---
title: "تفسير سورة الحج - زاد المسير في علم التفسير - ابن الجوزي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/22/book/340.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/22/book/340"
surah_id: "22"
book_id: "340"
book_name: "زاد المسير في علم التفسير"
author: "ابن الجوزي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الحج - زاد المسير في علم التفسير - ابن الجوزي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/22/book/340)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الحج - زاد المسير في علم التفسير - ابن الجوزي — https://quranpedia.net/surah/1/22/book/340*.

Tafsir of Surah الحج from "زاد المسير في علم التفسير" by ابن الجوزي.

### الآية 22:1

> يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [22:1]

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله تعالى : اتَّقُواْ رَبَّكُمُ  أي : احذروا عقابه  إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ  الزلزلة : الحركة على الحالة الهائلة. 
**وفي وقت هذه الزلزلة قولان :**
أحدهما : أنها يوم القيامة بعد النشور. روى عمران بن حصين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ : إن زلزلة الساعة شيء عظيم  وقال :
 " تدرون أي يوم ذلك ؟ فأنه يوم ينادي الرب عز وجل آدم عليه السلام : ابعث بعثا إلى النار " فذكر الحديث. وروى أبو سعيد الخدري، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يقول الله تعالى يوم القيامة لآدم : قم، فابعث بعث النار، فيقول : يا رب، وما بعث النار ؟ قال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، فحينئذ يشيب المولود، وتضع كل ذات حمل حملها "، وقرأ الآية. وقال ابن عباس : زلزلة الساعة : قيامها يعني أنها تقارب قيام الساعة، وتكون معها. وقال الحسن، والسدي : هذه الزلزلة تكون يوم القيامة. 
والثاني : أنها تكون في الدنيا قبل القيامة، وهي من أشراط الساعة، قاله علقمة، والشعبي، وابن جريج. وروى أبو العالية عن أبي بن كعب، قال ست آيات قبل القيامة، بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس، فبينما هم كذلك إذ تناثرت النجوم، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض، فتحركت، واضطربت، ففزع الجن إلى الإنس، والإنس إلى الجن، واختلطت الدواب، والطير، والوحش، فماج بعضهم في بعض، فقالت الجن للإنس : نحن نأتيكم بالخبر، فانطلقوا إلى البحور، فإذا هي نار تأجج، فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض إلى الأرض السابعة، والسماء إلى السماء السابعة، فينما هم كذلك إذ جاءتهم الريح فماتوا. وقال مقاتل : هذه الزلزلة قبل النفخة الأولى، وذلك أن مناديا ينادي من السماء : يا أيها الناس أتى أمر الله، فيفزعون فزعا شديدا فيشيب الصغير، وتضع الحوامل. 
قوله تعالى : شيء عَظِيمٌ  أي : لا يوصف لعظمه.

### الآية 22:2

> ﻿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُمْ بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [22:2]

قوله تعالى : يَوْمَ تَرَوْنَهَا  يعني : تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ  فيه قولان :
أحدهما : تسلو عن ولدها، وتتركه، قاله ابن قتيبة. 
والثاني : تشغل عنه، قاله قطرب، ومنه قول ابن رواحة :
ويذهل الخليل عن خليله \*\*\*. . . 
وقرأ أبو عمران الجوني، وابن أبي عبلة :" تذهل " برفع التاء وكسر الهاء " كل " بنصب اللام. قال الأخفش : وإنما قال :" مرضعة "، لأنه أراد والله أعلم الفعل، ولو أراد الصفة فيما نرى، لقال :" مرضع ". قال الحسن : تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام، وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام، وهذا يدل على أن الزلزلة تكون في الدنيا، لأن بعد البعث لا تكون حبلى. 
قوله تعالى : وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى  وقرأ عكرمة، والضحاك، وابن يعمر، و " ترى " بضم التاء. ومعنى  سكارى  : من شدة الخوف  وَمَا هُم بِسُكَارَى  من الشراب، والمعنى : ترى الناس كأنهم سكارى من ذهول عقولهم، لشدة ما يمر بهم، يضطربون اضطراب السكران من الشراب. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف :" سكرى وما هم بسكرى " وهي قراءة ابن مسعود. قال الفراء : وهو وجه جيد، لأنه بمنزله الهلكى والجرحى. وقرأ عكرمة، والضحاك، وابن السميفع :" سكارى وما هم بسكارى " بفتح السين والراء وإثبات الألف،  وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ  فيه دليل على أن سكرهم من خوف عذابه.

### الآية 22:3

> ﻿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ [22:3]

قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِي اللَّهِ  قال المفسرون : نزلت في النضر بن الحارث. وفيما جادل فيه ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه كان كلما نزل شيء من القرآن كذب به، قاله ابن عباس. 
والثاني : أنه زعم أن الملائكة بنات الله، قاله مقاتل. 
والثالث : أنه قال : لا يقدر الله على إحياء الموتى، ذكره أبو سليمان الدمشقي. 
قوله تعالى : بِغَيْرِ عِلْمٍ  أي : إنما يقوله بإغواء الشيطان، لا بعلم  وَيَتَّبِعْ  ما يسول له  كل شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ  وقد ذكرنا معنى " المريد " في سورة النساء :\[ ١١٧ \].

### الآية 22:4

> ﻿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ [22:4]

قوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ   كتب  بمعنى : قضي والهاء في  عليه  وفي  تولاه  كناية عن الشيطان. ومعنى الآية : قضي على الشيطان أنه يضل من اتبعه. وقرأ أبو عمران الجوني :" كتب " بفتح الكاف " أنه " بفتح الهمزة " فإنه " بكسر الهمزة. وقرأ أبو مجلز، وأبو العالية، وابن أبي ليلى، والضحاك، وابن يعمر :" إنه " " فإنه " بكسر الهمزة فيهما. وقد بينا معنى " السعير " في سورة النساء :\[ ١٠ \].

### الآية 22:5

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّىٰ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [22:5]

قوله تعالى : يَأَيُّهَا النَّاسُ  يعني : أهل مكة  إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مّنَ الْبَعْثِ  أي : في شك من القيامة  فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مّن تُرَابٍ  يعني : خلق آدم  ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ  يعني : خلق ولده، والمعنى : إن شككتم في بعثكم فتدبروا أمر خلقكم وابتدائكم، فإنكم لا تجدون في القدرة فرقا بين الابتداء والإعادة. فأما النطفة، فهي المني. والعلقة : دم عبيط جامد. وقيل سميت علقة لرطوبتها وتعلقها بما تمر به، فإذا جفت فليست علقةً. والمضغة : لحمة صغير. قال ابن قتيبة : وسميت بذلك، لأنه بقدر ما يمضغ، كما قيل : غرفة لقدر ما يغرف. 
قوله تعالى : مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ  فيه خمسة أقوال :
أحدها : أن المخلقة : ما خلق سويا، وغير المخلقة : ما ألقته الأرحام من النطف، وهو دم قبل أن يكون خلقا، قاله ابن مسعود. 
والثاني : أن المخلقة : ما أكمل خلقه بنفخ الروح فيه، وهو الذي يولد حيا لتمامٍ، وغير المخلقة : ما سقط غير حيٍ لم يكمل خلقه بنفح الروح فيه، هذا معنى قول ابن عباس. 
والثالث : أن المخلقة : المصورة، وغير المخلقة : غير مصورة، قاله الحسن. 
والرابع : أن المخلقة وغير المخلقة : السقط، تارة يسقط نطفة وعلقة، وتارة قد صور بعضه، وتارة صور كله، قاله السدي. 
والخامس : أن المخلقة : التامة، وغير المخلقة : السقط، قاله الفراء، وابن قتيبة. 
قوله تعالى : لّنُبَيّنَ لَكُمْ  فيه أربعة أقوال :
أحدها : خلقناكم لنبين لكم ما تأتون وما تذرون. 
والثاني : لنبين لكم في القرآن بدو خلقكم، وتنقل أحوالكم. 
والثالث : لنبين لكم كمال حكمتنا وقدرتنا في تقليب أحوال خلقكم. 
والرابع : لنبين لكم أن البعث حق. 
وقرأ أبو عمران الجوني، وابن أبي عبلة " ليبين لكم " بالياء. 
قوله تعالى : وَنُقِرُّ في الأرحام  وقرأ ابن مسعود، وأبو رجاء :" ويقر " بياء مرفوعة وفتح القاف ورفع الراء. وقرأ أبو الجوزاء، وأبو إسحاق السبيعي :" ويقر " بياء مرفوعة وبكسر القاف ونصب الراء. والذي يقر في الأرحام، هو الذي لا يكون سقطا،  إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى  وهو أجل الولادة  ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً  أبو عبيدة : هو في موضع " أطفال "، والعرب قد تضع لفظ الواحد في معنى الجميع، قال الله تعالى : وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ  \[ التحريم : ٤ \] أي : ظهراء، وأنشد :
فقلنا أسلموا إنا أخوكم \*\*\* فقد برئت من الإحن الصدور
**وأنشد أيضا :**
في حلقكم عظم وقد شجينا \*\*\*. . . 
وقال غيره : إنما قال " طفلاً " فوحد، لأن الميم في قوله تعالى : نُخْرِجُكُمْ  قد دلت على الجميع، فلم يحتج إلى أن يقول : أطفالاً. 
قوله تعالى : ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ  فيه إضمار، تقديره : ثم نعمركم لتبلغوا أشدكم، وقد سبق معنى " الأشد " \[ الأنعام : ١٥٣ \]،  وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّى  من قبل بلوغ الأشد  وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ  وقد شرحناه في النحل :\[ ٧٠ \]. ثم إن الله تعالى دلهم على إحيائه الموتى بإحيائه الأرض، فقال تعالى : وَتَرَى الأرض هَامِدَةً  قال ابن قتيبة : أي : ميتة يابسة، ومثله : همدت النار : إذا طفئت فذهبت. 
قوله تعالى : فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء  يعني : المطر  اهْتَزَّتْ  أي : تحركت للنبات، وذلك أنها ترتفع عن النبات إذا ظهر، فهو معنى قوله تعالى : وَرَبَتْ  أي : ارتفعت وزادت. وقال المبرد : أراد : اهتز نباتها وربا، فحذف المضاف. قال الفراء : وقرأ أبو جعفر المدني :" وربأت " بهمزة مفتوحة بعد الباء. فإن كان ذهب إلى الربيئة الذي يحرس القوم، أي : أنه يرتفع، وإلا، فهو غلط. 
قوله تعالى : وَأَنبَتَتْ مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ  قال ابن قتيبة : من كل جنس حسنٍ يبهج، أي : يسر، وهو فعيل في معنى فاعل.

### الآية 22:6

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [22:6]

قوله تعالى : ذلِكَ  قال الزجاج : المعنى : الأمر ذلك كما وصف لكم، والأجود أن يكون موضع  ذلك  رفعا، ويجوز أن يكون نصبا على معنى : فعل الله ذلك بأنه هو الحق.

### الآية 22:7

> ﻿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ [22:7]

قوله تعالى : وَأَنَّ السَّاعَةَ  أي : ولتعلموا أن الساعة  آتِيَةٌ .

### الآية 22:8

> ﻿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ [22:8]

قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ  قد سبق بيانه. وهذا مما نزل في النضر أيضا. والهدى : البيان والبرهان.

### الآية 22:9

> ﻿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۖ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ [22:9]

قوله تعالى : ثَانِيَ عِطْفِهِ  العطف : الجانب. وعطفا الرجل : جانباه عن يمين وشمال، وهو الموضع الذي يعطفه الإنسان ويلويه عند إعراضه عن المشي. قال الزجاج :" ثاني " منصوب على الحال، ومعناه : التنوين، معناه : ثانيا عطفه. وجاء في التفسير : أن معناه : لاويا عنقه، وهذا يوصف به المتكبر، والمعنى : ومن الناس من يجادل بغير علم متكبرا. 
قوله تعالى : لِيُضِلَّ  أي : ليصير أمره إلى الضلال، فكأنه وإن لم يقدر أنه يضل، فإن أمره يصير إلى ذلك،  لَهُ في الدُّنْيَا خزي  وهو ما أصابه يوم بدر، وذلك أنه قتل.

### الآية 22:10

> ﻿ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [22:10]

فقلنا أسلموا إنا أخوكم  فقد برئت من الإحن الصّدور **«١»** **وأنشد أيضا:**
 في خلقكم عظمٌ وقد شَجينا
 وقال غيره: إِنما قال: **«طفلاً»** فوحَّد، لأن الميم في قوله تعالى: نُخْرِجُكُمْ قد دلَّت على الجميع، فلم يحتج إِلى أن يقول: أطفالاً. قوله تعالى: ثُمَّ لِتَبْلُغُوا فيه إِضمار، تقديره: ثم نعمِّركم لتبلغوا أشدّكم، وقد سبق معنى **«الأشد»** **«٢»**، وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى من قبل بلوغ الأشُدِّ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ وقد شرحناه في النحل **«٣»**.
 ثم إِن الله تعالى دلَّهم على إِحيائه الموتى باحيائه الأرض، فقال تعالى: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً قال ابن قتيبة: أي: ميتة يابسة، ومثله: همدت النار: إِذا طفئت فذهبت. قوله تعالى: فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ يعني: المطر اهْتَزَّتْ أي: تحرَّكت للنبات، وذلك أنها ترتفع عن النبات إِذا ظهر، فهو معنى قوله تعالى: وَرَبَتْ أي: ارتفعت وزادت. وقال المبرِّد: أراد: اهتزَّ نباتها وربا، فحذف المضاف. قال الفراء: وقرأ أبو جعفر المدني: **«وربأَت»** بهمزة مفتوحة بعد الباء. فإن كان ذهب إِلى الرَّبيئة الذي يحرس القوم، أي: أنه يرتفع، وإِلا، فهو غلط. قوله تعالى: وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ قال ابن قتيبة: من كل جنس حَسَنٍ يبهج، أي: يسرُّ، وهو فعيل في معنى فاعل.
 قوله تعالى: ذلِكَ قال الزجاج: المعنى: الأَمْرُ ذلك كما وصف لكم. والأجود أن يكون موضع **«ذلك»** رفعاً، ويجوز أن يكون نصباً على معنى: فعل الله ذلك بأنه هو الحق.
 قوله تعالى: وَأَنَّ السَّاعَةَ أي: ولتعلموا أنّ الساعة آتِيَةٌ.
 \[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٨ الى ١٠\]
 وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٨) ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (٩) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٠)
 قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ قد سبق بيانه. وهذا مما نزل في النضر أيضاً. والهدى:
 البيان والبرهان. قوله تعالى: ثانِيَ عِطْفِهِ العِطف: الجانب. وعِطفا الرجل: جانباه عن يمين وشمال، وهو الموضع الذي يعطفه الإِنسان ويلويه عند إِعراضه عن المشي. قال الزجاج: **«ثانيَ»** منصوب على الحال، ومعناه: التنوين، معناه: ثانياً عِطفه. وجاء في التفسير: أن معناه: لاوياً عنقه، وهذا يوصف به المتكبِّر، والمعنى: ومن الناس من يجادل بغير علم متكبِّراً. قوله تعالى: لِيُضِلَّ أي: ليصير أمره إِلى الضلال، فكأنَّه وإِن لم يقدَّر أنه يضل، فإن أمره يصير إِلى ذلك، لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وهو ما أصابه يوم بدر، وذلك أنه قُتل. وما بعد هذا قد سبق تفسيره **«٤»** إِلى قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ وفي سبب نزول هذه الآية قولان: أحدهما: أن ناساً من العرب كان يأتون
 (١) البيت لعباس بن مرداس، كما في **«الخزانة»** ١/ ٧٣ و **«الأغاني»** ١/ ٧٣.
 (٢) سورة الأنعام: ١٥٣.
 (٣) سورة النحل: ٧٠.
 (٤) سورة يونس: ٧٠. [.....]

