---
title: "تفسير سورة المؤمنون - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/23/book/350.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/23/book/350"
surah_id: "23"
book_id: "350"
book_name: "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز"
author: "ابن عطية"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة المؤمنون - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/23/book/350)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة المؤمنون - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية — https://quranpedia.net/surah/1/23/book/350*.

Tafsir of Surah المؤمنون from "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز" by ابن عطية.

### الآية 23:1

> قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [23:1]

أخبر الله تعالى عن فلاح المؤمنين وأنهم نالوا البغية وأحرزوا البقاء الدائم، وروي عن كعب الأحبار أن الله تعالى لما خلق جنة عدن قال لها تكلمي فقالت  قد أفلح المؤمنون ، وروي عن مجاهد أن الله تعالى لما خلق الجنة وأتقن حسنها قال  قد أفلح المؤمنون ، وقرأ طلحة بن مصرف **«قد أفلحُ المؤمنون »** بضم الحاء يريد قد أفلحوا، وهي قراءة مردودة[(١)](#foonote-١)، وروي عنه **«قد أُفلِح »** بضم الهمزة وكسر اللام.

١ قال عيسى بن عمر: "سمعت طلحة بن مصرف يقرأ: قد أفلحوا المؤمنون، فقلت له: أتلحن؟ قال: نعم كما لحن أصحابي"، قال أبو حيان الأندلسي تعقيبا على ذلك: "يعني أن مرجوعه في القراءة إلى ما روي، وليس بلحن لأنه على لغة "أكلوني البراغيث"، وقال الزمخشري: "أو على الإبهام والتفسير"، وفي كتاب ابن خالويه كتبت بواو بعد الحاء، وفي اللوامح: وحذفت واو الجمع بعد الحاء لالتقائهما في الدرج، وكانت الكتابة عليها محمولة على الوصل، نحو ويمح الله الباطل..

### الآية 23:2

> ﻿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [23:2]

ثم وصف تعالى هؤلاء المفلحين فقال  الذين هم في صلاتهم خاشعون  والخشوع التطامن وسكون الأعضاء والوقار، وهذا إنما يظهر ممن في قلبه خوف واستكانة، وروي عن بعض العلماء أنه رأى رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال : لو خشع هذا خشعت جوارحه[(١)](#foonote-١)، وروي أن سبب هذه الآية أن المسلمين كانوا يلتفتون في صلاتهم يمنة ويسرة فنزلت هذه الآية وأمروا أن يكون بصر المصلي حذاء قبلته أو بين يديه، وفي الحرم إلى الكعبة، وروي عن ابن سيرين وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلتفت في صلاته إلى السماء فنزلت الآية في ذلك[(٢)](#foonote-٢).

١ أخرجه الحكيم الترمذي، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى رجلا يعبث بلحيته في صلاته فقال: (لو خشع هذا خشعت جوارحه)..
٢ أخرجه سعيد بن منصور، وابن جرير، والبيهقي في سننه. (الدر المنثور). وفي القرطبي أن المعتمد رواه عن خالد، عن ابن سيرين..

### الآية 23:3

> ﻿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ [23:3]

و  اللغو  سقط القول وهذا يعم جميع ما لا خير فيه ويجمع آداب الشرع، وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكأن الآية فيها موادعة.

### الآية 23:4

> ﻿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ [23:4]

وقوله  والذين هم للزكاة فاعلون  ذهب الطبري وغيره إلى أنها الزكاة المفروضة في الأموال، وهذا بين، ويحتمل اللفظ أن يريد ب **«الزكاة »** الفضائل كأنه أراد الأزكى من كل فعل، كما قال تعالى  خيراً منه زكاة وأقرب رحماً [(١)](#foonote-١) \[ الكهف : ٨١ \].

١ من الآية (٨١) من سورة (الكهف)..

### الآية 23:5

> ﻿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ [23:5]

وقوله  والذين هم لفروجهم حافظون  صفة العفة[(١)](#foonote-١).

١ قال ابن العربي: "من غريب القرآن أن هذه الآيات العشر عامة في الرجال والنساء، كسائر ألفاظ القرآن التي هي محتملة لهم فإنها فيهم، إلا قوله: والذين هم لفروجهم حافظون فإنما خاطب بها = الرجال خاصة دون الزوجات، بدليل قوله: إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم، وإنما عرف حفظ المرأة فرجها من أدلة أخرى كآيات الإحصان عموما وخصوصا، وغير ذلك من الأدلة".
 وعلى هذا فإنه يحل للمرأة أن تتسرر بغلامها المملوك لها بإجماع من العلماء؛ لأنها غير داخلة في الآية. وقد حدث ذلك في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأراد يرجم المرأة لولا أنها قررت له أنها فهمت الآية على أنها عامة في الرجال والنساء، ندرأ الحد عنها لأنها تأولت الآية، وعاقبها بأنه يحلها لحر بعده أبدا..

### الآية 23:6

> ﻿إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [23:6]

وقوله  إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم  الآية، يقتضي تحريم الزنا والاستمناء ومواقعة البهائم وكل ذلك في قوله،  وراء ذلك  ويريد وراء هذا الحد الذي حد، ومعنى  ما ملكت أيمانهم  من النساء ولما كان  حافظون  بمعنى محجزون حسن استعمال  على .

### الآية 23:7

> ﻿فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [23:7]

و **«العادي »** الظالم.

### الآية 23:8

> ﻿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [23:8]

قرأ جمهور الناس **«لأماناتهم »** بالجمع، وقرأ ابن كثير **«لأمانتهم »** بالإفراد، والأمانة العهد تجمع كل ما تحمله الإنسان من أمر دينه ودنياه قولاً وفعلاً، وهذا يعم معاشرة الناس والمواعيد وغير ذلك، ورعاية ذلك حفظه والقيام به، والأمانة أعم من العهد، إذ كل عهد فهو أمانة فيما تقدم فيه قول أو فعل أو معتقد، وقد تعن أمانة فيما لم يعهد فيه تقدم، وهذا إذا أخذناهما بنسبتهما إلى العبد، فإن أخذناهما من حيث هما[(١)](#foonote-١) عهد الله إلى عباده وأمانته التي حملهم كانا في رتبة واحدة.

١ في بعض النسخ: "من حيث صلحا"..

### الآية 23:9

> ﻿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [23:9]

وقرأ الجمهور **«صلواتهم »**، وقرأ حمزة والكسائي **«صلاتهم »** بالإفراد، وهذا الإفراد اسم جنس فهو في معنى الجمع، والمحافظة على الصلاة رقب أوقاتها والمبادرة إلى وقت الفضل فيها.

### الآية 23:10

> ﻿أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ [23:10]

و  الوارثون  يريد الجنة، وروي من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى جعل لكل إنسان مسكناً في الجنة ومسكناً في النار، فأما المؤمنون فيأخذون منازلهم ويرثون منازل الكفار ويحصل الكفار في مساكنهم في النار[(١)](#foonote-١). 
ويحتمل أَن يسمي تعالى الحصول على الجنة وراثة من حيث حصلوها دون غيرهم، فهو اسم مستعار على الوجهين،

١ أخرجه سعيد بن منصور، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي في البعث، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وكان تخريج ابن ماجه له بمعناه، وقال عنه القرطبي: إسناده صحيح..

### الآية 23:11

> ﻿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [23:11]

و  الفردوس ، مدينة الجنة وهي جنة الأعناب، واللفظة، فيما قال مجاهد، رومية عربت، والعرب تقول للكروم فراديس، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأم حارثة :**«إنها جنان كثيرة وإن ابنك قد أصاب الفردوس الأعلى »**[(١)](#foonote-١).

١ أخرج عبد بن حميد، عن أنس أن الربيع بنت النضر أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ابنها الحارث بن سراقة أصيب يوم بدر، أصابه سهم غرب، فقالت: أخبرني عن حارثة، فإن كان أصاب الجنة احتسبت وصبرت، وإن كان لم يصب الجنة اجتهدت في الدعاء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أم حارثة إنها جنان في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى، والفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها ا. هـ. والسيف الغرب هو القاطع الحديد، قال الشاعر:
 غربا سريعا في العظام الخرس.

### الآية 23:12

> ﻿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ [23:12]

هذا ابتداء كلام والواو في أوله عاطفة جملة الكلام على جملة وإن تباينت في المعاني، واختلف المفسرون في قوله  الإنسان  فقال قتادة وغيره : أراد آدم عليه السلام لأنه استل من الطين.

### الآية 23:13

> ﻿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ [23:13]

ويجيء الضمير في قوله  ثم جعلناه  عائداً على ابن آدم وإن كان لم يذكر لشهرة الأمر وأن المعنى لا يصلح إلا له، نظير ذلك  حتى توارت بالحجاب [(١)](#foonote-١) \[ ص : ٣٢ \] وغيره، وقال ابن عباس وغيره المراد بقوله  الإنسان  ابن آدم، و  سلالة من طين  صفوة الماء ع وهذا على أنه اسم الجنس ويترتب فيه أَنه سلالة من حيث كان الكل عن آدم أو عن أبويه المتغذيين بما يكون من الماء والطين وذلك السبع الذي جعل الله رزق ابن آدم، وسيجيء قول ابن عباس فيها إن شاء الله[(٢)](#foonote-٢)، وعلى هذا يجيء قول ابن عباس : إن **«السلالة »** هي صفوة الماء يعني المني، وقال مجاهد  سلالة من طين  : مني آدم ع وهذا نبيل إذ آدم طين وذريته من سلالة، وما يكون عن الشيء فهو سلالته، وتختلف وجوه ذلك الكون فمنه قولهم للخمر سلالة لأنها سلالة العنب ومنه قول الشاعر :\[ الطويل \]
إذا أنتجت منها المهار تشابهت. . . على العود إلا بالأنوف سلائله[(٣)](#foonote-٣)
ومن اللفظ قول هند بنت النعمان بن بشير :
سليلة أفراس تجللها بغل[(٤)](#foonote-٤). . . ومنه قول الآخر \[ حسان بن ثابت \] :\[ الطويل \]
فجاءت به عضب الأديم غضنفراً. . . سلالة فرج كان غير حصين[(٥)](#foonote-٥)
وهذه الفرقة يترتب مع قولها عود الضمير في **«جعلنا وأنشأنا »** و  النطفة  تقع في اللغة على قليل الماء وعلى كثيره، وهي هنا لمني ابن آدم، و **«القرار المكين »** من المرأة هو موضع الولد، و **«المكين »** المتمكن فكأن القرار هو المتمكن في الرحم.

١ من الآية (٣٢) من سورة (ص)..
٢ سيأتي ذلك عند تفسير قوله تعالى: ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق، وسيبين المؤلف السبع التي جعل الله تعالى رزق ابن آدم فيها..
٣ البيت شاهد على أن السلائل جمع سلالة، وأن السلالة هي ما يكون عن الشيء، أو ما ينسل منه، ويختلف الانسلال باختلاف الأشياء، والمهر ولد الفرس، والإبل المهرية منسوبة إلى حي عظيم هم ولد مهرة بن حيدان، وجمعها مهارى ومهار، والعود: الجمل المسن وفيه بقية، والرواية في الطبري: "على القود"، ولم أجد هذا البيت في معاجم اللغة، ولا في كتب التفسير إلا الطبري، ولا في معاني القرآن للفراء، أو في مجاز القرآن لأبي عبيدة..
٤ هذا عجز بيت ذكره في اللسان (سلل) ونسبه إلى هند بنت النعمان كما قال ابن عطية، والبيت بتمامه:
 وما هند إلا مهرة عربية سليلة أفراس تحللها بغل
 والرواية في الطبري: (وهل كنت إلا مهرة) والمهر، أول ما ينتج من الخيل والحمر الأهلية، والأنثى مهرة. وتجللها: علاها، ويروى: تحللها ـ بالحاء المهملة ـ أي جعلها حليلة له، والسليلة: بنت الرجل من صلبه، والمراد بالبغل هنا الرجل الذي يشبه البغل، والبغل مذموم مكروه. تندب حظها وتقول: إنها مهرة عربية أصيلة وقد تزوجت رجلا فظا يشبه البغل في صفاته وطباعه، وقد قيل: إن كلمة بغل تصحيف عن نغل بالنون، وهو الخسيس من الناس والدواب، وذلك لأن البغل لا ينسل، ونميل إلى غير هذا؛ لأنها إنما أرادت سوء حظها، وأنها برقتها وجمالها وأصالتها قد نكبت بهذا البغل بما فيه من فظاظة وجلافة وانعدام الحساسية والذوق..
٥ البيت لحسان بن ثابت، وهو في اللسان أيضا (سلل)، وفي الطبري، والقرطبي، ورواية الطبري: "حملت به" بدلا من "فجاءت به"، ويستشهدون به على أن السلالة هي نطفة الإنسان، وأن سلالة الشيء هي ما استل منه، وعضب الأديم: غليظ الجلد، يعني أنه شديد قوي الجلد، وقد قال محقق اللسان: "لعله بالصاد المهملة بدلا من الضاد؛ لأن هذا التعبير غير موجود في اللغة..

### الآية 23:14

> ﻿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [23:14]

و  العلقة  الدم الغريض، و  المضغة  بضعة اللحم قدر ما يمضغ، وقرأ الجمهور  عظاماً  في الموضعين، وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر **«عظماً »** بالإفراد في الموضعين، وقرأ السلمي وقتادة والأعرج والأعمش بالإفراد أولاً وبالجمع في الثاني، وقرأ مجاهد وأبو رجاء وإبراهيم بن أَبي بكير بعكس ذلك، وفي قراءة ابن مسعود، **«ثم جعلنا المضغة عظاماً وعصباً فكسوناه لحماً »**، واختلف الناس في **«الخلق الآخر »**، فقال ابن عباس والشعبي وأَبو العالية والضحاك وابن زيد : هو نفخ الروح فيه، وقال ابن عباس أيضاً : خروجه إلى الدنيا، وقال قتادة عن فرقة : نبات شعره، وقال مجاهد : كمال شبابه وقال ابن عباس أيضاً : تصرفه في أمور الدنيا. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وهذا التخصيص كله لا وجه له وإنما هو عام في هذا وغيره من وجوه من النطق والإدراك وحسن المحاولة هو بها  آخر ، وأول رتبة من كونه  آخر  هي نفخ الروح فيه، والطرف الآخر من كونه  آخر  تحصيله المعقولات، و **«تبارك »** مطاوع بارك فكأنها بمنزلة تعالى وتقدس من معنى البركة، وهذه الآية يروى أن عمر بن الخطاب لما سمع صدر الآية إلى قوله  آخر  قال  فتبارك الله أَحسن الخالقين  فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا أنزلت[(١)](#foonote-١)، ويروى أن قائل ذلك معاذ بن جبل رضي الله عنه[(٢)](#foonote-٢)، ويروى أَن قائل ذلك هو عبد الله بن أَبي سرح وبهذا السبب ارتد، وقال أنا آتي بمثل ما يأتي به محمد وفيه نزلت :
 ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحي إليَّ ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله [(٣)](#foonote-٣) \[ الأنعام : ٩٣ \]، الآية وقوله  أحسن الخالقين  معناه الصانعين يقال لمن صنع شيئاً خلقه ومنه قول الشاعر :\[ الكامل \]
ولأنت تفري ما خلقت. . . وبعض القوم يخلق ثم لا يفري[(٤)](#foonote-٤)
وذهب بعض الناس إلى نفي هذه اللفظة عن الناس، فقال ابن جريج : إنما قال  الخالقين  لأَنه تعالى قد أذن لعيسى في أَن يخلق، واضطرب بعضهم في ذلك[(٥)](#foonote-٥)، ولا تنفى اللفظة عن البشر في معنى الصنع وإنما هي منفية الاختراع والإيجاد من العدم، ومن هذه الآية قول ابن عباس لعمر حين سأل مشيخة الصحابة عن ليلة القدر فقالوا الله أعلم، فقال عمر : ما تقول يا ابن عباس، فقال : يا أمير المؤمنين إن الله خلق السماوات سبعاً، والأرضين سبعاً، وخلق ابن آدم من سبع، وجعل رزقه في سبع، فأراها في ليلة سبع وعشرين، فقال : آعجزكم أن تأتوا بمثل ما أتى به هذا الغلام الذي لم تجتمع شؤون رأسه وهذا الحديث بطوله في مسند ابن أَبي شيبة فأراد ابن عباس بقوله خلق ابن آدم من سبع هذه الآية، وبقوله جعل رزقه في سبع قوله  فأنبتنا فيها حباً وعنباً وقضباً وزيتوناً ونخلاً وحدائق غلباً وفاكهة وأبّا [(٦)](#foonote-٦) \[ عبس : ٢٧ \] الآية السبع منها لابن آدم والأب للأنعام والقضب يأكله ابن آدم ويسمن منه النساء هذا قول، وقيل القضب البقول لأنها تقضب فهي رزق ابن آدم، وقيل : القضب والأب للأنعام والستة الباقية لابن آدم والسابعة هي الأنعام إذ هي من أعظم رزق ابن آدم.

