---
title: "تفسير سورة الأنبياء - جامع البيان في تأويل آي القرآن - الطبري"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/21/book/4.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/21/book/4"
surah_id: "21"
book_id: "4"
book_name: "جامع البيان في تأويل آي القرآن"
author: "الطبري"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الأنبياء - جامع البيان في تأويل آي القرآن - الطبري

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/21/book/4)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الأنبياء - جامع البيان في تأويل آي القرآن - الطبري — https://quranpedia.net/surah/1/21/book/4*.

Tafsir of Surah الأنبياء from "جامع البيان في تأويل آي القرآن" by الطبري.

### الآية 21:1

> اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ [21:1]

بِسمِ اللّهِ الرحمَن الرّحِيمِ

القول في تأويل قوله تعالى : اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مّعْرِضُونَ . 
يقول تعالى ذكره : دنا حساب الناس على أعمالهم التي عملوها في دنياهم ونعمهم التي أنعمها عليهم فيها في أبدانهم، أجسامهم، ومطاعمهم، ومشاربهم، وملابسهم وغير ذلك من نعمه عندهم، ومسألته إياهم ماذا عملوا فيها وهل أطاعوه فيها، فانتهوا إلى أمره ونهيه في جميعها، أم عصوه فخالفوا أمره فيها ؟ وَهُمْ في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ يقول : وهم في الدنيا عما الله فاعل بهم من ذلك يوم القيامة، وعن دنوّ محاسبته إياهم منهم، واقترابه لهم في سهو وغفلة، وقد أعرضوا عن ذلك، فتركوا الفكر فيه والاستعداد له والتأهب، جهلاً منهم بما هم لاقوه عند ذلك من عظيم البلاء وشديد الأهوال. 
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ قال أهل التأويل، وجاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا أبو الوليد، قال : ثني أبو معاوية، قال : أخبرنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ قال :**«في الدنيا »**

### الآية 21:2

> ﻿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ [21:2]

القول في تأويل قوله تعالى : مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ مّن رّبّهِمْ مّحْدَثٍ إِلاّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ . 
يقول تعالى ذكره : ما يحدث الله من تنزيل شيء من هذا القرآن للناس ويذكرهم به ويعظهم، إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله : ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبّهِمْ مُحْدَثٍ. . . الآية، يقول : ما ينزل عليهم من شيء من القرآن إلا استمعوه وهم يلعبون.

### الآية 21:3

> ﻿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ۗ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ۖ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ [21:3]

القول في تأويل قوله تعالى : لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرّواْ النّجْوَى الّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هََذَآ إِلاّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ . 
يقول تعالى ذكره : لاهيَةً قُلُوبُهُمْ غافلة، يقول : ما يستمع هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم هذا القرآن إلا وهم يلعبون غافلة عنه قلوبهم، لا يتدبرون حكمه ولا يتفكرون فيما أودعه الله من الحجج عليهم. كما :
حدثنا بِشر قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ يقول : غافلة قلوبهم. 
وقوله : وأَسَرّوا النّجْوَى الّذِينَ ظَلَمُوا يقول : وأسرّ هؤلاء الناس الذين اقتربت الساعة منهم وهم في غفلة معرضون، لاهية قلوبهم، النجوى بينهم، يقول : وأظهروا المناجاة بينهم فقالوا : هل هذا الذي يزعم أنه رسول من الله أرسله إليكم إلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ؟ يقولون : هل هو إلا إنسان مثلكم في صوركم وخلقكم ؟ يعنون بذلك محمدا صلى الله عليه وسلم. وقال الذين ظلموا فوصفهم بالظلم بفعلهم وقيلهم الذي أخبر به عنهم في هذه الآيات إنهم يفعلون ويقولون من الإعراض عن ذكر الله والتكذيب برسوله. ول **«الّذين »** من قوله : وأسَرّوا النّجْوَى الّذِينَ ظَلَمُوا في الإعراب وجهان : الخفض على أنه تابع للناس في قوله : اقْتَرَبَ للنّاسِ حِسابُهُمْ والرفع على الردّ على الأسماء الذين في قوله : وأسَرّوا النّجْوَى من ذكر الناس، كما قيل : ثمّ عَمُوا وَصَمّوا كثِيرٌ مِنْهُمْ. وقد يحتمل أن يكون رفعا على الابتداء، ويكون معناه : وأسرّوا النجوى، ثم قال : هم الذين ظلموا. 
وقوله : أفَتَأتُونَ السّحْرَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ يقول : وأظهروا هذا القول بينهم، وهي النجوى التي أسرّوها بينهم، فقال بعضهم لبعض : أتقبلون السحر وتصدّقون به وأنتم تعلمون أنه سحر ؟ يعنون بذلك القرآن كما :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : أفَتَأُتُونَ السّحْرَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ قال : قاله أهل الكفر لنبيهم لما جاء به من عند الله، زعموا أنه ساحر، وأن ما جاء به سحر، قالوا : أتأتون السحر وأنتم تبصرون ؟

### الآية 21:4

> ﻿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [21:4]

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ رَبّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السّمَآءِ وَالأرْضِ وَهُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ . 
اختلفت القرّاء في قراءة قوله :**«قُلْ رَبّي »** فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة وبعض الكوفيين :**«قُلْ رَبْي »** على وجه الأمر. وقرأه بعض قرّاء مكة وعامة قرّاء الكوفة : قالَ رَبّي على وجه الخبر. 
وكأن الذين قرؤوه على وجه الأمر أرادوا من تأويله : قل يا محمد للقائلين أتأْتُونَ السّحْرَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ : ربي يعلم قول كلّ قائل في السماء والأرض، لا يخفى عليه منه شيء وهو السميع لذلك كله ولِما يقولون من الكذب، العليم بصدقي وحقيقة ما أدعوكم إليه وباطل ما تقولون وغير ذلك من الأشياء كلها. وكأن الذين قرأوا ذلك قال على وجه الخبر أرادوا : قال محمد : ربي يعلم القول خبرا من الله عن جواب نبيه إياهم. 
والقول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان في قَرَأة الأمصار، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، وجاءت بهما مصاحف المسلمين متفقتا المعنى وذلك أن الله إذا أمر محمدا بقيل ذلك قاله، وإذا قاله فعن أمر الله قاله، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب في قراءته.

### الآية 21:5

> ﻿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ [21:5]

القول في تأويل قوله تعالى : بَلْ قَالُوَاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ الأوّلُونَ . 
يقول تعالى ذكره : ما صدّقوا بحكمة هذا القرآن ولا أنه من عند الله، ولا أقرّوا بأنه وحي أوْحَى الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم بل قال بعضهم : هو أهاويل رؤيا رآها في النوم، وقال بعضهم : هو فرْية واختلاق افتراه واختلقه من قِبَل نفسه، وقال بعضهم : بل محمد شاعر، وهذا الذي جاءكم به شعر. فَلْيَأْتِنا يقول : قالوا فليجئنا محمد إن كان صادقا في قوله إن الله بعثه رسولاً إلينا وإن هذا الذي يتلوه علينا وحي من الله أوحاه إلينا، بآية يقول : بحجة ودلالة على حقيقة ما يقول ويدّعي، كمَا أُرْسِلَ الأوّلُونَ يقول : كما جاءت به الرسل الأوّلون من قبْله من إحياء الموَتى وإبراء الأكمه والأبرص وكناقة صالح، وما أشبه ذلك من المعجزات التي لا يقدر عليها إلا الله ولا يأتي بها إلا الأنبياء والرسل. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : أضْغاثُ أحْلامٍ أي فعل حالم، إنما هي رؤيا رآها. بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ كل هذا قد كان منهم. وقوله » فَلْيَأْتِنا بآيَةٍ كمَا أُرْسِل الأوّلُونَ يقول : كما جاء عيسى بالبيّنات وموسى بالبينات، والرسل. 
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : أضْغاثُ أحْلامٍ قال : مشتبهة. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : أضْغاثُ أحْلامٍ قال أهاويلها. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
وقال تعالى ذكره : بَلْ قَالُوا ولا جحد في الكلام ظاهر فيحقق ب **«بَلْ »**، لأن الخبر عن أهل الجحود والتكذيب، فاجتُزِي بمعرفة السامعين بما دلّ عليه قوله **«بل »** من ذكر الخبر عنهم على ما قد بينا.

### الآية 21:6

> ﻿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا ۖ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ [21:6]

القول في تأويل قوله تعالى : مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ . 
يقول تعالى ذكره : ما آمن من قبل هؤلاء المكذّبين محمدا من مشركي قومه الذين قالوا فليأتنا محمد بآية كما جاءت به الرسل قبله من أهل قرية عذّبناهم بالهلاك في الدنيا، إذ جاءهم رسولنا إليهم بآية معجزة. أفَهُمْ يُؤْمِنُونَ يقول : أفهؤلاء المكذّبون محمدا السائلوه الآية يؤمنون به إن جاءتهم آية ولم تؤمن قبلهمْ أسلافهم من الأمم الخالية التي أهلكناها برسلها مع مجيئها ؟ 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : أهْلَكْناها أفَهُمْ يُؤْمِنُونَ يصدّقون بذلك. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أفَهُمْ يُؤْمِنُونَ أي الرسل كانوا إذا جاءوا قومهم بالبينات فلم يؤمنوا لم ينظرون.

### الآية 21:7

> ﻿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ۖ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [21:7]

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاّ رِجَالاً نّوحِيَ إِلَيْهِمْ فاسألوا أَهْلَ الذّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ . 
يقول تعالى ذكره لنبيه : وما أرسلنا يا محمد قبلك رسولاً إلى أمة من الأمم التي خلت قبل أمتك إلا رجالاً مثلهم نوحي إليهم ما نريد أن نوحيه إليهم من أمرنا ونهينا، لا ملائكة فماذا أنكروا من إرسالنا لك إليهم، وأنت رجل كسائر الرسل الذين قبلك إلى أممهم ؟ وقوله : فاسأَلُوا أهْلَ الذّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ يقول للقائلين لمحمد صلى الله عليه وسلم في تناجيهم بينهم **«هل هذا إلا بشر مثلكم »** : فإن أنكرتم وجهلتم أمر الرسل الذين كانوا من قبل محمد، فلم تعلموا أيها القوم أمرهم إنسا كانوا أم ملائكة، فاسألوا أهل الكتب من التوراة والإنجيل ما كانوا يخبروكم عنهم كما » :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله : فاسْأَلُوا أهْلَ الذّكْرِ إنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ يقول : فاسألوا أهل التوراة والإنجيل قال أبو جعفر : أراه أنا قال : يخبروكم أن الرسل كانوا رجالاً يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق. 
وقيل : أهلُ الذكر : أهلُ القرآن. ذكر من قال ذلك :
حدثني أحمد بن محمد الطوسيّ، قال : ثني عبد الرحمن بن صالح، قال : ثني موسى بن عثمان، عن جابر الجعفيّ، قال : لما نزلت : فاسْأَلُوا أهْلَ الذّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ قال عليّ : نحن أهل الذّكر. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : فاسْأَلُوا أهْلَ الذّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ قال : أهل القرآن، والذكر : القرآن. وقرأ : إنّا نَحْنُ نَزّلْنا الذّكْرَ وَإنّا لَهُ لحَافِظُونَ.

### الآية 21:8

> ﻿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ [21:8]

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاّ يَأْكُلُونَ الطّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَالِدِينَ . 
يقول تعالى ذكره : وما جعلنا الرسل الذين أرسلناهم من قبلك يا محمد إلى الأمم الماضية قبل أمتك، جَسَدا لا يَأْكُلُونَ الطّعامَ يقول : لم نجعلهم ملائكة لا يأكلون الطعام، ولكن جعلناهم أجسادا مثلك يأكلون الطعام. كما :
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله : وَما جَعَلْناهُمْ جَسَدا لا يَأْكُلُونَ الطّعام يقول : ما جعلناهم جسدا إلا ليأكلوا الطعام. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : ومَا جَعَلْناهُمْ جَسَدا لا يَأْكُلُونَ الطّعامَ يقول : لم أجعلهم جسدا ليس فيهم أرواح لا يأكلون الطعام، ولكن جعلناهم جسدا فيها أرواح يأكلون الطعام. 
قال أبو جعفر : وقال وما جَعَلْنَاهُمْ جَسَدا فوحّد **«الجسد »** وجعله موحدا، وهو من صفة الجماعة، وإنما جاز ذلك لأن الجسد بمعنى المصدر، كما يقال في الكلام : وما جعلناهم خَلْقا لا يأكلون. 
وقوله : ومَا كانُوا خالِدِينَ يقول : ولا كانوا أربابا لا يموتون ولا يفنون، ولكنهم كانوا بشرا أجسادا فماتوا وذلك أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قد أخبر الله عنهم : لَنْ نُؤْمنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعا. . . إلى قوله : أوْ تَأَتِيَ باللّهِ وَالمَلائِكَةِ قَبِيلاً قال الله تبارك وتعالى لهم : ما فعلنا ذلك بأحد قبلكم فنفعل بكم، وإنما كنا نرسل إليهم رجالاً نوحي إليهم كما أرسلنا إليكم رسولاً نوحي إليه أمرنا ونهينا. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ومَا كانُوا خالِدِينَ : أي لا بد لهم من الموت أن يموتوا.

### الآية 21:9

> ﻿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ [21:9]

القول في تأويل قوله تعالى : ثُمّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نّشَآءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرفِينَ . 
يقول تعالى ذكره : ثم صدقنا رسلنا الذين كذبتهم أممهم وسألتهم الآيات، فأتيناهم ما سألوه من ذلك ثم أقاموا على تكذيبهم إياها، وأصرّوا على جحودهم نبوّتها بعد الذي أتتهم به من آيات ربها، وعدَنا الذي وعدناهم من الهلاك على إقامتهم على الكفر بربهم بعد مجيء الآية التي سألوا. وذلك كقوله جلّ ثناؤه : فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فإنّي أُعَذّبُهُ عَذَابا لا أُعَذّبُهُ أحَدا مِنَ العالَمِينَ وكقوله : وَلا تَمَسّوها بِسُوءٍ فَيَأْخْذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ ونحو ذلك من المواعيد التي وعد الأمم مع مجيء الاَيات. وقوله : فَأَنْجَيْناهُمْ يقول تعالى ذكره : فأنجينا الرسل عند إصرار أممها على تكذيبها بعد الاَيات، وَمَنْ نَشاءُ وهم أتباعها الذين صدّقوها وآمنوا بها. وقوله » : وأهْلَكنا المسْرِفِينَ يقول تعالى ذكره » : وأهلكنا الذين أسرفوا على أنفسهم بكفرهم بربهم، كما :
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : وأهلَكْنا المُسْرِفِين والمسرفون : هم المشركون.

### الآية 21:10

> ﻿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [21:10]

القول في تأويل قوله تعالى : لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ . 
اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم : معناه، لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم، فيه حديثكم. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، قوله : فِيهِ ذِكْرُكُمْ قال : حديثكم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد : لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكُمْ كَتابا فيه ذِكْرُكُمْ قال : حديثكم : أفَلا تَعْقِلونَ قال :**«قد أفلح »** بَلْ أتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا سفيان : نزل القرآن بمكارم الأخلاق، ألم تسمعه يقول : لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكُمْ كِتابا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أفَلا تَعْقِلُونَ ؟ 
وقال آخرون : بل عُني بالذكر في هذا الموضع : الشرفُ، وقالوا : معنى الكلام : لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه شرفكم. 
قال أبو جعفر : وهذا القول الثاني أشبه بمعنى الكلمة، وهو نحو مما قال سفيان الذي حكينا عنه، وذلك أنه شرفٌ لمن اتبعه وعمل بما فيه.

### الآية 21:11

> ﻿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ [21:11]

القول في تأويل قوله تعالى : وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ \* فَلَمّآ أَحَسّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مّنْهَا يَرْكُضُونَ . 
يقول تعالى ذكره : وكثيرا قصمنا من قرية. والقصم : أصله الكسر، يقال منه : قصمت ظهر فلان إذا كسرته، وانْقَصَمَتْ سِنّه : إذا انكسرت. وهو ههنا معنيّ به **«أهلكنا »**، وكذلك تأوّله أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : وكَمْ قَصَمْنا قال : أهلكنا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله : وكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ قال : أهلكناها. 
قال ابن جُرَيج : قصمنا من قرية، قال : باليمن، قصمنا، بالسيف أُهلكوا. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قول الله : قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ قال : قصمها أهلكها. 
وقوله : مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً أجرى الكلام على القرية، والمراد بها أهلها لمعرفة السامعين بمعناه. وكأن ظُلْمَها كُفْرُها بالله وتكذيبُها رسله. وقوله : وأنْشأْنا بَعْدَهَا قَوْما آخَرِينَ يقول تعالى ذكره : وأحدثنا بعد ما أهلكنا هؤلاء الظلمة من أهل هذه القرية التي قصمناها بظلمها قوما آخرين سواهم.

### الآية 21:12

> ﻿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ [21:12]

وقوله : فَلَمّا أحَسّوا بأْسَنا يقول : فلما عاينوا عذابنا قد حلّ بهم ورأوه قد وجدوا مَسّه، يقال منه : قد أحْسَسْتُ من فلان ضعفا، وأَحَسْتُه منه. إذَا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ يقول : إذا هم مما أحَسّوا بأسنا النازل بهم يهربون سراعا عَجْلىَ يَعْدُون منهزمين، يقال منه : ركض فلان فَرَسَهُ : إذا كَدّه بسياقته.

### الآية 21:13

> ﻿لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ [21:13]

القول في تأويل قوله تعالى : لاَ تَرْكُضُواْ وَارْجِعُوَاْ إِلَىَ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلّكُمْ تُسْأَلُونَ . 
يقول تعالى ذكره : لا تهربوا وارجعوا إلى ما أُترفتم فيه : يقول : إلى ما أُنعمتم فيه من عيشتكم ومساكنكم كما :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله : لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَسَاكِنِكُمْ تسألون يعني من نزل به العذاب في الدنيا ممن كان يعصي الله من الأمم. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : لا تَرْكُضُوا : لا تفرّوا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة : وَارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ يقول : ارجعوا إلى دنياكم التي أُترفتم فيها. 
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور عن معمر، عن قتادة : وَارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ قال : إلى ما أُترفتم فيه من دنياكم. 
واختلف أهل التأويل في معنى قوله : لَعَلّكُمْ تُسْئَلُونَ فقال بعضهم : معناه : لعلكم تفقهون وتفهمون بالمسألة. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : لَعَلّكُمْ تُسْئَلُونَ قال : تفقهون. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد : لَعَلّكُمْ تُسْئَلُونَ قال : تفقهون. 
وقال آخرون : بل معناه لعلكم تُسئلون من دنياكم شيئا على وجه السخرية والاستهزاء. ذكر من قال ذلك :
حدثني بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة : لَعَلّكُمْ تُسْئَلُونَ استهزاء بهم. 
حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : لَعَلّكُمْ تُسْئَلُونَ من دنياكم شيئا، استهزاء بهم.

### الآية 21:14

> ﻿قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [21:14]

القول في تأويل قوله تعالى : قَالُواْ يَوَيْلَنَآ إِنّا كُنّا ظَالِمِينَ \* فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتّىَ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ . 
يقول تعالى ذكره : قال هؤلاء الذين أحلّ الله بهم بأسه بظلمهم لما نزل بهم بأس الله : يا ويلنا إنا كنا ظالمين بكفرنا بربنا فما زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ يقول : فلم تزل دعواهم، حين أتاهم بأس الله، بظلمهم أنفسهم : يا وَيْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ حتى قتلهم الله، فحصدهم بالسيف كما يُحْصَد الزرع ويستأصل قَطْعا بالمناجل. وقوله : خامِدِينَ يقول : هالكين قد انطفأت شرارتهم، وسكنت حركتهم، فصاروا همودا كما تخمد النار فتطفأ. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ. . . الآية. فلما رأوا العذاب وعاينوه لم يكن لَهُمْ هِجّيرَي إلا قولهم : يا وَيْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ حتى دمّر الله عليهم وأهلكهم. 
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : قالُوا يا وَيْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ فمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حتى جَعَلْناهُمْ حَصِيدا خامِدِينَ يقول : حتى هلكوا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال ابن عباس : حَصِيدا الحصاد. خامدين خمود النار إذا طفئت. 
حدثنا سعيد بن الربيع، قال : حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : إنهم كانوا أهل حصون، وإن الله بعث عليهم بختنصر، فبعث إليهم جيشا فقتلهم بالسيف، وقتلوا نبيّا لهم فحُصِدوا بالسيف وذلك قوله : فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حتى جَعَلْناهُمْ حَصِيدا خامِدِينَ بالسيف.

### الآية 21:15

> ﻿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ [21:15]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٤:القول في تأويل قوله تعالى : قَالُواْ يَوَيْلَنَآ إِنّا كُنّا ظَالِمِينَ \* فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتّىَ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ . 
يقول تعالى ذكره : قال هؤلاء الذين أحلّ الله بهم بأسه بظلمهم لما نزل بهم بأس الله : يا ويلنا إنا كنا ظالمين بكفرنا بربنا فما زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ يقول : فلم تزل دعواهم، حين أتاهم بأس الله، بظلمهم أنفسهم : يا وَيْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ حتى قتلهم الله، فحصدهم بالسيف كما يُحْصَد الزرع ويستأصل قَطْعا بالمناجل. وقوله : خامِدِينَ يقول : هالكين قد انطفأت شرارتهم، وسكنت حركتهم، فصاروا همودا كما تخمد النار فتطفأ. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ... الآية. فلما رأوا العذاب وعاينوه لم يكن لَهُمْ هِجّيرَي إلا قولهم : يا وَيْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ حتى دمّر الله عليهم وأهلكهم. 
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : قالُوا يا وَيْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ فمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حتى جَعَلْناهُمْ حَصِيدا خامِدِينَ يقول : حتى هلكوا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال ابن عباس : حَصِيدا الحصاد. خامدين خمود النار إذا طفئت. 
حدثنا سعيد بن الربيع، قال : حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : إنهم كانوا أهل حصون، وإن الله بعث عليهم بختنصر، فبعث إليهم جيشا فقتلهم بالسيف، وقتلوا نبيّا لهم فحُصِدوا بالسيف وذلك قوله : فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حتى جَعَلْناهُمْ حَصِيدا خامِدِينَ بالسيف. ---

### الآية 21:16

> ﻿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ [21:16]

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا خَلَقْنَا السّمَآءَ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ . 
يقول تعالى ذكره : ومَا خَلَقْنَا السّماءَ والأرْض ومَا بَيْنَهُما إلا حجة عليكم أيها الناس، ولتعتبروا بذلك كله، فتعلموا أن الذي دبره وخلقه لا يشبهه شيء، وأنه لا تكون الألوهة إلا له، ولا تصلح العبادة لشيء غيره، ولم يَخْلق ذلك عبثا ولعبا. كما :
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَما خَلَقْنا السّماءَ والأرْضَ ومَا بَيْنَهُما لاعِبِينِ يقول : ما خلقناهما عَبَثا ولا باطلاً.

### الآية 21:17

> ﻿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ [21:17]

القول في تأويل قوله تعالى : لَوْ أَرَدْنَآ أَن نّتّخِذَ لَهْواً لاّتّخَذْنَاهُ مِن لّدُنّآ إِن كُنّا فَاعِلِينَ . 
يقول تعالى ذكره : لو أردنا أن نتخذ زوجة وولدا لاتخذنا ذلك من عندنا، ولكنا لا نفعل ذلك، ولا يصلح لنا فعله ولا ينبغي لأنه لا ينبغي أن يكون لله ولد ولا صاحبة. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سليمان بن عبيد الله الغيداني، قال : حدثنا أبو قُتيبة، قال : حدثنا سلام بن مسكين، قال : حدثنا عقبة بن أبي حمزة، قال : شهدت الحسن بمكة، قال : وجاءه طاوس وعطاء ومجاهد، فسألوه عن قول الله تبارك وتعالى : لَوْ أرَدْنا أنْ نَتّخِذَ لَهْوا لاتخذناه قال الحسن : اللهو : المرأة. 
حدثني سعيد بن عمرو السكوني، قال : حدثنا بقية بن الوليد، عن عليّ بن هارون، عن محمد، عن ليث، عن مجاهد في قوله : لَوْ أرَدْنا أنْ نَتّخِذَ لَهْوا قال : زوجة. 
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله : لَوْ أرَدْنا أنْ نَتّخِذَ لَهْوا. . . الآية، أي أن ذلك لا يكون ولا ينبغي. واللهو بلغة أهل اليمن : المرأة. 
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة : لَوْ أرَدْنا أنْ نَتّخِذَ لَهْوا قال : اللهو في بعض لغة أهل اليمن : المرأة. لاتّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنّا. وقوله : إنْ كنّا فاعِلِينَ. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة، قوله : إنْ كُنّا فاعِلِينَ يقول : ما كنا فاعلين. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : قالوا مريم صاحبته، وعيسى ولده، فقال تبارك وتعالى : لَوْ أرَدْنا أن نَتّخِذَ لَهْوا نساء وولدا، لاتخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا إنْ كُنّا فاعِلِينَ قال : من عندنا، ولا خلقنا جنة ولا نارا ولا موتا ولا بعثا ولا حسابا. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : لاتّخَذْناهُ مِنْ لَدُنّا من عندنا، وما خلقنا جنة ولا نارا ولا موتا ولا بعثا.

### الآية 21:18

> ﻿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [21:18]

القول في تأويل قوله تعالى : بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ . 
يقول تعالى ذكره : ولكن ننزل الحقّ من عندنا، وهو كتاب الله وتنزيله على الكفر به وأهله، فيَدْمَغُهُ يقول : فيهلكه كما يدمغ الرجل الرجل بأن يشجّه على رأسه شجة تبلغ الدماغ، وإذا بلغت الشجة ذلك من المشجوج لم يكن له بعدها حياة. 
وقوله فإذَا هُوَ زَاهِقٌ يقول : فإذا هو هالك مضمحلّ كما :
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة : فإذَا هَوَ زَاهِقٌ قال : هالك. 
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : فإذَا هُوَ زَاهِقٌ قال : ذاهب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : بَلْ نَقْذِفُ بالحَقّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فإذَا هُوَ زَاهِقٌ والحقّ كتاب الله القرآن، والباطل : إبليس، فَيدْمَغُهُ فإذَا هُوَ زَاهِقٌ أي ذاهب. 
وقوله : وَلَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ يقول : ولكم الويل من وصفكم ربكم بغير صفته، وقِيلكم إنه اتخذ زوجة وولدا، وفِريتكم عليه. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، إلا أن بعضهم قال : معنى تصفون تكذبون. وقال آخرون : معنى ذلك : تشركون. وذلك وإن اختلفت به الألفاظ فمتفقة معانيه لأن من وصف الله بأن له صاحبة فقد كذب في وصفه إياه بذلك، وأشرك به، ووصفه بغير صفته. غير أن أولى العبارات أن يُعَبر بها عن معاني القرآن أقربها إلى فهم سامعيه. ذكر من قال ما قلنا في ذلك :
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَلَكُمْ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ أي تكذبون. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج : وَلَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفونَ قال : تشركون وقوله عَمّا يَصِفُونَ قال : يشركون قال : وقال مجاهد : سيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ قال : قولَهم الكذب في ذلك.

### الآية 21:19

> ﻿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ [21:19]

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَهُ مَن فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ . 
يقول تعالى ذكره : وكيف يجوز أن يتخذ الله لهوا، وله مُلك جميع من في السموات والأرض، والذين عنده من خلقه لا يستنكفون عن عبادتهم إياه ولا يَعْيَون من طول خدمتهم له، وقد علمتم أنه لا يستعبد والد ولده ولا صاحبته، وكل من في السموات والأرض عبيده، فأنى يكون له صاحبة وولد يقول : أولا تتفكرون فيما تفترون من الكذب على ربكم ؟ 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَلا يَسْتَحْسِرُونَ لا يرجعون. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : وَلا يَسْتَحْسِرُونَ لا يحسَرون. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله : وَلا يَسْتَحْسِرُونَ قال : لا يُعيون. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة، قوله : وَلا يَسْتَحْسِرُونَ قال : لا يعيون. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة مثله. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : لا يَسْتَكْبِرونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُون قال : لا يستحسرون، لا يملّون ذلك الاستحسار، قال : ولا يفترون، ولا يسأَمون. 
هذا كله معناه واحد والكلام مختلف، وهو من قولهم : بعير حَسِير : إذا أعيا وقام ومنه قول علقمة بن عبدة :

بِها جِيَفُ الحَسْرَى فأمّا عِظامُها  فَبِيضٌ، وأمّا جِلْدُها فَصَلِيبُ

### الآية 21:20

> ﻿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [21:20]

القول في تأويل قوله تعالى : يُسَبّحُونَ الْلّيْلَ وَالنّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ \* أَمِ اتّخَذُوَاْ آلِهَةً مّنَ الأرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ . 
يقول تعالى ذكره : يسبح هؤلاء الذين عنده من ملائكة ربهم الليل والنهار لا يفترون من تسبيحهم إياه. كما :
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن عُلَية، قال : أخبرنا حميد، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث، عن أبيه أن ابن عباس سأل كعبا عن قوله : يُسَبّحُون اللّيْلَ وَالنّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ و **«يسبحون الليل والنهار لا يسأمون »** فقال : هل يَئُودك طرفك ؟ هل يَئُودك نَفَسُك ؟ قال : لا قال : فإنهم أُلهموا التسبيح كما أُلهمتم الطّرْف والنّفَس. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني أبو معاوية، عن أبي إسحاق الشيباني، عن حسان بن مخارق، عن عبد الله بن الحرث، قال : قلت : لكعب الأحبار : يُسَبّحُونَ اللّيْلَ والنّهارَ لا يَفْتُرونَ أما يشغلهم رسالة أو عمل ؟ قال : يا ابن أخي إنهم جُعل لهم التسبيح كما جُعل لكم النفس، ألست تأكل وتشرب وتقوم وتقعد وتجيء وتذهب وأنت تنفّس ؟ قلت : بلى قال : فكذلك جُعل لهم التسبيح. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن وأبو داود، قالا : حدثنا عمران القطان، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن عمرو البكالي، عن عبد الله بن عمر، قال : إن الله خلق عشرة أجزاء، فجعل تسعة أجزاء الملائكة وجزءا سائر الخلق. وجَزّأ الملائكة عشرة أجزاء، فجعل تسعة أجزاء يسبحون الليل والنهار لا يفترون وجزءا لرسالته. وجَزّأ الخلق عشرة أجزاء، فجعل تسعة أجزاء الجنّ وجزءا سائر بني آدم. وجَزّأ بني آدم عشرة أجزاء، فجعل يأجوج ومأجوج تسعة أجزاء وجزءا سائر بني آدم. 
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله : يُسَبّحُونَ اللّيْلَ والنّهارَ لا يَفْتُرُون يقول : الملائكة الذين هم عند الرحمن لا يستكبرون عن عبادته ولا يسأمون فيها. وذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس مع أصحابه، إذ قال :**«تَسْمَعُونَ ما أسْمَعُ ؟ »** قالوا : ما نسمع من شيء يا نبيّ الله قال :**«إنّي لأسْمَعُ أطِيطَ السّماءِ، ومَا تُلامُ أنْ تَئِطّ وَلَيْسَ فِيها مَوْضِعُ رَاحَةٍ إلاّ وَفِيهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أو قَائمٌ »**.

### الآية 21:21

> ﻿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ [21:21]

وقوله : أم اتخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ يقول تعالى ذكره : أتخذ هؤلاء المشركون آلهة من الأرض هم ينشرون يعني بقوله **«هم »** : الآلهة. يقول : هذه الاَلهة التي اتخذوها تنشر الأموات يقول : يحيون الأموات، وينشرون الخلق، فإن الله هو الذي يحيي ويميت. كما :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : ثني عيسى **«ح »** وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : يُنْشِرُونَ يقول : يُحيون. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : أمِ اتّخَذُوا آلهَةً مِنَ الأرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ يقول : أفي آلهتم أحد يحيي ذلك يُنْشِرُون ؟ وقرأ قول الله : قُلْ مَنْ يَرْزقُكمْ مِنَ السّماءِ والأرْضِ. . . إلى قوله : ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ.

### الآية 21:22

> ﻿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ [21:22]

القول في تأويل قوله تعالى : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاّ اللّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللّهِ رَبّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ . 
يقول تعالى ذكره : لو كان في السموات والأرض آلهة تصلح لهم العبادة سوى الله الذي هو خالق الأشياء، وله العبادة والألوهة التي لا تصلح إلا له لَفَسَدَتا يقول : لفسد أهل السموات والأرض. فَسُبْحانَ اللّهِ رَبّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ يقول جلّ ثناؤه : فتنزيه لله وتبرئة له مما يفتري به عليه هؤلاء المشركون به من الكذب. كما :
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلاّ اللّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللّهِ رَبّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ يسبح نفسه إذْ قيل عليه البهتان.