### الآية 22:11

> ﻿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [22:11]

وما بعد هذا قد سبق تفسيره \[ يونس : ٧٠ \] إلى قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ  وفي سبب نزول هذه الآية قولان :
أحدهما : أن ناسا من العرب كان يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون : نحن على دينك، فإن أصابوا معيشة، ونتجت خيلهم، وولدت نساؤهم الغلمان اطمأنوا وقالوا : هذا دين حق، وإن لم يجر الأمر على ذلك قالوا : هذا دين سوءٍ، فينقلبون عن دينهم، فنزلت هذه الآية هذا معنى قول ابن عباس، وبه قال الأكثرون. 
والثاني : أن رجلاً من اليهود أسلم فذهب بصره وماله وولده، فتشاءم بالإسلام، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أقلني، فقال :" إن الإسلام لا يقال ". فقال : إن لم أصب في ديني هذا خيرا، أذهب بصري ومالي وولدي، فقال :" يا يهودي : إن الإسلام يسبك الرجال كما تسبك النار خبث الحديد والفضة والذهب "، فنزلت هذه الآية، رواه عطية عن أبي سعيد الخدري. 
قوله تعالى : عَلَى حَرْفٍ  قال مجاهد، وقتادة :" على شك "، قال أبو عبيدة : كل شاكٍ في شيء فهو على حرف لا يثبت ولا يدوم. وبيان هذا أن القائم على حرف الشيء غير متمكن منه، فشبه به الشاك، لأنه قلقٌ في دينه على غير ثبات، ويوضحه قوله تعالى : فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ  أي : رخاءٌ وعافية  اطْمَأَنَّ بِهِ  على عبادة الله  وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ  اختبار بجدب وقلة مال  انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ  أي : رجع عن دينه إلى الكفر. والمعنى انصرف إلى وجهه الذي توجه منه، وهو الكفر،  خَسِرَ الدُّنْيَا  حيث لم يظفر بما أراد منها،  و  خسر  الآخرة  بارتداده عن الدين. وقرأ أبو رزين العقيلي، وأبو مجلز، ومجاهد، وطلحة بن مصرف، وابن أبي عبلة، وزيد عن يعقوب :" خاسر الدنيا " بألف قبل السين، وبنصب الراء " والآخرة " بخفض التاء.

### الآية 22:12

> ﻿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ [22:12]

يَدْعُو  هذا المرتد، أي : يعبد  مَالاً يَضُرُّهُ  إن لم يعبده  وَلاَ يَنفَعُهُْ  إن أطاعه  ذلِكَ  الذي فعل  هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ  عن الحق

### الآية 22:13

> ﻿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ ۚ لَبِئْسَ الْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ [22:13]

يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ  قال بعضهم : اللام صلة، والمعنى : يدعو من ضره. وحكى الزجاج عن البصريين والكوفيين أن اللام معناها التأخير، والمعنى : يدعو من لضره  أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ ، قال : وشرح هذا أن اللام لليمين والتوكيد، فحقها أن تكون أول الكلام، فقدمت لتجعل في حقها. قال السدي : ضره في الآخرة بعبادته إياه أقرب من نفعه. 
فإن قيل : فهل للنفع من عبادة الصنم وجه ؟
فالجواب : أنه لا نفع من قبله أصلا، غير أنه جاء على لغة العرب، وهم يقولون في الشيء الذي لا يكون : هذا بعيد. 
قوله تعالى : لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ  قال ابن قتيبة : المولى : الولي، والعشير : الصاحب، والخليل.

### الآية 22:14

> ﻿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [22:14]

رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فيقولون: نحن على دينك، فإن أصابوا معيشةً، ونتجت خيلهم، وولدت نساؤهم الغلمان اطمأنّوا وقال: هذا دينُ حقٍّ، وإِنْ لم يَجْرِ الأمر على ذلك قالوا: هذا دين سوءٍ، فينقلبون عن دينهم، فنزلت هذه الآية، هذا معنى قول ابن عباس، وبه قال الأكثرون **«١»**.
 (١٠٠٤) والثاني: أن رجلاً من اليهود أسلم فذهب بصره وماله وولده، فتشاءم بالإِسلام، فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلّم، فقال: أقلني، فقال: **«إِن الإِسلام لا يقال»**. فقال: إِني لم أُصِب في ديني هذا خيراً، أذهب بصري ومالي وولدي، فقال: **«يا يهودي: إِن الإِسلام يسبك الرجال كما تسبك النار خبث الحديد والفضة والذهب»**، فنزلت هذه الآية، رواه عطية عن أبي سعيد الخدري.
 \[سورة الحج (٢٢) : الآيات ١١ الى ١٤\]
 وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (١٤)
 قوله تعالى: عَلى حَرْفٍ قال مجاهد، وقتادة: **«على شكٍّ»**، قال أبو عبيدة: كل شاكٍّ في شيء فهو على حرف لا يثبت ولا يدوم. وبيان هذا أن القائم على حرف الشيء غير متمكِّن منه فشبِّه به الشاكُّ، لأنه قّلِقٌ في دينه على غير ثبات، ويوضحه قوله تعالى: فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ أي: رخاءٌ وعافية اطْمَأَنَّ بِهِ على عبادة الله وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ اختبار بجدب وقلّة مال انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ أي: رجع عن دينه إِلى الكفر. والمعنى: انصرف إِلى وجهه الذي توجه منه، وهو الكفر، خَسِرَ الدُّنْيا حيث لم يظفر بما أراد منها، وَخسر الْآخِرَةَ بارتداده عن الدين. وقرأ أبو رزين العقيلي، وأبو مجلز، ومجاهد، وطلحة بن مصرف، وابن أبي عبلة، وزيد عن يعقوب: **«خاسِرَ الدنيا»** بألف قبل السين، وينصب الراء **«والآخرة»** بخفض التاء. يَدْعُوا هذا المرتدّ، أي: يعبد ما لا يَضُرُّهُ إِن لم يعبده ولا يَنْفَعُهُ إِن أطاعه ذلِكَ الذي فعل هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ عن الحقّ يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ قال بعضهم: اللام صلة، والمعنى: يدعو مَن ضره. وحكى الزجاج عن البصريين والكوفيين أن اللام معناها التأخير، والمعنى: يدعو مَنْ لضرِّه أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ، قال: وشرح هذا أنّ اللام لليمين والتّوكيد،

 ضعيف ذكره الواحدي في ****«أسباب النزول»**** ٦١٨ عن عطية العوفي عن أبي سعيد وعطية هو ابن سعد الكوفي، وهو ضعيف واه. وأخرجه ابن مردويه كما في **«الدر»** ٤/ ٦٢٤ من طريق عطية عن أبي سعيد به. وله شاهد من حديث جابر، أخرجه العقيلي ٣/ ٣٦٨، وفيه عنبسة بن سعيد، وهو ضعيف متروك. ثم إن السورة مكية في قول الجمهور، وأخبار يهود مدنية. وانظر **«تفسير الشوكاني»** ١٦٦٣ بتخريجي.
 __________
 (١) موقوف، صحيح. أخرجه البخاري ٤٧٤٢ عن ابن عباس قال: ومن الناس من يعبد الله على حرف قال: كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته غلاما ونتجت خيله قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال: هذا دين سوء. ولم يذكر سبب نزول الآية: وذكره بنحوه الواحدي في ****«أسباب النزول»**** ٦١٧ وفيه سبب نزول الآية.

### الآية 22:15

> ﻿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ [22:15]

قوله تعالى : مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيَا والآخرة  قال مقاتل : نزلت في نفر من أسد، وغطفان، قالوا إنا نخاف أن لا ينصر محمد، فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود، والى نحو هذا ذهب أبو حمزة الثمالي، والسدي. وحكى أبو سليمان الدمشقي أن الإشارة بهذه الآية إلى الذين انصرفوا عن الإسلام، لأن أرزاقهم ما اتسعت، وقد شرحنا القصة في قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ . 
وفي هاء  ينصره  قولان :
أحدهما : أنها ترجع على  من ، والنصر : بمعنى الرزق، هذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء، وبه قال مجاهد. قال أبو عبيدة : وقف علينا سائل من بني بكر، فقال : من ينصرني نصره الله، أي : من يعطيني أعطاه الله، ويقال : نصر المطر أرض كذا، أي : جادها، وأحياها، قال الراعي :

إذا أدبر الشهر الحرام فودعي  بلاد تميم وانصري أرض عامروالثاني : أنها ترجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمعنى : من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا، رواه التميمي عن ابن عباس، وبه قال عطاء، وقتادة. قال ابن قتيبة : وهذه كناية عن غير مذكور، وكان قوم من المسلمين لشدة حنقهم على المشركين يستبطئون ما وعد الله رسوله من النصر، وآخرون من المشركين، يريدون إتباعه، ويخشون أن لا يتم أمره، فقال هذه الآية للفريقين. ثم في معنى هذا النصر قولان :
أحدهما : أنه الغلبة، قاله أبو صالح عن ابن عباس، والجمهور. 
والثاني : أنه الرزق، حكاه أبو سليمان الدمشقي. 
قوله تعالى : فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء  في المراد بالسماء قولان :
أحدهما : سقف بيته، والمعنى : فليشدد حبلاً في سقف بيته، فليختنق به  ثُمَّ لْيَقْطَعْ  الحبل ليموت مختنقا، هذا قول الأكثرين. ومعنى الآية : ليصور هذا الأمر في نفسه لا أنه يفعله، لأنه إذا اختنق لا يمكنه النظر والعلم. 
والثاني : أنها السماء المعروفة، والمعنى : فليقطع الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن قدر، قاله ابن زيد. 
قوله تعالى : ثُمَّ لْيَقْطَعْ  قرأ أبو عمرو، وابن عامر : ثم ليقطع   ثم ليقضوا  \[ الحج : ٢٩ \] بكسر اللام. زاد ابن عامر  وَلْيُوفُواْ  \[ الحج : ٢٩ \]  وَلْيَطَّوَّفُواْ  \[ الحج : ٢٩ \] بكسر اللام أيضا. وكسر ابن كثير لام " ثم ليقضوا " فحسب. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي : بسكون هذه اللامات، وكذلك في كل القرآن إذا كان قبلها واو أو فاء أو ثم، قال الفراء : من سكن فقد خفف، وكل لام أمر وصلت بواو أو فاء، فأكثر كلام العرب تسكينها، وقد كسرها بعضهم. قال أبو علي : الأصل الكسر، لأنك إذا ابتدأت قلت : ليقم زيد. 
قوله تعالى : هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ  قال ابن قتيبة : المعنى : هل تذهبن حيلته غيظه، والمعنى : ليجهد جهده.

### الآية 22:16

> ﻿وَكَذَٰلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ [22:16]

قوله تعالى : وَكَذلِكَ  أي : ومثل ذلك الذي تقدم من آيات القرآن و أَنزَلْنَاهُ  يعني : القرآن. وما بعد هذا ظاهر إلى قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ

### الآية 22:17

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [22:17]

أي : يقضي  يَوْمُ الْقِيَامَةِ  بينهم بإدخال المؤمنين الجنة، والآخرين النار  إِنَّ اللَّهَ عَلِمُ كُلّ شيء  من أعمالهم  شَهِيدٌ .

### الآية 22:18

> ﻿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ۗ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ۩ [22:18]

قوله تعالى : ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب  أي : ألم تعلم. وقد بينا في سورة النحل :\[ ٤٩ \] معنى السجود في حق من يعقل، ومن لا يعقل. 
قوله تعالى : وَكَثِيرٌ مّنَ النَّاسِ  يعني : الموحدين الذين يسجدون لله. 
وفي قوله تعالى : وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ  قولان :
أحدهما : أنهم الكفار، وهم يسجدون، وسجودهم سجود ظلهم، قاله مقاتل. 
والثاني : أنهم لا يسجدون ؛ والمعنى : وكثير من الناس أبى السجود، فحق عليه العذاب، لتركه السجود، هذا قول الفراء. 
قوله تعالى : وَمَن يُهِنِ اللَّهُ  أي : من يشقه الله فما له من مسعدٍ،  إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء  في خلقه من الكرامة والإهانة.

### الآية 22:19

> ﻿۞ هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ۖ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ [22:19]

قوله تعالى : هَذَانِ خَصْمَانِ  اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال :
أحدها : أنها نزلت في النفر الذين تبارزوا للقتال يوم بدر، حمزة، وعلي، وعبيد ابن الحارث، وعتبة وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة، هذا قول أبي ذر. 
والثاني : أنها نزلت في أهل الكتاب، قالوا للمؤمنين : نحن أولى بالله، وأقدم منكم كتابا، ونبينا قبل نبيكم، وقال المؤمنون : نحن أحق بالله، آمنا بمحمد، وآمنا بنبيكم وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون نبينا، ثم كفرتم به حسدا، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس، وقتادة. 
والثالث : أنها في جميع المؤمنين، والكفار، وإلى هذا المعنى ذهب الحسن، وعطاء، ومجاهد. 
والرابع : أنها نزلت في اختصام الجنة والنار، فقالت النار : خلقني الله لعقوبته، وقالت الجنة : خلقني الله لرحمته، قاله عكرمة. 
فأما قوله تعالى : هَذَانِ  وقرأ ابن عباس، وابن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وابن كثير :" هاذان " بتشديد النون " خصمان "، فمعناه : جمعان، وليسا برجلين، ولهذا قال تعالى : اخْتَصَمُواْ  ولم يقل : اختصما ؛ على أنه قرأ ابن مسعود، وابن أبي عبلة :" اختصما ". 
**وفي خصومتهم ثلاثة أقوال :**
أحدها : في دين ربهم، وهذا على القولين الأوليين. 
والثاني : في البعث، قاله مجاهد. 
والثالث : أنه خصام مفاخرة، على قول عكرمة. 
قوله تعالى : قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ  أي : سويت وجعلت لباسا. قال ابن عباس : قمص من نار. وقال سعيد بن جبير : المراد بالنار ها هنا : النحاس. فأما  الحميم  فهو الماء الحار.

