---
title: "تفسير سورة طه - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/20/book/350.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/20/book/350"
surah_id: "20"
book_id: "350"
book_name: "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز"
author: "ابن عطية"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة طه - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/20/book/350)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة طه - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية — https://quranpedia.net/surah/1/20/book/350*.

Tafsir of Surah طه from "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز" by ابن عطية.

### الآية 20:1

> طه [20:1]

اختلف الناس في قوله  طه  بحسب اختلافهم في كل الحروف المتقدمة في أوائل السور إلا قول من قال هناك : إن الحروف إشارة إلى حروف المعجم كما تقول أ. ب. ج. د. فإنه لا يترتب هنا لأن ما بعد  طه  من الكلام لا يصح أن يكون خبراً عن  طه  واختصت أيضاً  طه  بأقوال لا تترتب في أوائل السور المذكورة، فمنها قول من قال  طه  اسم من أسماء محمد عليه السلام، وقوله من  طه  معناه **«يا رجل بالسريانية »** وقيل بغيرها من لغات العجم، وحكي أنها لغة يمنية في عك[(١)](#foonote-١) وأنشد الطبري :\[ الطويل \]
دعوت بطه في القتال فلم يجب. . . فخفت عليه أن يكون موائلاً[(٢)](#foonote-٢)
ويروى مزايلاً وقال الآخر :\[ البسيط \]
 إن السفاهة طه من خلائقكم. . . لا بارك الله في القوم الملاعين[(٣)](#foonote-٣)
وقالت فرقة : سبب نزول الآية إنما هو ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحمله من مشقة الصلاة حتى كانت قدماه تتورم ويحتاج إلى الترويح[(٤)](#foonote-٤) بين قدميه فقيل له : طأ الأرض أي لا تتعب حتى تحتاج إلى الترويح[(٥)](#foonote-٥)، فالضمير في  طه  للأرض وخففت الهمزة فصارت ألفاً ساكنة، وقرأت **«طه »** وأصله : طأ فحذفت الهمزة وأدخلت هاء السكت، وقرأ ابن كثير وابن عامر **«طَهَ »** بفتح الطاء والهاء وروي ذلك عن قالون عن نافع، وروي يعقوب عنه كسرهما، وروي عنه بين الكسر والفتح، وأمالت فرقة، والتفخيم لغة الحجاز والنبي عليه السلام، وقرأ عاصم[(٦)](#foonote-٦) وحمزة والكسائي بكسر الطاء والهاء، وقرأ أبو عمر و **«طَهِ »** بفتح الطاء وكسر الهاء، وقرأت فرقة **«طَهْ »** بفتح الطاء وسكون الهاء، وقد تقدمت، وروي عن الضحاك وعمرو بن فائد أنهما قرآ **«طاوي »**.

١ عك: اسم قبيلة من قبائل اليمن..
٢ هذا البيت لمتمم بن نويرة، شقيق مالك بن نويرة، وهو في الطبري والقرطبي، ويروى: هتفت بطه، والموائل: طالب النجاة الذي يلجأ إلى الشيء لينجو بنفسه. والمزايل: المفارق المبارح، يقول: دعوت في القتال بقولي: يا رجل، فلم يجب، فخفت عليه أن يكون قد فارقنا طلبا للنجاة، والشاهد أن (طه) هنا بمعنى: يا رجل..
٣ البيت ليزيد بن المهلهل، ويروى:
 إن السفاهة طه من شمائلكم لا قدس الله أرواح الملاعين
 والخلائق: جمع خليقة، وهي الطبيعة التي يخلق المرء بها، والبيت شاهد على أن معنى (طه) يا رجل عند بعض العرب..
٤ هكذا في الأصول، والظاهر أن يقال: "تتورمان وتحتاجان"..
٥ يريد أنه من تعبه يقف على قدم ويريح الثانية، ثم يبدلهما فيقف على التي ارتاحت ويريح الأخرى، وهكذا..
٦ قراءة عاصم برواية حفص عنه بفتح الطاء والهاء مع مدهما، أما هذه فرواية أخرى..

### الآية 20:2

> ﻿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ [20:2]

وقوله  لتشقى  قالت فرقة : معناه لتبلغ عن نفسك في العبادة والقيام في الصلاة، وقالت فرقة : إنما سبب الآية أن قريشا لما نظرت إلى عيش رسول صلى الله عليه وسلم وشظفه وكثرة عبادته قالت : إن محمداً مع ربه في شقاء فنزلت الآية رادة عليهم، أي إن الله لم ينزل القرآن ليجعل محمداً شقياً بل ليجعله أسعد بني آدم بالنعيم المقيم في أعلى المراتب، فالشقاء الذي رأيتم هو نعيم النفس ولا شقاء مع ذلك ع : فهذا التأويل أعم من الأول في لفظة الشقاء.

### الآية 20:3

> ﻿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَىٰ [20:3]

وقوله  إلا تذكرة  يصح أن ينصب على البدل من موضع  لتشقى  ويصح أن ينصب بفعل مضمر تقديره لكن أنزلناه تذكرة، و  يخشى  يتضمن الإيمان والعمل الصالح إذ الخشية باعثة على ذلك.

### الآية 20:4

> ﻿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى [20:4]

وقوله  تنزيلاً  نصب على المصدر، وقوله  ممن خلق الأرض والسماوات العلى  صفة أقامها مقام الموصوف، وأفاد ذلك العبرة والتذكرة وتحقير الأوثان وبعث النفوس على النظر، و  العلى  جمع عليا فعلى.

### الآية 20:5

> ﻿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ [20:5]

وقوله  الرحمنُ  رفع بالابتداء ويصح أن يكون بدلاً من الضمير المستقر في  خلق . وقوله  استوى  قالت فرقة : هو بمعنى استولى، وقال أبو المعالي وغيره من المتكلمين : هو بمعنى استواء القهر والغلبة، وقال سفيان الثوري : فعل فعلاً في العرش سماه استواء وقال الشعبي وجماعة غيره : هذا من متشابه القرآن يؤمن به ولا يعرض لمعناه، وقال مالك بن أنس لرجال سأله عن هذا الاستواء فقال له مالك : الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والسؤال عن هذا بدعة وأظنك رجل سوء أخرجوه عني، فأدبر السائل وهو يقول : يا أبا عبد الله لقد سألت عنها أهل العراق وأهل الشام فما وفق احد توفيقك. 
قال القاضي أبو محمد : وضعف أبو المعالي قول من قال لا يتكلم في تفسيرها بأن قال إن كل مؤمن يجمع على أن لفظة الاستواء ليست على عرفها في معهود الكلام العربي، فإذا فعل هذا فقد فسر ضرورة ولا فائدة في تأخره على طلب الوجه والمخرج البين، بل في ذلك البأس على الناس وإيهام للعوام، وقد تقدم القول في مسألة الاستواء.

### الآية 20:6

> ﻿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَىٰ [20:6]

وقوله  له ما في السماوات  الآية تماد في الصفة المذكورة المنبهة على الخالق المنعم، وفي قوله  ما تحت الثرى  قصص في أمر الحوت ونحوه اختصرته لعدم صحته، والآية مضمنة أن كل موجود محدث فهو لله بالملك والاختراع ولا قديم سواه تعالى. و  الثرى  التراب الندي.

### الآية 20:7

> ﻿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى [20:7]

وقوله  وإن تجهر بالقول  معناه وإن كنتم أيها الناس إذ أردتم إعلام أحد بأمر أو مخاطبة أوثانكم وغيرها فأنتم تجهرون بالقول فإن الله الذي هذه صفاته  يعلم السر وأخفى  فالمخاطبة ب  تجهر  لمحمد عليه السلام وهي مراد جميع الناس إذ هي آية اعتبار، واختلف الناس في ترتيب  السر  وما هو  أخفى  منه، فقالت فرقة  السر  هو الكلام الخفي كقراءة السر في الصلاة، و ******«الأخفى »****** هو ما في النفس، وقالت فرقة وهو ما في النفس متحصلاً، و ******«الأخفى »****** هو ما سيكون فيها في المستأنف، وقالت فرقة  السر  هو ما في نفوس البشر، وكل ما يمكن أن يكون فيها في المستأنف بحسب الممكنات من معلومات البشر، و ******«الأخفى »****** هو ما من معلومات الله لا يمكن أن يعلمه البشر البتة ع : فهذا كله معلوم لله عز وجل. 
وقد تؤول على بعض السلف أنه جعل  أخفى  فعلاَ ماضياً وهذا ضعيف.

### الآية 20:8

> ﻿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ [20:8]

و  الأسماء الحسنى  يريد بها التسميات التي تضمنتها المعاني التي هي في غاية الحسن ووحد الصفة مع جمع الموصوف لما كانت التسميات لا تعقل، وهذا جار مجرى  مآرب أخرى [(١)](#foonote-١) \[ طه : ١٨ \]  ويا جبال أوبي معه [(٢)](#foonote-٢) \[ سبأ : ١٠ \] وغيره، وذكر أهل العلم أن هذه الأسماء هي التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم **«إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة »**[(٣)](#foonote-٣) وذكرها الترمذي وغيره مسنده.

١ من الآية (١٨) من هذه السورة (طه)..
٢ من الآية (١٠) من سورة (سبأ)..
٣ أخرجه أبو نعيم في الحلية، وقد ذكره السيوطي في الجامع الصغير، وقال: هو عن علي رضي الله عنه، ورمز له بأنه ضعيف، ولفظه كما ذكره: (إن لله عز وجل تسعة وتسعين اسما، مائة غير واحد، إنه وتر يحب الوتر، وما من عبد يدعو بها إلا وجبت له الجنة)..

### الآية 20:9

> ﻿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ [20:9]

هذا الاستفهام هو توقيف مضمنه تنبيه النفس إلى استماع ما يورد عليها، وهذا كما تبدأ الرجل إذا أدرت إخباره بأمر غريب فتقول أعلمت كذا وكذا، ثم تبدأ تخبره. والعامل في  إذ  ما تضمنه قوله  حديث  من معنى الفعل، وتقديره  وهل أتاك  ما فعل موسى.

### الآية 20:10

> ﻿إِذْ رَأَىٰ نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى [20:10]

إذ رأى ناراً  أو نحو هذا، وكان من قصة موسى عليه السلام أنه رحل من مدين بأهله بنت شعيب وهو يريد أرض مصر وقد طالت مدة جنايته هنالك فرجا خفاء أمره، وكان فيما يزعمون رجلا غيورا، فكان يسير الليل بأهله ولا يسير النهار مخافة كشفة الناس، فضل عن طريقه في ليلة مظلمة وندية ويروى أنه فقد الماء فلم يدر أين يطلبه فبينما هو كذلك وقد قدح بزنده فلم يور شيئاً  إذ رأى ناراً فقال لأهله امكثوا  أي أقيموا، وذهب هو إلى النار فإذا هي مضطرمة في شجرة خضراء يانعة قيل كانت من عناب، وقيل من عوسج، وقيل من عليقة، فلما دنا منها تباعدت منه ومشت، فإذا رجع عنها اتبعته فلما رأى ذلك أيقن أن هذا أمر من أمور الله تعالى الخارقة للعادة، وانقضى أمره كله في تلك الليلة، هذا قول الجمهور، وهوالحق، وحكى النقاش عن ابن عباس أنه قال : أقام في ذلك الأمر حولاً ومكثه أهله ع : وهذا غير صحيح عن ابن عباس وضعيف في نفسه. و  آنست  معناه أحسست ومنه قول الحارث بن حلزة :\[ الخفيف \]
آنست نبأة وروعها القَنْ. . . ناص ليلاً وقد دنا الإمساء[(١)](#foonote-١)
والنار على البعد لا تحس إلا بالأبصار، فلذلك فسر بعضهم اللفظ ب رأيت، و **«آنس »** أعم من  رأى  لأنك تقول آنست من فلان خيراً أو شراً. و **«القبس »** الجذوة من النار تكون على رأس العود أو القصبة أو نحوه، و ****«الهدى »**** أراد الطريق، أي لعلي أجد ذا هدى أي مرشداً لي أو دليلا، وان لم يكن مخبراً. و ****«الهدى »**** يعم هذا كله وإنما رجا موسى عليه السلام هدى نازلته فصادف الهدى على الإطلاق، وفي ذكر قصة موسى بأسرها في هذه السورة تسلية للنبي عما لقي في تبليغه من المشقات وكفر الناس فإنما هي له على جهة التمثيل في أمره. وروي عن نافع وحمزة **«لأهلهُ امكثوا »** بضمة الهاء وكذلك في القصص[(٢)](#foonote-٢)، وكسر الباقون الهاء فيهما.

### الآية 20:11

> ﻿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَىٰ [20:11]

وقوله تعالى  فلما أتاها  الضمير عائد على النار، وقوله  نودي  كناية عن تكليم الله له، وفي  نودي  ضمير يقوم مقام الفاعل، وإن شئت جعلته موسى إذ قد جرى ذكره.

### الآية 20:12

> ﻿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى [20:12]

وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي **«إني »** بكسر الألف على الابتداء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو **«أني »** بفتح الألف على معنى **«لأجل أني »**  أنا ربك فاخلع نعليك ، و  نودي  قد توصل بحرف الجر وأنشد أبو علي :\[ الكامل \]
ناديت باسم ربيعة بن مكدم. . . ان المنوه باسمه الموثوق[(١)](#foonote-١)
واختلف المتأولون في السبب الذي من أجله أمر بخلع النعلين، فقالت فرقة كانتا من جلد حمار ميت فأمر بطرح النجاسة، وقالت فرقة بل كانت نعلاه من جلد بقرة ذكي لكن أمر بخلعها لينال بركة الوادي المقدس وتمس قدماه تربة الوادي، وتحتمل الآية معنى آخر هو الأليق بها عندي، وذلك أن الله تعالى أمره أن يتواضع لعظم الحال التي حصل فيها، والعرف عند الملوك أن تخلع النعلان ويبلغ الإنسان إلى غاية تواضعه، فكأن موسى عليه السلام أمر بذلك على هذا الوجه، ولا نبالي كانت نعلاه من ميتة أو غيرها، و  المقدس  معناه المطهر، و  طوى  معناه مرتين مرتين، فقالت فرقة معناه قدس مرتين، وقالت فرقة معناه طويته أنت، أي سرت به، أي طويت لك الأرض مرتين من طيك، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي **«طوىً »** بالتنوين على أنه اسم المكان، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ****«طوى »**** على أنه اسم البقعة دون تنوين، وقرأ هؤلاء كلهم بضم الطاء، وقرأ أبو زيد عن أبي عمرو بكسر الطاء، وقرأت فرقة **«طاوي »** وقالت فرقة هو اسم الوادي، و ****«طوى »**** على التأويل الأول بمنزلة قولهم ثنى وثنى أي مثنياً. 
وقرأت فرقة " بالواد المقدس طاوى ".

١ نوهت باسمه: رفعت ذكره، يقال: نوه فلان بفلان إذا رفعه وطير به وقواه، وفي حديث الزبير: أنه نوه به علي، أي: شهره وعرفه. والموثوق: يريد الموثوق به، يقال: وثق به يثق: ائتمنه، فالشاعر هنا يرفع ذكر ربيعة هذا ويثق به لأنه موضع الثقة. والشاهد أنه وصل الفعل (نادى) بحرف الجر حين قال: (ناديت باسم ربيعة)، هذا وربيعة بن مكدم فارس جاهلي مشهور، وبنته أم عمرو، ولها شعر ترثيه به، قال ذلك في (التاج)، ولعل هذا البيت من شعرها فيه. وقال في اللسان: رجل مكدم إذا لقي قتالا فأثرت فيه الجراح..

### الآية 20:13

> ﻿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ [20:13]

وقرأ السبعة غير حمزة **«وأنا اخترتك »** ويؤيد هذه القراءة تناسبها مع قوله  أنا ربك  وفي مصحف أبي بن كعب **«وأني اخترتك »**، وقرأ حمزة **«وأنّا اخترناك »** بالجمع وفتح الهمزة وشد النون، والآية على هذا بمنزلة قوله  سبحان الذي أسرى بعبده [(١)](#foonote-١) \[ الإسراء : ١ \] ثم قال  وآتينا [(٢)](#foonote-٢) \[ الإسراء : ٢ \] فخرج من إفراد إلى جمع، وقرأت فرقة وإنا اخترناك «يكسر الألف. 
قال القاضي أبو محمد : وحدثني أبي رضي الله عنه قال : سمعت أبا الفضل بن الجوهري يقول : لما قيل لموسى  فاستمع  وقف على حجر، واستند إلى حجر، ووضع يمينه على شماله وألقى ذقنه على صدره، ووقف يستمع وكان كل لباسه صوفاً.

١ من الآيتين (١، ٢) من سورة (الإسراء)..
٢ من الآيتين (١، ٢) من سورة (الإسراء)..

### الآية 20:14

> ﻿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي [20:14]

وقوله  وأقم الصلاة لذكري  يحتمل أن يريد لتذكيري فيها أو يريد لأذكرك في عليين بها فالمصدر على هذا يحتمل الإضافة إلى الفاعل أو إلى المفعول واللام لام السبب، وقالت فرقة معنى قوله  لذكري  أي عند ذكري إذا ذكرتني وأمري لك بها، فاللام على هذا بمنزلتها في قوله  أقم الصلاة لدلوك الشمس [(١)](#foonote-١) \[ الإسراء : ٧٨ \] وقرأت فرقة » للذكرى **«، وقرأت فرقة »** لذكرى **«بغير تعريف[(٢)](#foonote-٢)، وقرأت فرقة »** للذكر «.

١ من الآية (٧٨) من سورة (الإسراء)..
٢ أي: بألف التأنيث وبغير لام التعريف..

### الآية 20:15

> ﻿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ [20:15]

في قوله  إن الساعة آتية  تحذير ووعيد، أي اعبدني فإن عقابي وثوابي بالمرصاد، و  الساعة  في هذه الآية القيامة بلا خلاف، وقرأ ابن كثير والحسن وعاصم[(١)](#foonote-١) **«أكاد أخفيها »** بفتح الهمزة بمعنى أظهرها أي أنها من صحة وقوعها وتيقن كونه تكاد تظهر لكن تنحجب إلى الأجل المعلوم، والعرب تقول خفيت الشيء بمعنى أظهرته ومنه قول امرىء القيس :\[ الطويل \]
خفاهن من أنفاقهن كأنما. . . خفاهن ودق من سحاب مجلّب[(٢)](#foonote-٢)
ومنه قوله أيضاً :\[ المتقارب \]
 فإن تدفنوا الداء لا نخفه. . . وإن توقدوا الحرب لا نقعد[(٣)](#foonote-٣)
قال أبو علي : المعنى : أزيل خفاءها، وهو ما تلف به القربة ونحوها. وقرأ الجمهور **«أُخفيها »** بضم الهمزة، واختلف المتأولون في معنى الآية فقالت فرقة : معناه أظهرها وأخفيت من الأضداد، وهذا قول مختل، وقالت فرقة معناه،  أكاد أخفيها  من نفسي على معنى العبارة من شدة غموضها على المخلوقين، فقالت فرقة : المعنى  إن الساعة آتية أكاد  وتم الكلام بمعنى  أكاد  أنفذها لقربها وصحة وقوعها ثم استأنف الإخبار بأن يخفيها[(٤)](#foonote-٤)، وهذا قلق، وقالت فرقة  أكاد  زائدة[(٥)](#foonote-٥) لا دخول لها في المعنى بل تضمنت الآية الإخبار بأن الساعة آتية وأن الله يخفي وقت إتيانها عن الناس، وقالت فرقة  أكاد  بمعنى أريد، فالمعنى أريد إخفاءها عنكم  لتجزى كل نفس بما تسعى  واستشهد قائل هذه المقالة بقول الشاعر :\[ الكامل \]
كادت وكدت وتلك خير إرادة. . . [(٦)](#foonote-٦) وقد تقدم هذا المعنى، وقالت فرقة  أكاد  على بابها بمعنى أنها متقاربة ما لم يقع، لكن الكلام جار على استعارة العرب ومجازها، فلما كانت الآية عبارة عن شدة خفاء أمر القيامة ووقتها وكان القطع بإتيانها مع جهل الوقت أهيب على النفوس بالغ قوله تعالى في إبهام وقتها فقال  أكاد أخفيها  حتى لا تظهر البتة ولكن ذلك لا يقع ولا بد من ظهورها، هذا تلخيص هذا المعنى الذي أشار إليه بعض المفسرين وهو الأقوى عندي، ورأى بعض القائلين بأن المعنى  أكاد أخفيها  من نفسي ما في القول من القلق فقالوا معنى من نفسي من تلقائي ومن عندي ع وهذا رفض للمعنى الأول ورجوع إلى هذا القول الذي اخترناه أخيراً فتأمله، واللام في قوله  لتجزى  متعلقة ب  آتية  وهكذا يترتب الوعيد. و  تسعى  معناه تكسب وتجترح.

١ أي: في رواية أبي بكر عنه، أما رواية حفص فهي بالضم كالجمهور..
٢ البيت من قصيدة امرئ القيس (خليلي مرا بي على أم جندب) التي قالها في وصف الفرس، وعارضه علقمة بأخرى مثلها، وفضلت (أم جندب) زوجة امرئ القيس علقمة على زوجها، فطلقها. وضمير الفاعل في (خفاهن) يعود على الفرس الذي يصفه امرئ القيس، أما المفعول فيها عائد على (اليرابيع) التي عبر عنها بالفأر في البيت السابق، ومعنى خفاهن: أخرجهن أو أظهرهن، والأنفاق: جمع نفق، وهو السرب تحت الأرض، يريد الأنفاق التي اختبأت فيها الفئران تحت الأرض، والودق: المطر، والمجلب: الذي له جلبة وضجيج، وروي: "من سحاب مركب"، يقول: إن الفرس من شدة جريه وركضه قد أخرج الفئران من أنفاقها، كأنما أخرجها دوي المطر الشديد وجلبته. والشاهد أن (خفى) بمعنى: أظهر وأخرج..
٣ هذا البيت أنشده الفراء في (معاني القرآن)، وهو في اللسان، والتاج، والقرطبي، ومجاز القرآن، والطبري، وهو من قصيدة امرئ القيس التي يتهدد فيها بني أسد، والتي بدأها بقوله:
 تطاول ليلك بالإثمد ونام الخلي ولم ترقد
 ورواية الفراء (لا نخفه) بفتح النون، من خفيته أخفيه، وهذا هو موضع الشاهد هنا كما أراد ابن عطية، ولكن البيت روي بضم النون في (لا نخفه)، ومعناها: لا نظهره، كما قال الطبري، وقال: إن الذين وجهوا الإخفاء في هذا الموضع إلى الإظهار اعتمدوا على ما ذكروا من سماعهم هذا البيت على ما وصفت من ضم النون، ولكن الصواب أنه بفتح النون". والآراء كثيرة في معنى قوله تعالى: أكاد أخفيها. وقد ذكر المؤلف أكثرها..
٤ واستشهدوا لذلك بقول ضابئ بن الحارث البرجمي:
 هممت ولم أفعل وكدت وليتني تركت على عثمان تبكي أقاربه
 وذلك أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أراد تأديبه لفحشه وهجائه للناس، فلما دعي ليقابل الخليفة ربط سكينا إلى ساقه ليقتله بها، لكن أمره افتضح فضرب ووضع في السجن، وقد مات فيه. والشاهد في قوله: (كدت)، أي: كدت أفعل ما نويت من قتل عثمان، وعلى هذا قالوا: إن معنى الآية: إن الساعة آتية أكاد آتي بها، ثم ابتدأ سبحانه وتعالى فقال: ولكني أخفيها لتجزي كل نفس بما تسعى..
٥ كذلك استشهد هؤلاء بكثير من الشعر، ومما استشهدوا به قول ذي الرمة:
 إذا غير النأي المحبين لم يكد رسيس الهوى من حب مية يبرح
 والنأي: البعد، ورسيس الهوى: أوله، أو ما خفي منه، أو مسه، فالمعنى عندهم: "لم يبرح رسيس الهوى من حب مية" وعلى هذا تكون (يكد) زائدة، ويؤيد هذا الرواية الأخرى التي ذكرها اللسان في البيت، وهي: (لم أجد رسيس الهوى)، والحقيقة أن لهذه الرواية خبرا، فقد انتقد ابن شبرمة قاضي البصرة ذا الرمة حين سمعه ينشد القصيدة في المربد، فعدل ذو الرمة إلى الرواية الثانية، لكن أكثر النقاد قالوا: إن بديهة ذي الرمة في الرواية الأولى أجود من رويته وتفكيره في الثانية، وقالوا: إن معنى لم يكد): لم يقرب، وإن نفي مقاربة الشيء أبلغ من = نفي الشيء، فيكون معنى البيت: إذا غير البعاد قلوب المحبين فبعاد مية عني لا يذهب بما أحس لها من حب مقيم، ولا يقارب حتى أن يذهب به..
٦ هذا صدر بيت، وهو بتمامه:
 كادت وكدت وتلك خير إرادة لو عاد من عهد الصبابة ما مضى
 وقد سبق الاستشهاد به عند تفسير قوله تعالى: تكاد السماوات يتفطرن منه الآية (٩٠) من سورة (مريم) ـ وهو في اللسان (كيد)، وهو شاهد على أن (كاد) بمعنى (أراد)، ومثله في ذلك ما أنشده أبو بكر للأفوه الأودي:
 فإن تجمع أوتاد وأعمدة وساكن بلغوا الأمر الذي كادوا
 أي: الأمر الذي أرادوا. (راجع اللسان والتاج)..

