---
title: "تفسير سورة النّور - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/24/book/1469.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/24/book/1469"
surah_id: "24"
book_id: "1469"
book_name: "الجامع لأحكام القرآن"
author: "القرطبي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة النّور - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/24/book/1469)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة النّور - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي — https://quranpedia.net/surah/1/24/book/1469*.

Tafsir of Surah النّور from "الجامع لأحكام القرآن" by القرطبي.

### الآية 24:1

> سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [24:1]

سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
 مَقْصُود هَذِهِ السُّورَة ذِكْر أَحْكَام الْعَفَاف وَالسِّتْر.
 وَكَتَبَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ إِلَى أَهْل الْكُوفَة :( عَلِّمُوا نِسَاءَكُمْ سُورَة النُّور ).
 وَقَالَتْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا :( لَا تُنْزِلُوا النِّسَاء الْغُرَف وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ الْكِتَابَة وَعَلِّمُوهُنَّ سُورَة النُّور وَالْغَزْل ).
 " وَفَرَضْنَاهَا " قُرِئَ بِتَخْفِيفِ الرَّاء ; أَيْ فَرَضْنَا عَلَيْكُمْ وَعَلَى مَنْ بَعْدكُمْ مَا فِيهَا مِنْ الْأَحْكَام.
 وَبِالتَّشْدِيدِ : أَيْ أَنْزَلْنَا فِيهَا فَرَائِض مُخْتَلِفَة.
 وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو :" وَفَرَّضْنَاهَا " بِالتَّشْدِيدِ أَيْ قَطَّعْنَاهَا فِي الْإِنْزَال نَجْمًا نَجْمًا.
 وَالْفَرْض الْقَطْع، وَمِنْهُ فُرْضَة الْقَوْس.
 وَفَرَائِض الْمِيرَاث وَفَرْض النَّفَقَة.
 وَعَنْهُ أَيْضًا " فَرَضْنَاهَا " فَصَّلْنَاهَا وَبَيَّنَّاهَا.
 وَقِيلَ : هُوَ عَلَى التَّكْثِير ; لِكَثْرَةِ مَا فِيهَا مِنْ الْفَرَائِض.
 وَالسُّورَة فِي اللُّغَة اِسْم لِلْمَنْزِلَةِ الشَّرِيفَة ; وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ السُّورَة مِنْ الْقُرْآن سُورَة.
 **قَالَ زُهَيْر :**

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّه أَعْطَاك سُورَة  تَرَى كُلّ مَلْك دُونهَا يَتَذَبْذَب وَقَدْ مَضَى فِي مُقَدِّمَة الْكِتَاب الْقَوْل فِيهَا.
 وَقُرِئَ " سُورَة " بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهَا مُبْتَدَأ وَخَبَرهَا " أَنْزَلْنَاهَا " ; قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَة وَالْأَخْفَش.
 وَقَالَ الزَّجَّاج وَالْفَرَّاء وَالْمُبَرِّد :" سُورَة " بِالرَّفْعِ لِأَنَّهَا خَبَر الِابْتِدَاء ; لِأَنَّهَا نَكِرَة وَلَا يُبْتَدَأ بِالنَّكِرَةِ فِي كُلّ مَوْضِع، أَيْ هَذِهِ سُورَة.
 وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَوْله " سُورَة " اِبْتِدَاء وَمَا بَعْدهَا صِفَة لَهَا أَخْرَجَتْهَا عَنْ حَدّ النَّكِرَة الْمَحْضَة فَحَسُنَ الِابْتِدَاء لِذَلِكَ، وَيَكُون الْخَبَر فِي قَوْله " الزَّانِيَة وَالزَّانِي ".
 وَقُرِئَ " سُورَةً " بِالنَّصْبِ، عَلَى تَقْدِير أَنْزَلْنَا سُورَة أَنْزَلْنَاهَا.
 **وَقَالَ الشَّاعِر :**وَالذِّئْب أَخْشَاهُ إِنْ مَرَرْت بِهِ  وَحْدِي وَأَخْشَى الرِّيَاح وَالْمَطَرَا أَوْ تَكُون مَنْصُوبَة بِإِضْمَارِ فِعْل أَيْ اُتْلُ سُورَة.
 وَقَالَ الْفَرَّاء : هِيَ حَال مِنْ الْهَاء وَالْأَلِف، وَالْحَال مِنْ الْمُكَنَّى يَجُوز أَنْ يَتَقَدَّم عَلَيْهِ.

### الآية 24:2

> ﻿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [24:2]

وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
 قِيلَ : لَا يَشْهَد التَّعْذِيب إِلَّا مَنْ لَا يَسْتَحِقّ التَّأْدِيب.
 قَالَ مُجَاهِد : رَجُل فَمَا فَوْقه إِلَى أَلْف.
 وَقَالَ اِبْن زَيْد : لَا بُدّ مِنْ حُضُور أَرْبَعَة قِيَاسًا عَلَى الشَّهَادَة عَلَى الزِّنَى، وَأَنَّ هَذَا بَاب مِنْهُ ; وَهُوَ قَوْل مَالِك وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ.
 وَقَالَ عِكْرِمَة وَعَطَاء : لَا بُدّ مِنْ اِثْنَيْنِ ; وَهَذَا مَشْهُور قَوْل مَالِك، فَرَآهَا مَوْضِع شَهَادَة.
 وَقَالَ الزُّهْرِيّ : ثَلَاثَة، لِأَنَّهُ أَقَلّ الْجَمْع.
 الْحَسَن : وَاحِد فَصَاعِدًا، وَعَنْهُ عَشَرَة.
 الرَّبِيع : مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثَة.
 وَحُجَّة مُجَاهِد قَوْله تَعَالَى :" فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَة " \[ التَّوْبَة : ١٢٢ \]، وَقَوْله :" وَإِنْ طَائِفَتَانِ " \[ الْحُجُرَات : ٩ \]، وَنَزَلَتْ فِي تَقَاتُل رَجُلَيْنِ ; فَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى :" وَلْيَشْهَدْ عَذَابهمَا طَائِفَة مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ".
 وَالْوَاحِد يُسَمَّى طَائِفَة إِلَى الْأَلْف ; وَقَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَإِبْرَاهِيم.
 وَأَمَرَ أَبُو بَرْزَة الْأَسْلَمِيّ بِجَارِيَةٍ لَهُ قَدْ زَنَتْ وَوَلَدَتْ فَأَلْقَى عَلَيْهَا ثَوْبًا، وَأَمَرَ اِبْنه أَنْ يَضْرِبهَا خَمْسِينَ ضَرْبَة غَيْر مُبَرِّح وَلَا خَفِيف لَكِنْ مُؤْلِم، وَدَعَا جَمَاعَة ثُمَّ تَلَا " وَلْيَشْهَدْ عَذَابهمَا طَائِفَة مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ".
 اُخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِحُضُورِ الْجَمَاعَة.
 هَلْ الْمَقْصُود بِهَا الْإِغْلَاط عَلَى الزُّنَاة وَالتَّوْبِيخ بِحَضْرَةِ النَّاس، وَأَنَّ ذَلِكَ يَدَع الْمَحْدُود، وَمَنْ شَهِدَهُ وَحَضَرَهُ يَتَّعِظ بِهِ وَيَزْدَجِر لِأَجْلِهِ، وَيَشِيع حَدِيثه فَيَعْتَبِر بِهِ مَنْ بَعْده، أَوْ الدُّعَاء لَهُمَا بِالتَّوْبَةِ وَالرَّحْمَة ; قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ.
 رُوِيَ عَنْ حُذَيْفَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( يَا مَعَاشِر النَّاس اِتَّقُوا الزِّنَى فَإِنَّ فِيهِ سِتّ خِصَال ثَلَاثًا فِي الدُّنْيَا وَثَلَاثًا فِي الْآخِرَة فَأَمَّا اللَّوَاتِي فِي الدُّنْيَا فَيُذْهِب الْبَهَاء وَيُورِث الْفَقْر وَيُنْقِص الْعُمُر وَأَمَّا اللَّوَاتِي فِي الْآخِرَة فَيُوجِب السَّخَط وَسُوء الْحِسَاب وَالْخُلُود فِي النَّار ).
 وَعَنْ أَنَس أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( إِنَّ أَعْمَال أُمَّتِي تُعْرَض عَلَيَّ فِي كُلّ جُمْعَة مَرَّتَيْنِ فَاشْتَدَّ غَضَب اللَّه عَلَى الزُّنَاة ).
 وَعَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( إِذَا كَانَ لَيْلَة النِّصْف مِنْ شَعْبَان اِطَّلَعَ اللَّه عَلَى أُمَّتِي فَغَفَرَ لِكُلِّ مُؤْمِن لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا إِلَّا خَمْسَة سَاحِرًا أَوْ كَاهِنًا أَوْ عَاقًّا لِوَالِدَيْهِ أَوْ مُدْمِن خَمْر أَوْ مُصِرًّا عَلَى الزِّنَى ).

### الآية 24:3

> ﻿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [24:3]

وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
 أَيْ نِكَاح أُولَئِكَ الْبَغَايَا ; فَيَزْعُم بَعْض أَهْل التَّأْوِيل أَنَّ نِكَاح أُولَئِكَ الْبَغَايَا حَرَّمَهُ اللَّه تَعَالَى عَلَى أُمَّة مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَام، وَمِنْ أَشْهَرهنَّ عَنَاق.
 حَرَّمَ اللَّه تَعَالَى الزِّنَى فِي كِتَابه ; فَحَيْثُمَا زَنَى الرَّجُل فَعَلَيْهِ الْحَدّ.
 وَهَذَا قَوْل مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبِي ثَوْر.
 وَقَالَ أَصْحَاب الرَّأْي فِي الرَّجُل الْمُسْلِم إِذَا كَانَ فِي دَار الْحَرْب بِأَمَانٍ وَزَنَى هُنَالِكَ ثُمَّ خَرَجَ لَمْ يُحَدّ.
 قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : دَار الْحَرْب وَدَار الْإِسْلَام سَوَاء، وَمَنْ زَنَى فَعَلَيْهِ الْحَدّ، عَلَى ظَاهِر قَوْله " الزَّانِيَة وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَة جَلْدَة " \[ النُّور : ٢ \].

### الآية 24:4

> ﻿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [24:4]

وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
 هَذَا يَقْتَضِي مُدَّة أَعْمَارهمْ، ثُمَّ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ فَاسِقُونَ ; أَيْ خَارِجُونَ عَنْ طَاعَة اللَّه عَزَّ وَجَلَّ.
 الْحَادِيَة وَالْعِشْرُونَ

### الآية 24:5

> ﻿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [24:5]

وَهُوَ قَوْل اللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ : تُرَدّ شَهَادَته وَإِنْ لَمْ يُحَدّ ; لِأَنَّهُ بِالْقَذْفِ يَفْسُق، لِأَنَّهُ مِنْ الْكَبَائِر فَلَا تُقْبَل شَهَادَته حَتَّى تَصِحّ بَرَاءَته بِإِقْرَارِ الْمَقْذُوف لَهُ بِالزِّنَى أَوْ بِقِيَامِ الْبَيِّنَة عَلَيْهِ.
 السَّادِسَة :" وَأَصْلَحُوا " يُرِيد إِظْهَار التَّوْبَة.
 وَقِيلَ : وَأَصْلَحُوا الْعَمَل.
 " فَإِنَّ اللَّه غَفُور رَحِيم " حَيْثُ تَابُوا وَقَبِلَ تَوْبَتهمْ.