### الآية 21:23

> ﻿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [21:23]

القول في تأويل قوله تعالى : لاَ يُسْأَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ . 
يقول تعالى ذكره : لا سائل يسأل ربّ العرش عن الذي يفعل بخلقه من تصريفهم فيما شاء من حياة وموت وإعزاز وإذلال وغير ذلك من حكمه فيهم لأنهم خلقه وعبيده، وجميعهم في ملكه وسلطانه، والحكم حكمه، والقضاء قضاؤه، لا شيء فوقه يسأله عما يفعل فيقول له لم فعلت ؟ ولمَ لم تفعل ؟ وَهُمْ يسألون يقول جلّ ثناؤه : وجميع من في السموات والأرض من عباده مسؤولون عن أفعالهم، ومحاسبون على أعمالهم، وهو الذي يسألهم عن ذلك ويحاسبهم عليه لأنه فوقهم ومالكهم، وهم في سلطانه. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ يقول : لا يسأل عما يفعل بعباده، وهم يُسئلون عن أعمالهم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قوله : لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ قال : لا يسئل الخالق عن قضائه في خلقه، وهو يسأل الخلق عن عملهم. 
حدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَل وَهُمْ يسئلون قال : لا يسئل الخالق عما يقضي في خلقه، والخلق مسؤولون عن أعمالهم.

### الآية 21:24

> ﻿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ۖ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ۖ هَٰذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي ۗ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ ۖ فَهُمْ مُعْرِضُونَ [21:24]

القول في تأويل قوله تعالى : أَمِ اتّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ هََذَا ذِكْرُ مَن مّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الْحَقّ فَهُمْ مّعْرِضُونَ . 
يقول تعالى ذكره : أتخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهة تنفع وتضرّ وتخلق وتحيي وتميت ؟ قل يا محمد لهم : هاتوا برهانكم يعني حجتكم يقول : هاتوا إن كنتم تزعمون أنكم محقون في قيلكم ذلك حجة ودليلاً على صدقكم. كما :
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله : قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ يقول : هاتوا بينتكم على ما تقولون. 
وقوله : هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ يقول : هذا الذي جئتكم به من عند الله من القرآن والتنزيل، ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ يقول : خبر من معي مما لهم من ثواب الله على إيمانهم به وطاعتهم إياه وما عليهم من عقاب الله على معصيتهم إياه وكفرهم به. وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي يقول : وخبر من قبلي من الأمم التي سلفت قبلي، وما فعل الله بهم في الدنيا وهو فاعل بهم في الآخرة. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني بِشْر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله : هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ يقول : هذا القرآن فيه ذكر الجلال والحرام. وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي يقول : ذكر أعمال الأمم السالفة وما صنع الله بهم وإلى ما صاروا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج » هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ قال : حديث من معي، وحديث من قبلي. 
وقوله : بَلْ أكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الحَقّ يقول : بل أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون الصواب فيما يقولون ولا فيما يأتون ويذرون، فهم معرضون عن الحقّ جهلاً منهم به وقلّة فهم. 
**وكان قَتادة يقول في ذلك ما :**
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة : بَلْ أكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الحَقّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ عن كتاب الله.

### الآية 21:25

> ﻿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [21:25]

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رّسُولٍ إِلاّ نُوحِيَ إِلَيْهِ أَنّهُ لآ إِلََهَ إِلاّ أَنَاْ فَاعْبُدُونِ . 
يقول تعالى ذكره : وما أرسلنا يا محمد من قبلك من رسول إلى أمة من الأمم إلا نوحي إليه أنه لا معبود في السموات والأرض تصلح العبادة له سواي فاعْبُدُونِ يقول : فأخلصوا لي العبادة، وأفردوا لي الألوهة. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَمَا أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسولٍ إلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أنّه لا إلَهَ إلاّ أنا فاعْبُدُونِ قال : أرسلت الرسل بالإخلاص والتوحيد، لا يقبل منهم قال أبو جعفر : أظنه أنا قال عمل حتى يقولوه ويقرّوا به والشرائع مختلفةٌ، في التوراة شريعة وفي الإنجيل شريعة وفي القرآن شريعة حلال وحرام. وهذا كله في الإخلاص لله والتوحيد له.

### الآية 21:26

> ﻿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۚ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ [21:26]

القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالُواْ اتّخَذَ الرّحْمََنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مّكْرَمُونَ \* لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ . 
يقول تعالى ذكره : وقال هؤلاء الكافرون بربهم : اتخذ الرحمن ولدا من ملائكته فقال جلّ ثناؤه استعظاما مما قالوا وتبرّيا مما وصفوه به سبحانه، يقول تنزيها له عن ذلك : ما ذلك من صفته بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ يقول : ما الملائكة كما وصفهم به هؤلاء الكافرون من بني آدم، ولكنهم عباد مكرمون يقول : أكرمهم الله. كما :
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَقالُوا اتّخَذَ الرّحْمَنُ وَلَدا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ قال : قالت اليهود : إن الله تبارك وتعالى صاهر الجنّ، فكانت منهم الملائكة. قال الله تبارك وتعالى تكذيبا لهم وردّا عليهم : بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ وإن الملائكة ليس كما قالوا، إنما هم عباد أكرمهم بعبادته. 
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة. وحدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة : وقَالُوا اتّخَذَ الرّحْمَنُ وَلَدا قالت اليهود وطوائف من الناس : إن الله تبارك وتعالى خاتن إلى الجنّ والملائكة من الجنّ قال الله تبارك وتعالى : سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ.

### الآية 21:27

> ﻿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [21:27]

وقوله : لا يَسْبِقُونَهُ بالقَوْلِ يقول جلّ ثناؤه : لا يتكلمون إلا بما يأمرهم به ربهم، ولا يعملون عملاً إلا به. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : قال الله : لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ يُثْني عليهم » وَهُمْ بأمْرِهِ يَعْمَلُونَ.

### الآية 21:28

> ﻿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [21:28]

القول في تأويل قوله تعالى : يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضَىَ وَهُمْ مّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ . 
يقول تعالى ذكره : يعلم ما بين أيدي ملائكته ما لم يبلغوه ما هو وما هم فيه قائلون وعاملون، وَمَا خَلْفَهُمْ يقول : وما مضى من قبل اليوم مما خلفوه وراءهم من الأزمان والدهور ما عملوا فيه، قالوا : ذلك كله مُحْصًى لهم وعليهم، لا يخفى عليه من ذلك شيء. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : يَعْلَمُ ما بينَ أيْدِيهمْ ومَا خَلْفَهُمْ يقول : يعلم ما قدّموا وما أضاعوا من أعمالهم. 
وَلا يَشْفَعُونَ إلاّ لِمَنِ ارْتَضَى يقول : ولا تشفع الملائكة إلا لمن رضي الله عنه. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَلا يَشْفَعُونَ إلاّ لِمَنِ ارْتَضَى يقول : الذين ارتضى لهم شهادة أن لا إله إلا الله. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : إلاّ لِمَنِ ارْتَضَى قال : لمن رضي عنه. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله : وَلا يَشْفَعُونَ إلاّ لِمَنِ ارْتَضَى يوم القيامة، وَهُمْ منْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر، عن قتادة يقول : ولا يشفعون يوم القيامة. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله. 
وقوله : وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ يقول : وهم من خوف الله وحذار عقابه أن يحلّ بهم مشفقون، يقول : حذرون أن يعصوه ويخالفوا أمره ونهيه.

### الآية 21:29

> ﻿۞ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَٰهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [21:29]

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّيَ إِلََهٌ مّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ . 
يقول تعالى ذكره : ومن يقل من الملائكة إني إله من دون الله، فَذَلِكَ الذي يقول ذلك منهم نَجْزِيهِ جَهَنّمَ يقول : نثيبه على قيله ذلك جهنم. كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمينَ يقول : كما نجزي من قال من الملائكة إني إله من دون الله جهنم، كذلك نجزي ذلك كل من ظلم نفسه فكفر بالله وعبد غيره. وقيل : عني بهذه الآية إبليس. وقال قائلو ذلك : إنما قلنا ذلك، لأنه لا أحد من الملائكة قال إني إله من دون الله سواه ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج : وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ قال : قال ابن جُرَيج : من يقل من الملائكة إني إله من دونه فلم يقله إلا إبليس دعا إلى عبادة نفسه، فنزلت هذه في إبليس. 
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة : وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إنّي إلَهٌ منْ دُونِهِ فَذَلكَ نجْزِيهِ جَهَنّمَ كَذلكَ نَجْزِي الظّالِمينَ وإنما كانت هذه الاَية خاصة لعدوّ الله إبليس لما قال ما قال لعنه الله وجعله رجيما، فقال : فَذلكَ نَجْزِيهِ جَهَنّمَ كَذلكَ نَجزِي الظّالِمينَ. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة : وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إنّي إلَهٌ منْ دُونِهِ فَذلكَ نَجْزِيهِ جَهَنّمَ قال : هي خاصة لإبليس.

### الآية 21:30

> ﻿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ [21:30]

القول في تأويل قوله تعالى : أَوَلَمْ يَرَ الّذِينَ كَفَرُوَاْ أَنّ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلّ شَيْءٍ حَيّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ . 
يقول تعالى ذكره : أو لم ينظر هؤلاء الذي كفروا بالله بأبصار قلوبهم، فيروا بها، ويعلموا أن السموات والأرض كانتا رَتْقا : يقول : ليس فيهما ثقب، بل كانتا ملتصقتين يقال منه : رتق فلان الفتق : إذا شدّه، فهو يرتقه رَتْقا ورتوقا ومن ذلك قيل للمرأة التي فرجها ملتحم : رتقاء. ووحد الرّتقْ، وهو من صفة السماء والأرض، وقد جاء بعد قوله : كانَتا لأنه مصدر، مثل قول الزّور والصوم والفطر. 
وقوله : فَفَتَقْناهُما يقول : فصدعناهما وفرجناهما. 
ثم اختلف أهل التأويل في معنى وصف الله السموات والأرض بالرتق، وكيف كان الرتق، وبأيّ معنى فتق ؟ فقال بعضهم : عَنَى بذلك أن السموات والأرض كانتا ملتصقتين ففصل الله بينهما بالهواء. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : أوَ لَمْ يَرَ الّذِينَ كَفَرُوا أنّ السَمَوَاتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقا يقول : ملتصقتين. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : أوَ لَمْ يَرَ الّذِينَ كَفَرُوا أنّ السّمَوَاتِ والأرْضَ كانَتا رتْقا فَفَتَقْناهما. . . الآية، يقول : كانتا ملتصقتين، فرفع السماء ووضع الأرض. 
حدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : أنّ السّمَوَاتِ والأرْضَ كانتا رَتْقا فَفَتَقْناهُما كان ابن عباس يقول : كانتا ملتزقتين، ففتقهما الله. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : أنّ السّمَوَاتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقا فَفَتَقْناهُما قال : كان الحسن وقَتادة يقولان : كانتا جميعا، ففصل الله بينهما بهذا الهواء. 
وقال آخرون : بل معنى ذلك أن السموات كانت مرتتقة طبقة، ففتقها الله فجعلها سبع سموات. وكذلك الأرض كانت كذلك مرتتقة، ففتقها فجعلها سبع أرضين ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تبارك وتعالى : رَتْقا فَفَتَقْناهُما من الأرض ستّ أرضين معها فتلك سبع أرضين معها، ومن السماء ستّ سموات معها فتلك سبع سموات معها. قال : ولم تكن الأرض والسماء متماسّتين. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : رَتْقا فَفَتَقْناهُما قال : فتقهنّ سبع سموات بعضهنّ فوق بعض، وسبع أرضين بعضهنّ تحت بعض. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد نحو حديث محمد بن عمرو، عن أبي عاصم. 
حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال : أخبرنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل، قال : سألت أبا صالح عن قوله : كانَتا رَتْقا فَفَتَقْناهُما قال : كانت الأرض رتقا والسموات رتقا، ففتق من السماء سبع سموات، ومن الأرض سبع أرضين. 
حدثنا موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : كانت سماء واحدة ثم فتقها، فجعلها سبع سموات في يومين، في الخميس والجمعة، وإنما سُمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض، فذلك حين يقول : خَلَقَ السّمَوَاتِ وَالأرْضِ في سِتّةِ أيّامٍ يقول : كانَتا رَتْقا فَفَتَقْناهُما. 
وقال آخرون : بل عُني بذلك أن السموات كانت رتقا لا تمطر والأرض كذلك رتقا لا تنبت، ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات. ذكر من قال ذلك :
حدثنا هناد، قال : حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة : أوَ لَمْ يَرَ الّذِينَ كَفَرُوا أنّ السّمَوَاتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقا فَفَتَقْناهُما قال : كانتا رتقا لا يخرج منهما شيء، ففتق السماء بالمطر وفتق الأرض بالنبات. قال : وهو قوله : والسّماءِ ذَاتِ الرّجْعِ والأرْضِ ذَاتِ الصّدْعِ. 
حدثني الحسين بن عليّ الصدائي، قال : حدثنا أبي، عن الفضيل بن مرزوق، عن عطية، في قوله : أوَ لَمْ يَرَ الّذِينَ كَفَرُوا أنّ السّمَوَاتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقا فَفَتَقْناهُما قال : كانت السماء رتقا لا تمطر والأرض رتقا لا تنبت، ففتق السماء بالمطر وفتق الأرض بالنبات وجعل من الماء كلّ شيء حيّ، أفلا يؤمنون ؟ 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : أوَ لَمْ يَرَ الّذِينَ كَفَرُوا أن السّمَوَاتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقا فَفَتَقْناهُما قال : كانت السموات رتقا لا ينزل منها مطر، وكانت الأرض رتقا لا يخرج منها نبات، ففتقهما الله، فأنزل مطر السماء، وشقّ الأرض فأخرج نباتها. وقرأ : فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الماء كلّ شَيْءٍ حَيّ أفَلا يُؤْمِنُونَ. 
وقال آخرون : إنما قيل فَفَتَقْناهُما لأن الليل كان قبل النهار، ففتق النهار. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوري، عن أبيه، عن عكرِمة، عن ابن عباس، قال : خلق الليل قبل النهار. ثم قال : كانَتا رَتْقا فَفَتَقْنَاهُما. 
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : معنى ذلك : أو لم ير الذي كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا من المطر والنبات، ففتقنا السماء بالغيث والأرض بالنبات. 
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب في ذلك لدلالة قوله : وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلّ شَيْءٍ حَيّ على ذلك، وأنه جلّ ثناؤه لم يعقب ذلك بوصف الماء بهذه الصفة إلا والذي تقدمه من ذكر أسبابه. 
فإن قال قائل : فإن كان ذلك كذلك، فكيف قيل : أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا، والغيث إنما ينزل من السماء الدنيا ؟ قيل : إن ذلك مختلف فيه، قد قال قوم : إنما ينزل من السماء السابعة، وقال آخرون : من السماء الرابعة، ولو كان ذلك أيضا كما ذكرت من أنه ينزل من السماء الدنيا، لم يكن في قوله : أنّ السّمَوَاتِ والأرْضَ دليل على خلاف ما قلنا، لأنه لا يمتنع أن يقال **«السموات »** والمراد منها واحدة فتجمع، لأن كل قطعة منها سماء، كما يقال : ثوب أخلاق، وقميص أسمال. 
فإن قال قائل : وكيف قيل إن السموات والأرض كانتا، فالسموات جمع، وحكم جمع الإناث أن يقال في قليلة كنّ، وفي كثيره كانت ؟ قيل : إنما قيل ذلك كذلك لأنهما صنفان، فالسموات نوع، والأرض آخر وذلك نظير قول الأسود بن يعفر :

إنّ المَنِيّةَ والحتُوُفَ كِلاهُما  تُوفِي المَخارِمَ يَرْقُبانِ سَوَادِيفقال :**«كلاهما »**، وقد ذكر المنية والحتوف لِما وصفت من أنه عنى النوعين. وقد أُخبرت عن أبي عبيدة معمر بن المثني، قال : أنشدني غالب النفيلي للقطامي :ألَمْ يحْزُنْكَ أنّ حِبالَ قَيْسٍ  وَتَغْلِبَ قَدْ تَبايَنَتا انْقِطاعَافجعل حبال قيس وهي جمع وحبال تغلب وهي جمع اثنين. 
وقوله : وَجَعَلْنا مِنَ المَاءِ كُلّ شَيْءٍ حَيّ يقول تعالى ذكره : وأحيينا بالماء الذي ننزله من السماء كلّ شيء. كما :
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : وَجَعَلْنا مِنَ المَاء كُلّ شَيْءٍ حَيّ قال : كلّ شيء حيّ خُلق من الماء. 
فإن قال قائل : وكيف خصّ كل شيء حيّ بأنه جعل من الماء دون سائر الأشياء غيره، فقد علمت أنه يحيا بالماء الزروع والنبات والأشجار وغير ذلك مما لا حياة له، ولا يقال له حيّ ولا ميت ؟ قيل : لأنه لا شيء من ذلك إلا وله حياة وموت، وإن خالف معناه في ذلك معنى ذوات الأرواح في أنه لا أرواح فيهنّ وأن في ذوات الأرواح أرواحا فلذلك قيل : وَجَعَلْنا مِنَ المَاءِ كُلّ شَيْءٍ حَيّ. 
وقوله : أفَلا يُؤْمِنُون يقول : أفلا يصدّقون بذلك، ويقرّون بألوهة من فعل ذلك ويفردونه بالعبادة ؟

### الآية 21:31

> ﻿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ [21:31]

القول في تأويل قوله تعالى : وَجَعَلْنَا فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لّعَلّهُمْ يَهْتَدُونَ . 
يقول تعالى ذكره : أو لم ير هؤلاء الكفار أيضا من حججنا عليهم وعلى جميع خلقنا، أنا جعلنا في الأرض جبالاً راسية ؟ والرواسي : جمع راسية، وهي الثابتة كما :
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله : وَجَعَلْنا فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أي جبالاً. 
وقوله : أنْ تَمِيدَ بِهِمْ يقول : أن لا تتكفأ بهم. يقول جلّ ثناؤه : فجعلنا في هذه الأرض هذه الرواسي من الجبال، فثبتناها لئلا تتكفأ بالناس، وليقدروا بالثبات على ظهرها. كما :
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قال : كانوا على الأرضِ تمور بهم لا تستقرّ، فأصبحوا وقد جعل الله الجبال وهي الرواسي أوتادا للأرض وجَعَلْنَا فيها فِجَاجا سُبُلاً يعني مسالك، واحدها فجّ. كما :
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَجَعَلْنا فِيها فِجاجا : أي أعلاما. وقوله : سُبُلاً أي طرقا، وهي جمع السبيل. 
وكان ابن عباس فيما ذَكر عنه يقول : إنما عنى بقوله : وَجَعَلْنا فِيها فِجاجا وجعلنا في الرواسي، فالهاء والألف في قوله : وَجَعَلْنا فِيها من ذكر الرواسي. 
حدثنا بذلك القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : قال ابن عباس، قوله : وَجَعَلْنا فِيها فِجاجا سبلاً، قال : بين الجبال. 
وإنما اخترنا القول الآخر في ذلك وجعلنا الهاء والألف من ذكر الأرض، لأنها إذا كانت من ذكرها دخل في ذلك السهل والجبل وذلك أن ذلك كله من الأرض، وقد جعل الله لخلقه في ذلك كله فجاجا سبلاً. ولا دلالة تدلّ على أنه عنى بذلك فجاج بعض الأرض التي جعلها لهم سبلاً دون بعض، فالعموم بها أولى. 
وقوله : لَعَلّهُمْ يَهْتَدُونَ يقول تعالى ذكره : جعلنا هذه الفجاج في الأرض ليهتدوا إلى السير فيها.

### الآية 21:32

> ﻿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا ۖ وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ [21:32]

القول في تأويل قوله تعالى : وَجَعَلْنَا السّمَآءَ سَقْفاً مّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ \* وَهُوَ الّذِي خَلَقَ الْلّيْلَ وَالنّهَارَ وَالشّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ . 
يقول تعالى ذكره : وَجَعَلْنا السّمَاءَ سَقْفا للأرض مسموكا. وقوله : مَحْفُوظا يقول : حفظناها من كلّ شيطان رجيم. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : سَقْفا مَحْفُوظا قال : مرفوعا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله : وَجَعَلْنا السّماءَ سَقْفا مَحْفُوظا. . . الآية : سقفا مرفوعا، وموجا مكفوفا. 
وقوله : وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ يقول : هؤلاء المشركون عن آيات السماء، ويعني بآياتها : شمسها وقمرها ونجومها. مُعْرِضُونَ يقول : وهؤلاء المشركون عن آيات السماء، ويعني بآياتها : شمسها وقمرها ونجومها. مُعْرِضُونَ : يقول : يعرضون عن التفكر فيها وتدبر ما فيها من حجج الله عليهم ودلالتها على وحدانية خالقهَا، وأنه لا ينبغي أن تكون العبادة إلا لمن دبرها وسوّاها، ولا تصلح إلا له. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَهُمْ عن آياتِها مُعْرِضُونَ قال : الشمس والقمر والنجوم آيات السماء. 
حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.

### الآية 21:33

> ﻿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [21:33]

وقوله : وَهُوَ الّذِي خَلَقَ اللّيْلَ والنّهارَ والشّمْسَ والقَمَرَ كُلّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ يقول تعالى ذكره : والله الذي خلق لكم أيها الناس الليل والنهار، نعمة منه عليكم وحجة ودلالة على عظيم سلطانه وأن الألوهة له دون كلّ ما سواه فهما يختلفان عليكم لصلاح معايشكم وأمور دنياكم وآخرتكم، وخلق الشمس والقمر أيضا كلّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ يقول : كلّ ذلك في فلك يسبحون. 
واختلف أهل التأويل في معنى الفلك الذي ذكره الله في هذه الآية، فقال بعضهم : هو كهيئة حديدة الرّحَى. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : كُلّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ قال : فلك كهيئة حديدة الرحى. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : قال ابن جريج : كُلّ فِي فَلَكٍ قال : فلك كهيئة حديدة الرحى. 
حدثنا ابن حميد، قال : ثني جرير، عن قابوس بن أبي ظَبيان، عن أبيه، عن ابن عباس : كُلّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ قال : فلك السماء. 
وقال آخرون : بل الفلك الذي ذكره الله في هذا الموضع سرعة جري الشمس والقمر والنجوم وغيرها. ذكر من قال ذلك :
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ، قال : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول قي قوله : كُلّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ الفلك : الجري والسرعة. 
وقال آخرون : الفلك موج مكفوف تجري الشمس والقمر والنجوم فيه. 
وقال آخرون : بل هو القطب الذي تدور به النجوم. واستشهد قائل هذا القول له هذا بقول الراجز :

باتَتْ تُناجِي الفَلَكَ الدّوّارَا  حتى الصّباحِ تعمَل الأَقْتارَا**وقال آخرون في ذلك، ما :**
حدثنا به بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : كُلّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ : أي في فلك السماء. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : كُلّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ قال : يجري في فلك السماء كما رأيت. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد، في قوله : كُلّ فِي فَلَكٍ يسْبَحُونَ قال : الفلك الذي بين السماء والأرض من مجاري النجوم والشمس والقمر. وقرأ : تَبارَكَ الّذِي جَعَلَ فِي السّماءِ بُرُوجا وَجَعَلَ فِيها سِرَاجا وَقَمَرا مُنِيرا وقال : تلك البروج بين السماء والأرض وليست في الأرض. كلّ في فَلكٍ يَسْبَحُونَ قال : فيما بين السماء والأرض : النجوم والشمس والقمر. 
وذُكر عن الحسن أنه كان يقول : الفلك طاحونة كهيئة فَلْكَة المغزل. 
والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله عزّ وجلّ : كُلّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ وجائز أن يكون ذلك الفلك كما قال مجاهد كحديدة الرّحَى، وكما ذُكر عن الحسن كطاحونة الرّحَى، وجائز أن يكون موجا مكفوفا، وأن يكون قطب السماء. وذلك أن الفلك في كلام العرب هو كل شيء دائر، فجمعه أفلاك، وقد ذكرت قول الراجز :
\*\*\* باتَتْ تُناجِي الفُلْكَ الدّوّارَا \*\*\*
وإذ كان كل ما دار في كلامها، ولم يكن في كتاب الله ولا في خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عمن يُقطع بقوله العذُر، دليلٌ يدل على أيّ ذلك هو من أيَ كان الواجب أن نقول فيه ما قال ونسكت عما لا علم لنا به. 
فإذا كان الصواب في ذلك من القول عندنا ما ذكرنا، فتأويل الكلام : والشمس والقمر، كلّ ذلك في دائر يسبحون. 
وأما قوله : يَسْبَحُونَ فإن معناه : يَجْرُون. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : كُلّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ قال : يجرون. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : يَسْبَحُونَ قال : يجرون. وقيل : كُلّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ فأخرج الخبر عن الشمس والقمر مخرج الخبر عن بني آدم بالواو والنون، ولم يقل :**«يسبحن »** أو **«تسبح »**، كما قيل : والشّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهُمْ لي ساجِدِينَ لأن السجود من أفعال بني آدم، فلما وصفت الشمس والقمر بمثل أفعالهم أجرى الخبر عنهما مجرى الخبر عنهم.

### الآية 21:34

> ﻿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ [21:34]

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مّتّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ \* كُلّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشّرّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وما خَلّدنا أحدا من بني آدم يا محمد قبلك في الدنيا فنخلدك فيها، ولا بد لك من أن تموت كما مات من قبلك رُسُلُنا. أفإنْ مِتّ فَهُمُ الخالِدُونَ يقول : فهؤلاء المشركون بربهم هم الخالدون في الدنيا بعدك ؟ لا، ما ذلك كذلك، بل هم ميتون بكلّ حال عشت أو متّ فأدخلت الفاء في **«إن »** وهي جزاء، وفي جوابه لأن الجزاء متصل بكلام قبله، ودخلت أيضا في قوله ****«فهم »**** لأنه جواب للجزاء، ولو لم يكن في قوله ****«فهم »**** الفاء جاز على وجهين : أحدهما : أن تكون محذوفة وهي مرادة، والآخر أن يكون مرادا تقديمها إلى الجزاء، فكأنه قال : أفهم الخالدون إن متّ.

### الآية 21:35

> ﻿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [21:35]

وقوله : كُلّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ يقول تعالى ذكره : كل نفس منفوسة من خلقه، معالجة غصص الموت ومتجرّعة كأسها. 
وقوله : وَنَبْلُوكُمْ بالشّرّ والخَيْرِ فِتْنَةً يقول تعالى ذكره : ونختبركم أيها الناس بالشرّ وهو الشدّة نبتليكم بها، وبالخير وهو الرخاء والسعة العافية فنفتنكم به. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين : قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : قال ابن عباس، قوله : ونَبْلُوكُمْ بالشّرّ والخَيْرِ فِتْنَةً قال : بالرخاء والشدة، وكلاهما بلاء. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَنَبْلُوكُمْ بالشّرّ والخَيْرِ فِتْنَةً يقول : نبلوكم بالشرّ بلاء، والخير فتنة وَإلَيْنَا تُرْجَعُونَ. 
حدثنا يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَنَبْلُوكُمْ بالشّرّ والخَيْرِ فِتْنَةً وَإلَيْنا تُرْجَعُونَ قال : نبلوهم بما يحبون وبما يكرهون نختبرهم بذلك لننظر كيف شكرهم فيما يحبون، وكيف صبرهم فيما يكرهون. 
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَنَبْلُوكمْ بالشّرّ والخَيْرِ يقول : نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة. 
وقوله : وَإلَيْنا تُرْجَعُونَ يقول : وإلينا يردّون فيجازون بأعمالهم، حسنها وسيّئها.

### الآية 21:36

> ﻿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ هُمْ كَافِرُونَ [21:36]

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا رَآكَ الّذِينَ كَفَرُوَاْ إِن يَتّخِذُونَكَ إِلاّ هُزُواً أَهََذَا الّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرّحْمََنِ هُمْ كَافِرُونَ . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وَإذَا رآكَ يا محمد الّذِينَ كَفَرُوا بالله، إنْ يَتّخِذُونَكَ إلاّ هُزُوا يقول : ما يتخذونك إلا سخرّيا يقول بعضهم لبعض : أهَذَا الّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ يعني بقوله : يذكر آلهتكم بسوء ويعيبها، تعجبا منهم من ذلك. يقول الله تعالى ذكره : فيعجبون من ذكرك يا محمد آلهتهم التي لا تضرّ ولا تنفع بسوء. وَهُمْ بِذِكْرِ الرّحْمَنِ الذي خلقهم وأنعم عليهم، ومنه نَفْعُهم، وبيده ضرّهم، وإليه مرجعهم بما هو أهله منهم أن يذكروه به كَافِرُونَ والعرب تضع الذكر موضع المدح والذمّ، فيقولون : سمعنا فلانا يذكر فلانا، وهم يريدون سمعناه يذكره بقبيح ويعيبه ومن ذلك قول عنترة :

لا تَذْكُرِي مُهْرِي وَما أطْعَمْتُهُ  فيَكُونَ جِلْدُكِ مثِلَ جِلْدِ الأجْرَبِيعني بذلك : لا تعيبي مُهْري. وسمعناه يُذكر بخير.