### الآية 20:16

> ﻿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَىٰ [20:16]

والضمير في قوله  عنها  عائد على ‹الساعة›، يريد الإيمان بالساعة فأوقع الضمير عليها، ويحتمل أن يعود على  الصلاة  \[ طه : ١٤ \] وقالت فرقة المراد عن لا إله إلا الله ع : وهذا متجه، والأولان أبين وجهاً. وقوله  فتردى  معناه تهلك والردى الهلاك ومنه قوله دريد بن الصمة :\[ الطويل \]
تنادوا فقالوا أردت الخيل فارساً. . . فقلت أعبد الله ذلكمُ الردي ؟[(١)](#foonote-١)
وهذا الخطاب كله لموسى عليه السلام وكذلك ما بعده، وقال النقاش : الخطاب ب  فلا يصدنك  لمحمد عليه السلام وهذا بعيد، وفي مصحف عبد الله بن مسعود **«أكاد أخفيها من نفسي »** وعلى هذه القراءة تركب ذلك القول المتقدم.

١ البيت من قصيدة له يرثي بها أخاه عبد الله، وهو في الأغاني، والعيني، والحماسة، والشعر والشعراء، والجمهرة، ولباب الآداب، وتفسير البحر، وأردت: أهلكت، والردي: الهالك. يقول: حين أعلنوا أن الخيل قد أهلكت أحد الفرسان أحسست بالمصيبة وقلت: أهو عبد الله هذا الذي هلك؟ هذا والقصيدة هي الأصمعية الثامنة والعشرون..

### الآية 20:17

> ﻿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ [20:17]

وقوله عز وجل  وما تلك بيمينك يا موسى  تقرير مضمنه التنبيه وجمع النفس لتلقي ما يورد عليها وإلا فقد علم ما هي في الأزل، وقوله  بيمينك  من صلة تلك وهذا نظير قول الشاعر يزيد بن ربيعة :\[ الطويل \]
 عدسْ ما لعباد عليك إمارة. . . نجوت وهذا تحملين طليق[(١)](#foonote-١)
قال ابن الجوهري : وروي في بعض الآثار أن الله تعالى عتب على موسى إضافة العصا إلى نفسه في ذلك الموطن فقيل له  ألقها  \[ طه : ١٩ \] ليرى منها العجب فيعلم أنه لا ملك له عليها ولا تضاف إليه.

١ هذا البيت ليزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري، وهو في الخزانة، وحاشية الأمير، والأغاني، والطبري، والمحتسب، واللسان، وابن الشجري، والإنصاف، وابن يعيش، والشذور، والعيني، والهمع، والتصريح، والأشموني، وشرح شواهد المغني، والديوان. وقوله: (عدس) هو زجر للبغل، وربما سموا البغل عدس، وعباد هو أخو عبيد الله ابن زياد، وكان أميرا على سجستان، وكان قد سجن الشاعر لشعر قاله، إلا أن اليمانية كلموا معاوية بشأنه فأرسل بريدا خاصا يحمل أمرا بإطلاقه، ولما أطلق سراحه قدم له بغل من بغال البريد ليركبه فقال هذا البيت في مطلع أبيات تجدها مع القصة كاملة في خزانة الأدب. و (هذا): اسم إشارة، وقد وصل بجملة (تحملين)، فصار من الأسماء الموصولة في رأي بعض النحويين. فيكون (هذا) مبتدأ، وجملة (تحملين) صلة، و (طليق) خبر، أي: والذي تحملينه طليق..

### الآية 20:18

> ﻿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ [20:18]

وقرأ الحسن وأبو عمرو بخلاف عنه **«عصاي »** بكسر الياء مثل غلامي[(١)](#foonote-١)، وقرأت فرقة **«عصى »** وهي لغة هذيل ومنه قول أبي ذؤيب :\[ الكامل \]
سبقوا هويَّ وأعنقوا لهواهم. . . [(٢)](#foonote-٢) وقرأ الجمهور **«عصايَ »** بفتح الياء، وقرأ ابن أبي إسحاق **«عصايْ »** بياء ساكنة، ثم ذكر موسى عليه السلام من منافع عصاه عظمها وجمهورها[(٣)](#foonote-٣)، وأجمل سائر ذلك، وقرأ الجمهور **«وأهُشُّ »** بضم الهاء والشين المنقوطة ومعناه أخبط بها الشجر حتى ينتثر بها الورق للغنم، وقرأ إبراهيم النخعي **«وأهِش »** بكسر والمعنى كالذي تقدم، وقرأ عكرمة مولى ابن عباس **«وأهُسُّ »** بضم الهاء والسين غير المنقوطة ومعناه أزجر بها وأخوف، وقرأت فرقة **«علي غنمي »** بالجر، وقرأت **«غنمي »** فأوقع الفعل على الغنم، وقرأت **«غنْمي »** بسكون النون ولا أعرف لها وجهاً، وقوله  أخرى  فوحد مع تقدم الجمع وهو المهيع في توابع جمع ما لا يعقل والكناية عنه فإن ذلك يجري مجرى الواحدة المؤنثة كقوله تعالى : الأسماء الحسنى [(٤)](#foonote-٤) \[ طه : ٨ \] وكقوله  يا جبال أوبي معه [(٥)](#foonote-٥) \[ سبأ : ١٠ \] وقد تقدم القول في هذا المعنى غير مرة[(٦)](#foonote-٦)، وعصا موسى عليه السلام هي التي كان أخذها من بيت عصا الأنبياء التي كان عند شعيب حين اتفقا على الرعية، وكانت عصا آدم هبط بها من الجنة وكانت من العير الذي في ورق الريحان وهو الجسم المستطيل في وسطها وقد تقدم شرح أمرها فيما مضى.

١ قال هذا ابن مجاهد، ورفضه ابن جني، فقال في المحتسب: "وقول ابن مجاهد: "مثل غلامي" لا وجه له؛ لأن الكسرة في ياء (عصاي) لالتقاء الساكنين، والكسرة في ميم (غلامي) هي التي تحدثها ياء المتكلم، أفترى أن في (عصاي) بعد ياء المتكلم ياء له أخرى حتى يكون للمتكلم ياءان؟ وهدا محال، وإنما غرضه أن الياء في (عصاي) مكسورة كما أن ميم (غلامي) مكسورة، وأساء التمثيل على ما ترى". ثم قال: "وكسر الياء في هذا ضعيف"..
٢ هذا صدر بيت، وهو بتمامه مع بيت قبله:
 ولقد أرى أن البكاء سفاهة ولسوف يولع بالبكى من يفجع
 سبقوا هوي وأعنقوا لهواهم فتخرموا ولكل جنب مصرع
 وأبو ذؤيب يرثي أولاده ويبكيهم، فقد ماتوا واحدا بعد الآخر وتركوه وحيدا على غير هواه، فالضمير في (سبقوا) يعود على أولاده، وهوي لغة هذيل في (هواي)، يقولون ذلك في جميع المقصور، فيقولون: عصي وتقي. وأعنقوا: تبع بعضهم بعضا وماتوا قبلي، ولم يلبثوا كما كنت أهوى، وكنت أحب أن أموت قبلهم ولكنهم خالفوا ذلك فكأن هذا كان هوى لهم. وقيل: جعل موتهم مضيا لهواهم من باب ومكروا ومكر الله، فالله تعالى لا يمكر، ولكن لما قال: \[مكروا\] جرى اللفظ على الأول، وهنا فإن موتهم لم يكن هوى لهم، ولكن جرى اللفظ على الأول. أما قوله: (ولكل جنب مصرع) فمعناه أن كل حي لا بد أن يموت..
٣ عظم الشيء: أكثره، وجمهور الشيء: أكثره. فالمراد أنه ذكر أكثر منافع عصاه..
٤ من الآية (٨) من هذه السورة (طه)..
٥ من الآية (١٠) من سورة (سبأ)..
٦ آخرها عند تفسير قوله تعالى في الآية (٨) من هذه السورة: الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى..

### الآية 20:19

> ﻿قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَىٰ [20:19]

لما أراد الله تعالى أن يدربه في تلقي النبوءة وتكاليفها أمره بإلقاء العصا.

### الآية 20:20

> ﻿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ [20:20]

فألقاها  موسى فقلب الله أوصافها وأعراضها، وكانت عصا ذات شعبتين فصار الشعبتان لها فماً وصارت  حية تسعى  أي تنتقل وتمشي وتلتقم الحجارة، فلما رآها موسى رأى عبرة فولى مدبراً ولم يعقب.

### الآية 20:21

> ﻿قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ ۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَىٰ [20:21]

فقال الله تعالى له : خذها ولا تخف  وذلك أنه أوجس في نفسه خفية أي لحقه ما يلحق بالبشر، وروي أن موسى تناولها بكمي جبته فنهي عن ذلك، فأخذها بيده فصارت عصا كما كانت أول مرة وهي  سيرتها الأولى .

### الآية 20:22

> ﻿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَىٰ [20:22]

ثم أمره الله عز وجل أن يضم يده إلى جنبه وهو الجناح استعارة ومجازاً ومنه قول الراجز :\[ الرجز \]
**«أضمه للصدر والجناح »**. . . [(١)](#foonote-١) وبعض الناس يقولون الجناح اليد وهذا كله صحيح على طريق الاستعارة، ألا ترى أن جعفر بن أبي طالب يسمى ذا الجناحين بسبب يديه حين أقيمت له الجناحان مقام اليدين بجناح طائر[(٢)](#foonote-٢) وكل مرعوب من ظلمة أو نحوها فإنه إذا ضم يده إلى جناحه فتر رعبه وربط جأشه فجمع الله لموسى عليه السلام تفتير الرعب مع الآية في اليد، وروي أن يد موسى خرجت بيضاء تشف وتضيء كأنها الشمس. وقوله  من غير سوء ، أي من غير برص ولا مثله بل هو أمر ينحسر ويعود لحكم الحاجة إليه.

١ لم أقف على قائل هذا الرجز، وفي اللسان (جنح): "وجناح الإنسان: يده، ويدا الإنسان: جناحاه، وفي التنزيل واخفض لهما جناح الذل من الرحمة، وفيه: واضمم إليك جناحك من الرهب، وقال الزجاج: معنى جناحك العضد، ويقال: اليد كلها جناح، وجمعه أجنحة وأجنح"..
٢ هو جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب، أخو علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، كان من السابقين إلى الإسلام، وقد حضر معركة مؤتة بالبلقاء في الشام، فنزل عن فرسه وقاتل، ثم حمل الراية وتقدم الصفوف فقطعت يمناه، فحملها بيسراه وقاتل فقطعت أيضا، فاحتضن الراية إلى صدره وقاتل حتى وقع شهيدا وفي جسمه نحو تسعين طعنة ورمية، وقيل: إن الله تبارك وتعالى عوضه عن يديه بجناحين في الجنة، وقال حسان فيه:
 فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر
 ولقد لقب جعفر بالطيار، روى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (دخلت الجنة فرأيت جعفر يطير مع الملائكة وجناحاه مضرجان بالدم)..

### الآية 20:23

> ﻿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى [20:23]

وقوله  لنريك من آياتنا الكبرى  يحتمل أن يريد وصف الآيات بالكبر على ما تقدم من قوله  الأسماء الحسنى  \[ طه : ٨ \]، و  مآرب أخرى  \[ طه : ١٨ \] ونحوه، ويحتمل أن يريد تخصيص هاتين الآيتين فإنهما أكبر الآيات كأنه قال لنريك الكبرى فهما معنيان.

### الآية 20:24

> ﻿اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ [20:24]

ثم أمره تبارك وتعالى بالذهاب إلى فرعون وهو مصعب بن الريان في بعض ما قيل، وقيل غير هذا، ولا صحة لشيء من ذلك. و  طغى  معناه تجاوز الحد في فساد.

### الآية 20:25

> ﻿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي [20:25]

قوله  قال رب اشرح لي صدري  الآية، لما أمره الله تعالى بالذهاب الى فرعون علم أنها الرسالة وفهم قدر التكاليف فدعا الله في المعونة إذ لا حول له إلا به. و  اشرح لي صدري  معناه «لفهم ما يرد علي من الأمور.

### الآية 20:26

> ﻿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي [20:26]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٥:قوله  قال رب اشرح لي صدري  الآية، لما أمره الله تعالى بالذهاب الى فرعون علم أنها الرسالة وفهم قدر التكاليف فدعا الله في المعونة إذ لا حول له إلا به. و  اشرح لي صدري  معناه «لفهم ما يرد علي من الأمور. ---

### الآية 20:27

> ﻿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي [20:27]

والعقدة التي دعا في حلها هي التي اعترته بالجمرة التي جعلها في فيه حين جربه فرعون ». وروي في ذلك أن فرعون أراد قتل موسى وهو طفل حين مد يده إلى لحية فرعون، فقالت له امرأته إنه لا يعقل، فقال بل هو يعقل وهو عدو لي، فقالت له نجربه، قال أفعل، فدعت بجمرات من نار وبطبق فيه ياقوت فقالا : إن أخذ الياقوت علمنا أنه يعقل، وإن أخذ النار عذرناه فمد موسى يده إلى جمرة فأخذها فلم تعد على يده، فجعلها في فمه فأحرقته وأورث لسانه عقدة في كبره أي : حبسة ملبسة في بعض الحروف. 
قال ابن الجوهري **«كف الله تعالى النار عن يده لئلا يقول النار طبعي واحترق لسانه لئلا يقول موسى مكانتي »** وموسى عليه السلام إنما طلب من حل العقدة قدر أن يفقه قوله، فجائز أن يكون ذلك كله زال، وجائز أن يكون بقي منه القليل، فيجتمع أن يؤتى هو سؤله وأن يقول فرعون، ولا يكاد يبين[(١)](#foonote-١)، ولو فرضناه زال جملة لكان قول فرعون سبا لموسى بحالته القديمة.

### الآية 20:28

> ﻿يَفْقَهُوا قَوْلِي [20:28]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٧:والعقدة التي دعا في حلها هي التي اعترته بالجمرة التي جعلها في فيه حين جربه فرعون ». وروي في ذلك أن فرعون أراد قتل موسى وهو طفل حين مد يده إلى لحية فرعون، فقالت له امرأته إنه لا يعقل، فقال بل هو يعقل وهو عدو لي، فقالت له نجربه، قال أفعل، فدعت بجمرات من نار وبطبق فيه ياقوت فقالا : إن أخذ الياقوت علمنا أنه يعقل، وإن أخذ النار عذرناه فمد موسى يده إلى جمرة فأخذها فلم تعد على يده، فجعلها في فمه فأحرقته وأورث لسانه عقدة في كبره أي : حبسة ملبسة في بعض الحروف. 
قال ابن الجوهري ****«كف الله تعالى النار عن يده لئلا يقول النار طبعي واحترق لسانه لئلا يقول موسى مكانتي »**** وموسى عليه السلام إنما طلب من حل العقدة قدر أن يفقه قوله، فجائز أن يكون ذلك كله زال، وجائز أن يكون بقي منه القليل، فيجتمع أن يؤتى هو سؤله وأن يقول فرعون، ولا يكاد يبين[(١)](#foonote-١)، ولو فرضناه زال جملة لكان قول فرعون سبا لموسى بحالته القديمة. ---

### الآية 20:29

> ﻿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي [20:29]

و **«الوزير »** المعين القائم بوزر الأمور وهو ثقلها ويحتمل الكلام أن طلب الوزير من أهله على الجملة.

### الآية 20:30

> ﻿هَارُونَ أَخِي [20:30]

ثم أبدل  هارون  من الوزير المطلوب، ويحتمل أن يريد واجعل هارون وزيراً، فإنما ابتدأ الطلب فيه فيكون على هذا مفعولاً أولاً ب  اجعل . وكان هارون عليه السلام أكبر من موسى بأربعة أعوام.

### الآية 20:31

> ﻿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي [20:31]

وقرأ ابن عامر وحده **«أَشدد »** بفتح الهمزة و **«أُشركه »** بضمها على أن موسى أسند هذه الأفعال إلى نفسه، ويكون الأمر هنا لا يريد به النبوءة بل يريد تدبيره ومساعيه لأن النبوة لا يكون لموسى أن يشرك فيها بشراً، وقرأ الباقون **«أُشدد »** بضم الهمزة **«وأشرك »** على معنى الدعاء في شد الأزر وتشريك هارون في النبوءة وهذه في الوجه لأنها تناسب ما تقدم من الدعاء وتعضدها آيات غير هذه بطلبه تصديق هارون إياه. و **«الأزر »** بمعنى الظهر قال أبو عبيدة كأنه قال شد به عوني واجعله مقاومي فيما أحاوله وقال امرؤ القيس :\[ الطويل \] 
 بمحنية قد آزر الضال نبتها. . . فجر جيوش غانمين وخيب[(١)](#foonote-١)
أي قاومه وصار في طوله، وفتح أبو عمرو وابن كثير الياء من  أخي  وسكنها الباقون وروي عن نافع **«وأشركهو »** بزيادة واو في اللفظ بعد الهاء.

### الآية 20:32

> ﻿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [20:32]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٠:ثم أبدل  هارون  من الوزير المطلوب، ويحتمل أن يريد واجعل هارون وزيراً، فإنما ابتدأ الطلب فيه فيكون على هذا مفعولاً أولاً ب  اجعل . وكان هارون عليه السلام أكبر من موسى بأربعة أعوام. ---

### الآية 20:33

> ﻿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا [20:33]

ثم جعل موسى عليه السلام ما طلب من نعم الله تعالى سبباً يلزم كثرة العبادة والاجتهاد في أمر الله، وقوله  كثيراً  نعت لمصدر محذوف تقديره تسبيحاً كثيراً.

### الآية 20:34

> ﻿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا [20:34]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٣:ثم جعل موسى عليه السلام ما طلب من نعم الله تعالى سبباً يلزم كثرة العبادة والاجتهاد في أمر الله، وقوله  كثيراً  نعت لمصدر محذوف تقديره تسبيحاً كثيراً. ---

### الآية 20:35

> ﻿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا [20:35]

لتلقي ما يورد عليها وإلا فقد علم الله ما هي في الأزل، وقوله بِيَمِينِكَ من صلة تلك وهذا نظير قول الشاعر يزيد بن ربيعة: \[الطويل\]

عدس ما لعباد عليك إمارة  نجوت وهذا تحملين طليق قال ابن الجوهري: وروي في بعض الآثار أن الله تعالى عتب على موسى إضافة العصا إلى نفسه في ذلك الموطن فقيل له أَلْقِها \[طه: ١٩\] ليرى منها العجب فيعلم أنه لا ملك له عليها ولا تضاف إليه، وقرأ الحسن وأبو عمرو بخلاف عنه ******«عصاي»****** بكسر الياء مثل غلامي، وقرأت فرقة **«عصى»** وهي لغة هذيل ومنه قول أبي ذؤيب: \[الكامل\] سبقوا هويّ وأعنقوا لهواهم وقرأ الجمهور ******«عصاي»****** بفتح الياء، وقرأ ابن أبي إسحاق ******«عصاي»****** بياء ساكنة، ثم ذكر موسى عليه السلام من منافع عصاه عظمها وجمهورها، وأجمل سائر ذلك، وقرأ الجمهور **«وأهشّ»** بضم الهاء والشين المنقوطة ومعناه أخبط بها الشجر حتى ينتثر بها الورق للغنم، وقرأ إبراهيم النخعي **«وأهش»** بكسر والمعنى كالذي تقدم، وقرأ عكرمة مولى ابن عباس **«وأهسّ»** بضم الهاء والسين غير المنقوطة ومعناه أزجر بها وأخوف، وقرأت فرقة **«على غنمي»** بالجر، وقرأت ****«غنمي»**** فأوقع الفعل على الغنم، وقرأت ****«غنمي»**** بسكون النون ولا أعرف لها وجها، وقوله أُخْرى فوحد مع
 تقدم الجمع وهو المهيع في توابع جمع ما لا يعقل والكناية عنه فإن ذلك يجرى مجرى الواحدة المؤنثة كقوله تعالى: الْأَسْماءُ الْحُسْنى \[طه: ٨\] وكقوله يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ \[سبأ: ١٠\] وقد تقدم القول في هذا المعنى غير مرة، وعصا موسى عليه السلام هي التي كان أخذها من بيت عصا الأنبياء الذي كان عند شعيب حين اتفقا على الرعية، وكانت عصا آدم هبط بها من الجنة وكانت من العير الذي في ورق الريحان وهو الجسم المستطيل في وسطها وقد تقدم شرح أمرها فيما مضى.
 **قوله عز وجل:**
 \[سورة طه (٢٠) : الآيات ١٩ الى ٣٥\]
 قالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى (٢٣)
 اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٢٤) قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)
 وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (٣٣)
 وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً (٣٥)
 لما أراد الله تعالى أن يدربه في تلقي النبوءة وتكاليفها أمره بإلقاء العصا فَأَلْقاها موسى فقلب الله أوصافها وأعراضها، وكانت عصا ذات شعبتين فصار الشعبتان لها فما وصارت حَيَّةٌ تَسْعى أي تنتقل

وتمشي وتلتقم الحجارة، فلما رآها موسى رأى عبرة فولى مدبرا ولم يعقب، فقال الله تعالى له: خُذْها وَلا تَخَفْ وذلك أنه أوجس في نفسه خيفة أي لحقه ما يلحق البشر، وروي أن موسى تناولها بكمي جبته فنهي عن ذلك، فأخذها بيده فصارت عصا كما كانت أول مرة وهي سِيرَتَهَا الْأُولى ثم أمره الله عز وجل أن يضم يده إلى جنبه وهو الجناح استعارة ومجازا ومنه قول الراجز: \[الرجز\] **«أضمه للصدر والجناح»** وبعض الناس يقولون الجناح اليد وهذا كله صحيح على طريق الاستعارة، ألا ترى أن جعفر بن أبي طالب يسمى ذا الجناحين بسبب يديه حين أقيمت له الجناحان مقام اليدين شبه بجناح الطائر وكل مرعوب من ظلمة أو نحوها فإنه إذا ضم يده إلى جناحه فتر رعبه وربط جأشه فجمع الله لموسى عليه السلام تفتير الرعب مع الآية في اليد، وروي أن يد موسى خرجت بيضاء تشف وتضيء كأنها شمس. وقوله مِنْ غَيْرِ سُوءٍ، أي من غير برص ولا مثلة بل هو أمر ينحسر ويعود لحكم الحاجة إليه. وقوله لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى يحتمل أن يريد وصف الآيات بالكبر على ما تقدم من قوله الْأَسْماءُ الْحُسْنى \[طه: ٨\]، ومَآرِبُ أُخْرى \[طه: ١٨\] ونحوه، ويحتمل أن يريد تخصيص هاتين الآيتين فإنهما أكبر الآيات كأنه قال لنريك الكبرى فهما معنيان، ثم أمره تبارك وتعالى بالذهاب إلى فرعون وهو مصعب بن الريان في بعض ما قيل، وقيل غير هذا، ولا صحة لشيء من ذلك. وطَغى معناه تجاوز الحد في فساد، وقوله قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي الآية، لما أمره الله تعالى بالذهاب إلى فرعون علم أنها الرسالة وفهم قدر التكليف فدعا الله في المعونة إذ لا حول له إلا به. واشْرَحْ لِي صَدْرِي معناه **«لفهم ما يرد علي من الأمور والعقدة التي دعا في حلها هي التي اعترته بالجمرة التي جعلها في فيه حين جربه فرعون»**. وروي في ذلك أن فرعون أراد قتل موسى وهو طفل حين مد يده إلى لحية فرعون، فقالت له امرأته إنه لا يعقل، فقال بل هو يعقل وهو عدو لي، فقالت له نجربه، قال أفعل، فدعت بجمرات من نار وبطبق فيه ياقوت فقالا إن أخذ الياقوت علمنا أنه يعقل وإن أخذ النار عذرناه فمد موسى يده إلى جمرة فأخذها فلم تعد على يده، فجعلها في فمه فأحرقته وأورث لسانه عقدة في كبره أي حبسة ملبسة في بعض الحروف قال ابن الجوهري **«كف الله تعالى النار عن يده لئلا تقول النار طبعي واحترق لسانه لئلا يقول موسى مكانتي»** وموسى عليه السلام إنما طلب من حل العقدة قدر أن يفقه قوله، فجائزا أن يكون ذلك كله زال، وجائزا أن يكون بقي منه القليل، فيجتمع أن يؤتى هو سؤله وأن يقول فرعون، ولا يكاد يبين، ولو فرضناه زال جملة لكان قول فرعون سبا لموسى بحالته القديمة. و **«الوزير»** المعين القائم بوزر الأمور وهو ثقلها ويحتمل الكلام أن طلب الوزير من أهله على الجملة ثم أبدل هارُونَ من الوزير المطلوب، ويحتمل أن يريد واجعل هارون وزيرا، فإنما ابتدأ الطلب فيه فيكون على هذا مفعولا أولا ب اجْعَلْ. وكان هارون عليه السلام أكبر من موسى بأربعة أعوام، وقرأ ابن عامر وحده ****«أشدد»**** بفتح الهمزة و **«أشركه»** بضمها على أن موسى أسند هذه الأفعال إلى نفسه، ويكون الأمر هنا لا يريد به النبوءة بل يريد تدبيره ومساعيه لأن النبوءة لا يكون لموسى أن يشرك فيها بشرا، وقرأ الباقون ****«أشدد»**** بضم الهمزة **«وأشرك»** على معنى الدعاء في شد الأزر وتشريك هارون في النبوءة وهذه هي الوجه لأنها تناسب ما تقدم من الدعاء وتعضدها آيات غير هذه بطلبه تصديق هارون إياه.