### الآية 24:6

> ﻿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ [24:6]

وَقَالَ الشَّافِعِيّ : يَقُول الْمُلَاعِن أَشْهَد بِاَللَّهِ إِنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْت بِهِ زَوْجِي فُلَانَة بِنْت فُلَان، وَيُشِير إِلَيْهَا إِنْ كَانَتْ حَاضِرَة، يَقُول ذَلِكَ أَرْبَع مَرَّات، ثُمَّ يُوعِظه الْإِمَام وَيُذَكِّرهُ اللَّه تَعَالَى وَيَقُول : إِنِّي أَخَاف إِنْ لَمْ تَكُنْ صَدَقْت أَنْ تَبُوء بِلَعْنَةِ اللَّه ; فَإِنْ رَآهُ يُرِيد أَنْ يَمْضِي عَلَى ذَلِكَ أَمَرَ مَنْ يَضَع يَده عَلَى فِيهِ، وَيَقُول : إِنَّ قَوْلك وَعَلَيَّ لَعْنَة اللَّه إِنْ كُنْت مِنْ الْكَاذِبِينَ مُوجِبًا ; فَإِنْ أَبَى تَرَكَهُ يَقُول ذَلِكَ : لَعْنَة اللَّه عَلَيَّ إِنْ كُنْت مِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْت بِهِ فُلَانَة مِنْ الزِّنَى.
 اِحْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ رَجُلًا حَيْثُ أَمَرَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ يَضَع يَده عَلَى فِيهِ عِنْد الْخَامِسَة يَقُول : إِنَّهَا مُوجِبَة.

### الآية 24:7

> ﻿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ [24:7]

وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ
 وَكَيْفِيَّة اللِّعَان أَنْ يَقُول الْحَاكِم لِلْمُلَاعِنِ : قُلْ أَشْهَد بِاَللَّهِ لَرَأَيْتهَا تَزْنِي وَرَأَيْت فَرْج الزَّانِي فِي فَرْجهَا كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَة وَمَا وَطِئْتهَا بَعْد رُؤْيَتِي.
 وَإِنْ شِئْت قُلْت : لَقَدْ زَنَتْ وَمَا وَطِئْتهَا بَعْد زِنَاهَا.
 يُرَدِّد مَا شَاءَ مِنْ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ أَرْبَع مَرَّات، فَإِنْ نَكَلَ عَنْ هَذِهِ الْأَيْمَان أَوْ عَنْ شَيْء مِنْهَا حُدَّ.
 وَإِذَا نَفَى حَمْلًا قَالَ : أَشْهَد بِاَللَّهِ لَقَدْ اِسْتَبْرَأْتهَا وَمَا وَطِئْتهَا بَعْد، وَمَا هَذَا الْحَمْل مِنِّي، وَيُشِير إِلَيْهِ ; فَيَحْلِف بِذَلِكَ أَرْبَع مَرَّات وَيَقُول فِي كُلّ يَمِين مِنْهَا : وَإِنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ فِي قَوْلِي هَذَا عَلَيْهَا.
 ثُمَّ يَقُول فِي الْخَامِسَة : عَلَيَّ لَعْنَة اللَّه إِنْ كُنْت مِنْ الْكَاذِبِينَ، وَإِنْ شَاءَ قَالَ : إِنْ كُنْت كَاذِبًا فِيمَا ذَكَرْت عَنْهَا.
 فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ سَقَطَ عَنْهُ الْحَدّ وَانْتَفَى عَنْهُ الْوَلَد.
 وَقَالَ الشَّافِعِيّ : يَقُول الْمُلَاعِن أَشْهَد بِاَللَّهِ إِنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْت بِهِ زَوْجِي فُلَانَة بِنْت فُلَان، وَيُشِير إِلَيْهَا إِنْ كَانَتْ حَاضِرَة، يَقُول ذَلِكَ أَرْبَع مَرَّات، ثُمَّ يُوعِظه الْإِمَام وَيُذَكِّرهُ اللَّه تَعَالَى وَيَقُول : إِنِّي أَخَاف إِنْ لَمْ تَكُنْ صَدَقْت أَنْ تَبُوء بِلَعْنَةِ اللَّه ; فَإِنْ رَآهُ يُرِيد أَنْ يَمْضِي عَلَى ذَلِكَ أَمَرَ مَنْ يَضَع يَده عَلَى فِيهِ، وَيَقُول : إِنَّ قَوْلك وَعَلَيَّ لَعْنَة اللَّه إِنْ كُنْت مِنْ الْكَاذِبِينَ مُوجِبًا ; فَإِنْ أَبَى تَرَكَهُ يَقُول ذَلِكَ : لَعْنَة اللَّه عَلَيَّ إِنْ كُنْت مِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْت بِهِ فُلَانَة مِنْ الزِّنَى.
 اِحْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ رَجُلًا حَيْثُ أَمَرَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ يَضَع يَده عَلَى فِيهِ عِنْد الْخَامِسَة يَقُول : إِنَّهَا مُوجِبَة.

### الآية 24:8

> ﻿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ [24:8]

وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ
 إِذَا فَرَغَ الرَّجُل مِنْ اِلْتِعَانه قَامَتْ الْمَرْأَة بَعْده فَحَلَفَتْ بِاَللَّهِ أَرْبَعَة أَيْمَان، تَقُول فِيهَا : أَشْهَد بِاَللَّهِ إِنَّهُ لَكَاذِب أَوْ إِنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا اِدَّعَاهُ عَلَيَّ وَذَكَرَ عَنِّي.
 وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا قَالَتْ : وَإِنَّ حَمْلِي هَذَا مِنْهُ.
 ثُمَّ تَقُول فِي الْخَامِسَة : وَعَلَيَّ غَضَب اللَّه إِنْ كَانَ صَادِقًا، أَوْ إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ فِي قَوْله ذَلِكَ.
 وَمَنْ أَوْجَبَ اللِّعَان بِالْقَذْفِ يَقُول فِي كُلّ شَهَادَة مِنْ الْأَرْبَع : أَشْهَد بِاَللَّهِ إِنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْت بِهِ فُلَانَة مِنْ الزِّنَى.
 وَيَقُول فِي الْخَامِسَة : عَلَيَّ لَعْنَة اللَّه إِنْ كُنْت كَاذِبًا فِيمَا رَمَيْت بِهِ مِنْ الزِّنَى.
 وَتَقُول هِيَ : أَشْهَد بِاَللَّهِ إِنَّهُ لَكَاذِب فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَى.
 وَتَقُول فِي الْخَامِسَة : عَلَيَّ غَضَب اللَّه إِنْ كَانَ صَادِقًا فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَى.

### الآية 24:9

> ﻿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ [24:9]

وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ
 فَإِذَا فَرَغَ الرَّجُل مِنْ اِلْتِعَانه قَامَتْ الْمَرْأَة بَعْده فَحَلَفَتْ بِاَللَّهِ أَرْبَعَة أَيْمَان، تَقُول فِيهَا : أَشْهَد بِاَللَّهِ إِنَّهُ لَكَاذِب أَوْ إِنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا اِدَّعَاهُ عَلَيَّ وَذَكَرَ عَنِّي.
 وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا قَالَتْ : وَإِنَّ حَمْلِي هَذَا مِنْهُ.
 ثُمَّ تَقُول فِي الْخَامِسَة : وَعَلَيَّ غَضَب اللَّه إِنْ كَانَ صَادِقًا، أَوْ إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ فِي قَوْله ذَلِكَ.
 وَمَنْ أَوْجَبَ اللِّعَان بِالْقَذْفِ يَقُول فِي كُلّ شَهَادَة مِنْ الْأَرْبَع : أَشْهَد بِاَللَّهِ إِنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْت بِهِ فُلَانَة مِنْ الزِّنَى.
 وَيَقُول فِي الْخَامِسَة : عَلَيَّ لَعْنَة اللَّه إِنْ كُنْت كَاذِبًا فِيمَا رَمَيْت بِهِ مِنْ الزِّنَى.
 وَتَقُول هِيَ : أَشْهَد بِاَللَّهِ إِنَّهُ لَكَاذِب فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَى.
 وَتَقُول فِي الْخَامِسَة : عَلَيَّ غَضَب اللَّه إِنْ كَانَ صَادِقًا فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَى.

### الآية 24:10

> ﻿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ [24:10]

وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ
 " فَضْل " رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ عِنْد سِيبَوَيْهِ، وَالْخَبَر مَحْذُوف لَا تُظْهِرهُ الْعَرَب.
 وَحُذِفَ جَوَاب " لَوْلَا " لِأَنَّهُ قَدْ ذُكِرَ مِثْله بَعْد ;

### الآية 24:11

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ [24:11]

قُلْت : وَهَذَا فَاسِد مُخَالِف لِنَصِّ الْقُرْآن ; فَإِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَقُول :" وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَات ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء " أَيْ عَلَى صِدْق قَوْلهمْ :" فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَة ".
 وَالْقَوْل الثَّانِي : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّ أَهْل الْإِفْك عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ وَمِسْطَح بْن أُثَاثَة وَحَسَّان بْن ثَابِت وَحَمْنَة بِنْت جَحْش ; وَفِي ذَلِكَ قَالَ شَاعِر مِنْ الْمُسْلِمِينَ :

لَقَدْ ذَاقَ حَسَّان الَّذِي كَانَ أَهْله  وَحَمْنَة إِذْ قَالُوا هَجِيرًا وَمِسْطَحوَابْن سَلُول ذَاقَ فِي الْحَدّ خِزْيَة  كَمَا خَاضَ فِي إِفْك مِنْ الْقَوْل يُفْصِحتَعَاطَوْا بِرَجْمِ الْغَيْب زَوْج نَبِيّهمْ  وَسَخْطَة ذِي الْعَرْش الْكَرِيم فَأَبْرَحُواوَآذَوْا رَسُول اللَّه فِيهَا فَجُلِّلُوا  مَخَازِي تَبْقَى عَمَّمُوهَا وَفُضِّحُوافَصُبَّ عَلَيْهِمْ مُحْصِدَات كَأَنَّهَا  شَآبِيب قَطْر مِنْ ذُرَى الْمُزْن تَسْفَح قُلْت : الْمَشْهُور مِنْ الْأَخْبَار وَالْمَعْرُوف عِنْد الْعُلَمَاء أَنَّ الَّذِي حُدَّ حَسَّان وَمِسْطَح وَحَمْنَة، وَلَمْ يُسْمَع بِحَدٍّ لِعَبْدِ اللَّه بْن أُبَيّ.
 رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : لَمَّا نَزَلَ عُذْرِي قَامَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ، وَتَلَا الْقُرْآن ; فَلَمَّا نَزَلَ مِنْ الْمِنْبَر أَمَرَ بِالرَّجُلَيْنِ وَالْمَرْأَة فَضُرِبُوا حَدّهمْ، وَسَمَّاهُمْ : حَسَّان بْن ثَابِت وَمِسْطَح بْن أُثَاثَة وَحَمْنَة بِنْت جَحْش.
 وَفِي كِتَاب الطَّحَاوِيّ " ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ ".
 قَالَ عُلَمَاؤُنَا.
 وَإِنَّمَا لَمْ يُحَدّ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ أَعَدَّ لَهُ فِي الْآخِرَة عَذَابًا عَظِيمًا ; فَلَوْ حُدَّ فِي الدُّنْيَا لَكَانَ ذَلِكَ نَقْصًا مِنْ عَذَابه فِي الْآخِرَة وَتَخْفِيفًا عَنْهُ مَعَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ شَهِدَ بِبَرَاءَةِ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا وَبِكَذِبِ كُلّ مَنْ رَمَاهَا ; فَقَدْ حَصَلَتْ فَائِدَة الْحَدّ، إِذْ مَقْصُوده إِظْهَار كَذِب الْقَاذِف وَبَرَاءَة الْمَقْذُوف ; كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى :" فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْد اللَّه هُمْ الْكَاذِبُونَ ".
 وَإِنَّمَا حُدَّ هَؤُلَاءِ الْمُسْلِمُونَ لَيُكَفَّرَ عَنْهُمْ إِثْم مَا صَدَرَ عَنْهُمْ مِنْ الْقَذْف حَتَّى لَا يَبْقَى عَلَيْهِمْ تَبِعَة مِنْ ذَلِكَ فِي الْآخِرَة، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحُدُود ( إِنَّهَا كَفَّارَة لِمَنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ ) ; كَمَا فِي حَدِيث عُبَادَة بْن الصَّامِت.
 وَيَحْتَمِل أَنْ يُقَال : إِنَّمَا تُرِكَ حَدّ اِبْن أُبَيّ اِسْتِئْلَافًا لِقَوْمِهِ وَاحْتِرَامًا لِابْنِهِ، وَإِطْفَاء لِثَائِرَةِ الْفِتْنَة الْمُتَوَقَّعَة مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ ظَهَرَ مَبَادِئُهَا مِنْ سَعْد بْن عُبَادَة وَمِنْ قَوْمه ; كَمَا فِي صَحِيح مُسْلِم.
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 24:12

