---
title: "تفسير سورة النّور - محاسن التأويل - جمال الدين القاسمي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/24/book/349.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/24/book/349"
surah_id: "24"
book_id: "349"
book_name: "محاسن التأويل"
author: "جمال الدين القاسمي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة النّور - محاسن التأويل - جمال الدين القاسمي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/24/book/349)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة النّور - محاسن التأويل - جمال الدين القاسمي — https://quranpedia.net/surah/1/24/book/349*.

Tafsir of Surah النّور from "محاسن التأويل" by جمال الدين القاسمي.

### الآية 24:1

> سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [24:1]

بسم الله الرحمن الرحيم

( ١ )  سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ . 
 سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا  خبر محذوف. أي هذه السورة. والتنكير للتفخيم  وَفَرَضْنَاهَا  أي أوجبنا ما فيها من الأحكام إيجابا قطعيا  وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ  أي تتذكرونها فتعملون بموجبها. قال الإمام ابن تيمية رحمه الله، في تفسير هذه الآيات : هذه السورة فرضها تعالى بالبينات والتقدير والحدود، التي من يتعد حلالها إلى الحرام فقد ظلم نفسه. ومن قرب من حرامها فقد اعتدى وتعدى الحدود. وبين فيها فرض العقوبة وآية الجلد وفريضة الشهادة على الزنى وفريضة شهادة المتلاعنين. كل منهما يشهد أربع شهادات بالله. ونهى فيها عن تعدي حدود الله في الفروج والأعراض والعورات وطاعة ذي السلطان. سواء كان في منزله أو ولايته. ولا يخرج ولا يدخل إلا بإذنه. إذ الحقوق نوعان : نوع لله فلا يتعدى حدوده، ونوع للعباد فيه أمر فلا يفعل إلا بإذن المالك، فليس لأحد أن يفعل شيئا في حق غيره إلا بإذن الله وإن لم يأذن المالك فإذن الله هو الأصل، وإذن المالك حيث أذن الله وجعل له الإذن فيه. ولهذا ضمنها الاستئذان في المساكن والمطاعم وفي الأمور الجامعة. كالصلاة والجهاد ونحوهما. ووسطها بذكر النور الذي هو مادة كل خير وصلاح كل شيء. وهو ينشأ عن امتثال أمر الله واجتناب نهيه، وعن الصبر على ذلك. فإنه ضياء فإن حفظ الحدود بتقوى الله، يجعل لصاحبه نورا. كما قال تعالى ( [(١)](#foonote-١) : اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به...  الآية فضد النور الظلمة، ولهذا عقب ذكر النور وأعمال المؤمنين بأعمال الكفار. وأهل البدع والضلال. فقال [(٢)](#foonote-٢) : والذين كفروا أعمالهم كسراب  الآية، إلى قوله [(٣)](#foonote-٣) : أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج...  الآية وكذلك الظلم ظلمات يوم القيامة. وظلم العبد نفسه من الظلم. فإن للسيئة ظلمة في القلب، وسوادا في الوجه، ووهنا في البدن، ونقصا في الرزق، وبغضا في قلوب الخلق. كما روي ذلك عن ابن عباس. يوضحه أن الله ضرب مثل إيمان المؤمنين بالنور، وأعمال الكفار بالظلمة. والإيمان اسم جامع لكل ما يحبه الله. والكفر اسم جامع لكل ما يبغضه، وإن كان لا يكفر العبد إذا كان معه أصل الإيمان وبعض فروع الكفر من المعاصي. كما لا يصير مؤمنا إذا كان معه بعض فروع الإيمان. ولغض البصر اختصاص بالنور كما في حديث أبي هريرة الذي صححه الترمذي [(٤)](#foonote-٤) :( إن العبد إذا أذنب )... الحديث. وفيه :( فذلك الران الذي ذكر الله ). وفي ( الصحيح ) [(٥)](#foonote-٥) :( إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة ). والغين حجاب رقيق أرق من الغيم، فأخبر أنه يستغفر ليزيل الغين، فلا يكون نكتة سوداء. كما أنها إذا أزيلت لا تصير رينا. وقال حذيفة :( إن الإيمان يبدو في القلب لمظة بيضاء. فكلما ازداد العبد إيمانا، ازداد قلبه بياضا )، وفي خطبة الإمام أحمد، في الرد على الزنادقة : الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل، بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى. يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى...... إلخ. وقد قرن الله سبحانه بين الهدى والضلال بما يشبه هذا كقوله تعالى [(٦)](#foonote-٦) : وما يستوي الأعمى والبصير \* ولا الظلمات ولا النور  وقال [(٧)](#foonote-٧) : مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع  وقال [(٨)](#foonote-٨) : مثلهم كمثل الذي استوقد نارا  الآيات. 
وهذا النور يكون للمؤمن في الدنيا على حسن عمله واعتقاده، يظهر في الآخرة، كما قال تعالى [(٩)](#foonote-٩) : يوم ترى المؤمنين والمؤمنات  إلى قوله : وبئس المصير  فأخبر سبحانه أن المنافقين يفقدون النور الذي كان المؤمنون يمشون به، ويطلبون الاقتباس من نورهم، فيحجبون عن ذلك بحجاب يضرب بينهم. كما أنهم في الدنيا لما فقدوا النور [(١٠)](#foonote-١٠) : كمثل الذي استوقد نارا  الآية. 
١ (٥٧ الحديد ٢٨)..
٢ (٢٤ النور ٣٩)..
٣ (٢٤ النور ٤٠)..
٤ أخرجه في: ٤٤ – كتاب التفسير، سورة المطففين، حدثنا قتيبة، حدثنا الليث..
٥ أخرجه مسلم في: ٤٨ – كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، حديث ٤١ (طبعتنا)..
٦ (٣٥ فاطر ١٩ و ٢٠)..
٧ (١١ هود ٢٤)..
٨ (٢ البقرة ١٧)..
٩ (٥٧ الحديد ١٢ و ١٥)..
١٠ (٢ البقرة ١٧)..

### الآية 24:2

> ﻿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [24:2]

**وقوله تعالى :**
 الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ  شروع في تفصيل ما ذكر من الآيات البينات وبيان أحكامها. أي كل من زنى من الرجال والنساء، فأقيموا عليه الحد. وهو أن يجلد، أي يضرب على جلده مائة جلدة، عقوبة لما صنع  وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ  أي رقة ورحمة في طاعته فيما أمركم به، من إقامة الحد عليهما، على ما ألزمكم به  إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ  أي تصدقون بالله ربكم وباليوم الآخر، وأنكم مبعوثون لحشر القيامة وللثواب والعقاب. فإن من كان بذلك مصدقا، فإنه لا يخالف الله في أمره ونهيه، خوف عقابه على معاصيه  وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ  أي وليحضر جلدهما طائفة من أهل الإيمان بالله ورسوله. قال ابن جرير [(١)](#foonote-١) : العرب تسمي الواحد فما زاد طائفة. 
قال ابن تيمية عليه الرحمة : فأمر تعالى بعقوبتهما بحضور طائفة من المؤمنين. وذلك بشهادته على نفسه أو شهادة المؤمنين عليه. لأن المعصية إذا ظهرت كانت عقوبتها ظاهرة. كما في الأثر [(٢)](#foonote-٢) ( من أذنب سرا فليتب سرا. ومن أذنب علانية فليتب علانية ) وليس من السر الذي يحبه الله، كما في الحديث [(٣)](#foonote-٣) ( إن الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها. فإذا أعلنت ولم تنكر، ضرت العامة ) فإذا أعلنت أعلنت عقوبتها بحسب العدل الممكن. ولهذا لم يكن للمعلن بالبدع والفجور غيبة. كما روي عن الحسن وغيره. لأنه لما أعلن استحق العقوبة. وأدناها أن يذم عليها لينزجر ويكف الناس عنه وعن مخالطته. ولو لم يذكر إلا بما فيه لاغتر به الناس. فإذا ذكر انكف وانكف غيره عن ذلك وعن صحبته. قال الحسن : أترغبون عن ذكر الفاجر ؟ اذكروه بما فيه كي يحذره الناس. و( الفجور ) اسم جامع لكل متجاهر بمعصية أو كلام قبيح، يدل السامع له على فجور قلب قائله ولهذا استحق الهجرة إذا أعلن ببدعة أو معصية أو فجور أو تهتك أو مخالطة لمن هذا حاله. بهذا لا يبالي بطعن الناس عليه. فإن هجره نوع تعزيز له. فإذا أعلن السيئات، أعلن هجره، وإذا أسر أسر هجره، إذ الهجرة هي الهجرة على السيئات وهجرة السيئات، كقوله [(٤)](#foonote-٤) : والرجز فاهجر  وقوله [(٥)](#foonote-٥) : واهجرهم هجرا جميلا  وقوله [(٦)](#foonote-٦) : فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره، إنكم إذا مثلهم  وقد روي عن عمر ؛ أن ابنه عبد الرحمن لما شرب الخمر بمصر وذهب به أخوه إلى أميرها عمرو بن العاص ليحده، جلده سرا. فبعث إليه عمر ينكر عليه. ولم يعتد حتى أرسل إلى ابنه، فأقدمه المدينة وجلده علانية، وعاش ابنه مدة ثم مرض ثم مات. ولم يمت من الجلد، ولا ضربه بعد الموت، كما يزعمه الكاذبون. 
وقوله تعالى : وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ  نهى تعالى عما يأمر به الشيطان في العقوبات عموما وفي الفواحش خصوصا. فإن هذا الباب مبناه على المحبة والشهوة والرأفة التي يزينها الشيطان بانعطاف القلوب على أهل الفواحش، حتى يدخل كثير من الناس بسبب هذه الآفة في الدياثة، إذا رأى من يهوي بعض المتصلين به، أو يعاشره عشرة منكرة ولو كان ولده، رق به وظن أن هذا من رحمة الخلق. وإنما ذلك دياثة ومهانة وعدم دين وإعانة على الإثم والعدوان. وترك للتناهي عن المنكر. وتدخل النفس به في القيادة التي هي أعظم من الدياثة كما دخلت عجوز السوء مع قومها، في استحسان ما كانوا يتعاطونه من إتيان الذكران والمعاونة لهم على ذلك. وكانت في الظاهر مسلمة على دين زوجها لوط، وفي الباطن منافقة على دين قومها. لا تقلي عملهم كما قلاه لوط. وكما فعل النسوة بيوسف. فإنهن أعن امرأة العزيز على ما دعته إليه من فعل الفاحشة معها ولهذا قال [(٧)](#foonote-٧) : رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه  وذلك بعد قولهم : إنا لنراها في ضلال مبين  ولا ريب أن محبة الفواحش مرض في القلب. فإن الشهوة توجب السكر كما قال تعالى [(٨)](#foonote-٨) : إنهم لفي سكرتهم يعمهون  وفي ( الصحيحين ) [(٩)](#foonote-٩) من حديث أبي هريرة ( العينان تزنيان ) إلخ فكثير من الناس يكون مقصوده بعض هذه الأنواع كالنظر والاستمتاع والمخاطبة. ومنهم من يرتقي إلى المس والمباشرة. ومنهم من يقبل وينظر. وكل ذلك حرام. وقد نهانا الله سبحانه أن تأخذنا بالزناة رأفة، بل نقيم عليهم الحد، فكيف بما دونه من هجر ؟ ونهى وتوبيخ وغير ذلك ؟ بل ينبغي شنآن الفاسقين وقلاهم على ما يتمتع به الإنسان من أنواع الزنى المذكورة في الحديث. والمحب، وإن كان يحب النظر والاستمتاع بصورة المحبوب وكلامه، فليس دواؤه في ذلك، لأنه مريض. والمريض إذا اشتهى ما يضره أو جزع من تناول الدواء الكريه، فأخذتنا به رأفة، فقد أعناه على ما يهلكه ويضره. وقال تعالى [(١٠)](#foonote-١٠) : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر  أي فيها الشفاء والبرء من ذلك. بل الرأفة به أن يعان على شراب الدواء وإن كان كريها، مثل الصلاة وما فيها من الأذكار والدعوات وأن يحمى عما يزيد علته. ولا يظن أنه إذا استمتع بمحرم يسكن بلاؤه. بل ذلك يوجب له زيادة في البلاء. فإنه وإن سكن ما به عقيب استمتاعه، أعقبه ذلك مرضا عظيما لا يتخلص منه. بل الواجب دفع أعظم الضررين باحتمال أدناهما قبل استحكام الداء. ومن المعلوم أن ألم العلاج النافع أيسر من ألم المرض الباقي. وبهذا يتبين أن العقوبات الشرعية أدوية نافعة. وهي من رأفة الله بعباده، الداخلة في قوله تعالى [(١١)](#foonote-١١) : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين  فمن ترك هذه الرحمة النافعة، لرأفة بالمريض، فهو الذي أعان على عذابه، وإن كان لا يريد الخير. إذ هو في ذلك جاهل أحمق، كما يفعله بعض النساء بمرضاهن وبمن يربينهن من أولادهن في ترك تأديبهم على ما يأتونه من الشر ويتركونه من الخير. ومن الناس من تأخذه الرأفة بهم لمشاركته لهم في ذلك المرض وبرودة القلب والدياثة. وهو في ذلك من أظلم الناس وأديثهم في حق نفسه ونظرائه. وهو بمنزلة جماعة مرضى قد وصف لهم الطبيب ما ينفعهم، فوجد كبيرهم مرارته، فترك شربه. ونهى عن سقيه للباقين. ومنهم من تأخذه الرأفة لكون احد الزانيين محبوبا له، إما لقرابة أو مودة أو إحسان، أو لما يرجوه منه، أو لما في العذاب من الألم الذي يوجب رقة القلب. ويتأول [(١٢)](#foonote-١٢) :( لا يدخل الجنة ديوث ) فمن لم يكن مبغضا للفواحش كارها لها، ولأهلها، ولا يغضب عند رؤيتها وسماعها، لم يكن مريدا للعقوبة عليها، فيبقى في العذاب عليها يوجب ألم قلبه. قال تعالى : وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ  الآية، في دين الله هو طاعته وطاعة رسوله. المبني على محبته ومحبة رسوله، وان يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. فإن الرأفة والرحمة يحبهما الله ما لم تكن مضيعة لدين الله. فالرحمة مأمور بها بخلاف الرأفة في دين الله. والشيطان يريد من الإنسان الإسراف في أموره كلها. فإنه إن رآه مائلا إلى الرحمة، زين له الرحمة حتى لا يبغض ما أبغضه الله، ولا يغار. وإن رآه مائلا إلى الشدة، زين له الشدة في غير ذات الله، فيزيد في الذم والبغض والعقاب على ما يحبه. ويترك من اللين والصلة والإحسان والبر ما يأمر الله به. فالأول مذنب والثاني مسرف. فليقولا جميعا [(١٣)](#foonote-١٣) : ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا  الآية. وقوله  إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ  فالمؤمن بذلك يفعل ما يحبه الله، وينهى عما يبغضه الله. ومن لم يؤمن بالله واليوم الآخر فإنه يتبع هواه. فتارة تغلب عليه الشدة [(١٤)](#foonote-١٤) : ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله  والنظر والمباشرة، وإن كان بعضه من اللمم، فإن دوام ذلك وما يتصل به، من المعاشرة والمباشرة قد تكون أعظم بكثير من فساد زنى لا إصرار فيه. بل قد ينتهي النظر والمباشرة بالرجل إلى الشرك. كما قال تعالى [(١٥)](#foonote-١٥) : ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله  الآية. ولهذا لا يكون عشق الصور إلا من ضعف محبة الله وضعف الإيمان. والله تعالى إنما ذكره عن امرأة العزيز المشركة وعن قوم لوط. وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم الحدود. فيما رواه أبو داود من حديث ابن عمر [(١٦)](#foonote-١٦) :( من حالت شفاعته دون حد من حدود الله، فقد ضاد الله في أمره. ومن خاصم في باطل، وهو يعلم، لم يزل في سخط الله حتى ينزع ومن قال في مسلم ما ليس فيه، حبس في ردعة الخبال حتى يخرج مما قال ). فالشافع في الحدود مضاد لله في أمره. فلا يجوز أن يأخذ المؤمن رأفة بأهل البدع والفجور والمعاصي. وجماع ذلك كله قوله [(١٧)](#foonote-١٧) : أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين  وقوله [(١٨)](#foonote-١٨) : أشداء على الكفار رحماء بينهم  فإن هذه الكبائر كلها من شعب الكفر كما في ( الصحاح ) [(١٩)](#foonote-١٩) ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ) إلخ ففيهم من نقص الإيمان ما يوجب زوال الرأفة بهم. ولا منافاة بين كون الواحد يحب من وجه ويبغض من وجه، ويثاب من وجه ويعاقب من وجه. خلافا للخوارج والمعتزلة. ولهذا جاء في السنة أن من أقيم عليه الحد، يرحم من وجه آخر، فيحسن إليه ويدعى له. وهذا الجانب أغلب في الشريعة كما في صفة الرب سبحانه وتعالى. ففي ( الصحيح ) [(٢٠)](#foonote-٢٠) ( إن رحمتي تغلب غضبي ) وقال [(٢١)](#foonote-٢١) : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم \* وأن عذابي هو العذاب الأليم  وقال [(٢٢)](#foonote-٢٢) : اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم  فجعل الرحمة صفة له مذكورة في أسمائه. وأما العذاب والعقاب فجعلهما من مفعولاته. ومن هذا ما أمر الله تعالى به من الغلظة على الكفار والمنافقين. وقال تعالى [(٢٣)](#foonote-٢٣) : واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم  الآية، وفي الحديث [(٢٤)](#foonote-٢٤) بيان السبيل الذي جعله الله لهن وهو جلد مائة وتغريب عام في البكر، وفي الثيب الرجم. لكن الذي في الحديث الجلد والنفي للبكر من الرجال. وأما الآية ففيها ذكر الإمساك في البيوت للنساء إلى الموت، والسبيل للنساء خاصة. ومن الفقهاء من لا يوجب مع الحد تغريبا. ومنهم من يفرق بين الرجل والمرأة كما أن أكثرهم لا يوجبون الجلد مع الرجم. ومنهم من يوجبهما جميعا. كما [(٢٥)](#foonote-٢٥) فعل بشراحة الهمدانية، حيث جلدها ثم رجمها. وقال :( جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة نبيه ). رواه البخاري. والله سبحانه ذكر في سورة النساء ما يختص بهن من العقوبة، ثم ذكر ما يعم الصنفين فقال [(٢٦)](#foonote-٢٦) : واللذان يأتيانها منكم فآذوهما، فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما، إن الله كان توابا رحيما  فإن الأذى يتناول الصنفين. وأما الإمساك فيختص بالنساء، لأن المرأة يجب أن تصان بما لا يجب مثله في الرجل ولهذا خصت بالاحتجاب وترك الزينة وترك التبرج، لأن ظهورها يسبب الفتنة، والرجال قوامون عليهن، وقوله [(٢٧)](#foonote-٢٧)  فاستشهدوا عليهن أربعة منكم  دل على شيئين : على نصاب الشهادة وعلى أن الشهداء على نسائنا منا. وهذا لا نزاع فيه. وأما شهادة الكفار بعضهم على بعض ففيها روايتان عن أحمد. الثانية أنها تقبل. اختارها أبو الخطاب. وهو قول أبي حنيفة. وهو أشبه بالكتاب والسنة. وقوله [(٢٨)](#foonote-٢٨) صلى الله عليه وسلم :( لا تجوز شهادة أهل ملة على ملة، إلا أمتي ) فمفهومه جواز شهادة أهل الملة الواحدة بعضهم على بعض. ولكن فيه : أن المؤمنين تقبل شهادته١ انظر الصفحة رقم ٦٩ من الجزء الثامن عشر (طبعة الحلبي الثانية)..
٢ جاء في حاشية تفسير سورة النور لابن تيمية، بالصفحة رقم ٦، ما يأتي: قيل هذا من كلام عمر بن الخطاب. قال فيه: (فإن من أبدى لنا عورته، نقم عليه حد الله تعالى). انتهى من هامش الأصل..
٣ لم أعثر على هذا الحديث..
٤ المدثر ٥)..
٥ ٧٣ المزمل ١٠)..
٦ (٤ النساء ٤٠)..
٧ (١٢ يوسف ٣٣)..
٨ (١٥ الحجر ٧٢)..
٩ (أخرجه ابو هريرة في: ٧٩ – كتاب الاستئذان، ١٢ – باب زنى الجوارح دون الفرج، حديث ٢٣٧٢.
 وأخرجه مسلم في ٤٦ – كتاب القدر، حديث رقم ٢٠ (طبعتنا)..
١٠ (٢٩ العنكبوت ٤٥)..
١١ (٢ الأنبياء ١٠٧)..
١٢ أخرجه البخاري في: ٢٣ – كتاب الجنائز، ٣٣ – باب قول النبي صلى الله عليهع وآله وسلم: يعذب الميت ببعض بكاء أهله عهليه، حديث رقم ٦٨٢، عن أسامة بن زيد..
١٣ (٣ آل عمران ١٤٧)..
١٤ (٢٨ القصص ٥٠)..
١٥ (٢ البقرة ١٦٥)..
١٦ أخرجه أبو داود في: ٢٣ – كتاب الأية، ١٤ – باب فيمن يعين على خصومة من غير أن يعلم امرها، حديث رقم ٣٥٩٧..
١٧ (٥ المائدة ٥٤)..
١٨ (٤٨ الفتح ٢٩)..
١٩ أخرجه البخاري في: ٤٦ – كتاب المظالم والغضب، ٣٠ – باب النهي بغير إذن صاحبه، حديث رقم ١٢٢٠، عن أبي هريرة.
 وأخرجه مسلم في: ١ – كتاب الإيمان، حديث رقم ١٠٠ (طبعتنا)..
٢٠ أخرجه البخاري في: ٩٧ – كتاب التوحيد، ٥٥ – باب قول الله تعالى: بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ، حديث ١٥٠٩، عن أبي هريرة..
٢١ (١٥ الحجر ٤٩ و ٥٠)..
٢٢ (٥ المائدة ٩٨)..
٢٣ (٤ النساء ١٥)..
٢٤ أخرجه مسلم في: ٢٩ – كتاب الحدود، حديث ١٢ (طبعتنا)..
٢٥ الحديث أخرجه البخاري في: ٨٦ – كتاب الحدود، ٢١ – باب المحصن، حديث رقم ٢٥١٣، عن علي. وهو مطول في المسند رقم ٨٣٩ (طبعة المعارف)..
٢٦ (٤ النساء ١٦)..
٢٧ (٤ النساء ١٥)..
٢٨ لم أقف على هذا الحديث..

### الآية 24:3

> ﻿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [24:3]

**وقوله تعالى :**
لما أمر الله بعقوبة الزانيين، حرم مناكحتهما على المؤمنين، هجرا لهما ولما معهما من الذنوب كقوله [(١)](#foonote-١) : والرجز فاهجر  وجعل مجالس فاعل ذلك المنكر، مثله بقوله [(٢)](#foonote-٢) : إنكم إذا مثلهم  وهو زوج له قال تعالى [(٣)](#foonote-٣) احشروا الذين ظلموا وأزواجهم  أي عشراءهم وأشباههم. ولهذا يقال :( المستمع شريك المغتاب ) ورفع إلى عمر بن عبد العزيز قوم يشربون الخمر. وكان فيهم جليس لهم صائم، فقال : ابدءوا به في الجلد ألم يسمع قول الله تعالى [(٤)](#foonote-٤) : فلا تقعدوا معهم  فإذا كان في المجالسة والعشرة العارضة حين فعلهم المنكر، يكون مجالسهم مثلا لهم، فكيف بالعشرة الدائمة :( والزوج ) يقال له : العشير. كما في الحديث [(٥)](#foonote-٥)( ويكفرن العشير ) وأخبر أنه لا يفعل ذلك إلا زان أو مشرك. أما المشرك فلا إيمان له يزجره عن الفواحش ومجامعة أهلها. وأما الزاني ففجوره يدعوه إلى ذلك، وإن لم يكن مشركا. وفيها دليل على أن الزاني ليس بمؤمن مطلق الإيمان. وإن لم يكن مشركا كما في ( الصحيح ) ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ) وذلك أنه أخبر أنه لا ينكح الزانية إلا زان أو مشرك. ثم قال تعالى : وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ  فعلم أن الإيمان يمنع منه. وأن فاعله إما مشرك وإما زان، ليس من المؤمنين الذين يمنعهم إيمانهم من ذلك. وذلك أن المزاناة فيها فساد فراش الرجل وفي مناكحتها معاشرة الفاجرة دائما. والله قد أمر بهجر السوء وأهله ما داموا عليه. وهذا موجود في الزاني. فإنه إن لم يفسد فراش امرأته كان قرين سوء لها، كما قال الشعبي من زوج كريمته من فاسق، فقد قطع رحمها. وهذا مما يدخل على المرأة ضرارا في دينها ودنياها. فنكاح الزانية أشد من جهة الفراش. ونكاح الزاني أشد من جهة أنه السيد المالك الحاكم. فتبقى المرأة الحرة العفيفة في أسر الفاجر الزاني الذي يقصر في حقوقها، ويعتدي عليها، ولهذا اتفقوا على اعتبار الكفاءة في الدين، وعلى ثبوت الفسخ بفوات هذه الكفاءة. واختلفوا في صحة النكاح بدون ذلك. فإن من نكح زانية فقد رضي لنفسه بالقيادة والدياثة. ومن نكحت زانيا فهو لا يحصن ماءه، بل يضعه فيها وفي غيرها من البغايا، فهي بمنزلة المتخذة خدنا. فإن مقصود النكاح حفظ الماء في المرأة. وهذا لا يحفظ ماءه. والله سبحانه شرط في الرجال أن يكونوا محصنين غير مسافحين، فقال [(٦)](#foonote-٦) : وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين  وهذا مما لا ينبغي إغفاله. فإن القرآن قد قصه وبينه بيانا مفروضا. كما قال تعالى : سورة أنزلناها وفرضناها  فأما تحريم نكاح الزانية فقد تكلم فيه الفقهاء. وفيه آثار عن السلف. وليس مع من أباحه ما يعتمد عليه. وقد ادعى بعضهم أنها منسوخة بقوله [(٧)](#foonote-٧) : والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم  وزعموا أن البغي من المحصنات. وتلك حجة عليهم، فإن أقل ما في الإحصان العفة. وإذا اشترط فيه الحرية، فذاك تكميل للعفة والإحصان، ومن حرم نكاح الأمة لئلا يرق ولده، فكيف يبيح البغي الذي يلحق به من ليس بولده ؟ وأين فساد فراشه من رق ولده ؟ وكذلك من زعم أن النكاح هنا هو الوطء وهذا حجة عليهم، فمن وطئ زانية أو مشركة بنكاح، فهو زان. وكذلك من وطئها زان. فإن ذم الزاني بفعله الذي هو الزنى. حتى لو استكرهها أو استدخلت ذكره وهو نائم كانت العقوبة للزاني دون قرينه. والمقصود أن الآية تدل على أن الزاني لا يتزوج إلا زانية أو مشركة. وأن ذلك حرام على المؤمنين. وليس هذا مجرد كونه فاجرا، بل لخصوصية كونه زانيا، وكذلك في المرأة. ليس بمجرد فجورها، بل لخصوص زناها، بدليل أنه جعل المرأة زانية إذا تزوجت زانيا كما جعله زانيا إذا تزوج زانية. وهذا إذا كانا مسلمين يعتقدان تحريم الزنى. وإلا إن كانا مشركين، فينبغي أن يعلم ذلك. ومضمونه أن الزاني لا يجوز إنكاحه حتى يتوب. وذلك يوافق اشتراطه الإحصان، والمرأة الزانية لا تحصن فرجها، ولهذا يجب عليه نفي الولد الذي ليس منه. فمن نكح زانية فهو زان، أي تزوجها. ومن نكحت زانيا فهي زانية، أي تزوجته. فإن كثيرا من الزناة قصروا أنفسهم على الزواني، فتكون خدنا له لا يأتي غيرها، فإن الرجل إذا كان زانيا لا يعف امرأته فتتشوق إلى غيره فتزني كما هو الغالب على نساء الزاني ومن يلوط بالصبيان. فإن نسائهم يزنين ليقضين أربهن وليراغمن أزواجهن. ولهذا يقال : عفوا تعف نساؤكم. وبروا آباءكم تبركم أبنائكم. فكما تدين تدان، والجزاء من جنس العمل، ومن عقوبة السيئة السيئة بعدها. فإن الرجل إذا رضي أن ينكح زانية، رضي بأن تزني امرأته. والله سبحانه قد جعل بين الزوجين مودة ورحمة. فأحدهما يحب لنفسه ما يحب للآخر. فإذا رضيت المرأة أن تنكح زانيا فقد رضيت عمله، وكذلك الرجل. ومن رضي بالزنى فهو بمنزلة الزاني، فإن أصل الفعل هو الإرادة. ولهذا في الأثر [(٨)](#foonote-٨). ( من غاب عن معصية فرضيها كان كمن شهدها ). وفي الحديث [(٩)](#foonote-٩) ( المرء على دين خليله ) وأعظم الخلة خلة الزوجين. وأيضا، فإن الله تعالى جعل في نفوس بني آدم من الغيرة ما هو معروف. فيستعظم الرجل أن يطأ الرجل امرأته، أعظم من غيرته على نفسه أن يزني. فإذا لم يكره أن تكون زوجته بغيا أو ديوثا، كيف يكره أن يكون هو زانيا ؟ ولهذا لم يوجد من هو ديوث أو قواد يعف عن الزنى، فإن الزنى له شهوة في نفسه. والديوث له شهوة في زنى غيره. فإذا لم يكن معه إيمان يكره من زوجته ذلك، كيف يكون معه إيمان يمنعه من الزنى ؟ فمن استحل أن يترك امرأته تزني، استحل أعظم الزنى. ومن أعان على ذلك فهو كالزاني. ومن أقر عليه، مع إمكان تغييره، فقد رضيه. ومن تزوج غير تائبة فقد رضي أن تزني. إذ لا يمكنه منعها. فإن كيدهن عظيم. ولهذا جاز له، إذا أتت بفاحشة مبينة، أن يعضلها لتفتدي. لأنها بزناها طلبت الاختلاع منه وتعرض لإفساد نكاحه. فإنه لا يمكنه المقام معها حتى تتوب. ولا يسقط المهر بمجرد زناها. كما دل عليه قوله [(١٠)](#foonote-١٠) صلى الله عليه وسلم للملاعن ( لما قال مالي ) قال :( لا مال لك عندها إن كنت صادقا فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كاذبا عليها فذاك أبعد وأبعد لك منها ) ؛ لأنها إذا زنت قد تتوب. لكن زناها يبيح إعضالها حتى تفتدي إن اختارت فراقه، أو تتوب. وفي الغالب أن الرجل لا يزني بغير امرأته، إلا إذا أعجبه ذلك الغير. فلا يزال يزني بما يعجبه، فتبقى امرأته بمنزلة المعلقة. لا هي أيم ولا ذات زوج فيدعوها ذلك إلى الزنى، ويكون الباعث لها مقابلة زوجها على وجه القصاص. فإذا كان من العادين لم يكن قد أحصن نفسه. وأيضا فإن داعية الزانى تشتغل بما يختاره من البغايا، فلا تبقى داعيته إلى الحلال تامة. ولا غيرته كافية في إحصانه المرأة، فتكون عنده كالزانية المتخذة خدنا، وهذه معان شريفة لا ينبغي إهمالها. وعلى هذا، فالمساحقة زانية، كما في الحديث [(١١)](#foonote-١١) :( زنى النساء سحاقهن ) والذي يعمل عمل قوم لوط زان، فلا ينكح إلا زانية أو مشركة. ولهذا يكثر في نساء اللوطية من تزني، وربما زنت بمن يتلوط به مراغمة له وقضاء لوطرها. وكذلك المتزوجة بمخنث ينكح كما تنكح، هي متزوجة بزان، بل هو أسوأ الشخصين حالا. فإنه مع الزاني صار ملعونا على نفسه للتخنيث، غير اللعنة التي تصيبه بعمل قوم لوط. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لعن من يعمل عمل قوم لوط. وفي ( الصحيح ) [(١٢)](#foonote-١٢) ( أنه لعن المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء )، وكيف يجوز لها أن تتزوج بمخنث قد انتقلت شهوته إلى دبره ؟ فهو يؤتى كما تؤتى المرأة. وتضعف داعيته من أمامه كما تضعف داعية الزاني بغير امرأته عنها. فإذا لم يكن له غيرة على نفسه، ضعفت غيرته على امرأته وغيرها. ولهذا يوجد من كان مخنثا ليس له كبير غيرة على ولده ومملوكه ومن يكفله. والمرأة إذا رضيت بالمخنث واللوطي، كانت على دينه، فتكون زانية، وأبلغ. فإن تمكين المرأة من نفسها أسهل من تمكين الرجل من نفسه. فإذا رضيت ذلك من زوجها رضيته من نفسها. 
ولفظ الآية  الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ  يتناول هذا كله بطريق عموم اللفظ، أو بطريق التنبيه. وفحوى الخطاب الذي هو أقوى من مدلول اللفظ. وأدنى من ذلك أن يكون بطريق القياس، كما بيناه في حد اللوطي وغيره. انتهى كلام ابن تيمية رحمه الله. وكله تأييد لما ذهب إليه الإمام أحمد من انه لا يصح العقد من الرجل العفيف على المرأة البغي، ما دامت كذلك، فإن تابت صح العقد عليها، وإلا فلا. وكذلك لا يصح تزويج المرأة الحرة العفيفة بالرجل الفاجر المسافح حتى يتوب توبة صحيحة. لقوله تعالى : وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ  كما فضله تقي الدين. 
وقد روى هنا الحافظ ابن كثير آثارا مرفوعة وموقوفة، كلها مؤكدة لهذا. ثم قال بعدها : فأما الحديث الذي رواه النسائي [(١٣)](#foonote-١٣) عن ابن عباس قال :( جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن عندي امرأة من أحب الناس إلي، وهي لا تمنع يد لامس. قال :( طلقها ) قال : لا صبر لي عنها. قال ( استمتع بها ) ). فقال النسائي : هذا الحديث غير ثابت. وعبد الكريم أحد رواته ضعيف الحديث ليس بالقوي. وقال الإمام أحمد : هو حديث منكر. وقال ابن قتيبة : إنما أراد أنها سخية لا تمنع سائلا. وحكاه النسائي في ( سننه ) عن بعضهم. فقال : وقيل : سخية تعطي. ورد هذا بأنه لو كان المراد لقال : لا ترد يد ملتمس. وقيل : المراد أن سجيتها لا ترد يد لامس، لا أن المراد أن هذا وقع منها، وأنها تفعل الفاحشة. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأذن في مصاحبة من هذه صفتها، فإن زوجها والحالة هذه يكون ديوثا، وقد تقدم الوعيد على ذلك. ولكن لما كانت سجيتها هكذا ليس فيها ممانعة ولا مخالفة لمن أرادها لو خلا بها أحد، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بفراقها. فلما ذكر أنه يحبها أباح البقاء معها. لأن محبته لها محققة. ووقوع الفاحشة منها متوهم، فلا يصار إلى الضرر العاجل للتوهم الآجل. والله أعلم. انتهى. 
**لطيفة :**
سر تقديم  الزانية  في الأولى و الزاني  في الثانية : أن الأولى في حكم الزنى والأصل فيه المرأة لما يبدو منها من الإيماض والإطماع. والثانية في نكاح الزناة إذا وقع ذلك على الصحة. والأصل في النكاح الذكور، وهم المبتدئون بالخطبة، فلم يسند إلا لهم، لهذا. وإن كان الغرض من الآية تنفير الأعفاء من الذكور والإناث، من مناكحة الزناة ذكورا وإناثا، زجرا لهم عن الفاحشة، ولذلك قرن الزنى والشرك. ومن ثم كره مالك رحمه الله مناكحة المشهورين بالفاحشة. وقد نقل أصحابه الإجماع في المذهب على أن للمرأة أو لمن قام من أوليائها فسخ نكاح الفاسق. ومالك أبعد الناس من اعتبار الكفاءة إلا في الدين. وأما في النسب فقد بلغه أنهم فرقوا بين عربية ومولى، فاستعظمه وتلا [(١٤)](#foonote-١٤)  يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم  انتهى كلام الناصر في ( الانتصاف ) ومراد السلف بالكراهة، ما تعرف بالكراهة التحريمية. فيقرب بذلك مذهب المالكية. 
١ (٢٤ المدثر ٥)..
٢ (٤ النساء ١٤٠)..
٣ (٣٧ االصافات ٢٢)..
٤ (٤ النساء ١٤٠)..
٥ أخرجه البخاري في: ٦ – كتاب الحيض، ٦ – باب ترك الحائض الصوم، حديث ٢١٥، عن أبي سعيد الخدري..
٦ (٤ النساء ٢٤)..
٧ (٤ النساء ٢٤)..
٨ أخرجه أبو داود في: ٣٦ – كتاب الملاحم، ١٧ – باب الأمر والنهي، حديث ٤٣٤٥ عن العرس بن عميرة الكندي..
٩ أخرجه الترمذي في: ٣٤ – كتاب الزهد، ٤٥ – باب حدثنتا محمد بن بشار عن أبي هريرة..
١٠ أخرجه البخاري في: ٦٧ – كتاب الطلاق ٥٣ – باب المتعة التي لم يفرض لها، عن ابن عمر، حديث ٢١٦٤..
١١ لم أقف عليه..
١٢ أخرجه البخاري في: ٨٦ – كتاب الحدود، ٣٣ – باب نفي أهل المعاصي والمخنثين، حديث ٢٢٨٩، عن ابن عباس..
١٣ أخرجه في: ٢٦ – كتاب النكاح، ١٢ – باب تزويج الزانية..
١٤ (٤٩ الحجرات ١٣)..

