأل عن فلان ! أي قد بلغ فوق ما تحسب. وقرأ ابن مسعود " ولن تسأل ". وقرأ أبي " وما تسأل "، ومعناهما موافق لقراءة الجمهور، نفى أن يكون مسؤولا عنهم. وقيل : إنما سأل أي أبويه أحدث موتا، فنزلت. وقد ذكرنا في كتاب " التذكرة " أن الله تعالى أحيا له أباه وأمه وآمنا به، وذكرنا قول عليه السلام للرجل :: " إن أبي وأباك في النار " وبينا ذلك، والحمد لله.

١ راجع ج ١ ص ١٨٤، ٢٣٨، طبعة ثانية..

### الآية 2:120

> ﻿وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [2:120]

قوله تعالى ::  ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم  فيه مسألتان :
الأولى : قوله تعالى : ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم  المعنى : ليس غرضهم يا محمد بما يقترحون من الآيات أن يؤمنوا، بل لو أتيتهم بكل ما يسألون لم يرضوا عنك، وإنما يرضيهم ترك ما أنت عليه من الإسلام واتباعهم. يقال : رضي يرضى رِضا ورُضا ورُضوانا ورِضوانا ومَرضاة، وهو من ذوات الواو، ويقال في التثنية : رِضَوَان، وحكى الكسائي : رِضَيان. وحكي رضاء ممدود، وكأنه مصدر راضى يراضي مُراضاة ورِضاء.  تتبع  منصوب بأن ولكنها لا تظهر مع حتى، قاله الخليل. وذلك أن حتى خافضة للاسم، كقوله : حتى مطلع الفجر  
\[ القدر : ٥ \] وما يعمل في الاسم لا يعمل في الفعل البتة، وما يخفض اسما لا ينصب شيئا. وقال النحاس :" تتبع " منصوب بحتى، و " حتى " بدل من أن. والملة : اسم لما شرعه الله لعباده في كتبه وعلى ألسنة رسله. فكانت الملة والشريعة سواء، فأما الدين فقد فرق بينه وبين الملة والشريعة، فإن الملة والشريعة ما دعا الله عباده إلى فعله، والدين ما فعله العباد عن أمره. 
الثانية : تمسك بهذه الآية جماعة من العلماء منهم أبو حنيفة والشافعي وداود وأحمد بن حنبل على أن الكفر كله ملة واحدة، لقوله تعالى :
 ملتهم  فوحد الملة، وبقوله تعالى : لكم دينكم ولي دين[(١)](#foonote-١)  \[ الكافرون : ٦ \]، وبقوله عليه السلام :" لا يتوارث أهل ملتين "، على أن المراد به الإسلام والكفر، بدليل قوله عليه السلام :" لا يرث المسلم الكافر ". وذهب مالك وأحمد في الرواية الأخرى إلى أن الكفر ملل، فلا يرث اليهودي النصراني، ولا يرثان المجوسي، أخذا بظاهر قوله عليه السلام :" لا يتوارث أهل ملتين "، وأما قوله تعالى : ملتهم  فالمراد به الكثرة وإن كانت موحدة في اللفظ بدليل إضافتها إلى ضمير الكثرة، كما تقول : أخذت عن علماء أهل المدينة - مثلا - علمهم، وسمعت عليهم حديثهم، يعني علومهم وأحاديثهم. 
قوله تعالى : قل إن هدى الله هو الهدى  المعنى ما أنت عليه يا محمد من هدى الله الحق الذي يضعه في قلب من يشاء هو الهدى الحقيقي، لا ما يدعيه هؤلاء. 
قوله تعالى : ولئن اتبعت أهواءهم  الأهواء جمع هوى، كما تقول : جمل وأجمال، ولما كانت مختلفة جمعت، ولو حمل على أفراد الملة لقال هواهم. وفي هذا الخطاب وجهان : أحدهما : أنه للرسول، لتوجه الخطاب إليه. والثاني : أنه للرسول والمراد به أمته، وعلى الأول يكون فيه تأديب لأمته، إذ منزلتهم دون منزلته. وسبب الآية أنهم كانوا يسألون المسالمة والهدية، ويعدون النبي صلى الله عليه وسلم بالإسلام، فأعلمه الله أنهم لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم، وأمره بجهادهم. 
قوله تعالى : بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير  مثل أحمد بن حنبل عمن يقول : القرآن مخلوق، فقال : كافر، فقيل : بم كفرته ؟ فقال : بآيات من كتاب الله تعالى : ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم[(٢)](#foonote-٢)  \[ البقرة : ١٤٥ \] والقرآن من علم الله. فمن زعم أنه مخلوق فقد كفر.

١ راجع ج ٢٠ ص ٢٢٩.
٢ راجع ج ٩ ص ٣٢٦..

### الآية 2:121

> ﻿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۗ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [2:121]

قوله تعالى : الذين آتيناهم الكتاب  قال قتادة : هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والكتاب على هذا التأويل القرآن. وقال ابن زيد : هم من أسلم من بني إسرائيل. والكتاب على هذا التأويل : التوراة، والآية تعم. و " الذين " رفع بالابتداء،  آتيناهم  صلته،  يتلونه  خبر الابتداء، وإن شئت كان الخبر  أولئك يؤمنون به . 
واختلف في معنى " يتلونه حق تلاوته " فقيل : يتبعونه حق اتباعه، باتباع الأمر والنهي، فيحللون حلاله، ويحرمون حرامه، ويعملون بما تضمنه، قاله عكرمة. قال عكرمة : أما سمعت قول الله تعالى : والقمر إذا تلاها  \[ الشمس : ٢ أي اتبعها، وهو معنى قول ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما. وقال الشاعر : قد جعلت دلوي تَسْتَتْلِينِي[(١)](#foonote-١)
وروى نصر بن عيسى عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : يتلونه حق تلاوته  قال :( يتبعونه حق اتباعه ). في إسناده غير واحد من المجهولين فيما ذكر الخطيب أبو بكر أحمد، إلا أن معناه صحيح. وقال أبو موسى الأشعري : من يتبع القرآن يهبط به على رياض الجنة. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : هم الذين إذا مروا بآية رحمة سألوها من الله، وإذا مروا بآية عذاب استعاذوا منها. وقد روي هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم : كان إذا مر بآية رحمة سأل، وإذا مر بآية عذاب تعوذ. وقال الحسن : هم الذين يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه. وقيل : يقرؤونه حق قراءته. 
قلت : وهذا فيه بعد، إلا أن يكون المعنى يرتلون ألفاظه، ويفهمون معانيه، فإن بفهم المعاني يكون الاتباع لمن وفق.

١ تمامه: ولا أريد تبع القرين.

### الآية 2:122

> ﻿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [2:122]

\[سورة البقرة (٢): الآيات ١٢١ الى ١٢٣\]

 الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٢١) يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)
 قَوْلُهُ تَعَالَى:" الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ" قَالَ قَتَادَةُ: هُمْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْكِتَابُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ الْقُرْآنُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمْ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَالْكِتَابُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ: التوراة، والآية تعم. و" الَّذِينَ" رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ،" آتَيْناهُمُ" صِلَتُهُ،" يَتْلُونَهُ" خَبَرُ الِابْتِدَاءِ، وَإِنْ شِئْتَ كَانَ الْخَبَرَ" أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ". وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى" يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ" فَقِيلَ: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّبَاعِهِ، بِاتِّبَاعِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، فَيُحَلِّلُونَ حَلَالَهُ، وَيُحَرِّمُونَ حَرَامَهُ، وَيَعْمَلُونَ بِمَا تَضَمَّنَهُ، قَالَهُ عِكْرِمَةُ. قَالَ عِكْرِمَةُ: أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى:" وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها" أَيْ أَتْبَعَهَا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
 قَدْ جَعَلَتْ دَلْوِي تَسْتَتْلِينِي **«١»**
 وَرَوَى نَصْرُ بْنُ عِيسَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:" يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ" قَالَ: (يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّبَاعِهِ). فِي إِسْنَادِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمَجْهُولِينَ فِيمَا ذَكَرَ الْخَطِيبُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ، إِلَّا أَنَّ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ. وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ: مَنْ يَتَّبِعُ الْقُرْآنَ يَهْبِطُ بِهِ عَلَى رِيَاضِ الْجَنَّةِ. وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هُمُ الَّذِينَ إِذَا مَرُّوا بِآيَةِ رَحْمَةٍ سَأَلُوهَا مِنَ اللَّهِ، وَإِذَا مَرُّوا بِآيَةِ عَذَابٍ اسْتَعَاذُوا مِنْهَا. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَانَ إِذَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِآيَةِ عَذَابٍ
 **(١). تمامه:**
 ولا أريد تبع القرين

### الآية 2:123

> ﻿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ [2:123]

\[سورة البقرة (٢): الآيات ١٢١ الى ١٢٣\]

 الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٢١) يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)
 قَوْلُهُ تَعَالَى:" الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ" قَالَ قَتَادَةُ: هُمْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْكِتَابُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ الْقُرْآنُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمْ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَالْكِتَابُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ: التوراة، والآية تعم. و" الَّذِينَ" رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ،" آتَيْناهُمُ" صِلَتُهُ،" يَتْلُونَهُ" خَبَرُ الِابْتِدَاءِ، وَإِنْ شِئْتَ كَانَ الْخَبَرَ" أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ". وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى" يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ" فَقِيلَ: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّبَاعِهِ، بِاتِّبَاعِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، فَيُحَلِّلُونَ حَلَالَهُ، وَيُحَرِّمُونَ حَرَامَهُ، وَيَعْمَلُونَ بِمَا تَضَمَّنَهُ، قَالَهُ عِكْرِمَةُ. قَالَ عِكْرِمَةُ: أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى:" وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها" أَيْ أَتْبَعَهَا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
 قَدْ جَعَلَتْ دَلْوِي تَسْتَتْلِينِي **«١»**
 وَرَوَى نَصْرُ بْنُ عِيسَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:" يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ" قَالَ: (يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّبَاعِهِ). فِي إِسْنَادِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمَجْهُولِينَ فِيمَا ذَكَرَ الْخَطِيبُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ، إِلَّا أَنَّ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ. وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ: مَنْ يَتَّبِعُ الْقُرْآنَ يَهْبِطُ بِهِ عَلَى رِيَاضِ الْجَنَّةِ. وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هُمُ الَّذِينَ إِذَا مَرُّوا بِآيَةِ رَحْمَةٍ سَأَلُوهَا مِنَ اللَّهِ، وَإِذَا مَرُّوا بِآيَةِ عَذَابٍ اسْتَعَاذُوا مِنْهَا. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَانَ إِذَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِآيَةِ عَذَابٍ
 **(١). تمامه:**
 ولا أريد تبع القرين

### الآية 2:124

> ﻿۞ وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [2:124]

**فيه عشرون مسألة :**
الأولى : لما جرى ذكر الكعبة والقبلة اتصل ذلك بذكر إبراهيم عليه السلام، وأنه الذي بنى البيت، فكان من حق اليهود - وهم من نسل إبراهيم - ألا يرغبوا عن دينه. والابتلاء : الامتحان والاختبار، ومعناه أمر وتعبد. وإبراهيم تفسيره بالسريانية فيما ذكر الماوردي، وبالعربية فيما ذكر ابن عطية : أب رحيم. قال السهيلي : وكثيرا ما يقع الاتفاق بين السرياني والعربي أو يقاربه في اللفظ، ألا ترى أن إبراهيم تفسيره أب راحم، لرحمته بالأطفال، ولذلك جعل هو وسارة زوجته كافلين لأطفال المؤمنين يموتون صغارا إلى يوم القيامة. 
قلت : ومما يدل على هذا ما خرجه البخاري من حديث الرؤيا الطويل عن سمرة، وفيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في الروضة إبراهيم عليه السلام وحوله أولاد الناس. وقد أتينا عليه في كتاب التذكرة، والحمد لله. 
وإبراهيم هو ابن تارخ بن ناخور في قول بعض المؤرخين. وفي التنزيل : وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر[(١)](#foonote-١)  \[ الأنعام : ٧٤ \] وكذلك في صحيح البخاري، ولا تناقض في ذلك، على ما يأتي في " الأنعام " بيانه إن شاء الله تعالى. وكان له أربع بنين : إسماعيل وإسحاق ومدين ومدائن، على ما ذكره السهيلي. وقدم على الفاعل للاهتمام، إذ كون الرب تبارك وتعالى مبتليا معلوم، وكون الضمير المفعول في العربية متصلا بالفاعل موجب تقديم المفعول، فإنما بني الكلام على هذا الاهتمام، فاعلمه. وقراءة العامة  إبراهيم  بالنصب،  ربه  بالرفع على ما ذكرنا. وروي عن جابر بن زيد أنه قرأ على العكس، وزعم أن ابن عباس أقرأه كذلك. والمعنى دعا إبراهيم ربه وسأل، وفيه بعد، لأجل الباء في قوله : بكلمات . 
الثانية : قوله تعالى : بكلمات  الكلمات جمع كلمة، ويرجع تحقيقها إلى كلام الباري تعالى، لكنه عبر عنها عن الوظائف التي كلفها إبراهيم عليه السلام، ولما كان تكليفها بالكلام سميت به، كما سمي عيسى كلمة، لأنه صدر عن كلمة وهي " كن ". وتسمية الشيء بمقدمته أحد قسمي المجاز، قاله ابن العربي. 
الثالثة : واختلف العلماء في المراد بالكلمات على أقوال : أحدها : شرائع الإسلام، وهي ثلاثون سهما، عشرة منها في سورة براءة : التائبون العابدون[(٢)](#foonote-٢)  \[ التوبة : ١١٢ \] إلى آخرها، وعشرة في الأحزاب : إن المسلمين والمسلمات[(٣)](#foonote-٣)  \[ الأحزاب : ٣٥ \] إلى آخرها، وعشرة في المؤمنون[(٤)](#foonote-٤) : قد أفلح المؤمنون  \[ المؤمنون : ١ \] إلى قوله : على صلواتهم يحافظون  \[ المؤمنون : ٩ \] وقوله في  سأل سائل[(٥)](#foonote-٥) ،  إلا المصلين  إلى قوله : والذين هم على صلاتهم يحافظون ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : ما ابتلى الله أحدا بهن فقام بها كلها إلا إبراهيم عليه السلام، ابتلي بالإسلام فأتمه فكتب الله له البراءة فقال : وإبراهيم الذي وفى[(٦)](#foonote-٦)  \[ النجم : ٣٧ \]. وقال بعضهم : بالأمر والنهي، وقال بعضهم : بذبح ابنه، وقال بعضهم : بأداء الرسالة، والمعنى متقارب. وقال مجاهد : هي قوله تعالى : إني مبتليك بأمر، قال : تجعلني للناس إماما ؟ قال نعم. قال : ومن ذريتي ؟ قال : لا ينال عهدي الظالمين، قال : تجعل البيت مثابة للناس ؟ قال نعم. قال : وأمنا ؟ قال نعم. قال : وترينا مناسكنا وتتوب علينا ؟ قال نعم. قال : وترزق أهله من الثمرات ؟ قال نعم. وعلى هذا القول فالله تعالى هو الذي أتم. وأصح من هذا ما ذكره عبد الرزاق عن معمر عن طاوس عن ابن عباس في قوله :" وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن " قال : ابتلاه الله بالطهارة، خمس في الرأس وخمس في الجسد : قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الشعر. وفي الجسد : تقليم الأظفار، وحلق العانة، والاختتان، ونتف الإبط، وغسل مكان الغائط والبول بالماء، وعلى هذا القول فالذي أتم هو إبراهيم، وهو ظاهر القرآن. وروى مطر[(٧)](#foonote-٧) عن أبي الجلد أنها عشر أيضا، إلا أنه جعل موضع الفرق غسل البراجم[(٨)](#foonote-٨)، وموضع الاستنجاء[(٩)](#foonote-٩) الاستحداد. وقال قتادة : هي مناسك الحج خاصة. الحسن : هي الخلال الست : الكوكب، والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، والختان. قال أبو إسحاق الزجاج : وهذه الأقوال ليست بمتناقضة ؛ لأن هذا كله مما ابتلي به إبراهيم عليه السلام. 
قلت : وفي الموطأ وغيره عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول : إبراهيم عليه السلام أول من اختتن، وأول من أضاف الضيف، وأول من استحد، وأول من قلم الأظفار، وأول من قص الشارب، وأول من شاب، فلما رأى الشيب قال : ما هذا ؟ قال : وقار، قال : يا رب زدني وقارا. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن سعيد بن إبراهيم عن أبيه قال : أول من خطب على المنابر إبراهيم خليل الله. قال غيره : وأول من ثرد الثريد، وأول من ضرب بالسيف، وأول من استاك، وأول من استنجى بالماء، وأول من لبس السراويل. وروى معاذ بن جبل قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :" إن أتخذ المنبر فقد اتخذه أبي إبراهيم وإن أتخذ العصا فقد اتخذها أبي إبراهيم ". 
قلت : وهذه أحكام يجب بيانها والوقف عليها والكلام فيها، فأول ذلك " الختان " وما جاء فيه. وهي المسألة :
الرابعة : أجمع العلماء على أن إبراهيم عليه السلام أول من اختتن. واختلف في السن التي اختتن فيها، ففي الموطأ عن أبي هريرة موقوفا :( وهو ابن مائة وعشرين سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة ). ومثل هذا لا يكون رأيا، وقد رواه الأوزاعي مرفوعا عن يحيى بن سعيد عن سعيد ابن المسيب عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" اختتن إبراهيم عليه السلام وهو ابن مائة وعشرين سنة ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة ". ذكره أبو عم[(١٠)](#foonote-١٠)ر. وروي مسندا مرفوعا من غير رواية يحيى من وجوه :" أنه اختتن حين بلغ ثمانين سنة واختتن بالقدوم[(١١)](#foonote-١١) ". كذا في صحيح مسلم وغيره " ابن ثمانين سنة "، وهو المحفوظ في حديث ابن عجلان وحديث الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال عكرمة : اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين سنة. قال : ولم يطف بالبيت بعد على ملة إبراهيم إلا مختون، هكذا قال عكرمة وقال المسيب بن رافع، ذكره المروزي. و " القدوم " يروي مشددا ومخففا. قال أبو الزناد : القدوم ( مشددا ) : موضع. 
الخامسة : واختلف العلماء في الختان، فجمهورهم على أن ذلك من مؤكدات السنن ومن فطرة الإسلام التي لا يسع تركها في الرجال. وقالت طائفة : ذلك فرض، لقوله تعالى : أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا  \[ النحل : ١٢٣ \]. قال قتادة : هو الاختتان، وإليه مال بعض المالكيين، وهو قول الشافعي. واستدل ابن سريج[(١٢)](#foonote-١٢)على وجوبه بالإجماع على تحريم النظر إلى العورة، وقال : لولا أن الختان فرض لما أبيح النظر إليها من المختون. وأجيب عن هذا بأن مثل هذا يباح لمصلحة الجسم كنظر الطبيب، والطب ليس بواجب إجماعا، على ما يأتي في " النحل " بيانه إن شاء الله تعالى. وقد احتج بعض أصحابنا بما رواه الحجاج بن أرطأة عن أبي المليح عن أبيه عن شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" الختان سنة للرجال مكرمة للنساء ". والحجاج ليس ممن يحتج به. 
قلت : أعلى ما يحتج به في هذا الباب حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" الفطرة خمس الاختتان. . . " الحديث، وسيأتي. وروى أبو داود عن أم عطية أن امرأة كانت تختن النساء بالمدينة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : لا تنهكي[(١٣)](#foonote-١٣) فإن ذلك أحظى للمرأة وأحب للبعل . قال أبو داود : وهذا الحديث ضعيف راويه مجهول. وفي رواية ذكرها رزين :" ولا تنهكي فإنه أنور للوجه وأحظى عند الرجل ". 
السادسة : فإن ولد الصبي مختونا فقد كفي مؤنة الختان. قال الميموني قال لي أحمد : إن ههنا رجلا ولد له ولد مختون، فاغتم لذلك غما شديدا، فقلت له : إذا كان الله قد كفاك المؤنة فما غمك بهذا. 
السابعة : قال أبو الفرج الجوزي حدثت عن كعب الأحبار قال : خلق من الأنبياء ثلاثة عشر مختونين : آدم وشيث وإدريس ونوح وسام ولوط ويوسف وموسى وشعيب وسليمان ويحيى وعيسى والنبي صلى الله عليه وسلم. وقال محمد بن حبيب الهاشمي : هم أربعة عشر : آدم وشيث ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب ويوسف وموسى وسليمان وزكريا وعيسى وحنظلة بن صفوان " نبي أصحاب الرس[(١٤)](#foonote-١٤) ) ومحمد صلى الله عليه وعليهم أجمعين. 
قلت : اختلفت الروايات في النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر أبو نعيم الحافظ في " كتاب الحلية " بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد مختونا. وأسند أبو عمر في التمهيد حدثنا أحمد بن محمد بن أحمد حدثنا محمد بن عيسى حدثنا يحيى بن أيوب بن بادي[(١٥)](#foonote-١٥) العلاف حدثنا محمد بن أبى السري العسقلاني حدثنا الوليد بن مسلم عن شعيب عن عطاء الخراساني عن عكرمة عن ابن عباس : أن عبدالمطلب ختن النبي صلى الله عليه وسلم يوم سابعه، وجعل له مأدبة وسماه " محمدا ". قال أبو عمر : هذا حديث مسند غريب. قال يحيى بن أيوب : طلبت هذا الحديث فلم أجده عند أحد من أهل الحديث ممن لقيته إلا عند ابن أبي السري. قال أبو عمر : وقد قيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم ولد مختونا. 
الثامنة : واختلفوا متى يختن الصبي، فثبت في الأخبار عن جماعة من العلماء أنهم قالوا : ختن إبراهيم إسماعيل لثلاث عشرة سنة. وختن ابنه إسحاق لسبعة أيام. وروي عن فاطمة أنها كانت تختن ولدها يوم السابع، وأنكر ذلك مالك وقال ذلك من عمل اليهود. ذكره عنه ابن وهب. وقال الليث بن سعد : يختن الصبي ما بين سبع سنين إلى عشر. ونحوه روى ابن وهب عن مالك. وقال أحمد : لم أسمع في ذلك شيئا. وفي البخاري عن سعيد بن جبير قال : سئل ابن عباس : مثل من أنت حين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : أنا يومئذ مختون. قال : وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك أو يقارب الاحتلام. 
واستحب العلماء في الرجل الكبير يسلم أن يختن، وكان عطاء يقول : لا يتم إسلامه حتى يختتن وإن بلغ ثمانين سنة. وروي عن الحسن أنه كان يرخص للشيخ الذي يسلم ألا يختتن، ولا يرى به بأسا ولا بشهادته وذبيحته وحجه وصلاته، قال ابن عبدالبر : وعامة أهل العلم على هذا. وحديث بريدة في حج الأغلف لا يثبت. وروي عن ابن عباس وجابر بن زيد وعكرمة : أن الأغلف لا تؤكل ذبيحته ولا تجوز شهادته. 
التاسعة : قوله :\[ وأول من استحد \] فالاستحداد استعمال الحديد في حلق العانة. وروت أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اطَّلَى[(١٦)](#foonote-١٦) ولي عانته بيده. وروى ابن عباس أن رجلا طلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا بلغ إلى عانته قال له : اخرج عني، ثم طلى عانته بيده. وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يتنور، وكان إذا كثر الشعر على عانته حلقه. قال ابن خويز منداد : وهذا يدل على أن الأكثر من فعله كان الحلق وإنما تنور نادرا، ليصح الجمع بين الحديثين. 
العاشرة : في تقليم الأظفار. وتقليم الأظفار : قصها، والقلامة ما يزال منها. وقال مالك : أحب للنساء من قص الأظفار وحلق العانة مثل ما هو على الرجال. ذكره الحارث بن مسكين وسحنون عن ابن القاسم. وذكر الترمذي الحكيم في " نوادر الأصول " له
حدثنا عمر بن أبي عمر قال : حدثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي عن عمر بن بلال الفزاري قال : سمعت عبدالله بن ب١ راجع ج ٧ ص ٢٢..
٢ راجع ج ٨ ص ٢٦٩.
٣ راجع ج ١٤ ص ١٨٥.
٤ راجع ج ١٢ ص ١٠٢.
٥ راجع ج ١٨ ص ٢٩١.
٦ راجع ج ١٧ ص ١١٣.
٧ في ج: "معطوف"..
٨ سيأتي الكلام على البراجم في المسألة العاشرة..
٩ سيذكر المؤلف معنى الاستحداد عند المسألة التاسعة..
١٠ في ج: "ذكره عبد الرزاق".
١١ قال النووي: "رواة مسلم متفقون على تخفيف (القدوم)، ووقع في روايات البخاري الخلاف في تشديده وتخفيفه، قالوا: وآلة النجار يقال لها: قدوم بالتخفيف لا غير، وأما القدوم مكان بالشام ففيه التخفيف والتشديد. فمن رواة بالتشديد أراد القرية، ورواية التخفيف تحتمل القرية والآلة، والأكثرون على التخفيف وعلى إرادة الآلة"..
١٢ في ا، ح: "ابن شريح"..
١٣ "لا تنهكي" أي لا تبالغي في استقصاء الختان..
١٤ في اللسان: "قال الزجاج: يروى أن الرس ديار لطائفة من ثمود، قال ويروى أن الرس قرية باليمامة يقال لها فلج، ويروى أنهم كذبوا نبيهم ورسوه في بئر، أي دسوه فيها حتى مات، ويروى أن الرس بئر، وكل بئر عند العرب رس"..
١٥ في الأصول: "زياد" والتصويب عن تهذيب التهذيب..
١٦ أطلى: يعني بالنورة وهي حجر يتخذ منه طلاء لإزالة الشعر من بواطن الجسد..

### الآية 2:125

> ﻿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ۖ وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [2:125]

قوله تعالى : وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا  فيه مسألتان :
الأولى : قوله تعالى : جعلنا  بمعنى صيرنا لتعديه إلى مفعولين، وقد تقدم.  البيت  يعني الكعبة. { مثابةج أي مرجعا، يقال : ثاب يثوب مثابا ومثابة وثؤوبا وثوبانا. فالمثابة مصدر وصف به ويراد به الموضع الذي يثاب إليه، أي يرجع إليه. قال ورقة بن نوفل في الكعبة[(١)](#foonote-١) :

مثابا لأفناء القبائل كلها  تَخُبّ إليها اليَعْمُلاَتُ الذَّوَامِلُوقرأ الأعمش :" مثابات " على الجمع. ويحتمل أن يكون من الثواب، أي يثابون هناك. وقال مجاهد : لا يقضي أحد منه وطراً، قال الشاعر :جُعِلَ البيتُ مثاباً لهم  ليس منه الدهر يقضون الوَطَرْوالأصل مثوبة، قلبت حركة الواو على الثاء فقلبت الواو ألفا اتباعا لثاب يثوب، وانتصب على المفعول الثاني، ودخلت الهاء للمبالغة لكثرة من يثوب أي يرجع ؛ لأنه قل ما يفارق أحد البيت إلا وهو يرى أنه لم يقض منه وطرا، فهي كنسابة وعلامة، قاله الأخفش. وقال غيره : هي هاء تأنيث المصدر وليست للمبالغة. 
فإن قيل : ليس كل من جاءه يعود إليه، قيل : ليس يختص بمن ورد عليه، وإنما المعنى أنه لا يخلو من الجملة، ولا يعدم قاصدا من الناس، والله تعالى أعلم. 
الثانية : قوله تعالى : وأمنا  استدل به أبو حنيفة وجماعة من فقهاء الأمصار على ترك إقامة الحد في الحرم على المحصن والسارق إذا لجأ إليه، وعضدوا ذلك بقوله تعالى : ومن دخله كان آمنا \[ آل عمران : ٩٧ \] كأنه قال : آمنوا من دخل البيت. والصحيح إقامة الحدود في الحرم، وأن ذلك من المنسوخ، لأن الاتفاق حاصل أنه لا يقتل في البيت، ويقتل خارج البيت. وإنما الخلاف هل يقتل في الحرم أم لا ؟ والحرم لا يقع عليه اسم البيت حقيقة. وقد أجمعوا أنه لو قتل في الحرم قتل به، ولو أتى حدا أقيد منه فيه، ولو حارب فيه حورب وقتل مكانه. وقال أبو حنيفة : من لجأ إلى الحرم لا يقتل فيه ولا يتابع، ولا يزال يضيق عليه حتى يموت أو يخرج. فنحن نقتله بالسيف، وهو يقتله بالجوع والصد، فأي قتل أشد من هذا. وفي قوله : وأمنا  تأكيد للأمر باستقبال الكعبة، أي ليس في بيت المقدس هذه الفضيلة، ولا يحج إليه الناس، ومن استعاذ بالحرم أمن من أن يغار عليه. وسيأتي بيان هذا في " المائدة[(٢)](#foonote-٢) " إن شاء الله تعالى. 
قوله تعالى : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى  فيه ثلاث مسائل :
الأولى : قوله تعالى : واتخذوا  قرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء على جهة الخبر عمن اتخذه من متبعي إبراهيم، وهو معطوف على " جعلنا " أي جعلنا البيت مثابة واتخذوه مصلى. وقيل هو معطوف على تقدير إذ، كأنه قال : وإذ جعلنا البيت مثابة وإذ اتخذوا، فعلى الأول الكلام جملة واحدة، وعلى الثاني جملتان. وقرأ جمهور القراء " واتخذوا " بكسر الخاء على جهة الأمر، قطعوه من الأول وجعلوه معطوفا جملة على جملة. قال المهدوي : يجوز أن يكون معطوفا على " اذكروا نعمتي " كأنه قال ذلك لليهود، أو على معنى إذ جعلنا البيت، لأن معناه اذكروا إذ جعلنا. أو على معنى قوله : مثابة  لأن معناه ثوبوا. 
الثانية : روى ابن عمر قال : قال عمر : وافقت ربي في ثلاث : في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر. خرجه مسلم وغيره. وخرجه البخاري عن أنس قال : قال عمر : وافقت الله في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث. . . الحديث، وأخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده فقال : حدثنا حماد بن سلمة حدثنا علي بن زيد عن أنس بن مالك قال : قال عمر : وافقت ربي في أربع، قلت يا رسول الله : لو صليت خلف المقام ؟ فنزلت هذه الآية : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى  وقلت : يا رسول الله، لو ضربت على نسائك الحجاب فإنه يدخل عليهن البر والفاجر ؟ فأنزل الله : وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب[(٣)](#foonote-٣)  \[ الأحزاب : ٥٣ \]، ونزلت هذه الآية : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين[(٤)](#foonote-٤) \[ المؤمنون : ١٢ \]، فلما نزلت قلت أنا : تبارك الله أحسن الخالقين، فنزلت : فتبارك الله أحسن الخالقين \[ المؤمنون : ١٤ \]، ودخلت على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : لتنتهن أو ليبدلنه الله بأزواج خير منكن، فنزلت الآية : عسى ربه إن طلقكن[(٥)](#foonote-٥) 
\[ التحريم : ٥ \]. قلت : ليس في هذه الرواية ذكر للأسارى، فتكون موافقة عمر في خمس. 
الثالثة : قوله تعالى : من مقام  المقام في اللغة : موضع القدمين. قال النحاس : مقام  من قام يقوم، ويكون مصدرا واسما للموضع. ومقام من أقام، فأما قول زهير :وفيهم مقامات حسان وجوههم[(٦)](#foonote-٦)  وأندية ينتابها القول والفعلفمعناه : فيهم أهل مقامات. واختلف في تعيين المقام على أقوال، أصحها - أنه الحجر الذي تعرفه الناس اليوم الذي يصلون عنده ركعتي طواف القدوم. وهذا قول جابر بن عبدالله وابن عباس وقتادة وغيرهم. وفي صحيح مسلم من حديث جابر الطويل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى البيت استلم الركن فرمل ثلاثا، ومشى أربعا، ثم تقدم[(٧)](#foonote-٧) إلى مقام إبراهيم فقرأ : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى  فصلى ركعتين قرأ فيهما ب  قل هو الله أحد  \[ الإخلاص \] و قل يا أيها الكافرون  \[ الكافرون \]. وهذا يدل على أن ركعتي الطواف وغيرهما من الصلوات لأهل مكة[(٨)](#foonote-٨) أفضل ويدل من وجه على أن الطواف للغرباء أفضل، على ما يأتي. وفي البخاري : أنه الحجر الذي ارتفع عليه إبراهيم حين ضعف عن رفع الحجارة التي كان إسماعيل يناولها إياه في بناء البيت، وغرقت قدماه فيه. قال أنس : رأيت في المقام أثر أصابعه وعقبه وأخمص قدميه، غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم، حكاه القشيري. وقال السدي : المقام الحجر الذي وضعته زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم عليه السلام حين غسلت رأسه. وعن ابن عباس أيضا ومجاهد وعكرمة[(٩)](#foonote-٩) وعطاء : الحج كله. وعن عطاء : عرفة ومزدلفة والجمار، وقاله الشعبي. النخعي : الحرم كله مقام إبراهيم، وقاله مجاهد. 
قلت : والصحيح في المقام القول الأول، حسب ما ثبت في الصحيح. وخرج أبو نعيم من حديث محمد بن سوقة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال : نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل بين الركن والمقام، أو الباب والمقام وهو يدعو ويقول : اللهم اغفر لفلان، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ما هذا ؟ فقال : رجل استودعني أن أدعو له في هذا المقام، فقال : ارجع فقد غفر لصاحبك. قال أبو نعيم : حدثناه أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم القاضي قال حدثنا محمد بن عاصم بن يحيى الكاتب قال حدثنا عبد الرحمن بن القاسم القطان الكوفي قال حدثنا الحارث بن عمران الجعفري ابن سوقه، فذكره. قال أبو نعيم : كذا رواه عبد الرحمن عن الحارث عن محمد عن جابر، وإنما يعرف من حديث الحارث عن محمد عن عكرمة عن ابن عباس. ومعنى " مصلى ". مدعى يدعى فيه، قاله مجاهد. وقيل : موضع صلاة يصلى عنده، قاله قتادة. وقيل : قبلة يقف الإمام عندها، قال الحسن. 
قوله تعالى : وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود  فيه ست مسائل :
الأولى : قوله تعالى :" وعهدنا " قيل : معناه أمرنا. وقيل : أوحينا. " أن طهرا " " أن " في موضع نصب على تقدير حذف الخافض. وقال سيبويه : إنها بمعنى أي مفسرة، فلا موضع لها من الإعراب. وقال الكوفيون : تكون بمعنى القول. و " طهرا " قيل معناه : من الأوثان، عن مجاهد والزهري. وقال عبيد بن عمير وسعيد بن جبير : من الآفات والريب. وقيل : من الكفار. وقال السدي : ابنياه وأسساه على طهارة ونية طهارة، فيجئ مثل قوله : أسس على التقوى[(١٠)](#foonote-١٠)  \[ التوبة : ١٠٨ \]. وقال يمان : بخراه وخلقاه. " بيتي " أضاف البيت إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم، وهي إضافة مخلوق إلى خالق، ومملوك إلى مالك. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وأهل المدينة وهشام وحفص :" بيتي " بفتح الياء، والآخرون بإسكانها. 
الثانية : قوله تعالى : للطائفين  ظاهره الذين يطفون به، وهو قول عطاء. وقال سعيد بن جبير : معناه للغرباء الطارئين على مكة، وفيه بعد. " والعاكفين " المقيمين من بلدي وغريب، عن عطاء. وكذلك قوله : للطائفين . والعكوف في اللغة : اللزوم والإقبال على الشيء، كما قال الشاعر : عكْف النَّبِيط[(١١)](#foonote-١١) يلعبون الفَنْزَجَا[(١٢)](#foonote-١٢)
وقال مجاهد : العاكفون المجاورون. ابن عباس : المصلون. وقيل : الجالسون بغير طواف والمعنى متقارب.  والركع السجود  أي المصلون عند الكعبة. وخص الركوع والسجود بالذكر لأنهما أقرب أحوال المصلي إلى الله تعالى. وقد تقدم[(١٣)](#foonote-١٣) معنى الركوع والسجود لغة والحمد لله. 
الثالثة : لما قال الله تعالى : أن طهرا بيتي  دخل فيه بالمعنى جميع بيوته تعالى، فيكون حكمها حكمه في التطهير والنظافة. وإنما خص الكعبة بالذكر لأنه لم يكن هناك غيرها، أو لكونها أعظم حرمة، والأول أظهر، والله أعلم. وفي التنزيل : في بيوت أذن الله أن ترفع[(١٤)](#foonote-١٤)  
\[ النور : ٣٦ \] وهناك يأتي حكم المساجد إن شاء الله تعالى. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع صوت رجل في المسجد فقال : ما هذا ! أتدري أين أنت ! ؟ وقال حذيفة قال النبي صلى الله عليه وسلم :" إن الله أوحى إلي يا أخا المنذرين يا أخا المرسلين أنذر قومك ألا يدخلوا بيتا من بيوتي إلا بقلوب سليمة وألسنة صادقة وأيد نقية وفروج طاهرة، وألا يدخلوا بيتا من بيوتي ما دام لأحد عندهم مظلمة فإني ألعنه ما دام قائما بين يدي حتى يرد تلك الظلامة إلى أهلها فأكون سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويكون من أوليائي وأصفيائي ويكون جاري مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ". 
الرابعة : استدل الشافعي وأبو حنيفة والثوري وجماعة من السلف بهذه الآية على جواز الصلاة الفرض والنفل داخل البيت. قال الشافعي رحمه الله : إن صلى في جوفها مستقبلا حائطا من حيطانها فصلاته جائزة، وإن صلى نحو الباب والباب مفتوح فصلاته باطلة، وكذلك من صلى على ظهرها، لأنه لم يستقبل منها شيئا. وقال مالك : لا يصلى فيه الفرض ولا السنن، ويصلى فيه التطوع، غير أنه إن صلى فيه الفرض أعاد في الوقت. وقال أصبغ : يعيد أبدا. 
قلت : وهو الصحيح، لما رواه مسلم عن ابن عباس قال : أخبرني أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل فيه حتى خرج منه، فلما خرج ركع في قبل الكعبة ركعتين وقال : هذه القبلة. وهذا نص. 
فإن قيل : فقد روى البخاري عن ابن عمر قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة الحجبي البيت فأغلقوا عليهم الباب. فلما فتحوا كنت أول من ولج فلقيت بلالا فسألته : هل صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال، نعم بين العمودين اليمانيين. وأخرجه مسلم، وفيه قال : جعل عمودين عن يساره وعمودا عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة. قلنا : هذا يحتمل أن يكون صلى بمعنى دعا، كما قال أسامة، ويحتمل أن يكون صلى الصلاة العرفية، وإذا احتمل هذا وهذا سقط الاحتجاج به. 
فإن قيل : فقد روى ابن المنذر وغيره عن أسامة قال : رأى النبي صلى الله عليه وسلم صورا في الكعبة فكنت آتية بماء في الدلو يضرب به تلك الصور. وخرجه أبو د١ الذي في اللسان وشرح القاموس مادة "ثوب" أن البيت لأبي طالب..
٢ راجع ج ٦ ص ٣٢٥..
٣ راجع ج ١٤ ص ٢٢٧.
٤ راجع ج ١٢ ص ١٠٩، ١١٠.
٥ راجع ج ١٨ ص ١٩٣.
٦ في نسخ الأصل: "وجوها" والتصويب عن الديوان..
٧ في ب، ج، ز: "نفذ"..
٨ زيادة يقتضيها السياق، وقد اعتمدنا في زيادتها على ما ورد في المسألة السادسة ص ١١٦ من هذا الجزء..
٩ هذا الاسم ساقط من ب، و ج، ز..
١٠ راجع ج ٨ ص ٢٥٩.
١١ هو العجاج، يصف ثورا. وصدر البيت: فهن يعكفن به إذ حجا.
١٢ الفنزجة والفنزج (بفتح فسكون): رقص العجم إذا أخذ بعضهم يد بعض وهم يرقصون..
١٣ راجع ج ١ ص ٢٩١، ٣٤٤، طبعة ثانية..
١٤ راجع ج ١٢ ص ٢٦٤..

### الآية 2:126

> ﻿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [2:126]

**وفيه ثلاث مسائل :**
الأولى : قوله تعالى : وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا ،  بلدا آمنا  يعني مكة، فدعا لذريته وغيرهم بالأمن ورغد العيش. فروي أنه لما دعا بهذا الدعاء أمر الله تعالى جبريل فاقتلع الطائف من الشام فطاف بها حول البيت أسبوعا، فسميت الطائف لذلك، ثم أنزلها تهامة، وكانت مكة وما يليها حين ذلك قفرا لا ماء ولا نبات، فبارك الله فيما حولها كالطائف وغيرها، وأنبت فيها أنواع الثمرات، على ما يأتي بيانه في سورة " إبراهيم[(١)](#foonote-١) " إن شاء الله تعالى. 
الثانية : اختلف العلماء في مكة هل صارت حرما آمنا بسؤال إبراهيم أو كانت قبله كذلك على قولين :
أحدهما : أنها لم تزل حرما من الجبابرة المسلطين، ومن الخسوف والزلازل، وسائر المثلات التي تحل بالبلاد، وجعل في النفوس المتمردة من تعظيمها والهيبة لها ما صار به أهلها متميزين بالأمن من غيرهم من أهل القرى. ولقد جعل فيها سبحانه من العلامة العظيمة على توحيده ما شوهد من أمر الصيد فيها، فيجتمع فيها الكلب والصيد فلا يهيج الكلب الصيد ولا ينفر منه، حتى إذا خرجا من الحرم عدا الكلب عليه وعاد إلى النفور والهرب. 
وإنما سأل إبراهيم ربه أن يجعلها آمنا من القحط والجدب والغارات، وأن يرزق أهله من الثمرات، لا على ما ظنه بعض الناس أنه المنع من سفك الدم في حق من لزمه القتل، فإن ذلك يبعد كونه مقصودا لإبراهيم صلى الله عليه وسلم حتى يقال : طلب من الله أن يكون في شرعه تحريم قتل من التجأ إلى الحرم، هذا بعيد جدا. 
الثاني : أن مكة كانت حلالا قبل دعوة إبراهيم عليه السلام كسائر البلاد، وأن بدعوته صارت حرما آمنا كما صارت المدينة بتحريم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمنا بعد أن كانت حلالا. 
احتج أهل المقالة الأولى بحديث ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة :" إن هذا البلد حرمه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد[(٢)](#foonote-٢) شوكه ولا ينفر صيده ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلى خلاها[(٣)](#foonote-٣) "، فقال العباس : يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم، فقال :" إلا الإذخر[(٤)](#foonote-٤) ". ونحوه حديث أبي شريح، أخرجهما مسلم وغيره. 
وفي صحيح مسلم أيضا عن عبدالله بن زيد بن عاصم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة وإني دعوت في صاعها ومدها بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة " . قال ابن عطية :" ولا تعارض بين الحديثين ؛ لأن الأول إخبار بسابق علم الله فيها وقضائه، وكون الحرمة مدة آدم وأوقات عمارة القطر بإيمان. والثاني إخبار بتجديد إبراهيم لحرمتها وإظهاره ذلك بعد الدثور، وكان القول الأول من النبي صلى الله عليه وسلم ثاني يوم الفتح إخبارا بتعظيم حرمة مكة على المؤمنين بإسناد التحريم إلى الله تعالى، وذكر إبراهيم عند تحريم المدينة مثالا لنفسه، ولا محالة أن تحريم المدينة هو أيضا من قبل الله تعالى ومن نافذ قضائه وسابق علمه ". وقال الطبري : كانت مكة حراما فلم يتعبد الله الخلق بذلك حتى سأله إبراهيم فحرمها. 
الثالثة : قوله تعالى : وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر  تقدم معنى الرزق[(٥)](#foonote-٥). والثمرات جمع ثمرة، قد تقدم[(٦)](#foonote-٦).  من آمن  بدل من أهل، بدل البعض من الكل. والإيمان : التصديق، وقد تقدم[(٧)](#foonote-٧). 
 قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير ،  قال ومن كفر ، " من " في قوله  ومن كفر  في موضع نصب، والتقدير وارزق من كفر، ويجوز أن يكون في موضع رفع بالابتداء، وهي شرط والخبر " فأمتعه " وهو الجواب. 
واختلف هل هذا القول من الله تعالى أو من إبراهيم عليه السلام ؟ فقال أبي بن كعب وابن إسحاق وغيرهما : هو من الله تعالى، وقرؤوا " فأمتعه " بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد التاء.  ثم أضطره  بقطع الألف وضم الراء، وكذلك القراء السبعة خلا ابن عامر فإنه سكن الميم وخفف التاء. وحكى أبو إسحاق الزجاج أن في قراءة أبي " فنمتعه قليلا ثم نضطره " بالنون. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة : هذا القول من إبراهيم عليه السلام. وقرؤوا " فأمتعه " بفتح الهمزة وسكون الميم،  ثم أضطره  بوصل الألف وفتح الراء، فكأن إبراهيم عليه السلام دعا للمؤمنين وعلى الكافرين، وعليه فيكون الضمير في " قال " لإبراهيم، وأعيد " قال " لطول الكلام، أو لخروجه من الدعاء لقوم إلى الدعاء على آخرين. والفاعل في " قال " على قراءة الجماعة اسم الله تعالى، واختاره النحاس، وجعل القراءة بفتح الهمزة وسكون الميم ووصل الألف شاذة، قال : ونسق الكلام والتفسير جميعا يدلان على غيرها، أما نسق الكلام فإن الله تعالى خبر عن إبراهيم عليه السلام أنه قال : رب اجعل هذا بلدا آمنا ثم جاء بقوله عز وجل :
 وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر  ولم يفصل بينه بقال، ثم قال بعد : قال ومن كفر  فكان هذا جوابا من الله، ولم يقل بعد : قال إبراهيم. وأما التفسير فقد صح عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب. وهذا لفظ ابن عباس : دعا إبراهيم عليه السلام لمن آمن دون الناس خاصة، فأعلم الله عز وجل أنه يرزق من كفر كما يرزق من آمن، وأنه يمتعه قليلا ثم يضطره إلى عذاب النار. قال أبو جعفر : وقال الله عز وجل : كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك[(٨)](#foonote-٨) \[ الإسراء : ٢٠ \] وقال جل ثناؤه : وأمم سنمتعهم[(٩)](#foonote-٩)  \[ هود : ٤٨ \]. قال أبو إسحاق : إنما علم إبراهيم عليه السلام أن في ذريته كفارا فخص المؤمنين، لأن الله تعالى قال : لا ينال عهدي الظالمين . 
١ راجع ج ٩ ص ٣٦٨ فما بعدها..
٢ لا يعضد: لا يقطع..
٣ الخلى (مقصور): النبات الرطب الرقيق مادام رطبا، واختلاؤه: قطعه..
٤ الإذخر (بكسر الهمزة والخاء): حشيشه طيبة الرائحة يسقف بها البيوت فوق الخشب، ويحرق بدل الخشب والفحم. والقين: الحداد..
٥ راجع المسألة الثانية والعشرين ج ١ ص ١٧٧.
٦ راجع المسألة الرابعة ج ١ ص ٢٢٩.
٧ راجع المسألة الأولى ج ١ ص ١٦٢ طبعة ثانية..
٨ راجع ج ١٠ ص ٢٣٦.
٩ راجع ج ٩ ص ٤٨.

### الآية 2:127

> ﻿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [2:127]

قوله تعالى : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل  القواعد : أساسه، في قول أبي عبيدة والفراء. وقال الكسائي : هي الجدر. والمعروف أنها الأساس. وفي الحديث :" إن البيت لما هدم أخرجت منه حجارة عظام " فقال ابن الزبير : هذه القواعد التي رفعها إبراهيم عليه السلام. وقيل : إن القواعد كانت قد اندرست فأطلع الله إبراهيم عليها. ابن عباس : وضع البيت على أركان رآها قبل أن تخلق الدنيا بألفي عام ثم دحيت الأرض من تحته. والقواعد واحدتها قاعدة. والقواعد من النساء واحدها قاعد. 
واختلف الناس فيمن بنى البيت أولا وأسسه، فقيل : الملائكة. روي عن جعفر بن محمد قال : سئل أبي وأنا حاضر عن بدء خلق البيت فقال : إن الله عز وجل لما قال : إني جاعل في الأرض خليفة  \[ البقرة : ٣٠ \] قالت الملائكة : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك  \[ البقرة : ٣٠ \] فغضب عليهم، فعاذوا بعرشه وطافوا حوله سبعة أشواط يسترضون ربهم حتى رضي الله عنهم، وقال لهم : ابنوا لي بيتا في الأرض يتعوذ به من سخطت عليه من بني آدم، ويطوف حوله كما طفتم حول عرشي، فأرضى عنه كما رضيت عنكم، فبنوا هذا البيت. 
وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء وابن المسيب وغيرهما أن الله عز وجل أوحى إلى آدم : إذا هبطت ابن لي بيتا ثم احفف به كما رأيت الملائكة تحف بعرشي الذي في السماء. قال عطاء : فزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل : من حراء، ومن طور سينا، ومن لبنان، ومن الجودي، ومن طور زيتا، وكان ربضه[(١)](#foonote-١) من حراء. قال الخليل : والربض ههنا الأساس المستدير بالبيت من الصخر، ومنه يقال لما حول المدينة : ربض. وذكر الماوردي عن عطاء عن ابن عباس قال : لما أهبط آدم من الجنة إلى الأرض قال له : يا آدم، اذهب فابن لي بيتا وطف به واذكرني عنده كما رأيت الملائكة تصنع حول عرشي، فأقبل آدم يتخطى وطويت له الأرض، وقبضت له المفازة، فلا يقع قدمه على شيء من الأرض إلا صار عمرانا حتى انتهى إلى موضع البيت الحرام، وأن جبريل عليه السلام ضرب بجناحيه الأرض فأبرز عن أس ثابت على الأرض السابعة السفلى، وقذفت إليه الملائكة بالصخر، فما يطيق الصخرة منها ثلاثون رجلا، وأنه بناه من خمسة أجبل كما ذكرنا. وقد روي في بعض الأخبار : أنه أهبط لآدم عليه السلام خيمة من خيام الجنة، فضربت في موضع الكعبة ليسكن إليها ويطوف حولها، فلم تزل باقية حتى قبض الله عز وجل آدم ثم رفعت. وهذا من طريق وهب بن منبه. وفي رواية : أنه أهبط معه بيت فكان يطوف به والمؤمنون من ولده كذلك إلى زمان الغرق، ثم رفعه الله فصار في السماء، وهو الذي يدعى البيت المعمور. روي هذا عن قتادة ذكره الحليمي في كتاب " منهاج الدين " له، وقال : يجوز أن يكون معنى ما قال قتادة من أنه أهبط مع آدم بيت، أي أهبط معه مقدار البيت المعمور طولا وعرضا وسمكا، ثم قيل له : ابن بقدره، وتحرى[(٢)](#foonote-٢) أن يكون بحياله، فكان حياله موضع الكعبة، فبناها فيه. وأما الخيمة فقد يجوز أن تكون أنزلت وضربت في موضع الكعبة، فلما أمر ببنائها فبناها كانت حول الكعبة طمأنينة لقلب آدم صلى الله عليه وسلم ما عاش ثم رفعت، فتتفق هذه الأخبار. فهذا بناء آدم عليه السلام، ثم بناه إبراهيم عليه السلام. قال ابن جريج وقال ناس : أرسل الله سحابة فيها رأس، فقال الرأس : يا إبراهيم، إن ربك يأمرك أن تأخذ بقدر هذه السحابة، فجعل ينظر إليها ويخط قدرها، ثم قال الرأس : إنه قد فعلت، فحفر فأبرز عن أساس ثابت في الأرض. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : أن الله تعالى لما أمر إبراهيم بعمارة البيت خرج من الشام ومعه ابنه إسماعيل وأمه هاجر، وبعث معه السكينة[(٣)](#foonote-٣) لها لسان تتكلم به يغدو معها إبراهيم إذا غدت، ويروح معها إذا راحت، حتى انتهت به إلى مكة، فقالت لإبراهيم : ابن على موضعي[(٤)](#foonote-٤) الأساس، فرفع البيت هو وإسماعيل حتى انتهى إلى موضع الركن، فقال لابنه : يا بني، ابغني حجرا أجعله علما للناس، فجاءه بحجر فلم يرضه، وقال : ابغني غيره، فذهب يلتمس، فجاءه وقد أتى بالركن فوضعه موضعه، فقال : يا أبة، من جاءك بهذا الحجر ؟ فقال : من لم يكلني إليك. ابن عباس : صالح أبو قبيس[(٥)](#foonote-٥) : يا إبراهيم، يا خليل الرحمن، إن لك عندي وديعة فخذها، فإذا هو بحجر أبيض من ياقوت الجنة كان آدم قد نزل به من الجنة، فلما رفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت جاءت سحابة مربعة فيها رأس فنادت : أن ارفعا على تربيعي. فهذا بناء إبراهيم عليه السلام. وروي أن إبراهيم وإسماعيل لما فرغا من بناء البيت أعطاهما الله الخيل جزاء عن رفع قواعد البيت. روى الترمذي الحكيم حدثنا عمر بن أبي عمر حدثني نعيم بن حماد حدثنا عبدالوهاب بن همام أخو عبدالرزاق عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال : كانت الخيل وحشاً كسائر الوحش، فلما أذن الله لإبراهيم وإسماعيل برفع القواعد قال الله تبارك اسمه :( إني معطيكما كنزا ادخرته لكما ) ثم أوحى إلى إسماعيل أن اخرج إلى أجياد فادع يأتك الكنز. فخرج إلى أجياد - وكانت وطنا - ولا يدري ما الدعاء ولا الكنز، فألهمه، فلم يبق على وجه الأرض فرس بأرض العرب إلا جاءته فأمكنته من نواصيها وذللها له، فاركبوها واعلفوها فإنها ميامين، وهي ميراث أبيكم إسماعيل، فإنما سمي[(٦)](#foonote-٦) الفرس عربيا لأن إسماعيل أمر بالدعاء وإياه أتى. وروى عبد المنعم بن إدريس عن وهب بن منبه، قال : أول من بنى البيت بالطين والحجارة شيث عليه السلام. وأما بنيان قريش له فمشهور، وخبر الحية في ذلك مذكور، وكانت تمنعهم من هدمه إلى أن اجتمعت قريش عند المقام فعجوا إلى الله تعالى وقالوا : ربنا، لم تُرَعْ، أردنا تشريف بيتك وتزيينه، فإن كنت ترضى بذلك وإلا فما بدا لك فافعل، فسمعوا خواتا من السماء - والخوات : حفيف جناح الطير الضخم - فإذا هو بطائر أعظم من النسر، أسود الظهر أبيض البطن والرجلين، فغرز مخاليبه في قفا الحية، ثم انطلق بها تجر ذنبها أعظم من كذا وكذا حتى انطلق بها نحو أجياد، فهدمتها قريش وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي تحملها قريش على رقابها، فرفعوها في السماء عشرين ذراعا، فبينا النبي صلى الله عليه وسلم يحمل حجارة من أجياد وعليه نمرة[(٧)](#foonote-٧) فضاقت عليه النمرة فذهب يرفع النمرة على عاتقه، فترى عورته من صغر النمرة، فنودي : يا محمد، خمر عورتك، فلم ير عريانا بعد. وكان بين بنيان الكعبة وبين ما أنزل عليه خمس سنين، وبين مخرجه وبنائها خمس عشرة سنة. ذكره عبد الرزاق عن معمر عن عبدالله بن عثمان عن أبي الطفيل. وذكر عن معمر عن الزهري : حتى إذا بنوها وبلغوا موضع الركن اختصمت قريش في الركن، أي القبائل تلي رفعه ؟ حتى شجر بينهم، فقالوا : تعالوا نحكم أول من يطلع علينا من هذه السكة، فاصطلحوا على ذلك، فاطلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غلام عليه وشاح نمرة، فحكموه فأمر بالركن فوضع في ثوب، ثم أمر سيد كل قبيلة فأعطاه ناحية من الثوب، ثم ارتقى هو فرفعوا إليه الركن، فكان هو يضعه صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق : وحدثت أن قريشا وجدوا في الركن كتابا بالسريانية فلم يدر ما هو، حتى قرأه لهم رجل من يهود، فإذا فيه :" أنا الله ذو بكة خلقتها يوم خلقت السموات والأرض وصورت الشمس والقمر، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء لا تزول حتى يزول أخشباها[(٨)](#foonote-٨)، مبارك لأهلها في الماء واللبن ". وعن أبي جعفر محمد بن علي قال : كان باب الكعبة على عهد العماليق وجرهم وإبراهيم عليه السلام بالأرض حتى بنته قريش. خرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجدر[(٩)](#foonote-٩) أمن البيت هو ؟ قال :( نعم ) قلت : فلم لم يدخلوه \[ في البيت[(١٠)](#foonote-١٠) \] ؟ قال :" إن قومك قصرت بهم النفقة ". قلت : فما شأن بابه مرتفعا ؟ قال :" فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا ولولا أن قومك حديث عهدهم في الجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم لنظرت أن أدخل الجدر في البيت وأن ألزق بابه بالأرض ". وخرج عن عبدالله بن الزبير رضي الله عنه قال : حدثتني خالتي ( يعني عائشة ) رضي الله عنها قالت قال النبي صلى الله عليه وسلم :" يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض وجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا وزدت فيها ستة أذرع من الحجر فإن قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة ". وعن عروة عن \[ أبيه عن[(١١)](#foonote-١١) \] عائشة قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لولا حداثة \[ عهد[(١٢)](#foonote-١٢) \] قومك بالكفر لنقضت الكعبة ولجعلتها على أساس إبراهيم فإن قريشا حين بنت الكعبة استقصرت ولجعلت لها خَلْفا ". وفي البخاري قال هشام بن عروة : يعني بابا. وفي البخاري أيضا :" لجعلت لها خَلْفين " 
يعني بابين، فهذا بناء قريش. ثم لما غزا أهل الشام عبد الله بن الزبير ووهت الكعبة من حريقهم، هدمها ابن الزبير وبناها على ما أخبرته عائشة، وزاد فيه خمسة أذرع من الحجر، حتى أبدى أسا نظر الناس إليه، فبنى عليه البناء، وكان طول الكعبة ثماني عشرة ذراعا، فلما زاد فيه استقصره، فزاد في طوله عشرة أذرع، وجعل لها بابين أحدهما يدخل منه، والآخر يخرج منه، كذا في صحيح مسلم، وألفاظ الحديث تختلف. وذكر سفيان عن داود بن شابور عن مجاهد قال : لما أراد ابن الزبير أن يهدم الكعبة ويبنيه[(١٣)](#foonote-١٣) قال للناس : اهدموا، قال : فأبوا أن يهدموا وخافوا أن ينزل عليهم العذاب. قال مجاهد : فخرجنا إلى منى فأقمنا بها ثلاثا ننتظر العذاب. قال : وارتقى ابن الزبير على جدار الكعبة هو بنفسه، فلما رأوا أنه لم يصبه شيء اجترؤوا على ذلك، قال : فهدموا. فلما بناها جعل لها بابين : بابا يدخلون منه، وبابا يخرجون منه، وزاد فيه مما يلي الحجر ستة أذرع، وزاد في طولها تسعة أذرع. قال مسلم في حديثه : فلما قتل ابن الزبير كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك، ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أس نظر إليه العدول من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك : إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء[(١٤)](#foonote-١٤)، أما ما زاد في طوله فأقره، وأما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه، وسد الباب الذي فتحه، فنقضه وأعاده إلى بنائه. في رواية : قال عبدالملك : ما كنت أظن أبا خبيب ( يعني ابن الزبير ) سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها، قال الحارث بن عبدالله : بلى، أنا سمعته منها، قال : سمعتها تقول ماذا ؟ قال : قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن قومك استقصروا من بنيان البيت ولولا حداثة عهدهم بالشرك أعدت ما تركوا منه[(١٥)](#foonote-١٥) فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه فهلمي لأريك ما تركوا منه فأراها قريبا من سبعة أذرع ). في أخرى : قال عبد الملك : لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته على ما بنى ابن الزبير. فهذا ما جاء في بناء الكعبة من الآثار. وروي أن الرشيد ذكر لمالك بن أنس أنه يريد هدم ما بنى الحجاج من الكعبة، وأن يرده على بناء ابن الزبير لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وامتثله ابن الزبير، فقال له مالك : ناشدتك الله يا أمير المؤمنين، ألا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك، لا يشا

١ الربض (بضم الراء، وبسكون الباء وضمها): الأساس. وبفتحهما: ما حول المدينة..
٢ في ا: ج: ز: "ويجوز أن يكون"..
٣ السكينة (بفتح فكسر): ريح خجوج، أي سريعة الممر..
٤ في ج: "ابن علي موضع الأساس". وأبو قبيس: اسم الجبل المشرف على مكة.
٥ في ج: "ابن علي موضع الأساس". وأبو قبيس: اسم الجبل المشرف على مكة.
٦ هكذا في جميع النسخ التي بأيدنا..
٧ النمرة: كل شملة مخططة من مآزر العرب..
٨ الأخشبان: الجبلان: المطيفان بمكة، وهما: أبو قيس، والأحمر..
٩ الجدر: (بفتح الجيم وإسكان الدال): حجر الكعبة (بكسر الحاء)..
١٠ الزيادة عن صحيح مسلم..
١١ الزيادة عن صحيح مسلم.
١٢ الزيادة عن صحيح مسلم.
١٣ كذا في نسخ الأصل. ولعل تذكير الضمير على معنى البيت.
١٤ قوله: إنا لسنا... الخ، قال النووي: "يريد بذلك سبه وعيب فعله، لطخته أي رميته بأمر قبيح"..
١٥ كذا في صحيح مسلم، وفي نسخ الأصل: "تمامه"..

### الآية 2:128

> ﻿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [2:128]

قوله تعالى : ربنا واجعلنا مسلمين لك  أي صيرنا، و " مسلمين " مفعول ثان، سألا التثبيت والدوام. والإسلام في هذا الموضع : الإيمان والأعمال جميعا، ومنه قوله تعالى : إن الدين عند الله الإسلام[(١)](#foonote-١)  \[ آل عمران : ١٩ \] ففي هذا دليل لمن قال : إن الإيمان والإسلام شيء واحد، وعضدوا هذا بقوله تعالى في الآية الأخرى : فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين. فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين[(٢)](#foonote-٢)  
\[ الذاريات : ٣٥ - ٣٦ \]. وقرأ ابن عباس وعوف الأعرابي " مسلمين " على الجمع. 
قوله تعالى : ومن ذريتنا أمة مسلمة لك  أي ومن ذريتنا فاجعل، فيقال : إنه لم يدع نبي إلا لنفسه ولأمته إلا إبراهيم فإنه دعا مع دعائه لنفسه ولأمته ولهذه الأمة. و من  في قوله : ومن ذريتنا  للتبعيض ؛ لأن الله تعالى قد كان أعلمه أن منهم ظالمين. وحكى الطبري : أنه أراد بقوله :
 ومن ذريتنا  العرب خاصة. قال السهيلي[(٣)](#foonote-٣) : وذريتهما العرب، لأنهم بنو نبت بن إسماعيل، أو بنو تيمن بن إسماعيل، ويقال : قيدر بن نبت بن إسماعيل. أما العدنانية فمن نبت، وأما القحطانية فمن قيدر بن نبت بن إسماعيل، أو تيمن على أحد القولين. قال ابن عطية : وهذا ضعيف، لأن دعوته ظهرت في العرب وفيمن آمن من غيرهم. والأمة : الجماعة هنا، وتكون واحدا إذا كان يقتدى به في الخير، ومنه قوله تعالى : إن إبراهيم كان أمة قانتا[(٤)](#foonote-٤) لله  \[ النحل : ١٢٠ \]، وقال صلى الله عليه وسلم في زيد بن عمرو بن نفيل :" يبعث أمة وحده " لأنه لم يشرك في دينه غيره، والله أعلم. وقد يطلق لفظ الأمة على غير هذا المعنى، ومنه قوله تعالى : إنا وجدنا آبائنا على أمة[(٥)](#foonote-٥)  \[ الزخرف : ٢٢ \] أي على دين وملة، ومنه قوله تعالى : إن هذه أمتكم أمة واحدة[(٦)](#foonote-٦)  \[ الأنبياء : ٩٢ \]. وقد تكون بمعنى الحين والزمان، ومنه قوله تعالى : وادكر بعد أمة[(٧)](#foonote-٧)  \[ يوسف : ٤٥ \] أي بعد حين وزمان. ويقال : هذه أمة زيد، أي أم زيد. والأمة أيضا : القامة، يقال : فلان حسن الأمة، أي حسن القامة، قال[(٨)](#foonote-٨) :
وإن معاوية الأكرمي \*\*\* ن حسانُ الوجوه طِوالُ الأُمَمْ
وقيل : الأمة الشجة التي تبلغ أم الدماغ، يقال : رجل مأموم وأميم. 
قوله تعالى : وأرنا مناسكنا ،  أرنا  من رؤية البصر، فتتعدى إلى مفعولين، وقيل : من رؤية القلب، ويلزم قائله أن يتعدى الفعل منه إلى ثلاثة مفاعيل. قال ابن عطية : وينفصل[(٩)](#foonote-٩) بأنه يوجد معدى بالهمزة من رؤية القلب إلى مفعولين \[ كغير المعدى \][(١٠)](#foonote-١٠). قال حطائط بن يعفر أخو الأسود بن يعفر : أريني جوادا مات هَزْلاً لأنني[(١١)](#foonote-١١) \*\*\* أرى ما ترين أو بخيلا مُخَلَّدَا
وقرأ عمر بن عبدالعزيز وقتادة وابن كثير وابن محيصن والسدي وروح عن يعقوب ورويس والسوسي " أرنا " بسكون الراء في القرآن، واختاره أبو حاتم. وقرأ أبو عمرو باختلاس كسرة الراء، والباقون بكسرها، واختاره أبو عبيد. وأصله أرئنا بالهمز، فمن قرأ بالسكون قال : ذهبت الهمزة وذهبت حركتها وبقيت الراء ساكنة على حالها، واستدل بقول الشاعر : أَرْنا إداوة عبدالله نملؤها \*\*\* من ماء زمزم إن القوم قد ظمئوا
ومن كسر فإنه نقل حركة الهمزة المحذوفة إلى الراء، وأبو عمر وطلب الخفة. وعن شجاع بن أبي نصر[(١٢)](#foonote-١٢) وكان أمينا صادقا أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فذاكره أشياء من حروف أبي عمرو فلم يرد عليه إلا حرفين : هذا، والآخر " ما ننسخ من آية أو ننسأها " \[ البقرة : ١٠٦ \] مهموزا. 
قوله تعالى : مناسكنا  يقال : إن أصل النسك في اللغة الغسل، يقال منه : نسك ثوبه إذا غسله. وهو في الشرع اسم للعبادة، يقال : رجل ناسك إذا كان عابدا. 
واختلف العلماء في المراد بالمناسك هنا، فقيل : مناسك الحج ومعالمه، قاله قتادة والسدي. وقال مجاهد وعطاء وابن جريج : المناسك المذابح، أي مواضع الذبح. وقيل : جميع المتعبدات. وكل ما يتعبد به إلى الله تعالى يقال له منْسَك ومنسِك. والناسك : العابد. قال النحاس : يقال نسك ينسك، فكان يجب أن يقال على هذا : منسك، إلا أنه ليس في كلام العرب مفعل. وعن زهير بن محمد قال : لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت الحرام قال : أي رب، قد فرغت فأرنا مناسكنا، فبعث الله تعالى إليه جبريل فحج به، حتى إذا رجع من عرفة وجاء يوم النحر عرض له إبليس، فقال له : احصبه، فحصبه بسبع حصيات، ثم الغد ثم اليوم الثالث، ثم علا ثبيرا[(١٣)](#foonote-١٣) فقال : يا عباد الله، أجيبوا، فسمع دعوته من بين الأبحر ممن في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فقال : لبيك، اللهم لبيك، قال : ولم يزل على وجه الأرض سبعة مسلمون فصاعدا، لولا ذلك لأهلكت الأرض ومن عليها. وأول من أجابه أهل اليمن. وعن أبي مجلز قال : لما فرغ إبراهيم من البيت جاءه جبريل عليه السلام فأراه الطواف بالبيت - قال : وأحسبه قال :" والصفا والمروة - ثم انطلقا إلى العقبة فعرض لهما الشيطان، فأخذ جبريل سبع حصيات وأعطى إبراهيم سبع حصيات، فرمى وكبر، وقال لإبراهيم : ارم وكبر، فرميا وكبرا مع كل رمية حتى أفل الشيطان. ثم انطلقا إلى الجمرة الوسطى، فعرض لهما الشيطان، فأخذ جبريل سبع حصيات وأعطى إبراهيم سبع حصيات، وقال : ارم وكبر، فرميا وكبرا مع كل رمية حتى أفل الشيطان. ثم أتيا الجمرة القصوى فعرض لهما الشيطان، فأخذ جبريل سبع حصيات وأعطى إبراهيم سبع حصيات وقال : ارم وكبر، فرميا وكبرا مع كل رمية حتى أفل الشيطان. ثم أتى به جمعا[(١٤)](#foonote-١٤) فقال : ههنا يجمع الناس الصلوات. ثم أتى به عرفات فقال : عرفت ؟ فقال نعم، فمن ثم سمي عرفات. وروي أنه قال له : عرَفْت، عرفتَ، عرفت ؟ أي منى والجمع وهذا، فقال نعم، فسمي ذلك المكان عرفات. وعن خصيف بن عبدالرحمن أن مجاهدا حدثه قال : لما قال إبراهيم عليه السلام : وأرنا مناسكنا  أي الصفا والمروة، وهما من شعائر الله بنص القرآن، ثم خرج به جبريل، فلما مر بجمرة العقبة إذا إبليس عليها، فقال له جبريل : كبر وارمه، فارتفع إبليس إلى الوسطى، فقال جبريل : كبر وارمه، ثم في الجمرة القصوى كذلك. ثم انطلق به إلى المشعر الحرام، ثم أتى به عرفة فقال له : هل عرفت ما أريتك ؟ قال نعم، فسميت عرفات لذلك فيما قيل، قال : فأذن في الناس بالحج، قال : كيف أقول ؟ قال قل : يا أيها الناس، أجيبوا ربكم، ثلاث مرار، ففعل، فقالوا : لبيك، اللهم لبيك. قال : فمن أجاب يومئذ فهو حاج. وفي رواية أخرى : أنه حين نادى استدار فدعا في كل وجه، فلبى الناس من كل مشرق ومغرب، وتطأطأت الجبال حتى بعد صوته. وقال محمد بن إسحاق : لما فرغ إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليه من بناء البيت الحرام جاءه جبريل عليه السلام فقال له : طف به سبعا، فطاف به سبعا هو وإسماعيل عليهما السلام، يستلمان الأركان كلها في كل طواف، فلما أكملا سبعا صليا خلف المقام ركعتين. قال : فقام جبريل فأراه المناسك كلها : الصفا والمروة ومنى والمزدلفة. قال : فلما دخل منى وهبط من العقبة تمثل له إبليس. . . . فذكر نحو ما تقدم. قال ابن إسحاق : وبلغني أن آدم عليه السلام كان يستلم الأركان كلها قبل إبراهيم عليه السلام. وقال : حج إسحاق وسارة من الشام، وكان إبراهيم عليه السلام يحجه كل سنة على البراق، وحجته بعد ذلك الأنبياء والأمم. وروى محمد بن سابط عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" كان النبي من الأنبياء إذا هلكت أمته لحق مكة فتعبد بها هو ومن آمن معه حتى يموتوا فمات بها نوح وهود وصالح وقبورهم بين زمزم والحجر ". وذكر ابن وهب أن شعيبا مات بمكة هو ومن معه من المؤمنين، فقبورهم في غربي مكة بين دار الندوة وبين بني سهم. وقال ابن عباس : في المسجد الحرام قبران ليس فيه غيرهما، قبر إسماعيل وقبر شعيب عليهما السلام، فقبر إسماعيل في الحجر، وقبر شعيب مقابل الحجر الأسود. وقال عبدالله بن ضمرة السلولي : ما بين الركن والمقام إلى زمزم قبور تسعة وتسعين نبيا جاؤوا حجاجا فقبروا هنالك، صلوات الله عليهم أجمعين. 
قوله تعالى : وتب علينا  اختلف في معنى قول إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام : وتب علينا  وهم أنبياء معصومون، فقالت طائفة : طلبا التثبيت والدوام، لا أنهما كان لهما ذنب. 
قلت : وهذا حسن، وأحسن منه أنهما لما عرفا المناسك وبنيا البيت أرادا أن يبينا للناس ويعرفاهم أن ذلك الموقف وتلك المواضع مكان التنصل من الذنوب وطلب التوبة. وقيل : المعنى وتب على الظلمة منا. وقد مضى الكلام في عصمة الأنبياء[(١٥)](#foonote-١٥) عليهم السلام في قصة آدم عليه السلام. وتقدم القول في معنى قوله : إنك أنت التواب الرحيم  \[ البقرة : ١٢٨ \] فأغنى عن[(١٦)](#foonote-١٦) إعادته.

١ راجع ج ٤ ص ٤٣.
٢ راجع ج ١٧ ص ٤٨.
٣ اضطربت الأصول في ذكر كلام السهيلي، وقد ذكر الطبري في تاريخه خبرا أولاد إسماعيل (ص ٣٥١ قسم أول)، وابن الأثير (ج ١ ص ٨٨) وابن هشام في سيرته (ص ٤) طبع أوربا، فيراجع..
٤ راجع ج ١٠ ص ١٩٧.
٥ راجع ج ١٦ ص ٧٤.
٦ راجع ج ١١ ص ٣٣٨.
٧ راجع ج ٩ ص ٢٠١.
٨ القائل هو الأعشى، كما في اللسان..
٩ قال أبو حيان في البحر: "وقوله: ينفصل... الخ. يعني أنه قد استعمل في اللسان العربي متعديا إلى اثنين ومعه همزة النقل كما استعمل متعديا إلى اثنين بغير الهمزة".
١٠ زيادة عن ابن عطية..
١١ ويروى "لعلى" ولأن بمعنى لعل..
١٢ في ا، ب، ز: "أبي نصرة" وفي ج، ح: أبي بصرة". والتصويب عن القراء وتهذيب التهذيب..
١٣ ثبير: جبل بين مكة ومنى وهو على يمين الذاهب إلى مكة..
١٤ جمع (بفتح فسكون) المزدلفة..
١٥ يراجع ج ١ ص ٣٠٨ طبعة ثانية..
١٦ يراجع ج ١ ص ٣٢٥ طبعة ثانية..

### الآية 2:129

> ﻿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [2:129]

قوله تعالى : ربنا وابعث فيهم رسولا منهم  يعني محمدا صلى الله عليه وسلم. وفي قراءة أبي " وابعث في آخرهم رسولا منهم ". وقد روى خالد بن معدان : أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا له : يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك، قال :" نعم أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ". و " رسولا " أي مرسلا، وهو فعول من الرسالة. قال ابن الأنباري : يشبه أن يكون أصله من قولهم : ناقة مرسال ورسلة، إذا كانت سهلة السير ماضية أمام النوق. ويقال للجماعة المهملة المرسلة : رسل، وجمعه أرسال. يقال : جاء القوم أرسالا، أي بعضهم في أثر بعض، ومنه يقال للبن رسل، لأنه يرسل من الضرع. 
قوله تعالى : ويعلمهم الكتاب والحكمة ،  الكتاب  القرآن، و الحكمة  المعرفة بالدين، والفقه في التأويل، والفهم الذي هو سجية ونور من الله تعالى، قاله مالك. ورواه عنه ابن وهب، وقاله ابن زيد. وقال قتادة : الحكمة  السنة وبيان الشرائع. وقيل : الحكم والقضاء خاصة، والمعنى متقارب. ونسب التعليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم من حيث هو يعطي الأمور التي ينظر فيها، ويعلم طريق النظر بما يلقيه الله إليه من وحيه.  ويزكيهم  أي يطهرهم من وضر[(١)](#foonote-١) الشرك، عن ابن جريج وغيره. والزكاة : التطهير، وقد تقدم. وقيل : إن الآيات تلاوة ظاهر الألفاظ. والكتاب معاني الألفاظ. والحكمة الحكم، وهو مراد الله بالخطاب من مطلق ومقيد، ومفسر ومجمل، وعموم وخصوص، وهو معنى ما تقدم، والله تعالى أعلم.  والعزيز  معناه المنيع الذي لا ينال ولا يغالب. وقال ابن كيسان : معناه الذي لا يعجزه شيء، دليله : وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض . \[ فاطر : ٤٤ \]. الكسائي :" العزيز " الغالب، ومنه قوله تعالى : وعزني في الخطاب[(٢)](#foonote-٢)  \[ ص : ٢٣ \] وفي المثل :" من عز بز " أي من غلب سلب. وقيل :" العزيز " الذي لا مثل له، بيانه : ليس كمثله شيء[(٣)](#foonote-٣)  \[ الشورى : ١١ \]. وقد زدنا هذا المعنى بيانا في اسمه العزيز في كتاب " الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى " وقد تقدم معنى " الحكيم[(٤)](#foonote-٤) " والحمد الله.

١ الوضر: الوسخ..
٢ راجع ج ١ ص ٣٤٣ طبعة ثانية.
٣ راجع ج ١٤ ص ٣٦١.
٤ راجع ج ١٥ ص ١٧٤راجع ج ١٤ ص ٨راجع المسألة الثالثة ج ١ ص ٢٨٧ طبعة ثانية..

### الآية 2:130

> ﻿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [2:130]

قوله تعالى : ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ،  من  استفهام في موضع رفع بالابتداء، و يرغب  صلة،  من .  إلا من سفه نفسه  في موضع الخبر. وهو تقريع وتوبيخ وقع فيه معنى النفي، أي وما يرغب، قاله النحاس. والمعنى : يزهد فيها وينأى بنفسه عنها، أي عن الملة وهي الدين والشرع.  إلا من سفه نفسه  قال قتادة : هم اليهود والنصارى، رغبوا عن ملة إبراهيم واتخذوا اليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله تعالى. قال الزجاج : سفه  بمعنى جهل، أي جهل أمر نفسه فلم يفكر فيها. وقال أبو عبيدة : المعنى أهلك نفسه. وحكى ثعلب والمبرد أن  سفه  بكسر الفاء يتعدى كسفه بفتح الفاء وشدها. وحكي عن أبي الخطاب ويونس أنها لغة. وقال الأخفش : سفه نفسه  أي فعل بها من السفه ما صار به سفيها. وعنه أيضا هي لغة بمعنى سفه، حكاه المهدوي، والأول ذكره الماوردي. فأما سفه بضم الفاء فلا يتعدى، قاله المبرد وثعلب. وحكى الكسائي عن الأخفش أن المعنى جهل في نفسه، فحذفت " في " فانتصب. قال الأخفش : ومثله  عقدة النكاح[(١)](#foonote-١) 
\[ البقرة : ٢٣٥ \]، أي على عقدة النكاح. وهذا يجري على مذهب سيبويه فيما حكاه من قولهم : ضرب فلان الظهر والبطن، أي في الظهر والبطن. الفراء : هو تمييز. قال ابن بحر : معناه جهل نفسه وما فيها من الدلالات والآيات الدالة على أن لها صانعا ليس كمثله شيء، فيعلم به توحيد الله وقدرته. 
قلت : وهذا هو معنى قول الزجاج، فيفكر في نفسه من يدين يبطش بهما، ورجلين يمشي عليهما، وعين يبصر بها، وأذن يسمع بها، ولسان ينطق به، وأضراس تنبت له عند غناه عن الرضاع وحاجته إلى الغذاء ليطحن بها الطعام، ومعدة أعدت لطبخ الغذاء، وكبد يصعد إليها صفوه، وعروق ومعابر ينفذ فيها إلى الأطراف، وأمعاء يرسب إليها ثفل الغذاء ويبرز من أسفل البدن، فيستدل بهذا على أن له خالقا قادرا عليما حكيما، وهذا معنى قوله تعالى : وفي أنفسكم أفلا تبصرون  \[ الذاريات : ٢١ \]. أشار إلى هذا الخطابي رحمه الله تعالى. وسيأتي له مزيد بيان في سورة 
 " والذاريات[(٢)](#foonote-٢) " إن شاء الله تعالى. 
وقد استدل بهذه الآية من قال : إن شريعة إبراهيم شريعة لنا إلا ما نسخ منها، وهذا كقوله :" ملة أبيكم إبراهيم[(٣)](#foonote-٣) " \[ الحج : ٧٨ \]، " أن اتبع ملة إبراهيم[(٤)](#foonote-٤) " \[ النحل : ١٢٣ \]. وسيأتي بيانه. 
قوله تعالى : ولقد اصطفيناه في الدنيا  أي اخترناه للرسالة فجعلناه صافيا من الأدناس والأصل في  اصطفيناه  اصتفيناه، أبدلت التاء طاء لتناسبها[(٥)](#foonote-٥) مع الصاد في الإطباق. واللفظ مشتق من الصفوة، ومعناه تخير الأصفى. 
قوله تعالى : وإنه في الآخرة لمن الصالحين  الصالح في الآخرة هو الفائز. ثم قيل : كيف جاز تقديم  في الآخرة  وهو داخل في الصلة، قال النحاس : فالجواب أنه ليس التقدير إنه لمن الصالحين في الآخرة، فتكون الصلة قد تقدمت، ولأهل العربية فيه ثلاثة أقوال : منها أن يكون المعنى وإنه صالح في الآخرة، ثم حذف. وقيل : في الآخرة  متعلق بمصدر محذوف، أي صلاحه في الآخرة. والقول الثالث : أن  الصالحين  ليس بمعنى الذين صلحوا، ولكنه اسم قائم بنفسه، كما يقال الرجل والغلام. 
قلت : وقول رابع أن المعنى وإنه في عمل الآخرة لمن الصالحين، فالكلام على حذف مضاف. وقال الحسين بن الفضل : في الكلام تقديم وتأخير، مجازه ولقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين. وروى حجاج بن حجاج - وهو حجاج الأسود، وهو أيضا حجاج الأحول المعروف بزق العسل - قال : سمعت معاوية بن قرة يقول : اللهم إن الصالحين أنت أصلحتهم ورزقتهم أن عملوا بطاعتك فرضيت عنهم، اللهم كما أصلحتهم فأصلحنا، وكما رزقتهم أن عملوا بطاعتك فرضيت عنهم فارزقنا أن نعمل بطاعتك، وارض عنا.

١ أي في قوله تعالى: "ولا تعزموا عقدة النكاح" راجع ج ٣ ص ١٩٢.
٢ راجع ج ١٧ ص ٤٠.
٣ راجع ج ١٢ ص ١٠١.
٤ راجع ج ١٠ ص ١٩٨.
٥ في ا: "لتشابهها...".

### الآية 2:131

> ﻿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [2:131]

العامل في  إذ  قوله : اصطفيناه  أي اصطفيناه إذ قال له ربه أسلم. وكان هذا القول من الله تعالى حين ابتلاه بالكوكب والقمر والشمس. قال ابن كيسان والكلبي : أي أخلص دينك لله بالتوحيد. وقيل : اخضع واخشع. وقال ابن عباس : إنما قال له ذلك حين خرج من السرب[(١)](#foonote-١)، على ما يأتي ذكره في " الأنعام[(٢)](#foonote-٢) ". والإسلام هنا على أتم وجوهه. والإسلام في كلام العرب : الخضوع والانقياد للمستسلم. وليس كل إسلام إيمانا، وكل إيمان إسلام، لأن من آمن بالله فقد استسلم وانقاد لله. وليس كل من أسلم آمن بالله، لأنه قد يتكلم فزعا[(٣)](#foonote-٣) من السيف، ولا يكون ذلك إيمانا، خلافا للقدرية والخوارج حيث قالوا : إن الإسلام هو الإيمان، فكل مؤمن مسلم، وكل مسلم مؤمن، لقوله : إن الدين عند الله الإسلام[(٤)](#foonote-٤)  \[ آل عمران : ١٩ \] فدل على أن الإسلام هو الدين، وأن من ليس بمسلم فليس بمؤمن. ودليلنا قوله تعالى : قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا[(٥)](#foonote-٥)  \[ الحجرات : ١٤ \] الآية. فأخبر الله تعالى أنه ليس كل من أسلم مؤمنا، فدل على أنه ليس كل مسلم مؤمنا، وقال صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص لما قال له : اعط فلانا فإنه مؤمن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( أو مسلم ) الحديث، خرجه مسلم، فدل على أن الإيمان ليس الإسلام، فإن الإيمان باطن، والإسلام ظاهر، وهذا بين. وقد يطلق الإيمان بمعنى الإسلام، والإسلام ويراد به الإيمان، للزوم أحدهما الآخر وصدوره عنه، كالإسلام الذي هو ثمرة الإيمان ودلالة على صحته، فاعلمه. وبالله التوفيق.

١ السرب (بالتحريك): الحفير، وبيت تحت الأرض..
٢ راجع ٧ ص ٢٤.
٣ في ج: "فرقا".
٤ راجع ج ٤ ص ٤٣.
٥ راجع ج ١٦ ص ٣٤٨.

### الآية 2:132

> ﻿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [2:132]

قوله تعالى : ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب  أي بالملة، وقيل : بالكلمة التي هي قوله : أسلمت لرب العالمين  وهو أصوب، لأنه أقرب مذكور، أي قولوا أسلمنا. ووصى وأوصى لغتان لقريش وغيرهم بمعنى، مثل كرمنا وأكرمنا، وقرئ بهما. وفي مصحف عبدالله " ووصى "، وفي مصحف عثمان " وأوصى " وهي قراءة أهل المدينة والشام. الباقون " ووصى " وفيه معنى التكثير. " وإبراهيم " رفع بفعله، " ويعقوب " عطف عليه، وقيل : هو مقطوع مستأنف، والمعنى : وأوصى يعقوب وقال يا بني إن الله اصطفى لكم الدين، فيكون إبراهيم قد وصى بنيه، ثم وصى بعده يعقوب بنيه. وبنو إبراهيم : إسماعيل، وأمه هاجر القبطية، وهو أكبر ولده، نقله إبراهيم إلى مكة وهو رضيع. وقيل : كان له سنتان، وقيل : كان له أربع عشرة سنة، والأول أصح، على ما يأتي في سورة " إبراهيم[(١)](#foonote-١) " بيانه إن شاء الله تعالى : وولد قبل أخيه إسحاق بأربع عشرة سنة، ومات وله مائة وسبع وثلاثون سنة. وقيل : مائة وثلاثون. وكان سنه لما مات أبوه إبراهيم عليهما السلام تسعا وثمانين سنة، وهو الذبيح في قول. وإسحاق أمه سارة، وهو الذبيح في قول آخر، وهو الأصح، على ما يأتي بيانه في سورة " والصافات[(٢)](#foonote-٢) " إن شاء الله. ومن ولده الروم واليونان والأرمن ومن يجري مجراهم وبنو إسرائيل. وعاش إسحاق مائة وثمانين سنة، ومات بالأرض المقدسة ودفن عند أبيه إبراهيم الخليل عليهما السلام. ثم لما توفيت سارة تزوج إبراهيم عليه السلام قنطورا بنت يقطن الكنعانية، فولدت له مدين ومداين ونهشان وزمران ونشيق وشيوخ[(٣)](#foonote-٣)، ثم توفي عليه السلام. وكان بين وفاته وبين مولد النبي صلى الله عليه وسلم نحو من ألفي سنة وستمائة سنة، واليهود ينقصون من ذلك نحوا من أربعمائة سنة. وسيأتي ذكر أولاد يعقوب في سورة " يوسف[(٤)](#foonote-٤) " إن شاء الله تعالى. وقرأ عمرو بن فائد الأسواري وإسماعيل بن عبدالله المكي :" ويعقوب " بالنصب عطفا على " بنيه "، فيكون يعقوب داخلا فيمن أوصى. قال القشيري : وقرئ " يعقوب " بالنصب عطفا على " بنيه " وهو بعيد، لأن يعقوب لم يكن فيما بين أولاد إبراهيم لما وصاهم، ولم ينقل أن يعقوب أدرك جده إبراهيم، وإنما ولد بعد موت إبراهيم، وأن[(٥)](#foonote-٥) يعقوب أوصى بنيه أيضا كما فعل إبراهيم. وسيأتي تسمية أولاد يعقوب إن شاء الله تعالى. قال الكلبي : لما دخل يعقوب إلى مصر رآهم يعبدون الأوثان والنيران والبقر، فجمع ولده وخاف عليهم وقال : ما تعبدون من بعدي ؟ ويقال : إنما سمي يعقوب لأنه كان هو والعيص توأمين، فخرج من بطن أمه آخذا بعقب أخيه العيص. وفي ذلك نظر، لأن هذا اشتقاق عربي، ويعقوب اسم أعجمي، وإن كان قد وافق العربية في التسمية به كذكر الخجل[(٦)](#foonote-٦). عاش عليه السلام مائة وسبعا وأربعين سنة ومات بمصر، وأوصى أن يحمل إلى الأرض المقدسة، ويدفن عند أبيه إسحاق، فحمله يوسف ودفنه عنده. 
قوله تعالى : يا بني  معناه أن يا بني، وكذلك هو في قراءة أبي وابن مسعود والضحاك. قال الفراء : ألغيت أن لأن التوصية كالقول، وكل كلام يرجع إلى القول جاز فيه دخول أن وجاز فيه إلغاؤها. قال : وقول النحويين إنما أراد " أن " فألغيت ليس بشيء. النحاس :" يا بني " نداء مضاف، وهذه ياء النفس لا يجوز هنا إلا فتحها، لأنها لو سكنت لالتقى ساكنان، ومثله " بمصرخي[(٧)](#foonote-٧) " \[ إبراهيم : ٢٢ \]. 
قوله تعالى : إن الله  كسرت " إن " لأن أوصى وقال واحد. وقيل : على إضمار القول.  اصطفى  اختار. قال الراجز :

يا ابن ملوك ورثوا الأَمْلاَكَا  خلافة الله التي أعطاكَالك اصطفاها ولها اصطفاكَا
 لكم الدين  أي الإسلام، والألف واللام في " الدين " للعهد، لأنهم قد كانوا عرفوه.  فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون  إيجاز بليغ. والمعنى : الزموا الإسلام ودوموا عليه ولا تفارقه حتى، تموتوا. فأتى بلفظ موجز يتضمن المقصود، ويتضمن وعظا وتذكيرا بالموت، وذلك أن المرء يتحقق أنه يموت ولا يدري متى، فإذا أمر بأمر لا يأتيه الموت إلا وهو عليه، فقد توجه الخطاب من وقت الأمر دائبا لازما. " لا " نهي " تموتن " في موضع جزم بالنهي، أكد بالنون الثقيلة، وحذفت الواو لالتقاء الساكنين.  إلا وأنتم مسلمون  ابتداء وخبر في موضع الحال، أي محسنون بربكم الظن، وقيل مخلصون، وقيل مفوضون، وقيل مؤمنون. 
١ راجع ج ٩ ص ٣٦٨.
٢ راجع ج ١٥ ص ٩٩.
٣ كذا وردت هذه الأسماء في نسخ الأصل: والذي في كتاب الرسل والملوك لابن جرير الطبري قسم أول ص ٣٤٥ طبه أوربا: "يقسان، وزمران، ومديان، ويسبق، وسوح، وبسر" وفي تاريخ ابن الأثير ج ١ ص ٨٧ طبع أوربا: نفشان، ومران، ومديان، ومدن، ونشق، وسرح"..
٤ راجع ج ٩ ص ١٣٠..
٥ في ا، ب، ز: "بل إن".
٦ الحجل (بالتحريك): طائر على قدر الحمام كالقطا، أحمر المنقار والرجلين، ويسمى دجاج البر. ويسمى الذكر منه يعقوب وجمعه يعاقب ويعاقب..
٧ راجع ج ٩ ص ٣٥٧..

### الآية 2:133

> ﻿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [2:133]

قوله تعالى : أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي . 
 شهداء خبر كان، ولم يصرف لأن فيه ألف التأنيث، ودخلت لتأنيث الجماعة كما تدخل الهاء. والخطاب لليهود والنصارى الذين ينسبون إلى إبراهيم ما لم يوص به بنيه، وأنهم على اليهودية والنصرانية، فرد الله عليهم قولهم وكذبهم، وقال لهم على جهة التوبيخ : أشهدتم يعقوب وعلمتم بما أوصى فتدعون عن علم، أي لم تشهدوا، بل أنتم تفترون. و " أم " بمعنى بل، أي بل أشهد أسلافكم يعقوب. والعامل في " إذ " الأولى معنى الشهادة، و " إذ " الثانية بدل من الأولى. و " شهداء " جمع شاهد أي حاضر. ومعنى " حضر يعقوب الموت " أي مقدماته وأسبابه، وإلا فلو حضر الموت لما أمكن أن يقول شيئا. وعبر عن المعبود " بما " ولم يقل من، لأنه أراد أن يختبرهم، ولو قال " من " لكان مقصوده أن ينظر من لهم الاهتداء منهم، وإنما أراد تجربتهم فقال " ما ". وأيضا فالمعبودات المتعارفة من دون الله جمادات كالأوثان والنار والشمس والحجارة، فاستفهم عما يعبدون من هذه. ومعنى  من بعدي  أي من بعد موتي. وحكي أن يعقوب حين خير كما تخير الأنبياء اختار الموت وقال : أمهلوني حتى أوصي بني وأهلي، فجمعهم وقال لهم هذا، فاهتدوا وقالوا : نعبد إلهك  الآية. فأروه ثبوتهم على الدين ومعرفتهم بالله تعالى. 
قوله تعالى : قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ،  إبراهيم وإسماعيل وإسحاق  في موضع خفض على البدل، ولم تنصرف لأنها أعجمية. قال الكسائي : وإن شئت صرفت " إسحاق " وجعلته من السحق، وصرفت " يعقوب " وجعلته من الطير. وسمى الله كل واحد من العم والجد أبا، وبدأ بذكر الجد ثم إسماعيل العم لأنه أكبر من إسحاق. و " إلها " بدل من " إلهك " بدل النكرة من المعرفة، وكرره لفائدة الصفة بالوحدانية. وقيل : إلها  حال. قال ابن عطية : وهو قول حسن ؛ لأن الغرض إثبات حال الوحدانية. وقرأ الحسن ويحيى بن يعمر والجحدري وأبو رجاء العطاردي  وإله أبيك  وفيه وجهان : أحدهما : أن يكون أفرد وأراد إبراهيم وحده، وكره أن يجعل إسماعيل أبا لأنه عم. قال النحاس : وهذا لا يجب، لأن العرب تسمي العم أبا. الثاني : على مذهب سيبويه أن يكون " أبيك " جمع سلامة، حكى سيبويه أب وأبون وأبين، كما قال الشاعر : فقلنا أسلموا إنّا أخوكم[(١)](#foonote-١)
وقال آخر :

 فلما تَبَيّنَ أصواتنا  بكَيْنَ وفدّيننا بالأبِينا[(٢)](#foonote-٢)قوله تعالى : ونحن له مسلمون  ابتداء وخبر، ويحتمل أن يكون في موضع الحال والعامل  نعبد . 
١ الشاهد فيه: "أخوكم" فإنه جمع بالواو والنون وحذفت النون بالإضافة ليصح الإخبار به عن ضمير الجمع.
 وتمام البيت: فقد سلمت من الإحن الصدور
 وصف نساء سبين فوفد عليهن من قومهن من يفاديهن فبكين إليهم وفدينهم بآبائهن سرورا بوفودهم عليهن. (عن شرح الشواهد)..
٢ راجع خزانة الأدب في الشاهد الثامن والعشرين بعد الثلاثمائة..

### الآية 2:134

> ﻿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [2:134]

قوله تعالى : تلك أمة قد خلت  " تلك " مبتدأ، و " أمة " خبر، " قد خلت " نعت لأمة، وإن شئت كانت خبر المبتدأ، وتكون " أمة " بدلا من " تلك ".  لها ما كسبت  " ما " في موضع رفع بالابتداء أو بالصفة على قول الكوفيين.  ولكم ما كسبتم  مثله، يريد من خير وشر. وفي هذا دليل على أن العبد يضاف إليه أعمال وأكساب، وإن كان الله تعالى أقدره على ذلك، إن كان خيرا فبفضله وإن كان شرا فبعدله، وهذا مذهب أهل السنة، والآي في القرآن بهذا المعنى كثيرة. فالعبد مكتسب لأفعاله، على معنى أنه خلقت له قدرة مقارنة للفعل، يدرك بها الفرق بين حركة الاختيار وحركة الرعشة مثلا، وذلك التمكن هو مناط التكليف. وقالت الجبرية بنفي اكتساب العبد، وإنه كالنبات الذي تصرفه الرياح. وقالت القدرية والمعتزلة خلاف هذين القولين، وإن العبد يخلق أفعاله. 
قوله تعالى : ولا تسألون عما كانوا يعملون  أي لا يؤاخذ أحد بذنب أحد، مثل قوله تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخرى  \[ الأنعام : ١٦٤ \] أي لا تحمل حاملة ثقل أخرى، وسيأتي[(١)](#foonote-١).

١ راجع ج ٧ ص ١٥٧..

### الآية 2:135

> ﻿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا ۗ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [2:135]

قوله تعالى : وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا  دعت كل فرقة إلى ما هي عليه، فرد الله تعالى ذلك عليهم فقال : بل ملة  أي قل يا محمد : بل نتبع ملة، فلهذا نصب الملة. وقيل : المعنى بل نهتدي بملة إبراهيم، فلما حذف حرف الجر صار منصوبا. وقرأ الأعرج وابن أبي عبلة : بل ملة  بالرفع، والتقدير بل الهدى ملة، أو ملتنا دين إبراهيم. و حنيفا  مائلا عن الأديان المكروهة إلى الحق دين إبراهيم، وهو في موضع نصب على الحال، قاله الزجاج. أي بل نتبع ملة إبراهيم في هذه الحالة. وقال علي بن سليمان : هو منصوب على أعني، والحال خطأ، لا يجوز جاءني غلام هند مسرعة. وسمي إبراهيم حنيفا لأنه حنف إلى دين الله وهو الإسلام. والحنف : الميل، ومنه رجل حنفاء، ورجل أحنف، وهو الذي تميل قدماه كل واحدة منهما إلى أختها بأصابعها. قالت أم الأحنف :

والله لولا حَنَفٌ برجله  ما كان في فتيانكم من مثلهوقال الشاعر : إذا حولّ الظلّ العشيّ رأيته  حنيفا وفي قرن الضحى يَتَنَصَّرُأي الحرباء تستقبل القبلة بالعشي، والمشرق بالغداة، وهو قبلة النصارى. وقال قوم : الحنف الاستقامة، فسمي دين إبراهيم حنيفا لاستقامته. وسمي المعوج الرجلين أحنف تفاؤلا بالاستقامة، كما قيل للديغ سليم، وللمهلكة مفازة، في قول أكثرهم.

### الآية 2:136

> ﻿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [2:136]

قوله تعالى : قولوا آمنا بالله  خرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل " الآية. وقال محمد بن سيرين : إذا قيل لك أنت مؤمن ؟ فقل : آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق  الآية. وكره أكثر السلف أن يقول الرجل : أنا مؤمن حقا، وسيأتي بيانه في " الأنفال[(١)](#foonote-١) " إن شاء الله تعالى. وسئل بعض المتقدمين عن رجل قيل له : أتؤمن بفلان النبي، فسماه باسم لم يعرفه، فلو قال نعم، فلعله لم يكن نبيا، فقد شهد بالنبوة لغير نبي، ولو قال لا، فلعله نبي، فقد جحد نبيا من الأنبياء، فكيف يصنع ؟ فقال : ينبغي أن يقول : إن كان نبيا فقد آمنت به. والخطاب في هذه الآية لهذه الأمة، علمهم الإيمان. قال ابن عباس : جاء نفر من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عمن يؤمن به من الأنبياء، فنزلت الآية. فلما جاء ذكر عيسى قالوا : لا نؤمن بعيسى ولا من آمن به. 
قوله تعالى : وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم  جمع إبراهيم براهيم، وإسماعيل سماعيل، قاله الخليل وسيبويه، وقال الكوفيون، وحكوا براهمة وسماعلة، وحكوا براهم وسماعل. قال محمد بن يزيد : هذا غلط ؛ لأن الهمزة ليس هذا موضع زيادتها، ولكن أقول : أباره وأسامع، ويجوز أباريه وأساميع. وأجاز أحمد بن يحيى براه، كما يقال في التصغير بريه. وجمع إسحاق أساحيق، وحكى الكوفيون أساحقة وأساحق، وكذا يعقوب ويعاقيب، ويعاقبة ويعاقب. قال النحاس : فأما إسرائيل فلا نعلم أحدا يجيز حذف الهمزة من أوله، وإنما يقال أساريل، وحكى الكوفيون أسارلة وأسارل. والباب في هذا كله أن يجمع مسلما فيقال : إبراهيمون وإسحاقون ويعقوبون، والمسلم لا عمل فيه. 
والأسباط : ولد يعقوب عليه السلام، وهم اثنا عشر ولدا، ولد لكل واحد منهم أمة من الناس، واحدهم سبط. والسبط في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في ولد إسماعيل. وسموا الأسباط من السبط وهو التتابع، فهم جماعة متتابعون. وقيل : أصله من السبط ( بالتحريك ) وهو الشجر، أي هم في الكثرة بمنزلة الشجر، الواحدة سبطة. قال أبو إسحاق الزجاج : ويبين لك هذا ما حدثنا به محمد بن جعفر الأنباري قال : حدثنا أبو نجيد
[(٢)](#foonote-٢) الدقاق قال حدثنا الأسود بن عامر قال حدثنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال : كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة : نوحا وشعيبا وهودا وصالحا ولوطا وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل ومحمدا صلى الله عليه وسلم. ولم يكن أحد له اسمان إلا عيسى ويعقوب. والسبط : الجماعة والقبيلة الراجعون إلى أصل واحد. وشعر سبط وسبط : غير جعد. " لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون " قال الفراء : أي لا نؤمن ببعضهم ونكفر ببعضهم كما فعلت اليهود والنصارى.

١ راجع ج ٧ ص ٣٦٧..
٢ كذا في ج وتفسيرا ابن كثير في هذا الموضع. وفي سائر الأصول: "أبو مجيد" بالميم..

### الآية 2:137

> ﻿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ۖ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [2:137]

قوله تعالى : فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا  الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته. المعنى : فإن آمنوا مثل إيمانكم، وصدقوا مثل تصديقكم فقد اهتدوا، فالمماثلة وقعت بين الإيمانين، وقيل[(١)](#foonote-١) : إن الباء زائدة مؤكدة. وكان ابن عباس يقرأ فيما حكى الطبري :
 فإن آمنوا بالذي آمنتم به فقد اهتدوا  وهذا هو معنى القراءة وإن خالف المصحف، " فمثل " زائدة كما هي في قوله : ليس كمثله شيء[(٢)](#foonote-٢)  \[ الشورى : ١١ \] أي ليس كهو شيء. وقال الشاعر[(٣)](#foonote-٣) : فَصُيِّرُوا مثل كعصف مأكول
وروى بقية حدثنا شعبة عن أبي حمزة عن ابن عباس قال : لا تقولوا فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فإن الله ليس له مثل، ولكن قولوا : بالذي آمنتم به. تابعه علي بن نصر الجهضمي عن شعبة، ذكره البيهقي. والمعنى : أي فإن آمنوا بنبيكم وبعامة الأنبياء ولم يفرقوا بينهم كما لم تفرقوا فقد اهتدوا، وإن أبوا إلا التفريق فهم الناكبون عن الدين[(٤)](#foonote-٤) إلى الشقاق  فسيكفيكهم الله . وحكى عن جماعة من أهل النظر قالوا : ويحتمل أن تكون الكاف في قوله : ليس كمثله شيء  زائدة. قال : والذي روي عن ابن عباس من نهيه عن القراءة العامة شيء ذهب إليه للمبالغة في نفي التشبيه عن الله عز وجل. وقال ابن عطية : هذا من ابن عباس على جهة التفسير، أي هكذا فليتأول. وقد قيل : إن الباء بمعنى على، والمعنى : فإن آمنوا على مثل إيمانكم. وقيل :" مثل " على بابها أي بمثل المنزل، دليله قوله : وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب[(٥)](#foonote-٥)  \[ الشورى : ١٥ \]، وقوله : وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم[(٦)](#foonote-٦) . \[ العنكبوت : ٤٦ \]. 
قوله تعالى : وإن تولوا  أي عن الإيمان  فإنما هم في شقاق  قال زيد بن أسلم : الشقاق المنازعة. وقيل : الشقاق المجادلة والمخالفة والتعادي. وأصله من الشق وهو الجانب، فكأن كل واحد من الفريقين في شق غير شق صاحبه. 
قال الشاعر :

 إلى كم تقتل العلماء قسرا  وتفجر بالشقاق وبالنفاق[(٧)](#foonote-٧)وقال آخر : وإلا فاعلموا أنا وأنتم  بُغَاةٌ ما بقينا في شقاقوقيل : إن الشقاق مأخوذ من فعل ما يشق ويصعب، فكأن كل واحد من الفريقين يحرص على ما يشق على صاحبه. 
قوله تعالى : فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم  أي فسيكفي الله رسوله عدوه. فكان هذا وعدا من الله تعالى لنبيه عليه السلام أنه سيكفيه من عانده ومن خالفه من المتولين بمن يهديه من المؤمنين، فأنجز له الوعد، وكان ذلك في قتل بني قينقاع وبني قريظة وإجلاء بني النضير. والكاف والهاء والميم في موضع نصب مفعولان. ويجوز في غير القرآن : فسيكفيك إياهم[(٨)](#foonote-٨). وهذا الحرف  فسيكفيكهم الله  هو الذي وقع عليه دم عثمان حين قتل بإخبار النبي صلى الله عليه وسلم إياه بذلك. 
و السميع  لقول كل قائل  العليم  بما ينفذه في عباده ويجريه عليهم. وحكي أن أبا دلامة دخل على المنصور وعليه قلنسوة طويلة، ودراعة[(٩)](#foonote-٩) مكتوب بين كتفيها  فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ، وسيف معلق في وسطه، وكان المنصور قد أمر الجند بهذا الزي، فقال له : كيف حالك يا أبا دلامة ؟ قال : بشر يا أمير المؤمنين قال : وكيف ذاك ؟ قال : ما ظنك برجل وجهه في وسطه، وسيفه في استه، وقد نبذ كتاب الله وراء ظهره فضحك المنصور منه، وأمر بتغيير ذلك الزي من وقته. 
١ هذه الجملة من تمام القول الأول وليست قولا آخر كما يتبادر من السياق..
٢ راجع ج ١٦ ص ٨.
٣ هو حميد الأرقط، وصف قوما استؤصلوا فشبههم بالعصف الذي أكل حبه. والعصف التبن. (عن شرح الشواهد)..
٤ في ج: عن التبيين". وفي ب، ز: "عن التدين"..
٥ راجع ج ١٦ ص ١٣.
٦ راجع ج ١٣ ص ٣٥١..
٧ في: ا: "... يقتل... "بالباء..
٨ زيادة من إعراب القرآن للنحاس..
٩ الدراعة والمدرع: جبة مشقوقة المقدم..

### الآية 2:138

> ﻿صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ [2:138]

**فيه مسألتان :**
الأولى : قوله تعالى : صبغة الله  قال الأخفش وغيره : دين الله، وهو بدل من  ملة  وقال الكسائي : وهي منصوبة على تقدير اتبعوا. أو على الإغراء أي الزموا. ولو قرئت بالرفع لجاز، أي هي صبغة الله. وروى شيبان عن قتادة قال : إن اليهود تصبغ أبناءهم يهودا، وإن النصارى تصبغ أبناءهم نصارى، وإن صبغة الله الإسلام. قال الزجاج : ويدلك على هذا أن " صبغة " بدل من " ملة ". وقال مجاهد : أي فطرة الله التي فطر الناس عليها. قال أبو إسحاق الزجاج : وقول مجاهد هذا يرجع إلى الإسلام ؛ لأن الفطرة ابتداء الخلق، وابتداء ما خلقوا عليه الإسلام. وروي عن مجاهد والحسن وأبي العالية وقتادة : الصبغة الدين. وأصل ذلك أن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في الماء، وهو الذي يسمونه المعمودية، ويقولون : هذا تطهير لهم. وقال ابن عباس : هو أن النصارى كانوا إذا ولد لهم ولد فأتى عليه سبعة أيام غمسوه في ماء لهم يقال له ماء المعمودية، فصبغوه بذلك ليطهروه به مكان الختان ؛ لأن الختان تطهير، فإذا فعلوا ذلك قالوا : الآن صار نصرانيا حقا، فرد الله تعالى ذلك عليهم بأن قال :" صبغة الله " أي صبغة الله أحسن صبغة وهي الإسلام، فسمي الدين صبغة استعارة ومجازا من حيث تظهر أعماله وسمته على المتدين، كما يظهر أثر الصبغ في الثوب. وقال بعض شعراء ملوك همدان. وكلُّ أناسٍ لهم صبغة  وصبغةُ همدانَ خير الصِّبَغْصَبَغْنَا على ذاك أبناءنا  فأكرم بصبغتنا في الصِّبَغْوقيل : إن الصبغة الاغتسال لمن أراد الدخول في الإسلام، بدلا من معمودية النصارى، ذكره الماوردي. 
قلت : وعلى هذا التأويل يكون غسل الكافر واجبا تعبدا، وهي المسألة :
الثانية : لأن معنى  صبغة الله  غسل الله، أي اغتسلوا عند إسلامكم الغسل الذي أوجبه الله عليكم. وبهذا المعنى جاءت السنة الثابتة في قيس بن عاصم وثمامة بن أثال حين أسلما. روى أبو حاتم البستي في صحيح مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن ثمامة الحنفي[(١)](#foonote-١) أسر فمر به النبي صلى الله عليه وسلم يوما فأسلم، فبعث به إلى حائط[(٢)](#foonote-٢) أبي طلحة فأمره أن يغتسل فاغتسل وصلى ركعتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" حسن إسلام صاحبكم " . وخرج أيضا عن قيس بن عاصم أنه أسلم، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل بماء وسدر. ذكره النسائي وصححه أبو محمد عبد الحق. وقيل : إن القربة إلى الله تعالى يقال لها صبغة، حكاه ابن فارس في المجمل. وقال الجوهري :" صبغة الله " دينه. وقيل : إن الصبغة الختان، اختتن إبراهيم فجرت الصبغة على الختان لصبغهم الغلمان في الماء، قاله الفراء.  ونحن له عابدون  ابتداء وخبر. 
١ ثمامة الحنفي هو ثمامة بن أثال المتقدم..
٢ الحائط: البستان من النخل إذا كان عليه جدار..

### الآية 2:139

> ﻿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ [2:139]

قال الحسن : كانت المحاجة أن قالوا : نحن أولى بالله منكم، لأنا أبناء الله وأحباؤه. وقيل : لتقدم آبائنا وكتبنا، ولأنا لم نعبد الأوثان. فمعنى الآية : قل لهم يا محمد، أي قل لهؤلاء اليهود والنصارى الذين زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه وادعوا أنهم أولى بالله منكم لقدم آبائهم وكتبهم :
 أتحاجوننا  أي أتجاذبوننا الحجة على دعواكم والرب واحد، وكل مجازى بعمله، فأي تأثير لقدم الدين. ومعنى : في الله  أي في دينه والقرب منه والحظوة[(١)](#foonote-١) له. وقراءة الجماعة : أتحاجوننا . وجاز اجتماع حرفين مثلين من جنس واحد متحركين، لأن الثاني كالمنفصل. وقرأ ابن محيصن " أتحاجونا " بالإدغام لاجتماع المثلين. قال النحاس : وهذا جائز إلا أنه مخالف للسواد. ويجوز " أتحاجون " بحذف النون الثانية، كما قرأ نافع  فبم تبشرون[(٢)](#foonote-٢)  \[ الحجر : ٥٤ \]. 
قوله تعالى : ونحن له مخلصون  أي مخلصون العبادة، وفيه معنى التوبيخ، أي ولم تخلصوا أنتم فكيف تدعون ما نحن أولى به منكم، والإخلاص حقيقته تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين، قال صلى الله عليه وسلم :" إن الله تعالى يقول أنا خير شريك فمن أشرك معي شريكا فهو لشريكي يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله تعالى فإن الله تعالى لا يقبل إلا ما خلص له ولا تقولوا هذا لله وللرحم فإنها للرحم وليس لله منها شيء ولا تقولوا هذا لله ولوجوهكم فإنها لوجوهكم وليس لله تعالى منها شيء " . رواه الضحاك بن قيس الفهري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذكره، خرجه الدارقطني. وقال رويم : الإخلاص من العمل هو ألا يريد صاحبه عليه عوضا في الدارين ولا حظا من الملكين. وقال الجنيد : الإخلاص سر بين العبد وبين الله، لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوى فيميله. وذكر أبو القاسم القشيري وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" سألت جبريل عن الإخلاص ما هو. فقال : سألت رب العزة عن الإخلاص ما هو ؟ قال : سر من سري استودعته قلب من أحببته من عبادي ".

١ كذا في الأصول، ولعل صوابه: "والحظوة عنده"..
٢ راجع ج ١٠ ص ٣٥.

### الآية 2:140

> ﻿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ۗ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [2:140]

قوله تعالى : أم تقولون  بمعنى قالوا[(١)](#foonote-١). وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص " تقولون " بالتاء وهي قراءة حسنة، لأن الكلام متسق، كأن المعنى : أتحاجوننا في الله أم تقولون إن الأنبياء كانوا على دينكم، فهي أم المتصلة، وهي على قراءة من قرأ بالياء منقطعة، فيكون كلامين وتكون " أم " بمعنى بل. " هودا " خبر كان، وخبر " إن " في الجملة. ويجوز في غير القرآن رفع " هودا " على خبر " إن " وتكون كان ملغاة، ذكره النحاس. 
قوله تعالى : قل أأنتم أعلم أم الله  تقرير وتوبيخ في ادعائهم بأنهم كانوا هودا أو نصارى. فرد الله عليهم بأنه أعلم بهم منكم، أي لم يكونوا هودا ولا نصارى. 
قوله تعالى : ومن أظلم  لفظه الاستفهام، والمعنى : لا أحد أظلم.  ممن كتم شهادة  يريد علمهم بأن الأنبياء كانوا على الإسلام. وقيل : ما كتموه من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، قاله قتادة، والأول أشبه بسياق الآية.  وما الله بغافل عما تعملون  وعيد وإعلام بأنه لم يترك أمرهم سدى وأنه يجازيهم على أعمالهم. والغافل : الذي لا يفطن للأمور إهمالا منه، مأخوذ من الأرض الغفل وهي التي لا علم بها ولا أثر عمارة. وناقة غفل : لا سمة بها. ورجل غفل : لم يجرب الأمور. وقال الكسائي : أرض غفل لم تمطر. غفلت عن الشيء غفلة وغفولا، وأغفلت الشيء : تركته على ذكر منك.

١ هذا القول بأن "أم" منقطعة..

### الآية 2:141

> ﻿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [2:141]

كررها لأنها تضمنت معنى التهديد والتخويف، أي إذا كان أولئك الأنبياء على إمامتهم وفضلهم يجازون بكسبهم فأنتم أحرى، فوجب التأكيد، فلذلك كررها.

### الآية 2:142

> ﻿۞ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [2:142]

**فيه إحدى عشرة مشألة :**
الأولى : قوله تعالى :" سيقول السفهاء من الناس " أعلم الله تعالى أنهم سيقولون في تحويل المؤمنين من الشام إلى الكعبة، ما ولاهم. و " سيقول " بمعنى قال، جعل المستقبل موضع الماضي، دلالة على استدامة ذلك وأنهم يستمرون على ذلك القول. وخص بقوله :" من الناس " لأن السفه يكون في جمادات وحيوانات. والمراد من " السفهاء " جميع من قال :" ما ولاهم ". والسفهاء جمع، واحده سفيه، وهو الخفيف العقل، من قولهم : ثوب سفيه إذا كان خفيف النسج، وقد تقدم[(١)](#foonote-١). والنساء سفائه. وقال المؤرج : السفيه البهات الكذاب المتعمد خلاف ما يعلم. قطرب : الظلوم الجهول، والمراد بالسفهاء هنا اليهود الذين بالمدينة، قاله مجاهد. السدي : المنافقون. الزجاج : كفار قريش لما أنكروا تحويل القبلة قالوا : قد اشتاق محمد إلى مولده وعن قريب يرجع إلى دينكم، وقالت اليهود : قد التبس عليه أمره وتحير. وقال المنافقون : ما ولاهم عن قبلتهم، واستهزؤوا بالمسلمين. و " ولاهم " يعني عدلهم وصرفهم. 
الثانية : روى الأئمة واللفظ لمالك عن ابن عمر قال : بينما الناس بقباء[(٢)](#foonote-٢) في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة. وخرج البخاري عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وإنه صلى أول صلاة صلاها العصر[(٣)](#foonote-٣) وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فمر على أهل المسجد وهم راكعون فقال : أشهد بالله، لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت. وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجال قتلوا لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله عز وجل :" وما كان الله ليضيع إيمانكم " \[ البقرة : ١٤٣ \]، ففي هذه الرواية صلاة العصر، وفي رواية مالك صلاة الصبح. وقيل : نزل ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد بني سلمة وهو في صلاة الظهر بعد ركعتين منها فتحول في الصلاة، فسمي ذلك المسجد مسجد القبلتين. وذكر أبو الفرج أن عباد بن نهيك كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الصلاة. وذكر أبو عمر في التمهيد عن نويلة[(٤)](#foonote-٤) بنت أسلم وكانت من المبايعات، قالت : كنا في صلاة الظهر فأقبل عباد بن بشر بن قيظي فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقبل القبلة - أو قال : البيت الحرام - فتحول الرجال مكان النساء، وتحول النساء مكان الرجال. وقيل : إن الآية نزلت في غير صلاة، وهو الأكثر. وكان أول صلاة إلى الكعبة العصر، والله أعلم. وروي أن أول من صلى إلى الكعبة حين صرفت القبلة عن بيت المقدس أبو سعيد بن المعلى، وذلك أنه كان مجتازا على المسجد فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس بتحويل القبلة على المنبر وهو يقرأ هذه الآية :" قد نرى تقلب وجهك في السماء " \[ البقرة : ١٤٤ \] حتى فرغ من الآية، فقلت لصاحبي : تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنكون أول من صلى فتوارينا نَعَماً[(٥)](#foonote-٥) فصليناهما، ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس الظهر يومئذ. قال أبو عمر : ليس لأبي سعيد بن المعلى غير هذا الحديث، وحديث :" كنت أصلي " في فضل الفاتحة، خرجه البخاري، وقد تقدم[(٦)](#foonote-٦). 
الثالثة : واختلف في وقت تحويل القبلة بعد قدومه المدينة، فقيل : حولت بعد ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، كما في البخاري. وخرجه الدارقطني عن البراء أيضا. قال : صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرا نحو بيت المقدس، ثم علم الله هوى نبيه فنزلت :" قد نرى تقلب وجهك في السماء " الآية. ففي هذه الرواية ستة عشر شهرا من غير شك. وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن تحويلها كان قبل غزوة بدر بشهرين. قال إبراهيم بن إسحاق : وذلك في رجب من سنة اثنتين. وقال أبو حاتم البستي : صلى المسلمون إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرا وثلاثة أيام سواء، وذلك أن قدومه المدينة كان يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وأمره الله عز وجل باستقبال الكعبة يوم الثلاثاء للنصف من شعبان. 
الرابعة : واختلف العلماء أيضا في كيفية استقباله بيت المقدس على ثلاثة أقوال، فقال الحسن : كان ذلك منه عن رأي واجتهاد، وقاله[(٧)](#foonote-٧) عكرمة وأبو العالية. الثاني : أنه كان مخيرا بينه وبين الكعبة، فاختار القدس طمعا في إيمان اليهود واستمالتهم، قاله الطبري، وقال الزجاج : امتحانا للمشركين لأنهم ألفوا الكعبة. الثالث : وهو الذي عليه الجمهور : ابن عباس وغيره، وجب عليه استقباله بأمر الله تعالى ووحيه لا محالة، ثم نسخ الله ذلك وأمره الله أن يستقبل بصلاته الكعبة، واستدلوا بقوله تعالى :" وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه " \[ البقرة : ١٤٣ \] الآية. 
الخامسة : واختلفوا أيضا حين فرضت عليه الصلاة أولا بمكة، هل كانت إلى بيت المقدس أو إلى مكة، على قولين، فقالت طائفة : إلى بيت المقدس وبالمدينة سبعة عشر شهرا، ثم صرفه الله تعالى إلى الكعبة، قاله ابن عباس. وقال آخرون : أول ما افترضت الصلاة عليه إلى الكعبة، ولم يزل يصلي إليها طول مقامه بمكة على ما كانت عليه صلاة إبراهيم وإسماعيل، فلما قدم المدينة صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، على الخلاف، ثم صرفه الله إلى الكعبة. قال أبو عمر : وهذا أصح القولين عندي. قال غيره : وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة أراد أن يستألف اليهود فتوجه إلى قبلتهم ليكون ذلك أدعى لهم، فلما تبين عنادهم وأيس منهم أحب أن يحول إلى الكعبة فكان ينظر إلى السماء، وكانت محبته إلى الكعبة لأنها قبلة إبراهيم، عن ابن عباس. وقيل : لأنها كانت أدعى للعرب إلى الإسلام، وقيل : مخالفة لليهود، عن مجاهد. وروي عن أبي العالية الرياحي أنه قال : كانت[(٨)](#foonote-٨) مسجد صالح عليه السلام وقبلته إلى الكعبة، قال : وكان موسى عليه السلام يصلي إلى الصخرة نحو الكعبة، وهي قبلة الأنبياء كلهم، صلوات الله عليهم أجمعين. 
السادسة : في هذه الآية دليل واضح على أن في أحكام الله تعالى وكتابه ناسخا ومنسوخا، وأجمعت عليه الأمة إلا من شذ، كما تقدم[(٩)](#foonote-٩). وأجمع العلماء على أن القبلة أول ما نسخ من القرآن، وأنها نسخت مرتين، على أحد القولين المذكورين في المسألة قبل. 
السابعة : ودلت أيضا على جواز نسخ السنة بالقرآن، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس، وليس في ذلك قرآن، فلم يكن الحكم إلا من جهة السنة ثم نسخ ذلك بالقرآن، وعلى هذا يكون :" كنت عليها " بمعنى أنت عليها. 
الثامنة : وفيها دليل على جواز القطع بخبر الواحد، وذلك أن استقبال بيت المقدس كان مقطوعا به من الشريعة عندهم، ثم أن أهل قباء لما أتاهم الآتي وأخبرهم أن القبلة قد حولت إلى المسجد الحرام قبلوا قوله واستداروا نحو الكعبة، فتركوا المتواتر بخبر الواحد وهو مظنون. وقد اختلف العلماء في جوازه عقلا ووقوعه، فقال أبو حاتم : والمختار جواز ذلك عقلا لو تعبد الشرع به، ووقوعا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدليل قصة قباء، وبدليل أنه كان عليه السلام ينفذ آحاد الولاة إلى الأطراف وكانوا يبلغون الناسخ والمنسوخ جميعا. ولكن ذلك ممنوع بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، بدليل الإجماع من الصحابة على أن القرآن والمتواتر المعلوم لا يرفع بخبر الواحد، فلا ذاهب إلى تجويزه من السلف والخلف. احتج من منع ذلك بأنه يفضي إلى المحال وهو رفع المقطوع بالمظنون. وأما قصة أهل قباء وولاة النبي صلى الله عليه وسلم فمحمول على قرائن إفادة العلم إما نقلا وتحقيقا، وإما احتمالا وتقديرا. وتتميم هذا سؤالا وجوابا في أصول الفقه. 
التاسعة : وفيها دليل على أن من لم يبلغه الناسخ إنه متعبد بالحكم الأول، خلافا لمن قال : إن الحكم الأول يرتفع بوجود الناسخ لا بالعلم به، والأول أصح، لأن أهل قباء لم يزالوا يصلون إلى بيت المقدس إلى أن أتاهم الآتي فأخبرهم بالناسخ فمالوا نحو الكعبة. فالناسخ إذا حصل في الوجود فهو رافع لا محالة لكن بشرط العلم به، لأن الناسخ خطاب، ولا يكون خطابا في حق من لم يبلغه. وفائدة هذا الخلاف في عبادات فعلت بعد النسخ وقبل البلاغ هل تعاد أم لا، وعليه تنبني مسألة الوكيل في تصرفه بعد عزل موكله أو موته وقبل علمه بذلك على قولين. وكذلك المقارض[(١٠)](#foonote-١٠)، والحاكم إذا مات من ولاه أو عزل. والصحيح أن ما فعله كل واحد من هؤلاء ينفذ فعله ولا يرد حكمه. قال القاضي عياض : ولم يختلف المذهب في أحكام من أعتق ولم يعلم بعتقه أنها أحكام حر فيما بينه وبين الناس، وأما بينه وبين الله تعالى فجائزة. ولم يختلفوا في المعتقة أنها لا تعيد ما صلت بعد عتقها وقبل علمها بغير ستر، وإنما اختلفوا فيمن يطرأ عليه موجب بغير حكم عبادته وهو فيها، قياسا على مسألة قباء، فمن صلى على حال ثم تغيرت به حاله تلك قبل أن يتم صلاته إنه يتمها ولا يقطعها ويجزيه ما مضى. وكذلك كمن صلى عريانا ثم وجد ثوبا في الصلاة، أو ابتدأ صلاته صحيحا فمرض، أو مريضا فصح، أو قاعدا ثم قدر على القيام، أو أمة عتقت وهي في الصلاة إنها تأخذ قناعها وتبني. 
قلت : وكمن دخل في الصلاة بالتيمم فطرأ عليه الماء إنه لا يقطع، كما يقوله مالك والشافعي - رحمهما الله - وغيرهما. وقيل : يقطع، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وسيأتي. 
العاشرة : وفيها دليل على قبول خبر الواحد، وهو مجمع عليه من السلف معلوم بالتواتر من عادة النبي صلى الله عليه وسلم في توجيهه ولاته ورسله آحادا للأفاق، ليعلموا الناس دينهم فيبلغوهم سنة رسولهم صلى الله عليه وسلم من الأوامر والنواهي. 
الحادية عشرة : وفيها دليل على أن القرآن كان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا بعد شيء وفي حال بعد حال، على حسب الحاجة إليه، حتى أكمل الله دينه، كما قال :" اليوم أكملت لكم دينكم[(١١)](#foonote-١١) " \[ المائدة : ٣ \]. 
قوله تعالى :" قل لله المشرق والمغرب " أقامه حجة، أي له ملك المشارق والمغارب وما بينهما، فله أن يأمر بالتوجه إلى أي جهة شاء، وقد تقدم[(١٢)](#foonote-١٢). 
قوله تعالى :" يهدي من يشاء " إشارة إلى هداية الله تعالى هذه الأمة إلى قبلة إبراهيم، والله تعالى أعلم. والصراط. الطريق. والمستقيم : الذي لا اعوجاج فيه، وقد تقدم. 
١ يراجع ج ١ ص ٢٠٥ طبعة ثانية..
٢ قباء (بالضم): قرية على ميلين من المدينة على يسار القاصد إلى مكة بها أثر بنيان كثير، وهناك مسجد التقوى (عن معجم ياقوت)..
٣ رواية البخاري كما في صحيحه: "وإنه صلى – أوصلاها- صلاة العصر..."..
٤ في كتاب الاستيعاب والقاموس: "نولة" بالنون، وقال صاحب القاموس: "أو هي كهينة". وقد ذكرت في كتاب الإصابة مصغرة في حرفي التاء والنون، وهي بالنون رواية إسحاق بن إدريس عن جعفر بن محمود، وبالتاء رواية إبراهيم بن حمزة؛ قال صاحب الإصابة: "وهي أوثق"..
٥ هذه الكلمة ساقطة من أ –والنعم- بفتحين-: واحد الأنعام، الإبل والشاء أو الإبل خاصة، يذكر ويؤنث..
٦ يراجع ج ١ ص ١٠٨ طبعة ثانية..
٧ في الأصول: "وقال"..
٨ العبارة غير واضحة. والذي في تفسير الطبري (ج ٢ ص ٢١ طبع بولاق): "... قال الربيع: إن يهوديا خاصم أبا العالية فقال: إن موسى عليه السلام كان يصلي إلى صخرة بيت المقدس، فقال أبو العالية: كان يصلي عند الصخرة إلى البيت الحرام. قال: قال: فبيني وبينك مسجد صالح فإنه نحته من الجبل، قال أبو العالية: قد صليت فيه وقبلته إلى البيت الحرام، قال الربيع: وأخبرني أبو العالية أنه مر على مسجد ذي القرنين وقبلته إلى الكعبة"..
٩ عند قوله تعالى: "ما ننسخ من آية أو ننسها" ص من هذا الجزء..
١٠ القراض (بكسر القاف) عند المالكية هو ما يسمى بالمضاربة عند الحنفية، وهو إعطاء المقارض (بكسر الراء وهو رب المال) المقارض (بفتح الراء وهو العامل) مالا ليتجر به على أن يكون له جزء معلوم من الربح..
١١ راجع ج ٦ ص ٦١.
١٢ ج ١ ص ١٤٧.

### الآية 2:143

> ﻿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [2:143]

**فيه أربع مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" وكذلك جعلناكم أمة وسطا " المعنى : وكما أن الكعبة وسط الأرض كذلك جعلناكم أمة وسطا، أي جعلناكم دون الأنبياء وفوق الأمم. والوسط : العدل، وأصل هذا أن أحمد الأشياء أوسطها. وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى :" وكذلك جعلناكم أمة وسطا " قال :( عدلا ). قال : هذا حديث حسن صحيح. وفي التنزيل :" قال أوسطهم[(١)](#foonote-١) " \[ القلم : ٢٨ \] أي أعدلهم وخيرهم. وقال زهير :
هم وسط يرضى الأنام بحكمهم \*\*\* إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم
**آخر :**
أنتم أوسط حي علموا \*\*\* بصغير الأمر أو إحدى الكُبَرْ
**وقال آخر :**
لا تذهبن في الأمور فَرَطاً \*\*\* لا تسألن إن سألت شططا
وكن من الناس جميعا وسطا
ووسط الوادي : خير موضع فيه وأكثره كلأ وماء. ولما كان الوسط مجانبا للغلو والتقصير كان محمودا، أي هذه الأمة لم تغل غلو النصارى في أنبيائهم، ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم. وفي الحديث :( خير الأمور أوسطها ). وفيه عن علي رضي الله عنه :" عليكم[(٢)](#foonote-٢) بالنمط الأوسط، فإليه ينزل العالي، وإليه يرتفع النازل ". وفلان من أوسط قومه، وإنه لواسطة قومه، ووسط قومه، أي من خيارهم وأهل الحسب منهم. وقد وسط وساطة وسطة، وليس من الوسط الذي بين شيئين في شيء. والوسط ( بسكون السين ) الظرف، تقول : صليت وسط القوم. وجلست وسط الدار ( بالتحريك ) لأنه اسم. قال الجوهري : وكل موضع صلح فيه " بين " فهو وسط، وإن لم يصلح فيه " بين " فهو وسط بالتحريك، وربما يسكن وليس بالوجه. 
الثانية : قوله تعالى :" لتكونوا " نصب بلام كي، أي لأن تكونوا. " شهداء " خبر كان. " على الناس " أي في المحشر للأنبياء على أممهم، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يدعى نوح عليه السلام يوم القيامة فيقول : لبيك وسعديك يا رب فيقول : هل بلغت ؟ فيقول : نعم فيقال لأمته : هل بلغكم ؟ فيقولون ما أتانا من نذير. فيقول : من يشهد لك ؟ فيقول محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ ويكون الرسول عليكم شهيدا، فذلك قوله عز وجل وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا. . . ). وذكر هذا الحديث مطولا ابن المبارك بمعناه، وفيه :( فتقول تلك الأمم كيف يشهد علينا من لم يدركنا، فيقول لهم الرب سبحانه كيف تشهدون على من لم تدركوا ؟ فيقولون : ربنا بعثت إلينا رسولا وأنزلت إلينا عهدك وكتابك وقصصت علينا أنهم قد بلغوا فشهدنا بما عهدت إلينا فيقول الرب : صدقوا. فذلك قوله عز وجل وكذلك جعلناكم أمة وسطا - والوسط العدل - لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ). قال ابن أنعم : فبلغني أنه يشهد يومئذ أمة محمد عليه السلام، إلا من كان في قلبه حنة[(٣)](#foonote-٣) على أخيه. وقالت طائفة : معنى الآية يشهد بعضكم على بعض بعد الموت، كما ثبت في صحيح مسلم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حين مرت به جنازة فأثني عليها خير فقال :( وجبت وجبت وجبت ). ثم مر عليه بأخرى فأثني عليها شر فقال :( وجبت وجبت وجبت ). فقال عمر : فدى لك أبي وأمي، مر بجنازة فأثني عليها خير فقلت :( وجبت وجبت وجبت ) ومر بجنازة فأثني عليها شر فقلت :( وجبت وجبت وجبت ) ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض أنتم شهداء الله في الأرض ). أخرجه البخاري بمعناه. وفي بعض طرقه في غير الصحيحين وتلا :" لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ". وروى أبان وليث عن شهر بن حوشب عن عبادة بن الصامت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( أعطيت أمتي ثلاثا لم تعط إلا الأنبياء كان الله إذا بعث نبيا قال له ادعني استجب لك وقال لهذه الأمة ادعوني استجب لكم وكان الله إذا بعث النبي قال له ما جعل عليك في الدين من حرج، وقال لهذه الأمة وما جعل عليكم في الدين من حرج وكان الله إذا بعث النبي جعله شهيدا على قومه وجعل هذه الأمة شهداء على الناس ). خرجه الترمذي الحكيم أبو عبد الله في " نوادر الأصول ". 
الثالثة : قال علماؤنا : أنبأنا ربنا تبارك وتعالى في كتابه بما أنعم علينا من تفضيله لنا باسم العدالة وتولية خطير الشهادة على جميع خلقه، فجعلنا أولا مكانا وإن كنا آخرا زمانا، كما قال عليه السلام :( نحن الآخرون الأولون ). وهذا دليل على أنه لا يشهد إلا العدول، ولا ينفذ قول الغير على الغير إلا أن يكون عدلا. وسيأتي بيان العدالة وحكمها في آخر السورة[(٤)](#foonote-٤) إن شاء الله تعالى. 
الرابعة : وفيه دليل على صحة الإجماع ووجوب الحكم به، لأنهم إذا كانوا عدولا شهدوا على الناس. فكل عصر شهيد على من بعده، فقول الصحابة حجة وشاهد على التابعين، وقول التابعين على من بعدهم. وإذ جعلت الأمة شهداء فقد وجب قبول قولهم. ولا معنى لقول من قال : أريد به جميع الأمة، لأنه حينئذ لا يثبت مجمع عليه إلى قيام الساعة. وبيان هذا في كتب أصول الفقه. 
قوله تعالى :" ويكون الرسول عليكم شهيدا " قيل : معناه بأعمالكم يوم القيامة. وقيل :" عليكم " بمعنى لكم، أي يشهد لكم بالإيمان. وقيل : أي يشهد عليكم بالتبليغ لكم. 
قوله تعالى :" وما جعلنا القبلة التي كنت عليها " قيل : المراد بالقبلة هنا القبلة الأولى، لقوله " كنت عليها ". وقيل : الثانية، فتكون الكاف زائدة، أي أنت الآن عليها، كما تقدم، وكما قال :" كنتم خير أمة أخرجت للناس " \[ آل عمران : ١١٠ \] أي أنتم، في قول بعضهم، وسيأتي[(٥)](#foonote-٥). 
قوله تعالى :" إلا لنعلم من يتبع الرسول " قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه : معنى " لنعلم " لنرى. والعرب تضع العلم مكان الرؤية، والرؤية مكان العلم، كقوله تعالى :" ألم تر كيف فعل ربك[(٦)](#foonote-٦) " \[ الفيل : ١ \] بمعنى ألم تعلم. وقيل : المعنى إلا لتعلموا أننا نعلم، فإن المنافقين كانوا في شك من علم الله تعالى بالأشياء قبل كونها. وقيل : المعنى لنميز أهل اليقين من أهل الشك، حكاه ابن فورك، وذكره الطبري عن ابن عباس. وقيل : المعنى إلا ليعلم النبي واتباعه، وأخبر تعالى بذلك عن نفسه، كما يقال : فعل الأمير كذا، وإنما فعله اتباعه، ذكره المهدوي وهو جيد. وقيل : معناه ليعلم محمد، فأضاف علمه إلى نفسه تعالى تخصيصا وتفضيلا، كما كنى عن نفسه سبحانه في قوله :( يا ابن آدم مرضت فلم تعدني[(٧)](#foonote-٧) ) الحديث. والأول أظهر، وأن معناه علم المعاينة الذي يوجب الجزاء، وهو سبحانه عالم الغيب والشهادة، علم ما يكون قبل أن يكون، تختلف الأحوال على المعلومات وعلمه لا يختلف بل يتعلق بالكل تعلقا واحدا. وهكذا كل ما ورد في الكتاب من هذا المعنى من قوله تعالى :" وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء[(٨)](#foonote-٨) " \[ آل عمران : ١٤٠ \]، " ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين[(٩)](#foonote-٩) " \[ محمد : ٣١ \] وما أشبه. والآية جواب لقريش في قولهم :" ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها " \[ البقرة : ١٤٢ \] وكانت قريش تألف الكعبة، فأراد الله عز وجل أن يمتحنهم بغير ما ألفوه ليظهر من يتبع الرسول ممن لا يتبعه. وقرأ الزهري " إلا ليعلم " " فمن " في موضع رفع على هذه القراءة، لأنها اسم ما لم يسم فاعله. وعلى قراءة الجماعة في موضع نصب على المفعول. " يتبع الرسول " يعني فيما أمر به من استقبال الكعبة. " ممن ينقلب على عقبيه " يعني ممن يرتد عن دينه ؛ لأن القبلة لما حولت ارتد من المسلمين قوم ونافق قوم، ولهذا قال :" وإن كانت لكبيرة " أي تحويلها، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. والتقدير في العربية : وإن كانت التحويلة. 
قوله تعالى :" وإن كانت لكبيرة " ذهب الفراء إلى أن " إن " واللام بمعنى ما وإلا، والبصريون يقولون : هي إن الثقيلة خففت. وقال الأخفش : أي وإن كانت القبلة أو التحويلة أو التولية لكبيرة. " إلا على الذين هدى الله " أي خالق الهدى الذي هو الإيمان في قلوبهم، كما قال تعالى :" أولئك كتب في قلوبهم الإيمان[(١٠)](#foonote-١٠) " \[ المجادلة : ٢٢ \]. 
قوله تعالى :" وما كان الله ليضيع إيمانكم " اتفق العلماء على أنها نزلت فيمن مات وهو يصلي إلى بيت المقدس، كما ثبت في البخاري من حديث البراء بن عازب، على ما تقدم[(١١)](#foonote-١١). وخرج الترمذي عن ابن عباس قال : لما وجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قالوا : يا رسول الله، كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس ؟ فأنزل الله تعالى :" وما كان الله ليضيع إيمانكم " الآية، قال : هذا حديث حسن صحيح. فسمى الصلاة إيمانا لاشتمالها على نية وقول وعمل. وقال مالك : إني لأذكر بهذه الآية قول المرجئة : إن الصلاة ليست من الإيمان. وقال محمد بن إسحاق :" وما كان الله ليضيع إيمانكم " أي بالتوجه إلى القبلة وتصديقكم لنبيكم، وعلى هذا معظم المسلمين والأصوليين. وروى ابن وهب وابن القاسم وابن عبدالحكم وأشهب عن مالك " وما كان الله ليضيع إيمانكم " قال : صلاتكم. 
قوله تعالى :" إن الله بالناس لرؤوف رحيم " الرأفة أشد من الرحمة. وقال أبو عمرو بن العلاء : الرأفة أكثر من الرحمة، والمعنى متقارب. وقد أتينا على لغته وأشعاره ومعانيه في الكتاب " الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى " فلينظر هناك. وقرأ الكوفيون وأبو عمرو " لرؤف " على وزن فعل، وهي لغة بني أسد، ومنه قول الوليد بن عقبة :
وشَرُّ الطالبين فلا تكنه \*\*\* يقاتل عمه الرؤف الرحيم
وحكى الكسائي أن لغة بني أسد " لرأف "، على فعل. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع " لروف " مثقلا بغير همز، وكذلك سهل كل همزة في كتاب الله تعالى، ساكنة كانت أو متحركة. 
١ ج ١٨ ص ٢٤٤.
٢ في اللسان والنهاية: "... خير هذه الأمة النمط الأوسط، يلحق بهم التالي، ويرجع إليهم الغالي" والنمط: جماعة من الناس أمرهم واحد. وقيل: هو الطريقة..
٣ الحنة (بكسر الحاء): العداوة، وهي لغة قليلة في الإحنة..
٤ راجع ج ٣ ص ٣٨٣.
٥ راجع ج ٤ ص ١٧٠.
٦ راجع ج ٢٠ ص ٤٤.
٧ أضاف المرض إليه سبحانه وتعالى والمراد العبد تشريفا للعبد وتقريبا له. وفي الحديث: "قال يا رب وكيف أعودك وأنت رب العالمين قال أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده... " راجع صحيح مسلم "فضل عيادة المريض"..
٨ راجع ج ٤ ص ٢١٨.
٩ راجع ج ١٦ ص ٢٥٣.
١٠ راجع ج ١٧ ص ٣٠٨.
١١ راجع ص ١٤٨ من هذا الجزء..

### الآية 2:144

> ﻿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [2:144]

قال العلماء : هذه الآية مقدمة في النزول على قوله تعالى :" سيقول السفهاء من الناس " \[ البقرة : ١٤٢ \]. ومعنى " تقلب وجهك " : تحول وجهك إلى السماء، قاله الطبري. الزجاج : تقلب عينيك في النظر إلى السماء، والمعنى متقارب. وخص السماء بالذكر إذ هي مختصة بتعظيم ما أضيف إليها ويعود منها كالمطر والرحمة والوحي. ومعنى " ترضاها " تحبها. قال السدي : كان إذا صلى نحو بيت المقدس رفع رأسه إلى السماء ينظر ما يؤمر به، وكان يحب أن يصلي إلى قبل الكعبة فأنزل الله تعالى :" قد نرى تقلب وجهك في السماء ". وروى أبو إسحاق عن البراء قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يوجه نحو الكعبة، فأنزل الله تعالى :" قد نرى تقلب وجهك في السماء ". وقد تقدم هذا المعنى والقول فيه، والحمد لله. 
قوله تعالى : فول وجهك شطرا المسجد الحرام  فيه خمس مسائل :
الأولى : قوله تعالى :" فول " أمر " وجهك شطر " أي ناحية " المسجد الحرام " يعني الكعبة، ولا خلاف في هذا. قيل : حيال البيت كله، عن ابن عباس. وقال ابن عمر : حيال الميزاب من الكعبة، قال ابن عطية : والميزاب : هو قبلة المدينة وأهل الشام، وهناك قبلة أهل الأندلس. 
قلت : قد روى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( البيت قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي ). 
الثانية : قوله تعالى :" شطر المسجد الحرام " الشطر له محامل : يكون الناحية والجهة، كما في هذه الآية، وهو ظرف مكان، كما تقول : تلقاءه وجهته. وانتصب الظرف لأنه فضلة بمنزلة المفعول \[ به[(١)](#foonote-١) \]، وأيضا فإن الفعل واقع فيه. وقال داود بن أبي هند : إن في حرف ابن مسعود " فول وجهك تلقاء المسجد الحرام ". وقال الشاعر[(٢)](#foonote-٢) :

أقول لأم زِنْبَاع أقيمي  صدورَ العِيسِ شطرَ بني تميم.**وقال آخر :**وقد أظلكم من شطر ثَغْرِكُم  هولٌ له ظُلَمٌ يغشاكم قطعا**وقال آخر :**ألا من مبلغ عمرا رسولا  وما تغني الرسالة شَطْرَ عمرووشطر الشيء : نصفه، ومنه الحديث :( الطهور شطر الإيمان ). ويكون من الأضداد، يقال : شطر إلى كذا إذا أقبل نحوه، وشطر عن كذا إذا أبعد منه وأعرض عنه. فأما الشاطر من الرجال فلأنه قد أخذ في نحو غير الاستواء، وهو الذي أعيا أهله خبثا، وقد شطر وشطر ( بالضم ) شطارة فيهما وسئل بعضهم عن الشاطر، فقال : هو من أخذ في البعد عما نهى الله عنه. 
الثالثة : لا خلاف بين العلماء أن الكعبة قبلة في كل أفق، وأجمعوا على أن من شاهدها وعاينها فرض عليه استقبالها، وأنه إن ترك استقبالها وهو معاين لها وعالم بجهتها فلا صلاة له، وعليه إعادة كل ما صلى ذكره أبو عمر. وأجمعوا على أن كل من غاب عنها أن يستقبل ناحيتها وشطرها وتلقاءها، فإن خفيت عليه فعليه أن يستدل على ذلك بكل ما يكنه من النجوم والرياح والجبال وغير ذلك مما يمكن أن يستدل به على ناحيتها. ومن جلس في المسجد الحرام فليكن وجهه إلى الكعبة وينظر إليها إيمانا واحتسابا، فإنه يروى أن النظر إلى الكعبة عبادة، قاله عطاء ومجاهد. 
الرابعة : واختلفوا هل فرض الغائب استقبال العين أو الجهة، فمنهم من قال بالأول. قال ابن العربي : وهو ضعيف ؛ لأنه تكليف لما لا يصل إليه[(٣)](#foonote-٣). ومنهم من قال بالجهة، وهو الصحيح لثلاثة أوجه : الأول : أنه الممكن الذي يرتبط به التكليف. الثاني : أنه المأمور به في القرآن، لقوله تعالى :" فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم " يعني من الأرض من شرق أو غرب " فولوا وجوهكم شطره ". الثالث : أن العلماء احتجوا بالصف الطويل الذي يعلم قطعا أنه أضعاف عرض البيت. 
الخامسة : في هذه الآية حجة واضحة لما ذهب إليه مالك ومن وافقه في أن المصلي حكمه أن ينظر أمامه لا إلى موضع سجوده. وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي والحسن بن حي : يستحب أن يكون نظره إلى موضع سجوده. وقال شريك القاضي : ينظر في القيام إلى موضع السجود، وفي الركوع إلى موضع قدميه، وفي السجود إلى موضع أنفه، وفي القعود إلى حجره. قال ابن العربي : إنما ينظر أمامه إن حنى رأسه ذهب بعض القيام المفترض عليه في الرأس وهو أشرف الأعضاء، وإن أقام رأسه وتكلف النظر ببصره إلى الأرض فتلك مشقة عظيمة وحرج. وما جعل علينا في الدين من حرج، أما إن ذلك أفضل لمن قدر عليه. 
قوله تعالى :" وإن الذين أوتوا الكتاب " يريد اليهود والنصارى " ليعلمون أنه الحق من ربهم " يعني تحويل القبلة من بيت المقدس. فإن قيل : كيف يعلمون ذلك وليس من دينهم ولا في كتابهم ؟ قيل عنه جوابان : أحدهما : أنهم لما علموا من كتابهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم نبي علموا أنه لا يقول إلا الحق ولا يأمر إلا به. الثاني : أنهم علموا من دينهم جواز النسخ وإن جحده بعضهم، فصاروا عالمين بجواز القبلة. 
قوله تعالى :" وما الله بغافل عما يعملون " تقدم[(٤)](#foonote-٤) معناه. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي " تعملون " بالتاء على مخاطبة أهل الكتاب أو أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وعلى الوجهين فهو إعلام بأن الله تعالى لا يهمل[(٥)](#foonote-٥) أعمال العباد ولا يغفل عنها، وضمنه الوعيد. وقرأ الباقون بالياء من تحت. 
١ التكملة عن إعراب القرآن للنحاس..
٢ هو أبو زنباع الجذامي، (عن اللسان)..
٣ وكذا في كتاب الأحكام لابن العربي. وفي الأصول: "ما لا يوصل إليه"..
٤ راجع ج ١ ص ٤٦٦.
٥ في ب: "بأن الله تعالى يعلم أعمال...".

### الآية 2:145

> ﻿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ۚ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ [2:145]

قوله تعالى :" ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك " لأنهم كفروا وقد تبين لهم الحق، وليس تنفعهم الآيات، أي العلامات. وجمع قبلة في التكسير : قبل. وفي التسليم : قبلات. ويجوز أن تبدل من الكسرة فتحة، فتقول قبلات. ويجوز أن تحذف الكسرة وتسكن الباء فتقول قبلات. وأجيبت " لئن " بجواب " لو " وهي ضدها في أن " لو " تطلب في جوابها المضي والوقوع، و " لئن " تطلب الاستقبال، فقال الفراء والأخفش : أجيبت بجواب " لو " لأن المعنى : ولو أتيت. وكذلك تجاب " لو " بجواب " لئن "، تقول : لو أحسنت أحسن إليك، ومثله قوله تعالى :" ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا[(١)](#foonote-١) " \[ الروم : ٥١ \] أي ولو أرسلنا ريحا. وخالفهما سيبويه فقال : إن معنى " لئن " مخالف لمعنى " لو " فلا يدخل واحد منهما على الآخر، فالمعنى : ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية لا يتبعون قبلتك. قال سيبويه : ومعنى " ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا " ليظلن. 
قوله تعالى :" وما أنت بتابع قبلتهم " لفظ خبر ويتضمن الأمر، أي فلا تركن إلى شيء من ذلك ثم أخبر تعالى أن اليهود ليست متبعة قبلة النصارى ولا النصارى متبعة قبلة اليهود، عن السدي وابن زيد. فهذا إعلام باختلافهم وتدابرهم وضلالهم. وقال قوم : المعنى وما من اتبعك ممن أسلم منهم بمتبع قبلة من لم يسلم، ولا من لم يسلم قبلة من أسلم. والأول أظهر، والله تعالى أعلم. 
قوله تعالى :" ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين " الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد أمته ممن يجوز أن يتبع هواه فيصير باتباعه ظالما، وليس يجوز أن يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ما يكون به ظالما، فهو محمول على إرادة أمته لعصمة النبي صلى الله عليه وسلم وقطعنا أن ذلك لا يكون منه، وخوطب النبي صلى الله عليه وسلم تعظيما للأمر ولأنه المنزل عليه. والأهواء : جمع هوى، وقد تقدم[(٢)](#foonote-٢)، وكذا " من العلم " \[ البقرة : ١٢٠ \] تقدم[(٣)](#foonote-٣) أيضا، فلا معنى للإعادة.

١ راجع ج ١٤ ص ٤٥..
٢ راجع ص ٩٤ من هذا الجزء..
٣ راجع ص ٩٥ من هذا الجزء..

### الآية 2:146

> ﻿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [2:146]

قوله تعالى :" الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم " " الذين " في موضع رفع بالابتداء والخبر " يعرفونه ". ويصح أن يكون في موضع خفض على الصفة " للظالمين "، و " يعرفون " في موضع الحال، أي يعرفون نبوته وصدق رسالته، والضمير عائد على محمد صلى الله عليه وسلم، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما. وقيل :" يعرفون " تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة أنه حق، قال ابن عباس وابن جريج والربيع وقتادة أيضا. وخص الأبناء في المعرفة بالذكر دون الأنفس وإن كانت ألصق لأن الإنسان يمر عليه من زمنه برهة لا يعرف فيها نفسه، ولا يمر عليه وقت لا يعرف فيه ابنه. وروي أن عمر قال لعبد الله بن سلام : أتعرف محمدا صلى الله عليه وسلم كما تعرف ابنك ؟ فقال : نعم وأكثر، بعث الله أمينه في سمائه إلى أمينه في أرضه بنعته فعرفته، وابني لا أدري ما كان من أمه. 
قوله تعالى :" وإن فريقا منهم ليكتمون الحق " يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، قاله مجاهد وقتادة وخصيف. وقيل : استقبال الكعبة، على ما ذكرنا آنفا. 
 " وهم يعلمون " ظاهر في صحة الكفر عنادا، ومثله :" وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم[(١)](#foonote-١) " \[ النمل : ١٤ \] وقوله " فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به " \[ البقرة : ٨٩ \].

١ راجع ج ١٣ ص ١٦٣.

### الآية 2:147

> ﻿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [2:147]

قوله تعالى :" الحق من ربك " يعني استقبال الكعبة، لا ما أخبرك به اليهود من قبلتهم. وروي عن علي رضي الله عنه أنه قرأ " الحق " منصوبا ب " يعلمون " أي يعلمون الحق. ويصح نصبه على تقدير الزم الحق. والرفع على الابتداء أو على إضمار مبتدأ والتقدير هو الحق، أو على إضمار فعل، أي جاءك الحق. قال النحاس : فأما الذي في " الأنبياء " " الحق فهم معرضون[(١)](#foonote-١) " \[ الأنبياء : ٢٤ \] فلا نعلم أحدا قرأه إلا منصوبا، والفرق بينهما أن الذي في سورة " البقرة " مبتدأ آية[(٢)](#foonote-٢)، والذي في الأنبياء ليس كذلك. 
قوله تعالى :" فلا تكونن من الممترين " أي من الشاكين. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته. يقال : امترى فلان \[ في \] كذا إذا اعترضه اليقين مرة والشك أخرى فدافع إحداهما بالأخرى، ومنه المراء ؛ لأن كل واحد منهما يشك في قول صاحبه. والامتراء في الشيء الشك فيه، وكذا التماري. وأنشد الطبري شاهدا على أن الممترين الشاكون قول الأعشى :

تدُِرّ على أسْؤُق الممتري  ن ركْضاً إذا ما السراب ارْجَحَنَّقال ابن عطية : ووهم في هذا، لأن أبا عبيدة وغيره قال : الممترون في البيت هم الذين يمرون الخيل بأرجلهم همزا لتجري كأنهم يحتلبون الجري منها، وليس في البيت معنى الشك كما قال الطبري. قلت : معنى الشك فيه موجود، لأنه يحتمل أن يختبر الفرس صاحبه هل هو على ما عهد من الجري أم لا، لئلا يكون أصابه شيء، أو يكون هذا عند أول شرائه فيجريه ليعلم مقدار جربه. قال الجوهري : ومريت الفرس إذا استخرجت ما عنده من الجري بسوط أو غيره. والاسم المرية ( بالكسر ) وقد تضم. ومريت الناقة مريا : إذا مسحت ضرعها لتدر. وأمرت هي إذا در لبنها، والاسم المرية ( بالكسر )، والضم غلط. والمرية : الشك، وقد تضم، وقرئ بهما. 
١ راجع ج ١١ ص ٢٨٠.
٢ في ا: "به"..

### الآية 2:148

> ﻿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2:148]

**فيه أربع مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" ولكل وجهة " الوجهة وزنها فعلة من المواجهة. والوجهة والجهة والوجه بمعنى واحد، والمراد القبلة، أي إنهم لا يتبعون قبلتك وأنت لا تتبع قبلتهم، ولكل وجهة إما بحق وإما بهوى. 
الثانية : قوله تعالى :" هو موليها " " هو " عائد على لفظ كل لا على معناه، لأنه لو كان على المعنى لقال : هم مولوها وجوههم، فالهاء والألف مفعول أول والمفعول الثاني محذوف، أي هو موليها وجهه ونفسه. والمعنى : ولكل صاحب ملة قبلة، صاحب القبلة موليها وجهه، على لفظ كل وهو قول الربيع وعطاء وابن عباس. وقال علي بن سليمان :" موليها " أي متوليها. وقرأ ابن عباس وابن عامر " مولاها " على ما لم يسم فاعله. والضمير على هذه القراءة لواحد، أي ولكل واحد من الناس قبلة، الواحد مولاها أي مصروف إليها، قاله الزجاج. ويحتمل أن يكون على قراءة الجماعة " هو " ضمير اسم الله عز وجل وإن لم يجر له ذكر، إذ معلوم أن الله عز وجل فاعل ذلك والمعنى : لكل صاحب ملة قبلة الله موليها إياه. وحكى الطبري : أن قوما قرؤوا " ولكل وجهة " بإضافة كل إلى وجهة. قال ابن عطية : وخطأها الطبري، وهي متجهة، أي فاستبقوا الخيرات لكل وجهة ولاَّكُمُوهَا، ولا تعترضوا فيما أمركم بين هذه وهذه، أي إنما عليكم الطاعة في الجميع. وقدم قول " ولكل وجهة " على الأمر في قوله :" فاستبقوا الخيرات " للاهتمام بالوجهة كما يقدم المفعول، وذكر أبو عمرو الداني هذه القراءة عن ابن عباس رضي الله عنهما. وسلمت الواو في " وجهة " للفرق بين عدة وزنة، لأن جهة ظرف، وتلك مصادر. وقال أبو علي : ذهب قوم إلى أنه مصدر شذ عن القياس فسلم. وذهب قوم إلى أنه اسم وليس بمصدر. وقال غير أبي علي : وإذا أردت المصدر قلت جهة، وقد يقال الجهة في الظرف. 
الثالثة : قوله تعالى :" فاستبقوا الخيرات " أي إلى الخيرات، فحذف الحرف، أي بادروا ما أمركم الله عز وجل من استقبال البيت الحرام، وإن كان يتضمن الحث على المبادرة والاستعجال إلى جميع الطاعات بالعموم، فالمراد ما ذكر من الاستقبال لسياق الآي. والمعنى المراد المبادرة بالصلاة أول وقتها، والله تعالى أعلم. 
روى النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( إنما مثل المهجر إلى الصلاة كمثل الذي يهدي البدنة ثم الذي على أثره كالذي يهدي البقرة ثم الذي على أثره كالذي يهدي الكبش ثم الذي على أثره كالذي يهدي الدجاجة ثم الذي على أثره كالذي يهدي البيضة ). وروى الدارقطني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن أحدكم ليصلي الصلاة لوقتها وقد ترك من الوقت الأول ما هو خير له من أهله وماله ). وأخرجه مالك عن يحيى بن سعيد قوله. وروى الدارقطني أيضا عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( خير الأعمال الصلاة في أول وقتها ). وفي حديث ابن مسعود " أول وقتها " بإسقاط " في ". وروي أيضا عن إبراهيم بن عبدالملك عن أبي محذورة عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أول الوقت رضوان الله ووسط الوقت رحمة الله وآخر الوقت عفو الله ). زاد ابن العربي : فقال أبو بكر : رضوان الله أحب إلينا من عفوه، فإن رضوانه عن المحسنين وعفوه عن المقصرين، وهذا اختيار الشافعي. وقال أبو حنيفة : آخر الوقت أفضل، لأنه وقت الوجوب. وأما مالك ففصل القول، فأما الصبح والمغرب فأول الوقت فيهما أفضل، أما الصبح فلحديث عائشة رضي الله عنها قالت :( إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس ) - في رواية - ( متلففات ). وأما المغرب فلحديث سلمة بن الأكوع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب، أخرجهما مسلم. وأما العشاء فتأخيرها أفضل لمن قدر عليه. روى ابن عمر قال : مكثنا \[ ذات[(١)](#foonote-١) \] ليلة ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء الآخرة، فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده، فلا ندري أشيء شغله في أهله أو غير ذلك، فقال حين خرج :( إنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم ولولا أن يثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة ). وفي البخاري عن أنس قال : أخر النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء إلى نصف الليل ثم صلى. . . وذكر الحديث. وقال أبو برزة : كان النبي صلى الله عليه وسلم يستحب تأخيرها. وأما الظهر فإنها تأتي الناس \[ على[(٢)](#foonote-٢) \] غفلة فيستحب تأخيرها قليلا حتى يتأهبوا ويجتمعوا. قال أبو الفرج : قال مالك : أول الوقت أفضل في كل صلاة إلا للظهر في شدة الحر. وقال ابن أبي أويس : وكان مالك يكره أن يصلي الظهر عند الزوال ولكن بعد ذلك، ويقول : تلك صلاة الخوارج. وفي صحيح البخاري وصحيح الترمذي عن أبي ذر الغفاري قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( أبرد ) ثم أراد أن يؤذن فقال له :( أبرد ) حتى رأينا فيء التلول، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( إن شدة الحر من فيح[(٣)](#foonote-٣) جهنم فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة ). وفي صحيح مسلم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الظهر إذا زالت الشمس. والذي يجمع ببن الحديثين ما رواه أنس أنه إذا كان الحر أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد عجل. قال أبو عيسى الترمذي :" وقد اختار قوم \[ من أهل العلم[(٤)](#foonote-٤) \] تأخير صلاة الظهر في شدة الحر، وهو قول ابن المبارك وأحمد وإسحاق. قال الشافعي : إنما الإبراد بصلاة الظهر إذا كان \[ مسجدا[(٥)](#foonote-٥) \] ينتاب[(٦)](#foonote-٦) أهله من البعد، فأما المصلي وحده والذي يصلي في مسجد قومه فالذي أحب له ألا يؤخر الصلاة في شدة الحر. قال أبو عيسى : ومعنى من ذهب إلى تأخير الظهر في شدة الحر هو أولى وأشبه بالاتباع، وأما ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله أن الرخصة لمن ينتاب من البعد وللمشقة على الناس، فإن في حديث أبي ذر رضي الله عنه ما يدل على خلاف ما قال الشافعي. قال أبو ذر : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأذن بلال بصلاة الظهر[(٧)](#foonote-٧)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( \[ يا بلال \] أبرد ثم أبرد ). فلو كان الأمر على ما ذهب إليه الشافعي لم يكن للإبراد في ذلك الوقت معنى، لاجتماعهم في السفر وكانوا لا يحتاجون أن ينتابوا من البعد ". وأما العصر فتقديمها أفضل. ولا خلاف في مذهبنا أن تأخير الصلاة رجاء الجماعة أفضل من تقديمها، فإن فضل الجماعة معلوم، وفضل أول الوقت مجهول وتحصيل المعلوم أولى. قاله ابن العربي. 
الرابعة : قوله تعالى :" أين ما تكونوا " شرط، وجوابه :" يأت بكم الله جميعا " يعني يوم القيامة. " إن الله على كل شيء قدير " ثم وصف نفسه تعالى بالقدرة على كل شيء لتناسب الصفة مع ما ذكر من الإعادة بعد الموت والبلى. 
١ الزيادة عن صحيح مسلم وسنن النسائي..
٢ الزيادة عن أحكام القرآن لابن العربي.
٣ الفيح: سطوع الحر وفورانه..
٤ الزيادة من صحيح الترمذي.
٥ الزيادة من صحيح الترمذي.
٦ انتاب: قصد.
٧ كذا في صحيح الترمذي وفي الأصول "تأخير الصلاة"..

