---
title: "تفسير سورة الأنبياء - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/21/book/37.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/21/book/37"
surah_id: "21"
book_id: "37"
book_name: "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم"
author: "أبو السعود"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الأنبياء - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/21/book/37)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الأنبياء - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود — https://quranpedia.net/surah/1/21/book/37*.

Tafsir of Surah الأنبياء from "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم" by أبو السعود.

### الآية 21:1

> اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ [21:1]

اقترب لِلنَّاسِ حسابهم  مناسبةُ هذه الفاتحةِ الكريمة لما قبلها من الخاتمة الشريفة غنيةٌ عن البيان. قال ابن عباس رضي الله عنهما : المرادُ بالناس المشركون وهو الذي يُفصح عنه ما بعده، والمرادُ باقتراب حسابِهم اقترابُه في ضمن اقترابِ الساعةِ، وإسنادُ الاقترابِ إليه لا إلى الساعة مع استتباعها له ولسائر ما فيها من الأحوال والأهوالِ الفظيعة لانسياق الكلامِ إلى بيان غفلتِهم عنه وإعراضِهم عما يذكّرهم ذلك، واللامُ متعلقةٌ بالفعل، وتقديمُها على الفاعل للمسارعة إلى إدخال الروعةِ فإن نسبةَ الاقتراب إليهم من أول الأمر مما يسوؤهم ويُورثهم رَهبةً وانزعاجاً من المقترِب، كما أن تقديمَ الجارِّ والمجرور على المفعول الصريحِ في قوله تعالى : هُوَ الذي خَلَقَ لَكُم مَّا في الأرض  لتعجيل المسرّة لما أن بيان كونِ الخلق لأجل المخاطَبين مما يسرّهم ويزيدهم رغبةً فيما خُلق لهم وشوقاً إليه، وجعلها تأكيداً للإضافة على أن الأصلَ المتعارفَ فيما بين الأوساط اقترب حسابُ الناس ثم اقترب للناس الحسابُ ثم اقترب للناس حسابُهم مع أنه تعسفٌ تامٌّ بمعزل عما يقتضيه المقامُ وإنما الذي يستدعيه حسنُ النظام ما قدمناه والمعنى دنا منهم حسابُ أعمالِهم السيئةِ الموجبة للعقاب، وفي إسناد الاقترابِ المنبئ عن التوجه نحوَهم إلى الحساب مع إمكان العكس بأن يُعتبرَ التوجّهُ والإقبالُ من جهتهم نحوه من تفخيم شأنِه وتهويلِ أمره ما لا يخفى لما فيه من تصويره بصورة شيءٍ مقبلٍ عليهم لا يزال يطلُبهم ويصيبهم لا محالة، ومعنى اقترابِه لهم تقارُبُه ودُنوُّه منهم بعدَ بُعدِه عنهم فإنه في كل ساعة من ساعات الزمان أقربُ إليهم منه في الساعة السابقة. 
هذا وأما الاعتذارُ بأن قربَه بالإضافة إلى ما مضى من الزمان أو بالنسبة إلى الله عز وجل أو باعتبار أن كلَّ آتٍ قريبٌ فلا تعلُّقَ له بما نحن فيه من الاقتراب المستفادِ من صيغة الماضي ولا حاجة إليه في تحقيق أصلِ معناه، نعم قد يفهم منه عُرفاً كونُه قريباً في نفسه أيضاً فيصار حينئذ إلى التوجيه بالوجه الأولِ دون الأخيرين، أما الثاني فلا سبيلَ إلى اعتباره هاهنا لأن قربَه بالنسبة إليه تعالى مما لا يُتصوّر فيه التجددُ والتفاوتُ حتماً، وإنما اعتبارُه في قوله تعالى : لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ  ونظائرِه مما لا دَلالةَ فيه على الحدوث، وأما الثالثُ فلا دِلالةَ فيه على القرب حقيقةً ولو بالنسبة إلى شيء آخر. 
 وَهُمْ في غَفْلَةٍ  أي في غفلة تامةٍ منه ساهون عنه بالمرة لا أنهم غيرُ مبالين به مع اعترافهم بإتيانه، بل منكرون له كافرون به مع اقتضاء عقولِهم أن الأعمالَ لا بد لها من الجزاء  مُّعْرِضُونَ  أي عن الآيات والنذرُ المنبّهة لهم عن سِنَة الغفلة، وهما خبران للضمير وحيث كانت الغفلةُ أمراً جِبِلّياً لهم جُعل الخبرُ الأول ظرفاً منبئاً عن الاستقرار بخلاف الإعراض، والجملةُ حالٌ من الناس، وقد جُوّز كونُ الظرف حالاً من المستكن في معرضون.

### الآية 21:2

> ﻿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ [21:2]

مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ  من طائفة نازلةٍ من القرآن تذكّرهم ذلك أكملَ تذكيرٍ وتنبّههم عن الغفلة أتمَّ تنبيهٍ، كأنها نفسُ الذكر ومن في قوله تعالى : مّن رَّبّهِمُ  لابتداء الغايةِ مجازاً متعلقةٌ بيأتيهم أو بمحذوف هو صفةٌ لذكر، وأياً ما كان ففيه دِلالةٌ على فضله وشرفِه وكمالِ شناعةِ ما فعلوا به، والتعرضُ لعنوان الربوبية لتشديد التشنيع  مُّحْدَثٍ  بالجر صفةٌ لذكر، وقرئ بالرفع حملاً على محلّه أي محدَثٌ تنزيلُه بحسب اقتضاءِ الحكمةِ وقوله تعالى : إِلاَّ استمعوه  استثناءٌ مفرَّغٌ محلُّه النصبُ على أنه حالٌ من مفعول يأتيهم بإضمار قد أو بدونه على الخلاف المشهور وقوله تعالى : وَهُمْ يَلْعَبُونَ  حالٌ من فاعل استمعوه.

### الآية 21:3

> ﻿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ۗ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ۖ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ [21:3]

وقوله تعالى : لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ  إما حالٌ أخرى منه أو من واو يلعبون والمعنى ما يأتيهم ذكرٌ من ربهم محدَثٌ في حال من الأحوال إلا حالَ استماعِهم إياه لاعبين مستهزئين به لاهين عنه، أو لاعبين به حالَ كون قلوبِهم لاهيةً عنه لتناهي غفلتِهم وفرْطِ إعراضِهم عن النظر في الأمور والتفكرِ في العواقب، وقرئ لاهيةٌ بالرفع على أنه خبرٌ بعد خبر  وَأَسَرُّواْ النجوى  كلامٌ مستأنفٌ مَسوق لبيان جنايةٍ خاصة إثرَ حكايةِ جناياتهم المعتادة، والنجوى اسمٌ من التناجي ومعنى إسرارِها مع أنها لا تكون إلا سرًّا أنهم بالغوا في إخفائها أو أسروا نفسَ التناجي بحيث لم يشعُر أحدٌ بأنهم متناجون وقوله تعالى : الذين ظَلَمُواْ  بدلٌ من واو أسروا منبئ عن كونهم موصوفين بالظلم الفاحش فيما أسروا به، أو هو مبتدأٌ خبرُه أسروا النجوى قُدّم عليه اهتماماً به، والمعنى هم أسرّوا النجوى فوُضِع الموصولُ موضعَ الضمير تسجيلاً على فعلهم بكونه ظلماً أو منصوبٌ على الذم وقوله : هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ  الخ، في حيّز النصبِ على أنه مفعولٌ لقول مضمرٍ هو جوابٌ عن سؤال نشأ عما قبله، كأنه قيل : ماذا قالوا في نجواهم ؟ فقيل : قالوا هل هذا الخ، أو بدلٌ من أسرّوا أو معطوفٌ عليه أو على أنه بدلٌ من النجوى، أي أسروا هذا الحديثَ وهل بمعنى النفي والهمزة في قوله تعالى : أَفَتَأْتُونَ السحر  للإنكار والفار للعطف على مقدّر يقتضيه المقام، وقوله تعالى : وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ  حال من فاعل تأتون مقرِّرة للإنكار ومؤكدةٌ للاستبعاد، والمعنى ما هذا إلا بشرٌ مثلُكم أي من جنسكم وما أتى به سحرٌ، أتعلمون ذلك فتأتونه وتحضُرونه على وجه الإذعان والقَبول وأنتم تعاينون أنه سحر قالوه بناءً على ما ارتكز في اعتقادهم الزائغِ أن الرسولَ لا يكون إلا ملَكاً وأن كل ما يظهر على يد البشر من الخوارق من قبيل السحر، وزل عنهم أن إرسالَ البسر إلى عامة البشر هو الذي تقتضيه الحكمةُ التشريعية قاتلهم الله أنى يؤفكون، وإنما أسروا ذلك لأنه كان على طريق توثيقِ العهدِ وترتيب مبادي الشرِّ والفساد وتمهيدِ مقدمات المكرِ والكيد في هدم أمرِ النبوة وإطفاءِ نورِ الدين والله متمٌّ نورَه ولو كره الكافرون.

### الآية 21:4

> ﻿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [21:4]

قَالَ ربّي يَعْلَمُ القول في السماء والأرض  حكايةٌ من جهته تعالى لما قاله عليه السلام بعد ما أوحى إليه أحوالَهم وأقوالَهم بياناً لظهور أمرِهم وانكشافِ سرِّهم، وإيثارُ القول المنتظمِ للسر والجهر على وتيرة واحدة لا تفاوتَ بينهما بالجلاء والخفاء قطعاً كما في علوم الخلقِ، وقرئ : قل ربي الخ، وقوله تعالى : في السماء والأرض  متعلقٌ بمحذور وقع حالاً من القول أي كائناً في السماء والأرض وقوله تعالى : وَهُوَ السميع العليم  أي المبالغُ في العلم بالمسموعات والمعلومات التي من جملتها ما أسروه من النجوى فيجازيهم بأقوالهم وأفعالهم، اعتراضٌ تذييليٌّ مقررٌ لمضمون ما قبله متضمنٌ للوعيد.

### الآية 21:5

> ﻿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ [21:5]

بَلْ قَالُواْ أضغاث أَحْلاَمٍ  إضرابٌ من جهته تعالى وانتقالٌ من حكاية قول آخرَ مضطربٍ في مسالك البطلان، أي لم يقتصروا على أن يقولوا في حقه عليه السلام : هل هذا إلا بشرٌ ؟ وفي حق ما ظهر على يده من القرآن الكريم إنه سحرٌ، بل قالوا تخاليطُ الأحلام ثم أضربوا عنه فقالوا : بَلِ افتراه  من تلقاء نفسِه من غير أن يكون له أصلٌ أو شبهةُ أصلٍ، ثم قالوا : بَلْ هُوَ شَاعِرٌ  وما أتى به شعرٌ يُخيّل إلى السامع معانيَ لا حقيقة لها وهكذا شأنُ المبطِلِ المحجوجِ متحيّرٌ لا يزال يتردد بين باطلٍ وأبطلَ ويتذبذب بين فاسد وأفسدَ، فالإضرابُ الأول كما ترى من جهته تعالى والثاني والثالث من قبلهم وقد قيل : الكلُّ من قبلهم حيث أضربوا عن قولهم : هو سحرٌ إلى أنه تخاليطُ أحلام، ثم إلى أنه كلامٌ مفترًى ثم إلى أنه قولُ شاعر، ولا ريب في أنه كان ينبغي حينئذ أن يقال : قالوا : بل أضغاثُ أحلامٍ والاعتذارُ بأن ( بل قالوا ) مقولٌ لقالوا المضمرِ قبل قوله تعالى : هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ  الخ، كأنه قيل : وأسروا النجوى قالوا :( هل هذا ) إلى قوله :( بل أضغاثُ أحلام )، وإنما صرح بقالوا بعد بل لبُعْد العهد مما يجب تنزيهُ ساحة التنزيلِ عن أمثاله  فَلْيَأتِنا بِآيَة  جوابُ شرطٍ محذوفٍ يفصح عنه السياقُ، كأنه قيل : وإن لم يكن كما قلنا بل كان رسولاً من الله تعالى فليأتنا بآية  كَمَا أُرْسِلَ الأولون  أي مثلَ الآية التي أرسل بها الأولون كاليد والعصا ونظائرِهما حتى نؤمن به، فما موصولةٌ ومحلُّ الكاف الجرُّ على أنها صفةٌ لآية ويجوز أن تكون مصدريةً فالكافُ منصوبةٌ على أنها مصدرٌ تشبيهيٌّ أي نعتٌ لمصدر محذوفٍ، أي فليأتنا بآية إتياناً كائناً مثلَ إرسالِ الأولين بها، وصِحّةُ التشبيه من حيث إن الإتيانَ بالآية من فروع الإرسالِ بها أي مثلَ إتيانٍ مترتبٍ على الإرسال، ويجوز أن يحمل النظمُ الكريمُ على أنه أريد كلُّ واحد من الإتيان والإرسال في كل واحد من طرفي التشبيه، لكنه تُرك في جانب المشبّه ذكرُ الإرسال وفي جانب المشبّهِ به ذكرُ الإتيانِ اكتفاءً بما ذكر في كل موطنٍ عما تُرك في الموطن الآخر حسبما مر في آخر سورة يونسَ عليه السلام.

### الآية 21:6

> ﻿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا ۖ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ [21:6]

مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِن قَرْيَةٍ  كلامٌ مستأنفٌ مَسوق لتكذيبهم فيما تنبئ عنه خاتمةُ مقالهم من الوعد الضمنيّ بالإيمان كما أشير إليه، وبيانِ أنهم في اقتراح تلك الآياتِ كالباحث عن حتفه بظِلْفه وأن في ترك الإجابة إليه إبقاءً عليهم، كيف لا ولو أُعطوا ما اقترحوا مع عدم إيمانهم قطعاً لوجب استئصالُهم لجريان سنةِ الله عز وجل في الأمم السالفة، على أن المقترحين إذا أُعطوا ما اقترحوه ثم لم يؤمنوا نزل بهم عذابُ الاستئصال لا محالة، وقد سبقت كلمةُ الحق منه تعالى أن هذه الأمةَ لا يعذبون بعذاب الاستئصالِ، فقوله : من قرية أي من أهل قرية في محل الرفعِ على الفاعلية ومن مزيدةٌ لتأكيد العمومِ وقوله تعالى : أهلكناها  أي بإهلاك أهلِها لعدم إيمانِهم بعد مجيءِ ما اقترحوه من الآيات صفةٌ لقرية والهمزة في قوله تعالى : أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ  لإنكار الوقوعِ والفاء للعطف إما على مقدر دخلتْه الهمزةُ فأفادت إنكارَ وقوعِ إيمانِهم ونفيَه عقبَ عدمِ إيمان الأولين، فالمعنى أنه لم تؤمنْ أمةٌ من الأمم المهلَكة عند إعطاءِ ما اقترحوه من الآيات فلم يؤمنوا، أفهؤلاء يؤمنون لو أجيبوا إلى ما سألوا وأعطوا ما اقترحوا مع كونهم أعتى منهم وأطغى ؟ وإما على ما آمنت على أن الفاء متقدمةٌ على الهمزة في الاعتبار مفيدةٌ لترتيب إنكارِ وقوعِ إيمانِهم على عدم إيمانِ الأولين، وإنما قُدّمت عليها الهمزةُ لاقتضائها الصدارةَ كما هو رأيُ الجمهور.

### الآية 21:7

> ﻿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ۖ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [21:7]

وقوله عز وجل : وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً  جوابٌ لقولهم : هل هذا إلا بشر ؟ الخ، متضمنٌ لردّ ما دسّوا تحت قولهم : كما أُرسل الأولون من التعريض بعدم كونِه عليه السلام مثلَ أولئك الرسلِ صلوات الله تعالى عليهم أجمعين، ولذلك قُدّم عليه جوابُ قولهم : فليأتنا بآية ولأنهم قالوا ذلك بطريق التعجيزِ فلا بد من المسارعة إلى رده وإبطالِه كما مر في تفسير قوله تعالى : قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ الله إِن شَاء وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ  وقوله تعالى : مَا نُنَزّلُ الملائكة إِلاَّ بالحق وَمَا كَانُواْ إِذًا مُّنظَرِينَ  ولأن في هذا الجواب نوعَ بسطٍ يُخِل تقديمُه بتجاوب أطرافِ النظم الكريم، والحقُّ أن ما اتخذوه سبباً للتكذيب موجبٌ للتصديق في الحقيقة لأن مقتضى الحكمةِ أن يُرسلَ إلى البشر البشرُ وإلى الملَك الملَكُ حسبما ينطِق به قوله تعالى : قُل لَوْ كَانَ في الأرض ملائكة يَمْشُونَ مُطْمَئِنّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مّنَ السماء مَلَكًا رَّسُولاً  فإن عامةَ البشر بمعزل من استحقاق المفاوضةِ الملَكية لتوقّفها على التناسب بين المُفيض والمستفيض، فبعثُ الملَكِ إليهم مزاحِمٌ للحكمة التي عليها يدور فلكُ التكوينِ والتشريع، وإنما الذي تقتضيه الحكمةُ أن يبعث الملكُ منهم إلى الخواصّ المختصّين بالنفوس الزكية المؤيَّدين بالقوة القدسية المتعلّقين بكلا العالَمَين الروحانيِّ والجُسماني ليتلقَّوا من جانب ويُلْقوا إلى جانب آخرَ، وقوله تعالى : نُّوحِي إِلَيْهِمْ  استئنافٌ مبينٌ لكيفية الإرسالِ وصيغةُ المضارعِ لحكاية الحالِ الماضية المستمرةِ، وحُذف المفعولُ لعدم القصدِ إلى خصوصه، والمعنى وما أرسلنا إلى الأمم قبلَ إرسالك إلى أمتك إلا رجالاً مخصوصين من أفراد الجنسِ مستأهلين للاصطفاء والإرسال نوحي إليهم بواسطة الملَك ما نوحي من الشرائع والأحكام وغيرهما من القصص والأخبار، كما نوحي إليك من غير فرقٍ بينهما في حقيقة الوحي وحقيقةِ مدلولِه حسبما يَحكيه قوله تعالى : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلى نُوحٍ والنبيين  إلى قوله تعالى : وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً  كما لا فرقَ بينك وبينهم في البشرية فما لهم لا يفهمون أنك لست بدْعاً من الرسل وأن ما أُوحيَ إليك ليس مخالفاً لما أوحيَ أليهم فيقولون ما يقولون، وقرئ يوحى إليهم بالياء على صيغة المبني للمفعول جرياً على سَنن الكبرياءِ وإيذاناً بتعين الفاعل وقوله تعالى : فاسألوا أَهْلَ الذكر إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ  تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى الكفرة لتبكيتهم واستنزالِهم عن رتبة الاستبعادِ والنكير إثرَ تحقيق الحقِّ على طريقة الخطابِ لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه الحقيقُ بالخطاب في أمثال تلك الحقائقِ الأنيقةِ، وأما الوقوفُ عليها بالاستخبار من الغير فهو من وظائف العوامِّ، والفاءُ لترتيب ما بعدها على ما قبلها، وجوابُ الشرط محذوفٌ ثقةً بدلالة المذكورِ عليه أي إن كنتم لا تعلمون ما ذُكر فاسألوا أيها الجهلةُ أهلَ الكتاب الواقفين على أحوال الرسلِ السالفةِ عليهم السلام لتزول شبهتُكم. أُمروا بذلك لأن إخبارَ الجمِّ الغفير يوجب العلمَ لاسيما وهم كانوا يشايعون المشركين في عداوته عليه السلام ويشاورونهم في أمره عليه السلام، ففيه من الدِلالة على كمال وضوحِ الأمر وقوةِ شأنِ النبي عليه السلام ما لا يخفى.