> ﻿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُبِينٌ [24:12]

لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ
 هَذَا عِتَاب مِنْ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ فِي ظَنّهمْ حِين قَالَ أَصْحَاب الْإِفْك مَا قَالُوا.
 قَالَ اِبْن زَيْد : ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ أَنَّ الْمُؤْمِن لَا يَفْجُر بِأُمِّهِ ; قَالَهُ الْمَهْدَوِيّ.
 وَ " لَوْلَا " بِمَعْنَى هَلَّا.
 وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ بِنَبْغِي أَنْ يَقِيس فُضَلَاء الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات الْأَمْر عَلَى أَنْفُسهمْ ; فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَبْعُد فِيهِمْ فَذَلِكَ فِي عَائِشَة وَصَفْوَان أَبْعَد.
 وَرُوِيَ أَنَّ هَذَا النَّظَر السَّدِيد وَقَعَ مِنْ أَبِي أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ وَامْرَأَته ; وَذَلِكَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهَا فَقَالَتْ لَهُ : يَا أَبَا أَيُّوب، أَسَمِعْت مَا قِيلَ ! فَقَالَ نَعَمْ وَذَلِكَ الْكَذِب أَكُنْت أَنْتَ يَا أُمّ أَيُّوب تَفْعَلِينَ ذَلِكَ ! قَالَتْ : لَا وَاَللَّه قَالَ : فَعَائِشَة وَاَللَّه أَفْضَل مِنْك ; قَالَتْ أُمّ أَيُّوب نَعَمْ.
 فَهَذَا الْفِعْل وَنَحْوه هُوَ الَّذِي عَاتَبَ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ لَمْ يَفْعَلهُ جَمِيعهمْ.
 " بِأَنْفُسِهِمْ " قَالَ النَّحَّاس : مَعْنَى " بِأَنْفُسِهِمْ " بِإِخْوَانِهِمْ.
 فَأَوْجَبَ اللَّه عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِذَا سَمِعُوا رَجُلًا يَقْذِف أَحَدًا وَيَذْكُرهُ بِقَبِيحٍ لَا يَعْرِفُونَهُ بِهِ أَنْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِ وَيُكَذِّبُوهُ.
 وَتَوَاعَدَ مَنْ تَرَكَ ذَلِكَ وَمَنْ نَقَلَهُ.
 قُلْت : وَلِأَجْلِ هَذَا قَالَ الْعُلَمَاء : إِنَّ الْآيَة أَصْل فِي أَنَّ دَرَجَة الْإِيمَان الَّتِي حَازَهَا الْإِنْسَان ; وَمَنْزِلَة الصَّلَاح الَّتِي حَلَّهَا الْمُؤْمِن، وَلُبْسَة الْعَفَاف الَّتِي يَسْتَتِر بِهَا الْمُسْلِم لَا يُزِيلهَا عَنْهُ خَبَر مُحْتَمَل وَإِنْ شَاعَ، إِذَا كَانَ أَصْله فَاسِدًا أَوْ مَجْهُولًا.

### الآية 24:13

> ﻿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ۚ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَٰئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ [24:13]

فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ
 أَيْ هُمْ فِي حُكْم اللَّه كَاذِبُونَ.
 وَقَدْ يَعْجِز الرَّجُل عَنْ إِقَامَة الْبَيِّنَة وَهُوَ صَادِق فِي قَذْفه، وَلَكِنَّهُ فِي حُكْم الشَّرْع وَظَاهِر الْأَمْر كَاذِب لَا فِي عِلْم اللَّه تَعَالَى ; وَهُوَ سُبْحَانه إِنَّمَا رَتَّبَ الْحُدُود عَلَى حُكْمه الَّذِي شَرَعَهُ فِي الدُّنْيَا لَا عَلَى مُقْتَضَى عِلْمه الَّذِي تَعَلَّقَ بِالْإِنْسَانِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، فَإِنَّمَا يُبْنَى عَلَى ذَلِكَ حُكْم الْآخِرَة.
 قُلْت : وَمِمَّا يُقَوِّي هَذَا الْمَعْنَى وَيُعَضِّدهُ مَا خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ عُمَر بْن الْخِطَاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : أَيّهَا النَّاس إِنَّ الْوَحْي قَدْ اِنْقَطَعَ وَإِنَّمَا نَأْخُذكُمْ الْآن بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالكُمْ، فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَمَّنَّاهُ وَقَرَّبْنَاهُ ; وَلَيْسَ لَنَا مِنْ سَرِيرَته شَيْء اللَّه يُحَاسِبهُ فِي سَرِيرَته، وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا لَمْ نُؤَمِّنهُ وَلَمْ نُصَدِّقهُ، وَإِنْ قَالَ إِنَّ سَرِيرَته حَسَنَة.
 وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء أَنَّ أَحْكَام الدُّنْيَا عَلَى الظَّاهِر، وَأَنَّ السَّرَائِر إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ.

### الآية 24:14

> ﻿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [24:14]

وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
 " فَضْل " رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ عِنْد سِيبَوَيْهِ، وَالْخَبَر مَحْذُوف لَا تُظْهِرهُ الْعَرَب.
 وَحُذِفَ جَوَاب " لَوْلَا " لِأَنَّهُ قَدْ ذُكِرَ مِثْله بَعْد ; قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " وَلَوْلَا فَضْل اللَّه عَلَيْكُمْ وَرَحْمَته لَمَسَّكُمْ " أَيْ بِسَبَبِ مَا قُلْتُمْ فِي عَائِشَة عَذَاب عَظِيم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة.
 وَهَذَا عِتَاب مِنْ اللَّه تَعَالَى بَلِيغ، وَلَكِنَّهُ بِرَحْمَتِهِ سَتَرَ عَلَيْكُمْ فِي الدُّنْيَا وَيَرْحَم فِي الْآخِرَة مَنْ أَتَاهُ تَائِبًا.
 وَالْإِفَاضَة : الْأَخْذ فِي الْحَدِيث ; وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعِتَاب ; يُقَال : أَفَاضَ الْقَوْم فِي الْحَدِيث أَيْ أَخَذُوا فِيهِ.

### الآية 24:15

> ﻿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [24:15]

وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ
 " وَهُوَ عِنْد اللَّه " فِي الْوِزْر " عَظِيم ".
 وَهَذَا مِثْل قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام فِي حَدِيث الْقَبْرَيْنِ :( إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِير ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْكُمْ.

### الآية 24:16

> ﻿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [24:16]

وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ
 عِتَاب لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ أَيْ كَانَ يَنْبَغِي عَلَيْكُمْ أَنْ تُنْكِرُوهُ وَلَا يَتَعَاطَاهُ بَعْضكُمْ مِنْ بَعْض عَلَى جِهَة الْحِكَايَة وَالنَّقْل، وَأَنْ تُنَزِّهُوا اللَّه تَعَالَى عَنْ أَنْ يَقَع هَذَا مِنْ زَوْج نَبِيّه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام.
 وَأَنْ تَحْكُمُوا عَلَى هَذِهِ الْمَقَالَة بِأَنَّهَا بُهْتَان ; وَحَقِيقَة الْبُهْتَان أَنْ يُقَال فِي الْإِنْسَان مَا لَيْسَ فِيهِ، وَالْغِيبَة أَنْ يُقَال فِي الْإِنْسَان مَا فِيهِ.
 وَهَذَا الْمَعْنَى قَدْ جَاءَ فِي صَحِيح الْحَدِيث عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

### الآية 24:17

> ﻿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [24:17]

إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
 تَوْقِيف وَتَوْكِيد ; كَمَا تَقُول : يَنْبَغِي لَك أَنْ تَفْعَل كَذَا وَكَذَا إِنْ كُنْت رَجُلًا.

### الآية 24:18

> ﻿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [24:18]

لا يوجد تفسير لهذه الأية

### الآية 24:19

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [24:19]

وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
 رُوِيَ مِنْ حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( أَيّمَا رَجُل شَدَّ عَضُد اِمْرِئٍ مِنْ النَّاس فِي خُصُومَة لَا عِلْم لَهُ بِهَا فَهُوَ فِي سَخَط اللَّه حَتَّى يَنْزِع عَنْهَا.
 وَأَيّمَا رَجُل قَالَ بِشَفَاعَتِهِ دُون حَدّ مِنْ حُدُود اللَّه أَنْ يُقَام فَقَدْ عَانَدَ اللَّه حَقًّا وَأَقْدَمَ عَلَى سَخَطه وَعَلَيْهِ لَعْنَة اللَّه تَتَابَع إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
 وَأَيّمَا رَجُل أَشَاعَ عَلَى رَجُل مُسْلِم كَلِمَة وَهُوَ مِنْهَا بَرِيء يَرَى أَنْ يَشِينهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّه تَعَالَى أَنْ يَرْمِيه بِهَا فِي النَّار - ثُمَّ تَلَا مِصْدَاقه مِنْ كِتَاب اللَّه تَعَالَى :" إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيع الْفَاحِشَة فِي الَّذِينَ آمَنُوا " الْآيَة.