### الآية 22:20

> ﻿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ [22:20]

يُصْهَرُ بِهِ  قال الفراء : يذاب به، يقال : صهرت الشحم بالنار. قال المفسرون : يذاب بالماء الحار  مَا فِي بُطُونِهِمْ  من شحم أو مِعيً حتى يخرج من أدبارهم، وتنضج الجلود فتتساقط من حرّه،

### الآية 22:21

> ﻿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ [22:21]

وَلَهُمْ مَّقَامِعُ  قال الضحاك : هي المطارق. وقال الحسن : إن النار ترميهم بلهبها، حتى إذا كانوا في أعلاها، ضربوا بمقامع فهووا فيها سبعين خريفا، فإذا انتهوا إلى أسفلها، ضربهم زفير لهبها، فلا يستقرون ساعة. قال مقاتل : إذا جاشت جهنم، ألقتهم في أعلاها، فيريدون الخروج، فتتلقاهم خزنة جهنم بالمقامع، فيضربونهم، فيهوي أحدهم من تلك الضربة إلى قعرها. وقال غيره : إذا دفعتهم النار، ظنوا أنها ستقذفهم خارجا منها، فتعيدهم الزبانية بمقامع الحديد.

### الآية 22:22

> ﻿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [22:22]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢١: وَلَهُمْ مَّقَامِعُ  قال الضحاك : هي المطارق. وقال الحسن : إن النار ترميهم بلهبها، حتى إذا كانوا في أعلاها، ضربوا بمقامع فهووا فيها سبعين خريفا، فإذا انتهوا إلى أسفلها، ضربهم زفير لهبها، فلا يستقرون ساعة. قال مقاتل : إذا جاشت جهنم، ألقتهم في أعلاها، فيريدون الخروج، فتتلقاهم خزنة جهنم بالمقامع، فيضربونهم، فيهوي أحدهم من تلك الضربة إلى قعرها. وقال غيره : إذا دفعتهم النار، ظنوا أنها ستقذفهم خارجا منها، فتعيدهم الزبانية بمقامع الحديد. ---

### الآية 22:23

> ﻿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ [22:23]

قوله تعالى : و لُؤْلُؤاٌ  قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي :" ولؤلؤ " بالخفض. وقرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم :" ولؤلؤا " بالنصب. قال أبو علي : من خفض، فالمعنى : يحلون أساور من ذهب ومن لؤلؤٍ ؛ ومن نصب قال : ويحلون لؤلؤا.

### الآية 22:24

> ﻿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ [22:24]

قوله تعالى : وَهُدُواْ  أي : أرشدوا في الدنيا  إِلَى الطَّيّبِ مِنَ الْقَوْلِ  وفيه ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه " لا إله إلا الله، والحمد لله " قاله ابن عباس. وزاد ابن زيد :" والله أكبر ". 
والثاني : القرآن، قاله السدي. 
والثالث : الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، حكاه الماوردي. 
فأما  صراط الحميد  فقال ابن عباس : هو طريق الإسلام.

### الآية 22:25

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ۚ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [22:25]

قوله تعالى : وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ  أي : يمنعون الناس من الدخول في الإسلام. قال الزجاج : ولفظ  يصدون  لفظ مستقبل عطف به على لفظ الماضي، لأن معنى  الذين كفروا  : الذين هم كافرون، فكأنه قال : إن الكافرين والصادين ؛ فأما خبر  إن  فمحذوف، فيكون المعنى : إن الذين هذه صفتهم هلكوا. 
وفي  المسجد الحرام  قولان :
أحدهما : جميع الحرم. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال : كانوا يرون الحرم كله مسجدا. 
والثاني : نفس المسجد، حكاه الماوردي. 
قوله تعالى : الذي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ  هذا وقف التمام. 
**وفي معناه قولان :**
أحدهما : جعلناه للناس كلهم، لم نخص به بعضهم دون بعض، هذا على أنه جميع الحرم. 
والثاني : جعلناه قبلةً لصلاتهم، ومنسكا لحجهم، وهذا على أنه نفس المسجد. وقرأ إبراهيم النخعي، وابن أبي عبلة، وحفص عن عاصم :" سواءً " بالنصب، فيتوجه الوقف على " سواء "، وقد وقف بعض القراء كذلك. قال أبو علي الفارسي : أبدل العاكف والبادي من الناس من حيث كانا كالشامل لهم، فصار المعنى : الذي جعلناه للعاكف والبادي سواء. فأما العاكف : فهو المقيم، والبادي : الذي يأتيه من غير أهله، وهذا من قولهم : بدا القوم : إذا خرجوا من الحضر إلى الصحراء. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو :" البادي " بالياء، غير أن ابن كثير وقف بياء، وأبو عمرو بغير ياء. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، والمسيبي عن نافع بغير ياء في الحالتين. 
**ثم في معنى الكلام قولان :**
أحدهما : أن العاكف والبادي يستويان في سكنى مكة والنزول بها، فليس أحدهما أحق بالمنزل من الآخر، غير أنه لا يخرج أحد من بيته، هذا قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة ؛ وإلى نحو هذا ذهب أبو حنيفة، وأحمد ؛ ومذهب هؤلاء أن كراء دور مكة وبيعها حرام، هذا على أن المسجد : الحرم كله. 
والثاني : أنهما يستويان في تفضيله وحرمته وإقامة المناسك به، هذا قول الحسن، ومجاهد. ومنهم من أجاز بيع دور مكة، وإليه يذهب الشافعي. وعلى هذا يجوز أن يراد بالمسجد الحرم، ويجوز أن يراد نفس المسجد. 
قوله تعالى : وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ  الإلحاد في اللغة : العدول عن القصد، والباء زائدة، كقوله تعالى : تَنبُتُ بِالدُّهْنِ  \[ المؤمنون : ٢٠ \] وأنشدوا :

بواد يمان ينبت الشثَّ صدره  وأسفله بالمرخ والشبهانالمعنى : وأسفله ينبت المرخ ؛ وقال آخر :هن الحرائر لا ربات أخمرةٍ  سود المحاجر لا يقرأن بالسور**وقال آخر :**نحن بنوا جعدة أرباب الفلج  نضرب بالسيف ونرجو بالفرجهذا قول جمهور اللغويين. قال ابن قتيبة : والباء قد تزاد في الكلام، كهذه الآية، وكقوله تعالى : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ  \[ العلق : ١ \]  وَهُزّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ  \[ مريم : ٢٤ \]  بِأَيّكُمُ الْمَفْتُونُ  \[ القلم : ٦ \]  تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ  \[ الممتحنة : ١ \]  عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا  \[ الإنسان : ٦ \] أي : يشربها ؛ وقد تزاد " من "، كقوله تعالى : مَا أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ  \[ الذاريات : ٥٧ \]، وتزاد " اللام " كقوله تعالى : الَّذِينَ هُمْ \* لِرَبّهِمْ يَرْهَبُونَ  \[ الأعراف : ١٥٤ \]، والكاف، كقوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء  \[ الشورى : ١١ \]، وعن، كقوله تعالى : يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ  \[ النور : ٦٣ \]، و " إن "، كقوله تعالى : فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ  \[ الجمعة : ٨ \]، و " إن " الخفيفة، كقوله تعالى : فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ ، \[ الأحقاف : ٢٦ \]، و " ما "، كقوله تعالى : عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ  \[ المؤمنون : ٤٠ \] و " الواو " كقوله تعالى : وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ  \[ الصافات : ١٠٣، ١٠٤ \]. 
**وفي المراد بهذا الإلحاد خمسة أقوال :**
أحدها : أنه الظلم، رواه العوفي عن ابن عباس. وقال مجاهد : هو عمل سيئة ؛ فعلى هذا تدخل فيه جميع المعاصي، وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال : لا تحتكروا الطعام بمكة، فان احتكار الطعام بمكة إلحاد بظلم. 
والثاني : أنه الشرك، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وقتادة. 
والثالث : الشرك والقتل، قاله عطاء. 
والرابع : أنه استحلال محظورات الإحرام، وهذا المعنى محكي عن عطاء أيضا. 
والخامس : استحلال الحرام تعمدا، قاله ابن جريج. 
فان قيل : هل يؤاخذ الإنسان إن أراد الظلم بمكة، ولم يفعله ؟
**فالجواب من وجهين :**
أحدهما : أنه إذا هم بذلك في الحرم خاصة، عوقب، هذا مذهب ابن مسعود، فإنه قال : لو أن رجلاً هم بخطيئة، لم تكتب عليه ما لم يعملها، ولو أن رجلاً هم بقتل مؤمن عند البيت، وهو ب " عدن أبين "، أذاقه الله في الدنيا من عذاب أليم. وقال الضحاك : إن الرجل ليهم بالخطيئة بمكة وهو بأرض أخرى، فتكتب عليه ولم يعملها. وقال مجاهد : تضاعف السيئات بمكة، كما تضاعف الحسنات. وسئل الإمام أحمد : هل تكتب السيئة أكثر من واحدة ؟ فقال لا، إلا بمكة لتعظيم البلد. وأحمد على هذا يرى فضيلة المجاورة بها ؛ وقد جاور جابر بن عبد الله، وكان ابن عمر يقيم بها. 
والثاني : أن معنى : ومن يرد  : من يعمل. قال أبو سليمان الدمشقي : هذا قول سائر من حفظنا عنه.

### الآية 22:26

> ﻿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [22:26]

قوله تعالى : وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْراهِيمَ  قال ابن عباس : جعلنا. وقال مقاتل : دللناه عليه. وقال ثعلب : وإنما أدخل اللام، على أن " بوأنا " في معنى : جعلنا، فيكون بمعنى : رَدِفَ لَكُم  \[ النمل : ٧٢ \] أي : ردفكم. وقد شرحنا كيفية بناء البيت في البقرة :\[ ١٢٩ \]. 
قوله تعالى : أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً  المعنى : وأوحينا إليه ذلك،  وَطَهّرْ بَيْتِيَ  حرك هذه الياء، نافع وحفص عن عاصم. وقد شرحنا الآية في البقرة :\[ ١٢٥ \]. 
وفي المراد ب  القائمين  قولان :
أحدهما : القائمون في الصلاة، قاله عطاء، والجمهور. 
والثاني : المقيمون بمكة، حكي عن قتادة.

### الآية 22:27

> ﻿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ [22:27]

قوله تعالى : وَأَذّن فِي النَّاسِ بِالْحَجّ  قال المفسرون : لما فرغ إبراهيم من بناء البيت، أمره الله تعالى أن يؤذن في الناس بالحج، فقال إبراهيم : يا رب، وما يبلغ صوتي ؟ قال أذن، وعلي البلاغ، فعلا على جبل أبي قبيس، وقال : يا أيها الناس : إن ربكم قد بنى بيتا، فحجوه، فأسمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء ممن سبق في علم الله أن يحج، فأجابوه : لبيك اللهم لبيك. والأذان بمعنى النداء والإعلام، والمأمور بهذا الأذان، إبراهيم في قول الجمهور، إلا ما روي عن الحسن أنه قال : المأمور به محمد صلى الله عليه وسلم والناس ها هنا : اسم يعم جميع بني آدم عند الجمهور، إلا ما روى العوفي عن ابن عباس أنه قال : عنى بالناس أهل القبلة. 
واعلم أن من أتى البيت الذي دعا إليه إبراهيم، فكأنه قد أتى إبراهيم، لأنه أجاب نداءه. وواحد الرجال ها هنا : راجل، مثل صاحب، وصحاب، والمعنى : يأتوك مشاة. وقد روي أن إبراهيم وإسماعيل حجا ماشيين، وحج الحسن بن علي خمسا وعشرين حجة ماشيا من المدينة إلى مكة، والنجائب تقاد معه. وحج الإمام أحمد ماشيا مرتين أو ثلاثا. 
قوله تعالى : وَعَلَى كُلّ ضَامِرٍ  أي : ركبانا على ضمر من طول السفر. قال الفراء : و يأتين  فعل للنوق. وقال الزجاج : يأتين  على معنى الإبل. وقرأ ابن مسعود، وابن أبي عبلة، " يأتون " بالواو. 
قوله تعالى : مِن كُلّ فَجّ عَميِقٍ  أي : طريق بعيد. وقد ذكرنا تفسير الفج عند قوله تعالى : وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً  \[ الأنبياء : ٣١ \].

### الآية 22:28

> ﻿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [22:28]

قوله تعالى : لّيَشْهَدُواْ  أي : ليحضروا  مَنَافِعَ لَهُمْ  وفيها ثلاثة أقوال :
أحدها : التجارة، قاله ابن عباس، والسدي. 
والثاني : منافع الآخرة، قاله سعيد بن المسيب، والزجاج في آخرين. 
والثالث : منافع الدارين جميعا، قاله مجاهد. وهو أصح، لأنه لا يكون القصد للتجارة خاصة، وإنما الأصل قصد الحج، والتجارة تبع. 
**وفي الأيام المعلومات ستة أقوال :**
أحدها : أنها أيام العشر، رواه مجاهد عن ابن عمر، وسعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وعطاء، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، والشافعي. 
والثاني : تسعة أيام من العشر، قاله أبو موسى الأشعري. 
والثالث : يوم الأضحى وثلاثة أيام بعده، رواه نافع عن ابن عمر، ومقسم عن ابن عباس. 
والرابع : أنها أيام التشريق، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال عطاء الخراساني، والنخعي، والضحاك. 
والخامس : أنها خمسة أيام أولها يوم التروية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. 
والسادس : ثلاثة أيام، أولها يوم عرفة، قاله مالك بن أنس. وقيل : إنما قال  معلومات ، ليحرص على علمها بحسابها من أجل وقت الحج في آخرها. قال الزجاج : والذكر ها هنا يدل على التسمية على ما ينحر، لقوله تعالى : عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ الأنعام  ؛ قال القاضي أبو يعلى : ويحتمل أن يكون الذكر المذكور ها هنا : هو الذكر على الهدايا الواجبة، كالدم الواجب لأجل التمتع والقران، ويحتمل أن يكون الذكر المفعول عند رمي الجمار وتكبير التشريق، لأن الآية عامة في ذلك. 
قوله تعالى : فَكُلُواْ مِنْهَا  يعني : الأنعام التي تنحر ؛ وهذا أمر إباحة. وكان أهل الجاهلية لا يستحلون أكل ذبائحهم، فأعلم الله عز وجل أن ذلك جائز، غير أن هذا إنما يكون في الهدي المتطوع به، فأما دم التمتع والقران، فعندنا أنه يجوز أن يأكل منه، وقال الشافعي : لا يجوز، وقد روى عطاء عن ابن عباس أنه قال : من كل الهدي يؤكل، إلا ما كان من فداء أو جزاء أو نذر. فأما " البائس " فهو ذو البؤس، وهو شدة الفقر.