١ أخرج الطيالسي، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عساكر، عن أنس قال: قال عمر: وافقت ربي في أربع: قلت: يا رسول الله، لو صليت خلف المقام، فأنزل الله: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، وقلت: يا رسول الله، لو اتخذت على نسائك حجابا فإنه يدخل عليك البر والفاجر، فأنزل الله وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب، وقلت لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم: لتنتهن أو ليبدلنه الله أزواجا خيرا منكن، فأنزلت عسى ربه إن طلقكن الآية، ونزلت ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين الآية... إلى قوله: ثم أنشأناه خلقا آخر، فقلت أنا: "فتبارك الله أحسن الخالقين" فنزلت فتبارك الله أحسن الخالقين. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: لما نزلت  ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين الآية قال عمر رضي الله عنه: "فتبارك الله أحسن الخالقين" فنزلت فتبارك الله أحسن الخالقين.
 وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عن صالح أبي الخليل، قال: نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم: ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين إلى قوله: ثم أنشأناه خلقا آخر، قال عمر: "فتبارك الله أحسن الخالقين" فقال: والذي نفسي بيده إنها ختمت بالذي تكلمت به يا عمر..
٢ أخرج ابن راهويه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، وابن مردويه، عن زيد بن ثابت قال: أملى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين إلى قوله:  خلقا آخر، فقال معاذ بن جبل: "فتبارك الله أحسن الخالقين"، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال معاذ: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: إنها ختمت فتبارك الله أحسن الخالقين..
٣ هذه هي الآية (٩٣) من سورة (الأنعام)، وقد قيل: إنها نزلت في عبد الله بن أبي سرح الذي كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ارتد ولحق بالمشركين، وسبب ذلك أنه لما نزلت آية المؤمنين هذه دعاه النبي صلى الله عليه وسلم وأملاها عليه، فلما انتهى إلى قوله:  خلقا آخر قال عبد الله متعجبا من هذا التفصيل: "فتبارك الله أحسن الخالقين" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هكذا أنزلت علي)، فشك عبد الله حينئذ وقال: لئن كان محمد صادقا لقد أوحي إلي كما أوحي إليه، ولئن كان كاذبا لقد قلت كما قال، فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين، راجع الجزء الخامس صفحة ٢٨٦ وما بعدها..
٤ البيت لزهير بن أبي سلمى، وهو في الديوان، والطبري، والقرطبي، واللسان، والتاج، ومختار الشعر الجاهلي، وهو من قصيدة له يمدح بها هرم بن سنان، ومطلعها: "لمن الديار بقنة الحجر"، وتفري: تقطع، و "ما خلقت" معناها: ما قدرت وهيأت للقطع، والفري: القطع بعد التقدير، ويقال: خلق الأديم خلقا، بمعنى قدره لما يريد قبل القطع، وقاسه ليقطع منه مزادة أو قربة، ولذلك تسمي العرب كل صانع كالنجار والخياط خالقا، وهذا هو موضع الشاهد، يقول لهرم: أنت إذا قدرت أمرا قطعته، أي أنفذته وأمضيته، وغيرك يقدر ثم لا ينفذ لأنه ليس مثلك ماضي العزم..
٥ كثر الكلام في المعنى المراد بهذه الآية، وفي الجمع بينها وبين قوله تعالى في الآية (٣) من سورة (فاطر): هل من خالق غير الله، ومن أحسن ما قيل في ذلك هو ما أشار إليه ابن عطية في تفسيره لمعنى قول الله هنا: أحسن الخالقين، وهو أن خلق يكون بمعنى الإيجاد ولا موجد سوى الله تعالى، ويكون بمعنى التقدير كما في قول زهير، وهو المراد هنا. فأبناء آدم قد يصنعون ويقدرون، والله تعالى هو خير الصانعين والمقدرين..
٦ الآيات (٢٧ ـ ٣١) من سورة (عبس)..

### الآية 23:15

> ﻿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ [23:15]

ذلك  إشارة إلى ما ذكر من هذه الأحوال، وقرأ ابن أَبي عبلة **«لمايتون »** بالألف.

### الآية 23:16

> ﻿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ [23:16]

و  تبعثون  معناه من قبوركم أَحياء، وهذا خبر بالبعث والنشور.

### الآية 23:17

> ﻿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ [23:17]

و **«الطريق »** كل ما كان طبقات بعضه فوق بعض، ومنه طارقت نعلي، ويريد ب **«السبع الطرائق »** السماوات، ويجوز أن تكون **«الطرائق »** بمعنى المبسوطات من طرقت الشيء، وقوله تعالى : وما كنا عن الخلق غافلين  نفي عام في إتقان خلقهم وعن مصالحهم وعن أَعمالهم.

### الآية 23:18

> ﻿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ [23:18]

وقوله تعالى : ماء بقدر ، قال بعض العلماء أراد المطر، وقال بعضهم إنما أراد الأنهار الأربعة سيحان وجيحان والفرات والنيل، والصواب أن هذا كله داخل تحت الماء الذي أنزله الله تعالى، وقال مجاهد : ليس في الأرض ماء إلا وهو من السماء ويمكن أَن يقيد هذا بالعذب وإلا فالأجاج ثابت في الأرض مع القحط والعذب يقل مع القحط، وأيضاً فالأحاديث تقتضي الماء الذي كان قبل خلق السماوات والأرض، ولا محالة أَن الله قد جعل في الأرض ماء وأنزل من السماء ماء، وقوله،  بقدر ، أي على مقدار مصلح لأَنه لو كثر أهلك.

### الآية 23:19

> ﻿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ [23:19]

فأنشأنا ، معناه فأوجدنا وخلقنا، وذكر تعالى **«النخيل والأعناب »** لأَنها ثمرة الحجاز بالطائف والمدينة وغيرهما قاله الطبري، ولأنهما أيضاً أشرف الثمار فذكرها مثالاً تشريفاً لها وتنبيهاً عليها، وقوله  لكم فيها  يحتمل أن يعود الضمير على الجنات فيريد حينئذ جميع أنواع الفاكهة، ويحتمل أن يعود على النخيل والأعناب خاصة، إذ فيها مراتب وأنواع والأول أعم لسائر الثمرات.

### الآية 23:20

> ﻿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ [23:20]

وقوله  وشجرة  عطف على قوله  جنات  ويريد بها الزيتونة وهي كثيرة في  طور سيناء  من أرض الشام وهو الجبل الذي كلم فيه موسى عليه السلام قاله ابن عباس وغيره، و ******«الطور »****** الجبل في كلام العرب وقيل هو مما عرب من كلام العجم واختلف في  سيناء  فقال قتادة معناه الحسن ويلزم على هذا التأويل أَن ينون ******«الطور »****** وقال مجاهد معناه مبارك، وقال معمر عن فرقة ذو شجر ع ويلزمهم أن ينون ******«الطور »******، وقال الجمهور هو اسم الجبل كما تقول جبل أحد، و  سيناء ، اسم مضاف إليه الجبل، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير **«سِيناء »** بكسر السين، وقرأ الباقون وعمر بن الخطاب **«سَيناء »** بفتح السين، وكلهم بالمد، فعلى فتح السين لا ينصرف الاسم بوجه، وعلى كسر السين فالهمزة كهمزة حرباء ولم يصرف في هذه الآية لأَنه جعل اسم بقعة أو أَرض، وقرأ الجمهور، **«تنبُت »** بفتح التاء وضم الباء فالتقدير تنبت ومعها الدهن كما تقول خرج زيد بسلاحه، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو **«تُنبت »** بضم التاء واختلف في التقدير على هذه القراءة، فقالت فرقة الباء زائدة وهذا كقوله
 ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة [(١)](#foonote-١) \[ البقرة : ١٩٥ \] وهذا المثال عندي معترض وإن كان أبو علي ذكره وكقول الشاعر :\[ الرجز \]
نحن بني جعدة أرباب الفلج. . . نضرب بالبيض ونرجو بالفرج[(٢)](#foonote-٢)
ونحو هذا. وقالت فرقة : التقدير **«تنبت »** جناها ومعه الدهن فالمفعول محذوف قاله أبو علي الفارسي أيضاً وقد قيل نبت وأنبت بمعنى فيكون الفعل كما مضى في قراءة الجمهور والأصمعي ينكر البيت ويتهم قصيدة زهير التي فيها أَنبت البقل[(٣)](#foonote-٣)، وقرأ الزهري والحسن والأعرج **«تُنبَتُ »** برفع التاء ونصب الباء قال أَبو الفتح هي باء الحال أي تنبت ومعها دهنها[(٤)](#foonote-٤) وفي قراءة ابن مسعود تخرج بالدهن وهي أيضاً باء الحال وقرأ زر بن حبيش **«تُنبِت »** بضم التاء وكسر الباء **«الدهن »** بحذف الباء ونصبه وقرأ سليمان بن عبد الملك والأشهب **«بالدهان »** بالألف والمراد في هذه الآية تعديد نعمة الزيت على الإنسان وهي من أركان النعم التي لا غنى بالصحة عنها ويدخل في معنى الزيتونة شجر الزيت كله على اختلافه بحسب الأقطار وقرأت فرقة، **«وصبغ »**، وقرأت فرقة **«وأصباغ »** بالجمع، وقرأ عامر بن عبد قيس، **«ومتاعاً للآكلين »**[(٥)](#foonote-٥).

١ من الآية (١٩٥) من سورة (البقرة)..
٢ هذا الرجز للنابغة الجعدي، وهو في الديوان، والخزانة، ومعجم البكري، ومغني اللبيب، والطبري، والقرطبي. والفلج: الماء الجاري، وهو في هذا الرجز موضع لبني جعدة، وهو في أعلى بلاد قيس. والبيض ـ بكسر الباء ـ: السيوف، أي: نقاتل بالسيوف، و (نحن) مبتدأ وخبره (بنو جعدة)، وروي البيت (بني جعدة) بالنصب على الاختصاص، فيكون خبر المبتدأ هو (أرباب)، والشاهد في البيت هو زيادة الباء في (بالفرج)، قال ابن عصفور في (الضرائر): زيادة الباء هنا ضرورة. ولكن ابن السيد قال في (شرح أدب الكاتب): إنما الرجاء بالباء لأنه بمعنى الطمع، والطمع يتعدى بالباء، قال الشاعر ـ وهو البعيث ـ:
 طمعت بليلى أن تجود وإنما تقطع أعناق الرجال المطامع.
٣ هذه آخر جملة في بيت قاله زهير بن أبي سلمى من قصيدة له يمدح فيها سنان بن أبي حارثة المري، يقول في مطلعها: (صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو)، والبيت بتمامه مع بيت قبله:
 إذا السنة الشهباء بالناس أجحفت ونال كرام المال في الحجرة الأكل
 رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم قطينا بها حتى إذا أنبت البقل
 والبيت في الديوان، وفي اللسان، والطبري، والقرطبي. والسنة الشهباء هي البيضاء من شدة الجدب لشدة ما فيها من ثلج وعدم النبات، وأجحفت: أضرت ضررا بالغا وأهلكت الأموال، والحجرة: السنة الشديدة التي تحجر الناس في البيوت، والمراد بقوله (نال كرام المال الأكل) أنهم لشدة الحاجة أكلوا أكرم ما عندهم وهو الإبل، والقطين: السكان المقيمون. والبيت يذكر شاهدا على أن نبت وأنبت بمعنى واحد، قال الفراء: هما لغتان، والأصمعي يتهم القصيدة..
٤ فهي كقولك: خرج بثيابه، أي: وثيابه عليه، كأنه قيل: خرج لابسا ثيابه. بهذا عبر أبو الفتح في المحتسب..
٥ قال أبو حيان الأندلسي في البحر: "كأنه يريد تفسير الصبغ"..

### الآية 23:21

> ﻿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ [23:21]

الأنعام  هي الإبل والبقر والضأن والمعز و **«العبرة »** في خلقتها وسائر أخبارها، وقرأ الجمهور **«نُسقيكم »** بضم النون من أسقى، ورويت عن عاصم، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر **«نَسقيكم »** بفتح النون من سقى، فمن الناس من قال هما لغتان بمعنى، ومنهم من قال سقيته إذا أعطيته للشفة وأسقيته إذا جعلت له سقياً لأرض أو ثمرة ونحوه، فكأن الله تعالى جعل الأنعام لعبيده سقياً يشربون وينتجعون، وقرأ أبو جعفر **«تسقيكم »** بالتاء من فوق أَي تسقيكم الأنعام، و **«المنافع »** الحمل عليها وجلودها وأصوافها وأوبارها وغير ذلك مما يطول عده،

### الآية 23:22

> ﻿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ [23:22]

و  الفلك ، السفن واحدها فلك الحركات في الواحد كحركات قفل والحركات في الجمع كحركات أسد وكتب[(١)](#foonote-١).

### الآية 23:23

> ﻿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ أَفَلَا تَتَّقُونَ [23:23]

هذا ابتداء تمثيل لكفار قريش بأمم كفرت بأنبيائها فأهلكوا، ففي ضمن ذلك الوعيد بأن يحل بهؤلاء نحو ما حل بأولئك، و **«نوح »** عليه السلام أول نبي أرسل إلى الناس وإدريس أول من نبيّ ولم يرسل.

### الآية 23:24

> ﻿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ [23:24]

و  الملأ  الأشراف لأنهم عنهم يصدر الملأ وهو جمع القوم، وفي قوله  هؤلاء  استبعاد بعثة البشر وهم قوم مقرون بالملائكة وذلك لا شك متقرر عندهم من بقايا نبوءة آدم وإدريس وغيرهما. ولم يكن عن علم صحيح ولا معرفة بأخبار نبوءة والجنة جنون.

### الآية 23:25

> ﻿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ [23:25]

فتربصوا  معناه فاصبروا وانتظروا هلاكه، و  حتى حين  معناه إلى وقت ولم يعينوه وإنما أرادوا إلى وقت يريحكم القدر منه.

### الآية 23:26

> ﻿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ [23:26]

ثم إن نوحاً عليه السلام دعا على قومه حين يئس منهم وإن كان دعاؤه في هذه الآية ليس بنص وإنما هو ظاهر من قوله  بما كذبون  فهذا يقتضي طلبه العقوبة وأما النصرة بمجردها فكانت تكون بردهم إلى الإيمان، وقرأ أبو جعفر وابن محيصن **«ربُّ انصرني »** برفع الباء وكذلك **«ربُّ احكم »**[(١)](#foonote-١) وشبهه.

١ من الآية (١١٢) من سورة (الأنبياء)..

### الآية 23:27

> ﻿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ ۙ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ ۖ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۖ إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ [23:27]

قد تقدم القول في صفة السفينة وقدرها في سورة هود، و  الفلك  هنا مفرد لا جمع، وقوله تعالى  بأعيننا  عبارة عن الإدراك، هذا مذهب الحذاق، ووقفت الشريعة على أعين وعين ولا يجوز أن يقال عينان من حيث لم توقف الشريعة على التثنية و  وحينا  معناه في كيفية العمل ووجه البيان، وذلك أن جبريل عليه السلام نزل إلى نوح فقال له اصنع كذا وكذا لجميع حكم السفينة وما تحتاج إليه واستجن الكفار نوحاً لادعائه النبوءة بزعمهم أنها دعوى وسخروا منه لعمله السفينة على غير مجرى، ولكونها أَول سفينة إن صح ذلك، وقوله  أمرنا ، يحتمل أن يكون مصدراً بمعنى أَن نأمر الماء بالفيض ويحتمل أن يريد واحد الأمور أي هلاكنا للكفرة، وقد تقدم القول في معنى قوله  وفار التنور  والصحيح من الأقوال فيه أنه تنور الخبز وأَنها أمارة كانت بين الله تعالى وبين نوح عليه السلام وقوله  فاسلك  معناه فادخل ومنه قول الشاعر :\[ البسيط \]
حتى سلكن الشوى منهن في مسلك. . . من نسل جوابة الآفاق مهداج[(١)](#foonote-١)
وقول الآخر :\[ الوافر \]
وكنت لزاز خصمك لم أعرد. . . وقد سلكوك في يوم عصيب[(٢)](#foonote-٢)
يقال سلك وأسلك بمعنى، وقرأ حفص **«من كلٍّ »** بتنوين **«كلٍّ »**، وقرأ الباقون وأَبو بكر عن عاصم بإضافة **«كلِّ »** دون تنوين[(٣)](#foonote-٣) و **«الزوجان »** كل ما شأنه الاصطحاب من كل شيء كالذكر والأنثى من الحيوان ونحو النعال وغيرها كل واحد زوج للآخر هذا موقع اللفظة في اللغة، والعدديون يوقعون الزوج على الاثنين، وعلى هذا أمر استعمال العامة للزوج، وقوله  وأهلك  يريد قرابته ثم استثنى  من سبق عليه القول  بأنه كافر، وهو ابنه وامرأته، ثم أمر نوح عليه السلام أَن لا يراجع ربه ولا يخاطبه شافعاً في أَحد من الظالمين، والإشارة إلى من استثنى إذ العرف من البشر الحنو على الأهل.

١ البيت لأبي وجزة السعدي، واسمه يزيد بن عبيد، من بني سعد بن بكر أظآر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في اللسان (مسك وهدج)، وسلك الشيء في الشيء: أدخله فيه، سلكا أي: إدخالا، = كقوله تعالى: كذلك سلكناه في قلوب المجرمين، وهذا هو موضع الشاهد هنا، والشوى هنا: اليدان والرجلان من الأتن، والمسك: الأسورة والخلاخيل من الذبل والقرون والعاج، واحدته مسكة، وقد استعاره أبو وجزة هنا فجعل ما تدخل فيه الأتن أرجلها من الماء مسكا، وجوابة الآفاق: السحابة التي تجوب آفاق السماء من مكان إلى مكان، والمهداج هنا: الريح التي لها حنين، يعني أن الماء من نسل الريح التي تستدر السحاب وتلقحه فيمطر، فهو من نسلها. يصف أبو وجزة الأتن التي وردت الماء ليلا ونزلت فيه بقوائمها أي دخلت قوائمها في الماء فصار لها مثل الأساور التي تجعلها المرأة في يديها، وهذا الماء الذي أدخلت الأتن قوائمها فيه كان من نسل سحاب مهداج عصرته الريح منه..
٢ هذا البيت لعدي بن زيد العبادي، وهو في اللسان، وقد تكرر الاستشهاد به في هذا التفسير (راجع جـ ٧ ص ٣٥٨)، وفيه يخاطب الشاعر النعمان في قصيدة اعتذار، ويقول: إني ظللت ملازما لأعدائك لا أتراجع ولا أفر حين وقعت في يوم عصيب شديد، ولزاز الخصم: الملازم له، والتعريد: الفرار وسرعة الذهاب في الهزيمة، وسلكوك: أدخلوك، والعصيب: الشديد. والشاهد هنا هو أن سلك بمعنى أدخل..
٣ من قرأ بالتنوين حذف المضاف إليه، والتقدير: من كل حيوان أو نحوه، ومن قرأ بالإضافة أعمل \[اسلك\] في قوله: \[اثنين\]، وجاء قوله تعالى: \[زوجين\] بمعنى العموم، أي: من كل ماله ازدواج، قال ذلك أبو علي الفارسي..

### الآية 23:28

> ﻿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [23:28]

ثم أمره تعالى بأَن يحمد ربه على النجاة من الظلمة عند استوائه وتمكنه في الفلك.

### الآية 23:29

> ﻿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ [23:29]

ثم أمر بالدعاء في بركة المنزل، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر **«مَنزِلاً »** بفتح الميم وكسر الزاي وهو موضع النزول، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم **«مُنزَلاً »** وهو مصدر بمعنى الإنزال بضم الميم وفتح الزاي، ويجوز أَن يراد موضع النزول[(١)](#foonote-١).

١ قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن نوحا قال ذلك حين خرج من السفينة، وقال بعضهم: بل حين دخلها، وعلى كل فالآية الكريمة تعليم من الله عز وجل لعباده إذا ركبوا أو نزلوا أن يقولوا هذا، قال العلماء: بل وإذا دخلوا بيوتهم، وروي عن علي رضي الله عنه أنه كان إذا دخل المسجد قال: اللهم أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين..