### الآية 2:149

> ﻿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۖ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [2:149]

قوله تعالى :" ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام " قيل : هذا تأكيد للأمر باستقبال الكعبة واهتمام بها ؛ لأن موقع التحويل كان صعبا[(١)](#foonote-١) في نفوسهم جدا، فأكد الأمر ليرى الناس الاهتمام به فيخف عليهم وتسكن نفوسهم إليه. وقيل : أراد بالأول : ول وجهك شطر الكعبة، أي عاينها إذا صليت تلقاءها.

١ في نسخ الأصل: "كان معتنى" والتصويب عن تفسير ابن عطية..

### الآية 2:150

> ﻿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [2:150]

ثم قال : وحيث ما كنتم " معاشر المسلمين في سائر المساجد بالمدينة وغيرها " فولوا وجوهكم شطره " ثم قال " ومن حيث خرجت " يعني وجوب الاستقبال في الأسفار، فكان هذا أمرا بالتوجه إلى الكعبة في جميع المواضع من نواحي الأرض. قلت : هذا القول أحسن من الأول، لأن فيه حمل كل آية على فائدة. وقد روى الدارقطني عن أنس بن مالك قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان في سفر فأراد أن يصلي على راحلته استقبل القبلة وكبر ثم صلى حيث توجهت به. أخرجه أبو داود أيضا، وبه قال الشافعي وأحمد وأبو ثور. وذهب مالك إلى أنه لا يلزمه الاستقبال، لحديث ابن عمر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته. . قال : وفيه نزل " فأينما تولوا فثم وجه الله " \[ البقرة : ١١٥ \] وقد تقدم. 
قلت : ولا تعارض بين الحديثين، لأن هذا من باب المطلق والمقيد، فقول الشافعي أولى، وحديث أنس في ذلك حديث صحيح. ويروى أن جعفر بن محمد سئل ما معنى تكرير القصص في القرآن ؟ فقال : علم الله أن كل الناس لا يحفظ القرآن، فلو لم تكن القصة مكررة لجاز أن تكون عند بعض الناس ولا تكون عند بعض، فكررت لتكون عند من حفظ البعض. 
قوله تعالى :" لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم " قال مجاهد : هم مشركو العرب. وحجتهم قولهم : راجعت قبلتنا، وقد أجيبوا عن هذا بقوله :" قل لله المشرق والمغرب " \[ البقرة : ١٤٢ \]. وقيل : معنى " لئلا يكون للناس عليكم حجة " لئلا يقولوا لكم : قد أمرتم باستقبال الكعبة ولستم ترونها، فلما قال عز وجل :" وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره " زال هذا. وقال أبو عبيدة : إن " إلا " ههنا بمعنى الواو، أي والذين ظلموا، فهو استثناء بمعنى الواو، ومنه قول الشاعر[(١)](#foonote-١) :

ما بالمدينة دار غير واحدة  دار الخليفة إلا دار مَرْوَانَاكأنه قال : إلا دار الخليفة ودار مروان، وكذا قيل في قوله تعالى :" إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون[(٢)](#foonote-٢) " \[ التين : ٦ \] أي الذين آمنوا. وأبطل الزجاج هذا القول وقال : هذا خطأ عند الحذاق من النحويين، وفيه بطلان المعاني، وتكون " إلا " وما بعدها مستغنى عن ذكرهما. والقول عندهم أن هذا استثناء ليس من الأول، أي لكن الذين ظلموا منهم فإنهم يحتجون. قال أبو إسحاق الزجاج : أي عرفكم الله أمر الاحتجاج في القبلة في قوله :" ولكل وجهة هو موليها " " لئلا يكون للناس عليكم حجة " إلا من ظلم باحتجاجه فيما قد وضح له، كما تقول : مالك علي حجة إلا الظلم أو إلا أن تظلمني، أي مالك حجة البتة ولكنك تظلمني، فسمى ظلمه حجة لأن المحتج به سماه حجة وإن كانت داحضة. وقال قطرب : يجوز أن يكون المعنى لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا على الذين ظلموا، فالذين بدل من الكاف والميم في " عليكم ". وقالت فرقة :" إلا الذين " استثناء متصل، روي معناه عن ابن عباس وغيره، واختاره الطبري وقال : نفى الله أن يكون لأحد حجة على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في استقبالهم الكعبة. والمعنى : لا حجة لأحد عليكم إلا الحجة الداحضة. حيث قالوا : ما ولاهم، وتحير محمد في دينه، وما توجه إلى قبلتنا إلا أنا كنا أهدى منه، وغير ذلك من الأقوال التي لم تنبعث إلا من عابد وثن أو يهودي أو منافق. والحجة بمعنى المحاجة التي هي المخاصمة والمجادلة. وسماها الله حجة وحكم بفسادها حيث كانت من ظلمة. وقال ابن عطية : وقيل إن الاستثناء منقطع، وهذا على أن يكون المراد بالناس اليهود، ثم استثنى كفار العرب، كأنه قال : لكن الذين ظلموا يحاجونكم، وقوله " منهم " يرد هذا التأويل. والمعنى لكن الذين ظلموا، يعني كفار قريش في قولهم : رجع محمد إلى قبلتنا وسيرجع إلى ديننا كله. ويدخل في ذلك كل من تكلم في النازلة من غير اليهود. وقرأ ابن عباس وزيد بن علي وابن زيد " ألا الذين ظلموا " بفتح الهمزة وتخفيف اللام على معنى استفتاح الكلام، فيكون " الذين ظلموا " ابتداء، أو على معنى الإغراء، فيكون " الذين " منصوبا بفعل مقدر. 
قوله تعالى :" فلا تخشوهم " يريد الناس " واخشوني " الخشية أصلها طمأنينة في القلب تبعث على التوقي. والخوف : فزع القلب تخف له الأعضاء، ولخفة الأعضاء به سمي خوفا. ومعنى الآية التحقير لكل من سوى الله تعالى، والأمر بإطراح أمرهم ومراعاة أمر الله تعالى. 
قوله تعالى :" ولأتم نعمتي عليكم " معطوف على " لئلا يكون " أي ولأن أتم. قاله الأخفش. وقيل : مقطوع[(٣)](#foonote-٣) في موضع رفع بالابتداء والخبر مضمر، التقدير : ولأتم نعمتي عليكم عرفتكم قبلتي، قاله الزجاج. وإتمام النعمة الهداية إلى القبلة، وقيل : دخول الجنة. قال سعيد بن جبير : ولم تتم نعمة الله على عبد حتى يدخله الجنة. و " لعلكم تهتدون " تقدم[(٤)](#foonote-٤). 
١ هو الفرزدق، وأراد مروان بن الحكم (عن شرح الشواهد)..
٢ راجع د ٢٠ ص ١١٦..
٣ نص العبارة في البحر المحيط لأبي حيان: "وقيل: تتعلق بفعل مؤخر، التقدير: ولأنتم نعمتي عليكم عرفتكم قبلي"..
٤ يراجع ج ١ ص ١٦٠ طبعة ثانية..

### الآية 2:151

> ﻿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [2:151]

قوله تعالى :" كما أرسلنا " الكاف في موضع نصب على النعت لمصدر محذوف، المعنى : ولأتم نعمتي عليكم إتماما مثل ما أرسلنا، قاله الفراء. قال ابن عطية : وهذا أحسن الأقوال، أي ولأتم نعمتي عليكم في بيان سنة إبراهيم عليه السلام مثل ما أرسلنا. وقيل : المعنى ولعلكم تهتدون اهتداء مثل ما أرسلنا. وقيل : هي في موضع نصب على الحال، والمعنى : ولأتم نعمتي عليكم في هذه الحال. والتشبيه واقع على أن النعمة في القبلة كالنعمة في الرسالة، وأن الذكر المأمور به في عظمه كعظم النعمة. وقيل : معنى الكلام على التقديم والتأخير، أي فاذكروني كما أرسلنا روي عن علي رضي الله عنه واختاره الزجاج. أي كما أرسلنا فيكم رسولا تعرفونه بالصدق فاذكروني بالتوحيد والتصديق به. والوقف على " تهتدون " على هذا القول جائز. قلت : وهذا اختيار الترمذي الحكيم في كتابه، أي كما فعلت بكم هذا من المنن التي عددتها عليكم فاذكروني بالشكر أذكركم بالمزيد، لأن في ذكركم ذلك شكرا لي، وقد وعدتكم بالمزيد على الشكر، وهو قوله :" لئن شكرتم لأزيدنكم[(١)](#foonote-١) " \[ إبراهيم : ٧ \]، فالكاف في قوله " كما " هنا، وفي الأنفال " كما أخرجك ربك[(٢)](#foonote-٢) " \[ الأنفال : ٥ \] وفي آخر الحجر " كما أنزلنا على المقتسمين " \[ الحجر : ٩٠ \] متعلقة بما بعده، على ما يأتي بيانه[(٣)](#foonote-٣).

١ راجع ج ٩ ص ٣٤٣.
٢ راجع ج ٧ ص ٣٦٧.
٣ راجع ج ١٠ ص ٥٧.

### الآية 2:152

> ﻿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ [2:152]

قوله تعالى :" فاذكروني أذكركم " أمر وجوابه، وفيه معنى المجازاة فلذلك جزم. وأصل الذكر التنبه بالقلب للمذكور والتيقظ له. وسمي الذكر باللسان ذكرا لأنه دلالة على الذكر القلبي، غير أنه لما كثر إطلاق الذكر على القول اللساني صار هو السابق للفهم. ومعنى الآية : اذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب والمغفرة، قاله سعيد بن جبير. وقال أيضا : الذكر طاعة الله، فمن لم يطعه لم يذكره وإن أكثر التسبيح والتهليل وقراءة القرآن، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم :( من أطاع الله فقد ذكر الله وإن أقل صلاته وصومه وصنيعه للخير ومن عصى الله فقد نسي الله وإن كثر صلاته وصومه وصنيعه للخير )، ذكره أبو عبدالله محمد بن خويز منداد في " أحكام القرآن " له. وقال أبو عثمان النهدي : إني لأعلم الساعة التي يذكرنا الله فيها، قيل له : ومن أين تعلمها ؟ قال يقول الله عز وجل :" فاذكروني أذكركم ". وقال السدي : ليس من عبد يذكر الله إلا ذكره الله عز وجل، لا يذكره مؤمن إلا ذكره الله برحمته، ولا يذكره كافر إلا ذكره الله بعذاب. وسئل أبو عثمان فقيل له : نذكر الله ولا نجد في قلوبنا حلاوة ؟ فقال : احمدوا الله تعالى على أن زين جارحة من جواركم بطاعته. وقال ذو النون المصري رحمه الله : من ذكر الله تعالى ذكرا على الحقيقة نسي في جنب ذكره كل شيء، وحفظ الله عليه كل شيء، وكان له عوضا من كل شيء. وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه : ما عمل ابن آدم من عمل أنجى له من عذاب الله من ذكر الله. والأحاديث في فضل الذكر وثوابه كثيرة خرجها الأئمة. روى ابن ماجه عن عبدالله بن بسر أن أعرابيا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأنبئني منها بشيء أتشبث به، قال :( لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله عز وجل ). وخرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( إن الله عز وجل يقول أنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحركت بي شفتاه ). وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان عند قوله تعالى :" يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا[(١)](#foonote-١) " \[ الأحزاب : ٤١ \] وأن المراد ذكر القلب الذي يجب استدامته في عموم الحالات. 
قوله تعالى :" واشكروا لي ولا تكفرون " قال الفراء يقال : شكرتك وشكرت لك، ونصحتك ونصحت لك، والفصيح الأول[(٢)](#foonote-٢). والشكر معرفة الإحسان والتحدث به، وأصله في اللغة الظهور، وقد تقدم[(٣)](#foonote-٣). فشكر العبد لله تعالى ثناؤه عليه بذكر إحسانه إليه، وشكر الحق سبحانه للعبد ثناؤه عليه بطاعته له، إلا أن شكر العبد نطق باللسان وإقرار بالقلب بإنعام الرب مع الطاعات. 
قوله تعالى :" ولا تكفرون " نهي، ولذلك حذفت منه نون الجماعة، وهذه نون المتكلم. وحذفت الياء لأنها رأس آية، وإثباتها أحسن في غير القرآن، أي لا تكفروا نعمتي وأيادي. فالكفر هنا ستر النعمة لا التكذيب. وقد مضى القول في الكفر[(٤)](#foonote-٤) لغة.

١ راجع ج ١٤ ص ١٩٧.
٢ الذي في معاجم اللغة أن الفصيح الثاني.
٣ تراجع المسألة الثالثة وما بعدها ج ١ ص ٣٩٧ طبعة ثانية..
٤ يراجع ج ١ ص ١٨٣.

### الآية 2:153

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [2:153]

ومضى القول في معنى والاستعانة[(٥)](#foonote-٥) بالصبر والصلاة، فلا معنى للإعادة.

### الآية 2:154

> ﻿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِنْ لَا تَشْعُرُونَ [2:154]

هذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى :" ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون " \[ آل عمران : ١٦٩ \]، وهناك[(١)](#foonote-١) يأتي الكلام في الشهداء وأحكامهم، إن شاء الله تعالى. وإذا كان الله تعالى يحييهم بعد الموت ليرزقهم - على ما يأتي - فيجوز أن يحيي الكفار ليعذبهم، ويكون فيه دليل على عذاب القبر. والشهداء أحياء كما قال الله تعالى، وليس معناه أنهم سيحيون، إذ لو كان كذلك لم يكن بين الشهداء وبين غيرهم فرق إذ كل أحد سيحيا. ويدل على هذا قوله تعالى :" ولكن لا تشعرون " والمؤمنون يشعرون أنهم سيحيون. وارتفع " أموات " على إضمار مبتدأ، وكذلك " بل أحياء " أي هم أموات وهم أحياء، ولا يصح إعمال القول فيه لأنه ليس بينه وبينه تناسب، كما يصح في قولك : قلت كلاما وحجة.

١ راجع ج ٤ ص ٢٦٨.

### الآية 2:155

> ﻿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [2:155]

قوله تعالى :" ولنبلونكم " هذه الواو مفتوحة عند سيبويه لالتقاء الساكنين. وقال غيره : لما ضمت إلى النون الثقيلة بني الفعل فصار بمنزلة خمسة عشر. والبلاء يكون حسنا ويكون سيئا. وأصله المحنة، وقد تقدم[(١)](#foonote-١). والمعنى لنمتحننكم لنعلم المجاهد والصابر علم معاينة حتى يقع عليه الجزاء، كما تقدم. وقيل : إنما ابتلوا بهذا ليكون آية لمن بعدهم فيعلموا أنهم إنما صبروا على هذا حين وضح لهم الحق. وقيل : أعلمهم بهذا ليكونوا على يقين منه أنه يصيبهم، فيوطنوا أنفسهم عليه فيكونوا أبعد لهم من الجزع، وفيه تعجيل ثواب الله تعالى على العز وتوطين النفس. 
قوله تعالى :" بشيء " لفظ مفرد ومعناه الجمع. وقرأ الضحاك " بأشياء " على الجمع. وقرأ الجمهور بالتوحيد، أي بشيء من هذا وشيء من هذا، فاكتفى بالأول إيجازا " من الخوف " أي خوف العدو والفزع في القتال، قاله ابن عباس. وقال الشافعي : هو خوف الله عز وجل. " والجوع " يعني المجاعة بالجدب والقحط، في قول ابن عباس. وقال الشافعي : هو الجوع في شهر رمضان. " ونقص من الأموال بسبب الاشتغال بقتال الكفار. وقيل : بالجوائح المتلفة. وقال الشافعي : بالزكاة المفروضة. " والأنفس " قال ابن عباس : بالقتل والموت في الجهاد. وقال الشافعي : يعني بالأمراض. " والثمرات " قال الشافعي : المراد موت الأولاد، وولد الرجل ثمرة قلبه، كما جاء في الخبر، على ما يأتي. وقال ابن عباس : المراد قلة النبات وانقطاع البركات. 
قوله تعالى :" وبشر الصابرين " أي بالثواب على الصبر. والصبر أصله الحبس، وثوابه غير مقدر، وقد تقدم[(٢)](#foonote-٢). لكن لا يكون ذلك إلا بالصبر عند الصدمة الأولى، كما روى البخاري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( إنما الصبر عند الصدمة الأولى ). وأخرجه مسلم أتم منه، أي إنما الصبر الشاق على النفس الذي يعظم الثواب عليه إنما هو عند هجوم المصيبة وحرارتها، فإنه يدل على قوة القلب وتثبته في مقام الصبر، وأما إذا بردت حرارة المصيبة فكل أحد يصبر إذ ذاك، ولذلك قيل : يجب على كل عاقل أن يلتزم عند المصيبة ما لا بد للأحمق منه بعد ثلاث. وقال سهل بن عبدالله التستري : لما قال تعالى :" وبشر الصابرين " صار الصبر عيشا[(٣)](#foonote-٣). والصبر صبران : صبر عن معصية الله، فهذا مجاهد، وصبر على طاعة الله، فهذا عابد. فإذا صبر عن معصية الله وصبر على طاعة الله أورثه الله الرضا بقضائه، وعلامة الرضا سكون القلب بما ورد على النفس من المكروهات والمحبوبات. وقال الخواص : الصبر الثبات على أحكام الكتاب والسنة. وقال رويم : الصبر ترك الشكوى. وقال ذو النون المصري : الصبر هو الاستعانة بالله تعالى. وقال الأستاذ أبو علي : الصبر حدّه ألا تعترض على التقدير، فأما إظهار البلوى على غير وجه الشكوى فلا ينافي الصبر، قال الله تعالى في قصة أيوب :" إنا وجدناه صابرا نعم العبد[(٤)](#foonote-٤) " \[ ص : ٤٤ \] مع أخبر عنه أنه قال :" مسني الضر " \[ الأنبياء : ٨٣ \].

١ تراجع المسألة الثالثة عشرة ج ١ ص٣٨٧ طبعة ثانية..
٢ راجع ج ١ ص ٣٧١.
٣ هكذا في جميع النسخ التي بأيدينا.
٤ راجع ج ١٥ ص ٢١٥.

### الآية 2:156

> ﻿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [2:156]

**فيه ست مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" مصيبة " المصيبة : كل ما يؤذي المؤمن ويصيبه، يقال : أصابه إصابة ومصابة ومصابا. والمصيبة واحدة المصائب. والمصوبة ( بضم الصاد ) مثل المصيبة. وأجمعت العرب على همز المصائب، وأصله الواو، كأنهم شبهوا الأصلي بالزائد، ويجمع على مصاوب، وهو الأصل. والمصاب الإصابة، قال الشاعر :أسُليم إن مصابَكم رجلا  أهدى السلام تَحِيَّةً ظُلْمُوصاب السهم القرطاس يصيب صيبا، لغة في أصابه. والمصيبة : النكبة ينكبها الإنسان وإن صغرت، وتستعمل في الشر، روى عكرمة أن مصباح رسول الله صلى الله عليه وسلم انطفأ ذات ليلة فقال :" إنا لله وإنا إليه راجعون " فقيل : أمصيبة هي يا رسول الله ؟ قال :( نعم كل ما آذى المؤمن فهو مصيبة ). 
قلت : هذا ثابت معناه في الصحيح، خرج مسلم عن أبي سعيد وعن أبي هريرة رضي الله عنهما أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه[(١)](#foonote-١) إلا كفر به من سيئاته ). 
الثانية : خرج ابن ماجه في سننه حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع بن الجراح عن هشام ابن زياد عن أمه عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من أصيب بمصيبة فذكر مصيبته فأحدث استرجاعا وإن تقادم عهدها كتب الله له من الأجر مثله يوم أصيب ). 
الثالثة : من أعظم المصائب المصيبة في الدين، ذكر أبو عمر عن الفريابي قال حدثنا فطر بن خليفة حدثنا عطاء بن أبي رباح قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصابه بي فإنها من أعظم المصائب ). أخرجه السمرقندي أبو محمد في مسنده، أخبرنا أبو نعيم قال : أنبأنا فطر. . . فذكر مثله سواء. وأسند مثله عن مكحول مرسلا. قال أبو عمر : وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن المصيبة به أعظم من كل مصيبة يصاب بها المسلم بعده إلى يوم القيامة، انقطع الوحي وماتت النبوة. وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب وغير ذلك، وكان أول انقطاع الخير وأول نقصانه. قال أبو سعيد : ما نفضنا أيدينا من التراب من قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنكرنا قلوبنا. ولقد أحسن أبو العتاهية في نظمه معنى هذا الحديث حيث يقول :اصبر لكل مصيبة وتجلد  واعلم بأن المرء غير مخلدأو ما ترى أن المصائب جمة  وترى المنية للعباد بمرصدمن لم يُصَب ممن ترى بمصيبة ؟  هذا سبيل لست فيه بأوحدفإذا ذكرت محمدا ومصابه  فاذكر مصابك بالنبي محمدالرابعة : قوله تعالى :" قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون " جعل الله تعالى هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب، وعصمة للممتحنين : لما جمعت من المعاني المباركة، فإن قوله :" إنا لله " توحيد وإقرار بالعبودية والملك. وقوله :" وإنا إليه راجعون " إقرار بالهلك على أنفسنا والبعث من قبورنا، واليقين أن رجوع الأمر كله إليه كما هو له. قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى : لم تعط هذه الكلمات نبيا قبل نبينا، ولو عرفها يعقوب لما قال : يا أسفى على يوسف. 
الخامسة : قال أبو سنان : دفنت ابني سنانا، وأبو طلحة الخولاني على شفير القبر، فلما أردت الخروج أخذ بيدي فأنشطني وقال : ألا أبشرك يا أبا سنان، حدثني الضحاك عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته : أقبضتم ولد عبدي ؟ فيقولون : نعم. فيقول : أقبضتم ثمرة فؤاده ؟ فيقولون : نعم. فيقول : فماذا قال عبدي ؟ فيقولون : حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد ). وروى مسلم عن أم سلمة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله عز وجل : إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها إلا أخلف الله له خيرا منها ). فهذا تنبيه على قوله تعالى :" وبشر الصابرين " \[ البقرة : ١٥٥ \] إما بالخلف كما أخلف الله لأم سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه تزوجها لما مات أبو سلمة زوجها. وإما بالثواب الجزيل، كما في حديث أبي موسى، وقد يكون بهما. 
١ قال النووي في شرحه على صحيح مسلم: "قال القاضي: هو بضم الياء وفتح الهاء ما لم يسم فاعله، وضبطه غيره بفتح الياء وضم الهاء، أي يغمه، وكلاهما صحيح"..

### الآية 2:157

> ﻿أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [2:157]

السادسة : قوله تعالى :" أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة " هذه نعم من الله عز وجل على الصابرين المسترجعين. وصلاة الله على عبده : عفوه ورحمته وبركته وتشريفه إياه في الدنيا والآخرة. وقال الزجاج : الصلاة من الله عز وجل الغفران والثناء الحسن. ومن هذا الصلاة على الميت إنما هو الثناء عليه والدعاء له، وكرر الرحمة لما اختلف اللفظ تأكيدا وإشباعا للمعنى، كما قال :" من البينات والهدى " \[ البقرة : ١٥٩ \]، وقوله " أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم " \[ الزخرف : ٨٠ \]. وقال الشاعر :

صلى على يحيى وأشياعِه  ربٌّ كريمٌ وشفيعٌ مطاعْوقيل : أراد بالرحمة كشف الكربة وقضاء الحاجة. وفي البخاري وقال عمر رضي الله عنه : نعم العِدلان ونعم العلاوة :" الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ". أراد بالعدلين الصلاة والرحمة، وبالعلاوة الاهتداء. قيل : إلى استحقاق الثواب وإجزال الأجر، وقيل : إلى تسهيل المصائب وتخفيف الحزن.

### الآية 2:158

> ﻿۞ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [2:158]

**فيه تسع مسائل :**
الأولى : روى البخاري عن عاصم بن سليمان قال : سألت أنس بن مالك عن الصفا والمروة فقال : كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما كان الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله عز وجل :" إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما " وخرج الترمذي عن عروة قال :( قلت لعائشة ما أرى على أحد لم يطف بين الصفا والمروة شيئا، وما أبالي ألا أطوف بينهما. فقالت : بئس ما قلت يا ابن أختي، طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاف المسلمون، وإنما كان من أهل لمناة[(١)](#foonote-١) الطاغية التي بالمشلل لا يطوفون بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى :" فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما " ولو كانت كما تقول لكانت :" فلا جناح عليه ألا يطوف بهما " ) قال الزهري : فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فأعجبه ذلك وقال : إن هذا لعلم، ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يقولون : إنما كان من لا يطوف بين الصفا والمروة من العرب يقولون إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية. وقال آخرون من الأنصار : إنما أمرنا بالطواف \[ بالبيت[(٢)](#foonote-٢) \] ولم نؤمر به بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى :" إن الصفا والمروة من شعائر الله " قال أبو بكر بن عبد الرحمن : فأراها قد نزلت في هؤلاء وهؤلاء. قال :" هذا حديث حسن صحيح ". أخرجه البخاري بمعناه، وفيه بعد قوله فأنزل الله تعالى " إن الصفا والمروة من شعائر الله " :" قالت عائشة وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما "، ثم أخبرت أبا بكر بن عبدالرحمن فقال : إن هذا لعلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يذكرون أن الناس - إلا من ذكرت عائشة - ممن كان يهل بمناة كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة، فلما ذكر الله تعالى الطواف بالبيت ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن قالوا : يا رسول الله، كنا نطوف بالصفا والمروة، وإن الله أنزل الطواف بالبيت فلم يذكر الصفا، فهل علينا من حرج أن نطوف بالصفا والمروة ؟ فأنزل الله عز وجل :" إن الصفا والمروة من شعائر الله " الآية. قال أبو بكر : فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما : في الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا في الجاهلية بالصفا والمروة، والذين يطوفون ثم تحرجوا أن يطوفوا بهما في الإسلام، من أجل أن الله تعالى أمر بالطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا حتى ذكر ذلك بعد ما ذكر الطواف بالبيت ". وروى الترمذي عن عاصم بن سليمان الأحول قال :( سألت أنس بن مالك[(٣)](#foonote-٣) عن الصفا والمروة فقال : كانا من شعائر الجاهلية، فلما كان الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله عز وجل :" إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما " قال : هما تطوع " ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم " ) قال : هذا حديث حسن صحيح. خرجه البخاري أيضا. وعن ابن عباس قال : كان في الجاهلية شياطين تعزف الليل كله بين الصفا والمروة وكان بينهما آلهة، فلما ظهر الإسلام قال المسلمون : يا رسول الله، لا نطوف بين الصفا والمروة فإنهما شرك، فنزلت. وقال الشعبي : كان على الصفا في الجاهلية صنم يسمى " إسافا " وعلى المروة صنم يسمى " نائلة " فكانوا يمسحونهما إذا طافوا، فامتنع المسلمون من الطواف بينهما من أجل ذلك، فنزلت الآية. 
الثانية : أصل الصفا في اللغة الحجر الأملس، وهو هنا جبل بمكة معروف، وكذلك المروة جبل أيضا، ولذلك أخرجهما بلفظ التعريف. وذكر الصفا لأن آدم المصطفى صلى الله عليه وسلم وقف عليه فسمي به، ووقفت حواء على المروة فسميت باسم المرأة، فأنث لذلك، والله أعلم. وقال الشعبي : كان على الصفا صنم يسمى \[ إسافا \] وعلى المروة صنم يدعى \[ نائلة \] فاطرد ذلك في التذكير والتأنيث وقدم المذكر، وهذا حسن، لأن الأحاديث المذكورة تدل على هذا المعنى. وما كان كراهة من كره الطواف بينهما إلا من أجل هذا، حتى رفع الله الحرج في ذلك. وزعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة فمسخهما الله حجرين فوضعهما على الصفا والمروة ليعتبر بهما، فلما طالت المدة عبدا من دون الله، والله تعالى أعلم. والصفا ( مقصور ) : جمع صفاة، وهي الحجارة الملس. وقيل : الصفا اسم مفرد، وجمعه صفي ( بضم الصاد ) وأصفاء على مثل أرحاء. قال الراجز[(٤)](#foonote-٤) :كأن مَتْنَيْهِ[(٥)](#foonote-٥) من النَّفِيّ  مواقعُ الطير على الصُّفِيّوقيل : من شروط الصفا البياض والصلابة، واشتقاقه من صفا يصفو، أي خلص من التراب والطين. والمروة ( واحدة المرو ) وهي الحجارة الصغار التي فيها لين. وقد قيل إنها الصلاب. والصحيح أن المرو الحجارة صليبها ورخوها الذي يتشظى وترق حاشيته، وفي هذا يقال : المرو أكثر ويقال في الصليب. قال الشاعر :وتولى الأرض خفًّا ذابلا  فإذا ما صادف المرو رضخ**وقال أبو ذؤيب :**حتى كأني للحوادث مَرْوة  بِصَفَا المُشَقَّر[(٦)](#foonote-٦) كل يوم تُقْرَعُوقد قيل : إنها الحجارة السود. وقيل : حجارة بيض براقة تكون فيها النار. 
الثالثة : قوله تعالى :" من شعائر الله " أي من معالمه ومواضع عباداته، وهي جمع شعيرة. والشعائر : المتعبدات التي أشعرها الله تعالى، أي جعلها أعلاما للناس، من الموقف والسعي والنحر. والشعار : العلامة، يقال : أشعر الهدي أعلمه بغرز حديدة في سنامه، من قولك : أشعرت أي أعلمت، وقال الكميت :نُقَتِّلُهُم جيلا فجيلا تراهم  شعائر قربانٍ بهم يُتَقَرَّبُالرابعة : قوله تعالى :" فمن حج البيت " أي قصد. وأصل الحج القصد، قال الشاعر[(٧)](#foonote-٧) :فأشهد من عوف حلولا[(٨)](#foonote-٨) كثيرة  يحجُّون سِبَّ الزِّبْرَقان المزعفراالسب : لفظ مشترك. قال أبو عبيدة : السب ( بالكسر ) الكثير السباب. وسبك أيضا الذي يسابك، قال الشاعر[(٩)](#foonote-٩) :لا تسُبَّنَّنِي فلست بِسِبِّي  إن سِبِّي من الرجال الكريموالسِبُّ أيضا الخمار، وكذلك العمامة، قال المخبل السعدي :
يَحُجُّون سِبَّ الزِّبْرَقان المُزَعْفَرَا
والسب أيضا الحبل في لغة هذيل، قال أبو ذؤيب :تَدَلَّى عليها بين سِبٍّ وخَيْطَةٍ  بجرداء مثلِ الوَكْفِ يكبو غُرَابُهَاوالسبوب : الحبال. والسب : شقة كتان رقيقة، والسبيبة مثله، والجمع السبوب والسبائب، قاله الجوهري. وحج الطبيب الشجة إذا سبرها بالميل، قال الشاعر[(١٠)](#foonote-١٠) :
يَحُجَّ مأمومةً[(١١)](#foonote-١١) في قَعْرِهَا لَجَفٌ
اللجف : الخسف. تلجفت البئر : انخسف أسفلها. ثم اختص هذا الاسم بالقصد إلى البيت الحرام لأفعال مخصوصة. 
الخامسة : قوله تعالى :" أو اعتمر " أي زار والعمرة : الزيارة، قال الشاعر[(١٢)](#foonote-١٢) :لقد سما ابن معمر حين اعتمر  مَغْزىً بعيدا من بعيد وضَبَرْ[(١٣)](#foonote-١٣)السادسة : قوله تعالى :" فلا جناح عليه " أي لا إثم. وأصله من الجنوح وهو الميل، ومنه الجوانح للأعضاء لاعوجاجها. وقد تقدم تأويل عائشة لهذه الآية. قال ابن العربي :" وتحقيق القول فيه أن قول القائل : لا جناح عليك أن تفعل، إباحة الفعل. وقوله : لا جناح عليك ألا تفعل، إباحة لترك الفعل، فلما سمع عروة قول الله تعالى :" فلا جناح عليه أن يطوف بهما " قال : هذا دليل على أن ترك الطواف جائز، ثم رأى الشريعة مطبقة على أن الطواف لا رخصة في تركه فطلب الجمع بين هذين المتعارضين. فقالت له عائشة : ليس قوله :" فلا جناح عليه أن يطوف بهما " دليلا على ترك الطواف، إنما كان يكون دليلا على تركه لو كان " فلا جناح عليه ألا يطوف بهما " فلم يأت هذا اللفظ لإباحة ترك الطواف، ولا فيه دليل عليه، وإنما جاء لإفادة إباحة الطواف لمن كان يتحرج منه في الجاهلية، أو لمن كان يطوف به في الجاهلية قصدا للأصنام التي كانت فيه، فأعلمهم الله سبحانه أن الطواف ليس بمحظور إذا لم يقصد الطائف قصدا باطلا ". فإن قيل : فقد روى عطاء عن ابن عباس أنه قرأ " فلا جناح عليه ألا يطوف بهما " وهي قراءة ابن مسعود، ويروى أنها في مصحف أبي كذلك، ويروى عن أنس مثل هذا. والجواب أن ذلك خلاف ما في المصحف، ولا يترك ما قد ثبت في المصحف إلى قراءة لا يدرى أصحت أم لا، وكان عطاء يكثر الإرسال عن ابن عباس من غير سماع. والرواية في هذا عن أنس قد قيل إنها ليست بالمضبوطة، أو تكون " لا " زائدة للتوكيد، كما قال :وما ألوم البيض ألا تسخرا  لما رأينَ الشّمطَ القَفَنْدَرَا[(١٤)](#foonote-١٤)السابعة : روى الترمذي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة فطاف بالبيت سبعا فقرأ :" واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " \[ البقرة : ١٢٥ \] وصلى خلف المقام، ثم أتى الحجر فاستلمه ثم قال :( نبدأ بما بدأ الله به ) فبدأ بالصفا وقال[(١٥)](#foonote-١٥) :" إن الصفا والمروة من شعائر الله " قال : هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم أنه يبدأ بالصفا قبل المروة، فإن بدأ بالمروة قبل الصفا لم يجزه ويبدأ بالصفا. 
الثامنة : واختلف العلماء في وجوب السعي بين الصفا والمروة، فقال الشافعي وابن حنبل : هو ركن، وهو المشهور من مذهب مالك، لقوله عليه السلام :( اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي ). خرجه الدارقطني. وكتب بمعنى أوجب، لقوله تعالى :" كتب عليكم الصيام " \[ البقرة : ١٨٣ \]، وقوله عليه السلام :( خمس صلوات كتبهن الله على العباد ). وخرج ابن ماجه عن أم ولد لشيبة قالت : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى بين الصفا والمروة وهو يقول :( لا يُقطع الأبطح إلا شَدّاً[(١٦)](#foonote-١٦) ) فمن تركه أو شوطا منه ناسيا أو عامدا رجع من بلده أو من حيث ذكر إلى مكة، فيطوف ويسعى ؛ لأن السعي لا يكون إلا متصلا بالطواف. وسواء عند مالك كان ذلك في حج أو عمرة وإن لم يكن في العمرة فرضا، فإن كان قد أصاب النساء فعليه عمرة وهدي عند مالك مع تمام مناسكه. وقال الشافعي : عليه هدي، ولا معنى للعمرة إذا رجع وطاف وسعى. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والشعبي : ليس بواجب، فإن تركه أحد من الحاج حتى يرجع إلى بلاده جبره بالدم ؛ لأنه سنة من سنن الحج. وهو قول مالك في العتبية[(١٧)](#foonote-١٧). وروي عن ابن عباس وابن الزبير وأنس بن مالك وابن سيرين أنه تطوع، لقوله تعالى :" ومن تطوع خيرا ". وقرأ حمزة والكسائي " يطوع " مضارع مجزوم، وكذلك " فمن تطوع خيرا فهو خير له " الباقون " تطوع " ماض، وهو ما يأتيه المؤمن من قبل نفسه فمن أتى بشيء من النوافل فإن الله يشكره. وشكر الله للعبد إثابته على الطاعة. والصحيح ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله تعالى لما ذكرنا، وقوله عليه السلام :( خذوا عني مناسككم ) فصار بيانا لمجمل الحج، فالواجب أن يكون فرضا، كبيانه لعدد الركعات، وما كان مثل ذلك إذا لم يتفق على أنه سنة أو تطوع. وقال طُلَيب : رأى ابن عباس قوما يطوفون بين الصفا والمروة فقال : هذا ما أورثتكم أمكم أم إسماعيل. 
قلت : وهذا ثابت في صحيح البخاري، على ما يأتي بيانه في سورة " إبراهيم[(١٨)](#foonote-١٨) ". 
التاسعة : ولا يجوز أن يطوف أحد بالبيت ولا بين الصفا والمروة راكبا إلا من عذر، فإن طاف معذورا فعليه دم، وإن طاف غير معذور أعاد إن كان بحضرة البيت، وإن غاب عنه أهدى. إنما قلنا ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بنفسه وقال :( خذوا عني مناسككم ). وإنما جوزنا ذلك من العذ١ مناة: اسم صنم في جهة البحر مما يلي قديدا بالمشلل (وهو جبل يهبط منه إلى قديد من ناحية البحر) على سبعة أميال من المدينة. وكانت الأزد وغسان يهلون له ويحجون إليه، وكان أول من نصبه عمرو بن لحي الخزاعي. (راجع معجم ياقوت في اسم مناة).
٢ زيادة عن الترمذي..
٣ كذا في الأصول وصحيح البخاري وتفسير الطبري. والذي في صحيح الترمذي "أنس بن سيرين..." وهو مولى أنس بن مالك وممن روى عنه..
٤ هو الأخيل، كما في اللسان..
٥ في اللسان: "قال ابن سيده: كذا أنشده أبو علي، وأنشده ابن دريد في الجمهرة: "كأن متني" قال: وهو الصحيح، لقوله بعده: من طول إشرافي على الطَّوِيّ. والنَّفِيُّ: تطاير الماء عن الرشاء عند الاستقاء. ونفي المطر: ما تنفيه وترشه. قال صاحب اللسان: "وفسره ثعلب فقال: شبه الماء وقد وقع على متن المستقي بذرق الطائر على الصفى"..
٦ المشقر: حصن بالبحرين عظيم لعبد القيس يلي حصنا لهم آخر يقال له الصفا قبل مدينة هجر. ويروى "بصفا المشرق" قال أبو عبيدة: المشرق سوق الطائف. وقال الأصمعي: المشرق المصلَّى. (عن شرح الديوان ومعجم ياقوت)..
٧ هو المخبل السعدي كما سيجيء..
٨ الحلول: الأحياء المجتمعة، وهو جمع حال، والمزعفر: الملون بالزعفران، وسادات العرب تصبغ عمائمها بالزعفران..
٩ هو عبد الرحمن بن حسان يهجو مسكينا الدرامي. (عن اللسان)..
١٠ هو غدار بن درة الطائي، كما في اللسان. وتمام البيت:
 فاست الطبيب قذاها كالمغاريد.
١١ المأمومة: الشجة التي بلغت أم الرأس، وهي الجلدة التي تجمع الدماغ. وفي اللسان: "وفسر ابن دريد هذا لشهر فقال: وصف هذا الشاعر طبيبا يداوي شجة بعيدة القعر فهو يجزع من هو لها، فالقذى يتساقط من استه كالمغاريد". والمغاريد: جمع مغرود وهو صمغ معروف..
١٢ هو العجاج يمدح عمر بن عبيد الله القرشي. عن اللسان..
١٣ ضبر: جمع قوائمه ليثب..
١٤ القفندر: القبيح المنظر..
١٥ الذي في صحيح الترمذي: "وقرأ"..
١٦ شدا: أي عدوا.
١٧ العتبية: كتاب في مذهب الإمام مالك، نسبت إلى مؤلفها فقيه الأندلس محمد بن أحمد بن عبد العزيز القرطبي المتوفى سنة ٢٥٤ هـ..
١٨ راجع ج ٩ ص ٣٦٨.

### الآية 2:159

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [2:159]

قوله تعالى :" إن الذين يكتمون ما أنزلنا " فيه سبع مسائل :
الأولى : أخبر الله تعالى أن الذي يكتم ما أنزل من البينات والهدى ملعون. واختلفوا من المراد بذلك، فقيل : أحبار اليهود ورهبان النصارى الذين كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كتم اليهود أمر الرجم. وقيل : المراد كل من كتم الحق، فهي عامة في كل من كتم علما من دين الله يحتاج إلى بثه، وذلك مفسر في قوله صلى الله عليه وسلم :( من سئل عن علم يعلمه[(١)](#foonote-١) فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار ). رواه أبو هريرة وعمرو بن العاص، أخرجه ابن ماجه. ويعارضه قول عبدالله بن مسعود : ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة. وقال عليه السلام :( حدث الناس بما يفهمون أتحبون أن يكذب الله ورسوله ). وهذا محمول على بعض العلوم، كعلم الكلام أو ما لا يستوي في فهمه جميع العوام، فحكم العالم أن يحدث بما يفهم عنه، وينزل كل إنسان منزلته، والله تعالى أعلم. 
الثانية : هذه الآية هي التي أراد أبو هريرة رضي الله عنه في قوله : لولا[(٢)](#foonote-٢) آية في كتاب الله تعالى ما حدثتكم حديثا. وبها استدل العلماء على وجوب تبليغ العلم الحق، وتبيان العلم على الجملة، دون أخذ الأجرة عليه، إذ لا يستحق الأجرة على ما عليه فعله، كما لا يستحق الأجرة على الإسلام، وقد مضى القول[(٣)](#foonote-٣) في هذا. 
وتحقيق الآية هو : أن العالم إذا قصد كتمان العلم عصى، وإذا لم يقصده لم يلزمه التبليغ إذا عرف أنه مع غيره. وأما من سئل فقد وجب عليه التبليغ لهذه الآية وللحديث. أما أنه لا يجوز تعليم الكافر القرآن والعلم حتى يسلم، وكذلك لا يجوز تعليم المبتدع الجدال والحجاج ليجادل به أهل الحق، ولا يعلم الخصم على خصمه حجة يقطع بها ماله، ولا السلطان تأويلا يتطرق به إلى مكاره الرعية، ولا ينشر الرخص في السفهاء فيجلوا ذلك طريقا إلى ارتكاب المحظورات، وترك الواجبات ونحو ذلك. يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( لا تمنعوا الحكمة أهلها فتظلموهم ولا تضعوها في غير أهلها فتظلموها ). وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :( لا تعلقوا الدر في أعناق الخنازير )، يريد تعليم الفقه من ليس من أهله. وقد قال سحنون : إن حديث أبي هريرة وعمرو بن العاص إنما جاء في الشهادة. قال ابن العربي : والصحيح خلافه ؛ لأن في الحديث ( من سئل عن علم ) ولم يقل عن شهادة، والبقاء على الظاهر حتى يرد عليه ما يزيله، والله أعلم. 
الثالثة : قوله تعالى :" من البينات والهدى " يعم المنصوص عليه والمستنبط، لشمول اسم الهدى للجميع. وفيه دليل على وجوب العمل بقول الواحد، لأنه لا يجب عليه البيان إلا وقد وجب قبول قوله، وقال :" إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا " \[ البقرة : ١٦٠ \] فحكم بوقوع البيان بخبرهم. فإن قيل : إنه يجوز أن يكون كل واحد منهم منهيا عن الكتمان ومأمورا بالبيان ليكثر المخبرون ويتواتر بهم الخبر. قلنا : هذا غلط، لأنهم لم ينهوا عن الكتمان إلا وهم ممن يجوز عليهم التواطؤ عليه، ومن جاز منهم التواطؤ على الكتمان فلا يكون خبرهم موجبا للعلم، والله تعالى أعلم. 
الرابعة : لما قال :" من البينات والهدى " دل على أن ما كان من غير ذلك جائز كتمه، لا سيما إن كان مع ذلك خوف فإن ذلك آكد في الكتمان. وقد ترك أبو هريرة ذلك حين خاف فقال : حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم. أخرجه البخاري. قال أبو عبدالله[(٤)](#foonote-٤) : البلعوم مجرى الطعام. قال علماؤنا : وهذا الذي لم يبثه أبو هريرة وخاف على نفسه فيه الفتنة أو القتل إنما هو مما يتعلق بأمر الفتن والنص على أعيان المرتدين والمنافقين، ونحو هذا مما لا يتعلق بالبينات والهدى، والله تعالى أعلم. 
الخامسة : قوله تعالى :" من بعد ما بيناه " الكناية في " بيناه " ترجع إلى ما أنزل من البينات والهدى. والكتاب : اسم جنس، فالمراد جميع الكتب المنزلة. 
السادسة : قوله تعالى :" أولئك يلعنهم الله " أي يتبرأ منهم ويبعدهم من ثوابه ويقول لهم : عليكم لعنتي، كما قال للّعين :" وإن عليك لعنتي " \[ ص : ٧٨ \]. وأصل اللعن في اللغة الإبعاد والطرد، وقد تقدم[(٥)](#foonote-٥). 
السابعة : قوله تعالى :" ويلعنهم اللاعنون " قال قتادة والربيع : المراد " باللاعنون " الملائكة والمؤمنون. قال ابن عطية : وهذا واضح جار على مقتضى الكلام. وقال مجاهد وعكرمة : هم الحشرات والبهائم يصيبهم الجدب بذنوب علماء السوء الكاتمين فيلعنونهم. قال الزجاج : والصواب قول من قال :" اللاعنون " الملائكة والمؤمنون، فأما أن يكون ذلك لدواب الأرض فلا يوقف على حقيقته إلا بنص أو خبر لازم ولم نجد من ذينك شيئا. 
قلت : قد جاء بذلك خبر رواه البراء بن عازب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى :" يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون " قال :( دواب الأرض ). أخرجه ابن ماجه عن محمد بن الصباح أنبأنا عمار بن محمد عن ليث عن أبي المنهال عن زاذان عن البراء، إسناد حسن. 
فإن قيل : كيف جمع من لا يعقل جمع من يعقل ؟ قيل : لأنه أسند إليهم فعل من يعقل، كما قال :" رأيتهم لي ساجدين[(٦)](#foonote-٦) " \[ يوسف : ٤ \] ولم يقل ساجدات، وقد قال :" لم شهدتم علينا[(٧)](#foonote-٧) " \[ فصلت : ٢١ \]، وقال :" وتراهم ينظرون إليك[(٨)](#foonote-٨) " \[ الأعراف : ١٩٨ \]، ومثله كثير، وسيأتي إن شاء الله تعالى. وقال البراء بن عازب وابن عباس :" اللاعنون " كل المخلوقات ما عدا الثقلين : الجن والإنس، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( الكافر إذا ضرب في قبره فصاح سمعه الكل إلا الثقلين ولعنه كل سامع ). وقال ابن مسعود والسدي :( هو الرجل يلعن صاحبه فترتفع اللعنة إلى السماء ثم تنحدر فلا تجد صاحبها الذي قيلت فيه أهلا لذلك، فترجع إلى الذي تكلم بها فلا تجده أهلا فتنطلق فتقع على اليهود الذين كتموا ما أنزل الله تعالى، فهو قوله :" ويلعنهم اللاعنون " فمن مات منهم ارتفعت اللعنة عنه فكانت فيمن بقي من اليهود ).

١ الزيادة عن سنن ابن ماجه..
٢ الذي في صحيح البخاري وسنن ابن ماجه: "لولا آيتان"..
٣ تراجع المسألة الثانية ج ١ ص ٣٣٥ طبعة ثانية..
٤ أبو عبد الله: كنية البخاري رضي الله عنه..
٥ يراجع ص ٢٥ من هذا الجزء..
٦ راجع ج ٩ ص ١٢٢.
٧ راجع ج ١٥ ص ٣٥٠.
٨ مراجع ج ٧ ص ٣٤٤.

### الآية 2:160

> ﻿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [2:160]

قوله تعالى :" إلا الذين تابوا " استثنى تعالى التائبين الصالحين لأعمالهم وأقوالهم المنيبين لتوبتهم. ولا يكفي في التوبة عند علمائنا قول القائل : قد تبت، حتى يظهر منه في الثاني خلاف الأول، فإن كان مرتدا رجع إلى الإسلام مظهرا شرائعه، وإن كان من أهل المعاصي ظهر منه العمل الصالح، وجانب أهل الفساد والأحوال التي كان عليها، وإن كان من أهل الأوثان جانبهم وخالط أهل الإسلام، وهكذا يظهر عكس ما كان عليه. وسيأتي بيان التوبة وأحكامها في " النساء[(١)](#foonote-١) " إن شاء الله تعالى. وقال بعض العلماء في قوله :" وبينوا " أي بكسر الخمر وإراقتها. وقيل :" بينوا " يعني ما في التوراة من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ووجوب اتباعه. والعموم أولى على ما بيناه، أي بينوا خلاف ما كانوا عليه، والله تعالى أعلم. " فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم " تقدم[(٢)](#foonote-٢) ولله الحمد والمنة.

١ راجع ج ٥ ص ٩١.
٢ تراجع المسألة الخامسة وما بعدها ج ١ ص ٣٢٥ طبعة ثانية..

### الآية 2:161

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [2:161]

**فيه ثلاث مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" وهم كفار " الواو واو الحال. قال ابن العربي : قال لي كثير من أشياخي إن الكافر المعين لا يجوز لعنه ؛ لأن حاله عند الموافاة لا تعلم، وقد شرط الله تعالى في هذه الآية في إطلاق اللعنة : الموافاة على الكفر، وأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن أقواما بأعيانهم من الكفار فإنما كان ذلك لعلمه بمآلهم. قال ابن العربي : والصحيح عندي جواز لعنه لظاهر حاله ولجواز قتله وقتاله، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( اللهم إن عمرو بن العاص هجاني وقد علم أني لست بشاعر فالعنه واهجه عدد ما هجاني ). فلعنه، وإن كان الإيمان والدين والإسلام مآله. وانتصف بقوله :( عدد ما هجاني ) ولم يزد ليعلم العدل والإنصاف. وأضاف الهجو إلى الله تعالى في باب الجزاء دون الابتداء بالوصف بذلك، كما يضاف إليه المكر والاستهزاء والخديعة، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. 
قلت : أما لعن الكفار جملة من غير تعيين فلا خلاف في ذلك، لما رواه مالك عن داود بن الحصين أنه سمع الأعرج يقول : ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان. قال علماؤنا : وسواء كانت لهم ذمة أم لم تكن، وليس ذلك بواجب، ولكنه مباح لمن فعله، لجحدهم الحق وعداوتهم للدين وأهله، وكذلك كل من جاهر بالمعاصي كشراب الخمر وأكلة الربا، ومن تشبه من النساء بالرجال ومن الرجال بالنساء، إلى غير ذلك مما ورد في الأحاديث لعنه. 
الثانية : ليس لعن الكافر بطريق الزجر له عن الكفر، بل هو جزاء على الكفر وإظهار قبح كفره، كان الكافر ميتا أو مجنونا. وقال قوم من السلف : إنه لا فائدة في لعن من جن أو مات منهم، لا بطريق الجزاء ولا بطريق الزجر، فإنه لا يتأثر به. والمراد بالآية على هذا المعنى أن الناس يلعنونه يوم القيامة ليتأثر بذلك ويتضرر ويتألم قلبه، فيكون ذلك جزاء على كفره، كما قال تعالى :" ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا[(١)](#foonote-١) " \[ العنكبوت : ٢٥ \]، ويدل على هذا القول أن الآية دالة على الإخبار عن الله تعالى بلعنهم، لا على الأمر. وذكر ابن العربي أن لعن العاصي المعين لا يجوز اتفاقا، لما روي عن النبي أنه أتي بشارب خمر مرارا، فقال بعض من حضره : لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم ) فجعل له حرمة الأخوة، وهذا يوجب الشفقة، وهذا حديث صحيح. 
قلت : خرجه البخاري ومسلم، وقد ذكر بعض العلماء خلافا في لعن العاصي المعين، قال : وإنما قال عليه السلام :( لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم ) في حق نعيمان[(٢)](#foonote-٢) بعد إقامة الحد عليه، ومن أقيم عليه حد الله تعالى فلا ينبغي لعنه، ومن لم يقم عليه الحد فلعنته جائزة سواء سمي أو عين أم لا ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يلعن إلا من تجب عليه اللعنة ما دام على تلك الحالة الموجبة للعن، فإذا تاب منها وأقلع وطهره الحد فلا لعنة تتوجه عليه. وبين هذا قوله صلى الله عليه وسلم :( إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب[(٣)](#foonote-٣) ). فدل هذا الحديث مع صحته على أن التثريب واللعن إنما يكون قبل أخذ الحد وقبل التوبة، والله تعالى أعلم. قال ابن العربي : وأما لعن العاصي مطلقا فيجوز إجماعا، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ). 
الثالثة : قوله تعالى :" أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " أي إبعادهم من رحمته وأصل اللعن : الطرد والإبعاد، وقد تقدم[(٤)](#foonote-٤). فاللعنة من العباد الطرد، ومن الله العذاب. وقرأ الحسن البصري " والملائكة والناس أجمعون " بالرفع. وتأويلها : أولئك جزاؤهم أن يلعنهم الله ويلعنهم الملائكة ويلعنهم الناس أجمعون، كما تقول : كرهت قيام زيد وعمرو وخالد ؛ لأن المعنى : كرهت أن قام زيد. وقراءة الحسن هذه مخالفة للمصاحف. 
فإن قيل : ليس يلعنهم جميع الناس لأن قومهم لا يلعنونهم، قيل عن هذا ثلاثة أجوبة، أحدها : أن اللعنة من أكثر الناس يطلق عليها لعنة الناس تغليبا لحكم الأكثر على الأقل. الثاني : قال السدي : كل أحد يلعن الظالم، وإذا لعن الكافر الظالم فقد لعن نفسه. الثالث : قال أبو العالية : المراد به يوم القيامة يلعنهم قومهم مع جميع الناس، كما قال تعالى :" ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض[(٥)](#foonote-٥) ويلعن بعضكم بعضا " \[ العنكبوت : ٢٥ \]
١ راجع ج ١٣ ص ٣٣٩.
٢ نعيمان: هو ابن عمرو بن رفاعة، شهد العقبة وبدرا والمشاهد بعدها، وكان كثير المزاح، يضحك النبي صلى الله عليه وسلم من مزاحه. (عن أسد الغابة)..
٣ قال ابن الأثير في النهاية: "أي لا يوبخها ولا يقرعها بالزنا بعد الضرب. وقيل: أراد
 لا يقنع في عقوبتها بالتثريب بل يضربها الحد"..
٤ راجع ص ٢٥ من هذا الجزء..
٥ راجع ج ١٣ ص ٣٣٩.

### الآية 2:162

> ﻿خَالِدِينَ فِيهَا ۖ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ [2:162]

ثم قال جل وعز :" خالدين فيها " يعني في اللعنة، أي في جزائها. وقيل : خلودهم في اللعنة أنها مؤبدة عليهم " ولا هم ينظرون " أي لا يؤخرون عن العذاب وقتا من الأوقات. و " خالدين " نصب على الحال من الهاء والميم في " عليهم "، والعامل فيه الظرف من قوله :" عليهم " لأن فيها معنى استقرار اللعنة.

### الآية 2:163

> ﻿وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ [2:163]

قوله تعالى :" وإلهكم إله واحد لا إله ألا هو الرحمن الرحيم ١٦٣ " فيه مسألتان :
الأولى : قوله تعالى : وإلهكم إله واحد  لما حذر تعالى من كتمان الحق بين أن أول ما يجب إظهاره ولا يجوز كتمانه أمر التوحيد، ووصل ذلك بذكر البرهان، وعلم طريق النظر، وهو الفكر في عجائب الصنع، ليعلم أنه لا بد له من فاعل لا يشبهه شيء. قال ابن عباس رضي الله عنهما : قالت كفار قريش : يا محمد انسب لنا ربك، فأنزل الله تعالى سورة " الإخلاص " وهذه الآية. وكان للمشركين ثلاثمائة وستون صنما، فبين الله أنه واحد. 
الثانية : قوله تعالى :" لا إله إلا هو " نفي وإثبات. أولها كفر وآخرها إيمان، ومعناه لا معبود إلا الله. وحكي عن الشبلي رحمه الله أنه كان يقول : الله، ولا يقول : لا إله، فسئل عن ذلك فقال أخشى أن آخذ في كلمة الجحود ولا أصل إلى كلمة الإقرار. 
قلت : وهذا من علومهم الدقيقة، التي ليست لها حقيقة، فإن الله جل اسمه ذكر هذا المعنى في كتابه نفيا وإثباتا وكرره، ووعد بالثواب الجزيل لقائله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، خرجه الموطأ والبخاري ومسلم وغيرهم. وقال صلى الله عليه وسلم :( من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ) خرجه مسلم. والمقصود القلب لا اللسان، فلو قال : لا إله ومات ومعتقده وضميره الوحدانية وما يجب له من الصفات لكان من أهل الجنة باتفاق أهل السنة. وقد أتينا على معنى اسمه الواحد، ولا إله إلا هو والرحمن الرحيم في ( الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى ). والحمد لله.

### الآية 2:164

> ﻿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [2:164]

**فيه أربع عشرة مسألة :**
الأولى : قال عطاء : لما نزلت " وإلهكم إله واحد " قالت كفار قريش : كيف يسع الناس إله واحد، فنزلت " إن في خلق السماوات والأرض ". ورواه سفيان عن أبيه عن أبي الضحى قال : لما نزلت " وإلهكم إله واحد " قالوا هل من دليل على ذلك ؟ فأنزل الله تعالى " إن في خلق السموات والأرض " فكأنهم طلبوا آية فبين لهم دليل التوحيد، وأن هذا العالم والبناء العجيب لا بد له من بان وصانع. وجمع السموات لأنها أجناس مختلفة كل سماء من جنس غير جنس الأخرى. ووحد الأرض لأنها كلها تراب، والله تعالى أعلم. 
فآية السموات : ارتفاعها بغير عمد من تحتها ولا علائق من فوقها، ودل ذلك على القدرة وخرق العادة. ولو جاء نبي فتحدي بوقوف جبل في الهواء دون علاقة كان معجزا. ثم ما فيها من الشمس والقمر والنجوم السائرة والكواكب الزاهرة شارقة وغاربة نيرة وممحوة آية ثانية. وآية الأرض : بحارها وأنهارها ومعادنها وشجرها وسهلها ووعرها. 
الثانية : قوله تعالى :" واختلاف الليل والنهار " قيل : اختلافهما بإقبال أحدهما وإدبار الآخر من حيث لا يعلم. وقيل : اختلافهما في الأوصاف من النور والظلمة والطول والقصر. والليل جمع ليلة، مثل تمرة وتمر ونخلة ونخل. ويجمع أيضا ليالي وليال بمعنى، وهو مما شذ عن قياس الجموع، كشبه ومشابه وحاجة وحوائج وذكر ومذاكر، وكأن ليالي في القياس جمع ليلاة. وقد استعملوا ذلك في الشعر قال :
في كل يوم وكل ليلاَةٍ
**وقال آخر :**في كل يوم ما وُكِّلَ لَيْلاَه  حتى يقولَ كلُّ راءٍ إذْ رَآهيا ويحه من جَمَلٍ ما أشقاه
قال ابن فارس في المجمل : ويقال إن بعض الطير يسمى ليلا، ولا أعرفه[(١)](#foonote-١) والنهار يجمع نهر وأنهرة. قال أحمد بن يحيى ثعلب : نَهَر جمع نُهُر وهو جمع الجمع[(٢)](#foonote-٢) للنهار، وقيل النهار اسم مفرد لم يجمع لأنه بمعنى المصدر، كقولك الضياء، يقع على القليل والكثير. والأول أكثر، قال الشاعر :لولا الثَّرِيدان هلكنا بالضُّمُر  ثريدُ ليلٍ وثريدٌ بالنُّهُرقال ابن فارس : النهار معروف، والجمع نهر وأنهار. ويقال : إن النهار يجمع على النهر. والنهار : ضياء ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس. ورجل نهر : صاحب نهار. ويقال : إن النهار فرخ الحبارى. قال النضر بن شميل : أول النهار طلوع الشمس، ولا يعد ما قبل ذلك من النهار. وقال ثعلب : أوله عند العرب طلوع الشمس، استشهد بقول أمية بن أبي الصلت. والشمس تطلع كل آخر ليلة  حمراء يصبح لونها يتورد**وأنشد قول عدي بن زيد :**وجاعلُ الشمس مِصْراً[(٣)](#foonote-٣) لا خفاء به  بين النهار وبين الليل قد فَصَلاَ**وأنشد الكسائي :**إذا طلعت شمس النهار فإنها  أمارة تسليمي عليك فسلميقال الزجاج في كتاب الأنواء : أول النهار ذرور الشمس. وقسم ابن الأنباري الزمن ثلاثة أقسام : قسما جعله ليلا محضا، وهو من غروب الشمس إلى طلوع الفجر. وقسما جعله نهارا محضا، وهو من طلوع الشمس إلى غروبها. وقسما جعله مشتركا بين النهار والليل، وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، لبقايا ظلمة الليل ومبادئ ضوء النهار. 
قلت : والصحيح أن النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، كما رواه ابن فارس في المجمل، يدل عليه ما ثبت في صحيح مسلم عن عدي بن حاتم قال : لما نزلت " حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر " \[ البقرة : ١٨٧ \] قال له عدي : يا رسول الله، إني أجعل تحت وسادتي عقالين : عقالا أبيض وعقالا أسود، أعرف بهما الليل من النهار. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن وسادك لعريض إنما هو سواد الليل وبياض النهار ). فهذا الحديث يقضي أن النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وهو مقتضى الفقه في الأيمان، وبه ترتبط الأحكام. فمن حلف ألا يكلم فلانا نهارا فكلمه قبل طلوع الشمس حنث، وعلى الأول لا يحنث. وقول النبي هو الفيصل في ذلك والحكم. وأما على ظاهر اللغة وأخذه من السنة فهو من وقت الإسفار إذا اتسع وقت النهار، كما قال[(٤)](#foonote-٤) :ملكتُ بها كفي فأنهرتُ فَتْقَها  يرى قائمٌ من دونها ما وراءهاوقد جاء عن حذيفة ما يدل على هذا القول، خرجه النسائي. وسيأتي في آي الصيام[(٥)](#foonote-٥) إن شاء الله تعالى. 
الثالثة : قوله تعالى :" والفلك التي تجري في البحر " الفلك : السفن، وإفراده وجمعه بلفظ واحد، ويذكر ويؤنث. وليست الحركات في المفرد تلك بأعيانها في الجمع، بل كأنه بنى الجمع بناء آخر، يدل على ذلك توسط التثنية في قولهم : فلكان. والفلك المفرد مذكر، قال تعالى :" في الفلك المشحون[(٦)](#foonote-٦) " \[ يس : ٤١ \] فجاء به مذكرا، وقال :" والفلك التي تجري في البحر " فأنث. ويحتمل واحدا وجمعا، وقال :" حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة[(٧)](#foonote-٧) " \[ يونس : ٢٢ \] فجمع، فكأنه يذهب بها إذا كانت واحدة إلى المركب فيذكر، وإلى السفينة فيؤنث. وقيل : واحده فلك، مثل أسد وأسد، وخشب وخشب، وأصله من الدوران، ومنه : فلك السماء التي تدور عليه النجوم. وفلكت الجارية استدار ثديها، ومنه فلكة المغزل. وسميت السفينة فلكا لأنها تدور بالماء أسهل دور. 
ووجه الآية في الفلك : تسخير اللّه إياها حتى تجري على وجه الماء ووقوفها فوقه مع ثقلها. وأول من عملها نوح عليه السلام كما أخبر تعالى، وقال له جبريل : اصنعها على جؤجؤ[(٨)](#foonote-٨) الطائر، فعملها نوح عليه السلام وراثة في العالمين بما أراه جبريل. فالسفينة طائر مقلوب والماء في أسفلها نظير الهواء في أعلاها، قاله ابن العربي. 
الرابعة : هذه الآية وما كان مثلها دليل على جواز ركوب البحر مطلقا لتجارة كان أو عبادة، كالحج والجهاد. ومن السنة حديث أبي هريرة قال : جاء رجل إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء. الحديث. وحديث أنس بن مالك في قصة أم حرام، أخرجهما الأئمة : مالك وغيره. روى حديث أنس عنه جماعة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس، ورواه بشر بن عمر عن مالك عن إسحاق عن أنس عن أم حرام، جعله من مسند أم حرام لا من مسند أنس. هكذا حدث عنه به بندار محمد بن بشار، ففيه دليل واضح على ركوب البحر في الجهاد للرجال والنساء، وإذا جاز ركوبه للجهاد فركوبه للحج المفترض أولى وأوجب. وروي عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنهما المنع من ركوبه. والقرآن والسنة يرد هذا القول، ولو كان ركوبه يكره أو لا يجوز لنهى عنه النبي صلى اللّه عليه وسلم الذين قالوا له : إنا نركب البحر. وهذه الآية وما كان مثلها نص في الغرض وإليها المفزع. وقد تؤول ما روي عن العمرين في ذلك بأن ذلك محمول على الاحتياط وترك التغرير بالمهج في طلب الدنيا والاستكثار منها، وأما في أداء الفرائض فلا. ومما يدل على جواز ركوبه من جهة المعنى أن اللّه تعالى ضرب البحر وسط الأرض وجعل الخلق في العدوتين[(٩)](#foonote-٩)، وقسم المنافع بين الجهتين فلا يوصل إلى جلبها إلا بشق البحر لها، فسهل اللّه سبيله بالفلك، قاله ابن العربي. قال أبو عمر : وقد كان مالك يكره للمرأة الركوب للحج في البحر، وهو للجهاد لذلك أكره. والقرآن والسنة يرد قوله، إلا أن بعض أصحابنا من أهل البصرة قال : إنما كره ذلك مالك لأن السفن بالحجاز صغار، وأن النساء لا يقدرن على الاستتار عند الخلاء فيها لضيقها وتزاحم الناس فيها، وكان الطريق من المدينة إلى مكة على البر ممكنا، فلذلك كره مالك ذلك. وأما السفن الكبار نحو سفن أهل البصرة فليس بذلك بأس. قال : والأصل أن الحج على كل من استطاع إليه سبيلا من الأحرار البالغين، نساء كانوا أو رجالا، إذا كان الأغلب من الطريق الأمن، ولم يخص بحرا من بر. 
قلت : فدل الكتاب والسنة والمعنى على إباحة ركوبه للمعنيين جميعا : العبادة والتجارة، فهي الحجة وفيها الأسوة. إلا أن الناس في ركوب البحر تختلف أحوالهم، فرب راكب يسهل عليه ذلك ولا يشق، وآخر يشق عليه ويضعف به، كالمائد[(١٠)](#foonote-١٠) المفرط الميد، ومن لم يقدر معه على أداء فرض الصلاة ونحوها من الفرائض، فالأول ذلك له جائز، والثاني يحرم عليه ويمنع منه. 
**ولا خلاف بين أهل العلم وهي :**
الخامسة : إن البحر إذا ارتج[(١١)](#foonote-١١) لم يجز ركوبه لأحد بوجه من الوجوه في حين ارتجاجه ولا في الزمن الذي الأغلب فيه عدم السلامة، وإنما يجوز عندهم ركوبه في زمن تكون السلامة فيه الأغلب، فإن الذين يركبونه حال السلامة وينجون لا حاصر لهم، والذين يهلكون فيه محصورون. 
قوله تعالى :" بما ينفع الناس " أي بالذي ينفعهم من التجارات وسائر المآرب التي تصلح بها أحوالهم. وبركوب البحر تكتسب الأرباح، وينتفع من يحمل إليه المتاع أيضا. وقد قال بعض من طعن في الدين : إن اللّه تعالى يقول في كتابكم :" ما فرطنا في الكتاب من شيء[(١٢)](#foonote-١٢) " \[ الأنعام : ٣٨ \] فأين ذكر التوابل المصلحة للطعام من الملح والفلفل وغير ذلك ؟ فقيل له في قوله :" بما ينفع الناس ". 
السابعة : قوله تعالى :" وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها " يعني بها الأمطار التي بها إنعاش العالم وإخراج النبات والأرزاق، وجعل منه المخزون عدة للانتفاع في غير وقت نزوله، كما قال تعالى :" فأسكناه في الأرض[(١٣)](#foonote-١٣) " \[ المؤمنون : ١٨ \]. 
الثامنة : قوله تعالى :" وبث فيها من كل دابة " أي فرق ونشر، ومنه " كالفراش المبثوث[(١٤)](#foonote-١٤) " \[ القارعة : ٤ \] ودابة تجمع الحيوان كله، وقد أخرج بعض الناس الطير، وهو مردود، قال اللّه تعالى :" وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها[(١٥)](#foonote-١٥) " \[ هود : ٦ \] فإن الطير يدب على رجليه في بعض حالاته، قال الأعشى :
دبيب قَطَا البَطحاء في كل مَنْهَل
**وقال علقمة بن عبدة :**
صَوَاعِقُها لطيرهنّ دبيبُ
التاسعة : قوله تعالى :" وتصريف الرياح " تصريفها : إرسالها عقيما وملقحة، وصرا ونصرا وهلاكا، وحارة وباردة، ولينة وعاصفة. وقيل : تصريفها إرسالها جنوبا وشمالا، ودبورا وصبا، ونكباء، وهي التي تأتي بين مهبي ريحين. وقيل : تصريفها أن تأتي السفن الكبار بقدر ما تحملها، والصغار كذلك، ويصرف عنهما ما يضر بهما، ولا اعتبار بكبر القلاع ولا صغرها، فإن الريح لو جاءت جسدا واحدا لصدمت القلاع وأغرقت. والرياح جمع ريح سميت به لأنها تأتي بالروح غالبا. روى أبو داود عن أبي هريرة قال سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول :( الريح من روح اللّه تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فإذا رأيتموها فلا تسبوها واسألوا اللّه خيرها واستعيذوا باللّه من شرها[(١٦)](#foonote-١٦) ). وأخرجه أيضا ابن ماجه في سننه حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يحيى بن سعيد عن الأوزاعي عن الزهري حدثنا ثابت الزرقي عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :( لا تسبوا الريح فإنها من روح الله تأتي بالرحمة والعذاب ولكن سلوا اللّه من خيرها وتعوذوا باللّه من شرها ). وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال :( لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن ). المعنى : أن اللّه تعالى جعل فيها التفريج والتنفيس والترويح، والإضافة من طريق الفعل. والمعنى : أن اللّه تعالى جعلها كذلك. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال :( نصرت[(١٧)](#foonote-١٧) ب١ قال الجوهري في الصحاح: "وذكر قوم أن الليل ولد الكروان، وأن النهار ولد الحبارى، وقد جاء ذلك في بعض الأشعار"..
٢ زيادة عن اللسان..
٣ المصر: الحاجز بين الشيئين..
٤ هو قيس بن الخطيم، يصف طعنة..
٥ راجع ص ٢٧٣ من هذا الجزء..
٦ راجع ج ١٥ ث ٣٤.
٧ راجع ج ٨ ص ٣٢٤.
٨ الجؤجؤ: الصدر: وقيل: عظامه..
٩ العدوة: شاطئ الوادي.
١٠ المائد: الذي يركب البحر فتغثى نفسه حتى يدار به ويكاد يغشى عليه..
١١ ارتج البحر إذا هاج. وقيل: إذا كثر ماؤه فعم كل شيء..
١٢ راجع ج ٦ ص ٤٢٠.
١٣ راجع ج ١٢ ث ١١٢.
١٤ راجع ج ٢٠ ص ١٦٥.
١٥ راجع ج ٩ ص ٦.
١٦ كذا ورد في سنن أبي داود. والذي في الأصول: "الريح من روح الله. قال سلمة: فروح الله عز وجل تأتي..." الخ وسلمة هذا أحد من روى عنهم أبو داود هذا الحديث..
١٧ أي يوم الأحزاب. وسيأتي معنى "الصبا والدبور"..

### الآية 2:165

> ﻿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ [2:165]

لما أخبر اللّه سبحانه وتعالى في الآية قبل ما دل على وحدانيته وقدرته وعظم سلطانه أخبر أن مع هذه الآيات القاهرة لذوي العقول من يتخذ معه أندادا، وواحدها ند، وقد تقدم[(١)](#foonote-١). والمراد الأوثان والأصنام التي كانوا يعبدونها كعبادة اللّه مع عجزها، قاله مجاهد. 
قوله تعالى :" يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله " أي يحبون أصنامهم على الباطل كحب المؤمنين لله على الحق، قاله المبرد، وقال معناه الزجاج. أي أنهم مع عجز الأصنام يحبونهم كحب المؤمنين لله مع قدرته. وقال ابن عباس والسدي : المراد بالأنداد الرؤساء المتبعون، يطيعونهم في معاصي اللّه. وجاء الضمير في " يحبونهم " على هذا على الأصل، وعلى الأول جاء ضمير الأصنام ضمير من يعقل على غير الأصل. وقال ابن كيسان والزجاج أيضا : معنى " يحبونهم كحب اللّه " أي يسوون بين الأصنام وبين اللّه تعالى في المحبة. قال أبو إسحاق : وهذا القول الصحيح، والدليل على صحته :" والذين آمنوا أشد حبا لله " وقرأ أبو رجاء " يحبونهم " بفتح الياء. وكذلك ما كان منه في القرآن، وهي لغة، يقال : حببت الرجل فهو محبوب. قال الفراء : أنشدني أبو تراب :

أحب لحبها السودان حتى  حببت لحُبِّها سودَ الكلابو " من " في قوله " من يتخذ " في موضع رفع بالابتداء، و " يتخذ " على اللفظ، ويجوز في غير القرآن " يتخذون " على المعنى، و " يحبونهم " على المعنى، و " يحبهم " على اللفظ، وهو في موضع نصب على الحال من الضمير الذي في " يتخذ " أي محبين، وإن شئت كان نعتا للأنداد، أي محبوبة. والكاف من " كحب " نعت لمصدر محذوف، أي يحبونهم حبا كحب اللّه. " والذين آمنوا أشد حبا لله " أي أشد من حب أهل الأوثان لأوثانهم والتابعين لمتبوعهم. وقيل : إنما قال " والذين آمنوا أشد حبا لله " لأن اللّه تعالى أحبهم أولا ثم أحبوه. ومن شهد له محبوبه بالمحبة كانت محبته أتم، قال اللّه تعالى :" يحبهم ويحبونه " \[ المائدة : ٥٤ \]. وسيأتي بيان حب المؤمنين لله تعالى وحبه لهم في سورة " آل عمران[(٢)](#foonote-٢) " إن شاء اللّه تعالى. 
قوله تعالى :" ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب " قراءة أهل المدينة وأهل الشام بالتاء، وأهل مكة وأهل الكوفة وأبو عمرو بالياء، وهو اختيار أبي عبيد. وفي الآية إشكال وحذف، فقال أبو عبيد : المعنى لو يرى الذين ظلموا في الدنيا عذاب الآخرة لعلموا حين يرونه أن القوة لله جميعا. و " يرى " على هذا من رؤية البصر. قال النحاس في كتاب " معاني القرآن " له : وهذا القول هو الذي عليه أهل التفسير. وقال في كتاب " إعراب القرآن " له : وروي عن محمد بن يزيد أنه قال : هذا التفسير الذي جاء به أبو عبيد بعيد، وليست عبارته فيه بالجيدة، لأنه يقدر : ولو يرى الذين ظلموا العذاب، فكأنه يجعله مشكوكا فيه وقد أوجبه اللّه تعالى، ولكن التقدير وهو قول الأخفش : ولو يرى الذين ظلموا أن القوة لله. و " يرى " بمعنى يعلم، أي لو يعلمون حقيقة قوة اللّه عز وجل وشدة عذابه، ف " يرى " واقعة على أن القوة لله، وسدت مسد المفعولين. و " الذين " فاعل " يرى "، وجواب " لو " محذوف، أي لتبينوا ضرر اتخاذهم الآلهة، كما قال عز وجل. " ولو ترى إذ وقفوا على ربهم[(٣)](#foonote-٣) " \[ الأنعام : ٣٠ \]، " ولو ترى إذ وقفوا على النار[(٤)](#foonote-٤) " \[ الأنعام : ٢٧ \] ولم يأت ل " لو " جواب. قال الزهري وقتادة : الإضمار أشد للوعيد، ومثله قول القائل : لو رأيت فلانا والسياط تأخذه ومن قرأ بالتاء فالتقدير : ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب وفزعهم منه واستعظامهم له لأقروا أن القوة لله، فالجواب مضمر على هذا النحو من المعنى وهو العامل في " أن ". وتقدير آخر : ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب وفزعهم منه لعلمت أن القوة لله جميعا. وقد كان النبي صلى اللّه عليه وسلم علم ذلك، ولكن خوطب والمراد أمته، فإن فيهم من يحتاج إلى تقوية علمه بمشاهدة مثل هذا. ويجوز أن يكون المعنى : قل يا محمد للظالم هذا. وقيل :" أن " في موضع نصب مفعول من أجله، أي لأن القوة لله جميعا. وأنشد سيبويه. وأغفرُ عوراءَ الكريم ادِّخَارَه  وأعرِضُ عن شَتْمِ اللئيم تكرُّماأي لادخاره، والمعنى : ولو ترى يا محمد الذين ظلموا في حال رؤيتهم للعذاب لأن القوة لله لعلمت مبلغهم من النكال ولاستعظمت ما حل بهم. ودخلت " إذ " وهي لما مضى في إثبات هذه المستقبلات تقريبا للأمر وتصحيحا لوقوعه. وقرأ ابن عامر وحده " يرون " بضم الياء، والباقون بفتحها. وقرأ الحسن ويعقوب وشيبة وسلام وأبو جعفر " إن القوة، وإن اللّه " بكسر الهمزة فيهما على الاستئناف أو على تقدير القول، أي ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب يقولون إن القوة لله. وثبت بنص هذه الآية القوة لله، بخلاف قول المعتزلة في نفيهم معاني الصفات القديمة، تعالى اللّه عن قولهم. 
١ تراجع المسألة السادسة ج ١ ص طبعة ثانية..
٢ راجع ج ٤ ص ٥٩.
٣ راجع ج ٦ ص ٤١١، ٤٠٨.
٤ راجع ج ٦ ص ٤١١، ٤٠٨.

### الآية 2:166

> ﻿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ [2:166]

قوله تعالى :" إذ تبرأ الذين اتبعوا " يعني السادة والرؤساء تبرؤوا ممن اتبعهم على الكفر. عن قتادة وعطاء والربيع. وقال قتادة أيضا والسدي : هم الشياطين المضلون تبرؤوا من الإنس. وقل : هو عام في كل متبوع. " ورأوا العذاب " يعني التابعين والمتبوعين، قيل : بتيقنهم له عند المعاينة في الدنيا. وقيل : عند العرض والمساءلة في الآخرة. قلت : كلاهما حاصل، فهم يعاينون عند الموت ما يصيرون إليه من الهوان، وفي الآخرة يذوقون أليم العذاب والنكال. 
قوله تعالى :" وتقطعت بهم الأسباب " أي الوصلات التي كانوا يتواصلون بها في الدنيا من رحم وغيره، عن مجاهد وغيره. الواحد سبب ووصلة. وأصل السبب الحبل يشد بالشيء فيجذبه، ثم جعل كل ما جر شيئا سببا. وقال السدي وابن زيد : إن الأسباب أعمالهم. والسبب الناحية، ومنه قول زهير :

ومن هاب أسباب المنايا ينَلْنَهُ  ولو رام أسباب السماء بسلم

### الآية 2:167

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [2:167]

قوله تعالى :" وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة " " أن " في موضع رفع، أي لو ثبت أن لنا رجعة " فنتبرأ منهم " جواب التمني. والكرة : الرجعة والعودة إلى حال قد كانت، أي قال الأتباع : لو رددنا إلى الدنيا حتى نعمل صالحا ونتبرأ منهم " كما تبرؤوا منا " أي تبرأ كما، فالكاف في موضع نصب على النعت لمصدر محذوف. ويجوز أن يكون نصبا على الحال، تقديرها متبرئين، والتبرؤ الانفصال. 
قوله تعالى :" كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم " الكاف في موضع رفع، أي الأمر كذلك. أي كما أراهم اللّه العذاب كذلك يريهم اللّه أعمالهم. و " يريهم اللّه " قيل : هي من رؤية البصر، فيكون متعديا لمفعولين : الأول الهاء والميم في " يريهم "، والثاني " أعمالهم "، وتكون " حسرات " حال. ويحتمل أن يكون من رؤية القلب، فتكون " حسرات " المفعول الثالث. " أعمالهم " قال الربيع : أي الأعمال الفاسدة التي ارتكبوها فوجبت لهم بها النار. وقال ابن مسعود والسدي : الأعمال الصالحة التي تركوها ففاتتهم الجنة، ورويت في هذا القول أحاديث. قال السدي : ترفع لهم الجنة فينظرون إليها وإلى بيوتهم فيها لو أطاعوا اللّه تعالى، ثم تقسم بين المؤمنين فذلك حين يندمون. وأضيفت هذه الأعمال إليهم من حيث هم مأمورون بها، وأما إضافة الأعمال الفاسدة إليهم فمن حيث عملوها. والحسرة واحدة الحسرات، كتمرة وتمرات، وجفنة وجفنات، وشهوة وشهوات. هذا إذا كان اسما، فإن نعته سكنت، كقولك : ضخمة وضخمات، وعبلة وعبلات. والحسرة أعلى درجات الندامة على شيء فائت. والتحسر : التلهف، يقال : حسرت عليه ( بالكسر ) أحسر حسرا وحسرة. وهي مشتقة من الشيء الحسير الذي قد انقطع وذهبت قوته، كالبعير إذا عيي. وقيل : هي مشتقة من حسر إذا كشف، ومنه الحاسر في الحرب : الذي لا درع معه. والانحسار. الانكشاف. 
قوله تعالى :" وما هم بخارجين من النار " دليل على خلود الكفار فيها وأنهم لا يخرجون منها. وهذا قول جماعة أهل السنة، لهذه الآية ولقوله تعالى :" ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط " \[ الأعراف : ٤٠ \]. وسيأتي[(١)](#foonote-١).

١ راجع ج ٧ ص ٢٠٦.

### الآية 2:168

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [2:168]

**فيه أربع مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" يا أيها الناس " قيل : إنها نزلت في ثقيف وخزاعة وبني مدلج فيما حرموه على أنفسهم من الأنعام، واللفظ عام. والطيب هنا الحلال، فهو تأكيد لاختلاف اللفظ، وهذا قول مالك في الطيب. وقال الشافعي : الطيب المستلذ، فهو تنويع، ولذلك يمنع أكل الحيوان القذر. وسيأتي بيان هذا في " الأنعام[(١)](#foonote-١) " و " الأعراف[(٢)](#foonote-٢) " إن شاء اللّه تعالى. 
الثانية : قوله تعالى :" حلالا طيبا " " حلالا " حال، وقيل مفعول. وسمي الحلال حلالا لانحلال عقدة الحظر عنه. قال سهل بن عبدالله : النجاة في ثلاثة : أكل الحلال، وأداء الفرائض، والاقتداء بالنبي صلى اللّه عليه وسلم. وقال أبو عبدالله الساجي واسمه سعيد بن يزيد : خمس خصال بها تمام العلم، وهي : معرفة اللّه عز وجل، ومعرفة الحق، وإخلاص العمل لله، والعمل على السنة، وأكل الحلال، فإن فقدت واحدة لم يرفع العمل. قال سهل : ولا يصح أكل الحلال إلا بالعلم، ولا يكون المال حلالا حتى يصفو من ست خصال : الربا والحرام والسحت - وهو اسم مجمل - والغلول والمكروه والشبهة. 
الثالثة : قوله تعالى :" ولا تتبعوا " نهي " خطوات الشيطان " " خطوات " جمع خطوة وخطوة بمعنى واحد. قال الفراء : الخطوات جمع خطوة، بالفتح. وخطوة ( بالضم ) : ما بين القدمين. وقال الجوهري : وجمع القلة خطوات وخطوات وخطوات، والكثير خطا. والخطوة ( بالفتح ) : المرة الواحدة، والجمع خطوات ( بالتحريك ) وخطاء، مثل ركوة وركاء، قال امرؤ القيس :لها وَثَبَاتٌ كَوَثْبِ الظِّبَاء  فَوَادٍ خِطَاءٌ ووادٍ مَطَر[(٣)](#foonote-٣)وقرأ أبو السمال العدوي وعبيد بن عمير " خطوات " بفتح الخاء والطاء. وروي عن علي بن أبي طالب وقتادة والأعرج وعمرو بن ميمون والأعمش " خطؤات " بضم الخاء والطاء والهمزة على الواو. قال الأخفش : وذهبوا بهذه القراءة إلى أنها جمع خطيئة، من الخطأ لا من الخطو. والمعنى على قراءة الجمهور : ولا تقفوا أثر الشيطان وعمله، وما لم يرد به الشرع فهو منسوب إلى الشيطان. قال ابن عباس :" خطوات الشيطان " أعماله. مجاهد : خطاياه. السدي : طاعته. أبو مجلز : هي النذور في المعاصي. 
قلت : والصحيح أن اللفظ عام في كل ما عدا السنن والشرائع من البدع والمعاصي. وتقدم القول في " الشيطان " مستوفى[(٤)](#foonote-٤). 
الرابعة : قوله تعالى :" إنه لكم عدو مبين " أخبر تعالى بأن الشيطان عدو، وخبره حق وصدق. فالواجب على العاقل أن يأخذ حذره من هذا العدو الذي قد أبان عداوته من زمن آدم، وبذل نفسه وعمره في إفساد أحوال بني آدم، وقد أمر اللّه تعالى بالحذر منه فقال جل من قائل :" ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين "، " إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون " \[ البقرة : ١٦٩ \] وقال :" الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء[(٥)](#foonote-٥) " \[ البقرة : ٢٦٨ \] وقال :" ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا " \[ النساء : ٦٠ \] وقال :" إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون[(٦)](#foonote-٦) " \[ المائدة : ٩١ \] وقال :" إنه عدو مضل مبين[(٧)](#foonote-٧) " \[ القصص : ١٥ \] وقال :" إن الشيطان لكم عدو فاتخذه عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير[(٨)](#foonote-٨) " \[ فاطر : ٦ \]. وهذا غاية في التحذير، ومثله في القرآن كثير. وقال عبد الله بن عمر : إن إبليس موثق في الأرض السفلى، فإذا تحرك فإن كل شر الأرض بين اثنين فصاعدا من تحركه. وخرج الترمذي من حديث أبي مالك الأشعري وفيه :( وآمركم أن تذكروا اللّه فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعا حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر اللّه ) الحديث. وقال فيه : حديث حسن صحيح غريب. 
١ راجع ج ٧ ص ١١٥، ٣٠٠..
٢ راجع ج ٧ ص ١١٥، ٣٠٠..
٣ يقول: مرة تخطو فتكف عن العدو، ومرة تعدو عدوا يشبه المطر، عن شرح الديوان..
٤ تراجع المسألة ج ١ ص ٩٠ طبعة ثانية..
٥ راجع ج ٣ ص ٣٢٨.
٦ راجع ج ٦ ص ٢٩٢..
٧ راجع ج ١٣ ص ٢٦١.
٨ راجع ج ١٤ ص ٣٢٣..

### الآية 2:169

> ﻿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [2:169]

قوله تعالى :" إنما يأمركم بالسوء والفحشاء " سمي السوء سوءا لأنه يسوء صاحبه بسوء عواقبه. وهو مصدر ساءه يسوءه سوءا ومساءة إذا أحزنه. وسؤته فسيء إذا أحزنته فحزن، قال اللّه تعالى :" سيئت وجوه الذين كفروا[(١)](#foonote-١) " \[ الملك : ٢٧ \]. وقال الشاعر :
إن يك هذا الدهر قد ساءني \*\*\* فطالما قد سرني الدهر
الأمر عندي فيهما واحد \*\*\* لذاك شكر ولذاك صبر
**والفحشاء أصله قبح المنظر، كما قال :**
وجيدٍ كجيدِ الريم[(٢)](#foonote-٢) ليس بفاحِشٍ
ثم استعملت اللفظة فيما يقبح من المعاني. والشرع هو الذي يحسن ويقبح، فكل ما نهت عنه الشريعة فهو من الفحشاء. وقال مقاتل : إن كل ما في القرآن من ذكر الفحشاء فإنه الزنى، إلا قوله :" الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء " \[ البقرة : ٢٦٨ \] فإنه منع الزكاة. 
قلت : فعلى هذا قيل : السوء ما لا حد فيه، والفحشاء ما فيه حد. وحكي عن ابن عباس وغيره، واللّه تعالى أعلم. 
قوله تعالى :" وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون " قال الطبري : يريد ما حرموا من البحيرة[(٣)](#foonote-٣) والسائبة[(٤)](#foonote-٤) ونحوها مما جعلوه شرعا. " وأن تقولوا " في موضع خفض عطفا على قوله تعالى :" بالسوء والفحشاء ".

١ راجع ج ١٨ ص ٢٢٠..
٢ الريم: الظبي الأبيض الخالص البياض..
٣ قال أبو إسحاق النحوي: "أثبت ما روينا عن أهل اللغة في البحيرة أنها الناقة كانت إذا نتجت خمسة أبطن فكان آخرها ذكرا بحورا أذنها أي شقوه، وأعفوا ظهرها من الركوب والحمل والذبح، ولا تحلأ (تطرد) عن ماء ترده، ولا تمنع من مرعى، وإذا لقيها المُعَنَّى المنقطع به لم يركبها"..
٤ كان الرجل في الجاهلية إذا قدم من سفر بعيد، أو برئ من علة، أو نجته دابة من مشقة أو حرب قال: ناقتي سائبة، أي تسيب فلا ينتفع بظهرها ولا تحلأ عن ماء، ولا تمنع من كلأ ولا تركب (عن اللسان)..

### الآية 2:170

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ [2:170]

**فيه سبع مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" وإذا قيل لهم " يعني كفار العرب. ابن عباس : نزلت في اليهود. الطبري : الضمير في " لهم " عائد على الناس من قوله تعالى :" يا أيها الناس كلوا ". وقيل : هو عائد على " من " في قوله تعالى :" ومن الناس من يتخذ من دون الله " \[ البقرة : ١٦٥ \] الآية. وقوله :" اتبعوا ما أنزل الله " أي بالقبول والعمل. " قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا " ألفينا : وجدنا. وقال الشاعر :فألفيتُه غير مُسْتَعْتِبٍ  ولا ذاكرٍ اللهَ إلا قليلاالثانية : قوله تعالى :" أولو كان آباؤهم " الألف للاستفهام، وفتحت الواو لأنها واو عطف، عطفت جملة كلام على جملة ؛ لأن غاية الفساد في الالتزام أن يقولوا : نتبع آباءنا ولو كانوا لا يعقلون، فقرروا على التزامهم هذا، إذ هي حال آبائهم. 
مسألة : قال علماؤنا : وقوة ألفاظ هذه الآية تعطي إبطال التقليد، ونظيرها :" وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا " \[ المائدة : ١٠٤ \] الآية. وهذه الآية والتي قبلها مرتبطة بما قبلهما، وذلك أن اللّه سبحانه أخبر عن جهالة العرب فيما تحكمت فيه بآرائها السفيهة في البحيرة والسائبة والوصيلة[(١)](#foonote-١)، فاحتجوا بأنه أمر وجدوا عليه آباءهم فاتبعوهم في ذلك، وتركوا ما أنزل اللّه على رسوله وأمر به في دينه، فالضمير في " لهم " عائد عليهم في الآيتين جميعا. 
الثالثة : تعلق قوم بهذه الآية في ذم التقليد لذم اللّه تعالى الكفار باتباعهم لآبائهم في الباطل، واقتدائهم بهم في الكفر والمعصية. وهذا في الباطل صحيح، أما التقليد في الحق فأصل من أصول الدين، وعصمة من عصم المسلمين يلجأ إليها الجاهل المقصر عن درك النظر. واختلف العلماء في جوازه في مسائل الأصول على ما يأتي، وأما جوازه في مسائل الفروع فصحيح. 
الرابعة : التقليد عند العلماء حقيقته قبول قول بلا حجة، وعلى هذا فمن قبل قول النبي صلى اللّه عليه وسلم من غير نظر في معجزته يكون مقلدا، وأما من نظر فيها فلا يكون مقلدا. وقيل : هو اعتقاد صحة فتيا من لا يعلم صحة قوله. وهو في اللغة مأخوذ من قلادة البعير، فإن العرب تقول : قلدت البعير إذا جعلت في عنقه حبلا يقاد به، فكأن المقلد يجعل أمره كله لمن يقوده حيث شاء، وكذلك قال شاعرهم :وقلِّدوا أمركم لله دركم  ثَبْتَ الجَنَانِ بأمر الحرب مضطّلعاالخامسة : التقليد ليس طريقا للعلم ولا موصلا له، لا في الأصول ولا في الفروع، وهو قول جمهور العقلاء والعلماء، خلافا لما يحكى عن جهال الحشوية والثعلبية من أنه طريق إلى معرفة الحق، وأن ذلك هو الواجب، وأن النظر والبحث حرام، والاحتجاج عليهم في كتب الأصول. 
السادسة : فرض العامي الذي لا يشتغل باستنباط الأحكام من أصولها لعدم أهليته فيما لا يعلمه من أمر دينه ويحتاج إليه أن يقصد أعلم من في زمانه وبلده فيسأله عن نازلته فيمتثل فيها فتواه، لقوله تعالى :" فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون[(٢)](#foonote-٢) " \[ النحل : ٤٣ \]، وعليه الاجتهاد في أعلم أهل وقته بالبحث عنه، حتى يقع عليه الاتفاق من الأكثر من الناس. وعلى العالم أيضا فرض أن يقلد عالما مثله في نازلة خفي عليه فيها وجه الدليل والنظر، وأراد أن يجدد الفكر فيها والنظر حتى يقف على المطلوب، فضاق الوقت عن ذلك، وخاف على العبادة أن تفوت، أو على الحكم أن يذهب، سواء كان ذلك المجتهد الآخر صحابيا أو غيره، وإليه ذهب القاضي أبو بكر وجماعة من المحققين. 
السابعة : قال ابن عطية : أجمعت الأمة على إبطال التقليد في العقائد. وذكر فيه غيره خلافا كالقاضي أبي بكر بن العربي وأبي عمر وعثمان بن عيسى بن درباس الشافعي. قال ابن درباس في كتاب " الانتصار " له : وقال بعض الناس يجوز التقليد في أمر التوحيد، وهو خطأ لقوله تعالى :" إنا وجدنا آباءنا على أمة[(٣)](#foonote-٣) " \[ الزخرف : ٢٣ \]. فذمهم بتقليدهم آباءهم وتركهم اتباع الرسل، كصنيع أهل الأهواء في تقليدهم كبراءهم وتركهم اتباع محمد صلى اللّه عليه وسلم في دينه، ولأنه فرض على كل مكلف تعلم أمر التوحيد[(٤)](#foonote-٤) والقطع به، وذلك لا يحصل إلا من جهة الكتاب والسنة، كما بيناه في آية التوحيد، واللّه يهدي من يريد. قال ابن درباس : وقد أكثر أهل الزيغ القول على من تمسك بالكتاب والسنة أنهم مقلدون. وهذا خطأ منهم، بل هو بهم أليق وبمذاهبهم أخلق، إذ قبلوا قول ساداتهم وكبرائهم فيما خالفوا فيه كتاب اللّه وسنة رسوله وإجماع الصحابة رضي اللّه عنهم، فكانوا داخلين فيمن ذمهم اللّه بقوله :" ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا " \[ الأحزاب : ٦٧ \] إلى قوله :" كبيرا[(٥)](#foonote-٥) " وقوله :" إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون[(٦)](#foonote-٦) " \[ الزخرف : ٢٣ \]. ثم قال لنبيه :" قال أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون[(٧)](#foonote-٧) " \[ الزخرف : ٢٤ \] ثم قال لنبيه عليه السلام " فانتقمنا منهم[(٨)](#foonote-٨) " الآية. فبين تعالى أن الهدى فيما جاءت به رسله عليهم السلام. وليس قول أهل الأثر في عقائدهم : إنا وجدنا أئمتنا وآباءنا والناس على الأخذ بالكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح من الأمة، من قولهم : إنا وجدنا آباءنا وأطعنا سادتنا وكبراءنا بسبيل، لأن هؤلاء نسبوا ذلك إلى التنزيل وإلى متابعة الرسول، وأولئك نسبوا إفكهم إلى أهل الأباطيل، فازدادوا بذلك في التضليل، ألا ترى أن اللّه سبحانه أثنى على يوسف عليه السلام في القرآن حيث قال :" إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون. واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس[(٩)](#foonote-٩) " \[ يوسف : ٣٨ \]. فلما كان آباؤه عليه وعليهم السلام أنبياء متبعين للوحي وهو الدين الخالص الذي ارتضاه الله، كان اتباعه آباءه من صفات المدح. ولم يجئ فيما جاؤوا به ذكر الأعراض وتعلقها بالجواهر وانقلابها فيها، فدل على أن لا هدى فيها ولا رشد في واضعيها. 
قال ابن الحصار : وإنما ظهر التلفظ بها في زمن المأمون بعد المائتين لما ترجمت كتب الأوائل وظهر فيها اختلافهم في قدم العالم وحدوثه، واختلافهم في الجوهر وثبوته، والعرض وماهيته، فسارع المبتدعون ومن في قلبه زيغ إلى حفظ تلك الاصطلاحات، وقصدوا بها الإغراب على أهل السنة، وإدخال الشبه على الضعفاء من أهل الملة. فلم يزل الأمر كذلك إلى أن ظهرت البدعة، وصارت للمبتدعة شيعة، والتبس الأمر على السلطان، حتى قال الأمير بخلق القرآن، وجبر الناس عليه، وضرب أحمد بن حنبل على ذلك، فانتدب رجال من أهل السنة كالشيخ أبي الحسن الأشعري وعبد الله[(١٠)](#foonote-١٠) بن كلاب وابن مجاهد والمحاسبي وأضرابهم، فخاضوا مع المبتدعة في اصطلاحاتهم، ثم قاتلوهم وقتلوهم بسلاحهم وكان من درج من المسلمين من هذه الأمة متمسكين بالكتاب والسنة، معرضين عن شبه الملحدين، لم ينظروا في الجوهر والعرض، على ذلك كان السلف. 
قلت : ومن نظر الآن في اصطلاح المتكلمين حتى يناضل بذلك عن الدين فمنزلته قريبة من النبيين. فأما من يهجن من غلاة المتكلمين طريق من أخذ بالأثر من المؤمنين، ويحض على درس كتب الكلام، وأنه لا يعرف الحق إلا من جهتها بتلك الاصطلاحات فصاروا مذمومين لنقضهم طريق المتقدمين من الأئمة الماضين، واللّه أعلم. وأما المخاصمة والجدال بالدليل والبرهان فذلك بين في القرآن، وسيأتي[(١١)](#foonote-١١) بيانه إن شاء اللّه تعالى. 
١ قال المفسرون: الوصيلة كانت في الشأن، خاصة، كانت إذا ولدت أنثى فهي لهم، وإذا ولدت ذكرا جعلوه لآلهتهم، فإذا ولدت ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها؛ فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم. وفيها معان أخر (يراجع اللسان مادة "وصل"). وتقدم معنى "البحيرة والسائبة" ص ٢١٠..
٢ راجع ج ١٠ ص ١٠٨ و ج١١ ص ٢٧٢.
٣ راجع ج ١٦ ص ٧٤.
٤ ص ١٩٠ من هذا الجزء..
٥ راجع ج ١٤ ص ٢٤٩.
٦ راجع ج ١٦ ص ٧٤ فما بعدها..
٧ راجع ج ١٦ ص ٧٤ فما بعدها..
٨ راجع ج ١٦ ص ٧٤ فما بعدها..
٩ راجع ج ٩ ص ١٩١..
١٠ في الأصول: "وأبي عبد الله" والتصويب عن القاموس وشرحه، وهو عبد الله بن سعيد بن كلاب التميمي البصري، وهو رأس الطائفة الكلابية من أهل السنة.
١١ راجع ج ١٢ ص ٩٤، ج ١٣ ص ٣٥٠..

### الآية 2:171

> ﻿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ۚ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [2:171]

شبه تعالى واعظ الكفار وداعيهم وهو محمد صلى اللّه عليه وسلم بالراعي الذي ينعق بالغنم والإبل فلا تسمع إلا دعاءه ونداءه، ولا تفهم ما يقول، هكذا فسره ابن عباس ومجاهد وعكرمة والسدي والزجاج والفراء وسيبويه، وهذه نهاية الإيجاز. قال سيبويه : لم يشبهوا بالناعق إنما شبهوا بالمنعوق به. والمعنى : ومثلك يا محمد ومثل الذين كفروا كمثل الناعق والمنعوق به من البهائم التي لا تفهم، فحذف لدلالة المعنى. وقال ابن زيد : المعنى مثل الذين كفروا في دعائهم الآلهة الجماد كمثل الصائح في جوف الليل فيجيبه الصدى، فهو يصيح بما لا يسمع، ويجيبه ما لا حقيقة فيه ولا منتفع. وقال قطرب : المعنى مثل الذين كفروا في دعائهم ما لا يفهم، يعني الأصنام، كمثل الراعي إذا نعق بغنمه وهو لا يدري أين هي. قال الطبري : المراد مثل الكافرين في دعائهم آلهتهم كمثل الذي ينعق بشيء بعيد فهو لا يسمع من أجل البعد، فليس للناعق من ذلك إلا النداء الذي يتعبه وينصبه. ففي هذه التأويلات الثلاثة يشبه الكفار بالناعق الصائح، والأصنام بالمنعوق به. والنعيق : زجر الغنم والصياح بها، يقال : نعق الراعي بغنمه ينعق نعيقا ونعاقا ونعقانا، أي صاح بها وزجرها. قال الأخطل :

انعِق بضأنك يا جرير فإنما  مَنّتْكَ نفسك في الخلاء ضلالاقال القتبي : لم يكن جرير راعي ضأن، وإنما أراد أن بني كليب يعيرون برعي الضأن، وجرير منهم، فهو في جهلهم. والعرب تضرب المثل براعي الغنم في الجهل ويقولون :" أجهل من راعي ضأن ". قال القتبي : ومن ذهب إلى هذا في معنى الآية كان مذهبا، غير أنه لم يذهب إليه أحد من العلماء فيما نعلم. والنداء للبعيد، والدعاء للقريب، ولذلك قيل للأذان بالصلاة نداء لأنه للأباعد. وقد تضم النون في النداء والأصل الكسر. ثم شبه تعالى الكافرين بأنهم صم بكم عمي. وقد تقدم في أول[(١)](#foonote-١) السورة. 
١ راجع ج ١ ص ٢١٤ طبعة ثانية..

### الآية 2:172

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [2:172]

هذا تأكيد للأمر الأول، وخص المؤمنين هنا بالذكر تفضيلا. والمراد بالأكل الانتفاع من جميع الوجوه. وقيل : هو الأكل المعتاد. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :( أيها الناس إن اللّه تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وإن اللّه أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال " يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم " \[ المؤمنون : ٥١ \] وقال :" يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم " ثم ذكر[(١)](#foonote-١) الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام \[ ومشربه حرام \] وملبسه حرام \[ وغذي بالحرام[(٢)](#foonote-٢) \] فأنى يستجاب لذلك ). " واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون " تقدم معنى الشكر[(٣)](#foonote-٣) فلا معنى للإعادة.

١ هذه الجملة من كلام الراوي، والضمير للنبي صلى الله عليه وسلم. "والرجل" بالرفع مبتدأ، مذكور على الحكاية من لفظ الرسول عليه السلام. ويجوز أن ينصب على أنه مفعول "ذكر"..
٢ الزيادة عن صحيح مسلم..
٣ تراجع المسألة الثالثة وما بعدها ج ١ ص ٣٩٧ طبعة ثانية..

### الآية 2:173

> ﻿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ۖ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2:173]

إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم 
فيه أربع وثلاثون مسألة[(١)](#foonote-١) :
الأولى : قوله تعالى :" إنما حرم عليكم " " إنما " كلمة موضوعة للحصر، تتضمن النفي والإثبات، فتثبت ما تناوله الخطاب وتنفي ما عداه، وقد حصرت ههنا التحريم، لا سيما وقد جاءت عقيب التحليل في قوله تعالى :" يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم " فأفادت الإباحة على الإطلاق، ثم عقبها بذكر المحرم بكلمة " إنما " الحاصرة، فاقتضى ذلك الإيعاب للقسمين، فلا محرم يخرج عن هذه الآية، وهي مدنية، وأكدها بالآية الأخرى التي روي أنها نزلت بعرفة :" قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرما على طاعم يطعمه " \[ الأنعام : ١٤٥ \] إلى آخرها، فاستوفى البيان أولا وآخرا، قاله ابن العربي. وسيأتي الكلام في تلك في " الأنعام[(٢)](#foonote-٢) " إن شاء اللّه تعالى. 
الثانية : قوله تعالى :" الميتة " نصب ب " حرّم "، و " ما " كافة. ويجوز أن تجعلها بمعنى الذي، منفصلة في الخط، وترفع " الميتة والدم ولحم الخنزير " على خبر " إن " وهي قراءة ابن أبي عبلة. وفي " حرم " ضمير يعود على الذي، ونظيره قوله تعالى :" إنما صنعوا كيد ساحر[(٣)](#foonote-٣) " \[ طه : ٦٩ \]. وقرأ أبو جعفر " حرم " بضم الحاء وكسر الراء ورفع الأسماء بعدها، إما على ما لم يسم فاعله، وإما على خبر إن. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع أيضا " الميتة " بالتشديد. الطبري : وقال جماعة من اللغويين : التشديد والتخفيف في ميت وميت لغتان. وقال أبو حاتم وغيره : ما قد مات فيقالان فيه، وما لم يمت بعد فلا يقال فيه " ميت " بالتخفيف، دليله قوله تعالى :" إنك ميت وإنهم ميتون[(٤)](#foonote-٤) " \[ الزمر : ٣٠ \]. وقال الشاعر :ليس من مات فاستراح بميت  إنما الميت ميت الأحياءولم يقرأ أحد بتخفيف ما لم يمت، إلا ما روى البزي عن ابن كثير " وما هو بميت[(٥)](#foonote-٥) " والمشهور عنه التثقيل، وأما قول الشاعر :إذا ما مات ميت من تميم  فَسَرّك أن يعيش فجئ بزادفلا أبلغ في الهجاء من أنه أراد الميت حقيقة، وقد ذهب بعض الناس إلى أنه أراد من شارف الموت، والأول أشهر. 
الثالثة : الميتة : ما فارقته الروح من غير ذكاة مما يذبح، وما ليس بمأكول فذكاته كموته، كالسباع وغيرها، على ما يأتي بيانه هنا وفي " الأنعام[(٦)](#foonote-٦) " إن شاء اللّه تعالى. 
الرابعة : هذه الآية عامة دخلها التخصيص بقوله عليه السلام :( أحلت لنا ميتتان الحوت والجراد ودمان الكبد والطحال ). أخرجه الدار قطني، وكذلك حديث جابر في العنبر[(٧)](#foonote-٧) يخصص عموم القرآن بصحة سنده. خرجه البخاري ومسلم مع قوله تعالى :" أحل لكم صيد البحر " \[ المائدة : ٩٦ \]، على ما يأتي بيانه هناك[(٨)](#foonote-٨)، إن شاء اللّه تعالى. وأكثر أهل العلم على جواز أكل جميع دواب البحر حيها وميتها، وهو مذهب مالك. وتوقف أن يجيب في خنزير الماء وقال : أنتم تقولون خنزيرا قال ابن القاسم : وأنا أتقيه ولا أراه حراما. 
الخامسة : وقد اختلف الناس في تخصيص كتاب اللّه تعالى بالسنة، ومع اختلافهم في ذلك اتفقوا على أنه لا يجوز تخصيصه بحديث ضعيف، قاله ابن العربي. وقد يستدل على تخصيص هذه الآية أيضا بما في صحيح مسلم من حديث عبدالله بن أبي أوفى قال : غزونا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سبع غزوات كنا نأكل الجراد معه. وظاهره أكله كيف ما مات بعلاج أو حتف أنفه، وبهذا قال ابن نافع وابن عبدالحكم وأكثر العلماء، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما. ومنع مالك وجمهور أصحابه من أكله إن مات حتف أنفه، لأنه من صيد البر، ألا ترى أن المحرم يجزئه إذا قتله، فأشبه الغزال. وقال أشهب : إن مات من قطع رجل أو جناح لم يؤكل، لأنها حالة قد يعيش بها وينسل. وسيأتي لحكم الجراد مزيد بيان في " الأعراف[(٩)](#foonote-٩) " عند ذكره، إن شاء اللّه تعالى. 
السادسة : واختلف العلماء هل يجوز أن ينتفع بالميتة أو بشيء من النجاسات، واختلف عن مالك في ذلك أيضا، فقال مرة : يجوز الانتفاع بها ؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم مر على شاة ميمونة فقال :( هلا أخذتم إهابها ) الحديث. وقال مرة : جملتها محرم، فلا يجوز الانتفاع بشيء منها، ولا بشيء من النجاسات على وجه من وجوه الانتفاع، حتى لا يجوز أن يسقى الزرع ولا الحيوان الماء النجس، ولا تعلف البهائم النجاسات، ولا تطعم الميتة الكلاب والسباع، وإن أكلتها لم تمنع. ووجه هذا القول ظاهر قوله تعالى :" حرمت عليكم الميتة والدم " \[ المائدة : ٣ \] ولم يخص وجها من وجه، ولا يجوز أن يقال : هذا الخطاب مجمل، لأن المجمل ما لا يفهم المراد من ظاهره، وقد فهمت العرب المراد من قوله تعالى :" حرمت عليكم الميتة "، وأيضا فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال :( لا تنتفعوا من الميتة بشيء ). وفي حديث عبدالله بن عُكَيْم ( لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ). وهذا آخر ما ورد به كتابه قبل موته بشهر، وسيأتي بيان هذه الأخبار والكلام عليها في " النحل[(١٠)](#foonote-١٠) " إن شاء اللّه تعالى. 
السابعة : فأما الناقة إذا نحرت، أو البقرة أو الشاة إذا ذبحت، وكان في بطنها جنين ميت فجائز أكله من غير تذكية له في نفسه، إلا أن يخرج حيا فيذكى، ويكون له حكم نفسه، وذلك أن الجنين إذا خرج منها بعد الذبح ميتا جرى مجرى العضو من أعضائها. ومما يبين ذلك أنه لو باع الشاة واستثنى ما في بطنها لم يجز، كما لو استثنى عضوا منها، وكان ما في بطنها تابعا لها كسائر أعضائها. وكذلك لو أعتقها من غير أن يوقع على ما في بطنها عتقا مبتدأ، ولو كان منفصلا عنها لم يتبعها في بيع ولا عتق. وقد روى جابر رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سئل عن البقرة والشاة تذبح، والناقة تنحر فيكون في بطنها جنين ميت، فقال :( إن شئتم فكلوه لأن ذكاتَه ذكاة أمه ). خرجه أبو داود بمعناه من حديث أبي سعيد الخدري وهو نص لا يحتمل. وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة " المائدة[(١١)](#foonote-١١) " إن شاء اللّه تعالى. 
الثامنة : واختلفت الرواية عن مالك في جلد الميتة هل يطهر بالدباغ أو لا ؟ فروي عنه أنه لا يطهر، وهو ظاهر مذهبه. وروي عنه أنه يطهر، لقوله عليه السلام ( أيما إهاب دبغ فقد طهر ). ووجه قوله : لا يطهر، بأنه جزء من الميتة لو أخذ منها في حال الحياة كان نجسا، فوجب ألا يطهره الدباغ قياسا على اللحم. وتحمل الأخبار بالطهارة على أن الدباغ يزيل الأوساخ عن الجلد حتى ينتفع به في الأشياء اليابسة وفي الجلوس عليه، ويجوز أيضا أن ينتفع به في الماء بأن يجعل سقاء، لأن الماء على أصل الطهارة ما لم يتغير له وصف على ما يأتي من حكمه في سورة " الفرقان[(١٢)](#foonote-١٢) ". والطهارة في اللغة متوجهة نحو إزالة الأوساخ كما تتوجه إلى الطهارة الشرعية، واللّه تعالى أعلم. 
التاسعة : وأما شعر الميتة وصوفها فطاهر، لما روي عن أم سلمة رضي اللّه عنها عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال :( لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ وصوفها وشعرها إذا غسل ). ولأنه كان طاهرا لو أخذ منها في حال الحياة فوجب أن يكون كذلك بعد الموت، إلا أن اللحم لما كان نجسا في حال الحياة كان كذلك بعد الموت، فيجب أن يكون الصوف خلافه في حال الموت كما كان خلافه في حال الحياة استدلالا بالعكس. ولا يلزم على هذا اللبن والبيضة من الدجاجة الميتة، لأن اللبن عندنا طاهر بعد الموت، وكذلك البيضة، ولكنهما حصلا في وعاء نجس فتنجسا بمجاورة الوعاء لا أنهما نجسا بالموت. وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة والتي قبلها وما للعلماء فيهما من الخلاف في سورة " النحل[(١٣)](#foonote-١٣) " إن شاء اللّه تعالى. 
العاشرة : وأما ما وقعت فيه الفأرة فله حالتان : حالة تكون إن أخرجت الفأرة حية فهو طاهر. وإن ماتت فيه فله حالتان : حالة يكون مائعا فإنه ينجس جميعه. وحالة يكون جامدا فإنه ينجس ما جاورها، فتطرح وما حولها، وينتفع بما بقي وهو على طهارته، لما روي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم سئل عن الفأرة تقع في السمن فتموت، فقال عليه السلام :( إن كان جامدا فاطرحوها وما حولها وإن كان مائعا فأريقوه ). واختلف العلماء فيه إذا غسل، فقيل : لا يطهر بالغسل، لأنه مائع نجس فأشبه الدم والخمر والبول وسائر النجاسات. وقال ابن القاسم : يطهر بالغسل، لأنه جسم تنجس بمجاورة النجاسة فأشبه الثوب، ولا يلزم على هذا الدم، لأنه نجس بعينه، ولا الخمر والبول لأن الغسل يستهلكهما ولا يتأتى فيه. 
الحادية عشرة : فإذا حكمنا بطهارته بالغسل رجع إلى حالته الأولى في الطهارة وسائر وجوه الانتفاع، لكن لا يبيعه حتى يبين، لأن ذلك عيب عند الناس تأباه نفوسهم. ومنهم من يعتقد تحريمه ونجاسته، فلا يجوز بيعه حتى يبين العيب كسائر الأشياء المعيبة. وأما قبل الغسل فلا يجوز بيعه بحال، لأن النجاسات عنده لا يجوز بيعها، ولأنه مائع نجس فأشبه الخمر، ولأن النبي صلى اللّه عليه وسلم سئل عن ثمن الخمر فقال :( لعن اللّه اليهود حرمت عليهم الشحوم فحملوها[(١٤)](#foonote-١٤) فباعوها وأكلوا أثمانها وأن اللّه إذا حرم شيئا حرم ثمنه ) وهذا المائع محرم لنجاسته فوجب أن يحرم ثمنه بحكم الظاهر. 
الثانية عشرة : واختلف إذا وقع في القدر حيوان، طائر أو غيره فمات فروى ابن وهب عن مالك أنه قال : لا يؤكل ما في القدر، وقد تنجس بمخالطة الميتة إياه. وروى ابن القاسم عنه أنه قال : يغسل اللحم ويراق المرق[(١٥)](#foonote-١٥). وقد سئل ابن عباس عن هذه المسألة فقال : يغسل اللحم ويؤكل. ولا مخالف له في المرق من أصحابه، ذكره ابن خويز منداد. 
الثالثة عشرة : فأما أنفحة الميتة ولبن الميتة فقال الشافعي : ذلك نجس لعموم قوله تعالى " حرمت عليكم الميتة " \[ المائدة : ٣ \]. وقال أبو حنيفة بطهارتهما، ولم يجعل لموضع الخلقة أثرا في تنجس ما جاوره مما حدث فيه خلقة، قال : ولذلك يؤكل اللحم بما فيه من العروق، مع القطع بمجاورة الدم لدواخلها من غير تطهير ولا غسل إجماعا. وقال مالك نحو قول أبي حنيفة إن ذلك لا ينجس بالموت، ولكن ينجس بمجاورة الوعاء النجس وهو مما لا يتأتى فيه الغسل. وكذلك الدجاجة تخرج منها البيضة بعد موتها ؛ لأن البيضة لينة في حكم المائع قبل خروجها، وإنما تجمد وتصلب بالهواء. قال ابن خويز منداد فإن قيل : فقولكم يؤدي إلى خلاف الإجماع، وذلك أن النبي صلى اللّه عليه وسلم والمسلمين بعده كانوا يأكلون الجبن وكان مجلوبا إليهم من أرض العجم، ومعلوم أن ذبائح العجم وهم مجوس ميتة، ولم يعتدوا بأن يكون مجمدا بأنفحة ميتة أو ذكي. قيل له : قدر ما يقع من الأنفحة في اللبن المجبن يسير، واليسير من النجاسة معفو عنه إذا خالط الكثير من المائع. هذا جواب على إحدى الروايتين. وعلى الرواية الأخرى إنما كان ذلك في أول الإسلام، ولا يمكن أحد أن ينقل أن الصحابة أكلت الجبن المحمول من أرض العجم، بل الجبن ليس من طعام العرب، فلما انتشر المسلمون في أرض العجم بالفتوح صارت الذبائح لهم، فمن أين لنا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم والصحابة أكلت جبنا فضلا عن أن يكون محمولا من أرض العجم ومعمولا من أنفخة ذبائحهم. وقال أبو عمر : ولا بأس بأكل طعام عبدة الأوثان والمجوس وسائر من لا كتاب له من ا١ اضطربت جميع نسخ الأصل في ذكر هذه المسائل، فبعضها أسقط الثانية: وأخرى "الحادية والعشرين". وأخرى "الرابعة والعشرين"..
٢ راجع ج ٧ ص ١١٥.
٣ راجع ج ١١ ص ٢٢٣.
٤ راجع ج ١٥ ص ٢٥٤.
٥ راجع ج ٩ ص ٣٥٢.
٦ راجع ج ٧ ص ١١٦.
٧ العنبر: سمكة كبرية بحرية تتخذ من جلدها الأتراس، ويقال للترس: عنبر، وسمي هذا الحوت بالعنبر لوجوده في جوفه. (عن القسطلاني واللسان).
٨ راجع ج ٦ ص ٣١٨..
٩ راجع ج ٧ ص ٢٦٨.
١٠ في قوله تعالى: إنما حرم عليكم الميتة... " آية ١١٥ ولم يذكر المؤلف فيها شيئا، بل أحال على ما هنا. راجع: ج ١٠ ص ١٩٥..
١١ راجع ج ٦ ص ٥٠.
١٢ راجع ج ١٣ ص ٣٩ فما بعدها..
١٣ راجع ج ١٠ ص ١٩٥..
١٤ جمل الشحم وأجمله: "أذابه واستخرج دهنه..
١٥ في بعض الأصول والنسخة الأزهرية: "ولا مخالف له في الصحابة"..

### الآية 2:174

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۙ أُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [2:174]

قوله تعالى :" إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب " يعني علماء اليهود، كتموا ما أنزل اللّه في التوراة من صفة محمد صلى اللّه عليه وسلم وصحة رسالته. ومعنى " أنزل " : أظهر، كما قال تعالى :" ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله[(١)](#foonote-١) " \[ الأنعام : ٩٣ \] أي سأظهر. وقيل : هو على بابه من النزول، أي ما أنزل به ملائكته على رسله. " ويشترون به " أي بالمكتوم " ثمنا قليلا " يعني أخذ الرشاء. وسماه قليلا لانقطاع مدته وسوء عاقبته. وقيل : لأن ما كانوا يأخذونه من الرشاء كان قليلا. 
قلت : وهذه الآية وإن كانت في الأخبار فإنها تتناول من المسلمين من كتم الحق مختارا لذلك بسبب دنيا يصيبها، وقد تقدم[(٢)](#foonote-٢) هذا المعنى. 
قوله تعالى :" في بطونهم " ذكر البطون دلالة وتأكيدا على حقيقة الأكل، إذ قد يستعمل مجازا في مثل أكل فلان أرضي ونحوه. وفي ذكر البطون أيضا تنبيه على جشعهم وأنهم باعوا آخرتهم بحظهم من المطعم الذي لا خطر له. ومعنى " إلا النار " أي إنه حرام يعذبهم اللّه عليه بالنار، فسمي ما أكلوه من الرشاء نارا لأنه يؤديهم إلى النار، هكذا قال أكثر المفسرين. وقيل : أي إنه يعاقبهم على كتمانهم بأكل النار في جهنم حقيقة. فأخبر عن المآل بالحال، كما قال تعالى :" إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا[(٣)](#foonote-٣) " \[ النساء : ١٠ \] أي أن عاقبته تؤول إلى ذلك، ومنه قولهم :
لدوا للموت وابنوا للخراب[(٤)](#foonote-٤)
**قال :**
فللموت ما تلد الوالدة
**آخر :**
ودورُنا لخراب الدهر نبنيها
وهو في القرآن والشعر كثير. 
قوله تعالى :" ولا يكلمهم الله " عبارة عن الغضب عليهم وإزالة الرضا عنهم، يقال : فلان لا يكلم فلانا إذا غضب عليه. وقال الطبري : المعنى " ولا يكلمهم " بما يحبونه. وفي التنزيل " اخسؤوا فيها ولا تكلمون[(٥)](#foonote-٥) " \[ المؤمنون : ١٠٨ \]. وقيل : المعنى ولا يرسل إليهم الملائكة بالتحية. " ولا يزكيهم " أي لا يصلح أعمالهم الخبيثة فيطهرهم. وقال الزجاج : لا يثني عليهم خيرا ولا يسميهم أزكياء. " أليم " بمعنى مؤلم، وقد تقدم[(٦)](#foonote-٦). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :( ثلاثة لا يكلمهم اللّه يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم : شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر ). وإنما خص هؤلاء بأليم العذاب وشدة العقوبة لمحض المعاندة والاستخفاف الحامل لهم على تلك المعاصي، إذ لم يحملهم على ذلك حاجة، ولا دعتهم إليه ضرورة كما تدعو من لم يكن مثلهم. ومعنى " لا ينظر إليهم " لا يرحمهم ولا يعطف عليهم. وسيأتي في " آل عمران[(٧)](#foonote-٧) " إن شاء اللّه تعالى.

١ راجع ج ٧ ص ٤٠..
٢ راجع ج ١ ص ٣٣٤، ص ٩ من هذا الجزء..
٣ راجع ج ٥ ص ٥٣..
٤ اختلف في أنه حديث أو غير حديث، راجع كشف الخلفاء ج ٢ ص ١٤٠.
٥ راجع ج ١٢ ص ١٥٣.
٦ راجع ج ١ ص ١٩٨.
٧ راجع ج ٤ ص ١١٩..

### الآية 2:175

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ ۚ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ [2:175]

قوله تعالى :" أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة " تقدم[(١)](#foonote-١) القول فيه. ولما كان العذاب تابعا للضلالة وكانت المغفرة تابعة للهدى الذي طرحوه دخلا في تجوز الشراء. 
قوله تعالى :" فما أصبرهم على النار " مذهب الجمهور - منهم الحسن ومجاهد - أن " ما " معناه التعجب وهو مردود إلى المخلوقين، كأنه قال : اعجبوا من صبرهم على النار ومكثهم فيها. وفي التنزيل :" قتل الإنسان ما أكفره[(٢)](#foonote-٢) " \[ عبس : ١٧ \] و " أسمع بهم وأبصر[(٣)](#foonote-٣) " \[ مريم : ٣٨ \]. وبهذا المعنى صدر أبو علي. قال الحسن وقتادة وابن جبير والربيع : ما لهم واللّه عليها من صبر، ولكن ما أجرأهم على النار وهي لغة يمنية معروفة. قال الفراء أخبرني الكسائي قال : أخبرني قاضي اليمن أن خصمين اختصما إليه فوجبت اليمين على أحدهما فحلف، فقال له صاحبه : ما أصبرك على اللّه ؟ أي ما أجرأك عليه. والمعنى : ما أشجعهم على النار إذ يعملون عملا يؤدي إليها. وحكى الزجاج أن المعنى ما أبقاهم على النار، من قولهم : ما أصبر فلانا على الحبس أي ما أبقاه فيه. وقيل : المعنى فما أقل جزعهم من النار، فجعل قلة الجزع صبرا وقال الكسائي وقطرب : أي ما أدومهم على عمل أهل النار. وقيل :" ما " استفهام معناه التوبيخ، قاله ابن عباس والسدي وعطاء وأبو عبيدة معمر بن المثنى، ومعناه : أي أكثر شيء صبرهم على عمل أهل النار ؟ وقيل : هذا على وجه الاستهانة بهم والاستخفاف بأمرهم.

١ يراجع ج ١ ص ٢١٠ طبعة ثانية..
٢ راجع ج ١٩ ص ٢١٥.
٣ راجع ج ١١ ص ١٠٨.

### الآية 2:176

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [2:176]

قوله تعالى : ذلك  " ذلك " في موضع رفع، وهو إشارة إلى الحكم، كأنه قال : ذلك الحكم بالنار. وقال الزجاج : تقديره الأمر ذلك، أو ذلك الأمر، أو ذلك العذاب لهم. قال الأخفش : وخبر " ذلك " مضمر، معناه ذلك معلوم لهم. وقيل : محله نصب، معناه فعلنا ذلك بهم. " بأن الله نزل الكتاب " يعني القرآن في هذا الموضع " بالحق " أي بالصدق. وقيل بالحجة. " وإن الذين اختلفوا في الكتاب " يعني التوراة، فادعى النصارى أن فيها صفة عيسى، وأنكر اليهود صفته. وقيل : خالفوا آباءهم وسلفهم في التمسك بها. وقيل : خالفوا ما في التوراة من صفة محمد صلى اللّه عليه وسلم واختلفوا فيها. وقيل : المراد القرآن، والذين اختلفوا كفار قريش، يقول بعضهم : هو سحر، وبعضهم يقول : أساطير الأولين، وبعضهم : مفترى، إلى غير ذلك وقد تقدم القول في معنى الشقاق، والحمد لله[(١)](#foonote-١).

١ راجع ج ١٤٣ من هذا الجزء..

### الآية 2:177

> ﻿۞ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [2:177]

**فيه ثمان مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" ليس البر " اختلف من المراد بهذا الخطاب، فقال قتادة : ذكر لنا أن رجلا سأل نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن البر، فأنزل اللّه هذه الآية. قال : وقد كان الرجل قبل الفرائض إذا شهد أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدا عبده ورسوله، ثم مات على ذلك وجبت له الجنة، فأنزل اللّه هذه الآية، وقال الربيع وقتادة أيضا : الخطاب لليهود والنصارى لأنهم اختلفوا في التوجه والتولي، فاليهود إلى المغرب قبل بيت المقدس، والنصارى إلى المشرق مطلع الشمس، وتكلموا في تحويل القبلة وفضلت كل فرقة توليتها، فقيل لهم : ليس البر ما أنتم فيه، ولكن البر من آمن باللّه. 
الثانية : قرأ حمزة وحفص " البر " بالنصب ؛ لأن ليس من أخوات كان، يقع بعدها المعرفتان فتجعل أيهما شئت الاسم أو الخبر، فلما وقع بعد " ليس " :" البر " نصبه، وجعل " أن تولوا " الاسم، وكان المصدر أولى بأن يكون اسما لأنه لا يتنكر، والبر قد يتنكر والفعل أقوى في التعريف. وقرأ الباقون " البر " بالرفع على أنه اسم ليس، وخبره " أن تولوا "، تقديره ليس البر توليتكم وجوهكم، وعلى الأول ليس توليتكم وجوهكم البر، كقوله :" ما كان حجتهم إلا أن قالوا[(١)](#foonote-١) " \[ الجاثية : ٢٥ \]، " ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوءى أن كذبوا[(٢)](#foonote-٢) " \[ الروم : ١٠ \] " فكان عاقبتهما أنهما في النار[(٣)](#foonote-٣) " \[ الحشر : ١٧ \] وما كان مثله. ويقوي قراءة الرفع أن الثاني معه الباء إجماعا في قوله :" وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها " \[ البقرة : ١٨٩ \] ولا يجوز فيه إلا الرفع، فحمل الأول على الثاني أولى من مخالفته له. وكذلك هو في مصحف أبي بالباء " ليس البر بأن تولوا " وكذلك في مصحف ابن مسعود أيضا، وعليه أكثر القراء، والقراءتان حسنتان. 
الثالثة : قوله تعالى :" ولكن البر من آمن بالله " البر ههنا اسم جامع للخير، والتقدير : ولكن البر بر من آمن، فحذف المضاف، كقوله تعالى :" واسأل القرية[(٤)](#foonote-٤) " \[ يوسف : ٨٢ \]، " وأشربوا في قلوبهم العجل[(٥)](#foonote-٥) " \[ البقرة : ٩٣ \] قاله الفراء وقطرب والزجاج. وقال الشاعر :
فإنما هي إقبال وإدبار
**أي ذات إقبال وذات إدبار وقال النابغة :**
وكيف تواصل من أصبحت \*\*\* خِلالته كَأبِي مَرْحَبِ[(٦)](#foonote-٦)
أي كخلالة أبي مرحب، فحذف. وقيل : المعنى ولكن ذا البر، كقوله تعالى :" هم درجات عند الله[(٧)](#foonote-٧) " \[ آل عمران : ١٦٣ \] أي ذوو درجات. وذلك أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وفرضت الفرائض وصرفت القبلة إلى الكعبة وحدت الحدود أنزل اللّه هذه الآية فقال : ليس البر كله أن تصلوا ولا تعملوا غير ذلك، ولكن البر - أي ذا البر - من آمن باللّه، إلى آخرها، قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك وعطاء وسفيان والزجاج أيضا. ويجوز أن يكون " البر " بمعنى البار والبر، والفاعل قد يسمى بمعنى المصدر، كما يقال : رجل عدل، وصوم وفطر. وفي التنزيل :" إن أصبح ماؤكم غورا[(٨)](#foonote-٨) " \[ الملك : ٣٠ \] أي غائرا، وهذا اختيار أبي عبيدة. وقال المبرد : لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت " ولكن البر " بفتح الباء. 
الرابعة : قوله تعالى :" والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين " فقيل : يكون " الموفون " عطفا على " من " لأن من في موضع جمع ومحل رفع، كأنه قال : ولكن البر المؤمنون والموفون، قاله الفراء والأخفش. " والصابرين " نصب على المدح، أو بإضمار فعل. والعرب تنصب على المدح وعلى الذم كأنهم يريدون بذلك إفراد الممدوح والمذموم ولا يتبعونه أول الكلام، وينصبونه. فأما المدح فقوله :" والمقيمين الصلاة[(٩)](#foonote-٩) " \[ النساء : ١٦٢ \]. وأنشد الكسائي :
وكلُّ قوم أطاعوا أمر مرشدهم \*\*\* إلا نُمَيْراً أطاعت أمر غاويها
الظاعنين ولما يظعنوا أحدا \*\*\* والقائلون لمن دارٌ نُخَلِّيهَا
**وأنشد أبو عبيدة :**
لا يَبْعَدَن قومي الذين هم \*\*\* سُمُّ العُدَاةِ وآفةُ الجُزْرِ[(١٠)](#foonote-١٠)
النازلين بكل معترك \*\*\* والطيبون معاقد الأُزْرِ
**وقال آخر :**
نحن بني ضَبَّةَ أصحاب الجَمَل
فنصب على المدح. وأما الذم فقوله تعالى :" ملعونين أينما ثقفوا[(١١)](#foonote-١١) " \[ الأحزاب : ٦١ \] الآية. وقال عروة بن الورد :
سقوني الخمر ثم تكنفوني \*\*\* عُدَاةَ الله من كذب وزورِ
وهذا مهيع[(١٢)](#foonote-١٢) في النعوت، لا مطعن فيه من جهة الإعراب، موجود في كلام العرب كما بينا. وقال بعض من تعسف في كلامه : إن هذا غلط من الكتاب حين كتبوا مصحف الإمام، قال : والدليل على ذلك ما روي عن عثمان أنه نظر في المصحف فقال : أرى[(١٣)](#foonote-١٣) فيه لحنا وستقيمه العرب بألسنتها. وهكذا قال في سورة النساء " والمقيمين الصلاة " \[ النساء : ١٦٢ \]، وفي سورة المائدة " والصابئون[(١٤)](#foonote-١٤) " \[ المائدة : ٦٩ \]. والجواب ما ذكرناه. وقيل :" الموفون " رفع على الابتداء والخبر محذوف، تقديره وهم الموفون. وقال الكسائي :" والصابرين " عطف على " ذوي القربى " كأنه قال : وآتى الصابرين. قال النحاس :" وهذا القول خطأ وغلط بين، لأنك إذا نصبت " والصابرين " ونسقته على " ذوي القربى " دخل في صلة " من " وإذا رفعت " والموفون " على أنه نسق على " من " فقد نسقت على " من " من قبل أن تتم الصلة، وفرقت بين الصلة والموصول بالمعطوف ". وقال الكسائي : وفي قراءة عبدالله " والموفين، والصابرين ". وقال النحاس :" يكونان منسوقين على " ذوي القربى " أو على المدح. قال الفراء : وفي قراءة عبدالله في النساء " والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة[(١٥)](#foonote-١٥) " \[ النساء : ١٦٢ \]. وقرأ يعقوب والأعمش " والموفون والصابرون " بالرفع فيهما. وقرأ الجحدري " بعهودهم ". وقد قيل : إن " والموفون " عطف على الضمير الذي في " آمن ". وأنكره أبو علي وقال : ليس المعنى عليه، إذ ليس المراد أن البر بر من آمن باللّه هو والموفون، أي آمنا جميعا. كما تقول : الشجاع من أقدم هو وعمرو، وإنما الذي بعد قوله " من آمن " تعداد لأفعال من آمن وأوصافهم. 
الخامسة : قال علماؤنا : هذه آية عظيمة من أمهات الأحكام، لأنها تضمنت ست عشرة قاعدة : الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته - وقد أتينا عليها في " الكتاب الأسنى " - والنشر والحشر والميزان والصراط والحوض والشفاعة والجنة والنار - وقد أتينا عليها في كتاب " التذكرة " - والملائكة والكتب المنزلة وأنها حق من عند الله - كما تقدم - والنبيين وإنفاق المال فيما يعن من الواجب والمندوب وإيصال القرابة وترك قطعهم وتفقد اليتيم وعدم إهماله والمساكين كذلك، ومراعاة ابن السبيل - قيل المنقطع به، وقيل : الضيف - والسؤال وفك الرقاب. وسيأتي بيان هذا في آية الصدقات[(١٦)](#foonote-١٦)، والمحافظة على الصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهود والصبر في الشدائد. وكل قاعدة من هذه القواعد تحتاج إلى كتاب. وتقدم التنبيه على أكثرها، ويأتي بيان باقيها بما فيها في موضعها إن شاء الله تعالى. 
واختلف هل يعطى اليتيم من صدقة التطوع بمجرد اليتم على وجه الصلة وإن كان غنيا، أو لا يعطى حتى يكون فقيرا، قولان للعلماء. وهذا على أن يكون إيتاء المال غير الزكاة الواجبة، على ما نبينه آنفا[(١٧)](#foonote-١٧). 
السادسة : قوله تعالى :" وآتى المال على حبه " استدل به من قال : إن في المال حقا سوى الزكاة وبها كمال البر. وقيل : المراد الزكاة المفروضة، والأول أصح، لما خرجه الدارقطني عن فاطمة بنت قيس قالت قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :( إن في المال حقا سوى الزكاة ) ثم تلا هذه الآية " ليس البر أن تولوا وجوهكم " إلى آخر الآية. وأخرجه ابن ماجه في سننه والترمذي في جامعه وقال :" هذا حديث ليس إسناده بذاك، وأبو حمزة ميمون الأعور يضعف. وروى بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي هذا الحديث قوله وهو أصح ". 
قلت : والحديث وإن كان فيه مقال فقد دل على صحته معنى ما في الآية نفسها من قوله تعالى :" وأقام الصلاة وآتى الزكاة " فذكر الزكاة مع الصلاة، وذلك دليل على أن المراد بقوله :" وآتى المال على حبه " ليس الزكاة المفروضة، فإن ذلك كان يكون تكرارا، واللّه أعلم. واتفق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة فإنه يجب صرف المال إليها. قال مالك رحمه اللّه : يجب على الناس فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم. وهذا إجماع أيضا، وهو يقوي ما اخترناه، والموفق الإله. 
السابعة : قوله تعالى :" على حبه " الضمير في " حبه " اختلف في عوده، فقيل : يعود على المعطي للمال، وحذف المفعول وهو المال. ويجوز نصب " ذوي القربى " بالحب، فيكون التقدير على حب المعطي ذوي القربى. وقيل : يعود على المال، فيكون المصدر مضافا إلى المفعول. قال ابن عطية : ويجيء قوله " على حبه " اعتراضا بليغا أثناء القول. 
قلت : ونظيره قوله الحق :" ويطعمون الطعام على حبه مسكينا[(١٨)](#foonote-١٨) " \[ الإنسان : ٨ \] فإنه جمع المعنيين، الاعتراض وإضافة المصدر إلى المفعول، أي على حب الطعام. ومن الاعتراض قوله الحق :" ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك[(١٩)](#foonote-١٩) " \[ النساء : ١٢٤ \] وهذا عندهم يسمى التتميم، وهو نوع من البلاغة، ويسمى أيضا الاحتراس والاحتياط، فتمم بقوله " على حبه " وقوله :" وهو مؤمن " \[ النساء : ١٢٤ \]، ومنه قول زهير :
من يلق يوما على عِلاَّتِه هَرِما \*\*\* يلق السماحة منه والنَّدَى خلقا
**وقال امرؤ القيس :**
على هيكل يعطيك قبل سؤاله \*\*\* أَفَانِينَ جَرْيٍ غَيْرَ كَزٍّ ولا وَانِ
فقوله :" على علاته " و " قبل سؤاله " تتميم حسن، ومنه قول عنترة :
أثنى علي بما علمت فإنني \*\*\* سهلٌ مخالفتي إذا لم أظلم
فقوله :" إذا لم أظلم " تتميم حسن. وقال طرفة :
فسقى ديارك غير مفسدها \*\*\* صوبَ الربيع وديمةٌ تَهْمِي
**وقال الربيع بن ضبع الفزاري :**
فنيت وما يفنى صنيعي ومنطقي \*\*\* وكل امرئ إلا أحاديثه فان
فقوله :" غير مفسدها "، و " إلا أحاديثه " تتميم واحتراس. وقال أبو هفان :
فأفْنَى الرَّدَى أرواحَنَا غيرَ ظالم \*\*\* وأفنى الندى أموالَنَا غيرَ عائب
فقوله :" غير ظالم " و " غير عائب " تتميم واحتياط، وهو في الشعر كثير. وقيل : يعود على الإيتاء، لأن الفعل يدل على مصدره، وهو كقوله تعالى :" ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم[(٢٠)](#foonote-٢٠) " \[ آل عمران : ١٨٠ \] أي البخل خيرا لهم، فإذا أصابت الناس حاجة أو فاقة فإيتاء المال حبيب إليهم. وقيل : يعود على اسم اللّه تعالى في قوله " من آمن باللّه ". والمعنى المقصود أن يتصدق المرء في هذه الوجوه وهو صحيح شحيح يخشى الفقر ويأمن البقاء. 
الثامنة : قوله تعالى :" والموفون بعهدهم إذا عاهدوا " أي فيما بينهم وبين اللّه تعالى وفيما بينهم وبين الناس. " والصابرين في البأساء والضراء " البأساء : الشدة والفقر. والضراء : المرض والزمانة، قاله ابن مسعود. وقال عليه السلام :( يقول اللّه تعالى أيما عبد من عبادي ابتليته ببلاء في فراشه فلم يشك إلى عواده أبدلته لحما خيرا من لحمه ودما خيرا من دمه فإن قبضته فإلى رحمتي وإن عافيته عافيته وليس له ذنب ) قيل : يا رسول اللّه، ما لحم خير من لحمه ؟ قال :( لحم لم يذنب ) قيل : فما دم خير من دمه ؟ قال :( دم لم يذنب ). والبأساء والضراء اسمان بنيا على فعلاء، ولا فعل لهما، لأنهما اسمان وليسا بنعت. " وحين البأس " أي وقت الحرب[(٢١)](#foonote-٢١). 
قوله تعالى :" أولئك الذين ١ راجع ج ١٦٠ ص ١٧٣.
٢ راجع ج ١٤ ص ١٠.
٣ راجع ج ١٨ ص ٤٢.
٤ راجع ج ٩ ص ٢٤٦.
٥ راجع ص ٣١ من هذا الجزء..
٦ الخلالة: (بفتح الخاء وكسرها وضمها، جمع الخلة): الصداقة. وأبو مرحب: كنية الظل، ويقال: هو كنية عرقوب. يقول: خلة هذه المرأة ووصالها لا يثبت كما لا تثبت خلة أبي مرحب، فلا ينبغي أن نستأنس إليها ويعتد بها. (عن اللسان وشرح الشواهد)..
٧ راجع ج ٤ ص ٢٦٣.
٨ راجع ج ١٨ ص ٢٢٢.
٩ راجع ج ٦ ص ١٣.
١٠ راجع كتاب سيبويه وتوجيه الإعراب فيه (ج ١ ص ١٠٤، ٢٤٦، ٢٤٩) طبع بولاق..
١١ راجع ج ١٤ ص ٢٤٧.
١٢ المهيع: الطريق الواسع البين..
١٣ هذا القول من أخبث ما وضع الوضاعون على عثمان رضي الله عنه، وقد أنكر العلماء صحة نسبته إليه. على أن عثمان لم يستقل بجمع المصحف بل شاركه كبار الصحابة في جمعه وكتابته ولم ينشروه بين المسلمين حتى قابلوه على الصحف التي جمع القرآن فيها على عهد أبي بكر رضي الله عنه، فلم يتداوله المسلمون إلا وهو بإجماع الصحابة موافق تمام الموافقة للعرضة الأخيرة التي عرض فيها النبي صلى الله عليه وسلم القرآن على جبريل عليه السلام. وهل يظن ظان أن عثمان رضي الله عنه وهو ثالث الخلفاء الراشدين يرى في المصحف لحنا يخالف ما أنزل الله ويتركه ويقول: ستقيمه العرب بألسنتها وكيف يعقل أن يقول ذلك في حضرة الصحابة ولا يقفون في وجهه ويردون عليه قوله وهم أنصار الدين وحماته. وممن أنكر نسبة هذا القول إلى عثمان المصنف والزمخشري وأبو حيان والآلوسي في سورة "النساء" عند قوله تعالى: "والمقيمين الصلاة" آية ١٦٢، راجع ج ٦ ص ١٣.
١٤ راجع ج ٦ ص ٢٤٦.
١٥ كذا في كتاب "إعراب القرآن" للنحاس، وما يدل عليه سياق الكلام في البحر المحيط لأبي حيان في سورة "النساء" وفي الأصول: "والمقيمين... والمؤتين"..
١٦ راجع ج ٨ ص ١٦٧..
١٧ آنفا: أي الآن..
١٨ راجع ج ١٩ ص ١٢٦.
١٩ راجع ج ٥ ص ٣٩٩.
٢٠ راجع ج ٤ ص ٢٩.
٢١ في ب: "وقت الجدب"..

### الآية 2:178

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَىٰ بِالْأُنْثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ [2:178]

**فيع سبع عشرة مسألة :**
الأولى : روى البخاري والنسائي والدارقطني عن ابن عباس قال :" كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية، فقال اللّه لهذه الأمة :" كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء " فالعفو أن يقبل الدية في العمد " فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان " يتبع بالمعروف ويؤدي بإحسان " ذلك تخفيف من ربكم ورحمة " مما كتب على من كان قبلكم " فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم " قتل بعد قبول الدية ". هذا لفظ البخاري : حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو \[ قال \][(١)](#foonote-١) سمعت مجاهدا \[ قال \][(٢)](#foonote-٢) سمعت ابن عباس \[ يقول \][(٣)](#foonote-٣) : وقال الشعبي في قوله تعالى :" الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى " قال : أنزلت في قبيلتين من قبائل العرب اقتتلتا فقالوا، نقبل بعبدنا فلان بن فلان، وبأمتنا فلانة بنت فلان، ونحوه عن قتادة. 
الثانية : قوله تعالى :" كتب عليكم القصاص " " كتب " معناه فرض وأثبت، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة :كتب القتل والقتال علينا  وعلى الغانيات جرُّ الذيولوقد قيل : إن " كتب " هنا إخبار عما كتب في اللوح المحفوظ وسبق به القضاء. والقصاص مأخوذ من قص الأثر وهو اتباعه، ومنه القاص لأنه يتبع الآثار والأخبار. وقص الشعر اتباع أثره، فكأن القاتل سلك طريقا من القتل فقص أثره فيها ومشى على سبيله في ذلك، ومنه " فارتدا على آثارهما قصصا " \[ الكهف : ٦٤ \]. وقيل : القص القطع، يقال : قصصت ما بينهما. ومنه أخذ القصاص، لأنه يجرحه مثل جرحه أو يقتله به، يقال : أقص الحاكم فلانا من فلان وأباءه به فأمثله فامتثل منه، أي اقتص منه. 
الثالثة : صورة القصاص هو أن القاتل فُرِض عليه إذا أراد الولي القتل الاستسلام لأمر اللّه والانقياد لقصاصه المشروع، وأن الولي فرض عليه الوقوف عند قاتل وليه وترك التعدي على غيره، كما كانت العرب تتعدى فتقتل غير القاتل، وهو معنى قوله عليه السلام :( إن من أعتى الناس على اللّه يوم القيامة ثلاثة رجل قتل غير قاتله ورجل قتل في الحرم ورجل أخذ بذحول[(٤)](#foonote-٤) الجاهلية ). قال الشعبي وقتادة وغيرهما : إن أهل الجاهلية كان فيهم بغي وطاعة للشيطان، فكان الحي إذا كان فيه عز ومنعة فقتل لهم عبد، قتله عبد قوم آخرين قالوا : لا نقتل به إلا حرا، وإذا قتلت منهم امرأة قالوا : لا نقتل بها إلا رجلا، وإذا قتل لهم وضيع قالوا : لا نقتل به إلا شريفا، ويقولون :\[ القتل أوقى للقتل \] بالواو والقاف، ويروي \[ أبقى \] بالباء والقاف، ويروى \[ أنفى \] بالنون والفاء، فنهاهم اللّه عن البغي فقال :" كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد " الآية، وقال " ولكم في القصاص حياة " \[ البقرة : ١٧٩ \]. وبين الكلامين في الفصاحة والجزل بون عظيم. 
الرابعة : لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الأمر، فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك، لأن اللّه سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص، ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعا أن يجتمعوا على القصاص، فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود. وليس القصاص بلازم إنما اللازم ألا يتجاوز القصاص وغيره من الحدود إلى الاعتداء، فأما إذا وقع الرضا بدون القصاص من دية أو عفو فذلك مباح، على ما يأتي بيانه. فإن قيل : فإن قوله تعالى " كتب عليكم " معناه فرض وألزم، فكيف يكون القصاص غير واجب ؟ قيل له : معناه إذا أردتم، فاعلم أن القصاص هو الغاية عند التشاح. والقتلى جمع قتيل، لفظ مؤنث تأنيث الجماعة، وهو مما يدخل على الناس كرها، فلذلك جاء على هذا البناء كجرحى وزمنى وحمقى وصرعى وغرقى، وشبههن. 
الخامسة : قوله تعالى :" الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى " الآية. اختلف في تأويلها، فقالت طائفة : جاءت الآية مبينة لحكم النوع إذا قتل نوعه، فبينت حكم الحر إذا قتل حرا، والعبد إذا قتل عبدا، والأنثى إذا قتلت أنثى، ولم تتعرض لأحد النوعين إذا قتل الآخر، فالآية محكمة وفيها إجمال يبينه قوله تعالى :" وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس " \[ المائدة : ٤٥ \]، وبينه النبي صلى اللّه عليه وسلم بسنته لما قتل اليهودي بالمرأة، قاله مجاهد، وذكره أبو عبيد عن ابن عباس. وروي عن ابن عباس أيضا أنها منسوخة بآية " المائدة[(٥)](#foonote-٥) " وهو قول أهل العراق. 
السادسة : قال الكوفيون والثوري : يقتل الحر بالعبد، والمسلم بالذمي، واحتجوا بقوله تعالى :" يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى " فعم، وقوله :" وكتبا عليهم فيها أن النفس بالنفس " \[ المائدة : ٤٥ \]، قالوا : والذمي مع المسلم[(٦)](#foonote-٦) متساويان في الحرمة التي تكفي في القصاص وهي حرمة الدم الثابتة على التأبيد، فإن الذمي مَحْقُونُ الدم على التأبيد، والمسلم كذلك، وكلاهما قد صار من أهل دار الإسلام، والذي يحقق ذلك أن المسلم يقطع بسرقة مال الذمي، وهذا يدل على أن مال الذمي قد ساوى مال المسلم، فدل على مساواته لدمه إذ المال إنما يحرم بحرمة مالكه. واتفق أبو حنيفة وأصحابه والثوري وابن أبي ليلى على أن الحر يقتل بالعبد كما يقتل العبد به، وهو قول داود، وروي ذلك عن علي وابن مسعود رضي اللّه عنهما، وبه قال سعيد بن المسيب وقتادة وإبراهيم النخعي والحكم بن عيينة. السابعة : والجمهور من العلماء لا يقتلون الحر بالعبد، للتنويع والتقسيم في الآية. وقال أبو ثور : لما اتفق جميعهم على أنه لا قصاص بين العبيد والأحرار فيما دون النفوس كانت النفوس أحرى بذلك، ومن فرق منهم بين ذلك فقد ناقض. وأيضا فالإجماع فيمن قتل عبدا خطأ أنه ليس عليه إلا القيمة، فكما لم يشبه الحر في الخطأ لم يشبهه في العمد. وأيضا فإن العبد سلعة من السلع يباع ويشترى، ويتصرف فيه الحر كيف شاء، فلا مساواة بينه وبين الحر ولا مقاومة. 
قلت : هذا الإجماع صحيح. وأما قوله أولا :" ولما اتفق جميعهم - إلى قوله - فقد ناقض " فقد قال ابن أبي ليلى وداود بالقصاص بين الأحرار والعبيد في النفس وفي جميع الأعضاء، واستدل داود بقوله عليه السلام :( المسلمون تتكافأ دماؤهم ) فلم يفرق بين حر وعبد. وسيأتي بيانه في " النساء[(٧)](#foonote-٧) " إن شاء اللّه تعالى. 
السابعة : والجمهور أيضا على أنه لا يقتل مسلم بكافر، لقوله صلى اللّه عليه وسلم :( لا يقتل مسلم بكافر ) أخرجه البخاري عن علي بن أبي طالب. ولا يصح لهم ما رووه من حديث ربيعة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قتل يوم خيبر مسلما بكافر، لأنه منقطع، ومن حديث ابن البيلماني وهو ضعيف عن ابن عمر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم مرفوعا. قال الدارقطني :" لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى وهو متروك الحديث. والصواب عن ربيعة عن ابن البيلماني مرسل عن النبي صلى اللّه عليه وسلم، وابن البيلماني ضعيف الحديث لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله ". 
قلت : فلا يصح في الباب إلا حديث البخاري، وهو يخصص عموم قوله تعالى :" كتب عليكم القصاص في القتلى " الآية، وعموم قوله :" النفس بالنفس " \[ المائدة : ٤٥ \]. 
الثامنة : روي عن علي بن أبي طالب والحسن بن أبي الحسن البصري أن الآية نزلت مبينة حكم المذكورين، ليدل ذلك على الفرق بينهم وبين أن يقتل حر عبدا أو عبد حرا، أو ذكر أنثى أو أنثى ذكرا، وقالا : إذا قتل رجل امرأة فإن أراد أولياؤها قتلوا صاحبهم ووفوا أولياءه نصف الدية، وإن أرادوا استحيوه وأخذوا منه دية المرأة. وإذا قتلت امرأة رجلا فإن أراد أولياؤه قتلها قتلوها وأخذوا نصف الدية، وإلا أخذوا دية صاحبهم واستحيوها. روى هذا الشعبي عن علي، ولا يصح ؛ لأن الشعبي لم يلق عليا. وقد روى الحكم عن علي وعبد الله قالا : إذا قتل الرجل المرأة متعمدا فهو بها قود، وهذا يعارض رواية الشعبي عن علي. وأجمع العلماء على أن الأعور والأشل إذا قتل رجلا سالم الأعضاء أنه ليس لوليه أن يقتل الأعور، ويأخذ منه نصف الدية من أجل أنه قتل ذا عينين وهو أعور، وقتل ذا يدين وهو أشل، فهذا يدل على أن النفس مكافئة للنفس، ويكافئ الطفل فيها الكبير. ويقال لقائل ذلك : إن كان الرجل لا تكافئه المرأة ولا تدخل تحت قول النبي صلى اللّه عليه وسلم :( المسلمون تتكافأ دماؤهم ) فلم قتلت الرجل بها وهي لا تكافئه ثم تأخذ نصف الدية، والعلماء قد أجمعوا أن الدية لا تجتمع مع القصاص، وأن الدية إذا قبلت حرم الدم وارتفع القصاص، فليس قولك هذا بأصل ولا قياس، قاله أبو عمر رضي اللّه عنه. وإذا قتل الحر العبد، فإن أراد سيد العبد قتل وأعطى دية الحر إلا قيمة العبد، وإن شاء استحيا وأخذ قيمة العبد، هذا مذكور عن، علي والحسن، وقد أنكر ذلك عنهم أيضا. 
التاسعة : وأجمع العلماء على قتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل، والجمهور لا يرون الرجوع بشيء. وفرقة ترى الاتباع بفضل الديات. قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وأبو ثور : وكذلك القصاص بينهما فيما دون النفس. وقال حماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة : لا قصاص بينهما فيما دون النفس وإنما هو في النفس بالنفس، وهما محجوجان بإلحاق ما دون النفس بالنفس على طريق الأحرى والأولى، على ما تقدم. 
العاشرة : قال ابن العربي : ولقد بلغت الجهالة بأقوام إلى أن قالوا : يقتل الحر بعبد نفسه، ورووا في ذلك حديثا عن الحسن عن سمرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال :( من قتل عبده قتلناه ) وهو حديث ضعيف. ودليلنا قوله تعالى :" ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل[(٨)](#foonote-٨) " \[ الإسراء : ٣٣ \] والولي ههنا السيد، فكيف يجعل له سلطان على نفسه ". وقد اتفق الجميع على أن السيد لو قتل عبده خطأ أنه لا تؤخذ منه قيمته لبيت المال، وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا قتل عبده متعمدا فجلده النبي صلى الله عليه وسلم ( ونفاه سنة ومحا سهمه من المسلمين ولم يقده به ). فإن قيل : فإذا قتل الرجل زوجته لم لم تقولوا : ينصب النكاح شبهة في درء القصاص عن الزوج، إذ النكاح ضرب من الرق، وقد قال ذلك الليث بن سعد. قلنا : النكاح ينعقد لها عليه، كما ينعقد له عليها، بدليل أنه لا يتزوج أختها ولا أربعا سواها، وتطالبه في حق الوطء بما يطالبها، ولكن له عليها فضل القوامة التي جعل اللّه له عليها بما أنفق من ماله، أي بما وجب عليه من صداق ونفقة، فلو أورث شبهة لأورثها في الجانبين. 
قلت : هذا الحديث الذي ضعفه ابن العربي وهو صحيح، أخرجه النسائي وأبو داود، وتتميم متنه :( ومن جدعه جدعناه ومن أخصاه أخصيناه ). وقال البخاري عن علي بن المديني : سماع الحسن من سمرة صحيح، وأخذ بهذا الحديث. وقال البخاري : وأنا أذهب إليه، فلو لم يصح الحديث لما ذهب إليه هذان الإمامان، وحسبك بهما. ويقتل الحر بعبد نفسه. قال النخعي والثوري في أحد قوليه وقد قيل : إن الحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة، واللّه أعلم. \[ واختلفوا في القصاص بين العبيد فيما دون النفس، هذا قول عمر بن عبدالعزيز وسالم بن عبدالله والزهري وقران[(٩)](#foonote-٩) ومالك والشافعي وأبو ثور. وقال الشعبي والنخعي والثوري وأبو حنيفة : لا قصاص بينهم إلا في النف١ الزيادة عن صحيح البخاري.
٢ الزيادة عن صحيح البخاري.
٣ الزيادة عن صحيح البخاري.
٤ الذحل (بفتح فسكون): قيل هو العداوة والحقد، وقيل: الثأر وطلب المكافأة بجناية جنيت عليه من قتل أو جرح، ونحو ذلك..
٥ راجع ج ٦ ص ١٩١.
٦ في ب، ج، ز: "مع الحر"..
٧ راجع ج ٥ ص ٣١٤.
٨ راجع ج ١٠ ص ٣٥٤.
٩ قران (بضم القاف وتشديد الراء) بن تمام الأسدي، توفي سنة إحدى وثمانين وملئة..

### الآية 2:179

> ﻿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [2:179]

**فيه أربع مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" ولكم في القصاص حياة " هذا من الكلام البليغ الوجيز كما تقدم. ومعناه : لا يقتل بعضكم بعضا، رواه سفيان عن السدي عن أبي مالك. والمعنى : أن القصاص إذا أقيم وتحقق الحكم فيه ازدجر من يريد قتل آخر، مخافة أن يقتص منه فحييا بذلك معا. وكانت العرب إذا قتل الرجل الآخر حمي قبيلاهما وتقاتلوا وكان ذلك داعيا إلى قتل العدد الكثير، فلما شرع اللّه القصاص قنع الكل به وتركوا الاقتتال، فلهم في ذلك حياة. 
الثانية : اتفق أئمة الفتوى على أنه لا يجوز لأحد أن يقتص من أحد حقه دون السلطان، وليس للناس أن يقتص بعضهم من بعض، وإنما ذلك لسلطان أو من نصبه السلطان لذلك، ولهذا جعل اللّه السلطان ليقبض أيدي الناس بعضهم عن بعض. 
الثالثة : وأجمع العلماء على أن على السلطان أن يقتص من نفسه إن تعدى على أحد من رعيته، إذ هو واحد منهم، وإنما له مزية النظر لهم كالوصي والوكيل، وذلك لا يمنع القصاص، وليس بينهم وبين العامة فرق في أحكام اللّه عز وجل، لقوله جل ذكره :" كتب عليكم القصاص في القتلى "، وثبت عن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه أنه قال لرجل شكا إليه أن عاملا قطع يده : لئن كنت صادقا لأقيدنك منه. وروى النسائي عن أبي سعيد الخدري قال : بينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقسم شيئا إذ أكب عليه رجل، فطعنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعرجون كان معه، فصاح الرجل، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :( تعال فاستقد ). قال : بل عفوت يا رسول اللّه. وروى أبو داود الطيالسي عن أبي فراس قال : خطب عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فقال : ألا من ظلمه أميره فليرفع ذلك إلي أقيده منه. فقام عمرو بن العاص فقال : يا أمير المؤمنين، لئن أدب رجل منا رجلا من أهل رعيته لتقصنه منه ؟ قال : كيف لا أقصه منه وقد رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقص من نفسه. ولفظ أبي داود السجستاني عنه قال : خطبنا عمر بن الخطاب فقال : إني لم أبعث عمالي ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم، فمن فعل ذلك به فليرفعه إلي أقصه منه. وذكر الحديث بمعناه. 
الرابعة : قوله تعالى :" لعلكم تتقون " تقدم[(١)](#foonote-١) معناه. والمراد هنا " تتقون " القتل فتسلمون من القصاص، ثم يكون ذلك داعية لأنواع التقوى في غير ذلك، فإن اللّه يثيب بالطاعة على الطاعة. وقرأ أبو الجوزاء أوس بن عبد الله الربعي " ولكم في القصص حياة ". قال النحاس : قراءة أبي الجوزاء شاذة. قال غيره : يحتمل أن يكون مصدرا كالقصاص. وقيل : أراد بالقصص القرآن، أي لكم في كتاب اللّه الذي شرع فيه القصص حياة، أي نجاة. 
١ يراجع ج ١ ص ٢٢٦ وما بعدها، طبعة ثانية..