### الآية 22:29

> ﻿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [22:29]

قوله تعالى : ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ  فيه أربعة أقوال :
أحدها : حلق الرأس، وأخذ الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، وقص الأظفار، والأخذ من العارضين، ورمي الجمار، والوقوف بعرفة، رواه عطاء عن ابن عباس. 
والثاني : مناسك الحج، رواه عكرمة عن ابن عباس، وهو قول ابن عمر. 
والثالث : حلق الرأس، قاله مجاهد. 
والرابع : الشعر، والظفر، قاله عكرمة. 
والقول الأول أصح. لأن التفث : الوسخ، والقذارة : من طول الشعر والأظفار والشعث. وقضاؤه : نقضه، وإذهابه. والحاج مغبر شعث لم يدهن، ولم يستحد، فإذا قضى نسكه، وخرج من إحرامه بالحلق، والقلم، وقص الأظفار، ولبس الثياب، ونحو ذلك، فهذا قضاء تفثه. قال الزجاج : وأهل اللغة لا يعرفون التفث إلا من التفسير، وكأنه الخروج من الإحرام إلى الإحلال. 
قوله تعالى : وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ  وروى أبو بكر عن عاصم :" وليوفوا " بتسكين اللام وتشديد الفاء. قال ابن عباس : هو نحر ما نذروا من البدن. وقال غيره : ما نذروا من أعمال البر في أيام الحج، فإن الإنسان ربما نذر أن يتصدق إن رزقه الله رؤية الكعبة، وقد يكون عليه نذور مطلقة، فالأفضل أن يؤديها بمكة. 
قوله تعالى : وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ  هذا هو الطواف الواجب، لأنه أمر به بعد الذبح، والذبح إنما يكون في يوم النحر، فدل على أنه الطواف المفروض. 
**وفي تسمية البيت عتيقا أربعة أقوال :**
أحدها : لأن الله تعالى أعتقه من الجبابرة. روى عبد الله بن الزبير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إنما سمى الله البيت : العتيق، لأن الله أعتقه من الجبابرة، فلم يظهر عليه جبار قط ". وهذا قول مجاهد، وقتادة. 
والثاني : أن معنى العتيق : القديم، قاله الحسن، وابن زيد. 
والثالث : لأنه لم يملك قط، قاله مجاهد في رواية، وسفيان بن عيينة. 
والرابع : لأنه أعتق من الغرق زمان الطوفان، قاله ابن السائب. وقد تكلمنا في هذه السورة في  ليقضوا   وليوفوا   وليطوفوا .

### الآية 22:30

> ﻿ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ۗ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ۖ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ [22:30]

قوله تعالى : ذلِكَ  أي : الأمر ذلك، يعني : ما ذكر من أعمال الحج  وَمَن يُعَظّمْ حُرُمَتِ اللَّهِ  فيجتنب ما حرم الله عليه في الإحرام تعظيما لأمر الله. قال الليث : الحرمة : ما لا يحل انتهاكه. وقال الزجاج : الحرمة : ما وجب القيام به، وحرم التفريط فيه. 
قوله تعالى : فَهُوَ  يعني : التعظيم  خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبّهِ  في الآخرة  وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنعام  وقد سبق بيانها \[ المائدة : ١ \]  إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ  تحريمه، يعني به : ما ذكر في المائدة :\[ ٣ \] من المخنقة وغيرها. وقيل : وأحلت لكم الأنعام في حال إحرامكم، إلا ما يتلى عليكم في الصيد، فإنه حرام. 
قوله تعالى : فَاجْتَنِبُواْ الرّجْسَ  أي : دعوه جانبا، قال الزجاج : و " من " ها هنا، لتخليص جنس من أجناس، المعنى : فاجتنبوا الرجس الذي هو وثن. وقد شرحنا معنى الرجس في المائدة :\[ ٩٠ \]. 
**وفي المراد بقول الزور أربعة أقوال :**
أحدها : شهادة الزور، قاله ابن مسعود. 
والثاني : الكذب، قاله مجاهد. 
والثالث : الشرك، قاله أبو مالك. 
والرابع : أنه قول المشركين في الأنعام : هذا حلال، وهذا حرام، قاله الزجاج،

### الآية 22:31

> ﻿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ۚ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [22:31]

قال : وقوله تعالى : حُنَفَاء للَّهِ  منصوب على الحال، وتأويله : مسلمين لا ينسبون إلى دين غير الإسلام. ثم ضرب الله مثلا للمشرك، فقال : وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ  إلى قوله : سَحِيقٍ ، والسحيق : البعيد. 
واختلفوا في قراءة  فتخطفه  فقرأ الجمهور :" فتخطفه " بسكون الخاء من غير تشديد الطاء. وقرأ نافع : بتشديد الطاء. وقرأ أبو المتوكل، ومعاذ القارئ : بفتح التاء والخاء وتشديد الطاء ونصب الفاء. وقرأ أبو رزين، وأبو الجوزاء، وأبو عمران الجوني : بكسر التاء والخاء وتشديد الطاء ورفع الفاء. وقرأ الحسن والأعمش : بفتح التاء وكسر الخاء وتشديد الطاء ورفع الفاء. وكلهم فتح الطاء. 
**وفي المراد بهذا المثل قولان :**
أحدهما : أنه شبه المشرك بالله في بعده عن الهدى وهلاكه، بالذي يخر من السماء، قال قتادة. 
والثاني : أنه شبه حال المشرك في أنه لا يملك لنفسه نفعا ولا دفع ضر يوم القيامة، بحال الهاوي من السماء، حكاه الثعلبي.

### الآية 22:32

> ﻿ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [22:32]

قوله تعالى : ذلِكَ  أي : الأمر ذلك الذي ذكرناه  وَمَن يُعَظّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ  قد شرحنا معنى الشعائر في البقرة :\[ ١٥٨ \]. 
**وفي المراد بها ها هنا قولان :**
أحدهما : أنها البدن. وتعظيمها : استحسانها، واستسمانها  لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ  قبل أن يسميها صاحبها هديا، أو يشعرها ويوجبها، فإذا فعل ذلك، لم يكن له من منافعها شيء، روى هذا المعنى مقسم عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وقتادة، والضحاك. وقال عطاء ابن أبي رباح : لكم في هذه الهدايا منافع بعد إيجابها وتسميتها هدايا إذا احتجتم إلى شيء من ذلك أو اضطررتم إلى شرب ألبانها  إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى  وهو أن تنحر. 
والثاني : أن الشعائر : المناسك ومشاهد مكة ؛ والمعنى : لكم فيها منافع بالتجارة إلى أجلٍ مسمى، وهو الخروج من مكة، رواه أبو رزين عن ابن عباس. وقيل : لكم فيها منافع من الأجر والثواب في قضاء المناسك إلى أجل مسمى، وهو انقضاء أيام الحج. 
قوله تعالى : فَإِنَّهَا  يعني الأفعال المذكورة، من اجتناب الرجس وقول الزور، وتعظيم الشعائر. وقال الفراء : فإنها  يعني الفعلة  مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ، وإنما أضاف التقوى إلى القلوب، لأن حقيقة التقوى تقوى القلوب.

### الآية 22:33

> ﻿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ [22:33]

قوله تعالى : ثُمَّ مَحِلُّهَا  أي : حيث يحل نحرها  إِلَى الْبَيْتِ  يعني : عند البيت، والمراد به : الحرم كله، لأنا نعلم أنها لا تذبح عند البيت، ولا في المسجد، هذا على القول الأول ؛ وعلى الثاني، يكون المعنى : ثم محل الناس من إحرامهم إلى البيت، وهو أن يطوفوا به بعد قضاء المناسك.

### الآية 22:34

> ﻿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۗ فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا ۗ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ [22:34]

قوله تعالى : وَلِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا  قرأ حمزة، والكسائي، وبعض أصحاب أبي عمرو بكسر السين، وقرأ الباقون بفتحها. فمن فتح أراد المصدر، من نسك ينسك، ومن كسر أراد مكان النسك كالمجلس والمطلع. ومعنى الآية : لكل جماعة مؤمنة من الأمم السالفة جعلنا ذبح القرابين  لّيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ الأنعام ، وإنما خص بهيمة الأنعام، لأنها المشروعة في القرب. والمراد من الآية : أن الذبائح ليست من خصائص هذه الأمة، وأن التسمية عليها كانت مشروعة قبل هذه الأمة. 
قوله تعالى : فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وحِدٌ  أي : لا ينبغي أن تذكروا على ذبائحكم سواه  فَلَهُ أَسْلِمُواْ  أي : انقادوا واخضعوا. 
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد ذكرنا معنى الإخبات في هود :\[ ٢٣ \] وكذلك ألفاظ الآية التي تلي هذه.

---

### الآية 22:35

> ﻿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [22:35]

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد ذكرنا معنى الإخبات في هود :\[ ٢٣ \] وكذلك ألفاظ الآية التي تلي هذه. ---

### الآية 22:36

> ﻿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ۖ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ۖ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [22:36]

قوله تعالى : وَالْبُدْنَ  وقرأ الحسن، وابن يعمر برفع الدال. قال الفراء : يقال : بدْن وبدُن، والتخفيف أجود وأكثر، لأن كل جمع كان واحده على " فعلة " ثم ضم أول جمعه، خفف، مثل أكمة وأكم، وأجمة وأجم، وخشبة وخشب. وقال الزجاج :" البدن " منصوبة بفعل مضمر يفسره الذي ظهر، والمعنى : وجعلنا البدن ؛ وإن شئت رفعتها على الاستئناف، والنصب أحسن، ويقال : بدْن وبدُن وبدَنة، مثل قولك : ثمْر وثمُر وثمَرة ؛ وإنما سميت بدنة، لأنها تبدن، أي : تسمن. 
**وللمفسرين في البدن قولان :**
أحدهما : أنها الإبل والبقر، قاله عطاء. 
والثاني : الإبل خاصة، حكاه الزجاج، وقال : الأول قول أكثر فقهاء الأمصار. قال القاضي أبو يعلى : البدنة : اسم يختص الإبل في اللغة، والبقرة تقوم مقامها في الحكم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة. 
قوله تعالى : جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مّن شَعَائِرِ اللَّهِ  أي : جعلنا لكم فيها عبادة لله، من سوقها إلى البيت، وتقليدها، وإشعارها، ونحرها، والإطعام منها،  لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ  وهو النفع في الدنيا والأجر في الآخرة،  فَاذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا  أي : على نحرها،  صَوَافَّ  وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وقتادة :" صوافن " بالنون. وقرأ الحسن، وأبو مجلز، وأبو العالية، والضحاك، وابن يعمر :" صوافي " بالياء. قال الزجاج : صوافَّ  منصوبة على الحال، ولكنها لا تنون لأنها لا تنصرف ؛ أي : قد صفت قوائمها، والمعنى : اذكروا اسم الله عليها في حال نحرها، والبعير ينحر قائما، وهذا الآية تدل على ذلك. ومن قرأ :" صوافن " فالصافن : التي تقوم على ثلاث، والبعير إذا أرادوا نحره، تعقل إحدى يديه، فهو الصافن، والجميع : صوافن. هذا ومن قرأ :" صوافي " بالياء وبالفتح بغير تنوين، فتفسيره : خوالص، أي : خالصة لله لا تشركوا به في التسمية على نحرها أحدا.  فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا  أي : إذا سقطت إلى الأرض، يقال : وجب الحائط وجبة، إذا سقط. ووجب القلب وجيبا : إذا تحرك من فزع. واعلم أن نحرها قياما سنة، والمراد بوقوعها على جنوبها : موتها، والأمر بالأكل منها أمر إباحة، وهذا في الأضاحي. 
قوله تعالى : وَأَطْعِمُواْ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ  وقرأ الحسن :" والمعتر " بكسر الراء خفيفة. وفيهما ستة أقوال :
أحدها : أن القانع : الذي يسأل، والمعتر : الذي يتعرض ولا يسأل، رواه بكر بن عبد الله عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، واختاره الفراء. 
والثاني : أن القانع : المتعفف، والمعترّ : السائل، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال قتادة، والنخعي، وعن الحسن كالقولين. 
والثالث : أن القانع : المستغني بما أعطيته وهو في بيته، والمعتر : الذي يتعرض لك ويلم بك ولا يسأل، رواه العوفي عن ابن عباس. وقال مجاهد : القانع : جارك الذي يقنع بما أعطيته، والمعتر : الذي يتعرض ولا يسأل، وهذا مذهب القرظي. فعلى هذا يكون معنى القانع : أن يقنع بما أعطي. ومن قال : هو المتعفف، قال : هو القانع بما عنده. 
والرابع : القانع : أهل مكة، والمعتر : الذي يعتر بهم من غير أهل مكة، رواه خصيف عن مجاهد. 
والخامس : القانع : الجار وإن كان غنيا، والمعتر : الذي يعتر بك، رواه ليث عن مجاهد. 
والسادس : القانع : المسكين السائل، والمعتر : الصديق الزائر، قاله زيد ابن أسلم. قال ابن قتيبة : يقال : قنع يقنع قنوعا : إذا سأل، وقنع يقنع قناعة : إذا رضي، ويقال في المعتر : اعترّني واعتراني وعراني. وقال الزجاج : مذهب أهل اللغة أن القانع : السائل، يقال : قنع يقنع قنوعا : إذا سأل، فهو قانع، قال الشماخ :

لمال المرء يصلحه فيغني  مفاقره أعف من القنوعأي : من السؤال ؛ ويقال : قنع قناعة : إذا رضي، فهو قنع، والمعتر والمعتري واحد. 
قوله تعالى : كَذلِكَ  أي : مثل ما وصفنا من نحرها قائمة  سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ  نعمة منا عليكم لتتمكنوا من نحرها على الوجه المسنون  لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  أي : لكي تشكروا.

### الآية 22:37

> ﻿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنْكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ۗ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ [22:37]

قوله تعالى : لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا  وقرأ عاصم الجحدري، وابن يعمر، وابن أبي عبلة، ويعقوب :" لن تنال الله لحومها " بالتاء  وَلَكِنِ تَنَالُهُ التَّقْوَى  بالتاء أيضا. 
سبب نزولها أن المشركين كانوا إذا ذبحوا استقبلوا الكعبة بالدماء ينضحون بها نحو الكعبة، فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. قال المفسرون : ومعنى الآية : لن ترفع إلى الله لحومها ولا دماؤها، وإنما يرفع إليه التقوى ؛ وهو ما أريد به وجهه منكم. فمن قرأ " تناله التقوى " بالتاء، فإنه أنث للفظ التقوى. ومن قرأ :" يناله " بالياء، فلأن التقوى والتقى واحد. والإشارة بهذه الآية إلى أنه لا يقبل اللحوم والدماء إذا لم تكن صادرة عن تقوى الله، وإنما يتقبل ما يتقونه به، وهذا تنبيه على امتناع قبول الأعمال إذا عريت عن نية صحيحة. 
قوله تعالى : كَذلِكَ سَخَّرَهَا  قد سبق تفسيره \[ الحج : ٣٧ \]  لِتُكَبّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ  أي : على ما بيّن لكم وأرشدكم إلى معالم دينه ومناسك حجه، وذلك أن يقول : الله أكبر على ما هدانا،  وَبَشّرِ الْمُحْسِنِينَ  قال ابن عباس : يعني : الموحدين.

