---
title: "تفسير سورة الأنبياء - معالم التنزيل - البغوي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/21/book/2.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/21/book/2"
surah_id: "21"
book_id: "2"
book_name: "معالم التنزيل"
author: "البغوي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الأنبياء - معالم التنزيل - البغوي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/21/book/2)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الأنبياء - معالم التنزيل - البغوي — https://quranpedia.net/surah/1/21/book/2*.

Tafsir of Surah الأنبياء from "معالم التنزيل" by البغوي.

### الآية 21:1

> اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ [21:1]

قوله تعالى : اقترب للناس  قيل :" اللام " بمعنى من، يعني : اقترب من الناس  حسابهم  يعني : وقت محاسبة الله إياهم على أعمالهم، يعني يوم القيامة، نزلت في منكري البعث،  وهم في غفلة معرضون  عن التأهب له.

### الآية 21:2

> ﻿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ [21:2]

قوله تعالى : ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث  يعني ما يحدث الله من تنزيل شيء من القرآن يذكرهم ويعظهم به. قال مقاتل : يحدث الله الأمر بعد الأمر. وقيل : الذكر المحدث ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وبينه من السنن والمواعظ سوى القرآن وأضافه إلى الرب عز وجل لأنه قال بأمر الرب  إلا استمعوه وهم يلعبون  يعني : استمعوه لاعبين لا يعتبرون ولا يتعظون.

### الآية 21:3

> ﻿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ۗ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ۖ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ [21:3]

قوله تعالى : لاهيةً  ساهيةً غافلة،  قلوبهم  معرضةً عن ذكر الله، وقوله : لاهية نعت تقدم الاسم، ومن حق النعت أن يتبع الاسم في الإعراب، وإذا تقدم النعت الاسم فله حالتان : فصل ووصل، في الفصل النصب كقوله تعالى : خشعاً أبصارهم  ودانيةً عليهم ظلالها  لاهية قلوبهم  وفي الوصل حالة ما قبله من الإعراب كقوله، ( ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها )  وأسروا النجوى الذين ظلموا  يعني : أشركوا قوله وأسروا فعل تقدم الجمع وكان حقه وأسر. قال الكسائي : فيه تقديم وتأخير، أراد الذين ظلموا أسروا النجوى. وقيل : محل الذين رفع على الابتداء معناه واسروا النجوى، ثم قال وهم الذين ظلموا، وقيل رفع على البدل من الضمير في أسروا. قال المبرد : هذا كقولك إن الذين في الدار انطلقوا بنو عبد الله، على البدل مما في انطلقوا ثم بين سرهم الذي تناجوا به فقال : هل هذا إلا بشر مثلكم  أنكروا إرسال البشر وطلبوا إرسال الملائكة.  أفتأتون السحر  يعني تحضرون السحر وتقبلونه  وأنتم تبصرون  تعلمون أنه سحر.

### الآية 21:4

> ﻿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [21:4]

قوله تعالى : قال  لهم محمد  ربي يعلم القول في السماء والأرض  قرأ حمزة، والكسائي وحفص قال : ربي على الخبر عن محمد صلى الله عليه وسلم يعلم القول في السماء والأرض. أي لا يخفى عليه شيء  وهو السميع  لأقوالهم  العليم  بأفعالهم.

### الآية 21:5

> ﻿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ [21:5]

قوله تعالى : بل قالوا أضغاث أحلام  أباطيلها وأقاويلها وأهاويلها رآها في النوم  بل افتراه  اختلقه  بل هو شاعر  يعني أن المشركين اقتسموا القول فيه وفيما يقوله، قال بعضهم : أضغاث أحلام، وقال بعضهم : بل هو فرية، وقال بعضهم : بل محمد شاعر وما جاءكم به شعر.  فليأتنا  محمد  بآية  إن كان صادقاً  كما أرسل الأولون  من الرسل بالآيات. قال الله تعالى مجيبا لهم.

### الآية 21:6

> ﻿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا ۖ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ [21:6]

قوله تعالى : ما آمنت قبلهم 
أي : قبل مشركي مكة،  من قرية  أي من أهل قرية أتتهم الآيات  أهلكناها  أهلكناهم بالتكذيب،  أفهم يؤمنون  إن جاءتهم آية، معناه : أولئك لم يؤمنوا بالآيات لما أتتهم أفيؤمن هؤلاء.

### الآية 21:7

> ﻿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ۖ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [21:7]

قوله تعالى : وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم  هذا جواب لقولهم هل هذا إلا بشر مثلكم يعني : إنا لم نرسل الملائكة إلى الأولين إنما أرسلنا رجالاً نوحى إليهم  فاسألوا أهل الذكر  يعني : أهل التوراة والإنجيل يريد : علماء أهل الكتاب، فإنهم لا ينكرون أن الرسل كانوا بشراً، وإن أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وأمر المشركين بمسألتهم لأنهم إلى تصديق من لم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم أقرب منهم إلى تصديق من آمن به. وقال ابن زيد : أراد بالذكر القرآن، أراد فاسألوا المؤمنين العالمين من أهل القرآن.  إن كنتم لا تعلمون\*

### الآية 21:8

> ﻿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ [21:8]

قوله تعالى : وما جعلناهم  أي : الرسل،  جسداً  ولم يقل أجساداً لأنه اسم الجنس  لا يأكلون الطعام  هذا رد لقولهم ما لهذا الرسول يأكل الطعام يقول لم نجعل الرسل ملائكةً بل جعلناهم بشراً يأكلون الطعام  وما كانوا خالدين  في الدنيا.

### الآية 21:9

> ﻿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ [21:9]

قوله تعالى : ثم صدقناهم الوعد  الذي وعدناهم بإهلاك أعدائهم،  فأنجيناهم ومن نشاء  يعني أنجينا المؤمنين الذين صدقوهم،  وأهلكنا المسرفين  أي المشركين المكذبين وكل مشرك مسرف على نفسه.

### الآية 21:10

> ﻿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [21:10]

قوله تعالى : لقد أنزلنا إليكم كتاباً  يا معشر قريش  فيه ذكركم  يعني : شرفكم، كما قال وإنه لذكر لك ولقومك وهو شرف لمن آمن به. وقال مجاهد : فيه حديثكم. وقال الحسن : فيه ذكركم أي ما تحتاجون إليه من أمر دينكم.  أفلا تعقلون\*

### الآية 21:11

> ﻿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ [21:11]

قوله تعالى : وكم قصمنا  أهلكنا، والقصم الكسر  من قرية كانت ظالمةً  أي كافرة، يعني أهلها  وأنشأنا بعدها  يعني : أحدثنا بعد هلاك أهلها.  قوما آخرين\*

### الآية 21:12

> ﻿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ [21:12]

قوله تعالى : فلما أحسوا بأسنا  يعني : رأوا عذابنا بحاسة البصر  إذا هم منها يركضون  يعني : يسرعون هاربين.

### الآية 21:13

> ﻿لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ [21:13]

قوله تعالى : لا تركضوا  يعني : قيل لهم لا تركضوا لا تهربوا لا تذهبوا  وارجعوا إلى ما أترفتم فيه  يعني : نعمتم به  ومساكنكم لعلكم تسألون  قال ابن عباس : عن قتل نبيكم. وقيل : من دنياكم شيئاً، نزلت هذه الآية في أهل حضرموت، وهي قرية باليمن وكان أهلها من العرب، فبعث الله إليهم نبياً يدعوهم إلى الله، فكذبوه وقتلوه، فسلط الله عليهم بختنصر حتى قتلهم وسباهم، فلما استمر فيهم القتل ندموا وهربوا وانهزموا، فقالت الملائكة لهم استهزاءً : لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم وأموالكم لعلكم تسألون. قال قتادة : لعلكم تسألون شيئاً من دنياكم، فتعطون من شئتم وتمنعون من شئتم، فإنكم أهل ثروة ونعمة، يقولون ذلك استهزاءً بهم، فاتبعهم بختنصر وأخذتهم السيوف، ونادى مناد في جو السماء يا ثارات الأنبياء، فلما رأوا ذلك أقروا بالذنوب حين لم ينفعهم.  فقالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين .

### الآية 21:14

> ﻿قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [21:14]

وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (١٥) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦) 
 وَكَمْ قَصَمْنَا أَهْلَكْنَا، وَالْقَصْمُ: الْكَسْرُ، مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً أَيْ كَافِرَةً، يَعْنِي أَهْلَهَا، وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا أَيْ: أَحْدَثْنَا بَعْدَ هَلَاكِ أَهْلِهَا، قَوْمًا آخَرِينَ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا أَيْ \[رَأَوْا\] (١) عَذَابَنَا بِحَاسَّةِ الْبَصَرِ، إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ أَيْ يُسْرِعُونَ هَارِبِينَ. لَا تَرْكُضُوا أَيْ قِيلَ لَهُمْ لَا تَرْكُضُوا لَا تَهْرُبُوا، وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ أَيْ نَعِمْتُمْ بِهِ، وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَنْ قَتْلِ نَبِيِّكُمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مِنْ دُنْيَاكُمْ شَيْئًا، نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ حَصُورَا، وَهِيَ قَرْيَةٌ بِالْيَمَنِ وَكَانَ أَهْلُهَا الْعَرَبَ، فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ نَبِيًّا يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ فَكَذَّبُوهُ وَقَتَلُوهُ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَخْتُنَصَّرَ، حَتَّى قَتَلَهُمْ وَسَبَاهُمْ (٢) فَلَمَّا اسْتَمَرَّ فِيهِمُ الْقَتْلُ نَدِمُوا وَهَرَبُوا وَانْهَزَمُوا، فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ لَهُمُ اسْتِهْزَاءً: لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَسَاكِنِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ.
 قَالَ قَتَادَةُ: لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ شَيْئًا مِنْ دُنْيَاكُمْ، فَتُعْطُونَ مَنْ شِئْتُمْ وَتَمْنَعُونَ مَنْ شِئْتُمْ، فَإِنَّكُمْ أَهْلُ ثَرْوَةٍ وَنِعْمَةٍ، يَقُولُونَ ذَلِكَ اسْتِهْزَاءً بِهِمْ، فَاتَّبَعَهُمْ بُخْتُنَصَّرُ وَأَخَذَتْهُمُ السُّيُوفُ، وَنَادَى مُنَادٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ: يَا ثَارَّاتِ الْأَنْبِيَاءِ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ أَقَرُّوا بِالذُّنُوبِ حِينَ لَمْ ينفعهم. قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ. فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ أَيْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ وَهِيَ قَوْلُهُمْ يَا وَيْلَنَا، دُعَاؤُهُمْ يَدْعُونَ بِهَا وَيُرَدِّدُونَهَا.
 حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا بِالسُّيُوفِ كَمَا يُحْصَدُ الزَّرْعُ، خَامِدِينَ مَيِّتِينَ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ أَيْ عَبَثًا وَبَاطِلًا.
 (١) زيادة من (ب).
 (٢) انظر: الطبري: ١٧ / ٩.

### الآية 21:15

> ﻿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ [21:15]

قوله تعالى : فما زالت تلك دعواهم  أي تلك الكلمة وهي قولهم يا ويلنا دعاؤهم يدعون بها ويرددونها  حتى جعلناهم حصيدا  بالسيوف كما يحصد الزرع  خامدين  ميتين.

### الآية 21:16

> ﻿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ [21:16]

قوله تعالى : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين  أي عبثاً وباطلاً.

### الآية 21:17

> ﻿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ [21:17]

قوله تعالى : لو أردنا أن نتخذ لهواً  اختلفوا في اللهو، قال ابن عباس في رواية عطاء : اللهو ها هنا المرأة، وهو قول الحسن و قتادة، وقال في رواية الكلبي : اللهو الولد، وهو قول السدي، وهو في المرأة أظهر لأن الوطء يسمى لهواً في اللغة والمرأة محل الوطء  لاتخذناه من لدنا  يعني : من عندنا من الحور العين لا من عندكم من أهل الأرض. وقيل : معناه لو كان جائزاً ذلك في صفته لم يتخذه بحيث يظهر لهم بل يستر ذلك حتى لا يطلعوا عليه. وتأويل الآية أن النصارى لما قالوا في المسيح وأمه ما قالوا رد الله عليهم بهذا وقال : لاتخذناه من لدنا لأنكم تعلمون أن ولد الرجل وزوجته يكونان عنده، لا عند غيره  إن كنا فاعلين  قال قتادة و مقاتل و ابن جريج : إن  للنفي معناه : ما كنا فاعلين. وقيل : إن كنا فاعلين للشرط أي : إن كنا ممن يفعل ذلك لاتخذناه من لدنا، ولكنا لم نفعله لأنه لا يليق بالربوبية.

### الآية 21:18

> ﻿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [21:18]

قوله تعالى : بل  يعني : دع ذلك الذي قالوا فإنه كذب وباطل،  نقذف  نرمي ونسلط،  بالحق  بالإيمان،  على الباطل  على الكفر وقيل : الحق قول الله، فإنه لا ولد له، والباطل قولهم اتخذ الله ولداً،  فيدمغه  يعني : يهلكه، وأصل الدمغ : شج الرأس حتى يبلغ الدماغ،  فإذا هو زاهق  ذاهب، والمعنى : أنا نبطل كذبهم بما نبين من الحق حتى يضمحل ويذهب، ثم أوعدهم على كذبهم فقال : ولكم الويل  يا معشر الكفار،  مما تصفون  الله بما لا يليق به من الصاحبة والولد. وقال مجاهد : مما تكذبون.

### الآية 21:19

> ﻿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ [21:19]

قوله تعالى : وله من في السموات والأرض  عبيداً وملكاً،  ومن عنده  يعني الملائكة،  لا يستكبرون عن عبادته  لا يأنفون عن عبادته ولا يتعظون عنها،  ولا يستحسرون  لا يعيون، يقال : حسر واستحسر إذا تعب وأعيا. وقال السدي : لا ينقطعون عن العبادة.

### الآية 21:20

> ﻿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [21:20]

قوله تعالى : يسبحون الليل والنهار لا يفترون  لا يضعفون. قال كعب الأحبار : التسبيح لهم كالنفس لبني آدم.

### الآية 21:21

> ﻿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ [21:21]

قوله تعالى : أم اتخذوا آلهة  استفهام بمعنى الجحد، أيك لم يتخذوا  من الأرض  يعني : الأصنام من الخشب والحجارة، وهما من الأرض،  هم ينشرون  يحيون الأموات، ولا يستحق الإلهية إلا من يقدر على الإحياء والإيجاد من العدم والإنعام بأبلغ وجوه النعم.

### الآية 21:22

> ﻿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ [21:22]

قوله تعالى : لو كان فيهما  يعني : في السماء والأرض،  آلهة إلا الله  يعني : غير الله  لفسدتا  لخربتا وهلك من فيهما بوجود التمانع من الآلهة لأن كل أمر صدر عن اثنين فأكثر لم يجز على النظام، ثم نزه نفسه فقال : فسبحان الله رب العرش عما يصفون  أي عما يصفه به المشركون من الشريك والولد.

### الآية 21:23

> ﻿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [21:23]

قوله تعالى : لا يسأل عما يفعل  ويحكم على خلقه لأنه الرب  وهم يسألون  يعني الخلق يسألون، عن أفعالهم وأعمالهم لأنهم عبيد.