### الآية 21:37

> ﻿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ ۚ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ [21:37]

القول في تأويل قوله تعالى : خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ \* وَيَقُولُونَ مَتَىَ هََذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ . 
يقول تعالى ذكره : خُلِقَ الإنْسانُ يعني آدم مِنْ عَجَلٍ. 
واختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم : معناه : من عَجَل في بنيته وخلقته كان من العجلة، وعلى العجلة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد في قوله : خُلِقَ الإنْسانُ مِنْ عَجَلٍ قال : لما نفخ فيه الروح في ركبتيه ذهب لينهض، فقال الله : خُلِقَ الإنْسانُ مِنْ عَجَلٍ. 
حدثنا موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : لما نُفخ فيه يعني في آدم الروح، فدخل في رأسه عطس، فقالت الملائكة : قل الحمد لله فقال : الحمد لله. فقال الله له : رحمك ربك فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة فذلك حين يقول : خُلِقَ الإنْسانُ مِنْ عَجَلٍ يقول : خلق الإنسان عجولاً. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة : خُلِقَ الإنْسانُ مِنْ عَجَلٍ قال : خلق عجولاً. 
وقال آخرون : معناه : خلق الإنسان من عجل، أي من تعجيل في خلق الله إياه ومن سرعة فيه وعلى عجل. وقالوا : خلقه الله في آخر النهار يوم الجمعة قبل غروب الشمس على عجل في خلقه إياه قبل مغيبها. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله : خُلِقَ الإنْسانُ مِنْ عَجَلٍ قال : قول آدم حين خُلق بعد كلّ شيء آخر النهار من يوم خلق الخلق، فلما أحيا الروح عينيه ولسانه ورأسه ولم تبلغ أسفله، قال : يا ربّ استعجل بخلقي قبل غروب بالشمس. 
حدثني الحارث، قال حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : قال مجاهد : خُلِقَ الإنْسانُ مِنْ عَجَلٍ قال آدم حين خُلق بعد كلّ شيء ثم ذكر نحوه، غير أنه قال في حديثه : استعجلْ بخلقي فقد غربت الشمس. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : خُلِقَ الإنْسانُ مِنْ عَجَلٍ قال : على عجل آدم آخر ذلك اليوم من ذينك اليومين، يريد يوم الجمعة، وخلقه على عجل، وجعله عجولاً. 
وقال بعض أهل العربية من أهل البصرة ممن قال نحو هذه المقالة : إنما قال : خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ وهو يعني أنه خلقه من تعجيل من الأمر، لأنه قال : إنّمَا قَوْلُنا لِشَيْء إذَا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ قال : فهذا العجل. وقوله : فَلا تَسْتَعْجِلُونِ إنّي سأُرِيكُمْ آياتي. 
وعلى قول صاحب هذه المقالة، يجب أن يكون كلّ خلق الله خُلق على عجل، لأن كل ذلك خلق بأن قيل له كن فكان. 
فإذا كان ذلك كذلك، فما وجه خصوص الإنسان إذا بذكر أنه خُلق من عجل دون الأشياء كلها وكلها مخلوق من عجل ؟ وفي خصوص الله تعالى ذكره الإنسان بذلك الدليل الواضح، على أن القول في ذلك غير الذي قاله صاحب هذه المقالة. 
وقال آخرون منهم : هذا من المقلوب، وإنما خُلق العَجَل من الإنسان، وخُلقت العجلة من الإنسان. وقالوا : ذلك مثل قوله : ما إنّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ أُولي القُوّةِ إنما هو : لَتنوء العصبة بها متثاقلة. وقالوا : هذا وما أشبهه في كلام العرب كثير مشهور. قالوا : وإنما كلم القوم بما يعقلون. قالوا : وذلك مثل قولهم : عرَضتُ الناقة، وكقولهم : إذا طلعت الشعرى واستوت العود على الحِرْباء أي استوت الحرباء على العود، كقول الشاعر :

وتَرْكَبُ خَيْلاً لا هَوَادَة بَيْنَها  وَتَشْقَى الرماحُ بالضياطِرَةِ الحُمْرِ**وكقول ابن مقبل :**حَسَرْتُ كَفّي عَنِ السّرْبالِ آخُذُهُ  فَرْدا يُجَرّ عَلى أيْدِي المُفَدّينايريد : حسرت السربال عن كفّي، ونحو ذلك من المقلوب. وفي إجماع أهل التأويل على خلاف هذا القول، الكفاية المغنية عن الاستشهاد على فساده بغيره. 
قال أبو جعفر : والصواب من القول في تأويل ذلك عندنا الذي ذكرناه عمن قال معناه : خُلق الإنسان من عجل في خلقه أيْ على عجل وسرعة في ذلك. وإنما قيل ذلك كذلك، لأنه بُودر بخلقه مغيب الشمس في آخر ساعة من نهار يوم الجمعة، وفي ذلك الوقت نفخ فيه الروح. 
وإنما قلنا أولى الأقوال التي ذكرناها في ذلك بالصواب، لدلالة قوله تعالى : سأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونَ عليّ ذلك، وأن أبا كريب :
حدثنا قال : حدثنا ابن إدريس، قال : أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«إنّ فِي الجُمُعَةِ لَساعَةً »** يُقَلّلُها، قال :**«لا يَوَافِقُها عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسأَلُ اللّهَ فِيها خَيْرا إلاّ آتاهُ اللّهُ إيّاهُ »** فقال عبد الله بن سلام : قد علمت أيّ ساعة هي، هي آخر ساعات النهار من يوم الجمعة. قال الله : خُلِقَ الإنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونَ. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا المحاربي وعبدة بن سليمان وأسير بن عمرو، عن محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بنحوه، وذكر كلام عبد الله بن سلام بنحوه. 
فتأويل الكلام إذا كان الصواب في تأويل ذلك ما قلنا بما به استشهدنا خُلِقَ الإنْسانُ مِنْ عَجَلٍ، ولذلك يستعجل ربه بالعذاب. سأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ أيها المستعجلون ربهم بالآيات القائلون لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم : بل هو شاعر، فليأتنا بآية كما أرسل الأوّلون آياتي، كما أريتها من قبلكم من الأمم التي أهلكناها بتكذيبها الرسل، إذا أتتها الاَيات : فلا تَسْتَعْجِلُونِ يقول : فلا تستعجلوا ربكم، فإنا سنأتيكم بها ونريك موها. 
واختلفت القرّاء في قراءة قوله : خُلِقَ الإنْسانُ مِنْ عَجَلٍ فقرأته عامة قرّاء الأمصار : خُلِقَ الإنْسانُ مِنْ عَجَلٍ بضمّ الخاء على مذهب ما لم يسِمّ فاعله. وقرأه حُميد الأعرج :**«خَلَقَ »** بفتحها، بمعنى : خلق الله الإنسان. والقراءة التي عليها قرّاء الأمصار، هي القراءة التي لا أستجيز خلافها.

### الآية 21:38

> ﻿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [21:38]

وقوله : وَيَقُولُونَ مَتى هَذَا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ يقول تعالى ذكره : ويقول هؤلاء المستعجلون ربهم بالآيات والعذاب لمحمد صلى الله عليه وسلم : متى هذا الوعد ؟ يقول : متى يجيئنا هذا الذي تعدنا من العذاب إن كنتم صادقين فيما تعدوننا به من ذلك ؟ وقيل : هَذَا الوَعْدُ والمعنى الموعود لمعرفة السامعين معناه. وقيل : إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ كأنهم قالوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين به. و**«متى »** في موضع نصب، لأن معناه : أي وقت هذا الوعد وأيّ يوم هو فهو نصب على الظرف لأنه وقت.

### الآية 21:39

> ﻿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ [21:39]

القول في تأويل قوله تعالى : لَوْ يَعْلَمُ الّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النّارَ وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ . 
يقول تعالى ذكره : لو يعلم هؤلاء الكفار المستعجلون عذاب ربهم ماذا لهم من البلاء حين تلفح وجوههم النار، وهم فيها كالحون، فلا يكفّون عن وجوههم النار التي تلفحها، ولا عن ظهورهم فيدفعونها عنها بأنفسهم وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ يقول : ولا لهم ناصر ينصرهم، فيستنقذهم حينئذ من عذاب الله لما أقاموا على ما هم عليه مقيمون من الكفر بالله، ولسارعوا إلى التوبة منه والإيمان بالله، ولما استعجلوا لأنفسهم البلاء.

### الآية 21:40

> ﻿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ [21:40]

القول في تأويل قوله تعالى : بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدّهَا وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ . 
يقول تعالى ذكره : لا تأتي هذه النار التي تلفح وجوه هؤلاء الكفار الذين وصف أمرهم في هذه السورة حين تأتيهم عن علم منهم بوقتها، ولكنها تأتيهم مفاجأة لا يشعرون بمجيئها فتَبْهَتُهُمْ يقول : فتغشاهم فجأة، وتلفح وجوههم معاينة كالرجل يبهت الرجل في وجهه بالشيء، حتى يبقى المبهوت كالحيران منه. فلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدّها يقول : فلا يطيقون حين تبغتهم فتبهتهم دفعها عن أنفسهم. وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ يقول : ولا هم وإن لم يطيقوا دفعها عن أنفسهم يؤخرون بالعذاب بها لتوبة يحدثونها وإنابة ينيبون، لأنها ليست حين عمل وساعة توبة وإنابة، بل هي ساعة مجازاة وإثابة.

### الآية 21:41

> ﻿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [21:41]

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : إن يتخذك يا محمد هؤلاء القائلون لك : هل هذا إلا بشر مثلكم، أفتأتون السحر وأنتم تبصرون، إذ رأوك هُزُوا ويقولون : هذا الذي يذكر آلهتكم كفرا منهم بالله، واجتراء عليه. فلقد استهزىء برسل من رسلنا الذين أرسلناهم من قبلك إلى أممهم، يقول : فوجب ونزل بالذين استهزءوا بهم، وسخروا منهم من أممهم ما كَانُوا به يَسْتْهِزءُونَ يقول جلّ ثناؤه : حلّ بهم الذي كانوا به يستهزئون من البلاء والعذاب الذي كانت رسلهم تخوّفهم نزوله بهم، يستهزءون : يقول جلّ ثناؤه، فلن يعدو هؤلاء المستهزئون بك من هؤلاء الكفرة أن يكونوا كأسلافهم من الأمم المكذّبة رسلها، فينزل بهم من عذاب الله وسخطه باستهزائهم بك نظير الذي نزل بهم.

### الآية 21:42

> ﻿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَٰنِ ۗ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ [21:42]

القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِالْلّيْلِ وَالنّهَارِ مِنَ الرّحْمََنِ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبّهِمْ مّعْرِضُونَ . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لهؤلاء المستعجليك بالعذاب، القائلين : متى هذا الوعد إن كنتم صادقين : مَنْ يَكْلَؤُكُمْ أيّها القَوْمُ، يقول : من يحفظكم ويحرسكم بالليل إذا نمتم، وبالنهار إذا تصرّفتم من الرحمن ؟ يقول : من أمر الرحمن إن نزل بكم، ومن عذابه إن حلّ بكم. وترك ذكر **«الأمر »** وقيل **«من الرحمن »** اجتزاء بمعرفة السامعين لمعناه من ذكره. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس، في قوله : قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ باللّيْلِ والنّهارِ مِنَ الرّحْمَنِ قال : يحرسكم. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ باللّيْلِ والنّهارِ مِنَ الرّحْمَنِ قل من يحفظكم بالليل والنهار من الرحمن. 
يقال منه : كلأت القوم : إذا حرستهم، أكلؤهم كما قال ابن هَرْمة :

إنّ سُلَيْمَى وَاللّهُ يكلأها  ضَنّتْ بِشَيْءٍ ما كانَ يرزأهاقوله : بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبّهِمْ مُعْرِضُونَ وقوله بل : تحقيق لجحد قد عرفه المخاطبون بهذا الكلام، وإن لم يكن مذكورا في هذا الموضع ظاهرا. ومعنى الكلام : وما لهم أن لا يعلموا أنه لا كالىء لهم من أمر الله إذا هو حلّ بهم ليلاً أو نهارا، بل هم عن ذكر مواعظ ربهم وحججه التي احتجّ بها عليهم معرضون لا يتدبرون ذلك فلا يعتبرون به، جهلاً منهم وسفها.

### الآية 21:43

> ﻿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا ۚ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ [21:43]

القول في تأويل قوله تعالى : أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مّن دُونِنَا لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلاَ هُمْ مّنّا يُصْحَبُونَ . 
يقول تعالى ذكره : ألهؤلاء المستعجلي ربهم بالعذاب آلهة تمنعهم، إن نحن أحللنا بهم عذابنا، وأنزلنا بهم بأسنا من دوننا ؟ ومعناه : أم لهم آلهة من دوننا تمنعهم منا ؟ ثم وصف جلّ ثناؤه الآلهة بالضعف والمهانة، وما هي به من صفتها، فقال : وكيف تستطيع آلهتهم التي يدعونها من دوننا أن تمنعهم منا وهي لا تستطيع نصر أنفسها. وقوله : وَلا هُمْ مِنّا يُصْحَبُونَ اختلف أهل التأويل في المعنيّ بذلك، وفي معنى **«يُصْحَبُون »**، فقال بعضهم : عني بذلك الاَلهة، وأنها لا تصحب من الله بخير. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : أمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ يعني الاَلهة. وَلا هُمْ مِنّا يُصْحَبُونَ يقول : لا يُصحبون من الله بخير. 
وقال آخرون : بل معنى ذلك : ولا هم منا ينصرون. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا أبو ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَلا هُمْ مِنّا يُصْحَبُونَ قال : لا ينصرون. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس، قوله : أمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا إلى قوله : يُصْحَبُونَ قال : ينصرون. قال : قال مجاهد : ولا هم يُحْفظون. 
حدثنا عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَلا هُمْ مِنّا يُصْحَبُونَ يُجَارُون. . . 
**ذكر من قال ذلك :**
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَلا هُمْ مِنّا يُصْحَبُونَ يقول : ولا هم منا يجارون، وهو قوله : وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ يعني الصاحب، وهو الإنسان يكون له خفير مما يخاف، فهو قوله يصحبون. 
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال هذا القول الذي حكيناه عن ابن عباس، وأن هُمْ من قوله : وَلا هُمْ من ذكر الكفار، وأن قوله : يُصْحَبُونَ بمعنى : يُجارون يُصْحبون بالجوار لأن العرب محكيّ عنها : أنا لك جار من فلان وصاحب، بمعنى : أجيرك وأمنعك، وهم إذا لم يصحبوا بالجوار، ولم يكن لهم مانع من عذاب الله مع سخط الله عليهم، فلم يصحبوا بخير ولم ينصروا.

### الآية 21:44

> ﻿بَلْ مَتَّعْنَا هَٰؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ۗ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ [21:44]

القول في تأويل قوله تعالى : بَلْ مَتّعْنَا هََؤُلآءِ وَآبَآءَهُمْ حَتّىَ طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ . 
يقول تعالى ذكره : ما لهؤلاء المشركين من آلهة تمنعهم من دوننا، ولا جار يجيرهم من عذابنا، إذا نحن أردنا عذابهم، فاتكلوا على ذلك، وعصوا رسلنا اتكالاً منهم على ذلك ولكنا متّعناهم بهذه الحياة الدنيا وآباءهم من قبلهم حتى طال عليهم العمر، وهم على كفرهم مقيمون، لا تأتيهم منا واعظة من عذاب ولا زاجرة من عقاب على كفرهم وخلافهم أمرنا وعبادتهم الأوثان والأصنام، فنسوا عهدنا وجهلوا موقع نعمتنا عليهم، ولم يعرفوا موضع الشكر. وقوله : أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أطْرَافِها يقول تعالى ذكره : أفلا يرى هؤلاء المشركون بالله السائلو محمد صلى الله عليه وسلم الآيات المستعجلو بالعذاب، أنا نأتي الأرض نخرّبها من نواحيها بقهرنا أهلها، وغَلَبَتِنَاهم، وإجلائهم عنها، وقتلهم بالسيوف، فيعتبروا بذلك ويتعظوا به، ويحذروا منا أن ننزل من بأسنا بهم نحو الذي قد أنزلنا بمن فعلنا ذلك به من أهل الأطراف ؟ وقد تقدم ذكر القائلين بقولنا هذا ومخالفيه بالروايات عنهم في سورة الرعد بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. 
وقوله : أفَهُمُ الغالِبُونَ يقول تبارك وتعالى : أفهؤلاء المشركون المستعجلو محمد بالعذاب الغالبونا، وقد رأوا قهرنا من أحللنا بساحته بأسنا في أطراف الأرضين ؟ ليس ذلك كذلك، بل نحن الغالبون. وإنما هذا تقريع من الله تعالى لهؤلاء المشركين به بجهلهم، يقول : أفيظنون أنهم يغلبون محمدا ويقهرونه، وقد قهر من ناوأه من أهل أطراف الأرض غيرهم ؟ كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : أفَهُمُ الغالِبُونَ يقول : ليسوا بغالبين، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الغالب.

### الآية 21:45

> ﻿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ ۚ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ [21:45]

القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ إِنّمَآ أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ وَلاَ يَسْمَعُ الصّمّ الدّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لهؤلاء القائلين فليأتنا بآية كما أرسل الأولون : إنما أنذركم أيها القوم بتنزيل الله الذي يوحيه إلى من عنده، وأخوّفكم به بأسه. كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله : قُلْ إنّمَا أُنْذِرُكُمْ بالوَحْيِ أي بهذا القرآن. 
وقوله : وَلا يَسْمَعُ الصّمّ الدّعاءَ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار : ولا يَسْمَعُ بفتح الياء من **«يَسْمَعُ »** بمعنى أنه فعل للصمّ، و**«الصمّ »** حينئذ مرفوعون. ورُوي عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه كان يقرأ :**«وَلا تُسْمعُ »** بالتاء وضمها، فالصمّ على هذه القراءة مرفوعة، لأن قوله :**«وَلا تُسْمِعُ »** لم يسمّ فاعله، ومعناه على هذه القراءة : ولا يسمع الله الصمّ الدعاء. 
قال أبو جعفر : والصواب من القراءة عندنا في ذلك ما عليه قرّاء الأمصار لإجماع الحجة من القرّاء عليه. ومعنى ذلك : ولا يصغي الكافر بالله بسمع قلبه إلى تذكر ما في وحي الله من المواعظ والذكر، فيتذكر به ويعتبر، فينزجر عما هو عليه مقيم من ضلاله إذا تُلى عليه وأُريد به ولكنه يعرض عن الاعتبار به والتفكر فيه، فعل الأصمّ الذي لا يسمع ما يقال له فيعمل به. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : وَلا يَسْمَعُ الصّمّ الدّعاءَ إذَا ما يُنْذَرُونَ يقول : إن الكافر قد صمّ عن كتاب الله لا يسمعه، ولا ينتفع به ولا يعقله، كما يسمعه المؤمن وأهل الإيمان.

### الآية 21:46

> ﻿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [21:46]

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَئِن مّسّتْهُمْ نَفْحَةٌ مّنْ عَذَابِ رَبّكَ لَيَقُولُنّ يَويْلَنَآ إِنّا كُنّا ظَالِمِينَ . 
يقول تعالى ذكره : ولئن مست هؤلاء المستعجلين بالعذاب يا محمد نفحة من عذاب ربك، يعني بالنفحة النصيب والحظّ، من قولهم : نفح فلان لفلان من عطائه : إذا أعطاه قسما أو نصيبا من المال. كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَلَئِنْ مَسّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبّكَ. . . الآية، يقول : لئن أصابتهم عقوبة. 
وقوله : لَيَقُولُنّ يا وَيْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ يقول : لئن أصابتهم هذه النفحة من عقوبة ربك يا محمد بتكذيبهم بك وكفرهم، ليعلمنّ حينئذ غبّ تكذيبهم بك، وليعترفن على أنفسهم بنعمة الله وإحسانه إليهم وكفرانهم أياديه عندهم، وليقولنّ يا ويلنا إنا كان ظالمين في عبادتنا الآلهة والأنداد، وتركنا عبادة الله الذي خلقنا وأنعم علينا، ووضعنا العبادة غير موضعها.

### الآية 21:47

> ﻿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ [21:47]

القول في تأويل قوله تعالى : وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىَ بِنَا حَاسِبِينَ . 
يقول تعالى ذكره : وَنَضَعُ المَوَازِينَ العدل وهو القِسْطَ. وجعل القسط وهو موحد من نعت الموازين، وهو جمع لأنه في مذهب عدل ورضا ونظر. وقوله : لِيَوْمِ القِيامَةِ يقول : لأهل يوم القيامة، ومن ورد على الله في ذلك اليوم من خلقه. وقد كان بعض أهل العربية يوجه معنى ذلك إلى **«في »** كأن معناه عنده : ونضع الموازين القسط في يوم القيامة. وقوله : فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئا يقول : فلا يظلم الله نفسا ممن ورد عليه منهم شيئا بأن يعاقبه بذنب لم يعمله أو يبخسه ثواب عمل عمله وطاعة أطاعه بها ولكن يجازي المحسن بإحسانه، ولا يعاقب مسيئا إلا بإساءته. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ. . . إلى آخر الآية، وهو كقوله : وَالوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقّ يعني بالوزن : القِسط بينهم بالحقّ في الأعمال الحسنات والسيئات فمن أحاطت حسناته بسيئاته ثقلت موازينه، يقول : أذهبت حسناته سيئاته، ومن أحاطت سيئاته بحسناته فقد خفّت موازينه وأمه هاوية، يقول : أذهبت سيئاته حسناته. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله : وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ قال : إنما هو مثل، كما يجوز الوزن كذلك يجوز الحقّ. قال الثوري : قال ليث عن مجاهد : وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسْطَ قال : العدل. 
وقوله : وَإنْ كانَ مِثْقالَ حَبّةٍ مِنْ خَرْدَلِ أتَيْنا بِها يقول : وإن كان الذي له من عمل الحسنات أو عليه من السيئات وزن حبة من خردل أتَيْنَا بِهَا يقول : جئنا بها فأحضرناها إياه. كما :
حدثنا يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَإنْ كانَ مِثْقالَ حَبّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها قال : كتبناها وأحصيناها له وعليه. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : وَإنْ كانَ مِثْقالَ حَبّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها قال : يؤتي بها لك وعليك، ثم يعفو إن شاء أو يأخذ، ويجزي بما عمل له من طاعة. 
**وكان مجاهد يقول في ذلك ما :**
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : وَإنْ كانَ مِثْقالَ حَبّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها قال : جازينا بها. 
حدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال : حدثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد أنه كان يقول : وَإنْ كانَ مِثْقالَ حَبّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها قال : جازينا بها. 
وقال : أتَيْنَا بِهَا فأخرج قوله بها مخرج كناية المؤنث، وإن كان الذي تقدم ذلك قوله مثقال حبة، لأنه عني بقوله بها الحبة دون المثقال، ولو عني به المثقال لقيل **«به »**. وقد ذكر أن مجاهدا إنما تأوّل قوله : أتَيْنا بِها على ما ذكرنا عنه، لأنه كان يقرأ ذلك :**«آتَيْنا بِها »** بمدّ الألف. وقوله : وكَفَى بِنا حاسِبِينَ يقول : وحسب من شهد ذلك الموقف بنا حاسبين، لأنه لا أحد أعلم بأعمالهم وما سلف في الدّنا من صالح أو سيىء منا.

### الآية 21:48

> ﻿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ [21:48]

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىَ وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لّلْمُتّقِينَ . 
يقول تعالى ذكره : ولقد آتينا موسى بن عمران وأخاه هارون الفرقان، يعني به الكتاب الذي يفرق بين الحقّ والباطل. وذلك هو التوراة في قول بعضهم ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : الفُرْقان قال : الكتاب. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى وَهارُونَ الفُرْقانَ الفرقان : التوراة حلالها وحرامها، وما فرق الله به بين الحق والباطل. 
**وكان ابن زيد يقول في ذلك ما :**
حدثني به يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى وَهارُونَ الفُرْقانَ قال : الفرقان : الحق آتاه الله موسى وهارون، فرق بينهما وبين فرعون، فقضى بينهم بالحقّ. وقرأ : وَما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ قال : يوم بدر. 
قال أبو جعفر : وهذا القول الذي قاله ابن زيد في ذلك أشبه بظاهر التنزيل، وذلك لدخول الواو في الضياء، ولو كان الفرقان هو التوراة كما قال من قال ذلك، لكان التنزيل : ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ضياء لأن الضياء الذي آتى الله موسى وهارون هو التوراة التي أضاءت لهما ولمن اتبعهما أمر دينهم فبصرّهم الحلال والحرام، ولم يقصد بذلك في هذا الموضع ضياء الإبصار. وفي دخول الواو في ذلك دليل على أن الفرقان غير التوراة التي هي ضياء. 
فإن قال قائل : وما ينكر أن يكون الضياء من نعت الفرقان، وإن كانت فيه واو فيكون معناه : وضياء آتيناه ذلك، كما قال بِزِينَةٍ الكَوَاكِبِ وَحِفْظا ؟ قيل له : إن ذلك وإن كان الكلام يحتمله، فإن الأغلب من معانيه ما قلنا. والواجب أن يوجه معاني كلام الله إلى الأغلب الأشهر من وجوهها المعروفة عند العرب ما لم يكن بخلاف ذلك ما يجب التسليم له من حجة خبر أو عقل. 
وقوله : وَذِكْرا للْمُتّقِينَ يقول : وتذكيرا لمن اتقى الله بطاعته وأداء فرائضه واجتناب معاصيه، ذكّرهم بما آتى موسى وهارون من التوراة.

### الآية 21:49

> ﻿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ [21:49]

القول في تأويل قوله تعالى : الّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مّنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ . 
يقول تعالى ذكره : آتينا موسى وهارون الفرقان الذّكْر الذي آتيناهما للمتقين الذين يخافون ربهم بالغيب، يعني في الدنيا أن يعاقبهم في الآخرة إذا قدموا عليه بتضييعهم ما ألزمهم من فرائضه فهم من خشيته يحافظون على حدوده وفرائضه، وهم من الساعة التي تقوم فيها القيامة مشفقون، حذرون أن تقوم عليهم، فيردوا على ربهم قد فرّطوا في الواجب عليهم لله، فيعاقبهم من العقوبة بما لا قِبَل لهم به.

### الآية 21:50

> ﻿وَهَٰذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ ۚ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ [21:50]

القول في تأويل قوله تعالى : وَهََذَا ذِكْرٌ مّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ . 
يقول جلّ ثناؤه : وهذا القرآن الذي أنزلناه إلى محمد صلى الله عليه وسلم ذِكْرٌ لمن تذكر به، وموعظة لمن اتعظ به. مباركٌ أنزلناهُ كما أنزلنا التوراة إلى موسى وهارون ذكرا للمتقين. أفأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ يقول تعالى ذكره : أفأنتم أيها القوم لهذا الكتاب الذي أنزلناه إلى محمد منكرون وتقولون هُوَ أضْغاثُ أحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بآيَةٍ كمَا أُرْسِلَ الأوّلُونَ وإنما الذي آتيناه من ذلك ذكر للمتقين، كالذي آتينا موسى وهارون ذكرا للمتقين. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَهَذَا ذِكْرٌ مُبارَكٌ… إلى قوله : أفأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ : أي هذا القرآن.

### الآية 21:51

> ﻿۞ وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ [21:51]

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ آتينا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنّا بِهِ عَالِمِينَ \* إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هََذِهِ التّمَاثِيلُ الّتِيَ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ . 
يقول تعالى ذكره : وَلَقَدْ آتَيْنا إبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ موسى وهارون، ووفّقناه للحقّ، وأنقذناه من بين قومه وأهل بيته من عبادة الأوثان، كما فعلنا ذلك بمحمد صلى الله عليه وسلم وعلى إبراهيم، فأنقذنا من قومه وعشيرته من عبادة الأوثان، وهديناه إلى سبيل الرشاد توفيقا مّنا له. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى **«ح »** وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : وَلَقَدْ آتَيْنا إبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ قال : هديناه صغيرا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد : وَلَقَدْ آتَيْنا إبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ قال : هداه صغيرا. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : آتَيْنا إبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ قال : هداه صغيرا. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله : وَلَقَدْ آتَيْنا إبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ يقول : آتيناه هداه. 
وقوله : وكُنّا بِهِ عالِمِينَ يقول : وكنا عالمين به أنه ذو يقين وإيمان بالله وتوحيد له، لا يشرك به شيئا

### الآية 21:52

> ﻿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ [21:52]

. إذْ قَالَ لأَبِيِهِ وَقْومِهِ يعني في وقت قيله وحين قيله لهم : ما هذهِ التماثِيلُ الّتِي أنتمْ لَهَا عَاكِفُونَ يقول : قال لهم : أيّ شيء هذه الصور التي أنتم عليها مقيمون ؟ وكانت تلك التماثيل أصنامهم التي كانوا يعبدونها كما :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : ما هَذِهِ التّماثِيلُ الّتِي أنْتُمْ لَهَا عاكِفُونَ قال : الأصنام. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
وقد بيّنا فيما مضى من كتابنا هذا أن العاكف على الشيء المقيم عليه بشواهد ذلك، وذكرنا الرواية عن أهل التأويل.

### الآية 21:53

> ﻿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ [21:53]

القول في تأويل قوله تعالى : قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ \* قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ \* قَالُوَاْ أَجِئْتَنَا بِالْحَقّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللاّعِبِينَ . 
يقول تعالى ذكره : قال أبو إبراهيم وقومه لإبراهيم : وجدنا آباءنا لهذه الأوثان عابدين، فنحن على ملة آبائنا نعبدها كما كانوا يعبدون

### الآية 21:54

> ﻿قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [21:54]

. قالَ إبراهيم : لَقَدْ كُنْتُمْ أيها القوم أنْتُمْ وَآباؤُكُمْ بعبادتكم إياها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ يقول : في ذهاب عن سبيل الحقّ، وجور عن قصد السبيل مبين يقول : بَيّنٌ لمن تأمله بعقل أنكم كذلك في جور عن الحقّ.

### الآية 21:55

> ﻿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ [21:55]

قالُوا أجِئْتَنا بالحَقّ ؟ يقول : قال أبوه وقومه له : أجئتنا بالحقّ فيما تقول أمْ أنْتَ هازل لاعب مِنَ اللاّعِبِينَ.

### الآية 21:56

> ﻿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [21:56]

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ بَل رّبّكُمْ رَبّ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ الّذِي فطَرَهُنّ وَأَنَاْ عَلَىَ ذَلِكُمْ مّنَ الشّاهِدِينَ . 
يقول تعالى ذكره : قال إبراهيم لهم : بل جئتكم بالحقّ لا اللعب، ربكم ربّ السموات والأرض الذي خلقهنّ، وأنا على ذلكم من أن ربكم هو ربّ السموات والأرض الذي فطرهنّ دون التماثيل التي أنتم لها عاكفون ودون كلّ أحد سواه شاهد من الشاهدين، يقول : فإياه فاعبدوا لا هذه التماثيل التي هي خلقه التي لا تضرّ ولا تنفع.

### الآية 21:57

> ﻿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ [21:57]

القول في تأويل قوله تعالى : وَتَاللّهِ لأكِيدَنّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلّواْ مُدْبِرِينَ \* فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاّ كَبِيراً لّهُمْ لَعَلّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ . 
ذكر أن إبراهيم صلوات الله عليه حلف بهذه اليمين في سرّ من قومه وخفاء، وأنه لم يسمع ذلك منه إلا الذي أفشاه عليه حين قالوا : من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين، فقالوا : سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله : وَتاللّهِ لأَكِيدَنّ أصْنامَكُمْ قال : قول إبراهيم حين استتبعه قومه إلى عيد لهم فأبى وقال : إني سقيم، فسمع منه وعيد أصنامهم رجل منهم استأخر، وهو الذي يقول : سَمِعْنا فَتى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لهُ إبْرَاهِيمُ. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله : وَتاللّهِ لأَكِيدَنّ أصْنامَكُمْ قال : نرى أنه قال ذلك حيث لم يسمعوه بعد أن تولّوا مدبرين.

### الآية 21:58

> ﻿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ [21:58]

وقوله : فَجَعَلَهُمْ جُذَاذا إلاّ كَبِيرا لَهُمْ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار سوى يحيى بن وثاب والأعمش والكسائي :**«فَجَعَلَهُمْ جِذَاذا »** بمعنى جمع جذيذ، كأنهم أرادوا به جمع جذيذ وجِذاذ، كما يجمع الخفيف خِفاف، والكريم كِرام. 
وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب قراءة من قرأه : جُذَاذا بضمّ الجيم، لإجماع قرّاء الأمصار عليه، وأن ما أجمعت عليه فهو الصواب وهو إذا قرىء كذلك مصدرٌ مثل الرّفات، والفُتات، والدّقاق لا واحد له، وأما من كسر الجيم فإنه جمع للجذيذ، والجذيذ : هو فعيل صُرِف من مجذوذ إليه، مثل كسير وهشيم، والمجذوذة : المكسورة قِطَعا. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : فجَعَلَهُمْ جُذَاذا يقول : حُطاما. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : جُذَاذا كالصّريم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله : فَجَعَلَهُمْ جُذَاذا : أي قطعا. 
وكان سبب فعل إبراهيم صلوات الله عليه بآلهة قومه ذلك، كما :
حدثنا موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط عن السديّ : أن إبراهيم قال له أبوه : يا إبراهيم إن لنا عيدا لو قد خرجت معنا إليه قد أعجبك ديننا فلما كان يوم العيد، فخرجوا إليه، خرج معهم إبراهيم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال : إني سقيم، يقول : اشتكى رجلي. فتواطئوا رجليه وهو صريع فلما مضوا نادى في آخرهم، وقد بقي ضَعْفَي الناس : وَتاللّهِ لأَكِيدَنّ أصْنامَكُمْ بَعْدَ أنْ تُوَلّوْا مُدْبِرِينَ فسمعوها منه. ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة، فإذا هنّ في بهو عظيم، مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه بعضها إلى بعض، كل صنم يليه أصغر منه، حتى بلغوا باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاما، فوضعوه بين أيدي الاَلهة، قالوا : إذا كان حين نرجع رجعنا وقد باركت الاَلهة في طعامنا فأكَلْنا. فلما نظر إليهم إبراهيم وإلى ما بين أيديهم من الطعام قالَ ألا تَأْكُلُونَ ؟ فلما لم تجبه، قال : ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبا بالْيَمِينِ فأخذ فأس حديد، فنقر كلّ صنم في حافتيه، ثم علقّ الفأس في عنق الصنم الأكبر، ثم خرج. فلما جاء القوم إلى طعامهم نظروا إلى آلهتهم قالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنا إنّهُ لِمِنَ الظّالِمِينَ قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إبْرَاهِيمُ. 
وقوله : إلاّ كَبِيرا لَهُمْ يقول : إلا عظيما للآلهة، فإن إبراهيم لم يكسره، ولكنه فيما ذكر علق الفأس في عنقه. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج : إلاّ كَبِيرا لَهُمْ قال : قال ابن عباس : إلا عظيما لهم عظيم آلهتهم. قال ابن جُرَيْج، وقال مجاهد : وجعل إبراهيم الفأس التي أهلك بها أصنامهم مُسْندة إلى صدر كبيرهم الذي تَرَك. 
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : جعل إبراهيم الفأس التي أهلك بها أصنامهم مسندة إلى صدر كبيرهم الذي ترك. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : أقبل عليهنّ كما قال الله تبارك وتعالى ضَرْبا باليَمِينِ ثم جعل يكسرهنّ بفأس في يده، حتى إذا بقي أعظم صنم منها ربط الفأس بيده، ثم تركهنّ. فلما رجع قومه، رأوا ما صنع بأصنامهم، فراعهم ذلك وأعظموه وقالوا : من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين. 
وقوله لَعَلّهُمْ إلَيْهِ يَرْجِعُونَ يقول : فعل ذلك إبراهيم بآلهتهم ليعتبروا ويعلموا أنها إذا لم تدفع عن نفسها ما فعل بها إبراهيم، فهي من أن تدفع عن غيرها من أراده بسوء أبعد، فيرجعوا عما هم عليه مقيمون من عبادتها إلى ما هو عليه من دينه وتوحيد الله والبراءة من الأوثان. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة : لَعَلّهُمْ إلَيْهِ يَرْجِعُونَ قال : كادهم بذلك لعلهم يتذكرون أو يبصرون.