### الآية 23:30

> ﻿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ [23:30]

وقوله  إن في ذلك لآيات ، خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم أي أَن فيما جرى على هذه الأمم لعبراً ودلائل لمن له نظر وعقل، ثم أخبر أَنه تعالى يبتلي عباده الزمن بعد الزمن على جهة الوعيد لكفار قريش بهذا الإخبار، و  إن  عند سيبويه هي المخففة من الثقيلة واللام لام تأكيد، والفراء يقول  إن  نافية واللام بمعنى إلا و  لمبتلين  معناه لمصيبين ببلاء ومختبرين اختباراً يؤدي إلى ذلك.

### الآية 23:31

> ﻿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ [23:31]

قال الطبري رحمه الله : إن هذا **«القرن »** هم ثمود و **«رسولهم »** صالح. 
قال القاضي أبو محمد : وفي جل الروايات ما يقتضي أن قوم عاد أقدم إلا أَنهم لم يهلكوا بصيحة[(١)](#foonote-١)، وفي هذا احتمالات كثيرة والله أعلم.

١ يعني أن بعض الروايات تقول: إن القرن المقصود هم قوم عاد لأنهم بعد نوح وكانوا قبل ثمود، ولكن قوم عاد لم يهلكوا بصيحة، والقرن المقصود أهلكهم الله بصيحة بدليل قوله تبارك وتعالى بعد هذا في الآية (٤١): فأخذتهم الصيحة بالحق}..

### الآية 23:32

> ﻿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ أَفَلَا تَتَّقُونَ [23:32]

وقول الآخر: \[الوافر\]

وكنت لزاز خصمك لم أعرد  وقد سلكوك في يوم عصيب يقال سلك وأسلك بمعنى، وقرأ حفص عن عاصم **«من كلّ»** بتنوين ****«كلّ»****، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم بإضافة ****«كلّ»**** دون تنوين و **«الزوجان»** كل ما شأنه الاصطحاب من كل شيء كالذكر والأنثى من الحيوان ونحو النعال وغيرها كل واحد زوج للآخر هذا موقع اللفظة في اللغة، والعدديون يوقعون الزوج على الاثنين وعلى هذا أمر استعمال العامة للزوج، وقوله وَأَهْلَكَ يريد قرابته ثم استثنى مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ بأنه كافر وهو ابنه وامرأته، ثم أمر نوح عليه السلام أن لا يراجع ربه ولا يخاطبه شافعا في أحد من الظالمين، والإشارة إلى من استثنى إذ العرف من البشر الحنو على الأهل، ثم أمره تعالى بأن يحمد ربه على النجاة من الظلمة عند استوائه وتمكنه في الفلك، ثم أمره بالدعاء في بركة المنزل، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر ****«منزلا»**** بفتح الميم وكسر الزاي وهو موضع النزول، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم ****«منزلا»**** وهو مصدر بمعنى الإنزال بضم الميم وفتح الزاي، ويجوز أن يراد موضع النزول وقوله إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ، خطاب لمحمد ﷺ أي أن فيما جرى على هذه الأمم لعبرا ودلائل لمن له نظر وعقل، ثم أخبر أنه تعالى يبتلي عباده الزمن بعد الزمن على جهة الوعيد لكفار قريش بهذا الإخبار، وإِنَّ عند سيبويه هي المخففة من الثقيلة واللام لام تأكيد، والفراء يقول إِنَّ نافية واللام بمعنى إلا ولَمُبْتَلِينَ معناه لمصيبين ببلاء ومختبرين اختبارا يؤدي إلى ذلك.
 **قوله عز وجل:**
 \[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٣١ الى ٣٤\]
 ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٣٤)
 قال الطبري رحمه الله: إن هذا **«القرن»** هم ثمود و **«رسولهم»** صالح.
 قال القاضي أبو محمد: وفي جل الروايات ما يقتضي أن قوم عاد أقدم إلا أنهم لم يهلكوا بصيحة، وفي هذا احتمالات كثيرة والله أعلم، وَأَتْرَفْناهُمْ معناه نعمناهم وبسطنا لهم الآمال والأرزاق، ومقالة هؤلاء أيضا تقتضي استبعاد بعثة البشر وهذه الطائفة وقوم نوح لم يذكر في هذه الآيات أن المعجزة ظهرت لهم وأنهم كذبوا بعد وضوحها ولكن ذلك مقدر معلوم وإن لم تعين لنا المعجزة والعقاب لا يتعلق بأحد إلا بعد تركه الواجب عليه، ووجوب الاتباع إنما هو بعد قيام الحجة على المرء أو على من هو المقصد، والجمهور كالعرب في معجزة القرآن والأطباء لعيسى، والسحرة لموسى، فبقيام الحجة على هؤلاء قامت على جميع من وراءهم.

### الآية 23:33

> ﻿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ [23:33]

وأترفناهم  معناه نعمناهم وبسطنا لهم الآمال والأرزاق، ومقالة هؤلاء أيضاً تقتضي استبعاد بعثة البشر وهذه طائفة وقوم نوح لم يذكر في هذه الآيات أن المعجزة ظهرت لهم وأَنهم كذبوا بعد وضوحها ولكن مقدر معلوم وإن لم تعين لنا المعجزة والعقاب لا يتعلق بأحد إلا بعد تركه الواجب عليه، ووجوب الاتباع إنما هو بعد قيام الحجة على المرء أو على من هو المقصد، والجمهور كالعرب في معجزة القرآن والأطباء لعيسى، والسحرة لموسى، فبقيام الحجة على هؤلاء قامت على جميع من وراءهم.

### الآية 23:34

> ﻿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ [23:34]

وقول الآخر: \[الوافر\]

وكنت لزاز خصمك لم أعرد  وقد سلكوك في يوم عصيب يقال سلك وأسلك بمعنى، وقرأ حفص عن عاصم **«من كلّ»** بتنوين ****«كلّ»****، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم بإضافة ****«كلّ»**** دون تنوين و **«الزوجان»** كل ما شأنه الاصطحاب من كل شيء كالذكر والأنثى من الحيوان ونحو النعال وغيرها كل واحد زوج للآخر هذا موقع اللفظة في اللغة، والعدديون يوقعون الزوج على الاثنين وعلى هذا أمر استعمال العامة للزوج، وقوله وَأَهْلَكَ يريد قرابته ثم استثنى مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ بأنه كافر وهو ابنه وامرأته، ثم أمر نوح عليه السلام أن لا يراجع ربه ولا يخاطبه شافعا في أحد من الظالمين، والإشارة إلى من استثنى إذ العرف من البشر الحنو على الأهل، ثم أمره تعالى بأن يحمد ربه على النجاة من الظلمة عند استوائه وتمكنه في الفلك، ثم أمره بالدعاء في بركة المنزل، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر ****«منزلا»**** بفتح الميم وكسر الزاي وهو موضع النزول، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم ****«منزلا»**** وهو مصدر بمعنى الإنزال بضم الميم وفتح الزاي، ويجوز أن يراد موضع النزول وقوله إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ، خطاب لمحمد ﷺ أي أن فيما جرى على هذه الأمم لعبرا ودلائل لمن له نظر وعقل، ثم أخبر أنه تعالى يبتلي عباده الزمن بعد الزمن على جهة الوعيد لكفار قريش بهذا الإخبار، وإِنَّ عند سيبويه هي المخففة من الثقيلة واللام لام تأكيد، والفراء يقول إِنَّ نافية واللام بمعنى إلا ولَمُبْتَلِينَ معناه لمصيبين ببلاء ومختبرين اختبارا يؤدي إلى ذلك.
 **قوله عز وجل:**
 \[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٣١ الى ٣٤\]
 ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٣٤)
 قال الطبري رحمه الله: إن هذا **«القرن»** هم ثمود و **«رسولهم»** صالح.
 قال القاضي أبو محمد: وفي جل الروايات ما يقتضي أن قوم عاد أقدم إلا أنهم لم يهلكوا بصيحة، وفي هذا احتمالات كثيرة والله أعلم، وَأَتْرَفْناهُمْ معناه نعمناهم وبسطنا لهم الآمال والأرزاق، ومقالة هؤلاء أيضا تقتضي استبعاد بعثة البشر وهذه الطائفة وقوم نوح لم يذكر في هذه الآيات أن المعجزة ظهرت لهم وأنهم كذبوا بعد وضوحها ولكن ذلك مقدر معلوم وإن لم تعين لنا المعجزة والعقاب لا يتعلق بأحد إلا بعد تركه الواجب عليه، ووجوب الاتباع إنما هو بعد قيام الحجة على المرء أو على من هو المقصد، والجمهور كالعرب في معجزة القرآن والأطباء لعيسى، والسحرة لموسى، فبقيام الحجة على هؤلاء قامت على جميع من وراءهم.

### الآية 23:35

> ﻿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ [23:35]

قوله  أيعدكم  استفهام بمعنى التوقيف على جهة الاستبعاد وبمعنى الهزء بهذا الوعد. 
و  أنكم  الثانية بدل من الأولى عند سيبويه وفيه معنى تأكيد الأولى وكررت لطول الكلام، وكأن المبرد أبى عبارة البدل لكونه من غير مستقل إذا لم يذكر خبر **«أن »** الأولى والخبر عن سيبويه محذوف تقديره أنكم تبعثون إذا متم، وهذا المقدر هو العامل في  إذا  وفي قراءة عبد الله بن مسعود **«أيعدكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مخرجون »** بحذف  أنكم  الأولى، ويعنون بالإخراج النشور من القبور.

### الآية 23:36

> ﻿۞ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ [23:36]

وقوله  هيهات هيهات  استبعاد، وهذه كلمة لها معنى الفعل، التقدير بعد كذا، فطوراً تلي الفاعل دون لام تقول هيهات مجيء زيد أَي بعد ذلك، ومنه قول جرير :\[ الطويل \]
فأيهات أيهات العقيق ومن به. . . وأيهات خل بالعقيق نواصله[(١)](#foonote-١)
وأحياناً يكون الفاعل محذوفاً وذلك عند اللام كهذه الآية، التقدير بعد الوجود لما توعدون، ومن حيث كانت هذه اللفظة بمعنى الفعل أشبهت الحروف مثل صه وغيرها، فلذلك بنيت على الفتح[(٢)](#foonote-٢)، وهذه قراءة الجماعة بفتح التاء وهي مفرد سمي به الفعل في الخبر، أي بعد، كما أَن شتان اسم افترق وعرف تسمية الفعل أَن يكون في الأمر كصه وحسن[(٣)](#foonote-٣)، وقرأ أبو جعفرٍ **«هيهاتِ هيهاتِ »** بكسر التاء غير منونة، وقرأها عيسى بن عمر وأَبو حيوة بخلاف عنه **«هيهاتٍ هيهاتٍ »** بتاء مكسورة منونة وهي على هاتين القراءتين عند سيبويه جمع ******«هيهات »****** وكان حقها أَن تكون **«هيهاتي »** إلا أن ضعفها لم يقتض إظهار الياء فقال سيبويه رحمه الله هي مثل بيضات أَراد في أَنها جمع فظن بعض النحاة أَنه أَراد في اتفاق المفرد فقال واحد ******«هيهات »****** هيهة وليس كما قال، وتنوين عيسى على إرادة التنكير وترك التعريف، وقرأ عيسى الهمداني **«هيهاتْ »** بتاء ساكنة وهي على هذا الجماعة لا مفرد، وقرأها كذلك الأعرج، ورويت عن أَبي عمرو وقرأ أبو حيوة **«هيهاتٌ »** بتاء مرفوعة منونة وهذا على أَنه اسم معرب مستقل وخبره  توعدون  أي البعد لوعدكم، كما تقول النجح لسعيكم[(٤)](#foonote-٤)، وروي عن أَبي حيوة **«هيهاتُ »** بالرفع دون تنوين، وقرأ خالد بن إلياس **«هيهاتاً هيهاتاً »** بالنصب والتنوين والوقف على ******«هيهات »****** من حيث هي مبنية بالهاء، ومن قرأ بكسر التاء وقف بالتاء، وفي اللفظة لغات **«هيها وهيهات وهيهان وأيهات وهيهات وهيهاتاً وهيهاء »**[(٥)](#foonote-٥) قال رؤبة، **«هيهاه »** من منخرق **«هيهاوه »**[(٦)](#foonote-٦)، وقرأ ابن أَبي عبلة **«هيهات هيهات ما توعدون »** بغير لام.

١ البيت لجرير بن عطية الخطفي كما قال المؤلف، وهو من قصيدة له يرد على الفرزدق فيما كان بينهما، والرواية في الديوان:
 فأيهات أيهات العقيق ومن به وأيهات وصل بالعقيق تواصله
 **والبيت في اللسان (هيه)، والرواية فيه:**
 فهيهات هيهات العقيق وأهله وهيهات خل بالعقيق نحاوله
 والعقيق: واد بالعالية. قال في اللسان: "وهيهات: كلمة معناها البعد، والتاء مفتوحة مثل كيف وأصلها هاء، وناس يكسرونها على كل حال بمنزلة نون التثنية"..
٢ مذهب البصريين أن هذه الألفاظ (هيهات، وصه، ومه) وأمثالها أسماء حقيقة ونابت عن الفعل في لفظه فهي بمعناه، وهب المعروفة بأنها "أسماء الأفعال"، ومذهب الكوفيين أنها أفعال حقيقة، وهذه الأسماء لا موضع لها من الإعراب، وهيهات اسم فعل ماض بمعنى بعد، كما أن "شتان" بمعنى افتراق، و "مه" اسم فعل أمر بمعنى: انكفف عن فعل هذا الشيء..
٣ "صه": اسم فعل أمر بمعنى اسكت، و "هس": اسم فعل أمر فيه زجر للغنم كما أن "عدس" زجر للبغل، و "هلا" للجواد..
٤ قال أبو الفتح ابن جني: "من قال: هيهاة هيهاة" فإنه يكتبها بالهاء لأن ذلك يحتمل أمرين: أحدهما أم يكون أخلصها اسما معربا فيه معنى البعد ولم يجعله اسما للفعل فيبنيه كما بنى الناس غيره، وقوله تعالى: لما توعدون خبر عنه، كأنه قال: البعد لوعدكم، كما يقول القائل: الخلف لموعدك. والأمر الآخر أن تكون مبنية على الضم، كما بنيت تكتب بالتاء..
٥ حكى بعض العلماء في "هيهات" ستا وثلاثين لغة: هيهاه، وأيهاه، وهيهات، وأيهات، وهيهان، وأيهان، وكل واحدة من هذه الست مضمومة الآخر ومفتوحته ومكسورته، وكل واحد منونة وغير منونة، بل حكى بعضهم زيادة على ذلك: هيهاك، وأيهاك، وأيهاء، وأيهاه، وهيهاء، وهيهاه. (حاشية الصبان على شرح الأشموني)..
٦ هذا البيت من قصيدة لرؤبة بن العجاج يصف المفازة والسراب، يقول في مطلعها:
 وبلد عامية أعماؤه
 كأن لون أرضه سماؤه
 والرواية في الديوان "في منخرق" بدلا من "من منخرق"، قال أبو الفتح: "كأنه قال: بعد بعده، وهو كقولهم: جن جنونه، وضل ضلاله، وقولهم: موت مائت، وشعر شاعر على طريقة المبالغة، وهيهاؤه إذا فعلا له، كزلزاله وقلقاله، والهمزة فيه منقلبة عن ياء؛ لأنه من باب حاحيت وعاعيت".
 والبيت في اللسان (هيه)، وقد نسبه للعجاج، وذكر بعده عن ابن سيده أن ابن جني أنشده ولم يفسره، ثم قال ابن سيده: "ولا أدري ما معنى "بهاؤه". وقد رأيت ما نقلناه عن ابن جني من توضيح للمراد بهيهاؤه. وبهذا فسره ابن بري أيضا..

### الآية 23:37

> ﻿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ [23:37]

وقولهم  إن هي إلا حياتنا الدنيا  أرادوا أنه لا وجود لنا غير هذا الوجود، وإنما تموت منا طائفة فتذهب وتجيء طائفة جديدة، وهذا كفر الدهرية.

### الآية 23:38

> ﻿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ [23:38]

و  بمؤمنين  معناه بمصدقين.

### الآية 23:39

> ﻿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ [23:39]

ثم دعا عليهم نبيهم وطلب عقوبتهم على تكذيبهم.

### الآية 23:40

> ﻿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ [23:40]

المعنى  قال  الله لهذا النبي الداعي  عما قليل  يندم قومك على كفرهم حين لا ينفعهم الندم.

### الآية 23:41

> ﻿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً ۚ فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [23:41]

ومن ذكر  الصيحة  ذهب الطبري إلى أَنهم قوم ثمود، وقوله  بالحق  معناه بما استحقوا من أَفعالهم وبما حق منا في عقوبتهم، و **«الغثاء »** ما يحمله السيل من زبده ومعتاده الذي لا ينتفع به فيشبه كل هامد وتالف بذلك و  بعداً  منصوب بفعل مضمر متروك إظهاره.

### الآية 23:42

> ﻿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ [23:42]

ثم أخبر تعالى عن أنه **«أنشأ »** بعد هؤلاء أمماً كثيرة كل أمة بأجل في كتاب لا تتعداه في وجودها وعند موتها.

### الآية 23:43

> ﻿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ [23:43]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٤١:ومن ذكر  الصيحة  ذهب الطبري إلى أَنهم قوم ثمود، وقوله  بالحق  معناه بما استحقوا من أَفعالهم وبما حق منا في عقوبتهم، و ****«الغثاء »**** ما يحمله السيل من زبده ومعتاده الذي لا ينتفع به فيشبه كل هامد وتالف بذلك و  بعداً  منصوب بفعل مضمر متروك إظهاره. ---

### الآية 23:44

> ﻿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَىٰ ۖ كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ ۚ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ۚ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ [23:44]

و  تترا  مصدر بمنزلة فعلى مثل الدعوى والعدوى ونحوها، وليس تترى بفعل وإنما هو مصدر من تواتر الشيء، وقرأ الجمهور **«تترا »** كما تقدم ووقفهم بالألف، وحمزة والكسائي يميلانها، قال أبو حاتم هي ألف تأنيث[(١)](#foonote-١)، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو **«تتراً »** بالتنوين ووقفهما بالألف وهي ألف إلحاق[(٢)](#foonote-٢) قال ابن سيده يقال جاءوا **«تَتْراً وتِتْراً »** أي متواترين التاء مبدلة من الواو على غير قياس لأن قياس إبدال الواو تاء إنما هو في افتعل وذلك نحو : اترز واتجه، وقوله  أتبعنا بعضهم بعضاً  أي في الإهلاك، وقوله  وجعلناهم أحاديث  يريد أحاديث مثل[(٣)](#foonote-٣)، وقلَّما يستعمل الجعل حديثاً إلا في الشر.