### الآية 22:38

> ﻿۞ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ [22:38]

قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُواْ  قرأ ابن كثير، وأبو عمرو :" يدفع " " ولولا دفع الله " بغير ألف، وهذا على مصدر " دفع ". وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي :" إن الله يدافع " بألف " ولولا دفع " بغير ألف، وهذا على مصدر " دافع "، والمعنى : يدفع عن الذين آمنوا غائلة المشركين بمنعهم منهم ونصرهم عليهم. قال الزجاج : والمعنى : إذا فعلتم هذا وخالفتم الجاهلية فيما يفعلونه من نحرهم وإشراكهم، فإن الله يدفع عن حزبه. وال " خوان " فعال من الخيانة، والمعنى : أن من ذكر غير اسم الله، وتقرب إلى الأصنام بذبيحته، فهو خوان.

### الآية 22:39

> ﻿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [22:39]

قوله تعالى : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ  قرأ ابن كثير، وابن عامر، وحمزة، والكسائي :" أذن " بفتح الألف. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وأبو بكر، وحفص عن عاصم :" أذن " بضمها. 
قوله تعالى : لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ  قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم : بكسر التاء. وقرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم : بفتحها. قال ابن عباس : كان مشركو أهل مكة يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول لهم :" اصبروا، فإني لم أومر بالقتال " حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية، وهي أول آية أنزلت في القتال. وقال مجاهد : هم ناس خرجوا من مكة مهاجرين، فأدركهم كفار قريش، فأذن لهم في قتالهم. قال الزجاج : معنى الآية : أذن للذين يقاتلون أن يقاتلوا.  بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ  أي : بسبب ما ظلموا. ثم وعدهم النصر بقوله : وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ  ولا يجوز أن تقرأ بفتح " إن " هذه من غير خلاف بين أهل اللغة، لأن  إن  إذا كانت معها اللام، لم تفتح أبدا.

### الآية 22:40

> ﻿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [22:40]

وقوله : إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ  معناه : أخرجوا لتوحيدهم. 
قوله تعالى : وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ  قد فسرناه في البقرة :\[ ٢٥ \]. 
قوله تعالى : لَّهُدّمَتْ  قرأ ابن كثير، ونافع :" لهدمت " خفيفة، والباقون بتشديد الدال. 
فأما  الصوامع ، ففيها قولان :
أحدهما : أنها صوامع الرهبان، قاله ابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد، وابن زيد. 
والثاني : أنها صوامع الصابئين، قاله قتادة، وابن قتيبة. 
فأما البيع، فهي جمع بيعة، وهي بيع النصارى. 
وفي المراد ب  صلوات  قولان :
أحدهما : مواضع الصلوات. ثم فيها قولان :
أحدهما : أنها كنائس اليهود، قاله قتادة، والضحاك، وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي، قال : قوله : وَصَلَواتِ  هي كنائس اليهود، وهي بالعبرانية " صلوثا ". 
والثاني : أنها مساجد الصابئين، قاله أبو العالية. 
والقول الثاني : أنها الصلوات حقيقة، والمعنى : لولا دفع الله عن المسلمين بالمجاهدين، لانقطعت الصلوات في المساجد، قاله ابن زيد. 
فأما  مساجد ، فقال ابن عباس : هي مساجد المسلمين. وقال الزجاج : معنى الآية : لولا دفع بعض الناس ببعض لهدمت في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن محمد المساجد. 
وفي قوله : يُذْكَرُ فِيهَا اسمُ اللَّهِ  قولان :
أحدهما : أن الكناية ترجع إلى جميع الأماكن المذكورات، قاله الضحاك. 
والثاني : إلى المساجد خاصة، لأن جميع المواضع المذكورة، الغالب فيها الشرك، قاله أبو سليمان الدمشقي. 
قوله تعالى : وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ  أي : من ينصر دينه وشرعه.

### الآية 22:41

> ﻿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [22:41]

قوله تعالى : الَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ في الأرض  قال الزجاج : هذه صفة ناصريه. قال المفسرون : التمكين في الأرض : نصرتهم على عدوهم، والمعروف لا إله إلا الله، والمنكر : الشرك. قال الأكثرون : وهؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال القرظي : هم الولاة. 
قوله تعالى : وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمور  أي : إليه مرجعها، لأن كل ملك يبطل سوى ملكه.

### الآية 22:42

> ﻿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ [22:42]

\[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٤٢ الى ٤٥\]

 وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٤) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)
 قوله تعالى: ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ أي: بالعذاب فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ أثبت الياء في **«نكير»** يعقوب في الحالَيْن، ووافقه ورش في إِثباتها في الوصل، والمعنى: كيف أنكرت عليهم ما فعلوا من التكذيب بالإِهلاك؟! والمعنى: إِني أنكرتُ عليهم أبلغ إِنكار، وهذا استفهام معناه التقرير.
 قوله تعالى: أَهْلَكْناها قرأ أبو عمرو: **«أهلكتُها»** بالتاء، والباقون: **«أهلكناها»** بالنون.
 قوله تعالى: وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عمر، وحمزة، والكسائي: **«وبئر»** مهموز، وروى ورش عن نافع بغير همز، والمعنى: وكم بئرٍ معطَّلة، أي: متروكة **«١»** وَقَصْرٍ مَشِيدٍ فيه قولان: أحدهما: مجصَّص، قاله ابن عباس وعكرمة. قال الزجاج: أصل الشِّيد الجصُّ والنُّورة، وكل ما بني بهما أو بأحدهما فهو مَشِيد. والثاني: طويل، قاله الضحاك ومقاتل. وفي الكلام إِضمار، تقديره: وقصر مشيد معطَّل أيضاً ليس فيه ساكن.
 \[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٤٦ الى ٤٨\]
 أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)
 قوله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا قال المفسرون: أفلم يَسِر قومك في أرض اليمن والشام فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها إِذا نظروا آثار من هلك أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها أخبار الأمم المكذّبة فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ قال الفراء: الهاء في قوله: **«فإنها»** عماد، والمعنى: أن أبصارهم لم تعم، وإِنما عميت قلوبهم **«٢»**. فأمّا قوله تعالى: الَّتِي فِي الصُّدُورِ فهو توكيد، لأن القلب لا يكون إِلا في الصدر، ومثله:
 تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ **«٣»** يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ **«٤»**، يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ **«٥»**. قوله تعالى: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ
 (١) قال ابن كثير رحمه الله في ****«تفسيره»**** ٣/ ٢٨٦: وقوله تعالى: وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ أي: لا يستقى منها، ولا يردها أحد بعد كثرة وارديها والازدحام عليها. وَقَصْرٍ مَشِيدٍ قيل المنيف المرتفع وقيل الشديد المنيع الحصين وكل هذه الأقوال متقاربة، ولا منافاة بينها، فإنه لم يحم أهله شدة بنائه ولا ارتفاعه، ولا إحكامه ولا حصانته عن حلول بأس الله به، كما قال تعالى: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ، النساء: ٧٨.
 (٢) قال ابن كثير رحمه الله في ****«تفسيره»**** ٣/ ٢٨٦: **«وقال ابن أبي الدنيا: قال بعض الحكماء: أحي قلبك بالمواعظ، ونوره بالفكر، وموّته بالزهد، وقوّه باليقين وذلّله بالموت وقرّره بالفناء، وبصّره فجائع الدنيا، وحذره صولة الدهر، وفحش تقلب الأيام، واعرض عليه أخبار الماضين، وذكره ما أصاب من كان قبله، وسر في ديارهم وآثارهم وانظر ما فعلوا، وأين حلوا وعمّ انقلبوا»**. وقوله تعالى: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ أي: ليس العمى عمى البصر، وإنما العمى عمى البصيرة، وإن كانت القوة الباصرة سليمة فإنها لا تنفذ إلى العبر، ولا تدري ما الخبر.
 (٣) سورة البقرة: ١٩٦.
 (٤) سورة الأنعام: ٣٨.
 (٥) سورة آل عمران: ١٦٧.

### الآية 22:43

> ﻿وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ [22:43]

\[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٤٢ الى ٤٥\]

 وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٤) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)
 قوله تعالى: ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ أي: بالعذاب فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ أثبت الياء في **«نكير»** يعقوب في الحالَيْن، ووافقه ورش في إِثباتها في الوصل، والمعنى: كيف أنكرت عليهم ما فعلوا من التكذيب بالإِهلاك؟! والمعنى: إِني أنكرتُ عليهم أبلغ إِنكار، وهذا استفهام معناه التقرير.
 قوله تعالى: أَهْلَكْناها قرأ أبو عمرو: **«أهلكتُها»** بالتاء، والباقون: **«أهلكناها»** بالنون.
 قوله تعالى: وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عمر، وحمزة، والكسائي: **«وبئر»** مهموز، وروى ورش عن نافع بغير همز، والمعنى: وكم بئرٍ معطَّلة، أي: متروكة **«١»** وَقَصْرٍ مَشِيدٍ فيه قولان: أحدهما: مجصَّص، قاله ابن عباس وعكرمة. قال الزجاج: أصل الشِّيد الجصُّ والنُّورة، وكل ما بني بهما أو بأحدهما فهو مَشِيد. والثاني: طويل، قاله الضحاك ومقاتل. وفي الكلام إِضمار، تقديره: وقصر مشيد معطَّل أيضاً ليس فيه ساكن.
 \[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٤٦ الى ٤٨\]
 أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)
 قوله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا قال المفسرون: أفلم يَسِر قومك في أرض اليمن والشام فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها إِذا نظروا آثار من هلك أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها أخبار الأمم المكذّبة فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ قال الفراء: الهاء في قوله: **«فإنها»** عماد، والمعنى: أن أبصارهم لم تعم، وإِنما عميت قلوبهم **«٢»**. فأمّا قوله تعالى: الَّتِي فِي الصُّدُورِ فهو توكيد، لأن القلب لا يكون إِلا في الصدر، ومثله:
 تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ **«٣»** يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ **«٤»**، يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ **«٥»**. قوله تعالى: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ
 (١) قال ابن كثير رحمه الله في ****«تفسيره»**** ٣/ ٢٨٦: وقوله تعالى: وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ أي: لا يستقى منها، ولا يردها أحد بعد كثرة وارديها والازدحام عليها. وَقَصْرٍ مَشِيدٍ قيل المنيف المرتفع وقيل الشديد المنيع الحصين وكل هذه الأقوال متقاربة، ولا منافاة بينها، فإنه لم يحم أهله شدة بنائه ولا ارتفاعه، ولا إحكامه ولا حصانته عن حلول بأس الله به، كما قال تعالى: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ، النساء: ٧٨.
 (٢) قال ابن كثير رحمه الله في ****«تفسيره»**** ٣/ ٢٨٦: **«وقال ابن أبي الدنيا: قال بعض الحكماء: أحي قلبك بالمواعظ، ونوره بالفكر، وموّته بالزهد، وقوّه باليقين وذلّله بالموت وقرّره بالفناء، وبصّره فجائع الدنيا، وحذره صولة الدهر، وفحش تقلب الأيام، واعرض عليه أخبار الماضين، وذكره ما أصاب من كان قبله، وسر في ديارهم وآثارهم وانظر ما فعلوا، وأين حلوا وعمّ انقلبوا»**. وقوله تعالى: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ أي: ليس العمى عمى البصر، وإنما العمى عمى البصيرة، وإن كانت القوة الباصرة سليمة فإنها لا تنفذ إلى العبر، ولا تدري ما الخبر.
 (٣) سورة البقرة: ١٩٦.
 (٤) سورة الأنعام: ٣٨.
 (٥) سورة آل عمران: ١٦٧.

### الآية 22:44

> ﻿وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ ۖ وَكُذِّبَ مُوسَىٰ فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ [22:44]

قوله تعالى : ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ  أي : بالعذاب  فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ  أثبت الياء في  نكير  يعقوب في الحالين، ووافقه ورش في إثباتها في الوصل، والمعنى : كيف أنكرت عليهم ما فعلوا من التكذيب بالإهلاك ؟ ! والمعنى : أني أنكرت عليهم أبلغ إنكار، وهذا استفهام معناه التقرير.

### الآية 22:45

> ﻿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ [22:45]

قوله تعالى : أهلكتها  قرأ أبو عمرو :" أهلكتها " بالتاء. والباقون :" أهلكناها " بالنون. 
قوله تعالى : وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ  قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي : وبئر  مهموز. وروى ورش عن نافع بغير همز، والمعنى : وكم بئر معطلة، أي : متروكة  وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ  فيه قولان :
أحدهما : مجصص، قاله ابن عباس، وعكرمة. قال الزجاج : أصل الشيد : الجص والنورة، وكل ما بني بهما أو بأحدهما فهو مشيد. 
والثاني : طويل، قاله الضحاك، ومقاتل. وفي الكلام إضمار، تقديره : وقصر مشيد معطل أيضا ليس فيه ساكن.

### الآية 22:46

> ﻿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [22:46]

قوله تعالى : أَفَلَمْ يَسِيرُواْ  قال المفسرون : أفلم يسر قومك في أرض اليمن والشام  فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا  إذا نظروا آثار من هلك  أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا  أخبار الأمم المكذبة  فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار  قال الفراء : الهاء في قوله : فإنها  عماد، والمعنى : أن أبصارهم لم تعم، وإنما عميت قلوبهم. وأما قوله : التي في الصُّدُورِ  فهو توكيد، لأن القلب لا يكون إلا في الصدر، ومثله : تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ  \[ البقرة ١٩٦ \]،  يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ  \[ الأنعام : ٣٨ \]  يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِم  \[ آل عمران : ١٦٧ \].

### الآية 22:47

> ﻿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ ۚ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [22:47]

قوله تعالى : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ  قال مقاتل : نزلت في النضر بن الحارث القرشي. وقال غيره : هو قولهم له : مَتَى هَذَا الْوَعْدُ  \[ الملك : ٢٥ \] ونحوه من استعجالهم،  وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ  في إنزال العذاب بهم في الدنيا، فأنزله بهم يوم بدر،  وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ  أي : من أيام الآخرة  كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ  من أيام الدنيا. قرأ عاصم، وأبو عمرو، وابن عامر :" تعدون " بالتاء. وقرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي :" يعدون " بالياء. 
فان قيل : كيف انصرف الكلام من ذكر العذاب إلى قوله : وإن يوما عند ربك  ؟ فعنه جوابان :
أحدهما : أنهم استعجلوا العذاب في الدنيا، فقيل لهم : لن يخلف الله وعده في إنزال العذاب بكم في الدنيا، وإن يوما من أيام عذابكم في الآخرة كألف سنة من سني الدنيا، فكيف تستعجلون بالعذاب ؟ ! فقد تضمنت الآية وعدهم بعذاب الدنيا والآخرة، هذا قول الفراء. 
والثاني : وإن يوما عند الله وألف سنة سواء في قدرته على عذابهم، فلا فرق بين وقوع ما يستعجلونه وبين تأخيره في القدرة، إلا أن الله تفضل عليهم بالإمهال، هذا قول الزجاج.

