---
title: "تفسير سورة الأنبياء - محاسن التأويل - جمال الدين القاسمي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/21/book/349.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/21/book/349"
surah_id: "21"
book_id: "349"
book_name: "محاسن التأويل"
author: "جمال الدين القاسمي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الأنبياء - محاسن التأويل - جمال الدين القاسمي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/21/book/349)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الأنبياء - محاسن التأويل - جمال الدين القاسمي — https://quranpedia.net/surah/1/21/book/349*.

Tafsir of Surah الأنبياء from "محاسن التأويل" by جمال الدين القاسمي.

### الآية 21:1

> اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ [21:1]

بسم الله الرحمن الرحيم

 اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ . 
 اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ  أي دنا لأهل مكة ما وعدوا به في الكتاب من الحساب الأخروي وهو عذابهم  وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ  أي عما يراد بهم  مَّعْرِضُونَ  أي مكذبون به. وإنما كان مقتربا لأن كل آت وإن طالت أوقات استقباله وترقبه، قريب. وقد قال تعالى : إنهم يرونه بعيدا \* ونراه قريبا  وقال تعالى : ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده، وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون  ولا يخفى ما في عموم ( الناس ) من الترهيب البليغ. وإن حق الناس أن ينتبهوا لدنو الساعة، ليتلافوا تفريطهم بالتوبة والندم. كما أن في تسمية يوم القيامة، بيوم الحساب زيادة إيقاظ، لأن الحساب هو الكاشف عن حال المرء، ففي العنوان ما يرهب منه، ولو قيل بأن الحساب أعم من الدنيوي والأخروي لم يبعد، ويكون فيه إشارة إلى قرب محاسبة مشركي مكة بالانتصاف منهم والانتصار عليهم، كما أشير إليه في آية : فعسى الله أن يأتي بالفتح  ووعد به النبي وصحبه في آيات كثيرة. إلا أن شهرة الحساب فيما بعد البعث الأخروي، حمل المفسرين على قصر الآية عليه. والله أعلم.

### الآية 21:2

> ﻿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ [21:2]

**وقوله تعالى :**
 مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ . 
 مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ  تقريع لهم على مكافحة الحكمة بنقيضها. وتسجيل عليهم بالجهل الفاضح. فإن من حق ما يذكر أكمل تذكير، وينبه على الغفلة أتم تنبيه، أن تخشع له القلوب وتستخذى له الأنفس. 
قال الزمخشري : بعد أن وصفهم بالغفلة مع الإعراض، قرر إعراضهم عن تنبيه المنبه وإيقاظ الموقظ، بأن الله يجدد لهم الذكر وقتا فوقتا. ويحدث لهم الآية بعد الآية، والسورة بعد السورة، ليكرر على أسماعهم التنبيه والموعظة، لعلهم يتعظون. فيما يزيدهم استماع الآي والسور وما فيها من فنون المواعظ والبصائر، التي هي أحق الحق وأجد الجد، إلا لعبا وتلهيا واستسخارا. و ( الذكر ) هو الطائفة النازلة من القرآن. انتهى. 
**تنبيه :**
استدل بهذه الآية من ذهب إلى حدوث كلامه تعالى المسموع. وهم المعتزلة والكرامية والأشعرية. فأما المعتزلة فقالوا إنما كان القرآن حادثا لكونه مؤلفا من أصوات وحروف. فهو قائم بغيره وقالوا : معنى كونه متكلما، أنه موجد لتلك الحروف والأصوات في الجسم. كاللوح المحفوظ أو كجبريل أو النبي عليه الصلاة والسلام، أو غيرهم كشجرة موسى. 
وأما الكرامية، فلما رأوا ما التزمه المعتزلة مخالفا للعرف واللغة، ذهبوا إلى أن كلامه صفة مؤلفة من الحروف والأصوات الحادثة القائمة بذاته تعالى. فذهبوا إلى حدوث الدال والمدلول. وجوزوا كونه تعالى محلا للحوادث. 
والأشعرية قالوا : إن الكلام المتلو على الصفة القديمة النفسية، التي هي الكلام عندهم حقيقة. 
قالوا : فما نزل على الأنبياء من الحروف والأصوات، وسمعوها وبلغوها إلى أممهم، هو محدث موصوف بالتغير والتكثر والنزول. لا لمدلولها التي هي تلك الصفة القديمة. والمسألة شهير ما للعلماء فيها. والقصد أن الآية المذكورة رآها من ذكر، حجة فيما ذهب إليه. وقد عد الإمام ابن تيمية، عليه الرحمة والرضوان، هذا الاحتجاج من الأغلاط، وعبارته في كتابة ( مطابقة المنقول للمعقول ) :
احتج من يقول بأن القرآن أو عبارة القرآن مخلوقة، بهذه الآية، مع أن دلالة الآية على نقيض قولهم، أقوى منها على قولهم. فإنها تدل على أن بعض الذكر محدث، وبعضه ليس بمحدث، وهو ضد قولهم. 
والحدوث في لغة العرب العام ليس هو الحدوث في اصطلاح أهل الكلام فإن العرب يسمون ما تجدد حادثا، وما تقدم على غيره قديما. وإن كان بعد أن لم يكن. كقوله تعالى : كالعرجون القديم  وقوله تعالى عن إخوة يوسف : تالله إنك لفي ضلالك القديم  وقوله تعالى : وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم  وقوله تعالى عن إبراهيم : أفرأيتم ما كنتم تعبدون \* أنتم وآباؤكم الأقدمون  انتهى. 
وقال العارف ابن عربي في الباب التاسع والستين والثلاثمائة من ( فتوحاته ) في هذه الآية : المراد أنه محدث الإتيان، لا محدث العين. فحدث علمه عندهم حين سمعوه. وهذا كما تقول حدث اليوم عندنا ضيف، ومعلوم أنه كان موجودا قبل أن يأتي. وكذلك القرآن جاء في مواد حادثة تعلق السمع بها. فلم يتعلق الفهم بما دلت عليه الكلمات. فله الحدوث من وجه والقدم من وجه. 
فإن قلت : فإذن الكلام لله والترجمة للمتكلم. فالجواب نعم. وهو كذلك بدليل قوله تعالى مقسما : إنه  يعني القرآن : لقول رسول كريم  فأضاف الكلام إلى الواسطة والمترجم، كما أضافه تعالى إلى نفسه بقوله : فأجره حتى يسمع كلام الله  فإذا تلي علينا القرآن فقد سمعنا كلام الله تعالى. وموسى لما كلمه ربه سمع كلام الله. ولكن بين السماعين بعد المشرقين. فإن الذي يدركه من يسمع كلام الله بلا واسطة، لا يساويه من يسمعه بالوسائط. انتهى. 
وبالجملة فالمذهب المأثور عن أهل السنة والجماعة وأئمة الحديث والسلف، كما قاله ابن تيمية في ( منهاج السنة ) أن الله تعالى لم يزل متكلما إذا شاء بكلام يقوم به. وهو متكلم بصوت يسمع. وان نوع الكلام قديم، وإن لم يجعل نفس الصوت المعين قديما. 
وبعبارة أخرى : أنه تعالى لم يزل متصفا بالكلام. يقول بمشيئته وقدرته شيئا فشيئا. فكلامه حادث الآحاد، قديم النوع. 
ثم قال رحمه الله : فإن قيل لنا : فقد قلتم بقيام الحوادث بالرب. قلنا نعم. وهذا قولنا الذي دل عليه الشرع والعقل ومن لم يقل إن البارئ يتكلم ويريد ويحب ويبغض ويرضى ويأتي ويجيء – فقد ناقض كتاب الله. ومن قال : إنه لم يزل ينادي موسى في الأزل فقد خالف كلام الله مع مكابرة العقل. لأن الله تعالى يقول : فلما جاءها نودي  وقال : إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون  فأتى بالحروف الدالة على الاستقبال. 
ثم قال رحمه الله : قالوا – يعني أئمة أصحاب الحديث وغيرهم من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما – وبالجملة فكل ما يحتج به المعتزلة والشيعة مما يدل على أن كلامه متعلق بمشيئته وقدرته، وأنه يتكلم إذا شاء وأنه يتكلم شيئا بعد شيء، فنحن نقول به. وما يقول به من يقول : إن كلام الله قائم بذاته، وأنه صفة له، والصفة لا تقوم إلا بالموصوف، فنحن نقول به. وقد أخذنا بما في قول كل من الطائفتين من الصواب، وعدلنا عما يرده الشرع والعقل من قول كل منهما. فإذا قالوا لنا : فهذا يلزم منه أن تكون الحوادث قامت به، قلنا : ومن أنكر هذا قبلكم من السلف والأئمة ؟ ونصوص القرآن والسنة تتضمن ذلك مع صريح العقل. وهو قول لازم لجميع الطوائف : ومن أنكره فلم يعرف لوازمه وملزوماته. ولفظ ( الحوادث ) مجمل فقد يراد به الأعراض والنقائص، والله منزه عن ذلك. ولكن يقوم به ما شاءه ويقدر عليه من كلامه وأفعاله ونحو ذلك، مما دل عليه الكتاب والسنة. 
ثم قال : والقول بدوام كونه متكلما ودوام كونه فاعلا بمشيئته، منقول عن السلف وأئمة المسلمين من أهل البيت وغيرهم. كابن المبارك وأحمد بن حنبل والبخاري وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهم. 
ثم قال فنحن قلنا بما يوافق العقل والنقل من كمال قدرته ومشيئته : وإنه قادر على الفعل بنفسه كيف شاء. وقلنا إنه لم يزل موصوفا بصفات الكمال متكلما ذاتا. فلا نقول إن كلامه مخلوق منفصل عنه، فإن حقيقة هذا القول أنه لا يتكلم. ولا نقول إنه شيء واحد، أمر ونهي وخبر. فإن هذا مكابرة للعقل. ولا نقول إنه أصوات منقطعة متضادة أزلية، فإن الأصوات لا تبقى زمانين. وأيضا فلو قلنا بهذا القول والذي قبله، لزم أن يكون تكليم الله للملائكة ولموسى ولخلقه يوم القيامة، ليس إلا مجرد خلق الإدراك لهم، لما كان أزليا لم يزل ومعلوم أن النصوص دلت على ضد ذلك. ولا نقول إنه صار متكلما بعد أن لم يكن متكلما. فإنه وصف له بالكمال بعد النقص. وإنه صار محلا للحوادث التي كمل بها بعد نقصه. ثم حدوث ذلك الكمال لا بد له من سبب. والقول في الثاني كالقول في الأول. ففيه تجدد جلاله ودوام أفعاله. انتهى ملخصا.

### الآية 21:3

> ﻿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ۗ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ۖ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ [21:3]

ثم بين تعالى ما كانوا يتناجون به من ضلالهم، بقوله سبحانه :
 لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ . 
 لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ  أي أسروا هذا الحديث ليصدوا عن سبيل الله. و  الذين  بدل من واو  أسروا  أو مبتدأ خبره  أسروا  أو منصوب على الذم  فَتَأْتُونَ السِّحْرَ  أي تنقادون له وتتبعونه. وقوله : وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ  حال مؤكدة للإنكار والاستبعاد. قال الزمخشري رحمه الله : اعتقدوا أن رسول الله لا يكون إلا ملكا، وأن كل من ادعى الرسالة من البشر وجاء بالمعجزة فهو ساحر، ومعجزته سحر. فلذلك قالوا على سبيل الإنكار : أفتحضرون السحر وأنتم تشاهدون وتعاينون أنه سحر. 
قال أبو السعود : وزل عنهم أن إرسال البشر إلى عامة البشر، هو الذي تقتضيه الحكمة التشريعية.

### الآية 21:4

> ﻿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [21:4]

**وقوله تعالى :**
 قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . 
 قَالَ رَبِّي  حكاية لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم. وقرئ  قل  على الأمر صلوات الله عليه  يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ، وَهُوَ السَّمِيعُ  أي لما أسروه  الْعَلِيمُ  أي به فيجازيهم.

### الآية 21:5

> ﻿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ [21:5]

ثم بين تعالى خوضهم في فنون الاضطراب وعدم اقتصارهم على ما تقدم من دعوى السحر، بقوله :
 بَلْ قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ . 
 بَلْ قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ  أي أخلاط يراها في النوم  بَلِ افْتَرَاهُ  أي اختلقه  بَلْ هُوَ شَاعِرٌ  أي ما أتى به شعر يخيل للناس معاني لا حقيقة لها. وهكذا شأن المبطل المحجوج، لا يزال يتردد بين باطل وأبطل، ويتذبذب بين فاسد وأفسد  فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ  أي مثل الآية التي أرسل بها الأولون. أي حتى نؤمن له.

### الآية 21:6

> ﻿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا ۖ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ [21:6]

ثم أشار تعالى إلى كذبهم في دعوى الإيمان بمجيء الآية، كما يشير إليه طلبهم لها، بقوله سبحانه وتعالى :
 مَا آمَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ . 
 مَا آمَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا، أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ  أي لم تؤمن أمة من الأمم المهلكة عند إعطاء ما اقترحوه من الآيات. أفهؤلاء يؤمنون لو أجيبوا إلى ما سألوا، وأعطوا ما اقترحوا، مع كونهم أعتى منهم وأطغى. وفيه تنبيه على أن عدم الإتيان بالمقترح للإبقاء عليهم. إذ لو أتى به ولم يؤمنوا، استوجبوا عذاب الاستئصال، كمن قبلهم. وقدمنا أن رقي النوع البشري في العهد النبوي، اقتضى أن تكون الآية عقلية، لا كونية. فتذكر.

### الآية 21:7

> ﻿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ۖ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [21:7]

ثم أوضح جواب شبهتهم في منافاة البشرية للرسالة، بقوله تعالى :
 وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ . 
 وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ  أي لا ملائكة. وقرئ بالياء وفتح الحاء  فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ  أي العلماء بالتوراة والإنجيل  إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ  أي أن الرسل بشر. فيعلموكم إن المرسلين لم يكونوا ملائكة. وفي الآية دليل على جواز الاستظهار بأقوال أهل الكتاب ومروياتهم، لحج الخصم وإقناعه. 
**تنبيه :**
قال الرازي : فأما ما تعلق كثير من الفقهاء بهذه الآية، في أن للعامي أن يرجع إلى فتيا العلماء، وفي أن للمجتهد أن يأخذ بقول مجتهد آخر – فبعيد. لأن هذه الآية خطاب مشافهة. وهي واردة في هذه الواقعة المخصوصة. ومتعلقة باليهود والنصارى على التعيين. انتهى.

### الآية 21:8

> ﻿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ [21:8]

ثم بين تعالى كون الرسل كسائر الناس، في أحكام الطبيعة البشرية، بقوله سبحانه :
 وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ . 
 وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ  أي جسدا مستغنيا عن الطعام، بل محتاجا إلى ذلك لجبر ما فات بالتحليل كما قال تعالى : وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق  وفي هذا التعريف الرباني عن حال المرسل، أكبر رادع لأولئك المنزوين عن الناس المتصيدين به قلوب الرعاع والعامة والحمقى ومن لا يزن عند ربه جناح بعوضة. إذ يرون تناول الطعام في المحافل وتكثير سواد الناس في المجامع والخروج للأسواق لقضاء الحاجات، من أعظم الهوادم لصروح الاعتقاد فيهم. فتراهم يأنفون من شراء حوائجهم بأيديهم، وهو السنة. ومن المشي بالأسواق. وهو المأذون فيه. ومن إجابة الدعوة، وهي واجبة، لأوهام في أنفسهم شيدوها. ومحافظة على السمعة حموا جانبها. فتبا لهم من قوم مبتدعين، يعبدون قلوب الخلق ولا يعبدون الله. ويريدون حالة فوق ما عليه رسل الله. وما ذلك إلا لله. فما أجرأهم على منازعة الجبار ! وما أصبرهم على النار ! وقوله تعالى :
 وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ  أي في الدنيا، بل كانوا يعيشون ثم يموتون كما قال تعالى : وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد  وخاصتهم أنهم يوحى إليهم من الله عز وجل. تنزل عليهم الملائكة بما يحكمه في خلقه مما يأمر به وينهى عنه. وكونهم بشرات من تمام النعمة الإلهية. وذلك ليتمكن المرسل إليهم من الأخذ عنهم والانتفاع بهم. إذ الجنس أميل إلى الجنس.

### الآية 21:9

> ﻿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ [21:9]

ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ  أي في غلبتم على أعدائهم : كتب الله لأغلبن أنا ورسلي   فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَاء  أي من أتباعهم ومن قضت الحكمة بإبقائه  وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ  أي المجاوزين الحدود في الكفر.

### الآية 21:10

> ﻿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [21:10]

ثم نبه تعالى على شرف القرآن محرضا لهم على معرفة قدره، بقوله :
 لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ . 
 لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ  أي شرفكم وحديثكم الذي تذكرون به فوق شرف الأشراف  أَفَلَا تَعْقِلُونَ  أي هذه النعمة وتتلقونها بالقبول كما قال تعالى : وإنه لذكر لك ولقومك، وسوف تسئلون  وقيل : معنى  ذكركم  موعظتكم فالذكر بمعنى التذكير مضاف للمفعول. قال أبو السعود : وهو الأنسب بسباق النظم الكريم وسياقه. فإن قوله تعالى : أفلا تعقلون  إنكار توبيخي، فيه بعث لهم على التدبر في أمر الكتاب، والتأمل فيما في تضاعيفه من فنون المواعظ والزواجر، التي من جملتها القوارع السابقة واللاحقة.

### الآية 21:11

> ﻿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ [21:11]

ثم أشار تعالى إلى نوع تفصيل لإجمال هلاك المسرفين المتقدم له، بقوله تعالى :
 وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ .

### الآية 21:12

> ﻿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ [21:12]

فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا  أي عذابنا النازل بهم  إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ  أي يهربون مسرعين.

### الآية 21:13

> ﻿لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ [21:13]

ثم قيل لهم استهزاء بلسان الحال أو المقال  لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ  أي من التنعم والتلذذ و  في  ظرفية أو سببية  وَمَسَاكِنِكُمْ  أي التي كثر فيها إسرافكم  لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ  أي تقصدون للسؤال والتشاور والتدبير في المهمات والنوازل.

