---
title: "تفسير سورة النّور - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل - الزمخشري"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/24/book/346.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/24/book/346"
surah_id: "24"
book_id: "346"
book_name: "الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل"
author: "الزمخشري"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة النّور - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل - الزمخشري

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/24/book/346)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة النّور - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل - الزمخشري — https://quranpedia.net/surah/1/24/book/346*.

Tafsir of Surah النّور from "الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل" by الزمخشري.

### الآية 24:1

> سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [24:1]

سُورَةٌ  خبر مبتدأ محذوف. و  أنزلناها  صفة. أو هي مبتدأ موصوف والخبر محذوف، أي : فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها. وقرىء بالنصب على : زيداً ضربته، ولا محلّ لأنزلناها، لأنها مفسرة للمضمر فكانت في حكمه. أو على : دونك سورة أو اتل سورة وأنزلناها : صفة. ومعنى : وفرضناها  فرضنا أحكامها التي فيها. وأصل الفرض : القطع، أي : جعلناها واجبة مقطوعاً بها، والتشديد للمبالغة في الإيجاب وتوكيده. أو لأنّ فيها فرائض شتى، وأنك تقول : فرضت الفريضة، وفرضت الفرائض. أو لكثرة المفروض عليهم من السلف ومن بعدهم  تَذَكَّرُونَ  بتشديد الذال وتخفيفها، رفعهما على الابتداء، والخبر محذوف عند الخليل وسيبويه، على معنى : فيما فرض عليكم.

### الآية 24:2

> ﻿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [24:2]

الزانية والزانى  أي جلدهما. ويجوز أن يكون الخبر : فاجلدوا ، وإنما دخلت الفاء لكون الألف واللام بمعنى الذي وتضمينه معنى الشرط، تقديره : التي زنت، والذي زنى فاجلدوهما، كما تقول : من زنى فاجلدوه، وكقوله : والذين يَرْمُونَ المحصنات ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فاجلدوهم  \[ النور : ٤ \]. وقرىء بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر، وهو أحسن من سورة أنزلناها لأجل الأمر. وقرىء :**«والزان »** بلا ياء. والجلد : ضرب الجلد، يقال : جلده، كقولك : ظهره وبطنه ورأسه. 
فإن قلت : أهذا حكم جميع الزناة والزواني، أم حكم بعضهم ؟ قلت : بل هو حكم من ليس بمحصن منهم، فإنّ المحصن حكمه الرجم. وشرائط الإحصان عند أبي حنيفة ست : الإسلام، والحرية، والعقل، والبلوغ، والتزوج بنكاح صحيح، والدخول. إذا فقدت واحدة منها فلا إحصان. وعند الشافعي : الإسلام ليس بشرط، لما روي : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم رجَم يهودِيّين زَنياً. وحجة أبي حنيفة قوله صلى الله عليه وسلم :" مَنْ أَشرَكَ باللَّهِ فليسَ بمحصنٍ " 
فإن قلت : اللفظ يقتضي تعليق الحكم بجميع الزناة والزواني، لأن قوله : الزانية والزانى  عام في الجميع، يتناول المحصن وغير المحصن. قلت : الزانية والزاني يدلاّن على الجنسين المنافيين لجنسي العفيف والعفيفة دلالة مطلقة والجنسية قائمة في الكلّ والبعض جميعاً، فأيهما قصد المتكلم فلا عليه، كما يفعل بالاسم المشترك \[ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله \]. وقرىء :**«ولا يأخذكم »** بالياء. ورأفة، بفتح الهمزة. ورآفة على فعالة. والمعنى : أن الواجب على المؤمنين أن يتصلبوا في دين الله ويستعملوا الجدّ والمتانة فيه، ولا يأخذهم اللين والهوادة في استيفاء حدوده. وكفى برسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة في ذلك حيث قال :" لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها " وقوله : إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الأخر  من باب التهييج وإلهاب الغضب لله ولدينه وقيل : لا تترحموا عليهما حتى لا تعطلوا الحدود أو حتى لا توجعوهما ضرباً. وفي الحديث :" يُؤتى بوالٍ نقصَ مِنَ الحدّ سوطاً، فيقولُ : رحمةٌ لعبادِك، فيقالُ لَهُ : أأنتَ أرحمُ بهم مِنِّي، فيؤمرُ به إلى النار. ويؤتى بمن زاد سوطاً فيقولُ لينتهوا عَنْ معاصِيك فيؤمرُ به إلى النار "، وعن أبي هريرة :" إقامة حدّ بأرض خير لأهلها من مطر أربعين ليلة " وعلى الإمام أن ينصب للحدود رجلاً عالماً بصيراً يعقل كيف يضرب. والرجل يجلد قائماً على مجرّده ليس عليه إلاّ إزاره ؛ ضرباً وسطاً لا مبرحاً ولا هيناً، مفرّقاً على الأعضاء كلها لا يستثنى منها إلاّ ثلاثاً : الوجه والرأس، والفرج، وفي لفظ الجلد : إشارة إلى أنه ينبغي أن يتجاوز الألم إلى اللحم. والمرأة تجلد قاعدة، ولا ينزع من ثيابها إلاّ الحشو والفرو، وبهذه الآية استشهد أبو حنيفة على أن الجلد حدّ غير المحصن بلا تغريب. 
وما احتج به الشافعي على وجوب التغريب من قوله صلى الله عليه وسلم :**« البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام »** وما يروى عن الصحابة : أنهم جلدوا ونفوا ؛ منسوخ عنده وعند أصحابه بالآية، أو محمول على وجه التعزيز، والتأديب من غير وجوب. وقول الشافعي في تغريب الحرّ واحد، وله في العبد ثلاثة أقاويل : يغرب سنة كالحرّ، ويغرب نصف سنة كما يجلد خمسين جلدة، ولا يغرب كما قال أبو حنيفة. وبهذه الآية نسخ الحبس والأذى في قوله تعالى : فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى البيوت  \[ النساء : ١٥ \]، وقوله تعالى : فَآذوهما . قيل : تسميته عذاباً دليل على أنه عقوبة. ويجوز أن يسمى عذاباً، لأنه يمنع من المعاودة كما سمي نكالاً. 
الطائفة : الفرقة التي يمكن أن تكون حلقة، وأقلها ثلاثة أو أربعة ؛ وهي صفة غالبة كأنها الجماعة الحافة حول الشيء. وعن ابن عباس في تفسيرها : أربعة إلى أربعين رجلاً من المصدقين بالله. وعن الحسن : عشرة. وعن قتادة : ثلاثة فصاعداً. وعن عكرمة : رجلان فصاعداً. وعن مجاهد : الواحد فما فوقه. وفضل قول ابن عباس، لأنّ الأربعة هي الجماعة التي يثبت بها هذا الحدّ والصحيح أن هذه الكبيرة من أمّهات الكبائر، ولهذا قرنها الله بالشرك وقتل النفس في قوله : وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذلك يَلْقَ أَثَاماً  \[ الفرقان : ٦٨ \]، وقال : وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً  \[ الإسراء : ٣٢ \] وعن النبي صلى الله عليه وسلم :**« يا معشرَ الناسِ اتقُوا الزنَى فإنَّ فيهِ ستُّ خصالٍ : ثلاثٌ في الدُّنيا، وثلاثٌ في الآخرة. فأمّا اللاَّتي في الدُنيا : فيَذهبُ البهاء : ويورثُ الفقرَ، وينقصُ العمرَ، وأما اللاتي في الآخرة : فيُوجبُ السخطةَ، وسوءَ الحسابِ، والخلودَ في النار »** ولذلك وفّى الله فيه عقد المائة بكماله، بخلاف حدّ القذف وشرب الخمر. وشرع فيه القتلة الهولة وهي الرجم، ونهى المؤمنين عن الرأفة على المجلود فيه. وأمر بشهادة الطائفة للتشهير، فوجب أن تكون طائفة يحصل بها التشهير، والواحد والاثنان ليسوا بتلك المثابة، واختصاصه المؤمنين لأن ذلك أفضح، والفاسق بين صلحاء قومه أخجل. ويشهد له قول ابن عباس رضي الله عنهما : إلى أربعين رجلاً من المصدقين بالله.

### الآية 24:3

> ﻿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [24:3]

الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنى والتقحب، لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء اللاتي على خلاف صفته، وإنما يرغب في فاسقة خبيثة من شكله، أو في مشركة، والفاسقة الخبيثة المسافحة، كذلك لا يرغب في نكاحها الصلحاء من الرجال وينفرون عنها، وإنما يرغب فيها من هو من شكلها من الفسقة أو المشركين. ونكاح المؤمن الممدوح عند الله الزانية ورغبته فيها وانخراطه بذلك في سلك الفسقة المتسمين بالزنى : محرّم عليه محظور ؛ لما فيه من التشبه بالفساق، وحضور موقع التهمة، والتسبب لسوء القالة فيه والغيبة وأنواع المفاسد. ومجالسة الخطائين كم فيها من التعرّض لاقتراف الآثام، فكيف بمزاوجة الزواني والقحاب ؛ وقد نبه على ذلك بقوله : وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ والصالحين مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ  \[ النور : ٣٢ \] وقيل : كان بالمدينة موسرات من بغايا المشركين، فرغب فقراء المهاجرين في نكاحهنّ، فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت. وعن عائشة رضي الله عنها أن الرجل إذا زنى بامرأة، ليس له أن يتزوجها لهذه الآية، وإذا باشرها كان زانياً. وقد أجازه ابن عباس رضي الله عنهما وشبهه بمن سرق ثمر شجرة ثم اشتراه. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن ذلك ؟ فقالَ :" أولُهُ سِفَاحٌ وآخِرُهُ نكاحٌ، والحرامُ لا يحرمُ الحلال "، وقيل : المراد بالنكاح الوطء، وليس بقول لأمرين، أحدهما : أن هذه الكلمة أينما وردت في القرآن لم ترد إلاّ في معنى العقد. والثاني : فساد المعنى وأداؤه إلى قولك : الزاني لا يزني إلاّ بزانية والزانية لا يزني بها إلاّ زان. وقيل : كان نكاح الزانية محرّماً في أول الإسلام ثم نسخ، والناسخ قوله : وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ  \[ النور : ٣٢ \]. وقيل : الإجماع، وروي ذلك عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه. 
فإن قلت : أي فرق بين معنى الجملة الأولى ومعنى الثانية ؟ قلت : معنى الأولى صفة الزاني بكونه غير راغب في العفائف ولكن في الفواجر. ومعنى الثانية : صفة الزانية بكونها غير مرغوب فيها للأعفاء ولكن للزناة، وهما معنيان مختلفان. 
فإن قلت : كيف قدمت الزانية على الزاني أولاً، ثم قدم عليها ثانياً ؟ قلت : سيقت تلك الآية لعقوبتهما على ما جنيا، والمرأة هي المادة التي منها نشأت الجناية ؛ لأنها لو لم تطمع الرجل ولم تومض له ولم تمكنه لم يطمع ولم يتمكن. فلما كانت أصلاً وأولاً في ذلك بديء بذكرها. وأمّا الثانية فمسوقة لذكر النكاح والرجل أصل فيه، لأنه هو الراغب والخاطب، ومنه يبدأ الطلب. وعن عمرو بن عبيد رضي الله عنه : لا ينكح، بالجزم على النهي. والمرفوع فيه أيضاً معنى النهي، ولكن أبلغ وآكد، كما أن **«رحمك الله »** و **«يرحمك »** أبلغ من **«ليرحمك »** ويجوز أن يكون خبراً محضاً على معنى : أن عادتهم جارية على ذلك، وعلى المؤمن أن لا يدخل نفسه تحت هذه العادة ويتصوّن عنها. وقرىء :**«وحَرم »** بفتح الحاء.

### الآية 24:4

> ﻿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [24:4]

القذف يكون بالزنى وبغيره، والذي دلّ على أن المراد قذفهنّ بالزنى شيئان، أحدهما : ذكر المحصنات عقيب الزواني. والثاني : اشتراط أربعة شهداء ؛ لأنّ القذف بغير الزنى يكفي فيه شاهدان، والقذف بالزنى أن يقول الحرّ العاقل البالغ لمحصنة : يا زانية، أو لمحصن : يا زاني، يا ابن الزاني، يا ابن الزانية، يا ولد الزنا، لست لأبيك، لست لرشدة. والقذف بغير الزنا أن يقول : يا آكل الربا، يا شارب الخمر، يا يهودي، يا مجوسي، يا فاسق، يا خبيث، يا ماص بظر أمّه. فعليه التعزير، ولا يبلغ به أدنى حدّ العبيد وهو أربعون، بل ينقص منه. وقال أبو يوسف : يجوز أن يبلغ به تسعة وسبعون. وقال : للإمام أن يعزر إلى المائة. وشروط إحصان القذف خمسة : الحرية، والبلوغ، والعقل، والإسلام، والعفة. وقرىء :**«بأربعة شهداء »** بالتنوين. وشهداء صفة. 
فإن قلت : كيف يشهدون مجتمعين أو متفرّقين ؟ قلت : الواجب عند أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم أن يحضروا في مجلس واحد، وإن جاءوا متفرقين كانوا قذفة. وعند الشافعي رضي الله عنه : يجوز أن يحضروا متفرقين. 
فإن قلت : هل يجوز أن يكون زوج المقذوفة واحداً منهم ؟ قلت : يجوز عند أبي حنيفة خلافاً للشافعي. 
فإن قلت : كيف يجلد القاذف ؟ قلت : كما جلد الزاني، إلاّ أنه لا ينزع عنه من ثيابه إلاّ ما ينزع عن المرأة من الحشو والفرو. والقاذفة أيضاً كالزانية، وأشدّ الضرب ضرب التعزير، ثم ضرب الزنا، ثم ضرب شرب الخمر، ثم ضرب القاذف. قالوا : لأنّ سبب عقوبته محتمل للصدق والكذب، إلاّ أنه عوقب صيانة للأعراض وردعاً عن هتكها. 
فإن قلت : فإذا لم يكن المقذوف محصناً ؟ قلت : يعزر القاذف ولا يحدّ، إلاّ أن يكون المقذوف معروفاً بما قذف به فلا حدّ ولا تعزير. ردّ شهادة القاذف معلق عند أبي حنيفة رضي الله عنه باستيفاء الحدّ، فإذا شهد قبل الحدّ أو قبل تمام استيفائه قبلت شهادته، فإذا استوفى لم تقبل شهادته أبداً وإن تاب وكان من الأبرار الأتقياء. وعند الشافعي رضي الله عنه : يتعلق ردّ شهادته بنفس القذف، فإذا تاب عن القذف بأن رجع عنه، عاد مقبول الشهادة، وكلاهما متمسك بالآية، فأبو حنيفة رضي الله عنه جعل جزاء الشرط الذي هو الرمي : الجلد، وردّ الشهادة عقيب الجلد على التأبيد، فكانوا مردودي الشهادة عنده في أبدهم وهو مدّة حياتهم، وجعل قوله : وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون  كلاماً مستأنفاً غير داخل في حيز جزاء الشرط، كأنه حكاية حال الرامين عند الله بعد انقضاء الجملة الشرطية.

### الآية 24:5

> ﻿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [24:5]

و  إِلاَّ الذين تَابُواْ  استثناء من الفاسقين. ويدلّ عليه قوله : فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ  والشافعي رضي الله عنه جعل جزاء الشرط الجملتين أيضاً، غير أنه صرف الأبد إلى مدّة كونه قاذفاً، وهي تنتهي بالتوبة والرجوع عن القذف وجعل الاستثناء متعلقاً بالجملة الثانية. 
وحق المستثنى عنده أن يكون مجروراً بدلاً من **«هم »** في  لَهُمْ  وحقه عند أبي حنيفة رضي الله عنه أن يكون منصوباً لأنه عن موجب، والذي يقتضيه ظاهر الآية ونظمها أن تكون الجمل الثلاث بمجموعهن جزاء الشرط، كأنه قيل : ومن قذف المحصنات فاجلدوهم وردّوا شهادتهم وفسقوهم أي : فاجمعوا لهم الجلد والردّ والتفسيق، إلاّ الذين تابوا عن القذف وأصلحوا فإنّ الله يغفر لهم فينقلبون غير مجلودين ولا مردودين ولا مفسقين. 
فإن قلت : الكافر يقذف فيتوب عن الكفر فتقبل شهادته بالإجماع، والقاذف من المسلمين يتوب عن القذف فلا تقبل شهادته عند أبي حنيفة رضي الله عنه. كأن القذف مع الكفر أهون من القذف مع الإسلام ؟ قلت : المسلمون لا يعبئون بسبِّ الكفار ؛ لأنهم شهروا بعداوتهم والطعن فيهم بالباطل، فلا يلحق المقذوف بقذف الكافر من الشين والشنار ما يلحقه بقذف مسلم مثله، فشدّد على القاذف من المسلمين ردعاً وكفاً عن إلحاق الشنار. 
فإن قلت : هل للمقذوف أو للإمام أن يعفو عن حدّ القاذف ؟ قلت : لهما ذلك قبل أن يشهد الشهود ويثبت الحدّ، والمقذوف مندوب إلى أن لا يرافع القاذف ولا يطالبه بالحدّ. ويحسن من الأمام أن يحمل المقدوف على كظم الغيظ ويقول له : أعرض عن هذا ودعه لوجه الله قبل ثبات الحدّ : فإذا ثبت لم يكن لواحد منهما أن يعفو لأنه خالص حق الله، ولهذا لم يصحّ أن يصالح عنه بمال. 
فإن قلت : هل يورث الحدّ ؟ قلت : عند أبي حنيفة رضي الله عنه لا يورث، لقوله صلى الله عليه وسلم :" الحدّ لا يورث "، وعند الشافعي رضي الله عنه يورث، وإذا تاب القاذف قبل أن يثبت الحدّ سقط. وقيل : نزلت هذه الآية في حسان بن ثابت رضي الله عنه حين تاب مما قال في عائشة رضي الله عنها.