### الآية 21:8

> ﻿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ [21:8]

وَمَا جعلناهم جَسَداً  بيان لكون الرسل عليهم السلام أُسوةً لسائر أفراد الجنسِ في أحكام الطبيعةِ البشرية إثرَ بيانِ كونهم أسوةً في نفس البشرية، والجسدُ جسمُ الإنسانِ والجنِّ والملائكة، ونصبُه إما على أنه مفعولٌ ثانٍ للجعل لكن لا بمعنى جعلِه جسداً بعد أن لم يكن كذلك كما هو المشهورُ من معنى التصيير، بل بمعنى جعله كذلك ابتداءً على طريقة قولهم : سبحان من صغّر البعوضَ وكبر الفيل، كما مر في قوله تعالى : وَجَعَلْنَا آية النهار مبصرة  وإما حالٌ من الضمير والجعلُ إبداعيٌّ وإفرادُه لإرادة الجنس المنتظمِ للكثير أيضاً، وقيل : بتقدير المضافِ أي ذوي جسدٍ وقوله تعالى : لاَّ يَأْكُلُونَ الطعام  صفةٌ له أي وما جعلناهم جسداً مستغنياً عن الأكل والشرب بل محتاجاً إلى ذلك لتحصيل بدَلِ ما يتحلل منه  وَمَا كَانُواْ خالدين  لأن مآلَ التحلّلِ هو الفناءُ لا محالة، وفي إيثار ما كانوا على ما جعلناهم تنبيهٌ على أن عدمَ الخلود مقتضي جِبِلّتِهم التي أشير إليها بقوله تعالى : وَمَا جعلناهم  الخ، لا بالجعل المستأنَف والمرادُ بالخلود إما المكثُ المديدُ كما هو شأنُ الملائكة أو الأبدية وهم معتقدون أنهم لا يموتون، والمعنى جعلناهم أجساداً متغذّيةً صائرةً إلى الموت بالآخرة على حسب آجالِهم لا ملائكةً ولا أجساداً مستغنيةً عن الأغذية مصونةً عن التحلل كالملائكة فلم يكن لها خلودٌ كخلودهم، فالجملةُ مقرّرةٌ لما قبلها من كون الرسلِ السالفةِ عليهم السلام بشراً لا ملَكاً مع ما في ذلك من الرد على قولهم : ما لهذا الرسولِ يأكل الطعامَ.

### الآية 21:9

> ﻿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ [21:9]

وقوله تعالى : ثُمَّ صدقناهم الوعد  عطفٌ على ما يفهم من حكاية وحْيِه تعالى إليهم على الاستمرار التجدّدي كأنه قيل : أوحينا ثم صدقناهم في الوعد الذي وعدناهم في تضاعيف الوحي بإهلاك أعدائِهم  فأنجيناهم وَمَن نَّشَاء  من المؤمنين وغيرهم من تستدعي الحكمةُ إبقاءَه كمن سيؤمن هو أو بعضُ فروعِه بالآخرة، وهو السرُّ في حماية العرب من عذاب الاستئصال  وَأَهْلَكْنَا المسرفين  أي المجاوزين للحدود في الكفر والمعاصي.

### الآية 21:10

> ﻿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [21:10]

لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ  كلامٌ مستأنفٌ مَسوق لتحقيق حقيةِ القرآنِ العظيم الذي ذُكر في صدر السورةِ الكريمةِ إعراضُ الناس عما يأتيهم من آياته واستهزاؤُهم به وتسميتُهم تارةً سحراً وتارة أضغاثَ أحلام وأخرى مفترًى وشعراً، وبيانُ علوِّ رتبته إثرَ تحقيق رسالتِه صلى الله عليه وسلم ببيان أنه كسائر الرسلِ الكرام عليهم الصلاة والسلام قد صدر بالتوكيد القسمي إظهاراً لمزيد الاعتناء بمضمونه وإيذاناً بكون المخاطبين في أقصى مراتب النكيرِ، أي والله لقد أنزلنا إليكم يا معشرَ قريش  كتابا  عظيمَ الشأن نيِّر البرهان وقوله تعالى : فِيهِ ذِكْرُكُمْ  صفةٌ لكتاباً مؤكدةٌ لما أفاده التنكيرُ التفخيميُّ من كونه جليلَ المقدار بأنه جميلُ الآثار مستجلبٌ لهم منافعَ جليلةً، أي فيه شرفكم وصِيتُكم كقوله تعالى : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ  وقيل : ما تحتاجون إليه في أمور دينِكم ودنياكم، وقيل : فيه ما تطلُبون به حَسَنَ الذكرِ من مكارم الأخلاق، وقيل : فيه موعظتُكم وهو الأنسب بسباق النظمِ الكريم وسياقِه فإن قوله تعالى : أَفَلاَ تَعْقِلُونَ  إنكارٌ توبيخيٌّ فيه بعثٌ لهم على التدبر في أمر الكتابِ والتأمل فيما في تضاعيفه من فنون المواعظِ والزواجر التي من جملتها القوارعُ السابقةُ واللاحقةُ، والفاءُ للعطف على مقدر ينسحب عليه الكلامُ أي ألا تتفكرون فلا تعقلون أن الأمرَ كذلك ؟ أو لا تعقلون شيئاً من الأشياء التي من جملتها ما ذكر !.

### الآية 21:11

> ﻿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ [21:11]

وقوله تعالى : وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ  نوعُ تفصيل لإجمالِ قوله تعالى : وَأَهْلَكْنَا المسرفين  وبيانٌ لكيفية إهلاكِهم وسببِه وتنبيهٌ على كثرتهم، وكم خبريةٌ مفيدةٌ للتكثير محلُّها النصبُ على أنها مفعولٌ لقصمنا ومن قرية تمييزٌ، وفي لفظ القصْمِ الذي هو عبارةٌ عن الكسر بإبانة أجزاءِ المكسور وإزالةِ تأليفها بالكلية من الدِلالة على قوة الغضبِ وشدة السُّخط ما لا يخفى وقوله تعالى : كَانَتْ ظالمة  في محل الجرِّ على أنها صفةٌ لقرية بتقدير مضافٍ ينبئ عنه الضميرُ الآتي، أي وكثيراً قصمنا من أهل قريةٍ كانوا ظالمين بآيات الله تعالى كافرين بها كدأْبكم  وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا  أي بعد إهلاكها  قَوْماً آخَرِينَ  أي ليسوا منهم نسباً ولا ديناً، ففيه تنبيهٌ على استئصال الأولين وقطعِ دابرهم بالكلية وهو السرُّ في تقديم حكاية إنشاءِ هؤلاء على حكاية مبادي إهلاكِ أولئك بقوله تعالى : فَلَمَّا أَحَسُّواْ بَأْسَنَا إذا هم منها يركضون .

### الآية 21:12

> ﻿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ [21:12]

فَلَمَّا أَحَسُّواْ بَأْسَنَا  أي أدركوا عذابَنا الشديدَ إدراكاً تاماً كأنه إدراكُ المشاهَد المحسوسِ  إِذَا هُمْ مّنْهَا يَرْكُضُونَ  يهرُبون مسرعين راكضين دوابَّهم أو مُشبَّهين بهم في فرْط الإسراع.

### الآية 21:13

> ﻿لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ [21:13]

لاَ تَرْكُضُواْ  أي قيل لهم بلسان الحالِ أو بلسان المقالِ من الملَك أو ممن ثمّةَ من المؤمنين بطريق الاستهزاءِ والتوبيخِ : لا تركُضوا  وارجعوا إلى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ  من التنعم والتلذّذ، والإترافُ إبطارُ النعمة  ومساكنكم  التي كنتم تفخرون بها  لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ  تُقصَدون للسؤال والتشاور والتدبير في المُهمّات والنوازل، أو تُفقّدون إذا رُئيت مساكنُكم خاليةً وتُسألون أين أصحابُها، أو يسألكم الوافدون نوالَكم على أنهم كانوا أسخياءَ ينفقون أموالَهم رياءً، أو بخلأَ فقيل لهم ذلك تهكماً إلى تهكم.

### الآية 21:14

> ﻿قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [21:14]

قَالُواْ  لما يئسوا من الخلاص بالهرب وأيقنوا بنزول العذاب  يا ويلنا  أي هلاكَنا  إِنَّا كُنَّا ظالمين  أي مستوجِبين للعذاب، وهذا اعترافٌ منهم بالظلم وباستتباعه للعذاب وندمٌ عليه حين لم ينفعْهم ذلك.

### الآية 21:15

> ﻿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ [21:15]

فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ  أي فما زالوا يرددون تلك الكلمةَ، وتسميتُها دعوى أيْ دعوةً لأن المُوَلولَ كأنه يدعو الويلَ قائلاً : يا ويل تعالَ فهذا أوانُك  حتى جعلناهم حَصِيداً  أي مثلَ الحصيدِ وهو المحصودُ من الزرع والنبت ولذلك لم يُجمع  خامدين  أي ميتين من خمَدت النارُ إذا طَفِئت وهو مع حصيداً في حيز المفعول الثاني للجعْل، كقولك : جعلتُه حُلْواً حامضاً، والمعنى جعلناهم جامعين لمماثلة الحصيدِ والخمود، أو حالٌ من الضمير المنصوب في جعلناهم أو من المستكنّ في حصيداً أو صفة لحصيداً لتعدّده معنًى لأنه في حكم جعلناهم أمثالَ حصيد.

### الآية 21:16

> ﻿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ [21:16]

وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض  إشارةٌ إجماليةٌ إلى أن تكوينَ العالمَ وإبداعَ بني آدمَ مؤسسٌ على قواعد الحِكَم البالغةِ المستتبِعة للغايات الجليلةِ، وتنبيهٌ على أن ما حُكي من العذاب الهائلِ والعقاب النازلِ بأهل القرى من مقتَضيات تلك الحِكَم ومتفرِّعاتها حسبَ اقتضاءِ أعمالِهم إياه، وأن للمخاطَبين المقتدين بآثارهم ذَنوباً مثلَ ذَنوبهم، أي ما خلقناهما  وَمَا بَيْنَهُمَا  من المخلوقات التي لا تُحصى أجناسُها وأفرادُها ولا تحصر أنواعُها وآحادُها على هذا النمط البديعِ والأسلوب المنيعِ خاليةٌ عن الحِكَم والمصالح، وإنما عبّر عن ذلك باللعب واللهو حيث قيل : لاَعِبِينَ  لبيان كمالِ تنزّهه تعالى عن الخَلْق الخالي عن الحِكمة بتصويره بصورةِ ما لا يرتاب أحدٌ في استحالة صدورِه عنه سبحانه، بل إنما خلقناهما وما بينهما لتكون مبدأً لوجود الإنسان وسبباً لمعاشه ودليلاً يقودُه إلى تحصيل معرفتِنا التي هي الغايةُ القصوى بواسطةِ طاعتِنا وعبادتنا كما ينطِق به قوله تعالى : وَهُوَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض في سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً  وقوله تعالى : وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ .

### الآية 21:17

> ﻿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ [21:17]

وقوله تعالى : لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً  استئنافٌ مقرّر لما قبله من انتفاء اللعبِ واللهو، أي لو أردنا أن نتخذ ما يُتَلهّى به ويُلعب  لاتخذناه مِن لَّدُنَّا  أي من جهة قدرتِنا أو من عندنا مما يليق بشأننا من المجردات لا من الأجسام المرفوعةِ والأجرامِ الموضوعة كدَيدن الجبابرةِ في رفع العروش وتحسينها وتسويةِ الفروش وتزيينها، لكن يستحيل إرادتُنا له لمنافاته الحِكمةَ فيستحيل اتخاذُنا له قطعاً وقوله تعالى : إِن كُنَّا فاعلين  جوابُه محذوفٌ ثقةً بدِلالة ما قبله عليه، أي إن كنا فاعلين لاتخذناه، وقيل : إن نافية أي ما كنا فاعلين أي لاتخاذ اللهو لعدم إرادتِنا إياه فيكون بياناً لانتفاء التالي لانتفاء المقدّم أو لإرادة اتخاذِه فيكون بياناً لانتفاء المقدّمِ المستلزِمِ لانتفاء التالي، وقيل : اللهوُ الولدُ بلغة اليمن، وقيل : الزوجةُ والمرادُ الردُّ على النصارى ولا يخفى بُعدُه.

### الآية 21:18

> ﻿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [21:18]

بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل  إضرابٌ عن اتخاذ اللهوِ بل عن إرادته، كأنه قيل : لكنا لا نريده بل شأنُنا أن نُغلّب الحقَّ الذي من جملته الجِدُّ على الباطل الذي من قبيله اللهوُ، وتخصيصُ شأنِه هذا من بين سائر شؤونِه تعالى بالذكر للتخلص إلى ما سيأتي من الوعيد  فَيَدْمَغُهُ  أي يمحقه بالكلية كما فعلنا بأهل القرى المَحْكية، وقد استُعير لإيراد الحقِّ على الباطل القذفُ الذي هو الرمْيُ الشديدُ بالجِرم الصُّلْب كالصخرة، وَلمَحْقه للباطل الدمغُ الذي هو كسرُ الشيء الرِّخْوِ الأجوفِ وهو الدِّماغ بحيث يشق غشاءَه المؤدّيَ إلى زُهوق الروحِ تصويراً له بذلك، وقرئ فيدمغَه بالنصب وهو ضعيف، وقرئ فيدمُغه بضم الميم  فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ  أي ذاهبٌ بالكية، وفي إذا الفجائية والجملة الاسميةِ من الدِلالة على كمال المسارعةِ في الذهاب والبُطلان ما لا يخفى فكأنه زاهقٌ من الأصل  وَلَكُمُ الويل مِمَّا تَصِفُونَ  وعيدٌ لقريش بأن لهم أيضاً مثلَ ما لأولئك من العذاب والعقاب، ومن تعليليةٌ متعلقةٌ بالاستقرار الذي تعلق به الخبرُ، أو بمحذوف هو حالٌ من الويل أو من ضميره في الخبر، وما إما مصدريةٌ أو موصولةٌ أو موصوفةٌ أي واستقر لكم الويلُ والهلاكُ من أجل وصفِكم له سبحانه بما لا يليق بشأنه الجليل، أو بالذي تصفونه أو بشيء تصفونه به من الولد أو كائناً مما تصفونه تعالى به.

### الآية 21:19

> ﻿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ [21:19]

وَلَهُ مَن في السماوات والأرض  استئنافٌ مقررٌ لما قبله من خلقة تعالى لجميع مخلوقاتِه على حكمة بالغةٍ ونظامٍ كامل وأنه تعالى يُحِق الحقَّ ويُزْهق الباطل، أي له تعالى خاصة جميعُ المخلوقات خلقاً ومُلكاً وتدبيراً وتصرفاً وإحياءً وإماتةً وتعذيباً وإثابةً من غير أن يكون لأحد في ذلك دخلٌ ما استقلالاً أو استتباعاً  وَمَنْ عِندَهُ  وهم الملائكةُ عليهم السلام، عبّر عنهم بذلك إثرَ ما عبّر عنهم بمن في السماوات تنزيلاً لهم لكرامتهم عليه عز وعلا وزُلْفاهم عنده منزلةَ المقربين عند الملوكِ بطريق التمثيل وهو مبتدأ خبرُه  لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ  أي لا يتعظمون عنها ولا يُعدّون أنفسهم كبيراً  وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ  ولا يكِلّون ولا يَعيَوْن، وصيغةُ الاستفعال المنبئةِ عن المبالغة في الحُسور للتنبيه على أن عباداتِهم بثقلها ودوامها حقيقةٌ بأن يُستَحسَرَ منها ومع ذلك لا يستحسرون، لا لإفادة نفي المبالغة في الحسور مع ثبوت أصلِه في الجملة كما أن نفيَ الظلاّمية في قوله تعالى : وَمَا أَنَاْ بظلام لّلْعَبِيدِ  لإفادة كثرةِ الظلم المفروضِ تعلقُّه بالعبيد لا لإفادة نفي المبالغةِ في الظلم مع ثبوت أصلِ الظلم في الجملة، وقيل : من عنده معطوف على من الأولى وإفرادُهم بالذكر مع دخولهم في مَن في السماوات والأرض للتعظيم كما في قوله تعالى : وَجِبْرِيلُ وميكائيل  فقوله تعالى : لاَ يَسْتَكْبِرُونَ  حينئذ حال من الثانية.

### الآية 21:20

> ﻿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [21:20]

يُسَبّحُونَ الليل والنهار  أي ينزهونه في جميع الأوقات ويعظّمونه ويمجدونه دائماً، وهو استئنافٌ وقع جواباً عما نشأ مما قبله، كأنه قيل : ماذا يصنعون في عباداتهم أو كيف يعبدون ؟ فقيل : يسبحون الخ، أو حالٌ من فاعل يستحسرون وكذا قوله تعالى : لاَ يَفْتُرُونَ  أي لا يتخلل تسبيحَهم فترةٌ أصلاً بفراغ أو بشغل آخرَ.

### الآية 21:21

> ﻿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ [21:21]

أَمِ اتخذوا آلِهَةً  حكايةٌ لجناية أخرى من جناياتهم بطريق الإضرابِ والانتقال من فن إلى فن آخر من التوبيخ إثرَ تحقيق الحقِّ ببيان أنه تعالى خلق جميع المخلوقات على منهاج الحكمة وأنهم قاطبةً تحت ملكوته وقهره وأن عبادَه مذعنون لطاعته ومثابرون على عبادته منزِّهون له عن كل ما لا يليق بشأنه من الأمور التي من جملتها الأندادُ، ومعنى الهمزة في ( أم ) المنقطعة إنكارُ الوقوعِ لا إنكار الواقع وقوله تعالى : مّنَ الأرض  متعلقٌ باتخذوا أو بمحذوف هو صفة لآلهة وأياً ما كان فالمرادُ هو التحقيرُ لا التخصيصُ، وقوله تعالى : هُمْ يُنشِرُونَ  أي يَبعثون الموتى، صفةٌ لآلهةً وهو الذي يدور عليه الإنكارُ والتجهيلُ والتشنيع لا نفسُ الاتخاذ فإنه واقعٌ لا محالة أي بل أتخذوا آلهةً من الأرض هم خاصة مع حقارتهم وجماديتهم يُنشِرون الموتى، كلا، فإن ما اتخذوها آلهةً بمعزل من ذلك وهم وإن لم يقولوا بذلك صريحاً لكنهم حيث ادَّعَوا لها الإلهية فكأنهم ادّعَوا لها الإنشارَ ضرورةَ أنه من الخصائص الإلهية حتماً، ومعنى التخصيص في تقديم الضمير ما أشير إليه من التنبيه على كمال مباينةِ حالهم للإنشار الموجبةِ لمزيد الإنكار كما في قوله تعالى : أفي الله شَكٌّ  وقوله تعالى : أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون  فإن تقديمَ الجار والمجرور للتنبيه على كمال مباينةِ أمرِه تعالى لأن يُشَك فيه ويُستهزأَ به، ويجوز أن يُجعلَ ذلك من مستتبعات ادّعائِهم الباطلِ لأن الألوهيةَ مقتضيهٌ للاستقلال بالإبداء والإعادة فحيث ادَّعَوا للأصنام الإلهية فكأنهم ادَّعوا لها الاستقلالَ بالإنشار كما أنهم جعلوا بذلك مدّعين لأصل الإنشار.

### الآية 21:22

> ﻿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ [21:22]

لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ الله  إبطالٌ لتعدد الإله بإقامة البرهان على انتفائه بل على استحالته، وإيرادُ الجمع لوروده إثرَ إنكار اتخاذِ الآلهة لا لأن للجمعية مدخلاً في الاستدلال وكذا فرضُ كونِهما فيهما وإلا بمعنى غير على أنها صفةٌ لآلهة، ولا مساغَ للاستثناء لاستحالة شمولِ ما قبلها وما بعدها وإفضائِه إلى فساد المعنى لدلالته حينئذ على أن الفسادَ لكونها فيهما بدونه تعالى ولا للرفع على البدل لأنه متفرّع على الاستثناء ومشروطٌ بأن يكون في كلامٍ غيرِ موجب، أي لو كان في السماوات والأرض آلهةٌ غيرُ الله كما هو اعتقادُهم الباطل  لَفَسَدَتَا  أي لبطلتا بما فيهما جميعاً وحيث انتفى التالي عُلم انتفاءُ المقدّم قطعاً ببيان الملازمة أن الإلهية مستلزِمةٌ للقدرة على الاستبداد بالتصرف فيهما على الإطلاق تغييراً وتبديلاً وإيجاداً وإعداماً وإحياءً وإماتة، فبقاؤهما على ما هما عليه إما بتأثير كل منها وهو محالٌ لاستحالة وقوعِ المعلولِ المعيّن بعلل متعددة، وإما بتأثير واحدٍ منها فالبواقي بمعزل من الإلهية قطعاً، واعلم أن جعلَ التالي فسادَهما بعد وجودِهما لِما أنه اعتُبر في المقدم تعددُ الآلهةِ فيهما وإلا فالبرهانُ يقضي باستحالة التعدد على الإطلاق، فإنه لو تعدد الإله فإنْ توافقَ الكلِّ في المراد تطاردت عليه القُدَرُ وإن تخالفت تعاوقت فلا يوجد موجودٌ أصلاً وحيث انتفى التالي تعيّن انتفاءُ المقدّم والفاء في قوله تعالى :
 فَسُبْحَانَ الله  لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ثبوت الوحدانية بالبرهان، أي فسبحوه سبحانه اللائقَ به ونزّهوه عما لا يليق به من الأمور التي من جملتها أن يكون له شريكٌ في الألوهية، وإيرادُ الجلالة في موضع الإضمارِ للإشعار بعلة الحُكم فإن الألوهيةَ مناطٌ لجميع صفاتِ كماله التي من جملتها تنزّهُه تعالى عما لا يليق به ولتربية المهابةِ وإدخالِ الروعة وقوله تعالى : رَبُّ العرش  صفةٌ للاسم الجليل مؤكدةٌ لتنزّهه عز وجل  عَمَّا يَصِفُونَ  متعلق بالتسبيح أي فسبحوه عما يصفونه من أن يكون من دونه آلهةٌ.

