---
title: "تفسير سورة الحج - جامع البيان في تأويل آي القرآن - الطبري"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/22/book/4.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/22/book/4"
surah_id: "22"
book_id: "4"
book_name: "جامع البيان في تأويل آي القرآن"
author: "الطبري"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الحج - جامع البيان في تأويل آي القرآن - الطبري

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/22/book/4)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الحج - جامع البيان في تأويل آي القرآن - الطبري — https://quranpedia.net/surah/1/22/book/4*.

Tafsir of Surah الحج from "جامع البيان في تأويل آي القرآن" by الطبري.

### الآية 22:1

> يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [22:1]

بِسمِ اللّهِ الرحمَن الرّحِيمِ

القول في تأويل قوله تعالى : يَأَيّهَا النّاسُ اتّقُواْ رَبّكُمْ إِنّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ \* يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلّ مُرْضِعَةٍ عَمّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النّاسَ سُكَارَىَ وَمَا هُم بِسُكَارَىَ وَلََكِنّ عَذَابَ اللّهِ شَدِيدٌ . 
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : يا أيها الناس احذروا عقاب ربكم بطاعته، فأطيعوه ولا تعصُوه، فإن عقابه لمن عاقبه يوم القيامة شديد. ثم وصف جلّ ثناؤه هول أشراط ذلك اليوم وبدوّه، فقال : إنّ زَلْزَلَةَ السّاعَةٍ شَيْءٌ عَظِيمٌ. 
واختلف أهل العلم في وقت كون الزلزلة التي وصفها جلّ ثناؤه بالشدّة، فقال بعضهم : هي كائنة في الدنيا قبل يوم القيامة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا يحيى، قال : حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، في قوله : إنّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ قال : قبل الساعة. 
حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال : حدثنا محمد بن الصلت، قال : حدثنا أبو كدنية، عن عطاء، عن عامر : يا أيّها النّاسُ اتقُوا رَبّكُمْ إنّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظيمٌ قال : هذا في الدنيا قبل يوم القيامة. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا حجاج، عن ابن جُرَيج في قوله : إنّ زَلْزَلَةَ السَاعَةِ فقال : زلزلتها : أشراطها. . . الآيات يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلّ ذَاتِ حَمْلٍ حَملَها وَتَرَى الناسَ سُكارَى وَما هُمْ بِسُكارَى. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن عطاء، عن عامر : يا أيّها النّاسُ اتّقُوا رَبكُمْ إنّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ قال : هذا في الدنيا من آيات الساعة. 
وقد رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بنحو ما قال هؤلاء خبر، في إسناده نظر وذلك ما :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل بن رافع المدني، عن يزيد بن أبي زياد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القُرَظيّ، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«لمَا فَرَغَ اللّهُ منْ خَلْقِ السمَوَاتِ والأرْضِ، خَلَقَ الصّوْرَ فأعْطاهُ إسْرَافِيلَ، فَهُوَ وَاضِعُهُ عَلى فيهِ، شاخِصٌ بِبَصَرِهِ إلى العَرْشِ، يَنْتَظِرُ مَتى يُؤْمَرُ. »** قال أبو هريرة : يا رسول الله، وما الصور ؟ قال :**«قَرْنٌ »**. قال : وكيف هو ؟ قال :**«قَرْنٌ عَظِيمٌ يُنْفَخُ فيهِ ثَلاثّ نَفَخاتٍ، الأُولى : نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثانيَةُ : نَفْخَةُ الصّعْقِ، والثالِثَةُ : نَفْخَةُ القِيامِ لِرَبّ العالَمِينَ. يَأْمُرُ اللّهُ عَزّ وَجَلّ إسْرافيلَ بالنّفْخَةِ الأُولى، فَيَقُولُ : انْفُخْ نَفْخَةَ الفَزَعِ فَيَفْزَعُ أهْلُ السّمَواتِ والأَرْضِ إلاّ مَنْ شاءَ الله، ويَأْمُرُ اللّهُ فَيُدِيمُها وَيُطَوّلها، فَلا يَفْتُرُ، وَهِيَ التِي يَقُولُ اللّهُ : ما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلاّ صَيْحَةً وَاحِدَةً ما لَهَا مِنْ فَوَاقٍ فَيُسَيّرُ اللّهُ الجِبالَ فَتَكُونُ سَرَابا، وَتُرَجّ الأرْضُ بأهلها رَجّا، وَهِيَ الّتِي يَقُولُ اللّهُ : يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ تَتْبَعُها الرّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ، فَتَكُونُ الأرْض كالسّفِينَةِ الموبَقَةِ في البَحْرِ تَضْرِبُها الأَمْوَاجُ تُكْفَأُ بأَهْلها، أوْ كالقِنْديلِ المُعَلّقِ بالعَرْشِ تُرَجّحُهُ الأَرْوَاحُ فَتَمِيدُ الناسُ عَلى ظَهْرِها فَتَذْهَلُ المَرَاضِعُ، وَتَضَعُ الحَوَامِلُ، وَتَشِيبُ الولْدَانُ، وَتَطيرُ الشياطِينُ هارِبَةً حتى تَأْتي الأَقْطار فَتَلَقّاها المَلائِكَةُ فَتَضْرِبُ وُجُوهَها، فَترْجِعُ وَيُوَلّي النّاس مُدْبِرِينَ يُنادِي بَعْضَهُمْ بَعْضَا، وَهُوَ الذِي يَقُولُ اللّهُ : يَوْمَ التنادِ يَوْمَ تُوَلّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللّهِ مِنْ عاصمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هادٍ فَبَيْنَما هُمْ عَلى ذلكَ، إذْ تَصَدّعَتِ الأرْضُ مِنْ قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، فَرَأوْا أمْرا عَظِيما، وأَخَذَهُمْ لِذَلكَ مِن الكَرْبِ ما اللّهُ أعْلَمُ بِهِ، ثُمّ نَظَرُوا إلى السّماءِ فإذَا هِيَ كالمُهْلِ، ثُم خُسِفَ شمْسُها وخُسِفَ قَمَرُها وَانْتَثرَتْ نُجُومُها، ثُمّ كُشِطَتْ عَنْهُمْ »** قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«والأمْوَاتُ لا يَعْلَمُون بِشَيْءٍ مِنْ ذلكَ »** فقال أبو هريرة : فمن استثنى لله حين يقول : فَفَزِعَ مَنْ فِي السّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إلاّ مَنْ شاءَ اللّهُ ؟ قال :**«أُولَئِكَ الشّهَدَاءُ، وإنّمَا يَصلُ الفَزَعُ إلى الأحْياء، أُولَئِكَ أحْياءٌ عِنْدَ رَبّهمْ يُرْزَقُونَ، وَقاهُمُ اللّهُ فَزَعَ ذلكَ اليَوْم وآمَنَهُمْ. وَهُوَ عَذَابُ اللّهِ يَبْعَثُهُ عَلى شِرَارِ خَلْقِهِ، وَهُوَ الّذِي يَقُولُ : يا أيها النّاسُ اتّقُوا رَبّكُمْ إنّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ. . . إلى قوله : وَلَكِنّ عَذَابَ اللّهِ شَدِيدٌ »**. 
وهذا القول الذي ذكرناه عن علقمة والشعبيّ ومن ذكرنا ذلك عنه قولٌ، لولا مجيء الصحاح من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلافه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بمعاني وحي الله وتنزيله. والصواب من القول في ذلك ما صحّ به الخبر عنه. ذكر الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ذكرنا :
حدثني أحمد بن المقدام، قال : حدثنا المعتمر بن سليمان، قال : سمعت أبي يحدّث عن قتادة، عن صاحب له حدّثه، عن عمران بن حُصين، قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه وقد فاوت السّير بأصحابه، إذ نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآية :**«يا أيّها النّاسُ اتّقُوا رَبّكُمْ إنّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ »**. قال : فحَثّوا المطيّ، حتى كانوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«هَلْ تَدْرُونَ أيّ يَوْمٍ ذَلكَ ؟ »** قالوا : الله ورسوله أعلم. قال :**«ذلكَ يَوْمَ يُنادَى آدَمُ، يُنادِيهِ رَبّهُ : ابْعَثْ بَعْثَ النارِ، مِنْ كُلّ ألْفٍ تِسْعَ مِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ إلى النّارِ »** قال : فأبلس القوم، فما وضح منهم ضاحك، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم :**«ألا احْمَلُوا وأبْشِرُوا، فإنّ مَعَكُمْ خَلِيقَتَيْنِ ما كانَتا فِي قَوْمٍ إلاّ كَثَرَتاهُ، فَمَنْ هَلَكَ مِنْ بَني آدَمَ، وَمَنْ هَلَكَ مِنْ بَني إبْلِيسَ وَيأْجُوجَ وَمأْجُوجَ »**. قال :**«أبْشِرُوا، ما أنْتُمْ فِي النّاسِ إلاّ كالشّامَةِ فِي جَنْبِ البَعِيرِ، أو كالرّقْمة في جَناحِ الدّابَة »**. 
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا يحيى بن سعيد، قال : حدثنا هشام بن أبي عبد الله، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وحدثنا ابن بشار، قال : حدثنا معاذ بن هشام، قال : حدثنا أبي وحدثنا ابن أبي عديّ، عن هشام جميعا، عن قَتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن البنيّ صلى الله عليه وسلم بمثله. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا محمد بن بشر، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قَتادة، عن العلاء بن زياد عن عمران، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحوه. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا عوف، عن الحسن، قال : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قفل من غزوة العُسْرة، ومعه أصحابه، بعد ما شارف المدينة، قرأ : يا أيّها النّاسُ اتقُوا رَبكُمْ إنّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَها. . . الاَية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«أتَدْرُونَ أيّ يوم ذَاكُمْ »** ؟ قيل : الله ورسوله أعلم. فذكر نحوه، إلا أنه زاد :**«وإنّهُ لَمْ يَكُنْ رَسُولانِ إلاّ كانَ بَيْنَهُما فَتْرَةٌ مِنَ الجاهِلِيّةِ، فَهُمْ أهْلُ النّارِ وإنّكُمْ بينَ ظَهْرَانْي خَلِيقَتَيْنِ لا يُعادّهما أحدٌ مِنْ أهْلِ الأرْضِ إلاّ كَثَرُوهُمْ، وَهُمْ يَأْجُوجُ وَمأجُوجُ، وَهُمْ أهْلُ النارِ، وَتَكْمُلُ العِدّةُ مِنَ المُنافِقِينَ »**. 
حدثني يحيى بن إبراهيم المسعوديّ، قال : حدثنا أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي سعيد، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :**«يُقالُ لآدم : أخْرِجْ بَعْثَ النّار، قالَ : فَيَقُولُ : وَما بَعْثُ النّارِ ؟ فَيَقُولُ : مِنْ كُلّ ألْفٍ تِسْعَ مئَةٍ وتِسْعَةً وَتِسْعِينَ. فَعِنْدَ ذلكَ يَشِيبُ الصّغِيرُ، وَتَضَعُ الحاملُ حَمَلها، وَتَرَى النّاسَ سُكارَى وَما هُمْ بِسُكارَى، وَلَكِنّ عَذَابَ اللّهِ شَديدٌ »**. قالَ : قُلْنا فَأين الناجي يا رسول الله ؟ قال :**«أبْشِرُوا فإنّ وَاحِدا منْكُمْ وألْفا منْ يَأْجُوجَ وَمأجُوجَ »**. ثُمّ قالَ :**«إنّي لأَطْمَعُ أنْ تَكُونُوا رُبُعَ أهلِ الجَنّةِ »** فَكَبّرْنا وحَمِدْنا اللّهَ. ثم قال :**«إنّي لأَطْمَعُ أنْ تكُونُوا ثُلُثَ أهْلِ الجَنةِ »** فكَبّرْنا وحَمِدْنا اللّهَ. ثم قال :**«إنّي لأطْمَعُ أنْ تَكُونُوا نِصْفَ أهْلِ الجَنةِ إنّمَا مَثَلُكُمْ فِي النّاسِ كمَثَلِ الشّعْرَةِ البَيْضَاءِ في الثّوْرِ الأسْوَدِ، أو كَمَثلِ الشّعْرَةِ السّوْدَاءِ فِي الثوْرِ الأبْيَضِ »**. 
حدثنا أبو السائب، قال : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخُدْريّ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«يَقُول اللّهُ لاَدَمَ يَوْمَ القِيامَةِ »** ثم ذكر نحوه. 
حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرمليّ، قال : حدثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الحشر، قال :**«يقولُ اللّهُ يَوْمَ القِيامَةِ يا آدَمُ فَيَقُولُ : لَبّيْكَ وَسَعْدَيْكَ والخَيْرُ بِيَدَيْكَ فَيَقُولُ : ابْعَثْ بَعْثا إلى النّارِ »**. ثم ذكر نحوه. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة، عن أنس قال : نزلت يا أيّها النّاسُ اتّقُوا رَبّكُمْ إنّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ. . . حتى إلى : عَذَابَ اللّهِ شَدِيدٌ. . . الاَية على النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو في مسير، فرجّع بها صوته، حتى ثاب إليه أصحابه، فقال :**«أتَدْرُونَ أيّ يَوْمٍ هَذَا ؟ هَذَا يَوْمَ يَقُولُ اللّهُ لاَدَمَ : يا آدَمُ قُمْ فابْعَثَ النارِ مِنْ كُلّ ألْفٍ تِسْعَ مئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ »** فكُبر ذلك على المسلمين، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم :«سَدّدُوا وَقارِبُوا وأبْشِرُوا فَوَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما أنْتُمْ فِي الناسِ إلاّ كالشّامَةِ في جَنْبِ البَعِيرِ، أو كالرّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الدّابّةِ، وإنّ مَعَكُمْ لَخَلِيقَتَيْن

### الآية 22:2

> ﻿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُمْ بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [22:2]

وقوله تعالى : يَوْمَ تَرَوْنَها يقول جلّ ثناؤه : يوم ترون أيها الناس زلزلة الساعة تذهل من عظمها كل مرضعة مولود عما أرضعت. ويعني بقوله : تَذْهَلُ تنسى وتترك من شدّة كربها، يقال : ذَهَلْت عن كذا أذْهَلَ عنه ذُهُولاً وَذَهِلْت أيضا، وهي قليلة، والفصيح : الفتح في الهاء، فأما في المستقبل فالهاء مفتوحة في اللغتين، لم يسمع غير ذلك ومنه قول الشاعر. 
\*\*\* صَحَا قَلْبُهُ يا عَزّ أوْ كادَ يَذْهَلُ \*\*\*
فأما إذا أريد أن الهول أنساه وسلاه، قلت : أذهله هذا الأمر عن كذا يُذهله إذهالاً. وفي إثبات الهاء في قوله : كُلّ مُرْضعَة اختلاف بين أهل العربية وكان بعض نحويّي الكوفيين يقول : إذا أثبتت الهاء في المرضعة فإنما يراد أمّ الصبيّ المرضع، وإذا أسقطت فإنه يراد المرأة التي معها صبيّ ترضعه لأنه أريد الفعل بها. قالوا : ولو أريد بها الصفة فيما يرى لقال مُرْضع. قال : وكذلك كل مُفْعِل أو فاعل يكون للأنثى ولا يكون للذكر، فهو بغير هاء، نحو : نُقْرب، ومُوقِر، ومُشْدن، وحامل، وحائض. 
قال أبو جعفر : وهذا القول عندي أولى بالصواب في ذلك لأن العرب من شأنها إسقاط هاء التأنيث من كل فاعل ومفعل إذا وصفوا المؤنث به ولو لم يكن للمذكر فيه حظّ، فإذا أرادوا الخبر عنها أنها ستفعله ولم تفعله، أثبتوا هاء التأنيث ليفرقوا بين الصفة والفعل. منه قول الأعشى فيما هو واقع ولم يكن وقع قبل :

فَمثْلِكَ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ وَمُرْضِعٍ  فألْهَيْتُها عَنْ ذِي تمائم مُحْوِلِوربما أثبتوا الهاء في الحالتين وربما أسقطوهما فيهما غير أن الفصيح من كلامهم ما وصفت. 
فتأويل الكلام إذن : يوم ترون أيها الناس زلزلة الساعة، تنسى وتترك كلّ والدة مولود ترضع ولدها عما أرضعت. كما :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ قال : تترك ولدها للكرب الذي نزل بها. 
حدثنا القسام، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن أبي بكر، عن الحسن : تَذْهَلُ كُلّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ قال : ذهلت عن أولادها بغير فطام. وتَضَعُ كُلّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَها قال : ألقت الحوامل ما في بطونها لغير تمام. وتَضَعُ كُلّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا : يقول : وتسقط كل حامل من شدّة كرب ذلك حملها. 
وقوله : وَتَرَى النّاسَ سُكارَى قرأت قرّاء الأمصار وَتَرَى النّاسَ سُكارَى على وجه الخطاب للواحد، كأنه قال : وترى يا محمد الناس سُكارى وما هم بسُكارى. وقد رُوي عن أبي زُرْعة بن عمرو بن جرير :**«وَتُرَى النّاسَ »** بضم التاء ونصب **«الناس »**، من قول القائل : أُرِيْت تُرى، التي تطلب الاسم والفعل، كظنّ وأخواتها. 
والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار، لإجماع الحجة من القرّاء عليه. 
واختلف القرّاء في قراءة قوله : سُكارَى فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة : سُكارَى وَما هُمْ بِسُكارَى. وقرأته عامة قرّاء أهل الكوفة :**«وَتَرَى النّاسَ سَكْرَى وَما هُمْ بِسَكْرَى »**. 
والصواب من القول في ذلك عندنا، أنهما قراءتان مستفيضتان في قَراءةَ الأمصار، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب. ومعنى الكلام : وترى الناس يا محمد من عظيم ما نزل بهم من الكرب وشدّته سُكارى من الفزع وما هم بسُكارى من شرب الخمر. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن أبي بكر، عن الحسن : وَتَرَى النّاسَ سُكارَى من الخوف، وَما هُمْ بِسُكارى من الشراب. 
قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله : وَما هُمْ بِسُكارَى قال : ما هُم بسكارى من الشراب وَلَكِنّ عَذَابَ اللّهِ شَدِيدٌ. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَتَرَى النّاسَ سُكارَى وَما هُمْ بِسُكارَى قال : ما شربوا خمرا وَلَكِنّ عَذَابَ اللّهِ شَدِيدٌ يقول تعالى ذكره : ولكنهم صاروا سكارى من خوف عذاب الله عند معاينتهم ما عاينوا من كرب ذلك وعظيم هوله، مع علمهم بشدّة عذاب الله.

### الآية 22:3

> ﻿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ [22:3]

القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنَ النّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتّبِعُ كُلّ شَيْطَانٍ مّرِيدٍ . 
ذكر أن هذه الآية : نزلت في النضر بن الحارث. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج : وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ في اللّهِ بغَيْرِ عِلْمٍ قال : النضْر بن الحارث. 
ويعني بقوله : مَنْ يُجادِلُ في اللّهِ بغَيْرِ عِلْمٍ من يخاصم في الله، فيزعم أن الله غير قادر على إحياء من قد بَلي وصار ترابا، بغير علم يعلمه، بل بجهل منه بما يقول. وَيَتّبِعُ في قيله ذلك وجداله في الله بغير علم كُلّ شَيْطانٍ مّرِيدٍ.

### الآية 22:4

> ﻿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ [22:4]

القول في تأويل قوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْهِ أَنّهُ مَن تَوَلاّهُ فَأَنّهُ يُضِلّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىَ عَذَابِ السّعِيرِ . 
يقول تعالى ذكره : قُضي على الشيطان فمعنى :**«كُتِبَ »** ههنا قُضِي، والهاء التي في قوله **«عليه »** من ذكر الشيطان. كما :
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر عن قتادة : كُتِبَ عَلَيْهِ أنّهُ مَنْ تَوَلاّهُ قال : كُتب على الشيطان، أنه من اتبع الشيطان من خلق الله. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله : كُتِبَ عَلَيْهِ أنّهُ مَنْ تَوَلاّهُ قال : الشيطان اتبعه. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد أنّهُ مَنْ تَوَلاّهُ، قال : اتبعه. 
وقوله : فأنّهُ يُضِلّهُ يقول : فإن الشيطان يضله، يعني : يضلّ من تولاه. والهاء التي في **«يضله »** عائدة على **«من »** التي في قوله : مَنْ تَوَلاّهُ وتأويل الكلام : قُضِي على الشيطان أنه يضلّ أتباعه ولا يهديهم إلى الحقّ. وقوله : ويَهْدِيهِ إلى عَذَابِ السّعِيرِ يقول : ويَسُوقُ مَنْ اتّبَعَهُ إلى عذاب جهنم الموقدة وسياقه إياه إليه بدعائه إلى طاعته ومعصيته الرحمن، فذلك هدايته من تبعه إلى عذاب جهنم.

### الآية 22:5

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّىٰ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [22:5]

القول في تأويل قوله تعالى : يَأَيّهَا النّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مّنَ الْبَعْثِ فَإِنّا خَلَقْنَاكُمْ مّن تُرَابٍ ثُمّ مِن نّطْفَةٍ ثُمّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمّ مِن مّضْغَةٍ مّخَلّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلّقَةٍ لّنُبَيّنَ لَكُمْ وَنُقِرّ فِي الأرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىَ أَجَلٍ مّسَمّى ثُمّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمّ لِتَبْلُغُوَاْ أَشُدّكُمْ وَمِنكُمْ مّن يُتَوَفّىَ وَمِنكُمْ مّن يُرَدّ إِلَىَ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الأرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ . 
وهذا احتجاج من الله على الذي أخبر عنه من الناس أنه يجادل في الله بغير علم، اتباعا منه للشيطان المريد وتنبيه له على موضع خطأ قيله وإنكاره ما أنكر من قدرة ربه. قال : يا أيها الناس إن كنتم في شكّ من قدرتنا على بعثكم من قبوركم بعد مماتكم وبلاكُم استعظاما منكم لذلك، فإن في ابتدائنا خلق أبيكم آدم صلى الله عليه وسلم من تراب ثم إنشائناكم من نطفة آدم ثم تصر يفناكم أحوالاً حالاً بعد حال، من نطفة إلى علقة، ثم من علقة إلى مُضغة، لكم معتبرا ومتعظا تعتبرون به، فتعلمون أن من قدر على ذلك فغير متعذّر عليه إعادتكم بعد فنائكم كما كنتم أحياء قبل الفناء. 
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : مخلّقةٍ وغَيْرِ مُخَلّقَةٍ فقال بعضهم : هي من صفة النطفة. قال : ومعنى ذلك : فإنا خلقناكم من تراب، ثم من نطفة مخلقة وغير مخلقة قالوا : فأما المخلقة فما كان خلقا سَوِيّا وأما غير مخلقة فما دفعته الأرحام من النّطَف وألقته قبل أن يكون خلقا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا أبو معاوية، عن داود بن أبي هند، عن عامر، عن علقمة، عن عبد الله، قال : إذا وقعت النطفة في الرحم، بعث الله ملَكا فقال : يا ربّ مخلقة أو غير مخلقة ؟ فإن قال : غير مخلّقة، مجّتها الأرحام دما، وإن قال : مخلقة، قال : يا ربّ فما صفة هذه النطفة أذكر أم أنثى ؟ ما رزقها ما أجلها ؟ أشقيّ أو سعيد ؟ قال : فيقال له : انطلق إلى أمّ الكتاب فاستنسخ منه صفة هذه النطفة قال : فينطلق الملك فينسخها فلا تزال معه حتى يأتي على آخر صفتها. 
وقال آخرون : معنى قلك : تامة وغير تامة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا سليمان، قال : حدثنا أبو هلال، عن قَتادة في قول الله : مُخَلّقَةٍ وغَيرَ مُخَلّقَةٍ قال : تامة وغير تامة. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن قَتادة : مُخُلّقَةٍ وغيرِ مُخَلّقَةٍ فذكر مثله. 
وقال آخرون : معنى ذلك المضغة إنسانا وغير مصوّرة، فإذا صوّرت فهي مخَلقة وإذا لم تصوّر فهي غير مخَلقة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بَزّة، عن مجاهد في قوله : مُخَلّقَةٍ قال : السّقط، مخلّقة وغَير مُخَلّقَة. 
حدثني محمد بن عمر، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله : مُخَلّقَةٍ وَغيرٍ مُخَلّقَةٍ قال : السقط، مخلوق وغير مَخلوق. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، بنحوه. 
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا داود، عن عامر أنه قال في النطفة والمضغة إذا نكست في الخلق الرابع كانت نَسَمة مخلقة، وإذا قذفتها قبل ذلك فهي غير مخلقة. 
قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن أبي سلمة، عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية : مُخَلّقَةٍ وغَيرِ مُخَلّقَةٍ قال : السقط. 
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : المخلقة المصورة خلقا تامّا، وغير مخلقة : السّقط قبل تمام خلقه لأن المخلقة وغير المخلقة من نعت المضغة والنطفة بعد مصيرها مضغة، لم يبق لها حتى تصير خلقا سويّا إلا التصوير وذلك هو المراد بقوله : مُخَلّقَةٍ وغَيرِ مُخَلّقَةٍ خلقا سويّا، وغير مخلقة بأن تلقيه الأم مضغة ولا تصوّر ولا ينفخ فيها الروح. 
وقوله : لِنُبَيّنَ لَكُمْ يقول تعالى ذكره : جعلنا المضغة منها المخلقة التامة ومنها السقط غير التامّ، لنبين لكم قدرتنا على ما نشاء ونعرّفكم ابتداءنا خلقكم. 
وقوله : وَنُقِرّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ إلى أجَلٍ مُسَمّى يقول تعالى ذكره : من كنا كتبنا له بقاء وحياة إلى أمد وغاية، فانا نقرّه في رحم أمه إلى وقته الذي جعلنا له أن يمكث في رحمها فلا تسقطه ولا يخرج منها حتى يبلغ أجله، فإذا بلغ وقت خروجه من رحمها أذنا له بالخروج منها، فيخرج. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : وَنُقِرّ فِي الأرْحامِ ما نَشاءُ إلى أجَلٍ مُسَمّى قال : التمام. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَنُقِرّ فِي الأرْحامِ ما نَشاءُ إلى أجَلٍ مُسَمّى قال : الأجل المسمى : أقامته في الرحم حتى يخرج. 
وقوله : ثُمّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً يقول تعالى ذكره : ثم نخرجكم من أرحام أمهاتكم إذا بلغتم الأجل الذي قدرته لخروجكم منها طفلاً صغارا ووحّد **«الطفل »**، وهو صفة للجميع، لأنه مصدر مثل عدل وزور. وقوله : ثُمّ لِتَبْلُغُوا أشُدّكُمْ يقول : ثم لتبلغوا كمال عقولكم ونهاية قواكم بعمركم. 
وقد ذكرت اختلاف المختلفين في الأشدّ، والصواب من القول فيه عندنا بشواهده فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. 
يقول تعالى ذكره : ومنكم أيها الناس من يُتَوفى قبل أن يبلغ أشدّه فيموت، ومنكم من يُنْسَأ في أجله فيعمر حتى يهرم فيردّ من بعد انتهاء شبابه وبلوغه غاية أشدّه إلى أرذل عمره، وذلك الهرم، حتى يعود كهيئته في حال صباه لا يعقل من بعد عقله الأوّل شيئا. ومعنى الكلام : ومنكم من يردّ إلى أرذل العمر بعد بلوغه أشدّه لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ كان يعلمه شَيْئا. 
وقوله : وَتَرَى الأرْضَ هامِدَةً يقول تعالى ذكره : وترى الأرض يا محمد يابسة دارسة الآثار من النبات والزرع. وأصل الهمود : الدروس والدثور، ويقال منه : همدت الأرض تهمد هُمودا ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس :

قالَتْ قُتَيْلَةُ ما لِجِسْمِكَ شاحِبا  وأرَى ثِيابَكَ بالِياتٍ هُمّدَاوالهُمّد : جمع هامد، كما الرّكّع جمع راكع. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، في قوله : وَتَرَى الأرْضَ هامدَةً قال : لا نبات فيها. 
وقوله : فإذَا أنْزَلْنا عَلَيْها المَاء اهْتَزّتْ يقول تعالى ذكره : فإذا نحن أنزلنا على هذه الأرض الهامدة التي لا نبات فيها والمطرَ من السماء اهْتَزّتْ يقول : تحركت بالنبات، وَرَبَتْ يقول : وأضعفت النبات بمجيء الغيث. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة : اهْتَزّتْ وَرَبَتْ قال : عُرِف الغيث في ربوها. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة : اهْتَزّتْ وَرَبَتْ قال : حسنت، وعرف الغيث في ربوها. 
وكان بعضهم يقول : معنى ذلك : فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت. ويوجه المعنى إلى الزرع، وإن كان الكلام مخرجه على الخبر عن الأرض. وقرأت قراء الأمصار : وَرَبَتْ بمعنى : الربو، الذي هو النماء والزيادة. وكان أبو جعفر القارئ يقرأ ذلك :**«وَرَبأَتْ »** بالهمز. 
حُدثت عن الفراء، عن أبي عبد الله التميمي عنه. 
وذلك غلط، لأنه لا وجه للرب ههنا، وإنما يقال ربأ بالهمز بمعنى : حرس من الربيئة، ولا معنى للحراسة في هذا الموضع. والصحيح من القراءة ما عليه قراء الأمصار. 
وقوله : وأنْبَتَتْ مِنْ كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ يقول جلّ ثناؤه : وأنبتت هذه الأرض الهامدة بذلك الغيث مِنْ كُلّ نوع بهيج. يعني بالبهيج : البهج، وهو الحسن. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة : وأنْبَتَتْ مِنْ كُلّ زَوْجٍ بَهيجٍ قال : حسن. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله.

### الآية 22:6

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [22:6]

القول في تأويل قوله تعالى : ذَلِكَ بِأَنّ اللّهَ هُوَ الْحَقّ وَأَنّهُ يُحْيِي الْمَوْتَىَ وَأَنّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ \* وَأَنّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لاّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنّ اللّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ . 
يعني تعالى ذكره بقوله : ذلك هذا الذي ذكرت لكم أيها الناس من بدئنا خلقكم في بطون أمهاتكم، ووصفنا أحوالكم قبل الميلاد وبعده، طفلاً، وكهلاً، وشيخا هرما وتنب يهناكم على فعلنا بالأرض الهامدة بما ننزل عليها من الغيث لتؤمنوا وتصدّقوا بأن ذلك الذي فعل ذلك الله الذي هو الحقّ لا شك فيه، وأن من سواه مما تعبدون من الأوثان والأصنام باطل لأنها لا تقدر على فعل شيء من ذلك، وتعلموا أن القدرة التي جعل بها هذه الأشياء العجيبة لا يتعذّر عليها أن يحيي بها الموتى بعد فنائها ودروسها في التراب، وأن فاعل ذلك على كلّ ما أراد وشاء من شيء قادر لا يمتنع عليه شيء أراده، ولتوقنوا بذلك أن الساعة التي وعدتكم أن أبعث فيها الموتى من قبورهم جائية لا محالة لا رَيْبَ فيها يقول : لا شك في مجيئها وحدوثها، وأنّ اللّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي القُبُورِ حينئذٍ مَن فيها من الأموات أحياء إلى موقف الحساب، فلا تشكّوا في ذلك ولا تمترُوا فيه.