### الآية 2:180

> ﻿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [2:180]

**فيه إحدى وعشرون مسألة :**
الأولى : قوله تعالى :" كتب عليكم " هذه آية الوصية، ليس في القرآن ذكر للوصية إلا في هذه الآية، \[ وفي " النساء " :" من بعد وصية[(١)](#foonote-١) " \[ النساء : ١٢ \] وفي " المائدة " :" حين الوصية[(٢)](#foonote-٢) ". \[ المائدة : ١٠٦ \] والتي في البقرة أتمها وأكملها \][(٣)](#foonote-٣) ونزلت قبل نزول الفرائض والمواريث، على ما يأتي بيانه. وفي الكلام تقدير واو العطف، أي وكتب عليكم، فلما طال الكلام أسقطت الواو. ومثله في بعض الأقوال :" لا يصلاها إلا الأشقى. الذي كذب وتولى[(٤)](#foonote-٤) " \[ الليل : ١٥ - ١٦ \] أي والذي، فحذف. وقيل : لما ذكر أن لولي الدم أن يقتص، فهذا الذي أشرف على من يقتص منه وهو سبب الموت فكأنما حضره الموت، فهذا أوان الوصية، فالآية مرتبطة بما قبلها ومتصلة بها فلذلك سقطت واو العطف. و " كتب " معناه فرض وأثبت، كما تقدم[(٥)](#foonote-٥). وحضور الموت : أسبابه، ومتى حضر السبب كنت به العرب عن المسبب، قال شاعرهم :يا أيها الراكب المُزْجِي مطيَّتَه  سَائِلْ بَنِي أسد ما هذه الصوت[(٦)](#foonote-٦)وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا  قولا يبرئكم إني أنا الموت**وقال عنترة :**وإن الموت طوعُ يدي إذا ما  وصلت بنانها بالهندوان**وقال جرير في مهاجاة الفرزدق :**أنا الموت الذي حدثت عنه  فليس لهارب مني نجاءالثانية : إن قيل : لم قال " كتب " ولم يقل كتبت، والوصية مؤنثة ؟ قيل له : إنما ذلك لأنه أراد بالوصية الإيصاء. وقيل : لأنه تخلل فاصل، فكان الفاصل كالعوض من تاء التأنيث، تقول العرب : حضر القاضي اليوم امرأة. وقد حكى سيبويه : قام امرأة. ولكن حسن ذلك إنما هو مع طول الحائل. 
الثالثة : قوله تعالى :" إن ترك خيرا " " إن " شرط، وفي جوابه لأبي الحسن الأخفش قولان، قال الأخفش : التقدير فالوصية، ثم حذفت الفاء، كما قال الشاعر :من يفعل الحسنات اللّه يشكرها  والشر بالشر عند اللّه مثلانوالجواب الأخر : أن الماضي يجوز أن يكون جوابه قبله وبعده، فيكون التقدير الوصية للوالدين والأقربين إن ترك خيرا. فإن قدرت الفاء فالوصية رفع بالابتداء، وإن لم تقدر الفاء جاز أن ترفعها بالابتداء، وأن ترفعها على ما لم يسم فاعله، أي كتب عليكم الوصية. ولا يصح عند جمهور النحاة أن تعمل " الوصية " في " إذا " لأنها في حكم الصلة للمصدر الذي هو الوصية وقد تقدمت، فلا يجوز أن تعمل فيها متقدمة. ويجوز أن يكون العامل في " إذا " :" كتب " والمعنى : توجه إيجاب اللّه إليكم ومقتضى كتابه إذا حضر، فعبر عن توجه الإيجاب بكتب لينتظم إلى هذا المعنى أنه مكتوب في الأزل. ويجوز أن يكون العامل في " إذا " الإيصاء يكون مقدرا دل على الوصية، المعنى : كتب عليكم الإيصاء إذا. 
الرابعة : قوله تعالى :" خيرا " الخير هنا المال من غير خلاف، واختلفوا في مقداره، فقيل : المال الكثير، روي ذلك عن علي وعائشة وابن عباس وقالوا في سبعمائة دينار إنه قليل. قتادة عن الحسن : الخير ألف دينار فما فوقها. الشعبي : ما بين خمسمائة دينار إلى ألف. والوصية عبارة عن كل شيء يؤمر بفعله ويعهد به في الحياة وبعد الموت. وخصصها العرب بما يعهد بفعله وتنفيذه بعد الموت، والجمع وصايا كالقضايا جمع قضية. والوصي يكون الموصي والموصى إليه، وأصله من وصى مخففا. وتواصى النبت تواصيا إذا اتصل. وأرض واصية : متصلة النبات. وأوصيت له بشيء وأوصيت إليه إذا جعلته وصيك. والاسم الوصاية والوصاية ( بالكسر والفتح ). وأوصيته ووصيته أيضا توصية بمعنى، والاسم الوصاة. وتواصى القوم أوصى بعضهم بعضا. وفي الحديث :( استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان[(٧)](#foonote-٧) عندكم ). ووصيت الشيء بكذا إذا وصلته به. 
الخامسة : اختلف العلماء في وجوب الوصية على من خلف مالا، بعد إجماعهم على أنها واجبة على من قبله ودائع وعليه ديون. وأكثر العلماء على أن الوصية غير واجبة على من ليس قبله شيء من ذلك، وهو قول مالك والشافعي والثوري، موسرا كان الموصي أو فقيرا. وقالت طائفة : الوصية واجبة على ظاهر القرآن، قاله الزهري وأبو مجلز، قليلا كان المال أو كثيرا. وقال أبو ثور : ليست الوصية واجبة إلا على رجل عليه دين أو عنده مال لقوم، فواجب عليه أن يكتب وصيته ويخبر بما عليه. فأما من لا دين عليه ولا وديعة عنده فليست بواجبة عليه إلا أن يشاء. قال ابن المنذر : وهذا حسن، لأن اللّه فرض أداء الأمانات إلى أهلها، ومن لا حق عليه ولا أمانة قبله فليس واجب عليه أن يوصي. احتج الأولون بما رواه الأئمة عن ابن عمر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال :( ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده ) وفي رواية ( يبيت ثلاث ليال ) وفيها قال عبد الله بن عمر : ما مرت عليّ ليلة منذ سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال ذلك إلا وعندي وصيتي. احتج من لم يوجبها بأن قال : لو كانت واجبة لم يجعلها إلى إرادة الموصي، ولكان ذلك لازما على كل حال، ثم لو سلم أن ظاهره الوجوب فالقول بالموجب يرده، وذلك فيمن كانت عليه حقوق للناس يخاف ضياعها عليهم، كما قال أبو ثور. وكذلك إن كانت له حقوق عند الناس يخاف تلفها على الورثة، فهذا يجب عليه الوصية ولا يختلف فيه. فإن قيل : فقد قال اللّه تعالى :" كتب عليكم " وكتب فرض، فدل على وجوب الوصية قيل لهم : قد تقدم الجواب عنه في الآية قبل، والمعنى : إذا أردتم الوصية، واللّه أعلم. وقال النخعي : مات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولم يوص، وقد أوصى أبو بكر، فإن أوصى فحسن، وإن لم يوص فلا شيء عليه. 
السادسة : لم يبين اللّه تعالى في كتابه مقدار ما يوصى به من المال، وإنما قال :" إن ترك خيرا " والخير المال، كقوله :" وما تنفقوا من خير[(٨)](#foonote-٨) " \[ البقرة : ٢٧٢ \]، " وإنه لحب الخير[(٩)](#foonote-٩) " \[ العاديات : ٨ \] فاختلف العلماء في مقدار ذلك، فروي عن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه أنه أوصى بالخمس. وقال علي رضي اللّه عنه من غنائم المسلمين بالخمس. وقال معمر عن قتادة : أوصى عمر بالربع. وذكره البخاري عن ابن عباس. وروي عن علي رضي اللّه عنه أنه قال :( لأن أوصي بالخمس أحب إليّ من أن أوصي بالربع، ولأن أوصي بالربع أحب إليّ من أوصي بالثلث ) واختار جماعة لمن ماله قليل وله ورثة ترك الوصية، روي ذلك عن علي وابن عباس وعائشة رضوان اللّه عليهم أجمعين. روى بن أبي شيبة من حديث ابن أبي مليكة عن عائشة قال لها : إني أريد أن أوصي : قالت : وكم مالك ؟ قال : ثلاثة آلاف. قالت : فكم عيالك ؟ قال أربعة. قالت :( إن اللّه تعالى يقول :" إن ترك خيرا " وهذا شيء يسير فدعه لعيالك فإنه أفضل لك )
السابعة : ذهب الجمهور من العلماء إلى أنه لا يجوز لأحد أن يوصي بأكثر من الثلث إلا أبا حنيفة وأصحابه فإنهم قالوا : إن لم يترك الموصي ورثة جاز له أن يوصي بمال كله. وقالوا : إن الاقتصار على الثلث في الوصية إنما كان من أجل أن يدع ورثته أغنياء، لقوله عليه السلام :( إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ) الحديث، رواه الأئمة. ومن لا وارث له فليس ممن عني بالحديث، روي هذا القول عن ابن عباس، وبه قال أبو عبيدة ومسروق، وإليه ذهب إسحاق ومالك في أحد قوليه، وروي عن علي وسبب الخلاف مع ما ذكرنا، الخلاف في بيت المال هل هو وارث أو حافظ لما يجعل فيه ؟ قولان :
الثامنة : أجمع العلماء على أن من مات وله ورثة فليس له أن يوصي بجميع ماله. وروي. عن عمرو بن العاص رضي اللّه عنه أنه قال حين حضرته الوفاة لابنه عبد الله :( إني قد أردت أن أوصي، فقال له : أوص ومالك في مالي، فدعا كاتبا فأملى، فقال عبدالله : فقلت له ما أراك إلا وقد أتيت على مالي ومالك، ولو دعوت إخوتي فاستحللتهم. )
التاسعة : وأجمعوا أن للإنسان أن يغير وصيته ويرجع فيما شاء منها، إلا أنهم اختلفوا من ذلك في المدبر، فقال مالك رحمه اللّه : الأمر المجمع عليه عندنا أن الموصي إذا أوصى في صحته أو مرضه بوصية فيها عتاقة رقيق من رقيقه أو غير ذلك فإنه يغير من ذلك ما بدا له ويصنع من ذلك ما شاء حتى يموت، وإن أحب أن يطرح تلك الوصية ويسقطها فعل، إلا أن يدبر، فإن دبر مملوكا فلا سبيل له إلى تغيير ما دبر، وذلك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال :( ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده ). قال أبو الفرج المالكي : المدبر في القياس كالمعتق إلى شهر، لأنه أجل آت لا محالة. وأجمعوا ألا يرجع في اليمين بالعتق والعتق إلى أجل فكذلك المدبر، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي وأحمد وإسحاق : هو وصية، لإجماعهم أنه في الثلث كسائر الوصايا. وفي إجازتهم وطء المدبرة ما ينقض قياسهم المدبر على العتق إلى أجل، وقد ثبت أن النبي صلى اللّه عليه وسلم باع مدبرا، وأن عائشة دبرت جارية لها ثم باعتها، وهو قول جماعة من التابعين. وقالت طائفة : يغير الرجل من وصيته ما شاء إلا العتاقة. وكذلك قال الشعبي وابن سيرين وابن شبرمة والنخعي، وهو قول سفيان الثوري. 
العاشرة : واختلفوا في الرجل يقول لعبده : أنت حر بعد موتي، وأراد الوصية، فله الرجوع عند مالك في ذلك. وإن قال : فلان مدبر بعد موتي، لم يكن له الرجوع فيه. وإن أراد التدبير بقوله الأول لم يرجع أيضا عند أكثر أصحاب مالك. وأما الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور فكل هذا عندهم وصية ؛ لأنه في الثلث، وكل ما كان في الثلث فهو وصية، إلا أن الشافعي قال : لا يكون الرجوع في المدبر إلا بأن يخرجه عن ملكه ببيع أو هبة. وليس قوله :- قد رجعت - رجوعا، وإن لم يخرج المدبر عن ملكه حتى يموت فإنه يعتق بموته. وقال في القديم : يرجع في المدبر كما يرجع في الوصية. واختاره المزني قياسا على إجماعهم على الرجوع فيمن أوصى بعتقه. وقال أبو ثور : إذا قال قد رجعت في مدبري فقد بطل التدبير، فإن مات لم يعتق. واختلف ابن القاسم وأشهب فيمن قال : عبدي حر بعد موتي، ولم يرد الوصية ولا التدبير، فقال ابن القاسم : هو وصية. وقال أشهب : هو مدبر وإن لم يرد الوصية. 
الحادية عشرة : اختلف العلماء في هذه الآية هل هي منسوخة أو محكمة، فقيل : هي محكمة، ظاهرها العموم ومعناها الخصوص في الوالدين اللذين لا يرثان كالكافرين والعبدين وفي القرابة غير الورثة، قاله الضحاك وطاوس والحسن، واختاره الطبري. وعن الزهري أن الوصية واجبة فيما قل أو كثر. وقال ابن المنذر : أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الوصية للوالدين اللذين لا يرثان والأقرباء الذين لا يرثون جائزة. وقال ابن عباس والحسن أيضا وقتادة : الآية عامة، وتقرر الحكم بها برهة من الدهر، ونسخ منها كل من كان يرث بآية الفرائض. وقد قيل : إن آية الفرائض لم تستقل بنسخها بل بضميمة أخرى، وهي قوله عليه السلام :( إن اللّه قد أعطى لكل ذي حق حقه فلا وصية لوارث ). رواه أبو أمامة، أخرجه الترمذي وقال : هذا حديث حسن صحيح. فنسخ الآية إنما كان بالسنة الثابتة لا بالإرث، على الصحيح من أقوال العلماء. ولولا هذا الحديث لأمكن الجمع بين الآيتين بأن يأخذوا المال عن المورث بالوصية، وبالميراث إن لم يوص، أو ما بقي بعد الوصية، لكن منع من ذلك هذا الحديث وال١ راجع ج ٥ ص ٧٣.
٢ راجع ج ٦ ص ٣٤٨..
٣ ما بين المربعين ساقط في ب، ج، ز،.
٤ راجع ٢٠ ص ٨٦.
٥ راجع ص ٢٤٤ من هذا الجزء..
٦ الصوت مذكر، وإنما أنثه هاهنا لأنه أراد به الضوضاء، والجبلة على معنى الصيحة. (عن اللسان)..
٧ عوان (جمع عانية) وهي الأسيرة. يقول: إنما هن عندكم بمنزلة الأسرى..
٨ راجع ج ٣ ص ٣٣٩.
٩ راجع ج ٢٠ ص ١٦٢..

### الآية 2:181

> ﻿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [2:181]

**فيه أربع مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" فمن بدله " شرط، وجوابه " فإنما إثمه على الذين يبدلونه " و " ما " كافة " لإن " عن العمل. و " إثمه " رفع بالابتداء، " على الذين يبدلونه " موضع الخبر. والضمير في " بدله " يرجع إلى الإيصاء ؛ لأن الوصية في معنى الإيصاء، وكذلك الضمير في " سمعه "، وهو كقوله :" فمن جاءه موعظة من ربه[(١)](#foonote-١) " \[ البقرة : ٢٧٥ \] أي وعظ، وقوله :" إذا حضر القسمة[(٢)](#foonote-٢) " \[ النساء : ٨ \] أي المال، بدليل قوله " منه ". ومثله قول الشاعر :
\* ما هذه الصوت\*
**أي الصيحة. وقال امرؤ القيس :**بَرَهْرَهَةٌ رُؤْدَةٌ رَخْصَةٌ  كخرعوبة البانة المُنْفَطِرِ[(٣)](#foonote-٣)والمنفطر المنتفخ بالورق، وهو أنعم ما يكون، ذهب إلى القضيب وترك لفظ الخرعوبة. و " سمعه " يحتمل أن يكون سمعه من الوصي نفسه، ويحتمل أن يكون سمعه ممن يثبت به ذلك عنده، وذلك عدلان. والضمير في " إثمه " عائد على التبديل، أي إثم التبديل عائد على المبدل لا على الميت، فإن الموصي خرج بالوصية عن اللوم وتوجهت على الوارث أو الولي. وقيل : إن هذا الموصي إذا غير الوصية أو لم يجزها على ما رسم له في الشرع فعليه الإثم. 
الثانية : في هذه الآية دليل على أن الدين إذا أوصى به الميت خرج به عن ذمته وصار الولي مطلوبا به، له الأجر في قضائه، وعليه الوزر في تأخيره. وقال القاضي أبو بكر بن العربي :" وهذا إنما يصح إذا كان الميت لم يفرط في أدائه، وأما إذا قدر عليه وتركه ثم وصى به فإنه لا يزيله عن ذمته تفريط الولي فيه ". 
الثالثة : ولا خلاف أنه إذا أوصى بما لا يجوز، مثل أن يوصي بخمر أو خنزير أو شيء من المعاصي أنه يجوز تبديله ولا يجوز إمضاؤه، كما لا يجوز إمضاء ما زاد على الثلث، قاله أبو عمر. 
الرابعة : قوله تعالى :" إن الله سميع عليم " صفتان لله تعالى لا يخفى معهما شيء من جنف الموصين وتبديل المعتدين. 
١ راجع ج ٣ ص ٣٠٩..
٢ راجع ج ٥ ص ٤٨..
٣ البرهرهة: الرقيقة الجلد، أو هي الملساء المترجرجة. الرؤدة والرءودة: الشابة الحسنة، السريعة الشباب مع حسن غذاء. والرخصة: اللينة الخلق. والخرعوبة: القضيب الغض اللدن. والبانة: يريد شجر البان..

### الآية 2:182

> ﻿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2:182]

**فيه ست مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" فمن خاف " " من " شرط، و " خاف " بمعنى خشي. وقيل : علم. والأصل خوف، قلبت الواو ألفا لتحركها وتحرك ما قبلها. وأهل الكوفة يميلون " خاف " ليدلوا على الكسرة من فعلت. " من موص " بالتشديد قراءة أبي بكر عن عاصم وحمزة والكسائي، وخفف الباقون، والتخفيف أبين، لأن أكثر النحويين يقولون " موص " للتكثير. وقد يجوز أن يكون مثل كرم وأكرم. " جنفا " من جنف يجنف إذا جار، والاسم منه جنف وجانف، عن النحاس. وقيل : الجنف الميل. قال الأعشى :تَجَانَفُ عن حجر[(١)](#foonote-١) اليمامة ناقتي  وما قصدت من أهلها لسَوائكاوفي الصحاح :" الجنف " الميل. وقد جنف بالكسر يجنف جنفا إذا مال، ومنه قوله تعالى :" فمن خاف من موص جنفا ". قال الشاعر[(٢)](#foonote-٢) :هم المولى وإن جَنفُوا علينا  وإنا من لقائهمُ لَزُورُقال أبو عبيدة : المولى ههنا في موضع الموالي، أي بني العم، كقوله تعالى :" ثم يخرجكم طفلا[(٣)](#foonote-٣) ". وقال لبيد :إني امرؤٌ مَنَعَتْ أَرُومَةُ عامر  ضَيْمِي وقد جنفت علي خصوميقال أبو عبيدة : وكذلك الجانئ ( بالهمز ) وهو المائل أيضا. ويقال : أجنف الرجل، أي جاء بالجنف. كما يقال : ألام، أي أتى بما يلام عليه. وأخس، أي أتى بخسيس. وتجانف لإثم، أي مال. ورجل أجنف، أي منحني الظهر. وجنفى ( على فعلى بضم الفاء وفتح العين " : اسم موضع، عن ابن السكيت. وروي عن علي أنه قرأ " حيفا " بالحاء والياء، أي ظلما. وقال مجاهد :" فمن خاف " أي من خشي أن يجنف الموصي ويقطع ميراث طائفة ويتعمد الأذية[(٤)](#foonote-٤)، أو يأتيها دون تعمد، وذلك هو الجنف دون إثم، فإن تعمد فهو الجنف في إثم. فالمعنى من وعظ في ذلك ورد عنه فأصلح بذلك ما بينه وبين ورثته وبين الورثة في ذاتهم فلا إثم عليه. " فلا إثم عليه " أي لا يلحقه إثم المبدل المذكور قبل. وإن كان في فعله تبديل ما ولا بد، ولكنه تبديل لمصلحة. والتبديل الذي فيه الإثم إنما هو تبديل الهوى. " إن الله غفور " عن الموصي إذا عملت فيه الموعظة ورجع عما أراد من الأذية. وقال ابن عباس وقتادة والربيع وغيرهم : معنى الآية من خاف أي علم ورأى وأتى علمه عليه بعد موت الموصي أن الموصي جنف وتعمد أذية بعض ورثته فأصلح ما وقع بين الورثة من الاضطراب والشقاق. 
الثانية : خطاب بقوله :" فمن خاف " لجميع المسلمين. قيل لهم : إن خفتم من موص ميلا في الوصية وعدولا عن الحق ووقوعا في إثم ولم يخرجها بالمعروف، وذلك بأن يوصي بالمال إلى زوج ابنته أو لولد ابنته لينصرف المال إلى ابنته، أو إلى ابن ابنه والغرض أن ينصرف المال إلى ابنه، أو أوصى لبعيد وترك القريب، فبادروا إلى السعي في الإصلاح بينهم، فإذا وقع الصلح سقط الإثم عن المصلح. والإصلاح فرض على الكفاية، فإذا قام أحدهم به سقط عن الباقين، وإن لم يفعلوا أثم الكل. 
الثالثة : في هذه الآية دليل على الحكم بالظن ؛ لأنه إذا ظن قصد الفساد وجب السعي في الصلاح، وإذا تحقق الفساد لم يكن صلحا إنما يكون حكما بالدفع وإبطالا للفساد وحسما له. 
قوله تعالى :" فأصلح بينهم " عطف على " خاف "، والكناية عن الورثة، ولم يجر لهم ذكر لأنه قد عرف المعنى، وجواب الشرط " فلا إثم عليه ". 
الرابعة : لا خلاف أن الصدقة في حال الحياة والصحة أفضل منها عند الموت، لقوله عليه السلام وقد سئل : أي الصدقة أفضل ؟ فقال :( أن تصدق وأنت صحيح شحيح ) الحديث، أخرجه أهل الصحيح. وروى الدارقطني عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال :( لأن يتصدق المرء في حياته بدرهم خير له من أن يتصدق عند موته بمائة ). وروى النسائي عن أبي الدرداء عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال :( مثل الذي ينفق أو يتصدق عند موته مثل الذي يهدي بعد ما يشبع ). 
الخامسة : من لم يضر في وصيته كانت كفارة لما ترك من زكاته. روى الدارقطني عن معاوية ابن قرة عن أبيه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :( من حضرته الوفاة فأوصى فكانت وصيته على كتاب اللّه كانت كفارة لما ترك من زكاته ). فإن ضَرَّ في الوصية وهي :
السادسة : فقد روى الدار قطني أيضا عن ابن عباس عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال :( الإضرار في الوصية من الكبائر ). وروى أبو داود عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال :( إن الرجل أو المرأة ليعمل بطاعة اللّه ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار ). وترجم النسائي " الصلاة على من جنف[(٥)](#foonote-٥) في وصيته " أخبرنا علي بن حجر أنبأنا هشيم عن منصور وهو ابن زاذان عن الحسن[(٦)](#foonote-٦) عن عمران بن حصين رضي اللّه عنه أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته ولم يكن له مال غيرهم، فبلغ ذلك النبي صلى اللّه عليه وسلم فغضب من ذلك وقال :( لقد هممت ألا أصلي عليه ) \[ ثم دعا مملوكيه[(٧)](#foonote-٧) \] فجزأهم ثلاثة أجزاء ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة. وأخرجه مسلم بمعناه إلا أنه قال في آخره : وقال له قولا شديدا، بدل قوله :( لقد هممت ألا أصلي عليه ). 
١ في الصبح المنير واللسان: "جو"..
٢ هو عامر الخصفي..
٣ راجع ج ١٥ ص ٣٣٠..
٤ في الأصول هنا وفيما سيأتي "الأذاية"..
٥ في سنن النسائي: "حيف" بالحاء والياء..
٦ كذا في النسائي. وفي الأصول: "عن الحسن عن سمرة عن عمران"..
٧ الزيادة عن سنن النسائي..

### الآية 2:183

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [2:183]

**فيه ست مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام " لما ذكر ما كتب على المكلفين من القصاص والوصية ذكر أيضا أنه كتب عليهم الصيام وألزمهم إياه وأوجبه عليهم، ولا خلاف فيه، قال صلى اللّه عليه وسلم :( بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج ) رواه ابن عمر. ومعناه في اللغة : الإمساك، وترك التنقل من حال إلى حال. ويقال للصمت صوم، لأنه إمساك عن الكلام، قال اللّه تعالى مخبرا عن مريم :" إني نذرت للرحمن صوما[(١)](#foonote-١) " \[ مريم : ٢٦ \] أي سكوتا عن الكلام. والصوم : ركود الريح، وهو إمساكها عن الهبوب. وصامت الدابة على آريها[(٢)](#foonote-٢) : قامت وثبتت فلم تعتلف. وصام النهار : اعتدل. ومصام الشمس حيث تستوي في منتصف النهار، ومنه قول النابغة :خيل صيام وخيل غير صائمة  تحت العَجاج وخيل تَعْلُكُ اللُّجُمَاأي خيل ثابتة ممسكة عن الجري والحركة، كما قال[(٣)](#foonote-٣) :
كأن الثريا علقت في مَصَامِهَا
أي هي ثابتة في مواضعها فلا تنتقل، وقوله :
والبَكَرَاتُ شرهن الصَّائمة[(٤)](#foonote-٤)
يعني التي لا تدور. وقال امرؤ القيس :فدعها وسلِّ[(٥)](#foonote-٥) الهم عنك بِجَسْرَةٍ  ذَمولٍ إذا صام النهارُ وهَجَّرَاأي أبطأت الشمس عن الانتقال والسير فصارت بالإبطاء كالممسكة. وقال آخر :حتى إذا صام النهار واعتدل  وسال للشمس لعاب فنزل**وقال آخر :**
نَعَاماً بِوَجْرَةَ صفر الخدُو\*\*\* دِ ما تطعم النوم إلا صياما[(٦)](#foonote-٦)
أي قائمة. والشعر في هذا المعنى كثير. والصوم في الشرع : الإمساك عن المفطرات مع اقتران النية به من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وتمامه وكماله باجتناب المحظورات وعدم الوقوع في المحرمات، لقوله عليه السلام :( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ). 
الثانية : فضل الصوم عظيم، وثوابه جسيم، جاءت بذلك أخبار كثيرة صحاح وحسان ذكرها الأئمة في مسانيدهم، وسيأتي بعضها، ويكفيك الآن منها في فضل الصوم أن خصه اللّه بالإضافة إليه، كما ثبت في الحديث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال مخبرا عن ربه :( يقول اللّه تبارك وتعالى كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ) الحديث. وإنما خص الصوم بأنه له وإن كانت العبادات كلها له لأمرين باين الصوم بهما سائر العبادات. أحدهما : أن الصوم يمنع من ملاذ النفس وشهواتها ما لا يمنع منه سائر العبادات. الثاني : أن الصوم سر بين العبد وبين ربه لا يظهر إلا له، فلذلك صار مختصا به. وما سواه من العبادات ظاهر، ربما فعله تصنعا ورياء، فلهذا صار أخص بالصوم من غيره. وقيل غير هذا. 
الثالثة : قوله تعالى :" كما كتب " الكاف في موضع نصب على النعت، التقدير كتابا كما، أو صوما كما. أو على الحال من الصيام أي كتب عليكم الصيام مشبها كما كتب على الذين من قبلكم. وقال بعض النحاة : الكاف في موضع رفع نعتا للصيام، إذ ليس تعريفه بمحض، لمكان الإجمال الذي فيه بما فسرته الشريعة، فلذلك جاز نعته " بكما " إذ لا ينعت بها إلا النكرات، فهو بمنزلة كتب عليكم صيام، وقد ضعف هذا القول. و " ما " في موضع خفض، وصلتها :" كتب على الذين من قبلكم ". والضمير في " كتب " يعود على " ما ". 
واختلف أهل التأويل في موضع التشبيه وهي :
الرابعة : قال الشعبي وقتادة وغيرهما : التشبيه يرجع إلى وقت الصوم وقدر الصوم، فإن اللّه تعالى كتب على قوم موسى وعيسى صوم رمضان فغيروا، وزاد أحبارهم عليهم عشرة أيام ثم مرض بعض أحبارهم فنذر إن شفاه اللّه أن يزيد في صومهم عشرة أيام ففعل، فصار صوم النصارى خمسين يوما، فصعب عليهم في الحر فنقلوه إلى الربيع. واختار هذا القول النحاس وقال : وهو الأشبه بما في الآية. وفيه حديث يدل على صحته أسنده عن دغفل بن حنظلة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال :( كان على النصارى صوم شهر فمرض رجل منهم فقالوا لئن شفاه اللّه لنزيدن عشرة ثم كان آخر فأكل لحما فأوجع فاه فقالوا لئن شفاه اللّه لنزيدن سبعة ثم كان ملك آخر فقالوا لنتمن هذه السبعة الأيام ونجعل صومنا في الربيع قال فصار خمسين ). وقال مجاهد : كتب اللّه عز وجل صوم شهر رمضان على كل أمة. وقيل : أخذوا بالوثيقة[(٧)](#foonote-٧) فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها يوما، قرنا بعد قرن، حتى بلغ صومهم خمسين يوما، فصعب عليهم في الحر فنقلوه إلى الفصل الشمسي. قال النقاش : وفي ذلك حديث عن دغفل بن حنظلة والحسن البصري والسدي. 
قلت : ولهذا - واللّه أعلم - كره الآن صوم يوم الشك والستة من شوال بإثر يوم الفطر متصلا به. قال الشعبي : لو صمت السنة كلها لأفطرت يوم الشك، وذلك أن النصارى فرض عليهم صوم شهر رمضان كما فرض علينا، فحولوه إلى الفصل الشمسي، لأنه قد كان يوافق القيظ فعدوا ثلاثين يوما، ثم جاء بعدهم قرن فأخذوا بالوثيقة لأنفسهم فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها يوما، ثم لم يزل الآخر يستن بسنة من كان قبله حتى صاروا إلى خمسين يوما فذلك قوله تعالى :" كما كتب على الذين من قبلكم ". وقيل : التشبيه راجع إلى أصل وجوبه على من تقدم، لا في الوقت والكيفية. وقيل : التشبيه واقع على صفة الصوم الذي كان عليهم من منعهم من الأكل والشرب والنكاح، فإذا حان الإفطار فلا يفعل هذه الأشياء من نام. وكذلك كان في النصارى أولا وكان في أول الإسلام، ثم نسخه اللّه تعالى بقوله :" أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم " \[ البقرة : ١٨٧ \] على ما يأتي بيانه[(٨)](#foonote-٨)، قاله السدي وأبو العالية والربيع. وقال معاذ بن جبل وعطاء : التشبيه واقع على الصوم لا على الصفة ولا على العدة وإن اختلف الصيامان بالزيادة والنقصان. المعنى :" كتب عليكم الصيام " أي في أول الإسلام ثلاثة أيام من كل شهر ويوم عاشوراء، " كما كتب على الذين من قبلكم " وهم اليهود - في قول ابن عباس - ثلاثة أيام ويوم عاشوراء. ثم نسخ هذا في هذه الأمة بشهر رمضان. وقال معاذ بن جبل : نسخ ذلك " بأيام معدودات " ثم نسخت الأيام برمضان. 
الخامسة : قوله تعالى :" لعلكم تتقون " " لعل " ترج في حقهم، كما تقدم[(٩)](#foonote-٩). و " تتقون " قيل : معناه هنا تضعفون، فإنه كلما قل الأكل ضعفت الشهوة، وكلما ضعفت الشهوة قلت المعاصي وهذا وجه مجازي حسن. وقيل : لتتقوا المعاصي. وقيل : هو على العموم، لأن الصيام كما قال عليه السلام :( الصيام جنة ووجاء[(١٠)](#foonote-١٠) ) وسبب تقوى، لأنه يميت الشهوات. 
١ راجع ج ١١ ص ٩٧.
٢ الآري: حبل تشد به الدابة في محبسها ويسمى الأخِيّة..
٣ هو امرؤ القيس، كما في اللسان والمعلقات، وتمام البيت: بأمراس كتان على صم جندل.
٤ قبله: شر الدلاء الولغة الملازمة.
٥ في الأصول: "فدع ذا" والتصويب عن الديوان واللسان..
٦ تقدم الكلام على هذا البيت ج ١ ص ٤٢٣ طبعة ثانية، فليراجع..
٧ الوثيقة في الأمر: إحكامه والأخذ بالثقة..
٨ راجع ص ٣١٤ من هذا الجزء..
٩ يراجع ج ١ ص ٢٢٦ طبعة ثانية..
١٠ الوجاء: أن تُرَضّ أنثيا الفحل رضا شديدا يذهب الجماع، ويتنزل في قطعه منزلة الخصي. أراد أن الصوم يقطع النكاح كما يقطعه الوجاء..

### الآية 2:184

> ﻿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ۚ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ۚ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [2:184]

السادسة : قوله تعالى :" أياما معدودات " " أياما " مفعول ثان " بكتب "، قاله الفراء. وقيل : نصب على الظرف " لكتب "، أي كتب عليكم الصيام في أيام. والأيام المعدودات : شهر رمضان، وهذا يدل على خلاف ما روي عن معاذ، واللّه أعلم. 
قوله تعالى :" فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر " فيه ست عشرة مسألة :
الأولى : قوله تعالى : مريضا  للمريض حالتان : إحداهما : ألا يطيق الصوم بحال، فعليه الفطر واجبا. الثانية : أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة، فهذا يستحب له الفطر ولا يصوم إلا جاهل. قال ابن سيرين : متى حصل الإنسان في حال يستحق بها اسم المرض صح الفطر، قياسا على المسافر لعلة السفر، وإن لم تدع إلى الفطر ضرورة. قال طريف بن تمام العطاردي : دخلت على محمد بن سيرين في رمضان وهو يأكل، فلما فرع قال : إنه وجعت أصبعي هذه. وقال جمهور من العلماء : إذا كان به مرض يؤلمه ويؤذيه أو يخاف تماديه أو يخاف تزيده صح له الفطر. قال ابن عطية : وهذا مذهب حذاق أصحاب مالك وبه يناظرون. وأما لفظ مالك فهو المرض الذي يشق على المرء ويبلغ به. وقال ابن خويز منداد : واختلفت الرواية عن مالك في المرض المبيح للفطر، فقال مرة : هو خوف التلف من الصيام. وقال مرة : شدة المرض والزيادة فيه والمشقة الفادحة. وهذا صحيح مذهبه وهو مقتضى الظاهر ؛ لأنه لم يخص مرضا من مرض فهو مباح في كل مرض، إلا ما خصه الدليل من الصداع والحمى والمرضى اليسير الذي لا كلفة معه في الصيام. وقال الحسن : إذا لم يقدر من المرض على الصلاة قائما أفطر، وقاله النخعي. وقالت فرقة : لا يفطر بالمرض إلا من دعته ضرورة المرض نفسه إلى الفطر، ومتى احتمل الضرورة معه لم يفطر. وهذا قول الشافعي رحمه اللّه تعالى. 
قلت : قول ابن سيربن أعدل شيء في هذا الباب إن شاء اللّه تعالى. قال البخاري : اعتللت بنيسابور علة خفيفة وذلك في شهر رمضان، فعادني إسحاق بن راهويه نفر من أصحابه فقال لي : أفطرت يا أبا عبدالله ؟ فقلت نعم. فقال : خشيت أن تضعف عن قبول الرخصة. قلت : حدثنا عبدان عن ابن المبارك عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : من أي المرض أفطر ؟ قال : من أي مرض كان، كما قال اللّه تعالى :" فمن كان منكم مريضا " قال البخاري : وهذا الحديث لم يكن عند إسحاق. وقال أبو حنيفة : إذا خاف الرجل على نفسه وهو صائم إن لم يفطر أن تزداد عينه وجعا أو حماه شدة أفطر. 
الثانية : قوله تعالى :" أو على سفر " اختلف العلماء في السفر الذي يجوز فيه الفطر والقصر، بعد إجماعهم على سفر الطاعة كالحج والجهاد، ويتصل بهذين سفر صلة الرحم وطلب المعاش الضروري. أما سفر التجارات والمباحات فمختلف فيه بالمنع والإجازة، والقول بالجواز أرجح. وأما سفر العاصي فيختلف فيه بالجواز والمنع، والقول بالمنع أرجح، قاله ابن عطية. ومسافة الفطر عند مالك حيث تقصر الصلاة واختلف العلماء في قدر ذلك، فقال مالك : يوم وليلة، ثم رجع فقال : ثمانية وأربعون ميلا قال ابن خويز منداد : وهو ظاهر مذهبه، وقال مرة : اثنان وأربعون ميلا وقال مرة ستة وثلاثون ميلا وقال مرة : مسيرة يوم وليلة، وروى عنه يومان، وهو قول الشافعي. وفصل مرة بين البر والبحر، فقال في البحر مسيرة يوم وليلة، وفي البر ثمانية وأربعون ميلا، وفي المذهب ثلاثون ميلا، وفي غير المذهب ثلاثة أميال. وقال ابن عمرو وابن عباس والثوري : الفطر في سفر ثلاثة أيام، حكاه ابن عطية. 
قلت : والذي في البخاري : وكان ابن عمر وابن عباس يفطران ويقصران في أربعة برد وهي ستة عشر فرسخا. 
الثالثة : اتفق العلماء على أن المسافر في رمضان لا يجوز له أن يبيت الفطر ؛ لأن المسافر لا يكون مسافرا بالنية بخلاف المقيم، وإنما يكون مسافرا بالعمل والنهوض، والمقيم لا يفتقر إلى عمل، لأنه إذا نوى الإقامة كان مقيما في الحين ؛ لأن الإقامة لا تفتقر إلى عمل فافترقا. ولا خلاف بينهم أيضا في الذي يؤمل السفر أنه لا يجوز له أن يفطر قبل أن يخرج، فإن أفطر فقال ابن حبيب : إن كان قد تأهب لسفره وأخذ في أسباب الحركة فلا شيء عليه، وحكى ذلك عن أصبغ وابن الماجشون، فإن عاقه عن السفر عائق كان عليه الكفارة، وحسبه أن ينجو إن سافر. وروى عيسى عن ابن القاسم أنه ليس عليه إلا قضاء يوم، لأنه متأول في فطره. وقال أشهب : ليس عليه شيء من الكفارة سافر أو لم يسافر. وقال سحنون : عليه الكفارة سافر أو لم يسافر، وهو بمنزلة المرأة تقول : غدا تأتيني حيضتي، فتفطر لذلك، ثم رجع إلى قول عبدالملك وأصبغ وقال : ليس مثل المرأة، لأن الرجل يحدث السفر إذا شاء، والمرأة لا تحدث الحيضة. 
قلت : قول ابن القاسم وأشهب في نفي الكفارة حسن، لأنه فعل ما يجوز له فعله، والذمة بريئة، فلا يثبت فيها شيء إلا بيقين ولا يقين مع الاختلاف، ثم إنه مقتضى قوله تعالى :" أو على سفر ". وقال أبو عمر : هذا أصح أقاويلهم في هذه المسألة، لأنه غير منتهك لحرمة الصوم بقصد إلى ذلك وإنما هو متأول، ولو كان الأكل مع نية السفر يوجب عليه الكفارة لأنه كان قبل خروجه ما أسقطها عنه خروجه، فتأمل ذلك تجده كذلك، إن شاء اللّه تعالى. وقد روى الدارقطني : حدثنا أبو بكر النيسابوري حدثنا إسماعيل بن إسحاق بن سهل بمصر قال حدثنا ابن أبي مريم حدثنا محمد بن جعفر أخبرني زيد بن أسلم قال : أخبرني محمد بن المنكدر عن محمد بن كعب أنه قال : أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد السفر وقد رحلت دابته ولبس ثياب السفر وقد تقارب غروب الشمس، فدعا بطعام فأكل منه ثم ركب. فقلت له : سنة ؟ قال : نعم. وروي عن أنس أيضا قال : قال لي أبو موسى : ألم أنبئنك إذا خرجت خرجت صائما، وإذا دخلت دخلت صائما، فإذا خرجت فاخرج مفطرا، وإذا دخلت فادخل مفطرا. وقال الحسن البصري : يفطر إن شاء في بيته يوم يريد أن يخرج. وقال أحمد : يفطر إذا برز عن البيوت. وقال إسحاق : لا، بل حين يضع رجله في الرحل. قال ابن المنذر : قول أحمد صحيح، لأنهم يقولون لمن أصبح صحيحا ثم اعتل : إنه يفطر بقية يومه، وكذلك إذا أصبح في الحضر ثم خرج إلى السفر فله كذلك أن يفطر. وقالت طائفة : لا يفطر يومه ذلك وإن نهض في سفره، كذلك قال الزهري ومكحول ويحيى الأنصاري ومالك والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي. واختلفوا إن فعل، فكلهم قال يقضي ولا يكفر. قال مالك : لأن السفر عذر طارئ، فكان كالمرض يطرأ عليه. وروي عن بعض أصحاب مالك أنه يقضي ويكفر، وهو قول ابن كنانة والمخزومي، وحكاه الباجي عن الشافعي، واختاره ابن العربي وقال به، قال : لأن السفر عذر طرأ بعد لزوم العبادة ويخالف المرض والحيض، لأن المرض يبيح له الفطر، والحيض يحرم عليها الصوم، والسفر لا يبيح له ذلك فوجبت عليه الكفارة لهتك حرمته. قال أبو عمر : وليس هذا بشيء ؛ لأن اللّه سبحانه قد أباح له الفطر في الكتاب والسنة. وأما قولهم لا يفطر فإنما ذلك استحباب لما عقده فإن أخذ برخصة اللّه كان عليه القضاء، وأما الكفارة فلا وجه لها، ومن أوجبها فقد أوجب ما لم يوجبه اللّه ولا رسوله صلى اللّه عليه وسلم. وقد روي عن ابن عمر في هذه المسألة :( يفطر إن شاء في يومه ذلك إذا خرج مسافرا ) وهو قول الشعبي وأحمد وإسحاق. 
قلت : وقد ترجم البخاري رحمه اللّه على هذه المسألة \[ باب من أفطر في السفر ليراه الناس \] وساق الحديث عن ابن عباس قال :( خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من المدينة إلى مكة فصام حتى بلغ عسفان[(١)](#foonote-١)، ثم دعا بماء فرفعه إلى يديه ليريه الناس فأفطر حتى قدم مكة وذلك في رمضان. وأخرجه مسلم أيضا عن ابن عباس وقال فيه : ثم دعا بإناء فيه شراب شربه نهارا ليراه الناس ثم أفطر حتى دخل مكة ). وهذا نص في الباب فسقط ما خالفه، وباللّه التوفيق. وفيه أيضا حجة على من يقول : إن الصوم لا ينعقد في السفر. روي عن عمر وابن عباس وأبي هريرة وابن عمر. قال ابن عمر :( من صام في السفر قضى في الحضر ) وعن عبد الرحمن بن عوف :( الصائم في السفر كالمفطر في الحضر ) وقال به قوم من أهل الظاهر، واحتجوا بقوله تعالى :" فعدة من أيام أخر " على ما يأتي بيانه، وبما روى كعب بن عاصم قال : سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول :( ليس من البر الصيام في السفر ). وفيه أيضا حجة على من يقول : إن من بيت الصوم في السفر فله أن يفطر وإن لم يكن له عذر، وإليه ذهب مطرف، وهو أحد قولي الشافعي وعليه جماعة من أهل الحديث. وكان مالك يوجب عليه القضاء والكفارة لأنه كان مخيرا في الصوم والفطر، فلما اختار الصوم وبيته لزمه ولم يكن له الفطر، فإن أفطر عامدا من غير عذر كان عليه القضاء والكفارة. وقد روي عنه أنه لا كفارة عليه، وهو قول أكثر أصحابه إلا عبد الملك فإنه قال : إن أفطر بجماع كفر، لأنه لا يقوى بذلك على سفره ولا عذر له، لأن المسافر إنما أبيح له الفطر ليقوى بذلك على سفره. وقال سائر الفقهاء بالعراق والحجاز : إنه لا كفارة عليه، منهم الثوري والأوزاعي والشافعي وأبو حنيفة وسائر فقهاء الكوفة، قاله أبو عمر. 
الرابعة : واختلف العلماء في الأفضل من الفطر أو الصوم في السفر، فقال مالك والشافعي في بعض ما روي عنهما : الصوم أفضل لمن قوي عليه. وجل مذهب مالك التخيير وكذلك مذهب الشافعي. قال الشافعي ومن اتبعه : هو مخير، ولم يفصل، وكذلك ابن علية، لحديث أنس قال :( سافرنا مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم ) خرجه مالك والبخاري ومسلم. وروي عن عثمان بن أبي العاص الثقفي وأنس بن مالك صاحبي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنهما قالا :( الصوم في السفر أفضل لمن قدر عليه ) وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. وروي عن ابن عمر وابن عباس : الرخصة أفضل، وقال به سعيد بن المسيب والشعبي وعمر بن عبدالعزيز ومجاهد وقتادة والأوزاعي وأحمد وإسحاق. كل هؤلاء يقولون الفطر أفضل، لقول اللّه تعالى :" يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " \[ البقرة : ١٨٥ \]
الخامسة : قوله تعالى :" فعدة من أيام أخر " في الكلام حذف، أي من يكن منكم مريضا أو مسافرا فأفطر فليقض. والجمهور من العلماء على أن أهل البلد إذا صاموا تسعة وعشرين يوما وفي البلد رجل مريض لم يصح فإنه يقضي تسعة وعشرين يوما. وقال قوم منهم الحسن بن صالح بن حي : إنه يقضي شهرا بشهر من غير مراعاة عدد الأيام. قال الكيا الطبري : وهذا بعيد، لقوله تعالى :" فعدة من أيام أخر " ولم يقل فشهر من أيام أخر. وقوله :" فعدة " يقتضي استيفاء عدد ما أفطر فيه، ولا شك أنه لو أفطر بعض رمضان وجب قضاء ما أفطر بعده بعدده، كذلك يجب أن يكون حكم إفطاره جميعه في اعتبار عدده. 
السادسة : قوله تعالى :" فعدة " ارتفع " عدة " على خبر الابتداء، تقديره فالحكم أو فالواجب عدة، ويصح فعليه عدة. وقال الكسائي : ويجوز فعدة، أي فليصم عدة من أيام. وقيل : المعنى فعليه صيام عدة، فحذف المضاف وأقيمت العدة مقامة. والعدة فعلة من العد، وهي بمعنى المعدود، كالطحن بمعنى المطحون، تقول : أسمع جعجعة ولا أرى طحنا[(٢)](#foonote-٢). ومنه عدة المرأة. " من أيام أخر " لم ينصرف " أخر " عند سيبوبه ؛ لأنها معدولة عن ا

١ عسفان (بضم العين وسكون السين المهملتين): قرية بينها وبين مكة ثمانية وأربعون ميلا..
٢ مثل يضرب للرجل الذي يكثر الكلام ولا يعمل، والذي يعد ولا يفعل..

### الآية 2:185

> ﻿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [2:185]

**فيه إحدى وعشرون مسألة :**
الأولى : قوله تعالى :" شهر رمضان " قال أهل التاريخ : أول من صام رمضان نوح عليه السلام لما خرج من السفينة. وقد تقدم قول مجاهد : كتب اللّه رمضان على كل أمة[(١)](#foonote-١)، ومعلوم أنه كان قبل نوح أمم، واللّه أعلم. والشهر مشتق من الإشهار لأنه مشتهر لا يتعذر علمه على أحد يريده، ومنه يقال : شهرت السيف إذا سللته. ورمضان مأخوذ من رمض الصائم يرمض إذا حر جوفه من شدة العطش. والرمضاء ممدودة : شدة الحر، ومنه الحديث :( صلاة[(٢)](#foonote-٢) الأوابين إذا رمضت الفصال ). خرجه مسلم. ورمض الفصال أن تحرق الرمضاء أخفافها فتبرك من شدة حرها. فرمضان - فيما ذكروا - وافق شدة الحر، فهو مأخوذ من الرمضاء. قال الجوهري : وشهر رمضان يجمع على رمضانات وأرمضاء، يقال إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر فسمي بذلك. وقيل : إنما سمي رمضان ؛ لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها بالأعمال الصالحة، من الإرماض وهو الإحراق، ومنه رمضت قدمه من الرمضاء أي احترقت. وأرمضتني الرمضاء أي أحرقتني، ومنه قيل : أرمضني الأمر. وقيل : لأن القلوب تأخذ فيه من حرارة الموعظة والفكرة في أمر الآخرة كما يأخذ الرمل والحجارة من حر الشمس. والرمضاء : الحجارة المحماة. وقيل : هو من رمضت النصل أرمضه وأرمضه رمضا إذا دققته بين حجرين ليرق. ومنه نصل رميض ومرموض - عن ابن السكيت -، وسمي الشهر به لأنهم كانوا يرمضون أسلحتهم في رمضان ليحاربوا بها في شوال قبل دخول الأشهر الحرم. وحكى الماوردي أن اسمه في الجاهلية " ناتق " وأنشد للمفضل :وفي نَاتِقٍ أَجْلَتْ لدى حَوْمَةِ الوَغَى  وولت على الأدبار فرسان خَثْعَمَاو " شهر " بالرفع قراءة الجماعة على الابتداء، والخبر " الذي أنزل فيه القرآن ". أو يرتفع على إضمار مبتدأ، المعنى : المفروض عليكم صومه شهر رمضان، أو فيما كتب عليكم شهر رمضان. ويجوز أن يكون " شهر " مبتدأ، و " الذي أنزل فيه القرآن " صفة، والخبر " فمن شهد منكم الشهر ". وأعيد ذكر الشهر تعظيما، كقوله تعالى :" الحاقة ما الحاقة " \[ الحاقة : ١ - ٢ \]. وجاز أن يدخله معنى الجزاء ؛ لأن شهر رمضان وإن كان معرفة فليس معرفة بعينها لأنه شائع في جميع القابل، قاله أبو علي. وروي عن مجاهد وشهر بن حوشب نصب " شهر "، ورواها هارون الأعور عن أبي عمرو، ومعناه : الزموا شهر رمضان أو صوموا. و " الذي أنزل فيه القرآن " نعت له، ولا يجوز أن ينتصب بتصوموا، لئلا يفرق بين الصلة والموصول بخبر أن وهو " خير لكم ". الرماني : يجوز نصبه على البدل من قول " أياما معدودات " \[ البقرة : ١٨٤ \]. 
الثانية : واختلف هل يقال " رمضان " دون أن يضاف إلى شهر، فكره ذلك مجاهد وقال : يقال كما قال اللّه تعالى. وفي الخبر :( لا تقولوا رمضان بل انسبوه كما نسبه اللّه في القرآن فقال شهر رمضان ). وكان يقول : بلغني أنه اسم من أسماء اللّه. وكان يكره أن يجمع لفظه لهذا المعنى. ويحتج بما روي : رمضان اسم من أسماء اللّه تعالى، وهذا ليس بصحيح فإنه من حديث أبي معشر نجيح وهو ضعيف. والصحيح جواز إطلاق رمضان من غير إضافة كما ثبت في الصحاح وغيرها. روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال :( إذا جاء رمضان فتحت أبواب الرحمة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين ). وفي صحيح البستي عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :( إذا كان رمضان فتحت له أبواب الرحمة وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين ). وروي عن ابن شهاب عن أنس بن أبي أنس أن أباه حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول. . . فذكره. قال البستي : أنس بن أبي أنس هذا هو والد مالك بن أنس، واسم أبي أنس مالك بن أبي عامر من ثقات أهل المدينة، وهو مالك ابن أبي عامر بن عمرو بن الحارث[(٣)](#foonote-٣) بن عثمان بن جثيل بن عمرو من ذي أصبح من أقيال اليمن. وروى النسائي عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :( أتاكم رمضان شهر مبارك فرض اللّه عز وجل عليكم صيامه تفتح فيه أبواب السماء وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه مردة الشياطين لله فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم ). وأخرجه أبو حاتم البستي أيضا وقال : فقوله ( مردة الشياطين ) تقييد لقوله :( صفدت الشياطين وسلسلت ). وروى النسائي أيضا عن ابن عباس قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لامرأة من الأنصار :( إذا كان رمضان فاعتمري فإن عمرة فيه تعدل حجة ). وروى النسائي أيضا عن عبدالرحمن بن عوف قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :( إن اللّه تعالى فرض صيام رمضان \[ عليكم \] وسننت لكم قيامه فمن صامه وقامه إيمانا واحتسابا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ). والآثار في هذا كثيرة، كلها بإسقاط شهر. وربما أسقطت العرب ذكر الشهر من رمضان. قال الشاعر :جارية في درعها الفضفاض  أبيضُ من أخت بني إِبَاضِجارية في رمضان الماضي  تقطع الحديث بالإيماضِوفضل رمضان عظيم، وثوابه جسيم، يدل على ذلك معنى الاشتقاق من كونه محرقا للذنوب، وما كتبناه من الأحاديث. 
الثالثة : فرض اللّه صيام شهر رمضان أي مدة هلاله، وبه سمي الشهر، كما جاء في الحديث :( فإن غمِّيَ عليكم الشهر ) أي الهلال، وسيأتي، وقال الشاعر :أخَوانِ من نجد على ثقة  والشهر مثل قُلامة الظُّفرحتى تكامل في استدارته  في أربع زادت على عشروفرض علينا عند غمة الهلال إكمال عدة شعبان ثلاثين يوما، وإكمال عدة رمضان ثلاثين يوما، حتى ندخل في العبادة بيقين ونخرج عنها بيقين، فقال في كتابه " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم[(٤)](#foonote-٤) " \[ النحل : ٤٤ \]. وروى الأئمة الأثبات عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال :( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدد ) في رواية ( فإن غمي عليكم الشهر فعدوا ثلاثين ). وقد ذهب مطرف بن عبدالله بن الشخير وهو من كبار التابعين وابن قتيبة من اللغويين فقالا : يعول على الحساب عند الغيم بتقدير المنازل واعتبار حسابها في صوم رمضان، حتى إنه لو كان صحوا لرؤي ؛ لقوله عليه السلام :( فإن أغمي عليكم فاقدروا له ) أي استدلوا عليه بمنازله، وقدروا إتمام الشهر بحسابه. وقال الجمهور : معنى ( فاقدروا له ) فأكملوا المقدار، يفسره حديث أبي هريرة ( فأكملوا العدة ). وذكر الداودي أنه قيل في معنى قوله " فاقدروا له " : أي قدروا المنازل. وهذا لا نعلم أحدا قال به إلا بعض أصحاب الشافعي أنه يعتبر في ذلك بقول المنجمين، والإجماع حجة عليهم. وقد روى ابن نافع عن مالك في الإمام لا يصوم لرؤية الهلال ولا يفطر لرؤيته، وإنما يصوم ويفطر على الحساب : إنه لا يقتدى به ولا يتبع. قال ابن العربي : وقد زل بعض أصحابنا فحكى عن الشافعي أنه قال : يعول على الحساب، وهي عثرة لا لعاً لها[(٥)](#foonote-٥). 
الرابعة : واختلف مالك والشافعي هل يثبت هلال رمضان. بشهادة واحد أو شاهدين، فقال مالك : لا يقبل فيه شهادة الواحد لأنها شهادة على هلال فلا يقبل فيها أقل من اثنين، أصله الشهادة على هلال شوال وذي الحجة. وقال الشافعي وأبو حنيفة : يقبل الواحد، لما رواه أبو داود عن ابن عمر قال : تراءى الناس الهلال فأخبرت به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه. وأخرجه الدارقطني وقال : تفرد به مروان بن محمد عن ابن وهب وهو ثقة. روى الدارقطني " أن رجلا شهد عند علي بن أبي طالب على رؤية هلال رمضان فصام، أحسبه قال : وأمر الناس أن يصوموا، وقال : أصوم يوما من شعبان أحب إلى من أن أفطر يوما من رمضان. قال الشافعي : فإن لم تر العامة هلال شهر رمضان ورآه رجل عدل رأيت أن أقبله للأثر والاحتياط. وقال الشافعي بعد : لا يجوز على رمضان إلا شاهدان. قال الشافعي وقال بعض أصحابنا : لا أقبل عليه إلا شاهدين، وهو القياس على كل مغيب ". 
الخامسة : واختلفوا فيمن رأى هلال رمضان وحده أو هلال شوال، فروى الربيع عن الشافعي : من رأى هلال رمضان وحده فليصمه، ومن رأى هلال شوال وحده فليفطر، وليخف ذلك. وروى ابن وهب عن مالك في الذي يرى هلال رمضان وحده أنه يصوم ؛ لأنه لا ينبغي له أن يفطر وهو يعلم أن ذلك اليوم من شهر رمضان. ومن رأى هلال شوال وحده فلا يفطر، لأن الناس يتهمون على أن يفطر منهم من ليس مأمونا، ثم يقول أولئك إذا ظهر عليهم : قد رأينا الهلال. قال ابن المنذر : وبهذا قال الليث بن سعد وأحمد بن حنبل. وقال عطاء وإسحاق : لا يصوم ولا يفطر. قال ابن المنذر : يصوم ويفطر. 
السادسة : واختلفوا إذا أخبر مخبر عن رؤية بلد، فلا يخلو أن يقرب أو يبعد، فإن قرب فالحكم واحد، وإن بعد فلأهل كل بلد رؤيتهم، روي هذا عن عكرمة والقاسم وسالم، وروي عن ابن عباس، وبه قال إسحاق، وإليه أشار البخاري حيث بوب :\[ لأهل كل بلد رؤيتهم \] وقال آخرون. إذا ثبت عند الناس أن أهل بلد قد رأوه فعليهم قضاء ما أفطروا، هكذا قال الليث بن سعد والشافعي. قال ابن المنذر : ولا أعلمه إلا قول المزني والكوفي. قلت : ذكر الكيا الطبري في كتاب أحكام القرآن له : وأجمع أصحاب أبي حنيفة على أنه إذا صام أهل بلد ثلاثين يوما للرؤية، وأهل بلد تسعة وعشرين يوما أن على الذين صاموا تسعة وعشرين يوما قضاء يوم. وأصحاب الشافعي لا يرون ذلك، إذ كانت المطالع في البلدان يجوز أن تختلف. وحجة أصحاب أبي حنيفة قوله تعالى :" ولتكملوا العدة " وثبت برؤية أهل بلد أن العدة ثلاثون فوجب على هؤلاء إكمالها. ومخالفهم يحتج بقوله صلى اللّه عليه وسلم :( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ) الحديث، وذلك يوجب اعتبار عادة كل قوم في بلدهم. وحكى أبو عمر الإجماع على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلدان كالأندلس من خراسان، قال : ولكل بلد رؤيتهم، إلا ما كان كالمصر الكبير وما تقاربت أقطاره من بلدان المسلمين. روى مسلم عن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام قال : فقدمت الشام فقضيت حاجتها واستهل عليّ رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبدالله بن عباس رضي اللّه عنهما، ثم ذكر الهلال فقال : متى رأيتم الهلال ؟ فقلت : رأيناه ليلة الجمعة. فقال : أنت رأيته ؟ فقلت نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية. فقال : لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت : أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه ؟ فقال لا، هكذا أمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. قال علماؤنا : قول ابن عباس ( هكذا أمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) كلمة تصريح برفع ذلك إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم وبأمره. فهو حجة على أن البلاد إذا تباعدت كتباعد الشام من الحجاز فالواجب على أهل كل بلد أن تعمل على رؤيته دون رؤية غيره، وإن ثبت ذلك عند الإمام الأعظم، ما لم يحمل الناس على ذلك، فإن حمل فلا تجوز مخالفته. وقال الكيا الطبري : قوله ( هكذا أمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) يحتمل أن يكون تأول فيه قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ). وقال ابن العربي : واختلف في تأويل قول[(٦)](#foonote-٦) ابن عباس هذا[(٧)](#foonote-٧) فقيل : رده لأنه١ راجع ص ٢٧٤ من هذا الجزء..
٢ هي الصلاة التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقت الضحى..
٣ الذي في ابن خلكان: "غيمان- بغير معجمة وياء تحتها نقطتان- ويقال عثمان- بعين مهملة وثاء مثلثة-، وابن جثيل- بجيم مثلثة وياء ساكنة تحتها نقطتان. وقال ابن سعد: هو خثيل بخاء معجمة". وقد ورد هذا النسب في الأصول محرفا..
٤ راجع ج ١٠ ص ١٠٨..
٥ كذا في ا، ب، ج، ز، و "بالتنوين: كلمة يدعى بها للعاثر، معناها الارتفاع والإقالة زمن العثرة، فإذا أريد الدعاء عليه قبل: لا لعا. وفي ح: "لا يقال بها". وفي أحكام القرآن لابن العربي: "لا يقال لها"..
٦ الزيادة عن "أحكام القرآن" لابن العربي..
٧ الزيادة عن "أحكام القرآن" لابن العربي..

### الآية 2:186

> ﻿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [2:186]

**فيه أربع مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" وإذا سألك " المعنى وإذا سألوك عن المعبود فأخبرهم أنه قريب يثيب على الطاعة ويجيب الداعي، ويعلم ما يفعله العبد من صوم وصلاة وغير ذلك. واختلف في سبب نزولها، فقال مقاتل : إن عمر رضي اللّه عنه واقع امرأته بعد ما صلى العشاء فندم على ذلك وبكى، وجاء إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأخبره بذلك ورجع مغتما، وكان ذلك قبل نزول الرخصة، فنزلت هذه الآية :" إذا سألك عبادي عني فإني قريب ". وقيل : لما وجب عليهم في الابتداء ترك الأكل بعد النوم فأكل بعضهم ثم ندم، فنزلت هذه الآية في قبول التوبة ونسخ ذلك الحكم، على ما يأتي بيانه[(١)](#foonote-١). وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : قالت اليهود كيف يسمع ربنا دعاءنا، وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء خمسمائة عام، وغلظ كل سماء مثل ذلك ؟ فنزلت هذه الآية. وقال الحسن : سببها أن قوما قالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم : أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه ؟ فنزلت. وقال عطاء وقتادة : لما نزلت :" وقال ربكم ادعوني أستجب لكم[(٢)](#foonote-٢) " \[ غافر : ٦٠ \] قال قوم : في أي ساعة ندعوه ؟ فنزلت. 
الثانية : قوله تعالى :" فإني قريب " أي بالإجابة. وقيل بالعلم. وقيل : قريب من أوليائي بالإفضال والإنعام. 
الثالثة : قوله تعالى :" أجيب دعوة الداعي إذا دعان " أي أقبل عبادة من عبدني، فالدعاء بمعنى العبادة، والإجابة بمعنى القبول. دليله ما رواه أبو داود عن النعمان بن بشير عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال :( الدعاء هو العبادة قال ربكم ادعوني أستجب لكم ) فسمي الدعاء عبادة، ومنه قوله تعالى :" إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين[(٣)](#foonote-٣) " \[ غافر : ٦٠ \] أي دعائي. فأمر تعالى بالدعاء وحض عليه وسماه عبادة، ووعد بأن يستجيب لهم. روى ليث عن شهر بن حوشب عن عبادة بن الصامت قال سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول :( أعطيت أمتي ثلاثا لم تعط إلا الأنبياء، كان اللّه إذا بعث نبيا قال : ادعني أستجب لك، وقال لهذه الأمة : ادعوني أستجب لكم، وكان اللّه إذا بعث النبي قال له : ما جعل عليك في الدين من حرج، وقال لهذه الأمة : ما جعل عليكم في الدين من حرج، وكان اللّه إذا بعث النبي جعله شهيدا على قومه، وجعل هذه الأمة شهداء على الناس ). وكان خالد الربعي يقول : عجبت لهذه الأمة في " ادعوني أستجب لكم " \[ غافر : ٦٠ \] أمرهم بالدعاء ووعدهم بالإجابة، وليس بينهما شرط. قال له قائل : مثل ماذا ؟ قال مثل قوله :" وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات[(٤)](#foonote-٤) " \[ البقرة : ٢٥ \] فههنا شرط، وقوله :" وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق[(٥)](#foonote-٥) " \[ يونس : ٢ \] فليس فيه شرط العمل، ومثل قوله :" فادعوا الله مخلصين له الدين[(٦)](#foonote-٦) " \[ غافر : ١٤ \] فههنا شرط، وقوله :" ادعوني أستجب لكم " ليس فيه شرط. وكانت الأمم تفزع إلى أنبيائها في حوائجهم حتى تسأل الأنبياء لهم ذلك. فإن قيل : فما للداعي قد يدعو فلا يجاب ؟ فالجواب أن يعلم أن قوله الحق في الآيتين " أجيب " " أستجب " لا يقتضي الاستجابة مطلقا لكل داع على التفصيل، ولا بكل مطلوب على التفصيل، فقد قال ربنا تبارك وتعالى في آية أخرى :" ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين[(٧)](#foonote-٧) " \[ الأعراف : ٥٥ \] وكل مصر على كبيرة عالما بها أو جاهلا فهو معتد، وقد أخبر أنه لا يحب المعتدين فكيف يستجيب له. وأنواع الاعتداء كثيرة، يأتي بيانها هنا وفي " الأعراف " إن شاء اللّه تعالى. وقال بعض العلماء : أجيب إن شئت، كما قال :" فيكشف ما تدعون إليه إن شاء[(٨)](#foonote-٨) " \[ الأنعام : ٤١ \] فيكون هذا من باب المطلق والمقيد. وقد دعا النبي صلى اللّه عليه وسلم في ثلاث فأعطي اثنتين ومنع واحدة، على ما يأتي بيانه في " الأنعام " إن شاء اللّه تعالى. وقيل : إنما مقصود هذا الإخبار تعريف جميع المؤمنين أن هذا وصف ربهم سبحانه أن يجيب دعاء الداعين في الجملة، وأنه قريب من العبد يسمع دعاءه ويعلم اضطراره فيجيبه بما شاء وكيف شاء " ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له " \[ الأحقاف : ٥ \] الآية. وقد يجيب السيد[(٩)](#foonote-٩) عبده والوالد ولده ثم لا يعطيه سؤله. فالإجابة كانت حاصلة لا محالة عند وجود الدعوة ؛ لأن أجيب وأستجب خبر لا ينسخ فيصير المخبر كذابا. يدل على هذا التأويل ما روى ابن عمر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال :( من فتح له في الدعاء فتحت له أبواب الإجابة ). وأوحى اللّه تعالى إلى داود : أن قل للظلمة من عبادي لا يدعوني فإني أوجبت على نفسي أن أجيب من دعاني وإني إذا أجبت الظلمة لعنتهم. وقال قوم : إن اللّه يجيب كل الدعاء، فإما أن تظهر الإجابة في الدنيا، وإما أن يكفر عنه، وإما أن يدخر له في الآخرة، لما رواه أبو سعيد الخدري قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :( ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه اللّه بها إحدى ثلاث : إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخر له وإما أن يكف عنه من السوء بمثلها ). قالوا : إذن نكثر ؟ قال :( لله أكثر ). خرجه أبو عمر بن عبد البر، وصححه أبو محمد عبد الحق، وهو في الموطأ منقطع السند. قال أبو عمر : وهذا الحديث يخرج في التفسير المسند لقول اللّه تعالى " ادعوني أستجب لكم " \[ غافر : ٦٠ \] فهذا كله من الإجابة. وقال ابن عباس : كل عبد دعا استجيب له، فإن كان الذي يدعو به رزقا له في الدنيا أعطيه، وإن لم يكن رزقا له في الدنيا ذخر له. قلت : وحديث أبي سعيد الخدري وإن كان إذنا بالإجابة في إحدى ثلاث فقد دلك على صحة ما تقدم من اجتناب الاعتداء المانع من الإجابة حيث قال فيه :( ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ) وزاد مسلم :( ما لم يستعجل ). رواه عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال :( لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل - قيل : يا رسول اللّه، ما الاستعجال ؟ قال - يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجيب لي فيستحسر[(١٠)](#foonote-١٠) عند ذلك ويدع الدعاء ). وروى البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عيه وسلم قال :( يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول دعوت فلم يستجب لي ). قال علماؤنا رحمة اللّه عليهم : يحتمل قوله ( يستجاب لأحدكم ) الإخبار عن \[ وجوب \][(١١)](#foonote-١١) وقوع الإجابة، والإخبار عن جواز وقوعها، فإذا كان بمعنى الإخبار عن الوجوب والوقوع فإن الإجابة تكون بمعنى الثلاثة الأشياء المتقدمة. فإذا قال : قد دعوت فلم يستجب لي، بطل وقوع أحد هذه الثلاثة الأشياء، وعري الدعاء من جميعها. وإن كان بمعنى جواز الإجابة فإن الإجابة حينئذ تكون بفعل ما دعا به خاصة، ويمنع من ذلك قول الداعي : قد دعوت فلم يستجب لي ؛ لأن ذلك من باب القنوط وضعف اليقين والسخط. 
قلت : ويمنع من إجابة الدعاء أيضا أكل الحرام وما كان في معناه، قال صلى اللّه عليه وسلم :( الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنَّى يستجاب لذلك ) وهذا استفهام على جهة الاستبعاد من قبول دعاء من هذه صفته، فإن إجابة الدعاء لا بد لها من شروط في الداعي وفي الدعاء وفي الشيء المدعو به. فمن شرط الداعي أن يكون عالما بأن لا قادر على حاجته إلا اللّه، وأن الوسائط في قبضته ومسخرة بتسخيره، وأن يدعو بنية صادقة وحضور قلب، فإن اللّه لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه، وأن يكون مجتنبا لأكل الحرام، وألا يمل من الدعاء. ومن شرط المدعو فيه أن يكون من الأمور الجائزة الطلب والفعل شرعا، كما قال :( ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ) فيدخل في الإثم كل ما يأثم به من الذنوب، ويدخل في الرحم جميع حقوق المسلمين ومظالمهم. وقال سهل بن عبدالله التستري : شروط الدعاء سبعة : أولها التضرع والخوف والرجاء والمداومة والخشوع والعموم وأكل الحلال. وقال ابن عطاء : إن للدعاء أركانا وأجنحة وأسبابا وأوقاتا، فإن وافق أركانه قوي، وإن وافق أجنحته طار في السماء، وإن وافق مواقيته فاز، وإن وافق أسبابه أنجح. فأركانه حضور القلب والرأفة والاستكانة والخشوع، وأجنحته الصدق، ومواقيته الأسحار، وأسبابه الصلاة على محمد صلى اللّه عليه وسلم. وقيل : شرائطه أربع : أولها حفظ القلب عند الوحدة، وحفظ اللسان مع الخلق، وحفظ العين عن النظر إلى ما لا يحل، وحفظ البطن من الحرام. وقد قيل : إن من بين شرط الدعاء أن يكون سليما من اللحن، كما أنشد بعضهم :ينادي ربه باللحن ليثٌ  كذاك إذا دعاه لا يجيبوقيل لإبراهيم بن أدهم : ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا ؟ قال : لأنكم عرفتم اللّه فلم تطيعوه، وعرفتم الرسول فلم تتبعوا سنته، وعرفتم القرآن فلم تعملوا به، وأكلتم نعم اللّه فلم تؤدوا شكرها، وعرفتم الجنة فلم تطلبوها، وعرفتم النار فلم تهربوا منها، وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه، وعرفتم الموت فلم تستعدوا له، ودفنتم الأموات فلم تعتبروا، وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس. قال علي رضي اللّه عنه لنوف البكالي : يا نوف، إن اللّه أوحى إلى داود أن مر بني إسرائيل ألا يدخلوا بيتا من بيوتي إلا بقلوب طاهرة، وأبصار خاشعة، وأيد نقية، فإني لا أستجيب لأحد منهم، ما دام لأحد من خلقي مظلمة. يا نوف، لا تكونن شاعرا ولا عريفا ولا شرطيا ولا جابيا ولا عشارا[(١٢)](#foonote-١٢)، فإن داود قام في ساعة من الليل فقال : إنها ساعة لا يدعو عبد إلا استجيب له فيها، إلا أن يكون عريفا أو شرطيا أو جابيا أو عشارا، أو صاحب عرطبة، وهي الطنبور، أو صاحب كوبة، وهي الطبل. قال علماؤنا : ولا يقل الداعي : اللهم اعطني إن شئت، اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، بل يعري سؤاله ودعاءه من لفظ المشيئة، ويسأل سؤال من يعلم أنه لا يفعل إلا أن يشاء. وأيضا فإن في قوله :" إن شئت " نوع من الاستغناء عن مغفرته وعطائه ورحمته، كقول القائل : إن شئت أن تعطيني كذا فافعل، لا يستعمل هذا إلا مع الغني عنه، وأما المضطر إليه فإنه يعزم في مسألته ويسأل سؤال فقير مضطر إلى ما سأله. روى الأئمة واللفظ للبخاري عن أنس بن مالك قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :( إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة ولا يقولن اللهم إن شئت فأعطني فإنه لا مستكره له ). وفي الموطأ :( اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت ). قال علماؤنا : قوله ( فليعزم المسألة ) دليل على أنه ينبغي للمؤمن أن يجتهد في الدعاء ويكون على رجاء من الإجابة، ولا يقنط من رحمة اللّه، لأنه يدعو كريما. قال سفيان بن عيينة : لا يمنعن أحدا من الدعاء ما يعلمه من نفسه فإن اللّه قد أجاب دعاء شر الخلق إبليس، قال : رب فأنظرني إلى يوم يبعثون، قال فإنك من المنظرين. وللدعاء أوقات وأحوال يكون الغالب فيها الإجابة، وذلك كالسحر ووقت الفطر، وما بين الأذان والإقامة، وما بين الظهر والعصر في يوم الأربعاء، وأوقات الاضطرار وحالة السفر والمرض، وعند نزول المطر والصف في سبيل اللّه. كل هذا جاءت به الآثار، ويأتي بيانها في مواضعها. وروى شهر بن حوشب أن أم الدرداء قالت له : يا شهر، ألا تجد القشعريرة ؟ قلت : نعم. قالت : فادع اللّه فإن الدعاء مستجاب عند ذلك. وقال جابر بن ع١ راجع ص ٣١٤ من هذا الجزء..
٢ راجع ج ١٥ ص ٣٢٦..
٣ راجع ج ١٥ ص ٣٢٦.
٤ راجع ج ١ ص ٢٣٨.
٥ راجع ج ٨ ص ٣٠٦.
٦ راجع ج ١٥ ص ٢٩٩.
٧ راجع ج ٧ ص ٢٢٢.
٨ راجع ج ٦ ص ٤٢٣.
٩ راجع ج ١٦ ص ١٨٣.
١٠ يستحسر: ينقطع عن الدعاء ويمله..
١١ زيادة عن الموطأ يقتضها السياق..
١٢ العريف: الذي يلي أمور طائفة من الناس ويتعرف أمورهم ويبلغها للأمير. والشرطي (كتركى وكجهني): هم أعوان الحاكم. والعشار: من يتولى أخذ أعشار الأموال..

### الآية 2:187

> ﻿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [2:187]

**فيه ست وثلاثون مسألة :**
الأولى : قوله تعالى :" أحل لكم " لفظ " أحل " يقتضي أنه كان محرما قبل ذلك ثم نسخ. روى أبو داود عن ابن أبي ليلى قال وحدثنا أصحابنا قال : وكان الرجل إذا أفطر[(١)](#foonote-١) فنام قبل أن يأكل لم يأكل حتى يصبح، قال : فجاء عمر فأراد امرأته فقالت : إني قد نمت، فظن أنها تعتل فأتاها. فجاء رجل من الأنصار فأراد طعاما فقالوا : حتى نسخن لك شيئا فنام، فلما أصبحوا أنزلت هذه الآية، وفيها :" أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ". وروى البخاري عن البراء قال : كان أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وأن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما - وفي رواية : كان يعمل في النخيل بالنهار وكان صائما - فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها : أعندك طعام ؟ قالت : لا، ولكن أنطلق فأطلب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته، فلما رأته قالت : خيبة لك فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي صلى اللّه عليه وسلم فنزلت هذه الآية :" أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم " ففرحوا فرحا شديدا، ونزلت :" وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ". وفي البخاري أيضا عن البراء قال : لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل اللّه تعالى :" علم اللّه أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم " يقال : خان واختان بمعنى من الخيانة، أي تخونون أنفسكم بالمباشرة في ليالي الصوم. ومن عصى اللّه فقد خان نفسه إذ جلب إليها العقاب. وقال القتبي : أصل الخيانة أن يؤتمن الرجل على شيء فلا يؤدي الأمانة فيه. وذكر الطبري : أن عمر رضي اللّه تعالى عنه رجع من عند النبي صلى اللّه عليه وسلم وقد سمر عنده ليلة فوجد امرأته قد نامت فأرادها فقالت له : قد نمت، فقال لها : ما نمت، فوقع بها. وصنع كعب بن مالك مثله، فغدا عمر على النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : أعتذر إلى اللّه وإليك، فإن نفسي زينت لي فواقعت أهلي، فهل تجد لي من رخصة ؟ فقال لي :( لم تكن حقيقا يا عمر ) فلما بلغ بيته أرسل إليه فأنبأه بعذره في آية من القرآن. وذكره النحاس ومكي، وأن عمر نام ثم وقع بامرأته، وأنه أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فأخبره بذلك فنزلت :" علم اللّه أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن " الآية. 
الثانية : قوله تعالى :" ليلة الصيام الرفث " ( ليلة ) نصب على الظرف وهي اسم جنس فلذلك أفردت. 
قوله تعالى :" الرفث إلى نسائكم " والرفث : كناية عن الجماع لأن اللّه عز وجل كريم يكني، قاله ابن عباس والسدي. وقال الزجاج : الرفث كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من امرأته، وقال الأزهري أيضا. وقال ابن عرفة : الرفث ههنا الجماع. والرفث : التصريح بذكر الجماع والإعراب به. قال الشاعر :ويُرَيْنَ من أُنس الحديث زوانيا  وبهن عن رفث الرجال نِفَارُوقيل : الرفث أصله قول الفحش، يقال : رفث وأرفث إذا تكلم بالقبيح، ومنه قول الشاعر :وربَّ أسْرَابِ حجيج كظَّم  عن اللَّغا ورَفَثِ التكلموتعدى " الرفث " بإلى في قوله تعالى جده :" الرفث إلى نسائكم ". وأنت لا تقول : رفثت إلى النساء، ولكنه جيء به محمولا على الإفضاء الذي يراد به الملابسة في مثل قوله :" وقد أفضى بعضكم إلى بعض[(٢)](#foonote-٢) " \[ النساء : ٢١ \]. ومن هذا المعنى :" وإذا خلوا إلى شياطينهم " \[ البقرة : ١٤ \] كما تقدم[(٣)](#foonote-٣). وقوله :" يوم يحمى عليها " \[ التوبة : ٣٥ \] أي يوقد ؛ لأنك تقول : أحميت الحديدة في النار، وسيأتي[(٤)](#foonote-٤)، ومنه قوله :" فليحذر الذين يخالفون عن أمره[(٥)](#foonote-٥)، " \[ النور : ٦٣ \] حمل على معنى ينحرفون عن أمره أو يروغون عن أمره، لأنك تقول : خالفت زيدا. ومثله قوله تعالى :" وكان بالمؤمنين رحيما[(٦)](#foonote-٦) " \[ الأحزاب : ٤٣ \] حمل على معنى رؤوف في نحو " بالمؤمنين رؤوف رحيم[(٧)](#foonote-٧) " \[ التوبة : ١٢٨ \]، ألا ترى أنك تقول : رؤفت به، ولا تقول رحمت به، ولكنه لما وافقه في المعنى نزل منزلته في التعدية. ومن هذا الضرب قول أبي كبير الهذلي :حملت به في ليلة مَزْؤُودَةٍ[(٨)](#foonote-٨)  كَرْهاً وعقدُ نطاقها لم يُحْلَلِعدى " حملت " بالباء، وحقه أن يصل إلى المفعول بنفسه، كما جاء في التنزيل :" حملته أمه كرها ووضعته كرها[(٩)](#foonote-٩) " \[ الأحقاف : ١٥ \]، ولكنه قال : حملت به ؛ لأنه في معنى حبلت به. 
الثالثة : قوله تعالى :" هن لباس لكم " ابتداء وخبر، وشددت النون من " هن " لأنها بمنزلة الميم والواو في المذكر. " وأنتم لباس لهن " أصل اللباس في الثياب، ثم سمي امتزاج كل واحد من الزوجين بصاحبه لباسا، لانضمام الجسد وامتزاجهما وتلازمهما تشبيها بالثوب. وقال النابغة الجعدي :إذا ما الضجيع ثنى جيدَها  تداعت فكانت عليه لباسا**وقال أيضا :**لبستُ أناسا فأفنيتهم  وأفنيت بعد أناسٍ أناساوقال بعضهم : يقال لما ستر الشيء وداراه : لباس. فجائز أن يكون كل واحد منهما سترا لصاحبه عما لا يحل، كما ورد في الخبر. وقيل : لأن كل واحد منهما ستر لصاحبه فيما يكون بينهما من الجماع من أبصار الناس. وقال أبو عبيد وغيره : يقال للمرأة هي لباسك وفراشك وإزارك. قال رجل لعمر بن الخطاب :ألا أبلغ أبا حفص رسولا  فِدىً لك من أخي ثقةٍ إزاريقال أبو عبيد : أي نسائي. وقيل نفسي. وقال الربيع : هن فراش لكم، وأنتم لحاف لهن. مجاهد : أي سكن لكم، أي يسكن بعضكم إلى بعض. 
الرابعة : قوله تعالى :" علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم " يستأمر بعضكم بعضا في مواقعة المحظور من الجماع والأكل بعد النوم في ليالي الصوم، كقوله تعالى :" تقتلون أنفسكم " \[ البقرة : ٨٥ \] يعني يقتل بعضكم بعضا. ويحتمل أن يريد به كل واحد منهم في نفسه بأنه يخونها، وسماه خائنا لنفسه من حيث كان ضرره عائدا عليه، كما تقدم. وقوله :" فتاب عليكم " يحتمل معنيين : أحدهما - قبول التوبة من خيانتهم لأنفسهم. والآخر - التخفيف عنهم بالرخصة والإباحة، كقوله تعالى :" علم أن لن تحصوه فتاب عليكم[(١٠)](#foonote-١٠) " \[ المزمل : ٢٠ \] يعني خفف عنكم. وقوله عقيب القتل الخطأ :" فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله[(١١)](#foonote-١١) " \[ النساء : ٩٢ \] يعني تخفيفا ؛ لأن القاتل خطأ لم يفعل شيئا تلزمه التوبة منه، وقال تعالى :" لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة[(١٢)](#foonote-١٢) " \[ التوبة : ١١٧ \] وإن لم يكن من النبي صلى اللّه عليه وسلم ما يوجب التوبة منه. وقوله :" وعفا عنكم " يحتمل العفو من الذنب، ويحتمل التوسعة والتسهيل، كقول النبي صلى اللّه عليه وسلم :( أول الوقت رضوان اللّه وآخره عفو اللّه ) يعني تسهيله وتوسعته. فمعنى " علم اللّه " أي علم وقوع هذا منكم مشاهدة " فتاب عليكم " بعد ما وقع، أي خفف عنكم " وعفا " أي سهل. و " تختانون " من الخيانة، كما تقدم. قال ابن العربي :" وقال علماء الزهد : وكذا فلتكن العناية وشرف المنزلة، خان نفسه عمر رضي اللّه عنه فجعلها اللّه تعالى شريعة، وخفف من أجله عن الأمة فرضي اللّه عنه وأرضاه ". 
قوله تعالى :" فالآن باشروهن " كناية عن الجماع، أي قد أحل لكم ما حرم عليكم. وسمي الوقاع مباشرة ؛ لتلاصق البشرتين فيه. قال ابن العربي : وهذا يدل على أن سبب الآية جماع عمر رضي اللّه عنه لا جوع قيس، لأنه لو كان السبب جوع قيس لقال : فالآن كلوا، ابتدأ به لأنه المهم الذي نزلت الآية لأجله. 
الخامسة : قوله تعالى :" وابتغوا ما كتب الله لكم " قال ابن عباس ومجاهد والحكم بن عيينة وعكرمة والحسن والسدي والربيع والضحاك : معناه وابتغوا الولد، يدل عليه أنه عقيب قوله :" فالآن باشروهن ". وقال ابن عباس : ما كتب اللّه لنا هو القرآن. الزجاج : أي ابتغوا القرآن بما أبيح لكم فيه وأمرتم به. وروي عن ابن عباس ومعاذ بن جبل أن المعنى وابتغوا ليلة القدر. وقيل : المعنى اطلبوا الرخصة والتوسعة، قاله قتادة. قال ابن عطية : وهو قول حسن. وقيل :" ابتغوا ما كتب اللّه لكم " من الإماء والزوجات. وقرأ الحسن البصري والحسن بن قرة " واتبعوا " من الاتباع، وجوزها ابن عباس، ورجح " ابتغوا " من الابتغاء. 
السادسة : قوله تعالى :" وكلوا واشربوا " هذا جواب نازلة قيس، والأول جواب عمر، وقد ابتدأ بنازلة عمر لأنه المهم فهو المقدم. 
السابعة : قوله تعالى :" حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر " " حتى " غاية للتبيين، ولا يصح أن يقع التبيين لأحد ويحرم عليه الأكل إلا وقد مضى لطلوع الفجر قدر. واختلف في الحد الذي بتبينه يجب الإمساك، فقال الجمهور : ذلك الفجر المعترض في الأفق يمنه ويسرة، وبهذا جاءت الأخبار ومضت عليه الأمصار. روى مسلم عن سمرة بن جندب رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :( لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير[(١٣)](#foonote-١٣) هكذا ). وحكاه حماد[(١٤)](#foonote-١٤) بيديه قال : يعني معترضا. وفي حديث ابن مسعود :( إن الفجر ليس الذي يقول[(١٥)](#foonote-١٥) هكذا - وجمع أصابعه ثم نكسها إلى الأرض - ولكن الذي يقول هكذا - ووضع المسبحة على المسبحة ومد يديه ). وروى الدارقطني عن عبد الرحمن بن عباس أنه بلغه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال :( هما فجران فأما الذي كأنه ذنب السرحان[(١٦)](#foonote-١٦) فإنه لا يحل شيئا ولا يحرمه وأما المستطيل الذي عارض الأفق ففيه تحل الصلاة ويحرم الطعام ) هذا مرسل. وقالت طائفة : ذلك بعد طلوع الفجر وتبينه في الطرق والبيوت، روي ذلك عن عمر[(١٧)](#foonote-١٧) وحذيفة وابن عباس وطلق بن علي وعطاء بن أبي رباح والأعمش سليمان وغيرهم أن الإمساك يجب بتبيين الفجر في الطرق وعلى رؤوس الجبال. وقال مسروق : لم يكن يعدون الفجر فجركم إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت. وروى النسائي عن عاصم عن زر قال : قلنا لحذيفة : أي ساعة تسحرت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ قال : هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع. وروى الدارقطني عن طلق بن علي أن نبي اللّه قال :( كلوا وأشربوا ولا يغرنكم الساطع المصعد وكلوا واشربوا حتى يعرض لكم الأحمر ). قال الدارقطني :\[ قيس بن طلق \][(١٨)](#foonote-١٨) ليس بالقوي. وقال أبو داود : هذا مما تفرد به أهل اليمامة. قال الطبري : والذي قادهم إلى هذا الصوم إنما هو في النهار، والنهار عندهم من طلوع الشمس، وآخره غروبها، وقد مضى[(١٩)](#foonote-١٩) الخلاف في هذا بين اللغويين. وتفسير رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذلك بقوله :( إنما هو سواد الليل وبياض النهار ) الفيصل في ذلك، وقوله " أياما معدودات " \[ البقرة : ١٨٤ \]. وروى الدارقطني عن عائشة رضي اللّه عنها عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال :( من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له ). تفرد به عبد الله بن عباد عن المفضل بن فضالة بهذا الإسناد، وكلهم ثقات. وروي عن حفصة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال :( من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له ). رفعه عبدالله بن أبي بكر وهو من الثقات الرفعاء، وروي عن حفصة مرفوعا من قولها. ففي هذين الحديثين دليل على ما قاله الجمهور في الفجر، ومنع من الصيام دون نية قبل الفجر، خلافا لقول أبي حنيفة، وهي :
الثام١ الذي في مسند أبي داود: "إذا صام فنام... ".
٢ راجع ج ٥ ص ١٠٢.
٣ ج ١ ص ٢٠٦.
٤ ج ٨ ص ١٢٩.
٥ ج ١٢ ص ٣٢٢.
٦ ج ١٤ ص ١٩٨.
٧ ج ٨ ص ٣٠٢.
٨ مزءودة: فزعة.
٩ ج : ١٦ ص ٣١٩.
١٠ راجع ج ١٩ ص ٥١.
١١ راجع ج ٥ ص ٣٢٧.
١٢ راجع ج ٨ ص ٢٧٧.
١٣ يستطير: أي ينتشر ضوءه ويعترض في الأفق المستطيل، والاستطارة هذه تكون بعد غيبوبة ذلك المستطيل..
١٤ حماد هذا هو حماد بن زيد أحد رجال سند هذا الحديث..
١٥ قال ابن الأثير في النهاية: "العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال وتطلقه على غير الكلام واللسان، فتقول: قال بيده، أي أخذ. وقال برجله، أي مشى. وقال بثوبه، أي رفعه، وكل ذلك على المجاز والاتساع" فمعنى يقول هنا: يظهر..
١٦ السرحان (بكسر فسكون): الذئب، وقيل: الأسد، وجمعه سراح وسراحين..
١٧ في بعض النسخ: "عثمان"..
١٨ التكملة عن سنن الدارقطني يقتضيها السياق..
١٩ تراجع المسألة الثانية ص ١٩٢ من هذا الجزء..

### الآية 2:188

> ﻿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [2:188]

**فيه ثماني مسائل :**
الأولى : قوله تعالى : ولا تأكلوا أموالكم بينكم  قيل : إنه نزل في عبدان بن أشوع الحضرمي، ادعى مالا على امرئ القيس الكندي واختصما إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم، فأنكر امرؤ القيس وأراد أن يحلف فنزلت هذه الآية، فكف عن اليمين وحكم عبدان في أرضه ولم يخاصمه. 
الثانية : الخطاب بهذه الآية يتضمن جميع أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم، والمعنى : لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق. فيدخل في هذا : القمار والخداع والغصوب وجحد الحقوق، وما لا تطيب به نفس مالكه، أو حرمته الشريعة وإن طابت به نفس مالكه، كمهر البغي وحلوان الكاهن وأثمان الخمور والخنازير وغير ذلك. ولا يدخل فيه الغبن في البيع مع معرفة البائع بحقيقة ما باع لأن الغبن كأنه هبة، على ما يأتي بيانه في سورة " النساء[(١)](#foonote-١) ". وأضيفت الأموال إلى ضمير المنهي لما كان كل واحد منهما منهيا ومنهيا عنه، كما قال :" تقتلون أنفسكم[(٢)](#foonote-٢) " \[ البقرة : ٨٥ \]. وقال قوم : المراد بالآية " لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل[(٣)](#foonote-٣) " \[ النساء : ٢٩ \] أي في الملاهي والقيان والشرب والبطالة، فيجيء على هذا إضافة المال إلى ضمير المالكين. 
الثالثة : من أخذ مال غيره لا على وجه إذن الشرع فقد أكله بالباطل، ومن الأكل بالباطل أن يقضي القاضي لك وأنت تعلم أنك مبطل، فالحرام لا يصير حلالا بقضاء القاضي ؛ لأنه إنما يقضي بالظاهر. وهذا إجماع في الأموال، وإن كان عند أبي حنيفة قضاؤه ينفذ في الفروج باطنا، وإذا كان قضاء القاضي لا يغير حكم الباطن في الأموال ففي الفروج أولى. وروى الأئمة عن أم سلمة قالت : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :( إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو مما أسمع فمن قطعت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من نار - في رواية - فليحملها أو يذرها ). وعلى القول بهذا الحديث جمهور العلماء وأئمة الفقهاء. وهو نص في أن حكم الحاكم على الظاهر لا يغير حكم الباطن، وسواء كان ذلك في الأموال والدماء والفروج، إلا ما حكي عن أبي حنيفة في الفروج، وزعم أنه لو شهد شاهدا زور على رجل بطلاق زوجته وحكم الحاكم بشهادتهما لعدالتهما عنده فإن فرجها يحل لمتزوجها - ممن يعلم أن القضية باطل - بعد العدة. وكذلك لو تزوجها أحد الشاهدين جاز عنده ؛ لأنه لما حلت للأزواج في الظاهر كان الشاهد وغيره سواء ؛ لأن قضاء القاضي قطع عصمتها، وأحدث في ذلك التحليل والتحريم في الظاهر والباطن جميعا، ولولا ذلك ما حلت للأزواج. واحتج بحكم اللعان وقال : معلوم أن الزوجة إنما وصلت إلى فراق زوجها باللعان الكاذب، الذي لو علم الحاكم كذبها فيه لحدها وما فرق بينهما، فلم يدخل هذا في عموم قوله عليه السلام :( فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه. . . ) الحديث. 
الرابعة : وهذه الآية متمسك كل مؤالف ومخالف في كل حكم يدعونه لأنفسهم بأنه لا يجوز، فيستدل عليه بقوله تعالى :" لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل " \[ النساء : ٢٩ \]. فجوابه أن يقال له : لا نسلم أنه باطل حتى تبينه بالدليل، وحينئذ يدخل في هذا العموم، فهي دليل على أن الباطل في المعاملات لا يجوز، وليس فيها تعيين الباطل. 
الخامسة : قوله تعالى :" بالباطل " الباطل في اللغة : الذاهب الزائل، يقال : بطل يبطل بطولا وبطلانا، وجمع الباطل بواطل. والأباطيل جمع البطولة. وتبطل أي اتبع اللّهو. وأبطل فلان إذا جاء بالباطل. وقوله تعالى :" لا يأتيه الباطل[(٤)](#foonote-٤) " \[ فصلت : ٤٢ \] قال قتادة : هو إبليس، لا يزيد في القرآن ولا ينقص. وقوله :" ويمح الله الباطل[(٥)](#foonote-٥) " \[ الشورى : ٢٤ \] يعني الشرك. والبطلة : السحرة. 
السادسة : قوله تعالى :" وتدلوا بها إلى الحكام " الآية. قيل : يعني الوديعة وما لا تقوم فيه بينة، عن ابن عباس والحسن. وقيل : هو مال اليتيم الذي في أيدي الأوصياء، يرفعه إلى الحكام إذا طولب به ليقتطع بعضه وتقوم له الظاهر حجة. وقال الزجاج : تعملون ما يوجبه ظاهر الأحكام وتتركون ما علمتم أنه الحق. يقال : أدلى الرجل بحجته أو بالأمر الذي يرجو النجاح به، تشبيها بالذي يرسل الدلو في البئر، يقال : أدلى دلوه : أرسلها. ودلاها : أخرجها. وجمع الدلو والدلاء : أدل ودلاء ودلي. والمعنى في الآية : لا تجمعوا بين أكل المال بالباطل وبين الإدلاء إلى الحكام بالحجج الباطلة، وهو كقوله :" ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق[(٦)](#foonote-٦) " \[ البقرة : ٤٢ \]. وهو من قبيل قولك : لا تأكل السمك وتشرب اللبن. وقيل : المعنى لا تصانعوا بأموالكم الحكام وترشوهم ليقضوا لكم على أكثر منها، فالباء إلزاق مجرد. قال ابن عطية : وهذا القول يترجح ؛ لأن الحكام مظنة الرشاء إلا من عصم وهو الأقل. وأيضا فإن اللفظين متناسبان : تدلوا من إرسال الدلو، والرشوة من الرشاء، كأنه يمد بها ليقضي الحاجة. 
قلت : ويقوي هذا قوله :" وتدلوا بها " تدلوا في موضع جزم عطفا على تأكلوا كما ذكرنا. وفي مصحف أبي " ولا تدلوا " بتكرار حرف النهي، وهذه القراءة تؤيد جزم " تدلوا " في قراءة الجماعة. وقيل :" تدلوا " في موضع نصب على الظرف، والذي ينصب في مثل هذا عند سيبويه " أن " مضمرة. والهاء في قوله " بها " ترجع إلى الأموال، وعلى القول الأول إلى الحجة ولم يجر لها ذكر، فقوي القول الثاني لذكر الأموال، واللّه أعلم. في الصحاح :" والرشوة معروفة، والرشوة بالضم مثله، والجمع رُشى ورِشى، وقد رشاه يرشوه. وارتشى : أخذ الرشوة. واسترشى في حكمه : طلب الرشوة عليه ". 
قلت : فالحكام اليوم عين الرشا لا مظنته، ولا حول ولا قوة إلا باللّه. 
السابعة : قوله تعالى :" لتأكلوا " نصب بلام كي. " فريقا " أي قطعة وجزءا، فعبر عن الفريق بالقطعة والبعض. والفريق : القطعة من الغنم تشذ عن معظمها. وقيل : في الكلام تقديم وتأخير، التقدير : لتأكلوا أموال فريق من الناس. " بالإثم " معناه بالظلم والتعدي، وسمي ذلك إثما لما كان الإثم يتعلق بفاعله. " وأنتم تعلمون " أي بطلان ذلك وإثمه، وهذه مبالغة في الجرأة والمعصية. 
الثامنة : اتفق أهل السنة على أن من أخذ ما وقع عليه اسم مال قل أو كثر أنه يفسق بذلك، وأنه محرم عليه أخذه. خلافا لبشر بن المعتمر ومن تابعه من المعتزلة، حيث قالوا : إن المكلف لا يفسق إلا بأخذ مائتي درهم ولا يفسق بدون ذلك. وخلافا لابن الجبائي حيث قال : إنه يفسق بأخذ عشرة دراهم ولا يفسق بدونها. وخلافا لابن الهذيل حيث قال : يفسق بأخذ خمسة دراهم. وخلافا لبعض قدرية البصرة حيث قال : يفسق بأخذ درهم فما فوق، ولا يفسق بما دون ذلك. وهذا كله مردود بالقرآن والسنة وباتفاق علماء الأمة، قال صلى اللّه عليه وسلم :( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ) الحديث، متفق على صحته. 
١ راجع ج ٥ ص ١٥٢.
٢ راجع ص ١٩ من هذا الجزء..
٣ راجع ج ٥ ص ١٥٠..
٤ راجع ج ١٥ ص ٣٦٧.
٥ راجع ج ١٦ ص ٢٥.
٦ راجع ج ١ ص ٣٤٠.

### الآية 2:189

> ﻿۞ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [2:189]

**فيه اثنتا عشرة مسألة :**
الأولى : قوله تعالى :" يسألونك عن الأهلة " هذا مما سأل عنه اليهود واعترضوا به على النبي صلى اللّه عليه وسلم، فقال معاذ : يا رسول اللّه، إن اليهود تغشانا ويكثرون مسألتنا عن الأهلة فما بال الهلال يبدو دقيقا ثم يزيد حتى يستوي ويستدير، ثم ينتقص حتى يعود كما كان ؟ فأنزل اللّه هذه الآية. 
وقيل : إن سبب نزولها سؤال قوم من المسلمين النبي صلى اللّه عليه وسلم عن الهلال وما سبب محاقه[(١)](#foonote-١) وكماله ومخالفته لحال الشمس، قال ابن عباس وقتادة والربيع وغيرهم. 
الثانية : قوله تعالى :" عن الأهلة " الأهلة جمع الهلال، وجمع وهو واحد في الحقيقة من حيث كونه هلالا واحدا في شهر، غير كونه هلالا في آخر، فإنما جمع أحواله من الأهلة. ويريد بالأهلة شهورها، وقد يعبر بالهلال عن الشهر لحلوله فيه، كما قال :أخوان من نجد على ثقة  والشهر مثل قُلامة الظُّفروقيل : سمي شهرا لأن الأيدي تشهر بالإشارة إلى موضع الرؤية ويدلون عليه. ويطلق لفظ الهلال لليلتين من آخر الشهر، وليلتين من أوله. وقيل : لثلاث من أوله. وقال الأصمعي : هو هلال حتى يحجر ويستدير له كالخيط الرقيق. وقيل : بل هو هلال حتى يبهر بضوئه السماء، وذلك ليلة سبع. قال أبو العباس : وإنما قيل له هلال لأن الناس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه. ومنه استهل الصبي إذا ظهرت حياته بصراخه. واستهل وجهه فرحا وتهلل إذا ظهر فيه السرور. قال أبو كبير :وإذا نظرت إلى أسرة وجهه  برقت كبرق العارض المتهَلِّلِويقال : أهللنا الهلال إذا دخلنا فيه. قال الجوهري :" وأهل الهلال واستهل على ما لم يسم فاعله. ويقال أيضا : استهل بمعنى تبين، ولا يقال : أهل ويقال : أهللنا عن ليلة كذا، ولا يقال : أهللناه فهل، كما يقال : أدخلناه فدخل، وهو قياسه ". قال أبو نصر عبدالرحيم القشيري في تفسيره : ويقال : أهل الهلال واستهل وأهللنا الهلال واستهللنا. 
الثالثة : قال علماؤنا : من حلف ليقضين غريمه أو ليفعلن كذا في الهلال أو رأس الهلال أو عند الهلال، ففعل ذلك بعد رؤية الهلال بيوم أو يومين لم يحنث. وجميع الشهور تصلح لجميع العبادات والمعاملات على ما يأتي. 
قوله تعالى :" قل هي مواقيت للناس والحج " تبيين لوجه الحكمة في زيادة القمر ونقصانه، وهو زوال الإشكال في الآجال والمعاملات والإيمان والحج والعدد والصوم والفطر ومدة الحمل والإجارات والأكرية، إلى غير ذلك من مصالح العباد. ونظيره قوله الحق :" وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب " \[ الإسراء : ١٢ \] على ما يأتي[(٢)](#foonote-٢). وقوله :" هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب[(٣)](#foonote-٣) " \[ يونس : ٥ \]. وإحصاء الأهلة أيسر من إحصاء الأيام. 
الرابعة : وبهذا الذي قررناه يرد على أهل الظاهر ومن قال بقولهم : إن المساقاة تجوز إلى الأجل المجهول سنين غير معلومة، واحتجوا بأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عامل اليهود على شطر الزرع والنخل ما بدا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من غير توقيت. وهذا لا دليل فيه، لأنه عليه السلام قال لليهود :( أقركم \[ فيها \][(٤)](#foonote-٤) ما أقركم اللّه ). وهذا أدل دليل وأوضح سبيل على أن ذلك خصوص له، فكان ينتظر في ذلك القضاء من ربه، وليس كذلك غيره. وقد أحكمت الشريعة معاني الإجارات وسائر المعاملات، فلا يجوز شيء منها إلا على ما أحكمه الكتاب والسنة، وقال به علماء الأمة. 
الخامسة : قوله تعالى :" مواقيت " المواقيت : جميع الميقات وهو الوقت. وقيل : الميقات منتهى الوقت. و " مواقيت " لا تنصرف، لأنه جمع لا نظير له في الآحاد، فهو جمع ونهاية جمع، إذ ليس يجمع فصار كأن الجمع تكرر فيها. وصرفت " قوارير " في قوله :" قواريرا[(٥)](#foonote-٥) " \[ الإنسان : ١٦ \] لأنها وقعت في رأس آية فنونت كما تنون القوافي، فليس هو تنوين الصرف الذي يدل على تمكن الاسم. 
السادسة : قوله تعالى :" والحج " بفتح الحاء قراءة الجمهور. وقرأ ابن أبي إسحاق بالكسر في جميع القرآن، وفي قوله :" حج البيت " \[ آل عمران : ٩٧ \] في " آل عمران[(٦)](#foonote-٦) ". سيبويه : الحج كالرد والشد، والحج كالذكر، فهما مصدران بمعنى وقيل : الفتح مصدر، والكسر الاسم. 
السابعة : أفرد سبحانه الحج بالذكر لأنه مما يحتاج فيه إلى معرفة الوقت، وأنه لا يجوز النسيء فيه عن وقته، بخلاف ما رأته العرب، فإنها كانت تحج بالعدد وتبدل الشهور، فأبطل اللّه قولهم وفعلهم، على ما يأتي بيانه في " براءة[(٧)](#foonote-٧) " إن شاء اللّه تعالى. 
الثامنة : استدل مالك رحمه اللّه وأبو حنيفة وأصحابهما في أن الإحرام بالحج يصح في غير أشهر الحج بهذه الآية، لأن اللّه تعالى جعل الأهلة كلها ظرفا لذلك، فصح أن يحرم في جميعها بالحج، وخالف في ذلك الشافعي ؛ لقوله تعالى :" الحج أشهر معلومات " \[ البقرة : ١٩٧ \] على ما يأتي. وأن معنى هذه الآية أن بعضها مواقيت للناس، وبعضها مواقيت للحج، وهذا كما تقول : الجارية لزيد وعمرو، وذلك يقضي أن يكون بعضها لزيد وبعضها لعمرو، ولا يجوز أن يقال : جميعها لزيد وجميعها لعمرو. والجواب أن يقال : إن ظاهر قوله " هي مواقيت للناس والحج " يقتضي كون جميعها مواقيت للناس وجميعها مواقيت للحج، ولو أراد التبعيض لقال : بعضها مواقيت للناس وبعضها مواقيت للحج. وهذا كما تقول : إن شهر رمضان ميقات لصوم زيد وعمرو. ولا خلاف أن المراد بذلك أن جميعه ميقات لصوم كل واحد منهما. وما ذكروه من الجارية فصحيح ؛ لأن كونها جمعاء لزيد مع كونها جمعاء لعمرو مستحيل، وليس كذلك في مسألتنا، فإن الزمان يصح أن يكون ميقاتا لزيد وميقاتا لعمرو، فبطل ما قالوه. 
التاسعة : لا خلاف بين العلماء أن من باع معلوما من السلع بثمن معلوم إلى أجل معلوم من شهور العرب أو إلى أيام معروفة العدد أن البيع جائز. وكذلك قالوا في السلم إلى الأجل المعلوم. واختلفوا في من باع إلى الحصاد أو إلى الدياس أو إلى العطاء وشبه ذلك، فقال مالك : ذلك جائز لأنه معروف، وبه قال أبو ثور. وقال أحمد : أرجو ألا يكون به بأس. وكذلك إلى قدوم الغزاة. وعن ابن عمر أنه كان يبتاع إلى العطاء. وقالت طائفة. ذلك غير جائز ؛ لأن اللّه تعالى وقت المواقيت وجعلها علما لآجالهم في بياعاتهم ومصالحهم. كذلك قال ابن عباس، وبه قال الشافعي والنعمان. قال ابن المنذر : قول ابن عباس صحيح. 
العاشرة : إذا رئي الهلال كبيرا فقال علماؤنا : لا يعول على كبره ولا على صغره وإنما هو ابن ليلته. روى مسلم عن أبي البختري قال : خرجنا للعمرة فلما نزلنا ببطن نخلة قال : تراءينا الهلال، فقال بعض القوم : هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم : هو ابن ليلتين. قال : فلقينا ابن عباس فقلنا : إنا رأينا الهلال فقال بعض القوم هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم هو ابن ليلتين. فقال : أي ليلة رأيتموه ؟ قال فقلنا : ليلة كذا وكذا. فقال : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال :( إن اللّه مده للرؤية ) فهو لليلة رأيتموه. 
الحادية عشرة : قوله تعالى :" وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها " اتصل هذا بذكر مواقيت الحج لاتفاق وقوع القضيتين في وقت السؤال عن الأهلة وعن دخول البيوت من ظهورها، فنزلت الآية فيهما جميعا. وكان الأنصار إذا حجوا وعادوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم، فإنهم كانوا إذا أهلوا بالحج أو العمرة يلتزمون شرعا ألا يحول بينهم وبين السماء حائل، فإذا خرج الرجل منهم بعد ذلك، أي من بعد إحرامه من بيته، فرجع لحاجة لا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف البيت أن يحول بينه وبين السماء، فكان يتسنم ظهر بيته على الجدران ثم يقوم في حجرته فيأمر بحاجته فتخرج إليه من بيته. فكانوا يرون هذا من النسك والبر، كما كانوا يعتقدون أشياء نسكا، فرد عليهم فيها، وبين الرب تعالى أن البر في امتثال أمره. وقال ابن عباس في رواية أبي صالح : كان الناس في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا أحرم رجل منهم بالحج فإن كان من أهل المدر - يعني من أهل البيوت - نقب في ظهر بيته فمنه يدخل ومنه يخرج، أو يضع سلما فيصعد منه وينحدر عليه. وإن كان من أهل الوبر - يعني أهل الخيام - يدخل من خلف الخيام الخيمة، إلا من كان من الحمس. وروى الزهري أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أهل زمن الحديبية بالعمرة فدخل حجرته ودخل خلفه رجل أنصاري من بني سلمة، فدخل وخرق عادة قومه، فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم :( لم دخلت وأنت قد أحرمت ). فقال : دخلت أنت فدخلت بدخولك. فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم :( إني أَحْمَس " أي من قوم لا يدينون بذلك. فقال له الرجل : وأنا ديني دينك، فنزلت الآية، وقال ابن عباس وعطاء وقتادة، وقيل : إن هذا الرجل هو قطبة بن عامر الأنصاري. 
والحمس : قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وجشم[(٨)](#foonote-٨) وبنو عامر بن صعصعة وبنو نصر بن معاوية. وسموا حمسا لتشديدهم في دينهم. والحماسة الشدة. قال العجاج :
وكم قطعنا من قِفَافٍ[(٩)](#foonote-٩) حُمْس
أي شداد. ثم اختلفوا في تأويلها، فقيل ما ذكرنا، وهو الصحيح. وقيل : إنه النسيء وتأخير الحج به، حتى كانوا يجعلون الشهر الحلال حراما بتأخير الحج إليه، والشهر الحرام حلالا بتأخير الحج عنه، فيكون ذكر البيوت على هذا مثلا لمخالفة الواجب في الحج وشهوره. وسيأتي بيان النسيء في سورة \[ براءة[(١٠)](#foonote-١٠) \] إن شاء الله تعالى. وقال أبو عبيدة : الآية ضرب مثل، المعنى ليس البر أن تسألوا الجهال ولكن اتقوا الله واسألوا العلماء، فهذا كما تقول : أتيت هذا الأمر من بابه. وحكى المهدوي ومكي عن ابن الأنباري، والماوردي عن ابن زيد أن الآية مثل في جماع النساء، أمر بإتيانهن في القبل لا من الدبر. وسمي النساء بيوتا للإيواء إليهن كالإيواء إلى البيوت. قال ابن عطية : وهذا بعيد مغير نمط الكلام. وقال الحسن : كانوا يتطيرون، فمن سافر ولم تحصل حاجته كان يأتي بيته من وراء ظهره تطيرا من الخيبة، فقيل لهم : ليس في التطير بر، بل البر أن تتقوا الله وتتوكلوا عليه. 
قلت : القول الأول أصح هذه الأقوال، لما رواه البراء قال : كان الأنصار إذا حجوا فرجعوا لم يدخلوا البيوت من أبوابها، قال : فجاء رجل من الأنصار فدخل من بابه، فقيل له في ذلك، فنزلت هذه الآية :" وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها " وهذا نص في البيوت حقيقة. خرجه البخاري ومسلم. وأما تلك الأقوال فتؤخذ من موضع آخر لا من الآية، فتأمله. وقد قيل : إن الآية خرجت مخرج التنبيه من الله تعالى على أن يأتوا البر من وجهه، وهو الوجه الذي أمر الله تعالى به، فذكر إتيان البيوت من أبوابها مثلا ليشير به إلى أن نأتي الأمور من مأتاها الذي ندبنا الله تعالى إليه. 
قلت : فعلى هذا يصح ما ذكر من الأقوال. والبيوت جمع بيت، وقرئ بضم الباء وكسرها. وتقدم معنى التقوى والفلاح ولعل، فلا معنى للإعادة[(١١)](#foonote-١١). 
الثانية عشرة : في هذه الآية بيان أن ما لم يشرعه الله قربة ولا ندب إليه لا يصير قربة بأن يتقرب به متقرب. قال ابن خويز منداد : إذا أشكل ما هو بر وقربة بما ليس هو بر وقربة أن ينظر في ذلك العمل، فإن كان له ن١ المحاق (بتثليث الميم): أن ستستر القمر ليلتين فلا يرى غدوة ولا عشية..
٢ راجع ج ١٠ ص ٢٢٧.
٣ راجع ج ٨ ص ٣٠٩.
٤ الزيادة عن الموطأ..
٥ راجع ج ١٩ ص ١٣٨.
٦ راجع ج ٤ ص ١٤٢.
٧ راجع ج ٨ ص ١٣٦.
٨ كذا في ج. وفي سائر الأصول والفخر الرازي: "خثيم" وفي البحر لأبي حيان: "خثعم"..
٩ في نسخ الأصل: "قفار" بالراء، والتصويب عن اللسان. والقفاف: الأماكن الغلاظ الصلبة..
١٠ راجع ج ٨ ص ١٣٦.
١١ راجع ج ١ ص ١٦١، ١٨٢، ٢٢٧ طبعة ثانية..

### الآية 2:190

> ﻿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [2:190]

**فيه ثلاث مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" وقاتلوا " هذه الآية أول آية نزلت في الأمر بالقتال، ولا خلاف في أن القتال كان محظورا قبل الهجرة بقوله :" ادفع بالتي هي أحسن[(١)](#foonote-١) " \[ فصلت : ٣٤ \] وقوله :" فاعف عنهم واصفح[(٢)](#foonote-٢) " \[ المائدة : ١٣ \] وقوله :" واهجرهم هجرا جميلا[(٣)](#foonote-٣) " \[ المزمل : ١٠ \] وقوله :" لست عليهم بمسيطر[(٤)](#foonote-٤) " \[ الغاشية : ٢٢ \] وما كان مثله مما نزل بمكة. فلما هاجر إلى المدينة أمر بالقتال فنزل :" وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم " قاله الربيع بن أنس وغيره. وروي عن أبي بكر الصديق أن أول آية نزلت في القتال :" أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا[(٥)](#foonote-٥) " \[ الحج : ٣٩ \]. والأول أكثر، وأن آية الإذن إنما نزلت في القتال عامة لمن قاتل ولمن لم يقاتل من المشركين، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج مع أصحابه إلى مكة للعمرة، فلما نزل الحديبية بقرب مكة - والحديبية اسم بئر، فسمي ذلك الموضع باسم تلك البئر - فصده المشركون عن البيت، وأقام بالحديبية شهرا، فصالحوه على أن يرجع من عامه ذلك كما جاء، على أن تخلى له مكة في العام المستقبل ثلاثة أيام، وصالحوه على ألا يكون بينهم قتال عشر سنين، ورجع إلى المدينة. فلما كان من قابل تجهز لعمرة القضاء، وخاف المسلمون غدر الكفار وكرهوا القتال في الحرم وفي الشهر الحرام، فنزلت هذه الآية، أي يحل لكم القتال إن قاتلكم الكفار. فالآية متصلة بما سبق من ذكر الحج وإتيان البيوت من ظهورها، فكان عليه السلام يقاتل من قاتله ويكف عمن كف عنه، حتى نزل " فاقتلوا المشركين[(٦)](#foonote-٦) " \[ التوبة : ٥ \] فنسخت هذه الآية، قاله جماعة من العلماء. وقال ابن زيد والربيع : نسخها " وقاتلوا المشركين كافة[(٧)](#foonote-٧) " \[ التوبة : ٣٦ \] فأمر بالقتال لجميع الكفار. وقال ابن عباس وعمر بن عبدالعزيز ومجاهد : هي محكمة أي قاتلوا الذين هم بحالة من يقاتلونكم، ولا تعتدوا في قتل النساء والصبيان والرهبان وشبههم، على ما يأتي بيانه. قال أبو جعفر النحاس : وهذا أصح القولين في السنة والنظر، فأما السنة فحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة فكره ذلك، ونهى عن قتل النساء والصبيان، رواه الأئمة. وأما النظر فإن " فاعل " لا يكون في الغالب إلا من اثنين، كالمقاتلة والمشاتمة والمخاصمة، والقتال لا يكون في النساء ولا في الصبيان ومن أشبههم، كالرهبان والزمنى والشيوخ والأجراء فلا يقتلون. وبهذا أوصى أبو بكر الصديق رضي الله عنه يزيد بن أبي سفيان حين أرسله إلى الشام، إلا أن يكون لهؤلاء إذاية، أخرجه مالك وغيره، وللعلماء فيهم صور ست :
الأولى : النساء إن قاتلن قتلن، قال سحنون : في حالة المقاتلة وبعدها، لعموم قوله :" وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم "، " واقتلوهم حيث ثقفتموهم " \[ البقرة : ١٩١ \]. وللمرأة آثار عظيمة في القتال، منها الإمداد بالأموال، ومنها التحريض على القتال، وقد يخرجن ناشرات شعورهن نادبات مثيرات معيرات بالفرار، وذلك يبيح قتلهن، غير أنهن إذا حصلن في الأسر فالاسترقاق أنفع لسرعة إسلامهن ورجوعهن عن أديانهن، وتعذر فرارهن إلى أوطانهن بخلاف الرجال. 
الثانية : الصبيان فلا يقتلون للنهي الثابت عن قتل الذرية، ولأنه لا تكليف عليهم، فإن قاتل الصبي قتل. 
الثالثة : الرهبان لا يقتلون ولا يسترقون، بل يترك لهم ما يعيشون به من أموالهم، وهذا إذا انفردوا عن أهل الكفر، لقول أبي بكر ليزيد :" وستجد أقواما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله، فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له " فإن كانوا مع الكفار في الكنائس قتلوا. ولو ترهبت المرأة فروى أشهب أنها لا تهاج[(٨)](#foonote-٨). وقال سحنون : لا يغير الترهب حكمها. قال القاضي أبو بكر بن العربي :" والصحيح عندي رواية أشهب، لأنها داخلة تحت قوله :" فذرهم وما حبسوا أنفسهم له ". 
الرابعة : الزمنى. قال سحنون : يقتلون. وقال ابن حبيب : لا يقتلون. والصحيح أن تعتبر أحوالهم، فإن كانت فيهم إذاية قتلوا، وإلا تركوا وما هم بسبيله من الزمانة وصاروا[(٩)](#foonote-٩) مالا على حالهم وحشوة. 
الخامسة : الشيوخ. قال مالك في كتاب محمد : لا يقتلون. والذي عليه جمهور الفقهاء : إن كان شيخا كبيرا هرما لا يطيق القتال، ولا ينتفع به في رأي ولا مدافعة فإنه لا يقتل، وبه قال مالك وأبو حنيفة. وللشافعي قولان : أحدهما : مثل قول الجماعة. والثاني : يقتل هو والراهب. والصحيح الأول لقول أبي بكر ليزيد، ولا مخالف له فثبت أنه إجماع. وأيضا فإنه ممن لا يقاتل ولا يعين العدو فلا يجوز قتله كالمرأة، وأما إن كان ممن تخشى مضرته بالحرب أو الرأي أو المال فهذا إذا أسر يكون الإمام فيه مخيرا بين خمسة أشياء : القتل أو المن أو الفداء أو الاسترقاق أو عقد الذمة على أداء الجزية. السادسة : العسفاء، وهم الأجراء والفلاحون، فقال مالك في كتاب محمد : لا يقتلون وقال الشافعي : يقتل الفلاحون والأجراء والشيوخ الكبار إلا أن يسلموا أو يؤدوا الجزية. والأول أصح، لقوله عليه السلام في حديث رباح[(١٠)](#foonote-١٠) بن الربيع ( الحق بخالد بن الوليد فلا يقتلن ذرية ولا عسيفا ). وقال عمر بن الخطاب : اتقوا الله في الذرية والفلاحين الذي لا ينصبون لكم الحرب. وكان عمر بن عبد العزيز لا يقتل حراثا، ذكره ابن المنذر. 
الثانية : روى أشهب عن مالك أن المراد بقوله :" وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم " أهل الحديبية[(١١)](#foonote-١١) أمروا بقتال من قاتلهم. والصحيح أنه خطاب لجميع المسلمين، أمر كل أحد أن يقاتل من قاتله إذ لا يمكن سواه. ألا تراه كيف بينها في سورة " براءة " بقوله :" قاتلوا الذين يلونكم من الكفار[(١٢)](#foonote-١٢) " \[ التوبة : ١٢٣ \] وذلك أن المقصود أولا كان أهل مكة فتعينت البداءة بهم، فلما فتح الله مكة كان القتال لمن يلي ممن كان يؤذي حتى تعم الدعوة وتبلغ الكلمة جميع الآفاق ولا يبقى أحد من الكفرة، وذلك باق متماد إلى يوم القيامة، ممتد إلى غاية هي قوله عليه السلام :( الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم ). وقيل : غايته نزول عيسى ابن مريم عليه السلام، وهو موافق للحديث الذي قبله، لأن نزوله من أشراط الساعة. 
الثالثة : قوله تعالى :" ولا تعتدوا " قيل في تأويله ما قدمناه، فهي محكمة. فأما المرتدون فليس إلا القتل أو التوبة، وكذلك أهل الزيغ والضلال ليس إلا السيف أو التوبة. ومن أسر الاعتقاد بالباطل[(١٣)](#foonote-١٣) ثم ظهر عليه فهو كالزنديق يقتل ولا يستتاب. وأما الخوارج على أئمة العدل فيجب قتالهم حتى يرجعوا إلى الحق. وقال قوم : المعنى لا تعتدوا في القتال لغير وجه الله، كالحمية وكسب الذكر، بل قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، يعني دينا وإظهارا للكلمة. وقيل :" لا تعتدوا " أي لا تقاتلوا من لم يقاتل. فعلى هذا تكون الآية منسوخة بالأمر بالقتال لجميع الكفار، والله أعلم. 
١ راجع ج ١٢ ص ١٤٧.
٢ راجع ج ٦ ص ١١٦.
٣ راجع ج ١٩ ص ٤٤.
٤ راجع ج ٢٠ ص ٣٧.
٥ راجع ج ١٢ ص ٦٧.
٦ راجع ج ٨ ص ٧٢ وص ١٣٢.
٧ هو يزيد بن أبي سفيان بن حرب، أسلم يوم فتح مكة، وعقد له أبو بكر رضي الله عنه سنة ١٣ هـ مع أمراء والجيوش إلى الشام، وكان أول الأمراء الذين خرجوا إليها، وشيعه أبو بكر راجلا، وقال له: "... وإني موصيك بعشر: لا تقتلن امرأة ولا صبيا ولا كبيرا هرما ولا تقطعن شجرا مثمرا ولا تخرجن عامرا ولا تعقرن شاة ولا بعيرا إلا لمأكلة ولا تحرقن نحلا ولا تغرقنه ولا تغلل ولا تغبن". راجع موطأ مالك باب الجهاد، وطبقات ابن سعد وتاريخ الطبري..
٨ لا تهاج: أي لا تزعج ولا تنفر..
٩ هكذا في الأصول..
١٠ رباح، بباء موحدة. وقيل: بالياء المثناة من تحت. راجع تهذيب التهذيب في حرف الراء..
١١ في ا، ب، ز: "أهل المدينة"..
١٢ راجع ج ٨ ص ٢٩٧.
١٣ في بعض نسخ الأصل:... بالباطن.... " بالنون..

### الآية 2:191

> ﻿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ [2:191]

**فيه خمس مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" ثقفتموهم " يقال : ثقِف يثقِف ثقْفا وثقَفا، ورجل ثقف لقف : إذا كان محكما لما يتناوله من الأمور. وفي هذا دليل على قتل الأسير، وسيأتي بيان هذا في " الأنفال[(١)](#foonote-١) " إن شاء الله تعالى. " وأخرجوهم من حيث أخرجوكم " أي مكة. قال الطبري : الخطاب للمهاجرين والضمير لكفار قريش. 
الثانية : قوله تعالى :" والفتنة أشد من القتل " أي الفتنة التي حملوكم عليها وراموا رجوعكم بها إلى الكفر أشد من القتل. قال مجاهد : أي من أن يقتل المؤمن، فالقتل أخف عليه من الفتنة. وقال غيره : أي شركهم بالله وكفرهم به أعظم جرما وأشد من القتل الذي عيروكم به. وهذا دليل على أن الآية نزلت في شأن عمرو بن الحضرمي حين قتله واقد بن عبدالله التميمي في آخر يوم من رجب الشهر الحرام، حسب ما هو مذكور في سرية عبدالله بن جحش، على ما يأتي بيانه[(٢)](#foonote-٢)، قاله الطبري وغيره. 
الثالثة : قوله تعالى :" ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه " الآية. للعلماء في هذه الآية قولان : أحدهما : أنها منسوخة، والثاني : أنها محكمة. قال مجاهد : الآية محكمة، ولا يجوز قتال أحد في المسجد الحرام إلا بعد أن يقاتل، وبه قال طاوس، وهو الذي يقتضيه نص الآية، وهو الصحيح من القولين، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه. وفي الصحيح عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة :( إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ). وقال قتادة : الآية منسوخة بقوله تعالى :" فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم[(٣)](#foonote-٣) " \[ التوبة : ٥ \]. وقال مقاتل : نسخها قوله تعالى :" واقتلوهم حيث ثقفتموهم " ثم نسخ هذا قوله :" اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ". فيجوز الابتداء بالقتال في الحرم. ومما احتجوا به أن " براءة " نزلت بعد سورة " البقرة " بسنتين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعليه المغفر[(٤)](#foonote-٤)، فقيل : إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال :( اقتلوه ). وقال ابن خويز منداد :" ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام " منسوخة، لأن الإجماع قد تقرر بأن عدوا لو استولى على مكة وقال : لأقاتلكم، وأمنعكم من الحج ولا أبرح من مكة لوجب قتاله وإن لم يبدأ بالقتال، فمكة وغيرها من البلاد سواء. وإنما قيل فيها : هي حرام تعظيما لها، ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد يوم الفتح وقال :( احصدهم بالسيف حتى تلقاني على الصفا ) حتى جاء العباس فقال : يا رسول الله، ذهبت قريش، فلا قريش بعد اليوم. ألا ترى أنه قال في تعظيمها :( ولا يلتقط لقطتها إلا منشد ) واللقطة بها وبغيرها سواء. ويجوز أن تكون منسوخة بقوله :" وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة " \[ البقرة : ١٩٣ \]. قال ابن العربي : حضرت في بيت المقدس - طهره الله - بمدرسة أبي عقبة الحنفي، والقاضي الزنجاني يلقي علينا الدرس في يوم جمعة، فبينا نحن كذلك إذ دخل علينا رجل بهي المنظر على ظهره أطمار، فسلم سلام العلماء وتصدر في صدر المجلس بمدارع[(٥)](#foonote-٥) الرعاء، فقال القاضي الزنجاني : من السيد ؟ فقال : رجل سلبه الشطار[(٦)](#foonote-٦) أمس، وكان مقصدي هذا الحرم المقدس، وأنا رجل من أهل صاغان من طلبة العلم. فقال القاضي مبادرا : سلوه - على العادة في إكرام العلماء بمبادرة سؤالهم - ووقعت القرعة على مسألة الكافر إذا التجأ إلى الحرم هل يقتل أم لا ؟ فأفتى بأنه لا يقتل. فسئل عن الدليل، فقال قوله تعالى :" ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه " قرئ " ولا تقتلوهم، ولا تقاتلوهم " فإن قرئ " ولا تقتلوهم " فالمسألة نص، وإن قرئ " ولا تقاتلوهم " فهو تنبيه، لأنه إذا نهى عن القتال الذي هو سبب القتل كان دليلا بينا ظاهرا على النهي عن القتل. فاعترض عليه القاضي منتصرا للشافعي ومالك، وإن لم ير مذهبهما، على العادة، فقال : هذه الآية منسوخة بقوله تعالى :" فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " \[ التوبة : ٥ \]. فقال له الصاغاني : هذا لا يليق بمنصب القاضي وعلمه، فإن هذه الآية التي اعترضت بها عامة في الأماكن، والتي احتججت بها خاصة، ولا يجوز لأحد أن يقول : إن العام ينسخ الخاص. فبهت القاضي الزنجاني، وهذا من بديع الكلام. قال ابن العربي[(٧)](#foonote-٧) : فإن لجأ إليه كافر فلا سبيل إليه، لنص الآية والسنة الثابتة بالنهي عن القتال فيه. وأما الزاني والقاتل فلا بد من إقامة الحد عليه، إلا أن يبتدئ الكافر بالقتال فيقتل بنص القرآن. 
قلت : وأما ما احتجوا به من قتل ابن خطل وأصحابه فلا حجة فيه، فإن ذلك كان في الوقت الذي أحلت له مكة وهي دار حرب وكفر، وكان له أن يريق دماء من شاء من أهلها في الساعة التي أحل له فيها القتال. فثبت وصح أن القول الأول أصح، والله أعلم. 
الرابعة : قال بعض العلماء : في هذه الآية دليل على أن الباغي على الإمام بخلاف الكافر، فالكافر يقتل إذا قاتل بكل حال، والباغي إذا قاتل يقاتل بنية الدفع. ولا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح. على ما يأتي بيانه من أحكام الباغين في " الحجرات[(٨)](#foonote-٨) " إن شاء الله تعالى. 
١ راجع ج ٨ ص ٣٠.
٢ راجع ج ٣ ص ٤٩.
٣ راجع ج ٨ ص ٧٢.
٤ المغفر ومثله المغفرة والغفارة (كلها بالكسر): زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة..
٥ المدرع والدراعة: ضرب من الثياب التي تلبس. وقيل: جبة مشقوقة المقدم..
٦ الشطار: جمع شاطر، وهو الذي أعيا أهله ومؤدبه خبثا..
٧ وردت عبارة ابن العربي في كتابه ببعض اختلاف عما في الأصول..
٨ راجع ج ١٦ ص ٣١٥ فما بعدها..

### الآية 2:192

> ﻿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2:192]

الخامسة : قوله تعالى :" فإن انتهوا " أي عن قتالكم بالإيمان فإن الله يغفر لهم جميع ما تقدم، ويرحم كلا منهم بالعفو عما اجترم، نظيره قوله تعالى :" قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف " \[ الأنفال : ٣٨ \]. وسيأتي[(١)](#foonote-١).

١ راجع ج ٧ ص ٤٠١.

### الآية 2:193

> ﻿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ [2:193]

**فيه مسألتان :**
الأولى : قوله تعالى :" وقاتلوهم " أمر بالقتال لكل مشرك في كل موضع، على من رآها ناسخة. ومن رآها غير ناسخة قال : المعنى قاتلوا هؤلاء الذين قال الله فيهم :" فإن قاتلوكم " والأول أظهر، وهو أمر بقتال مطلق لا بشرط أن يبدأ الكفار. دليل ذلك قوله تعالى :" ويكون الدين لله "، وقال عليه السلام :( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ). فدلت الآية والحديث على أن سبب القتال هو الكفر، لأنه قال :" حتى لا تكون فتنة " أي كفر، فجعل الغاية عدم الكفر، وهذا ظاهر. قال ابن عباس وقتادة والربيع والسدي وغيرهم : الفتنة هناك الشرك وما تابعه من أذى المؤمنين. وأصل الفتنة : الاختبار والامتحان مأخوذ من فتنت الفضة إذا أدخلتها في النار لتميز رديئها من جيدها. وسيأتي بيان محاملها إن شاء الله تعالى. 
الثانية : قوله تعالى :" فإن انتهوا " أي عن الكفر، إما بالإسلام كما تقدم في الآية قبل، أو بأداء الجزية في حق أهل الكتاب، على ما يأتي بيانه في " براءة[(١)](#foonote-١) " وإلا قوتلوا وهم الظالمون لا عدوان إلا عليهم. وسمي ما يصنع بالظالمين عدوانا من حيث هو جزاء عدوان، إذ الظلم يتضمن العدوان، فسمي جزاء العدوان عدوانا، كقوله :" وجزاء سيئة سيئة مثلها[(٢)](#foonote-٢) " \[ الشورى : ٤٠ \]. والظالمون هم على أحد التأويلين : من بدأ بقتال، وعلى التأويل الآخر : من بقي على كفر وفتنة. 
١ راجع ج ٨ ص ١٠٩.
٢ راجع ج ١٦ ص ٤٠.

### الآية 2:194

> ﻿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [2:194]

**فيه عشر مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" الشهر الحرام " قد تقدم اشتقاق الشهر[(١)](#foonote-١). وسبب نزولها ما روي عن ابن عباس وقتادة ومجاهد ومقسم والسدي والربيع والضحاك وغيرهم قالوا : نزلت في عمرة القضية وعام الحديبية، \[ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج معتمرا حتى بلغ الحديبية \][(٢)](#foonote-٢) في ذي القعدة سنة ست، فصده المشركون كفار قريش عن البيت فانصرف، ووعده الله سبحانه أنه سيدخله، فدخله سنة سبع وقضى نسكه، فنزلت هذه الآية. وروي عن الحسن أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : أنهيت يا محمد عن القتال في الشهر الحرام ؟ قال :( نعم ). فأرادوا قتاله، فنزلت الآية. المعنى : إن استحلوا ذلك فيه فقاتلهم، فأباح الله بالآية مدافعتهم، والقول الأول أشهر وعليه الأكثر. 
الثانية : قوله تعالى :" والحرمات قصاص " الحرمات جمع حرمة، كالظلمات جمع ظلمة، والحجرات جمع حجرة. وإنما جمعت الحرمات لأنه أراد حرمة الشهر الحرام وحرمة البلد الحرام، وحرمة الإحرام. والحرمة : ما منعت من انتهاكه. والقصاص المساواة، أي اقتصصت لكم منهم إذ صدوكم سنة ست فقضيتم العمرة سنة سبع. ف " الحرمات قصاص " على هذا متصل بما قبله ومتعلق. به. وقيل : هو مقطوع منه، وهو ابتداء أمر كان في أول الإسلام : إن من انتهك حرمتك نلت منه مثل ما اعتدى عليك، ثم نسخ ذلك بالقتال. وقالت طائفة : ما تناولت الآية من التعدي بين أمة محمد صلى الله عليه وسلم والجنايات ونحوها لم ينسخ، وجاز لمن تعدي عليه في مال أو جرح أن يتعدى بمثل ما تعدي به عليه إذا خفي[(٣)](#foonote-٣) له ذلك، وليس بينه وبين الله تعالى في ذلك شيء، قاله الشافعي وغيره، وهي رواية في مذهب مالك. وقالت طائفة من أصحاب مالك : ليس ذلك له، وأمور القصاص وقف على الحكام. والأموال يتناولها قوله صلى الله عليه وسلم :( أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك ). خرجه الدارقطني وغيره. فمن ائتمنه من خانه فلا يجوز له أن يخونه ويصل إلى حقه مما ائتمنه عليه، وهو المشهور من المذهب، وبه قال أبو حنيفة تمسكا بهذا الحديث، وقوله تعالى :" إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها[(٤)](#foonote-٤) " \[ النساء : ٥٨ \]. وهو قول عطاء الخراساني. قال قدامة بن الهيثم : سألت عطاء بن ميسرة الخراساني فقلت له : لي على رجل حق، وقد جحدني به وقد أعيا علي البينة، أفأقتص من ماله ؟ قال : أرأيت لو وقع بجاريتك، فعلمت ما كنت صانعا. 
قلت : والصحيح جواز ذلك كيف ما توصل إلى أخذ حقه ما لم يعد سارقا، وهو مذهب الشافعي وحكاه الداودي عن مالك، وقال به ابن المنذر، واختاره ابن العربي، وأن ذلك ليس خيانة وإنما هو وصول إلى حق. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( انصر أخاك ظالما أو مظلوما ) وأخذ الحق من الظالم نصر له. وقال صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان لما قالت له : إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت من ماله بغير علمه، فهل علي جناح ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( خذي ما يكفيك ويكفي ولدك بالمعروف ). فأباح لها الأخذ وألا تأخذ إلا القدر الذي يجب لها. وهذا كله ثابت في الصحيح. 
قوله تعالى :" فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " قاطع في موضع الخلاف. 
الثالثة : واختلفوا إذا ظفر له بمال من غير جنس ماله، فقيل : لا يأخذ إلا بحكم الحاكم. وللشافعي قولان، أصحهما الأخذ، قياسا على ما لو ظفر له من جنس ماله. والقول الثاني لا يأخذ لأنه خلاف الجنس. ومنهم من قال : يتحرى قيمة ما له عليه ويأخذ مقدار ذلك. وهذا هو الصحيح لما بيناه من الدليل، والله أعلم. 
الرابعة : وإذا فرعنا على الأخذ فهل يعتبر ما عليه من الديون وغير ذلك، فقال الشافعي : لا، بل يأخذ ما له عليه. وقال مالك : يعتبر ما يحصل له مع الغرماء في الفلس، وهو القياس، والله أعلم. 
الخامسة : قوله تعالى :" فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " عموم متفق عليه، إما بالمباشرة إن أمكن، وإما بالحكام. واختلف الناس في المكافأة هل تسمى عدوانا أم لا ؟ فمن قال : ليس في القرآن مجاز، قال : المقابلة عدوان، وهو عدوان مباح، كما أن المجاز في كلام العرب كذب مباح، لأن قول القائل :
فقالت له العينان سمعا وطاعة
**وكذلك :**
امتلأ الحوض وقال قطني
**وكذلك :**
شكا إلي جملي طول السُّرَى
ومعلوم أن هذه الأشياء لا تنطق. وحد الكذب : إخبار عن الشيء على خلاف ما هو به. ومن قال في القرآن مجاز سمى هذا عدوانا على طريق المجاز ومقابلة الكلام بمثله، كما قال عمرو بن كلثوم :ألا لا يجهلن أحد علينا  فنجهل فوق جهل الجاهلينا**وقال الآخر :**ولي فرس للحلم بالحلم ملجَمٌ  ولي فرس للجهل بالجهل مُسْرَجُومن رام تقويمي فإني مقومٌ  ومن رام تعويجي فإني مُعَوَّجُيريد : أكافئ الجاهل والمعوج، لا أنه امتدح بالجهل والاعوجاج. 
السادسة : واختلف العلماء فيمن استهلك أو أفسد شيئا من الحيوان أو العروض التي لا تكال ولا توزن، فقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما وجماعة من العلماء : عليه في ذلك المثل، ولا يعدل إلى القيمة إلا عند عدم المثل، لقوله تعالى :" فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " وقوله تعالى :" وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم[(٥)](#foonote-٥) به " \[ النحل : ١٢٦ \]. قالوا : وهذا عموم في جميع الأشياء كلها، وعضدوا هذا بأن النبي صلى الله عليه وسلم حبس القصعة المكسورة في بيت التي كسرتها ودفع الصحيحة وقال :( إناء بإناء وطعام بطعام ) خرجه أبو داود قال : حدثنا مسدد حدثنا يحيى ح وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا خالد عن حميد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم قصعة فيها طعام، قال : فضربت بيدها فكسرت القصعة. قال ابن المثنى : فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الكسرتين فضم إحداهما إلى الأخرى، فجعل يجمع فيها الطعام ويقول :( غارت أمكم ). زاد ابن المثنى ( كلوا ) فأكلوا حتى جاءت قصعتها التي في بيتها. ثم رجعنا إلى لفظ حديث مسدد وقال :( كلوا ) وحبس الرسول والقصعة حتى فرغوا، فدفع القصعة الصحيحة إلى الرسول وحبس المكسورة في بيته. حدثنا أبو داود قال : حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان قال وحدثنا فليت العامري - قال أبو داود : وهو أفلت بن خليفة - عن جسرة بنت دجاجة قالت : قالت عائشة رضي الله عنها : ما رأيت صانعا طعاما مثل صفية، صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما فبعثت به، فأخذني أفكل[(٦)](#foonote-٦) فكسرت الإناء، فقلت : يا رسول الله، ما كفارة ما صنعت ؟ قال :( إناء مثل إناء وطعام مثل طعام ). قال مالك وأصحابه : عليه في الحيوان والعروض التي لا تكال ولا توزن القيمة لا المثل، بدليل تضمين النبي صلى الله عليه وسلم الذي أعتق نصف عبده قيمة نصف شريكه، ولم يضمنه مثل نصف عبده. ولا خلاف بين العلماء على تضمين المثل في المطعومات والمشروبات والموزونات، لقوله عليه السلام :( طعام بطعام ). 
السابعة : لا خلاف بين العلماء أن هذه الآية أصل في المماثلة في القصاص، فمن قتل بشيء قتل بمثل ما قتل به، وهو قول الجمهور، ما لم يقتله بفسق كاللوطية وإسقاء الخمر فيقتل بالسيف. وللشافعية قول : إنه يقتل بذلك، فيتخذ عود على تلك الصفة ويطعن به في دبره حتى يموت، ويسقى عن الخمر ماء حتى يموت. وقال ابن الماجشون : إن من قتل بالنار أو بالسم لا يقتل به، لقول النبي صلى الله عليه وسلم :( لا يعذب بالنار، إلا الله ). والسم نار باطنة. وذهب الجمهور إلى أنه يقتل بذلك، لعموم الآية. 
الثامنة : وأما القَوَد بالعصا فقال مالك في إحدى الروايتين : إنه إن كان في القتل بالعصا تطويل وتعذيب قتل بالسيف، رواه عنه ابن وهب، وقاله ابن القاسم. وفي الأخرى : يقتل بها وإن كان فيه ذلك، وهو قول الشافعي. وروى أشهب وابن نافع عن مالك في الحجر والعصا أنه يقتل بهما إذا كانت الضربة مجهزة، فأما أن يضرب ضربات فلا. وعليه لا يرمى بالنبل ولا بالحجارة لأنه من التعذيب، وقاله عبدالملك. 
قال ابن العربي :" والصحيح من أقوال علمائنا أن المماثلة واجبة، إلا أن تدخل في حد التعذيب فلتترك إلى السيف ". واتفق علماؤنا على أنه إذا قطع يده ورجله وفقأ عينه بقصد التعذيب فعل به ذلك، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بقتلة الرعاء[(٧)](#foonote-٧). وإن كان في مدافعة أو مضاربة قتل بالسيف. وذهبت طائفة إلى خلاف هذا كله فقالوا : لا قود إلا بالسيف، وهو مذهب أبي حنيفة والثعبي والنخعي. واحتجوا على ذلك بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( لا قود إلا بحديدة )، وبالنهي عن المُثْلة، وقوله :( لا يعذب بالنار إلا رب النار ). والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، لما رواه الأئمة عن أنس بن مالك أن جارية وجد رأسها قد رض بين حجرين، فسألوها : من صنع هذا بك ! أفلان، أفلان ؟ حتى ذكروا يهوديا فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي فأقر، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ترض رأسه بالحجارة. وفي رواية : فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بين حجرين. وهذا نص صريح صحيح، وهو مقتضى قوله تعالى :" وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به " \[ النحل : ١٢٦ \]. وقوله :" فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ". 
وأما ما استدلوا به من حديث جابر فحديث ضعيف عند المحدثين، لا يروى عن طريق صحيح، لو صح قلنا بموجبه، وأنه إذا قتل بحديدة قتل بها، يدل على ذلك حديث أنس : أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه بين حجرين. وأما النهي عن المثلة فنقول أيضا بموجبها إذا لم يمثل، فإذا مثل مثلنا به، يدل على ذلك حديث العرنيين، وهو صحيح أخرجه الأئمة. وقوله :( لا يعذب بالنار إلا رب النار ) صحيح إذا لم يحرق، فإن حرق حرق، يدل عليه عموم القرآن. قال الشافعي : إن طرحه في النار عمدا طرحه في النار حتى يموت، وذكره الوقار[(٨)](#foonote-٨) في مختصره عن مالك، وهو قول محمد بن عبد الحكم. قال ابن المنذر : وقول كثير من أهل العلم في الرجل يخنق الرجل : عليه القود، وخالف في ذلك محمد بن الحسن فقال : لو خنقه حتى مات أو طرحه في بئر فمات، أو ألقاه من جبل أو سطح فمات، لم يكن عليه قصاص وكان على عاقلته الدية، فإن كان معروفا بذلك - قد خنق غير واحد - فعليه القتل. قال ابن المنذر : ولما أقاد النبي صلى الله عليه وسلم من اليهودي الذي رض رأس الجارية بالحجر كان هذا في معناه، فلا معنى لقوله. 
قلت : وحكى هذا القول غيره عن أبي حنيفة فقال : وقد شذ أبو حنيفة فقال فيمن قتل بخنق أو بسم أو تردية من جبل أو بئر أو بخشبة : إنه لا يقتل ولا يقتص منه، إلا إذا قتل بمحدد حديد أو حجر أو خشب أو كان معروفا بالخنق والتردية وكان على عاقلته الدية. وهذا منه رد للكتاب والسنة، وإحداث ما لم يكن عليه أمر الأمة، وذريعة إلى رفع القصاص الذي شرعه الله للنفوس، فليس عنه مناص. 
التاسعة : واختلفوا فيمن حبس رجلا وقتله آخر، فقال عطاء : يقتل القاتل ويحبس الحابس حتى يموت. وقال مالك : إن كان حبسه وهو يرى أنه يريد قتله قتلا جميعا، وفي قول الشافعي وأ١ راجع ص ٢٩٠ من هذا الجزء.
٢ ما بين المربعين ساقط من ب.
٣ قوله: إذا خفي" أي ظهر. وهذا اللفظ من الأضداد؛ يقال: خفيت الشيء: كتمته. وخفيته: أظهرته. راجع ج ١١ ص ١٨٢.
٤ راجع ج ٥ ص ٢٥٥..
٥ راجع ج ١٠ ص ٢٠٠.
٦ الأفكل (على وزن أفعل): الرعدة. أي ارتعدت من شدة الغيرة..
٧ هم قوم من عرينة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا واستوخموا المدينة وسقمت أجسامهم واصفرت ألوانهم وعظمت بطونهم؛ فبعث بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إبل الصدقة وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها حتى صحوا فقتلوا رعاتها واستاقوا الإبل، فبعث نبي الله في طلبهم فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم. راجع كتب السنة في هذا الحديث..
٨ الوقار (كسحاب): لقب زكريا بن يحيى بن إبراهيم الفقيه المصري، أخذ عن ابن القاسم وابن وهب..

### الآية 2:195

> ﻿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [2:195]

**فيه ثلاث مسائل :**
الأولى : روى البخاري عن حذيفة :" وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " قال : نزلت في النفقة. وروى يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران قال : غزونا القسطنطينية، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن الوليد، والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو، فقال الناس : مه[(١)](#foonote-١) مه ! لا إله إلا الله، يلقي بيديه إلى التهلكة ! فقال أبو أيوب : سبحان الله ! أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار لما نصر الله نبيه وأظهر دينه، قلنا : هلم نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله عز وجل :" وأنفقوا في سبيل الله " الآية. والإلقاء باليد إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد. فلم يزل أبو أيوب مجاهدا في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية، فقبره هناك. فأخبرنا أبو أيوب أن الإلقاء باليد إلى التهلكة هو ترك الجهاد في سبيل الله، وأن الآية نزلت في ذلك. وروي مثله عن حذيفة والحسن وقتادة ومجاهد والضحاك. 
قلت : وروى الترمذي عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران هذا الخبر بمعناه فقال :" كنا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا : سبحان الله يلقي بيديه إلى التهلكة. فقام أبو أيوب الأنصاري فقال : يا أيها الناس، إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم يرد عليه ما قلنا :" وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ". فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم. قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب صحيح ". وقال حذيفة بن اليمان وابن عباس وعكرمة وعطاء ومجاهد وجمهور الناس : المعنى لا تلقوا بأيديكم بأن تتركوا النفقة في سبيل الله وتخافوا العيلة، فيقول الرجل : ليس عندي، ما أنفقه. وإلى هذا المعنى ذهب البخاري إذ لم يذكر غيره، والله أعلم. قال ابن عباس : أنفق في سبيل الله، وإن لم يكن لك إلا سهم أو مشقص[(٢)](#foonote-٢)، ولا يقولن أحدكم : لا أجد شيئا. ونحوه عن السدي : أنفق ولو عقالا، ولا تلقي بيدك إلى التهلكة فتقول : ليس عندي شيء. وقول ثالث. قاله ابن عباس، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمر الناس بالخروج إلى الجهاد قام إليه أناس من الأعراب حاضرين بالمدينة فقالوا : بماذا نتجهز ! فوالله ما لنا زاد ولا يطعمنا أحد، فنزل قوله تعالى :" وأنفقوا في سبيل الله " يعني تصدقوا يا أهل الميسرة في سبيل الله، يعني في طاعة الله. " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " يعني ولا تمسكوا بأيديكم عن الصدقة فتهلكوا، وهكذا قال مقاتل. ومعنى ابن عباس : ولا تمسكوا عن الصدقة فتهلكوا، أي لا تمسكوا عن النفقة على الضعفاء، فإنهم إذا تخلفوا عنكم غلبكم العدو فتهلكوا. وقول رابع - قيل للبراء بن عازب في هذه الآية : أهو الرجل يحمل على الكتيبة ؟ فقال لا، ولكنه الرجل يصيب الذنب فيلقي بيديه ويقول : قد بالغت في المعاصي ولا فائدة في التوبة، فييأس من الله فينهمك بعد ذلك في المعاصي. فالهلاك : اليأس من الله، وقاله عبيدة السلماني. وقال زيد بن أسلم : المعنى لا تسافروا في الجهاد بغير زاد، وقد كان فعل ذلك قوم فأداهم ذلك إلى الانقطاع في الطريق، أو يكون عالة على الناس. فهذه خمسة أقوال. " سبيل الله " هنا : الجهاد، واللفظ يتناول بعد جميع سبله. والباء في " بأيديكم " زائدة، التقدير تلقوا أيديكم. ونظيره :" ألم يعلم بأن الله يرى[(٣)](#foonote-٣) " \[ العلق : ١٤ \]. وقال المبرد :" بأيديكم " أي بأنفسكم، فعبر بالبعض عن الكل، كقوله :" فبما كسبت أيديكم[(٤)](#foonote-٤) "، \[ الشورى : ٣٠ \]، " بما قدمت يداك[(٥)](#foonote-٥) " \[ الحج : ١٠ \]. وقيل : هذا ضرب مثل، تقول : فلان ألقى بيده في أمر كذا إذا استسلم، لأن المستسلم في القتال يلقي سلاحه بيديه، فكذلك فعل كل عاجز في أي فعل كان، ومنه قول عبد المطلب :\[ والله إن إلقاءنا بأيدينا للموت لعجز[(٦)](#foonote-٦) \] وقال قوم : التقدير لا تلقوا أنفسكم بأيديكم، كما تقول : لا تفسد حالك برأيك. التهلكة بضم اللام مصدر من هلك يهلك هلاكا وهلكا وتهلكة، أي لا تأخذوا فيما يهلككم، قاله الزجاج وغيره. أي إن لم تنفقوا عصيتم الله وهلكتم. وقيل : إن معنى الآية لا تمسكوا أموالكم فيرثها منكم غيركم، فتهلكوا بحرمان منفعة أموالكم. ومعنى آخر : ولا تمسكوا فيذهب عنكم الخلف في الدنيا والثواب في الآخرة. ويقال :" لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " يعني لا تنفقوا من حرام فيرد عليكم فتهلكوا. ونحوه عن عكرمة قال :" ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " قال :" ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون " \[ البقرة : ٢٦٧ \] وقال الطبري : قوله " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " عام في جميع ما ذكر لدخوله فيه، إذ اللفظ يحتمله. 
الثانية : اختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدو وحده، فقال القاسم ابن مخيمرة والقاسم بن محمد وعبدالملك من علمائنا : لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم إذا كان فيه قوة، وكان لله بنية خالصة، فان لم تكن فيه قوة فذلك من التهلكة. وقيل : إذا طلب الشهادة وخلصت النية فليحمل ؛ لأن مقصوده واحد منهم، وذلك بين في قوله تعالى :" ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله[(٧)](#foonote-٧) " \[ البقرة : ٢٠٧ \]. وقال ابن خويز منداد : فأما أن يحمل الرجل على مائة أو على جملة العسكر أو جماعة اللصوص والمحاربين والخوارج فلذلك حالتان : إن علم وغلب على ظنه أن سيقتل من حمل عليه وينجو فحسن، وكذلك لو علم وغلب على ظنه أن يقتل ولكن سينكي نكاية أو سيبلي أو يؤثر أثرا ينتفع به المسلمون فجائز أيضا. وقد بلغني أن عسكر المسلمين لما لقي الفرس نفرت خيل المسلمين من الفيلة، فعمد رجل منهم فصنع فيلا من طين وأنس به فرسه حتى ألفه، فلما أصبح لم ينفر فرسه من الفيل فحمل على الفيل الذي كان يقدمها فقيل له : إنه قاتلك. فقال : لا ضير أن أقتل ويفتح للمسلمين. وكذلك يوم اليمامة لما تحصنت بنو حنيفة بالحديقة، قال رجل[(٨)](#foonote-٨) من المسلمين : ضعوني في الحَجَفة[(٩)](#foonote-٩) وألقوني إليهم، ففعلوا وقاتلهم وحده وفتح الباب. 
قلت : ومن هذا ما روي أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا ؟ قال :( فلك الجنة ). فانغمس في العدو حتى قتل. وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد[(١٠)](#foonote-١٠) يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه[(١١)](#foonote-١١) قال :( من يردهم عنا وله الجنة ) أو ( هو رفيقي في الجنة ) فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل. \[ ثم رهقوه أيضا فقال :( من يردهم عنا وله الجنة ) أو ( هو رفيقي في الجنة ). فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل \][(١٢)](#foonote-١٢). فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( ما أنصفنا أصحابنا ). هكذا الرواية ( أنصفنا ) بسكون الفاء ( أصحابنا ) بفتح الباء، أي لم ندلهم[(١٣)](#foonote-١٣) للقتال حتى قتلوا. وروي بفتح الفاء ورفع الباء، ووجهها أنها ترجع لمن فر عنه من أصحابه، والله أعلم. وقال محمد بن الحسن : لو حمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين وهو وحده، لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو، فإن لم يكن كذلك فهو مكروه ؛ لأنه عرض نفسه للتلف في غير منفعة للمسلمين. فإن كان قصده تجرئة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل صنيعه فلا يبعد جوازه، ولأن فيه منفعة للمسلمين على بعض الوجوه. وإن كان قصده إرهاب العدو وليعلم صلابة المسلمين في الدين فلا يبعد جوازه. وإذا كان فيه نفع للمسلمين فتلفت نفسه لإعزاز دين الله وتوهين الكفر فهو المقام الشريف الذي مدح الله به المؤمنين في قوله :" إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم[(١٤)](#foonote-١٤) " \[ التوبة : ١١١ \] الآية، إلى غيرها من آيات المدح التي مدح الله بها من بذل نفسه. وعلى ذلك ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه متى رجا نفعا في الدين فبذل نفسه فيه حتى قتل كان في أعلى درجات الشهداء، قال الله تعالى :" وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور[(١٥)](#foonote-١٥) " \[ لقمان : ١٧ \]. وقد روى عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( أفضل الشهداء حمزة بن عبدالمطلب ورجل تكلم بكلمة حق عند سلطان جائر فقتله ). وسيأتي القول في هذا في " آل عمران " إن شاء تعالى. 
الثالثة : قوله تعالى :" وأحسنوا إن الله يحب المحسنين " أي في الإنفاق في الطاعة، وأحسنوا الظن بالله في إخلافه عليكم. وقيل :" أحسنوا " في أعمالكم بامتثال الطاعات، روي ذلك عن بعض الصحابة. 
١ مه: زجر ونهي، فإن وصلت نونت، قلت: مه مه؛ وكذلك صه..
٢ المشقص (كمنبر): نصل عريض أو سهم فيه نصل، يرمى به الوحش..
٣ راجع ج ٢٠ ص ١٢٤.
٤ راجع ج ١٦ ص ٣٠.
٥ في نسخ الأصل: "بما كسبت" راجع ج ١٢ ص ١٦.
٦ عبارة عبد المطلب كما أوردها ابن هشام في سيرته عند الكلام على حفر زمزم: "والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لا نضرب في الأرض ونبتغي لأنفسنا لعجز..." الخ.
٧ راجع ج ٣ ص ٢٠.
٨ هو البراء بن مالك، أخو أنس بن مالك، كما في تاريخ الطبري..
٩ الحجفة (بتقديم الحاء على الجيم والتحريك): ترس يتخذ من الجلود..
١٠ أفرد يوم أحد، أي حين انهزم الناس وخلص إليه العدو..
١١ رهقه (بكسر ثانيه): غشيه ولحقه..
١٢ زيادة عن صحيح مسلم..
١٣ أي لم نرشدهم ونسددهم..
١٤ راجع ج ٨ ص ٢٦٧.
١٥ راجع ج ١٤ ص ٦٨..