### الآية 21:23

> ﻿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [21:23]

لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ  استئنافٌ ببيان أنه تعالى لقوة عظمته وعزةِ سلطانه القاهرِ بحيث ليس لأحد من مخلوقاته أن يناقشه ويسألَه عما يفعل من أفعال إثرَ بيانِ أن ليس له شريكٌ في الإلهية  وَهُمْ  أي العباد  يُسْأَلُونَ  عما يفعلون نقيراً وقطميراً لأنهم مملوكون له تعالى مستعبَدون ففيه وعيدٌ للكفرة.

### الآية 21:24

> ﻿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ۖ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ۖ هَٰذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي ۗ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ ۖ فَهُمْ مُعْرِضُونَ [21:24]

أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ آلِهَةً  إضرابٌ وانتقالٌ من إظهار بُطلانِ كون ما اتخذوه آلهةً آلهةً حقيقةً بإظهار خلوِّها عن خصائص الإلهية التي من جملتها الإنشارُ وإقامةُ البرهان القاطعِ على استحالة تعدد الإله على الإطلاق وتفرّدِه سبحانه بالألوهية إلى إظهار بطلانِ اتخاذِهم تلك الآلهة مع عرائها عن تلك الخصائص بالمرة شركاءَ لله عز سلطانُه، وتبكيتُهم بإلجائهم إلى إقامة البرهان على دعواهم الباطلة وتحقيقُ أن جميع الكتب السماويةِ ناطقةٌ بحقية التوحيد وبطلانِ الإشراك. والهمزةُ لإنكار الاتخاذ المذكور واستقباحِه ومن متعلقةٌ باتخذوا، والمعنى بل أُتخذوا متجاوزين إياه تعالى مع ظهور شؤونه الجليلة الموجبة لتفرده بالألوهية آلهةً مع ظهور خلوهم عن خواصّ الألوهية بالكلية  قُلْ  لهم بطريق التبكيتِ وإلقامِ الحجر  هَاتُواْ برهانكم  على ما تدّعونه من جهة العقل والنقلِ فإنه لا صحةَ لقولٍ لا دليلَ عليه في الأمور الدينية لاسيما في مثل هذا الشأنِ الخطير، وما في إضافة البرهان إلى ضميرهم من الإشعار بأن لهم برهاناً ضربٌ من التهكم بهم وقوله تعالى : هذا ذِكْرُ مَن مَّعِي وَذِكْرُ مَن قَبْلِي  إنارةٌ لبرهانه وإشارةٌ إلى أنه مما نطقت به الكتبُ الإلهية قاطبةً وشهِدت به ألسنةُ الرسلِ المتقدمة كافةً وزيادةُ تهييجٍ لهم على إقامة البرهان لإظهار كمالِ عجزِهم، أي هذا الوحيُ الواردُ في شأن التوحيد المتضمن للبرهان القاطعِ العقليّ ذكرُ أمتي أي عظتُهم وذكرُ الأمم السالفة قد أقمتُه فأقيموا أنتم أيضاً برهانَكم، وقيل : المعنى هذا كتابٌ أُنزل على أمتي وهذا كتابٌ أنزل على أمم الأنبياءِ عليهم السلام من الكتب الثلاثةِ والصحفِ فراجعوها وانظُروا هل في واحد منها غيرُ الأمر بالتوحيد والنهي عن الإشراك، ففيه تبكيتٌ لهم يتضمن إثباتَ نقيضِ مُدّعاهم وقرئ بالتنوين والإعمال كقوله تعالى : أَوْ إِطْعَامٌ في يَوْمٍ ذي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً  وبه وبمن الجارة على أن ( مع ) اسمٌ هو ظرف كقبلٍ وبعْدٍ وقوله تعالى : بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الحق  إضرابٌ من جهته تعالى غيرُ داخل في الكلام الملقن وانتقالٌ من الأمر بتبكيتهم بمطالبة البرهانِ إلى بيان أنه لا ينجع فيهم المُحاجّة بإظهار حقيقة الحقِّ وبطلانِ الباطل، فإن أكثرهم لا يفهمون الحقَّ ولا يميزون بينه وبين الباطل  فَهُمُ  لأجل ذلك  مُّعْرِضُونَ  أي مستمرون على الإعراض عن التوحيد واتباعِ الرسول لا يرعوون عما هم عليه من الغي والضلال وإن كُرّرت عليهم البينات والحجج، أو معرضون عما ألقي عليهم من البراهين العقلية، وقرئ الحقُّ بالرفع على أنه خبرُ مبتدأ محذوف وسِّط بين السبب والمسببِ تأكيداً للسببية.

### الآية 21:25

> ﻿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [21:25]

وقوله تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ أَنَاْ فاعبدون  استئنافٌ مقررٌ لما أُجمل فيما قبله من كون التوحيد مما نطَقت به الكتبُ الإلهية وأجمعت عليه الرسلُ عليهم الصلاة والسلام، وقرئ ( يوحى ) على صيغة الغائب مبنياً للمفعول وأياً ما كان فصيغةُ المضارع لحكاية الحالِ الماضية استحضاراً لصورة الوحي.

### الآية 21:26

> ﻿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۚ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ [21:26]

وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً  حكايةٌ لجناية فريق من المشركين جيء بها لإظهار بُطلانِها وبيانِ تنزّهه تعالى عن ذلك إثرَ بيان تنزّهِه سبحانه عن الشركاء على الإطلاق وهم حيٌّ من خُزاعَةَ يقولون : الملائكةُ بناتُ الله تعالى، ونقل الواحدي أن قريشاً وبعضَ أجناسِ العرب جهينةَ وبني مُلَيح يقولون ذلك. والتعرضُ لعنوان الرحمانية المنبئةِ عن كون جميع ما سواه تعالى مربوباً له تعالى نعمةً أو مُنعَماً عليه لإبراز كمالِ شناعةِ مقالتِهم الباطلةِ  سبحانه  أي تنزّه بالذات تنزّهَه اللائقَ به على أن السُّبحانَ مصدرٌ من سبح أي بَعُد أو أسبّحه تسبيحَه على أنه علمٌ للتسبيح وهو مقولٌ على ألسنة العباد أو سبحوه تسبيحَه وقوله تعالى : بَلْ عِبَادٌ  إضرابٌ وإبطالٌ لما قالوه، كأنه قيل : ليست الملائكةُ كما قالوا بل هم عبادٌ له تعالى  مُّكْرَمُونَ  مقربون عنده، وقرئ مكرّمون بالتشديد تنبيهٌ على منشأ غلطِ القوم.

### الآية 21:27

> ﻿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [21:27]

وقوله تعالى : لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول  صفةٌ أخرى لعباد منبئةٌ عن كمال طاعتهم وانقيادِهم لأمره تعالى، أي لا يقولون شيئاً حتى يقوله تعالى أو يأمرهم به وأصلُه لا يسبق قولُهم قولَه تعالى، فأسند السبقُ إليه منسوباً إليه تعالى تنزيلاً لسبق قولِهم قولَه تعالى منزلةَ سبقهم إياه تعالى لمزيد تنزيههم عن ذلك وللتنبيه على غاية استهجان السبقِ المعرَّضِ به للذين يقولون ما لا يقوله الله تعالى، وجعلُ القول محلاً للسبق وأداةً له ثم أنيب اللامُ عن الإضافة للاختصار والتجافي عن التكرار، وقرئ لا يسبقونه بضم الباء من سابقته فسبقته أسبُقه وفيه مزيدُ استهجانٍ للسبق وإشعارٌ بأن من سبق قولُه قولَه تعالى فقد تصدّى لمغالبته تعالى في السبق فسبقه فغلبه والعياذ بالله تعالى، وزيادةُ تنزيهٍ لهم عما نُفيَ عنهم ببيان أن ذلك عندهم بمنزلة الغلَبة بعد المغالبة، فأنى يُتوهم صدورُه عنهم  وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ  بيانٌ لتبعيتهم له تعالى في الأعمال إثرَ بيانِ تبعيتهم له تعالى في الأقوال، فإن نفيَ سبقِهم له تعالى بالقول عبارةٌ عن تبعيّتهم له تعالى فيه، كأنه قيل : هم بأمره يقولون وبأمره يعملون لا بغير أمره أصلاً، فالقصرُ المستفادُ من تقديم الجار معتبرٌ بالنسبة إلى غير أمرِه لا إلى أمر غيرِه.

### الآية 21:28

> ﻿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [21:28]

يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ  استئنافٌ وقع تعليلاً لما قبله وتمهيداً لما بعده فإنهم لعلمهم بإحاطته تعالى بما قدموا وأخروا من الأقوال والأعمال لا يزالون يراقبون أحوالَهم فلا يُقدمون على قول أو عمل بغير أمره تعالى  وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى  أن يشفعَ له مهابةً منه تعالى  وَهُمْ  مع ذلك  مّنْ خَشْيَتِهِ  عز وجل  مُشْفِقُونَ  مرتعدون، وأصلُ الخشية الخوفُ مع التعظيم ولذلك خص بها العلماءُ، والإشفاق الخوفُ مع الاعتناء فعند تعديتِه بمن يكون معنى الخوف فيه أظهرَ وعند تعديته بعلى ينعكس الأمر.

### الآية 21:29

> ﻿۞ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَٰهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [21:29]

وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ  أي من الملائكة الكلامَ فيهم وفي كونهم بمعزل مما قالوا في حقهم  إِنّي إله مّن دُونِهِ  متجاوزٌ إياه تعالى  فَذَلِكَ  الذي فُرض قولُه فرضَ مُحال  نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ  كسائر المجرمين ولا يغني عنهم ما ذُكر من صفاتهم السنية وأفعالِهم المَرْضية، وفيه من الدِلالة على قوة ملكوتِه تعالى وعزة جبروتِه واستحالةِ كون الملائكة بحيث يتوهم في حقهم ما توهمه أولئك الكفرةُ ما لا يخفى  كذلك نَجْزِي الظالمين  مصدرٌ تشبيهيٌّ مؤكد لمضمون ما قبله أي مثلَ ذلك الجزاءِ الفظيعِ نجزي الذين يضعون الأشياءَ في غير مواضعها ويتعدَّوْن أطوارَهم، والقصرُ المستفادُ من التقديم معتبرٌ بالنسبة إلى النقصان دون الزيادة أي لا جزاءً أنقصَ منه.

### الآية 21:30

> ﻿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ [21:30]

أَوَلَمْ يَرَ الذين كَفَرُواْ  تجهيلٌ لهم بتقصيرهم في التدبُّر في الآيات التكوينيةِ الدالةِ على استقلاله تعالى بالألوهية وكونِ جميع ما سواه مقهوراً تحت ملكوتِه، والهمزةُ للإنكار والواو للعطف على مقدّر وقرئ بغير واو والرؤيةُ قلبيةٌ، أي ألم يتفكروا ولم يعلموا  أَنَّ السماوات والأرض كَانَتَا  أي جماعتا السماوات والأرضين كما في قوله تعالى : إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ   رَتْقاً  الرتْق الضمُّ والالتحامُ والمعنى إما على حذف المضافِ أو هو بمعنى المفعولِ أي كانتا ذواتيْ رتْقٍ أو مرتوقتين، وقرئ رتَقاً أي شيئاً رتقاً أي مرتوقاً  ففتقناهما  قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في رواية عكرمة والحسن البصري وقتادة وسعيد بن جبير : كانتا شيئاً واحداً ملتزمين ففصل الله تعالى بينهما ورفع السماءَ إلى حيث هي وأقرّ الأرض، وقال كعب : خلق الله تعالى السماوات والأرض ملتصقتين ثم خلق ريحاً فتوسطتها ففتقتْها، وعن الحسن : خلق الله تعالى الأرضَ في موضع بيت المقدس كهيئة الفِهْر عليها دخانٌ ملتزق بها ثم أصعدَ الدخانَ وخلق منه السماوات وأمسك الفِهرَ في موضعها وبسط منها الأرضَ وذلك قوله تعالى : كَانَتَا رَتْقاً ففتقناهما  وقال مجاهد والسدي : كانت السماوات مُرتتِقَةً طبقةً واحدة ففتقها فجعلها سبعَ سموات وكذلك الأرضُ كانت مرتتِقةً طبقةً واحدةً ففتقها فجعلها سبعَ أرضين، وقال ابن عباس في رواية عطاء وعليه أكثرُ المفسرين : إن السماوات كانت رتْقاً مستويةً صُلبة لا تمطر والأرضُ رتْقاً لا تُنبت ففتق السماءَ بالمطر والأرضَ بالنبات، فيكون المراد بالسماوات السماءَ الدنيا والجمعُ باعتبار الآفاقِ أو السماوات جميعاً على أن لها مدخلاً في الأمطار، وعلمُ الكفرةِ الرتْقَ والفتقَ بهذا المعنى مما لا سِترةَ به وأما بالمعاني الأُوَل فهم وإن لم يعلموهما لكنهم متمكنون من علمهما إما بطريق النظرِ والتفكر، فإن الفتقَ عارضٌ مفتقرٌ إلى مؤثر قديم وإما بالاستفسار من العلماء ومطالعةِ الكتب. 
 وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَيء حَيّ  أي خلقنا من الماء كلَّ حيوان كقوله تعالى : والله خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مّن مَّاء  وذلك لأنه من أعظم موادِّه أو لفرْط احتياجِه إليه وانتفاعِه به، أو صيرنا كلَّ شيء حي من الماء أي بسبب منه لا بد له من ذلك، وتقديمُ المفعول الثاني للاهتمام به لا لمجرد أن المفعولين في الأصل مبتدأٌ وخبرٌ وحقُّ الخبر عند كونه ظرفاً أن يتقدم على المبتدأ فإن ذلك مصحِّحٌ محْضٌ لا مرجحٌ، وقرئ حيًّا على أنه صفةُ كلَّ أو مفعولٌ ثانٍ والظرفُ كما في الوجه الأول قُدّم على المفعول للاهتمام به والتشويقِ إلى المؤخر  أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ  إنكار لعدم إيمانِهم بالله وحده مع ظهور ما يوجبه حتماً من الآيات الآفاقية والأنفسيةِ الدالةِ على تفرده عز وجل بالألوهية وعلى كون ما سواه من مخلوقاته مقهورةً تحت ملكوته وقدرتِه، والفاء للعطف على مقدر يستدعيه الإنكارُ السابق أي أيعلمون ذلك فلا يؤمنون !

### الآية 21:31

> ﻿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ [21:31]

وَجَعَلْنَا في الأرض رَوَاسِيَ  أي جبالاً ثوابتَ جمعُ راسية من رسا الشيءُ إذا ثبت ورسَخ، ووصفُ جمعِ المذكر بجمع المؤنثِ في غير العقلاءِ مما لا ريب في صحته كقوله تعالى : أَشْهُرٌ معلومات  و أَيَّامًا معدودات   أَن تَمِيدَ بِهِمْ  أي كراهةَ أن تتحرك وتضطربَ بهم أو لئلا تميدَ بهم بحذف اللام ولا، لعدم الإلباس  وَجَعَلْنَا فِيهَا  أي في الأرض وتكريرُ الفعل لاختلاف المجعولين ولتوفية مقام الامتنان حقَّه أو في الرواسي لأنها المحتاجةُ إلى الطرق  فِجَاجاً  مسالكَ واسعةً وإنما قدم على قوله تعالى : سُبُلاً  وهى وصفٌ له ليصير حالاً فيفيد أنه تعالى حين خلقها خلقَها كذلك، أو ليبدل منها سبلاً فيدل ضمناً على أنه تعالى خلقها ووسّعها للسابلة مع ما فيه من التوكيد  لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ  أي إلى مصالحهم ومَهمّاتهم.

### الآية 21:32

> ﻿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا ۖ وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ [21:32]

وَجَعَلْنَا السماء سَقْفاً مَّحْفُوظاً  من الوقوع بقدرتنا القاهرةِ أو من الفساد والانحلال إلى الوقت المعلوم بمشيئتنا أو من استراق السمعِ بالشُهُب  وَهُمْ عَنْ آياتها  الدالةِ على وحدانيته تعالى وعلمِه وحكمتِه وقدرتِه وإرادتِه التي بعضُها محسوسٌ وبعضُها معلومٌ بالبحث عنه في علمَي الطبيعة والهيئة  مُّعْرِضُونَ  لا يتدبرون فيها فيبقَون على ما هم عليه من الكفر والضلال.

### الآية 21:33

> ﻿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [21:33]

وقوله تعالى : وَهُوَ الذي خَلَقَ الليل والنهار والشمس والقمر  اللذين هما آيتاهما بيانٌ لبعض تلك الآياتِ التي هم عنها معرضون بطريق الالتفاتِ الموجب لتأكيد الاعتناءِ بفحوى الكلام، أي هو الذي خلقهن وحده  كُلٌّ  أي كلُّ واحد منهما على أن التنوينَ عوضٌ عن المضاف إليه  في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ  أي يجْرون في سطح الفلك كالسبْح في الماء، والمرادُ بالفَلَك الجنسُ كقولك : كساهم الخليفةُ حُلّةً، والجملة حالٌ من الشمس والقمر وجاز انفرادُهما بها لعدم اللَّبْس، والضميرُ لهما والجمعُ باعتبار المطالعِ، وجُعل الضميرُ واوَ العقلاء لأن السباحة حالُهم.

### الآية 21:34

> ﻿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ [21:34]

وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مّن قَبْلِكَ الخلد  أي في الدنيا لكونه مخالفاً للحكمة التكوينيةِ والتشريعية  أفَإن مِتَ  بمقتضى حكمتِنا  فَهُمُ الخالدون  نزلت حين قالوا : نتربّص به ريبَ المَنون، والفاءُ لتعليق الشرطيةِ بما قبلها والهمزةُ لإنكار مضمونِها بعد تقرّر القاعدةِ الكلية النافية لذلك بالمرة، والمرادُ بإنكار خلودِهم ونفيه إنكارُ ما هو مدارٌ له وجوداً وعدماً من شماتتهم بموته عليه السلام، فإن الشماتةَ بما يعتريه أيضاً مما لا ينبغي أن يصدُرَ عن العاقل كأنه قيل : أفإن متَّ فهم الخالدون حتى يشمتوا بموتك.

### الآية 21:35

> ﻿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [21:35]

وقوله تعالى : كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت  أي ذائقةٌ مرارةَ مفارقتِها جسدَها، برهانٌ على ما أُنكِرَ من خلودهم. 
 وَنَبْلُوكُم  الخطابُ إما للناس كافة بطريق التلوينِ أو للكفرة بطريق الالتفات أي نعاملكم معاملة من يبلوكم  بالشر والخير  بالبلايا والنعم هل تصبرون وتشكرون أو لا  فِتْنَةً  مصدرٌ مؤكد لنبلوَكم من غير لفظِه  وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ  لا إلى غيرنا لا استقلالاً ولا اشتراكاً فنجازيكم حسبما يظهر منكم من الأعمال، فهو على الأول وعد ووعيدٌ وعلى الثاني وعيدٌ محضٌ وفيه إيماءٌ إلى أن المقصود من هذه الحياة الدنيا الابتلاءُ والتعريضُ للثواب والعقاب، وقرئ يُرجعون بالياء على الالتفات.

### الآية 21:36

> ﻿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ هُمْ كَافِرُونَ [21:36]

وَإِذَا رَآكَ الذين كَفَرُواْ  أي المشركون  إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً  أي ما يتخذونك إلا مهزوءاً به على معنى قصرِ معاملتهم معه عليه السلام على اتخاذهم إياه هُزواً، لا على معنى قصرِ اتخاذهم على كونه هزواً كما هو المتبادرُ، كأنه قيل : ما يفعلون بك إلا اتخاذَك هزواً وقد مر تحقيقه في قوله تعالى : إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ  في سورة الأنعام  أهذا الذي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ  على إرادة القولِ أي ويقولون أو قائلين ذلك أي يذكرهم الخ، وقوله تعالى : وَهُمْ بِذِكْرِ الرحمن هُمْ كافرون  في حيز النصبِ على الحالية من ضمير القول المقدرِ والمعنى أنهم يَعيبون عليه عليه الصلاة والسلام أن يذكُرَ آلهتَهم التي لا تضُرّ ولا تنفع بالسوء، والحالُ أنهم بذكر الرحمن المنْعِم عليهم بما يليق به من التوحيد أو بإرشاد الخلق بإرسال الرسلِ وإنزالِ الكتب أو بالقرآن كافرون بذكر الرحمن، والضمير الثاني تأكيدٌ لفظيٌّ للأول فوقع الفصلُ بين العامل ومعمولِه بالمؤكد، وبين المؤكِّد والمؤكَّد بالمعمول.