### الآية 24:6

> ﻿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ [24:6]

قاذف امرأته إذا كان مسلماً حراً بالغاً عاقلاً، غير محدود في القذف، والمرأة بهذه الصفة مع العفة : صحّ اللعان بينهما، إذا قذفها بصريح الزنى، وهو أن يقول لها : يا زانية، أو زنيت، أو رأيتك تزنين. وإذا كان الزوج عبداً، أو محدوداً في قذف، والمرأة محصنة : حدّ كما في قذف الأجنبيات، وما لم ترافعه إلى الإمام لم يجب اللعان. واللعان : أن يبدأ الرجل فيشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين فيما رماها به من الزنى، ويقول في الخامسة : أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنى. وتقول المرأة أربع مرات : أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنى، ثم تقول في الخامسة : أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنى. وعند الشافعي رضي الله عنه : يقام الرجل قائماً حتى يشهد والمرأة قاعدة، وتقام المرأة والرجل قاعد حتى تشهد، ويأمر الإمام من يضع يده على فيه ويقول له : إني أخاف إن لم تكن صادقاً أن تبوء بلعنة الله، وقال : اللعان بمكة بين المقام والبيت، وبالمدينة على المنبر، وبيت المقدس في مسجده، ولعان المشرك في الكنيسة وحيث يعظم، وإذا لم يكن له دين ففي مساجدنا إلا في المسجد الحرام، لقوله تعالى : إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام  \[ التوبة : ٢٨ \] ثم يفرق القاضي بينهما، ولا تقع الفرقة بينهما إلا بتفريقه عند أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم، إلا عند زفر ؛ فإن الفرقة تقع باللعان. وعن عثمان البتي : لا فرقة أصلاً. وعند الشافعي رضي الله عنه تقع بلعان الزوج، وتكون هذه الفرقة في حكم التطليقة البائنة عند أبي حنيفة ومحمد رضي الله عنهما ولا يتأبد حكمها، فإذا أكذب الرجل نفسه بعد ذلك فحدّ جاز أن يتزوجها. وعند أبي يوسف وزفر والحسن بن زياد والشافعي رضي الله عنهم : هي فرقة بغير طلاق توجب تحريماً مؤبداً، ليس لهما أن يجتمعا بعد ذلك بوجه. وروي : أن آية القذف لما نزلت قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فقام عاصم بن عدي الأنصاري رضي الله عنه فقال : جعلني الله فداك، إن وجد رجل مع امرأته رجلاً فأخبر جلد ثمانين وردّت شهادته أبداً وفسق، وإن ضربه بالسيف قتل، وإن سكت سكت على غيظ، وإلى أن يجيء بأربعة شهداء فقد قضى الرجل حاجته ومضى : اللَّهم افتح. وخرج فاستقبله هلال بن أمية أو عويمر فقال : ما وراءك ؟ قال : شرّ وجدت على بطن امرأتي خولة - وهي بنت عاصم - شريكَ ابن سحماء، فقال : هذا والله سؤالي، ما أسرع ما ابتليت به فرجعا، فأخبر عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلم خولة فقالت : لا أدري، ألغيرة أدركته ؟ أم بخلاً على الطعام - وكان شريك نزيلهم - وقال هلال : لقد رأيته على بطنها. 
فنزلت، ولاعن بينهما. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند قوله وقولها : أنّ لعنةَ اللَّهِ عليهِ، إنّ غضبَ اللَّهَ عليها : آمين، وقال القوم : آمين، وقالَ لهَا :" إنْ كنتِ ألممْتِ بِذَنْبٍ فاعترفِي بِهِ، فالرجمُ أَهونُ عليك مِنْ غضبِ اللَّهِ، إن غضبَه هوَ النارُ. وقال : تحينُوا بها الولادةُ فإن جاءَتْ به أصيهبَ أثيبجَ يضربُ إلى السوادِ فهو لشريكٍ، وإنْ جاءَتْ بِهِ أَورقَ جعداً جمالياً خدلجَ الساقَيْنِ فهو لغيرِ الذي رميت بهِ " قال ابن عباس رضي الله عنهما : فجاءت بأشبهِ خلقِ اللَّهِ لشريكِ. فقال صلى الله عليه وسلم :" لَولاَ الأيمانُ لكان لِي ولها شأن " وقرىء :**«ولم تكن »** بالتاء ؛ لأنّ الشهداء جماعة، أو لأنهم في معنى الأنفس التي هي بدل. ووجه من قرأ أربع أن ينتصب ؛ لأنه في حكم المصدر والعامل فيه المصدر الذي هو  فشهادة أَحَدِهِمْ  وهي مبتدأ محذوف الخبر، تقديره : فواجب شهادة أحدهم أربع شهادات بالله. وقرىء أن لعنة الله، وأن غضب الله : على تخفيف أن ورفع ما بعدها. وقرىء :**«أن غضب الله »** على فعل الغضب. وقرىء : بنصب الخامستين، على معنى : وتشهد الخامسة. 
فإن قلت : لم خصت الملاعنة بأن تخمس بغضب الله ؟ قلت : تغليظاً عليها ؛ لأنها هي أصل الفجور ومنبعه بخلابتها وإطماعها، ولذلك كانت مقدّمة في آية الجلد. ويشهد لذلك قوله صلى الله عليه وسلم لخولة " فالرجمُ أهونُ عليكِ من غضبِ اللَّهِ ".

### الآية 24:7

> ﻿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ [24:7]

\[سورة النور (٢٤) : الآيات ٦ الى ٩\]

 وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)
 قاذف امرأته إذا كان مسلما حرا بالغا عاقلا، غير محدود في القذف، والمرأة بهذه الصفة مع العفة: صح اللعان بينهما، إذا قذفها بصريح الزنى. وهو أن يقول لها: يا زانية، أو: زنيت، أو رأيتك تزنين. وإذا كان الزوج عبدا، أو محدودا في قذف، والمرأة محصنة: حدّ كما في قذف الأجنبيات، وما لم ترافعه إلى الإمام لم يجب اللعان. واللعان: أن يبدأ الرجل فيشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين فيما رماها به من الزنى، ويقول في الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنى. وتقول المرأة أربع مرات: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رمانى به من الزنى، ثم تقول في الخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رمانى به من الزنى. وعند الشافعي رضى الله عنه: يقام الرجل قائما حتى يشهد والمرأة قاعدة، وتقام المرأة والرجل قاعد حتى تشهد، ويأمر الإمام من يضع يده على فيه ويقول له: إنى أخاف إن لم تكن صادقا أن تبوء بلعنة الله، وقال: اللعان بمكة بين المقام والبيت، وبالمدينة على المنبر، وبيت المقدس في مسجده، ولعان المشرك في الكنيسة وحيث يعظم، وإذا لم يكن له دين ففي مساجدنا إلا في المسجد الحرام، لقوله تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ ثم يفرق القاضي بينهما، ولا تقع الفرقة بينهما إلا بتفريقه عند أبى حنيفة وأصحابه رضى الله عنهم، إلا عند زفر، فإن الفرقة تقع باللعان. وعن عثمان البتى: لا فرقة أصلا. وعند الشافعي رضى الله عنه تقع بلمان الزوج، وتكون هذه الفرقة في حكم التطليقة البائنة عند أبى حنيفة ومحمد رضى الله عنهما ولا يتأبد حكمها، فإذا أكذب الرجل نفسه بعد ذلك فحدّ جاز أن يتزوجها. وعند أبى يوسف وزفر والحسن بن زياد والشافعي رضى الله عنهم: هي فرقة بغير طلاق توجب تحريما مؤبدا، ليس لهما أن يجتمعا بعد ذلك بوجه.
 وروى أن آية القذف لما نزلت **«١»** قرأها رسول الله ﷺ على المنبر، فقام
 (١). وفي الخازن: سبب نزول هذه الآية ما روى عن سهل بن سعد الساعدي أن عويمر العجلاني جاء إلى عاصم ابن عدى فقال لعاصم أرأيت لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل سل لي رسول الله ﷺ وفيه أيضا عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك ابن سحماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: البينة أو حدّ في ظهرك، فقال يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة، فجعل النبي ﷺ يقول: البينة أو حد في ظهرك فنزل جبريل بقوله تعالى وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ- الآية.

عاصم بن عدى الأنصارى رضى الله عنه فقال: جعلني الله فداك، إن وجد رجل مع امرأته رجلا فأخبر جلد ثمانين وردّت شهادته أبدا وفسق، وإن ضربه بالسيف قتل، وإن سكت سكت على غيظ، وإلى أن يجيء بأربعة شهداء فقد قضى الرجل حاجته ومضى: اللهم افتح. وخرج فاستقبله هلال بن أمية أو عويمر فقال: ما وراءك؟ قال شر: وجدت على بطن امرأتى خولة- وهي بنت عاصم- شريك بن سحماء، فقال: هذا والله سؤالى، ما أسرع ما ابتليت به! فرجعا، فأخبر عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلم خولة فقالت: لا أدرى، ألغيرة أدركته؟
 أم بخلا على الطعام- وكان شريك نزيلهم- وقال هلال: لقد رأيته على بطنها. فنزلت، ولا عن بينهما. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند قوله وقولها: أنّ لعنة الله عليه، إن غضب الله عليها: آمين، وقال القوم: آمين، وقال لها: إن كنت ألممت بذنب فاعترفى به، فالرجم أهون عليك من غضب الله، إن غضبه هو النار. وقال: تحينوا بها الولادة فإن جاءت به أصيهب أثيبج **«١»** يضرب إلى السواد فهو لشريك، وإن جاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين فهو لغير الذي رميت به» قال ابن عباس رضى الله عنهما: فجاءت بأشبه خلق الله لشريك. فقال صلى الله عليه وسلم: **«لولا الأيمان لكان لي ولها شأن»**. وقرئ: ولم تكن، بالتاء، لأنّ الشهداء جماعة. أو لأنهم في معنى الأنفس التي هي بدل. ووجه من قرأ أربع أن ينتصب، لأنه في حكم المصدر والعامل فيه المصدر الذي هو فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ وهي مبتدأ محذوف الخبر، تقديره: فواجب شهادة أحدهم أربع شهادات بالله. وقرئ أن لعنة الله، وأن غضب الله:
 على تخفيف أن ورفع ما بعدها. وقرئ: أن غضب الله، على فعل الغضب. وقرئ: بنصب الخامستين **«٢»**، على معنى: وتشهد الخامسة. فإن قلت: لم خصت الملاعنة بأن تخمس بغضب الله؟ قلت: تغليظا عليها، لأنها هي أصل الفجور ومنبعه بخلابتها **«٣»** وإطماعها،

 (١). قوله **«فان جاءت به أصيهب أثيبج»** في الصحاح **«الصهبة»** الشقرة في شعر الرأس والرجل أصهب. وفيه: ثبج كل شيء وسطه. والأثبج: العريض الثبج ويقال الناتئ الثبج اه وما في الحديث تصغيرهما. وفيه أيضا **«الخدلجة»** بتشديد اللام المرأة الممتلئة الذراعين والساقين. (ع)
 (٢). قوله **«وقرئ بنصب الخامستين»** في النسفي: أنه لا خلاف في رفع الخامسة الأولى على المشهور. (ع)
 (٣). قوله **«بخلابتها»** في الصحاح **«الخلابة»** الخديعة باللسان. (ع)

### الآية 24:8

> ﻿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ [24:8]

\[سورة النور (٢٤) : الآيات ٦ الى ٩\]

 وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)
 قاذف امرأته إذا كان مسلما حرا بالغا عاقلا، غير محدود في القذف، والمرأة بهذه الصفة مع العفة: صح اللعان بينهما، إذا قذفها بصريح الزنى. وهو أن يقول لها: يا زانية، أو: زنيت، أو رأيتك تزنين. وإذا كان الزوج عبدا، أو محدودا في قذف، والمرأة محصنة: حدّ كما في قذف الأجنبيات، وما لم ترافعه إلى الإمام لم يجب اللعان. واللعان: أن يبدأ الرجل فيشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين فيما رماها به من الزنى، ويقول في الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنى. وتقول المرأة أربع مرات: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رمانى به من الزنى، ثم تقول في الخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رمانى به من الزنى. وعند الشافعي رضى الله عنه: يقام الرجل قائما حتى يشهد والمرأة قاعدة، وتقام المرأة والرجل قاعد حتى تشهد، ويأمر الإمام من يضع يده على فيه ويقول له: إنى أخاف إن لم تكن صادقا أن تبوء بلعنة الله، وقال: اللعان بمكة بين المقام والبيت، وبالمدينة على المنبر، وبيت المقدس في مسجده، ولعان المشرك في الكنيسة وحيث يعظم، وإذا لم يكن له دين ففي مساجدنا إلا في المسجد الحرام، لقوله تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ ثم يفرق القاضي بينهما، ولا تقع الفرقة بينهما إلا بتفريقه عند أبى حنيفة وأصحابه رضى الله عنهم، إلا عند زفر، فإن الفرقة تقع باللعان. وعن عثمان البتى: لا فرقة أصلا. وعند الشافعي رضى الله عنه تقع بلمان الزوج، وتكون هذه الفرقة في حكم التطليقة البائنة عند أبى حنيفة ومحمد رضى الله عنهما ولا يتأبد حكمها، فإذا أكذب الرجل نفسه بعد ذلك فحدّ جاز أن يتزوجها. وعند أبى يوسف وزفر والحسن بن زياد والشافعي رضى الله عنهم: هي فرقة بغير طلاق توجب تحريما مؤبدا، ليس لهما أن يجتمعا بعد ذلك بوجه.
 وروى أن آية القذف لما نزلت **«١»** قرأها رسول الله ﷺ على المنبر، فقام
 (١). وفي الخازن: سبب نزول هذه الآية ما روى عن سهل بن سعد الساعدي أن عويمر العجلاني جاء إلى عاصم ابن عدى فقال لعاصم أرأيت لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل سل لي رسول الله ﷺ وفيه أيضا عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك ابن سحماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: البينة أو حدّ في ظهرك، فقال يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة، فجعل النبي ﷺ يقول: البينة أو حد في ظهرك فنزل جبريل بقوله تعالى وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ- الآية.

عاصم بن عدى الأنصارى رضى الله عنه فقال: جعلني الله فداك، إن وجد رجل مع امرأته رجلا فأخبر جلد ثمانين وردّت شهادته أبدا وفسق، وإن ضربه بالسيف قتل، وإن سكت سكت على غيظ، وإلى أن يجيء بأربعة شهداء فقد قضى الرجل حاجته ومضى: اللهم افتح. وخرج فاستقبله هلال بن أمية أو عويمر فقال: ما وراءك؟ قال شر: وجدت على بطن امرأتى خولة- وهي بنت عاصم- شريك بن سحماء، فقال: هذا والله سؤالى، ما أسرع ما ابتليت به! فرجعا، فأخبر عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلم خولة فقالت: لا أدرى، ألغيرة أدركته؟
 أم بخلا على الطعام- وكان شريك نزيلهم- وقال هلال: لقد رأيته على بطنها. فنزلت، ولا عن بينهما. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند قوله وقولها: أنّ لعنة الله عليه، إن غضب الله عليها: آمين، وقال القوم: آمين، وقال لها: إن كنت ألممت بذنب فاعترفى به، فالرجم أهون عليك من غضب الله، إن غضبه هو النار. وقال: تحينوا بها الولادة فإن جاءت به أصيهب أثيبج **«١»** يضرب إلى السواد فهو لشريك، وإن جاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين فهو لغير الذي رميت به» قال ابن عباس رضى الله عنهما: فجاءت بأشبه خلق الله لشريك. فقال صلى الله عليه وسلم: **«لولا الأيمان لكان لي ولها شأن»**. وقرئ: ولم تكن، بالتاء، لأنّ الشهداء جماعة. أو لأنهم في معنى الأنفس التي هي بدل. ووجه من قرأ أربع أن ينتصب، لأنه في حكم المصدر والعامل فيه المصدر الذي هو فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ وهي مبتدأ محذوف الخبر، تقديره: فواجب شهادة أحدهم أربع شهادات بالله. وقرئ أن لعنة الله، وأن غضب الله:
 على تخفيف أن ورفع ما بعدها. وقرئ: أن غضب الله، على فعل الغضب. وقرئ: بنصب الخامستين **«٢»**، على معنى: وتشهد الخامسة. فإن قلت: لم خصت الملاعنة بأن تخمس بغضب الله؟ قلت: تغليظا عليها، لأنها هي أصل الفجور ومنبعه بخلابتها **«٣»** وإطماعها،

 (١). قوله **«فان جاءت به أصيهب أثيبج»** في الصحاح **«الصهبة»** الشقرة في شعر الرأس والرجل أصهب. وفيه: ثبج كل شيء وسطه. والأثبج: العريض الثبج ويقال الناتئ الثبج اه وما في الحديث تصغيرهما. وفيه أيضا **«الخدلجة»** بتشديد اللام المرأة الممتلئة الذراعين والساقين. (ع)
 (٢). قوله **«وقرئ بنصب الخامستين»** في النسفي: أنه لا خلاف في رفع الخامسة الأولى على المشهور. (ع)
 (٣). قوله **«بخلابتها»** في الصحاح **«الخلابة»** الخديعة باللسان. (ع)

### الآية 24:9

> ﻿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ [24:9]

\[سورة النور (٢٤) : الآيات ٦ الى ٩\]

 وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)
 قاذف امرأته إذا كان مسلما حرا بالغا عاقلا، غير محدود في القذف، والمرأة بهذه الصفة مع العفة: صح اللعان بينهما، إذا قذفها بصريح الزنى. وهو أن يقول لها: يا زانية، أو: زنيت، أو رأيتك تزنين. وإذا كان الزوج عبدا، أو محدودا في قذف، والمرأة محصنة: حدّ كما في قذف الأجنبيات، وما لم ترافعه إلى الإمام لم يجب اللعان. واللعان: أن يبدأ الرجل فيشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين فيما رماها به من الزنى، ويقول في الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنى. وتقول المرأة أربع مرات: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رمانى به من الزنى، ثم تقول في الخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رمانى به من الزنى. وعند الشافعي رضى الله عنه: يقام الرجل قائما حتى يشهد والمرأة قاعدة، وتقام المرأة والرجل قاعد حتى تشهد، ويأمر الإمام من يضع يده على فيه ويقول له: إنى أخاف إن لم تكن صادقا أن تبوء بلعنة الله، وقال: اللعان بمكة بين المقام والبيت، وبالمدينة على المنبر، وبيت المقدس في مسجده، ولعان المشرك في الكنيسة وحيث يعظم، وإذا لم يكن له دين ففي مساجدنا إلا في المسجد الحرام، لقوله تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ ثم يفرق القاضي بينهما، ولا تقع الفرقة بينهما إلا بتفريقه عند أبى حنيفة وأصحابه رضى الله عنهم، إلا عند زفر، فإن الفرقة تقع باللعان. وعن عثمان البتى: لا فرقة أصلا. وعند الشافعي رضى الله عنه تقع بلمان الزوج، وتكون هذه الفرقة في حكم التطليقة البائنة عند أبى حنيفة ومحمد رضى الله عنهما ولا يتأبد حكمها، فإذا أكذب الرجل نفسه بعد ذلك فحدّ جاز أن يتزوجها. وعند أبى يوسف وزفر والحسن بن زياد والشافعي رضى الله عنهم: هي فرقة بغير طلاق توجب تحريما مؤبدا، ليس لهما أن يجتمعا بعد ذلك بوجه.
 وروى أن آية القذف لما نزلت **«١»** قرأها رسول الله ﷺ على المنبر، فقام
 (١). وفي الخازن: سبب نزول هذه الآية ما روى عن سهل بن سعد الساعدي أن عويمر العجلاني جاء إلى عاصم ابن عدى فقال لعاصم أرأيت لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل سل لي رسول الله ﷺ وفيه أيضا عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك ابن سحماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: البينة أو حدّ في ظهرك، فقال يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة، فجعل النبي ﷺ يقول: البينة أو حد في ظهرك فنزل جبريل بقوله تعالى وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ- الآية.