### الآية 22:7

> ﻿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ [22:7]

القول في تأويل قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧) 
 يعني تعالى ذكره بقوله: ذلك هذا الذي ذكرت لكم أيها الناس من بدئنا خلقكم في بطون أمهاتكم، ووصفنا أحوالكم قبل الميلاد وبعده، طفلا وكهلا وشيخا هرما وتنبيهناكم على فعلنا بالأرض الهامدة بما ننزل عليها من الغيث، لتؤمنوا وتصدّقوا بأن ذلك الذي فعل ذلك الله الذي هو الحقّ لا شك فيه، وأن من سواه مما تعبدون من الأوثان والأصنام باطل لأنها لا تقدر على فعل شيء من ذلك، وتعلموا أن القدرة التي جعل بها هذه الأشياء العجيبة لا يتعذّر عليها أن يحيي بها الموتى بعد فنائها ودروسها في التراب، وأن فاعل ذلك على كلّ ما أراد وشاء من شيء قادر لا يمتنع عليه شيء أراده، ولتوقنوا بذلك أن الساعة التي وعدتكم أن أبعث فيها الموتى من قبورهم جاثية لا محالة (لا رَيْبَ فِيهَا) يقول: لا شك في مجيئها وحدوثها، (وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) حينئذ من فيها من الأموات أحياء إلى موقف الحساب، فلا تشكوا في ذلك، ولا تمترُوا فيه.
 القول في تأويل قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨) 
 يقول تعالى ذكره: ومن الناس من يخاصم في توحيد الله وإفراده بالألوهة بغير علم منه بما يخاصم به (وَلا هُدًى) يقول: وبغير بيان معه لما يقول ولا برهان.
 (وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ) يقول: وبغير كتاب من الله أتاه لصحة ما يقول.
 (منير) يقول ينير عن حجته. وإنما يقول ما يقول من الجهل ظنا منه وحسبانا،

### الآية 22:8

> ﻿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ [22:8]

**القول في تأويل قوله تعالى :**
 ومِنَ النّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مّنِيرٍ . 
يقول تعالى ذكره : ومن الناس من يخاصم في توحيد الله وإفراده بالألوهة بغير علم منه بما يخاصم به. وَلاَ هُدًى يقول : وبغير بيان معه لما يقول ولا بُرْهان. وَلا كِتابٍ مَنِيرٍ يقول : وبغير كتاب من الله أتاه لصحة ما يقول. منير يقول بنير عن حجته، وإنما يقول ما يقول من الجهل ظنّا منه وحسبانا. وذكر أن عُنِي بهذه الآية والتي بعدها النضر بن الحارث من بني عبد الدار.

### الآية 22:9

> ﻿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۖ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ [22:9]

القول في تأويل قوله تعالى : ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلّ عَن سَبِيلِ اللّهِ لَهُ فِي الدّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ \* ذَلِكَ بِمَا قَدّمَتْ يَدَاكَ وَأَنّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لّلعَبِيدِ . 
يقول تعالى ذكره : يجادل هذا الذي يجادل في الله بغير علم ثانِيَ عِطْفِهِ. 
واختلف أهل التأويل في المعنى الذي من أجله وصف بأنه يثني عطفه وما المراد من وصفه إياه بذلك، فقال بعضهم : وصفه بذلك لتكبره وتبختره. وذكر عن العرب أنها تقول : جاءني فلان ثاني عطفه : إذا جاء متبخترا من الكبر ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله : ثانِيَ عِطْفِهِ يقول : مستكبرا في نفسه. 
وقال آخرون : بل معنى ذلك : لاوٍ رقبته. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : ثانِي عِطْفِهِ قال : رقبته. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة : ثانِيَ عِطْفِهِ قال : لاوٍ عنقه. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قَتادة، مثله. 
وقال آخرون : معنى ذلك أنه يُعْرِضُ عما يُدْعَى إليه فلا يسمع له. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : ثانِيَ عِطْفِهِ يقول : يعرض عن ذكري. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : ثانِيَ عِطْفِهِ عَنْ سَبِيلِ الله قال : لاويا رأسه، معرضا موليا، لا يريد أن يسمع ما قيل له. وقرأ : وَإذَا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللّهِ لَوّوْا رُؤُسَهُمْ ورأيْتَهُمْ يَصُدّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ وَإذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آياتُنا وَلّى مُسْتَكْبِرا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله : ثانِيَ عِطْفِهِ قال : يعرض عن الحقّ. 
قال أبو جعفر : وهذه الأقوال الثلاثة متقاربات المعنى وذلك أن من كان ذا استكبار فمن شأنه الإعراضُ عما هو مستكبر عنه ولَيّ عنقه عنه والإعراض. 
والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله وصف هذا المخاصم في الله بغير علم أنه من كبره إذا دُعي إلى الله أعرض عن داعيه لوى عنقه عنه ولم يسمع ما يقال له استكبارا. 
وقوله : لِيُضِلّ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ يقول تعالى ذكره : يجادل هذا المشرك في الله بغير علم معرضا عن الحقّ استكبارا، ليصدّ المؤمنين بالله عن دينهم الذي هداهم له ويستزلهم عنه. لَهُ فِي الدّنْيا خِزْيٌ يقول جلّ ثناؤه : لهذا المجادل في الله بغير علم في الدنيا خزي وهو القتل والذلّ والمهانة بأيدي المؤمنين، فقتله الله بأيديهم يوم بدر. كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله : فِي الدّنيْا خِزْيٌ قال : قُتل يوم بدر. 
وقوله : وَنُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذَابَ الحَرِيقِ يقول تعالى ذكره : ونحرقه يوم القيامة بالنار.

### الآية 22:10

> ﻿ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [22:10]

وقوله : ذَلكَ بِمَا قَدّمَتْ يَدَاكَ يقول جلّ ثناؤه : ويقال له إذا أذيق عذاب النار يوم القيامة : هذا العذاب الذي نذيقكه اليوم بما قدمت يداك في الدنيا من الذنوب والآثام واكتسبته فيها من الإجرام. وإنّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ للْعَبِيدِ يقول : وفعلنا ذلك لأن الله ليس بظلام للعبيد فيعاقب بعض عبيده على جُرْم وهو يغفر مثله من آخر غيره، أو يحمل ذنب مذنب على غير مذنب فيعاقبه به ويعفو عن صاحب الذنب ولكنه لا يعاقب أحدا إلا على جرمه ولا يعذب أحدا على ذنب يغفر مثله لآخر إلا بسبب استحق به منه مغفرته.

### الآية 22:11

> ﻿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [22:11]

القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللّهَ عَلَىَ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَىَ وَجْهِهِ خَسِرَ الدّنْيَا والآخرة ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ . 
يعني جلّ ذكره بقوله : وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُد اللّهَ عَلى حَرْفٍ أعرابا كانوا يقدمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، مهاجرين من باديتهم، فإن نالوا رخاء من عيش بعد الهجرة والدخول في الإسلام أقاموا على الإسلام، وإلا ارتدّوا على أعقابهم فقال الله : وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللّهَ على شكّ، فإنْ أصابهُ اطمأنّ بهِ وهو السعة من العيش وما يشبهه من أسباب الدنيا اطْمَأَنَ بِهِ يقول : استقرّ بالإسلام وثبت عليه. وَإنْ أصَابَتْهُ فِتْنَةٌ وهو الضيق بالعيش وما يشبهه من أسباب الدنيا انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ يقول : ارتدّ فانقلب على وجهه الذي كان عليه من الكفر بالله. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللّهَ عَلى حَرْفٍ. . . إلى قوله : انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ قال : الفتنة البلاء، كان أحدهم إذا قدم المدينة وهي أرض وبيئة، فإن صحّ بها جسمه ونُتِجت فرسه مُهرا حسنا وولدت امرأته غلاما رضي به واطمأنّ إليه وقال : ما أصبت منذ كنت علي ديني هذا إلا خيرا وإن أصابه وجع المدينة وولدت امرأته جارية وتأخرت عنه الصدقة، أتاه الشيطان فقال : والله ما أصبت منذ كنت على دينك هذا إلا شرّا وذلك الفتنة. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، قال : حدثنا عنبسة، عن أبي بكر، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن القاسم بن أبي بَزّة، عن مجاهد في قول الله : وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللّهَ عَلى حَرْفٍ قال : على شكّ. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : عَلى حَرْفٍ قال : على شكّ. فإنْ أصابهُ خيرٌ رَخاء وعافية اطمأنّ بهِ : استقرّ. وإن أصَابَتْه فِتْنَةٌ عذاب ومصيبة انْقَلَبَ ارتدّ عَلى وَجْهِهِ كافرا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، بنحوه. 
قال ابن جُرَيج : كان ناس من قبائل العرب وممن حولهم من أهل القرى يقولون : نأتي محمدا صلى الله عليه وسلم، فإن صادفنا خيرا من معيشة الرزق ثبتنا معه، وإلا لحقنا بأهلنا. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة : مَنْ يَعْبُدُ اللّهَ عَلى حَرْفٍ قال : شك. فإنْ أصابَهُ خَيْرٌ يقول : أكثر ماله وكثرت ما شيته اطمأنّ قال : لم يصبني في ديني هذا منذ دخلته إلا خير وَإنْ أصَابَتْهُ فِتْنَةٌ يقول : وإن ذهب ماله، وذهبت ما شيته انْقَلَبَ على وَجْهِهِ خَسِرَ الدّنيْا والاَخِرَةَ. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة، نحوه. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللّهَ عَلى حَرْفٍ الآية، كان ناس من قبائل العرب وممن حول المدينة من القرى كانوا يقولون : نأتي محمدا صلى الله عليه وسلم فننظر في شأنه، فإن صادفنا خيرا ثبتنا معه، وإلا لحقنا بمنازلنا وأهلينا. وكانوا يأتونه فيقولون : نحن على دينك فإن أصابوا معيشة ونَتَجُوا خيلهم وولدت نساؤهم الغلمان، اطمأنوا وقالوا : هذا دين صدق وإن تأخر عنهم الرزق وأزلقت خيولهم وولدت نساؤهم البنات، قالوا : هذا دين سَوْء فانقلبوا على وجوههم. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللّهَ عَلى حَرْفٍ فإنْ أصَابَهُ خَيْرٌ اطْمأَنّ بِهِ وَإنْ أصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدّنيْا والاَخِرَةَ قال : هذا المنافق، إن صلحت له دنياه أقام على العبادة، وإن فسدت عليه دنياه وتغيرت انقلب، ولا يقيم على العبادة إلا لما صَلَح من دنياه. وإذا أصابته شدّة أو فتنة أو اختبار أو ضيق، ترك دينه ورجع إلى الكفر. 
وقوله : خَسِرَ الدّنيا والاَخِرَةَ يقول : غَبِن هذا الذي وصف جلّ ثناؤه صفته دنياه لأنه لم يظفر بحاجته منها بما كان من عبادته الله على الشك، ووضع في تجارته فلم يربح والاَخِرَةَ يقول : وخسر الاَخرة، فإنه معذّب فيها بنار الله الموقدة. وقوله : ذلكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ يقول : وخسارته الدنيا والاَخرة هي الخسران، يعني الهلاك. المُبِينُ يقول : يبين لمن فكّر فيه وتدبره أنه قد خسر الدنيا والاَخرة. 
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته قرّاء الأمصار جميعا غير حميد الأعرج : خَسِرَ الدنيا والاَخِرَةَ على وجه المضيّ. وقرأه حميد الأعرج :**«خاسِرا »** نصبا على الحال على مثال فاعل.

### الآية 22:12

> ﻿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ [22:12]

القول في تأويل قوله تعالى : يَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضّلاَلُ الْبَعِيدُ . 
يقول تعالى ذكره : وإن أصابت هذا الذي يعبد الله على حرف فتنة، ارتدّ عن دين الله، يدعو من دون الله آلهة لا تضرّه إن لم يعبدها في الدنيا ولا تنفعه في الآخرة إن عبدها. ذلكَ هُوَ الضّلالُ البَعِيدُ يقول : ارتداده ذلك داعيا من دون الله هذه الآلهة هو الأخذ على غير استقامة والذهاب عن دين الله ذهابا بعيدا. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : يَدْعُو مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَضُرّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ يكفر بعد إيمانه ذلكَ هُوَ الضّلالُ البَعِيدُ.

### الآية 22:13

> ﻿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ ۚ لَبِئْسَ الْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ [22:13]

القول في تأويل قوله تعالى : يَدْعُو لَمَنْ ضَرّهُ أَقْرَبُ مِن نّفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَىَ وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ . 
يقول تعالى ذكره : يدعو هذا المنقلب على وجهه من أن أصابته فتنة آلهة لضرّها في الآخرة له، أقرب وأسرع إليه من نفعها. وذكر أن ابن مسعود كان يقرؤه :**«يدعو مَنْ ضَرّه أقرب من نفعه »**. 
واختلف أهل العربية في موضع ******«مَنْ »******، فكان بعض نحوّيي البصرة يقول : موضعه نصب ب ******«يدعو »******، ويقول : معناه : يدعو لآلهة ضرّها أقرب من نفعها، ويقول : هو شاذّ لأنه لم يوجد في الكلام : يدعو لزيدا. وكان بعض نحويّي الكوفة يقول : اللام من صلة **«ما »** بعد ******«مَنْ »****** كأن معنى الكلام عنده : يدعو من لَضَرّه أقرب من نفعه وحُكي عن العرب سماعا منها : عندي لَمَا غيرُه خير منه، بمعنى : عندي ما لغيره خير منه وأعطيتك لما غيرُه خير منه، بمعنى : ما لغيره خير منه. وقال : جائز في كلّ ما لم يتبين فيه الإعراب الاعتراض باللام دون الاسم. 
وقال آخرون منهم : جائز أن يكون معنى ذلك : هو الضلال البعيد يدعو فيكون ******«يدعو »****** صلة **«الضلال البعيد »**، وتضمر في ******«يدعو »****** الهاء ثم تستأنف الكلام باللام، فتقول لمن ضرّه أقرب من نفعه : لبئس المولى كقولك في الكلام في مذهب الجزاء : لَمَا فَعَلْتَ لَهُو خَيْر لك. فعلى هذا القول **«من »** في موضع رفع بالهاء في قوله **«ضَرّه »**، لأن ******«مَنْ »****** إذا كانت جزاء فإنما يعربها ما بعدها، واللام الثانية في **«لبئس المولى »** جواب اللام الأولى. وهذا القول الاَخر على مذهب العربية أصحّ، والأوّل إلى مذهب أهل التأويل أقرب. 
وقوله : لَبِئْسَ المَوْلَى يقول : لبئس ابن العمّ هذا الذي يعبد الله على حرف. وَلَبِئْسَ العَشِيرُ يقول : ولبئس الخليط المعاشر والصاحب، هو، كما :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَلَبِئْسَ العَشِيرُ قال : العشير : هو المعاشر الصاحب. 
وقد قيل : عني بالمولى في هذا الموضع : الوليّ الناصر. 
وكان مجاهد يقول : عُني بقوله : لَبِئْسَ المَوْلَى وَلَبِئْسَ العَشِيرُ الوثن. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله » : وَلَبِئْسَ العَشِيرُ قال : الوثن.

### الآية 22:14

> ﻿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [22:14]

القول في تأويل قوله تعالى : إِنّ اللّهَ يُدْخِلُ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ جَنَاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ إِنّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ . 
يقول تعالى ذكره : إن الله يدخل الذين صدقوا الله ورسوله، وعملوا بما أمرهم الله في الدنيا، وانتهوا عما نهاهم عنه فيها جَنّاتٍ يعني بساتين، تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنهارُ يقول : تجري الأنهار من تحت أشجارها. إنّ اللّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ فيعطي ما شاء من كرامته أهل طاعته وما شاء من الهوان أهل معصيته.

### الآية 22:15

> ﻿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ [22:15]

القول في تأويل قوله تعالى : مَن كَانَ يَظُنّ أَن لّن يَنصُرَهُ اللّهُ فِي الدّنْيَا والآخرة فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السّمَآءِ ثُمّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ \* وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيّنَاتٍ وَأَنّ اللّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ . 
اختلف أهل التأويل في المعنيّ بالهاء التي في قوله : أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللّهُ. 
فقال بعضهم : عُنِي بها نبي الله صلى الله عليه وسلم. فتأويله على قوله بعض قائلي ذلك : من كان من الناس يحسب أن لن ينصر الله محمدا في الدنيا والاَخرة، فليمدد بحبل وهو السبب إلى السماء : يعني سماء البيت، وهو سقفه، ثم ليقطع السبب بعد الاختناق به، فلينظر هل يذهبن اختناقه ذلك وقطعه السبب بعد الاختناق ما يغيظ يقول : هل يذهبن ذلك ما يجد في صدره من الغيظ ذكر من قال ذلك :
حدثنا نصر بن عليّ، قال : ثني أبي، قال : ثني خالد بن قيس، عن قَتادة : من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه ولا دينه ولا كتابه، فليمدُدْ بسببٍ يقول : بحبل إلى سماء البيت فليختنق به، فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة : مَنْ كانَ يَظُنّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللّهُ فِي الدّنيا والاَخِرَةِ قال : من كان يظنّ أن لن ينصر الله نبيه صلى الله عليه وسلم، فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ يقول : بحبل إلى سماء البيت، ثُمّ ليْقْطَعْ يقول : ثم ليختنق ثم لينظر هل يذهبنّ كيده ما يغيظ. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر، عن قَتادة، بنحوه. 
وقال آخرون ممن قال الهاء في ****«ينصره »**** من ذكر اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم : السماء التي ذكرت في هذا الموضع هي السماء المعروفة. قالوا : معنى الكلام، ما :
حدثني به يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : مَنْ كانَ يَظُنّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللّهُ فِي الدّنيا والاَخِرَةِ فقرأ حتى بلغ : هَلْ يُذْهِبَنّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ قال : من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه صلى الله عليه وسلم ويكابد هذا الأمر ليقطعه عنه ومنه، فليقطع ذلك من أصله من حيث يأتيه، فإن أصله في السماء، فليمدد بسبب إلى السماء، ليقطع عن النبيّ صلى الله عليه وسلم الوحي الذي يأتيه من الله، فإنه لا يكايده حتى يقطع أصله عنه، فكايد ذلك حتى قطع أصله عنه. فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذهِبَنّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ ما دخلهم من ذلك وغاظهم الله به من نصرة النبيّ صلى الله عليه وسلم وما ينزل عليه. 
وقال آخرون ممن قال **«الهاء »** التي في قوله :**«يَنْصُرَهُ »** من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم معنى النصر ها هنا الرزق. فعلى قول هؤلاء تأويل الكلام : من كان يظنّ أن لن يرزق الله محمدا في الدنيا، ولن يعطيه. وذكروا سماعا من العرب : من ينصرني نصره الله، بمعنى : من يعطني أعطاه الله. وحكوا أيضا سماعا منهم : نصر المطر أرض كذا : إذا جادها وأحياها. واستشهد لذلك ببيت الفقعسيّ :

وإنّكَ لا تُعْطِي امْرأً فَوْقَ حَظّهِ  وَلاَ تمْلِكُ الشّقّ الّذي الغَيْثُ ناصِرُهُ**ذكر من قال ذلك :**
حدثني أبو كريب، قال : حدثنا ابن عطية، قال : حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن التميمي، قال : قلت لابن عباس : أرأيت قوله : مَنْ كانَ يَظُنّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللّهُ فِي الدّنيا والاَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السّماءِ ثُمّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ ؟ قال : من كان يظنّ أن لن ينصر الله محمدا، فليربط حبلاً في سقف ثم ليختنق به حتى يموت. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام عن عنبسة، عن أبي إسحاق الهمدانيّ، عن التميمّي، قال : سألت ابن عباس، عن قوله : مَنْ كانَ يَظُنّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللّهُ قال : أن لن يرزقه الله في الدنيا والاَخرة، فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السّماءِ والسبب : الحَبْل، والسماء : سقف البيت فليعلق حبلاً في سماء البيت ثم ليختنق فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنّ كَيْدُهُ هذا الذي صنع ما يجد من الغيظ. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عمرو بن مطرف، عن أبي إسحاق، عن رجل من بني تميم، عن ابن عباس، مثله. 
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن التميميّ، عن ابن عباس : مَنْ كانَ يَظُنّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللّهُ فِي الدّنيا والاَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السّماءِ قال : سماء البيت. 
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا أبو داود، قال : حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال : سمعت التميميّ، يقول : سألت ابن عباس، فذكر مثله. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : مَنْ كانَ يَظُنّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللّهُ فِي الدّنيا والاَخِرَةِ. . . إلى قوله : ما يَغِيظُ قال : السماء التي أمر الله أن يمد إليها بسبب سقف البيت أمر أن يمد إليه بحبل فيختنق به، قال : فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ إذا اختنق إن خشي أن لا ينصره الله
وقال آخرون : الهاء في ****«ينصره »**** من ذكر **«مَنْ »**. وقالوا : معني الكلام : من كان يظنّ أن لا يرزقه الله في الدنيا والاَخرة، فليمدد بسبب إلى سماء البيت ثم ليختنق، فلينظر هل يذهبن فعله ذلك ما يغيظ، أنه لا يرزق ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللّهُ قال : يرزقه الله. فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ قال : بحبل إلى السماءِ سماء ما فوقك. ثمّ لْيَقْطَعْ ليختنق، هل يذهبن كيده ذلك خنقه أن لا يرزق. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، في قوله : مَنْ كانَ يَظُنّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللّهُ يرزقه الله. فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السّماءِ قال : بحبل إلى السماء. 
قال ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قال : إلى السماءِ إلى سماء البيت. قال ابن جُرَيج : وقال مجاهد : ثُمّ لْيَقْطَعْ قال : ليختنق، وذلك كيده ما يَغِيظُ قال : ذلك خنقه أن لا يرزقه الله. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ يعني : بحبل. إلى السماءِ يعني : سماء البيت. 
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، قال : أخبرنا أبو رجاء، قال : سُئل عكرِمة عن قوله : فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السّماءِ قال : سماء البيت. ثُمّ ليتقطع قال : يختنق. 
وأولى ذلك بالصواب عندي في تأويل ذلك قول من قال : الهاء من ذكر نبيّ الله صلى الله عليه وسلم ودينه وذلك أن الله تعالى ذكره ذكر قوما يعبدونه على حرف وأنهم يطمئنون بالدين إن أصابوا خيرا في عبادتهم إياه وأنهم يرتدّون عن دينهم لشدّة تصيبهم فيها، ثم أتبع ذلك هذه الآية فمعلوم أنه إنما أتبعه إياها توبيخا لهم على ارتدادهم عن الدين أو على شكهم فيه نفاقهم، استبطاء منهم السعة في العيش أو السبوغ في الرزق. وإذا كان الواجب أن يكون ذلك عقيب الخبر عن نفاقهم، فمعنى الكلام إذن إذ كان ذلك كذلك : من كان يحسب أن لن يرزق الله محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته في الدنيا فيوسع عليهم من فضله فيها، ويرزقهم في الاَخرة من سَنيّ عطاياه وكرامته، استبطاء منه فعل الله ذلك به وبهم، فليمدد بحبل إلى سماء فوقه : إما سقف بيت، أو غيره مما يعلق به السبب من فوقه، ثم يختنق إذا اغتاظ من بعض ما قضى الله فاستعجل انكشاف ذلك عنه، فلينظر هل يذهبنّ كيده اختناقه كذلك ما يغيظ ؟ فإن لم يذهب ذلك غيظه، حتى يأتي الله بالفرج من عنده فيذهبه، فكذلك استعجاله نصر الله محمدا ودينه لن يُؤَخّر ما قضى الله له من ذلك عن ميقاته ولا يعجّل قبل حينه. وقد ذكر أن هذه الاَية نزلت في أسد وغطفان، تباطئوا عن الإسلام، وقالوا : نخاف أن لا يُنصر محمد صلى الله عليه وسلم فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود فلا يميروننا ولا يُرَوّوننا فقال الله تبارك وتعالى لهم : من استعجل من الله نصر محمد، فليمدد بسبب إلى السماء فليختنق فلينظر استعجاله بذلك في نفسه هل هو مُذْهِبٌ غيظه ؟ فكذلك استعجاله من الله نصر محمد غير مقدّم نصره قبل حينه. 
واختلف أهل العربية في **«ما »** التي في قوله : ما يَغِيظُ فقال بعض نحوّيي البصرة هي بمعنى ****«الذي »****، وقال : معنى الكلام : هل يذهبنّ كيده الذي يغيظه. قال : وحذفت الهاء لأنها صلة ****«الذي »****، لأنه إذا صارا جميعا اسما واحدا كان الحذف أخفّ. وقال غيره : بل هو مصدر لا حاجة به إلى الهاء، هل يذهبنّ كيده غيظه.

### الآية 22:16

> ﻿وَكَذَٰلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ [22:16]

وقوله : وكَذلكَ أنْزَلْناهُ آياتٍ بَيّناتٍ يقول تعالى ذكره : وكما بيّنت لكم حُجَجي على من جحد قدرتي على إحياء من مات من الخلق بعد فنائه فأوضحتها أيها الناس، كذلك أنزلنا إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هذا القرآن آيات بيّنات، يعني دلالات واضحات، يهدين من أراد الله هدايته إلى الحقّ. وأنّ اللّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ يقول جلّ ثناؤه : ولأن الله يوفق للصواب ولسبيل الحقّ من أراد، أنزل هذا القرآن آيات بيّنات و **«أنّ »** في موضع نصب.

### الآية 22:17

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [22:17]

القول في تأويل قوله تعالى : إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَالّذِينَ هَادُواْ وَالصّابِئِينَ وَالنّصَارَىَ وَالْمَجُوسَ وَالّذِينَ أَشْرَكُوَاْ إِنّ اللّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ . 
يقول تعالى ذكره : إن الفصل بين هؤلاء المنافقين الذين يعبدون الله على حرف، والذين أشركوا بالله فعبدوا الأوثان والأصنام، والذين هادوا، وهم اليهود والصابئين والنصارى والمجوس الذي عظموا النيران وخدموها، وبين الذين آمنوا بالله ورسله إلى الله، وسيفصل بينهم يوم القيامة بعدل من القضاء وفصله بينهم إدخاله النار الأحزاب كلهم والجنة المؤمنين به وبرسله فذلك هو الفصل من الله بينهم. 
**وكان قَتادة يقول في ذلك، ما :**
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة، في قوله : إنّ الّذِينَ آمَنُوا وَالّذِينَ هادُوا وَالصّابئِينَ والنّصَارَى والمَجُوسَ وَالّذِينَ أشْرَكُوا قال : الصابئون : قوم يعبدون الملائكة، ويصلّون للقبلة، ويقرءون الزبور. والمجوس : يعبدون الشمس والقمر والنيران. والذين أشركوا : يعبدون الأوثان. والأديان ستة : خمسة للشيطان، وواحد للرحمن. 
وأدخلت ********«إنّ »******** في خبر ********«إنّ »******** الأولى لما ذكرت من المعنى، وأن الكلام بمعنى الجزاء، كأنه قيل : من كان على دين من هذه الأديان ففصل ما بينه وبين من خالفه على الله. والعرب تدخل أحيانا في خبر ********«إنّ »******** ********«إنّ »******** إذا كان خبر الاسم الأوّل في اسم مضاف إلى ذكره، فتقول : إنّ عبد الله إنّ الخير عنده لكثير، كما قال الشاعر.

إنّ الخَلِيفَةَ إنّ اللّهَ سَرْبَلَهُ  سِرْبالَ مُلْكٍ بِهِ تُرْجَى الخَوَاتِيمُوكان الفرّاء يقول : من قال هذا لم يقل : إنك إنك قائم، ولا إن إياك إنه قائم لأن الاسمين قد اختلفا، فحسن رفض الأوّل، وجعل الثاني كأنه هو المبتدأ، فحسن للاختلاف وقبح للاتفاق. 
وقوله : إنّ اللّهَ عَلى كُلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ يقول : إن الله على كل شيء من أعمال هؤلاء الأصناف الذين ذكرهم الله جلّ ثناؤه، وغير ذلك من الأشياء كلها شهيد لا يخفى عنه شيء من ذلك.

### الآية 22:18

> ﻿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ۗ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ۩ [22:18]

القول في تأويل قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأرْضِ وَالشّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشّجَرُ وَالدّوَآبّ وَكَثِيرٌ مّنَ النّاسِ وَكَثِيرٌ حَقّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِن مّكْرِمٍ إِنّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ألم تر يا محمد بقلبك، فتعلم أن الله يسجد له من في السموات من الملائكة، ومن في الأرض من الخلق من الجنّ وغيرهم، والشمس والقمر والنجوم في السماء، والجبال، والشجر، والدوابّ في الأرض وسجود ذلك ظلاله حين تطلع عليه الشمس وحين تزول إذا تحوّل ظلّ كل شيء فهو سجوده. كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله : ألَمْ تَرَ أنّ اللّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ والشّمْسُ والقَمَرُ والنّجُومُ والجِبالُ والشّجَرُ والدّوَابّ قال : ظلال هذا كله. 
وأما سجود الشمس والقمر والنجوم، فإنه كما :
حدثنا به ابن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ ومحمد بن جعفر، قالا : حدثنا عوف، قال : سمعت أبا العالية الرياحي يقول : ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع لله ساجدا حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيأخذ ذات اليمين وزاد محمد : حتى يرجع إلى مطلعه. 
وقوله : وكَثيرٌ منَ النّاسِ يقول : ويسجد كثير من بني آدم، وهم المؤمنون بالله. كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد : وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ قال : المؤمنون. 
وقوله : وكَثِيرٌ حَقّ عَلَيْهِ العَذَابُ يقول تعالى ذكره : وكثير من بني آدم حق عليه عذاب الله فوجب عليه بكفره به، وهو مع ذلك يسجد لله ظله. كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد : وكَثِيرٌ حَقّ عَلَيْهِ العَذَابُ وهو يسجد مع ظله. 
فعلى هذا التأويل الذي ذكرناه عن مجاهد، وقع قوله : وكَثِيرٌ حَقّ عَلَيْهِ العَذَابُ بالعطف على قوله : وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ ويكون داخلاً في عداد من وصفه الله بالسجود له، ويكون قوله : حَقّ عَلَيْهِ العَذَابُ من صلة **«كثير »**، ولو كان **«الكثير »** الثاني ممن لم يدخل في عداد من وصفه بالسجود كان مرفوعا بالعائد من ذكره في قوله : حَقّ عَلَيْهِ العَذَابُ وكان معنى الكلام حينئذٍ : وكثير أتى السجود، لأن قوله : حَقّ عَلَيْهِ العَذَابُ يدلّ على معصية الله وإبائه السجود، فاستحقّ بذلك العذاب. 
يقول تعالى ذكره : ومن يهنه الله من خلقه فَبُشْقِه، فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ بالسعادة يسعده بها لأن الأمور كلها بيد الله، يوفّق من يشاء لطاعته ويخذل من يشاء، ويُشقي من أراد ويسعد من أحبّ. 
وقوله : إنّ اللّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ يقول تعالى ذكره : إن الله يفعل في خلقه ما يشاء من إهانة من أراد إهانته وإكرام من أراد كرامته لأن الخلق خلقه والأمر أمره. لا يسأل عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يسألون. وقد ذُكر عن بعضهم أنه قرأه :**«فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرَمٍ »** بمعنى : فما من إكرام، وذلك قراءة لا أستجيز القراءة بها لإجماع الحجة من القرّاء على خلافه.