### الآية 24:4

> ﻿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [24:4]

ثم بين تعالى حكم جلد القاذف للمحصنة، وهي الحرة البالغة العفيفة، بقوله سبحانه وتعالى :
 وَالَّذِينَ يَرْمُونَ  أي يقذفون بالزنى  الْمُحْصَنَاتِ  أي المسلمات الحرائر العاقلات البالغات العفيفات عن الزنى  ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء  أي يشهدون على ما رموهن به  فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً  أي في كل واحد من الرامين. وتخصيص النساء لخصوص الواقعة، ولأن قذفهن أغلب وأشنع. وإلا فلا فرق فيه بين الذكر والأنثى  وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا  أي في أي واقعة كانت، لظهور كذبهم  وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ  أي لخروجهم عما وجب عليهم من رعاية حقوق المحصنات
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:**تنبيهات :**
الأول : قال ابن تيمية : ذكر تعالى عدد الشهداء وأطلق صفتهم ولم يقيدهم بكونهم ( منا ) ولا ( ممن نرضى ) ولا ( من ذوي العدل ) ولهذا تنازعوا : هل شهادة الأربعة التي لا توجب الحد مثل شهادة أهل الفسوق ؟ هل تدرأ الحد عن القاذف ؟ على قولين ) أحدهما تدرأ كشهادة الزوج على امرأته أربعا. فإنها تدرأ حد القذف ولا توجب الحد على المرأة. ولو لم تشهد المرأة، فهل تحد أو تحبس حتى تقر أو تلاعن، أو يخلى سبيلها ؟ فيه نزاع. فلا يلزم من درء الحد عن القاذف، وجوب حد الزنى. فإن كلاهما حد والحدود تدرأ بالشبهات. وأربع شهادات للقادف شبهة قوية، ولو اعترف المقدوف مرة أو مرتين او ثلاثا درئ الحد عن القاذف ولم يجب الحد عليه عند أكثر العلماء ولو كان المقذوف غير محصن، مثل أن يكون مشهورا بالفاحشة، لم يحد قاذفه حد القذف. ولم يحد هو حد الزنى بمجرد الاستفاضة. وإن كان يعاقب كل منهما دون الحد. ولا يقام حد الزنى على مسلم إلا بشهادة مسلمين. لكن يقال لم يقيدهم بالعدالة، وقد أمرنا الله أن نحمل الشهادة المحتاج إليها لأهل العدل والرضا وهم الممتثلون ما أمر الله بقوله [(١)](#foonote-١) : كونوا قوامين بالقسط  الآية وقوله [(٢)](#foonote-٢) : وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى  وقوله [(٣)](#foonote-٣) : ولا تكتموا الشهادة  وقوله [(٤)](#foonote-٤) ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا  وقوله [(٥)](#foonote-٥) : والذين هم بشهادتهم قائمون  فهم يقومون بها بالقسط لله، فيحصل مقصود الذي استشهدوه. 
والوجه الثاني – كون شهادتهم مقبولة لأنهم أهل العدل والرضا. فدل على وجوب ذلك في القبول والأداء. وقد نهى الله سبحانه عن قبول شهادة الفاسق بقوله [(٦)](#foonote-٦) : إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا  الآية. لكن هذا نص في أن الفاسق الواحد يجب التبين في خبره. وأما الفاسقان فصاعدا. فالدلالة عليه تحتاج إلى مقدمة أخرى، وما ذكره من عدد الشهود لا يتعين في الحكم باتفاق العلماء في مواضع. وعند الجمهور يحكم بلا شهود في مواضع عند النكول والرد ونحو ذلك. ويحكم بشاهد ويمين كما مضت بذلك السنة. ويدل على هذا أن الله لم يعتبر عند الأداء هذا القيد، لا في آية الزنى، ولا في آية القذف. بل قال : فاستشهدوا عليهن أربعة منكم  وإنما أمر بالتثبيت عند خبر الفاسق الواحد، ولم يأمر به عند خبر الفاسقين. فإن خبر الاثنين يوجب من الاعتقاد ما لا يوجبه خبر الفاسق الواحد، ولهذا قال العلماء : إذا استراب الحاكم في الشهود، فرقهم وسألهم عما تبين به اتفاقهم واختلافهم. انتهى. 
الثاني : قال الحافظ ابن حجر في ( الفتح ) ذهب الجمهور إلى أن شهادة القاذف بعد التوبة تقبل. ويزول عنه اسم الفسق. سواء كان بعد إقامة الحد أو قبله، لقوله تعالى : إلا الذين تابوا  روى البيهقي عن ابن عباس في هذه الآية :( فمن تاب فشهادته في كتاب الله تقبل ). وتأولوا قوله تعالى : أبدا  على أن المراد ما دام مصرا على قذفه. لأن ( أبد كل شيء ) على ما يليق به. كما لو قيل : لا تقبل شهادة الكافر أبدا، فإن المراد ما دام مصرا على الكفر. وبالغ الشعبي فقال : إن تاب القاذف قبل إقامة الحد عليه، سقط عنه. وذهبت الحنفية إلى أن الاستثناء يتعلق بالفسق خاصة. فإن تاب سقط عنه اسم الفسق، وأما شهادته فلا تقبل أبدا. وقال بذلك بعض التابعين. انتهى. 
قال الزمخشري : والذي يقتضيه ظاهر الآية ونظمها. أن تكون الجمل الثلاث بمجموعهن جزاء الشرط. كأنه قيل : ومن قذف المحصنات فاجلدوهم، وردوا شهادتهم وفسقوهم. أي فاجمعوا لهم الجلد والرد والتفسيق، إلا الذين تابوا عن القذف وأصلحوا، فإن الله يغفر لهم، فينقلبون غير مجلودين ولا مردودين ولا مفسقين. انتهى. 
وأخرج البخاري في ( صحيحه ) في كتاب ( الشهادات ) في باب شهادة القاذف والسارق والزاني، عن عمر رضي الله عنه ؛ أنه جلد أبا بكرة وشبل بن معبد ونافعا، بقذف المغيرة بالزنى، لما شهدوا بأنهم رأوه متبطن المرأة. ( ولم يبت زياد الشهادة. ثم استتابهم وقال : من تاب قبلت شهادته ). وفي رواية قال لهم :( من أكذب نفسه قبلت شهادته فيما يستقبل ومن لم يفعل، لم أجز شهادته ). فأكذب شبل نفسه ونافع. وأبي أبو بكرة أن يرجع. 
قال المهلب : يستنبط من هذا ؛ أن إكذاب القاذف نفسه ليس شرط في قبول توبته. لأن أبا بكرة لم يكذب نفسه، ومع ذلك فقد قبل المسلمون روايته وعملوا بها. 
الثالث : قال الرازي : اختلفوا في أن التوبة عن القذف كيف تكون ؟
قال الشافعي رحمه الله : التوبة منه إكذابه نفسه، واختلف أصحابه في معناه. فقال الاصطخري : يقول كذبت فيما قلت فلا أعود لمثله وقال أبو إسحاق : لا يقول كذبت لأنه ربما يكون صادقا فيكون قوله ( كذبت ) كذبا والكذب معصية. والإتيان بالمعصية لا يكون توبة عن معصية أخرى، بل يقول : القذف باطل. ندمت على ما قلت، ورجعت عنه، ولا أعود إليه. 
الرابع : قال الرازي في قوله تعالى : وأصلحوا  قال أصاحبنا : إنه بعد التوبة، لا بد من مضي مدة عليه في حسن الحال، حتى تقبل شهادته وتعود ولايته. ثم قدروا تلك المدة بسنة حتى تمر عليه الفصول الأربعة، التي تتغير فيها الأحوال والطباع. كما يضرب للعنيين أجل سنة. وقد علق الشرع أحكاما بالسنة من الزكاة والجزية وغيرهما. انتهى. 
وقال الغزالي في ( الوجيز ) : يكفيه أن يقول : تبت ولا أعود. إلا إذا أقر على نفسه بالكذب، فهو فاسق، يجب استبراؤه ككل فاسق يقول : فإنه لا يصدق حتى يستبرأ مدة فيعلم بقرائن الأحوال صلاح سريرته. انتهى. 
وبه يعلم أن التقدير بسنة لا دليل عليه، بل المدار على علم صلاحه وظهور استقامته، ولو على أثر الحد. 
قال الحافظ ابن حجر : روى سعيد بن منصور من طريق حصين بن عبد الرحمن قال :( رأيت رجلا جلد حدا في قذف بالزنى. فلما فرغ من ضربه أحدث توبة. فلقيت أبا الزناد فقال لي : الأمر عندنا بالمدينة ؛ إذا رجع القاذف عن قوله، فاستغفر ربه قبلت شهادته ). وعلقه البخاري. 
الخامس : ننقل هنا ما أجمله السيوطي في ( الإكليل ) مما يتعلق بأحكام الآية. قال رحمه الله : في هذه الآية تحريم القذف، وأنه فسق، وأن القاذف لا تقبل شهادته، وأنه يجلد ثمانين إذا قذف محصنة أي عفيفة. ومفهومه أنه إذا قذف من عرفت بالزنى لا يحد للقذف. ويصرح بذلك قوله : ثم لم يأتوا بأربعة شهداء  وفيها أن الزنى لا يقبل فيه إلا أربعة رجال، لا أقل. ولا نساء. وسواء شهدوا مجتمعين أو متفرقين. واستدل بعموم الآية من قال : يحد العبد أيضا ثمانين. ومن قال : يحد قاذف الكافر والرقيق وغير البالغ والمجنون وولده. واحتج بها على من قذف نفسه ثم رجع لا يحد لنفسه. لأنه لم يرم أحدا. واستدل بها من قال : إن حد القذف من حقوق الله، فلا يجوز العفو عنه. انتهى. 
ثم رأيت لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، تحقيقا في بحث قبول الشهادة بعد التوبة، جديرا بأن يؤثر. قال رحمه الله : وقوله تعالى : ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا  نص في أن هؤلاء القذفة لا تقبل شهادتهم أبدا. واحدا كانوا أو عددا. بل لفظ الآية ينتظم العدد على سبيل الجمع والبدل، لأنها نزلت في أهل الإفك باتفاق أهل العلم والحديث والفقه والتفسير وكان الذين قذفوا عائشة عددا، ولم يكونوا واحدا لما رأوها قدمت صحبة صفوان بن المعطل، بعد قفول العسكر، وكانت قد ذهبت تطلب قلادة لها فقدت فرفعوا هجودها معتقدين أنها فيه لخفتها، ولم تكن فيه. فلما رجعت لم تجد أحدا فمكثت مكانها. وكان صفوان قد تخلف وراء الجيش. فلما رآها أعرض بوجهه عنها وأناخ راحلته حتى ركبتها. ثم ذهب إلى العسكر. فكانت خلوته بها للضرورة، كما يجوز للمرأة أن تسافر بلا محرم للضرورة كسفر الهجرة. مثل ما قدمت أم كلثوم بنت عقبة مهاجرة، وقصة عائشة. 
ودلت الآية على أن القاذفين لا تقبل شهادتهم مجتمعين ولا متفرقين. ودلت الآية على أن شهادتهم بعد التوبة مقبولة. كما هو مذهب الجمهور. فإنه كان من جملتهم مسطح وحسان وحمنة. ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد شهادة أحد منهم، ولا المسلمون بعده لأنهم كلهم تابوا لما نزل القرآن ببراءتها. ومن لم يتب حينئذ، فإنه كافر مكذب بالقرآن. وهؤلاء ما زالوا مسلمين. وقد نهى الله عن قطع صلتهم. ولو ردت شهادتهم بعد التوبة لاستفاض ذلك مما استفاض رد عمر شهادة أبي بكرة. وقصة عائشة أعظم من قصة المغيرة. لكن من رد شهادة القاذف بعد التوبة يقول : أرد شهادة من حد في القذف. وهؤلاء لم يحدوا. والأولون يجيبون بأجوبة : أحدها – أنه قد روي في ( السنن ) أنهم حدوا. الثاني أن هذا الشرط غير معتبر في ظاهر القرآن، وهم لا يقولون به. الثالث – أن الذين اعتبروا الحد اعتبروه وقالوا : قد يكون القاذف صادقا وقد يكون كاذبا. فإعراض المقذوف عن طلب الحد قد يكون لصدق القاذف. فإذا طلبه ولم يأت القاذف بأربعة شهداء ظهر كذبه. ومعلوم أن الذين قذفوا عائشة ظهر كذبهم أعظم من ظهور كذب كل أحد. فإن الله عز وجل هو الذي برأها بكلامه الذي أنزله من فوق سبع سماوات يتلى، فإذا كانت شهادتهم مقبولة، فغيرهم أولى. وقصة عمر التي حكم فيها بين المهاجرين والأنصار، في شأن المغيرة، دليل على الفصلين جميعا. لما توقف الرابع فجلد الثلاثة دونه ورد شهادتهم، لأن اثنين من الثلاثة تابا فقبل شهادتهما. والثالث هو أبو بكرة، مع كونه من أفضلهم، لم يتب. فلم يقبل المسلمون شهادته. وقد قال عمر : تب أقبل شهادتك. لكن إذا كان القرآن قد بين أنهم إن لم يأتوا بأربعة شهداء لم تقبل شهادتهم أبدا، ثم قال بعد ذلك : وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا  فمعلوم أن قوله : هم الفاسقون  وصف ذم لهم زائد على رد الشهادة. 
وأما تفسير العدالة فإنها الصلاح في الدين والمروءة. وإذا وجد هذا في شخص كان عدلا في شهادته وكان من الصالحين. وأما انه لا يستشهد أحد في وصية ولا رجعة في جميع الأمكنة والأزمنة حتى يكون بهذه الصفة، فليس في كتاب الله وسنة رسوله ما يدل على ذلك، بل هذا صفة المؤمن الذي أكمل إيمانه بأداء الواجبات وإن كان المستحبات لم يكملها. ومن كان كذلك كان من أولياء الله المتقين. 
ثم إن القائلين بهذا يفسرون الواجبات بالصلوات الخمس ونحوها، بل قد يجب على الإنسان من حقوق الله وحقوق عباده ما لا يحصيه إلا الله، مما يكون تركه أعظم إثما من شرب الخمر والزنى ومع ذلك لم يجعلوه قادحا في عدالته، إما لعدم استشعار كثرة الواجبات، وإما لالتفاتهم إلى ترك السيئات دون فعل الواجبات، وليس الأمر كذلك في الشريعة. وبالجملة. فهذا معتبر في باب الثواب والعقاب والمدح والذم والموالاة والمعاداة، وهذا أمر عظيم. وباب الشهادة مداره على أن يكون الشهيد مرضيا، أو يكون ذا عدل بتحري القسط والعدل في أقواله وأفعاله، والصدق في شهادته وخبره. وكثيرا ما يوجد هذا مع الإخلال بكثير من تلك الصفات. كما أن الصفات التي اعتبروها كثيرا ما توجد بدون هذا كما رأينا كل واحد من الصنفين كثيرا. لكن يقال : إن ذلك مظنة الصدق والعدل والمقصود من الشهادة ودليل عليها وعلامة لها. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث [(٧)](#foonote-٧) المتفق على صحته ( عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة... ) الحديث فالصدق مستلزم للبر، كما أن الكذب مستلزم للفجور. فإذا وجد الملزوم وهو تحري الصدق، وجد اللازم و

---

### الآية 24:5

> ﻿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [24:5]

إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ  أي القذف  وَأَصْلَحُوا  أي أعمالهم  فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  أي بقبول توبتهم وعفوه عنهم. 
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:**تنبيهات :**
الأول : قال ابن تيمية : ذكر تعالى عدد الشهداء وأطلق صفتهم ولم يقيدهم بكونهم ( منا ) ولا ( ممن نرضى ) ولا ( من ذوي العدل ) ولهذا تنازعوا : هل شهادة الأربعة التي لا توجب الحد مثل شهادة أهل الفسوق ؟ هل تدرأ الحد عن القاذف ؟ على قولين ) أحدهما تدرأ كشهادة الزوج على امرأته أربعا. فإنها تدرأ حد القذف ولا توجب الحد على المرأة. ولو لم تشهد المرأة، فهل تحد أو تحبس حتى تقر أو تلاعن، أو يخلى سبيلها ؟ فيه نزاع. فلا يلزم من درء الحد عن القاذف، وجوب حد الزنى. فإن كلاهما حد والحدود تدرأ بالشبهات. وأربع شهادات للقادف شبهة قوية، ولو اعترف المقدوف مرة أو مرتين او ثلاثا درئ الحد عن القاذف ولم يجب الحد عليه عند أكثر العلماء ولو كان المقذوف غير محصن، مثل أن يكون مشهورا بالفاحشة، لم يحد قاذفه حد القذف. ولم يحد هو حد الزنى بمجرد الاستفاضة. وإن كان يعاقب كل منهما دون الحد. ولا يقام حد الزنى على مسلم إلا بشهادة مسلمين. لكن يقال لم يقيدهم بالعدالة، وقد أمرنا الله أن نحمل الشهادة المحتاج إليها لأهل العدل والرضا وهم الممتثلون ما أمر الله بقوله [(١)](#foonote-١) : كونوا قوامين بالقسط  الآية وقوله [(٢)](#foonote-٢) : وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى  وقوله [(٣)](#foonote-٣) : ولا تكتموا الشهادة  وقوله [(٤)](#foonote-٤) ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا  وقوله [(٥)](#foonote-٥) : والذين هم بشهادتهم قائمون  فهم يقومون بها بالقسط لله، فيحصل مقصود الذي استشهدوه. 
والوجه الثاني – كون شهادتهم مقبولة لأنهم أهل العدل والرضا. فدل على وجوب ذلك في القبول والأداء. وقد نهى الله سبحانه عن قبول شهادة الفاسق بقوله [(٦)](#foonote-٦) : إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا  الآية. لكن هذا نص في أن الفاسق الواحد يجب التبين في خبره. وأما الفاسقان فصاعدا. فالدلالة عليه تحتاج إلى مقدمة أخرى، وما ذكره من عدد الشهود لا يتعين في الحكم باتفاق العلماء في مواضع. وعند الجمهور يحكم بلا شهود في مواضع عند النكول والرد ونحو ذلك. ويحكم بشاهد ويمين كما مضت بذلك السنة. ويدل على هذا أن الله لم يعتبر عند الأداء هذا القيد، لا في آية الزنى، ولا في آية القذف. بل قال : فاستشهدوا عليهن أربعة منكم  وإنما أمر بالتثبيت عند خبر الفاسق الواحد، ولم يأمر به عند خبر الفاسقين. فإن خبر الاثنين يوجب من الاعتقاد ما لا يوجبه خبر الفاسق الواحد، ولهذا قال العلماء : إذا استراب الحاكم في الشهود، فرقهم وسألهم عما تبين به اتفاقهم واختلافهم. انتهى. 
الثاني : قال الحافظ ابن حجر في ( الفتح ) ذهب الجمهور إلى أن شهادة القاذف بعد التوبة تقبل. ويزول عنه اسم الفسق. سواء كان بعد إقامة الحد أو قبله، لقوله تعالى : إلا الذين تابوا  روى البيهقي عن ابن عباس في هذه الآية :( فمن تاب فشهادته في كتاب الله تقبل ). وتأولوا قوله تعالى : أبدا  على أن المراد ما دام مصرا على قذفه. لأن ( أبد كل شيء ) على ما يليق به. كما لو قيل : لا تقبل شهادة الكافر أبدا، فإن المراد ما دام مصرا على الكفر. وبالغ الشعبي فقال : إن تاب القاذف قبل إقامة الحد عليه، سقط عنه. وذهبت الحنفية إلى أن الاستثناء يتعلق بالفسق خاصة. فإن تاب سقط عنه اسم الفسق، وأما شهادته فلا تقبل أبدا. وقال بذلك بعض التابعين. انتهى. 
قال الزمخشري : والذي يقتضيه ظاهر الآية ونظمها. أن تكون الجمل الثلاث بمجموعهن جزاء الشرط. كأنه قيل : ومن قذف المحصنات فاجلدوهم، وردوا شهادتهم وفسقوهم. أي فاجمعوا لهم الجلد والرد والتفسيق، إلا الذين تابوا عن القذف وأصلحوا، فإن الله يغفر لهم، فينقلبون غير مجلودين ولا مردودين ولا مفسقين. انتهى. 
وأخرج البخاري في ( صحيحه ) في كتاب ( الشهادات ) في باب شهادة القاذف والسارق والزاني، عن عمر رضي الله عنه ؛ أنه جلد أبا بكرة وشبل بن معبد ونافعا، بقذف المغيرة بالزنى، لما شهدوا بأنهم رأوه متبطن المرأة. ( ولم يبت زياد الشهادة. ثم استتابهم وقال : من تاب قبلت شهادته ). وفي رواية قال لهم :( من أكذب نفسه قبلت شهادته فيما يستقبل ومن لم يفعل، لم أجز شهادته ). فأكذب شبل نفسه ونافع. وأبي أبو بكرة أن يرجع. 
قال المهلب : يستنبط من هذا ؛ أن إكذاب القاذف نفسه ليس شرط في قبول توبته. لأن أبا بكرة لم يكذب نفسه، ومع ذلك فقد قبل المسلمون روايته وعملوا بها. 
الثالث : قال الرازي : اختلفوا في أن التوبة عن القذف كيف تكون ؟
قال الشافعي رحمه الله : التوبة منه إكذابه نفسه، واختلف أصحابه في معناه. فقال الاصطخري : يقول كذبت فيما قلت فلا أعود لمثله وقال أبو إسحاق : لا يقول كذبت لأنه ربما يكون صادقا فيكون قوله ( كذبت ) كذبا والكذب معصية. والإتيان بالمعصية لا يكون توبة عن معصية أخرى، بل يقول : القذف باطل. ندمت على ما قلت، ورجعت عنه، ولا أعود إليه. 
الرابع : قال الرازي في قوله تعالى : وأصلحوا  قال أصاحبنا : إنه بعد التوبة، لا بد من مضي مدة عليه في حسن الحال، حتى تقبل شهادته وتعود ولايته. ثم قدروا تلك المدة بسنة حتى تمر عليه الفصول الأربعة، التي تتغير فيها الأحوال والطباع. كما يضرب للعنيين أجل سنة. وقد علق الشرع أحكاما بالسنة من الزكاة والجزية وغيرهما. انتهى. 
وقال الغزالي في ( الوجيز ) : يكفيه أن يقول : تبت ولا أعود. إلا إذا أقر على نفسه بالكذب، فهو فاسق، يجب استبراؤه ككل فاسق يقول : فإنه لا يصدق حتى يستبرأ مدة فيعلم بقرائن الأحوال صلاح سريرته. انتهى. 
وبه يعلم أن التقدير بسنة لا دليل عليه، بل المدار على علم صلاحه وظهور استقامته، ولو على أثر الحد. 
قال الحافظ ابن حجر : روى سعيد بن منصور من طريق حصين بن عبد الرحمن قال :( رأيت رجلا جلد حدا في قذف بالزنى. فلما فرغ من ضربه أحدث توبة. فلقيت أبا الزناد فقال لي : الأمر عندنا بالمدينة ؛ إذا رجع القاذف عن قوله، فاستغفر ربه قبلت شهادته ). وعلقه البخاري. 
الخامس : ننقل هنا ما أجمله السيوطي في ( الإكليل ) مما يتعلق بأحكام الآية. قال رحمه الله : في هذه الآية تحريم القذف، وأنه فسق، وأن القاذف لا تقبل شهادته، وأنه يجلد ثمانين إذا قذف محصنة أي عفيفة. ومفهومه أنه إذا قذف من عرفت بالزنى لا يحد للقذف. ويصرح بذلك قوله : ثم لم يأتوا بأربعة شهداء  وفيها أن الزنى لا يقبل فيه إلا أربعة رجال، لا أقل. ولا نساء. وسواء شهدوا مجتمعين أو متفرقين. واستدل بعموم الآية من قال : يحد العبد أيضا ثمانين. ومن قال : يحد قاذف الكافر والرقيق وغير البالغ والمجنون وولده. واحتج بها على من قذف نفسه ثم رجع لا يحد لنفسه. لأنه لم يرم أحدا. واستدل بها من قال : إن حد القذف من حقوق الله، فلا يجوز العفو عنه. انتهى. 
ثم رأيت لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، تحقيقا في بحث قبول الشهادة بعد التوبة، جديرا بأن يؤثر. قال رحمه الله : وقوله تعالى : ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا  نص في أن هؤلاء القذفة لا تقبل شهادتهم أبدا. واحدا كانوا أو عددا. بل لفظ الآية ينتظم العدد على سبيل الجمع والبدل، لأنها نزلت في أهل الإفك باتفاق أهل العلم والحديث والفقه والتفسير وكان الذين قذفوا عائشة عددا، ولم يكونوا واحدا لما رأوها قدمت صحبة صفوان بن المعطل، بعد قفول العسكر، وكانت قد ذهبت تطلب قلادة لها فقدت فرفعوا هجودها معتقدين أنها فيه لخفتها، ولم تكن فيه. فلما رجعت لم تجد أحدا فمكثت مكانها. وكان صفوان قد تخلف وراء الجيش. فلما رآها أعرض بوجهه عنها وأناخ راحلته حتى ركبتها. ثم ذهب إلى العسكر. فكانت خلوته بها للضرورة، كما يجوز للمرأة أن تسافر بلا محرم للضرورة كسفر الهجرة. مثل ما قدمت أم كلثوم بنت عقبة مهاجرة، وقصة عائشة. 
ودلت الآية على أن القاذفين لا تقبل شهادتهم مجتمعين ولا متفرقين. ودلت الآية على أن شهادتهم بعد التوبة مقبولة. كما هو مذهب الجمهور. فإنه كان من جملتهم مسطح وحسان وحمنة. ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد شهادة أحد منهم، ولا المسلمون بعده لأنهم كلهم تابوا لما نزل القرآن ببراءتها. ومن لم يتب حينئذ، فإنه كافر مكذب بالقرآن. وهؤلاء ما زالوا مسلمين. وقد نهى الله عن قطع صلتهم. ولو ردت شهادتهم بعد التوبة لاستفاض ذلك مما استفاض رد عمر شهادة أبي بكرة. وقصة عائشة أعظم من قصة المغيرة. لكن من رد شهادة القاذف بعد التوبة يقول : أرد شهادة من حد في القذف. وهؤلاء لم يحدوا. والأولون يجيبون بأجوبة : أحدها – أنه قد روي في ( السنن ) أنهم حدوا. الثاني أن هذا الشرط غير معتبر في ظاهر القرآن، وهم لا يقولون به. الثالث – أن الذين اعتبروا الحد اعتبروه وقالوا : قد يكون القاذف صادقا وقد يكون كاذبا. فإعراض المقذوف عن طلب الحد قد يكون لصدق القاذف. فإذا طلبه ولم يأت القاذف بأربعة شهداء ظهر كذبه. ومعلوم أن الذين قذفوا عائشة ظهر كذبهم أعظم من ظهور كذب كل أحد. فإن الله عز وجل هو الذي برأها بكلامه الذي أنزله من فوق سبع سماوات يتلى، فإذا كانت شهادتهم مقبولة، فغيرهم أولى. وقصة عمر التي حكم فيها بين المهاجرين والأنصار، في شأن المغيرة، دليل على الفصلين جميعا. لما توقف الرابع فجلد الثلاثة دونه ورد شهادتهم، لأن اثنين من الثلاثة تابا فقبل شهادتهما. والثالث هو أبو بكرة، مع كونه من أفضلهم، لم يتب. فلم يقبل المسلمون شهادته. وقد قال عمر : تب أقبل شهادتك. لكن إذا كان القرآن قد بين أنهم إن لم يأتوا بأربعة شهداء لم تقبل شهادتهم أبدا، ثم قال بعد ذلك : وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا  فمعلوم أن قوله : هم الفاسقون  وصف ذم لهم زائد على رد الشهادة. 
وأما تفسير العدالة فإنها الصلاح في الدين والمروءة. وإذا وجد هذا في شخص كان عدلا في شهادته وكان من الصالحين. وأما انه لا يستشهد أحد في وصية ولا رجعة في جميع الأمكنة والأزمنة حتى يكون بهذه الصفة، فليس في كتاب الله وسنة رسوله ما يدل على ذلك، بل هذا صفة المؤمن الذي أكمل إيمانه بأداء الواجبات وإن كان المستحبات لم يكملها. ومن كان كذلك كان من أولياء الله المتقين. 
ثم إن القائلين بهذا يفسرون الواجبات بالصلوات الخمس ونحوها، بل قد يجب على الإنسان من حقوق الله وحقوق عباده ما لا يحصيه إلا الله، مما يكون تركه أعظم إثما من شرب الخمر والزنى ومع ذلك لم يجعلوه قادحا في عدالته، إما لعدم استشعار كثرة الواجبات، وإما لالتفاتهم إلى ترك السيئات دون فعل الواجبات، وليس الأمر كذلك في الشريعة. وبالجملة. فهذا معتبر في باب الثواب والعقاب والمدح والذم والموالاة والمعاداة، وهذا أمر عظيم. وباب الشهادة مداره على أن يكون الشهيد مرضيا، أو يكون ذا عدل بتحري القسط والعدل في أقواله وأفعاله، والصدق في شهادته وخبره. وكثيرا ما يوجد هذا مع الإخلال بكثير من تلك الصفات. كما أن الصفات التي اعتبروها كثيرا ما توجد بدون هذا كما رأينا كل واحد من الصنفين كثيرا. لكن يقال : إن ذلك مظنة الصدق والعدل والمقصود من الشهادة ودليل عليها وعلامة لها. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث [(٧)](#foonote-٧) المتفق على صحته ( عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة... ) الحديث فالصدق مستلزم للبر، كما أن الكذب مستلزم للفجور. فإذا وجد الملزوم وهو تحري الصدق، وجد اللازم و---