عاصم بن عدى الأنصارى رضى الله عنه فقال: جعلني الله فداك، إن وجد رجل مع امرأته رجلا فأخبر جلد ثمانين وردّت شهادته أبدا وفسق، وإن ضربه بالسيف قتل، وإن سكت سكت على غيظ، وإلى أن يجيء بأربعة شهداء فقد قضى الرجل حاجته ومضى: اللهم افتح. وخرج فاستقبله هلال بن أمية أو عويمر فقال: ما وراءك؟ قال شر: وجدت على بطن امرأتى خولة- وهي بنت عاصم- شريك بن سحماء، فقال: هذا والله سؤالى، ما أسرع ما ابتليت به! فرجعا، فأخبر عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلم خولة فقالت: لا أدرى، ألغيرة أدركته؟
 أم بخلا على الطعام- وكان شريك نزيلهم- وقال هلال: لقد رأيته على بطنها. فنزلت، ولا عن بينهما. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند قوله وقولها: أنّ لعنة الله عليه، إن غضب الله عليها: آمين، وقال القوم: آمين، وقال لها: إن كنت ألممت بذنب فاعترفى به، فالرجم أهون عليك من غضب الله، إن غضبه هو النار. وقال: تحينوا بها الولادة فإن جاءت به أصيهب أثيبج **«١»** يضرب إلى السواد فهو لشريك، وإن جاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين فهو لغير الذي رميت به» قال ابن عباس رضى الله عنهما: فجاءت بأشبه خلق الله لشريك. فقال صلى الله عليه وسلم: **«لولا الأيمان لكان لي ولها شأن»**. وقرئ: ولم تكن، بالتاء، لأنّ الشهداء جماعة. أو لأنهم في معنى الأنفس التي هي بدل. ووجه من قرأ أربع أن ينتصب، لأنه في حكم المصدر والعامل فيه المصدر الذي هو فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ وهي مبتدأ محذوف الخبر، تقديره: فواجب شهادة أحدهم أربع شهادات بالله. وقرئ أن لعنة الله، وأن غضب الله:
 على تخفيف أن ورفع ما بعدها. وقرئ: أن غضب الله، على فعل الغضب. وقرئ: بنصب الخامستين **«٢»**، على معنى: وتشهد الخامسة. فإن قلت: لم خصت الملاعنة بأن تخمس بغضب الله؟ قلت: تغليظا عليها، لأنها هي أصل الفجور ومنبعه بخلابتها **«٣»** وإطماعها،

 (١). قوله **«فان جاءت به أصيهب أثيبج»** في الصحاح **«الصهبة»** الشقرة في شعر الرأس والرجل أصهب. وفيه: ثبج كل شيء وسطه. والأثبج: العريض الثبج ويقال الناتئ الثبج اه وما في الحديث تصغيرهما. وفيه أيضا **«الخدلجة»** بتشديد اللام المرأة الممتلئة الذراعين والساقين. (ع)
 (٢). قوله **«وقرئ بنصب الخامستين»** في النسفي: أنه لا خلاف في رفع الخامسة الأولى على المشهور. (ع)
 (٣). قوله **«بخلابتها»** في الصحاح **«الخلابة»** الخديعة باللسان. (ع)

### الآية 24:10

> ﻿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ [24:10]

الفضل : التفضل، وجواب **«لولا »** متروك، وتركه دال على أمر عظيم لا يكتنه، ورب مسكوت عنه أبلغ من منطوق به.

### الآية 24:11

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ [24:11]

الإفك : أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء. وقيل : هو البهتان لا تشعر به حتى يفجأك. وأصله : الأفك، وهو القلب ؛ لأنه قول مأفوك عن وجهه. والمراد : ما أُفك به على عائشة رضي الله عنها. والعصبة : الجماعة من العشرة إلى الأربعين، وكذلك العصابة. واعصو صبوا : اجتمعوا، وهم عبد الله بن أبيّ رأس النفاق، وزيد بن رفاعة، وحسان بن ثابت، ومسطح ابن أثاثة، وحمنة بنت جحش، ومن ساعدهم. وقرىء :**«كبره »** بالضم والكسر، وهو عِظَمه. والذي تولاه عبد الله، لإمعانه في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتهازه الفرص، وطلبه سبيلاً إلى الغميزة. 
أي يصيب كل خائض في حديث الإفك من تلك العصبة نصيبه من الإثم على مقدار خوضه. والعذاب العظيم لعبد الله، لأنّ معظم الشرّ كان منه. يحكى أن صفوان رضي الله عنه مرّ بهودجها عليه وهو في ملأ من قومه فقال : من هذه ؟ فقالوا : عائشة رضي الله عنها، فقال : والله ما نجت منه ولا نجا منها، وقال : امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقودها. والخطاب في قوله : هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ  لمن ساءه ذلك من المؤمنين، وخاصة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعائشة، وصفوان بن المعطل رضي الله عنهم. ومعنى كونه خيراً لهم : أنهم اكتسبوا فيه الثواب العظيم ؛ لأنه كان بلاء مبيناً ومحنة ظاهرة، وأنه نزلت فيه ثماني عشرة آية كل واحدة منها مستقلة بما هو تعظيم لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسلية له، وتنزيه لأم المؤمنين رضوان الله عليها، وتطهير لأهل البيت، وتهويل لمن تكلم في ذلك أو سمع به فلم تمجه أذناه، وعدة ألطاف للسامعين والتالين إلى يوم القيامة، وفوائد دينية، وأحكام وآداب لا تخفى على متأمليها.

### الآية 24:12

> ﻿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُبِينٌ [24:12]

بِأَنفُسِهِمْ  أي بالذين منهم من المؤمنين والمؤمنات، كقوله : وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ  \[ الحجرات : ١١ \] وذلك نحو ما يروى أن أبا أيوب الأنصاري قال لأم أيوب : ألا ترين ما يقال ؟ فقال : لو كنت بدل صفوان أكنت تظنّ بحرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم سوءاً ؟ قال : لا. قالت : ولو كنت أنا بدل عائشة رضي الله عنها ما خنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعائشة خير مني، وصفوان خير منك. 
فإن قلت : هلا قيل : لولا إذ سمعتموه ظننتم بإنفسكم خيراً وقلتم ؟ ولم عدل عن الخطاب إلى الغيبة، وعن الضمير إلى الظاهر ؟ قلت : ليبالغ في التوبيخ بطريقة الالتفات، وليصرح بلفظ الإيمان، دلالة على أن الاشتراك فيه مقتض أن لا يصدّق مؤمن على أخيه ولا مؤمنة على أختها قول عائب ولا طاعن. وفيه تنبيه على أن حق المؤمن إذا سمع قالة في أخيه، أن يبني الأمر فيها على الظنّ لا على الشك. وأن يقول بملء فيه بناء على ظنّه بالمؤمن الخير : هذا إِفْكٌ مُّبِينٌ  هكذا بلفظ المصرح ببراءة ساحته، كما يقول المستيقن المطلع على حقيقة الحال. وهذا من الأدب الحسن الذي قل القائم به والحافظ له، وليتك تجد من يسمع فيسكت ولا يشيع ما سمعه بأخوات.

### الآية 24:13

> ﻿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ۚ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَٰئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ [24:13]

جعل الله التفصلة بين الرمي الصادق والكاذب : ثبوت شهادة الشهود الأربعة وانتفاءها والذين رموا عائشة رضي الله عنها لم تكن لهم بينة على قولهم، فقامت عليهم الحجة وكانوا  عَندَ الله  أي في حكمه وشريعته كاذبين. وهذا توبيخ وتعنيف للذين سمعوا الإفك فلم يجدوا في دفعه وإنكاره، واحتجاج عليهم بما هو ظاهر مكشوف في الشرع : من وجوب تكذيب القاذف بغير بينة، والتنكيل به إذا قذف امرأة محصنة من عرض نساء المسلمين، فكيف بأمّ المؤمنين الصدّيقة بنت الصدّيق حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبيبة حبيب الله ؟.

### الآية 24:14

> ﻿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [24:14]

لولا الأولى للتحضيض، وهذه لامتناع الشيء لوجود غيره. والمعنى : ولولا أني قضيت أن أتفضل عليكم في الدنيا بضروب النعم التي من جملتها الإمهال للتوبة، وأن أترحم عليكم في الآخرة بالعفو والمغفرة، لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم فيه من حديث الإفك، يقال : أفاض في الحديث، واندفع، وهضب، وخاض  إِذْ  ظرف لمسكم، أو لأفضتم  تَلَقَّوْنَهُ  يأخذه بعضكم من بعض. يقال : تلقى القول وتلقنه وتلقفه. ومنه قوله تعالى : فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ  \[ البقرة : ٣٧ \].

### الآية 24:15

> ﻿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [24:15]

وقرىء على الأصل :**«تتلقونه »** \[ إذ تلقونه \] بإدغام الذال في التاء. و ********«تلقونه »******** من لقيه بمعنى لقفه، و********«تلقونه »********، من إلقائه بعضهم على بعض. و ********«تلقونه »******** و **«تأْلِقُونه »**، من الولق والألق : وهو الكذب، و ********«تلقونه »******** : محكية عن عائشة رضي الله عنها، وعن سفيان : سمعت أمي تقرأ : إذ تثقفونه، وكان أبوها يقرأ بحرف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. 
فإن قلت : ما معنى قوله : بأفواهكم  والقول لا يكون إلاّ بالفم ؟ قلت : معناه أن الشيء المعلوم يكون علمه في القلب، فيترجم عنه اللسان. وهذا الإفك ليس إلاّ قولاً يجري على ألسنتكم ويدور في أفواهكم من غير ترجمة عن علم به في القلب، كقوله تعالى : يَقُولُونَ بأفواههم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ  \[ آل عمران : ١٦٧ \]، \[ وتحسبونه هيّناً وهو عند الله عظيم \] أي : تحسبونه صغيرة وهو عند الله كبيرة وموجبة. وعن بعضهم أنه جزع عند الموت، فقيل له : فقال : أخاف ذنباً لم يكن مني على بال وهو عند الله عظيم. وفي كلام بعضهم : لا تقولنّ لشيء من سيئاتك حقير، فلعله عند الله نخلة وهو عندك نقير. وصفهم بارتكاب ثلاثة آثام وعلق مسّ العذاب العظيم بها، أحدها : تلقى الإفك بألسنتهم، وذلك أن الرجل كان يلقى الرجل فيقول له : ما وراءك ؟ فيحدثه بحديث الإفك حتى شاع وانتشر ؛ فلم يبق بيت ولا نادٍ إلاّ طارَ فيه. والثاني : التكلم مما لا علم لهم به. والثالث : استصغارهم لذلك وهو عظيمة من العظائم.

### الآية 24:16

> ﻿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [24:16]

فإن قلت : كيف جاز الفصل بين لولا وقلتم ؟ قلت : للظروف شأن وهو تنزلها من الأشياء منزلة أنفسها لوقوعها فيها وأنها لا تنفك عنها، فلذلك يتسع فيها ما لا يتسع في غيرها. 
فإن قلت : فأيّ فائدة في تقديم الظرف حتى أوقع فاصلاً ؟ قلت : الفائدة فيه بيان أنه كان الواجب عليهم أن يتفادوا أوّل ما سمعوا بالإفك عن التكلم به، فلما كان ذكر الوقت أهمّ وجب التقديم. 
فإن قلت : فما معنى يكون، والكلام بدونه متلئب لو قيل : ما لنا أن نتكلم بهذا ؟ قلت : معناه معنى ينبغي ويصحّ، أي : ما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا، وما يصحّ لنا. ونحوه : ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق. و  سبحانك  للتعحب من عظم الأمر. 
فإن قلت : ما معنى التعجب في كلمة التسبيح ؟ قلت : الأصل في ذلك أن يسبح الله عند رؤية العجيب من صنائعه، ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه أو لتنزيه الله تعالى من أن تكون حرمة نبيه عليه السلام فاجرة. 
فإن قلت : كيف جاز أن تكون امرأة النبي كافرة كامرأة نوح ولوط \[ عليهما الصلاة والسلام \]، ولم يجز أن تكون فاجرة ؟ قلت : لأنّ الأنبياء \[ عليهم الصلاة والسلام \] مبعوثون إلى الكفار ليدعوهم ويستعطفوهم، فيجب أن لا يكون معهم ما ينفرهم عنهم، ولم يكن الكفر عندهم مما ينفر. وأما الكشخنة فمن أعظم المنفرات.

### الآية 24:17

> ﻿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [24:17]

أي كراهة  أَن تَعُودُواْ  أو في أن تعودوا، من قولك : وعظت فلاناً في كذا فتركه. وأبدهم ما داموا أحياء مكلفين. و  إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ  فيه تهييج لهم ليتعظوا، وتذكير بما يوجب ترك العود، وهو اتصافهم بالإيمان الصادّ عن كلّ مقبح.

### الآية 24:18

> ﻿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [24:18]

ويبين الله لكم الدلالات على علمه وحكمته بما ينزل عليكم من الشرائع، ويعلمكم من الآداب الجميلة، ويعظكم به من المواعظ الشافية، والله عالم بكل شيء، فاعل لما يفعله بدواعي الحكمة.

### الآية 24:19

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [24:19]

المعنى : يشيعون الفاحشة عن قصد إلى الإشاعة، وإرادة ومحبة لها، وعذاب الدنيا الحدّ، ولقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبيّ وحساناً ومسطحاً، وقعد صفوان لحسان فضربه ضربة بالسيف، وكفّ بصره. وقيل : هو المراد بقوله : والذى تولى كِبْرَهُ مِنْهُمْ  \[ النور : ١١ \]  والله يَعْلَمُ  ما في القلوب من الأسرار والضمائر  وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ  يعني أنه قد علم محبة من أحب الإشاعة، وهو معاقبه عليها.

### الآية 24:20

> ﻿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [24:20]

وكرّر المنة بترك المعاجلة بالعقاب، حاذفاً جواب لولا كما حذفه ثمة. وفي هذا التكرير مع حذف الجواب مبالغة عظيمة، وكذلك في التوّاب والرءوف والرحيم.

### الآية 24:21

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [24:21]

الفحشاء والفاحشة : ما أفرط قبحه. قال أبو ذؤيب :
ضَرَائِرُ حِرْمِيٍّ تَفَاحَشَ غَارُهَا \*\*\*
أي : أفرطت غيرتها. والمنكر : ما تنكره النفوس فتنفر عنه ولا ترتضيه. وقرىء :**«خطوات »** بفتح الطاء وسكونها. وزكّى بالتشديد، والضمير لله تعالى، ولولا أنّ الله تفضل عليكم بالتوبة الممحصة، لما طهر منكم أحد آخر الدهر من دنس إثم الإفك، ولكن الله يطهر التائبين بقبول توبتهم إذا محضوها، وهو  سَمِيعُ  لقولهم  عَلِيمٌ  بضمائرهم وإخلاصهم.

### الآية 24:22

> ﻿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [24:22]

وهو من ائتلى إذا حلف : افتعال من الألية. وقيل : من قولهم : ما ألوت جهداً، إذا لم تدخر منه شيئاً. ويشهد للأول قراءة الحسن : ولا يتأل. والمعنى : لا يحلفوا على أن لا يحسنوا إلى المستحقين للإحسان. أو لا يقصروا في أن يحسنوا إليهم وإن كانت بينهم وبينهم شحناء لجناية اقترفوها، فليعودوا عليهم بالعفو والصفح، وليفعلوا بهم مثل ما يرجون أن يفعل بهم ربهم، مع كثرة خطاياهم وذنوبهم، نزلت في شأن مسطح وكان ابن خالة أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، وكان فقيراً من فقراء المهاجرين، وكان أبو بكر ينفق عليه، فلما فرط منه ما فرط : آلى أن لا ينفق عليه، وكفى به داعياً إلى المجاملة وترك الاشتغال بالمكافأة للمسيء. ويروى : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها على أبي بكر، فقال : بلى أحب أن يغفر الله لي، ورجع إلى مسطح نفقته وقال : والله لا أنزعها أبداً. وقرأ أَبو حيوة وابن قطيب :**«أن تؤتوا »**، بالتاء على الالتفات. ويعضده قوله : أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ .

### الآية 24:23

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [24:23]

الغافلات  السليمات الصدور، النقيات القلوب، اللاتي ليس فيهن دهاء، ولا مكر، لأنهنّ لم يجربن الأمور ولم يرزن الأحوال، فلا يفطنّ لما تفطن له المجربات العرافات. قال :وَلَقَدْ لَهَوْتُ بِطَفْلَةٍ مَيَّالَة  بَلْهَاءَ تُطْلِعُنِي عَلَى أَسْرَارِهَاوكذلك البله من الرجال في قوله عليه الصلاة والسلام :**« أكثر أهل الجنة البله »**.

### الآية 24:24

> ﻿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [24:24]

وقرىء :**«يشهد »** بالياء.