### الآية 21:59

> ﻿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ [21:59]

القول في تأويل قوله تعالى : قَالُواْ مَن فَعَلَ هََذَا بآلهتنا إِنّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ \* قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ \* قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ عَلَىَ أَعْيُنِ النّاسِ لَعَلّهُمْ يَشْهَدُونَ . 
يقول تعالى ذكره : قال قوم إبراهيم لما رأوا آلهتهم قد جُذّت، إلا الذي رَبَط به الفأسَ إبراهيم : من فعل هذا بآلهتنا ؟ إن الذي فعل هذا بآلهتنا لمن الظالمين أي لمن الفاعلين بها ما لم يكن له فعله.

### الآية 21:60

> ﻿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ [21:60]

قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إبْرَاهِيمُ يقول : قال الذين سمعوه يقول وَتاللّهِ لأَكِيدَنّ أصْنامَكُمْ بَعْدَ أنْ تُوَلّوا مُدْبِرِينَ سمعنا فتى يذكرهم بعيب يقال له إبراهيم. كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج : قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ قال ابن جُرَيج : يذكرهم يعيبهم. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قوله : سَمَعْنا فَتَىً يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إبْرَاهِيمُ سمعناه يسبّها ويعيبها ويستهزئ بها، لم نسمع أحدا يقول ذلك غيره، وهو الذي نظن صنع هذا بها.

### الآية 21:61

> ﻿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ [21:61]

وقوله : فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ لَعَلّهُمْ يَشْهَدُونَ يقول تعالى ذكره : قال قوم إبراهيم بعضهم لبعض : فأتوا بالذي فعل هذا بآلهتنا الذي سمعتموه يذكرها بعيب ويسبّها ويذمها على أعين الناس فقيل : معنى ذلك : على رؤس الناس، وقال بعضهم : معناه : بأعين الناس ومرأى منهم، وقالوا : إنما أريد بذلك أظهروا الذي فعل ذلك للناس كما تقول العرب إذا ظهر الأمر وشهر : كان ذلك على أعين الناس، يراد به كان بأيدي الناس. 
واختلف أهل التأويل قوله : لَعَلّهُمْ يَشْهَدُونَ فقال بعضهم : لعلّ الناس يشهدون عليه أنه الذي فعل ذلك، فتكون شهادتهم عليه حجة لنا عليه. وقالوا : إنما فعلوا ذلك لأنهم كرهوا أن يأخذوه بغير بينة. ذكر من قال ذلك :
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ لَعَلّهُمْ يَشْهَدونَ عليه أنه فعل ذلك. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ لَعَلّهُمْ يَشْهَدونَ قال : كرهوا أن يأخذوه بغير بيّنة. 
وقال آخرون : بل معنى ذلك : لعلهم يشهدون ما يعاقبونه به، فيعاينونه ويرونه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : بلغ ما فعل إبراهيم بآلهة قومه نمرود، وأشراف قومه، فقالوا : فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ لَعَلّهُمْ يَشْهَدونَ : أي ما يُصْنع به. 
وأظهرُ معنى ذلك أنهم قالوا : فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون عقوبتنا إياه، لأنه لو أريد بذلك ليشهدوا عليه بفعله كان يقال : انظروا من شهده يفعل ذلك، ولم يقل : أحضروه بمجمع من الناس.

### الآية 21:62

> ﻿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ [21:62]

القول في تأويل قوله تعالى : قَالُوَاْ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هََذَا بِآلِهَتِنَا يَإِبْرَاهِيمُ \* قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هََذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ . 
يقول تعالى ذكره : فأتوا بإبراهيم، فلما أتوا به قالوا له : أأنت فعلت هذا بآلهتنا من الكسر بها يا إبراهيم ؟ فأجابهم إبراهيم : بل فعله كبيرهم هذا وعظيمهم، فاسألوا الآلهة من فعل بها ذلك وكسرها إن كانت تنطق أو تعبر عن نفسها
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : لما أُتِي به واجتمع له قومه عند ملكهم نمرود قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فاسألوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ غضب من أن يعبدوا معه هذه الصغار وهو أكبر منها، فكسرهن. 
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهِمْ هَذَا. . . الآية، وهي هذه الخصلة التي كادهم بها. 
وقد زعم بعض من لا يصدّق بالآثار ولا يقبل من الأخبار إلا ما استفاض به النقل من العوامّ، أن معنى قوله : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهِمْ هَذَا إنما هو : بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون فاسألوهم، أي إن كانت الاَلهة المكسورة تنطق فإن كبيرهم هو الذي كسرهم. وهذا قول خلاف ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كَذَبات كلها في الله، قوله : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهِمْ هَذَا، وقوله : إنّي سَقِيمٌ، وقوله لسارة : هي أختي. وغير مستحيل أن يكون الله ذكْره أذِن لخليله في ذلك، ليقرّع قومه به، ويحتجّ به عليهم، ويعرّفهم موضع خطئهم، وسوء نظرهم لأنفسهم، كما قال مؤذّن يوسف لإخوته : أيّتُها العيرُ إنّكُمْ لَسارِقُونَ ولم يكونوا سرقوا شيئا.

### الآية 21:63

> ﻿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ [21:63]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٦٢:القول في تأويل قوله تعالى : قَالُوَاْ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هََذَا بِآلِهَتِنَا يَإِبْرَاهِيمُ \* قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هََذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ . 
يقول تعالى ذكره : فأتوا بإبراهيم، فلما أتوا به قالوا له : أأنت فعلت هذا بآلهتنا من الكسر بها يا إبراهيم ؟ فأجابهم إبراهيم : بل فعله كبيرهم هذا وعظيمهم، فاسألوا الآلهة من فعل بها ذلك وكسرها إن كانت تنطق أو تعبر عن نفسها
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : لما أُتِي به واجتمع له قومه عند ملكهم نمرود قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فاسألوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ غضب من أن يعبدوا معه هذه الصغار وهو أكبر منها، فكسرهن. 
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهِمْ هَذَا... الآية، وهي هذه الخصلة التي كادهم بها. 
وقد زعم بعض من لا يصدّق بالآثار ولا يقبل من الأخبار إلا ما استفاض به النقل من العوامّ، أن معنى قوله : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهِمْ هَذَا إنما هو : بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون فاسألوهم، أي إن كانت الاَلهة المكسورة تنطق فإن كبيرهم هو الذي كسرهم. وهذا قول خلاف ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كَذَبات كلها في الله، قوله : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهِمْ هَذَا، وقوله : إنّي سَقِيمٌ، وقوله لسارة : هي أختي. وغير مستحيل أن يكون الله ذكْره أذِن لخليله في ذلك، ليقرّع قومه به، ويحتجّ به عليهم، ويعرّفهم موضع خطئهم، وسوء نظرهم لأنفسهم، كما قال مؤذّن يوسف لإخوته : أيّتُها العيرُ إنّكُمْ لَسارِقُونَ ولم يكونوا سرقوا شيئا. ---

### الآية 21:64

> ﻿فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ [21:64]

القول في تأويل قوله تعالى : فَرَجَعُوَاْ إِلَىَ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوَاْ إِنّكُمْ أَنتُمُ الظّالِمُونَ \* ثُمّ نُكِسُواْ عَلَىَ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هََؤُلآءِ يَنطِقُونَ . 
يقول تعالى ذكره : فذكروا حين قال لهم إبراهيم صلوات الله عليه : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهِمْ هَذَا فاسألوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ في أنفسهم، ورجعوا إلى عقولهم، ونظر بعضهم إلى بعض، فقالوا : إنكم معشر القوم الظالمون هذا الرجل في مسألتكم إياه وقيلكم له من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم ؟ وهذه آلهتكم التي فعل بها ما فعل حاضرتكم فاسألوها
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق : فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ فَقالُوا إنّكُمْ أنْتُمْ الظّالِمُونَ قال : ارعوَوْا ورجعوا عنه يعني عن إبراهيم، فيما ادّعوا عليه من كسرهنّ إلى أنفسهم فيما بينهم، فقالوا : لقد ظلمناه، وما نراه إلا كما قال. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج : فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ قال : نظر بعضهم إلى بعض فَقالُوا إنّكُمْ أنْتُمْ الظّالِمُونَ.

### الآية 21:65

> ﻿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ [21:65]

وقوله : ثُمّ نُكِسُوا على رُءُوسِهِمْ يقول جلّ ثناؤه : ثم غُلِبوا في الحجة، فاحتجوا على إبراهيم بما هو حجة لإبراهيم عليهم، فقالوا : لقد علمت ما هؤلاء الأصنام ينطقون. كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : ثم قالوا : يعني قوم إبراهيم، وعرفوا أنها، يعني آلهُتهم لا تضرّ ولا تنفع ولا تبطِش : لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ : أي لا تتكلم فتخبرنا من صنع هذا بها، وما تبطش بالأيدي فنصدّقك، يقول الله : ثُمّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ في الحجة عليهم لإبراهيم حين جادلهم، فقال عند ذلك إبراهيم حين ظهرت الحجة عليهم بقولهم : لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ. 
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة قال الله : ثُمّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ أدركت الناسَ حَيرة سَوْء. 
وقال آخرون : معنى ذلك : ثم نُكسوا في الفتنة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : ثُمّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ قال : نكسوا في الفتنة على رءوسهم، فقالوا : لقد علمت ما هؤلاء ينطقون. 
وقال بعض أهل العربية : معنى ذلك : ثم رجعوا عما عرفوا من حجة إبراهيم، فقالوا : لقد علمت ما هؤلاء ينطقون. 
وإنما اخترنا القول الذي قلنا في معنى ذلك، لأن نَكْسَ الشيء على رأسه : قَلْبُه على رأسه وتَصْيِيرُ أعلاه أسفله ومعلوم أن القوم لم يُقْلبوا على رءوس أنفسهم، وأنهم إنما نُكست حجتهم، فأقيم الخبر عنهم مقام الخبر عن حجتهم. وإذ كان ذلك كذلك، فنَكْس الحجة لا شك إنما هو احتجاج المحتجّ على خصمه بما هو حجة لخصمه. وأما قول السديّ : ثم نكسوا في الفتنة، فإنهم لم يكونوا خرجوا من الفتنة قبل ذلك فنكسوا فيها. وأما قول من قال من أهل العربية ما ذكرنا عنه، فقول بعيد من الفهوم لأنهم لو كانوا رجعوا عما عرفوا من حجة إبراهيم، ما احتجوا عليه بما هو حجة له، بل كانوا يقولون له : لا تسألهم، ولكن نسألك فأخبرنا مَنْ فعل ذلك بها، وقد سمعنا أنك فعلت ذلك ولكن صدقوا القول فَقالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ وليس ذلك رجوعا عما كانوا عرفوا، بل هو إقرار به.

### الآية 21:66

> ﻿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ [21:66]

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرّكُمْ \* أُفّ لّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ . 
يقول تعالى ذكره : قال إبراهيم لقومه : أفتعبدون أيها القوم ما لا ينفعكم شيئا ولا يضرّكم، وأنتم قد علمتم أنها لم تمنع نفسها ممن أرادها بسوء، ولا هي تقدر أن تنطق إن سئلت عمن يأتيها بسوء فتخبر به، أفلا تستَحْيون من عبادة ما كان هكذا ؟ كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق : قالَ أفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا ينْفَعُكمْ شَيْئا وَلا يَضُرّكُمْ. . . الآية، يقول يرحمه الله : ألا ترون أنهم لم يدفعوا عن أنفسهم الضرّ الذي أصابهم، وأنهم لا ينطقون فيخبرونكم من صَنع ذلك بهم، فكيف ينفعونكم أو يضرّون

### الآية 21:67

> ﻿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [21:67]

وقوله : أُفّ لَكُمْ يقول : قُبحا لكم وللآلهة التي تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون قبح ما تفعلون من عبادتكم ما لا يضرّ ولا ينفع، فتتركوا عبادته، وتعبدوا الله الذي فطر السموات والأرض، والذي بيده النفع والضرّ ؟

### الآية 21:68

> ﻿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ [21:68]

القول في تأويل قوله تعالى : قَالُواْ حَرّقُوهُ وَانصُرُوَاْ آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ \* قُلْنَا يَنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاَمَا عَلَىَ إِبْرَاهِيمَ \* وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأخْسَرِينَ . 
يقول تعالى ذكره : قال بعض قوم إبراهيم لبعض : حرّقوا إبراهيم بالنار وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ يقول : إن كنتم ناصريها ولم تريدوا ترك عبادتها. 
وقيل : إن الذي قال ذلك رجل من أكراد فارس. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد، في قوله : حَرّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ قال : قالها رجل من أعراب فارس، يعني الأكراد. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : أخبرني وهب بن سليمان، عن شعيب الجبئي، قال : إن الذي قال حرّقوه **«هيزن »** فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : أجمع نمرود وقومه في إبراهيم فقالوا : حَرّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ أي لا تنصروها منه إلا بالتحريق بالنار إن كنتم ناصريها. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : ثني محمد بن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، قال : تلوت هذه الآية على عبد الله بن عمر، فقال : أتدري يا مجاهد من الذي أشار بتحريق إبراهيم بالنار ؟ قال : قلت لا. قال : رجل من أعراب فارس. قلت : يا أبا عبد الرحمن، أوَ هل للفرس أعراب ؟ قال : نعم الكرد هم أعراب فارس، فرجل منهم هو الذي أشار بتحريق إبراهيم بالنار.

### الآية 21:69

> ﻿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ [21:69]

وقوله : قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدا وَسَلاما عَلى إبْرَاهِيمَ في الكلام متروك اجتزىء بدلالة ما ذكر عليه منه، وهو : فأوقدوا له نارا ليحرّقوه ثم ألقوه فيها، فقلنا للنار : يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم وذُكر أنهم لما أرادوا إحراقه بنوا له بنيانا كما :
حدثنا موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانا فألْقُوهُ في الجَحِيمِ قال : فحبسوه في بيت، وجمعوا له حطبا، حتى إن كانتِ المرأة لتمرضُ فتقول : لئن عافاني الله لأجمعنّ حطبا لإبراهيم فلما جمعوا له، وأكثروا من الحطب حتى إن الطير لتمرّ بها فتحترق من شدّة وهجها، فعمدوا إليه فرفعوه على رأس البنيان، فرفع إبراهيم صلى الله عليه وسلم رأسه إلى السماء، فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة : ربنا، إبراهيم يحرق فيك فقال : أنا أعلم به، وإن دعاكم فأغيثوه وقال إبراهيم حين رفع رأسه إلى السماء : اللهمّ أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض ليس في الأرض أحد يعبدك غيري، حسبي الله ونعم الوكيل فقذفوه في النار، فناداها فقال : يا نارُ كُونِي بَرْدا وَسَلاما على إبْرَاهِيمَ فكان جبريل عليه السلام هو الذي ناداها. وقال ابن عباس : لو لم يُتبع بردها سلاما لما مات إبراهيم من شدّة بردها، فلم يبق يومئذ نار في الأرض إلا طفئت، ظنت أنها هي تُعْنَى. فلما طُفئت النار نظروا إلى إبراهيم، فإذا هو رجل آخر معه، وإذا رأس إبراهيم في حجره يمسح عن وجهه العرق وذكر أن ذلك الرجل هو ملك الظلّ. وأنزل الله نارا فأنتفع بها بنو آدم، وأخرجوا إبراهيم، فأدخلوه على الملك، ولم يكن قبل ذلك دخل عليه. 
حدثني إبراهيم بن المقدام أبو الأشعث، قال : حدثنا المعتمر، قال : سمعت أبي، قال : حدثنا قَتادة، عن أبي سليمان، عن كعب، قال : ما أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقه. 
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله : قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدا وَسَلاما عَلى إبْرَاهِيمَ قال : ذُكر لنا أن كعبا كان يقول : ما انتفع بها يومئذ أحد من الناس. وكان كعب يقول : ما أحرقت النار يومئذ إلا وثاقه. 
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن شيخ، عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله : يا نارُ كُونِي بَرْدا وَسَلاما عَلى إبْرَاهِيمَ قال : بردت عليه حتى كادت تقتله، حتى قيل :****«وسلاما »****، قال : لا تضرّيه. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا جابر بن نوح، قال : أخبرنا إسماعيل، عن المنهال بن عمرو، قال : قال إبراهيم خليل الله : ما كنت أياما قطّ أنعم مني من الأيام التي كنت فيها في النار. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال : لمّا ألقي إبراهيم خليل الله صلى الله عليه وسلم في النار، قال المَلَكُ خازن المطر : ربّ خليلك إبراهيم رجا أن يؤذن له فيرسل المطر. قال : فكان أمر الله أسرع من ذلك فقال : يا نارُ كُونِي بَرْدا وَسَلاما عَلى إبْرَاهِيمَ فلم يبق في الأرض نار إلا طُفئت. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن الحرث، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال : إن أحسن شيء قاله أبو إبراهيم لما رفع عنه الطبق وهو في النار، وجده يرشح جبينه، فقال عند ذلك : نِعْمَ الربّ ربّك يا إبراهيم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : أخبرني وهب بن سليمان عن شعيب الجَبَيِء، قال : أُلقي إبراهيم في النار وهو ابن ستّ عشرة سنة، وذُبح إسحاق وهو ابن سبع سنين، وولدته سارّة وهي ابنة تسعين سنة، وكان مذبحه من بيت إيلياء على ميلين، ولما علمت سارّة بما أراد بإسحاق بُطِنت يومين، وماتت اليوم الثالث. قال ابن جُرَيج : قال كعب الأحبار : ما أحرقت النار من إبراهيم شيئا غير وثاقه الذي أوثقوه به. 
حدثنا الحسن، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا معتمر بن سليمان التيمي، عن بعض أصحابه قال : جاء جبريل إلى إبراهيم عليهما السلام وهو يوثق أو يقمّط ليلقى في النار، قال : يا إبراهيم ألك حاجة ؟ قال : أمّا إليك فلا. 
قال : حدثنا معتمر، قال : حدثنا ابن كعب، عن أرقم : أن إبراهيم قال حين جعلوا يوثقونه ليلقوه في النار : لا إله إلا أنت سبحانك ربّ العالمين، لك الحمد، ولك الملك لا شريك لك. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله : قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدا وَسَلاما عَلى إبْرَاهِيمَ قال : السلام لا يؤذيه بردها، ولولا أنه قال :****«وسلاما »**** لكان البرد أشدّ عليه من الحرّ. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله : بَرْدا قال : بردت عليه وَسَلاما لا تؤذيه. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدا وَسَلاما عَلى إبْرَاهِيمَ قال : قال كعب : ما انتفع أحد من أهل الأرض يومئذ بنار، ولا أحرقت النار يومئذ شيئا إلا وثاق إبراهيم. 
وقال قتادة : لم تأت يومئذ دابة إلا أطفأت عنه النار، إلا الوزغ. 
وقال الزهري : أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بقتله، وسماه فُوَيسقا.

### الآية 21:70

> ﻿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ [21:70]

وقوله : وأرَادُوا بِهِ كَيْدا يقول تعالى ذكره : وأرادوا بإبراهيم كيدا، فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ يعني الهالكين. وقد :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج : وأرَادُوا بِهِ كَيْدا فجَعَلْناهُمُ الأَخْسَرِينَ قال : ألقوا شيخا منهم في النار لأن يصيبوا نجاته، كما نُجي إبراهيم صلى الله عليه وسلم، فاحترق.

### الآية 21:71

> ﻿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ [21:71]

القول في تأويل قوله تعالى : وَنَجّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الأرْضِ الّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ . 
يقول تعالى ذكره : ونجينا إبراهيم ولوطا من أعدائهما نمرودٍ وقومِهِ من أرض العراق، إلى الأرْضِ التي بارَكْنا فِيها للْعالَمِينَ وهي أرض الشأم، فارق صلوات الله عليه قومه ودينهم وهاجر إلى الشأم. 
وهذه القصة التي قصّ الله من نبأ إبراهيم وقومه تذكير منه بها قوم محمد صلى الله عليه وسلم من قريش أنهم قد سلكوا في عبادتهم الأوثان، وأذاهم محمدا على نهيه عن عبادتها، ودعائهم إلى عبادة الله مخلصين له الدين، مسلك أعداء أبيهم إبراهيم ومخالفتهم دينه، وأن محمدا في براءته من عبادتها وإخلاصه العبادة لله، وفي دعائهم إلى البراءة من الأصنام، وفي الصبر على ما يلقى منهم في ذلك سالك منهاج أبيه إبراهيم، وأنه مخرجه من بين أظهرهم كما أخرج إبراهيم من بين أظهر قومه حين تمادوا في غيهم إلى مهاجره من أرض الشأم، ومسلَ بذلك نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عما يَلْقَى من قومه من المكروه والأذى، ومعلمه أنه منجيه منهم كما نجّى أباه إبراهيم من كفرة قومه. 
وقد اختلف أهل التأويل في الأرض التي ذكر الله أنه نجّى إبراهيم ولوطا إليها ووصفه أنه بارك فيها للعالمين. فقال بعضهم بنحو الذي قلنا في ذلك. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسين بن حريث المروزي أبو عمار، قال : حدثنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعب : ونَجّيْناهُ وَلُوطا إلى الأرْضِ التي بارَكْنا فِيها للْعالَمِينَ قال : الشأم، وما من ماء عذب إلا خرج من تلك الصخرة التي ببيت المقدس. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا سفيان، عن فرات القزاز، عن الحسن، في قوله : إلى الأرْضِ التي بارَكْنا فِيها قال : الشام. 
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ونَجّيْناهُ وَلُوطا إلى الأرْضِ التي بارَكْنا فِيها للْعالَمِينَ كانا بأرض العراق، فأنجيا إلى أرض الشام. وكان يُقال للشأم عماد دار الهجرة، وما نقص من الأرض زيد في الشأم، وما نقص من الشأم زيد في فلسطين. وكان يقال : هي أرض المحشر والمنشر، وبها مجمع الناس، وبها ينزل عيسى ابن مريم، وبها يهلك الله شيخ الضلالة الكذّاب الدجال. وحدثنا أبو قلابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«رأيْتُ فِيما يَرَى النّائمُ كأنّ المَلائِكَةَ حَمَلَتْ عَمُودَ الكِتابِ فَوَضَعَتْه بالشّأْمِ، فأوّلْتُه أن الفِتَنَ إذَا وَقَعَتْ فإنّ الإيمَانَ بالشّأْمِ »**. 
وذُكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبه :**«إنّهُ كائِنٌ بالشّأْمِ جُنْدٌ، وبالعِرَاقِ جُنْدٌ، وباليَمَنِ جُنْدٌ »**. فقال رجل : يا رسول الله خِرْ لي فقال :**«عَلَيْكَ بالشّأْمِ فإنّ اللّهَ قَدْ تَكَفّلَ لي بالشّامِ وأهْلِهِ، فَمَنْ أَبى فَلْيَلْحَقْ بأَمْنِهِ وَلْيَسْقِ بِقَدَرِهِ »**. وذُكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : يا كعب ألا تحوّل إلى المدينة فأنها مُهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضع قبره ؟ فقال له كعب : يا أمير المؤمنين، إني أجد في كتاب الله المنزل أن الشام كنز الله من أرضه وبها كنزه من عباده. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة : وَنجّيْناهُ وَلُوطا إلى الأرْضِ التي بارَكْنا فِيها للْعالَمِينَ قال : هاجرا جميعا من كُوْثَىَ إلى الشام. 
حدثنا موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : انطلق إبراهيم ولوط قِبَل الشأم، فلقي إبراهيم سارَة، وهي بنت ملك حَرّان، وقد طعنت على قومها في دينهم، فتزوّجها على أن لا يغيرها. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : خرج إبراهيم مهاجرا إلى ربه، وخرج معه لوط مهاجرا، وتزوّج سارَة ابنة عمه، فخرج بها معه يلتمس الفرار بدينه والأمان على عبادة ربه، حتى نزل حرّان، فمكث فيها ما شاء الله أن يمكث. ثم خرج منها مهاجرا حتى قدم مصر. ثم خرج من مصر إلى الشام، فنزل السبع من أرض فلسطين، وهي برّية الشام، ونزل لوط بالمؤتَفِكَة، وهي من السبع على مسيرة يوم وليلة، أو أقرب من ذلك، فبعثه الله نبيّا صلى الله عليه وسلم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله : وَنجّيْناهُ وَلُوطا إلى الأرْضِ التي بارَكْنا فِيها للْعالَمِينَ قال : نجاه من أرض العِراق إلى أرض الشام. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن أبي جعفر الرازيّ، عن الربيع، عن أبي العالية، أنه قال في هذه الآية : بارَكْنا فِيها للْعالَمِينَ قال : ليس ماء عذب إلا يهبط إلى الصخرة التي ببيت المقدس، قال : ثم يتفرّق في الأرض. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَنجّيْناهُ وَلُوطا إلى الأرْضِ التي بارَكْنا فِيها للْعالَمِينَ قال : إلى الشأم. 
وقال آخرون : بل يعني مكة وهي الأرض التي قال الله تعالى : التي بارَكْنا فِيها للْعالَمِينَ. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَنجّيْناهُ وَلُوطا إلى الأرْضِ التي بارَكْنا فِيها للْعالَمِينَ يعني مكة ونزول إسماعيل البيت ألا ترى أنه يقول : إنّ أوّلَ بَيْتٍ وُضِعَ للنّاسِ للّذِي بِبَكّةَ مُبارَكا وَهُدًى للْعالَمِينَ ؟ 
قال أبو جعفر : وإنما اخترنا ما اخترنا من القول في ذلك لأنه لا خلاف بين جميع أهل العلم أن هجرة إبراهيم من العراق كانت إلى الشام وبها كان مُقامه أيام حياته، وإن كان قد كان قدم مكة وبنى بها البيت وأسكنها إسماعيل ابنه مع أمه هاجر غير أنه لم يُقِم بها ولم يتخذها وطنا لنفسه، ولا لوط، والله إنما أخبر عن إبراهيم ولوط أنهما أنجاهما إلى الأرض التي بارك فيها للعالمين.

### الآية 21:72

> ﻿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ [21:72]

القول في تأويل قوله تعالى : وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ \* وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصّلاَة وَإِيتَآءَ الزّكَاةِ وَكَانُواْ لَنَا عَابِدِينَ . 
يقول تعالى ذكره : ووهبنا لإبراهيم إسحاق ولدا ويعقوب ولد ولده، نافلةً لك. 
واختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله : نافِلَةً فقال بعضهم : عُني به يعقوب خاصة. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً يقول : ووهبنا له إسحاق ولدا، ويعقوب ابْنَ ابنٍ نافلة. 
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله : وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً والنافلة : ابن ابنه يعقوب. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً قال : سأل واحدا فقال : ربّ هب لي من الصالحين فأعطاه واحدا، وزاده يعقوب ويعقوب ولد ولده. 
وقال آخرون : بل عُني بذلك إسحاقُ ويعقوب. قالوا : وإنما معنى النافلة : العطية، وهما جميعا من عطاء الله أعطاهما إياه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن ابن جُرَيج، عن عطاء، في قوله : وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً قال : عطية. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : إسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً قال : عطاء. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. 
قال أبو جعفر : وقد بيّنا فيما مضى قبل أن النافلة الفضل من الشيء يصير إلى الرجل من أيّ شيء كان ذلك، وكلا ولديه إسحاق ويعقوب كان فضلاً من الله تفضل به على إبراهيم وهبة منه له. وجائز أن يكون عني به أنه آتاهما إياه جميعا نافلة منه له، وأن يكون عني أنه آتاه نافلة يعقوب ولا برهان يدلّ على أيّ ذلك المراد من الكلام، فلا شيء أولى أن يقال في ذلك مما قال الله ووهب الله لإبراهيم إسحاق ويعقوب نافلة. 
وقوله : وكُلاّ جَعَلْنا صَالِحِينَ يعني عاملين بطاعة الله، مجتنبين محارمه. وعني بقوله : كُلاّ : إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب.

### الآية 21:73

> ﻿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ۖ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ [21:73]

وقوله : وَجَعَلْناهُمْ أئمّةً يَهْدُونَ بأمْرِنا يقول تعالى ذكره : وجعلنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أئمة يؤتمّ بهم في الخير في طاعة الله في اتباع أمره ونهيه، ويُقْتَدَى بهم، ويُتّبَعون عليه. كما :
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَجَعَلْناهُمْ أئمّةً يَهْدُونَ بأمْرِنا جعلهم الله أئمة يُقتدى بهم في أمر الله. وقوله : يَهْدُونَ بأمْرِنا يقول : يهدون الناس بأمر الله إياهم بذلك، ويدعونهم إلى الله وإلى عبادته. 
وقوله : وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْرَاتِ يقول تعالى ذكره : وأوحينا فيما أوحينا أن افعلوا الخيرات، وأقيموا الصلاة بأمرنا بذلك. وكانُوا لَنا عابِدِينَ يقول : كانوا لنا خاشعين، لا يستكبرون عن طاعتنا وعبادتنا.

### الآية 21:74

> ﻿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ ۗ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ [21:74]

القول في تأويل قوله تعالى : وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الّتِي كَانَت تّعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ . 
يقول تعالى ذكره : وآتينا لوطا حُكْما وهو فصل القضاء بين الخصوم، وعِلْما يقول : وآتيناه أيضا علما بأمر دينه، وما يجب عليه لله من فرائضه. 
وفي نصب **«لوط »** وجهان :( أحدهما ) أن ينصب لتعلق الواو بالفعل كما قلنا : وآتينا لوطا والآخر بمضمر بمعنى : واذكر لوطا. 
وقوله : ونَجّيْناهُ مِنَ القَرْيَةِ التي كانَتْ تَعْمَلُ الخَبائِثَ يقول : ونجيناه من عذابنا الذي أحللناه بأهل القرية التي كانت تعمل الخبائث، وهي قرية سَدُوم التي كان لوط بعث إلى أهلها. وكانت الخبائث التي يعملونها : إتيانَ الذكران في أدبارهم، وخَذْفهم الناس، وتضارطهم في أنديتهم، مع أشياء أُخَر كانوا يعملونها من المُنكر، فأخرجه الله حين أراد إهلاكهم إلى الشام. كما :
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : أخرجهم الله، يعني لوطا وابنتيه زيثا وزعرثا إلى الشام حين أراد إهلاك قومه. 
وقوله : إنّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ مخالفين أمر الله، خارجين عن طاعته وما يَرْضَى من العمل.

### الآية 21:75

> ﻿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا ۖ إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ [21:75]

القول في تأويل قوله تعالى : وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ إِنّهُ مِنَ الصّالِحِينَ . 
يقول تعالى ذكره : وأدخلنا لوطا في رحمتنا بإنجائنا إياه مما أحللنا بقومه من العذاب والبلاء وإنقاذناه منه. إنّهُ مِنَ الصّالِحِينَ يقول : إن لوطا من الذين كانوا يعملون بطاعتنا وينتهون إلى أمرنا ونهينا ولا يعصوننا. 
وكان ابن زيد يقول في معنى قوله : وأدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا ما :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وأدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا قال : في الإسلام.

### الآية 21:76

> ﻿وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ [21:76]

القول في تأويل قوله تعالى : وَنُوحاً إِذْ نَادَىَ مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ \* وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الّذِينَ كَذّبُواْ بِآيَاتِنَا إِنّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ . 
يقول تعالى ذكره : واذكر يا محمد نوحا إذ نادى ربه من قبلك، ومن قبل إبراهيم ولوط، وسألنا أن نهلك قومه الذين كذّبوا الله فيما توعدهم به من وعيده، وكذّبوا نوحا فيما أتاهم به من الحقّ من عند ربه وَقالَ رَبّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارا فاستجبنا له دعاءه، ونجّيناه وأهله، يعني بأهله : أهل الإيمان من ولده وحلائلهم مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ يعني بالكرب العظيم : العذاب الذي أُحلّ بالمكذّبين من الطوفان والغرق. والكرب : شدّة الغمّ، يقال منه : قد كربني هذا الأمر فهو يكرُبني كُرْبا.