### الآية 20:36

> ﻿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ [20:36]

المعنى قال الله تعالى : قد أعطيت يا موسى طلبتك في شرح الصدر وتيسير الأمر وحل العقدة إما بالكل وإما على قدر الحاجة في الإفقاه.

### الآية 20:37

> ﻿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ [20:37]

وإتيان هذا السؤال منة من الله عز وجل، فقرن إليها عز وجل قديم منته عنده على جهة التوقيف عليها ليعظم اجتهاده وتقوى بصيرته. وكان من قصة موسى فيما روي أن فرعون ذكر له أن خراب ملكه على يدي غلام من بني إسرائيل فأمر بقتل كل مولود يولد لبني إسرائيل، ثم إنه رأى مع أهل مملكته أن فناء بني إسرائيل يعود على القبط بالضرر إذ هم كانوا عملة الأرض والصناع ونحو هذا، فعزم على أن يقتل الولدان سنة ويستحييهم سنة، فولد هارون في سنة الاستحياء فكانت أمه آمنة، ثم ولد موسى في العام الرابع سنة القتل فخافت أمه عليه من الذبح فبقيت مهتمة فأوحى الله إليها، قيل بملك جاء لها وأخبرها وأمرها، قال بعض من روى هذا : لم تكن نبية لأنا نجد في الشرع ورواياته أن الملائكة قد كلمت من لم يكن نبياً، وقال بعضهم بل كانت أم موسى نبية بهذا الوحي، وقالت فرقة بل كان هذا الوحي رؤيا رأتها في النوم، وقالت فرقة بل هو وحي إلهام وتسديد كوحي الله إلى النحل وغير ذلك فأهمها الله إلى أن اتخذت تابوتاً فقذقت فيه موسى راقداً في فراش، ثم قذفته في يم النيل، وكان فرعون جالساً في موضع يشرف على النيل إذ رأى تابوتاً فأمر به، فسيق إليه وامرأته معه ففتح فرحمته امرأته وطلبته لتتخذه أبناً فأباح لها ذلك وروي أن  التابوت  جاء في الماء إلى المشرعة التي كان جواري امرأة فرعون يستقين فيها الماء فأخذن التابوت وجلبنه إليها فأخرجته وأعلمت فرعون وطلبته منه ثم إنها عرضته للرضاع فلم يقبل امرأة، فجعلت تنادي عليه في المدينة ويطاف به يعرض للمراضع، فكلما عرضت عليه امرأة أباها. وكانت أمه حين ذهب عنها في النيل بقيت مغمومة فؤادها فارغ إلا من همه فقالت لأخته اطلبي أمره في المدينة عسى أن يقع لنا منه خبر، فبينما الأخت تطوف إذ بصرت به وفهمت أمره قالت لهم أنا أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون، فتعلقوا بها وقالوا أنت تعرفين هذا الصبي، فقالت لا، غير أني أعلم من أهل هذا البيت الحرص على التقرب الى الملكة والجد في خدمتها ورضاها، فتركوها، وسألوها الدلالة فجاءت بأم موسى فلما قربته شرب ثديها، فسرت آسية امرأة فرعون وقالت لها كوني معي في القصر، فقالت لها ما كنت لأدع بيتي وولدي ولكنه يكون عندي، قالت نعم فأحسنت إلى ذلك البيت غاية الإحسان واعتز بنوا إسرائيل بهذا الرضاع، والسبب من الملكة، وأقام موسى حتى كمل رضاعه فأرسلت إليها آسية أن جيئي بولدي ليوم كذا، وأمرت خدمها ومن لها أن يلقينه بالتحف والهدايا واللباس، فوصل إليها على ذلك وهو بخير حال وأجمل ثياب فسرت به ودخلت على فرعون ليراه ويهبه فرآه وأعجبه وقربه فأخذ موسى عليه السلام بلحية فرعون وجذبها[(١)](#foonote-١)، فاستشاط فرعون وقال هذا عدو لي وأمر بذبحه، فناشدته فيه امرأته وقالت إنه لا يعقل، فقال فرعون بل يعقل فاتفقا على تجربته بالجمر والياقوت حسبما ذكرناه آنفاً في حل العقدة، فنجاه الله من فرعون ورجع إلى أمه فشب عندها فاعتز به بنو إسرائيل إلى أن ترعرع، وكان فتى جلداً فاضلاً كاملاً فاعتزت به بنوا إسرائيل بظاهر ذلك الرضاع وكان يحميهم ويكون ضلعه معهم وهو يعلم من نفسه أنه منهم ومن صميمهم، فكانت بصيرته في حمايتهم وكيدة، وكان يعرف ذلك أعيان بني إسرائيل. 
ثم إن قصة القبطي المتقاتل مع الإسرائيلي نزلت وذكرها في موضعها مستوعب، فخرج موسى عليه السلام من مصر حتى وصل إلى مدين، فكان من أمره مع شعيب ما هو في موضعه مستوعب يختص منه بهذا الموضع أنه تزوج ابنته الصغرى على رعية الغنم عشر سنين، ثم إنه اعتزم الرحيل بزوجته إلى بلاد مصر فجاء في طريقه فضل في ليلة مظلمة فرأى النار حسبما تقدم ذكره، فعدد الله تعالى على موسى في هذه الآية ما تضمنته هذه القصة من لطف الله تعالى به في كل فصل وتخليصه له من قصة إلى أخرى، وهذه الفتون التي فتنه بها أي اختبره وخلصه حتى صلح للنبوءة وسلم لها.

### الآية 20:38

> ﻿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ [20:38]

وقوله  ما يوحى  إبهام يتضمن عظم الأمر وجلالته في النعم وهذا نحو قوله تعالى  إذ يغشى السدرة ما يغشى [(١)](#foonote-١) \[ النجم : ١٦ \] وهو كثير في القرآن والكلام.

١ الآية (١٦) من سورة (النجم)..

### الآية 20:39

> ﻿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ ۚ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي [20:39]

و  أن  في قوله  أن اقذفيه  بدل من  ما  والضمير الأول في  اقذفيه  عائد على موسى وفي الثاني على  التابوت [(١)](#foonote-١)، ويجوز أن يعود على  موسى . وقوله  فليلقه اليم  خبر خرج في صيغة الأمر إذ الأمر أقطع الأفعال وأوجبها، ومنه قول النبي عليه السلام **«قوموا فلأصل لكم »**[(٢)](#foonote-٢) فأخبر الخبر في صيغة الأمر لنفسه مبالغة وهذا كثير، ومن حيث خرج الفعل مخرج الأمر حسن جوابه كذلك، و **«العدو »** الذي هو لله ولموسى كان فرعون ولكن أم موسى أخبرت به على الإبهام وذلك قالت لأخته قصيه وهي لا تدري أين. ثم أخبر تعالى موسى أنه **«ألقى عليه محبة »** منه فقال بعض الناس أراد محبة آسية لأنها كانت من الله وكانت سبب حياته. وقالت فرقة : أراد القبول الذي يضعه الله في الأرض لخيار عباده، وكان حظ موسى منه في غاية الوفر. وقالت فرقة : أعطاء جمالاً يحبه به كل من رآه، وقالت فرقة : أعطاء ملاحة العينين، وهذان قولان فيهما ضعف وأقوى الأقوال أنه القبول. وقرأ الجمهور و **«لِتُصنع »** بكسر اللام وضم التاء على معنى ولتغذى وتطعم وتربى، وقرأ أبو نهيك **«ولَتصنع »** بفتح التاء، قال ثعلب معناه لتكون حركتك وتصرفك على عين مني، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع **«ولْتصنع »** بسكون اللام على الأمر للغالب وذلك متجه. وقوله  على عيني  معناه بمرأى مني وأمر مدرك مبصر مراعى.

١ يريد أن يقول: والضمير في \[اقذفيه\] الأولى عائد على موسى، وفي \[فاقذفيه\] الثانية عائد على التابوت..
٢ هذا جزء من حديث أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، ومالك، والدرامي، عن أنس، ولفظه في البخاري (أن جدته ـ أي أنس ـ مليكة دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم لطعام صنعته له، فأكل منه ثم قال: (قوموا فلأصلي لكم)، قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس فنضحته بماء، فقام رسول اله صلى الله عليه وسلم، وصففت واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا، فصلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ثم انصرف)، وعلى هذه الرواية فلا شاهد في الحديث لأن الصيغة فيه ليست صيغة أمر..

### الآية 20:40

> ﻿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَنْ يَكْفُلُهُ ۖ فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ ۚ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ۚ فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَا مُوسَىٰ [20:40]

العامل في  إذ  فعل مضمر تقديره ومننا إذ، وتقدم تفسير هذه الآية في القصص المذكور آنفاً. وقرأت فرقة **«تقَر »** بفتح القاف، وقرأت فرقة بكسر القاف والنفس هي نفس القطبي الذي كان يقاتل الإسرائيلي فوكزه موسى فقضى عليه، و  الغم  هم النفس وكان هم موسى بأمر من طلبه ليثأر به. وقوله  فتناك فتوناً  معناه خلصناك تخليصاً[(١)](#foonote-١). هذا قول جمهور المفسرين. وقالت فرقة معناه اختبرناك وعلى هذا التأويل لا يراد إلا ما اختبر به موسى بعد بلوغه وتكليفه وما كان قبل ذلك فلا يدخل في اختبار موسى وعده سنيه  في أهل مدين  عشرة أعوام لأنه إنما قضى أوفى الأجلين وقوله  على قدر  أي بميقات محدودة[(٢)](#foonote-٢) للنبوة التي قد أرداها الله بك ومنه قول الشاعر :\[ البسيط \]
 نال الخلافة إذ كانت له قدراً. . . كما أتى ربه موسى على قدر[(٣)](#foonote-٣)

١ تعبير الطبري، والقرطبي وغيرهما من المفسرين: "أخلصناك إخلاصا"، وهذا القول منسوب إلى مجاهد رضي الله عنه، والمعنى: خلصه من كل مالا يلائم النبوة حتى أصبح صالحا..
٢ الأصح أن يقال: بميقات محدد؛ لأن الشيء المحدود هو القليل..
٣ البيت لجرير، وهو من قصيدة له يمدح بها عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، وهو في الديوان، والطبري، والبحر، والقرطبي، والمغني، والرواية فيه: جاء الخلافة، وفي الديوان: (نال الخلافة إذ كانت)، ويروى: (عز الخلافة بل كانت له قدرا) ومعناها: أخذ الخلافة بعز وقهر، قال صاحب اللسان: "يقال: قدر الإله كذا تقديرا، وإذا وافق الشيء الشيء قلت: جاء قدره، وقال ابن سيدة: القدر والقدر ـ بسكون الدال وفتحها ـ: القضاء والحكم، وهو ما يقدره الله عز وجل من القضاء، ويحكم به من الأمور"، فالشاهد في البيت قوله: على قدر، إذ المعنى: بقضاء الله وتوفيقه..

### الآية 20:41

> ﻿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [20:41]

واصطنعتك  معناه جعلتك موضع الصنيعة ومقر الإجمال والإحسان، وقوله  لنفسي  إضافة تشريف، وهكذا كما تقول بيت الله ونحوه والصيام لي وأنا أجزي به[(١)](#foonote-١) وعبر ب **«النفس »** عن شدة القرب وقوة الاختصاص. 
١ هذا جزء من حديث متفق عليه..

### الآية 20:42

> ﻿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي [20:42]

أمر الله تعالى موسى وهارون في هذه الآية بالنفوذ إلى دعوة فرعون وخاطب موسى وحده تشريفاً له ويحتمل أن هارون أوحي إليه مع ملك أن ينفذ، و  بآياتي  معناه بعلاماتي التي أعطيتكموها من معجزة وآية ووحي وأمر ونهي كالتوراة، و  تنيا  معناه تضعفا وتبطياً، تقول : وَنَا فلان في أمر كذا إذا تباطأ فيه عن ضعف ومنه قول الشاعر :\[ المضارع \]
 فما أنا بالواني. . . ولا الضرع الغمر[(١)](#foonote-١)
والونى الكلال والفتور والفشل في البهائم والإنس، وفي مصحف ابن مسعود **«ولا تهنا في ذكري »** معناه ولا تلينا من قولك هين لين.

١ هذا عجز بيت، والبيت بتمامه في اللسان (ضرع)، وهو غير منسوب، قال: الضرع هو الغمر الضعيف من الرجال، وقال الشاعر:
 أناة وحلما وانتظارا بهم إذا فما أنا بالواني ولا الضرع الغمر
 ورجل ضارع: بين الضروع والضراعة: ناحل ضعيف". والغمر: الذي لم يجرب الأمور ولا خبرة له بجرب ولا أمر ولم تحنكه التجارب. والشاهد في البيت هو أن الواني بمعنى الضعيف المتباطئ في الأمر بسبب ضعفه وعجزه..

### الآية 20:43

> ﻿اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ [20:43]

\[سورة طه (٢٠) : الآيات ٤٠ الى ٤١\]

 إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (٤٠) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)
 العامل في إِذْ فعل مضمر تقديره ومننا إذ، وتقدم تفسير هذه الآية في القصص المذكور آنفا.
 وقرأت فرقة **«تقر»** بفتح القاف، وقرأت فرقة بكسر القاف والنفس التي قتل هي نفس القبطي الذي كان يقاتل الإسرائيلي فوكزه موسى فقضى عليه، والْغَمِّ هم النفس وكان هم موسى بأمر من طلبه ليثأر به.
 وقوله فَتَنَّاكَ فُتُوناً معناه خلصناك تخليصا، هذا قول جمهور المفسرين. وقالت فرقة معناه اختبرناك وعلى هذا التأويل لا يراد إلا ما اختبر به موسى بعد بلوغه وتكليفه وما كان قبل ذلك فلا يدخل في اختبار موسى وعدة سنية فِي أَهْلِ مَدْيَنَ عشرة أعوام لأنه إنما قضى أوفى الأجلين وقوله عَلى قَدَرٍ أي بميقات محدود للنبوة التي قد أرداها الله بك ومنه قول الشاعر: \[البسيط\]
 نال الخلافة إذ كانت له قدرا... كما أتى ربه موسى على قدر
 وَاصْطَنَعْتُكَ معناه جعلتك موضع الصنيعة ومقر الإجمال والإحسان، وقوله لِنَفْسِي إضافة تشريف، وهكذا كما تقول بيت الله ونحوه والصيام لي وعبر ب **«النفس»** عن شدة القرب وقوة الاختصاص.
 **قوله عز وجل:**
 \[سورة طه (٢٠) : الآيات ٤٢ الى ٤٦\]
 اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٤٣) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (٤٤) قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى (٤٥) قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (٤٦)
 أمر الله تعالى موسى وهارون في هذه الآية بالنفوذ إلى دعوة فرعون وخاطب موسى وحده تشريفا له ويحتمل أن هارون أوحي إليه مع ملك أن ينفذ، وبِآياتِي معناه بعلاماتي التي أعطيتكموها من معجزة وآية ووحي وأمر ونهي كالتوراة، وتَنِيا معناه تضعفا وتبطيا تقول ونا فلان في أمر كذا إذا تباطأ فيه عن ضعف ومنه قول الشاعر: \[المضارع\]
 فما أنا بالواني... ولا الضرع الغمر
 والونى الكلال والفتور والفشل في البهائم والإنس، وفي مصحف ابن مسعود **«ولا تهنا في ذكري»** معناه ولا تلينا من قولك هين لين والقول اللين قالت فرقة: معناه كنياه وقالت فرقة بل أمرهما بتحسين الكلمة.
 قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الوجه، وذلك أن كل من يريد دعاء إنسان إلى أمر يكرهه فإنما الوجه أن يحرر في عبارته بالمعنى الذي يريد حتى لا يخل به ولا يحز منه، ثم يجتهد بعد ذلك في أن تكون عبارته لطيفة ومقابلته لينة وذلك أجلب للمراد فأمر الله تعالى موسى وهارون أن يسلكا مع فرعون إكمال

### الآية 20:44

> ﻿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ [20:44]

والقول اللين قالت فرقة : معناه كنياه[(٢)](#foonote-٢) وقالت فرقة بل أمرهما بتحسين الكلمة. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا هو الوجه، وذلك أن كل من يريد دعاء إنسان إلى أمر يكرهه فإنما الوجه أن يحرر في عبارته الذي يريد حتى لا يخل به ولا يخر منه، ثم يجتهد بعد ذلك في أن تكون عبارة لطيفة ومقابلته لينة وذلك أجلب للمراد فأمر الله تعالى موسى وهارون أن يسلكا مع فرعون إكمال الدعوة في لين من القول. وقوله  لعله  معناه على رجائكما وطمعكما فالتوقع فيها إنما هو راجع إلى جهة البشر.

### الآية 20:45

> ﻿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَىٰ [20:45]

وقرأ الجمهور **«يَفُرط »** بفتح الياء وضم الراء ومعناه يعجل ويسرع بمكروه فينا ومنه فارط في الماء وهو الذي يتقدم القوم إليه قال الشاعر القطامي عمير بن شييم :\[ البسيط \]
 واستعجلوا وكانوا من صحابتنا. . . كما تعجَّل فرّاط لورّاد[(٣)](#foonote-٣)
وقالت فرقة  يُفرِط  بضم الياء وكسر الراء ومعناه يشتط في إذايتنا، وقرأ ابن محيصن **«يُفرَط »** بضم الياء وفتح الراء ومعناها أن يحمله حامل على التسرع إلينا.

### الآية 20:46

> ﻿قَالَ لَا تَخَافَا ۖ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ [20:46]

قوله عز وجل : إنني معكما أسمع وأرى . يريد بالنصر والمعونة والقدرة على فرعون، وهذا كما تقول الأمير مع فلان إذا أردت أنه يحميه و  أسمع وأرى  عبارتان عن الإدراك لا تخفى معه خافية تبارك الله رب العالمين.

### الآية 20:47

> ﻿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ ۖ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ ۖ وَالسَّلَامُ عَلَىٰ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَىٰ [20:47]

المعنى  فأتيا  فرعون فأعلماه أنكما رسولاي إليه وعبر بفرعون تحقيراً له إذ كان هو يدعي الربوبية ثم أمر بدعوته إلى أن يبعث معهما بني إسرائيل ويخرجهم من غل خدمة القبط وقد تقدم في هذه الآية دعاؤه إلى الإيمان وهذه جملة ما دعي إليه فرعون والإيمان وإرسال بني إسرائيل، والظاهر أن رسالته إليه ليست على حد إرساله إلى بني إسرائيل، وتعذيب بني إسرائيل كان ذبح أولادهم وتسخيرهم وإذلالهم والآية التي أحالا عليها هي العصا واليد وقالا  جئناك  والجائي بها موسى تجوزاً من حيث كانا مشتركين وقوله عليه السلام  من اتبع الهدى  يحتمل أن يكون آخر كلام وفصله فيقوى أن يكون السلام بمعنى التحية كأنهما رغباً بها عنه وجريا على العرف في التسليم عند الفراغ من القول فسلما على متبع الهدى وفي هذا توبيخ له ع : وعلى هذه الجهة استعمل الناس هذه الآية في مخاطبتهم ومحاوراتهم ويحتمل أن يكون في درج القول متصلاً بقوله  إنا قد أوحي إلينا  فيقوى على هذا أن يكون خبراً بأن السلامة للمهتدين، وهذان المعنيان قالت كل واحد منهما فرقة، لكن دون هذا التلخيص، وقالوا  السلام  بمعنى السلامة وعلى بمعنى اللام أي السلام ل  من اتبع الهدى .

### الآية 20:48

> ﻿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَىٰ مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ [20:48]

الدعوة في لين من القول. وقوله لَعَلَّهُ معناه على رجائكما وطمعكما فالتوقع فيها إنما هو راجع إلى جهة البشر وقرأ الجمهور ******«يفرط»****** بفتح الياء وضم الراء ومعناه يعجل ويسرع بمكروه فينا ومنه فارط في الماء وهو الذي يتقدم القوم إليه قال الشاعر القطامي عمير بن شييم: \[البسيط\]

واستعجلوا وكانوا من صحابتنا  كما تعجّل فرّاط لورّاد وقالت فرقة ******«يفرط»****** بضم الياء وكسر الراء ومعناه يشتط في إذايتنا، وقرأ ابن محيصن ******«يفرط»****** بضم الياء وفتح الراء ومعناها أن يحمله حامل على التسرع إلينا.
 قوله عز وجل: إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى. يريد بالنصر والمعونة والقدرة على فرعون، وهذا كما تقول الأمير مع فلان إذا أردت أنه يحميه وأَسْمَعُ وَأَرى عبارتان عن الإدراك الذي لا تخفى معه خافية تبارك الله رب العالمين.
 **قوله عز وجل:**
 \[سورة طه (٢٠) : الآيات ٤٧ الى ٤٩\]
 فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨) قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٤٩)
 المعنى أْتِيا
 فرعون فأعلماه أنكما رسولاي إليه وعبر بفرعون تحقيرا له إذ كان هو يدعي الربوبية ثم أمرا يدعوته إلى أن يبعث معهما بني إسرائيل ويخرجهم من غل خدمة القبط وقد تقدم في هذه الآية دعاؤه إلى الإيمان وهذه جملة ما دعي إليه فرعون الإيمان وإرسال بني إسرائيل، والظاهر أن رسالته إليه ليست على حد إرساله إلى بني إسرائيل، وتعذيب بني إسرائيل كان ذبح أولادهم وتسخيرهم وإذلالهم والآية التي أحالا عليها هي العصا واليد وقالا جِئْناكَ والجائي بها موسى تجوزا من حيث كانا مشركين وقوله عليه السلام مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يحتمل أن يكون آخر كلام وفصله فيقوى أن يكون السلام بمعنى التحية كأنهما رغبا بها عنه وجريا على العرف في التسليم عند الفراغ من القول فسلما على متبع الهدى وفي هذا توبيخ له ع: وعلى هذه الجهة استعمل الناس هذه الآية في مخاطبتهم ومحاوراتهم ويحتمل أن يكون في درج القول متصلا بقوله إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا فيقوى على هذا أن يكون خبرا بأن السلامة للمهتدين، وهذان المعنيان قالت كل واحد منهما فرقة، لكن دون هذا التلخيص، وقالوا السَّلامُ بمعنى السلامة وعلى بمعنى اللام أي السلام ل مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى ولما فرغا من المقالة التي أمر بها عن قوله وَتَوَلَّى خاطبهما، وفي سرد هذه الآية حذف يدل عليه ظاهر الكلام تقديره فأتياه فلما قالا جميع ما أمرا به قال لهما فرعون فَمَنْ رَبُّكُما وقوله يا مُوسى بعد جمعه مع هارون في الضمير، نداء بمعنى التخصيص والتوقيف إذ كان صاحب عظم الرسالة ولزيم الآيات.

### الآية 20:49

> ﻿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ [20:49]

ولما فرغا من المقالة التي أمر بها عن قوله  وتولى  خاطبهما فرعون، وفي سرد هذه الآية حذف يدل عليه ظاهر الكلام تقديره فأتياه فلما قالا جميع ما أمرا به قال لهما فرعون  فمن ربكما  وقوله  يا موسى  بعد جمعه مع هارون في الضمير، نداء بمعنى التخصيص والتوقيف إذ كان صاحب عظم الرسالة ولزيم الآيات.

### الآية 20:50

> ﻿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ [20:50]

استبد موسى صلى الله عليه وسلم بجوابه من حيث خصه في السؤال ثم أعلمه من صفات الله تعالى بأن لا شرك لفرعون فيه لا بوجه مجاز واختلف المفسرون في قوله  الذي أعطى كل شيء خلقه  فقالت فرقة معناه أعطى الذكران من كل الحيوان نوعه وخلقته أنثى  ثم هدى  للإتيان، وقالت فرقة بل المعنى أعطى كل موجود من مخلوقاته خلقته وصورته، أي أكمل ذلك له وأتقنه  ثم هدى  أي يسر كل شيء لمنافعه ومرافقه. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا القول أشرف معنى وأعم في الموجودات، وقرأت فرقة **«خلَقه »** بفتح اللام ويكون المفعول الثاني ب  أعطى  مقدراً تقديره كماله أو خلقته.

### الآية 20:51

> ﻿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَىٰ [20:51]

وقال فرعون  فما بال القرون الأولى  يحتمل أن يريد محاجته بحسب ما تقدم من القول ومناقضته فيه، فليس يتجه على هذا أن يريد ما بال القرون الأولى ولم يوجد أمرك عندها، فرد موسى عليه السلام علم ذلك إلى الله تعالى، ويحتمل أن يريد فرعون قطع الكلام الأول والرجوع إلى سؤال موسى عن حالة من سلف من الناس روغاناً في الحجة وحيدة وقال **«البال »** الحال فكأنه سألهم عن حالهم كما جاء في الحديث **«يهديكم الله ويصلح بالكم »**[(١)](#foonote-١) وقال النقاش إنما قال فرعون  فما بال القرون الأولى  لما سمع مؤمن آله يا قوم  إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب  \[ غافر : ٣٠ \] مثل دأب قوم نوح وعاد «[(٢)](#foonote-٢) الآية.

١ أخرجه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه في الأدب..
٢ من الآيتين (٣٠، ٣١) من سورة (المؤمن) ـ وهي سورة (غافر)، ومؤمن آل فرعون هو الذي تتحدث عنه الآيات من قوله تعالى في سورة غافر وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه الآية (٢٨) وما بعدها، ولهذا سميت السورة سورة مؤمن..