### الآية 22:19

> ﻿۞ هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ۖ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ [22:19]

القول في تأويل قوله تعالى : هََذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِي رَبّهِمْ فَالّذِينَ كَفَرُواْ قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مّن نّارِ يُصَبّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ \* يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ \* وَلَهُمْ مّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ \* كُلّمَآ أَرَادُوَاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ . 
اختلف أهل التأويل في المعنيّ بهذين الخصمين اللذين ذكرهما الله، فقال بعضهم : أحد الفريقين : أهل الإيمان، والفريق الآخر : عبدة الأوثان من مشركي قريش الذين تبارزوا يوم بدر. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا أبو هاشم عن أبي مجاز، عن قيس بن عبادة قال : سمعت أبا ذرّ يُقْسم قَسَما أن هذه الآية : هَذَان خَصْمان اخْتَصَمُوا فِي رَبّهِمْ نزلت في الذين بارزوا يوم بدر : حمزة وعليّ وعبيدة بن الحارث، وعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة. قال : وقال عليّ : إني لأوّل أو من أوّل من يجثو للخصومة يوم القيامة بين يدي الله تبارك وتعالى. 
حدثنا عليّ بن سهل، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان، عن أبي هاشم، عن أبي مجاز، عن قيس بن عباد، قال : سمعت أبا ذرّ يقسم بالله قسما لنزلت هذه الاَية في ستة من قريش : حمزة بن عبد المطلب وعليّ بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم، وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة هَذَان خَصْمان اخْتَصَمُوا في رَبّهِمْ. . . إلى آخر الاَية : إنّ اللّهَ يُدْخِلُ الّذِينَ آمَنُوا وَعملُوا الصّالحاتِ. . . إلى آخر الاَية. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن أبي هاشم، عن أبي مجاز، عن قيس بن عباد، قال : سمعت أبا ذرّ يقسم، ثم ذكر نحوه. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن محبب، قال : حدثنا سفيان، عن منصور بن المعتمر، عن هلال بن يساف، قال : نزلت هذه الاَية في الذين تبارزوا يوم بدر : هَذَانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبّهِمْ. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة بن الفضل، قال : ثني محمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار، قال : نزلت هؤلاء الآيات : هَذَان خَصْمان اخْتَصَمُوا فِي رَبّهِمْ في الذين تبارزوا يوم بدر : حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة. إلى قوله : وَهُدُوا إلى صِرَاطِ الحَمِيدِ. 
قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي هاشم، عن أبي مُجَلّز، عن قيس بن عباد، قال : والله لأُنزلت هذه الاَية : هَذَانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبّهِمْ في الذين خرج بعضهم إلى بعض يوم بدر : حمزة وعليّ وعُبيدة رحمة الله عليهم، وشيبة وعتبة والوليد بن عتبة. 
وقال آخرون ممن قال أحد الفرقين فريق الإيمان : بل الفريق الاَخر أهل الكتاب. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : هَذَانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبّهِمْ قال : هم أهل الكتاب، قالوا للمؤمنين : نحن أولى بالله، وأقدم منكم كتابا، ونبينا قبل نبيكم. وقال المؤمنون : نحن أحقّ بالله، آمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وآمنا بنبيكم وبما أنزل الله من كتاب، فأنتم تعرفون كتابنا ونبينا، ثم تركتموه وكفرتم به حسدا. وكان ذلك خصومتهم في ربهم. 
وقال آخرون منهم : بل الفريق الاَخر الكفار كلهم من أيّ ملة كانوا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : حدثنا أبو تُمَيلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن مجاهد وعطاء بن أبي رَياح وأبي قَزَعة، عن الحسين، قال : هم الكافرون والمؤمنون اختصموا في ربهم. 
قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد : مثل الكافر والمؤمن قال ابن جُرَيج : خصومتهم التي اختصموا في ربهم، خصومتهم في الدنيا من أهل كل دين، يرون أنهم أولى بالله من غيرهم. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا أبو بكر بن عياش، قال : كان عاصم والكلبي يقولان جميعا في : هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبّهِمْ قال : أهل الشرك والإسلام حين اختصموا أيهم أفضل، قال : جعل الشرك ملة. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى. وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : هَذَانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبّهِمْ قال : مثل المؤمن والكافر اختصامهما في البعث. 
وقال آخرون : الخصمان اللذان ذكرهما الله في هذه الاَية : الجنة والنار. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عكرِمة : هَذَانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبّهِمْ قال : هما الجنة والنار اختصمتا، فقالت النار : خلقني الله لعقوبته وقالت الجنة : خلقني الله لرحمته فقد قصّ الله عليك من خبرهما ما تسمع. 
وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب وأشبهها بتأويل الاَية، قول من قال : عُني بالخصمين جميع الكفار من أيّ أصناف الكفر كانوا وجميع المؤمنين. وإنما قلت ذلك أولى بالصواب، لأنه تعالى ذكره ذكر قبل ذلك صنفين من خلقه : أحدهما أهل طاعة له بالسجود له، والآخر : أهل معصية له، قد حقّ عليه العذاب، فقال : ألَمْ تَرَ أنّ اللّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ والشّمْسُ والقَمَرُ ثم قال : وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وكَثِيرٌ حَقّ عَلَيْهِ العَذَابُ، ثم أتبع ذلك صفة الصنفين كليهما وما هو فاعل بهما، فقال : فالذين كَفرُوا قُطّعتْ لهُمْ ثيابٌ منْ نارٍ وقال الله : إنّ اللّهَ يُدْخِلُ الّذِينَ آمَنُوا وَعمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنهارُ فكان بيّنا بذلك أن ما بين ذلك خبر عنهما. 
فإن قال قائل : فما أنت قائل فيما رُوي عن أبي ذرّ في قوله : إنّ ذَلكَ نزل في الذين بارزوا يوم بدر ؟ قيل : ذلك إن شاء الله كما رُوي عنه ولكن الاَية قد تنزل بسبب من الأسباب، ثم تكون عامة في كل ما كان نظير ذلك السبب. وهذه من تلك، وذلك أن الذين تبارزوا إنما كان أحد الفريقين أهل شرك وكفر بالله، والاَخر أهل إيمان بالله وطاعة له، فكل كافر في حكم فريق الشرك منهما في أنه لأهل الإيمان خصم، وكذلك كل مؤمن في حكم فريق الإيمان منهما في أنه لأهل الشرك خصم. 
فتأويل الكلام : هذان خصمان اختصموا في دين ربهم، واختصامهم في ذلك معاداة كل فريق منهما الفريق الاَخر ومحاربته إياه على دينه. 
وقوله : فالّذِينَ كَفَرُوا قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يقول تعالى ذكره : فأما الكافر بالله منهما فإنه يقطع له قميص من نحاس من نار. كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد : فالّذِينَ كَفَرُوا قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ قال : الكافر قطعت له ثياب من نار، والمؤمن يدخله الله جنات تجري من تحتها الأنهار. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، في قوله : فالّذِينَ كَفَرُوا قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ قال : ثياب من نحاس، وليس شيء من الآنية أحمى وأشد حرّا منه. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : الكفار قطعت لهم ثياب من نار، والمؤمن يدخل جنات تجري من تحتها الأنهار. 
وقوله : يُصَبّ مِنْ فَوْقِ رؤسِهِمُ الحَمِيمُ يقول : يصبّ على رؤسهم ماء مُغْلًي. كما :
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا إبراهيم بن إسحاق الطال قاني، قال : حدثنا ابن المبارك، عن سعيد بن زيد، عن أبي السّمْح، عن ابن حجيرة، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال :**«إنّ الحَمِيمَ لَيُصَبّ عَلى رُؤُسِهِمْ، فَيَنْفُذُ الجُمْجَمَةَ حتى يَخْلُصَ إلى جَوْفِهِ، فَيَسْلُتَ ما فِي جَوْفِهِ حتى يَبْلُغَ قَدَمَيْهِ، وَهِيَ الصّهْرُ، ثُمّ يُعادُ كَما كانَ »**. 
حدثني محمد بن المثنى، قال : حدثنا يعمر بن بشر، قال : حدثنا ابن المبارك، قال : أخبرنا سعيد بن زيد، عن أبي السمح، عن ابن حجيرة، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بمثله، إلا أنه قال :**«فَيَنْفُذُ الجُمْجُمَةَ حَى يَخْلُصَ إلى جَوْفِهِ فَيَسْلُتَ مَا في جَوْفِهِ »**. 
وكان بعضهم يزعم أن قوله : ولَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ من المؤخّر الذي معناه التقديم، ويقول : وجه الكلام : فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار ولهم مقامع من حديد يصبّ من فوق رؤسهم الحميم ويقول : إنما وجب أن يكون ذلك كذلك، لأن الملك يضربه بالمقمع من الحديد حتى يثقب رأسه، ثم يصبّ فيه الحميم الذي انتهى حرّه فيقطع بطنه. والخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكرنا، يدلّ على خلاف ما قال هذا القائل وذلك أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أن الحميم إذا صبّ على رؤسهم نفذ الجمجمة حتى يخلص إلى أجوافهم، وبذلك جاء تأويل أهل التأويل، ولو كانت المقامع قد تثقب رؤوسهم قبل صبّ الحميم عليها، لم يكن لقوله صلى الله عليه وسلم :**«إنّ الحَميمَ يَنْفُذُ الجُمْجُمَةَ »** معنى ولكن الأمر في ذلك بخلاف ما قال هذا القائل.

### الآية 22:20

> ﻿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ [22:20]

وقوله : يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالجُلُودُ يقول : يذاب بالحميم الذي يصبّ من فوق رؤسهم ما في بطونهم من الشحوم، وتشوى جلودهم منه فتتساقط. والصهر : هو الإذابة، يقال منه : صهرت الألية بالنار : إذا أذبتها أصهرها صهرا ومنه قول الشاعر.

تَرْوِي لَقًى أُلِقيَ في صَفْصَفٍ  تَصْهَرُهُ الشّمْسُ وَلا يَنْصَهِرْومنه قول الراجز :. 
\*\*\* شَكّ السّفافِيدِ الشّوَاءَ المُصْطَهَرْ \*\*\*
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : يُصْهَرُ بِهِ قال : يُذاب إذابة. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. 
قال ابن جُرَيج يُصْهَرُ بِهِ : قال : ما قطع لهم من العذاب. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة : يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ قال : يُذاب به ما في بطونهم. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : فالّذينَ كَفَرُوا قُطّعَتْ لَهُمْ ثيابٌ منْ نارٍ. . . إلى قوله : يُصْهَرُ بهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ يقول : يسقون ما إذا دخل بطونهم أذابها والجلود مع البطون. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يعقوب، عن جعفر وهارون بن عنترة، عن سعيد بن جبير، قال : قال هارون : إذا عام أهل النار وقال جعفرٍ : إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزقوم، فيأكلون منها، فاختلست جلود وجوههم، فلو أن مارّا مرّ بهم يعرفهم يعرف جلود وجوههم فيها، ثم يصبّ عليهم العطش، فيستغيثوا، فيُغاثوا بماء كالمُهل، وهو الذي قد انتهى حرّه، فإذا أدنوه من أفواههم انشوى من حرّه لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود و يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهمْ يعني أمعاءهم، وتساقط جلودهم، ثم يضربون بمقامع من حديد، فيسقط كل عضو على حاله، يدعون بالويل والثبور.

### الآية 22:21

> ﻿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ [22:21]

وقوله : ولَهُمْ مَقامعُ مِنْ حَدِيدٍ تضرب رؤسهم بها الخزنة إذا أرادوا الخروج من النار حتى ترجعهم إليها.

### الآية 22:22

> ﻿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [22:22]

وقوله : كُلّما أرَادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمّ أُعِيدُوا فِيها يقول : كلما أراد هؤلاء الكفار الذين وصف الله صفتهم الخروج من النار مما نالهم من الغمّ والكرب، ردّوا إليها. كما :
حدثنا مجاهد بن موسى، قال : حدثنا جعفر بن عون، قال : أخبرنا الأعمش، عن أبي ظبيان، قال : النار سوداء مظلمة لا يضيء لهبها ولا جمرها، ثم قرأ : كُلّما أرَادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِنْ غَمّ أُعِيدُوا فِيها وقد ذكر أنهم يحاولون الخروج من النار حين تجيش جهنم فتلقي من فيها إلى أعلى أبوابها، فيريدون الخروج فتعيدهم الخزان فيها بالمقامع، ويقولون لهم إذا ضربوهم بالمقامع : ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيق. 
وعني بقوله : ذُوقُوا عَذَابَ الحريق ويقال لهم ذوقوا عذاب النار، وقيل عذاب الحريق والمعنى : المحرق، كما قيل : العذاب الأليم، بمعنى : المؤلم.

### الآية 22:23

> ﻿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ [22:23]

القول في تأويل قوله تعالى : إِنّ اللّهَ يُدْخِلُ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ يُحَلّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ \* وَهُدُوَاْ إِلَى الطّيّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوَاْ إِلَىَ صِرَاطِ الْحَمِيدِ . 
يقول تعالى ذكره : وأما الذين آمنوا بالله بالله ورسوله فأطاعوهما بما أمرهم الله به من صالح الأعمال، فإن الله يُدخلهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار، فيحلّيهم فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا. 
واختلفت القرّاء في قراءة قوله : وَلُؤْلُؤا فقرأته عامة قرّاء أهل المدينة وبعض أهل الكوفة نصبا مع التي في الملائكة، بمعنى : يحلون فيها أساور من ذهب ولؤلؤا، عطفا باللؤلؤ على موضع الأساور لأن الأساور وإن كانت مخفوضة من أجل دخول **«مِنْ »** فيها، فإنها بمعنى النصب قالوا : وهي تعدّ في خط المصحف بالألف، فذلك دليل على صحة القراءة بالنصب فيه. وقرأت ذلك عامة قرّاء العراق والمصرين :**«وَلُؤْلُؤٍ »** خفضا عطفا على إعراب الأساور الظاهر. 
واختلف الذي قرأوا ذلك كذلك في وجه إثبات الألف فيه، فكان أبو عمرو بن العلاء فيما ذكر لي عنه يقول : أثبتت فيه كما أثبتت في **«قالوا »** و **«كالوا »**. وكان الكسائي يقول : أثبتوها فيه للهمزة، لأن الهمزة حرف من الحروف. 
والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، متفقتا المعنى صحيحتا المخرج في العربية فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. 
وقوله : وَلِباسُهُمْ فيها حَرِيرٌ يقول : ولبوسهم التي تلي أبشارهم فيها ثياب حرير.

### الآية 22:24

> ﻿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ [22:24]

وقوله : وَهُدُوا إلى الطّيّبِ مِنَ القَوْلِ يقول تعالى ذكره : وهداهم ربهم في الدنيا إلى شهادة أن لا إله إلا الله. كما :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : ابن زيد، في قوله : وَهُدُوا إلى الطّيبِ منَ القَوْلِ قال : هدوا إلى الكلام الطيب : لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله قال الله : إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلمُ الطّيّبُ وَالعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ. 
حدثنا عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس : وَهُدُوا إلى الطّيّبِ مِنَ القَوْلِ قال : ألهموا. 
وقوله : وَهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ يقول جلّ ثناؤه : وهداهم ربهم في الدنيا إلى طريق الربّ الحميد، وطريقه : دينه دين الإسلام الذي شرعه لخلقه وأمرهم أن يسلكوه والحميد : فعيل، صرّف من مفعول إليه، ومعناه : أنه محمود عند أوليائه من خلقه، ثم صرّف من محمود إلى حميد.

### الآية 22:25

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ۚ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [22:25]

القول في تأويل قوله تعالى : إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنّاسِ سَوَآءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . 
يقول تعالى ذكره : إن الذين جحدوا توحيد الله وكذّبوا رسله وأنكروا ما جاءهم به من عند ربهم ويَصُدّونَ عَنْ سَبِيلِ الله يقول : ويمنعون الناس عن دين الله أن يدخلوا فيه، وعن المسجد الحرام الذي جعله الله للناس الذين آمنوا به كافة لم يخصص منها بعضا دون بعض سَوَاءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ يقول : معتدل في الواجب عليه من تعظيم حرمة المسجد الحرام، وقضاء نسكه به، والنزول فيه حيث شاء العاكف فيه، وهو المقيم به والباد : وهو المنتاب إليه من غيره. 
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم : معناه : سواء العاكف فيه وهو المقيم فيه والباد، في أنه ليس أحدهما بأحقّ بالمنزل فيه من الآخر. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عمرو، عن يزيد بن أبي زياد، عن ابن سابط، قال : كان الحجاج إذا قدموا مكة لم يكن أحد من أهل مكة بأحق بمنزله منهم، وكان الرجل إذا وجد سعة نزل. ففشا فيهم السرق، وكل إنسان يسرق من ناحيته، فاصطنع رجل بابا، فأرسل إليه عمر : اتخذت بابا من حجاج بيت الله ؟ فقال : لا، إنما جعلته ليحرز متاعهم. وهو قوله : سَوَاءً العاكِفُ فِيهِ والبْادِ قال : الباد فيه كالمقيم، ليس أحد أحقّ بمنزله من أحد إلا أن يكون أحد سبق إلى منزل. 
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن أبي حصين، قال : قلت لسعيد بن جُبير : أعتكف بمكة ؟ قال : أنت عاكف. وقرأ : سَوَاءً العاكِفُ فِيهِ والبْادِ. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام عن عنبسة، عمن ذكره، عن أبي صالح : سَوَاءً العاكِفُ فِيهِ والبْادِ العاكف : أهله، والباد : المنتاب في المنزل سواء. 
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : سَوَاءً العاكِفُ فِيهِ والبْادِ يقول : ينزل أهل مكة وغيرهم في المسجد الحرام. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : سَوَاءً العاكِفُ فِيهِ والبْادِ قال : العاكف فيه : المقيم بمكة والباد : الذي يأتيه هم في سواء في البيوت. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة : سَواءً العاكِفُ فِيهِ وَالبادِ سواء فيه أهله وغير أهله. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله. 
حدثنا ابن حميد، قال حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله : سَوَاءً العاكفُ فِيهِ والبْادِ قال : أهل مكة وغيرهم في المنازل سواء. 
وقال آخرون في ذلك نحو الذي قلنا فيه. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : سَوَاءً العاكِفُ فِيهِ قال : الساكن، والبَادِ الجانب سواء حقّ الله عليهما فيه. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد في قوله : سَوَاءً العاكِفُ فِيهِ قال : الساكن والباد : الجانب. 
قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن مجاهد وعطاء : سَوَاءً العاكِفُ فِيهِ قالا : من أهله، والبَادِ الذي يأتونه من غير أهله هما في حرمته سواء. 
وإنما اخترنا القول الذي اخترنا في ذلك لأن الله تعالى ذكره ذكر في أوّل الآية صدّ من كفر به من أراد من المؤمنين قضاء نسكه في الحرم عن المسجد الحرام، فقال : إنّ الّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ ثم ذكر جلّ ثناؤه صفة المسجد الحرام، فقال : الّذِي جَعَلْناهُ للنّاسِ فأخبر جلّ ثناؤه أنه جعله للناس كلهم، فالكافرون به يمنعون من أراده من المؤمنين به عنه. ثم قال : سَوَاءً العاكِفُ فِيهِ وَالبْادِ فكان معلوما أن خبره عن استواء العاكف فيه والباد، إنما هو في المعنى الذي ابتدأ الله الخبر عن الكفار أنهم صدّوا عنه المؤمنين به وذلك لا شكّ طوافهم وقضاء مناسكهم به والمقام، لا الخبر عن ملكهم إياه وغير ملكهم. وقيل : إنّ الّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ فعطف ب **«يصدّون »** وهو مستقبل على **«كفروا »** وهو ماض، لأن الصدّ بمعنى الصفة لهم والدوام. وإذا كان ذلك معنى الكلام، لم يكن إلا بلفظ الاسم أو الاستقبال، ولا يكون بلفظ الماضي. وإذا كان ذلك كذلك، فمعنى الكلام : إن الذين كفروا من صفتهم الصدّ عن سبيل الله، وذلك نظير قول الله : الّذِين آمَنُوا وَتَطْمَئِنّ قُلُوُبهُمْ بِذِكْرِ اللّهِ. وأما قوله : سَوَاءٌ العاكِفُ فِيهِ فإن قرّاء الأمصار على رفع **«سواءٌ »** ب **«العاكف، و«العاكف »** به، وإعمال ****«جعلناه »**** في الهاء المتصلة به، واللام التي في قوله **«للناس »**، ثم استأنف الكلام ب ******«سواء »****** وكذلك تفعل العرب ب ******«سواء »****** إذا جاءت بعد حرف قد تمّ الكلام به، فتقول : مررت برجل سواء عنده الخير والشرّ، وقد يجوز في ذلك الخفض. وإنما يختار الرفع في ذلك لأن ******«سواء »****** في مذهب واحد عندهم، فكأنهم قالوا : مررت برجل واحدٍ عنده الخير والشرّ. وأما من خفضه فإنه يوجهه إلى معتدل عنده الخير والشرّ، ومن قال ذلك في سواء فاستأنف به ورفع لم يقله في ****«معتدل »****، لأن ****«معتدل »**** فعل مصرّح، وسواء مصدر فإخراجهم إياه إلى الفعل كإخراجهم حسب في قولهم : مررت برجل حسبك من رجل إلى الفعل. وقد ذُكر عن بعض القرّاء أنه قرأه : سواءً نصبا على إعمال ****«جعلناه »**** فيه، وذلك وإن كان له وجه في العربية، فقراءة لا أستجيز القراءة بها لإجماع الحجة من القرّاء على خلافه. 
وقوله : وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بإلْحادٍ بِظْلُمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ ألِيمٍ يقول تعالى ذكره : ومن يرد فيه إلحادا بظلم نذقه من عذاب أليم، وهو أن يميل في البيت الحرام بظلم. وأدخلت الباء في قوله **«بإلحاد »** والمعنى فيه ما قلت، كما أدخلت في قوله : تنبت بالدهن والمعنى : تنبت الدهن، كما قال الشاعر :

بِوَادِ يَمَانٍ يُنْبِتُ الشّثّ صَدْرُهُ  وأسْفَلُهُ بالمرْخِ والشّبَهانِوالمعنى : وأسفله ينبت المرخ والشبهان وكما قال أعشى بني ثعلبة :ضَمِنَتْ بِرِزْقِ عِيالِنا أرْماحُنا  بينَ المَرَاجِلِ والصّرِيجِ الأجْرَدِبمعنى : ضمنت رزق عيالنا أرماحنا في قول بعض نحويي البصريين. وأما بعض نحويي الكوفيين فإنه كان يقول : أدخلت الياء فيه، لأن تأويله : ومن يرد بأن يلحد فيه بظلم. وكان يقول : دخول الباء في **********«أن »********** أسهل منه في ****«إلحاد »**** وما أشبهه، لأن **********«أن »********** تضمر الخوافض معها كثيرا وتكون كالشرط، فاحتملت دخول الخافض وخروجه لأن الإعراب لا يتبين فيها، وقال في المصادر : يتبين الرفع والخفض فيها، قال : وأنشدني أبو الجَرّاح :فَلَمّا رَجَتْ بالشّرْبِ هَزّ لها العَصَا  شَحِيحٌ لهُ عِنْدَ الأَداءِ نَهِيمُ**وقال امرؤ القيس :**ألا هَلْ أتاها والحَوَادِثُ جمّةٌ  بأنّ أمرأ القَيْسِ بْنَ تَمْلِكَ بَيْقَرَاقال : فأدخل الباء على **********«أن »********** وهي في موضع رفع كما أدخلها على ****«إلحاد »**** وهو في موضع نصب. قال : وقد أدخلوا الباء على ما إذا أرادوا بها المصدر، كما قال الشاعر :ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمِي  بِمَا لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادِوقال : وهو في ****«ما »**** أقلّ منه في **********«أن »**********، لأن **********«أن »********** أقلّ شبها بالأسماء من ****«ما »****. قال : وسمعت أعرابيّا من ربيعة، وسألته عن شيء، فقال : أرجو بذاك يريد أرجو ذاك. 
واختلف أهل التأويل في معنى الظلم الذي من أراد الإلحاد به في المسجد الحرام أذاقه الله من العذاب الأليم، فقال بعضهم : ذلك هو الشرك بالله وعبادة غيره به أي بالبيت ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بالْحاد بِظُلْمٍ يقول : بشرك. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بَزّة، عن مجاهد، في قوله : وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بإلْحاد بِظُلْمٍ هو أن يعبد فيه غير الله. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال : وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بإلْحادٍ بِظُلْمٍ قال : هو الشرك، من أشرك في بيت الله عذّبه الله. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر عن قَتادة، مثله وقال آخرون : هو استحلال الحرام فيه أو ركوبه. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذقْهُ مِنْ عَذَابٍ ألِيمٍ يعني أن تستحلّ من الحرام ما حرّم الله عليك من لسان أو قتل، فتظلم من لا يظلمك وتقتل من لا يقتلك فإذا فعل ذلك فقد وجب له عذاب أليم. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بإلْحادٍ بِظُلْمٍ قال : يعمل فيه عملاً سيئا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد مثله. 
حدثنا أبو كريب ونصر بن عبد الرحمن الأَوْدِيّ قالا : حدثنا المحاربيّ، عن سفيان عن السّديّ، عن مرّة عن عن عبد الله، قال : ما من رجل يهمّ بسيئة فتكتب عليه، ولو أن رجلاً بعد أن بين همّ أن يقتل رجلاً بهذا البيت، لأذاقه الله من العذاب الأليم. 
حدثنا مجاهد بن موسى، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا شعبة، عن السديّ، عن مرّة، عن عبد الله قال مجاهد، قال يزيد، قال لنا شعبة، رفعه، وأنا لا أرفعه لك في قول الله : وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بإلْحاد بِظُلْم نُذِقْهُ مِنْ عَذَاب ألِيم قال :**«لو أن رجلاً همّ فيه بسيئة وهو بعدن أَبْيَنَ، لأذاقه الله عذابا أليما »**. 
حدثنا الفضل بن الصباح، قال : حدثنا محمد بن فضيل، عن أبيه، عن الضحاك بن مزاحم، في قوله : وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بإلحْاد بِظُلْم قال : إن الرجل ليهمّ بالخطيئة بمكة وهو في بلد آخر ولم يعملها، فتكتب عليه. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قول الله : وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بإلحْادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَاب ألِيم قال : الإلحاد : الظلم في الحرم. 
وقال آخرون : بل معنى ذلك الظلم : استحلال الحرم متعمدا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : قال ابن عباس : بإلحْادٍ بِظُلمٍ قال : الذي يريد استحلاله متعمدا، ويقال الشرك. 
وقال آخرون : بل ذلك احتكار الطعام بمكة. ذكر من قال ذلك :
حدثني هارون بن إدريس الأصمّ، قال : حدثنا عبد الر

### الآية 22:26

> ﻿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [22:26]

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ بَوّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهّرْ بَيْتِيَ لِلطّآئِفِينَ وَالْقَآئِمِينَ وَالرّكّعِ السّجُودِ . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، مُعْلِمَه عظيم ما ركب من قومه قريش خاصة دون غيرهم من سائر خلقه بعبادتهم في حرمه، والبيت الذي أمر إبراهيم خليله صلى الله عليه وسلم ببنائه وتطهيره من الآفات والرّيَب والشرك : واذكر يا محمد كيف ابتدأنا هذا البيت الذي يعبد قومك فيه غيري، إذ بوأنا لخليلنا إبراهيم، يعني بقوله :**«بوأنا »** : وطّأنا له مكان البيت. كما :
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور عن معمر، عن قَتادة، قوله : وَإذْ بَوّأْنْا لإِبْرَاهِيمَ مَكانَ البَيْتِ قال : وضع الله البيت مع آدم صلى الله عليه وسلم حين أهبط آدم إلى الأرض وكان مهبطه بأرض الهند، وكان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض، فكانت الملائكة تهابه فنقص إلى ستين ذراعا. وإن آدم لمّا فَقَد أصوات الملائكة وتسبيحهم، شكا ذلك إلى الله، فقال الله : يا آدم إني قد أهبطت لك بيتا يُطاف به كما يطاف حول عرشي، ويُصلّى عنده كما يصلّى حول عرشي، فانطَلِقْ إليه فخرج إليه، ومدّ له في خطوه، فكان بين كل خطوتين مفازة، فلم تزل تلك المفاوز على ذلك حتى أتى آدم البيت، فطاف به ومن بعده من الأنبياء. 
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : لما عهد الله إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين، انطلق إبراهيم حتى أتى مكة، فقام هو وإسماعيل، وأخذا المعاول، لا يدريان أين البيت، فبعث الله ريحا يقال لها ريح الخَجُوج، لها جناحان ورأس في صورة حية، فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأوّل، واتبعاها بالمعاول يحفران، حتى وضعا الأساس فذلك حين يقول : وَإذْ بَوّأْنا لإِبْرَاهِيمَ مَكانَ البَيْتِ. 
ويعني بالبيت : الكعبة، أنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئا في عبادتك إياي، وَطَهّرْ بَيْتِيَ الذي بنيته من عبادة الأوثان. كما :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي عن سفيان عن ليث، عن مجاهد، في قوله : وَطَهّرْ بَيْتِيَ قال : من الشرك. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، قال : من الاَفات والرّيب. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة : طَهّرَا بَيْتِيَ قال : من الشرك وعبادة الأوثان. 
وقوله : للطّائِفِينَ يعني للطائفين به. والقَائِمِينَ بمعنى المصلين الذين هم قيام في صلاتهم. كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو تُمَيلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عطاء في قوله : وَطَهّرْ بَيْتِيَ للطّائِفِينَ والقائِمِينَ قال : القائمون في الصلاة. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة : والقَائِمِينَ قال : القائمون المصلون. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة، مثله. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : والقائمِينَ وَالرّكّعِ السّجُودِ قال : القائم والراكع والساجد هو المصلي، والطائف هو الذي يطوف به. وقوله : وَالرّكّعِ السّجُودِ يقول : والركع السجود في صلاتهم حول البيت.