١ فهي بمنزلة ألف في "سكرى وغضبى"..
٢ فهي بمنزلة ألف في "أرطى ومعزى"..
٣ أي أحاديث عبرة ومثل للآخرين، والأحاديث جمع أحدوثة وهي ما يتحدث به، كأعاجيب جمع أعجوبة وهي ما يتعجب منه، ويجوز أن يكون الحديث بالخير إذا قيد بذلك، فهو حديث حسن، قال ابن دريد:
 وإنما المرء حديث بعده فكن حديثا حسنا لمن وعى.

### الآية 23:45

> ﻿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ [23:45]

ثم  هنا على بابها لترتيب الأمور واقتضاء المهلة، و **«الآيات »** التي جاء بها  موسى  و  هارون  هي اليد والعصا اللتان اقترن بهما التحدي وهما **«السلطان المبين »**، ويدخل في عموم اللفظ سائر آياتهما كالبحر والمرسلات الست[(١)](#foonote-١)، وأما غير ذلك مما جرى بعد الخروج من البحر فليست تلك لفرعون بل هي خاصة ببني إسرائيل. 
١ المرسلات الست هي التي أرسلها الله عليهم وذكرها في سورة الأعراف، وهي: الطوفان والجراد والقمل والضفاد ع والدم والرجز..

### الآية 23:46

> ﻿إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ [23:46]

و **«الملأ »** هنا الجمع يعم الأشراف وغيرهم، و  استكبروا ، معناه عن الإيمان بموسى وأخيه لأَنهم أنفوا من ذلك، و  عالين ، معناه قاصدين للعلو بالظلم والكبرياء.

### الآية 23:47

> ﻿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ [23:47]

وقوله  عابدون  معناه خامدون متذللون، ومن هنا قيل لعرب الحيرة العباد لأَنهم دخلوا من بين العرب في طاعة كسرى، هذا أَحد القولين في تسميتهم والطريق المعبد المذلل وعلو هؤلاء هو الذي ذكر الله تعالى في قوله  تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً [(١)](#foonote-١) \[ القصص : ٨٣ \]

### الآية 23:48

> ﻿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ [23:48]

و  من المهلكين  يريد بالغرق.

### الآية 23:49

> ﻿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ [23:49]

الكتاب  التوراة، و  لعلهم  يريد بني إسرائيل لأن التوراة إنما نزلت بعد هلاك فرعون والقبط، والترجي في **«لعل »** في حيز البشر أَي كان من فعلنا معهم ما يرجو معه ابن آدم إيمانهم وهداهم والقضاء قد حتم بما حتم.

### الآية 23:50

> ﻿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ [23:50]

و  ابن مريم ، عيسى عليه السلام وقصتهما كلها آية عظمى بمجموعها وهي آيات مع التفصيل وأخذها من كلا الوجهين متمكن، و **«آوى »** معناه ضم واستعمل اللفظة في الأماكن أي أقررناهما، و ********«الربوة »******** المرتفع من الأرض، وقرأ جمهور الناس **«رُبوة »** بضم الراء، وقرأ عاصم وابن عامر بفتحها وهي قراءة الحسن وأبي عبد الرحمن، وقرأ ابن عباس ونصر عن عاصم بكسرها، وقرأ محمد بن إسحاق **«رُباوة »** بضم الراء، وقرأ الأشهب العقيلي بفتحها، وقرأت فرقة بكسرها وكلها لغات قرىء بها، و ****«القرار »****، التمكن فمعنى هذا أَنها مستوية بسيطة للحرث والغراسة قاله ابن عباس، وقال قتادة ****«القرار »**** هنا الحبوب والثمار[(١)](#foonote-١)، ومعنى الآية أنها من البقاع التي كملت خصالها فهي أَهل أَن يستقر فيها وقد يمكن أَن يستقر على الكمال في البقاع التي ماؤها آبار فبين بعد أَن ماء هذه الربوة يرى معيناً جارياً على وجه الأرض قاله ابن عباس وهذا كمال الكمال، و **«المعين »**، الظاهر الجري للعين فالميم زائدة وهو الذي يعاين جريه لا كالبئر ونحوه، وكذلك أدخل الخليل وغيره هذه اللفظة في باب. ع، ي، ن، وقد يحتمل أن تكون من قولهم معن الماء : إذا كثر، ومنه قولهم المعن المعروف والجود، فالميم فاء الفعل، وأنشد الطبري على هذا قول عبيد بن الأبرص :
واهية أو معين ممعن. . . وهضبة دونها لهوب[(٢)](#foonote-٢)
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«يرحم الله هاجر لو تركت زمزم لكانت عيناً معيناً »**[(٣)](#foonote-٣)، وهذا يحتمل الوجهين، وهذه الربوة هي الموضع الذي فرت إليه مريم حين استحيت في قصة عيسى عليه السلام وهو الذي قيل لها فيه  قد جعل ربك تحتك سريا [(٤)](#foonote-٤) \[ مريم : ٢٤ \] هذا قول بعض المفسرين واختلف الناس في موضع الربوة فقال : ابن المسيب سعيد : هي الغوطة بدمشق وهذا أشهر الأقوال لأن صفة الغوطة أنها  ذات قرار ومعين  على الكمال، وقال أبو هريرة هي الرملة من فلسطين وأسنده الطبري عن كريب البهزي عن النبي عليه السلام[(٥)](#foonote-٥)، ويعارض هذا القول أن الرملة ليس يجري بها ماء البتة وذكره الطبري وضعف القول به، وقال كعب الأحبار ********«الربوة »******** بيت المقدس وزعم أن في التوراة أن بيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء وأنه يزيد على أَعلى الأرض ثمانية عشر ميلاً. 
قال أبو محمد رحمه الله : ويترجح أن ********«الربوة »******** بيت لحم من بيت المقدس لأن ولادة عيسى هنالك كانت، وحينئذ كان الإيواء، وقال ابن زيد ********«الربوة »******** بأرض مصر وذلك أنها رُبا يجيء فيض النيل إليها فيملأ الأرض ولا ينال تلك الربى وفيها القرى وبها نجاتها. 
قال أبو محمد رحمه الله : ويضعف هذا القول أنه لم يرو أَن عيسى عليه السلام ومريم كاناً بمصر ولا حفظت لهما بها قصة.

١ لأن الثمار والحبوب تعمل على الاستقرار في المكان..
٢ البيت من قصيدة عبيد المشهورة: "أقفر من أهله ملحوب"، وهو من أبيات البداية التي صور فيها المنازل المقفرة وتقلب صروف الدهر عليها، وقبل هذا البيت يقول عبيد:
 عيناك دمعها سروب كأن شأنيهما شعيب
 فهو يقول: إن دمع عينيك دائم الجريان، كأن عروق الدمع في رأسك قربة ماء ممزقة، وسروب: دائمة السيلان، والشأن واحد الشئون وهي عروق تجري منها الدموع، والشعيب هي السقاء البالي، أو القربة = الممزقة. ثم في بيتنا يصف القربة بأنها واهية، أي ضعيفة ممزقة، والمعين: الماء، والممعن: الجاري، واللهوب: جمع لهب وهو الشعب في الجبل أو الفرجة بين جبلين. والهضبة: المكان المرتفع. وهو يقول: الماء يجري من هذه القربة الواهية كأنه الماء الجاري على وجه الأرض في سهولة، أو الماء الهابط من الهضبة العالية إلى شق منحدر في الجبل..
٣ أخرجه البخاري في المساقاة، وأحمد في مسنده ١ ـ ٣٤٧، عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم ـ أو قال: لو لم تغرف من الماء ـ لكانت عينا معينا، وأقبل جرهم فقالوا: أتأذنين أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولا حق لكم في الماء، قالوا: نعم)..
٤ من الآية (٢٤) من سورة (مريم)..
٥ أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، وابن مردويه، وابن عساكر، عن مرة البهزي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الرملة الربوة).
 وأخرج الطبراني، وابن السكن، وابن منده، وأبو نعيم، وابن عساكر ـ من طرق ـ عن الأقرع بن شفي العكي رضي الله عنه، قال: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم في مرض يعوذني، فقلت: لا أحسب إلا أني ميت من مرضي، قال: (كلا، لتبقين ولتهاجرن منها إلى أرض الشام وتموت وتدفن بالربوة من أرض فلسطين)، فمات في خلافة عمر رضي الله عنه ودفن بالرملة..

### الآية 23:51

> ﻿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [23:51]

وقوله  يا أيها الرسل ، يحتمل أن يكون معناه وقلنا يا أيها الرسل فتكون هذه بعض القصص التي ذكر وكيفما حول المعنى[(١)](#foonote-١) فلم يخاطبوا قط مجتمعين، وإنما خوطب كل واحد في عصره، وقالت فرقة : الخطاب بقوله  يا أيها الرسل  لمحمد عليه السلام، ثم اختلفت فقال بعضها : أقامه مقام الرسل كما قال : الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم[(٢)](#foonote-٢)، وقيل غير هذا مما لا يثبت مع النظر، والوجه في هذا أن يكون الخطاب لمحمد وخرج بهذه الصيغة ليفهم وجيزاً أن هذه المقالة قد خوطب بها كل نبي أو هي طريقتهم التي ينبغي لهم الكون عليها وهذا كما تقول لتاجر يا تجار ينبغي أن تجتنبوا الربا فأنت تخاطبه بالمعنى، وقد اقترن بذلك أَن هذه المقالة تصلح لجميع صنفه، وقال الطبري : الخطاب بقوله  يا أيها الرسل  لعيسى، وروي أنه كان يأكل من غزل أمه، والمشهور عنه أَنه كان يأكل من بقل البرية، ووجه خطابه لعيسى ما ذكرناه من تقدير لمحمد صلى الله عليه وسلم، و  الطيبات  هنا الحلال ملذة وغير ذلك[(٣)](#foonote-٣)، وفي قوله  إني بما تعلمون عليم  تنبيه ما على التحفظ وضرب من الوعيد بالمباحثة صلى الله على جميع رسله وأنبيائه وإذا كان هذا معهم فما ظن كل الناس بأنفسهم.

١ اختلفت النسخ الأصلية في هذه الجملة، ففي بعضها: "فكيف بأمور من المعنى"، وفي بعضها: "وكيف ما تحول المعنى"..
٢ من الآية (١٧٣) من سورة (آل عمران)..
٣ كذلك اختلفت الأصول في كتابة هذه الجملة، ففي بعضها "الحلال ملذة وغير ذلك"..

### الآية 23:52

> ﻿وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [23:52]

قرأ عاصم وحمزة والكسائي **«وإنّ »** بكسر الألف وشد النون، وقرأ ابن عامر و ********«أن »******** بفتح الألف وتخفيف ********«أن »******** وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو **«وأنّ هذه »** بفتح الألف وتشديد **«أنّ »**، فالقراءة الأولى بينة على القطع، وأما فتح الألف وتشديد النون فمذهب سيبويه أنها متعلقة بقوله، آخراً  فاتقون  على تقدير ولأن، أي فاتقون لأن  أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون  وهذا عنده نحو قوله عز وجل : وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً [(١)](#foonote-١) \[ الجن : ١٨ \]. و ********«أن »******** عنده في موضع خفض وهي عند الخليل في موضع نصب لما زال الخافض، وقد عكس هذا الذي نسبت إليهما بعض الناس، وقال الفراء ********«أن »******** متعلقة بفعل مضمر تقديره : واعملوا واحفظوا، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق **«أمةٌ واحدةٌ »** بالرفع على البدل، وقرأ نافع وعاصم وأبو عمرو **«أمة واحدةً »** بالنصب على الحال وقيل على البدل من  هذه  وفي هذا نظر، وهذه الآية تقوي أن قوله تعالى : يا أيها الرسل  \[ المؤمنون : ٥١ \]، إنما هو مخاطبة لجميعهم وأنه بتقرير حضورهم وتجيء هذه الآية بعد ذلك بتقدير وقلنا للناس، وإذا قدرت  أيها الرسل  \[ المؤمنون : ٥١ \] مخاطبة لمحمد عليه السلام قلق اتصال هذه واتصال

١ الآية (١٨) من سورة (الجن)..

### الآية 23:53

> ﻿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [23:53]

قوله  فتقطعوا ، أما أن قوله  وأنا ربكم فاتقون  وإن كان قيل للأنبياء فأممهم داخلون بالمعنى فيحسن بعد ذلك اتصال  فتقطعوا ، ومعنى **«الأمة »** هنا الملة والشريعة[(١)](#foonote-١) والإشارة بهذه إلى الحنيفية السمحة ملة إبراهيم عليه السلام وهو دين الإسلام، وقوله  فتقطعوا  يريد الأمم أي افترقوا وليس بفعل مطاوع كما تقول تقطع الثوب بل هو فعل متعد بمعنى قطعوا ومثاله تجهمني الليل وتخوفني السير وتعرقني الزمن، وقرأ نافع **«زُبراً »** بضم الزاي جمع زبور، وقرأ الأعمش وأبو عمرو بخلاف **«زُبَراً »** بضم الزاي وفتح الباء، فأما القراءة الأولى فتحتمل معنيين احدهما أَن الأمم تنازعت أمرها كتباً منزلة فاتبعت فرقة الصحف، وفرقة التوارة، وفرقة الزبورن وفرقة الإنجيل، ثم حرف الكل وبدل، وهذا قول قتادة، والثاني أنهم تنازعوا أمرهم كتباً وضعوها وضلالات ألفوها وهذا قول ابن زيد، وأما القراءة الثانية فمعناها فرقاً كزبر الحديد

١ ومنه قوله تعالى: إنا وجدنا آباءنا على أمة، وقول النابغة:
 = حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع؟.

### الآية 23:54

> ﻿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ [23:54]

ثم ذكر تعالى أن كل فريق منهم معجب برأيه وضلالته وهذه غاية الضلال لأن المرتاب بما عنده ينظر في طلب الحق ومن حيث كان ذكر الأمم في هذه الآية مثالاً لقريش خاطب محمداً عليه السلام في شأنهم متصلاً بقوله  فذرهم  أي فذر هؤلاء الذين هم بمنزلة من تقدم و **«الغمرة »**، ما عمهم من ضلالهم وفعل بهم فعل الماء الغمر[(١)](#foonote-١) لما حصل فيهم، وقرأ عبد الرحمن **«في غمراتهم »**، و  حتى حين  أي إلى وقت فتح فيهم غير محدود وفي هذه الآية موادعة منسوخة بآية السيف.

١ الماء الغمر: الماء الكثير لأنه يغمر وجه الأرض، أي يغطيها، والمراد هنا أن الغفلة والضلالة قد غطت على قلوبهم..

### الآية 23:55

> ﻿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ [23:55]

ثم وقفهم على خطأ رأيهم في أَن نعمة الله عندهم بالمال ونحوه إنما هي لرضاه عن حالهم وبين تعالى أن ذلك إنما هو إملاء واستدراج. 
خبر **«أن »** في قوله  نسارع  بنون العظمة،

### الآية 23:56

> ﻿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ۚ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ [23:56]

قوله  نسارع  بنون العظمة، وفي الكلام على هذه القراءة ضمير عائد تقديره لهم به[(١)](#foonote-١)، وقرأ عبد الرحمن بن أبي بكرة[(٢)](#foonote-٢) **«يسارِع »** بالياء من تحت وكسر الراء بمعنى أَن إمدادنا يسارع ولا ضمير مع هذه القراءة إلا ما يتضمن الفعل[(٣)](#foonote-٣)، وروي عن أَبي بكرة المذكور **«يسارَع »** بفتح الراء، وقرأ الحر النحوي **«نسرع »** بالنون وسقوط الألف، و  الخيرات  هنا يعم الدنيا، وقوله  بل لا يشعرون  وعيد وتهديد، والشعور مأخوذ من الشعار وهو ما يلي الإنسان من ثيابه.

١ وقد حذفت "به" للعلم بها، وهذا كما حذف الضمير في قولهم: "السمن منوان بدرهم، وكأن \[به\] المتقدمة في الصلة من قوله تعالى: نمدهم به قد صارت عوضا أو مغنية عن الثانية..
٢ هو عبد الرحمن بن أبي بكر الثقفي، أول مولود بالبصرة، روى عن أبيه، وروى عنه ابن سيرين وجماعة، وثقه ابن حجر العسقلاني، من الثانية، واسمه نفيع ـ بالتصغير ـ ابن الحارث. مات سنة ست وثلاثين، وقيل: بل سنة ست وثلاثين بعد المائة. (تهذيب التهذيب، وتقريب التهذيب، وخلاصة تذهيب الكمال)..
٣ أي: لا حاجة إلى تقدير الضمير، لأن في الفعل ضميرا يعود على \[ما\] في قوله تعالى: أنما نمدهم به. قال ذلك أبو الفتح ابن جني في المحتسب..

### الآية 23:57

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ [23:57]

لما فرغ ذكر الكفرة وتوعدهم عقب ذلك ذكر المؤمنين ووعدهم وذكرهم بأبلغ صفاتهم، و **«الإشفاق »** أبلغ التوقع والخوف، و  من ، في قوله  من خشية  هي لبيان جنس الإشفاق، والإشفاق إنما هو من عذاب الله، و  من ، في قوله  من عذاب  هي لابتداء غاية و **«الآيات »** تعم القرآن وتعم العبر والمصنوعات التي لله وغير ذلك مما فيه نظر واعتبار وفي كل شيء له آية[(١)](#foonote-١)،

١ هذا صدر بيت معروف متداول، وهو بتمامه:
 وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد.

### الآية 23:58

> ﻿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ [23:58]

ثم ذكرهم تعالى من الطرف الآخر وهو نفي الإشراك لأن لكفار قريش أن يقولوا ونحن نؤمن بآيات ربنا ويريدون نصدق بأنه المخترع الخالق.

### الآية 23:59

> ﻿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ [23:59]

فذكر تعالى نفي الإشراك الذي لا حظ لهم فيه بسبب أصنامهم[(١)](#foonote-١).

١ وقيل: ليس المراد منه الإيمان بالتوحيد ونفي الشرك لله؛ لأن ذلك داخل في قوله تبارك وتعالى: والذين هم بآيات ربهم يؤمنون، بل المراد نفي الشرك للحق، وهو أن يخلصوا في العبادة، فلا يقدم عليها المؤمن إلا خالصة لوجه الله وطلبا لرضوانه..