### الآية 21:14

> ﻿قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [21:14]

قَالُوا  أي لما أيقنوا بنزول العذاب  يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ

### الآية 21:15

> ﻿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ [21:15]

\* فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ  أي تلك الكلمة وهي  يا ويلنا  دعوتهم فلا تختص بوقت الدهشة، بل تدوم عليهم ما أمكنهم النطق  حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا  أي كنبات محصود  خَامِدِينَ  أي هالكين بإخماد نار أرواحهم

### الآية 21:16

> ﻿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ [21:16]

وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ  أي بل للإنعام عليهم. وما أنعمنا عليهم بذلك إلا ليقوموا بشكرها وينصرفوا إلى ما خلقوا له. قال الزمخشري عليه الرحمة : أي وما سوينا هذا السقف المرفوع وهذا المهاد الموضوع وما بينهما من أصناف الخلائق، مشحونة بضروب البدائع والعجائب، كما تسوي الجبابرة سقوفهم وفرشهم وسائر زخارفهم، للهو واللعب. وإنما سويناها للفوائد الدينية، والحكم الربانية، لتكون مطارح افتكار واعتبار واستدلال ونظر لعبادنا، مع ما يتعلق لهم بها من المنافع التي لا تعد والمرافق التي لا تحصى. وقال أبو السعود : في هذه الآية إشارة إجمالية إلى أن تكوين العالم وإبداع بني آدم، مؤسس على قواعد الحكم البالغة، المستتبعة للغايات الجليلة. وتنبيه على أن ما حكي من العذاب الهائل والعقاب النازل بأهل القرى، من مقتضيات تلك الحكم ومتفرعاتها. عن حسب اقتضاء أعمالهم إياه. وإن للمخاطبين المقتدين بآثارهم ذنوبا مثل ذنوبهم. أي ما خلقناهما وما بينهما على هذا النمط البديع والأسلوب المنيع، خالية عن الحكم الخالي عن الحكمة. بتصويره بصورة ما لا يرتاب أحد في استحالة صدوره عنه تعالى. بل إنما خلقناهما وما بينهما لتكون مبدأ لوجود الإنسان وسببا لمعاشه. ودليلا يقوده إلى تحصيل معرفتنا التي هي الغاية القصوى، بواسطة طاعتنا وعبادتنا. كما ينطق به قوله تعالى : وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا  وقوله تعالى : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون

### الآية 21:17

> ﻿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ [21:17]

**وقوله تعالى :**
 لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ . 
 لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا  استئناف مقرر لما قبله من انتفاء اللعب واللهو. أي لو أردنا أن نتخذ ما يتلهى به ويلعب لاتخذناه من عندنا. كديدن الجبابرة في رفع العروش وتحسينها، وتسوية الفروش وتزيينها. لكن يستحيل إرادتنا له لمنافاته الحكمة. فيستحيل اتخاذنا له قطعا. وقوله تعالى : إِن كُنَّا فَاعِلِينَ  جوابه محذوف دل عليه ما قبله. أي لاتخذناه. وقيل : إن ( إن ) نافية. أي ما كنا فاعلين. أي لاتخاذ اللهو، لعدم إرادتنا إياه. فيكون بيانا لانتفاء التالي، لانتفاء المقدم.

### الآية 21:18

> ﻿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [21:18]

بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ . 
 بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ  إضراب عن اتخاذ اللهو عن إرادته. وتنزيه منه لذاته العلية كأنه قال : سبحاننا أن نتخذ اللهو واللعب أو نريده، بل من شأننا أن ندحض الباطل بالحق  فَيَدْمَغُهُ  أي يمحقه بالكلية كما فعلنا بأهل القرى المحكية  فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ  أي هالك بالكلية. وقد استعير لإرسال الحق على الباطل ( القذف ) الذي هو الرمي الشديد بالجرم الصلب كالصخرة. ولمحقه للباطل ( الدمغ ) الذي هو كسر الشيء الرخو الأجوف. وهو الدماغ بحيث يشق غشاءه المؤدي إلى زهوق الروح، استعارة تصريحية تبعية. ويصح أن يكون تمثيلا لغلبة الحق على الباطل حتى يذهبه، برمي جرم صلب على رأس دماغها رخو ليشقه، وذكر : فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ  لترشيح المجاز. لأن من رمى فدمغ تزهق روحه. فهو من لوازمه. قال أبو السعود : وفي ( إذا ) الفجائية والجملة الاسمية من الدلالة على كمال المسارعة في الذهاب والبطلان، ما لا يخفى. فكأنه زاهق من الأصل وفي الآية إيماء إلى علو الحق وتسفل الباطل. وأن جانب الأول باق والثاني فان  وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ  أي مما تصفونه به من اتخاذ الولد ونحوه، مما تتنزه عظمته عنه.

### الآية 21:19

> ﻿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ [21:19]

ثم أخبر تعالى عن عبودية الملائكة له، ودأبهم في طاعته ليلا ونهارا، وبراءتهم من النبوة المفتراة عليهم، إثر إخباره عن ملكه للخلق كافة، بقوله : وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ  أي ملكا وتدبيرا  وَمَنْ عِندَهُ  وهم الملائكة  لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ  أي لا يعيون ولا يتعبون منها.

### الآية 21:20

> ﻿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [21:20]

يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ  أي من تنزيهه وعبادته،

### الآية 21:21

> ﻿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ [21:21]

ثم أشار إلى تقرير وحدانيته في ألوهيته ونفي الأنداد، إثر تقريره أمر الرسالة – فإن ما سلف من أول السورة كان في تحقيق شأن النبوة بقوله سبحانه : أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ  أي يبعثون الموتى ويخرجونهم من العدم إلى الوجود. 
أي بل اتخذوا آلهة من الأرض هم مع حقارتهم وجماديتهم ينشرون الموتى. كلا فإن ما اتخذوها آلهة بمعزل من ذلك. فكيف جعلوها لله ندا، وعبدوها معه ؟
قال الزمخشري رحمه الله : فإن قلت : كيف أنكر عليهم اتخاذ آلهة تنشر، وما كانوا يدعون ذلك لآلهتهم ؟ كيف، وهم أبعد شيء عن هذه الدعوى ؟ وذلك أنهم كانوا مع إقرارهم لله عز وجل بأنه خالق السماوات والأرض : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله  وبأنه القادر على المقدورات كلها وعلى النشأة الأولى، منكرين للبعث. ويقولون : من يحيي العظام وهي رميم ؟ وكان عندهم من قبيل المحال الخارج عن قدرة القادر كثاني القديم. فكيف يدعونه للجماد الذي لا يوصف بالقدرة رأسا ؟
قلت : الأمر كما ذكرت. ولكنهم بادعائهم لها الإلهية، يلزمهم أن يدعوا لها الإنشار. لأنه لا يستحق هذا الاسم إلا القادر على كل مقدور. والإنشار من جملة المقدورات. انتهى. 
قال في ( الإنتصاف ) : فيكون المنكر عليهم صريح الدعوى ولازمها. وهو أبلغ في الإنكار. 
ثم قال الزمخشري : وفيه باب من التهكم والتوبيخ والتجهيل وإشعار بأن ما استبعدوه من الله لا يصح استبعاده. لأن الإلهية لما صحت صح معها الاقتدار على الإبداء والإعادة. انتهى. 
**لطيفة :**
سر قوله تعالى : من الأرض  هو التحقير، أي تحقير الأصنام بأنها أرضية سفلية. وجوز إرادة التخصيص. أي الآلهة التي من جنس الأرض. لأنها إما أن تنحت من بعض الحجارة أو تعمل من بعض جواهر الأرض. وإنما خصص الإنكار بها، لأن ما هو أرضي مصنوع بأيديهم كيف يدعي ألوهيته ؟

### الآية 21:22

> ﻿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ [21:22]

ثم بين تعالى بطلان تعدد الآلهة بإقامة البرهان على انتفائه، بل على استحالته، بقوله سبحانه :
 لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ . 
 لَوْ كَانَ فِيهِمَا  أي يتصرف في السماوات والأرض  آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ  أي غيره  لَفَسَدَتَا  أي لبطلتا بما فيهما جميعا، واختل نظامهما المشاهد، كما قال تعالى في سورة ( المؤمنون ) : وما كان معه من إله، إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض  قال أبو السعود : وحيث انتفى التالي، علم انتفاء المقدم قطعا. بيان الملازمة ؛ أن الإلهية مستلزمة للقدرة على الاستبداد بالتصرف فيهما على الإطلاق تغييرا وتبديلا، وإيجادا وإعداما وإحياء وإماتة. فبقاؤهما على ما هما عليه إما بتأثير كل منها، وهو محال لاستحالة وقوع المعلول المعين بعلل متعددة. وإما بتأثير واحد منها، فالبواقي بمعزل من الإلهية قطعا. واعلم أن جعل التالي فسادهما بعد وجودهما، لما أنه اعتبر في المقدم تعداد الآلهة فيهما. وإلا فالبرهان يقضي باستحالة التعدد على الإطلاق. فإنه لو تعدد الإله، فإن توافق الكل في المراد، تطاردت عليه القدر، وإن تخالفت تعاوقت. فلا يوجد أصلا. وحيث انتفى التالي تعين انتفاء المقدم. انتهى. 
وتفصيله كما في ( المقاصد ) أنه لو وجد إلهان بصفات الألوهية، فإذا أراد أحدهما أمرا كحركة جسم مثلا، فإما أن يتمكن الآخر من إرادة ضده أو لا. وكلاهما محال. أما الأول فلأنه لو فرض تعلق إرادته بذلك الضد، فإما أن يقع مرادهما وهو محال، لاستلزامه اجتماع الضدين. أو لا يقع مراد واحد منهما، وهو محال لاستلزامه عجز الإلهين الموصوفين بكمال القدرة على ما هو المفروض، ولاستلزامه ارتفاع الضدين المفروضين امتناع خلو المحل عنهما، كحركة جسم وسكونه في زمان معين. أو يقع مراد أحدهما دون الآخر وهو محال. لاستلزامه الترجيح بلا مرجح، وعجز من فرض قادرا حيث لم يقع مراده. وهذا البرهان يسمى برهان التمانع. وإليه الإشارة بقوله تعالى : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا  فإن أريد بالفساد عدم التكون، فتقريره أنه لو تعدد الإله لم تتكون السماء والأرض. لأن تكونهما إما بمجموع القدرتين أو بكل منهما آو بأحدهما. والكل باطل. أما الأول فلأن من شأن الإله كمال القدرة. وأما الآخران فلما مر. وإن أريد بالفساد الخروج عما هما عليه من النظام، فتقريره أنه لو تعدد الإله لكان بينهما التنازع والتغالب. وتميز صنع كل عن صنع الآخر، بحكم اللزوم العادي. فلم يحصل بين أجزاء العالم هذا الالتئام، الذي باعتباره صار الكل بمنزلة شخص واحد. ويختل الانتظام الذي به بقاء الأنواع. وترتب الآثار. انتهى. 
هذا وقد قيل : إن المطلب هنا برهاني، والمشار إليه في الآية إقناعي. ولا يفيد العلم اليقيني فلا يصح الاستدلال بها على هذا المطلب، وممن فصل ذلك التفتازاني في ( شرح العقائد النسفية ) قادحا لما أشار إليه نفسه في ( شرح المقاصد ) من كون الآية برهانا، كما ذكرناه عنه. وملخص كلامه أن مجرد التعدد لا يستلزم الفساد بالفعل، لجواز الاتفاق على هذا النظام، أي بالاشتراك أو بتفويض أحدهما إلى الآخر فلا يستلزم التعدد التمانع بالفعل بل بالإمكان. والإمكان لا يستلزم الوقوع، فيجوز أن لا يقع بينهما ذلك التمانع بل يتفقان على إيجادهما. ورد عليه بأن إمكان التمانع يستلزم التمانع بالفعل في كل مصنوع بطريق إرادة الإيجاد بالاستقلال. وكلما لزم التمانع لم يوجد مصنوع أصلا. فإنه لو وجد على تقدير التمانع المذكور اللازم للتعدد فإما بمجموع القدرتين، فيلزم عجزهما. أو بكل منهما فيلزم التوارد. أو بأحدهما فيلزم الرجحان من غير مرجح، لاستواء نسبة كل ممكن إلى قدرة كل من الإلهين والكل محال ضرورة، وحاصل الاستدلال أنه لو تعدد الآلهة لم يتكون مصنوع. لأن التعدد مستلزم لإمكان التخالف المستلزم للتوارد أو العجز. فظهر أن الآية حجة قطعية لكون الملازمة فيها قطعية. وحقق بعضهم قطعية الملازمة بالعادة القاضية التي لم يوجد أخرمها قط في ملكين مقتدرين في مدينة واحدة، أن يطلب كل الانفراد بالملك والعلو على الآخر وقهره، فكيف بالإلهين والإله يوصف بأقصى غايات التكبر. فكيف لا يطلب كل الانفراد بالملك كما أخبر سبحانه بقوله : ولعلا بعضهم على بعض  ؟ وهذا إذا تؤمل لا تكاد النفس تخطر نقيضه بالبال، فضلا عن إخطار فرضه، مع الجزم بأن الواقع هو الآخر. فعلى هذا التقدير، فالملازمة علم قطعي. هذا ملخص ما جاء في رد مقالة السعد في ( الحواشي ). وقد شنع عليه في مقالته غير واحد. وبالغ معاصره عبد اللطيف الكرماني في الانتقاد. 
قال العلامة المرجاني : وقد سبقه في هذا أبو المعين النسفي في كتابه ( التبصرة ) وتابعه صاحب ( الكشف ) حيث شنع على أبي هاشم الجبائي تشنيعا بليغا. حتى نسبه إلى الكفر بقدحه في دلالة الآية قطعا على هذا المدعي. ولا يخفى أن الأفهام لا تقف عند حد. ولا تزال تتباين وتتخالف ما اختلفت الصور والألوان، ولا تكفير ولا تضليل، ما دام المرء على سواء السبيل. 
وقد أوضح بيان هذه الملازمة العلامة مفتي مصر في رسالة ( التوحيد ) إيضاحا ما عليه من مزيد، وعبارته : ومما يجب له تعالى صفة الوحدة ذاتا ووصفا ووجودا وفعلا. أما الوحدة الذاتية فقد أثبتناها فيما تقدم بنفي التركيب في ذاته خارجا وعقلا. وأما الوحدة في الصفة، أي أنه لا يساويه في صفاته الثابتة له موجود، فلما بينا من أن الصفة تابعة لمرتبة الوجود، وليس في الموجودات ما يساوي واجب الوجود في مرتبة الوجود. فلا يساويه فيما يتبع الوجود من الصفات. وأما الوحدة في الوجود وفي الفعل، ونعني بها التفرد بوجوب الوجود وما يتبعه من إيجاد الممكنات، فهي ثابتة. لأنه لو تعدد واجب الوجود لكان لكل من الواجبين تعين يخالف تعين الآخر بالضرورة. وإلا لم يتحصل معنى التعدد. وكلما اختلفت التعينات اختلفت الصفات الثابتة للذوات المتعينة، لأن الصفة إنما تتعين وتنال تحققها الخاص بها، بتعين ما يثبت له بالبداهة. فيختلف العلم والإرادة باختلاف الذوات الواجبة. إذ يكون لكل واحدة منها علم وإرادة يباينان علم الأخرى وإرادتها ويكون لكل واحدة علم وإرادة يلائمان ذاتها وتعينها الخاص بها. هذا التخالف ذاتي، لأن علم الواجب وإرادته لازمان لذاته من ذاته لا لأمر خارج. فلا سبيل إلى التغير والتبدل فيهما كما سبق. وقد قدمنا أن فعل الواجب إنما يصدر عنه على حسب علمه وحكم إرادته، فيكون فعل كل صادر على حكم يخالف الآخر مخالفة ذاتية. فلو تعدد الواجبون لتخالفت أفعالهم بتخالف علومهم وإراداتهم. وهو خلاف يستحيل معه الوفاق. وكل واحد بمقتضى وجوب وجوده وما يتبعه من الصفات، له السلطة على الإيجاد في عامة الممكنات. فكل له التصرف في كل منها على حسب علمه وإرادته. ولا مرجح لنفاذ إحدى القدرتين دون الأخرى. فتتضارب أفعالهم حسب التضارب في علومهم وإراداتهم، فيفسد نظام الكون، بل يستحيل أن يكون له نظام، بل يستحيل وجود ممكن من الممكنات. لأن كل ممكن لا بد أن يتعلق به الإيجاد على حسب العلوم والإرادات المختلفة. فيلزم أن يكون للشيء الواحد وجودات متعددة وهو محال ف  لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا  لكن الفساد ممتنع بالبداهة. فهو جل شأنه واحد في ذاته وصفاته ولا شريك له في وجوده ولا في أفعاله. انتهى. 
وأشار حجة الإسلام الغزالي في كتاب ( الاقتصاد في الاعتقاد ) في بحث الوحدة، إلى أن هذه الآية لا أبين منها في برهان التوحيد، وأنه لا مزيد على بيان القرآن. قال الكلنبوي : الفساد المذكور في هذه الآية إما بمعنى خروج السماء والأرض عن هذا النظام المشاهد من بقاء وترتيب الآثار كما هو الظاهر. وإما بمعنى عدم تكونهما في الأصل كما قالوا. ثم إن كل من يخاطب بها يعرف أن منشأ الفساد هو تعدد الإله. فهي بعبارتها تنفي آلهة متعددة غير الواجب تعالى، وبدلالتها تنفي تعدد الآلهة. انتهى. 
وقوله تعالى : فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ  أي من وجود شرك له فيهما. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ثبوت الوحدانية بالدليل المتقدم. أي فسبحوه سبحانه اللائق به، ونزهوه عما يفترون. وفيه تعجب ممن يشرك مع المعبود الأعظم البارئ لأعظم المكونات وهو العرش، غيره ممن لا يقدر على شي البتة.

### الآية 21:23

> ﻿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [21:23]

لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ . 
 لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ  أي هو الحاكم الذي لا معقب لحكمه، ولا يعترض عليه أحد لعظمته وجلاله وكبريائه ولعلوه وحكمته وعدله ولطفه  وَهُمْ يُسْأَلُونَ  الضمير للعباد. أي يسألون عما يفعلون كقوله ( : فوربك لنسئلنهم أجمعين \* عما كانوا يعملون . 
قال الزمخشري : إذا كانت عادة الملوك والجبابرة أن لا يسألهم من في مملكتهم عن أفعالهم وعما يوردون ويصدرون من تدبير ملكهم، تهيبا وإجلالا، مع جواز الخطأ والزلل وأنواع الفساد عليهم، كان ملك الملوك ورب الأرباب خالقهم ورازقهم، أولى بأن لا يسأل عن أفعاله، مع ما علم واستقر في العقول من أن ما يفعله كله مفعول بحكمته، ولا يجوز عليه خطأ، ثم قال : وَهُمْ يُسْأَلُونَ  أي هم مملوكون مستعبدون خطاءون. فما أخلقهم بأن يقال لهم : لم فعلتم ؟ في كل شيء فعلوه. انتهى. 
قال ابن كثير : وهذه الآية كقوله تعالى : وهو يجير ولا يجار عليه . 
**تنبيه :**
قال الإمام الغزالي في ( المضمون به على غير أهله ) : وأما معنى قول الله تعالى : لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ، وقوله تعالى : لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا  فالسؤال قد يطلق ويراد به الإلزام. يقال : ناظر فلان فلانا وتوجه عليه سؤاله. وقد يطلق ويراد به الاستخبار، كما يسأل التلميذ أستاذه. والله تعالى لا يتوجه عليه السؤال بمعنى الإلزام وهو المعني بقوله : لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ  إذ لا يقال : لم  قول إلزام. فأما أن لا يستخبر ولا يستفهم، فليس كذلك. وهو المراد بقوله : لم حشرتني أعمى .

### الآية 21:24

> ﻿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ۖ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ۖ هَٰذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي ۗ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ ۖ فَهُمْ مُعْرِضُونَ [21:24]

**وقوله تعالى :**
 أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ . 
 أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً  كرره استعظاما لكفرهم، وإظهارا لجهلهم، وانتقالا إلى إظهار بطلان اتخاذها آلهة، مع خلوها عن خصائص الإلهية. وتبكيتهم بإقامة البرهان على دعواهم. ولذا قال تعالى : قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ  أي دليلكم على ما تفترون. أما من جهة العقل والنقل، فإنه لا صحة لقول لا برهان له ولا دليل عليه. 
قال أبو السعود : وما في إضافة البرهان إلى ضميرهم من الإشعار بأن لهم برهانا، ضرب من التهكم بهم. وقوله تعالى : هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي  إنارة لبرهانه، وإشارة إلى أنه مما نطقت به الكتب الإلهية قاطبة، وشهد به ألسنة الرسل المتقدمة كافة. وزيادة تهييج لهم على إقامة البرهان لإظهار كمال عجزهم. أي هذا الوحي الوارد في شأن التوحيد، المتضمن للبرهان القاطع العقلي، ذكر أمتي أي عظتهم، وذكر الأمم السالفة قد أقمته فأقيموا أنتم أيضا برهانكم. انتهى. 
ثم أشار تعالى أنه لا ينجع فيهم المحاجة بتحقيق الحق وإبطال الباطل بقوله سبحانه  بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ  أي عن النظر الموصل إلى الهدى.