### الآية 22:27

> ﻿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ [22:27]

القول في تأويل قوله تعالى : وَأَذّن فِي النّاسِ بِالْحَجّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَىَ كُلّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلّ فَجّ عَميِقٍ \* لّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ فِيَ أَيّامٍ مّعْلُومَاتٍ عَلَىَ مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَآئِسَ الْفَقِيرَ \* ثُمّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ وَلْيَطّوّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ . 
يقول تعالى ذكره : عهدنا إليه أيضا أن أذّن في الناس بالحجّ يعني بقوله : وأذّنْ أعلم وناد في الناس أن حجوا أيها الناس بيت الله الحرام. يَأْتُوكَ رِجالاً يقول : فإن الناس يأتون البيت الذي تأمرهم بحجه مشاة على أرجلهم، وَعَلى كُلّ ضَامِرٍ يقول : وركبانا على كلّ ضامر، وهي الإبل المهازيل. يَأْتِينَ مِنْ كُلّ فَجّ عَمِيقٍ يقول : تأتي هذه الضوامر من كلّ فجّ عميق يقول : من كلّ طريق ومكان ومسلك بعيد. وقيل :****«يأتين »****، فجمع لأنه أريد بكل ضامر : النوق. ومعنى الكلّ : الجمع، فلذلك قيل :****«يأتين »****. وقد زعم الفراء أنه قليل في كلام العرب : مررت على كلّ رجل قائمين قال : وهو صواب، وقول الله : وَعَلى كُلّ ضَامِرٍ يَأَتينَ ينبئ عن صحة جوازه. وذُكر أن إبراهيم صلوات الله عليه لما أمره الله بالتأذين بالحجّ، قام على مقامه فنادى : يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحجّ فحجوا بيته العتيق. 
وقد اختُلف في صفة تأذين إبراهيم بذلك. فقال بعضهم : نادي بذلك، كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال : لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قيل له : أذّنْ فِي النّاسَ بالحَجّ قال : ربّ وَما يبلغ صوتي ؟ قال : أذّنْ وعليّ البلاغ فنادى إبراهيم : أيها الناس كُتب عليكم الحجّ إلى البيت العتيق فحجوا قال : فسمعه ما بين السماء والأرض، أفلا ترى الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبّون ؟ 
حدثنا الحسن بن عرفة، قال : حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان الضبي، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال : لما بنى إبراهيم البيت أوحى الله إليه، أن أذّن في الناس بالحجّ قال : فقال إبراهيم : ألا إن ربكم قد اتخذ بيتا، وأمركم أن تحجوه، فاستجاب له ما سمعه من شيء من حجر وشجر وأكمة أو تراب أو شيء : لبّيك اللهمّ لبّيك
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا ابن واقد، عن أبي الزبير، عن مجاهد، عن ابن عباس : ، قوله : وأذّنْ فِي النّاسَ بالحَجّ قال : قام إبراهيم خليل الله على الحجر، فنادى : يا أيها الناس كُتب عليكم الحجّ، فأسمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فأجابه من آمن ممن سبق في علم الله أن يحجّ إلى يوم القيامة : لبّيك اللهمّ لبّيك
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبير : وأذّنْ فِي النّاسَ بالحَجّ يَأْتُوكَ رِجالاً قال : وقرت في قلب كلّ ذكر وأنثى. 
حدثني ابن حميد، قال : حدثنا حكام عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد بن جُبير، قال : لما فرغ إبراهيم من بناء البيت، أوحى الله إليه، أن أذّنْ في الناس بالحجّ قال : فخرج فنادى في الناس : يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتا فحجوه فلم يسمعه يومئذٍ من إنس، ولا جنّ، ولا شجر، ولا أكمة، ولا تراب، ولا جبل، ولا ماء، ولا شيء إلا قال : لبّيك اللهم لبّيك
قال : حدثنا حكام، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : قام إبراهيم على المقام حين أمر أن يؤذّن في الناس بالحجّ. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، في قوله : وأَذّنْ فِي النّاسِ بالْحَجّ قال : قام إبراهيم على مقامه، فقال : يا أيها الناس أجيبوا ربكم فقالوا : لبّيك اللهمّ لبيك فمن حَجّ اليوم فهو ممن أجاب إبراهيم يومئذٍ. 
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن داود، عن عكرمة بن خالد المخزومي، قال : لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت، قام على المقام، فنادى نداء سمعه أهل الأرض : إن ربكم قد بنى لكم بيتا فحجّوه قال داود : فأرجوا من حجّ اليوم من إجابة إبراهيم عليه السلام. 
حدثني محمد بن سنان القزاز، قال : حدثنا حجاج، قال : حدثنا حماد، عن أبي عاصم الغَنَوِيّ، عن أبي الطفيل، قال : قال ابن عباس : هل تدري كيف كانت التلبية ؟ قلت : وكيف كانت التلبية ؟ قال : إن إبراهيم لما أمر أن يؤذّن في الناس بالحجّ، خفضت له الجبال رؤسها، ورُفِعَت القُرى، فأذّن في الناس. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، قوله : وأَذّنْ فِي النّاسِ بالحَجّ قال إبراهيم : كيف أقول يا ربّ ؟ قال : قل : يا أيها الناس استجيبوا لربكم قال : وقَرّت في قلب كلّ مؤمن. وقال آخرون في ذلك، ما :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن سلمة، عن مجاهد، قيل لإبراهيم : أذّن في الناس بالحجّ قال : يا ربّ كيف أقول ؟ قل لَبّيك اللهمّ لبيك قال : فكانت أوّل التلبية. 
وكان ابن عباس يقول : عُنِي بالناس في هذا الموضع : أهل القبلة. ذكر الرواية بذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وأذّنْ في النّاسَ بالحَجّ يعني بالناس : أهل القبلة، ألم تسمع أنه قال : إنّ أوّلَ بَيْتٍ وُضِعَ للنّاسِ لَلّذِي بِبَكّة مُباركا. . . إلى قوله : وَمَنْ دَخَلَهُ آمِنا يقول : ومن دخله من الناس الذين أمر أن يؤذن فيهم، وكتب عليهم الحجّ، فإنه آمن، فعظّموا حرمات الله تعالى، فإنها من تقوى القلوب. 
وأما قوله : يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلّ ضَامِرٍ فإن أهل التأويل قالوا فيه نحو قولنا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : قال ابن عباس : يَأْتُوكَ رِجالاً قال : مشاة. 
قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو معاوية عن الحجاج بن أرطاة، قال : قال ابن عباس :: ما آسَى على شيء فاتني إلا أن لا أكون حججت ماشيا، سمعت الله يقول : يَأْتُوكَ رِجالاً. 
قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : حجّ إبراهيم وإسماعيل ماشيين. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة، عن ابن عباس : يَأْتُوكَ رِجالاً قال : على أرجلهم. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَعَلى كُلّ ضَامِرٍ قال : الإبل. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : قال ابن عباس : وَعَلى كُلّ ضَامِرٍ قال : الإبل. 
حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، قال : حدثنا المحاربي، عن عمر بن ذرّ، قال : قال مجاهد : كانوا لا يركبون، فأنزل الله : يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلّ ضَامِرٍ قال : فأمرهم بالزاد، ورخص لهم في الركوب والمتجر. 
وقوله : مِنْ كُلّ فَجّ عمِيقٍ. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : مِنْ كُلّ فَجّ عَمِيقٍ يعني : من مكان بعيد. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : قال ابن عباس : مِنْ كُلّ فَجّ عَمِيقٍ قال : بعيد. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة : فَجّ عمِيقٍ قال : مكان بعيد. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة مثله.

### الآية 22:28

> ﻿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [22:28]

وقوله : لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ اختلف أهل التأويل في معنى المنافع التي ذكرها الله في هذا الموضع فقال بعضهم : هي التجارة ومنافع الدنيا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، قال : حدثنا عمرو عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس : لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ قال : هي الأسواق. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو تُمَيلة، عن أبي حمزة، عن جابر بن الحكم، عن مجاهد عن ابن عباس، قال : تجارة. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا سفيان، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي رزين، في قوله : لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ قال : أسواقهم. 
قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن واقد، عن سعيد بن جُبير : لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ قال : التجارة. 
حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال : أخبرنا إسحاق عن سفيان، عن واقد، عن سعيد بن جبير، مثله. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن واقد، عن سعيد، مثله. 
حدثني الحارث، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا سنان، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي رزين : لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ قال : الأسواق. 
وقال آخرون : هي الأجْر في الآخرة، والتجارة في الدنيا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، وسوار بن عبد الله، قالا : حدثنا يحيى بن سعيد، قال : حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : لِيشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ قال : التجارة، وما يرضي الله من أمر الدنيا والآخرة. 
حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال : حدثنا إسحاق، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال : حدثنا سفيان، قال : أخبرنا إسحاق، عن أبي بشر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ قال : الأجر في الاَخرة، والتجارة في الدنيا. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. 
وقال آخرون : بل هي العفو والمغفرة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن جابر، عن أبي جعفر : لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ قال : العفو. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني أبو تُمَيلة، عن أبي حمزة، عن جابر، قال : قال محمد بن عليّ : مغفرة. 
وأولى الأقوال بالصواب قول من قال : عني بذلك : ليشهدوا منافع لهم من العمل الذي يرضي الله والتجارة وذلك أن الله عمّ لهم منافع جميع ما يَشْهَد له الموسم ويأتي له مكة أيام الموسم من منافع الدنيا والاَخرة، ولم يخصص من ذلك شيئا من منافعهم بخبر ولا عقل، فذلك على العموم في المنافع التي وصفت. 
وقوله : وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ فِي أيّامِ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنَ بَهِيمَةِ الأَنْعامِ يقول تعالى ذكره : وكي يذكروا اسم الله على ما رزقهم من الهدايا والبُدْن التي أهدوها من الإبل والبقر والغنم، في أيّامٍ مَعْلُومَاتٍ وهنّ أيام التشريق في قول بعض أهل التأويل. وفي قول بعضهم أيام العَشْر. وفي قول بعضهم : يوم النحر وأيام التشريق. 
وقد ذكرنا اختلاف أهل التأويل في ذلك بالروايات، وبيّنا الأولى بالصواب منها في سورة البقرة، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع غير أني أذكر بعض ذلك أيضا في هذا الموضع. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله : وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ فِي أيّامِ مَعْلُوماتٍ يعني أيام التشريق. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : حدثنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك في قوله : أيّامٍ مَعْلُوماتٍ يعني أيام التشريق، عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعامِ يعني البدن. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة : فِي أيّامٍ مَعْلُوماتٍ قال : أيام العشر، والمعدودات : أيام التشريق. 
وقوله : فَكلَوا مِنْها يقول : كلوا من بهائم الأنعام التي ذكرتم اسم الله عليها أيها الناس هنالك. وهذا الأمر من الله جلّ ثناؤه أمر إباحة لا أمر إيجاب وذلك أنه لا خلاف بين جميع الحُجة أن ذابح هديه أو بدنته هنالك، إن لم يأكل من هديه أو بدنته، أنه لم يضيع له فرضا كان واجبا عليه، فكان معلوما بذلك أنه غير واجب. ذكر الرواية عن بعض من قال ذلك من أهل العلم :
حدثنا سوّار بن عبد الله، قال : حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جُرَيج، عن عطاء، قوله : فَكُلُوا مِنْها وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ قال : كان لا يرى الأكل منها واجبا. 
حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا حصين، عن مجاهد، أنه قال : هي رُخصة : إن شاء أكل، وإن شاء لم يأكل، وهي كقوله : وَإذَا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا فإذَا قُضِيَتِ الصّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ يعني قوله : فَكُلُوا مِنْها وأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْترّ. 
قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، في قوله : فَكُلُوا مِنْها قال : هي رخصة، فإن شاء أكل وإن شاء لم يأكل. 
قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا حجاج، عن عطاء في قوله : فَكُلُوا مِنْها قال : هي رخصة، فإن شاء أكلها وإن شاء لم يأكل. 
حدثني عليّ بن سهل، قال : حدثنا زيد، قال : حدثنا سفيان، عن حصين، عن مجاهد، في قوله : فَكُلُوا مِنْها قال : إنما هي رخصة. 
وقوله : وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ يقول : وأطعموا مما تذبحون أو تنحرون هنالك من بهيمة الأنعام من هديكم وبُدْنكم البائسَ، وهو الذي به ضرّ الجوع والزّمانة والحاجة، والفقيرَ : الذي لا شيء له. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : فَكُلُوا مِنْها وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ يعني : الزّمِن الفقير. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن رجل، عن مجاهد : البائِسَ الفَقِيرَ : الذي يمد إليك يديه. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : البَائِسَ الفَقِيرَ قال : هو القانع. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : أخبرني عمر بن عطاء، عن عكرِمة، قال : البائسَ : المضطر الذي عليه البؤس، والفقير : المتعفّف. 
قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله : البائِسَ الذي يبسط يديه.

### الآية 22:29

> ﻿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [22:29]

وقوله : ثُمّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُم ْيقول : تعالى ذكره : ثم ليقضوا ما عليهم من مناسك حجهم : من حلق شعر، وأخذ شارب، ورمي جمرة، وطواف بالبيت. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن أبي الشوارب، قال : ثني يزيد، قال : أخبرنا الأشعث بن سوار، عن نافع، عن ابن عمر، أنه قال : ثُمّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ قال : ما هم عليه في الحجّ. 
حدثنا حميد بن مسعدة، قال : حدثنا يزيد، قال : ثني الأشعث، عن نافع، عن ابن عمر، قال : التفَث : المناسك كلها. 
قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا عبد الملك، عن عطاء، عن ابن عباس، أنه قال، في قوله : ثُمّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ قال : التفَث : حلق الرأس، وأخذ من الشاربين، ونتف الإبط، وحلق العانة، وقصّ الأظفار، والأخذ من العارضين، ورمي الجمار، والموقف بعرفة والمزدلفة. 
حدثنا حميد، قال : حدثنا بشر بن المفضل، قال : حدثنا خالد، عن عكرِمة، قال : التفَث : الشعر والظّفر. 
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن خالد، عن عكرِمة، مثله. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني أبو صخر، عن محمد بن كعب القُرَظيّ، أنه كان يقول في هذه الآية : ثُمّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ : رمي الجِمار، وذبح الذبيحة، وأخذ من الشاربين واللحية والأظفار، والطواف بالبيت وبالصفا والمروة. 
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد أنه قال في هذه الاَية : ثُمّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ قال : هو حلق الرأس. وذكر أشياء من الحجّ قال شعبة : لا أحفظها. 
قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، مثله. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : ثُمّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ قال : حلق الرأس، وحلق العانة، وقصّ الأظفار، وقصّ الشارب، ورمي الجمار، وقصّ اللحية. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. إلا أنه لم يقل في حديثه : وقصّ اللحية. 
حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، قال : حدثنا المحاربي، قال : سمعت رجلاً يسأل ابن جُرَيج، عن قوله : ثُمّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ قال : الأخذ من اللحية، ومن الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، ورمي الجمار. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا منصور، عن الحسن، وأخبرنا جويبر، عن الضحاك أنهما قالا : حلق الرأس. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : ثُمّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ يعني : حلق الرأس. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : التفث : حلق الرأس، وتقليم الظفر. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : ثُمّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ يقول : نسكهم. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : ثُمّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ قال : التفث : حرمهم. 
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : ثُمّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ قال : يعني بالتفث : وضع إحرامهم من حلق الرأس، ولبس الثياب، وقصّ الأظفار ونحو ذلك. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، قال : التفث : حلق الشعر، وقصّ الأظفار والأخذ من الشارب، وحلق العانة، وأمر الحجّ كله. 
وقوله : وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ يقول : وليوفوا الله بما نذروا من هَدْي وبدنة وغير ذلك. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ نحر ما نذروا من البدن. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى. وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ نذر الحجّ والهَدي، وما نذر الإنسان من شيء يكون في الحجّ. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد : وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ قال : نذر الحجّ والهدي، وما نذر الإنسان على نفسه من شيء يكون في الحجّ. 
وقوله : وَلْيَطّوّفُوا بالبَيْتِ العَتيقِ يقول : وليطوّفوا ببيت الله الحرام. 
واختلف أهل التأويل في معنى قوله : العَتِيق في هذا الموضع، فقال بعضهم : قيل ذلك لبيت الله الحرام، لأن الله أعتقه من الجبابرة أن يصلوا إلى تخريبه وهدمه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري، أن ابن الزبير، قال : إنما سمي البيت العتيق، لأن الله أعتقه من الجبابرة. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن الزبير، مثله. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : إنما سمي العتيق، لأنه أعتق من الجبابرة. 
قال : حدثنا سفيان، قال : حدثنا أبو هلال، عن قَتادة : وَلْيَطّوفوا بالْبَيْتِ العَتِيقِ قال : أُعْتِق من الجبابرة. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : البَيْتِ العَتِيقِ قال : أعتقه الله من الجبابرة، يعني الكعبة. 
وقال آخرون : قيل له عتيق لأنه لم يملكه أحد من الناس. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان، عن عبيد، عن مجاهد، قال : إنما سمي البيت العتيق لأنه ليس لأحد فيه شيء. 
وقال آخرون : سمي بذلك لقِدمه. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : البَيْتِ العَتِيقِ قال : العتيق : القديم، لأنه قديم، كما يقال : السيف العتيق، لأنه أوّل بيت وُضع للناس بناه آدم، وهو أوّل من بناه، ثم بوّأ الله موضعه لإبراهيم بعد الغرق، فبناه إبراهيم وإسماعيل. 
قال أبو جعفر : ولك هذه الأقوال التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه في قوله : البَيْتِ العَتِيقِ وجه صحيح، غير أن الذي قاله ابن زيد أغلب معانيه عليه في الظاهر. غير أن الذي رُوي عن ابن الزبير أولى بالصحة، إن كان ما :
حدثني به محمد بن سهل البخاري، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : أخبرني الليث، عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن الزهريّ، عن محمد بن عروة، عن عبد الله بن الزبير، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«إنّمَا سُمّيَ البَيْتُ العَتِيقُ لأنّ اللّهَ أعْتَقَهُ مِنَ الجَبابِرَةِ فَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ قَطّ صَحِيحا »**. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال الزهريّ : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«إنّمَا سُمّيَ البَيْتُ العَتِيقُ لأَنّ اللّهَ أعْتَقَهُ »** ثم ذكر مثله. 
وعني بالطواف الذي أمر جلّ ثناؤه حاجّ بيته العتيق به في هذه الاَية طواف الإفاضة الذي يُطاف به بعد التعريف، إما يوم النحر وإما بعده، لا خلاف بين أهل التأويل في ذلك. ذكر الرواية عن بعض من قال ذلك :
حدثنا عمرو بن سعيد القرشي، قال : حدثنا الأنصاري، عن أشعث، عن الحسن : وَلْيَطّوّفُوا بالبَيْتِ العَتيِقِ قال : طواف الزيارة. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا خالد، قال : حدثنا الأشعث، أن الحسن قال في قوله : وَلْيَطّوّفُوا بالبَيْتِ العَتيِقِ قال : الطواف الواجب. 
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَلْيَطّوّفُوا بالبَيْتِ العَتيِقِ يعني : زيارة البيت. 
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، عن حجاج وعبد الملك، عن عطاء، في قوله : وَلْيَطّوّفُوا بالبَيْتِ العَتيِقِ قال : طواف يوم النحر. 
حدثني أبو عبد الرحمن البرقي، قال : حدثنا عمرو بن أبي سلمة، قال : سألت زُهَيرا عن قول الله : وَلْيَطّوّفُوا بالبَيْتِ العَتيِقِ قال : طواف الْوَداع. 
واختلف القرّاء في قراءة هذه الحروف، فقرأ ذلك عامة قراء الكوفة **«ثُمّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطّوّفُوا »** بتسكين اللام في كل ذلك طلب التخفيف، كما فعلوا في **«هو »** إذا كانت قبله واو، فقالوا وَهْوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصّدُورِ فسكّنوا الهاء، وكذلك يفعلون في لام الأمر إذا كان قبلها حرف من حروف النسق كالواو والفاء وثم. وكذلك قرأت عامة قرّاء أهل البصرة، غير أن أبا عمرو بن العلاء كان يكسر اللام من قوله :**«ثُمّ لِيَقْضُوا »** خاصة من أجل أن الوقوف على ******«ثم »****** دون ****«ليقضوا »**** حسن، وغير جائز الوقوف على الواو والفاء. وهذا الذي اعتلّ به أبو عمرو لقراءته علة حسنة من جهة القياس، غير أن أكثر القرّاء على تسكينها. 
وأولى الأقوال بالصواب في ذلك عندي، أن التسكين في لام ****«ليقضوا »**** والكسر قراءتان مشهورتان ولغتان سائرتان، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب. غير أن الكسر فيها خاصة أقيس، لما ذكرنا لأبي عمرو من العلة، لأن من قرأ : وَهُوْ عَلِيمٌ بذَاتِ الصّدُورِ فهو بتسكين الهاء مع الواو والفاء، ويحركها في قوله : ثُمّ هُوَ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ فذلك الواجب عليه أن يفعل في قوله :**«ثُمّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ »** فيحرّك اللام إلى الكسر ثم ******«ثم »****** وإن سكّنها في قوله : وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ. وقد ذكر عن أبي عبد الرحمن السّلَميّ والحسن البصري تحريكها مع ******«ثم »****** والواو، وهي لغة مشهورة، غير أن أكثر القرّاء مع الواو والفاء على تسكينها، وهي أشهر اللغتين في العرب وأفصحها، فالقراءة بها أعجب إليّ من كسرها.

### الآية 22:30

> ﻿ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ۗ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ۖ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ [22:30]

القول في تأويل قوله تعالى : ذَلِكَ وَمَن يُعَظّمْ حُرُمَاتِ اللّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لّهُ عِندَ رَبّهِ وَأُحِلّتْ لَكُمُ الأنْعَامُ إِلاّ مَا يُتْلَىَ عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُواْ الرّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ وَاجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزّورِ . 
يعني تعالى ذكره بقوله ذلكَ : هذا الذي أمر به من قضاء التفث والوفاء بالنذور والطواف بالبيت العتيق، هو الفرض الواجب عليكم يا أيها الناس في حجكم. وَمَنْ يُعَظّمْ حُرُماتِ اللّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْد رَبّهِ يقول : ومن يجتنب ما أمره الله باجتنابه في حال إحرامه تعظيما منه لحدود الله أن يواقعها وحُرَمه أن يستحلها، فهو خير له عند ربه في الآخرة. كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : قال مجاهد، في قوله : ذلكَ وَمَنْ يُعَظّمْ حُرُماتِ اللّهِ قال : الحُرْمة : مكة والحجّ والعُمرة، وما نَهَى الله عنه من معاصيه كلها. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَمَنْ يُعَظّمْ حُرُماتِ اللّهِ قال : الحرمات : المَشْعَر الحرام، والبيت الحرام، والمسجد الحرام، والبلد الحرام هؤلاء الحرمات. 
وقوله : وأُحِلّتْ لَكُمُ الأَنْعامُ يقول جلّ ثناؤه : وأحلّ الله لكم أيها الناس الأنعام أن تأكلوها إذا ذكّيتموها، فلم يحرّم عليكم منها بحيرة، ولا سائبة، ولا وَصِيلة، ولا حاما، ولا ما جعلتموه منها لآلهتكم. إلاّ ما يُتْلَى عَلَيْكُمْ يقول : إلا ما يتلى عليكم في كتاب الله، وذلك : الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهلّ لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردّية، والنطيحة، وما أكل السبع، وما ذُبح على النّصب فإن ذلك كله رجس. كما :
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة : إلاّ ما يُتْلَى عَلَيْكُمْ قال : إلا الميتة، وما لم يذكر اسم الله عليه. 
حدثنا الحسن، قال : حدثنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله. 
وقوله : فاجْتَنِبُوا الرّجْسَ مِنَ الأَوْثانٍ يقول : فاتقوا عبادة الأوثان، وطاعة الشيطان في عبادتها فإنها رجس. 
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : فاجْتَنِبُوا الرّجْسَ مِنَ الأَوْثانِ يقول تعالى ذكره : فاجتنبوا طاعة الشيطان في عبادة الأوثان. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج في قوله : الرّجْسَ مِنَ الأوْثانِ قال : عبادة الأوثان. 
وقوله : وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزّورِ يقول تعالى ذكره : واتقوا قول الكذب والفرية على الله بقولكم في الآلهة : ما نَعْبُدُهُمْ إلاّ لِيُقَرّبُونا إلى اللّهِ زُلْفَى وقولكم للملائكة : هي بنات الله، ونحو ذلك من القول، فإن ذلك كذب وزور وشرك بالله. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : قَوْلَ الزّورِ قال : الكذب. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج عن ابن جُرَيج، عن مجاهد مثله. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزّورِ حُنَفاءَ لِلّهِ غيرَ مُشْرِكِينَ بِهِ يعني : الافتراء على الله والتكذيب. 
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن عاصم، عن وائل بن ربيعة، عن عبد الله، قال : تعدل شهادة الزور بالشرك. وقرأ : فاجْتَنِبُوا الرّجْسَ مِنَ الأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزّورِ. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا أبو بكر، عن عاصم، عن وائل بن ربيعة، قال : عُدِلت شهادة الزور الشرك. ثم قرأ هذه الآية : فاجْتَنِبُوا الرّجْسَ مِنَ الأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزّورِ. 
حدثني أبو السائب، قال : حدثنا أبو أُسامة، قال : حدثنا سفيان العصفري، عن أبيه، عن خُرَيم بن فاتك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«عُدِلَتْ شَهادَةُ الزّورِ بالشّرْكِ باللّهِ »**. ثم قرأ : فاجْتَنِبُوا الرّجْسَ مِنَ الأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزّورِ. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا مروان بن معاوية، عن سفيان العُصفريّ، عن فاتك بن فضالة، عن أيمن بن خريم، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قام خطيبا فقال :**«أيّها النّاسُ عُدِلَتْ شَهادَةُ الزّورِ بالشّرْكِ باللّهِ »** مرّتين. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : فاجْتَنِبُوا الرّجْسَ مِنَ الأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزّورِ. 
ويجوز أن يكون مرادا به : اجتنبوا أن ترجسوا أنتم أيها الناس من الأوثان بعبادتكم إياها. 
فإن قال قائل : وهل من الأوثان ما ليس برجس حتى قيل : فاجتنبوا الرجس منها ؟ قيل : كلها رجس. وليس المعنى ما ذهبت إليه في ذلك، وإنما معنى الكلام : فاجتنبوا الرجس الذي يكون من الأوثان أي عبادتها، فالذي أمر جلّ ثناؤه بقوله : فاجْتَنِبُوا الرّجْسَ منها اتقاء عبادتها، وتلك العبادة هي الرجس على ما قاله ابن عباس ومن ذكرنا قوله قبل.

### الآية 22:31

> ﻿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ۚ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [22:31]

القول في تأويل قوله تعالى : حُنَفَآءَ للّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَكَأَنّمَا خَرّ مِنَ السّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ الطّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ . 
يقول تعالى ذكره : اجتنبوا أيها الناس عبادة الأوثان، وقول الشرك، مستقيمين لله على إخلاص التوحيد له، وإفراد الطاعة والعبادة له خالصا دون الأوثان والأصنام، غير مشركين به شيئا من دونه فإنه من يُشرك بالله شيئا من دونه فمثله في بعده من الهدى وإصابة الحقّ وهلاكه وذهابه عن ربه، مَثل من خرّ من السماء فتخطفه الطير فهلك، أو هوت به الريح في مكان سحيق، يعني من بعيد، من قولهم : أبعده الله وأسحقه، وفيه لغتان : أسحقته الريح وسحقته، ومنه قيل للنخلة الطويلة : نخلة سحوق ومنه قول الشاعر :

كانَتْ لَنا جارَةٌ فَأزْعَجَها  قاذُورَةٌ تَسْحَقُ النّوَى قُدُمَاويُروى :**«تُسْحِقُ »**. يقول : فهكذا مَثل المشرك بالله في بُعده من ربه ومن إصابة الحقّ، كبُعد هذا الواقع من السماء إلى الأرض، أو كهلاك من اختطفته الطير منهم في الهواء. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة : فَكأنّمَا خَرّ منَ السّماءِ قال : هذا مَثل ضربه الله لمن أشرك بالله في بُعده من الهُدى وهلاكه فَتَخْطَفُهُ الطّيْرُ أوْ تَهْوِى بِهِ الرّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله : فِي مَكانٍ سَحِيقٍ قال : بعيد. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. 
وقيل : فَتَخْطَفُهُ الطّيْرُ وقد قيل قبله : فكأنّمَا خَرّ منَ السّماءِ وخرّ فعل ماض، وتخطفه مستقبل، فعطف بالمستقبل على الماضي، كما فعل ذلك في قوله : إنّ الّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ وقد بيّنت ذلك هناك.

### الآية 22:32

> ﻿ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [22:32]

القول في تأويل قوله تعالى : ذَلِكَ وَمَن يُعَظّمْ شَعَائِرَ اللّهِ فَإِنّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ . 
يقول تعالى ذكره : هذا الذي ذكرت لكم أيها الناس وأمرتكم به من اجتناب الرجس من الأوثان واجتناب قول الزور، حنفاء لله، وتعظيم شعائر الله، وهو استحسان البُدن واستسمانها وأداء مناسك الحجّ على ما أمر الله جلّ ثناؤه، من تقوى قلوبكم. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال : حدثنا محمد بن زياد، عن محمد بن أبي ليلى، عن الحكم، عن مِقْسم، عن ابن عباس، في قوله : وَمَنْ يُعَظّمْ شَعائِرَ اللّهِ فإنّها مِنْ تَقْوَى القُلوبِ قال : استعظامها، واستحسانها، واستسمانها. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بَزّة عن مجاهد، في قوله : وَمَنْ يُعَظّمْ شَعائِرَ اللّهِ قال : الاستسمان والاستعظام. 
وبه عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال : والاستحسان. 
حدثنا عبد الحميد بن بيان الواسطيّ، قال : أخبرنا إسحاق، عن أبي بشر، وحدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : وَمَنْ يُعَظّمْ شَعائِرَ اللّهِ قال : استعظام البدن، واستسمانها، واستحسانها. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا يزيد بن هارون، قال : أخبرنا داود بن أبي هند، عن محمد بن أبي موسى، قال : الوقوف بعرفة من شعائر الله، وبجَمْع من شعائر الله، ورمي الجمار من شعائر الله، والبُدْن من شعائر الله، ومن يعظمها فإنها من شعائر الله في قوله : وَمَنْ يُعَظّمْ شَعائِرَ اللّهِ فمن يعظمها فإنها من تقوى القلوب. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَمَنْ يُعَظّمْ شَعائِرَ اللّهِ قال : الشعائر : الجمار، والصفا والمروة من شعائر الله، والمَشْعَر الحرام والمزدلفة، قال : والشعائر تدخل في الحرم، هي شعائر، وهي حرم. 
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب : أن يقال : إن الله تعالى ذكره أخبر أن تعظيم شعائره، وهي ما جعله أعلاما لخلقه فيما تعبّدهم به من مناسك حجهم، من الأماكن التي أمرهم بأداء ما افترض عليهم منها عندها والأعمال التي ألزمهم عملها في حجهم : من تقوى قلوبهم لم يخصص من ذلك شيئا، فتعظيم كلّ ذلك من تقوى القلوب، كما قال جلّ ثناؤه وحقّ على عباده المؤمنين به تعظيم جميع ذلك. وقال : إنّها مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ وأنّث ولم يقل :**«فإنه »**، لأنه أريد بذلك. فإن تلك التعظيمة مع اجتناب الرجس من الأوثان من تقوى القلوب، كما قال جلّ ثناؤه : إنّ رَبّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ. وعني بقوله : فإنّها مِنْ تَقْوَى القُلوبِ فإنها من وجل القلوب من خشية الله، وحقيقة معرفتها بعظمته وإخلاص توحيده.