### الآية 21:77

> ﻿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ [21:77]

وقوله : وَنَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ الّذِينَ كَذّبُوا بآياتِنا يقول : ونصرنا نوحا على القوم الذي كذّبوا بحججنا وأدلتنا، فأنجيناه منهم، فأغرقناهم أجمعين. إنّهم كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ يقول تعالى ذكره : إن قوم نوح الذين كذّبوا بآياتنا كانوا قوم سوء، يسيئون الأعمال، فيعصون الله ويخالفون أمره.

### الآية 21:78

> ﻿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ [21:78]

القول في تأويل قوله تعالى : وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ \* فَفَهّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبّحْنَ وَالطّيْرَ وَكُنّا فَاعِلِينَ . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : واذكر داود وسليمان يا محمد إذ يحكمان في الحرث. 
واختلف أهل التأويل في ذلك الحرث ما كان ؟ فقال بعضهم : كان نبتا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن ابن إسحاق، عن مرّة في قوله : إذْ يَحْكُمانِ فِي الحَرْثِ قال : كان الحرث نبتا. 
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد عن قَتادة، قال : ذكر لنا أن غنم القوم وقعت في زرع ليلاً. 
وقال آخرون : بل كان ذلك الحرث كَرْما. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا المحاربيّ، عن أشعث، عن أبي إسحاق، عن مرّة، عن ابن مسعود، في قوله : وَدَاوُدَ وَسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ فِي الحَرْثِ قال : كَرْم قد أنبت عناقيده. 
حدثنا تميم بن المنتصر، قال : أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن مسروق، عن شريح، قال : كان الحرث كَرْما. 
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ما قال الله تبارك وتعالى : إذْ يَحْكُمانِ فِي الحَرْثِ والحرث : إنما هو حرث الأرض. وجائز أن يكون ذلك كان زرعا، وجائز أن يكون غَرْسا، وغير ضائر الجهل بأيّ ذلك كان. 
وقوله : إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنمُ القَوْمِ يقول : حين دخلت في هذا الحرث غنم القوم الآخرين من غير أهل الحرث ليلاً، فرعته أو أفسدته. وكُنّا لحِكْمِهِمْ شاهِدِينَ يقول : وكنا لحكم داود وسليمان والقوم الذين حَكَما بينهم فيما أفسدت غنم أهل الغنم من حرث أهل الحرث، شاهدين لا يخفى علينا منه شيء، ولا يغيب عنا علمه.

### الآية 21:79

> ﻿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ۚ وَكُنَّا فَاعِلِينَ [21:79]

وقوله : فَفَهّمْناها يقول : ففهّمنا القضية في ذلك سُلَيْمانَ دون داود. وكُلاّ آتَيْنا حُكْما وَعِلْما يقول : وكلهم من داود وسليمان والرسل الذين ذكرهم في أوّل هذه السورة آتينا حكما وهو النبوة، وعلما : يعني وعلما بأحكام الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب وهارون بن إدريس الأصمّ قالا : حدثنا المحاربيّ، عن أشعث، عن أبي إسحاق، عن مرّة، عن ابن مسعود، في قوله : وَدَاوُدَ وَسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ فِي الحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنمُ القَوْمِ قال : كرم قد أنبت عناقيده فأفسدته. قال : فقضى داود بالغنم لصاحب الكرم، فقال سليمان : غير هذا يا نبيّ الله قال : وما ذاك ؟ قال : يدفع الكرم إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان، وتُدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها، حتى إذا كان الكرم كما كان دَفعت إلى الكرم صاحبه ودَفعت الغنم إلى صاحبها. فذلك قوله : فَفَهّمْناها سُلَيْمانَ. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَدَاوُدَ وَسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ فِي الحَرْثِ. . . إلى قوله : وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ يقول : كنا لمِا حكما شاهدين. وذلك أن رجلين دخلا على داود، أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الحرث : إن هذا أرسل غنمه في حرثي، فلم يُبق من حرثي شيئا. فقال له داود : اذهب فإن الغنم كلها لك فقضى بذلك داود. ومرّ صاحب الغنم بسليمان، فأخبره بالذي قضى به داود، فدخل سليمان على داود فقال : يا نبيّ الله إن القضاء سوى الذي قضيت. فقال : كيف ؟ قال سليمان : إن الحرث لا يخفي على صاحبه ما يخرج منه في كل عام، فله من صاحب الغنم أن يبيع من أولادها وأصوافها وأشعارها حتى يستوفي ثمن الحرث، فإن الغنم لها نسل في كلّ عام. فقال داود : قد أصبت، القضاءُ كما قضيتَ. ففهّمها الله سليمان. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عليّ بن زيد، قال : ثني خليفة، عن ابن عباس قال : قضى داود بالغنم لأصحاب الحرث، فخرج الرّعاة معهم الكلاب، فقال سليمان : كيف قضى بينكم ؟ فأخبروه، فقال : لو وافيت أمركم لقضيت بغير هذا. فأُخبر بذلك داود، فدعاه فقال : كيف تقضي بينهم ؟ قال : أدفع الغنم إلى أصحاب الحرث، فيكون لهم أولادها وألبانها وسِلاؤها ومنافعها، ويبذر أصحاب الغنم لأهل الحرث مثل حرثهم، فإذا بلغ الحرث الذي كان عليه، أخذ أصحاب الحرث الحرث وردّوا الغنم إلى أصحابها. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، قال : حدثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله : إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنم القَوْمِ قال : أعطاهم داود رقاب الغنم بالحرث، وحكم سليمان بجِزّة الغنم وألبانها لأهل الحرث، وعليهم رعايتها على أهل الحرث، ويحرث لهم أهل الغنم حتى يكون الحرث كهيئته يوم أُكل، ثم يدفعونه إلى أهله ويأخذون غنمهم. 
حدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : ثني ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج بنحوه، إلا أنه قال : وعليهم رعيها. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن ابن إسحاق، عن مرّة في قوله : إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنمُ القَوْمِ قال : كان الحرث نبتا، فنفشت فيه ليلاً، فاختصموا فيه إلى داود، فقضى بالغنم لأصحاب الحرث. فمرّوا على سليمان، فذكروا ذلك له، فقال : لا، تُدفع الغنم فيصيبون منها يعني أصحاب الحرث ويقوم هؤلاء على حرثهم، فإذا كان كما كان ردّوا عليهم. فنزلت : ففَهّمْناها سُلَيْمانَ. 
حدثنا تميم بن المنتصر، قال : أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن مسروق، عن شريح، في قوله : إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنمُ القَوْمِ قال : كان النفْش ليلاً، وكان الحرث كرما، قال : فجعل داود الغنم لصاحب الكرم، قال : فقال سليمان : إن صاحب الكرم قد بقي له أصل أرضه وأصل كرمه، فاجعل له أصوافها وألبانها قال : فهو قول الله : ففَهّمْناها سُلَيْمانَ. 
حدثنا ابن أبي زياد، قال : حدثنا يزيد بن هارون، قال : أخبرنا إسماعيل، عن عامر، قال : جاء رجلان إلى شُرَيح، فقال أحدهما : إن شياه هذا قطعت غَزْلاً لي، فقال شريح : نهارا أم ليلاً ؟ قال : إن كان نهارا فقد بريء صاحب الشياه، وإن كان ليلاً فقد ضمن. ثم قرأ : وَدَاوُدَ وَسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ فِي الحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنمُ القَوْمِ قال : كان النفش ليلاً. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، قال : حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن شريح بنحوه. 
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبيّ، عن شريح، مثله. 
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله : وَدَاوُدَ وَسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ فِي الحَرْثِ. . . . الآية، النفْش بالليل، والهَمَل بالنهار. وذُكر لنا أن غنم القوم وقعت في زرع ليلاً، فرُفع ذلك إلى داود، فقضى بالغنم لأصحاب الزرع، فقال سليمان : ليس كذلك، ولكن له نسلها وَرسْلها وعوارضها وجُزازها، حتى إذا كان من العام المقبل كهيئته يوم أكل دفعت الغنم إلى ربها وقبض صاحب الزرع زرعه. فقال الله : ففَهّمْناها سُلَيْمانَ. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة والزهري : إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنمُ القَوْمِ قال : نفشت غنم في حرث قوم. قال الزهري : والنفش لا يكون إلا ليلاً، فقضى داود أن يأخذ الغنم، ففهمها الله سليمان، قال : فلما أخبر بقضاء داود، قال : لا، ولكن خذوا الغنم، ولكم ما خرج من رسلها وأولادها وأصوافها إلى الحول. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله : إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنمُ القَوْمِ قال : في حرث قوم. قال معمر : قال الزهري : النفش لا يكون إلا بالليل، والهمل بالنهار. قال قَتادة : فقضي أن يأخذوا الغنم، ففهمها الله سليمان، ثم ذكر باقي الحديث نحو حديث عبد الأعلى. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَدَاوُدَ وَسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ فِي الحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنمُ القَوْمِ. . . الآيتين، قال : انفلت غنم رجل على حرث رجل فأكلته، فجاء إلى داود، فقضى فيها بالغنم لصاحب الحرث بما أكلت وكأنه رأى أنه وجه ذلك. فمرّوا بسليمان، فقال : ما قضى بينكم نبيّ الله ؟ فأخبروه، فقال : ألا أقضي بينكما عسى أن ترضيا به ؟ فقالا : نعم. فقال : أما أنت يا صاحب الحرث، فخذ غنم هذا الرجل فكن فيها كما كان صاحبها، أصب من لبنها وعارضتها وكذا وكذا ما كان يصيب، واحرث أنت يا صاحب الغنم حرث هذا الرجل، حتى إذا كان حرثه مثله ليلة نفشت فيه غنمك فأعطه حرثه وخذ غنمك فذلك قول الله تبارك وتعالى : وَدَاوُدَ وَسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ فِي الحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنمُ القَوْمِ. وقرأ حتى بلغ قوله : وكُلاّ آتَيْنا حُكْما وَعِلْما. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، في قوله : إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنمُ القَوْمِ قال : رعت. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : النفش : الرعية تحت الليل. 
قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن حرام بن محيصة بن مسعود، قال : دخلت ناقة للبراء بن عازب حائطا لبعض الأنصار فأفسدته، فرفُع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنمُ القَوْمِ فقضى على البراء بما أفسدته الناقة، وقال :**«عَلى أصحَابِ المَاشِيَةِ حِفْظُ المَاشِيَةِ باللّيْلِ، وَعَلى أصحَابِ الحَوَائِطِ حِفْظُ حِيطانِهِمْ بالنّهارِ »**. 
قال الزهري : وكان قضاء داود وسليمان في ذلك أن رجلاً دخلت ما شيته زرعا لرجل فأفسدته، ولا يكون النفوش إلا بالليل، فارتفعا إلى داود، فقضى بغنم صاحب الغنم لصاحب الزرع، فانصرفا، فمرّا بسليمان، فقال : بماذا قضى بينكما نبيّ الله ؟ فقالا : قضى بالغنم لصاحب الزرع. فقال : إن الحكم لعلى غير هذا، انصرفا معي فأتى أباه داود، فقال : يا نبيّ الله، قضيت على هذا بغنمه لصاحب الزرع ؟ قال نعم. قال : يا نبيّ الله، إن الحكم لعلى غير هذا. قال : وكيف يا نُبيّ الله ؟ قال : تدفع الغنم إلى صاحب الزرع فيصيب من ألبانها وسمُونها وأصوافها، وتدفع الزرع إلى صاحب الغنم يقوم عليه، فإذا عاد الزرع إلى حالة التي أصابته الغنم عليها رُدّت الغنم على صاحب الغنم ورُدّ الزرع إلى صاحب الزرع. فقال داود : لا يقطع الله فَمَك فقضى بما قضى سليمان. قال الزهريّ : فذلك قوله : وَدَاوُدَ وَسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ فِي الحَرْثِ. . . إلى قوله : حُكْما وَعِلْما. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، وعليّ بن مجاهد، عن محمد بن إسحاق، قال : فحدثني من سمع الحسن يقول : كان الحكم بما قضى به سليمان، ولم يعنّف الله داود في حكمه. 
وقوله : وَسَخّرْنا مَعَ دَاوُدَ الجِبالَ يُسَبّحْنَ والطّيْرَ يقول تعالى ذكره : وسخرنا مع داود الجبال والطير يسبحن معه إذا سبح. 
وكان قَتادة يقول في معنى قوله : يُسَبّحْنَ في هذا الموضع ما :
حدثنا به بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله : وَسَخّرْنا مَعَ دَاوُدَ الجبالَ يُسَبّحْنَ والطّيْرَ : أي يصلين مع داود إذا صلى. 
وقوله : وكُنّا فاعِلِينَ يقول : وكنا قد قضينا أنا فاعلو ذلك، ومسخروا الجبال والطير في أمّ الكتاب مع داود عليه الصلاة والسلام.

### الآية 21:80

> ﻿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ ۖ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ [21:80]

القول في تأويل قوله تعالى : وَعَلّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ . 
يقول تعالى ذكره : وعلمنا داود صنعة لَبوس لكم، واللّبوس عند العرب : السلاح كله، درعا كان أو جَوْشنا أو سيفا أو رمحا، يدلّ على ذلك قول الهُذليّ :

وَمَعِي لَبُوسٌ لِلّبِيسِ كأنّهُ  رَوْقٌ بِجَبْهَةِ ذِي نِعاجٍ مُجْفِلِوإنما يصف بذلك رمحا. وأما في هذا الموضع فإن أهل التأويل قالوا : عني الدروع. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وَعَلّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ. . . . الآية، قال : كانت قبل داود صفائح، قال : وكان أوّل من صنع هذا الحلق وسرد داود. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة : وَعَلّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ قال : كانت صفائح، فأوّل من سَرَدَها وحَلّقها داود عليه السلام. 
واختلفت القرّاء في قراءة قوله : لِتُحْصِنَكُمْ فقرأ ذلك أكثر قرّاء الأمصار :****«لِيُحْصِنَكُمْ »**** بالياء، بمعنى : ليحصنكم اللّبوس من بأسكم، ذَكّروه لتذكير اللّبوس. وقرأ ذلك أبو جعفر يزيد بن القعقاع : لِتُحْصِنَكُمْ بالتاء، بمعنى : لتحصنكم الصنعة، فأنث لتأنيث الصنعة. وقرأ شيبة بن نصاح وعاصم بن أبي النّجود :**«لِنُحْصِنَكُمْ »** بالنون، بمعنى : لنحصنكم نحن من بأسكم. 
قال أبو جعفر : وأولى القراءات في ذلك بالصواب عندي قراءة من قرأه بالياء، لأنها القراءة التي عليها الحجة من قرّاء الأمصار، وإن كانت القراءات الثلاث التي ذكرناها متقاربات المعاني وذلك أن الصنعة هي اللبوس، واللّبوس هي الصنعة، والله هو المحصن به من البأس، وهو المحصن بتصيير الله إياه كذلك. ومعنى قوله :****«لِيُحْصِنَكُمْ »**** ليحرزَكم، وهو من قوله : قد أحصن فلان جاريته. وقد بيّنا معنى ذلك بشواهده فيما مضى قبل. والبأس : القتال، وعلّمنا داود صنعة سلاح لكم ليحرزكم إذا لبستموه ولقيتم فيه أعداءكم من القتل. 
وقوله : فَهَلْ أنْتُمْ شاكُرونَ يقول : فهل أنتم أيها الناس شاكروا الله على نعمته عليكم بما علّمكم من صنعة اللبوس المحصِن في الحرب وغير ذلك من نعمه عليكم، يقول : فاشكروني على ذلك.

### الآية 21:81

> ﻿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ [21:81]

القول في تأويل قوله تعالى : وَلِسُلَيْمَانَ الرّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأرْضِ الّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنّا بِكُلّ شَيْءٍ عَالِمِينَ . 
يقول تعالى ذكره : وَ سخرنا لِسُلَيْمانَ بن داود الرّيحَ عاصِفَةً وعصوفُها : شدة هبوبها تَجْرِي بأمْرِهِ إلى الأرْضِ التي بارَكْنا فِيها يقول : تجري الريح بأمر سليمان إلى الأَرْضِ الّتي بَارَكْنا فيها يعني : إلى الشام وذلك أنها كانت تجري بسليمان وأصحابه إلى حيث شاء سليمان، ثم تعود به إلى منزله بالشام، فلذلك قيل : إلى الأرْضِ التي بارَكْنا فِيها. كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه قال : كان سليمان إذا خرج إلى مجلسه عكفت عليه الطير، وقام له الجنّ والإنس حتى يجلس إلى سريره. وكان امرءا غزّاءً، قلما يقعد عن الغزو، ولا يسمع في ناحية من الأرض بملك إلا أتاه حتى يذله. وكان فيما يزعمون إذا أراد الغزو، أمر بعسكره فضَرب له بخشب، ثم نصب له على الخشب، ثم حمل عليه الناس والدوابّ وآلة الحرب كلها، حتى إذا حمل معه ما يريد أمر العاصف من الريح، فدخلت تحت ذلك الخشب فاحتملته، حتى إذا استقلت أمر الرّخاء، فمدّته شهرا في روحته وشهرا في غدوته إلى حيث أراد، يقول الله عزّ وجلّ : فَسَخّرْنا لَهُ الرّيحَ تَجْرِي بأمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أصَابَ قال : وَلِسُلَيْمانَ الرّيحَ غُدُوّها شَهْرٌ وَرَوَاحُها شَهْرٌ. قال : فذكر لي أن منزلاً بناحية دجلة مكتوب فيه كتاب كتبه بعض صحابة سليمان، إما من الجنّ وإما من الإنس. نحن نزلناه وما بنيناه، ومبنيّا وجدناه، غدونا من إصطخر فِقلناه، ونحن راحلون منه إن شاء الله قائلون الشام. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : ولِسُلَيْمانَ الرّيحَ عاصِفَةً. . . إلى قوله : وكُنّا لَهُمْ حافِظِينَ قال : ورث الله سليمان داود، فورثه نبوّته وملكه وزاده على ذلك أن سخر له الريح والشياطين. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : وَلِسُلَيْمانَ الرّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بأمْرِهِ قال : عاصفة شديدة تَجْرِي بأمْرِهِ إلى الأرْضِ التي بَارَكْنا فيها قال : الشام. 
واختلفت القرّاء في قراءة قوله : وَلِسُلَيْمانَ الرّيحَ فقرأته عامة قرّاء الأمصار بالنصب على المعنى الذي ذكرناه. وقرأ ذلك عبد الرحمن الأعرج :**«الرّيحُ »** رفعا بالكلام في سليمان على ابتداء الخبر عن أن لسليمان الريح. 
قال أبو جعفر : والقراءة التي لا أستجيز القراءة بغيرها في ذلك ما عليه قرّاء الأمصار لإجماع الحجة من القرّاء عليه. 
وقوله : وكُنّا بِكُلّ شَيْءٍ عالِمِينَ يقول : وكنا عالمين بأن فعلنا ما فعلنا لسليمان من تسخيرنا له وإعطائنا ما أعطيناه من الملك وصلاح الخلق، فعلى علم منا بموضع ما فعلنا به من ذلك فعلنا، ونحن عالمون بكلّ شيء لا يخفي علينا منه شيء.

### الآية 21:82

> ﻿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ [21:82]

القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنَ الشّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ وَكُنّا لَهُمْ حَافِظِينَ . 
يقول تعالى ذكره : وسخرنا أيضا لسليمان من الشياطين من يغوصون له في البحر، ويعملون عملاً دون ذلك من البنيان والتماثيل والمحاريب. وكُنّا لَهُمْ حافِظِينَ يقول : وكنا لأعمالهم ولأعدادهم حافظين، لا يئودنا حفظ ذلك كله.

### الآية 21:83

> ﻿۞ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [21:83]

القول في تأويل قوله تعالى : وَأَيّوبَ إِذْ نَادَىَ رَبّهُ أَنّي مَسّنِيَ الضّرّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ \* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مّعَهُمْ رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىَ لِلْعَابِدِينَ . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : واذكر أيوب يا محمد، إذ نادى ربه وقد مسه الضرّ والبلاء. رَبّ إنّي مَسّنِيَ الضّرّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِين فَاسْتَجَبْنا لَهُ

### الآية 21:84

> ﻿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ [21:84]

يقول تعالى ذكره : فاستجبنا لأيوب دعاءه إذ نادانا، فكشفنا ما كان به من ضرّ وبلاء وجهد. وكان الضرّ الذي أصابه والبلاء الذي نزل به، امتحانا من الله له واختبارا. وكان سبب ذلك كما :
حدثني محمد بن سهل بن عسكر البخاريّ، قال : حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم بن هشام، قال : ثني عبد الصمد بن معقل، قال : سمعت وهب بن منبه يقول : كان بدء أمر أيوب الصديق صلوات الله عليه، أنه كان صابرا نعم العبد. قال وهب : إن لجبريل بين يدي الله مقاما ليس لأحد من الملائكة في القُربة من الله والفضيلة عنده، وإن جبريل هو الذي يتلقى الكلام، فإذا ذكر الله عبدا بخير تلقاه جبرائيل منه ثم تلقاه ميكائيل، وحَوْله الملائكة المقرّبون حافين من حول العرش. وشاع ذلك في الملائكة المقرّبين، صارت الصلاة على ذلك العبد من أهل السموات، فإذا صلت عليه ملائكة السموات، هبطت عليه بالصلاة إلى ملائكة الأرض. وكان إبليس لا يُحْجَب بشيء من السموات، وكان يقف فيهنّ حيث شاء ما أرادوا، ومن هنالك وصل إلى آدم حين أخرجه من الجنة. فلم يزل على ذلك يصعد في السموات، حتى رفع الله عيسى ابن مريم، فحُجِب من أربع، وكان يصعد في ثلاث. فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم، حُجِب من الثلاث الباقية، فهو محجوب هو وجميع جنوده من جميع السموات إلى يوم القيامة إلاّ مَنِ اسْتَرَقَ السّمْعَ فأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ، ولذلك أنكرت الجنّ ما كانت تعرف حين قالت : وَأنّا لَمَسْنا السّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسا شَدِيدا. . . إلى قوله : شِهابا رَصَدا. قال وهب : فلم يَرُعْ إبليس إلا تجاوبُ ملائكتها بالصلاة على أيوب، وذلك حين ذكره الله وأثنى عليه. فلما سمع إبليس صلاة الملائكة، أدركه البغي والحسد، وصعد سريعا حتى وقف من الله مكانا كان يقفه، فقال : يا إلهي، نظرت في أمر عبدك أيوب، فوجدته عبدا أنعمت عليه فشكرك، وعافَيْتَهُ فحمدك، ثم لم تجرّبه بشدة ولم تجرّبه ببلاء، وأنا لك زعيم لئن ضربته بالبلاء ليكفرنّ بك ولينسينك وليعبدنّ غيرك قال الله تبارك وتعالى له : انطلق، فقد سلّطتك على ماله، فإنه الأمر الذي تزعم أنه من أجله يشكرني، ليس لك سلطان على جسده ولا على عقله فانقضّ عدوّ الله، حتى وقع على الأرض، ثم جمع عفاريت الشياطين وعظماءهم، وكان لأيوب البَثَنِية من الشام كلها، بما فيها من شرقها وغربها، وكان له بها ألف شاة برعاتها، وخمس مئة فدان يتبعها خمس مئة عبد، لكل عبد امرأة وولد ومال، وحمل آلة كل فدان أتانٌ، لكل أتان ولد من اثنين وثلاثة وأربعة وخمسة وفوق ذلك. فلما جمع إبليس الشياطين، قال لهم : ماذا عندكم من القوّة والمعرفة ؟ فإني قد سُلطت على مال أيوب، فهي المصيبة الفادحة، والفتنة التي لا يصبر عليها الرجال. قال عفريت من الشياطين : أعطيتُ من القوّة ما إذا شئت تحوّلت إعصارا من نار فأحرقت كل شيء آتي عليه. فقال له إبليس : فأت الإبل ورُعاتَها. فانطلق يؤمّ الإبل، وذلك حين وضعت رؤسها وثبتت في مراعيها، فلم تشعر الناس حتى ثار من تحت الأرض إعصار من نار تنفخ منها أرواح السّموم، لا يدنو منها أحد إلا احترق، فلم يزل يُحْرقها ورعاتَها حتى أتى على آخرها فلما فرغ منها تمثل إبليس على قَعُود منها براعيها، ثم انطلق يؤم أيوب، حتى وجده قائما يصلي، فقال : يا أيوب قال : لبيك قال : هل تدري ما الذي صنع ربك الذي اخترت وعبدت ووحدت بإبلك ورعاتها ؟ قال أيوب : إنها ماله أعارنيه، وهو أولى به إذا شاء نزعه، وقديما ما وطّنْت نفسي ومالي على الفناء. قال إبليس : وإن ربك أرسل عليها نارا من السماء فاحترقت ورعاتَها، حتى أتى على آخر شيء منها ومن رعاتها، فتركت الناس مبهوتين، وهم وقوف عليها يتعجبون، منهم من يقول : ما كان أيوب يعبد شيئا وما كان إلا في غرور ومنهم من يقول : لو كان إله أيوب يقدر على أن يمنع من ذلك شيئا لمنه وليه، ومنهم من يقول : بل هو فَعَل الذي فعل ليشمت به عدوّه وليفجع به صديقه. قال أيوب : الحمد لله حين أعطاني وحين نزع مني، عُرْيانا خرجت من بطن أمي، وعريانا أعود في التراب، وعريانا أحشر إلى الله، ليس ينبغي لك أن تفرح حين أعارَك الله وتجزع حين قبض عاريّته، الله أولى بك وبما أعطاك، ولو علم الله فيك أيها العبد خيرا لنقل روحك مع ملك الأرواح، فآجرني فيك وصرت شهيدا، ولكنه علم منك شرّا فأخرك من أجله فعرّاك الله من المصيبة وخلصك من من البلاء كما يخلص الزّوان من القمح الخلاص. 
ثم رجع إبليس إلى أصحابه خاسئا ذليلاً، فقال لهم : ماذا عندكم من القوّة، فإني لم أَكُلِم قلبه ؟ قال عفريت من عظمائهم : عندي من القوّة ما إذا شئت صِحت صوتا لا يسمعه ذو روح إلا خرجت مهجة نفسه. قال له إبليس : فأت الغنم ورعاتَها فانطلق يؤمّ الغنم ورعاتها، حتى إذا وَسَطها صاح صوتا جَثَمَتْ أمواتا من عند آخرها ورعاءَها. ثم خرج إبليس متمثلاً بقَهْرمان الرّعاء، حتى إذا جاء أيوب وجده وهو قائم يصلي، فقال له القول الأوّل، وردّ عليه أيوب الردّ الأوّل. ثم إن إبليس رجع إلى أصحابه، فقال لهم : ماذا عندكم من القوّة، فإني لم أَكْلِم قلب أيوب ؟ فقال عفريت من عظمائهم : عندي من القوّة إذا شئت تحوّلت ريحا عاصفا تنسف كل شيء تأتي عليه حتى لا أبقي شيئا. قال له إبليس : فأت الفدادين والحرث فانطلق يؤمهم، وذلك حين قَرّبوا الفَدَادين وأنشئوا في الحرث، والأتن وأولادها رُتوع، فلم يشعروا حتى هبت ريح عاصف تنسف كل شيء من ذلك حتى كأنه لم يكن. ثم خرج إبليس متمثلاً بقهْرمان الحَرْث، حتى جاء أيوب وهو قائم يصلي، فقال له مثل قوله الأوّل، وردّ عليه أيوب مثل ردّه الأوّل. 
فلما رأى إبليس أنه قد أفنى ماله ولم ينجح منه، صعد سريعا، حتى وقف من الله الموقف الذي كان يقفه فقال : يا إلهي، إن أيوب يرى أنك ما متعته بنفسه وولده، فأنت معطيه المال، فهل أنت مسلطي على ولده ؟ فإنها الفتنة المضلّة، والمصيبة التي لا تقوم لها قلوب الرجال، ولا يقوى عليها صبرهم. فقال الله تعالى له : انطلق، فقد سلّطتك على ولده، ولا سلطان لك على قلبه ولا جسده ولا على عقله فانقضّ عدوّ الله جوادا، حتى جاء بني أيوب وهم في قصرهم، فلم يزل يزلزل بهم حتى تداعى من قواعده، ثم جعل يناطح الجُدُر بعضها ببعض، ويرميهم بالخشب والجندل، حتى إذا مَثّل بهم كل مُثْلة، رفع بهم القصر، حتى إذا أقّلة بهم فصاروا فيه منكّسين، انطلق إلى أيوب متمثلاً بالمعلّم الذي كان يعلمهم الحكمة، وهو جريج، مشدوخ الوجه يسيل دمه ودماغه متغير لا يكاد يعرف من شدّة التغير والمُثْلة التي جاء متمثلاً فيها. فلما نظر إليه أيوب هاله وحزن ودمعت عيناه، وقال له : يا أيوب، لو رأيت كيف أفلتّ من حيث أفلت والذي رمانا به من فوقنا ومن تحتنا، ولو رأيت بنيك كيف عُذّبوا وكيف مُثّل بهم وكيف قُلِبوا فكانوا منكّسين على رؤوسهم تسيل دماؤهم ودماغهم من أنوفهم وأجوافهم وتقطر من أشفارهم، ولو رأيت كيف شُقّتْ بطونهم فتناثرت أمعاؤهم، ولو رأيت كيف قُذِفوا بالخشب والجندل يشدخ دماغهم، وكيف دقّ الخشب عظامهم وخرق جلودهم وقطع عصبهم، ولو رأيت العصب عُريانا، ولو رأيت العظام متهشمة في الأجواف، ولو رأيت الوجوه مشدوخة، ولو رأيت الجدُرُ تَناطَحُ عليهم، ولو رأيت ما رأيت، قطع قلبك فلم يزل يقول هذا ونحوه، ولم يزل يرقّقه حتى رقّ أيوب فبكي، وقبض قبضة من تراب فوضعها على رأسه، فاغتنم إبليس ( الفُرصة منه ) عند ذلك، فصعد سريعا بالذي كان من جزع أيوب مسرورا به. ثم لم يلبث أيوب أن فاء وأبصر، فاستغفر، وصَعَد قرناؤه من الملائكة بتوبة منه، فبدروا إبليس إلى الله، فوجدوه قد علم بالذي رُفع إليه من توبة أيوب، فوقف إبليس خازيا ذليلاً، فقال : يا إلهي، إنما هوّن على أيوب خَطَر المال والولد أنه يرى أنك ما متعته بنفسه فأنت تعيد له المال والولد، فهل أنت مسلّطي على جسده ؟ فأنا لك زعيم لئن ابتليته في جسده لينسينك، وليكفرنّ بك، وليَجْحَدنّكّ نعمتك قال الله : انطلق فقد سلطتك على جسده، ولكن ليس لك سلطان على لسانه ولا على قلبه ولا على عقله. 
فانقضّ عدوّ الله جوادا، فوجد أيوب ساجدا، فعجّل قبل أن يرفع رأسه، فأتاه من قِبَل الأرض في موضع وجهه، فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جسده، فترهّل، ونبتت ( به ) ثآليل مثل أليات الغنم، ووقعت فيه حِكّة لا يملكها، فحكّ بأظفاره حتى سقطت كلها، ثم حكّ بالعظام، وحكّ بالحجارة الخشنة وبقطع المُسوح الخشنة، فلم يزل يحكّه حتى نَفِد لحمه وتقطع. ولما نَغِل جلد أيوب وتغير وانتن، أخرجه أهل القرية، فجعلوه على تلّ وجعلوا له عريشا. ورفضه خلق الله غيرَ امرأته، فكانت تختلف إليه بما يُصلحه ويلزمه. وكان ثلاثة من أصحابه اتبعوه على دينه فلما رأوا ما ابتلاه الله به رفضوه من غير أن يتركوا دينه واتهموه، يُقال لأحدهم بلدد، وأليفز، وصافر. قال : فانطلق إليه الثلاثة وهو في بلائه، فبكّتوه فلما سمع منهم أقبل على ربه، فقال أيوب صلى الله عليه وسلم : ربّ لأيّ شيء خلقتني ؟ لو كنتَ إذْ كرهتني في الخير تركتني فلم تخلقني يا ليتني كنت حَيْضة ألقتني أمي ويا ليتني مِتّ في بطنها فلم أعرف شيئا ولم تعرفني ما الذنب الذي أذنبت لم يذنبه أحد غيري ؟ وما العمل الذي عملت فصرفت وجهك الكريم عني ؟ لو كنت أمتني فألحقتني بآبائي فالموت كان أجمل بي، فأسوة لي بالسلاطين الذي صُفّت من دونهم الجيوش، يضربون عنهم بالسيوف، بخلاً بهم عن الموت وحرصا على بقائهم، أصبحوا في القبور جاثمين، حتى ظنوا أنهم سيخلّدون. وأُسوة لي بالملوك الذين كنزوا الكنوز، وطَمروا المطامير، وجمعوا الجموع، وظنوا أنهم سيخلدون. وأُسوة لي بالجبارين الذين بنوا المدائن والحصون، وعاشوا فيها المئين من السنين، ثم أصبحت خرابا، مأوى للوحوش ومثنى للشياطين. 
قال أليفز التيماني : قد أعيانا أمرك يا أيوب، إن كلّمناك فما نرجو للحديث منك موضعا، وإن نسكت عنك مع الذي نرى فيك من البلاء، فذلك علينا. قد كنا نرى من أعمالك أعمالاً كنا نرجو لك عليها من الثواب غير ما رأينا، فإنما يحصد امرؤ ما زرع ويُجْزَى بما عمل. أشهد على الله الذي لا يُقْدر قدر عظمته ولا يُحْصَى عدد نعمه، الذي ينزل الماء من السماء فيحيي به الميت ويرفع به الخافض ويقوّي به الضعيف، الذي تضلّ حكمة الحكماء عند حكمته وعلم العلماء عند علمه حتى تراهم من العيّ في ظلمة يموجون، أن من رجا معونة الله هو القويّ، وإن من توكل عليه هو المكفيّ، هو الذي يكسر ويجبر ويجرح ويداوي
قال أيوب : لذلك سكتّ فعَضِضْت على لساني ووضعت لسوء الخدمة رأسي لأني علمت أن عقوبته غيرت نور وجهي، وأن قوّته نزعت قوّة جسدي، فأنا عبده، ما قضي عليّ أصابني، ولا قوّة لي إلا ما حمل عليّ لو كانت عظامي من حديد وجسدي من نُحاس وقلبي من حجارة، لم أطق هذا الأمر، ولكن هو ابتلاني وهو يحمله عني أتيتموني غِضابا، رهبتم قبل أ