### الآية 20:52

> ﻿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ ۖ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى [20:52]

ورد موسى العلم إلى الله تعالى لأنه لم تأته التوراة بعد. وقوله  في كتاب  يريد في اللوح المحفوظ أو فيما كتبه الملائكة من أحوال البشر. وقرأت فرقة » لا يَضِل **«بفتح الياء وكسر الضاد واختلف في معنى هذه القراءة فقالت فرقة هو ابتداء الكلام تنزيه لله تعالى عن هاتين الصفتين وقد كان الكلام تم في قوله  في كتاب  و  يضل  معناه ينتلف[(١)](#foonote-١) ويعمه، وقالت فرقة بل قوله  لا يضل ربي ولا ينسى  من صفات الكتاب أي إن الكتاب لا يغيب عن الله تعالى، تقول العرب ضلني الشيء إذا لم أجده وأضللته أنا ومنه قول النبي صلى الله عليه حكاية عن الإسرائيلي الذي طلب أن يحرق بعد موته »** لعلي أضل الله «الحديث[(٢)](#foonote-٢)، و  ينسى  أظهرها ما فيه أن يعود ضميره الى الله تعالى ويحتمل أن يعود إلى الكتاب في بعض التأويلات يصفه بأنه  لا ينسى  أي لا يدع شيئاً، فالنسيان هنا استعارة كما قال في موضع آخر  إلا أحصاها [(٣)](#foonote-٣) \[ الكهف : ٤٩ \] فوصفه بالإحصاء من حيث حصرت فيه الحوادث.

١ ومعنى يتلف يهلك، وبهذا عبر أكثر المفسرين، قال الزجاج: معنى لا يضل: لا يهلك من قوله تعالى: أئذا أضللنا في الأرض، وقيل: لا يضل: لا يخطئ، قاله ابن عباس رضي الله عنهما، أي: لا يخطئ في التدبير، فمن أنظره فلحكمة أنظره، ومن عاجله فلحكمة عاجله، وقيل: لا يضل: لا يغيب، قال ابن الأعرابي: "أصل الضلال الغيبوبة، يقال: ضل الناسي إذا = غاب عنه حفظ الشيء، ومعنى لا يضل ربي ولا ينسى أي: لا يغيب عنه شيء ولا يغيب عن شيء"..
٢ أخرجه البخاري في التوحيد والأنبياء والرقاق، ومسلم في التوبة، والنسائي في الجنائز، وابن ماجه في الزهد، والدرامي في الرقاق، ومالك في الجنائز من الموطأ، وأحمد في مواضع كثيرة، والرواية التي فيها هذا اللفظ أخرجها أحمد، عن حكيم بن معاوية، عن أبيه، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ما أتيتك حتى حلفت عدد أصابعي هذه ألا آتيك، ثم سأله عن أمور، وفي نهاية الحديث قال: (إن رجلا ممن كان قبلكم رغسه الله تعالى مالا وولدا حتى ذهب عصر وجاء آخر، فلما احتضر قال لولده: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب، فقال: هل أنتم مطيعي وإلا أخذت مالي منكم، انظروا إذا أنا مت أن تحرقوني حتى تدعوني حمما، ثم اهرسوني بالمهراس ـ وأدار رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه حذاء ركبتيه ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ففعلوا والله، وقال نبي الله صلى الله عليه وسلم بيده هكذا، ثم اذروني في يوم راح لعلي أضل الله تعالى، كذا قال عفان ـ أحد الرواة ـ قال أبي: وقال مهني أبو شبل عن حماد: أضل الله، ففعلوا والله ذلك، فإذا هو قائم في قبضة الله تعالى، فقال: يا ابن آدم، ما حملك على ما فعلته؟ قال: من مخافتك، قال: فتلافاه الله تعالى بها).
 (ومعنى: (رغسه الله): كثر ماله وأولاده وبارك له فيهما ـ والحمم: الفحم والرماد وكل ما احترق من النار ـ والراح من الأيام: الشديد الريح)..
٣ من قوله تعالى في الآية (٤٩) من سورة (الكهف): لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها..

### الآية 20:53

> ﻿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّىٰ [20:53]

انظر إن هذه الأشياء التي ذكرها موسى عليه السلام هي مما تقضي بداية العقول أن فرعون وكل بشير بعيد منها لأنه لو قال هو القادر الرازق المريد العالم ونحو هذا من العبارات لأمكن فرعون أن يغالط فيقول أنا أفعل هذا كله فإنما أتاه موسى عليه السلام بصفات لا يمكنه أن يقول إن ذلك له وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر **«مِهاداً »** بكسر الميم وبألف، والمهاد قيل هو جمع مهد، وقيل اسم مفرد كفرش وفراش، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي **«جعل لكم الأرض مَهْداً »** بفتح الميم وسكون الهاء، وقوله  سلك  بمعنى نهج ولحب[(١)](#foonote-١)، و **«السبل »** الطرق، وقوله  فأخرجنا به  يحتمل أن يكون كلام موسى تم عند قوله  وأنزل من السماء ماء  ثم وصل الله تعالى كلام موسى بإخباره لمحمد صلى الله عليه وسلم والمراد الخلق أجمع، فهذه الآيات المنبهة عليها، و **«الأزواج »** هنا بمعنى الأنواع، وقوله  شتى  نعت للأزواج أي مختلفات.

١ يقال: نهج الطريق: بينه، ويقال: لحب الطريق: أوضحه وبينه. فمعنى (سلك): أوضح وبين..

### الآية 20:54

> ﻿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَىٰ [20:54]

وقوله  كلوا وارعوا  بمعنى هي صالحة لأن يؤكل منها وترعى الغنم فيها فأخرج العبارة في صيغة الأمر لأنه أرجى الأفعال وأهدأها للنفوس، و  النهى  جمع نهية، والنهية العقل الناهي عن القبائح.

### الآية 20:55

> ﻿۞ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ [20:55]

وقوله تعالى  منها خلقناكم  يريد من الأرض، وهذا حيث خلق آدم من تراب. وقوله  وفيها نعيدكم  يريد بالموت والدفن أو الفناء كيف كان وقوله  ومنها نخرجكم  يريد بالبعث ليوم القيامة.

### الآية 20:56

> ﻿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ [20:56]

وقوله تعالى  ولقد أريناه  إخبار لمحمد صلى الله عليه وسلم عن فرعون، وهذا يؤيد أن الكلام من قوله  فأخرجنا  إنما هو خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم، وقوله  كلها  عائد على الآيات التي رآها لا أنه رأى كل آية لله، وإنما المعنى أن الله تعالى أراه آيات، ما بكما لها فأضاف الآيات إلى ضمير العظمة تشريفاً لها، وقوله تعالى : وأبى  يقتضي تكسب فرعون وهذا هو الذي يتعلق به الثواب والعقاب.

### الآية 20:57

> ﻿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَىٰ [20:57]

هذه المقاولة من فرعون تدل على أن أمر موسى قد كان قوي وكثر متبعوه من بني إسرائيل ووقع أمره في نفوس الناس، وذلك أنها مقاولة من يحتاج إلى الحجة لا من يصدع بأمر نفسه، وأرضهم هي أرض مصر.

### الآية 20:58

> ﻿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى [20:58]

وقرأت فرقة **«لا نخلُفه »** بالرفع، وقرأت فرقة **«لا نخلفْه »** بالجزم على جواب الأمر، و  نحن  تأكيد للضمير من حيث احتاج الكلام إلى العطف عليه أكد، و  موعداً  مفعول أول ل  فاجعل ، و  مكاناً  مفعول ثان هذا الذي اختار أبو علي ومنع أن يكون  مكاناً  معمولاً لقوله  موعداً  لأنه قد وصف وهذه الأسماء العاملة عمل الفعل إذا نعتت أو عطف عليها أو أخبر عنها أو صغرت أو جمعت وتوغلت في الاسمية بمثل هذا لم تعمل ولا تعلق بها شيء هو منها، وقد يتوسع في الظروف فتعلق بعد ما ذكرنا كقوله عز وجل : ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون [(١)](#foonote-١) \[ غافر : ١٠ \] فقوله  إذ  \[ غافر : ١٠ \] معلق بقوله  لمقت الله  \[ غافر : ١٠ \] وهو قد أخبر عنه وإنما جاز هذا في الظروف خاصة، وكذلك منع أبو علي أن يكون قوله  مكاناً  قصياً على الظرف الساد مسد المفعول. 
قال القاضي أبو محمد : وفي هذا نظر. ومنع قوم أن يكون  مكاناً  نصب على المفعول الثاني بتخلفه، وجوزه جماعة من النحاة ووجهه أن يتسع في أن يخلف الوعد. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع والكسائي **«سِوى »** بكسر السين، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة **«سُوى »** بضمها، والجمهور نون الواو، وقال أبو الفتح ترك الصرف هنا مشكل والذي ينبغي أن يكون محمولاً على الوقف[(٢)](#foonote-٢)، وقرأت فرقة ****«سوى »**** ذكره أبو عمرو عن ابن أبي عبلة ومعنى ****«سوى »**** أي عدلاً ونصفه، قال أبو علي : فكأنه قال **«مكاناً »** قريبا منا قربه منكم. 
قال أبو محمد رحمه الله : إنما أراد أن حالنا فيه مستوية فيعم ذلك القرب وأن تكون المنازل فيه واحدة في تعاطي الحق أي لا يعترضكم فيه الرياسة وإنما تقصد الحجة. و  سوى  لغة في سوى ومن هذه اللفظة قول الشاعر \[ موسى ابن جابر الحنفي \] \[ الطويل \]
 وإن أباناً كان حل ببلدة. . . سوى بين قيس قيس عيلان والفزر[(٣)](#foonote-٣)
وقالت فرقة مستوياً من الأرض لا وهد فيه ولا نجد[(١)](#foonote-١)، وقالت فرقة معناه سوى مكاناً هذا[(٢)](#foonote-٢)

١ من الآية (١٠) من سورة غافر..
٢ إنما كان ترك الصرف مشكلا لأنه وصف على فعل، وذلك مصروف عند اللغويين والنحويين، يقال: (مال لبد ـ ورجل حطم، ودليل ختع)، "واللبد: الكثير، والحطم: الظلوم، والختع: الحاذق في الدلالة"..
٣ البيت لموسى بن جابر الحنفي، قال ذلك في اللسان (سوى)، والرواية فيه: (وجدنا أبانا...)، والبيت في الطبري، والقرطبي، والبحر، وقد نقل صاحب اللسان عن الأخفش قوله: "سوى وسوى إذا كان بمعنى (غير) أو بمعنى العدل يكون فيه ثلاث لغات: إن ضممت السين أو كسرت قصرت فيهما جميعا، وإن فتحت مددت، تقول: مكان سوى وسوى وسواء، أي: عدل ووسط فيما بين الفريقين". ثم استشهد ببيت موسى ابن جابر هذا. ثم نقل عن ابن بري قوله: "ولم يأت سواء مكسور السين ممدودا إلا في قولهم: هو في سواء رأسه، إذا كان في نعمة وخصب". والفرز هو سعد بن زيد بن مناة، أبو قبيلة من تميم..

### الآية 20:59

> ﻿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى [20:59]

فقال موسى  موعدكم يوم الزينة  اتسع في الظرف من قرأه برفع **«يومُ »** فجعله خبراً وقرأ الحسن والأعمش والثقفي **«يومَ »** بالنصب على الظرف والخبر مقدر، وروي أن  يوم الزينة  كان عيداً لهم ويوماً مشهوراً وصادف يوم عاشوراء وكان يوم سبت وقيل هو يوم كسر الخليج الباقي إلى اليوم. وقوله  وأن يحشر الناس  عطف على  الزينة  فهو في موضع خفض، ويحتمل أن يكون في موضع رفع على تقدير وموعدكم أن يحشر الناس، ويقلق عطفه على **«اليوم »** وفيه نظر، وقرأ الجمهور **«حُشر الناسُ »** رفعاً وقرأ ابن مسعود والخدري وجماعة **«يَحشُر الناسَ »** بفتح الياء وضم الشين ونصب **«الناسَ »** وقرأت فرقة **«نحشر الناس »** بالنون. والحشر الجمع ومعناه نحشر الناس لمشاهده المعارضة والتهيؤ لقبول الحق حيث كان.

### الآية 20:60

> ﻿فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَىٰ [20:60]

المعنى **«فجمع »** السحرة ووعدهم وأمرهم بالإعداد لموسى، وروي أمرهم، فهذا هو  كيده ،  ثم أتى  فرعون بجمعه وأهل دولته والسحرة معه وكانت عصابة لم يخلق الله أسحر منها وجاء أيضاً موسى عليه السلام ببني إسرائيل معه.

### الآية 20:61

> ﻿قَالَ لَهُمْ مُوسَىٰ وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَىٰ [20:61]

فقال موسى للسحرة  ويلكم  وهذه مخاطبة محذرة ندبهم في هذه الآية إلى قول الحق إذا رأوه وأن لا يباهتوا بكذب وقرأ ابن عباس ونافع وعاصم[(١)](#foonote-١) وأبو عمرو وابن عامر **«فيَسحتكم »** بفتح الياء، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم **«فيُسحتكم »** بضم الياء وهما لغتان بمعنى يقال سحت وأسحب إذا أهلك وأذهب ومنه قول الفرزدق :\[ الطويل \]
 وعض زماني يا ابن مروان لم يدع. . . من المال إلا مسحتاً أو مجلف[(٢)](#foonote-٢)
فهذا من أسحت.

### الآية 20:62

> ﻿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَىٰ [20:62]

فلما سمع السحرة هذه المقالة هالهم هذا المنزع ووقع في نفوسهم من مهابته أمر شديد  فتنازعوا  والتنازع يقتضي اختلافاً كان بينهم في السر أي قال بعضهم لبعض هو محق، وقال بعضهم هو مبطل، وقال بعضهم إن كان من عند الله فسيغلبنا ونحو هذا من الأقوال التي تعهد من الجموع الكثيرة في وقت الخوف كالحرب ونحو هذا، ومعلوم أن جميع تناجيهم إنما كان في أمر موسى. وقالت فرقة إنما كان تناجيهم بالآية التي بعد هذا  إن هذان لساحران  ع والأظهر أن تلك قيلت علانية ولو كان تناجيهم ذلك لم يكن ثم تنازع، و  النجوى  السرار والمساررة أي كان كل رجل يناجي من يليه، ثم جعلوا ذلك سراً مخافة فرعون أن يتبين فيهم ضعفاً لأنهم لم يكونوا حينئذ مصممين على غلبة موسى بل كان ظناً من بعضهم.

### الآية 20:63

> ﻿قَالُوا إِنْ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَىٰ [20:63]

وقوله تعالى : إن هذان لساحران  الآية، قرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي **«إنّ »** مشددة النون **********«هذان »********** بألف ونون مخففة للتثنية. وقرأ أبو عمرو وحده **«إن هذين لساحران »** وقرأ ابن كثير ****«إن هذان »**** بتخفيف نون **«إنْ »** وتشديد نون **«هذان لسحران »** وقرأ حفص عن عاصم**********«إن »********** بالتخفيف **********«هذان »********** خفيفة أيضاً **«لساحران »** وقرأت فرقة **«إن هذان إلا ساحران »**[(١)](#foonote-١)، وقرأت فرقة **«إن ذان لساحران »**[(٢)](#foonote-٢)، وقرأت فرقة **«ما هذان إلا ساحران »**، وقرأت فرقة ****«إن هذان »**** بتشديد النون من **********«هذان »**********. فأما القراءة الأولى فقالت فرقة قوله **********«إن »********** بمعنى نعم كما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال في خطبته :**«إن الحمدُ لله »** فرفع الحمد[(٣)](#foonote-٣) وقال ابن الزبير إن وراكبها حين قال له الرجل فأبعد الله ناقة حملتني إليك ويلحق هذا التأويل أن اللام لا تدخل في خبر الابتداء وهو مما يجوز في الشعر ومنه قول الشاعر :\[ الرجز \]
 أم الحليس لعجوز شهربه. . . ترضى من اللحم بعظم الرقبة[(٤)](#foonote-٤)
وذهبت فرقة إلى أن هذه الآية على لغة بلحارث وهو إبقاء ألف التثنية في حال النصب والخفض فمن ذلك قول الشاعر \[ هوبر الحارثي \] :\[ الطويل \]
 تزود منها بين أذناه ضربة. . . دعته إلى هابي التراب عقيم[(٥)](#foonote-٥)
وقال الآخر :\[ الطويل \]
 فأطرق إطراق الشجاع ولو رأى. . . مساغاً لنا باه الشجاع لصمما[(٦)](#foonote-٦)
وتعزى هذه اللغة لكنانة وتعزى لخثعم وقال الفراء الألف في **********«هذان »********** دعامة وليست بمجلوبة للتثنية وإنما هي ألف هذا تركبت في حال التثنية كما تقول الذي ثم تزيد في الجمع نوناً وتترك الياء في حال الرفع والنصب والخفض وقال الزجاج في الكلام ضمير تقديره إنه هذان لساحران. 
قال القاضي أبو محمد : وفي هذا التأويل دخول اللام في الخبر وقال بعض النحاة ألف **********«هذان »********** مشبهة هنا بألف تفعلان وقال ابن كيسان لما كان هذا بحال واحدة في رفعه ونصبه وخفضه تركت تثنيته هنا كذلك، وقال جماعة، منهم عائشة رضي الله عنها وأبو بكر، هذا مما لحن الكاتب فيه وأقيم بالصواب وهو تخفيف النون من أن ع وهذه الأقوال معترضة إلا ما قيل من أنها لغة، و **********«إن »********** بمعنى أجل ونعم أو **********«إن »********** في الكلام ضميراً وأما من قرأ **********«إن »********** خفيفة فهي عن سيبويه المخففة من الثقيلة ويرتفع بعدها الاسم، ويقول الفراء هي بمعنى ما واللام بمعنى إلا ووجه سائر القراءات بينّ. وعبر كثير عن المفسرين عن ****«الطريقة »**** بالسادة[(٧)](#foonote-٧) وأنها يراد بها أهل العقل والسن والحجى وحكوا أن العرب تقول فلان طريقة قومه أي سيدهم والأظهر في ****«الطريقة »**** هنا أنها السيرة والمملكة والحال التي هي عليها، و  المثلى  تأنيث أمثل أي الفاضلة الحسنة.

١ وهي قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وتخريج هذه القراءة كالتخريج الذي سنذكره في الهامش التالي مباشرة..
٢ \[إن\] هي المخففة من الثقيلة، و \[ذان\] مبتدأ، و \[لساحران\] الخبر، واللام للفرق بين (إن) النافية و (إن) المخففة من الثقيلة على رأي البصريين، أما الكوفيون فيزعمون أن (إن) نافية وأن اللام بمعنى (إلا)..
٣ روى القرطبي عن علي بن طالب رضي الله عنه أنه قال: "لا أحصي كم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على منبره: (إن الحمد لله، نحمده ونستعينه)، ثم يقول: (أنا أفصح قريش كلها، وأفصحها بعدي أبان بن سعيد بن العاص). فكأنه صلى الله عليه وسلم يقول: نعم. الحمد لله... وقد جرت عادة الخطباء في الجاهلية أن يفتتحوا خطبهم بقولهم: نعم، وقد روي كثير من الشعر الذي استعملت فيه (إن) بمعنى (نعم)، ومن ذلك قول عبد الله بن قيس الرقيات:
 بكر العوازل في الصبا ح يلمنني وألومهنه
 ويقلن شيب قد علا ك وقد كبرت فقلت إنه
 وإجابة عبد الله بن الزبير لمن لعن ناقته: "إن وراكبها" معناها: نعم. ولعن راكبها..
٤ ينسب هذا الشعر إلى رؤبة، وهو في ديوانه المسمى: (مجموع أشعار العرب) تحت عنوان: "أبيات مفردات، وهي منسوبة إلى رؤبة بن العجاج"، وقيل: هو لعنترة بن عروس، وقيل: ليزيد بن ضبة. وهو في مغني اللبيب، واللسان، والخزانة، وابن عقيل. وأم الحليس: كنية امرأة، وشهربة: عجوز كبيرة. والشاهد أن اللام فيه دخلت على الخبر، ويقول ابن عطية هنا: إنه يجوز في الشعر، وكثير من النحويين يرفضون ذلك حتى في الشعر، ويقولون: إن اللام زائدة، أو هي ضرورة هنا، ولا يقاس عليه، وقيل: إنها لام الابتداء والتقدير: لهي عجوز، وقد أكثر النحويون من الكلام في هذا البيت، ومثله في هذا قول الشاعر:
 = خالي لأنت، ومن جرير خاله ينل العلاء ويكرم الأخوالا.
٥ البيت لهوبر الحارثي، قال ذلك في اللسان (هبا) ـ واستشهد به على أن الهابي من التراب هو ما ارتفع ودق، وهوبر هذا من بني الحارث الذين يبقون ألف التثنية في حالي النصب والخفض كما ذكر ابن عطية، والشاهد هنا هو إبقاء الألف في كلمة (أذناه) مع أنها مجرورة بالإضافة، واللغة الفصيحة أن يقال: بين أذنيه، وقال بعض أهل اليمن:
 أي قلوص راكب تراها طاروا علاهن فطر علاها
 أي: طاروا عليهن فطر عليها، وقال النحاس: إن هذه اللغة معروفة، وقد حكاها من يرتضى بعلمه أو أمانته كأبي زيد الأنصاري، وأبي الخطاب الأخفش، والكسائي، والفراء. كلهم قالوا هذا على لغة بني الحارث بن كعب، ونقله القرطبي. ومن الشواهد المشهورة في ذلك ما أنشده الجوهري لأبي النجم:
 واها لريا ثم واها واها هي المنى لو أننى نلناها
 يا ليت عيناها لنا وفاها بثمن نرضي به أباها
 إن أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاها
 فقد استعمل المثنى بالألف في حالة النصب في قوله: (غايتاها)، وكان القياس أن يقول: (غايتيها) لأنه مفعول الفعل (بلغ)..
٦ البيت للمتلمس، وهو من قصيدة له يدافع فيها عن نسبه، ويمدح الرجل الغيور على كرمته، وفي مطلعها يقول:
 يعيرني أمي رجال ولا أرى أخا كرم إلا بأن يتكرما
 والشجاع: الحية، وصمم الشجاع في عضته: نيب ولم يترك ما عضه، ومساغ: مفعل من ساغ يسوغ، أي يسهل فعله، وهذا البيت يضرب مثلا للمفكر الذي يتروى في الأمور، يقول: إنه أطرق إطراق الحية، ولو أنه وجد مجالا لعضة نابية لفعل. والشاهد هنا أنه استعمل المثنى بالألف في حالة الخفض في قوله: (لناباه)، والقياس (لنابيه) وقد روي بها البيت..
٧ أي: سادة القوم ورؤسائهم..

### الآية 20:64

> ﻿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا ۚ وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَىٰ [20:64]

وقرأ جمهور القراء **«فأجمعوا »** بقطع الألف وكسر الميم على معنى أنقذوا واعزموا، وقرأ أبو عمرو وحده **«فاجمعوا »** من جمع أي ضموا سحركم بعضه إلى بعض، وقرأ ابن كثير **«ثمَّ »** بفتح الميم **«ايْتوا »** بسكون الياء، وقرأ أيضاً في رواية شبل عنه بكسر الميم **«ثمِ ايتوا »** قال أبو علي وهذا غلط ولا وجه لكسر الميم من **«ثم »** وقرأ الجمهور **«ثم ائتوا »** بفتح الميم وبهمزة بعد الألف، قوله  صفاً  حال أي مصطفين وتداعوا إلى هذا لأنه أهيب وأظهر لهم، و  أفلح  معناه ظفر ببغيته و  استعلى  معناه طلب العلو في أمره وسعى سعيه.

### الآية 20:65

> ﻿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ [20:65]

خير السحرة موسى عليه السلام في أن يبتدئ بالإلقاء أو يتأخر بعدهم، وروي أنهم كانوا سبعين ألف ساحر، وروي أنهم كانوا ثلاثين ألف ساحر، وروي أنهم كانوا خمسة عشر ألفا، وروي أنهم كانوا تسعمائة، ثلاثمائة من الفيوم وثلاثمائة من الفرما وثلاثمائة من الإسكندرية وكان مع كل رجل منهم حبل وعصى قد استعمل فيها السحر.

### الآية 20:66

> ﻿قَالَ بَلْ أَلْقُوا ۖ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ [20:66]

وقوله  فإذا  هي للمفاجأة كما تقول خرجت فإذا زيد، وهي التي تليها الأسماء، وقرأت فرقة **«عِصيهم »** بكسر العين، وقرأت فرقة **«عُصيهم »** بضمها، وقرأت فرقة **«يُخيل »** على بناء الفعل للمفعول فقوله  أنها  في موضع رفع على ما لم يسم فاعله، وقرأ الحسن والثقفي **«تُخِيل »** بضم التاء المنقوطة وكسر الياء وإسناد الفعل إلى الحبال والعصي، فقوله  أنها  مفعول من أجله والظاهر من الآيات والقصص في كتب المفسرين أن الحبال والعصي كانت تنتقل بحبل السحر وبدس الأجسام الثقيلة المياعة فيها وكان تحركها يشبه تحرك الذي له إرادة كالحيوان، وهو السعي فإنه لا يوصف بالسعي إلا من يمشي من الحيوان، وذهب قوم إلى أنها ما لم تكن تتحرك لكنهم سحروا أعين الناس وكان الناظر يخيل إليه أنها تتحرك وتنتقل ع وهذا يحتمل والله أعلم أي ذلك كان.