### الآية 23:60

> ﻿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [23:60]

وقوله  والذين يؤتون ما آتوا  على قراءة الجمهور، يعطون ما أعطوا وقال الطبري : يريد الزكاة المفروضة وسائر الصدقة، وروي نحوه عن ابن عمر ومجاهد ع وإنما ضمهم إلى هذا التخصيص أن العطاء مستعمل في المال على الأغلب، قال ابن عباس وابن جبير : هو عام في جميع أعمال البر، وهذا أحسن كأنه قال : والذين يعطون من أنفسهم في طاعة الله ما بلغه جهدهم، وقرأت عائشة أم المؤمنين وابن عباس وقتادة والأعمش **«يأتون ما أتوا »** ومعناه يفعلون ما فعلوا ورويت هذه القراءة عن النبي صلى الله عليه وسلم[(١)](#foonote-١) وذهبت فرقة إلى أن معناه من المعاصي، وذهبت فرقة إلى أن ذلك في جميع الأعمال طاعتها ومعصيتها وهذا أمدح، وأسند الطبري عن عائشة أنها قالت يا رسول الله قوله تعالى  يؤتون ما آتوا  هي في الذي يزني ويسرق قال **«لا يا بنت أبي بكر بل هي في الرجل يصوم ويتصدق وقلبه وجل يخاف أن لا يتقبل منه »**[(٢)](#foonote-٢). 
قال القاضي أبو محمد : ولا نظر مع الحديث، و **«الوجل »** نحو الإشفاق والخوف وصورة هذا الوجل أما المخلط فينبغي أن يكون أبداً تحت خوف من أن يكون ينفذ عليه الوعيد بتخليطه، وأما التقي والتائب فخوفه أمر الخاتمة وما يطلع عليه بعد الموت، وفي قوله تعالى  أنهم إلى ربهم راجعون  تنبيه على الخاتمة، وقال الحسن : معناه الذين يفعلون ما يفعلون من البر ويخافون أن لا ينجيهم ذلك من عذاب ربهم ع وهذه عبارة حسنة، وروي عن الحسن أيضاً أنه قال : المؤمن يجمع إحساناً وشفقة والمنافق يجمع إساءة وأمناً، وقرأ الجمهور **«أنهم »** بفتح الألف والتقدير بأنهم أو لأنهم أو من أجل أنهم ويحتمل أن يكون قوله  وجلة  عاملة في **«أن »** من حيث إنها بمعنى خائفة. 
وقرأ الأعمش **«إنهم »** بالكسر على إخبار مقطوع في ضمنه تخويف، ثم أخبر تعالى عنهم بأنهم يبادرون إلى فعل الخيرات.

١ أخرج سعيد بن منصور، وأحمد، والبخاري في تاريخه، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أشته وابن الأنباري معا في "المصاحف"، والدارقطني في "الأفراد"، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن عبيد بن عمير أنه سأل عائشة رضي الله عنها: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية والذين يؤتون ما آتوا أو والذين يأتون ما أتوا فقالت: أيهما أحب إليك؟ قلت: والذي نفسي بيده لإحداهما أحب إلي من الدنيا جميعا، قالت: أيهما؟ قلت: والذين يأتون ما أتوا، فقالت: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك كان يقرؤها، وكذلك أنزلت، ولكن الهجاء حرف. (الدر المنثور).
 ولنا وقفة أمام هذا وخصوصا ما ذكر عن تحريف الهجاء؛ لأنه لو كان الأمر تحريف لما غفل عنه القراء والمحققون، لأنهم أصحاب غيرة على القرآن بالذات، وعلى الحقيقة في أي رواية، وهم دائما يتحرون وجه الصواب في كل ما يروى وينقل حتى ولو كان في غير القرآن، وإذا فالأمر أمر رواية لا تحريف.
 ولو كان الأمر أمر تحريف فلنا أن نسأل: هل وقع هذا التحريف في بعض المصاحف أم في كل المصاحف؟ لو أن هذا التحريف وقع في بعض المصاحف فكيف اتفق عليه كل القراء أو أكثرهم بهذه الصورة؟ وكيف لم يقرأ "بالصواب" إلا قلة ضئيلة؟ هل يعقل أن تتفق الكثرة على الخطأ وأن يكون الصواب موضع اتجاه القلة؟ ولو أن هذا التحريف وقع في جميع المصاحف لما كان تحريفا، بل هو اتفاق وإجماع، ولا يمكن أن نقول عنه تحريف.
 ولو تصورنا أن التحريف وارد في \[آتوا\] لأن الفرق بين رسم المدة فوق الألف فيها وبين رسم الهمزة في \[أتوا\] لما كان واردا أبدا في قوله تعالى \[يؤتون\]، لأن الفرق في الرسم بينها وبين الرسم في \[يأتون\] واضح قوي لا يتأتى معه الخطأ من القارئ وبخاصة في القرآن الكريم.
 ومن ناحية أخرى يقول الفراء: "ولو صحت هذه القراءة عن عائشة رضي الله عنها لم تخالف قراءة الجماعة؛ لأن الهمز من العرب من يلزم فيه الألف في كل الحالات إذا كتب، فيكتب "سئل الرجل" بألف بعد السين، و "يستهزئون" بألف بين الزاي والواو، "شيء" و "شيء" بألف بعد الياء، فغير مستنكر أن يكتب "يؤتون" بألف بعد الياء، وكلام الفراء يوضح أمرين: أولهما أنه يشك في صحة الرواية بدليل قوله: "ولو صحت"، والثاني أنه يبين السبب في رسم الهمزة على ألف بعد الياء بأن هذه قاعدة يلتزمها بعض العرب، وعليه فتكون القراءة للرسم بالألف هي كالقراءة للرسم بالواو.
 وإذا تأملنا في رواية ابن جرير الطبري في تفسيره نراه ينقلها عن أبي خلف، وفيها يقول: "دخلت مع عبيد بن عمير على عائشة رضي الله عنها، فسألها عبيد: كيف نقرأ هذه الحرف والذين يؤتون ما آتوا، فقالت: يأتون ما أتوا، وكأنها تأولت في ذلك: والذين يفعلون ما يفعلون من الخيرات وهم وجلون من الله. وليس فيها أنها سألته وأنه أجاب، ثم قالت: أشهد... الخ... لأنه من غير المعقول أن تسأل عائشة رضي الله عنها أحدا مثل هذا السؤال، والقرآن ليس على هوى الناس، فهو توقيف من الله فكيف نجعله عرضة للأهواء والميول؟ هذا السؤال نفسه يجعلنا نشك في هذه الرواية، ونؤيد رواية أبي خلف التي ينص فيها على أن عائشة رضي الله عنها تأولت الآية، فهو فهم منها وتأويل. وقد روي الحديث عن أبي مليكة أنها قالت: لأن تكون هذه الآية كما أقرأ أحب إلي من حمر النعم، فقال لها ابن عباس رضي الله عنهما ما هي؟ فقالت: والذين يؤتون ما آتوا ـ هكذا في الدر المنثور. فكيف نجمع بين هذه الرواية وبين الرواية الأخرى، مع ملاحظة أن كلمة التحريف والتصحيف كلمة عرفت وألفت بعد عائشة رضي الله تعالى عنها، فلم تكن الكتابة والقراءة في أيامها بالكثرة التي حدثت بعد ذلك ودخل فيها التحريف والتصحيف كما اتفق عليه المحققون. فهو في رأينا اصطلاح لاحق ورد على ألسنة بعض الناس وليس من صلب الحديث، وصحيح أنها وردت في القرآن الكريم في قوله تعالى: يحرفون الكلم عن مواضعه، ولكن من الصحيح أيضا أن عائشة رضي الله عنها لا يمكن أن تقصد هذا المعنى الذي أوردته الآية الكريمة، والله أعلم..
٢ رواه أحمد في مسنده، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم وصححه، والذهبي، وذكره السيوطي في الدر المنثور، وزاد ممن رواه عبد بن حميد، وابن جرير، والفريابي، وابن أبي الدنيا في "نعت الخائفين"، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في "شعب الإيمان"..

### الآية 23:61

> ﻿أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ [23:61]

وقرأ الجمهور **«يسارعون »** وقرأ الحر النحوي **«يسرعون وأنهم إليها سابقون »**، وهذا قول بعضهم في قوله لها، وقالت فرقة : معناه وهم من أجلها سابقون، فالسابق على هذا التأويل هو إلى رضوان الله تعالى وعلى الأول هو إلى الخيرات، وقال الطبري عن ابن عباس : المعنى سبقت لهم السعادة في الأزل فهم لها ورجحه الطبري بأن اللام متمكنة في المعنى[(١)](#foonote-١).

١ ورجح القرطبي وأبو حيان الأندلسي أن اللام بمعنى "إلى"، وهي كاللام في قوله تبارك وتعالى: بأن ربك أوحى لها، أي أوحى إليها، وأنشد سيبويه شاهدا لذلك قول الأعشى:
 تجانف عن جو اليمامة ناقتي وما قصدت من أهلها لسوائكا
 أي: إلى سواك، والتجانف: الميل..

### الآية 23:62

> ﻿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [23:62]

قوله تعالى : ولا نكلف نفساً إلا وسعها  نسخ لجميع ما ورد في الشرع من تكليف ما لا يطاق على الحقيقة، وتكليف ما لا يطاق أربعة أقسام، ثلاثة حقيقة ورابع مجازي وهو الذي لا يطاق للاشتغال بغيره مثل الإيمان للكافر والطاعة للعاصي وهذا تكليف باق وهو تكليف أكثر الشريعة، وأما الثلاثة فورد الإثنان منها وفيها وقع النسخ المحال عقلاً في نازلة أبي لهب والمحال عادة في قوله تعالى : إن تبدوا ما في أنفسكم [(١)](#foonote-١) \[ البقرة : ٢٨٤ \]، والثالث لم يرد فيه شيء وهو النوع المهلك لأن الله تعالى لم يكلفه عباده، فأما قتل القاتل ورجم الزاني فعقوبته بما فعل وقد مضى القول مستوعباً موجزاً في مسألة تكليف ما لا يطاق في سورة البقرة[(٢)](#foonote-٢) وفي قولنا ناسخ نظر من جهة التواريخ، وما نزل بالمدينة وما نزل بمكة والله المعين، وقوله تعالى : ولدينا كتاب  أظهر ما قيل فيه أنه أراد كتاب إحصاء الأعمال الذي ترفعه الملائكة، وفي الآية على هذا التأويل تهديد وتأنيس من الحيف والظلم، وقالت فرقة الإشارة بقوله  ولدينا كتاب  إلى القرآن. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وهذا يحتمل والأول أظهر.

١ من الآية (٢٨٤) من سورة (البقرة)..
٢ راجع الجزء الثاني صفحة (٥٣٩) وما بعدها. وهناك وضحنا المراد بنازلة أبي لهب وعلقنا على كثير من الآراء التي ذكرها ابن عطية رحمه الله..

### الآية 23:63

> ﻿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَٰذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَٰلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ [23:63]

وقوله  في غمرة  يريد في ضلال قد غمرها كما يفعل الماء الغمر بما حصل فيه، وقوله  من هذا ، يحتمل أن يشير إلى القرآن، ويحتمل أن يشير[(١)](#foonote-١) إلى كتاب الإحصاء، ويحتمل أن يشير إلى الأَعمال الصالحة المذكورة قبل، أي هم في غمرة من اطراحها وتركها ويحتمل أن يشير إلى الدين بجملته أو إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وكل تأويل من هذه قالته فرقة، وقوله تعالى : ولهم أعمال من دون ذلك  الإشارة بذلك إلى الغمرة والضلال المحيط فمعنى الآية بل هم ضالون معرضون عن الحق ولهم مع ذلك سعايات فساد فوسمهم تعالى بحالتي شر، قال هذا المعنى قتادة وأبو العالية، وعلى هذا التأويل فالإخبار عما سلف من أعمالهم وعماهم فيه، وقالت فرقة الإشارة بذلك إلى قوله : من هذا  فكأنه قال : لهم أعمال من دون الحق، وقال الحسن بن أبي الحسن ومجاهد : إنما أخبر بقوله  ولهم أعمال  عما يستأنف من أعمالهم أي أنهم لهم أعمال من الفساد يستعملونها.

١ زيادة يحتاج إليها التعبير..

### الآية 23:64

> ﻿حَتَّىٰ إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ [23:64]

و  حتى  حرف ابتداء لا غير، و  إذا  والثانية[(١)](#foonote-١) التي هي جواب تمنعان من أن تكون  حتى  غاية ل  عاملون ، و **«المترف »** هو المنعم في الدنيا الذي هو منها في سرف وهذه حال شائعة في رؤساء الكفرة من كل أمة و  يجأرون  معناه يستغيثون بصياح كصياح البقر وكثر استعمال الجؤار في البشر ومنه قول الأعشى :\[ المتقارب \]
يراوح من صلوات المليك. . . فطوراً سجوداً وطوراً جؤارا[(٢)](#foonote-٢)
وذهب مجاهد وغيره إلى أن هذا العذاب المذكور وهو الوعيد بيوم بدر وفيه نفذ على  مترفيهم  والضمير في قوله  إذا هم  يحتمل أن يعود على **«المترفين »** فقط لأنهم صاحوا حين نزل بهم الهزم والقتل يوم بدر، ويحتمل أن يعود على الباقين بعد المعذبين وقد حكى ذلك الطبري عن ابن جريح قال : المعذبون قتلى بدر والذين  يجأرون  قتلى مكة لأنهم ناحوا واستغاثوا[(٣)](#foonote-٣).

١ نص الكلام في الأصول "وإذا والثانية هي جواب"..
٢ البيت من قصيدة للأعشى يمدح بها قيس بن معد يكرب، وقبله يقول:
 وما أيبلي على هيكل بناه وصلب فيه وصارا
 والأيبلي هو الرهب الذي يحمل العصا التي يضرب بها الناقوس وتسمى الأيبل، ويراوح بين الأمرين: يفعل هذا مرة ويفعل هذا مرة، والجؤار: رفع الصوت مع تضرع واستغاثة، والجؤار كالخوار، معناهما واحد، وجواب قوله: "وما أيبلي..." يأتي في بيت ثالث يقول فيه: "بأعظم منه تقى في الحساب"، فالأعشى يقول عن ممدوحه الذي وصفه قبل ذلك بالكرم والشجاعة: إنه تقي نقي يرعى الله ويخافه، ويتضرع إليه في صلواته، وحتى الراهب المنقطع للعبادة والصلاة، والذي لا يكف عن السجود والجؤار لله ليس بأتقى من قيس هذا. والمؤلف يستشهد بالبيت على أن الجؤار هو رفع الصوت بالدعاء، وأنه يوصف به البشر كما يوصف به البقر..
٣ وبهذا يكون قد جمع بين الرأيين الواردين في معنى الآية، واللذين يعرفان من كلام المؤلف رحمه الله..

### الآية 23:65

> ﻿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ ۖ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ [23:65]

المعنى يقال لهم يوم العذاب وعند حلوله  لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون  وهذا القول يجوز أن يكون حقيقة، أي تقول ذلك لهم الملائكة ويحتمل أن يكون مجازاً أي لسان الحال يقول ذلك، وهذا على أن الذين يجأرون هم المعذبون، وأما على قول ابن جريح فلا يحتمل أن تقول ذلك الملائكة.

### الآية 23:66

> ﻿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ [23:66]

وقوله  قد كانت آياتي تتلى عليكم  يريد بها القرآن، و  تنكصون  معناه ترجعون وراءكم وهذه استعارة للإعراض والإدبار على الحق، وقرأ علي بن أبي طالب **«على أدباركم تنكُصون »** بضم الكاف وبذكر الإدبار بدل أعقاب.

### الآية 23:67

> ﻿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ [23:67]

و  مستكبرين  حال، والضمير في  به  قال الجمهور : هو عائد على الحرم والمسجد وإن لم يتقدم له ذكر لشهرته في الأمر، والمعنى أنكم تعتقدون في نفوسكم أن لكم بالمسجد والحرم أعظم الحقوق على الناس والمنازل عند الله فأنتم تستكبرون لذلك وليس الاستكبار من الحق، وقالت فرقة : الضمير " في \[ به \] " [(١)](#foonote-١) عائد على القرآن من حيث ذكر الآيات والمعنى يحدث لكم سماع آياتي كبراً وطغياناً. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وهذا قول جيد وذكر منذر بن سعيد أن الضمير لمحمد صلى الله عليه وسلم، وهو متعلق بما بعده كأن الكلام ثم في قوله  مستكبرين  ثم قال لمحمد صلى الله عليه وسلم،  سامراً تهجرون ، وقوله  سامراً  حال وهو مفرد بمعنى الجمع[(٢)](#foonote-٢) يقال قوم سمر وسمر وسامر ومعناه سهر الليل مأخوذ من السمر وهو ما يقع على الأشخاص[(٣)](#foonote-٣) من ضوء القمر فكانت العرب تجلس للسمر تتحدث[(٤)](#foonote-٤) وهذا أوجب معرفتها بالنجوم لأنها تجلس في الصحراء فترى الطوالع من الغوارب، وقرأ الجمهور **«سامراً »** وقرأ أبو رجاء **«سماراً »**، وقرأ ابن عباس وعكرمة وابن محيصن **«سمراً »**[(٥)](#foonote-٥) ومن هذه اللفظة قول الشاعر :\[ الكامل \]
من دونهم إن جئتهم سمراً. . . عزف القيان ومجلس غمر[(٦)](#foonote-٦)
فكانت قريش سمر حول الكعبة مجالس في أباطيلها وكفرها، وقرأ الجمهور **«تَهجُرون »** بفتح التاء وضم الجيم واختلف المتأولون في معناها فقال ابن عباس : معناها تهجرون الحق وذكر الله وتقطعونه من الهجر المعروف، وقال ابن زيد : من هجر المريض إذا هذى أي تقولون اللغو من القول وقاله أبو حاتم، وقرأ نافع وحده من السبعة **«تهجِرون »** بضم التاء وكسر الجيم وهي قراءة أهل المدينة وابن محيصن وابن عباس أيضاً ومعناه يقولون الفحش والهجر والعضاية من القول وهذه إشارة إلى سبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قاله ابن عباس أيضاً وغيره، وفي الحديث **«كنت نهيتكم عن زيادة القبور فزوروها ولا تقولوا هجراً »**[(٧)](#foonote-٧)، وقرأ ابن محيصن وابن أبي نهيك **«تُهَجِّرون »** بضم التاء وفتح الهاء وشد الجيم مكسورة وهو تضعيف هجر وتكثير الهجر والهجر على المعنيين المتقدمين، وقال ابن جني : لو قيل إن المعنى أنكم تبالغون في المهاجرة حتى أنكم وإن كنتم سمراً بالليل فكأنكم تهجرون في الهاجرة على غاية الافتضاح لكان وجهاً[(٨)](#foonote-٨). 
قال القاضي أبو محمد : ولا تكون هذه القراءة تكثير **«تُهجِّرون »** بضم التاء، وكسر الجيم لأن أفعل لا يتعدى ولا يكثر بتضعيف إذ التضعيف والهمزة متعاقبان.