### الآية 2:196

> ﻿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ۚ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ۚ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۚ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ۗ ذَٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [2:196]

قوله تعالى : وأتموا الحج والعمرة لله فيه سبع مسائل :
الأولى : اختلف العلماء في المعنى المراد بإتمام الحج والعمرة لله، فقيل : أداؤهما والإتيان بهما، كقوله :" فأتمهن " \[ البقرة : ١٢٤ \] وقوله :" ثم أتموا الصيام إلى الليل " \[ البقرة : ١٨٧ \] أي ائتوا بالصيام، وهذا على مذهب من أوجب العمرة، على ما يأتي. ومن لم يوجبها قال : المراد تمامهما بعد الشروع فيهما، فإن من أحرم بنسك وجب عليه المضي فيه ولا يفسخه، قال معناه الشعبي وابن زيد. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص، وفعله عمران بن حصين. وقال سفيان الثوري : إتمامهما أن تخرج قاصدا لهما لا لتجارة ولا لغير ذلك، ويقوي هذا قوله " لله ". وقال عمر : إتمامهما أن يفرد كل واحد منهما من غير تمتع وقران، وقاله ابن حبيب. وقال مقاتل : إتمامهما ألا تستحلوا فيهما ما لا ينبغي لكم، وذلك أنهم كانوا يشركون في إحرامهم فيقولون : لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. فقال : فأتموهما ولا تخلطوهما بشيء آخر. 
قلت : أما ما روي عن علي وفعله عمران بن حصين في الإحرام قبل المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال به عبدالله بن مسعود وجماعة من السلف، وثبت أن عمر أهل من إيلياء، وكان الأسود وعلقمة وعبدالرحمن وأبو إسحاق يحرمون من بيوتهم، ورخص فيه الشافعي. وروى أبو داود والدارقطني عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من أحرم من بيت المقدس بحج أو عمرة كان من ذنوبه كيوم[(١)](#foonote-١) ولدته أمه ) في رواية ( غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ). وخرجه أبو داود وقال :" يرحم الله وكيعا أحرم من بيت المقدس، يعني إلى مكة ". ففي هذا إجازة الإحرام قبل الميقات. وكره مالك رحمه الله أن يحرم أحد قبل الميقات، ويروى ذلك عن عمر بن الخطاب، وأنه أنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة. وأنكر عثمان على ابن عمر[(٢)](#foonote-٢) إحرامه قبل الميقات. وقال أحمد وإسحاق : وجه العمل المواقيت، ومن الحجة لهذا القول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت المواقيت وعينها، فصارت بيانا لمجمل الحج، ولم يحرم صلى الله عليه وسلم من بيته لحجته، بل أحرم من ميقاته الذي وقته لأمته، وما فعله صلى الله عليه وسلم فهو الأفضل إن شاء الله. وكذلك صنع جمهور الصحابة والتابعين بعدهم. واحتج أهل المقالة الأولى بأن ذلك أفضل بقول عائشة : ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وبحديث أم سلمة مع ما ذكر عن الصحابة في ذلك، وقد شهدوا إحرام رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته من ميقاته، وعرفوا مغزاه ومراده، وعلموا أن إحرامه من ميقاته كان تيسيرا على أمته. 
الثانية : روى الأئمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة[(٣)](#foonote-٣)، ولأهل الشام الجحفة[(٤)](#foonote-٤)، ولأهل نجد قرن[(٥)](#foonote-٥)، ولأهل اليمن يلملم[(٦)](#foonote-٦)، هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة. ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة يهلون منها. وأجمع أهل العلم على القول بظاهر هذا الحديث واستعماله، لا يخالفون شيئا منه. واختلفوا في ميقات أهل العراق وفيمن وقته، فروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المشرق العقيق. قال الترمذي : هذا حديث حسن. وروي أن عمر وقت لأهل العراق ذات عرق[(٧)](#foonote-٧). وفي كتاب أبي داود عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق، وهذا هو الصحيح. ومن روى أن عمر وقته لأن العراق في وقته افتتحت، فغفلة منه، بل وقته رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وقت لأهل الشام الجحفة. والشام كلها يومئذ دار كفر كما كانت العراق وغيرها يومئذ من البلدان، ولم تفتح العراق ولا الشام إلا على عهد عمر، وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل السير. قال أبو عمر : كل عراقي أو مشرقي أحرم من ذات عرق فقد أحرم عند الجميع من ميقاته، والعقيق أحوط عندهم وأولى من ذات عرق، وذات عرق ميقاتهم أيضا بإجماع. 
الثالثة : أجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل أن يأتي الميقات أنه محرم، وإنما منع من ذلك من رأى الإحرام عند الميقات أفضل، كراهية أن يضيق المرء على نفسه ما قد وسع الله عليه، وأن يتعرض بما لا يؤمن أن يحدث في إحرامه، وكلهم ألزمه الإحرام إذا فعل ذلك، لأنه زاد ولم ينقص. 
الرابعة : في هذه الآية دليل على وجوب العمرة، لأنه تعالى أمر بإتمامها كما أمر بإتمام الحج. قال الصبي[(٨)](#foonote-٨) بن معبد : أتيت عمر رضي الله عنه فقلت إني كنت نصرانيا فأسلمت، وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبتين علي، وإني أهللت بهما جميعا. فقال له عمر هديت لسنة نبيك قال ابن المنذر : ولم ينكر عليه قوله :" وجدت الحج والعمرة مكتوبتين علي ". وبوجوبهما قال علي بن أبي طالب وابن عمر وابن عباس. وروى الدارقطني عن ابن جريج قال : أخبرني نافع أن عبدالله بن عمر كان يقول : ليس من خلق الله أحد إلا عليه حجة وعمرة واجبتان من استطاع ذلك سبيلا، فمن زاد بعدها شيئا فهو خير وتطوع. قال : ولم أسمعه يقول في أهل مكة شيئا. قال ابن جريج : وأخبرت عن عكرمة أن ابن عباس قال : العمرة واجبة كوجوب الحج من استطاع إليه سبيلا. وممن ذهب إلى وجوبها من التابعين عطاء وطاوس ومجاهد والحسن وابن سيرين والشعبي وسعيد بن جبير وأبو بردة ومسروق وعبدالله بن شداد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وابن الجهم من المالكيين. وقال الثوري : سمعنا أنها واجبة. وسئل زيد بن ثابت عن العمرة قبل الحج، فقال : صلاتان لا يضرك بأيهما بدأت، ذكره الدارقطني. وروي مرفوعا عن محمد بن سيرين عن زيد بن ثابت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت ). وكان مالك يقوله : العمرة سنة ولا نعلم أحدا أرخص في تركها. وهو قول النخعي وأصحاب الرأي فيما حكى ابن المنذر. وحكى بعض القزوينيين والبغداديين عن أبي حنيفة أنه كان يوجبها كالحج، وبأنها سنة ثابتة، قاله ابن مسعود وجابر بن عبدالله. روى الدارقطني حدثنا محمد بن القاسم بن زكريا حدثنا محمد بن العلاء أبو كريب حدثنا عبدالرحيم بن سليمان عن حجاج عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبدالله قال : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة والزكاة والحج : أواجب هو ؟ قال :( نعم ) فسأله عن العمرة : أواجبة هي ؟ قال :( لا وأن تعتمر خير لك ). رواه يحيى[(٩)](#foonote-٩) بن أيوب عن حجاج وابن جريج عن ابن المنكدر عن جابر موقوفا من قول جابر فهذه حجة من لم يوجبها من السنة. قالوا : وأما الآية فلا حجة فيها للوجوب ؛ لأن الله سبحانه إنما قرنها في وجوب الإتمام لا في الابتداء، فإنه ابتدأ الصلاة والزكاة فقال " وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " \[ المزمل : ٢٠ \]. وابتدأ بإيجاب الحج فقال :" ولله على الناس حج البيت[(١٠)](#foonote-١٠) " \[ آل عمران : ٩٧ \] ولما ذكر العمرة أمر بإتمامها لا بابتدائها، فلو حج عشر حجج، أو اعتمر عشر عمر لزم الإتمام في جميعها، فإنما جاءت الآية لإلزام الإتمام لا لإلزام الابتداء، والله أعلم. واحتج المخالف من جهة النظر على وجوبها بأن قال : عماد الحج الوقوف بعرفة، وليس في العمرة وقوف، فلو كانت كسنة الحج لوجب أن تساويه في أفعاله، كما أن سنة الصلاة تساوي فريضتها في أفعالها. 
الخامسة : قرأ الشعبي وأبو حيوة برفع التاء في " العمرة "، وهي تدل على عدم الوجوب. وقرأ الجماعة " العمرة " بنصب التاء، وهي تدل على الوجوب. وفي مصحف ابن مسعود " وأتموا الحج والعمرة إلى البيت لله[(١١)](#foonote-١١) " وروي عنه " وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت ". وفائدة التخصيص بذكر الله هنا أن العرب كانت تقصد الحج للاجتماع والتظاهر والتناضل والتنافر وقضاء الحاجة وحضور الأسواق، وكل ذلك ليس لله فيه طاعة، ولا حظ بقصد، ولا قربة بمعتقد، فأمر الله سبحانه بالقصد إليه لأداء فرضه وقضاء حقه، ثم سامح في التجارة، على ما يأتي. 
السادسة : لا خلاف بين العلماء فيمن شهد مناسك الحج وهو لا ينوي حجا ولا عمرة والقلم جار له وعليه أن شهودها بغير نية ولا قصد غير مغن عنه، وأن النية تجب فرضا، لقوله تعالى : وأتموا  ومن تمام العبادة حضور النية، وهي فرض كالإحرام عند الإحرام، لقوله عليه السلام لما ركب راحلته :( لبيك بحجة وعمرة معا ) على ما يأتي. وذكر الربيع في كتاب البويطي عن الشافعي قال : ولو لبى رجل ولم ينو حجا ولا عمرة لم يكن حاجا ولا معتمرا، ولو نوى ولم يلب حتى قضى المناسك كان حجه تاما، واحتج بحديث النبي صلى الله عليه وسلم :( إنما الأعمال بالنيات ). قال : ومن فعل مثل ما فعل علي حين أهل على إهلال النبي صلى الله عليه وسلم أجزته تلك النية، لأنها وقعت على نية لغيره قد تقدمت، بخلاف الصلاة. 
السابعة : واختلف العلماء في المراهق والعبد يحرمان بالحج ثم يحتلم هذا ويعتق هذا قبل الوقوف بعرفة، فقال مالك : لا سبيل لهما إلى رفض الإحرام ولا لأحد متمسكا بقوله تعالى : وأتموا الحج والعمرة لله  ومن رفض إحرامه فلا يتم حجه ولا عمرته. وقال أبو حنيفة : جائز للصبي إذا بلغ قبل الوقوف بعرفة أن يجدد إحراما، فإن تمادى على حجه ذلك لم يجزه من حجة الإسلام. واحتج بأنه لما لم يكن الحج يجزي عنه، ولم يكن الفرض لازما له حين أحرم بالحج ثم لزمه حين بلغ استحال أن يشغل عن فرض قد تعين عليه بنافلة ويعطل فرضه، كمن دخل في نافلة وأقيمت عليه المكتوبة وخشي فوتها قطع النافلة ودخل في المكتوبة. وقال الشافعي : إذا أحرم الصبي ثم بلغ قبل الوقوف بعرفة فوقف بها محرما أجزأه من حجة الإسلام، وكذلك العبد. قال : ولو عتق بمزدلفة وبلغ الصبي بها فرجعا إلى عرفة بعد العتق والبلوغ فأدركا الوقوف بها قبل طلوع الفجر أجزت عنهما من حجة الإسلام، ولم يكن عليهما دم، ولو احتاطا فأهراقا[(١٢)](#foonote-١٢) دما كان أحب إلي، وليس ذلك بالبين عندي. واحتج في إسقاط تجديد الإحرام بحديث علي رضي الله عنه إذ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقبل من اليمن مهلا بالحج :( بم أهللت ) قال قلت : لبيك اللهم بإهلال كإهلال نبيك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( فإني أهللت بالحج وسقت الهدي ). قال الشافعي : ولم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته، ولا أمره بتجديد نية لإفراد أو تمتع أو قران. وقال مالك في النصراني يسلم عشية عرفة فيحرم بالحج : أجزأه من حجة الإسلام، وكذلك العبد يعتق، والصبي يبلغ إذا لم يكونوا محرمين ولا دم على واحد منهم، وإنما يلزم الدم من أراد الحج ولم يحرم من الميقات. وقال أبو حنيفة : يلزم العبد الدم. وهو كالحر عندهم في تجاوز الميقات، بخلاف الصبي والنصراني فإنهما لا يلزمهما الإحرام لدخول مكة لسقوط الفرض عنهما. فإذا أسلم الكافر وبلغ الصبي كان حكمهما حكم المكي، ولا شيء عليهما في ترك الميقات. 
قوله تعالى : فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى  فيه اثنتا عشرة مسألة :
الأولى : قال ابن العربي : هذه آية مشكلة، عُضْلة من العُضل. قلت : لا إشكال فيها، ونحن نبينها

١ كذا في الدارقطني وفي الأصول: "كهيئة يوم"..
٢ في شرح الموطأ للزرقاني: "... على عبد الله بن عامر" وعبد الله بن عامر هذا ابن عثمان وكان واليا له على البصرة..
٣ ذو الحليفة (مصغر) قرية خربة بينها وبين مكة مائتا ميل..
٤ الجحفة (بضم الجيم وسكون المهملة): قرية خربة بين مكة خمس مراحل، ويقرب منها القرية المعروفة برابغ –براء وموحدة وغين معجمة- فيصح الإحرام منها..
٥ قرن: (بفتح فسكون): جبل مشرف على عرفات، وهو على مرحلتين من مكة..
٦ يلملم (بفتح التحتية واللام وسكون الميم وفتح اللام): مكان على مرحلتين من مكة.
٧ ذات عرق: قرية على مرحلتين من مكة..
٨ الصبي (بضم الصاد المهملة وفتح الياء الموحدة وتشديد الياء)..
٩ في نسخ الأصل: "محمد" والتصويب عن سنن الدارقطني..
١٠ راجع ج ٤ ص ١٤٢.
١١ قال أبو حيان في البحر: ينبغي أن يحمل هذا كله على التفسير لأنه مخالف لسواد المصحف الذي أجمع عليه المسلمون..
١٢ هراق الماء واهرقه وأهراقه: صبه: وأصله: أراقه..

### الآية 2:197

> ﻿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ۚ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ [2:197]

**فيه أربع عشرة مسألة :**
الأولى : قوله تعالى :" الحج أشهر معلومات " لما ذكر الحج والعمرة سبحانه وتعالى في قوله :" وأتموا الحج والعمرة لله " \[ البقرة : ١٩٦ \] بين اختلافهما في الوقت، فجميع السنة وقت للإحرام بالعمرة، ووقت العمرة. وأما الحج فيقع في السنة مرة، فلا يكون في غير هذه الأشهر. و " الحج أشهر معلومات " ابتداء وخبر، وفي الكلام حذف تقديره : أشهر الحج أشهر، أو وقت الحج أشهر، أو وقت عمل الحج أشهر. وقيل التقدير : الحج في أشهر. ويلزمه مع سقوط حرف الجر نصب الأشهر، ولم يقرأ أحد بنصبها، إلا أنه يجوز في الكلام النصب على أنه ظرف. قال الفراء : الأشهر رفع، لأن معناه وقت الحج أشهر معلومات. قال الفراء : وسمعت الكسائي يقول : إنما الصيف شهران، وإنما الطيلسان[(١)](#foonote-١) ثلاثة أشهر. أراد وقت الصيف، ووقت لباس الطيلسان، فحذف. 
الثانية : واختلف في الأشهر المعلومات، فقال ابن مسعود وابن عمر وعطاء والربيع ومجاهد والزهري : أشهر الحج شوال وذو العقدة وذو الحجة كله. وقال ابن عباس والسدي والشعبي والنخعي : هي شوال وذو القعدة وعشرة من ذي الحجة، وروي عن ابن مسعود، وقاله ابن الزبير، والقولان مرويان عن مالك، حكى الأخير ابن حبيب، والأول ابن المنذر. وفائدة الفرق تعلق الدم، فمن قال : إن ذا الحجة كله من أشهر الحج لم ير دما فيما يقع من الأعمال بعد يوم النحر، لأنها في أشهر الحج. وعلى القول الأخير ينقضي الحج بيوم النحر، ويلزم الدم فيما عمل بعد ذلك لتأخيره عن وقته. 
الثالثة : لم يسم الله تعالى أشهر الحج في كتابه، لأنها كانت معلومة عندهم. ولفظ الأشهر قد يقع على شهرين وبعض الثالث ؛ لأن بعض الشهر يتنزل منزلة كله، كما يقال : رأيتك سنة كذا، أو على عهد فلان. ولعله إنما رآه في ساعة منها، فالوقت يذكر بعضه بكله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :( أيام منى ثلاثة ). وإنما هي يومان وبعض الثالث. ويقولون : رأيتك اليوم، وجئتك العام. وقيل : لما كان الاثنان وما فوقهما جمع[(٢)](#foonote-٢) قال أشهر، والله أعلم. 
الرابعة : اختلف في الإهلال بالحج في غير أشهر الحج، فروي عن ابن عباس : من سنة الحج أن يحرم به في أشهر الحج. وقال عطاء ومجاهد وطاوس والأوزاعي : من أحرم بالحج قبل أشهر الحج لم يجزه ذلك عن حجة ويكون عمرة، كمن دخل في صلاة قبل وقتها فإنه لا تجزيه وتكون نافلة، وبه قال الشافعي وأبو ثور. وقال الأوزاعي : يحل بعمرة. وقال أحمد بن حنبل : هذا مكروه، وروي عن مالك، والمشهور عنه جواز الإحرام بالحج في جميع السنة كلها، وهو قول أبي حنيفة. وقال النخعي : لا يحل حتى يقضي حجه، لقوله تعالى :" يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج " \[ البقرة : ١٨٩ \] وقد تقدم القول فيها. وما ذهب إليه الشافعي أصح ؛ لأن تلك عامة، وهذه الآية خاصة. ويحتمل أن يكون من باب النص على بعض أشخاص العموم، لفضل هذه الأشهر على غيرها، وعليه فيكون قول مالك صحيح، والله أعلم. 
الخامسة : قوله تعالى :" فمن فرض فيهن الحج " أي الزمه نفسه بالشروع فيه بالنية قصدا باطنا، وبالإحرام فعلا ظاهرا، وبالتلبية نطقا مسموعا، قاله ابن حبيب وأبو حنيفة في التلبية. وليست التلبية عند الشافعي من أركان الحج، وهو قول الحسن بن حي. قال الشافعي : تكفي النية في الإحرام بالحج. وأوجب التلبية أهل الظاهر وغيرهم. وأصل الفرض في اللغة : الحز والقطع، ومنه فرضة[(٣)](#foonote-٣) القوس والنهر والجبل. ففرضية الحج لازمة للعبد الحر كلزوم الحز للقدح. وقيل :" فرض " أي أبان، وهذا يرجع إلى القطع، لأن من قطع شيئا فقد أبانه عن غيره. و " من " رفع بالابتداء ومعناها الشرط، والخبر قوله :" فرض "، لأن " من " ليست بموصولة، فكأنه قال : رجل فرض. وقال :" فيهن " ولم يقل فيها، فقال قوم : هما سواء في الاستعمال. وقال المازني أبو عثمان : الجمع الكثير لما لا يعقل يأتي كالواحدة المؤنثة، والقليل ليس كذلك، تقول : الأجذاع انكسرن، والجذوع انكسرت، ويؤيد ذلك قول الله تعالى :" إن عدة الشهور " \[ التوبة : ٣٦ \] ثم قال :" منها ". 
السادسة : قوله تعالى :" فلا رفث " قال ابن عباس وابن جبير والسدي وقتادة والحسن وعكرمة والزهري ومجاهد ومالك : الرفث الجماع، أي فلا جماع لأنه يفسده. وأجمع العلماء على أن الجماع قبل الوقوف بعرفة مفسد للحج، وعليه حج قابل والهدي. وقال عبدالله بن عمر وطاوس وعطاء وغيرهم : الرفث الإفحاش للمرأة بالكلام، لقوله : إذا أحللنا فعلنا بك كذا، من غير كناية، وقاله ابن عباس أيضا، وأنشد وهو محرم :وهن يمشين بنا هَمِيسَا  إن تَصْدُقِ الطَّيرُ نَنِكْ لَمِيسَا[(٤)](#foonote-٤)فقال له صاحبه حصين بن قيس : أترفث وأنت محرم فقال : إن الرفث ما قيل عند النساء. وقال قوم : الرفث الإفحاش بذكر النساء، كان ذلك بحضرتهن أم لا. وقيل : الرفث كلمة جامعة لما يريده الرجل من أهله. وقال أبو عبيدة : الرفث اللغا من الكلام، وأنشد :وربَّ أسرابِ حجيج كُظَّمِ  عن اللّغَا ورَفَثِ التكلميقال : رفث يرفث، بضم الفاء وكسرها. وقرأ ابن مسعود " فلا رفوث " على الجمع. قال ابن العربي : المراد بقوله " فلا رفث " نفيه مشروعا لا موجدا، فإنا نجد الرفث فيه ونشاهده، وخبر الله سبحانه لا يجوز أن يقع بخلاف مخبره، وإنما يرجع النفي إلى وجوده مشروعا لا إلى وجوده محسوسا، كقوله تعالى :" والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " [(٥)](#foonote-٥) \[ البقرة : ٢٢٨ \] معناه : شرعا لا حسا، فإنا نجد المطلقات لا يتربصن، فعاد النفي إلى الحكم الشرعي لا إلى الوجود الحسي. وهذا كقوله تعالى :" لا يمسه إلا المطهرون[(٦)](#foonote-٦) " \[ الواقعة : ٧٩ \] إذا قلنا : إنه وارد في الآدميين - وهو الصحيح - أن معناه لا يمسه أحد منهم شرعا، فإن وجد المس فعلى خلاف حكم الشرع، وهذه الدقيقة هي التي فاتت العلماء فقالوا : إن الخبر يكون بمعنى النهي، وما وجد ذلك قط، ولا يصح أن يوجد، فإنهما مختلفان حقيقة ومتضادان وصفا. 
السابعة : قوله تعالى :" ولا فسوق " يعني جميع المعاصي كلها، قاله ابن عباس وعطاء والحسن. وكذلك قال ابن عمر وجماعة : الفسوق إتيان معاصي الله عز وجل في حال إحرامه بالحج، كقتل الصيد وقص الظفر وأخذ الشعر، وشبه ذلك. وقال ابن زيد ومالك : الفسوق الذبح للأصنام، ومنه قوله تعالى :" أو فسقا أهل لغير الله به[(٧)](#foonote-٧) " \[ الأنعام : ١٤٥ \]. وقال الضحاك : الفسوق التنابز بالألقاب، ومنه قوله :" بئس الاسم الفسوق[(٨)](#foonote-٨) " \[ الحجرات : ١١ \]. وقال ابن عمر أيضا : الفسوق السباب، ومنه قوله عليه السلام :( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ). والقول الأول أصح، لأنه يتناول جميع الأقوال. قال صلى الله عليه وسلم :( من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه )، ( والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) خرجه مسلم وغيره. وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :( والذي نفسي بيده ما بين السماء والأرض من عمل أفضل من الجهاد في سبيل الله أو حجة مبرورة لا رفث فيها ولا فسوق ولا جدال ). وقال الفقهاء : الحج المبرور هو الذي لم يعص الله تعالى فيه أثناء أدائه. وقال الفراء : هو الذي لم يعص الله سبحانه بعده، ذكر القولين ابن العربي رحمه الله. 
قلت : الحج المبرور هو الذي لم يعص الله سبحانه فيه لا بعده. قال الحسن : الحج المبرور هو أن يرجع صاحبه زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة. وقيل غير هذا، وسيأتي. 
الثامنة : قوله تعالى :" ولا جدال في الحج " قرئ " فلا رفث ولا فسوق " بالرفع والتنوين فيهما. وقرئا بالنصب بغير تنوين. وأجمعوا على الفتح في " ولا جدال "، وهو يقوي قراءة النصب فيما قبله، ولأن المقصود النفي العام من الرفث والفسوق والجدال، وليكون الكلام على نظام واحد في عموم المنفي كله، وعلى النصب أكثر القراء. والأسماء الثلاثة في موضع[(٩)](#foonote-٩) رفع، كل واحد مع " لا ". وقوله " في الحج " خبر عن جميعها. ووجه قراءة الرفع أن " لا " بمعنى " ليس " فارتفع الاسم بعدها، لأنه اسمها، والخبر محذوف تقديره : فليس رفث ولا فسوق في الحج، دل عليه " في الحج " الثاني الظاهر وهو خبر " لا جدال ". وقال أبو عمرو بن العلاء : الرفع بمعنى فلا يكونن رفث ولا فسوق، أي شيء يخرج من الحج، ثم ابتدأ النفي فقال : ولا جدال. 
قلت : فيحتمل أن تكون كان تامة، مثل قوله :" وإن كان ذو عسرة " فلا تحتاج إلى خبر. ويحتمل أن تكون ناقصة والخبر محذوف، كما تقدم آنفا. ويجوز أن يرفع " رفث وفسوق " بالابتداء، " ولا " للنفي، والخبر محذوف أيضا. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع بالرفع في الثلاثة. ورويت عن عاصم في بعض الطرق وعليه يكون " في الحج " خبر الثلاثة، كما قلنا في قراءة النصب، وإنما لم يحسن أن يكون " في الحج " خبر عن الجميع مع اختلاف القراءة ؛ لأن خبر ليس منصوب وخبر " ولا جدال " مرفوع ؛ لأن " ولا جدال " مقطوع من الأول وهو في موضع رفع بالابتداء، ولا يعمل عاملان في اسم واحد. ويجوز " فلا رفث ولا فسوق " تعطفه على الموضع. وأنشد النحويون :لا نَسَب اليوم ولا خُلَّةٌ  اتَّسع الخَرْقُ على الرَّاقِعِ[(١٠)](#foonote-١٠)ويجوز في الكلام " فلا رفث ولا فسوقا ولا جدالا في الحج " عطفا على اللفظ على ما كان يجب في " لا " قال الفراء : ومثله :فلا أبَ وابناً مثلَ مروانَ وابنه  إذا هو بالمجد ارتَدَى وتَأَزَّرَاوقال أبو رجاء العطاردي :" فلا رفث ولا فسوق " بالنصب فيهما، " ولا جدال " بالرفع والتنوين. وأنشد الأخفش :هذا وجدِّكم الصَّغَارُ بعينه  لا أمّ لي إن كان ذاك ولا أبُوقيل : إن معنى " فلا رفث ولا فسوق " النهي، أي لا ترفثوا ولا تفسقوا. ومعنى " ولا جدال " النفي، فلما اختلفا في المعنى خولف بينهما في اللفظ. قال القشيري : وفيه نظر، إذ قيل :" ولا جدال " نهي أيضا، أي لا تجادلوا، فلم فرق بينهما. 
التاسعة : قوله تعالى :" ولا جدال " الجدال وزنه فعال من المجادلة، وهي مشتقة من الجدل وهو الفتل، ومنه زمام مجدول. وقيل : هي مشتقة من الجدالة التي هي الأرض فكأن كل واحد من الخصمين يقاوم صاحبه حتى يغلبه، فيكون كمن ضرب به الجدالة. قال الشاعر :قد أركب الآلة بعد الآلهْ[(١١)](#foonote-١١)  وأترك العاجز بالجَدَالَهْمُنعَفِراً ليستْ لهُ مَحَالَهْ
العاشرة : واختلفت العلماء في المعنى المراد به هنا على أقوال ستة، فقال ابن مسعود وابن عباس وعطاء : الجدال هنا أن تماري مسلما حتى تغضبه فينتهي إلى السباب، فأما مذاكرة العلم فلا نهي عنها. وقال قتادة : الجدال السباب. وقال ابن زيد ومالك بن أنس : الجدال هنا أن يختلف الناس : أيهم صادف موقف إبراهيم عليه السلام، كما كانوا يفعلون في الجاهلية حين كانت قريش تقف في غير موقف سائر العرب، ثم يتجادلون بعد ذلك، فالمعنى على هذا التأويل : لا جدال في مواضعه. وقالت طائفة : الجدال هنا أن تقول طائفة : الحج اليوم، وتقول طائفة : الحج غدا. وقال مجاهد وطائفة معه : الجدال المماراة في الشهور حسب ما كانت عليه العرب من النسيء، كانوا ربما جعلوا الحج في غير ذي الحجة، ويقف بعضهم بجمع[(١٢)](#foonote-١٢) وبعضهم بعرفة، ويتمارون في الصواب من ذلك. 
قلت : فعلى هذين التأويل١ الطيلسان: كساء مدورا خضر، لحمته أو سداه من صوف يلبسه الخواص من العلماء والمشايخ، وهو من لباس العجم..
٢ كذا في نسخ الأصل. ووجه: أن اسم كان ضمير الشأن، وجملة "الاثنان وما..." الخ في محل نصب خبر كان..
٣ فرضة القوس (بضم أوله وسكون ثانيه): الحز يقع عليه الوتر، وفرضة النهر: مشرب الماء منه، وفرضة الجبل: ما انحدر من وسطه وجانبه..
٤ اللميس: المرأة اللينة الملمس..
٥ راجع ج ٣ ص ١١٢.
٦ راجع ج ١٧ ص ٢٢٥.
٧ راجع ج ٧ ص ١١٥.
٨ راجع ج ١٦ ص ٣٢٨.
٩ هذا على أحد قولين للنحويين، والثاني أن "لا" عاملة في الاسم النصب وما بعدها خبر..
١٠ البيت لأنس بن العباس السلمي، راجع الكلام عليه في شرح الشواهد الكبرى للعيني..
١١ الآلة: الحالة، والشدة..
١٢ هي المزدلفة..

### الآية 2:198

> ﻿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ [2:198]

قوله تعالى : ليس عليكم جناح أن تبتغو فضلا من ربكم  فيه مسألتان :
الأولى : قوله تعالى :" جناح " أي إثم، وهو اسم ليس. " أن تبتغوا " في موضع نصب خبر ليس، أي في أن تبتغوا. وعلى قول الخليل والكسائي أنها في موضع خفض. ولما أمر تعالى بتنزيه الحج عن الرفث والفسوق والجدال ورخص في التجارة، المعنى : لا جناح عليكم في أن تبتغوا فضل الله. وابتغاء الفضل ورد في القرآن بمعنى التجارة، قال الله تعالى :" فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله[(١)](#foonote-١) " \[ الجمعة : ١٠ \]. والدليل على صحة هذا ما رواه البخاري عن ابن عباس قال :( كانت[(٢)](#foonote-٢) عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية فتأثموا أن يتجروا في المواسم فنزلت :" ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم " في مواسم الحج[(٣)](#foonote-٣) ". 
الثانية : إذا ثبت هذا ففي الآية دليل على جواز التجارة في الحج للحاج مع أداء العبادة، وأن القصد إلى ذلك لا يكون شركا ولا يخرج به المكلف عن رسم الإخلاص المفترض عليه، خلافا للفقراء[(٤)](#foonote-٤). أما إن الحج دون تجارة أفضل، لعروها[(٥)](#foonote-٥) عن شوائب الدنيا وتعلق القلب بغيرها. روى الدارقطني في سننه عن أبي أمامة التيمي قال : قلت لابن عمر : إني رجل أكرى في هذا الوجه، وإن ناسا يقولون : إنه لا حج لك. فقال ابن عمر : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله مثل هذا الذي سألتني، فسكت حتى نزلت هذه الآية :" ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن لك حجا ). 
قوله تعالى : فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين  فيه ست[(٦)](#foonote-٦) عشرة مسألة :
الأولى : قوله تعالى :" فإذا أفضتم " أي اندفعتم. ويقال : فاض الإناء إذا امتلأ حتى ينصب عن نواحيه. ورجل فياض، أي مندفق بالعطاء. قال زهير :

وأبيضَ فيَّاضٍ يداه غمامة  على مُعْتَفِيهِ ما تُغِبُّ فواضله[(٧)](#foonote-٧)وحديث مستفيض، أي شائع. 
الثانية : قوله تعالى :" من عرفات " قراءة الجماعة " عرفات " بالتنوين، وكذلك لو سميت امرأة بمسلمات ؛ لأن التنوين هنا ليس فرقا بين ما ينصرف وما لا ينصرف فتحذفه، وإنما هو بمنزلة النون في مسلمين. قال النحاس : هذا الجيد. وحكى سيبويه عن العرب حذف التنوين من عرفات، يقوله : هذه عرفات يا هذا، ورأيت عرفات يا هذا، بكسر التاء وبغير تنوين، قال : لما جعلوها معرفة حذفوا التنوين. وحكى الأخفش والكوفيون فتح التاء، تشبيها بتاء فاطمة وطلحة. وأنشدوا :تنورتها من أذرعاتَ وأهلُها  بيثرب أدنى دارِها نظرٌ عالِوالقول الأول أحسن، وأن التنوين فيه على حده في مسلمات، الكسرة مقابلة الياء في مسلمين والتنوين مقابل النون. وعرفات : اسم علم، سمي بجمع كأذرعات. وقيل : سمي بما حوله، كأرض سباسب[(٨)](#foonote-٨). وقيل : سميت تلك البقعة عرفات لأن الناس يتعارفون بها. وقيل : لأن آدم لما هبط وقع بالهند، وحواء بجدة، فاجتمعا بعد طول الطلب بعرفات يوم عرفة وتعارفا[(٩)](#foonote-٩)، فسمي اليوم عرفة، والموضع عرفات، قاله الضحاك. وقيل غير هذا لما تقدم ذكره عند قوله تعالى :" وأرنا مناسكنا[(١٠)](#foonote-١٠) " \[ البقرة : ١٢٨ \]. قال ابن عطية : والظاهر أن اسمه مرتجل كسائر أسماء البقاع. وعرفة هي نعمان الأراك، وفيها يقول الشاعر :تزودت من نعمانَ عودَ أراكة  لهندٍ ولكن من يُبْلِغُهُ هنداوقيل : هي مأخوذة من العرف وهو الطيب، قال الله تعالى :" عرفها لهم[(١١)](#foonote-١١) " \[ محمد : ٦ \] أي طيبها، فهي طيبة بخلاف منى التي فيها الفروث[(١٢)](#foonote-١٢) والدماء، فلذلك سميت عرفات. ويوم الوقوف، يوم عرفة. وقال بعضهم : أصل هذين الاسمين من الصبر، يقال : رجل عارف. إذا كان صابرا خاشعا ويقال في المثل : النفس عروف وما حملتها تتحمل. قال :
فصبرتُ[(١٣)](#foonote-١٣) عارفةً لذلك حُرَّةً
**أي نفس صابرة. وقال ذو الرمة :**
عَرُوفٌ لما خَطَّت عليه المقادر[(١٤)](#foonote-١٤)
أي صبور على قضاء الله، فسمي بهذا الاسم لخضوع الحاج وتذللهم، وصبرهم على الدعاء وأنواع البلاء واحتمال الشدائد، لإقامة هذه العبادة. 
الثالثة : أجمع أهل العلم على أن من وقف بعرفة يوم عرفة قبل الزوال ثم أفاض منها قبل الزوال أنه لا يعتد بوقوفه ذلك قبل الزوال. وأجمعوا على تمام حج من وقف بعرفة بعد الزوال وأفاض نهارا قبل الليل، إلا مالك بن أنس فإنه قال : لا بد أن يأخذ من الليل شيئا. وأما من وقف بعرفة بالليل فإنه لا خلاف بين الأمة في تمام حجه. والحجة للجمهور مطلق قوله تعالى :" فإذا أفضتم من عرفات " ولم يخص ليلا من نهار، وحديث عروة بن مضرس قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الموقف من جمع، فقلت يا رسول الله، جئتك من جبلي طيء أكللت مطيتي، وأتعبت نفسي، والله إن تركت من جبل[(١٥)](#foonote-١٥) إلا وقفت عليه، فهل لي من حج يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من صلى معنا صلاة الغداة بجمع وقد أتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد قضى تفثه[(١٦)](#foonote-١٦) وتم حجه ). أخرجه غير واحد من الأئمة، منهم أبو داود والنسائي والدارقطني واللفظ له وقال الترمذي : حديث حسن صحيح. وقال أبو عمر : حديث عروة بن مضرس الطائي حديث ثابت صحيح، رواه جماعة من أصحاب الشعبي الثقات عن الشعبي عن عروة بن مضرس، منهم إسماعيل بن أبي خالد وداود بن أبي هند وزكريا بن أبي زائدة وعبدالله بن أبي السفر ومطرف، كلهم عن الشعبي عن عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام. وحجة مالك من السنة الثابتة : حديث جابر الطويل، خرجه مسلم، وفيه : فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص. وأفعاله على الوجوب، لا سيما في الحج وقد قال :( خذوا عني مناسككم ). 
الرابعة : واختلف الجمهور فيمن أفاض قبل غروب الشمس ولم يرجع ماذا عليه مع صحة الحج، فقال عطاء وسفيان الثوري والشافعي وأحمد وأبو ثور وأصحاب الرأي وغيرهم : عليه دم. وقال الحسن البصري : عليه هدي. وقال ابن جريج : عليه بدنة. وقال مالك : عليه حج قابل، والهدي ينحره في حج قابل، وهو كمن فاته الحج. فإن عاد إلى عرفة حتى يدفع بعد مغيب الشمس فقال الشافعي : لا شيء عليه، وهو قول أحمد وإسحاق وداود، وبه قال الطبري. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري : لا يسقط عنه الدم وإن رجع بعد غروب الشمس، وبذلك قال أبو ثور. 
الخامسة : ولا خلاف بين العلماء في أن الوقوف بعرفة راكبا لمن قدر عليه أفضل ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك وقف إلى أن دفع منها بعد غروب الشمس، وأردف أسامة بن زيد، وهذا محفوظ في حديث جابر الطويل وحديث علي، وفي حديث ابن عباس أيضا. قال جابر :( ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات[(١٧)](#foonote-١٧)، وجعل حبل[(١٨)](#foonote-١٨) المشاة بين يديه واستقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص، وأردف أسامة بن زيد خلفه. . . ) الحديث. فإن لم يقدر على الركوب وقف قائما على رجليه داعيا، ما دام يقدر، ولا حرج عليه في الجلوس إذا لم يقدر على الوقوف، وفي الوقوف راكبا مباهاة وتعظيم للحج " ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب[(١٩)](#foonote-١٩) " \[ الحج : ٣٢ \]. قال ابن وهب في موطئه قال لي مالك : الوقوف بعرفة على الدواب والإبل أحب إلي من أن أقف قائما، قال : ومن وقف قائما فلا بأس أن يستريح. 
السادسة : ثبت في صحيح مسلم وغيره عن أسامة بن زيد أنه عليه السلام ( كان إذا أفاض من عرفة يسير العنق[(٢٠)](#foonote-٢٠) فإذا وجد فجوة نصَّ ) قال هشام بن عروة : والنص فوق العنق وهكذا ينبغي على أئمة الحاج فمن دونهم، لأن في استعجال السير إلى المزدلفة استعجال الصلاة بها، ومعلوم أن المغرب لا تصلى تلك الليلة إلا مع العشاء بالمزدلفة، وتلك سنتها، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. 
السابعة : ظاهر عموم القرآن والسنة الثابتة يدل على أن عرفة كلها موقف، قال صلى الله عليه وسلم :( ووقفت ههنا وعرفة كلها موقف ) رواه مسلم وغيره من حديث جابر الطويل. وفي موطأ مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( عرفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرنة والمزدلفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن مُحَسّر ). قال ابن عبد البر : هذا الحديث يتصل من حديث جابر بن عبد الله، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث علي بن أبي طالب، وأكثر الآثار ليس فيها استثناء بطن عرنة من عرفة، وبطن محسر من المزدلفة، وكذلك نقلها الحفاظ الثقات الإثبات من أهل الحديث في حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر. 
قال أبو عمر : واختلف الفقهاء فيمن وقف بعرفة بعُرَنة، فقال مالك فيما ذكر ابن المنذر عنه : يهريق دما وحجه تام. وهذه رواية رواها خالد بن نزار عن مالك. وذكر أبو المصعب أنه كمن لم يقف وحجه فائت، وعليه الحج من قابل إذا وقف ببطن عرنة. وروي عن ابن عباس قال : من أفاض من عرنة فلا حج له. وهو قول ابن القاسم وسالم، وذكر ابن المنذر هذا القول عن الشافعي، قال : وبه أقول : لا يجزيه أن يقف بمكان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يوقف به. قال ابن عبدالبر : الاستثناء ببطن عرنة من عرفة لم يجئ مجيئا تلزم حجته، لا من جهة النقل ولا من جهة الإجماع. وحجة من ذهب مذهب أبي المصعب أن الوقوف بعرفة فرض مجمع عليه في موضع معين، فلا يجوز أداؤه إلا بيقين، ولا يقين مع الاختلاف. وبطن عرنة يقال بفتح الراء وضمها، وهو بغربي مسجد عرفة، حتى ( لقد قال بعض العلماء : إن الجدار الغربي من مسجد عرفة لو سقط سقط في بطن عرنة. وحكى الباجي عن ابن حبيب أن عرفة في الحل، وعرنة في الحرم. قال أبو عمر : وأما بطن محسر فذكر وكيع : حدثنا سفيان عن أبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم ( أوضع[(٢١)](#foonote-٢١) في بطن مُحَسّر ). 
الثامنة : ولا بأس بالتعريف في المساجد يوم عرفة بغير عرفة، تشبيها بأهل عرفة. روى شعبة عن قتادة عن الحسن قال : أول من صنع ذلك ابن عباس بالبصرة. يعني اجتماع الناس يوم عرفة في المسجد بالبصرة. وقال موسى بن أبي عائشة : رأيت عمر بن حريث يخطب يوم عرفة وقد اجتمع الناس إليه. وقال الأثرم : سألت أحمد بن حنبل عن التعريف في الأمصار، يجتمعون يوم عرفة، فقال : أرجو ألا يكون به بأس، قد فعله غير واحد : الحسن وبكر وثابت ومحمد بن واسع، كانوا يشهدون المسجد يوم عرفة. 
التاسعة : في فضل يوم عرفة، يوم عرفة فضله عظيم وثوابه جسيم، يكفر الله فيه الذنوب العظام، ويضاعف فيه الصالح من الأعمال، قال صلى الله عليه وسلم :( صوم يوم عرفة يكفر السنة الماضية والباقية ). أخرجه الصحيح. وقال صلى الله عليه وسلم :( أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له ). وروى الدارقطني عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عددا من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو عز وجل ثم يباهي بهم الملائكة يقول ما أراد هؤلاء ). وفي الموطأ عن عبيد الله بن كريز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( ما رئي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رأى يوم بدر ١ راجع ج ١٨ ص ١٠٨.
٢ الذي في البخاري: "كان ذو المجاز وعكاظ متجر الناس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت.. الخ" وعكاظ: نخل في واد بينه وبين الطائف ليلة، وبينه وبين مكة ثلاث ليال. وذو المجاز: خلف عرفة. ومجنة: بمر الظهران، قرب جبل يقال له الأصفر، وهو بأسفل مكة على قدر بريد منها. وهذه أسواق للعرب، وكان أهل الجاهلية يصبحون بعكاظ يوم هلال ذي القعدة، ثم يذهبون منه إلى مجنة بعد مضي عشرين يوما من ذي القعدة؛ فإذا رأوا هلال ذي الحجة ذهبوا من مجنة إلى ذي المجاز، فلبثوا به ثمان ليال، ثم يذهبون إلى عرفة. ولم تزل هذه الأسواق قائمة في الإسلام إلى أن كان أول ما ترك منها سوق عكاظ في زمن الخوارج سنة تسع وعشرين ومائة لما خرج الحروري بمكة مع أبي حمزة المختار بن عوف خاف الناس أن ينتهبوا فتركت إلى الآن، ثم ترك ذو المجاز ومجنة بعد ذلك، واستغنوا بالأسواق بمكة وبمنى وبعرفة. (عن شرح القسطلاني)..
٣ قوله: "في مواسم الحج" قراءة ابن عباس، كما نبه عليه المؤلف في مقدمة الكتاب ص ٨٣، وقال أبو حيان في البحر: "وقرأ ابن مسعود وابن عباس وابن الزبير فضلا من ربكم في مواسم الحج" وجعل هذا تفسيرا؛ لأنه مخالف لسواد المصحف الذي أجمعت عليه الأمة..
٤ لعله يريد بالفقراء الصوفية..
٥ كذا في نسخ الأصل: ومقتضى الظاهر تذكير الضمير لعوده إلى الحج، ولعله يريد بالتأنيث هنا: الحج بمعنى العبادة..
٦ يلاحظ أن الأصول اضطربت في العدد هنا..
٧ الفياض: الكثير العطاء. المعتفون: الطالبون ما عنده. قال: عفاه واعتفاه إذا أتاه يطلب معروفه. ما تغب فواضله: أي عطاياه دائمة لا تنقطع..
٨ جاء في اللسان مادة سبسب: "وحكى اللحياني بلد سبسب، وبلد سباسب، كأنهم جعلوا كل جزء منه سبسبا، ثم جمعوه على هذا" والسبسب: القفر والمفازة. وقيل: الأرض المستوية البعيدة..
٩ كل هذا يحتاج إلى التثبت..
١٠ راجع ص ١٢٧ من هذا الجزء..
١١ راجع ج ١٦ ص ٢٣١.
١٢ الفروث: جمع فرث، وهو السرجين (الزبل) مادام في الكرش..
١٣ البيت لعنترة، وتمامه: ترسوا إذا نفس الجبان تطلع.
١٤ صدر البيت: إذا خاف شيئا وقرته طبيعة.
١٥ في ز وبعض كتب الحديث ونهاية ابن الأثير بالحاء المهملة المفتوحة وسكون الموحدة. قال الترمذي في سننه: "قوله: من حبل" إذا كان من رمل يقال له حبل، وإذا كان من حجارة يقال له جبل". وقال ابن الأثير في تفسير هذا الحديث: "الحبل: المستطيل من الرمل، وقيل: الضخم منه، وجمعه حبال. وقيل : الحبال في الرمل كالجبال في غير الرمل". وقال الخطابي: الحبال ما دون الجبال في الارتفاع..
١٦ قال صاحب التعليق المغنى على سنن الدارقطني: "قوله: وقضى تفثه. قيل: المراد به أنه أتى بما عليه من المناسك، والمشهور أن التفث ما يصنعه المحرم عند حله من تقصير شعرا أوحلقه وحلق العانة ونتف الإبط وغيره من خصال الفطرة، ويدخل في ضمن ذلك نحر البدن، وقضاء جميع المناسك؛ لأنه لا يقضي التفث إلا بعد ذلك، وأصل التفث الوسخ والقذر. قاله الشوكاني"..
١٧ الصخرات: هي صخرات مفرشات في أسفل جبل الرحمة، وهو الجبل الذي بوسط أرض عرفات..
١٨ قال ابن الأثير: "وجعل حبل المشاة بين يديه؛ أي طريقهم الذي يسلكونه في الرمل. وقيل: أراد صفهم ومجتمعهم في مشيهم تشبيها بحبل الرمل"..
١٩ راجع ج ١٢ ص ٥٦.
٢٠ العنق (محركة): سير سريع فسيح واسع الإبل والدابة. والفجوة: الموضع المتسع بين شيئين..
٢١ الإيضاع: سير مثل الخبب (ضرب من العدو) يقال: وضع البعير يضع وضعا، واوضعه راكبه إيضاعا إذا حمله على سرعة السير..

### الآية 2:199

> ﻿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2:199]

**فيه أربع مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس " قيل : الخطاب للحمس، فإنهم كانوا لا يقفون مع الناس بعرفات، بل كانوا يقفون بالمزدلفة وهي من الحرم، وكانوا يقولون : نحن قطين[(١)](#foonote-١) الله، فينبغي لنا أن نعظم الحرم، ولا نعظم شيئا من الحل، وكانوا مع معرفتهم وإقرارهم إن عرفة موقف إبراهيم عليه السلام لا يخرجون من الحرم، ويقفون بجمع ويفيضون منه ويقف الناس بعرفة، فقيل لهم : أفيضوا مع الجملة. و " ثم " ليست في هذه الآية للترتيب وإنما هي لعطف جملة كلام هي منها منقطعة. وقال الضحاك : المخاطب بالآية جملة الأمة، والمراد ب " الناس " إبراهيم عليه السلام، كما قال :" الذين قال لهم الناس[(٢)](#foonote-٢) " \[ آل عمران : ١٧٣ \] وهو يريد واحدا. ويحتمل على هذا أن يؤمروا بالإفاضة من عرفة، ويحتمل أن تكون إفاضة أخرى، وهي التي من المزدلفة، فتجيء " ثم " على هذا الاحتمال على بابها، وعلى هذا الاحتمال عول الطبري. والمعنى : أفيضوا من حيت أفاض إبراهيم من مزدلفة جمع، أي ثم أفيضوا إلى منى ؛ لأن الإفاضة من عرفات قبل الإفاضة من جمع. قلت : ويكون في هذا حجة لمن أوجب الوقوف بالمزدلفة، للأمر بالإفاضة منها، والله أعلم والصحيح في تأويل هذه الآية من القولين القول الأول. روى الترمذي عن عائشة قالت : كانت قريش ومن كان على دينها وهم الحمس يقفون بالمزدلفة يقولون : نحن قطين الله، وكان من سواهم يقفون بعرفة، فأنزل الله تعالى :" ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس " هذا حديث حسن صحيح. وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت : الحمس هم الذين أنزل الله فيهم :" ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس " قالت : كان الناس يفيضون من عرفات، وكان الحمس يفيضون من المزدلفة، يقولون : لا نفيض إلا من الحرم، فلما نزلت :" أفيضوا من حيث أفاض الناس " رجعوا إلى عرفات. وهذا نص صريح، ومثله كثير صحيح، فلا معول على غيره من الأقوال. والله المستعان. وقرأ سعيد بن جبير " الناسي " وتأويله آدم عليه السلام، لقوله تعالى :" فنسي ولم نجد له عزما[(٣)](#foonote-٣) " \[ طه : ١١٥ \]. ويجوز عند بعضهم تخفيف الياء فيقول الناس، كالقاض والهاد. ابن عطية : أما جوازه في العربية فذكره سيبويه، وأما جوازه مقروءا به فلا أحفظه. وأمر تعالى بالاستغفار لأنها مواطنه، ومظان القبول ومساقط الرحمة. وقالت فرقة : المعنى واستغفروا الله من فعلكم الذي كان مخالفا لسنة إبراهيم في وقوفكم بقزح من المزدلفة دون عرفة. 
الثانية : روى أبو داود عن علي قال : فلما أصبح - يعني النبي صلى الله عليه وسلم وقف على قزح فقال :( هذا قزح وهو الموقف وجمع كلها موقف ونحرت ههنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم ). فحكم الحجيج إذا دفعوا من عرفة إلى المزدلفة أن يبيتوا بها ثم يغلس[(٤)](#foonote-٤) بالصبح الإمام بالناس ويقفون بالمشعر الحرام. وقزح هو الجبل الذي يقف عليه الإمام، ولا يزالون يذكرون الله ويدعون إلى قرب طلوع الشمس، ثم يدفعون قبل الطلوع، على مخالفة العرب، فإنهم كانوا يدفعون بعد الطلوع ويقولون : أشرق ثبير، كيما نغير، أي كيما نقرب من التحلل فنتوصل إلى الإغارة. وروى البخاري[(٥)](#foonote-٥) عن عمرو بن ميمون قال : شهدت عمر صلى بجمع الصبح ثم وقف فقال : إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ويقولون : أشرق ثبير[(٦)](#foonote-٦)، وأن النبي صلى الله عليه وسلم خالفهم فدفع قبل أن تطلع الشمس. وروى ابن عيينة عن ابن جريج عن محمد بن مخرمة عن ابن طاوس عن أبيه أن أهل الجاهلية كانوا يدفعون من عرفة قبل غروب الشمس، وكانوا يدفعون من المزدلفة بعد طلوع الشمس، فأخر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا وعجل هذا، أخر الدفع من عرفة، وعجل الدفع من المزدلفة مخالفا هدي المشركين. 
الثالثة : فإذا دفعوا قبل الطلوع فحكمهم أن يدفعوا على هيئة الدفع من عرفة، وهو أن يسير الإمام بالناس سير العنق، فإذا وجد أحدهم فرجة زاد في العنق شيئا. والعنق : مشي للدواب معروف لا يجهل. والنص : فوق العنق، كالخبب أو فوق ذلك. وفي صحيح مسلم عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما وسئل : كيف كان يسير رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أفاض من عرفة ؟ قال : كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص. قال هشام[(٧)](#foonote-٧) : والنص فوق العنق، وقد تقدم. ويستحب له أن يحرك في بطن محسر قدر رمية بحجر، فإن لم يفعل فلا حرج، وهو من منى. وروى الثوري[(٨)](#foonote-٨) وغيره عن أبي الزبير عن جابر قال : دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه السكينة وقال لهم :( أوضعوا في وادي محسر ) وقال لهم :( خذوا عني مناسككم ). فإذا أتوا منى وذلك غدوة يوم النحر، رموا جمرة العقبة بها ضحى ركبانا إن قدروا، ولا يستحب الركوب في غيرها من الجمار، ويرمونها بسبع حصيات، كل حصاة منها مثل حصى الخذف[(٩)](#foonote-٩) - على ما يأتي بيانه - فإذا رموها حل لهم كل ما حرم عليهم من اللباس والتفث كله، إلا النساء والطيب والصيد عند مالك وإسحاق في رواية أبي داود الخفاف عنه. وقال عمر بن الخطاب وابن عمر : يحل له كل شيء إلا النساء والطيب. ومن تطيب عند مالك بعد الرمي وقبل الإفاضة لم ير عليه فدية، لما جاء في ذلك. ومن صاد عنده بعد أن رمى جمرة العقبة وقبل أن يفيض كان عليه الجزاء. وقال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور : يحل له كل شيء إلا النساء، وروي عن ابن عباس. 
الرابعة : ويقطع الحاج التلبية بأول حصاة يرميها من جمرة العقبة، وعلى هذا أكثر أهل العلم بالمدينة وغيرها، وهو جائز مباح عند مالك. والمشهور عنه قطعها عند زوال الشمس من يوم عرفة، على ما ذكر في موطئه عن علي، وقال : هو الأمر عندنا. 
قلت : والأصل في هذه الجملة من السنة ما رواه مسلم عن الفضل بن عباس، وكان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في عشية عرفة وغداة جمع[(١٠)](#foonote-١٠) للناس حين دفعوا :( عليكم بالسكينة ) وهو كاف[(١١)](#foonote-١١) ناقته حتى دخل محسرا وهو من منى قال :( عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة )، وقال : لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى جمرة العقبة. في رواية : والنبي صلى الله عليه وسلم يشير بيده كما يخذف الإنسان. وفي البخاري عن عبدالله أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى جعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، ورمى بسبع وقال : هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة صلى الله عليه وسلم وروى الدار قطني عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إذا رميتم وحلقتم وذبحتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء وحل لكم الثياب والطيب ). وفي البخاري عن عائشة قالت : طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هاتين، حين أحرم، ولحله حين أحل قبل أن يطوف، وبسطت يديها. وهذا هو التحلل الأصغر عند العلماء. والتحلل الأكبر : طواف الإفاضة، وهو الذي يحل النساء وجميع محظورات الإحرام وسيأتي ذكره في سورة " الحج[(١٢)](#foonote-١٢) " إن شاء الله تعالى. 
قوله تعالى :" إن الله غفور رحيم " أي يغفر المعاصي، فأولى ألا يؤاخذ بما رخص فيه، ومن رحمته أنه رخص. 
١ قطين الله: أي سكان حرمه، والقطين جمع قاطن كالقطان..
٢ راجع ج ٤ ص ٢٧٩..
٣ راجع ج ١١ ص ٢٥١.
٤ الغلس (محركة): ظلمة آخر الليل..
٥ في ب، ج: "النحاس"وهو خطأ.
٦ ثبير (بفتح المثلثة وكسر الموحدة وسكون التحتية): جبل عظيم بالمزدلفة على يسار الذاهب منا إلى منى. هذا هو المراد، وللعرب جبال أخر اسم كل منها ثبير. عن زهر الربى للسيوطي)..
٧ هشام هو أحد رواة سند هذا الحديث..
٨ في ج: "الترمذي"..
٩ الخذف (بالخاء المعجمة المفتوحة والذال المعجمة الساكنة): رميك حصاة أو نواة تأخذها بين الإبهام والسبابة وترمي بها. والمراد الحصا الصغار..
١٠ أي صباح المزدلفة..
١١ من الكف بمعنى الإسراع..
١٢ راجع ج ١٢ ص ٥١..

### الآية 2:200

> ﻿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ [2:200]

**فيه مسألتان :**
الأولى : قوله تعالى :" فإذا قضيتم مناسككم " قال مجاهد : المناسك الذبائح وهراقة الدماء. وقيل : هي شعائر الحج، لقوله عليه السلام :( خذوا عني مناسككم ). المعنى : فإذا فعلتم منسكا من مناسك الحج فاذكروا الله وأثنوا عليه بآلائه عندكم. وأبو عمرو يدغم الكاف في الكاف وكذلك " ما سلككم " لأنهما مثلان و " قضيتم " هنا بمعنى أديتم وفرغتم، قال الله تعالى :" فإذا قضيت الصلاة[(١)](#foonote-١) " \[ الجمعة : ١٠ \] أي أديتم الجمعة. وقد يعبر بالقضاء عما فعل من العبادات خارج وقتها المحدود لها. 
الثانية : قوله تعالى :" فاذكروا الله كذكركم آباءكم " كانت عادة العرب إذا قضت حجها تقف عند الجمرة، فتفاخر بالآباء، وتذكر أيام أسلافها من بسالة وكرم، وغير ذلك، حتى أن الواحد منهم ليقول : اللهم إن أبي كان عظيم القبة، عظيم الجفنة[(٢)](#foonote-٢)، كثير المال، فأعطني مثل ما أعطيته فلا يذكر غير أبيه، فنزلت الآية ليلزموا أنفسهم ذكر الله أكثر من التزامهم ذكر آبائهم أيام الجاهلية هذا قول جمهور المفسرين. وقال ابن عباس وعطاء والضحاك والربيع : معنى الآية واذكروا الله كذكر الأطفال آباءهم وأمهاتهم : أبَه أمَّه، أي فاستغيثوا به والجؤوا إليه كما كنتم تفعلون في حال صغركم بآبائكم. وقالت طائفة : معنى الآية اذكروا الله وعظموه وذبوا عن حرمه، وادفعوا من أراد الشرك في دينه ومشاعره، كما تذكرون آباءكم بالخير إذا غض أحد منهم، وتحمون جوانبهم وتذبون عنهم. وقال أبو الجوزاء لابن عباس : إن الرجل اليوم لا يذكر أباه، فما معنى الآية ؟ قال : ليس كذلك، ولكن أن تغضب لله تعالى إذا عصي أشد من غضبك لوالديك إذا شتما والكاف من قول " كذكركم " في موضع نصب، أي ذكرا كذكركم. " أو أشد " قال الزجاج :" أو أشد " في موضع خفض عطفا على ذكركم، المعنى : أو كأشد ذكرا، ولم ينصرف لأنه " أفعل " صفة، ويجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى أو اذكروه أشد. و " ذكرا " نصب على البيان. 
قوله تعالى :" فمن الناس من يقول ربنا " " من " في موضع رفع بالابتداء وإن شئت بالصفة يقول " ربنا آتنا في الدنيا " صلة " من " والمراد المشركون. قال أبو وائل والسدي وابن زيد : كانت العرب في الجاهلية تدعو في مصالح الدنيا فقط، فكانوا يسألون الإبل والغنم والظفر بالعدو، ولا يطلبون الآخرة، إذ كانوا لا يعرفونها ولا يؤمنون بها، فنهوا عن ذلك الدعاء المخصوص بأمر الدنيا، وجاء النهي في صيغة الخبر عنهم ويجوز أن يتناول هذا الوعيد المؤمن أيضا إذا قصر دعواته في الدنيا، وعلى هذا ف " ما له في الآخرة من خلاق " أي كخلاق الذي يسأل الآخرة والخلاق النصيب. و " من " زائدة وقد تقدم. 
١ راجع ج ١٨ ص ١٠٨.
٢ الجفنة: أعظم ما يكون من القصاع..

### الآية 2:201

> ﻿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [2:201]

**فيه ثلاث مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" ومنهم " أي من الناس، وهم المسلمون يطلبون خير الدنيا والآخرة. واختلف في تأويل الحسنتين على أقوال عديدة، فروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن الحسنة في الدنيا المرأة الحسناء، وفي الآخرة الحور العين. " وقنا عذاب النار " : المرأة السوء. 
قلت : وهذا فيه بعد، ولا يصح عن علي ؛ لأن النار حقيقة في النار المحرقة، وعبارة المرأة عن النار تجوز. وقال قتادة : حسنة الدنيا العافية في الصحة وكفاف المال. وقال الحسن : حسنة الدنيا العلم والعبادة. وقيل غير هذا. والذي عليه أكثر أهل العلم أن المراد بالحسنتين نعم الدنيا والآخرة. وهذا هو الصحيح، فإن اللفظ يقتضي هذا كله، فإن " حسنة " نكرة في سياق الدعاء، فهو محتمل لكل حسنة من الحسنات على البدل. وحسنة الآخرة : الجنة بإجماع. وقيل : لم يرد حسنة واحدة، بل أراد : أعطنا في الدنيا عطية حسنة، فحذف الاسم. 
الثانية : قوله تعالى :" وقنا عذاب النار " أصل " قنا " أو قنا حذفت الواو كما حذفت في يقي ويشي ؛ لأنها بين ياء وكسرة، مثل يعد، هذا قول البصريين. وقال الكوفيون : حذفت فرقا بين اللازم والمتعدي. قال محمد بن يزيد : هذا خطأ ؛ لأن العرب تقول. ورم يرم، فيحذفون الواو. والمراد بالآية الدعاء في ألا يكون المرء ممن يدخلها بمعاصيه وتخرجه الشفاعة. ويحتمل أن يكون دعاء مؤكدا لطلب دخول الجنة، لتكون الرغبة في معنى النجاة والفوز من الطرفين، كما قال أحد الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم أنا إنما أقول في دعائي : اللهم أدخلني الجنة وعافني من النار، ولا أدري ما دندنتك[(١)](#foonote-١) ولا دندنة معاذ. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :( حولها[(٢)](#foonote-٢) ندندن ) خرجه أبو داود في سننه وابن ماجه أيضا. 
الثالثة : هذه الآية من جوامع الدعاء التي عمت الدنيا والآخرة. قيل لأنس : ادع الله لنا، فقال : اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. قالوا : زدنا. قال : ما تريدون قد سألت الدنيا والآخرة وفي الصحيحين عن أنس قال : كان أكثر دعوة يدعو بها النبي صلى الله عليه وسلم يقول :( اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ). قال : فكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، فإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه. وفي حديث عمر أنه كان يطوف بالبيت وهو يقول : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. ما له هِجِّيرَى[(٣)](#foonote-٣) غيرها، ذكره أبو عبيد. وقال ابن جريج : بلغني أنه كان يأمر أن يكون أكثر دعاء المسلم في الموقف هذه الآية :" ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ". وقال ابن عباس : إن عند الركن ملكا قائما منذ خلق الله السموات والأرض يقول آمين، فقولوا :" ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " وسئل عطاء بن أبي رباح عن الركن اليماني وهو يطوف بالبيت، فقال عطاء : حدثني أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( وكل به سبعون ملكا فمن قال اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار قالوا آمين. . . ) الحديث. خرجه ابن ماجه في السنن، وسيأتي بكماله مسندا في " الحج \] إن شاء الله. 
١ الدندنة: أن يتكلم الرجل الكلام تسمع نغمته ولا يفهم، وهو أرفع من الهيمنة قليلا..
٢ في حاشية السندي على سنن ابن ماجه: "وفي بعض النسخ حولهما بالتثنية، فعلى الأول معناه حول مقالتك، أي كلامنا قريب من كلامك. وعلى الثاني معناه حول الجنة والنار؛ أي: كلامنا أيضا لطلب الجنة والتعوذ من النار".
٣ الهجير والهجيري: "الدأب والعادة والديدن..

### الآية 2:202

> ﻿أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا ۚ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [2:202]

**فيه ثلاث مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" أولئك لهم نصيب مما كسبوا " هذا يرجع إلى الفريق الثاني فريق الإسلام، أي لهم ثواب الحج أو ثواب الدعاء، فإن دعاء المؤمن عبادة. وقيل : يرجع " أولئك " إلى الفريقين، فللمؤمن ثواب عمله ودعائه، وللكافر عقاب شركه وقصر نظره على الدنيا، وهو مثل قوله تعالى :" ولكل درجات مما[(١)](#foonote-١) عملوا " \[ الأنعام : ١٣٢ \]. 
الثانية : قوله تعالى :" والله سريع الحساب " من سرع يسرع - مثل عظم يعظم - سرعا وسرعة، فهو سريع. " الحساب " : مصدر كالمحاسبة، وقد يسمى المحسوب حسابا. والحساب العد، يقال : حسب يحسب حسابا وحسابة وحُسبانا وحِسبانا وحسبا، أي عد وأنشد ابن الأعرابي :يا جُمْلُ أسقاكِ[(٢)](#foonote-٢) بلا حِسَابَه  سُقْيَا مَلَيكٍ حَسَنِ الرَّبَابَه[(٣)](#foonote-٣)قَتلتني بالدَّلِ والخِلاَبَه
والحسب : ما عد من مفاخر المرء. ويقال : حسبه دينه. ويقال : ماله، ومنه الحديث : الحسب المال والكرم التقوى ) رواه سمرة بن جندب، أخرجه ابن ماجه، وهو في الشهاب أيضا. والرجل حسيب، وقد حسب حسابة ( بالضم )، مثل خطب خطابة. والمعنى في الآية : إن الله سبحانه سريع الحساب، لا يحتاج إلى عد ولا إلى عقد ولا إلى إعمال فكر كما يفعله الحساب، ولهذا قال وقول الحق :" وكفى بنا حاسبين " \[ الأنبياء : ٤٧ \]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( اللهم منزل الكتاب سريع الحساب ) الحديث. فالله جل وعز عالم بما للعباد وعليهم فلا يحتاج إلى تذكر وتأمل، إذ قد علم ما للمحاسب وعليه ؛ لأن الفائدة في الحساب علم حقيقته. وقيل : سريع المجازاة للعباد بأعمالهم وقيل : المعنى لا يشغله شأن عن شأن، فيحاسبهم في حالة واحدة، كما قال وقوله الحق :" ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة[(٤)](#foonote-٤) " \[ لقمان : ٢٨ \]. قال الحسن : حسابه أسرع من لمح البصر، وفي الخبر ( إن الله يحاسب في قدر حلب شاة ). وقيل : هو أنه إذا حاسب واحدا فقد حاسب جميع الخلق. وقيل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : كيف يحاسب الله العباد في يوم ؟ قال : كما يرزقهم في يوم. ومعنى الحساب : تعريف الله عباده مقادير الجزاء على أعمالهم، وتذكيره إياهم بما قد نسوه[(٥)](#foonote-٥)، بدليل قوله تعالى :" يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه " \[ المجادلة : ٦ \]. وقيل : معنى الآية سريع بمجيء يوم الحساب، فالمقصد بالآية الإنذار بيوم القيامة. قلت : والكل محتمل فيأخذ العبد لنفسه في تخفيف الحساب عنه بالأعمال الصالحة، وإنما يخف الحساب في الآخرة على من حاسب نفسه في الدنيا. 
الثالثة : قال ابن عباس في قوله تعالى :" أولئك لهم نصيب مما كسبوا " هو الرجل يأخذ مالا يحج به عن غيره، فيكون له ثواب. وروي عنه في هذه الآية أن رجلا قال : يا رسول الله، مات أبي ولم يحج، أفأحج عنه ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( لو كان على أبيك دين فقضيته أما كان ذلك يجزي ). قال نعم. قال :( فدين الله أحق أن يقضى ). قال : فهل لي من أجر ؟ فأنزل الله تعالى :" أولئك لهم نصيب مما كسبوا " يعني من حج عن ميت كان الأجر بينه وبين الميت. قال أبو عبدالله محمد بن خويز منداد في أحكامه : قول ابن عباس نحو قول مالك ؛ لأن تحصيل مذهب مالك أن المحجوج عنه يحصل له ثواب النفقة، والحجة للحاج، فكأنه يكون له ثواب بدنه وأعماله، وللمحجوج عنه ثواب ماله وإنفاقه، ولهذا قلنا : لا يختلف في هذا حكم من حج عن نفسه حجة الإسلام أو لم يحج ؛ لأن الأعمال التي تدخلها النيابة لا يختلف حكم المستناب فيها بين أن يكون قد أدى عن نفسه أو لم يؤد، اعتبارا بأعمال الدين والدنيا. ألا ترى أن الذي عليه زكاة أو كفارة أو غير ذلك يجوز أن يؤدي عن غيره وإن لم يؤد عن نفسه، وكذلك من لم يراع مصالحه في الدنيا يصح أن ينوب عن غيره من مثلها فتتم لغيره وإن لم تتم لنفسه، ويزوج غيره وإن لم يزوج نفسه. 
١ راجع ج ٧ ص ٨٧.
٢ هكذا أورده الجوهري في الصحاح، وهي رواية الأصول. وفي اللسان: "وصواب إنشاده: يا جمل أسقيت" أي أسقيت بلا حساب ولا هنداز..
٣ في الأصول: "الرياسة" والتصويب عن الصحاح واللسان. والربابة (بالكسر): القيام على الشيء بإصلاحه وتربيته. والخلابة (بالكسر): أن تخلب المرأة قلب الرجل بألطف القول وأعذبه..
٤ راجع ج ١٤ ص ٧٨.
٥ راجع ج ١٧ ص ٢٨٩.

### الآية 2:203

> ﻿۞ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ۚ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [2:203]

قوله تعالى :" واذكروا الله في أيام معدودات " : فيه ست مسائل :
الأولى : قال الكوفيون : الألف والتاء في " معدودات " لأقل العدد. وقال البصريون : هما للقليل والكثير، بدليل قوله تعالى :" وهم في الغرفات آمنون " [(١)](#foonote-١) والغرفات كثيرة. ولا خلاف بين العلماء أن الأيام المعدودات في هذه الآية هي أيام منى، وهي أيام التشريق، وأن هذه الثلاثة الأسماء واقعة عليها، وهي أيام رمي الجمار، وهي واقعة على الثلاثة الأيام التي يتعجل الحاج منها في يومين بعد يوم النحر، فقف على ذلك. وقال الثعلبي[(٢)](#foonote-٢) وقال إبراهيم : الأيام المعدودات أيام العشر، والأيام المعلومات أيام النحر، وكذا حكى مكي والمهدوي أن الأيام المعدودات هي أيام العشر. ولا يصح لما ذكرناه من الإجماع، على ما نقله أبو عمر بن عبدالبر وغيره. قال ابن عطية : وهذا إما أن يكون من تصحيف النسخة، وإما أن يريد العشر الذي[(٣)](#foonote-٣) بعد النحر، وفي ذلك بعد. 
الثانية : أمر الله سبحانه وتعالى عباده بذكره في الأيام المعدودات، وهي الثلاثة التي بعد يوم النحر، وليس يوم النحر منها، لإجماع الناس أنه لا ينفر أحد يوم النفر وهو ثاني يوم النحر، ولو كان يوم النحر في المعدودات لساغ أن ينفر من شاء متعجلا يوم النفر ؛ لأنه قد أخذ يومين من المعدودات. خرج الدارقطني والترمذي وغيرهما عن عبدالرحمن بن يعمر الديلي أن ناسا من أهل نجد أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة فسألوه، فأمر مناديا فنادى :( الحج عرفة، فمن جاء ليلة جمع[(٤)](#foonote-٤) قبل طلوع الفجر فقد أدرك، أيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه )، أي من تعجل من الحاج في يومين من أيام منى صار مقامه بمنى ثلاثة أيام بيوم النحر، ويصير جميع رميه بتسع وأربعين حصاة، ويسقط عنه رمي يوم الثالث. ومن لم ينفر منها إلا في آخر اليوم الثالث حصل له بمنى مقام أربعة أيام من أجل يوم النحر، واستوفى العدد في الرمي، على ما يأتي بيانه. ومن الدليل على أن أيام منى ثلاثة - مع ما ذكرناه - قول العرجي :

ما نلتقي إلا ثلاثَ منىً  حتى يفرِّق بيننا النَّفْرُفأيام الرمي معدودات، وأيام النحر معلومات. وروى نافع عن ابن عمر أن الأيام المعدودات والأيام المعلومات يجمعها أربعة أيام : يوم النحر وثلاثة أيام بعده، فيوم النحر معلوم غير معدود، واليومان بعده معلومان معدودان، واليوم الرابع معدود لا معلوم، وهذا مذهب مالك وغيره. وإنما كان كذلك لأن الأول ليس من الأيام التي تختص بمنى في قوله سبحانه تعالى :" واذكروا الله في أيام معدودات " ولا من التي عين النبي صلى الله عليه وسلم بقوله :( أيام منى ثلاثة ) فكان معلوما، لأن الله تعالى قال :" ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام " [(٥)](#foonote-٥) ولا خلاف أن المراد به النحر، وكان النحر في اليوم الأول وهو يوم الأضحى والثاني والثالث، ولم يكن في الرابع نحر بإجماع من علمائنا، فكان الرابع غير مراد في قوله تعالى :" معلومات " لأنه لا ينحر فيه وكان مما يرمى فيه، فصار معدودا لأجل الرمي، غير معلوم لعدم النحر فيه. قال ابن العربي : والحقيقة فيه أن يوم النحر معدود بالرمي معلوم بالذبح، لكنه عند علمائنا ليس مرادا في قوله تعالى :" واذكروا الله في أيام معدودات ". وقال أبو حنيفة والشافعي :( الأيام المعلومات العشر من أول يوم من ذي الحجة، وآخرها يوم النحر )، لم يختلف قولهما في ذلك، ورويا ذلك عن ابن عباس. وروى الطحاوي عن أبي يوسف أن الأيام المعلومات أيام النحر، قال أبو يوسف : روي ذلك عن عمر وعلي، وإليه أذهب، لأنه تعالى قال :" ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ". وحكى الكرخي عن محمد بن الحسن أن الأيام المعلومات أيام النحر الثلاثة : يوم الأضحى ويومان بعده. قال الكيا الطبري : فعلى قول أبي يوسف ومحمد لا فرق بين المعلومات والمعدودات ؛ لأن المعدودات المذكورة في القرآن أيام التشريق بلا خلاف، ولا يشك أحد أن المعدودات لا تتناول أيام العشر ؛ لأن الله تعالى يقول :" فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه " وليس في العشر حكم يتعلق بيومين دون الثالث. وقد روي عن ابن عباس ( أن المعلومات العشر، والمعدودات أيام التشريق )، وهو قول الجمهور. 
قلت : وقال ابن زيد : الأيام المعلومات عشر ذي الحجة وأيام التشريق، وفيه بعد، لما ذكرناه، وظاهر الآية يدفعه. وجعل الله الذكر في الأيام المعدودات والمعلومات يدل على خلاف قوله، فلا معنى للاشتغال به. 
الثالثة : ولا خلاف أن المخاطب بهذا الذكر هو الحاج، خوطب بالتكبير عند رمي الجمار، وعلى ما رزق من بهيمة الأنعام في الأيام المعلومات وعند أدبار الصلوات دون تلبية، وهل يدخل غير الحاج في هذا أم لا ؟ فالذي عليه فقهاء الأمصار والمشاهير من الصحابة والتابعين على أن المراد بالتكبير كل أحد - وخصوصا في أوقات الصلوات - فكبر عند انقضاء كل صلاة - كان المصلي وحده أو في جماعة - تكبيرا ظاهرا في هذه الأيام، اقتداء بالسلف رضي الله عنهم. وفي المختصر : ولا يكبر النساء دبر الصلوات، والأول أشهر، لأنه يلزمها حكم الإحرام كالرجل، قاله في المدونة. 
الرابعة : ومن نسي التكبير بإثر صلاة كبر إن كان قريبا، وإن تباعد فلا شيء عليه، قاله ابن الجلاب. وقال مالك في المختصر : يكبر ما دام في مجلسه، فإذا قام من مجلسه فلا شيء عليه وفي المدونة من قول مالك : إن نسي الإمام التكبير فإن كان قريبا قعد فكبر، وإن تباعد فلا شيء عليه، وإن ذهب ولم يكبر والقوم جلوس فليكبروا. 
الخامسة : واختلف العلماء في طرفي مدة التكبير، فقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس :( يكبر من صلاة الصبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق ). وقال ابن مسعود وأبو حنيفة : يكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر. وخالفه صاحباه فقالا بالقول الأول، قول عمر وعلي وابن عباس رضي الله عنهم، فاتفقوا في الابتداء دون الانتهاء. وقال مالك : يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وبه قال الشافعي، وهو قول ابن عمر وابن عباس أيضا. وقال زيد بن ثابت :( يكبر من ظهر يوم النحر إلى آخر أيام التشريق ). قال ابن العربي : فأما من قال : يكبر يوم عرفة ويقطع العصر من يوم النحر فقد خرج عن الظاهر، لأن الله تعالى قال :" في أيام معدودات " وأيامها ثلاثة، وقد قال هؤلاء : يكبر في يومين، فتركوا الظاهر لغير دليل. وأما من قال يوم عرفة وأيام التشريق، فقال : إنه قال :" فإذا أفضتم من عرفات " \[ البقرة : ١٩٨ \]، فذكر " عرفات " داخل في ذكر الأيام، هذا كان يصح لو كان قال : يكبر من المغرب يوم عرفة، لأن وقت الإفاضة حينئذ، فأما قبل فلا يقتضيه ظاهر اللفظ، ويلزمه أن يكون من يوم التروية عند الحلول بمنى. 
السادسة : واختلفوا في لفظ التكبير، فمشهور مذهب مالك أنه يكبر إثر كل صلاة ثلاث تكبيرات، رواه زياد بن زياد عن مالك. وفي المذهب رواية : يقال بعد التكبيرات الثلاث : لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد. وفي المختصر عن مالك : الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد. 
قوله تعالى :" فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه " فيه إحدى وعشرون مسألة :
الأولى : قوله تعالى :" فمن تعجل " التعجيل أبدا لا يكون هنا إلا في آخر النهار، وكذلك اليوم الثالث ؛ لأن الرمي في تلك الأيام إنما وقته بعد الزوال. وأجمعوا على أن يوم النحر لا يرمى فيه غير جمرة العقبة ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرم يوم النحر من الجمرات غيرها، ووقتها من طلوع الشمس إلى الزوال، وكذلك أجمعوا أن وقت رمي الجمرات في أيام التشريق بعد الزوال إلى الغروب، واختلفوا فيمن رمى جمرة العقبة قبل طلوع الفجر أو بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس، فقال مالك وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق : جائز رميها بعد الفجر قبل طلوع الشمس. وقال مالك : لم يبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لأحد برمي قبل أن يطلع الفجر، ولا يجوز رميها قبل الفجر، فإن رماها قبل الفجر أعادها، وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه : لا يجوز رميها، وبه قال أحمد وإسحاق. ورخصت طائفة في الرمي قبل طلوع الفجر، روي عن أسماء بنت أبي بكر أنها كانت ترمي بالليل وتقول : إنا كنا نصنع هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرجه أبو داود. وروي هذا القول عن عطاء وابن أبي مليكة وعكرمة بن خالد، وبه قال الشافعي إذا كان الرمي بعد نصف الليل. وقالت طائفة : لا يرمي حتى تطلع الشمس، قاله مجاهد والنخعي والثوري. وقال أبو ثور : إن رماها قبل طلوع الشمس فإن اختلفوا فيه لم يجزه، وإن أجمعوا، أو كانت[(٦)](#foonote-٦) فيه سنة أجزأه. قال أبو عمر : أما قول الثوري ومن تابعه فحجته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة بعد طلوع الشمس وقال :( خذوا عني مناسككم ). وقال ابن المنذر : السنة ألا ترمي إلا بعد طلوع الشمس، ولا يجزئ الرمي قبل طلوع الفجر، فإن رمى أعاد، إذ فاعله مخالف لما سنه الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته. ومن رماها بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس فلا إعادة عليه، إذ لا أعلم أحدا قال لا يجزئه. 
الثانية : روى معمر قال أخبرني هشام بن عروة عن أبيه قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة أن تصبح بمكة يوم النحر وكان يومها. قال أبو عمر : اختلف على هشام في هذا الحديث، فروته طائفة عن هشام عن أبيه مرسلا كما رواه معمر، ورواه آخرون عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أم سلمة بذلك مسندا، ورواه آخرون عن هشام عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة مسندا أيضا، وكلهم ثقات. وهو يدل على أنها رمت الجمرة بمنى قبل الفجر ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن تصبح بمكة يوم النحر، وهذا لا يكون إلا وقد رمت الجمرة بمنى ليلا قبل الفجر، والله أعلم. ورواه أبو داود قال حدثنا هارون بن عبدالله قال حدثنا ابن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت، وكان ذلك اليوم \[ اليوم \][(٧)](#foonote-٧) الذي يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها. وإذا ثبت فالرمي بالليل جائز لمن فعله، والاختيار من طلوع الشمس إلى زوالها. قال أبو عمر : أجمعوا على أن وقت الاختيار في رمي جمرة العقبة من طلوع الشمس إلى زوالها، وأجمعوا أنه إن رماها قبل غروب الشمس من يوم النحر فقد أجزأ عنه ولا شيء عليه، إلا مالكا فإنه قال : أستحب له إن ترك جمرة العقبة حتى أمسى أن يهريق دما يجيء به من الحل. واختلفوا فيمن لم يرمها حتى غابت الشمس فرماها من الليل أو من الغد، فقال مالك : عليه دم، واحتج بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لرمي الجمرة وقتا، وهو يوم النحر، فمن رمى بعد غروب الشمس فقد رماها بعد خروج وقتها، ومن فعل شيئا في الحج بعد وقته فعليه دم. وقال الشافعي : لا دم علي١ - آية ٣٧ سورة سبأ..
٢ - في ز: "وقال الثوري"..
٣ -كذا في الأصول وتفسير ابن عطية، وقال في المصباح مادة "عشر": "والعامة تذكر العشرة على أنه جمع الأيام فيقولون العشر الأول والعشر الأخير وهو خطأ فإنه تغيير المسموع"..
٤ - جمع (بفتح فسكون): علم للمزدلفة..
٥ - آية ٢٨ سورة الحج..
٦ - في ح: "وإن أجمعوا وكانت فيه سنة أجزأه".
 .
٧ - زيادة عن سنن أبي داود.
 .

### الآية 2:204

> ﻿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ [2:204]

**فيه ثلاث مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" ومن الناس من يعجبك قوله " لما ذكر الذين قصرت همتهم على الدنيا - في قوله :" فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا " \[ البقرة : ٢٠٠ \] - والمؤمنين الذين سألوا خير الدارين ذكر المنافقين لأنهم أظهروا الإيمان وأسروا الكفر. قال السدي وغيره من المفسرين : نزلت في الأخنس بن شريق، واسمه أبي، والأخنس لقب لُقب به ؛ لأنه خنس يوم بدر بثلاثمائة رجل من حلفائه من بني زهرة عن قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ما يأتي في " آل عمران " بيانه. وكان رجلا حلو القول والمنظر، فجاء بعد ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأظهر الإسلام وقال : الله يعلم أني صادق، ثم هرب بعد ذلك، فمر بزرع لقوم من المسلمين وبحمر فأحرق الزرع وعقر الحمر. قال المهدوي : وفيه نزلت " ولا تطع كل حلاف مهين. هماز مشاء بنميم " [(١)](#foonote-١) و " ويل لكل همزة لمزة " [(٢)](#foonote-٢). قال ابن عطية : ما ثبت قط أن الأخنس أسلم. وقال ابن عباس :( نزلت في قوم من المنافقين تكلموا في الذين قتلوا في غزوة الرجيع : عاصم بن ثابت، وخبيب، وغيرهم، وقالوا : ويح هؤلاء القوم، لا هم قعدوا في بيوتهم، ولا هم أدوا رسالة صاحبهم )، فنزلت هذه الآية في صفات المنافقين، ثم ذكر المستشهدين في غزوة الرجيع في قوله :" ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله " [(٣)](#foonote-٣). وقال قتادة ومجاهد وجماعة من العلماء : نزلت في كل مبطن كفرا أو نفاقا أو كذبا أو إضرارا، وهو يظهر بلسانه خلاف ذلك، فهي عامة، وهي تشبه ما ورد في الترمذي أن في بعض كتب الله تعالى : إن من عباد الله قوما ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين، يشترون الدنيا بالدين، يقول الله تعالى : أبي يغترون، وعلي يجترئون، فبي حلفت لأتيحن[(٤)](#foonote-٤) لهم فتنة تدع الحليم منهم حيران. 
ومعنى " ويشهد الله " أي يقول : الله يعلم أني أقول حقا. وقرأ ابن محيصن " ويشهد الله على ما في قلبه " بفتح الياء والهاء في " يشهد " " الله " بالرفع، والمعنى يعجبك قوله، والله يعلم منه خلاف ما قال. دليل قوله :" والله يشهد إن المنافقين لكاذبون " [(٥)](#foonote-٥). وقراءة ابن عباس :" والله يشهد على ما في قلبه ". وقراءة الجماعة أبلغ في الذم، لأنه قوى على نفسه التزام الكلام الحسن، ثم ظهر من باطنه خلافه. وقرأ أبي وابن مسعود :" ويستشهد الله على ما في قلبه " وهي حجة لقراءة الجماعة. 
الثانية : قال علماؤنا : وفي هذه الآية دليل وتنبيه على الاحتياط فيما يتعلق بأمور الدين والدنيا، واستبراء أحوال الشهود والقضاة، وأن الحاكم لا يعمل على ظاهر أحوال الناس وما يبدو من إيمانهم وصلاحهم حتى يبحث عن باطنهم ؛ لأن الله تعالى بين أحوال الناس، وأن منهم من يظهر قولا جميلا وهو ينوي قبيحا. فإن قيل : هذا يعارضه قوله عليه السلام :( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ) الحديث، وقوله :( فأقضي له على نحو ما أسمع ) فالجواب أن هذا كان في صدر الإسلام، حيث كان إسلامهم سلامتهم، وأما وقد عم الفساد فلا، قاله ابن العربي. 
قلت : والصحيح أن الظاهر يعمل عليه حتى يتبين خلافه، لقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صحيح البخاري : أيها الناس، إن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه، وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءا لم نؤمنه ولم نصدقه، وإن قال إن سريرته حسنة. 
الثالثة : قوله تعالى :" وهو ألد الخصام " الألد : الشديد الخصومة، وهو رجل ألد، وامرأة لداء، وهم أهل لدد. وقد لددت - بكسر الدال - تلد - بالفتح - لددا، أي صرت ألد. ولددته - بفتح الدال - ألده - بضمها - إذا جادلته فغلبته. والألد مشتق من اللديدين، وهما صفحتا العنق، أي في أي جانب أخذ من الخصومة غلب. قال الشاعر :وألدُّ ذي حَنَقٍ عليّ كأنما  تَغْلِي عداوةُ صدره في مِرْجَلِ**وقال آخر :**إن تحت التراب عزما وحزما  وخصيما ألدّ ذا مِغلاَقِو " الخصام " في الآية مصدر خاصم، قاله الخليل. وقيل : جمع خصم، قاله الزجاج، ككلب وكلاب، وصعب وصعاب، وضخم وضخام. والمعنى أشد المخاصمين خصومة، أي هو ذو جدال، إذا كلمك وراجعك رأيت لكلامه طلاوة وباطنه باطل. وهذا يدل على أن الجدال لا يجوز إلا بما ظاهره وباطنه سواء. وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم ). 
١ - آية ١، ١١ سورة ن..
٢ - أية سورة الهمزة..
٣ - آية ٢٠٨ سورة البقرة..
٤ - في ز، ح: "لأسلطن عليهم"..
٥ - آية ١ سورة المنافقون..

### الآية 2:205

> ﻿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ [2:205]

قوله تعالى :" وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها " قيل :" تولى وسعى " من فعل القلب، فيجيء " تولى " بمعنى ضل وغضب وأنف في نفسه. و " سعى " أي سعى بحيلته وإرادته الدوائر على الإسلام وأهله، عن ابن جريج وغيره. وقيل : هما فعل الشخص، فيجيء " تولى " بمعنى أدبر وذهب عنك يا محمد. و " سعى " أي بقدميه فقطع الطريق وأفسدها، عن ابن عباس وغيره. وكلا السعيين فساد. يقال : سعى الرجل يسعى سعيا، أي عدا، وكذلك إذا عمل وكسب. وفلان يسعى على عياله أي يعمل في نفعهم. 
قوله تعالى :" ويُهلك " عطف على ليفسد. وفي قراءة أبي " وليهلك ". وقرأ الحسن، وقتادة " ويهلك " بالرفع، وفي رفعه أقوال : يكون معطوفا على " يعجبك ". وقال أبو حاتم : هو معطوف على " سعى " ؛ لأن معناه يسعى ويهلك، وقال أبو إسحاق : وهو يهلك. وروي عن ابن كثير " ويهلك " بفتح الياء وضم الكاف، " الحرث والنسل " مرفوعان بيهلك، وهي قراءة الحسن وابن أبي إسحاق وأبي حيوة وابن محيصن، ورواه عبدالوارث عن أبي عمرو. وقرأ قوم " ويهلك " بفتح الياء واللام، ورفع الحرث، لغة هَلَكَ يَهلك، مثل ركن يركن، وأبى يأبى، وسلى يسلى، وقلى يقلى، وشبهه. والمعني في الآية الأخنس في إحراقه الزرع وقتله الحمر، قاله الطبري. قال غيره : ولكنها صارت عامة لجميع الناس، فمن عمل مثل علمه استوجب تلك اللعنة والعقوبة. قال بعض العلماء : إن من يقتل حمارا أو يحرق كُدْساً[(١)](#foonote-١) استوجب الملامة، ولحقه الشين إلى يوم القيامة. وقال مجاهد : المراد أن الظالم يفسد في الأرض فيمسك الله المطر فيهلك الحرث والنسل. وقيل : الحرث النساء، والنسل الأولاد، وهذا لأن النفاق يؤدي إلى تفريق الكلمة ووقوع القتال، وفيه هلاك الخلق، قال معناه الزجاج. والسعي في الأرض المشي بسرعة، وهذه عبارة عن إيقاع الفتنة والتضريب بين الناس، والله أعلم. 
وفي الحديث :( إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده ). وسيأتي بيان هذا إن شاء الله تعالى. 
قوله تعالى :" الحرث والنسل " الحرث في اللغة : الشق، ومنه المحراث لما يشق به الأرض. والحرث : كسب المال وجمعه، وفي الحديث :( احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا ). والحرث الزرع. والحراث الزراع. وقد حرث واحترث، مثل زرع وازدرع ويقال : احرث القرآن، أي ادرسه. وحرثت الناقة وأحرثتها، أي سرت عليها حتى هزلت وحرثت النار حركتها. والمحراث : ما يحرك به نار التنور، عن الجوهري. والنسل : ما خرج من كل أنثى من ولد. وأصله الخروج والسقوط، ومنه نسل الشعر، وريش الطائر، والمستقبل ينسل، ومنه " إلى ربهم ينسلون " [(٢)](#foonote-٢)، " من كل حدب ينسلون " [(٣)](#foonote-٣) وقال امرؤ القيس :
فسُلِّي ثيابي من ثيابك تَنْسُلِ[(٤)](#foonote-٤)
قلت : ودلت الآية على الحرث وزراعة الأرض، وغرسها بالأشجار حملا على الزرع، وطلب النسل، وهو. نماء الحيوان، وبذلك يتم قوام الإنسان. وهو يرد على من قال بترك الأسباب، وسيأتي بيانه في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. 
قوله تعالى :" والله لا يحب الفساد " قال العباس بن الفضل : الفساد هو الخراب. وقال سعيد بن المسيب : قطع الدراهم من الفساد في الأرض. وقال عطاء : إن رجلا يقال له عطاء بن منبه أحرم في جبة فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزعها. قال قتادة : قلت لعطاء : إنا كنا نسمع أن يشقها، فقال عطاء : إن الله لا يحب الفساد. 
قلت : والآية بعمومها تعم كل فساد كان في أرض أو مال أو دين، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. قيل : معنى لا يحب الفساد أي لا يحبه من أهل الصلاح، أولا يحبه دينا. 
ويحتمل أن يكون المعنى لا يأمر به، والله أعلم.

١ - الكدس (بضم الكاف وفتحها وسكون الدال): العرمة من الطعام والتمر والدراهم..
٢ - آية ٥١ سورة يونس..
٣ - آية ٩٦ سورة الأنبياء..
٤ - صدر البيت: \*وإن كنت قد ساءتك مني خليقة\*
 يقول: إن كان في خلق ما لا ترضينه فسلى ثيابي، أي انصرفي وأخرجي أمري من أمرك (عن شرح الديوان)..

### الآية 2:206

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ [2:206]

هذه صفة الكافر والمنافق الذاهب بنفسه زهوا، ويكره للمؤمن أن يوقعه الحرج في بعض هذا. وقال عبدالله : كفى بالمرء إثما أن يقول له أخوه : اتق الله، فيقول : عليك بنفسك، مثلك يوصيني[(١)](#foonote-١) ! والعزة : القوة والغلبة، من عزه يعزه إذا غلبه. ومنه :" وعزني في الخطاب " [(٢)](#foonote-٢) وقيل : العزة هنا الحمية، ومنه قول الشاعر :
أخذته عزةٌ من جهله \*\*\* فتولى مغضبا فعل الضّجر
وقيل : العزة هنا المنعة وشدة النفس، أي اعتز في نفسه وانتحى فأوقعته تلك العزة في الإثم حين أخذته وألزمته إياه. وقال قتادة : المعنى إذا قيل له مهلا ازداد إقداما على المعصية، والمعنى حملته العزة على الإثم. وقيل : أخذته العزة بما يؤثمه، أي ارتكب الكفر للعزة وحمية الجاهلية. ونظيره :" بل الذين كفروا في عزة وشقاق " [(٣)](#foonote-٣) وقيل : الباء في " بالإثم " بمعنى اللام، أي أخذته العزة والحمية عن قبول الوعظ للإثم الذي في قلبه، وهو النفاق، ومنه قول عنترة يصف عرق الناقة :
وكأن رُبَّا أو كُحَيْلاً مُعْقَداً \*\*\* حَشَّ الوَقودِ به جوانبَ قُمْقُمِ[(٤)](#foonote-٤)
أي حش الوقود له وقيل : الباء بمعنى مع، أي أخذته العزة مع الإثم، فمعنى الباء يختلف بحسب التأويلات. وذكر أن يهوديا كانت له حاجة عند هارون الرشيد، فاختلف إلى بابه سنة، فلم يقض حاجته، فوقف يوما على الباب، فلما خرج هارون سعى حتى وقف بين يديه وقال : اتق الله يا أمير المؤمنين ! فنزل هارون عن دابته وخر ساجدا، فلما رفع رأسه أمر بحاجته فقضيت، فلما رجع قيل له : يا أمير المؤمنين، نزلت عن دابتك لقول يهودي ! قال : لا، ولكن تذكرت قول الله تعالى :" وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد ". حسبه أي كافيه معاقبة وجزاء، كما تقول للرجل : كفاك ما حل بك ! وأنت تستعظم وتعظم عليه ما حل. والمهاد جمع المهد، وهو الموضع المهيأ للنوم، ومنه مهد الصبي. 
وسمي جهنم مهادا ؛ لأنها مستقر الكفار. وقيل : لأنها بدل لهم من المهاد، كقوله :" فبشرهم بعذاب أليم " [(٥)](#foonote-٥) ونظيره من الكلام قولهم :
تحيةُ بينِهم ضربٌ وَجِيعُ[(٦)](#foonote-٦)

١ - في ح: "أنت تأمرني"!..
٢ - آية ٢٣ سورة ص..
٣ - آية ٢ سورة ص..
٤ - الرب (بضم الراء): الطلاء الخائر. والكحيل (مصغرا): النفط أو القطران تطلى به الإبل. والمعقد (بفتح القاف): الذي أوقد تحته حتى انعقد وغلظ. وحش: اتقد، والقمقم (بالضم): ضرب من الأواني..
٥ - آية ٢١ سورة آل عمران..
٦ - هذا عجز بيت لمعدي كرب، صدره: \*وخيل قد دلفت لها بخيل\*.

### الآية 2:207

> ﻿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [2:207]

" ابتغاء " نصب على المفعول من أجله. ولما ذكر صنيع المنافقين ذكر بعده صنيع المؤمنين. قيل : نزلت في صهيب[(١)](#foonote-١) فإنه أقبل مهاجرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعه نفر من قريش، فنزل عن راحلته، وانتثل ما في كنانته[(٢)](#foonote-٢)، وأخذ قوسه، وقال : لقد علمتم أني من أرماكم، وايْم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بما في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم. فقالوا : لا نتركك تذهب عنا غنيا وقد جئتنا صعلوكا، ولكن دلنا على مالك بمكة ونخلي عنك، وعاهدوه على ذلك ففعل، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت :" ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله " الآية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ربح البيع أبا يحيى )، وتلا عليه الآية، أخرجه رزين، وقاله سعيد بن المسيب رضي الله عنهما. وقال المفسرون : أخذ المشركون صهيبا فعذبوه، فقال لهم صهيب : إني شيخ كبير، لا يضركم أمنكم كنت أم من غيركم، فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني ؟ ففعلوا ذلك، وكان شرط عليه راحلة ونفقة، فخرج إلى المدينة فتلقاه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ورجال، فقال له أبو بكر : ربح بيعك أبا يحيى. فقال له صهيب : وبيعك فلا يخسر، فما ذاك ؟ فقال : أنزل الله فيك كذا، وقرأ عليه الآية. وقال الحسن : أتدرون فيمن نزلت هذه الآية، نزلت في المسلم لقي الكافر فقال له : قل لا إله إلا الله، فإذا قلتها عصمت مالك ونفسك، فأبى أن يقولها، فقال المسلم : والله لأشرين نفسي لله، فتقدم فقاتل حتى قتل. وقيل : نزلت فيمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وعلى ذلك تأولها عمر وعلي وابن عباس رضي الله عنهم، قال علي وابن عباس :( اقتتل الرجلان، أي قال المغير[(٣)](#foonote-٣) للمفسد : اتق الله، فأبى المفسد وأخذته العزة، فشرى المغير نفسه من الله وقاتله فاقتتلا ). وقال أبو الخليل : سمع عمر بن الخطاب إنسانا يقرأ هذه الآية، فقال عمر :( إنا لله وإنا إليه راجعون، قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل ). وقيل : إن عمر سمع ابن عباس يقول :( اقتتل الرجلان عند قراءة القارئ هذه الآية )، فسأله عما قال ففسر له هذا التفسير، فقال له عمر، ( لله تلادك يا ابن عباس ) ! وقيل : نزلت فيمن يقتحم القتال. حمل هشام بن عامر على الصف في القسطنطينية فقاتل حتى قتل، فقرأ أبو هريرة :" ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله "، ومثله عن أبي أيوب. وقيل : نزلت في شهداء غزوة الرجيع. وقال قتادة : هم المهاجرون والأنصار. وقيل : نزلت في علي رضي الله عنه حين تركه النبي صلى الله عليه وسلم على فراشه ليلة خرج إلى الغار، على ما يأتي بيانه في " براءة " إن شاء الله تعالى. وقيل : الآية عامة، تتناول كل مجاهد في سبيل الله، أو مستشهد في ذاته أو مغير منكر. وقد تقدم حكم من حمل على الصف[(٤)](#foonote-٤)، ويأتي ذكر المغير للمنكر وشروطه وأحكامه في " آل عمران " إن شاء الله تعالى. 
و " يشري " معناه يبيع، ومنه " وشروه بثمن بخس " [(٥)](#foonote-٥) أي باعوه، وأصله الاستبدال، ومنه قوله تعالى :" إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة " [(٦)](#foonote-٦). ومنه قول الشاعر :

وإن كان ريبُ الدهر أمضاك في الألى  شروا هذه الدنيا بجناته الخلد**وقال آخر :**وشريت بُرْداً ليتني  من بعد بُرْدٍ كنتُ هَامَهْ**البرد هنا اسم غلام. وقال آخر :**يعطى بها ثمنا فيمنعها  ويقول صاحبها أَلاَ فاشْرِوبيع النفس هنا هو بذلها لأوامر الله. " ابتغاء " مفعول من أجله. ووقف الكسائي على " مرضات " بالتاء، والباقون بالهاء. قال أبو علي : وقف الكسائي بالتاء إما على لغة من يقول : طلحت وعلقمت، ومنه قول الشاعر :
بل جَوْزِتَيْهَاءَ كظهر الحَجَفَت[(٧)](#foonote-٧)
وإما أنه لما كان هذا المضاف إليه في ضمن اللفظة ولا بد أثبت التاء كما ثبتت في الوصل ليعلم أن المضاف إليه مراد. والمرضاة الرضا، يقال : رضي يرضى رضا ومرضاة. وحكى قوم أنه يقال : شرى بمعنى اشترى، ويحتاج إلى هذا من تأول الآية في صهيب ؛ لأنه اشترى نفسه بماله ولم يبعها، اللهم إلا أن يقال : إن عرض صهيب على قتالهم بيع لنفسه من الله. فيستقيم اللفظ على معنى باع. 
١ - هو صهيب بن سنان بن مالك الرومي، سبته الروم \[وهو صغير\] فجلب إلى مكة فاشتراه عبد الله بن جدعان. وقيل: بل هرب من الروم فقدك مكة ومحالف بن جدعان. وكان صهيب من السابقين الأولين، شهد بدرا والمشاهد كلها. توفي بالمدينة سنة ثمان وثلاثين. (من النجوم الزاهرة)..
٢ - انتثل ما في كنانته: أي استخرج ما فيها من السهام، والكنانة: جعبة السهام، تتخذ من جلود لا خشب فيها، أو من خشب لا جلود فيها..
٣ - في ح "المتقي"..
٤ - راجع المسألة الثانية جـ٢ ص ٣٦٣..
٥ - آية ٢٠ سورة يوسف..
٦ - آية ١١١ سورة التوبة..
٧ - الجحفة (بالتحريك وبتقديم الحاء على الجسيم): الترس إذا كان من جلود ليس فيه خشب ولا عقب (انظر اللسان مادة جحف)..

### الآية 2:208

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [2:208]

لما بين الله سبحانه الناس إلى مؤمن وكافر ومنافق فقال : كونوا على ملة واحدة، واجتمعوا على الإسلام واثبتوا عليه. فالسلم هنا بمعنى الإسلام، قاله مجاهد، ورواه أبو مالك عن ابن عباس. ومنه قول الشاعر الكندي :

دعوت عشيرتي للسِّلم لما  رأيتهم تولوا مُدْبِرِينَاأي إلى الإسلام لما ارتدت كندة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مع الأشعث بن قيس الكندي، ولأن المؤمنين لم يؤمروا قط بالدخول في المسالمة التي هي الصلح، وإنما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم أن يجنح للسلم إذا جنحوا له، وأما أن يبتدئ بها فلا، قاله الطبري. وقيل : أمر من آمن بأفواههم أن يدخلوا فيه بقلوبهم. وقال طاوس ومجاهد : ادخلوا في أمر الدين. سفيان الثوري : في أنواع البر كلها. وقرئ " السلم " بكسر السين. 
قال الكسائي : السِّلم والسَّلم بمعنى واحد، وكذا هو عند أكثر البصريين، وهما جميعا يقعان للإسلام والمسالمة. وفرق أبو عمرو بن العلاء بينهما، فقرأ ههنا :" ادخلوا في السلم " وقال هو الإسلام. وقرأ التي في " الأنفال " والتي في سورة " محمد " صلى الله عليه وسلم " السلم " بفتح السين، وقال : هي بالفتح المسالمة. وأنكر المبرد هذه التفرقة. وقال عاصم الجحدري : السلم الإسلام، والسلم الصلح، والسلم الاستسلام. وأنكر محمد بن يزيد هذه التفريقات وقال : اللغة لا تؤخذ هكذا، وإنما تؤخذ بالسماع لا بالقياس، ويحتاج من فرق إلى دليل. وقد حكى البصريون : بنو فلان سلم وسلم وسلم، بمعنى واحد. قال الجوهري : والسلم الصلح، يفتح ويكسر، ويذكر ويؤنث، وأصله من الاستسلام والانقياد، ولذلك قيل للصلح : سلم. قال زهير :وقد قُلتما إن ندرك السلمَ واسعاً  بمالٍ ومعروفٍ من الأمر نَسْلَمِورجح الطبري حمل اللفظة على معنى الإسلام بما تقدم. وقال حذيفة بن اليمان في هذه الآية : الإسلام ثمانية أسهم، الصلاة سهم، والزكاة سهم، والصوم سهم، والحج سهم، والعمرة سهم، والجهاد سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، وقد خاب من لا سهم له في الإسلام. وقال ابن عباس :( نزلت الآية في أهل الكتاب، والمعنى، يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى ادخلوا في الإسلام بمحمد صلى الله عليه وسلم كافة ). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت[(١)](#foonote-١) ولم يؤمن، بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار ). و( كافة ) معناه جميعا، فهو نصب على الحال من السلم أو من ضمير المؤمنين، وهو مشتق من قولهم : كففت أي منعت، أي لا يمتنع منكم أحد من الدخول في الإسلام. والكف المنع، ومنه كفة القميص - بالضم - لأنها تمنع الثوب من الانتشار، ومنه كفة الميزان - بالكسر - التي تجمع الموزون وتمنعه أن ينتشر، ومنه كف الإنسان الذي يجمع منافعه ومضاره، وكل مستدير كفة، وكل مستطيل كفة. ورجل مكفوف البصر، أي : منع عن النظر، فالجماعة تسمى كافة لامتناعهم عن التفرق. " ولا تتبعوا خطوات الشيطان " ( ولا تتبعوا ) نهي. ( خطوات الشيطان ) مفعول، وقد تقدم[(٢)](#foonote-٢). وقال مقاتل : استأذن عبد الله بن سلام وأصحابه بأن يقرؤوا التوراة في الصلاة، وأن يعملوا ببعض ما في التوراة، فنزلت. " ولا تتبعوا خطوات الشيطان " فإن اتباع السنة أولى بعد ما بعث محمد صلى الله عليه وسلم من خطوات الشيطان. وقيل : لا تسلكوا الطريق الذي يدعوكم إليه الشيطان. " إنه لكم عدو مبين " ظاهر العداوة، وقد تقدم[(٣)](#foonote-٣). 
١ - زيادة عن صحيح مسلم..
٢ - راجع المسألة الثالثة جـ٢ ص ٢٠٨..
٣ - تراجع المسألة الرابعة جـ٢ ص ٢٠٩..

### الآية 2:209

> ﻿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [2:209]

" فإن زللتم " أي تنحيتم عن طريق الاستقامة. وأصل الزلل في القدم، ثم يستعمل في الاعتقادات والآراء وغير ذلك، يقال : زل يزل زلا وزللا وزلولا، أي دحضت قدمه. وقرأ أبو السمال العدوي " زللتم " بكسر اللام، وهما لغتان. وأصل الحرف، من الزلق، والمعنى ضللتم وعجتم عن الحق. " من بعد ما جاءتكم البينات " أي المعجزات وآيات القرآن، إن كان الخطاب للمؤمنين، فإن كان الخطاب لأهل الكتابين فالبينات ما ورد في شرعهم من الإعلام بمحمد صلى الله عليه وسلم والتعريف به. وفي الآية دليل على أن عقوبة العالم بالذنب أعظم من عقوبة الجاهل به، ومن لم تبلغه دعوة الإسلام لا يكون كافرا بترك الشرائع. وحكى النقاش أن كعب الأحبار لما أسلم كان يتعلم القرآن، فأقرأه الذي كان يعلمه " فاعلموا أن الله غفور رحيم " فقال كعب : إني لأستنكر أن يكون هكذا، ومر بهما رجل فقال كعب : كيف تقرأ هذه الآية ؟ فقال الرجل :" فاعلموا أن الله عزيز حكيم " فقال كعب : هكذا ينبغي. و " عزيز " لا يمتنع عليه ما يريده. " حكيم " فيما يفعله.

### الآية 2:210

> ﻿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [2:210]

" هل ينظرون " يعني التاركين الدخول في السلم[(١)](#foonote-١)، و " هل " يراد به هنا الجحد، أي ما ينتظرون :" إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ". نظرته وانتظرته بمعنى. والنظر الانتظار. وقرأ قتادة وأبو جعفر يزيد بن القعقاع والضحاك " في ظلال من الغمام ". وقرأ أبو جعفر " والملائكة " بالخفض عطفا على الغمام، وتقديره مع الملائكة، تقول العرب : أقبل الأمير في العسكر، أي مع العسكر. " ظلل " جمع ظلة في التكسير، كظلمة وظلم وفي التَّسْليم ظُلُلات، وأنشد سيبوبه :

إذا الوحشُ ضمَّ الوَحْشُ في ظُلُلاَتِهَا  سواقطُ من حَرٍّ وقد كانَ أظهرا[(٢)](#foonote-٢)وظُلاَّت وظلال، جمع ظل في الكثير، والقليل أظلال. ويجوز أن يكون ظلال جمع ظلة، مثل قوله : قلة وقلال، كما قال الشاعر : مَمْزُوجَةٌ بماءِ القِلاَلِ[(٣)](#foonote-٣)
قال الأخفش سعيد : و " الملائكة " بالخفض بمعنى وفي الملائكة. قال : والرفع أجود، كما قال :" هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة " [(٤)](#foonote-٤)، " وجاء ربك والملك صفا صفا " [(٥)](#foonote-٥). قال الفراء : وفي قراءة عبد الله :" هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام ". قال قتادة : الملائكة يعني تأتيهم لقبض أرواحهم، ويقال يوم القيامة، وهو أظهر. قال أبو العالية والربيع : تأتيهم الملائكة في ظلل من الغمام، ويأتيهم الله فيما شاء. وقال الزجاج : التقدير في ظلل من الغمام ومن الملائكة. وقيل : ليس الكلام على ظاهره في حقه سبحانه، وإنما المعنى يأتيهم أمر الله وحكمه. وقيل : أي بما وعدهم من الحساب والعذاب في ظلل، مثل :" فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا " [(٦)](#foonote-٦) أي بخذلانه إياهم، هذا قول الزجاج، والأول قول الأخفش سعيد. وقد يحتمل أن يكون معنى الإتيان راجعا إلى الجزاء، فسمى الجزاء إتيانا كما سمى التخويف والتعذيب في قصة نمروذ إتيانا فقال :" فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم " [(٧)](#foonote-٧). وقال في قصة النضير :" فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب "، وقال :" وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها " [(٨)](#foonote-٨). وإنما احتمل الإتيان هذه المعاني لأن أصل الإتيان عند أهل اللغة هو القصد إلى الشيء، فمعنى الآية : هل ينظرون إلا أن يظهر الله تعالى فعلا من الأفعال مع خلق من خلقه يقصد إلى مجازاتهم ويقضي في أمرهم ما هو قاض، وكما أنه سبحانه أحدث فعلا سماه نزولا واستواء كذلك يحدث فعلا يسميه إتيانا، وأفعاله بلا آلة ولا علة، سبحانه ! وقال ابن عباس في رواية أبي صالح : هذا من المكتوم الذي لا يفسر. وقد سكت بعضهم عن تأويلها، وتأولها بعضهم كما ذكرنا. وقيل : الفاء بمعنى الباء، أي يأتيهم بظلل، ومنه الحديث :( يأتيهم الله في صورة ) أي بصورة امتحانا لهم ولا يجوز أن يحمل هذا وما أشبهه مما جاء في القرآن والخبر على وجه الانتقال والحركة والزوال ؛ لأن ذلك من صفات الأجرام والأجسام، تعالى الله الكبير المتعال، ذو الجلال والإكرام عن مماثلة الأجسام علوا كبيرا. والغمام : السحاب الرقيق الأبيض، سمي بذلك لأنه يغم، أي يستر، كما تقدم[(٩)](#foonote-٩). وقرأ معاذ بن جبل :" وقضاء الأمر ". وقرأ يحيى بن يعمر " وقضي الأمور " بالجمع. والجمهور " وقضي الأمر " فالمعنى وقع الجزاء وعذب أهل العصيان. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي " ترجع الأمور " على بناء الفعل للفاعل، وهو الأصل، دليله " ألا إلى الله تصير الأمور " [(١٠)](#foonote-١٠)، " إلى الله مرجعكم " [(١١)](#foonote-١١). وقرأ الباقون " ترجع " على بنائه للمفعول، وهي أيضا قراءة حسنة، دليله " ثم تردون " [(١٢)](#foonote-١٢) " ثم ردوا إلى الله " [(١٣)](#foonote-١٣)، " ولئن رددت إلى ربي " [(١٤)](#foonote-١٤). والقراءتان حسنتان بمعنى، والأصل الأولى، وبناؤه للمفعول توسع وفرع، والأمور كلها راجعة إلى الله قبل وبعد. وإنما نبه بذكر ذلك في يوم القيامة على زوال ما كان منها إلى الملوك في الدنيا. 
١ - في ز "الإسلام"..
٢ - البيت للجعدي. ومعنى أظهر: صار في وقت الظهيرة. وصف سيرة في الهاجرة إذا استكن الوحش من حر الشمس واحتدامها ولحق بكنسه..
٣ - القلال (بالكسر جمع قلة بالضم): الجرة، وقيل: هو إناء للعرب كالجرة..
٤ - آية ١٥٨ سورة الأنعام..
٥ - آية ٢٢ سورة الفجر..
٦ - آية ٢ سورة الحشر..
٧ - آية ٢٦ سورة النحل..
٨ - آية ٤٧ سورة الأنبياء..
٩ - تراجع المسألة الأولى جـ١ ص ٤٠٥.
١٠ - آية ٥٣ سورة الشورى..
١١ - آية ٤٨، ١٠٥ سورة المائدة..
١٢ - آية ٩٤ سورة التوبة..
١٣ - آية ٦٢ سورة الأنعام..
١٤ - آية ٣٦ سورة الكهف..

### الآية 2:211

> ﻿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ۗ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [2:211]

قوله تعالى :" سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة " " سل " من السؤال : بتخفيف الهمزة، فلما تحركت السين لم يحتج إلى ألف الوصل. وقيل : إن للعرب في سقوط ألف الوصل في، " سل " وثبوتها في " واسأل " وجهين :
أحدهما - حذفها في إحداهما وثبوتها في الأخرى، وجاء القرآن بهما، فاتبع خط المصحف في إثباته للهمزة وإسقاطها. 
والوجه الثاني - أنه يختلف إثباتها وإسقاطها باختلاف الكلام المستعمل فيه، فتحذف الهمزة في الكلام المبتدأ، مثل قوله :" سل بني إسرائيل "، وقوله :" سلهم أيهم بذلك زعيم " [(١)](#foonote-١). وثبت في العطف، مثل قوله :" واسأل القرية " [(٢)](#foonote-٢)، " واسألوا الله من فضله " [(٣)](#foonote-٣) قاله علي بن عيسى. وقرأ أبو عمرو في رواية ابن عباس عنه " اسأل " على الأصل. وقرأ قوم " اسل " على نقل الحركة إلى السين وإبقاء ألف الوصل، على لغة من قال : الاحمر. و " كم " في موضع نصب ؛ لأنها مفعول ثان لآتيناهم. وقيل : بفعل مضمر، تقديره كم آتينا آتيناهم. ولا يجوز أن يتقدمها الفعل لأن لها صدر الكلام. " من آية " في موضع نصب على التمييز على التقدير الأول، وعلى الثاني مفعول ثان لآتيناهم، ويجوز أن تكون في موضع رفع بالابتداء، والخبر في آتيناهم، ويصير فيه عائد على كم، تقديره : كم آتيناهموه، ولم يعرب وهي اسم لأنها بمنزلة الحروف لما وقع فيه معنى الاستفهام، وإذا فرقت بين كم وبين الاسم كان الاختيار أن تأتي بمن كما في هذه الآية، فإن حذفتها نصبت في الاستفهام والخبر، ويجوز الخفض في الخبر كما قال الشاعر :

كم بِجُودٍ مُقْرِفٍ[(٤)](#foonote-٤) نالَ العُلاَ  وكريمٍ بُخْلُه قد وضَعهوالمراد بالآية كم جاءهم في أمر محمد عليه السلام من آية معرفة به دالة عليه. قال مجاهد والحسن وغيرهما : يعني الآيات التي جاء بها موسى عليه السلام من فلق البحر والظلل من الغمام والعصا واليد وغير ذلك. وأمر الله تعالى نبيه بسؤالهم على جهة التقريع لهم والتوبيخ. 
قوله تعالى :" ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته " لفظ عام لجميع العامة، وإن كان المشار إليه بني إسرائيل، لكونهم بدلوا ما في كتبهم وجحدوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم، فاللفظ[(٥)](#foonote-٥) منسحب على كل مبدل نعمة الله تعالى. وقال الطبري : النعمة هنا الإسلام، وهذا قريب من الأول. ويدخل في اللفظ أيضا كفار قريش، فإن بعث محمد صلى الله عليه وسلم فيهم نعمة عليهم، فبدلوا قبولها والشكر عليها كفرا. 
قوله تعالى :" فإن الله شديد العقاب " خبر يتضمن الوعيد. والعقاب مأخوذ من العقب، كأن المعاقب يمشي بالمجازاة له في آثار عقبه، ومنه عقبة[(٦)](#foonote-٦) الراكب وعقبة القدر[(٧)](#foonote-٧). فالعقاب والعقوبة يكونان بعقب الذنب، وقد عاقبه بذنبه. 
١ - آية ٤٠ سورة ن..
٢ - آية ٨٢ سورة يوسف..
٣ - آية ٣٢ سورة النساء..
٤ - المقرف: النذل اللئيم الأب..
٥ - في ز "فالجحود".
٦ - عقبة الراكب (بضم فسكون): الموضع يركب منه..
٧ - في هامش ب "في الصحاح: والعقبة أيضا شيء من المرق يرده مستعير القدر إذا ردها"..

### الآية 2:212

> ﻿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ۘ وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [2:212]

قوله تعالى :" زين للذين كفروا الحياة الدنيا " على ما لم يسم فاعله. والمراد رؤساء قريش. وقرأ مجاهد وحميد بن قيس على بناء الفاعل. قال النحاس : وهي قراءة شاذة ؛ لأنه لم يتقدم للفاعل ذكر. وقرأ ابن أبي عبلة :" زينت " بإظهار العلامة، وجاز ذلك لكون التأنيث غير حقيقي، والمزين هو خالقها ومخترعها وخالق الكفر، ويزينها أيضا الشيطان بوسوسته وإغوائه. وخص الذين كفروا بالذكر لقبولهم التزيين جملة، وإقبالهم على الدنيا وإعراضهم عن الآخرة بسببها. وقد جعل الله ما على الأرض زينة لها ليبلو الخلق أيهم أحسن عملا، فالمؤمنون الذين هم على سنن الشرع لم تفتنهم الزينة، والكفار تملكتهم لأنهم لا يعتقدون غيرها. وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين قدم عليه بالمال : اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينت لنا. 
قوله تعالى :" ويسخرون من الذين آمنوا " إشارة إلى كفار قريش، فإنهم كانوا يعظمون حالهم من الدنيا ويغتبطون بها، ويسخرون من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن جريج : في طلبهم الآخرة. وقيل : لفقرهم وإقلالهم، كبلال وصهيب وابن مسعود وغيرهم، رضي الله عنهم، فنبه سبحانه على خفض منزلتهم لقبيح فعلهم بقوله :" والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة ". وروى علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( من استذل مؤمنا أو مؤمنة أو حقره لفقره وقلة ذات يده شهره الله يوم القيامة ثم فضحه ومن بهت مؤمنا أو مؤمنة أو قال فيه ما ليس فيه أقامه الله تعالى على تل من نار يوم القيامة حتى يخرج مما قال فيه وإن عظم المؤمن أعظم عند الله وأكرم عليه من ملك مقرب وليس شيء أحب إلى الله من مؤمن تائب أو مؤمنة تائبة وإن الرجل المؤمن يعرف في السماء كما يعرف الرجل أهله وولده ). ثم قيل : معنى " والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة " أي في الدرجة، لأنهم في الجنة والكفار في النار. ويحتمل أن يراد بالفوق المكان، من حيث إن الجنة في السماء، والنار في أسفل السافلين. ويحتمل أن يكون التفضيل على ما يتضمنه زعم الكفار، فإنهم يقولون : وإن كان معاد فلنا فيه الحظ أكثر مما لكم، ومنه حديث خباب[(١)](#foonote-١) مع العاص بن وائل، قال خباب : كان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه، فقال لي : لن أقضيك حتى تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم. قال فقلت له : إني لن أكفر به حتى تموت ثم تبعث. قال : وإني لمبعوث من بعد الموت ؟ ! فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد، الحديث. وسيأتي بتمامه إن شاء الله تعالى[(٢)](#foonote-٢). ويقال : سخرت منه وسخرت به، وضحكت منه وضحكت به، وهزئت منه وبه، كل ذلك يقال، حكاه الأخفش. والاسم السخرية والسخري والسخري، وقرئ بهما قوله تعالى :" ليتخذ بعضهم بعضا سخريا " [(٣)](#foonote-٣) وقوله :" فاتخذتموهم سخريا " [(٤)](#foonote-٤). ورجل سخرة. يسخر منه، وسخرة - بفتح الخاء - يسخر من الناس. وفلان سخرة يتسخر في العمل، يقال : خادمه سخرة، وسخره تسخيرا كلفه عملا بلا أجرة. 
قوله تعالى :" والله يرزق من يشاء بغير حساب " قال الضحاك : يعني من غير تبعة في الآخرة. وقيل : هو إشارة إلى هؤلاء المستضعفين، أي يرزقهم علو المنزلة، فالآية تنبيه على عظيم النعمة عليهم. وجعل رزقهم بغير حساب من حيث هو دائم لا يتناهى، فهو لا ينعد. وقيل : إن قوله :" بغير حساب " صفة لرزق الله تعالى كيف يصرف، إذ هو جلت قدرته لا ينفق بعد، ففضله كله بغير حساب، والذي بحساب ما كان على عمل قدمه العبد، قال الله تعالى :" جزاء من ربك عطاء حسابا " [(٥)](#foonote-٥). والله أعلم. ويحتمل أن يكون المعنى بغير احتساب من المرزوقين، كما قال :" ويرزقه من حيث لا يحتسب " [(٦)](#foonote-٦).

١ - خباب (بفتح الخاء وتشديد الباء) بن الأرت، شهد بدرا، وكان قينا في الجاهلية ومن المهاجرين الأولين.
 .
٢ - راجع جـ١١ ص ١٤٥..
٣ - آية ٣٢ سورة الزخرف..
٤ - آية ١١٠ سورة المؤمنون..
٥ - آية ٢٦ سورة النبأ..
٦ - آية ٣ سورة الطلاق..

### الآية 2:213

> ﻿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [2:213]

قوله تعالى :" كان الناس أمة واحدة " أي على دين واحد. قال أبي بن كعب، وابن زيد : المراد بالناس بنو آدم حين أخرجهم الله نسما من ظهر آدم فأقروا له بالوحدانية. وقال مجاهد : الناس آدم وحده، وسمي الواحد بلفظ الجمع لأنه أصل النسل. وقيل : آدم وحواء. وقال ابن عباس وقتادة :( المراد بالناس القرون التي كانت بين آدم ونوح، وهي عشرة كانوا على الحق حتى اختلفوا فبعث الله نوحا فمن بعده ). وقال ابن أبي خيثمة : منذ خلق الله آدم عليه السلام إلى أن بعث محمدا صلى الله عليه وسلم خمسة آلاف سنة وثمانمائة سنة. وقيل : أكثر من ذلك، وكان بينه وبين نوح ألف سنة ومائتا سنة. وعاش آدم تسعمائة وستين سنة، وكان الناس في زمانه أهل ملة واحدة، متمسكين بالدين، تصافحهم الملائكة، وداموا على ذلك إلى أن رفع إدريس عليه السلام فاختلفوا. وهذا فيه نظر ؛ لأن إدريس بعد نوح على الصحيح. وقال قوم منهم الكلبي الواقدي : المراد نوح ومن في السفينة، وكانوا مسلمين ثم بعد وفاة نوح اختلفوا. وقال ابن عباس أيضا :( كانوا أمة واحدة على الكفر، يريد في مدة نوح حين بعثه الله ). وعنه أيضا : كان الناس على عهد إبراهيم عليه السلام أمة واحدة، كلهم كفار، وولد إبراهيم في جاهلية، فبعث الله تعالى إبراهيم وغيره من النبيين. ف " كان " على هذه الأقوال على بابها من المضي المنقضي. وكل من قدر الناس في الآية مؤمنين قدر في الكلام فاختلفوا فبعث، ودل على هذا الحذف :" وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه " أي كان الناس على دين الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين، مبشرين من أطاع ومنذرين من عصى. وكل من قدرهم كفارا كانت بعثة النبيين إليهم. ويحتمل أن تكون " كان " للثبوت، والمراد الإخبار عن الناس الذين هم الجنس كله أنهم أمة واحدة في خلوهم عن الشرائع، وجهلهم بالحقائق، لولا من الله عليهم، وتفضله بالرسل إليهم. فلا يختص " كان " على هذا التأويل بالمضي فقط، بل معناه معنى قوله :" وكان الله غفورا رحيما " [(١)](#foonote-١). و " أمة " مأخوذة من قولهم : أممت كذا، أي قصدته، فمعنى " أمة " مقصدهم واحد، ويقال للواحد : أمة، أي مقصده غير مقصد الناس، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في قس بن ساعدة :( يحشر يوم القيامة أمة وحده ). وكذلك قال في زيد بن عمرو بن نفيل. والأمة القامة، كأنها مقصد سائر البدن. والأمة ( بالكسر ) : النعمة ؛ لأن الناس يقصدون قصدها. وقيل : إمام، لأن الناس يقصدون قصد ما يفعل، عن النحاس. وقرأ أبي بن كعب :" كان البشر أمة واحدة " وقرأ ابن مسعود " كان الناس أمة واحدة فاختلفوا ". 
قوله تعالى :" فبعث الله النبيين " وجملتهم مائة وأربعة وعشرون ألفا، والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، والمذكورون في القرآن بالاسم العلم ثمانية عشر، وأول الرسل آدم، على ما جاء في حديث أبي ذر، أخرجه الآجري وأبو حاتم البستي. وقيل : نوح، لحديث الشفاعة، فإن الناس يقولون له : أنت أول الرسل. وقيل : إدريس، وسيأتي بيان هذا في " الأعراف " [(٢)](#foonote-٢) إن شاء الله تعالى. 
قوله تعالى :" مبشرين ومنذرين " نصب على الحال. " وأنزل معهم الكتاب " اسم جنس بمعنى الكتب. وقال الطبري : الألف واللام في الكتاب للعهد، والمراد التوراة. و " ليحكم " مسند إلى الكتاب في قول الجمهور، وهو نصب بإضمار أن، أي لأن يحكم وهو مجاز مثل " هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق " [(٣)](#foonote-٣). وقيل : أي ليحكم كل نبي بكتابه، وإذا حكم بالكتاب فكأنما حكم الكتاب. وقراءة عاصم الجحدري " ليحكم بين الناس " على ما لم يسم فاعله، وهي قراءة شاذة، لأنه قد تقدم ذكر الكتاب. وقيل : المعنى ليحكم الله، والضمير في " فيه " عائد على " ما " من قوله :" فيما " والضمير في " فيه " الثانية يحتمل أن يعود على الكتاب، أي وما اختلف في الكتاب إلا الذين أوتوه. موضع " الذين " رفع بفعلهم. و " أتوه " بمعنى أعطوه. وقيل : يعود على المنزل عليه، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، قاله الزجاج. أي وما اختلف في النبي عليه السلام إلا الذين أعطوا علمه. " بغيا بينهم " نصب على المفعول له، أي : لم يختلفوا إلا للبغي، وقد تقدم معناه[(٤)](#foonote-٤). وفي هذا تنبيه على السفه[(٥)](#foonote-٥) في فعلهم، والقبح الذي واقعوه. و " هدى " معناه أرشد، أي فهدى الله أمة محمد إلى الحق بأن بين لهم ما اختلف فيه من كان قبلهم. وقالت طائفة : معنى الآية أن الأمم كذب بعضهم كتاب بعض، فهدى الله تعالى أمة محمد للتصديق بجميعها. وقالت طائفة : إن الله هدى المؤمنين للحق فيما اختلف فيه أهل الكتابين، من قولهم : إن إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا. وقال ابن زيد وزيد بن أسلم : من قبلتهم، فإن اليهود إلى بيت المقدس، والنصارى إلى المشرق، ومن يوم الجمعة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( هذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له فلليهود غد وللنصارى بعد غد ) ومن صيامهم، ومن جميع ما اختلفوا فيه. 
وقال ابن زيد : واختلفوا في عيسى فجعلته اليهود لفرية، وجعلته النصارى ربا، فهدى الله المؤمنين بأن جعلوه عبدا لله. وقال الفراء : هو من المقلوب - واختاره الطبري - قال : وتقديره فهدى الله الذين آمنوا للحق لما[(٦)](#foonote-٦) اختلفوا فيه. قال ابن عطية : ودعاه إلى هذا التقدير خوف أن يحتمل اللفظ أنهم اختلفوا في الحق فهدى الله المؤمنين لبعض ما اختلفوا فيه، وعساه غير الحق في نفسه، نحا إلى هذا الطبري في حكايته عن الفراء، وادعاء القلب على لفظ كتاب الله دون ضرورة تدفع إلى ذلك عجز وسوء نظر، وذلك أن الكلام يتخرج على وجهه ووصفه، لأن قوله :" فهدى " يقتضي أنهم أصابوا الحق وتم المعنى في قوله :" فيه " وتبين بقوله :" من الحق " جنس ما وقع الخلاف فيه، قال المهدوي : وقدم لفظ الاختلاف على لفظ الحق اهتماما، إذ العناية إنما هي بذكر الاختلاف. قال ابن عطية : وليس هذا عندي بقوي. وفي قراءة عبدالله بن مسعود " لما اختلفوا عنه من الحق " أي عن الإسلام. و " بإذنه " قال الزجاج : معناه بعلمه. قال النحاس : وهذا غلط، والمعنى بأمره، وإذا أذنت في الشيء فقد أمرت به، أي فهدى الله الذين آمنوا بأن أمرهم بما يجب أن يستعملوه. وفي قوله :" والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " رد على المعتزلة في قولهم : إن العبد يستبد بهداية نفسه.

١ - آية ٩٦، ١٠٠، ١٥٢ سورة النساء..
٢ - راجع جـ ٧ ص ٢٣٢..
٣ - آية ٢٩ سورة الجاثية..
٤ - راجع جـ٢ ص ٢٨..
٥ - في ب، ز: "الشنعة"..
٦ - في ز، ج: "وما اختلفوا فيه" وفي تفسير الطبري: "فيما..."..

### الآية 2:214

> ﻿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ۖ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [2:214]

قوله تعالى :" أم حسبتم أن تدخلوا الجنة " " حسبتم " معناه ظننتم. قال قتادة والسدي وأكثر المفسرين : نزلت هذه الآية في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدة، والحر والبرد، وسوء العيش، وأنواع الشدائد، وكان كما قال الله تعالى :" وبلغت القلوب الحناجر " [(١)](#foonote-١). وقيل : نزلت في حرب أحد، نظيرها - في آل عمران - " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم " [(٢)](#foonote-٢). وقالت فرقة : نزلت الآية تسلية للمهاجرين حين تركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين، وآثروا رضا الله ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسر قوم من الأغنياء النفاق، فأنزل الله تعالى تطييبا لقلوبهم " أم حسبتم ". و " أم " هنا منقطعة، بمعنى بل، وحكى بعض اللغويين أنها قد تجيء بمثابة ألف الاستفهام ليبتدأ بها، و " حسبتم " تطلب مفعولين، فقال النحاة :" أن تدخلوا " تسد مسد المفعولين. وقيل : المفعول الثاني محذوف[(٣)](#foonote-٣) : أحسبتم دخولكم الجنة واقعا. و " لما " بمعنى لم. و " مثل " معناه شبه، أي ولم تمتحنوا بمثل ما امتحن به من كان قبلكم فتصبروا كما صبروا. وحكى النضر بن شميل[(٤)](#foonote-٤) أن " مثل " يكون بمعنى صفة، ويجوز أن يكون المعنى : ولما يصبكم مثل الذي أصاب الذين من قبلكم، أي من البلاء. قال وهب : وجد فيما بين مكة والطائف سبعون نبيا موتى، كان سبب موتهم الجوع والقمل، ونظير هذه الآية " الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم " [(٥)](#foonote-٥) على ما يأتي، فاستدعاهم تعالى إلى الصبر، ووعدهم على ذلك بالنصر فقال :" ألا إن نصر الله قريب ". والزلزلة : شدة التحريك، تكون في الأشخاص وفي الأحوال، يقال : زلزل الله الأرض زلزلة وزلزالا - بالكسر - فتزلزلت إذا تحركت واضطربت، فمعنى " زلزلوا " خوفوا وحركوا. والزلزال - بالفتح - الاسم. والزلازل : الشدائد. وقال الزجاج : أصل الزلزلة من زل الشيء عن مكانه، فإذا قلت : زلزلته فمعناه كررت زلله من مكانه. ومذهب سيبويه أن زلزل رباعي كدحرج. وقرأ نافع " حتى يقول " بالرفع، والباقون بالنصب. ومذهب سيبويه في " حتى " أن النصب فيما بعدها من جهتين والرفع من جهتين، تقول : سرت حتى أدخل المدينة - بالنصب - على أن السير والدخول جميعا قد مضيا، أي سرت إلى أن أدخلها، وهذه غاية، وعليه قراءة من قرأ بالنصب. والوجه الآخر في النصب في غير الآية سرت حتى أدخلها، أي كي أدخلها. والوجهان في الرفع سرت حتى أدخلها، أي سرت فأدخلها، وقد مضيا جميعا، أي كنت سرت فدخلت. ولا تعمل حتى ههنا بإضمار أن، لأن بعدها جملة، كما قال الفرزدق :
فيا عجبا حتى كُلَيْبٌ تَسُبُّنِي[(٦)](#foonote-٦)
قال النحاس : فعلى هذا القراءة بالرفع أبين وأصح معنى، أي وزلزلوا حتى الرسول يقول، أي حتى هذه حاله ؛ لأن القول إنما كان عن الزلزلة غير منقطع منها، والنصب على الغاية ليس فيه هذا المعنى. والرسول هنا شعيا في قول مقاتل، وهو اليسع. وقال الكلبي : هذا في كل رسول بعث إلى أمته وأجهد في ذلك حتى قال : متى نصر الله ؟. وروي عن الضحاك قال : يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، وعليه يدل نزول الآية، والله أعلم. والوجه الآخر في غير الآية سرت حتى أدخلها، على أن يكون السير قد مضى والدخول الآن. وحكى سيبويه : مرض حتى لا يرجونه، أي هو الآن لا يرجى، ومثله سرت حتى أدخلها لا أمنع. وبالرفع قرأ مجاهد والأعرج وابن محيصن وشيبة. وبالنصب قرأ الحسن وأبو جعفر وابن أبي إسحاق وشبل وغيرهم. قال مكي : وهو الاختيار، لأن جماعة القراء عليه. وقرأ الأعمش :" وزلزلوا ويقول الرسول " بالواو بدل حتى. وفي مصحف ابن مسعود :" وزلزلوا ثم زلزلوا ويقول ". وأكثر المتأولين على أن الكلام إلى آخر الآية من قول الرسول والمؤمنين، أي بلغ الجهد بهم حتى استبطؤوا النصر، فقال الله تعالى :" ألا إن نصر الله قريب ". ويكون ذلك من قول الرسول على طلب استعجال النصر لا على شك وارتياب. والرسول اسم جنس. وقالت طائفة : في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير : حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله، فيقول الرسول : ألا إن نصر الله قريب، فقدم الرسول في الرتبة لمكانته، ثم قدم قول المؤمنين لأنه المتقدم في الزمان. قال ابن عطية : وهذا تحكم، وحمل الكلام على وجهه غير متعذر. ويحتمل أن يكون " ألا إن نصر الله قريب " إخبارا من الله تعالى مؤتنفا بعد تمام ذكر القول. 
قوله تعالى :" متى نصر الله " رفع بالابتداء على قول سيبويه، وعلى قول أبي العباس رفع بفعل، أي متى يقع نصر الله. و " قريب " خبر " إن ". قال النحاس : ويجوز في غير القرآن " قريبا " أي مكانا قريبا. و " قريب " لا تثنيه العرب ولا تجمعه ولا تؤنثه في هذا المعنى، قال الله عز وجل :" إن رحمة الله قريب من المحسنين[(٧)](#foonote-٧) ". وقال الشاعر[(٨)](#foonote-٨) :

له الويلُ إن أمسى ولا أم هاشم  قريبٌ ولا بَسْبَاسَةُ بْنَةُ يَشْكُرَافإن قلت : فلان قريب لي ثنيت وجمعت، فقلت : قريبون وأقرباء وقرباء. 
١ - آية ١٠ سورة الأحزاب..
٢ - آية ١٤٢ سورة آل عمران..
٣ - كذا في الأصول، وفي ابن عطية: تقديره أحسبتم..
٤ - في بعض نسخ الأصل: "وحكى البصريون"..
٥ - آية ١، ٢، ٣، سورة العنكبوت..
٦ - وتمام البيت 
 \*كأن أباها نهشل أو مُجاشع\*
 هجا كليب بن يربوع رهط جرير، وجعلهم من الضعة بحيث لا يسابون مثله لشرفه. ونهشل ومجاشع: رهط الفرزدق، وهما ابنا دارم (عن شرح الشواهد).
 .
٧ - آية ٥٦ سورة الأعراف..
٨ - هو امرؤ القيس، كما في ديوانه..

### الآية 2:215

> ﻿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ۖ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [2:215]

**فيه أربع مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" يسألونك " إن خففت الهمزة ألقيت حركتها على السين ففتحها وحذفت الهمزة فقلت : يسلونك. ونزلت الآية في عمرو بن الجموح، وكان شيخا كبيرا فقال : يا رسول الله، إن مالي كثير، فبماذا أتصدق، وعلى من أنفق ؟ فنزلت " يسألونك ماذا ينفقون ". 
الثانية : قوله تعالى :" ماذا ينفقون " " ما " في موضع رفع بالابتداء، و " ذا " الخبر، وهو بمعنى الذي، وحذفت الهاء لطول الاسم، أي ما الذي ينفقونه، وإن شئت كانت " ما " في موضع نصب ب " ينفقون " و " ذا " مع " ما " بمنزلة شيء واحد ولا يحتاج إلى ضمير، ومتى كانت اسما مركبا فهي في موضع نصب، إلا ما جاء في قول الشاعر :وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا  سوى أن يقولوا إنني لك عاشقُفإن " عسى " لا تعمل فيه، ف " ماذا " في موضع رفع وهو مركب، إذ لا صلة ل " ذا ". 
الثالثة : قيل : إن السائلين هم المؤمنون، والمعنى يسألونك ما هي الوجوه التي ينفقون فيها، وأين يضعون ما لزم إنفاقه. قال السدي : نزلت هذه الآية قبل فرض الزكاة ثم نسختها الزكاة المفروضة. قال ابن عطية : ووهم المهدوي على السدي في هذا، فنسب إليه أنه قال : إن الآية في الزكاة المفروضة ثم نسخ منها الوالدان. وقال ابن جريج وغيره : هي ندب، والزكاة غير هذا الإنفاق، فعلى هذا لا نسخ فيها، وهي مبينة لمصارف صدقة التطوع، فواجب على الرجل الغني أن ينفق على أبويه المحتاجين ما يصلحهما في قدر حالهما من حاله، من طعام وكسوة وغير ذلك. قال مالك، ليس عليه أن يزوج أباه، وعليه أن ينفق على امرأة أبيه، كانت أمه أو أجنبية، وإنما قال مالك : ليس عليه أن يزوج أباه لأنه رآه يستغني عن التزويج غالبا، ولو احتاج حاجة ماسة لوجب أن يزوجه، ولولا ذلك لم يوجب عليه أن ينفق عليهما. فأما ما يتعلق بالعبادات من الأموال فليس عليه أن يعطيه ما يحج به أو يغزو، وعليه أن يخرج عنه صدقة الفطر، لأنها مستحقة بالنفقة والإسلام. 
الرابعة : قوله تعالى :" قل ما أنفقتم " " ما " في موضع نصب ب " أنفقتم " وكذا " وما تنفقوا " وهو شرط والجواب " فللوالدين "، وكذا " وما تفعلوا من خير " شرط، وجوابه " فإن الله به عليم " وقد مضى القول في اليتيم والمسكين[(١)](#foonote-١) وابن السبيل. ونظير هذه الآية قوله تعالى " فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل " [(٢)](#foonote-٢). وقرأ علي بن أبي طالب " يفعلوا " بالياء على ذكر الغائب، وظاهر الآية الخبر، وهي تتضمن الوعد بالمجازاة. 
١ - تراجع المسألة الخامسة وما بعدها جـ ٢ ص ١٤.
 .
٢ - آية ٣٨ سورة الروم..

### الآية 2:216

> ﻿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [2:216]

**فيه ثلاث مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" كتب " معناه فرض، وقد تقدم[(١)](#foonote-١) مثله. وقرأ قوم " كتب عليكم القتل "، وقال الشاعر[(٢)](#foonote-٢) :
كتب القتل والقتال علينا \*\*\* وعلى الغانياتِ جرُّ الذُّيُولِ
هذا هو فرض الجهاد، بين سبحانه أن هذا مما امتحنوا به وجعل وصلة إلى الجنة. والمراد بالقتال قتال الأعداء من الكفار، وهذا كان معلوما لهم بقرائن الأحوال، ولم يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم في القتال مدة إقامته بمكة، فلما هاجر أذن له في قتال من يقاتله من المشركين فقال تعالى :" أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا " \[ الحج : ٣٩ \] ثم أذن له في قتال المشركين عامة. واختلفوا من المراد بهذه الآية، فقيل : أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، فكان القتال مع النبي صلى الله عليه وسلم فرض عين عليهم، فلما استقر الشرع صار على الكفاية، قال عطاء والأوزاعي. قال ابن جريج : قلت لعطاء : أواجب الغزو على الناس في هذه الآية ؟ فقال : لا، إنما كتب على أولئك. وقال الجمهور من الأمة : أول فرضه إنما كان على الكفاية دون تعيين، غير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا استنفرهم تعين عليهم النفير لوجوب طاعته. وقال سعيد بن المسيب : إن الجهاد فرض على كل مسلم في عينه أبدا، حكاه الماوردي. قال ابن عطية : والذي استمر عليه الإجماع أن الجهاد على كل أمة محمد صلى الله عليه وسلم فرض كفاية، فإذا قام به من قام من المسلمين سقط عن الباقين، إلا أن ينزل العدو بساحة الإسلام فهو حينئذ فرض عين، وسيأتي هذا مبينا في سورة " براءة " [(٣)](#foonote-٣) إن شاء الله تعالى. وذكر المهدوي وغيره عن الثوري أنه قال : الجهاد تطوع. قال ابن عطية : وهذه العبارة عندي إنما هي على سؤال سائل وقد قيم بالجهاد، فقيل له : ذلك تطوع. 
الثانية : قوله تعالى :" وهو كره لكم " ابتداء وخبر، وهو كره في الطباع. قال ابن عرفة : الكره، المشقة والكره - بالفتح - ما أكرهت عليه، هذا هو الاختيار، ويجوز الضم في معنى الفتح فيكونان لغتين، يقال : كرهت الشيء كرها وكرها وكراهة وكراهية، وأكرهته عليه إكراها. وإنما كان الجهاد كرها ؛ لأن فيه إخراج المال ومفارقة الوطن والأهل، والتعرض بالجسد للشجاج والجراح وقطع الأطراف وذهاب النفس، فكانت كراهيتهم لذلك، لا أنهم كرهوا فرض الله تعالى. وقال عكرمة في هذه الآية : إنهم كرهوه ثم أحبوه وقالوا : سمعنا وأطعنا، وهذا لأن امتثال الأمر يتضمن مشقة، لكن إذا عرف الثواب هان في جنبه مقاساة المشقات. 
قلت : ومثاله في الدنيا إزالة ما يؤلم الإنسان ويخاف منه كقطع عضو وقلع ضرس، وفصد وحجامة ابتغاء العافية ودوام الصحة، ولا نعيم أفضل من الحياة الدائمة في دار الخلد والكرامة في مقعد صدق. 
الثالثة : قوله تعالى :" وعسى أن تكرهوا شيئا " قيل :" عسى " : بمعنى قد، قاله الأصم. وقيل : هي واجبة. و " عسى " من الله واجبة في جميع القرآن إلا قوله تعالى :" عسى ربه إن طلقكن أن يبدله " [(٤)](#foonote-٤). وقال أبو عبيدة :" عسى " من الله إيجاب، والمعنى عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقة وهو خير لكم في أنكم تغلبون وتظفرون وتغنمون وتؤجرون، ومن مات مات شهيدا، وعسى أن تحبوا الدعة وترك القتال وهو شر لكم في أنكم تغلبون وتذلون ويذهب أمركم. 
قلت : وهذا صحيح لا غبار عليه، كما اتفق في بلاد الأندلس، تركوا الجهاد وجبنوا عن القتال وأكثروا من الفرار، فاستولى العدو على البلاد، وأي بلاد ؟ ! وأسر وقتل وسبى واسترق، فإنا لله وإنا إليه راجعون ! ذلك بما قدمت أيدينا وكسبته ! وقال الحسن في معنى الآية : لا تكرهوا الملمات الواقعة، فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك، ولرب أم تحبه فيه عطبك، وأنشد أبو سعيد الضرير :
رب أمر تتقيه \*\*\* جرَّ أمراً ترتضيه
خفي المحبوبُ منه \*\*\* وبدا المكروهُ فيه
١ - هو عمر بن أبي ربيعة..
٢ - آية ٣٩ سورة الحج..
٣ - راجع جـ٦ ص ١٣٦..
٤ - آية ٥ سورة التحريم..

### الآية 2:217

> ﻿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:217]

**فيه اثنتا عشرة مسألة :**
الأولى : قوله تعالى :" يسألونك " تقدم القول فيه[(١)](#foonote-١). وروى جرير بن عبدالحميد ومحمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال :( ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة كلهن في القرآن :" يسألونك عن المحيض "، " يسألونك عن الشهر الحرام "، " يسألونك عن اليتامى "، ما كانوا يسألونك إلا عما ينفعهم ). قال ابن عبدالبر : ليس في الحديث من الثلاث عشرة مسألة إلا ثلاث. وروى أبو اليسار عن جندب بن عبدالله أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رهطا وبعث عليهم أبا عبيدة بن الحارث أو عبيدة بن الحارث، فلما ذهب لينطلق بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث عبدالله بن جحش، وكتب له كتابا وأمره ألا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال : ولا تكرهن أصحابك على المسير، فلما بلغ المكان قرأ الكتاب فاسترجع وقال : سمعا وطاعة لله ولرسوله، قال : فرجع رجلان ومضى بقيتهم، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب، فقال المشركون : قتلتم في الشهر الحرام، فأنزل الله تعالى :" يسألونك عن الشهر الحرام " الآية. وروى أن سبب نزولها أن رجلين من بني كلاب لقيا عمرو بن أمية الضمري وهو لا يعلم أنهما كانا عند النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك في أول يوم من رجب فقتلهما، فقالت قريش : قتلهما في الشهر الحرام، فنزلت الآية. والقول بأن نزولها في قصة عبدالله بن جحش أكثر وأشهر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه مع تسعة رهط، وقيل ثمانية، في جمادى الآخرة قبل بدر بشهرين، وقيل في رجب. قال أبو عمر - في كتاب الدرر له - : ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من طلب كرز بن جابر - وتعرف تلك الخرجة ببدر الأولى - أقام بالمدينة بقية جمادى الآخرة ورجب، وبعث في رجب عبدالله بن جحش بن رئاب الأسدي ومعه ثمانية رجال من المهاجرين، وهم أبو حذيفة بن عتبة، وعكاشة بن محصن، وعتبة بن غزوان، وسهيل بن بيضاء الفهري، وسعد بن أبي وقاص، وعامر بن ربيعة، وواقد بن عبدالله التميمي، وخالد بن بكير الليثي. وكتب لعبدالله بن جحش كتابا، وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه \[ فيمضي لما أمره به \][(٢)](#foonote-٢) ولا يستكره أحدا من أصحابه، وكان أميرهم، ففعل عبدالله بن جحش ما أمره به، فلما فتح الكتاب وقرأه وجد فيه :( إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشا، وتعلم لنا من أخبارهم ). فلما قرأ الكتاب قال : سمعا وطاعة، ثم أخبر أصحابه بذلك، وبأنه لا يستكره أحدا منهم، وأنه ناهض لوجهه بمن أطاعه، وأنه إن لم يطعه أحد مضى وحده، فمن أحب الشهادة فلينهض، ومن كره الموت فليرجع. فقالوا : كلنا نرغب فيما ترغب فيه، وما منا أحد إلا وهو سامع مطيع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ونهضوا معه، فسلك على الحجاز، وشرد لسعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان جمل كانا يعتقبانه فتخلفا في طلبه، ونفذ عبدالله بن جحش مع سائرهم لوجهه حتى نزل بنخلة، فمرت بهم عير لقريش تحمل زبيبا وتجارة فيها عمرو بن الحضرمي - واسم الحضرمي عبدالله بن عباد من الصدف، والصدف بطن من حضرموت - وعثمان بن عبدالله بن المغيرة، وأخوه نوفل بن عبدالله بن المغيرة المخزوميان، والحكم بن كيسان مولى بني المغيرة، فتشاور المسلمون وقالوا : نحن في آخر يوم من رجب الشهر الحرام، فإن نحن قاتلناهم هتكنا حرمة الشهر الحرام : وإن تركناهم الليلة دخلوا الحرم، ثم اتفقوا على لقائهم، فرمى واقد بن عبدالله التميمي عمرو بن الحضرمي فقتله، وأسروا عثمان بن عبدالله والحكم بن كيسان، وأفلت نوفل بن عبدالله، ثم قدموا بالعير والأسيرين، وقال لهم عبدالله بن جحش : اعزلوا مما غنمنا الخمس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ففعلوا، فكان أول خمس في الإسلام، ثم نزل القرآن :" واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه " [(٣)](#foonote-٣) فأقر الله ورسوله فعل عبدالله بن جحش ورضيه وسنه للأمة إلى يوم القيامة، وهي أول غنيمة غنمت في الإسلام، وأول أمير، وعمرو بن الحضرمي أول قتيل. وأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل ابن الحضرمي في الشهر الحرام، فسقط في أيدي القوم، فأنزل الله عز وجل :" يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه " إلى قوله :" هم فيها خالدون ". وقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الفداء في الأسيرين، فأما عثمان بن عبدالله فمات بمكة كافرا، وأما الحكم بن كيسان فأسلم وأقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استشهد ببئر معونة، ورجع سعد وعتبة إلى المدينة سالمين. وقيل : إن انطلاق سعد بن أبي وقاص وعتبة في طلب بعيرهما كان عن إذن من عبدالله بن جحش، وإن عمرو بن الحضرمي وأصحابه لما رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هابوهم، فقال عبدالله بن جحش : إن القوم قد فزعوا منكم، فاحلقوا رأس رجل منكم فليتعرض لهم، فإذا رأوه محلوقا أمنوا وقالوا : قوم عمار لا بأس عليكم، وتشاوروا في قتالهم، الحديث. وتفاءلت اليهود وقالوا : واقد وقدت الحرب، وعمرو عمرت الحرب، والحضرمي حضرت الحرب. وبعث أهل مكة في فداء أسيريهم، فقال[(٤)](#foonote-٤) : لا نفديهما حتى يقدم سعد وعتبة، وإن لم يقدما قتلناهما بهما، فلما قدما فاداهما فأما الحكم فأسلم وأقام بالمدينة حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا، وأما عثمان فرجع إلى مكة فمات بها كافرا، وأما نوفل فضرب بطن فرسه يوم الأحزاب ليدخل الخندق على المسلمين فوقع في الخندق مع فرسه فتحطما جميعا فقتله الله تعالى، وطلب المشركون جيفته بالثمن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( خذوه فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية ) فهذا سبب نزول قوله تعالى :" يسألونك عن الشهر الحرام ". وذكر ابن إسحاق أن قتل عمرو بن الحضرمي كان في آخر يوم من رجب، على ما تقدم. وذكر الطبري عن السدي وغيره أن ذلك كان في آخر يوم من جمادى الآخرة، والأول أشهر، على أن ابن عباس قد ورد عنه أن ذلك كان في أول ليلة من رجب، والمسلمون يظنونها من جمادى. قال ابن عطية : وذكر الصاحب بن عباد في رسالته المعروفة بالأسدية أن عبدالله بن جحش سمي أمير المؤمنين في ذلك الوقت لكونه مؤمرا على جماعة من المؤمنين. 
الثانية : واختلف العلماء في نسخ هذه الآية، فالجمهور على نسخها، وأن قتال المشركين في الأشهر الحرم مباح. واختلفوا في ناسخها، فقال الزهري : نسخها " وقاتلوا المشركين كافة " [(٥)](#foonote-٥). وقيل نسخها غزو النبي صلى الله عليه وسلم ثقيفا في الشهر الحرام، وإغزاؤه أبا عامر[(٦)](#foonote-٦) إلى أوطاس[(٧)](#foonote-٧) في الشهر الحرام. وقيل : نسخها بيعة الرضوان على القتال في ذي القعدة، وهذا ضعيف، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه قتل عثمان بمكة وأنهم عازمون على حربه بايع حينئذ المسلمين على دفعهم لا على الابتداء بقتالهم. وذكر البيهقي عن عروة بن الزبير من غير حديث محمد بن إسحاق في أثر قصة الحضرمي : فأنزل عز وجل :" يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه " الآية، قال : فحدثهم الله في كتابه أن القتال في الشهر الحرام حرام كما كان، وأن الذي يستحلون من المؤمنين هو أكبر من ذلك من صدهم عن سبيل الله حين يسجنونهم ويعذبونهم ويحبسونهم[(٨)](#foonote-٨) أن يهاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفرهم بالله وصدهم المسلمين عن المسجد الحرام في الحج والعمرة والصلاة فيه، وإخراجهم أهل المسجد الحرام وهم سكانه من المسلمين، وفتنتهم إياهم عن الدين، فبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم عقل[(٩)](#foonote-٩) ابن الحضرمي وحرم الشهر الحرام كما كان يحرمه، حتى أنزل الله عز وجل :" براءة من الله ورسوله " \[ التوبة : ١ \]. وكان عطاء يقول : الآية محكمة، ولا يجوز القتال في الأشهر الحرم، ويحلف على ذلك، لأن الآيات التي وردت بعدها عامة في الأزمنة، وهذا خاص والعام لا ينسخ الخاص باتفاق. وروى أبو الزبير عن جابر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقاتل في الشهر الحرام إلا أن يغزى[(١٠)](#foonote-١٠). 
الثالثة : قوله تعالى :" قتال فيه " " قتال " بدل عند سيبويه بدل اشتمال، لأن السؤال اشتمل على الشهر وعلى القتال، أي يسألك الكفار تعجبا من هتك حرمة الشهر، فسؤالهم عن الشهر إنما كان لأجل القتال فيه. قال الزجاج : المعنى يسألونك عن القتال في الشهر الحرام. وقال القتبي : يسألونك عن القتال في الشهر الحرام هل يجوز ؟ فأبدل قتالا من الشهر، وأنشد سيبويه :فما كان قيسٌ هلكُه هلكُ واحدٍ  ولكنَّهُ بُنيَانُ قَوْمٍ تَهَدَّمَا[(١١)](#foonote-١١)وقرأ عكرمة :" يسألونك عن الشهر الحرام قتل فيه قل قتل " بغير ألف فيهما. وقيل : المعنى يسألونك عن الشهر الحرام وعن قتال فيه، وهكذا قرأ ابن مسعود، فيكون مخفوضا بعن على التكرير، قاله الكسائي. وقال الفراء : هو مخفوض على نية عن. وقال أبو عبيدة : هو مخفوض على الجوار. قال النحاس : لا يجوز أن يعرب الشيء على الجوار في كتاب الله ولا في شيء من الكلام، وإنما الجوار غلط، وإنما وقع في شيء شاذ، وهو قولهم : هذا جحر ضب خرب، والدليل على أنه غلط قول العرب في التثنية : هذان : جحرا ضب خربان، وإنما هذا بمنزلة الإقواء، ولا يجوز أن يحمل شيء من كتاب الله على هذا، ولا يكون إلا بأفصح اللغات وأصحها. قال ابن عطية : وقال أبو عبيدة : هو خفض على الجوار، وقوله هذا خطأ. قال النحاس : ولا يجوز إضمار عن، والقول فيه أنه بدل. وقرأ الأعرج :" يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه " بالرفع. قال النحاس : وهو غامض في العربية، والمعنى فيه يسألونك عن الشهر الحرام أجائز قتال فيه ؟ فقوله :" يسألونك " يدل على الاستفهام، كما قال امرؤ القيس :أصاحِ ترى برقاً أريك وميضَه  كلمعِ اليدين في حَبِيّ مُكَلَّلِ[(١٢)](#foonote-١٢)والمعنى : أترى برقا، فحذف ألف الاستفهام، لأن الألف التي في " أصاح " تدل عليها وإن كانت حرف نداء، كما قال الشاعر :
تَروح من الحي أم تَبْتَكِرْ
والمعنى : أتروح، فحذف الألف لأن " أم " تدل عليها. 
الرابعة : قوله تعالى :" قل قتال فيه كبير " ابتداء وخبر، أي مستنكر ؛ لأن تحريم القتال في الشهر الحرام كان ثابتا يومئذ إذ كان الابتداء من المسلمين. والشهر في الآية اسم جنس، وكانت العرب قد جعل الله لها الشهر الحرام قواما تعتدل عنده، فكانت لا تسفك دما، ولا تغير في الأشهر الحرم، وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ثلاثة سرد[(١٣)](#foonote-١٣) وواحد فرد. وسيأتي لهذا مزيد بيان في " المائدة " [(١٤)](#foonote-١٤) إن شاء الله تعالى. 
الخامسة : قوله تعالى :" وصد عن سبيل الله " ابتداء " وكفر به " عطف على " صد " " والمسجد الحرام " عطف على " سبيل الله " " وإخراج أهله منه " عطف على " صد "، وخبر الابتداء " أكبر عند الله " أي أعظم إثما من القتال في الشهر الحرام، قاله المبرد وغيره. وهو الصحيح، لطول منع الناس عن الكعبة أن يطاف بها. " وكفر به " أي بالله، وقيل :" وكفر به " أي بالحج والمسجد الحرام. " وإخراج أهله منه أكبر " أي أعظم عقوبة عند الله من القتال في الشهر الحرام. وقال الفراء :" صد " عطف على " كبير ". " والمسجد " عطف على الهاء١ - راجع ص ٣٦ من هذا الجزء.
 .
٢ - زيادة عن سيرة ابن هشام وتاريخ الطبري. راجع سرية عبد الله بن جحش..
٣ -آية ٤١ سورة الأنفال..
٤ - أي النبي صلى الله عليه وسلم كما في تفسير الطبري..
٥ - آية ٣٦ سورة التوبة..
٦ - هو أبو عامر الأشعري، ابن عم أبي موسى الأشعري..
٧ - أوطاس: واد في ديار هوازن، وفيه كانت وقعة حنين، راجع طبقات ابن سعد وسيرة ابن هشام في غزوة حنين..
٨ - في بعض النسخ: "يستحيونهم"..
٩ - عقل القتيل: أعطي ورثته ديته بعد قتله..
١٠ - كذا في تفسير الفخر الرازي وكثير من كتب التفسير، وفي الأصول: "إلا أن يغزى أو يغزو". وفي الطبري: "إلا أن يغزى أو يغزوا حتى إذا حضر ذلك أقام حتى ينسلخ"..
١١ - البيت لعبدة بن الطيب، رثى فيه قيس بن عاصم المنقري، وكان سيد أهل الوبر من تميم. (عن كتاب سيبويه جـ١ ص ٧٧ طبع بولاق)..
١٢ - الوميض: لمع البرق. قوله: كلمع اليدين. أراد كحركة اليدين وتقليهما. والحبي: ما ارتفع من السحاب. وقيل: هو الذي يعترض اعتراض الجبل قبل أن يطبق السماء. والمكلل من السحاب: الملمع بالبرق. ويقال: هو الذي حوله قطع من السحاب..
١٣ - الثلاثة السرد: ذو العقدة وذو الحجة والمحرم. والسرد التتابع. والواحد الفرد: رجب؛ وصار فردا لأنه يأتي بعده شعبان وشهر رمضان وشوال..
١٤ - راجع جـ٦ ص ٣٩..

### الآية 2:218

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2:218]

الثانية عشرة : قوله تعالى :" إن الذين آمنوا والذين هاجروا " الآية. قال جندب بن عبدالله وعروة بن الزبير وغيرهما : لما قتل واقد بن عبدالله التميمي عمرو بن الحضرمي في الشهر الحرام توقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أخذ خمسه الذي وفق في فرضه له عبدالله بن جحش وفي الأسيرين، فعنف المسلمون عبدالله بن جحش وأصحابه حتى شق ذلك عليهم، فتلافاهم الله عز وجل بهذه الآية في الشهر الحرام وفرج عنهم، وأخبر أن لهم ثواب من هاجر وغزا، فالإشارة إليهم في قوله :" إن الذين آمنوا " ثم هي باقية في كل من فعل ما ذكره الله عز وجل. وقيل[(١)](#foonote-١) : إن لم يكونوا أصابوا وزرا فليس لهم أجر، فأنزل الله :" إن الذين آمنوا والذين هاجروا " إلى آخر الآية. 
والهجرة معناها الانتقال من موضع إلى موضع، وقصد ترك الأول إيثارا للثاني. والهجر ضد الوصل. وقد هجره هجرا وهجرانا، والاسم الهجرة. والمهاجرة من أرض إلى أرض ترك الأولى للثانية. والتهاجر التقاطع. ومن قال : المهاجرة الانتقال من البادية إلى الحاضرة فقد أوهم، بسبب أن ذلك كان الأغلب في العرب، وليس أهل مكة مهاجرين على قوله. " وجاهد " مفاعلة من جهد إذا استخرج الجهد، مجاهدة وجهادا. والاجتهاد والتجاهد : بذل الوسع والمجهود. والجهاد ( بالفتح ) : الأرض الصلبة. " ويرجون " معناه يطمعون ويستقربون. وإنما قال " يرجون " وقد مدحهم ؛ لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ، لأمرين : أحدهما لا يدري بما يختم له. والثاني - لئلا يتكل على عمله، والرجاء ينعم، والرجاء أبدا معه خوف ولا بد، كما أن الخوف معه رجاء. والرجاء من الأمل ممدود، يقال : رجوت فلانا رجوا ورجاء ورجاوة، يقال : ما أتيتك إلا رجاوة الخير. وترجيته وارتجيته ورجيته وكله بمعنى رجوته، قال بشر يخاطب بنته :

فَرَجِّي الخَير وانتظري إيابي  إذا ما القارظُ العَنَزِيُ آبَاوما لي في فلان رجِيّةٌ، أي ما أرجو. وقد يكون الرجو والرجاء بمعنى الخوف، قال الله تعالى :" ما لكم لا ترجون لله وقارا " [(٢)](#foonote-٢) أي لا تخافون عظمة الله، قال أبو ذؤيب :إذا لسعته النحل لم يرجُ لَسْعَهَا  وخالفَهَا[(٣)](#foonote-٣) في بيت نُوبٍ عوامِلِأي لم يخف ولم يبال. والرجا - مقصور - : ناحية البئر وحافتاها، وكل ناحية رجا. والعوام من الناس يخطئون في قولهم : يا عظيم الرجا، فيقصرون ولا يمدون. 
١ - يريد أن المسلمين وأهل السرية لما فرّج الله عنهم ما كانوا فيه من أمر قتل ابن الحضرمي في الشهر الحرام بإنزال قوله تعالى: يسألونك عن الشهر الحرام الآية، ظنوا أنه إنما نفى عنهم الإثم فقط ولا أجر لهم فطمعوا فيه فقالوا: يا رسول الله، أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجرا المجاهدين؟ وفي رواية: أن لم يكونوا أصابوا وزرا فلا أجر لهم؟ فأنزل الله تعالى قوله: إن الذين آمنوا والذين هاجروا الآية، فوضعهم الله في ذلك على أعظم رجاء..
٢ - آية ١٣ سورة نوح..
٣ - خالفها (بالخاء المعجمة): خلفها إلى عسلها وهي غائبة فقد سرحت ترعى، يروى: "حالفها-عواسل" بالحاء المهملة، أي لا زمها. والنوب: النحل؛ وهو جمع نائب؛ لأنها ترعى ثم تنوب إلى موضعها..