### الآية 21:85

> ﻿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ ۖ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ [21:85]

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلّ مّنَ الصّابِرِينَ \* وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنّهُمْ مّنَ الصّالِحِينَ . 
يعني تعالى ذكره بإسماعيل بن إبراهيم صادق الوعد، وبإدريس : أخنوخ، وبذي الكفل : رجلاً تكفل من بعض الناس، إما من نبيّ وإما من ملك من صالحي الملوك بعمل من الأعمال، فقام به من بعده، فأثني الله عليه حسن وفائه بما تكفل به وجعله من المعدودين في عباده، مع من حمد صبره على طاعة الله. وبالذي قلنا في أمره جاءت الأخبار عن سلف العلماء. ذكر الرواية بذلك عنهم :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث : أن نبيّا من الأنبياء، قال : من تكفل لي أن يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب ؟ فقام شاب فقال : أنا. فقال : اجلس : ثم عاد فقال : من تكفل لي أن يقوم الليل ويصوم النهار ولا يغضب ؟ فقام ذلك الشاب فقال : أنا. فقال : اجلس ثم عاد فقال : من تكفل لي أن يقوم الليل ويصوم النهار ولا يغضب ؟ فقام ذلك الشاب فقال : أنا فقال : تقوم الليل وتصوم النهار ولا تغضب. فمات ذلك النبيّ، فجلس ذلك الشاب مكانه يقضي بين الناس، فكان لا يغضب. فجاءه الشيطان في صورة إنسان ليُغضبه وهو صائم يريد أن يَقِيل، فضرب الباب ضربا شديدا، فقال : من هذا ؟ فقال : رجل له حاجة. فأرسل معه رجلاً، فقال : لا أرضى بهذا الرجل. فأرسل معه آخر، فقال : لا أرضى بهذا. فخرج إليه فأخذ بيده فانطلق معه، حتى إذا كان في السوق خلاّه وذهب، فسُمّي ذا الكفل. 
حدثنا ابن المثني، قال : حدثنا عفان بن مسلم، قال : حدثنا وهيب، قال : حدثنا داود، عن مجاهد، قال : لما كبر اليسع قال : لو أني استخلفت على الناس رجلاً يعمل عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يعمل. قال : فجمع الناس، فقال : من يَتَقَبّلْ لي بثلاث أستخلفه : يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يغضب ؟ قال : فقام رجل تزدريه العين، فقال : أنا. فقال : أنت تصوم النهار وتقوم الليل ولا تغضب ؟ قال : نعم. قال : فردّهم ذلك اليوم، وقال مثلها اليوم الآخر، فسكت الناس وقام ذلك الرجل، فقال : أنا. فاسْتَخْلَفَه. قال : فجعل إبليس يقول للشياطين : عليكم بفلان فأعياهم، فقال : دعوني وإياه فأتاه في صورة شيخ كبير فقير، فأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام الليل والنهار إلا تلك النومة، فدقّ الباب، فقال : من هذا ؟ قال : شيخ كبير مظلوم. قال : فقام ففتح الباب، فجعل يقصّ عليه، فقال : إن بيني وبين قومي خصومة، وإنهم ظلموني وفعلوا بي وفعلوا. فجعل يطوّل عليه، حتى حضر الرّواح وذهبت القائلة، وقال : إذا رحت فأتني آخذ لك بحقك فانطلق وراح، فكان في مجلسه، فجعل ينظر هل يرى الشيخ، فلم يره، فجعل يبتغيه. فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس وينتظره فلا يراه. فلما رجع إلى القائلة، فأخذ مضجعه، أتاه فدقّ الباب، فقال : من هذا ؟ قال : الشيخ الكبير المظلوم. ففتح له، فقال : ألم أقل لك إذا قعدت فأْتني ؟ فقال : إنهم أخبث قوم، إذا عرفوا أنك قاعد قالوا نحن نعطيك حقك، وإذا قمت جحدوني. قال : فانطلِقْ فإذا رحت فأتني قال : ففاتته القائلة، فراح فجعل ينظر فلا يراه، فشقّ عليه النعاس، فقال لبعض أهله : لا تدعُنّ أحدا يقرب هذا الباب حتى أنام، فإني قد شقّ عليّ النوم فلما كان تلك الساعة جاء، فقال له الرجل وراءَك، فقال : إني قد أتيته أمس فذكرت له أمري، قال : والله لقد أمرنا أن لا ندع أحدا يقربه. فلما أعياه نظر فرأى كوّة في البيت، فتسوّر منها، فإذا هو في البيت، وإذا هو يدقّ الباب، قال : واستيقظ الرجل فقال : يا فلان، ألم آمرك ؟ قال : أما من قبلي والله فلم تُؤْتَ، فانظر من أين أُتِيتَ قال : فقام إلى الباب، فإذا هو مغلق كما أغلقه، وإذا هو معه في البيت، فعرفه فقال : أعدوّ الله ؟ قال : نعم أعييتني في كل شيء، ففعلت ما ترى لأغضبك. فسماه ذا الكفل، لأنه تكفل بأمر فوفى به. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، في قوله : وَذَا الكِفْلِ قال رجل صالح غير نبيّ، تكفل لنبيّ قومه أن يكفيه أمر قومه ويقيمه لهم ويقضي بينهم بالعدل، ففعل ذلك، فسُمّي ذا الكِفل. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه، إلا أنه قال : ويقضي بينهم بالحقّ. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن أبي معشر، عن محمد بن قيس قال : كان في بني إسرائيل مِلك صالح، فكبر، فجمع قومه فقال : أيكم يكفل لي بمُلكي هذا على أن يصوم النهار ويقوم الليل ويحكم بين بني إسرائيل بما أنزل الله ولا يغضب ؟ قال : فلم يقم أحد إلا فتى شاب، فازدراه لحداثة سنه، فقال : أيكم يكفل لي بملكي هذا على أن يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب ويحكم بين بني إسرائيل بما أنزل الله ؟ فلم يقم إلا ذلك الفتى قال : فازدراه. فلما كانت الثالثة قال مثل ذلك، فلم يقم إلا ذلك الفتى، فقال : تعال فخلى بينه وبين ملكه. فقام الفتى ليلة فلما أصبح جعل يحكم بين بني إسرائيل فلما انتصف النهار دخل ليقيل، فأتاه الشيطان في صورة رجل من بني آدم، فجذب ثوبه، فقال : أتنام والخصوم ببابك ؟ قال : إذا كان العشية فأتني قال فانتظره بالعشيّ فلم يأته فلما انتصف النهار دخل ليَقِيل، جذب ثوبه وقال : أتنام والخصوم على بابك ؟ قال : قلت لك : ائتني العشيّ فلم تأتني، ائتني، بالعشيّ فلما كان بالعشيّ انتظره فلم يأت فلما دخل ليقيل جذب ثوبه، فقال : أتنام والخصوم ببابك ؟ قال : أخبرني من أنت، لو كنت من الإنس سمعت ما قلت قال : هو الشيطان، جئت لأفتنك فعصمك الله مني. فقضي بين بني إسرائيل بما أنزل الله زمانا طويلاً، وهو ذو الكفل، سُمي ذا الكفل لأنه تكفل بالملك. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، عن أبي موسى الأشعريّ، قال وهو يخطب الناس : إن ذا الكفل لم يكن نبيّا ولكن كان عبدا صالحا، تكفل بعمل رجل صالح عند موته، كان يصلي لله كل يوم مئة صلاة، فأحسن الله عليه الثناء في كفالته إياه. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا الحكم، قال : حدثنا عمرو، قال : أمّا ذو الكفل فإنه كان على بني إسرائيل مَلِك فلما حضره الموت، قال : من يكفل لي أن يكفيني بني إسرائيل ولا يغضب ويصلي كل يوم مئة صلاة ؟ فقال ذو الكفل : أنا. فجعل ذو الكفل يقضي بين الناس، فإذا فرغ صلى مئة صلاة. فكاده الشيطان، فأمهله حتى إذا قضي بين الناس وفرغ من صلاته وأخذ مضجعه فنام، أتى الشيطان بابه فجعل يدقه، فخرج إليه، فقال : ظُلمت وصُنع بي فأعطاه خاتمه وقال : اذهب فأتني بصاحبك وانتظره، فأبطأ عليه الاَخر، حتى إذا عرف أنه قد نام وأخذ مضجعه، أتى الباب أيضا كي يغضبه، فجعل يدقه، وخدش وجه نفسه فسالت الدماء، فخرج إليه فقال : ما لك ؟ فقال : لم يتبعني، وضُربت وفُعل فأخذه ذو الكفل، وأنكر أمره، فقال : أخبرني من أنت ؟ وأخذه أخذا شديدا، قال : فأخبره من هو. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله : وَذَا الكِفْل قال : قال أبو موسى الأشعريّ : لم يكن ذو الكفل نبيّا، ولكنه كَفَل بصلاة رجل كان يصلي كل يوم مئة صلاة، فوفى، فكفل بصلاته، فلذلك سُمي ذا الكفل. 
ونُصِبَ **«إسماعيل »** و **«إدريس »** و **«ذا الكفل »**، عطفا على **«أيوب »**، ثم استؤنف بقوله : كُلّ فقال : كُلّ مِنَ الصّابِرِينَ ومعنى الكلام : كلهم من أهل الصبر فيما نابهم في الله.

### الآية 21:86

> ﻿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا ۖ إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ [21:86]

وقوله : وأدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إنّهُمْ مِنَ الصّالِحِينَ يقول تعالى ذكره : وأدخلنا إسماعيل وإدريس وذا الكفل والهاء والميم عائدتان عليهم فِي رَحْمَتِنا إنّهُمْ مِنَ الصّالِحِين يقول : إنهم ممن صلح، فأطاع الله وعمل بما أمره.

### الآية 21:87

> ﻿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [21:87]

القول في تأويل قوله تعالى : وَذَا النّونِ إِذ ذّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنّ أَن لّن نّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىَ فِي الظّلُمَاتِ أَن لاّ إِلََهَ إِلاّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنّي كُنتُ مِنَ الظّالِمِينَ . 
يقول تعالى ذكره : واذكر يا محمد ذا النون، يعني صاحب النون. والنون : الحوت. وإنما عَنَى بذي النون : يونس بن متى، وقد ذكرنا قصته في سورة يونس بما أغني عن ذكره في هذا الموضع، وقوله : إذْ ذَهَبَ مُغاضِبا يقول : حين ذهب مغاضبا. 
واختلف أهل التأويل في معنى ذهابه مغاضبا، وعمن كان ذهابه، وعلى من كان غضبه، فقال بعضهم : كان ذهابه عن قومه وإياهم غاضب. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَذَا النّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبا يقول : غضب على قومه. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : إذْ ذَهَبَ مُغاضِبا أما غضبه فكان على قومه. 
وقال آخرون : ذهب عن قومه مغاضبا لربه، إذ كشف عنهم العذاب بعدما وعدهموه. ذكر من قال ذلك : وذكر سبب مغاضبته ربه في قولهم :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : بعثه الله يعني يونس إلى أهل قريته، فردّوا عليه ما جاءهم به وامتنعوا منه. فلما فعلوا ذلك أوحى الله إليه : إني مرسل عليهم العذاب في يوم كذا وكذا، فاخرج من بين أظهرهم فأعلم قومه الذي وعده الله من عذابه إياهم، فقالوا : ارمقوه، فإن خرج من بين أظهركم فهو والله كائن ما وعدكم. فلما كانت الليلة التي وعدوا بالعذاب في صبحها أدلج ورآه القوم، فخرجوا من القرية إلى براز من أرضهم، وفرّقوا بين كل دابة وولدها، ثم عجوا إلى الله، فاستقالوه، فأقالهم، وتنظّر يونس الخبر عن القرية وأهلها، حتى مرّ به مارّ، فقال : ما فعل أهل القرية ؟ فقال : فعلوا أن نبيهم خرج من بين أظهرهم، عرفوا أنه صدقهم ما وعدهم من العذاب، فخرجوا من قريتهم إلى براز من الأرض، ثم فرقوا بين كل ذات ولد وولدها. وعجّوا إلى الله وتابوا إليه. فقبل منهم، وأخّر عنهم العذاب. قال : فقال يونس عند ذلك وغضب : والله لا أرجع إليهم كذّابا أبدا، وعدتهم العذاب في يوم ثم رُدّ عنهم ومضى على وجهه مغاضبا. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا عوف، عن سعيد بن أبي الحسن، قال : بلغني أن يونس لما أصاب الذنب، انطلق مغاضبا لربه، واستزلّه الشيطان. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن مجالد بن سعيد، عن الشعبيّ، في قوله : إذْ ذَهَبَ مُغاضِبا قال : مغاضبا لربه. 
حدثنا الحارث، قال : حدثنا عبد العزيز، قال : حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن عبد الملك، عن سعيد بن جبير فذكر نحو حديث ابن حميد، عن سلمة، وزاد فيه : قال : فخرج يونس ينظر العذاب، فلم ير شيئا، قال : جرّبوا عليّ كذبا فذهب مغاضبا لربه حتى أتى البحر. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : حدثنا محمد بن إسحاق، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن وهب بن منبه اليماني، قال : سمعته يقول : إن يونس بن متى كان عبدا صالحا، وكان في خلقه ضيق. فلما حملت عليه أثقال النبوّة، ولها أثقال لا يحملها إلا قليل، تفسخ تحتها تفسخ الربع تحت الحمل، فقذفها بين يديه، وخرج هاربا منها. يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم : فاصْبرْ كمَا صَبَرَ أُولُو العَزْم مِنَ الرسُلِ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الحُوتِ : أي لا تُلْقِ أمري كما ألقاه. 
وهذا القول، أعني قول من قال : ذهب عن قومه مغاضبا لربه، أشبه بتأويل الآية، وذلك لدلالة قوله : فَظَنّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ على ذلك. على أن الذين وجهوا تأويل ذلك إلى أنه ذهب مغاضبا لقومه، إنما زعموا أنهم فعلوا ذلك استنكارا منهم أن يغاضب نبيّ من الأنبياء ربه واستعظاما له. وهم بقيلهم أنه ذهب مغاضبا لقومه قد دخلوا في أمر أعظم مما أنكروا، وذلك أن الذين قالوا : ذهب مغاضبا لربه اختلفوا في سبب ذهابه كذلك، فقال بعضهم : إنما فعل ما فعل من ذلك كراهة أن يكون بين قوم قد جربوا عليه الخلف فيما وعدهم، واسْتَحْيَا منهم، ولم يعلم السبب الذي دفع به عنهم البلاء. وقال بعض من قال هذا القول : كان من أخلاق قومه الذي فارقهم قتل من جرّبوا عليه الكذب، عسى أن يقتلوه من أجل أنه وعدهم العذاب، فلم ينزل بهم ما وعدهم من ذلك. وقد ذكرنا الرواية بذلك في سورة يونس، فكرهنا إعادته في هذا الموضع. 
وقال آخرون : بل إنما غاضب ربه من أجل أنه أمر بالمصير إلى قوم لينذرهم بأسه ويدعوهم إليه، فسأل ربه أن يُنْظره ليتأهب للشخوص إليهم، فقيل له : الأمر أسرع من ذلك ولم يُنْظر حتى شاء أن ينظر إلى أن يأخذ نعلاً ليلبسها، فقيل له نحو القول الأوّل. وكان رجلاً في خلقه ضيق، فقال : أعجلني ربي أن آخذ نعلاً فذهب مغاضبا. 
وممن ذُكر هذا القول عنه : الحسن البصريّ. 
حدثني بذلك الحارث، قال : حدثنا الحسن بن موسى، عن أبي هلال، عن شهر بن حوشب، عنه. 
قال أبو جعفر : وليس في واحد من هذين القولين من وصف نبيّ الله يونس صلوات الله عليه شيء إلا وهو دون ما وصفه بما وصفه الذين قالوا : ذهب مغاضبا لقومه لأن ذهابه عن قومه مغاضبا لهم، وقد أمره الله تعالى بالمُقام بين أظهرهم، ليبلغهم رسالته ويحذّرهم بأسه وعقوبته على تركهم الإيمان به والعمل بطاعته لا شك أن فيه ما فيه. ولولا أنه قد كان صلى الله عليه وسلم أتى ما قاله الذين وصفوه بإتيان الخطيئة، لم يكن الله تعالى ذكره ليعاقبه العقوبة التي ذكرها في كتابه ويصفه بالصفة التي وصفه بها، فيقول لنبيه صلى الله عليه وسلم : وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الحُوتِ إذْ نادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ويقول : فالْتَقَمَهُ الحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ فَلَوْلا أنهُ كانَ مِنَ المُسَبّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. 
وقوله : فَظَنّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم : معناه : فظنّ أن لن نعاقبه بالتضييق عليه. من قولهم قدرت على فلان : إذا ضيقت عليه، كما قال الله جلّ ثناؤه : وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللّهُ. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : فَظَنّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ يقول : ظنّ أن لن يأخذه العذاب الذي أصابه. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : فَظَنّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ يقول : ظنّ أن لن نقضيَ عليه عقوبة ولا بلاء فيما صنع بقومه في غضبه إذ غضب عليهم وفراره. وعقوبته أخذ النون إياه. 
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، أنه قال في هذه الاَية : فَظَنّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ قال : فظنّ أن لن نعاقبه بذنبه. 
حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال : حدثنا زيد بن حباب، قال : ثني شعبة، عن مجاهد، ولم يذكر فيه الحكم. 
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله : فَظَنّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ قال : يقول : ظنّ أن لن نعاقبه. 
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة والكلبيّ : فَظَنّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ قالا : ظنّ أن لن نقضيَ عليه العقوبة. 
حُدثت عن الحسين. قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : فَظَنّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ يقول : ظنّ أن الله لن يقضي عليه عقوبة ولا بلاء في غضبه الذي غضب على قومه وفراقه إيّاهم. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن ابن عباس، في قوله : فَظَنّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ قال : البلاء الذي أصابه. 
وقال آخرون : بل معنى ذلك : فظنّ أنه يُعجز ربه فلا يقدر عليه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا عوف، عن سعيد بن أبي الحسن، قال : بلغني أن يونس لما أصاب الذنب، انطلق مغاضبا لربه، واستزلّه الشيطان، حتى ظن أن لن نقدر عليه. قال : وكان له سلف وعبادة وتسبيح. فأبى الله أن يدعه للشيطان، فأخذه فقذفه في بطن الحوت، فمكث في بطن الحوت أربعين من بين ليلة ويوم، فأمسك الله نفسه، فلم يقتله هناك. فتاب إلى ربه في بطن الحوت، وراجع نفسه. قال : فقال : سُبْحانَكَ إنّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ قال : فاستخرجه الله من بطن الحوت برحمته بما كان سلف من العبادة والتسبيح، فجعله من الصالحين. قال عوف : وبلغني أنه قال في دعائه : وبنيت لك مسجدا في مكان لم يبنه أحد قبلي. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا هوذة، قال : حدثنا عوف، عن الحسن : فَظَنّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ وكان له سلف من عبادة وتسبيح، فتداركه الله بها فلم يَدَعْه للشيطان. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن إياس بن معاوية المدني، أنه كان إذا ذكر عنده يونس، وقوله : فَظَنّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ يقول إياس : فلِم فرّ ؟ 
وقال آخرون : بل ذلك بمعنى الاستفهام، وإنما تأويله : أفظنّ أن لن نقدر عليه ؟ ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : فَظَنّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ قال : هذا استفهام. وفي قوله : فَمَا تُغْنِي النّذُر قال : استفهام أيضا. 
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب، قول من قال : عَنَى به : فظنّ يونس أن لن نحبسه ونضيق عليه، عقوبة له على مغاضبته ربه. 
وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الكلمة، لأنه لا يجوز أن يُنْسب إلى الكفر وقد اختاره لنبوّته، ووَصْفُه بأن ظنّ أن ربه يعجز عما أراد به ولا يقدر عليه، وَصْفٌ له بأنه جهل قدرة الله، وذلك وصف له بالكفر، وغير جائز لأحد وصفه بذلك. وأما ما قاله ابن زيد، فإنه قول لو كان في الكلام دليل على أنه استفهام حسن، ولكنه لا دلالة فيه على أن ذلك كذلك. والعرب لا تحذف من الكلام شيئا لهم إليه حاجة إلا وقد أبقت دليلاً على أنه مراد في الكلام، فإذا لم يكن في قوله : فَظَنّ أنْ لَنْ نَقْدرَ عَلَيْهِ دلالة على أن المراد به الاستفهام كما قال ابن زيد، كان معلوما أنه ليس به وإذ فسد هذان الوجهان، صحّ الثالث وهو ما قلنا. 
وقوله : فَنَادَى في الظّلُماتِ اختلف أهل التأويل في المعنيّ بهذه الظلمات، فقال بعضهم : عُني بها ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون : فَنادَى في الظّلُمات قال : ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلم

### الآية 21:88

> ﻿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [21:88]

القول في تأويل قوله تعالى : فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجّيْنَاهُ مِنَ الْغَمّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ . 
يقول تعالى ذكره : فاسَتْجَبْنَا ليونس دعاءه إيانا، إذ دعانا في بطن الحوت، ونجيناه من الغمّ الذي كان فيه بحبْسناه في بطن الحوت وغمه بخطيئته وذنبه وكذَلكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ يقول جلّ ثناؤه : وكما أنجينا يونس من كرب الحبس في بطن الحوت في البحر إذ دعانا، كذلك ننجي المؤمنين من كربهم إذا استغاثوا بنا ودعونا. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الأثر. ذكر من قال ذلك :
حدثنا عمران بن بكار الكُلاعيّ، قال : حدثنا يحيى بن عبد الرحمن، قال : حدثنا أبو يحيى بن عبد الرحمن، قال : ثني بشر بن منصور، عن عليّ بن زيد، عن سعيد بن المسيب، قال : سمعت سعد بن مالك يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :**«اسْمُ اللّهِ الّذِي إذَا دُعِيَ بِهِ أجابَ وَإذَا سُئلَ بِهِ أعْطَى، دَعْوَةُ يُونُسَ بْنِ مَتّى »**. قال : فقلت : يا رسول الله، هي ليونس بن متى خاصة أم لجماعة المسلمين ؟ قالَ :**«هيَ لِيُونُسَ بْنِ مَتّى خاصّةً، وللْمُؤْمِنِينَ عامّةً إذَا دَعَوْا بِها ألَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ اللّهِ تَبارَكَ وَتَعالى فَنادَى فِي الظّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلاّ أنْتَ سُبْحانَكَ إنّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ فاسْتَجَبْنا لَهُ وَنّجيّنْاهُ مِنَ الغَمّ وكَذلكَ نُنْجِي المُؤْمنينَ ؟ فهو شرط الله لمن دعاه بها »**. 
واختلفت القرّاء في قراءة قوله : نُنْجِي المُؤْمِنِينَ فقرأت ذلك قرّاء الأمصار، سوى عاصم، بنونين الثانية منهما ساكنة، من أنجيناه، فنحن ننجيه. وإنما قرأوا ذلك كذلك وكتابته في المصاحف بنون واحدة، لأنه لو قرىء بنون واحدة وتشديد الجيم، بمعنى ما لم يسمّ فاعله، كان **«المؤمنون »** رفعا، وهم في المصاحف منصوبون، ولو قرىء بنون واحدة وتخفيف الجيم، كان الفعل للمؤمنين وكانوا رفعا، ووجب مع ذلك أن يكون قوله **«نجى »** مكتوبا بالألف، لأنه من ذوات الواو، وهو في المصاحف بالياء. 
فإن قال قائل : فكيف كتب ذلك بنون واحد، وقد علمت أن حكم ذلك إذا قرىء : نُنْجِي أن يُكتب بنونين ؟ قيل : لأن النون الثانية لما سكنت وكان الساكن غير ظاهر على اللسان حذفت كما فعلو ذلك ب **«إلاّ »** لا، فحذفوا النون من **«إنْ »** لخفائها، إذ كانت مندغمة في اللام من **«لا »**. وقرأ ذلك عاصم :**«نُجّي المُؤمِنِينَ »** بنون واحدة، وتثقيل الجيم، وتسكين الياء. فإن يكن عاصم وجه قراءته ذلك إلى قول العرب : ضرب الضرب زيدا، فكنى عن المصدر الذي هو النجاء، وجعل الخبر أعني خبر ما لم يسمّ فاعله المؤمنين، كأنه أراد : وكذلك نُجّي النّجاءُ المؤمنين، فكنى عن النجاء فهو وجه، وإن كان غيره أصوب، وإلا فإن الذي قرأ من ذلك على ما قرأه لحنّ، لأن المؤمنين اسم على القراءة التي قرأها ما لم يسمّ فاعله، والعرب ترفع ما كان من الأسماء كذلك. وإنما حمل عاصما على هذه القراءة أنه وجد المصاحف بنون واحدة وكان في قراءته إياه على ما عليه قراءة القرّاء إلحاق نون أخرى ليست في المصحف، فظنّ أن ذلك زيادة ما ليس في المصحف، ولم يعرف لحذفها وجها يصرفه إليه. 
قال أبو جعفر : والصواب من القراءة التي لا أستجيز غيرها في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار، من قراءته بنونين وتخفيف الجيم، لإجماع الحجة من القرّاء عليها وتخطئتها خلافه.

### الآية 21:89

> ﻿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ [21:89]

القول في تأويل قوله تعالى : وَزَكَرِيّآ إِذْ نَادَىَ رَبّهُ رَبّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ \* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىَ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : واذكر يا محمد زكريا حين نادى ربه رَبّ لا تَذَرْنِي وحيدا فَرْدا لا ولد لي ولا عَقِب وأنْتَ خَيْرُ الوَارِثِينَ يقول : فارزقني وارثا من آل يعقوب يرثني. ثم ردّ الأمر إلى الله فقال : وأنْتَ خَيْرُ الوَارِثِينَ

### الآية 21:90

> ﻿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [21:90]

يقول الله جلّ ثناؤه : فاستجبنا لزكريا دعاءه، ووهبنا له يحيى ولدا ووارثا يرثه، وأصلحنا له زوجه. 
واختلف أهل التأويل في معنى الصلاح الذي عناه الله جلّ ثناؤه بقوله : وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَه فقال بعضهم : كانت عقيما فأصلحها بأن جعلها وَلُودا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عبيد المحاربيّ، قال : حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن حميد بن صخر، عن عمار، عن سعيد، في قوله : وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ قال : كانت لا تلد. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس، في قوله : وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ قال : وهبنا له ولدها. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله : وأصلْحْنَا لَهُ زَوْجَهُ كانت عاقرا، فجعلها الله وَلودا، ووهب له منها يحيى. 
وقال آخرون : كانت سيئة الخُلق، فأصلحها الله له بأن رزقها حُسن الخُلُق. 
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله أصلح لزكريا زوجه، كما أخبر تعالى ذكره بأن جعلها ولودا حسنة الخُلُق لأن كل ذلك من معاني إصلاحه إياها. ولم يخصُصِ الله جلّ ثناؤه بذلك بعضا دون بعض في كتابه ولا على لسان رسوله، ولا وضع على خصوص ذلك دلالة، فهو على العموم ما لم يأت ما يجب التسليم له بأن ذلك مراد به بعض دون بعض. 
وقوله : إنّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ يقول الله : إن الذين سميناهم يعني زكريا وزوجه ويحيى كانوا يسارعون في الخيرات في طاعتنا، والعمل بما يقرّبهم إلينا. ) وقوله : وَيَدْعُونَنا رَغَبا وَرَهَبا يقول تعالى ذكره : وكانوا يعبدوننا رغبا ورهَبا. وعَنَى بالدعاء في هذا الموضع : العبادة، كما قال : وأعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ وأدْعُو رَبّي عَسى أن لا أكُونَ بدُعاءِ رَبّي شَقِيّا ويعني بقوله : رَغَبا أنهم كانوا يعبدونه رغبة منهم فيما يرجون منه من رحمته وفضله. ورهبا يعني رهبة منهم من عذابه وعقابه، بتركهم عبادته وركوبهم معصيته. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج : إنّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنا رَغَبا وَرَهبَا قال : رغبا في رحمة الله، ورهبا من عذاب الله. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَيَدْعُونَنا رَغَبا وَرَهَبا قال : خوفا وطمعا. قال : وليس ينبغي لأحدهما أن يفارق الآخر. 
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار : رَغَبا وَرَهبا بفتح الغين والهاء من الرغَب والرهَب. واختلف عن الأعمش في ذلك، فرُويت عنه الموافقة في ذلك للقرّاء، ورُوي عنه أنه قرأها :**«رُغْبا »** **«ورُهْبا »** بضم الراء في الحرفين وتسكين الغين والهاء. 
والصواب من القراءة في ذلك ما عليه قرّاء الأمصار، وذلك الفتح في الحرفين كليهما. 
وقوله : وكانُوا لَنا خاشِعِينَ يقول : وكانوا لنا متواضعين متذللين، ولا يستكبرون عن عبادتنا ودعائنا.

### الآية 21:91

> ﻿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ [21:91]

القول في تأويل قوله تعالى : وَالّتِيَ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَآ آيَةً لّلْعَالَمِينَ . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : واذكر التي أحصنت فرجها، يعني مريم بنت عمران. ويعني بقوله : أحْصَنَتْ : حفظت، ومنعت فرجها مما حرّم الله عليها إباحته فيه. 
واختُلف في الفرّج الذي عنى الله جلّ ثناؤه أنها أحصنته، فقال بعضهم : عَنَى بذلك فَرْجَ نفسها أنها حفظته من الفاحشة. 
وقال آخرون : عَنَى بذلك جيب درعها أنها منعت جبرئيل منه قبل أن تعلم أنه رسول ربها وقبل أن تثبته معرفة. قالوا : والذي يدلّ على ذلك قوله : فَنَفَخْنا فِيها ويعقب ذلك قوله : والّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها قالوا : وكان معلوما بذلك أن معنى الكلام : والتي أحصنت جيبها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا. 
قال أبو جعفر : والذي هو أولى القولين عندنا بتأويل ذلك قول من قال : أحصنت فرجها من الفاحشة لأن ذلك هو الأغلب من معنييه عليه والأظهر في ظاهر الكلام. فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا يقول : فنفخنا في جيب درعها من روحنا. وقد ذكرنا اختلاف المختلفين في معنى قوله : فَنَفَخْنا فِيها في غير هذا الموضع والأولى بالصواب من القول في ذلك فيما مضى بما أغني عن إعادته في هذا الموضع. 
وقوله : وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً للْعَالمِينَ يقول : وجعلنا مريم وابنها عبرة لعالمي زمانهما يعتبرون بهما ويتفكرون في أمرهما، فيعلمون عظيم سلطاننا وقُدرتنا على ما نشاء وقيل **«آية »** ولم يقل **«آيتين »** وقد ذكر آيتين لأن معنى الكلام : جعلناهما عَلَما لنا وحجة، فكل واحدة منهما في معنى الدلالة على الله وعلى عظيم قُدرته يقوم مقام الآخر، إذْ كان أمرهما في الدلالة على الله واحدا.