### الآية 24:20

> ﻿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [24:20]

وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ
 " فَضْل " رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ عِنْد سِيبَوَيْهِ، وَالْخَبَر مَحْذُوف لَا تُظْهِرهُ الْعَرَب.
 وَحُذِفَ جَوَاب " لَوْلَا " لِأَنَّهُ قَدْ ذُكِرَ مِثْله بَعْد ;

### الآية 24:21

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [24:21]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
 " خُطُوَات الشَّيْطَان " يَعْنِي مَسَالِكه وَمَذَاهِبه ; الْمَعْنَى : لَا تَسْلُكُوا الطَّرِيق الَّذِي يَدْعُوكُمْ إِلَيْهَا الشَّيْطَان.
 وَوَاحِد الْخُطُوَات خُطْوَة، هُوَ مَا بَيْن الْقَدَمَيْنِ.
 وَالْخَطْوَة ( بِالْفَتْحِ ) الْمَصْدَر ; يُقَال : خَطَوْت خَطْوَة، وَجَمْعهَا خَطَوَات.
 وَتَخَطَّى إِلَيْنَا فُلَان ; وَمِنْهُ الْحَدِيث أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَتَخَطَّى رِقَاب النَّاس يَوْم الْجُمْعَة.
 وَقَرَأَ الْجُمْهُور " خُطُوَات " بِضَمِّ الطَّاء.
 وَسَكَّنَهَا عَاصِم وَالْأَعْمَش.
 وَقَرَأَ الْجُمْهُور " مَا زَكَى " بِتَخْفِيفِ الْكَاف ; أَيْ مَا اِهْتَدَى وَلَا أَسْلَمَ وَلَا عَرَفَ رُشْدًا.
 وَقِيلَ :" مَا زَكَى " أَيْ مَا صَلَحَ ; يُقَال : زَكَا يَزْكُو زَكَاء ; أَيْ صَلَحَ.
 وَشَدَّدَهَا الْحَسَن وَأَبُو حَيْوَة ; أَيْ أَنَّ تَزْكِيَته لَكُمْ وَتَطْهِيره وَهِدَايَته إِنَّمَا هِيَ بِفَضْلِهِ لَا بِأَعْمَالِكُمْ.
 وَقَالَ الْكِسَائِيّ :" يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَات الشَّيْطَان " مُعْتَرِض، وَقَوْله :" مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَد أَبَدًا " جَوَاب لِقَوْلِهِ أَوَّلًا وَثَانِيًا :" وَلَوْلَا فَضْل اللَّه عَلَيْكُمْ ".

### الآية 24:22

> ﻿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [24:22]

أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
 تَمْثِيل وَحُجَّة أَيْ كَمَا تُحِبُّونَ عَفْو اللَّه عَنْ ذُنُوبكُمْ فَكَذَلِكَ اِغْفِرُوا لِمَنْ دُونكُمْ ; وَيُنْظَر إِلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام :( مَنْ لَا يَرْحَم لَا يُرْحَم ).

### الآية 24:23

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [24:23]

لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
 قَالَ الْعُلَمَاء : إِنْ كَانَ الْمُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْقَذَفَة فَالْمُرَاد بِاللَّعْنَةِ الْإِبْعَاد وَضَرْب الْحَدّ وَاسْتِيحَاش الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ وَهَجْرهمْ لَهُمْ، وَزَوَالهمْ عَنْ رُتْبَة الْعَدَالَة وَالْبُعْد عَنْ الثَّنَاء الْحَسَن عَلَى أَلْسِنَة الْمُؤْمِنِينَ.
 وَعَلَى قَوْل مَنْ قَالَ : هِيَ خَاصَّة لِعَائِشَةَ تَتَرَتَّب هَذِهِ الشَّدَائِد فِي جَانِب عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ وَأَشْبَاهه.
 وَعَلَى قَوْل مَنْ قَالَ : نَزَلَتْ فِي مُشْرِكِي مَكَّة فَلَا كَلَام، فَإِنَّهُمْ مُبْعَدُونَ، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم ; وَمَنْ أَسْلَمَ فَالْإِسْلَام يَجُبّ مَا قَبْله.
 وَقَالَ أَبُو جَعْفَر النَّحَّاس : مِنْ أَحْسَن مَا قِيلَ فِي تَأْوِيل هَذِهِ الْآيَة إِنَّهُ عَامّ لِجَمِيعِ النَّاس الْقَذَفَة مِنْ ذَكَر وَأُنْثَى ; وَيَكُون التَّقْدِير : إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْأَنْفُس الْمُحْصَنَات، فَدَخَلَ فِي هَذَا الْمُذَكَّر وَالْمُؤَنَّث، وَكَذَا فِي الَّذِينَ يَرْمُونَ ; إِلَّا أَنَّهُ غُلِّبَ الْمُذَكَّر عَلَى الْمُؤَنَّث.

### الآية 24:24

> ﻿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [24:24]

يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
 قِرَاءَة الْعَامَّة بِالتَّاءِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو حَاتِم.
 وَقَرَأَ الْأَعْمَش وَيَحْيَى وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ وَخَلَف " يَشْهَد " بِالْيَاءِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد ; لِأَنَّ الْجَارّ وَالْمَجْرُور قَدْ حَالَ بَيْن الِاسْم وَالْفِعْل، وَالْمَعْنَى : يَوْم تَشْهَد أَلْسِنَة بَعْضهمْ عَلَى بَعْض بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ مِنْ الْقَذْف وَالْبُهْتَان.
 وَقِيلَ : تَشْهَد عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتهمْ ذَلِكَ الْيَوْم بِمَا تَكَلَّمُوا بِهِ.
 " وَأَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ " أَيْ وَتَتَكَلَّم الْجَوَارِح بِمَا عَمِلُوا فِي الدُّنْيَا.

### الآية 24:25

> ﻿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ [24:25]

وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ
 إِسْمَان مِنْ أَسْمَائِهِ سُبْحَانه.
 وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا فِي غَيْر مَوْضِع، وَخَاصَّة فِي الْكِتَاب الْأَسْنَى.

### الآية 24:26

> ﻿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ۖ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ۚ أُولَٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ۖ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [24:26]

أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
 يَعْنِي بِهِ الْجِنْس.
 وَقِيلَ : عَائِشَة وَصَفْوَان فَجَمْع كَمَا قَالَ :" فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَة " \[ النِّسَاء : ١١ \] وَالْمُرَاد أَخَوَانِ ; قَالَهُ الْفَرَّاء.
 وَ " مُبَرَّءُونَ " يَعْنِي مُنَزَّهِينَ مِمَّا رُمُوا بِهِ.
 قَالَ بَعْض أَهْل التَّحْقِيق : إِنَّ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا رُمِيَ بِالْفَاحِشَةِ بَرَّأَهُ اللَّه عَلَى لِسَان صَبِيّ فِي الْمَهْد، وَإِنَّ مَرْيَم لَمَّا رُمِيَتْ بِالْفَاحِشَةِ بَرَّأَهَا اللَّه عَلَى لِسَان اِبْنهَا عِيسَى صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ، وَإِنَّ عَائِشَة لَمَّا رُمِيَتْ بِالْفَاحِشَةِ بَرَّأَهَا اللَّه تَعَالَى بِالْقُرْآنِ ; فَمَا رَضِيَ لَهَا بِبَرَاءَةِ صَبِيّ وَلَا نَبِيّ حَتَّى بَرَّأَهَا اللَّه بِكَلَامِهِ مِنْ الْقَذْف وَالْبُهْتَان.
 وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ بْن زَيْد بْن جُدْعَان عَنْ جَدَّته عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ :( لَقَدْ أُعْطِيت تِسْعًا مَا أُعْطِيَتْهُنَّ اِمْرَأَة : لَقَدْ نَزَلَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام بِصُورَتِي فِي رَاحَته حِين أَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَزَوَّجنِي وَلَقَدْ تَزَوَّجَنِي بِكْرًا وَمَا تَزَوَّجَ بِكْرًا غَيْرِي، وَلَقَدْ تُوُفِّيَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّ رَأْسه لَفِي حِجْرِي، وَلَقَدْ قُبِرَ فِي بَيْتِي، وَلَقَدْ حَفَّتْ الْمَلَائِكَة بَيْتِي، وَإِنْ كَانَ الْوَحْي لَيَنْزِل عَلَيْهِ وَهُوَ فِي أَهْله فَيَنْصَرِفُونَ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ لَيَنْزِل عَلَيْهِ وَأَنَا مَعَهُ فِي لِحَافه فَمَا يُبِيننِي عَنْ جَسَده، وَإِنِّي لَابْنَة خَلِيفَته وَصِدِّيقه، وَلَقَدْ نَزَلَ عُذْرِي مِنْ السَّمَاء، وَلَقَدْ خُلِقْت طَيِّبَة وَعِنْد طَيِّب، وَلَقَدْ وُعِدْت مَغْفِرَة وَرِزْقًا كَرِيمًا ; تَعْنِي قَوْله تَعَالَى :" لَهُمْ مَغْفِرَة وَرِزْق كَرِيم " وَهُوَ الْجَنَّة.

### الآية 24:27

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [24:27]

وَقَدْ رَوَى عَطَاء بْن يَسَار أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَسْتَأْذِن عَلَى أُمِّي ؟ قَالَ ( نَعَمْ ) قَالَ : إِنِّي أَخْدُمهَا ؟ قَالَ :( اِسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا ) فَعَاوَدَهُ ثَلَاثًا ; قَالَ ( أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَة ) ؟ قَالَ لَا ; قَالَ :( فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا ) ذَكَرَهُ الطَّبَرِيّ.
 السَّابِعَة عَشْرَة : فَإِنْ دَخَلَ بَيْت نَفْسه وَلَيْسَ فِيهِ أَحَد ; فَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : يَقُول السَّلَام عَلَيْنَا، مِنْ رَبّنَا التَّحِيَّات الطَّيِّبَات الْمُبَارَكَات، لِلَّهِ السَّلَام.
 رَوَاهُ اِبْن وَهْب عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَنَده ضَعِيف.
 وَقَالَ قَتَادَة : إِذَا دَخَلْت بَيْتًا لَيْسَ فِيهِ أَحَد فَقُلْ السَّلَام عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَاد اللَّه الصَّالِحِينَ ; فَإِنَّهُ يُؤْمَر بِذَلِكَ.
 قَالَ : وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْمَلَائِكَة تَرُدّ عَلَيْهِمْ.
 قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَالصَّحِيح تَرْك السَّلَام وَالِاسْتِئْذَان، وَاَللَّه أَعْلَم.
 قُلْت : قَوْل قَتَادَة حَسَن.

### الآية 24:28

> ﻿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ ۖ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [24:28]

وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
 تَوَعُّد لِأَهْلِ التَّجَسُّس عَلَى الْبُيُوت وَطَلَب الدُّخُول عَلَى غَفْلَة لِلْمَعَاصِي وَالنَّظَر إِلَى مَا لَا يَحِلّ وَلَا يَجُوز، وَلِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَقَع فِي مَحْظُور.