### الآية 2:219

> ﻿۞ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ۗ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [2:219]

قوله تعالى :" يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما " فيه تسع مسائل :
الأولى : قوله تعالى :" يسألونك " السائلون هم المؤمنون، كما تقدم. والخمر مأخوذة من خمر إذا ستر، ومنه خمار المرأة. وكل شيء غطى شيئا فقد خمره، ومنه " خمروا آنيتكم " فالخمر تخمر العقل، أي تغطيه وتستره، ومن ذلك الشجر الملتف يقال له : الخمر ( بفتح الميم لأنه يغطي ما تحته ويستره، يقال منه : أخمرت الأرض كثر خمرها، قال الشاعر :

ألا يا زيد والضحاكَ سيرا  فقد جاوزتما خمر الطريقأي سيرا مُدِلِّينَ فقد جاوزتما الوهدة التي يستتر بها الذئب وغيره. وقال العجاج يصف جيشا يمشي برايات وجيوش غير مستخف :في لامعِ العِقْبَانِ[(١)](#foonote-١) لا يمشي الخَمَرْ  يُوجِّهُ الأرضَ ويَسْتَاقُ الشَّجَرْومنه قولهم : دخل في غمار الناس وخمارهم، أي هو في مكان خاف. فلما كانت الخمر تستر العقل وتغطيه سميت بذلك وقيل : إنما سميت الخمر خمرا ؛ لأنها تركت حتى أدركت، كما يقال : قد اختمر العجين، أي بلغ إدراكه. وخمر الرأي، أي ترك حتى يتبين فيه الوجه. وقيل : إنما سميت الخمر خمرا لأنها تخالط العقل، من المخامرة وهي المخالطة، ومنه قولهم : دخلت في خمار الناس، أي اختلطت بهم. فالمعاني الثلاثة متقاربة، فالخمر تركت وخمرت حتى أدركت، ثم خالطت العقل، ثم خمرته، والأصل الستر. 
والخمر : ماء العنب الذي غلى أو طبخ، وما خامر العقل من غيره فهو في حكمه ؛ لأن إجماع العلماء أن القمار كله حرام. وإنما ذكر الميسر من بينه فجعل كله قياسا على الميسر، والميسر إنما كان قمارا في الجزر خاصة، فكذلك كل ما كان كالخمر فهو بمنزلتها. 
الثانية : والجمهور من الأمة على أن ما أسكر كثيره من غير خمر العنب فمحرم قليله وكثيره، والحد في ذلك واجب. وقال أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة وجماعة من فقهاء الكوفة : ما أسكر كثيره من غير خمر العنب فهو حلال[(٢)](#foonote-٢)، وإذا سكر منه أحد دون أن يتعمد الوصول إلى حد السكر فلا حد عليه، وهذا ضعيف يرده النظر والخبر، على ما يأتي بيانه في " المائدة والنحل " [(٣)](#foonote-٣) إن شاء الله تعالى. 
الثالثة : قال بعض المفسرين : إن الله تعالى لم يدع شيئا من الكرامة والبر إلا أعطاه هذه الأمة، ومن كرامته وإحسانه أنه لم يوجب عليهم الشرائع دفعة واحدة، ولكن أوجب عليهم مرة بعد مرة، فكذلك تحريم الخمر. وهذه الآية أول ما نزل في أمر الخمر، ثم بعده :" لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " \[ النساء : ٤٣ \] ثم قوله :" إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون " \[ المائدة : ٩١ \] ثم قوله :" إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه " \[ المائدة : ٩٠ \] على ما يأتي بيانه في " المائدة ". 
الرابعة : قوله تعالى :" والميسر " الميسر : قمار العرب بالأزلام. قال ابن عباس :( كان الرجل في الجاهلية يخاطر الرجل على أهله وماله فأيهما قمر صاحبه ذهب بماله وأهله ) فنزلت الآية. وقال مجاهد ومحمد بن سيرين والحسن وابن المسيب وعطاء وقتادة ومعاوية بن صالح وطاوس وعلي بن أبى طالب رضي الله عنه وابن عباس أيضا :( كل شيء فيه قمار من نرد وشطرنج فهو الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب[(٤)](#foonote-٤)، إلا ما أبيح من الرهان في الخيل والقرعة في إفراز الحقوق )، على ما يأتي. وقال مالك : الميسر ميسران : ميسر اللهو، وميسر القمار، فمن ميسر اللهو النرد والشطرنج والملاهي كلها. وميسر القمار : ما يتخاطر الناس عليه. قال علي بن أبي طالب : الشطرنج ميسر العجم. وكل ما قومر به فهو ميسر عند مالك وغيره من العلماء. وسيأتي في " يونس " [(٥)](#foonote-٥) زيادة بيان لهذا الباب إن شاء الله تعالى. 
والميسر مأخوذ من اليسر، وهو وجوب الشيء لصاحبه، يقال : يسر لي كذا إذا وجب فهو ييسر يسرا وميسرا. والياسر : اللاعب بالقداح، وقد يسر ييسر، قال الشاعر :فَأَعِنْهُمُ وايْسِرْ بما يَسَرُوا به  وإذا هم نزلوا بِضَنْكٍ فانْزِلِوقال الأزهري : الميسر : الجزور الذي كانوا يتقامرون عليه، سمي ميسرا لأنه يجزأ أجزاء، فكأنه موضع التجزئة، وكل شيء جزأته فقد يسرته. والياسر : الجازر، لأنه يجزئ لحم الجزور. قال : وهذا الأصل في الياسر، ثم يقال للضاربين بالقداح والمتقامرين على الجزور : ياسرون، لأنهم جازرون إذ كانوا سببا لذلك. وفي الصحاح : ويسر القوم الجزور أي اجتزروها واقتسموا أعضاءها. قال سحيم بن وثيل اليربوعي :أقول لهم بالشِّعْبِ إذ يَيْسِرُونَنِي  ألم تيأسوا أنِّي ابن فارسِ زَهْدَمِ[(٦)](#foonote-٦)كان قد وقع عليه سباء فضرب عليه بالسهام. ويقال : يسر القوم إذا قامروا. ورجل يسر وياسر بمعنى. والجمع أيسار، قال النابغة :أنّى أتمِّمُ أيساري وأمنحُهم  مَثْنَى الأيادي[(٧)](#foonote-٧) وأكسُو الجَفْنَةَ الأَدَمَا**وقال طرفة :**وهم أيسارُ لقمانَ إذا  أغْلَتِ الشَّتْوَةُ[(٨)](#foonote-٨) أبداءَ الجُزُرْوكان من تطوع بنحرها ممدوحا عندهم، قال الشاعر :وناجية نحرتُ لقوم صدقٍ  وما ناديت أيسارَ الجَزُورِالخامسة : روى مالك في الموطأ عن داود بن حصين أنه سمع سعيد بن المسيب يقول : كان من ميسر أهل الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين، وهذا محمول عند مالك وجمهور أصحابه في الجنس الواحد، حيوانه بلحمه، وهو عنده من باب المزابنة[(٩)](#foonote-٩) والغرر[(١٠)](#foonote-١٠) والقمار ؛ لأنه لا يدرى هل في الحيوان مثل اللحم الذي أعطى أو أقل أو أكثر، وبيع اللحم باللحم لا يجوز متفاضلا، فكان بيع الحيوان باللحم كبيع اللحم المغيب في جلده إذا كانا من جنس واحد، والجنس الواحد عنده الإبل والبقر والغنم والظباء والوعول وسائر الوحوش، وذوات الأربع المأكولات كلها عنده جنس واحد، لا يجوز بيع شيء من حيوان هذا الصنف والجنس كله بشيء واحد من لحمه بوجه من الوجوه ؛ لأنه عنده من باب المزابنة، كبيع الزبيب بالعنب والزيتون بالزيت والشيرج بالسمسم، ونحو ذلك. والطير عنده كله جنس واحد، وكذلك الحيتان من سمك وغيره. وروي عنه أن الجراد وحده صنف. وقال الشافعي وأصحابه والليث بن سعد : لا يجوز بيع اللحم بالحيوان على حال من الأحوال من جنس واحد كان أم من جنسين مختلفين، على عموم الحديث. وروي عن ابن عباس ( أن جزورا نحرت على عهد أبي بكر الصديق فقسمت على عشرة أجزاء، فقال رجل : أعطوني جزءا منها بشاة، فقال أبو بكر : لا يصلح هذا ). قال الشافعي : ولست أعلم لأبي بكر في ذلك مخالفا من الصحابة. قال أبو عمر : قد روي عن ابن عباس ( أنه أجاز بيع الشاة باللحم، وليس بالقوي ). وذكر عبدالرزاق عن الثوري عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه كره أن يباع حي بميت، يعني الشاة المذبوحة بالقائمة. قال سفيان : ونحن لا نرى به بأسا. قال المزني : إن لم يصح الحديث في بيع الحيوان باللحم فالقياس أنه جائز، وإن صح بطل القياس واتبع الأثر. قال أبو عمر : وللكوفيين في أنه جائز بيع اللحم بالحيوان حجج كثيرة من جهة القياس والاعتبار، إلا أنه إذا صح الأثر بطل القياس والنظر. وروى مالك عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحيوان باللحم. قال أبو عمر : ولا أعلمه يتصل عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه ثابت، وأحسن أسانيده مرسل سعيد بن المسيب على ما ذكره مالك في موطئه، وإليه ذهب الشافعي، وأصله أنه لا يقبل المراسيل إلا أنه زعم أنه افتقد مراسيل سعيد فوجدها أو أكثرها صحاحا. فكره بيع أنواع الحيوان بأنواع اللحوم على ظاهر الحديث وعمومه ؛ لأنه لم يأت أثر يخصه ولا إجماع. ولا يجوز عنده أن يخص النص بالقياس. والحيوان عنده اسم لكل ما يعيش في البر والماء وإن اختلفت أجناسه، كالطعام الذي هو اسم لكل مأكول أو مشروب، فأعلم. 
السادسة : قوله تعالى :" قل فيهما " يعني الخمر والميسر " إثم كبير " إثم الخمر ما يصدر عن الشارب من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش والزور، وزوال العقل الذي يعرف به ما يجب لخالقه، وتعطيل الصلوات والتعوق عن ذكر الله، إلى غير ذلك. روى النسائي عن عثمان رضي الله عنه قال : اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث، إنه كان رجل ممن كان قبلكم تعبد فعلقته امرأة غوية، فأرسلت إليه جاريتها فقالت له : إنا ندعوك للشهادة، فانطلق مع جاريتها فطفقت كلما دخل بابا أغلقته دونه، حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطية خمر، فقالت : إني والله ما دعوتك للشهادة، ولكن دعوتك لتقع علي، أو تشرب من هذه الخمر كأسا، أو تقتل هذا الغلام. قال : فاسقيني من هذه الخمر كأسا، فسقته كأسا. قال : زيدوني، فلم يرم[(١١)](#foonote-١١) حتى وقع عليها، وقتل النفس، فاجتنبوا الخمر، فإنها والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر، إلا ليوشك أن يخرج أحدهما صاحبه، وذكره أبو عمر في الاستيعاب. وروي أن الأعشى لما توجه إلى المدينة ليسلم فلقيه بعض المشركين في الطريق فقالوا له : أين تذهب ؟ فأخبرهم بأنه يريد محمدا صلى الله عليه وسلم، فقالوا : لا تصل إليه، فإنه يأمرك بالصلاة، فقال : إن خدمة الرب واجبة. فقالوا : إنه يأمرك بإعطاء المال إلى الفقراء. فقال : اصطناع المعروف واجب. فقيل له : إنه ينهى عن الزنى. فقال : هو فحش وقبيح في العقل، وقد صرت شيخا فلا أحتاج إليه. فقيل له : إنه ينهى عن شرب الخمر. فقال : أما هذا فإني لا أصبر عليه ! فرجع، وقال : أشرب الخمر سنة ثم أرجع إليه، فلم يصل إلى منزله حتى سقط عن البعير فانكسرت عنقه فمات. وكان قيس بن عاصم المنقري شرابا لها في الجاهلية ثم حرمها على نفسه، وكان سبب ذلك أنه غمز عكنة[(١٢)](#foonote-١٢) ابنته وهو سكران، وسب أبويه، ورأى القمر فتكلم بشيء، وأعطى الخمار كثيرا من ماله، فلما أفاق أخبر بذلك فحرمها على نفسه، وفيها يقول :رأيت الخمر صالحة وفيها  خصال تُفْسِد الرجل الحليمافلا والله أشربها صحيحاً  ولا أشفَى بها أبدا سقيماولا أعطي بها ثمنا حياتي  ولا أدعو لها أبدا نديمافإن الخمر تفضح شاربيها  وتجنيهم بها الأمر العظيماقال أبو عمر : وروى ابن الأعرابي عن المفضل الضبي أن هذه الأبيات لأبي محجن الثقفي قالها في تركه الخمر، وهو القائل رضي الله عنه :إذا مت فادفني إلى جنب كَرْمَةٍ  تروي عظامي بعد موتي عُرُوقُهَاولا تدفنَنِّي بالفلاة فإنني  أخاف إذا ما مت أن لا أذوقُها[(١٣)](#foonote-١٣)وجلده عمر الحد عليها مرارا، ونفاه إلى جزيرة في البحر، فلحق بسعد فكتب إليه عمر أن يحبسه فحبسه، وكان أحد الشجعان البهم[(١٤)](#foonote-١٤)، فلما كان من أمره في حرب القادسية ما هو معروف حل قيوده وقال : لا نجلدك على الخمر أبدا. قال أبو محجن : وأنا والله لا أشربها أبدا، فلم يشربها بعد ذلك. وفي رواية : قد كنت أشربها إذ يقام علي الحد وأطهر منها[(١٥)](#foonote-١٥)، وأما إذ بهرجتني[(١٦)](#foonote-١٦) فوالله لا أشربها أبدا. وذكر الهيثم بن عدي أنه أخبره من رأى قبر أبي محجن بأذربيجان، أو قال : في نواحي جرجان، وقد نبتت عليه ثلاث أصول كرم وقد طالت وأثمرت، وهي معروشة على قبره، ومكتوب على القبر " هذا قبر أبي محجن " قال : فجع١ - العقبان (جمع عقاب): الرايات. وقوله: "بوجه الأرض" أي لا يمرّ بشيء إلا جعله جهة واحدة؛ فيكون وجهه مع وجهه حيث يذهب. وقوله: "يستاق الشجر" أي يمر بالرمث (مرعى من مراعي الإبل) والعرفج وسائر الشجر فيستاقه معه، يذهب به من كثرته. وفي ب"العقيان" بالياء، وقال: العقيان الخالص من الذهب ويقال: هو ما ينبت نباتا وليس مما يحصل من الحجارة" وكذا في ج.
 .
٢ - أي قليله..
٣ - راجع جـ٦ ص ٢٨٥ وما بعدها، وجـ١٠ ص ١٢٨ وما بعدها..
٤ - الكعاب: فصوص النرد..
٥ - راجع جـ٨ ص ٣٣٧ وما بعدها..
٦ - تيأسوا (من يئس) بمعنى علم. وزهدم (كجعفر): اسم فرس..
٧ - قوله: "مثنى الأيادي" هو أن يعيد معروفه مرتين أو ثلاثا..
٨ - الشتوة (واحد جمعه شتاء) والعرب تجعل الشتاء مجاعة؛ لأن الناس يلتزمون فيه البيوت ولا يخرجون للانتجاع. وأبداء (جمع بدء): خير عظم في الجزور. وقيل: هو خير نصيب فيها..
٩ - المزابنة: بيع الرطب في رءوس النخل بالتمر. وعند مالك: كل جزاف لا يعلم كيله ولا عدده ولا وزنه بيع بمسمى من مكيل وموزون ومعدود، أو بيع معلوم بمجهول من جنسه، أو بيع مجهول بمجهول من جنسه..
١٠ - الغرر: بيع السمك في الماء والطير في الهواء. وقيل: ما كان له ظاهر يغر المشتري وباطن مجهول. وقال الأزهري: ويدخل في بيع الغرر البيوع المجهولة التي لا يحيط بكنهها المتبايعان حتى تكون معلومة..
١١ - يرم (بفتح الياء وكسر الراء من رام يريم): أي فلم يبرح..
١٢ - العكنة: ما انطوى وتثنى من لحم البطن سمنا..
١٣ - بالرفع، إما على إهمال "أن" وإما على أنها مخففة من الثقيلة..
١٤ - البهم (بضم ففتح جمع البهمة): الفارس الذي لا يُدرى من أين يؤتى له من شدة بأسه..
١٥ - زيادة عن كتاب "الاستيعاب"..
١٦ - بهرجتني: أي أهدرتني بإسقاط الحدّ عني..

### الآية 2:220

> ﻿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۗ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ۖ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [2:220]

قوله تعالى : ويسألونك عن اليتامى  إلى قوله  حكيم  فيه ثمان مسائل :
الأولى : روى أبو داود والنسائي عن ابن عباس قال :( لما أنزل الله تعالى :" ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن " [(١)](#foonote-١) و " إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما " [(٢)](#foonote-٢) الآية، انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه فجعل يفضل من طعامه فيحبس له، حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى :" ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير " الآية، فخلطوا طعامهم بطعامه وشرابهم بشرابه )، لفظ أبي داود. والآية متصلة بما قبل، لأنه اقترن بذكر الأموال الأمر بحفظ أموال اليتامى. وقيل : إن السائل عبدالله بن رواحة. وقيل : كانت العرب تتشاءم بملابسة أموال اليتامى في مؤاكلتهم، فنزلت هذه الآية. 
الثانية : لما أذن الله جل وعز في مخالطة الأيتام مع قصد الإصلاح بالنظر إليهم وفيهم كان ذلك دليلا على جواز التصرف في مال اليتيم، تصرف الوصي في البيع والقسمة وغير ذلك، على الإطلاق لهذه الآية. فإذا كفل الرجل اليتيم وحازه وكان في نظره جاز عليه فعله وإن لم يقدمه وال عليه، لأن الآية مطلقة والكفالة ولاية عامة. لم يؤثر عن أحد من الخلفاء أنه قدم أحدا على يتيم مع وجودهم في أزمنتهم، وإنما كانوا يقتصرون على كونهم عندهم. 
الثالثة : تواترت الآثار في دفع مال اليتيم مضاربة والتجارة فيه، وفي جواز خلط ماله بماله دلالة على جواز التصرف في ماله بالبيع والشراء إذا وافق الصلاح، وجواز دفعه مضاربة، إلى غير ذلك على ما نذكره مبينا. واختلف في عمله هو قراضا، فمنعه أشهب، وقاسه على منعه من أن يبيع لهم من نفسه أو يشتري لها. وقال غيره : إذا أخذه على جزء من الربح بنسبة قراض مثله فيه أمضي، كشرائه شيئا لليتيم بتعقب[(٣)](#foonote-٣) فيكون أحسن لليتيم. قال محمد بن عبدالحكم : وله أن يبيع له بالدين إن رأى ذلك نظرا. قال ابن كنانة : وله أن ينفق في عرس اليتيم ما يصلح من صنيع وطيب، ومصلحته بقدر حاله وحال من يزوج إليه، وبقدر كثرة ماله. قال : وكذلك في ختانه، فإن خشي أن يتهم رفع ذلك إلى السلطان فيأمره بالقصد، وكل ما فعله على وجه النظر فهو جائز، وما فعله على وجه المحاباة وسوء النظر فلا يجوز. ودل الظاهر على أن ولي اليتيم يعلمه أمر الدنيا والآخرة، ويستأجر له ويؤاجره ممن يعلمه الصناعات. وإذا وهب لليتيم شيء فللوصي أن يقبضه لما فيه من الإصلاح. وسيأتي لهذا مزيد بيان في " النساء " [(٤)](#foonote-٤) إن شاء الله تعالى. 
الرابعة : ولما ينفقه الوصي والكفيل من مال اليتيم حالتان : حالة يمكنه الإشهاد عليه، فلا يقبل قوله إلا ببينة. وحالة لا يمكنه الإشهاد عليه فقوله مقبول بغير بينة، فمهما اشترى من العقار وما جرت العادة بالتوثق فيه لم يقبل قوله بغير بينة. قال ابن خويز منداد : ولذلك فرق أصحابنا بين أن يكون اليتيم في دار الوصي ينفق عليه فلا يكلف الإشهاد على نفقته وكسوته، لأنه يتعذر عليه الإشهاد على ما يأكله ويلبسه في كل وقت، ولكن إذا قال : أنفقت نفقة لسنة[(٥)](#foonote-٥) قبل منه، وبين أن يكون عند أمه أو حاضنته فيدعي الوصي أنه كان ينفق عليه، أو كان يعطي الأم أو الحاضنة النفقة والكسوة فلا يقبل قوله على الأم أو الحاضنة إلا ببينة أنها كانت تقبض ذلك له مشاهرةً أو مساناةً. 
الخامسة : واختلف العلماء في الرجل ينكح نفسه من يتيمته، وهل له أن يشتري لنفسه من مال يتيمه أو يتيمته ؟ فقال مالك : ولاية النكاح بالكفالة والحضانة أقوى منها بالقرابة، حتى قال في الأعراب الذين يسلمون أولادهم في أيام المجاعة : إنهم ينكحونهم إنكاحهم، فأما إنكاح الكافل والحاضن لنفسه فيأتي في " النساء " بيانه، إن شاء الله تعالى. وأما الشراء منه فقال مالك : يشتري في مشهور الأقوال، وكذلك قال أبو حنيفة : له أن يشتري مال الطفل اليتيم لنفسه بأكثر من ثمن المثل، لأنه إصلاح دل عليه ظاهر القرآن. وقال الشافعي : لا يجوز ذلك في النكاح ولا في البيع، لأنه لم يذكر في الآية التصرف، بل قال :" إصلاح لهم خير " من غير أن يذكر فيه الذي يجوز له النظر. وأبو حنيفة يقول : إذا كان الإصلاح خيرا فيجوز تزويجه ويجوز أن يزوج منه. والشافعي لا يرى في التزويج إصلاحا إلا من جهة دفع الحاجة، ولا حاجة قبل البلوغ. وأحمد بن حنبل يجوز للوصي التزويج لأنه إصلاح. والشافعي يجوز للجد التزويج مع الوصي، وللأب في حق ولده الذي ماتت أمه لا بحكم هذه الآية. وأبو حنيفة يجوز للقاضي تزويج اليتيم بظاهر القرآن. وهذه المذاهب نشأت من هذه الآية، فإن ثبت كون التزويج إصلاحا فظاهر الآية يقتضي جوازه. ويجوز أن يكون معنى قوله تعالى :" ويسألونك عن اليتامى " أي يسألك القوام على اليتامى الكافلون لهم، وذلك مجمل لا يعلم منه عين الكافل والقيم وما يشترط فيه من الأوصاف. 
فإن قيل : يلزم ترك مالك أصله في التهمة والذرائع إذ جوز له الشراء من يتيمه، فالجواب أن ذلك لا يلزم، وإنما يكون ذلك ذريعة فيما يؤدى من الأفعال المحظورة إلى محظورة منصوص عليها، وأما ههنا فقد أذن الله سبحانه في صورة المخالطة، ووكل الحاضنين في ذلك إلى أمانتهم بقوله :" والله يعلم المفسد من المصلح " وكل أمر مخوف وكل الله سبحانه المكلف إلى أمانته لا يقال فيه : إنه يتذرع إلى محظور به فيمنع منه، كما جعل الله النساء مؤتمنات على فروجهن، مع عظيم ما يترتب على قولهن في ذلك من الأحكام، ويرتبط به من الحل والحرمة والأنساب، وإن جاز أن يكذبن. وكان طاوس إذا سئل عن شيء من أمر اليتامى قرأ :" والله يعلم المفسد من المصلح ". وكان ابن سيرين أحب الأشياء إليه في مال اليتيم أن يجتمع نصحاؤه فينظرون الذي هو خير له، ذكره البخاري. وفي هذا دلالة على جواز الشراء منه لنفسه، كما ذكرنا. والقول الآخر أنه لا ينبغي للولي أن يشتري مما تحت يده شيئا، لما يلحقه في ذلك من التهمة إلا أن يكون البيع في ذلك بيع سلطان في ملأ من الناس. وقال محمد بن عبدالحكم : لا يشتري من التركة، ولا بأس أن يدس من يشتري له منها إذا لم يعلم أنه من قبله. 
السادسة : قوله تعالى :" وإن تخالطوهم فإخوانكم " هذه المخالطة كخلط المثل بالمثل كالتمر بالتمر. وقال أبو عبيد : مخالطة اليتامى أن يكون لأحدهم المال ويشق على كافله أن يفرد طعامه عنه، ولا يجد بدا من خلطه بعياله فيأخذ من مال اليتيم ما يرى أنه كافيه بالتحري فيجعله مع نفقة أهله، وهذا قد يقع فيه الزيادة والنقصان، فجاءت هذه الآية الناسخة بالرخصة فيه. قال أبو عبيد : وهذا عندي أصل لما يفعله الرفقاء في الأسفار فإنهم يتخارجون النفقات بينهم بالسوية، وقد يتفاوتون في قلة المطعم وكثرته، وليس كل من قل مطعمه تطيب نفسه بالتفضل على رفيقه، فلما كان هذا في أموال اليتامى واسعا كان في غيرهم أوسع، ولولا ذلك لخفت أن يضيق فيه الأمر على الناس. 
السابعة : قوله تعالى :" فإخوانكم " خبر لمبتدأ محذوف، أي فهم إخوانكم، والفاء جواب الشرط. وقوله تعالى :" والله يعلم المفسد من المصلح " تحذير، أي يعلم المفسد لأموال اليتامى من المصلح لها، فيجازي كلا على إصلاحه وإفساده. 
الثامنة : قوله تعالى :" ولو شاء الله لأعنتكم " روى الحكم عن مقسم عن ابن عباس :" ولو شاء الله لأعنتكم " قال :( لو شاء لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقا ). وقيل :" لأعنتكم " لأهلككم، عن الزجاج وأبي عبيدة. وقال القتبي : لضيق عليكم وشدد، ولكنه لم يشأ إلا التسهيل عليكم. وقيل : أي لكلفكم ما يشتد عليكم أداؤه وأثمكم في مخالطتهم، كما فعل بمن كان قبلكم، ولكنه خفف عنكم. والعنت : المشقة، وقد عنت وأعنته غيره. ويقال للعظم المجبور إذا أصابه شيء فهاضه : قد أعنته، فهو عنت ومعنت. وعنتت الدابة تعنت عنتا : إذا حدث في قوائمها كسر بعد جبر لا يمكنها معه جري. وأكمة عنوت : شاقة المصعد. وقال ابن الأنباري : أصل العنت التشديد، فإذا قالت العرب : فلان يتعنت فلانا ويعنته فمرادها يشدد عليه ويلزمه ما يصعب عليه أداؤه، ثم نقلت إلى معنى الهلاك. والأصل ما وصفنا. 
قوله تعالى :" إن الله عزيز " أي لا يمتنع عليه شيء " حكيم " يتصرف في ملكه بما يريد لا حجر عليه، جل وتعالى علوا كبيرا.

١ - آية ١٥٢ سورة الأنعام..
٢ - آية ١٠ سورة النساء..
٣ - بتعقب: أي مع تعقب، وهو أنه ينظر في أمر المشتري يرفعه إلى السوق لمعرفة ثمنه..
٤ - راجع جـ٥ ص ٣٤ وما بعدها..
٥ - في أ، جـ: "تشبه"..

### الآية 2:221

> ﻿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا ۚ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُولَٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ۖ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [2:221]

**فيه سبع مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" ولا تنكحوا " قراءة الجمهور بفتح التاء. وقرئت في الشاذ بالضم، كأن المعنى أن المتزوج لها أنكحها من نفسه. ونكح أصله الجماع، ويستعمل في التزوج تجوزا واتساعا، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. 
الثانية : لما أذن الله سبحانه وتعالى في مخالطة الأيتام، وفي مخالطة النكاح بين أن مناكحة المشركين لا تصح. وقال مقاتل : نزلت هذه الآية في أبي مرثد الغنوي، وقيل : في مرثد بن أبي مرثد، واسمه كناز بن حصين الغنوي، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة سرا ليخرج رجلا من أصحابه، وكانت له بمكة امرأة يحبها في الجاهلية يقال لها " عناق " فجاءته، فقال لها : إن الإسلام حرم ما كان في الجاهلية، قالت : فتزوجني، قال : حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه فنهاه عن التزوج بها، لأنه كان مسلما وهي مشركة. وسيأتي في " النور " بيانه[(١)](#foonote-١) إن شاء الله تعالى. 
الثالثة : واختلف العلماء في تأويل هذه الآية، فقالت طائفة : حرم الله نكاح المشركات في سورة " البقرة " ثم نسخ من هذه الجملة نساء أهل الكتاب، فأحلهن في سورة " المائدة ". وروي هذا القول عن ابن عباس، وبه قال مالك بن أنس وسفيان بن سعيد الثوري، وعبدالرحمن بن عمرو الأوزاعي[(٢)](#foonote-٢). وقال قتادة وسعيد بن جبير : لفظ الآية العموم في كل كافرة، والمراد بها الخصوص في الكتابيات، وبينت الخصوص آية " المائدة " ولم يتناول العموم قط الكتابيات. وهذا أحد قولي الشافعي، وعلى القول الأول يتناولهن العموم، ثم نسخت آية " المائدة " بعض العموم. وهذا مذهب مالك رحمه الله، ذكره ابن حبيب، وقال : ونكاح اليهودية والنصرانية وإن كان قد أحله الله تعالى مستثقل مذموم. وقال إسحاق بن إبراهيم الحربي : ذهب قوم فجعلوا الآية التي في " البقرة " هي الناسخة، والتي في " المائدة " هي المنسوخة، فحرموا نكاح كل مشركة كتابية أو غير كتابية. قال النحاس : ومن الحجة لقائل هذا مما صح سنده ما حدثناه محمد بن ريان، قال : حدثنا محمد بن رمح، قال : حدثنا الليث عن نافع أن عبدالله بن عمر كان إذا سئل عن نكاح الرجل النصرانية أو اليهودية قال : حرم الله المشركات على المؤمنين، ولا أعرف شيئا من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى، أو عبد من عباد الله !. قال النحاس : وهذا قول خارج عن قول الجماعة الذين تقوم بهم الحجة ؛ لأنه قد قال بتحليل نكاح نساء أهل الكتاب من الصحابة والتابعين جماعة، منهم عثمان وطلحة وابن عباس وجابر وحذيفة. ومن التابعين سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وطاوس وعكرمة والشعبي والضحاك، وفقهاء الأمصار عليه. وأيضا فيمتنع أن تكون هذه الآية من سورة " البقرة " ناسخة للآية التي في سورة " المائدة " لأن " البقرة " من أول ما نزل بالمدينة، و " المائدة " من آخر ما نزل. وإنما الآخر ينسخ الأول، وأما حديث ابن عمر فلا حجة فيه ؛ لأن ابن عمر رحمه الله كان رجلا متوقفا، فلما سمع الآيتين، في واحدة التحليل، وفي أخرى التحريم ولم يبلغه النسخ توقف، ولم يؤخذ عنه ذكر النسخ وإنما تؤول عليه، وليس يؤخذ الناسخ والمنسوخ بالتأويل. وذكر ابن عطية : وقال ابن عباس في بعض ما روي عنه :( إن الآية عامة في الوثنيات والمجوسيات والكتابيات، وكل من على غير الإسلام حرام )، فعلى هذا هي ناسخة للآية التي في " المائدة " وينظر إلى هذا قول ابن عمر في الموطأ : ولا أعلم إشراكا أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى. وروي عن عمر أنه فرق بين طلحة بن عبيدالله وحذيفة بن اليمان وبين كتابيتين وقالا : نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب، فقال : لو جاز طلاقكما لجاز نكاحكما ! ولكن أفرق بينكما صغرة قمأة. قال ابن عطية : وهذا لا يستند جيدا، وأسند منه أن عمر أراد التفريق بينهما فقال له حذيفة : أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها يا أمير المؤمنين ؟ فقال : لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن. وروي عن ابن عباس نحو هذا. وذكر ابن المنذر جواز نكاح الكتابيات عن عمر بن الخطاب، ومن ذكر من الصحابة والتابعين في قول النحاس. وقال في آخر كلامه : ولا يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك. وقال بعض العلماء : وأما الآيتان فلا تعارض بينهما، فإن ظاهر لفظ الشرك لا يتناول أهل الكتاب، لقوله تعالى :" ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم " [(٣)](#foonote-٣)، وقال :" لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين " [(٤)](#foonote-٤) ففرق بينهم في اللفظ، وظاهر العطف يقتضي مغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، وأيضا فاسم الشرك عموم وليس بنص، وقوله تعالى :" والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب " [(٥)](#foonote-٥) بعد قوله " والمحصنات من المؤمنات " نص، فلا تعارض بين المحتمل وبين ما لا يحتمل. فإن قيل : أراد بقوله :" والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " أي أوتوا الكتاب من قبلكم وأسلموا، كقوله " وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله " [(٦)](#foonote-٦) الآية. وقوله :" من أهل الكتاب أمة قائمة " [(٧)](#foonote-٧) الآية. قيل له : هذا خلاف نص الآية في قوله :" والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " وخلاف ما قاله الجمهور، فإنه لا يشكل على أحد جواز التزويج ممن أسلم وصار من أعيان المسلمين. فإن قالوا : فقد قال الله تعالى :" أولئك يدعون إلى النار " فجعل العلة في تحريم نكاحهن الدعاء إلى النار. والجواب أن ذلك علة لقوله تعالى :" ولأمة مؤمنة خير من مشركة " لأن المشرك يدعو إلى النار، وهذه العلة مطردة في جميع الكفار، فالمسلم خير من الكافر مطلقا، وهذا بين. 
الرابعة : وأما نكاح أهل الكتاب إذا كانوا حربا فلا يحل، وسئل ابن عباس عن ذلك فقال : لا يحل، وتلا قول الله تعالى :" قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر " [(٨)](#foonote-٨) إلى قوله " صاغرون ". قال المحدث : حدثت بذلك إبراهيم النخعي فأعجبه. وكره مالك تزوج الحربيات، لعلة ترك الولد في دار الحرب، ولتصرفها في الخمر والخنزير. 
الخامسة : قوله تعالى :" ولأمة مؤمنة خير من مشركة " إخبار بأن المؤمنة المملوكة خير من المشركة، وإن كانت ذات الحسب والمال. " ولو أعجبتكم " في الحسن وغير ذلك، هذا قول الطبري وغيره. ونزلت في خنساء وليدة سوداء كانت لحذيفة بن اليمان، فقال لها حذيفة : يا خنساء، قد ذكرت في الملأ الأعلى مع سوادك ودمامتك، وأنزل الله تعالى ذكرك في كتابه، فأعتقها حذيفة وتزوجها. وقال السدي : نزلت في عبدالله بن رواحة، كانت له أمة سوداء فلطمها في غضب ثم ندم، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال :( ما هي يا عبدالله ) قال : تصوم وتصلي وتحسن الوضوء وتشهد الشهادتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( هذه مؤمنة ). فقال ابن رواحة : لأعتقنها ولأتزوجنها، ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا : نكح أمة، وكانوا يرون أن ينكحوا إلى المشركين، وكانوا ينكحونهم رغبة في أحسابهم، فنزلت هذه الآية. والله أعلم. 
السادسة : واختلف العلماء في نكاح إماء أهل الكتاب، فقال مالك : لا يجوز نكاح الأمة الكتابية. وقال أشهب في كتاب محمد، فيمن أسلم وتحته أمة كتابية : إنه لا يفرق بينهما. وقال أبو حنيفة وأصحابه، يجوز نكاح إماء أهل الكتاب. قال ابن العربي : درسنا الشيخ أبو بكر الشاشي بمدينة السلام قال : احتج أصحاب[(٩)](#foonote-٩) أبي حنيفة على جواز نكاح الأمة الكتابية[(١٠)](#foonote-١٠) بقوله تعالى :" ولأمة مؤمنة خير من مشركة ". ووجه الدليل من الآية أن الله سبحانه خاير بين نكاح الأمة المؤمنة والمشركة، فلولا أن نكاح الأمة المشركة جائز لما خاير الله تعالى بينهما ؛ لأن المخايرة إنما هي بين الجائزين لا بين جائز وممتنع، ولا بين متضادين. والجواب أن المخايرة بين الضدين تجوز لغة وقرآنا : لأن الله سبحانه قال :" أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا " [(١١)](#foonote-١١). وقال عمر في رسالته لأبي موسى :" الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل ". جواب آخر : قوله تعالى :" ولأمة " لم يرد به الرق المملوك وإنما أراد به الآدمية، والآدميات والآدميون بأجمعهم عبيدالله وإماؤه، قاله القاضي بالبصرة أبو العباس الجرجاني. 
السابعة : واختلفوا في نكاح نساء المجوس، فمنع مالك والشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي وإسحاق من ذلك. وقال ابن حنبل : لا يعجبني. وروي أن حذيفة بن اليمان تزوج مجوسية، وأن عمر قال له : طلقها. وقال ابن القصار : قال بعض أصحابنا : يجب على أحد القولين أن لهم كتابا أن تجوز مناكحتهم. وروى ابن وهب عن مالك أن الأمة المجوسية لا يجوز أن توطأ بملك اليمين، وكذلك الوثنيات وغيرهن من الكافرات، وعلى هذا جماعة العلماء، إلا ما رواه يحيى بن أيوب عن ابن جريج عن عطاء وعمرو بن دينار أنهما سئلا عن نكاح الإماء المجوسيات، فقالا : لا بأس بذلك. وتأولا قول الله عز وجل :" ولا تنكحوا المشركات ". فهذا عندهما على عقد النكاح لا على الأمة المشتراة، واحتجا بسبي أوطاس، وأن الصحابة نكحوا الإماء منهن بملك اليمين. قال النحاس : وهذا قول شاذ، أما سبي أوطاس فقد يجوز أن يكون الإماء أسلمن فجاز نكاحهن وأما الاحتجاج بقوله تعالى :" ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن " فغلط، لأنهم حملوا النكاح على العقد، والنكاح في اللغة يقع على العقد وعلى الوطء، فلما قال :" ولا تنكحوا المشركات " حرم كل نكاح يقع على المشركات من نكاح ووطء. وقال أبو عمر بن عبدالبر : وقال الأوزاعي : سألت الزهري عن الرجل يشتري المجوسية أيطؤها ؟ فقال : إذا شهدت أن لا إله إلا الله وطئها. وعن يونس عن ابن شهاب قال : لا يحل له أن يطأها حتى تسلم. قال أبو عمر : قول ابن شهاب لا يحل له أن يطأها حتى تسلم هذا - وهو أعلم الناس بالمغازي والسير - دليل على فساد قول من زعم أن سبي أوطاس وطئن ولم يسلمن. روي ذلك عن طائفة منهم عطاء وعمرو بن دينار قالا : لا بأس بوطء المجوسية، وهذا لم يلتفت إليه أحد من الفقهاء بالأمصار. وقد جاء عن الحسن البصري - وهو ممن لم يكن غزوه ولا غزو أهل[(١٢)](#foonote-١٢) ناحيته إلا الفرس وما وراءهم من خراسان، وليس منهم أحد أهل كتاب - ما يبين لك كيف كانت السيرة في نسائهم إذا سبين، قال : أخبرنا عبدالله بن محمد بن أسد، قال : حدثنا إبراهيم بن أحمد بن فراس، قال : حدثنا علي بن عبدالعزيز، قال : حدثنا أبو عبيد، قال : حدثنا هشام عن يونس عن الحسن، قال : قال رجل له : يا أبا سعيد كيف كنتم تصنعون إذا سبيتموهن ؟ قال : كنا نوجهها إلى القبلة ونأمرها أن تسلم وتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ثم نأمرها أن تغتسل، وإذا أراد صاحبها أن يصيبها لم يصبها حتى يستبرئها. وعلى هذا تأويل جماعة العلماء في قول الله تعالى :" ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ". أنهن الوثنيات والمجوسيات، لأن الله تعالى قد أحل الكتابيات بقوله :" والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " يعني العفائف، لا من شهر زناها من المسلمات. ومنهم من كره نكاحها ووطأها بملك اليمين ما لم يكن منهن توبة، لما في ذلك من إفساد النسب. 
**فيه إحدى عشرة مسألة :**
١ - راجع جـ١٢ ص ١٦٨..
٢ - في ج: "وسفيان هو الثوري بن سعيد، وعبد الرحمن هو الأوزاعي بن عمرو"..
٣ - آية ١٠٥ سورة البقرة..
٤ - آية ١ سورة البينة..
٥ - آية ٥ سورة المائدة..
٦ - آية ٩٩ سورة آل عمران..
٧ - آية ١١٣ سورة آل عمران..
٨ - آية ٢٩ سورة التوبة..
٩ - عبارة ابن العربي في "أحكام القرآن" له: "احتج أبو حنيفة"..
١٠ - زيادة عن ابن العربي..
١١ - آية ٢٤ سورة الفرقان..
١٢ - الزيادة من الاستذكار لابن عبد البر..

### الآية 2:222

> ﻿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [2:222]

فيه أربع عشرة مسألة : قوله تعالى :" ويسألونك عن المحيض " ذكر الطبري عن السدي أن السائل ثابت بن الدحداح - وقيل : أسيد بن حضير وعباد بن بشر، وهو قول الأكثرين. وسبب السؤال فيما قال قتادة وغيره : أن العرب في المدينة وما والاها كانوا قد استنوا بسنة بني إسرائيل في تجنب مؤاكلة الحائض ومساكنتها، فنزلت هذه الآية. وقال مجاهد : كانوا يتجنبون النساء في الحيض، ويأتونهن في أدبارهن مدة زمن الحيض، فنزلت. وفي صحيح مسلم عن أنس : أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن[(١)](#foonote-١) في البيوت، فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى :" ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض " إلى آخر الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( اصنعوا كل شيء إلا النكاح ) فبلغ ذلك اليهود، فقالوا : ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا : يا رسول الله، إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا نجامعهن ؟ فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى ظننا أن قد وجد[(٢)](#foonote-٢) عليهما، فخرجا فاستقبلهما هدية من لَبَنٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل في آثارهما فسقاهما، فعرفا أن لم يجد عليهما. قال علماؤنا : كانت اليهود والمجوس تجتنب الحائض، وكانت النصارى يجامعون الحيض، فأمر الله بالقصد بين هذين. 
الثانية : قوله تعالى :" عن المحيض " المحيض : الحيض وهو مصدر، يقال : حاضت المرأة حيضا ومَحَاضا ومحيضا، فهي حائض، وحائضة أيضا، عن الفراء وأنشد :
كحائضةٍ يُزْنَى بها غيرَ طاهر
ونساء حيض وحوائض. والحيضة : المرة الواحدة. والحيضة ( بالكسر ) الاسم، والجمع الحيض. والحيضة أيضا : الخرقة التي تستثفر[(٣)](#foonote-٣) بها المرأة. قالت عائشة رضي الله عنها : ليتني كنت حيضة ملقاة. وكذلك المحيضة، والجمع المحائض. وقيل : المحيض عبارة عن الزمان والمكان، وعن الحيض نفسه، وأصله في الزمان والمكان مجاز في الحيض. وقال الطبري : المحيض اسم للحيض، ومثله قول رؤبة في العيش :

إليك أشكو شدَّةَ المَعِيشِ  ومرَّ أعوام نَتَفْنَ[(٤)](#foonote-٤) ريشيوأصل الكلمة من السيلان والانفجار، يقال : حاض السيل وفاض، وحاضت الشجرة أي سالت رطوبتها، ومنه الحيض أي الحوض ؛ لأن الماء يحيض إليه أي يسيل، والعرب تدخل الواو على الياء والياء على الواو، لأنهما من حيز واحد. قال ابن عرفة : المحيض والحيض اجتماع الدم إلى ذلك الموضع، وبه سمي الحوض لاجتماع الماء فيه، يقال : حاضت المرأة وتحيضت، ودرست وعركت، وطمثت، تحيض حيضا ومحاضا ومحيضا إذا سال الدم منها في أوقات معلومة. فإذا سال في غير أيام معلومة، ومن غير عرق المحيض قلت : استحيضت، فهي مستحاضة. 
ابن العربي : ولها ثمانية أسماء : الأول : حائض. الثاني : عارك. الثالث : فارك. الرابع : طامس[(٥)](#foonote-٥). الخامس : دارس. السادس : كابر. السابع : ضاحك. الثامن : طامث. قال مجاهد في قوله تعالى :" فضحكت " يعني حاضت. وقيل في قوله تعالى :" فلما رأينه أكبرنه " \[ يوسف : ٣١ \] يعني حضن. وسيأتي في موضعه[(٦)](#foonote-٦) إن شاء الله تعالى. 
الثالثة : أجمع العلماء على أن للمرأة ثلاثة أحكام في رؤيتها الدم الظاهر السائل من فرجها، فمن ذلك الحيض المعروف، ودمه أسود خاثر تعلوه حمرة، تترك له الصلاة والصوم، لا خلاف في ذلك. وقد يتصل وينقطع، فإن اتصل فالحكم ثابت له، وإن انقطع فرأت الدم يوما والطهر يوما، أو رأت الدم يومين والطهر يومين أو يوما فإنها تترك الصلاة في أيام الدم، وتغتسل عند انقطاعه وتصلي، ثم تلفق أيام الدم وتلغي أيام الطهر المتخللة لها، ولا تحتسب بها طهرا في عدة ولا استبراء. والحيض خلقة في النساء، وطبع معتاد معروف منهن. روى البخاري عن أبي سعيد الخدري قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى فمر على النساء فقال :( يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار - فقلن وبم يا رسول الله ؟ قال - تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن - قلن : وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله ؟ قال : أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل ؟ قلن : بلى، قال : فذلك من نقصان عقلها أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم ؟ قلن : بلى يا رسول الله، قال : فذلك من نقصان دينها )وأجمع العلماء على أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، لحديث معاذة قالت : سألت عائشة فقلت : ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة ؟ قالت : أحرورية[(٧)](#foonote-٧) أنت ؟ قلت : لست بحرورية، ولكني أسأل. قالت : كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة، خرجه مسلم. فإذا انقطع عنها كان طهرها منه الغسل، على ما يأتي. 
الرابعة : واختلف العلماء في مقدار الحيض، فقال فقهاء المدينة : إن الحيض لا يكون أكثر من خمسة عشر يوما، وجائز أن يكون خمسة عشر يوما فما دون، وما زاد على خمسة عشر يوما لا يكون حيضا وإنما هو استحاضة، هذا مذهب مالك وأصحابه. وقد روي عن مالك أنه لا وقت لقليل الحيض ولا لكثيره إلا ما يوجد في النساء، فكأنه ترك قوله الأول ورجع إلى عادة النساء. وقال محمد بن سلمة : أقل الطهر خمسة عشر يوما، وهو اختيار أكثر البغداديين من المالكيين، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما والثوري، وهو الصحيح في الباب، لأن الله تعالى قد جعل عدة ذوات الأقراء ثلاث حيض، وجعل عدة من لا تحيض من كبر أو صغر ثلاثة أشهر، فكان كل قرء عوضا من شهر، والشهر يجمع الطهر والحيض. فإذا قل الحيض كثر الطهر، وإذا كثر الحيض قل الطهر، فلما كان أكثر الحيض خمسة عشر يوما وجب أن يكون بإزائه أقل الطهر خمسة عشر يوما ليكمل في الشهر الواحد حيض وطهر، وهو المتعارف في الأغلب من خلقة النساء وجبلتهن مع دلائل القرآن والسنة. وقال الشافعي : أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوما. وقد روي عنه مثل قول مالك : إن ذلك مردود إلى عرف النساء. وقال أبو حنيفة وأصحابه : أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة. قال ابن عبدالبر : ما نقص عند هؤلاء عن ثلاثة أيام فهو استحاضة، لا يمنع من الصلاة إلا عند أول ظهوره، لأنه لا يعلم مبلغ مدته. ثم على المرأة قضاء صلاة تلك الأوقات، وكذلك ما زاد على عشرة أيام عند الكوفيين. وعند الحجازيين ما زاد على خمسة عشر يوما فهو استحاضة. وما كان أقل من يوم وليلة عند الشافعي فهو استحاضة، وهو قول الأوزاعي والطبري. وممن قال أقل الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوما عطاء بن أبي رباح وأبو ثور وأحمد بن حنبل. قال الأوزاعي : وعندنا امرأة تحيض غدوة وتطهر عشية وقد أتينا على ما للعلماء في هذا الباب - من أكثر الحيض وأقله وأقل الطهر، وفي الاستظهار، والحجة في ذلك - في " المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس " فإن كانت بكرا مبتدأة فإنها تجلس أول ما ترى الدم في قول الشافعي خمسة عشر يوما، ثم تغتسل وتعيد صلاة أربعة عشر يوما. وقال مالك : لا تقضي الصلاة ويمسك عنها زوجها. علي بن زياد عنه : تجلس قدر لداتها، وهذا قول عطاء والثوري وغيرهما. ابن حنبل : تجلس يوما وليلة، ثم تغتسل وتصلي ولا يأتيها زوجها. أبو حنيفة وأبو يوسف : تدع الصلاة عشرا، ثم تغتسل وتصلي عشرين يوما، ثم تترك الصلاة بعد العشرين عشرا، فيكون هذا حالها حيت ينقطع الدم عنها. أما التي لها أيام معلومة فإنها تستظهر على أيامها المعلومة بثلاثة أيام، عن مالك : ما لم تجاوز خمسة عشر يوما. الشافعي : تغتسل إذا انقضت أيامها بغير استظهار. 
والثاني من الدماء : دم النفاس عند الولادة، وله أيضا عند العلماء حد معلوم اختلفوا فيه، فقيل : شهران، وهو قول مالك. وقيل : أربعون يوما، وهو قول الشافعي. وقيل غير ذلك. وطهرها عند انقطاعه. والغسل منه كالغسل من الجنابة. قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب : ودم الحيض والنفاس يمنعان أحد عشر شيئا : وهي وجوب الصلاة وصحة فعلها وفعل الصوم دون وجوبه - وفائدة الفرق لزوم القضاء للصوم ونفيه في الصلاة - والجماع في الفرج وما دونه والعدة والطلاق، والطواف ومس المصحف ودخول المسجد والاعتكاف فيه، وفي قراءة القرآن روايتان. 
والثالث من الدماء : دم ليس بعادة ولا طبع منهن ولا خلقة، وإنما هو عرق انقطع، سائله دم أحمر لا انقطاع له إلا عند البرء منه، فهذا حكمه أن تكون المرأة منه طاهرة لا يمنعها من صلاة ولا صوم بإجماع من العلماء واتفاق من الآثار المرفوعة إذا كان معلوما أنه دم عرق لا دم حيض. روى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : قالت فاطمة بنت أبي حبيش : يا رسول الله، إني لا أطهر ! أفأدع الصلاة ؟ فقال رسول[(٨)](#foonote-٨) الله صلى الله عليه وسلم :( إنما ذلك عرق وليس بالحيضة إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي ). وفي هذا الحديث مع صحته وقلة ألفاظه ما يفسر لك أحكام الحائض والمستحاضة، وهو أصح ما روي في هذا الباب، وهو يرد ما روي عن عقبة بن عامر ومكحول أن الحائض تغتسل وتتوضأ عند كل وقت صلاة، وتستقبل القبلة ذاكرة الله عز وجل جالسة. وفيه أن الحائض لا تصلي، وهو إجماع من كافة العلماء إلا طوائف من الخوارج يرون على الحائض الصلاة. وفيه ما يدل على أن المستحاضة لا يلزمها غير ذلك الغسل الذي تغتسل من حيضها، ولو لزمها غيره لأمرها به، وفيه رد لقول من رأى ذلك عليها لكل صلاة. ولقول من رأى عليها أن تجمع بين صلاتي النهار بغسل واحد، وصلاتي الليل بغسل واحد وتغتسل للصبح. ولقول من قال : تغتسل من طهر إلى طهر. ولقول سعيد بن المسيب من طهر إلى طهر ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمرها بشيء من ذلك. وفيه رد لقول من قال بالاستظهار ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها إذا علمت أن حيضتها قد أدبرت وذهبت أن تغتسل وتصلي، ولم يأمرها أن تترك الصلاة ثلاثة أيام لانتظار حيض يجيء أو لا يجيء، والاحتياط إنما يكون في عمل الصلاة لا في تركها. 
الخامسة : قوله تعالى :" قل هو أذى " أي هو شيء تتأذى به المرأة وغيرها أي برائحة دم الحيض. والأذى كناية عن القذر على الجملة. ويطلق على القول المكروه، ومنه قوله تعالى :" لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى " [(٩)](#foonote-٩) أي بما تسمعه من المكروه. ومنه قوله تعالى :" ودع أذاهم " [(١٠)](#foonote-١٠) أي دع أذى المنافقين لا تجازهم إلا أن تؤمر فيهم، وفي الحديث :( وأميطوا عنه الأذى ) يعني ب " الأذى " الشعر الذي يكون على رأس الصبي حين يولد، يحلق عنه يوم أسبوعه، وهي العقيقة. وفي حديث الإيمان :( وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ) أي تنحيته، يعني الشوك والحجر، وما أشبه ذلك مما يتأذى به المار. وقوله تعالى :" ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر " \[ النساء : ١٠٢ \] وسيأتي[(١١)](#foonote-١١). 
السادسة : استدل من منع وطء المستحاضة بسيلان دم الاستحاضة، فقالوا : كل دم فهو أذى، يجب غسله من الثوب والبدن، فلا فرق في المباشرة بين دم الحيض والاستحاضة لأنه كله رجس. وأما الصلاة فرخصة وردت بها السنة كما يصلى بسلس ال١ - جمع الضمير؛ لأن المراد بالمرأة الجنس. (هامش مسلم) وفي أ، ح"ولم يجامعوها"..
٢ - وجد عليهما: غضب. ومضارعه بضم الجيم وكسرها..
٣ - الاستثفار: أن تشد المرأة فرجها بخرقة عريضة، أو قطنة تحتشي بها وتوثق طرفيها في شيء تشده على وسطها فتمنع سيلان الدم..
٤ - في ب: "ومر أزمان..."..
٥ - كذا في الأصول وأحكام القرآن لابن العربي..
٦ - راجع جـ٩ ص ١٨٠
 .
٧ - الحرورية: طائفة من الخوارج نسبوا إلى "حروراء" وهو موضع قريب من الكوفة، وهم الذين قاتلهم علي رضي الله عنه، وكان عندهم من التشديد في الدين ما هو معروف؛ فلما رأت عائشة هذه المرأة تشدد في أمر الحيض شبهتها بالحرورية. وقيل: أرادت أنها خالفت السنة وخرجت عن الجماعة..
٨ - في ب: "فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم"..
٩ - آية ٣٦٤ سورة البقرة..
١٠ - آية ٤٨ سورة الأحزاب..
١١ - راجع جـ٥ ص ٣٧٢..

### الآية 2:223

> ﻿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [2:223]

**فيه مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" نساؤكم حرث لكم " روى الأئمة واللفظ للمسلم عن جابر بن عبد الله قال :( كانت اليهود تقول : إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول )، فنزلت الآية " نسائكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم " زاد في رواية عن الزهري : إن شاء مُجّبِّيَةً[(١)](#foonote-١) وإن شاء غير مُجّبِّيَةٍ غير إن ذلك في صمام واحد. ويروى : في سمام واحد بالسين، قاله الترمذي. وروى البخاري عن نافع قال : كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه، فأخذت عليه يوما[(٢)](#foonote-٢)، فقرأ سورة " البقرة " حتى انتهى إلى مكان قال : أتدري فيم أنزلت ؟ قلت : لا، قال : نزلت في كذا وكذا، ثم مضى. وعن عبد الصمد قال : حدثني أبي قال حدثني أيوب عن نافع عن ابن عمر :" فأتوا حرثكم أنى شئتم " قال : يأتيها في[(٣)](#foonote-٣). قال الحميدي : يعني الفرج. وروى أبو داود عن ابن عباس قال :( إن ابن عمر والله يغفر له وهِم، إنما كان هذا الحي من الأنصار، وهم أهل وثن، مع هذا الحي من يهود، وهم أهل كتاب، وكانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب ألا يأتوا النساء إلا على حرف، وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحا[(٤)](#foonote-٤) منكرا، ويتلذذون منهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه، وقالت : إنما كنا نؤتى على حرف ! فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني، حتى شري[(٥)](#foonote-٥) أمرهما ) ؟ فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل :" فأتوا حرثكم أنى شئتم "، أي مقبلات ومدبرات ومستلقيات، يعني بذلك موضع الولد. وروى الترمذي عن ابن عباس قال :( جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله، هلكت ! قال :( وما أهلكك ؟ ) قال : حولت رحلي الليلة، قال : فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، قال : فأوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية :" نسائكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم " أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة ) قال : هذا حديث حسن صحيح[(٦)](#foonote-٦). وروى النسائي عن أبي النضر أنه قال لنافع مولى ابن عمر : قد أكثر عليك القول. إنك تقول عن ابن عمر :( أنه أفتى بأن يؤتى النساء في أدبارهن ). قال نافع : لقد كذبوا علي ! ولكن سأخبرك كيف كان الأمر : إن ابن عمر عرض علي المصحف يوما وأنا عنده حتى بلغ :" نساؤكم حرث لكم "، قال نافع : هل تدري ما أمر هذه الآية ؟ إنا كنا معشر قريش نُجَبِّي[(٧)](#foonote-٧) النساء، فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار أردنا منهن ما كنا نريد من نسائنا، فإذا هن قد كرهن ذلك وأعظمنه، وكان نساء الأنصار إنما يؤتين على جنوبهن، فأنزل الله سبحانه :" نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ". 
الثانية : هذه الأحاديث نص في إباحة الحال والهيئات كلها إذا كان الوطء في موضع الحرث، أي كيف شئتم من خلف ومن قدام وباركة ومستلقية ومضطجعة، فأما الإتيان في غير المأتى فما كان مباحا، ولا يباح ! وذكر الحرث يدل على أن الإتيان في غير المأتى محرم. و " حرث " تشبيه، لأنهن مزدرع الذرية، فلفظ " الحرث " يعطي أن الإباحة لم تقع إلا في الفرج خاصة إذ هو المزدرع. وأنشد ثعلب :
إنما الأرحام أر \*\*\* ضون لنا محترثات
فعلينا الزرع فيها \*\*\* وعلى الله النبات
ففرج المرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالنبات، فالحرث بمعنى المحترث. ووحد الحرث لأنه مصدر، كما يقال : رجل صوم، وقوم صوم. 
الثالثة : قوله تعالى :" أنى شئتم " معناه عند الجمهور من الصحابة والتابعين وأئمة الفتوى : من أي وجه شئتم مقبلة ومدبرة، كما ذكرنا آنفا. و " أنى " تجيء سؤالا وإخبارا عن أمر له جهات، فهو أعم في اللغة من " كيف " ومن " أين " ومن " متى "، هذا هو الاستعمال العربي في " أنى ". وقد فسر الناس " أنى " في هذه الآية بهذه الألفاظ. وفسرها سيبوبه ب " كيف " ومن " أين " باجتماعهما. وذهبت فرقة ممن فسرها ب " أين " إلى أن الوطء في الدبر مباح، وممن نسب إليه هذا القول : سعيد بن المسيب ونافع وابن عمر ومحمد بن كعب القرظي وعبدالملك بن الماجشون، وحكي ذلك عن مالك في كتاب له يسمى " كتاب السر ". وحذاق أصحاب مالك ومشايخهم ينكرون ذلك الكتاب، ومالك أجل من أن يكون له " كتاب سر ". ووقع هذا القول في العتبية. وذكر ابن العربي أن ابن شعبان أسند جواز هذا القول إلى زمرة كبيرة من الصحابة والتابعين، وإلى مالك من روايات كثيرة في كتاب " جماع النسوان وأحكام القرآن ". وقال الكيا الطبري : وروي عن محمد بن كعب القرظي أنه كان لا يرى بذلك بأسا، ويتأول فيه قول الله عز وجل :" أتأتون الذكران من العالمين. وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم " [(٨)](#foonote-٨). وقال : فتقديره تتركون مثل ذلك من أزواجكم، ولو لم يبح مثل ذلك من الأزواج لما صح ذلك، وليس المباح من الموضع الآخر مثلا له، حتى يقال : تفعلون ذلك وتتركون مثله من المباح. قال الكيا : وهذا فيه نظر، إذ معناه : وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم مما فيه تسكين شهوتك، ولذة الوقاع حاصلة بهما جميعا، فيجوز التوبيخ على هذا المعنى. وفي قوله تعالى :" فإذا تطهرن فأتوا من حيث أمركم الله " مع قوله :" فأتوا حرثكم " ما يدل على أن في المأتى اختصاصا، وأنه مقصور على موضع الولد. 
قلت : هذا هو الحق في المسألة. وقد ذكر أبو عمر بن عبدالبر أن العلماء لم يختلفوا في الرَّتْقَاء التي لا يوصل إلى وطئها أنه عيب ترد به، إلا شيئا جاء عن عمر بن عبدالعزيز من وجه ليس بالقوي أنه لا ترد الرتقاء ولا غيرها، والفقهاء كلهم على خلاف ذلك، لأن المسيس هو المبتغى بالنكاح، وفي إجماعهم على هذا دليل على أن الدبر ليس بموضع وطء، ولو كان موضعا للوطء ما ردت من لا يوصل إلى وطئها في الفرج. وفي إجماعهم أيضا على أن العقيم التي لا تلد لا ترد. والصحيح في هذه المسألة ما بيناه. وما نسب إلى مالك وأصحابه من هذا باطل وهم مبرؤون من ذلك ؛ لأن إباحة الإتيان مختصة بموضع الحرث، لقوله تعالى :" فأتوا حرثكم "، ولأن الحكمة في خلق الأزواج بث النسل، فغير موضع النسل لا يناله ملك النكاح، وهذا هو الحق. وقد قال أصحاب أبي حنيفة : إنه عندنا ولائط الذكر سواء في الحكم ؛ ولأن القذر والأذى في موضع النجو[(٩)](#foonote-٩) أكثر من دم الحيض، فكان أشنع. وأما صمام البول فغير صمام الرحم. وقال ابن العربي في قبسه : قال لنا الشيخ الإمام فخر الإسلام أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين فقيه الوقت وإمامه : الفرج أشبه شيء بخمسة وثلاثين، وأخرج يده عاقدا بها. وقال : مسلك البول ما تحت الثلاثين، ومسلك الذكر والفرج ما اشتملت عليه الخمسة، وقد حرم الله تعالى الفرج حال الحيض لأجل النجاسة العارضة. فأولى أن يحرم الدبر لأجل النجاسة اللازمة. وقال مالك لابن وهب وعلي بن زياد لما أخبراه أن ناسا بمصر يتحدثون عنه أنه يجيز ذلك، فنفر من ذلك، وبادر إلى تكذيب الناقل فقال : كذبوا علي، كذبوا علي، كذبوا علي ! ثم قال : ألستم قوما عربا ؟ ألم يقل الله تعالى :" نساؤكم حرث لكم " وهل يكون الحرث إلا في موضع المنبت[(١٠)](#foonote-١٠) ! وما استدل به المخالف من أن قوله عز وجل :" أنى شئتم " شامل للمسالك بحكم عمومها فلا حجة فيها، إذ هي مخصصة بما ذكرناه، وبأحاديث صحيحة حسان وشهيرة رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر صحابيا بمتون مختلفة، كلها متواردة على تحريم إتيان النساء في الأدبار، ذكرها أحمد بن حنبل في مسنده، وأبو داود والنسائي والترمذي وغيرهم. وقد جمعها أبو الفرج بن الجوزي بطرقها في جزء سماه " تحريم المحل المكروه ". ولشيخنا أبي العباس أيضا في ذلك جزء سماه ( إظهار إدبار، من أجاز الوطء في الأدبار ). 
قلت : وهذا هو الحق المتبع والصحيح في المسألة، ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصح عنه. وقد حذرنا من زلة العالم. وقد روي عن ابن عمر خلاف هذا، وتكفير من فعله، وهذا هو اللائق به رضي الله عنه. وكذلك كذب نافع من أخبر عنه بذلك، كما ذكر النسائي، وقد تقدم. وأنكر ذلك مالك واستعظمه، وكذب من نسب ذلك إليه. وروى الدارمي أبو محمد في مسنده عن سعيد بن يسار أبي الحباب قال : قلت لابن عمر : ما تقول في الجواري حين أحمض[(١١)](#foonote-١١) بهن ؟ قال : وما التَّحْمِيض ؟ فذكرت له الدبر، فقال : هل يفعل ذلك أحد من المسلمين ! وأسند عن خزيمة بن ثابت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( أيها الناس إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن ). ومثله عن علي بن طلق. وأسند عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( من أتى امرأة في دبرها لم ينظر الله تعالى إليه يوم القيامة ) وروى أبو داود الطيالسي في مسنده عن قتادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( تلك اللوطية الصغرى ) يعني إتيان المرأة في دبرها. وروي عن طاوس أنه قال : كان بدء عمل قوم لوط إتيان النساء في أدبارهن. قال ابن المنذر : وإذا ثبت الشيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم استغني به عما سواه. 
الرابعة : قوله تعالى :" وقدموا لأنفسكم " أي قدموا ما ينفعكم غدا، فحذف المفعول، وقد صرح به في قوله تعالى :" وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله " [(١٢)](#foonote-١٢). فالمعنى قدموا لأنفسكم الطاعة والعمل الصالح. وقيل ابتغاء الولد والنسل ؛ لأن الولد خير الدنيا والآخرة، فقد يكون شفيعا وجنة. وقيل : هو التزوج بالعفائف، ليكون الولد صالحا طاهرا. وقيل : هو تقدم[(١٣)](#foonote-١٣) الإفراط، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :( من قدم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم تمسه النار إلا تحلة القسم ) الحديث. وسيأتي في " مريم " [(١٤)](#foonote-١٤) إن شاء الله تعالى. وقال ابن عباس وعطاء : أي قدموا ذكر الله عند الجماع، كما قال عليه السلام :( لو أن أحدكم إذا أتى امرأته قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره شيطان أبدا ). أخرجه مسلم. 
الخامسة : قوله تعالى :" واتقوا الله " تحذير " واعلموا أنكم ملاقوه " خبر يقتضي المبالغة في التحذير، أي فهو مجازيكم على البر والإثم. وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال : سمعت سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب يقول :( إنكم ملاقو الله حفاة عراة مشاة غرلا[(١٥)](#foonote-١٥) ) - ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم :" واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه ". أخرجه مسلم بمعناه. 
السادسة : قوله تعالى :" وبشر المؤمنين " تأنيس لفاعل البر ومبتغي سنن الهدى. 
١ - مجبية: أي منكبة على وجهها، تشبيها بهيئة السجود..
٢ - أخذت عليه: أي أمسكت المصحف وهو يقرأ عن ظهر قلب..
٣ - بحذف المجرور، راجع شرح البخاري في تفسير الآية، ففيه كلام عن هذا الحذف..
٤ - شرح الرجل جاريته: إذا وطئها نائمة على قفاها..
٥ - شري أمرها (من باب رضي): عظم وتفاقم ولجوا فيه..
٦ - الذي في صحيح الترمذي: "حسن غريب"..
٧ - تقدم معنى "التجبية" ص ٩١ من هذا الجزء..
٨ - آية ١٦٥ سورة الشعراء..
٩ - النجو: ما يخرج من البطن من ريح وغائط..
١٠ - في ب: "النبت"..
١١ - التحميض: أن يأتي الرجل المرأة في غير مأتاها الذي يكون موضع الولد..
١٢ - آية ١١٠ سورة البقرة..
١٣ - الأفراط (جمع فرط): هم الأولاد الذين ماتوا قبل أن يبلغوا الحلم..
١٤ - راجع جـ ١١ ص ١٣٥..
١٥ - الغرل (بضم فسكون جمع الأغرل): وهو الأقلف الذي لم يختن..

### الآية 2:224

> ﻿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [2:224]

**فيه أربع مسائل :**
الأولى : قال العلماء : لما أمر الله تعالى بالإنفاق وصحبة الأيتام والنساء بجميل المعاشرة قال : لا تمتنعوا عن شيء من المكارم تعللا بأنا حلفنا ألا نفعل كذا، قال معناه ابن عباس والنخعي ومجاهد والربيع وغيرهم. قال سعيد بن جبير :( هو الرجل يحلف ألا يبر ولا يصل ولا يصلح بين الناس، فيقال له : بر، فيقول : قد حلفت ). وقال بعض المتأولين : المعنى ولا تحلفوا بالله كاذبين إذا أردتم البر والتقوى والإصلاح، فلا يحتاج إلى تقدير " لا " بعد " أن ". وقيل : المعنى لا تستكثروا من اليمين بالله فإنه أهيب للقلوب، ولهذا قال تعالى :" واحفظوا أيمانكم " \[ المائدة : ٨٩ \][(١)](#foonote-١). وذم من كثر اليمين فقال تعالى :" ولا تطع كل حلاف مهين " \[ القلم : ١٠ \][(٢)](#foonote-٢). والعرب تمتدح بقلة الأيمان، حتى قال قائلهم :قليلُ الأَلاَيَا حافظ ليمينه  وإن صدرت منه الأَلِيَّةُ بَرَّتِوعلى هذا " أن تبروا " معناه : أقلوا الأيمان لما فيه من البر والتقوى، فان الإكثار يكون معه الحنث وقلة رعي لحق الله تعالى، وهذا تأويل حسن. مالك بن أنس : بلغني أنه الحلف بالله في كل شيء. وقيل : المعنى لا تجعلوا اليمين مبتذلة في كل حق وباطل وقال الزجاج وغيره : معنى الآية أن يكون الرجل إذا طلب منه فعل خير اعتل بالله فقال : علي يمين، وهو لم يحلف القتبي : المعنى إذا حلفتم على ألا تصلوا أرحامكم ولا تتصدقوا ولا تصلحوا، وعلى أشباه ذلك من أبواب البر فكفروا اليمين. قلت : وهذا حسن لما بيناه، وهو الذي يدل على سبب النزول، على ما نبينه في المسألة بعد هذا. 
الثانية : قيل : نزلت بسبب الصديق إذ حلف ألا ينفق على مسطح حين تكلم في عائشة رضي الله عنها، كما في حديث الإفك، وسيأتي بيانه في " النور " [(٣)](#foonote-٣)، عن ابن جريج. وقيل : نزلت في الصديق أيضا حين حلف ألا يأكل مع الأضياف. وقيل نزلت في عبدالله بن رواحة حين حلف ألا يكلم بشير بن النعمان وكان ختنه على أخته، والله أعلم. 
الثالثة : قوله تعالى :" عرضة لأيمانكم " أي نصبا، عن الجوهري. وفلان عرضة ذاك، أي[(٤)](#foonote-٤) عرضة لذلك، أي مقرن له قوي عليه. والعرضة : الهمة. قال :
هم الأنصار عرضتها اللقاء[(٥)](#foonote-٥)
وفلان عرضة للناس : لا يزالون يقعون فيه. وجعلت فلانا عرضة لكذا أي نصبته له، وقيل : العرضة من الشدة والقوة، ومنه قولهم للمرأة : عرضة للنكاح، إذا صلحت له وقويت عليه، ولفلان عرضة : أي قوة على السفر والحرب، قال كعب بن زهير :من كل نَضَّاخَةِ الذِّفْرَى إذا عَرِقَت  عُرضَتُهَا طَامِسُ الأعلام مجهول**وقال عبدالله بن الزبير :**فهذي لأيام الحروب وهذه  للهوى وهذي عُرْضَةٌ لارتحالناأي عدة. 
**وقال آخر :**
فلا تجعلَنِّي عرضة للَّوَائِم
**وقال أوس بن حجر :**وأَدْمَاءُ مثل الفحل يوماً عرضتُها  لرحلي وفيها هِزَّةٌ وتقاذُفُوالمعنى : لا تجعلوا اليمين بالله قوة لأنفسكم، وعدة في الامتناع من البر. 
الرابعة : قوله تعالى :" أن تبروا وتتقوا " مبتدأ وخبره محذوف، أي البر والتقوى والإصلاح أولى وأمثل، مثل " طاعة وقول معروف " \[ محمد : ٢١ \] عن الزجاج والنحاس. وقيل : محله النصب، أي لا تمنعكم اليمين بالله عز وجل البر والتقوى والإصلاح، عن الزجاج أيضا. وقيل : مفعول من أجله. وقيل : معناه ألا تبروا، فحذف " لا "، كقوله تعالى :" يبين الله لكم أن تضلوا " \[ النساء : ١٧٦ \] أي لئلا تضلوا، قاله الطبري والنحاس. ووجه رابع من وجوه النصب : كراهة أن تبروا، ثم حذفت، ذكره النحاس والمهدوي. وقيل : هو في موضع خفض على قول الخليل والكسائي، التقدير : في أن تبروا، فأضمرت " في " وخفضت بها. و " سميع " أي لأقوال العباد. " عليم " بنياتهم. 
١ - راجع جـ٦ ص ٢٨٥..
٢ - راجع جـ ١٨ ص ٢٣١..
٣ - راجع جـ ١٢ ص ٢٠٧..
٤ - في الصحاح: "أو عرضة لذلك"..
٥ - عجز بيت لحسان بن ثابت رضي الله عنه، وصدره:
 \*وقال الله قد أعددت جندا\*.

### الآية 2:225

> ﻿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ [2:225]

**فيه أربع مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" باللغو " اللغو : مصدر لغا يلغو ويلغى، ولغي يلغى لغا إذا أتى بما لا يحتاج إليه في الكلام، أو بما لا خير فيه، أو بما يلغى إثمه، وفي الحديث :( إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت ). ولغة أبي هريرة " فقد لغيت " وقال الشاعر[(١)](#foonote-١) :وربَّ أسرابِ حجيجٍ كُظَّمِ  عن اللَّغَا ورَفَثِ التكلموقال آخر[(٢)](#foonote-٢) :ولست بمأخوذ بلغو تقوله  إذا لم تَعَمَّد عاقداتِ العزائمِالثانية : واختلف العلماء في اليمين التي هي لغو، فقال ابن عباس :( هو قول الرجل في درج كلامه واستعجاله في المحاورة : لا والله، وبلى والله، دون قصد لليمين ). قال المروزي : لغو اليمين التي اتفق العلماء على أنها لغو هو قول الرجل : لا والله، وبلى والله، في حديثه وكلامه غير معتقد لليمين ولا مريدها. وروى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أن عروة حدثه أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت :( أيمان اللغو ما كانت في المراء والهزل والمزاحة والحديث الذي لا ينعقد عليه القلب ). وفي البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت : نزل قوله تعالى :( " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم " في قول الرجل : لا والله، وبلى والله ). وقيل : اللغو ما يحلف به على الظن، فيكون بخلافه، قاله مالك، حكاه ابن القاسم عنه، وقال به جماعة من السلف. قال أبو هريرة :( إذا حلف الرجل على الشيء لا يظن إلا أنه إياه، فإذا ليس هو، فهو اللغو، وليس فيه كفارة )، ونحوه عن ابن عباس. وروي : أن قوما تراجعوا القول عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يرمون بحضرته، فحلف أحدهم لقد أصبت وأخطأت يا فلان، فإذا الأمر بخلاف ذلك، فقال الرجل : حنث يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( أيمان الرماة لغو لا حنث فيها ولا كفارة ). وفي الموطأ قال مالك : أحسن ما سمعت في هذا أن اللغو حلف الإنسان على الشيء يستيقن أنه كذلك ثم يوجد بخلافه، فلا كفارة فيه. والذي يحلف على الشيء وهو يعلم أن فيه آثم كاذب ليرضي به أحدا، أو يعتذر لمخلوق، أو يقتطع به مالا، فهذا أعظم من أن يكون فيه كفارة، وإنما الكفارة على من حلف ألا يفعل الشيء المباح له فعله ثم يفعله، أو أن يفعله ثم لا يفعله، مثل إن حلف ألا يبيع ثوبه بعشرة دراهم ثم يبيعه بمثل ذلك، أو حلف ليضربن غلامه ثم لا يضربه. وروى عن ابن عباس - إن صح عنه - قال :( لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان )، وقاله طاوس. وروى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( لا يمين في غضب ) أخرجه مسلم. وقال سعيد بن جبير : هو تحريم الحلال، فيقول : مالي علي حرام إن فعلت كذا، والحلال علي حرام، وقاله مكحول الدمشقي، ومالك أيضا، إلا في الزوجة فإنه ألزم فيها التحريم إلا أن يخرجها الحالف بقلبه. وقيل : هو يمين المعصية، قاله سعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبدالرحمن وعروة وعبدالله ابنا الزبير، كالذي يقسم ليشربن الخمر أو ليقطعن الرحم فبره ترك ذلك الفعل ولا كفارة عليه، وحجتهم حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليتركها فإنَّ تركها كفارتها ) أخرجه ابن ماجه في سننه، وسيأتي في " المائدة " [(٣)](#foonote-٣) أيضا. وقال زيد بن أسلم لغو اليمين دعاء الرجل على نفسه : أعمى الله بصره، أذهب الله ماله، هو يهودي، هو مشرك، هو لغية إن فعل كذا. مجاهد : هما الرجلان يتبايعان فيقول أحدهما : والله لا أبيعك بكذا، ويقول الآخر، والله لا أشتريه بكذا. النخعي : هو الرجل يحلف ألا يفعل الشيء ثم ينسى فيفعله. وقال ابن عباس أيضا والضحاك :( إن لغو اليمين هي المكفرة، أي إذا كفرت اليمين سقطت وصارت لغوا، ولا يؤاخذ الله بتكفيرها والرجوع إلى الذي هو خير ). وحكى ابن عبدالبر قولا : أن اللغو أيمان المكره. قال ابن العربي : أما اليمين مع النسيان فلا شك في إلغائها ؛ لأنها جاءت على خلاف قصده، فهي لغو محض. 
قلت : ويمين المكره بمثابتها. وسيأتي حكم من حلف مكرها في " النحل " [(٤)](#foonote-٤) إن شاء الله تعالى. قال ابن العربي : وأما من قال إنه يمين المعصية فباطل ؛ لأن الحالف على ترك المعصية تنعقد يمينه عبادة، والحالف على فعل المعصية تنعقد يمينه معصية، ويقال له : لا تفعل وكفر، فإن أقدم على الفعل أثم في إقدامه وبر في قسمه. وأما من قال : إنه دعاء الإنسان على نفسه إن لم يكن كذا فينزل به كذا، فهو قول لغو، في طريق الكفارة، ولكنه منعقد في القصد، مكروه، وربما يؤاخذ به ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( لا يدعون أحدكم على نفسه فربما صادف ساعة لا يسأل الله أحد فيها شيئا إلا أعطاه إياه ). وأما من قال : إنه يمين الغضب فإنه يرده حلف النبي صلى الله عليه وسلم غاضبا ألا يحمل الأشعريين وحملهم وكفر عن يمينه. وسيأتي في " براءة " [(٥)](#foonote-٥). قال ابن العربي : وأما من قال : إنه اليمين المكفرة فلا متعلق له يحكى. وضعفه ابن عطية أيضا وقال : قد رفع الله عز وجل المؤاخذة بالإطلاق في اللغو، فحقيقتها لا إثم فيه ولا كفارة، والمؤاخذة في الأيمان هي بعقوبة الآخرة في اليمين الغموس المصبورة[(٦)](#foonote-٦)، وفيما ترك تكفيره مما فيه كفارة، وبعقوبة الدنيا في إلزام الكفارة، فيضعف القول بأنها اليمين المكفرة، لأن المؤاخذة قد وقعت فيها، وتخصيص المؤاخذة بأنها في الآخرة فقط تحكم. 
الثالثة : قوله تعالى :" في أيمانكم " الأيمان جمع يمين، واليمين الحلف، وأصله أن العرب كانت إذا تحالفت أو تعاقدت أخذ الرجل يمين صاحبه بيمينه، ثم كثر ذلك حتى سمي الحلف والعهد نفسه يمينا. وقيل : يمين فعيل من اليمن، وهو البركة، سماها الله تعالى بذلك ؛ لأنها تحفظ الحقوق. ويمين تذكر وتؤنث، وتجمع أيمان وأيمن، قال زهير :
فتجمع أَيْمُنٌ منا ومنكم[(٧)](#foonote-٧)
الرابعة : قوله تعالى :" ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم " مثل قوله :" ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان " \[ المائدة : ٨٩ \]. وهناك[(٨)](#foonote-٨) يأتي الكلام فيه مستوفى، إن شاء الله تعالى. وقال زيد بن أسلم : قوله تعالى :" ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم " هو في الرجل يقول : هو مشرك إن فعل، أي هذا اللغو[(٩)](#foonote-٩)، إلا أن يعقد الإشراك بقلبه ويكسبه. و " غفور حليم " صفتان لائقتان بما ذكر من طرح المؤاخذة، إذ هو باب رفق وتوسعة. 
١ - هو العجاج، كما في ديوانه..
٢ - هو الفرزدق، كما في النقائض ص ٣٤٤ طبع أوربا..
٣ - راجع جـ٦ ص ٢٦٥..
٤ - راجع جـ١٠ ص ١٨٦..
٥ - راجع جـ٨ ص ٢٢٨ وما بعدها..
٦ - اليمين المصبورة هي التي ألزم بها الحالف وحبس عليها، وكانت لازمة لصاحبها من جهة الحكم، وقيل لها: "مصبورة" وإن كان صاحبها في الحقيقة هو المصبور؛ لأنه إنما صبر من أجلها، أي حبس، فوصفت بالصبر وأضيفت إلى اليمين مجازا. (ابن الأثير)..
٧ - هذا صدر بيت ثمامة:
 \* بمقسمة تمور بها الدماء\*.
٨ - راجع جـ٦ ص ٢٦٦..
٩ - في نسخ ب: هذا لغو..

### الآية 2:226

> ﻿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ۖ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [2:226]

**فيه أربع وعشرون مسألة :**
الأولى : قوله تعالى :" للذين يؤلون " " يؤلون " معناه يحلفون، والمصدر إيلاء وألية وألوة وإلوة. وقرأ أبي وابن عباس " للذين يقسمون ". ومعلوم أن " يقسمون " تفسير " يؤلون ". وقرئ " للذين آلوا " يقال : آلى يؤلي إيلاء، وتألى تأليا، وائتلى ائتلاء، أي حلف، ومنه " ولا يأتل أولو الفضل منكم " [(١)](#foonote-١)، وقال الشاعر :فآليت لا أنفك أَحْدُو قصيدة  تكون وإياها بها مَثَلاً بعدي**وقال آخر :**قليلُ الأَلاَيَا حافظ ليمينه  وإن سبقت منه الأَلِيَّةُ بَرَتِّ**وقال ابن دريد :**أَلِيَّةٌ باليَعْمُلاَتِ يرتمي  بها النَّجَاءَ بين أجْوَازِ الفَلاَقال عبدالله بن عباس : كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ذلك، يقصدون بذلك إيذاء المرأة عند المساءة، فوقت لهم أربعة أشهر، فمن آلى بأقل من ذلك فليس بإيلاء حكمي. 
قلت : وقد آلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلق، وسبب إيلائه سؤال نسائه إياه من النفقة ما ليس عنده، كذا في صحيح مسلم. وقيل : لأن زينب ردت عليه هديته، فغضب صلى الله عليه وسلم فآلى منهن، ذكره ابن ماجه. 
الثانية : ويلزم الإيلاء كل من يلزمه الطلاق، فالحر والعبد والسكران يلزمه الإيلاء. وكذلك السفيه والمولى عليه إذا كان بالغا غير مجنون، وكذلك الخصي إذا لم يكن مجبوبا، والشيخ إذا كان فيه بقية رمق ونشاط. واختلف قول الشافعي في المجبوب إذا آلى، ففي قول : لا إيلاء له. وفي قول : يصح إيلاؤه، والأول أصح وأقرب إلى الكتاب والسنة، فإن الفيء هو الذي يسقط اليمين، والفيء بالقول لا يسقطها، فإذا بقيت اليمين المانعة من الحنث بقي حكم الإيلاء. وإيلاء الأخرس بما يفهم عنه من كتابة أو إشارة مفهومة لازم له، وكذلك الأعجمي إذا آلى من نسائه. 
الثالثة : واختلف العلماء فيما يقع به الإيلاء من اليمين، فقال قوم : لا يقع الإيلاء إلا باليمين بالله تعالى وحده لقوله عليه السلام :( من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ). وبه قال الشافعي في الجديد. وقال ابن عباس :( كل يمين منعت جماعا فهي إيلاء )، وبه قال الشعبي والنخعي ومالك وأهل الحجاز وسفيان الثوري وأهل العراق، والشافعي في القول الآخر، وأبو ثور وأبو عبيد وابن المنذر والقاضي أبو بكر بن العربي. قال ابن عبدالبر : وكل يمين لا يقدر صاحبها على جماع امرأته من أجلها إلا بأن يحنث فهو بها مُولٍ، إذا كانت يمينه على أكثر من أربعة أشهر، فكل من حلف بالله أو بصفة من صفاته أو قال : أقسم بالله، أو أشهد بالله، أو علي عهد الله وكفالته وميثاقه وذمته فإنه يلزمه الإيلاء. فإن قال : أقسم أو أعزم ولم يذكر ب " الله " فقيل : لا يدخل عليه الإيلاء، إلا أن يكون أراد ب " الله " ونواه. ومن قال إنه يمين يدخل عليه، وسيأتي بيانه في " المائدة " [(٢)](#foonote-٢) إن شاء الله تعالى. فإن حلف بالصيام ألا يطأ امرأته فقال : إن وطئتك فعلي صيام شهر أو سنة فهو مول. وكذلك كل ما يلزمه من حج أو طلاق أو عتق أو صلاة أو صدقة. والأصل في هذه الجملة عموم قوله تعالى :" للذين يؤلون " ولم يفرق، فإذا آلى بصدقة أو عتق عبد معين أو غير معين لزم الإيلاء. 
الرابعة : فإن حلف بالله ألا يطأ واستثنى فقال : إن شاء الله فإنه يكون موليا، فإن وطئها فلا كفارة عليه في رواية ابن القاسم عن مالك. وقال ابن الماجشون في المبسوط : ليس بِمُولٍ، وهو أصح لأن الاستثناء يحل اليمين ويجعل الحالف كأنه لم يحلف، وهو مذهب فقهاء الأمصار، لأنه بين بالاستثناء أنه غير عازم على الفعل. ووجه ما رواه ابن القاسم مبني على أن الاستثناء لا يحل اليمين، ولكنه يؤثر في إسقاط الكفارة، على ما يأتي بيانه في " المائدة " فلما كانت يمينه باقية منعقدة لزمه حكم الإيلاء وإن لم تجب عليه كفارة. 
الخامسة : فإن حلف بالنبي أو الملائكة أو الكعبة ألا يطأها، أو قال هو يهودي أو نصراني أو زان إن وطئها، فهذا ليس بمول، قاله مالك وغيره. قال الباجي : ومعنى ذلك عندي أنه أورده على غير وجه القسم، وأما لو أورده على أنه مول بما قاله من ذلك أو غيره، ففي المبسوط : أن ابن القاسم سئل عن الرجل يقول لامرأته : لا مرحبا، يريد بذلك الإيلاء يكون مُولِياً، قال : قال مالك : كل كلام نوي به الطلاق فهو طلاق، وهذا والطلاق سواء. 
السادسة : واختلف العلماء في الإيلاء المذكور في القرآن، فقال ابن عباس :( لا يكون موليا حتى يحلف ألا يمسها أبدا ). وقال طائفة : إذا حلف ألا يقرب امرأته يوما أو أقل أو أكثر ثم لم يطأ أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء، روي هذا عن ابن مسعود والنخعي وابن أبي ليلى والحكم وحماد بن أبي سليمان وقتادة، وبه قال إسحاق. قال ابن المنذر : وأنكر هذا القول كثير من أهل العلم. وقال الجمهور : الإيلاء هو أن يحلف ألا يطأ أكثر من أربعة أشهر، فان حلف على أربعة فما دونها لا يكون موليا، وكانت عندهم يمينا محضا، لو وطئ في هذه المدة لم يكن عليه شيء كسائر الأيمان، هذا قول مالك والشافعي وأحمد وأبي ثور. وقال الثوري والكوفيون : الإيلاء أن يحلف على أربعة أشهر فصاعدا، وهو قول عطاء. قال الكوفيون : جعل الله التربص في الإيلاء أربعة أشهر كما جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا، وفي العدة ثلاثة قروء، فلا تربص بعد. قالوا : فيجب بعد المدة سقوط الإيلاء، ولا يسقط إلا بالفيء وهو الجماع في داخل المدة، والطلاق بعد انقضاء الأربعة الأشهر. واحتج مالك والشافعي فقالا : جعل الله للمولي أربعة أشهر، فهي له بكمالها لا اعتراض لزوجته عليه فيها، كما أن الدين المؤجل لا يستحق صاحبه المطالبة به إلا بعد تمام الأجل. ووجه قول إسحاق - في قليل الأمد يكون صاحبه به موليا إذا لم يطأ - القياس على من حلف على أكثر من أربعة أشهر فإنه يكون موليا، لأنه قصد الإضرار باليمين، وهذا المعنى موجود في المدة القصيرة. 
السابعة : واختلفوا أن من حلف ألا يطأ امرأته أكثر من أربعة أشهر فانقضت الأربعة الأشهر ولم تطالبه امرأته ولا رفعته إلى السلطان ليوقفه، لم يلزمه شيء عند مالك وأصحابه وأكثر أهل المدينة. ومن علمائنا من يقول : يلزمه بانقضاء الأربعة الأشهر طلقة رجعية. ومنهم ومن غيرهم من يقول : يلزمه طلقة بائنة بانقضاء الأربعة الأشهر. والصحيح ما ذهب إليه مالك وأصحابه، وذلك أن المولي لا يلزمه طلاق حتى يوقفه السلطان بمطالبة زوجته له ليفيء فيراجع امرأته بالوطء ويكفر يمينه أو يطلق، ولا يتركه حتى يفيء أو يطلق. والفيء : الجماع فيمن يمكن مجامعتها. قال سليمان بن يسار : كان تسعة[(٣)](#foonote-٣) رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوقفون في الإيلاء. قال مالك : وذلك الأمر عندنا، وبه قال الليث والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، واختاره ابن المنذر. 
الثامنة : وأجل المولي من يوم حلف لا من يوم تخاصمه امرأته وترفعه إلى الحاكم، فإن خاصمته ولم ترض بامتناعه من الوطء ضرب له السلطان[(٤)](#foonote-٤) أجل أربعة أشهر من يوم حلف، فإن وطئ فقد فاء إلى حق الزوجة وكفر عن يمينه، وإن لم يفيء طلق عليه طلقة رجعية. قال مالك : فإن راجع لا تصح رجعته حتى يطأ في العدة. قال الأبهري : وذلك أن الطلاق إنما وقع لدفع الضرر، فمتى لم يطأ فالضرر باق، فلا معنى للرجعة إلا أن يكون له عذر يمنعه من الوطء فتصح رجعته ؛ لأن الضرر قد زال، وامتناعه من الوطء ليس من أجل الضرر وإنما هو من أجل العذر. 
التاسعة : واختلف العلماء في الإيلاء في غير حال الغضب، فقال ابن عباس :( لا إيلاء إلا بغضب )، وروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في المشهور عنه، وقاله الليث والشعبي والحسن وعطاء، كلهم يقولون :( الإيلاء لا يكون إلا على وجه مغاضبة ومشادة وحرجة ومناكدة ألا يجامعها في فرجها إضرارا بها، وسواء كان في ضمن ذلك إصلاح ولد أم لم يكن، فإن لم يكن عن غضب فليس بإيلاء ). وقال ابن سيرين : سواء كانت اليمين في غضب أو غير غضب هو إيلاء، وقاله ابن مسعود والثوري ومالك وأهل العراق والشافعي وأصحابه وأحمد، إلا أن مالكا قال : ما لم يرد إصلاح ولد. قال ابن المنذر : وهذا أصح ؛ لأنهم لما أجمعوا أن الظهار والطلاق وسائر الأيمان سواء في حال الغضب والرضا كان الإيلاء كذلك. 
قلت : ويدل عليه عموم القرآن، وتخصيص حالة الغضب يحتاج إلى دليل ولا يؤخذ من وجه يلزم. والله أعلم. 
العاشرة : قال علماؤنا : ومن امتنع من وطء امرأته بغير يمين حلفها إضرارا بها أمر بوطئها، فإن أبى وأقام على امتناعه مضرا بها فرق بينه وبينها من غير ضرب أجل. وقد قيل : يضرب أجل الإيلاء. وقد قيل : لا يدخل على الرجل الإيلاء في هجرته من زوجته وإن أقام سنين لا يغشاها، ولكنه يوعظ ويؤمر بتقوى الله تعالى في ألا يمسكها ضرارا. 
الحادية عشرة : واختلفوا فيمن حلف ألا يطأ امرأته حتى تفطم ولدها لئلا يمغل[(٥)](#foonote-٥) ولدها، ولم يرد إضرارا بها حتى ينقضي أمد الرضاع لم يكن لزوجته عند مالك مطالبة لقصد إصلاح الولد. قال مالك : وقد بلغني أن علي بن أبي طالب سئل عن ذلك فلم يره إيلاء، وبه قال الشافعي في أحد قوليه، والقول الآخر يكون موليا، ولا اعتبار برضاع الولد، وبه قال أبو حنيفة. 
الثانية عشرة : وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والأوزاعي وأحمد بن حنبل إلى أنه لا يكون موليا من حلف ألا يطأ زوجته في هذا البيت أو في هذه الدار لأنه يجد السبيل إلى وطئها في غير ذلك المكان. قال ابن أبي ليلى وإسحاق : إن تركها أربعة أشهر بانت بالإيلاء، ألا ترى أنه يوقف عند الأشهر الأربعة، فإن حلف ألا يطأها في مصره أو بلده فهو مول عند مالك، وهذا إنما يكون في سفر يتكلف المؤونة والكلفة دون جنته أو مزرعته القريبة. 
الثالثة عشرة : قوله تعالى :" من نسائهم " يدخل فيه الحرائر والذميات والإماء إذا تزوجن. والعبد يلزمه الإيلاء من زوجته. قال الشافعي وأحمد وأبو ثور : إيلاؤه مثل إيلاء الحر، وحجتهم ظاهر
قوله تعالى :" للذين يؤلون من نسائهم " فكان ذلك لجميع الأزواج. قال ابن المنذر : وبه أقول. وقال مالك والزهري وعطاء بن أبي رباح وإسحاق : أجله شهران. وقال الحسن والنخعي : إيلاؤه من زوجته الأمة شهران، ومن الحرة أربعة أشهر، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشعبي : إيلاء الأمة نصف إيلاء الحرة. 
الرابعة عشرة : قال مالك وأصحابه وأبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والنخعي وغيرهم : المدخول بها وغير المدخول بها سواء في لزوم الإيلاء فيهما. وقال الزهري وعطاء والثوري : لا إيلاء إلا بعد الدخول. وقال مالك : ولا إيلاء من صغيرة لم تبلغ، فإن آلى منها فبلغت لزم الإيلاء من يوم بلوغها. 
الخامسة عشرة : وأما الذمي فلا يصح إيلاؤه، كما لا يصح ظهاره ولا طلاقه، وذلك أن نكاح أهل الشرك ليس عندنا بنكاح صحيح، وإنما لهم شبهة يد، ولأنهم لا يكلفون الشرائع فتلزمهم كفارات الأيمان، فلو ترافعوا إلينا في حكم الإيلاء لم ينبغ لحاكمنا أن يحكم بينهم، ويذهبون إلى حكامهم، فإن جرى ذلك مجرى التظالم بينهم حكم بحكم الإسلام، كما لو ترك المسلم وطء زوجته ضرارا من غير يمين. 
السادسة عشرة : قوله تعالى :" تربص أربعة أشهر " التربص : التأني والتأخر، مقلوب ١ - راجع جـ١٢ ص ٢٠٧..
٢ - راجع جـ٦ ص ٢٦٩..
٣ - في ب: "كان تسعة عشر رجلا..".
٤ - في ب: الحاكم..
٥ - المغل (بفتح الميم وسكون الغين وفتحها): أن ترضع المرأة ولدها وهي حامل..

### الآية 2:227

> ﻿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [2:227]

الثانية والعشرون : قوله تعالى :" وإن عزموا الطلاق " العزيمة[(١)](#foonote-١) : تتميم العقد على الشيء، يقال : عزم عليه يعزم عزما ( بالضم ) وعزيمة وعزيما وعزمانا واعتزم اعتزاما، وعزمت عليك لتفعلن، أي أقسمت عليك. قال شمر : العزيمة والعزم ما عقدت عليه نفسك من أمر أنك فاعله. والطلاق من طلقت المرأة تطلق ( على وزن نصر ينصر ) طلاقا، فهي طالق وطالقة أيضا. قال الأعشى
أيا جارتا بِينِي فإنكِ طالقة[(٢)](#foonote-٢)
ويجوز طلقت ( بضم اللام ) مثل عظم يعظم، وأنكره الأخفش. والطلاق حل عقدة النكاح، وأصله الانطلاق، والمطلقات المخلّيات، والطلاق : التخلية، يقال : نعجة طالق، وناقة طالق، أي مهملة قد تركت في المرعى لا قيد عليها ولا راعي، وبعير طلق ( بضم الطاء واللام ) غير مقيد، والجمع أطلاق، وحبس فلان في السجن طلقا أي بغير قيد، والطالق من الإبل : التي يتركها الراعي لنفسه لا يحتلبها على الماء، يقال : استطلق الراعي ناقة لنفسه. فسميت المرأة المخلى سبيلها بما سميت به النعجة أو الناقة المهمل أمرها. وقيل : إنه مأخوذ من طلق الفرس، وهو ذهابه شوطا لا يمنع، فسميت المرأة المخلاة طالقا لا تمنع من نفسها بعد أن كانت ممنوعة. 
الثالثة والعشرون : في قوله تعالى :" وإن عزموا الطلاق " دليل على أنها لا تطلق بمضي مدة أربعة أشهر، كما قال مالك : ما لم يقع إنشاء تطليق بعد المدة، وأيضا فإنه قال :" سميع " وسميع يقتضي مسموعا بعد المضي. وقال أبو حنيفة :" سمع " لإيلائه، " عليم " بعزمه الذي دل عليه مضي أربعة أشهر. وروى سهيل بن أبي صالح عن أبيه قال : سألت اثني عشر رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يولي من امرأته، فكلهم يقول : ليس عليه شيء حتى تمضي أربعة أشهر فيوقف، فإن فاء وإلا طلق. قال القاضي ابن العربي : وتحقيق الأمر أن تقدير الآية عندنا :" للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا بعد انقضائها فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ". وتقديرها عندهم :" للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا " فيها " فإن الله غفور رحيم. وإن عزموا الطلاق " بترك الفيئة فيها، يريد مدة التربص فيها " فإن الله سميع عليم ". ابن العربي : وهذا احتمال متساو، ولأجل تساويه توقفت الصحابة فيه. 
قلت : وإذا تساوى الاحتمال كان قول الكوفيين أقوى[(٣)](#foonote-٣) قياسا على المعتدة بالشهور والأقراء، إذ كل ذلك أجل ضربه الله تعالى، فبانقضائه انقطعت العصمة وأبينت من غير خلاف، ولم يكن لزوجها سبيل عليها إلا بإذنها، فكذلك الإيلاء، حتى لو نسي الفيء وانقضت المدة لوقع الطلاق، والله أعلم. 
وفي قوله تعالى :" وإن عزموا الطلاق " دليل على أن الأمة بملك اليمين لا يكون فيها إيلاء، إذ لا يقع عليها طلاق، والله أعلم.

١ - في ب: العزم..
٢ - جارية: زوجته، وبيني من البينونة وعجز البيت: كذاك أمور الناس غاد وطارقه..
٣ - في ب: أولى..

### الآية 2:228

> ﻿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [2:228]

قوله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء  فيه خمس مسائل :
الأولى : قوله تعالى :" والمطلقات " لما ذكر الله تعالى الإيلاء وأن الطلاق قد يقع فيه بين تعالى حكم المرأة بعد التطليق. وفي كتاب أبي داود والنسائي عن ابن عباس قال في قول الله تعالى :" والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " الآية، وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق بها، وإن طلقها ثلاثا )، فنسخ ذلك وقال :" الطلاق مرتان " الآية. والمطلقات لفظ عموم، والمراد به الخصوص في المدخول بهن، وخرجت المطلقة قبل البناء بآية " الأحزاب " :" فما لكم عليهن من عدة تعتدونها " [(١)](#foonote-١) \[ الأحزاب : ٤٩ \] على ما يأتي. وكذلك الحامل بقوله :" وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن " [(٢)](#foonote-٢) \[ الطلاق : ٤ \]. والمقصود من الأقراء الاستبراء، بخلاف عدة الوفاة التي هي عبادة. وجعل الله عدة الصغيرة التي لم تحض والكبيرة التي قد يئست الشهور على ما يأتي. وقال قوم : إن العموم في المطلقات يتناول هؤلاء ثم نسخن، وهو ضعيف، وإنما الآية فيمن تحيض خاصة، وهو عرف النساء وعليه معظمهن. 
الثانية : قوله تعالى :" يتربصن " التربص الانتظار، على ما قدمناه. وهذا خبر والمراد الأمر، كقوله تعالى :" والوالدات يرضعن أولادهن " [(٣)](#foonote-٣) \[ البقرة : ٢٣٣ \] وجمع رجل عليه ثيابه، وحسبك درهم، أي اكتف بدرهم، هذا قول أهل اللسان من غير خلاف بينهم فيما ذكر ابن الشجري. ابن العربي : وهذا باطل، وإنما هو خبر عن حكم الشرع، فإن وجدت مطلقة لا تتربص فليس من الشرع، ولا يلزم من ذلك وقوع خبر الله تعالى على خلاف مخبره. وقيل، معناه ليتربصن، فحذف اللام. 
الثالثة : قرأ جمهور الناس " قروء " على وزن فعول، اللام همزة. ويروى عن نافع " قرو " بكسر الواو وشدها من غير همز. وقرأ الحسن " قرء " بفتح القاف وسكون الراء والتنوين. وقروء جمع أقرؤ وأقراء، والواحد قرء بضم القاف، قال الأصمعي. وقال أبو زيد :" قرء " بفتح القاف، وكلاهما قال : أقرأت المرأة إذا حاضت، فهي مقرئ. وأقرأت طهرت. وقال الأخفش : أقرأت المرأة إذا صارت صاحبة حيض، فإذا حاضت قلت : قرأت، بلا ألف. يقال : أقرأت المرأة حيضة أو حيضتين. والقرء : انقطاع الحيض[(٤)](#foonote-٤). وقال بعضهم : ما بين الحيضتين وأقرأت حاجتك : دنت، عن الجوهري. وقال أبو عمرو بن العلاء : من العرب من يسمي الحيض قرءا، ومنهم من يسمي الطهر قرءا، ومنهم من يجمعهما جميعا، فيسمي الطهر مع الحيض قرءا، ذكره النحاس. 
الرابعة : واختلف العلماء في الأقراء، فقال أهل الكوفة : هي الحيض، وهو قول عمر وعلي وابن مسعود وأبي موسى ومجاهد وقتادة والضحاك وعكرمة والسدي. وقال أهل الحجاز : هي الأطهار، وهو قول عائشة وابن عمر وزيد بن ثابت والزهري وأبان بن عثمان والشافعي. فمن جعل القرء اسما للحيض سماه بذلك، لاجتماع الدم في الرحم، ومن جعله اسما للطهر فلاجتماعه في البدن، والذي يحقق لك هذا الأصل في القرء الوقت، يقال : هبت الريح لقرئها وقارئها أي لوقتها، قال الشاعر[(٥)](#foonote-٥) :

كرهت العَقْرعقر بني شَلِيلٍ[(٦)](#foonote-٦)  إذا هَبَّتْ لقارئها الرياحفقيل للحيض : وقت، وللطهر وقت، لأنهما يرجعان لوقت معلوم، وقال الأعشى في الأطهار :أفي كل عام أنت جاشِمُ غزوةٍ  تَشُدُّ لأقصاها عزيم عزائكامورِّثَةٍ عزا[(٧)](#foonote-٧) وفي الحي رفعةً  لِما ضاع فيها من قُرُوءِ نسائكا**وقال آخر في الحيض :**يا رب ذي ضغن عليّ فارض  له قروء كقروء الحائضيعني أنه طعنه فكان له دم كدم الحائض. وقال قوم : هو مأخوذ من قرء الماء في الحوض. وهو جمعه، ومنه القرآن لاجتماع المعاني. ويقال لاجتماع حروفه، ويقال : ما قرأت الناقة سلى قط، أي لم تجمع[(٨)](#foonote-٨) في جوفها، وقال عمرو بن كلثوم :ذراعَيْ عَيْطَلٍ أدماءَ بكر  هِجَانِ اللون لم تَقْرأْ جنينافكأن الرحم يجمع الدم وقت الحيض، والجسم يجمعه وقت الطهر. قال أبو عمر بن عبدالبر : قول من قال : إن القرء مأخوذ من قولهم : قريت الماء في الحوض ليس بشيء ؛ لأن القرء مهموز وهذا غير مهموز. 
قلت : هذا صحيح بنقل أهل اللغة : الجوهري وغيره. واسم ذلك الماء قرى ( بكسر القاف مقصور ). وقيل : القرء، الخروج إما من طهر إلى حيض أو من حيض إلى طهر، وعلى هذا قال الشافعي في قول : القرء الانتقال من الطهر إلى الحيض، ولا يرى الخروج من الحيض إلى الطهر قرءا. وكان يلزم بحكم الاشتقاق أن يكون قرءا، ويكون معنى قوله تعالى :" والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ". أي ثلاثة أدوار أو ثلاثة انتقالات، والمطلقة متصفة بحالتين فقط، فتارة تنتقل من طهر إلى حيض، وتارة من حيض إلى طهر فيستقيم معنى الكلام، ودلالته على الطهر والحيض جميعا، فيصير الاسم مشتركا. ويقال : إذا ثبت أن القرء الانتقال فخروجها من طهر إلى حيض غير مراد بالآية أصلا، ولذلك لم يكن الطلاق في الحيض طلاقا سنيا مأمورا به، وهو الطلاق للعدة، فإن الطلاق للعدة ما كان في الطهر، وذلك يدل على كون القرء مأخوذا من الانتقال، فإذا كان الطلاق في الطهر سنيا فتقدير الكلام : فعدتهن ثلاثة انتقالات، فأولها الانتقال من الطهر الذي وقع فيه الطلاق، والذي هو الانتقال من حيض إلى طهر لم يجعل قرءا ؛ لأن اللغة لا تدل عليه، ولكن عرفنا بدليل آخر، إن الله تعالى لم يرد الانتقال من حيض إلى طهر، فإذا خرج أحدهما عن أن يكون مرادا بقي الآخر وهو الانتقال من الطهر إلى الحيض مرادا، فعلى هذا عدتها ثلاثة انتقالات، أولها الطهر، وعلى هذا يمكن استيفاء ثلاثة أقراء كاملة إذا كان الطلاق في حالة الطهر، ولا يكون ذلك حملا على المجاز بوجه ما. قال الكيا الطبري : وهذا نظر[(٩)](#foonote-٩) دقيق في غاية الاتجاه لمذهب الشافعي، ويمكن أن نذكر في ذلك سرا لا يبعد فهمه من دقائق حكم الشريعة، وهو أن الانتقال من الطهر إلى الحيض إنما جعل قرءا لدلالته على براءة الرحم، فإن الحامل لا تحيض في الغالب فبحيضها علم براءة رحمها. والانتقال من حيض إلى طهر بخلافه، فان الحائض يجوز أن تحبل في أعقاب حيضها، وإذا تمادى أمد الحمل[(١٠)](#foonote-١٠) وقوي الولد انقطع دمها، ولذلك تمتدح العرب بحمل نسائهم في حالة الطهر، وقد مدحت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول الشاعر[(١١)](#foonote-١١) :وَمُبَرَّأٍ من كل غُبَّرِ حيضةٍ  وفسادِ مرضعة وداءٍ مُغْيَليعني أن أمه لم تحمل به في بقية حيضها. فهذا ما للعلماء وأهل اللسان في تأويل القرء. وقالوا : قرأت المرأة إذا حاضت أو طهرت. وقرأت أيضا إذا حملت. واتفقوا على أن القرء الوقت، فإذا قلت : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة أوقات، صارت الآية مفسرة في العدد محتملة في المعدود، فوجب طلب البيان للمعدود من غيرها، فدليلنا قول الله تعالى :" فطلقوهن لعدتهن " [(١٢)](#foonote-١٢) \[ الطلاق : ١ \] ولا خلاف أنه يؤمر بالطلاق وقت الطهر فيجب أن يكون هو المعتبر في العدة، فإنه قال :" فطلقوهن " يعني وقتا تعتد به، ثم قال تعالى :" وأحصوا العدة ". يريد ما تعتد به المطلقة وهو الطهر الذي تطلق فيه، وقال صلى الله عليه وسلم لعمر :( مرة فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء ). أخرجه مسلم وغيره. وهو نص في أن زمن الطهر هو الذي يسمى عدة، وهو الذي تطلق فيه النساء. ولا خلاف أن من طلق في حال الحيض لم تعتد بذلك الحيض، ومن طلق في حال الطهر فإنها تعتد عند الجمهور بذلك الطهر، فكان ذلك أولى. قال أبو بكر بن عبد الرحمن : ما أدركنا أحدا من فقهائنا إلا يقول بقول عائشة في ( أن الأقراء هي الأطهار ). فإذا طلق الرجل في طهر لم يطأ فيه اعتدت بما بقي منه ولو ساعة ولو لحظة، ثم استقبلت طهرا ثانيا بعد حيضة، ثم ثالثا بعد حيضة ثانية، فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة حلت للأزواج وخرجت من العدة. فإن طلق مطلق في طهر قد مس فيه لزمه الطلاق وقد أساء، واعتدت بما بقي من ذلك الطهر. وقال الزهري في امرأة طلقت في بعض طهرها : إنها تعتد بثلاثة أطهار سوى بقية ذلك الطهر. قال أبو عمر : لا أعلم أحدا ممن قال : الأقراء الأطهار يقول هذا غير ابن شهاب الزهري، فإنه قال : تلغي الطهر الذي طلقت فيه ثم تعتد بثلاثة أطهار ؛ لأن الله عز وجل يقول " ثلاثة قروء ". 
قلت : فعلى قوله لا تحل المطلقة حتى تدخل في الحيضة الرابعة، وقول ابن القاسم ومالك وجمهور أصحابه والشافعي وعلماء المدينة : إن المطلقة إذا رأت أول نقطة من الحيضة الثالثة خرجت من العصمة، وهو مذهب زيد بن ثابت وعائشة وابن عمر، وبه قال أحمد بن حنبل، وإليه ذهب داود بن علي وأصحابه. والحجة على الزهري أن النبي صلى أذن في طلاق الطاهر من غير جماع، ولم يقل أول الطهر ولا آخره. وقال أشهب : لا تنقطع العصمة والميراث حتى يتحقق أنه دم حيض، لئلا تكون دفعة دم من غير الحيض. احتج الكوفيون بقوله عليه السلام لفاطمة بنت أبي حبيش حين شكت إليه الدم :( إنما ذلك عرق فانظري فإذا أتى قرؤك فلا تصلي وإذا مر القرء فتطهري ثم صلي من القرء إلى القرء ). وقال تعالى :" واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر " [(١٣)](#foonote-١٣) \[ الطلاق : ٤ \]. فجعل المأيوس منه المحيض، فدل على أنه هو العدة، وجعل العوض منه هو الأشهر إذا كان معدوما. وقال عمر بحضرة الصحابة :( عدة الأمة حيضتان، نصف عدة الحرة، ولو قدرت على أن أجعلها حيضة ونصفا لفعلت )، ولم ينكر عليه أحد. فدل على أنه إجماع منهم، وهو قول عشرة من الصحابة منهم الخلفاء الأربعة، وحسبك ما قالوا ! وقوله تعالى :" والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " يدل على ذلك، لأن المعنى يتربصن ثلاثة أقراء، يريد كوامل، هذا لا يمكن أن يكون إلا على قولنا بأن الأقراء الحيض ؛ لأن من يقول : إنه الطهر يجوز أن تعتد بطهرين وبعض آخر ؛ لأنه إذا طلق حال الطهر اعتدت عنده ببقية ذلك الطهر قرءا. وعندنا تستأنف من أول الحيض حتى يصدق الاسم، فإذا طلق الرجل المرأة في طهر لم يطأ فيه استقبلت حيضة ثم حيضة ثم حيضة، فإذا اغتسلت من الثالثة خرجت من العدة. 
قلت : هذا يرده قوله تعالى :" سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام " [(١٤)](#foonote-١٤) \[ الحاقة : ٧ \] فأثبت الهاء في " ثمانية أيام " ؛ لأن اليوم مذكر وكذلك القرء، فدل على أنه المراد. ووافقنا أبو حنيفة على أنها إذا طلقت حائضا أنها لا تعتد بالحيضة التي طلقت فيها ولا بالطهر الذي بعدها، وإنما تعتد بالحيض الذي بعد الطهر. وعندنا تعتد بالطهر، على ما بيناه. وقد استجاز أهل اللغة أن يعبروا عن البعض باسم الجميع، كما قال تعالى :" الحج أشهر معلومات " \[ البقرة : ١٩٧ \] والمراد به شهران وبعض الثالث، فكذلك قوله :" ثلاثة قروء ". والله أعلم. وقال بعض من يقول بالحيض : إذا طهرت من الثالثة انقضت العدة بعد الغسل وبطلت الرجعة، قاله سعيد بن جبير وطاوس وابن شبرمة والأوزاعي. وقال شريك : إذا فرطت المرأة في الغسل عشرين سنة فلزوجها عليها الرجعة ما لم تغتسل. وروي عن إسحاق بن راهويه أنه قال :( إذا طعنت المرأة في الحيضة الثالثة بانت وانقطعت رجعة الزوج. إلا أنها لا يحل لها أن تتزوج حتى تغتسل من حيضتها ). وروى نحوه ع١ - راجع ١٤ ص ٢٠٢..
٢ - راجع ج ١٨ ص ١٦٢..
٣ - راجع ص ١٦٠ من هذا الجزء..
٤ - في ب وحـ: انقضاء..
٥ - هو مالك بن الحارث الهذلي (عن اللسان)..
٦ - العقر: اسم موضع. وشليل: جد جرير بن عبد الله البجلي..
٧ في الديوان: مورثة مالا وفي المجد رفعة..
٨ - في اللسان: لم تحمل في رحمها ولدا قط..
٩ - في ز: وهذا مطرد بين..
١٠ - في جـ: تمادى أمر الحامل..
١١ - هو أبو كبير الهذلي (عن اللسان)..
١٢ - راجع جـ١٨ ص ١٥٠..
١٣ - راجع جـ١٨ ص ١٦٢..
١٤ - راجع جـ١٨ ص ٢٥٩..

### الآية 2:229

> ﻿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [2:229]

قوله تعالى : الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان  فيه سبع مسائل :
الأولى : قوله تعالى :" الطلاق مرتان " ثبت أن أهل الجاهلية لم يكن عندهم للطلاق عدد، وكانت عندهم العدة معلومة مقدرة، وكان هذا في أول الإسلام برهة، يطلق الرجل امرأته ما شاء من الطلاق، فإذا كادت تحل من طلاقه راجعها ما شاء، فقال رجل لامرأته على عهد النبي صلى الله عليه وسلم : لا آويك ولا أدعك تحلين، قالت : وكيف ؟ قال : أطلقك فإذا دنا مضي عدتك راجعتك. فشكت المرأة ذلك إلى عائشة، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى هذه الآية بيانا لعدد الطلاق الذي للمرء فيه أن يرتجع دون تجديد مهر وولي، ونسخ ما كانوا عليه. قال معناه عروة بن الزبير وقتادة وابن زيد وغيرهم. وقال ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وغيرهم :( المراد بالآية التعريف بسنة الطلاق، أي من طلق اثنتين فليتق الله في الثالثة، فإما تركها غير مظلومة شيئا من حقها، وإما أمسكها محسنا عشرتها، والآية تتضمن هذين المعنيين ). 
الثانية : الطلاق هو حل العصمة المنعقدة بين الأزواج بألفاظ مخصوصة. والطلاق مباح بهذه الآية وبغيرها، وبقوله عليه السلام في حديث ابن عمر :( فإن شاء أمسك وإن شاء طلق ) وقد طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة ثم راجعها، خرجه ابن ماجه. وأجمع العلماء على أن من طلق امرأته طاهرا في طهر لم يمسها فيه أنه مطلِّق للسنة، وللعدة التي أمر الله تعالى بها، وأن له الرجعة إذا كانت مدخولا بها قبل أن تنقضي عدتها، فإذا انقضت فهو خاطب من الخطاب. فدل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أن الطلاق مباح غير محظور. قال ابن المنذر : وليس في المنع منه خبر يثبت. 
الثالثة : روى الدار قطني حدثني أبو العباس محمد بن موسى بن علي الدولابي ويعقوب بن إبراهيم، قالا : حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا إسماعيل بن عياش بن حميد بن مالك اللخمي عن مكحول عن معاذ بن جبل قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يا معاذ ما خلق الله شيئا على وجه الأرض أحب إليه من العتاق ولا خلق الله تعالى شيئا على وجه الأرض أبغض إليه من الطلاق فإذا قال الرجل لمملوكه أنت حر إن شاء الله فهو حر ولا استثناء له وإذا قال الرجل لامرأته أنت طالق إن شاء الله فله استثناؤه ولا طلاق عليه ). حدثنا محمد بن موسى بن علي حدثنا حميد بن الربيع حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا إسماعيل بن عياش بإسناده نحوه. قال حميد قال لي يزيد بن هارون : وأي حديث لو كان حميد بن مالك اللخمي معروفا ! قلت : هو جدي ! قال يزيد : سررتني، الآن صار حديثا !. قال ابن المنذر : وممن رأى الاستثناء في الطلاق طاوس وحماد والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي. ولا يجوز الاستثناء في الطلاق في قول مالك والأوزاعي، وهو قول الحسن وقتادة في الطلاق خاصة. قال : وبالقول الأول أقول. 
الرابعة : قوله تعالى :" فإمساك بمعروف " ابتداء، والخبر أمثل أو أحسن، ويصح أن يرتفع على خبر ابتداء محذوف، أي فعليكم إمساك بمعروف، أو فالواجب عليكم إمساك بما يعرف أنه الحق. ويجوز في غير القرآن " فإمساكا " على المصدر. ومعنى " بإحسان " أي لا يظلمها شيئا من حقها، ولا يتعدى في قول. والإمساك : خلاف الإطلاق. والتسريح : إرسال الشيء، ومنه تسريح الشعر، ليخلص البعض من البعض. وسرح الماشية : أرسلها. والتسريح يحتمل لفظه معنيين : أحدهما : تركها حتى تتم العدة من الطلقة الثانية، وتكون أملك لنفسها، وهذا قول السدي والضحاك. والمعنى الآخر أن يطلقها ثالثة فيسرحها، هذا قول مجاهد وعطاء وغيرهما، وهو أصح لوجوه ثلاثة :
أحدها : ما رواه الدارقطني عن أنس أن رجلا قال : يا رسول الله، قال الله تعالى :" الطلاق مرتان " فلم صار ثلاثا ؟ قال :( إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان - في رواية - هي الثالثة ). ذكره ابن المنذر. 
الثاني : إن التسريح من ألفاظ الطلاق، ألا ترى أنه قد قرئ " إن عزموا السراح ". 
الثالثة : أن فعل تفعيلا يعطي أنه أحدث فعلا مكررا على الطلقة الثانية، وليس في الترك إحداث فعل يعبر عنه بالتفعيل، قال أبو عمر : وأجمع العلماء على أن قوله تعالى :" أو تسريح بإحسان " هي الطلقة الثالثة بعد الطلقتين، وإياها عنى بقوله تعالى :" فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره " \[ البقرة : ٢٣٠ \]. وأجمعوا على أن من طلق امرأته طلقة أو طلقتين فله مراجعتها، فإن طلقها الثالثة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وكان هذا من محكم القرآن الذي لم يختلف في تأويله. وقد روي من أخبار العدول مثل ذلك أيضا : حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن وضاح قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن سميع عن أبي رزين قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله، أرأيت قول الله تعالى :" الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " فأين الثالثة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ). ورواه الثوري[(١)](#foonote-١) وغيره عن إسماعيل بن سميع عن أبي رزين مثله. 
قلت : وذكر الكيا الطبري هذا الخبر وقال : إنه غير ثابت من جهة النقل، ورجح قول الضحاك والسدي، وأن الطلقة الثالثة إنما هي مذكورة في مساق الخطاب في قوله تعالى :" فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره " \[ البقرة : ٢٣٠ \]. فالثالثة مذكورة في صلب[(٢)](#foonote-٢) هذا الخطاب، مفيدة للبينونة الموجبة للتحريم إلا بعد زوج، فوجب حمل قوله :" أو تسريح بإحسان " على فائدة مجددة، وهو وقوع البينونة بالاثنتين عند انقضاء العدة، وعلى أن المقصود من الآية بيان عدد الطلاق الموجب للتحريم، ونسخ ما كان جائزا من إيقاع الطلاق بلا عدد محصور، فلو كان قوله :" أو تسريح بإحسان " هو الثالثة لما أبان عن المقصد في إيقاع التحريم بالثلاث، إذ لو اقتصر عليه لما دل على وقوع البينونة المحرمة لها إلا بعد زوج، وإنما علم التحريم بقوله تعالى :" فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ". فوجب ألا يكون معنى قوله :" أو تسريح بإحسان " الثالثة، ولو كان قوله :" أو تسريح بإحسان " بمعنى الثالثة كان قوله عقيب ذلك :" فإن طلقها " الرابعة ؛ لأن الفاء للتعقيب، وقد اقتضى طلاقا مستقبلا بعد ما تقدم ذكره، فثبت بذلك أن قوله تعالى :" أو تسريح بإحسان " هو تركها حتى تنقضي عدتها. 
الخامسة : ترجم البخاري على هذه الآية " باب من أجاز الطلاق الثلاث بقوله تعالى : الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " وهذا إشارة منه إلى أن هذا التعديد إنما هو فسحة لهم، فمن ضيق على نفسه لزمه. قال علماؤنا : واتفق أئمة الفتوى على لزوم إيقاع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة، وهو قول جمهور السلف، وشذ طاوس وبعض أهل الظاهر إلى أن طلاق الثلاث في كلمة واحدة يقع واحدة، ويروى هذا عن محمد بن إسحاق والحجاج بن أرطأة. وقيل عنهما : لا يلزم منه شيء، وهو قول[(٣)](#foonote-٣) مقاتل. ويحكى عن داود أنه قال لا يقع. والمشهور عن الحجاج بن أرطأة وجمهور السلف والأئمة أنه لازم واقع ثلاثا. ولا فرق بين أن يوقع ثلاثا مجتمعة في كلمة أو متفرقة في كلمات، فأما من ذهب إلى أنه لا يلزم منه شيء فاحتج بدليل قوله تعالى :" والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " \[ البقرة : ٢٢٨ \]. وهذا يعم كل مطلقة إلا ما خص منه، وقد تقدم. وقال :" الطلاق مرتان " والثالثة " فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ". ومن طلق ثلاثا في كلمة فلا يلزم، إذ هو غير مذكور في القرآن. وأما من ذهب إلى أنه واقع واحدة فاستدل بأحاديث ثلاثة : أحدها : حديث ابن عباس من رواية طاوس وأبي الصهباء وعكرمة. وثانيها : حديث ابن عمر على رواية من روى ( أنه طلق امرأته ثلاثا، وأنه عليه السلام أمره برجعتها واحتسبت له واحدة ). وثالثها :( أن رُكانة طلق امرأته ثلاثا فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم برجعتها، والرجعة تقتضي وقوع واحدة ). والجواب عن الأحاديث ما ذكره الطحاوي أن سعيد بن جبير ومجاهدا وعطاء وعمرو بن دينار ومالك بن الحويرث ومحمد بن إياس بن البكير والنعمان بن أبي عياش رووا عن ابن عباس ( فيمن طلق امرأته ثلاثا أنه قد عصى ربه وبانت منه امرأته، ولا ينكحها إلا بعد زوج )، وفيما رواه هؤلاء الأئمة عن ابن عباس مما يوافق الجماعة ما يدل على وهن رواية طاوس وغيره، وما كان ابن عباس ليخالف الصحابة إلى رأي نفسه. قال ابن عبدالبر : ورواية طاوس وهم وغلط لم يعرج عليها أحد من فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق والمشرق والمغرب، وقد قيل : إن أبا الصهباء لا يعرف في موالي ابن عباس. قال القاضي أبو الوليد الباجي :" وعندي أن الرواية عن ابن طاوس بذلك صحيحة، فقد روى عنه الأئمة : معمر وابن جريج وغيرهما، وابن طاوس إمام. والحديث الذي يشيرون إليه هو ما رواه ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال :( كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر بن الخطاب طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر رضي الله عنه : إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم ! فأمضاه عليهم ). ومعنى الحديث أنهم كانوا يوقعون طلقة واحدة بدل إيقاع الناس الآن ثلاث تطليقات، ويدل على صحة هذا التأويل أن عمر قال : إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فأنكر عليهم أن أحدثوا في الطلاق استعجال أمر كانت لهم فيه أناة، فلو كان حالهم ذلك في أول الإسلام في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ما قاله، ولا عاب عليهم أنهم استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة. ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن ابن عباس من غير طريق أنه ( أفتى بلزوم الطلاق الثلاث لمن أوقعها مجتمعة )، فإن كان هذا معنى حديث ابن طاوس فهو الذي قلناه، وإن حمل حديث ابن عباس على ما يتأول فيه من لا يعبأ بقوله فقد رجع ابن عباس إلى قول الجماعة وانعقد به الإجماع، ودليلنا من جهة القياس أن هذا طلاق أوقعه من يملكه فوجب أن يلزمه، أصل ذلك إذا أوقعه مفردا ". 
قلت : ما تأوله الباجي هو الذي ذكر معناه الكيا الطبري عن علماء الحديث، أي إنهم كانوا يطلقون طلقة واحدة هذا الذي يطلقون ثلاثا، أي ما كانوا يطلقون في كل قرء طلقة، وإنما كانوا يطلقون في جميع العدة واحدة إلى أن تبين وتنقضي العدة. وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب : معناه أن الناس كانوا يقتصرون على طلقة واحدة، ثم أكثروا أيام عمر من إيقاع الثلاث. قال القاضي : وهذا هو الأشبه بقول الراوي : إن الناس في أيام عمر استعجلوا الثلاث فعجل عليهم، معناه ألزمهم حكمها. وأما حديث ابن عمر فإن الدارقطني روى عن أحمد بن صبيح عن طريف بن ناصح عن معاوية بن عمار الدهني عن أبي الزبير قال : سألت ابن عمر عن رجل طلق امرأته ثلاثا وهي حائض، فقال لي : أتعرف ابن عمر ؟ قلت : نعم، قال : طلقت امرأتي ثلاثا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حائض[(٤)](#foonote-٤) فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السنة. فقال الدارقطني : كلهم من الشيعة، والمحفوظ أن ابن عمر طلق امرأته واحدة في الحيض. قال عبيدالله : وكان تطليقه إياها في الحيض واحدة غير أنه خالف السنة.

١ - في بعض الأصول: "الترمذي" والتصويب عن كتاب "الاستذكار" لأبي عمر بن عبد البر..
٢ - في ح: صلة..
٣ - في ب: مذهب مقاتل..
٤ - زيادة عن سنن الدراقطني..

### الآية 2:230

> ﻿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [2:230]

قوله تعالى : فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره  فيه إحدى عشرة مسألة :
الأولى : احتج بعض مشايخ خراسان من الحنفية بهذه الآية على أن المختلعة يلحقها الطلاق، قالوا : فشرع الله سبحانه صريح الطلاق بعد المفاداة بالطلاق ؛ لأن الفاء حرف تعقيب، فيبعد أن يرجع إلى قوله :" الطلاق مرتان " لأن الذي تخلل من الكلام يمنع بناء قوله " فإن طلقها " على قوله " الطلاق مرتان " بل الأقرب عوده على ما يليه كما في الاستثناء ولا يعود إلى ما تقدمه إلا بدلالة، كما أن قوله تعالى :" وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن " [(١)](#foonote-١) \[ النساء : ٢٣ \] فصار مقصورا على ما يليه غير عائد على ما تقدمه حتى لا يشترط الدخول في أمهات النساء. وقد اختلف العلماء في الطلاق بعد الخلع في العدة، فقالت طائفة : إذا خالع الرجل زوجته ثم طلقها وهي في العدة لحقها الطلاق ما دامت في العدة، كذلك قال سعيد بن المسيب وشريح وطاوس والنخعي والزهري والحكم وحماد والثوري وأصحاب الرأي. وفيه قول ثان وهو ( أن الطلاق لا يلزمها )، وهو قول[(٢)](#foonote-٢) ابن عباس وابن الزبير وعكرمة والحسن وجابر بن زيد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وهو قول مالك إلا أن مالكا قال : إن افتدت منه على أن يطلقها ثلاثا متتابعا نسقا حين طلقها فذلك ثابت عليه، وإن كان بين ذلك صمات فما أتبعه[(٣)](#foonote-٣) بعد الصمات فليس بشيء، وإنما كان ذلك لأن نسق الكلام بعضه على بعض متصلا يوجب له حكما واحدا، وكذلك إذا اتصل. الاستثناء باليمين بالله أثر وثبت له حكم الاستثناء، وإذا انفصل عنه لم يكن له تعلق بما تقدم من الكلام. 
الثانية : المراد بقوله تعالى :" فإن طلقها " الطلقة الثالثة " فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ". وهذا مجمع عليه لا خلاف فيه. واختلفوا فيما يكفي من النكاح، وما الذي يبيح التحليل، فقال سعيد بن المسيب ومن وافقه : مجرد العقد كاف. وقال الحسن بن أبي الحسن : لا يكفي مجرد الوطء حتى يكون إنزال. وذهب الجمهور من العلماء والكافة من الفقهاء إلى أن الوطء كاف في ذلك، وهو التقاء الختانين الذي يوجب الحد والغسل، ويفسد الصوم والحج ويحصن الزوجين ويوجب كمال الصداق. قال ابن العربي : ما مرت بي في الفقه مسألة أعسر منها، وذلك أن من أصول الفقه أن الحكم هل يتعلق بأوائل الأسماء أو بأواخرها ؟ فإن قلنا : إن الحكم يتعلق بأوائل الأسماء لزمنا أن نقول[(٤)](#foonote-٤) بقول سعيد بن المسيب. وإن قلنا : إن الحكم يتعلق بأواخر الأسماء لزمنا أن نشترط الإنزال مع مغيب الحشفة في الإحلال، لأنه آخر ذوق العسيلة على ما قاله الحسن. قال ابن المنذر : ومعنى ذوق العسيلة هو الوطء، وعلى هذا جماعة العلماء إلا سعيد بن المسيب فقال : أما الناس فيقولون : لا تحل، للأول حتى يجامعها الثاني، وأنا أقول : إذا تزوجها زواجا صحيحا لا يريد بذلك إحلالها فلا بأس أن يتزوجها الأول. وهذا قول لا نعلم أحدا وافقه عليه إلا طائفة من الخوارج، والسنة مستغنى بها عما سواها. 
قلت : وقد قال بقول سعيد بن المسيب سعيد بن جبير، ذكره النحاس في كتاب " معاني القرآن " له. قال : وأهل العلم على أن النكاح ههنا الجماع ؛ لأنه قال :" زوجا غيره " فقد تقدمت الزوجية فصار النكاح الجماع، إلا سعيد بن جبير فإنه قال : النكاح ههنا التزوج الصحيح إذا لم يرد إحلالها. 
قلت : وأظنهما لم يبلغهما حديث العسيلة أو لم يصح عندهما فأخذا بظاهر القرآن، وهو قوله تعالى :" حتى تنكح زوجا غيره " والله أعلم. روى الأئمة واللفظ للدارقطني عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ويذوق كل واحد منهما عسيلة صاحبه ). قال بعض علماء الحنفية : من عقد على مذهب سعيد بن المسيب فللقاضي أن يفسخه، ولا يعتبر فيه خلافه لأنه خارج عن إجماع العلماء. قال علماؤنا : ويفهم من قوله عليه السلام :( حتى يذوق كل واحد منهما عسيلة صاحبه ) استواؤهما في إدراك لذة الجماع، وهو حجة لأحد القولين عندنا في أنه لو وطئها نائمة أو مغمى عليها لم تحل لمطلقها، لأنها لم تذق العسيلة إذ لم تدركها. 
الثالثة : روى النسائي عن عبدالله قال :( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة وآكل الربا وموكله والمحلل والمحلل له ). وروى الترمذي عن عبدالله بن مسعود قال :( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له ). وقال : هذا حديث حسن صحيح. وقد روى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه. والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، منهم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبدالله بن عمر[(٥)](#foonote-٥) وغيرهم، وهو قول الفقهاء من التابعين، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي ومالك وأحمد وإسحاق، وسمعت الجارود يذكر عن وكيع أنه قال بهذا، وقال : ينبغي أن يرمى بهذا الباب من قول أصحاب الرأي. وقال سفيان : إذا تزوج الرجل المرأة ليحلها ثم بدا له أن يمسكها فلا تحل له حتى يتزوجها بنكاح جديد. 
قال أبو عمر بن عبدالبر : اختلف العلماء في نكاح المحلل، فقال مالك، المحلل لا يقيم على نكاحه حتى يستقبل نكاحا جديدا، فإن أصابها فلها مهر مثلها، ولا تحلها إصابته لزوجها الأول، وسواء علما أو لم يعلما إذا تزوجها ليحلها، ولا يقر على نكاحه ويفسخ، وبه قال الثوري والأوزاعي. وفيه قول ثان روي عن الثوري في نكاح الحيار والمحلل أن النكاح جائز والشرط باطل، وهو قول ابن أبي ليلى في ذلك وفي نكاح المتعة. وروي عن الأوزاعي في نكاح المحلل : بئس ما صنع والنكاح جائز. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد : النكاح جائز إن دخل بها، وله أن يمسكها إن شاء. وقال أبو حنيفة مرة هو وأصحابه : لا تحل للأول إن تزوجها ليحلها، ومرة قالوا : تحل له بهذا النكاح إذا جامعها وطلقها. ولم يختلفوا في أن نكاح هذا الزوج صحيح، وأن له أن يقيم عليه. وفيه قول ثالث - قال الشافعي : إذا قال أتزوجك لأحلك ثم لا نكاح بيننا بعد ذلك فهذا ضرب من نكاح المتعة، وهو فاسد لا يقر عليه ويفسخ، ولو وطئ على هذا لم يكن تحليلا. فإن تزوجها تزوجا مطلقا لم يشترط ولا اشترط عليه التحليل فللشافعي في ذلك قولان في كتابه القديم : أحدهما مثل قول مالك، والآخر مثل قول أبي حنيفة. ولم يختلف قوله في كتابه الجديد المصري أن النكاح صحيح إذا لم يشترط، وهو قول داود. 
قلت : وحكى الماوردي عن الشافعي أنه إن شرط التحليل قبل العقد صح النكاح وأحلها للأول، وإن شرطاه في العقد بطل النكاح ولم يحلها للأول، قال : وهو قول الشافعي. وقال الحسن وإبراهيم : إذا هم أحد الثلاثة بالتحليل فسد النكاح، وهذا تشديد. وقال سالم والقاسم : لا بأس أن يتزوجها ليحلها إذا لم يعلم الزوجان وهو مأجور، وبه قال ربيعة ويحيى بن سعيد، وقاله داود بن علي لم يظهر ذلك في اشتراطه في حين العقد. 
الرابعة : مدار جواز نكاح التحليل عند علمائنا على الزوج الناكح، وسواء شرط ذلك أو نواه، ومتى كان شيء من ذلك فسد نكاحه ولم يقر عليه، ولم يحلل وطؤه المرأة لزوجها. وعلم الزوج المطلق وجهله في ذلك سواء. وقد قيل : إنه ينبغي له إذا علم أن الناكح لها لذلك تزوجها أن يتنزه عن مراجعتها، ولا يحلها عند مالك إلا نكاح رغبة لحاجته إليها، ولا يقصد به التحليل، ويكون وطؤه لها وطأ مباحا : لا تكون صائمة ولا محرمة ولا في حيضتها، ويكون الزوج بالغا مسلما. وقال الشافعي : إذا أصابها بنكاح صحيح وغيب الحشفة في فرجها فقد ذاقا العسيلة، وسواء في ذلك قوي النكاح وضعيفه، وسواء أدخله بيده أم بيدها، وكان من صبي أو مراهق أو مجبوب بقي له ما يغيبه كما يغيب غير الخصي، وسواء أصابها الزوج محرمة أو صائمة، وهذا كله - على ما وصف الشافعي - قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي والحسن بن صالح، وقول بعض أصحاب مالك. 
الخامسة : قال ابن حبيب : وإن تزوجها فإن أعجبته أمسكها، وإلا كان قد احتسب في تحليلها الأجر لم يجز، لما خالط نكاحه من نية التحليل، ولا تحل بذلك للأول. 
السادسة : وطء السيد لأمته التي قد بت زوجها طلاقها لا يحلها، إذ ليس بزوج، روي عن علي بن أبي طالب، وهو قول عبيدة ومسروق والشعبي وإبراهيم وجابر بن زيد وسليمان بن يسار وحماد بن أبي سليمان وأبي الزناد، وعليه جماعة فقهاء الأمصار. ويروى عن عثمان وزيد بن ثابت والزبير خلاف ذلك، وأنه يحلها إذا غشيها سيدها غشيانا لا يريد بذلك مخادعة ولا إحلالا، وترجع إلى زوجها بخطبة وصداق. والقول الأول أصح، لقوله تعالى :" حتى تنكح زوجا غيره " والسيد إنما تسلط بملك اليمين وهذا واضح. 
السابعة : في موطأ مالك أنه بلغه أن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار سئلا عن رجل زوج عبدا له جارية له فطلقها العبد البتة ثم وهبها سيدها له هل تحل له بملك اليمين ؟ فقالا : لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره. 
الثامنة : روي عن مالك أنه سأل ابن شهاب عن رجل كانت تحته أمة مملوكة فاشتراها وقد كان طلقها واحدة، فقال : تحل له بملك يمينه ما لم يبت طلاقها، فإن بت طلاقها فلا تحل له بملك يمينه حتى تنكح زوجا غيره. قال أبو عمر : وعلى هذا جماعة العلماء وأئمة الفتوى : مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور. وكان ابن عباس وعطاء وطاوس والحسن يقولون :( إذا اشتراها الذي بت طلاقها حلت له بملك اليمين )، على عموم قوله عز وجل :" أو ما ملكت أيمانكم " [(٦)](#foonote-٦). قال أبو عمر : وهذا خطأ من القول، لأن قوله عز وجل :" أو ما ملكت أيمانكم " لا يبيح الأمهات ولا الأخوات، فكذلك سائر المحرمات. 
التاسعة : إذا طلق المسلم زوجته الذمية ثلاثا فنكحها ذمي ودخل بها ثم طلقها، فقالت طائفة : الذمي زوج لها، ولها أن ترجع إلى الأول، هكذا قال الحسن والزهري[(٧)](#foonote-٧) وسفيان الثوري[(٨)](#foonote-٨) والشافعي وأبو عبيد وأصحاب الرأي. قال ابن المنذر : وكذلك نقول ؛ لأن الله تعالى قال :" حتى تنكح زوجا غيره " والنصراني زوج. وقال مالك وربيعة : لا يحلها. 
العاشرة : النكاح الفاسد لا يحل المطلقة ثلاثا في قول الجمهور. مالك والثوري. والشافعي والأوزاعي وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد، كلهم يقولون : لا تحل للزوج الأول إلا بنكاح صحيح، وكان الحكم يقول : هو زوج. قال ابن المنذر : ليس بزوج ؛ لأن أحكام الأزواج في الظهار والإيلاء واللعان غير ثابتة بينهما. وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن المرأة إذا قالت للزوج الأول : قد تزوجت ودخل علي زوجي وصدقها أنها تحل للأول. قال الشافعي : والورع ألا يفعل إذا وقع في نفسه أنها كذبته. الحادية عشرة : جاء عن عمر بن الخطاب في هذا الباب تغليظ شديد وهو قوله :( لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما ). وقال ابن عمر : التحليل سفاح، ولا يزالون زانيين ولو أقاما عشرين سنة. قال أبو عمر : لا يحتمل قول عمر إلا التغليظ، لأنه قد صح عنه أنه وضع الحد عن الواطئ فرجا حراما قد جهل تحريمه وعذره بالجهالة، فالتأويل أولى بذلك ولا خلاف أنه لا رجم عليه. 
قوله تعالى :{ فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما ح

١ - راجع جـ٥ ص ١١٢..
٢ - في ز، وب: هذا..
٣ - في ب: أتبعها..
٤ - في ب وز: لزمنا مذهب سعيد..
٥ - في ب: عمرو، تصحيحا في الهامش..
٦ - راجع جـ٥ ص ٢٠..
٧ - الزيادة من ب و ز..
٨ - في بعض الأصول: ".. وسفيان والثوري، بواو العطف"..

### الآية 2:231

> ﻿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ۚ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [2:231]

**فيه ست مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" فبلغن أجلهن " معنى " بلغن " قاربن، بإجماع من العلماء، ولأن المعنى يضطر إلى ذلك، لأنه بعد بلوغ الأجل لا خيار له في الإمساك، وهو في الآية التي بعدها بمعنى التناهي ؛ لأن المعنى يقتضي ذلك، فهو حقيقة في الثانية مجاز في الأولى. 
الثانية : قوله تعالى :" فأمسكوهن بمعروف " الإمساك بالمعروف هو القيام بما يجب لها من حق على زوجها، ولذلك قال جماعة من العلماء : إن من الإمساك بالمعروف أن الزوج إذا لم يجد ما ينفق على الزوجة أن يطلقها، فإن لم يفعل خرج عن حد المعروف، فيطلق عليه الحاكم من أجل الضرر اللاحق لها من بقائها عند من لا يقدر على نفقتها، والجوع لا صبر عليه، وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد ويحيى القطان وعبدالرحمن بن مهدي، وقاله من الصحابة عمر وعلي وأبو هريرة، ومن التابعين سعيد بن المسيب وقال : إن ذلك سنة. ورواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقالت طائفة[(١)](#foonote-١) : لا يفرق بينهما، ويلزمها الصبر عليه، وتتعلق النفقة بذمته بحكم الحاكم، وهذا قول عطاء والزهري، وإليه ذهب الكوفيون والثوري، واحتجوا بقوله تعالى :" وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة " [(٢)](#foonote-٢) \[ البقرة : ٢٨٠ \] وقال :" وأنكحوا الأيامى منكم " [(٣)](#foonote-٣) \[ النور : ٣٢ \] الآية، فندب تعالى إلى إنكاح الفقير، فلا يجوز أن يكون الفقر سببا للفرقة، وهو مندوب معه إلى النكاح. وأيضا فإن النكاح بين الزوجين قد انعقد بإجماع فلا يفرق بينهما إلا بإجماع مثله، أو بسنة عن الرسول صلى الله عليه وسلم لا معارض لها. والحجة للأول قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري :( تقول المرأة إما أن تطعمني وإما أن تطلقني ) فهذا نص في موضع الخلاف. والفرقة بالإعسار عندنا طلقة رجعية خلافا للشافعي في قوله : إنها طلقة بائنة، لأن هذه فرقة بعد البناء لم يستكمل بها عدد الطلاق ولا كانت لعوض ولا لضرر بالزوج فكانت رجعية، أصله طلاق المولي. 
الثالثة : قوله تعالى :" أو سرحوهن بمعروف " يعني فطلقوهن، وقد تقدم. " ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا " روى مالك عن ثور بن زيد الديلي : أن الرجل كان يطلق امرأته ثم يراجعها ولا حاجة له بها ولا يريد إمساكها، كيما يطول بذلك العدة عليها وليضارها، فأنزل الله تعالى :" ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه " يعظهم الله به. وقال الزجاج :" فقد ظلم نفسه " يعني عرض نفسه للعذاب ؛ لأن إتيان ما نهى الله عنه تعرض لعذاب الله. وهذا الخبر موافق للخبر الذي نزل بترك ما كان عليه أهل الجاهلية من الطلاق والارتجاع حسب ما تقدم بيانه عند قوله تعالى :" الطلاق مرتان ". فأفادنا هذان الخبران أن نزول الآيتين المذكورتين كان في معنى واحد متقارب وذلك حبس الرجل المرأة ومراجعته لها قاصدا إلى الإضرار بها، وهذا ظاهر. 
الرابعة : قوله تعالى :" ولا تتخذوا آيات الله هزوا " معناه لا تتخذوا أحكام الله تعالى في طريق الهزو بالهزو[(٤)](#foonote-٤) فإنها جد كلها، فمن هزل[(٥)](#foonote-٥) فيها لزمته. قال أبو الدرداء : كان الرجل يطلق في الجاهلية ويقول : إنما طلقت وأنا لاعب، وكان يعتق وينكح ويقول : كنت لاعبا، فنزلت هذه الآية، فقال عليه السلام :( من طلق أو حرر أو نكح أو أنكح فزعم أنه لاعب فهو جد ). رواه معمر قال : حدثنا عيسى بن يونس عن عمرو عن الحسن عن أبي الدرداء فذكره بمعناه. وفي موطأ مالك أنه بلغه أن رجلا قال لابن عباس : إني طلقت امرأتي مائة مرة فماذا ترى علي ؟ فقال ابن عباس :( طلقت منك بثلاث، وسبع وتسعون اتخذت بها آيات الله هزوا ). وخرج الدارقطني من حديث إسماعيل بن أمية القرشي عن علي قال : سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا طلق البتة فغضب وقال :( تتخذون آيات الله هزوا - أو دين الله هزوا ولعبا من طلق البتة ألزمناه ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ). إسماعيل بن أمية هذا كوفي ضعيف الحديث. وروي عن عائشة :( أن الرجل كان يطلق امرأته ثم يقول : والله لا أورثك ولا أدعك. قالت : وكيف ذاك ؟ قال : إذا كدت تقضين عدتك راجعتك )، فنزلت :" ولا تتخذوا آيات الله هزوا ". قال علماؤنا : والأقوال كلها داخلة في معنى الآية، لأنه يقال لمن سخر من آيات الله : اتخذها هزوا. ويقال ذلك لمن كفر بها، ويقال ذلك لمن طرحها ولم يأخذ بها وعمل بغيرها، فعلى هذا تدخل هذه الأقوال في الآية. وآيات الله : دلائله وأمره ونهيه. 
الخامسة : ولا خلاف بين العلماء أن من طلق هازلا أن الطلاق يلزمه، واختلفوا في غيره على ما يأتي بيانه في " براءة " [(٦)](#foonote-٦) إن شاء الله تعالى. وخرج أبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة ). وروي عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وأبي الدرداء كلهم قالوا :( ثلاث لا لعب فيهن واللاعب فيهن جاد : النكاح والطلاق والعتاق ). وقيل : المعنى لا تتركوا أوامر الله فتكونوا مقصرين لاعبين. ويدخل في هذه الآية الاستغفار من الذنب قولا مع الإصرار فعلا، وكذا كل ما كان في هذا المعنى فاعلمه. 
السادسة : قوله تعالى :" واذكروا نعمة الله عليكم " أي بالإسلام وبيان الأحكام. " والحكمة " هي السنة المبينة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم مراد الله فيما لم ينص عليه في الكتاب. " يعظكم به " أي يخوفكم. " واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم " تقدم. 
١ - في ب: فرقة..
٢ - راجع جـ٣ ص ٣٧١..
٣ - راجع جـ١٢ ص ٢٣٩..
٤ - الزيادة في: ح..
٥ - في أكثر الأصول: هزأ وما أثبتناه في ب، و ز..
٦ - راجع ج٨ ص ١٩٧..

### الآية 2:232

> ﻿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [2:232]

**فيه أربع مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" فلا تعضلوهن " روي أن معقل بن يسار كانت أخته تحت أبي البدَّاح[(١)](#foonote-١) فطلقها وتركها حتى انقضت عدتها، ثم ندم فخطبها فرضيت وأبى أخوها أن يزوجها وقال : وجهي من وجهك حرام إن تزوجتيه. فنزلت الآية. قال مقاتل : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم معقلا فقال :( إن كنت مؤمنا فلا تمنع أختك عن أبي البداح ) فقال : آمنت بالله، وزوجها منه. وروى البخاري عن الحسن أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها حتى انقضت عدتها فخطبها فأبى معقل فنزلت :" فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن ". وأخرجه أيضا الدارقطني عن الحسن قال : حدثني معقل بن يسار قال : كانت لي أخت فخطبت إلي فكنت أمنعها الناس، فأتى ابن عم لي فخطبها فأنكحتها إياه، فاصطحبا ما شاء الله ثم طلقها طلاقا رجعيا ثم تركها حتى انقضت عدتها فخطبها مع الخطاب، فقلت : منعتها الناس وزوجتك إياها ثم طلقتها طلاقا له رجعة ثم تركتها حتى انقضت عدتها فلما خطبت إلي أتيتني تخطبها مع الخطاب لا أزوجك أبدا فأنزل الله، أو قال أنزلت :" وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن " فكفرت عن يمين وأنكحتها إياه. في رواية للبخاري : فحمي معقل من ذلك أنفا، وقال : خلى عنها وهو يقدر عليها ثم يخطبها فأنزل الله الآية، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه الآية فترك الحمية وانقاد لأمر الله تعالى. وقيل : هو معقل بن سنان ( بالنون ). قال النحاس : رواه الشافعي في كتبه عن معقل بن يسار أو سنان[(٢)](#foonote-٢). وقال الطحاوي : هو معقل بن سنان. 
الثانية : إذا ثبت هذا ففي الآية دليل على أنه لا يجوز النكاح بغير ولي لأن أخت معقل كانت ثيبا، ولو كان الأمر إليها دون وليها لزوجت نفسها، ولم تحتج إلى وليها معقل، فالخطاب إذا في قوله تعالى :" فلا تعضلوهن " للأولياء، وأن الأمر إليهم في التزويج مع رضاهن. وقد قيل : إن الخطاب في ذلك للأزواج، وذلك بأن يكون الارتجاع مضارة عضلا عن نكاح الغير بتطويل العدة عليها. واحتج بها أصحاب أبي حنيفة على أن تزوج المرأة نفسها قالوا : لأن الله تعالى أضاف ذلك إليها كما قال :" فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره " \[ البقرة : ٢٣٠ \] ولم يذكر الولي. وقد تقدم القول في هذه المسألة مستوفى. والأول أصح لما ذكرناه من سبب النزول. والله أعلم. 
الثالثة : قوله تعالى :" فإذا بلغن أجلهن " بلوغ الأجل في هذا الموضع : تناهيه، لأن ابتداء النكاح إنما يتصور بعد انقضاء العدة. و " تعضلوهن " معناه تحبسوهن. وحكى الخليل : دجاجة معضل : قد احتبس بيضها. وقيل : العضل التضييق والمنع وهو راجع إلى معنى الحبس، يقال : أردت أمرا فعضلتني عنه أي منعتني عنه وضيقت علي. وأعضل الأمر : إذا ضاقت عليك فيه الحيل، ومنه قولهم : إنه لعضلة من العضل إذا كان لا يقدر على وجه الحيلة فيه. وقال الأزهري : أصل العضل من قولهم : عضلت الناقة إذا نشب ولدها فلم يسهل خروجه، وعضلت الدجاجة : نشب بيضها. وفي حديث معاوية :( معضلة ولا أبا حسن )، أي مسألة صعبة ضيقة المخارج. وقال طاوس : لقد وردت عضل أقضية ما قام بها إلا ابن عباس. وكل مشكل عند العرب معضل، ومنه قول الشافعي :إذا المعضلاتُ تصدّينني  كشفتُ حقائقَها بالنَّظَرويقال : أعضل الأمر إذا اشتد. وداء عضال أي شديد عسر البرء أعيا الأطباء. وعضل فلان أيمه أي منعها، يعضُلها ويعضِلها ( بالضم والكسر ) لغتان. 
الرابعة : قوله تعالى :" ذلك يوعظ به من كان " ولم يقل " ذلكم " لأنه محمول على معنى الجمع. ولو كان " ذلكم " لجاز، مثل " ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم " أي ما لكم فيه من الصلاح. " وأنتم لا تعلمون " ذلك. 
١ - في الأصول: " أبى الدحداح" وهو تحريف..
٢ - ليس في ز، وب: أو سنان..

### الآية 2:233

> ﻿۞ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ۚ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ۗ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ۗ وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [2:233]

**فيه ثمان عشرة مسألة :**
الأولى : قوله تعالى :" والوالدات " ابتداء. " يرضعن أولادهن " في موضع الخبر. " حولين كاملين " ظرف زمان. ولما ذكر الله سبحانه النكاح والطلاق ذكر الولد، لأن الزوجين قد يفترقان وثم ولد، فالآية إذا في المطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن، قاله السدي والضحاك وغيرهما، أي هن أحق برضاع أولادهن من الأجنبيات لأنهن أحنى وأرق، وانتزاع الولد الصغير إضرار به وبها، وهذا يدل على أن الولد وإن فطم فالأم أحق بحضانته لفضل حنوها وشفقتها، وإنما تكون أحق بالحضانة إذا لم تتزوج على ما يأتي. وعلى هذا يشكل قوله :" وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف " لأن المطلقة لا تستحق الكسوة إذا لم تكن رجعية بل تستحق الأجرة إلا أن يحمل على مكارم الأخلاق فيقال : الأولى ألا تنقص الأجرة عما يكفيها لقوتها وكسوتها. وقيل : الآية عامة في المطلقات اللواتي لهن أولاد وفي الزوجات. والأظهر أنها في الزوجات في حال بقاء النكاح، لأنهن المستحقات للنفقة والكسوة، والزوجة تستحق النفقة والكسوة أرضعت أو لم ترضع، والنفقة والكسوة مقابلة التمكين، فإذا اشتغلت بالإرضاع لم يكمل التمكين، فقد يتوهم أن النفقة تسقط فأزال ذلك الوهم بقوله تعالى :" وعلى المولود له " أي الزوج " رزقهن وكسوتهن، في حال الرضاع لأنه اشتغال في مصالح الزوج، فصارت كما لو سافرت لحاجة الزوج بإذنه فإن النفقة لا تسقط. 
الثانية : قوله تعالى :" يرضعن " خبر معناه الأمر على الوجوب لبعض الوالدات، وعلى جهة الندب لبعضهن على ما يأتي. وقيل : هو خبر عن المشروعية كما تقدم. 
الثالثة : واختلف الناس في الرضاع هل هو حق للأم أو هو حق عليها، واللفظ محتمل لأنه لو أراد التصريح بكونه عليها لقال : وعلى الوالدات رضاع أولادهن كما قال تعالى :" وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن " ولكن هو عليها في حال[(١)](#foonote-١) الزوجية، وهو عرف يلزم إذ قد صار كالشرط، إلا أن تكون شريفة ذات ترفه[(٢)](#foonote-٢) فعرفها ألا ترضع وذلك كالشرط. وعليها إن لم يقبل الولد غيرها واجب. وهو عليها إذا عدم لاختصاصها به. فإن مات الأب ولا مال للصبي فمذهب مالك في المدونة أن الرضاع لازم للأم بخلاف النفقة. وفي كتاب ابن الجلاب : رضاعه في بيت المال. وقال عبد الوهاب : هو فقير من فقراء المسلمين. وأما المطلقة طلاق بينونة فلا رضاع عليها، والرضاع على الزوج إلا أن تشاء هي، فهي أحق بأجرة المثل، هذا مع يسر الزوج فإن كان معدما لم يلزمها الرضاع إلا أن يكون المولود لا يقبل غيرها فتجبر حينئذ على الإرضاع. وكل من يلزمها الإرضاع فإن أصابها عذر يمنعها منه عاد الإرضاع على الأب. وروي عن مالك أن الأب إذا كان معدما ولا مال للصبي أن الرضاع على الأم، فإن لم يكن لها لبن ولها مال فالإرضاع عليها في مالها. قال الشافعي : لا يلزم الرضاع إلا والدا أو جدا وإن علا، وسيأتي ما للعلماء في هذا عند قوله تعالى :" وعلى الوارث مثل ذلك ". يقال : رضع يرضع رضاعة ورضاعا، ورضع يرضع رضاعا ورضاعة ( بكسر الراء في الأول وفتحها في الثاني ) واسم الفاعل راضع فيهما. والرضاعة : اللؤم ( مفتوح الراء لا غير ). 
الرابعة : قوله تعالى :" حولين " أي سنتين، من حال الشيء إذا انقلب، فالحول منقلب من الوقت الأول إلى الثاني. وقيل : سمي العام حولا لاستحالة الأمور فيه في الأغلب. " كاملين " قيد بالكمال لأن القائل قد يقول : أقمت عند فلان حولين وهو يريد حولا[(٣)](#foonote-٣) وبعض حول آخر، قال الله تعالى :" فمن تعجل في يومين " \[ البقرة : ٢٠٣ \] وإنما يتعجل في يوم وبعض الثاني. وقوله تعالى :" لمن أراد أن يتم الرضاعة " دليل على أن إرضاع الحولين ليس حتما فإنه يجوز الفطام قبل الحولين، ولكنه تحديد لقطع[(٤)](#foonote-٤) التنازع بين الزوجين في مدة الرضاع، فلا يجب على الزوج إعطاء الأجرة لأكثر من حولين. وإن أراد الأب الفطم قبل هذه المدة ولم ترض الأم لم يكن له ذلك. والزيادة على الحولين أو النقصان إنما يكون[(٥)](#foonote-٥) عند عدم الإضرار بالمولود وعند رضا الوالدين. وقرأ مجاهد وابن محيصن " لمن أراد أن تتم الرضاعة " بفتح التاء ورفع " الرضاعة " على إسناد الفعل إليها. وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة والجارود بن أبي سبرة بكسر الراء من " الرضاعة " وهي لغة كالحضارة والحضارة. وروي عن مجاهد أنه قرأ " الرضعة " على وزن الفعلة. وروي عن ابن عباس أنه قرأ " أن يكمل الرضاعة ". النحاس : لا يعرف البصريون " الرضاعة " إلا بفتح الراء، ولا " الرضاع " إلا بكسر الراء، مثل القتال. وحكى الكوفيون كسر الراء مع الهاء وفتحها بغير هاء. 
الخامسة : انتزع مالك رحمه الله تعالى ومن تابعه وجماعة من العلماء من هذه الآية أن الرضاعة المحرمة الجارية مجرى النسب إنما هي ما كان في الحولين ؛ لأنه بانقضاء الحولين تمت الرضاعة، ولا رضاعة بعد الحولين معتبرة. هذا قوله في موطئه، وهي رواية محمد بن عبدالحكم عنه، وهو قول عمر وابن عباس، وروي عن ابن مسعود، وبه قال الزهري وقتادة والشعبي وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور. وروى ابن عبدالحكم عنه الحولين وزيادة أيام يسيرة. عبدالملك : كالشهر ونحوه. وروى ابن القاسم عن مالك أنه قال : الرضاع الحولين والشهرين بعد الحولين، وحكى عنه الوليد بن مسلم أنه قال : ما كان بعد الحولين من رضاع بشهر أو شهرين أو ثلاثة فهو من الحولين، وما كان بعد ذلك فهو عبث. وحكي عن النعمان أنه قال : وما كان بعد الحولين إلى ستة أشهر فهو رضاع، والصحيح الأول لقوله تعالى :" والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين " وهذا يدل على ألا حكم لما ارتضع المولود بعد الحولين. وروى سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا رضاع إلا ما كان في الحولين )[(٦)](#foonote-٦). قال الدارقطني : لم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل، وهو ثقة حافظ. قلت : وهذا الخبر مع الآية والمعنى، ينفي رضاعة الكبير وأنه لا حرمة له. وقد روي عن عائشة القول به. وبه يقول الليث بن سعد من بين العلماء. وروي عن أبي موسى الأشعري أنه كان يرى رضاع الكبير. وروي عنه الرجوع عنه. وسيأتي في سورة " النساء " مبينا إن شاء الله تعالى[(٧)](#foonote-٧). 
السادسة : قال جمهور المفسرين : إن هذين الحولين لكل ولد. وروي عن ابن عباس أنه قال : هي في الولد يمكث في البطن ستة أشهر، فإن مكث سبعة أشهر فرضاعه ثلاثة وعشرون شهرا، فإن مكث ثمانية أشهر فرضاعه اثنان وعشرون شهرا، فان مكث تسعة أشهر فرضاعه أحد وعشرون شهرا، لقوله تعالى :" وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " \[ الأحقاف : ١٥ \]. وعلى هذا تتداخل مدة الحمل ومدة الرضاع ويأخذ الواحد من الآخر. 
السابعة : قوله تعالى :" وعلى المولود له " أي وعلى الأب. ويجوز في العربية " وعلى المولود لهم " كقوله تعالى :" ومنهم من يستمعون إليك " [(٨)](#foonote-٨) \[ يونس : ٤٢ \] لأن المعنى وعلى الذي ولد له و " الذي " يعبر به عن الواحد والجمع كما تقدم. 
الثامنة : قوله تعالى :" رزقهن وكسوتهن " الرزق في هذا الحكم الطعام الكافي، وفي هذا دليل على وجوب نفقة الولد على الوالد[(٩)](#foonote-٩) لضعفه وعجزه. وسماه الله سبحانه للأم، لأن الغذاء يصل إليه بواسطتها في الرضاع كما قال :" وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن " [(١٠)](#foonote-١٠) \[ الطلاق : ٦ \] لأن الغذاء لا يصل إلا بسببها. 
وأجمع العلماء على أن على المرء نفقة ولده الأطفال الذين لا مال لهم. وقال صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة وقد قالت له : إن أبا سفيان رجل شحيح وإنه لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت من مال بغير علمه فهل علي في ذلك جناح ؟ فقال :( خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ). والكسوة : اللباس. وقوله :" بالمعروف " أي بالمتعارف في عرف الشرع من غير تفريط ولا إفراط. ثم بين تعالى أن الإنفاق على قدر غنى الزوج ومنصبها من غير تقدير مد ولا غيره بقوله تعالى :" لا تكلف نفس إلا وسعها " على ما يأتي بيانه في الطلاق إن شاء الله تعالى[(١١)](#foonote-١١). وقيل المعنى : أي لا تكلف المرأة الصبر على التقتير في الأجرة، ولا يكلف الزوج ما هو إسراف بل يراعى القصد. 
التاسعة : في هذه الآية دليل لمالك على أن الحضانة للأم، فهي في الغلام إلى البلوغ، وفي الجارية إلى النكاح، وذلك حق لها، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي : إذا بلغ الولد ثماني سنين وهو سن التمييز، خير بين أبويه، فإنه في تلك الحالة تتحرك همته لتعلم القرآن والأدب ووظائف العبادات، وذلك يستوي فيه الغلام والجارية. وروى النسائي وغيره عن أبي هريرة أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له : زوجي يريد أن يذهب بابني، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :( هذا أبوك وهذه أمك فخذ أيهما شئت ) فأخذ بيد أمه. وفي كتاب أبي داود عن أبي هريرة قال : جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا قاعد عنده فقالت : يا رسول الله، إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عِنَبَة[(١٢)](#foonote-١٢)، وقد نفعني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( استهما عليه ) فقال زوجها : من يحاقّنِي في ولدي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أحدهما شئت ) فأخذ بيد أمه فانطلقت به. ودليلنا ما رواه أبو داود عن الأوزاعي قال : حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبدالله بن عمرو أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أنت أحق به ما لم تنكحي ). قال ابن المنذر : أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الزوجين إذا افترقا ولهما ولد أن الأم أحق به ما لم تنكح. وكذا قال أبو عمر : لا أعلم خلافا بين السلف من العلماء في المرأة المطلقة إذا لم تتزوج أنها أحق بولدها من أبيه ما دام طفلا صغيرا لا يميز شيئا إذا كان عندها في حرز وكفاية ولم يثبت فيها فسق ولا تبرج. ثم اختلفوا بعد ذلك في تخييره إذا ميز وعقل بين أبيه وأمه وفيمن هو أولى به، قال ابن المنذر : وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في ابنة حمزة للخالة من غير تخيير. روى أبو داود عن علي قال : خرج زيد بن حارثة إلى مكة فقدم بابنة حمزة، فقال جعفر : أنا آخذها أنا أحق بها، ابنة عمي وخالتها عندي والخالة أم. فقال علي : أنا أحق بها : ابنة عمي وعندي ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي أحق بها. فقال زيد : أنا أحق بها، أنا خرجت إليها وسافرت وقدمت بها. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فذكر حديثا قال :( وأما الجارية فأقضي بها لجعفر تكون مع خالتها وإنما الخالة أم ). 
العاشرة : قال ابن المنذر : وقد أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على ألا حق للأم في الولد إذا تزوجت. 
قلت : كذا قال في كتاب الأشراف له. وذكر القاضي عبدالوهاب في شرح الرسالة له عن الحسن أنه لا يسقط حقها من الحضانة بالتزوج. وأجمع مالك والشافعي والنعمان وأبو ثور على أن الجدة أم الأم أحق بحضانة الولد. واختلفوا إذا لم يكن لها أم وكان لها جدة هي أم الأب، فقال مالك : أم الأب أحق إذا لم يكن ١ - في ب، و ز و هـ: في حق الزوجة..
٢ - في ب: ذات محل. أي ذات مكانة..
٣ - في ب، وهي: يعنى..
٤ - ب: يقطع..
٥ - في ب، و ز و هـ: إنما يجوز..
٦ - يؤيد هذا ما رواه ابن ماجه عنه عليه الصلاة والسلام "لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء"..
٧ - راجع جـ٥ ص ١٠٩..
٨ - راجع جـ٨ ص ٣٤٦..
٩ - في ب: الوالد على الولد، والذي هو مثبت هو ما في سائر الأصول والبحر والأحكام لابن العربي..
١٠ - راجع جـ١٨ ص ١٦٨..
١١ - راجع جـ١٨ ص ١٧٢..
١٢ - بئر أبي عنبة، بئر بالمدينة عندها عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه حين سار إلى بدر. النهاية..