### الآية 20:67

> ﻿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَىٰ [20:67]

وقوله تعالى : فأوجس  عبارة عما يعتري نفس الإنسان إذا وقع ظنه في أمر على شيء يسوءه، وظاهر الأمر كله الصلاح، فهذا العمل من أفعال النفس يسمى الوجيس وعبر المفسرون عن أوجس بأضمر وهذه العبارة أعم من الوجيس بكثير. و  خفية  يصح أن يكون أصلها خوفة قبلت الواو ياء للتناسب، وخوف موسى عليه السلام إنما كان على الناس أن يضلوا لهول ما رأى والأول أصوب أنه أوجس على الجملة وبقي ينتظر الفرج،

### الآية 20:68

> ﻿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَىٰ [20:68]

وقوله  أنت الأعلى  أي الغالب لمن ناوأك في هذا المقام.

### الآية 20:69

> ﻿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ ۖ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ [20:69]

وقرأ جمهور القراء **«تلقّفْ »** بالجزم على جواب الأمر وبشد القاف، وقرأ ابن عامر وحده ****«تلقف »**** وهو في موضع الحال ويصح أن يكون من الملقى على اتساع ويصح أن يكون من الملقى وهي العصا وهذه حال، وإن كانت لم تقع بعد كقوله تعالى : هدياً بالغ الكعبة [(١)](#foonote-١) \[ المائدة : ٩٥ \] وهذا كثير. وقرأ حفص عن عاصم **«تلْقف »** بسكون اللام وتخفيف القاف وأنث الفعل وهو مسند الى ما في اليمين من حيث كانت العصا مراده بذلك، وروى البزي عن ابن كثير[(٢)](#foonote-٢) أنه كان يشدد التاء من ****«تلقف »**** كأنه أراد تتلقف فأدغم، وأنكر أبو علي هذه القراءة ع ويشبه أن قارئها إنما يلتزمها في الوصل حيث يستغنى عن جلب ألف، وقرأ الجمهور **«كيدُ ساحر »** برفع الكيد، وقرأ حمزة والكسائي **«كيد السحر »**، وقرأت فرقة ****«كيدَ »**** بالنصب **«سحر »** وهذا على أن ****«ما »**** كافة و ****«كيدَ »**** منصوب ب  صنعوا ، ورفع **«كيدُ »** على أن ****«ما »**** بمعنى الذي. 
و  يفلح  معناه يبقى ويظفر ببغيته، وقالت فرقة معناه أن الساحر يقتل حيث ثقف ع وهذا جزاء من عدم الفلاح، وقرأت فرقة **«أين أتى »** والمعنى بهما متقارب، وروي من قصص هذه الآية أن فرعون، لعنه الله، جلس في علية له طولها ثمانون ذراعاً والناس تحته في بسيط وجاء سبعون ألف ساحر فألقوا من حبالهم وعصيهم ما فيه وقر[(٣)](#foonote-٣) ثلاثمائة بعير فهال الأمر.

١ من الآية (٩٥) من سورة المائدة..
٢ في بعض النسخ، "عن ابن كثير"..
٣ الوقر: الحمل..

### الآية 20:70

> ﻿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ [20:70]

ثم إن موسى عليه السلام ألقى عصاه من يده فاستحالت ثعباناً وجعلت تنمو حتى روي أنها عبرت النهر بذنبها، وقيل البحر، وفرعون في هذا يضحك ويرى أن الاستواء حاصل، ثم أقبلت تأكل الحبال والعصي حتى أفنتها ففرت نحو فرعون ففزع عند ذلك وقال يا موسى فمد موسى يده إليها فرجعت عصى كما كانت فنظر السحرة وعلموا الحق ورأوا الحبال والعصي فآمنوا رضي الله عنهم. 
في خلال هذه الآيات تقدير وحذف يدل عليه ظاهر القول فالمقدر من ذلك هنا فألقى موسى عصاه فالتقمت كل ما جاؤوا به أو نحو هذا، وروي أن السحرة لما رأوا العصا لا أثر فيها للسحر ثم رأت انقلابها حية وأكلها للحبال والعصي ثم رجوعها إلى حالها وعدم الحبال والعصي أيقنوا بنبوءة موسى وأن الأمر من عند الله تعالى وقدم  هارون  قبل  موسى  لتستوي رؤوس آي السور فنقل معنى السحرة وهذا كقوله عز وجل : أزواجاً من نبات شتى [(١)](#foonote-١) \[ طه : ٥٣ \] تأخر شتى إنما هو لتستوي رؤوس الآي، وكذلك قوله تعالى : ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى [(٢)](#foonote-٢).

١ من الآية (٥٢) من هذه السورة (طه)..
٢ الآية (١٢٩) من هذه السورة (طه)..

### الآية 20:71

> ﻿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ [20:71]

وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم وورش عن نافع **«آمنتم »** على الخبر، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر **«ءامنتم »** بهمزة بعدها مدة، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم **«أأمنتم »** بهمزتين، وقوله  قبل أن آذن لكم  مقاربة منه وبعض إذعان. وقوله  من خلاف  يريد قطع اليد اليمنى مع الرجل اليسرى، قوله  في جذوع النخل  اتساع من حيث هو مربوط في الجذع وليست على حد قولك ركبت على الفرس، وقوله  أينا  يريد نفسه ورب موسى عليه السلام، وقال الطبري يريد نفسه وموسى عليه السلام والأول أذهب مع مخرفة فرعون[(١)](#foonote-١).

١ المخرقة: الجهل والحمق..

### الآية 20:72

> ﻿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [20:72]

قال السحرة لفرعون لما تدعوهم  لن نؤثرك  أي نفضلك ونفضل السلامة منك على ما رأينا من حجة الله تعالى وآياته  البينات  وعلى  الذي فطرنا  هذا على قول جماعة أن الواو في قوله  والذي فطرنا  عاطفة، وقالت فرقة هي واو القسم، و  فطرنا  معناه خلقنا واخترعنا فافعل يا فرعون ما شئت وإنما قضاؤك في هذه الحياة الدنيا والآخرة من وراء ذلك لنا بالنعيم ولك بالعذاب وهؤلاء السحرة اختلف الناس هل نفذ فيهم وعيد فرعون فقالت طائفة صلبهم على الجذوع كما قال فأصبح القوم سحرة وأمسوا شهداء بلطف الله لهم وبرحمته، وقالت فرقة إن فرعون لم يفعل ذلك وقد كان الله تعالى وعد موسى أنه ومن معه الغالبون. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا كله محتمل وصلب السحرة وقطعهم لا يدفع في أن موسى ومن معه غلب إلا بظاهر العموم والانفصال عن ذلك بين.

### الآية 20:73

> ﻿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ۗ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ [20:73]

وقوله : وما أكرهتنا عليه من السحر  قالت فرقة أرادوا ما ضمهم إليه من معارضة موسى وحملهم عليه من ذلك، وقالت فرقة بل كان فرعون قديماً يأخذ ولدان الناس بتعليم السحر ويجبرهم على ذلك فأشار السحرة إلى ذلك. وقولهم  خير وأبقى  رد على قوله  أينا أشد عذاباً وأبقى  \[ طه : ٧١ \].

### الآية 20:74

> ﻿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ [20:74]

قالت فرقة هذه الآية بجملتها من كلام السحرة لفرعون على جهة الموعظة له والبيان فيما فعلوه، وقالت فرقة بل هي من كلام الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم تنبيهاً على قبح ما فعل فرعون وحسن ما فعل السحرة وتحذيراً قد ضمنت القصة المذكورة مثاله. و **«المجرم »** الذي اكتسب الخطايا والجرائم، وقوله  لا يموت فيها ولا يحيى  مختص بالكافر فإنه معذب عذاباً ينتهي به إلى الموت ثم لا يجهز عليه فيستريح، بل يعاد جلده ويجدد عذابه، فهو لا يحيى حياة هنية، وأما من يدخل النار من المؤمنين بالمعاصي فهم قبل أن تخرجهم الشفاعة في غمرة قد قاربوا الموت، إلا أنهم لا يجهز عليهم ولا يجدد عذابهم فهذا فرق ما بينهم وبين الكفار. وفي الحديث الصحيح **«أنهم يماتون إماتة »** وهذا هو معناه لأنه لا يموت في الآخرة.

### الآية 20:75

> ﻿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَىٰ [20:75]

و  الدرجات العلى  هي القرب من الله تعالى.

### الآية 20:76

> ﻿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّىٰ [20:76]

و  تزكى  معناه أطاع الله تعالى وأخذ بأزكى الأمور وتأتل التكسب في لفظة  تزكى  فإنه بين.

### الآية 20:77

> ﻿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ [20:77]

هذا استئناف إخبار عن موسى من أمر موسى وبينه وبين مقال السحرة المتقدم مدة من الزمان حدثت فيها لموسى وفرعون حوادث، وذلك أن فرعون لما انقضى أمر السحرة وغلب موسى وقوي أمره وعده فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل فأقام موسى على وعده حتى غدره فرعون ونكث وأعلمه أنه لا يرسلهم معه، فبعث الله حينئذ الآيات المذكورة في غير هذه الآيات الجراد والقمل إلى آخرها كلما جاءت آية وعد فرعون أن يرسل بني إسرائيل عند انكشاف القول فإذا انكشف نكث حتى تأتي أخرى، فلما كانت الآيات أوحى الله تعالى إلى موسى أن يخرج بني إسرائيل من مصر في الليل هارباً، و **«السرى »** سير الليل، و  أن  في قوله  أن أسر  يجوز أن تكون مفسرة لا موضع لها من الإعراب كقوله عز وجل : وانطلق الملأ منهم أن امشوا [(١)](#foonote-١) \[ ص : ١٠ \] ويجوز أن تكون الناصبة للأفعال وتكون في موضع نصب ب  أوحينا  وقوله تعالى  بعبادي  إضافة تشريف لبني إسرائيل، وكل الخلق عباد الله، ولكن هذا كقوله تعالى : ونفخت فيه من روحي [(٢)](#foonote-٢) \[ الحجر : ٢٩ \]، وروي من قصص هذه الآية أن بني إسرائيل لما أشعرهم موسى عليه السلام بليلة الخروج استعاروا من معارفهم من القبط حلياً وثياباً وكل أحد ما اتفق له. 
ويروى أن موسى أذن لهم في ذلك وقال لهم :**«إن الله سينفلكموها »**، ويروى أنهم فعلوا ذلك دون إذنه عليه السلام وهو الأشبه به وسيأتي في جمع الحلي ما يؤيد ذلك، ويروى أن بني إسرائيل عجنوا زادهم ليلة سراهم ووضعوه ليختمر فأعجلهم موسى عليه السلام في الخروج فطبخوه فطيراً في سنتهم في ذلك العام إلى هلم، ويروى أن موسى عليه السلام نهض ببني إسرائيل وهو ستمائة ألف إنسان فسار بهم من مصر يريد بحر القلزم واتصل الخبر بفرعون فجمع جنوده وحشرهم ونهض وراءه فأوحي إلى موسى أن يقصد  البحر  فخرج بنو إسرائيل فرأوا أن العذاب من ورائهم والبحر من أمامهم وموسى يثق بصنع الله تعالى فلما رآهم فرعون قد هبطوا نحو البحر طمع فيهم، وكان مقصدهم إلى موضع منقطع فيه الفحوص[(٣)](#foonote-٣) والطرق الواسعة، واختلف الناس في عدد جند فرعون فقيل كان في خيله سبعون ألف أدهم ونسبة ذلك من سائر الألوان، وقيل أكثر من هذا مما اختصرته لقلة صحته، فلما وصل موسى البحر وقارب فرعون لحاقه وقوي فزع بني إسرائيل أوحى الله تعالى إلى موسى  أن اضرب بعصاك البحر  \[ الشعراء : ٦٣ \]، ويروى أن الوحي إليه بذلك كان متقدماً وهو ظاهر الآية، ويروى أنه إنما أوحي إليه في موطن وقوعه واتصل الكلام في هذه الآية على جهة وصف الحال وضم بعض الأمور إلى بعض فضرب موسى عليه السلام البحر فانفلق اثنتي عشرة فرقة، طرقاً واسعة بينها حيطان ماء واقف فدخل موسى عليه السلام بعد أن بعث الله تعالى ريح الصبا، فجففت تلك الطرق حتى يبست، ودخل بنو إسرائيل ووصل فرعون إلى المدخل وبنو إسرائيل كلهم في البحر فرأى الماء على تلك الحال فجزع قومه واستعظموا الأمر، فقال لهم إنما انفلق لي من هيبتي، وهاهنا كمل إضلاله لهم وحمله الله تعالى على الدخول وجاء جبريل عليه السلام راكباً على فرس أنثى فدخل، فأتبعها فرس فرعون وتتابع الناس حتى تكاملوا في البحر فانطبق عليهم، فسمع بنو إسرائيل انطباق البحر وهم قد خرجوا بأجمعهم من البحر فعجبوا وأخبرهم موسى أن فرعون وقومه قد هلكوا فيه، فطلبوا مصداق ذلك، فلفظ البحر الناس وألقى الله تعالى فرعون على فجوة من الأرض بدرعه المعروفة له. 
قال القاضي أبو محمد : فهذا اختصار قصص هذه الآية بحسب ألفاظها وقد مضى أمر غرق فرعون بأوعب من هذا في موضع اقتضاه. وقوله تعالى : يبساً  مصدر وصف به، وقرأ بعض الناس **«يابساً »** وأشار إلى ذكره الزجاج، وقرأ حمزة وحده **«لا تخف دركاً »** وذلك إما على جواب الأمر وإما على نهي مستأنف، وقرأ الجمهور ****«لا تخاف »**** وذلك على أن يكون ****«لا تخاف »**** حالاً من  موسى  عليه السلام، ويحتمل أن يكون صفة الطريق بتقدير لا يخاف فيه أي يكون بهذه الصفة ومعنى هذا القول **«لا تخاف دركاً »**[(٤)](#foonote-٤) من فرعون وجنوده  ولا تخشى  غرقاً من البحر.

١ من الآية (٦) من سورة (ص)..
٢ من الآية (٢٩) من سورة (الحجر) وتكررت في الآية (٧٢) من سورة (ص)..
٣ فحص الأرض: حفرها..
٤ الدرك والدرك: اسمان من الإدراك، وقد قرئ أيضا بسكون الدال كما قرئ بفتحها..

### الآية 20:78

> ﻿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ [20:78]

وقرأ أبو عمرو فيما روي عنه **«فاتّبعهم »** بتشديد التاء وتبع، واتبع إنما يتعدى إلى مفعول واحد كقوله شويت واشتويت وحفرت واحتفرت وفديت وافتديت فقوله  بجنوده  إما أن تكون الباء مع ما جرته في موضع الحال كما تقول خرج زيد بسلاحه وإما أن تكون لتعدي الفعل إلى مفعول ثان إذ لا يتعدى دون حرف جر إلا إلى واحد. وقرأ الجمهور **«فأتْبعهم »** بسكون التاء وهذا يتعدى إلى مفعولين، فالباء على هذا إما زائدة والتقدير **«فأتبعهم فرعون جنده »** وإما أن تكون بالحال ويكون المفعول الثاني مقدراً كأنك قلت رؤساءه أو عزمه ويجوز هذا، والأول أظهر[(٥)](#foonote-٥)، وقرأت فرقة **«فغشيهم »**، وقرأت فرقة **«فغشاهم الله »**، وقوله  ما غشيهم  إبهام أهول من النص على قدر **«ما »**، وهذا كقوله  إذا يغشى السدرة ما يغشى [(٦)](#foonote-٦) \[ النجم : ١٦ \]

### الآية 20:79

> ﻿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ [20:79]

وأضل فرعون قومه  يعني من أول أمره إلى هذه النهاية، ثم أكد تعالى بقوله  وما هدى  \[ طه : ٧٩ \] مقابلة لقول فرعون  وما أهديكم إلا سبيل الرشاد [(٧)](#foonote-٧).

### الآية 20:80

> ﻿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ [20:80]

ظاهر هذه الآية أن هذا القول قيل لبني إسرائيل حينئذ عند حلول هذه النعم التي عدد الله تعالى عليهم، وبين خروجهم من البحر وبين هذه المقالة مدة وحوادث ولكن يخص الله تعالى بالذكر ما يشاء من ذلك. ويحتمل أن تكون هذه المقالة خوطب بها معاصرو رسول الله صلى الله عليه وسلم، المعنى هذا فعلنا بأسلافكم.

### الآية 20:81

> ﻿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي ۖ وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ [20:81]

ويكون قوله تعالى : كلوا  بتقدير قيل لهم كلوا، وتكون الآية على هذا اعتراضاً في أثناء قصة موسى المقصد به توبيخ هؤلاء الحضور إذ لم يصبر سلفهم على أداء شكر نعم الله تعالى، والمعنى الأول أظهر وأبين. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر **«نجينا وواعدنا ونزلنا ورزقناكم »** إلا أن أبا عمرو قرأ **«وعدناكم »** بغير ألف في كل القرآن[(١)](#foonote-١)، وقرأ حمزة والكسائي **«أنجيت وواعدت ونزلنا ورزقتكم »**. وقوله  وواعدناكم  قيل هي لغة في وعد لا تقتضي فعل اثنين ع وإن حملت على المعهود فلأن التلقي والعزم على ذلك كالمواعدة، وقصص هذه الآية أن الله تعالى لما أنجى بني إسرائيل وغرق فرعون وعد بني إسرائيل وموسى أن يصيروا إلى جانب طور سيناء ليكلم فيه موسى ويناجيه بما فيه صلاحهم بأوامرهم ونواهيهم، فلما أخذوا في السير تعجل موسى عليه السلام للقاء ربه حسبما يأتي ذكره، وقالت فرقة هذا  الطور  هو الذي كلم فيه موسى أولاً حيث رأى النار وكان في طريقه من الشام إلى مصر، وقالت فرقة ليس به و  الطور  الجبل الذي لا شعرا فيه[(٢)](#foonote-٢) وقوله  الأيمن  إما أن يريد اليمن وإما أن يريد اليمين بالإضافة إلى ذي يمين إنسان أو غيره. و  المن والسلوى  طعامهم، وقد مضى في البقرة استيعاب تفسيرهما، وقوله تعالى : من طيبات  يريد الحلال الملك، لأن المعنى في هذا الموضع قد جمعهما واختلف الناس ما القصد الأول بلفظة الطيب في القرآن، فقال مالك رحمه الله الحلال، وقال الشافعي ما يطيب للنفوس، وساق إلى هذا الخلاف تفقههم في الخشاش[(٣)](#foonote-٣) والمستقذر من الحيوان. و  تطغوا  معناه تتعدون الحد وتتعسفون كالذي فعلوا ع. وقرأ جمهور الناس **«فيحِل »** بكسر الحاء **«ومن يحلِل »** بكسر اللام، وقرأ الكسائي وحده[(٤)](#foonote-٤) **«فيحُل »** بضم الحاء **«ومن يحلُل »** بضم اللام فمعنى الأول فيجب ومعنى الثاني فيقع وينزل، و  هوى  معناه سقط من علو إلى أسفل ومنه قول خنافر :
فهوى هوي العقاب. . . [(٥)](#foonote-٥) قال القاضي أبو محمد : وإن لم يكن سقوطاً فهو شبيه بالساقط والسقوط حقيقة قول الآخر :\[ الوافر \]
هويّ الدلْو أسلمه الرشاء[(٦)](#foonote-٦). . . ويشبه الذي وقع في طامة أو ورطة بعد أن كان بنجوة منها بالساقط فالآية من هذا أي **«هوي »** في جهنم وفي سخط الله، وقيل أخذ الفعل من لفظ الهاوية وهو قعر جهنم.

١ اختار أبو عبيد هذه القراءة، لأن الوعد إنما هو من الله تعالى لموسى خاصة، و "المواعدة" لا تكون إلا من اثنين، وابن عطية يرد على هذا حين ينقل عن بعضهم أن (واعد) لغة في (وعد)، وحين يقول: إن التلقي والعزم على العهد يقوم مقام المواعدة..
٢ الشعراء: الأرض أو الروضة الكثيرة الشجر. (المعجم الوسيط)..
٣ الخشاش: حشرات الأرض، وفي الحديث الشريف: (دخلت امرأة النار في هرة حبستها، فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض)..
٤ لعله يريد: من السبعة، فقد ذكرت كتب التفسير أنها أيضا قراءة قتادة، وأبي حيوة، والأعمش، وطلحة..
٥ قال الصاغاني: خنافر مثل علابط اسم رجل كاهن، هو خنافر بن التوأم الحميري، وفي اللسان "هوى بالفتح يهوي هويا وهويا: سقط من فوق إلى أسفل، وهوت العقاب تهوي هويا إذا انقضت على صيد أو غيره ما لم ترغه، فإذا أراغته قيل: أهوت له إهواء، قال زهير:
 أهوى لها أسفع الحدين مطرق ريش القوادم لم ينصب له الشبك
 والإراغة أن يذهب الصيد هكذا وهكذا والعقاب تتبعه". والشاهد أن الهوي والهوي هو السقوط من أعلى إلى أسفل..
٦ هذا عجز بيت، ذكره صاحب اللسان في (هوى) شاهدا على أن الهوي بفتح الهاء إلى أسفل، وبضمها إلى فوق، يقال: هوى هويا بالفتح إذا هبط، وهوى هويا بالضم إذا صعد، ثم استشهد به مرة أخرى على أن الهوي بالضم هو العدو السريع، يقال: هوت الناقة هويا إذا عدت عدوا شديدا أرفع العدو، والبيت بتمامه:
 فشد بها الأماعز وهي تهوي هوي الدلو أرسله الرشاء
 ويروى: أسلمها الرشاء، وهي رواية اللسان، والرشاء: حبل الدلو الذي يحمله إلى أسفل وإلى أعلى. والدلو تذكر وتؤنث، والتأنيث أعلى وأكثر، هذا ولم ينسب صاحب اللسان البيت لأحد..

### الآية 20:82

> ﻿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ [20:82]

ولما حذر لله تعالى غضبه والطغيان في نعمه فتح باب الرجاء للتائبين، والتوبة فرض على جميع الناس بقوله تعالى في سورة النور :
 وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون [(١)](#foonote-١) \[ النور : ٣١ \]. والناس فيه على مراتب إما مواقع الذنب وقدرته على ذلك باقية فتوبته الندم على ما مضى والإقلاع التام عن مثله في المستقبل، وإما الذي واقع الذنب ثم زالت قدرته عن مواقعته لشيخ أو آفة فتوبته الندم واعتقاد الترك أن لو كانت قدوة، وأما لم يواقع ذنباً فتوبته العزم على ترك كل ذنب والتوبة من ذنب تصح مع الإقامة على غيره وهي توبة مقيدة، وإذا تاب المرء ثم عاود الذنب بعد مدة فيحتمل عند حذاق أهل السنة أن لا يعيد الله تعالى عليه الذنب الأول لأن التوبة قد كانت مجبة، ويحتمل أن يعيده لأنها توبة لم يواف بها، واضطرب الناس في قوله  ثم اهتدى  من حيث وجدوا الهدى ضمن الإيمان والعمل، فقالت فرقة معناه لم يشك في إيمانه، وقالت فرقة معناه ثم استقام، وقالت فرقة معناه ثم لزم الإسلام حتى يموت عليه، وقالت فرقة ثم اخذ بسنة نبيه، وقالت فرقة معناه أمر بسنته، وقالت فرقة معناه والى أهل البيت ع وهذه كلها تخصيص واحد منها دون ما هو من نوعه بعيد ليس بالقوي، والذي يقوى في معنى  ثم اهتدى  أن يكون ثم حفظ معتقداته من أن يخالف الحق في شيء من الأشياء فإن الاهتداء على هذا الوجه غير الإيمان وغير العمل، ورب مؤمن عمل صالحاً قد أوبقه عدم الاهتداء كالقدرية والمرجئة وسائر أهل البدع والخوارج فمعنى  ثم اهتدى  ثم مشى في عقائد الشرع على طريق قويم جعلنا الله منهم بمنه ع وفي حفظ المعتقدات ينحصر عظم أمر الشرع.

١ من الآية (٣١) من سورة (النور)..

### الآية 20:83

> ﻿۞ وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَىٰ [20:83]

قصص هذه الآية أن موسى عليه السلام لما شرع في النهوض ببني إسرائيل إلى جانب الطور الأيمن حيث كان الموعد أن يكلم الله موسى بما فيه شرف العاجل والآجل رأى على جهة الاجتهاد أن يتقدم وحده مبادراً إلى أمر الله تعالى، وحرصاً على القرب منه وشوقاً إلى مناجاته، واستخلف هارون على بني إسرائيل وقال لهم موسى تسيرون إلى جانب الطور، فلما انتهى موسى عليه السلام وناجى ربه زاده في الأجل عشراً، وحينئذ وقفه على معنى استعجاله دون القوم ليخبره موسى أنهم على الأثر فيقع الإعلام له بما صنعوا.

### الآية 20:84

> ﻿قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَىٰ أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ [20:84]

وقرأت فرقة **«أولايَ »** بياء مفتوحة[(١)](#foonote-١). وقوله  على أثري  يحتمل أن يكون في موضع رفع خبراً بعد خبر، ويحتمل أن يكون في موضع نصب في موضع الحال، وقرأت فرقة **«على أَثَري »** بفتح الهمزة والثاء، وقرأت فرقة **«إثْري »** بكسر الهمزة وسكون الثاء، وأعمله موسى عليه السلام أنه إنما استعجل طلب الرضى.

١ حكى ذلك الفراء، وقال الزجاج: إن هذا لا وجه له، قال النحاس: وهو كما قال؛ لأن هذا ليس مما يضاف فيكون مثل هداي، ولا يخلو من إحدى جهتين: إما أن يكون مبهما فإضافته محال، وإما أن يكون بمعنى الذين فلا يضاف أيضا؛ لأن ما بعده من تمامه وهو معرفة. هذا وأهل الحجاز يقولون: "أولاء" ممدودة، وبنو تميم يقولون: "هم أولى" مقصورة مرسلة، حكى ذلك عيسى..