### الآية 22:33

> ﻿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ [22:33]

القول في تأويل قوله تعالى : لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىَ أَجَلٍ مّسَمّى ثُمّ مَحِلّهَآ إِلَىَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ . 
اختلف أهل التأويل في معنى المنافع التي ذكر الله في هذه الآية وأخبر عباده أنها إلى أجل مسمى، على نحو اختلافهم في معنى الشعائر التي ذكرها جلّ ثناؤه في قوله : وَمَنْ يُعَظّمْ شَعائِرَ اللّهِ فإنّهَا مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ فقال الذين قالوا عني بالشعائر البدن. معنى ذلك : لكم أيها الناس في البدن منافع. ثم اختلف أيضا الذين قالوا هذه المقالة في الحال التي لهم فيها منافع، وفي الأجل الذي قال عزّ ذكره : إلى أجَلٍ مُسَمّى فقال بعضهم : الحال التي أخبر الله جلّ ثناؤه أن لهم فيها منافع، هي الحال التي لم يوجبها صاحبها ولم يسمها بدنة ولم يقلّدْها. قالوا : ومنافعها في هذه الحال : شرب ألبانها، وركوب ظهورها، وما يرزقهم الله من نتاجها وأولادها. قالوا : والأجل المسمى الذي أخبر جلّ ثناؤه أن ذلك لعباده المؤمنين منها إليها، هو إلى إيجابهم إياها، فإذا أوجبوها بطل ذلك ولم يكن لهم من ذلك شيء. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا يحيى بن عيسى، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس في : لَكُمْ فِيها مَنَافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمّى قال : ما لم يُسَمّ بُدْنا. 
حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال : أخبرنا إسحاق بن يوسف، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : لَكُمْ فِيها مَنَافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمّى قال : الركوب واللبن والولد، فإذا سميت بدنة أو هديا ذهب كله. 
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، في هذه الاَية : لَكُمْ فِيها مَنَافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمّى قال : لكم في ظهورها وألبانها وأوبارها، حتى تصير بُدْنا. 
قال : حدثنا ابن عديّ، قال : حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، بمثله. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيح، وليث عن مجاهد : لَكُمْ فِيها مَنَافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمّى قال : في أشعارها وأوبارها وألبانها، قبل أن تسميها بدنة. 
قال : حدثنا هارون بن المغيرة، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : لَكُمْ فِيها مَنَافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمّى قال : في البدن لحومها وألبانها وأشعارها وأوبارها وأصوافها قبل أن تسمى هديا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله، وزاد فيه : وهي الأجل المسمى. 
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا حجاج، عن عطاء أنه قال في قوله : لَكُمْ فِيها مَنَافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمّى ثُمّ مَحِلّها إلى البَيْت العَتِيق قال : منافع في ألبانها وظهورها وأوبارها، إلى أجَلٍ مُسَمّى : إلى أن تقلد. 
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا جويبر، عن الضحاك، مثل ذلك. 
حدثني يعقوب، قال : قال ابن علية : سمعت ابن أبي نجيح يقول في قوله : لَكُمْ فِيها مَنافعُ إلى أجَلٍ مُسَمّى قال : إلى أن تُوجِبها بَدَنة. 
قال : حدثنا ابن علية، عن ابن أبي نجيح، عن قَتادة : لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمّى يقول : في ظهورها وألبانها، فإذا قلدت فمحلها إلى البيت العتيق. 
وقال آخرون ممن قال الشعائر البدن في قوله : وَمَنْ يُعَظّمْ شَعائِرَ الله فإنّها مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ والهاء في قوله : لَكُمْ فِيها من ذكر الشعائر، ومعنى قوله : لَكُمْ فِيها مَنافعُ لكم في الشعائر إلى تعظمونها لله منافع بعد اتخاذك موها لله بدنا أو هدايا، بأن تركبوا ظهورها إذا احتجتم إلى ذلك، وتشربوا ألبانها إن اضطررتم إليها. قالوا : والأجل المسمى الذي قال جلّ ثناؤه : إلى أجَل مُسَمّى إلى أن تنحر. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عنبسة، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء : لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمّى قال : هو ركوب البدن، وشرب لبنها إن احتاج. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال عطاء بن أبي رباح في قوله : لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمّى قال : إلى أن تنحر، قال : له أن يحملها عليها المُعِيْي والمنقطع به من الضرورة، كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يأمر بالبدنة إذا احتاج إليها سيدها أن يحمل عليها ويركب عند منهوكه. قلت لعطاء : ما ؟ قال : الرجل الراجل، والمنقطع به، والمتبع وإن نتجت، أن يحمل عليها ولدها، ولا يشرب من لبنها إلا فضلاً عن ولدها، فإن كان في لبنها فضل فليشرب من أهداها ومن لم يهدها. 
وأما الذين قالوا : معنى الشعائر في قوله : وَمَنْ يُعَظّمْ شَعائِرَ الله : شعائر الحجّ، وهي الأماكن التي يُنْسك عندها لله، فإنهم اختلفوا أيضا في معنى المنافع التي قال الله : لَكُمْ فِيها مَنافِعُ فقال بعضهم : معنى ذلك : لكم في هذه الشعائر التي تعظمونها منافع بتجارتكم عندها وبيعكم وشرائكم بحضرتها وتسوّقكم. والأجل المسمى : الخروج من الشعائر إلى غيرها ومن المواضع التي ينسك عندها إلى ما سواها في قول بعضهم. 
حدثني الحسن بن عليّ الصّدائَي، قال : حدثنا أبو أسامة عن سليمان الضبي، عن عاصم بن أبي النّجود، عن أبي رزين، عن ابن عباس، في قوله : لَكُمْ فِيها مَنافِعُ قال : أسواقهم، فإنه لم يذكر منافع إلا للدنيا. 
حدثني محمد بن المثنى، قال : حدثنا يزيد بن هارون، قال : أخبرنا داود بن أبي هند، عن محمد بن أبي موسى، قوله : لَكُمْ فِيها مَنافعُ إلى أجَلٍ مُسَمّى قال : والأجل المسمى : الخروج منه إلى غيره. 
وقال آخرون منهم : المنافع التي ذكرها الله في هذا الموضع : العمل لله بما أمر من مناسك الحجّ. قالوا : والأجل المسمّى : هو انقضاء أيام الحجّ التي يُنْسَك لله فيهنّ. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمّى ثُمّ مَحِلّها إلى الَبْيتَ العَتِيق فقرأ قول الله : وَمَنْ يُعَظّمْ شَعائِرَ الله فإنّها مِنْ تَقْوَى القُلُوب لكم في تلك الشعائر منافع إلى أجل مسمى، إذا ذهبت تلك الأيام لم تر أحدا يأتي عرفة يقف فيها يبتغي الأجر، ولا المزدلفة، ولا رمي الجمار، وقد ضربوا من البلدان لهذه الأيام التي فيها المنافع، وإنما منافعها إلى تلك الأيام، وهي الأجل المسمى، ثم محلّها حين تنقضي تلك الأيام إلى البيت العتيق. 
قال أبو جعفر : وقد دللنا قبل على أن قول الله تعالى ذكره : وَمَنْ يُعَظّمْ شَعائِرَ اللّهِ معنيّ به : كلّ ما كان من عمل أو مكان جعله الله علما لمناسك حجّ خلقه، إذ لمن يخصص من ذلك جلّ ثناؤه شيئا في خبر ولا عقل. وإذ كان ذلك كذلك فمعلوم أن معنى قوله : لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمّى في هذه الشعائر منافع إلى أجل مسمى، فما كان من هذه الشعائر بدنا وهديا، فمنافعها لكم من حين تملكون إلى أن أوجبتموها هدايا وبدنا، وما كان منها أماكن ينسك لله عندها، فمنافعها التجارة لله عندها والعمل بما أمر به إلى الشخوص عنها، وما كان منها أوقاتا بأن يُطاع الله فيها بعمل أعمال الحجّ وبطلب المعاش فيها بالتجارة، إلى أن يطاف بالبيت في بعض، أو يوافى الحرم في بعض ويخرج عن الحرم في بعض. 
وقال اختلف الذين ذكرنا اختلافهم في تأويل قوله : لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمّى في تأويل قوله : ثُمّ مَحِلّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ فقال الذين قالوا عني بالشعائر في هذا الموضع البُدْن : معنى ذلك ثم محل البدن إلى أن تبلغ مكة، وهي التي بها البيت العتيق. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : أخبرنا هشيم، قال : أخبرنا حجاج، عن عطاء : ثُمّ مَحِلّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ إلى مكة. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : ثُمّ مَحِلّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ يعني محل البدن حين تسمى إلى البيت العتيق. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جرَيج، عن مجاهد، قال : ثُمّ مَحِلّها حين تسمى هديا إلى البيت العتيق، قال : الكعبة أعتقها من الجبابرة. 
فوجه هؤلاء تأويل ذلك إلى ثَمّ منحر البدن والهدايا التي أوجبتموها إلى أرض الحرم. وقالوا : عني بالبيت العتيق أرض الحرم كلها. وقالوا : وذلك نظير قوله : فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ والمراد : الحرم كله. 
وقال آخرون : معنى ذلك : ثم محلكم أيها الناس من مناسك حجكم إلى البيت العتيق أن تطوفوا به يوم النحر بعد قضائكم ما أوجبه الله عليكم في حجكم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا يزيد بن هارون، قال : أخبرنا داود بن أبي هند، عن محمد بن أبي موسى : ثُمّ مَحِلّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ قال : محلّ هذه الشعائر كلها الطواف بالبيت. 
وقال آخرون : معنى ذلك : ثم محلّ منافع أيام الحجّ إلى البيت العتيق بانقضائها. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : ثُمّ مَحِلّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ حين تنقضي تلك الأيام، أيام الحجّ إلى البيت العتيق. 
وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال : معنى ذلك : ثم محلّ الشعائر التي لكم فيها منافع إلى أجل مسمى إلى البيت العتيق، فما كان من ذلك هديا أو بدنا فبموافاته الحرم في الحرم، وما كان من نُسُك فالطواف بالبيت. 
وقد بيّنا الصواب في ذلك من القول عندنا في معنى الشعائر.

### الآية 22:34

> ﻿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۗ فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا ۗ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ [22:34]

القول في تأويل قوله تعالى : وَلِكُلّ أُمّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لّيَذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَىَ مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَإِلََهُكُمْ إِلََهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُواْ وَبَشّرِ الْمُخْبِتِينَ . 
يقول تعالى ذكره : وَلِكُلّ أُمّةٍ ولكلّ جماعة سَلَف فيكم من أهل الإيمان بالله أيها الناس، جعلنا ذبحا يُهَرِيقون دمه لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعامِ بذلك لأن من البهائم ما ليس من الأنعام، كالخيل والبغال والحمير. وقيل : إنما قيل للبهائم بهائم لأنها لا تتكلم. 
وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله : جَعَلْنا مَنْسَكا قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَلِكُلّ أُمّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكا قال : إهراق الدماء لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْها. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. 
وقوله : فَإِلهُكُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ يقول تعالى ذكره : فاجتنبوا الرجس من الأوثان، واجتنبوا قول الزور، فإلهكم إله واحد لا شريك له، فإياه فاعبدوا وله أخلصوا الألوهة. وقوله : فَلَهُ أسْلِمُوا يقول : فلإلهكم فاخضعوا بالطاعة، وله فذلّوا بالإقرار بالعبودية. ) وقوله : وَبَشّرِ المُخْبِتِينَ يقول تعالى ذكره : وبشر يا محمد الخاضعين لله بالطاعة، المذعنين له بالعبودية، المنيبين إليه بالتوبة. وقد بيّنا معنى الإخباث بشواهده فيما مضى من كتابنا هذا. 
وقد اختلف أهل التأويل في المراد به في هذا الموضع، فقال بعضهم : أريد به : وبشّر المطمئنين إلى الله. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَبَشّرِ المُخْبِتِينَ قال : المطمئنين. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن يمان، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله : وَبَشّرِ المُخْبِتِينَ المطمئنين إلى الله. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى. وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : وَبَشّرِ المُخْبِتِينَ قال : المطمئنين. 
حدثنا الحسن، قال : حدثنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة، في قوله : وَبَشّرِ المُخْبِتِينَ قال : المتواضعين. 
**وقال آخرون في ذلك بما :**
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا محمد بن مسلم، عن عثمان بن عبد الله بن أوس، عن عمرو بن أوس، قال : المخبتون : الذين لا يَظْلمون، وإذا ظُلموا لم ينتصروا. 
حدثني محمد بن عثمان الواسطي، قال : حدثنا حفص بن عمر، قال : حدثنا محمد بن مسلم الطائفي، قال : ثني عثمان بن عبد الله بن أوس، عن عمرو بن أوس مثله.

### الآية 22:35

> ﻿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [22:35]

القول في تأويل قوله تعالى : الّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصّابِرِينَ عَلَىَ مَآ أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصّلاَةِ وَمِمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ . 
فهذا من نعت المخبتين يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وبشّر يا محمد المخبتين الذين تخشع قلوبهم لذكر الله وتخضع من خشيته، وَجَلاً من عقابه وخوفا من سخطه. كما :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : الّذِينَ إذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ قال : لا تقسو قلوبهم. والصّابِرِينَ عَلى ما أصَابَهُمْ من شدّة في أمر الله، ونالهم من مكروه في جنبه. والمُقِيمِي الصّلاَةِ المفروضة. وَمِمّا رَزَقْناهُمْ من الأموال. يُنْفِقُونَ في الواجب عليهم إنفاقها فيه، في زكاة ونفقة عيال ومن وجبت عليه نفقته وفي سبيل الله.

### الآية 22:36

> ﻿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ۖ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ۖ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [22:36]

القول في تأويل قوله تعالى : وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مّن شَعَائِرِ اللّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهَا صَوَآفّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرّ كَذَلِكَ سَخّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ . 
يقول تعالى ذكره : والبُدْنَ وهي جمع بَدَنة، وقد يقال لواحدها : بَدَن، وإذا قيل بَدَن احتمل أن يكون جمعا وواحدا، يدلّ على أنه قد يقال ذلك للواحد قول الراجز :

عَليّ حِينَ تَمْلِكُ الأُمُورَا  صَوْمَ شُهُورٍ وَجَبَتْ نُذُورَاوَحَلْقَ رأسِي وَافِيا مَضْفُورَا  وَبَدًنا مُدَرّعا مَوْفُورَاوالبَدَن : هو الضخم من كلّ شيء، ولذلك قيل لامرىء القيس بن النعمان صاحب الخ ورنق والسّدِير : البَدَن، لضخمه واسترخاء لحمه، فإنه يقال : قد بَدّن تبدينا. فمعنى الكلام : والإبل العظام الأجسام الضخام، جعلناها لكم أيها الناس من شعائر الله يقول : من أعلام أمر الله الذي أمركم به في مناسك حجكم إذا قلدتموها وجللتموها وأشعرتموها، علم بذلك وشعر أنكم فعلتم ذلك من الإبل والبقر. كما :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا يحيى، عن ابن جُرَيج، قال : قال عطاء : والبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِن شَعائِرِ اللّهِ قال : البقرة والبعير. 
وقوله : لَكُمْ فِيها خَيْرٌ يقول : لكم في البدن خير وذلك الخير هو الأجر في الآخرة بنحرها والصدقة بها، وفي الدنيا : الركوب إذا احتاج إلى ركوبها. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله : لَكُمْ فِيها خَيْرٌ قال : أجر ومنافع في البدن. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم : لَكُمْ فِيها خَيْرٌ قال : اللبن والركوب إذا احتاج. 
حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال : أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن منصور، عن إبراهيم : لَكُمْ فِيها خَيْرٌ قال : إذا اضطررت إلى بدنتك ركبتها وشربت لبنها. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم : لَكُمْ فِيها خَيْرٌ من احتاج إلى ظهر البدنة ركب، ومن احتاج إلى لبنها شرب. 
وقوله : فاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْها صَوَافّ يقول تعالى ذكره : فاذكروا اسم الله على البدن عند نحركم إياها صوافّ. 
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الأمصار : فاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْها صَوَافّ بمعنى مصطفة، واحدها : صافة، وقد صفت بين أيديها. ورُوي عن الحسن ومجاهد وزيد بن أسلم وجماعة أُخر معهم، أنهم قرأوا ذلك :********«صَوَافِيَ »******** بالياء منصوبة، بمعنى : خالصة لله لا شريك له فيها صافية له. وقرأ بعضهم ذلك :**«صَوَافٍ »** بإسقاط الياء وتنوين الحرف، على مثال : عوارٍ وعوادٍ. ورُوي عن ابن مسعود أنه قرأه :**«صَوَافِنٌ »** بمعنى : مُعْقلة. 
والصواب من القراءة في ذلك عندي قراءة من قرأه بتشديد الفاء ونصبها، لإجماع الحجة من القرّاء عليه بالمعنى الذي ذكرناه لمن قرأه كذلك. ذكر من تأوّله بتأويل من قرأه بتشديد الفاء ونصبها :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا جابر بن نوح، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، في قوله : فاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْها صَوَافّ قال : الله أكبر الله أكبر، اللهمّ منك ولك. صوافّ : قياما على ثلاث أرجل. فقيل لابن عباس : ما نصنع بجلودها ؟ قال : تصدّقوا بها، واستمتعوا بها. 
حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال : حدثنا أيوب بن سويد، قال : حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، في قوله : صَوَافّ قال : قائمة، قال : يقول : الله أكبر، لا إله إلا الله، اللهمّ منك ولك. 
حدثني محمد بن المثنى، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس : فاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْها صَوَافّ قال : قياما على ثلاث قوائم معقولة باسم الله، الله أكبر، اللهمّ منك ولك. 
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا حصين، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله : صَوَافّ قال : معقولة إحدى يديها، قال : قائمة على ثلاث قوائم. 
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله : فاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْها صَوَافّ يقول : قياما. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : فاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْها صَوَافّ والصوافّ : أن تعقل قائمة واحدة، وتصفها على ثلاث فتنحرها كذلك. 
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا يعلى بن عطاء، قال : أخبرنا بجير بن سالم، قال : رأيت ابن عمر وهو ينحر بدنته، قال : فقال : صَوَافّ كما قال الله، قال : فنحرها وهي قائمة معقولة إحدى يديها. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : أخبرنا ليث، عن مجاهد، قال : الصّوافّ : إذا عقلت رجلها وقامت على ثلاث. 
قال : حدثنا ليث، عن مجاهد، في قوله : فاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْها صَوَافّ قال : صوافّ بين أوظافها. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : صَوَافّ قال : قيام صواف على ثلاث قوائم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد : فاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْها صَوَافّ قال : بين وظائفها قياما. 
حدثنا ابن البرقي، قال : حدثنا ابن أبي مريم، قال : أخبرنا يحيى بن أيوب، عن خالد بن يزيد، عن ابن أبي هلال، عن نافع، عن عبد الله : أنه كان ينحر البُدن وهي قائمة مستقبلة البيت تصفّ أيديها بالقيود، قال : هي التي ذكر الله : فاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْها صَوَافّ. 
حدثنا ابن حميد، قال : ثني جرير، عن منصور، عن رجل، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قال : قلت له : قول الله فاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْها صَوَافّ ؟ قال : إذا أردت أن تنحر البدنة فانحرها، وقل : الله أكبر، لا إله إلا الله، اللهم منك ولك، ثم سمّ ثم انحرها. قلت : فأقول ذلك للأضحية ؟ قال : وللأضحية. 
ذكر من تأوّله بتأويل من قرأه :********«صَوَافِيَ »******** بالياء :
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا المعتمر، عن أبيه، عن الحسن أنه قال :********«فاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْها صَوَافِيَ »******** قال : مُخْلَصين. 
قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، قال : قال الحسن :********«صَوَافِيَ »******** : خالصة. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، قال : قال الحسن :********«صَوَافِيَ »******** : خالصة لله. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن شقيق الضبيّ :********«فاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْها صَوَافِيَ »******** قال : خالصة. 
قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا أيمن بن نابل، قال : سألت طاوسا عن قوله :********«فاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْها صَوَافِيَ »******** قال : خالصا. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله :********«فاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْها صَوَافِيَ »******** قال : خالصة ليس فيها شريك كما كان المشركون يفعلون، يجعلون لله ولآلهتهم صوافي صافية لله تعالى. 
ذكر من تأوّله بتأويل من قرأه ****«صَوَافِنَ »**** :
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة : في حرف ابن مسعود :****«فاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْها صَوَافنَ »**** : أي معقلة قياما. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة : في حرف ابن مسعود :****«فاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْها صَوَافنَ »**** قال : أي معقلة قياما. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال : من قرأها ****«صَوَافِنَ »**** قال : معقولة. قال : ومن قرأها : صَوَافّ قال : تصفّ بين يديها. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : فاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْها صَوَافّ يعني صوافن، والبدنة إذا نحرت عقلت يد واحدة، فكانت على ثلاث، وكذلك تُنحر. 
قال أبو جعفر : وقد تقدم بيان أولى هذه الأقوال بتأويل قوله : صَوَافّ وهي المصطفة بين أيديها المعقولة إحدى قوائمها. 
وقوله : فإذَا وَجَبَتْ جُنُوبُها يقول : فإذا سقطت فوقعت جنوبها إلى الأرض بعد النحر، فَكُلُوا مِنْها وهو من قولهم : قد وجبت الشمس : إذا غابت فسقطت للتغيب، ومنه قول أوس ابن حجر :ألَمْ تُكْسَفِ الشّمْسُ والبَدْرُ والْ  كوَاكِبُ للْجَبَلِ الوَاجِبِيعني بالواجب : الواقع. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : ثني عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : فإذَا وَجَبَتْ جُنُوبُها سقطت إلى الأرض. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، في قوله : فإذَا وَجَبَتْ جُنُوبُها قال : إذا فرغت ونُحِرت. 
حدثني محمد بن عمارة، قال : حدثنا عبيد الله بن موسى، قال : أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد : فإذَا وَجَبَتْ نحرت. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : فإذَا وَجَبَتْ جُنُوبُها قال : إذا نحرت. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : فإذَا وَجَبَتْ جُنُوبُها قال : فإذا ماتت. 
وقوله : فَكُلُوا مِنْها وهذا مخرجه مخرج الأمر ومعناه الإباحة والإطلاق يقول الله : فإذا نحرت فسقطت ميتة بعد النحر فقد حلّ لكم أكلها، وليس بأمر إيجاب. 
**وكان إبراهيم النخعي يقول في ذلك ما :**
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، قال : المشركون كانوا لا يأكلون من ذبائحهم، فرخص للمسلمين، فأكلوا منها، فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان، عن حصين، عن مجاهد، قال : إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل، فهي بمنزلة : فإذَا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : فَكُلُوا مِنْها وأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرّ يقول : يأكل منها ويطعم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، ق

### الآية 22:37

> ﻿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنْكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ۗ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ [22:37]

القول في تأويل قوله تعالى : لَن يَنَالَ اللّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلََكِن يَنَالُهُ التّقْوَىَ مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبّرُواْ اللّهَ عَلَىَ مَا هَدَاكُمْ وَبَشّرِ الْمُحْسِنِينَ . 
يقول تعالى ذكره :( لن ) يصل إلى الله لحوم بدنكم ولا دماؤها، ولكن يناله اتقاؤكم إياه إن اتقيتموه فيها فأردتم بها وجهه وعملتم فيها بما ندبكم إليه وأمركم به في أمرها وعظمتم بها حرماته. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، في قول الله : لَنْ يَنالَ اللّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلَكِنْ يَنالُهُ التّقْوَى مِنْكُمْ قال : ما أريد به وجه الله. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : لَنْ يَنالَ اللّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلَكنْ يَنالُهُ التّقْوَى مِنْكُمْ قال : إن اتقيت الله في هذه البُدن، وعملت فيها لله، وطلبت ما قال الله تعظيما لشعائر الله ولحرمات الله، فإنه قال : وَمَنْ يُعَظّمْ شَعائِرَ اللّهِ فإنّهَا مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ قال : وَمَنْ يُعَظّمْ حُرُماتِ اللّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبّهِ قال : وجعلته طيبا، فذلك الذي يتقبل الله. فأما اللحوم والدماء، فمن أين تنال الله ؟ 
وقوله : كَذلكَ سَخّرَها لَكُمْ يقول : هكذا سخر لكم البُدن لِتُكُبّرُوا اللّهَ عَلى ما هَداكُمْ يقول : كي تعظموا الله على ما هداكم، يعني على توفيقه إياكم لدينه وللنسك في حجكم. كما :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : لِتُكَبّرُوا اللّهَ عَلى ما هَداكُمْ قال : على ذبحها في تلك الأيام. 
وَبَشّرِ المُحْسِنِينَ يقول : وبشّر يا محمد الذين أطاعوا الله فأحسنوا في طاعتهم إياه في الدنيا بالجنة في الآخرة.

### الآية 22:38

> ﻿۞ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ [22:38]

القول في تأويل قوله تعالى : إِنّ اللّهَ يُدَافِعُ عَنِ الّذِينَ آمَنُوَاْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ كُلّ خَوّانٍ كَفُورٍ . 
يقول تعالى ذكره : إن الله يدفع غائلة المشركين عن الذين آمنوا بالله وبرسوله، إن الله لا يحبّ كلّ خوان يخون الله فيخالف أمره ونهيه ويعصيه ويطيع الشيطان كَفُورٍ يقول : جَحود لنعمه عنده، لا يعرف لمنعمها حقه فيشكره عليها. وقيل : إنه عني بذلك دفع الله كفار قريش عمن كان بين أظهرهم من المؤمنين قبل هجرتهم.

### الآية 22:39

> ﻿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [22:39]

القول في تأويل قوله تعالى : أُذِنَ لِلّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنّ اللّهَ عَلَىَ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ . 
يقول تعالى ذكره : أَذن الله للمؤمنين الذين يقاتلون المشركين في سبيله بأن المشركين ظلموهم بقتالهم. 
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة : أُذِنَ بضم الألف، يُقاتَلُونَ بفتح التاء بترك تسمية الفاعل في **«أُذِنَ »** و**«يُقاتَلُون »** جميعا. وقرأ ذلك بعض الكوفيين وعامة قرّاء البصرة : أُذِنَ بترك تسمية الفاعل، و******«يُقاتِلُونَ »****** بكسر التاء، بمعنى يقاتل المأذون لهم في القتال المشركين. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفيين وبعض المكيين :******«أَذِنَ »****** بفتح الألف، بمعنى : أذن الله، و******«يُقاتِلُونَ »****** بكسر التاء، بمعنى : إن الذين أذن الله لهم بالقتال يقاتلون المشركين. وهذه القراءات الثلاث متقاربات المعنى لأن الذين قرأوا أُذِنَ على وجه ما لم يسمّ فاعله يرجع معناه في التأويل إلى معنى قراءة من قرأه على وجه ما سمي فاعله. وإن من قرأ **«يُقاتِلونَ ويُقاتَلُونَ »** بالكسر أو الفتح، فقريب معنى أحدهما من معنى الآخر وذلك أن من قاتل إنسانا فالذي قاتله له مقاتل، وكل واحد منهما مقاتل. فإذ كان ذلك كذلك فبأية هذه القراءات قرأ القارئ فمصيب الصواب. 
غير أن أحبّ ذلك إليّ أن أقرأ به :******«أَذِنَ »****** بفتح الألف، بمعنى : أذن الله، لقرب ذلك من قوله : إنّ اللّهَ لا يُحِبّ كُلّ خَوّانٍ كَفُورٍ أذن الله في الذين لا يحبهم للذين يقاتلونهم بقتالهم، فيردّ **«أَذنَ »** على قوله : إنّ اللّهَ لا يُحِبّ، وكذلك أحبّ القراءات إليّ في ******«يُقاتِلُونَ »****** كسر التاء، بمعنى : الذين يقاتلون من قد أخبر الله عنهم أنه لا يحبهم، فيكون الكلام متصلاً معنى بعضه ببعض. 
وقد اختُلف في الذين عُنوا بالإذن لهم بهذه الآية في القتال، فقال بعضهم : عني به : نبيّ الله وأصحابه. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : أُذِنَ للّذِينَ يُقاتلُونَ بأنّهُمْ ظُلِمُوا وَإنّ اللّهَ عَلى نَصْرِهمْ لَقَدِيرٌ يعني محمدا وأصحابه إذا أُخرجوا من مكة إلى المدينة يقول الله : فإنّ اللّهَ عَلى نَصْرِهمْ لَقَدِيرٌ وقد فعل. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جُبير، قال : لما خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم من مكة، قال رجل : أخرجوا نبيهم فنزلت : أُذِنَ للّذِينَ يُقاتَلُونَ بأنّهُمْ ظُلِمُوا. . . الاَية، الّذِينَ أخرِجُوا منْ دِيارِهمْ بغيرِ حقَ النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه. 
حدثنا يحيى بن داود الواسطي، قال : حدثنا إسحاق بن يوسف، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال : لما خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر : أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكُنّ قال ابن عباس : فأنزل الله : أُذِنَ للّذِينَ يَقاتَلونَ بأنّهُمْ ظُلِمُوا وَإنّ اللّهَ عَلى نَصْرِهمْ لَقَدِيرٌ قال أبو بكر : فعرفت أنه سيكون قتال. وهي أوّل آية نزلت. 
قال ابن داود : قال ابن إسحاق : كانوا يقرءون : أُذِنَ ونحن نقرأ :******«أَذِنَ »******. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا إسحاق، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال : لما خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر نحوه، إلا أنه قال : فقال أبو بكر : قد علمت أنه يكون قتال. وإلى هذا الموضع انتهى حديثه، ولم يزد عليه. 
حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال : حدثنا محمد بن يوسف، قال : حدثنا قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن مسلم، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال : لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، قال أبو بكر : إنا لله وإنا إليه راجعون، أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ليهلكُنّ جميعا فلما نزلت : أُذِنَ للّذِينَ يُقاتَلُونَ بأنّهُمْ ظُلِمُوا. . . إلى قوله : الّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بغَيْرِ حَقّ عرف أبو بكر أنه سيكون قتال. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : أُذِنَ للّذِينَ يُقاتَلُونَ بأنّهُمْ ظُلِمُوا قال : أذن لهم في قتالهم بعد ما عفا عنهم عشر سنين. وقرأ : الّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بغَيْرِ حَقّ وقال : هؤلاء المؤمنون. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول، في قوله : الّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بغَيْرِ حَقّ. 
وقال آخرون : بل عُني بهذه الاَية قوم بأعيانهم كانوا خرجوا من دار الحرب يريدون الهجرة، فُمِنُعوا من ذلك. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله : أُذِنَ للّذِينَ يُقاتَلُونَ بأنّهُمْ ظُلِمُوا قال : أناس مؤمنون خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدينة، فكانوا يمنعون، فأذن اللّهِ للمؤمنين بقتال الكفار، فقاتلوهم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، في قوله : أُذِنَ للّذِينَ يُقاتَلُونَ بأنّهُمْ ظُلِمُوا قال : ناس من المؤمنين خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدينة، وكانوا يمنعون، فأدركهم الكفار، فأذن للمؤمنين بقتال الكفار فقاتلوهم. قال ابن جُرَيج : يقول : أوّل قتال أذن الله به للمؤمنين. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة : في حرف ابن مسعود :**«أُذِنَ للّذِينَ يُقاتَلُونَ في سَبِيلِ اللّهِ »** قال قَتادة : وهي أوّل آية نزلت في القتال، فأذن لهم أن يقاتلوا. 
حدثنا الحَسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قَتادة، في قوله : أُذِنَ للّذِينَ يُقاتَلُونَ بأنّهُمْ ظُلِمُوا قال : هي أوّل آية أنزلت في القتال، فأذن لهم أن يقاتلوا. 
وقد كان بعضهم يزعم أَن الله إنما قال : أذن للذين يقاتلون بالقتال من أجل أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل الكفار إذَا آذوهم واشتدّوا عليهم بمكة قبل الهجرة غيلة سرّا فأنزل الله في ذلك : إنّ اللّهَ لا يُحِبّ كُلّ خَوّانٍ كَفُورٍ فَلَمّا هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة، أطلق لهم قتلهم وقتالهم، فقال : أُذِنَ للّذِينَ يُقاتَلُونَ بأنّهُمْ ظُلِمُوا. وهذا قول ذكر عن الضحاك بن مزاحم من وجه غير ثبت. 
وقوله : وَإنّ اللّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ يقول جلّ ثناؤه : وإن الله على نصر المؤمنين الذين يقاتلون في سبيل الله لقادر، وقد نصرهم فأعزّهم ورفعهم وأهلك عدوّهم وأذلهم بأيديهم.