### الآية 21:92

> ﻿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [21:92]

القول في تأويل قوله تعالى : إِنّ هََذِهِ أُمّتُكُمْ أُمّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبّكُمْ فَاعْبُدُونِ . 
يقول تعالى ذكره : إن هذه مِلتكم ملة واحدة، وأنا ربكم أيها الناس فاعبدون دون الآلهة والأوثان وسائر ما تعبدون من دوني. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : أُمّتُكُمْ أُمّةً وَاحِدَةً يقول : دينكم دين واحد. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : قال مجاهد، في قوله : إنّ هَذِهِ أُمّتُكُمْ أُمّةً وَاحِدَةً قال : دينكم دين واحد. 
ونصبت الأمة الثانية على القطع، وبالنصب قرأه جماعة قرّاء الأمصار، وهو الصواب عندنا لأن الأمة الثانية نكرة والأولى معرفة وإذ كان ذلك كذلك، وكان الخبر قبل مجيء النكرة مستغنيا عنها كان وجه الكلام النصب، هذا مع إجماع الحجة من القرّاء عليه، وقد ذُكر عن عبد الله بن أبي إسحاق رفع ذلك أنه قرأه :**«أُمّةٌ وَاحِدَةٌ »** بنية تكرير الكلام، كأنه أراد : إن هذه أمتكم هذه أمة واحدة.

### الآية 21:93

> ﻿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ۖ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ [21:93]

القول في تأويل قوله تعالى : وَتَقَطّعُوَاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ . 
يقول تعالى ذكره : وتفرّق الناس في دينهم الذي أمرهم الله به ودعاهم إليه، فصاروا فيه أحزابا فهوّدت اليهود، وتنصّرت النصارى وعُبدت الأوثان. ثم أخبر جلّ ثناؤه عما هم إليه صائرون، وأن مرجع جميع أهل الأديان إليه متوعدا بذلك أهل الزيغ منهم والضلال، ومعلمهم أنه لهم بالمرصاد، وأنه مجاز جميعهم جزاء المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. 
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله : وتَقَطّعُوا أمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَتَقَطّعُوا أمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ قال : تقطّعوا : اختلفوا في الدين.

### الآية 21:94

> ﻿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ [21:94]

القول في تأويل قوله تعالى : فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنّا لَهُ كَاتِبُونَ . 
يقول تعالى ذكره : فمن عمل من هؤلاء الذين تفرّقوا في دينهم بما أمره الله به من العمل الصالح، وأطاعه في أمره ونهيه، وهو مقرّ بوحدانية الله مصدّق بوعده ووعيده متبرئ من الأنداد والآلهة فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ يقول : فإن الله يشكر عمله الذي عمل له مطيعا له، وهو به مؤمن، فيثيبه في الآخرة ثوابه الذي وعد أهل طاعته أن يثيبه موه، ولا يكفر ذلك له فيجحده ويحرمه ثوابه على عمله الصالح. وَإنّا لَهُ كاتِبُونَ يقول : ونحن نكتب أعماله الصالحة كلها فلا نترك منها شيئا، لنجزيه على صغير ذلك وكبيره وقليله وكثيره. 
قال أبو جعفر : والكفران مصدر من قول القائل : كفرت فلانا نعمته فأنا أكفُره كُفْرا وكُفْرانا ومنه قوله الشاعر :

مِنَ النّاسِ ناسٌ ما تَنامُ خُدُودهُم  وخَدّي وَلا كُفْرَانَ للّهِ نائِمُ

### الآية 21:95

> ﻿وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ [21:95]

القول في تأويل قوله تعالى : وَحَرَامٌ عَلَىَ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ . 
اختلفت القرّاء في قراءة قوله : وَحَرَامٌ فقرأته عامة قرّاء أهل الكوفة :****«وَحِرْمٌ »**** بكسر الحاء. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة : وَحَرَامٌ بفتح الحاء والألف. 
والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متفقتا المعنى غير مختلفتيه وذلك أن الحِرْم هو الحرام والحرام هو الحِرْم، كما الحلّ هو الحلال والحلال هو الحلّ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وكان ابن عباس يقرؤه :**«وَحِرْم »** بتأويل : وعزم. 
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا بن علية، عن أبي المعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، كان يقرؤها :**«وحِرْمَ على قرية »** قال : فقلت لسعيد : أيّ شيء حرم ؟ قال : عزم. 
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن أبي المعلي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، كان يقرؤها :**«وحِرْمٌ عَلى قَرْيَةٍ »** قلت لأبي المعلى : ما الحرم ؟ قال : عزم عليها. 
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس : أنه كان يقرأ هذه الآية :**«وَحِرْمٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنّهُمْ لا يَرْجِعُونَ »** فلا يرجع منهم راجع، ولا يتوب منهم تائب. 
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا عبد الوهاب، قال : حدثنا داود عن عكرمة، قال : وَحَرَامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنّهُمْ لا يَرْجِعُونَ » قال : لم يكن ليرجع منهم راجع، حرام عليهم ذلك. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا عيسى بن فرقد، قال : حدثنا جابر الجعفي، قال : سألت أبا جعفر عن الرجعة، فقرأ هذه الاَية : وَحَرَامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنّهُمْ لا يَرْجِعُونَ. 
فكأن أبا جعفر وجه تأويل ذلك إلى أنه : وحرام على أهل قرية أمتناهم أن يرجعوا إلى الدنيا. والقول الذي قاله عكرِمة في ذلك أولى عندي بالصواب وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن تفريق الناس دينهم الذي بُعث به إليه الرسل، ثم أخبر عن صنيعه بمن عمل بما دعته إليه رسله من الإيمان به والعمل بطاعته، ثم أتبع ذلك قوله : وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنّهُمْ لا يَرْجِعُونَ فلأن يكون ذلك خبرا عن صنيعه بمن أبى إجابة رسله وعمل بمعصيته وكفر به، أحرى، ليكون بيانا عن حال القرية الأخرى التي لم تعمل الصالحات وكفرت به. 
فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام : حرام على أهل قرية أهلكناهم بطبعنا على قلوبهم وختمنا على أسماعهم وأبصارهم، إذ صدّوا عن سبيلنا وكفروا بآياتنا، أن يتوبوا ويراجعوا الإيمان بنا واتباع أمرنا والعمل بطاعتنا. وإذ كان ذلك تأويل قوله الله :****«وَحِرْمٌ »**** وعَزْم، على ما قال سعيد، لم تكن **«لا »** في قوله : أنّهُمْ لا يَرْجِعُونَ صلة، بل تكون بمعنى النفي، ويكن معنى الكلام : وعزم منا على قرية أهلكناها أن لا يرجعوا عن كفرهم. وكذلك إذا كان معنى قوله :**«وَحَرَمٌ »** نوجبه. وقد زعم بعضهم أنها في هذا الموضع صلة، فإن معنى الكلام : وحرام على قرية أهلكناها أن يرجعوا، وأهل التأويل الذين ذكرناهم كان أعلم بمعنى ذلك منه

### الآية 21:96

> ﻿حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [21:96]

القول في تأويل قوله تعالى : حَتّىَ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مّن كُلّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ . 
يقول تعالى ذكره : حتى إذا فُتح عن يأجوج ومأجوج، وهما أمّتان من الأمم ردمهما كما :
حدثني عصام بن داود بن الجراح، قال : ثني أبي، قال : حدثنا سفيان بن سعيد الثوريّ، قال : حدثنا منصور بن المعتمر، عن رِبْعِيّ بن حِرَاش، قال : سمعت حُذيفة بن اليمان يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«أوّلُ الآيات : الدّجّالُ، وَنُزُلُ عِيسَى، وَنارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنِ أبْيَنَ، تَسُوق النّاسَ إلى المَحْشَرِ، تَقِيلُ مَعَهُمْ إذَا قالُوا. والدّخانُ، والدّابّةُ، ثُمّ يَأْجُوجُ ومَأْجَوجُ »** قال حُذيفة : قلت : يا رسول الله، وما يأجوج ومأجوج ؟ قال :**«يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ أُمَمٌ، كُلّ أُمّةٍ أرْبَعُ مِئَةِ ألْفٍ، لا يَمُوتُ الرّجُلُ مِنْهُمْ حتى يَرَى ألْفَ عَيْنٍ تَطْرِفُ بينَ يَدَيْهِ مِنْ صُلْبِهِ، وَهُمْ وَلَدُ آدَمَ، فَيَسِيرُونَ إلى خَرَابِ الدّنيْا، يَكُونُ مُقَدّمَتُهُمْ بالشّامِ وَساقَتُهُمْ بالعِرَاقِ، فَيَمُرّونَ بأنهَارِ الدّنيا، فَيَشْرَبُونَ الفُرَاتَ والدّجْلَةَ وبُحَيْرَةَ الطّبَرِيّةِ حتى يَأْتُوا بَيْتَ المَقْدِسِ، فَيَقُولُونَ قَدْ قَتَلْنا أهْلَ الدّنيْا فَقاتِلُوا مَنْ فِي السّماءِ، فَيْرمَونَ بالنّشّابِ إلى السّماءِ، فَترْجِعُ نُشابُهُمْ مُخَضّبَةً بالدّمِ، فَيَقُولُونَ قَدْ قَتَلْنا مَنْ فِي السّماءِ، وَعِيسَى والمُسْلِمُونَ بِجَبَلِ طُورِ سِينِينَ، فَيُوحِي اللّهُ جَلّ جَلالُهُ إلى عِيسَى : أنْ أحْرِزْ عِبادِي بالطّورِ وَما يَلي أيْلَةَ ثُمّ إنّ عِيسَ يَرْفَعُ رأسَهُ إلى السّماءِ، وَيُؤَمّنُ المُسْلِمونَ فَيَبْعَثُ اللّهُ عَلَيْهِمْ دَابّةً يُقالُ لَهَا النّغَفُ، تَدْخُلُ مِنْ مَناخِرِهِمْ فَيُصْبِحَونَ مَوْتَى مِنْ حاقِ الشّامِ إلى حاقِ العِرَاقِ، حتى تَنْتَنَ الأرْضُ مِنْ جِيفِهِمْ ويَأْمُرُ اللّهُ السّماءَ فتُمْطِرُ كأفْوَاهِ القِرَبِ، فَتَغْسِلُ الأرْض مِنْ جِيَفِهِمْ وَنَتْنِهِمْ، فَعِنْدَ ذلكَ طُلُوعُ الشّمْسِ مِنْ مَغْرِبها »**. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قال : إن يأجوج ومأجوج يزيدون على سائر الإنس الضّعف، وإن الجنّ يزيدون على الإنس الضعف، وإن يأجوج ومأجوج رجلان اسمهما يأجوج ومأجوج. 
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال : سمعت وهب بن جابر يحدث، عن عبد الله بن عمرو أنه قال : إن يأجوج ومأجوج يمرّ أولهم بنهر مثل دجلة، ويمرّ آخرهم فيقول : قد كان في هذا مرّة ماء. لا يموت رجل منهم إلا ترك من ذريته ألفا فصاعدا. وقال : مِن بعدهم ثلاثُ أمم لا يعلم عددهم إلا الله : تأويل، وتاريس، وناسك أو منسك شكّ شعبة. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا يحيى، قال : حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن وهب بن جابر الخيواني، قال : سألت عبد الله بن عمرو، عن يأجوج ومأجوج، أمن بني آدم هم ؟ قال : نعم، ومن بعدهم ثلاث أمم لا يعلم عددهم إلا الله : تاريس، وتأويل، ومنسك. 
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا سهل بن حماد أبو عتاب، قال : حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، قال : سمعت نافع بن جبير بن مطعم يقول : قال عبد الله بن عمرو : يأجوج ومأجوج لهم أنهار يَلْقَمون ما شاءوا، ونساء يجامعون ما شاءوا، وشجر يلقمون ما شاءوا، ولا يموت رجل إلا ترك من ذرّيته ألفا فصاعدا. 
حدثنا محمد بن عمارة، قال : حدثنا عبد الله بن موسى، قال : أخبرنا زكريا، عن عامر، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن سلام، قال : ما مات أحد من يأجوج ومأجوج إلا ترك ألف ذرء فصاعدا. 
حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال : حدثنا أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن الأعمش، عن عطية، قال : قال أبو سعيد : يخرج يأجوج ومأجوج فلا يتركون أحد إلا قتلوه، إلا أهل الحصون، فيمرّون على البحيرة فيشربونها، فيمرّ المارّ فيقول : كأنه كان ههنا ماء، قال : فيبعث الله عليهم النغف حتى يكسر أعناقهم فيصيروا خبالاً، فتقول أهل الحصون : لقد هلك أعداء الله، فيدلّون رجلاً لينظر، ويشترط عليهم إن وجدهم أحياء أن يرفعوه، فيجدهم قد هلكوا، قال : فينزل الله ماء من السماء فيقذفهم في البحر، فتطهر الأرض منهم، ويغرس الناس بعدهم الشجر والنخل، وتخرج الأرض ثمرتها كما كانت تخرج في زمن يأجوج ومأجوج. 
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، قال : رأى ابن عباس صبيانا ينزو بعضهم على بعض يلعبون، فقال ابن عباس : هكذا يخرج يأجوج ومأجوج. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا الحكم، قال : حدثنا عمرو بن قيس، قال : بلغنا أن ملكا دون الردم يبعث خيلاً كل يوم يحرسون الردم لا يأمن يأجوج ومأجوج أن تخرج عليهم، قال : فيسمعون جلبة وأمرا شديدا. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن أبي إسحاق، أن عبد الله بن عمرو، قال : ما يموت الرجل من يأجوج ومأجوج حتى يولد له من صلبه ألف، وإن من ورائهم لثلاث أمم ما يعلم عددهم إلا الله : منسك، وتاويل، وتاريس. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة، عن عمرو البِكالي، قال : إن الله جزأ الملائكة والإنس والجنّ عشرة أجزاء فتسعة منهم الكروب يون وهم الملائكة الذي يحملون العرش، ثم هم أيضا الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون. قال : ومن بقي من الملائكة لأمر الله ووحيه ورسالته. ثم جزّأ الإنس والجنّ عشرة أجزاء، فتسعة منهم الجن، لا يولد من الإنس ولد إلا ولد من الجن تسعة. ثم جزأ الإنس على عشرة أجزاء، فتسعة منهم يأجوج ومأجوج، وسائر الإنس جزء. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله : حتى إذَا فُتحتْ يَأْجُوج وَمأْجُوجُ قال : أُمّتانِ من وراء ردم ذي القرنين. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن غير واحد، عن حميد بن هلال، عن أبي الصيف، قال : كعب : إذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج حفروا حتى يسمع الذين يلونهم قرع فئوسهم، فإذا كان الليل قالوا : نجيء غدا فنخرج، فيعيدها الله كما كانت، فيجيئون من الغد فيجدونه قد أعاده الله كما كان، فيحفرونه حتى يسمع الذين يلونهم قرع فئوسهم، فإذا كان الليل ألقى الله على لسان رجل منهم يقول : نجيء غدا فنخرج إن شاء الله. فيجيئون من الغد فيجدونه كما تركوه، فيحفرون ثم يخرجون. فتمرّ الزمرة الأولى بالبحيرة فيشربون ماءها، ثم تمرّ الزمرة الثانية فيلحسون طينها، ثم تمرّ الزمرة الثالثة فيقولون : قد كان ههنا مرّة ماء. وتفرّ الناس منهم، فلا يقوم لهم شيء، يرمون بسهامهم إلى السماء، فترجع مخضبة بالدماء، فيقولون : غلبْنا أهل الأرض وأهل السماء. فيدعو عليهم عيسى ابن مريم، فيقول : اللهمّ لا طاقة ولا يدين لنا بهم، فاكفناهم بما شئت فيسلط الله عليهم دودا يقال له النغف فتفرس رقابهم، ويبعث الله عليهم طيرا فتأخذهم بمناقرها فتلقيهم في البحر، ويبعث الله عينا يقال لها الحياة تطهر الأرض منهم وتنبتها، حتى إن الرمانة ليشبع منها السكن. قيل : وما السكن يا كعب ؟ قال : أهل البيت. قال : فبينا الناس كذلك، إذ أتاهم الصريخ أن ذا السويقتين يريده، فيبعث عيسى طليعة سبع مئة، أو بين السبع مئة والثمان مئة، حتى إذا كانوا بعض الطريق بعث الله ريحا يمانية طيبة، فيقبض الله فيها روح كلّ مؤمن، ثم يبقى عَجَاجٌ من الناس يتسافدون كما تتسافد البهائم فمثَل الساعة كمثل رجل يطيف حول فرسه ينتظرها متى تضع. فمن تكلف بعد قولي هذا شيئا أو على هذا شيئا فهو المتكلف. 
حدثنا العباس بن الوليد البيروتي، قال : أخبرني أبي، قال : سمعت ابن جابر، قال : ثني محمد بن جابر الطائي ثم الحمصي، ثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي، قال : ثني أبي أنه سمع النوّاس بن سمعان الكلابي يقول : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال، وذكر أمره، وأن عيسى ابن مريم يقتله، ثم قال :«فَبيْنَا هُوَ كَذَلِكَ، أَوْحَى الله إليه : يا عِيسَى، إني قد أخْرَجْتُ عِبَادا لي لا يَد لأحَدٍ بِقتَالِهِمْ، فَحَرّزْ عِبَادِي إلى الطّورِ فيَبعثَ الله يأجُوجَ ومَأْجُوجَ، وهم مِنْ كُلّ حَدْبٍ يَنْسِلُونَ، فَيمُرّ أحَدُهُمْ على بحيرة طَبَريّةَ، فيَشْرَبُونَ ما فيها، ثم ينزل آخرهم، ثم يقول : لقد كان بهذه ماء مَرّة. فيحاصر بنيّ الله عِيسَى وأصحابه، حتى يكون رَأْسُ الثور يومئذ خَيْرا لأحدهم مِنْ مِئَةِ دينارٍ لأحدكم، فيرغب نبيّ الله عيسى وأصحابُه إلى الله، فيُرْسِل الله عليهم النّغَفَ في رِقَابِهِمْ، فيُصْبِحُونَ فَرْسى مَوْت نَفْسٍ واحِدَةٍ، فَيهْبِطُ نبيّ الله عيسى وأصْحَابُه، فلا يَجِدُونَ مَوْضَعا إلا قد ملأه زُهْمُهُمْ ونتنهم ودماؤهم، فيرغب نبيّ الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيُرْسِل عليهم طيرا كأعْنَاقِ البُخْتِ، فتَحْمِلُهُم فَتطْرَحُهُمْ حَيْثُ شاء الله، ثم يُرْسِلُ الله مطرا لا يَكُنّ منه بَيْتُ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزّلَفة. 
وأما قوله : وَهُمْ مِنْ كُلّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ فإن أهل التأويل اختلفوا في المعنيّ به، فقال بعضهم : عُني بذلك بنو آدم أنهم يخرجون من كل موضع كانوا دفنوا فيه من الأرض، وإنما عُني بذلك الحشرُ إلى موقف الناس يوم القيامة. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : مِنْ كُلّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ قال : جمع الناس من كلّ مكان جاءوا منه يوم القيامة، فهو حَدَبٌ. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيح : وَهُمْ مِنْ كُلّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، قال ابن جُرَيج : قال مجاهد : جمع الناس من كلّ حدب من مكان جاءوا منه يوم القيامة فهو حدب. 
وقال آخرون : بل عني بذلك يأجوج، ومأجوج وقوله :**«وهم »** وكناية أسمائهم ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، قال : حدثنا أبو الزعراء، عن عبد الله أنه قال : يخرج يأجوج ومأجوج فيمرحون في الأرض، فيُفسدون فيها. ثم قرأ عبد الله : وَهُمْ مِنْ كُلّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ قال : ثم يبعث الله عليهم دابّة مثل النغف، فتَلِجُ في أسماعهم ومناخرهم فيموتون منها فتنتن الأرض منهم، فيرسل الله عزّ وجلّ ماء فيطهر الأرض منهم. 
والصواب من القول في ذلك ما قاله الذين قالوا : عني بذلك يأجوج ومأجوج، وأن قوله : وَهُمْ كناية عن أسمائهم، للخبر الذي :
حدثنا به ابن حميد، قال : حدثنا سلم

### الآية 21:97

> ﻿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَٰذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ [21:97]

القول في تأويل قوله تعالى : وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الّذِينَ كَفَرُواْ يَوَيْلَنَا قَدْ كُنّا فِي غَفْلَةٍ مّنْ هََذَا بَلْ كُنّا ظَالِمِينَ . 
يقول تعالى ذكره : حتى إذا فُتحت يأجوج ومأجوج، اقترب الوعد الحقّ، وذلك وعد الله الذي وعد عباده أنه يبعثهم من قبورهم للجزاء والثواب والعقاب، وهو لا شكّ حق كما قال جلّ ثناؤه. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا الحكم بن بشير، قال : حدثنا عمرو، يعني ابن قيس، قال : حدثنا حذيفة : لو أن رجلاً افتلي فُلُوّا بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى تقوم القيامة. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَاقْتَرَبَ الوَعْد الحَقّ قال : اقترب يوم القيامة منهم. 
والواو في قوله : وَاقْتَرَب الْوَعْدُ الحَقّ مقحمة، ومعنى الكلام : حتى إذا فُتحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الحقّ، وذلك نظير قوله : فَلَمّا أسْلَما وَتَلّهُ للجَبِينِ وَنادَيناهُ معناه : ناديناه، بغير واو، كما قال امرؤ القيس :

فَلَمّا أجَزْنا ساحَة الحَيّ وانْتَحَى  بِنا بَطْنُ خَبْتٍ ذي حِقافٍ عَقَنْقَلِيريد : فلما أجزنا ساحة الحيّ انتحى بنا. 
وقوله : فإذَا هِيَ شاخِصَةٌ أبْصَارُ الّذِينَ كَفَرُوا ففي هي التي في قوله فإذا هي وجهان : أحدهما أن تكون كناية عن الأبصار وتكون الأبصار الظاهرة بيانا عنها، كما قال الشاعر :لَعَمْرُو أبِيها لا تَقُولُ ظَعِينَتي  ألا فَرّ عَنّي مالكُ بن أبي كَعْبِفكنى عن الظعينة في :**«لعمرو أبيها »**، ثم أظهرها، فيكون تأويل الكلام حينئذٍ : فإذا الأبصار شاخصة أبصار الذين كفروا. 
والثاني : أن تكون عمادا كما قال جلّ ثناؤه : فإنّها لا تَعْمَى الأبْصَارُ وكقول الشاعر :
\*\*\* فَهَلْ هُوَ مَرْفُوعٌ بِما هَهُنا رأْسْ \*\*\*
وقوله : يا وَيْلَنا قَدْ كُنّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا يقول تعالى ذكره : فإذا أبصار الذين كفروا قد شخصت عند مجيء الوعد الحقّ بأهواله وقيام الساعة بحقائقها، وهم يقولون : يا ويلنا قد كنا قبل هذا الوقت في الوقت في الدنيا في غفلة من هذا الذي نرى ونعاين ونزل بنا من عظيم البلاء. وفي الكلام متروك تُرِك ذكره استغناء بدلالة ما ذُكر عليه عنه، وذلك **«يقولون »** من قوله : فإذَا هِيَ شاخصَةٌ أبْصَارُ الّذِينَ كَفَرُوا يقولون : يا ويلنا. وقوله : بَلْ كُنّا ظالِمِينَ يقول مخبرا عن قيل الذين كفروا بالله يومئذٍ : ما كنا نعمل لهذا اليوم ما ينجينا من شدائده، بل كنا ظالمين بمعصيتنا ربنا وطاعتنا إبليس وجنده في عبادة غير الله عزّ وجلّ.

### الآية 21:98

> ﻿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [21:98]

القول في تأويل قوله تعالى : إِنّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ حَصَبُ جَهَنّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ . 
يقول تعالى ذكره : إنكم أيها المشركون بالله، العابدون من دونه الأوثان والأصنام، وما تعبدون من دون الله من الآلهة. كما :
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : إنّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ يعني الاَلهة ومن يعبدها، حَصَبُ جَهَنّمَ. 
وأما حصب جهنم، فقال بعضهم : معناه : وقود جهنم وشجرها. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : حَصَبُ جَهَنّمَ : شجر جهنم. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : إنّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ حَصَبُ جَهَنّمَ يقول : وقودها. 
وقال آخرون : بل معناه : حطب جهنم. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله : حَصَبُ جَهَنّمَ قال : حطبها. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، ( مثله ) وزاد فيه : وفي بعض القراءة :****«حَطَبُ جَهَنّمَ »**** يعني في قراءة عائشة. 
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة : حَصَبُ جَهَنّمَ قال : حصب جهنم يقذفون فيها. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن ابن الحر، عن عكرِمة، قوله : حَصَبُ جَهَنّمَ قال : حطب جهنم. 
وقال آخرون : بل معنى ذلك أنهم يُرْمَى بهم في جهنم. ذكر من قال ذلك :
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : حَصَبُ جَهَنّمَ يقول : إن جهنم إنما تحصب بهم، وهو الرمي يقول : يرمي بهم فيها. 
واختلف في قراءة ذلك، فقرأته قرّاء الأمصار : حَصَبُ جَهَنّمَ بالصاد، وكذلك القراءة عندنا لإجماع الحجة عليه. 
ورُوي عن عليّ وعائشة أنهما كانا يقرآن ذلك :****«حَطَبُ جَهَنّمَ »**** بالطاء. ورُوي عن ابن عباس أنه قرأه :**«حَضَبُ »** بالضاد. 
حدثنا بذلك أحمد بن يوسف، قال : حدثنا القاسم، قال : حدثنا إبراهيم بن محمد، عن عثمان بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه قرأها كذلك. 
وكأن ابن عباس إن كان قرأ ذلك كذلك، أراد أنهم الذين تُسجر بهم جهنم ويوقد بهم فيها النار وذلك أن كل ما هيجت به النار وأوقدت به، فهو عند العرب حضب لها. فإذا كان الصواب من القراءة في ذلك ما ذكرنا، وكان المعروف من معنى الحصب عند العرب : الرمي، من قولهم : حصبت الرجل : إذا رميته، كما قال جلّ ثناؤه : إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبا كان الأولى بتأويل ذلك قول من قال : معناه أنهم تقذف جهنم بهم ويرمى بهم فيها. وقد ذكر أن الحصب في لغة أهل اليمين : الحطب، فإن يكن ذلك كذلك فهو أيضا وجه صحيح. وأما ما قلنا من أن معناه الرمي فإنه في لغة أهل نجد. وأما قوله : أنْتُمْ لَهَا وَرِدُونَ فإن معناه : أنتم عليها أيها الناس أو إليها واردون، يقول : داخلون. وقد بيّنت معنى الورود فيما مضى قبل بما أغني عن إعادته في هذا الموضع.

### الآية 21:99

> ﻿لَوْ كَانَ هَٰؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا ۖ وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ [21:99]

القول في تأويل قوله تعالى : لَوْ كَانَ هََؤُلآءِ آلِهَةً مّا وَرَدُوهَا وَكُلّ فِيهَا خَالِدُونَ . 
يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين الذين وصف صفتهم أنهم ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون، وهم مشركو قريش : أنتم أيها المشركون، وما تعبدون من دون الله واردو جهنم، ولو كان ما تعبدون من دون الله آلهة ما وردوها، بل كانت تمنع من أراد أن يوردك موها إذ كنتم لها في الدنيا عابدين، ولكنها إذ كانت لا نفع عندها لأنفسها ولا عندها دفع ضرّ عنها، فهي من أن يكون ذلك عندها لغيرها أبعد، ومن كان كذلك كان بينا بعده من الألوهة، وأن الإله هو الذي يقدر على ما يشاء ولا يقدر عليه شيء، فأما من كان مقدورا عليه فغير جائز أن يكون إلها. وقوله : وكلّ فِيها خالِدُونَ يعني الآلهة ومن عبدها أنهم ماكثون في النار أبدا بغير نهاية وإنما معنى الكلام : كلكم فيها خالدون. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : لَوْ كانَ هُؤُلاءِ آلهَةً ما وَرَدُوها وَكُلّ فِيها خالِدُونَ قال : الاَلهة التي عبد القوم، قال : العابد والمعبود.

### الآية 21:100

> ﻿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ [21:100]

القول في تأويل قوله تعالى : لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ \* إِنّ الّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مّنّا الْحُسْنَىَ أُوْلََئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ . 
يعني تعالى ذكره بقولهم : لَهُمْ المشركين وآلهتهم، والهاء، والميم في قوله : لَهُمْ من ذكر **«كلّ »** التي في قوله : وُكلّ فِيا خالِدُونَ. يقول تعالى ذكره : لكلهم في جهنم زفير، وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ يقول : وهم في النار لا يسمعون. 
وكان ابن مسعود يتأوّل في قوله : وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ ما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن المسعودي، عن يونس بن خباب، قال : قرأ ابن مسعود هذه الآية : لَهُمْ فِيها زَفِير وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ قال : إذا ألقي في النار من يخلد فيها جعلوا في توابيت من نار، ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت أخرى، ثم جعلت التوابيت أخرى فيها مسامير من نار، فلا يرى أحد منهم أن في النار أحدا يعذّب غيره. ثم قرأ : لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ.