### الآية 20:85

> ﻿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ [20:85]

فأعمله الله تعالى أنه قد فتن بني إسرائيل، أي اختبرهم بما صنعه السامري. ويحتمل أن يريد ألقيناهم في فتنة، أي في ميل مع الشهوات ووقوع في اختلاف كلمة، و  من بعدك  أي من بعد فراقك لهم، وقرأت فرقة **«وأضلَّهم السامري »** على إسناد الفعل إلى  السامري  وقرأت فرقة **«وأضلُّهم السامري »** بضم اللام على الابتداء والإخبار عن  السامري  بأنه **«أضلُّ »** القوم، والقراءة الأولى أكثر وأشد في تذنيب السامري و  السامري  رجل من بني إسرائيل يقال إنه كان ابن خال موسى، وقالت فرقة لم يكن من بني إسرائيل بل كان أصله من العجم من أهل كرمان والأول أصح، وكان قصص السامري أنه كان منافقاً عنده حيل وقبض القبضة من أثر جبريل عليه السلام وعلم ما أقدره الله عليه لفتنة القوم أنه يتهيأ له بتلك القبضة ما يريد مما يجوز على الله تعالى لأنه لو ادعى النبوءة مع ذلك العجل لما صح ولا جاز أن يخور ولا أن تتم الحيلة فيه ولكنه لما ادعى له الربوبية وعلامات كذبه قائمة لائحة صحت الفتنة به وجاز ذلك على الله تعالى كقصة الدجال الذي تخرق له العادات لانه مدعي الربوبية ولو كان مدعي نبوءة لما صح شيء من ذلك. فلما رأى السامري مدعيا ورأى سفه بني إسرائيل في طلبهم من موسى آلهة حين مروا على قوم يعبدون أصناماً على صفة البقر، وقيل كانت بقراً حقيقة علم أنه سيفتنهم من هذه الطريق، فيروى أنه قال لهم إن الحلي الذي عندكم من مال القبط قبيح بكم حبسه ولكن اجمعوه عندي حيت يحكم الله لكم فيه، وقيل إن هارون عليه السلام أمرهم بجمعه ووضعه في حفرة حتى يجيء موسى ويستأذن فيه ربه، وقيل بل كان المال الذي جمعوه للسامري مما لفظ البحر من أموال الغارقين مع فرعون، فروي مع هذا الاختلاف أن الحلي اجتمع عند العجل وأنه صاغ العجل وألقى القبضة فيه فخار، وروي وهو الأصح الأكثر أنه ألقى الناس الحلي في حفرة أو نحوها وألقى هو عليه القبضة فتجسد العجل وهذا وجه فتنة الله تعالى لهم، وعلى هذا نقول : انخرقت للسامري عادة، وأما على أن يصوغه فلم تتخرق له عادة، وإنما فتنوا حينئذ بخواره فقط وذلك الصوت قد تولد في الأجرام بالصنعة.

### الآية 20:86

> ﻿فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ۚ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي [20:86]

فلما أخبر الله تعالى موسى عليه السلام بما وقع رجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً عليهم من حيث له قدرة على تغيير منكرهم  أسفاً  أي : حزيناً من حيث علم أنه موضع عقوبة لابد له بدفعها، ولا بد منها، و‹الأسف› في كلام العرب متى كان من ذي قدرة على من دونه فهو غضب، ومتى كان من الأقل على الأقوى فهو حزن، وتأمل ذلك فهو مطرد إن شاء الله عز وجل. 
 قَالَ ياقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي 
وبخ موسى عليه السلام قومه بهذه المقالة و **«الوعد الحسن »** هو ما وعدهم من الوصول إلى جانب الطور الأيمن وما بعد ذلك من الفتوح في الأرض والمغفرة لمن تاب وآمن وغير ذلك مما وعد الله تعالى به أهل طاعته، وقوله  وعداً  إما أن يكون نصباً على المصدر والمفعول الثاني مقدراً، وإما أن يكون بمعنى الموعود ويكون هو المفعول الثاني بعينه، ثم وقفهم على أعذار لم تكن ولا تصح لهم وهي طول  العهد  حتى يتبين لهم خلف في الموعد أو إرادة غضب الله تعالى. وذلك كله لم يكن ولكنهم عملوا عمل من لم يتدين وسمي العذاب **«غضباً »** من حيث هو عن الغضب، والغضب إن جعل بمعنى الإرادة فهو صفة ذات وإن جعل ظهور النقمة والعقاب فهو صفة فعل فهو من المتردد بين الحالين.

### الآية 20:87

> ﻿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ [20:87]

وقرأ نافع وعاصم **«بمَلكنا »** بفتح الميم، وقرأ حمزة والكسائي **«بمُلكنا »** بضمة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر **«بمِلكنا »** بكسرة، قال أبو علي هذه لغات ع ظاهر هذا الكلام أنها بمعنى واحد ولكن إن أبا علي وغيره قد فرق بين معانيها فأما ضم الميم فمعناه على قول أبي علي لم يكن لنا ملك فنخلف موعدك بقوته وسلطانه وإنما أخلفناه بنظر أدى إليه ما فعل السامري وليس المعنى أن لهم ملكاً وإنما هذا كقول ذي الرمة :\[ البسيط \]
 لا يشتكي سقط منها وقد رقصت. . . بها المفاوز حتى ظهرها حدب[(١)](#foonote-١)
إذ لا تكون منها سقطة فتشتكي، قال وهذا كقوله تعالى : لا يسألون الناس إلحافاً [(٢)](#foonote-٢) \[ البقرة : ٢٧٣ \] أي ليس منهم سؤال فيكون منهم إلحاف ع وهذا كله في هذه الأمثلة غير متيقن من قول أبي علي وإنما مشى في ذلك على أثر الزجاج دون تعقب وقد شرحت هذا المعنى في سورة البقرة في تفسير  لا يسألون الناس إلحافاً  \[ البقرة : ٢٧٣ \] وبين أن هذه ليست كهذه الأمثلة لأنهم لم يرفعوا الإخلاف فيها والأمثلة فيها رفع الوجهين[(٣)](#foonote-٣)، وأما فتح الميم فهو مصدر من ملك والمعنى ما فعلنا ذلك بأنا ملكنا الصواب ولا وفقنا له بل غلبتنا أنفسنا، وأما كسر الميم فقط كثر استعماله فيما تحوزه اليد ولكنه يستعمل في الأمور التي يبرمها الإنسان ومعناها كمعنى التي قبلها والمصدر مضاف في الوجهين إلى الفاعل والمفعول مقدر أي **«بملكنا الصواب »**، وهذا كما قد يضاف أحياناً إلى المفعول والفاعل مقدر كقوله تعالى : بسؤال نعجتك [(٤)](#foonote-٤) \[ ص : ٢٤ \] ومن دعاء الخير[(٥)](#foonote-٥)، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم **«حُمّلنا »** بضم الحاء وشد الميم، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي **«حَمَلنا »** بفتح الحاء والميم[(٦)](#foonote-٦). و **«الأوزار »** الأثقال، وتحتمل هذه التسمية أن تكون من حيث هي ثقيلة الأجرام، ويحتمل أن يكون من حيث آمنوا في قذفها وظهر لهم أن ذلك هو الحق فكانت آثاماً لمن حملها. وقوله  فكذلك ألقى  أي فكما قذفنا نحن  فكذلك  أيضاً  ألقى السامري  ما كان بيده ع وهذه الألفاظ تقتضي أن العجل لم يصغه السامري.

### الآية 20:88

> ﻿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ [20:88]

ثم أخبر الله تعالى عن فعل السامري بقوله تعالى : فأخرج لهم عجلاً جسداً ، ومعنى قوله  جسداً  أي شخصاً لا روح فيه، وقيل معنى  جسداً  لا يتغذى. و **«الخوار »** صوت البقر، وقالت فرقة كان هذا العجل يخور ويمشي ع وهكذا تكون الفتنة من قبل الله تعالى قاله ابن عباس، وقالت فرقة إنما خار مرة واحدة. ثم لم يعد وقالت فرقة إنما كان خواره بالريح كانت تدخل من دبره وتخرج من فيه فيصوت لذلك. 
الضمير في قوله  فقالوا  لبني إسرائيل، أي قالوا حين قال كبارهم لصغارهم وهذا إشارة إلى العجل. 
قوله تعالى  فنسي  يحتمل أن يكون من كلام بني إسرائيل أي فنسي موسى ربه وإلهه فذهب يطلبه في غير موضعه، ويحتمل أن يكون قوله  فنسي  إخباراً من الله تعالى عن السامري، أي نسي دينه وطريق الحق ع فالنسيان في التأويل الأول[(١)](#foonote-١) بمعنى الذهول، وفي الثاني بمعنى الترك،

١ في بعض النسخ: "في هذا التأويل"..

### الآية 20:89

> ﻿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا [20:89]

ثم قرن تعالى مواضع خطأهم بقوله تعالى : أفلا يرون  المعنى أفلم يتبين هؤلاء الذين ضلوا أن هذا العجل إنما هو جماد لا يتكلم ولا يرجع قولاً ولا يضر ولا ينفع، وهذه خلال لا يخفى معها الحدوث والعجز لا أن هذه الخلال لو حصلت له أوجبت كونه إلهاً وقرأت فرقة **«أن لا يرجعُ »** برفع العين، ****«وأن »**** على هذه القراءة المخففة من الثقيلة والتقدير أنه لا يرجع، وقرأت فرقة **«أن لا يرجع »**[(١)](#foonote-١) ****«وأن »**** على هذه القراءة هي الناصبة.

١ أي: بالنصب، والرؤية في قراءة النصب بصرية، أما على قراءة الرفع فهي بمعنى العلم والظن..

### الآية 20:90

> ﻿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ ۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَٰنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي [20:90]

وأخبر عز وجل أن  هارون  قد كان لهم في أول حال العجل  يا قوم  إنما هي فتنة وبلاء وتمويه من السامري وإنما  ربكم الرحمن  الذي له القدرة والعلم والخلق والاختراع  فاتبعوني  إلى الطور الذي واعدكم الله تعالى إليه  وأطيعوا أمري  في ما ذكرته لكم وقرأت فرقة **«إنما وإن ربكم الرحمن »** بكسر الهمزتين، وقرأت فرقة **«إنما »** بالكسر **«وأن »** بالفتح، والقراءة الوسطى ضعيفة.

### الآية 20:91

> ﻿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ [20:91]

فقال بنو إسرائيل حين وعظهم هارون وندبهم إلى الحق  لن نبرح  عابدين لهذا الإله،  عاكفين  عليه أي لازمين له والعكوف الانحناء على الشيء من شدة ملازمته ومنه قول الراجز :\[ الرجز \]
عكف النبيط يلعبون الفنزجا. . . [(٢)](#foonote-٢)

### الآية 20:92

> ﻿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا [20:92]

في سرد القصص اقتضاب يدل عليه ما ذكره تقديره فرجع موسى فوجد الأمر كما ذكره الله تعالى له فجعل يؤنب هارون بهذه المقالة.

### الآية 20:93

> ﻿أَلَّا تَتَّبِعَنِ ۖ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي [20:93]

وقرأ الجمهور **«تتبعن »** بحذف الياء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وبإثباتها في الوصل ويقف ابن كثير بالياء وأبو عمرو بغير الياء. ويحتمل قوله  ألا تتبعن  أي بني إسرائيل نحو جبل الطور فيجيء اعتذار هارون أي لو فعلت ذلك مشت معي طائفة وأقامت طائفة على عبادة العجل فيتفرق الجمع فخفت لومك على التفرق، ويحتمل قوله  ألا تتبعن  أي لا تسير بسيري وعلى طريقتي في الإصلاح والتسديد ويجيء اعتذار هارون بمعنى أن الأمر كان متفاقماً فلو تقويت عليه وقع القتال واختلاف الكلمة فكان تفريقاً بين بني إسرائيل وإنما لاينت جهدي. 
وقوله تعالى : ألا تتبعن  بمعنى ما منعك أن تتبعني، واختلف الناس في وجه دخول **«لا »** فقالت فرقة هي زائدة، وذهب حذاق النحاة إلى أنها مؤكدة وأن في الكلام فعلاً مقدراً كأنه قال ما منعك ذلك أو حضك أو نحو هذا على **«أن لا تتبعن »** وما قبل وما بعد يدل على هذا ويقتضيه.

### الآية 20:94

> ﻿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ۖ إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي [20:94]

وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم **«يبنؤم »** يحتمل أن يريد يا بن أما فحذف الألف تخفيفاً ويحتمل أن يجعل الاسمين اسماً واحداً وبناه كخمسة عشر، وقرأ ابن كثير عن عاصم وحمزة والكسائي **«يا بن أمِ »** بالكسر على حذف الياء تخفيفاً وهو شاذ لأنها ليست كالياء في قولك يا غلامي وإنما هي كالياء في قولك يا غلام غلامي وهذه ياء لا تحذف[(١)](#foonote-١)، ويحتمل أن يجعل الاسمين اسماً واحداً ثم أضاف إلى نفسه فحذف الياء كما تحذف من الأسماء المفردة إذا أضيفت نحو يا غلام، وقالت فرقة لم يكن هارون أخا موسى إلا من أمه ع وهذا ضعيف، وقالت فرقة كان شقيقه وإنما دعاه بالأم لأن التداعي بالأم أشفق وأشد استرحاماً، وأخذ موسى عليه السلام بلحية هارون غضباً وكان حديد الخلق عليه السلام.

١ قال ابن خالويه في كتابه (الحجة): "والوجه في العربية إثبات الياء ها هنا؛ لأن هذه الياء إنما تحذف في النداء المضاف إليك، إذا قلت: يا غلامي؛ لأنها وقعت موقع التنوين، والتنوين لا يثبت في النداء"، ومعنى هذا أن الاسم الذي فيه الياء هنا مضاف إلى المنادى الذي هو (ابن)، وليس بمنادى، وهذا كما قال الشاعر:
 يا بن أمي ولو شهدتك إذ تدعو تميما وأنت غير مجاب
 ولكن لما كثر به الكلام، وصار المضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد، حذفت الياء..

### الآية 20:95

> ﻿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ [20:95]

المعنى قال موسى مخاطباً للسامري  فما خطبك يا سامري ، وقوله  ما خطبك  كما تقول ما شأنك وما أمرك، لكن لفظة الخطب تقتضي انتهازاً لأن الخطب مستعمل في المكارة فكأنه قال ما نحسك وما شؤمك وما هذا الخطب الذي جاء من قبلك[(١)](#foonote-١)، و **«السامري »** قيل هو منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل، وقيل هو منسوب إلى قرية يقال لها سامرة[(٢)](#foonote-٢). 
قال أبو محمد رحمه الله : وهي معروفة اليوم ببلاد مصر، وقيل اسمه موسى بن ظفر.

١ نقل أبو حيان الأندلسي كلام ابن عطية هذا في (البحر المحيط) ثم عقب عليه بقوله: "وهذا ليس كما ذكر، ألا ترى إلى قوله تعالى: قال فما خطبكم أيها المرسلون، وهو قول إبراهيم عليه السلام لملائكة الله، فليس هذا يقتضي انتهارا ولا شيئا مما ذكر"..
٢ في معجم البلدان للحموي أنها قرية بين مكة والمدينة..

### الآية 20:96

> ﻿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي [20:96]

وقرأت فرقة **«بصُرت »** بضم الصاد على معنى صارت بصيرتي بصورة ما فهو كطرفت وشرفت، وقرأت فرقة **«بصِرت »** بكسر الصاد، فيحتمل أن يراد من البصيرة ويحتمل أن يراد من البصر وذلك أن في أمر السامري ما زاده على الناس بالبصر وهو وجه جبريل عليه السلام وفرسه وبالبصيرة وهو ما علمه من أن القبضة إذا نبذها مع الحلي جاءه من ذلك ما يريد، وقرأ الجمهور **«يبصروا »** بالياء يريد بني إسرائيل، وقرأ حمزة والكسائي **«تبصروا »** بالتاء من فوق يريد موسى مع بني إسرائيل، وقرأ الجمهور **«فقبضت قبضة »** بالضاد منقوطة بمعنى أخذت بكفي مع الأصابع، وقرأ ابن مسعود وابن الزبير وأبي بن كعب وغيرهم، **«فقبصت قبصة »** بالصاد غير منقوطة بمعنى أخذت بأصابعي فقط، وقرأ الحسن بخلاف عنه **«قُبضة »** بضم القاف[(١)](#foonote-١). و  الرسول  جبريل عليه السلام، و **«الأثر »** هو تراب تحت حافر فرسه، وسبب معرفة السامري بجبريل وميزه له فيما روي أن السامري ولدته أمه عام الذبح فطرحته في مغارة فكان جبريل عليه السلام يغذوه ويحميه حتى كبر وشب فميزه بذلك. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف. وقوله  فنبذتها  أي على الحلي فكان منها ما تراه وهذا محذوف من اللفظ تقتضيه الحال والمخاطبة. ثم قال  وكذلك سولت لي نفسي  أي وكما حدث ووقع قويت لي نفسي وجعلته لي سولاً وإرباً حتى فعلته، وكان موسى عليه السلام لا يقتل بني إسرائيل إلا في حد أو وحي فعاقبه باجتهاد نفسه بأن أبعده ونحاه عن الناس وأمر بني إسرائيل باجتنابه واجتناب قبيلته وأن لا يواكلوا ولا يناكحوا ونحو هذا، وعلمه مع ذلك وجعل له أن يقول مدة حياته  لا مساس  أي لا مماسة ولا إذاية.

١ أي: بضم القاف والصاد المهملة كما وضح أبو حيان في البحر المحيط، ونسبها أيضا إلى قتادة، ونصر بن عاصم، وقال أبو الفتح في المحتسب: "وأما (القبصة) بالضم فالقدر المقبوص، كالحسوة للمحسو، والحسوة فعلك أنت، والقبضة والقبصة جميعا على ذلك إنما هما حدثان موضوعان موضع الجثة، كالخلق في معنى المخلوق، وضرب الأمير في معنى المضروب"..

### الآية 20:97

> ﻿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ ۖ وَانْظُرْ إِلَىٰ إِلَٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ۖ لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا [20:97]

وقرأ الجمهور **«لا مِسَاسَ »** بكسر الميم وفتح السين على النصب بالتبرئة وهو اسم يتصرف ومنه قول النابغة :\[ المتقارب \]
 فأصبح من ذاك كالسامري، . . . إذ قال موسى له لا مساسا[(١)](#foonote-١)
ومنه قول رؤبة :\[ الرجز \]
حتى يقول الأزد لا مساسا. . . [(٢)](#foonote-٢) 
واستعماله على هذا كثير. وقرأ أبو حيوة **«لا مَساسِ »** بفتح الميم وكسر السين وهو معدول عن المصدر كفجار ونحوه، وشبهه أبو عبيدة وغيره بنزال ودراك ونحوه والشبه صحيح من حيث هي معدولات وفارقة في أن هذه عدلت عن الأمر، ومساس وفجارعدلت عن المصدر ومن هذا قول الشاعر :
 تميم كرهط السامري. . . وقوله :\[ الطويل \]
ألا لا يريد السامري مساس. . . [(٣)](#foonote-٣) وقرأ الجمهور **«تخلَفه »** بفتح اللام على معنى لن يقع فيه خلف، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو **«لن تخلِفه »** بكسر اللام على معنى لن تستطيع الروغان عنه والحيدة فتزول عن موعد العذاب، وقرأ الحسن بن أبي الحسن بخلاف **«لن نخلفه »** بالنون، قال أبو الفتح المعنى لن نصادفه مخلفاً ع وكلها بمعنى الوعيد والتهديد. ثم وبخه عليه السلام بقوله : وانظر إلى إلهك الذي  أي انظر صنيعك وتغيرنا له وردنا الأمر فيه إلى الواجب. وقرأت فرقة **«ظَلت »** بفتح الظاء على حذف اللام الواحدة، وقرأت فرقة **«ظِلت »** بكسر الظاء على نقل حركة اللام إلى الظاء ثم حذفها بعد ذلك نحو قول الشاعر :\[ أبو زبيد الطائي \] \[ الوافر \]
 خَيلا إن العِتاقَ من المطايا. . . أَحَسْنَ به فهن إليه شُوسُ[(٤)](#foonote-٤)
أراد احْسَسْنَ فنقلت حركة السين إلى الحاء ثم حذفت تخفيفاً، وفي بعض الروايات حسين، وقرأت فرقة **«ظللت »**، وظل معناه أقام يفعل الشيء نهاراً، ولكنها قد تستعمل في الدائب ليلاً ونهاراً بمثابة طفق. و  عاكفاً  معناه ملازماً حدباً. وقرأت فرقة **«لنحرِقنه »** بتخفيف الراء بمعنى النار، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس **«لنحرُقنَّه »** بضم الراء[(٥)](#foonote-٥) وفتح النون بمعنى لنبردنه بالمبرد[(٦)](#foonote-٦)، وقرأ نافع وغيره **«لنُحرِّقنه »** بضم النون وكسر الراء وشدها وهذا تضعيف مبالغة لا تعدية وهي قراءة تحتمل الحرق بالنار وتحتمل بالمبرد، وفي مصحف أبي وعبد الله بن مسعود **«لنذبحنه ثم لنحرقنه ثم لننسفنه »**، وهذه القراءة مع رواية من روى أن العجل صار لحماً ودماً، وعلى هذه الرواية يتركب أن يكون هناك حرق بنار وإلا فإذا كان جماداً من ذهب فإنما هو حرق بمبرد اللهم إلا أن تكون إذابة ويكون النسف مستعاراً لتفريقه في اليم مذاباً. وقرأت فرقة **«لننسِفنه »** بكسر السين، وقرأت فرقة **«لننسُفنه »** بضم السين. و **«النسف »** تفريق الريح الغبار وكل ما هو مثله كتفريق الغربال ونحوه فهو نسف. . و  اليم  غمر الماء من بحر وغيره وكل ما غمر الإنسان من الماء فهو يم، و  نسفاً  تأكيد بالمصدر. واللام في قوله : لنحرقنه  لام القسم، وفي هذه الآية من القصص أن موسى عليه السلام برد العجل حتى رجع كالغبار ثم ذراه في البحر ثم أمر بني إسرائيل أن يشرب جميعهم من الماء فكلما شرب من كان في قلبه حب العجل خرج على شاربه من الذهب فضيحة له، وقال مكي رحمه الله وأسند أن موسى عليه السلام كان مع السبعين في المناجاة وحينئذ وقع أمر العجل وأن الله تعالى أعلم موسى بذلك فكلمه موسى عنهم وجاء بهم حتى سمع لفظ بني إسرائيل حول العجل فحينئذ أعلمهم موسى. 
قال أبو محمد رحمه الله : وهذه رواية، الجمهور على خلافها وإنما تعجل موسى عليه السلام وحده فوقع أمر العجل ثم جاءه موسى وصنع ما صنع بالعجل ثم خرج بعد ذلك بالسبعين على معنى الشفاعة في ذنب بني إسرائيل وأن يطلعهم أيضاً على أمر المناجاة فكان لموسى عليه السلام نهضتان والله أعلم.

١ لم أجد هذا البيت في ديوان النابغة الذي جمعه وحققه وشرحه الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور، والذي نشرته الشركة التونسية للتوزيع بالاشتراك مع الشركة الوطنية للتوزيع بالجزائر. كذلك لم أعثر على قائله فبما بين يدي من المراجع، ولم أجده في التاج ولا في اللسان أو الأساس أو كتب التفسير، اللهم إلا لا في البحر المحيط غير منسوب، وهذا موضع الاستشهاد هنا. على أن اسم النابغة يطلق على ثمانية من الشعراء، فلعله لواحد منهم..
٢ كذلك لم أجد هذا البيت في ديوان رؤبة المسمى: (مجموع أشعار العرب ـ المكتب التجاري بيروت)، وقد أورده القرطبي في لفظ آخر مع بيت قبله، وهما:
 حمال رايات بها قناعسا حتى تقول الأزد لا مسابسا
 وعلق عليه المحقق بقوله: " هكذا في الأصول، ولم نقف عليه"..
٣ الرهط: الجماعة من ثلاثة أو سبعة إلى عشرة، أو ما دون العشرة، جمعه أرهط وأرهاط، ولم نقف على قائل البيت، والشاهد فيه أن (مساس) معدولة عن المصدر، ويوافقه الزمخشري في ذلك، فقد قال: إن (مساس) بوزن (فجار)، وقال صاحب اللوامح: "هو على صورة نزال ونظار من أسماء الأفعال، بمعنى: إنزال وانظر، وهذه الأسماء التي بهذه الصيغة معارف، ولا تدخل عليها (لا) النافية التي تنصب النكرات، نحو: لا مال لك، لكن فيه نفي للفعل، وتقديره: لا يكون منك مساس، ولا أقول: مساس، ومعناه النهي، أي: لا تمسني"، وأكد ابن جني هذا الكلام في المحتسب..
٤ البيت لأبي زبيد الطائي، وهو في اللسان (حسس)، والرواية فيه (حسين به)، وهي التي أشار إليها ابن عطية، قال صاحب اللسان: "أما قولهم: "أحست بالشيء" فعلى الحذف كراهية التقاء المثلين"، ونقل عن الأزهري أنه يقال: أحسست الخير وأحسته وحسيت وحست: إذا عرفت منه طرفا، وقد استشهد اللغويون ببيت أبي زبيد هذا، وقد قال سيبويه: "وكذلك يفعل في كل بناء يبنى اللام من الفعل منه على السكون، ولا تصل إليه الحركة، شبهوها بأقمت"، وهذا ينطبق على (ظللت) التي هي أصل البحث هنا. العتاق: النجائب الكريمة، والشوس: أن ينظر بإحدى عينيه ويميل وجهه في شق العين التي ينظر بها، ويكون ذلك في الخلق، ويكون من الكبر..
٥ في الأصول أخطأ النساخ في ضبط الحروف، والتصويب عن كتب التفسير وكتب القراءة..
٦ هذا من قولهم: "حرقت الشيء أحرقه حرقا" بمعنى: بردته وحككت بعضه ببعض، ومنه قولهم: "حرق نابه يحرقه ويحرقه" أي: سحقه حتى يسمع له صريف، ويقال للمبرد: المحرق. قال ابن جني: "حرقت الحديد: إذا بردته فتحات وتساقط، ومنه قولهم: "إنه ليحرق علي الأرم"، أي: يحك أسنانه بعضها ببعض غيظا علي، قال زهير: 
 أبى الضيم والنعمان يحرق نابه عليه فأفضى والسيوف معاقله
 **وأنشد أبو زيد، ورويناه عنه:**
 نبئت أحماء سليمى أنما باتوا غضابا يحرقون الأرما
 فكأن \[لنحرقنه\] ـ على هذا ـ: لنبردنه ولنحتنه حتا"..