### الآية 22:40

> ﻿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [22:40]

القول في تأويل قوله تعالى : الّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقّ إِلاّ أَن يَقُولُواْ رَبّنَا اللّهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لّهُدّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسمُ اللّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنّ اللّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنّ اللّهَ لَقَوِيّ عَزِيزٌ . 
يقول تعالى ذكره : أذن للذين يقاتلون الّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقّ ف ****«الذين »**** الثانية ردّ على ****«الذين »**** الأولى. وعنى بالمخرجين من دورهم : المؤمنين الذين أخرجهم كفار قريش من مكة. وكان إخراجهم إياهم من دورهم وتعذيبهم بعضهم على الإيمان بالله ورسوله، وسبّهم بعضهم بألسنتهم ووعيدهم إياهم، حتى اضطرّوهم إلى الخروج عنهم. وكان فعلهم ذلك بهم بغير حقّ لأنهم كانوا على باطل والمؤمنون على الحقّ، فلذلك قال جلّ ثناؤه : الّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بغَيْرِ حَقّ. وقوله : إلا أنْ يَقُولُوا رَبّنا اللّهُ يقول تعالى ذكره : لم يخرجوا من ديارهم إلا بقولهم : ربنا الله وحده لا شريك له ف **«أنْ »** في موضع خفض ردّا على الباء في قوله : بِغَيْرِ حَقّ، وقد يجوز أن تكون في موضع نصب على وجه الاستثناء. 
وقوله : ولَوْلا دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم : معنى ذلك : ولولا دفع الله المشركين بالمسلمين. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله : وَلَوْلا دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ دفع المشركين بالمسلمين. 
وقال آخرون : معنى ذلك : ولولا القتال والجهاد في سبيل الله. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَلَوْلا دَفْعُ اللّهَ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ قال : لولا القتال والجهاد. 
وقال آخرون : بل معنى ذلك : ولولا دفع الله بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن بعدهم من التابعين. ذكر من قال ذلك :
حدثنا إبراهيم بن سعيد، قال : حدثنا يعقوب بن إبراهيم، عن سيف بن عمرو، عن أبي روق، عن ثابت بن عوسجة الحضْرميّ، قال : حدثني سبعة وعشرون من أصحاب عليّ وعبد الله منهم لاحق بن الأقمر، والعيزار بن جرول، وعطية القرظيّ، أن عليّا رضي الله عنه قال : إنما أنزلت هذه الآية في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : وَلَوْلا دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لولا دفاع الله بأصحاب محمد عن التابعين لَهُدّمَتْ صَوَامِعُ وَبيَعٌ. 
وقال آخرون : بل معنى ذلك : لولا أن الله يدفع بمن أوجب قبول شهادته في الحقوق تكون لبعض الناس على بعض عمن لا يجوز قبول شهادته وغيره، فأحيا بذلك مال هذا ويوقي بسبب هذا إراقة دم هذا، وتركوا المظالم من أجله، لتظالَمَ النّاسُ فُهدمت صوامع. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَلَوْلا دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ يقول : دفع بعضهم بعضا في الشهادة، وفي الحقّ، وفيما يكون من قبل هذا. يقول : لولاهم لأهلكت هذه الصوامع وما ذكر معها. 
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله تعالى ذكره أخبر أنه لولا دفاعه الناس بعضهم ببعض، لهُدم ما ذكر، من دفعه تعالى ذكره بعضَهم ببعض، وكفّه المشركين بالمسلمين عن ذلك ومنه كفه ببعضهم التظالم، كالسلطان الذي كفّ به رعيته عن التظالم بينهم ومنه كفّه لمن أجاز شهادته بينهم ببعضهم عن الذهاب بحقّ من له قِبله حق، ونحو ذلك. وكلّ ذلك دفع منه الناس بعضهم عن بعض، لولا ذلك لتظالموا، فهدم القاهرون صوامع المقهورين وبيَعهم وما سمّى جلّ ثناؤه. ولم يضع الله تعالى دلالة في عقل على أنه عني من ذلك بعضا دون بعض، ولا جاء بأن ذلك كذلك خبر يجب التسليم له، فذلك على الظاهر والعموم على ما قد بيّنته قبل لعموم ظاهر ذلك جميع ما ذكرنا. 
وقوله : لَهُدّمَتْ صَوَامِعُ اختلف أهل التأويل في المعنيّ بالصوامع، فقال بعضهم : عُني بها صوامع الرهبان. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا عبد الوهاب، قال : حدثنا داود، عن رُفيع في هذه الاَية : لَهُدّمَتْ صَوَامِعُ قال : صوامع الرهبان. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : لَهُدّمَتْ صَوَامِعُ قال : صوامع الرهبان. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد : لَهُدّمَتْ صَوَامِعُ قال : صوامع الرهبان. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : لَهُدّمَتْ صَوَامِعُ قال : صوامع الرهبان. 
حُدثت عن الحسين، قال : حدثنا سمعت أبا معاذ، يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول : في قوله : لَهُدّمَتْ صَوَامِعُ وهي صوامع الصغار يبنونها. 
وقال آخرون : بل هي صوامع الصابئين. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة : صَوَامِعُ قال : هي للصابئين. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله. 
واختلفت القرّاء في قراءة قوله : لَهُدّمَتْ. فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة :**«لَهُدِمَتْ »** خفيفة. وقرأته عامة قرّاء أهل الكوفة والبصرة : لَهُدّمَتْ بالتشديد بمعنى تكرير الهدم فيها مرّة بعد مرّة. والتشديد في ذلك أعجب القراءتين إليّ. لأن ذلك من أفعال أهل الكفر بذلك. 
وأما قوله وَبِيَعٌ فإنه يعني بها : بيع النصارى. 
وقد اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم مثل الذي قلنا في ذلك. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن المثنى، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا داود، عن رُفيع : وَبِيَعٌ قال : بيع النصارى. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة : وَبِيَعٌ للنصارى. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول : البِيَعُ : بيع النصارى. 
وقال آخرون : عُني بالبيع في هذا الموضع : كنائس اليهود. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : وَبِيَعٌ قال : وكنائس. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. 
وحدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَبِيَعٌ قال : البِيَعُ الكنائس. 
قوله : وَصَلَوَاتٌ اختلف أهل التأويل في معناه، فقال بعضهم : عني بالصلوات الكنائس. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله : وَصَلَوَاتٌ قال : يعني بالصلوات الكنائس. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَصَلَوَاتٌ : كنائس اليهود، ويسمون الكنيسة صَلُوتَا. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة : وَصَلَوَاتٌ كنائس اليهود. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله. 
وقال آخرون : عني بالصلوات مساجد الصابئين. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا داود، قال : سألت أبا العالية عن الصلوات، قال : هي مساجد الصابئين. 
قال : حدثنا عبد الوهاب، قال : حدثنا داود، عن رُفيع، نحوه. 
وقال آخرون : هي مساجد للمسلمين ولأهل الكتاب بالطرق. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : وَصَلَوَاتٌ قال : مساجد لأهل الكتاب ولأهل الإسلام بالطرق. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، نحوه. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَصَلَوَاتٌ قال : الصلوات صلوات أهل الإسلام، تنقطع إذا دخل العدوّ عليهم، انقطعت العبادة، والمساجد تهدم، كما صنع بختنصر. 
وقوله : وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللّهِ كَثِيرا اختلف في المساجد التي أريدت بهذا القول، فقال بعضهم : أريد بذلك مساجد المسلمين. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا عبد الوهاب، قال : حدثنا داود، عن رُفيع، قوله : وَمَساجِدُ قال : مساجد المسلمين. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، قال : حدثنا معمر، عن قَتادة : وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللّهِ كَثِيرا قال : المساجد : مساجد المسلمين يذكر فيها اسم الله كثيرا. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قَتادة، نحوه. 
وقال آخرون : عني بقوله : وَمَساجِدُ : الصوامع والبيع والصلوات. ذكر من قال ذلك :
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول، في قوله : وَمَساجِدُ يقول في كلّ هذا يذكر اسم الله كثيرا، ولم يخصّ المساجد. 
وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول : الصلوات لا تهدم، ولكن حمله على فعل آخر، كأنه قال : وتركت صلوات. وقال بعضهم : إنما يعني : مواضع الصلوات. وقال بعضهم : إنما هي صلوات، وهي كنائس اليهود، تُدعى بالعبرانية : صَلُوتَا. 
وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : معنى ذلك : لهدمت صوامع الرهبان وبِيعَ النصارى، وصلوات اليهود، وهي كنائسهم، ومساجد المسلمين التي يذكر فيها اسم الله كثيرا. 
وإنما قلنا هذا القول أولى بتأويل ذلك لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب المستفيض فيهم، وما خالفه من القول وإن كان له وجه فغير مستعمل فيما وجهه إليه مَنْ وجهه إليه. 
وقوله : وَلَيَنْصُرَنّ اللّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ يقول تعالى ذكره : وليعيننّ الله من يقاتل في سبيله، لتكون كلمته العليا على عدوّه فَنْصُر الله عبده : معونته إياه، ونَصْرُ العبد ربه : جهاده في سبيله، لتكون كلمته العليا. 
وقوله : إنّ اللّهَ لَقَوِيّ عَزِيزٌ يقول تعالى ذكره : إن الله لقويّ على نصر من جاهد في سبيله من أهل ولايته وطاعته، عزيز في مُلكه، يقول : منيع في سلطانه، لا يقهره قاهر، ولا يغلبه غالب.

### الآية 22:41

> ﻿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [22:41]

القول في تأويل قوله تعالى : الّذِينَ إِنْ مّكّنّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُواْ الصّلاَةَ وَآتَوُاْ الزّكَاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلّهِ عَاقِبَةُ الأمور . 
يقول تعالى ذكره : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، الذين إن مكّناهم في الأرض أقاموا الصلاة. و**«الذين »** ها هنا ردّ على **«الذين يقاتلون »**. ويعني بقوله : إنْ مَكَنّاهُمْ فِي الأرْضِ إن وَطّنّا لهم في البلاد، فقهروا المشركين وغلبوهم عليها، وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول : إن نصرناهم على أعدائهم وقهروا مشركي مكة، أطاعوا الله، فأقاموا الصلاة بحدودها وآتَوُا الزّكَاةَ يقول : وأعطوا زكاة أموالهم مَنْ جعلها الله له. وأمَرُوا بالمَعْرُوفِ يقول : ودعوا الناس إلى توحيد الله والعمل بطاعته وما يعرفه أهل الإيمان بالله. وَنَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ يقول : ونهوا عن الشرك بالله والعمل بمعاصيه، الذي ينكره أهل الحقّ والإيمان بالله. ولِلّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ يقول : ولله آخر أمور الخلق، يعني : أنّ إليه مصيرها في الثواب عليها والعقاب في الدار الآخرة. 
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني الحارث، قال : حدثنا الحسين الأشيب، قال : حدثنا أبو جعفر عيسى بن ماهان، الذي يقال له الرازيّ، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله : الّذِينَ إنْ مَكّنّاهُمْ فِي الأرْضِ أقامُوا الصّلاةَ وآتَوُا الزّكاةَ وأمَرُوا بالمَعْرُوف ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ قال : كان أمرهم بالمعروف أنهم دعوا إلى الإخلاص لله وحده لا شريك له ونهيهم عن المنكر أنهم نهوا عن عبادة الأوثان وعبادة الشيطان. قال : فمن دعا إلى الله من الناس كلهم فقد أمر بالمعروف، ومن نهى عن عبادة الأوثان وعبادة الشيطان فقد نهى عن المنكر.

### الآية 22:42

> ﻿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ [22:42]

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِن يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كَذّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ \* وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ \* وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذّبَ مُوسَىَ فَأمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ . 
يقول تعالى ذكره مسليا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عما يناله من أذى المشركين بالله، وحاضّا له على الصبر على ما يلحقه منهم من السبّ والتكذيب. وإن يكذّبك يا محمد هؤلاء المشركون بالله على ما أتيتهم به من الحقّ والبرهان، وما تَعِدُهم من العذاب على كفرهم بالله، فذلك سنة إخوانهم من الأمم الخالية المكذّبة رسل الله المشركة بالله ومنهاجهم مِن قبلهم، فلا يصدّنك ذلك، فإن العذاب المهين من ورائهم ونصري إياك وأتباعك عليهم آتيهم من وراء ذلك، كما أتى عذابي على أسلافهم من الأمم الذين من قبلهم بعد الإمهال إلى بلوغ الآجال. فَقَدْ كَذّبَتْ قَبْلَهُمْ يعني مشركي قريش قوم نوح، وقوم عاد وثمود، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وأصحاب مدين، وهم قوم شعيب. يقول : كذب كلّ هؤلاء رسلهم. وكُذّبَ مُوسَى فقيل : وكذب موسى ولم يقل :**«وقوم موسى »**، لأن قوم موسى بنو إسرائيل، وكانت قد استجابت له ولم تكذّبه، وإنما كذّبه فرعون وقومه من القبط. وقد قيل : إنما قيل ذلك كذلك لأنه ولد فيهم كما ولد في أهل مكة. 
وقوله : فَأمْلَيْتُ للْكافِرِينَ يقول : فأمهلت لأهل الكفر بالله من هذه الأمم، فلم أعاجلهم بالنقمة والعذاب. ثُمّ أخَذْتُهُمْ يقول : ثم أحللت بهم العقاب بعد الإملاء فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ يقول : فانظر يا محمد كيف كان تغييري ما كان بهم من نعمة وتنكري لهم عما كنت عليه من الإحسان إليهم، ألم أبدلهم بالكثرة قلة وبالحياة موتا وهلاكا وبالعمارة خرابا ؟ يقول : فكذلك فعلي بمكذّبيك من قريش، وإن أمليت لهم إلى آجالهم، فإني مُنْجِزك وعدي فيهم كما أنجزت غيرك من رسلي وعدي في أممهم، فأهلكناهم وأنجيتهم من بين أظهرهم.

### الآية 22:43

> ﻿وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ [22:43]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٤٢:القول في تأويل قوله تعالى : وَإِن يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كَذّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ \* وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ \* وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذّبَ مُوسَىَ فَأمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ . 
يقول تعالى ذكره مسليا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عما يناله من أذى المشركين بالله، وحاضّا له على الصبر على ما يلحقه منهم من السبّ والتكذيب. وإن يكذّبك يا محمد هؤلاء المشركون بالله على ما أتيتهم به من الحقّ والبرهان، وما تَعِدُهم من العذاب على كفرهم بالله، فذلك سنة إخوانهم من الأمم الخالية المكذّبة رسل الله المشركة بالله ومنهاجهم مِن قبلهم، فلا يصدّنك ذلك، فإن العذاب المهين من ورائهم ونصري إياك وأتباعك عليهم آتيهم من وراء ذلك، كما أتى عذابي على أسلافهم من الأمم الذين من قبلهم بعد الإمهال إلى بلوغ الآجال. فَقَدْ كَذّبَتْ قَبْلَهُمْ يعني مشركي قريش قوم نوح، وقوم عاد وثمود، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وأصحاب مدين، وهم قوم شعيب. يقول : كذب كلّ هؤلاء رسلهم. وكُذّبَ مُوسَى فقيل : وكذب موسى ولم يقل :****«وقوم موسى »****، لأن قوم موسى بنو إسرائيل، وكانت قد استجابت له ولم تكذّبه، وإنما كذّبه فرعون وقومه من القبط. وقد قيل : إنما قيل ذلك كذلك لأنه ولد فيهم كما ولد في أهل مكة. 
وقوله : فَأمْلَيْتُ للْكافِرِينَ يقول : فأمهلت لأهل الكفر بالله من هذه الأمم، فلم أعاجلهم بالنقمة والعذاب. ثُمّ أخَذْتُهُمْ يقول : ثم أحللت بهم العقاب بعد الإملاء فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ يقول : فانظر يا محمد كيف كان تغييري ما كان بهم من نعمة وتنكري لهم عما كنت عليه من الإحسان إليهم، ألم أبدلهم بالكثرة قلة وبالحياة موتا وهلاكا وبالعمارة خرابا ؟ يقول : فكذلك فعلي بمكذّبيك من قريش، وإن أمليت لهم إلى آجالهم، فإني مُنْجِزك وعدي فيهم كما أنجزت غيرك من رسلي وعدي في أممهم، فأهلكناهم وأنجيتهم من بين أظهرهم. ---

### الآية 22:44

> ﻿وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ ۖ وَكُذِّبَ مُوسَىٰ فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ [22:44]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٤٢:القول في تأويل قوله تعالى : وَإِن يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كَذّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ \* وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ \* وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذّبَ مُوسَىَ فَأمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ . 
يقول تعالى ذكره مسليا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عما يناله من أذى المشركين بالله، وحاضّا له على الصبر على ما يلحقه منهم من السبّ والتكذيب. وإن يكذّبك يا محمد هؤلاء المشركون بالله على ما أتيتهم به من الحقّ والبرهان، وما تَعِدُهم من العذاب على كفرهم بالله، فذلك سنة إخوانهم من الأمم الخالية المكذّبة رسل الله المشركة بالله ومنهاجهم مِن قبلهم، فلا يصدّنك ذلك، فإن العذاب المهين من ورائهم ونصري إياك وأتباعك عليهم آتيهم من وراء ذلك، كما أتى عذابي على أسلافهم من الأمم الذين من قبلهم بعد الإمهال إلى بلوغ الآجال. فَقَدْ كَذّبَتْ قَبْلَهُمْ يعني مشركي قريش قوم نوح، وقوم عاد وثمود، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وأصحاب مدين، وهم قوم شعيب. يقول : كذب كلّ هؤلاء رسلهم. وكُذّبَ مُوسَى فقيل : وكذب موسى ولم يقل :****«وقوم موسى »****، لأن قوم موسى بنو إسرائيل، وكانت قد استجابت له ولم تكذّبه، وإنما كذّبه فرعون وقومه من القبط. وقد قيل : إنما قيل ذلك كذلك لأنه ولد فيهم كما ولد في أهل مكة. 
وقوله : فَأمْلَيْتُ للْكافِرِينَ يقول : فأمهلت لأهل الكفر بالله من هذه الأمم، فلم أعاجلهم بالنقمة والعذاب. ثُمّ أخَذْتُهُمْ يقول : ثم أحللت بهم العقاب بعد الإملاء فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ يقول : فانظر يا محمد كيف كان تغييري ما كان بهم من نعمة وتنكري لهم عما كنت عليه من الإحسان إليهم، ألم أبدلهم بالكثرة قلة وبالحياة موتا وهلاكا وبالعمارة خرابا ؟ يقول : فكذلك فعلي بمكذّبيك من قريش، وإن أمليت لهم إلى آجالهم، فإني مُنْجِزك وعدي فيهم كما أنجزت غيرك من رسلي وعدي في أممهم، فأهلكناهم وأنجيتهم من بين أظهرهم. ---

### الآية 22:45

> ﻿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ [22:45]

القول في تأويل قوله تعالى : فَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىَ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مّعَطّلَةٍ وَقَصْرٍ مّشِيدٍ . 
يقول تعالى ذكره : وكم يا محمد من قرية أهلكت أهلها وهم ظالمون يقول : وهم يعبدون غير من ينبغي أن يعبد، ويعصون من لا ينبغي لهم أن يعصوه. وقوله : فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها يقول : فباد أهلها وخلت، وخوت من سكانها، فخربت وتداعت، وتساقطت على عروشها يعني على بنائها وسقوفها. كما :
حدثنا أبو هشام الرفاعيّ، قال : حدثنا أبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك : فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قال : خَواؤها : خرابها، وعروشها : سقوفها. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة : خاوِيَةٌ قال : خربة ليس فيها أحد. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة. مثله. 
وقوله : وَبِئْرٍ مُعَطّلَةٍ يقول تعالى : فكأين من قرية أهلكناها، ومن بئر عطلناها، بإفناء أهلها وهلاك وارديها، فاندفنت وتعطلت، فلا واردة لها ولا شاربة منها. وَمِنْ قَصْرٍ مَشِيدٍ رفيع بالصخور والجصّ، قد خلا من سكانه، بما أذقنا أهله من عذابنا بسوء فعالهم، فبادوا وبقي قصورهم المشيدة خالية منهم. والبئر والقصر مخفوضان بالعطف على **«القرية »**. وكان بعض نحويّي الكوفة يقول : هما معطوفان على ****«العروش »**** بالعطف عليها خفضا، وإن لم يحسن فيهما، على أن العروش أعالي البيوت والبئر في الأرض، وكذلك القصر لأن القرية لم تخو على القصر، ولكنه أتبع بعضه بعضا كما قال : وَحُورٌ عِينٌ كأمْثالِ اللّؤْلُؤِ فمعنى الكلام على ما قال هذا الذي ذكرنا قوله في ذلك : فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة، فهي خاوية على عروشها، ولها بئر معطلة وقصر مشيد ولكن لما لم يكن مع البئر رافع ولا عامل فيها، أتبعها في الإعراب ****«العروش »****، والمعنى ما وصفتُ. 
وبنحو الذي قلنا في معنى قوله : وَبِئْرٍ مُعَطّلَةٍ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الخُراسانيّ، عن ابن عباس : وَبِئْرٍ مُعَطّلَةٍ قال : التي قد تُرِكت. وقال غيره : لا أهل لها. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة : وَبِئْرٍ مُعَطّلَةٍ قال : عطلها أهلها، تركوها. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَبِئْرٍ مُعَطّلَةٍ قال : لا أهل لها. 
واختلف أهل التأويل في معنى قوله : وَقَصْرٍ مَشِيدٍ فقال بعضهم : معناه : وقصر مُجَصّص. ذكر من قال ذلك :
حدثني مطر بن محمد الضبي، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهديّ، قال : حدثنا سفيان، عن هلال بن خَبّاب عن عكرِمة، في قوله : وَقَصْرٍ مَشِيدٍ قال : مجصّص. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن هلال بن خباب، عن عكرِمة، مثله. 
حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي، قال : ثني غالب بن فائد، قال : حدثنا سفيان، عن هلال بن خباب عن عكرِمة، مثله. 
حدثني الحسين بن محمد العن قزي، قال : ثني أبي، عن أسباط، عن السديّ، عن عكرمة، في قوله : وَقَصْرٍ مَشِيدٍ قال : مجصص. 
حدثني مطر بن محمد، قال : حدثنا كثير بن هشام، قال : حدثنا جعفر بن برقان، قال : كنت أمشي مع عكرِمة، فرأى حائط آجرّ مُصَهْرج، فوضع يده عليه وقال : هذا المشيد الذي قال الله. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا عباد بن العوامّ، عن هلال بن خباب، عن عكرمة : وَقَصْرٍ مَشِيدٍ قال : المجصص. قال عكرِمة : والجصّ بالمدينة يسمى الشيّد. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَقَصْرٍ مَشِيدٍ قال : بالقِصّة أو الفضة. 
حدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن قال : حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَقَصْرٍ مَشِيدٍ قال : بالقصّة يعني بالجصّ. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا الحسن، أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا ابن جُرَيج، عن عطاء، في قوله : وَقَصْرٍ مَشِيدٍ قال : مجصص. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوريّ، عن هلال بن خباب، عن سعيد بن جُبير، في قوله : وَقَصْرٍ مَشِيدٍ قال : مُجَصّص. هكذا هو في كتابي عن سعيد بن جُبير. 
وقال آخرون : بل معنى ذلك : وقصر رفيع طويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة : وَقَصْرٍ مَشِيدٍ قال : كان أهله شيّدوه وحصّنوه، فهلكوا وتركوه. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله. 
حدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عُبيد، قال : سمعت الضحاك يقول، في قوله : وَقَصْرٍ مَشِيدٍ يقول : طويل. 
وأولى القولين في ذلك بالصواب : قول من قال : عني بالمشيد المجصّص، وذلك أن الشيّد في كلام العرب هو الجصّ بعينه ومنه قول الراجز :
\*\*\* كحَبّةِ المَاءِ بينَ الطيّ والشّيدِ \*\*\*
فالمشيد : إنما هو مفعول من الشّيد ومنه قول امرئ القيس :

وتَيْماءَ لَمْ يَتْرُكْ بِها جِذْعَ نَخْلَةٍ  وَلا أُطُما إلاّ مَشِيدا بِجَنْدَلِيعني بذلك : إلا بالبناء بالشيد والجندل. وقد يجوز أن يكون معنيّا بالمشيد : المرفوع بناؤه بالشّيدِ، فيكون الذين قالوا : عني بالمشيد الطويل نَحَوْا بذلك إلى هذا التأويل ومنه قول عديّ بن زيد :شادَهُ مَرْمَرا وَجَلّلَهُ كِلْ  سا فللطّيْرِ فِي ذُرَاهُ وُكُورُوقد تأوّله بعض أهل العلم بلغات العرب بمعنى المزين بالشيد من شدته أشيده : إذا زيّنته به، وذلك شبيه بمعنى من قال مُجَصّص.

### الآية 22:46

> ﻿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [22:46]

القول في تأويل قوله تعالى : أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنّهَا لاَ تَعْمَى الأبْصَارُ وَلََكِن تَعْمَىَ الْقُلُوبُ الّتِي فِي الصّدُورِ . 
يقول تعالى ذكره : أفلم يسيروا هؤلاء المكذّبون بآيات الله والجاحدون قدرته في البلاد، فينظروا إلى مصارع ضربائهم من مكذّبي رسل الله الذين خلوْا من قبلهم، كعاد وثمود وقوم لوط وشعيب، وأوطانهم ومساكنهم، فيتفكرّوا فيها ويعتبروا بها ويعلموا بتدبرهم أمرها وأمر أهلها سنةَ الله فيمن كفر وعبد غيره وكذّب رسله، فينيبوا من عتوّهم وكفرهم، ويكون لهم إذا تدبروا ذلك واعتبروا به وأنابوا إلى الحقّ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها حجج الله على خلقه وقدرته على ما بيّنا، أو آذانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا يقول : أو آذان تصغي لسماع الحقّ فتعي ذلك وتميز بينه وبين الباطل. وقوله : فإنّها لا تَعْمَى الأبْصارُ يقول : فإنها لا تعمى أبصارهم أن يبصروا بها الأشخاص ويروها، بل يبصرون ذلك بأبصارهم ولكن تعمى قلوبهم التي في صدورهم عن أنصار الحقّ ومعرفته. والهاء في قوله : فإنّها لا تَعْمَى هاء عماد، كقول القائل : إنه عبد الله قائم. وقد ذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله :**«فإنّه لا تَعْمَى الأبْصَارُ »**. وقيل : وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ التي في الصّدُورِ والقلوب لا تكون إلا في الصدور، توكيدا للكلام، كما قيل : يَقُولُون بأفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ.

### الآية 22:47

> ﻿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ ۚ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [22:47]

القول في تأويل قوله تعالى : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللّهُ وَعْدَهُ وَإِنّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمّا تَعُدّونَ . 
يقول تعالى ذكره : ويستعجلونك يا محمد مشركو قومك بما تَعِدهم من عذاب الله على شركهم به وتكذيبهم إياك فيما أتيتهم به من عند الله في الدنيا، ولن يخلف الله وعده الذي وعدك فيهم من إحلال عذابه ونقمته بهم في عاجل الدنيا. ففعل ذلك، ووفى لهم بما وعدهم، فقتلهم يوم بدر. 
واختلف أهل التأويل في اليوم الذي قال جلّ ثناؤه : وَإنّ يَوْما عِنْدَ رَبّكَ كألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدّونَ أيّ يوم هو ؟ فقال بعضهم : هو من الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا إسرائيل، عن سِماك، عن عكرِمة، عن ابن عباس : وَإنّ يَوْما عِنْدَ رَبّكَ كألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدّونَ قال : من الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، في قوله : وَإنّ يَوْما عِنْدَ رَبّكَ. . . الآية، قال : هي مثل قوله في **«الم تَنْزِيلُ »** سواء، هو هو الاَية. 
وقال آخرون : بل هو من أيام الآخرة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عنبسة، عن سماك، عن عكرِمة، عن ابن عباس، قال : مقدار الحساب يوم القيامة ألف سنة. 
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن عُلَية، قال : حدثنا سعيد الجريريّ، عن أبي نَضْرة عن سمير بن نهار، قال : قال أبو هريرة : يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بمقدار نصف يوم. قلت : وما نصف يوم ؟ قال : أو ما تقرأ القرآن ؟ قلت : بلى. قال : وَإنّ يَوْما عِنْدَ رَبّكَ كألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدّونَ. 
حدثنا ابن بشار، قال : ثني عبد الرحمن، قال : حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن مجاهد : وَإنّ يَوْما عِنْدَ رَبّكَ كألْفِ سَنَة قال : من أيام الاَخرة. 
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن سماك، عن عكرمة، أنه قال في هذه الاَية : وَإنّ يَوْما عِنْدَ رَبّكَ كألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدّونَ قال : هذه أيام الاَخرة. وفي قوله : ثُمّ يَعْرُجُ إلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَة مِمّا تَعُدّونَ قال : يوم القيامة وقرأ : إنّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدا وَنَرَاهُ قَرِيبا. 
وقد اختلف في وجه صرف الكلام من الخبر عن استعجال الذين استعجلوا العذاب إلى الخبر عن طول اليوم عند الله، فقال بعضهم : إن القوم استعجلوا العذاب في الدنيا، فأنزل الله : وَلَنْ يُخْلِفَ اللّهُ وَعْدَهُ في أن ينزل ما وعدهم من العذاب في الدنيا، وإن يوما عند ربك من عذابهم في الدنيا والآخرة كألف سنة مما تعدّون في الدنيا. 
وقال آخرون : قيل ذلك كذلك إعلاما من الله مستعجليه العذاب أنه لا يعجل، ولكنه يُمْهل إلى أجل أجّله، وأن البطيء عندهم قريب عنده، فقال لهم : مقدار اليوم عندي ألف سنة مما تعدّونه أنتم أيها القوم من أيامكم، وهو عندكم بطيء وهو عندي قريب. 
وقال آخرون : معنى ذلك : وإن يوما من الثقل وما يخاف كألف سنة. 
والقول الثاني عندي أشبه بالحقّ في ذلك وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن استعجال المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعذاب، ثم أخبر عن مبلغ قدر اليوم عنده، ثم أتبع ذلك قوله : وكأيّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظالِمَةٌ فأخبر عن إملائه أهل القرية الظالمة وتركه معاجلتهم بالعذاب، فبين بذلك أنه عنى بقوله : وَإنّ يَوْما عِنْدَ رَبّكَ كألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدّونَ نفي العجلة عن نفسه ووصفها بالأناة والانتظار. وإذ كان ذلك كذلك، كان تأويل الكلام : وإن يوما من الاَيام التي عند الله يوم القيامة، يوم واحد كألف سنة من عددكم، وليس ذلك عنده ببعيد وهو عندكم بعيد فلذلك لا يعجل بعقوبة من أراد عقوبته حتى يبلغ غاية مدّته.

### الآية 22:48

> ﻿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ [22:48]

القول في تأويل قوله تعالى : وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيّ الْمَصِيرُ . 
يقول تعالى ذكره : وكأيّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَهَا يقول : أمهلتهم وأخّرت عذابهم، وهم بالله مشركون ولأمره مخالفون وذلك كان ظلمهم الذي وصفهم الله به جلّ ثناؤه فلم أعجَلْ بعذابهم. ثُمّ أخَذْتُها يقول : ثم أخذتها بالعذاب، فعذّبتها في الدنيا بإحلال عقوبتنا بهم. وإليّ المَصِيرُ يقول : وإليّ مصيرهم أيضا بعد هلاكهم، فيلقون من العذاب حينئذ ما لا انقطاع له يقول تعالى ذكره : فكذلك حال مستعجليك بالعذاب من مشركي قومك، وإن أمليت لهم إلى آجالهم التي أجلتها لهم، فإني آخِذُهم بالعذاب فقاتِلُهم بالسيف ثم إليّ مصيرهم بعد ذلك فموجعهم إذن عقوبة على ما قدّموا من آثامهم.

### الآية 22:49

> ﻿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ [22:49]

القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ يَأَيّهَا النّاسُ إِنّمَآ أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مّبِينٌ \* فَالّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ لَهُمْ مّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ \* وَالّذِينَ سَعَوْاْ فِيَ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلََئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لمشركي قومك الذين يجادلونك في الله بغير علم، اتباعا منهم لكل شيطان مريد : يا أيها النّاسُ إنّمَا أنا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أنذركم عقاب الله أن ينزل بكم في الدنيا وعذابه في الآخرة أن تَصْلَوْه مُبِينٌ يقول : أبين لكم إنذاري ذلك وأظهره لتنيبوا من شرككم وتحذروا ما أنذركم من ذلك لا أملك لكم غير ذلك، فأما تعجيل العقاب وتأخيره الذي تستعجلونني به فإلى الله، ليس ذلك إليّ ولا أقدر عليه. ثم وصف نذارته وبشارته، ولم يجر للبشارة ذكر، ولما ذُكِرت النذارة على عمل عُلم أن البشارة على خلافه، فقال : والّذِينَ آمَنُوا بالله ورسوله وعَمِلُوا الصّالِحَاتِ منكم أيها الناس ومن غيركم، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ يقول : لهم من الله ستر ذنوبهم التي سلفت منهم في الدنيا عليهم في الاَخرة. وَرِزْقٌ كَرِيمٌ يقول : ورزق حسن في الجنة كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : قال ابن جُرَيج، قوله : فالّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ قال : الجنة.