### الآية 24:25

> ﻿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ [24:25]

والحق : بالنصب صفة للدين وهو الجزاء، وبالرفع صفة لله، ولو فليت القرآن كله وفتشت عما أوعد به العصاة لم تر الله تعالى قد غلظ في شيء تغليظه في إفك عائشة رضوان الله عليها، ولا أنزل من الآيات القوارع، المشحونة بالوعيد الشديد والعتاب البليغ والزجر العنيف، واستعظام ما ركب من ذلك، واستفظاع ما أقدم عليه، ما أنزل فيه على طرق مختلفة وأساليب مفتنة. كل واحد منها كاف في بابه، ولو لم ينزل إلاّ هذه الثلاث لكفى بها، حيث جعل القذفة ملعونين في الدارين جميعاً، وتوعدهم بالعذاب العظيم في الآخرة، وبأن ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم تشهد عليهم بما أفكوا وبهتوا، وأنه يوفيهم جزاءهم الحق الواجب الذي هم أهله، حتى يعلموا عند ذلك  أَنَّ الله هُوَ الحق المبين  فأوجز في ذلك وأشبع، وفصل وأجمل، وأكد وكرّر، وجاء بما لم يقع في وعيد المشركين عبدة الأوثان إلاّ ما هو دونه في الفظاعة، وما ذاك إلا لأمر. وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أنه كان بالبصرة يوم عرفة، وكان يُسأل عن تفسير القرآن، حتى سئل عن هذه الآيات فقال : من أذنب ذنباً ثم تاب منه قبلت توبته إلاّ من خاض في أمر عائشة، وهذه منه مبالغة وتعظيم لأمر الإفك. ولقد برَّأ الله تعالى أربعة بأربعة : برأ يوسف بلسان الشاهد  وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّنْ أَهْلِهَا  \[ يوسف : ٢٦ \]. وبرأ موسى من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه. وبرّأ مريم بإنطاق ولدها حين نادى من حجرها : إني عبد الله. وبرَّأ عائشة بهذه الآيات العظام في كتابه المعجز المتلوّ على وجه الدهر، مثل هذه التبرئة بهذه المبالغات. فانظر، كم بينها وبين تبرئة أولئك ؟ وما ذاك إلاّ لإظهار علوّ منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتنبيه على إنافة محلّ سيد ولد آدم، وخيرة الأوّلين والآخرين، وحجة الله على العالمين. ومن أراد أن يتحقق عظمة شأنه صلى الله عليه وسلم وتقدّم قدمه وإحرازه لقصب السبق دون كل سابق، فليتلق ذلك من آيات الإفك، وليتأمّل كيف غضب الله في حرمته، وكيف بالغ في نفي التهمة عن حجابه. 
فإن قلت : إن كانت عائشة هي المرادة فكيف قيل المحصنات ؟ قلت : فيه وجهان، أحدهما : أن يراد بالمحصنات أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يخصصن بأن من قذفهنّ فهذا الوعيد لاحق به، وإذا أردن عائشة كبراهنّ منزلة وقربة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت المرادة أوّلاً، والثاني : أنها أمّ المؤمنين فجمعت إرادة لها ولبناتها من نساء الأمّة الموصوفات بالإحصان والغفلة والإيمان، كما قال :
قَدْنِيَ مِنْ نَصْرِ الْخُبَيْبَيْنِ قَدِي \*\*\*
أراد عبد الله بن الزبير وأشياعه، وكان أعداؤه يكنونه بخبيب ابنه، وكان مضعوفاً، وكنيته المشهورة أبو بكر، إلاّ أن هذا في الاسم وذاك في الصفة، 
فإن قلت : ما معنى قوله : هُوَ الحق المبين  \[ النور : ٢٥ \] ؟ قلت : معناه : ذو الحق البين، أي : العادل الظاهر العدل، الذي لا ظلم في حكمه، والمحقّ الذي لا يوصف بباطل. ومن هذه صفته لم تسقط عنده إساءة مسيء، ولا إحسان محسن، فحق مثله أن يتقى ويجتنب محارمه.

### الآية 24:26

> ﻿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ۖ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ۚ أُولَٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ۖ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [24:26]

أي  الخبيثات  من القول تقال أو تعدّ  لِلْخَبِيثِينَ  من الرجال والنساء  والخبيثون  منهم يتعرضون  للخبيثات  من القول، وكذلك الطيبات والطيبون. و  أولئك  إشارة إلى الطيبين، وأنهم مبرؤون مما يقول الخبيثون من خبيثات الكلم، وهو كلام جار مجرى المثل لعائشة وما رميت به من قول لا يطابق حالها في النزاهة والطيب. ويجوز أن يكون  أولئك  إشارة إلى أهل البيت، وأنهم مبرؤون مما يقول أهل الإفك، وأن يراد بالخبيثات والطيبات : النساء، أي : الخبائث يتزوّجن الخباث، والخباث الخبائث. وكذلك أهل الطيب. وذكر الرزق الكريم ها هنا مثله في قوله : وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً  \[ الأحزاب : ٣١ \] وعن عائشة : لقد أعطيت تسعاً ما أعطيتهنّ امرأة : لقد نزل جبريل عليه السلام بصورتي في راحته حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوّجني، ولقد تزوجني بكراً وما تزوج بكراً غيري، ولقد توفي وإنّ رأسه لفي حجري، ولقد قبر في بيتي، ولقد حفته الملائكة في بيني، وإنّ الوحي لينزل عليه في أهله فيتفرقون عنه، وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه، وإني لابنة خليفته وصدّيقه، ولقد نزل عذري من السماء، ولقد خلقت طيبة عند طيب، ولقد وعدت مغفرة ورزقاً كريماً.

### الآية 24:27

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [24:27]

تَسْتَأْنِسُواْ  فيه وجهان :
أحدهما : أنه من الاستئناس الظاهر الذي هو خلاف الاستيحاش لأن الذي يطرق باب غيره لا يدري أيؤذن له أم لا ؟ فهو كالمستوحش من خفاء الحال عليه، فإذا أذن له استأنس، فالمعنى : حتى يؤذن لكم كقوله : لا تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبى إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ  \[ الأحزاب : ٥٣ \] وهذا من باب الكناية والإرداف ؛ لأنّ هذا النوع من الاستئناس يردف الإذن. فوضع موضع الإذن. 
والثاني : أن يكون من الاستئناس الذي هو الاستعلام والاستكشاف : استفعال من أنس الشيء إذا أبصره ظاهراً مكشوفاً. والمعنى حتى تستعلموا وتستكشفوا الحال، هل يراد دخولكم أم لا ؟ ومنه قولهم : استأنس هل ترى أحداً، واستأنست فلم أر أحداً، أي : تعرفت واستعلمت. ومنه بيت النابغة :
عَلَى مُسْتَأْنِسٍ وَحِدِ \*\*\*
ويجوز أن يكون من الإنس، وهو أن يتعرف هل ثمة إنسان ؟ وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه : قلنا : يا رسول الله، ما الاستئناس ؟ قال :" يتكلم الرجل بالتسبيحة والتكبيرة والتحميدة ويتنحنح : يؤذن أهل البيت. والتسليم أن يقول : السلام عليكم، أأدخل ؟ ثلاث مرات ؛ فإن أذن له وإلاّ رجع " وعن أبي موسى الأشعري أنه أتى باب عمر رضي الله عنهما فقال : السلام عليكم أأدخل ؟ قالها ثلاثاً ثم رجع وقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" الاستئذان ثلاثا " واستأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أألج ؟ فقال صلى الله عليه وسلم لامرأة يقالُ لها روضةٌ :" قومي إلى هذا فعلِّميه، فإنه لا يحسنُ أن يستأذنَ. قولي له يقولُ : السلامُ عليكم أأدخلُ "، فسمعَها الرجلُ فقالَها، فقالَ :**«ادخلْ »**. وكان أهل الجاهلية يقول الرجل منهم إذا دخل بيتاً غير بيته : حييتم صباحاً، وحييتم مساء، ثم يدخل، فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد، فصدّ الله عن ذلك، وعلم الأحسن والأجمل، وكم من باب من أبواب الدين هو عند الناس كالشريعة المنسوخة قد تركوا العمل به، وباب الاستئذان من ذلك : بينا أنت في بيتك، إذا رعف عليك الباب. بواحد من غير استئذان ولا تحية من تحايى إسلام ولا جاهلية، وهو ممن سمع ما أنزل الله فيه، وما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن أين الأذن الواعية ؟ وفي قراءة عبد الله :**«حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا »**. وعن ابن عباس وسعيد بن جبير : إنما هو حتى تستأذنوا، فأخطأ الكاتب. ولا يعوّل على هذه الرواية. وفي قراءة أبيّ :**«حتى تستأذنوا »**  ذلكم  الاستئذان والتسليم  خَيْرٌ لَّكُمْ  من تحية الجاهلية والدمور - وهو الدخول بغير إذن - واشتقاقه من الدمار وهو الهلاك، كأن صاحبه دامر لعظم ما ارتكب. وفي الحديث :" من سبقت عينه استئذانه فقد دمر " وروي : أنّ رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أأستأذن على أمي ؟ قالَ :**«نعم »**، قالَ : إنها ليس لها خادمٌ غيري، أأستأذن عليها كلما دخلْتُ ؟ قالَ :**«أتحبُّ أن تَراها عريانةً »** قالَ الرجل : لاَ. قال :**«فاستأذن »**.  لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ  أي أنزل عليكم. أو قيل : لكم هذا إرادة أن تذكروا وتتعظوا وتتعلموا بما أمرتم به في باب الاستئذان.

### الآية 24:28

> ﻿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ ۖ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [24:28]

يحتمل  فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَداً  من الآذنين  فَلاَ تَدْخُلُوهَا  واصبروا حتى تجدوا من يأذن لكم. ويحتمل : فإن لم تجدوا فيها أحداً من أهلها ولكم فيها حاجة فلا تدخلوها إلاّ بإذن أهلها، وذلك أنّ الاستئذان لم يشرع لئلا يطلع الدامر على عورة، ولا تسبق عينه إلى ما لا يحل النظر إليه فقط، وإنما شرع لئلا يوقف على الأحوال التي يطويها الناس في العادة عن غيرهم ويتحفظون من اطلاع أحد عليها، ولأنّه تصرف في ملك غيرك فلا بدّ من أن يكون برضاه، وإلاّ أشبه الغصب والتغلب  فارجعوا  أي لا تلحوا في إطلاق الإذن، ولا تلجوا في تسهيل الحجاب، ولا تقفوا على الأبواب منتظرين ؛ لأن هذا مما يجلب الكراهة ويقدح في قلوب الناس خصوصاً إذا كانوا ذوي مروءة ومرتاضين بالآداب الحسنة وإذا نهى عن ذلك لأدائه إلى الكراهة وجب الانتهاء عن كل ما يؤدي إليها : من قرع الباب بعنف، والتصييح بصاحب الدار وغير ذلك مما يدخل في عادات من لم يتهذّب من أكثر الناس، وعن أبي عبيد :\[ والله \] ما قرعت باباً على عالم قط. وكفى بقصة بني أسد زاجرة وما نزل فيها من قوله : إَنَّ الذين يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الحجرات أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ  \[ الحجرات : ٤ \]. 
فإن قلت : هل يصحّ أن يكون المعنى : وإن لم يؤذن لكم وأمرتم بالرجوع فامتثلوا، ولا تدخلوا مع كراهتهم ؟ قلت : بعد أن جزم النهي عن الدخول مع فقد الإذن وحده من أهل الدار حاضرين وغائبين، لم تبق شبهة في كونه منهياً عنه مع انضمام الأمر بالرجوع إلى فقد الإذن، 
فإن قلت : فإذا عرض أمر في دار : من حريق، أو هجوم سارق، أو ظهور منكر يجب إنكاره ؟ قلت : ذاك مستثنى بالدليل \[ هو أزكى لكم \] أي : الرجوع أطيب لكم وأطهر، لما فيه من سلامة الصدور والبعد من الريبة، أو أنفع وأنمى خيراً. ثم أوعد المخاطبين بذلك بأنه عالم بما يأتون وما يذرون مما خوطبوا به فموف جزاءه عليه.

### الآية 24:29

> ﻿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ [24:29]

استثنى من البيوت التي يجب الاستئذان على داخلها : ما ليس بمسكون منها، وذلك نحو الفنادق وهي الخانات والربط وحوانيت البياعين. والمتاع : المنفعة، كالاستكنان من الحرّ والبرد، وإيواء الرحال والسلع والشراء والبيع. ويروى : أنّ أبا بكر رضي الله عنه قال : يا رسول الله، إنّ الله تعالى قد أنزل عليك آية في الاستئذان، وإنا نختلف في تجاراتنا فننزل هذه الخانات أفلا ندخلها إلاّ بإذن ؟ فنزلت، وقيل : الخربات يتبرز فيها. والمتاع : التبرز  والله يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ  وعيد للذين يدخلون الخربات والدور الخالية من أهل الريبة.

### الآية 24:30

> ﻿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [24:30]

من للتبعيض، والمراد غضّ البصر عما يحرم، والاقتصار به على ما يحلّ وجوّز الأخفش أن تكون مزيدة، وأباه سيبويه. 
فإن قلت : كيف دخلت في غضّ البصر دون حفظ الفروج ؟ قلت : دلالة على أن أمر النظر أوسع. ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهنّ وصدورهنّ وثديهنّ وأعضادهنّ وأسوقهنّ وأقدامهن وكذلك الجواري المستعرضات، والأجنبية ينظر إلى وجهها وكفيها وقدميها في إحدى الروايتين. وأما أمر الفرج فمضيق وكفاك فرقاً أن أبيح النظر إلاّ ما استثنى منه، وحظر الجماع إلاّ ما استثنى منه، ويجوز أن يراد - مع حفظها عن الإفضاء إلى ما لا يحلّ - حفظها عن الإبداء. وعن ابن زيد : كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا، إلاّ هذا فإنه أراد به الاستتار. ثم أخبر أنه  خَبِيرٌ  بأفعالهم وأحوالهم، وكيف يجيلون أبصارهم ؟ وكيف يصنعون بسائر حواسهم وجوارحهم ؟ فعليهم - إذا عرفوا ذلك - أن يكونوا منه على تقوى وحذر في كل حركة وسكون.

### الآية 24:31

> ﻿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [24:31]

النساء مأمورات أيضاً بغضّ الأبصار، ولا يحلّ للمرأة أن تنظر من الأجنبي إلى ما تحت سرته إلى ركبته، وإن اشتهت غضّت بصرها رأساً، ولا تنظر من المرأة إلاّ إلى مثل ذلك. وغضها بصرها من الأجانب أصلاً أولى بها وأحسن. ومنه حديث ابن أم مكتوم عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم - وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب - فدخل علينا فقال : احتجبا، فقلنا : يا رسول الله، أليس أعمى لا يبصر ؟ قال :**« أفعمياوان أنتما ؟ ألستما تبصرانه ؟ »**
فإن قلت : لم قدّم غضّ الأبصار على حفظ الفروج ؟ قلت : لأنّ النظر بريد الزنى ورائد الفجور، والبلوى فيه أشدّ وأكثر، ولا يكاد يقدر على الاحتراس منه، الزينة : ما تزينت به المرأة من حلي أو كحل أو خضاب، فما كان ظاهراً منها كالخاتم والفتخة والكحل والخضاب، فلا بأس بإبدائه للأجانب، وما خفي منها كالسوار والخلخال والدملج والقلادة والإكليل والوشاح والقرط، فلا تبديه إلاّ لهؤلاء المذكورين. وذكر الزينة دون مواقعها : للمبالغة في الأمر بالتصوّن والتستر، لأنّ هذا الزين واقعة على مواضع من الجسد لا يحل النظر إليها لغير هؤلاء، وهي الذراع والساق والعضد والعنق والرأس والصدر والأذن، فنهى عن إبداء الزين نفسها. ليعلم أنّ النظر إذا لم يحل إليها لملابستها تلك المواقع - بدليل أن النظر إليها غير ملابسة لها لا مقال في حله - كان النظر إلى المواقع أنفسها متمكناً في الحظر، ثابت القدم في الحرمة، شاهداً على أن النساء حقهنّ أن يحتطن في سترها ويتقين الله في الكشف عنها. 
فإن قلت : ما تقول في القراميل، هل يحلّ نظر هؤلاء إليها ؟ قلت : نعم. 
فإن قلت : أليس موقعها الظهر ولا يحل لهم النظر إلى ظهرها وبطنها، وربما ورد الشعر فوقعت القراميل على ما يحاذي ما تحت السرة ؟ قلت : الأمر كما قلت، ولكن أمر القراميل خلاف أمر سائر الحلي، لأنه لا يقع إلاّ فوق اللباس، ويجوز النظر إلى الثوب الواقع على الظهر والبطن للأجانب فضلاً عن هؤلاء. إلاّ إذا كان يصف لرقته فلا يحل النظر إليه، فلا يحلّ النظر إلى القراميل واقعة عليه. 
فإن قلت : ما المراد بموقع الزينة ؟ ذلك العضو كله، أم المقدار الذي تلابسه الزينة منه ؟ قلت : الصحيح أنه العضو كله كما فسرت مواقع الزينة الخفية، وكذلك مواقع الزينة الظاهرة : الوجه موقع الكحل في عينيه، والخضاب بالوسمة في حاجبيه وشاربيه، والغمرة في خديه، والكف والقدم موقعا الخاتم والفتخة والخضاب بالحناء. 
فإن قلت : لم سومح مطلقاً في الزينة الظاهرة ؟ قلت : لأن سترها فيه حرج فإن المرأة لا تجد بدّاً من مزاولة الأشياء بيديها، ومن الحاجة إلى كشف وجهها، خصوصاً في الشهادة والمحاكمة والنكاح، وتضطر إلى المشي في الطرقات وظهور قدميها، وخاصة الفقيرات منهنّ، وهذا معنى قوله : إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا  يعني إلاّ ما جرت العادة والجبلة على ظهوره والأصل فيه الظهور، وإنما سومح في الزينة الخفية، أولئك المذكورون لما كانوا مختصين به من الحاجة المضطرة إلى مداخلتهم ومخالطتهم، ولقلة توقع الفتنة من جهاتهم، ولما في الطباع من النفرة عن مماسة القرائب، وتحتاج المرأة إلى صحبتهم في الأسفار للنزول والركوب وغير ذلك. 
كانت جيوبهنّ واسعة تبدو منها نحورهن وصدورهن وما حواليها، وكنّ يسدلن الخمر من ورائهنّ فتبقى مكشوفة، فأمرن بأن يسدلنها من قدامهنّ حتى يغطينها، ويجوز أن يراد بالجيوب : الصدور تسمية بما يليها ويلابسها. ومنه قولهم : ناصح الجيب وقولك : ضربت بخمارها على جيبها، كقولك : ضربت بيدي على الحائط، إذا وضعتها عليه، وعن عائشة رضي الله عنها : ما رأيت نساءاً خيراً من نساء الأنصار، لما نزلت هذه الآية قامت كل واحدة منهن إلى مرطها المرحل فصدعت منه صدعة، فاختمرن، فأصبحن كأن على رؤوسهنّ الغربان. وقرىء :**«جيوبهن »** بكسر الجيم لأجل الياء، وكذلك  بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ  قيل في نسائهنّ : هنّ المؤمنات، لأنه ليس للمؤمنة أن تتجرّد بين يدي مشركة أو كتابية. عن ابن عباس رضي الله عنهما. والظاهر أنه عنى بنسائهن وما ملكت أيمانهن : من في صحبتهن وخدمتهنّ من الحرائر والإماء والنساء، كلهنّ سواء في حلّ نظر بعضهن إلى بعض. وقيل : ما ملكت أيمانهنّ هم الذكور والإناث جميعاً. وعن عائشة رضي الله عنها أنها أباحت النظر إليها لعبدها، وقالت لذكوان : إنك إذا وضعتني في القبر وخرجت فأنت حرّ. وعن سعيد بن المسيب مثله، ثم رجع وقال : لا تغرنّكم آية النور، فإن المراد بها الإماء. وهذا هو الصحيح، لأن عبد المرأة بمنزلة الأجنبي منها، خصياً كان أو فحلاً. وعن ميسون بنت بحدل الكَلبية : أن معاوية دخل عليها ومعه خصيّ، فتقنعت منه، فقال : هو خصيّ فقالت : يا معاوية، أترى أن المثلة به تحلل ما حرّم الله ؟ وعند أبي حنيفة : لا يحلّ استخدام الخصيان وإمساكهم وبيعهم وشراؤهم، ولم ينقل عن أحد من السلف إمساكهم. 
فإن قلت : روي : أنه أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم خصيّ فقبله، قلت : لا يقبل فيما تعمّ به البلوى إلاّ حديث مكشوف، فإن صحّ فلعله قبله ليعتقه، أو لسبب من الأسباب.  الإربة  الحاجة قيل : هم الذين يتبعونكم ليصيبوا من فضل طعامكم، ولا حاجة لهم في النساء، لأنهم بله لا يعرفون شيئاً من أمرهنّ. أو شيوخ صلحاء إذا كانوا معهنّ غضّوا أبصارهم، أو بهم عنانة. وقرىء : غَيْرُ  بالنصب على الاستثناء أو الحال، والجرّ على الوصفية. 
وضع الواحد موضع الجمع لأنه يفيد الجنس، ويبين ما بعده أن المراد به الجمع. ونحوه  نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً  \[ الحج : ٥ \]  لَمْ يَظْهَرُواْ  إما من ظهر على الشيء إذا اطلع عليه، أي : لا يعرفون ما العورة ولا يميزون بينها وبين غيرها، وإما من ظهر على فلان إذا قوي عليه، وظهر على القرآن : أخذه وأطاقه، أي : لم يبلغوا أوان القدرة على الوطء. وقرىء :**«عورات »** وهي لغة هذيل. 
فإن قلت : لم لم يذكر الله الأعمام والأخوال ؟ قلت : سئل الشعبي عن ذلك ؟ فقال : لئلا يصفها العم عند ابنه، والخال كذلك. ومعناه : أن سائر القرابات يشترك الأب والابن في المحرمية إلا العمّ والخال وأبناءهما. فإذا رآها الأب فربما وصفها لابنه وليس بمحرم، فيداني تصوّره لها بالوصف نظره إليها ؛ وهذا أيضاً من الدلالات البليغة على وجوب الاحتياط عليهن في التستر. كانت المرأة تضرب الأرض برجلها ليتقعقع خلخالها، فيعلم أنها ذات خلخال. وقيل : كانت تضرب بإحدى رجليها الأخرى، ليعلم أنها ذات خلخالين. وإذا نهين عن إظهار صوت الحلي بعد ما نهين عن إظهار الحلي، علم بذلك أن النهي عن إظهار مواضع الحلي أبلغ وأبلغ. \[ وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون \] أوامر الله ونواهيه في كل باب لا يكاد العبد الضعيف يقدر على مراعاتها. وإن ضبط نفسه واجتهد، ولا يخلو من تقصير يقع منه، فلذلك وصّى المؤمنين جميعاً بالتوبة والاستغفار، وبتأميل الفلاح، إذا تابوا واستغفروا. وعن ابن عباس رضي الله عنهما : توبوا مما كنتم تفعلونه في الجاهلية ؛ لعلكم تسعدون في الدنيا والآخرة
فإن قلت : قد صحت التوبة بالإسلام، والإسلام يجبّ ما قبله، فما معنى هذه التوبة ؟ قلت : أراد بها ما يقوله العلماء : إن من أذنب ذنباً ثم تاب عنه، يلزمه كلما تذكره أن يجدد عنه التوبة لأنه يلزمه أن يستمر على ندمه وعزمه إلى أن يلقى ربه. وقرىء :**«أيه المؤمنون »**، بضم الهاء، ووجهه أنها كانت مفتوحة لوقوعها قبل الألف، فلما سقطت الألف لالتقاء الساكنين أتبعت حركتها حركة ما قبلها.