### الآية 24:6

> ﻿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ [24:6]

ثم بين تعالى حكم الرامين لأزواجهم خاصة، بعد بيان حكم الرامين بغيرهن، بقوله سبحانه.. 
 وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ  أي بالزنى  وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ  أي فيما رماها به من الزنى. 
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:**تنبيهات :**
الأول – قال ابن كثير : هذه الآية الكريمة فيها فرج للأزواج وزيادة مخرج، إذا قذف أحدهم زوجته وتعسر عليه إقامة البينة، أن يلاعنها كما أمر الله عز وجل. وهو أن يحضرها إلى الإمام فيدعي عليها بما رماها به. فيحلفه الحاكم أربع شهادات بالله في مقابلة أربعة شهداء إنه لمن الصادقين. أي فيما رماها به من الزنى. والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. فإذا قال ذلك بانت منه بنفس هذا اللعان عند الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء. وحرمت عليه أبدا. ويعطيها مهرها. ويتوجه عليها حد الزنى، ولا يدرأ عنها العذاب إلا أن تلاعن فتشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين. أي فيما رماها به. والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. 
الثاني – روي في ( الصحيح ) [(١)](#foonote-١) أن ذلك وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم : و( أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أرأيت رجلا رأى مع امرأته رجلا، أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد قضى الله فيك وفي امرأتك. وتلا عليه ما نزل من هذه الآية. فتلاعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ). 
وصح أيضا أنها قد وقعت لرجلين سميا. وقد اختلف شراح ( الصحيح ) في معنى ما روي من أنها نزلت فيهما معا. 
وإذا راجعت ما كتبناه في ( المقدمة ) في معنى سبب النزول، زال الإشكال. فارجع إليه. 
الثالث – قال السيوطي في ( الإكليل ) : هذه الآية أصل في اللعان. ففيها أن شرطه سبق قذف. وأنه إنما يكون بين الزوجين لا بين الرجل وأجنبية ولا السيد وأمته، واستدل بعمومها من قال بلعان الكفار والعبيد والخصي والمجبوب والمحدود في القذف والأعمى والأخرس، ومن الصغيرة التي لا تحمل والآيسة. واستدل بقوله : ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم  من قال لا لعان إذا أقام البينة على زناها وبقوله : فشهادة أحدهم  من قال : إن اللعان شهادة لا يمين. وقوله : أربع شهادات بالله  الخ في أن صيغته أن يقول : أشهد بالله إني لمن الصادقين، أربعا والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فاستدل به من لم يجز إبدال أشهد ( بأحلف أو أقسم ونحو ) أو الله ( بالرحمن ونحوه ) أو زاد ( يعلم الله ونحوه ) ومن لم يوجب زيادة ( الذي لا إله إلا هو ) ومن لم يجز إسقاط ( إني لمن الصادقين ) ولا إبدالها ( بما كذبت عليها ونحوه ) ولا الاكتفاء بدون أربع خلافا لأبي حنيفة، في اكتفائه بثلاث شهادات. ولا تقديم اللعنة على الشهادة. أو توسطها، أو إبدالها بالغضب. وقوله تعالى : ويدرأ عنها العذاب  الآية، فيه أن لعانه يوجب على المرأة حد الزنى وان لها دفعه بأن تقول أربع مرات. أشهد بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها الخ وفيه أيضا أنه لا يجوز لها أن تبدل أشهد ( بأحلف ) أو الغضب ( باللعنة ) إلى آخر ما تقدم واستدل به على انه لا يجوز تقديم لعانها على لعانه. انتهى. 
الرابع – اعلم أن الحد الواجب بالزنى نوعان : جلد ورجم. فالجلد حد البكرين الحرين إذا زنيا. فيجلد كل واحد منهما مائة جلدة. وفي تغريبهما سنة. وتغريب الزاني وحده كذلك، خلاف. نعم، إذا رآه الإمام مصلحة فلا خلاف في إمضائه. والرجم حد الزانيين المحصنين. والإحصان عبارة عن البلوغ والعقل والحرية والدخول، في النكاح الصحيح. فلا يقتل بالسيف، بل ينكل بالرجم، لا بصخرة تدفف، ولا بحصيات تعذب، بل بحجارة معتدلة، كما في ( الوجيز ) وقد اعترض جماعة الخوارج على تشريع الرجم في الإسلام وقالوا : إن الله لم يأمر به في كتابه العزيز. فالذي ورد في عقاب الزنى في القرآن حكمان. أحدهما قوله [(٢)](#foonote-٢) تعالى : واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم، فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا. واللذان يأتيانها منكم فآذوهما، فإن تابا وأصلحا فاعرضوا عنهما  وهذا الحكم قد نسخ – أي بين – بالحكم الثاني وهو قوله [(٣)](#foonote-٣) : الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين  هذه حجة الخوارج، أما حجة الإجماع فهي ورود الآثار الصحيحة الدالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر برجم المحصن. وفعله. وروي لذلك جملة أحاديث وأحكام عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كذا في كتاب ( المقابلات ) وسبقه الرازي في ( تفسيره ) فطول النفس في سوق شبهة الخوارج، وأجاب عنها بما ملخصه : أن الآية المذكورة مخصوصة بالبكر، خصصها الخبر المتواتر بالرجم، وتخصيص القرآن الكريم بخبر الواحد جائز. فأولى بالمتواتر. وثانيا – قال – إنه لا يستبعد تجدد الأحكام الشرعية بحسب تجدد المصالح. فلعل المصلحة التي تقتضي وجوب الرجم، حدثت بعد نزول تلك الآيات. انتهى. قال صاحب ( المقابلات ) : إن الشريعة الإسلامية متفقة مع الشرع العبري في أغلب أحكام الزنى، ولم يرد في الديانة المسيحية نص صريح ينسخ حكم اليهودية في الزنى. ولكن يروى عن عيسى عليه السلام، ما يؤخذ منه ضمنا، عدم إمكان إقامة حد الرجم. لأنه اشترط براءة الراجمين من كل عيب، وأمر الزانية، التي اعترفت بين يديه، بالتوبة والاستغفار، أما حكم الزنى في القوانين الحديثة فيخالف مخالفة كلية لحكم الشريعة الغراء، وحكم التوراة والإنجيل انتهى كلامه. 
وفقنا الله لحفظ حدوده، وجنبنا محارمه بمنه وكرمه. 
التنبيه الرابع : من مباحث اللفظ في الآية أن يقال : قد وردت الفاصلة في غير هذا الموضع بـ  تواب رحيم  فعلام فصلت هنا بـ  تواب حكيم  مع أن التوبة مع الرحمة، فيما يظهر ؟ ( والجواب ) أن الله عز وجل حكم بالتلاعن على الصورة التي أمر بها. وأراد بذلك ستر هذه الفاحشة على عباده. وذلك حكمة منه. ففصلت هذه الآية بـ  تواب حكيم  إثر بيان الحكم. جمعا بين التوبة المرجوة من صاحب المعصية، وبين الحكمة في سترها على تلك الصورة. فافهم ذلك. أشار له ابن الأثير في ( المثل السائر ).

---

### الآية 24:7

> ﻿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ [24:7]

( ٨ )  وَالْخَامِسَةُ  أي والشهادة الخامسة للأربع المتقدمة  أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ  أي فيما رماها به من الزنى. فيسقط عنه حد القذف، 
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:**تنبيهات :**
الأول – قال ابن كثير : هذه الآية الكريمة فيها فرج للأزواج وزيادة مخرج، إذا قذف أحدهم زوجته وتعسر عليه إقامة البينة، أن يلاعنها كما أمر الله عز وجل. وهو أن يحضرها إلى الإمام فيدعي عليها بما رماها به. فيحلفه الحاكم أربع شهادات بالله في مقابلة أربعة شهداء إنه لمن الصادقين. أي فيما رماها به من الزنى. والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. فإذا قال ذلك بانت منه بنفس هذا اللعان عند الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء. وحرمت عليه أبدا. ويعطيها مهرها. ويتوجه عليها حد الزنى، ولا يدرأ عنها العذاب إلا أن تلاعن فتشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين. أي فيما رماها به. والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. 
الثاني – روي في ( الصحيح ) [(١)](#foonote-١) أن ذلك وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم : و( أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أرأيت رجلا رأى مع امرأته رجلا، أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد قضى الله فيك وفي امرأتك. وتلا عليه ما نزل من هذه الآية. فتلاعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ). 
وصح أيضا أنها قد وقعت لرجلين سميا. وقد اختلف شراح ( الصحيح ) في معنى ما روي من أنها نزلت فيهما معا. 
وإذا راجعت ما كتبناه في ( المقدمة ) في معنى سبب النزول، زال الإشكال. فارجع إليه. 
الثالث – قال السيوطي في ( الإكليل ) : هذه الآية أصل في اللعان. ففيها أن شرطه سبق قذف. وأنه إنما يكون بين الزوجين لا بين الرجل وأجنبية ولا السيد وأمته، واستدل بعمومها من قال بلعان الكفار والعبيد والخصي والمجبوب والمحدود في القذف والأعمى والأخرس، ومن الصغيرة التي لا تحمل والآيسة. واستدل بقوله : ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم  من قال لا لعان إذا أقام البينة على زناها وبقوله : فشهادة أحدهم  من قال : إن اللعان شهادة لا يمين. وقوله : أربع شهادات بالله  الخ في أن صيغته أن يقول : أشهد بالله إني لمن الصادقين، أربعا والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فاستدل به من لم يجز إبدال أشهد ( بأحلف أو أقسم ونحو ) أو الله ( بالرحمن ونحوه ) أو زاد ( يعلم الله ونحوه ) ومن لم يوجب زيادة ( الذي لا إله إلا هو ) ومن لم يجز إسقاط ( إني لمن الصادقين ) ولا إبدالها ( بما كذبت عليها ونحوه ) ولا الاكتفاء بدون أربع خلافا لأبي حنيفة، في اكتفائه بثلاث شهادات. ولا تقديم اللعنة على الشهادة. أو توسطها، أو إبدالها بالغضب. وقوله تعالى : ويدرأ عنها العذاب  الآية، فيه أن لعانه يوجب على المرأة حد الزنى وان لها دفعه بأن تقول أربع مرات. أشهد بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها الخ وفيه أيضا أنه لا يجوز لها أن تبدل أشهد ( بأحلف ) أو الغضب ( باللعنة ) إلى آخر ما تقدم واستدل به على انه لا يجوز تقديم لعانها على لعانه. انتهى. 
الرابع – اعلم أن الحد الواجب بالزنى نوعان : جلد ورجم. فالجلد حد البكرين الحرين إذا زنيا. فيجلد كل واحد منهما مائة جلدة. وفي تغريبهما سنة. وتغريب الزاني وحده كذلك، خلاف. نعم، إذا رآه الإمام مصلحة فلا خلاف في إمضائه. والرجم حد الزانيين المحصنين. والإحصان عبارة عن البلوغ والعقل والحرية والدخول، في النكاح الصحيح. فلا يقتل بالسيف، بل ينكل بالرجم، لا بصخرة تدفف، ولا بحصيات تعذب، بل بحجارة معتدلة، كما في ( الوجيز ) وقد اعترض جماعة الخوارج على تشريع الرجم في الإسلام وقالوا : إن الله لم يأمر به في كتابه العزيز. فالذي ورد في عقاب الزنى في القرآن حكمان. أحدهما قوله [(٢)](#foonote-٢) تعالى : واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم، فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا. واللذان يأتيانها منكم فآذوهما، فإن تابا وأصلحا فاعرضوا عنهما  وهذا الحكم قد نسخ – أي بين – بالحكم الثاني وهو قوله [(٣)](#foonote-٣) : الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين  هذه حجة الخوارج، أما حجة الإجماع فهي ورود الآثار الصحيحة الدالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر برجم المحصن. وفعله. وروي لذلك جملة أحاديث وأحكام عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كذا في كتاب ( المقابلات ) وسبقه الرازي في ( تفسيره ) فطول النفس في سوق شبهة الخوارج، وأجاب عنها بما ملخصه : أن الآية المذكورة مخصوصة بالبكر، خصصها الخبر المتواتر بالرجم، وتخصيص القرآن الكريم بخبر الواحد جائز. فأولى بالمتواتر. وثانيا – قال – إنه لا يستبعد تجدد الأحكام الشرعية بحسب تجدد المصالح. فلعل المصلحة التي تقتضي وجوب الرجم، حدثت بعد نزول تلك الآيات. انتهى. قال صاحب ( المقابلات ) : إن الشريعة الإسلامية متفقة مع الشرع العبري في أغلب أحكام الزنى، ولم يرد في الديانة المسيحية نص صريح ينسخ حكم اليهودية في الزنى. ولكن يروى عن عيسى عليه السلام، ما يؤخذ منه ضمنا، عدم إمكان إقامة حد الرجم. لأنه اشترط براءة الراجمين من كل عيب، وأمر الزانية، التي اعترفت بين يديه، بالتوبة والاستغفار، أما حكم الزنى في القوانين الحديثة فيخالف مخالفة كلية لحكم الشريعة الغراء، وحكم التوراة والإنجيل انتهى كلامه. 
وفقنا الله لحفظ حدوده، وجنبنا محارمه بمنه وكرمه. 
التنبيه الرابع : من مباحث اللفظ في الآية أن يقال : قد وردت الفاصلة في غير هذا الموضع بـ  تواب رحيم  فعلام فصلت هنا بـ  تواب حكيم  مع أن التوبة مع الرحمة، فيما يظهر ؟ ( والجواب ) أن الله عز وجل حكم بالتلاعن على الصورة التي أمر بها. وأراد بذلك ستر هذه الفاحشة على عباده. وذلك حكمة منه. ففصلت هذه الآية بـ  تواب حكيم  إثر بيان الحكم. جمعا بين التوبة المرجوة من صاحب المعصية، وبين الحكمة في سترها على تلك الصورة. فافهم ذلك. أشار له ابن الأثير في ( المثل السائر ).

---

### الآية 24:8

> ﻿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ [24:8]

وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ  أي الدنيوي وهو الرجم  أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ  أي فيما رماها به من الزنى. 
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:**تنبيهات :**
الأول – قال ابن كثير : هذه الآية الكريمة فيها فرج للأزواج وزيادة مخرج، إذا قذف أحدهم زوجته وتعسر عليه إقامة البينة، أن يلاعنها كما أمر الله عز وجل. وهو أن يحضرها إلى الإمام فيدعي عليها بما رماها به. فيحلفه الحاكم أربع شهادات بالله في مقابلة أربعة شهداء إنه لمن الصادقين. أي فيما رماها به من الزنى. والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. فإذا قال ذلك بانت منه بنفس هذا اللعان عند الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء. وحرمت عليه أبدا. ويعطيها مهرها. ويتوجه عليها حد الزنى، ولا يدرأ عنها العذاب إلا أن تلاعن فتشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين. أي فيما رماها به. والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. 
الثاني – روي في ( الصحيح ) [(١)](#foonote-١) أن ذلك وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم : و( أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أرأيت رجلا رأى مع امرأته رجلا، أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد قضى الله فيك وفي امرأتك. وتلا عليه ما نزل من هذه الآية. فتلاعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ). 
وصح أيضا أنها قد وقعت لرجلين سميا. وقد اختلف شراح ( الصحيح ) في معنى ما روي من أنها نزلت فيهما معا. 
وإذا راجعت ما كتبناه في ( المقدمة ) في معنى سبب النزول، زال الإشكال. فارجع إليه. 
الثالث – قال السيوطي في ( الإكليل ) : هذه الآية أصل في اللعان. ففيها أن شرطه سبق قذف. وأنه إنما يكون بين الزوجين لا بين الرجل وأجنبية ولا السيد وأمته، واستدل بعمومها من قال بلعان الكفار والعبيد والخصي والمجبوب والمحدود في القذف والأعمى والأخرس، ومن الصغيرة التي لا تحمل والآيسة. واستدل بقوله : ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم  من قال لا لعان إذا أقام البينة على زناها وبقوله : فشهادة أحدهم  من قال : إن اللعان شهادة لا يمين. وقوله : أربع شهادات بالله  الخ في أن صيغته أن يقول : أشهد بالله إني لمن الصادقين، أربعا والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فاستدل به من لم يجز إبدال أشهد ( بأحلف أو أقسم ونحو ) أو الله ( بالرحمن ونحوه ) أو زاد ( يعلم الله ونحوه ) ومن لم يوجب زيادة ( الذي لا إله إلا هو ) ومن لم يجز إسقاط ( إني لمن الصادقين ) ولا إبدالها ( بما كذبت عليها ونحوه ) ولا الاكتفاء بدون أربع خلافا لأبي حنيفة، في اكتفائه بثلاث شهادات. ولا تقديم اللعنة على الشهادة. أو توسطها، أو إبدالها بالغضب. وقوله تعالى : ويدرأ عنها العذاب  الآية، فيه أن لعانه يوجب على المرأة حد الزنى وان لها دفعه بأن تقول أربع مرات. أشهد بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها الخ وفيه أيضا أنه لا يجوز لها أن تبدل أشهد ( بأحلف ) أو الغضب ( باللعنة ) إلى آخر ما تقدم واستدل به على انه لا يجوز تقديم لعانها على لعانه. انتهى. 
الرابع – اعلم أن الحد الواجب بالزنى نوعان : جلد ورجم. فالجلد حد البكرين الحرين إذا زنيا. فيجلد كل واحد منهما مائة جلدة. وفي تغريبهما سنة. وتغريب الزاني وحده كذلك، خلاف. نعم، إذا رآه الإمام مصلحة فلا خلاف في إمضائه. والرجم حد الزانيين المحصنين. والإحصان عبارة عن البلوغ والعقل والحرية والدخول، في النكاح الصحيح. فلا يقتل بالسيف، بل ينكل بالرجم، لا بصخرة تدفف، ولا بحصيات تعذب، بل بحجارة معتدلة، كما في ( الوجيز ) وقد اعترض جماعة الخوارج على تشريع الرجم في الإسلام وقالوا : إن الله لم يأمر به في كتابه العزيز. فالذي ورد في عقاب الزنى في القرآن حكمان. أحدهما قوله [(٢)](#foonote-٢) تعالى : واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم، فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا. واللذان يأتيانها منكم فآذوهما، فإن تابا وأصلحا فاعرضوا عنهما  وهذا الحكم قد نسخ – أي بين – بالحكم الثاني وهو قوله [(٣)](#foonote-٣) : الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين  هذه حجة الخوارج، أما حجة الإجماع فهي ورود الآثار الصحيحة الدالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر برجم المحصن. وفعله. وروي لذلك جملة أحاديث وأحكام عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كذا في كتاب ( المقابلات ) وسبقه الرازي في ( تفسيره ) فطول النفس في سوق شبهة الخوارج، وأجاب عنها بما ملخصه : أن الآية المذكورة مخصوصة بالبكر، خصصها الخبر المتواتر بالرجم، وتخصيص القرآن الكريم بخبر الواحد جائز. فأولى بالمتواتر. وثانيا – قال – إنه لا يستبعد تجدد الأحكام الشرعية بحسب تجدد المصالح. فلعل المصلحة التي تقتضي وجوب الرجم، حدثت بعد نزول تلك الآيات. انتهى. قال صاحب ( المقابلات ) : إن الشريعة الإسلامية متفقة مع الشرع العبري في أغلب أحكام الزنى، ولم يرد في الديانة المسيحية نص صريح ينسخ حكم اليهودية في الزنى. ولكن يروى عن عيسى عليه السلام، ما يؤخذ منه ضمنا، عدم إمكان إقامة حد الرجم. لأنه اشترط براءة الراجمين من كل عيب، وأمر الزانية، التي اعترفت بين يديه، بالتوبة والاستغفار، أما حكم الزنى في القوانين الحديثة فيخالف مخالفة كلية لحكم الشريعة الغراء، وحكم التوراة والإنجيل انتهى كلامه. 
وفقنا الله لحفظ حدوده، وجنبنا محارمه بمنه وكرمه. 
التنبيه الرابع : من مباحث اللفظ في الآية أن يقال : قد وردت الفاصلة في غير هذا الموضع بـ  تواب رحيم  فعلام فصلت هنا بـ  تواب حكيم  مع أن التوبة مع الرحمة، فيما يظهر ؟ ( والجواب ) أن الله عز وجل حكم بالتلاعن على الصورة التي أمر بها. وأراد بذلك ستر هذه الفاحشة على عباده. وذلك حكمة منه. ففصلت هذه الآية بـ  تواب حكيم  إثر بيان الحكم. جمعا بين التوبة المرجوة من صاحب المعصية، وبين الحكمة في سترها على تلك الصورة. فافهم ذلك. أشار له ابن الأثير في ( المثل السائر ). ---

### الآية 24:9

> ﻿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ [24:9]

وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ  أي الزوج  مِنَ الصَّادِقِينَ . 
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:**تنبيهات :**
الأول – قال ابن كثير : هذه الآية الكريمة فيها فرج للأزواج وزيادة مخرج، إذا قذف أحدهم زوجته وتعسر عليه إقامة البينة، أن يلاعنها كما أمر الله عز وجل. وهو أن يحضرها إلى الإمام فيدعي عليها بما رماها به. فيحلفه الحاكم أربع شهادات بالله في مقابلة أربعة شهداء إنه لمن الصادقين. أي فيما رماها به من الزنى. والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. فإذا قال ذلك بانت منه بنفس هذا اللعان عند الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء. وحرمت عليه أبدا. ويعطيها مهرها. ويتوجه عليها حد الزنى، ولا يدرأ عنها العذاب إلا أن تلاعن فتشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين. أي فيما رماها به. والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. 
الثاني – روي في ( الصحيح ) [(١)](#foonote-١) أن ذلك وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم : و( أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أرأيت رجلا رأى مع امرأته رجلا، أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد قضى الله فيك وفي امرأتك. وتلا عليه ما نزل من هذه الآية. فتلاعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ). 
وصح أيضا أنها قد وقعت لرجلين سميا. وقد اختلف شراح ( الصحيح ) في معنى ما روي من أنها نزلت فيهما معا. 
وإذا راجعت ما كتبناه في ( المقدمة ) في معنى سبب النزول، زال الإشكال. فارجع إليه. 
الثالث – قال السيوطي في ( الإكليل ) : هذه الآية أصل في اللعان. ففيها أن شرطه سبق قذف. وأنه إنما يكون بين الزوجين لا بين الرجل وأجنبية ولا السيد وأمته، واستدل بعمومها من قال بلعان الكفار والعبيد والخصي والمجبوب والمحدود في القذف والأعمى والأخرس، ومن الصغيرة التي لا تحمل والآيسة. واستدل بقوله : ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم  من قال لا لعان إذا أقام البينة على زناها وبقوله : فشهادة أحدهم  من قال : إن اللعان شهادة لا يمين. وقوله : أربع شهادات بالله  الخ في أن صيغته أن يقول : أشهد بالله إني لمن الصادقين، أربعا والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فاستدل به من لم يجز إبدال أشهد ( بأحلف أو أقسم ونحو ) أو الله ( بالرحمن ونحوه ) أو زاد ( يعلم الله ونحوه ) ومن لم يوجب زيادة ( الذي لا إله إلا هو ) ومن لم يجز إسقاط ( إني لمن الصادقين ) ولا إبدالها ( بما كذبت عليها ونحوه ) ولا الاكتفاء بدون أربع خلافا لأبي حنيفة، في اكتفائه بثلاث شهادات. ولا تقديم اللعنة على الشهادة. أو توسطها، أو إبدالها بالغضب. وقوله تعالى : ويدرأ عنها العذاب  الآية، فيه أن لعانه يوجب على المرأة حد الزنى وان لها دفعه بأن تقول أربع مرات. أشهد بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها الخ وفيه أيضا أنه لا يجوز لها أن تبدل أشهد ( بأحلف ) أو الغضب ( باللعنة ) إلى آخر ما تقدم واستدل به على انه لا يجوز تقديم لعانها على لعانه. انتهى. 
الرابع – اعلم أن الحد الواجب بالزنى نوعان : جلد ورجم. فالجلد حد البكرين الحرين إذا زنيا. فيجلد كل واحد منهما مائة جلدة. وفي تغريبهما سنة. وتغريب الزاني وحده كذلك، خلاف. نعم، إذا رآه الإمام مصلحة فلا خلاف في إمضائه. والرجم حد الزانيين المحصنين. والإحصان عبارة عن البلوغ والعقل والحرية والدخول، في النكاح الصحيح. فلا يقتل بالسيف، بل ينكل بالرجم، لا بصخرة تدفف، ولا بحصيات تعذب، بل بحجارة معتدلة، كما في ( الوجيز ) وقد اعترض جماعة الخوارج على تشريع الرجم في الإسلام وقالوا : إن الله لم يأمر به في كتابه العزيز. فالذي ورد في عقاب الزنى في القرآن حكمان. أحدهما قوله [(٢)](#foonote-٢) تعالى : واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم، فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا. واللذان يأتيانها منكم فآذوهما، فإن تابا وأصلحا فاعرضوا عنهما  وهذا الحكم قد نسخ – أي بين – بالحكم الثاني وهو قوله [(٣)](#foonote-٣) : الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين  هذه حجة الخوارج، أما حجة الإجماع فهي ورود الآثار الصحيحة الدالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر برجم المحصن. وفعله. وروي لذلك جملة أحاديث وأحكام عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كذا في كتاب ( المقابلات ) وسبقه الرازي في ( تفسيره ) فطول النفس في سوق شبهة الخوارج، وأجاب عنها بما ملخصه : أن الآية المذكورة مخصوصة بالبكر، خصصها الخبر المتواتر بالرجم، وتخصيص القرآن الكريم بخبر الواحد جائز. فأولى بالمتواتر. وثانيا – قال – إنه لا يستبعد تجدد الأحكام الشرعية بحسب تجدد المصالح. فلعل المصلحة التي تقتضي وجوب الرجم، حدثت بعد نزول تلك الآيات. انتهى. قال صاحب ( المقابلات ) : إن الشريعة الإسلامية متفقة مع الشرع العبري في أغلب أحكام الزنى، ولم يرد في الديانة المسيحية نص صريح ينسخ حكم اليهودية في الزنى. ولكن يروى عن عيسى عليه السلام، ما يؤخذ منه ضمنا، عدم إمكان إقامة حد الرجم. لأنه اشترط براءة الراجمين من كل عيب، وأمر الزانية، التي اعترفت بين يديه، بالتوبة والاستغفار، أما حكم الزنى في القوانين الحديثة فيخالف مخالفة كلية لحكم الشريعة الغراء، وحكم التوراة والإنجيل انتهى كلامه. 
وفقنا الله لحفظ حدوده، وجنبنا محارمه بمنه وكرمه. 
التنبيه الرابع : من مباحث اللفظ في الآية أن يقال : قد وردت الفاصلة في غير هذا الموضع بـ  تواب رحيم  فعلام فصلت هنا بـ  تواب حكيم  مع أن التوبة مع الرحمة، فيما يظهر ؟ ( والجواب ) أن الله عز وجل حكم بالتلاعن على الصورة التي أمر بها. وأراد بذلك ستر هذه الفاحشة على عباده. وذلك حكمة منه. ففصلت هذه الآية بـ  تواب حكيم  إثر بيان الحكم. جمعا بين التوبة المرجوة من صاحب المعصية، وبين الحكمة في سترها على تلك الصورة. فافهم ذلك. أشار له ابن الأثير في ( المثل السائر ). ---