### الآية 21:25

> ﻿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [21:25]

ثم بين تعالى أن التوحيد دعوى لكل نبي، بقوله :
 وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ . 
 وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ  وقرئ  يوحى  بالياء وفتح الحاء  أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ  كما قال : وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون  وقال : ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت  فكل نبي بعثه الله يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له. والفطرة شاهدة بذلك أيضا، والمشركون لا برهان لهم وحجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد.

### الآية 21:26

> ﻿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۚ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ [21:26]

ثم بين تعالى بطلان ما يفتريه بعض المشركين من أن الملائكة بناته، تعالى علوا كبيرا، بقوله سبحانه :
 وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ  أي مقربون.

### الآية 21:27

> ﻿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [21:27]

لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ  أي يتبعون قوله : فلا يقولون شيئا حتى يقوله تعالى أو يأمرهم به كما هو شأن العبيد المؤدبين : وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ  فلا يعصونه في أمر. إشارة إلى مراعاتهم في أدب العبودية في الأفعال أيضا، كالأقوال.

### الآية 21:28

> ﻿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [21:28]

يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ  أي مما قدموا وأخروا. فهو المحيط بهم علما : ولا يحيطون بشيء من علمه  فكيف يخرجون عن عبوديته ؟  وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى  أي أن يشفع له، مهابة منه تعالى. 
قال المهايمي : كيف يخرجون عن عبوديته ولا يقدرون على أدنى وجوه معارضته. لأنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى. إذ الشفاعة لغير المرتضى نوع معارضة معه. وكيف يعارضونه  وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ  قهره  مُشْفِقُونَ  أي خائفون. 
قال ابن كثير : وقوله : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى  كقوله  من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه  وقوله : ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له  في آيات كثيرة في معنى ذلك.

### الآية 21:29

> ﻿۞ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَٰهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [21:29]

وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ  الضمير في  منهم  للملائكة. لتقدم ذكرهم واقتضاء السياق، وكونه أبلغ في الرد والتهديد. 
قال الزمخشري رحمه الله : وبعد أن وصف كرامتهم عليه وقرب منزلتهم عنده، وأثنى عليهم، وأضاف إليهم تلك الأفعال السنية والأعمال المرضية، فاجأ بالوعيد الشديد. وأنذر بعذاب جهنم من أشرك منهم. إن كان ذاك على سبيل الفرض والتمثيل، مع إحاطة علمه بأنه لا يكون كما قال : ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون  قصد بذلك تفظيع أمر الشرك، وتعظيم شأن التوحيد. انتهى. 
وفي قوله : كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ، إشعار بظلم من يقول تلك العظيمة. كيف لا ؟ وقد استهان برتبة الإلهية وجاوز بها مقامها الأسمى.

### الآية 21:30

> ﻿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ [21:30]

هذا شروع في آياته الكونية، الدالة على وحدته في ألوهيته، التي عمى عنها المشركون، فلم يروها رؤية اعتبار وتدبر. ومعنى قوله : كَانَتَا رَتْقًا  أي لا تمطر ولا تنبت  فَفَتَقْنَاهُمَا  أي بالمطر والنبات. 
فالفتق والرتق استعارة. ونظيره قوله تعالى : والسماء ذات الرجع \* والأرض ذات الصدع  و  الرجع  لغة هو الماء  الصدع  هو النبات لأنه يصدع الأرض أي يشقها. وقوله تعالى : فلينظر الإنسان إلى طعامه  أي كيف انفردنا في إحداثه وتهيئته ليقيم بنيته : أنا صببنا الماء صبا  أي من المزن بعد أن لم يكن  ثم شققنا الأرض شقا  أي ثم بعد أن كانت رتقا متماسكة الأجزاء، شققناها شقا مرئيا مشهودا، كما تراه في الأرض بعد الري. أو شقا بالنبات. 
وقال أبو مسلم الأصفهاني : يجوز أن يراد بالفتق الإيجاد والإظهار كقوله تعالى : فاطر السماوات والأرض  وكقوله : قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن  فأخبر عن الإيجاد بلفظ ( الفتق ) وعن الحال قبل الإيجاد بلفظ ( الرتق ). 
قال الرازي : وتحقيقه أن العدم نفي محض. فليس فيه ذوات مميزة وأعيان متباينة. بل كأنه أمر واحد متصل متشابه. فإذا وجدت الحقائق، فعند الوجود والتكوين يتميز بعضها عن بعض، وينفصل بعضها عن بعض. فهذا الطريق حسن. جعل ( الرتق ) مجازا عن العدم و ( الفتق ) عن الوجود. انتهى. 
وقال بعض علماء الفلك : معنى قوله تعالى : كَانَتَا رَتْقًا  أي شيئا واحدا. ومعنى  فَفَتَقْنَاهُمَا  فصلنا بعضهما عن بعض. 
قال : فتدل الآية على أن الأرض خلقت كباقي الكواكب السيارة من كل وجه. أي أنها إحدى هذه السيارات. وهي مثلها في المادة وكيفية الخلق وكونها تسير حول الشمس وتستمد النور والحرارة منها. 
وكونها مسكونة بحيوانات كالكواكب الأخرى. وكونها كروية الشكل. فالسيارات أو السماوات هي متماثلة من جميع الوجوه، وكلها مخلوقة من مادة واحدة، وهي مادة الشمس. وعلى طريقة واحدة. اه كلامه. 
وقد يرجح الوجه الأول في تفسير الآية لقوله تعالى بعده : وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ  فإن ذلك ما يبين أن لسابقه تعلقا بالماء. وعلى هذا فالرؤية في قوله تعالى : أو لم ير  بصرية. وعلى قول أبي مسلم وما بعده، علمية. على حد قوله تعالى لنبيه صلوات الله عليه : ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل  مع أنه لم يشاهد الحادثة، بل ولد بعدها. وإنما تيقنها بالأخبار الصادقة. وكذلك ما هنا من الفتق والرتق، بمعنييه الأخيرين، مما أخبر به الحق تعالى على لسان من قامت الحجة على صدقه وعصمته. فكان مما يسهل عليهم تصديقه فعلمه. 
ومعنى قوله تعالى : وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ  صيرنا كل شيء حي بسبب من الماء لا يحيا دونه. فيدخل فيه النبات والشجر. لأنه من الماء صار ناميا. وصار فيه الرطوبة والخضرة والنور والثمر. وإسناد الحياة إلى ظهور النبات معروف في آيات شتى. كقوله تعالى : ويحيي الأرض بعد موتها } وخص بعضهم الشيء بالحيوان، لآية  والله خلق كل دابة من ماء  ولا ضرورة إليه. بل العموم أدل على القدرة وأعظم في العبرة، وأبلغ في الخطاب، وألطف في المعنى. 
وقوله تعالى : أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ، إنكار لعدم إيمانهم بالله تعالى وحده، مع ظهور ما يوجبه حتما من الآيات الظاهرة.

### الآية 21:31

> ﻿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ [21:31]

وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ . 
 وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ  أي جبالا ثوابت  أَن تَمِيدَ بِهِمْ  أي لئلا تتحرك وتضطرب بهم. فلولا الجبال لكانت الأرض دائمة الاضطراب مما في جوفها من المواد الدائمة الجيشان. 
وقوله تعالى : وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ  الضمير في ( فيها ) للأرض. وتكرير الفعل لاختلاف المجعولين، ولتوفية الامتنان حقه. أو للرواسي لأنها المحتاجة إلى الطرق. وعلى الثاني اقتصر ابن كثير. قال : فقد يشاهد جبل هائل بين بلدين، وإذا فيه فجوة يسلك الناس فيها، رحمة منه تعالى  وسبلا  بدل من  فجاجا  أشير به إلى أنه مع السعة نافذ مسلوك، وأنه خلق ووسع لأجل السابلة. ومعنى  يهتدون  أي إلى مصالحهم.

### الآية 21:32

> ﻿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا ۖ وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ [21:32]

**وقوله تعالى :**
 وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ . 
 وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا  أي على الأرض كالقبة عليها  مَّحْفُوظًا  أي عاليا محروسا أن ينال أو محفوظا من التغير بالمؤثرات، مهما تطاول الزمان. كقوله تعالى : وبنينا فوقكم سبعا شدادا   وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ . أي عما وضع الله فيها من الأدلة والعبر، بالشمس والقمر وسائر النيرات، ومسايرها وطلوعها وغروبها، على الحساب القويم، والترتيب العجيب، الدال على الحكمة البالغة والقدرة الباهرة. وأي جهل أعظم من جهل من أعرض عنها ولم يذهب به وهمه إلى تدبرها والاعتبار بها والاستدلال على عظمة شأن من أوجدها عن عدم، ودبرها ونصبها هذه النصبة، وأودعها ما أودعها مما لا يعرف كنهه إلا هو، عزت قدرته ولطف علمه ؟ ؟
وقرئ  عن آيتها  على التوحيد، اكتفاء بالواحدة في الدلالة على الجنس، أي هم متفطنون لما يرد عليهم من السماء من المنافع الدنيوية كالاستضاءة بقمريها والاهتداء بكواكبها، وحياة الأرض والحيوان بأمطارها. وهم عن كونها آية بينة على الخالق، معرضون. أفاده الزمخشري.

### الآية 21:33

> ﻿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [21:33]

وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ . 
 وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ  أي ليسكنوا فيه  وَالنَّهَارَ  ليتحركوا لمعاشهم وينشطوا لأعمالهم  وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ  أي ضياء وحسبانا  كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ  أي كل واحد منهما يجري في الفلك، كالسابح في الماء. و ( الفلك ) في اللغة كل شيء دائر. 
قال بعض علماء الفلك : تشير الآية إلى حركة هذه الكواكب كآية : فلا أقسم بالخنس \* الجوار الكنس  وهما تدلان على أن حركة الكواكب ذاتية. لا كما كان يقول القدماء من أن الكواكب مركوزة في أفلاكها التي تدور بها، وبدورانها تتحرك الكواكب. اه.

### الآية 21:34

> ﻿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ [21:34]

**وقوله تعالى :**
 وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ . 
 وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ  نزلت حين قالوا : نتربص به ريب المنون  فكانوا يقدرون أنه سيموت، فيشمتون بموته، لما يأملون ذهاب الدعوة النبوية، وتبدد نظامها، بفقد واسطة عقدها. فنفى الله تعالى عنه الشماتة بهذه الآية، بما قضى أنه لا يخلد في الدنيا بشرا، لكونه مخالفا للحكمة التكوينية. وأعلم بحفظ تنزيله وحراسته من المؤثرات ما بقيت الدنيا بقوله : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون . 
قال ابن كثير : فقد استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب من العلماء إلى أن الخضر عليه السلام مات، وليس بحي إلى الآن. لأنه بشر سواء كان وليا، أو نبيا أو رسولا. انتهى. 
وتقدم بسط ذلك في سورة الكهف فتذكر. وفي معنى الآية قول عروة الصحابي رضي الله عنه :
إذا ما الدهر جر على أناس \*\*\* كلاكله أناخ بآخرينا
فقل للشامتين بنا : أفيقوا \*\*\* سيلقى الشامتون كما لقينا
**وقول الشافعي :**
تمنى أناس أن أموت، وإن أمت \*\*\* فتلك سبيل لست فيها بأوحد
فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى :\*\*\* تهيأ لأخرى مثلها، وكأن قد

### الآية 21:35

> ﻿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [21:35]

كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ . 
 كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ  أي نختبركم بما يجب فيه الصبر من المصائب، وما يجب فيه الشكر من النعم  فِتْنَةً  أي اختبارا. وهو مصدر مؤكد ( لنبلوكم ) من غير لفظه  وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ، أي فنجازيكم على حسب ما يوجد منكم من الصبر أو الشكر. قال الزمخشري : وإنما سمي ذلك ابتلاء، وهو عالم بما سيكون من أعمال العالمين قبل وجودهم، لأنه في صورة الاختبار. أي فهو استعارة تمثيلية. قال القاضي : وفي الآية إيماء بأن المقصود من هذه الحياة الابتلاء والتعريض للثواب والعقاب تقريرا لما سبق. وقدم الشر لأنه اللائق بالمنكر عليهم.

### الآية 21:36

> ﻿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ هُمْ كَافِرُونَ [21:36]

وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ  عنى بهذه الآية مستهزئو قريش، كأبي جهل وأضرابه ممن كان يسخر من رسالته صلوات الله عليه، ويتغيظ لسب آلهتهم وتسفيه أحلامهم. كما قال تعالى : وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا \* إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها، وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا  وإضافة ذكر ( للرحمن ) من إضافة المصدر لمفعوله أي بتوحيده. أو للفاعل، أي بإرشاده الخلق ببعث الرسل وإنزال الكتب رحمة عليهم. أو بالقرآن. هم كافرون، أي فهم أحق أن يهزأ بهم. وتكرير الضمير للتأكيد والتخصيص.

### الآية 21:37

> ﻿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ ۚ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ [21:37]

**وقوله تعالى :**
 خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ . 
 خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ  كقوله تعالى : وكان الإنسان عجولا  جعل لفرط استعجاله وقلة صبره كأنه مخلوق منه. كقولك ( خلق زيد من الكرم ) تنزيلا لما طبع عليه من الأخلاق، منزلة ما طبع هو منه من الأركان، إيذانا بغاية لزومه له، وعدم انفكاكه عنه. فالآية استعارة مكنية، بتشبيه العجل لكونه مطبوعا عليه، بمادته. ويجوز أن تكون تصريحية. والمراد بالإنسان الجنس. ومن ( عجلته ) مبادرته إلى الكفر واستعجال الوعيد  سَأُرِيكُمْ آيَاتِي  أي نقماتي في الدنيا كوقعة بدر. وفي الآخرة عذاب النار  فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ  أي بالإتيان بها.

### الآية 21:38

> ﻿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [21:38]

وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ . 
 وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ  أي الموعود من العذاب الأخروي، بطريق الاستهزاء والإنكار، لا لتعيين وقته  إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ  في إتيانه. قال الزمخشري : كانوا يستعجلون عذاب الله وآياته الملجئة إلى العلم والإقرار. فأراد نهيهم عن الإستعجال وزجرهم. فقدم أولا ذم الإنسان على إفراط العجلة وأنه مطبوع عليها. ثم نهاهم وزجرهم كأنه قال : ليس ببدع منكم أن تستعجلوا. فإنكم مجبولون على ذلك وهو طبعكم وسجيتكم.

### الآية 21:39

> ﻿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ [21:39]

ثم بين هول ما يستعجلونه وفظاعة ما فيه، وأن عجلتهم لجهلهم بمغبته، بقوله تعالى :
 لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ . 
 لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ  أي لا يدفعونها عن أشرف أعضائهم وأقواها. فتقديم الوجه لشرفه، ولكون الدفع عنه أهم من غيره أيضا  وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ  أي بدفع أحد عنهم. وجواب ( لو ) محذوف أي : لما استعجلوا. وقيل :( لو ) للتمني. لا جواب لها.

### الآية 21:40

> ﻿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ [21:40]

بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ . 
 بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ  أي فجأة فتحيرهم. لأنه إن أرادوا الصبر عليها لم يقدروا عليه. وإن أرادوا ردها  فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا  أي بسبب من الأسباب  وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ  أي يمهلون ليستريحوا طرفة عين لتمام مدة الإنظار قبله.

### الآية 21:41

> ﻿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [21:41]

ثم أشار إلى تسليته عليه الصلاة والسلام عن استهزائهم، في ضمن وعيد لهم، بقوله تعالى :
 وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون . 
 وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ  أي نزل  بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون  أي عذابه وجزاؤه، على وضع السبب موضع المسبب، إيذانا بكمال الملابسة بينهما، أو عين استهزائهم، إن أريد بذلك العذاب الأخروي، بناء على تجسم الأعمال. فإن الأعمال الظاهرة في هذه النشأة بصورة عرضية، تبرز في النشأة الأخرى بصورة جوهرية، مناسبة لها في الحسن و القبح. أفاده أبو السعود.

### الآية 21:42

> ﻿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَٰنِ ۗ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ [21:42]

قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِم مُّعْرِضُونَ . 
 قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم  أي يحفظكم  بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ  أي من بأسه أن يفجأكم. وتقديم ( الليل ) لما أن الدواهي فيه أكثر وقوعا وأشد وقعا. وفي لفظ  الرحمن  تنبيه على أنه لا حفظ لهم إلا برحمته، وتلقين للجواب. وقيل إنه إيماء إلى شدته. كغضب الحليم. وتنديد لهم حيث عذبهم من غلبت رحمته. ودلالة على شدة خبثهم. قال المهايمي : ولا يمنع من ذلك عموم رحمته. إذ بتعذيبكم يعتبر أهل عصركم ومن بعدهم. فيكون لإصلاح أمورهم الموجب لرحمته عليهم، ولا يغترون في ذلك بعموم رحمته حتى يرجى منعها عن ذلك  بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِم مُّعْرِضُونَ  أي لا يخطرونه ببالهم، فضلا عن أن يخافوا بأسه، ويعدوا ما هم عليه من الأمن والدعة حفظا وكلاءة، حتى يسألوا عن الكالئ.

### الآية 21:43

> ﻿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا ۚ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ [21:43]

أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ . 
 أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ  أي لهؤلاء المستعجلي ربهم بالعذاب آلهة تمنعهم، إن نحن أحللنا بهم عذابنا وأنزلنا بهم بأسنا، من دوننا. ومعناه : أم لهم آلهة من دوننا تمنعهم منا. 
ثم وصف جل ثناؤه تلك الآلهة بالضعف والمهانة وما هي به من صفتها. ومعناه : كيف تستطيع آلهتهم التي يدعونها من دوننا أن تمنعهم منا، وهي لا تستطيع نصر أنفسها ولا هي بمصحوبة بالنصر والتأييد. أفاده ابن جرير. ف  يصبحون  بمعنى يجارون يقال ( صحبك الله ) أي أجارك وسلمك، كما في ( الأساس ). 
قال ابن جرير : أي لا يصحبون بالجوار لأن العرب محكي عنها ( أنا لك جار من فلان وصاحب ) بمعنى أجيرك وأمنعك. وهم إذا لم يصحبوا بالجوار ولم يكن لهم مانع من عذاب الله، مع سخطه عليهم، فلم يصحبوا بخير ولم ينصروا.

### الآية 21:44

> ﻿بَلْ مَتَّعْنَا هَٰؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ۗ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ [21:44]

بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاء وَآبَاءهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ . 
 بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاء وَآبَاءهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ  إضراب عما توهموا، ببيان أن الداعي إلى غيهم وعنادهم هو ما متعوا به في الحياة الدنيا ونعموا به هم ومن قبلهم حتى طال عليهم الأمد. لا تأتيهم واعظة من عذاب ولا زاجرة من عقاب حتى حسبوا أنهم على شيء وأنهم لا يغلبون  أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا  أي ننقص أرض الكفر فنخربها من نواحيها بقهرنا أهلها وغلبتنا لهم وإجلائهم عنها وقتلهم بالسيوف، فيعتبروا بذلك ويتعظوا به ويحذروا منا أن ننزل من بأسنا بهم نحو الذي قد أنزلناه بمن فعلنا ذلك به من أهل الأطراف. أفاده ابن جرير. وهذا كقوله تعالى : ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون  وقوله تعالى : أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ  أي : أفهؤلاء المشركون المستعجلون بالعذاب، الغالبون لنا، وقد رأوا قهرنا من أحللنا بساحته بأسنا في أطراف الأرض ؟
وفي التعريف تعريض بأنه تعالى هو الغالب المعروف بالقهر.