### الآية 21:24

> ﻿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ۖ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ۖ هَٰذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي ۗ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ ۖ فَهُمْ مُعْرِضُونَ [21:24]

قوله تعالى : أم اتخذوا من دونه آلهةً  استفهام إنكار وتوبيخ،  قل هاتوا برهانكم  يعني : حجتكم على ذلك، ثم قال مستأنفاً،  هذا  يعني القرآن.  ذكر من معي  فيه خبر من معي على ديني ومن يتبعني إلى يوم القيامة بما لهم من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية.  وذكر  خبر،  من قبلي  من الأمم السالفة ما فعل بهم في الدنيا وما يفعل بهم في الآخرة. وعن ابن عباس في رواية عطاء : ذكر من معي : القرآن، وذكر من قبلي : التوراة والإنجيل، ومعناه : راجعوا القرآن والتوراة والإنجيل وسائر الكتب هل تجدون فيها أن الله اتخذ ولداً ؟

### الآية 21:25

> ﻿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [21:25]

قوله تعالى : بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون\*وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه  قرأ حمزة و الكسائي وحفص عن عاصم ( نوحي إليه ) بالنون وكسر الحاء على التعظيم، لقوله  وما أرسلنا  وقرأ الآخرون بالياء وفتح الحاء على الفعل المجهول  أنه لا إله إلا أنا فاعبدون  وحدون.

### الآية 21:26

> ﻿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۚ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ [21:26]

قوله تعالى : وقالوا اتخذ الرحمن ولداً  نزلت في خزاعة حيث قالوا : الملائكة بنات الله،  سبحانه  نزه نفسه عما قالوا  بل عباد  أي هم عباد، يعني الملائكة.  مكرون\*

### الآية 21:27

> ﻿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [21:27]

قوله تعالى : لا يسبقونه بالقول  لا يتقدمونه بالقول ولا يتكلمون إلا بما يأمرهم به،  وهم بأمره يعملون  معناه أنهم لا يخالفونه قولاً ولا عملاً.

### الآية 21:28

> ﻿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [21:28]

قوله تعالى : يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم  أي ما عملوا وما هم عاملون. وقيل : ما كان قبل خلقهم وما يكون بعد خلقهم  ولا يشفعون إلا لمن ارتضى  قال ابن عباس : أي إلا لمن قال لا إله إلا الله، وقال مجاهد : أي لمن رضى عنه،  وهم من خشيته مشفقون  خائفون لا يأمنون مكره.

### الآية 21:29

> ﻿۞ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَٰهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [21:29]

قوله تعالى : ومن يقل منهم إني إله من دونه  قال مقاتل : عنى به إبليس حين دعا إلى عبادة نفسه وأمر بطاعة نفسه، فإن أحداً من الملائكة لم يقل إني إله من دون الله  فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين  الواضعين الإلهية والعبادة في غير موضعها.

### الآية 21:30

> ﻿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ [21:30]

قوله تعالى : أولم ير الذين كفروا  قرأ العامة بالواو، وقرأ ابن كثير لم ير بغير واو، وكذلك هو في مصاحفهم، معناه : ألم يعلم الذين كفروا  أن السموات والأرض كانتا رتقاً  قال ابن عباس رضي الله عنهما، والضحاك، وعطاء، وقتادة : كانتا شيئاً واحداً ملتزقتين  ففتقناهما  فصلنا بينهما بالهواء، والرتق في اللغة : السد، والفتق : الشق. قال كعب : خلق الله السموات والأرض بعضها على بعض، ثم خلق ريحاً فوسطها ففتحها بها. قال مجاهد و السدي : كانت السماوات مرتتقة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبع سماوات، وكذلك الأرض كانت مرتتقة طبقة واحدة فجعلها سبع أرضين. قال عكرمة وعطية : كانت السماء رتقاً لا تمطر والأرض رتقاً لا تنبت، ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات. وإنما قال : رتقاً  على التوحيد وهو من نعت السماوات والأرض لأنه مصدر وضع موضع الاسم، مثل الزور والصوم ونحوهما.  وجعلنا  وخلقنا من الماء كل شيء حي  أي : أحيينا بالماء الذي ينزل من السماء كل شيء حي أي من الحيوان ويدخل فيه النبات والشجر، يعني أنه سبب لحياة كل شيء والمفسرون يقولون : يعني أن كل شيء حي فهو مخلوق من الماء. لقوله تعالى : والله خلق كل دابة من ماء  قال أبو العالية : يعني النطفة، فإن قيل : قد خلق الله بعض ما هو حي من غير الماء ؟ قيل : هذا على وجه التكثير، يعني أن أكثر الأحياء في الأرض مخلوقة من الماء أو بقاؤه بالماء.  أفلا يؤمنون\*

### الآية 21:31

> ﻿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ [21:31]

قوله تعالى : وجعلنا في الأرض رواسي  أي : جبالاً ثوابت،  أن تميد بهم لئلا تميد بهم  وجعلنا فيها  في الرواسي  فجاجاً  طرقاً ومسالك، والفج : الطريق الواسع بين الجبلين، أي جعلنا بين الجبال طرقاً كي يهتدوا إلى مقاصدهم  سبلاً  تفسير للفجاج.  لعلهم يهتدون\*

### الآية 21:32

> ﻿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا ۖ وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ [21:32]

قوله تعالى : وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً  من أن تسقط دليله قوله تعالى : ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه  وقيل : محفوظاً من الشياطين بالشهب، دليله قوله تعالى : وحفظناها من كل شيطان رجيم   وهم  يعني الكفار  عن آياتها  أي : عن ما خلق الله فيها من الشمس والقمر والنجوم وغيرها  معرضون  لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها.

### الآية 21:33

> ﻿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [21:33]

قوله تعالى : وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون  يجرون ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء، وإنما قال : يسبحون  ولم يقل تسبح على ما يقال لما لا يعقل لأنه ذكر عنها فعل العقلاء من الجري والسبح، فذكر على ما يعقل. والفلك : مدار النجوم الذي يضمها، والفلك في كلام العرب : كل شيء مستدير، وجمعه أفلاك، ومنه فلك المغزل. وقال الحسن : الفلك طاحونة كهيئة فلكة المغزل : يريد أن الذي يجري فيه النجوم مستدير كاستدارة الطاحونة. قال الضحاك : فلكها مجراها وسرعة سيرها، قال مجاهد : كهيئة حديد الرحى. وقال بعضهم : الفلك السماء الذي فيه ذلك الكوكب، فكل كوكب يجري في السماء الذي قدر فيه، وهو معنى قول قتادة. وقال الكلبي : الفلك استدارة السماء. وقال آخرون : الفلك موج مكفوف دون السماء يجري فيه الشمس والقمر والنجوم.

### الآية 21:34

> ﻿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ [21:34]

قوله عز وجل : وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد  دوام البقاء في الدنيا  أفإن مت فهم الخالدون  أي أفهم الخالدون إن مت ؟قيل : نزلت هذه الآية حين قالوا نتربص بمحمد ريب المنون.

### الآية 21:35

> ﻿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [21:35]

قوله تعالى : كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم  نختبركم  بالشر والخير  بالشدة والرخاء والصحة والسقم، والغنى والفقر، وقيل : بما تحبون وما تكرهون  فتنةً  ابتلاءً لتنظر كيف شكركم فيما تحبون، وصبركم فيما تكرهون.  وإلينا ترجعون\*

### الآية 21:36

> ﻿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ هُمْ كَافِرُونَ [21:36]

قوله تعالى : وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك  ما يتخذونك  إلا هزواً  سخرياً، قال السدي : نزلت في أبي جهل مر به النبي صلى الله عليه وسلم فضحك، وقال : هذا نبي بني عبد مناف  أهذا الذي  أي يقول بعضهم لبعض أهذا الذي  يذكر آلهتكم  أي يعيبها، يقال : فلان يذكر فلاناً. أي : يعيبه، وفلان يذكر الله. أي يعظمه ويجله  وهم بذكر الرحمن هم كافرون  وذلك أنهم كانوا يقولون لا نعرف الرحمن إلا مسيلمة وهم الثانية صلة.

### الآية 21:37

> ﻿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ ۚ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ [21:37]

قوله تعالى : خلق الإنسان من عجل  اختلفوا فيه، فقال قوم : معناه أن بنيته وخلقته من العجلة وعليها طبع، كما قال الله تعالى :( وكان الإنسان عجولاً ) قال سعيد بن جبير، والسدي : لما دخلت الروح في رأس آدم وعينيه نظر إلى ثمار الجنة فلما دخلت جوفه اشتهى الطعام، فوثب قائما قبل أن تبلغ الروح إلى رجليه عجلاً إلى ثمار الجنة، فوقع فقيل : خلق الإنسان من عجل والمراد بالإنسان آدم وأورث أولاده العجلة، والعرب تقول : للذي يكثر منه الشيء : خلقت منه، كما يقول خلقت من تعب، وخلقت من غضب تريد المبالغة في وصفه بذلك، يدل على هذا قوله تعالى : وكان الإنسان عجولا  وقال قوم : معناه خلق الإنسان يعني آدم من تعجيل في خلق الله إياه، لأن خلقه كان بعد خلق كل شيء في آخر النهار يوم الجمعة، فأسرع في خلقه قبل مغيب الشمس. وقال مجاهد : فلما أحيا الروح رأسه قال يا رب استعجل بخلقي قبل غروب الشمس. وقيل : بسرعة وتعجيل على غير ترتيب خلق سائر الآدميين من النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة وغيرها. وقال قوم : من عجل، أي : من طين، قال الشاعر :

والنبع في الصخرة الصماء منبتة  والنخل ينبت بين الماء والعجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون  هذا خطاب للمشركين. نزل هذا في المشركين كانوا يستعجلون العذاب، ويقولون : أمطر علينا حجارة من السماء، وقيل : نزلت في النضر بن الحارث، فقال تعالى :( سأريكم آياتي ) أي : مواعيدي ( فلا تستعجلون ) أي فلا تطلبوا العذاب من قبل وقته، فأراهم يوم بدر، وقيل : كانوا يستعجلون القيامة.

### الآية 21:38

> ﻿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [21:38]

قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالسُّدِّيُّ: لَمَّا دَخَلَتِ الرُّوحُ فِي رَأْسِ آدَمَ وَعَيْنِهِ نَظَرَ إِلَى ثِمَارِ الْجَنَّةِ فَلَمَّا دَخَلَتْ جَوْفَهُ اشْتَهَى الطَّعَامَ، فَوَثَبَ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ الرُّوحُ إِلَى رِجْلَيْهِ عَجَلًا إِلَى ثِمَارِ الْجَنَّةِ، فَوَقَعَ فَقِيلَ: "خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ"، وَالْمُرَادُ بِالْإِنْسَانِ آدَمُ وَأُورِثَ أَوْلَادُهُ الْعَجَلَةَ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلَّذِي يُكْثُرُ مِنْهُ الشَّيْءُ: خُلِقْتَ مِنْهُ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: خُلِقْتَ فِي لَعِبٍ، وَخُلِقْتَ مِنْ غَضَبٍ، يُرَادُ الْمُبَالَغَةُ فِي وَصْفِهِ بِذَلِكَ، يَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: "وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا".
 وَقَالَ قَوْمُّ: مَعْنَاهُ خُلِقَ الْإِنْسَانُ يَعْنِي آدَمَ مِنْ تَعْجِيلٍ فِي خَلْقِ اللَّهِ إِيَّاهُ، لِأَنَّ خَلْقَهُ كَانَ بَعْدَ \[خَلْقِ\] (١) كُلِّ شَيْءٍ فِي آخِرِ النَّهَارِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَأَسْرَعَ فِي خَلْقِهِ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ.
 قَالَ مُجَاهِدُّ: فَلَمَّا أَحْيَا الرُّوحُ رَأْسَهُ قَالَ يَا رَبِّ اسْتَعْجِلْ بِخَلْقِي قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. وَقِيلَ: بِسُرْعَةٍ وَتَعْجِيلٍ عَلَى غَيْرِ تَرْتِيبِ خَلْقِ سَائِرِ الْآدَمِيِّينَ مِنَ النُّطْفَةِ وَالْعَلَقَةِ وَالْمُضْغَةِ وَغَيْرِهَا (٢).
وَقَالَ قَوْمُّ: مِنْ عَجَلٍ، أَيْ: مِنْ طِينٍ، قَالَ الشَّاعِرُ:

 وَالنَّبْعُ فِي الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ مُنْبِتَةٌ  وَالنَّخْلُ يَنْبُتُ بَيْنَ المَاءِ وَالْعَجَلِ (٣) سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ \[نَزَلَ هَذَا فِي الْمُشْرِكِينَ\] (٤) كَانُوا يَسْتَعْجِلُونَ الْعَذَابَ وَيَقُولُونَ: أَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ، وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي النَّضِرِ بْنِ الْحَارِثِ (٥) فَقَالَ تَعَالَى: سَأُرِيكُمْ آيَاتِي أَيْ مَوَاعِيدِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونَ، أَيْ فَلَا تَطْلُبُوا الْعَذَابَ مِنْ قَبْلِ وَقْتِهِ، فَأَرَاهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقِيلَ: كَانُوا يَسْتَعْجِلُونَ الْقِيَامَةَ.
 وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) 
 وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَقَالَ تَعَالَى: لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ لَا يَدْفَعُونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ قِيلَ: وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمُ السِّيَاطَ،
 (١) زيادة من "ب".
 (٢) أورد هذه الأقوال الطبري: ١٧ / ٢٦ -٢٧ ثم قال: والصواب من القول في تأويل ذلك عندنا الذين ذكرناه عمن قال معناه: خلق الإنسان من عجل في خلقه: أي على عجل وسرعة في ذلك، وإنما قيل ذلك كذلك، لأنه بودر بخلقه مغيب الشمس في آخر ساعة من نهار يوم الجمعة، وفي ذلك الوقت نفخ فيه الروح. وإنما قلنا أولى الأقوال التي ذكرناها في ذلك بالصواب، لدلالة قوله تعالى: (سأريكم آياتي فلا تستعجلون) على ذلك. وأن أبا كريب حدثنا قال: حدثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إن في الجمعة لساعة يقللها، قال: لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا آتاه الله إياه" فقال عبد الله بن سلام: قد علمت أي ساعة هي، هي آخر ساعات النهار من يوم الجمعة، قال الله: (خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون).
 (٣) البيت لبعض الحميرين، والعجل بلغتهم: الطين.
 (٤) في "ب": (هذا في جواب قول المشركين).
 (٥) ذكر القول صاحب زاد المسير: ٥ / ٣٥١.

### الآية 21:39

> ﻿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ [21:39]

قوله تعالى : ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين  فقال تعالى : لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون  لا يدفعون  عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم  قيل : ولا عن ظهورهم السياط  ولا هم ينصرون  يمنعون من العذاب، وجواب " لو " في قوله : لو يعلم الذين محذوف. معناه : ولو علموا لما أقاموا على كفرهم، ولما استعجلوا، ولا قالوا : متى هذا الوعد.

### الآية 21:40

> ﻿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ [21:40]

قوله تعالى : بل تأتيهم  يعني الساعة  بغتة  فجأة،  فتبهتهم  أي تحيرهم، يقال : فلان مبهوت أي متحير،  فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون  يمهلون.

### الآية 21:41

> ﻿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [21:41]

قوله تعالى : ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق  نزل،  بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون  أي جزاء استهزائهم.

