---
title: "تفسير سورة النّور - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/24/book/350.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/24/book/350"
surah_id: "24"
book_id: "350"
book_name: "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز"
author: "ابن عطية"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة النّور - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/24/book/350)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة النّور - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية — https://quranpedia.net/surah/1/24/book/350*.

Tafsir of Surah النّور from "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز" by ابن عطية.

### الآية 24:1

> سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [24:1]

بسم الله الرحمن الرحيم. 
قوله  سورة  قرأ الجمهور، **«سورةٌ »** بالرفع، وقرأ عيسى بن عمر ومجاهد **«سورةً »** بالنصب، وروي ذلك أيضاً عن عمر بن عبد العزيز وعن أبي الدرداء[(١)](#foonote-١)، فوجه الرفع خبر ابتداء مضمر تقديره هذه سورة، أو ابتداء وخبره مقدم تقديره فيما يتلى عليكم، ويحتمل أن يكون قوله **«سورة »** ابتداء وما بعدها صفة لها أخرجتها عن حد النكرة المحضة، فحسن الابتداء لذلك ويكون الخبر في قول : الزانية  وفيما بعد ذلك، والمعنى السورة المنزلة المفروضة كذا وكذا، إذ السورة عبارة عن آيات مسرودة لها بدء وختم ولكن يلحق هذا القول : إن كون الابتداء هو الخبر ليس بالبين إلا أن نقدر الخبر في السورة بأسرها وهذا بعيد في القياس[(٢)](#foonote-٢)، وقول الشاعر **«فارس ما تركوه »**، ووجه النصب إضمار فعل قدره بعضهم اتلوا سورة أو نحوه، وجعله بعضهم أنزلنا  سورة أنزلناها [(٣)](#foonote-٣)، وقال الفراء هي حال من الهاء والألف والحال من المكنى يجوز أن يتقدم عليه[(٤)](#foonote-٤)، وقرأ جمهور الناس **«وفرضناها »** بتخفيف الراء، ومعناه الإثبات والإيجاب بأبلغ وجوهه إذ هو مشبه بالفرض في الأجرام، وقرأ مجاهد وغيره وأبو عمرو وابن كثير وعمر بن عبد العزيز وابن مسعود **«وفرّضناها »** بشد الراء ومعناه جعلناها فرائض فرائض، فمن حيث تردد ذلك ضعّف الفعل للمبالغة والتكثير[(٥)](#foonote-٥)، وقرأ الأعمش **«وفرضناها لكم »**، وحكى الزهراوي عن بعض العلماء أنه قال كل ما السورة من أمر ونهي فرض لا حض بهذه اللفظة، و **«الآيات البينات »** أمثالها ومواعظها وأحكامها، وقال الزهراوي المعنى ليس فيها مشكل تأويلها موافق لظاهرها. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا تحكم، وقوله  لعلكم  أي على توقع البشر ورجائهم.

١ في بعض النسخ: "وعن أبي الدرداء"، وأبو الدرداء اسمه عويمر بن زيد بن قيس الأنصاري، مشهور بكنيته، وقيل: اسمه عامر، وعويمر لقب، وهو صحابي جليل، كان عابدا، مات في آخر خلافة عثمان رضي الله عنه، أما أم الدرداء فهي زوجه، واسمها هجيمة، وقيل: جهيمة الأوصابية الدمشقية، قال عنها الحافظ العسقلاني: "ثقة، فقيهة، ماتت سنة إحدى وثمانين"..
٢ نقل أبو حيان في البحر المحيط هذه الفقرة عن ابن عطية مع اختلاف في بعض الألفاظ عما هنا؛ إذ جاء فيه "إلا أن يكون المبتدأ ليس بالبين أنه خبر، إلا أن يقدر الخبر في السورة كلها"، ومعنى هذا أن قوله تعالى: الزانية والزاني وهو مبتدأ ومعطوف عليه ليس بالبين أنه خبر عن المبتدأ الأول وهو قوله تعالى: \[سورة\]، لكن لو قدرنا أن الخبر في السورة كلها لأصبح الأمر بينا واضحا. وقد جاء في كثير من النسخ زيادة عما هنا قوله: وقول الشاعر: "فارس ما تركوه" فقد جاز الابتداء بالنكرة هنا لأنها وصفت بصفة أخرجتها عن حد النكرة المحضة وجاء الخبر بعد ذلك، فأي تخصيص للنكرة يجعلها صالحة للابتداء..
٣ فيكون من باب اشتغال الفعل عن الفاعل بضميره، ولا محل هنا لجملة \[أنزلناها\] لأنها جملة مفسرة، بخلاف الوجه الأول فإن \[أنزلناها\] في محل نصب على أنها صفة لقوله سبحانه: \[سورة\]، ولكن يترتب على القول بالاشتغال الابتداء بالنكرة من غير مسوغ، إلا إذا قدرنا لها صفة بحيث يكون التقدير: سورة عظيمة..
٤ وقيل: إنها منصوبة على الإغراء، أي: "دونك سورة"، قال ذلك الزمخشري في الكشاف، وقد رده أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط وقال: إنه لا يجوز حذف أداة الإغراء..
٥ وقد يكون التضعيف لبيان أن الله أنزلها قطعا قطعا أو نجما نجما، لأن الفرض هو القطع. قال ذلك القرطبي..