### الآية 24:32

> ﻿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [24:32]

الأيامى  واليتامى : أصلهما أيائم ويتائم، فقلبا، والأيم : للرجل والمرأة، وقد آم وآمت وتأيماً : إذا لم يتزوجا بكرين كانا أو ثيبين. قال :فَإنْ تَنْكِحِي أَنْكِحْ وَإنْ تَتَأَيَّمِي  وَإنْ كُنْتُ أَفتَى مِنْكُمْ أَتَأَيَّمُوعن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" اللَّهم إنّا نعوذُ بِكَ مِنَ العيمةِ والغيمةِ والأيمةِ والكزمِ والقرمِ "، والمراد : أنكحوا من تأيم منكم من الأحرار والحرائر، ومن كان فيه صلاح من غلمانكم وجواريكم. وقرىء :**«من عبيدكم »** وهذا الأمر للندب لما علم من أنّ النكاح أمر مندوب إليه، وقد يكون للوجوب في حق الأولياء عند طلب المرأة ذلك، وعند أصحاب الظواهر : النكاح واجب. ومما يدلّ على كونه مندوباً إليه قوله صلى الله عليه وسلم :" من أحب فطرتي فليستنّ بسنتي وهي النكاح " وعنه عليه الصلاة والسلام :" من كان له ما يتزوج به فلم يتزوج فليس منا " وعنه عليه الصلاة والسلام :" إذا تزوج أحدكم عجّ شيطانه : يا ويله، عصم ابن آدم مني ثلثي دينه " وعنه عليه الصلاة والسلام :" يا عياض لا تزوجنّ عجوزاً ولا عاقراً، فإني مكاثر " والأحاديث فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم والآثار كثيرة. وربما كان واجب الترك إذا أدّى إلى معصية أو مفسدة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم :" إذا أَتَى عَلَى أُمَّتي مائةَ وثمانون سنةً فقدْ حلّت لهُمْ العزوبةُ والعزلةُ والترهبُ علَى رؤوسِ الجبالِ " وفي الحديث :" يأتي على الناسِ زمانُ لا تنالُ فيه المعيشةُ إلاّ بالمعصيةِ، فإذا كانَ ذلكَ الزمانُ حلّت العزوبة " 
فإن قلت : لم خصّ الصالحين ؟ قلت : ليحصن دينهم ويحفظ عليهم صلاحهم ولأنّ الصالحين من الأرقاء هم الذين مواليهم يشفقون عليهم وينزلونهم منزلة الأولاد في الأثرة والمودة، فكانوا مظنّة للتوصية بشأنهم والاهتمام بهم وتقبل الوصية فيهم. وأما المفسدون منهم فحالهم عند مواليهم على عكس ذلك. أو أريد بالصلاح : القيام بحقوق النكاح. \[ إن يكونوا فقراء يُغنيهم الله من فضله \] ينبغي أن تكون شريطة الله غير منسية في هذا الموعد ونظائره، وهي مشيئته، ولا يشاء الحكيم إلاّ ما اقتضته الحكمة وما كان مصلحة، ونحوه : وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ  \[ الطلاق : ٣ \]. وقد جاءت الشريطة منصوصة في قوله تعالى : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ الله عَلِيمٌ حَكِيمٌ  \[ التوبة : ٢٨ \] ومن لم ينس هذه الشريطة لم ينتصب معترضاً بعزب كان غنياً فأفقره النكاح، وبفاسق تاب واتقى الله وكان له شيء ففني وأصبح مسكيناً. وعن النبي صلى الله عليه وسلم :" التمسُوا الرزقَ بالنكاحِ " وشكا إليه رجلٌ الحاجة فقالَ :" عليكَ بالباءةِ " وعن عمر رضي اللَّهُ عنه : عجبت لمن لا يطلب الغنى بالباءة. ولقد كان عندنا رجل رازح الحال، ثم رأيته بعد سنين وقد انتعشت حاله وحسنت، فسألته ؟ فقال : كنت في أول أمري على ما علمت، وذلك قبل أن أُرزق ولداً، فلما رزقت بكر ولدي تراخيت عن الفقر، فلما ولد لي الثاني زدت خيراً، فلما تتاموا ثلاثة صبّ الله عليّ الخير صباً، فأصبحت إلى ما ترى  والله واسع  أي غنيّ ذو سعة لا يرزؤه إغناء الخلائق، ولكنه  عَلِيمٌ  يبسط الرزق ولمن يشاء ويقدر.

### الآية 24:33

> ﻿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ۚ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ [24:33]

وَلْيَسْتَعْفِفِ  وليجتهد في العفة وظلف النفس، كأن المستعف طالب من نفسه العفاف وحاملها عليه  لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً  أي استطاعة تزوج. ويجوز أن يراد بالنكاح : ما ينكح به من المال  حتى يُغْنِيَهُمُ الله  ترجية للمستعفين وتقدمة وعد بالتفضل عليهم بالغنى، ليكون انتظار ذلك وتأميله لطفاً لهم في استعفافهم، وربطاً على قلوبهم، وليظهر بذلك أن فضله أولى بالأعفاء وأدنى من الصلحاء، وما أحسن ما رتب هذه الأوامر : حيث أمر أولاً بما يعصم من الفتنة ويبعد \[ من \] مواقعة المعصية وهو غضّ البصر، ثم بالنكاح الذي يحصن به الدين ويقع به الاستغناء بالحلال عن الحرام، ثم بالحمل على النفس الأمارة بالسوء وعزفها عن الطموح إلى الشهوة عند العجز عن النكاح إلى أن يرزق القدرة عليه  والذين يَبْتَغُونَ  مرفوع على الابتداء. أو منصوب بفعل مضمر يفسره  فكاتبوهم  كقولك : زيداً فاضربه، ودخلت الفاء لتضمن معنى الشرط. والكتاب والمكاتبة، كالعتاب والمعاتبة : وهو أن يقول الرجل لمملوكه : كاتبتك على ألف درهم، فإن أداها عتق. ومعناه : كتبت لك على نفسي أن تعتق مني إذا وفيت بالمال، وكتبت لي على نفسك أن تفي بذلك. أو كتبت عليك الوفاء بالمال وكتبت علي العتق. ويجوز عند أبي حنيفة رضي الله عنه حالاً ومؤجلاً، ومنجماً وغير منجم ؛ لأن الله تعالى لم يذكر التنجيم، وقياساً على سائر العقود. وعند الشافعي رضي الله عنه : لا يجوز إلاّ مؤجلاً منجماً. لا يجوز عنده بنجم واحد ؛ لأنّ العبد لا يملك شيئاً، فعقده حالاً منع من حصول الغرض، لأنه لا يقدر على أداء البدل عاجلاً، ويجوز عقده على مال قليل وكثير، وعلى خدمة في مدة معلومة، وعلى عمل معلوم مؤقت : مثل حفر بئر في مكان بعينه معلومة الطول والعرض وبناء دار قد أراه آجرها وجصها وما تبنى به. وإن كاتبه على قيمته لم يجز. فإن أداها عتق، وإن كاتبه على وصيف، جاز، لقلة الجهالة ووجب الوسط، وليس له أن يطأ المكاتبة، وإذا أدّى عتق، وكان ولاؤه لمولاه ؛ لأنه جاد عليه بالكسب الذي هو في الأصل له، وهذا الأمر للندب عند عامة العلماء. وعن الحسن رضي الله عنه : ليس ذلك بعزم، إن شاء كاتب وإن شاء لم يكاتب. وعن عمر رضي الله عنه : هي عزمة من عزمات الله. وعن ابن سيرين مثله وهو مذهب داود  خَيْرًا  قدرة على أداء ما يفارقون عليه. وقيل : أمانة وتكسباً. وعن سلمان رضي الله عنه أن مملوكاً له ابتغى أن يكاتبه فقال : أعندك مال ؟ قال : لا، قال : أفتأمرني أن آكل غسالة أيدي الناس  وَءاتُوهُم  أمر للمسلمين على وجه الوجوب بإعانة المكاتبين وإعطائهم سهمهم الذي جعل الله لهم من بيت المال، كقوله تعالى : وَفِي الرقاب  \[ البقرة : ١٧٧ \]، \[ التوبة : ٦٠ \] عند أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم. 
فإن قلت : هل يحلّ لمولاه إذا كان غنياً أن يأخذ ما تصدّق به عليه ؟ قلت : نعم. وكذلك إذا لم تف الصدقة بجميع البدل وعجز عن أداء الباقي طاب للمولى ما أخذه ؛ لأنه لم يأخذه بسبب الصدقة، ولكن بسبب عقد المكاتبة كمن اشترى الصدقة من الفقير أو ورثها أو وهبت له، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث بريرة :" هُوَ لَهَا صدقةٌ ولنا هديةٌ "، وعند الشافعي رضي الله عنه : هو إيجاب على الموالي أن يحطوا لهم من مال الكتابة. وإن لم يفعلوا أُجبروا. وعن علي رضي الله عنه : يحط له الربع. وعن ابن عباس رضي الله عنهما : يرضخ له من كتابته شيئاً، وعن عمر رضي الله عنه أنه كاتب عبداً له يكنى أبا أمية، وهو أوّل عبد كوتب في الإسلام، فأَتاه بأوّل نجم فدفعه إليه عمر رضي الله عنه وقال : استعن به على مكاتبتك فقال : لو أخرته إلى آخر نجم ؟ قال : أخاف أن لا أدرك ذلك. وهذا عند أبي حنيفة رضي الله عنه على وجه الندب وقال : إنه عقد معاوضة فلا يجبر على الحطيطة كالبيع. وقيل : معنى  وَءاتُوهُم  : أسلفوهم. وقيل : أنفقوا عليهم بعد أن يؤدوا ويعتقوا. وهذا كله مستحب. وروي أنه كان لحويطب بن عبد العزى مملوك يقال له الصبيح : سأل مولاه أن يكاتبه فأبى، فنزلت. \[ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً لتبتغوا عرض الحياة الدنيا \] كانت إماء أهل الجاهلية يساعين على مواليهن، وكان لعبد الله بن أبيّ رأس النفاق ست جوار، معاذة، ومسيكة، وأميمة، وعمرة، وأروى، وقتيلة : يكرههن على البغاء وضرب عليهن ضرائب فشكت ثنتان منهن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنزلت، ويكنى بالفتى والفتاة : عن العبد والأمة. وفي الحديث :" ليقل أحدكم فتاي وفتاتي، ولا يقل عبدي وأمتي " والبغاء : مصدر البغي. 
فإن قلت : لم أقحم قوله : إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً  قلت : لأن الإكراه لا يتأتى إلا مع إرادة التحصن، وآمر الطيعة المواتية للبغاء لا يسمى مكرهاً ولا أمره إكراهاً. وكلمة  إِنْ  وإيثارها على **«إذا »** إيذان بأن المساعيات كنّ يفعلن ذلك برغبة وطواعية منهن، وأن ما وجد من معاذة ومسيكة من حيز الشاذ النادر  غَفُورٌ رَّحِيمٌ  لهم أو لهنّ، أو لهم ولهنّ إن تابوا وأصلحوا. وفي قراءة ابن عباس :**«لهن غفور رحيم »**
فإن قلت : لا حاجة إلى تعليق المغفرة بهنّ، لأن المكرهة على الزنا بخلاف المكره عليه في أنها غير آثمة. قلت : لعل الإكراه كان دون ما اعتبرته الشريعة من إكراه بقتل، أو بما يخاف منه التلف أو ذهاب العضو، من ضرب عنيف أو غيره حتى تسلم من الإثم، وربما قصرت عن الحدّ الذي تعذر فيه فتكون آثمة.

### الآية 24:34

> ﻿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [24:34]

مبينات  هي الآيات التي بينت في هذه السورة وأوضحت في معاني الأحكام والحدود. ويجوز أن يكون الأصل مبيناً فيها فاتسع في الظرف. وقرىء بالكسر، أي : بينت هي الأحكام والحدود، جعل الفعل لها على المجاز، أو من **«بين »** بمعنى تبين. ومنه المثل قد بين الصبح لذي عينين.  وَمَثَلاً مّنَ  أمثال من  قَبْلِكُمْ  أي قصة عجيبة من قصصهم كقصة يوسف ومريم، يعني : قصة عائشة رضي الله عنها.  وَمَوْعِظَةً  ما وعظ به في الآيات والمثل، من نحو قوله : وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ الله  \[ النور : ٢ \]،  لَّوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ  \[ النور : ١٢ \]،  وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ  \[ النور : ١٦ \]،  يَعِظُكُمُ الله أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً  \[ النور : ١٧ \].

### الآية 24:35

> ﻿۞ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [24:35]

نظير قوله : الله نُورُ السماوات والأرض  مع قوله : مَثَلُ نُورِهِ ، و  يَهْدِى الله لِنُورِهِ  : قولك : زيد كرم وجود، ثم تقول : ينعش الناس بكرمه وجوده. والمعنى : ذو نور السموات. وصاحب نور السموات، ونور السموات والأرض الحق، شبهه بالنور في ظهوره وبيانه، كقوله تعالى : الله وَلِيُّ الذين ءامَنُواْ يُخْرِجُهُم مّنَ الظلمات إِلَى النور  \[ البقرة : ٢٥٧ \] : أي من الباطل إلى الحق. وأضاف النور إلى السموات والأرض لأحد معنيين : إما للدلالة على سعة إشراقه وفشوّ إضاءته حتى تضيء له السموات والأرض. وإما أن يراد أهل السموات والأرض وأنهم يستضيئون به  مَثَلُ نُورِهِ  أي صفة نوره العجيبة الشأن في الإضاءة  كَمِشْكَاةٍ  كصفة مشكاة وهي الكوّة في الجدار غير النافذة  فِيهَا مِصْبَاحٌ  سراج ضخم ثاقب  فِى زُجَاجَةٍ  أراد قنديلاً من زجاج شامي أزهر. شبهه في زهرته بأحد الدراري من الكواكب وهي المشاهير، كالمشتري والزهرة والمرّيخ وسهيل ونحوها  يُوقُدُ  هذا المصباح  مِن شَجَرَةٍ  أي ابتدأ ثقوبه من شجرة الزيتون، يعني : زويت ذبالته بزيتها  مباركة  كثيرة المنافع. أو : لأنها تنبت في الأرض التي بارك فيها للعالمين. وقيل : بارك فيها سبعون نبياً، منهم إبراهيم عليه السلام. وعن النبي صلى الله عليه وسلم :" عليكمُ بهذِهِ الشجرةِ زيتُ الزيتونِ فتداوَوا بهِ، فإنه مصحةٌ منَ الباسورِ "  لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ  أي منبتها الشام. وأجود الزيتون : زيتون الشام. وقيل : لا \[ في \] مضحى ولا \[ في \] مقنأة. ولكن الشمس والظل يتعاقبان عليها وذلك أجود لحملها وأصفى لدهنها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا خيرَ في شجرةٍ في مقنأة، ولا نباتٍ في مقنأةٍ، ولا خيرَ فيهما في مضحَى " وقيل : ليست مما تطلع عليه الشمس وفي وقت شروقها أو غروبها فقط، بل تصيبها بالغداة والعشي جميعاً، فهي شرقية وغربية، ثم وصف الزيت بالصفاء والوبيص وأنه لتلألئه  يَكَادُ  يضيء من غير نار  نُّورٌ على نُورٍ  أي هذا الذي شبهت به الحق نور متضاعف قد تناصر فيه المشكاة والزجاجة والمصباح والزيت، حتى لم يبق مما يقوى النور ويزيده إشراقاً ويمدّه بإضاءة : بقية، وذلك أن المصباح إذا كان في مكان متضايق كالمشكاة كان أضوأ له وأجمع لنوره، بخلاف المكان الواسع فإنّ الضوء ينبث فيه، وينتشر، والقنديل أعون شيء على زيادة الإنارة، وكذلك الزيت وصفاؤه  يَهْدِى الله  لهذا النور الثاقب  مَن يَشَآء  من عباده، أي : يوفق لإصابة الحق من نظر وتدبر بعين عقله والإنصاف من نفسه، ولم يذهب عن الجادة الموصلة إليه يميناً وشمالاً. ومن لم يتدبر فهو كالأعمى الذي سواء عليه جنح الليل الدامس وضحوة النهار الشامس. وعن عليّ رضي الله عنه :**«الله نور السموات والأرض »** أي نشر فيها الحق وبثه فأضاءت بنوره، أو نور قلوب أهلها به، وعن أبيّ بن كعب رضي الله عنه : مثل نور من آمن به. وقرىء :**«زجاجة الزجاجة »** بالفتح والكسر : ودرّيّ : منسوب إلى الدرّ أي : أبيض متلألىء. ودرّىء : بوزن سكيت : يدرأ الظلام بضوئه. ودرىء كمريق. ودري كالسكينة، عن أبي زيد. وتوقد : بمعنى تتوقد. والفعل للزجاجة. ويوقد، وتوقد، بالتخفيف. ويوقد، بالتشديد. ويوقد بحذف التاء وفتح الياء، لاجتماع حرفين زائدين وهو غريب. ويمسه بالياء، لأن التأنيث ليس بحقيقي، والضمير فاصل.