### الآية 21:42

> ﻿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَٰنِ ۗ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ [21:42]

قوله تعالى : قل من يكلؤكم  يحفظكم  بالليل والنهار من الرحمن  إن أنزل بكم عذابه، وقال ابن عباس : من يمنعكم من عذاب الرحمن،  بل هم عن ذكر ربهم  عن القرآن ومواعظ الله.  معرضون\* .

### الآية 21:43

> ﻿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا ۚ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ [21:43]

قوله تعالى : أم لهم  أي : صلة فيه، وفي أمثاله  آلهة تمنعهم من دوننا  فيه تقديم وتأخير، تقديره : أم لهم آلهة من دوننا تمنعهم، ثم وصف الآلهة بالضعف، فقال تعالى : لا يستطيعون نصر أنفسهم  منع أنفسهم، فكيف ينصرون عابديهم،  ولا هم منا يصحبون  قال ابن عباس : يمنعون. وقال عطية : عنه يجارون، تقول العرب : أنا لك جار وصاحب من فلان، أي مجير منه. وقال مجاهد : ينصرون ويحفظون. وقال قتادة : ولا يصحبون من الله بخير.

### الآية 21:44

> ﻿بَلْ مَتَّعْنَا هَٰؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ۗ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ [21:44]

قوله تعالى : بل متعنا هؤلاء  الكفار  وآباءهم  في الدنيا أي : أمهلناهم. وقيل : أعطيناهم النعمة،  حتى طال عليهم العمر  أي امتد بهم الزمان فاغتروا.  أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها  أي : ما ننقص من أطراف المشركين ونزيد في أطراف المؤمنين، يريد ظهور النبي صلى الله عليه وسلم وفتحه ديار الشرك أرضاً فأرضاً،  أفهم الغالبون  أم نحن.

### الآية 21:45

> ﻿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ ۚ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ [21:45]

قوله تعالى : قل إنما أنذركم بالوحي  أي أخوفكم بالقرآن  ولا يسمع الصم الدعاء  قرأ ابن عباس رضي الله عنهما : بالتاء وضمها وكسر الميم الصم نصب، جعل الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ الآخرون : بالياء وفتحها وفتح الميم، الصم رفع،  إذا ما ينذرون  يخوفون.

### الآية 21:46

> ﻿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [21:46]

قوله تعالى : ولئن مستهم  أصابتهم،  نفحة  قال ابن عباس رضي الله عنهما طرف. وقيل : قليل. وقال ابن جريج : نصيب، من قولهم نفح فلان لفلان من ماله أي أعطاه حظاً ونصيبا منه. وقيل : ضربة من قولهم نفحت الدابة برجلها أي ضربت بها  من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين  أي : يا هلاكنا إنا كنا مشركين دعوا على أنفسهم بالويل بعدما أقروا بالشرك.

### الآية 21:47

> ﻿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ [21:47]

قوله تعالى : ونضع الموازين القسط  أي ذوات القسط، والقسط : العدل،  ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً  لا ينقص من ثواب حسناتها ولا يزاد على سيئاتها، وفي الأخبار : أن الميزان له لسان وكفتان. روي أن داود عليه السلام سأل ربه أن يريه الميزان، فأراه كل كفة ما بين المشرق والمغرب، فغشي عليه، ثم أفاق فقال : يا إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات، فقال : يا داود إني إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة  وإن كان  الشيء  مثقال حبة  أي : زنة مثقال حبة من خردل  قرأ أهل المدينة ( مثقال ) برفع اللام هاهنا، وفي سورة لقمان يعني : وإن وقع مثقال حبة من خردل، ونصبها الآخرون على معنى : وإن كان ذلك الشيء مثقال حبة يعني : زنة مثقال حبة من خردل،  أتينا بها  أحضرناها لنجازي بها  وكفى بنا حاسبين  قال السدي : محصين، والحسب معناه : العد، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : عالمين حافظين، لأن من حسب شيئاً علمه وحفظه.

### الآية 21:48

> ﻿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ [21:48]

وقوله تعالى : ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان  يعني : الكتاب المفرق بين الحق والباطل، وهو التوراة. وقال ابن زيد : الفرقان النصر على الأعداء، كما قال الله تعالى : وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان  يعني : يوم بدر لأنه قال  وضياءً  أدخل الواو فيه أي آتينا موسى النصر والضياء وهو التوراة. ومن قال : المراد بالفرقان التوراة، قال : الواو في قوله : وضياء زائدة مقحمة معناه : آتيناه التوراة ضياء، وقيل : هو صفة أخرى للتوراة،  وذكراً  تذكيراً.  للمتقين\*

### الآية 21:49

> ﻿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ [21:49]

قوله تعالى : الذين يخشون ربهم بالغيب  أي ؟ يخافونه ولم يروه،  وهم من الساعة مشفقون  خائفون.

### الآية 21:50

> ﻿وَهَٰذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ ۚ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ [21:50]

قوله تعالى : وهذا ذكر مبارك  يعني : القرآن وهو ذكر لمن يذكر به، مبارك يتبرك به ويطلب منه الخير  أنزلناه أفأنتم  يا أهل مكة  له منكرون  جاحدون، وهذا استفهام توبيخ وتعيير.

### الآية 21:51

> ﻿۞ وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ [21:51]

قوله تعالى : ولقد آتينا إبراهيم رشده  قال القرطبي أي صلاحه  من قبل  يعني : من قبل موسى وهارون، وقال المفسرون : رشده من قبل أي : هداه من قبل أي من قبل البلوغ، وهو حين خرج من السرب وهو صغير، يريد هديناه صغيراً كما قال تعالى ليحيى عليه السلام : وآتيناه الحكم صبياً   وكنا به عالمين  أنه أهل للهداية والنبوة.

### الآية 21:52

> ﻿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ [21:52]

قوله تعالى : إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل  أي الصور، يعني الأصنام  التي أنتم لها عاكفون  يعني : على عبادتها مقيمون.

### الآية 21:53

> ﻿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ [21:53]

قوله تعالى : قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين  فاقتدينا بهم.

### الآية 21:54

> ﻿قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [21:54]

قوله تعالى : قال  إبراهيم،  لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين  خطأ بين بعبادتكم إياها.

### الآية 21:55

> ﻿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ [21:55]

قوله تعالى : قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين  يعنون أجاد أنت فيما تقول أم أنت لاعب.

### الآية 21:56

> ﻿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [21:56]

قوله تعالى : قال بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن 
خلقهن  وأنا على ذلكم من الشاهدين  يعني : على أنه الإله الذي لا يستحق العبادة غيره. وقيل : من الشاهدين على أنه خالق السموات والأرض.

### الآية 21:57

> ﻿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ [21:57]

قوله تعالى : وتالله لأكيدن أصنامكم  لأمكرن بها  بعد أن تولوا مدبرين  يعني : بعد أن تدبروا منطلقين إلى عيدكم. قال مجاهد و قتادة : إنما قال إبراهيم هذا سراً من قومه ولم يسمع ذلك إلا رجل واحد فأفشاه عليه، وقال ( إنا سمعنا فتىً يذكرهم يقال له إبراهيم ). قال السدي : كان لهم في كل سنة مجمع وعيد فكانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها، ثم عادوا إلى منازلهم، فلما كان ذلك العيد قال أبو إبراهيم له : يا إبراهيم لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا، فخرج معهم إبراهيم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه، وقال إني سقيم، يقول أشتكي رجلي، فلما مضوا نادى في آخرهم وقد بقي ضعفاء الناس، تالله لأكيدن أصنامكم، فسمعوها منه، ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة وهن في البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه، والأصنام بعضها إلى جنب بعض كل صنم يليه أصغر منه إلى باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاماً فوضعوه بين يدي الآلهة، وقالوا : إذا رجعنا وقد بركت الآلهة في طعامنا أكلنا، فلما نظر إليهم إبراهيم وإلى ما بين أيديهم من الطعام، قال لهم : على طريق الاستهزاء :( ألا تأكلون ) فلما لم تجبه قال ( ما لكم لا تنطقون فراغ عليهم ضرباً باليمين ) وجعل يكسرهم بفأس في يده حتى إذا لم يبق إلا الصنم الأكبر علق الفأس في عنقه ثم خرج. 
فذلك قوله عز وجل : فجعلهم جذاذاً

### الآية 21:58

> ﻿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ [21:58]

فجعلهم جذاذاً  قرأ الكسائي  جذاذاً  بكسر الجيم أي كسراً وقطعاً جمع جذيذ، وهو الهشيم مثل خفيف وخفاف، وقرأ الآخرون بضمها مثل الحطام والرفات،  إلا كبيراً لهم  فإنه لم يكسره ووضع الفأس على عنقه، وقيل ربطه بيده وكانت اثنين وسبعين صنماً بعضها من ذهب وبعضها من فضة وبعضها من حديد وبعضها من رصاص وشبه وخشب وحجر، وكان الصنم الكبير من الذهب مكللاً بالجواهر في عينيه ياقوتتان تتقدان. قوله تعالى : لعلهم إليه يرجعون  قيل : معناه لعلهم يرجعون إلى دينه وإلى ما يدعوهم إليه إذا علموا ضعف الآلهة وعجزها، وقيل : لعلهم إليه يرجعون فيسألونه، فلما رجع القوم من عيدهم إلى بيت آلهتهم ورأوا أصنامهم جذاذاً.

### الآية 21:59

> ﻿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ [21:59]

قوله تعالى : قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين  يعني : من المجرمين.

### الآية 21:60

> ﻿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ [21:60]

قوله تعالى : قالوا  يعني الذين سمعوا قول إبراهيم ( وتالله لأكيدن أصنامكم )  سمعنا فتىً يذكرهم  يعيبهم ويسبهم  يقال له إبراهيم  هو الذي نظن أنه صنع هذا، فبلغ ذلك نمرود الجبار وأشراف قومه.

### الآية 21:61

> ﻿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ [21:61]

قوله تعالى : قالوا فأتوا به على أعين الناس  قال نمرود يقول جيئوا ظاهراً بمرأى من الناس لعلهم يشهدون  عليه أنه الذي فعله كرهوا أن يأخذوه بغير بينة، قاله الحسن، وقتادة والسدي، وقال محمد بن إسحاق  لعلهم يشهدون  أي يحضرون عقابه وما يصنع به.

### الآية 21:62

> ﻿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ [21:62]

فلما أتوا به  قالوا  له  أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال  إبراهيم.

### الآية 21:63

> ﻿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ [21:63]

قوله تعالى : بل فعله كبيرهم هذا  غضب من أن يعبد معه هذه الصغار وهو أكبر منها فكسرهن، وأراد بذلك إبراهيم إقامة الحجة عليهم، فذلك قوله : فاسألوهم إن كانوا ينطقون  حتى يخبروا من فعل ذلك بهم. قال القتيبي : معناه بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون على سبيل الشرط، فجعل النطق شرطاً للفعل، أي : إن قدروا على النطق قدروا على الفعل، فأراهم عجزهم عن النطق، وفي ضميره أنا فعلت، . وروي عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله  بل فعله  ويقول : معناه فعله من فعله والأول أصح لما روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، اثنتان منهن في ذات الله، قوله : إني سقيم  وقوله : بل فعله كبيرهم ، وقوله لسارة : هذه أختي. وقيل في قوله : إني سقيم  أي : سأسقم، وقيل : سقم القلب أي مغتم بضلالتكم، وقوله لسارة : هذه أختي أي في الدين، وهذه التأويلات لنفي الكذب عن إبراهيم، والأول : هو الأولى للحديث فيه، ويجوز أن يكون الله عز وجل أذن له في ذلك لقصد الصلاح وتوبيخهم والاحتجاج عليهم، كما أذن ليوسف حتى أمر مناديه فقال لإخوته : أيتها العير إنكم لسارقون  ولم يكونوا سرقوا.

### الآية 21:64

> ﻿فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ [21:64]

قوله تعالى : فرجعوا إلى أنفسهم  أي تفكروا بقلوبهم، ورجعوا إلى عقولهم،  فقالوا  ما نراه إلا كما قال : إنكم أنتم الظالمون  يعني بعبادتكم من لا يتكلم. وقيل : أنتم الظالمون هذا الرجل في سؤالكم إياه وهذه آلهتكم حاضرة فاسألوها.

### الآية 21:65

> ﻿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ [21:65]

قوله تعالى : ثم نكسوا على رؤوسهم  قال أهل التفسير : أجرى الله الحق على لسانهم في القول الأول، ثم أدركتهم الشقاوة، فهو معنى قوله : ثم نكسوا على رؤوسهم أي ردوا إلى الكفر بعد أن أقروا على أنفسهم بالظلم، يقال : نكس المريض إذا رجع إلى حالته الأول وقالوا  لقد علمت ما هؤلاء ينطقون  فكيف نسألهم ؟ فلما اتجهت الحجة لإبراهيم عليه السلام.

### الآية 21:66

> ﻿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ [21:66]

قوله تعالى : قال  لهم  أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً  إن عبدتموه  ولا يضركم  إن تركتم عبادته.

### الآية 21:67

> ﻿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [21:67]

قوله تعالى : أف لكم  يعني : تباً وقذراً لكم  ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون  أي أليس لكم عقل تعرفون هذا، فلما لزمتهم الحجة وعجزوا عن الجواب.

### الآية 21:68

> ﻿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ [21:68]

قوله تعالى : قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين  يعني : إن كنتم ناصرين لها. وقال ابن عمر رضي الله عنهما : إن الذي قال هذا رجل من الأكراد. وقيل : إن اسمه هيزن، فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. وقيل : قاله نمرود، فلما أجمع نمرود وقومه على إحراق إبراهيم عليه السلام، حبسوه في بيت، وبنوا له بنياناً كالحظيرة. وقيل : بنوا أتوناً بقرية يقال لها : كوثى. ثم جمعوا له صلاب الحطب من أصناف الخشب مدة حتى كان الرجل يمرض فيقول : لئن عافاني الله لأجمعن حطباً لإبراهيم، وكانت المرأة تنذر في بعض ما تطلب لئن أصابته لتحبطن في نار إبراهيم، وكان الرجل يوصي بشراء الحطب وإلقائه فيها، وكانت المرأة تغزل وتشتري الحطب بغزلها، فتلقيه فيه احتساباً قال ابن إسحاق كانوا يجمعون الحطب شهراً فلما جمعوا ما أرادوا في كل ناحية من الحطب النار، فاشتعلت النار واشتدت حتى أن كان الطير ليمر بها، فيحترق من شدة وهجها، فأوقدوا عليها سبعة أيام. روي أنهم لم يعلموا كيف يلقونه فيها فجاء إبليس فعلمهم عمل المنجنيق فعملوه ثم عمدوا إلى إبراهيم فرفعوه على رأس البنيان وقيدوه ثم وضعوه في المنجنيق مقيداً مغلولاً، فصاحت السماء والأرض ومن فيها من الملائكة وجميع الخلق إلا الثقلين صيحة واحدة، أي ربنا إبراهيم خليلك يلقى في النار وليس في أرضك أحد يعبدك غيره فآذن لنا في نصرته، فقال الله عز وجل : إنه خليلي ليس لي غيره خليل، وأنا إله وليس له إله غيري، فإن استغاث بشيء منكم أو دعاه فلينصره فقد أذنت له في ذلك، وإن لم يدع غيري فأنا أعلم به وأنا وليه فخلوا بيني وبينه، فلما أرادوا إلقاءه في النار أتاه خازن المياه فقال : إن أردت أخمدت النار، وأتاه خازن الرياح فقال : إن شئت طيرت النار في الهواء، فقال إبراهيم : لا حاجة لي إليكم حسبي الله ونعم الوكيل. وروي عن أبي كعب أن إبراهيم قال حين أوثقوه ليلقوه في النار قال : لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك، ثم رموا به في المنجنيق إلى النار، واستقبله جبريل فقال : يا إبراهيم لك حاجة ؟ فقال أما إليك فلا، فقال جبريل : فاسأل ربك، فقال إبراهيم حسبي من سؤالي علمه بحالي. قال كعب الأحبار : جعل كل شيء يطفئ عنه النار إلا الوزغ فإنه كان ينفخ في النار. 
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل أنا عبيد الله بن موسى أو ابن سلام عنه أنا ابن جريج عن عبد الحميد بن جبير عن سعيد بن المسيب عن أم شريك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ، وقال :" كان ينفخ النار على إبراهيم ".