### الآية 24:29

> ﻿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ [24:29]

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ
 رُوِيَ أَنَّ بَعْض النَّاس لَمَّا نَزَلَتْ آيَة الِاسْتِئْذَان تَعَمَّقَ فِي الْأَمْر، فَكَانَ لَا يَأْتِي مَوْضِعًا خَرِبًا وَلَا مَسْكُونًا إِلَّا سَلَّمَ وَاسْتَأْذَنَ ; فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة، أَبَاحَ اللَّه تَعَالَى فِيهَا رَفْع الِاسْتِئْذَان فِي كُلّ بَيْت لَا يَسْكُنهُ أَحَد لِأَنَّ الْعِلَّة فِي الِاسْتِئْذَان إِنَّمَا هِيَ لِأَجْلِ خَوْف الْكَشْفَة عَلَى الْحُرُمَات، فَإِذَا زَالَتْ الْعِلَّة زَالَ الْحُكْم.
 اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاد بِهَذِهِ الْبُيُوت ; فَقَالَ مُحَمَّد بْن الْحَنَفِيَّة وَقَتَادَة وَمُجَاهِد : هِيَ الْفَنَادِق الَّتِي فِي طُرُق السَّابِلَة.
 قَالَ مُجَاهِد : لَا يَسْكُنهَا أَحَد بَلْ هِيَ مَوْقُوفَة لِيَأْوِيَ إِلَيْهَا كُلّ اِبْن سَبِيل، وَفِيهَا مَتَاع لَهُمْ ; أَيْ اِسْتِمْتَاع بِمَنْفَعَتِهَا.
 وَعَنْ مُحَمَّد بْن الْحَنَفِيَّة أَيْضًا أَنَّ الْمُرَاد بِهَا دُور مَكَّة، وَيُبَيِّنهُ قَوْل مَالِك.
 وَهَذَا عَلَى الْقَوْل بِأَنَّهَا غَيْر مُتَمَلَّكَة، وَأَنَّ النَّاس شُرَكَاء فِيهَا، وَأَنَّ مَكَّة أُخِذَتْ عَنْوَة.
 وَقَالَ اِبْن زَيْد وَالشَّعْبِيّ : هِيَ حَوَانِيت الْقَيْسَارِيَّات.
 قَالَ الشَّعْبِيّ : لِأَنَّهُمْ جَاءُوا بُيُوعهمْ فَجَعَلُوهَا فِيهَا، وَقَالُوا لِلنَّاسِ هَلُمَّ.
 وَقَالَ عَطَاء : الْمُرَاد بِهَا الْخِرَب الَّتِي يَدْخُلهَا النَّاس لِلْبَوْلِ وَالْغَائِط ; فَفِي هَذَا أَيْضًا مَتَاع.
 وَقَالَ جَابِر بْن زَيْد : لَيْسَ يَعْنِي بِالْمَتَاعِ الْجَهَاز، وَلَكِنْ مَا سِوَاهُ مِنْ الْحَاجَة ; أَمَّا مَنْزِل يَنْزِلهُ قَوْم مِنْ لَيْل أَوْ نَهَار، أَوْ خَرِبَة يَدْخُلهَا لِقَضَاءِ حَاجَة، أَوْ دَار يَنْظُر إِلَيْهَا، فَهَذَا مَتَاع وَكُلّ مَنَافِع الدُّنْيَا مَتَاع.
 قَالَ أَبُو جَعْفَر النَّحَّاس : وَهَذَا شَرْح حَسَن مِنْ قَوْل إِمَام مِنْ أَئِمَّة الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مُوَافِق لِلُّغَةِ.
 وَالْمَتَاع فِي كَلَام الْعَرَب : الْمَنْفَعَة ; وَمِنْهُ أَمْتَعَ اللَّه بِك.
 وَمِنْهُ " فَمَتِّعُوهُنَّ " \[ الْأَحْزَاب : ٤٩ \].
 قُلْت : وَاخْتَارَهُ أَيْضًا الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ وَقَالَ : أَمَّا مَنْ فَسَّرَ الْمَتَاع بِأَنَّهُ جَمِيع الِانْتِفَاع فَقَدْ طَبَّقَ الْمُفَصَّل وَجَاءَ بِالْفَيْصَلِ، وَبَيَّنَ أَنَّ الدَّاخِل فِيهَا إِنَّمَا هُوَ لِمَا لَهُ مِنْ الِانْتِفَاع فَالطَّالِب يَدْخُل فِي الْخَانْكَات وَهِيَ الْمَدَارِس لِطَلَبِ الْعِلْم، وَالسَّاكِن يَدْخُل الْخَانَات وَهِيَ الْفَنَاتِق، أَيْ الْفَنَادِق، وَالزَّبُون يَدْخُل الدُّكَّان لِلِابْتِيَاعِ، وَالْحَاقِن يَدْخُل الْخَلَاء لِلْحَاجَةِ ; وَكُلّ يُؤْتَى عَلَى وَجْهه مِنْ بَابه.
 وَأَمَّا قَوْل اِبْن زَيْد وَالشَّعْبِيّ فَقَوْل ! وَذَلِكَ أَنَّ بُيُوت الْقَيْسَارِيَّات مَحْظُورَة بِأَمْوَالِ النَّاس، غَيْر مُبَاحَة لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ دُخُولهَا بِإِجْمَاعٍ، وَلَا يَدْخُلهَا إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ رَبّهَا، بَلْ أَرْبَابهَا مُوَكَّلُونَ بِدَفْعِ النَّاس.

### الآية 24:30

> ﻿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [24:30]

بِمَا يَصْنَعُونَ
 تَهْدِيد وَوَعِيد.

### الآية 24:31

> ﻿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [24:31]

وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
 " وَتُوبُوا " أَمْر.
 وَلَا خِلَاف بَيْن الْأُمَّة فِي وُجُوب التَّوْبَة، وَأَنَّهَا فَرْض مُتَعَيِّن ; وَقَدْ مَضَى الْكَلَام فِيهَا فِي " النِّسَاء " وَغَيْرهَا فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَةِ ذَلِكَ.
 وَالْمَعْنَى : وَتُوبُوا إِلَى اللَّه فَإِنَّكُمْ لَا تَخْلُونَ مِنْ سَهْو وَتَقْصِير فِي أَدَاء حُقُوق اللَّه تَعَالَى، فَلَا تَتْرُكُوا التَّوْبَة فِي كُلّ حَال.
 قَرَأَ الْجُمْهُور " أَيُّهَ " بِفَتْحِ الْهَاء.
 وَقَرَأَ اِبْن عَامِر بِضَمِّهَا ; وَوَجْهه أَنْ تُجْعَل الْهَاء مِنْ نَفْس الْكَلِمَة، فَيَكُون إِعْرَاب الْمُنَادَى فِيهَا.
 وَضَعَّفَ أَبُو عَلِيّ ذَلِكَ جِدًّا وَقَالَ : آخِر الِاسْم هُوَ الْيَاء الثَّانِيَة مِنْ أَيّ، فَالْمَضْمُوم يَنْبَغِي أَنْ يَكُون آخِر الِاسْم، وَلَوْ جَازَ ضَمّ الْهَاء هَاهُنَا لِاقْتِرَانِهَا بِالْكَلِمَةِ لَجَازَ ضَمّ الْمِيم فِي " اللَّهُمَّ " لِاقْتِرَانِهَا بِالْكَلِمَةِ فِي كَلَام طَوِيل.
 وَالصَّحِيح أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِرَاءَة فَلَيْسَ إِلَّا اِعْتِقَاد الصِّحَّة فِي اللُّغَة، فَإِنَّ الْقُرْآن هُوَ الْحُجَّة.
 **وَأَنْشَدَ الْفَرَّاء :**

يَا أَيُّهَ الْقَلْب اللَّجُوج النَّفَس  أَفِقْ عَنْ الْبِيض الْحِسَان اللَّعَس اللَّعَس : لَوْن الشَّفَة إِذَا كَانَتْ تَضْرِب إِلَى السَّوَاد قَلِيلًا، وَذَلِكَ يُسْتَمْلَح ; يُقَال : شَفَة لَعْسَاء، وَفِتْيَة وَنِسْوَة لُعْس.
 وَبَعْضهمْ يَقِف " أَيُّهْ ".
 وَبَعْضهمْ يَقِف " أَيّهَا " بِالْأَلِفِ ; لِأَنَّ عِلَّة حَذْفهَا فِي الْوَصْل إِنَّمَا هِيَ سُكُونهَا وَسُكُون اللَّام، فَإِذَا كَانَ الْوَقْف ذَهَبَتْ الْعِلَّة فَرَجَعَتْ الْأَلِف كَمَا تَرْجِع الْيَاء إِذَا وَقَفَتْ عَلَى " مُحِلِّي " مِنْ قَوْله تَعَالَى :" غَيْر مُحِلِّي الصَّيْد " \[ الْمَائِدَة : ١ \].
 وَهَذَا الِاخْتِلَاف الَّذِي ذَكَرْنَاهُ كَذَلِكَ هُوَ فِي " يَا أَيُّهَ السَّاحِر ".
 " يَا أَيُّهَ الثَّقَلَان ".

### الآية 24:32

> ﻿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [24:32]

إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
 رَجَعَ الْكَلَام إِلَى الْأَحْرَار ; أَيْ لَا تَمْتَنِعُوا عَنْ التَّزْوِيج بِسَبَبِ فَقْر الرَّجُل وَالْمَرْأَة ; " إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمْ اللَّه مِنْ فَضْله ".
 وَهَذَا وَعْد بِالْغِنَى لِلْمُتَزَوِّجِينَ طَلَب رِضَا اللَّه وَاعْتِصَامًا مِنْ مَعَاصِيه.
 وَقَالَ اِبْن مَسْعُود : اِلْتَمِسُوا الْغِنَى فِي النِّكَاح ; وَتَلَا هَذِهِ الْآيَة.
 وَقَالَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : عَجَبِي مِمَّنْ لَا يَطْلُب الْغِنَى فِي النِّكَاح، وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى :" إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمْ اللَّه مِنْ فَضْله ".
 وَرُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَيْضًا.
 وَمِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( ثَلَاثَة كُلّهمْ حَقّ عَلَى اللَّه عَوْنه الْمُجَاهِد فِي سَبِيل اللَّه وَالنَّاكِح يُرِيد الْعَفَاف وَالْمُكَاتَب يُرِيد الْأَدَاء ).
 أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ فِي سُنَنه.
 فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ نَجِد النَّاكِح لَا يَسْتَغْنِي ; قُلْنَا : لَا يَلْزَم أَنْ يَكُون هَذَا عَلَى الدَّوَام، بَلْ لَوْ كَانَ فِي لَحْظَة وَاحِدَة لَصَدَقَ الْوَعْد.
 وَقَدْ قِيلَ : يُغْنِيه ; أَيْ يُغْنِي النَّفْس.
 وَفِي الصَّحِيح ( لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَة الْعَرَض إِنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْس ).
 وَقَدْ قِيلَ : لَيْسَ وَعْد لَا يَقَع فِيهِ خُلْف، بَلْ الْمَعْنَى أَنَّ الْمَال غَادٍ وَرَائِح، فَارْجُوا الْغِنَى.
 وَقِيلَ : الْمَعْنَى يُغْنِهِمْ اللَّه مِنْ فَضْله إِنْ شَاءَ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى :" فَيَكْشِف مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ " \[ الْأَنْعَام : ٤١ \]، وَقَالَ تَعَالَى :" يَبْسُط الرِّزْق لِمَنْ يَشَاء " \[ الشُّورَى : ١٢ \].
 وَقِيلَ : الْمَعْنَى إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاء إِلَى النِّكَاح يُغْنِهِمْ اللَّه بِالْحَلَالِ لِيَتَعَفَّفُوا عَنْ الزِّنَى.
 هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى تَزْوِيج الْفَقِير، وَلَا يَقُول كَيْفَ أَتَزَوَّج وَلَيْسَ لِي مَال ; فَإِنَّ رِزْقه عَلَى اللَّه.
 وَقَدْ زَوَّجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَرْأَة الَّتِي أَتَتْهُ تَهَب لَهُ نَفْسهَا لِمَنْ لَيْسَ لَهُ إِلَّا إِزَار وَاحِد، وَلَيْسَ لَهَا بَعْد ذَلِكَ فَسْخ النِّكَاح بِالْإِعْسَارِ لِأَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ; وَإِنَّمَا يَكُون ذَلِكَ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى الْيَسَار فَخَرَجَ مُعْسِرًا، أَوْ طَرَأَ الْإِعْسَار بَعْد ذَلِكَ لِأَنَّ الْجُوع لَا صَبْر عَلَيْهِ ; قَالَهُ عُلَمَاؤُنَا.
 وَقَالَ النَّقَّاش : هَذِهِ الْآيَة حُجَّة عَلَى مَنْ قَالَ : إِنَّ الْقَاضِي يُفَرِّق بَيْن الزَّوْجَيْنِ إِذَا كَانَ الزَّوْج فَقِيرًا لَا يَقْدِر عَلَى النَّفَقَة ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ :" يُغْنِهِمْ اللَّه " وَلَمْ يَقُلْ يُفَرَّق.
 وَهَذَا اِنْتِزَاع ضَعِيف، وَلَيْسَ هَذِهِ الْآيَة حُكْمًا فِيمَنْ عَجَزَ عَنْ النَّفَقَة، وَإِنَّمَا هِيَ وَعْد بِالْإِغْنَاءِ لِمَنْ تَزَوَّجَ فَقِيرًا.
 فَأَمَّا مَنْ تَزَوَّجَ مُوسِرًا وَأَعْسَرَ بِالنَّفَقَةِ فَإِنَّهُ يُفَرَّق بَيْنهمَا ; قَالَ اللَّه تَعَالَى :" وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّه كُلًّا مِنْ سَعَته " \[ النِّسَاء : ١٣٠ \].
 وَنَفَحَات اللَّه تَعَالَى مَأْمُولَة فِي كُلّ حَال مَوْعُود بِهَا.