### الآية 21:101

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [21:101]

وأما قوله : إنّ الّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنّا الحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ فإن أهل التأويل اختلفوا في المعنيّ به، فقال بعضهم : عُني به كل من سبقت له من الله السعادة من خلقه أنه عن النار مُبعد. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن يوسف بن سعد وليس بابن ماهَك عن محمد بن حاطب، قال : سمعت عليّا يخطب فقرأ هذه الآية : إنّ الّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنّا الحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ. قال : عثمان رضي الله عنه منهم. 
وقال آخرون : بل عُني : من عُبد مِن دون الله، وهو لله طائع ولعبادة من يَعبد كاره. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى. وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ قال : عيسى، وعُزَير، والملائكة. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. 
قال ابن جُرَيج : قوله : إنّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ثم استثنى فقال : إنّ الّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنّا الحُسْنَى. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين، عن يزيد، عن عكرمة، والحسن البصري قالا : قال في سورة الأنبياء : إنّكُمْ وَما تَعْبُدونَ مِنْ دونِ اللّهِ حَصَب جَهَنمَ أنْتُمْ لَهَا وَارِدونَ لَوْ كانَ هَؤلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلّ فِيها خالِدُونَ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ ثم استثنى فقال : إنّ الّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنّا الحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ فقد عُبدت الملائكة من دون الله، وعُزَيرٌ وعيسى من دون الله. 
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد : أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ قال : عيسى. 
حدثني إسماعيل بن سيف، قال : حدثنا عليّ بن مسهر، قال : حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله : إنّ الّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنّا الحُسْنَى قال : عيسى، وأمه، وعُزَير، والملائكة. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني يوما مع الوليد بن المغيرة، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم وفي المجلس غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرض له النضر بن الحارث، وكلّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم : إنّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ حَصَبُ جَهَنّمَ أنْتُمْ لَهاَ وَارِدُونَ لَوْ كان هَؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وكُلّ فِيها خالِدُونَ. . . . إلى قوله : وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ. ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل عبد الله بن الزّبَعْرَي بن قيس بن عدي السهميّ حتى جلس، فقال الوليد بن المغيرة لعبد الله بن الزّبَعْري : والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفا وما قعد، وقد زعم أنّا وما نعبد من آلهتنا هذه حَصَب جهنم فقال عبد الله بن الزّبَعْري : أما والله لو وجدته لخصَمته فسلوا محمدا : أكلّ من عبد من دون الله في جهنم مع من عَبده ؟ فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عُزَيرا، والنصارى تعبد المسيح عيسى ابن مريم. فعجب الوليد بن المغيرة ومن كان في المجلس من قول عبد الله بن الزّبَعْري، ( ورأوا أنّه قد احتجّ وخاصم. فذُكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم من قول ابن الزبعري، فقال ) رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«نَعَمْ كُلّ مَنْ أحَبّ أنْ يُعْبَدَ مِنْ دُونِ اللّهِ فَهُوَ مَعَ مَنْ عَبَدَهُ، إنّمَا يَعْبَدُونَ الشّياطِينَ وَمَنْ أمَرَهُمْ بعِبادَتهِ »**. فأنزل الله عليه : إنّ الّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنّا الحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ. . . إلى : خالِدُونَ أي عيسى ابن مريم، وعُزير، ومن عَبدوا من الأحبار والرهبان الذي مضَوا على طاعة الله، فاتخذهم مَنْ بعدهم من أهل الضلالة أربابا من دون الله. فأنزل الله فيما ذكروا أنهم يعبدون الملائكة وأنها بنات الله : وَقالُوا اتّخَذَ الرّحْمَنُ وَلَدا سُبْحانَهَ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمونَ. . . إلى قوله : نَجْزِي الظّالِمينَ. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك، قال : يقول ناس من الناس إنّ الّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنّا الحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ يعني من الناس أجمعين. فليس كذلك، إنما يعني من يعبد الآلهة وهو لله مطيع مثل عيسى وأمه وعُزَير والملائكة، واستثنى الله هؤلاء الاَلهة المعبودة التي هي ومَنْ يعبدها في النار. 
حدثنا ابن سِنان القزاز، قال : حدثنا الحسن بن الحسين الأشقر، قال : حدثنا أبو كدينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : لما نزلت : إنّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ حَصَبُ جَهَنّمَ أنْتُمْ لَهَا وَارِدُون قال المشركون : فإن عيسى يُعبد وعُزَير والشمس والقمر يُعبدون فأنزل الله : إنّ الّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنّا الحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ لعيسى وغيره. 
وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب قول من قال : عني بقوله : إنّ الّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ ما كان من معبود كان المشركون يعبدونه والمعبود لله مطيع وعابدوه بعبادتهم إياه بالله كفّار لأن قوله تعالى ذكره : إنّ الّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنّا الْحُسْنَى ابتداء كلام محقق لأمر كان ينكره قوم، على نحو الذي ذكرنا في الخبر عن ابن عباس، فكأن المشركين قالوا لنبيّ الله صلى الله عليه وسلم إذ قال لهم : إنّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ حَصَبُ جَهَنّمَ : ما الأمر كما تقول، لأنا نعبد الملائكة، ويعبد آخرون المسيح وعُزَيرا. فقال عزّ وجلّ ردّا عليهم قولهم : بل ذلك كذلك، وليس الذي سبقت لهم منا الحسنى هم عنها مبعدون، لأنهم غير معنيين بقولنا : إنّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ حَصَبُ جَهَنّمَ. فأما قول الذين قالوا ذلك استثناء من قوله : إنّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ حَصَبُ جَهَنّمَ فقول لا معنى له لأن الاستثناء إنما هو إخراج المستثنى من المستثنى منه، ولا شكّ أن الذين سبقت لهم منا الحسنى إنما هم إما ملائكة وإما إنس أو جانّ، وكلّ هؤلاء إذا ذكرتها العرب فإن أكثر ما تذكرها ب **«من »** لا ب ****«ما »****، والله تعالى ذكره إنما ذكر المعبودين الذين أخبر أنهم حَصَب جهنم ب ****«ما »****، قال : إنّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ حَصَبُ جَهَنّمَ إنما أريد به ما كانوا يعبدونه من الأصنام والآلهة من الحجارة والخشب، لا من كان من الملائكة والإنس. فإذا كان ذلك كذلك لما وصفنا، فقوله : إنّ الّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنّا الحُسْنَى جواب من الله للقائلين ما ذكرنا من المشركين مبتدأ. وأما الحُسنى فإنها الفعلي من الحسن، وإنما عني بها السعادة السابقة من الله لهم. كما :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : إنّ الّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنّا الحُسْنَى قال : الحسنى : السعادة. وقال : سبقت السعادة لأهلها من الله، وسبق الشقاء لأهله من الله.

### الآية 21:102

> ﻿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا ۖ وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ [21:102]

القول في تأويل قوله تعالى : لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ . 
يقول تعالى ذكره : لا يسمع هؤلاء الذين سبقت لهم منا الحسنى حَسِيس النار، ويعني بالحسيس : الصوت والحسّ. 
فإن قال قائل : فكيف لا يسمعون حسيسها، وقد علمت ما رُوي من أن جهنم يُؤْتَي بها يوم القيامة فتزفر زفرة لا يبقى ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل إلا جثا على ركبتيه خوفا منها ؟ قيل : إن الحال التي لا يسمعون فيها حسيسها هي غير تلك الحال، بل هي الحال التي :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِيما اشْتَهَتْ أنْفُسُهُمْ خالِدُونَ يقول : لا يسمع أهل الجنة حسيس النار إذا نزلوا منزلهم من الجنة. 
وقوله : وَهُمْ فِيما اشْتَهَتْ أنْفُسُهُمْ خالِدُونَ يقول : وهم فيما تشتهيه نفوسهم من نعيمها ولذّاتها ماكثون فيها، لا يخافون زوالاً عنها ولا انتقالاً عنها.

### الآية 21:103

> ﻿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [21:103]

القول في تأويل قوله تعالى : لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأكْبَرُ وَتَتَلَقّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ هََذَا يَوْمُكُمُ الّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ . 
اختلف أهل التأويل في الفزع الأكبر أيّ الفزع هو ؟ فقال بعضهم : ذلك النار إذا أطبقت على أهلها. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو هشام، قال : حدثنا يحيى بن يمان، قال : حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير : لا يَحْزُنهُمْ الفَزَعُ الأكْبَرُ قال : النار إذا أطبقت على أهلها. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : قال ابن جريج، قوله : لا يَحْزُنهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ قال : حين يطبق جهنم، وقال : حين ذُبح الموت. 
وقال آخرون : بل ذلك النفخة الآخرة. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : لا يَحْزُنهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ يعني النفخة الاَخرة. 
وقال آخرون : بل ذلك حين يؤمر بالعبد إلى النار. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عنبسة، عن رجل، عن الحسن : لا يَحْزُنهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ قال : انصراف العبد حين يُؤْمر به إلى النار. 
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال : ذلك عند النفخة الاَخرة وذلك أن من لم يحزنه ذلك الفزع الأكبر وأمن منه، فهو مما بعدَه أحْرَى أن لا يفزَع، وأن من أفزعه ذلك فغير مأمون عليه الفزع مما بعده. 
وقوله : وَتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ يقول : وتستقبلهم الملائكة يهنئونهم يقولون : هَذَا يَوْمُكُمُ الّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ فيه الكرامة من الله والحِباء والجزيل من الثواب على ما كنتم تنصَبون في الدنيا لله في طاعته. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال ابن زيد. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : هَذَا يَوْمُكُمُ الّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ قال : هذا قبل أن يدخلوا الجنة.

### الآية 21:104

> ﻿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [21:104]

القول في تأويل قوله تعالى : يَوْمَ نَطْوِي السّمَآءَ كَطَيّ السّجِلّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَآ أَوّلَ خَلْقٍ نّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنّا كُنّا فَاعِلِينَ . 
يقول تعالى ذكره : لا يحزنهم الفزع الأكبر، يوم نطوي السماء. ف **«يوم »** صلة من **«يحزنهم »**. 
واختلف أهل التأويل في معنى السجلّ الذي ذكره الله في هذا الموضع، فقال بعضهم : هو اسم ملَك من الملائكة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن يمان، قال : حدثنا أبو الوفاء الأشجعيّ، عن أبيه، عن ابن عمر، في قوله : يَوْمَ نَطْوِي السّماءَ كَطَيّ السّجلّ للْكِتَابِ قال : السجِلّ : مَلَك، فإذا صعد بالاستغفار قال : اكتبها نورا. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان، قال : سمع السديّ يقول، في قوله : يَوْمَ نَطْوِي السّماءَ كَطَيّ السّجِلّ قال : السجلّ : ملَك. 
وقال آخرون : السجل : رجل كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا نصر بن عليّ، قال : حدثنا نوح بن قيس، قال : حدثنا عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس في هذه الآية : يَوْمَ نَطْوِي السّماءَ كَطَيّ السّجِلّ لِلْكُتُبِ قال : كان ابن عباس يقول : هو الرجل. 
قال : حدثنا نوح بن قيس، قال : حدثنا يزيد بن كعب، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، قال : السجلّ : كاتب كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. 
وقال آخرون : بل هو الصحيفة التي يُكتب فيها. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : كَطَيّ السّجِلّ للْكِتابِ يقول : كطيّ الصحيفة على الِكتاب. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : يَوْمَ نَطْوِي السّماءَ كَطَيّ السّجِلّ للْكِتابِ يقول : كطيّ الصحف. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : السّجلّ : الصحيفة. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله : يَوْمَ نَطْوِي السّماءَ كَطَيّ السّجِلّ لِلْكِتابِ قال : السجل : الصحيفة. 
وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب قول من قال : السجلّ في هذا الموضع الصحيفة لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب، ولا يعرف لنبينا صلى الله عليه وسلم كاتب كان اسمه السجلّ، ولا في الملائكة مَلك ذلك اسمه. 
فإن قال قائل : وكيف تَطْوي الصحيفة بالكتاب إن كان السجلّ صحيفة ؟ قيل : ليس المعنى كذلك، وإنما معناه : يوم نطوي السماء كطيّ السجلّ على ما فيه من الكتاب ثم جعل **«نطوِي »** مصدرا، فقيل : كَطَيّ السّجِلّ لِلْكِتابِ واللام في قوله **«للكتاب »** بمعنى **«على »**. 
واختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار، سوى أبي جعفر القارئ : يَوْمَ نَطْوِي السّماءَ بالنون. وقرأ ذلك أبو جعفر :**«يَوْم تُطْوَي السّماءُ »** بالتاء وضمها، على وجه ما لم يُسمّ فاعله. 
والصواب من القراءة في ذلك ما عليه قرّاء الأمصار، بالنون، لإجماع الحجة من القرّاء عليه وشذوذ ما خالفه. وأما السّجلّ فإنه في قراءة جميعهم بتشديد اللام. وأما الكتاب، فإن قرّاء أهل المدينة وبعض أهل الكوفة والبصرة قرأوه بالتوحيد :**«كطيّ السجلّ للكتاب »**، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة : للْكُتُبِ على الجماع. 
وأولى القراءتين عندنا في ذلك بالصواب : قراءة من قرأه على التوحيد للكتاب لما ذكرنا من معناه، فإِن المراد منه : كطيّ السجلّ على ما فيه مكتوب. فلا وجه إذ كان ذلك معناه لجميع الكتب إلا وجه نتبعه من معروف كلام العرب، وعند قوله : كَطَيّ السّجِلّ انقضاء الخبر عن صلة قوله : لا يَحْزُنهُمُ الْفَزَعُ الأْكْبَرُ، ثم ابتدأ الخبر عما الله فاعل بخلقه يومئذ فقال تعالى ذكره : كمَا بَدَأْنا أوّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ فالكاف التي في قوله :**«كمَا »** من صلة **«نعيد »**، تقدّمت قبلها ومعنى الكلام : نعيد الخلق عُراة حُفاة غُرْلاً يوم القيامة، كما بدأناهم أوّل مرّة في حال خلقناهم في بطون أمهَاتهم، على اختلاف من أهل التأويل في تأويل ذلك. 
وبالذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل، وبه الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلذلك اخترت القول به على غيره. ذكر من قال ذلك والأثر الذي جاء فيه :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : أوّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ قال : حُفاة عُراة غُرْلاً. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله : أوّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ قال : حُفاة غُلْفا. قال ابن جُرَيج أخبرني إبراهيم بن ميسرة، أنه سمع مجاهدا يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحدى نسائه :**«يَأْتُونَهُ حُفاةً عُرَاةً غُلْفا »** فاسْتَترَتْ بِكُمّ دِرْعِها، وَقالَتْ وَاسَوأتاهُ قال ابن جُرَيج : أخبرت أنها عائشة قالت : يا نبيّ الله، لا يحتشمُ الناس بعضهم بعضا ؟ قال :**«لكُلّ امرئ يَوْمِئِذٍ شأْنٌ يُغْنِيهِ »**. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا يحيى بن سعيد، قال : حدثنا سفيان، قال : ثني المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :**«يُحْشَرُ النّاسُ حُفاةً عُرَاةً غُرْلاً، فَأوّلَ مَنْ يُكْسَى إبراهِيمُ »** ثم قرأ : كمَا بَدأْنا أوّلَ خَلْقٍ نُعِيدُه وَعْدا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا إسحاق بن يوسف، قال : حدثنا سفيان، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال :**«قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة »** فذكره نحوه. 
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن المغيرة بن النعمان النَخَعِيّ، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال :**«قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم »** فذكره نحوه. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا وكيع، عن شعبة، قال : حدثنا المغيرة بن النعمان النخَعيّ، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، نحوه. 
حدثنا عيسى بن يوسف بن الطباع أبو يحيى، قال : حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال : سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب فقال :**«إنّكُمْ مُلاقُو اللّهِ مُشاةً غُرْلاً »**. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد، عن عائشة، قالت : دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي عجوز من بني عامر، فقال :**«مَنْ هَذه العَجُوزُ يا عائِشَةُ ؟ »** فقلت : إحدى خالاتي. فقالت : ادع الله أن يدخلني الجنة فقال :**«إنّ الجَنّةَ لا يَدْخُلُها العَجَزةُ »**. قالت : فأخذ العجوزَ ما أخذها، فقال :**«إنّ اللّهَ يُنْشِئُهُنّ خَلْقا غيرَ خَلْقِهِنّ »**، ثم قال :**«يُحْشَرُونَ حُفاةً عُرَاةً غُلْقا »**. فقالت : حاش لله من ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«بَلى إنّ اللّهَ قالَ : كمَا بَدأْنا أوّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدا عَلَيْنا. . . إلى آخر الاَية، فأوّلُ مَنْ يُكْسَى إبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الله »**. 
حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال : حدثنا عبيد الله، قال : حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عطاء، عن عقبة بن عامر الجهني، قال : يجمع الناس في صعيد واحد ينفذهم البصر، ويسمعهم الداعي، حفاة عراة، كما خُلقوا أوّل يوم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني عباد بن العوّام، عن هلال بن حبان، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، ( عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قال :**«يحشر الناس يوم القيامة حُفاة عراة مشاة غرلاً »**. قلت : يا أبا عبد الله ما الغُرْل ؟ قال : الغُلْف. فقال بعض أزواجه : يا رسول الله، أينظر بعضنا إلى بعض إلى عورته ؟ فقال **«لِكُلّ امْرىءٍ منهم يَوْمَئِذٍ ما يَشْغَلُهُ عَن النّظَر إلى عَوْرَة أخِيهِ »**. قال هلال : قال سعيد بن جُبير : وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرَادَى كمَا خَلَقْناكُمْ أوّلَ مَرّةٍ قال : كيوم ولدته أمه، يردّ عليه كل شيءٍ انتقص منه مثل يوم وُلد. 
وقال آخرون : بل معنى ذلك : كما كنا ولا شيء غيرنا قبل أن نخلق شيئا، كذلك نهلك الأشياء فنعيدها فانية، حتى لا يكون شيء سوانا. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : كمَا بَدأْنا أوّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ. . . الاَية، قال : نهلك كل شيء كما كان أوّل مرّة. 
وقوله : وَعْدا عَلَيْنا يقول : وعدناكم ذلك وعدا حقّا علينا أن نوفي بما وعدنا، إنا كنا فاعلي ما وعدناكم من ذلك أيها الناس، لأنه قد سبق في حكمنا وقضائنا أن نفعله، على يقين بأن ذلك كائن، واستعدوا وتأهبوا.

### الآية 21:105

> ﻿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [21:105]

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزّبُورِ مِن بَعْدِ الذّكْرِ أَنّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصّالِحُونَ . 
اختلف أهل التأويل في المعنىّ بالزّبور والذكر في هذا الموضع، فقال بعضهم : عُني بالزّبور : كتب الأنبياء كلها التي أنزلها الله عليهم، وعُني بالذكر : أمّ الكتاب التي عنده في السماء. ذكر من قال ذلك :
حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرمليّ، قال : حدثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، قال : سألت سعيدا، عن قول الله : وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذّكْرِ قال : الذكر : الذي في السماء. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، في قوله : وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزّبُورِ قال : قرأها الأعمش :**«الزّبُر »** قال : الزبور، والتوراة، والإنجيل، والقرآن مِنْ بَعْدِ الذّكْرِ قال : الذكر الذي في السماء. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : الزّبُورِ قال : الكتاب. مِنْ بَعْدِ الذّكْرِ قال : أمّ الكتاب عند الله. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله : الزّبُورِ قال : الكتاب. بَعْدِ الذّكْرِ قال : أم الكتاب عند الله. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزّبُورِ قال : الزبور : الكتب التي أُنزلت على الأنبياء. والذكر : أمّ الكتاب الذي تُكتب فيه الأشياء قبل ذلك. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن سعيد، في قوله : وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذّكْرِ قال : كتبنا في القرآن من بعد التوراة. 
وقال آخرون : بل عُني بالزّبور : الكتب التي أنزلها الله على مَنْ بعد موسى من الأنبياء، وبالذكر : التوراة. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزّبُورِ مِنْ بَعْدَ الذّكْرِ. . . الآية، قال : الذكر : التوراة، والزبور : الكتب. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول، في قوله : وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذّكْرِ. . . الاَية، قال : الذكر : التوراة، ويعني بالزبور من بعد التوراة : الكتب. 
وقال آخرون : بل عُني بالزّبور زَبور داود، وبالذكر تَوراة موسى صلى الله عليهما. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا عبد الوهاب، قال : حدثنا داود، عن عامر أنه قال في هذه الاَية : وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذّكْرِ قال : زبور داود. من بعد الذكر : ذكر موسى التوراة. 
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن داود، عن الشعبيّ، أنه قال في هذه الاَية : وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذّكْرِ قال : في زبور داود، من بعد ذكر موسى. 
وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب في ذلك ما قاله سعيد بن جُبير ومجاهد ومن قال بقولهما في ذلك، من أن معناه : ولقد كتبنا في الكتب من بعد أمّ الكتاب الذي كتب الله كل ما هو كائن فيه قبل خلق السموات والأرض. وذلك أن الزبور هو الكتاب، يقال منه : زبرت الكتاب وذَبرته : إذا كتبته، وأن كلّ كتاب أنزله الله إلى نبيّ من أنبيائه، فهو ذِكْر. فإذ كان ذلك كذلك، فإن في إدخاله الألف واللام في الذكر، الدلالة البينة أنه معنيّ به ذكر بعينه معلوم عند المخاطبين بالآية، ولو كان ذلك غير أمّ الكتاب التي ذكرنا لم تكن التوراة بأولى من أن تكون المعنية بذلك من صحف إبراهيم، فقد كان قبل زَبور داود. 
فتأويل الكلام إذن، إذ كان ذلك كما وصفنا : ولقد قضينا، فأثبتنا قضاءنا في الكتب من بعد أمّ الكتاب، أن الأرض يرثها عبادي الصالحون يعني بذلك : أن أرض الجنة يرثها عبادي العاملون بطاعته المنتهون إلى أمره ونهيه من عباده، دون العاملين بمعصيته منهم المؤثرين طاعة الشيطان على طاعته. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عبد الله الهلالي، قال : حدثنا عبيد الله بن موسى، قال : حدثنا إسرائيل، عن أبي يحيى القَتّات، عن مجاهد، عن ابن عباس، قوله : أنّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ قال : أرض الجنة. 
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله : وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذّكْرِ أنّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ قال : أخبر سبحانه في التوراة والزبور وسابق علمه قبل أن تكون السموات والأرض، أن يورث أمة محمد صلى الله عليه وسلم الأرض ويُدخلهم الجنة، وهم الصالحون. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن سعيد بن جُبير في قوله : وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذّكْرِ أنّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ قال : كتبنا في القرآن بعد التوراة، والأرض أرض الجنة. 
حدثني عليّ بن سهل، قال : حدثنا حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية : أنّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ قال : الأرض : الجنة. 
حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرمليّ، قال : حدثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، قال : سألت سعيدا عن قول الله : أنّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ قال : أرض الجنة. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله : أنّ الأرْضَ قال : الجنة، يَرِثُها عِبادِيَ الصّالحُونَ. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : أنّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ قال : الجنة. وقرأ قول الله جلّ ثناؤه : وَقالُوا الحَمْدِ للّهِ الّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأوْرَثنَا الأَرْضَ نَتَبَوّأُ مِنَ الجَنةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ قال : فالجنة مبتدؤها في الأرض ثم تذهب درجات عُلوّا، والنار مبتدؤها في الأرض وبينهما حجاب سُور ما يدري أحد ما ذاك السور، وقرأ : بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرّحَمةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ العَذَابُ قال : ودرجها تذهب سَفالاً في الأرض، ودرج الجنة تذهب عُلوّا في السموات. 
حدثنا محمد بن عوف، قال : حدثنا أبو المغيرة، قال : حدثنا صفوان، سألت عامر بن عبد الله أبا اليمان : هل لأنفس المؤمنين مجتمع ؟ قال : فقال : إن الأرض التي يقول الله : وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذّكْرِ أنّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ قال : هي الأرض التي تجتمع إليها أرواح المؤمنين حتى يكون البعث. 
وقال آخرون : هي الأرض يورثها الله المؤمنين في الدنيا. 
وقال آخرون : عُني بذلك بنو إسرائيل وذلك أن الله وعدهم ذلك فوفيّ لهم به. واستشهد لقوله ذلك بقول الله : وأَورَثْنا القَوْمَ الّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ وَمَغارِبَها الّتِي بارَكْنا فِيها. وقد ذكرنا قول من قال : أنّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ أنها أرض الأمم الكافرة، ترثها أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وهو قول ابن عباس الذي رَوَى عنه عليّ بن أبي طلحة.

### الآية 21:106

> ﻿إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ [21:106]

القول في تأويل قوله تعالى : إِنّ فِي هََذَا لَبَلاَغاً لّقَوْمٍ عَابِدِينَ \* وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لّلْعَالَمِينَ . 
يقول تعالى ذكره : إن في هذا القرآن الذي أنزلناه على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، لبلاغا لمن عبد الله بما فيه من الفرائض التي فرضها الله، إلى رضوانه وإدراك الطّلِبة عنده. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن عُلَية، عن الجَريريّ، عن أبي الوَرْد بن ثُمامة، عن أبي محمد الحضرميّ، قال : حدثنا كعب في هذا المسجد، قال : والذي نفس كعب بيده إنّ في هَذَا لبَلاغا لقَوْمٍ عَابِدِينَ إنهم لأهل أو أصحاب الصلوات الخمس، سماهم الله عابدين. 
حدثنا الحسين بن يزيد الطحان، قال : حدثنا ابن عُلَية، عن سعيد بن إياس الجريريّ، عن أبي الوَرْد عن كعب، في قوله : إنّ فِي هَذَا لَبَلاغا لِقَوْمٍ عابِدِينَ قال : صوم شهر رمضان، وصلاة الخمس، قال : هي ملء اليدين والبحر عبادة. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا محمد بن الحسين، عن الجريريّ، قال : قال كعب الأحبار : إنّ فِي هَذَا لَبَلاغا لِقَوْمٍ عابِدِينَ لأمة محمد. 
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : إنّ فِي هَذَا لَبَلاغا لِقَوْمٍ عابِدِينَ يقول : عاملين. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله : إنّ فِي هَذَا لَبَلاغا لِقَوْمٍ عابِدِينَ قال : يقولون في هذه السورة لبلاغا. 
ويقول آخرون : في القرآن تنزيل لفرائض الصلوات الخمس، من أداها كان بلاغا لقوم عابدين، قال : عاملين. 
حدثنا يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : إنّ فِي هَذَا لَبَلاغا لِقَوْمٍ عابِدِينَ قال : إن في هذا لمنفعة وعلما لقوم عابدين ذاك البلاغ.

### الآية 21:107

> ﻿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [21:107]

وقوله : وَما أرْسَلْناكَ إلاّ رَحْمَةً للْعَالَمِينَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وما أرسلناك يا محمد إلى خلقنا إلا رحمة لمن أرسلناك إليه من خلقي. 
ثم اختلف أهل التأويل في معنى هذه الآية، أجميع العالم الذي أرسل إليهم محمد أُريد بها مؤمنهم وكافرهم ؟ أم أريد بها أهل الإيمان خاصة دون أهل الكفر ؟ فقال بعضهم : عُني بها جميع العالم المؤمن والكافر. ذكر من قال ذلك :
حدثني إسحاق بن شاهين، قال : حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق، عن المسعوديّ، عن رجل يقال له سعيد، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، في قول الله في كتابه : وَما أرْسَلْناكَ إلاّ رَحْمَةً للْعَالَمِينَ قال : من آمن بالله واليوم الآخر كُتب له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن بالله ورسوله عُوفِيَ مما أصاب الأمم من الخَسْف والقذف. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا عيسى بن يونس، عن المسعوديّ، عن أبي سعيد، عن سعيد جُبير، عن ابن عباس، في قوله : وَما أرْسَلْناكَ إلاّ رَحْمَةً للْعَالَمِينَ قال : تمت الرحمة لمن آمن به في الدنيا والاَخرة، ومن لم يؤمن به عُوفيَ مما أصاب الأمم قبل. 
وقال آخرون : بل أريد بها أهل الإيمان دون أهل الكفر. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَما أرْسَلْناكَ إلاّ رَحْمَةً للْعَالَمِينَ قال : العالمون : من آمن به وصدّقه. قال : وَإنْ أدْرِي لَعَلّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إلى حِينِ قال : فهو لهؤلاء فتنة ولهؤلاء رحمة، وقد جاء الأمر مجملاً رحمة للعالمين. والعالَمون ههنا : من آمن به وصدّقه وأطاعه. 
وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الذي رُوي عن ابن عباس، وهو أن الله أرسل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة لجميع العالم، مؤمنهم وكافرهم. فأما مؤمنهم فإن الله هداه به، وأدخله بالإيمان به وبالعمل بما جاء من عند الله الجنة. وأما كافرهم فإنه دفع به عنه عاجل البلاء الذي كان ينزل بالأمم المكذّبة رسلها من قبله.

### الآية 21:108

> ﻿قُلْ إِنَّمَا يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [21:108]

القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ إِنّمَآ يُوحَىَ إِلَيّ أَنّمَآ إِلََهُكُمْ إِلََهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُمْ مّسْلِمُونَ . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد : ما يوحي إليّ ربي إلا أنّه لا إله لكم يجوز أن يُعبد إلا إله واحد لا تصلح العبادة إلا له ولا ينبغي ذلك لغيره. فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ يقول : فهل أنتم مذعنون له أيها المشركون العابدون الأوثان والأصنام بالخضوع لذلك، ومتبرّئون من عبادة ما دونه من آلهتكم ؟

### الآية 21:109

> ﻿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۖ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ [21:109]

القول في تأويل قوله تعالى : فَإِن تَوَلّوْاْ فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَىَ سَوَآءٍ وَإِنْ أَدْرِيَ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مّا تُوعَدُونَ . 
يقول تعالى ذكره : فإن أدبر هؤلاء المشركون يا محمد عن الإقرار بالإيمان، بأن لا إله لهم إلا إله واحد، فأعرضوا عنه وأبوا الإجابة إليه، فقل لهم : قَدْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَوَاءٍ يقول : أعلمهم أنك وهم على علم من أن بعضكم لبعض حرب، لا صلح بينكم ولا سلم. 
وإنما عُني بذلك قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم من قُرَيش، كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله : فإنْ تَوَلّوْا فَقُل آذَنْتُكُمْ عَلى سَوَاءٍ فإن تولوا، يعني قريشا. 
وقوله : وَإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ يقول تعالى ذكره لنبيه : قل وما أدري متى الوقت الذي يحلّ بكم عقاب الله الذي وعدكم، فينتقم به منكم، أقريب نزوله بكم أم بعيد ؟ 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج : وَإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ قال : الأجل.

### الآية 21:110

> ﻿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ [21:110]

القول في تأويل قوله تعالى : إِنّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ \* وَإِنْ أَدْرِي لَعَلّهُ فِتْنَةٌ لّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىَ حِينٍ . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل لهؤلاء المشركين، إن الله يعلم الجهر الذي يجهرون به من القول، ويعلم ما تخفونه فلا تجهرون به، سواء عنده خفيه وظاهره وسرّه وعلانيته، إنه لا يخفى عليه منه شيء

### الآية 21:111

> ﻿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ [21:111]

فإن أخّر عنكم عقابه على ما تخفون من الشرك به أو تجهرون به، فما أدري ما السبب الذي من أجله يؤخّر ذلك عنكم ؟ لعلّ تأخيره ذلك عنكم مع وعده إياكم لفتنة يريدها بكم، ولتتمتعوا بحياتكم إلى أجل قد جعله لكم تبلغونه، ثم ينزل بكم حينئذٍ نقمته. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الخراسانيّ، عن ابن عباس : وَإنْ أدْرِي لَعَلّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إلى حينٍ يقول : لعلّ ما أُقرّب لكم من العذاب والساعة، أن يؤخّر عنكم لمدتكم، ومتاع إلى حين، فيصير قولي ذلك لكم فتنة.

### الآية 21:112

> ﻿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ ۗ وَرَبُّنَا الرَّحْمَٰنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ [21:112]

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ رَبّ احْكُم بِالْحَقّ وَرَبّنَا الرّحْمََنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىَ مَا تَصِفُونَ . 
يقول تعالى ذكره : قل يا محمد : يا ربّ افصل بيني وبين من كذّبني من مشركي قومي وكفر بك وعبد غيرك، بإحلال عذابك ونقمتك بهم وذلك هو الحقّ الذي أمر الله تعالى نبيه أن يسأل ربه الحكم به، وهو نظير قوله جلّ ثناؤه : رَبّنا افْتَحْ بَيْنَنَا وبَينَ قَوْمِنا بالحَقّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحين. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : قال ابن عباس : قالَ رَبّ احْكُمْ بالحَقّ قال : لا يحكم بالحقّ إلا الله، ولكن إنما استعجل بذلك في الدنيا، يسأل ربه على قومه. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا شهد قتالاً قال :**«رَبّ احْكُمْ بالحَقّ »**. 
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار : قُلْ رَبّ احْكُمْ بكسر الباء، ووصل الألف ألف **«احكم »**، على وجه الدعاء والمسألة، سوى أبي جعفر، فإنه ضمّ الباء من ****«الربّ »****، على وجه نداء المفرد، وغير الضحاك بن مزاحم، فإنه رُوي عنه أنه كان يقرأ ذلك :**«رَبّي أحْكَمُ »** على وجه الخبر بأن الله أحكَمُ بالحقّ من كلّ حاكم، فيثبت الياء في ****«الربّ »****، ويهمز الألف من **«أحْكَمُ »**، ويرفع **«أَحْكُم »**، على أنه للربّ تبارك وتعالى. 
والصواب من القراءة عندنا في ذلك : وصل الباء من الربّ وكسرها ب ****«احْكُمْ »****، وترك قطع الألف من ****«احْكُمْ »****، على ما عليه قرّاء الأمصار لإجماع الحُجة من القرّاء عليه وشذوذ ما خالفه. وأما الضحاك فإن في القراءة التي ذُكرت عنه زيادة عنه زيادة حرف على خطّ المصاحف، ولا ينبغي أن يزاد ذلك فيها، مع صحة معنى القراءة بترك زيادته. وقد زعم بعضهم أن معنى قوله : رَبّ احْكُمْ بالحَقّ قل : ربّ احكم بحكمك الحقّ، ثم حذف الحكم الذي الحقّ نعت له وأقيم الحقّ مقامه. ولذلك وجه، غير أن الذي قلناه أوضح وأشبه بما قاله أهل التأويل، فلذلك اخترناه. 
وقوله : وَرَبّنا الرّحْمَنُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ يقول جلّ ثناؤه : وقل يا محمد : وربنا الذي يرحم عباده ويعُمهم بنعمته، الذي أستعينه عليكم فيما تقولون وتصفون من قولكم لي فيما أتيتكم به من عند الله إنْ هَذَا إلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أفَتَأْتُونَ السّحْرَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ، وقولكم : بَلِ افْتَرَاه بَلْ هُوَ شاعِرٌ، وفي كذبكم على الله جلّ ثناؤه وقيلكم : اتّخَذَ الرّحْمَنُ وَلَدا فإنه هين عليه تغيير ذلك وفصل ما بيني وبينكم بتعجيل العقوبة لكم على ما تصفون من ذلك. 
آخر تفسير سورة الأنبياء عليهم السلام

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/21.md)
- [كل تفاسير سورة الأنبياء
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/21.md)
- [ترجمات سورة الأنبياء
](https://quranpedia.net/translations/21.md)
- [صفحة الكتاب: جامع البيان في تأويل آي القرآن](https://quranpedia.net/book/4.md)
- [المؤلف: الطبري](https://quranpedia.net/person/3982.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/21/book/4) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