### الآية 24:10

> ﻿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ [24:10]

وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ  أي لحرجتم وشق عليكم كثير من أموركم. ولكن لرحمته ولطفه، شرع لكم من الفرج والمخرج، ما أنزله وأحكمه. 
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:**تنبيهات :**
الأول – قال ابن كثير : هذه الآية الكريمة فيها فرج للأزواج وزيادة مخرج، إذا قذف أحدهم زوجته وتعسر عليه إقامة البينة، أن يلاعنها كما أمر الله عز وجل. وهو أن يحضرها إلى الإمام فيدعي عليها بما رماها به. فيحلفه الحاكم أربع شهادات بالله في مقابلة أربعة شهداء إنه لمن الصادقين. أي فيما رماها به من الزنى. والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. فإذا قال ذلك بانت منه بنفس هذا اللعان عند الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء. وحرمت عليه أبدا. ويعطيها مهرها. ويتوجه عليها حد الزنى، ولا يدرأ عنها العذاب إلا أن تلاعن فتشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين. أي فيما رماها به. والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. 
الثاني – روي في ( الصحيح ) [(١)](#foonote-١) أن ذلك وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم : و( أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أرأيت رجلا رأى مع امرأته رجلا، أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد قضى الله فيك وفي امرأتك. وتلا عليه ما نزل من هذه الآية. فتلاعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ). 
وصح أيضا أنها قد وقعت لرجلين سميا. وقد اختلف شراح ( الصحيح ) في معنى ما روي من أنها نزلت فيهما معا. 
وإذا راجعت ما كتبناه في ( المقدمة ) في معنى سبب النزول، زال الإشكال. فارجع إليه. 
الثالث – قال السيوطي في ( الإكليل ) : هذه الآية أصل في اللعان. ففيها أن شرطه سبق قذف. وأنه إنما يكون بين الزوجين لا بين الرجل وأجنبية ولا السيد وأمته، واستدل بعمومها من قال بلعان الكفار والعبيد والخصي والمجبوب والمحدود في القذف والأعمى والأخرس، ومن الصغيرة التي لا تحمل والآيسة. واستدل بقوله : ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم  من قال لا لعان إذا أقام البينة على زناها وبقوله : فشهادة أحدهم  من قال : إن اللعان شهادة لا يمين. وقوله : أربع شهادات بالله  الخ في أن صيغته أن يقول : أشهد بالله إني لمن الصادقين، أربعا والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فاستدل به من لم يجز إبدال أشهد ( بأحلف أو أقسم ونحو ) أو الله ( بالرحمن ونحوه ) أو زاد ( يعلم الله ونحوه ) ومن لم يوجب زيادة ( الذي لا إله إلا هو ) ومن لم يجز إسقاط ( إني لمن الصادقين ) ولا إبدالها ( بما كذبت عليها ونحوه ) ولا الاكتفاء بدون أربع خلافا لأبي حنيفة، في اكتفائه بثلاث شهادات. ولا تقديم اللعنة على الشهادة. أو توسطها، أو إبدالها بالغضب. وقوله تعالى : ويدرأ عنها العذاب  الآية، فيه أن لعانه يوجب على المرأة حد الزنى وان لها دفعه بأن تقول أربع مرات. أشهد بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها الخ وفيه أيضا أنه لا يجوز لها أن تبدل أشهد ( بأحلف ) أو الغضب ( باللعنة ) إلى آخر ما تقدم واستدل به على انه لا يجوز تقديم لعانها على لعانه. انتهى. 
الرابع – اعلم أن الحد الواجب بالزنى نوعان : جلد ورجم. فالجلد حد البكرين الحرين إذا زنيا. فيجلد كل واحد منهما مائة جلدة. وفي تغريبهما سنة. وتغريب الزاني وحده كذلك، خلاف. نعم، إذا رآه الإمام مصلحة فلا خلاف في إمضائه. والرجم حد الزانيين المحصنين. والإحصان عبارة عن البلوغ والعقل والحرية والدخول، في النكاح الصحيح. فلا يقتل بالسيف، بل ينكل بالرجم، لا بصخرة تدفف، ولا بحصيات تعذب، بل بحجارة معتدلة، كما في ( الوجيز ) وقد اعترض جماعة الخوارج على تشريع الرجم في الإسلام وقالوا : إن الله لم يأمر به في كتابه العزيز. فالذي ورد في عقاب الزنى في القرآن حكمان. أحدهما قوله [(٢)](#foonote-٢) تعالى : واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم، فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا. واللذان يأتيانها منكم فآذوهما، فإن تابا وأصلحا فاعرضوا عنهما  وهذا الحكم قد نسخ – أي بين – بالحكم الثاني وهو قوله [(٣)](#foonote-٣) : الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين  هذه حجة الخوارج، أما حجة الإجماع فهي ورود الآثار الصحيحة الدالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر برجم المحصن. وفعله. وروي لذلك جملة أحاديث وأحكام عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كذا في كتاب ( المقابلات ) وسبقه الرازي في ( تفسيره ) فطول النفس في سوق شبهة الخوارج، وأجاب عنها بما ملخصه : أن الآية المذكورة مخصوصة بالبكر، خصصها الخبر المتواتر بالرجم، وتخصيص القرآن الكريم بخبر الواحد جائز. فأولى بالمتواتر. وثانيا – قال – إنه لا يستبعد تجدد الأحكام الشرعية بحسب تجدد المصالح. فلعل المصلحة التي تقتضي وجوب الرجم، حدثت بعد نزول تلك الآيات. انتهى. قال صاحب ( المقابلات ) : إن الشريعة الإسلامية متفقة مع الشرع العبري في أغلب أحكام الزنى، ولم يرد في الديانة المسيحية نص صريح ينسخ حكم اليهودية في الزنى. ولكن يروى عن عيسى عليه السلام، ما يؤخذ منه ضمنا، عدم إمكان إقامة حد الرجم. لأنه اشترط براءة الراجمين من كل عيب، وأمر الزانية، التي اعترفت بين يديه، بالتوبة والاستغفار، أما حكم الزنى في القوانين الحديثة فيخالف مخالفة كلية لحكم الشريعة الغراء، وحكم التوراة والإنجيل انتهى كلامه. 
وفقنا الله لحفظ حدوده، وجنبنا محارمه بمنه وكرمه. 
التنبيه الرابع : من مباحث اللفظ في الآية أن يقال : قد وردت الفاصلة في غير هذا الموضع بـ  تواب رحيم  فعلام فصلت هنا بـ  تواب حكيم  مع أن التوبة مع الرحمة، فيما يظهر ؟ ( والجواب ) أن الله عز وجل حكم بالتلاعن على الصورة التي أمر بها. وأراد بذلك ستر هذه الفاحشة على عباده. وذلك حكمة منه. ففصلت هذه الآية بـ  تواب حكيم  إثر بيان الحكم. جمعا بين التوبة المرجوة من صاحب المعصية، وبين الحكمة في سترها على تلك الصورة. فافهم ذلك. أشار له ابن الأثير في ( المثل السائر ). ---

### الآية 24:11

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ [24:11]

ثم أشار تعالى إلى نبأ الإفك، وتبرئة عائشة رضي الله عنها، بقوله سبحانه :
 إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ  أي بأبلغ ما يكون من الكذب، وقيل هو البهتان لا تشعر به حتى يفاجئك. والمراد به ما أفك به الصديقة، أم المؤمنين رضي الله عنها ؟ فاللام للعهد ويجوز حمله على الجنس. قيل : فيفيد القصر، كأنه لا إفك إلا هو. وفي لفظ ( المجيء ) إشارة إلى أنهم أظهروه من عند أنفسهم من غير أن يكون له أصل  عُصْبَةٌ مِّنكُمْ  أي جماعة منكم. خبر  إن  و منكم  نعت لها. وبه أفاد الخبر. وقوله تعالى  لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم  مستأنف، والهاء ضمير الإفك أو القذف. والخطاب لرسول الله صلوات الله عليه وسلامه، ولآل الصديق رضي الله عنهم، ولمن ساءه ذلك من المؤمنين. تسلية لهم من أول الأمر وقوله تعالى : بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ  زيادة في التسلية والتكريم. أي لا تظنوه يلحق تهمة بكم، أو يوقع نقيصة فيكم، بل قد جر لكم خيرا عظيما. 
قال الزمخشري : ومعنى كونه خيرا لهم، أنهم اكتسبوا فيه الثواب العظيم. لأنه كان بلاء مبينا ومحنة ظاهرة. وانه نزلت فيه ثماني عشرة آية، كل واحدة منها مستقلة، بما هو تعظيم لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسلية له، وتنزيه لأم المؤمنين رضوان الله عليها، وتطهير لأهل البيت، وتهويل لمن تكلم في ذلك أو سمع به فلم تمجه أذناه. وعدة ألطاف للسامعين والتالين إلى يوم القيامة. وفوائد دينية وأحكام وآداب لا تخفى على متأمليها.  لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ  أي جزاؤه، وذلك الذم في الدنيا إلى يوم القيامة، والجلد ثمانين. ولعذاب الآخرة أشد  وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ  أي قام بعظمه وإشاعته، بعد ابتدائه بالخوض فيه وهو رأس المنافقين عبد الله بن أبي، لإمعانه في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتهازه الفرص، وطلبه سبيلا إلى الغميزة. 
روى [(١)](#foonote-١) الطبري عن ابن زيد قال : أما الذي تولى كبره فعبد الله بن أبي ابن سلول الخبيث. هو الذي ابتدأ هذا الكلام وقال : امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت، ثم جاء يقود بها. والعذاب عظيم يعم عذابي الدارين، كما قلنا.

١ انظر الصفحة رقم ٨٩ من الجزء الثامن عشر (طبعة الحلبي الثانية)..

### الآية 24:12

> ﻿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُبِينٌ [24:12]

لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا  أي بالذي منهم من المؤمنين والمؤمنات، كقوله تعالى [(١)](#foonote-١) : ولا تلمزوا أنفسكم  قال الشهاب : وهذا من بديع الكلام. وقد وقع في القرآن كثيرا. وهو بحسب الظاهر يقضي أن كل واحد يظن بنفسه خيرا، وليس بمراد. بل أن يظن بغيره ذلك. وتوجيهه أنه مجاز، لجعله اتحادا لجنس كاتحاد الذات ولذا فسر قوله [(٢)](#foonote-٢) : ولا تقتلوا أنفسكم  ب ( لا تقتلوا من كان من جنسكم ) أو يجعلهم كنفس واحدة، فمن عاب مؤمنا فكأنما عاب نفسه، ويجوز أن يقدر فيه مضاف. أي : ظن بعض المؤمنين والمؤمنات بأنفس بعضهم الآخر وقال الكرماني في حديث ( أموالكم عليكم حرام ) إنه كقولهم ( بنو فلان قتلوا أنفسهم ) أي قتل بعضهم بعضا، مجازا أو إضمارا للقرينة الصارفة عن ظاهره. و لولا  تحضيضية بمعنى ( هلا )  وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ  أي هذا الذي سمعناه، من رمي أم المؤمنين، إفك مبين جلي لمن عقل وفكر فيه. قال العلامة الزمخشري : فإن قلت : هلا قيل ( لولا إذا سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيرا وقلتم ) ؟ ولم عدل عن الخطاب إلى الغيبة ؟ وعن الضمير إلى الظاهر ؟ قلت : ليبالغ في التوبيخ بطريقة الالتفات. وليصرح بلفظ ( الإيمان ) دلالة على أن الاشتراك فيه مقتض ألا يصدق مؤمن على أخيه، ولا مؤمنة على أختها، قول عائب ولا طاعن. وفيه تنبيه على أن حق المؤمن، إذا سمع قالة في أخيه، أن يبني الأمر فيها على الظن، لا على الشك. وأن يقول بملء فيه – بناء على ظنه بالمؤمن الخير – هذا إفك مبين. هكذا باللفظ المصرح ببراءة ساحته. كما يقول المستيقن المطلع على حقيقة الحال. وهذا من الأدب الحسن الذي قل القائم به والحافظ له. وليتك تجد من يسمع فيسكت، ولا يشيع ما سمعه بأخوات ! انتهى. 
١ (٤٩ الحجرات ١١)..
٢ (٤ النساء ٢٩)..

### الآية 24:13

> ﻿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ۚ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَٰئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ [24:13]

**وقوله تعالى :**
 لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء، فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ  أي في حكمه وشريعته المؤسسة على الدلائل الظاهرة المستيقنة  هُمُ الْكَاذِبُونَ  أي الكاملون في الكذب المشهود عليهم بذلك. 
قال الزمخشري : وهذا توبيخ وتعنيف للذين سمعوا الإفك فلم يجدوا في دفعه وإنكاره. واحتجاج عليهم بما هو ظاهر مكشوف في الشرع، من وجوب تكذيب القاذف بغير بينة والتنكيل به، إذا قذف امرأة محصنة من عرض نساء المؤمنين. فكيف بأم المؤمنين الصديقة بنت الصديق، حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحبيبة حبيب الله ؟

### الآية 24:14

> ﻿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [24:14]

وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ  أي لعوجلتم بالعقاب، بسبب ما خضتم فيه من الإفك. ولكنه واسع الفضل والرحمة، يمهل المذنب للتوبة، ويحلم عنه للأوبة.

### الآية 24:15

> ﻿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [24:15]

إِذْ تَلَقَّوْنَهُ  أي وقت تلقي بعضكم من بعض  بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا  أي لا تبعة له ولا عقوبة على مشيعه  وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ  أي والحال أنه عظيم في الوزر واستجرار العذاب. قال المهايمي : لأن الجراءة على رسول الله وعلى أوليائه، تشبه الجراءة على الله تعالى. 
قال الزمخشري : فإن قلت : ما معنى قوله  بأفواهكم  والقول لا يكون إلا بالفم ؟ قلت : معناه أن الشيء المعلوم يكون علمه في القلب، فيترجم عنه اللسان. وهذا الإفك ليس إلا قولا يجري على ألسنتكم، ويدور في أفواهكم، من غير ترجمة عن علم به في القلب. كقوله تعالى [(١)](#foonote-١) : يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم  انتهى. أي فالقيد ليس تأكيدا صرفا، ( كنظر بعينه ) بل ليفيد نفيه عما عداه. وقيل إنه توبيخ، كما تقول ( قاله بملء في ) فإن القائل ربما رمز، وربما صرح وتشدق. وقد قيل هذا في قوله [(٢)](#foonote-٢) : بدت البغضاء من أفواههم  وقيل : فائدته ألا يظن أنه كلام نفسي. فهو تأكيد، لدفع المجاز. والسياق يقتضي الأول. كذا في ( العناية ). 
١ (٣ آل عمران ١٦٧)..
٢ (٣ آل عمران ١١٨)..

### الآية 24:16

> ﻿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [24:16]

وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم  أي تكذيبا لمشيعه  مَّا يَكُونُ لَنَا  أي ما يصح لنا بوجه ما  أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ  أي تنزيها لك، وبراءة إليك مما جاء به هؤلاء، فإنه بهتان عظيم يستحيل صدقه. قال الزمخشري : كلمة  سبحانك  للتعجب من عظم الأمر. فإن قلت : ما معنى التعجب في كلمة التسبيح ؟ قلت : الأصل في ذلك، أن يسبح الله عند رؤية العجيب من صنائعه. ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه. أو لتنزيه الله تعالى من أن تكون حرمة نبيه عليه السلام فاجرة. انتهى. 
فعلى الأول، هو من المجاز المتفرع على الكناية، وهو كثير. وقد ذكره النووي في ( الأذكار ) وكذا ( لا إله إلا الله ) تستعمل للتعجب أيضا. وأما الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في مقام التعجب فلم ترد ولم تسمع في لسان الشرع. وقد صرح الفقهاء بالمنع. وإن ما وقع من العوام وبعض المحدثين كقوله :فمن رأى حسنه المفدى  في الحال، صلى على محمدوعلى الثاني، هو حقيقة. كذا في ( العناية ).

### الآية 24:17

> ﻿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [24:17]

يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ  فإن الاتصاف بالإيمان يصد عن كل مقبح.

### الآية 24:18

> ﻿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [24:18]

ويبين الله لكم الآيات  أي الدالة على الشرائع ومحاسن الآداب، دلالة واضحة لتتعظوا وتتأدبوا بها. أي ينزلها كذلك مبينة، ظاهرة الدلالة على معانيها  والله عليم حكيم .

### الآية 24:19

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [24:19]

ثم أشار تعالى إلى تأديب ثالث لمن سمع شيئا من الكلام السيء، فعلق بذهنه منه شيء، ألا يتكلم به ولا يذيعه، بقوله سبحانه متوعدا :
 إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ . 
 إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ  أي تنتشر الخصلة المفرطة في القبح، وهي الفرية والرمي بالزنى ونحوه، كاللواط وما عظم فحشه  فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا  أي من الحد وغيره، مما يتفق من البلايا الدنيوية  وَالْآخِرَةِ  أي من عذاب النار  وَاللَّهُ يَعْلَمُ  أي ما في القلوب من الأسرار والضمائر  وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ  يعني أنه قد علم محبة من أحب الإشاعة، وهو معاقبه عليها.

### الآية 24:20

> ﻿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [24:20]

وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ رَحِيمٌ . 
 وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ رَحِيمٌ  تكرير للمنة، بترك المعاجلة بالعقاب، للدلالة على عظم الجريمة. وحذف الجواب وهو مستغنى عنه بذكره مرة. وهو ( لمسكم ).

### الآية 24:21

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [24:21]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ  أي بإشاعة الفاحشة  وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا  أي ما طهر من دنسها  مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء  من عباده بإلهامه التوبة والإنابة  وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

### الآية 24:22

> ﻿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [24:22]

قال الزمخشري : يأتل  من ( ائتلى ) إذا حلف، افتعال من الآلية وهو القسم وقيل من قولهم ( ما ألوت جهدا ) إذا لم تدخر منه شيئا. ويشهد للأول قراءة الحسن  ولا يتأل  والمعنى : لا يحلفوا على أن لا يحسنوا إلى المستحقين للإحسان. أو لا يقصروا في أن يحسنوا إليهم، وإن كانت بينهم وبينهم شحناء لجناية اقترفوها، فليعودوا عليهم بالعفو والصفح. وليفعلوا بهم مثل ما يرجون أن يفعل بهم ربهم، مع كثرة خطاياهم وذنوبهم وسيأتي سبب نزولها فيمن عنى بها.

### الآية 24:23

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [24:23]

ثم بين تعالى وعيد القاذفين للبريئات، بقوله سبحانه :
 إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ  أي العفائف عن الفاحشة، النقيات القلوب عنها  الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا  بالذم والحد ورد الشهادة إلا إذا تابوا  وَالْآخِرَةِ  أي حيث يلعنهم الملائكة ومن شاء الله  وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ

### الآية 24:24

> ﻿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [24:24]

يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ  أي يعترفون بها بإنطاق الله تعالى إياها أو بظهور آثار ما عملوه عليها. بحيث يعلم من يشاهدهم ما عملوه. وذلك بكيفية يعلمها الله. فهو استعارة. ورجع الأول لقوله [(١)](#foonote-١) : قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء  فظاهره الحقيقة، وحمله على الثاني بعيد. قيل : سيأتي في ( يس ) [(٢)](#foonote-٢) : اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون  والختم على الأفواه ينافي شهادة الألسنة. والجواب أن الختم على الأفواه معناه المنع عن التكلم بما يريده وينفعه، بحسب زعمه، اختيارا. كالإنكار والاعتذار. أو أن هذا في حال، وذلك في حال. أو كل منهما في حق قوم غير الآخرين، أو هذا في حق القذفة، وذاك في حق الكفرة – وليس بشيء – إذ لا منافاة، فالسر في التصريح بالألسنة هنا، وعدم ذكرها هناك، أن الآية لما كانت في حق القاذف بلسانه، وهو مطالب معه بأربعة شهداء، ذكر هنا خمسة أيضا، وصرح باللسان الذي به عمله ليفضحه، جزاء له من جنس فعله. كذا في ( العناية ). 
١ (٤١ فصلت ٢١)..
٢ (٣٦ يس ٦٥)..

### الآية 24:25

> ﻿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ [24:25]

يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ . 
 يَوْمَئِذٍ  أي يوم إذ تشهد عليهم بما ذكر  يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ  أي جزاءهم  الْحَقَّ  أي الواجب الثابت  وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ  أي المظهر للأمور كما هي في أنفسها.

### الآية 24:26

> ﻿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ۖ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ۚ أُولَٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ۖ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [24:26]

ثم أشار تعالى إلى ما يؤكد التبرئة من شاهد العرف والعادة، في أنه لا يضم الشكل إلى شكله، ولا يساق الأهل إلى أهله، بقوله سبحانه :
 الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ . 
 الْخَبِيثَاتُ  أي من النساء  لِلْخَبِيثِينَ  أي من الرجال  وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ  أي بحيث لا يكاد يتجاوز كل واحد إلى غيره. و( الطيب ) ضد الخبيث وهو الأفضل من كل شيء والأحسن والأجود. قال أبو السعود : وحيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب الأطيبين، وخيرة الأولين والآخرين، تبين كون الصديقة رضي الله عنها من أطيب الطيبات بالضرورة. واتضح بطلان ما قيل في حقها من الخرافات، حسبما نطق به قوله تعالى  أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ  وهو الجنة. وبهذه الآية تم نبأ أهل الإفك. 
وعلم أن ما اشتملت عليه هذه الآيات من الأحكام والفوائد والمطالب والآداب، لا تفي بها مجلدات. إلا أنا نشير إلى شيء من ذلك، نقتبسه من أهم المراجع، تتميما لما أجملناه في تأويلها. 
فالأول : أن نبأ الإفك كان في غزوة المريسيع ( تصغير مرسوع، بئر أو ماء لخزاعة ) وكانت في شعبان سنة خمس. وسببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن الحارث بن أبي ضرار، سيد بني المصطلق سار في قومه ومن قدر عليه من العرب يريد حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من أصحابه. وخرج معهم جماعة من المنافقين لم يخرجوا في غزاة قبلها، فأغار عليهم. فسبى ذراريهم وأموالهم. وكانت عائشة رضي الله عنها قد خرجت معه، عليه الصلاة والسلام، في هذه الغزوة، بقرعة أصابتها. وكانت تلك عادته مع نسائه. فلما رجعوا من الغزوة، نزلوا في بعض المنازل. فخرجت عائشة لحاجتها ففقدت عقدا لأختها كانت أعارتها إياه. فرجعت تلتمسه في الموضع الذي فقدته فيه في وقتها. فجاء النفر الذين كانوا يرحلون هودجها، فظنوها فيه، فحملوا الهودج، ولا ينكرون خفته، لأنها رضي الله عنها كانت فتية السن لم يغشها اللحم الذي كان يثقلها. وأيضا، فإن النفر لما تساعدوا على حمل الهودج، لم ينكروا خفته. ولو كان الذي حمله واحدا أو اثنين لم يخف عليهما الحال. فرجعت عائشة إلى منزلهم وقد أصابت العقد، فإذا ليس لها داع ولا مجيب. فقعدت في المنزل، وظنت أنهم سيفقدونها فيرجعون في طلبها. والله غالب على أمره، يدبر الأمر فوق عرشه كما يشاء فغلبتها عيناها فنامت فلم تستيقظ إلا بقول صفوان بن المعطل ( بفتح الطاء المشددة سلمي ذكواني صحابي فاضل متقدم الإسلام ) : إنا لله وإنا إليه راجعون. زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان صفوان قد عرس في أخريات الجيش لأنه كان كثير النوم كما جاء عنه في ( صحيح أبي حاتم ) وفي ( السنن ). فلما رآها عرفها. كان يراها قبل نزول الحجاب. فاسترجع وأناخ راحلته، فقربها إليها. فركبتها. وما كلمها كلمة واحدة. ولم تسمع منه إلا استرجاعه. ثم سار بها يقودها حتى قدم بها، وقد نزل الجيش في نحر الظهيرة فلما رأى ذلك الناس تكلم كل منهم بشاكلته وما يليق به. ووجد الخبيث عدو الله ابن أبي متنفسا. فتنفس من كرب النفاق والحسد الذي بين ضلوعه. فجعل يستحكي الإفك ويستوشيه ويشيعه ويذيعه ويجمعه ويفرقه. وكان أصحابه يتقربون إليه. فلما قدموا المدينة أفاض أهل الإفك في الحديث، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت لا يتكلم. ثم استشار أصحابه في فراقها، فأشار عليه علي رضي الله عنه أن يفارقها ويأخذ غيرها، تلويحا لا تصريحا. وأشار عليه أسامة وغيره بإمساكها، وألا يلتفت إلى كلام الأعداء. فعلي، لما رأى ما قيل مشكوك فيه، أشار بترك الشك والريبة إلى اليقين، ليتخلص رسول الله صلى الله عليه وسلم من الهم والغم الذي لحقه من كلام الناس فأشار بحسم الداء. وأسامة لما علم حب رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ولأبيها، وعلم من عفتها وبراءتها وحصانتها وديانتها. ما هي فوق ذلك وأعظم منه، وعرف من كرامة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ربه ومنزلته عنده ودفاعه عنه ؛ أنه لا يجعل ربة بيته وحبيبته، من النساء وبنت صديقه بالمنزل الذي أنزلها به أرباب الإفك. وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرم على ربها من أن يبتليها بالفاحشة وهي تحت رسوله. ومن قويت معرفة الله ومعرفة رسوله وقدره عند الله في قلبه – قال كما قال أبو أيوب وغيره من سادات الصحابة، لما سمعوا ذلك : سبحانك هذا بهتان عظيم  وتأمل ما في تسبيحهم لله وتنزيههم له في ذلك المقام، من المعرفة به وتنزيهه عما لا يليق به أن يجعل لرسوله وخليله وأكرم الخلق عليه، امرأة خبيثة بغيا. فمن ظن به سبحانه هذا الظن، فقد ظن به السوء. وعرف أهل المعرفة بالله ورسوله، أن المرأة الخبيثة لا تليق إلا بمثلها. كما قال تعالى : الخبيثات للخبيثين  لا يشكون فيه، أن هذا بهتان عظيم وفرية ظاهرة. 
فإن قيل : فما بال رسول الله صلى الله عليه وسلم توقف في أمرها وسأل عنها وبحث واستشار وهو أعرف بالله وبمنزلته عنده فيما يليق به. وهلا قال : سبحانك هذا بهتان عظيم، كما قاله فضلاء الصحابة ؟ فالجواب : أن هذا من تمام الحكم الباهرة التي جعل الله هذه القصة سببا لها، وامتحانا وبلاء لرسوله صلى الله عليه وسلم ولجميع الأمة إلى يوم القيامة. ليرفع بهذه القصة أقواما ويضع بها آخرين. ويزيد الله الذين اهتدوا هدى وإيمانا، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا. واقتضى تمام الامتحان والابتلاء أن حبس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي شهرا في شأنها. لا يوحي إليه في ذلك بشيء ليتم حكمته التي قدرها وقضاها، ويظهر على أكمل الوجوه، ويزداد المؤمنون الصادقون إيمانا وثباتا على العدل والصدق وحسن الظن بالله ورسوله وأهل بيته والصديقين من عباده. ويزداد المنافقون إفكا ونفاقا. ويظهر لرسوله وللمؤمنين سرائرهم، ولتتم العبودية المرادة من الصديقة وأبيها. وتتم نعمة الله عليهم، ولتشتد الفاقة والرغبة منها ومن أبيها، والافتقار إلى الله، والذل له، وحسن الظن به، والرجاء له. ولينقطع رجاؤها من المخلوقين، وتيأس من حصول النصرة والفرج على يد أحد من الخلق. ولهذا وفت لهذا المقام حقه، لما قال لها أبوها :( قومي إليه، وقد أنزل الله عليها براءتها، فقالت : والله ! لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي ). 
وأيضا، فكان من حكمة حبس الوحي شهرا، أن القضية نضجت وتمخضت واستشرفت قلوب المؤمنين أعظم استشراف، إلى ما يوحيه الله إلى رسوله فيها. وتطلعت إلى ذلك غاية التطلع. فوافى الوحي أحوج ما كان إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، والصديق وأهله وأصحابه، والمؤمنون. فورد عليهم ورود الغيث على الأرض، أحوج ما كانت إليه. فوقع منهم أعظم موقع وألطفه. وسروا به أتم السرور، وحصل لهم به غاية الهناء، . فلو أطلع الله رسوله على حقيقة الحال من أول وهلة، وأنزل الوحي على الفور بذلك، لفاتت هذه الحكم وأضعافها، بل أضعاف أضعافها. 
وأيضا، فإن الله سبحانه أحب أن يظهر منزلة رسوله وأهل بيته عندهم، وكرامتهم عليه. وأن يخرج رسوله عن هذه القضية ويتولى هو بنفسه الدفاع والمنافحة عنه، والرد على أعدائه، وذمهم وعيبهم بأمر لا يكون له فيه عمل ولا ينسب إليه، بل يكون هو وحده المتولي، لذلك، الثائر لرسوله وأهل بيته. 
وأيضا، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هو المقصود بالأذى. والتي رميت زوجته. فلم يكن يليق أن يشهد براءتها. مع علمه، أو ظنه الظن المقارب للعلم ببراءتها، ولم يظن بها سوءا قط، وحاشاه وحاشاها. ولذلك لما استعذر من أهل الإفك. قال :( من يعذرني في رجل بلغني أذاه في أهلي ؟ والله ! ما علمت على أهلي إلا خيرا. ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا. وما كان يدخل على أهلي إلا معي ). فكان عنده من القرائن التي تشهد ببراءة الصديقة أكثر مما عند المؤمنين. ولكن لكمال صبره وثباته ورفقه وحسن ظنه بربه، وثقته به، وفّى مقام الصبر والثبات وحسن الظن بالله حقه. حتى جاءه الوحي بما أقر عينه وسر قلبه وعظم قدره وظهر لأمته احتفال ربه به واعتناؤه بشأنه. 
ولما جاء الوحي ببراءتها أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن صرح بالإفك، فحدوا ثمانين ثمانين. ولم يحد الخبيث عبد الله بن أبي، مع أنه رأس الإفك. فقيل : لأن الحدود تخفيف عن أهلها وكفارة. والخبيث ليس أهلا لذلك. وقد وعده الله بالعذاب العظيم في الآخرة. فيكفيه ذلك عن الحد. وقيل : بل كان يستوشي الحديث ويجمعه ويحكيه، ويخرجه في قوالب من لا ينسب إليه وقيل : الحد لا يثبت إلا بالإقرار أو بينة. وهو لم يقر بالقذف ولا شهد به عليه أحد. فإنه إنما كان يذكره بين أصحابه ولم يشهدوا عليه. ولم يكن يذكره بين المؤمنين وقيل : حد القذف حق الآدمي، لا يستوفى إلا بمطالبته. وإن قيل إنه حق لله فلا بد من مطالبة المقذوف وعائشة لم تطالب به ابن أبي. وقيل : بل ترك حده لمصلحة هي أعظم من إقامته. كما ترك قتله مع ظهور نفاقه وتكلمه بما يوجب قتله مرارا. وهي تأليف قومه وعدم تنفيرهم عن الإسلام. فإنه كان مطاعا فيهم رئيسا عليهم. فلم يؤمن إثارة فتنة في حده ولعله ترك لهذه الوجوه كلها. فجلد مسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش. وهؤلاء من المؤمنين الصادقين، تطهيرا لهم وتكفيرا. وترك عدو الله ابن أبي إذا فليس هو من أهل ذاك – هذا ما أفاده الإمام ابن القيم رحمه الله في ( زاد المعاد ) وهو خلاصة الروايات في هذا الباب. 
ثم قال رحمه الله : ومن تأمل قول الصديقة، وقد نزلت براءتها، فقال لها أبوها :( قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : والله ! لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله ) – علم معرفتها وقوة إيمانها وتوليتها النعمة لربها، وإفراده بالحمد في ذلك المقام، وتجديدها التوحيد، وقوة جأشها وإذلالها ببراءة ساحتها، وأنها لم تفعل ما يوجب قيامها في مقام الراغب في الصلح الطالب له. ولثقتها بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، قالت ما قالت. إذلالا للحبيب على حبيبه، ولا سيما في مثل هذا المقام الذي هو أحسن مقامات الإذلال، فوضعته موضعه. والله ! ما كان أحبها إليه حين قالت :( لا أحمد إلا الله فإنه هو الذي أنزل براءتي والله ! ) ذلك الثبات والرزانة منها، وهو أحب شيء إليها، ولا صبر لها عنه. وقد تنكر قلب حبيبها لها شهرا. ثم صادفت الرضاء منه والإقبال، فلم تبادر إلى القيام إليه، والسرور برضاه وقربه، مع شدة محبتها له. وهذا غاية الثبات والقوة انتهى. 
وطرق حديث الإفك متعددة عن أم المؤمنين عائشة وعن ابن الزبير وأم رومان وابن عباس وأبي هريرة وأبي اليسر. ورواه من التابعين عشرة كما في ( فتح الباري ) وذلك في ( المسانيد ) و( الصحاح ) و( السنن ) وغيرها. ما بين مطول وموجز. ومن الثاني ما أ

### الآية 24:27

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [24:27]

ولما فصل تعالى الزواجر عن الزنى، وعن رمي العفائف عنه، بين من الزواجر ما عسى يؤدي إلى أحدهما. وذلك في مخالطة الرجال بالنساء، ودخولهم عليهن في أوقات الخلوات، وفي تعليم الآداب الجميلة، فقال سبحانه :
 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا  أي تستعملوا وتستكشفوا الحال. هل يراد دخولكم أم لا ؟ من ( الاستئناس ) وهو الاستعلام. من ( آنس الشيء ) إذا أبصره ظاهرا مكشوفا. أو المعنى : حتى يؤذن لكم فتستأنسوا. من ( الاستئناس ) الذي هو خلاف الاستيحاش. لما أن المستأذن مستوحش من خفاء الحال عليه. فيكون عبر بالشيء عما هو لازم له، مجازا أو استعارة. وجوز أن يكون من ( الإنس ) والمعنى : حتى تعلموا هل فيها إنسان ؟  وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا  أي ليؤمنهم عما يوحشهم  ذَلِكُمْ  أي الاستئذان والتسليم  خَيْرٌ لَّكُمْ  أي من الدخول بغتة  لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ  أي فتتعظوا وتعملوا بموجبه.