### الآية 21:45

> ﻿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ ۚ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ [21:45]

قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاء إِذَا مَا يُنذَرُونَ . 
 قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ  أي تنزيل الله الذي يوحيه إلي من عنده، وأخوفكم به بأسه، لا بالإتيان بما تستعجلون، لأن ذلك ليس إلي، على ما فيه من الحكمة في هذه البعثة التي بنيت على البراهين العقلية، لا الخارقات الحسية كما قدمنا. ثم أشار إلى كمال جهلهم وعنادهم، بأن هذا الإنذار لا يجديهم، بقوله تعالى : وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاء إِذَا مَا يُنذَرُونَ  أي فهم لا يصغون بسمع قلوبهم إلى ما تذكر ما في وحي الله من المواعظ والذكرى، فيتذكرون بها ويعتبرون فينزجرون إذا تلي عليهم، بل يعرضون عن الاعتبار به والتفكير فيه، فعل الأصم الذي لا يسمع ما يقال له فيعمل به. وتقييد تصامهم بقوله : إِذَا مَا يُنذَرُونَ  مع أنهم لا يسمعون نذارة ولا بشارة، إما لأن المقام مقام إنذار، أو لأن من لا يسمع إذا خوف، كيف يسمع في غيره، فهو أبلغ.

### الآية 21:46

> ﻿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [21:46]

وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ . 
 وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ  أي ولئن أصابهم أدنى شيء من عقوبته تعالى، لأذعنوا وذلوا وأقروا بأنهم ظلموا أنفسهم في التصام والإعراض وعبادة تلك الآلهة وتركهم عبادة من خلقهم. 
**لطيفة :**
في صدر الآية مبالغات. ذكر المس. وما في النفحة من معنى القلة. فإن أصل النفح هبوب رائحة الشيء. والبناء الدال على المرة. والتنكير.

### الآية 21:47

> ﻿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ [21:47]

**وقوله تعالى :**
 وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ . 
 وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ  بيان لما سيقع عند إتيان ما أنذروه. أي نقيم الموازين العادلة الحقيقية التي توزن بها صحائف الأعمال. وقيل : وضع الموازين تمثيل لإرصاد الحساب السوي والجزاء على حسب الأعمال بالعدل والنصفة، من غير أن يظلم مثقال ذرة، وإنما وصفت الموازين بالقسط وهو مفرد، لأنه مصدر وصف به للمبالغة. كأنها في نفسها قسط. أو على حذف المضاف أي ذوات القسط. وقيل إنه مفعول له. واللام في  ليوم القيامة  للتعليل أو بمعنى ( في ) أي لجزاء يوم القيامة أو لأهله أو فيه  فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا  أي من حقوقها. أي شيئا ما من الظلم. بل يوفى كل ذي حق حقه  وَإِن كَانَ  العمل أو الظلم  مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا  أي أحضرنا ذلك العمل المعبر عنه بمثقال حبة الخردل. للوزن. وأنث لإضافته إلى الحبة  وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ  أي وحسب من شهد ذلك الموقف بنا حاسبين. لأنه لا أحد أعلم بأعمالهم، وما سلف في الدنيا من صالح أو سيء، منا.

### الآية 21:48

> ﻿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ [21:48]

**وقوله تعالى :**
 وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ . 
 وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ  شروع في قصص الأنبياء، تسلية له صلوات الله عليه وعليهم، فيما يناله من أذى قومه، وتقوية لفؤاده على أداء الرسالة، والصبر على كل عارض دونها. قال أبو السعود : نوع تفصيل لما أجمل في قوله تعالى : وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم  إلى قوله  المسرفين  وإشارة إلى كيفية إنجائهم وإهلاك أعدائهم وتصديره بالتوكيد القسمي لإظهار كمال الاعتناء بمضمونه. والمراد ب ( الفرقان ) التوراة وكذا ب ( الضياء ) و ( الذكر ). أي وبالله لقد آتيناهما وحيا ساطعا وكتابا جامعا بين كونه فارقا بين الحق والباطل. وضياء يستضاء به في ظلمات الجهل وذكرا يتعظ به الناس. وتخصيص ( المتقين ) بالذكر لأنهم المستضيئون بأنواره. انتهى.

### الآية 21:49

> ﻿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ [21:49]

**وقوله تعالى :**
 الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ . 
 الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ  أي يخافون عذابه، وهو غير مشاهد لهم. وفيه تعريض بالكفرة حيث لا يتأثرون في الإنذار، ما لم يشاهدوا ما أنذروه  وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ  أي وجلون أن تأتي الساعة التي تقوم فيها القيامة فيردوا على ربهم، قد فرطوا في الواجب عليهم لله، فيعاقبهم بما لا قبل لهم به.

### الآية 21:50

> ﻿وَهَٰذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ ۚ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ [21:50]

وَهَذَا  أي القرآن الكريم  ذِكْرٌ  أي يتذكر به من يتذكر  مُّبَارَكٌ  أي كثير الخير والنفع  أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ  أي مع ظهوره كون إنزاله كإيتاء التوراة. وفي الاستفهام الإنكاري توبيخ لهم بأنه لا ينبغي لهم إنكاره وهم عارفون بمزايا إعجازه. وتقديم  له  للفاصلة أو للحصر. لأنهم معترفون بغيره مما في أيدي أهل الكتاب.

### الآية 21:51

> ﻿۞ وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ [21:51]

وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ  أي هدايته للحق وهو التوحيد الخالص  مِن قَبْلُ  أي من قبل موسى وهارون  وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ  أي علمنا أنه أهل لما آتيناه. أو علمنا أنه جامع لمكارم الأخلاق التي آتيناه إياها، فأهلناه لخلتنا وأخلصناه لاصطفائنا.

### الآية 21:52

> ﻿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ [21:52]

إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ  أي ما هذه الصورة الحقيرة التي عكفتم على عبادتها. استفهام تحقير لها وتوبيخ على العكوف على عبادتها، بأنها تماثيل صور بلا روح، مصنوعة لا تضر ولا تنفع، فكيف تعبد ؟

### الآية 21:53

> ﻿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ [21:53]

قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ  أي فقلدناهم وتأسينا بهم.

### الآية 21:54

> ﻿قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [21:54]

قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ  أي لا يخفى على عاقل لعدم استناد الفريقين إلى دليل، بل إلى هوى متبع وشيطان مطاع. وفي الإتيان ب ( في ) الظرفية لدلالة على تمكنهم في ضلالهم، وأنه ضلال قديم موروث. فهو أبلغ من ( ضالين ).

### الآية 21:55

> ﻿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ [21:55]

قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ  أي بالجد في دعوى الرسالة ونسبتنا إلى الضلال  أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ \* قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ  قال الزمخشري رحمه الله : الضمير في  فطرهن  للسماوات والأرض أو للتماثيل. وكونه للتماثيل أدخل في تضليلهم وأثبت للاحتجاج عليهم. أي لدلالته صراحة على كونها مخلوقة غير صالحة للألوهية، بخلاف الأول، وجوابه عليه السلام إما إضراب عما بنوا عليه مقالتهم في اعتقاد كونها أربابا لهم، كما يفصح عنه قولهم : نعبد أصناما فنظل لها عاكفين  كأنه قيل ليس الأمر كذلك بل  ربكم...  الآية. أو إضراب عن كونه لاعبا بإقامة البرهان على ما ادعاه. وقوله  من الشاهدين  أي المبرهنين عليه بالحجة، لا لقولكم العاطل منها.

### الآية 21:56

> ﻿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [21:56]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥٥: قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ  أي بالجد في دعوى الرسالة ونسبتنا إلى الضلال  أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ \* قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ  قال الزمخشري رحمه الله : الضمير في  فطرهن  للسماوات والأرض أو للتماثيل. وكونه للتماثيل أدخل في تضليلهم وأثبت للاحتجاج عليهم. أي لدلالته صراحة على كونها مخلوقة غير صالحة للألوهية، بخلاف الأول، وجوابه عليه السلام إما إضراب عما بنوا عليه مقالتهم في اعتقاد كونها أربابا لهم، كما يفصح عنه قولهم : نعبد أصناما فنظل لها عاكفين  كأنه قيل ليس الأمر كذلك بل  ربكم...  الآية. أو إضراب عن كونه لاعبا بإقامة البرهان على ما ادعاه. وقوله  من الشاهدين  أي المبرهنين عليه بالحجة، لا لقولكم العاطل منها. ---

### الآية 21:57

> ﻿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ [21:57]

وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم  لأحتالن لفضيحتها بإظهار عجزها  بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ  أي عنها بفراغكم من عبادتها.

### الآية 21:58

> ﻿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ [21:58]

فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا  أي قطعا مكسرة، بعد أن ولوا عنها، ليعلموا أنها لا تتحلم إلى هذا الحد. فهو عجزهم في الدفع عن أنفسهم. فتوقع عابدهم الدفع عن نفسه غاية السفه  إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ  فيسألونه : لم فعل بآلهتهم ؟ فإذا ظهر عجزه عن النطق، فمن دونه أعجز منه في ذلك. فضلا عن الدفع للذي أظهر عجزهم فيه. فرجعوا فأتوا بيت الأصنام فوجدوها جذاذا.

### الآية 21:59

> ﻿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ [21:59]

قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا  أي هذا الفعل الفظيع  بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ  أي لجرأته على إهانتها وهي الجديرة عندهم بالتعظيم. أو لإفراطه في التجذيذ والحطم، وتماديه في الاستهانة بها. أو بتعريض نفسه للهلكة. والاستفهام للإنكار والتوبيخ والتشنيع.

### الآية 21:60

> ﻿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ [21:60]

قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ \* قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ  أي يحضرون عقوبته. 
قال ابن كثير : وكان هذا هو المقصود الأكبر لإبراهيم عليه السلام، أن يبين في هذا المحفل العظيم كثرة جهلهم وقلة عقلهم في عبادة الأصنام التي لا تدفع عن نفسها ضرا ولا تملك لها نصرا. فكيف يطلب منها شيء من ذلك ؟

### الآية 21:61

> ﻿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ [21:61]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٦٠: قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ \* قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ  أي يحضرون عقوبته. 
قال ابن كثير : وكان هذا هو المقصود الأكبر لإبراهيم عليه السلام، أن يبين في هذا المحفل العظيم كثرة جهلهم وقلة عقلهم في عبادة الأصنام التي لا تدفع عن نفسها ضرا ولا تملك لها نصرا. فكيف يطلب منها شيء من ذلك ؟---

### الآية 21:62

> ﻿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ [21:62]

قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ \* قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا  يعني الذي تركه لم يكسره. فإن ترددتم أنه فعلي أو فعله  فَاسْأَلُوهُمْ  أي يجيبوكم  إِن كَانُوا يَنطِقُونَ  أي والأظهر عجزهم الكلي المانع من القول بإلهيتها. والقول فيه، أن قصد إبراهيم صلوات الله عليه، لم يكن إلى أن ينسب الفعل الصادر عنه إلى الصنم وإنما قصد تقريره لنفسه وإثباته لها على أسلوب تعريضي يبلغ فيه غرضه عن إلزامهم الحجة، وتبكيتهم. ولقائل أن يقول : غاظته تلك الأصنام حين أبصرها مصطفة مرتبة. وكان غيظ كبيرها أكبر وأشد، لما رأى من زيادة تعظيمهم له. فأسند الفعل إليه لأنه هو الذي متسبب لاستهانته بها وحطمه لها والفعل كما يسند إلى مباشره، يسند إلى الحامل عليه فيكون تمثيلا أراد به صلى الله عليه وسلم تنبيههم على غضب الله عليهم لإشراكهم بعبادته الأصنام. ويحكى أنه قال : فعله كبيرهم هذا، غضب أن تعبد معه هذه الصغار وهو أكبر منها. فكأنه قيل : فعله ذلك الكبير على مقتضى مذهبكم، والقضية ممكنة. وأظهر هذه الأوجه هو الأول. وعليه اقتصر الإمام ابن حزم في كتابه ( الفصل ) في الرد على من جوز على الأنبياء المعاصي، وعبارته : وأما قوله عليه السلام  بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا  فإنما هو تقريع لهم وتوبيخ كما قال تعالى : ذق إنك أنت العزيز الكريم  وهو في الحقيقة مهان ذليل معذب في النار. فكلا القولين توبيخ لمن قيلا له، على ظنهم أن الأصنام تفعل الخير والشر. وعلى ظن المعذب في نفسه في الدنيا أنه عزيز كريم. ولم يقل إبراهيم هذا على أنه محقق لأن كبيرهم فعله. إذ الكذب، إنما هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه، قصدا إلى تحقيق ذلك. وجلي أن مراده عليه السلام، على كل، إنما هو توجيههم نحو التأمل في أحوال أصنامهم كما ينبئ عنه قوله : فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ  أي إن كانوا ممن يمكن أن ينطقوا. قال أبو السعود : وإنما لم يقل عليه السلام ( إن كانوا يسمعون أو يعقلون ) مع أن السؤال موقوف على السمع والعقل أيضا، لما أن نتيجة السؤال هو الجواب، وأن عدم نطقهم أظهر، وتبكيتهم بذلك أدخل. وقد حصل ذلك أولا حسبما نطق به قوله تعالى :
 فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ .

### الآية 21:63

> ﻿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ [21:63]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٦٢: قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ \* قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا  يعني الذي تركه لم يكسره. فإن ترددتم أنه فعلي أو فعله  فَاسْأَلُوهُمْ  أي يجيبوكم  إِن كَانُوا يَنطِقُونَ  أي والأظهر عجزهم الكلي المانع من القول بإلهيتها. والقول فيه، أن قصد إبراهيم صلوات الله عليه، لم يكن إلى أن ينسب الفعل الصادر عنه إلى الصنم وإنما قصد تقريره لنفسه وإثباته لها على أسلوب تعريضي يبلغ فيه غرضه عن إلزامهم الحجة، وتبكيتهم. ولقائل أن يقول : غاظته تلك الأصنام حين أبصرها مصطفة مرتبة. وكان غيظ كبيرها أكبر وأشد، لما رأى من زيادة تعظيمهم له. فأسند الفعل إليه لأنه هو الذي متسبب لاستهانته بها وحطمه لها والفعل كما يسند إلى مباشره، يسند إلى الحامل عليه فيكون تمثيلا أراد به صلى الله عليه وسلم تنبيههم على غضب الله عليهم لإشراكهم بعبادته الأصنام. ويحكى أنه قال : فعله كبيرهم هذا، غضب أن تعبد معه هذه الصغار وهو أكبر منها. فكأنه قيل : فعله ذلك الكبير على مقتضى مذهبكم، والقضية ممكنة. وأظهر هذه الأوجه هو الأول. وعليه اقتصر الإمام ابن حزم في كتابه ( الفصل ) في الرد على من جوز على الأنبياء المعاصي، وعبارته : وأما قوله عليه السلام  بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا  فإنما هو تقريع لهم وتوبيخ كما قال تعالى : ذق إنك أنت العزيز الكريم  وهو في الحقيقة مهان ذليل معذب في النار. فكلا القولين توبيخ لمن قيلا له، على ظنهم أن الأصنام تفعل الخير والشر. وعلى ظن المعذب في نفسه في الدنيا أنه عزيز كريم. ولم يقل إبراهيم هذا على أنه محقق لأن كبيرهم فعله. إذ الكذب، إنما هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه، قصدا إلى تحقيق ذلك. وجلي أن مراده عليه السلام، على كل، إنما هو توجيههم نحو التأمل في أحوال أصنامهم كما ينبئ عنه قوله : فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ  أي إن كانوا ممن يمكن أن ينطقوا. قال أبو السعود : وإنما لم يقل عليه السلام ( إن كانوا يسمعون أو يعقلون ) مع أن السؤال موقوف على السمع والعقل أيضا، لما أن نتيجة السؤال هو الجواب، وأن عدم نطقهم أظهر، وتبكيتهم بذلك أدخل. وقد حصل ذلك أولا حسبما نطق به قوله تعالى :
 فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ . ---

### الآية 21:64

> ﻿فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ [21:64]

فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ  أي فراجعوا عقولهم. ومراجعة العقل مجاز عن التفكر والتدبر، والمراد بالنفس النفس الناطقة، والرجوع إليها عبارة عما ذكر  فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ  أي بهذا السؤال أو بعبادة من لا ينطق ولا يضر ولا ينفع، لا من كسرها، فلم تنسبوه إلى الظلم بقولكم  إنه لمن الظالمين  ؟

### الآية 21:65

> ﻿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ [21:65]

ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ  أي حياء من نقصهم، وخضوعا وانفعالا من إبراهيم، قائلين : لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ ، أي ليس من شأنهم النطق، فكيف تأمرنا بسؤالهم ؟

### الآية 21:66

> ﻿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ [21:66]

قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ \* أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ، أي قبح صنيعكم في عبادة ما لا يضر ولا ينفع. 
**تنبيه :**
ذكر في ( الكشاف ) في قوله تعالى : ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ  أربعة أوجه. وحاصلها كما في ( العناية ) – أن التنكيس قلب الشيء بجعل أعلاه أسفله. فإما أن يستعار للرجوع عن الفكرة المستقيمة في تظليم أنفسهم، إلى الفكرة الفاسدة في تجويز عبادتها، مع عجزها فضلا عن كونها في معرض الألوهية. 
فقوله : لقد علمت  معناه لم يخف علينا وعليك أنها كذلك وأنا اتخذناها آلهة مع العلم به. والدليل عليه قوله : أفتعبدون  الخ، أو أن التنكيس الرجوع عن الجدال الباطل إلى الحق في قولهم : لقد علمت  لأنه نفي لقدرتها واعتراف بأنها لا تصلح للألوهية، وسمي ( نكسا ) وإن كان حقا، لأنه ما أفادهم مع الإصرار. ولكنه نكس بالنسبة لما كانوا عليه من الباطل. أو النكس مبالغة في الحيرة وانقطاع الحجة. و  أف  صوت إذا صوت به علم أن صاحبه متضجر. وفيه لغات كثيرة كما في كتب اللغة. قال الزمخشري : أضجره ما رأى من ثباتهم على عبادتها بعد انقطاع عذرهم وبعد وضوح الحق وزهوق الباطل، فتأفف بهم. ولما عجزوا عن المحاجة أخذوا في المضارة، شأن المبطل إذا قرعت شبهته بالحجة لم يكن أحد أبغض إليه من المحق. ولم يبق له مفزع إلا مناصبته.