### الآية 24:36

> ﻿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ [24:36]

فِى بُيُوتٍ  يتعلق بما قبله. أي : كمشكاة في بعض بيوت الله وهي المساجد، كأنه قيل : مثل نوره كما يرى في المسجد نور المشكاة التي من صفتها كيت وكيت. أو بما بعده، وهو يسبح، أي : يسبح له رجال في بيوت. وفيها تكرير، كقولك : زيد في الدار جالس فيها، أو بمحذوف كقوله : في تسع آيات  \[ النمل : ٢٧ \] أي سبحوا في بيوت. والمراد بالإذن : الأمر. ورفعها : بناؤها، كقوله : بناها رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا  \[ النازعات : ٢٧- ٢٨ \]،  وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد  \[ البقرة : ١٢٧ \] وعن ابن عباس رضي الله عنهما : هي المساجد، أمر الله أن تبنى، أو تعظيمها والرفع من قدرها. وعن الحسن رضي الله عنه : ما أمر الله أن ترفع بالبناء، ولكن بالتعظيم  وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه  أوفق له، وهو عام في كل ذكر. وعن ابن عباس رضي الله عنهما : وأن يتلى فيها كتابه. وقرىء :**«يسبح »** على البناء للمفعول، ويسند إلى أحد الظروف الثلاثة، أعني : لَهُ فِيهَا بالغدو .

### الآية 24:37

> ﻿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ [24:37]

و  رِجَالٌ  مرفوع بما دلّ عليه  يُسَبّحُ  وهو يسبح له، وتسبح، بالتاء وكسر الباء. وعن أبي جعفر رضي الله عنه بالتاء وفتح الباء. ووجهها أن يسند إلى أوقات الغدوّ والآصال على زيادة الباء، وتجعل الأوقات مسبحة. والمراد ربها، كصيد عليه يومان. والمراد وحشهما. والآصال : جمع أصل وهو العشي. والمعنى : بأوقات الغدوّ، أي : بالغدوات. وقرىء :**«والإيصال »** وهو الدخول في الأصيل. يقال : آصل، كأظهر وأعتم. التجارة : صناعة التاجر، وهو الذي يبيع ويشتري للربح، فإما أن يريد : لا يشغلهم نوع من هذه الصناعة، ثم خصّ البيع لأنه في الإلهاء أدخل. من قبل أن التاجر إذا اتجهت له بيعة رابحة وهي طلبته الكلية من صناعته : ألهته ما لا يلهيه شراء شيء يتوقع فيه الربح في الوقت الثاني، لأن هذا يقين وذاك مظنون، وإمّا أن يسمى الشراء تجارة، إطلاقاً لاسم الجنس على النوع، كما تقول : رزق فلان تجارة رابحة، إذا اتجه له بيع صالح أو شراء. وقيل : التجارة لأهل الجلب، اتجر فلان في كذا : إذا جلبه. التاء في إقامة، عوض من العين الساقطة للإعلال، والأصل :**«إقوام »** فلما أضيفت أقيمت الإضافة مقام حرف التعويض، فأسقطت، ونحوه :
وِأَخْلَفُوكَ عِدَ الأمرِ الَّذِي وَعَدُوا \*\*\*
وتقلب القلوب والأبصار : إما أن تتقلب وتتغير في أنفسها : وهو أن تضطرب من الهول والفزع وتشخص، كقوله : وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر  \[ الأحزاب : ١٠ \]. وإما أن تتقلب أحوالها وتتغير فتفقه القلوب بعد أن كانت مطبوعاً عليها لا تفقه، وتبصر الأبصار بعد أن كانت عمياً لا تبصر.

### الآية 24:38

> ﻿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [24:38]

أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ  أي أحسن جزاء أعمالهم، كقوله : لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى  \[ يونس : ٢٦ \] والمعنى يسبحون ويخافون، ليجزيهم ثوابهم مضاعفاً ويزيدهم على الثواب تفضلاً. وكذلك معنى قوله : الحسنى وَزِيَادَةٌ  \[ يونس : ٢٦ \] المثوبة وزيادة عليها من التفضل. وعطاء الله تعالى : إما تفضل وإما ثواب، وإما عوض  والله يَرْزُقُ  ما يتفضل به  بِغَيْرِ حِسَابٍ  فأما الثواب فله حساب لكونه على حسب الاستحقاق.

### الآية 24:39

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [24:39]

السراب : ما يرى في الفلاة من ضوء الشمس وقت الظهيرة، يسرب على وجه الأرض كأنه ماء يجري. والقيعة : بمعنى القاع أو جمع قاع، وهو المنبسط المستوي من الأرض، كجيرة في جار. وقرىء :**«بقيعات »** : بتاء ممطوطة، كديمات وقيمات، في ديمة وقيمة. وقد جعل بعضهم بقيعاة بتاء مدورة، كرجل عزهاة، شبه ما يعمله من لا يعتقد الإيمان ولا يتبع الحق من الأعمال الصالحة التي يحسبها تنفعه عند الله وتنجيه من عذابه ثم تخيب في العاقبة أمله ويلقى خلاف ما قدّر، بسراب يراه الكافر بالساهرة وقد غلبه العطش يوم القيامة فيحسبه ماء، فيأتيه فلا يجد ما رجاه ويجد زبانية الله عنده يأخذونه فيعتلونه إلى جهنم فيسقونه الحميم والغساق، وهم الذين قال الله فيهم : عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ  \[ الغاشية : ٣ \]،  وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا  \[ الكهف : ١٠٤ \]،  وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً  \[ الفرقان : ٢٣ \] وقيل : نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية، وقد كان تعبد ولبس المسوح والتمس الدين في الجاهلية، ثم كفر في الإسلام.

### الآية 24:40

> ﻿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ۗ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [24:40]

اللجيّ : العميق الكثير الماء. منسوب إلى اللج وهو معظم ماء البحر. وفي  أَخْرَجَ  ضمير الواقع فيه  لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا  مبالغة في لم يرها ؛ أي : لم يقرب أن يراها ؛ فضلاً عن أن يراها. ومثله قول ذي الرمة :

إذَا غَيَّرَ النَّأْيُ الْمُحَبِّينَ لَمْ يَكَد  رَسِيسُ الْهَوَى مِنْ حُبِّ مَيَّة يَبْرَحُأي لم يقرب من البراح فما باله يبرح ؟ شبه أعمالهم أولاً في فوات نفعها وحضور ضررها بسراب لم يجده من خدعه من بعيد شيئاً، ولم يكفه خيبة وكمداً أن لم يجد شيئاً كغيره من السراب، حتى وجد عنده الزبانية تعتله إلى النار، ولا يقتل ظمأه بالماء. وشبهها ثانياً في ظلمتها وسوادها لكونها باطلة، وفي خلوها عن نور الحق بظلمات متراكمة من لجّ البحر والأمواج والسحاب، ثم قال : ومن لم يوله نور توفيقه وعصمته ولطفه، فهو في ظلمة الباطل لا نور له. وهذا الكلام مجراه مجرى الكنايات ؛ لأن الألطاف إنما تردف الإيمان والعمل \[ الصالح \]. أو كونهما مترقبين، ألا ترى إلى قوله : والذين جاهدوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا  \[ العنكبوت : ٦٩ \] وقوله : وَيُضِلُّ الله الظالمين  \[ إبراهيم : ٢٧ \] وقرىء :**«سحاب ظلمات »** على الإضافة. وسحاب ظلمات، برفع  سَحَابٌ  وتنوينه وجرّ  ظلمات  بدلاً من  ظلمات  الأولى.

### الآية 24:41

> ﻿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ۖ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ [24:41]

صافات  يصففن أجنحتهن في الهواء. والضمير في  عِلْمٍ  لكل أو لله. وكذلك في  صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ  والصلاة : الدعاء. ولا يبعد أن يلهم الله الطير دعاءه وتسبيحه كما ألهمها سائر العلوم الدقيقة التي لا يكاد العقلاء يهتدون إليها.

### الآية 24:42

> ﻿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [24:42]

وقيل: نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية، قد كان تعبد ولبس المسوح والتمس الدين في الجاهلية، ثم كفر في الإسلام.
 \[سورة النور (٢٤) : آية ٤٠\]
 أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)
 اللجىّ: العميق الكثير الماء، منسوب إلى اللج وهو معظم ماء البحر. وفي أَخْرَجَ ضمير الواقع فيه لَمْ يَكَدْ يَراها مبالغة في لم يرها أى: لم يقرب أن يراها، فضلا عن أن يراها. ومثله قول ذى الرمة:

إذا غيّر النّأى المحبّين لم يكد  رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح **«١»** أى لم يقرب من البراح فما باله يبرح؟ شبه أعمالهم أولا في فوات نفعها وحضور ضررها بسراب لم يجده من خدعه من بعيد شيئا، ولم يكفه خيبة وكمدا أن لم يجد شيئا كغيره من السراب، حتى وجد عنده الزبانية تعتله إلى النار، ولا يقتل ظمأه بالماء. وشبهها ثانيا في ظلمتها وسوادها لكونها باطلة، وفي خلوها عن نور الحق بظلمات متراكمة من لج البحر والأمواج والسحاب، ثم قال: ومن لم يوله نور توفيقه وعصمته ولطفه، فهو في ظلمة الباطل لا نور له.
 وهذا الكلام مجراه مجرى الكنايات، لأنّ الألطاف إنما تردف الإيمان والعمل. أو كونهما مترقبين. ألا ترى إلى قوله وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وقوله وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وقرئ: سحاب ظلمات، على الإضافة. وسحاب ظلمات، برفع سَحابٌ وتنوينه وجرّ كَظُلُماتٍ بدلا من ظُلُماتٌ الأولى.
 \[سورة النور (٢٤) : الآيات ٤١ الى ٤٢\]
 أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢)
 (١).إذا غير النأى المحبين لم يكد  رسيس الهوى من حب مية يبرحفلا القرب يدنو من هواها ملالة  ولا حبها أن تنزح الدار ينزح لذي الرمة. والنأى: البعد. ويقال: رس وأرس، إذا لزم. والرسيس: بقية المرض اللازمة داخل البدن.
 ويبرح: يذهب، أى: لم يقرب من البراح. وروى أنه لما قدم ذو الرمة الكوفة اعترض عليه ابن شبرمة في ذلك بأنه يدل على زوال رسيس الهوى، فغيره ذو الرمة بقوله: لم أجد، وقال ابن عتبة: حدثت أبى بذلك فقال:
 أخطأ ابن شبرمة، وأخطأ ذو الرمة في تغييره، وإنما هو كقوله تعالى لَمْ يَكَدْ يَراها والملالة: السآمة. وتنزح:
 تبعد. وينزح: يزول.

### الآية 24:43

> ﻿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ ۖ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ [24:43]

يُزْجِى  يسوق. ومنه : البضاعة المزجاة : التي يزجيها كل أحد لا يرضاها. والسحاب يكون واحداً كالعماء، وجمعاً كالرباب. ومعنى تأليف الواحد : أنه يكون قزعاً فيضم بعضه إلى بعض. وجاز بينه وهو واحد ؛ لأن المعنى بين أجزائه، كما قيل في قوله :
. . . بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ \*\*\*
والركام : المتراكم بعضه فوق بعض. والودق : المطر  مِنْ خلاله  من فتوقه ومخارجه : جمع خلل، كجبال في جبل. وقرىء :**«من خلله »**  وَيُنَزّلُ  بالتشديد، ويكاد سنا : على الإدغام. وبرقه : جمع برقة، وهي المقدار من البرق، كالغرفة واللقمة. وبرقه : بضمتين للإتباع، كما قيل : في جمع فعلة : فعلات كظلمات. و **«سناء برقة »** على المدّ المقصور، بمعنى الضوء، والممدود : بمعنى العلو والارتفاع، من قولك : سنيّ، مرتفع. و  يَذْهَبُ بالأبصار  على زيادة الباء، كقوله : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ  \[ البقرة : ١٩٥ \] عن أبي جعفر المدني : وهذا من تعديد الدلائل على ربوبيته وظهور أمره، حيث ذكر تسبيح من في السموات والأرض وكل ما يطير بين السماء والأرض ودعاءهم له وابتهالهم إليه، وأنه سخر السحاب التسخير الذي وصفه وما يحدث فيه من أفعاله حتى ينزل المطر منه، وأنه يقسم رحمته بين خلقه ويقبضها ويبسطها على ما تقتضيه حكمته، ويريهم البرق في السحاب الذي يكاد يخطف أبصارهم، ليعتبروا ويحذروا. ويعاقب بين الليل والنهار، ويخالف بينهما بالطول والقصر. وما هذه إلاّ براهين في غاية الوضوح على وجوده وثباته. ودلائل منادية على صفاته، لمن نظر وفكر وتبصر وتدبر. 
فإن قلت : متى رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسبيح من في السموات ودعاءهم، وتسبيح الطير ودعاءه، وتنزيل المطر من جبال برد في السماء، حتى قيل له : ألم تر ؟ قلت : علمه من جهة إخبار الله إياه بذلك على طريق الوحي. 
فإن قلت : ما الفرق بين من الأولى والثانية والثالثة في قوله : مِنَ السماء مِن جِبَالٍ ،  مِن بَرَدٍ  ؟ قلت : الأولى لابتداء الغاية، والثانية للتبعيض. والثالثة للبيان. أو الأوليان للابتداء : والآخرة للتبعيض. ومعناه : أنه ينزل البرد من السماء من جبال فيها، وعلى الأوّل مفعول **«ينزل »** :**«من جبال »**. 
فإن قلت : ما معنى  مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ  ؟ قلت : فيه معنيان. أحدهما : أن يخلق الله في السماء جبال برد كما خلق في الأَرض جبال حجر. والثاني : أن يريد الكثرة بذكر الجبال، كما يقال : فلان يملك جبالاً من ذهب.

### الآية 24:44

> ﻿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ [24:44]

صَافَّاتٍ يصففن أجنحتهنّ في الهواء. والضمير في عَلِمَ لكل أو لله. وكذلك في صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ والصلاة: الدعاء. ولا يبعد أن يلهم الله الطير دعاءه وتسبيحه كما ألهمها سائر العلوم الدقيقة التي لا يكاد العقلاء يهتدون إليها.
 \[سورة النور (٢٤) : الآيات ٤٣ الى ٤٤\]
 أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (٤٤)
 يُزْجِي يسوق. ومنه: البضاعة المزجاة: التي يزجيها كل أحد لا يرضاها. والسحاب يكون واحدا كالعماء، وجمعا كالرباب **«١»**. ومعنى تأليف الواحد: أنه يكون قزعا **«٢»** فيضم بعضه إلى بعض. وجاز بينه وهو واحد، لأنّ المعنى بين أجزائه، كما قيل في قوله:
 ... بين الدّخول فحومل **«٣»**
 والركام: المتراكم بعضه فوق بعض. والودق: المطر مِنْ خِلالِهِ من فتوقه ومخارجه: جمع خلل، كجبال في جبل. وقرئ: من خلله وَيُنَزِّلُ بالتشديد. ويكاد سنا: على الإدغام **«٤»**.