### الآية 20:98

> ﻿إِنَّمَا إِلَٰهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا [20:98]

هذه مخاطبة من موسى عليه السلام لجميع بني إسرائيل مبيناً لهم، وقوله تعالى : وسع كل شيء علماً  بمعنى وسع علمه كل شيء. و  علماً  تمييز، وهذا كقوله : تفقأت شحماً وتصببت عرقاً، والمصدر في الأصل فاعل ولكن يسند الفعل إلى غيره وينصب هو على التمييز، وقرأ مجاهد وقتادة **«وسَّع كل شيء »** بفتح السين وشدها بمعنى خلق الأشياء وكثرها بالاختراع فوسعها موجودات.

### الآية 20:99

> ﻿كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ ۚ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا [20:99]

وقوله تعالى : كذلك نقص  مخاطبة لمحمد صلى الله عليه وسلم، أي كما قصصنا عليك نبأ بني إسرائيل هذا في خبر العجل  كذلك نقص عليك  فكأنه قال هكذا نقص عليك فكأنها تعديد نعمته، وقوله  ما قد سبق  يريد به ما قد سبق مدة محمد صلى الله عليه وسلم، و **«الذكر »** القرآن، وقرأت فرقة **«يحمَّل »** بفتح الميم وشدها.

### الآية 20:100

> ﻿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا [20:100]

وقوله  من أعرض عنه  يريد بالكفر به والتكذيب له، و **«الوزر »** الثقل وهو هاهنا ثقل العذاب بدليل قوله تعالى : خالدين فيه .

### الآية 20:101

> ﻿خَالِدِينَ فِيهِ ۖ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا [20:101]

و  حملاً  تمييز، و  يوم  ظرف، و  يوم  الثاني بدل منه.

### الآية 20:102

> ﻿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ۚ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا [20:102]

وقرأ الجمهور **«يُنفخ »** بضم الياء وبناء الفعل للمفعول، وقرأت فرقة **«يَنفخ »** بفتح الياء وبناء الفعل للفاعل، أي ينفخ الملك. وقرأ أبو عمرو وحده **«ننفخ »** بالنون أي بأمرنا وهذه القراءة تناسب قوله  ونحشر . وقرأ الجمهور **«في الصور »** بسكون الواو، ومذهب الجمهور أنه القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل وبهذا جاءت الأحاديث، وقالت فرقة **«الصوَر »** جمع صورة كثمرة وثمر. وقرأ ابن عياض **«ينفخ في الصوَر »** بفتح الواو وهذه صريحة في بعث الأجساد من القبور، وقرأت فرقة هي الجمهور، **«ونحشر »** بالنون، وقرأت فرقة **«ويحشر »** بالياء، وقرأت فرقة **«ويُحشر »** بضم الياء **«المجرمون »** على المفعول الذي لم يسم فاعله، وهي قراءة مخالفة لخط المصحف وقوله : زرقاً  اختلف الناس في معناه، فقالت فرقة يحشرهم أول قيامهم سود الألوان زرق العيون تشويه ما ثم يعمون بعد ذلك وهي مواطن، وقالت فرقة إنهم يحشرون عطاشاً والعطش الشديد يرد سواد العين إلى البياض فكأنهم بيض سواد عيونهم من شدة العطش، وقالت فرقة أراد زرق الألوان وهي غاية في التشويه لأنهم يجيئون كلون الرماد، ومهيع كلام العرب أن يسمى هذا اللون أزرق ومنه زرقة الماء قال الشاعر :\[ زهير بن أبي سلمى \] \[ الطويل \]
فلما وردن الماء زرقاً جمامه. . . وضعن عصي الحاضر المتخيم[(١)](#foonote-١)
ومنه قولهم سنان أزرق لأنه نحو ذلك اللون.

### الآية 20:103

> ﻿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا [20:103]

أي **«يتخافت »** المجرمون  بينهم  أي : يتسارون، المعنى أنهم لهول المطلع وشدة ذهاب أذهانهم قد عزب عنهم قدر المدة التي لبثوها، واختلف الناس في هذا، فقالت فرقة في دار الدنيا ومدة العمر، وقالت فرقة في الأرض مدة البرزخ، وقالت فرقة ما بين النفختين في الصور.

### الآية 20:104

> ﻿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا [20:104]

و  أمثلهم طريقة  معناه أثبتهم يقيناً وأعلمهم بالحقيقة بالإضافة إليهم فهم في هذه المقالة يظنون أن هذا قدر لبثهم.

### الآية 20:105

> ﻿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا [20:105]

والضمير في قوله تعالى : ويسألونك  قيل إن رجلاً من ثقيف سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما يكون أمرها يوم القيامة، وقيل بل سأله عن ذلك جماعة من المؤمنين، وقد تقدم معنى **«النسف »**. وروي أن الله تعالى يرسل على الجبال ريحاً فتدكدكها حتى تكون  كالعهن المنفوش  \[ القارعة : ٥ \] ثم يتوالى عليها حتى يعيدها كالهباء المنبث فذلك هو النسف.

### الآية 20:106

> ﻿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا [20:106]

وقوله تعالى : فيذرها  يحتمل أن يريد مواضعها، ويحتمل أن يريد ذلك التراب الذي نسفه، لأنه إنما يقع على الأرض باعتدال حتى تكون الأرض كلها مستوية، و **«القاع »** المستوي من الأرض المعتدل الذي لا نشز فيه ومنه قول ضرار بن الخطاب : لتكونن بالطباخ قريش، بقعة القاع في أكف الماء[(١)](#foonote-١). و **«الصفصف »** نحوه في المعنى.

### الآية 20:107

> ﻿لَا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا [20:107]

و ****«العوج »**** ما يعتري اعتدال الأرض من الأخذ يمنة ويسرة بحسب النشز من جبل وطرق وكدية[(٢)](#foonote-٢) ونحوه، و ****«الأمت »**** ما يعتري الأرض من ارتفاع وانخفاض، يقال مد حبله حتى ما ترك فيه أمتاً فكأن ****«الأمت »**** في الآية العوج في السماء تجاه الهواء، و ****«العوج »**** في الآية مختص بالعرض[(٣)](#foonote-٣) وفي هذا نظر.

### الآية 20:108

> ﻿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ ۖ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا [20:108]

المعنى يوم ننسف الجبال يتبع الخلق داعي الله إلى المحشر وهذا نحو قوله تعالى  مهطعين إلى الداع [(١)](#foonote-١) \[ القمر : ٨ \] وقوله تعالى  لا عوج له  يحتمل أن يريد الإخبار به أي لا شك فيه ولا يخالف وجوده خبره، ويحتمل أن يريد لا محيد لأحد عن اتباعه والمشي نحو صوته. و **«الخشوع التطامن والتواضع وهي الأصوات استعارة بمعنى : الخفاءِ والاستسرار ومعنى  للرحمن  أي لهيبته وهول مطلع قدرته[(٢)](#foonote-٢)، و »** الهمس **«الصوت الخفي الخافت وقد يحتمل أن يريد »** بالهمس «المسموع تخافتهم بينهم وكلامهم السر، ويحتمل أن يريد صوت الأقدام وأن أصوات النطق ساكنة.

١ من قوله تعالى في الآية (٨) من سورة (القمر): مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر. والداعي هو إسرافيل عليه السلام إذا نفخ في الصور، لا يملك أحد أن يتخلف عن دعوته، بل يسرعون إليه، ولا يحيدون عنه، وهذا هو معنى لا عوج، وقيل: المعنى: لا عوج لدعائه، وقيل: يتبعون الداعي اتباعا لا عوج له، فالمصدر مضمر، والضمير عائد على ذلك المصدر..
٢ نقل أبو حيان عبارة ابن عطية هنا، وجاءت فيه "لهيبته وهو مطلع قدرته"..

### الآية 20:109

> ﻿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا [20:109]

و  من  في قوله  إلا من  يحتمل أن يكون الاستثناء متصلاً وتكون  من  في موضع نصب يراد بها المشفوع له فكأن المعنى إلا من أذن له الرحمن  في أن يشفع له، ويحتمل أن يكون الاستثناء منقطعاً على تقدير » لكن من أذن له الرحمن يشفع «، ف  من  في موضع نصب بالاستثناء ويصح أن يكون في موضع رفع كما يجوز الوجهان في قولك ما في الدار أحد إلا حماراً وإلا حمار والنصب أوجه  من  على هذه التأويلات للشافع ويحتمل أن تكون للمشفوع فيه.

### الآية 20:110

> ﻿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [20:110]

وقوله تعالى : يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم  قالت فرقة يريد الملائكة، وقالت فرقة يريد خلقه أجمع، وقد تقدم القول في ترتيب **«ما بين اليد وما خلف »** في غير موضع على أن جماعة من المفسرين قالوا في هذه الآية  ما خلفهم  الدنيا و  ما بين أيديهم  أمر الآخرة والثواب والعقاب، وهذا بأن نفرضها حالة وقوف حتى نجعلها كالأجرام وأما إن قدرناها في نسق الزمان فالأمر على العكس بحكم ما بيناه قبل.

### الآية 20:111

> ﻿۞ وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا [20:111]

وعنت  معناه ذلت، والعاني الأسير ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في أمر النساء :**«هن عوان عندكم[(١)](#foonote-١) »** وهذه حالة الناس يوم القيامة. وقال طلق بن حبيب : أراد سجود الناس على الوجوه والآراب السبعة[(٢)](#foonote-٢). 
قال القاضي أبو محمد : وإن كان روي هذا أن الناس يوم القيامة سجوداً وجعل هذه الآية إخباراً فهو مستقيم وإن كان أراد سجود الدنيا فإنه أفسد نسق الآية، و  القيوم  بناء مبالغة من قيامه عز وجل على كل شيء بما يجب فيه، و  خاب  معناه لم ينجح ولا ظفر بمطلوبه، والظلم يعم الشرك والمعاصي وخيبة كل حامل بقدر ما حمل من الظلم فخيبة المشرك على الإطلاق، وخيبة المعاصي مقيدة بوقت وحد في العقوبة. 
١ هذا جزء كم خطبة الوداع، وقد أوصى فيها بالنساء، قال صلوات الله وسلامه عليه، كما في مسند الإمام أحمد، عن أبي حرة الرقاشي، عن عمه: (فاتقوا الله عز وجل في النساء؛ فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإن لهن عليكم حقا ولكم عليهن حقا)، والحديث طويل، وقد أخرجه مسلم في الحج، وأبو داود في المناسك، والدرامي، وابن ماجه كذلك في المناسك، وأحمد (٥ ـ ٧٣)..
٢ هكذا في الأصول، وفي بعض النسخ: "والآراب السبعة"..

### الآية 20:112

> ﻿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا [20:112]

قوله تعالى : ومن يعمل من الصالحات  عادل لقوله  من حمل ظلماً  \[ طه : ١١١ \]، وفي قوله  من الصالحات  تيسير في الشرع لأنها  من  التي للتبعيض، و ****«الظلم »**** أعم من ****«الهضم »**** وهما يتقاربان في المعنى ويتداخلان، ولكن من حيث تناسقا في هذه الآية ذهب قوم إلى تخصيص كل واحد منهما بمعنى، فقالوا ****«الظلم »**** أن تعظم عليه سيئاته وتكثر أكثر مما يجب، و ****«الهضم »**** أن ينقض حسناته ويبخسها، وكلهم قرأ  فلا يخاف ظلماً  على الخبر، غير ابن كثير فإنه قرأ **«فلا يخف »** على النهي.

### الآية 20:113

> ﻿وَكَذَٰلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا [20:113]

ثم قال تعالى : وكذلك أنزلناه  أي كما قدرنا هذه الأمور وجعلناها حقيقة بالمرصاد للعباد كذلك حذرنا هؤلاء أمرنا و  أنزلناه قرآناً عربياً  وتوعدنا فيه بأنواع من الوعيد  لعلهم  بحسب توقع البشر وترجيهم  يتقون  الله ويخشون عقابه فيؤمنون ويتذكرون نعمه عندهم وما حذرهم من أليم عقابه، هذا تأويل فرقة في قوله  أو يحدث لهم ذكراً  وقالت فرقة معناه أو يكسبهم شرفاً ويبقي عليهم إيمانهم ذكراً صالحاً في الغابرين، وقرأ الحسن البصري **«أو يحدثْ »** ساكنة الثاء، وقرأ مجاهد **«أو نحدثْ »** بالنون وسكون الثاء ولا وجه للجزم الا على أن يسكن حرف الإعراب استثقالاً لحركته، وهذا نحو قول جرير ولا يعرفكم العرب[(١)](#foonote-١).

١ هذا جزء من بيت، وهو ثاني ثلاثة أبيات قالها جرير يهجو بني العم وقد أعانوا عليه الفرزدق، والبيت تمامه:
 سيروا بني العم فالأهواز منزلكم ونهر تيرى ولا تعرفكم العرب
 ونهر تيري: بلد من نواحي الأهواز، والشاهد فيه كما قال ابن جني ونقله عنه ابن عطية أنه مما سكن استثقالا، وأصل الكلام: "ولا تعرفكم العرب" بضم الفاء، ولكن الشاعر سكنها لاستثقال الضمة عليها..

### الآية 20:114

> ﻿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۗ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ۖ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [20:114]

وقوله  فتعالى الله الملك الحق  ختم للقول لأنه لما قدم صفة سلطانه يوم القيامة وعظم قدرته وذلة عبيده وحسن تلطفه بهم ختم ذلك بهذه الكلمة وجعل بعد ذلك الأمر بنوع آخر من القول. وقوله تعالى : ولا تعجل بالقرآن  قالت فرقة سببه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخاف وقت تكلم جبريل له أن ينسى أول القرآن فكان يقرأ قبل أن يستتم جبريل عليه السلام الوحي فنزلت في ذلك[(١)](#foonote-١)، وهي على هذا في معنى قوله تعالى : لا تحرك به لسانك لتعجل به [(٢)](#foonote-٢) \[ القيامة : ١٦ \] وقالت فرقة سبب هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوحي إليه القرآن أمر بكتبه للحين فأمره الله تعالى في هذه الآية أن يتأنى حتى يفسر له المعاني وتقرر عنده[(٣)](#foonote-٣)، وقالت فرقة سبب الآية أن امرأة شكت إلى النبي صلى لله عليه وسلم أن زوجها لطمها فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينكما القصاص ثم نزلت  الرجال قوامون على النساء [(٤)](#foonote-٤) \[ النساء : ٣٤ \]، ونزلت هذه بمعنى الأمر بالتثبت في الحكم بالقرآن حتى يبين[(٥)](#foonote-٥) والله أعلم. وقرأ الجمهور **«من قبل أن يقضي إليك وحيه »** وقرأ عبد الله بن مسعود **«من قبل أن نقضي إليك وحيه »**. وباقي الآية بين رغبة في خير.

١ أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه جبريل بالقرآن أتعب نفسه في حفظه حتى يشق على نفسه، يتخوف أن يصعد جبريل ولم يحفظه فينسى ما علمه، فقال الله: ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه، وقال: لا تحرك به لسانك لتعجل به..
٢ الآية (١٦) من سورة (القيامة)..
٣ أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ولا تعجل بالقرآن قال: لا تمله على أحد حتى نتمه لك، وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد نحوه عن قتادة رضي الله عنه..
٤ من الآية (٣٤) من سورة (النساء)..
٥ أخرجه الفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن الحسن رضي الله عنه. (الدر المنثور)..

### الآية 20:115

> ﻿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [20:115]

قال الطبري المعنى وإن يعرض يا محمد هؤلاء الكفرة عن آياتي ويخالفوا رسلي ويطيعوا إبليس فقدماً فعل ذلك أبوهم آدم ع وهذا التأويل ضعيف، وذلك أن يكون  آدم  مثالاً للكفار الجاحدين بالله ليس بشيء، و  آدم  إنما عصى بتأويل ففي هذا غضاضة عليه صلى الله عليه وسلم وأما الظاهر في هذه الآية، إما أن يكون ابتداء قصص لا تعلق له بما قبله، وإما أن يجعل تعلقه أنه لما عهد إلى محمد صلى الله عليه وسلم أن لا يعجل بالقرآن مثل له بنبي قبله عهد إليه  فنسي  فعوقب لتكون أشد في التحذير وأبلغ في العهد إلى محمد صلى الله عليه وسلم. و **«العهد »** هنا في معنى الوصية. و **«نسي »** معناه ترك، والنسيان الذهول لكن هنا أنه لا يتعلق بالناسي عقاب، وقرأ الأعمش **«فنسي »** بسكون الياء ووجهها طلب الخفة، و **«العزم »** المضي على المعتقد في أي شيء كان، وآدم عليه السلام كان معتقداً لأن لا يأكل من الشجرة لما وسوس إليه إبليس لم يعزم على معتقده، وعبر بعض المفسرين عن العزم هنا بالصبر وبالحفظ وبغير ذلك مما هو أعم من حقيقة العزم والشيء الذي عهد إلى آدم هو أن يقرب الشجرة وأعلم مع ذلك أن إبليس عدو له، وقال أبو أمامة لو أن أحلام بني آدم وضعت منذ خلق الله إلى يوم القيامة ووضعت في كفة ميزان ووضع حلم آدم في كفة أخرى لرجحهم، وقد قال الله له  ولم نجد له عزماً .

### الآية 20:116

> ﻿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ [20:116]

وقوله تعالى : وإذ قلنا للملائكة  ابتداء قصة، والعامل، في  إذ  فعل مضمر وقد تقدم استيعاب هذه القصة لكن نذكر من ذلك ما تقتضيه ألفاظ هذه الآية، فالملائكة قيل كان جميعهم مأمور بذلك وقيل بل فرقة فاضلة منهم عددهم اثنان وعشرون، و **«السجود »** الذي أمروا به سجود كرامة لآدم وعبادة لله تعالى، وقوله تعالى : إلا إبليس  الاستثناء متصل في قول من جعل إبليس من الملائكة، ومنقطع في قول من قال هو من قبيلة غير الملائكة يقال لها الجن.

### الآية 20:117

> ﻿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ [20:117]

وقوله تعالى : فلا يخرجنكما  أي لا يقع منكما طاعة له في إغوائه فيكون ذلك سبب خروجكما  من الجنة  ثم خصص بقوله  فتشقى  من حيث كان المخاطب أولاً والمقصود في الكلام، وقيل بل ذلك لأن الله تعالى جعل الشقاء في معيشة الدنيا في حيز الرجال وروي أن آدم لما أهبط هبط معه ثور أحمر فكأن يحرك ويمسح العرق فهذا هو الشقاء الذي خوف منه.

### الآية 20:118

> ﻿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ [20:118]

المعنى  إن لك  يا آدم نعمة تامة وعطية مستمرة أن لا يصيبك جوع ولا عري ولا ظمأ ولا بروز للشمس يؤذيك وهو الضحاء[(١)](#foonote-١).

١ الضحي بالياء هو مصدر: ضحا الرجل، بمعنى: برز للشمس، ومثلها في ذلك الضحو بالواو ـ قال في اللسان: "ضحا الرجل ضحوا وضحوا وضحيا: برز للشمس، وضحا الرجل وضحي يضحى في اللغتين معا ضحوا وضحيا: أصابته الشمس"..

### الآية 20:119

> ﻿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ [20:119]

وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر **«وإنك لا تظمأ »** بكسر الألف، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم **«وأنك »** بفتح الألف. 
وجعل الله تعالى الجوع في هذه الآية مع العري والظمأ مع الضحاء وكأن عرف الكلام أن يكون الجوع مع الظمأ المتناسب والعري مع الضحاء لأنها تتضاد إذ العري يمس بسببه البرد والحر يفعل ذلك بالضاحي، وهذه الطريقة مهيع في كلام العرب أن تفرق النسب ومنه قول امرئ القيس :\[ الطويل \]
 كأني لم أركب جواداً للذة. . . ولم أتبطّن كاعباً ذات خلخال
 ولم أسبأ الزقَّ الروي ولم أقل. . . لخيلي كري كرة بعد إقفال[(١)](#foonote-١)
وقد ذهب بعض الأدباء إلى أن بيتي امرئ القيس حافظة لنسب وأن ركوب الخيل للصيد وغيره من الملاذ يناسب تبطن الكاعب، ومن الضحاء قول الشاعر :\[ الطويل \]
 رأت رجلاً أما إذا الشمس عارضت. . . فيضحي وأما بالعشيِّ فيخصر[(٢)](#foonote-٢)

١ البيتان من لاميته المعروفة: (ألا انعم صباحا أيها الطلل البالي)، وتعتبر من أفضل شعره بعد المعلقة، وهي قصيدة وجدانية يصور فيها الشاعر مجونه وتصابيه وصيده وقنصه وسعيه إلى المجد وعشقه للنساء، والتبطن: المباشرة والملامسة، والكاعب هي الفتاة التي برز ثديها، والخلخال: حلية معروفة تلبسها المرأة في رجلها، والزق: وعاء الخمر، وسبأ الزق: اشترى = الخمر يشربها، والروي: الممتلئ، والكر: العودة للهجوم، والإجفال: الفزع والهروب في الحرب. قالوا: وقد جعل امرؤ القيس ركوب الخيل للصيد واللذة مع مباشرة الكاعب ذات الخلخال، وجعل شراء الخمر وشربها مع الفروسية وركوب الخيل للهجوم في الحرب، وكان عرف الكلام أن يجمع بين ركوب الخيل للصيد واللذة وركوبها للفروسية والهجوم في الحرب، وأن يجمع بين شرب الخمر ومباشرة الكاعب الحسناء، لكن مهيع الكلام كما يقول ابن عطية أن تفرق العرب النسب، وألا تجمع بين الأشياء المتناسبة، وبعض الأدباء قالوا: إن هناك تناسبا في بيتي امرئ القيس، حيث قرن لذة ركوب الخيل بلذة ركوب النساء في البيت الأول، وهكذا تختلف آراء النقاد في العمل الفني من حيث التناسب والتضاد..
٢ البيت لعمر بن أبي ربيعة، وهو في الديوان، وفي اللسان (ضحا) غير منسوب، وهو من قصيدته التي يقول في مطلعها:
 أمن آل نعم أت غاد فمبكر غداة غد أم رائح فمهجر؟
 ومعنى يضحى: يصيبه حر الشمس، نقل ذلك في اللسان عن الأزهري، واستشهد بهذا البيت، وفيه: "ويقال لكل من كان بارزا في غير ما يظله ويكنه: إنه لضاح، ويخصر هو من الخصر بالتحريك، وهو البرد يجده الإنسان في أطرافه..

### الآية 20:120

> ﻿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَىٰ [20:120]

و **«وسوسة الشيطان »** قيل كانت دون مشافهة، إلقاء في النفس، وقيل بل كان بالمشافهة والمخاطبة وهو ظاهر القصة من غير ما موضع وكان دخوله إلى الجنة فيما روي في فم الحية، وكان آدم عليه السلام قد قال الله تعالى له لا تأكل من هذه الشجرة وعين له شجرة قد تقدم الخلاف في جنسها فلما وصفها له إبليس بأنها  شجرة الخلد وملك لا يبلى  أي من أكلها كان ملكاً مخلداً عمد آدم إلى غير تلك التي نهي عنها من جنسها فأكلها بتأويل أن النهي كان في تلك المعينة، وقيل بل تأول أن النهي إنما كان على الندب لا على التحريم البت، وسارعت إلى ذلك حواء وكانت معه في النهي فلما رآها آدم قد أكلت أكل فطارت عنهما ثيابهما، وظهر تبري الأشياء منهما وبدت سوءاتهما.