### الآية 24:28

> ﻿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ ۖ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [24:28]

فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا  أي من الآذنين  فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ  أي واصبروا حتى تجدوا من يأذن لكم. ويحتمل : فإن لم تجدوا فيها أحدا من أهلها، ولكم فيها حاجة، فلا تدخلوها إلا بإذن أهلها. 
قال الزمخشري : وذلك لأن الاستئذان لم يشرع لئلا يطلع الداخل على عورة، ولا تسبق عينه إلى ما لا يحل النظر إليه فقط، وإنما شرع لئلا يوقف على الأحوال التي يطويها الناس في العادة عن غيرهم، ويتحفظون من اطلاع أحد عليها، ولأنه تصرف في ملك غيرك. فلا بد من أن يكون برضاه، وإلا أشبه الغصب والتغلب. انتهى. 
 وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا  أي إن أمرتم من جهة أهل البيت بالرجوع، سواء كان الأمر ممن يملك الإذن أو لا، كالنساء والولدان، فارجعوا ولا تلحوا بتكرير الاستئذان. لأن هذا مما يجلب الكراهة في قلوب الناس. ولذا قال تعالى : هُوَ  أي الرجوع  أَزْكَى لَكُمْ  أي أطهر مما لا يخلوا عنه الإلحاح والوقوف على الأبواب، من دنس الدناءة. وانمى لمحبتكم. 
قال الزمخشري : وإذا نهى عن ذلك لأدائه إلى الكراهة، وجب الانتهاء عن كل ما يؤدي إليها من قرع الباب بعنف، والتصييح بصاحب الدار، وغير ذلك مما يدخل في عادات من لم يتهذب من أكثر الناس. 
**لطيفة :**
قال ابن كثير : قال قتادة : قال بعض المهاجرين :( لقد طلبت عمري كله هذه الآية فما أدركتها : أن أستأذن على بعض إخواني، فيقول لي : ارجع. فأرجع وأنا مغتبط ). انتهى.  وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ  أي فيجزيكم على نيتكم الحسنة في الزيارة، أو المكر والخيانة بأهل المزور أو ماله. 
**تنبيه :**
قال السيوطي في ( الإكليل ) : في هذه الآية وجوب الاستئذان عند دخول بيت الغير، ووجوب الرجوع إذا لم يؤذن له، وتحريم الدخول إذا لم يكن فيها أحد. ويستفاد من هذا تحريم دخول ملك الغير، والكون فيه، وشغله بغير إذن صاحبه. فيدخل تحته من المسائل والفروع ما لا يحصى. واستدل بالآية الأكثر على الجمع بين الاستئذان والسلام. والأقل على تقديم الاستئذان على السلام بتقديمه في الآية. وأجاب الأكثرون، بأن الواو لا تفيد ترتيبا. واستدل بها من قال : له الزيادة في الاستئذان على ثلاث، حتى يؤذن له أو يصرح بالمنع. وفهم من الآية أن الرجل لا يستأذن عند دخول بيته على امرأته. انتهى. 
وقال ابن كثير : ليعلم أنه ينبغي للمستأذن على أهل المنزل ألا يقف تلقاء الباب بوجهه، ولكن ليكن الباب عن يمينه أو يساره. وفي ( الصحيحين ) [(١)](#foonote-١) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :( لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن، فحذفته بحصاة، ففقأت عينه، ما كان عليك من جناح ) وأخرج [(٢)](#foonote-٢) الجماعة عن جابر قال :( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في دين كان على أبي. فدققت الباب، فقال ( من ذا ) فقلت :( أنا، أنا ) كأنه كرهه ). وإنما كرهه، لأن هذه اللفظة لا يعرف صاحبها، حتى يفصح باسمه أو كنيته التي هو مشهور بها. وإلا فكل أحد يعبر عن نفسه ب ( أنا ) فلا يحصل بها المقصود من الاستئذان، الذي هو الاستئناس المأمور به في الآية. وعن ابن مسعود قال :( عليكم الإذن على أمهاتكم ). وعن طاووس : قال :( ما من امرأة أكره إلي أن أرى عورتها من ذات محرم ). وكان يشدد النكير في ذلك. وقال ابن جريج : قلت لعطاء : أيستأذن الرجل على امرأته ؟ قال : لا. قال ابن كثير : وهذا محمول على عدم الوجوب. وإلا فالأولى أن يعلمها بدخوله، ولا يفاجئها به، لاحتمال أن تكون على هيئة لا تحب أن يراها عليها. وعن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت :( كان عبد الله إذا جاء من حاجة، فانتهى إلى الباب، تنحنح وبزق كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه ). ولهذا جاء في [(٣)](#foonote-٣) ( الصحيح ) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ أنه نهى أن يطرق الرجل أهله طروقا ). 
١ أخرجه البخاري في: ٨٧ – كتاب الديات، ٢٣ – باب من اطلع في بيت قوم ففقأوا عينه، فلا دية له، حديث ٢٥٢٦، عن أبي هريرة.
 وأخرجه مسلم في: ٣٨ – كتاب الآداب، حديث رقم ٤٤ (طبعتنا)..
٢ أخرجه البخاري في: ٧٩ – كتاب الاستئذان، ١٧ – باب إذا قال من ذا؟ فقال أنا، حديث ١٠٧٦.
 وأخرجه مسلم في: ٣٨ – كتاب الآداب، حديث رقم ٣٨ و ٣٩ (طبعتنا)..
٣ أخرجه البخاري في: ٢٦ – كتاب العمرة، ١٦ باب – لا يطرق أهله إذا بلغ المدينة، حديث ٢٩٢، عن جابر..

### الآية 24:29

> ﻿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ [24:29]

ثم بين تعالى ما رخص فيه عدم الاستئذان، بقوله سبحانه :
 لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ . 
 لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا  بغير استئذان  بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ  أي غير معدة لسكنى طائفة مخصوصة، بل ليتمتع بها كائنا من كان، كالخانات والحمامات وبيوت الضيافات  فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ  أي منفعة وحاجة  وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ  وعيد لمن يدخل مدخلا من هذا المدخل، لفساد، أو اطلاع على عورات. أفاده أبو السعود.

### الآية 24:30

> ﻿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [24:30]

ثم أرشد إلى آداب عظيمة تتناول المستأذنين عند دخولهم وغيرهم، بقوله تعالى :
 قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ  أي مقتضى إيمانكم الغض عما حرم الله تعالى النظر إليه  وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ  أي عن الإفضاء بها إلى محرم، أو عن الإبداء والكشف  ذَلِكَ  أي الغض والحفظ  أَزْكَى لَهُمْ  أي أطهر للنفس وأتقى للدين  إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ  أي بأفعالهم وأحوالهم. وكيف يجيلون أبصارهم، وكيف يصنعون بسائر حواسهم وجوارحهم. فعليهم، إذا عرفوا ذلك، أن يكونوا منه على تقوى وحذر، في كل حركة وسكون. أفاده الزمخشري. 
**تنبيهات :**
الأول – قال السيوطي في ( الإكليل ) : في الآية تحريم النظر إلى النساء وعورات الرجال وتحريم كشفها. أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال : كل شيء في القرآن من ( حفظ الفرج ) فهو من الزنى، إلا هذه الآية والتي بعدها، فهو أن لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة. انتهى. 
وليس بمتعين : وعليه فيكون النهي عن الزنى يعلم منه بطريق الأولى. أو الحفظ عن الإبداء يستلزم الحفظ عن الإفضاء. 
الثاني – إن قيل : لم أتى ب ( من ) التبعيضية في غض الأبصار وقيدها به دون حفظ الفروج ؟ مع أنه غير مطلق ومقيد في قوله تعالى [(١)](#foonote-١) : والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم  لأن المستثنى في الحفظ هو الأزواج والسراري، وهو قليل بالنسبة لما عداه. فجعل كالعدم ولم يقيد به. مع أنه معلوم من الآية الأخرى. بخلاف ما يطلق فيه البصر. فإنه يباح في أكثر الأشياء، إلا نظر ما حرم عن قصد. فقيد ( الغض به ) ومدخول ( من ) التبعيضية ينبغي أن يكون أقل من الباقي. وقيل : إن الغض والحفظ عن الأجانب. وبعض الغض ممنوع بالنسبة إليهم، وبعضه جائز. بخلاف الحفظ فلا وجه لدخول ( من ) فيه. كذا في ( العناية ). الثالث – سر تقديم غض الأبصار على حفظ الفروج، هو أن النظر بريد الزنى ورائد الفجور. كما قال الحماسي [(٢)](#foonote-٢)
وكنت، إذا أرسلت طرفك رائدا \*\*\* لقلبك يوما، أتعبتك المناظر
ولأن البلوى فيه أشد وأكثر. ولا يكاد يقدر على الاحتراس منه. فبودر إلى منعه. ولأنه يتقدم الفجور في الواقع، فجعل النظم على وفقه. 
الرابع : غض البصر من أجل الأدوية لعلاج أمراض القلوب. وفيه حسم لمادتها قبل حصولها. فإن النظرة سهم مسموم من سهام إبليس. ومن أطلق لحظاته، دامت حسراته. 
كل الحوادث مبداها من النظر \*\*\* ومعظم النار من مستصغر الشرر
قال الإمام ابن القيم رحمه الله في ( الجواب الشافي ) : في غض البصر عدة منافع : أحدها – امتثال أمر الله الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده. وليس للعبد في دنياه وآخرته أنفع من امتثال أوامر ربه تبارك وتعالى. وما سعد من سعد في الدنيا والآخرة، إلا بامتثال أوامر ربه، وما شقي من شقي في الدنيا والآخرة إلا بتضييع أوامره. 
الثاني – أنه يمنع من وصول أثر السهم المسموم، الذي لعل فيه هلاكه، إلى قلبه. 
الثالث – أنه يورث القلب أنسا بالله وجمعية على الله. فإن إطلاق البصر يفرق القلب ويشتته ويبعده من الله. وليس على العبد شيء أضر من إطلاق البصر. فإنه يوقع الوحشة بين العبد وبين ربه. 
الرابع – أنه يقوي القلب ويفرحه. كما أن إطلاق البصر يضعفه ويحزنه. 
الخامس – أنه يكسب القلب نورا. كما أن إطلاقه يكسبه ظلمة، ولهذا ذكر سبحانه آية النور عقيب الأمر بغض البصر، فقال [(٣)](#foonote-٣) : قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم  ثم قال [(٤)](#foonote-٤) إثر ذلك : الله نور السماوات والأرض  أي مثل نوره في قلب عبده المؤمن، الذي امتثل أوامره واجتنب نواهيه. وإذا استنار القلب أقبلت وفود الخيرات إليه من كل جانب. كما أنه إذا أظلم أقبلت سحائب البلاء والشر عليه من كل مكان. فما شئت من بدعة وضلالة، واتباع هوى واجتناب هدى، وإعراض عن أسباب السعادة، واشتغال بأسباب الشقاوة. فإن ذلك إنما يكشفه له النور الذي في القلب. فإذا فقد ذلك النور بقي صاحبه كالأعمى الذي يجوس في حنادس الظلام. 
السادس – أنه يورث الفراسة الصادقة التي يميز بها بين المحق والمبطل والصادق والكاذب. وكان شاه بن شجاع الكرماني يقول : من عمر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وغض بصره عن المحارم. وكف نفسه عن الشهوات، واعتاد أكل الحلال – لم تخطئ له فراسة. 
وكان شجاع هذا لا تخطئ له فراسة، والله سبحانه يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله. ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه. فإذا غض بصره عن محارم الله، عوضه الله بأن يطلق نور بصيرته عوضا عن حبسه بصره الله. ويفتح له باب العلم والإيمان والمعرفة، والفراسة الصادقة المصيبة، التي إنما تنال ببصيرة القلب. وضد هذا ما وصف الله به اللوطية من العمه الذي هو ضد البصيرة، فقال تعالى [(٥)](#foonote-٥) : لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون  فوصفهم بالسكرة التي هي فساد العقل، والعمه الذي هو فساد البصيرة. فالتعلق بالصور يوجب إفساد العقل، وعمه البصيرة يسكر القلب، كما قال القائل :
سكران : سكر هوى وسكر مدامة \*\*\* ومتى إفاقة من به سكران ؟
**وقال الآخر :**
قالوا : جننت بمن تهوى فقلت لهم :\*\*\* العشق أعظم مما بالمجانين
العشق لا يستفيق الدهر صاحبه \*\*\* وإنما يصرع المجنون في الحين
السابع – أنه يورث القلب ثباتا وشجاعة وقوة. ويجمع الله له بين سلطان البصيرة والحجة، وسلطان القدرة والقوة. كما في الأثر ( الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله ). وضد هذا تجده في المتبع هواه، من ذل النفس ووضاعتها ومهانتها وخستها وحقارتها. وما جعل الله سبحانه فيمن عصاه. كما قال الحسن : إنهم وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين، فإن المعصية لا تفارق رقابهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه. وقد جعل الله سبحانه العز قرين طاعته، والذل قرين معصيته، فقال تعالى [(٦)](#foonote-٦) : ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين  وقال تعالى [(٧)](#foonote-٧) : ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين  والإيمان قول وعمل ظاهر وباطن. وقال تعالى [(٨)](#foonote-٨) : من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه  أي من كان يريد العزة فليطلبها بطاعة الله وذكره، من الكلم الطيب. والعمل الصالح. وفي دعاء القنوت [(٩)](#foonote-٩) :( إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت ) ومن أطاع الله فقد والاه فيما أطاعه فيه. وله من العز بحسب طاعته. ومن عصاه فقد عاداه فيما عصاه فيه. وله من الذل بحسب معصيته. 
الثامن – أنه يسد على الشيطان مدخله من القلب. فإنه يدخل مع النظرة وينفذ معها إلى القلب، أسرع من نفوذ الهوى في المكان الخالي. فيمثل له صورة المنظور إليه، ويزينها ويجعلها صنما يعكف عليه القلب. ثم يعده ويمنيه. ويوقد على القلب نار الشهوة. ويلقي عليه حطب المعاصي. التي لم يكن يتوصل إليها بدون تلك الصورة. فيصير القلب في اللهب. فمن ذلك اللهب تلك الأنفاس التي يجد فيها وهج النار. وتلك الزفرات والحرقات. فإن القلب قد أحاطت به نيران بكل جانب. فهو في وسطها كالشاة في وسط التنور، ولهذا كانت عقوبة أصحاب الشهوات بالصور المحرمة، أن جعل لهم في البرزخ تنور من نار، وأودعت أرواحهم فيه، إلى حشر أجسادهم. كما أراها الله نبيه صلى الله عليه وسلم في المنام في [(١٠)](#foonote-١٠) الحديث المتفق على صحته. 
التاسع – أنه يفرغ القلب للفكرة في مصالحه والاشتغال بها. وإطلاق البصر يشتت عليه ذلك ويحول عليه بينه وبينها. فتفرط عليه أموره ويقع في اتباع هواه وفي الغفلة عن أمر ربه، قال تعالى [(١١)](#foonote-١١) : ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا  وإطلاق النظر يوجب هذه الأمور الثلاثة بحسبه. 
العاشر – أن بين العين والقلب منفذا وطريقا يوجب انفعال أحدهما عن الآخر. وأن يصلح بصلاحه ويفسد بفساده. فإذا فسد القلب فسد النظر. وإذا فسد النظر فسد القلب. وكذلك في جانب الصلاح. فإذا خربت العين وفسدت، خرب القلب وفسد، وصار كالمزبلة التي هي محل النجاسات والقاذورات والأوساخ. فلا يصلح لسكنى معرفة الله ومحبته والإنابة إليه والأنس به والسرور بقربه فيه. وإنما يسكن فيه أضداد ذلك. فهذه إشارة إلى بعض فوائد غض البصر، تطلعك على ما وراءها. انتهى.

١ (٢٣ المؤمنون ٥)..
٢ ديوان الحماسة الحماسية رقم ٤٦٥. لم يعلم قائله. وثانيه:
 رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه، ولا عن بعضه أنت صابر
 والرائد الذي يتقدم الواردة، ليتأمل حال الماء والكلإ لهم..
٣ (٢٤ النور ٣٠)..
٤ (٢٤ النور ٣٥)..
٥ (١٥٠ الحجر ٧٢)..
٦ (٦٣ المنافقون ٨)..
٧ (٣ آل عمران ١٣٩)..
٨ (٣٥ فاطر ١٠)..
٩ أخرجه أبو داود في: ٨ – كتاب الوتر، ٥ - باب القنوت في الوتر، حديث رقم ١٤٢٥..
١٠ يشير إلى حديث رؤياه صلى الله عليه وآله وسلم الذي أخرجه البخاري في: ٩١ – كتاب التعبير، ٤٨ – باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح عن سمرة بن جندب، حديث رقم ٥٠١..
١١ (١٨ الكهف ٢٨)..

### الآية 24:31

> ﻿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [24:31]

ثم أمر الله تعالى النساء بما أمر به الرجال. وزاد في أمرهن، ما فرضه من رفض حالة الجاهلية المألوفة قبل لهن، بقوله سبحانه :
 وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ  أي بالتستر والتصون عن الزنى كما تقدم. قال الزمخشري : النساء مأمورات أيضا بغض الأبصار. ولا يحل للمرأة أن تنظر من الأجنبي إلى ما تحت سرته إلى ركبته. وإن اشتهت غضت بصرها رأسا. ولا تنظر من المرأة إلا مثل ذلك. وغض بصرها من الأجانب أصلا، أولى بها وأحسن. ومنه حديث ابن أم مكتوم. عن أم سلمة [(١)](#foonote-١) رضي الله عنها قالت :( كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنده ميمونة. فأقبل ابن أم مكثوم. وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب. فدخل علينا. فقال : احتجبا. فقلنا : يا رسول الله ! أليس أعمى لا يبصرنا ! قال : أفعمياوان أنتما ؟ ألستما تبصرانه ؟ ) وهذا الحديث رواه أبو داود والترمذي وصححه  وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا  قال الزمخشري : الزينة ما تزينت به المرأة من حلي أو كحل أو خضاب : فما كان ظاهرا منها، كالخاتم والفتخة والكحل والخضاب، فلا بأس بإبدائه للأجانب. وما خفي منها كالسوار والخلخال. والدملج والقلادة والإكليل والوشاح والقرط، فلا تبديه إلا لهؤلاء المذكورين. وذكر الزينة دون مواقعها، للمبالغة في الأمر بالتصون والتستر. لأنه هذه الزين واقعة على مواضع من الجسد، لا يحل النظر إليها لغير هؤلاء. وهي الذراع والساق والعضد والعنق والرأس والصدر والأذن. فنهى عن إبداء الزين نفسها ليعلم أن النظر إذا لم يحل إليها لملابستها تلك المواقع، بدليل أن النظر إليها غير ملابسة لها، لا مقال في حله – كان النظر إلى المواقع أنفسها متمكنا في الحظر ثابت القدم في الحرمة، شاهدا على أن النساء حقهن أن يحتطن في سترها ويتقين الله في الكشف عنها. 
( فإن قلت ) : لم سومح مطلقا في الزينة الظاهرة ؟ قلت : لأن سترها فيه حرج. فإن المرأة لا تجد بدا من مزاولة الأشياء بيديها، ومن الحاجة إلى كشف وجهها، خصوصا في الشهادة والمحاكمة والنكاح. 
وتضطر إلى المشي في الطرقات وظهور قدميها. وخاصة الفقيرات منهن. وهذا معنى قوله : إلا ما ظهر منها  يعني : إلا ما جرت العادة والجبلة على ظهوره، والأصل فيه الظهور. انتهى. 
وقال السيوطي في ( الإكليل ) : فسر ابن عباس قوله تعالى : إلا ما ظهر منها  بالوجه والكفين. كما أخرجه ابن أبي حاتم. فاستدل به من أباح النظر إلى وجه المرأة وكفيها، حيث لا فتنة. ومن قال : إن عورتها ما عداهما. وفسره ابن مسعود بالثياب، وفسر الزينة بالخاتم والسوار والقرط والقلادة والخلخال. أخرجه ابن أبي حاتم أيضا. فهو دليل لمن لم يجز النظر إلى شيء من بدنها، وجعلها كلها عورة  وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ  أي وليسترن بمقانعهن، شعورهن وأعناقهن وقرطهن وصدورهن، بإلقائها على جيوبهن أي مواضعها، وهي النحر والصدر. 
قال الزمخشري : كانت جيوبهن واسعة تبدو منها نحورهن وصدورهن وما حواليها. وكن يسدلن الخمر من ورائهن، فتبقى مكشوفة فأمرهن بأن يسدلنها من أقدامهن حتى يغطينها. ويجوز أن يراد بالجيوب الصدور، تسمية لما يليها ويلابسها، ومنه قولهم ( ناصح الجيب ). 
**لطيفة :**
قال أبو حيان : عدى  يضربن  ب على  لتضمنه معنى الوضع. وجعله الراغب مما يتعدى بها دون تضمين. و( الخمر ) جمع خمار يقال ( لغة ) لما يستر به. وخصصه العرف بما تغطي به المرأة رأسها. ومنه ( اختمرت ) المرأة و( تخمرت ). و( الجيب ) ما جيب، أي قطع من أعلى القميص. وهو ما يسميه العامة طوقا. وأما إطلاقه على ما يكون في الجنب لوضع الدراهم ونحوها، فليس من كلام العرب. كما ذكره ابن تيمية. كذا في ( العناية ) ثم كرر النهي عن إبداء الزينة لاستثناء بعض مواد الرخصة عنه، باعتبار الناظر بعدما استثنى عنه بعض مواد الضرورة باعتبار المنظور، بقوله تعالى : وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ  أي فإنهم المقصودون بالزينة. ولهم أن ينظروا إلى جميع بدنهن حتى الفرج، لكن بكراهة على المشهور. 
وقال الإمام أبو الحسن بن القطان في كتاب ( إحكام النظر ) : عن أصبغ، لا بأس به، وليس بمكروه. وروى عن مالك لا بأس أن ينظر إلى الفرج في الجماع. ثم ذكر أن ما روي من أن ذلك يورث العمى، فحديث لا يصح. لأن فيه ( بقية ) وقد قالوا ( بقية أحاديثه غير نقية ) ولم يؤثر عن العرب كراهة ذلك. وللنابغة والأعشى وأبي عبيد وابن ميادة وعبد الحساس والفرزدف، في ذلك ما هو معروف. 
وقوله تعالى : أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ  أي لأن هؤلاء محارمهن الذي تؤمن الفتنة من قبلهم. فإن آباءهن أولياءهن الذين يحفظونهن عما يسوءهن. وآباء بعولتهن يحفظون على أبنائهم ما يسوءهم وأبناؤهن من شأنهم خدمة الأمهات، وهم منهن. وأبناء بعولتهن شأنهم خدمة الآباء وخدمة أحبابهم. وإخوانهن هم الأولياء بعد الآباء. وبنوهم أولياء بعدهم. وكذا بنو إخواتهن، هم كبني إخوانهن في القربة فيتعيرون بنسبة السوء إلى الخالة. تعيرهم بنسبته إلى العمة. هذا ما أشار له المهايمي. 
وأجمل ذلك الزمخشري بقوله : وإنما سومح في الزينة الخفية أولئك المذكورون. لما كانوا مختصين به من الحاجة المضطرة إلى مداخلتهم ومخالفتهم. ولقلة توقع الفتنة من جهاتهم ولما في الطباع من النفرة عن ممارسة القرائب. وتحتاج المرأة إلى صحبتهم في الأسفار للنزول والركوب وغير ذلك. وقوله تعالى : أَوْ نِسَائِهِنَّ  قيل : هن المؤمنات. أخذا من الإضافة. فليس للمؤمنة أن تتجرد بين يدي مشركة أو كتابية. وقيل : النساء كلهن. فإنهن سواء في حل نظر بعضهن إلى بعض. 
قال في :( الإكليل ) : فيه إباحة نظر المرأة إلى المرأة كمحرم. وروى ابن أبي حاتم عن عطاء ؛ أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما قدموا بيت المقدس، كان قوابل نسائهن اليهوديات والنصرانيات. 
وقال الرازي : القول الثاني هو المذهب وقول السلف الأول محمول على الاستحباب والأولى. 
وقوله تعالى : أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ  أي لاحتياجهن إليهم. فلو منع دخولهم عليهن اضطررن. قاله المهايمي. وظاهر الآية يشمل العبيد والإماء. وإليه ذهب قوم. قالوا : لا بأس عليهن في أن يظهرن لعبيدهن من زينتهن ما يظهرن لذوي محارمهن. واحتجوا أيضا بما رواه أبو [(٢)](#foonote-٢) داود عن أنس :( أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها. قال : وعلى فاطمة ثوب، إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما تلقى قال : إنه ليس عليك بأس. إنما هو أبوك وغلامك ). 
وجاء في ( تاريخ ابن عساكر ) أن عبد الله بن مسعدة كان أسود شديد الأدمة. وقد كان وهبه النبي صلوات الله عليه لابنته فاطمة. فربته ثم أعتقته. ثم كان، بعد معاوية على علي. نقله ابن كثير، فاحتمل أن يكون هو هو. والله أعلم. 
وذهب قوم إلى أنه عنى بذلك الإماء المشركات، وأنه يجوز لها أن تظهر زينتها إليهن وإن كن مشركات. قالوا : وسر إفراد الإماء مع شموله قوله : نسائهن  لهن الإعلام بأن المراد من في صحبتهن من الحرائر والإماء لظهور الإضافة في  نسائهن  بالحرائر كقوله [(٣)](#foonote-٣) : شهيدين من رجالكم  فعطفن عليهن ليشاركهن في إباحة النظر إليهن، والقول الأول أقوى. لأن الأصل هو العمل بالعام حتى يقوم دليل على تخصيصه. لاسيما والحكمة ظاهرة فيه وهي رفع الحرج. وهذا الذي قطع به الشافعي وجمهور أصحابه. 
قال في ( الإكليل ) : وعلى الأول استدل بإضافة اليمين على أنه ليس لعبد الزوج النظر. واستدل من أباحه بقراءة  أو ما ملكت أيمانكم . 
وقوله : أَوِ التَّابِعِينَ  أي الخدم لأنهن في معنى العبيد  غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ  أي الحاجة إلى النساء  مِنَ الرِّجَالِ  كالشيخ الهرم والبله واستدل بهذا من أباح نظر الخصي. وقوله تعالى : أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء  أي لم يفهموا أحوالهن، لصغرهم. فيستدل به على تحريم نظر المراهق الذي فهم ذلك كالبالغ. كما في ( الإكليل ). 
قال الزمخشري : يظهروا  إما من ( ظهر الشيء ) إذا طلع عليه، أي لا يعرفون ما العورة، ولا يميزون بينها وبين غيرها. وإما من ( ظهر على فلان ) إذا قوي عليه و( ظهر على القرآن ) أخذه وأطاقه أي لم يبلغوا أوان القدرة على الوطء. و الطفل  مفرد وضع موضع الجمع بقرينة وصفه بالجمع. ومثله ( الحاج ) بمعنى الحجاج. وقال الراغب : إنه يقع على الجمع. 
**تنبيه :**
قال السيوطي في ( الإكليل ) : استدل بعضهم بقوله تعالى : ولا يبدين زينتهن إلا  الخ على أنه لا يباح النظر للعم والخال، لعدم ذكرهما في الآية. أخرج ابن المنذر عن الشعبي وعكرمة، قالا :( لم يذكر العم والخال لأنهما ينعتان لأبنائهما، ولا تضع خمارها عند العم، والخال ). 
وقال الرازي : القول الظاهر أنهما كسائر المحارم في جواز النظر. وهو قول الحسن البصري : قال : لأن الآية لم يذكر فيها الرضاع وهو كالنسب. وقال في سورة الأحزاب [(٤)](#foonote-٤) : لا جناح عليهن في آبائهن  الآية ولم يذكر فيها البعولة ولا أبنائهم. وقد ذكروا ها هنا. وقد يذكر البعض لينبه على الجملة. 
ثم قال : في قول الشعبي من الدلالات البليغة على وجوب الاحتياط عليهن في التستر. 
ثم أشار تعالى إلى أن الزينة، كما يجب إخفاؤها عن البصر، يجب عن السمع، إن كانت مما تؤثر فيه ميلا، بقوله سبحانه :
 وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ  أي الأرض  لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ  أي عن الأبصار  مِن زِينَتِهِنَّ  كالخلخال. وهذا نهي عما كان يفعله بعضهن. وذلك أن من ضرب أرجلهن الأرض ليتحرك خلخالهن فيعلم أنهن متحلين به. فإن ذلك مما يورث الرجال ميلا إليهن، ويوهم أن لهن ميلا إليهم. 
قال الزمخشري : وإذ نهين عن إظهار صوت الحلي بعدما نهين عن إظهار الحلي، علم بذلك أن النهي عن إظهار مواضع الحلي أبلغ وأبلغ. قيل : وإذا نهى عن استماع صوت حليهن، فعن استماع صوتهن بالطريق الأولى. وهذا سد لباب المحرمات، وتعليم للأحوط الأحسن، لا سيما في مظان الريب وما يكون ذريعة إليها. 
**تنبيه :**
قال ابن كثير : يدخل في هذا النهي كل شيء من زينتها كان مستورا، فتحركت بحركة، لتظهر ما خفي منها. ومن ذلك ما ورد من نهيها عن التعطر والتطيب عند خروجها من بيتها ليشم الرجال طيبها. فروى الترمذي [(٥)](#foonote-٥) عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( كل عين زانية. والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا. يعني زانية ). 
قال : ومن الباب عن أبي هريرة. وهذا حديث حسن صحيح. ورواه أبو داود والنسائي. وروى الترمذي [(٦)](#foonote-٦) أيضا عن ميمونة بنت سعد ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( الرافلة في الزينة في غير أهلها، كمثل ظلمة يوم القيامة، لا نور لها ). ومن ذلك أيضا، نهيهن عن المشي في وسط الطريق لما فيه من التبرج. فروى أبو [(٧)](#foonote-٧) داود عن أبي أسيد الأنصاري :( أنه سم

١ أخرجه أبو داود في: ٣١ – كتاب اللباس، ٣٤ – باب وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن، حديث رقم ٤١١٢.
 وأخرجه الترمذي في: ٤١ – كتاب الأدب، ٢٩ – باب ما جاء في احتجاب النساء من الرجال..
٢ أخرجه أبو داود في: ٣٢ – في العبد ينظر إلى شعر مولاته، حديث ٤١٠٦..
٣ (٢ البقرة ٢٨٢)..
٤ (٣٣ الأحزاب ٥٥)..
٥ أخرجه الترمذي في: ٤١ – كتاب الأدب، ٣٥ – باب ما جاء في كراهية خروج المرأة متعطرة..
٦ أخرجه الترمذي في: ١٠ – كتاب الرضاع، ١٣ – باب ما جاء في كراهية خروج النساء في الزينة..
٧ أخرجه أبو داود في: ٤٠ – كتاب الأدب، ١٦٨ – باب في مشي النساء مع الرجال في الطريق، حديث ٥٢٧٢..