١ في الأصول: الضمير عائد على القرآن..
٢ وهذا كقوله تعالى: ثم نخرجكم طفلا أي: أطفالا، وكقول العرب: الحاضر، وهم القوم النازلون على الماء، والباقر لجمع البقر، والجامل لجمع الإبل، للذكور والإناث..
٣ نقل القرطبي كعادته كلام ابن عطية هنا ولم يشر إليه، وذكر كلمة "الأشجار" بدلا من "الأشخاص"..
٤ كانت تجلس تتحدث حول الكعبة في ضوء القمر أو في سمره، فسمي التحدث سمرا..
٥ أما قراءة أبي رجاء \[سمارا\] فهي مثل كاتب وكتاب، وشارب وشراب، وأما قراءة ابن عباس وعكرمة رضي الله عنهم \[سمرا\] فقد قرأ بها أيضا عبد الله بن مسعود والسمر: جمع سامر، والسامر: القوم يسمرون، قال ذو الرمة:
 وكم عرست بعد السرى من معرس به من كلام الجن أصوات سامر
 يتحدث عن الناقة، والتعريس: النزول آخر الليل للنوم والراحة..
٦ البيت في اللسان (سمر) ـ ذكره مرتين، في المرة الأولى استشهد به على أن السمر هو حديث الليل، ورواه كما رواه ابن عطية هنا، ولم ينسبه، ثم عاد وذكره مرة ثانية شاهدا على أن السمر هو الليل، ونسبه إلى ابن أحمر، ولفظه:
 من دونهم إن جئتهم سمرا حي حلال لملم عكر
 فالسمر هنا: الليل، والحي الحلال ـ بكسر الحاء ـ هم القوم النازلون على الماء أو نحوه، ولملم: كثير مجتمع، والعكر: الكثير المتراكم بعضه فوق بعض أو المجتمع بعضه إلى بعض، أما المجلس الغمر ـ على رواية المؤلف ـ فهو الجماعة الكثيرة يجتمعون للحديث والسمر..
٧ أخرجه النسائي في الجنائز، ومالك في الموطأ في الضحايا، وأحمد في مسنده (٣ ـ ٦٣، ٦٦، ٢٣٧، ٢٥٠ ـ ٥ ـ ٣٦١)، ولفظه في مسند أحمد عن محمد بن عمرو بن ثابت عن أبيه، قال: مر بي ابن عمر رضي الله عنهما فقلت: من أين أصبحت غاديا أب عبد الرحمن؟ وفي رواية أين يريد يا أبا عبد الرحمن؟ ـ قال: إلى أبي سعيد الخدري، فانطلقت معه، فقال أبو سعيد رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إني نهيتكم عن لحوم الأضاحي وادخاره بعد ثلاثة أيام، فكلوا وادخروا فقد جاء الله بالسعة، ونهيتكم عن أشياء من الأشربة والأنبذة، فاشربوا، وكل مسكر حرام، ونهيتكم عن زيارة القبور، فإن زرتموها فلا تقولوا هجرا)، والحديث في لسان العرب (هجر)، وقد نقل بعد أن ذكر الحديث أن الكسائي والأصمعي قالا: الهجر: الإفحاش في المنطق والخنا، وهو بالضم من الإهجار، ويقال منه: يهجر..
٨ ومن كلام ابن جني الذي ذكره لتوضيح رأيه: "فهذا كقولك لصاحبك: أنت مساترا معلن، وأنت محسنا مسيء، أي: أنت في حال مساترتك معلن، وأنت في حال إحسانك عندي مسيء". وقياسا على ذلك يقال: أنت في حال سمرك ليلا مهجر، أي كأنك تفعل الشيء الفاضح في وقت الهاجرة ولو كنت في سواد الليل لأنك مجاهر لا تحتشم..

### الآية 23:68

> ﻿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ [23:68]

ثم وبخهم على إعراضهم بعد تدبر القول لأنهم بعد التدبر والنظر الفاسد، قال بعضهم شعر وبعضهم سحر وسائر ذلك، وقوله  أم جاءهم  كذلك توبيخ أيضاً والمعنى أأبدع لهم أمر لم يكن في الناس قبلهم بل قد جاء الرسل قبل كنوح وإبراهيم وإسماعيل وفي هذا التأويل من التجوز أن جعل سالف الأمم **«آباء »** إذ الناس في الجملة آخرهم من أولهم، ويحتمل اللفظ معنى آخر على أن يراد ب  آباءهم الأولين  من فرط من سلفهم في العرب فكأنه قال : أفلم يدبروا القول أم جاءهم أمر غريب من عند الله لم يأت  آباءهم  فبهر عقولهم ونبت أذهانهم عن أمر من أمور الله غريب في سلفهم والمعنى الأول أبين.

### الآية 23:69

> ﻿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ [23:69]

هذا أيضاً توبيخ والمعنى ألم يعرفوه صادقاً مدة عمره ولم يقع منهم قط إنكار لمعرفة وجه محمد صلى الله عليه وسلم وإنما أنكروا صدقه.

### الآية 23:70

> ﻿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ ۚ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [23:70]

وقوله  أم يقولون به جنة  توبيخ أيضاً لأن الفرق بين الحكمة وفصل الخطاب الذي جاء به وبين كلام ذي الجنة لا يخفى على ذي فطرة، ثم بين تعالى حاله عليه السلام في مجيئه بالحق.

### الآية 23:71

> ﻿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ۚ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ [23:71]

وقوله تعالى : ولو اتبع الحق أهواءهم  قال ابن جريج وأبو صالح  الحق  الله تعالى ع وهذا ليس من نمط الآية، وقال غيرهما  الحق  هنا الصواب والمستقيم
قال أبو محمد رحمه الله : وهذا هو الأحرى، على أن يكون المذكور قبل[(١)](#foonote-١) الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، ويستقيم على هذا الفساد،  السماوات والأرض ومن فيهن  لو كان بحكم هوى هؤلاء، وذلك أنهم جعلوا لله شركاء وأولاداً ولو كان هذا حقاً لم تكن لله الصفات العالية، ولو لم تكن له لم تكن الصنعة والقدرة كما هي، وكان فساد  السماوات والأرض ومن فيهن ، ومن قال إن  الحق  في الآية الله تعالى بشعت له لفظة  اتبع  وصعب عليه ترتيب الفساد المذكور في الآية لأن لفظة الاتباع على كلا الوجهين إنما هي استعارة بمعنى أن تكون أهواؤهم يصوبها الحق ويقررها فنحن نجد الله تعالى قد قرر كفر أمم وأهواءهم فليس في ذلك فساد سماوات، وأما الحق نفسه الذي هو الصواب فلو كان طبق أهوائهم لفسد كل شيء فتأمله، وقرأ ابن وثاب **«ولوُ اتبع »** بضم الواو وقال أبو الفتح : الضم في هذه الواو قليل والوجه تشبيههاً بواو الجمع كقوله  اشتروا الضلالة [(٢)](#foonote-٢) \[ البقرة : ١٦ \] وقوله  بذكرهم  يحتمل أن يريد بوعظهم والبيان لهم قاله ابن عباس، وقرأ[(٣)](#foonote-٣) قتادة **«نُذَكِّرهم »** بنون مضمونة وذال مفتوحة وكسر الكاف مشددة[(٤)](#foonote-٤) ويحتمل أن يريد بشرفهم، وهو مروي، وقرأ عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق **«بل أتيتُهم بذكرهم »** بضم تاء المتكلم، وقرأ ابن أبي إسحاق أيضاً **«بل أتيتَهم »** خطاباً لمحمد صلى الله عليه وسلم، وقرأ الجمهور **«بل أتينهم بذكرهم »** وروي عن أبي عمرو و **«آتيناهم »** بالمد بمعنى أعطيناهم.

١ في قوله تعالى: بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون..
٢ من الآية (١٦) من سورة (البقرة). وذلك أنهم حركوا الواو بالضم لالتقاء الساكنين لأنها واو جمع، على أن بعضهم قد سبه واو الجمع في \[اشتروا\] بواو لو اتبع هذه وحركها بالكسر فقرأ: اشتروا الضلالة. راجع المحتسب لابن جني..
٣ في الأصل: وقال قتادة. وفي بعض النسخ سقطت الكلمة فليس فيها قال ولا قرأ..
٤ أي مع الفعل \[أتيناهم\] بمعنى جئناهم، وهي قراءة الجمهور..

### الآية 23:72

> ﻿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [23:72]

هذا توبيخ لهم كأنه قال : أم سألتهم مالاً فقلقوا بذلك واستثقلوا من أجله، وقرأ حمزة والكسائي **«خراجاً فخراج »** وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم **«خرجاً فخراج »** وقرأ ابن عامر **«خرجاً فخرج »** وهو المال الذي يجيء ويؤتى به لأوقات محدودة، قال الأصمعي : الخرج الجعل مرة واحدة والخراج ما تردد لأوقات ما، ع وهذا فرق استعمالي وإلا فهما في اللغة بمعنى، وقد قرىء ****«خراجاً »**** في قصة ذي القرنين[(١)](#foonote-١) وقوله  فخراج ربك  يريد ثوابه سماه ****«خراجاً »**** من حيث كان معادلاً للخراج في هذا الكلام، ويحتمل أن يريد  فخراج ربك  رزق ربك ويؤيد هذا قوله  وهو خير الرازقين .

١ في قوله تعالى في الآية (٩٤) من سورة الكهف: قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا..

### الآية 23:73

> ﻿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [23:73]

و  الصراط  المستقم : دين الإسلام.

### الآية 23:74

> ﻿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ [23:74]

و  ناكبون  معناه عادلون ومعرضون ثم أخبر تعالى عنهم أنهم لو زال عنهم القحط ومنَّ الله عليهم بالخصب ورحمهم بذلك لبقوا على كفرهم.

### الآية 23:75

> ﻿۞ وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [23:75]

و  لجوا في طغيانهم ، وهذه الآية نزلت في المرة التي أصابت قريشاً فيها السنون المجدية والجوع الذي دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله **«اللهم سبعاً كسني يوسف »** الحديث[(١)](#foonote-١).

١ أخرجه البخاري في تفسير سورة الدخان، ومسلم في المنافقين، وأحمد في مسنده (١ ـ ٣٨٠، ٤٣١، ٤٤١)، وقد رواه البخاري من طرق عن مسروق، وفي الطريق الأول قال: دخلت على عبد الله فقال: إن من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم، إن الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين إن قريشا لما غلبوا النبي صلى الله عليه وسلم واستعصوا عليه قال: اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف، فأخذتهم سنة أكلوا فيها العظام والميتة من الجهد حتى جعل أحدهم يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع، قالوا: ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، فقيل له: إن كشفنا عنهم عادوا، فدعا ربه فكشف عنهم فعادوا فانتقم الله منهم يوم بدر، فذلك قوله تعالى: يوم تأتي السماء بدخان مبين إلى قوله جل ذكره: إنا منتقمون..

### الآية 23:76

> ﻿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ [23:76]

هذا إخبار من الله تعالى عن استكبارهم وطغيانهم بعد ما نالهم من الجوع، هذا قول روي عن ابن عباس وابن جريج أن **«العذاب »** هو الجوع والجدب المشهور نزوله بهم حتى أكلوا الجلود وما جرى مجراها والباب والمتوعد به يوم بدر، وهذا القول يرده أن الجدب الذي نالهم إنما كان بعد وقعة بدر وروي أنهم لما بلغهم الجهد جاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ألست تزعم يا محمد أنك بعثت رحمة للعالمين ؟ قال بلى قال قد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع وقد أكلنا العهن فنزلت الآية[(١)](#foonote-١)، و  استكانوا  معناه انخفضوا وتواضعوا، ويحتمل أن يكون من السكون ويلزمه أن يكون **«استكنوا »** ووجهه أن فتحة الكاف مطلت فتولدت منه الألف ويعطي التصريف أنه من ****«كان »**** وأن وزنه استفعل وعلى الأول وزنه افتعل وكونه من ****«كان »**** أبين والمعنى فما طلبوا أن يكونوا لربهم أي طاعة وعبيد خير، وروي عن الحسن رضي الله عنه أنه قال : إذا أصاب الناس من قتل السلطان بلاء فإنما هي نقمة فلا تستقبلوا نقمة الله بالحمية ولكن استقبلوها بالاستغفار واستكينوا وتضرعوا إلى الله وقرأ هذه الآية  ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون .

١ أخرج ابن جرير، وأبو نعيم في المعرفة، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ثمامة بن أنال الحنفي لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم وهو أسير فخلى سبيله لحق باليمامة فحال بين أهل مكة وبين الميرة من اليمامة حتى أكلت قريش العلهز، فجاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أليس تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ قال: بلى، قال: فقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فأنزل الله ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون. هذا والعلهز هو الوبر بالدم..

### الآية 23:77

> ﻿حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ [23:77]

و **«العذاب الشديد »**، إما يوم بدر بالسيوف كما قال بعضهم وإما توعد بعذاب غير معين وهو الصواب لما ذكرناه من تقدم بدر للمجاعة، وروي عن مجاهد أن العذاب والباب الشديد هو كله مجاعة قريش. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا حسن كأن الأخذ كان في صدر الأمر ثم فتح الباب عند تناهيه حيث أبلسوا وجاء أبو سفيان، والملبس : الذي قد نزل به شر ويئس من زواله ونسخه خير.

### الآية 23:78

> ﻿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ [23:78]

ابتدأ تعالى بتعديد نعم في نفس تعديدها استدلال بها على عظيم قدرته وأنها لا يعزب عنها أمر البعث ولا يعظم و  أنشأ  بمعنى اخترع و  السمع  مصدر فلذلك وحد وقيل أراد الجنس، و  الأفئدة  القلوب وهذه إشارة إلى النطق والعقل وقوله  قليلاً  نعت لمصدر محذوف تقديره شكراً قليلاً ما تشكرون وذهبت فرقة إلى أنه أراد  قليلاً  منكم من يشكر أي يؤمن ويشكر حق الشكر. 
قال الفقيه الإمام القاضي : والأول أظهر

### الآية 23:79

> ﻿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [23:79]

وَذرأ معناه بث وخلق، وقوله  وإليه  فيه حذف مضاف أي إلى حكمه وقضائه، و  تحشرون  يريد البعث.

### الآية 23:80

> ﻿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [23:80]

وقوله  وله اختلاف الليل والنهار  أي له القدرة التي عنها ذلك، والاختلاف هنا التعاقب، والكون خلفة، ويحتمل أن يكون الذي هو المغايرة البينة.

### الآية 23:81

> ﻿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ [23:81]

وقوله  بل  إضراب والجحد مقدر كأنه قال ليس لهم نظر في هذه الآيات أو نحو هذا، و  الأولون  يشير به إلى الأمم الكافرة كعاد وثمود.

### الآية 23:82

> ﻿قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [23:82]

وقوله  لمبعوثون  أي لمعادون أحياء.

### الآية 23:83

> ﻿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَٰذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [23:83]

وقولهم  وآباؤنا  أي حكى المقالة عن العرب فمرادهم من سلف من العالم جعلوهم آباء من حيث النوع واحد وإن حكى ذلك عن الأولين فالأمر مستقيم فيهم، و **«الأساطير »** قيل هي جمع أسطورة كأعجوبة وأعاجيب وأحدوثة وأحاديث وقيل هي جمع سطر وأسطار وأساطير.

### الآية 23:84

> ﻿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [23:84]

أمر الله تعالى نبيه بتوقيفهم على هذه الأشياء التي لا يمكنهم إلا الإقرار بها ويلزم من الإقرار بها أن يؤمنوا بباريها ويذعنوا لشرعه ورسالة رسوله، وقرأ الجميع في الأول  لله  بلا خلاف وفي الثاني والثالث، فقرأ أبو عمرو وحده ****«لله »**** جواباً على اللفظ، وقرأ باقي السبعة، ****«لله »**** جواباً على المعنى كأنه قال في السؤال لمن ملك  السموات السبع  إذ قولك لمن هذه الدار ؟ وقولك من مالك هذه الدار ؟ واحد في المعنى[(١)](#foonote-١) ثم جعل التوبيخ مدرجاً بحسب وضوح الحجة شيئاً فشيئاً فوقف على الأرض ومن فيها وجعل بإزاء ذلك التذكر، ثم وقف على  السموات السبع ، و  العرش ، وجعل بإزاء ذلك التقية وهي أبلغ من التذكر وهذا بحسب وضوح الحجة.

١ لا خلاف في الأول بين القراء فهو: سيقولون لله لأن اللام تقدمت في قوله: لمن الأرض عند السؤال فجاءت في الجواب، واختلف القراء في الثاني والثالث حملا على اللفظ أو على المعنى لأن السؤال خلا من اللام، فمن قرأ: \[الله\] نظر إلى اللفظ، ومن قرأ \[الله\] نظر إلى المعنى، ومن هذا قول الشاعر:
 إذا قيل من رب المزالف والقرى ورب الجياد الجرد قلت لخالد
 إذ التقدير: لمن المزالف؟ وهي القرى التي تقع بين البر والبحر..

### الآية 23:85

> ﻿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [23:85]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٨٤:أمر الله تعالى نبيه بتوقيفهم على هذه الأشياء التي لا يمكنهم إلا الإقرار بها ويلزم من الإقرار بها أن يؤمنوا بباريها ويذعنوا لشرعه ورسالة رسوله، وقرأ الجميع في الأول  لله  بلا خلاف وفي الثاني والثالث، فقرأ أبو عمرو وحده ********«لله »******** جواباً على اللفظ، وقرأ باقي السبعة، ********«لله »******** جواباً على المعنى كأنه قال في السؤال لمن ملك  السموات السبع  إذ قولك لمن هذه الدار ؟ وقولك من مالك هذه الدار ؟ واحد في المعنى[(١)](#foonote-١) ثم جعل التوبيخ مدرجاً بحسب وضوح الحجة شيئاً فشيئاً فوقف على الأرض ومن فيها وجعل بإزاء ذلك التذكر، ثم وقف على  السموات السبع ، و  العرش ، وجعل بإزاء ذلك التقية وهي أبلغ من التذكر وهذا بحسب وضوح الحجة. 
١ لا خلاف في الأول بين القراء فهو: سيقولون لله لأن اللام تقدمت في قوله: لمن الأرض عند السؤال فجاءت في الجواب، واختلف القراء في الثاني والثالث حملا على اللفظ أو على المعنى لأن السؤال خلا من اللام، فمن قرأ: \[الله\] نظر إلى اللفظ، ومن قرأ \[الله\] نظر إلى المعنى، ومن هذا قول الشاعر:
 إذا قيل من رب المزالف والقرى ورب الجياد الجرد قلت لخالد
 إذ التقدير: لمن المزالف؟ وهي القرى التي تقع بين البر والبحر..