### الآية 24:33

> ﻿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ۚ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ [24:33]

وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ
 " وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ " أَيْ يَقْهَرهُنَّ.
 " فَإِنَّ اللَّه مِنْ بَعْد إِكْرَاههنَّ غَفُور " لَهُنَّ " رَحِيم " بِهِنَّ.
 وَقَرَأَ اِبْن مَسْعُود وَجَابِر بْن عَبْد اللَّه وَابْن جُبَيْر " لَهُنَّ غَفُور " بِزِيَادَةِ لَهُنَّ.
 وَقَدْ مَضَى الْكَلَام فِي الْإِكْرَاه فِي " النَّحْل " وَالْحَمْد لِلَّهِ.

### الآية 24:34

> ﻿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [24:34]

وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ
 ثُمَّ عَدَّدَ تَعَالَى عَلَى الْمُؤْمِنِينَ نِعَمه فِيمَا أَنْزَلَ إِلَيْهِمْ مِنْ الْآيَات الْمُنِيرَات، وَفِيهَا ضَرَبَ لَهُمْ مِنْ أَمْثَال الْمَاضِينَ مِنْ الْأُمَم لِيَقَعَ التَّحَفُّظ مِمَّا وَقَعَ أُولَئِكَ فِيهِ.

### الآية 24:35

> ﻿۞ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [24:35]

وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
 أَيْ بِالْمَهْدِيّ وَالضَّالّ.
 وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ الْيَهُود قَالُوا : يَا مُحَمَّد، كَيْفَ يَخْلُص نُور اللَّه تَعَالَى مِنْ دُون السَّمَاء ; فَضَرَبَ اللَّه تَعَالَى ذَلِكَ مَثَلًا لِنُورِهِ.

### الآية 24:36

> ﻿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ [24:36]

وَعَنْ أَبِي ذَرّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَال أُمَّتِي حَسَنهَا وَسَيِّئُهَا فَوَجَدْت فِي مَحَاسِن أَعْمَالهَا الْأَذَى يُمَاط عَنْ الطَّرِيق وَوَجَدْت فِي مُسَاوِي أَعْمَالهَا النُّخَاعَة تَكُون فِي الْمَسْجِد لَا تُدْفَن ).
 وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُد عَنْ الْفَرَج بْن فَضَالَة عَنْ أَبِي سَعْد الْحِمْيَرِيّ قَالَ : رَأَيْت وَاثِلَة بْن الْأَسْقَع فِي مَسْجِد دِمَشْق بَصَقَ عَلَى الْحَصِير ثُمَّ مَسَحَهُ بِرِجْلِهِ ; فَقِيلَ لَهُ : لِمَ فَعَلْت هَذَا ؟ قَالَ : لِأَنِّي رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلهُ.
 فَرَج بْن فَضَالَة ضَعِيف، وَأَيْضًا فَلَمْ يَكُنْ فِي مَسْجِد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُصْر.
 وَالصَّحِيح أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا بَصَقَ عَلَى الْأَرْض وَدَلَكَهُ بِنَعْلِهِ الْيُسْرَى، وَلَعَلَّ وَاثِلَة إِنَّمَا أَرَادَ هَذَا فَحَمَلَ الْحَصِير عَلَيْهِ.

### الآية 24:37

> ﻿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ [24:37]

تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ
 يَعْنِي مِنْ هَوْله وَحَذَر الْهَلَاك.
 وَالتَّقَلُّب التَّحَوُّل، وَالْمُرَاد قُلُوب الْكُفَّار وَأَبْصَارهمْ.
 فَتَقَلُّب الْقُلُوب اِنْتِزَاعهَا مِنْ أَمَاكِنهَا إِلَى الْحَنَاجِر، فَلَا هِيَ تَرْجِع إِلَى أَمَاكِنهَا وَلَا هِيَ تَخْرُج.
 وَأَمَّا تَقَلُّب الْأَبْصَار فَالزَّرَق بَعْد الْكَحَل وَالْعَمَى بَعْد الْبَصَر.
 وَقِيلَ : تَتَقَلَّب الْقُلُوب بَيْن الطَّمَع فِي النَّجَاة وَالْخَوْف مِنْ الْهَلَاك، وَالْأَبْصَار تَنْظُر مِنْ أَيّ نَاحِيَة يُعْطَوْنَ كُتُبهمْ، وَإِلَى أَيّ نَاحِيَة يُؤْخَذ بِهِمْ.
 وَقِيلَ : إِنَّ قُلُوب الشَّاكِّينَ تَتَحَوَّل عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ الشَّكّ، وَكَذَلِكَ أَبْصَارهمْ لِرُؤْيَتِهِمْ الْيَقِين ; وَذَلِكَ مِثْل قَوْله تَعَالَى :" فَكَشَفْنَا عَنْك غِطَاءَك فَبَصَرك الْيَوْم حَدِيد " \[ ق : ٢٢ \] فَمَا كَانَ يَرَاهُ فِي الدُّنْيَا غَيًّا يَرَاهُ رَشَدًا ; إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعهُمْ فِي الْآخِرَة.
 وَقِيلَ : تُقَلَّب عَلَى جَمْر جَهَنَّم، كَقَوْلِهِ تَعَالَى :" يَوْم تُقَلَّب وُجُوههمْ فِي النَّار " \[ الْأَحْزَاب : ٦٦ \]، " وَنُقَلِّب أَفْئِدَتهمْ وَأَبْصَارهمْ " \[ الْأَنْعَام : ١١٠ \].
 فِي قَوْل مَنْ جَعَلَ الْمَعْنَى تَقَلُّبهَا عَلَى لَهَب النَّار.
 وَقِيلَ : تُقَلَّب بِأَنْ تَلْفَحهَا النَّار مَرَّة وَتُنْضِجهَا مَرَّة.
 وَقِيلَ إِنَّ تَقَلُّب الْقُلُوب وَجَيْبهَا، وَتَقَلُّب الْأَبْصَار النَّظَر بِهَا إِلَى نَوَاحِي الْأَهْوَال.

### الآية 24:38

> ﻿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [24:38]

وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
 أَيْ مِنْ غَيْر أَنْ يُحَاسِبهُ عَلَى مَا أَعْطَاهُ ; إِذْ لَا نِهَايَة لِعَطَائِهِ.
 وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة أَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبِنَاءِ مَسْجِد قُبَاء، فَحَضَرَ عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ بَنَى الْمَسَاجِد ؟ قَالَ :( نَعَمْ يَا بْن رَوَاحَة ) قَالَ : وَصَلَّى فِيهَا قَائِمًا وَقَاعِدًا ؟ قَالَ :( نَعَمْ يَا بْن رَوَاحَة ) قَالَ : وَلَمْ يَبِتْ لِلَّهِ إِلَّا سَاجِدًا ؟ قَالَ :( نَعَمْ يَا بْن رَوَاحَة كُفَّ عَنْ السَّجْع فَمَا أُعْطِيَ عَبْد شَرًّا مِنْ طَلَاقَة فِي لِسَانه ) ; ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ.

### الآية 24:39

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [24:39]

فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ
 أَيْ جَزَاء عَمَله.
 **قَالَ اِمْرُؤُ الْقَيْس :**

فَوَلَّى مُدْبِرًا يَهْوِي حَثِيثًا  وَأَيْقَنَ أَنَّهُ لَاقَى الْحِسَابَا وَقِيلَ : وَجَدَ وَعَدَ اللَّه بِالْجَزَاءِ عَلَى عَمَله.
 وَقِيلَ : وَجَدَ أَمْر اللَّه عِنْد حَشْره ; وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب.

### الآية 24:40

> ﻿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ۗ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [24:40]

وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ
 نُورًا يَهْتَدِي بِهِ حِين أَظْلَمَتْ عَلَيْهِ الْأُمُور.
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : أَيْ مَنْ لَمْ يَجْعَل اللَّه لَهُ دِينًا فَمَا لَهُ مِنْ دِين، وَمَنْ لَمْ يَجْعَل اللَّه لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ يَوْم الْقِيَامَة لَمْ يَهْتَدِ إِلَى الْجَنَّة ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى :" وَيَجْعَل لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ " \[ الْحَدِيد : ٢٨ \].
 وَقَالَ الزَّجَّاج : ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا وَالْمَعْنَى : مَنْ لَمْ يَهْدِهِ اللَّه لَمْ يَهْتَدِ.
 وَقَالَ مُقَاتِل بْن سُلَيْمَان : نَزَلَتْ فِي عُتْبَة بْن رَبِيعَة، كَانَ يَلْتَمِس الدِّين فِي الْجَاهِلِيَّة، وَلَبِسَ الْمُسُوح، ثُمَّ كَفَرَ فِي الْإِسْلَام.
 الْمَاوَرْدِيّ : فِي شَيْبَة بْن رَبِيعَة، وَكَانَ يَتَرَهَّب فِي الْجَاهِلِيَّة وَيَلْبَس الصُّوف وَيَطْلُب الدِّين، فَكَفَرَ فِي الْإِسْلَام.
 قُلْت : وَكِلَاهُمَا مَاتَ كَافِرًا، فَلَا يَبْعُد أَنْ يَكُونَا هُمَا الْمُرَاد بِالْآيَةِ وَغَيْرهمَا.
 وَقَدْ قِيلَ : نَزَلَتْ فِي عَبْد اللَّه بْن جَحْش، وَكَانَ أَسْلَمَ وَهَاجَرَ إِلَى أَرْض الْحَبَشَة ثُمَّ تَنَصَّرَ بَعْد إِسْلَامه.
 وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيّ : وَقَالَ أَنَس قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( إِنَّ اللَّه تَعَالَى خَلَقَنِي مِنْ نُور وَخَلَقَ أَبَا بَكْر مِنْ نُورِي وَخَلَقَ عُمَر وَعَائِشَة مِنْ نُور أَبِي بَكْر وَخَلَقَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أُمَّتِي مِنْ نُور عُمَر وَخَلَقَ الْمُؤْمِنَات مِنْ أُمَّتِي مِنْ نُور عَائِشَة فَمَنْ لَمْ يُحِبَّنِي وَيُحِبّ أَبَا بَكْر وَعُمَر وَعَائِشَة فَمَا لَهُ مِنْ نُور ).
 فَنَزَلَتْ " وَمَنْ لَمْ يَجْعَل اللَّه لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُور ".