### الآية 24:32

> ﻿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [24:32]

ولما زجر تعالى عن السفاح ومباديه القريبة والبعيدة، أمر بالنكاح. فإنه، مع كونه مقصودا بالذات من حيث كونه مناطا لبقاء النوع، خير مزجرة عن ذلك. فقال سبحانه :. 
 وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ  أي زوجوا من لا زوج له من الأحرار والحرائر، ومن كان فيه صلاح من غلمانكم وجواريكم. والخطاب للأولياء والسادات و الأيامى  جمع أيم من لا زوجة له أو لا زوج لها. يكون للرجل والمرأة. يقال : آم وآمت وتأيما، إذ لم يتزوجا، بكرين كانا أو ثيبين. 
قال أبو السعود : واعتبار الصلاح في الأرقاء، لأن من لا صلاح له منهم، بمعزل من أن يكون خليقا بأن يعتني مولاه بشأنه، ويشفق عليه، ويتكلف في نظم مصالحه بما لا بد منه شرعا وعادة، من بذل المال والمنافع. بل حقه ألا يستبقيه عنده. وأما عدم اعتبار الصلاح في الأحرار والحرائر، فلأن الغالب فيهم الصلاح. على أنهم مستبدون في التصرفات المتعلقة بأنفسهم وأموالهم. فإذا عزموا النكاح، فلا بد من مساعدة الأولياء لهم ؛ إذ ليس عليهم في ذلك غرامة، حتى يعتبر في مقابلتها غنيمة عائدة إليهم. عاجلة أو آجلة : وقيل : المراد هو الصلاح للنكاح والقيام بحقوقه. وقوله تعالى : إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ  إزاحة لما عسى يكون وازعا من النكاح من فقر أحد الجانبين، أي لا يمنعهن فقر الخاطب أو المخطوبة من المناكحة. فإن في فضل الله عز وجل غنية عن المال. فإنه غاد ورائح. يرزق من يشاء من حيث لا يحتسب. أو وعد منه سبحانه بالإغناء. لكنه مشروط بالمشيئة. كما في قوله تعالى [(١)](#foonote-١) : وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء   وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ  أي غني ذو سعة، لا يرزؤه إغناء الخلائق، إذ لا نفاذ لنعمته ولا غاية لقدرته.  عليم  يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر حسبما تقتضيه الحكمة. انتهى. كلام أبي مسعود. 
**تنبيهات :**
الأول – الأمر في الآية للندب، لما علم من أن النكاح أمر مندوب إليه. وقد يكون للوجوب في حق الأولياء عند طلب المرأة ذلك. 
وفي ( الإكليل ) : استدل الشافعي بالأمر على اعتبار الولي. لأن الخطاب له، وعدم استقلال المرأة بالنكاح. واستدل بعموم الآية من أباح نكاح الإماء بلا شرط، ونكاح العبد الحرة. واستدل بها من قال بإخبار السيد على نكاح عبده وأمته. 
الثاني – قدمنا أن قوله تعالى : يغنيهم الله من فضله  مشروط بالمشيئة. فلا يقال إنه تعالى لا يخلف الميعاد، وكم من متزوج فقير. والتقييد بالمشيئة بدليل سمعي، وهو الآية المتقدمة. أو إشارة قوله تعالى  عليم حكيم  لأن مآله إلى المشيئة. أو عقلي وهو أن الحكيم لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة. 
قال الناصر في ( الانتصاف ) : ولقائل أن يقول : إذا كانت المشيئة هي المعتبرة في غنى المتزوج، فهي أيضا المعتبرة في غنى الأعزب، فما وجه ربط وعد الغنى بالنكاح مع أن حال الناكح منقسم في الغنى على حسب المشيئة فمن مستغن به ومن فقير كما أن حال غير الناكح كذلك منقسم. 
فالجواب، وبالله التوفيق : إن فائدة ربط الغنى بالنكاح، أنه قد ركز في الطباع السكون إلى الأسباب والاعتماد عليها، والغفلة عن المسبب، جل وعلا. حتى غلب الوهم على العقل فخيل أن كثرة العيال سبب يوجب الفقر حتما، وعدمها سبب يوجب توفير المال جزما. وأن كل واحد من هذين السببين غير مؤثر فيما ربطه الوهم به. فأريد قلع هذا الخيال المتمكن من الطبع، بالإيذان بأن لله تعالى قد يوفر المال وينميه، مع كثرة العيال التي هي سبب في الأوهام، لنفاذ المال. وقد يقدر الإملاق مع عدمه، الذي هو سبب في الإكثار عند الأوهام. والواقع يشهد لذلك بلا مراء، فدل ذلك قطعا على أن الأسباب التي يتوهمها البشر، مرتبطات بمسبباتها، ارتباطا لا ينفك – ليست على ما يزعمونه. وإنما يقدر الغنى والفقر مسبب الأسباب. غير موقوف تقدير ذاك إلا على مشيئة خاصة. وحينئذ لا ينفر العاقل المتيقظ من النكاح. لأنه قد استقر عنده أو لا أثر له في الإقتار. وأن الله تعالى لا يمنعه ذلك من إغنائه، ولا يؤثر أيضا الخلو عن النكاح لأجل التوفير. لأنه قد استقر أن لا أثر له فيه، وأن الله تعالى لا يمنعه مانع أن يقتر عليه، وأن العبد إن تعاطى سببا فلا يكن ناظرا إليه، ولكن إلى مشيئة الله تعالى وتقدس. فمعنى قوله حينئذ  إن يكونوا فقراء  الآية. أن النكاح لا يمنعهم الغنى من فضل الله. فعبر عن نفي كونه مانعا من الغنى، بوجوده معه. ولا يبطل المانعية إلا وجود ما يتوهم ممنوعا مع ما يتوهم مانعا، ولو في صورة من الصور على أثر ذلك. فمن هذا الوادي أمثاله قوله تعالى [(٢)](#foonote-٢) : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض  فإن ظاهر الأمر طلب الانتشار عند انقضاء الصلاة، وليس ذلك بمراد حقيقة. ولكن الغرض تحقيق زوال المانع وهو الصلاة، وبيان أن الصلاة متى قضيت، فلا مانع. فعبر عن نفي المانع بالانتشار، بما يفهم تقاضي الانتشار مبالغة في تحقيق المعنى عند السامع. والله أعلم. 
فتأمل هذا الفصل واتخذه عضدا حيث الحاجة إليه. انتهى. 
الثالثة – ( في الإكليل ) : استدل بعضهم بهذه الآية على أنه لا يفسخ النكاح بالعجز عن النفقة، لأنه قال  يغنهم الله  ولم يفرق بينهم.

١ (٩ التوبة ٢٨)..
٢ (٦٢ الجمعة ١٠)..

### الآية 24:33

> ﻿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ۚ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ [24:33]

ثم أرشد تعالى العاجزين عن أسباب النكاح، إلى ما هو أولى لهم، بعد بيان جواز مناكحة الفقراء، بقوله سبحانه :
 وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ  أي وليجتهد في العفة الذين لا يجدون نكاحا، أي أسبابه، أو استطاعة نكاح أي تزوج. فهو على المجاز، أو تقدير المضاف. أو المراد ( بالنكاح ) ما ينكح به. 
قال الشهاب : فإن ( فعالا ) يكون صفة بمعنى مفعول. ككتاب بمعنى مكتوب. واسم آلة كركاب لما يركب به. وهو كثير. كما نص عليه أهل اللغة وقوله تعالى : حتى يغنيهم الله من فضله  ترجية للمستعفين وتقدمة وعد بالتفضل عليهم بالغنى، ليكون انتظار ذلك وتأميله، لطفا لهم في استعفافهم، وربطا على قلوبهم. وليظهر بذلك أن فضله أولى بالأعفاء. وأدنى من الصلحاء. وما أحسن ما رتب هذه الأوامر. حيث أمر أولا بما يعصم من الفتنة، ويبعد عن مواقعة المعصية، وهو غض البصر. ثم بالنكاح، الذي يحصن به الدين، ويقع به الاستغناء بالحلال عن الحرام. ثم بالحمل على النفس الأمارة بالسوء، وعزفها عن الطموح إلى الشهوة عند العجز عن النكاح، إلى أن يرزق القدرة عليه. أفاده الزمخشري. 
**تنبيه :**
قال في ( الإكليل ) : في الآية استحباب الصبر عن النكاح لمن لا يقدر على مؤنته. واستدل بعضهم بهذه الآية على بطلان نكاح المتعة. 
ولما أمر تعالى السادة بتزويج الصالحين من عبيدهم وإمائهم، مع الرق، رغبهم في أن يكاتبوهم إذا طلبوا ذلك، ليصيروا أحرارا ؛ فيتصرفوا في أنفسهم كالأحرار : فقال تعالى :
 وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ  أي الكتابة  مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ  حرصا على تحريرهم الذي هو الأصل فيهم، وحبا بتحقيق المساواة في الأخوة الجنسية. والمكاتبة أن يقول السيد : كاتبتك. أي جعلت عتقك مكتوبا على نفسي، بمال كذا تؤديه في نجوم كذا. ويقبل العبد ذلك. فيصير مالكا لمكاسبه ولما يوهب له، وإنما وجب معه الإمهال، لأن الكسب لا يتصور بدونه. واشترط النجوم لئلا تخلو تلك المدة عن الخدمة وعوضها جميعا. وقوله تعالى : إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا  أي كالأمانة، لئلا يؤدوا النجوم من المال المسروق. والقدرة على الكسب والصلاح، فلا يؤذي أحدا بعد العتق، وقوله تعالى : وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ  أمر للموالي ببذل شيء من أموالهم. وفي حكمه، حط شيء من مال الكتابة. ولغيرهم بإعطائهم من الزكاة إعانة لهم على تحريرهم. 
**تنبيه :**
قال في ( الإكليل ) : في الآية مشروعية الكتابة. وأنها مستحبة. وقال أهل الظاهر : واجبة لظاهر الآية. وأن لندبها أو وجوبها، شرطين : طلب العبد لها وعلم الخير فيه. وفسره مجاهد وغيره بالمال والحرفة والوفاء والصدق والأمانة. 
ثم نهى تعالى عن إكراه الجواري على الزنى كما اعتادوه في الجاهلية، بقوله سبحانه : وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ  أي إماءكم، فإنه يكنى بالفتى والفتاة، عن العبد والأمة، وفي الحديث [(١)](#foonote-١) :( ليقل أحدكم : فتاي وفتاتي، ولا يقل عبدي وأمتي ) وقوله تعالى : عَلَى الْبِغَاء  أي الزنى. يقال : بغت بغيا وبغاء، إذا عهرت. وذلك لتجاوزها إلى ما ليس لها. وقوله تعالى : إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا  ليس لتخصيص النهي بصورة إرادتهن التعفف عن الزنى. وإخراج ما عداها من حكمه، بل للمحافظة على عادتهم المستمرة، حيث كانوا يكرهونهن على البغاء وهن يردن التعفف عنه، مع وفور شهوتهن الآمرة بالفجور، وقصورهن في معرفة الأمور، الداعية إلى المحاسن، الزاجرة عن تعاطي القبائح، انتهى كلام أبي السعود. أي وحينئذ فلا مفهوم للشرط، وهذا كجواب بعضهم : إن غالب الحال أن الإكراه لا يحصل إلا عند إرادة التحصن. والكلام الوارد على سبيل الغالب لا يكون له مفهوم الخطاب. كما أن الخلع يجوز في غير حالة الشقاق. ولكن لما كان الغالب وقوع الخلع في حالة الشقاق، لا جرم لم يكن لقوله تعالى [(٢)](#foonote-٢) : فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليها فيما افتدت به  مفهوم من هذا القبيل قوله [(٣)](#foonote-٣) : وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا  والقصر لا يختص بحال الخوف. ولكنه سبحانه أجراه على سبيل الغالب. فكذا ها هنا. انتهى. 
قال أبو السعود : وفيه من زيادة تقبيح حالهم وتشنيعهم على ما كانوا عليه من القبائح، ما لا يخفى. فإن من له أدنى مروءة لا يكاد يرضى بفجور من يحويه حرمه من إمائه، فضلا عن أمرهن به، أو إكراههن عليه. لا سيما عند إرادتهن التعفف. وإيثار كلمة ( إن ) على ( إذا ) مع تحقق الإرادة في مورد النص حتما، للإيذان بوجوب الانتهاء عن الإكراه، عند كون إرادة التحصن في حيز التردد والشك. فكيف إذا كانت محققة الوقوع كما هو في الواقع ؟ وقوله تعالى : لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا  قيد للإكراه، لكن لا باعتبار أنه مدار للنهي عنه، بل باعتبار أنه المعتاد فيما بينهم، كما قبله جيء به تشنيعا لهم فيما هم عليه من احتمال الوزر الكبير، لأجل النزر الحقير. أي لا تفعلوا ما أنتم عليه من إكراههن على البغاء لطلب المتاع السريع الزوال، الوشيك الاضمحلال. يعني من كسبهن وأولادهن. 
وقوله تعالى : وَمَن يُكْرِههُّنَّ  جملة مستأنفة سيقت لتقرير النهي وتأكيد وجوب العمل به ببيان خلاص المكرهات عن عقوبة المكره عليه عبارة، ورجوع غائلة الإكراه إلى المكرهين إشارة، أي وَمَن يُكْرِههُّنَّ  على ما ذكر من البغاء.  فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  أي لهن. كما وقع في مصحف ابن مسعود. وعليه قراءة ابن عباس رضي الله عنهم. وكما ينبئ عنه قوله تعالى : من بعد إكراههن  أي كونهن مكرهات على أن الإكراه مصدر من المبني للمفعول فإن توسيطه بين اسم ( إن ) وخبرها، للإيذان بأن ذلك هو السبب للمغفرة والرحمة. وكان الحسن البصري رحمه الله تعالى، إذا قرأ هذه الآية يقول : لهن، والله ! لهن، والله ! وفي تخصيصهما ( بهن ) وتعيين مدارهما، مع سبق ذكر المكرهين أيضا في الشرطية، دلالة بينة على كونهم محرومين منها بالكلية، كأنه قيل : لا للمكره. ولظهور هذا التقدير، اكتفى به عن العائد إلى اسم الشرط. فتجويز تعلقهما بهم بشرط التوبة استقلالا، أو معهن، إخلال بجزالة النظم الجليل، وتهوين لأمر النهي في مقام التهويل. وحاجتهن إلى المغفرة المنبئة عن سابقة الإثم، إما باعتبار أنهن وإن كن مكرهات، لا يخلون في تضاعيف الزنى عن شائبة مطاوعة ما يحكم الجبلة البشرية. وإما باعتبار أن الإكراه قد يكون قاصرا عن حد الإلجاء المزيل للإختيار بالمرة. وإما لغاية تهويل أمر الزنى، وحث المكرهات على التثبيت في التجافي عنه، والتشديد في تحذير المكرهين، ببيان أنهن حيث كن عرضة للعقوبة، لولا أن تداركهن المغفرة والرحمة، مع قيام العذر في حقهن. فما حال من يكرههن في استحقاق العذاب ؟ انتهى كلام أبي السعود. وقد أجاد في تحقيق المرام رحمه الله تعالى. 
**تنبيه :**
قال في ( الإكليل ) : في الآية النهي عن إكراه الإمام على الزنى. وأن المكره غير مكلف ولا آثم. وأن الإكراه على الزنى يتصور. وإن مهر البغي حرام. وفيه رد على من أوجب الحد على المكره له.

١ أخرجه البخاري في: ٤٩ – كتاب العتق، ١٧ – باب كراهية التطاول على الرقيق، حديث ١٢٥١، عن أبي هريرة..
٢ (٢ البقرة ٢٢٩)..
٣ (٤ النساء ١٠١)..

### الآية 24:34

> ﻿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [24:34]

ثم حذر سبحانه من مخالفة ما نهى عنه، مما بينه أشد البيان، بقوله سبحانه :
 وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ . 
 وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ  أي واضحات أو مفسرات لكل ما تهم حاجتكم إليه من عبادات ومعاملات وآداب. ومنه ما ذكر قبل، من النهي عن الإكراه. فلا يخفى المراد منها  وَمَثَلًا مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ  أي خبرا عظيما عن الأمم الماضية وما حل بهم، بظلمهم وتعديهم حدود الله تعالى : وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ  أي فيتعظون به وينزجرون عما لا ينبغي لهم. كما قال تعالى [(١)](#foonote-١) : فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين  أي عبرة يعتبرون بها. وإيثار ( المتقين ) لحث المخاطبين على الانتظام في سلكهم، فإنهم الفائزون.

١ (٤٣ الزخرف ٥٦)..

### الآية 24:35

> ﻿۞ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [24:35]

**وقوله تعالى :**
 اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ  أي منورهما بالكواكب وما يفيض عنها من الأنوار. فهو مجاز من إطلاق الأثر على مؤثره. كما يطلق السبب على مسببه. أو مدبرهما، من قولهم للرئيس الفائق في التدبير ( نور القوم ) لأنهم يهتدون به في الأمور فيكون مجازا. أو استعارة استعير ( النور ) بمعنى المنور، للمدبر، لعلاقة المشابهة في حصول الاهتداء. أو موجدهما. فإن النور ظاهر بذاته مظهر لغيره – كما قاله الغزالي – فيكون أطلق عليه تعالى مجازا مرسلا باعتبار لازم معناه. 
قال أبو السعود : وعبر عن المنور بالنور، تنبيها على قوة التنوير، وشدة التأثير. وإيذانا بأنه تعالى ظاهر بذاته، وكل ما سواه ظاهر بإظهاره. كما أن النور نير بذاته وما عداه مستنير به. وأضيف ( النور ) إلى  السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ  للدلالة على سعة إشراقه. أو المراد بهما العالم كله  مَثَلُ نُورِهِ  أي صفة نوره العجيبة الشأن. قال أبو السعود : أي نوره الفائض منه تعالى على الأشياء المستنيرة به وهو القرآن المبين. كما يعرب عنه ما قبله من وصف آياته بالإنزال والتبيين. وقد صرح بكونه نورا أيضا في قوله تعالى [(١)](#foonote-١) : وأنزلنا إليكم نورا مبينا  وبه قال ابن عباس رضي الله عنهما، والحسن، وزيد بن أسلم رحمهم الله تعالى  كَمِشْكَاةٍ  أي كصفة كوة – طاقة – غير نافذة في الجدار، في الإنارة والتنوير فِيهَا مِصْبَاحٌ  أي سراج صخم ثاقب – شديد الإضاءة – وقيل : المشكاة الأنبوبة في وسط القنديل، والمصباح الفتيلة المشتعلة  الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ  أي قنديل من الزجاج الصافي الأزهر  الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ  أي متلألئ وقاد شبيه بالدر في صفائه وزهرته  يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ  أي كثيرة المنافع، بأن رويت فتيلته بزيتها  زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ  أي لا شرقية تقع عليه الشمس وقت الشروق فقط، ولا غربية تقع عليها عند الغروب. ولا تصيبها في الغداة. بل في مكان عليها الشمس مشرقة من أول طلوعها إلى آخر غروبها. كصحراء أو رأس جبل. فزيتها أضوأ  يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ  أي يكاد يضيء بنفسه من غير نار لصفائه ولمعانه  نُّورٌ عَلَى نُورٍ  أي ذلك النور الذي عبر به عن القرآن، ومثلت صفته العجيبة بما فصل عن صفة المشكاة. نور عظيم كائن على نور كذلك. ف  نور  خبر مبتدأ محذوف والجار متعلق بمحذوف صفة له مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة، والجملة فذلكة للتمثيل، وتصريح لما حصل منه، وتمهيد لما يعقبه. وليس معنى نُّورٌ عَلَى نُورٍ  نور واحد فوق نور آخر مثله، ولا مجموع نورين اثنين فقط. بل هو عبارة عن نور متضاعف كتضاعف ما مثل به من نور المشكاة بما ذكر. فإن المصباح إذا كان في مكان متضايق كالمشكاة، كان أضوأ له وأجمع لنوره. بخلاف المكان الواسع، فإن الضوء ينبت فيه وينتشر. والقنديل أعون شيء على زيادة الإنارة. وكذلك الزيت وصفاؤه. وليس وراء هذه المراتب مما يزيد نورها إشراقا، مرتبة أخرى عادة.  يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء  أي لهذا النور الثاقب العظيم الشأن، بأن يوفقهم للإيمان به وفهم دلائل حقيته. 
قال أبو السعود : وإظهاره في مقام الإضمار. لزيادة تقريره، وتأكيد فخامته الذاتية بفخامته الإضافية الناشئة من إضافته إلى ضميره عز وجل  وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ  أي ليدنو لهم المعقول من المحسوس، توضيحا وبيانا. ولذلك مثل نوره المعبر عنه بالقرآن، بنور المشكاة  وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  أي فلا يخفى عليه شيء. وفيه وعد ووعيد. لأن علمه تعالى، عبارة عن مجازاته في أمثال هذه الآي. 
**تنبيه :**
هذه الآية الكريمة – آية النور – من الآيات التي صنفت فيها مصنفات خاصة. منها ( مشكاة الأنوار ) للإمام الغزالي، وقد نقل عنه الرازي في ( تفسيره ) هنا جملة سابغة الذيل. ورأيت للإمام ابن القيم في كتابه ( الجيوش الإسلامية ) ما يجمل إيراده، تعزيزا للمقام واستظهارا بزيادة العلم. 
قال رحمه الله : سمى الله سبحانه وتعالى نفسه نورا وجعل كتابه نورا ورسوله صلى الله عليه وسلم نورا ودينه نورا. واحتجب عن خلقه بالنور وجعل دار أوليائه نورا يتلألأ، قال الله تعالى [(٢)](#foonote-٢) : الله نور السماوات والأرض  وقد فسر بكونه منور السماوات والأرض، وهادي أهل السماوات والأرض. فبنوره اهتدى أهل السماوات والأرض. وهذا إنما هو فعله. وإلا فالنور الذي هو من أوصافه قائم به. ومنه اشتق له اسم النور الذي هو أحد الأسماء الحسنى. والنور يضاف إليه سبحانه على أحد وجهين. إضافة صفة لموصوفها، وإضافة مفعول إلى فاعله. فالأول كقوله [(٣)](#foonote-٣) عز وجل : وأشرقت الأرض بنور ربها  فهذا إشراقها يوم القيامة بنوره تعالى، إذا جاء لفصل القضاء. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء المشهور :( أعوذ بنور وجهك الكريم أنت تضلني لا إله إلا أنت ). وفي الأثر الآخر :( أعوذ بوجهك – أو بنور وجهك – الذي أشرقت له الظلمات ). فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم. أن الظلمات أشرقت لنور وجه الله. كما أخبر تعالى أن الأرض تشرق يوم القيامة بنوره. 
وفي ( معجم الطبراني ) و( السنة ) له و( كتاب عثمان الدارمي ) وغيرها، عن ابن مسعود رضي الله عنه. قال :( ليس عند ربكم ليل ولا نهار، نور السماوات والأرض من نور وجهه ). وهذا الذي قاله ابن مسعود رضي الله عنه أقرب إلى تفسير الآية، من قول من فسرها بأنه هادي أهل السماوات والأرض. وأما من فسرها بأنه منور السماوات والأرض، فلا تنافي بينه وبين قول ابن مسعود. والحق أنه نور السماوات والأرض بهذه الاعتبارات كلها. وفي ( صحيح [(٤)](#foonote-٤) مسلم ) وغيره من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال :( قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال : إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل. حجابه النور. لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ). وفي ( صحيح [(٥)](#foonote-٥) مسلم ) عن أبي ذر رضي الله عنه قال :( سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل رأيت ربك ؟ قال : نور، أنى أراه ). فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول : معناه كان ثمة نور، وحال دون رؤيته نور، فأنى أراه ؟ قال : ويدل عليه أن في بعض الألفاظ الصحيحة :( هل رأيت ربك ؟ فقال : رأيت نورا ). وقد أعضل أمر هذا الحديث على كثير من الناس حتى صحفه بعضهم فقال : نوراني أراه. على أنها ياء النسب، والكلمة كلمة واحدة. وهذا خطأ لفظا ومعنى. وإنما أوجب لهم هذا الإشكال والخطأ أنهم لما اعتقدوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربه، وكان قوله ( أنى أراه ) كالإنكار للرؤية، حاروا في الحديث، ورده بعضهم باضطراب لفظه، وكل هذا عدول عن موجب الدليل. وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب ( الرؤية ) له إجماع الصحابة على أنه لم ير ربه ليلة المعراج. وبعضهم استثنى ابن عباس فيمن قال ذلك. وشيخنا يقول : ليس ذلك بخلاف في الحقيقة. فإن ابن عباس لم يقل رآه بعيني رأسه، وعليه اعتمد أحمد في إحدى الروايتين حيث قال : إنه صلى الله عليه وسلم رآه عز وجل، ولم يقل بعيني رأسه. ولفظ أحمد لفظ ابن عباس رضي الله عنهما. ويدل على صحته ما قال شيخنا في معنى حديث أبي ذر رضي الله عنه : قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر ( حجابه النور ) فهذا النور، والله اعلم. النور المذكور في حديث أبي ذر رضي الله عنه ( رأيت نورا ). 
ثم قال ابن القيم : وقوله تعالى : مثل نوره كمشكاة فيها مصباح  هذا مثل لنوره في قلب عبده المؤمن. كما قال أبي بن كعب وغيره : وقد اختلف في الضمير في  نوره  فقيل هو النبي صلى الله عليه وسلم. أي مثل نور محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل : مفسره المؤمن. أي مثل نور المؤمن. والصحيح أن يعود على الله تعالى. والمعنى : مثل نور الله سبحانه في قلب عبده. وأعظم عباده نصيبا من هذا النور رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا، مع ما تضمنه عود الضمير المذكور – وهو وجه الكلام - يتضمن التقادير الثلاثة، وهو أتم لفظا ومعنى. وهذا النور يضاف إلى الله تعالى. إذ هو معطيه لعبده وواهبه إياه. ويضاف إلى العبد. إذ هو محله وقابله. فيضاف إلى الفاعل والقابل. ولهذا النور فاعل وقابل، ومحل وحامل، ومادة. وقد تضمنت الآية ذكر هذه الأمور كلها على وجه التفصيل. فالفاعل وهو الله تعالى مفيض الأنوار. الهادي لنوره من يشاء. والقابل : العبد المؤمن. والمحل : قلبه. والحامل : همته وعزيمته وإرادته. والمادة : قوله وعمله، وهذا التشبيه العجيب الذي تضمنته الآية، فيه من الأسرار والمعاني وإظهار تمام نعمته على عبده المؤمن، بما اناله من نوره، ما تقر به عيون أهله وتبتهج به قلوبهم. وفي هذا التشبيه لأهل المعاني طريقتان : إحداهما طريقة التشبيه المركب وهي أقرب مأخذا وأسلم من التكلف. وهي أن تشبه الجملة برمتها بنور المؤمن، من غير تعرض لتفصيل كل جزء من أجزاء المشبه، ومقابلته بجزء من المشبه به. وعلى هذا عامة أمثال القرآن. فتأمل صفة المشكاة وهي كوة تنفذ لتكون أجمع للضوء، قد وضع فيها مصباح، وذلك المصباح داخل زجاجة تشبه الكوكب الدري في صفائها وحسنها. ومادته من أصفى الأدهان وأتمها وقودا، من زيت شجرة في وسط القراح، لا شرقية ولا غربية، بحيث تصيبها الشمس في إحدى طرفي النهار، بل هي في وسط القراح، محمية بأطرافها تصيبها الشمس أعدل إصابة. والآفات إلى الأطراف دونها. فمن شدة إضاءة زيتها وصفائها وحسنها، يكاد يضيء من غير أن تمسه نار. فهذا المجموع المركب هو مثل نور الله تعالى الذي وضعه في قلب عبده المؤمن وخصه به. والطريقة الثانية، طريقة التشبيه المفصل. فقيل : المشكاة صدر المؤمن. والزجاجة قلبه شبه قلبه بالزجاجة لرقتها وصفائها وصلابتها وكذلك قلب المؤمن فإنه قد جمع الأوصاف الثلاثة. فهو يرحم ويحسن ويتحنن ويشفق على الخلق برقته وبصفائه. تتجلى فيه صور الحقائق والعلوم على ما هي عليه. ويتباعد الكدر والدرن والوسخ بحسب ما فيه من الصفاء، وبصلابته يشتد في أمر الله تعالى، ويتصلب في ذات الله تعالى، ويغلظ على أعداء الله تعالى، ويقوم بالحق لله تعالى. وقد جعل الله تعالى القلوب كالآنية. كما قال. بعض السلف : القلوب آنية الله في أرضه فأحبها إليه أرقها وأصلبها وأصفاها. والمصباح هو نور الإيمان في قلبه. والشجرة المباركة هي شجرة الوحي المتضمنة للهدى ودين الحق، وهي مادة المصباح التي يتقد منها. والنور على النور، نور الفطرة الصحيحة، والإدراك الصحيح، ونور الوحي والكتاب. فينضاف أحد النورين إلى الآخر، فيزداد العبد نورا على نور. ولهذا يكاد ينطق بالحق والحكمة، قبل أن يسمع ما فيه بالأثر. ثم يبلغه الأثر بمثل ما وقع في قلبه ونطق به. فيتفق عنده شاهد العقل والشرع والفطرة والوحي. فيريه عقله وفطرته وذوقه الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحق لا يتعارض عنده العقل والنقل البتة. بل يتصادقان ويتوافق١ (٤ النساء ١٧٤)..
٢ (٢٤ النور ٣٥)..
٣ (٣٩ الزمر ٦٩)..
٤ أخرجه مسلم في: ١ – كتاب الإيمان، حديث رقم ٢٩٣ (طبعتنا)..
٥ أخرجه مسلم في: ١ – كتاب الإيمان، حديث رقم ٢٩١ (طبعتنا)..