### الآية 21:37

> ﻿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ ۚ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ [21:37]

خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ  جُعل لفرْطِ استعجالِه وقلة صبره كأنه مخلوقٌ منه تنزيلاً لما طُبع عليه من الأخلاق منزلةَ ما طبع منه من الأركان إيذاناً بغاية لزومِه له وعدم انفكاكه عنه، ومن عجلته مبادرتُه إلى الكفر واستعجالُه بالوعيد، روي أنها نزلت في النضْر بن الحارثِ حين استعجل العذابَ بقوله : اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ  الآية، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أن المراد بالإنسان آدمُ عليه السلام وأنه حين بلغ الروحُ صدرَه ولم يتبالغْ فيه أراد أن يقوم، وروي أنه لما دخل الروحُ في عينيه نظر إلى ثمار الجنة ولما دخل جوفَه اشتهى الطعامَ، وقيل : خلقه الله تعالى في آخر النهار يومَ الجمعة قبل غروبِ الشمس فأسرعَ في خلقه قبل غيبتِها، فالمعنى خُلق الإنسان خلقاً ناشئاً من عجل فذكرُه لبيان أنه من دواعي عجلته في الأمور، والأظهر أن المرادَ به الجنسُ وإن كان خلقُه عليه السلام سارياً إلى أولاده، وقيل : العجلُ الطينُ بلغة حِمْير، ولا تقريبَ له هاهنا وقوله تعالى : سَأَريكُمْ آياتي  تلوينٌ للخطاب وصرفٌ له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المستعجِلين بطريق التهديدِ والوعيد، أي سأريكم نقِماتي في الآخرة كعذاب النار وغيره  فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ  بالإتيان بها والنهي عما جُبلت عليه نفوسُهم ليُقعِدوها عن مرادها.

### الآية 21:38

> ﻿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [21:38]

وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد  أي وقت مجيء الساعة التي كانوا يوعدون وإنما كانوا يقولونه استعجالاً لمجيئه بطريق الاستهزاء والإنكار كما يرشد إليه الجوابُ لا طلباً لتعيين وقتِه بطريق الإلزام كما في سورة الملك  إِن كُنتُمْ صادقين  أي في وعدكم بأنه يأتينا، والخطابُ للنبيّ عليه الصلاة والسلام والمؤمنين الذين يتلون الآياتِ الكريمةَ المنبئةَ عن مجيء الساعة، وجوابُ الشرط محذوفٌ ثقةً بدِلالة ما قبله عليه حسبما حُذف في مثل قوله تعالى : فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصادقين  فإن قولهم : حتى هذا الوعدِ استبطاءٌ للموعود وطلبٌ لإتيانه بطريق العجَلة فإن ذلك في قوة الأمرِ بالإتيان عجلةً، كأنه قيل : فليأتنا بسرعة إن كنتم صادقين.

### الآية 21:39

> ﻿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ [21:39]

لَوْ يَعْلَمُ الذين كَفَرُواْ  استئنافٌ مَسوقٌ لبيان شدةِ هول ما يستعجلونه وفظاعةِ ما فيه من العذاب وأنهم إنما يستعجلونه لجهلهم بشأنه، وإيثارُ صيغة المضارعِ في الشرط وإن كان المعنى المُضِيَّ لإفادة استمرارِ عدم العلم فإن المضارعَ المنفيَّ الواقعَ موقعَ الماضي ليس بنص في إفادة انتفاءِ استمرار الفعل بل يفيد استمرارَ انتفائه أيضاً بحسب المقام، كما في قولك : لو تحسن إلي لشكرتك، فإن المعنى أن انتفاءَ الشكر لاستمرار انتفاءِ الإحسان لا لانتفاء استمرارِ الإحسان ووضعُ الموصولِ موضعَ الضمير للتنبيه بما في حيز الصلة على علّة استعجالِهم، وقوله تعالى : حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النار وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ  مفعول يعلم وهو عبارةٌ عن الوقت الموعودِ الذي كانوا يستعجلونه وإضافتُه إلى الجملة الجارية مَجرى الصفة التي حقُّها أن تكون معلومةَ الانتساب إلى الموصوف عند المخاطب أيضاً مع إنكار الكفرةِ لذلك للإيذان بأنه من الظهور بحيث لا حاجة له إلى الإخبار به وإنما حقُّه الانتظامُ في سلك المسلّمات المفروغ عنها، وجوابُ لو محذوفٌ أي لو لم يستمِرَّ علمهم بالوقت الذي يستعجلونه بقولهم : متى هذا الوعد من الحين الذي تحيط بهم النار فيه من كل جانب، وتخصيصُ الوجوه والظهور بالذكر بمعنى القُدّام والخَلْف لكونهما أشهرَ الجوانب واستلزامِ الإحاطة بهما الإحاطةَ بالكمال بحيث يقدرون على دفعها بأنفسهم من جانب من جوانبهم. 
 وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ  من جهة الغير في دفعها الخ، لما فعلوا ما فعلوا من الاستعجال ويجوز أن يكون ( يعلم ) متروكَ المفعول مُنزّلاً منزلةَ اللازم، أي لو كان لهم علم لما فعلوه وقوله تعالى : حِينٍ  الخ، استئنافٌ مقرر لجهلهم ومبينٌ لاستمراره إلى ذلك الوقت كأنه قيل : حين يرون ما يرَوْن يعلمون حقيقةَ الحال.

### الآية 21:40

> ﻿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ [21:40]

بَلْ تَأْتِيهِم  عطف على لا يكفون أي لا يكفّونها بل تأتيهم أي العدَةُ أو النار أو الساعة  بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ  أي تغلِبهم أو تحيّرهم، وقرئ الفعلان بالتذكير على أن الضمير للوعد أو الحين وكذا الهاء في قوله تعالى : فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا  بتأويل الوعد بالنار أو العِدة والحينِ بالساعة، ويجوز عَودُه إلى النار، وقيل : إلى البغتة أي لا يستطيعون ردها عنهم بالكلية  وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ  أي يمهلون ليستريحوا طرفةَ عين، وفيه تذكيرٌ لإمهالهم في الدنيا.

### الآية 21:41

> ﻿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [21:41]

وَلَقَدِ استهزئ بِرُسُلٍ مّن قَبْلِكَ  تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن استهزائهم به عليه السلام في ضمن الاستعجال وعِدةٌ ضمنيةٌ بأنه يصيبهم مثلُ ما أصاب المستهزئين بالرسل السالفةِ عليهم الصلاة والسلام، وتصديرُها بالقسم لزيادة تحقيقِ مضمونها، وتنوينُ الرسل للتفخيم والتكثير ومن متعلقةٌ بمحذوف هو صفة له، أي وبالله لقد استُهزئ برسل أولي شأنٍ خطير وذوي عددٍ كثير كائنين من زمان قبل زمانك على حذف المضاف وإقامةِ المضاف إليه مُقامه. 
 فَحَاقَ  أي أحاط عَقيب ذلك أو نزل أو حل أو نحو ذلك، فإن معناه يدور على الشمول واللزوم ولا يكاد يُستعمل إلا في الشر، والحيقُ ما يشتمل على الإنسان من مكروهٍ فَعَله، وقوله تعالى : بالذين سَخِرُواْ مِنْهُمْ  أي من أولئك الرسل عليهم السلام متعلق بحاق وتقديمه على فاعله الذي هو قوله تعالى : مَّا كَانُوا بِهِ يستهزؤن  للمسارعة إلى بيان لحوقِ الشرّ بهم، وما إما موصولة مفيدةٌ للتهويل والضمير المجرورُ عائدٌ إليها والجار متعلق بالفعل وتقديمُه عليه لرعاية الفواصلِ، أي فأحاط بهم الذي كانوا يستهزؤن به حيث أهلكوا لأجله، وإما مصدريةٌ فالضمير المجرور راجعٌ حينئذ إلى جنس الرسول المدلولِ عليه بالجمع كما قالوا، ولعل إيثارَه على الجمع للتنبيه على أنه يحيق بهم جزاءُ استهزائهم بكل واحدٍ واحدٌ منهم عليهم السلام لا جزاءُ استهزائهم بكلهم من حيث هو كلٌّ فقط، أي فنزل بهم جزاءُ استهزائهم على وضع السبب موضعَ المسبب إيذاناً بكمال الملابسةِ بينهما أو عينُ استهزائهم إن أريد بذلك العذابُ الأخرويُّ بناء على تجسيم الأعمال الظاهرةِ في هذه النشأة بصور عرضية تبرُز في النشأة الآخرة بصور جوهرية مناسبةٍ لها في الحسن والقبح وعلى ذلك بني الوزن، وقد مر تفصيلُه في سورة الأعراف في قوله تعالى : إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ  الآية إلى آخرها.

### الآية 21:42

> ﻿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَٰنِ ۗ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ [21:42]

قُلْ  خطابٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم إثرَ تسليته بما ذكر من مصير أمرِهم إلى الهلاك وأمرٌ له عليه السلام بأن يقول لأولئك المستهزئين بطريق التقريع والتبكيت : مَن يَكْلَؤُكُم  أي يحفظكم  بالليل والنهار مِنَ الرحمن  أي من بأسه الذي تستحقون نزولَه ليلاً أو نهاراً، وتقديمُ الليل لما أن الدواهيَ أكثرُ فيه وقوعاً وأشدُّ وقعاً، وفي التعرض لعنوان الرحمانيةِ إيذانٌ بأن كالِئَهم ليس إلا رحمتُه العامةُ، وبعد ما أُمر عليه السلام بما ذكر من السؤال على الوجه المذكور حسبما تقتضيه حالُهم لأنهم بحيث لولا أن الله تعالى يحفظهم في المَلَوَيْن لحل بهم فنون الآفاتِ، فهم أحقّاءُ بأن يكلفوا الاعترافَ بذلك فيوبخوا على ما هم عليه من الإشراك، أُضرب عن ذلك بقوله تعالى : بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبّهِمْ مُّعْرِضُونَ  ببيان أن لهم حالاً أخرى مقتضيةً لصرف الخطابِ عنهم هي أنهم لا يُخطِرون ذكرَه تعالى ببالهم، فضلاً أن يخافوا بأسَه ويعدّوا ما كانوا عليه من الأمن والدعَةِ حفظاً وكَلاءةً حتى يسألوا عن الكالِئ على طريقة قول من قال :\[ البسيط \]عُوجوا فحيُّوا لنعمى دِمنةَ[(١)](#foonote-١) الدار  ماذا تُحيُّون من نُؤْيٍ وأحجارِوفي تعليق الإعراض بذكره تعالى وإيرادِ اسمِ الرب المضافِ إلى ضميرهم المنبئ عن كونهم تحت ملكوتِه وتدبيره وتربيتِه تعالى من الدلالة على كونهم في الغاية القاصيةِ من الضلالة والغيّ ما لا يخفى. 
١ دمنة الدار: أثرها..

### الآية 21:43

> ﻿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا ۚ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ [21:43]

وكلمةُ أم في قوله تعالى : أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مّن دُونِنَا  منقطعةٌ وما فيها من معنى بل للإضراب والانتقالِ عما قبله من بيان أن جهلَهم بحفظه تعالى إياهم لعدم خوفِهم الناشئ عن إعراضهم عن ذكر ربهم بالكلية إلى توبيخهم باعتمادهم على آلهتهم وإسنادِهم الحفظَ إليها، والهمزةُ لإنكار أن يكون لهم آلهةٌ تقدر على ذلك والمعنى بل ألهم آلهةٌ تمنعهم من العذاب تتجاوز منْعنا أو حفظَنا، أو من عذاب كائنٍ من عندنا فهم معوّلون عليها واثقون بحفظها، وفي توجيه الإنكارِ والنفي إلى وجود الآلهةِ الموصوفة بما ذكر من المنع لا إلى نفس الصفةِ بأن يقال : أم تمنعهم آلهتُهم الخ، من الدِلالة على سقوطها عن مرتبة الوجود فضلاً عن رتبة المنع ما لا يخفى، وقوله عز وعلا : لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلاَ هُمْ مّنَّا يُصْحَبُونَ  استئنافٌ مقرّر لما قبله من الإنكار وموضِّحٌ لبُطلان اعتقادِهم أي هم لا يستطيعون أن ينصُروا أنفسهم ولا يُصحَبون بالنصر من جهتنا، فكيف يتوهم أن ينصُروا غيرهم ؟.

### الآية 21:44

> ﻿بَلْ مَتَّعْنَا هَٰؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ۗ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ [21:44]

وقوله تعالى : بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاء وَآبَاءهُمْ حتى طَالَ عَلَيْهِمُ العمر  إضرابٌ عما توهموا ببيان أن الداعيَ إلى حفظهم تمتيعُنا إياهم بما قدّر لهم من الأعمار أو عن الدِلالة على بطلانه ببيان ما أوهمهم ذلك، وهو أنه تعالى متعهم بالحياة الدنيا وأمهلهم حتى طالت أعمارُهم فحسِبوا أن لا يزالوا كذلك وأنه بسبب ما هم عليه، ولذلك عقّب بما يدل على أنه طمعٌ فارغٌ وأمل كاذبٌ حيث قيل : أَفَلاَ يَرَوْنَ  أي ألا ينظرون فلا يرَون  أَنَّا نَأْتِي الأرض  أي أرضَ الكفرة  نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا  فكيف يتوهمون أنهم ناجون من بأسنا، وهو تمثيلٌ وتصويرٌ لما يُخْرِبه الله عز وجل من ديارهم على أيدي المسلمين ويُضيفها إلى دار الإسلام  أَفَهُمُ الغالبون  على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، والفاء لإنكار ترتيب الغالبيةِ على ما ذكر من نفس أرضِ الكفرةِ بتسليط المسلمين عليها، كأنه قيل : أبعد ظهورِ ما ذكر ورؤيتِهم له يتوهم غلَبتُهم ؟ كما مر في قوله تعالى : أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ  وقولِه تعالى : قُلْ أفاتخذتم مّن دُونِهِ أَوْلِيَاء  وفي التعريف تعريضٌ بأن المسلمين هم المتعيِّنون للغلَبة المعروفون بها.

### الآية 21:45

> ﻿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ ۚ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ [21:45]

قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم  بعد ما بُيّن من جهته تعالى غايةُ هول ما يستعجله ونهايةُ سوءِ حالهم عند إتيانه ونُعيَ عليهم جهلُهم بذلك وإعراضُهم عن ذكر ربهم الذي يكلؤهم من طوارق الليل والنهار وغيرُ ذلك من مساوي أحوالهم، أُمر عليه السلام بأن يقول لهم : إنما أنذركم ما تستعجلونه من الساعة  بالوحي  الصادق الناطقِ بإتيانها وفظاعةِ ما فيها من الأهوال، أي إنما شأني أن أنذرَكم بالإخبار بذلك لا بالإتيان بها فإنه مزاحمٌ للحكمة التكوينية والتشريعية إذ الإيمانُ برهانيٌّ لا عياني، وقوله تعالى : وَلاَ يَسْمَعُ الصم الدعاء  إما من تتمة الكلامِ الملقّن تذييلٌ له بطريق الاعتراض، قد أُمر عليه السلام بأن يقوله لهم توبيخاً وتقريعاً وتسجيلاً عليهم بكمال الجهلِ والعِناد، واللامُ للجنس المنتظمِ للمخاطبين انتظاماً أولياً أو للعهد فوضعُ المظهر موضعَ المضمر للتسجيل عليهم بالتصامّ، وتقييدُ نفي السماعِ بقوله تعالى : إِذَا مَا يُنذَرُونَ  مع أن الصمَّ لا يسمعون الكلام إنذاراً كان أو تبشيراً لبيان كمال شدةِ الصّمَمِ، كما أن إيثارَ الدعاء الذي هو عبارةٌ عن الصوت والنداءِ على الكلام لذلك فإن الإنذارَ عادة يكون بأصوات عاليةٍ مكررةٍ مقارِنةٍ لهيئات دالةٍ عليه، فإذا لم يسمعوها يكون صَممُهم في غاية لا غايةَ وراءها، وإما من جهته تعالى على طريقة قوله تعالى : بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبّهِمْ مُّعْرِضُونَ  ويؤيده القراءةُ على خطاب النبي عليه الصلاة والسلام من الإسماع بنصب الصمُّ والدعاءَ، كأنه قيل : قل لهم ذلك وأنت بمعزل من إسماعهم، وقرئ بالياء أيضاً على أن الفاعلَ هو عليه السلام، وقرئ على البناء للمفعول أي لا يقدر أحدٌ على إسماع الصمِّ.

### الآية 21:46

> ﻿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [21:46]

وقوله تعالى : وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مّنْ عَذَابِ رَبّكَ  بيان لسرعة تأثرِهم من مجيء نفس العذابِ إثرَ بيان عدمِ تأثرِهم من مجيء خبرِه على نهج التوكيد القسمي، أي وبالله لئن أصابهم أدنى شيءٍ من عذابه تعالى كما ينبئ عنه المس والنفحة بجوهرها وبنائها فإن أصلَ النفحِ هبوبُ رائحة الشيء  لَيَقُولُنَّ يا ويلنا قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظالمين  ليدْعُنّ على أنفسهم بالويل والهلاك ويعترِفُنّ عليها بالظلم.

### الآية 21:47

> ﻿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ [21:47]

وقوله تعالى : وَنَضَعُ الموازين القسط  بيانٌ لما سيقع عند إتيانِ ما أُنذروه، أي نقيم الموازينَ العادلةَ التي توزن بها صحائفُ الأعمال، وقيل : وضعُ الموازين تمثيلٌ لإرصاد الحسابِ السويِّ والجزاء على حسب الأعمال، وقد مر تفصيلُ ما فيه من الكلام في سورة الأعراف، وإفرادُ القسطِ لأنه مصدرٌ وُصفَ به مبالغةً  لِيَوْمِ القيامة  التي كانوا يستعجلونها أي لجزائه أو لأجل أهلِه أو فيه كما في قولك : جئت لخمسٍ خلَوْن من الشهر  فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ  من النفوس  شَيْئاً  حقاً من حقوقها أو شيئاً ما من الظلم، بل يوفى كلُّ ذي حق حقَّه إن خيراً فخيرٌ وإن شرًّا فشر، والفاء لترتيب انتفاء الظلم على وضع الموازين  وَإِن كَانَ  أي العملُ المدلولُ عليه بوضع الموازين  مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ  أي مقدارَ حبة كائنةٍ من خردل، أي وإن كان في غاية القِلة والحَقارة فإن حبةَ الخردل مَثَلٌ في الصِغر، وقرئ مثقالُ حبة بالرفع على أن كان تامةٌ  أَتَيْنَا بِهَا  أي أحضرنا ذلك العملَ المعبَّر عنه بمثقال حبةِ الخردل للوزن، والتأنيث لإضافته إلى الحبة وقرئ آتينا بها أي جازينا بها من الإيتاء بمعنى المجازاة والمكافأةِ لأنهم أتَوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء، وقرئ أثبنا من الثواب وقرئ جئنا بها  وكفى بِنَا حاسبين  إذ لا مزيدَ على علمنا وعدْلِنا.

### الآية 21:48

> ﻿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ [21:48]

وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى وهارون الفرقان وَضِيَاء وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ  نوعُ تفصيلٍ لما أُجمل في قوله تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ  إلى قوله تعالى : وَأَهْلَكْنَا المسرفين  وإشارةٌ إلى كيفية إنجائهم وإهلاكِ أعدائهم، وتصديرُه بالتوكيد القسمي لإظهار كمال الاعتناءِ بمضمونه، والمرادُ بالفرقان هو التوراةُ وكذا بالضياء والذكر، أي وبالله لقد آتيناهم وحياً ساطعاً وكتاباً جامعاً بين كونه فارقاً بين الحقِّ والباطل وضياءً يستضاء به في ظلمات الجهلِ والغَواية وذِكْراً يتعظ به الناسُ، وتخصيصُ المتقين بالذكر لأنهم المستضيئون بأنواره المغتنمون لمغانم آثارِه أو ذكر ما يحتاجون إليه من الشرائع والأحكامِ، وقيل : الفرقانُ النصرُ، وقيل : فلقُ البحر والأول هو اللائقُ بمساق النظمِ الكريم فإنه لتحقيق أمر القرآن المشارك لسائر الكتبِ الإلهية لاسيما التوراةِ فيما ذكر من الصفات، ولأن فلقَ البحر هو الذي اقترح الكفرةُ مثله بقولهم : فليأتنا بآية كما أُرسل الأولون، وقرئ ضياءً بغير واو على أنه حالٌ من الفرقان.