### الآية 22:50

> ﻿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [22:50]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٤٩:القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ يَأَيّهَا النّاسُ إِنّمَآ أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مّبِينٌ \* فَالّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ لَهُمْ مّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ \* وَالّذِينَ سَعَوْاْ فِيَ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلََئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لمشركي قومك الذين يجادلونك في الله بغير علم، اتباعا منهم لكل شيطان مريد : يا أيها النّاسُ إنّمَا أنا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أنذركم عقاب الله أن ينزل بكم في الدنيا وعذابه في الآخرة أن تَصْلَوْه مُبِينٌ يقول : أبين لكم إنذاري ذلك وأظهره لتنيبوا من شرككم وتحذروا ما أنذركم من ذلك لا أملك لكم غير ذلك، فأما تعجيل العقاب وتأخيره الذي تستعجلونني به فإلى الله، ليس ذلك إليّ ولا أقدر عليه. ثم وصف نذارته وبشارته، ولم يجر للبشارة ذكر، ولما ذُكِرت النذارة على عمل عُلم أن البشارة على خلافه، فقال : والّذِينَ آمَنُوا بالله ورسوله وعَمِلُوا الصّالِحَاتِ منكم أيها الناس ومن غيركم، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ يقول : لهم من الله ستر ذنوبهم التي سلفت منهم في الدنيا عليهم في الاَخرة. وَرِزْقٌ كَرِيمٌ يقول : ورزق حسن في الجنة كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : قال ابن جُرَيج، قوله : فالّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ قال : الجنة. ---

### الآية 22:51

> ﻿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [22:51]

وقوله : وَالّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ يقول : والذين عملوا في حججنا فصدّوا عن اتباع رسولنا والإقرار بكتابنا الذي أنزلناه. وقال في آياتَنِا فأدخلت فيه **«في »** كما يقال : سعى فلان في أمر فلان. 
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : مُعاجِزِينَ فقال بعضهم : معناه : مُشَاقّين. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أحمد بن يوسف، قال : حدثنا القاسم، قال : حدثنا حجاج، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس، أنه قرأها : مُعاجِزِينَ في كلّ القرآن، يعني بألف، وقال : مشاقّين. 
وقال آخرون : بل معنى ذلك : أنهم ظنوا أنهم يعجزون الله فلا يقدر عليهم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة : في آياتِنا مُعاجِزينَ قال : كذّبوا بآيات الله فظنوا أنهم يُعْجزون الله، ولن يعجزوه. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله. 
وهذان الوجهان من التأويل في ذلك على قراءة من قرأه : فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ بالألف، وهي قراءة عامة قرّاء المدينة والكوفة. وأما بعض قرّاء أهل مكة والبصرة فإنه قرأه :**«مُعَجّزِينَ »** بتشديد الجيم، بغير ألف، بمعنى أنهم عجّزوا الناس وثَبّطوهم عن اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم والإيمان بالقرآن. ذكر من قال ذلك كذلك من قراءته :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : مُعَجّزِينَ قال : مُبَطّئين، يبطَئون الناس عن اتباع النبيّ صلى الله عليه وسلم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جَرَيج، عن مجاهد، مثله. 
والصواب من القول في ذلك أن يقال : إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، متقاربتا المعنى وذلك أن من عجز عن آيات الله فقد عاجز الله، ومن معاجزة الله التعجيز عن آيات الله والعمل بمعاصيه وخلاف أمره. وكان من صفة القوم الذين أنزل الله هذه الآيات فيهم أنهم كانوا يبطئون الناس عن الإيمان بالله واتباع رسوله ويغالبون رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحسبون أنهم يُعْجزونه ويغلبونه، وقد ضمن الله له نصره عليهم، فكان ذلك معاجزتهم الله. فإذ كان ذلك كذلك، فبأيّ القراءتين قرأ القارئ فمصيب الصواب في ذلك. 
وأما المعاجزة فإنها المفاعلة من العجز، ومعناه : مغالبة اثنين أحدهما صاحبه أيهما يعجزه فيغلبه الآخر ويقهره. 
وأما التعجيز : فإنه التضعيف وهو التفعيل من العجز. وقوله : أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ يقول : هؤلاء الذين هذه صفتهم هم سكان جهنم يوم القيامة وأهلها الذين هم أهلها.

### الآية 22:52

> ﻿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [22:52]

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رّسُولٍ وَلاَ نَبِيّ إِلاّ إِذَا تَمَنّىَ أَلْقَى الشّيْطَانُ فِيَ أُمْنِيّتِهِ فَيَنسَخُ اللّهُ مَا يُلْقِي الشّيْطَانُ ثُمّ يُحْكِمُ اللّهُ آيَاتِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . 
قيل : إن السبب الذي من أجله أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الشيطان كان ألقى على لسانه في بعض ما يتلوه مما أنزل الله عليه من القرآن ما لم ينزله الله عليه، فاشتدّ ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم واغتمّ به، فسلاّه الله مما به من ذلك بهذه الآيات. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القُرَظيّ ومحمد بن قيس قالا : جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناد من أندية قريش كثير أهله، فتمنى يومئذ أن لا يأتيه من الله شيء فينفروا عنه، فأنزل الله عليه : والنّجْمِ إذَا هَوَى ما ضَلّ صَاحِبُكُمْ وَما غَوَى فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا بلغ : أفَرأيْتُمُ اللاّتَ والعُزّى وَمَناةَ الثالِثَةَ الأُخْرَى ألقى عليه الشيطان كلمتين :**«تلك الغرانقة العُلَى، وإن شفاعتهنّ لتُرْجَى »**، فتكلم بها. ثم مضى فقرأ السورة كلها. فسجد في آخر السورة، وسجد القوم جميعا معه، ورفع الوليد بن المغيرة ترابا إلى جبهته فسجد عليه، وكان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود. فرضُوا بما تكلم به وقالوا : قد عرفنا أن الله يحيي ويميت وهو الذي يخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، إذ جعلت لها نصيبا، فنحن معك قالا : فلما أمسى أتاه جبرائيل عليهما السلام فعرض عليه السورة فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال : ما جئتك بهاتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«افْتَرَيْتُ عَلى اللّهِ وقُلْتُ عَلى اللّهِ ما لَمْ يَقُلْ »** فأوحى الله إليه : وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ، لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ. . . إلى قوله : ثُمّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرا. فما زال مغموما مهموما حتى نزلت عليه : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيَ إلاّ إذَا تَمَنّى ألْقَى الشّيْطانُ فِي أُمْنِيّتهِ فَيَنْسَخُ اللّهُ ما يُلْقِي الشّيْطانُ ثُمّ يُحْكِمُ اللّهُ آياتِهِ وَاللّهُ عَليمٌ حَكِيمٌ. قال : فسمع من كان من المهاجرين بأرض الحبشة أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، فرجعوا إلى عشائرهم وقالوا : هم أحبّ إلينا فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ألقى الشيطان. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد المدنيّ، عن محمد بن كعب القُرظيّ قال : لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم تولّيَ قومه عنه، وشقّ عليه ما يرى من مباعدتهم ما جاءهم به من عند الله، تمنى في نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب به بينه وبين قومه. وكان يسرّه، مع حبه وحرصه عليهم، أن يلين له بعض ما غلُظَ عليه من أمرهم، حين حدّث بذلك نفسه وتمنى وأحبه، فأنزل الله : والنّجْمِ إذَا هَوَى ما ضَلّ صَاحبُكُمْ وَما غَوَى فلما انتهى إلى قول الله : أفَرأيْتُمُ اللاّتَ والعُزّى وَمَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرَى ألقى الشيطان على لسانه، لما كان يحدّث به نفسه ويتمنى أن يأتي به قومه :**«تلك الغرانيق العلَى، وإن شفاعتهن تُرْتَضى »**. فلما سمعت قريش ذلك فرحوا وسرّهم، وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم، فأصاخوا له، والمؤمنون مصدّقون نبيهم فيما جاءهم به عن ربهم، ولا يتهمونه على خط ولا وَهَم ولا زلل. فلما انتهى إلى السجدة منها وختم السورة، سجد فيها، فسجد المسلمون بسجود نبيهم، تصديقا لما جاء به واتباعا لأمره، وسجد من في المسجد من المشركين من قريش وغيرهم لما سمعوا من ذكر آلهتهم، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد إلا الوليد بن المغيرة، فإنه كان شيخا كبيرا فلم يستطع، فأخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها. ثم تفرّق الناس من المسجد، وخرجت قريش وقد سرّهم ما سمعوا من ذكر آلهتهم، يقولون : قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، وقد زعم فيما يتلو أنها الغرانيق العُلَي وأن شفاعتهنّ ترتضى وبلغت السجدة من بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل : أسلمت قريش. فنهضت منهم رجال، وتخلّف آخرون. وأتى جبرائيل النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال : يا محمد ماذا صنعت ؟ لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله، وقلت ما لم يُقَلْ لك فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك، وخاف من الله خوفا كبيرا، فأنزل الله تبارك وتعالى عليه وكانَ بِهِ رَحِيما يعزّيه ويخفّض عليه الأمر ويخبره أنه لم يكن قبله رسول ولا نبيّ تمنى كما تمنى ولا أحبّ كما أحبّ إلا والشيطان قد ألقى في أمنيته كما ألقى على لسانه صلى الله عليه وسلم، فنسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم آياته، أي فأنت كبعض الأنبياء والرسل فأنزل الله : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نِبَيّ إلاّ إذَا تَمَنّى ألْقَى الشّيْطانُ فِي أُمِنيّتِهِ. . . الاَية. فأذهب الله عن نبيه الحزن، وأمنه من الذي كان يخاف، ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه من ذكر آلهتهم أَنهّا الغرانيق العُلَى وأن شفاعتهنّ ترتضى. يقول الله حين ذكر اللات والعُزّى ومناة الثالثة الأخرى، إلى قوله : وكَمْ منْ مَلَكٍ فِي السّمَوَاتِ لا تُغْنى شَفاعَتُهُمْ شَيْئا إلاّ مِنْ بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللّهِ لمَنْ يَشاءُ وَيَرْضَى، أي فكيف تنفع شفاعة آلهتكم عنده. فلما جاءه من الله ما نسخ ما كان الشيطان ألقى على لسان نبيه، قالت قريش : ندم محمد على ما كان من منزلة آلهتكم عند الله، فغير ذلك وجاء بغيره وكان ذلك الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسوله قد وقعا في فم كل مشرك، فازدادوا شرّا إلى ما كانوا عليه. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا المعتمر، قال : سمعت داود، عن أبي العالية، قال : قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما جلساؤك عبد بني فلان ومولى بني فلان، فلو ذكرت آلهتنا بشيء جالسناك، فإنه يأتيك أشراف العرب فإذا رأوا جلساءك أشراف قومك كان أرغب لهم فيك قال : فألقى الشيطان في أمنيته، فنزلت هذه الاَية : أفَرأيْتُمُ اللاّتَ والعُزّى وَمَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرَى قال : فأجرى الشيطان على لسانه :**«تلك الغرانيق العُلَى، وشفاعتهن ترجى، مثلهن لا يُنسى »**. قال : فسجد النبيّ صلى الله عليه وسلم حين قرأها، وسجد معه المسلمون والمشركون. فلما علم الذي أُجْرِي على لسانه، كبر ذلك عليه، فأنزل الله : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نِبَيّ إلاّ إذَا تَمَنّى ألْقَى الشّيْطانُ فِي أُمْنِيّتِهِ. . . إلى قوله : وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. 
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا أبو الوليد، قال : حدثنا حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية قال : قالت قريش : يا محمد إنما يجالسك الفقراء والمساكين وضعفاء الناس، فلو ذكرت آلهتنا بخير لجالسناك فإن الناس يأتونك من الآفاق فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة النجم فلما انتهى على هذه الاَية : أفَرأيْتُمُ اللاّتَ والعُزّى وَمَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرَى فألقى الشيطان على لسانه :**«وهي الغرانقة العلى، وشفاعتهن ترتجى »**. فلما فرغ منها سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون والمشركون، إلا أبا أُحَيحة سعيد بن العاص، أخذ كفّا من تراب وسجد عليه وقال : قد آن لابن أبي كبشة أن يذكر آلهتنا بخير حتى بلغ الذين بالحبشة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين أن قريشا قد أسلمت، فاشتدّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ألقى الشيطان على لسانه، فأنزل الله : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نِبَيّ. . . إلى آخر الاَية. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير، قال : لما نزلت هذه الاَية : أفَرأيْتُمُ اللاّتَ والعُزّى قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال :**«تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهنّ لترتجى »**. فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال المشركون : إنه لم يذكر آلهتكم قبل اليوم بخير فسجد المشركون معه، فأنزل الله : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نِبَيّ إلاّ إذَا تَمَنّى ألْقَى الشّيْطانُ فِي أُمْنِيّتِهِ. . . إلى قوله : عَذَابَ يَوْمٍ عَقِيم. 
حدثنا ابن المثنى، قال : ثني عبد الصمد، قال : حدثنا شعبة، قال : حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جُبير قال : لما نزلت : أفَرأيْتُمُ اللاّتَ والعُزّى، ثم ذكر نحوه. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نِبَيّ إلاّ إذَا تَمَنّى ألْقَى الشّيْطانُ فِي أُمْنِيّتِهِ إلى قوله : وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وذلك أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم بينما هو يصلي، إذ نزلت عليه قصة آلهة العرب، فجعل يتلوها فسمعه المشركون فقالوا : إنا نسمعه يذكر آلهتنا بخير فدنَوا منه، فبينما هو يتلوها وهو يقول : أفَرأيْتُمُ اللاّتَ والعُزّى وَمَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرَى ألقى الشيطان :**«إن تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى »**. فجعل يتلوها، فنزل جبرائيل عليه السلام فنسخها، ثم قال له : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نِبَيّ إلاّ إذَا تَمَنّى ألْقَى الشّيْطانُ فِي أُمْنِيّتِهِ. . . إلى قوله : وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نِبَيَ. . . الاَية أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، أنزل الله عليه في آلهة العرب، فجعل يتلو اللات والعزّى ويكثر ترديدها. فسمع أهل مكة نبيّ الله يذكر آلهتهم، ففرحوا بذلك، ودنوا يستمعون، فألقى الشيطان في تلاوة النبيّ صلى الله عليه وسلم :**«تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى »**. فقرأها النبيّ صلى الله عليه وسلم كذلك، فأنزل الله عليه : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ. . . إلى : وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أنه سئل عن قوله : وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيّ. . . الاَية، قال ابن شهاب : ثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة قرأ عليهم : والنّجْمِ إذَا هَوَى، فلما بلغ : أفَرأيْتُمُ اللاّتَ والعُزّى وَمَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرَى قال :**«إن شفاعتهن ترتجَى »**. وسها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلقيه المشركون الذين في قلوبهم مرض، فسلموا عليه، وفرحوا بذلك، فقال لهم :

### الآية 22:53

> ﻿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [22:53]

القول في تأويل قوله تعالى : لّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشّيْطَانُ فِتْنَةً لّلّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنّ الظّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ . 
يقول تعالى ذكره : فينسخ الله ما يلقي الشيطان، ثُم يُحكم الله آياته، كي يجعل ما يلقي الشيطان في أمنية نبيه من الباطل، كقول النبيّ صلى الله عليه وسلم :**«تلك الغرانيق العُلَى، وإن شفاعتهن لُترَتَجَى »**. فِتْنَةً يقول : اختبارا يختبر به الذين في قلوبهم مرض من النفاق وذلك الشكّ في صد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحقيقة ما يخبرهم به. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يتمنى أن لا يعيب الله آلهة المشركين، فألقى الشيطان في أمنيته، فقال :**«إن الآلهة التي تدعي أن شفاعتها لترتجى وإنها لَلْغرانيق العُلَى »**. فنسخ الله ذلك، وأحكم الله آياته : أفرأيتمُ اللاّتَ والعُزّى حتى بلغ : مِنْ سُلْطانٍ قال قتادة : لما ألقى الشيطان ما ألقى، قال المشركون : قد ذكر الله آلهتهم بخير ففرحوا بذلك، فذكر قوله : لِيَجْعَل ما يُلْقِي الشّيْطانُ فِتْنَةً للّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرّزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة، بنحوه. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، في قوله : لِيَجْعَل ما يُلْقِي الشّيْطانُ فِتْنَةً للّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يقول : وللذين قست قلوبهم عن الإيمان بالله، فلا تلين ولا ترعوي، وهم المشركون بالله. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج : والقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ قال : المشركون. 
وقوله : وَإنّ الظّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ يقول تعالى ذكره : وإن مشركي قومك يا محمد لفي خلاف الله في أمره، بعيد من الحقّ.

### الآية 22:54

> ﻿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [22:54]

القول في تأويل قوله تعالى : وَلِيَعْلَمَ الّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ أَنّهُ الْحَقّ مِن رّبّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنّ اللّهَ لَهَادِ الّذِينَ آمَنُوَاْ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ . 
يقول تعالى ذكره : وكي يعلم أهل العلم بالله أن الذي أنزله الله من آياته التي أحكمها لرسوله ونسخ ما ألقي الشيطان فيه، أنه الحقّ من عند ربك يا محمد فُيؤْمِنُوا بِهِ يقول : فيصدّقوا به. فتُخْبِتَ له قُلُوبُهُمْ يقول : فتخضع للقرآن قلوبهم، وتذعن بالتصديق به والإقرار بما فيه. وَإنّ اللّهَ لَهَادِ الّذِينَ آمَنُوا إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وإن الله لمرشد الذين آمنوا بالله ورسوله إلى الحقّ القاصد والحقّ الواضح، بنسخ ما ألقي الشيطان في أمنية رسوله، فلا يضرّهم كيد الشيطان وإلقاؤه الباطل على لسان نبيهم. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج : وَلِيَعْلَمَ الّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنّهُ الحَقّ مِنْ رَبّكَ قال : يعني القرآن.

### الآية 22:55

> ﻿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ [22:55]

القول في تأويل قوله تعالى : وَلاَ يَزَالُ الّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مّنْهُ حَتّىَ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ . 
يقول تعالى ذكره : ولا يزال الذين كفرا بالله في شكّ. 
ثم اختلف أهل التأويل في الهاء التي في قوله :**«منه »** من ذكر ما هي ؟ فقال بعضهم : هي من ذكر قول النبيّ صلى الله عليه وسلم :**«تلك الغرانيق العُلَى، وإن شفاعتهن لترتجى »**. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد، قال : حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير : وَلا يَزَالُ الّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ من قوله :**«تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن ترتجى »**. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَلا يَزَالُ الّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ قال : مما جاء به إبليس لا يخرج من قلوبهم زادهم ضلالة. 
وقال آخرون : بل هي من ذكر سجود النبيّ صلى الله عليه وسلم في النجم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا عبد الصمد، قال : حدثنا شعبة، قال : حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جُبير : وَلا يَزَالُ الّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ قال : في مِرْية من سجودك. 
وقال آخرون : بل هي من ذكر القرآن. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج : وَلا يَزَالُ الّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ قال : من القرآن. 
وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال : هي كناية من ذكر القرآن الذي أحكم الله آياته وذلك أن ذلك من ذكر قوله : وَلِيَعْلَمَ الّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنّهُ الْحَقّ مِنْ رَبّكَ أقرب منه من ذكر قوله : فَيَنُسَخُ اللّهُ ما يُلْقي الشّيْطانُ والهاء من قوله **«أنه »** من ذكر القرآن، فإلحاق الهاء في قوله : فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ بالهاء من قوله : أنّهُ الحَقّ مِنْ رَبّكَ أولى من إلحاقها ب **«ما »** التي في قوله : ما يُلْقِي الشّيْطانُ مع بُعد ما بينهما. 
وقوله : حتى تَأْتيَهُمُ السّاعَةُ يقول : لا يزال هؤلاء الكفار في شك من أمر هذا القرآن إلى أن تأتيهم الساعة بَغْتَةً وهي ساعة حشر الناس لموقف الحساب بغتة، يقول : فجأة. أوْ يَأْتيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ. 
واختلف أهل التأويد في هذا اليوم أيّ يوم هو ؟ فقال بعضهم : هو يوم القيامة. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : حدثنا شيخ من أهل خراسان من الأزد يكني أبا ساسان، قال : سألت الضحاك، عن قوله : عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ قال : عذاب يوم لا ليلة بعده. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبوُ تمَيلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عكرِمة. أن يوم القيامة لا ليلة له. 
وقال آخرون : بل عني به يوم بدر. وقالوا : إنما قيل له يوم عقيم، أنهم لم ينظروا إلى الليل، فكان لهم عقيما. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد، قال : عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ يوم بدر. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج : أوْ يَأْتيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ قال ابن جُرَيج : يوم ليس فيه ليلة، لم يناظروا إلى الليل. قال مجاهد : عذاب يوم عظيم. 
قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو تُمَيلة، عن أبي حمزة، عن جابر، قال : قال مجاهد : يوم بدر. 
حدثني أبو السائب، قال : حدثنا أبو إدريس، قال : أخبرنا الأعمش، عن رجل، عن سعيد بن جُبير، في قوله : عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ قال : يوم بدر. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة، قوله : عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ قال : هو يوم بدر. ذكره عن أبيّ بن كعب. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرّزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة، في قوله : عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ قال : هو يوم بدر. عن أبيّ بن كعب. 
وهذا القول الثاني أولى بتأويل الآية لأنه لا وجه لأن يقال : لا يزالون في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة، أو تأتيهم الساعة وذلك أن الساعة هي يوم القيامة، فإن كان اليوم العقيم أيضا هو يوم القيامة فإنما معناه ما قلنا من تكرير ذكر الساعة مرّتين باختلاف الألفاظ، وذلك ما لا معنى له. فإذ كان ذلك كذلك، فأولى التأويلين به أصحهما معنى وأشبههما بالمعروف في الخطاب، وهو ما ذكرناه في معناه. 
فتأويل الكلام إذن : ولا يزال الذين كفروا في مرية منه، حتى تأتيهم الساعة بغتة فيصيروا إلى العذاب الدائم، أو يأتيهم عذاب يوم عقيم له فلا ينظروا فيه إلى الليل ولا يؤخروا فيه إلى المساء، لكنهم يقتلون قبل المساء.

### الآية 22:56

> ﻿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [22:56]

القول في تأويل قوله تعالى : الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ فِي جَنّاتِ النّعِيمِ \* وَالّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذّبُواْ بِآياتِنَا فَأُوْلََئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مّهِينٌ . 
يقول تعالى ذكره : السلطان والمُلك إذا جاءت الساعة لله وحده لا شريك له ولا ينازعه يومئذ منازع وقد كان في الدنيا ملوك يُدعون بهذا الاسم ولا أحد يومئذ يدعي ملكا سواه. يَحْكُمُ بَيْنهُمْ يقول : يفصل بين خلقه المشركين به والمؤمنين. فالّذين آمَنُوا بهذا القرآن، وبمن أنزله، ومن جاء به، وعملوا بما فيه من حلاله وحرامه وحدوده وفرائضه في جَنّاتِ النعيم يومئذ. والّذِينَ كَفَرُوا بالله ورسوله، وكَذّبُوا بآيَات كتابه وتنزيله، وقالوا : ليس ذلك من عند الله، إنما هو إفك افتراه محمد وأعانه عليه قوم آخرون فأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ يقول : فالذين هذه صفتهم لهم عند الله يوم القيامة عذاب مهين، يعني عذاب مذلّ في جهنم.

### الآية 22:57

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [22:57]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥٦:القول في تأويل قوله تعالى : الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ فِي جَنّاتِ النّعِيمِ \* وَالّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذّبُواْ بِآياتِنَا فَأُوْلََئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مّهِينٌ . 
يقول تعالى ذكره : السلطان والمُلك إذا جاءت الساعة لله وحده لا شريك له ولا ينازعه يومئذ منازع وقد كان في الدنيا ملوك يُدعون بهذا الاسم ولا أحد يومئذ يدعي ملكا سواه. يَحْكُمُ بَيْنهُمْ يقول : يفصل بين خلقه المشركين به والمؤمنين. فالّذين آمَنُوا بهذا القرآن، وبمن أنزله، ومن جاء به، وعملوا بما فيه من حلاله وحرامه وحدوده وفرائضه في جَنّاتِ النعيم يومئذ. والّذِينَ كَفَرُوا بالله ورسوله، وكَذّبُوا بآيَات كتابه وتنزيله، وقالوا : ليس ذلك من عند الله، إنما هو إفك افتراه محمد وأعانه عليه قوم آخرون فأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ يقول : فالذين هذه صفتهم لهم عند الله يوم القيامة عذاب مهين، يعني عذاب مذلّ في جهنم. ---

### الآية 22:58

> ﻿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [22:58]

القول في تأويل قوله تعالى : وَالّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمّ قُتِلُوَاْ أَوْ مَاتُواْ لَيَرْزُقَنّهُمُ اللّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنّ اللّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ . 
يقول تعالى ذكره : والذين فارقوا أوطانهم وعشائرهم فتركوا ذلك في رضا الله وطاعته وجهاد أعدائه ثم قتلوا أو ماتوا وهم كذلك، لَيْرُزَقّنُهُم الله يوم القيامة في جناته رِزْقا حَسَنَا يعني بالحسن : الكريم وإنما يعني بالرزق الحسن : الثواب الجزيل. وَإنّ اللّهَ لَهُوَ خَيرُ الرّازِقِينَ يقول : وإن الله لهو خير من بسط فضله على أهل طاعته وأكرمهم، وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في حكم من مات في سبيل الله، فقال بعضهم : سواء المقتول منهم والميت، وقال آخرون : المقتول أفضل. فأنزل الله هذه الاَية على نبيه صلى الله عليه وسلم، يعلمهم استواء أمر الميت في سبيله والمقتول فيها في الثواب عنده. وقد :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني عبد الرحمن بن شريح، عن سلامان بن عامر قال : كان فضالة برودس أميرا على الأرباع، فخرج بجنازتي رجلين، أحدهما قتيل والآخر متوفي فرأى ميل الناس مع جنازة القتيل إلى حفرته، فقال : أراكم أيها الناس تميلون مع القتيل وتفضلونه على أخيه المتوفي ؟ ( فقالوا : هذا القتيل في سبيل الله. فقال ) فوالذي نفسي بيده ما أبالي من أيّ حفرتيهما بُعثت اقرءوا قول الله تعالى : وَالّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ ثمّ قُتِلُوا أوْ ماتُوا. . . إلى قوله : وَإنّ اللّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ.

### الآية 22:59

> ﻿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ [22:59]

القول في تأويل قوله تعالى : لَيُدْخِلَنّهُمْ مّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنّ اللّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ . 
يقول تعالى ذكره : ليدخلنّ الله المقتول في سبيله من المهاجرين والميت منهم مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وذلك المدخل هو الجنة. وَإنّ اللّهَ لَعَلِيمٌ بمن يهاجر في سبيله ممن يخرج من داره طلب الغنيمة أو عَرَض من عروض الدنيا. حَلِيمٌ عن عصاة خلقه، بتركه معاجلتهم بالعقوبة والعذاب.

### الآية 22:60

> ﻿۞ ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ [22:60]

القول في تأويل قوله تعالى : ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنّهُ اللّهُ إِنّ اللّهَ لَعَفُوّ غَفُورٌ . 
يعني تعالى ذكره بقوله : ذلكَ لهذا لهؤلاء الذين هاجروا في سبيل الله، ثم قُتلوا أو ماتوا، ولهم مع ذلك أيضا أن الله يعدهم النصر على المشركين الذين بغوا عليهم فأخرجوهم من ديارهم. كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج : ذلكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ قال : هم المشركون بغَوْا على النبيّ صلى الله عليه وسلم، فوعده الله أن ينصره، وقال في القصاص أيضا. 
وكان بعضهم يزعم أن هذه الآية نزلت في قوم من المشركين لقوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرّم، وكان المسلمون يكرهون القتال يومئذ في الأشهر الحرم، فسأل المسلمون المشركين أن يكفّوا عن قتالهم من أجل حرمة الشهر، فأبى المشركون ذلك، وقاتلوهم فبغَوْا عليهم، وثبت المسلمون لهم فنُصروا عليهم، فأنزل الله هذه الاَية : ذلكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمّ بُغِيَ عَلَيْهِ بأن بدىء بالقتال وهو له كاره، لَيَنْصُرَنّهُ اللّهُ. ( وقوله : إنّ اللّهَ لَعَفُوّ غَفُورٌ يقول تعالى ذكره : إن الله لذو عفو وصفح لمن انتصر ممن ظلمه من بعد ما ظلمه الظالم بحقّ، غفور لما فعل ببادئه بالظلم مثل الذي فعل به غير معاقبه عليه.

### الآية 22:61

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [22:61]

القول في تأويل قوله تعالى : ذَلِكَ بِأَنّ اللّهَ يُولِجُ اللّيْلَ فِي النّهَارِ وَيُولِجُ النّهَارَ فِي اللّيْلِ وَأَنّ اللّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ . 
يعني تعالى ذكره بقوله : ذلكَ هذا النصر الذي أنصره على من بغى عليه على الباغي، لأني القادر على ما أشاء. فمن قُدرته أن الله يُولِجُ اللّيْلَ في النّهارِ يقول : يدخل ما ينقص من ساعات الليل في ساعات النهار، فما نقص من هذا زاد في هذا. وَيُولِجُ النّهارَ فِي اللّيْلِ ويدخل ما انتقص من ساعات النهار في ساعات الليل، فما نقص من طول هذا زاد في طول هذا، وبالقُدرة التي يَفْعَلُ ذلك ينصر محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه على الذين بغوا عليهم فأخرجوهم من ديارهم وأموالهم. وأنّ اللّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ يقول : وفعل ذلك أيضا بأنه ذو سمع لما يقولون من قول لا يخفى عليه منه شيء، بصير بما يعملون، لا يغيب عنه منه شيء، كل ذلك منه بمرأى ومسمع، وهو الحافظ لكل ذلك، حتى يجازى جميعهم على ما قالوا وعملوا من قول وعمل جزاءه.

### الآية 22:62

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [22:62]

القول في تأويل قوله تعالى : ذَلِكَ بِأَنّ اللّهَ هُوَ الْحَقّ وَأَنّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنّ اللّهَ هُوَ الْعَلِيّ الْكَبِيرُ . 
يعني تعالى ذكره بقوله ذَلكَ هذا الفعل الذي فعلت من إيلاجي الليل في النهار وإيلاجِي النهار في الليل لأني أنا الحقّ الذي لا مثل لي ولا شريك ولا ندّ، وأن الذي يدعوه هؤلاء المشركون إلها من دونه هو الباطل الذي لا يقدر على صنعة شيء، بل هو المصنوع يقول لهم تعالى ذكره : أفتتركون أيها الجهال عبادة من منه النفع وبيده الضر وهو القادر على كل شيء وكلّ شيء دونه، وتعبدون الباطل الذي لا تنفعكم عبادته. وقوله : وأنّ اللّهَ هُوَ العَلِيّ الكَبيرُ يعني بقوله : العَلِيّ ذو العلوّ على كل شيء، هو فوق كلّ شيء وكل شيء دونه. الكَبِيرُ يعني العظيم، الذي كل شيء دونه ولا شيء أعظم منه. 
وكان ابن جُرَيج يقول في قوله : وأنّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الباطلُ ما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : قال ابن جُرَيج، في قوله : وأنّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الباطِلُ قال : الشيطان. 
واختلفت القرّاء في قراءة قوله : وأنّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ فقرأته عامة قرّاء العراق والحجاز : تَدْعُونَ بالتاء على وجه الخطاب وقرأته عامة قرّاء العراق غير عاصم بالياء على وجه الخبر، والياء أعجب القراءتين إليّ، لأن ابتداء الخبر على وجه الخطاب.

### الآية 22:63

> ﻿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ۗ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [22:63]

القول في تأويل قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ أَنزَلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرّةً إِنّ اللّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ . 
يقول تعالى ذكره : ألَمْ تَرَ يا محمد أنّ اللّهَ أنْزَلَ مِنَ السّماءِ ماءً يعني مطرا، فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرّةً بما ينبت فيها من النبات. إنّ اللّهَ لَطِيفٌ باستخراج النبات من الأرض بذلك الماء وغير ذلك من ابتداع ما شاء أن يبتدعه. خَبِيرٌ بما يحدث عن ذلك النبت من الحبّ وبه. قال : فَتُصْبِحُ الأرْضُ فرفع، وقد تقدمه قوله : ألَمْ تَرَ وإنما قيل ذلك كذلك لأن معنى الكلام الخبر، كأنه قيل : أعلم يا محمد أن الله ينزل من السماء ماء فتصبح الأرض ونظير ذلك قول الشاعر :

ألَمْ تَسْأَلِ الرّبْعَ القَدِيمَ فيَنْطِقُ  وهلْ تُخْبِرَنْكَ اليوْمَ بَيْداءُ سَمْلَقُلأن معناه : قد سألته فنطق.