### الآية 24:41

> ﻿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ۖ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ [24:41]

وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ
 أَيْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ طَاعَتهمْ وَلَا تَسْبِيحهمْ.

### الآية 24:42

> ﻿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [24:42]

لا يوجد تفسير لهذه الأية

### الآية 24:43

> ﻿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ ۖ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ [24:43]

يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ
 مِنْ شِدَّة بِرِيقِهِ وَضَوْئِهِ.
 **قَالَ الشَّمَّاخ :**

وَمَا كَادَتْ إِذَا رَفَعَتْ سَنَاهَا  لِيُبْصِر ضَوْءَهَا إِلَّا الْبَصِير **وَقَالَ اِمْرُؤُ الْقَيْس :**يُضِيء سَنَاهُ أَوْ مَصَابِيح رَاهِب  أَهَانَ السَّلِيط فِي الذُّبَال الْمُفَتَّل فَالسَّنَا - مَقْصُور - ضَوْء الْبَرْق.
 وَالسَّنَا أَيْضًا نَبْت يُتَدَاوَى بِهِ.
 وَالسَّنَاء مِنْ الرِّفْعَة مَمْدُود.
 وَكَذَلِكَ قَرَأَ طَلْحَة بْن مُصَرِّف " سَنَاء " بِالْمَدِّ عَلَى الْمُبَالَغَة مِنْ شِدَّة الضَّوْء وَالصَّفَاء ; فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ اِسْم الشَّرَف.
 قَالَ الْمُبَرِّد : السَّنَا - مَقْصُور - وَهُوَ اللَّمْع ; فَإِذَا كَانَ مِنْ الشَّرَف وَالْحَسَب فَهُوَ مَمْدُود وَأَصْلهمَا وَاحِد وَهُوَ الِالْتِمَاع.
 وَقَرَأَ طَلْحَة بْن مُصَرِّف " سَنَاء بُرَقه " قَالَ أَحْمَد بْن يَحْيَى : وَهُوَ جَمْع بُرْقَة.
 قَالَ النَّحَّاس : الْبُرْقَة الْمِقْدَار مِنْ الْبَرْق، وَالْبُرْقَة الْمَرَّة الْوَاحِدَة.
 وَقَرَأَ الْجَحْدَرِيّ وَابْن الْقَعْقَاع " يُذْهِب بِالْأَبْصَارِ " بِضَمِّ الْيَاء وَكَسْر الْهَاء ; مِنْ الْإِذْهَاب، وَتَكُون الْبَاء فِي " بِالْأَبْصَارِ " صِلَة زَائِدَة.
 الْبَاقُونَ " يَذْهَب بِالْأَبْصَارِ " بِفَتْحِ الْيَاء وَالْهَاء، وَالْبَاء لِلْإِلْصَاقِ.
 وَالْبَرْق دَلِيل عَلَى تَكَاثُف السَّحَاب، وَبَشِير بِقُوَّةِ الْمَطَر، وَمُحَذِّر مِنْ نُزُول الصَّوَاعِق.

### الآية 24:44

> ﻿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ [24:44]

لِأُولِي الْأَبْصَارِ
 أَيْ لِأَهْلِ الْبَصَائِر مِنْ خَلْقِي.

### الآية 24:45

> ﻿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ ۚ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [24:45]

إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
 " إِنَّ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء " مِمَّا يُرِيد خَلْقه " قَدِير ".

### الآية 24:46

> ﻿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ ۚ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [24:46]

لا يوجد تفسير لهذه الأية

### الآية 24:47

> ﻿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ [24:47]

وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ
 أَيْ وَيَقُولُونَ " وَأَطَعْنَا " وَكَذَّبُوا.
 " ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيق مِنْهُمْ مِنْ بَعْد ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ".

### الآية 24:48

> ﻿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ [24:48]

وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ
 قَالَ الطَّبَرِيّ وَغَيْره : إِنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ اِسْمه بِشْر كَانَتْ بَيْنه وَبَيْن رَجُل مِنْ الْيَهُود خُصُومَة فِي أَرْض، فَدَعَاهُ الْيَهُودِيّ إِلَى التَّحَاكُم عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ الْمُنَافِق مُبْطِلًا، فَأَبَى مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ : إِنَّ مُحَمَّدًا يَحِيف عَلَيْنَا ; فَلْنُحَكِّمْ كَعْب بْن الْأَشْرَف ; فَنَزَلَتْ الْآيَة فِيهِ.
 وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي الْمُغِيرَة بْن وَائِل مِنْ بَنِي أُمَيَّة، كَانَ بَيْنه وَبَيْن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ خُصُومَة فِي مَاء وَأَرْض فَامْتَنَعَ الْمُغِيرَة أَنْ يُحَاكِم عَلِيًّا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ : إِنَّهُ يُبْغِضنِي ; فَنَزَلَتْ الْآيَة، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ.
 وَقَالَ :" لِيَحْكُم " وَلَمْ يَقُلْ لِيَحْكُمَا لِأَنَّ الْمَعْنِيّ بِهِ الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّمَا بَدَأَ بِذِكْرِ اللَّه إِعْظَامًا لِلَّهِ وَاسْتِفْتَاح كَلَام.
 الْقَضَاء يَكُون لِلْمُسْلِمِينَ إِذَا كَانَ الْحُكْم بَيْن الْمُعَاهَد وَالْمُسْلِم وَلَا حَقّ لِأَهْلِ الذِّمَّة فِيهِ.
 وَإِذَا كَانَ بَيْن ذِمِّيَّيْنِ فَذَلِكَ إِلَيْهِمَا.
 فَإِنْ جَاءَا قَاضِي الْإِسْلَام فَإِنْ شَاءَ حَكَمَ وَإِنْ شَاءَ أَعْرَضَ ; كَمَا تَقَدَّمَ فِي \[ الْمَائِدَة \]

### الآية 24:49

> ﻿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ [24:49]

وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ
 أَيْ طَائِعِينَ مُنْقَادِينَ ; لِعِلْمِهِمْ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام يَحْكُم بِالْحَقِّ.
 يُقَال : أَذْعَنَ فُلَان لِحُكْمِ فُلَان يُذْعِن إِذْعَانًا.
 وَقَالَ النَّقَّاش :" مُذْعِنِينَ " خَاضِعِينَ، مُجَاهِد : مُسْرِعِينَ.
 الْأَخْفَش وَابْن الْأَعْرَابِيّ : مُقِرِّينَ.

### الآية 24:50

> ﻿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ۚ بَلْ أُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [24:50]

بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
 أَيْ الْمُعَانِدُونَ الْكَافِرُونَ ; لِإِعْرَاضِهِمْ عَنْ حُكْم اللَّه تَعَالَى.

### الآية 24:51

> ﻿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [24:51]

أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
 قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَخْبَرَ بِطَاعَةِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِيمَا يَكْرَهُونَ ; أَيْ هَذَا قَوْلهمْ، وَهَؤُلَاءِ لَوْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ لَكَانُوا يَقُولُونَ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا.
 فَالْقَوْل نُصِبَ عَلَى خَبَر كَانَ، وَاسْمهَا فِي قَوْله " أَنْ يَقُولُوا " نَحْو " وَمَا كَانَ قَوْلهمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبّنَا اِغْفِرْ لَنَا ذُنُوبنَا " \[ آل عِمْرَان : ١٤٧ \].
 وَقِيلَ : إِنَّمَا قَوْل الْمُؤْمِنِينَ، وَكَانَ صِلَة فِي الْكَلَام ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى :" كَيْفَ نُكَلِّم مَنْ كَانَ فِي الْمَهْد صَبِيًّا ".
 \[ مَرْيَم : ٢٩ \].
 وَقَرَأَ اِبْن الْقَعْقَاع " لِيَحْكُمَ بَيْنهمْ " غَيْر مُسَمَّى الْفَاعِل.
 عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب " إِنَّمَا كَانَ قَوْل " بِالرَّفْعِ.
 قَوْله تَعَالَى :" وَمَنْ يُطِعْ اللَّه وَرَسُوله وَيَخْشَ اللَّه وَيَتَّقِهِ فَأُولَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ "

### الآية 24:52

> ﻿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [24:52]

فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ
 ذَكَرَ أَسْلَم أَنَّ عُمَر بَيْنَمَا هُوَ قَائِم فِي مَسْجِد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِذَا رَجُل مِنْ دَهَاقِين الرُّوم قَائِم عَلَى رَأْسه وَهُوَ يَقُول : أَنَا أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَشْهَد أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه.
 فَقَالَ لَهُ عُمَر : مَا شَأْنك ؟ قَالَ : أَسْلَمْت لِلَّهِ.
 قَالَ : هَلْ لِهَذَا سَبَب ؟ قَالَ : نَعَمْ إِنِّي قَرَأْت التَّوْرَاة وَالزَّبُور وَالْإِنْجِيل وَكَثِيرًا مِنْ كُتُب الْأَنْبِيَاء، فَسَمِعْت أَسِيرًا يَقْرَأ آيَة مِنْ الْقُرْآن جَمَعَ فِيهَا كُلّ مَا فِي الْكُتُب الْمُتَقَدِّمَة، فَعَلِمْت أَنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه فَأَسْلَمْت.
 قَالَ : مَا هَذِهِ الْآيَة ؟ قَالَ قَوْله تَعَالَى :" وَمَنْ يُطِعْ اللَّه " فِي الْفَرَائِض " وَرَسُوله " فِي السُّنَن " وَيَخْشَ اللَّه " فِيمَا مَضَى مِنْ عُمُره " وَيَتَّقِهِ " فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمُره :" فَأُولَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ " وَالْفَائِز مَنْ نَجَا مِنْ النَّار وَأُدْخِلَ الْجَنَّة.
 فَقَالَ عُمَر : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( أُوتِيت جَوَامِع الْكَلِم ).

### الآية 24:53

> ﻿۞ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ۖ قُلْ لَا تُقْسِمُوا ۖ طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [24:53]

إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
 مِنْ طَاعَتكُمْ بِالْقَوْلِ وَمُخَالَفَتكُمْ بِالْفِعْلِ.

### الآية 24:54

> ﻿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ۖ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ ۖ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ۚ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [24:54]

وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ
 أَيْ التَّبْلِيغ " الْمُبِين ".

### الآية 24:55

> ﻿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [24:55]

فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
 وَالْكَافِر بِاَللَّهِ فَاسْقِ بَعْد هَذَا الْإِنْعَام وَقَبْله.

### الآية 24:56

> ﻿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [24:56]

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
 تَقَدَّمَ ; فَأَعَادَ الْأَمْر بِالْعِبَادَةِ تَأْكِيدًا.

### الآية 24:57

> ﻿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۖ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ [24:57]

وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ
 أَيْ الْمَرْجِع.