### الآية 21:49

> ﻿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ [21:49]

وقوله تعالى : الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُم  أي عذابَه، مجرورُ المحل على أنه صفةٌ مادحة للمتقين أو بدلٌ أو بيان أو منصوب أو مرفوعٌ على المدح  بالغيب  حال من المفعول أي يخشَون عذابه تعالى وهو غائبٌ عنهم غيرُ مشاهد لهم، ففيه تعريضٌ بالكفرة حيث لا يتأثرون بالإنذار ما لم يشاهِدوا ما أنذروه، وقيل : من الفاعل  وَهُمْ مّنَ الساعة مُشْفِقُونَ  أي خائفون منها بطريق الاعتناء، وتقديمُ الجار لمراعاة الفواصل وتخصيصُ إشفاقهم منها بالذكر بعد وصفِهم بالخشية على الإطلاق للإيذان بكونها معظمَ المَخُوفاتِ وللتنصيص على اتصافهم بضد ما اتصف به المستعجلون، وإيثارُ الجملة الاسميةِ للدِلالة على ثبات الإشفاق ودوامِه.

### الآية 21:50

> ﻿وَهَٰذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ ۚ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ [21:50]

وهذا  أي القرآنُ الكريم أشير إليه بهذا إيذاناً بغاية وضوحِ أمرِه  ذُكِرَ  يُتذكّر، وُصف بالوصف الأخير للتوراة لمناسبة المقام وموافقتِه لما مر في صدر السورةِ الكريمة  مُّبَارَكٌ  كثيرُ الخير غزيرُ النفع يُتبرّك به  أنزلناه  إما صفةٌ ثانية لذكر أو خبر  أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ  إنكارٌ لإنكارهم بعد ظهورِ كون إنزالِه كإيتاء التوراة، كأنه قيل : أبعد أن علمتم أن شأنَه كشأن التوراة في الإيتاء والإيحاءِ أنتم منكرون لكونه منزّلاً من عندنا ؟ فإن ذلك بعد ملاحظةِ حالِ التوراة مما لا مساغَ له أصلاً.

### الآية 21:51

> ﻿۞ وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ [21:51]

وَلَقَدْ آتَيْنَا إبراهيم رُشْدَهُ  أي الرشدَ اللائقَ به وبأمثاله من الرسل الكبارِ وهو الاهتداءُ الكاملُ المستند إلى الهداية الخاصةِ الحاصلةِ بالوحي والاقتدار على إصلاح الأمةِ باستعمال النواميسِ الإلهية، وقرئ رَشَدَه وهما لغتان كالحُزْن والحَزَن  مِن قَبْلُ  أي من قبل إيتاءِ موسى وهارونَ التوراةَ، وتقديمُ ذكر إيتائها لما بينه وبين إنزال القرآن من الشبه التامّ، وقيل : من قبل استنبائِه أو قبلَ بلوغِه ويأباه المقام  وَكُنَّا بِهِ عالمين  أي بأنه أهلٌ لما آتيناه وفيه من الدليل على أنه تعالى عالمٌ بالجزئيات مختارٌ في أفعاله ما لا يخفى.

### الآية 21:52

> ﻿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ [21:52]

إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ  ظرفٌ لآتينا على أنه وقت متّسعٌ وقع فيه الإيتاءُ وما ترتب عليه من أفعاله وأقواله، وقيل : مفعولٌ لمضمر مستأنَفٍ وقع تعليلاً لما قبله أي اذكر وقتَ قولِه لهم : مَا هذه التماثيل التي أَنتُمْ لَهَا عاكفون  لتقف على كمال رشدِه وغايةِ فضله، والتِمثالُ اسمٌ لشيء مصنوعٍ مشبَّهٍ بخلق من خلائق الله تعالى وهذا تجاهلٌ منه عليه السلام حيث سألهم عن أصنامهم بغير التي يُطلب بها بيانُ الحقيقة، أو شرحُ الاسم كأنه لا يعرف أنها ماذا مع إحاطته بأن حقيقتها حجرٌ أو شجرٌ اتخذوها معبوداً، وعبّر عن عبادتهم لها بمطلق العكُوف الذي هو عبارةٌ عن اللزوم والاستمرار على الشيء لغرض من الأغراض قصداً إلى تحقيرها وإذلالها وتوبيخاً لهم على إجلالها، واللام في لها للاختصاص دون التعديةِ وإلا لجيء بكلمة على، والمعنى أنتم فاعلون العكوفَ لها، وقد جُوّز تضمينُ العكوف معنى العبادة كما ينبئ عنه قوله تعالى : قَالُواْ وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عابدين .

### الآية 21:53

> ﻿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ [21:53]

قَالُواْ وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عابدين  أجابوا بذلك لما أن مآلَ سؤاله عليه السلام الاستفسارُ عن سبب عبادتِهم لها كما ينبئ عنه وصفه عليه السلام إياهم بالعكوف لها، كأنه قال : ما هي ؟ هل تستحق ما تصنعون من العكوف عليها ؟ فلما لم يكن لهم ملجأٌ يعتدّ به التجأوا إلى التقليد فأبطله عليه السلام على طريقة التوكيد القسمي حيث  قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ في ضلال مبين .

### الآية 21:54

> ﻿قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [21:54]

قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ  الذين سنّوا لكم هذه السنةَ الباطلة  في ضلال  عجيبٍ لا يقادَر قدرُه  مُّبِينٌ  أي ظاهر بيّن بحيث لا يخفى على أحد من العقلاء كونُه كذلك، ومعنى كنتم مطلقُ استقرارِهم على الضلال لا استقرارُهم الماضي الحاصلِ قبل زمانِ الخطاب المتناولِ لهم ولآبائهم، أي والله لقد كنتم مستقرين على ضلال عظيم ظاهرٍ لعدم استنادِه إلى دليل ما، والتقليدُ إنما يجوز فيما يحتمل الحقية في الجملة.

### الآية 21:55

> ﻿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ [21:55]

قَالُواْ  لما سمعوا مقالته عليه السلام استبعاداً لكون ما هم عليه ضلالاً وتعجباً من تضليله عليه السلام إياهم بطريق التوكيدِ القسمي، وتردداً في كون ذلك منه عليه السلام على وجه الجد  أَجِئْتَنَا بالحق  أي بالجِد  أَمْ أَنتَ مِنَ اللاعبين  فتقول ما تقول على وجه المداعبةِ والمزاحِ، وفي إيراد الشِّقِّ الأخير بالجملة الاسميةِ الدالة على الثبات إيذانٌ برُجْحانه عندهم.

### الآية 21:56

> ﻿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [21:56]

قَالَ  عليه السلام إضراباً عما بنَوا عليه مقالتَهم من اعتقاد كونِها أرباباً لهم كما يُفصح عنه قولُهم : نعبدُ أصناماً فنظل لها عاكفين، كأنه قيل : ليس الأمر كذلك  بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السماوات والأرض الذي فطَرَهُنَّ  وقيل : هو إضرابٌ عن كونه لاعباً بإقامة البرهانِ على ما ادّعاه، وضميرُ هن للسموات والأرض، وصَفه تعالى بإيجادهن إثرَ وصفِه تعالى بربوبيته تعالى لهن تحقيقاً للحق وتنبيهاً على أن ما لا يكون كذلك بمعزل من الربوبية، أي أنشأهن بما فيهن من المخلوقات التي من جملتها أنتم وآباؤكم وما تعبدونه من غير مثال يَحتذيه ولا قانونٍ ينتحيه، ورجْعُ الضمير إلى التماثيل أدخلُ في تضليلهم وأظهرُ في إلزام الحجة عليهم لما فيه من التصريح المغني عن التأمل في كون ما يعبُدونه من جملة المخلوقات  وَأَنَاْ على ذلكم  الذي ذكرتُه من كون ربكم ربَّ السماوات والأرض فقط دون ما عداه كائناً ما كان  مّنَ الشاهدين  أي العالِمين به على سبيل الحقيقةِ المُبرهنين عليه فإن الشاهدَ على الشيء مَنْ تحققه وحقّقه، وشهادتُه على ذلك إدلاؤه بالحجة عليه وإثباتُه بها، كأنه قال : وأنا أبين ذلك وأبرهن عليه.

### الآية 21:57

> ﻿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ [21:57]

وتالله  وقرئ بالباء وهو الأصلُ والتاء بدل من الواو التي هي بدل من الأصل وفيها تعجب  لأكِيدَنَّ أصنامكم  أي لأجتهدنّ في كسرها وفيه إيذانٌ بصعوبة الانتهاز وتوقّفِه على استعمال الحيل وإنما قاله عليه السلام سرًّا، وقيل : سمعه رجل واحد  بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ  من عبادتها إلى عيدكم، وقرئ تَوَلّوا من التولي بحذف إحدى التاءين ويعضُدها قوله تعالى : فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ .

### الآية 21:58

> ﻿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ [21:58]

والفاء في قوله تعالى : فَجَعَلَهُمْ  فصيحةٌ أي فولَّوا فجعلهم  جُذَاذاً  أي قُطاعاً فُعال بمعنى مفعول من الجذّ الذي هو القطعُ كالحُطام من الحطْم الذي هو الكسرُ، وقرئ بالكسر وهي لغة أو جمعُ جذيذ كخِفاف وخفيف، وقرئ بالفتح وجُذُذاً جمع جذيذ وجُذَذاً جمع جُذة. روي أن آزر خرج به في يوم عيدٍ لهم فبدأوا ببيت الأصنام فدخلوه فسجدوا لها ووضعوا بينها طعاماً خرجوا به معهم وقالوا : إلى أن تَرجِعَ بركتَه الآلهةُ على طعامنا، فذهبوا وبقيَ إبراهيمُ عليه السلام فنظر إلى الأصنام وكانت سبعين صنماً مصطفّاً وثمّةَ صنمٌ عظيم مستقبلَ الباب، وكان من ذهب وفي عينيه جوهرتان تضيئان بالليل فكسر الكلَّ بفأس كانت في يده ولم يبق إلا الكبيرُ وعلّق الفأس في عنقه وذلك قوله تعالى : إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ  أي للأصنام  لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ  أي إلى إبراهيمَ عليه السلام  يَرْجِعُونَ  فيحاجّهم بما سيأتي فيحجّهم ويبكّتهم، وقيل : يرجعون إلى الكبير فيسألونه عن الكاسر لأن من شأن المعبودِ أن يُرجَعَ إليه في المُلمّات، وقيل : يرجِعون إلى الله تعالى وتوحيدِه عند تحقّقهم عجزَ آلهتِهم عن دفع ما يصيبهم وعن الإضرار بمن كسرهم.

### الآية 21:59

> ﻿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ [21:59]

قَالُواْ  أي حين رجعوا من عيدهم ورأَوا ما رأوا  مَن فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنَا  على طريقة الإنكارِ والتوبيخِ والتشنيع، وإنما عبروا عنها بما ذكر ولم يشيروا إليها بهؤلاء وهي بين أيديهم مبالغةً في التشنيع وقوله تعالى : إِنَّهُ لَمِنَ الظالمين  استئنافٌ مقرر لما قبله، وقيل : مَنْ موصولةٌ وهذه الجملةُ في حيز الرفع على أنها خبرٌ لها، والمعنى الذي فعل هذا الكسرَ والحطْمَ بآلهتنا إنه معدودٌ من جملة الظَّلَمة إما لجُرأته على إهانتها وهي حقيقةٌ بالإعظام أو لإفراطه في الكسر والحطْمِ وتماديه في الاستهانة بها، أو بتعريض نفسِه للهلكة.

### الآية 21:60

> ﻿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ [21:60]

قَالُواْ  أي بعضٌ منهم مجيبين للسائلين  سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ  أي يَعيبُهم فلعله فعل ذلك بها فقوله تعالى : يَذْكُرُهُمْ  إما مفعولٌ ثانٍ لسمِع لتعلّقه بالعين أو صفةٌ لفتى مصحِّحةٌ لتعلقه به، إذا كان القائلون سمِعوه عليه السلام بالذات يذْكُرهم وإن كانوا قد سمِعوا من الناس أنه عليه السلام يذكرهم بسوء فلا حاجة إلى المصحّح  يُقَالُ لَهُ إبراهيم  صفةٌ أخرى لفتى أي يطلق عليه هذا الاسم.

### الآية 21:61

> ﻿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ [21:61]

قَالُواْ  أي السائلون  فَأْتُواْ بِهِ على أَعْيُنِ الناس  أي بمرأىً منهم بحيث نصبَ أعينهم في مكان مرتفع لا يكاد يخفى على أحد  لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ  أي يحضُرون عقوبتنا له، وقيل : لعلهم يشهدون أي بفعله أو بقوله ذلك فالضميرُ حينئذ ليس للناس بل لبعض منهم مُبهم أو معهود.

### الآية 21:62

> ﻿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ [21:62]

قَالُواْ  استئنافٌ مبني على سؤال نشأ من حكاية قولهم، كأنه قيل : فماذا فعلوا به عليه السلام بعد ذلك ؟ هل أتَوا به أو لا ؟ فقيل : أتوا به ثم قالوا : أأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنَا إِبْرَاهِيمَ  اقتصاراً على حكاية مخاطبتِهم إياه عليه السلام للتنبيه على أن إتيانَهم به ومسارعتهم إلى ذلك أمرٌ محقق غني عن البيان.

### الآية 21:63

> ﻿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ [21:63]

قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا  مشيراً إلى الذي لم يكسِرْه، سلك عليه السلام مسلكاً تعريضياً يؤديه إلى مقصِده الذي هو إلزامُهم الحجّةَ على ألطف وجهٍ وأحسنِه بحملهم على التأمل في شأن آلهتهم مع ما فيه من التوقي من الكذب، حيث أبرز الكبيرَ قولاً في معرض المباشِرِ للفعل بإسناده إليه كما أبرزه في ذلك المعرِض فعلاً بجعل الفأسَ في عنقه، وقد قصد إسنادَه إليه بطريق التسبيب حيث كانت تلك الأصنامُ غاظته عليه السلام حين أبصرها مصطفةً مرتّبةً للعبادة من دون الله سبحانه، وكان غيظُ كبيرِها أكبرَ وأشدَّ حسب زيادة تعظيمهم له، فأسند الفعلَ باعتبار أنه الحاملُ عليه، وقيل : هو حكايةٌ لما يقود إلى تجويزه مذهبُهم كأنه قال لهم : ما تنكرون أن يفعله كبيرُهم فإن من حق من يعبد ويدعى إلها أن يقدِر على ما هو أشدُّ من ذلك، ويحكى أنه عليه السلام قال : فعله كبيرُهم هذا، غضِبَ أن تُعبدَ معه هذه الصغارُ وهو أكبرُ منها فيكون تمثيلاً أراد به عليه السلام تنبيهَهم على غضب الله تعالى عليهم لإشراكهم بعبادته الأصنامَ، وأما ما قيل من أنه عليه السلام لم يقصد نسبة الفعل الصادرِ عنه إلى الصنم بل إنما قصد تقريره لنفسه وإثباته لها على أسلوب تعريضي يبلُغ فيه غرضه من إلزامهم الحجةَ وتبكيتِهم ومُثِّل لذلك بما لو قال لك أمي فيما كتبتُه بخط رشيقٍ وأنت شهيرٌ بحسن الخطِّ : أأنت كتبْتَ ؟ كان قصدُك تقريرَ الكتابة لنفسك مع الاستهزاء بالسائل لا نفيَها عنك وإثباتَها له فبمعزل من التحقيق لأن خلاصةَ المعنى في المثال المذكور مجردُ تقريرِ الكتابة لنفسك وإدعاءُ ظهور الأمر مع الاستهزاء بالسائل وتجهيلِه في السؤال لابتنائه على أن صدورَها عن غيرك محتملٌ عنده مع استحالته عندك، ولا ريب في أن مرادَه عليه السلام من إسناد الكسرِ إلى الصنم ليس مجردَ تقريرِه لنفسه ولا تجهيلَهم في سؤالهم لابتنائه على احتمال صدوره عن الغير عندهم، بل إنما مرادُه عليه السلام توجيهُهم نحو التأملِ في أحوال أصنامهم كما ينبئ عنه قوله : فَسْألُوهُمْ إِن كَانوُاْ يَنطِقُونَ  أي إن كانوا ممن يمكن أن ينطِقوا وإنما لم يقل عليه السلام : إن كانوا يسمعون أو يعقِلون مع أن السؤال موقوفٌ على السمع والعقل أيضاً، لما أن نتيجةَ السؤالِ هو الجوابُ وأن عدم نطقِهم أظهرُ وتبكيتَهم بذلك أدخلُ، وقد حصل ذلك أولاً حسبما نطق به قوله تعالى : فَرَجَعُواْ إلى أَنفُسِهِمْ فقالوا إنكم أنتم الظالمون .

### الآية 21:64

> ﻿فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ [21:64]

فَرَجَعُواْ إلى أَنفُسِهِمْ  أي راجعوا عقولَهم وتذكروا أن ما لا يقدر على دفع المضَرّةِ عن نفسه ولا على الإضرار بمن كسَره بوجه من الوجوه، يستحيل أن يقدر على دفع مضرَّةٍ عن غيره أو جلبِ منفعة له فكيف يستحق أن يكون معبوداً  فَقَالُواْ  أي قال بعضهم لبعض فيما بينهم : إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظالمون  أي بهذا السؤالِ لأنه كان على طريقة التوبيخِ المستتبِعِ للمؤاخذة أو بعبادة الأصنام، لا من ظلمتوه بقولكم : إنه لمن الظالمين أو أنتم الظالمون بعبادتها لا مَنْ كسرها.

### الآية 21:65

> ﻿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ [21:65]

ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَى رُؤُوسَهُمْ  أي انقلبوا إلى المجادلة بعدما استقاموا بالمراجعة، شبّه عودَهم إلى الباطل بصيرورة أسفلِ الشيءِ أعلاه، وقرئ نُكّسوا بالتشديد ونكَّسوا على البناء للفاعل أي نكّسوا أنفسَهم  لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاء يَنطِقُونَ  على إرادة القول أي قائلين : والله لقد علمت أنْ ليس شأنهم النطقُ فكيف تأمرُنا بسؤالهم ؟ على أن المرادَ استمرارُ نفي النطقِ لا نفيُ استمراره كما تُوهمه صيغةُ المضارع.

### الآية 21:66

> ﻿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ [21:66]

قَالَ  مبكّتاً لهم  أَفَتَعْبُدُونَ  أي أتعلمون ذلك فتعبدون  مِن دُونِ الله  أي متجاوزين عبادتَه تعالى : مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً  من النفع  وَلاَ يَضُرُّكُمْ  فإن العلمَ بحاله المنافيةِ للألوهية مما يوجب الاجتنابَ عن عبادته قطعاً.

### الآية 21:67

> ﻿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [21:67]

أُفّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله  تضجّرٌ منه عليه الصلاة والسلام من إصرارهم على الباطل البيّن، وإظهارُ الاسم الجليلِ في موضع الإضمارِ لمزيد استقباحِ ما فعلوا، وأفَ صوتُ المتضجِّر ومعناه قُبحاً ونتْناً واللامُ لبيان المتأفَّفِ له  أَفَلاَ تَعْقِلُونَ  أي ألا تتفكرون فلا تعقِلون قبحَ صنيعكم.

### الآية 21:68

> ﻿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ [21:68]

قَالُواْ  أي قال بعضُهم لبعض لما عجَزوا عن المُحاجّة وضاقت عليهم الحِيلُ وعيَّت بهم العللُ، وهكذا دَيدنُ المبطِلِ المحجوجِ إذا قَرَعْتَ شبُهتَه بالحجة القاطعة وافتُضِح لا يبقى له مفزِعٌ إلا المناصبةُ  حَرّقُوهُ  فإنه أشدُّ العقوبات  وانصروا آلِهَتَكُمْ  بالانتقام لها  إِن كُنتُمْ فاعلين  أي للنصر أو لشيء يُعتدّ به، قيل : القائلُ نمرودُ بنُ كنعان بن السنجاريب بن نمرود بن كوسِ بن حام بن نوح، وقيل : رجلٌ من أكراد فارسَ اسمُه هيون، وقيل : هدير خُسِفت به الأرض، روي أنهم لما أجمعوا على إحراقه عليه السلام بنَوا له حظيرةً بكُوثَى، قرية من قرى الأنباط وذلك قوله تعالى : قَالُواْ ابنوا لَهُ بنيانا فَأَلْقُوهُ في الجحيم  فجمعوا له صِلاب الحطب من أصناف الخشبِ مدةَ أربعين يوماً فأوقدوا ناراً عظيمة لا يكاد يحوم حولها أحدٌ، حتى إن كانت الطير لتمرّ بها وهي في أقصى الجو فتحترق من شَدة وهَجِها ولم يكد أحد يحوم حولها. فلم يعلموا كيف يُلقونه عليه السلام فيها فأتى إبليسُ وعلمهم عمل المِنْجنيق فعمِلوه، وقيل : صنعه لهم رجل من الأكراد فخسف الله تعالى به الأرضَ فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، ثم عَمدوا إلى إبراهيم عليه السلام فوضعوه فيه مغلولاً فرمَوا به فيها فقال له جبريلُ عليهما السلام : هل لك حاجةٌ ؟ قال : أما إليك فلا، قال : فاسأل ربك، قال : حسبي من سؤالي علمُه بحالي، فجعل الله تعالى ببركة قوله الحظيرةَ روضةً وذلك قوله تعالى : قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم .

### الآية 21:69

> ﻿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ [21:69]

قُلْنَا يا نار كُونِي بَرْداً وسلاما على إبراهيم  أي كوني ذاتَ بردٍ وسلامٍ أي ابرُدي برداً غيرَ ضارّ وفيه مبالغات : جعلُ النارِ المسخرةِ لقدرته تعالى مأمورةً مطاوِعةً وإقامةَ كوني ذاتَ بردٍ مقامَ ابردي، ثم حذفُ المضافِ وإقامةُ المضاف إليه مُقامَه، وقيل : نصب سلاماً بفعله أي وسلمنا عليه. روي أن الملائكة أخذوا بضَبْعَي[(١)](#foonote-١) إبراهيمَ وأقعدوه على الأرض فإذا عينُ ماءٍ عذبٍ ووردٌ أحمرُ ونرجسٌ ولم تحرِق النارُ إلا وَثاقه، وروي أنه عليه السلام مكث فيها أربعين يوماً أو خمسين وقال : ما كنت أطيبَ عيشاً مني إذ كنت فيها، قال ابن يسار : وبعث الله تعالى ملَكَ الظل فقعد إلى جنبه يؤنسه، فنظر نمرودُ من صَرْحه فأشرف عليه فرآه جالساً في روضة مُونِقة ومعه جليسٌ على أحسن ما يكون من الهيئة والنارُ محيطةٌ به، فناداه : يا إبراهيمُ هل تستطيع أن تخرج منها ؟ قال : نعم، قال : فقم فاخرُج، فقام يمشي فخرج منها فاستقبله نمرودُ وعظّمه وقال : مَن الرجلُ الذي رأيته معك ؟ قال : ذلك ملَك الظلّ أرسله ربي ليؤنسني، فقال : إني مقرِّبٌ إلى إلهك قرباناً لما رأيت من قدرته وعزته فيما صنع بك، فقال عليه السلام : لا يقبل الله منك ما دمت على دينك هذا، قال : لا أستطيع ترك ملكي ولكن سوف أذبح له أربعةَ آلافِ بقرة، فذبحها وكف عن إبراهيم عليه السلام وكان إذا ذاك ابنَ ستَّ عشْرةَ سنة. وهذا كما ترى من أبدع المعجزات فإن انقلابَ النار هواء طيباً وإن لم يكن بدعاً من قدرة الله عز وجل لكن وقوعَ ذلك على هذه الهيئة مما يخرِق العاداتِ، وقيل : كانت النار على حالها لكنه تعالى دفع عنه عليه السلام أذاها كما تراه في السَّمَنْدل[(٢)](#foonote-٢) كما يشعر به ظاهرُ قوله تعالى : على إبراهيم . 
١ الضبع: ما بين الإبط إلى نصف العضد من أعلاها، وهما ضبعان..
٢ السمندل: طائر بالهند زعموا أن النار لا تحرقه. وقال بعضهم: إنه معرب سمندور، وهو مركب من سام أي نار، ومن اندرون أي داخل..

### الآية 21:70

> ﻿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ [21:70]

وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً  مكراً عظيماً في الإضرار به  فجعلناهم الأخسرين  أي أخسرَ من كل خاسر حيث عاد سعيُهم في إطفاء نور الحقِّ برهاناً قاطعاً على أنه عليه السلام على الحق وهم على الباطل، وموجباً لارتفاع درجته واستحقاقِهم لأشد العذاب.

### الآية 21:71

> ﻿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ [21:71]

ونجيناه وَلُوطاً إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا للعالمين  أي من العراق إلى الشام وبركاته العامة فإن أكثر الأنبياءِ بُعثوا فيه فانتشرت في العالمين شرائعُهم التي هي مبادي الكمالات والخيراتِ الدينية والدنيويةِ، وقيل : كثرةُ النعم والخِصْبُ الغالب، روي أنه عليه السلام نزل بِفلَسطين ولوطٌ عليه السلام بالمؤتفكة[(١)](#foonote-١) وبينهما مسيرةُ يومٍ وليلة. 
١ المؤتفكات المذكورة في القرآن الكريم هي مدائن لوط. ولعل المؤتفكة ليست اسما لمدينة بعينها وإنما هي إشارة إلى واحدة غير محددة من تلك المدن، إذ إن ما ورد بشأنها في معاجم البلدان هو على سبيل التأويل لا التعيين. (انظر على سبيل المثال معجم البلدان لياقوت ٥/٢١٩)..

### الآية 21:72

> ﻿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ [21:72]

وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً  أي عطيةً فهي حالٌ منهما أو ولدٌ ولد[(١)](#foonote-١) أو زيادةٌ على ما سأل وهو إسحاقُ فتختص بيعقوبَ ولا لَبْس فيه للقرنية الظاهرةِ  وَكُلاًّ  أي كلُّ واحدٍ من هؤلاء الأربعة لا بعضُهم دون بعض  جَعَلْنَا صالحين  بأن وفقناهم للصلاح في الدين والدنيا فصاروا كاملين. 
١ يقال لولد الولد: نافلة لأنه زيادة على الولد..

### الآية 21:73

> ﻿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ۖ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ [21:73]

وجعلناهم أَئِمَّةً  يقتدى بهم في أمور الدين إجابةً لدعائه عليه السلام بقوله : وَمِن ذُرّيَتِي   يَهْدُونَ  أي الأمة إلى الحق  بِأَمْرِنَا  لهم بذلك وإرسالِنا إياهم حتى صاروا مكملين  وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخيرات  ليحثوّهم عليه فيتم كما لهم بانضمام العملِ إلى العلم، وأصلُه أن تفعل الخيراتِ ثم فعل الخيرات وكذا قوله تعالى : وَإِقَامَ الصلاة وَإِيتَاءَ الزكاة } وهو من عطف الخاصِّ على العام دَلالةً على فضله وإنافتِه وحُذفت تاءُ الأقامة المعوّضة من إحدى الألفين لقيام المضاف إليه مَقامة  وَكَانُواْ لَنَا  خاصة دون غيرنا  عابدين  لا يخطر ببالهم غيرُ عبادتنا.

### الآية 21:74

> ﻿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ ۗ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ [21:74]

وَلُوطاً  قيل : هو منصوبٌ بمضمر يفسّره قوله تعالى : آتيناه  أي وآتينا لوطاً، وقيل : باذكُرْ  حُكْمًا  أي حكمةً أو نبوة أو فصلاً بين الخصوم بالحق  وَعِلْماً  بما ينبغي علمُه للأنبياء عليهم السلام  ونجيناه مِنَ القرية التي كَانَت تَّعْمَلُ الخبائث  أي اللّواطةَ، وُصفت بصفة أهلها وأُسندت إليها على حذف المضاف وإقامتها مُقامه كما يُؤذِن به قوله تعالى : إنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْء فاسقين  فإنه كالتعليل له.

### الآية 21:75

> ﻿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا ۖ إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ [21:75]

وأدخلناه في رَحْمَتِنَا  أي في أهل رحمتِنا أو في جنتنا  إِنَّهُ مِنَ الصالحين  الذين سبقت لهم منا الحسنى.

### الآية 21:76

> ﻿وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ [21:76]

وَنُوحاً  أي اذكر نوحاً أي خبرَه وقوله تعالى : إِذْ نادى  أي دعا الله تعالى على قومه بالهلاك، ظرف للمضاف أي اذكر نبأَه الواقعَ وقت دعائه  مِن قَبْلُ  أي من قبل هؤلاء المذكورين  فاستجبنا لَهُ  أي دعاءَه الذي من جملته قولُه : إني مغلوبٌ فانتصر  فنجيناه وَأَهْلَهُ مِنَ الكرب العظيم  وهو الطوفانُ، وقيل : أذيّةُ قومِه وأصلُ الكرب الغمُّ الشديد.

### الآية 21:77

> ﻿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ [21:77]

ونصرناه  نصراً مستتبِعاً للانتقام والانتصار ولذلك قيل : مِنَ القوم الذين كَذَّبُواْ بآياتنا  وحملُه على فانتصر يأباه ما ذكر من دعائه عليه السلام فإنه ظاهرَه يوجب إسنادَ الانتصارِ إليه تعالى مع ما فيه من تهويل الأمر وقوله تعالى : إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْء  تعليلٌ لما قبله وتمهيد لما قبله وتمهيد لما بعده من قوله تعالى : فأغرقناهم أَجْمَعِينَ  فإن الإصرارَ على تكذيب الحقِّ والانهماكَ في الشر والفساد مما يوجب الإهلاكَ قطعاً.

### الآية 21:78

> ﻿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ [21:78]

وَدَاودَ وسليمان  إما عطفٌ على نوحاً معمولٌ لعامله وإما لمضمر معطوفٍ على ذلك العامل بتقدير المضاف وقوله تعالى : إِذْ يَحْكُمَانِ  ظرفٌ للمضاف المقدر وصيغةُ المضارع حكايةٌ للحال الماضيةِ لاستحضار صورتِها، أي اذكر خبرَهما وقت حُكمِهما  في الحرث  أي في حق الزرعِ أو الكرم المتدلّي عناقيدُه كما قيل، أو بدلُ اشتمال منهما وقوله تعالى : إِذْ نَفَشَتْ  أي تفرّقت وانتشرت  فِيهِ غَنَمُ القوم  ليلاً بلا راعٍ فرَعَتْه وأفسدتْه ظرفٌ للحكم  وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ  أي لحُكم الحاكمين والمتحاكمين إليهما، فإن الإضافةَ لمجرد الاختصاص المنتظمِ لاختصاص القيامِ واختصاصِ الوقوع، وقرئ لحكمهما  شاهدين  حاضرين علماً والجملةُ اعتراضٌ مقرِّرٌ للحكم ومفيدٌ لمزيد الاعتناءِ بشأنه.

### الآية 21:79

> ﻿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ۚ وَكُنَّا فَاعِلِينَ [21:79]

ففهمناها سليمان  عطفٌ على يحكمان فإنه على حكم الماضي، وقرئ فأفهمناها والضميرُ للحكومة أو الفُتيا، روي أنه دخل على داودَ عليه السلام رجلان، فقال أحدهما : إن غنَمَ هذا دخلت في حرثي ليلاً فأفسدتْه فقضى له بالغنم فخرجا فمرّا على سليمان عليه السلام فأخبراه بذلك، فقال : غيرُ هذا أرفقُ بالفريقين فسمعه داودُ فدعاه، فقال له : بحق النبوةِ والأبوة إلا أخبرتَني بالذي أرفقُ بالفريقين، فقال : أرى أن تُدفع الغنَمُ إلى صاحب الأرض لينتفعَ بدرها ونسلِها وصوفِها، والحرثَ إلى أرباب الغنم ليقوموا عليه حتى يعودَ إلى ما كان ثم يترادّا، فقال : القضاءُ ما قضيتَ وأمضى الحُكْمَ بذلك، والذي عندي أن حكْمَهما عليهما السلام كان بالاجتهاد فإن قولَ سليمان عليه الصلاة والسلام : غيرُ هذا أرفقُ بالفريقين، ثم قولُه : أرى أن تُدفع الخ، صريحٌ في أنه ليس بطريق الوحي وإلا لبتّ القولَ بذلك ولما ناشده داودُ عليهما السلام لإظهار ما عنده بل وجب عليه أن يُظهِره بدْأً وحرُم عليه كتمُه، ومن ضرورته أن يكون القضاءُ السابقُ أيضاً كذلك ضرورةَ استحالة نقضِ حكم النصِ بالاجتهاد، بل أقول : والله تعالى أعلم إن رأْيَ سليمان عليه السلام استحسانٌ كما ينبئ عنه قوله : أرفقُ بالفريقين ورأيَ داودَ عليه السلام قياسٌ كما أن العبدَ إذا جنى على النفس يدفعه المولى عند أبي حنيفة إلى المجنيِّ عليه أو يفديه ويبيعُه في ذلك أو يفديه عند الشافعي، وقد روي أنه لم يكن بين قيمة الحرثِ وقيمة الغنمِ تفاوتٌ، وأما سليمانُ عليه السلام فقد استحسن حيث جعل الانتفاعَ بالغنم بإزاء ما فات من الانتفاع بالحرث من غير أن يزول مُلكُ المالك عن الغنم، وأوجب على صاحب الغنم أن يعمل في الحرث إلى أن يزولَ الضررُ الذي أتاه من قِبله كما قال أصحابُ الشافعيِّ فيمن غصب عبداً فأبَقَ منه : أنه يضمن القيمةَ فينتفعَ بها المغصوبُ منه بإزاء ما فوّته الغاصبُ من المنافع فإذا ظهر الآبقُ ترادّا وفي قوله تعالى : ففهمناها سليمان  دليلٌ على رجحان قولِه ورجوعِ داودَ عليه السلام إليه مع أن الحكمَ المبنيَّ على الاجتهاد لا يُنقَض باجتهاد آخرَ وإن كان أقوى منه لما أن ذلك من خصائص شريعتِنا، على أنه ورد في الأخبار أن داودَ عليه السلام لم يكن بتّ الحكمَ في ذلك حتى سمع من سليمانَ وأما حكمُ المسألةِ في شريعتنا فعند أبي حنيفة رحمه الله لا ضمانَ إن لم يكن معها سائقٌ أو قائد، وعند الشافعي يجب الضمانُ ليلاً لا نهاراً وقوله تعالى : وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً  لدفع ما عسى يوهمه تخصيصُ سليمانَ عليه السلام بالتفهيم من عدم كون حكم داودَ عليه السلام حكماً شرعياً، أي وكلُّ واحد منهما آتينا حكماً وعلماً كثيراً لا سليمانُ وحده، وهذا إنما يدل على أن خطأَ المجتهدِ لا يقدح في كونه مجتهداً، وقيل : بل على أن كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ وهو مخالفٌ لقوله تعالى : ففهمناها سليمان  ولولا النقلُ لاحتمل توافقُهما على أن قوله تعالى : ففهمناها سليمان  لإظهار ما تفضّل عليه في صِغره فإنه عليه السلام كان حينئذ ابن إحدى عشْرة سنةً  وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاودُ الجبال  شروعٌ في بيان ما يختص بكل منهما من كراماته تعالى إثرَ بيان كرامتِه العامة لهما  يُسَبّحْنَ  أي يقدّسْن الله عز وجل معه بصوت يتمثل له أو يخلق الله تعالى فيها الكلامَ، وقيل : يسِرْن معه من السباحة وهو حالٌ من الجبال أو استئنافٌ مبين لكيفية التسخيرِ ومع متعلقةٌ بالتسخير، وقيل : بالتسبيح وهو بعيد  والطير  عطفٌ على الجبال أو مفعولٌ معه، وقرئ بالرفع على الابتداء والخبرُ محذوفٌ، أي والطيرُ مسخراتٌ، وقيل : على العطف على الضمير في يسبحن وفيه ضعفٌ لعدم التأكيد والفصلِ  وَكُنَّا فاعلين  أي من شأننا أن نفعل أمثالَه فليس ذلك ببِدْعٍ منا وإن كان بديعاً عندكم.

### الآية 21:80

> ﻿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ ۖ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ [21:80]

وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ  أي عملَ الدِّرْعِ وهو في الأصل اللباسُ قال قائلهم :\[ الرجز \]إلبَسْ لكل حالة لَبوسَها  إما نعيمَها وإما بوسَها[(١)](#foonote-١)وقيل : كانت صفائح فحلقها وسرَدها[(٢)](#foonote-٢)  لَكُمْ  متعلقٌ بعلّمنا أو بمحذوف هو صفةُ لَبوس  لِتُحْصِنَكُمْ  أي اللبوسُ بتأويل الدرع، وقرئ بالتذكير على أن الضمير لداودَ عليه السلام أو للّبوس، وقرئ بنون العظمة وهو بدلُ اشتمال من لكم بإعادة الجارّ مبينٌ لكيفية الاختصاصِ والمنفعةِ المستفادةِ من لام لكم  مّن بَأْسِكُمْ  قيل : من حرب عدوِّكم، وقيل : من وقع السلاح فيكم  فَهَلْ أَنتُمْ شاكرون  أمرٌ واردٌ على صورة الاستفهامِ للمبالغة أو التقريع. 
١ الرجز لبيهس الفزاري في التنبيه والإيضاح ٢/٣٠١، وتاج العروس (بهنس، لبس، نعم)، وبلا نسبة في لسان العرب (لبس)، والرجز من أمثال العرب. انظر أمثال العرب ص ١١١، وجمهرة الأمثال ١/١٩٧، وخزانة الأدب ٧/٢٩٦، والفاخر ص ٦٢، والمستقصى ١/٣٠٤؛ والوسيط في الأمثال ص ٤٠..
٢ حلقها: جعلها كالحلقة أو جعلها حلقا. وسرد الدرع: نسجها فشك طرفي كل حلقتين وسمرهما..

### الآية 21:81

> ﻿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ [21:81]

ولسليمان الريح  أي وسخرنا له الريحَ، وإيرادُ اللام هاهنا دون الأول للدِلالة على ما بين التسخيرين من التفاوت، فإن تسخيرَ ما سخر له عليه السلام من الريح وغيرِها كان بطريق الانقيادِ الكليِّ له والامتثالِ بأمره ونهيِه والمقهوريةِ تحت ملكوتِه، وأما تسخيرُ الجبال والطيرِ لداودَ عليه السلام فلم يكن بهذه المثابة بل بطريق التبعيةِ له عليه السلام والاقتداء به في عبادة الله عز وعلا  عَاصِفَةً  حالٌ من الريح والعاملُ فيها الفعلُ المقدرُ، أي وسخرنا له الريحَ حالَ كونِها شديدةَ الهبوبِ من حيث أنها كانت تبعُد بكرسيه في مدة يسيرة من الزمان كما قال تعالى : غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ  وكانت رُخاءً[(١)](#foonote-١) في نفسها طيبةً، وقيل : كانت رُخاءً تارة وعاصفةً أخرى حسب إرادتِه عليه الصلاة والسلام، وقرئ الريحُ بالرفع على الابتداء والخبرُ هو الظرفُ المقدم وعاصفةً حينئذ حال من ضمير المبتدأ في الخبر والعاملُ ما فيه من معنى الاستقرارِ، وقرئ الرياح نصباً ورفعاً  تَجْرِي بِأَمْرِهِ  بمشيئته حالٌ ثانية أو بدلٌ من الأولى أو حال من ضميرها  إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا  وهي الشام رَواحاً بعد ما سار به منه بكرةً، قال الكلبي : كان سليمانُ عليه السلام وقومه يركبون عليها من اصطخْرَ[(٢)](#foonote-٢) إلى الشام وإلى حيث شاء ثم يعود إلى منزله  وَكُنَّا بِكُلّ شَيء عالمين  فنُجريه حسبما تقتضيه الحِكمة. 
١ الرخاء: الريح اللينة..
٢ اصطخر: بلدة بفارس..

### الآية 21:82

> ﻿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ [21:82]

وَمِنَ الشياطين  أي وسخرنا له من الشياطين  مَن يَغُوصُونَ لَهُ  في البحار ويستخرجون له من نفائسها، وقيل : مَنْ رُفع على الابتداء وخبرُه ما قبله والأولُ هو الأظهرُ  وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلك  أي غير ما ذكر من بناء المدن والقصورِ واختراعِ الصنائعِ الغريبة لقوله تعالى : يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن محاريب وتماثيل  الآية، وهؤلاء أما الفرقةُ الأولى أو غيرها لعموم كلمة مَنْ، كأنه قيل : ومَن يعملون وجمعُ الضمير الراجع إليها باعتبار معناها بعد ما رشح جانبُه بقوله تعالى : وَمِنَ الشياطين ، روي أن المسخَّر له عليه السلام كفارُهم لا مؤمنوهم لقوله تعالى : وَمِنَ الشياطين  وقوله تعالى : وَكُنَّا لَهُمْ حافظين  أي من أن يزيغوا عن أمره أو يُفسدوا على ما هو مقتضى جِبِلّتهم[(١)](#foonote-١)، قيل : وكل بهم جمعاً من الملائكة وجمعاً من مؤمني الجن، وقال الزجاجُ : كان يحفظهم من أن يفسدوا ما عمِلوا وكان دأبُهم أن يفسدوا بالليل ما عمِلوه بالنهار. 
١ الجبلة: الخلقة..