### الآية 2:234

> ﻿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ۖ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [2:234]

**فيه خمس وعشرون مسألة :**
الأولى : قوله تعالى :" والذين يتوفون منكم " لما ذكر عز وجل عدة الطلاق واتصل بذكرها ذكر الإرضاع، ذكر عدة الوفاة أيضا ؛ لئلا يتوهم أن عدة الوفاة مثل عدة الطلاق. " والذين " أي والرجال الذين يموتون منكم. " ويذرون أزواجا " أي يتركون أزواجا، أي ولهم زوجات، فالزوجات " يتربصن "، قال معناه الزجاج واختاره النحاس. وحذف المبتدأ في الكلام كثير، كقوله تعالى :" قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار " [(١)](#foonote-١) \[ الحج : ٧٢ \] أي هو النار. وقال أبو علي الفارسي : تقديره والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بعدهم ؛ وهو كقولك : السمن منوان بدرهم، أي منوان منه بدرهم. وقيل : التقدير وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن، فجاءت العبارة في غاية الإيجاز وحكى المهدوي عن سيبويه أن المعنى : وفيما يتلى عليكم الذين يتوفون. وقال بعض نحاة الكوفة : الخبر عن " الذين " متروك، والقصد الإخبار عن أزواجهم بأنهن يتربصن، وهذا اللفظ معناه الخبر عن المشروعية في أحد الوجهين كما تقدم. 
الثانية : هذه الآية في عدة المتوفى عنها زوجها، وظاهرها العموم ومعناها الخصوص. وحكى المهدوي عن بعض العلماء أن الآية تناولت الحوامل ثم نسخ ذلك بقوله " وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن " [(٢)](#foonote-٢) \[ الطلاق : ٤ \]. وأكثر العلماء على أن هذه الآية ناسخة لقوله عز وجل :" والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج " \[ البقرة : ٢٤٠ \] لأن الناس أقاموا برهة من الإسلام[(٣)](#foonote-٣) إذا توفى الرجل وخلف امرأته حاملا أوصى لها زوجها بنفقة سنة وبالسكنى ما لم تخرج فتتزوج، ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر وبالميراث. وقال قوم : ليس في هذا نسخ وإنما هو نقصان من الحول ؛ كصلاة المسافر لما نقصت من الأربع إلى الاثنتين لم يكن هذا نسخا. وهذا غلط بين ؛ لأنه إذا كان حكمها أن تعتد سنة إذا لم تخرج، فإن خرجت لم تمنع، ثم أزيل هذا ولزمتها العدة أربعة أشهر وعشرا. وهذا هو النسخ، وليست صلاة المسافر من هذا في شيء. وقد قالت عائشة رضي الله عنها : فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر بحالها، وسيأتي[(٤)](#foonote-٤). 
الثالثة : عدة الحامل المتوفى عنها زوجها وضع حملها عند جمهور العلماء. وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس أن تمام عدتها آخر الأجلين، واختاره سحنون من علمائنا وقد روي عن[(٥)](#foonote-٥) ابن عباس أنه رجع عن هذا. والحجة لما روي عن على وابن عباس روم الجمع بين قوله تعالى :" والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا " وبين قوله :" وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن " \[ الطلاق : ٤ \] وذلك أنها إذا قعدت أقصى الأجلين فقد عملت بمقتضى الآيتين، وإن اعتدت بوضع الحمل فقد تركت العمل بآية عدة الوفاة، والجمع أولى من الترجيح باتفاق أهل الأصول. وهذا نظر حسن لولا ما يعكر عليه من حديث سبيعة الأسلمية وأنها نفست بعد وفاة زوجها بليال، وأنها ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها أن تتزوج ؛ أخرجه في الصحيح. فبين الحديث أن قوله تعالى :" وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن " محمول على عمومه في المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهن، وأن عدة الوفاة مختصة بالحائل من الصنفين، ويعتضد هذا بقول ابن مسعود : ومن شاء باهلته أن آية النساء القصرى نزلت بعد آية عدة الوفاة. قال علماؤنا : وظاهر كلامه أنها ناسخة لها وليس ذلك مراده. والله أعلم. وإنما يعني أنها مخصصة لها، فإنها أخرجت منها بعض متناولاتها. وكذلك حديث سبيعة متأخر عن عدة الوفاة ؛ لأن قصة سبيعة كانت بعد حجة الوداع، وزوجها هو سعد بن خولة وهو من بني عامر بن لؤي وهو ممن شهد بدرا، توفي بمكة حينئذ وهي حامل، وهو الذي رثى له رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن توفي بمكة، وولدت بعده بنصف شهر. وقال البخاري : بأربعين ليلة. وروى مسلم من حديث عمر بن عبدالله بن الأرقم أن سبيعة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك قالت : فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزوج إن بدا لي. قال ابن شهاب : ولا أرى بأسا أن تتزوج حين وضعت وإن كانت في دمها، غير أن زوجها لا يقربها حتى تطهر ؛ وعلى هذا جمهور العلماء وأئمة الفقهاء. وقال الحسن والشعبي والنخعي وحماد : لا تنكح النفساء ما دامت في دم نفاسها. فاشترطوا شرطين : وضع الحمل، والطهر من دم النفاس. والحديث حجة عليهم، ولا حجة لهم في قوله :( فلما تَعَلَّتْ[(٦)](#foonote-٦) من نفاسها تجملت للخطاب ) كما في صحيح مسلم وأبي داود ؛ لأن ( تعلت ) وإن كان أصله، طهرت من دم نفاسها على ما قاله الخليل - فيحتمل أن يكون المراد به ههنا تعلت من آلام نفاسها، أي استقلت من أوجاعها. ولو سلم أن معناه ما قال الخليل فلا حجة فيه، وإنما الحجة في قوله عليه السلام لسبيعة :( قد حللت حين وضعت ) فأوقع الحل في حين الوضع وعلقه عليه، ولم يقل إذا انقطع دمك ولا إذا طهرت، فصح ما قاله الجمهور. 
الرابعة : ولا خلاف بين العلماء على أن أجل كل حامل مطلقة يملك الزوج رجعتها أو لا يملك، حرة كانت أو أمة أو مدبرة أو مكاتبة أن تضع حملها. واختلفوا في أجل الحامل المتوفى عنها كما تقدم، وقد أجمع الجميع بلا خلاف بينهم أن رجلا لو توفي وترك امرأة حاملا فانقضت أربعة أشهر وعشر أنها لا تحل حتى تلد، فعلم أن المقصود الولادة. 
الخامسة : قوله تعالى :" يتربصن " التربص : التأني والتصبر عن النكاح، وترك الخروج عن مسكن النكاح وذلك بألا تفارقه ليلا. ولم يذكر الله تعالى السكنى للمتوفى عنها في كتابه كما ذكرها للمطلقة بقوله تعالى :" أسكنوهن " وليس في لفظ العدة في كتاب الله تعالى ما يدل على الإحداد، وإنما قال :" يتربصن " فبينت السنة جميع ذلك. والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم متظاهرة بأن التربص في الوفاة إنما هو بإحداد، وهو الامتناع عن الزينة ولبس المصبوغ الجميل والطيب ونحوه، وهذا قول جمهور العلماء. وقال الحسن بن أبي الحسن : ليس الإحداد بشيء، إنما تتربص عن الزوج، ولها أن تتزين وتتطيب، وهذا ضعيف لأنه خلاف السنة على ما نبينه إن شاء الله تعالى. وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للفريعة بنت مالك بن سنان وكانت متوفى عنها :( امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله ) قالت : فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا، وهذا حديث ثابت أخرجه مالك عن سعيد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، رواه عنه مالك والثوري ووهيب[(٧)](#foonote-٧) بن خالد وحماد بن زيد وعيسى بن يونس وعدد كثير وابن عيينة والقطان وشعبة، وقد رواه مالك عن ابن شهاب، وحسبك، قال الباجي : لم يرو عنه غيره، وقد أخذ به عثمان بن عفان. قال أبو عمر : وقضى به في اعتداد المتوفى عنها في بيتها، وهو حديث معروف مشهور عند علماء الحجاز والعراق أن المتوفى عنها زوجها عليها أن تعتد في بيتها ولا تخرج عنه، وهو قول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق ومصر. وكان داود يذهب إلى أن المتوفى عنها زوجها ليس عليها أن تعتد في بيتها وتعتد حيث شاءت ؛ لأن السكنى إنما ورد به القرآن في المطلقات، ومن حجته أن المسألة مسألة خلاف. قالوا : وهذا الحديث إنما ترويه امرأة غير معروفة بحمل العلم ؛ وإيجاب السكنى إيجاب حكم، والأحكام لا تجب إلا بنص كتاب الله أو سنة أو إجماع. قال أبو عمر : أما السنة فثابتة بحمد الله، وأما الإجماع فمستغنى عنه بالسنة ؛ لأن الاختلاف إذا نزل في مسألة كانت الحجة في قول من وافقته السنة، وبالله التوفيق : وروي عن علي وابن عباس وجابر وعائشة مثل قول داود، وبه قال جابر بن زيد وعطاء والحسن البصري. قال ابن عباس : إنما قال الله تعالى :" يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا " ولم يقل يعتددن في بيوتهن، ولتعتد حيث شاءت ؛ وروي عن أبي حنيفة. وذكر عبدالرزاق قال : حدثنا[(٨)](#foonote-٨) معمر عن الزهري عن عروة قال : خرجت عائشة بأختها أم كلثوم - حين قتل عنها زوجها طلحة بن عبيدالله - إلى مكة في عمرة، وكانت تفتي المتوفى عنها زوجها[(٩)](#foonote-٩) بالخروج في عدتها. قال :[(١٠)](#foonote-١٠)وحدثنا الثوري عن عبيدالله بن عمر أنه سمع القاسم بن محمد يقول : أبى الناس ذلك عليها. قال : و[(١١)](#foonote-١١)حدثنا معمر عن الزهري قال : أخذ المترخصون في المتوفى عنها زوجها بقول عائشة، وأخذ أهل الورع والعزم بقول ابن عمر. وفي الموطأ : أن عمر بن الخطاب كان يرد المتوفى عنهن أزواجهن من البيداء يمنعهن الحج. وهذا من عمر رضي الله عنه اجتهاد ؛ لأنه كان يرى اعتداد المرأة في منزل زوجها المتوفى عنها لازما لها ؛ وهو مقتضى القرآن والسنة، فلا يجوز لها أن تخرج في حج ولا عمرة حتى تنقضي عدتها. وقال مالك : ترد ما لم تحرم. 
السادسة : إذا كان الزوج يملك رقبة المسكن فإن للزوجة العدة فيه، وعليه أكثر الفقهاء : مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم لحديث الفريعة. وهل يجوز بيع الدار، إذا كانت ملكا للمتوفى وأراد ذلك الورثة، فالذي عليه جمهور أصحابنا أن ذلك جائز، ويشترط فيه العدة للمرأة. قال ابن القاسم : لأنها أحق بالسكنى من الغرماء. وقال محمد بن الحكم : البيع فاسد ؛ لأنها قد ترتاب فتمتد عدتها. وجه قول ابن القاسم : أن الغالب السلامة، والريبة نادرة وذلك لا يؤثر في فساد العقود، فإن وقع البيع فيه بهذا الشرط فارتابت، قال مالك في كتاب محمد : هي أحق بالمقام حتى تنقضي الريبة، وأحب إلينا أن يكون للمشتري الخيار في فسخ البيع أو إمضائه ولا يرجع بشيء ؛ لأنه دخل على العدة المعتادة، ولو وقع البيع بشرط زوال الريبة كان فاسدا. وقال سحنون : لا حجة للمشترى وإن تمادت الريبة إلى خمس سنين ؛ لأنه دخل على العدة والعدة قد تكون خمس سنين، ونحو هذا روى أبو زيد عن ابن القاسم. 
السابعة : فإن كان للزوج السكنى دون الرقبة، فلها السكنى في مدة العدة، خلافا لأبي حنيفة والشافعي ؛ لقوله عليه السلام للفريعة - وقد علم أن زوجها لا يملك رقبة المسكن - :( امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله ). لا يقال إن المنزل كان لها، فلذلك قال لها :( امكثي في بيتك ) فإن معمرا روى عن الزهري أنها ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم أن زوجها قتل، وأنه تركها في مسكن ليس لها واستأذنته، وذكر الحديث. ولنا من جهة المعنى أنه ترك دارا يملك سكناها ملكا لا تبعة عليه فيه، فلزم أن تعتد الزوجة فيه ؛ أصل ذلك إذا ملك رقبتها. 
الثامنة : وهذا إذا كان قد أدى الكراء، وأما إذا كان لم يؤد الكراء فالذي في المدونة : إنه لا سكنى لها في مال الميت وإن كان موسرا ؛ لأن حقها إنما يتعلق بما يملكه من السكنى ملكا تاما، وما لم ينقد عوضه لم يملكه ملكا تاما، وإنما ملك العوض الذي بيده، ولا حق في ذلك للزوجة إلا بالميراث دون السكنى ؛ لأن ذلك مال وليس بسكنى. وروى محمد عن مالك أن الكراء لازم للميت في ماله. 
التاسعة : قوله صلى الله عليه وسلم للفريعة :( امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله ) يحتمل أنه أمرها بذلك لما كان زوجها قد أدى كراء المسكن، أو كان أسكن فيه إلى وفاته، أو أن أهل المنزل أباحوا لها العدة فيه بكراء أو غير كراء، أو ما شاء الله تعالى من ذلك مما رأى به أن المقام لازم لها فيه حتى تنقضي عدت١ - راجع جـ١٢ ص ٩٥..
٢ - راجع جـ١٨ ص ١٦٢..
٣ - في هـ: برهة من الزمان..
٤ - راجع جـ٥ ص ٣٥١..
٥ - في هـ: أن ابن عباس..
٦ - قال ابن الأثير: ويروى "تعالت" أي ارتفعت وطهرت، ويجوز أن يكون من قولهم: تعلى الرجل من علته إذا برأ أي خرجت من نفاسها وسلمت. مسلم جـ٤ ص ٢٠١..
٧ - في الأصول: "وهب" والتصويب عن شرح الموطأ وتهذيب التهذيب..
٨ - في ب: أخبرنا..
٩ - في ب..
١٠ - في ب وهـ: أخبرنا..
١١ - في هـ و ب: أخبرنا..

### الآية 2:235

> ﻿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ ۚ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا ۚ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [2:235]

قوله تعالى : ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء إلى قوله معروفا  فيه تسع مسائل :
الأولى : قوله تعالى :" ولا جناح " أي لا إثم، والجناح الإثم، وهو أصح في الشرع وقيل : بل هو الأمر الشاق، وهو أصح في اللغة، قال الشماخ :

إذا تعلو براكبها خليجا  تذكِّر ما لديه من الجُنَاحِوقوله تعالى :" عليكم فيما عرضتم به " المخاطبة لجميع الناس، والمراد بحكمها هو الرجل الذي في نفسه تزوج معتدة، أي لا وزر عليكم في التعريض بالخطبة في عدة الوفاة. والتعريض : ضد التصريح، وهو إفهام المعنى بالشيء المحتمل له ولغيره وهو من عرض الشيء وهو جانبه، كأنه يحوم به على الشيء ولا يظهره. وقيل : هو من قولك عرضت الرجل، أي أهديت إليه تحفة، وفي الحديث : أن ركبا من المسلمين عرضوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثيابا بيضا ؛ أي : أهدوا لهما. فالمعرض بالكلام يوصل إلى صاحبه كلاما يفهم معناه. 
الثانية : قال ابن عطية : أجمعت الأمة على أن الكلام مع المعتدة بما هو نص في تزوجها وتنبيه عليه لا يجوز، وكذلك أجمعت الأمة على أن الكلام معها بما هو رفث وذكر جماع أو تحريض عليه لا يجوز، وكذلك ما أشبهه، وجوز ما عدا ذلك. ومن أعظمه قربا إلى التصريح قول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس :( كوني عند أم شريك ولا تسبقيني بنفسك ). ولا يجوز التعريض لخطبة الرجعية إجماعا لأنها كالزوجة. وأما من كانت في عدة البينونة فالصحيح جواز التعريض لخطبتها والله أعلم. وروي في تفسير التعريض ألفاظ كثيرة جماعها يرجع إلى قسمين : الأول : أن يذكرها لوليها يقول له لا تسبقني بها. والثاني : أن يشير بذلك إليها دون واسطة، فيقول لها : إني أريد التزويج، أو إنك لجميلة، إنك لصالحة، إن الله لسائق إليك خيرا، إني فيك لراغب، ومن يرغب عنك، إنك لنافقة[(١)](#foonote-١)، وإن حاجتي في النساء، وإن يقدر الله أمرا يكن. هذا هو تمثيل مالك وابن شهاب. وقال ابن عباس : لا بأس أن يقول : لا تسبقيني بنفسك، ولا بأس أن يهدي إليها، وأن يقوم بشغلها في العدة إذا كانت من شأنه، قاله إبراهيم. 
وجائز أن يمدح نفسه ويذكر مآثره على وجه التعريض بالزواج، وقد فعله أبو جعفر محمد بن علي بن حسين، قالت سكينة بنت حنظلة استأذن علي محمد بن علي ولم تنقض عدتي من مهلك زوجي فقال : قد عرفت قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابتي من علي وموضعي في العرب. قلت : غفر الله لك يا أبا جعفر، إنك رجل يؤخذ عنك، تخطبني في عدتي، قال : إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن علي. وقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة وهي متأيمة من أبى سلمة فقال :( لقد علمت أني رسول الله وخيرته وموضعي في قومي ) كانت تلك خطبة، أخرجه الدارقطني. والهدية إلى المعتدة جائزة، وهي من التعريض. قاله سحنون وكثير من العلماء وقاله إبراهيم. وكره مجاهد أن يقول لها : لا تسبقيني بنفسك ورآه من المواعدة سرا. قال القاضي أبو محمد بن عطية : وهذا عندي على أن يتأول قول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة أنه على جهة الرأي لها فيمن يتزوجها لا أنه أرادها لنفسه وإلا فهو خلاف لقول النبي صلى الله عليه وسلم. 
الثالثة : قوله تعالى :" من خطبة النساء " الخطبة ( بكسر الخاء ) : فعل الخاطب من كلام وقصد واستلطاف بفعل أو قول. يقال : خطبها يخطبها خطبا وخطبة. ورجل خطاب كثير التصرف في الخطبة، ومنه قول الشاعر :بَرَّحَ بالعينين خَطَّابُ الكُثَبْ  يقول إني خاطب وقد كذبوإنما يخطب عُسّاً من حَلَبْ[(٢)](#foonote-٢)\*
والخطيب : الخاطب. والخطيبى : الخطبة. قال : عدي بن زيد يذكر قصد جذيمة الأبرش لخطبة الزباء :لِخَطِيبَيّ التي غَدَرَتْ وخانت  وهن ذواتُ غائلةٍ لُحِينَاوالخِطْبُ : الرجل الذي يخطب المرأة. ويقال أيضا : هي خطبه وخطبته التي يخطبها. والخطبة فعلة كجلسة وقعدة : والخطبة ( بضم الخاء ) هي الكلام الذي يقال في النكاح وغيره. قال النحاس : والخطبة ما كان لها أول وآخر، وكذا ما كان على فعلة نحو الأكلة والضغطة. 
الرابعة : قوله تعالى :" أو أكننتم في أنفسكم " معناه سترتم وأضمرتم من التزوج بها بعد انقضاء عدتها. والإكنان : الستر[(٣)](#foonote-٣) والإخفاء. يقال : كننته وأكننته بمعنى واحد. وقيل : كننته أي صنته حتى لا تصيبه آفة وإن لم يكن مستورا، ومنه بيض مكنون ودر مكنون. وأكننته أسررته وسترته. وقيل : كننت الشيء ( من الأجرام ) إذا سترته بثوب أو بيت أو أرض ونحوه. وأكننت الأمر في نفسي. ولم يسمع من العرب " كننته في نفسي ". ويقال : أكن البيت الإنسان، ونحو هذا. فرفع الله الجناح عمن أراد تزوج المعتدة مع التعريض ومع الإكنان، ونهى عن المواعدة التي هي تصريح بالتزويج وبناء عليه واتفاق على وعد. ورخص لعلمه تعالى بغلبة النفوس وطمحها[(٤)](#foonote-٤) وضعف البشر عن ملكها. 
الخامسة : استدلت الشافعية بهذه الآية على أن التعريض لا يجب فيه حد. وقالوا : لما رفع الله تعالى الحرج في التعريض في النكاح دل على أن التعريض بالقذف لا يوجب الحد ؛ لأن الله سبحانه لم يجعل التعريض في النكاح مقام التصريح. قلنا : هذا ساقط لأن الله سبحانه وتعالى لم يأذن في التصريح بالنكاح في الخطبة، وأذن في التعريض الذي يفهم منه النكاح، فهذا دليل على أن التعريض يفهم منه القذف، والأعراض يجب صيانتها، وذلك يوجب حد المعرض ؛ لئلا يتطرق[(٥)](#foonote-٥) الفسقة إلى أخذ الأعراض بالتعريض الذي يفهم منه ما يفهم بالتصريح. 
السادسة : قوله تعالى :" علم الله أنكم ستذكرونهن " أي إما سرا وإما إعلانا في نفوسكم وبألسنتكم، فرخص في التعريض دون التصريح. الحسن : معناه ستخطبونهن. 
السابعة : قوله تعالى :" ولكن لا تواعدوهن سرا " أي : على سر فحذف الحرف ؛ لأنه مما يتعدى إلى مفعولين أحدهما بحرف جر. 
واختلف العلماء في معنى قوله تعالى :" سرا " فقيل : معناه نكاحا، أي لا يقل الرجل لهذه المعتدة تزوجيني، بل يعرض إن أراد، ولا يأخذ ميثاقها وعهدها ألا تنكح غيره في استسرار وخفية، هذا قول ابن عباس وابن جبير ومالك وأصحابه والشعبي ومجاهد وعكرمة والسدي وجمهور أهل العلم. " وسرا " على هذا التأويل نصب على الحال، أي مستسرين. وقيل : السر الزنا، أي لا يكونن منكم مواعدة على الزنا في العدة ثم التزوج بعدها. قال معناه جابر بن زيد وأبو مجلز لاحق بن حميد، والحسن وقتادة والنخعي والضحاك، وأن السر في هذه الآية الزنا، أي لا تواعدوهن زنا، واختاره الطبري، ومنه قول الأعشى :فلا تقربنّ جارةً إن سرها  عليك حرام فأنكِحَنْ أو تَأبَّدَا**وقال الحطيئة :**ويحرم سِرُّ جارتهم عليهم  ويأكل جارُهم أنفَ القِصَاعوقيل : السر الجماع، أي لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع ترغيبا لهن في النكاح فإن ذكر الجماع مع غير الزوج فحش، هذا قول الشافعي. وقال امرؤ القيس :ألا زعمت بَسْبَاسَةُ اليوم أنني  كبرت وألا يحسن السِّرَّ أمثالي**وقال رؤبة :**
فكُف عن إسرارها بعد العَسَقْ
أي كف عن جماعها بعد ملازمته لذلك. وقد يكون السر عقدة النكاح، سرا كان أو جهرا، قال الأعشى :فلن يطلبوا سرها للغنى  ولن يُسْلِمُوها لإزهادهاوأراد أن يطلبوا نكاحها لكثرة مالها، ولن يسلموها لقلة مالها. وقال ابن زيد : معنى قوله " ولكن لا تواعدوهن سرا " أن لا تنكحوهن وتكتمون ذلك، فإذا حلت أظهرتموه ودخلتم بهن، وهذا هو معنى القول الأول، فابن زيد على هذا قائل بالقول الأول، وإنما شذ في أن سمى العقد مواعدة، وذلك قلق. وحكى مكي والثعلبي عنه أنه قال : الآية منسوخة بقوله تعالى :" ولا تعزموا عقدة النكاح ". 
الثامنة : قال القاضي أبو محمد بن عطية : أجمعت الأمة على كراهة المواعدة في العدة للمرأة في نفسها، وللأب في ابنته البكر، وللسيد في أمته. قال ابن المواز : وأما الولي الذي لا يملك الجبر فأكرهه وإن نزل لم أفسخه. وقال مالك رحمه الله فيمن يواعد في العدة ثم يتزوج بعدها : فراقها أحب إلي، دخل بها أو لم يدخل، وتكون تطليقة واحدة، فإذا حلت خطبها مع الخطاب، هذه رواية ابن وهب. وروى أشهب عن مالك أنه يفرق بينهما إيجابا، وقاله ابن القاسم. وحكى ابن الحارث مثله عن ابن الماجشون، وزاد ما يقتضي أن التحريم يتأبد. وقال الشافعي : إن صرح بالخطبة وصرحت له بالإجابة ولم يعقد النكاح حتى تنقضي العدة فالنكاح ثابت والتصريح لها مكروه لأن النكاح حادث بعد الخطبة. قاله ابن المنذر. 
التاسعة : قوله تعالى :" إلا أن تقولوا قولا معروفا " استثناء منقطع بمعنى لكن، كقوله " إلا خطأ " \[ النساء : ٩٢ \] أي لكن خطأ. والقول المعروف هو ما أبيح من التعريض. وقد ذكر الضحاك أن من القول المعروف أن يقول للمعتدة : احبسي علي نفسك فإن لي بك رغبة، فتقول هي : وأنا مثل ذلك، وهذا شبه المواعدة. 
قوله تعالى : ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله  فيه تسع مسائل :
الأولى : قوله تعالى :" ولا تعزموا عقدة النكاح " قد تقدم القول في معنى العزم، يقال : عزم الشيء وعزم عليه. والمعنى هنا : ولا تعزموا على عقدة النكاح. ومن الأمر البين أن القرآن أفصح كلام، فما ورد فيه فلا معترض عليه، ولا يشك في صحته وفصاحته، وقد قال الله تعالى :" وإن عزموا الطلاق " \[ البقرة : ٢٢٧ \] وقال هنا :" ولا تعزموا عقدة النكاح " والمعنى : لا تعزموا على عقدة النكاح في زمان العدة ثم حذف على ما تقدم. وحكى سيبويه : ضرب فلان الظهر والبطن، أي على. قال سيبويه : والحذف في هذه الأشياء لا يقاس عليه. قال النحاس : ويجوز أن يكون " ولا تعقدوا عقدة النكاح " ؛ لأن معنى " تعزموا " وتعقدوا واحد. ويقال :" تعزموا " بضم الزاي. 
الثانية : قوله تعالى :" حتى يبلغ الكتاب أجله " يريد تمام العدة. والكتاب هنا هو الحد الذي جعل والقدر الذي رسم من المدة، سماها كتابا إذ قد حده وفرضه كتاب الله كما قال " كتاب الله عليكم " [(٦)](#foonote-٦) وكما قال :" إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا " \[ النساء : ١٠٣ \]. فالكتاب : الفرض، أي حتى يبلغ الفرض أجله، " كتب عليكم الصيام " \[ البقرة : ١٨٣ \] أي فرض. وقيل : ، في الكلام حذف، أي حتى يبلغ فرض الكتاب أجله، فالكتاب على هذا التأويل بمعنى القرآن. وعلى الأول لا حذف فهو أولى، والله أعلم. 
الثالثة : حرم الله تعالى عقد النكاح في العدة بقوله تعالى :" ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله " وهذا من المحكم المجمع على تأويله، أن بلوغ أجله انقضاء العدة. وأباح التعريض في العدة بقوله :" ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء " الآية. ولم يختلف العلماء في إباحة ذلك، واختلفوا في ألفاظ التعريض على ما تقدم. واختلفوا في الرجل يخطب امرأة في عدتها جاهلا، أو يواعدها ويعقد بعد العدة ؛ وقد تقدم هذا في الآية التي قبلها. واختلفوا إن عزم العقدة في العدة وعثر عليه ففسخ الحاكم نكاحه، وذلك قبل الدخول وهي :
الرابعة : فقول عمر بن الخطاب وجماعة من العلماء أن ذلك لا يؤبد تحريما، وأنه يكون خاطبا من الخطاب، وقاله مالك وابن القاسم في المدونة في آخر الباب الذي يليه \[ ضرب أجل المفقود \]. وحكى ابن الجلاب١ - نفقت الأيم: إذا كثر خطابها ورغب فيها..
٢ - الكثب بضم ففتح: جمع كثبة، وهي كل قليل جمعته من طعام أو لبن أو غير ذلك. والعس (بضم العين): القدح الضخم، يريد أن الرجل يجيء بعلة الخطبة وهو يريد القرى. قال ابن الأعرابي: يقال للرجل إذا جاء يطلب القرى بعلة الخطبة: إنه ليخطب كثبة. (عن اللسان)..
٣ - في جـ: السر..
٤ - في ب وهـ: طمحانها..
٥ - في ب: يتعرض..
٦ - راجع جـ٥ ص ٣١١ و ص ١٢٣ و ص ٣٧٣..

### الآية 2:236

> ﻿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [2:236]

فيه إحدى عشرة مسائل : قوله تعالى :" لا جناح عليكم إن طلقتم النساء " هذا أيضا من أحكام المطلقات، وهو ابتداء إخبار برفع الحرج عن المطلق قبل البناء والجماع، فرض مهرا أو لم يفرض، ولما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التزوج لمعنى الذوق وقضاء الشهوة، وأمر بالتزوج لطلب العصمة والتماس ثواب الله وقصد دوام الصحبة وقع في نفوس المؤمنين أن من طلق قبل البناء قد واقع جزءا من هذا المكروه فنزلت الآية رافعة للجناح في ذلك إذا كان أصل النكاح على المقصد الحسن. وقال قوم :" لا جناح عليكم " معناه لا طلب لجميع المهر بل عليكم نصف المفروض لمن فرض لها، والمتعة لمن لم يفرض لها. وقيل : لما كان أمر المهر مؤكدا في الشرع فقد يتوهم أنه لا بد من مهر إما مسمى وإما مهر المثل، فرفع الحرج عن المطلق في وقت التطليق وإن لم يكن في النكاح مهر. وقال قوم :" لا جناح عليكم " معناه في أن ترسلوا الطلاق في وقت الحيض، بخلاف المدخول بها إذ غير المدخول بها لا عدة عليها. 
الثانية : المطلقات أربع : مطلقة مدخول بها مفروض لها وقد ذكر الله حكمها قبل هذه الآية وأنه لا يسترد منها شيء من المهر، وأن عدتها ثلاثة قروء. ومطلقة غير مفروض لها ولا مدخول بها فهذه الآية في شأنها ولا مهر لها بل أمر الرب تعالى بإمتاعها وبين في سورة " الأحزاب " أن غير المدخول بها إذا طلقت فلا عدة عليها، وسيأتي[(١)](#foonote-١). ومطلقة مفروض لها غير مدخول بها ذكرها بعد هذه الآية إذ قال :" وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة "، \[ البقرة : ٢٣٧ \] ومطلقة مدخول بها غير مفروض لها ذكرها الله في قوله :" فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن " [(٢)](#foonote-٢) \[ النساء : ٢٤ \] ؛ فذكر تعالى هذه الآية والتي بعدها مطلقة قبل المسيس وقبل الفرض، ومطلقة قبل المسيس وبعد الفرض، فجعل للأولى المتعة، وجعل للثانية نصف الصداق لما لحق الزوجة من دحض العقد، ووصم الحل الحاصل للزوج بالعقد، وقابل المسيس بالمهر الواجب. 
الثالثة : لما قسم الله تعالى حال المطلقة هنا قسمين : مطلقة مسمى لها المهر، ومطلقة لم يسم لها دل على أن نكاح التفويض جائز وهو كل نكاح عقد من غير ذكر الصداق ولا خلاف فيه، ويفرض بعد ذلك الصداق فإن فرض التحق بالعقد وجاز وإن لم يفرض لها وكان الطلاق لم يجب صداق إجماعا قاله القاضي أبو بكر بن العربي. وحكى المهدوي عن حماد بن أبي سليمان أنه إذا طلقها ولم يدخل بها ولم يكن فرض لها أجبر على نصف صداق مثلها. وإن فرض بعد عقد النكاح وقبل وقوع الطلاق فقال أبو حنيفة : لا يتنصف بالطلاق لأنه لم يجب بالعقد وهذا خلاف الظاهر من قوله تعالى :" وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة " \[ البقرة : ٢٣٧ \] وخلاف القياس أيضا، فإن الفرض بعد العقد يلحق بالعقد فوجب أن يتنصف بالطلاق، أصله الفرض المقترن بالعقد. 
الرابعة : إن وقع الموت قبل الفرض فذكر الترمذي عن ابن مسعود ( أنه سئل عن رجل تزوج امرأة لم يفرض لها ولم يدخل بها حتى مات فقال ابن مسعود : لها مثل صداق نسائها لا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال : قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بَرْوَع[(٣)](#foonote-٣) بنت واشق امرأة منا مثل الذي قضيت ففرح بها ابن مسعود ). قال الترمذي : حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح، وقد روي عنه من غير وجه، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وبه يقول الثوري وأحمد وإسحاق، وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وابن عباس وابن عمر :( إذا تزوج الرجل امرأة ولم يدخل بها ولم يفرض لها صداقا حتى مات قالوا : لها الميراث ولا صداق لها وعليها العدة ) وهول قول الشافعي. وقال : ولو ثبت حديث بروع بنت واشق لكانت الحجة فيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم. ويروى عن الشافعي أنه رجع بمصر بعد عن هذا القول، وقال بحديث بروع بنت واشق. 
قلت : اختلف في تثبيت حديث بروع، فقال القاضي أبو محمد عبدالوهاب في شرح رسالة ابن أبي زيد : وأما حديث بروع بنت واشق فقد رده حفاظ الحديث وأئمة أهل العلم. وقال الواقدي : وقع هذا الحديث[(٤)](#foonote-٤) بالمدينة فلم يقبله أحد من العلماء وصححه الترمذي كما ذكرنا عنه وابن المنذر. قال ابن المنذر : وقد ثبت مثل قول عبدالله[(٥)](#foonote-٥) بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه نقول. وذكر أنه قول أبي ثور وأصحاب الرأي. وذكر عن الزهري والأوزاعي ومالك والشافعي مثل قول علي وزيد وابن عباس وابن عمر. وفي المسألة قول ثالث وهو أنه لا يكون ميراث حتى يكون مهر، قاله مسروق. 
قلت : ومن الحجة لما ذهب إليه مالك أنه فراق في نكاح قبل الفرض فلم يجب فيه صداق، أصله الطلاق، لكن إذا صح الحديث فالقياس في مقابلته فاسد. وقد حكى أبو محمد عبدالحميد عن المذهب ما يوافق الحديث والحمد لله. وقال أبو عمر : حديث بروع رواه عبدالرزاق عن الثوري عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود الحديث. وفيه : فقام معقل بن سنان. وقال فيه ابن مهدي عن الثوري عن فراس عن الشعبي عن مسروق عن عبدالله فقال معقل بن يسار، والصواب عندي قول من قال : معقل بن سنان لا معقل بن يسار ؛ لأن معقل بن يسار رجل من مزينة، وهذا الحديث إنما جاء في امرأة من أشجع لا من مزينة وكذلك رواه داود عن الشعبي عن علقمة، وفيه : فقال ناس من أشجع ومعقل بن سنان قتل يوم الحرة وفي يوم الحرة يقول الشاعر :

ألا تلكُم الأنصارُ تبكي سَرَاتَهَا  وأشجَعُ تَبْكِي معقلَ بن سنانالخامسة : قوله تعالى :" ما لم تمسوهن " ( ما ) بمعنى الذي، أي إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهن. و " تمسوهن " قرئ بفتح التاء من الثلاثي، وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وعاصم وابن عامر. وقرأ حمزة والكسائي " تماسوهن " من المفاعلة ؛ لأن الوطء تم بهما، وقد يرد في باب المفاعلة فاعل بمعنى فعل، نحو طارقت النعل، وعاقبت اللص. والقراءة الأولى تقتضي معنى المفاعلة في هذا الباب بالمعنى المفهوم من المس ؛ ورجحها أبو علي ؛ لأن أفعال هذا المعنى جاءت ثلاثية على هذا الوزن، جاء : نكح وسفد وقرع ودَفَطَ[(٦)](#foonote-٦) وضرب الفحل. والقراءتان حسنتان. و " أو " في " أو تفرضوا " قيل هو بمعنى الواو، أي ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن، كقوله تعالى :" وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون " [(٧)](#foonote-٧) \[ الأعراف : ٤ \] أي وهم قائلون. وقوله :" وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون " [(٨)](#foonote-٨) \[ الصافات : ١٤٧ \] أي ويزيدون. . وقوله :" ولا تطع منهم آثما أو كفورا " [(٩)](#foonote-٩) \[ الإنسان : ٢٤ \] أي وكفورا. وقوله :" وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط " [(١٠)](#foonote-١٠) \[ النساء : ٤٣ \] معناه وجاء أحد منكم من الغائط وأنتم مرضى أو مسافرون. وقوله :" إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم " [(١١)](#foonote-١١) \[ الأنعام : ١٤٦ \] وما كان مثله. ويعتضد هذا بأنه تعالى عطف عليها بعد ذلك المفروض لها فقال :" وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة " \[ البقرة : ٢٣٧ \]. فلو كان الأول لبيان طلاق المفروض لها قبل المسيس لما كرره. 
السادسة : قوله تعالى :" ومتعوهن " معناه أعطوهن شيئا يكون متاعا لهن. وحمله ابن عمر وعلي بن أبي طالب والحسن بن أبى الحسن وسعيد بن جبير وأبو قلابة والزهري وقتادة والضحاك بن مزاحم على الوجوب. وحمله أبو عبيد ومالك بن أنس وأصحابه والقاضي شريح وغيرهم على الندب. تمسك أهل القول الأول بمقتضى الأمر. وتمسك أهل القول الثاني بقوله تعالى :" حقا على المحسنين " و " على المتقين " ولو كانت واجبة لأطلقها على الخلق أجمعين. والقول الأول أولى ؛ لأن عمومات الأمر بالإمتاع في قوله :" متعوهن " وإضافة الإمتاع إليهن بلام التمليك في قوله :" وللمطلقات متاع " أظهر في الوجوب منه في الندب. وقوله :" على المتقين " تأكيد لإيجابها ؛ لأن كل واحد يجب عليه أن يتقي الله في الإشراك به ومعاصيه، وقد قال تعالى في القرآن :" هدى للمتقين " [(١٢)](#foonote-١٢). 
السابعة : واختلفوا في الضمير المتصل بقوله " ومتعوهن " من المراد به من النساء ؟ فقال ابن عباس وابن عمر وجابر بن زيد والحسن والشافعي وأحمد وعطاء وإسحاق وأصحاب الرأي : المتعة واجبة للمطلقة قبل البناء والفرض، ومندوبة في حق غيرها. وقال مالك وأصحابه : المتعة مندوب إليها في كل مطلقة وإن دخل بها، إلا في التي لم يدخل بها وقد فرض لها فحسبها ما فرض لها ولا متعة لها. وقال أبو ثور : لها المتعة ولكل مطلقة. وأجمع أهل العلم على أن التي لم يفرض لها ولم يدخل بها لا شيء لها غير المتعة. قال الزهري : يقضي لها بها القاضي. وقال جمهور الناس : لا يقضي بها لها. 
قلت : هذا الإجماع إنما هو في الحرة، فأما الأمة إذا طلقت قبل الفرض والمسيس فالجمهور على أن لها المتعة. وقال الأوزاعي والثوري : لا متعة لها لأنها تكون لسيدها وهو لا يستحق مالا في مقابلة تأذي مملوكته بالطلاق. وأما ربط مذهب مالك فقال ابن شعبان : المتعة بإزاء غم الطلاق، ولذلك ليس للمختلعة والمبارئة والملاعنة متعة قبل البناء ولا بعده ؛ لأنها هي التي اختارت الطلاق. وقال الترمذي وعطاء والنخعي : للمختلعة متعة. وقال أصحاب الرأي : للملاعنة متعة. قال ابن القاسم : ولا متعة في نكاح مفسوخ. قال ابن المواز : ولا فيما يدخله الفسخ بعد صحة العقد، مثل ملك أحد الزوجين صاحبه. قال ابن القاسم : وأصل ذلك قوله تعالى :" وللمطلقات متاع بالمعروف " فكان هذا الحكم مختصا بالطلاق دون الفسخ. وروى ابن وهب عن مالك أن المخيرة لها المتعة بخلاف الأمة تعتق تحت العبد فتختار هي نفسها، فهذه لا متعة لها. وأما الحرة تخير أو تملك أو يتزوج عليها أمة فتختار هي نفسها في ذلك كله فلها المتعة ؛ لأن الزوج سبب للفراق. 
الثامنة : قال مالك : ليس للمتعة عندنا حد معروف في قليلها ولا كثيرها. وقد اختلف الناس في هذا، فقال ابن عمر : أدنى ما يجزئ في المتعة ثلاثون درهما أو شبهها. وقال ابن عباس : أرفع المتعة خادم ثم كسوة ثم نفقة. عطاء : أوسطها الدرع والخمار والملحفة. أبو حنيفة : ذلك أدناها. وقال ابن محيريز : على صاحب الديوان ثلاثة دنانير، وعلى العبد المتعة. وقال الحسن : يمتع كل بقدره، هذا بخادم وهذا بأثواب وهذا بثوب وهذا بنفقة، وكذلك يقول مالك بن أنس، وهو مقتضى القرآن فإن الله سبحانه لم يقدرها ولا حددها وإنما قال :" على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ". ومتع الحسن بن علي بعشرين ألفا وزقاق من عسل. ومتع شريح بخمسمائة درهم. وقد قيل : إن حالة المرأة معتبرة أيضا، قاله بعض الشافعية، قالوا : لو اعتبرنا حال الرجل وحده لزم منه أنه لو تزوج امرأتين إحداهما شريفة والأخرى دنية ثم طلقهما قبل المسيس ولم يسم لهما أن يكونا متساويتين في المتعة فيجب للدنية ما يجب للشريفة وهذا خلاف ما قال الله تعالى :" متاعا بالمعروف " ويلزم منه أن الموسر العظيم اليسار إذا تزوج امرأة دنية أن يكون مثلها ؛ لأنه إذا طلقها قبل الدخول والفرض لزمته المتعة على قدر حاله ومهر مثلها، فتكون المتعة على هذا أضعاف مهر مثلها ؛ فتكون قد استحقت قبل الدخول أضعاف ما تستحقه بعد الدخول من مهر ال١ - راجع جـ ١٤ ص ٢٠٢..
٢ - راجع جـ٥ ص ١٢٩..
٣ - بروع بفتح أوله وهو الصحيح عند اللغويين وخطأوا الكسر، والكسر عند المحدثين ورووه سماعا. راجع التاج مادة: برع..
٤ - في ب وهـ: الخبر..
٥ - في ب وهـ..
٦ - دفط (بالدال المهملة والفاء. وقيل بالذال المعجمة والقاف) وهي بمعنى سفد..
٧ - راجع جـ٧ ص ١٦٢..
٨ - راجع جـ١٥ ص ١٣٠..
٩ - راجع جـ١٩ ص ١٤٦..
١٠ - راجع جـ٦ ص ١٩٩..
١١ - راجع جـ٧ ص ١٢٤..
١٢ - راجع جـ١ ص ١٦١.
 .

### الآية 2:237

> ﻿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ۚ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [2:237]

**فيه ثمان مسائل :**
الأولى : اختلف الناس في هذه الآية، فقالت فرقة منها مالك وغيره : إنها مخرجة المطلقة بعد الفرض من حكم التمتع ؛ إذ يتناولها قوله تعالى :" ومتعوهن ". وقال ابن المسيب : نسخت هذه الآية الآية التي في " الأحزاب " [(١)](#foonote-١) لأن تلك تضمنت تمتيع كل من لم يدخل بها. وقال قتادة : نسخت هذه الآية الآية التي قبلها. 
قلت : قول سعيد وقتادة فيه نظر ؛ إذ شروط النسخ غير موجودة والجمع ممكن. وقال ابن القاسم في المدونة : كان المتاع لكل مطلقة بقوله تعالى :" وللمطلقات متاع بالمعروف " \[ البقرة : ٢٤١ \] ولغير المدخول بها بالآية التي في سورة " الأحزاب " فاستثنى الله تعالى المفروض لها قبل الدخول بها بهذه الآية، وأثبت للمفروض لها نصف ما فرض فقط. وقال فريق من العلماء منهم أبو ثور : المتعة لكل مطلقة عموما، وهذه الآية إنما بينت أن المفروض لها تأخذ نصف ما فرض لها، ولم يعن بالآية إسقاط متعتها، بل لها المتعة ونصف المفروض. 
الثانية : قوله تعالى :" فنصف ما فرضتم " أي فالواجب نصف ما فرضتم، أي من المهر فالنصف للزوج والنصف للمرأة بإجماع. والنصف الجزء من اثنين، فيقال : نصف الماء القدح أي بلغ نصفه. ونصف الإزار الساق ؛ وكل شيء بلغ نصف غيره فقد نصفه. وقرأ الجمهور " فنصف " بالرفع. وقرأت فرقة " فنصف " بنصب الفاء، المعنى فادفعوا نصف. وقرأ علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت " فنصف " بضم النون في جميع القرآن وهي لغة. وكذلك روى الأصمعي قراءة عن أبي عمرو بن العلاء يقال : نِصف ونُصف ونَصيف لغات ثلاث في النصف ؛ وفي الحديث :( لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ) أي نصفه. والنصيف أيضا القناع. 
الثالثة : إذا أصدقها ثم طلقها قبل الدخول ونما الصداق في يدها فقال مالك : كل عرض أصدقها أو عبد فنماؤهما لهما جميعا ونقصانه بينهما، وتواه[(٢)](#foonote-٢) عليهما جميعا ليس على المرأة منه شيء. فإن أصدقها عينا ذهبا أو ورقا فاشترت به عبدا أو دارا أو اشترت به منه أو من غيره طيبا أو شوارا[(٣)](#foonote-٣) أو غير ذلك مما لها التصرف فيه لجهازها وصلاح شأنها في بقائها معه فذلك كله بمنزلة ما لو أصدقها إياه، ونماؤه ونقصانه بينهما. وإن طلقها قبل الدخول لم يكن لها إلا نصفه، وليس عليها أن تغرم له نصف ما قبضته منه، وإن اشترت به أو منه شيئا تختص به فعليها أن تغرم له نصف صداقها الذي قبضت منه، وكذلك لو اشترت من غيره عبدا أو دارا بالألف الذي أصدقها ثم طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصف الألف. 
الرابعة : لا خلاف أن من دخل بزوجته ثم مات عنها وقد سمى لها أن لها ذلك المسمى كاملا والميراث، وعليها العدة. 
واختلفوا في الرجل يخلو بالمرأة ولم يجامعها حتى فارقها، فقال الكوفيون ومالك : عليه جميع المهر، وعليها العدة ؛ لخبر ابن مسعود قال : قضى الخلفاء الراشدون فيمن أغلق بابا أو أرخى سترا أن لها الميراث وعليها العدة، وروي مرفوعا خرجه الدارقطني وسيأتي في " النساء " [(٤)](#foonote-٤). والشافعي لا يوجب مهرا كاملا، ولا عدة إذا لم يكن دخول، لظاهر القرآن. قال شريح : لم أسمع الله سبحانه وتعالى ذكر في كتابه بابا ولا سترا، إذا زعم أنه لم يمسها فلها نصف الصداق، وهو مذهب ابن عباس وسيأتي ما لعلمائنا في هذا في سورة " النساء " إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى :" وقد أفضى بعضكم إلى بعض " \[ النساء : ٢١ \]. 
الخامسة : قوله تعالى :" إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح " الآية. " إلا أن يعفون " استثناء منقطع ؛ لأن عفوهن عن النصف ليس من جنس أخذهن. و " يعفون " معناه يتركن ويصفحن، ووزنه يفعلن. والمعنى إلا أن يتركن النصف الذي، وجب لهن عند الزوج، ولم تسقط النون مع " أن " ؛ لأن جمع المؤنث في المضارع على حالة واحدة في الرفع والنصب والجزم، فهي ضمير وليست بعلامة إعراب فلذلك لم تسقط ؛ ولأنه لو سقطت النون لاشتبه بالمذكر. والعافيات في هذه الآية كل امرأة تملك أمر نفسها، فأذن الله سبحانه وتعالى لهن في إسقاطه بعد وجوبه ؛ إذ جعله خالص حقهن، فيتصرفن فيه بالإمضاء والإسقاط كيف شئن، إذا ملكن أمر أنفسهن وكن بالغات عاقلات راشدات. وقال ابن عباس وجماعة من الفقهاء والتابعين : ويجوز عفو البكر التي لا ولي لها، وحكاه سحنون في المدونة عن غير ابن القاسم بعد أن ذكر لابن القاسم أن وضعها نصف الصداق لا يجوز. وأما التي في حجر أب أو وصي فلا يجوز وضعها لنصف صداقها قولا واحدا، ولا خلاف فيه فيما أعلم. 
السادسة : قوله تعالى :" أو يعفو الذي بيده " معطوف على الأول مبني، وهذا معرب. وقرأ الحسن " أو يعفو " ساكنة الواو، كأنه استثقل الفتحة في الواو. واختلف الناس في المراد بقوله تعالى :" أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح " فروى الدارقطني عن جبير بن مطعم أنه تزوج امرأة من بني نصر[(٥)](#foonote-٥)، فطلقها قبل أن يدخل بها، فأرسل إليها بالصداق كاملا وقال : أنا أحق بالعفو منها، قال الله تعالى :" إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح " وأنا أحق بالعفو منها. وتأول قوله تعالى :" أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح " يعني نفسه في كل حال قبل الطلاق وبعده، أي عقدة نكاحه ؛ فلما أدخل اللام حذف الهاء كقوله :" فإن الجنة هي المأوى " [(٦)](#foonote-٦) \[ النازعات : ٤١ \] أي مأواه. قال النابغة :لهم شيمةٌ لم يعطِها الله غيرَهم  من الجود والأحلام غيرُ عَوَازِبِأي أحلامهم. وكذلك قوله :" عقدة النكاح " أي عقدة نكاحه. وروى الدارقطني مرفوعا من حديث قتيبة بن سعيد حدثنا ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ولي عقدة النكاح الزوج ). وأسند هذا عن علي وابن عباس وسعيد بن المسيب وشريح. قال : وكذلك قال نافع بن جبير ومحمد بن كعب وطاوس ومجاهد، والشعبي وسعيد بن جبير، زاد غيره ومجاهد والثوري، واختاره أبو حنيفة، وهو الصحيح من قول الشافعي، كلهم لا يرى سبيلا للولي على شيء من صداقها ؛ للإجماع على أن الولي لو أبرأ الزوج من المهر قبل الطلاق لم يجز فكذلك بعده. وأجمعوا على أن الولي لا يملك أن يهب شيئا من مالها، والمهر مالها. وأجمعوا على أن من الأولياء من لا يجوز عفوهم، وهم بنو العم وبنو الإخوة، فكذلك الأب، والله أعلم. ومنهم من قال هو الولي أسنده الدارقطني أيضا عن ابن عباس قال : وهو قول إبراهيم وعلقمة والحسن، زاد غيره وعكرمة وطاوس وعطاء وأبي الزناد وزيد بن أسلم وربيعة ومحمد بن كعب وابن شهاب والأسود بن يزيد والشعبي وقتادة ومالك والشافعي في القديم. فيجوز للأب العفو عن نصف صداق ابنته البكر إذا طلقت، بلغت المحيض أم لم تبلغه. قال عيسى بن دينار : ولا ترجع بشيء منه على أبيها، والدليل على أن المراد الولي أن الله سبحانه وتعالى قال في أول الآية :" وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم " فذكر الأزواج وخاطبهم بهذا الخطاب، ثم قال :" إلا أن يعفون " فذكر النسوان، " أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح " فهو ثالث فلا يرد إلى الزوج المتقدم إلا لو لم يكن لغيره وجود، وقد وجد وهو الولي فهو المراد. قال معناه مكي وذكره ابن العربي. وأيضا فإن الله تعالى قال :" إلا أن يعفون " ومعلوم أنه ليس كل امرأة تعفو، فإن الصغيرة والمحجور عليها لا عفو لهما، فبين الله القسمين فقال :" إلا أن يعفون " أي إن كن لذلك أهلا، " أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح " وهو الولي ؛ لأن الأمر فيه إليه. وكذلك روى ابن وهب وأشهب وابن عبد الحكم وابن القاسم عن مالك أنه الأب في ابنته البكر والسيد في أمته. وإنما يجوز عفو الولي إذا كان من أهل السداد، ولا يجوز عفوه إذا كان سفيها. فإن قيل : لا نسلم أنه الولي بل هو الزوج، وهذا الاسم أولى به ؛ لأنه أملك للعقد[(٧)](#foonote-٧) من الولي على ما تقدم. فالجواب - أنا لا نسلم أن الزوج أملك للعقد من الأب في ابنته البكر، بل أب البكر يملكه خاصة دون الزوج ؛ لأن المعقود عليه هو بضع البكر، ولا يملك الزوج أن يعقد على ذلك بل الأب يملكه. وقد أجاز شريح عفو الأخ عن نصف المهر، وكذلك قال عكرمة : يجوز عفو الذي، عقد عقدة النكاح بينهما، كان عما أو أبا أو أخا، وإن كرهت. وقرأ أبو نهيك والشعبي " أو يعفو " بإسكان الواو على التشبيه[(٨)](#foonote-٨) بالألف، ومثله قول الشاعر :فما سوَّدْتني عامرٌ عن وراثة  أبى الله أن أسمُو بأم ولا أبالسابعة : قوله تعالى :" وأن تعفوا أقرب للتقوى " ابتداء وخبر، أو الأصل : تعفووا أسكنت الواو الأولى لثقل حركتها ثم حذفت لالتقاء الساكنين، وهو خطاب للرجال والنساء في قول ابن عباس فغلب الذكور، واللام بمعنى إلى، أي أقرب إلى التقوى. وقرأ الجمهور " تعفو " بالتاء باثنتين من فوق. وقرأ أبو نهيك والشعبي " وأن يعفوا " بالياء، وذلك راجع إلى الذي بيده عقدة النكاح. 
قلت : ولم يقرأ " وأن تعفون " بالتاء فيكون للنساء. وقرأ الجمهور " ولا تنسوا الفضل " بضم الواو، وكسرها يحيى بن يعمر. وقرأ علي ومجاهد وأبو حيوة وابن أبي عبلة " ولا تناسوا الفضل " وهي قراءة متمكنة المعنى ؛ لأنه موضع تناس لا نسيان إلا على التشبيه. قال مجاهد : الفضل إتمام الرجل الصداق كله، أو ترك المرأة النصف الذي لها. 
الثامنة : قوله تعالى :" إن الله بما تعملون بصير " خبر في ضمنه الوعد للمحسن والحرمان لغير المحسن، أي لا يخفى عليه عفوكم واستقضاؤكم[(٩)](#foonote-٩). 
١ - آية ٤٩، راجع جـ١٤ ص ٢٠٢..
٢ - تواه: هلاكه..
٣ - الشوار: متاع البيت..
٤ - راجع جـ٦ ص ١٠٢..
٥ - كذا في الدارقطني ونسخ الأصل إلا هـ ففيها: بني نضير. وفي التاج أن بني نصر بطن من هوزان..
٦ - راجع جـ١٩ ص ٢٠٥..
٧ - في جـ وب وحـ: بالعقد..
٨ - في جـ: الشبه، وفي هامشها: التشبيه وفي ب: على التشبيه بالألف. وفي هـ" على النسبة، وفي الكشاف: "وقرأ الحسن (أو يعفو الذي) بسكون الواو، وإسكان الواو والياء في موضع النصب تشبيه لهما بالألف لأنهما أختاها"..
٩ - في ب وجـ: استقصاؤكم..

### الآية 2:238

> ﻿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [2:238]

**فيه ثمان مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" حافظوا " خطاب لجمع الأمة، والآية أمر بالمحافظة على إقامة الصلوات في أوقاتها بجميع شروطها. والمحافظة هي المداومة على الشيء والمواظبة عليه. ، والوسطى تأنيث الأوسط. ووسط الشيء خيره وأعدله، ومنه قوله تعالى :" وكذلك جعلناكم أمة وسطا " \[ البقرة : ١٤٣ \] وقد تقدم[(١)](#foonote-١). وقال أعرابي يمدح النبي صلى الله عليه وسلم :يا أوسط الناس طُرّاً في مفاخرهم  وأكرمَ الناس أمّاً بَرَّةً وأباووسط فلان القوم يسطهم أي صار في وسطهم. وأفرد الصلاة الوسطى بالذكر وقد دخلت قبل في عموم الصلوات تشريفا لها، كقوله تعالى :" وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح " [(٢)](#foonote-٢) \[ الأحزاب : ٧ \]، وقوله :" فيهما فاكهة ونخل ورمان " [(٣)](#foonote-٣) \[ الرحمن : ٦٨ \]. وقرأ أبو جعفر الواسطي " والصلاة الوسطى " بالنصب على الإغراء، أي وألزموا الصلاة الوسطى : وكذلك قرأ الحلواني. وقرأ قالون عن نافع " الوصطى " بالصاد لمجاورة الطاء لها ؛ لأنهما من حيز واحد، وهما لغتان كالصراط ونحوه. 
الثانية : واختلف الناس في تعيين الصلاة الوسطى على عشرة أقوال :
الأول : أنها الظهر ؛ لأنها وسط النهار على الصحيح من القولين أن النهار أوله من طلوع الفجر كما تقدم، وإنما بدأنا بالظهر لأنها أول صلاة صليت في الإسلام. وممن قال : إنها الوسطى زيد بن ثابت وأبو سعيد الخدري وعبدالله بن عمر وعائشة رضي الله عنهم. ومما يدل على أنها وسطى ما قالته عائشة وحفصة حين أملتا " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر " بالواو. وروي أنها كانت أشق على المسلمين ؛ لأنها كانت تجيء في الهاجرة وهم قد نفهتهم[(٤)](#foonote-٤) أعمالهم في أموالهم. وروى أبو داود عن زيد قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة ولم تكن تصلى صلاة أشد على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، فنزلت :" حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى " وقال : إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين. وروى مالك في موطئه وأبو داود الطيالسي في مسنده عن زيد بن ثابت قال : الصلاة الوسطى صلاة الظهر، زاد الطيالسي : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها بالهجير. 
الثاني : أنها العصر ؛ لأن قبلها صلاتي نهار وبعدها صلاتي ليل. قال النحاس : وأجود من هذا الاحتجاج أن يكون إنما قيل لها وسطى لأنها بين صلاتين إحداهما أول ما فرض والأخرى الثانية مما فرض. وممن قال أنها وسطى علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري، وهو اختيار أبي حنيفة وأصحابه، وقاله الشافعي وأكثر أهل الأثر، وإليه ذهب عبدالملك بن حبيب واختاره ابن العربي في قبسه وابن عطية في تفسيره وقال : وعلى هذا القول الجمهور من الناس وبه أقول واحتجوا بالأحاديث[(٥)](#foonote-٥) الواردة في هذا الباب خرجها مسلم وغيره، وأنصها حديث ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( الصلاة الوسطى صلاة العصر ) خرجه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح. وقد أتينا زيادة على هذا في القبس في شرح موطأ مالك بن أنس. 
الثالث : أنها المغرب، قاله قبيصة بن أبي ذؤيب في جماعة. والحجة لهم أنها متوسطة في عدد الركعات ليست بأقلها ولا أكثرها ولا تقصر في السفر، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤخرها عن وقتها ولم يعجلها، وبعدها صلاتا جهر وقبلها صلاتا سر. وروي من حديث عائشة رضي الله عتها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( إن أفضل الصلوات عند الله صلاة المغرب لم يحطها عن مسافر ولا مقيم فتح الله بها صلاة الليل وختم بها صلاة النهار فمن صلى المغرب وصلى بعدها ركعتين بنى الله له قصرا في الجنة ومن صلى بعدها أربع ركعات غفر الله له ذنوب عشرين سنة - أو قال - أربعين سنة ). 
الرابع : صلاة العشاء الآخرة ؛ لأنها بين صلاتين لا تقصران، وتجيء في وقت نوم ويستحب تأخيرها، وذلك شاق فوقع التأكيد في المحافظة عليها. 
الخامس : إنها الصبح ؛ لأن قبلها صلاتي ليل يجهر فيهما وبعدها صلاتي نهار يسر فيهما ؛ ولأن وقتها يدخل والناس نيام، والقيام إليها شاق في زمن البرد لشدة البرد وفي زمن الصيف لقصر الليل. وممن قال إنها وسطى علي بن أبي طالب وعبدالله بن عباس، أخرجه الموطأ بلاغا[(٦)](#foonote-٦)، وأخرجه الترمذي عن ابن عمر وابن عباس تعليقا[(٧)](#foonote-٧)، وروي عن جابر بن عبدالله، وهو قول مالك وأصحابه وإليه ميل الشافعي فيما ذكر عنه القشيري. والصحيح عن علي أنها العصر، وروي عنه ذلك من وجه معروف صحيح، وقد استدل من قال أنها الصبح بقوله تعالى :" وقوموا لله قانتين " يعني فيها، ولا صلاة مكتوبة فيها قنوت إلا الصبح. قال أبو رجاء : صلى بنا ابن عباس صلاة الغداة بالبصرة فقنت فيها قبل الركوع ورفع يديه فلما فرغ قال : هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا الله تعالى أن نقوم فيها قانتين. وقال أنس : قنت النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح بعد الركوع، وسيأتي حكم القنوت وما للعلماء فيه في " آل عمران " عند قوله تعالى :" ليس لك من الأمر شيء " [(٨)](#foonote-٨). 
السادس : صلاة الجمعة ؛ لأنها خصت بالجمع لها والخطبة فيها وجعلت عيدا ذكره ابن حبيب ومكي وروى مسلم عن عبدالله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقوم يتخلفون عن الجمعة :( لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم ). 
السابع : إنها الصبح والعصر معا. قاله الشيخ أبو بكر الأبهري، واحتج بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار. . . ) الحديث، رواه أبو هريرة. وروى جرير بن عبدالله قال : كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر فقال :( أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون[(٩)](#foonote-٩) في رؤيته فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها. . . ) يعني العصر والفجر : ثم قرأ جرير " وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها " [(١٠)](#foonote-١٠) \[ ق : ٣٩ \]. وروى عمارة بن رؤيبة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها )، يعني الفجر والعصر. وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( من صلى البردين دخل الجنة ) كله ثابت في صحيح مسلم وغيره. وسميتا البردين لأنهما يفعلان في وقتي البرد. 
الثامن : إنها العتمة والصبح. قال أبو الدرداء رضي الله عنه في مرضه الذي مات فيه :( اسمعوا وبلغوا من خلفكم حافظوا على هاتين الصلاتين - يعني في جماعة - العشاء والصبح، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبوا على مرافقكم وركبكم ) قاله عمر وعثمان. وروى الأئمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :( ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا - وقال - إنهما أشد الصلاة على المنافقين ) وجعل لمصلي الصبح في جماعة قيام ليلة والعتمة نصف ليلة ؛ ذكره مالك موقوفا على عثمان ورفعه مسلم، وخرجه أبو داود والترمذي عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من شهد العشاء في جماعة كان له قيام نصف ليلة ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان له كقيام ليلة ) وهذا خلاف ما رواه مالك ومسلم. 
التاسع : أنها الصلوات الخمس بجملتها ؛ قاله معاذ بن جبل ؛ لأن قوله تعالى :" حافظوا على الصلوات " يعم الفرض والنفل، ثم خص الفرض بالذكر. 
العاشر : إنها غير معينة، قاله نافع عن ابن عمر، وقاله الربيع بن خيثم فخبأها الله تعالى في الصلوات كما خبأ ليلة القدر في رمضان، وكما خبأ ساعة يوم الجمعة وساعات الليل المستجاب فيها الدعاء ليقوموا بالليل في الظلمات لمناجاة عالم الخفيات. ومما يدل على صحة أنها مبهمة غير معينة ما رواه مسلم في صحيحه في آخر الباب عن البراء بن عازب قال : نزلت هذه الآية :" حافظوا على الصلوات وصلاة العصر " فقرأناها ما شاء الله، ثم نسخها الله فنزلت :" حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى " فقال رجل : هي إذا صلاة العصر ؟ قال البراء : قد أخبرتك كيف نزلت وكيف نسخها الله تعالى، والله أعلم. فلزم من هذا أنها بعد أن عينت نسخ تعيينها وأبهمت فارتفع التعيين، والله أعلم. وهذا اختيار مسلم لأنه أتى به في آخر الباب وقال به غير واحد من العلماء المتأخرين، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لتعارض الأدلة وعدم الترجيح فلم يبق إلا المحافظة على جميعها وأدائها في أوقاتها والله أعلم. 
الثالثة : وهذا الاختلاف في الصلاة الوسطى يدل على بطلان من أثبت " وصلاة العصر " المذكور في حديث أبي يونس مولى عائشة حين أمرته أن يكتب لها مصحفا قرآنا. قال علماؤنا : وإنما ذلك كالتفسير من النبي صلى الله عليه وسلم، يدل على ذلك حديث عمرو بن رافع قال :( أمرتني حفصة أن أكتب لها مصحفا. . . ) الحديث. وفيه : فأملت علي " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى - وهي العصر - وقوموا لله قانتين " وقالت : هكذا سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها. فقولها :" وهي العصر " دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر الصلاة الوسطى من كلام الله تعالى بقوله هو( وهي العصر ). وقد روى نافع عن حفصة " وصلاة العصر "، كما روي عن عائشة وعن حفصة أيضا " صلاة العصر " بغير واو. وقال أبو بكر الأنباري : وهذا الخلاف في هذا اللفظ المزيد يدل على بطلانه وصحة ما في الإمام مصحف جماعة المسلمين. وعليه حجة أخرى وهو أن من قال : والصلاة الوسطى وصلاة العصر جعل الصلاة الوسطى غير العصر، وفي هذا دفع لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه عبدالله قال : شغل المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب عن صلاة العصر حتى اصفرت الشمس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا. . . ) الحديث[(١١)](#foonote-١١). 
الرابعة : وفي قوله تعالى :" والصلاة الوسطى " دليل على أن الوتر ليس بواجب لأن المسلمين اتفقوا على أعداد الصلوات المفروضات أنها تنقص عن سبعة وتزيد على ثلاثة وليس بين الثلاثة والسبعة فرد إلا الخمسة والأزواج لا وسط لها فثبت أنها خمسة. وفي حديث الإسراء :( هي خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدي ). 
الخامسة : في قوله تعالى :" وقوموا لله قانتين " معناه في صلاتكم. واختلف الناس في معنى قوله " قانتين " فقال الشعبي : طائعين، وقاله جابر بن زيد وعطاء وسعيد بن جبير. وقال الضحاك : كل قنوت في القرآن فإنما يعني به الطاعة. وقاله أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم. وإن أهل كل دين فهم اليوم يقومون عاصين، فقيل لهذه الأمة فقوموا لله طائعين. وقال مجاهد : معنى قانتين خاشعين، والقنوت طول الركوع والخشوع وغض البصر وخفض الجناح. وقال الربيع : القنوت طول القيام، وقاله ابن عمر وقرأ " أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما " [(١٢)](#foonote-١٢) \[ الزمر : ٩ \]. وقال عليه السلام. ( أفضل الصلاة طول القنوت ) خرجه مسلم وغيره. وقال الشاعر :قانتاً لله يدعو ربه  وعلى عمدٍ من الناس اعتزلوقد تقدم[(١٣)](#foonote-١٣). وروي عن ابن عباس " قانتين " داعين. وفي الحديث :( قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا يدعو على رعل وذكوان[(١٤)](#foonote-١٤) ) قال قوم : معناه دعا، وقال قوم : معناه طول قيامه. وقال السدي :" قانتين " ساكتين، دليله أن الآية نزلت في ا١ - تراجع المسألة الأولى جـ٢ ص ١٥٣..
٢ - راجع جـ١٤ ص ١٢٦..
٣ - راجع جـ١٧ ص ١٨٥..
٤ - نفهه: أتعبه حتى انقطع..
٥ - في ب وهـ: بأحاديث واردة..
٦ - أي قال مالك في الموطأ إنه بلغه عنهما..
٧ - التعليق: رواية الحديث من غير سند..
٨ - راجع جـ٤ ص ١٩٩..
٩ - قال النووي: "تضامون" بتشديد الميم وتخفيفها، فمن شددها فتح التاء، ومن خففها ضم التاء، ومعنى المشدد أنكم لا تتضامون وتتلطفون في التوصل إلى رؤيته، ومعنى المخفف أنه لا يلحقكم ضيم، وهو المشقة والتعب. وفي هـ: لا تضارون..
١٠ - راجع جـ١١ ص ٢٦٠..
١١ - في ب و ز: "مالهم ملأ الله.." وفي ابن عطية والبحر: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" وفي ابن عطية: "ملأ الله قبورهم وبيوتهم..." وفي البحر: "ملأ الله أجوافهم..."..
١٢ - راجع جـ١٥ ص ٢٣٨..
١٣ - راجع المسألة الخامسة جـ٢ ص ٨٦..
١٤ - رعل وذكوان: قبيلتان من سليم، وإنما دعا عليهم لقتلهم القراء..

### الآية 2:239

> ﻿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ۖ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [2:239]

**فيه تسع مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" فإن خفتم " من الخوف الذي هو الفزع. " فرجالا " أي فصلوا رجالا. " أو ركبانا " معطوف عليه. والرجال جمع راجل أو رجل من قولهم : رجل الإنسان يرجل رجلا إذا عدم المركوب ومشى على قدميه، فهو رجل وراجل ورجل - ( بضم الجيم ) وهي لغة أهل الحجاز ؛ يقولون : مشى فلان إلى بيت الله حافيا رَجُلا، - حكاه الطبري وغيره - ورَجْلان ورَجِيل ورَجْل، ويجمع على رجال ورَجْلى ورُجَّال ورُجَّالة ورُجَّالى ورُجْلاَن ورَجْلة ورجَله ( بفتح الجيم ) وأرجِلة وأراجل وأراجيل. والرجل الذي هو اسم الجنس يجمع أيضا على رجال. 
الثانية : لما أمر الله تعالى بالقيام له في الصلاة بحال قنوت وهو الوقار والسكينة وهدوء الجوارح وهذا على الحالة الغالبة من الأمن والطمأنينة ذكر حالة الخوف الطارئة أحيانا، وبين أن هذه العبادة لا تسقط عن العبد في حال، ورخص لعبيده في الصلاة رجالا على الأقدام وركبانا على الخيل والإبل ونحوها، إيماء وإشارة بالرأس حيثما توجه، هذا قول العلماء، وهذه هي صلاة الفذ الذي قد ضايقه الخوف على نفسه في حال المسايفة أو من سبع يطلبه أو من عدو يتبعه أو سيل يحمله، وبالجملة فكل أمر يخاف منه على روحه فهو مبيح ما تضمنته هذه الآية. 
الثالثة : هذه الرخصة في ضمنها إجماع العلماء أن يكون الإنسان حيثما توجه من السُّموت ويتقلب ويتصرف بحسب نظره في نجاة نفسه. 
الرابعة : واختلف في الخوف الذي تجوز فيه الصلاة رجالا وركبانا، فقال الشافعي : هو إطلال العدو عليهم فيتراءون[(١)](#foonote-١) معا والمسلمون في غير حصن حتى ينالهم السلاح من الرمي أو أكثر من أن يقرب العدو فيه منهم من الطعن والضرب، أو يأتي من يصدق خبره فيخبره بأن العدو قريب منه ومسيرهم جادين إليه، فإن لم يكن واحد من هذين المعنيين فلا يجوز له أن يصلي صلاة الخوف. فإن صلوا بالخبر صلاة الخوف ثم ذهب العدو لم يعيدوا، وقيل : يعيدون، وهو قول أبي حنيفة. قال أبو عمر : فالحال التي يجوز منها للخائف أن يصلي راجلا أو راكبا مستقبل القبلة أو غير مستقبلها هي حال شدة الخوف، والحال التي وردت الآثار فيها هي غير هذه. وهي صلاة الخوف بالإمام وانقسام الناس وليس حكمها في هذه الآية، وهذا يأتي بيانه في سورة " النساء " [(٢)](#foonote-٢) إن شاء الله تعالى. وفرق مالك بين خوف العدو المقاتل وبين خوف السبع ونحوه من جمل صائل أو سيل أو ما الأغلب من شأنه الهلاك، فإنه استحب من غير خوف العدو الإعادة في الوقت إن وقع الأمن. وأكثر فقهاء الأمصار على أن الأمر سواء. 
الخامسة : قال أبو حنيفة : إن القتال يفسد الصلاة، وحديث ابن عمر يرد عليه، وظاهر الآية أقوى دليل عليه، وسيأتي هذا في " النساء " إن شاء الله تعالى. قال الشافعي : لما رخص تبارك وتعالى في جواز ترك بعض الشروط دل ذلك على أن القتال في الصلاة لا يفسدها، والله أعلم. 
السادسة : لا نقصان في عدد الركعات في الخوف عن صلاة المسافر عند مالك والشافعي وجماعة من العلماء وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة وغيرهما : يصلي ركعة إيماء، روى مسلم عن بكير بن الأخنس عن مجاهد عن ابن عباس قال : فرض الله الصلاة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة. قال ابن عبدالبر : انفرد به بكير بن الأخنس وليس بحجة فيما ينفرد به، والصلاة أولى ما احتيط فيه، ومن صلى ركعتين في خوفه وسفره خرج من الاختلاف إلى اليقين. وقال الضحاك بن مزاحم : يصلي صاحب خوف الموت في المسايفة وغيرها ركعة فإن لم يقدر فليكبر تكبيرتين. وقال إسحاق بن راهويه : فإن لم يقدر إلا على تكبيرة واحدة أجزأت عنه ذكره ابن المنذر. 
وقوله تعالى :" فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم " أي ارجعوا إلى ما أمرتم به من إتمام الأركان. وقال مجاهد :" أمنتم " خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة، ورد الطبري على هذا القول. وقالت[(٣)](#foonote-٣) فرقة :" أمنتم " زال خوفكم الذي ألجأكم إلى هذه الصلاة. 
السابعة : واختلف العلماء من هذا الباب في بناء الخائف إذا أمن، فقال مالك : إن صلى ركعة آمنا ثم خاف ركب وبنى، وكذلك إن صلى ركعة راكبا وهو خائف ثم أمن نزل وبنى، وهو أحد قولي الشافعي، وبه قال المزني. وقال أبو حنيفة : إذا افتتح الصلاة آمنا ثم خاف استقبل ولم يبن فإن صلى خائفا ثم أمن بنى. وقال الشافعي : يبني النازل ولا يبني الراكب. وقال أبو يوسف : لا يبنى في شيء من هذا كله. 
الثامنة : قوله تعالى :" فاذكروا الله " قيل : معناه اشكروه على هذه النعمة في تعليمكم هذه الصلاة التي وقع بها الإجزاء، ولم تفتكم صلاة من الصلوات وهو الذي لم تكونوا تعلمونه. فالكاف في قوله " كما " بمعنى الشكر، تقول : افعل بي كما فعلت بك كذا مكافأة وشكرا. " وما " في قوله " ما لم " مفعولة ب " علمكم ". 
التاسعة : قال علماؤنا رحمة الله عليهم : الصلاة أصلها الدعاء، وحالة الخوف أولى بالدعاء ؛ فلهذا لم تسقط الصلاة بالخوف، فإذا لم تسقط الصلاة بالخوف فأحرى ألا تسقط بغيره من مرض أو نحوه، فأمر الله سبحانه وتعالى بالمحافظة على الصلوات في كل حال من صحة أو مرض، وحضر أو سفر، وقدرة أو عجز وخوف أو أمن، لا تسقط عن المكلف بحال، ولا يتطرق إلى فرضيتها اختلال. وسيأتي بيان حكم المريض في آخر " آل عمران " [(٤)](#foonote-٤) إن شاء الله تعالى. والمقصود من هذا أن تفعل الصلاة كيفما أمكن، ولا تسقط بحال حتى لو لم يتفق فعلها إلا بالإشارة بالعين لزم فعلها، وبهذا تميزت عن سائر العبادات، كلها تسقط بالأعذار ويترخص فيها بالرخص. قال ابن العربي : ولهذا قال علماؤنا : وهي مسألة عظمى، إن تارك الصلاة يقتل ؛ لأنها أشبهت الإيمان الذي لا يسقط بحال، وقالوا فيها : إحدى دعائم الإسلام لا تجوز النيابة عنها ببدن ولا مال، فيقتل تاركها، أصله الشهادتان. وسيأتي ما للعلماء في تارك الصلاة في " براءة " [(٥)](#foonote-٥) إن شاء الله تعالى. 
١ - في ب: فينزلون..
٢ - راجع جـ٥ ص ٣٥١..
٣ - في ز. وقال الطبري..
٤ - راجع جـ٤ ص ٣١٠..
٥ - راجع جـ٨ ص ٧٢..

### الآية 2:240

> ﻿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ۚ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [2:240]

**فيه أربع مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا " ذهب جماعة من المفسرين في تأويل هذه الآية أن المتوفى عنها زوجها كانت تجلس في بيت المتوفى عنها حولا، وينفق عليها من ماله ما لم تخرج من المنزل، فإن خرجت لم يكن على الورثة جناح في قطع النفقة عنها، ثم نسخ الحول بالأربعة الأشهر والعشر، ونسخت النفقة بالربع والثمن في سورة " النساء " [(١)](#foonote-١) قاله ابن عباس وقتادة والضحاك وابن زيد والربيع. وفي السكنى خلاف للعلماء، روى البخاري عن ابن الزبير قال : قلت لعثمان هذه الآية التي في " البقرة " :" والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا - إلى قوله - غير إخراج " قد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها أو تدعها ؟ قال : يا ابن[(٢)](#foonote-٢) أخي لا أغير شيئا منه من مكانه. وقال الطبري عن مجاهد : إن هذه الآية محكمة لا نسخ فيها، والعدة كانت قد ثبتت أربعة أشهر وعشرا، ثم جعل الله لهن وصية منه سكنى[(٣)](#foonote-٣) سبعة أشهر وعشرين ليلة، فإن شاءت المرأة سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وهو قول الله عز وجل :" غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم ". قال ابن عطية : وهذا كله قد زال حكمه بالنسخ المتفق عليه إلا ما قوله الطبري مجاهدا رحمهما الله تعالى، وفي ذلك نظر على الطبري. وقال القاضي عياض : والإجماع منعقد على أن الحول منسوخ وأن عدتها أربعة أشهر وعشر. قال غيره : معنى قوله " وصية " أي من الله تعالى تجب على النساء بعد وفاة الزوج بلزوم البيوت سنة ثم نسخ. 
قلت : ما ذكره الطبري عن مجاهد صحيح ثابت، خرج البخاري قال : حدثنا إسحاق قال حدثنا روح قال حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا " قال : كانت هذه العدة تعتد عند أهل زوجها واجبة[(٤)](#foonote-٤) فأنزل الله تعالى :" والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا - إلى قوله - من معروف " قال : جعل الله لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية، إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت، وهو قوله تعالى :" غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم " إلا أن القول الأول أظهر لقوله عليه السلام :( إنما هي أربعة أشهر وعشر وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة عند رأس الحول ) الحديث. وهذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم عن حالة المتوفى عنهن أزواجهن قبل ورود الشرع، فلما جاء الإسلام أمرهن الله تعالى بملازمة البيوت حولا ثم نسخ بالأربعة الأشهر والعشر، هذا - مع وضوحه في السنة الثابتة المنقولة بأخبار الآحاد - إجماع من علماء المسلمين لا خلاف فيه. قاله أبو عمر، قال : وكذلك سائر الآية. فقوله عز وجل :" والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهن متاعا إلى الحول غير إخراج " منسوخ كله عند جمهور العلماء، ثم نسخ الوصية بالسكنى للزوجات في الحول، إلا رواية شاذة مهجورة جاءت عن ابن أبي نجيح عن مجاهد لم يتابع عليها، ولا قال بها فيما زاد على الأربعة الأشهر والعشر أحد من علماء المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم فيما علمت[(٥)](#foonote-٥). وقد روى ابن جريج عن مجاهد مثل ما عليه الناس، فانعقد الإجماع وارتفع الخلاف، وبالله التوفيق. 
الثانية : قوله تعالى :" وصية " قرأ نافع وابن كثير والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر " وصية " بالرفع على الابتداء، وخبره " لأزواجهم ". ويحتمل أن يكون المعنى عليهم وصية، ويكون قوله " لأزواجهم " صفة. قال الطبري : قال بعض النحاة : المعنى كتبت عليهم وصية، ويكون قوله " لأزواجهم " صفة، قال : وكذلك هي في قراءة عبدالله بن مسعود. وقرأ أبو عمرو وحمزة وابن عامر " وصية " بالنصب، وذلك حمل على الفعل، أي فليوصوا وصية. ثم الميت لا يوصي، ولكنه أراد إذا قربوا من الوفاة، و " لأزواجهم " على هذه القراءة أيضا صفة. وقيل : المعنى أوصى الله وصية. " متاعا " أي متعوهن متاعا : أو جعل الله لهن ذلك متاعا لدلالة الكلام عليه، ويجوز أن يكون نصبا على الحال أو بالمصدر الذي هو الوصية، كقوله :" أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما " [(٦)](#foonote-٦)\[ البلد : ١٤ - ١٥ \] والمتاع ههنا نفقة سنتها. 
الثالثة : قوله تعالى :" غير إخراج " معناه ليس لأولياء الميت ووارثي المنزل إخراجها و " غير " نصب على المصدر عند الأخفش، كأنه قال لا إخراجا. وقيل : نصب لأنه صفة المتاع وقيل : نصب على الحال من الموصين أي متعوهن غير مخرجات. وقيل : بنزع الخافض، أي من غير إخراج. 
الرابعة : قوله تعالى :" فإن خرجن " الآية. معناه باختيارهن قبل الحول. " فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن " أي لا حرج على أحد ولِيٍّ أو حاكم أو غيره ؛ لأنه لا يجب عليها المقام في بيت زوجها حولا. وقيل : أي لا جناح في قطع النفقة عنهن، أو لا جناح عليهن في التشوف إلى الأزواج، إذ قد انقطعت عنهن مراقبتكم أيها الورثة، ثم عليها ألا تتزوج قبل انقضاء العدة بالحول، أو لا جناح في تزويجهن[(٧)](#foonote-٧) بعد انقضاء العدة ؛ لأنه قال " من معروف " وهو ما يوافق الشرع. " والله عزيز " صفة تقتضي الوعيد بالنسبة لمن خالف الحد في هذه النازلة، فأخرج المرأة وهي لا تريد الخروج. " حكيم " أي محكم لما يريد من أمور عباده. 
١ - راجع جـ٥ ص ٧٥..
٢ - كذا في صحيح البخاري، والذي في الأصول: "... فلم تكتبها؟ قال: تدعها يابن أخي.. الخ" قوله "أو تدعها" أي تتركها في المصحف، والشك من الراوي، وكأن ابن الزبير ظن أن الذي ينسخ حكمه لا يكتب..
٣ - في هـ: يوما..
٤ - كذا في الأصول. والذي في البخاري: "واجبا" أي أمرا واجبا..
٥ - في الأصول: "... ومن بعدهم من المخالفين فيما علمت"..
٦ - راجع جـ ٢٠ ص ٦٩..
٧ - في هـ: تزوجهن..

### الآية 2:241

> ﻿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [2:241]

اختلف الناس في هذه الآية، فقال أبو ثور : هي محكمة، والمتعة لكل مطلقة، وكذلك قال الزهري. قال الزهري[(١)](#foonote-١) : حتى للأمة يطلقها زوجها. وكذلك قال سعيد بن جبير : لكل مطلقة متعة وهو أحد قولي الشافعي لهذه الآية. وقال مالك : لكل مطلقه - اثنتين أو واحدة بنى بها أم لا، سمى لها صداقا أم لا - المتعة، إلا المطلقة قبل البناء وقد سمى لها صداقا فحسبها نصفه، ولو لم يكن سمى لها كان لها المتعة أقل من صداق المثل أو أكثر، وليس لهذه المتعة حد، حكاه عنه ابن القاسم. وقال ابن القاسم في إرخاء الستور من المدونة، قال : جعل الله تعالى المتعة لكل مطلقة بهذه الآية، ثم استثنى في الآية الأخرى التي قد فرض لها ولم يدخل بها فأخرجها من المتعة، وزعم ابن زيد أنها نسختها. قال ابن عطية : ففر ابن القاسم من لفظ النسخ إلى لفظ الاستثناء والاستثناء لا يتجه في هذا الموضع، بل هو نسخ محض كما قال زيد بن أسلم، وإذا التزم ابن القاسم أن قوله :" وللمطلقات " يعم كل مطلقة لزمه القول بالنسخ ولا بد. وقال عطاء بن أبي رباح وغيره : هذه الآية في الثيبات اللواتي قد جومعن، إذ تقدم في غير هذه الآية ذكر المتعة للواتي لم يدخل بهن، فهذا قول بأن التي قد فرض لها قبل المسيس لم تدخل قط في العموم. فهذا يجيء على أن قوله تعالى :" وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن " \[ البقرة : ٢٣٧ \] مخصصة لهذا الصنف من النساء، ومتى قيل : إن هذا العموم يتناولها فذلك نسخ لا تخصيص. وقال الشافعي في القول الآخر : إنه لا متعة إلا للتي طلقت قبل الدخول وليس ثم مسيس ولا فرض ؛ لأن من استحقت شيئا من المهر لم تحتج في حقها إلى المتعة. وقول الله عز وجل في زوجات النبي صلى الله عليه وسلم :" فتعالين أمتعكن " [(٢)](#foonote-٢) \[ الأحزاب : ٢٨ \] محمول على أنه تطوع من النبي صلى الله عليه وسلم، لا وجوب له. وقوله :" فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن " \[ الأحزاب : ٤٩ \] محمول على غير المفروضة أيضا. قال الشافعي : والمفروض لها المهر إذا طلقت قبل المسيس لا متعة لها ؛ لأنها أخذت نصف المهر من غير جريان وطء، والمدخول بها إذا طلقت فلها المتعة ؛ لأن المهر يقع في مقابلة الوطء والمتعة بسبب الابتذال بالعقد. وأوجب الشافعي المتعة للمختلعة والمبارئة. وقال أصحاب مالك : كيف يكون للمفتدية متعة وهي تعطي، فكيف تأخذ متاعا لا متعة لمختارة الفراق من مختلعة أو مفتدية أو مبارئة أو مصالحة أو ملاعنة أو معتقة تختار الفراق، دخل بها أم لا، سمى لها صداقا أم لا، وقد مضى هذا مبينا[(٣)](#foonote-٣).

١ -في هـ..
٢ - راجع جـ١٤ ص ١٧٠ و ص ٢٠٢..
٣ - راجع ص ٢٠ من هذا الجزء..

### الآية 2:242

> ﻿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [2:242]

ابن مَسْعُودٍ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ وَابْنُ عَامِرٍ" وَصِيَّةً" بِالنَّصْبِ، وَذَلِكَ حُمِلَ عَلَى الْفِعْلِ، أَيْ فَلْيُوصُوا وَصِيَّةً. ثُمَّ الْمَيِّتُ لَا يُوصِي، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ إِذَا قَرُبُوا مِنَ الْوَفَاةِ، وَ" لِأَزْواجِهِمْ" عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ أَيْضًا صِفَةٌ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَوْصَى اللَّهُ وَصِيَّةً." مَتاعاً" أَيْ مَتِّعُوهُنَّ مَتَاعًا: أَوْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ ذَلِكَ مَتَاعًا لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلَى الْحَالِ أَوْ بِالْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ الْوَصِيَّةُ، كَقَوْلِهِ:" أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً **«١»** " وَالْمَتَاعُ هَاهُنَا نَفَقَةُ سَنَتِهَا. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (غَيْرَ إِخْراجٍ) مَعْنَاهُ لَيْسَ لِأَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ وَوَارِثِي الْمَنْزِلِ إِخْرَاجُهَا. وَ" غَيْرَ" نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ عِنْدَ الْأَخْفَشِ، كَأَنَّهُ قَالَ لَا إِخْرَاجًا. وَقِيلَ: نُصِبَ لِأَنَّهُ صِفَةُ الْمَتَاعِ. وَقِيلَ: نُصِبَ عَلَى الْحَالِ مِنَ الْمُوصِينَ، أَيْ مَتِّعُوهُنَّ غَيْرَ مُخْرَجَاتٍ. وَقِيلَ: بِنَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ مِنْ غَيْرِ إِخْرَاجٍ. الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِنْ خَرَجْنَ) الْآيَةَ. مَعْنَاهُ بِاخْتِيَارِهِنَّ قَبْلَ الْحَوْلِ. (فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ) أَيْ لَا حَرَجَ عَلَى أَحَدٍ وَلِيٍّ أَوْ حَاكِمٍ أَوْ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْمُقَامُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا حَوْلًا. وَقِيلَ: أَيْ لَا جُنَاحَ فِي قَطْعِ النَّفَقَةِ عَنْهُنَّ، أَوْ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي التَّشَوُّفِ إِلَى الْأَزْوَاجِ، إِذْ قَدِ انْقَطَعَتْ عَنْهُنَّ مُرَاقَبَتُكُمْ أَيُّهَا الْوَرَثَةُ، ثُمَّ عَلَيْهَا أَلَّا تَتَزَوَّجَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِالْحَوْلِ، أَوْ لَا جُنَاحَ فِي تَزْوِيجِهِنَّ **«٢»** بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، لِأَنَّهُ قَالَ" مِنْ مَعْرُوفٍ" وَهُوَ مَا يُوَافِقُ الشَّرْعَ. (وَاللَّهُ عَزِيزٌ) صِفَةٌ تَقْتَضِي الْوَعِيدَ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ خَالَفَ الْحَدَّ فِي هَذِهِ النَّازِلَةِ، فَأَخْرَجَ الْمَرْأَةَ وَهِيَ لَا تُرِيدُ الْخُرُوجَ. (حَكِيمٌ) أَيْ مُحْكِمٌ لِمَا يُرِيدُ مِنْ أُمُورِ عِبَادِهِ.
 \[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٤١ الى ٢٤٢\]
 وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)
 اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: هِيَ مُحْكَمَةٌ، وَالْمُتْعَةُ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ الزُّهْرِيُّ. \[قَالَ **«٣»** الزُّهْرِيُّ \[حَتَّى لِلْأَمَةِ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا. وَكَذَلِكَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ لِهَذِهِ الْآيَةِ. وقال مالك: لكل مطلقه- اثنتين

 (١). راجع ج ٢٠ ص ٦٩.
 (٢). في هـ: تزوجهن.
 (٣). في هـ.

أَوْ وَاحِدَةٍ بَنَى بِهَا أَمْ لَا، سَمَّى لَهَا صَدَاقًا أَمْ لَا- الْمُتْعَةُ، إِلَّا الْمُطَلَّقَةَ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَقَدْ سَمَّى لَهَا صَدَاقًا فَحَسْبُهَا نِصْفُهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ سَمَّى لَهَا كَانَ لَهَا الْمُتْعَةُ أَقَلَّ مِنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ أَوْ أَكْثَرَ، وَلَيْسَ لِهَذِهِ الْمُتْعَةِ حَدٌّ، حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي إِرْخَاءِ السُّتُورِ مِنَ الْمُدَوَّنَةِ، قَالَ: جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُتْعَةَ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ بِهَذِهِ الْآيَةِ، ثُمَّ اسْتَثْنَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى الَّتِي قَدْ فُرِضَ لَهَا وَلَمْ يُدْخَلْ بِهَا فَأَخْرَجَهَا مِنَ الْمُتْعَةِ، وَزَعَمَ ابْنُ زَيْدٍ أَنَّهَا نَسَخَتْهَا. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَفَرَّ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ لَفْظِ النَّسْخِ إِلَى لَفْظِ الِاسْتِثْنَاءِ وَالِاسْتِثْنَاءُ لَا يُتَّجَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، بَلْ هُوَ نَسْخٌ مَحْضٌ كَمَا قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَإِذَا الْتَزَمَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ قَوْلَهُ:" وَلِلْمُطَلَّقاتِ" يَعُمُّ كُلَّ مُطَلَّقَةٍ لَزِمَهُ القول بالنسخ ولا بد. وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَغَيْرُهُ: هَذِهِ الْآيَةُ فِي الثَّيِّبَاتِ اللَّوَاتِي قَدْ جُومِعْنَ، إِذْ تَقَدَّمَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْآيَةِ ذِكْرُ الْمُتْعَةِ لِلَّوَاتِي لَمْ يُدْخَلْ بِهِنَّ، فَهَذَا قَوْلٌ بِأَنَّ الَّتِي قَدْ فُرِضَ لَهَا قَبْلَ الْمَسِيسِ لَمْ تدخل قط في العموم. فهذا يجئ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى:" وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ" مُخَصَّصَةٌ لِهَذَا الصِّنْفِ مِنَ النِّسَاءِ، وَمَتَى قِيلَ: إِنَّ هَذَا الْعُمُومَ يَتَنَاوَلُهَا فَذَلِكَ نَسْخٌ لَا تَخْصِيصٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ: إِنَّهُ لَا مُتْعَةَ إِلَّا لِلَّتِي طُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَيْسَ ثَمَّ مَسِيسٌ وَلَا فَرْضٌ، لِأَنَّ مَنِ اسْتَحَقَّتْ شَيْئًا مِنَ الْمَهْرِ لَمْ تَحْتَجْ فِي حَقِّهَا إِلَى الْمُتْعَةِ. وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ **«١»** " مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ تَطَوُّعٌ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَا وُجُوبَ لَهُ. وَقَوْلُهُ:" فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ **«٢»** " مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْمَفْرُوضَةِ أَيْضًا، قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَالْمَفْرُوضُ لَهَا الْمَهْرُ إِذَا طُلِّقَتْ قَبْلَ الْمَسِيسِ لَا مُتْعَةَ لَهَا، لِأَنَّهَا أَخَذَتْ نِصْفَ الْمَهْرِ مِنْ غَيْرِ جريان وطئ، وَالْمَدْخُولُ بِهَا إِذَا طُلِّقَتْ فَلَهَا الْمُتْعَةُ، لِأَنَّ المهر يقع في مقابلة الوطي وَالْمُتْعَةَ بِسَبَبِ الِابْتِذَالِ بِالْعَقْدِ. وَأَوْجَبَ الشَّافِعِيُّ الْمُتْعَةَ لِلْمُخْتَلِعَةِ وَالْمُبَارِئَةِ. وَقَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُفْتَدِيَةِ مُتْعَةٌ وَهِيَ تُعْطِي، فَكَيْفَ تَأْخُذُ مَتَاعًا! لَا مُتْعَةَ لِمُخْتَارَةِ الْفِرَاقِ مِنْ مُخْتَلِعَةٍ أَوْ مفتدية أو مباريه أَوْ مُصَالِحَةٍ أَوْ مُلَاعِنَةٍ أَوْ مُعْتَقَةٍ تَخْتَارُ الْفِرَاقَ، دَخَلَ بِهَا أَمْ لَا، سَمَّى لَهَا صَدَاقًا أَمْ لَا، وَقَدْ مَضَى هَذَا مُبَيَّنًا **«٣»**.

 (١). راجع ج ١٤ ص ١٧٠ وص ٢٠٢.
 (٢). راجع ج ١٤ ص ١٧٠ وص ٢٠٢.
 (٣). راجع ص ٢٠٠ من هذا الجزء.

### الآية 2:243

> ﻿۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ [2:243]

**فيه ست مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" ألم تر " هذه رؤية القلب بمعنى ألم تعلم. والمعنى عند سيبويه تنبه إلى أمر الذين. ولا تحتاج هذه الرؤية إلى مفعولين. وقرأ أبو عبدالرحمن السلمي " ألم تر " بجزم الراء، وحذفت الهمزة حذفا من غير إلقاء حركة لأن الأصل ألم ترء. وقصة هؤلاء أنهم قوم من بني إسرائيل وقع فيهم الوباء، وكانوا بقرية يقال لها ( داوردان )[(١)](#foonote-١) فخرجوا منها هاربين فنزلوا واديا فأماتهم الله تعالى. قال ابن عباس : كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارا من الطاعون وقالوا : نأتي أرضا ليس بها موت، فأماتهم الله تعالى، فمر بهم نبي فدعا الله تعالى فأحياهم. وقيل : إنهم ماتوا ثمانية أيام. وقيل : سبعة، والله أعلم. قال الحسن : أماتهم الله قبل آجالهم عقوبة لهم، ثم بعثهم إلى بقية آجالهم. وقيل : إنما فعل ذلك بهم معجزة لنبي من أنبيائهم، قيل : كان اسمه شمعون. وحكى النقاش أنهم فروا من الحمى. وقيل : إنهم فروا من الجهاد ولما أمرهم الله به على لسان حزقيل النبي عليه السلام، فخافوا الموت بالقتل في الجهاد فخرجوا من ديارهم فرارا من ذلك، فأماتهم الله ليعرفهم أنه لا ينجيهم من الموت شيء، ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد بقوله تعالى :" وقاتلوا في سبيل الله " \[ البقرة : ١٩٠ \]، قاله الضحاك. قال ابن عطية : وهذا القصص كله لين الأسانيد، وإنما اللازم من الآية أن الله تعالى أخبر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم إخبارا في عبارة التنبيه والتوقيف عن قوم من البشر خرجوا من ديارهم فرارا من الموت فأماتهم الله تعالى ثم أحياهم ؛ ليروا هم وكل من خلف من بعدهم أن الإماتة إنما هي بيد الله تعالى لا بيد غيره، فلا معنى لخوف خائف ولا لاغترار مغتر. وجعل الله هذه الآية مقدمة بين يدي أمرة المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالجهاد، هذا قول الطبري وهو ظاهر رصف[(٢)](#foonote-٢) الآية. 
قوله تعالى :" وهم ألوف " [(٣)](#foonote-٣) قال الجمهور : هي جمع ألف. قال بعضهم : كانوا ستمائة ألف. وقيل : كانوا ثمانين ألفا. ابن عباس : أربعين ألفا. أبو مالك : ثلاثين ألفا. السدي : سبعة وثلاثين ألفا. وقيل : سبعين ألفا، قاله عطاء بن أبي رباح. وعن ابن عباس أيضا أربعين ألفا، وثمانية آلاف، رواه عنه ابن جريج. وعنه أيضا ثمانية آلاف، وعنه أيضا أربعة آلاف، وقيل : ثلاثة آلاف. والصحيح أنهم زادوا على عشرة آلاف لقوله تعالى :" وهم ألوف " وهو جمع الكثرة، ولا يقال في عشرة فما دونها ألوف. وقال ابن زيد في لفظة ألوف : إنما معناها وهم مؤتلفون، أي لم تخرجهم فرقة قومهم ولا فتنة بينهم إنما كانوا مؤتلفين، فخالفت هذه الفرقة فخرجت فرارا من الموت وابتغاء الحياة بزعمهم، فأماتهم الله في منجاهم بزعمهم. فألوف على هذا جمع آلف، مثل جالس وجلوس. قال ابن العربي : أماتهم الله تعالى مدة[(٤)](#foonote-٤) عقوبة لهم ثم أحياهم، وميتة العقوبة بعدها حياة، وميتة الأجل لا حياة بعدها. قال مجاهد : إنهم لما أحيوا رجعوا إلى قومهم يعرفون أنهم كانوا[(٥)](#foonote-٥) موتى ولكن سحنة الموت على وجوههم، ولا يلبس أحد منهم ثوبا إلا عاد كفنا دَسِما[(٦)](#foonote-٦) حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم. ابن جريج عن ابن عباس : وبقيت الرائحة على ذلك السبط من بني إسرائيل إلى اليوم. وروي أنهم كانوا بواسط العراق. ويقال : إنهم أحيوا بعد أن أنتنوا، فتلك الرائحة موجودة في نسلهم إلى اليوم. 
الثانية : قوله تعالى :" حذر الموت " أي لحذر الموت، فهو نصب لأنه مفعول له. و " موتوا " أمر تكوين، ولا يبعد أن يقال : نودوا وقيل لهم : موتوا. وقد حكي أن ملكين صاحا بهم : موتوا فماتوا، فالمعنى قال لهم الله بواسطة الملكين " موتوا "، والله أعلم. 
الثالثة : أصح هذه الأقوال وأبينها[(٧)](#foonote-٧) وأشهرها أنهم خرجوا فرارا من الوباء ؛ رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : خرجوا فرارا من الطاعون فماتوا، فدعا الله نبي من الأنبياء أن يحييهم حتى يعبدوه فأحياهم الله. وقال عمرو بن دينار في هذه الآية : وقع الطاعون في قريتهم فخرج أناس وبقي أناس، ومن خرج أكثر ممن بقي، قال : فنجا الذين خرجوا ومات الذين أقاموا، فلما كانت الثانية خرجوا بأجمعهم إلا قليلا فأماتهم الله ودوابهم، ثم أحياهم فرجعوا إلى بلادهم وقد توالدت ذريتهم. وقال الحسن : خرجوا حذارا من الطاعون فأماتهم الله ودوابهم في ساعة واحدة، وهم أربعون ألفا. 
قلت : وعلى هذا تترتب الأحكام في هذه الآية. فروى الأئمة واللفظ للبخاري من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه سمع أسامة بن زيد يحدث سعدا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الوجع[(٨)](#foonote-٨) فقال :( رجز أو عذاب عذب به بعض الأمم، ثم بقي منه بقية فيذهب المرة ويأتي الأخرى، فمن سمع به بأرض فلا يقدمن عليه ومن كان بأرض وقع بها فلا يخرج فرارا منه ) وأخرجه أبو عيسى الترمذي فقال حدثنا قتيبة أنبأنا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن عامر بن سعد عن أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الطاعون فقال :( بقية رجز أو عذاب أرسل على طائفة من بني إسرائيل فإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها وإذا وقع بأرض ولستم بها فلا تهبطوا عليها ) قال : حديث حسن صحيح. وبمقتضى هذه الأحاديث عمل عمر والصحابة رضوان الله عليهم لما رجعوا من سَرْغ[(٩)](#foonote-٩) حين أخبرهم عبدالرحمن بن عوف بالحديث، على ما هو مشهور في الموطأ وغيره. وقد كره قوم الفرار من الوباء والأرض السقيمة، روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : الفرار من الوباء كالفرار من الزحف. وقصة عمر في خروجه إلى الشام مع أبي عبيدة معروفة، وفيها : أنه رجع. وقال الطبري : في حديث سعد دلالة على أن على المرء توقي المكاره قبل نزولها، وتجنب الأشياء المخوفة قبل هجومها، وأن عليه الصبر وترك الجزع بعد نزولها، وذلك أنه عليه السلام نهى من لم يكن في أرض الوباء عن دخولها إذا وقع فيها، ونهى من هو فيها عن الخروج منها بعد وقوعه فيها فرارا منه، فكذلك الواجب أن يكون حكم كل متق من الأمور غوائلها، سبيله في ذلك سبيل الطاعون. وهذا المعنى نظير قوله عليه السلام :( لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا ). 
قلت : وهذا هو الصحيح في الباب، وهو مقتضى قول الرسول عليه السلام، وعليه عمل أصحابه البررة الكرام رضي[(١٠)](#foonote-١٠) الله عنهم، وقد قال عمر لأبي عبيدة محتجا عليه لما قال له : أفرارا من قدر الله فقال عمر : لو غيرك قالها يا أبا عبيدة نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله. المعنى : أي لا محيص للإنسان عما قدره الله له وعليه، ولكن أمرنا الله تعالى بالتحرز من المخاوف والمهلكات[(١١)](#foonote-١١)، وباستفراغ الوسع في التوقي من المكروهات. ثم قال له : أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت واديا له عدوتان[(١٢)](#foonote-١٢) إحداهما خصبة[(١٣)](#foonote-١٣) والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله عز وجل. فرجع عمر من موضعه ذلك إلى المدينة. قال الكيا الطبري : ولا نعلم خلافا أن الكفار أو قطاع الطريق إذا قصدوا بلدة ضعيفة لا طاقة لأهلها بالقاصدين فلهم أن يتنحوا[(١٤)](#foonote-١٤) من بين أيديهم، وإن كانت الآجال المقدرة لا تزيد ولا تنقص. وقد قيل : إنما نهي عن الفرار منه لأن الكائن بالموضع الذي الوباء فيه لعله قد أخذ بحظ منه، لاشتراك أهل ذلك الموضوع في سبب ذلك المرض العام، فلا فائدة لفراره، بل يضيف إلى ما أصابه من مبادئ الوباء مشقات السفر، فتتضاعف الآلام ويكثر الضرر فيهلكون بكل طريق ويطرحون في كل فجوة ومضيق، ولذلك يقال : ما فر أحد من الوباء فسلم، حكاه ابن المدائني. ويكفي[(١٥)](#foonote-١٥) في ذلك موعظة قوله تعالى :" ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا " ولعله إن فر ونجا يقول : إنما نجوت من أجل خروجي عنه فيسوء اعتقاده. وبالجملة فالفرار منه ممنوع لما ذكرناه، ولما فيه من تخلية البلاد : ولا تخلو من مستضعفين يصعب عليهم الخروج منها، ولا يتأتى لهم ذلك، ويتأذون بخلو البلاد من المياسير الذين كانوا أركانا للبلاد ومعونة للمستضعفين. وإذا كان الوباء بأرض فلا يقدم عليه أحد أخذا بالحزم والحذر والتحرز من مواضع الضرر، ودفعا للأوهام المشوشة لنفس الإنسان ؛ وفي الدخول عليه الهلاك، وذلك لا يجوز في حكم الله تعالى، فإن صيانة النفس عن المكروه واجبة، وقد يخاف عليه من سوء الاعتقاد بأن يقول : لولا دخولي في هذا المكان لما نزل بي مكروه. فهذه فائدة النهي عن دخول أرض بها الطاعون أو الخروج منها، والله أعلم. وقد قال ابن مسعود : الطاعون فتنة على المقيم والفار ؛ فأما الفار فيقول : فبفراري نجوت، وأما المقيم فيقول : أقمت فمت، وإلى نحو هذا أشار مالك حين سئل عن كراهة النظر إلى المجذوم فقال : ما سمعت فيه بكراهة، وما أرى ما جاء من النهي عن ذلك إلا خيفة أن يفزعه أو يخيفه شيء يقع في نفسه، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الوباء :( إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه ). وسئل أيضا عن البلدة يقع فيها الموت وأمراض، فهل يكره الخروج منها ؟ فقال : ما أرى بأسا خرج أو أقام. 
الرابعة : في قوله عليه السلام :( إذا وقع الوباء بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه ). دليل على أنه يجوز الخروج من بلدة الطاعون على غير سبيل الفرار منه، إذا اعتقد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وكذلك حكم الداخل إذا أيقن أن دخولها[(١٦)](#foonote-١٦) لا يجلب إليه قدرا لم يكن الله قدره له، فباح له الدخول إليه والخروج منه على هذا الحد الذي ذكرناه، والله أعلم. 
الخامسة : في فضل الصبر على الطاعون وبيانه. الطاعون وزنه فاعول من الطعن، غير أنه لما عدل به عن أصله وضع دالا على الموت العام بالوباء، قاله الجوهري. ويروى من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( فناء أمتي بالطعن والطاعون ) قالت : الطعن قد عرفناه فما الطاعون ؟ قال :( غدة كغدة[(١٧)](#foonote-١٧) البعير تخرج في المَراق[(١٨)](#foonote-١٨) والآباط ). قال العلماء : وهذا الوباء قد يرسله الله نقمة وعقوبة على من يشاء من العصاة من عبيده وكفرتهم، وقد يرسله شهادة ورحمة للصالحين، كما قال معاذ في طاعون عمواس[(١٩)](#foonote-١٩) : إنه شهادة ورحمة لكم ودعوة نبيكم، اللهم أعط معاذا وأهله نصيبهم من رحمتك. فطعن في كفه رضي الله عنه. قال أبو قلابة : قد عرفت الشهادة والرحمة ولم أعرف ما دعوة نبيكم ؟ فسألت عنها فقيل : دعا عليه السلام أن يجعل فناء أمته بالطعن والطاعون حين دعا ألا يجعل بأس أمته بينهم فمنعها فدعا بهذا. ويروى من حديث جابر وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( الفار من الطاعون كالفار من الزحف والصابر فيه كالصابر في الزحف ). وفي البخاري عن يحيى بن يعمر عن عائشة أنها أخبرته أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون فأخبرها نبي الله صلى الله عليه وسلم :( أنه كان عذابا يبعثه الله على من يشاء فجعله الله رحمة للمؤمنين فليس من عبد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد ). وهذا تفسير لقوله عليه الصلاة والسلام :( الطاعون شهادة والمطعون شهيد ). أي الصابر علي١ - داوردان (بفتح الواو وسكون الراء وآخره نون): من نواحي شرقي واسط بينهما فرسخ. (معجم ياقوت). وفي ابن عطية: ذاوردان: بذال معجمة..
٢ -في ابن عطية و ز: رصف وباقي الأصول: وصف..
٣ - في ز: الثانية "وهم ألوف" ثم جعل المسائل سبعا، وقد نص عليها ستا كما في غيرها من النسخ..
٤ - زيادة عن كتاب أحكام القرآن لابن العربي..
٥ - زيادة عن الطبري..
٦ - الدسم: الدنس وهو الودك والوساخة..
٧ -من ز..
٨ - ورد الحديث في البخاري في كتاب الطب بلفظ الطاعون وفي كتاب الحيل بالوجع.
 .
٩ - سرغ: قرية بوادي تبوك من طريق الشام وهي على ثلاث عشرة مرحلة من المدينة..
١٠ - من هـ..
١١ - من ز، وفي الأصول الأخرى: الهلكات..
١٢ - العدوة (بضم العين وكسرها وسكون الدل) شاطئ الوادي وحافته..
١٣ - في البخاري: خصيبة، قال ابن حجر: بوزن عظيمة..
١٤ - من هـ: وفيها: ينجوا..
١٥ - في هـ و ز و ج: من..
١٦ - في جـ و حـ: أن دخوله..
١٧ - الغدة: طاعون الإبل، وقلما تسلم منه..
١٨ - المراق: ما سفل من البطن فما تحته من المواضع التي ترق جلودا، واحدها مرق، وقال الجوهري: لا واحد لها..
١٩ - عمواس (روى بكسر أوله وسكون ثانيه، وروى بفتح أوله وثانيه وآخره سين مهملة): كورة من فلسطين بالقرب من بيت المقدس، ومنها كان ابتداء الطاعون في أيام عمر رضي الله عنه، ثم فشا في أرض الشام فمات منه خلق كثير لا يحصون من الصحابة رضي الله عنهم ومن غيرهم، وذلك في سنة ١٨ للهجرة..

### الآية 2:244

> ﻿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [2:244]

هذا خطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بالقتال في سبيل الله في قول الجمهور. وهو الذي ينوى به أن تكون كلمة الله هي العليا. وسبل الله كثيرة فهي عامة في كل سبيل، قال الله تعالى :" قل هذه سبيلي " [(١)](#foonote-١) \[ يوسف : ١٠٨ \]. قال مالك : سبل الله كثيرة، وما من سبيل إلا يقاتل عليها أو فيها أو لها، وأعظمها دين الإسلام، لا خلاف في هذا. وقيل : الخطاب للذين أحيوا من بني إسرائيل، وروي عن ابن عباس والضحاك. والواو على هذا في قوله " وقاتلوا " عاطفة على الأمر المتقدم، وفي الكلام متروك تقديره : وقال لهم قاتلوا. وعلى القول الأول عاطفة جملة كلام على جملة ما تقدم، ولا حاجة إلى إضمار في الكلام. قال النحاس :" وقاتلوا " أمر من الله تعالى للمؤمنين ألا تهربوا كما هرب هؤلاء. " واعلموا أن الله سميع عليم " أي يسمع قولكم إن قلتم مثل ما قال هؤلاء ويعلم مرادكم به، وقال الطبري : لا وجه لقول من قال : إن الأمر بالقتال للذين أحيوا. والله أعلم.

١ - راجع جـ٩ ص ٢٧٤.

### الآية 2:245

> ﻿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [2:245]

**فيه إحدى عشرة مسألة :**
الأولى : قوله تعالى :" من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا " لما أمر الله تعالى بالجهاد والقتال على الحق - إذ ليس شيء من الشريعة إلا ويجوز القتال عليه وعنه، وأعظمها دين الإسلام كما قال مالك - حرض على الإنفاق في ذلك. فدخل في هذا الخبر المقاتل في سبيل الله، فإنه يقرض به رجاء الثواب كما فعل عثمان رضي الله عنه في جيش العسرة[(١)](#foonote-١). و " من " رفع بالابتداء، و " ذا " خبره، و " الذي " نعت لذا، وإن شئت بدل. ولما نزلت هذه الآية بادر أبو الدحداح إلى التصدق بماله ابتغاء ثواب ربه. أخبرنا الشيخ الفقيه الإمام المحدث القاضي أبو عامر[(٢)](#foonote-٢) يحيى بن عامر بن أحمد بن منيع الأشعري نسبا ومذهبا بقرطبة - أعادها الله - في ربيع الآخر عام ثمانية وعشرين وستمائة قراءة مني عليه قال : أخبرنا أبي إجازة قال : قرأت على أبي بكر عبدالعزيز بن خلف بن مدين الأزدي عن أبي عبدالله بن سعدون سماعا عليه، قال : حدثنا أبو الحسن علي بن مهران قال : حدثنا أبو الحسن محمد بن عبدالله بن زكريا بن حيوة النيسابوري سنة ست وستين وثلاثمائة، قال : أنبأنا عمي أبو زكريا يحيى بن زكريا قال : حدثنا محمد بن معاوية بن صالح قال : حدثنا خلف بن خليفة عن حميد[(٣)](#foonote-٣) الأعرج عن عبدالله بن الحارث عن عبدالله بن مسعود قال : لما نزلت :" من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا " قال أبو الدحداح : يا رسول الله أو إن الله تعالى يريد منا القرض ؟ قال :( نعم يا أبا الدحداح ) قال : أرني يدك، قال فناوله، قال : فإني أقرضت الله حائطا فيه ستمائة نخلة. ثم جاء يمشي حتى أتى الحائط وأم الدحداح فيه وعياله، فناداها : يا أم الدحداح، قالت : لبيك، قال : اخرجي، قد أقرضت ربي عز وجل حائطا فيه ستمائة نخلة. وقال زيد بن أسلم : لما نزل :" من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا " قال أبو الدحداح : فداك أبي وأمي يا رسول الله إن الله يستقرضنا وهو غني عن القرض ؟ قال :( نعم يريد أن يدخلكم الجنة به ). قال : فإني إن أقرضت ربي قرضا يضمن لي به ولصبيتي الدحداحة معي الجنة ؟ قال :( نعم ) قال : فناولني يدك، فناوله رسوله الله صلى الله عليه وسلم يده : فقال : إن لي حديقتين إحداهما بالسافلة والأخرى بالعالية، والله لا أملك غيرهما، قد جعلتهما قرضا لله تعالى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( اجعل إحداهما لله والأخرى دعها معيشة لك ولعيالك ) قال : فأشهدك يا رسول الله أني قد جعلت خيرهما لله تعالى، وهو حائط فيه ستمائة نخلة. قال :( إذا يجزيك الله به الجنة ). فانطلق أبو الدحداح حتى جاء أم الدحداح وهي مع صبيانها في الحديقة تدور تحت النخل فأنشأ يقول :هداك ربي سبل الرشاد  إلى سبيل الخير والسدادبِينِي من الحائط بالوداد  فقد مضى قرضا إلى التَّنِادأقرضته الله على اعتمادي  بالطوع لا مَنٍّ ولا ارتداد[(٤)](#foonote-٤)إلا رجاء الضِّعْفِ في المعاد  فارتحلي بالنفس والأولادوالبرّ لا شك فخير زاد  قدمه المرء إلى المعادقالت أم الدحداح : ربح بيعك بارك الله لك فيما اشتريت، ثم أجابته أم الدحداح وأنشأت تقول :بشرك الله بخير وفرح  مثلك أدى ما لديه ونصحقد متع الله عيالي ومنح  بالعجوة السوداء والزَّهْوِ البلحوالعبدُ يسعى وله ما قد كَدَح  طولَ الليالي وعليه ما اجْتَرَحثم أقبلت أم الدحداح على صبيانها تخرج ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامهم حتى أفضت إلى الحائط الآخر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( كم من عذق[(٥)](#foonote-٥) رداح ودار[(٦)](#foonote-٦) فياح لأبي الدحداح ). 
الثانية : قال ابن العربي :" انقسم الخلق بحكم الخالق وحكمته وقدرته ومشيئته وقضائه وقدره حين سمعوا هذه الآية أقساما، فتفرقوا فرقا ثلاثة : الفرقة الأولى الرَّذْلَى قالوا : إن رب محمد محتاج فقير إلينا ونحن أغنياء، فهذه جهالة لا تخفى على ذي لب، فرد الله عليهم بقوله :" لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء " [(٧)](#foonote-٧) \[ آل عمران : ١٨١ \]. 
الفرقة الثانية : لما سمعت هذا القول آثرت الشح والبخل وقدمت الرغبة في المال فما أنفقت في سبيل الله ولا فكت أسيرا ولا أعانت[(٨)](#foonote-٨) أحدا تكاسلا عن الطاعة وركونا إلى هذه الدار. 
الفرقة[(٩)](#foonote-٩) الثالثة : لما سمعت بادرت إلى امتثاله وآثر المجيب منهم بسرعة بماله كأبي الدحداح رضي الله عنه وغيره. والله أعلم. 
الثالثة : قوله تعالى :" قرضا حسنا " القرض : اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء وأقرض فلان فلانا أي أعطاه ما يتجازاه قال الشاعر وهو لبيد :وإذا جُوزيت قرضا فاجْزِه  إنما يَجْزِي الفتى ليس الجَمَلوالقرض بالكسر لغة فيه حكاها الكسائي. واستقرضت من فلان أي طلبت منه القرض فأقرضني. واقترضت منه أي أخذت القرض. وقال الزجاج : القرض في اللغة البلاء الحسن والبلاء السيئ قال أمية :كل امرئ سوف يُجْزى قرضَه حسنا  أو سيئا ومَدينًا مثلَ ما دانا**وقال آخر :**تُجَازى القروضُ بأمثالها  فبالخير خيرا وبالشر شرّاًوقال الكسائي : القرض ما أسلفت من عمل صالح أو سيئ. وأصل الكلمة القطع، ومنه المقراض. وأقرضته أي قطعت له من مالي قطعة يجازي عليها. وانقرض القوم : انقطع أثرهم وهلكوا. والقرض ههنا : اسم، ولولاه لقال ههنا[(١٠)](#foonote-١٠) إقراضا. واستدعاء القرض في هذه الآية إنما هي تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه، والله هو الغني الحميد، لكنه تعالى شبه عطاء المؤمن في الدنيا بما يرجو به ثوابه في الآخرة بالقرض كما شبه إعطاء النفوس والأموال في أخذ الجنة بالبيع والشراء. حسب ما يأتي بيانه في " براءة " [(١١)](#foonote-١١) إن شاء الله تعالى. وقيل المراد بالآية الحث على الصدقة وإنفاق المال على الفقراء والمحتاجين والتوسعة عليهم، وفي سبيل الله بنصرة الدين. وكنى الله سبحانه عن الفقير بنفسه العلية المنزهة عن الحاجات ترغيبا في الصدقة، كما كنى عن المريض والجائع والعطشان بنفسه المقدسة عن النقائص والآلام. ففي صحيح الحديث إخبارا عن الله تعالى :( يا ابن آدم مرضت فلم تعدني واستطعمتك فلم تطعمني واستسقيتك فلم تسقني ) قال يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين ؟ قال :( استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي ) وكذا فيما قبل، أخرجه مسلم والبخاري وهذا كله خرج مخرج التشريف لمن كنى عنه ترغيبا لمن خوطب به. 
الرابعة : يجب على المستقرض رد القرض ؛ لأن الله تعالى بين أن من أنفق في سبيل الله لا يضيع عند الله تعالى بل يرد الثواب قطعا وأبهم الجزاء. وفي الخبر :( النفقة في سبيل الله تضاعف إلى سبعمائة ضعف وأكثر ) على ما يأتي بيانه في هذه السورة عند قوله تعالى :" مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل " \[ البقرة : ٢٦١ \] الآية[(١٢)](#foonote-١٢). وقال ههنا :" فيضاعفه له أضعافا كثيرة " وهذا لا نهاية له ولا حد. 
الخامسة : ثواب القرض عظيم ؛ لأن فيه توسعة على المسلم وتفريجا عنه. خرج ابن ماجه في سننه عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوبا الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر فقلت لجبريل : ما بال القرض أفضل من الصدقة قال : لأن السائل يسأل وعنده، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة ). قال : حدثنا محمد بن خلف العسقلاني حدثنا يعلى حدثنا سليمان بن يسير عن قيس بن رومي قال : كان سليمان بن أذنان[(١٣)](#foonote-١٣) يقرض علقمة ألف درهم إلى عطائه، فلما خرج عطاؤه تقاضاها منه، واشتد عليه فقضاه، فكأن علقمة غضب فمكث أشهرا[(١٤)](#foonote-١٤) ثم أتاه فقال : أقرضني ألف درهم إلى عطائي، قال : نعم وكرامة يا أم عتبة هلمي تلك الخريطة المختومة التي عندك، قال : فجاءت بها، فقال : أما والله إنها لدراهمك التي قضيتني ما حركت منها درهما واحدا، قال : فلله أبوك ؟ ما حملك على ما فعلت بي ؟ قال : ما سمعت منك، قال : ما سمعت مني ؟ قال : سمعتك تذكر عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرتين إلا كان كصدقتها مرة ) قال : كذلك أنبأني ابن مسعود. 
السادسة : قرض الآدمي للواحد واحد، أي يرد عليه مثل ما أقرضه. وأجمع أهل العلم على أن استقراض الدنانير والدراهم والحنطة والشعير والتمر والزبيب وكل ما له مثل من سائر الأطعمة جائز. وأجمع المسلمون نقلا عن نبيهم صلى الله عليه وسلم أن اشتراط الزيادة في السلف ربا ولو كان قبضة من علف - كما قال ابن مسعود - أو حبة واحدة. ويجوز أن يرد أفضل مما يستلف إذا لم يشترط ذلك عليه ؛ لأن ذلك من باب المعروف ؛ استدلالا بحديث أبي هريرة في البكر :( إن خياركم أحسنكم قضاء ) رواه الأئمة : البخاري ومسلم وغيرهما. فأثنى صلى الله عليه وسلم على من أحسن القضاء، وأطلق ذلك ولم يقيده بصفة. وكذلك قضى هو صلى الله عليه وسلم في البكر وهو الفتي المختار من الإبل جملا خيارا رباعيا، والخيار : المختار، والرباعي هو الذي دخل في السنة الرابعة ؛ لأنه يلقي فيها رباعيته وهي التي تلي الثنايا وهي أربع رباعيات - مخففة الباء - وهذا الحديث دليل على جواز قرض الحيوان، وهو مذهب الجمهور، ومنع من ذلك أبو حنيفة وقد تقدم. 
السابعة : ولا يجوز أن يهدي من استقرض هدية للمقرض، ولا يحل للمقرض قبولها إلا أن يكون عادتهما ذلك، بهذا جاءت السنة : خرج ابن ماجه حدثنا هشام بن عمار قال : حدثنا إسماعيل بن عياش حدثنا عتبة بن حميد الضبي عن يحيى بن أبي إسحاق الهنائي قال : سألت أنس بن مالك عن الرجل منا يقرض أخاه المال فيهدي إليه ؟ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إذا أقرض أحدكم أخاه قرضا فأهدى له أو حمله على دابته فلا يقبلها ولا يركبها إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبله ذلك ). 
الثامنة : القرض يكون من المال - وقد بينا حكمه - ويكون من العِرض، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم :( أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من بيته قال : اللهم إني قد تصدقت بعِرضي على عبادك ). وروي عن ابن عمر : أقرض من عرضك ليوم فقرك، يعني من سبك فلا تأخذ منه حقا ولا تقم عليه حدا حتى تأتي يوم القيامة موفر الأجر. وقال أبو حنيفة : لا يجوز التصدق بالعِرض لأنه حق الله تعالى، وروي عن مالك. ابن العربي : وهذا فاسد، قال عليه السلام في الصحيح :( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام. . . ) الحديث. وهذا يقتضي أن تكون هذه المحرمات الثلاث تجري مجرى واحدا في كونها باحترامها حقا للآدمي. 
التاسعة : قوله تعالى :" حسنا " قال الواقدي : محتسبا طيبة به نفسه. وقال عمرو بن عثمان الصدفي : لا يمن به ولا يؤذي. وقال سهل بن عبدالله : لا يعتقد في قرضه عوضاً. 
العاشرة : قوله تعالى :" فيضاعفه له أضعافا كثيرة " قرأ عاصم وغيره " فيضاعفه " بالألف ونصب الفاء. وقرأ ابن عامر ويعقوب بالتشديد في العين مع سقوط الألف ونصب الفاء. وقرأ ابن كثير وأبو جعفر وشيبة بالتشديد ورفع الفاء. وقرأ الآخرون بالألف ورفع الفاء. فمن رفعه نسقه على قوله :" يقرض " وقيل : على تقدير هو يضاعفه. ومن نصب فجوابا للاستفهام بالفاء. وقيل : بإضمار " أن " والتشديد والتخفيف لغتان. دليل التشديد " أضعافا كثيرة " لأن التشديد للتكثير. وقال الحسن والسدي : لا نعلم هذا التضعيف إلا لله وحده، لقوله تعالى :" ويؤت من لدنه أجرا عظيما " [(١٥)](#foonote-١٥) \[ النساء : ٤٠ \]. ق١ - جيش العسرة: في غزوة تبوك، كان في عسرة وشدة من الحر وجدب البلاد، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاز وحض الأغنياء على النفقة في سبيل الله، فأنفق عثمان رضي الله عنه في ذلك نفقة عظيمة. ابن هشام: حدثني من أثق به أن عثمان أنفق ألف دينار غير الإبل والزاد وما يتعلق بذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض"..
٢ - في جـ و هـ و ز: "أبو عامر يحيى بن أحمد بن ربيع الأشعري"..
٣ - في جميع الأصول: عن الأعرج، وليس بصحيح؛ لأن حميد الأعرج الكوفي هو الراوي عن ابن الحارث وعنه خلف بن خليفة..
٤ - في هـ: ازدياد..
٥ - العذق (بفتح فسكون): النخلة. وبكسر فسكون: العرجون بما فيه من الشماريخ. ورداح ثقيلة..
٦ - الفياح (بالتشديد والتخفيف): الواسع..
٧ - راجع جـ٤ ص ٢٩٤..
٨ - في ابن العربي: أغاثت..
٩ - في ابن العربي..
١٠ - الزيادة من ز، وفي هـ لقالوا إقراضا..
١١ - راجع جـ٨ ص ٢٦٦..
١٢ - راجع ص ٣٠٢ من هذا الجزء..
١٣ - في التاج: سليمان بن أذنان (مثنى أذن) وعلقمة: هو ابن قيس النخعي الكوفي، والحديث كما في السنن..
١٤ - الحديث مصحح من ابن ماجه وفي الأصول خلاف له..
١٥ - راجع جـ٥ ص ١٩٥..

### الآية 2:246

> ﻿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [2:246]

ذكر في التحريض على القتال قصة أخرى جرت في بني إسرائيل. والملأ : الأشراف من الناس، كأنهم ممتلئون شرفا. وقال الزجاج : سموا بذلك لأنهم ممتلئون مما يحتاجون إليه منهم. والملأ في هذه الآية القوم ؛ لأن المعنى يقتضيه. والملأ : اسم للجمع كالقوم والرهط. والملأ أيضا : حسن الخلق، ومنه الحديث ( أحسنوا الملأ فكلكم سيروى ) خرجه مسلم. 
قوله تعالى :" من بعد موسى " أي من بعد وفاته. " إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله " قيل : هو شمويل بن بال[(١)](#foonote-١) بن علقمة ويعرف بابن العجوز. ويقال فيه : شمعون، قاله السدي : وإنما قيل : ابن العجوز لأن أمه كانت عجوزا فسألت الله الولد وقد كبرت وعقمت فوهبه الله تعالى لها. ويقال له : سمعون لأنها دعت الله أن يرزقها الولد فسمع دعاءها فولدت غلاما فسمته " سمعون "، تقول : سمع الله دعائي، والسين تصير شينا بلغة العبرانية، وهو من ولد يعقوب. وقال مقاتل : هو من نسل هارون عليه السلام. وقال قتادة : هو يوشع بن نون. قال ابن عطية : وهذا ضعيف لأن مدة داود هي من بعد موسى بقرون من الناس، ويوشع هو فتى موسى. وذكر المحاسبي أن اسمه إسماعيل، والله أعلم. وهذه الآية هي خبر عن قوم من بني إسرائيل نالتهم ذلة وغلبة عدو فطلبوا الإذن في الجهاد وأن يؤمروا به، فلما أمروا كعَّ[(٢)](#foonote-٢) أكثرهم وصبر الأقل فنصرهم الله. وفي الخبر أن هؤلاء المذكورين هم الذين أميتوا ثم أحيوا، والله أعلم. 
قوله تعالى :" نقاتل " بالنون والجزم وقراءة جمهور القراء على جواب الأمر. وقرأ الضحاك وابن أبي عبلة بالياء ورفع الفعل، فهو في موضع الصفة للملك. 
قوله تعالى :" قال هل عسيتم " و " عسيتم " بالفتح والكسر لغتان، وبالثانية قرأ نافع، والباقون بالأولى وهي الأشهر. قال أبو حاتم : وليس للكسر وجه، وبه قرأ الحسن وطلحة. قال مكي في اسم الفاعل : عس، فهذا يدل على كسر السين في الماضي. والفتح في السين هي اللغة الفاشية. قال أبو علي : ووجه الكسر قول العرب : هو عسٍ بذلك، مثل حرٍ وشجٍ، وقد جاء فعل وفعل في نحو نعم ونعم، وكذلك عَسَيت وعَسِيت، فإن أسند الفعل إلى ظاهر فقياس عسيتم أن يقال : عَسِيَ زيد، مثل رضي زيد، فإن قيل فهو القياس وإن لم يقل، فسائغ أن يؤخذ باللغتين فتستعمل إحداهما موضع الأخرى. ومعنى هذه المقالة : هل أنتم قريب من التولي والفرار ؟ " إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا " قال الزجاج :" ألا تقاتلوا " في موضع نصب، أي هل عسيتم مقاتلة. " قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله " قال الأخفش :" أن " زائدة. وقال الفراء : هو محمول على المعنى، أي وما منعنا، كما تقول : ما لك ألا تصلي ؟ أي ما منعك. وقيل : المعنى وأي شيء لنا في ألا نقاتل في سبيل الله قال النحاس : وهذا أجودها. " وأن " في موضع نصب. " وقد أخرجنا من ديارنا " تعليل، وكذلك " وأبنائنا " أي بسبب ذرارينا. 
قوله تعالى :" فلما كتب عليهم القتال " أي فرض عليهم. " القتال تولوا " أخبر تعالى أنه لما فرض عليهم القتال ورأوا الحقيقة ورجعت أفكارهم إلى مباشرة الحرب وأن نفوسهم، ربما قد تذهب " تولوا " أي اضطربت نياتهم وفترت عزائمهم، وهذا شأن الأمم المتنعمة المائلة إلى الدعة تتمنى الحرب أوقات الأنفة، فإذا حضرت الحرب كَعَّت وانقادت لطبعها. وعن هذا المعنى نهى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله :( لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فأثبتوا ) رواه الأئمة. ثم أخبر الله تعالى عن قليل منهم أنهم ثبتوا على النية الأولى واستمرت عزيمتهم على القتال في سبيل الله تعالى.

١ - كذا في جـ و ز وحـ. وفي هـ: نال. وفي: بان. والذي في الطبري وابن عطية: "بالى"..
٢ - يقال: رجل كع وكاع إذا جبن عن القتال. وقيل: هو الذي لا يمضي في عزم ولا حزم وهو الناكص على عقبيه..

### الآية 2:247

> ﻿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [2:247]

قوله تعالى :" وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا " أي أجابكم إلى ما سألتم، وكان طالوت سَقَّاءً. وقيل : دباغا. وقيل : مكاريا، وكان عالما فلذلك رفعه الله على ما يأتي : وكان من سبط بنيامين ولم يكن من سبط النبوة ولا من سبط الملك، وكانت النبوة في بني لاوى، والملك في سبط يهوذا فلذلك أنكروا. قال وهب بن منبه : لما قال الملأ من بني إسرائيل لشمويل بن بال ما قالوا، سأل الله تعالى أن يبعث إليهم ملكا ويدله عليه، فقال الله تعالى له : انظر إلى القرن[(١)](#foonote-١) الذي فيه الدهن في بيتك، فإذا دخل عليك رجل فنَشّ الدهن[(٢)](#foonote-٢) الذي في القرن، فهو ملك بني إسرائيل فأدهن رأسه منه وملكه عليهم. قال : وكان طالوت دباغا فخرج في ابتغاء دابة أضلها، فقصد شمويل عسى أن يدعو له في أمر الدابة أو يجد عنده فرجا، فنَشَّ الدهن على[(٣)](#foonote-٣) ما زعموا، قال : فقام إليه شمويل فأخذه ودهن منه رأس طالوت، وقال له : أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله تعالى بتقديمه، ثم قال لبني إسرائيل :" إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا ". وطالوت وجالوت اسمان أعجميان معربان ؛ ولذلك، لم ينصرفا، وكذلك داود، والجمع طواليت وجواليت ودوايد، ولو سميت رجلا بطاوس وراقود[(٤)](#foonote-٤) لصرفت وإن كان أعجميين. والفرق بين هذا والأول أنك تقول : الطاوس، فتدخل الألف واللام فيمكن في العربية ولا يمكن هذا في ذاك. 
قوله تعالى :" أنى يكون له الملك علينا " أي كيف يملكنا ونحن أحق بالملك منه. جروا على سنتهم في تعنيتهم الأنبياء وحيدهم عن أمر الله تعالى فقالوا :" أنى " أي من أي جهة، ف " أنى " في موضع نصب على الظرف، ونحن من سبط الملوك وهو ليس كذلك وهو فقير، فتركوا السبب الأقوى وهو قدر الله تعالى وقضاؤه السابق حتى احتج عليهم نبيهم بقوله :" إن الله اصطفاه " أي اختاره وهو الحجة القاطعة، وبين لهم مع ذلك تعليل اصطفاء طالوت، وهو بسطته في العلم الذي هو مِلاك الإنسان، والجسم الذي هو معينه في الحرب وعدته عند اللقاء، فتضمنت بيان صفة الإمام وأحوال الإمامة، وإنها مستحقة بالعلم والدين والقوة لا بالنسب، فلا حظ للنسب فيها مع العلم وفضائل النفس وأنها متقدمة عليه ؛ لأن الله تعالى أخبر أنه اختاره عليهم لعلمه وقوته، وإن كانوا أشرف منتسبا. وقد مضى في أول السورة من ذكر الإمامة وشروطها ما يكفي ويغني[(٥)](#foonote-٥). وهذه الآية أصل فيها. قال ابن عباس : كان طالوت يومئذ أعلم رجل في بني إسرائيل وأجمله وأتمه، وزيادة الجسم مما يهيب العدو. وقيل : سمى طالوت لطوله. وقيل : زيادة الجسم كانت بكثرة معاني الخير والشجاعة، ولم يرد عظم الجسم، ألم تر إلى قول الشاعر[(٦)](#foonote-٦) :

ترى الرجل النحيف فتَزْدَريه  وفي أثوابه أَسَدٌ هَصُورُ[(٧)](#foonote-٧)ويعجبك الطَّرِيرُ فتبتليه  فيُخْلِفُ ظنك الرجلُ الطريرُ[(٨)](#foonote-٨)وقد عظم البعير بغير لُبٍّ  فلم يستغن بالعِظَمِ البعيرقلت : ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم لأزواجه :( أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدا ) فكن يتطاولن، فكانت زينب أولهن موتا ؛ لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق، خرجه مسلم. وقال بعض المتأولين : المراد بالعلم علم الحرب، وهذا تخصيص العموم من غير دليل. وقد قيل : زيادة العلم بأن أوحى الله إليه، وعلى هذا كان طالوت نبيا، وسيأتي. 
قوله تعالى :" والله يؤتي ملكه من يشاء " ذهب بعض المتأولين إلى أن هذا من قول الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل : هو من قول شمويل وهو الأظهر. قال لهم ذلك لما علم من تعنتهم وجدالهم في الحجج، فأراد إن يتمم كلامه بالقطعي الذي لا اعتراض عليه فقال الله تعالى :" والله يؤتي ملكه من يشاء ". وإضافة ملك الدنيا إلى الله تعالى إضافة مملوك إلى ملك. ثم قال لهم على جهة التغبيط والتنبيه من غير سؤال منهم :" إن آية ملكه ". ويحتمل أن يكونوا سألوه الدلالة على صدقه في قوله :" إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا ". قال ابن عطية : والأول أظهر بمساق الآية، والثاني أشبه بأخلاق بني إسرائيل الذميمة، وإليه ذهب الطبري. 
١ - القرن (بالتحريك): الجعبة من جلود تكون مشقوقة ثم تخرز..
٢ - نش: صوّت.
٣ - في هـ و ج: فيما يزعمون..
٤ - الراقود: الدن الكبير، أو هو دن طويل الأسفل، والجمع الرواقيد معرب..
٥ - تراجع المسألة الرابعة وما بعدها جـ١ ص ٢٦٤..
٦ - هو العباس بن مرداس، كما في الحماسة وغيرها..
٧ - في اللسان في مادة مزر: "مزير". والمزير: الشديد القلب القوي النافذ، والهصور: الشديد الذي يفترس ويكسر..
٨ - الطرير: ذو الرواء والمنظر. في هـ: فما يغني بجثته..

### الآية 2:248

> ﻿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [2:248]

قوله تعالى :" وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت " أي إتيان التابوت، والتابوت كان من شأنه فيما ذكر أنه أنزله الله على آدم عليه السلام، فكان عنده إلى أن وصل إلى يعقوب عليه السلام، فكان في بني إسرائيل يغلبون به من قاتلهم حتى عصوا فغلبوا على التابوت، غلبهم عليه العمالقة : جالوت وأصحابه في قول السدي، وسلبوا التابوت منهم. 
قلت : وهذا أدل دليله على أن العصيان سبب الخذلان، وهذا بين. قال النحاس : والآية في التابوت على ما روي أنه كان يسمع فيه أنين، فإذا سمعوا ذلك ساروا لحربهم، ، وإذا هدأ الأنين لم يسيروا ولم يسر التابوت. وقيل : كانوا يضعونه في مأزق الحرب فلا تزال تغلب حتى عصوا فغلبوا وأخذ منهم التابوت وذل أمرهم، فلما رأوا آية الاصطلام[(١)](#foonote-١) وذهاب الذكر، أنف بعضهم وتكلموا في أمرهم حتى اجتمع ملؤهم أن قالوا لنبي الوقت : ابعث لنا ملكا، فلما قال لهم : ملككم طالوت راجعوه فيه كما أخبر الله عنهم، فلما قطعهم بالحجة سألوه البينة على ذلك، في قول الطبري. فلما سألوا نبيهم البينة على ما قال، دعا ربه فنزل بالقوم الذين أخذوا التابوت داء بسببه، على خلاف في ذلك. قيل : وضعوه في كنيسة لهم فيها أصنام، فكانت الأصنام تصبح منكوسة. وقيل : وضعوه في بيت أصنامهم تحت الصنم الكبير فأصبحوا وهو فوق الصنم، فأخذوه وشدوه إلى رجليه فأصبحوا وقد قطعت يدا الصنم ورجلاه وألقيت تحت التابوت، فأخذوه وجملوه في قرية قوم فأصاب أولئك القوم أوجاع في أعناقهم. وقيل : جعلوه في مخرأة قوم فكانوا يصيبهم الباسور[(٢)](#foonote-٢)، فلما عظم بلاؤهم كيفما كان، قالوا : ما هذا إلا لهذا التابوت فلنرده إلى بني إسرائيل فوضعوه على عجلة بين ثورين وأرسلوهما في الأرض نحو بلاد بني إسرائيل، وبعث الله ملائكة تسوق البقرتين[(٣)](#foonote-٣) حتى دخلتا على بني إسرائيل، وهم في أمر طالوت فأيقنوا بالنصر، وهذا هو حمل الملائكة للتابوت في هذه الرواية. وروي أن الملائكة جاءت به تحمله وكان يوشع بن نون قد جعله في البرية، فروي أنهم رأوا التابوت في الهواء حتى نزل بينهم ؛ قال الربيع بن خيثم. وقال وهب بن منبه : كان قدر التابوت نحوا من ثلاثة أذرع في ذراعين. الكلبي : وكان من عود شمسار[(٤)](#foonote-٤) الذي يتخذ منه الأمشاط. وقرأ زيد بن ثابت " التابوه " وهي لغته، والناس على قراءته بالتاء وقد تقدم. وروي عنه " التيبوت " ذكره النحاس. وقرأ حميد بن قيس " يحمله " بالياء. 
قوله تعالى :" فيه سكينة من ربكم وبقية " اختلف الناس في السكينة والبقية، فالسكينة فعيلة مأخوذة من السكون والوقار والطمأنينة. فقوله " فيه سكينة " أي هو سبب سكون قلوبكم فيما اختلفتم فيه من أمر طالوت، ونظيره " فأنزل الله سكينته عليه " [(٥)](#foonote-٥) \[ التوبة : ٤٠ \] أي أنزل عليه ما سكن به[(٦)](#foonote-٦) قلبه. وقيل : أراد أن التابوت كان سبب سكون قلوبهم، فأينما كانوا سكنوا إليه ولم يفروا من التابوت إذا كان معهم في الحرب. وقال وهب بن منبه : السكينة روح من الله تتكلم، فكانوا إذا اختلفوا في أمر نطقت ببيان ما يريدون، وإذا صاحت في الحرب كان الظفر لهم. وقال علي بن أبي طالب : هي ريح هفافة[(٧)](#foonote-٧) لها وجه كوجه الإنسان. وروي عنه أنه قال : هي ريح خجوج[(٨)](#foonote-٨) لها رأسان. وقال مجاهد : حيوان كالهر له جناحان وذنب ولعينيه شعاع، فإذا نظر إلى الجيش انهزم. وقال ابن عباس : طست من ذهب من الجنة، كان يغسل فيه قلوب الأنبياء ؛ وقال السدي. وقال ابن عطية : والصحيح أن التابوت كانت فيه أشياء فاضلة من بقايا الأنبياء وآثارهم، فكانت النفوس تسكن إلى ذلك وتأنس به وتقوى. 
قلت : وفي صحيح مسلم عن البراء قال : كان رجل يقرأ سورة " الكهف " وعنده فرس مربوط بشطنين[(٩)](#foonote-٩) فتغشته سحابة فجعلت تدور وتدنو وجعل فرسه ينفر منها، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال :( تلك السكينة تنزلت للقرآن ). وفي حديث أبي سعيد الخدري : أن أسيد بن الحضير بينما هو ليلة يقرأ في مربده[(١٠)](#foonote-١٠) الحديث وفيه : فقال رسوله الله صلى الله عليه وسلم :( تلك الملائكة كانت تستمع لك ولو قرأت لأصبحت يراها الناس ما تستتر منهم ) خرجه البخاري ومسلم. فأخبر صلى الله عليه وسلم عن نزول السكينة مرة، ومرة عن نزول الملائكة، فدل على أن السكينة كانت في تلك الظلة، وأنها تنزل أبدا مع الملائكة. وفي هذا حجة لمن قال : إن السكينة روح أو شيء له روح ؛ لأنه لا يصح استماع القرآن إلا لمن يعقل، والله أعلم. 
قوله تعالى :" وبقية " اختلف في البقية على أقوال، فقيل : عصا موسى وعصا هارون ورضاض[(١١)](#foonote-١١) الألواح ؛ لأنها انكسرت حين ألقاها موسى، قال ابن عباس. زاد عكرمة : التوراة. وقال أبو صالح : البقية : عصا موسى وثيابه وثياب هارون ولوحان من التوراة[(١٢)](#foonote-١٢). وقال عطية بن سعد : وهي عصا موسى وعصا[(١٣)](#foonote-١٣) هارون وثيابهما ورضاض الألواح. وقاله الثوري : من الناس من يقول البقية قفيزا[(١٤)](#foonote-١٤) من في طست من ذهب وعصا موسى وعمامة هارون ورضاض الألواح. ومنهم من يقول : العصا والنعلان. ومعنى هذا ما روي من أن موسى لما جاء قومه بالألواح فوجدهم قد عبدوا العجل، ألقى الألواح غضبا فتكسرت، فنزع منها ما كان صحيحا وأخذ رضاض ما تكسر فجعله في التابوت. وقال الضحاك : البقية : الجهاد وقتال الأعداء. قال ابن عطية : أي الأمر بذلك في التابوت، إما أنه مكتوب فيه، وإما أن نفس الإتيان به هو[(١٥)](#foonote-١٥) كالأمر بذلك، وأسند الترك إلى آل[(١٦)](#foonote-١٦) موسى وآل[(١٧)](#foonote-١٧) هارون من حيث كان الأمر مندرجا من قوم إلى قوم وكلهم آل موسى وآل هارون. وآل الرجل قرابته. وقد تقدم[(١٨)](#foonote-١٨).

١ - الاصطلام: الاستئصال والإبادة..
٢ - في ز، وابن عطية: "الناسور" بالنون..
٣ - كذا في الأصول، وفي الطبري: الثورين..
٤ - في حـ و ا وجـ بالشين المعجمة والميم والسين المهملة. والذي في هـ والبحر بالمعجمتين بينهما ميم وفي معجم أسماء النبات "شمساد" ص ٣٤..
٥ - راجع جـ٨ ص ١٤٨..
٦ - الزيادة من ز..
٧ - هفافة: سريعة المرور في هبوبها..
٨ - ريح خجوج: شديدة المرور في غير استواء..
٩ - الشطن: الحبل، وجمعه أشطان..
١٠ - المربد (بكسر فسكون ففتح): الموضع الذي يبس فيه التمر..
١١ - رضاض الشيء (بضم الراء): فتاته.
١٢ - في ز وابن عطية: والمن..
١٣ - من هـ و جـ و ز..
١٤ - كذا في جـ وهـ وابن عطية وفي هـ: قفيز، وهو الزنبيل..
١٥ - الزيادة من ز، وابن عطية..
١٦ - الزيادة من ز، وابن عطية..
١٧ - الزيادة من ز، وابن عطية..
١٨ - راجع المسألة الثانية والثالثة جـ١ ص ٣٨١..

### الآية 2:249

> ﻿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [2:249]

فيه إحدى عشرة مسألة : قوله تعالى :" فلما فصل طالوت بالجنود " " فصل " معناه خرج بهم. فصلت الشيء فانفصل، أي قطعته فانقطع. قال وهب بن منبه : فلما فصل طالوت قالوا له أن المياه لا تحملنا فادع الله أن يجري لنا نهرا فقال لهم طالوت : إن الله مبتليكم بنهر. وكان عدد الجنود - في قول السدي - ثمانين ألفا. وقال وهب[(١)](#foonote-١) : لم يتخلف عنه إلا ذو عذر من صغر أو كبر أو مرض. والابتلاء الاختبار. والنهَر والنهْر لغتان. واشتقاقه من السعة، ومنه النهار وقد تقدم[(٢)](#foonote-٢). قال قتادة : النهر الذي ابتلاهم الله به هو نهر بين الأردن وفلسطين. وقرأ الجمهور " بنهر " بفتح الهاء. وقرأ مجاهد وحميد الأعرج " بنهر " بإسكان الهاء. ومعنى هذا الابتلاء أنه اختبار لهم، فمن ظهرت طاعته في ترك الماء علم أنه مطيع فيما عدا ذلك، ومن غلبته شهوته في الماء[(٣)](#foonote-٣) وعصى الأمر فهو في العصيان في الشدائد أحرى، فروي أنهم أتوا النهر وقد نالهم عطش وهو في غاية العذوبة والحسن ؛ فلذلك رخص للمطيعين في الغرفة ليرتفع عنهم أذى العطش بعض الارتفاع وليكسروا نزاع النفس في هذه الحال وبين أن الغرفة كافة ضرر العطش عند الحزمة الصابرين على شظف العيش الذين همهم في غير الرفاهية، كما قال عروة :
واحْسُوا قَرَاحَ الماء والماءُ بَارِدُ
قلت : ومن هذا المعنى قوله عليه السلام :( حسب المرء لقيمات يقمن صلبه ). وقال بعض من يتعاطى غوامض المعاني : هذه الآية مثل ضربه الله للدنيا فشبهها الله بالنهر والشارب منه والمائل إليها والمستكثر منها والتارك لشربه بالمنحرف عنها والزاهد فيها، والمغترف بيده غرفة بالآخذ منها قدر الحاجة، وأحوال الثلاثة عند الله مختلفة. 
قلت : ما أحسن هذا لولا ما فيه من التحريف في التأويل والخروج عن الظاهر، لكن معناه صحيح من غير هذا. 
الثانية : استدل من قال أن طالوت كان نبيا بقوله :" إن الله مبتليكم " وأن الله أوحى إليه بذلك وألهمه، وجعله الإلهام ابتلاء من الله لهم. ومن قال لم يكن نبيا قال : أخبره نبيهم شمويل بالوحي حين أخبر طالوت قومه بهذا، وإنما وقع هذا الابتلاء ليتميز الصادق من الكاذب. وقد ذهب قوم إلى أن عبدالله بن حذافة السهمي صاحب رسول الله صلى الله علي وسلم إنما أمر أصحابه بإيقاد النار والدخول فيها تجربة لطاعتهم، لكنه حمل مزاحه على تخشين الأمر الذي كلفهم، وسيأتي بيانه في " النساء " [(٤)](#foonote-٤) إن شاء الله تعالى. 
الثالثة : قوله تعالى :" فمن شرب منه فليس مني " شرب قيل معناه كرع. ومعنى " فليس مني " أي ليس من أصحابي في هذه الحرب، ولم يخرجهم بذلك عن الإيمان. قال السدي : كانوا ثمانين ألفا، ولا محالة أنه كان فيهم المؤمن والمنافق والمجد والكسلان، وفي الحديث ( من غشنا فليس منا ) أي ليس من أصحابنا ولا على طريقتنا وهدينا. قال[(٥)](#foonote-٥) :

إذا حاولتَ في أسَد فُجورا  فإني لست منك ولست منيهذا مهيع[(٦)](#foonote-٦) في كلام العرب، يقول الرجل لابنه إذا سلك غير أسلوبه : لست مني. 
الرابعة : قوله تعالى :" ومن لم يطعمه فإنه مني " يقال : طعمت الشيء أي ذقته. وأطعمته الماء أي أذقته، ولم يقل ومن لم يشربه ؛ لأن من عادة العرب إذا كرروا شيئا أن يكرروه بلفظ آخر، ولغة القرآن أفصح اللغات، فلا عبرة بقدح من يقول : لا يقال طعمت الماء. 
الخامسة : استدل علماؤنا بهذا على القول بسد الذرائع ؛ لأن أدنى الذوق يدخل في لفظ الطعم، فإذا وقع النهي عن الطعم فلا سبيل إلى وقوع الشرب ممن يتجنب الطعم ؛ ولهذه المبالغة لم يأت الكلام " ومن لم يشرب منه ". 
السادسة : لما قال تعالى :" ومن لم يطعمه " دل على أن الماء طعام وإذا كان طعاما كان قوتا لبقائه واقتيات الأبدان به فوجب أن يجري فيه الربا، قال ابن العربي : وهو الصحيح من المذهب. قال أبو عمر قال مالك : لا بأس ببيع الماء على الشط بالماء متفاضلا وإلى أجل، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد بن الحسن : هو مما يكال ويوزن، فعلى هذا القول لا يجوز عنده التفاضل، وذلك عنده فيه ربا ؛ لأن علته في الربا الكيل والوزن. وقال الشافعي : لا يجوز بيع الماء متفاضلا ولا يجوز فيه الأجل، وعلته في الربا أن يكون مأكولا جنسا. 
السابعة : قال ابن العربي قال أبو حنيفة : من قال إن شرب عبدي فلان من الفرات فهو حر فلا يعتق إلا أن يكرع فيه، والكرع أن يشرب الرجل بفيه من النهر، فإن شرب بيده أو اغترف بالإناء منه لم يعتق ؛ لأن الله سبحانه فرق بين الكرع في النهر وبين الشرب باليد. قال : وهذا فاسد ؛ لأن شرب الماء يطلق على كل هيئة وصفة في لسان العرب من غرف باليد أو كرع بالفم انطلاقا واحدا، فإذا وجد الشرب المحلوف عليه لغة وحقيقة حنث، فاعلمه. 
قلت : قول أبي حنيفة أصح، فإن أهل اللغة فرقوا بينهما كما فرق الكتاب والسنة. قال الجوهري وغيره : وكرع في الماء كروعا إذا تناوله بفيه من موضعه من غير أن يشرب بكفيه ولا بإناء، وفيه لغة أخرى \[ كرع \] بكسر الراء يكرع[(٧)](#foonote-٧) كرعا. والكَرَع : ماء السماء يكرع فيه. وأما السنة فذكر ابن ماجه في سننه : حدثنا واصل بن عبدالأعلى حدثنا ابن فضيل عن ليث عن سعيد بن عامر عن ابن عمر قال : مررنا على بِرْكَة فجعلنا نَكْرَع فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا تكرعوا ولكن اغسلوا أيديكم ثم اشربوا فيها فإنه ليس إناء أطيب من اليد ) وهذا نص. وليث بن أبي سليم خرج له مسلم وقد ضعف. 
الثامنة : قوله تعالى :" إلا من اغترف غرفة بيده " الاغتراف : الأخذ من الشيء باليد وبآلة، ومنه المغرفة، والغَرف مثل الاغتراف. وقرئ " غرفة " بفتح الغين وهي مصدر، ولم يقل اغترافة لأن معنى الغرف والاغتراف واحد. والغرفة المرة الواحدة. وقرئ " غرفة " بضم الغين وهي الشيء المغترف. وقال بعض المفسرين : الغَرفة بالكف الواحد والغُرفة بالكفين. وقال بعضهم : كلاهما لغتان بمعنى واحد. وقال علي رضي الله عنه : الأكف أنظف الآنية، ومنه قول الحسن :لا يَدلِفون إلى ماء بآنية  إلا اغترافا من الغُدران بالرَّاحِالدليف : المشي الرويد. قلت : ومن أراد الحلال الصرف في هذه الأزمان دون شبهة ولا امتراء ولا ارتياب فليشرب بكفيه الماء من العيون والأنهار المسخرة بالجريان آناء الليل وآناء[(٨)](#foonote-٨) النهار، مبتغيا بذلك من الله كسب الحسنات ووضع الأوزار واللحوق بالأئمة الأبرار، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من شرب بيده وهو يقدر على إناء يريد به التواضع كتب الله له بعدد أصابعه حسنات وهو إناء عيسى ابن مريم عليهما السلام إذا طرح القدح فقال : أُفّ هذا مع الدنيا ). خرجه ابن ماجه من حديث ابن عمر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشرب على بطوننا وهو الكرع، ونهانا أن نغترف باليد الواحدة، وقال :( لا يلِغ أحدكم كما يلغ الكلب ولا يشرب باليد الواحدة كما يشرب القوم الذين سخط الله عليهم ولا يشرب بالليل في إناء حتى يحركه إلا أن يكون إناء مُخَمَّرا ومن شرب بيده وهو يقدر على إناء. . . ) الحديث كما تقدم، وفي إسناده بقية بن الوليد، قال أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال أبو زرعة : إذا حدث بقية عن الثقات فهو ثقة. 
التاسعة : قوله تعالى :" فشربوا منه إلا قليلا منهم " قال ابن عباس : شربوا على قدر يقينهم فشرب الكفار شرب الهيم[(٩)](#foonote-٩) وشرب العاصون دون ذلك، وانصرف من القوم ستة وسبعون ألفا وبقي بعض المؤمنين لم يشرب شيئا وأخذ بعضهم الغرفة، فأما من شرب فلم يرو، بل برح به العطش، وأما من ترك الماء فحسنت حاله وكان أجلد ممن أخذ الغرفة. 
العاشرة : قوله تعالى :" فلما جاوزه هو " الهاء تعود على النهر، و " هو " توكيد. " والذين " في موضع رفع عطفا على المضمر في " جاوزه " يقال : جاوزت المكان مجاوزة وجوازا. والمجاز في الكلام ما جاز في الاستعمال ونفذ واستمر على وجهه. قال ابن عباس والسدي : جاز معه في النهر أربعة آلاف رجل فيهم من شرب، فلما نظروا إلى جالوت وجنوده وكانوا مائة ألف كلهم شاكون في السلاح رجع منهم ثلاثة آلاف وستمائة وبضعة وثمانون، فعلى هذا القول قال المؤمنون الموقنون بالبعث والرجوع إلى الله تعالى عند ذلك وهم عدة أهل بدر :" كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ". وأكثر المفسرين : على أنه إنما جاز معه النهر من لم يشرب جملة، فقال بعضهم : كيف نطيق العدو مع كثرتهم فقال أولو العزم منهم :" كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ". قال البراء بن عازب : كنا نتحدث أن عدة أهل بدر كعدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا - وفي رواية : وثلاثة عشر رجلا - وما جاز معه إلا مؤمن. 
الحادية عشرة : قوله تعالى :" قال الذين يظنون " والظن هنا بمعنى اليقين، ويجوز أن يكون شكا لا علما، أي قال الذين يتوهمون أنهم يقتلون مع طالوت فيلقون الله شهداء، فوقع الشك في القتل. 
قوله تعالى :" كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة " الفئة : الجماعة من الناس والقطعة منهم من فأوت رأسه بالسيف وفأيته أي قطعته. وفي قولهم رضي الله عنهم :" كم من فئة قليلة " الآية تحريض على القتال واستشعار للصبر واقتداء بمن صدق ربه. 
قلت : هكذا يجب علينا نحن أن نفعل، لكن الأعمال القبيحة والنيات الفاسدة منعت من ذلك حتى ينكسر العدد الكبير منا قدام اليسير من العدو كما شاهدناه غير مرة، وذلك بما كسبت أيدينا. وفي البخاري : قال أبو الدرداء : إنما تقاتلون بأعمالكم. وفيه مسند أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم ). فالأعمال فاسدة والضعفاء مهملون والصبر قليل والاعتماد ضعيف والتقوى زائلة. قال الله تعالى :" اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله " [(١٠)](#foonote-١٠) \[ آل عمران : ٢٠٠ \] وقال :" وعلى الله فتوكلوا " [(١١)](#foonote-١١) \[ المائدة : ٢٣ \] وقال :" إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون " [(١٢)](#foonote-١٢) \[ النحل : ١٢٨ \] وقال :" ولينصرن الله من ينصره " [(١٣)](#foonote-١٣) \[ الحج : ٤٠ \] وقال :" إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون " [(١٤)](#foonote-١٤) \[ الأنفال : ٤٥ \]. فهذه أسباب النصر وشروطه وهي معدومة عندنا غير موجودة فينا، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أصابنا وحل بنا ! بل لم يبق من الإسلام إلا ذكره، ولا من الدين إلا رسمه لظهور الفساد ولكثرة الطغيان وقلة الرشاد حتى استولى العدو شرقا وغربا برا وبحرا، وعمت الفتن وعظمت المحن ولا عاصم إلا من رحم. 
١ - من جـ وهـ..
٢ - راجع جـ١ ص ٢٣٩..
٣ - من جـ وهـ وز..
٤ - راجع جـ٥ ص ٢٥٨..
٥ - هو النابغة الذيباني، يقول هذا لعيينة بن حصن الفزاري، وكان قد دعاه وقومه إلى مقاطعة بني أسد ونقض حلفهم فأبى عليه وتوعده بهم، وأراد بالفجور نقض الحلف. (عن شرح الشواهد)..
٦ - المهيع: الطريق الواضح الواسع البين..
٧ - في هـ و جـ و ز..
٨ - كذا في هـ و جـ وفي ز: أطراف..
٩ - الهيم: الإبل التي يصيبها داء فلا تروى من الماء، واحدها أهيم، والأنثى هيماء..
١٠ - راجع جـ٤ ص ٣٢٢..
١١ - راجع جـ٦ ص ١٢٧..
١٢ - راجع جـ١٠ ص ٢٠٣..
١٣ - راجع جـ١٢ ص ٧٢..
١٤ - راجع جـ ٨ ص ٢٣..