 (١). قوله **«كالرباب»** في الصحاح: الرباب- بالفتح- سحاب أبيض. (ع)
 (٢). قوله **«أن يكون قزعا»** القزع: قطع من السحاب رقيقة، الواحدة: قزعة. (ع)
 (٣).قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل  بسقط اللوى بين الدخول فحومل لامرئ القيس مطلع معلقته، وروى أنه راهق ولم يقل شعرا، فقال أبوه: إنه ليس أبيض. وأمر اثنين من خاصته أن يخرجا به إلى مكان بعيد فيذبحاه هناك، فلما أرادا ذبحه بكى وأنشأ البيت إلى آخر القصدة، فرجعا به.
 وقالا: هذا أشعر من على وجه الأرض: لقد وقف واستوقف، وبكى واستبكى، وذكر واستذكر وهي الحبيب والدار في نصف بيت. والسقط- مثلث-: طرف اللوى، أى: المكان الملتوى المعوج. وهو هنا اسم مكان بعينه. وبين لا يضاف إلا لمتعدد المعنى، أو معطوف عليه بالواو خاصة، فالمعنى: بين أجزاء الدخول فحومل. أى فأجزاء حومل كلاهما اسم موضع، ولعل ****«سقط اللوى»**** ممتد بينهما. ويجوز أن الفاء بمعنى الواو، فيكون ****«سقط اللوى»**** بين هذين الموضعين، وتكون استعارة الفاء هنا للدلالة على قرب ما بين الدخول وحومل.
 (٤). قوله **«ويكاد سنا على الإدغام»** لعل رسمه هكذا **«يكاسنا»** إلا أن يعتبر ما قبل الإدغام. (ع)

### الآية 24:45

> ﻿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ ۚ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [24:45]

وقرىء :**«خالق كل دابة »**. ولما كان اسم الدابة موقعاً على المميز وغير المميز، غلب المميز فأعطى ما وراءه حكمه، كأن الدواب كلهم مميزون، فمن ثمة قيل : فمنهم، وقيل : من يمشي في الماشي على بطن والماشي على أربع قوائم. 
فإن قلت : لم نكر الماء في قوله : مِّن مَّآء  ؟ قلت : لأن المعنى أنه خلق كل دابة من نوع من الماء مختصّ بتلك الدابة، أو خلقها من ماء مخصوص وهو النطفة، ثم خالف بين المخلوقات من النطفة، فمنها هوام ومنها بهائم ومنها ناس. ونحوه قوله تعالى : يسقى بِمَاء واحد وَنُفَضّلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ فِى الاكل  \[ الرعد : ٤ \]. 
فإن قلت : فما باله معرّفاً في قوله : وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَىْء حَىّ  \[ الأنبياء : ٣٠ \] ؟ قلت : قصد ثمة معنى آخر : وهو أن أجناس الحيوان كلها مخلوقة من هذا الجنس الذي هو جنس الماء، وذلك أنه هو الأصل وإن تخللت بينه وبينها وسائط، قالوا : خلق الملائكة من ريح خلقها من الماء، والجنّ من نار خلقها منه، وآدم من تراب خلقه منه. 
فإن قلت : لم جاءت الأجناس الثلاثة على هذا الترتيب ؟ قلت : قدم ما هو أعرق في القدرة وهو الماشي بغير آلة مشي من أرجل أو قوائم، ثم الماشي على رجلين، ثم الماشي على أربع :
فإن قلت : لم سمي الزحف على البطن مشياً ؟ قلت ؛ على سبيل الاستعارة كما قالوا في الأمر المستمرّ : قد مشى هذا الأمر، ويقال : فلان لا يتمشى له أمر. ونحوه استعارة الشقة مكان الجحفلة، والمشفر مكان الشفة. ونحو ذلك. أو على طريق المشاكلة لذكر الزاحف مع الماشين.

### الآية 24:46

> ﻿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ ۚ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [24:46]

ونحوه قوله تعالى يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ. فإن قلت: فما باله معرّفا في قوله وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ؟ قلت: قصد ثمة معنى آخر: وهو أن أجناس الحيوان كلها مخلوقة من هذا الجنس **«١»** الذي هو جنس الماء، وذلك أنه هو الأصل وإن تخللت بينه وبينها وسائط. قالوا: خلق الملائكة من ريح خلقها من الماء، والجنّ من نار خلقها منه. وآدم من تراب خلقه منه. فإن قلت: لم جاءت الأجناس الثلاثة على هذا الترتيب؟ قلت:
 قدم ما هو أعرق في القدرة وهو الماشي بغير آلة مشى من أرجل أو قوائم، ثم الماشي على رجلين، ثم الماشي على أربع. فإن قلت: لم سمى الزحف على البطن مشيا؟ قلت: على سبيل الاستعارة، كما قالوا في الأمر المستمرّ: قد مشى هذا الأمر. ويقال: فلان لا يتمشى له أمر.
 ونحوه استعارة الشقة مكان الجحفلة **«٢»**، والمشفر مكان الشفة. ونحو ذلك. أو على طريق المشاكلة لذكر الزاحف مع الماشين.
 \[سورة النور (٢٤) : الآيات ٤٦ الى ٤٧\]
 لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦) وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧)
 وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ إشارة إلى القائلين آمنا وأطعنا. أو إلى الفريق المتولى، فمعناه على الأوّل: إعلام من الله بأنّ جميعهم منتف عنهم الإيمان لا الفريق المتولى وحده. وعلى الثاني:
 إعلام بأنّ الفريق المتولى لم يكن ما سبق لهم من الإيمان إيمانا، إنما كان ادّعاء باللسان من غير مواطأة القلب، لأنه لو كان صادرا عن صحة معتقد وطمأنينة نفس لم يتعقبه التولي والإعراض.
 والتعريف في قوله بِالْمُؤْمِنِينَ دلالة على أنهم ليسوا بالمؤمنين الذين عرفت: وهم الثابتون المستقيمون على الإيمان، الموصوفون في قوله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا.

 (١). قال محمود: **«إن قلت لم نكر ماء هاهنا وعرفه في قوله وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ؟ قلت:
 الغرض فيما نحن فيه أنه تعالى خلق كل دابة من نوع من الماء مخصوص وهو النطفة، ثم خالف بين المخلوقات بحسب اختلاف نطفها، فمنها كذا ومنها كذا. ونحوه قوله يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ وأما آية «اقترب»** فالغرض فيها أن أجناس الحيوانات كلها مخلوقة من هذا الجنس» قال أحمد: وتحرير الفرق أن المقصد في الأولى إظهار الآية بأن شيئا واحدا تكونت منه بالقدرة أشياء مختلفة، ذكر تفصيلها في آية النور والرعد:
 والمقصد في آية اقترب: أنه خلق الأشياء المتفقة في جنس الحياة من جنس الماء المختلف الأنواع، فذكر معرفا ليشمل أنواعه المختلفة، فالآية في الأول لإخراج المختلف من المتفق، والله أعلم.
 (٢). قوله **«مكان الجحفلة»** في الصحاح: الجحفلة للحافر، كالشفة للإنسان، اه أى لذي الحافر. (ع)

### الآية 24:47

> ﻿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ [24:47]

وَمَا أُوْلَئِكَ بالمؤمنين  إشارة إلى القائلين آمنا وأطعنا. أو إلى الفريق المتولي، فمعناه على الأوّل : إعلام من الله بأنّ جميعهم منتف عنهم الإيمان لا الفريق المتولي وحده. وعلى الثاني : إعلام بأن الفريق المتولي لم يكن ما سبق لهم من الإيمان إيماناً، إنما كان ادّعاء باللسان من غير مواطأة القلب ؛ لأنه لو كان صادراً عن صحة معتقد وطمأنينة نفس لم يتعقبه التولي والإعراض. والتعريف في قوله : بالمؤمنين  دلالة على أنهم ليسوا بالمؤمنين الذين عرفت : وهم الثابتون المستقيمون على الإيمان، والموصوفون في قوله تعالى : إِنَّمَا المؤمنون الذين ءامَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ  \[ الحجرات : ١٥ \].

### الآية 24:48

> ﻿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ [24:48]

معنى  إِلَى الله وَرَسُولِهِ  إلى رسول الله كقولك : أعجبني زيد وكرمه، تريد : كرم زيد. ومنه قوله :
غَلَّسْنَهُ قَبْلَ الْقَطَا وَفُرَّطِهْ \*\*\*
أراد : قبل فرط القطا. روي : أنها نزلت في بشر المنافق وخصمه اليهودي حين اختصما في أرض، فجعل اليهوديّ يجرّه إلى رسول الله، والمنافق يجرّه إلى كعب بن الأشرف ويقول : إن محمداً يحيف علينا. وروي أنّ المغيرة بن وائل كان بينه وبين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه خصومة في ماء وأرض، فقال المغيرة : أمّا محمد فلست آتيه ولا أحاكم إليه فإنه يبغضني وأنا أخاف أن يحيف عليّ.

### الآية 24:49

> ﻿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ [24:49]

إِلَيْهِ  صلة يأتوا، لأن **«أتى »** و**«جاء »** قد جاءا معدّيين بإلى، أو يتصل بمذعنين لأنه في معنى مسرعين في الطاعة. وهذا أحسن لتقدّم صلته ودلالته على الاختصاص. والمعنى : أنهم لمعرفتهم أنه ليس معك إلا الحق المرّ والعدل البحت. يزورّون عن المحاكمة إليك إذا ركبهم الحق، لئلا تنتزعه من أحداقهم بقضائك عليهم لخصومهم، وإن ثبت لهم حق على خصم أسرعوا إليك ولم يرضوا إلا بحكومتك، لتأخذ لهم ما ذاب لهم في ذمّة الخصم.

### الآية 24:50

> ﻿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ۚ بَلْ أُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [24:50]

ثم قسم الأمر في صدودهم عن حكومته إذا كان الحق عليهم بين أن يكونوا مرضى القلوب منافقين، أو مرتابين في أمر نبوّته، أو خائفين الحيف في قضائه. ثم أبطل خوفهم حيفه بقوله : بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون  أي لا يخافون أن يحيف عليهم لمعرفتهم بحاله، وإنما هم ظالمون يريدون أن يظلموا من له الحق عليهم ويتمّ لهم جحوده، وذلك شيء لا يستطيعونه في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن ثمة يأبون المحاكمة إليه.

### الآية 24:51

> ﻿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [24:51]

وعن الحسن :**« قول المؤمنين »**، بالرفع والنصب أقوى، لأنّ أولى الإسمين بكونه اسماً لكان. أو غلهما في التعريف ؛ وأن يقولوا : أوغل، لأنه لا سبيل عليه للتنكير، بخلاف قول المؤمنين، وكان هذا من قبيل كان في قوله : مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ  \[ مريم : ٣٥ \]،  مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بهذا  \[ النور : ١٦ \] وقرىء :**«ليحكم »** على البناء للمفعول. 
فإن قلت : إلام أسند يحكم ؟ ولا بدّ له من فاعل. قلت : هو مسند إلى مصدره، لأن معناه : ليفعل الحكم بينهم، ومثله : جمع بينهما ؛ وألف بينهما. ومثله  لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ  \[ الأنعام : ٩٤ \] فيمن قرأ **«بينكم »** منصوباً : أي وقع التقطع بينكم. وهذه القراءة مجاوبة لقوله : دعوا .

### الآية 24:52

> ﻿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [24:52]

قرىء :**«ويتقه »**، بكسر القاف والهاء مع الوصل وبغير وصل. وبسكون الهاء، وبسكون القاف وكسر الهاء : شبه تقه بكتف فخفف، كقوله :
قَالَتْ سُلَيْمَى اشْتَرْ لَنَا سَوِيقَا \*\*\*
ولقد جمع الله في هذه الآية أسباب الفوز. وعن ابن عباس في تفسيرها  وَمَن يُطِعِ الله  في فرائضه  وَرَسُولُهُ  في سننه  وَيَخْشَ الله  على ما مضى من ذنوبه  وَيَتَّقْهِ  فيما يستقبل. وعن بعض الملوك أنه سأل عن آية كافية فتليت له هذه الآية.

### الآية 24:53

> ﻿۞ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ۖ قُلْ لَا تُقْسِمُوا ۖ طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [24:53]

جهد يمينه : مستعار من جهد نفسه : إذا بلغ أقصى وسعها، وذلك إذا بالغ في اليمين وبلغ غاية شدّتها ووكادتها. وعن ابن عباس رضي الله عنه : من قال بالله، \[ فقد \] جهد يمينه. وأصل : أقسم جهد اليمين : أقسم يجهد اليمين جهداً، فحذف الفعل وقدّم المصدر فوضع موضعه مضافاً إلى المفعول كقوله : فَضَرْبَ الرقاب  \[ محمد : ٤ \] وحكم هذا المنصوب حكم الحال، كأنه قال : جاهدين أيمانهم. و  طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ  خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ محذوف الخبر، أي : أمركم والذي يطلب منكم طاعة معروفة معلومة لا يشكّ فيها ولا يرتاب، كطاعة الخلص من المؤمنين الذين طابق باطن أمرهم ظاهره، لا أيمان تقسمون بها بأفواهكم وقلوبكم على خلافها، أو طاعتكم طاعة معروفة، بأنها القول دون الفعل. أو طاعة معروفة أمثل وأولى بكم من هذه الأَيمان الكاذبة. وقرأ اليزيدي :**«طاعة معروفة »** بالنصب على معنى : أطيعوا طاعة  إِنَّ الله خَبِيرٌ  يعلم ما في ضمائركم ولا يخفى عليه شيء من سرائركم، وأنه فاضحكم لا محالة ومجازيكم على نفاقكم.

### الآية 24:54

> ﻿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ۖ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ ۖ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ۚ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [24:54]

صرف الكلام عن الغيبة إلى الخطاب على طريقة الالتفات وهو أبلغ في تبكيتهم. يريد : فإن تتولوا فما ضررتموه وإنما ضررتم أنفسكم فإنّ الرسول ليس عليه إلاّ ما حمله الله وكلفه من أداء الرسالة، فإذا أدّى فقد خرج عن عهدة تكليفه، وأما أنتم فعليكم ما كلفتم من التلقي بالقبول والإذعان، فإن لم تفعلوا وتوليتم فقد عرَّضتم نفوسكم لسخط الله وعذابه، وإن أطعتموه فقد أحرزتم نصيبكم من الخروج عن الضلالة إلى الهدى، فالنفع والضرر عائدان إليكم، وما الرسول إلاّ ناصح وهاد، وما عليه إلاّ أن يبلغ ما له نفع في قبولكم، ولا عليه ضرر في توليكم، والبلاغ : بمعنى التبليغ، كالأداء : بمعنى التأدية. ومعنى المبين : كونه مقروناً بالآيات والمعجزات.

### الآية 24:55

> ﻿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [24:55]

الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولمن معه. ومنكم : للبيان، كالتي في آخر سورة الفتح : وعدهم الله أن ينصر الإسلام على الكفر، ويورّثهم الأرض، ويجعلهم فيها خلفاء، كما فعل ببني إسرائيل، حين أورثهم مصر والشام بعد إهلاك الجبابرة، وأن يمكن الدين المرتضى وهو دين الإسلام. وتمكينه : تثبيته وتوطيده، وأن يؤمن سربهم ويزيل عنهم الخوف الذي كانوا عليه، وذلك : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكثوا بمكة عشر سنين خائفين، ولما هاجروا كانوا بالمدينة يصبحون في السلاح ويمسون فيه، حتى قال رجل : ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح ؟ فقال صلى الله عليه وسلم :" لا تغبرون إلاّ يسيراً حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبياً ليس معه حديدة "، فأنجز الله وعده وأظهرهم على جزيرة العرب، وافتتحوا بعد بلاد المشرق والمغرب، ومزقوا ملك الأكاسرة وملكوا خزائنهم، واستولوا على الدنيا، ثم خرج الذين على خلاف سيرتهم فكفروا بتلك الأنعم وفسقوا، وذلك قوله صلى الله عليه وسلم :" الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم يملك الله من يشاء فتصير ملكاً، ثم تصير بزيزي قطع سبيل، وسفك دماء، وأخذ أموال بغير حقها " وقرىء :**«كما استخلف »** على البناء للمفعول **«وليبدلنهم »** بالتشديد. 
فإن قلت : أين القسم الملتقى باللام والنون في  لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ  ؟ قلت : هو محذوف تقديره : وعدهم الله، وأقسم ليستخلفنهم، أو نزّل وعد الله في تحققه منزلة القسم، فتلقى بما يتلقى به القسم، كأنه قيل : أقسم الله ليستخلفنهم. 
فإن قلت : ما محل  يَعْبُدُونَنِى  ؟ قلت : إن جعلته استئنافاً لم يكن له محل، كأن قائلاً قال : ما لهم يستخلفون ويؤمنون ؟ فقال : يعبدونني. وإن جعلته حالاً عن وعدهم، أي وعدهم الله ذلك في حال عبادتهم وإخلاصهم، فمحله النصب  وَمَن كَفَرَ  يريد كفران النعمة ؛ كقوله : فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله  \[ النحل : ١١٢ \].  فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون  أي : هم الكاملون في فسقهم، حيث كفروا تلك النعمة العظيمة وجسروا على غمطها. 
فإن قلت : هل في هذه الآية دليل على أمر الخلفاء الراشدين ؟ قلت : أوضح دليل وأبينه ؛ لأن المستخلفين الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم هم.

### الآية 24:56

> ﻿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [24:56]

وَأقيمُواْ الصلاة  معطوف على  أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول  وليس ببعيد أن يقع بين المعطوف والمعطوف عليه فاصل وإن طال : لأنّ حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه. وكرّرت طاعة الرسول : تأكيداً لوجوبها.

### الآية 24:57

> ﻿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۖ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ [24:57]

وقرىء :**«لا يحسبن »** بالياء. وفيه أوجه : أن يكون  مُعْجِزِينَ فِى الأرض  هما المفعولان. والمعنى : لا يحسبن الذين كفروا أحداً يعجز الله في الأرض حتى يطمعوا في مثل ذلك. وهذا معنى قوي جيد. وأن يكون فيه ضمير الرسول لتقدم ذكره في قوله : وَأَطِيعُواْ الرسول  وأن يكون الأصل : لا يحسبنهم الذين كفروا معجزين، ثم حذف الضمير الذي هو المفعول الأوّل، وكان الذي سوّغ ذلك أنّ الفاعل والمفعولين لما كانت لشيء واحد، اقتنع بذكر اثنين عن ذكر الثالث ؛ وعطف قوله : وَمَأْوَاهُمُ النار  على لا يحسبنّ الذين كفروا معجزين ؛ كأنه قيل : الذين كفروا لا يفوتون الله ومأواهم النار. والمراد بهم : المقسمون جهد أيمانهم.

### الآية 24:58

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ۚ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ۚ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [24:58]

أمر بأن يستأذن العبيد. وقيل : العبيد والإماء والأطفال الذين لم يحتلموا من الأحرار  ثلاث مَرَّاتٍ  في اليوم والليلة : قبل صلاة الفجر ؛ لأنه وقت قيام من المضاجع وطرح ما ينام فيه من الثياب ولبس ثياب اليقظة. وبالظهيرة : لأنها وقت وضع الثياب للقائلة. وبعد صلاة العشاء ؛ لأنه وقت التجرّد من ثياب اليقظة والالتحاف بثياب النوم. وسمى كل واحدة من هذه الأحوال عورة ؛ لأن الناس يختلّ تسترهم وتحفظهم فيها. والعورة : الخلل. ومنها : أعور الفارس، وأعور المكان، والأعور : المختل العين. ثم عذرهم في ترك الاستئذان وراء هذه المرات، وبين وجه العذر في قوله : طَوفُونَ عَلَيْكُمْ  يعني أن بكم وبهم حاجة إلى المخالطة والمداخلة : يطوفون عليكم بالخدمة، وتطوفون عليهم للاستخدام ؛ فلو جزم الأمر بالاستئذان في كل وقت، لأدّى إلى الحرج. وروي : أن مدلج بن عمرو : وكان غلاماً أنصارياً : أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت الظهر إلى عمر ليدعوه، فدخل عليه وهو نائم، وقد انكشف عنه ثوبه، فقال عمر : لوددت أنّ الله عزّ وجلّ نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا أن لا يدخلوا علينا هذه الساعات إلاّ بإذن، ثم انطلق معه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فوجده وقد أنزلت عليه هذه الآية. وهي إحدى الآيات المنزلة بسبب عمر رضي الله تعالى عنه. وقيل : نزلت في أسماء بنت أبي مرثد، قالت : إنا لندخل على الرجل والمرأة ولعلهما يكونان في لحاف واحد. وقيل : دخل عليها غلام لها كبير في وقت كرهت دخوله، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها. وعن أبي عمرو : الحلم  بالسكون وقرىء : ثلاث عَوْرَاتٍ  بالنصب بدلاً عن ثلاث مرات، أي : أوقات ثلاث عورات. وعن الأعمش : عورات على لغة هذيل. 
فإن قلت : ما محلّ ليس عليكم ؟ قلت : إذا رفعت ثلاث عورات كان ذلك في محل الرفع على الوصف. والمعنى : هنّ ثلاث عورات مخصوصة بالاستئذان، وإذا نصبت : لم يكن له محلّ وكان كلاماً مقرّراً للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة :
فإن قلت : بم ارتفع  بَعْضُكُمْ  ؟ قلت : بالابتداء وخبره  على بَعْضٍ  على معنى : طائف على بعض، وحذف لأنَّ طوافون يدل عليه. ويجوز أن يرتفع بيطوف مضمراً لتلك الدلالة.