### الآية 20:121

> ﻿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ [20:121]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٢٠:و ****«وسوسة الشيطان »**** قيل كانت دون مشافهة، إلقاء في النفس، وقيل بل كان بالمشافهة والمخاطبة وهو ظاهر القصة من غير ما موضع وكان دخوله إلى الجنة فيما روي في فم الحية، وكان آدم عليه السلام قد قال الله تعالى له لا تأكل من هذه الشجرة وعين له شجرة قد تقدم الخلاف في جنسها فلما وصفها له إبليس بأنها  شجرة الخلد وملك لا يبلى  أي من أكلها كان ملكاً مخلداً عمد آدم إلى غير تلك التي نهي عنها من جنسها فأكلها بتأويل أن النهي كان في تلك المعينة، وقيل بل تأول أن النهي إنما كان على الندب لا على التحريم البت، وسارعت إلى ذلك حواء وكانت معه في النهي فلما رآها آدم قد أكلت أكل فطارت عنهما ثيابهما، وظهر تبري الأشياء منهما وبدت سوءاتهما. ---


 وطفقا  معناه وجعلا يفعلان ذلك دائماً، و  يخصفان  معناه يلفقان ويضمان شيئاً إلى شيء فكانا يستتران بالورق وروي أنه كان ورق التين، ثم نص[(١)](#foonote-١) تبارك وتعالى على آدم أنه  عصى  و **«غوى »** معناه ضل من الغي الذي هو ضد الرشد ومنه قول الشاعر :\[ الطويل \]
فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره. . . ومن يغو لا يعدم على الغي لائما[(٢)](#foonote-٢)
وقرأت فرقة **«وأنك »** بفتح الألف عطفاً على قوله  أن لا تجوع  وقرأت فرقة و **«إنك »** عطفاً على قوله  إن لك [(٣)](#foonote-٣).

### الآية 20:122

> ﻿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ [20:122]

اجتباه  معناه تخيره واصطفاه، و **«تاب عليه »** معناه رجع به من حال المعصية إلى حال الندم وهداه لصلاح الأقوال والأعمال وأمضى عقوبته عز وجل في إهباطه من الجنة.

### الآية 20:123

> ﻿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ [20:123]

وقوله  اهبطا  مخاطبة لآدم وحواء، ثم أخبرهما بقوله  جميعاً  أن إبليس والحية يهبطان معهما وأخبرهما بأن العداوة بينهم وبين أنسالهم إلى يوم القيامة. و  عدو  يوصف به الواحد والاثنان والجميع، وقوله تعالى : فإما يأتيكم مني هدى  شرط وجوابه في قوله  فمن اتبع  وما بعده إلى آخر القسم الثاني. و **«الهدى »** معناه دعوة شرعي ثم أعلمهم أنه من اتبع هداه وآمن به فإنه **«لا يضل »** في الدنيا  ولا يشقى  في الآخرة.

### الآية 20:124

> ﻿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ [20:124]

من أعرض  عن ذكر الله وكفر به  فإن له معيشة ضنكاً  والضنك النكد الشاق من العيش أو المنازل أو مواطن الحرب ونحو هذا، ومنه قول عنترة وإن نزلوا بضنك أنزل[(١)](#foonote-١)، وصف به الواحد والجمع والمؤنث، وقرأت فرقة :\[ ضنكى \][(٢)](#foonote-٢)، أتبعت بالصفة لفظة " المعيشة ". واختلف الناس في المعيشة الضنك، متى هو الوقت الذي هي فيه فقالت فرقة : هي الدنيا، ومعنى ذلك عندهم أن الكافر وإن كان متسع الحال والمال فمعه من الحرص والأمل والتعذيب بأمور الدنيا والرغبة واتساع صفاء العيش بذلك ما يصير معيشيته ضنكا، وقالت فرقة : هي ضنك بأكل الحرام، وقالت فرقة : بل المعيشة الضنك هي في البرزخ، وهو أن يرى مقعده من النار غدوا ورواحا، وبالجملة عذاب القبر على ما روي فيه. ذلك من وعيد لهم. 
١ هذا جزء من بيت لعنترة، وهو من قصيدة له يعرض فيها بقيس بن زهير سيد بني تميم، فقد حمى عنترة بني عبس من تميم في إحدى المعارك، فقال قيس: "والله ما حمى الناس إلا ابن السوداء"، والبيت بتمامه مع بيت قبله:
 إني امرؤ من خير عبس منصبا شطري وأحمي سائري بالمنصل
 إن يلحقوا أكرر وإن يستلحموا أشدد وإن يلفوا بضنك أنزل
 والمعنى: إن لحقهم العدو يوما فإني لا أهرب بل أعود فأقابل العدو بالهجوم، وإن اشتبكوا في معركة والتحموا بعدوهم في القتال أشدد من هجومي وقتالي، وإن اشتدت الضائقة عليهم في المعركة نزلت عن فرسي حتى أتجنب التحام الخيل، وفي القصيدة نفسها يقول:
 إن المنية لو تمثل مثلت مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل
 وهو شاهد لمعنى الضنك مثل الشاهد في البيت الذي ذكره المؤلف..
٢ على وزن "فعلى"..

### الآية 20:125

> ﻿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا [20:125]

ثم أخبر عن حالة أُخرى هي أيضاً في يوم القيامة وهي حشرهم عمياً، ثم يجيء قوله  ولعذاب الآخرة أشد وأبقى  \[ طه : ١٢٧ \] معنى هذا الذي ذكرناه من المعيشة والعمى ونحوه هو عذابه في الآخرة وهو  أشد وأبقى  \[ طه : ١٢٧ \] من كل ما يقع عليه الظن والتخيل، فكأنه ذكر نوعاً من عذاب الآخرة. 
ثم أخبر أن عذاب الآخرة أشد وأبقى. وقرأت فرقة **«ونحشره »** بالنون، وقرأت فرقة **«ويحشره »** بالياء وقرأت فرقة **«ويحشرْه »** بسكون الراء، وقرأت فرقة **«أعمى »** بالإمالة، وقالت فرقة العمى هنا هو عمى البصيرة عن الحجة. 
قال القاضي أبو محمد : ولو كان هذا لم يخش الكافر لأنه كان أعمى البصيرة ويحشر كذلك، وقالت فرقة العمى عمى البصر ع وهذا هو الأوجه مع أن عمى البصيرة حاصل في الوجهين، وأما قوله  ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً  \[ طه : ١٠٢ \] فمن رآه في العينين فلا بد أن يتأول فيها مع هذه إما أنها في طائفتين أو في موطنين.

### الآية 20:126

> ﻿قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَىٰ [20:126]

وقوله تعالى : كذلك أتتك  ذلك إشارة إلى العمى الذي حل به، أي مثل هذا في الدنيا أن  أتتك آياتنا فنسيتها  والنسيان في هذه الآية بمعنى الترك ولا مدخل للذهول في هذا الموضوع، و  تنسى  بمعنى تترك في العذاب وروي أن هذه الآيات نزلت في المرشي[(١)](#foonote-١).

١ أي في القرشي الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الجبال، فأجابه الله تعالى بقوله: ينسفنا ربي نسفا..

### الآية 20:127

> ﻿وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ ۚ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ [20:127]

المعنى وكما وصفنا من أليم الأفعال  نجزي  المسرفين الكفار بالله عز وجل، وقوله  ولعذاب الآخرة  إن كانت معيشة الضنك في الدنيا أو البرزخ فجاء هذا وعيداً في الآخرة بعد وعيد، وإن كانت المعيشة \[ الضنك \][(١)](#foonote-١) في الآخرة فأكد الوعيد بعينه هذا القول، الذي جعل به عذاب الآخرة فوق كل عذاب يتخيله الإنسان أو يقع في الدنيا،

١ زيادة لتوضيح المعنى..

### الآية 20:128

> ﻿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَىٰ [20:128]

ثم ابتدأ يوبخهم ويذكرهم العبر بقوله  أفلم يهدِ لهم  وقرأت فرقة **«يهد »** بالياء بمعنى يتبين، واختلفت هذه الفرقة في الفاعل فقال بعضها الفاعل  كم  وهذا قول كوفي. ونحاة البصرة لا يجيزونه لأن **«كم »** لها صدر الكلام، وفي قراءة ابن مسعود **«أفلم يهد لهم من أهلكنا »** فكأن هذه القراءة تناسب ذلك التأويل في  كم  وقال بعضهم الفاعل الله عز وجل. 
والمعنى  أفلم يهد لهم  ما جعل الله لهم من الآيات والعبر فأضاف الفعل إلى الله عز وجل بهذا الوجه قاله الزجاج، وقال بعضهم الفاعل مقدر الهدى أو الأمر. 
قال أبو محمد رحمه الله : أو النظر أو الاعتبار، وهذا أحسن ما يقدر به عندي[(١)](#foonote-١)، وقرأت فرقة **«نهد »** بالنون وهذه القراءة تناسب تأويل من قال في التي قبلها الفاعل الله تعالى. و  كم  على هذه الأقوال نصب ب  أهلكنا ، ثم قيد  القرون  بأنهم يمشي هؤلاء الكفرة  في مساكنهم  فإنما أراد عاداً أو ثمود أو الطوائف التي كانت قريش تجوز على بلادهم في المرور إلى الشام وغيره، وقرأت فرقة **«يمشون »** بفتح الياء، وقرأت فرقة **«يُمشّون »** بضم الياء وفتح الميم وشد الشين، و  النهى  جمع نهية وهو ما ينهى الإنسان عن فعل القبيح.

١ نقل أبو حيان في البحر المحيط هذا الكلام، ثم علق عليه بقوله: "وهو قول المبرد، وليس بجيد، إذ فيه حذف الفاعل وهو لا يجوز عند البصريين". وقال أبو البقاء: "الفاعل ما دل عليه (أهلكنا) والجملة مفسرة له"..

### الآية 20:129

> ﻿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى [20:129]

ثم أعلم عز وجل قبله أن العذاب كان يصير لهم  لزاماً   لولا كلمة سبقت  من الله تعالى في تأخيره عنهم إلى  أجل مسمى  عنده فتقدير الكلام  ولولا كلمة سبقت  في التأخير  وأجل مسمى  لكان العذاب  لزاماً  كما تقول لكان حتماً أو واجباً واقعاً لكنه قدم وأخر لتشتبه رؤوس الآي. واختلف الناس في الأجل فيحتمل أن يريد يوم القيامة والعذاب المتوعد به على هذا هو عذاب جهنم، ويحتمل أن يريد ب **«الأجل »** موت كل واحد منهم فالعذاب على هذا هو ما يلقى في قبره وما بعده، ويحتمل أن يريد بالآجال يوم بدر فالعذاب على هذا هو قتلهم بالسيف وبكل احتمال مما ذكرناه، قالت فرقة، وفي صحيح البخاري، أن يوم بدر وهو اللزام وهو البطشة الكبرى.

### الآية 20:130

> ﻿فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ [20:130]

ثم أمره تعالى بالصبر على أقوالهم إنه ساحر وإنه كاهن وإنه كذاب إلى غير ذلك، والمعنى لا تحفل بهم فإنهم مدركة الهلكة وكون اللزام يوم بدر أبلغ في آيات نبينا عليه السلام وقوله تعالى : وسبح بحمد ربك  قال أكثر المتأولين هذه إشارة إلى الصلوات الخمس  قبل طلوع الشمس  صلاة الصبح  وقبل غروبها  صلاة العصر و  من آناء الليل  العتمة[(١)](#foonote-١)  وأطراف النهار  المغرب والظهر. 
وقالت فرقة  آناء الليل  المغرب والعشاء،  وأطراف النهار  الظهر وحدها[(٢)](#foonote-٢)، ويحتمل اللفظ أن يراد قول سبحان الله وبحمده من بعد صلاة الصبح إلى ركعتي الضحى وقبل غروب الشمس فقد قال صلى الله عليه وسلم :**«من سبح قبل غروب الشمس سبعين تسبيحة غربت بذنوبه »**[(٣)](#foonote-٣) ع وسمى الطرفين أطرافاً على أحد وجهين إما على نحو فقد صغت قلوبكما[(٤)](#foonote-٤) : وإما على أن يجعل النهار للجنس، فلكل يوم طرف وهي التي جمع، وأما من قال  أطراف النهار  لصلاة الظهر وحدها فلا بد له من أن يتمسك بأن يكون النهار للجنس كما قلنا أو نقول إن النهار ينقسم قسمين فصلهما الزوال ولكل قسم طرفان فعند الزوال طرفان الآخر من القسم الأول والأول من القسم الآخر فقال عن الطرفين أطرافاً على نحو فقد صغت قلوبكما، وأشار إلى هذا النظر ابن فورك. في المشكل والآناء جمع أنى وهي الساعة من الليل ومنه قول الهذلي :
 حلو ومر كعطف القدح مر به. . . في كل أنى حداة الليل تنتقل[(٥)](#foonote-٥)
وقالت فرقة في الآية إشارة إلى نوافل، فمنها  آناء الليل  ومنها  قبل طلوع الشمس  وركعتا الفجر والمغرب  أطراف النهار ، وقرأ الجمهور **«لعلك تَرضى »** بفتح التاء أي لعلك تثاب على هذه الأعمال بما ترضى به، وقرأ الكسائي وأبو بكر عن عاصم **«لعلك تُرضى »** أي لعلك تُعطى ما يرضيك[(٦)](#foonote-٦).

١ أي صلاة العشاء..
٢ الرأي القائل بأن الآية إشارة إلى الصلوات الخمس يؤيده الحديث الذي رواه جرير ابن عبد الله مرفوعا؛ قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: (أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) ـ يعني العصر والفجر ـ ثم قرأ جرير: وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، وهذا الحديث متفق عليه، واللفظ لمسلم..
٣ أخرج أحمد في مسنده، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أضحى يوما محرما ملبيا حتى غربت الشمس غربت بذنوبه كما ولدته أمه)، والرأي القائل بأن المراد بالآية تسبيح الله تعالى بعد صلاة الصبح وقبل صلاة المغرب هو رأي عطاء الخراساني وأبي الأحوص..
٤ من الآية (٤) من سورة (التحريم)، وقد قال العلماء في جمع القلوب هنا: إن من شأن العرب إذا ذكروا الشيئين من اثنين أن يجمعوهما لأنه لا يشكل، وقيل: كل ما ثبتت الإضافة فيه مع التثنية فلفظ الجمع أليق به لأنه أمكن وأخف، وقيل في آيتنا هنا: النهار له أربعة أطراف: عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وعند زوال الشمس، وعند وقوفها للزوال، وقيل: المراد بالأطراف الساعات لأن الطرف آخر الشيء..
٥ الهذلي القائل لهذا البيت هو المتنخل، مالك بن عمرو بن عثم بن سويد اللحياني الهذلي، والبيت أحد أبيات قالها في رثاء ابنه أثيلة، وهو في اللسان (أنى)، وفي (الشعر والشعراء)، و (الطبري)، وعطف الشيء: جانبه، والقدح السهم قبل أن ينصل أو يراش، والمرة: القوة والشكيمة والإرادة، أصلها من إمرار الحبل، أي إحكام فتله، والإني: واحد آناء الليل وهي ساعاته، قال الزجاج: "يقال فيه إني وإنى، فمن قال إني فهو مثل نحي وأنحاء، ومن قال فهو مثل معى وأمعاء، وينتعل: يركب الأرض الصلبة وما فيها من حرات، وقد روى ابن الأنباري البيت بلفظ آخر، ذكر ذلك صاحب اللسان، وهو:
 السالك الثغر مخشيا موارده بكل إني قضاه الليل ينتعل
 والحقيقة أنه جمع بين صدر بيت آخر وبين عجز هذا البيت، والروايتان في اللسان، والأبيات كاملة في الشعر والشعراء، ويروى: (حذاه الليل) بدلا من (قضاه الليل)..
٦ وهي أيضا قراءة أبي حيوة، وطلحة، وأبي عمارة، قال ابن خالويه في كتابه (الحجة): "والأمر في القراءتين قريب، لأن من أرضي فقد رضي، ودليله قوله تبارك وتعالى: ارجعي إلى ربك راضية مرضية..

### الآية 20:131

> ﻿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ [20:131]

قال بعض الناس سبب هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزل به ضيف فلم يكن عنده شيء فبعث إلى يهودي ليسلفه شعيراً فأبى اليهودي إلا برهن فبلغ الرسول بذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال **«والله إني لأمين في السماء وأمين في الأرض »** فرهنه درعه فنزلت الآية في ذلك[(١)](#foonote-١). 
قال القاضي أبو محمد : وهذا معترض أن يكون سبباً لأن السورة مكية والقصة المذكورة مدنية في آخر عمر النبي صلى الله عليه وسلم، لأنَّه مات ودرعه مرهونة بهذه القصة التي ذكرت، وإنما الظاهر أن الآية متناسقة مع ما قبلها وذلك أن الله تعالى وبخهم على ترك الاعتبار بالأمم السالفة ثم توعدهم بالعذاب المؤجل ثم أمر نبيه بالاحتقار لشأنهم والصبر على أقوالهم والإعراض عن أموالهم وما في أيديهم من الدنيا إذ ذاك منحصر عندهم صائر بهم إلى خزي[(٢)](#foonote-٢)، وقوله  ولا تمدن عينيك  أبلغ من ولا تنظر، لأن الذي يمد بصره إنما يحمله على ذلك حرص مقترن، والذي ينظر قد لا يكون ذلك معه. و **«الأزواج »** الأنواع فكأنه قال  إلى ما متعنا به  أقواماً منهم وأصنافاً. وقوله تعالى : زهرة الحياة الدنيا  شبه نعم هؤلاء الكفار بالزهر وهو ما اصفر من النور، وقيل **«الزهر »** النور جملة لأن الزهر له منظر ثم يضمحل فكذلك حال هؤلاء، ونصب  زهرة  يجوز أن ينصب على الحال وذلك أن تعرفها ليس بمحض[(٣)](#foonote-٣)، وقرأت فرقة **«زهْرة »** بسكون الهاء، وفرقة **«زهَرة »** بفتح الهاء[(٤)](#foonote-٤) ثم أخبر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم، أن ذلك إنما هو ليختبرهم به ويجعله فتنة لهم وأمراً يجازون عليه بالسوء لفساد تقلبهم فيه،  ورزق  الله تعالى الذي أحله للمتقين من عباده  خير وأبقى  أي رزق الدنيا ورزق الآخرة أبقى وبين أنه خير من رزق الدنيا.

١ أخرجه ابن أبي شيبة، وابن راهويه، والبزار، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والخرائطي، وأبو نعيم، عن رافع. (فتح القدير والدر المنثور)..
٢ نقل القرطبي كلام ابن عطية هذا، ثم عقب عليه بقوله: "قلت: وكذلك ما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه مر بإبل بني المصطلق وقد عبست في أبوالها وأبعارها من السمن فتقنع بثوبه ثم مضى لقوله عزز وجل: ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم الآية ". ومعنى "عبست في أبوالها": أن أبوالها وأبعارها قد جفت على أفخاذها، وهذا يكون من الشحم..
٣ كثرت الآراء في إعراب قوله تعالى: \[زهرة\] ـ فقيل: هي مفعول ثان لـ (متعنا) على تضمينه معنى (أعطينا)، وقيل: منصوبة على الذم، وقيل: بل هي بدل من محل الجار والمجرور، وقيل: هي بدل من \[أزواجا\] على تقدير: ذوي زهرة، وقيل غير ذلك..
٤ أجاز الزمخشري في \[زهرة\] بفتح الهاء أن تكون جمع زاهر، مثل كافر وكفرة، قال: "وصفهم بأنهم زاهرو هذه الدنيا لصفاء ألوانهم مما يلهون ويتمتعون، وتهلل وجوههم، وبهاء زيهم، بخلاف ما عليه المؤمنون من شحوب الألوان وتشقف الثياب..

### الآية 20:132

> ﻿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ [20:132]

ثم أمره تعالى بأن يأمر أهله بالصلاة وتمثيلها معهم ويصطبر عليها ويلازمها ويتكفل هو برزقه لا إله إلاَّ هو، وأخبره أن العاقبة الأولى التقوى وفي حيزها فثم نصر الله في الدنيا ورحمته في الآخرة، وهذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ويدخل في عمومه جميع أُمته. وروي أن عروة بن الزبير رضي الله عنه كان إذا رأى شيئاً من أخبار السلاطين وأحوالهم بادر إلى منزله فدخله وهو يقرأ  ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا  الآية إلى قوله  وأبقى . ثم ينادي بالصلاة الصلاة يرحمكم الله، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوقظ أهل داره لصلاة الليل ويصلي هو ويتمثل بهذه الآية[(١)](#foonote-١)، وقرأ الجمهور **«نحن نرزقُك »** بضم القاف، وقرأت فرقة **«نزرقْك »** بسكونها.

١ أخرج أبو عبيد، وسعيد بن منصور، وابن المنذر، والطبراني في الأوسط، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في شعب الإيمان بسند صحيح عن عبد الله بن سلام، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزلت بأهله شدة أو ضيق أمرهم بالصلاة، وتلا: وأمر أهلك بالصلاة الآية (الدر المنثور)..

### الآية 20:133

> ﻿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ ۚ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ [20:133]

ثم أخبر تعالى عن طوائف من الكفار قالوا عن محمد صلى الله عليه وسلم،  لولا يأتينا بآية من ربه  أي بعلامة مما اقترحناها عليه وبما يبهر ويضطر. 
قال القاضي أبو محمد : ورسل الله إنما اقترنت معهم آيات معرضة للنظر محفوفة بالبراهين العقلية ليضل من سبق في علم الله تعالى ضلاله ويهتدي من سبق في علم الله تعالى هداه، فيوبخهم الله تعالى بقوله  أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى  يعني التوراة أعظم شاهد وأكبر آية له. وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم **«تأتهم »** على لفظة  بينة  وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم **«يأتهم »** بالياء على المعنى، وقرأت فرقة **«بينةُ ما »** بالإضافة إلى  ما  وقرأت فرقة **«بينةٌ »** بالتنوين، و  ما  على هذه القراءة فاعلة ب **«تأتي »**، وقرأ الجمهور **«في الصحُف »** بضم الحاء، وقرأت فرقة **«في الصحْف »** بسكونها.

### الآية 20:134

> ﻿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَىٰ [20:134]

أخبر الله تعالى نبيه عليه السلام أنه لو أهلك هذه الأُمة الكافرة قبل إرساله إليهم محمداً لقامت لهم حجة  ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً  الآية. وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال **«يحتج على الله تعالى يوم القيامة ثلاثة : الهالك في الفترة، والمغلوب على عقله والصبي الصغير فيقول المغلوب على عقله رب لم تجعل لي عقلاً ويقول الصبي نحوه ويقول الهالك في الفترة رب لم ترسل إليّ رسولاً ولو جاءني لكنت أطوع خلقك لك. قال : فترفع لهم نار ويقال لهم ردوها قال : فيردها من كان في علم الله تعالى أنه سعيد، ويكع عنها الشقي فيقول الله تعالى :‹ إياي عصيتم فكيف برسلي لو أتتكم ›[(١)](#foonote-١) أما الصبي والمغلوب على عقله فبين أمرهما وأما صاحب الفترة فليس ككافر قريش قبل النبي صلى الله عليه وسلم لأن كفار قريش وغيرهم ممن علم وسمع عن نبوة ورسالة في أقطار الأرض فليس بصاحب فترة والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال أبي وأبوك في النار[(٢)](#foonote-٢) ورأى عمرو بن لحي في النار إلى غير هذا مما يطول ذكره، وأما صاحب الفترة يفرض أنه آدمي لم يطرأ إليه أن الله تعالى بعث رسولاً ولا دعا إلى دين وهذا قليل الوجود اللهم إلا أن يشد في أطراف الأرض والمواضع المنقطعة عن العمران، و «الذل والخزي »** مقترنان بعذاب الآخرة.

١ أخرجه أبو داود في الحدود، والترمذي في الطلاق، وأخرجه نحوه أحمد في مسنده (٤ ـ ٢٤)، عن الأسود بن سريع، وفيه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (أربعة يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول: رب جاء الإسلام ولم يسمع شيئا، وأما الأحمق فيقول: رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر، وأما الهرم فيقول: رب، لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا، وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني ك رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، قال: فو الذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما)، وعن أبي هريرة مثل هذا غير أنه قال في آخره: (فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما، ومن لم يدخلها يسحب إليها)..
٢ أخرجه أبو داود في السنة، وأحمد بن حنبل (٤ ـ ١٤)، ولفظه فيهما: أين أبي؟ قال: (أبوك في النار)، (المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي)، وفي صحيح مسلم في كتاب الإيمان وفي المسند للإمام أحمد، عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم أين أبي؟ قال: (في النار)، قال: فلما رأى ما في وجهه قال: (إن أبي وأباك في النار)..

### الآية 20:135

> ﻿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا ۖ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَىٰ [20:135]

ثم أمر الله تعالى نبيه أن يتوعدهم ويحملهم ونفسه على التربص وانتظار الفرج. و **«التربص »** التأني، و  الصراط  الطريق. وقرأت فرقة **«السوي »**[(١)](#foonote-١)، وقرأت فرقة **«السوء »**[(٢)](#foonote-٢)فكأن هذه القراءة قسمت الفريقين أي ستعلمون هذا من هذا وقرأت فرقة **«السوَّي »** بشد الواو وفتحها[(٣)](#foonote-٣)، وقرأت فرقة **«السُّوءى »** بضم السين وهمزة على الواو على وزن فعلى[(٤)](#foonote-٤)، و  اهتدى  معناه رشد.

١ على وزن فعيل، أي: المستوي..
٢ أي: الوسط، وهي قراءة أبي مجاز، وعمران بن حدير..
٣ اختلف الأصول في ضبط هذه القراءة، وتداخلت الألفاظ فيها وفي القراءة التالية..
٤ قال أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط: "على وزن فعلى، أنث لتأنيث الصراط، وهو مما يذكر ويؤنث"..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/20.md)
- [كل تفاسير سورة طه
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/20.md)
- [ترجمات سورة طه
](https://quranpedia.net/translations/20.md)
- [صفحة الكتاب: المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز](https://quranpedia.net/book/350.md)
- [المؤلف: ابن عطية](https://quranpedia.net/person/4644.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/20/book/350) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