### الآية 21:67

> ﻿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [21:67]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٦٦: قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ \* أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ، أي قبح صنيعكم في عبادة ما لا يضر ولا ينفع. 
 **تنبيه :**
ذكر في ( الكشاف ) في قوله تعالى : ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ  أربعة أوجه. وحاصلها كما في ( العناية ) – أن التنكيس قلب الشيء بجعل أعلاه أسفله. فإما أن يستعار للرجوع عن الفكرة المستقيمة في تظليم أنفسهم، إلى الفكرة الفاسدة في تجويز عبادتها، مع عجزها فضلا عن كونها في معرض الألوهية. 
فقوله : لقد علمت  معناه لم يخف علينا وعليك أنها كذلك وأنا اتخذناها آلهة مع العلم به. والدليل عليه قوله : أفتعبدون  الخ، أو أن التنكيس الرجوع عن الجدال الباطل إلى الحق في قولهم : لقد علمت  لأنه نفي لقدرتها واعتراف بأنها لا تصلح للألوهية، وسمي ( نكسا ) وإن كان حقا، لأنه ما أفادهم مع الإصرار. ولكنه نكس بالنسبة لما كانوا عليه من الباطل. أو النكس مبالغة في الحيرة وانقطاع الحجة. و  أف  صوت إذا صوت به علم أن صاحبه متضجر. وفيه لغات كثيرة كما في كتب اللغة. قال الزمخشري : أضجره ما رأى من ثباتهم على عبادتها بعد انقطاع عذرهم وبعد وضوح الحق وزهوق الباطل، فتأفف بهم. ولما عجزوا عن المحاجة أخذوا في المضارة، شأن المبطل إذا قرعت شبهته بالحجة لم يكن أحد أبغض إليه من المحق. ولم يبق له مفزع إلا مناصبته. ---

### الآية 21:68

> ﻿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ [21:68]

قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ . 
 { قَالُوا حَرِّقُوهُ  أي لأنه استحق أشد العقاب عندهم، والنار أهول ما يعاقب به  وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ  أي بالانتقام لها  إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ  أي به شيئا من السياسة، فلا يليق به غيرها.

### الآية 21:69

> ﻿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ [21:69]

قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ . 
 قُلْنَا  أي تعجيزا لهم ولأصنامهم، وعناية بمن أرسلناه، وتصديقا له في إنجاء من آمن به  يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا  أي باردة على إبراهيم، مع كونك محرقة للحطب  وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ، أي ولا تنتهي في البرد إلى حيث يهلكه، بل كوني غير ضارة. وجوز كون سلاما منصوبا بفعله. والأمر مجاز عن التسخير ؛ كما في قوله : كونوا قردة  ففيه استعارة بالكناية بتشبيهها بمأمور مطيع، وتخييلها الأمر والنداء، ولذا قال أبو مسلم : المعنى أنه سبحانه وتعالى جعل النار بردا وسلاما، لا أن هناك كلاما، كقوله : أن يقول له كن فيكون  أي فيكونه. فإن النار جماد ولا يجوز خطابه. وهو ظاهر. 
**تنبيه :**
قال الرازي : لهم في كيفية برودة النار ثلاثة أقوال : أحدها – أن الله تعالى أزال عنها ما فيها من الحر والاحتراق، وأبقى ما فيها من الإضاءة والإشراق. والله على كل شيء قدير. 
وثانيهما – أن الله تعالى خلق في جسم إبراهيم كيفية مانعة من وصول أذى النار إليه. كما فعل بخزنة جهنم في الآخرة. وكما أنه ركب بنية النعامة بحيث لا يضرها ابتلاع الحديدة المحماة، وبدن السمندل بحيث لا يضره المكث في النار. 
وثالثها – أنه سبحانه خلق بينه وبين النار حائلا يمنع من وصول أثر النار إليه. 
قال المحققون : والأول أولى لأن ظاهر قوله : يا نار كوني بردا  أن نفس النار صارت باردة حتى سلم إبراهيم من تأثيرها، لا أن النار بقيت كما كانت.

### الآية 21:70

> ﻿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ [21:70]

وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ . 
 وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ  أي أرادوا أن يكيدوه بالإضرار. فما كانوا إلا مغلوبين مقهورين. قال الزمخشري : غلبوه بالجدال فغلبه الله ولقنه بالمبكت. وفزعوا إلى القوة والجبروت فنصره وقواه.

### الآية 21:71

> ﻿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ [21:71]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧٠: وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ . 
 وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ  أي أرادوا أن يكيدوه بالإضرار. فما كانوا إلا مغلوبين مقهورين. قال الزمخشري : غلبوه بالجدال فغلبه الله ولقنه بالمبكت. وفزعوا إلى القوة والجبروت فنصره وقواه. ---

### الآية 21:72

> ﻿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ [21:72]

**ثم بين بركته تعالى على إبراهيم بقوله :**
 وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ . 
 وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ  أي بدعوته : رب هب لي من الصالحين   وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً  أي زيادة وفضلا من غير سؤال. ثم أشار إلى أن منشأ البركة فيهما الصلاح بقوله : وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ  بالاستقامة والتمكين في الهداية.

### الآية 21:73

> ﻿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ۖ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ [21:73]

وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ . 
 وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً  أي قدوة يقتدى بهم في أمور الدين، إجابة لدعائه عليه السلام بقوله : ومن ذريتي   يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا  أي يهدون الناس إلى الحق بأمرنا لهم بذلك وإذننا. قال الزمخشري : فيه أن من صلح ليكون قدوة في دين الله، فالهداية محتومة عليه، مأمور هو بها، من جهة الله. ليس له أن يخل بها ويتثاقل عنها. وأول ذلك أن يهتدي بنفسه، لأن الانتفاع بهداه أعم، والنفوس إلى الاقتداء بالمهدي أميل  وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ  أي أن تفعل الخيرات، مما يختص بالقلوب أو الجوارح  وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ  أي بالتوحيد الخالص والعمل الصالح.

### الآية 21:74

> ﻿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ ۗ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ [21:74]

وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا  أي حكمة. وهو ما يجب فعله  وَعِلْمًا  أي بمعنى ينبغي علمه للأنبياء. وقد بعثه الله تعالى إلى سدوم فكذبه أهلها وخالفوه فأهلكهم الله ودمر عليهم ما قص خبرهم في غير ما موضع في كتابه العزيز، وقد أشار إلى ذلك في ضمن بيان عنايته به وكرامته له بقوله : وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ  أي من عذابها  الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ  يعني اللواطة، وكانت أشنع أفعالهم. وبها استحقوا الإهلاك. ولذا ذهب بعض الفقهاء إلى رمي اللوطي منكسا من مكان عال، وطرح الحجارة عليه، كما فعل بهم  إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ \* وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا  أي في أهلها  إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ  أي العاملين بالعلم، الثابتين على الاستقامة.

### الآية 21:75

> ﻿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا ۖ إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ [21:75]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧٤: وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا  أي حكمة. وهو ما يجب فعله  وَعِلْمًا  أي بمعنى ينبغي علمه للأنبياء. وقد بعثه الله تعالى إلى سدوم فكذبه أهلها وخالفوه فأهلكهم الله ودمر عليهم ما قص خبرهم في غير ما موضع في كتابه العزيز، وقد أشار إلى ذلك في ضمن بيان عنايته به وكرامته له بقوله : وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ  أي من عذابها  الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ  يعني اللواطة، وكانت أشنع أفعالهم. وبها استحقوا الإهلاك. ولذا ذهب بعض الفقهاء إلى رمي اللوطي منكسا من مكان عال، وطرح الحجارة عليه، كما فعل بهم  إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ \* وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا  أي في أهلها  إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ  أي العاملين بالعلم، الثابتين على الاستقامة. ---

### الآية 21:76

> ﻿وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ [21:76]

وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ . 
 وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ  أي دعا ربه في إهلاك قومه لما كذبوه بقوله : إني مغلوب فانتصر .  رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا  : فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ  وهو الطوفان، أو من الشدة والتكذيب والأذى. فإنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله عز وجل فلم يؤمن به منهم إلا القليل.

### الآية 21:77

> ﻿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ [21:77]

وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ  أي نصرناه نصرا مستتبعا للانتصار والانتقام من قومه  الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ  أي فلم يبق منهم أحد كما دعا نبيهم.

### الآية 21:78

> ﻿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ [21:78]

وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ  أي الزرع  إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ  أي رعته ليلا  وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ  أي لحكم الحاكمين والمتحاكمين إليهما، عالمين.

### الآية 21:79

> ﻿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ۚ وَكُنَّا فَاعِلِينَ [21:79]

فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ . 
 فَفَهَّمْنَاهَا  أي الفتوى أو الحكومة، المفهومين من السياق  سُلَيْمَانَ  أي فكان القضاء فيها قضاءه، لا قضاء أبيه. روي : عن ابن عباس :( أن غنما أفسدت زرعا بالليل، فقضى داود بالغنم لأصحاب الحرث، فقال سليمان : بل تؤخذ الغنم فتدفع إلى أصحاب الزرع فيكون لهم أولادها وألبانها ومنافعها. ويبذر أصحاب الغنم لأهل الزرع مثل زرعهم فيعمروه ويصلحوه، فإذا بلغ الزرع الذي كان عليه، ليلة نفشت فيه الغنم، أخذه أصحاب الحرث وردوا الغنم إلى أصحابها ). وكذا روي عن ابن مسعود موقوفا لا مرفوعا. والله أعلم بالحقيقة. وقوله تعالى : وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا  أي وكل واحد منهما آتيناه حكمة وعلما كثيرا، لا سليمان وحده. ففيه دفع ما عسى يوهمه تخصيص سليمان عليه السلام بالتفهم، من عدم كون حكم داود عليه السلام حكما شرعيا. 
الأول : استدل بالآية على أن خطأ المجتهد مغفور له، وعكس بعضهم، فاستدل بالآية على أن كل مجتهد مصيب. 
قال : لأنها تدل بظاهرها على أنه لا حكم لله في هذه المسألة قبل الاجتهاد. وأن الحق ليس بواحد. فكذا غيرها إذ لا قائل بالفصل. إذ لو كان له فيها حكم تعين. وهذا مذهب المعتزلة، كما بين في الأصول. ورد بأن مفهوم قوله : ففهمناها سليمان  لتخصيصه بالفهم دون داود عليه السلام، يدل على أنه المصيب للحق عند الله. ولولاه لما كان لتخصيصه بالفهم معنى. والمستدلون يقولون : إن الله لم يخطئه، دل على أن كلا منهما مصيب. وتخصيصه بالفهم لا يدل على خطأ داود عليه السلام، لجواز كون كل مصيبا. ولكن هذا أرفق وذاك أوفق، بالتحريض على التحفظ من ضرر الغير. فلذلك استدل بهذه الآية كل. فكما لم يعلم حكم الله فيها، لم يعلم تعين دلالتها. كذا في ( العناية ). 
وجاء في ( فتح البيان ) ما مثاله : لا شك أنها تدل على رفع الإثم عن المخطئ، وأما كون كل واحد منهما مصيبا فلا تدل عليه هذه الآية ولا غيرها، بل صرح الحديث المتفق عليه في ( الصحيحين ) وغيرهما أن الحاكم إذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإن اجتهد وأخطأ فله أجر. فسماه النبي صلى الله عليه وسلم مخطئا. فكيف يقال إنه مصيب لحكم الله موافق له ؟ فإن حكم الله سبحانه واحد لا يختلف باختلاف المجتهدين. وإلا لزم توقف حكمه عز وجل على اجتهادات المجتهدين. واللازم باطل فالملزوم مثله. وأيضا يستلزم أن تكون العين هي التي اختلف فيها اجتهاد المجتهدين، بالحل والحرمة، حلالا وحراما في حكم الله سبحانه. وهذا اللازم باطل بالإجماع، فالملزوم مثله. وأيضا يلزم أن حكم الله سبحانه لا يزال يتجدد عند وجود كل مجتهد، له اجتهاد في تلك الحادثة، ولا ينقطع ما يريده الله سبحانه وتعالى فيها إلا بانقطاع المجتهدين. واللازم باطل فالملزوم مثله. والحاصل أن المجتهدين لا يقدرون على إصابة الحق في كل حادثة. لكن لا يصرون على الخطأ. كما رجع داود هنا إلى حكم سليمان، لما ظهر له أنه الصواب. 
قال الحسن : لولا هذه الآية لرأيت الحكام قد هلكوا. ولكن الله حمد هذا بصوابه، وأثنى على هذا باجتهاده. 
الثاني : دلت هذه الآية على جواز الاجتهاد للأنبياء عليهم السلام. وهو مذهب الجمهور. ومنعه بعضهم. ولا مستند له. لأن قضاء داود لو كان بوحي لما أوثر قضاء ابنه سليمان عليه. ومما يدل على وقوعه دلالة ظاهرة قوله تعالى : عفا الله عنك لم أذنت لهم  فعاتبه على ما وقع منه. ولو كان ذلك بالوحي لم يعاتبه. ومنه ما صح عنه صلوات الله عليه من قوله :( لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ) ومثل ذلك لا يكون فيما علمه بالوحي، ونظائر ذلك كثيرة في الكتاب والسنة، وأيضا، فالاستنباط أرفع درجات العلماء. فوجب أن يكون للرسول فيه مدخل. وإلا لكان كل واحد من آحاد المجتهدين أفضل منه في هذا الباب. 
قال الرازي : إذا غلب على ظن نبي أن الحكم في الأصل معلل بمعنى، ثم علم أو ظن قيام ذلك المعنى في صورة أخرى، فلا بد وأن يغلب على ظنه أن حكم الله تعالى في هذه الصورة مثل ما في الأصل. وعنده مقدمة يقينية، وهي أن مخالفة حكم الله تعالى سبب لاستحقاق العقاب. فيتولد من هاتين المقدمتين ظن استحقاق العقاب لمخالفة هذا الحكم المظنون. وعند هذا، إما أن يقدم على الفعل والترك معا، وهو محال، لاستحالة الجمع بين النقيضين. أو يتركهما وهو محال، لاستحالة الخلو عن النقيضين. أو يرجح المرجوح على الراجح وهو باطل ببديهة العقل، أو يرجح الراجح على المرجوح، وذلك هو العمل بالقياس – وهذه النكتة هي التي عليها التعويل في العمل بالقياس. وهي قائمة أيضا في حق الأنبياء عليهم السلام. انتهى. 
الثالث : قال السيوطي في ( الإكليل ) : استدل بها على جواز الاجتهاد في الأحكام ووقوعه للأنبياء. وقد ذكرناه قبل. وأن المجتهد قد يخطئ، وأنه مأجور مع الخطأ غير آثم، لأنه تعالى أخبر بأن إدراك الحق مع سليمان، ثم أثنى عليهما. وقد تقدم أولا. واستدل بها من قال برجوع الحاكم بعد قضائه من اجتهاد إلى أرجح منه. وفيها تضمين أرباب المواشي ما أفسدت بالليل دون النهار. لأن النفش لا يكون إلا بالليل، كما أخرجه ابن أبي حاتم عن شريح والزهري وقتادة. ومن عمم الضمان فسره بالرعي مطلقا. وذهب قوم منهم الحسن إلى أن صاحب الزرع تدفعه إليه الماشية، ينتفع بدرها وصوفها حتى يعود الزرع كما كان. كما حكم به سليمان في هذه الواقعة. إذ لم يرد في شرعنا ناسخ مقطوع به عندهم. انتهى. 
الرابع : روى ابن جرير عن عامر قال : جاء رجلان إلى شريح فقال أحدهما : عن شياه هذا قطعت غزلا لي. فقال شريح : نهارا أم ليلا ؟ فإن كان نهارا فقد برئ صاحب الشياه. وإن كان ليلا فقد ضمن، ثم قرأ هذه الآية. 
قال ابن كثير : وهذا الذي قاله شريح شبيه بما رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة من حديث الليث بن سعد الزهري عن حرام بن محيصة :( أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائطا. فأفسدت فيه. فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل الحوائط، حفظها بالنهار. وما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها ). وقد علل هذا الحديث. وروى ابن أبي حاتم أن إياس بن معاوية، لما استقضى أتاه الحسن، فبكى. فقال : ما يبكيك ؟ قال : يا أبا سعيد ! بلغني أن القضاة رجل اجتهد فأخطأ فهو في النار. ورجل مال به الهوى فهو في النار. ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة. فقال الحسن البصري : إن فيما قص الله من نبأ داود وسليمان عليهما السلام والأنبياء، حكما يرد قول هؤلاء الناس عن قولهم. قال الله تعالى : وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث...  الآية. فأثنى الله على سليمان، ولم يذم داود. 
ثم قال ( يعني الحسن ) : إن الله اتخذ على الحكماء ثلاثا : لا يشتروا به ثمنا قليلا. ولا يتبعوا فيه الهوى. ولا يخشوا فيه أحدا. ثم تلا : يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله  وقال : فلا تخشوا الناس واخشون  وقال ؛  ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا . 
ثم قال ابن كثير : وقد ثبت في ( صحيح : البخاري ) عن عمرو بن العاص أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران. وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر ) فهذا الحديث يرد نصا ما توهمه إياس من أن القاضي إذا اجتهد فأخطأ فهو في النار. 
وفي ( السنن ) :( القضاة ثلاثة : قاض في الجنة وقاضيان في النار. رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة. ورجل حكم بين الناس على جهل فهو في النار، ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار ). 
ثم بين سبحانه ما خص كلا من داود وسليمان من كراماته، إثر بيان كرامته العامة لهما، بقوله : وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ  أي سخرنا الجبال والطير يقدسن الله معه، بصوت يتمثل له أو يخلق فيها. قال ابن كثير : وذلك لطيب صوته بتلاوته كتابه ( الزبور ) وكان إذا ترنم به تقف الطير في الهواء فتجاوبه. وترد عليه الجبال تأويبا، ولهذا لما مر النبي صلى الله عليه وسلم على أبي موسى الأشعري وهو يتلو القرآن من الليل، وكان له صوت طيب جدا، فوقف واستمع لقراءته وقال :( لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود. قال : يا رسول الله ! لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا ). 
وقال أبو عثمان الهندي : ما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا مزمار مثل أبي موسى رضي الله عنه. انتهى. 
وتقديم الجبال على الطير، لأن تسبيحها أعجب وأدل على القدرة، وأدخل في الإعجاز. لأنها جماد. والتذييل بقوله : وَكُنَّا فَاعِلِينَ  إشارة إلى أنه ليس ببدع في جانب القدرة الإلهية، وإن كان عند المخاطبين عجيبا. وهذه الآية كقوله تعالى في سورة ( ص ) : واذكر عبدنا داوود ذا الأيد إنه أواب \* إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق \* والطير محشورة، كل له أواب .

### الآية 21:80

> ﻿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ ۖ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ [21:80]

وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ . 
 وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ  أي عمل الدروع الملبوسة. قيل كانت الدروع قبله صفائح، فحلقها وسردها. أي جعلها حلقا وادخل بعضها في بعض كما قال تعالى : وألنا له الحديد \* أن اعمل سابغات وقدر في السرد  أي لا توسع الحلقة فتقلق المسمار. ولا تغلظ المسمار فتقد الحلقة. ولهذا قال : لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ  أي لتحفظكم من جراحات قتالكم  فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ  أي لنعم الله عليكم، لما ألهم عبده داود فعلمه ذلك رحمة بكم فيما يحفظ عليكم في المعامع حياتكم. وفي إيراد الأمر بالشكر على صورة الاستفهام، مبالغة في التقريع والتوبيخ، لما فيه من الإيماء إلى التقصير في الشكر.

### الآية 21:81

> ﻿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ [21:81]

وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ . 
 وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً  أي سخرناها له  تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ، وهي بيت المقدس  وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ ، أي ما تقتضيه الحكمة البالغة فيه. وهذا كقوله تعالى : فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب . 
قال الزمخشري رحمه الله : فإن قلت : وصفت هذه الريح بالعصف تارة وبالرخاوة أخرى، فما التوفيق بينهما ؟ قلت : كانت في نفسها رخية طيبة كالنسيم. فإذا مرت بكرسيه أبعدت به في مدة يسيرة على ما قال : غدوها شهر ورواحها شهر  فكان جمعها بين الأمرين، أن تكون رخاء في نفسها، وعاصفة في عملها، مع طاعتها لسليمان، وهبوبها على حسب ما يريد ويحتكم، آية إلى آية، ومعجزة إلى معجزة. 
قال في ( الانتصاف ) : وهذا كما ورد وصف عصا موسى تارة بأنها جان وتارة بأنها ثعبان. والجان الرقيق من الحيات والثعبان العظيم الجافي منها. ووجه ذلك أنها جمعت الوصفين فكانت في خفتها وفي سرعة حركتها كالجان، وكانت في عظم خلقها كالثعبان، ففي كل واحد من الريح والعصا، على هذا التقرير، معجزتان. والله أعلم.