### الآية 22:48

> ﻿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ [22:48]

\[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٤٢ الى ٤٥\]

 وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٤) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)
 قوله تعالى: ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ أي: بالعذاب فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ أثبت الياء في **«نكير»** يعقوب في الحالَيْن، ووافقه ورش في إِثباتها في الوصل، والمعنى: كيف أنكرت عليهم ما فعلوا من التكذيب بالإِهلاك؟! والمعنى: إِني أنكرتُ عليهم أبلغ إِنكار، وهذا استفهام معناه التقرير.
 قوله تعالى: أَهْلَكْناها قرأ أبو عمرو: **«أهلكتُها»** بالتاء، والباقون: **«أهلكناها»** بالنون.
 قوله تعالى: وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عمر، وحمزة، والكسائي: **«وبئر»** مهموز، وروى ورش عن نافع بغير همز، والمعنى: وكم بئرٍ معطَّلة، أي: متروكة **«١»** وَقَصْرٍ مَشِيدٍ فيه قولان: أحدهما: مجصَّص، قاله ابن عباس وعكرمة. قال الزجاج: أصل الشِّيد الجصُّ والنُّورة، وكل ما بني بهما أو بأحدهما فهو مَشِيد. والثاني: طويل، قاله الضحاك ومقاتل. وفي الكلام إِضمار، تقديره: وقصر مشيد معطَّل أيضاً ليس فيه ساكن.
 \[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٤٦ الى ٤٨\]
 أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)
 قوله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا قال المفسرون: أفلم يَسِر قومك في أرض اليمن والشام فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها إِذا نظروا آثار من هلك أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها أخبار الأمم المكذّبة فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ قال الفراء: الهاء في قوله: **«فإنها»** عماد، والمعنى: أن أبصارهم لم تعم، وإِنما عميت قلوبهم **«٢»**. فأمّا قوله تعالى: الَّتِي فِي الصُّدُورِ فهو توكيد، لأن القلب لا يكون إِلا في الصدر، ومثله:
 تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ **«٣»** يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ **«٤»**، يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ **«٥»**. قوله تعالى: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ
 (١) قال ابن كثير رحمه الله في ****«تفسيره»**** ٣/ ٢٨٦: وقوله تعالى: وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ أي: لا يستقى منها، ولا يردها أحد بعد كثرة وارديها والازدحام عليها. وَقَصْرٍ مَشِيدٍ قيل المنيف المرتفع وقيل الشديد المنيع الحصين وكل هذه الأقوال متقاربة، ولا منافاة بينها، فإنه لم يحم أهله شدة بنائه ولا ارتفاعه، ولا إحكامه ولا حصانته عن حلول بأس الله به، كما قال تعالى: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ، النساء: ٧٨.
 (٢) قال ابن كثير رحمه الله في ****«تفسيره»**** ٣/ ٢٨٦: **«وقال ابن أبي الدنيا: قال بعض الحكماء: أحي قلبك بالمواعظ، ونوره بالفكر، وموّته بالزهد، وقوّه باليقين وذلّله بالموت وقرّره بالفناء، وبصّره فجائع الدنيا، وحذره صولة الدهر، وفحش تقلب الأيام، واعرض عليه أخبار الماضين، وذكره ما أصاب من كان قبله، وسر في ديارهم وآثارهم وانظر ما فعلوا، وأين حلوا وعمّ انقلبوا»**. وقوله تعالى: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ أي: ليس العمى عمى البصر، وإنما العمى عمى البصيرة، وإن كانت القوة الباصرة سليمة فإنها لا تنفذ إلى العبر، ولا تدري ما الخبر.
 (٣) سورة البقرة: ١٩٦.
 (٤) سورة الأنعام: ٣٨.
 (٥) سورة آل عمران: ١٦٧.

### الآية 22:49

> ﻿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ [22:49]

قال مقاتل: نزلت في النَّضْر بن الحارث القرشي. وقال غيره: هو قولهم له: مَتى هذَا الْوَعْدُ **«١»** ونحوه من استعجالهم، وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ في إِنزال العذاب بهم في الدنيا، فأنزله بهم يوم بدر، وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ أي: من أيام الآخرة كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ من أيام الدنيا، قرأ عاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: **«تَعُدُّون»** بالتاء. وقرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي: **«يَعُدُّون»** بالياء.
 فإن قيل: كيف انصرف الكلام من ذِكْر العذاب إِلى قوله: **«وإِن يوماً عند ربِّك»** ؟ فعنه جوابان:
 أحدهما: أنهم استعجلوا العذاب في الدنيا، فقيل لهم: لن يخلف الله وعده في إِنزال العذاب بكم في الدنيا. وإِن يوماً من أيام عذابكم في الآخرة كألف سنة من سنيِّ الدنيا، فكيف تستعجلون بالعذاب؟! فقد تضمنت الآية وعدهم بعذاب الدنيا والآخرة، هذا قول الفراء. والثاني: وإِن يوماً عند الله وألف سنة سواء في قدرته على عذابهم، فلا فرق بين وقوع ما يستعجلونه وبين تأخيره في القدرة، إِلا أن الله تفضَّل عليهم بالإمهال، هذا قول الزّجّاج.
 \[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٤٩ الى ٥١\]
 قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٥١)
 قوله تعالى: وَرِزْقٌ كَرِيمٌ يعني به الرزق الحَسَن في الجنة.
 قوله تعالى: وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا أي: عملوا في إِبطالها مُعاجِزِينَ قرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: **«مُعجِزين»** بغير ألف. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: ****«مُعاجِزين»**** بألف قال الزجاج:
 ****«مُعاجِزين»**** أي: ظانِّين أنهم يُعجزوننا، لأنهم ظنوا أنهم لا يُبعثون وأنه لا جنة ولا نار. قال: وقيل في التفسير: مُعاجِزين: معانِدين، وليس هو بخارج عن القول الأول و **«معجزين»** تأويلها: أنهم كانوا يعجزون من اتّبع النبيّ صلى الله عليه وسلّم ويثبّطونهم عنه.
 \[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٥٢ الى ٥٥\]
 وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤) وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥)
 قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ الآية.
 (١٠١٠) قال المفسرون: سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم لما نزلت عليه سورة النجم قرأها حتى

 موضوع مفترى. بأسانيد واهية. ورد عن محمد بن كعب القرظي، أخرجه الطبري ٢٥٣٢٨ وله علل ثلاث:
 الأولى الإرسال، والثانية عنعنة ابن إسحاق، والثالثة فيه يزيد بن زياد المدني، قال البخاري: لا يتابع على حديثه. وكرره الطبري ٢٥٣٢٧ من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب ومحمد بن قيس معا. وهذا مرسل-
 __________
 (١) سورة الملك: ٢٥. [.....]

أيضا، وأبو معشر اسمه نجيح ضعفه النسائي والدارقطني، وقال البخاري: منكر الحديث، وضعفه يحيى بن سعيد جدا. وورد من مرسل أبي العالية، أخرجه الطبري ٢٥٣٣٠. وورد من مرسل سعيد بن جبير، أخرجه الطبري ٢٥٣٣١ و ٢٥٣٣٢. وورد من مرسل الضحاك، أخرجه الطبري ٢٥٣٣٤. وورد من مرسل عروة بن الزبير، أخرجه الطبراني ٥٠٧٨، ومع إرساله فيه ابن لهيعة.
 قال الهيثمي في **«المجمع»** ١١١٨٦: فيه ابن لهيعة، ولا يحتمل هذا من ابن لهيعة اه. أي لنكارة المتن الذي ساقه، فإن فيه رجوع بعض من هاجر إلى الحبشة إلى المدينة بسبب هذا الخبر.
 - وورد عن ابن عباس من طرق ثلاث: الأول: أخرجه ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبى صالح عنه.
 وهذا إسناد ساقط مصنوع، فقد روى الكلبي وأبو صالح عن ابن عباس تفسيرا موضوعا، وقد أقرّا بالوضع والكذب على ابن عباس. الثاني: أخرجه الطبري ٢٥٣٣٣ بسند فيه مجاهيل عن عطية العوفي، وهو ضعيف عن ابن عباس، فهذا إسناد ساقط لا يفرح به. الثالث: أخرجه البزار ٢٢٦٣ **«كشف»** والضياء في **«المختارة»** ١- ٢/ ١٢٠ والطبراني ١٢٤٥٠ وفيه أمية بن خالد، وهو وإن وثقه غير واحد، فقد نقل الذهبي في **«الميزان»** ١٠٢٩ عن أحمد أنه لم يحمده، وذكره العقيلي في **«الضعفاء»** اه. وقد روى هذا الحديث غير واحد عن ابن جبير ليس فيه ذكر ابن عباس، وللحديث علة أخرى، وهي ما قاله البزار حيث قال عقبه: لا نعلمه يروى بإسناد متصل يجوز ذكره إلا بهذا الإسناد، وأمية بن خالد ثقة مشهور، وإنما يعرف هذا من حديث الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس اه. والكلبي متروك متهم، وأبو صالح ساقط، ولم يدرك ابن عباس، فلم يصح هذا الطريق عن ابن عباس أيضا، وعامة روايات هذا الخبر مراسيل لا يحتج بها، والظاهر أن بعضهم أخذه من بعض لغرابته، فحدثوا به واشتهر، وهو خبر باطل مصنوع، ولو صح لرواه واحد من أصحاب الكتب المعتبرة، والمسانيد المشتهرة، ولكن كل ذلك لم يكن وقد اضطربوا في ألفاظه اضطرابا كبيرا، وزادوا فيه ونقصوا، وكل ذلك دليل على بطلانه.
 وقد ذهب الحافظ ابن حجر في تخريج **«الكشاف»** ٣/ ١٦٤- ١٦٥ إلى تقوية هذا الحديث، وكذا السيوطي في **«الدر»** ٤/ ٦٦١، وليس كما قالا، وقد خالفهما أئمة ثقات أثبات في ذلك. وإليك بيانه: قال الإمام أبو حيان في **«البحر»** ٦/ ٣٥٢: سئل ابن إسحاق- جامع السيرة النبوية- عن هذه القصة، فقال: هذا من وضع الزنادقة، وصنف في ذلك كتابا.
 وقال الإمام البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ورواتها مطعون عليهم، وليس في الصحاح ولا التصانيف الحديثية شيء مما ذكروه، فوجب اطّراحه، ولذا نزهت كتابي عن ذكره فيه. اه ملخصا.
 وقال الحافظ ابن كثير ٣/ ٢٨٨: وقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغرانيق، ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح.
 وقال العلامة الآلوسي في **«روح البيان»** ١٧/ ١٨٢ ما ملخصه: قال أبو منصور الماتريدي: هذا الخبر من إيحاء الشيطان إلى أوليائه الزنادقة، والرسالة بريئة من هذه الرواية.
 وقال القاضي عياض: يكفيك أن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواة ثقة يسند سليم متصل.
 وقال العلامة الآلوسي: ويكفي في ردها قول الله تعالى في وصف القرآن لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ اه.
 وقال الإمام الشوكاني في **«فتح القدير»** ٣/ ٥٤٦: قال إمام الأئمة ابن خزيمة: إن هذه القصة من وضع الزنادقة.
 وقال القاضي عياض في **«الشفا»** : إن الأمة أجمعت فيما طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الإخبار عن شيء بخلاف ما هو عليه، لا قصدا ولا عمدا ولا سهوا ولا غلطا.
 وقد جمع الألباني رسالة في ذلك وسماها **«نصب المجانيق في نسف قصة الغرانيق»**.

بلغ قوله: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى **«١»** فألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى، وإِن شفاعتهن لترتجى فلما سمعت قريش بذلك فرحوا، فأتاه جبريل، فقال: ماذا صنعتَ؟
 تلوتَ على الناس ما لم آتِكَ به عن الله، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلّم حزناً شديداً، فنزلت هذه الآية تطييباً لقلبه، وإِعلاماً له أن الأنبياء قد جرى لهم مثل هذا. قال العلماء المحققون: وهذا لا يصحّ، لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم معصوم عن مثل هذا، ولو صح، كان المعنى أن بعض شياطين الإِنس قال تلك الكلمات **«٢»**، فإنهم كانوا إِذا تلا لغطوا، كما قال الله عزّ وجلّ: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ **«٣»**.
 قال: وفي معنى **«تمنّى»** قولان **«٤»** :

 وانظر **«فتح القدير»** ١٦٨١ و **«أحكام القرآن»** ١٥١٧ وابن كثير عند هذه الآية.
 أخيرا: أورد لك الوجه الصحيح في قصة سورة النجم، والسجود فيها. وقد ورد في ذلك حديثان الأول حديث ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم سجد في النجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس.
 وهذا ثابت عن ابن عباس، أخرجه البخاري ١٠٧١ و ٤٨٦٢ والترمذي ٥٧٥ وابن حبان ٢٧٦٣ والدارقطني ١/ ٤٠٩. وحديث ابن مسعود، أخرجه البخاري ١٠٦٧ و ١٠٧٠ و ٣٨٥٣ و ٣٩٧٢ ومسلم ٥٧٦ وأبو داود ١٤٠٦ والنسائي ٢/ ١٦٠ والدارمي ١/ ٣٤٢ وابن حبان ٢٧٦٤ وحديث ابن مسعود أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم قرأ سورة النجم فسجد فما بقي أحد من القوم إلا سجد إلا رجل واحد أخذ كفا من حصى، فوضعه على جبهته، وقال:
 يكفيني. قال عبد الله: فلقد رأيته بعد قتل كافرا. فالوارد الصحيح عن ابن عباس هو المتقدم عنه لا ما رواه عنه الضعفاء والهلكى من ذكر الغرانيق...
 هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فالصحيح في هذا المقام هو الوارد عن ابن مسعود فإنه قد أدرك الحادثة وهي مكية، بخلاف ابن عباس، فإنه ما حضرها ولا أدركها، فالصحيح في هذا ما ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه أحد السابقين الأعلام، وأما ما رواه جماعة من التابعين، فإنما تلقّاه بعضهم عن بعض واشتهر بسبب غرابته، وكان الأصلح لهؤلاء رحمهم الله أن يأخذوا ذلك عن ابن مسعود، فتنبه والله الموفق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
 __________
 (١) سورة النجم: ١٩- ٢٠.
 (٢) قلت الصواب أن النبي صلى الله عليه وسلّم ما قال ذلك، ولا زاده الشيطان أيضا بل لا سلطان للشيطان في شيء في شيء من ذلك، حاشا لله أن يكون للشيطان مدخل على القرآن أو في حال تبليغه، وما هي إلا روايات عامتها مراسيل، وكأن بعض الزنادقة حدث بها في عهد التابعين، فأولع بها هؤلاء فرووها وانتشرت، والدليل على أن مصدرها رجال مجاهيل لا يعرفون، هو أنها وردت عن عشرة أو أكثر من التابعين، ولم يذكر عامتهم من حدثه بها، فهذا دليل على أن لا أصل لها، وأنه مفتعلة مصنوعة مزورة، تروج على من لا علم له ولا دراية، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
 (٣) سورة فصلت: ٢٦.
 (٤) قال الطبري رحمه الله في **«تفسيره»** ٩/ ١٧٨: التمني يعني التلاوة والقراءة قاله الضحاك. وهذا القول أشبه بتأويل الكلام، بدلالة قوله: فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته على ذلك، لأن الآيات التي أخبر الله جل ثناؤه أنه يحكمها، لا شك أنها آيات تنزيله، فمعلوم أن الذي ألقى فيه الشيطان هو ما أخبر الله تعالى ذكره أنه نسخ ذلك منه وأبطله، ثم أحكمه بنسخه ذلك منه.
 فتأويل الكلام إذن: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تلا كتاب الله وقرأ، أو حدّث وتكلم، ألقى الشيطان في كتاب الله الذي تلاه وقرأه، أو في حديثه الذي حدث وتكلم فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ يقول الله تعالى: فيذهب الله ما يلقي الشيطان من ذلك على لسان نبيه ويبطله.