### الآية 21:69

> ﻿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ [21:69]

قوله تعالى : قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم  قال ابن عباس : لو لم يقل  سلاماً  لمات إبراهيم من بردها، ومن المعروف في الآثار أنه لم يبق يومئذ نار في الأرض إلا طفئت، فلم ينتفع في ذلك اليوم بنار في العالم، ولو لم يقل على إبراهيم بقيت ذات برد أبداً. قال السدي : فأخذت الملائكة بضبعي إبراهيم فأقعدوه على الأرض، فإذا عين ماء عذب وورد أحمر ونرجس. قال كعب : ما أحرقت النار في إبراهيم إلا وثاقه، قالوا : وكان إبراهيم في ذلك الموضع سبعة أيام. قال المنهال بن عمرو : قال إبراهيم ما كنت قط أياماً قط أنعم مني من الأيام التي كنت فيها في النار. قال ابن يسار : وبعث الله ملك الظل في صورة إبراهيم فقعد فيها إلى جنب إبراهيم يؤنسه، قالوا وبعث الله جبريل بقميص من حرير الجنة وطنفسة فألبسه القميص وأقعده على الطنفسة وقعد معه يحدثه، وقال جبريل : يا إبراهيم إن ربك يقول لك : أما علمت أن النار لا تضر أحبائي. ثم نظر نمرود وأشرف على إبراهيم من صرح له فرآه جالساً في روضة والملك قاعد إلى جنبه وما حوله نار تحرق الحطب، فناداه : يا إبراهيم كبير إلهك الذي بلغت قدرته أن حال بينك وبين ما أرى، يا إبراهيم هل تستطيع أن تخرج منها ؟ قال : نعم، قال : هل تخشى إن أقمت فيها أن تضرك ؟ قال : لا، قال : فقم فاخرج منها، فقام إبراهيم يمشي فيها حتى خرج منها، فلما خرج إليه قال له : يا إبراهيم من الرجل الذي رأيته معك في صورتك قاعداً إلى جنبك ؟ قال : ذاك ملك الظل أرسله إلي ربي ليؤنسني فيها، فقال نمرود : يا إبراهيم إني مقرب إلى إلهك قرباناً لما رأيت من قدرته وعزته فيما صنع بك حين أبيت إلا عبادته وتوحيده إني ذابح له أربعة آلاف بقرة، فقال له إبراهيم : إذاً لا يقبل الله منك ما كنت على دينك حتى تفارقه إلى ديني، فقال : لا أستطيع ترك ملتي وملكي. ولكن سوف أذبحها فذبحها له نمرود ثم كف عن إبراهيم، ومنعه الله منه. قال شعيب الجبائي : ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة.

### الآية 21:70

> ﻿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ [21:70]

قوله تعالى : وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين  قيل : معناه أنهم خسروا السعي والنفقة ولم يحصل لهم مرادهم. وقيل : معناه إن الله عز وجل أرسل على نمرود وأهله البعوض فأكلت لحومهم وشربت دماءهم، ودخلت واحدة في دماغه فأهلكته.

### الآية 21:71

> ﻿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ [21:71]

قوله : ونجيناه ولوطاً  من نمرود وقومه من أرض العراق  إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين  يعني الشام بارك الله فيها بالخصب وكثرة الأشجار والثمار والأنهار، ومنها بعث أكثر الأنبياء. وقال أبي بن كعب : سماها مباركة لأنه ما من ماء عذب إلا وينبع أصله من تحت الصخرة التي هي ببيت المقدس. 
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو الحسين بن بشران، أنا إسماعيل بن محمد الصفار، أنا أحمد بن منصور الرمادي، أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن قتادة، أن عمر بن الخطاب قال لكعب : ألا تتحول إلى المدينة فيها مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبره، فقال كعب : إني وجدت في كتاب الله المنزل يا أمير المؤمنين أن الشام كنز الله من أرضه، وبها كنزه من عباده. 
أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أنا جدي عبد الصمد بن عبد الرحمن البزاز، أنا محمد بن زكريا العذافري، أنا إسحاق الديري، أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن قتادة، عن شهر بن حوشب عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إنها ستكون هجرة بعد هجرة، فخيار الناس إلى مهاجر إبراهيم ". وقال محمد بن إسحاق استجاب لإبراهيم رجال من قومه حين رأوا ما صنع الله به. من جعل النار عليه برداً وسلاماً على خوف من نمرود وملئه وآمن به لوط، وكان ابن أخيه وهو لوط بن هاران ابن تارخ، وهاران هو أخو إبراهيم وكان لهما أخ ثالث يقال له : ناخور بن تارخ، وآمنت به أيضاً سارة وهي بنت عمه وهي سارة بنت هاران الأكبر، عم إبراهيم فخرج من كوثى من أرض العراق مهاجراً إلى ربه، ومعه لوط وسارة، كما قال الله تعالى : فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي  فخرج يلتمس الفرار بدينه والأمان على عبادة ربه، حتى نزل حران فمكث بها ما شاء الله، ثم خرج منها مهاجراً حتى قدم مصر، ثم خرج من مصر إلى الشام، فنزل السبع من أرض فلسطين، وهي برية الشام، ونزل لوط بالمؤتفكة وهي من السبع على مسيرة يوم وليلة، وأقرب، فبعثه الله نبياً فذلك قوله تعالى : ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين .

### الآية 21:72

> ﻿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ [21:72]

قوله تعالى : ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلةً  قال مجاهد وعطاء : معنى النافلة العطية وهما جميعاً من عطاء الله نافلة يعني عطاء، قال الحسن والضحاك : فضلاً. وعن ابن عباس وأبي بن كعب وأبن زيد وقتادة رضي الله عنهم : النافلة هو يعقوب لأن الله عز وجل أعطاه إسحاق بدعائه حيث قال : هب لي من الصالحين، وزاده يعقوب وهو ولد الولد، والنافلة الزيادة  وكلاً جعلنا صالحين  يعني : إبراهيم وإسحاق ويعقوب.

### الآية 21:73

> ﻿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ۖ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ [21:73]

قوله تعالى : وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا  يقتدى بهم في الخيرات. يهدون بأمرنا يدعون الناس إلى ديننا،  وأوحينا إليهم فعل الخيرات  يعني : العمل بالشرائع،  وإقام الصلاة  يعني : المحافظة عليها،  وإيتاء الزكاة  إعطاءها  وكانوا لنا عابدين  موحدين.

### الآية 21:74

> ﻿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ ۗ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ [21:74]

قوله تعالى : ولوطاً آتيناه  يعني : وآتينا لوطاً، وقيل : واذكر لوطاً آتيناه  حكماً  يعني : الفصل بين الخصوم بالحق  وعلماً ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث  يعني : سدوماً. وكان أهلها يأتون الذكران في أدبارهم ويتضارطون في أنديتهم مع أشياء أخر، كانوا يعملون من المنكرات.  إنهم كانوا قوم سوء فاسقين\*

### الآية 21:75

> ﻿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا ۖ إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ [21:75]

وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ الْعَمَلَ بِالشَّرَائِعِ، وَإِقَامَ الصَّلَاةِ يَعْنِي: الْمُحَافَظَةَ عَلَيْهَا، وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ إِعْطَاءَهَا (١) وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ مُوَحِّدِينَ.
 وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧) وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) 
 وَلُوطًا آتَيْنَاهُ أَيْ: وَآتَيْنَا لُوطًا، وَقِيلَ: وَاذْكُرْ لُوطًا آتَيْنَاهُ، حُكْمًا يَعْنِي: الْفَصْلَ بَيْنَ الخصوم بالحق، وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ يعني: سدوما وَكَانَ أَهْلُهَا يَأْتُونَ الذُّكْرَانَ فِي أَدْبَارِهِمْ وَيَتَضَارَطُونَ فِي أَنْدِيَتِهِمْ مَعَ أَشْيَاءَ أُخَرَ، كَانُوا يَعْمَلُونَ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ، إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ. وَنُوحًا إِذْ نَادَى دَعَا، مِنْ قَبْلُ أَيْ مِنْ قَبْلِ إِبْرَاهِيمَ وَلُوطٍ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنَ الْغَرَقِ وَتَكْذِيبِ قَوْمِهِ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَ أَطْوَلَ الْأَنْبِيَاءِ عُمْرًا وَأَشَدَّهُمْ بَلَاءً، وَالْكَرْبُ: أَشَدُّ الْغَمِّ (٢). وَنَصَرْنَاهُ مَنَعْنَاهُ، مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أَنْ يَصِلُوا إِلَيْهِ بِسُوءٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةُ: أَيْ عَلَى الْقَوْمِ، إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ اخْتَلَفُوا فِي الْحَرْثِ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: كَانَ الْحَرْثُ كَرْمًا قَدْ تَدَلَّتْ عَنَاقِيدُهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ زَرْعًا، إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ أَيْ رَعَتْهُ لَيْلًا فَأَفْسَدَتْهُ، وَالنَّفْشُ: الرَّعْيُ بِاللَّيْلِ وَالْهَمَلُ بِالنَّهَارِ
 (١) زيادة من "ب".
 (٢) ساقط من "ب".

وَهُمَا الرَّعْيُ بِلَا رَاعٍ، وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ أَيْ: كَانَ ذَلِكَ بِعِلْمِنَا وَمَرْأَى مِنَّا لَا يَخْفَى عَلَيْنَا عِلْمُهُ. قَالَ الْفَرَّاءُ: جَمَعَ اثْنَيْنِ، فَقَالَ لِحُكْمِهِمْ وَهُوَ يُرِيدُ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ جَمْعٌ وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ (النِّسَاءِ: ١١)، وَهُوَ يُرِيدُ أَخَوَيْنِ.
 قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَالزُّهْرِيُّ: وَذَلِكَ أَنَّ رَجُلَيْنِ دَخَلَا عَلَى دَاوُدَ أَحَدُهُمَا صَاحِبُ حَرْثٍ وَالْآخَرُ صَاحِبُ غَنَمٍ، فَقَالَ صَاحِبُ الزَّرْعِ: إِنَّ هَذَا انْفَلَتَتْ غَنَمُهُ لَيْلًا وَوَقَعَتْ فِي حَرْثِي فَأَفْسَدَتْهُ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ، فَأَعْطَاهُ دَاوُدُ رِقَابَ الْغَنَمِ بِالْحَرْثِ، فَخَرَجَا فَمَرَّا عَلَى سُلَيْمَانَ فَقَالَ: كَيْفَ قَضَى بَيْنَكُمَا فَأَخْبَرَاهُ فَقَالَ سُلَيْمَانُ: لَوْ وُلِّيتُ أَمْرَهُمَا لَقَضَيْتُ بِغَيْرِ هَذَا.
 وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ غَيْرُ هَذَا أَرْفَقُ بِالْفَرِيقَيْنِ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ دَاوُدُ فَدَعَاهُ فَقَالَ كَيْفَ تَقْضِي؟ وَيُرْوَى أَنَّهُ قَالَ بِحَقِّ النُّبُوَّةِ وَالْأُبُوَّةِ إِلَّا أَخْبَرْتَنِي بِالَّذِي هُوَ أَرْفَقُ بِالْفَرِيقَيْنِ، قَالَ: ادْفَعِ الْغَنَمَ إِلَى صَاحِبِ الْحَرْثِ يَنْتَفِعُ بِدَرِّهَا وَنَسْلِهَا وَصُوفِهَا وَمَنَافِعِهَا وَيَبْذُرُ صَاحِبُ الْغَنَمِ لِصَاحِبِ الْحَرْثِ مِثْلَ حَرْثِهِ، فَإِذَا صَارَ الْحَرْثُ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ أُكِلَ دُفِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَأَخَذَ صَاحِبُ الْغَنَمِ غَنَمَهُ، فَقَالَ دَاوُدُ الْقَضَاءُ مَا قَضَيْتَ وَحَكَمَ بِذَلِكَ (١).
 وَقِيلَ: إِنَّ سُلَيْمَانَ يَوْمَ حَكَمَ كَانَ ابْنَ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً، وَأَمَّا حُكْمُ الْإِسْلَامِ \[فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ\] (٢) أَنَّ مَا أَفْسَدَتِ الْمَاشِيَةُ الْمُرْسَلَةُ بِالنَّهَارِ مِنْ مَالِ الْغَيْرِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى رَبِّهَا، وَمَا أَفْسَدَتْ بِاللَّيْلِ ضَمِنَهُ رَبُّهَا لِأَنَّ فِي عُرْفِ النَّاسِ أَنَّ أَصْحَابَ الزَّرْعِ يَحْفَظُونَهُ بِالنَّهَارِ، وَالْمَوَاشِي تَسْرَحُ بِالنَّهَارِ وَتُرَدُّ بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَرَاحِ.
 أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرْخَسِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي شِهَابٍ، عَنْ حَرَامِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ دَخَلَتْ حَائِطًا فَأَفْسَدَتْهُ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْحَوَائِطِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ وَأَنَّ مَا أَفْسَدَتِ الْمَوَاشِي بِاللَّيْلِ ضَمَانُهُ عَلَى أَهْلِهَا، وَذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إِلَى أَنَّ الْمَالِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا أَتْلَفَتْ مَاشِيَتُهُ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا (٣).

 (١) أخرج هاتين الروايتين الطبري: ١٧ / ٥١ - ٥٤، وانظر: تفسير ابن كثير: ٣ / ١٨٧.
 (٢) زيادة من "ب".
 (٣) أخرجه أبو داود في البيوع، باب: المواشي تفسد زرع قوم: ٥ / ٢٠٢، وعزاه المنذري للنسائي في الكبرى، وابن ماجه في الأحكام، باب: الحكم فيما أفسدت المواشي برقم (٢٣٣٣) ٢ / ٧٨١، ورواه الإمام مالك في الموطأ مرسلا: ٢ / ٧٤٧ - ٧٤٨، وأحمد: ٤ / ٢٩٥، وعبد الرزاق ١٠ / ٨٢، والبيهقي ٨ / ٣٤١ - ٣٤٢. قال: ابن عبد البر في التمهيد: ١١ / ٨١ - ٨٢، هكذا رواه جميع رواة الموطأ - فيما علمت - مرسلا، وكذلك رواه أصحاب ابن شهاب عن ابن شهاب مرسلا إلا أن ابن عيينة رواه عن الزهري عن سعيد بن المسيب وحرام بن سعد بن محيصة... ثم قال: هذا الحديث وإن كان مرسلا فهو حديث مشهور أرسله الأئمة وحدث به الثقات واستعمله فقهاء الحجاز وتلقوه بالقبول، وجرى في المدينة به العمل، وقد زعم الشافعي أنه تتبع مراسيل سعيد بن المسيب فألفاها صحاحا وأكثر الفقهاء يحتجون بها. وقال ابن التركماني في الجوهر النقي: ٨ / ٣٤٢ اضطرب إسناد هذا الحديث اضطرابا شديدا، واختلف فيه على الزهري على سبعة أوجه ذكرها ابن القطان.