### الآية 24:59

> ﻿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [24:59]

الأطفال مِنكُمُ  أي من الأحرار دون المماليك  الذين مِن قَبْلِهِمْ  يريد : الذين بلغوا الحلم من قبلهم، وهم الرجال. أو الذين ذكروا من قبلهم في قوله : يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ  الآية \[ النور : ٢٧ \] : والمعنى أنّ الأطفال مأذون لهم في الدخول بغير إذن إلا في العورات الثلاث، فإذا اعتاد الأطفال ذلك ثم خرجوا عن حدّ الطفولة بأن يحتلموا أو يبلغوا السنّ التي يحكم فيها عليهم بالبلوغ، وجب أن يفطموا عن تلك العادة ويحملوا على أن يستأذنوا في جميع الأوقات كما الرجال الكبار الذين لم يعتادوا الدخول عليكم إلاّ بإذن : وهذا مما الناس منه في غفلة، وهو عندهم كالشريعة المنسوخة، وعن ابن عباس : آية لا يؤمن بها أكثر الناس : آية الإذن، وإني لآمر جارتي أن تستأذن عليَّ. وسأله عطاء : أأستأذن على أختي ؟ قال : نعم وإن كانت في حجرك تمونها، وتلا هذه الآية. وعنه : ثلاث آيات جحدهنّ الناس : الإذن كله. وقوله : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم  \[ الحجرات : ١٣ \] فقال ناس : أعظمكم بيتاً. وقوله : وَإِذَا حَضَرَ القسمة  \[ النساء : ٨ \]. وعن ابن مسعود : عليكم أن تستأذنوا على آبائكم وأمهاتكم وأخواتكم. وعن الشعبي : ليست منسوخة، فقيل له : إن الناس لا يعملون بها، فقال : الله المستعان. وعن سعيد بن جبير يقول : هي منسوخة لا والله ما هي منسوخة ولكن الناس تهاونوا بها. 
فإن قلت : ما السنّ التي يحكم فيها بالبلوغ ؟ قلت : قال أبو حنيفة ثماني عشرة سنة في الغلام، وسبع عشرة في الجارية. وعامة العلماء على خمس عشرة فيهما. وعن علي رضي الله عنه أنه كان يعتبر القامة ويقدره بخمسة أشبار، وبه أخذ الفرزدق في قوله :مَا زَالَ مُذْ عَقَدَتْ يَدَاهُ إزَارَه  فَسَمَا فَأَدْرَكَ خَمْسَةَ الأَشْبَارِواعتبر غيره الإنبات. وعن عثمان رضي الله عنه أنه سئل عن غلام، فقال : هل اخضر إزاره ؟.

### الآية 24:60

> ﻿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ۖ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [24:60]

القاعد : التي قعدت عن الحيض والولد لكبرها  لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً  لا يطمعن فيه : والمراد بالثياب الظاهرة كالملحفة والجلباب الذي فوق الخمار  غَيْرَ متبرجات بِزِينَةٍ  غير مظهرات زينة، يريد : الزينة الخفيفة التي أرادها في قوله : وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ  \[ النور : ٣١ \] أو غير قاصدات بالوضع التبرج، ولكن التخفف إذا احتجن إليه. والاستعفاف من الوضع خير لهنّ لما ذكر الجائز عقبه بالمستحب، بعثاً منه عن اختيار أفضل الأعمال وأحسنها، كقوله : وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى  \[ البقرة : ٢٣٧ \]،  وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ  \[ البقرة : ٢٨٠ \]. 
فإن قلت : ما حقيقة التبرج ؟ قلت : تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه من قولهم : سفينة بارج، لا غطاء عليها. والبرج : سعة العين، يرى بياضها محيطاً بسوادها كله لا يغيب منه شيء، إلاّ أنه اختصّ بأن تتكشف المرأة للرجال بإبداء زينتها وإظهار محاسنها. وبدأ، وبرز بمعنى : ظهر، من أخوات : تبرج وتبلج، كذلك.

### الآية 24:61

> ﻿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ۚ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [24:61]

كان المؤمنون يذهبون بالضعفاء وذوي العاهات إلى بيوت أزواجهم وأولادهم وإلى بيوت قراباتهم وأصدقائهم فيطعمونهم منها، فخالج قلوب المطعمين والمطعمين ريبة في ذلك، وخافوا أن يلحقهم فيه حرج ؛ وكرهوا أن يكون أكلاً بغير حق ؛ لقوله تعالى : وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُم بالباطل  \[ البقرة : ١٨٨ \] فقيل لهم : ليس على الضعفاء ولا على أنفسكم ؛ يعني : عليكم وعلى من في مثل حالكم من المؤمنين حرج في ذلك. وعن عكرمة : كانت الأنصار في أنفسها قزازة. فكانت لا تأكل من هذه البيوت إذا استغنوا، وقيل : كان هؤلاء يتوقون مجالسة الناس ومؤاكلتهم لما عسى يؤدي إلى الكراهة من قبلهم، ولأنّ الأعمى ربما سبقت يده إلى ما سبقت عين أكيله وهو لا يشعر، والأعرج يتفسح في مجلسه ويأخذ أكثر من موضعه فيضيق على جليسه، والمريض لا يخلو من رائحة تؤذي أو جرح يبض أو أنف يذن ونحو ذلك. وقيل : كانوا يخرجون إلى الغزو ويخلفون الضعفاء في بيوتهم، ويدفعون إليهم المفاتيح، ويأذنون لهم أن يأكلوا من بيوتهم فكانوا يتحرّجون. حكى عن الحرث بن عمرو أنه خرج غازياً وخلف مالك بن زيد في بيته وماله، فلما رجع رآه مجهوداً فقال : ما أصابك ؟ قال : لم يكن عندي شيء، ولم يحلّ لي أن آكل من مالك، فقيل : ليس على هؤلاء الضعفاء حرج فيما تحرجوا عنه، ولا عليكم أن تأكلوا من هذه البيوت، وهذا كلام صحيح، وكذلك إذا فسر بأن هؤلاء ليس عليهم حرج في القعود عن الغزو، ولا عليكم أن تأكلوا من البيوت المذكورة، لالتقاء الطائفتين في أن كل واحدة منهما منفي عنها الحرج. ومثال هذا أن يستفتيك مسافر عن الإفطار في رمضان. وحاج مفرد عن تقديم الحلق على النحر، فقلت : ليس على المسافر حرج أن يفطر، ولا عليك يا حاج أن تقدّم الحلق على النحر، 
فإن قلت : هلا ذكر الأولاد ؛ قلت : دخل ذكرهم تحت قوله : مِن بُيُوتِكُمْ  لأن ولد الرجل بعضه، وحكمه حكم نفسه. وفي الحديث :" إنّ أطيبَ ما يأكلُ المرء مِنْ كَسبهِ " ومعنى  مِن بُيُوتِكُمْ  من البيوت التي فيها أزواجكم وعيالكم ؛ ولأنّ الولدَ أقرب ممن عدّد من القرابات، فإذا كان سبب الرخصة هو القرابة : كان الذي هو أقرب منهم أولى. 
فإن قلت : ما معنى  أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحهُ  ؟ قلت : أموال الرجل إذا كان له عليها قيم ووكيل يحفظها له : أن يأكل من ثمر بستانه ويشرب من لبن ماشيته. وملك المفاتح : كونها في يده وحفظه. وقيل : بيوت المماليك ؛ لأن مال العبد لمولاه. وقرىء :**«مفتاحه »**، 
فإن قلت : فما معنى  أَوْ صَدِيقِكُمْ  ؟ قلت : معناه : أو بيوت أصدقائكم. والصديق يكون واحداً وجمعاً، وكذلك الخليط والقطين والعدوّ، يحكى عن الحسن أنه دخل داره وإذا حلقة من أصدقائه وقد استلوا سلالاً من تحت سريره فيها الخبيص وأطايب الأطعمة وهم مكبون عليها يأكلون، فتهللت أسارير وجهه \[ سروراً \] وضحك وقال : هكذا وجدناهم، هكذا وجدناهم. 
يريد كبراء الصحابة ومن لقيهم من البدريين رضي الله عنهم. وكان الرجل منهم يدخل دار صديقه وهو غائب فيسأل جاريته كيسه فيأخذ منه ما شاء، فإذا حضر مولاها فأخبرته أعتقها سروراً بذلك. وعن جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنهما : من عظم حرمة الصديق أن جعله الله من الأنس والثقة والإنبساط وطرح الحشمة بمنزلة النفس والأب والأخ والابن، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : الصديق أكبر من الوالدين، إن الجهنميين لما استغاثوا لم يستغيثوا بالآباء والأمّهات، فقالوا : فما لنا من شافعين ولا صديق حميم. وقالوا : إذا دلّ ظاهر الحال على رضا المالك، قام ذلك مقام الإذن الصريح، وربما سمج الاستئذان وثقل، كمن قدّم إليه طعام فاستأذن صاحبه في الأكل منه  جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً  أي مجتمعين أو متفرّقين. نزلت في بني ليث بن عمرو من كنانة كانوا يتحرجون أن يأكل الرجل وحده فربما قعد منتظراً نهاره إلى الليل، فإن لم يجد من يواكله أكل ضرورة. وقيل : في قوم من الأنصار : إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون إلاّ مع ضيفهم وقيل : تحرجوا عن الاجتماع على الطعام لا ختلاف الناس في الأكل وزيادة بعضهم على بعض  فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً  من هذه البيوت لتأكلوا فبدّئوا بالسلام على أهلها الذين هم منكم ديناً وقرابة  تَحِيَّةً مّنْ عِندِ الله  أي ثابتة بأمره، مشروعة من لدنه. أو لأنّ التسليم والتحية طلب سلامة وحياة للمسلم عليه والمحيا من عند الله \[ مباركة طيبة \] ووصفها بالبركة والطيب : لأنها دعوة مؤمن لمؤمن يرجى بها من الله زيادة الخير وطيب الرزق. وعن أنس رضي الله عنه قال : خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين - وروي : تسع سنين - فما قال لي لشيء فعلته لم فعلته ؟ ولا قال لي لشيء كسرته لم كسرته ؟ وكنت واقفاً على رأسه أصب الماء على يديه فرفع رأسه فقال :**« ألا أعلمك ثلاث خصال تنتفع بها »** ؟ قلت : بلى بأبي وأمي يا رسول الله. قال :**« متى لقيت من أمّتي أحداً فسلم عليه يطل عمرك، وإذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خير بيتك، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأبرار والأوّابين »** وقالوا : إن لم يكن في البيت أحد فليقل : السلام علينا من ربنا، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام على أهل البيت ورحمة الله. وعن ابن عباس : إذا دخلت المسجد فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين تحية من عند الله، وانتصب تحية بسلموا، لأنها في معنى تسليماً، كقولك : قعدت جلوساً.

### الآية 24:62

> ﻿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [24:62]

أراد عزّ وجلّ أن يريهم عظم الجناية في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول الله بغير إذنه  وإِذَا كَانُواْ مَعَهُ على أَمْرٍ جَامِعٍ  فجعل ترك ذهابهم حتى يستأذنوه ثالث الأيمان بالله والإيمان برسوله، وجعلهما كالتشبيب له والبساط لذكره، وذلك مع تصدير الجملة بإنما وإيقاع المؤمنين مبتدأ مخبراً عنه بموصول أحاطت صلته بذكر الإيمانين، ثم عقبه بما يزيده توكيداً وتشديداً، حيث أعاده على أسلوب آخر وهو قوله : إِنَّ الذين يَسْتَئذنُونَكَ أُوْلَئِكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ  وضمنه شيئاً آخر، وهو : أنه جعل الاستئذان كالمصداق لصحة الإيمانين، وعرّض بحال المنافقين وتسللهم لواذاً. ومعنى قوله : لَّمْ يَذْهَبُواْ حتى يَسْتَئذِنُوهُ  لم يذهبوا حتى يستأذنوه ويأذن لهم، ألا تراه كيف علق الأمر بعد وجود استئذانهم بمشيئته وإذنه لمن استصوب أن يأذن له. والأمر الجامع : الذي يجمع له الناس، فوصف الأمر بالجمع على سبيل المجاز، وذلك نحو مقاتلة عدوّ، أو تشاور في خطب مهمّ، أو تضام لإرهاب مخالف، أو تماسح في حلف وغير ذلك. أو الأمر الذي يعم بضرره أو بنفعه. وقرىء :**«أمر جميع »** وفي قوله : وإِذَا كَانُواْ مَعَهُ على أَمْرٍ جَامِعٍ  أنه خطب جليل لا بدّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه من ذوي رأي وقوّة، يظاهرونه عليه ويعاونونه ويستضيء بآرائهم ومعارفهم وتجاربهم في كفايته، فمفارقة أحدهم في مثل تلك الحال مما يشق على قلبه ويشعث عليه رأيه، فمن ثمة غلظ عليهم وضيق عليهم الأمر في الاستئذان، ومع العذر المبسوط ومساس الحاجة إليه، واعتراض ما يهمهم ويعنيهم، وذلك قوله : لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ . وذكر الاستغفار للمستأذنين : دليل على أنّ الأحسن الأفضل أن لا يحدثوا أنفسهم بالذهاب ولا يستأذنوا فيه. وقيل : نزلت في حفر الخندق وكان قوم يتسللون بغير إذن. وقالوا : كذلك ينبغي أن يكون الناس مع أئمتهم ومقدميهم في الدين والعلم يظاهرونهم ولا يخذلونهم في نازلة من النوازل ولا يتفرقون عنهم. والأمر في الإذن مفوّض إلى الإمام : إن شاء أذن وإن شاء لم يأذن، على حسب ما اقتضاه رأيه.

### الآية 24:63

> ﻿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [24:63]

إذا احتاج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اجتماعكم عنده لأمر فدعاكم فلا تفرقوا عنه إلاّ بإذنه، ولا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضاً ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الداعي، أو لا تجعلوا تسميته ونداءه بينكم كما يسمي بعضكم بعضاً، ويناديه باسمه الذي سماه به أبواه، ولا تقولوا : يا محمد، ولكن : يا نبي الله، ويا رسول الله، مع التوقير \[ و \] التعظيم والصوت المخفوض والتواضع. ويحتمل : لا تجعلوا دعاء الرسول ربه مثل ما يدعو صغيركم وكبيركم وفقيركم وغنيكم، يسأله حاجة فربما أجابه وربما ردّه، فإن دعوات رسول الله صلى الله عليه وسلم مسموعة مستجابة  يَتَسَلَّلُونَ  ينسلون قليلاً قليلاً. ونظير **«تسلل »** :**«تدرّج وتدخل »** : واللواذ : الملاوذة، وهو أن يلوذ هذا بذاك وذاك بهذا، يعني : ينسلون عن الجماعة في الخفية على سبيل الملاوذة واستتار بعضهم ببعض. و  لِوَاذاً  حال، أي : ملاوذين، وقيل : كان بعضهم يلوذ بالرجل إذا استأذن فيأذن له، فينطلق الذي لم يؤذن له معه. وقرىء :**«لواذاً »** بالفتح \[ فَلْيَحْذَرِ الذن يخالفون عَنْ أَمْرِهِ \]. يقال : خالفه إلى الأمر، إذا ذهب إليه دونه، ومنه قوله تعالى : وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَا أنهاكم عَنْهُ  \[ هود : ٨٨ \] وخالفه عن الأمر : إذا صد عنه دونه. ومعنى  الذين يخالفون عَنْ أَمْرِهِ  الذين يصدّون عن أمره دون المؤمنين وهم المنافقون، فحذف المفعول لأنّ الغرض ذكر المخالف والمخالف عنه. الضمير في أمره لله سبحانه أو للرسول صلى الله عليه وسلم. والمعنى : عن طاعته ودينه  فِتْنَةً  محنة في الدنيا  أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  في الآخرة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما : فتنة قتل. وعن عطاء : زلازل وأهوال. وعن جعفر بن محمد : يسلط عليهم سلطان جائر.

### الآية 24:64

> ﻿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [24:64]

أدخل  قَدْ  ليؤكد علمه بما هم عليه من المخالفة عن الدين والنفاق ومرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد، وذلك أن  قَدْ  إذا دخلت على المضارع كانت بمعنى ****«ربما »**** فوافقت ****«ربما »**** في خروجها إلى معنى التكثير في نحو قوله :

فَإنْ تُمْسِ مَهْجُورَ الفِنَاءِ فَرُبَّمَا  أَقَامَ بِهِ بَعْدَ الْوُفُودِ وُفُودُ**ونحوه قول زهير :**أَخِي ثِقَةٍ لاَ تُهْلِكُ الْخَمْرُ مَالَه  وَلَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ الْمَالَ نَائِلُهْوالمعنى : أنّ جميع ما في السموات والأرض مختصّة به خلقاً وملكاً وعلماً، فكيف يخفى عليه أحوال المنافقين وإن كانوا يجتهدون في سترها عن العيون وإخفائها، وسينبئهم يوم القيامة بما أبطنوا من سوء أعمالهم وسيجازيهم حق جزائهم. والخطاب والغيبة في قوله : قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ  يجوز أن يكونا جميعاً للمنافقين على طريق الالتفات. ويجوز أن يكون  مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ  عاماً ؛ و  يَرْجِعُونَ  للمنافقين، والله أعلم.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/24.md)
- [كل تفاسير سورة النّور
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/24.md)
- [ترجمات سورة النّور
](https://quranpedia.net/translations/24.md)
- [صفحة الكتاب: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل](https://quranpedia.net/book/346.md)
- [المؤلف: الزمخشري](https://quranpedia.net/person/3927.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/24/book/346) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