### الآية 24:36

> ﻿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ [24:36]

**وقوله تعالى :**
 فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ  أي أمر أن تعظم عن اللغو، أو ترفع بالبناء قدرا. يتلى فيها اسمه، ولا يعبد فيها غيره، لأنها شيدت على اسمه جل شأنه. والظرف صفة ( لمشكاة ) أو ( لمصباح ) أو ( لزجاجة ) أو متعلق ب  توقد  أو بمحذوف. أي سبحوه في بيوت. أو ب  يسبح . ولفظ  فيها  تكرار للتوكيد. 
قال أبو السعود : لما ذكر شان القرآن الكريم في بيانه للشرائع والأحكام، ومبادئها وغاياتها المترتبة عليها من الثواب والعقاب، وأشير إلى كونه في غاية ما يكون من التوضيح، حيث مثل بنور المشكاة – عقب ذلك بذكر الفريقين وتصوير بعض أعمالهم المعربة عن كيفية حالهم في الاعتداء وعدمه، والمراد بالبيوت، المساجد كلها  يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوّ  يعني قبل طلوع الشمسِ وَالْآصَالِ  جمع أصيل وهو العشي قبل غروب الشمس
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:**تنبيه :**
قال السيوطي في ( الإكليل ) : في هذه الآية الأمر بتعظيم المساجد وتنزيهها عن اللغو والقاذورات. وفيها استحباب ذكر الله والصلاة في المساجد. وفي قوله : رجال  إشارة إلى أن الأفضل للنساء الصلاة في عقر بيوتهن. كما صرح به الحديث، إلا في نحو العيدين لحديث [(١)](#foonote-١) :( ليشهدن الخير ودعوة المسلمين ) وقوله : لا تلهيهم  الآية، فيه أن التجارة لا تنافي الصلاة. لأن مقصود الآية أنهم يتعاطونها، ومع ذلك لا تلهيهم عن الصلاة وحضور الجماعة. أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر :( أنه كان في السوق، فأقيمت الصلاة، فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد. فقال ابن عمر : فيكم نزلت : رجال لا تلهيهم  الآية ). وأخرج عن الضحاك والحسن وسالم وعطاء ومطرف مثل ذلك. انتهى. ---

### الآية 24:37

> ﻿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ [24:37]

رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ  أي بالتسبيح والتحميد  وَإِقَامِ الصَّلَاةِ  أي إقامتها لمواقيتها من غير تأخير  وَإِيتَاء الزَّكَاةِ  أي المال الذي يتزكى مؤتيه من دنس الشح ورذيلة البخل، وتطهر نفسه ويصفو سره  يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ  أي تضطرب وتتغير من الهول والفزع. كما في قوله تعالى [(١)](#foonote-١) : وإذا زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر 
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:**تنبيه :**
قال السيوطي في ( الإكليل ) : في هذه الآية الأمر بتعظيم المساجد وتنزيهها عن اللغو والقاذورات. وفيها استحباب ذكر الله والصلاة في المساجد. وفي قوله : رجال  إشارة إلى أن الأفضل للنساء الصلاة في عقر بيوتهن. كما صرح به الحديث، إلا في نحو العيدين لحديث [(١)](#foonote-١) :( ليشهدن الخير ودعوة المسلمين ) وقوله : لا تلهيهم  الآية، فيه أن التجارة لا تنافي الصلاة. لأن مقصود الآية أنهم يتعاطونها، ومع ذلك لا تلهيهم عن الصلاة وحضور الجماعة. أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر :( أنه كان في السوق، فأقيمت الصلاة، فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد. فقال ابن عمر : فيكم نزلت : رجال لا تلهيهم  الآية ). وأخرج عن الضحاك والحسن وسالم وعطاء ومطرف مثل ذلك. انتهى. ---


١ (٣٣ الأحزاب ١٠)..

### الآية 24:38

> ﻿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [24:38]

لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ، وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ  اللام متعلقة ب  يسبح  أو  لا تلهيهم  أو بمحذوف يدل عليه السوق. أي يفعلون ما يفعلون مما ذكر، ليجزيهم وفي آخر الآية تقرير للزيادة وتنبيه على كمال القدرة، ونفاذ المشيئة، وسعة الإحسان، لأن  بغير حساب  كناية عن السعة. والمراد انه لا يدخل تحت حساب الخلق غيرهم. 
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:**تنبيه :**
قال السيوطي في ( الإكليل ) : في هذه الآية الأمر بتعظيم المساجد وتنزيهها عن اللغو والقاذورات. وفيها استحباب ذكر الله والصلاة في المساجد. وفي قوله : رجال  إشارة إلى أن الأفضل للنساء الصلاة في عقر بيوتهن. كما صرح به الحديث، إلا في نحو العيدين لحديث [(١)](#foonote-١) :( ليشهدن الخير ودعوة المسلمين ) وقوله : لا تلهيهم  الآية، فيه أن التجارة لا تنافي الصلاة. لأن مقصود الآية أنهم يتعاطونها، ومع ذلك لا تلهيهم عن الصلاة وحضور الجماعة. أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر :( أنه كان في السوق، فأقيمت الصلاة، فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد. فقال ابن عمر : فيكم نزلت : رجال لا تلهيهم  الآية ). وأخرج عن الضحاك والحسن وسالم وعطاء ومطرف مثل ذلك. انتهى. ---

### الآية 24:39

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [24:39]

**وقوله تعالى :**
 وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ . 
 وَالَّذِينَ كَفَرُوا  عطف على ما ينساق إليه ما قبله. كأنه قيل : الذين آمنوا أعمالهم حالا ومآلا كما وصف، والذين كفروا  أَعْمَالُهُمْ  أي التي يحسبونها تنفعهم وتأخذ بيدهم من العذاب  كَسَرَابٍ  وهو ما يرى في الفلاة من ضوء الشمس وقت الظهيرة، يسرب على وجه الأرض. كأنه ماء يجري  بِقِيعَةٍ  بمعنى القاع، وهو المنبسط من الأرض. أو جمع قاع ( كجيرة ) في ( جار ) يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا } أي لا محققا ولا متوهما. كما كان يراه من قبل، فضلا عن وجدانه ماء، وبه تم بيان أحوال الكفرة بطريق التمثيل. وقوله تعالى : وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ  أي وجد عقاب الله تعالى وجزاءه عند سراب، أو العمل. وفي التعبير بذلك زيادة تهويل. وقيل : المعنى وجده محاسبا إياه. فالعندية بمعنى الحساب. على طريق الكناية، لذكر التوفية بعده. قيل : هذه الجملة معطوفة على  لم يجده  ولا حاجة إلى عطفه على ما يفيده من نحو ( لم يجد ما عمله نافعا ). 
قال الشهاب : ويحتمل أن يكون بيانا لحال المشبه به، الكافر فيعطف بحسب المعنى على التمثيل بتمامه. ولو قيل على الأول إنه من تتمة وصف السراب. والمعنى : وجد مقدوره تعالى من الهلاك بالظمأ عند السراب، فوفاه ما كتب له، من لا يؤخر الحساب – كان الكلام متناسبا. واختار الثاني أبو السعود حيث قال : هو بيان لبقية أحوالهم العارضة لهم بعد ذلك بطريق التكملة، لئلا يتوهم أن قصارى أمرهم هو الخيبة والقنوط فقط، كما هو شأن الظمآن. ويظهر انه يعتريهم بعد ذلك من سوء الحال ما لا قدر عنده للخيبة أصلا. فليست الجملة معطوفة على  لم يجده شيئا  بل على ما يفهم منه بطريق التمثيل، من عدم وجدان الكفرة من أعمالهم المذكورة عينا ولا أثرا. كما في قوله تعالى : وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا  فإن قيل : لم خص  الظمآن  بالذكر، مع أنه يتراءى لكل احد كذلك ؟ فكان الظاهر ( الرائي ) بدله وأجيب بأنه إنما قيده به ولم يطلقه لقوله : ووجد الله عنده  الخ، لأنه من تتمة أحوال المشبه به. وهو أبلغ. لأن خيبة الكافر أدخل وأعرق. ونحوه [(١)](#foonote-١) : مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا  الخ، فإن الكافرين هم الذين يذهب حرثهم بالكلية. يعني أنه شبه أعمال الكفار التي يظنونها نافعة، ومآلها الخيبة، برؤية الكافر الشديد العطش في المحشر، سرابا يحسبه شرابا، فينتظم عطف  وجد الله  أحسن انتظام كما نوروه. كذا في ( الكشف ) الثالثة – قال الشهاب : وهذا تشبيه بليغ وقع مثله في قول مالك بن نويرة :لعمري إني وابن جارود كالذي  أراق شعيب الماء والآل يبرقفلما أتاه، خيب الله سعيه  فأمسى يغض الطرف عيمان يشهق١ (٣ آل عمران ١١٧)..

### الآية 24:40

> ﻿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ۗ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [24:40]

ثم أشار تعالى إلى تمثيلهم بنوع آخر، بقوله :
 أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ . 
 أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ  أي عميق كثير الماء  يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ  أي متراكم بعضه على بعض  مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ  أي متكاثفة متراكمة. وهذا بيان لكمال شدة الظلمات  إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ  أي وجعلها بمرأى منه، قريبة من عينه لينظر إليها  لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ  أي : ومن لم يشأ الله أن يهديه لنوره الذي هو القرآن، فما له هداية ما. وهذا في مقابلة قوله تعالى في مثل المؤمنين  يهدي لنوره من يشاء  والجملة تقرير للتمثيل قبل، وتحقيق أن ذلك لعدم هدايته تعالى إياهم، إذ لم يجاهدوا لنيل ذلك، قال تعالى [(١)](#foonote-١) : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا . 
**لطيفة :**
قال ابن كثير : هذان المثلان ضربهما الله تعالى لنوعي الكفار. كما ضرب للمنافقين في أول البقرة مثلين : ناريا ومائيا. وكما ضرب لما يقر في القلوب من الهدى والعلم، في سورة الرعد، مثلين مائيا وناريا. 
ثم قال : أما الأول فهو للكفار الدعاة إلى كفرهم أصحاب الجهل المركب الذين يحسبون أنهم على شيء. فمثلهم كالسراب. والثاني لأصحاب الجهل البسيط وهم المقلدون لأئمة الكفر الصم البكم، الذين لا يعقلون. فلا يعرف أحدهم حال من يقوده ولا يدري أين يذهب. بل كما يقال في المثل للجاهل ( أين تذهب ؟ قال : معهم. قيل : فإلى أين يذهبون ؟ قال : لا أدري ) انتهى. 
وما ذكره مما يحتمله اللفظ الكريم، وليس بمتعين، ومستنده في ذلك ما ذكره شيخه الإمام ابن القيم، عليهما الرحمة والرضوان، في ( الجيوش الإسلامية ) ولا بأس بإيرادها لما اشتملت عليه من بدائع الفوائد. 
قال : انظر كيف انتظمت هذه الآيات طرائق بني آدم أتم انتظام، واشتملت عليه أكمل اشتمال. فإن الناس قسمان : أهل الهدى والبصائر والذين عرفوا أن الحق فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم عن الله سبحانه وتعالى، وأن كل ما عارضه فشبهات يشتبه على من قل نصيبه من العقل والسمع أمرها، فيظنها شيئا له حاصل فينتفع به. وهي كسراب بقيعة الخ، وهؤلاء هم أهل الهدى ودين الحق، أصحاب العلم النافع والعمل الصالح، الذين صدقوا الرسول صلى الله عليه وسلم في أخباره، ولم يعارضوها بالشبهات. وأطاعوه في أوامره ولم يضيعوها بالشهوات. فلا هم في علمهم من أهل الخوض الخراصين [(٢)](#foonote-٢) : الذين هم في غمرة ساهون  ولا هم في عملهم من المستمتعين بخلاقهم، الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون. أضاء لهم نور الوحي المبين. فرأوا في نوره أهل الظلمات في آرائهم يعمهون. وفي ضلالهم يتهوكون. وفي ريبهم يترددون. مغترين بظاهر السراب، ممحلين مجدبين مما بعث الله تعالى به رسوله صلى الله عليه وسلم من الحكمة وفصل الخطاب [(٣)](#foonote-٣)  إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغه  أوجبه لهم اتباع الهوى، وهم لأجله يجادلون في آيات الله بغير سلطان. 
القسم الثاني – أهل الجهل والظلم الذين جمعوا بين الجهل بما جاء به والظلم باتباع أهوائهم. الذين قال الله [(٤)](#foonote-٤) تعالى فيهم : إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى  وهؤلاء قسمان : أحدهما، الذين يحسبون أنهم على علم وهدى، وهم أهل الجهل والضلال. فهؤلاء أهل الجهل المركب، الذين يجهلون الحق ويعادونه، ويعادون أهله، وينصرون الباطل ويوالون أهله. وهم يحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون. فهم لاعتقادهم الشيء على خلاف ما هو عليه، بمنزلة رائي السراب الذي يحسبه الظمئان ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا. وهكذا هؤلاء. أعمالهم وعلومهم بمنزلة السراب الذي يخون صاحبه أحوج ما هو إليه ولم يقتصر على مجرد الخيبة والحرمان، كما هو حال من أم السراب فلم يجده ماء. بل انضاف إلى ذلك انه وجد عنده أحكم الحاكمين واعدل العادلين، سبحانه وتعالى. فحسب له ما عنده من العلم والعمل، فوفاه إياه بمثاقيل الذر. وقدم إلى ما عمل من عمل يرجو نفعه فجعله هباء منثورا. إذ لم يكن خالصا لوجهه، ولا على سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وصارت تلك الشبهات الباطلة التي كان يظنها علوما نافعة، كذلك هباء منثورا فصارت أعماله وعلومه حسرات عليه. و( السراب ) ما يرى في الفلاة المنبسطة من ضوء الشمس وقت الظهيرة يسرب على وجه الأرض كأنه ماء يجري و( القيعة ) و( القاع ) هو المنبسط من الأرض الذي لا جبل فيه ولا واد. فشبه علوم من لم يأخذ علومه من الوحي وأعماله، بسراب يراه المسافر في شدة الحر، فيؤمه، فيخيب ظنه ويجده نارا تلظى. فهكذا علوم أهل الباطل وأعمالهم إذا حشر الناس واشتد بهم العطش. بدت لهم كالسراب. فيحسبونه ماء. فإذا أتوه وجدوا الله عنده، فأخذتهم زبانية العذاب، فعتلوهم إلى نار الجحيم فسقوا ماء حميما، فقطع أمعاءهم. وذلك الماء الذي سقوه هو تلك العلوم التي لا تنفع، والأعمال التي كانت لغير الله تعالى صيرها الله تعالى حميما سقاهم إياه. كما أن طعامهم من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع وهو تلك العلوم والأعمال الباطلة التي كانت في الدنيا كذلك لا تسمن ولا تغني من جوع وهؤلاء هم الذين قال الله [(٥)](#foonote-٥) فيهم : قل هل أنبئكم بالأخسرين أعمالا \* الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا  وهم الذين عنى بقوله [(٦)](#foonote-٦) : وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا  وهم الذين عنى بقوله [(٧)](#foonote-٧) تعالى : كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم، وما هم بخارجين من النار . 
والقسم الثاني من هذا الصنف، أصحاب الظلمات. وهم المنغمسون في الجهل. بحيث قد أحاط بهم من كل وجه، فهم بمنزلة الأنعام بل هم أضل سبيلا. فهؤلاء أعمالهم التي عملوها على غير بصيرة، بل بمجرد التقليد واتباع الآباء من غير نور الله تعالى  كظلمات  جمع ظلمة وهي ظلمة الجهل وظلمة الكفر وظلمة الظلم واتباع الهوى وظلمة الشك والريب وظلمة الإعراض عن الحق الذي بعث الله تعالى به رسله صلوات الله وسلامه عليهم. والنور الذي أنزله معهم ليخرجوا به الناس من الظلمات إلى النور. فإن المعرض عما بعث الله به تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق، يتقلب في خمس ظلمات : قوله : ظلمة. وعمله ظلمة ومدخله ظلمة ومخرجه ظلمة ومصيره إلى ظلمة. وقلبه مظلم ووجهه مظلم وكلامه مظلم. ، وحاله مظلم. وإذا قابلت بصيرته الخفاشية ما بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم من النور، جد في الهرب منه، وكاد نوره يخطف بصره، فهرب إلى ظلمات الآراء التي هي أنسب وأولى كما قيل :

خفافيش أعشاها النهار بضوئه  ووافقها قطع من الليل مظلموقوله تعالى : في بحر لجي  اللجي العميق. منسوب إلى لجة البحر وهو معظمه. وقوله تعالى  يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب  تصوير لحال المعرض عن وحيه. فشبه تلاطم أمواج الشبه والباطل في صدره، بتلاطم أمواج ذلك البحر، وأنها أمواج بعضها فوق بعض. والضمير الأول في قوله  يغشاه  راجع إلى البحر، والضمير الثاني في قوله : من فوقه  عائد إلى الموج. ثم إن تلك الأمواج مغشاة بسحاب. فهاهنا ظلمات : ظلمة البحر اللجي، وظلمة الموج الذي فوقه، وظلمة السحاب الذي فوق ذلك كله  إذا أخرج  من في هذا البحر  يده لم يكد يراها  واختلف في معنى ذلك. فقال كثير من النحاة : هو نفي لمقاربة رؤيتها. وهو أبلغ من نفيه الرؤية. وإنه قد ينفى وقوع الشيء ولا تنفى مقاربته. فكأنه قال لم يقارب رؤيتها بوجه. 
قال هؤلاء :( كاد ) من أفعال المقاربة. لها حكم سائر الأفعال في النفي والإثبات. فإذا قيل : كاد يفعل ؛ فهو إثبات مقاربة الفعل. وإذا قيل : لم يكد يفعل، فهو نفي لمقاربة الفعل. 
وقالت طائفة أخرى : بل هذا دال على أنه إنما يراها بعد جهد شديد. وفي ذلك إثبات رؤيتها بعد أعظم العسر، لأجل تلك الظلمات : قالوا : لأن ( كاد ) لها شأن ليس لغيرها من الأفعال. فإنها إذا أثبتت نفت. وإذا نفت أثبتت. فإذا قلت ( ما كدت أصل إليك ) فمعناه : وصلت إليك بعد الجهد والشدة. فهذا إثبات للوصول. وإذا قلت ( كاد زيد يقوم ) فهي نفي لقيامه. كما قال تعالى [(٨)](#foonote-٨) : وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا  ومنه قوله تعالى [(٩)](#foonote-٩) : وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم  وأنشد بعضهم في ذلك لغزا :أنحوي هذا العصر ! ما هي لفظة  جرت في لساني جرهم وثمود ؟إذا استعملت في صورة أثبتت  وإن أثبتت قامت مقام جحودوقالت فرقة ثالثة، منهم أبو عبد الله بن مالك وغيره. وإن استعمالها مثبتة، يقتضي نفي خبرها. كقولك كاد زيد يقوم واستعمالها منفية يقتضي نفيه بطريق الأولى، فهي عنده تنفي الخبر. سواء كانت منفية أو مثبتة. ( فلم يكد زيد يقوم ) أبلغ عنده. في النفي من ( لم يقم ) واحتج بأنها إذا نفيت – وهي من أفعال المقاربة – فقد نفيت مقاربة الفعل. وهو أبلغ من نفيه. وإذا استعملت مثبتة فهي تقتضي مقاربة اسمها لخبرها. وذلك يدل على عدم وقوعه. واعتذر عن مثل قوله تعالى [(١٠)](#foonote-١٠) : فذبحوها وما كادوا يفعلون  وعن مثل قوله ( وصلت إليك وما كدت أصل ) و( سلمت وما كدت أسلم ) بأن هذا وارد على كلامين متباينين. أي : فعلت كذا بعد أن لم أكن مقاربا له، فالأول يقتضي أنه لم يكن مقاربا له، بل كان آيسا منه، فهما كلامان مقصود بهما أمران متباينان. 
وذهبت فرقة رابعة إلى الفرق بين ماضيهما ومستقبلهما. فإذا كانت في الإثبات فهي لمقاربة الفعل. سواء كانت بصيغة الماضي أو المستقبل. وإن كانت في طرف النفي، فإن كانت بصيغة المستقبل، كانت لنفي الفعل ومقاربته. نحو قوله : لم يكد يراها  وإن كانت بصيغة الماضي فهي تقتضي الإثبات نحو قوله : فذبحوها وما كادوا يفعلون  فهذه أربعة طرق للنحاة في هذا اللفظة. 
والصحيح أنها فعل يقتضي المقاربة. ولها حكم سائر الأفعال. ونفي الخبر لم يستفد من لفظها ووضعها. فإنها لم توضع لنفيه. وإنما استفيد من لوازم معناها. فإنها إذا اقتضت مقاربة الفعل، لم يكن واقعا، فيكون منفيا باللزوم، وأما إذا استعملت منفية، فإن كانت في كلام واحد، فهي لنفي المقاربة. كما إذا قلت ( لا يكاد البخيل يسود ) و( لا يكاد الجبان يفرح ) ونحو ذلك. وإن كانت في كلامين، اقتضت وقوع الفعل، بعد أن لم يكن مقاربا. كما قال ابن مالك : فهذا التحقيق في أمرها. 
والمقصود إن قوله : لم يكد يراها  إما أن يدل على أنه لا يقارب رؤيتها لشدة الظلمة، وهو الأظهر. فإذا كان لا يقارب رؤيتها، فكيف يراها ؟ قال ذو الرمة :إذا غير النأي المحبين لم يكد  رسيس الهوى في حب مية يبرحأي لم يقارب البراح. وهو الزوال، فكيف يزول ؟ فشبه سبحانه أعمالهم أولا، في فوات نفعها وحصول ضررها عليهم، بسراب خداع يخدع رائيه من بعيد. فإذا جاءه وجد عنده عكس ما أمله ورجاه وشبهها ثانيا في ظلمتها وسوادها، لكونها باطل١ (٢٩ العنكبوت ٦٩)..
٢ (٥ الذاريات ١١)..
٣ (٤٠ غافر ٥٦)..
٤ (٥٣ النجم ٢٣)..
٥ (١٨ الكهف ١٠٣ و ١٠٤)..
٦ (٢٥ الفقرقان ٣٣)..
٧ (٢ البقرة ١٦٧)..
٨ (٧٢ الجن ١٩)..
٩ (٦٨ القلم ٥١)..
١٠ (٢ البقرة ٧١)..

### الآية 24:41

> ﻿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ۖ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ [24:41]

ثم أشار تعالى إلى تعديل الدلائل على ربوبيته ووحدانيته في ألوهيته، وظهور أمره وجلالته، بقوله سبحانه :
 أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ . 
 أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ  أي ينزهه ويقدسه وحده أهلوهما  وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ  أي يصففن أجنحتهن في الهواء  كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ  أي كل واحد مما ذكر، قد هدي وأرشد إلى طريقته ومسلكه، في عبادة الله عز وجل. فالضمير في  علم  لكل. أو للفظ الجلالة. كالضمير في صلاته وتسبيحه. 
قال الزمخشري : ولا يبعد أن يلهم الله الطير دعاؤه وتسبيحه، كما ألهمها سائر العلوم الدقيقة التي لا يكاد العقلاء يهتدون إليها. 
وتقدم في سورة الإسراء كلام في تسبيح الجمادات، فارجع إليه  وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ .

### الآية 24:42

> ﻿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [24:42]

وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ  أي هو الإله الحاكم المتصرف فيهما، الذي لا تنبغي العبادة فيهما إلا له، وإليه يوم القيامة، مصير الخلائق، فيحكم بينهم، ويجزي الذين أساءوا بما عملوا.

### الآية 24:43

> ﻿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ ۖ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ [24:43]

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا  أي يسوقها برفق. ومنه البضاعة المزجاة، يزجيها كل أحد. أي يدفعها لرغبته عنها، أو لقدرته على سوقها وإيصالها  ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ  بضم بعضه إلى بعض. فيجعل القطع المتفرقة قطعة واحدة  ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا  أي متراكما بعضه فوق بعض  فَتَرَى الْوَدْقَ  أي المطر  يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ  وهي فرجه ومخارج القطر منه  وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء  قال ابن كثير : يحتمل المعنى : فيصيب بما ينزل من السماء من نوعي المطر والبرد رحمة بهم ويصرفه عن آخرين حكمة وابتلاء. ويحتمل المعنى : فيصيب بالبرد من يشاء نقمة لما فيه من نثر الثمار وإتلاف الزروع. ويصرفه عمن يشاء رحمة بهم. انتهى. 
وخلاصته أن الضمير إما للأقرب، على الثاني، أو له ولما قبله، على الأول. 
**لطيفة :**
قد ذكرت ( من ) الجارة في الآية ثلاث مرات. فالأولى ابتدائية اتفاقا. والثانية زائدة أو تبعيضية أو ابتدائية، على جعل مدخولها بدلا مما قبله بإعادة الجار. والثالثة فيها هذه الأقوال. وتزيد برابع، وهو أنها لبيان الجنس. والتقدير : ينزل من السماء بعض جبال، التي هي البرد. 
 يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ  أي لمعانه  يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ  أي يخطفها لشدته وقوته.

### الآية 24:44

> ﻿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ [24:44]

يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ . أي يأتي بكل منهما بدل الآخر خلفا له. أو يأخذ من طول أحدهما فيجعله في الآخر رحمة بالعباد، لانتظام معايشهم  إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ .

### الآية 24:45

> ﻿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ ۚ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [24:45]

وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء  أي كل حيوان يدب على الأرض من ماء، وهو جزء مادته. أو ماء مخصوص هو النطفة، فيكون تنزيلا للغالب منزلة الكل لأن من الحيوانات ما لا يتولد من نطفة. وقيل : من ماء  متعلق ب  دابة  وليست صلة  الخلق   فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ  كالحيات. وتسمية حركتها مشيا، مع كونها زحفا، بطريق الاستعارة أو المشاكلة  وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاء  أي مما ذكر وغيره، على من يشاء من الصور والأعضاء والهيئات والحركات  إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

### الآية 24:46

> ﻿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ ۚ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [24:46]

لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ  وهو صراط تلك الآيات، صراط الحق والهدى والنور. وهم المؤمنون الصادقون الذين استجابوا لله والرسول، وإذا دعوا إلى حكمهما استكانوا.

### الآية 24:47

> ﻿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ [24:47]

ثم أشار تعالى إلى ما كان من المنافقين من أثر النفاق، تحذيرا من صنيعهم، بقوله تعالى :
 وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ  أي دعوى الإيمان  وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ  أي في قلوبهم.

### الآية 24:48

> ﻿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ [24:48]

ثم برهن عليه بقوله : وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ  أي كتابه  وَرَسُولِهِ  أي سنته وحكمه  لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ  أي عن المجيء إليه

### الآية 24:49

> ﻿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ [24:49]

وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ  أي الحكومة لهم، لا عليهم  يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ  أي مسرعين طائعين.

### الآية 24:50

> ﻿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ۚ بَلْ أُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [24:50]

وقوله تعالى : أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ  أي في الحكم فيظلموا فيه. قال أبو السعود : إنكار واستقباح لإعراضهم المذكور. وبيان لمنشئه بعد استقصاء عدة من القبائح المحققة فيهم، والمتوقعة منهم. وترديد المنشئية بينها. فمدار الاستفهام ليس نفس ما وليته الهمزة و( أم ) من الأمور الثلاثة، بل هو منشئيتها له. كأنه قيل : أذلك، أي إعراضهم المذكور، لأنهم مرضى القلوب لكفرهم ونفاقهم، أم لأنهم ارتابوا في أمر نبوته عليه السلام، مع ظهور حقيقتها ؟ أم لأنهم يخافون الحيف ممن يستحيل عليه ذلك ؟ إشارة إلى استجماعهم تلك الأوصاف الذميمة، التي كل واحد منها كفر ونفاق. ثم بين اتصافهم مع ذلك بالوصف الأسوأ وهو الظلم، بقوله تعالى : بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ  أي الذين رسخ فيهم خلق الظلم لأنفسهم ولغيرهم. فالإضراب انتقالي والمعنى : دع هذا كله، فإنهم هم الكاملون في الظلم، الجامعون لتلك الأوصاف.

### الآية 24:51

> ﻿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [24:51]

إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ \* وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ . 
قال السيوطي في ( الإكليل ) : فيها وجوب الحضور على من دعي لحكم الشرع، وتحريم الامتناع، واستحباب أن يقول : سمعنا وأطعنا. انتهى.