### الآية 21:76

> ﻿وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ [21:76]

قوله تعالى : ونوحاً إذ نادى  دعا،  من قبل  يعني : من قبل إبراهيم ولوط،  فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم  قال ابن عباس : من الغرق وتكذيب قومه. وقيل : لأنه كان أطول الأنبياء عمراً وأشدهم بلاء، والكرب : أشد الغم.

### الآية 21:77

> ﻿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ [21:77]

قوله تعالى : ونصرناه  منعناه  من القوم الذين كذبوا بآياتنا  أن يصلوا إليه بسوء. وقال أبو عبيدة : يعني على القوم،  إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين .

### الآية 21:78

> ﻿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ [21:78]

قوله تعالى : وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث  اختلفوا في الحرث، قال ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم وأكثر المفسرين : كان الحرث كرماً قد تدلت عناقيده. وقال قتادة : كان زرعاً  إذ نفشت فيه غنم القوم  يعني رعته ليلاً فأفسدته، والنفش : الرعي بالليل والهمل بالنهار وهما الرعي بلا راع  وكنا لحكمهم شاهدين  يعني : كان ذلك بعلمنا ومرأى منا لا يخفى علينا علمه. قال الفراء : جمع اثنين، فقال لحكمهم وهو يريد داود وسليمان لأن الاثنين جمع وهو مثل قوله : فإن كان له إخوة فلأمه السدس  وهو يريد أخوين. قال ابن عباس وقتادة والزهري : وذلك أن رجلين دخلا على داود أحدهما صاحب زرع، والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الزرع : إن هذا انفلتت غنمه ليلاً ووقعت في حرثي فأفسدته فلم يبق منه شيء، فأعطاه داود رقاب الغنم بالحرث، فخرجا فمرا على سليمان فقال : كيف قضى بينكما ؟ فأخبراه فقال سليمان : لو وليت أمرهما لقضيت بغير هذا. وروى أنه قال غير هذا أرفق بالفريقين، فأخبر بذلك داود فدعاه فقال كيف تقضي ؟ ويروى أنه قال بحق النبوة والأبوة إلا أخبرتني بالذي هو أرفق بالفريقين، قال : ادفع الغنم إلى صاحب الحرث ينتفع بدرها ونسلها وصوفها ومنافعها ويبذر صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرثه، فإذا صار الحرث كهيئة يوم أكل دفع إلى أهله، وأخذ صاحب الغنم غنمه، فقال داود القضاء ما قضيت وحكم بذلك. وقيل : إن سليمان يوم حكم بذلك كان ابن إحدى عشرة سنة، وأما حكم الإسلام في هذه المسألة أن ما أفسدت الماشية المرسلة بالنهار من مال الغير فلا ضمان على ربها، وما أفسدت بالليل ضمنه بها لأن في عرف الناس أن أصحاب الزرع يحفظونه بالنهار، والمواشي تسرح بالنهار وترد بالليل إلى المراح. أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن ابن شهاب، عن حرام بن سعد بن محيصة : أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائطاً فأفسدته فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم " أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضمان على أهلها " وذهب أصحاب الرأي إلى أن المالك إذا لم يكن معها فلا ضمان عليه فيما أتلفت ماشيته ليلاً كان أو نهاراً.

### الآية 21:79

> ﻿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ۚ وَكُنَّا فَاعِلِينَ [21:79]

قوله تعالى : ففهمناها سليمان  أي علمناه القضية وألهمناه سليمان،  وكلاً  يعني داود وسليمان،  آتينا حكماً وعلماً  قال الحسن : لولا هذه الآية لرأيت الحكام قد هلكوا ولكن الله حمد هذا بصوابه وأثنى على هذا باجتهاده. واختلف العلماء في أن حكم داود كان بالاجتهاد أو بالنص وكذلك حكم سليمان. فقال بعضهم : فعلاً بالاجتهاد. وقالوا يجوز الاجتهاد للأنبياء ليدركوا ثواب المجتهدين إلا أن داود أخطأ وأصاب سليمان. وقالوا : يجوز الخطأ على الأنبياء إلا أنهم لا يقرون عليه، فأما العلماء فلهم الاجتهاد في الحوادث إذا لم يجدوا فيها نص كتاب ولا سنة، فإذا أخطؤوا فلا إثم عليهم، فإنه موضوع عنهم. 
أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع بن سليمان، أنا الشافعي، أنا عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن بسر بن أبي سعيد، عن قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر ". وقال قوم : إن داود وسليمان حكما بالوحي، وكان حكم سليمان ناسخاً لحكم داود، وهذا القائل يقول : لا يجوز للأنبياء الحكم بالاجتهاد لأنهم مستغنون عن الاجتهاد بالوحي، وقالوا : لا يجوز الخطأ على الأنبياء، واحتج من ذهب إلى أن كل مجتهد مصيب بظاهر الآية وبالخبر حيث وعد الثواب للمجتهد على الخطأ، وهو قول أصحاب الرأي، وذهب جماعة إلى أنه ليس كل مجتهد مصيباً بل إذا اختلف اجتهاد مجتهدين في حادثة كان الحق مع واحد لا بعينه، ولو كان كل واحد مصيباً لم يكن للتقسيم معنى، وقوله عليه الصلاة والسلام :" إذا اجتهد فأخطأ فله أجر "، لم يرد به أنه يؤجر على الخطأ بل يؤجر على اجتهاده في طلب الحق لأن اجتهاده عبادة، والإثم في الخطأ عنه موضوع إذا لم يأل جهده. 
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري، أنا أبو الزناد، عن عبد الرحمن الأعرج أنه سمع أبا هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" كانت امرأتان معهما ابناهما فجاء الذئب فذهب بابن إحداهما فقالت صاحبتها : إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى : إنما ذهب بابنك فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان وأخبرتاه فقال : ائتوني بالسكين أشقه بينهما، فقالت الصغرى : لا تفعل يرحمك الله فهو ابنها فقضى به للصغرى " 
قوله تعالى : وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير  أي وسخرنا الجبال والطير يسبحن مع داود إذا سبح، قال ابن عباس : كان يفهم تسبيح الحجر والشجر. قال وهب : كانت الجبال تجاوبه بالتسبيح وكذلك الطير. وقال قتادة :( يسبحن ) أي يصلين معه إذا صلى. وقيل : كان داود إذا فتر يسمعه الله تسبيح الجبال والطير لينشط في التسبيح ويشتاق إليه.  وكنا فاعلين  ما ذكر من التفهيم وإيتاء الحكم والتسخير.

### الآية 21:80

> ﻿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ ۖ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ [21:80]

قوله تعالى : وعلمناه صنعة لبوس لكم  والمراد باللبوس هنا الدروع لأنها تلبس، وهو في اللغة اسم لكل ما يلبس ويستعمل في الأسلحة كلها، وهو بمعنى الملبوس كالجلوس والركوب، قال قتادة : أول من صنع الدروع وسردها وحلقها داود وكانت من قبل صفائح، والدرع يجمع الخفة والحصانة،  لتحصنكم  لتحرزكم وتمنعكم،  من بأسكم  أي : من حرب عدوكم، قال السدي : من وقع السلاح فيكم، قرأ أبو جعفر وابن عامر وحفص عن عاصم و يعقوب : لتحصنكم  بالتاء، يعني : الصنعة، وقرأ أبو بكر عن عاصم بالنون لقوله : وعلمناه  وقرأ الآخرون بالياء، جعلوا الفعل للبوس، وقيل : ليحصنكم الله  فهل أنتم شاكرون  يقول لداود وأهل بيته. وقيل : يقول لأهل مكة فهل أنتم شاكرون نعمي بطاعة الرسول.

### الآية 21:81

> ﻿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ [21:81]

قوله تعالى : ولسليمان الريح عاصفةً  أي وسخرنا لسليمان الريح، وهي هواء متحرك، وهو جسم لطيف يمتنع بلطفه من القبض عليه، ويظهر للحس بحركته والريح يذكر ويؤنث، عاصفة شديدة الهبوب، فإن قيل : قد قال في موضع آخر تجري بأمره رخاءً والرخاء : اللين. قيل : كانت الريح تحت أمره إن أراد أن تشتد اشتدت، وإن أراد أن تلين لانت،  تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها  يعني الشام، وذلك أنها كانت تجري لسليمان وأصحابه حيث شاء سليمان، ثم تعود إلى منزله بالشام،  وكنا بكل شيء  علمناه  عالمين  بصحة التدبير فيه أي : علمنا أن ما يعطى سليمان من تسخير الريح وغيره يدعوه إلى الخضوع لربه عز وجل. قال وهب بن منبه : كان سليمان عليه السلام إذا خرج إلى مجلسه عكفت عليه الطير وقام له الجن والإنس حتى يجلس على سريره، وكان امرأ غزاء قلما يقعد عن الغزو، ولا يسمع في ناحية من الأرض بملك إلا أتاه حتى يذله، كان فيما يزعمون إذا أراد الغزو أمر بمعسكره فضرب بخشب من الأرض ثم نصب له على الخشب ثم حمل عليه الناس والدواب وآلة الحرب، فإذا حمل معه ما يريد أمر العاصفة من الريح فدخلت تحت ذلك الخشب فاحتملته حتى إذا استقلت به أمر الرخاء فمر به شهراً في روحة وشهراً في غدوة إلى حيث أراد، وكانت تمر بعسكره الريح الرخاء وبالمزرعة فما تحركها، ولا تثير تراباً ولا تؤذي طائراً. قال وهب : ذكر لي أن منزلاً بناحية دجلة مكتوب فيه كتبه بعض صحابة سليمان إما من الجن وإما من الإنس نحن نزلناه وما بنيناه مبنياً وجدناه، غدونا من اصطخر فقلناه ونحن رائحون منه إن شاء الله فبائتون بالشام. قال مقاتل : نسجت الشياطين لسليمان بساطاً فرسخاً في فرسخ ذهباً في إبريسم، وكان يوضع له منبر من الذهب في وسط البساط فيقعد عليه، وحوله ثلاثة آلاف كرسي من ذهب وفضة، ويقعد الأنبياء على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضة، حولهم الناس، وحول الناس الجن والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها لا تقع عليه الشمس، وترفع ريح الصبا البساط مسيرة شهر من الصباح إلى الرواح ومن الرواح إلى الصباح. وعن سعيد بن جبير قال : كان يوضع لسليمان ستمائة ألف كرسي فيجلس الإنس فيما يليه ثم يليهم الجن ثم تظلهم الطير ثم تحملهم الريح. وقال الحسن : لما شغلت الخيل نبي الله سليمان عليه السلام حتى فاتته صلاة العصر غضب لله عز وجل فعقر الخيل فأبدله الله مكانها خيراً منها، وأسرع الريح تجري بأمره كيف يشاء، فكان يغدو من إيلياء فيقيل باصطخر، ثم يروح منها فيكون رواحه ببابل. وقال ابن زيد : كان له مركب من خشب وكان فيه ألف ركن في كل ركن ألف بيت يركب معه فيه الجن والإنس، تحت كل ركن ألف شيطان يرفعون ذلك المركب، فإذا ارتفع أتت الريح الرخاء فسارت به وبهم، يقيل عند قوم بينه وبينهم شهر ويمسي عند قوم بينه وبينهم شهر، لا يدري القوم إلا وقد أظلهم معه الجيوش. وروى أن سليمان سار من أرض العراق غازياً فقال بمدينة مرو، وصلى العصر بمدينة بلخ، تحمله وجنوده الريح، وتظلهم الطير، ثم سار من مدينة بلخ متخللاً بلاد الترك، ثم جاءهم إلى أرض الصين يغدو على مسيرة شهر ويروح على مثل ذلك، ثم عن مطلع الشمس على ساحل البحر حتى أتى على أرض القندهار، وخرج منها إلى أرض مكران وكرمان، ثم جاوزها حوالى أرض فارس فنزلها أياماً وغدا منها إلى الشام، فقال بكسكر ثم راح وكان مستقره بمدينة تدمر، وكان أمر الشياطين، قبل شخوصه من الشام إلى العراق، فبنوها له بالصفاح والعمد والرخام الأبيض والأصفر، وفي ذلك يقول النابغة :

إلا سليمان إذ قال المليك له  قم في البرية فاحددها عن الفندوجيش الجن أني قد أذنت لهم  يبنون تدمر بالصفاح والعمد

### الآية 21:82

> ﻿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ [21:82]

قوله تعالى : ومن الشياطين  يعني : وسخرنا له من الشياطين،  من يغوصون له  يعني : يدخلون تحت الماء فيخرجون له من قعر البحر الجواهر،  ويعملون عملاً دون ذلك  يعني : دون الغوص، وهو ما ذكر الله عز وجل : يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل  الآية.  وكنا لهم حافظين  حتى لا يخرجوا من أمره. وقال الزجاج : معناه حفظناهم من أن يفسدوا ما عملوا. وفي القصة أن سليمان كان إذا بعث شيطاناً مع إنسان ليعمل له عملاً، قال له : إذا فرغ من عمله قبل الليل أشغله بعمل آخر لئلا يفسد ما عمل، وكان من عادة الشياطين أنهم إذا فرغوا من العمل ولم يشتغلوا بعمل آخر خربوا ما عملوا وأفسدوه.