**أحدهما: تلا، قاله الأكثرون، وأنشدوا:**تمنَّى كتابَ اللهِ أوّل ليلهِ  وآخرَه لاقى حِمامَ المقادِرِ **وقال آخر:**تمنَّى كتابَ الله آخرَ ليلِه  تمنِّيَ داودَ الزبورَ على رِسْلِ والثاني: أنه من الأمنية، وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم تمنى يوماً أن لا يأتيه من الله شيء ينفر عنه به قومُه، فألقى الشيطان على لسانه لِما كان قد تمناه، قاله محمد بن كعب القرظي.
 قوله تعالى: فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ أي: يُبطله ويُذهبه ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ قال مقاتل: يُحْكِمُها من الباطل. قوله تعالى: لِيَجْعَلَ اللام متعلقة بقوله: أَلْقَى الشَّيْطانُ، والفتنة ها هنا بمعنى البلية والمحنة. والمرضُ: الشك والنفاق. وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ يعني: الجافية عن الإِيمان. ثم أعلمه أنهم ظالمون وأنهم في شقاق دائم، والشقاق: غاية العداوة.
 قوله تعالى: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وهو التوحيد والقرآن، وهم المؤمنون. وقال السدي:
 التصديق بنسخ الله. قوله تعالى: أَنَّهُ الْحَقُّ إِشارة إِلى نسخ ما يلقي الشيطان فالمعنى: ليعلموا أن نسخ ذلك وإِبطاله حق من الله فَيُؤْمِنُوا بالنسخ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ أي: تخضع وتَذِلّ. ثم بيَّن بباقي الآية أن هذا الإِيمان والإِخبات إِنما هو بلطف الله وهدايته..
 قوله تعالى: فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ أي: في شكّ. وفي هاء **«منه»** أربعة أقوال **«١»** : أحدها: أنها ترجع إِلى قوله: تلك الغرانيق العلى. والثاني: أنها ترجع إِلى سجوده في سورة النجم. والقولان عن سعيد بن جبير، فيكون المعنى: إِنهم يقولون: ما بالُه ذكر آلهتنا ثم رجع عن ذكرها؟! والثالث: أنها ترجع إِلى القرآن، قاله ابن جريج. والرابع: أنها ترجع إِلى الدِّين، حكاه الثعلبي. قوله تعالى: حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ وفيها قولان: أحدهما: القيامة تأتي مَنْ تقوم عليه من المشركين، قاله الحسن. والثاني: ساعة موتهم، ذكره الواحدي. قوله تعالى: أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ فيه قولان **«٢»** : أحدهما: أنه يوم بدر، روي عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي. والثاني: أنه يوم القيامة، قاله عكرمة، والضحاك. وأصل العقم في الولادة، يقال: امرأة عقيم لا تلد، ورجل عقيم لا يولد له وأنشدوا:عُقْمِ النِّساءُ فلا يَلِدْنَ شَبْيَهه  إِن النِّساءَ بمثْلِه عقم (١) قال الطبري رحمه الله في ****«تفسيره»**** ٩/ ١٨٠: وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: هي كناية من ذكر القرآن الذي أحكم الله آياته وذلك أن ذلك من ذكر قوله وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ أقرب منه من ذكر قوله فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ والهاء في قوله أنه من ذكر القرآن، فإلحاق الهاء في قوله فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ بالهاء من قوله أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ أولى من إلحاقها بما التي في قوله ما يُلْقِي الشَّيْطانُ مع بعد ما بينهما.
 (٢) قال الطبري رحمه الله في ****«تفسيره»**** ٩/ ١٨١: والقول الأول: أنه يوم بدر أولى بتأويل الآية، لأنه لا وجه لأن يقال: لا يزالون في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة، أو تأتيهم الساعة، وذلك أن الساعة هي يوم القيامة، فإن كان اليوم العقيم أيضا هو يوم القيامة، فإنما معناه تكرير الساعة مرتين، باختلاف الألفاظ، وذلك لا معنى له فأولى التأولين أصحهما معنى، وهو ما ذكرنا. فتأويل الكلام: أو يأتيهم عذاب يوم عقيم لهم، فلا ينظر وافيه إلى الليل، ولا يؤخروا فيه إلى المساء لكنهم يقتلون قبل المساء.

### الآية 22:50

> ﻿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [22:50]

قوله تعالى : وَرِزْقٌ كَرِيمٌ  يعني به الرزق الحسن في الجنة.

### الآية 22:51

> ﻿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [22:51]

قوله تعالى : وَالَّذِينَ سَعَوْاْ في آيَاتِنَا  أي : عملوا في إبطالها  مُعَاجِزِينَ  قرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي :" معجزين " بغير ألف. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو : معاجزين  بألف. قال الزجاج : معاجزين . أي : ظانين أنهم يعجزوننا، لأنهم ظنوا أنهم لا يبعثون وأنه لا جنة ولا نار، قال : وقيل في التفسير : معاجزين : معاندين، وليس هو بخارج عن القول الأول ؛ و " معجزين " تأويلها : أنهم كانوا يعجزون من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم ويثبطونهم عنه.

### الآية 22:52

> ﻿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [22:52]

قوله تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ  الآية. قال المفسرون : سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه سورة \[ النَّجْم \] قرأها حتى بلغ قوله : أَفَرَأيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثّاَلَثَةِ الأخرى  \[ النجم : ٢٠، ١٩ \]، فألقى الشيطان على لسانه : تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى ؛ فلما سمعت قريش بذلك فرحوا، فأتاه جبريل، فقال : ماذا صنعت ؟ تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم حزنا شديدا، فنزلت هذه الآية تطييبا لقلبه، وإعلاما له أن الأنبياء قد جرى لهم مثل هذا. قال العلماء المحققون : وهذا لا يصح، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوم عن مثل هذا، ولو صح، كان المعنى أن بعض شياطين الإنس قال تلك الكلمات، فإنهم كانوا إذا تلا لغطوا، كما قال الله عز وجل : وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْءانِ وَالْغَوْاْ فِيهِ  \[ فصلت : ٢٦ \]. قال : وفي معنى " تمنى " قولان :
أحدهما : تلا، قاله الأكثرون، وأنشدوا :

تمنى كتاب الله أول ليله  وآخره لاقى حمام المقادر**وقال آخر :**تمنى كتاب الله آخر ليله  تمني دواد الزبور على رسلوالثاني : أنه من الأمنية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تمنى يوما أن لا يأتيه من الله شيء ينفر عنه به قومه، فألقى الشيطان على لسانه كان قد تمناه، قاله محمد بن كعب القرظي. 
قوله تعالى : فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ  أي : يبطله ويذهبه  ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ  قال مقاتل : يحكمها من الباطل.

### الآية 22:53

> ﻿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [22:53]

قوله تعالى : لِيَجْعَلَ  اللام متعلقة بقوله : ألقى الشيطان ، والفتنة ها هنا بمعنى البلية والمحنة. والمرض : الشك والنفاق.  وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ  يعني : الجافية عن الإيمان. ثم أعلمه أنهم ظالمون وأنهم في شقاق دائم. والشقاق : غاية العداوة.

### الآية 22:54

> ﻿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [22:54]

قوله تعالى : وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ  وهو التوحيد والقرآن، وهم المؤمنون. وقال السدي : التصديق بنسخ الله. 
قوله تعالى : أَنَّهُ الْحَقُّ  إشارة إلى نسخ ما يلقي الشيطان ؛ فالمعنى : ليعلموا أن نسخ ذلك وإبطاله حق من الله  فَيُؤْمِنُواْ  بالنسخ  فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ  أي : تخضع وتذل. ثم بين بباقي الآية أن هذا الإيمان والإخبات إنما هو بلطف الله وهدايته.

### الآية 22:55

> ﻿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ [22:55]

قوله تعالى : فِي مِرْيَةٍ مّنْهُ  أي : في شك. 
وفي هاء  منه  أربعة أقوال :
أحدها : أنها ترجع إلى قوله : تلك الغرانيق العلى. 
والثاني : أنها ترجع إلى سجوده في سورة \[ النجم \]. والقولان عن سعيد بن جبير، فيكون المعنى : إنهم يقولون : ما باله ذكر آلهتنا ثم رجع عن ذكرها ؟
والثالث : أنها ترجع إلى القرآن، قاله ابن جريج. 
والرابع : أنها ترجع إلى الدين، حكاه الثعلبي. 
قوله تعالى : حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ  وفيها قولان :
أحدهما : القيامة تأتي من تقوم عليه من المشركين، قاله الحسن. 
والثاني : ساعة موتهم، ذكره الواحدي. 
قوله تعالى : أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ  فيه قولان :
أحدهما : أنه يوم بدر، روي عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي. 
والثاني : أنه يوم القيامة، قاله عكرمة، والضحاك. وأصل العقم في الولادة، يقال : امرأة عقيم لا تلد، ورجل عقيم لا يولد له، وأنشدوا :

عقم النساء فلا يلدن شبيهه  إن النساء بمثله عقموسميت الريح العقيم بهذا الاسم، لأنها لا تأتي بالسحاب الممطر، فقيل لهذا اليوم : عقيم، لأنه لم يأت بخير. 
فعلى قول من قال : هو يوم بدر، في تسميته بالعقيم ثلاثة أقوال. 
أحدها : أنه لم يكن فيه للكفار بركة ولا خير، قاله الضحاك. 
والثاني : لأنهم لم ينظروا فيه إلى الليل، بل قتلوا قبل المساء، قاله ابن جريج. 
والثالث : لأنه لا مثل له في عظم أمره، لقتال الملائكة فيه، قاله يحيى ابن سلام. 
وعلى قول من قال : هو يوم القيامة، في تسميته بذلك قولان :
أحدهما : لأنه لا ليلة له، قاله عكرمة. 
والثاني : لأنه لا يأتي المشركين بخير ولا فرج، ذكره بعض المفسرين.

### الآية 22:56

> ﻿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [22:56]

قوله تعالى : الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ  أي : يوم القيامة  لِلَّهِ  من غير منازع ولا مدع  يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ  أي : بين المسلمين والمشركين ؛ وحكمه بينهم بما ذكره في تمام الآية وما بعدها.

### الآية 22:57

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [22:57]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥٦:قوله تعالى : الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ  أي : يوم القيامة  لِلَّهِ  من غير منازع ولا مدع  يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ  أي : بين المسلمين والمشركين ؛ وحكمه بينهم بما ذكره في تمام الآية وما بعدها. ---

### الآية 22:58

> ﻿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [22:58]

ثم ذكر فضل المهاجرين فقال : وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ  أي : من مكة إلى المدينة. 
**وفي الرزق الحسن قولان :**
أحدهما : أنه الحلال، قاله ابن عباس. 
والثاني : رزق الجنة، قاله السدي. 
قوله تعالى : ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ  وقرأ ابن عامر :" قتلوا " بالتشديد.

### الآية 22:59

> ﻿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ [22:59]

قوله تعالى : لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً  وقرأ نافع : بفتح الميم  يَرْضَوْنَهُ  يعني : الجنة. والمدخل يجوز أن يكون مصدرا، فيكون المعنى : ليدخلنهم إدخالاً يكرمون به فيرضونه ؛ ويجوز أن يكون بمعنى المكان. و " مدخلاً " بفتح الميم على تقدير : فيدخلون مدخلاً.  وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ  بنيّاتهم  حَلِيمٌ  عنهم.

### الآية 22:60

> ﻿۞ ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ [22:60]

قوله تعالى : ذلِكَ  قال الزجاج : المعنى : الأمر ذلك، أي : الأمر ما قصصنا عليكم  وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ  والعقوبة : الجزاء ؛ والأول ليس بعقوبة، ولكنه سمي عقوبة، لاستواء الفعلين في جنس المكروه، كقوله : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا  \[ الشورى : ٤٠ \] لما كانت المجازاة إساءة بالمفعول به سميت سيئة، ومثله : اللَّهِ يستهزئ بهم  \[ البقرة : ١٥ \] قاله الحسن. ومعنى الآية : من قاتل المشركين كما قاتلوه  ثُمَّ بُغِي عَلَيْهِ  أي : ظلم بإخراجه عن منزله. وزعم مقاتل أن سبب نزول هذه الآية أن مشركي مكة لقوا المسلمين لليلة بقيت من المحرم، فقاتلوهم، فناشدهم المسلمون أن لا يقاتلوهم في الشهر الحرام، فأبوا إلا القتال، فثبت المسلمون، ونصرهم الله على المشركين، ووقع في نفوس المسلمين من القتال في الشهر الحرام، فنزلت هذه الآية، وقال : إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ  عنهم  غَفُورٌ  لقتالهم في الشهر الحرام.

### الآية 22:61

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [22:61]

قوله تعالى : ذلِكَ  أي : ذلك النصر  بِأَنَّ اللَّهَ  القادر على ما يشاء. فمن قدرته أنه  يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الّلَيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ  لدعاء المؤمنين  بَصِيرٌ  بهم حيث جعل فيهم الإيمان والتقوى،

### الآية 22:62

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [22:62]

ذلِكَ  الذي فعل من نصر المؤمنين  بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ  أي : هو الإله الحق  وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ  قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم :" يدعون " بالياء. وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم : بالتاء، والمعنى : وأن ما يعبدون  مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ .

### الآية 22:63

> ﻿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ۗ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [22:63]

قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء  يعني : المطر  فَتُصْبِحُ الأرض مُخْضَرَّةً  بالنبات. وحكى الزجاج عن الخليل أنه قال : معنى الكلام التنبيه، كأنه قال : أتسمع، أنزل الله من السماء ماء فكان كذا وكذا. وقال ثعلب : معنى الآية عند الفراء خبر، كأنه قال : أعلم أن الله ينزل من السماء ماء فتصبح، ولو كان استفهاما والفاء شرطا لنصبه. 
قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ  أي : باستخراج النبات من الأرض رزقا لعباده  خَبِيرٌ  بما في قلوبهم عند تأخير المطر.