### الآية 21:82

> ﻿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ [21:82]

وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ . 
 وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ  أي في البحر لاستخراج نفائسه، تكميلا لخزائنه وتزيينا لقومه  وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ  أي غير ذلك كبناء المدن والقصور واختراع الصنائع العجيبة كما قال تعالى : يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان   وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ  أي مؤيدين ومعينين. 
**تنبيه :**
الشياطين المذكورون، إما مردة الإنس وأشداؤهم، وإما مردة الجن لظاهر اللفظ. وعليه قال الجبائي : كيف تهيأ لهم هذه الأعمال وأجسامهم رقيقة لا يقدرون على عمل الثقيل ؟ وإنما يمكنهم الوسوسة. وأجاب بأنه تعالى كثف أجسامهم خاصة وقواهم، وزاد في عظمهم، ليكون ذلك معجزا لسليمان عليه السلام. والله أعلم.

### الآية 21:83

> ﻿۞ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [21:83]

أي اذكر أيوب وما أصابه من البلاء ودعاءه ربه في كشف ما نزل به، واستجابته تعالى دعاءه وما امتن به عليه في رفع البلاء. وما ضاعف له بعد صبره من النعماء، لتعلم أن النصر مع الصبر، وأن عاقبة العسر اليسر. وأن لك الأسوة بمثل هذا النبي الصبور، فيما ينزل أحيانا بك من ضر. وأن البلاء لم ينج منه الأنبياء. بل هم أشد الناس ابتلاء. كما في الحديث :( أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل ). 
وإن من أسباب الفرج دعاءه تعالى والابتهال إليه والتضرع له، وذكره بأسمائه الحسنى وصفاته العليا. 
وإن البلاء لا يدل على الهوان والشقاء. فإن السعادة والشقاء في هذا العالم لا يترتبان على صالح الأعمال وسيئها. لأن الدنيا ليست دار جزاء. وإن عاقبة الصدق في الصبر، هي توفية الأجر ومضاعفة البر. وقد روي أن أيوب عليه السلام، لما امتحن بما فقد معه أرزاقه وهلك به جميع آل بيته، وبما لبث يعاني من قروح جسد آلاما، وصبر وشكر، رحمه مولاه فعادت له صحة بدنه وأوتي أضعاف ما فقده. ورزق عدة أولاد، وعاش عمرا طويلا أبصر أولاد أولاده إلى الجيل الرابع. ولذا قال تعالى : وذكرى للعابدين  أي تذكرة لغيره من العابدين ليصبروا كما صبر، حتى يثابوا كما أثيب في الدنيا والآخرة. وبالجملة فالسر هو تثبيت قلوب المؤمنين وحملهم على الصبر في المجاهدة في سبيل الحق. وقد روى المفسرون هاهنا في بلاء أيوب روايات مختلفات، بأسانيد واهيات، لا يقام لها عند أئمة الأثر وزن. ولا تعار من الثقة أدنى النظر. نعم يوجد في التوراة سفر لأيوب فيه من شرح ضره، بفقد كل مقتنياته ومواشيه وآل بيته، وبنزول مرض شديد به، عدم معه الراحة ولذة الحياة، غرائب. إلا أنها مما لا يوثق بها جميعها. لما داخلها من المزيج، وتوسع بها في الدخيل، حتى اختلط الحابل بالنابل. وإن كان يؤخذ من مجموعها بلاء فادح وضر مدهش. ولو علم الله خيرا في أكثر مما أجمله في تنزيله الحكيم، لتفضل علينا بتفصيله. ولذا يوقف عند إجماله فيما أجمل، وتفصيله فيما فصل. 
**تنبيه :**
قال بعضهم : أكثر المحققين على أن أيوب كان بعد زمن إبراهيم عليهما السلام. وأنه كان غنيا من أرباب العقار والماشية. وكان أميرا في قومه. وأن أملاكه ومنزله في أرض خصيبة رائعة التربة كثيرة المياه المتسلسلة في الجنوب الشرقي من البحر الميت. ومن جبل سعير بين بلاد أدوم وصحراء العربية. والله أعلم.

### الآية 21:84

> ﻿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ [21:84]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٨٣:أي اذكر أيوب وما أصابه من البلاء ودعاءه ربه في كشف ما نزل به، واستجابته تعالى دعاءه وما امتن به عليه في رفع البلاء. وما ضاعف له بعد صبره من النعماء، لتعلم أن النصر مع الصبر، وأن عاقبة العسر اليسر. وأن لك الأسوة بمثل هذا النبي الصبور، فيما ينزل أحيانا بك من ضر. وأن البلاء لم ينج منه الأنبياء. بل هم أشد الناس ابتلاء. كما في الحديث :( أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل ). 
وإن من أسباب الفرج دعاءه تعالى والابتهال إليه والتضرع له، وذكره بأسمائه الحسنى وصفاته العليا. 
وإن البلاء لا يدل على الهوان والشقاء. فإن السعادة والشقاء في هذا العالم لا يترتبان على صالح الأعمال وسيئها. لأن الدنيا ليست دار جزاء. وإن عاقبة الصدق في الصبر، هي توفية الأجر ومضاعفة البر. وقد روي أن أيوب عليه السلام، لما امتحن بما فقد معه أرزاقه وهلك به جميع آل بيته، وبما لبث يعاني من قروح جسد آلاما، وصبر وشكر، رحمه مولاه فعادت له صحة بدنه وأوتي أضعاف ما فقده. ورزق عدة أولاد، وعاش عمرا طويلا أبصر أولاد أولاده إلى الجيل الرابع. ولذا قال تعالى : وذكرى للعابدين  أي تذكرة لغيره من العابدين ليصبروا كما صبر، حتى يثابوا كما أثيب في الدنيا والآخرة. وبالجملة فالسر هو تثبيت قلوب المؤمنين وحملهم على الصبر في المجاهدة في سبيل الحق. وقد روى المفسرون هاهنا في بلاء أيوب روايات مختلفات، بأسانيد واهيات، لا يقام لها عند أئمة الأثر وزن. ولا تعار من الثقة أدنى النظر. نعم يوجد في التوراة سفر لأيوب فيه من شرح ضره، بفقد كل مقتنياته ومواشيه وآل بيته، وبنزول مرض شديد به، عدم معه الراحة ولذة الحياة، غرائب. إلا أنها مما لا يوثق بها جميعها. لما داخلها من المزيج، وتوسع بها في الدخيل، حتى اختلط الحابل بالنابل. وإن كان يؤخذ من مجموعها بلاء فادح وضر مدهش. ولو علم الله خيرا في أكثر مما أجمله في تنزيله الحكيم، لتفضل علينا بتفصيله. ولذا يوقف عند إجماله فيما أجمل، وتفصيله فيما فصل. 
 **تنبيه :**
قال بعضهم : أكثر المحققين على أن أيوب كان بعد زمن إبراهيم عليهما السلام. وأنه كان غنيا من أرباب العقار والماشية. وكان أميرا في قومه. وأن أملاكه ومنزله في أرض خصيبة رائعة التربة كثيرة المياه المتسلسلة في الجنوب الشرقي من البحر الميت. ومن جبل سعير بين بلاد أدوم وصحراء العربية. والله أعلم. ---

### الآية 21:85

> ﻿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ ۖ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ [21:85]

وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ  أي على القيام بأمر الله، وعلى شدائد النوب، وعلى احتمال الأذى في نصرة دينه تعالى، ففيهم أعظم أسوة  وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا  أي في النبوة أو في نعمة الآخرة  إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ  أي الكاملين في الصلاح. 
قال ابن كثير : أما إسماعيل فالمراد به ابن إبراهيم الخليل عليهما السلام. وقد تقدم ذكره في سورة مريم. وكذا إدريس عليه السلام. وأما ذو الكفل فالظاهر من السياق أنه ما قرن مع الأنبياء إلا وهو نبي. 
وقال آخرون : إنما كان رجلا صالحا، وكان ملكا عادلا وحكما مقسطا، وتوقف ابن جرير في ذلك. فالله أعلم. 
وذهب بعض المحققين إلى أن ذا الكفل هو حزقيل عليه السلام.

### الآية 21:86

> ﻿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا ۖ إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ [21:86]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٨٥: وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ  أي على القيام بأمر الله، وعلى شدائد النوب، وعلى احتمال الأذى في نصرة دينه تعالى، ففيهم أعظم أسوة  وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا  أي في النبوة أو في نعمة الآخرة  إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ  أي الكاملين في الصلاح. 
قال ابن كثير : أما إسماعيل فالمراد به ابن إبراهيم الخليل عليهما السلام. وقد تقدم ذكره في سورة مريم. وكذا إدريس عليه السلام. وأما ذو الكفل فالظاهر من السياق أنه ما قرن مع الأنبياء إلا وهو نبي. 
وقال آخرون : إنما كان رجلا صالحا، وكان ملكا عادلا وحكما مقسطا، وتوقف ابن جرير في ذلك. فالله أعلم. 
وذهب بعض المحققين إلى أن ذا الكفل هو حزقيل عليه السلام. ---

### الآية 21:87

> ﻿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [21:87]

وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ \* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ . أي اذكر ذا النون يعني صاحب الحوت، وهو يونس عليه السلام، وصبره على ما اصابه، ثم إنابته ونجاته، ليثبت في نبئه فؤادك ويقوى على الصبر على ما يقوله الطغاة جنانك. وهذه القصة مذكورة هاهنا وفي سورة ( الصافات ) وفي سورة ( ن ). 
وذلك أن يونس بن متى عليه السلام، أمره الله أن ينطلق إلى أهل نينوى – من أرض الموصل، كرسي سلطنة الأشوريين ليدعوهم إلى الإيمان به تعالى وحده، وإلى إقامة القسط ونشر العدل وحسن السيرة. وكانوا على الضد من ذلك، تعاظم كفرهم وتزايد شرهم. فخشي أن لا يتم له الأمر معهم، فأبق من بيت المقدس إلى يافا. ونزل في سفينة. سائ.. ( في النسخة المطبوعة بياض ذهب بآخر هذه الكلمة، ولعلها :" سائبة "، وفي تفسير الطاهر بن عاشور :" فركب سفينة للفنيقيين " ) إلى ترشيش ليقيم فيها. فأرسل الله ريحا شديدة على البحر، أشرفت السفينة معه على الغرق، فتخفف الركاب من أمتعتهم فلم يفد، فوقع في أنفسهم أن في السفينة شخصا سيهلكون بسببه، فاقترعوا لينظروا من هو، فخرجت القرعة على يونس، فقذفوه في البحر وسكن جيشانه وتموجه. وهيأ الله حوتا ليونس فابتلعه، فمكث في جوف الحوت ثلاثة أيام. ثم دعا ربه فاستجاب له، وألقاه الحوت على الساحل. ثم أوحى الله إلى يونس ثانية بالمسير إلى نينوى، ودعوتها إلى الله تعالى، فوصلها ونادى فيهم بالتوحيد والتوبة. وتوعدهم إن لم يؤمنوا أن تنقلب بهم نينوى، فلما تحققوا ذلك آمنوا. فرفع الله عنهم العذاب، قال تعالى : فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين . 
**تنبيهات :**
الأول : يونس عليه السلام يسمى في التوراة ( يونان ) وهو عبراني. ويقال إنه من جت حافر وهي قرية في سبط زبولون، في شمال الأرض المقدسة. وإنه نبئ قبل المسيح بنحو ثمانمائة سنة. والله أعلم. 
الثاني : أكبر المفسرين ( كما حكاه الرازي ) على أن يونس ذهب مغاضبا لربه. وأنه ظن بإباقه إلى الفلك، وتركه المسير إلى نينوى أولا، أن يترك ولا يقاص. قال بعض المحققين : إنما خالف يونس أولا الأمر الإلهي وترخص فيه، مخافة أن يظن أنه نبي كاذب إذا تاب أهل نينوى وعفا الله عن جرمهم. وإيثار صيغة المبالغة في  مغاضبا  للمبالغة. لأن أصله يكون بين اثنين، يجهد كل منهما في غلبة الآخر. فيقتضي بذل المقدور والتناهي. فاستعمل في لازمه للمبالغة. دون قصد ( مفاعلة ) وقد استدل بظاهر هذه الآية وأمثالها، من ذهب إلى جواز صدور الخطأ من الأنبياء، إلا الكذب في التبليغ، فإنه لا يجوز عليهم الخطأ فيه، لأنه حجة الله على عباده. وإلا ما يجري مجرى بيان الوحي، فإنه لا يجوز عليهم الخطأ في حال بيان المشروع. وهو قول الكرامية في المجرئة ( كما في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ) وقول الباقلاني من الأشعرية :( على ما حكاه ابن حزم في الملل ). وأما الجمهور المانعون من ذلك، فلهم في هذه الآية وأشباهها تأويلات. ونحن نؤثر ما قاله ابن حزم في هذا المقام، لأنه أطلق لسانا. قال رحمه الله ( بعد أن حكى مذهب الكرامية المذكور ) : وذهب أهل السنة والمعتزلة والنجارية والخوارج والشيعة إلى أنه لا يجوز البتة أن يقع من نبي معصية بعمد، لا صغيرة ولا كبيرة. 
ثم قال : وهذا القول الذي ندين الله تعالى به. ولا يحل لأحد أن يدين بسواه. ونقول : إنه يقع من الأنبياء السهو عن غير قصد. ويقع منهم أيضا قصد الشيء يريدون به وجه الله تعالى، والتقرب به منه. فيوافق خلاف مراد الله تعالى. إلا أنه تعالى لا يقرهم على شيء من هذين الوجهين أصلا، بل ينبههم على ذلك ولا بد، إثر وقوعه منهم. وربما يبغض المكروه في الدنيا، كالذي أصاب آدم ويونس والأنبياء عليهم السلام، بخلافنا في هذا. فإننا غير مؤاخذين بما سهونا فيه، ولا بما قصدنا به وجه الله عز وجل، فلم يصادف مراده تعالى. بل نحن مأجورون على هذا الوجه أجرا واحدا. 
ثم قال ( في الكلام على يونس عليه السلام ) : وأما إخبار الله تعالى أن يونس مغاضبا، فلم يغاضب ربه قط، ولا قال الله تعالى إنه غاضب ربه. فمن زاد هذه الزيادة كان قائلا على الله الكذب، وزائدا في القرآن ما ليس فيه. هذا لا يحل ولا يجوز أن يظن بمن له أدنى مسكة من عقل، أنه يغاضب ربه تعالى : فكيف أن يفعل ذلك نبي من الأنبياء ؟ فعلمنا يقينا أنه إنما غضب قومه، ولم يوافق ذلك مراد الله عز وجل، فعوقب بذلك. وإن كان يونس عليه السلام لم يقصد بذلك إلا رضاء الله عز وجل. وأما قوله تعالى : فظن أن لن نقدر عليه ، فليس على ما ظنوه من الظن السخيف الذي لا يجوز أن يظن بضعيفة من النساء أو بضعيف من الرجال. إلا أن يكون قد بلغ غاية من الجهل. فكيف بنبي مفضل على الناس في العلم ؟. ومن المحال المتيقن أن يكون نبي يظن أن الله تعالى الذي أرسله بدينه لا يقدر عليه. وهو يرى أن آدميا مثله يقدر عليه. ولا شك أن من نسب هذا للنبي صلى الله عليه وسلم الفاضل، فإنه يشتد غضبه لو نسب ذلك إليه أو إلى ابنه. فكيف إلى يونس بن متى الذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا تفضلوني على يونس بن متى ) ؟ فقد بطل ظنكم بلا شك، وصح أن معنى قوله : فظن أن لن نقدر عليه  أي لن نضيق عليه كما قال تعالى : وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه  أي ضيق عليه. فظن يونس عليه السلام أن الله تعالى لا يضيق عليه في مغاضبته لقومه، إذ ظن أنه محسن في فعله ذلك : وإنما نهى الله عز وجل، محمدا صلى الله عليه وسلم عن أن يكون كصاحب الحوت، فنعم، نهاه الله عز وجل عن مغاضبة قومه، وأمره بالصبر على أذاهم وبالمطاولة لهم. وأما قوله تعالى : إنه استحق الذم والملامة، لولا النعمة التي تداركه بها، للبث معاقبا في بطن الحوت، فهذا نفس ما قلناه من أن الأنبياء عليهم السلام يؤاخذون في الدنيا على ما فعلوه، مما يظنونه خيرا وقربة إلى الله عز وجل، إذا لم يوافق مراد ربهم. وعلى هذا الوجه أقر على نفسه بأنه كان من الظالمين. والظلم وضع الشيء في غير موضعه، فلما وضع النبي صلى الله عليه وسلم المغاضبة في غير موضعها، اعترف في ذلك بالظلم. لا على أنه قصده وهو يدري أنه ظلم. انتهى كلام ابن حزم. 
وأقول : إن الذي يفتح باب الإشكالات هو التعمق في الألفاظ. والتنطع في شرحها وتوليد معاني ولوازم لها، والتوسع في وجوهها توسعا يميت رونق التركيب ونصاعة بلاغته. ومعلوم أن التنزيل الكريم فاق سائر أساليب الكلام المعهودة بأسلوبه البديع. ولذا كانت آية تأخذ بمجامع القلوب رقة وانسجاما. وبلاغة وانتظاما. فلا ترى في كلمة إلا المختارات لفظا، ولا في جملة إلا الفخيمات تركيبا، ولا في إشاراته إلا الأقوى رمزا، ولا في كناياته إلا الأعلى مغزى. ومن ذلك سنته في الملام والوعيد من إفراغ القول في أبلغ قالب شديد، مما يؤخذ منه شدة الخطب، وقوة العتب وذلك لعزة الجناب الإلهي والمقام الرباني. فالعربي البليغ طبعا، الذائق جبلة، إذا تلي عليه مجمل نبأ يونس عليه السلام في هذه الآية، يدهش لما ترمي إليه من قوة العتب والملام، وأنه بإباقه غاضب مولاه، غضبا لا يماثل الغضب على العصاة. فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين. وأنه ظن أن ينسى فلا يؤاخذ. ويفلت فلا يحصر. فأتاه ما لم يكن على بال، ووقع في شرك قدرة المتعال، ثم تداركته النعمة، ولحقته الرحمة. هذا مجمل ما يفهم من الآية منطوقا ومفهوما. فافهم ما ذكرته لك. فإنه يبلغك من التحقيق أملك. 
الثالث : عد بعض الملاحدة ابتلاع الحوت يونس محالا. فكتب بعض المحققين مجيبا بأن هذا إنكار لقدرة الله تعالى فاطر السماوات والأرض. الذي له في خلقه غرائب. ومنها الحيتان المتنوعة الهائلة الجثث، التي لم يزل يصطاد منها في هذا العصر، وفي بطونها أجساد الناس بملابسهم. وكتب آخر : لم يتعرض لتعيين نوع الحوت الذي ابتلع يونس. ولعله فيما قال قوم من المحققين. من النوع المعروف عند بعضهم ( بالزفا ) وهو من كبار الحيتان يكون في بحر الروم، واسع الحلقوم، حتى أنه ليبتلع الرجل برمته، دون أن يشدخه أو يجرحه. حتى يبقى في الإمكان أن يخرج منه وهو حي : ومع ذلك فلم يكن بغير معجزة بقاؤه ثلاثة أيام في جوف هذا الحوت، ولبث مالكا رشده متمكنا من التسبيح والدعاء. انتهى. 
الرابع : الجمع في قوله : في الظلمات  إما دعاؤه على حقيقته، وهي ظلمة بطن الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل. وقد روي ذلك عن ابن مسعود وغيرهما. أو هو مجاز، يجعل الظلمة لشدتها وتكاثفها في بطن الحوت كأنها ظلمات. والمراد منها أحد المذكورات، أو بطن الحوت. وقدمه الزمخشري ونظره بآية :( ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات ). 
الخامس : قوله تعالى :( فاستجبنا له ) أي دعاءه  ونجيناه من الغم  يعني بأن قذفه الحوت إلى الساحل، قيل لم يقل ( فنجيناه ) كما قال في قصة أيوب عليه السلام : فكشفنا  لأنه دعا بالخلاص من الضر. فالكشف المذكور يترتب على استجابته. ويونس عليه السلام لم يدع، فلم يوجد وجه الترتيب في استجابته. ورد بأن ( الفاء ) في قصة أيوب تفسيرية. والعطف هنا أيضا تفسيري. والتفنن طريقة مسلوكة في علم البلاغة. ثم لا نسلم أن يونس لم يدع بالخلاص. ولو لم يكن دعاء لم تحقق الاستجابة. واستظهر الشهاب في سر الإتيان بالفاء ثمة، والواو هنا غير التفنن المذكور. أن يقال : إن الأول دعاء بكشف الضر وتلطف في السؤال. فلما أجمل في الاستجابة، وكان السؤال بطريق الإيماء، ناسب أن يؤتى بالفاء التفصيلية. وأما هنا، فإنه لما هاجر من غير أمر، على خلاف معتاد الأنبياء عليهم السلام، كان ذلك ذنبا. 
كما أشار إليه بقوله : من الظالمين  فما أومأ إليه هو الدعاء بعدم مؤاخذته بما صدر منه من سيئات الأبرار. فالاستجابة عبارة عن قبول توبته وعدم مؤاخذته : وليس ما بعده تفسيرا له، بل زيادة إحسان على مطلوبه. ولذا عطف بالواو. انتهى. 
السادس : قوله : وكذلك ننجي المؤمنين  أي إذا كانوا في غموم، وأخلصوا في أدعيتهم منيبين، لاسيما بهذا الدعاء : وقد روي في الترغيب آثار : منها عند أحمد والترمذي ( دعوة ذي النون، لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط، إلا استجاب له ).