### الآية 21:83

> ﻿۞ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [21:83]

قوله تعالى : وأيوب إذ نادى ربه  يعني دعا ربه، قال وهب بن منبه : كان أيوب رجلاً من الروم وهو أيوب بن أموص بن تارخ بن روم بن عيص بن إسحق بن إبراهيم، وكانت أمه من أولاد لوط بن هاران، وكان الله قد اصطفاه ونبأه وبسط عليه الدنيا، وكانت له البثنية من أرض الشام، كلها سهلها وجبلها، وكان له فيها من أصناف المال كله، من البقر والإبل والغنم والخيل والحمر ما لا يكون لرجل أفضل منه في العدة والكثرة، وكان له خمسمائة فدان، يتبعها خمسمائة عبد، لكل عبد امرأة وولد ومال، ويحمل آلة كل فدان أتان وكل أتان ولد من الولد اثنان وثلاثة وأربعة وخمسة، وفوق ذلك، وكان الله أعطاه أهلاً وولداً من رجال ونساء، وكان براً تقياً رحيماً بالمساكين، يطعم المساكين ويكفل الأرامل والأيتام، ويكرم الضيف ويبلغ ابن السبيل، وكان شاكراً لأنعم الله مؤدياً لحق الله، قد امتنع من عدو الله إبليس أن يصيب منه ما يصيب من أهل الغنى من الغرة والغفلة والتشاغل عن أمر الله بما هو فيه من الدنيا، وكان معه ثلاثة نفر قد آمنوا به وصدقوه رجل من أهل اليمن يقال له : النغر، ورجلان من أهل بلدة يقال لأحدهما : يلدد والآخر صافر وكانوا كهولاً، وكان إبليس لا يحجب عن شيء من السموات، وكان يقف فيهن حيث ما أراد حتى رفع الله عيسى فحجب عن أربع سموات، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم حجب من الثلاث الباقية، فسمع إبليس تجاوب الملائكة بالصلاة على أيوب، وذلك حين ذكره الله وأثنى عليه، فأدركه البغي والحسد، فصعد سريعاً حتى وقف من السماء موقفاً كان يقفه، فقال إلهي نظرت في أمر عبدك أيوب فوجدته عبداً أنعمت عليه فشكرك وعافيته فحمدك، ولو ابتليته بنزع ما أعطيته لحال عما هو عليه من شكرك وعبادتك، ولخرج من طاعتك، قال الله عز وجل : انطلق فقد سلطتك على ماله فانقض عدو الله إبليس حتى وقع إلى الأرض، ثم جمع عفاريت الجن ومردة الشياطين، وقال لهم : ماذا عندكم من القوة ؟ فإني قد سلطت على مال أيوب، وهي المصيبة الفادحة والفتنة التي لا يصبر عليها الرجال، فقال عفريت من الشياطين أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصاراً من نار وأحرقت كل شيء آتي عليه، قال له إبليس : فأت الإبل ورعاتها، فأتى الإبل حين وضعت رؤوسها وثبتت في مراعيها، فلم يشعر الناس حتى ثار من تحت الأرض إعصار من نار لا يدنو منها أحد إلا احترق فأحرقتها ورعايتها حتى أتى على آخرها، ثم جاء عدو الله إبليس في صورة قبيحة على قعود إلى أيوب فوجده قائماً يصلي، فقال : يا أيوب أقبلت نار حتى غشيت إبلك فأحرقتها ومن فيها غيري، فقال أيوب : الحمد لله الذي أعطاها وهو أخذها، وقديماً ما وطنت نفسي ومالي على الفناء، فقال إبليس : فإن ربك أرسل عليها ناراً من السماء فاحترقت فتركت الناس مبهوتين يتعجبون منها، منهم من يقول : ما كان أيوب يعبد شيئاً وما كان إلا في غرور، ومنهم من يقول : لو كان إله أيوب يقدر على أن يصنع شيئاً لمنع وليه، ومنهم من يقول : بل هو الذي فعل ذلك ليشمت به عدوه ويفجع صديقه. فقال أيوب : الحمد لله حين أعطاني وحين نزع مني، عرياناً خرجت من بطن أمي، وعرياناً أعود في التراب، وعرياناً أحشر إلى الله، ليس لك أن تفرح حين أعارك وتجزع حين قبض عاريته منك، الله أولى بك وبما أعطاك، ولو علم الله فيك أيها العبد خيراً لنقل روحك مع تلك الأرواح وصرت شهيداً، ولكنه علم منك شراً فأخرك، فرجع إبليس إلى أصحابه خائباً خاسراً ذليلاً فقال لهم : ماذا عندكم من القوة ؟ فإني لم أكلم قلبه، قال عفريت : عندي من القوة ما إذا شئت صحت صيحة لا يسمعها ذو روح إلا خرجت مهجة نفسه، قال إبليس فأت الغنم ورعاتها، فانطلق حتى توسطها ثم صاح صيحة فتجثمت أمواتاً عن آخرها ومات رعاؤها، ثم جاء إبليس متمثلاً بقهرمان الرعاة إلى أيوب وهو يصلي، فقال له مثل القول الأول، فرد عليه مثل الرد الأول ثم رجع إبليس إلى أصحابه فقال : ماذا عندكم من القوة فإني لم أكلم قلب أيوب، فقال عفريت عندي من القوة ما إذا شئت تحولت ريحاً عاصفاً تنسف كل شيء تأتي عليه، قال فأت الفدادين والحرث فانطلق ولم يشعروا حتى هبت ريح عاصف، فنسفت كل شيء من ذلك حتى كأنه لم يكن، ثم جاء إبليس متمثلاً بقهرمان الحرث إلى أيوب وهو قائم يصلي، فقال له مثل القول الأول، فرد عليه أيوب مثل رده الأول كلما انتهى إليه هلاك مال من أمواله حمد الله وأحسن الثناء عليه، ورضي منه بالقضاء، ووطن نفسه بالصبر على البلاء، حتى لم يبق له مال. فلما رأى إبليس أنه قد أفني ماله صعد إلى السماء فقال : إلهي إن أيوب يرى أنك ما متعته بولده فأنت تعطيه المال فهل مسلطي على ولده، فإنها المصيبة التي لا تقوم لها قلوب الرجال، قال الله تعالى : انطلق فقد سلطتك على ولده، فانقض عدو الله حتى جاء بني أيوب وهم في قصرهم فلم يزل يزلزل بهم حتى تداعى من قواعده، ثم جعل يناطح جدره بعضها ببعض ويرميهم بالخشب والجندل، حتى إذا مثل بهم كل مثلة رفع القصر فقلبه فصاروا منكسين، وانطلق إلى أيوب متمثلاً بالمعلم الذي كان يعلمهم الحكمة وقال : لو رأيت بنيك كيف عذبوا وقلبوا فكانوا منكسين على رؤوسهم تسيل دماؤهم ودماغهم، ولو رأيت كيف شقت بطونهم وتناثرت أمعاؤهم لقطع قلبك، فلم يزل يقول هذا ونحوه حتى رق أيوب فبكي وقبض قبضة من التراب فوضعها على رأسه، وقال : يا ليت أمي لم تلدني، فاغتنم إبليس ذلك فصعد سريعاً بالذي كان من جزع أيوب مسروراً به، ثم لم يلبث أيوب أن فاء وأبصر واستغفر، فصعد قرناؤه من الملائكة بتوبته فسبقت توبته إلى الله وهو أعلم، فوقف إبليس ذليلاً فقال : يا إلهي إنما هون على أيوب المال والولد أنه يرى منك أنك ما متعته بنفسه فأنت تعيد له المال والولد فهل أنت مسلطي على جسده ؟ فقال الله عز وجل : انطلق فقد سلطتك على جسده، ولكن ليس لك سلطان على لسانه ولا على قلبه، وكان الله عز وجل أعلم به لم يسلطه عليه إلا رحمة له ليعظم له الثواب ويجعله عبرة للصابرين، وذكرى للعابدين في كل بلاء نزل بهم، ليتأسوا به في الصبر ورجاءً للثواب، فانقض عدو الله سريعاً فوجد أيوب ساجداً فعجل قبل أن يرفع رأسه فأتاه من قبل وجهه، فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جميع جسده، فخرج من قرنه إلى قدمه تآليل مثل آليات الغنم، ووقعت فيه حكة فحكها بأظفاره حتى سقطت كلها ثم حكها بالمسوح الخشنة حتى قطعها، ثم حكها بالفخار والحجارة الخشنة، فلم يزل يحكها حتى نغل لحمه، وتقطع وتغير وأنتن، وأخرجه أهل القرية فجعلوه على كناسة، وجعلوا له عريشاً، فرفضه خلق الله كلهم غير امرأته رحمة، وهي بنت أفراثيم بن يوسف بن يعقوب كانت تختلف إليه بما يصلحه ويلزمه، فلما رأى الثلاثة من أصحابه وهم : يقن ويلدد وصافر ما ابتلاه الله به اتهموه ورفضوه من غير أن يتركوا دينه، فلما طال به البلاء انطلقوا إليه فبكتوه ولاموه وقالوا له : تب إلى الله من الذنب الذي عوقبت به، وكان ممن حضره معهم فتى حديث السن قد آمن به وصدقه، فقال لهم : إنكم تكلمتم أيها الكهول، وكنتم أحق بالكلام مني لأسنانكم، ولكن قد تركتم من القول أحسن من الذي قلتم، ومن الرأي أصوب من الذي رأيتم، ومن الأمر أجمل من الذي أتيتم، وقد كان لأيوب عليكم من الحق والذمام أفضل من الذي وصفتم، فهل تدرون أيها الكهول حق من انتقصتم وحرمة من انتهكتم، ومن الرجل الذي عبتم واتهمتم ؟ ألم تعلموا أن أيوب نبي الله وخيرته من خلقه وصفوته من أهل الأرض إلى يومكم هذا ؟ ثم لم تعلموا ولم يطلعكم الله من أمره على أنه قد سخط عليه شيئاً من أمره منذ آتاه الله ما آتاه إلى يومكم هذا، ولا على أنه نزع منه شيئاً من الكرامة التي أكرمه بها، ولا أن أيوب قال على الله غير الحق في طول ما صحبتموه إلى يومكم هذا، فإن كان البلاء هو الذي أزرى به عندكم ووضعه في أنفسكم فقد علمتم أن الله يبتلي المؤمنين والصديقين والشهداء والصالحين، وليس بلاؤه لأولئك بدليل على سخطه عليهم ولا لهوانه لهم، ولكنه كرامة وخيرة لهم، ولو كان أيوب ليس من الله بهذه المنزلة إلا أنه أخ أحببتموه على وجه الصحبة لكان لا يجمل بالحليم أن يعذل أخاه عند البلاء، ولا أن يعيره بالمصيبة، ولا أن يعيبه بما لا يعلم وهو مكروب حزين، ولكنه يرحمه ويبكي معه، ويستغفر له، ويحزن لحزنه، ويدله على مراشد أمره، وليس بحليم ولا رشيد من جهل هذا، فالله الله أيها الكهول وقد كان في عظمة الله عز جلاله وذكر الموت ما يقطع ألسنتكم، ويكسر قلوبكم، ألم تعلموا أن لله عباداً أسكتتهم خشيته من غير عي ولا بكم، وأنهم لهم الفصحاء البلغاء النبلاء الألباء العالمون بالله، ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله انقطعت ألسنتهم، واقشعرت جلودهم، وانكسرت قلوبه، وطاشت عقولهم إعظاماً وإجلالاً لله عز وجل، فإذا استفاقوا من ذلك استبقوا إلى الله عز وجل بالأعمال الزاكية يعدون أنفسهم مع الظالمين والخاطئين، وإنهم لأبرار نزهاء برءاء، ومع المقصرين والمفرطين، وأنهم لأكياس أقوياء، فقال أيوب : إن الله عز وجل يزرع الحكمة بالرحمة في قلب الصغير والكبير، فمتى نبتت في القلب يظهرها الله على اللسان، وليست تكون الحكمة من قبل السن والشيبة ولا طول التجربة، وإذا جعل الله العبد حكيماً في الصبا لم تسقط منزلته عند الحكماء وهم يرون من الله سبحانه عليه نور الكرامة، ثم أعرض عنهم أيوب وأقبل على ربه مستغيثاً به متضرعاً إليه، فقال رب لأي شيء خلقتني ليتني إذ كرهتني لم تخلقني. يا ليتني قد عرفت الذنب الذي أذنبت، والعمل الذي عملت، فصرفت به وجهك الكريم عني لو كنت أمتني فألحقتني بآبائي الكرام، فالموت كان أجمل بي ألم أكن للغريب داراً، وللمسكين قراراً، ولليتيم ولياً، وللأرملة قيماً، إلهي أنا عبدك إن أحسنت فالمن لك، وإن أسأت فبيدك عقوبتي وجعلتني للبلاء غرضاً، وللفتنة نصباً، وقد وقع علي بلاء لو سلطته على جبل ضعف عن حمله، فكيف يحمله ضعفي وإن قضاءك هو الذي أذلني، وإن سلطانك هو الذي أسقمني وأنحل جسمي، ولو أن ربي نزع الهيبة التي في صدري وأطلق لساني حتى أتكلم بملء فمي بما كان ينبغي للعبد أن يحاج عن نفسه لرجوت أن يعافيني عند ذلك مما بي، ولكنه ألقاني وتعالى عني فهو يراني ولا أراه ويسمعني ولا أسمعه، فلا نظر إلي فيرحمني، ولا دنا مني ولا أدناني فأدلي بعذري وأتكلم ببراءتي وأخاصم عن نفسي، فلما قال ذلك أيوب وأصحابه عنده أظله غمام حتى ظن أصحابه أنه عذاب أليم، ثم نودي يا أيوب إن الله عز وجل يقول : ها أنا قد دنوت منك ولم أزل منك قريباً قم فأدل بعذرك، وتكلم ببراءتك، وخاصم عن نفسك، واشدد إزارك، وقم مقام جبار يخاصم جباراً إن استطعت، فإنه لا ينبغي أن يخاصمني إلا جبار مثلي، ولا شبه لي لقد منتك نفسك يا أيوب أمراً ما تبلغه بمثل قوتك، أين أنت مني يوم خلقت الأرض فوضعتها على أساسها، هل كنت معي تمد بأطرافها ؟ هل علمت بأي مقدار قدرتها أم على أي شيء وضعت أكنافها ؟ أبطاعتك حمل الماء الأرض، أم بحكمتك كانت الأرض للماء غطاءً ؟ أين كنت مني

### الآية 21:84

> ﻿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ [21:84]

قوله تعالى : فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر 
وذلك أنه قال له : اركض برجلك فركض برجله فنبعت عين ماء بارد فأمره أن يغتسل منها ففعل فذهب كل داء كان بظاهره، ثم مشى أربعين خطوة فأمره أن يضرب برجله الأرض مرة أخرى ففعل فنبعت عين ماء بارد، فأمره فشرب منها فذهب كل داء كان بباطنه كأصح ما يكون من الرجال وأجملهم.  وآتيناه أهله ومثلهم معهم  واختلفوا في ذلك، فقال ابن مسعود و قتادة، وابن عباس، و الحسن، وأكثر المفسرين : رد الله عز وجل إليه أهله وأولاده بأعيانهم أحياهم الله له وأعطاهم مثلهم معهم، وهو ظاهر القرآن. قال الحسن : آتاه الله المثل من نسل ماله الذي رد الله إليه وأهله يدل عليه ما روي عن الضحاك عن ابن عباس أن الله عز وجل رد إلى المرأة شبابها فولدت له ستة وعشرين ذكراً. قال وهب كان له سبع بنات وثلاثة بنين. وقال ابن يسار : كان له سبع بنين وسبع بنات. وروي عن أنس يرفعه : أنه كان له أندران أندر للقمح وأندر للشعير، فبعث الله عز وجل سحابتين فأفرغت إحداهما على أندر القمح الذهب وأفرغت الأخرى على أندر الشعير الورق حتى فاض. وروي أن الله تعالى بعث إليه ملكاً وقال له : إن ربك يقرئك السلام بصبرك فأخرج على أندرك، فخرج إليه فأرسل الله عليه جراداً من ذهب فطارت واحدة فاتبعها وردها إلى أندره، فقال له الملك : أما يكفيك ما في أندرك ؟ فقال هذه بركة من بركات ربي ولا أشبع من بركته. 
أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي، أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي، أنا محمد بن الحسين القطان، أنا أحمد بن يوسف السلمي، أنا عبد الرزاق، أنا معمر عن همام بن منبه، قال : أنا أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" بينا أيوب يغتسل عرياناً خر عليه جراد من ذهب فجعل أيوب يحثي في ثوبه، فناداه ربه يا أيوب : ألم أكن أغنيتك عما ترى ؟ قال : بلى، وعزتك، ولكن لا غنى لي عن بركتك ". وقال قوم : آتى الله أيوب في الدنيا مثل أهله الذين هلكوا فأما الذين هلكوا فإنهم لم يردوا عليه في الدنيا. قال عكرمة : قيل لأيوب : إن أهلك لك في الآخرة فإن شئت عجلناهم لك في الدنيا وإن شئت كانوا لك في الآخرة، وآتيناك مثلهم في الدنيا فقال : يكونون لي في الآخرة، وأوتى مثلهم في الدنيا، فعلى هذا يكون معنى الآية : وآتيناه أهله في الآخرة ومثلهم معهم في الدنيا وأراد بالأهل الأولاد  رحمة من عندنا  أي نعمة من عندنا،  وذكرى للعابدين  أي : عظة وعبرة لهم.