### الآية 22:64

> ﻿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [22:64]

القول في تأويل قوله تعالى : لّهُ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنّ اللّهَ لَهُوَ الْغَنِيّ الْحَمِيدُ . 
يقول تعالى ذكره : له مُلك ما في السموات وما في الأرض من شيء هم عبيده ومماليكه وخلقه، لا شريك له في ذلك ولا في شيء منه، وإن الله هو الغنيّ عن كل ما في السموات وما في الأرض من خلقه وهم المحتاجون إليه، الحميد عند عباده في إفضاله عليهم وأياديه عندهم.

### الآية 22:65

> ﻿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [22:65]

القول في تأويل قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ سَخّرَ لَكُم مّا فِي الأرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى الأرْضِ إِلاّ بِإِذْنِهِ إِنّ اللّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رّحِيمٌ . 
يقول تعالى ذكره : ألم تر أن الله سخر لكم أيها الناس ما في الأرض من الدّوابّ والبهائم، فذلك كله لكم تصرفونه فيما أردتم من حوائجكم. والفلك تَجْرِي في البَحْرِ بأمْرِهِ يقول : وسخر لكم السفن تجري في البحر بأمره، يعني بقُدرته، وتذليله إياها لكم كذلك. 
واختلفت القرّاء في قراءة قوله : والفُلْكَ تَجْرِي فقرأته عامة قرّاء الأمصار : والفُلْكَ نصبا، بمعنى سخر لكم ما في الأرض، والفلك عطفا على **«ما »**، وعلى تكرير **«أن »** وأن الفلك تجري. ورُوي عن الأعرج أنه قرأ ذلك رفعا على الابتداء. والنصب هو القراءة عندنا في ذلك لإجماع الحجة من القرّاء عليه. ويمْسِكُ السّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ يقول : ويمسك السماء بقَدرته كي لا تقع على الأرض إلا بأذنه. ومعنى قوله : أنْ تَقَعَ : أن لا تقع. إنّ اللّهَ بالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ بمعنى : أنه بهم لذو رأفة ورحمة فمن رأفته بهم ورحمته لهم أمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وسخر لكم ما وصف في هذه الآية تفضلاً منه عليكم بذلك.

### الآية 22:66

> ﻿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ۗ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ [22:66]

القول في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ الّذِيَ أَحْيَاكُمْ ثُمّ يُمِيتُكُمْ ثُمّ يُحْيِيكُمْ إِنّ الإِنْسَانَ لَكَفُورٌ \* لّكُلّ أُمّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلاَ يُنَازِعُنّكَ فِي الأمْرِ وَادْعُ إِلَىَ رَبّكَ إِنّكَ لَعَلَىَ هُدًى مّسْتَقِيمٍ . 
يقول تعالى ذكره : والله الذي أنعم عليكم هذه النعم، هو الذي جعل لكم أجساما أحياء بحياة أحدثها فيكم، ولم تكونوا شيئا، ثم هو يميتكم من بعد حياتكم فيفنيكم عند مجيء آجالكم ثم يحييكم بعد مماتكم عند بعثكم لقيام الساعة. إنّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ يقول : إن ابن آدم لجحود لنعم الله التي أنعم بها عليه من حُسن خلقه إياه، وتسخيره له ما سخر مما في الأرض والبرّ والبحر، وتركه إهلاكه بإمساكه السماء أن تقع على الأرض بعبادته غيره من الآلهة والأنداد، وتركه إفراده بالعبادة وإخلاص التوحيد له.

### الآية 22:67

> ﻿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ ۖ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ ۚ وَادْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ ۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُسْتَقِيمٍ [22:67]

وقوله : لِكُلّ أُمّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكا يقول : لكل جماعة قوم هي خلت من قبلك، جعلنا مألفا يألفونه ومكانا يعتادونه لعبادتي فيه وقضاء فرائضي وعملاً يلزمونه. وأصل المنسك في كلام العرب الموضع المعتاد الذي يعتاده الرجل ويألفه لخير أو شرّ يقال : إن لفلان منسكا يعتاده : يراد مكانا يغشاه ويألفه لخير أو شرّ. وإنما سميت مناسك الحجّ بذلك، لتردّد الناس إلى الأماكن التي تعمل فيها أعمال الحجّ والعُمرة. وفيه لغتان :**«مَنْسِك »** بكسر السين وفتح الميم، وذلك من لغة أهل الحجاز، و **«مَنْسَك »** بفتح الميم والسين جميعا، وذلك من لغة أسد. وقد قرىء باللغتين جميعا. 
وقد اختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله : لِكُلّ أُمةٍ جَعَلْنا مَنْسَكا : أيّ المناسك عني به ؟ فقال بعضهم : عني به : عيدهم الذي يعتادونه. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : لِكُلّ أُمّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكا هُمْ ناسِكُوهُ يقول : عيدا. 
وقال آخرون : عني به ذبح يذبحونه ودم يهريقونه. ذكر من قال ذلك :
حدثني أبو كريب، قال : حدثنا ابن يمان، قال : حدثنا ابن جُرَيج، عن مجاهد، في قوله : لِكُلّ أُمّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكا هُمْ ناسِكُوهُ قال : إراقة الدم بمكة. 
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : هُمْ ناسِكُوهُ قال : إهراق دماء الهدي. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة : مَنْسَكا قال : ذبحا وحجّا. 
والصواب من القول في ذلك أن يقال : عني بذلك إراقة الدم أيام النحر بمِنى لأن المناسك التي كان المشركون جادلوا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت إراقة الدم في هذه الأيام، على أنهم قد كانوا جادلوه في إراقة الدماء التي هي دماء ذبائح الأنعام بما قد أخبر الله عنهم في سورة الأنعام. غير أن تلك لم تكن مناسك، فأما التي هي مناسك فإنما هي هدايا أو ضحايا ولذلك قلنا : عني بالمنسك في هذا الموضع الذبح الذي هو بالصفة التي وصفنا. 
وقوله : فَلا يُنازِعُنّكَ فِي الأَمْرِ يقول تعالى ذكره : فلا ينازعنك هؤلاء المشركون بالله يا محمد في ذبحك ومنسكك بقولهم : أتأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون الميتة التي قتلها الله ؟ فأنك أولى بالحقّ منهم، لأنك محقّ وهم مبطلون. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد : فَلا يُنازِعُنّكَ فِي الأَمْرِ قال : الذبح. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة : فَلا يُنازِعُنّكَ فِي الأَمْرِ فلا تتحام لحمك. 
وقوله : وَادْعُ إلى رَبّكَ يقول تعالى ذكره : وادع يا محمد منازعيك من المشركين بالله في نسكك وذبحك إلى اتباع أمر ربك في ذلك بأن لا يأكلوا إلا ما ذبحوه بعد اتباعك وبعد التصديق بما جئتهم به من عند الله، وتجنبوا الذبح للآلهة والأوثان وتبرّءوا منها، إنك لعلى طريق مستقيم غير زائل عن مجة الحقّ والصواب في نسكك الذي جعله لك ولأمتك ربك، وهم الضلال على قصد السبيل، لمخالفتهم أمر الله في ذبائحهم ومطاعمهم وعبادتهم الآلهة.

### الآية 22:68

> ﻿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ [22:68]

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ \* اللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وإن جادلك يا محمد هؤلاء المشركون بالله في نسكك، فقيل : الله أعلم بما تعملون ونعمل. كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد : وَإنْ جادَلُوكَ قال : قول أهل الشرك : أما ما ذبح الله بيمينه. فَقُلِ اللّهُ أعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ لنا أعمالنا ولكم أعمالكم.

### الآية 22:69

> ﻿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [22:69]

وقوله : اللّهُ يَحْكُمْ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ يقول تعالى ذكره : والله يقضي بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه من أمر دينكم تختلفون، فتعلمون حينئذ أيها المشركون المحقّ من المبطل.

### الآية 22:70

> ﻿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَابٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [22:70]

القول في تأويل قوله تعالى : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السّمَآءِ وَالأرْضِ إِنّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنّ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ . 
يقول تعالى ذكره : ألم تعلم يا محمد أن الله يعلم كلّ ما في السموات السبع والأرضين السبع، لا يخفى عليه من ذلك شيء، وهو حاكم بين خلقه يوم القيامة، على علم منه بجميع ما عملوه في الدنيا، فمجازي المحسن منهم بإحسانه والمسيء بإساءته. إنّ ذَلِكَ في كِتَابٍ يقول تعالى ذكره : إن علمه بذلك في كتاب، وهو أمّ الكتاب الذي كتب فيه ربنا جلّ ثناؤه قبل أن يخلق خلقه ما هو كائن إلى يوم القيامة. إنّ ذلكَ عَلى اللّهِ يَسِيرٌ. كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا ميسر بن إسماعيل الحلبيّ، عن الأوزاعيّ، عن عبدة بن أبي لُبابة، قال : علم الله ما هو خالق وما الخلق عاملون، ثم كتبه، ثم قال لنبيه : ألَمْ تَعْلَمْ أنّ اللّهَ يَعْلَمُ ما فِي السّماءِ والأرْضِ إنّ ذَلِكَ فِي كِتابٍ إنّ ذَلِكَ عَلى اللّهِ يَسِيرٌ. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني ميسر، عن أرطاة بن المنذر، قال : سمعت ضَمْرة بن حبيب يقول : إن الله كان على عرشه على الماء، وخلق السموات والأرض بالحقّ، وخلق القلم فكتب به ما هو كائن من خلقه، ثم إن ذلك الكتاب سبح الله ومجّده ألف عام، قبل أن يبدأ شيئا من الخلق. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن سيار، عن ابن عباس، أنه سأل كعب الأحبار عن أمّ الكتاب، فقال : علم الله ما هو خالق وما خلقه عاملون، فقال لعلمه : كُنْ كتابا. 
وكان ابن جُرَيج يقول في قوله : إنّ ذَلَكَ فِي كِتابٍ ما :
حدثنا به القاسم، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج : إنّ ذَلِكَ فِي كِتابٍ قال : قوله : اللّهُ يَحْكُم بَيْنَكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتِلَفُونَ. 
وإنما اخترنا القول الذي قلنا في ذلك، لأن قوله : إنّ ذلكَ إلى قوله : ألَمْ تَعْلَمْ أنّ اللّهَ يَعْلَمُ ما فِي السّمآءِ والأرْضِ أقرب منه إلى قوله : اللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ، فكان إلحاق ذلك بما هو أقرب إليه أولى منه بما بعد. 
وقوله : إنّ ذَلِكَ عَلى اللّهِ يَسِيرٌ اختلف في ذلك، فقال بعضهم : معناه : إن الحكم بين المختلفين في الدنيا يوم القيامة على الله يسير. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج : إنّ ذَلِكَ عَلى الله يَسِيرٌ قال : حكمه يوم القيامة، ثم قال بين ذلك : ألَمْ تَعْلَمْ أنّ اللّهَ يَعْلَمُ ما فِي السّماءِ وَالأرضِ إنّ ذلكَ في كتابٍ. 
وقال آخرون : بل معنى ذلك : أن كتاب القلم الذي أمره الله أن يكتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن على الله يسير يعني هين. وهذا القول الثاني أولى بتأويل ذلك، وذلك أن قوله : إنّ ذلكَ عَلى اللّهَ يَسِيرٌ. . . إلى قوله : ألَمْ تَعْلَمْ أنّ اللّهَ يَعْلَمُ ما فِي السّماءِ والأرْضِ بينهما فإلحاقه بما هو أقرب أولى ما وجد للكلام، وهو كذلك مخرج في التأويل صحيح.

### الآية 22:71

> ﻿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ ۗ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [22:71]

القول في تأويل قوله تعالى : وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظّالِمِينَ مِن نّصِيرٍ . 
يقول تعالى ذكره : ويعبد هؤلاء المشركون بالله من دونه ما لم ينزل به جلّ ثناؤه لهم حجة من السماء في كتاب من كتبه التي أنزلها إلى رسله، بأنها آلهة تصلح عبادتها فيعبدوها، بأن الله أذن لهم في عبادتها، وما ليس لهم به علم أنها آلهة. وما للظّالِمِينَ مِنْ نَصيِر يقول : وما للكافرين بالله الذين يعبدون هذه الأوثان من ناصر ينصرهم يوم القيامة، فينقذهم من عذاب الله ويدفع عنهم عقابه إذا أراد عقابهم.

### الآية 22:72

> ﻿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ ۖ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ۗ قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَٰلِكُمُ ۗ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [22:72]

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا تُتْلَىَ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الّذِينَ كَفَرُواْ الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قُلْ أَفَأُنَبّئُكُم بِشَرّ مّن ذَلِكُمُ النّارُ وَعَدَهَا اللّهُ الّذِينَ كَفَرُواْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ . 
يقول تعالى ذكره : وإذا تُتلى على مشركي قريش العابدين من دون الله ما لم ينزل به سلطانا آياتُنا يعني : آيات القرآن، بَيّناتٍ يقول : واضحات حججها وأدلتها فيما أنزلت فيه. تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ يقول : تتبين في وجوههم ما ينكره أهل الإيمان بالله من تغيرها، لسماعهم بالقرآن. 
وقوله : يَكادُونَ يَسْطُونَ بالّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا يقول : يكادون يبطشون بالذين يتلون عليهم آيات كتاب الله من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، لشدّة تكرّههم أن يسمعوا القرآن ويُتْلى عليهم. 
وبنحو ما قلنا في تأويل قوله يَسْطُونَ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : يَكادُونَ يَسْطُونَ يقول : يبطشون. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : يَكادُونَ يَسْطُونَ يقول : يقعون بمن ذكرهم. 
حدثنا محمد بن عمارة، قال : حدثنا عبد الله بن موسى، قال : أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد : يَكادُونَ يَسْطُونَ بالّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قال : يكادون يقعون بهم. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : يَكادُونَ يَسْطُونَ قال : يبطشون كفار قريش. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : يَكادُونَ يَسْطُونَ بالّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتنا يقول : يكادون يأخذونهم بأيديهم أخذا. 
وقوله : قُلْ أفأُنَبّئُكُمْ بِشَرّ مِنْ ذَلِكُم يقول : أفأنبئكم أيها المشركون بأكره إليكم من هؤلاء الذين تتكرّهون قراءتهم القرآن عليكم، هي النّارُ وعدها الله الذين كفروا. وقد ذُكر عن بعضهم أنه كان يقول : إن المشركين قالوا : والله إن محمدا وأصحابه لشرّ خلق الله فقال الله لهم : قل أفأنبئكم أيها القائلون هذا القول بشرّ من محمد صلى الله عليه وسلم ؟ أنتم أيها المشركون الذين وعدهم الله النار. ورفعت **«النار »** على الابتداء، ولأنها معرفة لا تصلح أن ينعت بها الشرّ وهو نكرة، كما يقال : مررت برجلين : أخوك وأبوك، ولو كانت مخفوضة كان جائزا وكذلك لو كان نصبا للعائد من ذكرها في وعدها وأنت تنوي بها الاتصال بما قبلها. يقول تعالى ذكره : فهؤلاء هم أشرار الخلق لا محمد وأصحابه. )
وقوله : وَبِئْسَ المَصِيرُ يقول : وبئس المكان الذي يصير إليه هؤلاء المشركون بالله يوم القيامة.

### الآية 22:73

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [22:73]

القول في تأويل قوله تعالى : يَأَيّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ إِنّ الّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذّبَابُ شَيْئاً لاّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ \* مَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ إِنّ اللّهَ لَقَوِيّ عَزِيزٌ . 
يقول تعالى ذكره : يا أيها الناس جعل لله مثل وذكر. ومعنى **«ضرب »** في هذا الموضع :**«جعل »** من قولهم : ضرب السلطان على الناس البعث، بمعنى : جعل عليهم. وضرب الجزية على النصارى، بمعنى جَعْل ذلك عليهم والمَثَل : الشبّهَ، يقول جلّ ثناؤه : جعل لي شبه أيها الناس، يعني بالشبّه والمَثَل : الآلهة، يقول : جعل لي المشركون والأصنام شبها، فعبدوها معي وأشركوها في عبادتي. فاسْتَمِعُوا له يقول : فاستمعوا حال ما مثلوه وجعلوه في عبادتهم إياه شبها وصفته. إنّ الّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابا يقول : إن جميع ما تعبدون من دون الله من الاَلهة والأصنام لو جمعت لم يخلقوا ذبابا في صغره وقلّته، لأنها لا تقدر على ذلك ولا تطيقه، ولو اجتمع لخلقه جميعها. والذباب واحد، وجمعه في القلة أذبة وفي الكثير ذِبّان، نظير غُراب يجمع في القلة أَغْربة وفي الكثرة غِرْبان. 
وقوله : وَإنْ يَسْلُبْهُمُ الذّبابُ شَيْئا يقول : وإن يسلب الاَلهة والأوثان الذبابُ شيئا مما عليها من طيب وما أشبهه من شيء لا يستنقذوه منه : يقول : لا تقدر الاَلهة أن تستنقذ ذلك منه. 
واختلف في معنى قوله : ضَعُفَ الطّالِبُ وَالمَطْلُوبُ فقال بعضهم : عني بالطالب : الاَلهة، وبالمطلوب : الذباب. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حجاج، عن ابن جُرَيج، قال ابن عباس، في قوله : ضَعُفَ الطّالِبُ قال : آلهتهم. وَالمَطْلُوبُ : الذباب. 
وكان بعضهم يقول : معنى ذلك : ضَعُفَ الطّالِبُ من بني آدم إلى الصنم حاجته، والمَطْلُوبُ إليه الصنم أن يعطي سائله من بني آدم ما سأله، يقول : ضعف عن ذلك وعجز. 
والصواب من القول في ذلك عندنا ما ذكرته عن ابن عباس من أن معناه : وعجز الطالب وهو الاَلهة أن تستنقذ من الذباب ما سلبها إياه، وهو الطيب وما أشبهه والمطلوب : الذباب. 
وإنما قلت هذا القول أولى بتأويل ذلك، لأن ذلك في سياق الخبر عن الاَلهة والذباب فأن يكون ذلك خبرا عما هو به متصل أشبه من أن يكون خبرا عما هو عنه منقطع. وإنما أخبر جلّ ثناؤه عن الاَلهة بما أخبر به عنها في هذه الآية من ضعفها ومهانتها، تقريعا منه بذلك عَبَدتها من مشركي قريش، يقول تعالى ذكره : كيف يجعل مثل في العبادة ويشرك فيها معي ما لا قدرة له على خلق ذباب، وإن أخذ له الذباب فسلبه شيئا عليه لم يقدر أن يمتنع منه ولا ينتصر، وأنا الخالق ما في السموات والأرض ومالكٌ جميع ذلك، والمحيي من أردت والمميت ما أردت ومن أردت. إن فاعل ذلك لا شكّ أنه في غاية الجهل.

### الآية 22:74

> ﻿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [22:74]

وقوله : ما قَدَرُوا اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ يقول : ما عظم هؤلاء الذين جعلوا الآلهة لله شريكا في العبادة حقّ عظمته حين أشركوا به غيره، فلم يخلصوا له العبادة ولا عرفوه حقّ معرفته من قولهم : ما عرفت لفلان قدره إذا خاطبوا بذلك من قَصّر بحقه وهم يريدون تعظيمه. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : وَإنْ يَسْلُبْهُمُ الذّبابُ شَيْئا. . . إلى آخر الآية، قال : هذا مثل ضربه الله لآلهتهم. وقرأ : ضَعُفَ الطّالِبُ وَالمَطْلُوبُ ما قَدَرُوا اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ حين يعبدون مع الله ما لا ينتصف من الذباب ولا يمتنع منه. 
وقوله : إنّ اللّهَ لَقَوِيّ يقول : إن الله لقويّ على خلق ما يشاء من صغير ما يشاء من خلقه وكبيره. عَزِيزٌ يقول : منيع في مُلكه لا يقدر شيء دونه أن يسلبه من ملكه شيئا، وليس كآلهتكم أيها المشركون الذين تدعون من دونه الذين لا يقدرون على خلق ذباب ولا على الامتناع من الذباب إذا استلبها شيئا ضعفا ومهانة.

### الآية 22:75

> ﻿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [22:75]

القول في تأويل قوله تعالى : اللّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النّاسِ إِنّ اللّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ . 
يقول تعالى ذكره : الله يختار من الملائكة رسلاً كجبريل وميكائيل اللذين كانا يرسلهما إلى أنبيائه ومن شاء من عباده ومن الناس، كأنبيائه الذين أرسلهم إلى عباده من بني آدم. ومعنى الكلام : الله يصطفي من الملائكة رسلاً، ومن الناس أيضا رسلاً. وقد قيل : إنما أنزلت هذه الآية لما قال المشركون : أنزل عليه الذكر من بيننا، فقال الله لهم : ذلك إليّ وبيدي دون خلقي، أختار من شئت منهم للرسالة. 
وقوله : إنّ اللّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ يقول : إن الله سميع لما يقول المشركون في محمد صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من عند ربه، بصير بمن يختاره لرسالته من خلقه.

### الآية 22:76

> ﻿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۗ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [22:76]

القول في تأويل قوله تعالى : يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأمور . 
يقول تعالى ذكره : الله يعلم ما كان بين أيدي ملائكته ورسله، من قبل أن يخلقهم وما خلفهم، يقول : ويعلم ما هو كائن بعد فنائهم. وَإلى اللّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ يقول : إلى الله في الآخرة تصير إليه أمور الدنيا، وإليه تعود كما كان منه البدء.

### الآية 22:77

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۩ [22:77]

القول في تأويل قوله تعالى : يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ ارْكَعُواْ وَاسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبّكُمْ وَافْعَلُواْ الْخَيْرَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ . 
يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله ارْكَعُوا لله في صلاتكم وَاسْجُدُوا له فيها وَاعْبُدُوا رَبّكُمْ يقول : وذلوا لربكم، واخضعوا له بالطاعة، وَافْعَلُوا الخَيْرَ الذي أمركم ربكم بفعله لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ يقول : لتفلحوا بذلك، فتدركوا به طَلِباتكم عند ربكم.

### الآية 22:78

> ﻿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ [22:78]

القول في تأويل قوله تعالى : وَجَاهِدُوا فِي اللّهِ حَقّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ مّلّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هََذَا لِيَكُونَ الرّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النّاسِ فَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَاةَ وَاعْتَصِمُواْ بِاللّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَىَ وَنِعْمَ النّصِيرُ . 
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : وَجاهِدُوا فِي اللّهِ حَقّ جِهادِهِ فقال بعضهم : معناه : وجاهدوا المشركين في سبيل الله حقّ جهاده. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد، عن عبد الله بن عباس، في قوله : وَجاهِدُوا فِي اللّهِ حَقّ جِهادِهِ كما جاهدتم أوّل مرّة فقال عمر : من أمر بالجهاد ؟ قال : قبيلتان من قريش مخزوم وعبد شمس. فقال عمر : صدقت. 
وقال آخرون : بل معنى ذلك : لا تخافواا في الله لومة لائم. قالوا : وذلك هو حقّ الجهاد. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : قال ابن عباس، في قوله : وَجاهِدُوا في اللّهِ حَقّ جِهادِهِ لا تخافو في الله لومة لائم. 
وقال آخرون : معنى ذلك : اعملوا بالحقّ حقّ عمله. وهذا قول ذكره عن الضحاك بعض من في روايته نظر. 
والصواب من القول في ذلك : قول من قال : عُنى به الجهاد في سبيل الله لأن المعروف من الجهاد ذلك، وهو الأغلب على قول القائل : جاهدت في الله. وحقّ الجهاد : هو استفراغ الطاقة فيه. 
وقوله : هُوَ اجْتَباكُمْ يقول : هو اختاركم لدينه، واصطفاكم لحرب أعدائه والجهاد في سبيله وقال ابن زيد في ذلك، ما :
حدثني به يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : هُوَ اجْتَباكُمْ قال : هو هداكم. 
وقوله : وما جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدّينِ مِنْ حَرَجٍ يقول تعالى ذكره : وما جعل عليكم ربكم في الدين الذي تعبدكم به من ضيق، لا مخرج لكم مما ابتليتم به فيه بل وسّع عليكم، فجعل التوبة من بعض مخرجا، والكفّارة من بعض، والقصاص من بعض، فلا ذنب يذنب المؤمن إلا وله منه في دين الإسلام مخرج. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني ابن زيد، عن ابن شهاب، قال : سأل عبد الملك بن مروان عليّ بن عبد الله بن عباس عن هذه الآية : ومَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الّدِين مِنْ حَرَجٍ فقال عليّ بن عبد الله : الحَرَج : الضيق، فجعل الله الكفارات مَخْرجا من ذلك، سمعت ابن عباس يقول ذلك. 
قال : أخربنا ابن وهب، قال : ثني سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، قال : سمعت ابن عباس يُسْأل عن : مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الّدهين مِنْ حَرَج، قال : ما ها هنا من هُذَيل أحد ؟ فقال رجل : نعم، قال : ما تعدّون الحرجة فيكم ؟ قال : الشيء الضيق. قال ابن عباس : فهو كذلك. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، قال : سمعت ابن عباس، وذكر نحوه، إلا أنه قال : فقال ابن عباس : أها هنا أحد من هذيل ؟ فقال رجل : أنا، فقال أيضا : ما تعدّون الحرج ؟ وسائر الحديث مثله. 
حدثني عمران بن بكار الكُلاعيّ، قال : حدثنا يحيى بن صالح، قال : حدثنا يحيى بن حمزة، عن الحكم بن عبد الله، قال : سمعت القاسم بن محمد يحدّث، عن عائشة، قالت : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الاَية : ومَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ قال :**«هو الضّيقُ »**. 
حدثنا حميد بن مسعدة، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا أبو خلدة، قال : قال لي أبو العالية : أتدري ما الحرج ؟ قلت : لا أدري. قال : الضيق. وقرأ هذه الاَية : ومَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ. 
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا حماد بن مسعدة، عن عوف، عن الحسن، في قوله : ومَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدّينِ مِنْ حَرَجٍ قال : من ضيق. 
حدثنا عمرو بن بندق، قال : حدثنا مروان بن معاوية، عن أبي خلدة، قال : قال لي أبو العالية : هل تدري ما الحَرَج ؟ قلت لا، قال : الضيق، إن الله لم يضيق عليكم، لم يجعل عليكم في الدين من حرج. 
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن ابن عون، عن القاسم أنه تلا هذه الاَية : ومَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ حَرَجٍ قال : تدرون ما الحرج ؟ قال : الضيق. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال : إذا تعاجم شيء من القرآن، فانظروا في الشعر، فإن الشعر عربيّ. ثم دعا ابن عباس أعرابيّا، فقال : ما الحَرَج ؟ قال : الضيق. قال : صدقت
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة : فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ قال : من ضيق. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله. 
وقال آخرون : معنى ذلك : ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ من ضيق في أوقات فروضكم إذا التبست عليكم، ولكنه قد وسع عليكم حتى تَيَقّنوا محلها. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن عثمان بن بشار، عن ابن عباس، في قوله : وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ قال : هذا في هلال شهر رمضان إذا شكّ فيه الناس، وفي الحجّ إذا شكوا في الهلال، وفي الفطر والأضحى إذا التبس عليهم، وأشباهه. 
وقال آخرون : بل معنى ذلك : ما جعل في الإسلام من ضيق، بل وسعه. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ يقول : ما جعل عليكم في الإسلام من ضيق، هو واسع، وهو مثل قوله في الأنعام : فَمَنْ يُرِدِ اللّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدِ أنْ يُضِلّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهْ ضَيّقا حَرَجا يقول : من أراد أن يضله يضيق عليه صدره، حتى يجعل عليه الإسلام ضيقا، والإسلامُ واسع. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ يقول : من ضيق، يقول : جعل الدين واسعا ولم يجعله ضيّقا. 
وقوله : مِلّةَ أبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ نصب ملة بمعنى : وما جعل عليكم في الدين من حرج، بل وسعه، كملّة أبيكم فلما لم يجعل فيها الكاف اتصلت بالفعل الذي قبلها فنصبت. وقد يحتمل نصبها أن تكون على وجه الأمر بها، لأن الكلام قبله أمر، فكأنه قيل : اركعوا واسجدوا والزموا ملَة أبيكم إبراهيم. ) وقوله : هُوَ سمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وفِي هَذَا يقول تعالى ذكره : سماكم يا معشر من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم المسلمين من قبل. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ يقول : الله سماكم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : أخبرني عطاء بن ابن أبي رباح، أنه سمع ابن عباس يقول : الله سماكم المسلمين من قبل. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة، وحدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق جميعا، عن معمر، عن قَتادة : هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ قال : الله سماكم المسلمين من قبل. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : هُوَ سمّاكُمُ المُسْلمِينَ قال : الله سماكم. 
حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول، في قوله : هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ يقول : الله سماكم المسلمين. 
وقال آخرون : بل معنا : إبراهيم سماكم المسلمين وقالوا هو كناية من ذكر إبراهيم صلى الله عليه وسلم : ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ قال : ألا ترى قول إبراهيم وَاجْعَلْنا مُسْلِمِينَ لَكَ وَمِنْ ذُرّيّتِنا أُمّةً مُسْلِمَةً لَكَ قال : هذا قول إبراهيم هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ ولم يذكر الله بالإسلام والإيمان غير هذه الأمة، ذُكرت بالإيمان والإسلام جميعا، ولم نسمع بأمة ذكرت إلا بالإيمان. 
ولا وجه لما قال ابن زيد من ذلك لأنه معلوم أن إبراهيم لم يسمّ أمة محمد مسلمين في القرآن، لأن القرآن أنزل من بعده بدهر طويل، وقد قال الله تعالى ذكره : هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وفي هَذَا ولكن الذي سمانا مسلمين من قبل نزول القرآن وفي القرآن الله الذي لم يزل ولا يزال. وأما قوله : مِنْ قَبْلُ فإن معناه : من قبل نزول هذا القرآن في الكتب التي نزلت قبله. وفي هَذَا يقول : وَفِي هَذَا الكِتابِ. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وفي هذا القرآن. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : قال ابن جُرَيج، قال مجاهد : مِنْ قَبْلُ قال : في الكتب كلها والذكر وفي هَذَا يعني القرآن. 
وقوله : لِيَكُونَ الرّسُولُ شَهِيدا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلى النّاسِ يقول تعالى ذكره : اجتباكم الله وسماكم أيها المؤمنون بالله وآياته، من أمة محمد صلى الله عليه وسلم مسلمين، ليكون محمد رسول الله شهيدا عليكم يوم القيامة بأنه قد بلغكم ما أرسل به إليكم، وتكونوا أنتم شهداء حينئذ على الرسل أجمعين أنهم قد بلّغوا أممهم ما أُرسلوا به إليهم. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة : هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ قال : الله سماكم المسلمين من قبل. وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرّسُولُ شَهِيدا عَلَيْكُمْ بأنه بلّغكم. وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلى النّاسِ أنّ رسلهم قد بلغتهم. 
وبه عن قَتادة، قال : أعطيت هذه الأمة ما لم يعطه إلا نبيّ، كان يقال للنبيّ : اذهب فليس عليك حرج وقال الله : ومَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدّينِ مِنْ حَرَجٍ، وكان يقال للنبيّ صلى الله عليه وسلم : أنت شهيد على قومك وقال ا

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/22.md)
- [كل تفاسير سورة الحج
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/22.md)
- [ترجمات سورة الحج
](https://quranpedia.net/translations/22.md)
- [صفحة الكتاب: جامع البيان في تأويل آي القرآن](https://quranpedia.net/book/4.md)
- [المؤلف: الطبري](https://quranpedia.net/person/3982.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/22/book/4) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