### الآية 21:88

> ﻿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [21:88]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٨٧: وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ \* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ . أي اذكر ذا النون يعني صاحب الحوت، وهو يونس عليه السلام، وصبره على ما اصابه، ثم إنابته ونجاته، ليثبت في نبئه فؤادك ويقوى على الصبر على ما يقوله الطغاة جنانك. وهذه القصة مذكورة هاهنا وفي سورة ( الصافات ) وفي سورة ( ن ). 
وذلك أن يونس بن متى عليه السلام، أمره الله أن ينطلق إلى أهل نينوى – من أرض الموصل، كرسي سلطنة الأشوريين ليدعوهم إلى الإيمان به تعالى وحده، وإلى إقامة القسط ونشر العدل وحسن السيرة. وكانوا على الضد من ذلك، تعاظم كفرهم وتزايد شرهم. فخشي أن لا يتم له الأمر معهم، فأبق من بيت المقدس إلى يافا. ونزل في سفينة. سائ.. ( في النسخة المطبوعة بياض ذهب بآخر هذه الكلمة، ولعلها :" سائبة "، وفي تفسير الطاهر بن عاشور :" فركب سفينة للفنيقيين " ) إلى ترشيش ليقيم فيها. فأرسل الله ريحا شديدة على البحر، أشرفت السفينة معه على الغرق، فتخفف الركاب من أمتعتهم فلم يفد، فوقع في أنفسهم أن في السفينة شخصا سيهلكون بسببه، فاقترعوا لينظروا من هو، فخرجت القرعة على يونس، فقذفوه في البحر وسكن جيشانه وتموجه. وهيأ الله حوتا ليونس فابتلعه، فمكث في جوف الحوت ثلاثة أيام. ثم دعا ربه فاستجاب له، وألقاه الحوت على الساحل. ثم أوحى الله إلى يونس ثانية بالمسير إلى نينوى، ودعوتها إلى الله تعالى، فوصلها ونادى فيهم بالتوحيد والتوبة. وتوعدهم إن لم يؤمنوا أن تنقلب بهم نينوى، فلما تحققوا ذلك آمنوا. فرفع الله عنهم العذاب، قال تعالى : فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين . 
 **تنبيهات :**
الأول : يونس عليه السلام يسمى في التوراة ( يونان ) وهو عبراني. ويقال إنه من جت حافر وهي قرية في سبط زبولون، في شمال الأرض المقدسة. وإنه نبئ قبل المسيح بنحو ثمانمائة سنة. والله أعلم. 
الثاني : أكبر المفسرين ( كما حكاه الرازي ) على أن يونس ذهب مغاضبا لربه. وأنه ظن بإباقه إلى الفلك، وتركه المسير إلى نينوى أولا، أن يترك ولا يقاص. قال بعض المحققين : إنما خالف يونس أولا الأمر الإلهي وترخص فيه، مخافة أن يظن أنه نبي كاذب إذا تاب أهل نينوى وعفا الله عن جرمهم. وإيثار صيغة المبالغة في  مغاضبا  للمبالغة. لأن أصله يكون بين اثنين، يجهد كل منهما في غلبة الآخر. فيقتضي بذل المقدور والتناهي. فاستعمل في لازمه للمبالغة. دون قصد ( مفاعلة ) وقد استدل بظاهر هذه الآية وأمثالها، من ذهب إلى جواز صدور الخطأ من الأنبياء، إلا الكذب في التبليغ، فإنه لا يجوز عليهم الخطأ فيه، لأنه حجة الله على عباده. وإلا ما يجري مجرى بيان الوحي، فإنه لا يجوز عليهم الخطأ في حال بيان المشروع. وهو قول الكرامية في المجرئة ( كما في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ) وقول الباقلاني من الأشعرية :( على ما حكاه ابن حزم في الملل ). وأما الجمهور المانعون من ذلك، فلهم في هذه الآية وأشباهها تأويلات. ونحن نؤثر ما قاله ابن حزم في هذا المقام، لأنه أطلق لسانا. قال رحمه الله ( بعد أن حكى مذهب الكرامية المذكور ) : وذهب أهل السنة والمعتزلة والنجارية والخوارج والشيعة إلى أنه لا يجوز البتة أن يقع من نبي معصية بعمد، لا صغيرة ولا كبيرة. 
ثم قال : وهذا القول الذي ندين الله تعالى به. ولا يحل لأحد أن يدين بسواه. ونقول : إنه يقع من الأنبياء السهو عن غير قصد. ويقع منهم أيضا قصد الشيء يريدون به وجه الله تعالى، والتقرب به منه. فيوافق خلاف مراد الله تعالى. إلا أنه تعالى لا يقرهم على شيء من هذين الوجهين أصلا، بل ينبههم على ذلك ولا بد، إثر وقوعه منهم. وربما يبغض المكروه في الدنيا، كالذي أصاب آدم ويونس والأنبياء عليهم السلام، بخلافنا في هذا. فإننا غير مؤاخذين بما سهونا فيه، ولا بما قصدنا به وجه الله عز وجل، فلم يصادف مراده تعالى. بل نحن مأجورون على هذا الوجه أجرا واحدا. 
ثم قال ( في الكلام على يونس عليه السلام ) : وأما إخبار الله تعالى أن يونس مغاضبا، فلم يغاضب ربه قط، ولا قال الله تعالى إنه غاضب ربه. فمن زاد هذه الزيادة كان قائلا على الله الكذب، وزائدا في القرآن ما ليس فيه. هذا لا يحل ولا يجوز أن يظن بمن له أدنى مسكة من عقل، أنه يغاضب ربه تعالى : فكيف أن يفعل ذلك نبي من الأنبياء ؟ فعلمنا يقينا أنه إنما غضب قومه، ولم يوافق ذلك مراد الله عز وجل، فعوقب بذلك. وإن كان يونس عليه السلام لم يقصد بذلك إلا رضاء الله عز وجل. وأما قوله تعالى : فظن أن لن نقدر عليه ، فليس على ما ظنوه من الظن السخيف الذي لا يجوز أن يظن بضعيفة من النساء أو بضعيف من الرجال. إلا أن يكون قد بلغ غاية من الجهل. فكيف بنبي مفضل على الناس في العلم ؟. ومن المحال المتيقن أن يكون نبي يظن أن الله تعالى الذي أرسله بدينه لا يقدر عليه. وهو يرى أن آدميا مثله يقدر عليه. ولا شك أن من نسب هذا للنبي صلى الله عليه وسلم الفاضل، فإنه يشتد غضبه لو نسب ذلك إليه أو إلى ابنه. فكيف إلى يونس بن متى الذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا تفضلوني على يونس بن متى ) ؟ فقد بطل ظنكم بلا شك، وصح أن معنى قوله : فظن أن لن نقدر عليه  أي لن نضيق عليه كما قال تعالى : وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه  أي ضيق عليه. فظن يونس عليه السلام أن الله تعالى لا يضيق عليه في مغاضبته لقومه، إذ ظن أنه محسن في فعله ذلك : وإنما نهى الله عز وجل، محمدا صلى الله عليه وسلم عن أن يكون كصاحب الحوت، فنعم، نهاه الله عز وجل عن مغاضبة قومه، وأمره بالصبر على أذاهم وبالمطاولة لهم. وأما قوله تعالى : إنه استحق الذم والملامة، لولا النعمة التي تداركه بها، للبث معاقبا في بطن الحوت، فهذا نفس ما قلناه من أن الأنبياء عليهم السلام يؤاخذون في الدنيا على ما فعلوه، مما يظنونه خيرا وقربة إلى الله عز وجل، إذا لم يوافق مراد ربهم. وعلى هذا الوجه أقر على نفسه بأنه كان من الظالمين. والظلم وضع الشيء في غير موضعه، فلما وضع النبي صلى الله عليه وسلم المغاضبة في غير موضعها، اعترف في ذلك بالظلم. لا على أنه قصده وهو يدري أنه ظلم. انتهى كلام ابن حزم. 
وأقول : إن الذي يفتح باب الإشكالات هو التعمق في الألفاظ. والتنطع في شرحها وتوليد معاني ولوازم لها، والتوسع في وجوهها توسعا يميت رونق التركيب ونصاعة بلاغته. ومعلوم أن التنزيل الكريم فاق سائر أساليب الكلام المعهودة بأسلوبه البديع. ولذا كانت آية تأخذ بمجامع القلوب رقة وانسجاما. وبلاغة وانتظاما. فلا ترى في كلمة إلا المختارات لفظا، ولا في جملة إلا الفخيمات تركيبا، ولا في إشاراته إلا الأقوى رمزا، ولا في كناياته إلا الأعلى مغزى. ومن ذلك سنته في الملام والوعيد من إفراغ القول في أبلغ قالب شديد، مما يؤخذ منه شدة الخطب، وقوة العتب وذلك لعزة الجناب الإلهي والمقام الرباني. فالعربي البليغ طبعا، الذائق جبلة، إذا تلي عليه مجمل نبأ يونس عليه السلام في هذه الآية، يدهش لما ترمي إليه من قوة العتب والملام، وأنه بإباقه غاضب مولاه، غضبا لا يماثل الغضب على العصاة. فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين. وأنه ظن أن ينسى فلا يؤاخذ. ويفلت فلا يحصر. فأتاه ما لم يكن على بال، ووقع في شرك قدرة المتعال، ثم تداركته النعمة، ولحقته الرحمة. هذا مجمل ما يفهم من الآية منطوقا ومفهوما. فافهم ما ذكرته لك. فإنه يبلغك من التحقيق أملك. 
الثالث : عد بعض الملاحدة ابتلاع الحوت يونس محالا. فكتب بعض المحققين مجيبا بأن هذا إنكار لقدرة الله تعالى فاطر السماوات والأرض. الذي له في خلقه غرائب. ومنها الحيتان المتنوعة الهائلة الجثث، التي لم يزل يصطاد منها في هذا العصر، وفي بطونها أجساد الناس بملابسهم. وكتب آخر : لم يتعرض لتعيين نوع الحوت الذي ابتلع يونس. ولعله فيما قال قوم من المحققين. من النوع المعروف عند بعضهم ( بالزفا ) وهو من كبار الحيتان يكون في بحر الروم، واسع الحلقوم، حتى أنه ليبتلع الرجل برمته، دون أن يشدخه أو يجرحه. حتى يبقى في الإمكان أن يخرج منه وهو حي : ومع ذلك فلم يكن بغير معجزة بقاؤه ثلاثة أيام في جوف هذا الحوت، ولبث مالكا رشده متمكنا من التسبيح والدعاء. انتهى. 
الرابع : الجمع في قوله : في الظلمات  إما دعاؤه على حقيقته، وهي ظلمة بطن الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل. وقد روي ذلك عن ابن مسعود وغيرهما. أو هو مجاز، يجعل الظلمة لشدتها وتكاثفها في بطن الحوت كأنها ظلمات. والمراد منها أحد المذكورات، أو بطن الحوت. وقدمه الزمخشري ونظره بآية :( ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات ). 
الخامس : قوله تعالى :( فاستجبنا له ) أي دعاءه  ونجيناه من الغم  يعني بأن قذفه الحوت إلى الساحل، قيل لم يقل ( فنجيناه ) كما قال في قصة أيوب عليه السلام : فكشفنا  لأنه دعا بالخلاص من الضر. فالكشف المذكور يترتب على استجابته. ويونس عليه السلام لم يدع، فلم يوجد وجه الترتيب في استجابته. ورد بأن ( الفاء ) في قصة أيوب تفسيرية. والعطف هنا أيضا تفسيري. والتفنن طريقة مسلوكة في علم البلاغة. ثم لا نسلم أن يونس لم يدع بالخلاص. ولو لم يكن دعاء لم تحقق الاستجابة. واستظهر الشهاب في سر الإتيان بالفاء ثمة، والواو هنا غير التفنن المذكور. أن يقال : إن الأول دعاء بكشف الضر وتلطف في السؤال. فلما أجمل في الاستجابة، وكان السؤال بطريق الإيماء، ناسب أن يؤتى بالفاء التفصيلية. وأما هنا، فإنه لما هاجر من غير أمر، على خلاف معتاد الأنبياء عليهم السلام، كان ذلك ذنبا. 
كما أشار إليه بقوله : من الظالمين  فما أومأ إليه هو الدعاء بعدم مؤاخذته بما صدر منه من سيئات الأبرار. فالاستجابة عبارة عن قبول توبته وعدم مؤاخذته : وليس ما بعده تفسيرا له، بل زيادة إحسان على مطلوبه. ولذا عطف بالواو. انتهى. 
السادس : قوله : وكذلك ننجي المؤمنين  أي إذا كانوا في غموم، وأخلصوا في أدعيتهم منيبين، لاسيما بهذا الدعاء : وقد روي في الترغيب آثار : منها عند أحمد والترمذي ( دعوة ذي النون، لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط، إلا استجاب له ). ---

### الآية 21:89

> ﻿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ [21:89]

**وقوله تعالى :**
 وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ . 
 وَزَكَرِيَّا  أي واذكر خبره  إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا  أي حين طلب أن يهبه ربه ولدا يكون من بعده نبيا، ولا يتركه فردا وحيدا بلا وارث، وقد تقدمت القصة مبسوطة في أول سورة مريم وفي سورة آل عمران أيضا. وقوله : وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ  ثناء مناسب للمسألة. قال الغزالي في ( شرح الأسماء الحسنى ) : الوارث هو الذي ترجع إليه الأملاك بعد فناء الملاك. وذلك هو الله سبحانه، إذ هو الباقي بعد فناء خلقه، وإليه مرجع كل شيء ومصيره،

### الآية 21:90

> ﻿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [21:90]

**وقوله تعالى :**
 فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ . 
 فَاسْتَجَبْنَا لَهُ  أي دعاءه  وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ  أي أصلحناها للولادة بعد عقرها، معجزة وكرامة له. وقوله تعالى : إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ  تعليل لما فصل من فنون إحسانه تعالى، المتعلقة بالأنبياء المذكورين، أي كانوا يبادرون في كل باب من الخير. وإيثار ( في ) على ( إلى ) للإشارة إلى ثباتهم واستقرارهم في أصل الخير. لأن ( إلى ) تدل على الخروج عن الشيء والتوجه إليه : وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا  أي ذوي رغب ورهب، أو راغبين في الثواب راجين للإجابة  وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ  أي مخبتين متضرعين.

### الآية 21:91

> ﻿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ [21:91]

**وقوله تعالى :**
 وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ . 
 وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا  أي اذكر نبأ التي أحصنته إحصانا كليا، عن الحلال والحرام جميعا. كما قالت : ولم يمسسني بشر  والتعبير عنها بالموصول، لتفخيم شأنها وتنزيهها عما زعموه في حقها، بادئ بدء : فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا  أي نفخنا الروح في عيسى فيها. أي أحييناه في جوفها. فنزل نفخ الروح في عيسى، لكونه في جوف مريم، منزلة نفخ الروح فيها. ونفخ الروح في الجسد عبارة عن إحيائه. 
وقيل : المعنى فعلنا النفخ فيها من جهة روحنا جبريل عليه السلام، أي أمرناه فنفخ. أو فنفخنا فيها بعض روحنا، أي بعض الأرواح المخلوقة لنا. وذلك البعض هو روح عيسى، لأنها وصلت في الهواء الذي نفخه في رحمها  وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا  أي نبأهما  آيَةً لِّلْعَالَمِينَ  أي في كمال قدرته واختصاصه من شاء بما شاء. وقد كان من آيتهما إتيان الرزق لمريم في غير أوانه. وتثمير النخل اليابس. وإجراء العين، ونطق ابنها في المهد. وإحياء الموتى. وإبراء الأكمة والأبرص. 
قال الزمخشري : فإن قلت : هلا قيل ( آيتين ) كما قال : وجعلنا الليل والنهار آيتين  ؟ قلت : لأن حالهما بمجموعهما آية واحدة. وهي ولادتها إياه من غير فحل. انتهى. وقيل : المعنى وجعلناها آية وابنها آية. فحذفت الأولى لدلالة الثانية عليها.

### الآية 21:92

> ﻿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [21:92]

ولما أنهى ما ذكر تعالى من شأن جماعة من الأنبياء صلوات الله عليهم، أشار إلى أن عقائدهم وأصول دينهم واحدة، بقوله سبحانه وتعالى :
 إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ . 
 إِنَّ هَذِهِ  أي علة التوحيد والاستسلام لمعبود واحد لا شريك له  أُمَّتُكُمْ  أي ملتكم التي يجب أن تحافظوا على حدودها وتراعوا حقوقها. والخطاب للناس كافة  أُمَّةً وَاحِدَةً  أي غير مختلفة. بل هي ملة واحدة. أي إن جميع الأنبياء ورسل الله على ملة واحدة ودين واحد. كما قال تعالى : إن الدين عند الله الإسلام   وَأَنَا رَبُّكُمْ  أي لا إله لكم غيري  فَاعْبُدُونِ  أي ولا تشركوا بي شيئا. 
**تنبيه :**
قلنا : إن الأمة هنا بمعنى الملة، وهو الدين المجتمع عليه، كما في قوله : إنا وجدنا آباءنا على أمة  أي على دين يجتمع عليه. والأمة بهذا المعنى هو ما رجحه كثير من المفسرين في هذه الآية، وفي آية : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم \* وإن هذه أمتكم واحدة وأنا ربكم فاتقون  وتطلق ( الأمة ) بمعنى الجماعة، كما هي في قوله تعالى : وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون  أي جماعة. وكما في قوله : ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر  ولا تكون بمعنى الجماعة مطلقا. وإنما هي بمعنى الجماعة الذين تربطهم رابطة اجتماع، يعتبرون بها واحدا، وتسوغ أن يطلق عليهم اسم واحد كاسم الأمة. وتطلق الأمة بمعنى السنين كما في قوله تعالى : ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة  وفي قوله : وادكر بعد أمة  وبمعنى الإمام الذي يقتدى به، كما في قوله : إن إبراهيم كان أمة قانتا لله  وبمعنى إحدى الأمم المعروفة كما في قوله : كنتم خير أمة أخرجت للناس  وهذا المعنى الأخير لا يخرج عن معنى الجماعة، على ما ذكرنا. وإنما خصصه العرف تخصيصا. كذا حققه العلامة محمد عبده رحمه الله في تفسير آية : كان الناس أمة واحدة .