### الآية 21:83

> ﻿۞ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [21:83]

وَأَيُّوبَ  الكلام فيه كما مر في قوله تعالى : وَدَاودَ وسليمان  أي واذكر خبرَ أيوبَ  إِذْ نادى رَبَّهُ أَنّي  أي بأني  مَسَّنِيَ الضر  وقرئ بالكسر على إضمار القولِ أو تضمينِ النداء معناه، والضرُّ شائع في كل ضررٍ وبالضم خاص بما في النفس من مرض وهُزال ونحوهما  وَأَنتَ أَرْحَمُ الرحمين  وصفه تعالى بغاية الرحمةِ بعد ما ذكر نفسه بما يوجبها واكتفى به عن عرض المطلب لطفاً في السؤال، وكان عليه السلام رومياً من ولد عيص بن إسحاقَ استنبأه الله تعالى وكثُر أهلُه وماله فابتلاه الله تعالى بهلاك أولادِه بهدم بيت عليهم وذهابِ أمواله والمرضِ في بدنه ثمانيَ عشرةَ سنة، أو ثلاثَ عشرةَ سنة، أو سبعاً وسبعةَ أشهر وسبعة أيام وسبعَ ساعات، روي أن امرأتَه ماخيرَ بنتَ ميشا بنِ يوسفَ عليه السلام أو رحمةَ بنتَ أفرايمَ بنِ يوسف قالت له يوماً : لو دعوتَ الله تعالى، فقال : كم كانت مدةُ الرخاء ؟ فقالت : ثمانين سنة، فقال : أستحيي من الله تعالى أن أدعوَه وما بلغتْ مدةُ بلائي مدةَ رخائي، وروي أن إبليسَ أتاها على هيئة عظيمة فقال : أنا إله الأرضِ فعلتُ بزوجك ما فعلت لأنه تركني وعبدَ إله السماء، فلو سجد لي سجدةً لرددتُ عليه وعليك جميعَ ما أخذتُ منكما، وفي رواية : لو سجدتِ لي سجدةً لرَجعتُ المالَ والولد وعافيتُ زوجَك، فرجعت إلى أيوبَ وكان ملْقًى في الكُناسة لا يقرُب منه أحدٌ فأخبرته بالقصة فقال عليه السلام : كأنك افتُتِنْتِ بقول اللعين لئن عافاني الله عز وجل لأضرِبنّك مائة سَوْط وحرامٌ عليّ أن أذوق بعد هذا شيئاً من طعامك وشرابِك، فطردها فبقيَ طريحاً في الكُناسة لا يحوم حوله أحدٌ من الناس فعند ذلك خر ساجداً فقال : ربّ إني مسّنيَ الضرُّ وأنت أرحمُ الراحمين. 
فقيل له : ارفعْ رأسك فقد استُجيب لك، اركُضْ[(١)](#foonote-١) برجلك فركض فنبعتْ من تحته عينُ ماء فاغتسل منها فلم يبقَ في ظاهر بدنه دابةٌ إلا سقطتْ ولا جراحةٌ إلا برِئت، ثم ركض مرة أخرى فنبعت عينٌ أخرى فشرب منها فلم يبقَ في جوفه داءٌ إلا خرج وعاد صحيحاً ورجع إليه شبابُه وجمالُه ثم كُسِيَ حلة وذلك قوله تعالى : فاستجبنا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرّ .

### الآية 21:84

> ﻿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ [21:84]

فقيل له : ارفعْ رأسك فقد استُجيب لك، اركُضْ[(١)](#foonote-١) برجلك فركض فنبعتْ من تحته عينُ ماء فاغتسل منها فلم يبقَ في ظاهر بدنه دابةٌ إلا سقطتْ ولا جراحةٌ إلا برِئت، ثم ركض مرة أخرى فنبعت عينٌ أخرى فشرب منها فلم يبقَ في جوفه داءٌ إلا خرج وعاد صحيحاً ورجع إليه شبابُه وجمالُه ثم كُسِيَ حلة وذلك قوله تعالى : فاستجبنا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرّ . 
 فاستجبنا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرّ  فلما قام جعل يلتفت فلا يرى شيئاً مما كان له من الأهل والمالِ إلا وقد ضاعفه الله تعالى وذلك قوله تعالى : وَآتًيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهمْ مَعْهمْ  وقيل : كان ذلك بأن وُلد له ضِعفُ ما كان، ثم إن امرأتَه قالت في نفسها : هبْ أنه طردني أفأترُكه حتى يموتَ جوعاً وتأكلَه السباع لأرجِعنّ إليه، فلما رجعت ما رأت تلك الكُناسة ولا تلك الحال وقد تغيرت الأمورُ فجعلت تطوفُ حيث كانت الكُناسة وتبكي وهابت صاحبَ الحُلة أن تأتيَه وتسألَ عنه، فأرسل إليها أيوبُ ودعاها فقال : ما تريدين يا أمةَ الله ؟ فبكت وقالت : أريد ذلك المبتلى الذي كان ملقًى على الكناسة، قال لها : ما كان منك ؟ فبكت وقالت : بعْلي، قال : أتعرِفينه إذا رأيتِه ؟ قالت : وهل يخفى عليّ ؟ فتبسم فقال : أنا ذلك فعرفته بضحكه فاعتنقتْه  رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا وذكرى للعابدين  أي آتيناه ما ذُكر لرحمتنا أيوبَ وتذكرةً لغيره من العابدين ليصبِروا كما صبر فيُثابوا كما أثيب، أو لرحمتنا العابدين الذين من جملتهم أيوبُ وذكْرِنا إياهم بالإحسان وعدمِ نسياننا لهم.

### الآية 21:85

> ﻿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ ۖ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ [21:85]

وإسماعيل وَإِدْرِيسَ وَذَا الكفل  أي واذكرهم، وذو الكِفل إلياسُ، وقيل : يوشعُ بنُ نون، وقيل : زكريا سُمّي به لأنه كان ذا حظ من الله تعالى أو تكفُّلٍ منه، أو ضعفِ عمل أنبياءِ زمانه وثوابِه فإن الكفلَ يجيء بمعنى النصيب والكفالة والضِعْف  كُلٌّ  أي كل واحد من هؤلاء  مّنَ الصابرين  أي على مشاقّ التكاليف وشدائدِ النُّوَب، والجملةُ استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال نشأ من الأمر بذكرهم.

### الآية 21:86

> ﻿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا ۖ إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ [21:86]

وأدخلناهم في رَحْمَتِنَا  أي في النبوة أو في نعمة الآخرة  إِنَّهُمْ مّنَ الصالحين  أي الكاملين في الصلاح الكاملِ الذي لا يحوم حوله شائبةُ الفساد وهم الأنبياءُ، فإن صلاحَهم معصومٌ من كَدَر الفساد.

### الآية 21:87

> ﻿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [21:87]

وَذَا النون  أي واذكر صاحب الحوت وهو يونسُ عليه السلام  إِذ ذَّهَبَ مغاضبا  أي مراغِماً لقومه لمّا برِمَ من طول دعوته إياهم وشدةِ شكيمتهم وتمادي إصرارِهم مهاجراً عنهم قبل أن يؤمر، وقيل : وعدَهم بالعذاب فلم يأتِهم لميعادهم بتوبتهم ولم بعرف الحال فظن أنه كذّبهم فغضِب من ذلك، وهو من بناء المغالبة للمبالغة أو لأنه أغضبهم بالمهاجَرة لخوفهم لحوقَ العذاب عندما وقرئ مُغضَباً  فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ  أي لن نضيّقَ عليه أو لن نقضيَ عليه بالعقوبة من القدر، ويؤيده أنه قرئ مشدداً أو لن نُعمِل فيه قدرتَنا، وقيل : هو تمثيلٌ لحاله بحال مَنْ يظن أن لن نقدر عليه أي نعامله معاملةَ من يظن أن لن نقدر عليه في مراغمته قومَه من غير انتظار لأمرنا كما في قوله تعالى : أيَحْسَبُ أَن مَالَهُ أَخْلَدَهُ  أي نعامله معاملةَ من يحسَب ذلك، وقيل : خطرةٌ شيطانية سبقت إلى وهمه فسُمّيت ظنًّا للمبالغة، وقرئ بالياء مخففاً ومثقلاً مبنياً للمفعول  فنادى  الفاءُ فصيحة أي فكان ما كان من المساهمة والتقامِ الحوت فنادى  في الظلمات  أي في الظلمة الشديدةِ المتكاثفة أو في ظلمات بطنِ الحوتِ والبحرِ والليل، وقيل : ابتلع حوتَه حوتٌ أكبرُ منه فحصل في ظلمتي بطني الحوتين وظلمتي البحر والليل  أَن لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ  أي بأنه لا إله إلا أنت على أنّ أنْ مخففةٌ من أنّ وضميرُ الشأن محذوف، أو أي لا إله إلا أنت على أنها مفسّرة  سبحانك  أنزهك تنزيهاً لائقاً بك من أن يُعجزك شيءٌ أو أن يكون ابتلائي بهذا بغير سبب من جهتي  إِنّي كُنتُ مِنَ الظالمين  لأنفسهم بتعريضها للهلكة حيث بادرت إلى المهاجرة.

### الآية 21:88

> ﻿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [21:88]

فاستجبنا لَهُ  أي دعاءَه الذي دعاه في ضمن الاعترافِ بالذنب على ألطف وجهٍ وأحسنه. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :**« ما من مكروبٍ يدعو بهذا الدعاء إلا استُجيب له »**  ونجيناه مِنَ الغم  بأن قذفه الحوتُ إلى الساحل بعد أربع ساعاتٍ كان فيها في بطنه، وقيل : بعد ثلاثة أيام، وقيل : الغمُّ غمُّ الالتقام، وقيل : الخطيئة  وكذلك  أي مثلَ ذلك الإنجاءِ الكامل  نُنجِي المؤمنين  من غمومٍ دَعَوُا الله تعالى فيها بالإخلاص لا إنجاءً أدنى منه، وفي الإمام[(١)](#foonote-١) نجّى فلذلك أخفى الجماعةُ النون الثانية فإنها تخفى مع حروف الفم، وقرئ بتشديد الجيم على أن أصله نُنجّي فحذفت الثانية كما حذفت التاء في تَظاهرون وهي وإن كانت فاءً فحذفها أوقعُ من حذف حرفِ المضارَعة التي لِمعنًى، ولا يقدح فيه اختلافُ حركتي النونين فإن الداعيَ إلى الحذف اجتماعُ المِثلين مع تعذّر الإدغام وامتناعُ الحذفِ في ( تتجافى ) لخوف اللَّبس، وقيل : هو ماضٍ مجهولٌ أسند إلى ضمير المصدر وسُكّن آخره تخفيفاً ورُدّ بأنه لا يسند إلى المصدر والمفعول مذكور، والماضي لا يسكن آخرُه. 
١ الإمام هو اسم لمصحف عثمان..

### الآية 21:89

> ﻿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ [21:89]

وَزَكَرِيَّا  أي واذكر خبره  إِذْ نادى رَبَّهُ  وقال : رَبّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً  أي وحيداً بلا ولدٍ يرثني  وَأَنتَ خَيْرُ الوارثين  فحسبي أنت إن لم ترزُقني وارثاً.

### الآية 21:90

> ﻿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [21:90]

فاستجبنا لَهُ  أي دعاءَه  وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى  وقد مر بيانُ كيفية الاستجابة والهبة في سورة مريم  وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ  أي أصلحناها للولادة بعد عُقْرها أو أصلحناها للمعاشرة بتحسين خلقِها وكانت حَرِدةً، وقوله تعالى : إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ في الخيرات  تعليل لما فصل من فنون إحسانِه تعالى المتعلقة بالأنبياء المذكورين، أي كانوا يبادرون في وجوه الخيراتِ مع ثباتهم واستقرارهم في أصل الخير وهو السرُّ في إيثار كلمة ( في ) على كلمة إلى المُشعرة بخلاف المقصودِ من كونهم خارجين عن أصل الخيراتِ متوجهين إليها كما في قوله تعالى : وَسَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ   وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً  ذوي رغَبٍ ورهَب أو راغبين في الثواب راجين للإجابة أو في الطاعة وخائفين العقاب أو المعصية أو للرغب والرهب  وَكَانُواْ لَنَا خاشعين  أي مُخْبتين متضرعين أو دائمي الوجَل، والمعنى أنهم نالوا من الله تعالى ما نالوا بسبب اتصافِهم بهذه الخصال الحميدة.

### الآية 21:91

> ﻿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ [21:91]

والتي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا  أي اذكر خبرَ التي أحصنتْه على الإطلاق من الحلال والحرام، والتعبيرُ عنها بالموصول لتفخيم شأنِها وتنزيهها عما زعموه في حقها آثرَ ذي أثيرٍ  فَنَفَخْنَا فِيهَا  أي أحيينا عيسى في جوفها  مِن رُّوحِنَا  من الروح الذي هو من أمرنا، وقيل : فعلنا النفخَ فيها من جهة روحنا جبريلَ عليه السلام  وجعلناها وابنها  أي قصتهما أو حالهما  آيَةً للعالمين  فإن مَنْ تأمل حالهما تحقق كمالَ قدرتِه عز وجل، فالمرادُ بالآية ما حصل بهما من الآية التامةِ مع تكاثر آياتِ كلِّ واحد منهما، وقيل : أريد بالآية الجنسُ الشاملُ لما لكل واحدٍ منهما من الآيات المستقلة، وقيل : المعنى وجعلناها آيةً وابنها آيةً فحذفت الأولى لدِلالة الثانية عليها.

### الآية 21:92

> ﻿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [21:92]

إِنَّ هذه  أي ملةَ التوحيد والإسلام أشير إليها بهذه تنبيهاً على كمال ظهور أمرِها في الصحة والسَّداد  أُمَّتُكُمْ  أي ملتُكم التي يجب أن تحافظوا على حدودها وتُراعوا حقوقَها ولا تُخِلّوا بشيء منها والخطابُ للناس قاطبة  أُمَّةً وَاحِدَةً  نصب على الحالية من أمتُكم أي غيرَ مختلفة فيما بين الأنبياء عليهم السلام، إذ لا مشاركةَ لغيرها في صحة الاتباعِ ولا احتمال لتبدّلها وتغيُّرها كفروع الشرائعِ المتبدلة حسب تبدّلِ الأممِ والأعصار، وقرئ أمتَكم بالنصب على البدلية من اسم إن أمةٌ واحدةٌ بالرفع على الخبرية وقرئتا بالرفع على أنهما خبران  وَأَنَاْ رَبُّكُمْ  لا إله لكم غيري  فاعبدون  خاصة لا غيرُ.

### الآية 21:93

> ﻿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ۖ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ [21:93]

وقوله تعالى : وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ  التفاتٌ إلى الغَيبة لينعى عليهم ما أفسدوه من التفرق في الدين وجعلِ أمره قِطَعاً مُوَزّعةً وينهى قبائحَ أفعالهم إلى الآخرين كأنه قيل : ألا ترَون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله الذي أجمعت عليه كافةُ الأنبياء عليهم السلام  كُلٌّ  أي كلُّ واحدة من الفرق المتقطّعة أو كلُّ واحد من آحاد كلِّ واحدة من تلك الفرق  إِلَيْنَا راجعون  بالبعث لا إلى غيرنا فنجازيهم حينئذ بحسب أعمالهم، وإيرادُ اسمِ الفاعل للدِلالة على الثبات والتحقق.

### الآية 21:94

> ﻿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ [21:94]

وقوله تعالى : فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات  الخ، تفصيلٌ للجزاء أي فمن يعملْ بعضَ الصالحات أو بعضاً من الصالحات  وَهُوَ مُؤْمِنٌ  بالله ورسله  فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ  أي لا حِرمانَ لثواب عملِه ذلك، عبّر عن ذلك بالكفران الذي هو سَتْرُ النعمة وجحودُها لبيان كمال نزاهتِه تعالى عنه بتصويره بصورة ما يستحيل صدورُه عنه تعالى من القبائح وإبرازِ الإثابة في معرِض الأمور الواجبةِ عليه تعالى، ونفيُ الجنس للمبالغة في التنزيه وعبّر عن العمل بالسعي لإظهار الاعتداد به  وَإِنَّا لَهُ  أي لسعيه  كاتبون  أي مُثبّتون في صحائف أعمالِهم لا نغادر من ذلك شيئاً.

### الآية 21:95

> ﻿وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ [21:95]

وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ  أي ممتنعٌ على أهلها غيرُ متصوَّر منهم، وقرئ حِرْمٌ وهي لغة كالحِل والحلال  أهلكناها  قدّرنا هلاكها أو حكمنا به لغاية طغيانهم وعتوّهم وقوله تعالى : أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ  في حيز الرفع على أنه مبتدأٌ خبرُه حرامٌ أو فاعل له سادٌّ مسدَّ خبرِه، والجملةُ لتقرير مضمونِ ما قبلها من قوله تعالى : كُلٌّ إِلَيْنَا راجعون  وما في أنّ من معنى التحقيق معتبرٌ في النفي المستفادِ من حرامٌ لا من المنفي أي ممتنعٌ البتةَ عدمُ رجوعِهم إلينا للجزاء، لا أن عدمَ رجوعِهم المحقق ممتنعٌ، وتخصيصُ امتناعِ عدمِ رجوعِهم بالذكر مع شمول الامتناعِ لعدم رجوعِ الكل حسبما نطق به قوله تعالى : كُلٌّ إِلَيْنَا راجعون  لأنهم المنكِرون للبعث والرجوعِ دون غيرهم، وقيل : ممتنعٌ رجوعُهم إلى التوبة على أن ( لا ) صلةٌ، وقرئ أنهم لا يرجِعون بالكسر على أنه استئنافٌ تعليليٌّ لما قبله فحرامٌ خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي محرمٌ عليها ذلك وهو ما ذكر في الآية السابقة من العمل الصالح المشفوعِ بالإيمان والسعي المشكور، ثم علل بقوله تعالى : أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ  عما هم عليه من الكفر فكيف لا يمتنع ذلك، ويجوز حملُ المفتوحة أيضاً على هذا المعنى بحذف اللامِ عنها، أي لأنهم لا يرجعون وحتى في قوله تعالى : حتى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وهم من كل حدب ينسلون .

### الآية 21:96

> ﻿حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [21:96]

حتى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ  الخ، هي التي يُحكى بعدها الكلامُ وهي على الأول غايةٌ لما يدل عليه ما قبلها، كأنه قيل : يستمرون على ما هم عليه من الهلاك حتى إذا قامت القيامةُ يرجعون إلينا ويقولون : يا ويلنا الخ، وعلى الثاني غايةٌ للحُرمة أي يستمر امتناعُ رجوعِهم إلى التوبة حتى إذا قامت القيامة يرجعون إليها حين لا تنفعهم التوبةُ، وعلى الثالث غايةٌ لعدم الرجوعِ عن الكفر أي لا يرجعون عنه حتى إذا قامت القيامة يرجعون عنه حين لا ينفعهم الرجوع، ويأجوجُ ومأجوجُ قبيلتان من الإنس قالوا : الناسُ عشرةُ أجزاء تسعةٌ منها يأجوجُ ومأجوج، والمرادُ بفتحها فتحُ سدِّها على حذف المضاف وإقامةِ المضاف إليه مُقامَه، وقرئ فتّحت بالتشديد  وَهُمْ  أي يأجوجُ ومأجوجُ، وقيل : الناس  مّن كُلّ حَدَبٍ  أي نشَز من الأرض، وقرئ جدَث وهو القبر  يَنسِلُونَ  أي يسرعون وأصله مقاربةُ الخَطْو مع الإسراع، وقرئ بضم السين.