### الآية 21:85

> ﻿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ ۖ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ [21:85]

قوله : وإسماعيل  يعني : ابن إبراهيم  وإدريس  وهو أخنوخ  وذا الكفل كل من الصابرين  على أمر الله، واختلفوا في ذا الكفل. قال عطاء : إن نبياً من أنبياء بني إسرائيل أوحى الله إليه أني أريد قبض روحك، فاعرض ملكك على بني إسرائيل فمن تكفل لك أنه يصلي بالليل لا يفتر، ويصوم بالنهار ولا يفطر، ويقضي بين الناس ولا يغضب، فادفع ملكك إليه ففعل ذلك، فقام شاب فقال : أنا أتكفل لك بهذا فتكفل، ووفى به فشكر الله له ونبأه فسمي ذا الكفل. قال مجاهد : لما كبر اليسع قال : لو أني أستخلفت رجلاً على الناس يعمل عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يعمل، قال : فجمع الناس فقال : من يتقبل مني بثلاث أستخلفه : يصوم النهار ويقوم الليل، ويقضي بين الناس ولا يغضب، فقام رجل تزدريه العين، فقال : أنا فرده ذلك اليوم، وقال مثلها اليوم الآخر فسكت الناس، وقام ذلك الرجل فقال : أنا، فاستخلفه فأتاه إبليس في صورة شيخ ضعيف حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام بالليل والنهار إلا تلك النومة فدق الباب، فقال : من هذا ؟ قال : شيخ كبير مظلوم، فقام ففتح الباب فقال : إن بيني وبين قومي خصومة، وإنهم ظلموني، وفعلوا وفعلوا وجعل يطول حتى حضر الرواح، وذهبت القائلة، فقال له : إذا رحت فائتني حتى آخذ حقك، فانطلق وراح، فكان في مجلسه ينظر هل يرى الشيخ فلم يره، فقام يبتغيه فلما كان من الغد جلس يقضي بين الناس وينتظره فلا يراه، فلما رجع إلى القائلة فأخذ مضجعه أتاه فدق الباب، فقال : من هذا ؟ فقال : الشيخ المظلوم ففتح فقال : ألم أقل لك إذا قعدت فائتني ؟ فقال : إنهم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد قالوا نحن نعطيك حقك وإذا قمت جحدوني، قال : فانطلق فإذا رحت فائتني، ففاتته القائلة وراح فجعل ينظر فلا يراه فشق عليه النعاس، فقال لبعض أهله : لا تدعن أحداً يقرب هذا الباب حتى أنام فإنه قد شق علي النوم، فلما كان تلك الساعة جاء فلم يأذن له الرجل، فلما أعياه نظر فرأى كوة في البيت فتسور منها، فإذا هو في البيت يدق الباب من داخل، فاستيقظ فقال : يا فلان ألم آمرك ؟ فقال : أما من قبلي فلم تؤت فانظر من أين أتيت، فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما هو أغلقه، وإذا الرجل معه في البيت، فقال : أتنام والخصوم ببابك ؟ فعرفه فقال : أعدو الله ؟ قال : نعم أعييتني ففعلت ما ترى لأغضبك فعصمك الله مني، فسمي ذا الكفل لأنه تكفل أمرا فوفى به. وقيل : إن إبليس جاءه وقال : إن لي غريماً يمطلني فأحب أن تقوم معي وتستوفي حقي منه، فانطلق معه حتى إذا كان في السوق خلاه وذهب. وروي أنه اعتذر إليه. وقال : إن صاحبي هرب. وقيل : إن ذا الكفل رجل كفل أن يصلي كل ليلة مائة ركعة إلى أن يقبضه الله فوفى به. واختلفوا في أنه هل كان نبياً، فقال بعضهم : كان نبياً. وقيل : هو إلياس. وقيل : زكريا. وقال أبو موسى : لم يكن نبياً ولكن عبداً صالحاً.

### الآية 21:86

> ﻿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا ۖ إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ [21:86]

قوله تعالى : وأدخلناهم في رحمتنا يعني ما أنعم الله عليهم في الدنيا من النبوة وصيرهم إليه في الجنة من الثواب.  إنهم من الصالحين\*

### الآية 21:87

> ﻿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [21:87]

قوله تعالى : وذا النون  أي : اذكر صاحب الحوت وهو يونس بن متى  إذ ذهب مغاضباً  اختلفوا في معناه. فقال الضحاك : مغاضباً لقومه، وهو رواية العوفي وغيره عن ابن عباس، قال : كان يونس وقومه يسكنون فلسطين فغزاهم ملك فسبى منهم تسعة أسباط ونصفاً وبقي سبطاً ونصف، فأوحى الله إلى شعياء النبي أن سر إلى حزقيل الملك، وقل له حتى يوجه نبياً قوياً فإني ألقي معه في قلوب أولئك حتى يرسلوا معه بني إسرائيل، فقال له الملك : فمن ترى، وكان في مملكته خمسة من الأنبياء، فقال يونس : إنه قوي أمين فدعا الملك بيونس فأمره أن يخرج، فقال له يونس : هل أمرك الله بإخراجي. قال : لا، قال : فهل سماني لك ؟ قال : لا، قال : فها هنا غيري أنبياء أقوياء، فألحوا عليه فخرج من بينهم مغاضباً للنبي وللملك، ولقومه فأتى بحر الروم فركبه. وقال عروة بن الزبير و سعيد بن جبير وجماعة : ذهب عن قومه مغاضباً لربه إذ كشف عن قومه العذاب بعدما أوعدهم، وكره أن يكون بين قوم قد جربوا عليه الخلف، فيما أوعدهم، واستحيا منهم، ولم يعلم السبب الذي به رفع العذاب، وكان غضبه أنفة من ظهور خلف وعده، وأنه يسمى كذاباً لا كراهية لحكم الله تعالى. وفي بعض الأخبار أنه كان من عادة قومه أن يقتلوا من جربوا عليه الكذب فخشي أن يقتلوه لما لم يأتهم العذاب للميعاد، فغضب، والمغاضبة ها هنا من المفاعلة التي تكون من واحد، كالمسافرة والمعاقبة، فمعنى قوله مغاضباً أي غضبان. وقال الحسن : إنما غاضب ربه عز وجل من أجل أنه أمره بالمسير إلى قومه لينذرهم بأسه ويدعوهم إليه، فسأل ربه أن ينظره ليتأهب للشخوص إليهم، فقيل له إن الأمر أسرع من ذلك حتى سأل أن ينظر إلا أن يأخذ نعلاً يلبسها فلم ينظر، وكان في خلقه ضيق فذهب مغاضباً. وعن ابن عباس قال : أتى جبريل يونس فقال : انطلق إلى أهل نينوى فأنذرهم، فقال : ألتمس دابة قال : الأمر أعجل من ذلك، فغضب فانطلق إلى السفينة. وقال وهب بن منبه : إن يونس ابن متى كان عبداً صالحاً وكان في خلقه ضيق، فلما حمل عليه أثقال النبوة تفسخ تحتها تفسخ الربع تحت الحمل الثقيل فقذفها بين يده، وخرج هارباً منها، فلذلك أخرجه الله من أولي العزم من الرسل وقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تكن كصاحب الحوت  قوله  فظن أن لن نقدر عليه  أي لن نقضي بالعقوبة، قاله مجاهد وقتادة والضحاك و الكلبي، وهو رواية العوفي عن ابن عباس يقال : قدر الله الشيء تقديراً وقدر يقدر قدراً بمعنى واحد، ومنه قوله : نحن قدرنا بينكم الموت في قراءة من خففها دليل هذا التأويل قراءة عمر بن عبد العزيز والزهري، فظن أن لن نقدر عليه بالتشديد، وقال عطاء وكثير من العلماء معناه : فظن أن لن نضيق عليه الحبس، كقوله تعالى : الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر  أي يضيق. وقال ابن زيد : هو استفهام معناه : فظن أنه يعجز ربه، فلا يقدر عليه. وقرأ يعقوب يقدر بضم الياء على المجهول خفيف. وعن الحسن قال : بلغني أن يونس لما أصاب الذنب انطلق مغاضباً لربه واستزله للشيطان حتى ظن أن لن نقدر عليه، وكان له سلف وعبادة فأبي الله أن يدعه للشيطان، فقذفه في بطن الحوت فمكث فيه أربعين من بين يوم وليلة. وقال عطاء : سبعة أيام وقيل : ثلاثة أيام. وقيل : إن الحوت ذهب به مسيرة ستة آلاف سنة. وقيل : بلغ به تخوم الأرض السابعة فتاب إلى ربه تعالى في بطن الحوت، وراجع نفسه فقال : لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، حين عصيتك وما صنعت من شيء فلن أعبد غيرك فأخرجه الله من بطن الحوت برحمته، والتأويلات المتقدمة أولى بحال الأنبياء أنه ذهب مغاضباً لقومه أو للملك،  فنادى في الظلمات  أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين } يعني : ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت. 
وروي عن أبي هريرة مرفوعاً : أوحى الله إلى الحوت أن خذه ولا تخدش له لحماً ولا تكسر له عظماً، فأخذه ثم هوى به إلى مسكنه في البحر، فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حساً فقال في نفسه ما هذا ؟ فأوحى الله إليه : إن هذا تسبيح دواب البحر، قال : فسبح وهو في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه، فقالوا : يا ربنا نسمع صوتاً ضعيفاً بأرض غريبة، وفي رواية صوتاً معروفاً من مكان مجهول، فقال : ذاك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت، فقالوا : العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح ؟ قال : نعم فشفعوا له، عند ذلك فأمر الحوت فقذفه إلي الساحل كما قال الله تعالى : فنبذناه بالعراء وهو سقيم

### الآية 21:88

> ﻿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [21:88]

قوله عز وجل : فاستجبنا له  أي : أجبناه  ونجيناه من الغم  من تلك الظلمات  وكذلك ننجي المؤمنين  من كل كرب إذا دعونا واستغاثوا بنا، قرأ ابن عامر وعاصم برواية أبي بكر : نجي بنون واحدة وتشديد الجيم وتسكين الياء لأنها مكتوبة في المصحف بنون واحدة، واختلف النحاة في هذه القراءة، فذهب أكثرهم إلى أنها لحن لأنه لو كان على ما لم يسم فاعله لم تسكن الياء ورفع المؤمنون، ومنهم من صوبها، وذكر الفراء أن لها وجهاً آخر وهو إضمار المصدر، أي نجا النجاة المؤمنين كقولك : ضرب الضرب زيداً، ثم تقول ضرب زيداً بالنصب على إضمار المصدر، وسكن الياء في نجي كما يسكنون في بقي ونحوها، قال القتيبي : من قرأ بنون واحدة والتشديد فإنما أراد ننجي من التنجية إلا أنه أدغم وحذف نوناً طلباً للخفة ولم يرضه النحويون لبعد مخرج النون من الجيم، والإدغام يكون عند قرب المخرج، وقرأ العامة ( ننجي ) بنونين من الإنجاء، وإنما كتبت بنون واحدة لأن النون الثانية كانت ساكنة والساكن غير ظاهر على اللسان فحذفت كما فعلوا في إلا حذفوا النون من إن لخفائها، واختلفوا في أن رسالة يونس متى كانت. فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنها كانت بعد أن أخرجه الله من بطن الحوت، بدليل أن الله عز وجل ذكره في سورة الصافات،  فنبذناه بالعراء  ثم ذكر بعده : وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون  وقال الآخرون : إنها كانت من قبل بدليل قوله تعالى : وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون .

### الآية 21:89

> ﻿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ [21:89]

قوله عز وجل : وزكريا إذ نادى ربه  دعا ربه،  رب لا تذرني فردا  وحيداً لا ولد لي وارزقني وارثاً،  وأنت خير الوارثين  ثناء على الله بأنه الباقي بعد فناء الخلق وأنه أفضل من بقي حياً.

### الآية 21:90

> ﻿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [21:90]

قوله تعالى : فاستجبنا له ووهبنا له يحيى  ولداً  وأصلحنا له زوجه  أي جعلناها ولوداً بعدما كانت عقيماً، قال أكثر المفسرين، وقال بعضهم : كانت سيئة الخلق فأصلحها له بأن رزقها حسن الخلق.  إنهم  يعني الأنبياء الذين سماهم في هذه السورة  كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً  طمعاً،  ورهباً  خوفاً، رغباً في رحمة الله، ورهباً من عذاب الله،  وكانوا لنا خاشعين  أي متواضعين، قال قتادة : ذللاً لأمر الله. قال مجاهد : الخشوع هو الخوف اللازم في القلب.

### الآية 21:91

> ﻿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ [21:91]

قوله تعالى : والتي أحصنت فرجها  حفظت من الحرام وأراد مريم بنت عمران،  فنفخنا فيها من روحنا  أي أمرنا جبرائيل حتى نفخ في جيب درعها، وأحدثنا بذلك النفخ المسيح في بطنها، وأضاف الروح إليه تشريفاً لعيسى عليه السلام،  وجعلناها وابنها آية للعالمين  أي دلالة على كمال قدرتنا على خلق ولد من غير أب، ولم يقل آيتين وهما آيتان لأن معنى الكلام وجعلنا شأنهما وأمرهما آية ولأن الآية كانت فيهما واحدة، وهي أنها أتت به من غير فحل.

### الآية 21:92

> ﻿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [21:92]

قوله : إن هذه أمتكم  أي ملتكم ودينكم،  أمة واحدة  أي ديناً واحداً. وهو : الإسلام، فأبطل ما سوى الإسلام من الأديان، وأصل الأمة الجماعة التي هي على مقصد واحد فجعلت الشريعة أمة واحدة لاجتماع أهلها على مقصد واحد، ونصب أمة على القطع.  وأنا ربكم فاعبون

### الآية 21:93

> ﻿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ۖ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ [21:93]

قوله تعالى : وتقطعوا أمرهم بينهم  أي اختلفوا في الدين فصاروا فرقاً وأحزاباً، قال الكلبي : فرقوا دينهم بينهم يلعن بعضهم بعضاً ويتبرأ بعضهم بعضاً، والتقطع هاهنا بمعنى التقطيع  كل إلينا راجعون  فنجزيهم بأعمالهم.

### الآية 21:94

> ﻿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ [21:94]

قوله تعالى : فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه  لا يجحد ولا يبطل سعيه بل يشكر ويثاب عليه  وإنا له كاتبون  لعمله حافظون، وقيل : معنى الشكر من الله المجازاة ومعنى الكفران ترك المجازاة.