### الآية 22:64

> ﻿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [22:64]

وقد سبق معنى الغني الحميد في البقرة :\[ ٢٦٧ \].

### الآية 22:65

> ﻿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [22:65]

قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا في الأرض  يريد البهائم التي تركب  وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الأرض إِلاَّ بِإِذْنِهِ  قال الزجاج : كراهة أن تقع. وقال غيره : لئلا تقع  إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ  فيما سخر لهم وفيما حبس عنهم من وقوع السماء عليهم.

### الآية 22:66

> ﻿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ۗ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ [22:66]

وَهُوَ الذي أَحْيَاكُمْ  بعد أن كنتم نظفا ميتة  ثُمَّ يُمِيتُكُمْ  عند آجالكم  ثُمَّ يُحْيِيكُمْ  للبعث والحساب  إِنَّ الإنسَانَ  يعني : المشرك  لَكَفُورٌ  لنعم الله إذ لم يوحده.

### الآية 22:67

> ﻿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ ۖ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ ۚ وَادْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ ۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُسْتَقِيمٍ [22:67]

قوله تعالى : لّكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً  قد سبق بيانه في هذه السورة \[ الحج : ٣٤ \]  فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ في الأمر  أي : في الذبائح، وذلك أن كفار قريش وخزاعة خاصموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر الذبيحة، فقالوا : كيف تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله ؟ ! يعنون : الميتة. 
فإن قيل : إذا كانوا هم المنازعين له، فكيف قيل : فلا ينازعنك في الأمر  ؟
فقد أجاب عنه الزجاج، فقال : المراد : النهي له عن منازعتهم، فالمعنى : لا تنازعنهم، كما تقول للرجل : لا يخاصمنك فلان في هذا أبدا، وهذا جائز في الفعل الذي لا يكون إلا من اثنين، لأن المجادلة والمخاصمة لا تتم إلا باثنين، فإذا قلت : لا يجادلنك فلان، فهو بمنزلة : لا تجادلنه، ولا يجوز هذا في قولك : لا يضربنك فلان وأنت تريد : لا تضربنه، ولكن لو قلت : لا يضاربنك فلان، لكان كقولك : لا تضاربن، ويدل على هذا الجواب قوله : وَإِن جَادَلُوكَ . 
قوله تعالى : وَادْعُ إِلَى رَبّكَ  أي : إلى دينه والإيمان به.

### الآية 22:68

> ﻿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ [22:68]

و جادلوك  بمعنى : خاصموك في أمر الذبائح،  فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ  من التكذيب، فهو يجازيكم به.

### الآية 22:69

> ﻿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [22:69]

اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ  أي : يقضي بينكم  فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ  من الدين، أي : تذهبون إلى خلاف ما ذهب إليه المؤمنون ؛ وهذا أدب حسن علمه الله عباده ليردوا به من جادل على سبيل التعنت، ولا يجيبوه، ولا يناظروه. 
### فصل


قال أكثر المفسرين : هذا نزل قبل الأمر بالقتال، ثم نسخ بآية السيف. وقال بعضهم : هذا نزل في حق المنافقين، كانت تظهر من أقوالهم وأفعالهم فلتات تدل على شركهم، ثم يجادلون على ذلك، فوكل أمرهم إلى الله تعالى، فالآية على هذا محكمة.

### الآية 22:70

> ﻿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَابٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [22:70]

قوله تعالى : ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء الأرض  هذا استفهام يراد به التقرير ؛ والمعنى : قد علمت، ذلك  إِنَّ ذلِكَ  يعني : ما يجري في السماوات والأرض  فِي كِتَابِ  يعني : اللوح المحفوظ،  إِنَّ ذلِكَ  أي : علم الله بجميع ذلك  عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ  سهل لا يتعذر عليه العلم به.

### الآية 22:71

> ﻿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ ۗ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [22:71]

قوله تعالى : وَيَعْبُدُونَ  يعني : كفار مكة  مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَاناً  أي : حجة  وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ  أنه إله،  وَمَا لِلظَّالِمِينَ  يعني : المشركين  مِن نَّصِيرٍ  أي : مانع من العذاب.

### الآية 22:72

> ﻿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ ۖ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ۗ قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَٰلِكُمُ ۗ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [22:72]

وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا  يعني : القرآن ؛ والمنكر ها هنا بمعنى الإنكار، فالمعنى : أثر الإنكار من الكراهة، وتعبيس الوجوه، معروف عندهم.  يَكَادُونَ يَسْطُونَ  أي : يبطشون ويوقعون بمن يتلو عليهم القرآن من شدة الغيظ، يقال : سطا عليه، وسطا به : إذا تناوله بالعنف والشدة.  قُلْ  لهم يا محمد : أَفَأُنَبّئُكُم بِشَرّ مّن ذلِكُمُ  أي : بأشد عليكم وأكره إليكم من سماع القرآن، ثم ذكر ذلك فقال : النَّارِ  أي : هو النار.

### الآية 22:73

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [22:73]

قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ  قال الأخفش : إن قيل : أين المثل ؟
فالجواب : أنه ليس ها هنا مثل، وإنما المعنى : يا أيها الناس ضرب لي مثل، أي : شبهت بي الأوثان  فَاسْتَمِعُواْ  لهذا المثل. وتأويل الآية : جعل المشركون الأصنام شركائي فعبدوها معي فاستمعوا حالها ؛ ثم بين ذلك بقوله : إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ  أي : تعبدون  مِن دُونِ اللَّهِ ، وقرأ ابن عباس، وأبو رزين، وابن أبي عبلة :" يدعون " بالياء المفتوحة. وقرأ ابن السميفع، وأبو رجاء، وعاصم الجحدري :" يدعون " بضم الياء وفتح العين، يعني : الأصنام،  لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً  والذباب واحد، والجمع القليل : أذبة، والكثير : الذبان، مثل : غراب وأغربة وغربان ؛ وقيل : إنما خص الذباب لمهانته واستقذاره وكثرته.  وَلَوِ اجْتَمَعُواْ  يعني الأصنام  لَهُ  أي : لخلقه،  وَإِن يَسْلُبْهُمُ  يعني : الأصنام ؛ قال ابن عباس : كانوا يطلون أصنامهم بالزعفران فيجف، فيأتي الذباب فيختلسه. وقال ابن جريج : كانوا إذا طيبوا أصنامهم عجنوا طيبهم بشيء من الحلواء، كالعسل ونحوه، فيقع عليه الذباب فيسلبها إياه، فلا تستطيع الآلهة ولا من عبدها أن يمنعه ذلك. وقال السدي : كانوا يجعلون للآلهة طعاما، فيقع الذباب عليه فيأكل منه. قال ثعلب : وإنما قال : لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ  فجعل أفعال الآلهة كأفعال الآدميين، إذ كانوا يعظمونها ويذبحون لها وتخاطب، كقوله : يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ  \[ النمل : ١٨ \] لما خاطبهم جعلهم كالآدميين، ومثله : رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ  \[ يوسف : ٤ \] وقد بينا هذا المعنى في الأعراف :\[ ١٩١ \] عند قوله تعالى : وَهُمْ يُخْلَقُونَ . 
قوله تعالى : ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ  فيه ثلاثة أقوال :
أحدها : أن الطالب : الصنم. والمطلوب : الذباب. رواه عطاء عن ابن عباس. 
والثاني : الطالب : الذباب يطلب ما يسلبه من الطيب الذي على الصنم، والمطلوب : الصنم يطلب الذباب منه سلب ما عليه، روي عن ابن عباس أيضا. 
والثالث : الطالب : عباد الصنم يطلب التقرب بعبادته، والمطلوب : الصنم، هذا معنى قول الضحاك، والسدي.

### الآية 22:74

> ﻿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [22:74]

قوله تعالى : مَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ  أي : ما عظموه حق عظمته، إذ جعلوا هذه الأصنام شركاء له  إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىٌّ  لا يقهر  عَزِيزٌ  لا يرام.

### الآية 22:75

> ﻿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [22:75]

قوله تعالى : اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً  كجبريل وميكئايل وإسرافيل وملك الموت،  وَمِنَ النَّاسِ  الأنبياء المرسلين،  إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ  لمقالة العباد  بَصِيرٌ  بمن يتخذه رسولاً. وزعم مقاتل أن هذه الآية نزلت حين قالوا : أأنزل عليه الذكر من بيننا \[ ص : ٨ \].

### الآية 22:76

> ﻿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۗ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [22:76]

قوله تعالى : يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ  الإشارة إلى الذين اصطفاهم ؛ وقد بينا معنى ذلك في آية الكرسي \[ البقرة : ٢٥٥ \].

### الآية 22:77

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۩ [22:77]

قوله تعالى : ارْكَعُواْ وَاسْجُدُواْ  قال المفسرون : المراد : صلوا، لأن الصلاة لا تكون إلا بالركوع والسجود،  وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ  أي : وحدوه  وَافْعَلُواْ الْخَيْرَ  يريد : أبواب المعروف  لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  أي : لكي تسعدوا وتبقوا في الجنة.

### فصل


لم يختلف أهل العلم في السجدة الأولى من ( الْحَجُّ ) واختلفوا في هذه السجدة الأخيرة ؛ فروي عن عمر، وابن عمر وعمار، وأبي الدرداء، وأبي موسى، وابن عباس : أنهم قالوا : في الحج سجدتان، وقالوا : فضلت هذه السورة على غيرها بسجدتين، وبهذا قال أصحابنا، وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه. وروي عن ابن عباس أنه قال : في الْحَجُّ سجدة، وبهذا قال الحسن، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وإبراهيم وجابر بن زيد، وأبو حنيفة وأصحابه، ومالك ؛ ويدل على الأول ما روى عقبة بن عامر، قال : قلت : يا رسول الله أفي الْحَجُّ سجدتان ؟ قال :" نعم "، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما ". 
### فصل


واختلف العلماء في عدد سجود القرآن، فروي عن أحمد روايتان، إحداهما : أنها أربع عشرة سجدة. وبه قال الشافعي، والثانية : أنها خمس عشرة، فزاد سجدة ص :\[ ٢٤ \]. وقال أبو حنيفة : هي أربع عشرة، فأخرج التي في آخر الحج وأبدل منها سجدة ص :\[ ٢٤ \]. 
### فصل


وسجود التلاوة سنة، وقال أبو حنيفة : واجب. ولا يصح سجود التلاوة إلا بتكبيرة الإحرام والسلام، خلافا لأصحاب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي. ولا يجزئ الركوع عن سجود التلاوة، وقال أبو حنيفة : يجزئ. ولا يسجد المستمع إذا لم يسجد التالي، نص عليه أحمد رضي الله عنه. وتكره قراءة السجدة في صلاة الإخفات، خلافا للشافعي.

### الآية 22:78

> ﻿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ [22:78]

قوله تعالى : وَجَهِدُوا فِي اللَّهِ  في هذا الجهاد ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه فعل جميع الطاعات، هذا قول الأكثرين. 
والثاني : أنه جهاد الكفار، قاله الضحاك. 
والثالث : أنه جهاد النفس والهوى، قاله عبد الله بن المبارك. 
**فأما حق الجهاد، ففيه ثلاثة أقوال :**
أحدها : أنه الجد في المجاهدة، واستيفاء الإمكان فيها. 
والثاني : أنه إخلاص النية لله عز وجل. 
والثالث : أنه فعل ما فيه وفاء لحق الله عز وجل.

### فصل


وقد زعم قوم أن هذه الآية منسوخة، واختلفوا في ناسخها على قولين :
أحدهما : قوله : لاَ يُكَلّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا  \[ البقرة : ٢٨٦ \]. 
والثاني : قوله : فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ  \[ التغابن : ١٦ \]. وقال آخرون : بل هي محكمة، ويؤكده القولان الأولان في تفسير حق الجهاد، وهو الأصح، لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها. ---
قوله تعالى : هُوَ اجْتَبَاكُمْ  أي : اختاركم واصطفاكم لدينه. والحرج : الضيق، فما من شيء وقع الإنسان فيه إلا وجد له في الشرع مخرجا بتوبة أو كفارة أو انتقال إلى رخصة ونحو ذلك. وروي عن ابن عباس أنه قال : الحرج : ما كان على بني إسرائيل من الإصر والشدائد، وضعه الله عن هذه الأمة. 
قوله تعالى : مّلَّةَ أَبِيكُمْ  قال الفراء : المعنى : وسع عليكم كلمة أبيكم، فإذا ألقيت الكاف نصبت، ويجوز النصب على معنى الأمر بها، لأن أول الكلام أمر، وهو قوله : اركعوا واسجدوا  والزموا ملة أبيكم. 
فإن قيل : هذا الخطاب للمسلمين، وليس إبراهيم أبا لكلهم. 
فالجواب : أنه إن كان خطابا عاما للمسلمين، فهو كالأب لهم، لأن حرمته وحقه عليهم كحق الولد، وإن كان خطابا للعرب خاصة، فإبراهيم أبو العرب قاطبة، هذا قول المفسرين. والذي يقع لي أن الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن إبراهيم أبوه، وأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم داخلة فيما خوطب به رسول الله. 
قوله تعالى : هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ  في المشار إليه قولان :
أحدهما : أنه الله عز وجل، قاله ابن عباس، ومجاهد، والجمهور ؛ فعلى هذا في قوله : مِن قَبْلُ  قولان. أحدهما : من قبل إنزال القرآن سماكم بهذا في الكتب التي أنزلها. والثاني :" من قبل " أي : في أم الكتاب، وقوله : وَفِى هَذَا  أي : في القرآن. 
والثاني : أنه إبراهيم عليه السلام حين قال : وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ  \[ البقرة : ١٢٨ \] فالمعنى : من قبل هذا الوقت، وذلك في زمان إبراهيم عليه السلام، وفي هذا الوقت حين قال : وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً ، هذا قول ابن زيد. 
قوله تعالى : لِيَكُونَ الرَّسُولُ  المعنى : اجتباكم وسماكم ليكون الرسول، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم  شَهِيداً عَلَيْكُمْ  يوم القيامة أنه قد بلغكم ؛ وقد شرحنا هذا المعنى في البقرة :\[ ١٤٣ \] إلى قوله : وَآتوا الزكاة . 
قوله تعالى : وَاعْتَصِمُواْ بِاللَّهِ  قال ابن عباس : سلوه أن يعصمكم من كل ما يسخط ويكره. وقال الحسن : تمسكوا بدين الله. وما بعد هذا مشروح في الأنفال :\[ ٤٠ \].

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/22.md)
- [كل تفاسير سورة الحج
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/22.md)
- [ترجمات سورة الحج
](https://quranpedia.net/translations/22.md)
- [صفحة الكتاب: زاد المسير في علم التفسير](https://quranpedia.net/book/340.md)
- [المؤلف: ابن الجوزي](https://quranpedia.net/person/14515.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/22/book/340) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