### الآية 24:58

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ۚ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ۚ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [24:58]

بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ
 الْكَاف فِي مَوْضِع نَصْب ; أَيْ يُبَيِّن اللَّه لَكُمْ آيَاته الدَّالَّة عَلَى مُتَعَبَّدَاته بَيَانًا مِثْل مَا يُبَيِّن لَكُمْ هَذِهِ الْأَشْيَاء.
 " وَاَللَّه عَلِيم حَكِيم "

### الآية 24:59

> ﻿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [24:59]

وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
 قَرَأَ الْحَسَن " الْحُلْم " فَحَذَفَ الضَّمَّة لِثِقَلِهَا.
 وَالْمَعْنَى : أَنَّ الْأَطْفَال أُمِرُوا بِالِاسْتِئْذَانِ فِي الْأَوْقَات الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة ; وَأُبِيحَ لَهُمْ الْأَمْر فِي غَيْر ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَا.
 ثُمَّ أَمَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَة أَنْ يَكُونُوا إِذَا بَلَغُوا الْحُلُم عَلَى حُكْم الرِّجَال فِي الِاسْتِئْذَان فِي كُلّ وَقْت.
 وَهَذَا بَيَان مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لِأَحْكَامِهِ وَإِيضَاح حَلَاله وَحَرَامه، وَقَالَ " فَلْيَسْتَأْذِنُوا " وَلَمْ يَقُلْ فَلْيَسْتَأْذِنُوكم.
 وَقَالَ فِي الْأُولَى " لِيَسْتَأْذِنْكُمْ " لِأَنَّ الْأَطْفَال غَيْر مُخَاطَبِينَ وَلَا مُتَعَبَّدِينَ.
 وَقَالَ اِبْن جُرَيْج : قُلْت لِعَطَاءٍ " وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَال مِنْكُمْ الْحُلُم فَلْيَسْتَأْذِنُوا " قَالَ : وَاجِب عَلَى النَّاس أَنْ يَسْتَأْذِنُوا إِذَا اِحْتَلَمُوا، أَحْرَارًا كَانُوا أَوْ عَبِيدًا.
 وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الْفَزَارِيّ : قُلْت لِلْأَوْزَاعِيّ مَا حَدّ الطِّفْل الَّذِي يَسْتَأْذِن ؟ قَالَ : أَرْبَع سِنِينَ، قَالَ : لَا يَدْخُل عَلَى اِمْرَأَة حَتَّى يَسْتَأْذِن.
 وَقَالَ الزُّهْرِيّ : أَيْ يَسْتَأْذِن الرَّجُل عَلَى أُمّه ; وَفِي هَذَا الْمَعْنَى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة.

### الآية 24:60

> ﻿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ۖ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [24:60]

فَتَأْوِيله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَمِيص بِالدِّينِ مَأْخُوذ مِنْ قَوْله تَعَالَى :" وَلِبَاس التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْر ".
 وَالْعَرَب تُكَنِّي عَنْ الْفَضْل وَالْعَفَاف بِالثِّيَابِ ; كَمَا قَالَ شَاعِرهمْ :
 ثِيَاب بَنِي عَوْف طَهَارَى نَقِيَّة
 وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُثْمَانَ :( إِنَّ اللَّه سَيُلْبِسُك قَمِيصًا فَإِنْ أَرَادُوك أَنْ تَخْلَعهُ فَلَا تَخْلَعهُ ).
 فَعَبَّرَ عَنْ الْخِلَافَة بِالْقَمِيصِ، وَهِيَ اِسْتِعَارَة حَسَنَة مَعْرُوفَة.
 قُلْت : هَذَا التَّأْوِيل أَصَحّ التَّأْوِيلَيْنِ، وَهُوَ اللَّائِق بِهِنَّ فِي هَذِهِ الْأَزْمَان، وَخَاصَّة الشَّبَاب، فَإِنَّهُنَّ يَتَزَيَّنَّ وَيَخْرُجْنَ مُتَبَرِّجَات ; فَهُنَّ كَاسِيَات بِالثِّيَابِ عَارِيَات مِنْ التَّقْوَى حَقِيقَة، ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، حَيْثُ تُبْدِي زِينَتهَا، وَلَا تُبَالِي بِمَنْ يَنْظُر إِلَيْهَا، بَلْ ذَلِكَ مَقْصُودهنَّ، وَذَلِكَ مُشَاهَد فِي الْوُجُود مِنْهُنَّ، فَلَوْ كَانَ عِنْدهنَّ شَيْء مِنْ التَّقْوَى لَمَا فَعَلْنَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَعْلَم أَحَد مَا هُنَالِكَ.
 وَمِمَّا يُقَوِّي هَذَا التَّأْوِيل مَا ذُكِرَ مِنْ وَصْفهنَّ فِي بَقِيَّة الْحَدِيث فِي قَوْله :( رُؤْسهنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْت ).
 وَالْبُخْت ضَرْب مِنْ الْإِبِل عِظَام الْأَجْسَام، عِظَام الْأَسْنِمَة ; شَبَّهَ رُءُوسهنَّ بِهَا لَمَّا رَفَعْنَ مِنْ ضَفَائِر شُعُورهنَّ عَلَى أَوْسَاط رُءُوسهنَّ.
 وَهَذَا مُشَاهَد مَعْلُوم، وَالنَّاظِر إِلَيْهِنَّ مَلُوم.
 قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( مَا تَرَكْت بَعْدِي فِتْنَة أَضَرّ عَلَى الرِّجَال مِنْ النِّسَاء ).
 خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ.

### الآية 24:61

> ﻿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ۚ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [24:61]

وَذَكَرَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد قَالَ : كَتَبَ إِلَيَّ أَبُو الْعَبَّاس الْأَصَمّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم قَالَ حَدَّثَنَا اِبْن وَهْب قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَر بْن مَيْسَرَة عَنْ زَيْد بْن أَسْلَم أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( إِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَهْلهَا وَاذْكُرُوا اِسْم اللَّه فَإِنَّ أَحَدكُمْ إِذَا سَلَّمَ حِين يَدْخُل بَيْته وَذَكَرَ اِسْم اللَّه تَعَالَى عَلَى طَعَامه يَقُول الشَّيْطَان لِأَصْحَابِهِ لَا مَبِيت لَكُمْ هَاهُنَا وَلَا عَشَاء وَإِذَا لَمْ يُسَلِّم أَحَدكُمْ إِذَا دَخَلَ وَلَمْ يَذْكُر اِسْم اللَّه عَلَى طَعَامه قَالَ الشَّيْطَان لِأَصْحَابِهِ أَدْرَكْتُمْ الْمَبِيت وَالْعَشَاء ).
 قُلْت : هَذَا الْحَدِيث ثَبَتَ مَعْنَاهُ مَرْفُوع مِنْ حَدِيث جَابِر، خَرَّجَهُ مُسْلِم.
 وَفِي كِتَاب أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي مَالِك الْأَشْجَعِيّ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( إِذَا وَلَجَ الرَّجُل بَيْته فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلك خَيْر الْوُلُوج وَخَيْر الْخُرُوج بِاسْمِ اللَّه وَلَجْنَا وَبِاسْمِ اللَّه خَرَجْنَا وَعَلَى اللَّه رَبّنَا تَوَكَّلْنَا ثُمَّ لْيُسَلِّمْ عَلَى أَهْله ).
 " تَحِيَّة " مَصْدَر ; لِأَنَّ قَوْله :" فَسَلِّمُوا " مَعْنَاهُ فَحَيُّوا.
 وَصَفَهَا بِالْبَرَكَةِ لِأَنَّ فِيهَا الدُّعَاء وَاسْتِجْلَاب مَوَدَّة الْمُسْلِم عَلَيْهِ.
 وَوَصَفَهَا أَيْضًا بِالطِّيبِ لِأَنَّ سَامِعهَا يَسْتَطِيبهَا.
 وَالْكَاف مِنْ قَوْله :" كَذَلِكَ " كَاف تَشْبِيه.
 وَ " ذَلِكَ " إِشَارَة إِلَى هَذِهِ السُّنَن ; أَيْ كَمَا بَيَّنَ لَكُمْ سُنَّة دِينكُمْ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاء يُبَيِّن لَكُمْ سَائِر مَا بِكُمْ حَاجَة إِلَيْهِ فِي دِينكُمْ.

### الآية 24:62

> ﻿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [24:62]

وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
 أَيْ لِخُرُوجِهِمْ عَنْ الْجَمَاعَة إِنْ عَلِمْت لَهُمْ عُذْرًا.
 " إِنَّ اللَّه غَفُور رَحِيم ".

### الآية 24:63

> ﻿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [24:63]

فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
 بِهَذِهِ الْآيَة اِحْتَجَّ الْفُقَهَاء عَلَى أَنَّ الْأَمْر عَلَى الْوُجُوب.
 وَوَجْههَا أَنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ حَذَّرَ مِنْ مُخَالَفَة أَمْره، وَتَوَعَّدَ بِالْعِقَابِ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ :" أَنْ تُصِيبهُمْ فِتْنَة أَوْ يُصِيبهُمْ عَذَاب أَلِيم " فَتَحْرُم مُخَالَفَته، فَيَجِب اِمْتِثَال أَمْره.
 وَالْفِتْنَة هُنَا الْقَتْل ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس.
 عَطَاء : الزَّلَازِل وَالْأَهْوَال.
 جَعْفَر بْن مُحَمَّد : سُلْطَان جَائِر يُسَلَّط عَلَيْهِمْ.
 وَقِيلَ : الطَّبْع عَلَى الْقُلُوب بِشُؤْمِ مُخَالَفَة الرَّسُول.
 وَالضَّمِير فِي " أَمْره " قِيلَ هُوَ عَائِد إِلَى أَمْر اللَّه تَعَالَى ; قَالَهُ يَحْيَى بْن سَلَّام.
 وَقِيلَ : إِلَى أَمْر رَسُول عَلَيْهِ السَّلَام ; قَالَهُ قَتَادَة.
 وَمَعْنَى " يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْره " أَيْ يُعْرِضُونَ عَنْ أَمْره.
 وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَالْأَخْفَش :" عَنْ " فِي هَذَا الْمَوْضِع زَائِدَة.
 وَقَالَ الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ : لَيْسَتْ بِزَائِدَةٍ ; وَالْمَعْنَى : يُخَالِفُونَ بَعْد أَمْره ; كَمَا قَالَ :
 لَمْ تَنْتَطِق عَنْ تَفَضُّل
 وَمِنْهُ قَوْله :" فَفَسَقَ عَنْ أَمْر رَبّه " \[ الْكَهْف : ٥٠ \] أَيْ بَعْد أَمْر رَبّه.
 وَ " أَنْ " فِي مَوْضِع نَصْب " بِيَحْذَر ".
 وَلَا يَجُوز عِنْد أَكْثَر النَّحْوِيِّينَ حَذِرَ زَيْدًا، وَهُوَ فِي " أَنْ " جَائِز ; لِأَنَّ حُرُوف الْخَفْض تُحْذَف مَعَهَا.

### الآية 24:64

> ﻿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [24:64]

وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
 مِنْ أَعْمَالهمْ وَأَحْوَالهمْ.
 خُتِمَتْ السُّورَة بِمَا تَضَمَّنَتْ مِنْ التَّفْسِير، وَالْحَمْد لِلَّهِ عَلَى التَّيْسِير

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/24.md)
- [كل تفاسير سورة النّور
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/24.md)
- [ترجمات سورة النّور
](https://quranpedia.net/translations/24.md)
- [صفحة الكتاب: الجامع لأحكام القرآن](https://quranpedia.net/book/1469.md)
- [المؤلف: القرطبي](https://quranpedia.net/person/3966.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/24/book/1469) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