### الآية 2:250

> ﻿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [2:250]

قوله :" برزوا " صاروا في البَراز وهو الأفيح[(١)](#foonote-١) من الأرض المتسع. وكان جالوت أمير العمالقة، وملكهم ظلُّه ميل. ويقال : إن البربر من نسله، وكان فيما روي في ثلاثمائة ألف فارس. وقال عكرمة : في تسعين ألفا، ولما رأى المؤمنون كثرة عدوهم تضرعوا إلى ربهم، وهذا كقوله :" وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير " \[ آل عمران : ١٤٦ \] إلى قوله " وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا " [(٢)](#foonote-٢) \[ آل عمران : ١٤٧ \] الآية. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقي العدو يقول في القتال :( اللهم بك أصول وأجول ) وكان صلى الله عليه وسلم يقول إذا لقي العدو :( اللهم إني أعوذ بك من شرورهم وأجعلك في نحورهم ) ودعا يوم بدر حتى سقط رداؤه عن منكبيه يستنجز[(٣)](#foonote-٣) الله وعده على ما يأتي بيانه في " آل عمران " إن شاء الله تعالى.

١ - كذا في هـ و جـ و ز، وفي ا: الأفسح..
٢ - راجع جـ٤ ص ٢٢٨ فما بعد وص ١٩٠ فما بعد..
٣ - في د: ويستنجز، وفي ا، هـ، و: ليستنجز، وما أثبتناه في: ز..

### الآية 2:251

> ﻿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [2:251]

قوله تعالى :" فهزموهم بإذن الله " أي فأنزل الله عليهم النصر " فهزموهم " : فكسروهم. والهزم : الكسر ومنه سقاء متهزم، أي انثنى بعضه على بعض مع الجفاف، ومنه ما قيل في زمزم : إنها هزمة جبريل أي هزمها جبريل برجله فخرج الماء. والهزم : ما تكسر من يابس الحطب. 
قوله تعالى :" وقتل داود جالوت " وذلك أن طالوت الملك اختاره من بين قومه لقتال جالوت، وكان رجلا قصيرا مِسقاما مِصفارا أصغر أزرق، وكان جالوت من أشد الناس وأقواهم وكان يهزم الجيوش وحده، وكان قتل جالوت وهو رأس العمالقة على يده. وهو داود، بن إيشى[(١)](#foonote-١) - بكسر الهمزة، ويقال : داود بن زكريا بن رشوى، وكان من سبط يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، وكان من أهل بيت المقدس جمع له بين النبوة والملك بعد أن كان راعيا وكان أصغر إخوته وكان يرعى غنما، وكان له سبعة إخوة في أصحاب طالوت ؛ فلما حضرت الحرب قال في نفسه : لأذهبن إلى رؤية هذه الحرب، فلما نهض في طريقه مر بحجر فناداه : يا داود خذني فبي تقتل جالوت، ثم ناداه حجر آخر ثم آخر فأخذها وجعلها في مخلاته وسار، فخرج جالوت يطلب مبارزا فكَعَّ[(٢)](#foonote-٢) الناس عنه حتى قال طالوت : من يبرز إليه ويقتله فأنا أزوجه ابنتي وأحكمه في مالي، فجاء داود عليه السلام فقال : أنا أبرز إليه وأقتله، فازدراه طالوت حين رآه لصغير سنه وقصره فرده، وكان داود أزرق قصيرا، ثم نادى ثانية وثالثة فخرج داود، فقال طالوت له : هل جربت نفسك بشيء ؟ قال نعم، قال بماذا ؟ قال : وقع ذئب في غنمي فضربته ثم أخذت رأسه فقطعته من جسده. قال طالوت : الذئب ضعيف، هل جربت نفسك في غيره ؟ قال : نعم، دخل الأسد في غنمي فضربته ثم أخذت بلحييه فشققتهما، أفترى هذا أشد من الأسد ؟ قال : لا، وكان عند طالوت درع لا تستوي إلا على من يقتل جالوت، فأخبره بها وألقاها عليه فاستوت، فقال طالوت : فاركب فرسي وخذ سلاحي ففعل، فلما مشى قليلا رجع فقال الناس : جبن الفتى. فقال داود : إن الله إن لم يقتله لي ويُعِنِّي عليه لم ينفعني هذا الفرس ولا هذا السلاح، ولكني أحب أن أقاتله على عادتي. قال : وكان داود من أرمى الناس بالمقلاع، فنزل وأخذ مخلاته فتقلدها وأخذ مقلاعه وخرج إلى جالوت، وهو شاكٍ في سلاحه على رأسه بيضة فيها ثلاثمائة رطل، فيما ذكر الماوردي وغيره، فقال له جالوت : أنت يا فتى تخرج إلي قال نعم ؛ قال : هكذا كما تخرج إلى الكلب قال نعم، وأنت أهون. قال : لأطعمن لحمك اليوم للطير والسباع، ثم تدانيا وقصد جالوت أن يأخذ داود بيده استخفافا به، فأدخل داود يده إلى الحجارة، فروي أنها التأمت فصارت حجرا واحدا، فأخذه فوضعه في المقلاع وسمى الله، وأداره ورماه فأصاب به رأس جالوت فقتله، وحز رأسه وجعله في مخلاته، وأختلط الناس وحمله أصحاب طالوت فكانت الهزيمة. وقد قيل : إنما أصاب بالحجر من البيضة موضع أنفه، وقيل : عينه[(٣)](#foonote-٣) وخرج من قفاه، وأصاب جماعة من عسكره فقتلهم. وقيل : إن الحجر تفتت حتى أصاب كل من في العسكر شيء منه ؛ وكان كالقبضة التي رمى بها النبي صلى الله عليه وسلم هوازن يوم حنين، والله أعلم. وقد أكثر الناس في قصص هذه الآي، وقد ذكرت لك منها المقصود والله المحمود. 
قلت : وفي قول طالوت :( من يبرز له ويقتله فإني أزوجه ابنتي وأحكمه في مالي ) معناه ثابت في شرعنا، وهو أن يقول الإمام : من جاء برأس فله كذا، أو أسير فله كذا على ما يأتي بيانه في " الأنفال " [(٤)](#foonote-٤) إن شاء الله تعالى. وفيه دليل على أن المبارزة لا تكون إلا بإذن الإمام ؛ كما يقوله أحمد وإسحاق وغيرهما. واختلف فيه عن الأوزاعي فحكي عنه أنه قال : لا يحمل أحد إلا بإذن إمامه. وحكي عنه أنه قال : لا بأس به، فإن نهى الإمام عن البراز فلا يبارز أحد إلا بإذنه. وأباحت طائفة البراز ولم تذكر بإذن الإمام ولا بغير إذنه، هذا قول مالك. سئل مالك عن الرجل يقول بين الصفين : من يبارز ؟ فقال : ذلك إلى نيته إن كان يريد بذلك الله فأرجو ألا يكون به بأس، قد كان يفعل ذلك فيما مضى. وقال الشافعي : لا بأس بالمبارزة. قال ابن المنذر : المبارزة بإذن الإمام حسن، وليس على من بارز بغير إذن الإمام حرج، وليس ذلك بمكروه لأني لا أعلم خبرا يمنع منه. 
 " وآتاه الله الملك والحكمة " قال السدي : أتاه الله ملك، طالوت ونبوة شمعون. والذي علمه هو صنعة الدروع ومنطق الطير وغير ذلك من أنواع ما علمه صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عباس : هو أن الله أعطاه سلسلة موصولة بالمجرة والفلك ورأسها عند صومعة داود، فكان لا يحدث في الهواء حدث إلا صلصلت السلسلة فيعلم داود ما حدث، ولا يمسها ذو عاهة إلا برئ، وكانت علامة دخول قومه في الدين أن يمسوها بأيديهم ثم يمسحون أكفهم على صدورهم، وكانوا يتحاكمون إليها بعد داود عليه السلام إلى أن رفعت. 
قوله تعالى :" مما يشاء " أي مما شاء، وقد يوضع المستقبل موضع الماضي، وقد تقدم. 
قوله تعالى : ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين  فيه مسألتان[(٥)](#foonote-٥) :
الأولى : قوله تعالى :" ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض " كذا قراءة الجماعة، إلا نافعا فإنه قرأ " دفاع " ويجوز أن يكون مصدرا لفعل كما يقال : حسبت الشيء حسابا، وآب إيابا، ولقيته لقاء ؛ ومثله كتبه كتابا ؛ ومنه " كتاب الله عليكم " [(٦)](#foonote-٦) \[ النساء : ٢٤ \] النحاس : وهذا حسن، فيكون دفاع ودفع مصدرين لدفع وهو مذهب سيبويه. وقال أبو حاتم : دافع ودفع بمعنى واحد، مثل طرقت النعل وطارقت، أي خَصَفْتُ إحداهما فوق الأخرى، والخصف : الخرز. واختار أبو عبيدة قراءة الجمهور " ولولا دفع الله ". وأنكر أن يقرأ " دفاع " وقال : لأن الله عز وجل لا يغالبه أحد. قال مكي : هذا وهم توهم فيه باب المفاعلة وليس به، واسم " الله " في موضع رفع بالفعل، أي لولا أن يدفع الله. و " دفاع " مرفوع بالابتداء عند سيبويه. " الناس " مفعول، " بعضهم " بدل من الناس، " ببعض " في موضع المفعول الثاني عند سيبويه، وهو عنده مثل قولك : ذهبت بزيد، فزيد في موضع مفعول فاعلمه. 
الثانية : واختلف العلماء في الناس المدفوع بهم الفساد من هم ؟ فقيل : هم الأبدال وهم أربعون رجلا كلما مات واحد بدل الله آخر، فإذا كان عند القيامة ماتوا كلهم، اثنان وعشرون منهم بالشام وثمانية عشر بالعراق. وروي عن علي رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( إن الأبدال يكونون بالشام وهم أربعون رجلا كلما مات منهم رجل أبدله الله مكانه رجلا يسقى بهم الغيث وينصر بهم على الأعداء ويصرف بهم عن أهل الأرض البلاء ) ذكره الترمذي الحكيم في " نوادر الأصول ". وخرج أيضا عن أبي الدرداء قال : إن الأنبياء كانوا أوتاد الأرض، فلما انقطعت النبوة أبدل الله مكانهم قوما من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يقال لهم الأبدال، لم يفضلوا الناس بكثرة صوم ولا صلاة ولكن بحسن الخلق وصدق الورع وحسن النية وسلامة القلوب لجميع المسلمين والنصيحة لهم ابتغاء مرضاة الله بصبر وحلم ولب، وتواضع في غير مذلة، فهم خلفاء الأنبياء قوم اصطفاهم الله لنفسه واستخلصهم بعلمه لنفسه، وهم أربعون صديقا منهم ثلاثون رجلا على مثل يقين إبراهيم خليل الرحمن، يدفع الله بهم المكاره عن أهل الأرض والبلايا عن الناس، وبهم يمطرون ومن يرزقون، لا يموت الرجل منهم حتى يكون الله قد أنشأ من يخلفه. وقال ابن عباس : ولولا دفع الله العدو بجنود المسلمين لغلب المشركون فقتلوا المؤمنين وخربوا البلاد والمساجد. وقال سفيان الثوري : هم الشهود الذين تستخرج بهم الحقوق. وحكى مكي أن أكثر المفسرين على أن المعنى : لولا أن الله يدفع بمن يصلي عمن لا يصلي وبمن يتقي عمن لا يتقي لأهلك الناس بذنوبهم، وكذا ذكر النحاس والثعلبي أيضا. قال الثعلبي[(٧)](#foonote-٧) وقال سائر المفسرين : ولولا دفاع الله المؤمنين الأبرار عن الفجار والكفار لفسدت الأرض، أي هلكت وذكر حديثا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( إن الله يدفع العذاب بمن يصلي من أمتي عمن لا يصلي وبمن يزكي عمن لا يزكي وبمن يصوم عمن لا يصوم وبمن يحج عمن لا يحج وبمن يجاهد عمن لا يجاهد، ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء ما أنظرهم[(٨)](#foonote-٨) الله طرفة عين - ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم - ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ). وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( إن لله ملائكة تنادي كل يوم لولا عباد رُكّع وأطفال رُضّع وبهائم رُتّع لصُبَّ عليكم العذاب صبا ) خرجه أبو بكر الخطيب بمعناه من حديث الفضيل بن عياض. حدثنا منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبدالله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لولا فيكم رجال خشع وبهائم رتع وصبيان رضع لصب العذاب على المؤمنين صبا ). أخذ بعضهم هذا المعنى فقال :

لولا عِبادٌ للإله رُكّعُ  وصبية من اليتامى رُضّعُومُهْمَلاتٌ في الفلاة رُتَّعُ  صب عليكم العذاب الأوجعوروى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( إن الله ليصلح بصلاح الرجل ولده وولد ولده وأهله دويرته ودويرات حوله ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم ). وقال قتادة : يبتلي الله المؤمن بالكافر ويعافي الكافر بالمؤمن. وقال ابن عمر : قال النبي صلى الله عليه وسلم :( إن الله ليدفع بالمؤمن الصالح عن مائة من أهل بيته وجيرانه البلاء ). ثم قرأ ابن عمر " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ". وقيل : هذا الدفع بما شرع على السنة الرسل من الشرائع، ولولا ذلك لتسالب الناس وتناهبوا وهلكوا، وهذا قول حسن فإنه عموم في الكف والدفع وغير ذلك فتأمله. " ولكن الله ذو فضل على العالمين ". بين سبحانه أن دفعه بالمؤمنين شر الكافرين فضل منه ونعمة. 
١ - كذا في الأصول، والذي في البحر وغيره: إيشا..
٢ - كع: جبن وضعف..
٣ - في هـ و ز: عينيه، وفي أ: "وفقأ عينه"..
٤ - راجع جـ٧ ص ٣٦٣..
٥ - كذا في جـ، وليس في بقية الأصول: تقسيم، وفيها بدل الثانية مسألة..
٦ - جـ ٥ ص ١٢٣..
٧ - في هـ و جـ..
٨ - في هـ: ما أمطرهم..

### الآية 2:252

> ﻿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [2:252]

تلك : ابتداء " آيات الله " خبره، وإن شئت كان بدلا والخبر " نتلوها عليك بالحق ". " وإنك لمن المرسلين "، خبر إن أي وإنك لمرسل. نبه الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن هذه الآيات التي تقدم ذكرها لا يعلمها إلا نبي مرسل.

### الآية 2:253

> ﻿۞ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [2:253]

قوله تعالى :" تلك الرسل " قال :" تلك " ولم يقل : ذلك مراعاة لتأنيث لفظ الجماعة، وهي رفع بالابتداء. و " الرسل " نعته، وخبر الابتداء الجملة. وقيل : الرسل عطف بيان، و " فضلنا " الخبر. وهذه آية مشكلة والأحاديث ثابتة بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( لا تخيروا بين الأنبياء ) و( لا تفضلوا بين أنبياء الله ) رواها الأئمة الثقات، أي لا تقولوا : فلان خير من فلان، ولا فلان أفضل من فلان. يقال : خير فلان بين فلان وفلان، وفضل، ( مشددا ) إذا قال ذلك. وقد اختلف العلماء في تأويله هذا المعنى، فقال قوم : إن هذا كان قبل أن يوحى إليه بالتفضيل، وقبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم، وإن القرآن ناسخ للمنع من التفضيل. وقال ابن قتيبة : إنما أراد بقوله :( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ؛ لأنه الشافع يومئذ وله لواء الحمد والحوض، وأراد بقوله :" لا تخيروني على موسى " على طريق التواضع، كما قال أبو بكر : وليتكم ولست بخيركم. وكذلك معنى قوله :( لا يقل أحد أنا خير من يونس بن متى ) على معنى التواضع. وفي قوله تعالى :" ولا تكن كصاحب الحوت " [(١)](#foonote-١) \[ القلم : ٤٨ \] ما يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل منه ؛ لأن الله تعالى يقول : ولا تكن مثله، فدل على أن قوله :( لا تفضلوني عليه ) من طريق التواضع. ويجوز أن يريد لا تفضلوني عليه في العمل فلعله أفضل عملا مني، ولا في البلوى والامتحان فإنه أعظم محنة مني. وليس ما أعطاه الله لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم من السؤدد والفضل يوم القيامة على جميع الأنبياء والرسل بعمله بل بتفضيل الله إياه واختصاصه له، وهذا التأويل اختاره المهلب. ومنهم من قال : إنما نهى عن الخوض في ذلك ؛ لأن الخوض في ذلك ذريعة إلى الجدال وذلك يؤدي إلى أن يذكر منهم ما لا ينبغي أن يذكر ويقل احترامهم عند المماراة. قال شيخنا : فلا يقال : النبي أفضل من الأنبياء كلهم ولا من فلان ولا خير، كما هو ظاهر النهي[(٢)](#foonote-٢) لما يتوهم من النقص في المفضول ؛ لأن النهي اقتضى منه إطلاق اللفظ لا منع اعتقاد ذلك المعنى، فإن الله تعالى أخبر بأن الرسل متفاضلون، فلا تقول : نبينا خير من الأنبياء ولا من فلان النبي اجتنابا لما نهي عنه وتأدبا به وعملا باعتقاد ما تضمنه القرآن من التفضيل، والله بحقائق الأمور عليم. قلت : وأحسن من هذا قول من قال : إن المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها، وإنما التفضيل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والألطاف والمعجزات المتباينات، وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل وإنما تتفاضل بأمور أخر زائدة عليها ؛ ولذلك منهم رسل وأولو عزم، ومنهم من اتخذ خليلا، ومنهم من كلم الله، ورفع بعضهم درجات، قال الله تعالى :" ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا " [(٣)](#foonote-٣) \[ الإسراء : ٥٥ \] وقال :" تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض " \[ البقرة : ٢٥٣ \]. قلت : وهذا قول حسن، فإنه جمع بين الآي والأحاديث من غير نسخ، والقول بتفضيل بعضهم على بعض إنما هو بما منح من الفضائل وأعطي من الوسائل، وقد أشار ابن عباس إلى هذا فقال : إن الله فضل محمدا على الأنبياء وعلى أهل السماء، فقالوا : بم يا ابن عباس فضله على أهل السماء ؟ فقال : إن الله تعالى قال :" ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين " [(٤)](#foonote-٤) \[ الأنبياء : ٢٩ \]. وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم :" إنا فتحنا لك فتحا مبينا. ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " [(٥)](#foonote-٥) \[ الفتح : ١ - ٢ \]. قالوا : فما فضله على الأنبياء ؟. قال : قال الله تعالى :" وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم " [(٦)](#foonote-٦) \[ إبراهيم : ٤ \] وقال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم :" وما أرسلناك إلا كافة للناس " [(٧)](#foonote-٧) \[ سبأ : ٢٨ \] فأرسله إلى الجن والإنس، ذكره أبو محمد الدارمي في مسنده. وقال أبو هريرة : خير بني آدم نوج وإبراهيم وموسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، وهم أولو العزم من الرسل، وهذا نص من ابن عباس وأبي هريرة في التعيين، ومعلوم أن من أرسل أفضل ممن لم يرسل، فإن من أرسل فضل على غيره بالرسالة واستووا في النبوة إلى ما يلقاه الرسل من تكذيب أممهم وقتلهم إياهم، وهذا مما لا خفاء فيه، إلا أن ابن عطية أبا محمد عبد الحق قال : إن القرآن يقتضي التفضيل، وذلك في الجملة دون تعيين أحد مفضول، وكذلك هي الأحاديث ؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم :( أنا أكرم ولد آدم على ربي ) وقال :( أنا سيد ولد آدم ) ولم يعين، وقال عليه السلام :( لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى ) وقال :( لا تفضلوني على موسى ). وقال ابن عطية : وفي هذا نهي شديد عن تعيين المفضول ؛ لأن يونس عليه السلام كان شابا وتفسخ[(٨)](#foonote-٨) تحت أعباء النبوة. فإذا كان التوقيف لمحمد صلى الله عليه وسلم فغيره أحرى. قلت : ما اخترناه أولى إن شاء الله تعالى، فإن الله تعالى لما أخبر أنه فضل بعضهم على بعض جعل يبين بعض المتفاضلين ويذكر الأحوال التي فضلوا بها فقال :" منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات " \[ البقرة : ٢٥٣ \] وقال " وآتينا داود زبورا " [(٩)](#foonote-٩) \[ الإسراء : ٥٥ \] وقال تعالى :" وآتيناه الإنجيل " [(١٠)](#foonote-١٠) \[ المائدة : ٤٦ \]، " ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين " [(١١)](#foonote-١١) \[ الأنبياء : ٤٨ \] وقال تعالى :" ولقد آتينا داود وسليمان علما " [(١٢)](#foonote-١٢) \[ النمل : ١٥ \] وقال :" وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح " [(١٣)](#foonote-١٣)\[ الأحزاب : ٧ \] فعم ثم خص وبدأ بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهذا ظاهر. 
قلت : وهكذا القول في الصحابة إن شاء الله تعالى، اشتركوا في الصحبة ثم تباينوا في الفضائل بما منحهم الله من المواهب والوسائل، فهم متفاضلون بتلك مع أن الكل شملتهم الصحبة والعدالة والثناء عليهم، وحسبك بقوله الحق :" محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار " [(١٤)](#foonote-١٤) \[ الفتح : ٢٩ \] إلى آخر السورة. وقال :" وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها " ٣ \[ الفتح : ٢٦ \] ثم قال :" لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل " [(١٥)](#foonote-١٥) \[ الحديد : ١٠ \] وقال :" لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة " ٣ \[ الفتح : ١٨ \] فعم وخص، ونفى عنهم الشين والنقص، رضي الله عنهم أجمعين ونفعنا بحبهم آمين. 
قوله تعالى :" منهم من كلم الله " المكلم موسى عليه السلام، وقد سئل رسوله الله صلى الله عليه وسلم عن آدم أنبي مرسل هو ؟ فقال :( نعم نبي مكلم ). قال ابن عطية : وقد تأول بعض الناس أن تكليم آدم كان في الجنة، فعلى هذا تبقى خاصية موسى، . وحذفت الهاء لطول الاسم، والمعنى من كلمه الله. 
قوله تعالى :" ورفع بعضهم درجات " قال النحاس : بعضهم هنا على قول ابن عباس والشعبي ومجاهد محمد صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وسلم :( بعثت إلى الأحمر والأسود وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ونصرت بالرعب[(١٦)](#foonote-١٦) مسيرة شهر وأحلت لي الغنائم وأعطيت، الشفاعة ). ومن ذلك القرآن وانشقاق القمر وتكليمه الشجر وإطعامه الطعام خلقا عظيما من تميرات ودرور شاة أم معبد بعد جفاف. وقال ابن عطية معناه، وزاد : وهو أعظم الناس أمة وختم به النبيون إلى غير ذلك من الخلق العظيم الذي أعطاه الله. ويحتمل اللفظ أن يراد به محمد صلى الله عليه وسلم وغيره ممن عظمت آياته، ويكون الكلام تأكيدا. ويحتمل أن يريد به رفع إدريس المكان العلي، ومراتب الأنبياء في السماء كما في حديث الإسراء، وسيأتي. 
قوله تعالى :" وآتينا عيسى ابن مريم البينات " وبينات عيسى هي إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وخلق الطير من الطين كما نص عليه في التنزيل. " وأيدناه " قويناه. " بروح القدس " جبريل عليه السلام، وقد تقدم[(١٧)](#foonote-١٧). 
قوله تعالى :" ولو شاء الله ما أقتتل الذين من بعدهم " أي من بعد الرسل. وقيل : الضمير لموسى وعيسى، والاثنان جمع. وقيل : من بعد جميع الرسل، وهو ظاهر اللفظ. وقيل : إن القتال إنما وقع من الذين جاؤوا بعدهم وليس كذلك المعنى، بل المراد ما اقتتل الناس بعد كل نبي، وهذا كما تقول : اشتريت خيلا ثم بعتها، فجائز لك هذه العبارة وأنت إنما اشتريت فرسا وبعته ثم آخر وبعته ثم آخر وبعته، وكذلك هذه النوازل إنما اختلف الناس بعد كل نبي فمنهم من آمن ومنهم من كفر بغيا وحسدا وعلى حطام الدنيا، وذلك كله بقضاء وقدر وإرادة من الله تعالى، ولو شاء خلاف ذلك لكان ولكنه المستأثر بسر الحكمة في ذلك الفعل لما يريد. وكسرت النون من " ولكن اختلفوا " لالتقاء الساكنين، ويجوز حذفها في غير القرآن، وأنشد سيبويه :

فلستُ بآتيه ولا أستطيعه  ولاَكِ اسقني إن كان ماؤك ذا فَضْلِ[(١٨)](#foonote-١٨) " فمنهم من آمن ومنهم من كفر " " مَن " في موضع رفع بالابتداء والصفة
١ - راجع جـ١٨ ص ٢٥٣..
٢ - في هـ: النص..
٣ - راجع جـ١٠ ص ٢٧٨..
٤ - راجع جـ١١ ص ٢٧٢..
٥ - راجع جـ١٦ ص ٢٦٠..
٦ - راجع جـ٩ ص ٣٤٠..
٧ - راجع جـ١٤ ص ٣٠٠..
٨ - يقال: تفسخ البعير تحت الحمل الثقيل إذا لم يطقه.
٩ - راجع جـ٦ ص ١٧..
١٠ - راجع جـ ١٧ ص ٢٦٢ وص ٢٣٩..
١١ - راجع جـ١١ ص ٢٩٥..
١٢ - راجع جـ١٣ ص ١٦..
١٣ - راجع جـ١٤ ص ١٢٦..
١٤ - راجع جـ ١٦ ص ٢٩٢ وص ٢٨٨ و ص ٢٧٤..
١٥ - راجع جـ١٧ ص ٢٦٢ وص ٢٣٩..
١٦ - الرعب: الخوف والفزع، كان أعداء النبي صلى الله عليه وسلم قد أوقع الله تعالى في قلوبهم الخوف، فإذا كان بينه وبينهم مسيرة شهر هابوه وفزعوا منه. (عن النهاية)..
١٧ - جـ ٢ ص ٢٤..
١٨ - البيت للنجاشي، وصف أنه اصطحب ذئبا في فلاة مضلة لا ماء فيها، وزعم أن الذئب رد عليه فقال: لست بآت ما دعوتني إليه من الصحبة ولا أستطيعه لأنني وحشي وأنت إنسي ولكن اسقني إن كان ماؤك فاضلا عن ريك (عن شرح الشواهد للشنتمري).
 .

### الآية 2:254

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ۗ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [2:254]

قال الحسن : هي الزكاة المفروضة. وقال ابن جريج وسعيد بن جبير : هذه الآية تجمع الزكاة المفروضة والتطوع. قال ابن عطية. وهذا صحيح، ولكن ما تقدم من الآيات في ذكر القتال وأن الله يدفع بالمؤمنين في صدور الكافرين يترجح منه أن هذا الندب إنما هو في سبيل الله، ويقوى ذلك في آخر الآية قوله :" والكافرون هم الظالمون " أي فكافحوهم بالقتال بالأنفس وإنفاق الأموال. 
قلت : وعلى هذا التأويل يكون إنفاق الأموال مرة واجبا ومرة ندبا بحسب تعين الجهاد وعدم تعينه. وأمر تعالى عباده بالإنفاق مما رزقهم الله وأنعم به عليهم وحذرهم من الإمساك إلى أن يجيء يوم لا يمكن فيه بيع ولا شراء ولا استدراك نفقة، كما قال :" فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق " [(١)](#foonote-١) \[ المنافقين : ١٠ \]. والخلة : خالص المودة، مأخوذة من تخلل الأسرار بين الصديقين. والخِلالة والخُلالة والخَلالة : الصداقة والمودة، قال الشاعر[(٢)](#foonote-٢) :

وكيف تُوَاصِلُ من أصبحت  خِلالَتُه كأبي مَرْحَبِوأبو مرحب كنية الظل، ويقال : هو كنية عرقوب الذي قيل فيه : مواعيد عرقوب. والخلة بالضم أيضا : ما خلا من النبت، يقال : الخُلة خبز الإبل والحمض فاكهتها. والخلة بالفتح : الحاجة والفقر. والخَلة : ابن مخاض، عن الأصمعي. يقال : أتاهم بقرص كأنه فِرْسَنُ[(٣)](#foonote-٣) خَلّة. والأنثى خلة أيضا. ويقال للميت : اللهم أصلح خَلَّتَه، أي الثلمة التي ترك. والخَلَّة : الخمرة الحامضة. والخلة ( بالكسر ) : واحدة خِلل السيوف، وهي بطائن كانت تغشى بها أجفان السيوف منقوشة بالذهب وغيره، وهي أيضا سيور تلبس ظهر سِيَتي[(٤)](#foonote-٤) القوس. والخلة أيضا : ما يبقى بين الأسنان. وسيأتي في " النساء " [(٥)](#foonote-٥) اشتقاق الخليل ومعناه. فأخبر الله تعالى ألا خلة في الآخرة ولا شفاعة إلا بإذن الله. وحقيقتها رحمة منه تعالى شرف بها الذي أذن له في أن يشفع. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " لا بيع فيه ولا خلة، ولا شفاعة " بالنصب من غير تنوين، وكذلك في سورة " إبراهيم " " لا بيع فيه ولا خلال " [(٦)](#foonote-٦) \[ إبراهيم : ٣١ \] وفي " الطور \] " لا لغو فيها ولا تأثيم " [(٧)](#foonote-٧) \[ الطور : ٢٣ \] وأنشد حسان بن ثابت :ألا طعانَ ولا فُرسان عَاديةٌ  إلا تَجَشُّؤُكُم عند التَّنَانِيرِ[(٨)](#foonote-٨)وألف الاستفهام غير مغيرة عمل " لا " كقولك : ألا رجل عندك، ويجوز ألا رجل ولا امرأة كما جاز في غير الاستفهام فاعلمه. وقرأ الباقون جميع ذلك بالرفع والتنوين، كما قال الراعي :وما صَرَمْتُكِ حتى قلتِ مُعْلِنةً  لا ناقةٌ لي في هذا ولا جَمَلويروى " وما هجرتك " فالفتح على النفي العام المستغرق لجميع الوجوه من ذلك الصنف، كأنه جواب لمن قال : هل فيه من بيع ؟ فسأل سؤالا عاما فأجيب جوابا عاما بالنفي. و " لا " مع الاسم المنفى بمنزلة اسم واحد في موضع رفع بالابتداء، والخبر " فيه ". وإن شئت جعلته صفة ليوم، ومن رفع جمله " لا " بمنزلة ليس. وجعل الجواب غير عام، وكأنه جواب من قال : هل فيه بيع ؟ بإسقاط من، فأتى الجواب غير مغير عن رفعه، والمرفوع مبتدأ أو اسم ليس و " فيه " الخبر. قال مكي : والاختيار الرفع ؛ لأن أكثر القراء عليه، ويجوز في غير القرآن لا بيع فيه ولا خلة، وأنشد سيبويه لرجل من مذحج :هذا لعَمْرُكَم الصَّغَارُ بعينه  لا أمَّ لي إن كان ذاك ولا أبُويجوز أن تبني الأول وتنصب الثاني وتنونه فتقول : لا رجل فيه ولا امرأة، وأنشد سيبويه :لا نسبَ اليوم ولا خلةً  اتّسعَ الخرقُ على الرَّاقعف " لا " زائدة في الموضعين، الأول عطف على الموضع، والثاني على اللفظ، ووجه خامس أن ترفع الأول وتبني الثاني كقولك : لا رجل فيها ولا امرأة، قال أمية :فلا لغوٌ ولا تأثيمٌ فيها  وما فاهوا به أبداً مقيموهذه الخمسة الأوجه جائزة في قولك : لا حول ولا قوة إلا بالله، وقد تقدم هذا والحمد لله. " والكافرون " ابتداء. " هم " ابتداء ثان، " الظالمون " خبر الثاني، وإن شئت كانت " هم " زائدة للفصل و " الظالمون " خبر " الكافرون ". قال عطاء بن دينار : والحمد لله الذي قال :" والكافرون هم الظالمون " ولم يقل والظالمون هم الكافرون. 
١ - راجع جـ١٨ ص ١٣٠..
٢ - هو النابغة الجعدي، كما في اللسان..
٣ - الفرسن (بكسر الفاء والسين وسكون الراء): عظم قليل اللحم، وهو خف البعير، كالحافر للدابة..
٤ - سية القوس: ما عطف من طرفيها..
٥ - راجع جـ٥ ص ٣٩٩..
٦ - راجع جـ٩ ص ٣٦٦..
٧ - راجع جـ١٧ ص ٦٦..
٨ - يقول هذا لبني الحارث بن كعب ومنهم النجاشي وكان يهاجيه فجعلهم أهل نهم وحرص على الطعام لا أهل غارة وقتال. والعادية: المستطيلة، ويروى غادية (بالغين المعجمة) وهي التي تغدو للغارة، وعادية أعم لأنها تكون بالغداة وغيرها.(عن شرح الشواهد للشنتمري)..

### الآية 2:255

> ﻿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [2:255]

قوله تعالى :" الله لا إله إلا هو الحي القيوم " هذه آية الكرسي سيدة آي القرآن وأعظم آية، كما تقدم بيانه في الفاتحة، ونزلت ليلا ودعا النبي صلى الله عليه وسلم زيدا فكتبها. روي عن محمد بن الحنفية أنه قال : لما نزلت آية الكرسي خر كل صنم في الدنيا، وكذلك خر كل ملك في الدنيا وسقطت التيجان عن رؤوسهم، وهربت الشياطين يضرب بعضهم على بعض[(١)](#foonote-١) إلى أن أتوا إبليس فأخبروه بذلك فأمرهم أن يبحثوا عن ذلك، فجاؤوا إلى المدينة فبلغهم أن آية الكرسي قد نزلت. وروى الأئمة عن أبي بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم ) ؟ قال قلت : الله ورسوله أعلم، قال :( يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم ) ؟ قال : قلت :" الله لا إله إلا هو الحي القيوم " فضرب في صدري وقال :( ليهنك العلم يا أبا المنذر ). زاد الترمذي الحكيم أبو عبدالله :( فوالذي نفسي بيده إن لهذه الآية للسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش ). قال أبو عبدالله : فهذه آية أنزلها الله جل ذكره، وجعل ثوابها لقارئها عاجلا وآجلا، فأما في العاجل فهي حارسة لمن قرأها من الآفات، وروي لنا عن نوف البكالي أنه قال : آية الكرسي تدعى في التوراة ولية الله. يريد يُدعى قارئها في ملكوت السماوات والأرض عزيزا، قال : فكان عبد الرحمن بن عوف إذا دخل بيته قرأ آية الكرسي في زوايا بيته الأربع، معناه كأنه يلتمس بذلك أن تكون له حارسا من جوانبه الأربع، وأن تنفي عنه الشيطان من زوايا بيته. وروي عن عمر أنه صارع جنيا فصرعه عمر رضي الله عنه، فقال له الجني : خل عني حتى أعلمك ما تمتنعون به منا، فخلى عنه وسأله فقال : إنكم تمتنعون منا بآية الكرسي. 
قلت : هذا صحيح، وفي الخبر : من قرأ الكرسي دبر كل صلاة كان الذي يتولى قبض روحه ذو الجلال والإكرام، وكان كمن قاتل مع أنبياء الله حتى يستشهد. وعن علي رضي الله عنه قال : سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول وهو على أعواد المنبر :( من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه آمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله ). وفي البخاري عن أبي هريرة قال : وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، وذكر قصة وفيها : فقلت يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال :( ما هي ) ؟ قلت قال لي : إذا آويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم " الله لا إله إلا هو الحي القيوم ". وقال لي : لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، وكانوا[(٢)](#foonote-٢) أحرص شيء على الخير. فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( أما إنه قد صدقك وهو كذوب تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة ) ؟ قال : لا، قال :( ذاك شيطان ). وفي مسند الدارمي أبي محمد قال الشعبي قال عبدالله بن مسعود : لقي رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم رجلا من الجن فصارعه فصرعه الإنسي، فقال له الإنسي : إني لأراك ضئيلا شِخِّيتا كأن ذُرَيْعَتَيْكَ ذُرَيْعَتَا كلب فكذلك أنتم معشر الجن، أم أنت من بينهم كذلك ؟ قال : لا والله إني منهم لضليع ولكن عاودني الثانية فإن صرعتني علمتك شيئا ينفعك، قال نعم، فصرعه، قال : تقرأ آية الكرسي :" الله لا إله إلا هو الحي القيوم " ؟ قال : نعم، قال : فإنك لا تقرأها في بيت إلا خرج منه الشيطان له خَبَج كخبج الحمار ثم لا يدخله حتى يصبح. أخرجه أبو نعيم عن أبي عاصم الثقفي عن الشعبي. وذكره أبو عبيدة في غريب حديث عمر حدثناه أبو معاوية عن أبي عاصم الثقفي عن الشعبي عن عبد الله قال : فقيل لعبد الله : أهو عمر ؟ فقال : ما عسى أن يكون إلا عمر. قال أبو محمد الدارمي : الضئيل : الدقيق، والشِّخِّيت : المهزول، والضليع : جيد الأضلاع، والخَبَج : الريح. وقال أبو عبيدة : الخبج : الضراط، وهو الحبج أيضا بالحاء. وفي الترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من قرأ حم - المؤمن - إلى إليه المصير وآية الكرسي حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي، ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح ) قال : حديث غريب. وقال أبو عبدالله الترمذي الحكيم : وروى أن المؤمنين ندبوا إلى المحافظة على قراءتها دبر كل صلاة. عن أنس رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال :( أوحى الله إلى موسى عليه السلام من داوم على قراءة آية الكرسي دبر كل صلاة أعطيته فوق ما أعطي[(٣)](#foonote-٣) الشاكرين وأجر النبيين وأعمال الصديقين وبسطت عليه يميني بالرحمة ولم يمنعه أن أدخله الجنة إلا أن يأتيه ملك الموت ) قال موسى عليه السلام : يا رب من سمع بهذا لا يداوم عليه ؟ قال :( إني لا أعطيه من عبادي إلا لنبي أو صديق أو رجل أحبه[(٤)](#foonote-٤) أو رجل أريد قتله في سبيلي ). وعن أبي بن كعب قال : قال الله تعالى :( يا موسى من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة أعطيته ثواب الأنبياء ) قال أبو عبد الله : معناه عندي أعطيته ثواب عمل الأنبياء، فأما ثواب النبوة فليس لأحد إلا للأنبياء. وهذه الآية تضمنت التوحيد والصفات العلا، وهي خمسون كلمة، وفي كل كلمة خمسون بركة، وهي تعدل ثلث القرآن، ورد بذلك الحديث، ذكره ابن عطية. و " الله " مبتدأ، و " لا إله " مبتدأ ثان وخبره محذوف تقديره معبود أو موجود. و " إلا هو " بدل من موضع لا إله. وقيل :" الله لا إله إلا هو " ابتداء وخبر، وهو مرفوع محمول على المعنى، أي ما إله إلا هو، ويجوز في غير القرآن لا إله إلا إياه، نصب على الاستثناء. قال أبو ذر في حديثه الطويل : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي آية أنزل الله عليك من القرآن أعظم ؟ فقال :( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ). وقال ابن عباس : أشرف آية في القرآن آية الكرسي. قال بعض العلماء : لأنه يكرر فيها اسم الله تعالى بين مضمر وظاهر ثماني عشرة مرة. 
قوله :" الحي القيوم " نعت لله عز وجل، وإن شئت كان بدلا من " هو "، وإن شئت كان خبرا بعد خبر، وإن شئت على إضمار مبتدأ. ويجوز في غير القرآن النصب على المدح. و " الحي " اسم من أسمائه الحسنى يسمى به، ويقال : إنه اسم الله تعالى الأعظم. ويقال : إن عيسى ابن مريم عليه السلام كان إذا أراد أن يحيي الموتى يدعو بهذا الدعاء : يا حي يا قيوم. ويقال : إن آصف بن برخيا لما أراد أن يأتي بعرش بلقيس إلى سليمان دعا بقوله يا حي يا قيوم. ويقال : إن بني إسرائيل سألوا موسى عن اسم الله الأعظم فقال لهم : أيا هيا شرا هيا، يعني يا حي يا قيوم. ويقال : هو دعاء أهل البحر إذا خافوا الغرق يدعون به. قال الطبري عن قوم : إنه يقال حي قيوم كما وصف نفسه، ويسلم ذلك دون أن ينظر فيه. وقيل : سمى نفسه حيا لصرفه الأمور مصاريفها وتقديره الأشياء مقاديرها. وقال قتادة : الحي الذي لا يموت. وقال السدي : المراد بالحي الباقي. قال لبيد :

فإما تَرَيْنِي اليوم أصبحت سالما  فلستُ بأحيا من كلابٍ وجعفروقد قيل : إن هذا الاسم هو اسم الله الأعظم. " القيوم " من قام، أي القائم بتدبير ما خلق، عن قتادة. وقال الحسن : معناه القائم على كل نفس بما كسبت حتى يجازيها بعملها، من حيث هو عالم بها لا يخفى عليه شيء منها. وقال ابن عباس : معناه الذي لا يحول ولا يزول، قال أمية بن أبي الصلت :لم تخلقِ السماءُ والنجومُ  والشمس معها قمر يقومقدَّرَهُ مهيمن قيُّوم  والحشر والجنة والنعيمإلا لأمر شأنه عظيم
قال البيهقي : ورأيت في " عيون التفسير " لإسماعيل الضرير تفسير القيوم قال : ويقال هو الذي لا ينام، وكأنه أخذه من قوله عز وجل عقيبه في آية الكرسي :" لا تأخذه سنة ولا نوم ". وقال الكلبي : القيوم الذي لا بدئ[(٥)](#foonote-٥) له، ذكره أبو بكر الأنباري. وأصل قيوم قيووم اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فأدغمت الأولى في الثانية بعد قلب الواو ياء ؛ ولا يكون قيوم فعولا ؛ لأنه من الواو فكان يكون قيووما. وقرأ ابن مسعود وعلقمة والأعمش والنخعي " الحي القيام " بالألف، وروي ذلك عن عمر. ولا خلاف بين أهل اللغة في أن القيوم أعرف عند العرب وأصح بناء وأثبت علة. والقيام منقول عن القوام إلى القيام، صرف عن الفعال إلى الفيعال، كما قيل للصواغ الصياغ. قال الشاعر :إن ذا العرش لَلَّذي يرزق النا  س[(٦)](#foonote-٦) وحيٌّ عليهمُ قيومثم نفى عز وجل أن تأخذه سنة ولا نوم. والسنة : النعاس في قول الجميع. والنعاس ما كان من العين فإذا صار في القلب صار نوما. قال عدي بن الرقاع يصف امرأة[(٧)](#foonote-٧) بفتور النظر :وَسْنَانُ أقصَدَهُ النعاس فَرَنَّقَت[(٨)](#foonote-٨)  في عينه سِنَةٌ وليس بنائموفرق المفضل بينهما فقال : السنة من الرأس، والنعاس في العين، والنوم في القلب. وقال ابن زيد : الوسنان الذي يقوم من النوم وهو لا يعقل، حتى ربما جرد السيف على أهله. قال ابن عطية : وهذا الذي قاله ابن زيد فيه نظر، وليس ذلك بمفهوم من كلام العرب. وقال السدي : السنة : ريح النوم الذي يأخذ في الوجه فينعس الإنسان. 
قلت : وبالجملة فهو فتور يعتري الإنسان ولا يفقد معه عقله. والمراد بهذه الآية أن الله تعالى لا يدركه خلل ولا يلحقه ملل بحال من الأحوال. والأصل في سِنَة وسْنَة حذفت الواو كما حذفت من يسن[(٩)](#foonote-٩). والنوم هو المستثقل الذي يزول معه الذهن في حق البشر. والواو للعطف و " لا " توكيد. 
قلت : والناس يذكرون في هذا الباب عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى على المنبر قال :( وقع في نفس موسى هل ينام الله جل ثناؤه ؟ فأرسل الله إليه ملكا فأرَّقه ثلاثا، ثم أعطاه قارورتين في كل يدٍ قارورة، وأمره أن يحتفظ بهما قال فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان ثم يستيقظ فينحي أحديهما عن الأخرى حتى نام نومة، فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان - قال - ضرب الله له مثلا أن لو كان ينام لم تمتسك[(١٠)](#foonote-١٠) السماء والأرض ) ولا يصح هذا الحديث، ضعفه غير واحد منهم البيهقي. 
قوله تعالى :" له ما في السماوات وما في الأرض " أي بالملك فهو مالك الجميع وربه وجاءت العبارة ب " ما " وإن كان في الجملة من يعقل من حيث المراد الجملة والموجود. قال الطبري : نزلت هذه الآية لما قال الكفار : ما نعبد أوثانا إلا ليقربونا إلى الله زلفى. 
قوله تعالى :" من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه " " من " رفع بالابتداء و " ذا " خبره ؛ و " الذي " نعت ل " ذا "، وإن شئت بدل، ولا يجوز أن تكون " ذا " زائدة كما زيدت مع " ما " لأن " ما " مبهمة فزيدت " ذا " معها لشبهها بها. وتقرر في هذه الآية أن الله يأذن لمن يشاء في الشفاعة، وهم الأنبياء والعلماء والمجاهدون والملائكة وغيرهم ممن أكرمهم وشرفهم الله، ثم لا يشفعون إلا لمن ارتضى، كما قال :" ولا يشفعون إلا لمن ارتضى " [(١١)](#foonote-١١) \[ الأنبياء : ٢٨ \] قال ابن عطية : والذي يظهر أن العلماء والصالحين يشفعون فيمن لم يصل إلى النار وهو بين المنزلتين، أو وصل ولكن له أعماله صالحة. وفي البخاري في " باب بقية من أبواب الرؤية " : إن المؤمنين يقولون : ربنا إن إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا. وهذه شفاعة فيمن يقرب أمره، وكما يشفع الطفل المحبنطئ[(١٢)](#foonote-١٢) على باب الجنة. وهذا إنما هو في قر١ - في هـ: فاجتمعوا إلى إبليس..
٢ - الضمير في "كانوا" راجع إلى الصحابة، قال القسطلاني: "وكان الأصل أن يقول "كنا" لكنه على طريق الالتفات، وقيل هو مدرج من كلام بعض رواته"..
٣ - في الأصول: ".. أعطيته قلوب الشاكرين" والتصويب عن كتاب "السر القدسي في تفسير آية الكرسي"..
٤ - في هـ: اجتبيته..
٥ - في الأصول: "لا بديل له" والتصويب عن اللسان"..
٦ - في جـ: الخلق..
٧ - هذا البيت في وصف ظبي، وقبل هذا البيت:
 لولا الحياء وأن رأسي قد عسا\*\*\* فيه المشيب لزرت أم القاسم
 وكأنها وسط النساء أعارها \*\*\* عينيه أحور من جآذر جاسم..
٨ - رنق النوم في عينيه: خالطها..
٩ - الذي في كتب اللغة أن الفعل من باب "فرح"..
١٠ - في ابن عطية: تستمسك. وفي هـ، جـ، ز: تمسك..
١١ - راجع جـ١١ ص ٣٨١..
١٢ - المحبنطئ: اللازق بالأرض. وفي الحديث "إن السقط يظل محبنطئا على باب الجنة" قال ابن الأثير: المحبنطئ (بالهمز وتركه): المتغضب المستبطئ للشيء. وقيل: هو الممتنع امتناع طلبة لا امتناع إباء..

### الآية 2:256

> ﻿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انْفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [2:256]

قوله تعالى : لا إكراه في الدين  فيه مسألتان :
الأولى : قوله تعالى :" لا إكراه في الدين " الدين في هذه الآية المعتقد والملة بقرينة قوله :" قد تبين الرشد من الغي ". والإكراه الذي في الأحكام من الإيمان والبيوع والهبات وغيرها ليس هذا موضعه، وإنما يجيء في تفسير قوله :" إلا من أكره " [(١)](#foonote-١) \[ النحل : ١٠٦ \]. وقرأ أبو عبد الرحمن " قد تبين الرشد من الغي " وكذا روي عن الحسن والشعبي ؛ يقال : رَشَد يَرْشُد رُشْداً، ورَشِدَ يرْشَد رَشَدا : إذا بلغ ما يحب. وغوى ضده، عن النحاس. وحكى ابن عطية عن أبي عبدالرحمن السلمي أنه قرأ " الرشاد " بالألف. وروي عن الحسن أيضا " الرشد " بضم الراء والشين. " الغي " مصدر من غوى يغوي إذا ضل في معتقد أو رأي، ولا يقال الغي في الضلال على الإطلاق. 
الثانية : اختلف العلماء في معنى[(٢)](#foonote-٢) هذه الآية على ستة أقوال :
\[ الأول \] قيل إنها منسوخة ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أكره العرب على دين الإسلام وقاتلهم ولم يرض منهم إلا بالإسلام، قاله سليمان بن موسى، قال : نسختها " يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين " [(٣)](#foonote-٣) \[ التوبة : ٧٣ \]. وروي هذا عن ابن مسعود وكثير من المفسرين. 
الثاني : ليست بمنسوخة وإنما نزلت في أهل الكتاب خاصة، وأنهم لا يكرهون على الإسلام إذا أدوا الجزية، والذين يكرهون أهل الأوثان فلا يقبل منهم إلا الإسلام فهم الذين نزل فيهم " يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين ". هذا قول الشعبي وقتادة والحسن والضحاك. والحجة لهذا القول ما رواه زيد بن أسلم عن أبيه قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول لعجوز نصرانية : اسلمي أيتها العجوز تسلمي، إن الله بعث محمدا بالحق. قالت : أنا عجوز كبيرة والموت إلي قريب فقال عمر : اللهم اشهد، وتلا " لا إكراه في الدين ". 
الثالث : ما رواه أبو داود عن ابن عباس قال : نزلت هذه في الأنصار، كانت تكون المرأة مقلاتا فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم كثير من أبناء الأنصار فقالوا : لا ندع أبناءنا فأنزل الله تعالى :" لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ". قال أبو داود : والمقلات التي لا يعيش لها ولد. في رواية : إنما فعلنا ما فعلنا ونحن نرى أن دينهم أفضل مما نحن عليه، وأما إذا جاء الله بالإسلام فنكرههم عليه فنزلت :" لا إكراه في الدين " من شاء التحق بهم ومن شاء دخل في الإسلام. وهذا قول سعيد بن جبير والشعبي ومجاهد إلا أنه قال : كان سبب كونهم في بني النضير الاسترضاع. قال النحاس : قول ابن عباس في هذه الآية أولى الأقوال لصحة إسناده، وأن مثله لا يؤخذ بالرأي. 
الرابع : قال السدي : نزلت الآية في رجل من الأنصار يقال له أبو حصين كان له ابنان، فقدم تجار من الشام إلى المدينة يحملون الزيت، فلما أرادوا الخروج أتاهم ابنا الحصين فدعوهما إلى النصرانية فتنصرا ومضيا معهم إلى الشام، فأتى أبوهما رسول الله صلى الله عليه وسلم مشتكيا أمرهما، ورغب في أن يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من يردهما فنزلت :" لا إكراه في الدين " ولم يؤمر يومئذ بقتال أهل الكتاب، وقال :( أبعدهما الله، هما أول من كفر ) فوجد أبو الحصين في نفسه على النبي صلى الله عليه وسلم حين لم يبعث في طلبهما فأنزل الله جل ثناؤه " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم " [(٤)](#foonote-٤) \[ النساء : ٦٥ \] الآية ثم إنه نسخ " لا إكراه في الدين " فأمر بقتال أهل الكتاب في سورة \[ براءة \][(٥)](#foonote-٥). والصحيح في سبب قوله تعالى :" فلا وربك لا يؤمنون " حديث الزبير مع جاره الأنصاري في السقي، على ما يأتي في " النساء " [(٦)](#foonote-٦) بيانه إن شاء الله تعالى. 
\[ وقيل \] معناها لا تقولوا لمن أسلم تحت السيف مجبرا مكرها، وهو القول الخامس. 
\[ وقول سادس \] وهو أنها وردت في السبي متى كانوا من أهل الكتاب لم يجبروا إذا كانوا كبارا[(٧)](#foonote-٧)، وإن كانوا مجوسا صغارا أو كبارا أو وثنيين فإنهم يجبرون على الإسلام ؛ لأن من سباهم لا ينتفع بهم مع كونهم وثنيين، ألا ترى أنه لا تؤكل ذبائحهم ولا توطأ نساؤهم، ويدينون بأكل الميتة
والنجاسات وغيرهما، ويستقذرهم المالك لهم ويتعذر عليه الانتفاع بهم من جهة الملك فجاز له الإجبار. ونحو هذا روى ابن القاسم عن مالك. وأما أشهب فإنه قال : هم على دين من سباهم، فإذا امتنعوا أجبروا على الإسلام، والصغار لا دين لهم فلذلك فأجبروا على الدخول في دين الإسلام لئلا يذهبوا إلى دين باطل. فأما سائر أنواع الكفر متى بذلوا الجزية لم نكرههم على الإسلام سواء كانوا عربا أم عجما قريشا أو غيرهم. وسيأتي بيان هذا وما للعلماء في الجزية ومن تقبل منه في " براءة " إن شاء الله تعالى. 
قوله تعالى :" فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله " جزم بالشرط. والطاغوت مؤنثة من طغى يطغى. - وحكى الطبري يطغو - إذا جاوز الحد بزيادة عليه. ووزنه فعلوت، ومذهب سيبويه أنه اسم مذكر مفرد كأنه اسم جنس يقع للقليل والكثير. ومذهب أبي علي أنه مصدر كرهبوت وجبروت، وهو يوصف به الواحد والجمع، وقلبت لامه إلى موضع العين وعينه موضع اللام كجَبَذ وجَذَب، فقلبت الواو ألفاً لتحركها وتحرك ما قبلها فقيل طاغوت، واختار هذا القول النحاس. وقيل : أصل طاغوت في اللغة مأخوذة من الطغيان يؤدي معناه من غير اشتقاق، كما قيل : لآل من اللؤلؤ. وقال المبرد : هو جمع. وقال ابن عطية : وذلك مردود. قال الجوهري : والطاغوت الكاهن والشيطان وكل رأس في الضلال، وقد يكون واحداً قال الله تعالى :" يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به " [(٨)](#foonote-٨) \[ النساء : ٦٠ \]. وقد يكون جمعا قال الله تعالى :" أولياؤهم الطاغوت " \[ البقرة ٢٥٧ \] والجمع الطواغيت. " ويؤمن بالله " عطف. " فقد استمسك بالعروة الوثقى " جواب الشرط، وجمع الوُثْقى الوُثْق مثل الفُضْلى والفُضْل ؛ فالوثقى فعلى من الوثاقة، وهذه الآية تشبيه. واختلف عبارة المفسرين في الشيء المشبه به، فقال مجاهد : العروة الإيمان. وقال السدي : الإسلام. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك : لا إله إلا الله، وهذه عبارات ترجع إلى معنىً واحد. ثم قال :" لا انفصام لها " قال مجاهد : أي لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، أي لا يزيل عنهم اسم الإيمان[(٩)](#foonote-٩) حتى يكفروا. والانفصام : الانكسار من غير بينونة. والقصم : كسر ببينونة، وفي صحيح الحديث ( فيفصم عنه الوحي وإن جبينه ليتفصد عرقا ) أي يقلع. قال الجوهري : فصم الشيء كسره من غير أن يبين، تقول : فصمته فانفصم، قال الله تعالى : لا انفصام لها " وتفصم مثله، قال ذو الرمة يذكر غزالا يشبهه بدُمْلُج فضة :

كأنَّهُ دُمْلُجٌ من فضة نَبَهٌ[(١٠)](#foonote-١٠)  في ملعب من جواري الحيِّ مَفْصُومُوإنما جعله مفصوما لتثنيه وانحنائه إذا نام. ولم يقل " مقصوم " بالقاف فيكون بائنا باثنين. وافْصم المطر : أقلع. وأفصمت عنه الحمى. ولما كان الكفر بالطاغوت والإيمان بالله مما ينطق به اللسان ويعتقده القلب حسن في الصفات " سميع " من أجل النطق " عليم " من أجل المعتقد. 
١ - راجع جـ١٠ ص ١٨٠..
٢ - في هـ و جـ وب..
٣ - راجع جـ٨ ص ٢٤٠..
٤ - راجع جـ٥ ص ٢٦٦..
٥ - راجع جـ٨ ص ١٠٩..
٦ -راجع جـ٥ ص ٢٦٦..
٧ - في ب وجـ و: وإن كانوا صغارا لم يجبروا.
٨ - راجع جـ٥ ص ٢٦٣ و ٢٨٠..
٩ - في جـ: الإسلام..
١٠ - النبه (بفتح النون والباء) كل شيء سقط من إنسان فنسبه ولم يهتد إليه. شبه الغزال وهو نائم بدملج فضة قد طرح ونسي. وفي الديوان: عذارى..

### الآية 2:257

> ﻿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:257]

قوله تعالى :" الله ولي الذين آمنوا " الولي فعيل بمعنى فاعل. قال الخطابي : الولي الناصر ينصر عباده المؤمنين، قال الله عز وجل " الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور "، وقال " ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم " [(١)](#foonote-١) \[ محمد : ١١ \] قال قتادة : الظلمات الضلالة، والنور الهدى، وبمعناه قال الضحاك والربيع. وقال مجاهد وعبدة بن أبي لبابة : قوله " الله ولي الذين آمنوا " نزلت في قوم آمنوا بعيسى فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم كفروا به، فذلك إخراجهم من النور إلى الظلمات. قال ابن عطية : فكأن هذا المعتقد[(٢)](#foonote-٢) أحرز نوراً في المعتقد خرج منه إلى الظلمات، ولفظ الآية مستغن عن هذا التخصيص، بل هو مترتب في كل أمة كافرة آمن بعضها كالعرب، وذلك أن من آمن منهم فالله وليه أخرجه من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، ومن كفر بعد وجود النبي صلى الله عليه وسلم الداعي المرسل فشيطانه مغويه، كأنه أخرجه من الإيمان إذ هو معه[(٣)](#foonote-٣) معد وأهل للدخول فيه، وحكم عليهم بالدخول في النار لكفرهم، عدلا منه، لا يسأل عما يفعل. وقرأ الحسن " أولياؤهم الطواغيت " يعني الشياطين، والله أعلم.

١ - راجع جـ١٦ ص ٢٣٤..
٢ - في هـ و ب وجـ وابن عطية: فكأن هذا القول..
٣ - الزيادة في جـ..

### الآية 2:258

> ﻿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [2:258]

**فيه مسألتان :**
الأولى : قوله تعالى :" ألم تر " هذه ألف التوقيف، وفي الكلام معنى التعجب[(١)](#foonote-١)، أي اعجبوا له. وقال الفراء :" ألم تر " بمعنى هل رأيت، أي هل رأيت الذي حاج إبراهيم، وهل رأيت الذي مر على قرية، وهو النمروذ[(٢)](#foonote-٢) بن كوش بن كنعان بن سام بن نوح ملك زمانه وصاحب النار والبعوضة، هذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع والسدي وابن إسحاق وزيد بن أسلم وغيرهم. وكان إهلاكه لما قصد المحاربة مع الله تعالى بأن فتح الله تعالى عليه باباً من البعوض فستروا[(٣)](#foonote-٣) عين الشمس وأكلوا عسكره ولم يتركوا إلا العظام، ودخلت واحدة منها في دماغه فأكلته حتى صارت مثل الفأرة، فكان أعز الناس عنده بعد ذلك من يضرب دماغه بمطرقة عتيدة لذلك، فبقي في البلاء أربعين يوما. قال ابن جريح : هو أول ملك في الأرض. قال ابن عطية : وهذا مردود. وقال قتادة : هو أول من تجبر وهو صاحب الصرح ببابل. وقيل : إنه ملك الدنيا بأجمعها، وهو أحد الكافرين[(٤)](#foonote-٤)، والآخر بختنصر. وقيل : إن الذي حاج إبراهيم نمروذ بن فالخ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام، حكى جميعه ابن عطية. وحكى السهيلي أنه النمروذ بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح وكان ملكاً على السواد[(٥)](#foonote-٥) وكان ملكه الضحاك الذي يعرف بالازدهاق واسمه بيوراسب بن أندراست وكان ملك الأقاليم كلها، وهو الذي قتله أفريدون بن أثفيان، وفيه يقول حبيب[(٦)](#foonote-٦) :وكأنه الضّحّاك من فَتَكَاتِه  في العالمين وأنت أَفْرِيدُونُوكان الضحاك طاغيا جبارا ودام ملكه ألف عام فيما ذكروا. وهو أول من صلب وأول من قطع الأيدي والأرجل، وللنمروذ ابن لصلبه يسمى \[ كوشا \] أو نحو هذا الاسم، وله ابن يسمى نمروذ الأصغر. وكان ملك نمروذ الأصغر عاما واحدا، وكان ملك نمروذ الأكبر أربعمائة عام فيما ذكروا. وفي قصص هذه المحاجة روايتان : إحداهما أنهم خرجوا إلى عيد لهم فدخل إبراهيم على أصنامهم فكسرها ؛ فلما رجعوا قال لهم : أتعبدون ما تنحتون ؟ فقالوا : فمن تعبد ؟ قال : أعبد ربي[(٧)](#foonote-٧) الذي يحيي ويميت. وقال بعضهم : إن نمروذ كان يحتكر الطعام فكانوا إذا احتاجوا إلى الطعام يشترونه منه، فإذا دخلوا عليه سجدوا له، فدخل إبراهيم فلم يسجد له، فقال : مالك لا تسجد لي قال : أنا لا أسجد إلا لربي. فقال له نمروذ : من ربك ؟ قال إبراهيم : ربي الذي يحيي ويميت. وذكر زيد بن أسلم أن النمروذ هذا قعد يأمر الناس بالميرة[(٨)](#foonote-٨)، فكلما جاء قوم يقول : من ربكم وإلهكم ؟ فيقولون أنت، فيقول : مِيرُوهُم. وجاء إبراهيم عليه السلام يَمْتَار فقال له : من ربك وإلهك ؟ قال إبراهيم : ربي الذي يحيي ويميت، فلما سمعها نمروذ قال : أنا أحيي وأميت، فعارضه إبراهيم بأمر الشمس فبهت الذي كفر، وقال لا تُميروه، فرجع إبراهيم إلى أهله دون شيء فمر على كثيب رمل كالدقيق فقال في نفسه : لو ملأت غرارتي من هذا فإذا دخلت به فرح الصبيان حتى أنظر لهم، فذهب بذلك فلما بلغ منزله فرح الصبيان وجعلوا يلعبون فوق الغرارتين ونام هو من الإعياء، فقالت امرأته : لو صنعت له طعاما يجده حاضرا إذا انتبه، ففتحت إحدى الغرارتين فوجدت أحسن ما يكون من الحوارى[(٩)](#foonote-٩) فخبزته، فلما قام وضعته بين يديه فقال : من أين هذا ؟ فقالت : من الدقيق الذي سقت. فعلم إبراهيم أن الله تعالى يسر لهم ذلك. قلت : وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي صالح قال : انطلق إبراهيم النبي عليه السلام يمتار فلم يقدر على الطعام، فمر بسهلة[(١٠)](#foonote-١٠) حمراء فأخذ منها ثم رجع إلى أهله فقالوا : ما هذا ؟ فقال : حنطة حمراء، ففتحوها فوجدوها حنطة حمراء، قال : وكان إذا زرع منها شيئا جاء سنبله من أصلها إلى فرعها حباً متراكباً. وقال الربيع وغيره في هذا القصص : إن النمروذ لما قال أنا أحيي وأميت أحضر رجلين فقتل أحدهما وأرسل الآخر فقال : قد أحييت هذا وأمت هذا، فلما رد عليه بأمر الشمس بهت. وروي في الخبر : أن الله تعالى قال وعزتي وجلالي لا تقوم الساعة حتى آتي بالشمس من المغرب ليعلم أني أنا القادر على ذلك. ثم أمر نمروذ بإبراهيم فألقي في النار، وهكذا عادة الجبابرة فإنهم إذا عورضوا بشيء وعجزوا عن الحجة اشتغلوا بالعقوبة، فأنجاه الله من النار، على ما يأتي[(١١)](#foonote-١١). وقال السدي : إنه لما خرج إبراهيم من النار أدخلوه على الملك - ولم يكن قبل ذلك دخل عليه - فكلمه وقال له : من ربك ؟ فقال : ربي الذي يحيي ويميت. قال النمروذ : أنا أحيي وأميت، وأنا آخذ أربعة نفر فأدخلهم بيتا ولا يطعمون شيئا ولا يسقون حتى إذا جاعوا أخرجتهم فأطعمت اثنين فحييا، وتركت اثنين فماتا. فعارضه إبراهيم بالشمس فبهت. وذكر الأصوليون في هذه الآية أن إبراهيم عليه السلام لما وصف ربه تعالى بما هو صفة له من الإحياء والإماتة لكنه أمر له حقيقة ومجاز، قصد إبراهيم عليه السلام إلى الحقيقة، وفزع نمروذ إلى المجاز وموه على قومه، فسلم له إبراهيم تسليم الجدل وانتقل معه من المثال، وجاءه بأمر لا مجاز فيه " فبهت الذي كفر " أي انقطعت حجته ولم يمكنه أن يقول أنا الآتي بها من المشرق ؛ لأن ذوي الألباب يكذبونه. 
الثانية : هذه الآية تدل على جواز تسمية الكافر ملكا إذا آتاه الملك والعز والرفعة في الدنيا، وتدل على إثبات المناظرة والمجادلة وإقامة الحجة. وفي القرآن والسنة من هذا كثير لمن تأمله، قال الله تعالى :" قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين " [(١٢)](#foonote-١٢) \[ البقرة : ١١١ \]. " إن عندكم من سلطان " [(١٣)](#foonote-١٣) \[ يونس : ٦٨ \] أي من حجة. وقد وصف خصومة إبراهيم عليه السلام قومه ورده عليهم في عبادة الأوثان كما في سورة \[ الأنبياء \] وغيرها. وقال في قصة نوح عليه السلام :" قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا " [(١٤)](#foonote-١٤) \[ هود : ٣٢ \] الآيات إلى قوله :" وأنا بريء مما تجرمون " \[ هود : ٣٥ \]. وكذلك مجادلة موسى مع فرعون إلى غير ذلك من الآي. فهو كله تعليم من الله عز وجل السؤال والجواب والمجادلة في الدين ؛ لأنه لا يظهر الفرق بين الحق والباطل إلا بظهور حجة الحق ودحض حجة الباطل. وجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب وباهلهم[(١٥)](#foonote-١٥) بعد الحجة، على ما يأتي بيانه في " آل عمران ". وتحاج آدم وموسى فغلبه آدم بالحجة. وتجادل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم السقيفة وتدافعوا وتقرروا وتناظروا حتى صدر[(١٦)](#foonote-١٦) الحق في أهله، وتناظروا بعد مبايعة أبي بكر في أهل الردة، إلى غير ذلك مما يكثر إيراده. وفي قول الله عز وجل :" فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم " \[ آل عمران : ٦٦ \] دليل على أن الاحتجاج بالعلم مباح شائع[(١٧)](#foonote-١٧) لمن تدبر. قال المزني صاحب الشافعي : ومن حق المناظرة أن يراد بها الله عز وجل وأن يقبل منها ما تبين. وقالوا : لا تصح المناظرة ويظهر الحق بين المتناظرين حتى يكونوا متقاربين أو مستويين في مرتبة واحدة من الدين والعقل والفهم والإنصاف، وإلا فهو مراء ومكابرة. قراءات - قرأ علي بن أبي طالب " ألم تر " بجزم الراء، والجمهور بتحريكها، وحذفت الياء للجزم. " أن آتاه الله الملك " في موضع نصب، أي لأن آتاه الله، أو من أجل أن آتاه الله. وقرأ جمهور القراء " أن أحيي " بطرح الألف التي بعد النون من " أنا " في الوصل، وأثبتها نافع وابن أبي أويس، إذا لقيتها همزة في كل القرآن إلا في قوله تعالى :" إن أنا إلا نذير " [(١٨)](#foonote-١٨) \[ الأعراف : ١٨٨ \] فإنه يطرحها في هذا الموضع مثل سائر القراء لقلة ذلك، فإنه لم يقع منه في القرآن إلا ثلاثة مواضع أجراها مجرى ما ليس بعده همزة لقلته فحذف الألف في الوصل. قال النحويون : ضمير المتكلم الاسم فيه الهمزة والنون، فإذا قلت : أنا أو أنه فالألف والهاء لبيان الحركة في الوقف، فإذا اتصلت الكلمة بشيء سقطتا ؛ لأن الشيء الذي تتصل به الكلمة يقوم مقام الألف، فلا يقال : أنا فعلت بإثبات الألف إلا شاذاً في الشعر كما قال الشاعر :أنا سيف العشيرة فاعرفوني  حميداً قد تَذَرَّيْتُ السّناما[(١٩)](#foonote-١٩)قال النحاس : على أن نافعاً قد أثبت الألف فقرأ " أنا أحيي وأميت " ولا وجه له. قال مكي : والألف زائدة عند البصريين، والاسم المضمر عندهم الهمزة والنون وزيدت الألف للتقوية. وقيل : زيدت للوقف لتظهر حركة النون. والاسم عند الكوفيين " أنا " بكماله، فنافع في إثبات الألف على قولهم على الأصل، وإنما حذف الألف من حذفها تخفيفاً ؛ ولأن الفتحة تدل عليها. قال الجوهري : وأما قولهم " أنا " فهو اسم مكنى وهو للمتكلم وحده، وإنما بني على الفتح فرقا بينه وبين " أن " التي هي حرف ناصب للفعل، والألف الأخيرة إنما هي لبيان الحركة في الوقف، فإن توسطت الكلام سقطت إلا في لغة رديئة[(٢٠)](#foonote-٢٠) ؛ كما قال :أنا سيف[(٢١)](#foonote-٢١) العشيرة فاعرفوني  حميداً قد تذريت السناماوبَهُت الرجل وبَهِت وبُهت إذا انقطع وسكت متحيراً ؛ عن النحاس وغيره. وقال الطبري : وحكي عن بعض العرب في هذا المعنى " بَهَت " بفتح الباء والهاء. قال ابن جني قرأ أبو حيوة :" فبهت الذي كفر " بفتح الباء وضم الهاء، وهي لغة في " بهت " بكسر الهاء. قال : وقرأ ابن السميقع " فبهت " بفتح الباء والهاء على معنى فبهت إبراهيم الذي كفر ؛ فالذي في موضع نصب. قال : وقد يجوز أن يكون بَهَت بفتحها لغة في بَهُت. قال : وحكى أبو الحسن الأخفش قراءة " فبهت " بكسر الهاء كغرق[(٢٢)](#foonote-٢٢) ودهش. قال : والأكثرون بالضم في الهاء. قال ابن عطية : وقد تأول قوم في قراءة من قرأ " فبهت " بفتحها أنه بمعنى سب وقذف، وأن نمروذ هو الذي سب حين انقطع ولم تكن له حيلة. 
١ - أي التعجب..
٢ - نمروذ بضم النون وبالذال المعجمة، شهاب..
٣ - كذا في الأصول جميعا، والصحيح ما في الطبري: فبعثها الله عليهم فأكلت لحومهم وشربت دماءهم..
٤ - في البحر: "ملك الأرض مؤمنان سليمان وذو القرنين وكافران نمروذ وبختنصر"..
٥ - أي سواد العراق، وفي هـ: السودان..
٦ - ابن أوس أبو تمام..
٧ - من هـ وب..
٨ - الميرة: جلب الطعام، قاله ابن سيده..
٩ - الحوارى (بضم الحاء وتشديد الواو وفتح الراء): الدقيق الأبيض، وهو لباب الدقيق وأجوده وأخلصه..
١٠ - السهلة (بكسر السين): رمل خشن ليس بالدقاق الناعم. والسهلة (بفتح السين) نقيض الحزنة، وهو ما غلظ من الأرض..
١١ - راجع جـ١١ ص ٣٠٣..
١٢ - راجع جـ٢ ص ٧٤..
١٣ - راجع جـ٨ ص ٣٦١..
١٤ - راجع جـ٩ ص ٢٧..
١٥ - المباهلة: الملاعنة. ومعنى المباهلة: أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء فيقولوا لعنة الله على الظالم منا. راجع جـ ٤ ص ١٠٣، و ص ١٠٨..
١٦ - في ب: ظهر.
١٧ - في هـ و ب: سائغ..
١٨ - راجع جـ٧ ص ٣٣٦..
١٩ - كذا في جـ و ا وهـ وفي ب وجـ: حميدا، مرة، وجميعا، أخرى وفي التاج: جميعا.
٢٠ - في السمين: إثبات الألف وصلا ووقفا لغة تميم..
٢١ - في ابن عطية: أنا شيخ، وحميد هو ابن مجدل..
٢٢ - في جـ وهـ وب: كحرق. أي انقطعت حارقته وهي عصبة أو عرق في الرجل..

### الآية 2:259

> ﻿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ ۖ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2:259]

قوله تعالى :" أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها " " أو " للعطف حملا على المعنى والتقدير عند الكسائي والفراء : هل رأيت كالذي حاج إبراهيم في ربه، أو كالذي مر على قرية. وقال المبرد : المعنى ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه، ألم تر من هو كالذي مر على قرية. فأضمر في الكلام من هو. وقرأ أبو سفيان بن حسين " أو كالذي مر " بفتح الواو، وهي واو العطف دخل عليها ألف الاستفهام الذي معناه التقرير. وسميت القرية قرية لاجتماع الناس فيها ؛ من قولهم : قريت الماء أي جمعته، وقد تقدم[(١)](#foonote-١). قال سليمان بن بريدة وناجية بن كعب وقتادة وابن عباس والربيع وعكرمة والضحاك : الذي مر على القرية هو عزير. وقال وهب بن منبه وعبد الله بن عبيد بن عمير وعبد الله بن بكر بن مضر : هو إرمياء وكان نبياً. وقال ابن إسحاق : إرمياء هو الخضر، وحكاه النقاش عن وهب بن منبه. قال ابن عطية : وهذا كما تراه، إلا أن يكون اسما وافق اسما ؛ لأن الخضر معاصر لموسى، وهذا الذي مر على القرية هو بعده بزمان من سبط هارون فيما رواه وهب بن منبه. 
قلت : إن كان الخضر هو إرمياء فلا يبعد أن يكون هو ؛ لأن الخضر لم يزل حيا من وقت موسى حتى الآن على الصحيح في ذلك، على ما يأتي بيانه في سورة " الكهف " [(٢)](#foonote-٢). وإن كان مات قبل هذه القصة فقول ابن عطية صحيح، والله أعلم. وحكى النحاس ومكي عن مجاهد أنه رجل من بني إسرائيل غير مسمى. قال النقاش : ويقال هو غلام لوط عليه السلام. وحكى السهيلي عن القتبي هو شعيا في أحد قوليه. والذي أحياها بعد خرابها كوشك الفارسي. والقرية المذكورة هي بيت المقدس في قول وهب بن منبه وقتادة والربيع بن أنس وغيرهم. قال : وكان مقبلا من مصر وطعامه وشرابه المذكور تين أخضر[(٣)](#foonote-٣) وعنب وركوة[(٤)](#foonote-٤) من خمر. وقيل من عصير. وقيل : قلة ماء هي شرابه. والذي أخلى بيت المقدس حينئذ بختنصر وكان واليا على العراق للهراسب ثم ليستاسب بن لهراسب والد اسبندياد[(٥)](#foonote-٥). وحكى النقاش أن قوما قالوا : هي المؤتفكة. وقال ابن عباس في رواية أبي صالح : إن بختنصر غزا بني إسرائيل فسبى منهم أناسا كثيرة فجاء بهم وفيهم عزير بن شرخيا وكان من علماء بني إسرائيل فجاء بهم إلى بابل، فخرج ذات يوم في حاجة له إلى دير هزقل على شاطئ الدجلة. فنزل تحت ظل شجرة وهو على حمار له، فربط الحمار تحت ظل الشجرة ثم طاف بالقرية فلم ير بها ساكنا وهي خاوية على عروشها فقال : أنى يحيي هذه الله بعد موتها. وقيل : إنها القرية التي خرج منها الألوف حذر الموت، قاله ابن زيد. وعن ابن زيد أيضا أن القوم الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا، مر رجل عليهم وهم عظام نخرة[(٦)](#foonote-٦) تلوح فوقف ينظر فقال : أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام. قال : ابن عطية : وهذا القول من ابن زيد مناقض لألفاظ الآية ؛ إذ الآية إنما تضمنت قرية خاوية لا أنيس فيها، والإشارة ب " هذه " إنما هي إلى القرية. وإحياؤها إنما هو بالعمارة ووجود البناء والسكان. وقال وهب بن منبه وقتادة والضحاك والربيع وعكرمة : القرية بيت المقدس لما خربها بختنصر البابلي. وفي الحديث الطويل حين أحدثت بنو إسرائيل الأحداث وقف إرمياء أو عزير على القرية وهي كالتل العظيم وسط بيت المقدس ؛ لأن بختنصر أمر جنده بنقل التراب إليه حتى جعله كالجبل، ورأى إرمياء البيوت قد سقطت حيطانها على سقفها فقال : أنى يحيي هذه الله بعد موتها. والعريش : سقف البيت. وكل ما يتهيأ ليظل أو يكن فهو عريش ؛ ومنه عريش الدالية، ومنه قوله تعالى :" ومما يعرشون " [(٧)](#foonote-٧) \[ النحل : ٦٨ \]. قال السدي : يقول هي ساقطة على سقفها، أي سقطت السقف ثم سقطت الحيطان عليها ؛ واختاره الطبري. وقال غير السدي : معناه خاوية من الناس والبيوت قائمة ؛ وخاوية معناها خالية، وأصل الخواء الخلو، يقال : خَوَت الدار وخَوِيَتْ تخوى خواء ( ممدود ) وخُوِياً : أقْوَتْ، وكذلك إذا سقطت ؛ ومنه قوله تعالى :" فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا " [(٨)](#foonote-٨) \[ النمل : ٥٢ \] أي خالية، ويقال ساقطة، كما يقال :" فهي خاوية على عروشها " [(٩)](#foonote-٩) أي ساقطة على سقفها. والخَواء الجوع لخلو البطن من الغذاء. وخوت المرأة وخويت أيضا خوًى أي خلا جوفها عند الولادة. وخويت لها تخوية إذا عملت لها خوية تأكلها وهي طعام. والخوي : البطن السهل من الأرض على فعيل. وخوى البعير : إذا جافى بطنه عن الأرض في بروكه، وكذلك الرجل في سجوده. 
قوله تعالى :" قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها " معناه من أي طريق وبأي سبب، وظاهر اللفظ السؤال عن إحياء القرية بعمارة وسكان، كما يقال الآن في المدن الخربة التي يبعد أن تعمر وتسكن : أنى تعمر هذه بعد خرابها. فكأن هذا تلهف من الواقف المعتبر على مدينته التي عهد فيها أهله وأحبته. وضرب له المثل في نفسه بما هو أعظم مما سأل عنه، والمثال الذي ضرب له في نفسه يحتمل أن يكون على أن سؤاله إنما كان على إحياء الموتى من بني آدم، أي أنى يحيي الله موتاها. وقد حكى الطبري عن بعضهم أنه قال : كان هذا القول شكا في قدرة الله تعالى على الإحياء ؛ فلذلك ضرب له المثل في نفسه. قال ابن عطية : وليس يدخل شك في قدرة الله تعالى على إحياء قرية بجلب العمارة إليها وإنما يتصور الشك من جاهل[(١٠)](#foonote-١٠) في الوجه الآخر، والصواب ألا يتأول في الآية شك. 
قوله تعالى :" فأماته الله مائة عام " " مائة " نصب على الظرف. والعام : السنة، يقال : سِنون عُوَّم وهو تأكيد للأول، كما يقال : بينهم شغل شاغل. وقال العجاج :
من مر أعوام السنين العُوَّم
وهو في التقدير جمع عائم، إلا أنه لا يفرد بالذكر ؛ لأنه ليس باسم وإنما هو توكيد، قاله الجوهري. وقال النقاش : العام مصدر كالعَوْم، سمي به هذا القدر من الزمان ؛ لأنها عومة من الشمس في الفلك. والعوم كالسَّبْح، وقال الله تعالى :" كل في فلك يسبحون " [(١١)](#foonote-١١) \[ الأنبياء : ٣٣ \]. قال ابن عطية : هذا بمعنى قول النقاش، والعام على هذا كالقول والقال، وظاهر هذه الإماتة أنها بإخراج الروح من الجسد. وروي في قصص هذه الآية أن الله تعالى بعث لها ملكا من الملوك يعمرها ويجد[(١٢)](#foonote-١٢) في ذلك حتى كان كمال عمارتها عند بعث القائل. وقد قيل : إنه لما مضى لموته سبعون سنة أرسل الله ملكا من ملوك فارس عظيما يقال له " كوشك " فعمرها في ثلاثين سنة. 
قوله تعالى :" ثم بعثه " معناه أحياه، وقد تقدم الكلام فيه. 
قوله تعالى :" قال كم لبثت " اختلف في القائل له " كم لبثت "، فقيل الله جل وعز، ولم يقل له إن كنت صادقا كما قال للملائكة على ما تقدم. وقيل : سمع هاتفا من السماء[(١٣)](#foonote-١٣) يقول له ذلك. وقيل : خاطبه جبريل. وقيل : نبي. وقيل : رجل مؤمن ممن شاهده من قومه عند موته وعمر إلى حين إحيائه فقال له : كم لبثت. قلت : والأظهر أن القائل هو الله تعالى ؛ لقوله :" وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما " والله أعلم. وقرأ أهل الكوفة " كم لبثت " بإدغام الثاء في التاء لقربها منها في المخرج. فإن مخرجهما من طرف اللسان وأصول الثنايا وفي أنهما مهموستان[(١٤)](#foonote-١٤). قال النحاس : والإظهار أحسن لتباين مخرج الثاء من مخرج التاء. ويقال : كان هذا السؤال بواسطة الملك على جهة التقرير. و " كم " في موضع نصب على الظرف. 
قوله تعالى :" قال لبثت يوما أو بعض يوم " إنما قال هذا على ما عنده وفي ظنه، وعلى هذا لا يكون كاذبا فيما أخبر به، ومثله قول أصحاب الكهف " قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم " [(١٥)](#foonote-١٥) \[ الكهف : ١٩ \] وإنما لبثوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين - على ما يأتي - ولم يكونوا كاذبين لأنهم أخبروا عما عندهم، كأنهم قالوا : الذي عندنا وفي ظنوننا أننا لبثنا يوما أو بعض يوم. ونظيره قول النبي صلى الله عليه وسلم في قصة ذي اليدين :( لم أقصر ولم أنْس ). ومن الناس من يقول : إنه كذب على معنى وجود حقيقة الكذب فيه ولكنه لا مؤاخذة به، وإلا فالكذب الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه وذلك لا يختلف بالعلم والجهل، وهذا بين في نظر الأصول. فعلى هذا يجوز أن يقال : إن الأنبياء لا يعصمون عن الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه إذا لم يكن عن قصد، كما لا يعصمون عن السهو والنسيان. فهذا ما يتعلق بهذه الآية، والقول الأول أصح. 
قال ابن جريج وقتادة والربيع : أماته الله غدوة يوم ثم بعث قبل الغروب فظن هذا اليوم واحداً فقال : لبثت يوما، ثم رأى بقية من الشمس فخشي أن يكون كاذبا فقال : أو بعض يوم. فقيل : بل لبثت مائة عام، ورأى من عمارة القرية وأشجارها ومبانيها ما دله على ذلك. 
قوله تعالى :" فانظر إلى طعامك " وهو التين الذي جمعه من أشجار القرية التي مر عليها. " وشرابك لم يتسنه " قرأ ابن مسعود " وهذا طعامك وشرابك لم يتسنه ". وقرأ طلحة بن مصرف غيره " وانظر لطعامك وشرابك لمائة سنة ". وقرأ الجمهور بإثبات الهاء في الوصل إلا الأخوان[(١٦)](#foonote-١٦) فإنهما يحذفانها، ولا خلاف أن الوقف عليها بالهاء. وقرأ طلحة بن مصرف أيضا " لم يسن " " وانظر " أدغم التاء في السين، فعلى قراءة الجمهور الهاء أصلية، وحذفت الضمة للجزم، ويكون " يتسنه " من السنة أي لم تغيره السنون. قال الجوهري : ويقال سنون، والسنة واحدة السنين، وفي نقصانها قولان : أحدهما الواو، والآخر الهاء. وأصلها سَنْهة مثل الجبهة ؛ لأنه من سنهت النخلة وتسنهت إذا أتت عليها السنون. ونخلة سناء أي تحمل سنة ولا تحمل أخرى، وسنهاء أيضا، قال بعض الأنصار[(١٧)](#foonote-١٧) :

فليستْ بِسَنْهَاءَ ولا رُجَبِيَّة[(١٨)](#foonote-١٨)  ولكن عَرَايَا[(١٩)](#foonote-١٩) في السنين الجوائح[(٢٠)](#foonote-٢٠)وأسنهت عند بني فلان أقمت عندهم، وتسنيت أيضا. واستأجرته مساناة ومسانهة أيضا. وفي التصغير سنية وسنيهة. قال النحاس : من قرأ " لم يتسن " و " انظر " قال في التصغير : سُنّية وحذفت الألف للجزم، ويقف على الهاء فيقول :" لم يتسنه " تكون الهاء لبيان الحركة. قال المهدوي : ويجوز أن يكون أصله من سانَيْتُه مساناة، أي عاملته سنة بعد سنة، أو من سانهت بالهاء، [(٢١)](#foonote-٢١) ؛ فإن كان من سانيت فأصله يتسنى فسقطت الألف للجزم، وأصله من الواو بدليل قولهم سنوات والهاء فيه للسكت، وإن كان من سانهت فالهاء لام الفعل، وأصل سنة على هذا سنهة. وعلى القول الأول سَنَوَة. وقيل : هو من أسِنَ الماء إذا تغير، وكان يجب أن يكون على هذا يتأسن. أبو عمرو الشيباني : هو من قوله " حمأ مسنون " [(٢٢)](#foonote-٢٢) \[ الحجر : ٢٦ \] فالمعنى لم يتغير. الزجاج : ليس كذلك ؛ لأن قوله " مسنون " ليس معناه متغير وإنما معناه مصبوب على سنة الأرض. قال المهدوي : وأصله على قول الشيباني " يتسنن " فأبدلت إحدى النونين ياء كراهة التضعيف فصار يتسنى، ثم سقطت الألف للجزم ودخلت الهاء للسكت. وقال مجاهد :" لم يتسنه " لم ينتن. قال النحاس : أصح ما قيل فيه أنه من السنة، أي لم تغيره السنون. ويحتمل أن يكون من السنة وهي الجدب، ومنه قوله تعالى :" ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين " [(٢٣)](#foonote-٢٣) \[ الأعراف : ١٣٠ \] وقوله عليه السلام ( اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف ). يقال منه : أسنت القوم أي أجدبوا، فيكون المعنى لم يغير طعامك القحوط والجدوب، أو لم تغيره السنون والأعوام، أي هو باق على طراوته وغضارته. 
قوله تعالى :" وان١ - راجع جـ ١ ص ٤٠٩..
٢ - راجع جـ١١ ص ١٦..
٣ - الزيادة من ب و جت وا وهـ..
٤ - الركوة: إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء، ودلو صغيرة..
٥ - في ب: استندياد..
٦ - من هـ..
٧ - راجع جـ١٠ ص ١٣٣..
٨ - راجع جـ١٣ ص ٢١٦..
٩ - كذا في كل الأصول، والصواب قال، إن هذه آية. راجع جـ١٢ ص ٧٣..
١٠ - زيادة عن ابن عطية..
١١ - راجع جـ١١ ص ٢٨٢..
١٢ - في هـ: ويحددها..
١٣ - في هـ: من البلد..
١٤ - الحروف المهموسة عشرة أحرف يجمعها قولك "حثه شخص فسكت" قال ابن جني: فأما حروف الهمس فإن الصوت الذي يخرج معها نفس وليس من صوت الصدر إنما يخرج منسلا وليس كنفخ الزاي والظاء..
١٥ - راجع جـ١٠ ص ٣٧٤..
١٦ - عبارة البحر: وقرأ حمزة والكسائي بحذف الهاء في الوصل على أنها هاء السكت وقرأ باقي السبعة بإثبات الهاء في الوصل والوقف. في ب وهـ وجـ: الأخوان، وصوابه الأخوين..
١٧ - هو سويد بن الصامت (عن اللسان)..
١٨ - نخلة رجبية (كعرية وتشدد الجيم، وكلاهما نسب نادر) وترجيبها أن تضم أعذاقها (عراجينها) إلى سعفاتها ثم تشد بالخوص لئلا ينفضها الريح. وقيل: هو أن يوضع الشوك حوالي الأعذاق لئلا يصل إليها آكل فلا تسرق، وذلك إذا كانت غريبة طريفة..
١٩ - العرايا (واحدتها عرية): النخلة يعريها صاحبها محتاجا..
٢٠ - في الأصول: "المواحل" والتصويب عن كتب اللغة.
 **وقبل هذا البيت:**أدين وما ديني عليكم بمغرم  ولكن على الشم الجلاد القراوح والجوائح: السنون الشداد التي تجيح المال..
٢١ - من هـ..
٢٢ - راجع جـ ١٠ ص ٢١..
٢٣ - راجع ٧ ص ٢٦٣..

### الآية 2:260

> ﻿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [2:260]

اختلف الناس في هذا السؤال هل صدر من إبراهيم عن شك أم لا ؟ فقال الجمهور : لم يكن إبراهيم عليه السلام شاكا في إحياء الله الموتى قط وإنما طلب المعاينة، وذلك أن النفوس مستشرقة إلى رؤية ما أخبرت به، ولهذا قال عليه السلام :( ليس الخبر كالمعاينة ) رواه ابن عباس ولم يروه غيره، قاله أبو عمر. قال الأخفش : لم يرد رؤية القلب وإنما أراد رؤية العين. وقال الحسن وقتادة وسعيد بن جبير والربيع : سأل ليزداد يقينا إلى يقينه[(١)](#foonote-١). قال ابن عطية : وترجم الطبري في تفسيره فقال : وقال آخرون سأل ذلك ربه ؛ لأنه شك في قدرة الله تعالى. وأدخل تحت الترجمة عن ابن عباس قال : ما في القرآن آية أرجى عندي منها. وذكر عن عطاء بن أبي رباح أنه قال : دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس فقال : رب أرني كيف تحيي الموتى. وذكر حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( نحن أحق بالشك من إبراهيم ) الحديث، ثم رجح الطبري هذا القول. 
قلت : حديث أبي هريرة خرجه البخاري ومسلم عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن ؟ قال بلى ولكن ليطمئن قلبي، ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي ). قال ابن عطية : وما ترجم به الطبري عندي مردود، وما أدخل تحت الترجمة متأول، فأما قول ابن عباس :( هي أرجى آية ) فمن حيث فيها الإدلال على الله تعالى وسؤال الإحياء في الدنيا وليست مظنة ذلك. ويجوز أن يقول : هي أرجى آية لقوله " أو لم تؤمن " أي أن الإيمان كاف لا يحتاج معه إلى تنقير وبحث. وأما قول عطاء :( دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس ) فمعناه من حيث المعاينة على ما تقدم. وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم :( نحن أحق بالشك من إبراهيم ) فمعناه أنه لو كان شاكا لكنا نحن أحق به ونحن لا نشك فإبراهيم عليه السلام أحرى ألا يشك، فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم، والذي روي فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( ذلك محض الإيمان ) إنما هو في الخواطر التي لا تثبت، وأما الشك فهو توقف بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر، وذلك هو المنفي عن الخليل عليه السلام. وإحياء الموتى إنما يثبت بالسمع وقد كان إبراهيم عليه السلام أعلم به، يدلك على ذلك قوله :" ربي الذي يحيي ويميت " \[ البقرة : ٢٥٨ \] فالشك يبعد على من تثبت قدمه في الإيمان فقط فكيف بمرتبة النبوة والخلة، والأنبياء معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة إجماعاً. وإذا تأملت سؤاله عليه السلام وسائر ألفاظ الآية لم تعط شكا، وذلك أن الاستفهام بكيف إنما هو سؤال عن حالة شيء موجود متقرر الوجود عند السائل والمسؤول، نحو قولك : كيف علم زيد ؟ وكيف نسج الثوب ؟ ونحو هذا. ومتى قلت : كيف ثوبك ؟ وكيف زيد ؟ فإنما السؤال عن حال من أحواله. وقد تكون " كيف " خبرا عن شيء شأنه أن يستفهم عنه بكيف، نحو قولك : كيف شئت فكن، ونحو قول البخاري : كيف كان بدء الوحي. و " كيف " في هذه الآية إنما هي استفهام عن هيئة الإحياء، والإحياء متقرر، ولكن لما وجدنا بعض المنكرين لوجود شيء قد يعبرون عن إنكاره بالاستفهام عن حالة لذلك الشيء يعلم أنها لا تصح، فيلزم من ذلك أن الشيء في نفسه لا يصح، مثال ذلك أن يقول مدع : أنا أرفع هذا الجبل، فيقول المكذب له : أرني كيف ترفعه فهذه طريقة مجاز في العبارة، ومعناها تسليم جدلي، كأنه يقول : افرض أنك ترفعه، فأرني كيف ترفعه فلما كانت عبارة الخليل عليه السلام بهذا الاشتراك المجازي، خلص الله له ذلك وحمله على أن بين له الحقيقة فقال له :" أو لم تؤمن قال بلى " فكمل الأمر وتخلص من كل شك، ثم علل عليه السلام سؤاله بالطمأنينة. 
قلت : هذا ما ذكره ابن عطية وهو بالغ، ولا يجوز على الأنبياء صلوات الله عليهم مثل هذا الشك فإنه كفر، والأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث. وقد أخبر الله تعالى أن أنبياءه وأولياءه ليس للشيطان عليهم سبيل فقال :" إن عبادي ليس لك عليهم سلطان " [(٢)](#foonote-٢) \[ الحجر : ٤٢ \] وقال اللعين : إلا عبادك منهم المخلصين، وإذا لم يكن له عليهم سلطنة فكيف يشككهم، وإنما سأل أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفريقها وإيصال الأعصاب والجلود بعد تمزيقها، فأراد أن يترقى من علم اليقين إلى علم اليقين، فقوله :" أرني كيف " طلب مشاهدة الكيفية. وقال بعض أهل المعاني : إنما أراد إبراهيم من ربه أن يريه كيف يحيي القلوب، وهذا فاسد مردود بما تعقبه من البيان، ذكره الماوردي، وليست الألف في قوله " أو لم تؤمن " ألف استفهام وإنما هي ألف إيجاب وتقرير كما قال جرير : ألستم خير من ركب المطايا
والواو واو الحال. و " تؤمن " معناه إيمانا مطلقا، دخل فيه فضل إحياء الموتى. 
قوله تعالى :" قال بلى ولكن ليطمئن قلبي " أي سألتك ليطمئن قلبي بحصول الفرق بين المعلوم برهانا والمعلوم عيانا. والطمأنينة : اعتدال وسكون، فطمأنينة الأعضاء معروفة، كما قال عليه السلام :( ثم اركع حتى تطمئن راكعا ) الحديث. وطمأنينة القلب هي أن يسكن فكره في الشيء المعتقد. والفكر في صورة الإحياء غير محظور، كما لنا نحن اليوم أن نفكر فيها[(٣)](#foonote-٣) إذ هي فكر فيها عبر فأراد الخليل أن يعاين فيذهب[(٤)](#foonote-٤) فكره في صورة الإحياء. وقال الطبري : معنى " ليطمئن قلبي " ليوقن، وحكي نحو ذلك عن سعيد بن جبير، وحكي عنه ليزداد يقينا، وقاله إبراهيم وقتادة. وقال بعضهم : لأزداد إيمانا مع إيماني. قال ابن عطية : ولا زيادة في هذا المعنى تمكن إلا السكون عن الفكر وإلا فاليقين لا يتبعض. وقال السدي وابن جبير أيضا : أو لم تؤمن بأنك خليلي ؟ قال : بلى ولكن ليطمئن قلبي بالخلة. وقيل : دعا أن يريه كيف يحيي الموتى ليعلم هل تستجاب دعوته، فقال الله له : أو لم تؤمن أني أجيب دعاءك، قال : بلى ولكن ليطمئن قلبي أنك تجيب[(٥)](#foonote-٥) دعائي. واختلف في المحرك له على ذلك، فقيل : إن الله وعده أن يتخذه خليلا فأراد آية على ذلك، قاله السائب بن يزيد[(٦)](#foonote-٦). وقيل : قول النمروذ : أنا أحيي وأميت. وقال الحسن : رأى جيفة نصفها في البر توزعها السباع ونصفها في البحر توزعها دواب البحر، فلما رأى تفرقها أحب[(٧)](#foonote-٧) أن يرى انضمامها فسأل ليطمئن قلبه برؤية كيفية الجمع كما رأى كيفية التفريق، 
قوله تعالى :" قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم " فقيل له :" خذ أربعة من الطير " قيل : هي الديك والطاووس والحمام والغراب، ذكر ذلك ابن إسحاق عن بعض أهل العلم، وقاله مجاهد وابن جريج وعطاء بن يسار وابن زيد. وقال ابن عباس مكان الغراب الكركي، وعنه أيضا مكان الحمام النسر. فأخذ هذه الطير حسب ما أمر وذكاها ثم قطعها قطعا صغارا، وخلط لحوم البعض إلى لحوم البعض مع الدم والريش حتى يكون أعجب، ثم جعل من ذلك المجموع المختلط جزءا على كل جبل، ووقف هو من حيث يرى تلك الأجزاء وأمسك رؤوس الطير في يده، ثم قال : تعالين بإذن الله، فتطايرت تلك الأجزاء وطار الدم إلى الدم والريش إلى الريش حتى التأمت مثل ما كانت أولا وبقيت بلا رؤوس، ثم كرر النداء فجاءته سعيا، أي عدوا على أرجلهن. ولا يقال للطائر :" سعى " إذا طار إلا على التمثيل، قاله النحاس. وكان إبراهيم إذا أشار إلى واحد منها بغير رأسه تباعد الطائر، وإذا أشار إليه برأسه قرب حتى لقي كل طائر رأسه، وطارت بإذن الله. وقال الزجاج : المعنى ثم اجعل على كل جبل من كل واحد جزءا. وقرأ أبو بكر عن عاصم وأبو جعفر " جزءا " على فعل. وعن أبي جعفر أيضا " جزا " مشددة الزاي. الباقون مهموز مخفف، وهي لغات، ومعناه النصيب. " يأتينك سعيا " نصب على الحال. و " صرهن " معناه قطعهن، قاله ابن عباس ومجاهد وأبو عبيدة وابن الأنباري، يقال : صار الشيء يصوره أي قطعه، وقاله ابن إسحاق. وعن أبي الأسود الدؤلي : هو بالسريانية التقطيع، قاله توبة بن الحمير يصفه :

فلما جذبت الحبل أطّت نُسوعُه  بأطراف عِيدانٍ شديدٍ سُيُورُهافأَدْنَت لي الأسباب حتى بلغتها  بنهضي وقد كاد ارتقائي يصورهاأي يقطعها. والصَّوْر : القطع. وقال الضحاك وعكرمة وابن عباس في بعض ما روي عنه : إنها لفظة بالنبطية معناه قطعهن. وقيل : المعنى أملهن إليك، أي اضممهن واجمعهن إليك، يقال : رجل أصْور إذا كان مائل العنق. وتقول : إني إليكم لأصور، يعني مشتاقا مائلا. وامرأة صوراء، والجمع صور مثل أسود وسود، قال الشاعر :الله يعلم أنا في تلفُّتنا  يوم الفراق إلى جيراننا صُورُفقوله " إليك " على تأويل التقطيع متعلق ب " خذ " ولا حاجة إلى مضمر، وعلى تأويل الإمالة والضم متعلق ب " صرهن " وفي الكلام متروك : فأملهن إليك ثم قطعهن. وفيها خمس قراءات : اثنتان في السبع وهما ضم الصاد وكسرها وتخفيف الراء. وقرأ قوم " فصرهن " بضم الصاد وشد الراء المفتوحة، كأنه يقول فشدهن، ومنه صرة الدنانير. وقرأ قوم " فصرهن " بكسر الصاد وشد الراء المفتوحة، ومعناه صَيَّحَهُنَّ، من قولك : صر الباب والقلم إذا صوت، حكاه النقاش. قال ابن جني : هي قراءة غريبة، وذلك أن يفعل بكسر العين في المضاعف المتعدي قليل، وإنما بابه يفعل بضم العين، كشد يشد ونحوه، ولكن قد جاء منه نم الحديث يَنُمه ويَنِمه، وهر الحرب يَهُرها ويهِرها، ومنه بيت الأعشى :
لَيَعْتَوِرَنْكَ القولُ حتى تَهِرَّه[(٨)](#foonote-٨)
إلى غير ذلك في حروف قليلة. قال ابن جني : وأما قراءة عكرمة بضم الصاد فيحتمل في الراء الضم والفتح والكسر كمد وشد[(٩)](#foonote-٩) والوجه ضم الراء من أجل ضمة الهاء من بعد. القراءة الخامسة " صرهن " بفتح الصاد وشد الراء مكسورة، حكاها المهدوي وغيره عن عكرمة، بمعنى فاحبسهن، من قولهم : صَرَّى يُصَرِّي إذا حبس، ومنه الشاة المصراة. وهنا اعتراض ذكره الماوردي وهو[(١٠)](#foonote-١٠) يقال : فكيف أجيب إبراهيم إلى آيات الآخرة دون موسى في قوله " رب أرني أنظر إليك " [(١١)](#foonote-١١) \[ الأعراف : ١٤٣ \] ؟ فعنه[(١٢)](#foonote-١٢) جوابان : أحدهما : أن ما سأله موسى لا يصح مع بقاء التكليف، وما سأله إبراهيم خاص يصح معه بقاء التكليف. الثاني : أن الأحوال تختلف فيكون الأصلح في بعض الأوقات الإجابة، وفي وقت آخر المنع فيما لم يتقدم فيه إذن. وقال ابن عباس : أمر الله تعالى إبراهيم بهذا قبل أن يولد له وقبل أن ينزل عليه الصحف، والله أعلم. 
١ - في جـ وهـ: إلى نفسه..
٢ - راجع جـ١٠ ص ٢٨..
٣ - في جـ وهـ وب..
٤ - في ب وجـ: فتذهب فكرة. بصيغة الجمع..
٥ - في جـ: تستجيب..
٦ - كذا في هـ وب وجـ وهو الصواب كما في التهذيب والاستيعاب، وفي جـ و ا: زيد..
٧ - في هـ: اختار..
٨ - الذي في الديوان: ليستدرجنك القول حتى تهره \*\*\* وعلم أني عنك لست بمجرم..
٩ - الزيادة من هـ وب وجـ وابن عطية..
١٠ - من هـ و ب وجـ..
١١ - راجع جـ٧ ص ٢٧٨..
١٢ - في ب: ففيه..

### الآية 2:261

> ﻿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [2:261]

**فيه خمس مسائل :**
الأولى : لما قص الله سبحانه ما فيه من البراهين، حث على الجهاد، وأعلم أن من جاهد بعد هذا البرهان الذي لا يأتي به إلا نبي فله في جهاده الثواب العظيم. روى البستي في صحيح مسنده عن ابن عمر قال : لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( رب زد أمتي ) فنزلت " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة " [(١)](#foonote-١) \[ البقرة : ٢٤٥ \] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( رب زد أمتي ) فنزلت " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " \[ الزمر : ١٠ \]. وهذه الآية لفظها بيان مثال لشرف النفقة في سبيل الله ولحسنها، وضمنها التحريض على ذلك. وفي الكلام حذف مضاف تقديره مثل نفقة الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة. وطريق آخر : مثل الذين ينفقون أموالهم كمثل زارع زرع في الأرض حبة فأنبتت الحبة سبع سنابل، يعني أخرجت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، فشبه المتصدق بالزارع وشبه الصدقة بالبذر فيعطيه الله بكل صدقة له سبعمائة حسنة، ثم قال تعالى :" والله يضاعف لمن يشاء " يعني على سبعمائة، فيكون مثل المتصدق مثل الزارع، إن كان حاذقا في عمله، ويكون البذر جيدا وتكون الأرض عامرة يكون الزرع أكثر، فكذلك المتصدق إذا كان صالحا والمال طيبا ويضعه موضعه فيصير الثواب أكثر، خلافا لمن قال : ليس في الآية تضعيف على سبعمائة، على ما نبينه إن شاء الله. 
الثانية : روي أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حث الناس على الصدقة حين أراد الخروج إلى غزوة تبوك جاءه عبد الرحمن بأربعة آلاف فقال : يا رسول الله، كانت لي ثمانية آلاف فأمسكت لنفسي ولعيالي أربعة آلاف، وأربعة آلاف أقرضتها لربي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت ). وقال عثمان : يا رسول الله علي جهاز من لا جهاز له، فنزلت هذه الآية فيهما. وقيل : نزلت في نفقة التطوع. وقيل : نزلت قبل آية الزكاة ثم نسخت بآية الزكاة، ولا حاجة إلى دعوى النسخ ؛ لأن الإنفاق في سبيل الله مندوب إليه في كل وقت. وسبل الله كثيرة وأعظمها الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا. 
الثالثة : قوله تعالى :" كمثل حبة " الحبة اسم جنس لكل ما يزدرعه ابن آدم ويقتاته، وأشهر ذلك البر فكثيرا ما يراد بالحب، ومنه قول المتلمس :آليتُ حَبَّ العراق الدهر أَطْعَمُهُ  والحَبُّ يأكله في القرية السوسوحَبَّة القلب : سويداؤه، ويقال ثمرته وهو ذاك. والحِبة بكسر الحاء : بذور البقول مما ليس بقوت، وفي حديث الشفاعة :( فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل )[(٢)](#foonote-٢) والجمع حبب. والحبة بضم الحاء[(٣)](#foonote-٣) الحب يقال : نعم وحبة وكرامة. والحب المحبة وكذلك الحب بالكسر. والحب أيضا الحبيب مثل خدن وخدين وسنبلة فنعلة من أسبل الزرع إذا صار فيه السنبل، أي استرسل بالسنبل كما يسترسل الستر بالإسبال. وقيل : معناه صار فيه حب مستور كما يستر الشيء بإسبال الستر عليه. والجمع سنابل. ثم قيل : المراد سنبل الدخن فهو الذي يكون في السنبلة منه هذا العدد. 
قلت : هذا ليس بشيء فإن سنبل الدخن يجيء في السنبلة منه أكثر من هذا العدد بضعفين وأكثر، على ما شاهدناه. قال ابن عطية : وقد يوجد في سنبل القمح ما فيه مائة حبة، فأما في سائر الحبوب فأكثر ولكن المثال وقع بهذا القدر. وقال الطبري في هذه الآية : إن قوله " في كل سنبلة مائة حبة " معناه إن وجد ذلك، وإلا فعلى أن يفرضه، ثم نقل عن الضحاك أنه قال :" في كل سنبلة مائة حبة " معناه كل سنبلة أنبتت مائة حبة. قال ابن عطية : فجعل الطبري قول الضحاك نحو ما قال، وذلك غير لازم من قول الضحاك. وقال أبو عمرو الداني : وقرأ بعضهم " مائة " بالنصب على تقدير أنبتت مائة حبة. 
قلت : وقال يعقوب الحضرمي : وقرأ بعضهم " في كل سنبلة مائة حبة " على : أنبتت مائة حبة، وكذلك قرأ بعضهم " وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم " \[ الملك : ٦ \] على " وأعتدنا لهم عذاب السعير " [(٤)](#foonote-٤) \[ الملك : ٥ \] وأعتدنا للذين كفروا عذاب جهنم. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي " أنبتت سبع سنابل " بإدغام التاء في السين ؛ لأنهما مهموستان، ألا ترى أنهما يتعاقبان. وأنشد أبو عمرو :يا لَعَن الله بني السِّعْلاَةِ[(٥)](#foonote-٥)  عمرو بن ميمون[(٦)](#foonote-٦) لِئَامِ النَّاتِأراد الناس فحول السين تاء. الباقون بالإظهار على الأصل لأنهما كلمتان. 
الرابعة : ورد القرآن بأن الحسنة في جميع أعمال البر بعشر أمثالها، واقتضت هذه الآية أن نفقة الجهاد حسنتها بسبعمائة ضعف. واختلف العلماء في معنى قوله " والله يضاعف لمن يشاء " فقالت طائفة : هي مبينة مؤكدة لما تقدم من ذكر السبعمائة، وليس ثم تضعيف فوق السبعمائة. وقالت طائفة من العلماء : بل هو إعلام بأن الله تعالى يضاعف لمن يشاء أكثر من سبعمائة ضعف. 
قلت : وهذا القول أصح لحديث ابن عمر المذكور أول الآية. وروى ابن ماجه حدثنا هارون بن عبدالله الحمال حدثنا ابن أبي فديك عن الخليل بن عبدالله عن الحسن عن[(٧)](#foonote-٧) علي بن أبي طالب وأبي الدرداء وعبدالله بن عمرو وأبي أمامة الباهلي وعبدالله بن عمرو وجابر بن عبدالله وعمران بن حصين كلهم يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :( من أرسل بنفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم ومن غزا بنفسه في سبيل الله وأنفق[(٨)](#foonote-٨) في وجهه[(٩)](#foonote-٩) فله بكل درهم سبعمائة ألف درهم - ثم تلا هذه الآية[(١٠)](#foonote-١٠) " والله يضاعف لمن يشاء الله " ). وقد روي عن ابن عباس أن التضعيف ينتهي[(١١)](#foonote-١١) لمن شاء الله إلى ألفي ألف. قال ابن عطية : وليس هذا بثابت الإسناد عنه. 
الخامسة : في هذه الآية دليل على أن اتخاذ الزرع من أعلى الحرف التي يتخذها الناس والمكاسب التي يشتغل بها العمال، ولذلك ضرب الله به المثل فقال :" مثل الذين ينفقون أموالهم " الآية. وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم :( ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة ). وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( التمسوا الرزق في خبايا الأرض ) يعني الزرع، أخرجه الترمذي. وقال صلى الله عليه وسلم في النخل :( هي الراسخات في الوَحَل المُطْعِمَاتُ في المَحْل ). وهذا خرج مخرج المدح والزراعة من فروض الكفاية فيجب على الإمام أن يجبر الناس عليها وما كان في معناها من غرس الأشجار. ولقي عبدالله بن عبدالملك بن شهاب الزهري فقال : دلني على مال أعالجه، فأنشأ ابن شهاب يقول :أقول لعبدالله يوم لقيته  وقد شد أحلاسَ المطِيّ مشرِّقاتَتَّبَع خبايا الأرض وادع مليكها  لعلك يوما أن تُجَاب فترزقافيؤتيك مالاً واسعاً ذا مثابة  إذا ما مياه الأرض غارت تَدَفُّقَاوحكي عن المعتضد أنه قال : رأيت علي بن أبي طالب رضي الله عنه في المنام يناولني مسحاة وقال : خذها فإنها مفاتيح خزائن الأرض. 
١ - راجع ص ٢٣٧ من هذا الجزء وجـ ١٥ ص ٢٤٠..
٢ - حميل السيل: ما يحمل من الغثاء والطين..
٣ - في هـ..
٤ - راجع جـ١٨ ص ٢١١..
٥ - السعلاة: أخبث الغيلان. فإذا كانت المرأة قبيحة الوجه سيئة الخلق شبهت بالسعلاة..
٦ - الذي في كتب اللغة (مادة ن و ت): "عمر بن يربوع"..
٧ - عن ج وب، وابن ماجه، وفيه في السند: وأبي هريرة..
٨ - عن ج وب، وابن ماجه، وفيه في السند: وأبي هريرة..
٩ - في ابن ماجه: "في وجه ذلك"..
١٠ - عن ج وب، وابن ماجه، وفيه في السند: وأبي هريرة..
١١ - عن ب وهـ وجـ..

### الآية 2:262

> ﻿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ۙ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2:262]

**فيه ثلاث مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله " قيل : إنها نزلت في عثمان بن عفان رضي الله عنه. قال عبد الرحمن بن سمرة : جاء عثمان بألف دينار في جيش العسرة فصبها في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته يدخل يده فيها ويقلبها ويقول :( ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم اللهم لا تنس هذا اليوم لعثمان ). وقال أبو سعيد الخدري : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم رافعا يديه يدعو لعثمان يقول :( يا رب عثمان إني رضيت عن عثمان فارض عنه ) فما زال يدعو حتى طلع الفجر فنزلت :" الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى " الآية. 
الثانية : لما تقدم في الآية التي قبل ذكر الإنفاق في سبيل الله على العموم بين في هذه الآية أن ذلك الحكم والثواب إنما هو لمن لا يتبع إنفاقه منا ولا أذى ؛ لأن[(١)](#foonote-١) المن والأذى مبطلان لثواب الصدقة كما أخبر تعالى في الآية بعد هذا، وإنما على المرء أن يريد وجه الله تعالى وثوابه بإنفاقه على المنفق عليه، ولا يرجو منه شيئا ولا ينظر من أحواله في حال سوى أن يراعي استحقاقه، قال الله تعالى :" لا نريد منكم جزاء ولا شكورا " [(٢)](#foonote-٢) \[ الإنسان : ٩ \]. ومتى أنفق ليريد من المنفق عليه جزاء بوجه من الوجوه فهذا لم يرد وجه الله، فهذا إذا أخلف ظنه فيه منّ بإنفاقه وآذى. وكذلك من أنفق مضطرا دافع غرم إما لمَانَّةٍ للمنفق عليه أو لقرينة أخرى من اعتناء معتن فهذا لم يرد وجه الله. وإنما يقبل ما كان عطاؤه لله وأكثر قصده ابتغاء ما عند الله، كالذي حكي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن أعرابيا أتاه فقال :يا عُمَرَ الخير جزيت الجنه  اكْسُ بُنَيَّاتِي وأمَّهُنَّهوكن لنا من الزمان جُنَّة  أقسم بالله لتفعَلُنَّه**قال عمر : إن لم أفعل يكون ماذا ؟ قال :**
إذاً أبا حفص لأَذْهَبَنَّه
**قال : إذا ذهبت يكون ماذا ؟ - قال :**تكون عن حالي لتسألُنَّه  يوم تكون الأُعطيات هَنَّهْوموقف المسؤول بينهنه  إما إلى نار وإما جَنَّهْفبكى عمر حتى اخْضَلَّت لحيته ثم قال : يا غلام، أعطه قميصي هذا لذلك اليوم لا لشعره والله لا أملك غيره. قال الماوردي : وإذا كان العطاء على هذا الوجه خاليا من طلب جزاء وشكر وعُرْياً عن امتنان ونشر كان ذلك أشرف للباذل وأهنأ للقابل. فأما المعطي إذا التمس بعطائه الجزاء، وطلب به الشكر والثناء، كان صاحب سمعة ورياء، وفي هذين من الذم ما ينافي السخاء. وإن طلب كان تاجرا مربحا لا يستحق حمدا ولا مدحا. وقد قال ابن عباس في قوله تعالى :" ولا تمنن تستكثر " [(٣)](#foonote-٣) \[ المدثر : ٦ \] أي لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها. وذهب ابن زيد إلى أن هذه الآية إنما هي في الذين لا يخرجون في الجهاد بل ينفقون وهم قعود، وإن الآية التي قبلها هي في الذين يخرجون بأنفسهم، قال : ولذلك شرط على هؤلاء ولم يشترط على الأولين. قال ابن عطية : وفي هذا القول نظر ؛ لأن التحكم فيه باد. 
الثالثة : قوله تعالى :" منا ولا أذى " المن ذكر النعمة على معنى التعديد لها والتقريع بها مثل أن يقول : قد أحسنت إليك ونعشتك وشبهه. وقال بعضهم : المن : التحدث بما أعطى حتى يبلغ ذلك المعطى فيؤذيه. والمن من الكبائر، ثبت ذلك في صحيح مسلم وغيره، وأنه أحد الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، وروى النسائي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة العاق لوالديه والمرأة المترجلة تتشبه بالرجال والديوث، وثلاثة لا يدخلون الجنة العاق لوالديه والمدمن الخمر والمنان بما أعطى ). وفي بعض طرق مسلم :( المنان هو الذي لا يعطي شيئا إلا منة ). والأذى : السب والتشكي، وهو أعم من المن لأن المن جزء من الأذى لكنه نص عليه لكثرة وقوعه. وقال ابن زيد : لئن ظننت أن سلامك يثقل على من أنفقت عليه تريد وجه الله فلا تسلم عليه. وقالت له امرأة : يا أبا أسامة دلني على رجل يخرج في سبيل الله حقا فإنهم إنما يخرجون يأكلون الفواكه فإن عندي أسهما وجعبة. فقال : لا بارك الله في أسهمك وجعبتك فقد آذيتهم قبل أن تعطيهم. قال علماؤنا رحمة الله عليهم : فمن أنفق في سبيل الله ولم يتبعه منا ولا أذى كقوله : ما أشد إلحاحك وخلصنا الله منك وأمثال هذا، فقد تضمن الله له بالأجر، والأجر الجنة، ونفى عنه الخوف بعد موته لما يستقبل، والحزن على ما سلف من دنياه ؛ لأنه يغتبط بآخرته فقال :" لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ". وكفى بهذا فضلا وشرفا للنفقة في سبيل الله تعالى. وفيها دلالة لمن فضل الغني على الفقير حسب ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. 
١ - عبارة ابن عطية كما في تفسيره: "... وذلك أن المنفق في سبيل الله إنما يكون على أحد ثلاثة أوجه: إما أن يريد وجه الله تعالى ويرجو ثوابه فهذا لا يرجو من المنفق عليها شيئا، ولا ينظر من أحواله في حال سوى أن يراعي استحقاقه.
 وإما أن يريد من المنفق عليه جزاء بوجه من الوجوه فهذا لم يرد وجه الله، بل نظر إلى هذه الحال من المنفق عليه. وهذا هو الذي متى أخلف ظنه منّ بإنفاقه وآذى.
 وإما أن ينفق مضطرا دافع غرم، إما لمانة للمنفق عليه أو قرينة أخرى من اعتناء معتن ونحوه، فهذا قد نظر في حال ليست لوجه الله، وهذا هو الذي متى توبع وجرح بوجه من وجوه الجرح آذى، فالمن والأذى يكشفان ممن ظهرا منه أنه إنما كان على ما ذكرناه من المقاصد، وأنه لم يخلص لوجه الله تعالى. فلهذا كان المن والأذى مبطلين للصدقة من حيث بين كل واحد منهما أنها لم تكن صدقة"..
٢ - راجع جـ١٩ ص ١٢٨..
٣ - راجع جـ١٩ ص ٦٦..

### الآية 2:263

> ﻿۞ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ [2:263]

**فيه ثلاث مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" قول معروف " ابتداء والخبر محذوف، أي قول معروف أولى وأمثل، ذكره النحاس والمهدوي. قال النحاس : ويجوز أن يكون " قول معروف " خبر ابتداء محذوف، أي الذي أمرتم به قول معروف. والقول المعروف هو : الدعاء والتأنيس والترجية بما عند الله، خير من صدقة هي في ظاهرها صدقة وفي باطنها لا شيء ؛ لأن ذكر القول المعروف فيه أجر وهذه لا أجر فيها. قال صلى الله عليه وسلم :( الكلمة الطيبة صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق ) أخرجه مسلم. فيتلقى السائل بالبشر والترحيب، ويقابله بالطلاقة والتقريب، ليكون مشكورا إن أعطى ومعذورا إن منع. وقد قال بعض الحكماء : الق صاحب الحاجة بالبشر فإن عدمت شكره لم تعدم عذره. وحكى ابن لنكك[(١)](#foonote-١) أن أبا بكر بن دريد قصد بعض الوزراء في حاجة لم يقضها وظهر له منه ضجر فقال :لا تدخلنّك ضَجْرَةٌ من سائل  فلخير دهرك أن تُرَى مَسؤولالا تَجْبَهَنّ بالرد وجهَ مُؤمِّل  فبقاء عزك أن تُرَى مأمولاتلقى الكريم فتستدل ببشره  وترى العبوس على اللئيم دليلاواعلم بأنك عن قليل صائرٌ  خبرا فكن خبراً يروق جميلاوروي من حديث عمر رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :( إذا سأل السائل فلا تقطعوا عليه مسألته حتى يفرغ منها ثم ردوا عليه بوقار ولين أو ببذل يسير أو رد جميل فقد يأتيكم من ليس بإنس ولا جان ينظرون صنيعكم فيما خولكم الله تعالى ). 
قلت : دليله حديث أبرص وأقرع وأعمى، خرجه مسلم وغيره. وذلك أن ملكا تصور في صورة أبرص مرة وأقرع أخرى وأعمى أخرى امتحانا للمسؤول. وقال بشر بن الحارث : رأيت عليا في المنام، فقلت : يا أمير المؤمنين قل لي شيئا ينفعني الله به، قال : ما أحسن عطف الأنبياء على الفقراء رغبة في ثواب الله تعالى، وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء ثقة بموعود الله. فقلت : يا أمير المؤمنين زدني، فولى وهو يقول :قد كنتَ ميتا فصرت حيا  وعن قليل تصير مَيْتَافاخرب بدار الفناء بَيْتاً  وابن بدار البقاء بيتاالثانية : قوله تعالى :" ومغفرة " المغفرة هنا : الستر للخلة وسوء حالة المحتاج، ومن هذا قول الأعرابي - وقد سأل قوما بكلام فصيح - فقال له قائل : ممن الرجل ؟ فقال له : اللهم غفرا[(٢)](#foonote-٢) ! سوءُ الاكتساب يمنع من الانتساب. وقيل : المعنى تجاوز عن السائل إذا ألح وأغلظ وجفى خير من التصدق[(٣)](#foonote-٣) عليه من المن والأذى، قال معناه النقاش. وقال النحاس : هذا مشكل يبينه الإعراب. " مغفرة " رفع بالابتداء والخبر " خير من صدقة ". والمعنى والله أعلم. وفعل يؤدي إلى المغفرة خير من صدقة يتبعها أذى، وتقديره في العربية وفعل مغفرة. ويجوز أن يكون مثل قولك : تفضل الله عليك أكبر[(٤)](#foonote-٤) من الصدقة التي تمن بها، أي غفران الله خير من صدقتكم هذه التي تمنون بها. 
الثالثة : قوله تعالى :" والله غني حليم " أخبر تعالى عن غناه المطلق أنه غني عن صدقة العباد، وإنما أمر بها ليثيبهم، وعن حلمه بأنه لا يعاجل بالعقوبة من منّ وأذى بصدقته. 
١ - هو أبو الحسن محمد بن محمد، فرد البصرة وصدر أدبائها. (عن يتيمة الدهر ج ٢ ص ١١٦)..
٢ - في هـ: عفوا..
٣ - في جـ: الصدقة..
٤ - في ب: "أفضل"..

### الآية 2:264

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [2:264]

**فيه ثلاث مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" بالمن والأذى " قد تقدم معناه. وعبر تعالى عن عدم القبول وحرمان الثواب بالإبطال، والمراد الصدقة التي يمن بها ويؤذي، لا غيرها. والعقيدة أن السيئات لا تبطل الحسنات ولا تحبطها، فالمن والأذى في صدقة لا يبطل صدقة غيرها. قال جمهور العلماء في هذه الآية : إن الصدقة التي يعلم الله من صاحبها أنه يمن أو يؤذي بها فإنها لا تقبل. وقيل : بل قد جعل الله للملك عليها أمارة فهو لا يكتبها، وهذا حسن. والعرب تقول لما يمن به : يد سوداء. ولما يعطى عن غير مسألة : يد بيضاء. ولما يعطى عن مسألة : يد خضراء. وقال بعض البلغاء : من من بمعروفه سقط شكره، ومن أعجب بعمله حبط أجره. وقال بعض الشعراء :
وصاحب سلفتْ منه إلي يدٌ \*\*\* أبطا عليه مُكافاتي فعاداني
لما تيقن أن الدهر حاربني \*\*\* أبدى الندامة فيما كان أولاني
**وقال آخر :**
أفسدتَ بالمن ما أسديت من حسن \*\*\* ليس الكريم إذا أسدى بمنان
**وقال أبو بكر الوراق فأحسن :**
أحسن من كل حَسَن \*\*\* في كل وقت وزمن
صنيعةٌ مربوبةٌ \*\*\* خاليةٌ من المِنَن
وسمع ابن سيرين رجلا يقول لرجل : فعلت إليك وفعلت ! فقال له : اسكت فلا خير في المعروف، إذا أحصي. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( إياكم والامتنان بالمعروف فإنه يبطل الشكر ويمحق الأجر - ثم تلا - " لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى " ). 
الثانية : قال علماؤنا رحمة الله عليهم : كره مالك لهذه الآية أن يعطي الرجل صدقته الواجبة أقاربه ؛ لئلا يعتاض منهم الحمد والثناء، ويظهر منته عليهم ويكافئوه عليها فلا تخلص لوجه الله تعالى. واستحب أن يعطيها الأجانب، واستحب أيضا أن يولَّى غيره تفريقها إذا لم يكن الإمام عدلا ؛ لئلا تحبط بالمن والأذى والشكر والثناء والمكافأة بالخدمة من المعطى. وهذا بخلاف صدقة التطوع السر ؛ لأن ثوابها إذا حبط سلم من الوعيد وصار في حكم من لم يفعل، والواجب إذا حبط ثوابه توجه الوعيد عليه لكونه في حكم من لم يفعل. 
الثالثة : قوله تعالى :" كالذي ينفق ماله رئاء الناس " الكاف في موضع نصب ؛ أي : إبطال " كالذي " فهي نعت للمصدر المحذوف. ويجوز أن تكون موضع الحال. مثل الله تعالى الذي يمن ويؤذي بصدقته بالذي ينفق ماله رئاء الناس لا لوجه الله تعالى، وبالكافر الذي ينفق ليقال جواد وليثنى عليه بأنواع الثناء. ثم مثل هذا المنفق أيضا بصفوان عليه تراب فيظنه الظان أرضا منبتة طيبة، فإذا أصابه وابل من المطر أذهب عنه التراب وبقي صلدا، فكذلك هذا المرائي. فالمن والأذى والرياء تكشف عن النية في الآخرة فتبطل الصدقة كما يكشف الوابل عن الصفوان، وهو الحجر الكبير الأملس. وقيل : المراد بالآية إبطال الفضل دون الثواب، فالقاصد بنفقته الرياء غير مثاب كالكافر ؛ لأنه لم يقصد به وجه الله تعالى فيستحق الثواب. وخالف صاحب المن والأذى القاصد وجه الله المستحق ثوابه - وإن كرر عطاءه - وأبطل فضله. وقد قيل : إنما يبطل المن ثواب صدقته من وقت منه وإيذائه، وما قبل ذلك يكتب له ويضاعف، فإذا من وآذى انقطع التضعيف، لأن الصدقة تربى لصاحبها حتى تكون أعظم من الجبل، فإذا خرجت من يد صاحبها خالصة على الوجه المشروع ضوعفت، فإذا جاء المن بها والأذى وقف بها هناك وانقطع زيادة التضعيف عنها، والقول الأول أظهر[(١)](#foonote-١) والله أعلم. والصفوان جمع واحده صفوانة، قاله الأخفش. قال : وقال بعضهم : صفوان واحد، مثل حجر. وقال الكسائي : صفوان واحد وجمعه صِفْوان وصُفِي وصِفِي، وأنكره المبرد وقال : إنما صفي جمع صفا كقفا وقفي، ومن هذا المعنى الصفواء والصفا، وقد تقدم[(٢)](#foonote-٢). وقرأ سعيد بن المسيب والزهري " صفوان " بتحريك الفاء، وهي لغة. وحكى قطرب : صِفوان. قال النحاس : صَفْوان وصَفَوان يجوز أن يكون جمعا ويجوز أن يكون واحدا، إلا أن الأولى به أن يكون واحدا لقوله عز وجل :" عليه تراب فأصابه وابل " وإن كان يجوز تذكير الجمع إلا أن الشيء لا يخرج عن بابه إلا بدليل قاطع، فأما ما حكاه الكسائي في الجمع فليس بصحيح على حقيقة النظر، ولكن صفوان جمع صفاً، وصفاً بمعنى صفوان، ونظيره وَرَلٌ[(٣)](#foonote-٣) وَوِرْلاَن وأخ وإخوان وكَراً وكِرْوَان، كما قال الشاعر :
لنا يوم وللكِرْوَانِ يوم \*\*\* تطير البائسات ولا نطير
والضعيف في العربية كِرْوان جمع كَرَوَان، وصُفِي وصِفِي جمع صفا مثل عصا. والوابل : المطر الشديد. وقد وبلت السماء تبل، والأرض موبولة. قال الأخفش : ومنه قوله تعالى :" أخذناه أخذا وبيلا " [(٤)](#foonote-٤) \[ المزمل : ١٦ \] أي شديدا. وضرب وبيل، وعذاب وبيل أي شديد. والصلد : الأملس من الحجارة. قال الكسائي : صَلِد يَصْلَدُ صَلَدا بتحريك اللام فهو صلد بالإسكان، وهو كل ما لا ينبت شيئا، ومنه جبين أصلد، وأنشد الأصمعي لرؤبة :
بَرَّاقُ أصلادِ الجَبِينِ الأَجْلَهِ[(٥)](#foonote-٥)
قال النقاش : الأصلد الأجرد بلغة هذيل. ومعنى " لا يقدرون " يعني المرائي والكافر والمان " على شيء " أي على الانتفاع بثواب شيء من إنفاقهم وهو كسبهم عند حاجتهم إليه، إذا كان لغير الله فعبر عن النفقة بالكسب ؛ لأنهم قصدوا بها الكسب. وقيل : ضرب هذا مثلا للمرائي في إبطال ثوابه ولصاحب المن والأذى في إبطال فضله، ذكره الماوردي. 
١ - في هـ: أولى..
٢ - راجع المسألة الثانية جـ٢ ص ١٧٩..
٣ - الورل (بالتحريك): دابة على خلقة الضب إلا أنها أعظم منه تكون في الرمال والصحارى، والعرب تستخبث الورل وتستقذره فلا تأكله..
٤ - راجع جـ١٩ ص ٤٧..
٥ - الجله: أشد من الجلح وهو ذهاب الشعر من مقدّم الجبين..

### الآية 2:265

> ﻿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [2:265]

قوله تعالى :" ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم " " ابتغاء " مفعول من أجله. " وتثبيتا من أنفسهم " عطف عليه. وقال مكي في المشكل : كلاهما مفعول من أجله. قال ابن عطية : وهو مردود، ولا يصح في " تثبيتا " أنه مفعول من أجله، لأن الإنفاق ليس من أجل التثبيت. و " ابتغاء " نصب على المصدر في موضع الحال، وكان يتوجه فيه النصب على المفعول من أجله، لكن النصب على المصدر هو الصواب من جهة عطف المصدر الذي هو " تثبيتا " عليه. ولما ذكر الله تعالى صفة صدقات القوم الذين لا خلاق لصدقاتهم، ونهى المؤمنين عن مواقعة ما يشبه ذلك بوجه ما، عقب في هذه الآية بذكر نفقات القوم الذين تزكو صدقاتهم إذ كانت على وفق الشرع ووجهه. و " ابتغاء " معناه طلب. و " مرضات " مصدر من رضي يرضى. " وتثبيتا " معناه أنهم يتثبتون أين يضعون صدقاتهم، قاله مجاهد والحسن. قال الحسن : كان الرجل إذا هم بصدقه تثبت، فإن كان ذلك لله أمضاه وإن خالطه شك أمسك. وقيل : معناه تصديقا ويقينا، قاله ابن عباس. وقال ابن عباس أيضا وقتادة : معناه واحتسابا من أنفسهم. وقال الشعبي والسدي وقتادة أيضا وابن زيد وأبو صالح وغيرهم :" وتثبيتا " معناه وتيقنا أي : أن نفوسهم لها بصائر فهي تثبتهم على الإنفاق في طاعة الله تعالى تثبيتا. وهذه الأقوال الثلاث أصوب من قول الحسن ومجاهد ؛ لأن المعنى الذي ذهبا إليه إنما عبارته " وتثبيتا " مصدر على غير المصدر. قال ابن عطية : وهذا لا يسوغ إلا مع ذكر المصدر والإفصاح بالفعل المتقدم، كقوله تعالى :" والله أنبتكم من الأرض[(١)](#foonote-١) نباتا " \[ نوح : ١٧ \]، " وتبتل إليه تبتيلا " [(٢)](#foonote-٢) \[ المزمل : ٨ \]. وأما إذا لم يقع إفصاح بفعل فليس لك أن تأتي بمصدر في غير معناه ثم تقول : أحمله على معنى كذا وكذا، لفعل لم يتقدم له ذكر. قال ابن عطية : هذا مهْيَعُ كلام العرب فيما علمته. وقال النحاس : لو كان كما قال مجاهد لكان وتثبتا من تثبت كتكرمت تكرما، وقول قتادة : احتسابا، لا يعرف إلا أن يراد به أن أنفسهم تثبتهم محتسبة، وهذا بعيد. وقول الشعبي حسن، أي تثبيتا من أنفسهم لهم على إنفاق ذلك في طاعة الله عز وجل، يقال : ثبت فلانا في هذا الأمر، أي صححت عزمه، وقويت فيه رأيه، أثبته تثبيتا، أي أنفسهم موقنة بوعد الله على تثبيتهم في ذلك. وقيل :" وتثبيتا من أنفسهم " أي يقرون بأن الله تعالى يثبت عليها، أي وتثبيتا من أنفسهم لثوابها، بخلاف المنافق الذي لا يحتسب الثواب. 
قوله تعالى :" كمثل جنة بربوة " الجنة البستان، وهي قطعة أرض تنبت فيها الأشجار حتى تغطيها، فهي مأخوذة من لفظ الجن والجنين لاستتارهم. وقد تقدم. والربوة : المكان المرتفع ارتفاعا يسيرا، معه في الأغلب كثافة تراب، وما كان كذلك فنباته أحسن، ولذلك خص الربوة بالذكر. قال ابن عطية : ورياض الحزن ليست من هذا كما زعم الطبري، بل تلك هي الرياض المنسوبة إلى نجد ؛ لأنها خير من رياض تهامة، ونبات نجد أعطر، ونسيمه أبرد وأرق، ونجد يقال لها حزن. وقلما يصلح هواء تهامة إلا بالليل، ولذلك قالت الأعرابية :" زوجي كليل تهامة ". وقال السدي :" بربوة " أي برباوة، وهو ما انخفض من الأرض. قال ابن عطية : وهذه عبارة قِلقة، ولفظ الربوة هو مأخوذ من ربا يربو إذا زاد. 
قلت : عبارة السدي ليست بشيء ؛ لأن بناء " رَبَ و " معناه الزيادة في كلام العرب، ومنه الربو للنفس العالي. ربا يربو إذا أخذه الربو. وربا الفرس إذا أخذه الربو من عدو أو فزع. وقال الفراء في قوله تعالى :" أخذهم أخذة رابية " [(٣)](#foonote-٣) \[ الحاقة : ١٠ \] أي زائدة، كقولك : أربيت إذا أخذت أكثر مما أعطيت. وربوت في بني فلان وربيت أي نشأت فيهم. وقال الخليل : الربوة أرض مرتفعة طيبة وخص الله تعالى بالذكر التي لا يجري فيها ماء من حيث العرف في بلاد العرب، فمثل لهم ما يحسونه ويدركونه. وقال ابن عباس : الربوة المكان المرتفع الذي لا تجري فيه الأنهار، لأن قوله تعالى :" أصابها وابل " إلى آخر الآية يدل على أنها ليس فيها ماء جار، ولم يرد جنس التي تجري فيها الأنهار ؛ لأن الله تعالى قد ذكر ربوة ذات قرار ومعين. والمعروف من كلام العرب أن الربوة ما ارتفع عما جاوره سواء جرى فيها ماء أو لم يجر. وفيها خمس لغات " ربوة " بضم الراء، وبها قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي ونافع وأبو عمرو. و " ربوة " بفتح الراء، وبها قرأ عاصم وابن عامر والحسن. " وربوة " بكسر الراء، وبها قرأ ابن عباس وأبو إسحاق السبيعي. و " رباوة " بالفتح، وبها قرأ أبو جعفر وأبو عبدالرحمن، وقال الشاعر :

من مُنزلِي في روضة بِرَباوة  بين النخيل إلى بقيعِ الغَرْقَدِ ؟و " رِباوة " بالكسر، وبها قرأ الأشهب العقيلي. قال الفراء : ويقال بِرَباوة وبرِباوة، وكله من الرابية، وفعله ربا يربو. 
قوله تعالى :" أصابها " يعني الربوة. " وابل " أي مطر شديد قال الشاعر[(٤)](#foonote-٤) :ما روضة من رياض الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ  خضراء جاد عليها وابلٌ هَطِلُقوله تعالى :" فآتت " أي أعطت. " أكلها " بضم الهمزة : الثمر الذي يؤكل، ومنه قوله تعالى :" تؤتي أكلها كل حين " [(٥)](#foonote-٥) \[ إبراهيم : ٢٥ \]. والشيء المأكول من كل شيء يقال له أكل. والأكلة : اللقمة، ومنه الحديث :( فإن كان الطعام مشفوها[(٦)](#foonote-٦) قليلا فليضع[(٧)](#foonote-٧) في يده منه أكلة أو أكلتين ) يعني لقمة أو لقمتين، خرجه مسلم. وإضافته إلى الجنة إضافة اختصاص، كسرج الفرس وباب الدار. وإلا فليس الثمر مما تأكله الجنة. وقرأ نافع، وابن كثير وأبو عمرو " أكلها " بضم الهمزة وسكون الكاف، وكذلك كل مضاف إلى[(٨)](#foonote-٨) مؤنث، وفارقهما أبو عمرو فيما أضيف إلى مذكر مثل أُكُلَه، أو كان غير مضاف إلى شيء مثل " أكل خمط " [(٩)](#foonote-٩) فثقل أبو عمرو ذلك وخففاه. وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي في جميع ما ذكرناه بالتثقيل. ويقال : أَكْل وأُكُل بمعنى. " ضعفين " أي أعطت ضعفي ثمر غيرها من الأرضين. وقال بعض أهل العلم : حملت مرتين في السنة، والأول أكثر، أي أخرجت من الزرع ما يخرج غيرها في سنتين. 
قوله تعالى :" فإن لم يصبها وابل فطل " تأكيد منه تعالى لمدح هذه الربوة بأنها إن لم يصبها وابل فإن الطل يكفيها وينوب مناب الوابل في إخراج الثمرة ضعفين، وذلك لكرم الأرض وطيبها. قال المبرد وغيره : تقديره فطل يكفيها. وقال الزجاج : فالذي يصيبها طل. والطل : المطر الضعيف المستدق من القطر الخفيف، قاله ابن عباس وغيره، وهو مشهور اللغة. وقال قوم منهم مجاهد : الطل : الندى. قال ابن عطية : وهو تجوز وتشبيه. قال النحاس : وحكى أهل اللغة وَبَلَت وأوْبَلَت، وطَلّت وأَطَلّت. وفي الصحاح : الطل أضعف المطر والجمع الطلال، تقول منه : طلت الأرض وأطلها الندى فهي مطلولة. قال الماوردي : وزرع الطل أضعف من زرع المطر وأقل ريعا، وفيه - وإن قل - تماسك ونفع. قال بعضهم الآية تقديم وتأخير، ومعناه كمثل جنة بربوة أصابها وابل فإن لم يصبها وابل فطل فآتت أكلها ضعفين. يعني اخضرت أوراق البستان وخرجت ثمرتها ضعفين. 
قلت : التأويل الأول أصوب ولا حاجة إلى التقديم والتأخير. فشبه تعالى نمو نفقات هؤلاء المخلصين الذين يربي الله صدقاتهم كتربية الفُلُوّ[(١٠)](#foonote-١٠) والفصيل بنمو نبات الجنة بالربوة الموصوفة، بخلاف الصفوان الذي انكشف عنه ترابه فبقي صلدا. وخرج مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم :( لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب إلا أخذها الله بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم فَلُوَّه أو فصيله حتى تكون مثل الجبل أو أعظم ) خرجه الموطأ أيضا. 
قوله تعالى :" والله بما تعملون بصير " وعد ووعيد. وقرأ الزهري " يعملون " بالياء كأنه يريد به الناس أجمع، أو يريد المنفقين فقط، فهو وعد محض. 
١ - راجع جـ ١٨ ص ٣٠٥..
٢ - راجع جـ١٩ ص ٤٢..
٣ - راع جـ١٨ ص ٢٦٢..
٤ - هو أعشى ميمون: والذي في ديوانه والطبري واللسان والتاج في (حزن): مسبل هطل..
٥ - راجع جـ٩ ص ٣٥٨..
٦ - المشفوه: القليل، وأصله الماء الذي كثرت عليه الشفاه حتى قل، وقيل: أراد فإن كان مكثورا عليه، أي كثرت أكلته. النهاية..
٧ - في الأصول: "فليطعمه منه..." والتصويب عن صحيح مسلم..
٨ - الزيادة من ابن عطية لازمة..
٩ - راجع جـ١٤ ص ٢٨٥..
١٠ - الفلو: بضم الفاء وفتحها مع ضم اللام، وبكسرها مع سكون (اللام): المهر الصغير، وقيل: "والعظيم من أولاد ذات الحافر"..

### الآية 2:266

> ﻿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [2:266]

قوله تعالى :" أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب " الآية. حكى الطبري عن السدي أن هذه الآية مثل آخر لنفقة الرياء، ورجح هو هذا القول. 
قلت وروي عن ابن عباس أيضا قال : هذا مثل ضربه الله للمرائين بالأعمال يبطلها يوم القيامة أحوج ما كان إليها، كمثل رجل كانت له جنة وله أطفال لا ينفعونه فكبر وأصاب الجنة إعصار أي ريح عاصف فيه نار فاحترقت ففقدها أحوج ما كان إليها. وحكي عن ابن زيد أنه قرأ قول الله تعالى :" يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى " \[ البقرة : ٢٦٤ \] الآية، قال : ثم ضرب في ذلك مثلا فقال :" أيود أحدكم " الآية. قال ابن عطية : وهذا أبين من الذي رجح الطبري، وليست هذه الآية بمثل آخر لنفقة الرياء، هذا هو مقتضى سياق الكلام. وأما بالمعنى في غير هذا السياق فتشبه حال كل منافق أو كافر عمل عملا وهو يحسب أنه يحسن صنعا فلما جاء إلى وقت الحاجة لم يجد شيئا. 
قلت : قد روي عن ابن عباس أنها مثل لمن عمل لغير الله من منافق وكافر على ما يأتي، إلا أن الذي ثبت في البخاري عنه خلاف هذا. خرج البخاري عن عبيد بن عمير قال : قال عمر بن الخطاب يوما لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : فيم ترون هذه الآية نزلت " أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب " ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم، فغضب عمر وقال : قولوا : نعلم أو لا نعلم ! فقال ابن عباس : في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، قال : يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك، قال ابن عباس : ضربت مثلا لعمل. قال عمر : أي عمل ؟ قال ابن عباس : لعمل رجل غني يعمل بطاعة الله ثم بعث الله عز وجل له الشيطان فعمل في المعاصي حتى أحرق عمله. في رواية : فإذا فني عمره واقترب أجله ختم ذلك بعمل من أعمال الشقاء، فرضى ذلك عمر. وروى ابن أبي مليكة أن عمر تلا هذه الآية. وقال : هذا مثل ضرب للإنسان يعمل عملا صالحا حتى إذا كان عند آخر عمره أحوج ما يكون إليه عمل عمل السوء. قال ابن عطية : فهذا نظر يحمل الآية على كل ما يدخل تحت ألفاظها، وبنحو ذلك قال مجاهد وقتادة والربيع وغيرهم. وخص النخيل والأعناب بالذكر لشرفهما وفضلهما على سائر الشجر. وقرأ الحسن " جنات " بالجمع. " تجري من تحتها الأنهار " تقدم ذكره. " له فيها من كل الثمرات " يريد ليس شيء من الثمار إلا وهو فيها نابت. 
قوله تعالى :" وأصابه الكبر " عطف ماضيا على مستقبل وهو " تكون " وقيل :" يود " فقيل : التقدير وقد أصابه الكبر. وقيل إنه محمول على المعنى ؛ لأن المعنى أيود أحدكم أن لو كانت له جنة. وقيل : الواو واو الحال، وكذا في قوله تعالى " وله ". 
قوله تعالى :" فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت " قال الحسن :" إعصار فيه نار " ريح فيها برد شديد. الزجاج : الإعصار في اللغة الريح الشديدة التي تهب من الأرض إلى السماء كالعمود، وهي التي يقال لها : الزوبعة. قال الجوهري : الزوبعة رئيس من رؤساء الجن، ومنه سمي الإعصار زوبعة. ويقال : أم زوبعة، وهي ريح تثير الغبار وترتفع إلى السماء كأنها عمود. وقيل : الإعصار ريح تثير سحابا ذا رعد وبرق. المهدوي : قيل لها إعصار لأنها تلتف كالثوب إذا عصر. ابن عطية : وهذا ضعيف. قلت : بل هو صحيح ؛ لأنه المشاهد المحسوس، فإنه يصعد عمودا ملتفا. وقيل : إنما قيل للريح إعصار، لأنه يعصر السحاب، والسحاب معصرات إما لأنها حوامل فهي كالمعصر[(١)](#foonote-١) من النساء. وإما لأنها تنعصر بالرياح. وحكى ابن سيده : إن المعصرات فسرها قوم بالرياح لا بالسحاب. ابن زيد : الإعصار ريح عاصف وسموم شديدة، وكذلك قال السدي : الإعصار الريح والنار السموم. ابن عباس : ريح فيها سموم شديدة. قال ابن عطية : ويكون، ذلك في شدة الحر ويكون في شدة البرد، وكل ذلك من فيح[(٢)](#foonote-٢)جهنم ونفسها، كما تضمن قول النبي صلى الله عليه وسلم :( إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم ) و( إن النار اشتكت إلى ربها ) الحديث. وروي عن ابن عباس وغيره :( إن هذا مثل ضربه الله تعالى للكافرين والمنافقين، كهيئة رجل غرس بستانا فأكثر فيه من الثمر فأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء - يريد صبيانا بنات وغلمانا - فكانت معيشته ومعيشة ذريته من ذلك البستان، فأرسل الله على بستانه ريحا فيها نار فأحرقته، ولم يكن عنده قوة فيغرسه ثانية، ولم يكن عند بنيه خير فيعودون على أبيهم. وكذلك الكافر والمنافق إذا ورد إلى الله تعالى يوم القيامة ليست له كرة يبعث فيرد ثانية، كما ليست عند هذا قوة فيغرس بستانه ثانية، ولم يكن عنده من افتقر إليه عند كبر سنه وضعف ذريته غنى عنه. 
قوله تعالى :" كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون " يريد كي ترجعوا إلى عظمتي وربوبيتي ولا تتخذوا من دوني أولياء. وقال ابن عباس أيضا : تتفكرون في زوال الدنيا وفنائها وإقبال الآخرة وبقائها.

١ - المعصر: التي هي عرضة للحمل من النساء..
٢ - الفيح: سطوع الحر وفورانه..

### الآية 2:267

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [2:267]

**فيه إحدى عشرة مسألة :**
الأولى : قوله تعالى :" يا أيها الذين آمنوا أنفقوا " هذا خطاب لجميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم. واختلف العلماء في المعنى المراد بالإنفاق هنا، فقال علي بن أبي طالب وعبيدة السلماني وابن سيرين : هي الزكاة المفروضة، نهى الناس عن إنفاق الرديء فيها بدل الجيد. قال ابن عطية : والظاهر من قول البراء بن عازب والحسن وقتادة أن الآية في التطوع، ندبوا إلى ألا يتطوعوا إلا بمختار جيد. والآية تعم الوجهين، لكن صاحب الزكاة تعلق بأنها مأمور بها والأمر على الوجوب، وبأنه نهى عن الرديء وذلك مخصوص بالفرض، وأما التطوع فكما للمرء أن يتطوع بالقليل فكذلك له أن يتطوع بنازل في القدر، ودرهم خير من تمرة. تمسك أصحاب الندب بأن لفظة افْعَلْ صالح للندب صلاحيته للفرض، والرديء منهي عنه في النقل كما هو منهي عنه في الفرض، والله أحق من اختير له. وروى البراء أن رجلا علق قِنْوَ[(١)](#foonote-١) حَشَف، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :( بئسما علق ) فنزلت الآية، خرجه الترمذي وسيأتي بكماله. والأمر على هذا القول على الندب، ندبوا إلى ألا يتطوعوا إلا بجيد مختار. وجمهور المتأولين قالوا : معنى " من طيبات " من جيد ومختار " ما كسبتم ". وقال ابن زيد : من حلال " ما كسبتم ". 
الثانية : الكسب يكون بتعب بدن وهي الإجارة وسيأتي حكمها، أو مقاولة في تجارة وهو البيع وسيأتي بيانه. والميراث داخل في هذا ؛ لأن غير الوارث قد كسبه. قال سهل بن عبد الله : وسئل ابن المبارك عن الرجل يريد أن يكتسب وينوي باكتسابه أن يصل به الرحم وأن يجاهد ويعمل الخيرات ويدخل في آفات الكسب لهذا الشأن. قال : إن كان معه قوام من العيش بمقدار ما يكف[(٢)](#foonote-٢) نفسه عن الناس فترك هذا أفضل ؛ لأنه إذا طلب حلالا وأنفق في حلال سئل عنه وعن وكسبه وعن إنفاقه، وترك ذلك زهد فإن الزهد في ترك الحلال. 
الثالثة : قال ابن خويز منداد : ولهذه الآية جاز للوالد أن يأكل من كسب ولده، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( أولادكم من طيب أكسابكم فكلوا من أموال أولادكم هنيئا ). 
الرابعة : قوله تعالى :" ومما أخرجنا لكم من الأرض " يعني النبات والمعادن والركاز، وهذه أبواب ثلاثة تضمنتها هذه الآية. أما النبات فروى الدارقطني عن عائشة رضي الله عنها قالت : جرت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ليس فيما دون خمسة أوسق زكاة ). والوَسْق ستون صاعا، فذلك ثلاثمائة صاع من الحنطة والشعير والتمر والزبيب. وليس فيما أنبتت الأرض من الخضر زكاة. وقد احتج قوم لأبي حنيفة بقول الله تعالى :" ومما أخرجنا لكم من الأرض " \[ البقرة : ٢٦٧ \] وإن ذلك عموم في قليل ما تخرجه الأرض وكثيره وفي سائر الأصناف، ورأوا ظاهر الأمر الوجوب. وسيأتي بيان هذا في " الأنعام " [(٣)](#foonote-٣) مستوفى. وأما المعدن فروى الأئمة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :( العجماء[(٤)](#foonote-٤) جرحها جُبَار والبئر جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس ). قال علماؤنا : لما قال صلى الله عليه وسلم :( وفي الركاز الخمس ) دل على أن الحكم في المعادن غير الحكم في الركاز ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قد فصل بين المعادن والركاز بالواو الفاصلة، ولو كان الحكم فيهما سواء لقال والمعدن جبار وفيه الخمس، فلما قال ( وفي الركاز الخمس ) علم أن حكم الركاز غير حكم المعدن فيما يؤخذ منه، والله أعلم. والركاز أصله في اللغة ما ارتكز بالأرض من الذهب والفضة والجواهر، وهو عند سائر الفقهاء كذلك، لأنهم يقولون في[(٥)](#foonote-٥)الندرة التي توجد في المعدن مرتكزة بالأرض لا تنال بعمل ولا بسعي ولا نصب، فيها الخمس، لأنها ركاز. وقد روى عن مالك أن الندرة في المعدن حكمها حكم ما يتكلف فيه العمل مما يستخرج من المعدن في الركاز، والأول تحصيل مذهبه وعليه فتوى جمهور الفقهاء. وروى عبدالله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن جده عن أبي هريرة قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الركاز قال :( الذهب الذي خلق الله في الأرض يوم خلق السماوات والأرض ). عبد الله بن سعيد هذا متروك الحديث، ذكر ذلك ابن أبي حاتم. وقد روى من طريق أخرى عن أبي هريرة ولا يصح، ذكره الدارقطني. ودفن[(٦)](#foonote-٦) الجاهلية لأموالهم عند جماعة العلماء ركاز أيضا لا يختلفون فيه إذا كان دفنه قبل الإسلام من الأموال العادية، وأما ما كان من ضرب الإسلام فحكمه عندهم حكم اللقطة. 
الخامسة : واختلفوا في حكم الركاز إذا وجد، فقال مالك : ما وجد من دفن الجاهلية في أرض العرب أو في فيافي الأرض التي ملكها المسلمون بغير حرب فهو لواجده وفيه الخمس، وأما ما كان في أرض الإسلام فهو كاللقطة. قال : وما وجد من ذلك في أرض العنوة فهو للجماعة الذين افتتحوها دون واجده، وما وجد من ذلك في أرض الصلح فإنه لأهل تلك البلاد دون الناس، ولا شيء للواجد فيه إلا أن يكون من أهل الدار فهو له دونهم. وقيل : بل هو لجملة أهل الصلح. قال إسماعيل : وإنما حكم للركاز بحكم الغنيمة ؛ لأنه مال كافر وجده مسلم فأنزل منزلة من قاتله وأخذ ماله، فكان له أربعة أخماسه. وقال ابن القاسم : كان مالك يقول في العروض والجواهر والحديد والرصاص ونحوه يوجد ركازا : إن فيه الخمس ثم رجع فقال : لا أرى فيه شيئا، ثم آخر ما فارقناه أن قال : فيه الخمس. وهو الصحيح لعموم الحديث وعليه جمهور الفقهاء. وقال أبو حنيفة ومحمد في الركاز يوجد في الدار : إنه لصاحب الدار دون الواجد وفيه الخمس. وخالفه أبو يوسف فقال : إنه للواجد دون صاحب الدار، وهو قول الثوري : وان وجد في الفلاة فهو للواجد في قولهم جميعا وفيه الخمس. ولا فرق عندهم بين أرض الصلح وأرض العنوة، وسواء عندهم أرض العرب وغيرها، وجائز عندهم لواجده أن يحتبس الخمس لنفسه إذا كان محتاجا وله أن يعطيه للمساكين. ومن أهل المدينة وأصحاب مالك من لا يفرق بين شيء من ذلك وقالوا : سواء وجد الركاز في أرض العنوة أو في أرض الصلح أو أرض العرب أو أرض الحرب إذا لم يكن ملكا لأحد ولم يدعه أحد فهو لواجده وفيه الخمس على عموم ظاهر الحديث، وهو قول الليث وعبد الله بن نافع والشافعي وأكثر أهل العلم. 
السادسة : وأما ما يوجد من المعادن ويخرج منها فاختلف فيه، فقال مالك وأصحابه : لا شيء فيما يخرج من المعادن من ذهب أو فضة حتى يكون عشرين مثقالا ذهبا أو خمس أواق فضة، فإذا بلغتا هذا المقدار وجبت فيهما الزكاة، وما زاد فبحساب ذلك ما دام في المعدن نيل، فإن انقطع ثم جاء بعد ذلك نيل آخر فإنه تبتدأ فيه الزكاة مكانه. والركاز عندهم بمنزلة الزرع تؤخذ منه الزكاة في حينه ولا ينتظر به حولا. قال سحنون في رجل له معادن : إنه لا يضم ما في واحد منها إلى غيرها ولا يزكى إلا عن مائتي درهم أو عشرين دينارا في كل واحد. وقال محمد بن مسلمة : يضم بعضها إلى بعض ويزكى الجميع كالزرع. وقال أبو حنيفة وأصحابه : المعدن كالركاز، فما وجد في المعدن من ذهب أو فضة بعد إخراج الخمس اعتبر كل واحد منهما، فمن حصل بيده ما تجب فيه الزكاة زكاه لتمام الحول إن أتى عليه حول وهو نصاب عنده، هذا إذا لم يكن عنده ذهب أو فضة وجبت فيه الزكاة. فإن كان عنده من ذلك ما تجب فيه الزكاة ضمه إلى ذلك وزكاه. وكذلك عندهم كل فائدة تضم في الحول إلى النصاب من جنسها وتزكى لحول الأصل، وهو قول الثوري. وذكر المزني عن الشافعي قال : وأما الذي أنا واقف فيه فما يخرج من المعادن. قال المزني : الأولى به على أصله أن يكون ما يخرج من المعدن فائدة يزكى بحوله بعد إخراجه. وقال الليث بن سعد : ما يخرج من المعادن من الذهب والفضة فهو بمنزلة الفائدة يستأنف به حولا، وهو قول الشافعي فيما حصله المزني من مذهبه، وقال به داود وأصحابه إذا حال عليها الحول عند مالك صحيح الملك لقوله صلى الله عليه وسلم :( من استفاد مالا فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول ) أخرجه الترمذي والدارقطني. واحتجوا أيضا بما رواه عبد الرحمن بن أنعم عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى قوما من المؤلفة قلوبهم ذُهَيْبَة[(٧)](#foonote-٧) في تربتها، بعثها علي رضي الله عنه من اليمن. قال الشافعي : والمؤلفة قلوبهم حقهم في الزكاة، فتبين بذلك أن المعادن سنتها سنة الزكاة. وحجة مالك حديث عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية[(٨)](#foonote-٨) وهي من ناحية الفُرْع[(٩)](#foonote-٩)، فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلى اليوم إلا الزكاة. وهذا حديث منقطع الإسناد لا يحتج بمثله أهل الحديث، ولكنه عمل يعمل به عندهم في المدينة. ورواه الدراوردي عن ربيعة عن الحارث بن بلال المزني عن أبيه. ذكره البزار، ورواه كثير بن عبدالله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية جَلْسِيِّها وغَوْرِيِّها[(١٠)](#foonote-١٠). وحيث يصلح للزرع من قُدْس[(١١)](#foonote-١١) ولم يعطه حق مسلم، ذكره البزار أيضا، وكثير مجمع على ضعفه. هذا حكم ما أخرجته الأرض، وسيأتي في سورة \[ النحل \] حكم ما أخرجه البحر إذ هو قَسِيم الأرض[(١٢)](#foonote-١٢). ويأتي في " الأنبياء " معنى قوله عليه السلام :( العجماء جرحها جبار )[(١٣)](#foonote-١٣) كل في موضعه إن شاء الله تعالى. 
السابعة : قوله تعالى :" ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون " تيمموا معناه تقصدوا، وستأتي الشواهد من أشعار العرب في أن التيمم القصد في " النساء " [(١٤)](#foonote-١٤) إن شاء الله تعالى. ودلت الآية على أن المكاسب فيها طيب وخبيث. وروى النسائي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف في الآية التي قال الله تعالى فيها :" ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون " قال : هو الجُعْرُورُ ولون حُبَيْق[(١٥)](#foonote-١٥)، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤخذا في الصدقة. وروى الدارقطني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة فجاء رجل من هذا السحل[(١٦)](#foonote-١٦) بكبائس قال سفيان : يعني الشيص - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من جاء بهذا ) ؟ وكان لا يجيء أحد بشيء إلا نسب إلى الذي جاء به. فنزلت :" ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ". قال : ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الجعرور ولون الحُبَيْق أن يؤخذا في الصدقة - قال الزهري : لونين من تمر المدينة - وأخرجه الترمذي من حديث البراء وصححه، وسيأتي. وحكى الطبري والنحاس أن في قراءة عبدالله " ولا تأمموا " وهما لغتان. وقرأ مسلم بن جندب " ولا تيمموا " بضم التاء وكسر الميم. وقرأ ابن كثير " تيمموا " بتشديد التاء. وفي اللفظة لغات، منها " أممت الشيء " مخففة الميم الأولى و " أممته " بشدها، و " يممته وتيممته ". وحكى أبو عمرو أن ابن مسعود قرأ " ولا تؤمموا " بهمزة بعد التاء المضمومة. 
الثامنة : قوله تعالى :" منه تنفقون " قال الجرجاني في كتاب " نظم القرآن " : قال فريق من الناس : إن الكلام تم في قوله تعالى " الخبيث " ثم ابتدأ خبرا آخر في وصف الخبيث فقال :" منه تنفقون " وأنتم لا تأخذونه إلا إذا أغمضتم أي تساهلتم، كأن هذا المعنى عتاب للناس وتقريع. والضمير في " منه " عائد على الخبيث وهو الدون والرديء. قال الجرجاني : وقال فريق آخر : الكلام متصل إلى قوله " منه "، فالضمير في " منه " ١ - القنو: العذق وهو عنقود النخلة: الشماريخ مثمرة، والحشف: التمر يجف قبل النضج فيكون رديئا وليس له لحم..
٢ - في جـ و ب: يكفى..
٣ - راجع جـ٧ ص ٤٧..
٤ - العجماء: البهيمة. وجبار: هدر والمعدن: المكان من الأرض يخرج منه شيء من الجواهر والأجساد كالذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص والكبريت وغيرها، من عدن بالمكان إذا أقام به، ومعنى الحديث: أن تنفلت البهيمة فتصيب من انفلاتها إنسانا أو شيئا فجرحها هدر، وكذلك البئر العادية يسقط فيها إنسان فيهلك فدمه هدر، والمعدن إذا انهار على من يحفره فقتله فدمه هدر. راجع معاجم اللغة وكتب السنة..
٥ - الندرة (بفتح فسكون): القطعة من الذهب والفضة توجد في المعدن..
٦ - في هـ: دفين..
٧ - هي تصغير ذهب، وأدخل الهاء فيها لأن الذهب يؤنث، والمؤنث الثلاثي إذا صغر ألحق في تصغيره الهاء نحو شميسة. وقيل: هو تصغير على نية القطعة منها فصغرها على لفظها..
٨ -.
٩ - القبلية (بالتحريك): منسوبة إلى قبل موضع من ساحل البحر على خمسة أيام من المدينة، والفرع (بضم فسكون): قرية من نواحي الربذة عن يسار السقيا بينها وبين المدينة ثمانية برد على طريق مكة، وقيل أربع ليال، بها منبر ونخل ومياه كثيرة..
١٠ - الجلس (بفتح فسكون): كل مرتفع من الأرض، والغور: ما انخفض منها..
١١ - القدس (بضم القاف وسكون الدال): جبل معروف، وقيل: هو الموضع المرتفع الذي يصلح للزراعة..
١٢ - راجع جـ ١٠ ص ٨٥..
١٣ - راجع جـ١١ ص ٣١٥..
١٤ - راجع جـ٥ ص ٢٣١..
١٥ - الجعرور (بضم الجيم وسكون العين وراء مكررة): ضرب رديء من التمر يحمل رطبا صغارا لا خير فيه. وحبيق (بضم الحاء المهملة وفتح الباء): نوع رديء من التمر منسوب إلى ابن حبيق وهو اسم رجل..
١٦ - السحل (بضم السين وفتح الحاء مشددة): الرطب الذي لم يتم إدراكه وقوته..