### الآية 21:97

> ﻿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَٰذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ [21:97]

واقترب الوعد الحق  عطف على فُتحت والمرادُ به ما بعد النفخة الثانية من البعث والحسابِ والجزاء لا النفخةُ الأولى  فَإِذَا هي شاخصة أبصار الذين كَفَرُواْ  جوابُ الشرط وإذا للمفاجأة تسدّ مسدّ الفاءِ الجزائية كما في قوله تعالى : إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ  فإذا دخلتها الفاء تظاهرت على وصل الجزاء بالشرط، والضميرُ للقصة أو مبهمٌ يفسره ما بعده  يا ويلنا  على تقدير قول وقع حالاً من الموصول، أي يقولون : يا ويلنا تعالَ فهذا أوانُ حضورِك، وقيل : هو الجواب للشرط  قَدْ كُنَّا في غَفْلَةٍ  تامة  مّنْ هذا  الذي دهمنا من البعث والرجوع إليه تعالى للجزاء ولم نعلم أنه حقٌ  بَلْ كُنَّا ظالمين  إضرابٌ عما قبله من وصف أنفسهم بالغفلة، أي لم نكن غافلين عنه حيث نبهنا عليه بالآيات والنذر بل كنا ظالمين بتلك الآيات والنذُرِ مكذّبين بها، أو ظالمين لأنفسنا بتعريضها للعذاب الخالد بالتكذيب.

### الآية 21:98

> ﻿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [21:98]

وقوله تعالى : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ  خطابٌ لكفار مكةَ وتصريحٌ بمآل أمرهم مع كونه معلوماً مما سبق على وجه الإجمالِ مبالغة في الإنذار وإزاحةِ الاعتذار، وما تعبدون عبارةٌ عن أصنامهم لأنها التي يعبدونها كما يفصح عنه كلمة ما، وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تلا الآيةَ قال له ابن الزِّبَعْرَي[(١)](#foonote-١) : خصمتُك وربِّ الكعبة أليست اليهودُ عبدوا عُزيراً والنصارى المسيحَ وبنو مليحٍ الملائكةَ ؟ ردّ عليه بقوله عليه السلام :**« ما أجهلك بلغة قومك، أما فهمت أن ما لما لا يعقل ؟ »** ولا يعارضه ما روي أنه عليه السلام رده بقوله :**« بل هم عبدوا الشياطينَ التي أمرتْهم بذلك »** ولا ما روي أن عبدَ اللَّه بن الزُّبعري قال : هذا شيءٌ لآلهتنا خاصة أو لكل مَنْ عُبد من دون الله، فقال عليه السلام :**« بل لكل من عُبد من دون الله تعالى »** إذ ليس شيءٌ منهما نصاً في عموم كلمة ما كما أن الأولَ نصٌّ في خصوصها، وشمولُ حكم النص لا يقتضي شمولَه بطريق العبارة بل يكفي في ذلك شمولُه لهم بطريق دِلالة النصِّ بجامع الشركةِ في المعبودية من دون الله تعالى، فلعله عليه السلام بعد ما بين مدلولَ النظمِ الكريم بما ذكر، وعدمَ دخول المذكورين في حكمه بطريق العبارةِ بيّن عدم دخولِهم فيه بطريق الدِلالة أيضاً تأكيداً للرد والإلزام وتكريراً للتبكيت والإفحام، لكن لا باعتبار كونهم معبودين لهم كما هو زعمُهم فإن إخراجَ بعضِ المعبودين عن حكم منبئ عن الغضب على العبَدة والمعبودين مما يوهم الرخصةَ في عبادته في الجملة، بل بتحقيق الحقِّ وبيانِ أنهم ليسوا من المعبودية في شيء حتى يُتوهم دخولُهم في الحكم المذكورِ دلالة بموجب شركتهم للأصنام في المعبودية من دون الله تعالى، وإنما معبودُهم الشياطينُ التي أمرتهم بعبادتهم كما نطق به قولُه تعالى : سبحانك أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن  الآية، فهم الداخلون في الحُكم المذكور لإشراكهم الأصنامَ في المعبودية من دونه تعالى دون المذكورين عليهم السلام وهذا هو الوجهُ في التوفيق بين الأخبار المذكورة، وأما تعميمُ كلمةِ ما للعقلاء أيضاً وجعلُ ما سيأتي من قوم تعالى : إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى  الخ، بياناً للتجوز أو التخصيص فمما لا يساعده السباقُ والسياق كما يشهد به الذوقُ السليم، والحَصَبُ ما يُرمى به ويهيج به النار من حصَبه إذا رماه بالحصْباء، وقرئ بسكون الصاد وصفاً له بالمصدر للمبالغة  أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ  استئنافٌ أو بدلٌ من حصبُ جهنمَ واللامُ معوّضة من على للدِلالة على الاختصاص وأن ورودَهم لأجلها والخطابُ لهم ولما يعبدون تغليباً.

١ هو عبد الله بن الزبعرى بن قيس السهمي القرشي. شاعر قريش في الجاهلية. كان شديدا على المسلمين إلى أن فتحت مكة، فهرب إلى نجران، ثم عاد إلى مكة فأسلم واعتذر ومدح النبي صلى الله عليه وسلم فأمر له بحلة. توفي نحو سنة ١٥ هـ..

### الآية 21:99

> ﻿لَوْ كَانَ هَٰؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا ۖ وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ [21:99]

لَوْ كَانَ هَؤُلاء  أي أصنامُهم  آلِهَةً  كما يزعمون  مَّا وَرَدُوهَا  وحيث تبين ورودُهم إياها تعين امتناعُ كونها آلهةً بالضرورة، وهذا كما ترى صريحٌ في أن المرادَ بما يعبدون هي الأصنامُ لأن المرادَ إثباتُ نقيضِ ما يدّعونه وهم إنما يدّعون إلهية الأصنام لا إلهية الشياطين حتى يُحتجَّ بورودها النارَ على عدم آلِهيّتها، وأما ما وقع في الحديث الشريف فقد وقع بطريق التكملة بانجرار الكلام إليه عند بيان ما سيق له النظمُ الكريم بطريق العبارة، حيث سأل ابنُ الزبعرى عن حال سائرِ المعبودين وكان الاقتصارُ على الجواب الأول مما يوهم الرخصةَ في عبادتهم في الجملة لأنهم المعبودون عندهم، أجيب ببيان أن المعبودين هم الشياطينُ وأنهم داخلون في حكم النص لكن بطريق الدِلالة لا بطريق العبارة لئلا يلزَمَ التدافعُ بين الخبرين  وَكُلٌّ  أي من العبَدة والمعبودين  فِيهَا خالدون  لا خلاصَ لهم عنها.

### الآية 21:100

> ﻿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ [21:100]

لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ  أي أنينٌ وتنفسٌ شديدٌ وهو مع كونه من أفعال العبَدة أضيف إلى الكل للتغليب، ويجوز أن يكون الضميرُ للعبدة لعدم الإلباس وكذا في قوله تعالى : وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ  أي لا يسمع بعضُهم زفيرَ بعض لشدة الهول وفظاعةِ العذاب، وقيل : لا يسمعون ما يسرهم من الكلام.

### الآية 21:101

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [21:101]

إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى  شروعٌ في بيان حال المؤمنين إثرَ شرح حالِ الكفرة حسبما جرت به سنةُ التنزيل من شفْع الوعد بالوعيد وإيرادِ الترغيب مع الترهيب، أي سبقت لهم منا في التقدير الخَصلةُ الحسنى التي هي أحسنُ الخصال وهي السعادةُ، وقيل : التوفيقُ للطاعة أو سبقت لهم كلمتُنا بالبشرى بالثواب على الطاعة وهو الأدخلُ الأظهرُ في الحمل عليها لما أن الأولَين مع خفائهما ليسا من مقدورات المكلفين، فالجملةُ مع ما بعدها تفصيلٌ لما أُجمل في قوله تعالى : فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتبون  كما أن ما قبلها من قوله تعالى : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ  الخ، تفصيلٌ لما أُجمل في قوله تعالى : وَحَرَامٌ  الخ  أولئك  إشارةٌ إلى الموصول باعتبار اتصافِه بما في حيز الصلة وما فيه من معنى البُعد للإيذان بعلوّ درجتهم وبُعد منزلتِهم في الشرف والفضل، أي أولئك المنعوتون بما ذكر من النعت الجميل  عَنْهَا  أي عن جهنم  مُبْعَدُونَ  لأنهم في الجنة وشتان بينها وبين النار، وما روي أن علياً رضي الله تعالى عنه خطب يوماً فقرأ هذه الآية ثم قال : أنا منهم وأبو بكر وعمرُ وعثمانُ وطلحةُ والزبيرُ وسعدٌ وسعيدٌ وعبدُ الرحمن بنُ عوف وأبو عبيدةَ بنُ الجراح رضوانُ الله تعالى عنهم أجمعين، ثم أقيمت الصلاةُ فقام يجرّ رداءه ويقول : لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون .

### الآية 21:102

> ﻿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا ۖ وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ [21:102]

لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا  ليس بنص في كون الموصول عبارةً عن طائفة مخصوصة، والحسيسُ صوتٌ يُحَسّ به، أي لا يسمعون صوتَها سمعاً ضعيفاً كما هو المعهودُ عند كون المصوِّت بعيداً وإن كان صوتُه في غاية الشدة، لا أنهم لا يسمعون صوتَها الخفيَّ في نفسه فقط، والجملةُ بدلٌ من مبعَدون أو حال من ضميره مَسوقةٌ للمبالغة في إنقاذهم منها وقوله تعالى : وَهُمْ في مَا اشتهت أَنفُسُهُمْ خالدون  بيانٌ لفوزهم بالمطالب إثرَ بيان خلاصِهم من المهالك والمعاطب أي دائمون في غاية التنعمَ، وتقديمُ الظرف للقصر والاهتمام به.

### الآية 21:103

> ﻿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [21:103]

وقوله تعالى : لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر  بيانٌ لنجاتهم من الأفزاع بالكلية بعد بيان نجاتِهم من النار، لأنهم إذا لم يُحزُنْهم أكبرُ الأفزاع لا يحزنهم ما عداه بالضرورة، عن الحسن رضي الله عنه أنه الانصرافُ إلى النار، وعن الضحاك حتى يطبَقَ على النار، وقيل : حين يُذبح الموتُ في صورة كبشٍ أملحَ، وقيل : النفخةُ الأخيرة لقوله تعالى : فَفَزِعَ مَن في السماوات وَمَن في الأرض  وليس بذاك فإن الآمنَ من ذلك الفزع من استثناه الله تعالى بقوله : إِلاَّ مَن شَاء الله  لا جميعُ المؤمنين الموصوفين بالأعمال الصالحة، على أن الأكثرين على أن ذلك في النفخة الأولى دون الأخيرة كما سيأتي في سورة النمل  وتتلقاهم الملائكة  أي تستقبلهم مهنّئين لهم  هذا يَوْمُكُمُ  على إرادة القولِ أي قائلين : هذا اليومُ يومُكم  الذي كُنتُمْ تُوعَدُونَ  في الدنيا وتبشرون بما فيه من فنون المَثوبات على الإيمان والطاعات، وهذا كما ترى صريحٌ في أن المرادَ بالذين سبقت لهم الحسنى كافةُ المؤمنين الموصوفين بالإيمان والأعمال الصالحةِ لا مَنْ ذكر من المسيح وعُزيرٍ والملائكة عليهم السلام خاصة كما قيل.

### الآية 21:104

> ﻿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [21:104]

يَوْمَ نَطْوِي السماء  بنون العظمة منصوبٌ باذكرْ، وقيل : ظرفٌ لقوله تعالى : لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع  وقيل : بتتلقاهم، وقيل : حالٌ مقدرة من الضمير المحذوفِ في توعدون والطيُّ ضدُّ النشر، وقيل : المحوِ، وقرئ يُطوى بالياء والتاء والبناء للمفعول  كَطَيّ السجل  وهي الصحيفة أي طياً كطيّ الطوُّمار، وقرئ السَّجْل كلفظ الدلو وبالكسر والسُّجُلّ على وزن العُتُلّ وهما لغتان واللام في قوله تعالى : لِلْكُتُبِ  متعلقةٌ بمحذوف هو حال من السجلّ أو صفةٌ له على رأي من يجوّز حذفَ الموصولِ مع بعض صلتِه، أي كطي السجل كائناً للكتب أو الكائن للكتب فإن الكتبَ عبارةٌ عن الصحائف وما كتب فيها فسجلُّها بعضُ أجزائها وبه يتعلق الطيُّ حقيقةً، وقرئ للكتاب وهو إما مصدرٌ واللامُ للتعليل أي كما يُطوى الطومارُ للكتابة أو اسم كالإمام فاللامُ كما ذكر أولاً، وقيل : السجلُّ اسمُ ملَكٍ يطوي كتبَ أعمالِ بني آدمَ إذا رُفعت إليه، وقيل : هو كاتبٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم  كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ  أي نعيد ما خلقناه مبتدأً إعادةً مثلَ بدئنا إياه في كونها إيجاداً بعد العدم أو جمعاً من الأجزاء المتبدّدة، والمقصودُ بيانُ صِحّةِ الإعادةِ بالقياس على المبدأ لشمول الإمكانِ الذاتي المصحّح للمقدورية وتناولِ القدرة لهما على السواء، وما كافةٌ أو مصدرية وأولَ مفعولٌ لبدأنا أو لفعل يفسّره نعيده، أو موصولةٌ والكافُ متعلقةٌ بمحذوف يفسره نعيده أي نعيدُه مثل الذي بدأناه وأولَ خلقٍ ظرفٌ لبدأنا أو حالٌ من ضمير الموصول المحذوف  وَعْداً  مصدرٌ مؤكد لفعله ومقرّرٌ لنعيده أو منتصبٌ به لأنه عِدَةٌ بالإعادة  عَلَيْنَا  أي علينا إنجازُه  إِنَّا كُنَّا فاعلين  لما ذكر لا محالة.

### الآية 21:105

> ﻿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [21:105]

وَلَقَدْ كَتَبْنَا في الزبور  هو كتابُ داودَ عليه السلام، وقيل : هو اسمٌ لجنس ما أُنزل على الأنبياء عليهم السلام  مِن بَعْدِ الذكر  أي التوراةِ وقيل : اللوحِ المحفوظ أي وبالله لقد كتبنا في كتاب داودَ بعد ما كتبنا في التوراة أو كتبنا في جميع الكتب المنزلة بعد ما كتبنا وأثبتنا في اللوح المحفوظ  أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَاديَ الصالحون  أي عامةُ المؤمنين بعد إجلاءِ الكفار، وهذا وعدٌ منه تعالى بإظهار الدينِ وإعزازِ أهلِه، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أن المرادَ أرضُ الجنة كما ينبئ عنه قوله تعالى : وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَاء  وقيل : الأرضُ المقدسة يرثها أمةُ محمد صلى الله عليه وسلم.

### الآية 21:106

> ﻿إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ [21:106]

إِنَّ في هذا  أي فيما ذكر في السورة الكريمة من الأخبار والمواعظِ البالغة والوعدِ والوعيد والبراهينِ القاطعة الدالة على التوحيد وصحةِ النبوة  لبلاغا  أي كفايةً أو سببَ بلوغٍ إلى البُغية  لّقَوْمٍ عابدين  أي لقوم همُّهم العبادةُ دون العادة.

### الآية 21:107

> ﻿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [21:107]

وَمَا أرسلناك  بما ذكر وبأمثاله من الشرائع والأحكامِ وغير ذلك من الأمور التي هي مناطٌ لسعادة الدارين  إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين  هو في حيز النصب على أنه استثناءٌ من أعم العلل أو من أعم الأحوال، أي ما أرسلناك بما ذكر لعلة من العلل إلا لرحمتنا الواسعةِ للعالمين قاطبةً، أو ما أرسلناك في حال من الأحوال إلا حالَ كونِك رحمةً لهم فإن ما بُعثتَ به سببٌ لسعادة الدارين ومنشأٌ لانتظام مصالحهم في النشأتين، ومن لم يغتنمْ مغانمَ آثارِه فإنما فرَّط في نفسه وحُرمةِ حقه لا أنه تعالى حَرَمه مما يُسعِده، وقيل : كونُه رحمةً في حق الكفار أمنُهم من الخسف والمسخِ والاستئصال حسبما ينطِق به قوله تعالى : وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ .

### الآية 21:108

> ﻿قُلْ إِنَّمَا يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [21:108]

قُلْ إِنَّمَا يوحى إِلَيَّ أَنَّمَا إلهكم إله واحد  أي ما يوحى إليّ إلا أنه لا إله لكم إلا إله واحدٌ لأنه المقصودُ الأصليُّ من البعثة، وأما ما عداه فمن الأحكام المتفرِّعة عليه فإنما الأولى لقصر الحُكم على الشيء كقولك : إنما يقوم زيد أي ما يقوم إلا زيد، والثانيةُ لقصر الشيءِ على الحكم كقولك : إنما زيدٌ قائم أي ليس له إلا صفةُ القيام  فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ  أي مخلِصون العبادةَ لله تعالى مخصِّصون لها به تعالى، والفاءُ للدِلالة على أن ما قبلها موجبٌ لما بعدها. قالوا : فيه دَلالةٌ على أن صفةَ الوَحْدانية تصحّ أن يكون طريقُها السمعَ.

### الآية 21:109

> ﻿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۖ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ [21:109]

فَإِن تَوَلَّوْاْ  عن الإسلام وعن شرائعه ومباديه ولم يلتفتوا إلى ما يوجبه من الوحي  فَقُلْ  لهم  آذَنتُكُمْ  أي أعلمتُكم ما أُمرت به أو حربي لكم  على سَوَاء  كائنين على سواءٍ في الإعلام به لم أطْوِه عن أحد منكم أو مستوين به أنا وأنتم في العلم بما أعلمتُكم به أو في المعاداة أو إيذاناً على سواء، وقيل : أعلمتكم أني على سواء أي عدلٍ واستقامة رأيٍ بالبرهان النيّر  وَإِنْ أَدْرِي  أي ما أدري  أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ  من غلَبة المسلمين وظهورِ الدين أو الحشرُ مع كونه آتياً لا محالة.

### الآية 21:110

> ﻿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ [21:110]

إِنَّهُ يَعْلَمُ الجهر مِنَ القول  أي ما تجاهرون به من الطعن في الإسلام وتكذيبِ الآياتِ التي من جملتها ما نطق بمجيء الموعود  وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ  من الإحْن والأحقاد للمسلمين فيجازيكم عليه نقيراً وقطميراً.

### الآية 21:111

> ﻿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ [21:111]

وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ  أي ما أدري لعل تأخيرَ جزائِكم استدراجٌ لكم وزيادةٌ في افتتانكم، أو امتحانٌ لكم لينظُرَ كيف تعملون  ومتاع إلى حِينٍ  أي وتمتُّعٌ لكم إلى أجل مقدر تقتضيه مشيئتَه المبنيةُ على الحِكَم البالغةِ ليكون ذلك حجةً عليكم.

### الآية 21:112

> ﻿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ ۗ وَرَبُّنَا الرَّحْمَٰنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ [21:112]

قَالَ رَبّ احكم بالحق  حكايةٌ لدعائه عليه الصلاة والسلام، وقرئ قلْ : رب على صيغة الأمر أي اقضِ بيننا وبين أهل مكةَ بالعدل المقتضي لتعجيل العذابِ والتشديد عليهم، وقد استجيب دعاؤُه عليه السلام حيث عُذّبوا ببدر أيَّ تعذيبٍ، وقرئ ربُّ احكم بضم الباء وربِّ أحكَمُ على صيغةِ التفضيل وربِّ أَحكِمْ من الإحكام  وَرَبُّنَا الرحمن  مبتدأ أي كثيرُ الرحمة على عباده وقوله تعالى : المستعان  أي المطلوبُ منه المعونةُ خبر، أو خبرٌ آخرُ للمبتدأ، وإضافةُ الربِّ فيما سبق إلى ضميره عليه السلام خاصة لما أن الدعاءَ من الوظائف الخاصةِ به عليه السلام كما أن إضافتَه هاهنا إلى ضمير الجمعِ المنتظمِ للمؤمنين أيضاً لما أن الاستعانةَ من الوظائف العامة لهم  على مَا تَصِفُونَ  من الحال فإنهم كانوا يقولون : إن الشوكةَ تكون لهم وإن رايةَ الإسلام تخفُق ثم تركُد وإن المتوعَّد به لو كان حقاً لنزل بهم إلى غير ذلك مما لا خيرَ فيه، فاستجاب الله عز وجل دعوةَ رسوله عليه السلام فخيب آمالَهم وغيّر أحوالَهم ونصر أولياءَه عليهم، فأصابهم يومَ بدرٍ ما أصابهم، والجملةُ اعتراضٌ تذييليٌّ مقررٌ لمضمون ما قبله، وقرئ يصفون بالياء التحتانية.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/21.md)
- [كل تفاسير سورة الأنبياء
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/21.md)
- [ترجمات سورة الأنبياء
](https://quranpedia.net/translations/21.md)
- [صفحة الكتاب: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم](https://quranpedia.net/book/37.md)
- [المؤلف: أبو السعود](https://quranpedia.net/person/4781.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/21/book/37) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