### الآية 21:93

> ﻿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ۖ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ [21:93]

وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ . 
 وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ  أي تفرق الناس في دينهم الذي أمرهم الله به، ودعاهم إليه. فصاروا فيه أحزابا ومللا. 
قال الزمخشري رحمه الله : والأصل ( وتقطعتم ) إلا أن الكلام صرف إلى الغيبة على طريقة الالتفات. كأنه ينعي عليهم ما أفسدوه، إلى آخرين، ويقبح عندهم فعلهم، ويقول لهم : ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله ؟ والمعنى جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا، كما يتورع الجماعة الشيء ويقتسمونه. فيطير لهذا نصيب ولذاك نصيب، تمثيلا لاختلافهم فيه، وصيرورتهم فرقا وأحزابا شتى. ثم توعدهم بأن هؤلاء الفرق المختلفة، إليه يرجعون. فهو محاسبهم ومجازيهم، المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.

### الآية 21:94

> ﻿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ [21:94]

فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ  أي فمن عمل من هؤلاء، الذين تفرقوا في دينهم، بما أمر الله به من العمل الصالح، وأطاعه في أمره ونهيه، وهو مقر بوحدانية الله، مصدق وعده ووعيده، متبرئ من الأنداد والآلهة، فلا كفران لسعيه، بل يشكر الله عمله هذا، ويثيبه ثواب أهل طاعته. وقوله تعالى : وإنا له  أي لسعيه المشكور  كاتبون  أي مثبتوه في صحيفة أعماله، ولا نضيعه. 
**تنبيه :**
الكفران مصدر من ( كفر فلان النعمة كفرا وكفرانا ) وأوثر  لا كفران  على ( لا نكفر ) للمبالغة. لأن نفي الجنس مستلزم له وأبلغ في التنزيه بعمومه. وعبر عن العمل بالسعي لإظهار الاعتداد به. والآية كقوله تعالى : ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا .

### الآية 21:95

> ﻿وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ [21:95]

ثم أشار إلى مقابل هؤلاء، وهم من أعرض عن ذكره تعالى، بلحوق الوعيد لهم، لما جرت به سنته تعالى، بقوله سبحانه :
 وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ . 
 وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ، أي وحرام على أهل قرية فسقوا عن أمر ربهم، فأهلكهم بذنوبهم، أن يرجعوا إلى أهلهم، كقوله تعالى : ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون  وقوله : فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون  وزيادة ( لا ) هنا لتأكيد معنى النفي من  حرام  وهذا من أساليب التنزيل البديعة البالغة النهاية في الدقة. وسر الإخبار بعدم الرجوع مع وضوحه، هو الصدع بما يزعجهم ويؤسفهم ويلوعهم من الهلاك المؤبد، وفوات أمنيتهم الكبرى، وهي حياتهم الدنيا. وجعل أبو مسلم هذه الآية من تتمة ما قبلها، و ( لا ) فيها على بابها. وهي مع  حرام  من قبيل نفي النفي. فيدل على الإثبات. والمعنى : وحرام على القرية المهلكة، عدم رجوعها إلى الآخرة. بل واجب رجوعها للجزاء. فيكون الغرض إبطال قول من ينكر البعث. وتحقيق ما تقدم أنه لا كفران لسعي أحد. وأنه سبحانه سيحييه، وبعلمه يجزيه. واللفظ الكريم يحتمله ويتضح فيه. إلا أن الأول لرعاية النظائر من الآي أولى. وأما ما ذكر سواهما، فلا يدل عليه السياق ولا النظير. وفيه ما يخل بالبلاغة من التعقيد وفوات سلامة التعبير.

### الآية 21:96

> ﻿حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [21:96]

ثم أشار إلى تحقق نصر الرسل وغلبتهم، وكثرة أتباعهم حتى يحيطوا بأعدائهم من كل جانب، وينزلوا بهم ما تشخص لهم أبصارهم، ويورثهم طول الندامة، بقوله تعالى :
 حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ . 
 حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ  علم لكل أمة كثيرة العدد مختلطة من أجناس شتى  وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ  أي من كل نشز من الأرض يسرعون، متجندين لقهر أعدائهم، تحت راية نبيهم أو أميره أو خليفته.

### الآية 21:97

> ﻿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَٰذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ [21:97]

وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ  أي طلعت طلائع النصر والقهر، ودحر الباطل والكفر  فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا  أي لهول ما حل بساحتهم والدهشة منه، قائلين : يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا  أي لم نعلم أنه حق : بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ  أي لأنفسنا، بالإخلال بالنظر والإباء والعناد.

### الآية 21:98

> ﻿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [21:98]

ثم أشار إلى شأنهم في الآخرة بقوله سبحانه :
 إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ  أي من الأوثان والأصنام  حَصَبُ جَهَنَّمَ  أي ما يرمى به إليها  أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ \* { لَوْ كَانَ هَؤُلَاء آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ  أي فلا منجي لهم منها. 
قال الزمخشري : فإن قلت : لم قرنوا بآلهتهم ؟ قلت : لأنهم لا يزالون لمقارنتهم في زيادة غم وحسرة. حيث أصابهم ما أصابهم بسببهم والنظر إلى وجه العدو باب من العذاب. ولأنهم قدروا أنهم يستشفعون بهم في الآخرة، ويستنفعون بشفاعتهم. فإذا صادفوا الأمر على عكس ما قدروا، لم يكن شيء أبغض إليهم منهم  لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ  أي ترديد نفس تنتفخ منه الضلوع  وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ  أي من الهول وشدة العذاب.

### الآية 21:99

> ﻿لَوْ كَانَ هَٰؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا ۖ وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ [21:99]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٩٨:ثم أشار إلى شأنهم في الآخرة بقوله سبحانه :
 إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ  أي من الأوثان والأصنام  حَصَبُ جَهَنَّمَ  أي ما يرمى به إليها  أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ \* { لَوْ كَانَ هَؤُلَاء آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ  أي فلا منجي لهم منها. 
قال الزمخشري : فإن قلت : لم قرنوا بآلهتهم ؟ قلت : لأنهم لا يزالون لمقارنتهم في زيادة غم وحسرة. حيث أصابهم ما أصابهم بسببهم والنظر إلى وجه العدو باب من العذاب. ولأنهم قدروا أنهم يستشفعون بهم في الآخرة، ويستنفعون بشفاعتهم. فإذا صادفوا الأمر على عكس ما قدروا، لم يكن شيء أبغض إليهم منهم  لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ  أي ترديد نفس تنتفخ منه الضلوع  وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ  أي من الهول وشدة العذاب. ---

### الآية 21:100

> ﻿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ [21:100]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٩٨:ثم أشار إلى شأنهم في الآخرة بقوله سبحانه :
 إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ  أي من الأوثان والأصنام  حَصَبُ جَهَنَّمَ  أي ما يرمى به إليها  أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ \* { لَوْ كَانَ هَؤُلَاء آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ  أي فلا منجي لهم منها. 
قال الزمخشري : فإن قلت : لم قرنوا بآلهتهم ؟ قلت : لأنهم لا يزالون لمقارنتهم في زيادة غم وحسرة. حيث أصابهم ما أصابهم بسببهم والنظر إلى وجه العدو باب من العذاب. ولأنهم قدروا أنهم يستشفعون بهم في الآخرة، ويستنفعون بشفاعتهم. فإذا صادفوا الأمر على عكس ما قدروا، لم يكن شيء أبغض إليهم منهم  لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ  أي ترديد نفس تنتفخ منه الضلوع  وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ  أي من الهول وشدة العذاب. ---

### الآية 21:101

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [21:101]

ثم بين تعالى حال المؤمنين إثر حال الكافرين، حسبما جرت به سنة التنزيل، من شفع الوعد بالوعيد، وإيراد الترغيب مع الترهيب، بقوله سبحانه :
 إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى  أي الخصلة الحسنى، وهي السعادة أو التوفيق  أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ  لأنهم في غرفات الجنان آمنون. إذ وقاهم ربهم عذاب السعير

### الآية 21:102

> ﻿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا ۖ وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ [21:102]

لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا  أي صوتا يحس به منها، لبعدهم عنها وعما يفزعهم  وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ \* لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ  أي للحشر كما قال تعالى : ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض   وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ  أي تستقبلهم مهنئين لهم قائلين : هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ  أي في الدنيا، وتبشرون بنيل المثوبة الحسنى فيه.

### الآية 21:103

> ﻿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [21:103]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٠٢: لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا  أي صوتا يحس به منها، لبعدهم عنها وعما يفزعهم  وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ \* لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ  أي للحشر كما قال تعالى : ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض   وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ  أي تستقبلهم مهنئين لهم قائلين : هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ  أي في الدنيا، وتبشرون بنيل المثوبة الحسنى فيه. ---

### الآية 21:104

> ﻿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [21:104]

وقوله تعالى : يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء  أي اذكره. أو ظرف ل  لا يخزيهم  أو ل  تتلقاهم . والطي ضد النشر. وقوله : كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ  أي كما يطوى السجل وهو الكتاب. واللام في  للكتب  لام التبيين. ولذلك قرئ ( الكتاب ) بالإفراد. أو بمعنى ( من ) وفيه قرب من الأول، أو ( الكتب ) بمعنى المكتوب. أي كطي الصحيفة على مكتوبها. فاللام بمعنى ( على ) وهو ما اختاره ابن جرير. 
**تنبيه :**
ما نقل عن ابن عباس أن السجل اسم رجل يكتب للنبي صلوات الله عليه، كما رواه أبو داود والنسائي وغيرهما، فأثر منكر لا يصح. 
قال ابن كثير : وقد صرح بوضعه جماعة من الحفاظ، وإن كان في ( سنن أبي داود ). منهم شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي. 
وكذلك تقدم في رده الإمام ابن جرير وقال : لا يعرف في الصحابة أحد اسمه السجل. وكتاب النبي صلوات الله عليه، معروفون، وليس فيهم أحد اسمه السجل. 
وصدق رحمه الله في ذلك. وهو من أقوى الأدلة على نكارة هذا الحديث. 
وأما من ذكره في أسماء الصحابة، فإنما اعتمد على هذا الحديث. والصحيح عن ابن عباس أن السجل هي الصحيفة. انتهى. 
وهذه الآية كآية : وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه، سبحانه وتعالى عما يشركون  وطي السماء كناية عن انكدار نجومها، ومحو رسومها، بفساد تركيبها واختلال نظامها. فلا يبقى أمر ما فيها من الكواكب على ما نراه اليوم. فيخرب العالم بأسره : كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ  أي منجزين إياه.

### الآية 21:105

> ﻿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [21:105]

ثم أشار إلى تحقيق مصداقه، بإعزاز المنبئ عنه، وإيراثه ملك جاحده، بقوله تعالى : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ  أي العاملون بطاعته. المنتهون إلى أمره ونهيه. دون العاملين منهم بمعصيته، المؤثرين طاعة الشيطان على طاعته. و  الزبور  علم على كتاب داود عليه السلام، ويقال : المراد به كل كتاب منزل. والذكر – قالوا – التوراة أو أم الكتاب. يعني اللوح الذي كتب فيه كل شيء قبل الخلق، والله أعلم.

### الآية 21:106

> ﻿إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ [21:106]

وقوله تعالى : إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ  إشارة إلى المذكور في هذه السورة من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ البالغة. أو إلى العبرة في إيراث الأرض الصالحين ودحر المجرمين. و ( البلاغ ) الكفاية. وقوله : لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ  أي يعبدون الله، بما شرعه وأحبه ورضيه. ويؤثرون طاعته على طاعة الشياطين وشهوات النفس

### الآية 21:107

> ﻿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [21:107]

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ  أي وما أرسلناك بهذه الحنفية والدين الفطري، إلا حال كونك رحمة للخلق ؛ فإن ما بعثت به سبب لسعادة الدارين. وفي جعله نفس الرحمة مبالغة جلية. وجوز كون  رحمة  مفعولا له. أي للرحمة، فهو نبي الرحمة. 
**تنبيه :**
قال الرازي : إنه عليه السلام كان رحمة في الدين وفي الدنيا. أما في الدين فلأنه بعث والناس في جاهلية وضلالة وأهل الكتابين كانوا في حيرة من أمر دينهم، لطول مكثهم وانقطاع تواترهم ووقوع الاختلاف في كتبهم. فبعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم حين لم يكن لطالب الحق سبيل إلى الفوز والثواب. فدعاهم إلى الحق وبين لهم سبيل الثواب، وشرع لهم الأحكام وميز الحلال من الحرام. ثم إنما ينتفع بهذه الرحمة من كانت همته طلب الحق، فلا يركن إلى التقليد ولا إلى العناد والاستكبار، وكان التوفيق قرينا له. قال الله تعالى : قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء  إلى قوله تعالى : وهو عليهم عمى  وأما في الدنيا فلأنهم تخلصوا بسببه من كثير من الذل والقتال والحروب، ونصروا ببركة دينه. انتهى. 
وقد أشرت إلى وجه الرحمة في بعثته صلوات الله عليه، في ( الشذرة ) التي جمعتها في سيرته الزكية، في بيان افتقار الناس جميعا إلى رسالته، فقلت : كل من لحظ بعين الحكمة والاعتبار، ونفذت بصيرته إلى مكنون الأسرار، علم حاجة البشر كافة إلى رسالة خاتم النبيين، وأكبر منة الله به على العالمين، فقد بعث صلوات الله عليه وسلامه على حين فترة من الرسل، وإخافة للسبل، وانتشار من الأهواء، وتفرق من الملل، ما بين مشبه لله بخلق، وملحد في اسمه، ومشير إلى غيره، كفر بواح، وشرك صراح، وفساد عام، وانتهاب للأموال والأرواح واغتصاب للحقوق، وشن للغارات، ووأد البنات وأكل للدماء والميتات، وقطع للأرحام، وإعلان بالسفاح، وتحريف للكتب المنزلة، واعتقاد لأضاليل المتكهنة، وتأليه للأحبار والرهبان، وسيطرة من جبابرة الجور وزعماء الفتن وقادة الغرور، ظلمات بعضها فوق بعض، وطامات طبقت أكناف الأرض، استمرت الأمم على هذه الحال، الأجيال الطوال، حتى دعا داعي الفلاح، وأذن الله تعالى بالإصلاح. فأحدث بعد ذلك أمرا، وجعل بعد عسر يسرا. فإن النوائب إذا تناهت انتهت، وإذا توالت تولت. وذلك أن الله تعالى أرسل إلى البشر رسولا ليعتقهم من أسر الأوثان، ويخرجهم من ظلمة الكفر وعمى التقليد إلى نور الإيمان، وينقذهم من النار والعار، ويرفع عنهم الآصار، ويطهرهم من مساوئ الأخلاق والأعمال، ويرشدهم إلى صراط الحق. قال تعالى : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين  وقال تعالى : لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين  انتهى.

### الآية 21:108

> ﻿قُلْ إِنَّمَا يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [21:108]

**وقوله تعالى :**
 قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ . 
 قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ  أي ما يوحى إلي، إلا استئثاره تعالى بالوحدانية في الألوهية. ومعنى القصر على ذلك، أنه الأصل الأصيل، وما عداه راجع إليه وغير منظور إليه في جنبه فهو قصر دعائي  فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ  أي منقادون لما يوحى من التوحيد، مستسلمون له.

### الآية 21:109

> ﻿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۖ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ [21:109]

فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاء وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ . 
 فَإِن تَوَلَّوْا  أي عن التوحيد  فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاء  أي أعلمتكم وهديتكم على كلمة سواء بيننا وبينكم، نؤمن بها ونجني ثمرات سعادتها في الدارين. أو المعنى دللتكم على صراط مستقيم، وبلغتكم الأمر به. فإن آمنتم به فقد سعدتم، وإلا فإن وعد الجاحدين آتيكم، وليس بمصروف عنكم. وإن كنت لا أدري متى يكون ذلك، لأن الله تعالى لم يعلمني علمه، ولم يطلعني عليه كما قال : وَإِنْ أَدْرِي  أي وما أدري  أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ  أي من الفتح عليكم، وإيراث أرضكم غيركم، ولحوق الذل والصغار بعصيانكم.

### الآية 21:110

> ﻿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ [21:110]

إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ  أي فسيجزيكم على ذلك.

### الآية 21:111

> ﻿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ [21:111]

وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ  أي وما أدري لعل تأخير جزائكم استدراج لكم، وزيادة في افتتانكم. أو ابتلاء لينظر كيف تعملون. ف ( الفتنة ) إما مجاز عن الاستدراج بذكر السبب وإرادة المسبب، أو هو بمعناه الأصلي. فهو استعارة مصرحة. وقوله تعالى : وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ  أي تمتيع لكم إلى أجل مقدور. وتمتيع بمعنى الإبقاء والتأخير

### الآية 21:112

> ﻿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ ۗ وَرَبُّنَا الرَّحْمَٰنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ [21:112]

قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ . 
 قال  وقرئ  قل   رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ  أي افصل بيننا وبينهم بالحق. وذلك بنصر من آمن بما أنزلت، على من كفر به، كقوله تعالى : ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين   وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ . أي من الكذب والافتراء على الله ورسوله. بنصر أوليائه، وقهر أعداءه. وقد أجاب سبحانه دعوته، وأظهر كلمته، فله الحمد في الأولى والآخرة، إنه حميد مجيد. 
قال الرازي : قال القاضي : إنما ختم الله هذه السورة بقوله : قل رب احكم بالحق  لأنه عليه السلام كان قد بلغ في البيان لهم الغاية. وبلغوا النهاية في أذيته وتكذيبه. فكان قصارى أمره تعالى بذلك تسلية له وتعريفا أن المقصود مصلحتهم. فإذا أبوا إلا التمادي في كفرهم، فعليك بالانقطاع إلى ربك، ليحكم بينك وبينهم بالحق. إما بتعجيل العقاب بالجهاد أو بغيره. وإما بتأخير ذلك. فإن أمرهم، وإن تأخر فما هو كائن قريب. و ما روي أنه عليه السلام كان يقول ذلك في حروبه. كالدلالة على أنه تعالى أمره أن يقول هذا القول، كالاستعجال للأمر بمجاهدتهم. وبالله التوفيق.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/21.md)
- [كل تفاسير سورة الأنبياء
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/21.md)
- [ترجمات سورة الأنبياء
](https://quranpedia.net/translations/21.md)
- [صفحة الكتاب: محاسن التأويل](https://quranpedia.net/book/349.md)
- [المؤلف: جمال الدين القاسمي](https://quranpedia.net/person/8623.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/21/book/349) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