### الآية 2:268

> ﻿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [2:268]

**فيه ثلاث مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" الشيطان " تقدم معنى الشيطان واشتقاقه فلا معنى لإعادته[(١)](#foonote-١). و " يعدكم " معناه يخوفكم " الفقر " أي بالفقر لئلا تنفقوا. فهذه الآية متصلة بما قبل، وأن الشيطان له مدخل في التثبيط للإنسان عن الإنفاق في سبيل الله، وهو مع ذلك يأمر بالفحشاء وهي المعاصي والإنفاق فيها. وقيل : أي[(٢)](#foonote-٢) بأن لا تتصدقوا فتعصوا وتتقاطعوا. وقرئ " الفُقْر " بضم الفاء وهي لغة. قال الجوهري : والفقر لغة في الفقر، مثل الضُّعف والضَّعف. 
الثانية : قوله تعالى :" والله يعدكم مغفرة منه وفضلا " الوعد في كلام العرب إذا أطلق فهو في الخير، وإذا قيد بالموعود ما هو فقد يقدر بالخير وبالشر كالبشارة. فهذه الآية مما يقيد فيها الوعد بالمعنيين جميعا. قال ابن عباس : في هذه الآية اثنتان من الله تعالى واثنتان من الشيطان. وروى الترمذي عن عبدالله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن للشيطان لَمَّةً[(٣)](#foonote-٣) بابن آدم، وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان - ثم قرأ - الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ). قال : هذا حديث حسن صحيح[(٤)](#foonote-٤). ويجوز في غير القرآن " ويأمركم الفحشاء " بحذف الباء، وأنشد سيبويه :أمرتك الخير فافعل ما أمرت به  فقد تركتك ذا مال وذا نَشَبوالمغفرة هي الستر على عباده في الدنيا والآخرة. والفضل هو الرزق في الدنيا والتوسعة والنعيم في الآخرة، وبكل قد وعد الله تعالى. 
الثالثة : ذكر النقاش أن بعض الناس تأنس بهذه الآية في أن الفقر أفضل من الغنى ؛ لأن الشيطان إنما يبعد العبد من الخير، وهو بتخويفه الفقر يبعد منه. قال ابن عطية : وليس في الآية حجة قاطعة بل المعارضة بها قوية. وروي أن في التوراة ( عبدي أنفق من رزقي أبسط عليك فضلي فإن يدي مبسوطة على كل يد مبسوطة ). وفي القرآن مصداقه وهو قوله :" وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين " [(٥)](#foonote-٥) \[ سبأ : ٣٩ \]. ذكره ابن عباس. " والله واسع عليم " تقدم معناه[(٦)](#foonote-٦). والمراد هنا أنه سبحانه وتعالى يعطي من سعة ويعلم حيث يضع ذلك، ويعلم الغيب والشهادة. وهما اسمان من أسمائه ذكرناهما في جملة الأسماء في ( الكتاب الأسنى ) والحمد لله. 
١ - راجع المسألة العاشرة جـ١ ص ٩٠..
٢ - في ب..
٣ - اللّمة (بفتح اللام): الهمة والخطرة تقع في القلب. أراد إلمام الملك أو الشيطان به والقرب منه، فما كان من خطرات الخير فهو من الملك، وما كان من خطرات الشر فهو من الشيطان. (عن نهاية ابن الأثير)..
٤ - كذا في الأصول. والذي في سنن الترمذي: ".. حسن غريب"..
٥ - راجع جـ ١٤ ص ٣٠٧..
٦ - راجع المسألة الخامسة جـ٢ ص ٨٤..

### الآية 2:269

> ﻿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [2:269]

قوله تعالى :" يؤتِ الحكمة من يشاء " أي يعطيها لمن يشاء من عباده. واختلف العلماء في الحكمة هنا، فقال السدي : هي النبوة. ابن عباس : هي المعرفة بالقرآن فقهه ونسخه ومحكمه ومتشابهه وغريبه ومقدمه ومؤخره. وقال قتادة ومجاهد : الحكمة هي الفقه في القرآن. وقال مجاهد : الإصابة في القول والفعل. وقال ابن زيد : الحكمة العقل في الدين. وقال مالك بن أنس : الحكمة المعرفة بدين الله والفقه فيه والاتباع له. وروى عنه ابن القاسم أنه قال : الحكمة التفكر في أمر الله والاتباع له. وقال أيضا : الحكمة طاعة الله والفقه في الدين والعمل به. وقال الربيع بن أنس : الحكمة الخشية. وقال إبراهيم النخعي : الحكمة الفهم في القرآن، وقاله زيد بن أسلم. وقال الحسن : الحكمة الورع. قلت : وهذه الأقوال كلها ما عدا السدي والربيع والحسن قريب بعضها من بعض ؛ لأن الحكمة مصدر من الإحكام وهو الإتقان في قول أو فعل، فكل ما ذكر فهو نوع من الحكمة التي هي الجنس، فكتاب الله حكمة، وسنة نبيه حكمة، وكل ما ذكر من التفضيل فهو حكمة. وأصل الحكمة ما يمتنع به من السفه، فقيل للعلم حكمة ؛ لأنه يمتنع به، وبه يعلم الامتناع من السفه وهو كل فعل قبيح، وكذا القرآن والعقل والفهم. وفي البخاري :( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ) وقال هنا :" ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا " وكرر ذكر الحكمة ولم يضمرها اعتناء بها، وتنبيها على شرفها وفضلها حسب ما تقدم بيانه عند قوله تعالى :" فبدل الذين ظلموا قولا " [(١)](#foonote-١) \[ البقرة : ٥٩ \]. وذكر الدارمي أبو محمد في مسنده : حدثنا مروان بن محمد حدثنا رفدة الغساني قال : أخبرنا ثابت بن عجولان الأنصاري قال : كان يقال : إن الله يريد العذاب بأهل الأرض فإذا سمع تعليم المعلم الصبيان الحكمة صرف ذلك عنهم. قال مروان : يعني بالحكمة القرآن. 
قوله تعالى :" ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب " يقال : إن من أعطي الحكمة والقرآن فقد أعطي أفضل ما أعطي من جمع علم كتب الأولين من الصحف وغيرها، لأنه قال لأولئك :" وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " [(٢)](#foonote-٢) \[ الإسراء : ٨٥ \]. وسمى هذا خيرا كثيرا، لأن هذا هو جوامع الكلم. وقال بعض الحكماء : من أعطي العلم والقرآن ينبغي أن يعرف نفسه، ولا يتواضع لأهل الدنيا لأجل دنياهم، فإنما أعطي أفضل ما أعطي أصحاب الدنيا ؛ لأن الله تعالى سمى الدنيا متاعا قليلا فقال :" قل متاع الدنيا قليل " [(٣)](#foonote-٣) وسمى العلم والقرآن " خيرا كثيرا ". وقرأ الجمهور " ومن يؤت " على بناء الفعل للمفعول. وقرأ الزهري ويعقوب " ومن يؤت " بكسر التاء على معنى ومن يؤت الله الحكمة، فالفاعل اسم الله عز وجل. و " من " مفعول أول مقدم، والحكمة مفعول ثان. والألباب : العقول، واحدها لب وقد تقدم[(٤)](#foonote-٤).

١ - راجع المسألة الثالثة جـ١ ص ٤١٦..
٢ - راجع جـ١٠ ص ٣٢٣..
٣ - راجع جـ٥ ص ٢٨١..
٤ - راجع المسألة الرابعة عشرة جـ٢ ص ٤١٢..

### الآية 2:270

> ﻿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ۗ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [2:270]

شرط وجوابه، وكانت النذور من سيرة العرب تكثر منها، فذكر الله تعالى النوعين، ما يفعله المرء متبرعا، وما يفعله بعد إلزامه لنفسه. وفي الآية معنى الوعد والوعيد، أي من كان خالص النية فهو مثاب، ومن أنفق رياء أو لمعنى آخر مما يكسبه المن والأذى ونحو ذلك فهو ظالم، يذهب فعله باطلا ولا يجد له ناصرا فيه. ومعنى " يعلمه " يحصيه، قاله مجاهد. ووحد الضمير وقد ذكر شيئين، فقال النحاس : التقدير " وما أنفقتم من نفقة " فإن الله يعلمها، " أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه " ثم حذف. ويجوز أن يكون التقدير : وما أنفقتم فإن الله يعلمه وتعود الهاء على " ما " كما أنشد سيبويه لامرئ القيس[(١)](#foonote-١) :

فتُوضِحَ فالمِقْرَاةِ لم يعفُ رسمها  لما نسجتها من جَنُوبٍ وشَمْأَلِ[(٢)](#foonote-٢)ويكون " أو نذرتم من نذر " معطوفا عليه. قال ابن عطية : ووحد الضمير في " يعلمه " وقد ذكر شيئين من حيث أراد ما ذكر أو نص. 
قلت : وهذا حسن : فإن الضمير قد يراد به جميع المذكور وإن كثر. والنذر حقيقة العبارة عنه أن تقول : هو ما أوجبه المكلف على نفسه من العبادات مما لو لم يوجبه لم يلزمه، تقول : نذر الرجل كذا إذا التزم فعله، ينذر - بضم الذال - وينذر - بكسرها -. وله أحكام يأتي بيانها في غير هذا الوضع إن شاء الله تعالى[(٣)](#foonote-٣). 
١ - الزيادة في ب..
٢ - وتوضح والمقراة: موضعان، وهما عطف على "حومل" في البيت قبله..
٣ - راجع جـ ١٩ ص ١٢٥..

### الآية 2:271

> ﻿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [2:271]

ذهب جمهور المفسرين إلى أن هذه الآية في صدقة التطوع ؛ لأن الإخفاء فيها أفضل من الإظهار، وكذلك سائر العبادات الإخفاء أفضل في تطوعها لانتفاء الرياء عنها، وليس كذلك الواجبات. قال الحسن : إظهار الزكاة أحسن، وإخفاء التطوع أفضل ؛ لأنه أدل على أنه يراد الله عز وجل به وحده. قال ابن عباس : جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها يقال بسبعين ضعفا، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها يقال بخمسة وعشرين ضعفا. قال : وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها. قلت : مثل هذا لا يقال من جهة الرأي وإنما هو توقيف، وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة )[(١)](#foonote-١) وذلك أن الفرائض لا يدخلها رياء والنوافل عرضة لذلك. وروى النسائي عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن الذي يجهر بالقرآن كالذي يجهر بالصدقة والذي يسر بالقرآن كالذي يسر بالصدقة ). وفي الحديث :( صدقة السر تطفئ غضب الرب ). قال ابن العربي : وليس في تفضيل صدقة العلانية على السر، ولا تفضيل صدقة السر على العلانية حديث صحيح ولكنه الإجماع الثابت، فأما صدقة النفل فالقرآن ورد مصرحا بأنها في السر أفضل منها في الجهر، بيد أن علماءنا قالوا : إن هذا على الغالب مخرجه، والتحقيق فيه أن الحال في الصدقة[(٢)](#foonote-٢) تختلف بحال المعطي لها[(٣)](#foonote-٣) والمعطى إياها والناس الشاهدين لها[(٤)](#foonote-٤). أما المعطي فله فيها فائدة إظهار السنة وثواب القدوة. قلت : هذا لمن قويت حاله وحسنت نيته وأمن على نفسه الرياء، وأما من ضعف عن هذه المرتبة فالسر له أفضل. وأما المعطى إياها فإن السر له أسلم من احتقار الناس له، أو نسبته إلى أنه أخذها مع الغنى عنها وترك التعفف، وأما حال الناس فالسر عنهم أفضل من العلانية لهم، من جهة أنهم ربما طعنوا على المعطي لها بالرياء وعلى الآخذ لها بالاستغناء، ولهم فيها تحريك القلوب إلى الصدقة، لكن هذا اليوم قليل. وقال يزيد بن أبي حبيب : إنما نزلت هذه الآية في الصدقة على اليهود والنصارى، فكان يأمر بقسم الزكاة في السر. قال ابن عطية : وهذا مردود، لا سيما عند السلف الصالح، فقد قال الطبري : أجمع الناس على أن إظهار الواجب أفضل. قلت : ذكر الكيا الطبري أن في هذه الآية دلالة على قول إخفاء الصدقات مطلقا أولى، وأنها حق الفقير وأنه يجوز لرب المال تفريقها بنفسه، على ما هو أحد قولي الشافعي. وعلى القول الآخر ذكروا أن المراد بالصدقات ههنا التطوع دون الفرض الذي إظهاره أولى لئلا يلحقه تهمة، ولأجل ذلك قيل : صلاة النفل فرادى أفضل، والجماعة في الفرض أبعد عن التهمة. وقال المهدوي : المراد بالآية فرض الزكاة وما تطوع به، فكان الإخفاء أفضل في مدة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ساءت ظنون الناس بعد ذلك، فاستحسن العلماء[(٥)](#foonote-٥) إظهار الفرائض لئلا يظن بأحد المنع. قال ابن عطية : وهذا القول مخالف للآثار، ويشبه في زماننا أن يحسن التستر بصدقة الفرض، فقد كثر المانع لها وصار إخراجها عرضة للرياء. وقال ابن خويز منداد : وقد يجوز أن يراد بالآية الواجبات من الزكاة والتطوع ؛ لأنه ذكر الإخفاء ومدحه والإظهار ومدحه، فيجوز أن يتوجه إليهما جميعا. وقال النقاش : إن هذه الآية نسخها قوله تعالى :" الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية " \[ البقرة : ٢٧٤ \] الآية. 
قوله تعالى :" فنعما هي " ثناء على إبداء الصدقة، ثم حكم على أن الإخفاء خير من ذلك. ولذلك قال بعض الحكماء : إذا اصطنعت المعروف فاستره، وإذا اصطنع إليك فانشره. قال دعبل الخزاعي :

إذا انتقموا أعلنُوا أمرهم  وإن أنْعَمُوا باكْتِتَامِ**وقال سهل بن هارون :**خلٌّ إذا جئتَه يوما لتسأله  أعطاك ما ملكت كفَّاهُ واعتذرايُخْفِي صنائعه والله يظهرها  إن الجميل إذا أخفيتَه ظَهَراوقال العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه : لا يتم المعروف إلا بثلاث خصال : تعجيله وتصغيره وستره، فإذا أعجلته هنَّيته، وإذا صغرته عظمته، وإذا سترته أتممته. وقال بعض الشعراء فأحسن :زاد معروفك عندي عِظَماً  أنه عندك مستورٌ حقيرْتتناساه كأن لم تأته  وهو عند الناس مشهور خطيرْواختلف القراء في قول " فنعما هي " فقرأ أبو عمرو ونافع في رواية ورش وعاصم في رواية حفص وابن كثير " فنعما هي " بكسر النون والعين. وقرأ أبو عمرو أيضا ونافع في غير رواية ورش وعاصم في رواية أبي بكر والمفضل " فنعما " بكسر النون وسكون العين. وقرأ الأعمش وابن عامر وحمزة والكسائي " فنعما " بفتح النون وكسر العين، وكلهم سكن الميم. ويجوز في غير القرآن فنعم ما هي. قال النحاس : ولكنه في السواد متصل فلزم الإدغام. وحكى النحويون في " نعم " أربع لغات : نعم الرجل زيد، هذا الأصل. ونِعِم الرجل، بكسر النون لكسر العين. ونَعْم الرجل، بفتح النون وسكون العين، والأصل نَعِم حذفت الكسرة لأنها ثقيلة. ونِعْمَ الرجل، وهذا أفضل اللغات، والأصل فيها نَعِم. وهي تقع في كل مدح، فخففت وقلبت كسرة العين على النون وأسكنت العين. 
فمن قرأ " فنعما هي " فله تقديران : أحدهما : أن يكون جاء به على لغة من يقول نِعِم. والتقدير الآخر أن يكون على اللغة الجيدة، فيكون الأصل نِعْمَ، ثم كسرت العين لالتقاء الساكنين. قال النحاس : فأما الذي حكي عن أبي عمرو ونافع من إسكان العين فمحال. حكي عن محمد بن يزيد أنه قال : أما إسكان العين والميم مشددة فلا يقدر أحد أن ينطق به، وإنما يروم الجمع بين ساكنين ويحرك ولا يأبه[(٦)](#foonote-٦). وقال أبو علي : من قرأ بسكون العين لم يستقم قوله ؛ لأنه جمع بين ساكنين الأول منهما ليس بحرف مد ولين وإنما يجوز ذلك عند النحويين إذا كان الأول حرف مد، إذ المد يصير عوضا من الحركة، وهذا نحو دابة وضوال ونحوه. ولعل أبا عمرو أخفى الحركة واختلسها كأخذه بالإخفاء في " بارئكم - و - يأمركم " فظن السامع الإخفاء إسكانا للطف ذلك في السمع وخفائه. قال أبو علي : وأما من قرأ " نعما " بفتح النون وكسر العين فإنما جاء بالكلمة على أصلها ومنه قول الشاعر :ما أقلَّت قدماي[(٧)](#foonote-٧) إنهم  نَعِمَ الساعون في الأمر المُبِرْقال أبو علي : و " ما " من قوله تعالى :" نعما " في موضع نصب، وقوله " هي " تفسير للفاعل المضمر قبل الذكر، والتقدير نعم شيئا إبداؤها، والإبداء هو المخصوص بالمدح إلا أن المضاف حذف وأقيم المضاف إليه مقامه. ويدلك على هذا قوله " فهو خير لكم " أي الإخفاء خير. فكما أن الضمير هنا للإخفاء لا للصدقات فكذلك، أولا الفاعل هو الإبداء وهو الذي اتصل به الضمير، فحذف الإبداء وأقيم ضمير الصدقات مثله. " وإن تخفوها " شرط، فلذلك حذفت النون. " وتؤتوها " عطف عليه. والجواب " فهو خير لكم ". " ويكفر " اختلف القراء في قراءته، فقرأ أبو عمرو وابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر وقتادة وابن أبي إسحاق " ونكفر " بالنون ورفع الراء. وقرأ نافع[(٨)](#foonote-٨) وحمزة والكسائي بالنون والجزم في الراء، وروي مثل ذلك أيضا عن عاصم. وروى الحسين بن علي الجعفي عن الأعمش " يكفر " بنصب الراء. وقرأ ابن عامر بالياء ورفع الراء، ورواه حفص عن عاصم، وكذلك روي عن الحسن، وروي عنه بالياء والجزم. وقرأ ابن عباس " وتكفر " بالتاء وكسر الفاء وجزم الراء. وقرأ عكرمة " وتكفر " بالتاء وفتح الفاء وجزم الراء. وحكى المهدوي عن ابن هرمز أنه قرأ " وتكفر " بالتاء ورفع الراء. وحكي عن عكرمة وشهر بن حوشب أنهما قرآ بتاء ونصب الراء. 
فهذه تسع قراءات أبينها " ونكفر " بالنون والرفع. هذا قول الخليل وسيبويه. قال النحاس : قال سيبويه : والرفع ههنا الوجه وهو الجيد، لأن الكلام الذي بعد الفاء يجري مجراه في غير الجزاء. وأجاز الجزم بحمله على المعنى ؛ لأن المعنى وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء يكن خيرا لكم ونكفر عنكم. وقال أبو حاتم : قرأ الأعمش " يكفر " بالياء دون واو قبلها. قال النحاس : والذي حكاه أبو حاتم عن الأعمش بغير واو جزما يكون على البدل كأنه في موضع الفاء. والذي روي عن عاصم " ويكفر " بالياء والرفع يكون معناه ويكفر الله، هذا قول أبي عبيد. وقال أبو حاتم : معناه يكفر الإعطاء. وقرأ ابن عباس " وتكفر " يكون معناه وتكفر الصدقات. وبالجملة فما كان من هذه القراءات بالنون فهي نون العظمة، وما كان منها بالتاء فهي الصدقة فاعلمه، إلا ما روي عن عكرمة من فتح الفاء فإن التاء في تلك القراءة إنما هي للسيئات، وما كان منها بالياء فالله تعالى هو المكفر، والإعطاء في خفاء مكفر أيضا كما ذكرنا، وحكاه مكي. وأما رفع الراء فهو على وجهين : أحدهما : أن يكون الفعل خبر ابتداء تقديره ونحن نكفر أو وهي تكفر، أعني الصدقة، أو والله يكفر. والثاني : القطع والاستئناف لا تكون الواو العاطفة للاشتراك لكن تعطف جملة كلام على جملة. وقد ذكرنا معنى قراءة الجزم. فأما نصب " ونكفر " فضعيف وهو على إضمار أن، وجاز على بُعْد. قال المهدوي : وهو مشبه بالنصب في جواب الاستفهام، إذ الجزاء يجب به الشيء لوجوب غيره كالاستفهام. والجزم في الراء أفصح هذه القراءات، لأنها تؤذن بدخول التكفير في الجزاء وكونه مشروطا إن وقع الإخفاء. وأما الرفع فليس فيه هذا المعنى. 
قلت : هذا خلاف ما اختاره الخليل وسيبويه. و " من " في قوله " من سيئاتكم " للتبعيض المحض. وحكى الطبري عن فرقة أنها زائدة. قال ابن عطية : وذلك منهم خطأ. " والله بما تعملون خبير " وعد ووعيد. 
١ - عبارة مسلم كما في صحيحه: "... فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة"..
٢ - الزيادة عن ابن العربي..
٣ - الزيادة عن ابن العربي..
٤ - الزيادة عن ابن العربي..
٥ - في ب: الناس..
٦ - كذا في النحاس، والذي في نسخ الأصل: ولا يأتيه..
٧ - ويروى: قدمي. بالإفراد راجع جـ٤ خزانة ص ١٠١..
٨ - في الأصول: الأعمش، والصواب ما أثبتناه من البحر وابن عطية وغيرهما..

### الآية 2:272

> ﻿۞ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۗ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ۚ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ [2:272]

قوله تعالى : ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء  فيه ثلاث مسائل :
الأولى : قوله تعالى :" ليس عليك هداهم " هذا الكلام متصل بذكر الصدقات، فكأنه بين فيه جواز الصدقة على المشركين. روى سعيد بن جبير مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم في سبب نزول هذه الآية أن المسلمين كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة، فلما كثر فقراء المسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تتصدقوا إلا على أهل دينكم ). فنزلت هذه الآية مبيحة للصدقة على من ليس من دين الإسلام. وذكر النقاش أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بصدقات فجاءه يهودي فقال : أعطني. فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( ليس لك من صدقة المسلمين شيء ). فذهب اليهودي غير بعيد فنزلت :" ليس عليك هداهم " فدعاه[(١)](#foonote-١) رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه، ثم نسخ الله ذلك بآية الصدقات. وروى ابن عباس أنه قال : كان ناس من الأنصار لهم قرابات من بني قريظة والنضير، وكانوا لا يتصدقون عليهم رغبة منهم في أن يسلموا إذا احتاجوا، فنزلت الآية بسبب أولئك. وحكى بعض المفسرين أن أسماء ابنة أبي بكر الصديق أرادت أن تصل جدها أبا قحافة، ثم امتنعت من ذلك لكونه كافرا فنزلت الآية في ذلك. وحكى الطبري أن مقصد النبي صلى الله عليه وسلم بمنع الصدقة إنما كان ليسلموا ويدخلوا في الدين، فقال الله تعالى :" ليس عليك هداهم ". وقيل :" ليس عليك هداهم " ليس متصلا[(٢)](#foonote-٢) بما قبل، فيكون ظاهرا في الصدقات وصرفها إلى الكفار، بل يحتمل أن يكون معناه ابتداء كلام. 
الثانية : قال علماؤنا : هذه الصدقة التي أبيحت لهم حسب ما تضمنته هذه الآثار هي صدقة التطوع. وأما المفروضة فلا يجزئ دفعها لكافر، لقوله عليه السلام :( أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم ). قال ابن المنذر : أجمع كل[(٣)](#foonote-٣) من أحفظ عنه من أهل العلم أن الذمي لا يعطى من زكاة الأموال شيئا، ثم ذكر جماعة ممن نص على ذلك ولم يذكر خلافا. وقال المهدوي : رخص للمسلمين أن يعطوا المشركين من قراباتهم من صدقة الفريضة لهذه الآية. قال ابن عطية : وهذا مردود بالإجماع. والله أعلم. وقال أبو حنيفة : تصرف إليهم زكاة الفطر. ابن العربي : وهذا ضعيف لا أصل له. ودليلنا أنها صدقة طهرة واجبة فلا تصرف إلى الكافر كصدقة الماشية والعين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :( أغنوهم عن سؤال هذا اليوم ) يعني يوم الفطر. 
قلت : وذلك لتشاغلهم بالعيد وصلاة العيد وهذا لا يتحقق في المشركين. وقد يجوز صرفها إلى غير المسلم في قول من جعلها سنة، وهو أحد القولين عندنا، وهو قول أبي حنيفة على ما ذكرنا، نظرا إلى عموم الآية في البر وإطعام الطعام وإطلاق الصدقات. قال ابن عطية : وهذا الحكم متصور للمسلمين مع[(٤)](#foonote-٤) أهل ذمتهم ومع المسترقين من الحربيين. 
قلت : وفي التنزيل " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا " [(٥)](#foonote-٥) \[ الإنسان : ٨ \] والأسير في دار الإسلام لا يكون إلا مشركا. وقال تعالى :" لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم " [(٦)](#foonote-٦) \[ الممتحنة : ٨ \]. فظواهر هذه الآيات تقتضي جواز صرف الصدقات إليهم جملة، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم خص منها الزكاة المفروضة، لقوله عليه السلام لمعاذ :( خذ الصدقة من أغنيائهم وردها على فقرائهم ) واتفق العلماء على ذلك على ما تقدم. فيدفع إليهم من صدقة التطوع إذا احتاجوا، والله أعلم. قال ابن العربي : فأما المسلم العاصي فلا خلاف أن صدقة الفطر تصرف إليه إلا إذا كان يترك أركان الإسلام من الصلاة والصيام فلا تدفع إليه الصدقة حتى يتوب. وسائر أهل المعاصي تصرف الصدقة إلى مرتكبيها لدخولهم في اسم المسلمين. وفي صحيح مسلم أن رجلا تصدق على غني وسارق وزانية وتقبلت صدقته، على ما يأتي بيانه في آية " الصدقات " [(٧)](#foonote-٧). 
الثالثة : قوله تعالى :" ولكن الله يهدي من يشاء " أي يرشد من يشاء. وفي هذا رد على القدرية وطوائف من المعتزلة، كما تقدم. 
قوله تعالى :" وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله " شرط وجوابه. والخير في هذه الآية المال، لأنه قد اقترن بذكر الإنفاق فهذه القرينة تدل على أنه المال، ومتى لم تقترن بما يدل على أنه المال فلا يلزم أن يكون بمعنى المال، نحو قوله تعالى :" خير مستقرا " [(٨)](#foonote-٨) \[ الفرقان : ٢٤ \] وقوله " مثقال ذرة خيرا يره " [(٩)](#foonote-٩) \[ الزلزلة : ٧ \]. إلى غير ذلك. وهذا تحرز من قول عكرمة : كل خير في كتاب الله تعالى فهو المال. وحكي أن بعض العلماء كان يصنع كثيرا من المعروف ثم يحلف أنه ما فعل مع أحد خيرا، فقيل له في ذلك فيقول : إنما فعلت مع نفسي، ويتلو " وما تنفقوا من خير فلأنفسكم ". 
ثم بين تعالى أن النفقة المعتد بقبولها إنما هي ما كان ابتغاء وجهه. و " ابتغاء " هو على المفعول له[(١٠)](#foonote-١٠). وقيل : إنه شهادة من الله تعالى للصحابة رضي الله عنهم أنهم إنما ينفقون ابتغاء وجهه، فهذا خرج مخرج التفضيل والثناء عليهم. وعلى التأويل الأول هو اشتراط عليهم، ويتناول الاشتراط غيرهم من الأمة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص :( إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله تعالى إلا أجرت بها حتى ما تجعل في فِي امرأتك )[(١١)](#foonote-١١). 
قوله تعالى :" وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون " " يوف إليكم " تأكيد وبيان لقوله :" وما تنفقوا من خير فلأنفسكم " وأن ثواب الإنفاق يوفى إلى المنفقين ولا يبخسون منه شيئا فيكون ذلك البخس ظلما لهم.

١ - في هـ: دعابه..
٢ - في جـ وهـ وب وي: متصلا. دليل على سقوط: ليس، أو غير متصل كباقي النسخ..
٣ - في جـ..
٤ - في ابن عطية: متصور للمسلمين اليوم مع الخ..
٥ - راجع جـ١٩ ص ١٢٥..
٦ - راجع جـ١٨ ص ٥٨..
٧ - راجع جـ٨ ص ١٦٧..
٨ - راجع جـ١٣ ص ٢١..
٩ - راجع جـ٢٠ ص ١٥٠..
١٠ - كما في السمين والبحر. وفي الأصول كلها: مفعول به. وليس بشيء..
١١ - رواية البخاري: في فم امرأتك..

### الآية 2:273

> ﻿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [2:273]

**فيه عشر مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" للفقراء " اللام متعلقة بقوله " وما تنفقوا من خير " وقيل : بمحذوف تقديره الإنفاق أو الصدقة للفقراء. قال السدي ومجاهد وغيرهما : المراد بهؤلاء الفقراء فقراء المهاجرين من قريش وغيرهم، ثم تتناول الآية كل من دخل تحت صفة الفقراء غابر الدهر. وإنما خص فقراء المهاجرين بالذكر ؛ لأنه لم يكن هناك سواهم وهم أهل الصفة وكانوا نحوا من أربعمائة رجل، وذلك أنهم كانوا يقدمون فقراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما لهم أهل ولا مال فبنيت لهم صفة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل لهم : أهل الصفة. قال أبو ذر : كنت من أهل الصفة وكنا إذا أمسينا حضرنا باب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر كل رجل فينصرف برجل ويبقى من بقي من أهل الصفة عشرة أو أقل فيؤتى النبي صلى الله عليه وسلم بعشائه ونتعشى معه. فإذا فرغنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ناموا في المسجد ). وخرج الترمذي عن البراء بن عازب " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون " قال : نزلت فينا معشر الأنصار كنا أصحاب نخل، قال : فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته، وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فيضربه بعصاه فيسقط من البُسر والتمر فيأكل، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي بالقنو فيه الشيص والحَشَف، وبالقنو قد انكسر فيعلقه في المسجد، فأنزل الله تعالى " يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه " \[ البقرة : ٢٦٧ \]. قال : ولو أن أحدكم أهدي إليه مثل ما أعطاه لم يأخذه إلا على إغماض وحياء. قال : فكنا بعد ذلك يأتي الرجل بصالح ما عنده. قال : هذا حديث حسن غريب صحيح. قال علماؤنا : وكانوا رضي الله عنهم في المسجد ضرورة، وأكلوا من الصدقة ضرورة، فلما فتح الله على المسلمين استغنوا عن تلك الحال وخرجوا ثم ملكوا وتأمروا. ثم بين الله سبحانه من أحوال أولئك الفقراء المهاجرين ما يوجب الحنو عليهم بقوله تعالى :" الذين أحصروا في سبيل الله " والمعنى حبسوا ومنعوا. قال قتادة وابن زيد : معنى " أحصروا في سبيل الله " حبسوا أنفسهم عن التصرف في معايشهم خوف العدو، ولهذا قال تعالى :" لا يستطيعون ضربا في الأرض " لكون البلاد كلها كفرا مطبقا. وهذا في صدر الإسلام، فعلتهم تمنع من الاكتساب[(١)](#foonote-١) بالجهاد، وإنكار الكفار عليهم إسلامهم يمنع من التصرف في التجارة فبقوا فقراء. وقيل : معنى " لا يستطيعون ضربا في الأرض " أي لما قد ألزموا أنفسهم من الجهاد. والأول أظهر. والله أعلم. 
الثانية : قوله تعالى :" يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف " أي أنهم من الانقباض وترك المسألة والتوكل على الله بحيث يظنهم الجاهل بهم أغنياء. وفيه دليل على أن اسم الفقر يجوز أن يطلق على من له كسوة ذات قيمة ولا يمنع ذلك من إعطاء الزكاة إليه. وقد أمر الله تعالى بإعطاء هؤلاء القوم، وكانوا من المهاجرين الذين يقاتلون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرضى ولا عميان. والتعفف تفعل، وهو بناء مبالغة من عف عن الشيء إذا أمسك عنه وتنزه عن طلبه، وبهذا المعنى فسر قتادة وغيره. وفتح السين وكسرها في " يحسبهم " لغتان. قال أبو علي : والفتح أقيس ؛ لأن العين من الماضي مكسورة فبابها أن تأتي في المضارع مفتوحة. والقراءة بالكسر حسنة، لمجيء السمع به وإن كان شاذا عن القياس. و " من " في قوله " من التعفف " لابتداء الغاية. وقيل لبيان الجنس. 
الثالثة : قوله تعالى :" تعرفهم بسيماهم " فيه دليل على أن للسيما أثرا في اعتبار من يظهر عليه ذلك، حتى إذا رأينا ميتا في دار الإسلام وعليه زنار[(٢)](#foonote-٢) وهو غير مختون لا يدفن في مقابر المسلمين، ويقدم ذلك على حكم الدار في قول أكثر العلماء، ومنه قوله تعالى :" ولتعرفنهم في لحن القول " [(٣)](#foonote-٣) \[ محمد : ٣٠ \]. فدلت الآية على جواز صرف الصدقة إلى من له ثياب وكسوة وزي[(٤)](#foonote-٤) في التجمل. واتفق العلماء على ذلك، وإن اختلفوا بعده في مقدار ما يأخذه إذا احتاج فأبو حنيفة اعتبر مقدار ما تجب فيه الزكاة، والشافعي اعتبر قوت سنة، ومالك اعتبر أربعين درهما، والشافعي لا يصرف الزكاة إلى المكتسب. 
والسيما ( مقصورة ) : العلامة، وقد تمد فيقال : السيماء. وقد اختلف العلماء في تعيينههنا، فقال مجاهد : هي الخشوع والتواضع. السدي : أثر الفاقة والحاجة في وجوههم وقلة النعمة. ابن زيد : رثاثة ثيابهم. وقال قوم وحكاه مكي : أثر السجود. ابن عطية : وهذا حسن، وذلك لأنهم كانوا متفرغين متوكلين لا شغل لهم في الأغلب إلا الصلاة، فكان أثر السجود عليهم. 
قلت : وهده السيما التي هي أثر السجود اشترك فيها جميع الصحابة رضوان الله عليهم بإخبار الله تعالى في آخر " الفتح " بقوله :" سيماهم في وجوههم من أثر السجود " [(٥)](#foonote-٥) \[ الفتح : ٢٩ \] فلا فرق بينهم وبين غيرهم، فلم يبق إلا أن تكون السيماء أثر الخصاصة والحاجة، أو يكون أثر السجود أكثر، فكانوا يعرفون بصفرة الوجوه من قيام الليل وصوم النهار. والله أعلم. وأما الخشوع فذلك محله القلب ويشترك فيه الغني والفقير، فلم يبق إلا ما اخترناه، والموفق الإله. 
الرابعة : قوله تعالى :" لا يسألون الناس إلحافا " مصدر في موضع الحال أي ملحفين يقال : ألحف وأحفى وألح في المسألة سواء ويقال :
وليس للمُلْحِف مثل الرد[(٦)](#foonote-٦)
واشتقاق الإلحاف من اللحاف، سمي بذلك لاشتماله على وجوه الطلب في المسألة كاشتمال اللحاف من التغطية، أي هذا السائل يعم الناس بسؤاله فيلحفهم ذلك، ومنه قول ابن أحمر :فظل يَحُفُّهُنَّ بِقَفْقَفَيْهِ[(٧)](#foonote-٧)  ويُلْحِفُهُنَّ هَفْهَافاً ثَخِينَايصف ذكر النعام يحضن بيضا بجناحيه ويجعل جناحه لها كاللحاف وهو رقيق مع ثخنه. وروى النسائي ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان إنما المسكين المتعفف اقرؤوا إن شئتم " لا يسألون الناس إلحافا ". 
الخامسة : واختلف العلماء في معنى قوله " لا يسألون الناس إلحافا " على قولين، فقال قوم منهم الطبري والزجاج : إن المعنى لا يسألون البتة، وهذا على أنهم متعففون عن المسألة عفة تامة، وعلى هذا جمهور المفسرين، يكون التعفف صفة ثابتة لهم، أي لا يسألون الناس إلحاحا ولا غير إلحاح. وقال قوم : إن المراد نفي الإلحاف، أي أنهم يسألون غير إلحاف، وهذا هو السابق للفهم، أي يسألون غير ملحفين. وفي هذا تنبيه على سوء حالة من يسأل الناس إلحافا. روى الأئمة واللفظ لمسلم عن معاوية بن أبي سفيان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا تلحفوا في المسألة فوالله لا يسألني أحد منكم شيئا فتخرج له مسألته مني شيئا وأنا له كاره فيبارك له فيما أعطيته ). وفي الموطأ " عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد أنه قال : نزلت أنا وأهلي ببقيع الغرقد[(٨)](#foonote-٨) فقال لي أهلي : اذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسأله لنا شيئاً نأكله، وجعلوا يذكرون من حاجتهم، فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدت عنده رجلا يسأله ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( لا أجد ما أعطيك ) فتولى الرجل عنه وهو مغضب وهو يقول : لعمري إنك لتعطي من شئت ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إنه يغضب علي ألا أجد ما أعطيه من سأل منكم وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا )[(٩)](#foonote-٩). قال الأسدي : فقلت لَلَقْحَةٌ لنا خير من أوقية - قال مالك : والأوقية أربعون درهما - قال : فرجعت ولم أسأله، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بشعير وزبيب[(١٠)](#foonote-١٠) فقسم لنا منه حتى أغنانا الله ". قال ابن عبدالبر : هكذا رواه مالك وتابعه هشام بن سعد وغيره، وهو حديث صحيح، وليس حكم الصحابي[(١١)](#foonote-١١) إذا لم يسم كحكم من دونه إذا لم يسم عند العلماء، لارتفاع الجُرْحة عن جميعهم وثبوت العدالة لهم. وهذا الحديث يدل على أن السؤال مكروه لمن له أوقية من فضة، فمن سأل وله هذا الحد والعدد والقدر من الفضة أو ما يقوم مقامها ويكون عدلا منها فهو ملحف، وما علمت أحدا من أهل العلم إلا وهو يكره السؤال لمن له هذا المقدار من الفضة أو عدلها من الذهب على ظاهر هذا الحديث. وما جاءه من غير مسألة فجائز له أن يأكله إن كان من غير الزكاة، وهذا مما لا أعلم فيه خلافا، فإن كان من الزكاة ففيه خلاف يأتي بيانه في آية الصدقات[(١٢)](#foonote-١٢) إن شاء الله تعالى. 
السادسة : قال ابن عبدالبر : من أحسن ما روي من أجوبة الفقهاء في معاني السؤال وكراهيته ومذهب أهل الورع فيه ما حكاه الأثرم عن أحمد بن حنبل وقد سئل عن المسألة متى تحل قال : إذا لم يكن ما يغذيه ويعشيه على حديث سهل بن الحنظلية. قيل لأبي عبدالله : فإن اضطر إلى المسألة ؟ قال : هي مباحة له إذا اضطر. قيل له : فإن تعفف ؟ قال : ذلك خير له. ثم قال : ما أظن أحدا يموت من الجوع ! الله يأتيه برزقه. ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدري ( من استعف أعفه الله ). وحديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال له :( تعفف ). قال أبو بكر : وسمعته يسأل عن الرجل لا يجد شيئا أيسأل الناس أم يأكل الميتة ؟ فقال : أيأكل الميتة وهو يجد من يسأله، هذا شنيع. قال : وسمعته يسأله هل يسأل الرجل لغيره ؟ قال : لا، ولكن يعرض، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم حين جاءه قوم حفاة عراة مجتابي[(١٣)](#foonote-١٣) النمار فقال :( تصدقوا ) ولم يقل أعطوهم. قال أبو عمر : قد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( اشفعوا تؤجروا ). وفيه إطلاق السؤال لغيره. والله أعلم. وقال :( ألا رجل يتصدق على هذا ) ؟ قال أبو بكر : قيل له - يعني أحمد بن حنبل - فالرجل يذكر الرجل فيقول : إنه محتاج ؟ فقال : هذا تعريض وليس به بأس، إنما المسألة أن يقول أعطه. ثم قال : لا يعجبني أن يسأل المرء لنفسه فكيف لغيره ؟ والتعريض هنا أحب إلي. قلت : قد روى أبو داود والنسائي وغيرهما أن الفراسي[(١٤)](#foonote-١٤) قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أسأل يا رسول الله ؟ قال :( لا وإن كنت سائلا لا بد فاسأل الصالحين ). فأباح صلى الله عليه وسلم سؤال أهل الفضل والصلاح عند الحاجة إلى ذلك، وإن أوقع حاجته بالله فهو أعلى. قال إبراهيم بن أدهم : سؤال الحاجات من الناس هي الحجاب بينك وبين الله تعالى، فأنزل حاجتك بمن يملك الضر والنفع، وليكن مفزعك إلى الله تعالى يكفيك الله ما سواه وتعيش مسرورا. 
السابعة : فإن جاءه شيء من غير سؤال فله أن يقبله ولا يرده، إذ هو رزق رزقه الله. روى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إلى عمر بن الخطاب بعطاء فرده، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لم رددته ) ؟ فقال : يا رسول الله، أليس أخبرتنا أن أحدنا خير له ألا يأخذ شيئا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إنما ذاك عن المسألة فأما ما كان من غير مسألة فإنما هو رزق رزقكه الله ). فقال عمر بن الخطاب : والذي نفسي بيده لا أسأل أحدا شيئا ولا يأتيني بشيء من غير مسألة إلا أخذته. وهذا نص. وخرج مسلم في صحيحه والنسائي في سننه وغيرهما عن اب١ - كذا في جـ. راجع الطبري، وباقي الأصول: فقلتهم..
٢ - الزنار (بضم الزاي وتشديد النون): ما يشده الذمي على وسطه..
٣ - راجع جـ١٦ ص ٢٥١..
٤ - في جـ: زين..
٥ - راجع جـ١٦ ص ٢٩٢..
٦ - هذا عجز بيت لبشار بن برد وصدره كما في ديوانه واللسان: 
 \*الحر يلحى والعصا للعبد\*.
٧ - قفقفا الطائر: جناحاه..
٨ - بقيع الغرقد: مقبرة مشهورة بالمدينة..
٩ - الحديث كما في الطبعة الهندية. وفي الأصول: فقد ألحف اللقحة (بفتح اللام وكسرها): الناقة ذات لبن القريبة العهد بالنتاج..
١٠ - في ب: وزيت..
١١ - في الأصول: "الصاحب"..
١٢ - راجع جـ٨ ص ١٦٧..
١٣ - اجتاب فلان ثوبا إذ لبسه. والنمار (بكسر النون جمع نمرة) وهي كل شملة مخططة من مآزر الأعراب، كأنها أخذت من لون النمر لما فيها من السواد والبياض. أراد أنه جاء قوم لابسي أزر مخططة من صوف (عن نهاية ابن الأثير)..
١٤ - هو من بني فراس بن مالك بن كنانة (عن الاستيعاب)..

### الآية 2:274

> ﻿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2:274]

**فيه مسألة واحدة :**
روي عن ابن عباس وأبي ذر وأبي أمامة وأبي الدرداء وعبدالله بن بشر الغافقي والأوزاعي أنها نزلت في علف الخيل المربوطة في سبيل الله. وذكر ابن سعد في الطبقات قال : أخبرت عن محمد بن شعيب بن شابور قال : أنبأنا سعيد بن سنان عن يزيد بن عبدالله بن عريب عن أبيه عن جده عريب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله تعالى :" الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون " قال :( هم أصحاب الخيل ). وبهذا الإسناد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( المنفق على الخيل كباسط يده بالصدقة لا يقبضها وأبوالها وأرواثها \[ عند الله \][(١)](#foonote-١) يوم القيامة كَذَكِيّ المسك ). وروي عن ابن عباس أنه قال : نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، كانت معه أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلاً وبدرهم نهاراً وبدرهم سراً وبدرهم جهراً، ذكره عبدالرزاق قال : أخبرنا عبدالوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس. ابن جريج : نزلت في رجل فعل ذلك، ولم يسم عليا ولا غيره. وقال قتادة. هذه الآية نزلت في المنفقين من غير تبذير ولا تقتير. ومعنى " بالليل والنهار " في الليل والنهار، ودخلت الفاء في قوله تعالى :" فلهم " لأن في الكلام معنى الجزاء. وقد تقدم. ولا يجوز زيد فمنطلق. 
١ - الزيادة عن كتاب الطبقات..

### الآية 2:275

> ﻿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [2:275]

الآيات الثلاث تضمنت أحكام الربا وجواز عقود المبايعات، والوعيد لمن استحل الربا وأصر على فعله، وفي ذلك ثمان وثلاثون مسألة :
الأولى : قوله تعالى :" الذين يأكلون الربا " ( يأكلون ) يأخذون، فعبر عن الأخذ بالأكل ؛ لأن الأخذ إنما يراد للأكل. والربا في اللغة الزيادة مطلقا، يقال : ربا الشيء يربو إذا زاد، ومنه الحديث :( فلا والله ما أخذنا من لقمة إلا ربا من تحتها ) يعني الطعام الذي دعا فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة، خرج الحديث مسلم رحمه الله. وقياس كتابته بالياء للكسرة[(١)](#foonote-١) في أوله، وقد كتبوه في القرآن بالواو. ثم إن الشرع قد تصرف في هذا الإطلاق فقصره على بعض موارده، فمرة أطلقه على كسب الحرام، كما قال الله تعالى في اليهود :" وأخذهم الربا وقد نهوا عنه " [(٢)](#foonote-٢) \[ النساء : ١٦١ \]. ولم يرد به الربا الشرعي الذي حكم بتحريمه علينا وإنما أراد المال الحرام، كما قال تعالى :" سماعون للكذب أكالون للسحت " [(٣)](#foonote-٣) \[ المائدة : ٤٢ \] يعني به المال الحرام من الرشا، وما استحلوه من أموال الأميين حيث قالوا :" ليس علينا في الأميين سبيل " [(٤)](#foonote-٤)\[ آل عمران : ٧٥ \]. وعلى هذا فيدخل فيه النهي عن كل مال حرام بأي وجه اكتسب. 
والربا الذي عليه عرف الشرع شيئان : تحريم النَّسَاء، والتفاضل في العقود[(٥)](#foonote-٥) وفي المطعومات على ما نبينه. وغالبه ما كانت العرب تفعله، من قولها للغريم : أتقضي أم تُرْبي ؟ فكان الغريم يزيد في عدد المال ويصبر الطالب عليه. وهذا كله محرم باتفاق الأمة. 
الثانية : أكثر البيوع الممنوعة إنما تجد منعها لمعنى زيادة إما في عين مال، وإما في منفعة لأحدهما من تأخير ونحوه. ومن البيوع ما ليس فيه معنى الزيادة، كبيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وكالبيع ساعة النداء يوم الجمعة، فإن قيل لفاعلها، آكل الربا فتجوز وتشبيه. 
الثالثة : روى الأئمة واللفظ لمسلم عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مِثْلا بِمثل يداً بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء ). وفي حديث عبادة بن الصامت :( فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد ). وروى أبو داود عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( الذهب بالذهب تِبْرُها وعينها، والفضة بالفضة تِبْرُها وعينها والبر بالبر، مُدْيٌ بمديٍ[(٦)](#foonote-٦) والشعير بالشعير مدي بمدي والتمر بالتمر مدي بمدي والملح بالملح مدي بمدي فمن زاد أو ازداد فقد أربى، ولا بأس يبيع الذهب بالفضة والفضة أكثرهما يداً بيد، وأما نسيئة فلا، ولا بأس ببيع البر بالشعير والشعير أكثرهما يداً بيد وأما نسيئة فلا ). 
وأجمع العلماء على القول بمقتضى هذه السنة وعليها جماعة فقهاء المسلمين إلا في البر والشعير فإن مالكا جعلهما صنفا واحدا، فلا يجوز منهما اثنان بواحد، وهو قول الليث والأوزاعي ومعظم علماء المدينة والشام، وأضاف مالك إليهما السلت[(٧)](#foonote-٧). وقال الليث : السلت والدخن والذرة صنف واحد، وقاله ابن وهب. 
قلت : وإذا ثبتت السنة فلا قول معها. وقال عليه السلام :( فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد ). وقوله :( البر بالبر والشعير بالشعير ) دليل على أنهما نوعان مختلفان كمخالفة البر للتمر، ولأن صفاتهما مختلفة وأسماؤهما مختلفة، ولا اعتبار بالمنبت والمحصد إذا لم يعتبره الشرع، بل فصل وبين، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة والثوري وأصحاب الحديث. 
الرابعة : كان معاوية بن أبي سفيان يذهب إلى أن النهي والتحريم إنما ورد من النبي صلى الله عليه وسلم في الدينار المضروب والدرهم المضروب لا في التبر من الذهب والفضة بالمضروب، ولا في المصوغ بالمضروب. وقد قيل إن ذلك إنما كان منه في المصوغ خاصة، حتى وقع له مع عبادة ما خرجه مسلم وغيره، قال : غزونا وعلى الناس معاوية فغنمنا غنائم كثيرة، فكان مما غنمنا آنية من فضة فأمر معاوية رجلا ببيعها في أعطيات الناس فتنازع الناس في ذلك فبلغ عبادة بن الصامت ذلك فقام فقال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين من زاد أو ازداد فقد أربى، فرد الناس ما أخذوا، فبلغ ذلك معاوية فقام خطيبا فقال : ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصة ثم قال : لنحدثن بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كره معاوية - أو قال وإن رغم - ما أبالي ألاَّ أصحبه في جنده في ليلة سوداء. قال حماد[(٨)](#foonote-٨) هذا أو نحوه. قال ابن عبد البر : وقد روي أن هذه القصة إنما كانت لأبي الدرداء مع معاوية. ويحتمل أن يكون وقع ذلك لهما معه، ولكن الحديث في العرف محفوظ لعُبادة، وهو الأصل الذي عول عليه العلماء في باب \[ الربا \]. ولم يختلفوا أن فعل معاوية في ذلك غير جائز، وغير نكير أن يكون معاوية خفي عليه ما قد علمه أبو الدرداء وعبادة فإنهما جليلان من فقهاء الصحابة وكبارهم، وقد خفي على أبي بكر وعمر ما وجد عند غيرهم ممن هو دونهم، فمعاوية أحرى. ويحتمل أن يكون مذهبه كمذهب ابن عباس، فقد كان وهو بحر في العلم لا يرى الدرهم بالدرهمين بأسا حتى صرفه عن ذلك أبو سعيد. وقصة معاوية هذه مع عبادة كانت في ولاية عمر. قال قبيصة بن ذؤيب : إن عبادة أنكر شيئا على معاوية فقال : لا أساكنك بأرض أنت بها ودخل المدينة. فقال له عمر : ما أقدمك ؟ فأخبره. فقال : ارجع إلى مكانك، فقبح الله أرضا لست فيها ولا أمثالك ! وكتب إلى معاوية " لا إمارة لك عليه ". 
الخامسة : روى الأئمة واللفظ للدارقطني عن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما من كانت له حاجة بورق فليصرفها بذهب، وإن كانت له حاجة بذهب فليصرفها بورق هاء وهاء )[(٩)](#foonote-٩). قال العلماء فقوله عليه السلام :( الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما ) إشارة إلى جنس الأصل المضروب، بدليل قوله :( الفضة بالفضة والذهب بالذهب ) الحديث. والفضة البيضاء والسوداء والذهب الأحمر والأصفر كل ذلك لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا مثلاً بمثل سواء بسواء على كل حال، على هذا جماعة أهل العلم على ما بينا. واختلفت الرواية عن مالك في الفلوس فألحقها بالدراهم من حيث كانت ثمنا للأشياء، ومنع من إلحاقها مرة من حيث إنها ليست ثمنا في كل بلد وإنما يختص بها بلد دون بلد. 
السادسة : لا اعتبار بما قد روي عن كثير من أصحاب مالك وبعضهم يرويه عن مالك في التاجر يحفزه الخروج وبه حاجة إلى دراهم مضروبة أو دنانير مضروبة، فيأتي دار الضرب بفضته أو ذهبه فيقول للضراب : خذ فضتي هذه أو ذهبي وخذ قدر عمل يدك، وادفع إلي دنانير مضروبة في ذهبي أو دراهم مضروبة في فضتي هذه لأني محفوز للخروج وأخاف أن يفوتني من أخرج معه، أن ذلك جائز للضرورة، وأنه قد عمل به بعض الناس. وحكاه ابن العربي في قبسه عن مالك في غير التاجر، وإن مالكا خفف في ذلك، فيكون في الصورة قد باع فضته التي زنتها مائة وخمسة دراهم أجره بمائة وهذا محض الربا. والذي أوجب جواز ذلك أنه لو قال له : اضرب لي هذه وقاطعه على ذلك بأجرة، فلما ضربها قبضها منه وأعطاه أجرتها، فالذي فعل مالك أولا هو الذي يكون آخرا، ومالك إنما نظر إلى المال فركب عليه حكم الحال، وأباه سائر الفقهاء. قال ابن العربي : والحجة فيه لمالك بينة. قال أبو عمر رحمه الله : وهذا هو عين الربا الذي حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله :( من زاد أو ازداد فقد أربى ). وقد رد ابن وهب هذه المسألة على مالك وأنكرها. وزعم الأبهري أن ذلك من باب الرفق لطلب التجارة ولئلا يفوت السوق، وليس الربا إلا على من أراد أن يربي ممن يقصد إلى ذلك ويبتغيه. ونسي الأبهري أصله في قطع الذرائع، وقوله فيمن باع ثوبا بنسيئة وهو لا نية له في شرائه ثم يجده في السوق يباع : إنه لا يجوز له ابتياعه منه بدون ما باعه به وإن لم يقصد إلى ذلك ولم يبتغه، ومثله كثير، ولو لم يكن الربا إلا على من قصده ما حرم إلا على الفقهاء. وقد قال عمر : لا يتجر في سوقنا إلا من فقه، وإلا أكل الربا. وهذا بين لمن رزق الإنصاف وألهم رشده. 
قلت : وقد بالغ مالك رحمه الله في منع الزيادة حتى جعل المتوهم كالمتحقق، فمنع دينارا ودرهما بدينار ودرهم سدا للذريعة وحسما للتوهمات ؛ إذ لولا توهم الزيادة لما تبادلا. وقد علل منع ذلك بتعذر المماثلة عند التوزيع، فإنه يلزم منه ذهب وفضة بذهب. وأوضح من هذا منعه التفاضل المعنوي، وذلك أنه منع دينارا من الذهب العالي ودينارا من الذهب الدون في مقابلة العالي وألغى الدون، وهذا من دقيق نظره رحمه الله، فدل أن تلك الرواية عنه منكرة ولا تصح. والله أعلم. 
السابعة : قال الخطابي : التبر قطع الذهب والفضة قبل أن تضرب وتطبع دراهم أو دنانير، واحدتها تبرة. والعين : المضروب من الدراهم أو الدنانير. وقد حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يباع مثقال ذهب عين بمثقال وشيء من تبر غير مضروب. وكذلك حرم التفاوت بين المضروب من الفضة وغير المضروب منها، وذلك معنى قوله :( تبرها وعينها سواء ). 
الثامنة : أجمع العلماء على أن التمر بالتمر ولا يجوز إلا مثلا بمثل. واختلفوا في بيع التمرة الواحدة بالتمرتين، والحبة الواحدة من القمح بحبتين، فمنعه الشافعي وأحمد وإسحاق والثوري، وهو قياس قول مالك وهو الصحيح ؛ لأن ما جرى الربا فيه بالتفاضل في كثيره دخل قليله في ذلك قياسا ونظرا. احتج من أجاز ذلك بأن مستهلك التمرة والتمرتين لا تجب عليه القيمة، قال : لأنه لا مكيل ولا موزون فجاز فيه التفاضل. 
التاسعة : اعلم رحمك الله أن مسائل هذا الباب كثيرة وفروعه منتشرة، والذي يربط لك ذلك أن تنظر إلى ما اعتبره كل واحد من العلماء في علة الربا، فقال أبو حنيفة : علة ذلك كونه مكيلا أو موزونا جنسا، فكل ما يدخله الكيل أو الوزن عنده من جنس واحد، فإن بيع بعضه ببعض متفاضلا أو نسيئا لا يجوز، فمنع بيع التراب بعضه ببعض متفاضلا ؛ لأنه يدخله الكيل، وأجاز الخبز قرصا بقرصين، لأنه لم يدخل عنده في الكيل الذي هو أصله، فخرج من الجنس الذي يدخله الربا إلى ما عداه. وقال الشافعي : العلة كونه مطعوما جنسا. هذا قوله في الجديد، فلا يجوز عنده بيع الدقيق بالخبز ولا بيع الخبر بالخبز متفاضلا ولا نسيئا، وسواء أكان الخبز خميرا أو فطيرا. ولا يجوز عنده بيضة ببيضتين، ولا رمانة برمانتين، ولا بطيخة ببطيختين لا يدا بيد ولا نسيئة ؛ لأن ذلك كله طعام مأكول. وقال في القديم : كونه مكيلا أو موزونا. 
واختلفت عبارات أصحابنا المالكية في ذلك، وأحسن ما في ذلك كونه مقتاتا مدخرا للعيش غالبا جنسا، كالحنطة والشعير والتمر والملح المنصوص عليها، وما في معناها كالأرز والذرة والدخن والسمسم، والقطاني كالفول والعدس واللوبياء والحم

١ - يريد الإمالة..
٢ - راجع جـ٦ ص ١٨٢. وص ٢٣٦..
٣ - راجع جـ٦ ص ١٨٢. وص ٢٣٦..
٤ - راجع جـ٤ ص ١١٥..
٥ - في حـ وهـ وجـ: النقود..
٦ - أي مكيال بمكيال. والمدى (بضم الميم وسكون الدال وبالياء). قال ابن الأعرابي: هو مكيال ضخم لأهل الشام وأهل مصر، والجمع أمداء. وقال ابن بري: المدى مكيال لأهل الشام يقال له الجريب يسع خمسة وأربعين رطلا. وهو غير المد (بالميم المضمومة والياء المشددة). قال الجوهري: المد مكيال وهو رطل وثلث عند أهل الحجاز والشافعي، ورطلان عند أهل العراق وأبي حنيفة..
٧ - السلت: ضرب من الشعير ليس له قشر..
٨ - هو حماد بن زيد أحد رجال هذا الحديث..
٩ - قال ابن الأثير: "هو أن يقول كل واحد من البيعين "ها" فيعطيه ما في يده، يعني مقايضة في المجلس، وقيل معناه: هاك وهات، أي خذ وأعط. قال الخطابي: أصحاب الحديث يروونه"ها وها" ساكنة الألف، والصواب مدها وفتحها؛ لأن أصلها هاك، أي خذ فحذفت الكاف وعوضت منها المدة والهمزة، يقال للواحد هاء وللاثنين هاؤما وللجمع هاؤم. وغير الخطابي يجيز فيها السكون على حذف العوض وتنزله منزلة "ها" التي للتنبيه. وفيها لغات أخرى"..

### الآية 2:276

> ﻿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [2:276]

السابعة والعشرون : قوله تعالى :" يمحق الله الربا " يعني في الدنيا أي يذهب بركته وإن كان كثيراً. روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( إن الربا وإن كثر فعاقبته إلى قل ). وقيل :" يمحق الله الربا " يعني في الآخرة. وعن ابن عباس في قوله تعالى :" يمحق الله الربا " قال : لا يقبل منه صدقة ولا حجاً ولا جهاداً ولا صلةً. والمحق : النقص والذهاب، ومنه محاق القمر وهو انتقاصه. " ويربي الصدقات " أي ينميها في الدنيا بالبركة ويكثر ثوابها بالتضعيف في الآخرة. وفي صحيح مسلم[(١)](#foonote-١) :( إن صدقة أحدكم لتقع في يد الله فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى يجيء يوم القيامة وإن اللقمة لعلى قدر أحد ). وقرأ ابن الزبير " يمحق " بضم الياء وكسر الحاء مشددة " يربي " بفتح الراء وتشديد الباء، ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك. 
الثامنة والعشرون : قوله تعالى :" والله لا يحب كل كفار أثيم " ووصف كفار بأثيم مبالغة، من حيث اختلف اللفظان. وقيل : لإزالة الاشتراك في كفار، إذ قد يقع على الزارع الذي يستر الحب في الأرض : قاله ابن فورك.

١ - كذا في جـ، وفي سائر الأصول: في صحيح الحديث..

### الآية 2:277

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [2:277]

وقد تقدم القول في قوله تعالى :" إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ". وخص الصلاة والزكاة بالذكر وقد تضمنها عمل الصالحات تشريفا لهما وتنبيها على قدرهما ؛ إذ هما رأس الأعمال الصلاة في أعمال البدن والزكاة في أعمال المال.

### الآية 2:278

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [2:278]

التاسعة والعشرون : قوله تعالى :" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا " ظاهره أنه أبطل من الربا ما لم يكن مقبوضا وإن كان معقودا قبل نزول آية التحريم، ولا يتعقب بالفسخ ما كان مقبوضا. وقد قيل : إن الآية نزلت بسبب ثقيف، وكانوا عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم على أن مالهم من الربا على الناس فهو لهم، وما للناس عليهم فهو موضوع عنهم، فلما أن جاءت آجال رباهم بعثوا إلى مكة للاقتضاء، وكانت الديون لبني عبدة وهم بنو عمرو بن عمير من ثقيف، وكانت على بني المغيرة المخزوميين. فقال بنو المغيرة : لا نعطي شيئا فإن الربا قد رفع ورفعوا أمرهم إلى عتاب بن أسيد، فكتب به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزلت الآية فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عتاب، فعلمت بها ثقيف فكفت. هذا سبب الآية على اختصار مجموع ما روى ابن إسحاق وابن جريج والسدي وغيرهم. والمعنى اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية بترككم ما بقي لكم من الربا وصفحكم عنه. 
الموفية ثلاثين : قوله تعالى :" إن كنتم مؤمنين " شرط محض في ثقيف على بابه ؛ لأنه كان في أول دخولهم في الإسلام. وإذا قدرنا الآية فيمن قد تقرر إيمانه فهو شرط مجازي على جهة المبالغة، كما تقول لمن تريد إقامة[(١)](#foonote-١) نفسه : إن كنت رجلاً فافعل كذا. وحكى النقاش عن مقاتل بن سليمان أنه قال : إن " إنْ " في هذه الآية بمعنى " إذ ". قال ابن عطية : وهذا مردود لا يعرف في اللغة. وقال ابن فورك : يحتمل أن يريد " يا أيها الذين آمنوا " بمن قبل محمد عليه السلام من الأنبياء " ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين " بمحمد صلى الله عليه وسلم إذ لا ينفع الأول إلا بهذا. وهذا مردود بما روي في سبب الآية.

١ - أي إثارة نفسه..

### الآية 2:279

> ﻿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ [2:279]

الحادية والثلاثون : قوله تعالى :" فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله " هذا وعيد إن لم يذروا الربا، والحرب داعية القتل. وروى ابن عباس أنه يقال يوم القيامة لآكل الربا : خذ سلاحك للحرب. وقال ابن عباس أيضا : من كان مقيماً على الربا لا ينزع عنه فحق على إمام المسلمين أن يستثيبه، فإن نزع وإلا ضرب عنقه. وقال قتادة : أوعد الله أهل الربا بالقتل فجعلهم بَهْرجاً[(١)](#foonote-١) أينما ثقفوا[(٢)](#foonote-٢). وقيل : المعنى إن لم تنتهوا فأنتم حرب لله ولرسوله، أي أعداء. وقال ابن خويز منداد : ولو أن أهل بلد اصطلحوا على الربا استحلالاً كانوا مرتدين، والحكم فيهم كالحكم في أهل الردة، وإن لم يكن ذلك منهم استحلالاً جاز للإمام محاربتهم، ألا ترى أن الله تعالى قد أذن في ذلك فقال :" فأذنوا بحرب من الله ورسوله " \[ البقرة : ٢٧٩ \]. وقرأ أبو بكر عن عاصم " فآذنوا " على معنى فأعلموا غيركم أنكم على حربهم. 
الثانية والثلاثون : ذكر ابن بكير قال : جاء رجل إلى مالك بن أنس فقال : يا أبا عبدالله، إني رأيت رجلاً سكراناً يتعاقر يريد أن يأخذ القمر، فقلت : امرأتي طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم أشر من الخمر. فقال : ارجع حتى أنظر في مسألتك. فأتاه من الغد فقال له : ارجع حتى أنظر في مسألتك فأتاه من الغد فقال له : امرأتك طالق، إني تصفحت كتاب الله وسنة نبيه فلم أر شيئا أشر[(٣)](#foonote-٣) من الربا ؛ لأن الله أذن فيه بالحرب. 
الثالثة والثلاثون : دلت هذه الآية على أن أكل الربا والعمل به من الكبائر، ولا خلاف في ذلك على ما نبينه. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( يأتي على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل الربا ومن لم يأكل الربا أصابه غباره ) وروى الدارقطني عن عبدالله بن حنظلة[(٤)](#foonote-٤) غسيل الملائكة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( لدرهم ربا أشد عند الله تعالى من ست وثلاثين زنية في الخطيئة ) وروي عنه عليه السلام أنه قال :( الربا تسعة وتسعون بابا أدناها كإتيان الرجل بأمه ) يعني الزنا بأمه. وقال ابن مسعود : آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده ملعون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم. وروى البخاري عن أبي جحيفة قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الدم[(٥)](#foonote-٥) وثمن الكلب وكسب البغي ولعن آكل الربا وموكله والواشمة والمستوشمة والمصور[(٦)](#foonote-٦). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( اجتنبوا السبع الموبقات. . . - وفيها - وآكل الربا ). وفي مصنف أبي داود عن ابن مسعود قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده. 
الرابعة والثلاثون : قوله تعالى :" وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم " الآية. روى أبو داود عن سليمان بن عمرو عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حجة الوداع :( ألا إن كل رباً من ربا الجاهلية موضوع لكم رؤوس أموالكم لا تَظْلِمون ولا تُظْلَمون ) وذكر الحديث. فردهم تعالى مع التوبة إلى رؤوس أموالهم وقال لهم :" لا تَظْلِمون " في أخذ الربا " ولا تُظْلَمون " في أن يتمسك بشيء من رؤوس أموالكم فتذهب أموالكم. ويحتمل أن يكون " لا تُظْلَمون " في مطل، لأن مطل الغني ظلم، فالمعنى أنه يكون القضاء مع وضع الربا، وهكذا سنة الصلح، وهذا أشبه شيء بالصلح. ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أشار إلى كعب بن مالك في دَيْن ابن أبي حدرد بوضع الشطر فقال كعب : نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للآخر :( قم فاقضه ). فتلقى العلماء أمره بالقضاء سنة في المصالحات. وسيأتي في " النساء " [(٧)](#foonote-٧) بيان الصلح وما يجوز منه وما لا يجوز، إن شاء الله تعالى. 
الخامسة والثلاثون : قوله تعالى :" وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم " تأكيد لإبطال ما لم يُقْبَض منه وأخذ رأس المال الذي لا ربا فيه. فاستدل بعض العلماء بذلك على أن كل ما طرأ على البيع قبل القبض مما يوجب تحريم العقد أبطل العقد، كما إذا اشترى مسلم صيدا ثم أحرم المشتري أو البائع قبل القبض بطل البيع ؛ لأنه طرأ عليه قبل القبض ما أوجب تحريم العقد، كما أبطل الله تعالى ما لم يقبض ؛ لأنه طرأ عليه ما أوجب تحريمه قبل القبض، ولو كان مقبوضا لم يؤثر. هذا مذهب أبي حنيفة، وهو قول لأصحاب الشافعي. ويستدل به على أن هلاك المبيع قبل القبض في يد البائع وسقوط القبض فيه يوجب بطلان العقد خلافا لبعض السلف، ويروى هذا الخلاف عن أحمد. وهذا إنما يتمشى على قول من يقول : إن العقد في الربا كان في الأصل منعقدا، وإنما بطل بالإسلام الطارئ قبل القبض. وأما من منع انعقاد الربا في الأصل لم يكن هذا الكلام صحيحا، وذلك أن الربا كان محرما في الأديان، والذي فعلوه في الجاهلية كان عادة المشركين، وأن ما قبضوه منه كان بمثابة أموال وصلت إليهم بالغصب[(٨)](#foonote-٨) والسلب فلا يتعرض له. فعلى هذا لا يصح الاستشهاد على ما ذكروه من المسائل. واشتمال شرائع الأنبياء قبلنا على تحريم الربا مشهور مذكور في كتاب الله تعالى، كما حكي عن اليهود في قوله تعالى " وأخذهم الربا وقد نهوا عنه " [(٩)](#foonote-٩) \[ النساء : ١٦١ \]. وذكر في قصة شعيب أن قومه أنكروا عليه وقالوا :
 " أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء " [(١٠)](#foonote-١٠) \[ هود : ٨٧ \] فعلى هذا لا يستقيم الاستدلال به. نعم، يفهم من هذا أن العقود الواقعة في دار الحرب إذا ظهر عليها الإمام لا يعترض عليها بالفسخ إن كانت معقودة على فساد. 
السادسة والثلاثون : ذهب بعض الغلاة من أرباب الورع إلى أن المال الحلال إذا خالطه حرام حتى لم يتميز، ثم أخرج منه مقدار الحرام المختلط به لم يحل ولم يطب ؛ لأنه يمكن أن يكون الذي أخرج هو الحلال والذي بقي هو الحرام. قال ابن العربي : وهذا غلو في الدين فإن كل ما لم يتميز فالمقصود منه ماليته لا عينه، ولو تلف لقام المثل مقامه والاختلاط إتلاف لتمييزه كما أن الإهلاك إتلاف لعينه والمثل قائم مقام الذاهب وهذا بين حسا بين معنى. والله أعلم. 
قلت : قال علماؤنا إن سبيل التوبة مما بيده من الأموال الحرام إن كانت من رباً فليردها على من أربى عليه، ويطلبه إن لم يكن حاضراً، فإن أيس من وجوده فليتصدق بذلك عنه. وإن أخذه بظلم فليفعل كذلك في أمر من ظلمه. فإن التبس عليه الأمر ولم يدرِ كَمْ الحرام من الحلال مما بيده، فإنه يتحرى قدر ما بيده مما يجب عليه رده، حتى لا يشك أن ما يبقى قد خلص له فيرده من ذلك الذي أزال عن يده إلى من عُرف ممن ظلمه أو أربى عليه. فإن أيس من وجوده تصدق به عنه. فإن أحاطت المظالم بذمته وعلم أنه وجب عليه من ذلك ما لا يطيق أداءه أبداً لكثرته فتوبته أن يزيل ما بيده أجمع إما إلى المساكين وإما إلى ما فيه صلاح المسلمين، حتى لا يبقى في يده إلا أقل ما يجزئه في الصلاة من اللباس وهو ما يستر العورة وهو من سرته إلى ركبتيه، وقوت يومه ؛ لأنه الذي يجب له أن يأخذه من مال غيره إذا اضطر إليه، وإن كره ذلك من يأخذه منه. وفارق ههنا المفلس في قول أكثر العلماء ؛ لأن المفلس لم يصر إليه أموال الناس باعتداء بل هم الذين صيروها إليه، فيترك له ما يواريه وما هو هيئة لباسه. وأبو عبيد وغيره يرى ألا يترك للمفلس من اللباس إلا أقل ما يجزئه في الصلاة وهو ما يواريه من سرته إلى ركبته، ثم كلما وقع بيد هذا شيء أخرجه عن يده ولم يمسك منه إلا ما ذكرنا، حتى يعلم هو ومن يعلم حاله أنه أدى ما عليه. 
السابعة والثلاثون : هذا الوعيد الذي وعد الله به في الربا من المحاربة، قد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله في المخابرة. وروى أبو داود قال : أخبرنا يحيى بن معين قال أخبرنا ابن رجاء[(١١)](#foonote-١١) قال ابن خيثم حدثني عن أبي الزبير عن جابر بن عبدالله قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( من لم يذر المخابرة فليؤذن بحرب من الله ورسوله ). وهذا دليل على منع المخابرة وهي أخذ الأرض بنصف أو ثلث أو ربع، ويسمى المزارعة. وأجمع أصحاب مالك كلهم والشافعي وأبو حنيفة وأتباعهم وداود، على أنه لا يجوز دفع الأرض على الثلث والربع، ولا على جزء مما تخرج ؛ لأنه مجهول، إلا أن الشافعي وأصحابه وأبا حنيفة قالوا بجواز كراء الأرض بالطعام إذا كان معلوماً، لقوله عليه السلام :( فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به ) خرجه مسلم. وإليه ذهب محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، ومنعه مالك وأصحابه، لما رواه مسلم أيضا عن رافع بن خديج قال :( كنا نحاقل بالأرض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنكريها بالثلث والربع والطعام المسمى، فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي فقال : نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان لنا نافعاً، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا، نهانا أن نحاقل بالأرض فنكتريها على الثلث والربع والطعام المسمى، وأمر رب الأرض أن يزرعها أو يزارعها[(١٢)](#foonote-١٢). وكره كراءها وما سوى ذلك ). قالوا : فلا يجوز كراء الأرض بشيء من الطعام مأكولا كان أو مشروبا على حال ؛ لأن ذلك في معنى بيع الطعام بالطعام نسيئا. وكذلك لا يجوز عندهم كراء الأرض بشيء مما يخرج منها وإن لم يكن طعاما مأكولا ولا مشروبا، سوى الخشب والقصب والحطب ؛ لأنه عندهم في معنى المزابنة[(١٣)](#foonote-١٣). هذا هو المحفوظ عن مالك وأصحابه. وقد ذكر ابن سحنون عن المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي المدني أنه قال : لا بأس بإكراء الأرض بطعام لا يخرج منها. وروى يحيى بن عمر عن المغيرة أن ذلك لا يجوز، كقول سائر أصحاب مالك. وذكر ابن حبيب أن ابن كنانة كان يقول : لا تكرى الأرض بشيء إذا أعيد فيها نبت، ولا بأس أن تكرى بما سوى ذلك من جميع الأشياء مما يؤكل ومما لا يؤكل خرج منها أو لم يخرج منها، وبه قال يحيى بن يحيى، وقال : إنه من قول مالك. قال : وكان ابن نافع يقول : لا بأس بأن تكرى الأرض بكل شيء من طعام وغيره خرج منها أو لم يخرج، ما عدا الحنطة وأخواتها فإنها المحاقلة[(١٤)](#foonote-١٤) المنهي عنها. وقال مالك في الموطأ : فأما الذي يعطي أرضه البيضاء بالثلث والربع مما يخرج منها فذلك مما يدخله الغَرَر ؛ لأن الزرع يقل مرة ويكثر أخرى، وربما هلك رأسا فيكون صاحب الأرض قد ترك كراء معلوما، وإنما مثل ذلك مثل رجل استأجر أجيرا لسفر بشيء معلوم، ثم قال الذي استأجر للأجير : هل لك أن أعطيك عشر ما أربح في سفري[(١٥)](#foonote-١٥) هذا إجارة لك. فهذا لا يحل ولا ينبغي. قال مالك : ولا ينبغي لرجل أن يؤاجر نفسه ولا أرضه ولا سفينته ولا دابته إلا بشيء معلوم لا يزول. وبه يقول الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما. وقال أحمد بن حنبل والليث والثوري والأوزاعي والحسن بن حي وأبو يوسف ومحمد : لا بأس أن يعطي الرجل أرضه على جزء مما تخرجه نحو الثلث والربع، وهو قول ابن عمر وطاوس. واحتجوا بقصة خيبر وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل أهلها على شطر ما تخرجه أرضهم وثمارهم. قال أحمد : حديث رافع بن خديج في النهي عن كراء المزارع مضطرب الألفاظ ولا يصح، والقول بقصة خيبر أولى وهو حديث صحيح. وقد أجاز طائفة من التابعين ومن بعدهم أن يعطى الرجل سفينته ودابته، كما يعطى أرضه بجزء مما يرزقه الله في العلاج بها. وجعلوا أصلهم في ذلك القراض[(١٦)](#foonote-١٦) المجمع عليه على ما يأتي بيانه في " المزمل " إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى :" وآخرون

١ - البهرج: الشيء المباح..
٢ - ثقفه: أخذه أو ظفر به أو صادفه..
٣ - في جـ و هـ وب: أشد..
٤ - في الاستيعاب: أن حنظلة الغسيل قتل يوم أحد شهيدا قتله أبو سفيان. كان قد ألم بأهله في حين خروجه إلى أحد ثم هجم عليه من الخروج في النفير ما أنساه الغسل وأعجله عنه، فلما قتل شهيدا أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الملائكة غسلته..
٥ - أي أجرة الحجامة، وأطلق عليه الثمن تجوزا..
٦ - اعتمدنا الحديث كما في صحيح البخاري راجع العسقلاني جـ١٠ ص ٣٣٠..
٧ - راجع جـ٥ ص ٣٨٥، ٤٠٥..
٨ - في أ: بالهبة فلا يتعرض له، فلا معنى له، وإنما لا يتعرض له؛ لأن الإسلام يجب ما قبله، وفي جـ: بالنهب..
٩ - راجع جـ٦ ص ١٢..
١٠ - راجع جـ٩ ص ٨٦ و ٨٧..
١١ - كذا في جـ، هـ. وهو الصواب كما في سنن أبو داود، وفي ا، ب، جـ: أبو رجاء..
١٢ - كذا في ا: وهو ما نهى عنه، والذي في ب، جـ، حـ، هـ: يزرعها أو يُزرعها. أي أمكن غيره من زرعها وهذا في معنى الحديث "من كانت له فليزرعها أو ليمنحها أخاه".
١٣ - المزابنة: كل شيء من الجزاف الذي لا يعلم كيله ولا وزنه ولا عدده يتبع بشيء مسمى من الكيل أو الوزن أو العدد. وذلك أن يقول الرجل للرجل يكون له الطعام المصير الذي لا يعلم كيله من الحنطة أو التمر أو ما أشبه ذلك من الأطعمة. أو يكون للرجل السلعة من الخبط أو النوى أو القضب أو العصفر أو الكرسف أو الكتان أو ما أشبه ذلك من السلع لا يعلم كيل شيء، من ذلك لا وزنه ولا عدده، فيقول الرجل لرب تلك السلعة: كِل سلعتك هذه أو مر من يكيلها أو زن من ذلك بوزن أو اعدد منها ما كان يعد فما نقص عن كيل كذا وكذا صاعا، لتسمية يسميها. أو وزن كذا وكذا رطلا أو عدد كذا وكذا فما ينقص من ذلك فعلى غرمه حتى أوفيك تلك التسمية، وما زاد على تلك التسمية فهو لي أضمن ما نقص من ذلك، على أن يكون لي ما زاد، وليس ذلك بيعا ولكنه المخاطرة، والغرر والقمار يدخل هذا. وقيل: المزابنة اسم لبيع التمر بالتمر كيلا، ورطب كل جنس بيابسه، ومجهول منه بمعلوم (عن الموطأ)..
١٤ - المحاقلة: بيع الزراع قبل بدو صلاحه. وقيل: بيع الزرع في سنبله بالحنطة. وقيل: المزارعة على نصيب معلوم بالثلث أو الربع أو أقل من ذلك أو أكثر. وقيل اكتراء الأرض بالحنطة..
١٥ - في جـ: سفرك..
١٦ - القراض (بكسر القاف) عند المالكية هو ما يسمى بالمضاربة عند الحنفية، وهو إعطاء المقارض (بكسر الراء وهو رب المال) المقارض (بفتح الراء وهو العمل) مالا ليتجر به على أن يكون له جزء معلوم من الربح..

### الآية 2:280

> ﻿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [2:280]

**فيه تسع مسائل :**
الأولى : قوله تعالى :" وإن كان ذو عسرة " لما حكم جل وعز لأرباب الربا برؤوس أموالهم عند الواجدين للمال، حكم في ذي العسرة بالنظرة إلى حال الميسرة، ؛ وذلك أن ثقيفا لما طلبوا أموالهم التي لهم على بني المغيرة شكوا العسرة - يعني بني المغيرة - وقالوا : ليس لنا شيء، وطلبوا الأجل إلى وقت ثمارهم، فنزلت هذه الآية " وإن كان ذو عسرة ". 
الثانية : قوله تعالى :" وإن كان ذو عسرة " مع قوله " وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم " \[ البقرة : ٢٧٩ \] يدل على ثبوت المطالبة لصاحب الدين على المدين وجواز أخذ ماله بغير رضاه. ويدل على أن الغريم متى امتنع من أداء الدين مع الإمكان كان ظالماً، فإن الله تعالى يقول :" فلكم رؤوس أموالكم " فجعل له المطالبة برأس ماله. فإذا كان له حق المطالبة فعلى من عليه الدين لا محالة وجوب قضائه. 
الثالثة : قال المهدوي وقال بعض العلماء : هذه الآية ناسخة لما كان في الجاهلية من بيع مَنْ أعسر. وحكى مكي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به في صدر الإسلام. قال ابن عطية : فإن ثبت فعل النبي صلى الله عليه وسلم فهو نسخ وإلا فليس بنسخ. قال الطحاوي : كان الحر يباع في الدين أول الإسلام إذا لم يكن له مال يقضيه عن نفسه حتى نسخ الله ذلك فقال جل وعز :" وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ". واحتجوا بحديث رواه الدارقطني من حديث مسلم بن خالد الزنجي أخبرنا زيد بن أسلم عن ابن البيلماني[(١)](#foonote-١) عن سرق قال : كان لرجل علي مال - أو قال دين - فذهب بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يصب لي مالاً فباعني منه، أو باعني له. أخرجه البزار بهذا الإسناد أطول منه. ومسلم بن خالد الزنجي وعبد الرحمن بن البيلماني لا يحتج بهما. وقال جماعة من أهل العلم : قوله تعالى :" فنظرة إلى ميسرة " عامة في جميع الناس، فكل من أعسر أنظر، وهذا قول أبي هريرة والحسن وعامة الفقهاء. قال النحاس : وأحسن ما قيل في هذه الآية قول عطاء والضحاك والربيع بن خيثم. قال : هي لكل معسر ينظر في الربا والدين كله. فهذا قول يجمع الأقوال ؛ لأنه يجوز أن تكون ناسخة عامة نزلت في الربا ثم صار حكم غيره كحكمه. ولأن القراءة بالرفع بمعنىً وإن وقع ذو عسرة من الناس أجمعين. ولو كان في الربا خاصة لكان النصب الوجه، بمعنى وإن كان الذي عليه الربا ذا عسرة. وقال ابن عباس وشريح : ذلك في الربا خاصة، فأما الديون وسائر المعاملات فليس فيها نظرة بل يؤدي إلى أهلها أو يحبس فيه حتى يوفيه، وهو قول إبراهيم. واحتجوا بقول الله تعالى :" إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها " [(٢)](#foonote-٢) \[ النساء : ٥٨ \] الآية. قال ابن عطية : فكان هذا القول يترتب إذا لم يكن فقر مدقع، وأما مع العدم والفقر الصريح فالحكم هو النظرة ضرورة. 
الرابعة : من كثرت ديونه وطلب غرماؤه مالهم فللحاكم أن يخلعه عن كل ماله ويترك له ما كان من ضرورته. روى ابن نافع عن مالك أنه لا يترك له إلا ما يواريه. والمشهور أنه يترك له كسوته المعتادة ما لم يكن فيها فضل، ولا ينزع منه رداؤه إن كان ذلك مزرياً به. وفي ترك كسوة زوجته وفي بيع كتبه إن كان عالما خلاف. ولا يترك له مسكن ولا خادم ولا ثوب جمعة ما لم تقل قيمتها، وعند هذا يحرم حبسه. والأصل في هذا قوله تعالى :" وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ". روى الأئمة واللفظ لمسلم عن أبي سعيد الخدري قال : أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( تصدقوا عليه ) فتصدق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لغرمائه :( خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك ). وفي مصنف أبى داود : فلم يزد رسول الله صلى الله عليه وسلم غرماءه على أن خلع لهم ماله. وهذا نص، فلم يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحبس الرجل، وهو معاذ بن جبل كما قال شريح، ولا بملازمته، خلافا لأبي حنيفة فإنه قال : يلازم لإمكان أن يظهر له مال، ولا يكلف أن يكتسب لما ذكرنا. وبالله توفيقنا. 
الخامسة : ويحبس المفلس في قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم حتى يتبين عدمه. ولا يحبس عند مالك إن لم يتهم أنه غيب ماله ولم يتبين لدده. وكذلك لا يحبس إن صح عسره على ما ذكرنا. 
السادسة : فإن جمع مال المفلس ثم تلف قبل وصوله إلى أربابه وقبل البيع، فعلى المفلس ضمانه، ودين الغرماء ثابت في ذمته. فإن باع الحاكم ماله وقبض ثمنه ثم تلف الثمن قبل قبض الغرماء له، كان عليهم ضمانه وقد برئ المفلس منه. وقال محمد بن عبد الحكم : ضمانه من المفلس أبدا حتى يصل إلى الغرماء. 
السابعة : العسرة ضيق الحال من جهة عدم المال، ومنه جيش العسرة. والنظرة التأخير. والميسرة مصدر بمعنى اليسر. وارتفع " ذو " بكان التامة التي بمعنى وجد وحدث، هذا قول سيبويه وأبى علي وغيرهما. وأنشد سيبويه :فدىً لبني ذُهل بن شيبان ناقتي  إذا كان يومٌ ذو كواكبَ أَشْهَبُ[(٣)](#foonote-٣)ويجوز النصب. وفي مصحف أبي بن كعب " وإن كان ذا عسرة " على معنى وإن كان المطلوب ذا عسرة. وقرأ الأعمش " وإن كان معسراً فنظرة ". قال أبو عمرو الداني عن أحمد بن موسى : وكذلك في مصحف أبي بن كعب. قال النحاس ومكي والنقاش : وعلى هذا يختص لفظ الآية بأهل الربا، وعلى من قرأ " ذو " فهي عامة في جميع من عليه دين، وقد تقدم. وحكى المهدوي أن في مصحف عثمان " فإن كان - بالفاء - ذو عسرة ". وروى المعتمر عن حجاج الوراق قال : في مصحف عثمان " وإن كان ذا عسرة " ذكره النحاس. وقراءة الجماعة " نظرة " بكسر الظاء. وقرأ مجاهد وأبو رجاء والحسن " فنظرة " بسكون الظاء، وهي لغة تميمية وهم الذين يقولون : في[(٤)](#foonote-٤) كَرْم زيد بمعنى كَرَم زيد، ويقولون كبْد في كبِد. وقرأ نافع وحده " ميسرة " بضم السين، والجمهور بفتحها. وحكى النحاس عن مجاهد وعطاء " فنَاظِرْهُ - على الأمر - إلى مَيْسُرِهِي " بضم السين وكسر الراء وإثبات الياء في الإدراج. وقرئ " فناظرة " قال أبو حاتم لا يجوز فناظرة، إنما ذلك في " النمل " [(٥)](#foonote-٥) لأنها امرأة تكلمت بهذا لنفسها، من نظرت تنظر فهي ناظرة، وما في " البقرة " فمن التأخير، من قولك : أنظرتك بالديْن، أي أخرتك به. ومنه قوله :" أنظرني إلى يوم يبعثون " [(٦)](#foonote-٦) \[ الأعراف : ١٤ \] وأجاز ذلك أبو إسحاق الزجاج وقال : هي من أسماء المصادر، كقوله تعالى :" ليس لوقعتها كاذبة " [(٧)](#foonote-٧) \[ الواقعة : ٢ \]. وكقوله تعالى :" تظن أن يفعل بها فاقرة " [(٨)](#foonote-٨) \[ القيامة : ٢٥ \] وك " خائنة الأعين " [(٩)](#foonote-٩) \[ المؤمن : ١٩ \] وغيره. 
الثامنة : قوله تعالى :" وأن تصدقوا " [(١٠)](#foonote-١٠) ابتداء، وخبره " خير ". ندب الله تعالى بهذه الألفاظ إلى الصدقة على المعسر وجعل ذلك خيرا من إنظاره، قاله السدي وابن زيد والضحاك. وقال الطبري : وقال آخرون : معنى الآية وأن تصدقوا على الغني والفقير خير لكم. والصحيح الأول، وليس في الآية مدخل للغني. 
التاسعة : روى أبو جعفر الطحاوي عن بريدة بن الخصيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من أنظر معسرا كان له بكل يوم صدقة ) ثم قلت : بكل يوم مثله صدقة، قال فقال :( بكل يوم صدقة ما لم يحل الدين فإذا أنظره بعد الحل فله بكل يوم مثله صدقة ). وروى مسلم عن أبي مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان يخالط الناس وكان موسرا فكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر قال : قال الله عز وجل نحن أحق بذلك منه تجاوزوا عنه ). وروي عن أبي قتادة أنه طلب غريما له فتوارى عنه ثم وجده فقال : إني معسر. فقال : آللهِ ؟ قال : أللهِ[(١١)](#foonote-١١). قال : فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه )، وفي حديث أبي اليسر الطويل[(١٢)](#foonote-١٢) - واسمه كعب بن عمرو - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله ). ففي هذه الأحاديث من الترغيب ما هو منصوص فيها. وحديث أبي قتادة يدل على أن رب الدين إذا علم عسرة غريمه[(١٣)](#foonote-١٣) أو ظنها حرمت عليه مطالبته، وإن لم تثبت عسرته عند الحاكم. وإنظار المعسر تأخيره إلى أن يوسر. والوضع عنه إسقاط الدين عن ذمته. وقد جمع المعنيين أبو اليسر لغريمه حيث محا عنه الصحيفة وقال له : إن وجدت قضاء فاقض وإلا فأنت في حل[(١٤)](#foonote-١٤). 
١ - في الأصول إلا نسخة: ب: "عن ابن السلماني" وهو تحريف. راجع تهذيب التهذيب..
٢ -راجع جـ٥ ص ٢٥٥..
٣ - البيت لمقاس العائذي، اسمه مسهر بن النعمان. أراد: وقع يوم أو حضر يوم ونحو ذلك مما يقتصر فيه على الفاعل. وأراد باليوم يوما من أيام الحرب، وصفه بالشدة فجعله كالليل تبدو فيه الكواكب، ونسبه إلى الشهبة إما لكثرة السلاح الصقيل فيه، وإما لكثرة النجوم. وذهل بن شيبان من بني بكر بن وائل، وكان مقاس نازلا فيهم، وأصله من قريش من عائذة وهم حي منهم. (عن شرح الشواهد للشنتمرى)..
٤ - عن ب..
٥ - راجع جـ١٣ ص ١٩٦..
٦ - جـ ١٠ ص ٢٧..
٧ - جـ ١٧ ص ١٩٤..
٨ - جـ ١٩ ص ١٠٨..
٩ - جـ ١٥ ص ٣٠٣..
١٠ - قراءة نافع الإدغام..
١١ - قوله: "قال آلله قال ألله" قال النووي: "الأول بهمزة ممدودة على الاستفهام، والثاني بلا مد، والهاء فيهما مكسورة. قال القاضي: ورويناه بفتحهما معا وأكثر أهل العربية لا يجيزون الكسر"..
١٢ - الطويل: صفة للحديث..
١٣ - زيادة في هـ و جـ و ب وط..
١٤ - راجع صحيح مسلم جـ٢ ص ٣٩٤. طبعة بولاق..

### الآية 2:281

> ﻿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [2:281]

قيل : إن هذه الآية نزلت قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بتسع ليال ثم لم ينزل بعدها شيء، قاله ابن جريج. وقال ابن جبير ومقاتل : بسبع ليال. وروي بثلاث ليال. وروي أنها نزلت قبل موته بثلاث ساعات، وأنه عليه السلام قال :( اجعلوها بين آية الربا وآية الدين ). وحكى مكي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( جاءني جبريل فقال : اجعلها على رأس مائتين وثمانين آية ). 
قلت : وحكي عن أبي كعب وابن عباس وقتادة أن آخر ما نزل :" لقد جاءكم رسول من أنفسكم " \[ التوبة : ١٢٨ \] إلى آخر الآية[(١)](#foonote-١). والقول الأول أعرف وأكثر وأصح وأشهر. ورواه أبو صالح عن ابن عباس قال : آخر ما نزل من القرآن " واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون " فقال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم ( يا محمد ضعها على رأس ثمانين ومائتين من البقرة ). ذكره أبو بكر الأنباري في " كتاب الرد " له، وهو قول ابن عمر رضي الله عنه أنها آخر ما نزل، وأنه عليه السلام عاش بعدها أحدا وعشرين يوما، على ما يأتي بيانه في آخر سورة " إذا جاء نصر الله والفتح " [(٢)](#foonote-٢) \[ النصر : ١ \] إن شاء تعالى. والآية وعظ لجميع الناس وأمر يخص كل إنسان. و " يوما " منصوب على المفعول لا على الظرف. " ترجعون فيه إلى الله " من نعته. وقرأ أبو عمرو بفتح التاء وكسر الجيم، مثل " إن إلينا إيابهم " [(٣)](#foonote-٣) \[ الغاشية : ٢٥ \] واعتبارا بقراءة أبي " يوما تصيرون فيه إلى الله ". والباقون بضم التاء وفتح الجيم، مثل " ثم ردوا إلى الله " [(٤)](#foonote-٤) \[ الأنعام : ٦٢ \]. " ولئن رددت إلى ربي " [(٥)](#foonote-٥) \[ الكهف : ٣٦ \] واعتبارا بقراءة عبد الله " يوما تردون فيه إلى الله " وقرأ الحسن " يرجعون " بالياء، على معنى يرجع جميع الناس. قال ابن جني : كأن الله تعالى رفق بالمؤمنين على أن يواجههم بذكر الرجعة، إذ هي مما ينفطر لها القلوب فقال لهم :" واتقوا يوما " ثم رجع في ذكر الرجعة إلى الغيبة رفقا بهم. وجمهور العلماء على أن هذا اليوم المحذر منه هو يوم القيامة والحساب والتوفية. وقال قوم : هو يوم الموت. قال ابن عطية : والأول أصح بحكم الألفاظ في الآية. وفي قوله " إلى الله " مضاف محذوف، تقديره إلى حكم الله وفصل قضائه. " وهم " رد على معنى " كل " لا على اللفظ، إلا على قراءة الحسن " يرجعون " فقوله " وهم " رد على ضمير الجماعة في " يرجعون ". وفي هذه الآية نص على أن الثواب والعقاب متعلق بكسب الأعمال، وهو رد على الجبرية، وقد تقدم.

١ - راجع جـ٨ ص ٣٠١..
٢ - راجع جـ٢٠ ص ٢٢٩..
٣ - راجع جـ٢٠ ص ٣٧..
٤ - راجع جـ٧ ص ٦..
٥ - راجع جـ١٠ ص ٤٠٤..

### الآية 2:282

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ۚ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ۖ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ۚ وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا ۖ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [2:282]

**فيه اثنتان وخمسون مسألة :**
الأولى : قوله تعالى :" يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم " الآية. قال سعيد بن المسيب[(١)](#foonote-١) : بلغني أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين. وقال ابن عباس : هذه الآية نزلت في السلم خاصة. معناه أن سلم أهل المدينة كان سبب الآية، ثم هي تتناول جميع المداينات إجماعا. وقال ابن خويز منداد : إنها تضمنت ثلاثين حكما. وقد استدل بها بعض علمائنا على جواز التأجيل في القروض، على ما قال مالك، إذ لم يفصل بين القرض وسائر العقود في المداينات. وخالف في ذلك الشافعية وقالوا : الآية ليس فيها جواز التأجيل في سائر الديون، وإنما فيها الأمر بالإشهاد إذا كان دَيْناً مؤجلا، ثم يعلم بدلالة أخرى جواز التأجيل في الدين وامتناعه. 
الثانية : قوله تعالى :" بدين " تأكيد مثل قوله " ولا طائر يطير بجناحيه " [(٢)](#foonote-٢) \[ الأنعام : ٣٨ \]. " فسجد الملائكة كلهم أجمعون " [(٣)](#foonote-٣) \[ الحجر : ٣٠ \]. وحقيقة الدين : عبارة عن كل معاملة كان أحد العوضين فيها نقدا والآخر في الذمة نسيئة، فإن العين عند العرب ما كان حاضرا، والدين ما كان غائبا، قال الشاعر :وَعَدْتَنَا بدرهَمَيْنَا طِلاَءً  وشِواءً مُعَجَّلا غير دَيْنِ**وقال آخر :**لترم بي المَنايا حيث شاءت  إذا لم تَرْمِ بي في الحُفْرَتَيْنِإذا ما أوقدوا حطبا ونارا  فذاك الموتُ نقداً غيرَ دَيْنِوقد بين الله تعالى هذا المعنى بقوله الحق " إلى أجل مسمى ". 
الثالثة : قوله تعالى :" إلى أجل مسمى " قال ابن المنذر : دل قول الله " إلى أجل مسمى " على أن السلم إلى الأجل المجهول غير جائز، ودلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على مثل معنى كتاب الله تعالى. 
ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهم يستلفون في الثمار السنتين والثلاث، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم ) رواه ابن عباس. أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما. وقال ابن عمر : كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حَبَل الحَبَلة. وحبل الحبلة : أن تنتج الناقة ثم تحمل التي نتجت. فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم الجائز أن يسلم الرجل إلى صاحبه في طعام معلوم موصوف، من طعام أرض عامة لا يخطئ مثلها. بكيل معلوم، إلى أجل معلوم بدنانير أو دراهم معلومة، يدفع ممن ما أسلم فيه قبل أن يفترقا من مقامهما الذي تبايعا فيه، وسميا المكان الذي يقبض فيه الطعام. فإذا فعلا ذلك وكان جائز الأمر كان سلما صحيحا لا أعلم أحدا من أهل العلم يبطله. 
قلت : وقال علماؤنا : إن السلم إلى الحصاد والجذاذ والنيروز والمهرجان جائز، إذ ذاك يختص بوقت وزمن معلوم. 
الرابعة : حدّ علماؤنا رحمة الله عليهم السلم فقالوا : هو بيع معلوم في الذمة محصور بالصفة بعين حاضرة أو ما هو في حكمها إلى أجل معلوم. فتقييده بمعلوم في الذمة يفيد التحرز من المجهول، ومن السلم في الأعيان المعينة، مثل الذي كانوا يستلفون في المدينة حين قدم عليهم النبي عليه السلام فإنهم كانوا يستلفون في ثمار نخيل بأعيانها، فنهاهم عن ذلك لما فيه من الغرر، إذ قد تخلف تلك الأشجار فلا تثمر شيئا. 
وقولهم \[ محصور بالصفة \] تحرز عن المعلوم على الجملة دون التفصيل، كما لو أسلم في تمر أو ثياب أو حيتان ولم يبين نوعها ولا صفتها المعينة. وقولهم \[ بعين حاضرة \] تحرز من الدين بالدين. وقولهم \[ أو ما هو في حكمها \] تحرز من اليومين والثلاثة التي يجوز تأخير رأس مال السلم إليه، فإنه يجوز تأخيره عندنا ذلك القدر، بشرط وبغير شرط لقرب ذلك، ولا يجوز اشتراطه عليها. ولم يجز الشافعي ولا الكوفي تأخير رأس مال السلم عن العقد والافتراق، ورأوا أنه كالصرف. ودليلنا أن البابين مختلفان بأخص أوصافهما، فإن الصرف بابه ضيق كثرت فيه الشروط بخلاف السلم فإن شوائب المعاملات عليه أكثر. والله أعلم. 
وقولهم إلى أجل معلوم تحرز من السلم الحال فإنه لا يجوز على المشهور وسيأتي. ووصف الأجل بالمعلوم تحرز من الأجل المجهول الذي كانوا في الجاهلية يسلمون إليه. 
الخامسة : السلم والسلف عبارتان عن معنى واحد وقد جاءا في الحديث، غير أن الاسم الخاص بهذا الباب \[ السَّلم \] ؛ لأن السلف يقال على القرض. والسلم بيع من البيوع الجائزة بالاتفاق، مستثنى من نهيه عليه السلام عن بيع ما ليس عندك. وأرخص في السلم ؛ لأن السلم لما كان بيع معلوم في الذمة كان بيع غائب تدعو إليه ضرورة كل واحد من المتابعين، فإن صاحب رأس المال محتاج إلى أن يشتري الثمرة، وصاحب الثمرة محتاج إلى ثمنها قبل إبانها لينفقه عليها، فظهر أن بيع السلم من المصالح الحاجية، وقد سماه الفقهاء بيع المحاويج، فإن جاز حالا بطلت هذه الحكمة وارتفعت هذه المصلحة، ولم يكن لاستثنائه من بيع ما ليس عندك فائدة. والله أعلم. 
السادسة : في شروط السلم المتفق عليها والمختلف فيها وهي تسعة : ستة في المُسْلَم فيه، وثلاثة في رأس مال السلم. أما الستة التي في المسلم فيه : فأن يكون في الذمة، وأن يكون موصوفا، وأن يكون مقدرا، وأن يكون مؤجلا، وأن يكون الأجل معلوما، وأن يكون موجودا عند محل الأجل. وأما الثلاثة التي في رأس مال السلم : فأن يكون معلوم الجنس، مقدرا، نقدا. وهذه الشروط الثلاثة التي في رأس المال متفق عليها إلا النقد حسب ما تقدم. قال ابن العربي : وأما الشرط الأول وهو أن يكون في الذمة فلا إشكال في أن المقصود منه كونه في الذمة ؛ لأنه مداينة، ولولا ذلك لم يشرع دينا ولا قصد الناس إليه ربحا ورفقا. وعلى ذلك القول اتفق الناس. بيد أن مالكا قال : لا يجوز السلم في المعين[(٤)](#foonote-٤) إلا بشرطين : أحدهما أن يكون قرية مأمونة، والثاني أن يشرع في أخذه كاللبن من الشاة والرطب من النخلة، ولم يقل ذلك أحد سواه. وهاتان المسألتان صحيحتان في الدليل ؛ لأن التعيين امتنع في السلم مخافة المزابنة والغرر ؛ لئلا يتعذر عند المحل. وإذا كان الموضع مأمونا لا يتعذر وجود ما فيه في الغالب جاز ذلك، إذ لا يتيقن ضمان العواقب على القطع في مسائل الفقه، ولا بد من احتمال الغرر اليسير، وذلك كثير في مسائل الفروع، تعدادها في كتب المسائل. وأما السلم في اللبن والرطب مع الشروع في أخذه فهي مسألة مدنية اجتمع عليها أهل المدينة، وهي مبنية على قاعدة المصلحة ؛ لأن المرء يحتاج إلى أخذ اللبن والرطب مياومة ويشق أن يأخذ كل يوم ابتداء ؛ لأن النقد قد لا يحضره، ولأن السعر قد يختلف عليه، وصاحب النخل واللبن محتاج إلى النقد ؛ لأن الذي عنده عروض لا يتصرف له. فلما اشتركا في الحاجة رخص لهما في هذه المعاملة قياسا على العرايا وغيرها من أصول الحاجات والمصالح. وأما الشرط الثاني وهو : أن يكون موصوفا فمتفق عليه، وكذلك الشرط الثالث. والتقدير يكون من ثلاثة أوجه : الكيل، والوزن، والعدد، وذلك ينبني على العرف، وهو إما عرف الناس وإما عرف الشرع. 
وأما الشرط الرابع وهو : أن يكون مؤجلا فاختلف فيه، فقال الشافعي : يجوز السلم الحال، ومنعه الأكثر من العلماء. قال ابن العربي : واضطربت المالكية في تقدير الأجل حتى ردوه إلى يوم، حتى قال بعض علمائنا : السلم الحال جائز. والصحيح أنه لا بد من الأجل فيه، لأن المبيع على ضربين : معجل وهو العين، ومؤجل. فإن كان حالا ولم يكن عند المسلم إليه فهو من باب : بيع ما ليس عندك، فلا بد من الأجل حتى يخلص كل عقد على صفته وعلى شروطه، وتتنزل الأحكام، الشرعية منازلها. وتحديده عند علمائنا مدة تختلف الأسواق في مثلها. وقول الله تعالى " إلى أجل مسمى " وقوله عليه السلام :( إلى أجل معلوم ) يغني عن قول كل قائل. 
قلت : الذي أجازه علماؤنا من السلم الحال ما تختلف فيه البلدان من الأسعار، فيجوز السلم فيما كان بينه وبينه يوم أو يومان أو ثلاثة. فأما في البلد الواحد فلا، لأن سعره واحد، والله أعلم. 
وأما الشرط الخامس وهو : أن يكون الأجل معلوما فلا خلاف فيه بين الأمة، لوصف الله تعالى ونبيه الأجل بذلك. وانفرد مالك دون الفقهاء بالأمصار بجواز البيع إلى الجذاذ والحصاد ؛ لأنه رآه معلوما. وقد مضى القول في هذا عند قوله تعالى " يسألونك عن الأهلة " [(٥)](#foonote-٥)\[ البقرة : ١٨٩ \]. 
وأما الشرط السادس وهو : أن يكون موجودا عند المحل فلا خلاف فيه بين الأمة أيضا، فإن انقطع المبيع عند محل الأجل بأمر من الله تعالى انفسخ العقد عند كافة العلماء. 
السابعة : ليس من شرط السلم أن يكون المسلم إليه مالكا للمسلم فيه خلافا لبعض السلف، لما رواه البخاري عن محمد بن المجالد قال : بعثني عبدالله بن شداد وأبو بردة إلى عبد الله بن أبي أوفى فقالا : سله هل كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يسلفون في الحنطة ؟ فقال عبدالله : كنا نسلف نبيط[(٦)](#foonote-٦) أهل الشام في الحنطة والشعير والزيت في كيل معلوم إلى أجل معلوم. 
قلت : إلى من كان أصله عنده ؟ قال : ما كنا نسألهم عن ذلك. ثم بعثاني إلى عبد الرحمن بن أبزى فسألته فقال : كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يسلفون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم نسألهم ألهم حرث أم لا ؟ وشرط أبو حنيفة وجود المسلم فيه من حين العقد إلى حين الأجل، مخافة أن يطلب المسلم فيه فلا يوجد فيكون ذلك غررا، وخالفه سائر الفقهاء وقالوا : المراعى وجوده عند الأجل. وشرط الكوفيون والثوري أن يذكر موضع القبض فيما له حمل ومؤونة وقالوا : السلم فاسد إذا لم يذكر موضع القبض. وقال الأوزاعي : هو مكروه. وعندنا لو سكتوا عنه لم يفسد العقد، ويتعين موضع القبض، وبه قال أحمد وإسحاق وطائفة من أهل الحديث، لحديث ابن عباس فإنه ليس فيه ذكر المكان الذي يقبض فيه السلم، ولو كان من شروطه لبينه النبي صلى الله عليه وسلم كما بين الكيل والوزن والأجل، ومثله ابن أبي أوفى. 
الثامنة : روى أبو داود عن سعد - يعني الطائي - عن عطية بن سعد عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره ). قال أبو محمد عبد الحق بن عطية : هو العوفي[(٧)](#foonote-٧) ولا يحتج أحد بحديثه، وإن كان الأجلة قد رووا عنه. 
قال مالك : الأمر عندنا فيمن أسلف في طعام بسعر معلوم إلى أجل مسمى فحل الأجل فلم يجد المبتاع عند البائع وفاء مما ابتاعه منه فأقاله، إنه لا ينبغي له أن يأخذ منه إلا ورقه أو ذهبه أو الثمن الذي دفع إليه بعينه، وأنه لا يشتري منه بذلك الثمن شيئا حتى يقبضه منه، وذلك أنه إذا أخذ غير الثمن الذي دفع إليه أو صرفه في سلعة غير الطعام الذي ابتاع منه فهو بيع الطعام قبل أن يستوفى. قال مالك : وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل أن يستوفى. 
التاسعة : قوله تعالى :" فاكتبوه " يعني الدين والأجل. ويقال : أمر بالكتابة ولكن المراد الكتابة والإشهاد ؛ لأن الكتابة بغير شهود لا تكون حجة. ويقال : أمرنا بالكتابة لكيلا ننسى. وروى أبو داود الطيالسي في مسنده عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول ا١ - كذا في الطبري والأصول، إلا في جـ: فسعيد بن جبير..
٢ - راجع جـ٦ ص ٤١٩..
٣ - راجع جـ ١٠ ص ٢٥..
٤ - كذا في هـ وجـ، والذي في ا وحـ: العين..
٥ - راجع جـ٢ ص ٣٤١..
٦ - النبيط (بفتح النون وكسر الموحدة وآخره طاء مهملة) أهل الزراعة. وقيل: قوم ينزلون البطاح، وسموا به لاهتدائهم إلى استخراج المياه من الينابيع لكثرة معالجتهم الفلاحة. وقيل: نصارى الشام الذين عمروها. (عن القسطلاني)..
٧ - العوفي: لقب عطية بن سعد..

### الآية 2:283

> ﻿۞ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [2:283]

فيه أربع[(١)](#foonote-١) وعشرون مسألة :
الأولى : لما ذكر الله تعالى الندب إلى الإشهاد والكتب لمصلحة حفظ الأموال والأديان[(٢)](#foonote-٢)، عقب ذلك بذكر حال الأعذار المانعة من الكتب، وجعل لها الرهن، ونص من أحوال العذر على السفر الذي هو غالب الأعذار، لا سيما في ذلك الوقت لكثرة الغزو، ويدخل في ذلك بالمعنى كل عذر. فرب وقت يتعذر فيه الكاتب في الحضر كأوقات أشغال الناس وبالليل، وأيضا فالخوف على خراب ذمة الغريم عذر يوجب طلب الرهن. وقد رهن النبي صلى الله عليه وسلم درعه عند يهودي طلب منه سلف الشعير فقال : إنما يريد محمد أن يذهب بمالي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( كذب، إني لأمين في الأرض أمين في السماء، ولو ائتمنني لأديت، اذهبوا إليه بدرعي ) فمات ودرعه مرهونة صلى الله عليه وسلم، على ما يأتي بيانه آنفا. 
الثانية : قال جمهور[(٣)](#foonote-٣) من العلماء : الرهن في السفر بنص التنزيل، وفي الحضر ثابت بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا صحيح. وقد بينا جوازه في الحضر من الآية بالمعنى، إذا قد تترتب الأعذار في الحضر، ولم يرو عن أحد منعه في الحضر سوى مجاهد والضحاك وداود، متمسكين بالآية. ولا حجة فيها ؛ لأن هذا الكلام وإن كان خرج مخرج الشرط فالمراد به غالب الأحوال. وليس كون الرهن في الآية في السفر مما يحظر في غيره. وفي الصحيحين وغيرهما عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاما إلى أجل ورهنه درعا له من حديد. وأخرجه النسائي من حديث ابن عباس قال : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير لأهله. 
الثالثة : قوله تعالى :" ولم تجدوا كاتبا " قرأ الجمهور " كاتبا " بمعنى رجل يكتب. وقرأ ابن عباس وأبي ومجاهد والضحاك وعكرمة وأبو العالية " ولم تجدوا كتابا ". قال أبو بكر الأنباري : فسره مجاهد فقال : معناه فإن لم تجدوا مدادا يعني في الأسفار. وروي عن ابن عباس " كتّابا ". قال النحاس : هذه القراءة شاذة والعامة على خلافها. وقلما يخرج شيء عن قراءة العامة إلا وفيه مطعن، ونسق الكلام على كاتب، قال الله عز وجل قبل هذا :" وليكتب بينكم كاتب بالعدل " وكتاب يقتضي جماعة. قال ابن عطية : كتابا يحسن من حيث لكل نازلة كاتب، فقيل للجماعة : ولم تجدوا كتابا. وحكى المهدوي عن أبي العالية أنه قرأ " كُتُبا " وهذا جمع كتاب من حيث النوازل مختلفة. وأما قراءة أبي وابن عباس " كتّابا " فقال النحاس ومكي : هو جمع كاتب كقائم وقيام. مكي : المعنى وإن عدمت الدواة والقلم والصحيفة. ونفي وجود الكاتب يكون بعدم أي آلة اتَّفَقَ، ونفي الكاتب أيضا يقتضي نفي الكتاب، فالقراءتان حسنتان إلا من جهة خط المصحف. 
الرابعة : قوله تعالى :" فرهان مقبوضة " وقرأ أبو عمرو وابن كثير " فرُهُن " بضم الراء والهاء، وروي عنهما تخفيف الهاء. وقال الطبري : تأول قوم أن " رهنا " بضم الراء والهاء جمع رهان، فهو جمع جمع، وحكاه الزجاج عن الفراء. وقال المهدوي :" فرهان " ابتداء والخبر محذوف. والمعنى فرهان مقبوضة يكفي من ذلك. قال النحاس : وقرأ عاصم بن أبي النجود " فرهن " بإسكان الهاء، ويروى عن أهل مكة. والباب في هذا " رهان "، كما يقال : بغل وبغال، وكبش وكباش، ورُهُن سبيله أن يكون جمع رهان، مثل كتاب وكتب. وقيل : هو جمع رهن، مثل سَقْف وسُقُف، وحَلْق وحُلُق، وفَرْش وفُرُش، ونشر ونشر[(٤)](#foonote-٤)، وشبهه. " ورهن " بإسكان الهاء سبيله أن تكون الضمة حذفت لثقلها. وقيل : هو جمع رهن، مثل سهم حشر أي دقيق، وسهام حشر. والأول أولى ؛ لأن الأول ليس بنعت وهذا نعت. وقال أبو علي الفارسي : وتكسير " رهن " على أقل العدد لم أعلمه جاء، فلو جاء كان قياسه أفْعُلا ككلب وأكلب، وكأنهم استغنوا بالقليل عن الكثير، كما استغنى ببناء الكثير عن بناء القليل في قولهم : ثلاثة شسوع، وقد استغنى ببناء القليل عن الكثير في رسن وأرسان، فرهن يجمع على بناءين وهما فُعُل وفِعَال. الأخفش : فَعْل على فُعُل قبيح وهو قليل شاذ، قال : وقد يكون " رهن " جمعا للرهان، كأنه يجمع رهن على رهان، ثم يجمع رهان على رُهُن، مثل فراش وفرش. 
الخامسة : معنى الرَّهن : احتباس العين وثيقة بالحق ليستوفى الحق من ثمنها أو من ثمن منافعها عند تعذر أخذه من الغريم، وهكذا حده العلماء، وهو في كلام العرب بمعنى الدوام والاستمرار. وقال ابن سيده : ورهنه أي أدامه، ومن رهن بمعنى دام قول الشاعر :

الخبز واللحم لهم راهن  وقهوة رَاوُوقُها ساكبقال الجوهري : ورهن الشيء رهنا أي دام. وأرهنت له الطعام والشراب أدمته لهم، وهو طعام راهن. والراهن : الثابت، والراهن : المهزول من الإبل والناس، قال :إما تريْ جسمي خَلاًّ قد رهن  هَزْلاً وما مجد الرجال في السِّمَنْقال ابن عطية : ويقال في معنى الرهن الذي هو الوثيقة من الرهن : أرهنت إرهانا، حكاه بعضهم. وقال أبو علي : أرهنت في المغالاة، وأما في القرض والبيع فرهنت. وقال أبو زيد : أرهنت في السلعة إرهانا : غاليت بها، وهو في الغلاء خاصة. قال :
عِيديةً أُرْهِنَتْ فيها الدنانير
يصف ناقة. والعيد بطن من مَهْرة[(٥)](#foonote-٥) وإبل مهرة موصوفة بالنجابة. وقال الزجاج : يقال في الرهن : رهنت وأرهنت، وقاله ابن الأعرابي والأخفش. قال عبدالله بن همام السلولي :فلما خشيتُ أظافيرهم  نجوت وأرهنتهم مالكاقال ثعلب : الرواة كلهم على أرهنتهم، على أنه يجوز رهنته وأرهنته، إلا الأصمعي فإنه رواه وأرهنهم، على أنه عطف بفعل مستقبل على فعل ماض، وشبهه بقولهم : قمت وأصك وجهه، وهو مذهب حسن، لأن الواو واو الحال، فجعل أصك حالا للفعل الأول على معنى قمت صاكا وجهه، أي تركته مقيما عندهم، لأنه لا يقال : أرهنت الشيء، وإنما يقال : رهنته. وتقول : رهنت لساني بكذا، ولا يقال فيه : أرهنت. وقال ابن السكيت : أرهنت فيها بمعنى أسلفت. والمرتهن : الذي يأخذ الرهن. والشيء مرهون ورهين، والأنثى رهينة. وراهنت فلانا على كذا مراهنة : خاطرته. وأرهنت به ولدي إرهانا : أخطرتهم به خطرا. والرهينة واحدة الرهائن، كله عن الجوهري. ابن عطية : ويقال بلا خلاف في البيع والقرض : رهنت رهنا، ثم سمي بهذا المصدر الشيء المدفوع تقول : رهنت رهنا، كما تقول : رهنت ثوبا. 
السادسة : قال أبو علي : ولما كان الرهن بمعنى الثبوت، والدوام فمن ثم بطل الرهن عند الفقهاء إذا خرج من يد المرتهن إلى الراهن بوجه من الوجوه، لأنه فارق ما جعل باختيار المرتهن[(٦)](#foonote-٦) له. 
قلت : هذا هو المعتمد عندنا في أن الرهن متى رجع إلى الراهن باختيار المرتهن بطل الرهن، وقاله أبو حنيفة، غير أنه قال : إن رجع بعارية أو وديعة لم يبطل. وقال الشافعي : إن رجوعه إلى يد الراهن مطلقا لا يبطل حكم القبض المتقدم، ودليلنا " فرهان مقبوضة "، فإذا خرج عن يد القابض لم يصدق ذلك اللفظ عليه لغة، فلا يصدق عليه حكما، وهذا واضح. إذا رهنه قولا ولم يقبضه فعلا لم يوجب ذلك حكما ؛ لقوله تعالى :" فرهان مقبوضة " قال الشافعي : لم يجعل الله الحكم إلا برهن موصوف بالقبض، فإذا عدمت الصفة وجب أن يعدم الحكم، وهذا ظاهر جدا. وقالت المالكية : يلزم الرهن بالعقد ويجبر الراهن على دفع الرهن ليحوزه المرتهن، لقوله تعالى :" أوفوا بالعقود " [(٧)](#foonote-٧) \[ المائدة : ١ \] وهذا عقد، وقوله " بالعهد " [(٨)](#foonote-٨) \[ الإسراء : ٣٤ \] وهذا عهد. وقوله عليه السلام :( المؤمنون عند شروطهم ) وهذا شرط، فالقبض عندنا شرط في كمال فائدته. وعندهما شرط في لزومه وصحته. 
الثامنة : قوله تعالى :" مقبوضة " يقتضي بينونة المرتهن بالرهن. وأجمع الناس على صحة قبض المرتهن، وكذلك على قبض وكيله. واختلفوا في قبض عدل يوضع الرهن على يديه[(٩)](#foonote-٩)، فقال مالك وجميع أصحابه وجمهور العلماء : قبض العدل قبض. وقال ابن أبي ليلى وقتادة والحكم وعطاء : ليس بقبض، ولا يكون مقبوضا إلا إذا كان عند المرتهن، ورأوا ذلك تعبدا. وقول الجمهور أصح من جهة المعنى ؛ لأنه إذا صار عند العدل صار مقبوضا لغة وحقيقة ؛ لأن العدل نائب عن صاحب الحق وبمنزلة الوكيل، وهذا ظاهر. 
التاسعة : ولو وُضِعَ الرهن على يدي عدل فضاع لم يضمن المرتهن ولا الموضوع على يده ؛ لأن المرتهن لم يكن في يده شيء يضمنه. والموضوع على يده أمين والأمين غير ضامن. 
العاشرة : لما قال تعالى :" مقبوضة " قال علماؤنا : فيه ما يقتضي بظاهره ومطلقه جواز رهن المشاع[(١٠)](#foonote-١٠). خلافا لأبي حنيفة وأصحابه، لا يجوز عندهم أن يرهنه ثلث دار ولا نصفا من عبد ولا سيف، ثم قالوا : إذا كان لرجلين على رجل مال هما فيه شريكان فرهنهما بذلك أرضا فهو جائز إذا قبضاها. قال ابن المنذر : وهذا إجازة رهن المشاع ؛ لأن كل واحد منهما مرتهن نصف دار[(١١)](#foonote-١١). قال ابن المنذر : رهن المشاع جائز كما يجوز بيعه. 
الحادية عشرة : ورهن ما في الذمة جائز عند علمائنا ؛ لأنه مقبوض خلافا لمن منع ذلك، ومثاله رجلان تعاملا لأحدهما على الآخر دين فرهنه دينه الذي عليه. قال ابن خويز منداد : وكل عرض جاز بيعه جاز رهنه، ولهذه العلة جوزنا رهن ما في الذمة ؛ لأن بيعه جائز، ولأنه مال تقع الوثيقة به فجاز أن يكون رهنا، قياسا على سلعة موجودة. وقال من منع ذلك : لأنه لا يتحقق إقباضه والقبض شرط في لزوم الرهن ؛ لأنه لا بد أن يستوفي الحق منه عند المحل، ويكون الاستيفاء من ماليته لا من عينه ولا يتصور ذلك في الدين. 
الثانية عشرة : روى البخاري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة ). وأخرجه أبو داود وقال بدل ( يشرب ) في الموضعين :( يحلب ). قال الخطابي : هذا كلام مبهم ليس في نفس اللفظ بيان من يركب ويحلب، هل الراهن أو المرتهن أو العدل الموضوع على يده الرهن ؟ قلت : قد جاء ذلك مبينا مفسرا في حديثين، وبسببهما اختلف العلماء في ذلك، فروى الدارقطني من حديث أبي هريرة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قال :( إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها ولبن الدر يشرب وعلى الذي يشرب نفقته ). أخرجه عن أحمد بن علي بن العلاء حدثنا زياد بن أيوب حدثنا هشيم حدثنا زكريا عن الشعبي عن أبي هريرة. وهو قول أحمد وإسحاق : أن المرتهن ينتفع من الرهن بالحلب والركوب بقدر النفقة. وقال أبو ثور : إذا كان الراهن ينفق عليه لم ينتفع به المرتهن. وان كان الراهن لا ينفق عليه وتركه في يد المرتهن فأنفق عليه فله ركوبه واستخدام العبد. وقاله الأوزاعي والليث. الحديث الثاني خرجه الدارقطني أيضا، وفي إسناده مقال ويأتي بيانه - من حديث إسماعيل بن عياش عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن المقبري[(١٢)](#foonote-١٢) عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا يغلق الرهن[(١٣)](#foonote-١٣) ولصاحبه غنمه وعليه غرمه ). وهو قول الشافعي والشعبي وابن سيرين. وهو قول مالك وأصحابه. قال الشافعي : منفعة الرهن للراهن، ونفقته عليه، والمرتهن لا ينتفع بشيء من الرهن خلا الإحفاظ للوثيقة. قال الخطابي : وهو أولى الأقوال وأصحها، بدليل قوله عليه السلام :( لا يغلق ال١ - اعتمدنا أربع لما في هـ و ا وجـ عند تمام الحادية والعشرين قوله: تعرضت هنا ثلاث مسائل تتمة أربع وعشرين..
٢ - كذا في الأصول وابن عطية. والأديان: الطاعات، وعدم أداء الحقوق فسوق عن أمر الله. ولعله: الأبدان، راجع تفسير قوله تعالى: "فسوق بكم"..
٣ - في ب: الجمهور من العلماء، وفي جـ: جمهور العلماء..
٤ - في جـ: نشر ونشر وبه قرأ نافع "نشرا بين يدي رحمته" أو بشر وبشر: لأن السين غير منقوطة وفي أ: نسر بالنون ومهملة، وفي هـ: بسرا بالباء، والله أعلم..
٥ - هو مهرة بن حيدان أبو قبيل وهم حي عظيم. وصدر البيت: \* يطوى ابن سلمى بها من راكب بعدا\*.
٦ -الزيادة في جـ..
٧ - راجع جـ٦ ص ٣١..
٨ - راجع جـ ١٠ ص ٢٩٦..
٩ - كذا في هـ، وفي غيرها: يده..
١٠ - في هـ: المتاع..
١١ - كذا في الأصول، ينبغي: نصف أرض..
١٢ - كذا في كل الأصول، والصواب كما في الدارقطني: عن الزهري عن سعيد بن المسيب. وستأتي قريبا..
١٣ -غلق الرهن: من فعل الجاهلية أن الراهن إذا لم يؤد ما عليه في الوقت المعين ملك المرتهن الرهن فأبطله الإسلام. (عن النهاية)..

### الآية 2:284

> ﻿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [2:284]

قوله تعالى :" لله ما في السماوات وما في الأرض " تقدم معناه. 
قوله تعالى :" وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله " فيه مسألتان : الأولى : اختلف الناس في معنى قوله تعالى :" وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله " على أقوال خمسة :
\[ الأول \] أنها منسوخة، قاله ابن عباس وابن مسعود وعائشة وأبو هريرة والشعبي وعطاء ومحمد بن سيرين ومحمد بن كعب وموسى بن عبيدة وجماعة من الصحابة والتابعين، وأنه بقي هذا التكليف حولا حتى أنزل الله الفرج بقوله :" لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " \[ البقرة : ٢٨٦ \]. وهو قول ابن مسعود وعائشة وعطاء ومحمد بن سيرين ومحمد بن كعب وغيرهم[(١)](#foonote-١) وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال : لما نزلت " وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله " قال : دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا ) قال : فألقى الله الإيمان في قلوبهم فأنزل الله تعالى :" لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطانا قال :\[ قد فعلت \][(٢)](#foonote-٢) ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا قال :\[ قد فعلت \][(٣)](#foonote-٣) ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين " [(٤)](#foonote-٤) \[ البقرة : ٢٨٦ \] قال :( قد فعلت )[(٥)](#foonote-٥) : في رواية فلما فعلوا ذلك نسخها الله ثم أنزل تعالى :" لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " وسيأتي. 
الثاني : قال ابن عباس وعكرمة والشعبي ومجاهد : إنها محكمة مخصوصة، وهي في معنى الشهادة التي نهى عن كتمها، ثم أعلم في هذه الآية أن الكاتم لها المخفي ما في نفسه محاسب. 
الثالث : أن الآية فيما يطرأ على النفوس من الشك واليقين، وقاله مجاهد أيضا. 
الرابع : أنها محكمة عامة غير منسوخة، والله محاسب خلقه على ما عملوا من عمل وعلى ما لم يعملوه مما ثبت في نفوسهم وأضمروه ونووه وأرادوه، فيغفر للمؤمنين ويأخذ به أهل الكفر والنفاق، ذكره الطبري عن قوم، وأدخل عن ابن عباس ما يشبه هذا. روي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال : لم تنسخ، ولكن إذا جمع الله الخلائق يقول :( إني أخبركم بما أكننتم في أنفسكم ) فأما المؤمنون فيخبرهم ثم يغفر لهم، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوه من التكذيب، فذلك قوله :" يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء " [(٦)](#foonote-٦) \[ البقرة : ٢٨٤ \] وهو قوله عز وجل :" ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم " [(٧)](#foonote-٧) \[ البقرة : ٢٢٥ \] من الشك والنفاق. وقال الضحاك : يعلمه الله يوم القيامة بما كان يسره ليعلم أنه لم يخف عليه. وفي الخبر :( إن الله تعالى يقول يوم القيامة : هذا يوم تبلى فيه السرائر وتخرج الضمائر وأن كُتَّابِي لم يكتبوا إلا ما ظهر من أعمالكم وأنا المطلع على ما لم يطلعوا عليه ولم يخبروه ولا كتبوه فأنا أخبركم بذلك وأحاسبكم عليه فأغفر لمن أشاء وأعذب من أشاء ) فيغفر للمؤمنين ويعذب الكافرين، وهذا أصح ما في الباب، يدل عليه حديث النجوى على ما يأتي بيانه، لا يقال[(٨)](#foonote-٨) : فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ( إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به ). فإنا نقول : ذلك محمول على أحكام الدنيا، مثل الطلاق والعتاق والبيع التي لا يلزمه حكمها ما لم يتكلم به، والذي ذكر في الآية فيما يؤاخذ العبد به بينه وبين الله تعالى في الآخرة. وقال الحسن : الآية محكمة ليست بمنسوخة. قال الطبري : وقال آخرون نحو هذا المعنى الذي ذكر عن ابن عباس، إلا أنهم قالوا : إن العذاب الذي يكون جزاء لما خطر في النفوس وصحبه الفكر إنما هو بمصائب الدنيا وآلامها وسائر مكارهها. ثم أسند عن عائشة نحو هذا المعنى، وهو \[ القول الخامس \] : ورجح الطبري أن الآية محكمة غير منسوخة : قال ابن عطية : وهذا هو الصواب، وذلك أن قوله تعالى :" وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه " معناه مما هو في وسعكم وتحت كسبكم، وذلك استصحاب المعتقد والفكر، فلما كان اللفظ مما يمكن أن تدخل فيه الخواطر أشفق الصحابة والنبي صلى الله عليه وسلم، فبين الله لهم ما أراد بالآية الأخرى، وخصصها ونص على حكمه أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، والخواطر ليست هي ولا دفعها في الوسع، بل هي أمر غالب وليست مما يكتسب، فكان في هذا البيان فرجهم وكشف كربهم، وباقي[(٩)](#foonote-٩) الآية محكمة لا نسخ فيها : ومما يدفع أمر النسخ أن الآية خبر والأخبار لا يدخلها النسخ، فإن ذهب ذاهب إلى تقدير النسخ فإنما يترتب له في الحكم الذي لحق الصحابة حين فزعوا من الآية، وذلك أن قول النبي صلى الله عليه وسلم لهم :( قولوا سمعنا وأطعنا ) يجيء منه الأمر بأن يثبتوا[(١٠)](#foonote-١٠) على هذا ويلتزموه وينتظروا لطف الله في الغفران. فإذا قرر هذا الحكم فصحيح وقوع النسخ فيه، وتشبه الآية حينئذ قوله تعالى :" إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين " [(١١)](#foonote-١١) \[ الأنفال : ٦٥ \] فهذا لفظه الخبر، ولكن معناه التزموا هذا واثبتوا[(١٢)](#foonote-١٢) عليه واصبروا بحسبه، ثم نسخ بعد ذلك. وأجمع الناس فيما علمت على أن هذه الآية في الجهاد منسوخة بصبر المائة للمائتين. قال ابن عطية : وهذه الآية في " البقرة " أشبه شيء بها. وقيل : في الكلام إضمار وتقييد، تقديره يحاسبكم به الله إن شاء، وعلى هذا فلا نسخ. وقال النحاس : ومن أحسن ما قيل في الآية وأشبه بالظاهر قول ابن عباس : إنها عامة، ثم أدخل حديث ابن عمر في النجوى، أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما، واللفظ لمسلم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه جل وعز حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه فيقول : هل تعرف ؟ فيقول \[ أي \][(١٣)](#foonote-١٣) رب أعرف، قال : فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم، فيعطى صحيفة حسناته، وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على الله ). وقد قيل : إنها نزلت في الذين يتولون الكافرين من المؤمنين، أي وإن تعلنوا ما في أنفسكم أيها المؤمنون من ولاية الكفار أو تسروها يحاسبكم به الله، قاله الواقدي ومقاتل. واستدلوا بقوله تعالى في ( آل عمران ) " قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه من ولاية الكفار يعلمه الله " \[ آل عمران : ٢٩ \] يدل عليه ما قبله من قوله :" لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين " [(١٤)](#foonote-١٤) \[ آل عمران : ٢٨ \]. قلت : وهذا فيه بعد، لأن سياق الآية لا يقتضيه، وإنما ذلك بين في " آل عمران " والله أعلم. وقد قال سفيان بن عيينة : بلغني أن الأنبياء عليهم السلام كانوا يأتون قومهم بهذه الآية " لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ". 
قوله تعالى :" فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء " قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي " فيغفر ويعذب " بالجزم عطف على الجواب. وقرأ ابن عامر وعاصم بالرفع فيهما على القطع، أي فهو يغفر ويعذب. وروي عن ابن عباس والأعرج وأبي العالية وعاصم الجحدري بالنصب فيهما على إضمار " أن ". وحقيقته أنه عطف على المعنى، كما في قوله تعالى :" فيضاعفه له " وقد تقدم[(١٥)](#foonote-١٥). والعطف على اللفظ أجود للمشاكلة، كما قال الشاعر :

ومتى ما يَعِ منك كلاما  يتكَلَّمْ فيُجِبْكَ بِعَقْلِقال النحاس : وروي عن طلحة بن مصرف " يحاسبكم به الله يغفر " بغير فاء على البدل. ابن عطية : وبها قرأ الجعفي وخلاد. وروي أنها كذلك في مصحف ابن مسعود. قال ابن جني : هي على البدل من " يحاسبكم " وهي تفسير المحاسبة، وهذا كقول الشاعر :رويداً بني شيبان بعضُ وعيدكم  تُلاقُوا غدا خيلي على سَفْوَانِتُلاقُوا جيادا لا تَحِيدُ عن الوغى  إذا ما غدت في المأزق المتدانيفهذا على البدل. وكرر الشاعر الفعل ؛ لأن الفائدة فيما يليه من القول. قال النحاس : وأجود من الجزم لو كان بلا فاء الرفع، يكون في موضع الحال، كما قال الشاعر :متى تأته تعشو إلى ضوء ناره  تجد خير نار عندها خيرَ مُوقِدِ١ - الزيادة عن جـ و ب و ط..
٢ - الزيادة من صحيح مسلم..
٣ - الزيادة من صحيح مسلم..
٤ - هذا الجزء من الآية موجود في الأصول دون صحيح مسلم..
٥ - الزيادة من صحيح مسلم..
٦ - قراءة نافع كما يأتي..
٧ - راجع ص ٩٩ من هذا الجزء..
٨ - هذه الزيادة من جـ وهـ و ا..
٩ - في ب وهـ وجـ و ط وابن عطية: وتأتي الآية. وله وجه..
١٠ - في ب و ط: ويبنوا وفي عطية: يمسوا..
١١ - راجع جـ ٨ ص ٤٤..
١٢ - كذا في ابن عطية. وفي ب و جـ وهـ: وابنوا..
١٣ - الزيادة من صحيح مسلم..
١٤ - راجع جـ٤ ص ٥٧..
١٥ - راجع ص ٢٣٧ من هذا الجزء..

### الآية 2:285

> ﻿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [2:285]

**فيه إحدى عشرة مسألة :**
الأولى : قوله تعالى :" آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه " روي عن الحسن ومجاهد والضحاك : أن هذه الآية كانت في قصة المعراج، وهكذا روي في بعض الروايات عن ابن عباس، وقال بعضهم : جميع القرآن نزل به جبريل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم إلا هذه الآية فإن النبي صلى الله عليه وسلم : هو الذي سمع ليلة المعراج، وقال بعضهم : لم يكن ذلك في قصة المعراج ؛ لأن ليلة المعراج كانت بمكة وهذه السورة كلها مدنية، فأما من قال : إنها كانت ليلة المعراج قال : لما صعد النبي صلى الله عليه وسلم وبلغ في السماوات في مكان مرتفع ومعه جبريل حتى جاوز سدرة المنتهى فقال له جبريل : إني لم أجاوز هذا الموضع ولم يؤمر بالمجاوزة أحد هذا الموضع غيرك، فجاوز النبي صلى الله عليه وسلم حتى بلغ الموضع الذي شاء الله، فأشار إليه جبريل بأن سلم على ربك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : التحيات لله والصلوات والطيبات. قال الله تعالى : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون لأمته حظ في السلام فقال : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فقال جبريل وأهل السماوات كلهم : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. قال الله تعالى :" آمن الرسول " على معنى الشكر ؛ أي : صدق الرسول " بما أنزل إليه من ربه " فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يشارك أمته في الكرامة والفضيلة فقال :" والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله " يعني يقولون : آمنا بجميع الرسل ولا نكفر بأحد منهم، ولا نفرق بينهم كما فرقت اليهود والنصارى، فقال له ربه : كيف قبولهم بآي الذي أنزلتها ؟ وهو قوله :" إن تبدوا ما في أنفسكم " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( قالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ) يعني المرجع. فقال الله تعالى عند ذلك :" لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " يعني طاقتها ويقال : إلا دون طاقتها. " لها ما كسبت " من الخير " وعليها ما اكتسبت " من الشر، فقال جبريل عند ذلك : سل تعطه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا " يعني إن جهلنا " أو أخطأنا " يعني إن تعمدنا، ويقال : إن عملنا بالنسيان والخطأ. فقال له جبريل : قد أعطيت ذلك قد رفع عن أمتك الخطأ والنسيان. فسل شيئا آخر فقال :" ربنا ولا تحمل علينا إصرا " يعني ثقلا " كما حملته على الذين من قبلنا " وهو أنه حرم عليهم الطيبات بظلمهم، وكانوا إذا أذنبوا بالليل وجدوا ذلك مكتوبا على بابهم، وكانت الصلوات عليهم خمسين، فخفف الله عن هذه الأمة وحط عنهم بعد ما فرض خمسين صلاة. ثم قال :" ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به " يقول : لا تثقلنا من العمل ما لا نطيق فتعذبنا، ويقال : ما تشق علينا، لأنهم لو أمروا بخمسين صلاة لكانوا يطيقون ذلك ولكنه يشق عليهم ولا يطيقون الإدامة عليه " واعف عنا " من ذلك كله " واغفر لنا " وتجاوز عنا، ويقال :" واعف عنا " من المسخ " واغفر لنا " من الخسف " وارحمنا " من القذف ؛ لأن الأمم الماضية بعضهم أصابهم المسخ وبعضهم أصابهم الخسف وبعضهم القذف ثم قال :" أنت مولانا " يعني ولينا وحافظنا " فانصرنا على القوم الكافرين " فاستجيبت دعوته. وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( نصرت بالرعب مسيرة شهر ) ويقال إن الغزاة : إذا خرجوا من ديارهم بالنية الخالصة وضربوا بالطبل وقع الرعب والهيبة في قلوب الكفار مسيرة شهر في شهر، علموا بخروجهم أو لم يعلموا، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع أوحى الله هذه الآيات، ليعلم أمته بذلك. ولهذه الآية تفسير آخر، قال الزجاج : لما ذكر الله تعالى في هذه السورة فرض الصلاة والزكاة وبين أحكام الحج وحكم الحيض والطلاق والإيلاء وأقاصيص الأنبياء وبين حكم الربا، ذكر تعظيمه سبحانه بقوله سبحانه وتعالى :" لله ما في السماوات وما في الأرض " ثم ذكر تصديق نبيه صلى الله عليه وسلم ثم ذكر تصديق المؤمنين بجميع ذلك فقال :" آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه " أي صدق الرسول بجميع هذه الأشياء التي جرى ذكرها وكذلك المؤمنون كلهم صدقوا بالله وملائكته وكتبه ورسله[(١)](#foonote-١). وقيل سبب نزولها الآية التي قبلها وهي :" لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير " \[ المائدة : ٢٨٤ \] فإنه لما أنزل هذا على النبي صلى الله عليه وسلم اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب فقالوا : أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق : الصلاة والصيام والجهاد والصدقة[(٢)](#foonote-٢)، وقد أنزل الله عليك هذه الآية ولا نطيقها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ) فقالوا : سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم فأنزل الله في إثرها :" آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير " \[ البقرة : ٢٨٥ \]. فلما فعلوا ذلك نسخها الله، فأنزل الله عز وجل :" لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت " [(٣)](#foonote-٣) " ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا " قال :( نعم ) " ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا " قال :( نعم ) " ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به " قال :( نعم ) " واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين " قال :( نعم ). أخرجه مسلم عن أبي هريرة. 
قال علماؤنا : قوله في الرواية الأولى[(٤)](#foonote-٤) ( قد فعلت ) وهنا قال :( نعم ) دليل على نقل الحديث بالمعنى، وقد تقدم. ولما تقرر الأمر على أن قالوا : سمعنا وأطعنا، مدحهم الله وأثنى عليهم في هذه الآية، ورفع المشقة في أمر الخواطر عنهم، وهذه ثمرة الطاعة والانقطاع إلى الله تعالى، كما جرى لبني إسرائيل ضد ذلك من ذمهم وتحميلهم المشقات من الذلة والمسكنة والانجلاء إذ قالوا : سمعنا وعصينا، وهذه ثمرة العصيان والتمرد على الله تعالى، أعاذنا الله من نقمه بمنه وكرمه. وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له : إن بيت ثابت بن قيس بن شماس يزهر كل ليلة بمصابيح. قال :( فلعله يقرأ سورة البقرة ) فسئل ثابت قال : قرأت من سورة البقرة " آمن الرسول " نزلت حين شق على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما توعدهم الله تعالى به من محاسبتهم. على ما أخفته نفوسهم، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :( فلعلكم تقولون سمعنا وعصينا كما قالت بنو إسرائيل ) قالوا : بل سمعنا وأطعنا، فأنزل الله تعالى ثناء عليهم :" آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه " فقال صلى الله عليه وسلم :( وحق لهم أن يؤمنوا ). 
الثانية : قوله تعالى :" آمن " أي صدق، وقد تقدم. والذي أنزل هو القرآن. وقرأ ابن مسعود " وآمن المؤمنون كل آمن بالله " على اللفظ، ويجوز في غير القرآن " آمنوا " على المعنى. وقرأ نافع وابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر " وكتبه " على الجمع. وقرؤوا في " التحريم " [(٥)](#foonote-٥) كتابه، على التوحيد. وقرأ أبو عمرو هنا وفي " التحريم " و " كتبه " على الجمع. وقرأ حمزة والكسائي " وكتابه " على التوحيد فيهما. فمن جمع أراد جمع كتاب، ومن أفرد أراد المصدر الذي يجمع كل مكتوب كان نزوله من عند الله. ويجوز في قراءة من وحد أن يراد به الجمع يكون الكتاب اسما للجنس فتستوي القراءتان، قال الله تعالى :" فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب " [(٦)](#foonote-٦) \[ البقرة : ٢١٣ \]. قرأت الجماعة " ورسله " بضم السين، وكذلك " رسُلنا ورسُلكم ورسلك "، إلا أبا عمرو فروي عنه تخفيف " رسْلنا ورسْلكم "، وروي عنه في " رسلك " التثقيل والتخفيف. قال أبو علي : من قرأ " رسلك " بالتثقيل فذلك أصل الكلمة، ومن خفف فكما يخفف في الآحاد، مثل عنق وطنب. وإذا خفف في الآحاد فذلك أحرى في الجمع الذي هو أثقل، وقال معناه مكي. وقرأ جمهور الناس " لا نفرق " بالنون، والمعنى يقولون لا نفرق، فحذف القول، وحذف القول كثير، قال الله تعالى :" والملائكة يدخلون عليهم من كل باب. سلام عليكم " [(٧)](#foonote-٧) \[ الرعد : ٢٣ \] : أي يقولون سلام عليكم. وقال :" ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا " [(٨)](#foonote-٨) \[ آل عمران : ١٩١ \] أي يقولون ربنا، وما كان مثله. وقرأ سعيد بن جبير ويحيى بن يعمر وأبو زرعة بن عمرو بن جرير ويعقوب " لا يفرق " بالياء، وهذا على لفظ كل. قال هارون : وهي في حرف ابن مسعود " لا يفرقون ". وقال " بين أحد " على الإفراد ولم يقل آحاد ؛ لأن الأحد يتناول الواحد والجميع، كما قال تعالى :" فما منكم من أحد عنه حاجزين " [(٩)](#foonote-٩) \[ الحاقة : ٤٧ \] ف " حاجزين " صفة لأحد، لأن معناه الجمع. وقال صلى الله عليه وسلم :( ما أحلت الغنائم لأحد سود الرؤوس غيركم ) وقال رؤبة :إذا أمور الناس دِينَت دينكا  لا يرهبون أحدا مِنْ دونكاومعنى هذه الآية : أن المؤمنين ليسوا كاليهود والنصارى في أنهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض. 
الثالثة : قوله تعالى :" وقالوا سمعنا وأطعنا " فيه حذف، أي سمعنا سماع قابلين[(١٠)](#foonote-١٠). وقيل : سمع بمعنى قبل، كما يقال : سمع الله لمن حمده فلا يكون فيه حذف. وعلى الجملة فهذا القول يقتضي المدح لقائله. والطاعة قبول الأمر. وقوله " غفرانك " مصدر كالكفران والخسران، والعامل فيه فعل مقدر، تقديره : اغفر غفرانك، قاله الزجاج. وغيره : نطلب أو أسأل غفرانك. " وإليك المصير " إقرار بالبعث والوقوف بين يدي الله تعالى. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه هذه الآية قال له جبريل :( إن الله قد أحل الثناء عليك وعلى أمتك فسل تعطه ) فسأل إلى آخر السورة. 
١ - هذه الزيادة لا توجد في الأصول إلا في نسخة ب يوجد جزء منها، وفي نخ ط توجد كلها وعليها اعتمدناها، وهي كما يرى شاذة في مضمونها أول الكلام إذا المجمع عليه سلفا وخلفا أن القرآن نزل به الروح الأمين جميعا على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم "نزل به الروح الأمين على قلبك" وهذا هو المتواتر وكون هذه الآية تلقاها نبينا صلوات الله عليه ليلة المعراج بجانب ما تواتر، ويكون أشد مجافاة إذا علمت أن الإسراء كان في الخامسة بعد البعث، وقيل: بسنة قبل الهجرة والبقرة مدنية بالإجماع. وقد وردت أحاديث في صحيح مسلم، ومسندي أحمد وابن مردويه تؤيد ما ذكره القرطبي بيد أن التواتر يجعل تلك الروايات على ضرب من التأويل متى صحت سندا ومتنا. مصححه..
٢ - من صحيح مسلم..
٣ - في الأصول بعد قوله: "ما اكتسبت" قال: نعم. وليست في صحيح مسلم..
٤ - ص ٤٢١..
٥ - جـ١٨ ص ٢٠٤..
٦ - راجع ص ٣٠ من هذا الجزء..
٧ - راجع جـ٩ ص ٣١٠..
٨ - راجع جـ٤ ص ٣١٣.
 .
٩ - راجع جـ١٨ ص ٢٧٦..
١٠ - في ط: قائلين..

### الآية 2:286

> ﻿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [2:286]

الرابعة : قوله تعالى :" لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " التكليف هو الأمر بما يشق عليه وتكلفت الأمر تجشمته، حكاه الجوهري. والوسع : الطاقة والجدة. وهذا خبر جزم. نص الله تعالى على أنه لا[(١)](#foonote-١) يكلف العباد من وقت نزول الآية عبادة من أعمال القلب أو الجوارح إلا وهي في وسع المكلف وفي مقتضى إدراكه وبنيته، وبهذا انكشفت الكربة عن المسلمين في تأولهم أمر الخواطر. وفي معنى هذه الآية ما حكاه أبو هريرة رضي الله عنه قال : ما وددت أن أحدا ولدتني أمه إلا جعفر بن أبي طالب، فإني تبعته يوما وأنا جائع، فلما بلغ منزله لم يجد فيه سوى نِحْيِ سمن قد بقي فيه أثارة فشقه بين أيدينا، فجعلنا نلعق ما فيه من السمن والرُّب[(٢)](#foonote-٢) وهو يقول :

ما كلف الله نفسا فوق طاقتها  ولا تجود يد إلا بما تَجِدُالخامسة : اختلف الناس في جواز تكليف ما لا يطاق في الأحكام التي هي في الدنيا، بعد اتفاقهم على أنه ليس واقعا في الشرع، وأن هذه الآية آذنت بعدمه، قال أبو الحسن الأشعري وجماعة من المتكلمين : تكليف ما لا يطاق جائز عقلا، ولا يخرم ذلك شيئا من عقائد الشرع، ويكون ذلك أمارة على تعذيب المكلف وقطعا به، وينظر إلى هذا تكليف المصور أن يعقد شعيرة. واختلف القائلون بجوازه هل وقع في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أو لا ؟ فقال فرقة : وقع في نازلة أبي لهب ؛ لأنه كلفه بالإيمان بجملة الشريعة، ومن جملتها أنه لا يؤمن ؛ لأنه حكم عليه بتب اليدين وصلي النار وذلك مؤذن بأنه لا يؤمن، فقد كلفه بأن يؤمن بأنه لا يؤمن. وقالت فرقة : لم يقع قط. وقد حكي الإجماع على ذلك. وقوله تعالى :" سيصلى نارا " [(٣)](#foonote-٣) \[ المسد : ٣ \] معناه إن وافى، حكاه ابن عطية. " ويكلف " يتعدى إلى مفعولين أحدهما محذوف، تقديره عبادة أو شيئا. فالله سبحانه بلطفه وإنعامه علينا وإن كان قد كلفنا بما يشق ويثقل كثبوت الواحد للعشرة، وهجرة الإنسان وخروجه من وطنه ومفارقة أهله ووطنه وعادته، لكنه لم يكلفنا بالمشقات المثقلة ولا بالأمور المؤلمة، كما كلف من قبلنا بقتل أنفسهم وقرض موضع البول من ثيابهم وجلودهم، بل سهل ورفق ووضع عنا الإصر والأغلال التي وضعها على من كان قبلنا. فلله الحمد والمنة، والفضل والنعمة. 
السادسة : قوله تعالى :" لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت " يريد من الحسنات والسيئات قاله السدي. وجماعة المفسرين لا خلاف بينهم في ذلك، قاله ابن عطية. وهو مثل قوله :" ولا تزر وازرة وزر أخرى " \[ الأنعام : ١٦٤ \] " ولا تكسب كل نفس إلا عليها " [(٤)](#foonote-٤) \[ الأنعام : ١٦٤ \]. والخواطر ونحوها ليست من كسب الإنسان. وجاءت العبارة في الحسنات ب " لها " من حيث هي مما يفرح المرء بكسبه ويسر بها، فتضاف إلى ملكه وجاءت في السيئات ب " عليها " من حيث هي أثقال وأوزار ومتحملات صعبة، وهذا كما تقول : لي مال وعلى دين. وكرر فعل الكسب فخالف بين التصريف حسنا لنمط الكلام، كما قال :" فمهل الكافرين أمهلهم رويدا " [(٥)](#foonote-٥) \[ الطارق : ١٧ \]. قال ابن عطية : ويظهر لي في هذا أن الحسنات هي مما تكتسب دون تكلف، إذ كاسبها على جادة أمر الله تعالى ورسم شرعه، والسيئات تكتسب ببناء المبالغة، إذ كاسبها يتكلف في أمرها خرق حجاب نهى الله تعالى ويتخطاه إليها، فيحسن في الآية مجيء التصريفين إحرازا، لهذا المعنى. 
السابعة : في هذه الآية دليل على صحة إطلاق أئمتنا على أفعال العباد كسبا واكتسابا ؛ ولذلك لم يطلقوا على ذلك لا خلق ولا خالق، خلافا لمن أطلق ذلك من مجترئة المبتدعة. ومن أطلق من أئمتنا ذلك على العبد، وأنه فاعل فبالمجاز المحض. وقال المهدوي وغيره : وقيل معنى الآية لا يؤاخذ أحد بذنب أحد. قال ابن عطية : وهذا صحيح في نفسه ولكن من غير هذه الآية. 
الثامنة : قال الكيا الطبري : قوله تعالى :" لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت " يستدل به على أن من قتل غيره بمثقل أو بخنق أو تغريق فعليه ضمانه قصاصا أو دية، فخلافا لمن جعل ديته على العاقلة، وذلك يخالف الظاهر، ويدل على أن سقوط القصاص عن الأب لا يقتضي سقوطه عن شريكه. ويدل على وجوب الحد على العاقلة[(٦)](#foonote-٦) إذا مكنت مجنونا من نفسها. وقال القاضي أبو بكر بن العربي :" ذكر علماؤنا هذه الآية في أن القود واجب على شريك الأب خلافا لأبي حنيفة، وعلى شريك الخاطئ خلافا للشافعي وأبي حنيفة، لأن كل واحد منهما قد اكتسب القتل. وقالوا : إن اشتراك من لا يجب عليه القصاص مع من يجب عليه القصاص لا يكون شبهة في درء ما يدرأ بالشبهة ". 
التاسعة : قوله تعالى :" ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا " المعنى : أعف عن إثم ما يقع منا على هذين الوجهين أو أحدهما، كقوله عليه السلام :( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) أي إثم ذلك. وهذا لم يختلف فيه أن الإثم مرفوع، وإنما اختلف فيما يتعلق على ذلك من الأحكام، هل ذلك مرفوع لا يلزم منه شيء أو يلزم أحكام ذلك كله ؟ اختلف فيه. والصحيح أن ذلك يختلف بحسب الوقائع، فقسم لا يسقط باتفاق كالغرامات والديات والصلوات المفروضات. وقسم يسقط باتفاق كالقصاص والنطق بكلمة الكفر. وقسم ثالث يختلف فيه كمن أكل ناسيا في رمضان أو حنث ساهيا، وما كان مثله مما يقع خطأ ونسيانا، ويعرف ذلك في الفروع. 
العاشرة : قوله تعالى :" ربنا ولا تحمل علينا إصرا " أي ثقلا قال مالك والربيع : الإصر الأمر الغليظ الصعب. وقال سعيد بن جبير : الإصر شدة العمل. وما غلظ على بني إسرائيل من البول ونحوه، قال الضحاك : كانوا يحملون أمورا شدادا، وهذا نحو قول مالك والربيع، ومنه قول النابغة :يا مانع الضَّيْمِ أن يَغشى سَرَاتَهم  والحامل الإصْرِ عنهم بعدما عرفوا[(٧)](#foonote-٧)عطاء : الإصر المسخ قردة وخنازير، وقاله ابن زيد أيضا. وعنه أيضا أنه الذنب الذي ليس فيه توبة ولا كفارة. والإصر في اللغة العهد، ومنه قوله تعالى :" وأخذتم على ذلكم إصري[(٨)](#foonote-٨) ". \[ آل عمران : ٨١ \] والإصر : الضيق والذنب والثقل. والإصار : الحبل الذي تربط به الأحمال ونحوها، يقال : أصر يأصر أصرا حبسه. والإصر - بكسر الهمزة - من ذلك قال الجوهري : والموضع مأصِر ومأصَر والجمع مآصر، والعامة تقول معاصر. قال ابن خويز منداد : ويمكن أن يستدل بهذا الظاهر في كل عبادة ادعى الخصم تثقيلها، فهو نحو قوله تعالى :" وما جعل عليكم في الدين من حرج " [(٩)](#foonote-٩) \[ المؤمنون : ٧٨ \] وكقول النبي صلى الله عليه وسلم :( الدين يسر فيسروا ولا تعسروا ). اللهم شق على من شق على أمة محمد صلى الله عليه وسلم. 
قلت : ونحوه قال الكيا الطبري قال : يحتج به في نفي الحرج والضيق المنافي ظاهره للحنيفية السمحة، وهذا بين. 
الحادية عشرة- قوله تعالى : ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به  قال قتادة : معناه لا تشدد علينا كما شددت على من كان قبلنا. الضحاك : لا تحملنا من الأعمال ما لا نطيق ؛ وقال نحوه ابن زيد. ابن جريج : لا تمسخنا قردة ولا خنازير. وقال سلام بن سابور : الذي لا طاقة لنا به : الغلمة[(١٠)](#foonote-١٠)، وحكاه النقاش عن مجاهد وعطاء. وروى أن أبا الدرداء كان يقول في دعائه : وأعوذ بك من غلمة ليس لها عدة. وقال السدي : هو التغليظ والأغلاَل التي كانت على بني إسرائيل. 
قوله تعالى : واعف عنا  أي عن ذنبوبنا. عفوت عن ذنبه إذا تركته ولم تعاقبة.  واغفر لنا  أي استر على ذنوبنا. والغفر : الستر.  وارحمنا  أي تفضل برحمة مبتدئا منك علينا.  أنت مولانا  أي ولينا وناصرنا. ورج هذا مخرج التعليم للخلق كيف يدعون. روى عن معاذ بن جبل أنه كان إذا فرغ من قراءة هذه السورة قال : آمين. قال ابن عطية : هذا يظن به أنه رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن كان ذلك فكمال، وإن كان بقياس على سورة الحمد من حيث هنالك دعاء وهنا دعاء فحسن. وقال علي بن أبي طالب : ما أظن أن أحدا عقل وأدرك الإسلام ينام حتى يقرأهما. 
قلت : قد روى مسلم في هذا المعنى عن أبي مسعود الأنصاري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من قرأه هاتين الآيتين من آخر سورة " البقرة " في ليلة كفتاه ". قيل : من قيام الليل ؛ كما روى عن ابن عمر قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :" أنزل الله على آيتين من كنوز الجنة ختم بهما سورة البقرة كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألف عام من قراهما بعد العشاء مرتين أجزأتاه من قيام الليل " آمن الرسول " إلى آخر البقرة ". وقيل : كفتاه من شر الشيطان فلا يكون له عليه سلطان. وأسند أبو عمرو الداني عن حذيفة بن اليمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الله جل وعز كتب كتابا قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام فأنزل منه هذه الثلاث آيات التي ختم بهن البقرة من قرآهن في بيته لم يقرب الشيطان بيته ثلاث ليال ". وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" أوتيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يؤتهن نبي قبلي ". وهذا صحيح. وقد تقدم في الفاتحة نزول الملك بها مع الفاتحة. والحمد لله. 
١ - كذا في ابن عطية وهي عبارته. وفي الأصول: لم..
٢ - الرب (بالضم): دبس التمر إذا طبخ..
٣ - راجع جـ٢٠ ص ٢٣٤..
٤ - راجع جـ٧ ص ١٥٦..
٥ - راجع جـ٢٠ ص ١٢..
٦ - العاقلة أولا القبيلة، وثانيا المرأة..
٧ - كذا في جميع الأصول، إلا ط كما في شعراء النصرانية: غرقوا..
٨ - راجع جـ٤ ص ١٢٤..
٩ - راجع جـ ١٢ ص ٩٩..
١٠ - الغلمة: (بضم الغين المعجمة): هيجان شهوة النكاح وغلم يغلم من باب تعب اشتد شبقه..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/2.md)
- [كل تفاسير سورة البقرة
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/2.md)
- [ترجمات سورة البقرة
](https://quranpedia.net/translations/2.md)
- [صفحة الكتاب: الجامع لأحكام القرآن](https://quranpedia.net/book/366.md)
- [المؤلف: القرطبي](https://quranpedia.net/person/3966.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/2/book/366) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