### الآية 21:95

> ﻿وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ [21:95]

قوله تعالى : وحرام على قرية  قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر، وحرم بكسر الحاء بلا ألف، وقرأ الباقون : بالألف حرام وهما : لغتان مثل حل وحلال. قال ابن عباس : معنى الآية وحرام على قرية أي أهل قرية  أهلكناها  أن يرجعوا بعد الهلاك، فعلى هذا تكون لا صلة وقال آخرون : الحرام بمعنى الواجب، فعلى هذا تكون لا ثابتة معناه واجب على أهل قرية أهلكناهم  أنهم لا يرجعون  إلى الدنيا. وقال الزجاج : معناه وحرام على أهل قرية أهلكناهم أي حكمنا بهلاكهم أن يتقبل أعمالهم لأنهم لا يرجعون أي لا يتوبون، والدليل على هذا المعنى أنه قال في الآية التي قبلها  فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه  أي يتقبل عمله، ثم ذكر هذه الآية عقبه وبين أن الكافر لا يتقبل عمله.

### الآية 21:96

> ﻿حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [21:96]

قوله تعالى : حتى إذا فتحت  قرأ ابن عامر و أبو جعفر و يعقوب : فتحت  بالتشديد على التكثير، وقرأ الآخرون بالتخفيف،  يأجوج ومأجوج  يريد فتح السد عن يأجوج ومأجوج  وهم من كل حدب  أي نشز وتل، والحدب المكان المرتفع  ينسلون  يسرعون النزول من الآكام والتلال كنسلان الذئب، وهو سرعة مشيه، واختلفوا في هذه الكناية، فقال قوم : عنى بهم يأجوج ومأجوج بدليل ما روينا عن النواس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :" ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون ". وقال قوم : أراد جميع الخلق يعني أنهم يخرجون من قبورهم، ويدل عليه قراءة مجاهد وهم من كل جدث بالجيم والثاء كما قال : فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون . 
أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني، أنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، أنا محمد بن عيسى الجلودي، أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أنا مسلم ابن حجاج، أنا أبو خيثمة زهير بن حرب، أنا سفيان بن عيينة، عن فرات القزاز، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد الغفاري، قال :" اطلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر الساعة، فقال : ما تذكرون ؟ قالوا : نذكر الساعة، قال : إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات، فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ابن مريم ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف : خسف بالمغرب وخسف بالمشرق وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم ".

### الآية 21:97

> ﻿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَٰذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ [21:97]

قوله تعالى : واقترب الوعد الحق  يعني : القيامة، قال الفراء وجماعة : الواو في قوله ( واقترب ) مقحمة فمعناه : حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الحق، كما قال الله تعالى : فلما أسلما وتله للجبين \* وناديناه  أي : ناديناه، والدليل عليه ما روي عن حذيفة قال : لو أن رجلاً اقتنى فلواً بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى تقوم الساعة. وقال قوم : لا يجوز طرح الواو، وجعلوا جواب حتى إذا فتحت في قوله يا ويلنا، فيكون مجاز الآية. حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج واقترب الوعد الحق، قالوا : يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا. قوله : فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا  وفي قوله هي ثلاثة أوجه : أحدها أنها كناية عن الإبصار. ثم أظهر الأبصار بياناً، معناه فإذا الأبصار شاخصة أبصار الذين كفروا. والثاني : أن هي تكون عماداً كقوله : فإنها لا تعمى الأبصار  والثالث : أن يكون تمام الكلام عند قوله هي على معنى فإذا هي بارزة يعني من قربها كأنها حاضرة، ثم ابتدأ شاخصة أبصار الذين كفروا على تقديم الخبر على الابتداء، مجازها أبصار الذين كفروا شاخصة. قال الكلبي : شخصت أبصار الكفار فلا تكاد تطرف من شدة ذلك اليوم وهوله، يقولون  يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا  اليوم،  بل كنا ظالمين  بوضعنا العبادة في غير موضعها.

### الآية 21:98

> ﻿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [21:98]

قوله تعالى : إنكم  أيها المشركون  وما تعبدون من دون الله  يعني الأصنام،  حصب جهنم  يعني : وقودها. وقال مجاهد و قتادة : حطبها، والحصب في لغة أهل اليمن الحطب. وقال عكرمة : هذا الحطب بلغة الحبشة. قال الضحاك : يعني يرمون بهم في النار كما يرمي بالحصب. وأصل الحصب : الرمي قال الله عز وجل : أرسلنا عليهم حاصباً  أي : ريحاً ترميهم بحجارة، وقرأ علي ابن أبي طالب : حطب جهنم،  أنتم لها واردون  أي فيها داخلون.

### الآية 21:99

> ﻿لَوْ كَانَ هَٰؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا ۖ وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ [21:99]

قوله تعالى : لو كان هؤلاء  يعني الأصنام  آلهة  على الحقيقة  ما وردوها  أي : ما دخل عابدوها النار  وكل فيها خالدون  يعني : العابد والمعبودين.

### الآية 21:100

> ﻿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ [21:100]

قوله تعالى : لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون  قال ابن مسعود : في هذه الآية :" إذا بقى في النار من يخلد فيها في توابيت من نار، ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت أخر، ثم تلك التوابيت في توابيت أخر عليها مسامير من نار، فلا يسمعون شيئاً ولا يرى أحد منهم أن في النار أحداً يعذب غيره ".

### الآية 21:101

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [21:101]

ثم استثنى فقال : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى  قال بعض أهل العلم ( إن ) هاهنا بمعنى : إلا الذين سبقت لهم منا الحسنى، يعني السعادة والعدة الجميلة بالجنة،  أولئك عنها مبعدون  قيل : الآية عامة في كل من سبقت لهم من الله السعادة. وقال أكثر المفسرين : عنى بذلك كل من عبد من دون الله وهو لله طائع ولعبادة من يعبده كاره، وذلك " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد وصناديد قريش في الحطيم وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً فعرض له النضر بن الحارث، فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه ثم تلا عليه : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها  الآيات الثلاثة، ثم قام فأقبل عبد الله الزبعري السهمي فأخبره الوليد بن المغيرة بما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عبد الله : أما والله لو وجدته لخصمته، فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ابن الزبعري : أأنت قلت : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ؟ قال : نعم، قال : أليست اليهود تعبد عزيراً والنصارى تعبد المسيح، وبنو مليح يعبدون الملائكة ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : بل هم يعبدون الشياطين فأنزل الله عز وجل : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ، يعني : عزيراً والمسيح والملائكة،  أولئك عنها مبعدون  وأنزل في ابن الزبعري :( ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون ) وزعم جماعة أن المراد من الآية الأصنام، لأن الله تعالى قال :( وما تعبدون من دون الله ) ولو أراد به الملائكة والناس لقال ومن تعبدون من دون الله.

### الآية 21:102

> ﻿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا ۖ وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ [21:102]

قوله تعالى : لا يسمعون حسيسها  يعني : صوتها وحركة تلهبها إذا نزلوا منازلهم في الجنة، والحس والحسيس : الصوت الخفي : وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون  مقيمون، كما قال وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.

### الآية 21:103

> ﻿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [21:103]

قوله تعالى : لا يحزنهم الفزع الأكبر  قال ابن عباس : الفزع الأكبر : النفخة الأخيرة بدليل قوله عز وجل : ونفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض  قال الحسن : حتى يؤمر بالعبد إلى النار. وقال ابن جريج : حين يذبح الموت وينادى يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. وقال سعيد بن جبير والضحاك : هو أن تطبق عليهم جهنم وذلك بعد أن يخرج الله منها من يريد أن يخرجه.  وتتلقاهم الملائكة  أي تستقبلهم الملائكة على أبواب الجنة يهنئونهم ويقولون : هذا يومكم الذي كنتم توعدون

### الآية 21:104

> ﻿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [21:104]

قوله تعالى : يوم نطوي السماء  قرأ أبو جعفر : تطوى السماء بالتاء، وضمها وفتح الواو والسماء رفع على المجهول، وقرأ العامة بالنون وفتحها وكسر الواو، والسماء نصب،  كطي السجل للكتب  قرأ حمزة و الكسائي وحفص عن عاصم : للكتب على الجمع، وقرأ الآخرون : للكتاب على الواحد، واختلفوا في السجل، فقال السدي : السجل ملك يكتب أعمال العباد، واللام زائدة، أي كطي السجل الكتب كقوله ( ردف لكم ) اللام فيه زائدة، وقال ابن عباس ومجاهد والأكثرون : السجل الصحيفة للكتب أي لأجل ما كتب معناه : كطي الصحيفة على مكتوبها، والسجل اسم مشتق من المساجلة وهي المكاتبة، والطي هو الدرج الذي هو ضد النشر،  كما بدأنا أول خلق نعيده  أي كما بدأناهم في بطون أمهاتهم حفاة عراة غرلاً كذلك نعيدهم يوم القيامة، نظيره قوله تعالى : ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة  وروي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إنكم محشورون حفاة عراة غرلا  ثم قرأ : كما بدأنا أول خلق نعيده .  وعدا علينا إنا كنا فاعلين  يعني الإعادة والبعث.

### الآية 21:105

> ﻿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [21:105]

قوله تعالى : ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر  قال سعيد بن جبير ومجاهد : الزبور جميع الكتب المنزلة، والذكر أم الكتاب الذي عنده، والمعنى من بعد ما كتب ذكره في اللوح المحفوظ. وقال ابن عباس والضحاك : الزبور التوراة والذكر للكتب المنزلة من بعد التوراة. وقال الشعبي : الزبور كتاب داود، والذكر التوراة. وقيل : الزبور زبور داود والذكر : القرآن، وبعد بمعنى قبل، كقوله تعالى : وكان وراءهم ملك أي : أمامهم،  والأرض بعد ذلك دحاها  قبله،  إن الأرض  يعني أرض الجنة،  يرثها عبادي الصالحون  قال مجاهد : يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم دليله قوله تعالى : وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض  وقال ابن عباس : أراد أن أراضي الكفار يفتحها المسلمون وهذا حكم من الله بإظهار الدين وإعزاز المسلمين. وقيل : أراد بالأرض الأرض المقدسة.

### الآية 21:106

> ﻿إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ [21:106]

قوله تعالى : إن في هذا  أي في هذا القرآن  لبلاغاً  وصولاً إلى البغية، أي من اتبع القرآن وعمل به وصل إلى ما يرجوه من الثواب. وقيل : بلاغاً أي كفاية. يقال في هذا الشيء بلاغ وبلغة أي كفاية، والقرآن زاد الجنة كبلاغ المسافر،  لقوم عابدين  أي المؤمنين الذين يعبدون الله، وقال ابن عباس : عالمين. وقال كعب الأحبار : هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم أهل الصلوات الخمس وشهر رمضان.

### الآية 21:107

> ﻿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [21:107]

قوله تعالى : وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين  قال ابن زيد : يعني رحمة للمؤمنين خاصة فهو رحمة لهم. وقال ابن عباس : هو عام في حق من آمن ومن لم يؤمن فمن آمن فهو رحمة له في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن فهو رحمة له في الدنيا بتأخير العذاب عنهم ورفع المسخ والخسف والاستئصال عنهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :" إنما أنا رحمة مهداة ".

### الآية 21:108

> ﻿قُلْ إِنَّمَا يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [21:108]

قوله تعالى : قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون  أي أسلموا.

### الآية 21:109

> ﻿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۖ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ [21:109]

قوله تعالى : فإن تولوا فقل آذنتكم  أي أعلمتكم بالحرب وأن لا صلح بيننا،  على سواء  يعني : إنذارا بينا نستوي في علمه لا أستبد أنا به دونكم لتتأهبوا لما يراد بكم، يعني : آذنتكم على وجه نستوي نحن وأنتم في العلم به، وقيل : لتستووا في الإيمان به  وإن أدري  يعني : وما أعلم.  أقريب أم بعيد ما توعدون  يعني : القيامة.  إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون

### الآية 21:110

> ﻿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ [21:110]

إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (١١١) قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢) 
 إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ. وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ أَيْ لَعَلَّ تَأْخِيرَ الْعَذَابِ عَنْكُمْ كِنَايَةٌ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، فِتْنَةٌ اخْتِبَارٌ، لَكُمْ لِيَرَى كَيْفَ صَنِيعُكُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ، وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ أَيْ تَتَمَتَّعُونَ إِلَى انْقِضَاءِ آجَالِكُمْ. قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ قَرَأَ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ: قَالَ رَبِّ احْكُمْ وَالْآخَرُونَ: " قُلْ رَبِّ احْكُمْ " افْصِلْ بَيْنِي وَبَيْنَ مَنْ كَذَّبَنِي بِالْحَقِّ، فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ قَالَ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَاللَّهُ لَا يَحْكُمُ إِلَّا بِالْحَقِّ؟ قِيلَ: الْحَقُّ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْعَذَابِ كَأَنَّهُ اسْتَعْجَلَ الْعَذَابَ لِقَوْمِهِ فَعُذِّبُوا يَوْمَ بَدْرٍ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ (الْأَعْرَافِ: ٨٩)، وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: مَعْنَاهُ رَبِّ احْكُمْ بِحُكْمِكَ الْحَقِّ فَحُذِفَ الْحُكْمُ وَأُقِيمَ الْحَقُّ مَقَامَهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَحْكُمْ بِالْحَقِّ طَلَبَ أَوْ لَمْ يَطْلُبْ، وَمَعْنَى الطَّلَبِ ظُهُورُ الرَّغْبَةِ مِنَ الطَّالِبِ فِي حُكْمِهِ الْحَقِّ، وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ مِنَ الْكَذِبِ وَالْبَاطِلِ.

### الآية 21:111

> ﻿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ [21:111]

قوله تعالى : وإن أدري لعله  يعني : لعل تأخير العذاب عنكم كناية عن غير مذكور  فتنة  اختبار  لكم  ليرى كيف صنيعكم وهو أعلم  ومتاع إلى حين  يعني : تتمتعون إلى انقضاء آجالكم.

### الآية 21:112

> ﻿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ ۗ وَرَبُّنَا الرَّحْمَٰنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ [21:112]

قوله تعالى : قال رب احكم بالحق  قرأ حفص عن عاصم قال :( رب احكم ) وقرأ والآخرون : قل رب احكم  يعني : افصل بيني وبين من كذبني بالحق، فإن قيل : كيف قال احكم بالحق والله لا يحكم إلا بالحق ؟ قيل : الحق ها هنا بمعنى العذاب لأنه استعجل العذاب لقومه فعذبوا يوم بدر، نظيره قوله تعالى : ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق  قال أهل المعاني معناه : رب احكم بحكمك الحق فحذف الحكم وأقيم الحق مقامه، والله تعالى يحكم بالحق طلب منه أو لم يطلب، ومعنى الطلب : ظهور الرغبة من الطالب في حكمه الحق  و ربنا الرحمن المستعان على ما تصفون  من الكذب والباطل.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/21.md)
- [كل تفاسير سورة الأنبياء
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/21.md)
- [ترجمات سورة الأنبياء
](https://quranpedia.net/translations/21.md)
- [صفحة الكتاب: معالم التنزيل](https://quranpedia.net/book/2.md)
- [المؤلف: البغوي](https://quranpedia.net/person/13668.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/21/book/2) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