---

### الآية 23:86

> ﻿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [23:86]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٨٤:أمر الله تعالى نبيه بتوقيفهم على هذه الأشياء التي لا يمكنهم إلا الإقرار بها ويلزم من الإقرار بها أن يؤمنوا بباريها ويذعنوا لشرعه ورسالة رسوله، وقرأ الجميع في الأول  لله  بلا خلاف وفي الثاني والثالث، فقرأ أبو عمرو وحده ********«لله »******** جواباً على اللفظ، وقرأ باقي السبعة، ********«لله »******** جواباً على المعنى كأنه قال في السؤال لمن ملك  السموات السبع  إذ قولك لمن هذه الدار ؟ وقولك من مالك هذه الدار ؟ واحد في المعنى[(١)](#foonote-١) ثم جعل التوبيخ مدرجاً بحسب وضوح الحجة شيئاً فشيئاً فوقف على الأرض ومن فيها وجعل بإزاء ذلك التذكر، ثم وقف على  السموات السبع ، و  العرش ، وجعل بإزاء ذلك التقية وهي أبلغ من التذكر وهذا بحسب وضوح الحجة. 
١ لا خلاف في الأول بين القراء فهو: سيقولون لله لأن اللام تقدمت في قوله: لمن الأرض عند السؤال فجاءت في الجواب، واختلف القراء في الثاني والثالث حملا على اللفظ أو على المعنى لأن السؤال خلا من اللام، فمن قرأ: \[الله\] نظر إلى اللفظ، ومن قرأ \[الله\] نظر إلى المعنى، ومن هذا قول الشاعر:
 إذا قيل من رب المزالف والقرى ورب الجياد الجرد قلت لخالد
 إذ التقدير: لمن المزالف؟ وهي القرى التي تقع بين البر والبحر..


---

### الآية 23:87

> ﻿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ [23:87]

وفي قوله تعالى : أفلا تتقون  وعيد، .

### الآية 23:88

> ﻿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [23:88]

ثم وقف على  ملكوت كل شيء  وفي الإقرار بهذا التزام كل ما تقع به الغلبة في الاحتجاج.

### الآية 23:89

> ﻿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ [23:89]

فوقع التوبيخ بعد في غاية البلاغة بقوله  فأنى تسحرون  ومعنى  أنى  كيف ومن أين، وفي هذا تقرير سحرهم وهو سؤال عن الهيئة التي سحروا بها، والسحر هنا مستعار لهم وهو تشبيه لما وقع منهم من التخليط ووضع الأفعال والأقوال غير مواضعها بما يقع من المسحور عبر عنهم بذلك، وقالت فرقة  تسحرون  معناه تمنعون، وحكى بعضهم ذلك لغة، وقرأ ابن محيصن **«العظيمُ »** برفع الميم  ملكوت  مصدر في بناء مبالغة[(١)](#foonote-١) والإجارة المنع من الإنسان والمعنى أن الله إذا منع أحداً فلا يقدر عليه، وإذا أراد أحداً فلا مانع له، وكذلك في سائر قدرته وما نفذ من قضائه لا يعارض ذلك الشيء ولا يحيله عن مجراه.

١ وهو كالجبروت والرهبوت..

### الآية 23:90

> ﻿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [23:90]

المعنى ليس الأمر كما يقولون من نسبتهم إلى الله تعالى ما لا يليق به  بل آتيناهم  وقرأ ابن أبي إسحاق **«بل آتيناك »** على الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم،  ولكاذبون  يراد فيما ذكروا الله تعالى به من الصاحبة والولد والشريك.

### الآية 23:91

> ﻿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ ۚ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [23:91]

وفي قوله تعالى : وما كان معه من إله  دليل على التمانع وهذا هو الفساد الذي تضمنه قوله  ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا [(١)](#foonote-١) \[ الأنبياء : ٢٢ \] والجزء المخترع محال أن يتعلق به قدرتان فصاعداً أو يختلف الإلهان في إرادة فمحال نفوذهما ومحال عجزهما فإذا نفذت إرادة الواحد فهو العالي والآخر ليس بإله، فإذا قيل نقدرهما[(٢)](#foonote-٢) لا يختلفان في إرادة قيل ذلك بفرض، فإذا جوزه الكفار قامت الحجة فإن ما التزم جوازه جار[(٣)](#foonote-٣) في الحجة جرى ما التزم وقوعه، وقوله  إذاً  جواب لمحذوف تقديره لو كان معه إله  إذاً لذهب  وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم **«عالمِ »** بكسر الميم اتباعاً للمكتوبة[(٤)](#foonote-٤) في قوله  سبحان الله ، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم **«عالمُ »** بالرفع والمعنى هو **«عالم »** قال الأخفش : الجر أجود ليكون الكلام من وجه واحدٍ قال أبو علي : ووجهه الرفع إن الكلام قد انقطع. 
قال الفقيه الإمام القاضي : والابتداء عندي[(٥)](#foonote-٥) أبرع والفاء في قوله  فتعالى  عاطفة بالمعنى كأنه قال : علم الغيب والشهادة  فتعالى  وهذا كما تقول زيد شجاع فعظمت منزلته ويحتمل أن يكون المعنى فأقول تعالى  عما يشركون  على إخبار مؤتنف.

١ من الآية (٢٢) من سورة (الأنبياء)..
٢ في بعض النسخ: "فإن قيل: بقدرتهما لا يختلفان"..
٣ في بعض النسخ: "يجري في الحجة"..
٤ المكتوبة هي لفظ الجلالة "الله"..
٥ في بعض النسخ "عنده" أي عند أبي علي، واخترنا التي نقلها أبو حيان عن ابن عطية وهي التي تتفق مع سياق الكلام، وكذلك جاء في بعض النسخ: "والابتداء عندي أبدع" بدلا من "أبرع"..

### الآية 23:92

> ﻿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ [23:92]

و  الغيب  ما غاب عن الناس و  الشهادة  ما شهدوه.

### الآية 23:93

> ﻿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ [23:93]

أمر الله تعالى نبيه عليه السلام أن يدعو لنفسه بالنجاة من عذاب الظلمة إن كان قضي أن يرى ذلك، و **«إن »** شرط و **«ما »** زائدة، و  تريني  جزم بالشرط لزمت النون الثقيلة وهي لا تفارق **«إما »** عند المبرد، ويجوز عن سيبويه أن تفارق فيقال  إما تريني  لكن استعمال القرآن لزومها فمن هنالك ألزمها المبرد.

### الآية 23:94

> ﻿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [23:94]

وهذا الدعاء فيه استصحاب الخشية والتحذير من الأمر المعذب من أجله[(١)](#foonote-١) ثم نظيره لسائر الأمة دعاء في جودة الخاتمة، وفي هذه الآية بجملتها إعلام بقرب العذاب منهم كما كان في يوم بدر، وقوله ثانياً اعتراض بين الشرط وجوابه.

١ من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم مما يكون سببا لجعله مع القوم الظالمين، وكان صلوات الله وسلامه عليه يعلم ذلك، ويعلم أن اله تعالى لا يجعله في القوم الظالمين إذا نزل بهم العذاب، ولكن الله تعالى أمره بذلك إشهارا للعبودية، وليزيد أجره، وليكون دائما على ذكر لربه، ولهذا صلى اله عليه وسلم كثير الاستغفار لربه..

### الآية 23:95

> ﻿وَإِنَّا عَلَىٰ أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ [23:95]

مواضعها بما يقع من المسحور عبر عنهم بذلك، وقالت فرقة تُسْحَرُونَ معناه تمنعون، وحكى بعضهم ذلك لغة، وقرأ ابن محيصن **«العظيم»** برفع الميم ومَلَكُوتُ مصدر في بناء مبالغة والإجارة المنع من الإنسان والمعنى أن الله إذا منع أحدا فلا يقدر عليه، وإذا أراد أحدا فلا مانع له، وكذلك في سائر قدرته وما نفذ من قضائه لا يعارض ذلك شيء ولا يحيله عن مجراه.
 **قوله عز وجل:**
 \[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٩٠ الى ٩٢\]
 بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)
 المعنى ليس الأمر كما يقولون من نسبتهم إلى الله تعالى ما لا يليق به بَلْ أَتَيْناهُمْ وقرأ ابن أبي إسحاق **«بل آتيناك»** على الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم، ولَكاذِبُونَ يراد فيما ذكروا الله تعالى به من الصاحبة والولد والشريك، وفي قوله تعالى: وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ دليل على التمانع وهذا هو الفساد الذي تضمنه قوله ولَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا \[الأنبياء: ٢٢\] والجزء المخترع محال أن يتعلق به قدرتان فصاعدا أو يختلف الإلهان في إرادة فمحال نفوذهما ومحال عجزهما فإذا نفذت إرادة الواحد فهو العالي والآخر ليس بإله، فإذا قيل نقدرهما لا يختلفان في إرادة قيل ذلك بفرض، فإذا جوزه الكفار قامت الحجة فإن ما التزم جوازه جرى ما التزم وقوعه، وقوله إِذاً جواب لمحذوف تقديره لو كان معه إله إِذاً لَذَهَبَ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم ******«عالم»****** بكسر الميم اتباعا للمكتوبة في قوله سُبْحانَ اللَّهِ، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم ******«عالم»****** بالرفع والمعنى هو ******«عالم»****** قال الأخفش: الجر أجود ليكون الكلام من وجه واحد قال أبو علي: ووجهه الرفع إن الكلام قد انقطع.
 قال الفقيه الإمام القاضي: والابتداء عندي أبرع والفاء في قوله فَتَعالى عاطفة بالمعنى كأنه قال:
 علم الغيب والشهادة فَتَعالى وهذا كما تقول زيد شجاع فعظمت منزلته ويحتمل أن يكون المعنى فأقول تعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ على إخبار مؤتنف، والْغَيْبِ ما غاب عن الناس والشَّهادَةِ ما شهدوه.
 **قوله عز وجل:**
 \[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٩٣ الى ٩٨\]
 قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ (٩٥) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (٩٧)
 وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)
 أمر الله تعالى نبيه عليه السلام أن يدعو لنفسه بالنجاة من عذاب الظلمة إن كان قضي أن يرى ذلك،

### الآية 23:96

> ﻿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ ۚ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ [23:96]

وقوله  ادفع بالتي هي أحسن  الآية أمر بالصفح ومكارم الأخلاق وما كان منها، لهذا فهو حكم باق في الأمة أبداً[(١)](#foonote-١) وما كان فيها من معنى موادعة الكفار وترك التعرض لهم والصفح عن أمورهم فمنسوخ بالقتال، وقوله  نحن أعلم بما يصفون  يقتضي أنها آية موادعة، وقال مجاهد **«الدفع بالتي هي أحسن »** هو السلام يسلم عليه إذا لقيه، وقال الحسن : والله لا يصيبها أحد حتى يكظم غيظه عما يكره. 
قال الفقيه الإمام القاضي : هذه الطرفان[(١)](#foonote-١) وفي هذه عدة للنبي صلى الله عليه وسلم أي اشتغل بهذا وكل تعذيبهم والنقمة منهم إلينا.

١ نقل القرطبي معنى هذه الآية عن ابن عطية دون أن يشير إليه، وهذه الجملة عنده جاءت في عبارة أوضح، نصها: "فما كان منها لهذه الأمة فيما بينهم فهو محكم باق في الأمة أبدا"، ونعتقد أنها هي العبارة الصحيحة لابن عطية..

### الآية 23:97

> ﻿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ [23:97]

وأمره بالتعوذ من الشيطان في **«همزاته »** وهي سورات الغضب التي لا يملك الإنسان فيها نفسه، وكأنها هي التي كانت تصيب المؤمنين مع الكفار فتقع المحادة[(٢)](#foonote-٢)، فلذلك اتصلت بهذه الآية، وقال ابن زيد :**«همز الشيطان »** الجنون. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وفي مصنف أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«اللهم إني أعوذ بك من الشيطان، همزه ونفخه ونفثه »**[(٣)](#foonote-٣) قال أبو داود همزه الُموتة وهي الجنون[(٤)](#foonote-٤) ونفخه الكبر ونفثه السحر. 
قال الفقيه الإمام القاضي : والنزعات وسورات الغضب من الشيطان وهي المتعوذ منها في الآية، والتعوذ من الجنون أيضاً وكيد، وفي قراءة أبي بن كعب **«ربي عائذاً بك من همزات الشيطان وعائذاً بك رب أن يحضرون »**،

٢ الحدة: الغضب والغلظة في القول، والعنف في المجادلة والحوار، والمحادة: المخالفة والمعاداة والمنازعة، وهي مفاعلة من الحد، كأن كل واحد منهما يجاوز حده إلى الآخر..
٣ والحديث أيضا في مسند الإمام أحمد، (٣ ـ ٥٠، ٥ ـ ٢٥٣)، ولفظه فيه عن أبي أمامة الباهلي: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة كبر ثلاث مرات، ثم قال: لا إله إلا الله ثلاث مرات، وسبحان الله وبحمده ثلاث مرات، ثم قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه)..
٤ ذكر في اللسان (همز) الحديث كما سبق ثم زاد عليه: "يا رسول الله، ما همزه ونفثه ونفخه؟ قال: أما همزه فالموتة، وأما نفثه فالشعر، وأما نفخه فالكبر"، وساق هذا على أنه جزء من الحديث، والتفسير للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم حكى بعد ذلك عن أبي عبيدة أن الموتة هي الجنون. وفي كتاب (النهاية في غريب الحديث والأثر) "الهمز: الموتة، الهمز: النخس والغمز، وكل شيء دفعته فقد همزته، والموتة: الجنون، والهمز أيضا: الغيبة والوقيعة في الناس وذكر عيوبهم"..

### الآية 23:98

> ﻿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [23:98]

وقوله  أن يحضرون  أن يكونوا معي في أموري فإنهم إذا حضروا الإنسان كانوا معدين للهمز فإذا لم يكن حضور فلا همز. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وأصل الهمز الدفع والوخز بيد وغيرها ومنه همز الخيل وهمز الناس باللسان وقيل لبعض العرب أتهمز الفأرة، سئل بذلك عن اللفظة فظن أن المراد شخص الفأرة فقال الهر يهمزها.

### الآية 23:99

> ﻿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ [23:99]

حتى  في هذا الموضع حرف ابتداء ويحتمل أن تكون غاية مجردة بتقدير كلام محذوف، والأول أبين لأن ما بعدها هو المعنيّ به المقصود ذكره[(١)](#foonote-١)، والضمير في قوله  أحدهم  للكفار، وقوله  ارجعون  معناه إلى الحياة الدنيا، وجمع الضمير يتخرج على معنيين إما أن يخاطبه مخاطبة الجمع تعظيماً على نحو إخباره تعالى عن نفسه بنون الجماعة في غير موضع، وإما أن تكون استغاثة بربه اولاً. 
ثم خاطب ملائكة العذاب بقوله  ارجعون ، وقال الضحاك هي من المشرك، وقال النبي صلى الله عليه وسلم، لعائشة **«إذا عاين المؤمن قالت الملائكة نرجعك فيقول إلى دار الهموم والأحزان بل قدماً إلى الله وأما الكافر فيقول  ارجعون لعلي أعمل صالحاً  »**[(١)](#foonote-١). 
١ نقل أبو حيان الأندلسي هذا الكلام عن ابن عطية، ثم علق عليه بقوله: "توهم ابن عطية أن (حتى) إذا كانت حرف ابتداء لا تكون غاية، وهي إذا كانت حرف ابتداء لا تفارقها الغاية، ولم يبين الكلام المحذوف، والذي يظهر لي أن قبلها جملة محذوفة تكون (حتى) غاية لها، يدل عليها ما قبلها، والتقدير: فلا أكون كالكفار الذين تهمزهم الشياطين ويحضرونهم، حتى إذا جاء أحدهم الموت، ونظير حذف هذه الجملة قول الشاعر:
 فيا عجبا حتى كليب تسبني
 أي: يسبني الناس حتى كليب، فدل ما بعد حتى على الجملة المحذوفة، وفي الآية دل ما قبلها عليها"..

### الآية 23:100

> ﻿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ [23:100]

وقرأ الحسن والجمهور **«لعلي »** بسكون الياء، وقرأ طلحة بن مصرف **«لعليَ »** بفتح الياء، و  كلا  رد وزجر وهي من كلام الله تعالى، وقوله  إنها كلمة هو قائلها  يحتمل ثلاثة معان : أحدهما الإخبار المؤكد بأن هذا الشيء يقع ويقول هذه الكلمة، والآخر أن يكون المعنى إنها كلمة لا تغني أكثر من أن يقولها ولا نفع له فيها ولا غوث، والثالث أن تكون إشارة إلى أنه لو رد لعاد فتكون آية ذم لهم، والضمير في  ورائهم  للكفار أي يأتي بعد موتهم حاجز من المدة و **«البرزخ »**، في كلام العرب الحاجز بين المسافتين، ثم يستعار لما عدا ذلك فهو هنا للمدة التي بين موت الإنسان وبين بعثه، هذا إجماع من المفسرين، و\[ يوم \] مضاف إلى \[ يبعثون \][(٢)](#foonote-٢).

٢ في الأصول وردت هذه الجملة "و \[يوم\] مضاف إلى \[يبعثون\]" بعد قول المؤلف: "وقرأ ابن عياض \[الصور\] بفتح الواو جمع صورة"، وقدمناها هنا لتكون في الموضع المناسب من الآية التي ذكرت فيها..

### الآية 23:101

> ﻿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ [23:101]

وقرأ الجمهور **«في الصور »** وهو القرن، وقرأ ابن عباس[(١)](#foonote-١) **«الصوَر »** بفتح الواو جمع صورة، و  يوم  مضاف إلى  يبعثون  وقوله  فى أنساب بينهم يومئذ  اختلف المتأولون في صفة ارتفاع الأنساب فقال ابن عباس وغيره : هذا في النفخة الأولى وذلك أن الناس بأجمعهم يموتون فلا يكون بينهم نسب في ذلك الوقت وهم أموات. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وهذا التأويل يزيل ما في الآية من ذكر هول الحشر، وقال ابن مسعود وغيره : إنما المعنى أنه عند النفخة الثانية وقيام الناس من القبور فهم حينئذ لهول المطلع واشتغال كل امرىء بنفسه قد انقطعت بينهم الوسائل وزال انتفاع الأنساب فلذلك نفاها المعنى  فلا أنساب  وروي عن قتادة أنه قال : ليس أحد أبغض إلى الإنسان في ذلك اليوم ممن يعرف لأنه يخاف أن تكون له عنده مظلمة وفي وذلك اليوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ويفرح كل أحد يومئذ أن يكون له حق على ابنه وأبيه، وقد ورد بهذا الحديث، وكذلك ارتفاع التساؤل والتعارف لهذه الوجوه التي ذكرناها ثم تأتي في القيامة مواطن يكون فيها السؤال والتعارف. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وهذا التأويل حسن وهو مروي المعنى عن ابن عباس.