### الآية 24:52

> ﻿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [24:52]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥١:
 إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ \* وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ . 
قال السيوطي في ( الإكليل ) : فيها وجوب الحضور على من دعي لحكم الشرع، وتحريم الامتناع، واستحباب أن يقول : سمعنا وأطعنا. انتهى. ---

### الآية 24:53

> ﻿۞ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ۖ قُلْ لَا تُقْسِمُوا ۖ طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [24:53]

ثم أشير إلى حكاية شيء من أحوال أولئك المنافقين الممتنعين عن قبول حكمه، وذلك إقسامهم الكاذب، ليستدل به على إيمانهم الباطن، بقوله تعالى :
 وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُل لَّا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ . 
 وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ  أي بالخروج من ديارهم وأموالهم وأهليهم  لَيَخْرُجُنَّ  أي مجاهدين. و جهد  منصوب على الحالية. أو هو مصدر  لأقسموا  من معناه. وهو مستعار من ( جهد نفسه ) إذا بلغ وسعها. أي أكدوا الأيمان وشددوها  قُل لَّا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ  أي لا تقسموا على ذلك وتشددوا لترضونا. فإن الأمر المطلوب منكم طاعة معروفة، لا تنكرها النفس. إذ لا حرج فيها. فأطيعوا بالمعروف من غير حلف، كما يطيع المؤمنون. وقيل : معناه طاعتكم طاعة معروفة. أي أنها قول بلا عمل. إذ عرف كذبكم في أيمانكم. كما قال تعالى [(١)](#foonote-١) : يحلفون لكم لترضوا عنهم  الآية وقال تعالى [(٢)](#foonote-٢) : اتخذوا أيمانهم جنة  الآية فهم من سجيتهم الكذب حتى فيما يختارونه، كما قال تعالى :[(٣)](#foonote-٣) : ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون \* لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون  وقوله تعالى  إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ  أي من الأعمال الظاهرة، والباطنة، التي منها الأيمان الكاذبة، وما تضمرونه من النفاق ومخادعة المؤمنين، التي لا تخفى على من يعلم السر وأخفى.

١ (٩ التوبة ٩٦)..
٢ (٨٥ المجادلة ١٦)..
٣ (٥٩ الحشر ١١ و ١٢)..

### الآية 24:54

> ﻿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ۖ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ ۖ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ۚ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [24:54]

قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا  أي تولوا عن الإطاعة  فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ  أي كلفه من أداء الرسالة. فإذا أدى فقد خرج من عهده تكليفه. 
 وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ  أي ما أمرتم به من الطاعة والتلقي بالقبول والإذعان والقيام بمقتضاه  وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا  أي لأنه يدعوكم إلى الصراط المستقيم. فإن أطعتموه فقد أحرزتم نصيبكم من الخروج عن الضلالة إلى الهدى. وإن لم تفعلوا وتوليتم فقد عرضتم نفوسكم لسخط الله وعذابه  وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ  أي التبليغ البين بنفسه. أو الموضح لما أمرتم به.

### الآية 24:55

> ﻿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [24:55]

ولما تضمن قوله تعالى : تهتدوا  إشارة إلى وعد كريم ومستقبل فخيم استئناف التصريح به تقريرا له، بقوله سبحانه :
 وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ  أي يورثهم الأرض ويجعلهم فيها خلفاء متصرفين فيها تصرف الملوك في ممالكهم. أو خلفاء من الذين لم يكونوا على حالهم من الإيمان والأعمال الصالحة  كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ  أي من الأمم المؤمنة برسلها. التي أهلك الله عدوها، وأورثها أرضها وديارها. كما فعل ببني إسرائيل حين أورثهم فلسطين، بعد إهلاك الجبابرة  وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ  أي فليجعلن دينهم ثابتا مقررا، مرفوع اللواء، ظاهرا على غيره، قاهرا لمن ناوأه. 
قال أبو السعود : وفي إضافة ( الدين ) إليهم. وهو دين الإسلام، ثم وصفه بارتضائه لهم، تأليف لقلوبهم ومزيد ترغيب فيه، وفضل تثبيت عليه  وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ  أي بعد هذا الوعد الكريم الموجب لتحصيل ما تضمنه من السعادتين  فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ  أي الكاملون في فسقهم. حيث كفروا تلك النعمة العظيمة. وجسروا على عظمها. 
**تنبيه :**
في هذه الآية من الدلالة على صحة النبوة للإخبار بالغيب على ما هو عليه قبل وقوعه – ما لا يخفى. فقد أنجز الله وعده، وأظهرهم على جزيرة العرب، وافتتحوا بعد بلاد المشرق والمغرب. ومزقوا ملك الأكاسرة، وملكوا خزائنهم واستولوا على الدنيا، وصاروا إلى حال يخافهم كل من عداهم.

### الآية 24:56

> ﻿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [24:56]

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ  معطوف على  أطيعوا الله  وما اعترض بينهما كان تأكيدا، أو على مقدر يستدعيه السوق. أي : فآمنوا واعملوا صالحا وأقيموا. أو فلا تكفروا وأقيموا. إلخ. ثم كرر طاعة الرسول، تأكيدا لوجوبها، بقوله : وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

### الآية 24:57

> ﻿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۖ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ [24:57]

لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ  أي معجزين لله تعالى، بل مدركون  وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ .

### الآية 24:58

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ۚ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ۚ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [24:58]

ثم أشير إلى تتمة الأحكام السابقة، إثر تمهيد ما يجب امتثاله من الأحكام، ومن الترغيب والترهيب، بقوله :
 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ  أي من العبيد والجواري  وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ  أي هي ثلاث عورات لكم. إشارة إلى علة وجوب الاستئذان بأنهن أوقات يختل فيها التستر عادة، ويكون النوم فيها مع الأهل غالبا. فالهجوم على أهل البيت في هذه الأحوال، مما تأباه النفوس وتكرهه أشد الإباء والكراهة  لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم  أي ليس عليكم جناح في ترك نهيهم عن الدخول بلا إذن. ولا عليهم جناح من الدخول بدونه، بعد هذه الأوقات، وإن احتمل فيها الإخلال بالتستر لندرته. وذلك لأنهم طوافون عليكم، فيعسر عليهم الاستئذان في كل مرة  بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ  أي بعضكم طائف على بعض طوافا كثيرا. أو بعضكم يطوف على بعض. 
قال الزمخشري : يعني أن بكم وبهم حاجة إلى المخالطة والمداخلة، يطوفون عليكم للخدمة وتطوفون عليهم للاستخدام. فلو جزم الأمر بالاستئذان في كل وقت لأدى إلى الحرج.  كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ  يشرع ما فيه الحكمة وصلاح الحال وانتظام الشأن. 
**تنبيه :**
في الآية إقرار ما جرت به العادة من أن النوم وقته بعد العشاء وقبل الفجر ووقت الظهيرة. وقد يستدل بها على أن كشف العورة في الخلوة جائز. كذا في ( الإكليل ). 
وقال الرازي : الآية دالة على أن الواجب اعتبار العلل في الأحكام إذا أمكن لأنه تعالى نبه على العلة في هذه الأوقات الثلاثة من وجهين : أحدهما بقوله تعالى : ثلاث عورات لكم  والثاني بالتنبيه على الفرق بين هذه الأوقات الثلاثة، وبين ما عداها، بأنه ليس ذاك إلا لعلة التكشف في هذه الأوقات الثلاثة، وأنه لا يؤمن وقوع التكشف فيها وليس ما عدا هذه الأوقات.

### الآية 24:59

> ﻿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [24:59]

وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . 
 وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ  أي الذين رخص لهم في ترك الاستئذان في غير الأوقات المذكورة  مِنكُمُ  أي من الأحرار، دون المماليك، فإنهم باقون على الرخصة  الْحُلُمَ  أي حد البلوغ بالاحتلام، أو بالسن الذي هو مظنة الاحتلام  فَلْيَسْتَأْذِنُوا  أي في سائر الأوقات أيضا  كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ  أي الذين بلغوا الحلم من قبلهم، وهم الرجال أو الذين ذكروا من قبلهم في قوله [(١)](#foonote-١) : يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا . 
والمعنى أن الأطفال مأذون لهم في الدخول بغير إذن، إلا في العورات الثلاث. فإذا اعتاد الأطفال ذلك، ثم خرجوا عن حد الطفولة، بأن يحتلموا أو يبلغوا السن التي يحكم فيها عليهم بالبلوغ، وجب أن يفطموا عن تلك العادة، ويحملوا على إن يستأذنوا في جميع الأوقات، كما يستأذن الرجال الكبار الذين لم يعتادوا الدخول عليكم إلا بإذن. 
وهذا مما الناس منه في غفلة، وهو عندهم كالشريعة المنسوخة. وعن ابن عباس :( آية لا يؤمن بها أكثر الناس : آية الإذن. وإني لآمر جارتي أن تستأذن علي ). 
وسأله عطاء :( أستأذن على أختي ؟ قال : نعم، وإن كانت في حجرك تمونها. وتلا هذه الآية ). وعنه :( ثلاث آيات جحدهن الناس : الإذن كله. وقوله [(٢)](#foonote-٢) : إن أكرمكم عند الله أتقاكم  فقال ناس : أعظمكم بيتا. وقوله [(٣)](#foonote-٣) : وإذا حضر القسمة  ). كذا في ( الكشاف ). 
**تنبيه :**
قال في ( الإكليل ) : في الآية أن التكليف إنما يكون بالبلوغ. وان البلوغ يكون بالاحتلام، وأن الأولاد البالغين لا يدخلون على والديهم إلا بالاستئذان، كالأجانب. انتهى. 
وقال التقي السبكي في ( إبراز الحكم، في شرح حديث رفع القلم ) : أجمع العلماء على أن الاحتلام يحصل به البلوغ في حق الرجل. ويدل لذلك قوله تعالى [(٤)](#foonote-٤) : وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا  وقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث [(٥)](#foonote-٥) ( وعن الصبي حتى يحتلم ) وهي رواية ابن أبي السرح عن ابن عباس. قال : والآية أصرح. فإنها ناطقة بالأمر بعد الحلم. وورد أيضا عن علي رضي الله عنه، رفعه ( لا يتم بعد احتلام، ولا صمات يوم إلى الليل ) [(٦)](#foonote-٦) رواه أبو داود. والمراد بالاحتلام خروج المني. سواء كان في اليقظة أم في المنام، بحلم أو غير حلم. ولما كان في الغالب لا يحصل إلا في النوم بحلم، أطلق عليه الحلم والاحتلام، ولو وجد الاحتلام من غير خروج مني، فلا حلم له. 
'ثم قال : وقوله في الحديث ( حتى يحتلم ) دليل البلوغ بذلك. وهو إجماع. وهو حقيقة في خروج المني بالاحتلام، ومجاز في خروجه بغير احتلام يقظة أو مناما أو منقول فيما هو أعم من ذلك. ويخرج منه الاحتلام بغير خروج مني، إن أطلقناه عليه منقولا عنه. ولكونه فردا من أفراد الاحتلام. انتهى. 
وفي ( القاموس ) : الحلم ( بالضم ) والاحتلام : الجماع في النوم. والاسم الحلم كعنق. انتهى. 
وقال الراغب : سمي البلوغ حلما، لكون صاحبه جديرا بالحلم : أي الأناة والعقل. 
١ (٢٤ النور ٢٧)..
٢ (٤٩ الحجرات ١٣)..
٣ (٤ النساء ٨)..
٤ (٢٤ النور ٥٩)..
٥ أخرجه البخاري في: ٨٦ – كتاب الحدود، ٢٢ – باب لا يرجم المجنون. من قونل علي لعمر (من ترجمع الباب)..
٦ أخرجه أبو داود في: ١٧ – كتاب الوصايا، ٩ – باب ما جاء متى ينقطع اليتم، حديث رقم ٢٨٧٣..

### الآية 24:60

> ﻿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ۖ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [24:60]

**وقوله تعالى :**
 وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء  أي اللاتي قعدن عن الحيض والولد، لكبرهن  اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا  أي لا يطمعن فيه، لرغبة الأنفس عنهن  فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ  أي الظاهرة مما لا يكشف العورة، لدى الأجانب. أي يتركن التحفظ في التستر بها. فلا يلقين عليهن جلابيبهن ولا يحتجبن  غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ  أي مظهرات لزينة خفية. يعني الحلي في مواضعه المذكورة في قوله تعالى [(١)](#foonote-١) : ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن  أو المعنى غير قاصدات بالوضع، التبرج. ولكن التخفف إذا احتجبن إليه  وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ  أي من وضع تلك الثياب  خَيْرٌ لَّهُنَّ  لأنه أبلغ في الحياء وأبعد من التهمة والمظنة. ولذا يلزمهن، عند المظنة، ألا يضعن ذلك. كما يلزم مثله في الشابة  وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  أي فيسمع مقالهن مع الأجانب، ويعلم مقاصدهن من الاختلاط ووضع الثياب. وفيه من الترهيب ما لا يخفى. 
١ (٢٤ النور ٣١)..

### الآية 24:61

> ﻿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ۚ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [24:61]

**وقوله تعالى :**
 لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ  أي في القعود عن الغزو، لضعفهم وعجزهم. وهذه الآية كالتي في سورة الفتح وكآية براءة [(١)](#foonote-١) : ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله  وهذا ما ذهب إليه عطاء وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وزعم أنه لا يلائم ما قبله ولا ما بعده، مردود بأن المراد أن كلا من الطائفتين منفي عنه الحرج. ومثال هذا – كما قال الزمخشري – أن يستفتيك مسافر في الإفطار عن رمضان. وحاج مفرد عن تقديم الحلق على النحر. قلت له : ليس على المسافر حرج أن يفطر، ولا عليك، يا حاج أن تقدم الحلق عن النحر. يعني أنه إذا كان في العطف غرابة، لبعد الجامع في بادئ النظر، وكان الغرض بيان حكم حوادث تقاربت في الوقوع، والسؤال عنها والاحتجاج إلى البيان لكونها في معرض الاستفتاء والإفتاء، كان ذلك جامعا بينها، محسنا للعطف، وإن تباينت. 
قال الشهاب : وبهذا يظهر الجواب عن زعم أنه لا يلائم ما قبله ولا ما بعده قد عرف وجهها. وأما ملاءمته لما قبله فغير لازمة، إذ لم يعطف عليه. انتهى. 
وقيل : كان المؤمنون يذهبون بالضعفاء وذوي العاهات إلى بيوت أزواجهم وأولادهم، وإلى بيوت قراباتهم وأصدقائهم، فيطعمونهم منها. فخالج قلوب المطعمين والمطعمين ريبة في ذلك. وخافوا أن يلحقهم فيه حرج. وكرهوا أن يكون أكلا بغير حق، لقوله تعالى [(٢)](#foonote-٢) : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل  فقيل لهم : ليس على الضعفاء، ولا على أنفسكم، يعني عليكم، وعلى من في مثل حالكم من المؤمنين، حرج في ذلك. 
وقيل : كان هؤلاء يتوقون مجالسة الناس ومواكلتهم، لما عسى يؤدي إلى الكراهة من قبلهم. ولأن الأعمى ربما سبقت يده إلى ما سبقت عين أكيله إليه وهو يشعر. والأعرج يتفسح في مجلسه ويأخذ أكثر من موضعه، فيضيق على جليسه. والمريض لا يخلوا عن حالة تؤنف. 
وقيل : كانوا يخرجون إلى الغزو، ويخلفون الضعفاء في بيوتهم، ويدفعون إليهم المفاتيح، ويأذنون لهم أن يأكلوا من بيوتهم. فكانوا يتحرجون. فقيل : ليس على هؤلاء الضعفاء حرج فيما تحرجوا عنه، ولا عليكم أن تأكلوا من هذه البيوت. 
هذا ما ذكروه. ولا يخفى صدق الآية على جميع ذلك، ونفي الحرج عنه كله. ولا يستلزم نفي الحرج عن مؤاكلة المريض على هذه الأوجه الأخر، أن يشرك أكيله الصحيح في غمس يده من إنائه مما حظر منه الطب، وغدت الأنفس تعافه. بل يراد به حضوره مع الصحيح على مائدة، واختصاصه بقصعة على حدة. وما أحسن عادة الانفراد بالقصاع، مما تطيب معه نفس المرضى والأصحاء في الاجتماع. وقوله تعالى : وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ  أي بيوت أزواجكم وعيالكم. أضافه إليهم، لأن بيت المرأة كبيت الزوج وعلى هذا قول الفراء. 
وقال ابن قتيبة : أراد بيوت أولادهم. فنسب بيوت الأولاد إلى الآباء، لأن الولد كسب والده، وماله كماله. قال عليه الصلاة والسلام [(٣)](#foonote-٣) ( إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه ). 
قال : والدليل على هذا، انه تعالى عدد الأقارب ولم يذكر الأولاد. لأنه إذا كان سبب الرخصة هو القرابة، كان الذي هو أقرب منهم أولى. انتهى. 
وعليه، فلا يقال إنه ليس في أكل الإنسان من بيت نفسه حرج، فما فائدة ذكره بان المراد بالأنفس من هو بمنزلتها من العيال والأولاد، كما في قوله [(٤)](#foonote-٤) : ولا تقتلوا أنفسكم . 
وفي ( الكشف ) : فائدة إقحام النفس، أن المراد به ليس على الضعفاء المطعمين، ولا على الذاهبين إلى بيوت القرابات، أو من هو في مثل حالهم وهم الأصدقاء – حرج. 
وقيل إنه على ظاهره. والمراد إظهار التسوية بينه وبين قرنائه. 
قال الشهاب : وهو حسن. ولا يرد عليه أنه حينئذ لم يذكر فيه الأكل من بيوت الأزواج والأولاد، لأنه داخل في قوله : من بيوتكم . انتهى. 
 أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ  يعني أموال المرء، إذا كان له عليها قيم ووكيل يحفظها له، أن يأكل من ثمر بستانه ويشرب من لبن ماشيته. وملك المفاتيح كونها في يده وحفظه  أَوْ صَدِيقِكُمْ  أي أو بيوت أصدقائكم. والصديق يكون واحدا وجمعا. وكذلك الخليط والقطين والعدو. كذا في ( الكشاف ). 
قال الناصر : وقد قال الزمخشري : إن سر إفراده في قوله تعالى [(٥)](#foonote-٥) : فما لنا من شافعين \* ولا صديق حميم  دون الشافعين، التنبيه على قلة الأصدقاء، ولا كذلك الشافعون فإن الإنسان قد يحمى له، ويشفع في حقه من لا يعرفه، فضلا عن أن يكون صديقا. 
ويحتمل في الآيتين، أن يكون المراد به الجمع. فلا كلام. ويحتمل أن يراد الإفراد، فيكون سره ذلك. والله أعلم. 
قال الزمخشري : يحكى عن الحسن أنه دخل داره. وإذا حلقة من أصدقائه وقد استلوا سلالا من تحت سريره. ، فيها الخبيص وأطايب الأطعمة. وهم مكبون عليها يأكلون فتهللت أسارير وجهه سرورا، وضحك وقال : هكذا وجدناهم هكذا وجدناهم... يريد كبراء الصحابة ومن لقيهم من البدريين رضي الله عنهم. 
وكان الرجل منهم يدخل دار صديقه وهو غائب، فيسأل جاريته كيسه، فيأخذ منه ما شاء. فإذا حضر مولاها فأخبرته، أعتقها سرورا بذلك. 
وعن جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنهما : من عطم حرمة الصديق، أن جعله الله من الأنس والثقة والانبساط وطرح الحشمة، بمنزلة النفس والأب والأخ والابن. 
وعن ابن عباس رضي الله عنهما :( الصديق أكبر من الوالدين. إن الجهنميين لما استغاثوا لم يستغيثوا بالآباء والأمهات. فقالوا [(٦)](#foonote-٦) : فما لنا من شافعين \* ولا صديق حميم  ). وقالوا : إذا دل ظاهر الحال على رضا المالك، قام ذلك مقام الإذن الصريح. وربما سمج الاستئذان وثقل. كمن قدم إليه طعام، فاستأذن صاحبه في الأكل منه. انتهى. 
 لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا  أي مجتمعين أو متفرقين. روي ( أن قوما من الأنصار إذا نزل بهم ضيف، لا يأكلون إلا مع ضيفهم. وإن قوما كانوا تحرجوا من الاجتماع على الطعام، لاختلاف الناس في الأكل، وزيادة بعضهم على بعض. فأبيح لهم ذلك ). 
وقال قتادة : كان الحي من بني كنانة، يرى أحدهم ؛ أن مخزاة عليه، أن يأكل وحده في الجاهلية. حتى إن كان الرجل ليسوق الذود الحقل وهو جائع، حتى يجد من يؤاكله ويشاربه واشتهر هذا عن حاتم لقوله [(٧)](#foonote-٧) :إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له  أكيلا فإني لست آكله وحديقال الشهاب : وفي الحديث [(٨)](#foonote-٨) ( شر الناس من آكل وحده، وضرب عبده، ومنع رفده ) والنهي في الحديث لاعتياده بخلا بالقرى، ونفي الحرج عن وقوعه أحيانا، بيان لأنه لا إثم فيه، ولا يذم به شرعا، كما ذمت به الجاهلية. 
 فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ  أي إذا دخلتم بيتا من هذه البيوت لتأكلوا، فابدأوا بالسلام على أهلها الذين هم منكم، قرابة ودينا. قاله الزمخشري. 
أشار رحمه الله إلى أن المراد بالأنفس من هم بمنزلتها، لشدة الاتصال كقوله [(٩)](#foonote-٩) : ولا تقتلوا أنفسكم ، ويحتمل أن المسلم، إذا ردت تحيته عليه، فكأنه سلم على نفسه. كما أن القاتل لاستحقاقه القتل بفعله، كأنه قاتل نفسه. وأما إبقاؤه على ظاهره ؛ لأنه إذا لم يكن في البيت أحد، يسره أن يقول : السلام علينا وعلى عبادنا الصالحين. كما روي عن ابن عباس – فبعيد غير مناسب لعموم الآية. كذا في ( الشهاب ). 
وقال الناصر : في التعبير عنهم، بالأنفس، تنبيه على السر الذي اقتضى إباحة الأكل من هذه البيوت المعدودة، وأن ذلك إنما كان، لأنها بالنسبة إلى الداخل كبيت نفسه، لاتحاد القرابة... فليطب نفسا بانبساط فيها  تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ  أي ثابتة بأمره، مشروعة من لدنه  مُبَارَكَةً  أي مستتبعة لزيادة الخير والثواب ودوامها  طَيِّبَةً  أي تطيب بها نفس المستمع  كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون  أي ما فيها من الأحكام أو الآداب القائدة إلى سعادة الدارين. 
١ (٩ التوبة ٩١)..
٢ (٢ البقرة ١٨٨)..
٣ أخرجه النسائي في: ٤٤ – كتاب البيوع، ١ – باب الحث على الكسب، عن عائشة..
٤ (٤ النساء ٢٩)..
٥ (٢٦ الشعراء ١٠٠ و ١٠١)..
٦ (٢٦ الشعراء ١٠٠ و ١٠١)..
٧ من قصيدة مطلعها:
 أيا ابنة عبد الله وابنة مالك ويا ابنة ذي البردين والأسد الورد.
٨ لم أقف عليه..
٩ (٤ النساء ٢٩)..

### الآية 24:62

> ﻿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [24:62]

ولما أمر الله تعالى بالاستئذان عند الدخول، أرشد إلى الاستئذان عند الانصراف من مجلسه صلوات الله عليه، بقوله سبحانه :
قال الزمخشري : أراد عز وجل أن يريهم عظم جناية ذهاب الذاهب من مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير إذنه. فجعل ترك ذهابهم حتى يستأذنوه، ثالث الإيمان بالله والإيمان برسوله. وجعلهما كالتشبيب له والبساط لذكره، وذلك مع تصدير الجملة ( بإنما ) وإيقاع المؤمنين مبتدأ مخبرا عنه بموصول، أحاطت صلته بذكر الإيمانين. ثم عقبه بما يزيده توكيدا وتشديدا، حيث أعاده على أسلوب آخر، وهو قوله : إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ  وضمنه شيئا آخر. وهو أنه جعل الاستئذان كالمصداق لصحة الإيمانين، وعرض بحال المؤمنين وتسللهم لواذا. ومعنى قوله : لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ  لم يذهبوا حتى يستأذنوه ويأذن لهم، ألا تراه كيف علق الأمر بعد وجود استئذانهم بمشيئته وإذنه لمن استوصب أن يأذن له. والأمر الجامع : الذي يجمع له الناس. فوصف الأمر بالجمع على سبيل المجاز. وذلك نحو مقاتلة عدو، أو تشاور في خطب مهم، أو تضام لإرهاب مخالف، أو تسامح في حلف وغير ذلك. أو الأمر الذي يعم بضرره أو بنفعه وقرئ : أمر جميع . وفي قوله : وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ  أنه خطب جلل، لا بد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه من ذوي رأي وقوة، يظاهرونه عليه ويعاونونه، ويستضيء بآرائهم ومعارفهم وتجاربهم، في كفايته. فمفارقة أحدهم في مثل تلك الحال، مما يشق على قلبه، ويشعت عليه رأيه فمن ثم غلظ عليهم وضيق عليهم الأمر في الاستئذان، مع العذر المبسوط، ومساس الحاجة إليه، واعتراض ما يهمهم ويعنيهم، وذلك قوله : لبعض شأنهم  وذكر الاستغفار للمستأذنين، دليل على أن الأحسن الأفضل أن لا يحدثوا أنفسهم بالذهاب، ولا يستأذنوا فيه. 
وقيل : نزلت في حفر الخندق. وكان قوم يتسللون بغير إذن. وقالوا : كذلك ينبغي أن يكون الناس مع أئمتهم ومقدمهم في الدين والعلم، يظاهرونهم ولا يخذلونهم في نازلة من النوازل، ولا يتفرقون عنهم، والأمر في الإذن مفوض إلى الإمام، إن شاء أذن وإن لم يشأ لم يأذن، على حسب ما اقتضاه رأيه. اه. 
**تنبيه :**
استدل بالآية على أن بعض الأحكام مفوضة إلى رأيه عليه الصلاة والسلام، وتسمى هذه المسألة مسألة التفويض. وهي مبسوطة في الأصول.

### الآية 24:63

> ﻿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [24:63]

**وقوله تعالى :**
 لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا  أي إذ احتاج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اجتماعكم عنده لأمر، فدعاكم، فلا تفرقوا عنه إلا بإذنه، ولا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضا، ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الداعي، قاله الزمخشري. 
وكذا قال ابن الأثير في ( المثل السائر ) أي إذا حضرتم في مجلسه، فلا يكن حضوركم كحضوركم في مجالسكم. أي لا تفارقوا مجلسه إلا بإذنه، والتزموا معه الأدب. وذهب قوم إلى أن المراد بالدعاء الأمر. منهم ابن أبي الحديد حيث قال في ( الفلك الدائر ) : إن المعنى المتقدم، وإن دلت عليه قرينة متقدمة، كما قال ابن الأثير – ففي الآية قرينة أخرى متأخرة تقتضي حمله على محمل آخر غير هذا. ولعله الأصح. وهي أن يراد بالدعاء الأمر. يقال : دعا فلان قومه إلى كذا، أي أمرهم به وندبهم إليه. وقال سبحانه [(١)](#foonote-١) يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم  أي ندبكم. وقال سبحانه [(٢)](#foonote-٢) : وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم  أي أمرتهم وندبتهم، والقرينة المتأخرة قوله [(٣)](#foonote-٣) : فليحذر الذين يخالفون عن أمره . انتهى. وكذا قال المهايمي : أي لا تجعلوا أمره بينكم كأمركم بينكم يجاب تارة دون أخرى. لأنه واجب الطاعة. لا يسقط بالانسلال عن جملة المدعو. 
 قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا  أي ينسلون قليلا قليلا، و( اللواذ ) الملاوذة، وهو أن يلوذ هذا بذاك وذاك بهذا. يعني ينسلون عن الجماعة في الخفية على سبيل الملاوذة. واستتار بعضهم ببعض. 
هذا، وقيل : معنى الآية : لا تجعلوا نداءه وتسميته، كنداء بعضكم بعضا باسمه ورفع الصوت به، والنداء وراء الحجرة. ولكن بلقبه المعظم. مثل : يا نبي الله ! ويا رسول الله ! مع التوقير والتواضع وخفض الصوت. 
وضعف بأنه لا يلائم السياق واللحاق. وتكلف بعضهم لربطه بما قبله، لأن الاستئذان يكون بقولهم : يا رسول الله ! إنا نستأذنك. ولأن من معه في أمر جامع يخاطبه ويناديه. والأول أظهر وأولى كما في ( العناية ). 
نعم، في التنزيل عدة آيات، في إيجاب مشافهته صلوات الله عليه بالأدب ومخاطبته بالتوقير، وجعله من ضرورة الإيمان ومقتضاه. كآية [(٤)](#foonote-٤) : يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا  الآية و[(٥)](#foonote-٥) : يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون } إلى قوله [(٦)](#foonote-٦) : إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون   فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ  أي يعرضون عنه ولا يأتون به. فضمن ( المخالفة ) معنى الإعراض والصد. أو عن صلته. وقيل : إذا تعدى ( خالف ) ب ( عن ) ضمن الخروج. وأصل معنى المخالفة أن يأخذ كل واحد طريقا غير طريق الآخر في حاله أو فعله، كما قاله الراغب  أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ  أي محنة في الدنيا  أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  أي في الآخرة. أو فيهما. 
**تنبيه :**
استدل به على وجوب وزن الأمور بميزان شريعته وسنته، وأصول دينه. فما وافق قبل، وما خالف رد على قائله، وفاعله، كائنا من كان. كما ثبت في ( الصحيحين ) [(٧)](#foonote-٧) عنه صلوات الله عليه وسلامه ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ) واستدل بالآية أيضا أن الأمر للوجوب. فإنه يدل على أن ترك مقتضى الأمر مقتض لأحد العذابين. قيل : هذا إنما يتم إذا أريد بالأمر الطلب لا الشأن كما في قوله : على أمر جامع  وقد جوزا فيه، مع إرادتهما معا. وتفصيل البحث في ( الرازي ). 
١ (٨ الأنفال ٢٤)..
٢ (٧١ نوح ٧)..
٣ (٢٤ النور ٦٣)..
٤ (٢ البقرة ١٠٤)..
٥ (٤٩ الحجرات ٢)..
٦ (٤٩ الحجرات ٤)..
٧ أخرجه البخاري في: ٩٦ – لاكتاب الاعتنصام، ٢٠ باب – إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ (في ترجمة الباب)..

### الآية 24:64

> ﻿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [24:64]

أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ  أيها المكلفون من المخالفة والموافقة، والنفاق والإخلاص. وإنما أكد علمه ب  قد  لتأكيد الوعيد.  وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  أي فلا يخفى عليه خافية. لأن الكل خلقه وملكه. فيحيط علمه به ضرورة.  ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير  [(١)](#foonote-١). 
١ (٦٧ الملك ١٤)..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/24.md)
- [كل تفاسير سورة النّور
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/24.md)
- [ترجمات سورة النّور
](https://quranpedia.net/translations/24.md)
- [صفحة الكتاب: محاسن التأويل](https://quranpedia.net/book/349.md)
- [المؤلف: جمال الدين القاسمي](https://quranpedia.net/person/8623.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/24/book/349) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