١ في بعض النسخ: وقرأ ابن عياض"، وفي نسخة أخرى: "وقرأ ابن عباس"، وفي نسخة ثالثة: "وقرأ ابن عامر"، والذي في البحر المحيط: "وقرأ ابن عباس، والحسن، وابن عياض"..

### الآية 23:102

> ﻿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [23:102]

و **«ثقل الموازين »** هو الحسنات، والثقل والخفة إنما يتعلق بأجرام يخترع الله فيها ذلك وهي فيما روي براءات[(١)](#foonote-١). 
جمع **«الموازين »** من حيث الموزون جمع وهي الأعمال ع ومعنى الوزن إقامة الحجة على الناس بالمحسوس على عادتهم وعرفهم.

١ راجع تفسير قوله تعالى في سورة الأعراف: والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون في الجزء الخامس صفحة ٤٣١ وما بعدها..

### الآية 23:103

> ﻿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [23:103]

ووزن الكافر على أحد وجهين : إما أن يوضع كفره في كفه فلا يجد شيئاً يعادله في الكفة الأخرى، وإما أن توضع أعماله من صلة رحم ووجه بر في كفة الحسنات ثم يوضع كفره في الكفة الأخرى فتخف أعماله.

### الآية 23:104

> ﻿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ [23:104]

و **«لفح النار »** إصابتها بالوهج والإحراق، وقرأ أبو حيوة **«كلحون »** بغير ألف، والكلوح : انكشاف الشفتين عن الأسنان، وهذا يعتري الإنسان عن المباطشة مع الغضب، ويعتري الرؤوس عند النار، وقد شبه عبد الله بن مسعود في هذه الآية مما يعتري رؤوس الكباش إذا شيطت بالنار فإنها تكلح[(١)](#foonote-١) ومعه كلوح الكلب والأسد ويستعار للزمن والخطوب.

١ أخرج الإمام أحمد، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن أبي الدنيا في صفة النار، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون قال: تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته)..

### الآية 23:105

> ﻿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ [23:105]

وقوله  ألم تكن آياتي  قبله محذوف تقديره يقال لهم، و **«الآيات »** هنا القرآن

### الآية 23:106

> ﻿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ [23:106]

وأخبر عنهم تعالى أنهم إذا سمعوا هذا التقرير أذعنوا وأقروا على أنفسهم وسلموا بقولهم  غلبت علينا شقوتنا وكنا قوماً ضالين  وقرأ الجمهور **«شِقوتنا »** بكسر الشين دون ألف بعد القاف وهي قراءة الحرميين، وقرأ الحمزة والكسائي **«شَقاوتنا »** بفتح الشين وألف بعد القاف وهي قراءة ابن مسعود، وخير عاصم في الوجهين وهما مصدران من شقي يشقى[(١)](#foonote-١).

١ يقال: شقي يشقى شقا وشقاء وشقاوة وشقوة وشقوة، فهذه كلها مصادر للفعل شقي. قال الفراء: إن (شقوة) كثيرة في كلام العرب، وأنشد أبو ثروان:
 كلف من عنائه وشقوته بنت ثماني عشرة من حجته.

### الآية 23:107

> ﻿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ [23:107]

ثم تدرجوا من الإقرار إلى الرغبة والتضرع وذلك أنهم ذلوا لأن الإقرار بالذنب اعتذار وتنصل، فوقع جواب رغبتهم بحسب ما حتمه الله من عذابهم بقوله تعالى : اخسؤوا فيها ولا تكلمون  وجاء  ولا تكلمون  بلفظ نهي وهم لا يستطيعون الكلام على ما روي فهذا مبالغة في المنع، ويقال إن هذه الكلمة إذا سمعوها يئسوا، وحكى الطبري حديثاً طويلاً في مقاولة تكون بين الكفار وبين مالك خازن النار، ثم بينهم وبين ربهم وآخرها هذه الكلمة  اخسؤوا فيها  قال فتنطبق عليهم جهنم ويقع اليأس ويبقون ينبح بعضهم في وجه بعض[(١)](#foonote-١). 
قال الفقيه الإمام القاضي : واختصرت هذا الحديث لعدم صحته لكن معناه صحيح عافانا الله من ناره بمنه، وقوله  اخسؤوا  زجر يستعمل في زجر الكلاب، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لابن صياد اخسأ فلن تعدو قدرك[(٢)](#foonote-٢).

١ الحديث أيضا في الدر المنثور، وقد ذكر من رواته غير ابن جرير الطبري، الترمذي، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في البعث. وهو عن أبي الدرداء رضي الله عنه..
٢ أخرجه البخاري في الجنائز والجهاد والقدر والأدب، ومسلم والترمذي في الفتن، وأبو داود في الملاحم، والدرامي في المقدمة، وأحمد في المسند ١ ـ ٣٨٠، ولفظه كما في مسند أحمد عن عبد الله قال: كنا نمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم، فمر بابن صياد، فقال: إني قد خبأت لك خبأ، قال ابن صياد: دخ، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اخسأ فلن تعدو قدرك)، فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنقه، قال: لا، إن يكن الذي نخاف فلن تستطيع قتله..

### الآية 23:108

> ﻿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ [23:108]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٠٧:ثم تدرجوا من الإقرار إلى الرغبة والتضرع وذلك أنهم ذلوا لأن الإقرار بالذنب اعتذار وتنصل، فوقع جواب رغبتهم بحسب ما حتمه الله من عذابهم بقوله تعالى : اخسؤوا فيها ولا تكلمون  وجاء  ولا تكلمون  بلفظ نهي وهم لا يستطيعون الكلام على ما روي فهذا مبالغة في المنع، ويقال إن هذه الكلمة إذا سمعوها يئسوا، وحكى الطبري حديثاً طويلاً في مقاولة تكون بين الكفار وبين مالك خازن النار، ثم بينهم وبين ربهم وآخرها هذه الكلمة  اخسؤوا فيها  قال فتنطبق عليهم جهنم ويقع اليأس ويبقون ينبح بعضهم في وجه بعض[(١)](#foonote-١). 
قال الفقيه الإمام القاضي : واختصرت هذا الحديث لعدم صحته لكن معناه صحيح عافانا الله من ناره بمنه، وقوله  اخسؤوا  زجر يستعمل في زجر الكلاب، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لابن صياد اخسأ فلن تعدو قدرك[(٢)](#foonote-٢). 
١ الحديث أيضا في الدر المنثور، وقد ذكر من رواته غير ابن جرير الطبري، الترمذي، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في البعث. وهو عن أبي الدرداء رضي الله عنه..
٢ أخرجه البخاري في الجنائز والجهاد والقدر والأدب، ومسلم والترمذي في الفتن، وأبو داود في الملاحم، والدرامي في المقدمة، وأحمد في المسند ١ ـ ٣٨٠، ولفظه كما في مسند أحمد عن عبد الله قال: كنا نمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم، فمر بابن صياد، فقال: إني قد خبأت لك خبأ، قال ابن صياد: دخ، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اخسأ فلن تعدو قدرك)، فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنقه، قال: لا، إن يكن الذي نخاف فلن تستطيع قتله..


---

### الآية 23:109

> ﻿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ [23:109]

قرأ هارون **«أنه كان »** بفتح الألف وهي قراءة أبي ابن كعب، وروي أن في مصحف أبي بن كعب **«أن كان »** وهذا كله متعاضد، وفي قراءة ابن مسعود **«تكلمون كان فريق »** بغير ****«إنه »**** وهذه تعضد كسر الألف من ****«إنه »**** لأنها استئناف، وهذه الهاء هي مبهمة ضمير للأمر، والكوفيون يسمونها المجهولة وهي عبارة فاسدة، وهذه الآية كلها مما يقال للكفار على جهة التوبيخ، و **«الفريق »** المشار إليه كل مستضعف من المؤمنين يتفق أن تكون حاله مع كفار في مثل هذه الحال، ونزلت الآية في كفار قريش مع صهيب وبلال وعمار ونظرائهم ثم هي عامة فيمن جرى مجراهم قديماً وبقية الدهر.

### الآية 23:110

> ﻿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىٰ أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ [23:110]

وقرأ نافع وحمزة والكسائي **«سُخرياً »** بضم السين، وقرأ الباقون **«سِخرياً »** بكسرها، فقالت طائفة هما بمعنى واحد وذكر ذلك الطبري، وقال ذلك أبو زيد الأنصاري إنهما بمعنى الهزء، وقال أبو عبيدة وغيره : إن ضم السين من **«السخرة »** والتخديم وكسر السين من السخر وهو الاستهزاء ومنه قول الأعشى :\[ البسيط \]
إني أتاني حديث لا أسرُّ به. . . من علو لا كذب ولا سخر[(١)](#foonote-١)
قال أبو علي قراءة كسر السين أوجه لأنه بمعنى الاستهزاء والكسر فيه أكثر وهو أليق بالآية ألا ترى إلى قوله : وكنتم منهم تضحكون . . 
قال القاضي أبو محمد : ألا ترى إلى إجماع القراء على ضم السين في قوله  لتخذ بعضهم بعضاً سخرياً [(٢)](#foonote-٢) \[ الزخرف : ٣٢ \] لما تخلص الأمر للتخديم، قال يونس إذا أريد التخديم فضم السين لا غير، وإذا أريد تخلص الاستهزاء فالضم والكسر، وقرأ أصحاب عبد الله والأعرج وابن أبي إسحاق كل ما في القرآن بضم السين، وقرأ الحسن وأبو عمرو كل ما في القرآن بالكسر إلا التي في الزخرف فإنهما ضما السين كما فعل الناس لأنها من التخديم، وأضاف **«الإنسان »** إلى **«الفريق »** من حيث كان بسببهم والمعنى أن اشتغالهم بالهزء بهؤلاء أنساهم ما ينفعهم.

١ البيت لأعشى باهلة، عامر بن الحارث بن رباح، وهو مطلع قصيدة يرثي بها أخاه المنتشر، وهي من المراثي المعدودات، والبيت في اللسان (لسن)، وقد استشهد به على أن (اللسان) بمعنى الرسالة والمقالة، إذ الرواية فيه: (إني أتتني لسان لا أسر بها)، ولهذا أنث الشاعر الفعل فقال: (أتتني)، كما استشهد به صاحب اللسان في (سخر) على أن السخر والسخر بمعنى الهزء، وقال إنه يروى بضم السين وسكون الخاء، ويروى بفتحهما، والقصيدة كاملة في الأصمعيات، والبيت فيها مختلف كثيرا، هن هذه الروايات التي ذكرناها، فهو: 
 قد جاء من عل أنباء أنبؤها إلي لا عجب منها ولا سخر
 وضبط المحقق كلمة (سخر) بفتح السين والخاء وبضمهما معا، والقصيدة في (جمهرة أشعار العرب)، وفي (مختارات ابن الشجري)، وفي (أمالي الشريف المرتضي)، وفي (خزانة الأدب)، مع الاختلاف في بعض الألفاظ، وفي عدد الأبيات..
٢ في الآية (٣٢)، وفيها يقول عز وجل: ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا..

### الآية 23:111

> ﻿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ [23:111]

وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر **«أنهم هم الفائزون »** بفتح الألف، ف  جزيتهم  عامل في **«أن »**، ويجوز أن يعمل في مفعول محذوف ويكون التقدير لأنهم، وقرأ حمزة والكسائي وخارجة عن نافع **«إنهم »** بكسر الألف فالمفعول الثاني ل **«جزية »** مقدر تقديره الجنة أو الرضوان، و  الفائزون  المنتهون إلى غايتهم التي كانت أملهم، ومعنى الفوز النجاة من هلكة إلى نعمة.

### الآية 23:112

> ﻿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ [23:112]

قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر **«قال كم لبثتم »** و ******«قل إن لبثتم »******، وقرأ حمزة والكسائي فيهما **«قل لكم لبثتم »** و ******«قل إن لبثتم »******، وروى البزي[(١)](#foonote-١) عن ابن كثير **«قل كم »** على الأمر **«قال إن »** على الخبر، وأدغم أبو عمرو وحمزة والكسائي التاء، والباقون لا يدغمون. فمعنى الأول إخبار عن الله بوقفهم بالسؤال عن المدة ثم يعلمهم آخراً بلبثهم قليلاً، ومعنى الثانية الأمر لواحد منهم مشار إليه بمعنى يقال لأحدهم قل كذا فإذا غير القويم قيل له ******«قل إن لبثتم »******، ومعنى رواية البزي التوقيف ثم الإخبار وفي المصاحف قال فيهما إلا في مصحف الكوفة فإن فيه **«قل »** بغير الألف، وقوله  في الأرض  قال الطبري معناه في الدنيا أحياء وعن هذا وقع السؤال ونسوا لفرط هول العذاب حتى قالوا  يوماً أو بعض يوم . 
قال الفقيه الإمام القاضي : والغرض من هذا توقيفهم على أن أعمارهم قصيرة أداهم الكفر فيها إلى عذاب طويل، وقال جمهور المتأولين معناه في جوف التراب أمواتاً. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وهذا هو الأصوب من حيث أنكروا البعث، وكان قوله إنهم لا يقومون من التراب قيل لهم لما قدموا  كم لبثتم  ؟ وقوله آخراً  وأنكم إلينا لا ترجعون  يقتضي ما قلناه، و  عدد  نصب ب  كم  على التمييز، وقرأ الأعمش **«عدداً سنين »** بتنوين **«عدداً »**.

١ هو أحمد بن محمد بن عبد الله البزي، أبو الحسن، من كبار القراء، من أهل مكة، وتوفي بها، قال ابن الجزري عنه: هو أستاذ محقق ضابط متقن، وعرفه ابن الأثير في (اللباب) بصاحب قراءة ابن كثير، وكان ضعيفا في الحديث. (اللباب، وغاية النهاية، والأعلام)..

### الآية 23:113

> ﻿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ [23:113]

وقال مجاهد أرادوا ب  العادين  الملائكة، وقال قتادة أرادوا أهل الحساب. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وظاهر اللفظ أنهم أرادوا سل من يتصف بهذه الصفة، ولم يعينوا ملائكة ولا غيرها لأن النائم والميت لا يعد الحركة فيقدر له الزمن.

### الآية 23:114

> ﻿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [23:114]

وقوله  إن لبثتم إلا قليلاً  مقصده على القول بأن اللبث في الدنيا، أي قليل القدر في جنب ما تعذبون، على القول بأن اللبث في القبور معناه أنه قليل، إذ كل آت قريب ولكنكم كذبتم به إذ كنتم لا تعلمون، إذ لم ترغبوا في العلم والهدى.

### الآية 23:115

> ﻿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ [23:115]

و  عبثاً  معناه باطلاً لغير غاية مرادة، وقرأ الجمهور **«تُرجعون »** بضم التاء وفتح الجيم، وقرأ حمزة والكسائي **«تَرجِعون »** بفتح التاء وكسر الجيم والمعنى فيهما بين.

### الآية 23:116

> ﻿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [23:116]

المعنى  فتعالى الله  عن مقالتهم في جهته من الصاحبة والولد ومن حسابهم أنهم لا يرجعون، أي تنزه الله عن تلك الأمور وتعالى عنها، وقرأ ابن محيصن **«الكريمُ »** برفع صفة للرب.

### الآية 23:117

> ﻿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [23:117]

ثم توعد جلت قدرته عبدة الأصنام بقوله : ومن يدع مع الله  الآية والوعيد قوله  فإنما حسابه عند ربه  والبرهان الحجة وظاهر الكلام أن  من  شرط وجوابه في قوله : فإنما حسابه عند ربه  وقوله : لا برهان له به  في موضع الصفة وذهب قوم إلى أن الجواب في قوله  لا برهان  وهذا هروب من دليل الخطاب من أن يكون ثم داع له البرهان. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وهذا تحفظ مما لا يلزم ويلحقه حذف الفاء من جواب الشرط وهو غير فصيح قال سيبويه، وفي حرف عبد الله **«عند ربك »** وفي حرف أبي عند الله وروي أن فيه **«على الله »**. 
ثم حتم وأكد أن الكافر لا يبلغ أمنيته ولا ينجح سعيه، وقرا الجمهور **«إنه »** بكسر الألف، وقرأ الحسن وقتادة **«أنه »** بفتحها، والمعنى أنه إذ لا يذكر و  لا يفلح  يؤخر حسابه وعذابه حتى يلقى ربه. وقرأ الحسن **«يَفلَح »** بفتح الياء واللام[(١)](#foonote-١)،

### الآية 23:118

> ﻿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ [23:118]

ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعاء في المغفرة والرحمة والذكر له تعالى بأنه  خير الراحمين  لأن كل راحم فمتصرف على إرادة الله وتوفيقه وتقديره لمقدار هذه الرحمة، ورحمته تعالى لا مشاركة لأحد فيها، وأيضاً فرحمة كل راحم في أشياء وبأشياء حقيرات بالإضافة إلى المعاني التي تقع فيها رحمة الله تعالى من الاستنقاذ من النار، وهيئة نعيم الجنة وعلى ما في الحديث فرحمة كل راحم بمجموعها كلها جزء من مائة رحمة الله جلت قدرته : إذ بث في العالم واحدة وأمسك عنده تسعة وتسعين[(٢)](#foonote-٢)، وقرأ ابن محيصن **«ربُّ اغفر »** بضم الباء من\[ رب \][(٣)](#foonote-٣).

٢ يشير إلى حديث شريف أخرجه البخاري في التوبة والرقاق، ومسلم في التوبة، والترمذي في الدعوات، وابن ماجه في الزهد، والدرامي في الرقاق، وأحمد في مسنده (٢ ـ ٤٣٣، ٥١٤ ـ ٣ ـ ٥٥، ٥٦ ـ ٥ ـ ٤٣٩)، وهو في البخاري عن أبي هريرة، ولفظه فيه أنه رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة فأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار)..
٣ أسند الثعلبي من حديث ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، عن حنش بن عبد الله الصنعاني، عن عبد الله بن مسعود أنه مر بمصاب مبتلى فقرأ في أذنه أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا حتى ختم السورة فبرئ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ماذا قرأت في أذنه)؟ فأخبره، فقال: (والذي نفسي بيده لو أن رجلا موقنا قرأها على جبل لزال)..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/23.md)
- [كل تفاسير سورة المؤمنون
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/23.md)
- [ترجمات سورة المؤمنون
](https://quranpedia.net/translations/23.md)
- [صفحة الكتاب: المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز](https://quranpedia.net/book/350.md)
- [المؤلف: ابن عطية](https://quranpedia.net/person/4644.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/23/book/350) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