### الآية 24:2

> ﻿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [24:2]

وقرأ جمهور الناس **«الزانيةُ »** بالرفع، وقرأ عيسى الثقفي **«الزانيةَ »** بالنصب وهو أوجه عن سيبويه لأنه عنده كقولك زيداً أضرب، ووجه الرفع عنده خبر ابتداء تقديره فيما يتلى عليكم  الزانية والزاني ، وأجمع الناس على الرفع، وإن كان القياس عند سيبويه النصب، وأما الفراء والمبرد والزجاج فإن الرفع عندهم هو الأوجه والخبر في قوله  فاجلدوا  لأن المعنى  الزانية والزاني  مجلودان بحكم الله تعالى وهذا قول جيد وهو قول أكثر النحاة، وان شئت قدرت الخبر ينبغي أن يجلدا، وقرأ ابن مسعود **«والزان »** بغير ياء، وقدمت  الزانية  في اللفظ من حيث كان في ذلك الزمن زنى النساء أفشى[(١)](#foonote-١) وكان لأمراء العرب وبغايا الوقت رايات وكن مجاهرات بذلك وإذا العار بالنساء ألحق إذ موضعهن الحجبة[(٢)](#foonote-٢) والصيانة، فقدم ذكرهن تغليظاً واهتماماً، والألف واللام في قوله : الزانية والزاني  للجنس وذلك يعطي أنها عامة في جميع الزناة وهذه الآية باتفاق ناسخة لآية الحبس وآية الأذى اللتين في سورة النساء[(٣)](#foonote-٣)، وجماعة العلماء على عموم هذه الآية وأن حكم المحصنين منسوخ منها، واختلفوا في الناسخ فقالت فرقة الناسخ السنة المتواترة في الرجم، وقالت فرقة بل القرآن الذي ارتفع لفظه وبقي حكمه وهو الذي قرأه عمر في المنبر بمحضر الصحابة :**«الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة »**، وقال إنا قرأناه في كتاب الله تعالى[(٤)](#foonote-٤)، واتفق الجميع على أن لفظه رفع وبقي حكمه، وقال الحسن بن أبي الحسن وابن راهويه ليس في هذه الآية نسخ بل سنة الرجم جاءت بزيادة، فالمحصن، على رأي هذه الفرقة يجلد ثم يرجم، وهو قول علي بن أبي طالب وفعله بشراحة[(٥)](#foonote-٥) ودليلهم قول النبي صلى الله عليه وسلم
**«والثيب بالثيب جلد مائة والرجم »**[(٦)](#foonote-٦)، ويرد عليهم فعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث يرجم ولم يجلد، وبه قال جمهور الأمة إذ فعله كقوله رفع الجلد عن المحصن وقال ابن سلام وغيره هذه الآية خاصة في البكرين. 
قال الفقيه الإمام القاضي : لأنه لم يبق من هذا حكمه إلا البكران واستدلوا على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم **«البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام »**[(٧)](#foonote-٧)، وبقوله **«على ابنك جلد مائة »**[(٨)](#foonote-٨)، واستدلوا على أنها غير عامة بخروج الإماء والعبيد وغيرهم منها، وقد تقدم بسط كثير من هذه المعاني في سورة النساء[(٩)](#foonote-٩)، و **«الجلد »** يكون والمجلود قاعد، عند مالك ولا يجزىء عنده إلا في الظهر، وأصحاب الرأي والشافعي يرون أن يجلد الرجل وهو واقف وهو قول علي بن أبي طالب ويفرق الضرب على كل الأعضاء، وأشار ابن عمر بالضرب إلى رجلي أمة جلدها في الزنى والإجماع في تسليم الوجه والعورة والمقاتل، ويترجح قول مالك رحمه الله بقول النبي صلى الله عليه وسلم **«البينة أو حد في ظهرك »**[(١٠)](#foonote-١٠)، وقول عمر : أو لأوجعن مثناك[(١١)](#foonote-١١)، ويعرى الرجل عند مالك والنخعي وأبي عبيدة بن الجراح وابن مسعود وعمر بن عبدالعزيز والحسن والشعبي وغيرهم يرون أن يضرب على قميص وهو قول عثمان بن مسعود أيضاً، وأما المرأة فتستر قولاً واحداً، وقرأ الجمهور **«رأْفة »** همزة ساكنة على وزن فعلة، وقرأ ابن كثير **«رأَفة »** على وزن فعَله بفتح العين، وقرأ عاصم أيضاً **«رآفة »** على وزن فعالة كسآمة وكآبة، وهذه مصادر أشهرها الأولى من رأف إذا أرق ورحم، وقرأ الجمهور **«تأخذكم »** بالتاء من فوق، وقرأ أبو عبد الرحمن **«يأخذكم »** بالياء من تحت واختلف الناس في الرأفة المنهي عنها فيم هي فقال أبو مجلز ولاحق بن حميد[(١٢)](#foonote-١٢) ومجاهد وعكرمة وعطاء هي في إسقاط الحد أي أقيموه، ولا بد وهذا تأويل ابن عمر وابن جبير وغيرهما ومن رأيهم أن الضرب في الزنا والفرية والخمر على نحو واحد، وقال قتادة وابن المسيب وغيرهما **«الرأفة »** المنهي عنها في تخفيف الضرب عن الزناة، ومن رأيهم أن يخفف ضرب الخمر والفرية، ويشتد ضرب الزنا، وقال سليمان بي يسار[(١٣)](#foonote-١٣) نهي عن الرأفة في الوجهين، وقال أبو مجلز إنا لنرجم المحدود ولكن لا نسقط الحد. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وقول النبي عليه السلام في السوط دون هذا[(١٤)](#foonote-١٤)، ضرب من الرأفة وقال عمر اضرب ولا تبدين إبطك، واتفق الناس على أن الضرب سوط بين سوطين، وقال الزهري ضرب الزنا والفرية مشدد لأَنهما بمعنى واحد وضرب الخمر مخفف، وقوله  في دين الله  بمعنى في الإخلال بدين الله أَي بشرعه، ويحتمل أن يكون **«الدين »** هنا بمعنى الحكم[(١٥)](#foonote-١٥)، ثم قررهم على معنى التثبيت والحض بقوله : إن كنتم تؤمنون بالله  وهذا كما تقول لرجل تحضه إن كنت رجلاً فافعل كذا أي هذه أفعال الرجال وقوله  وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ، المقصد بالآية الإغلاظ على الزناة والتوبيخ بحضرة الناس، فلا خلاف أن ****«الطائفة »**** كلما كثرت فهو أليق بامتثال الأمر، واختلف الناس في أَقل ما يجزىء فقال الحسن بن أبي الحسن لا بد من حضور عشرة رأى أن هذا العدد عقد خارج عن الآحاد وهي أقل الكثرة. 
وقال ابن زيد وغيره ولا بد من حضور أربعة، ورأوا أن شهادة الزنا كذلك وأن هذا باب منه، وقال الزهري ****«الطائفة »**** ثلاثة فصاعداً، وقال عطاء وعكرمة لا بد من اثنين وهذا مشهور قول مالك فرآها موضع شهادة، وقال مجاهد : يجزىء الواحد ويسمى طائفة إلى الألف، وقاله ابن عباس ونزعا[(١٦)](#foonote-١٦) بقوله تعالى : فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة [(١٧)](#foonote-١٧) \[ التوبة : ١٢٢ \]، وقوله : وإن طائفتان [(١٨)](#foonote-١٨) \[ الحجرات : ٩ \] ونزلت في تقاتل رجلين، واختلف العلماء في التغريب، وقد غرب الصديق إلى فدك وهو رأي عمر وعثمان وعلي وأبي ذر وابن مسعود وأَبي بن كعب ولكن عمر بعد نفى رجلاً فلحق بالروم فقال لا أنفي أحداً بعدها، وفيه عن مالك قولان، ولا يرى تغريب النساء والعبيد واحتج بقوله عليه السلام **«لا تسافر المرأة مسيرة يوم إلا مع ذي محرم »**[(١٩)](#foonote-١٩)، وممن أبى التغريب جملة أصحاب الرأي، وقال الشافعي ينفى البكر رجلاً كان أو امرأة ونفى علي امرأة إلى البصرة.

١ نقل القرطبي كلام ابن عطية هنا دون أن يشير إليه، وجاءت هذه الكلمة في نقله: "كان في ذلك الزمن زنى النساء فاشيا"..
٢ في الأصول: "إذ موضوعهن الحجبة"..
٣ أما آية الحبس فهي قوله تعالى: واللآتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا، (١٥ ـ النساء)، وأما آية الأذى فهي قوله تعالى: واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما (١٦ ـ النساء)..
٤ في صحيح مسلم عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنه سمع عبد الله بن عباس يقول: قال عمر بن الخطاب وهو جالس على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله قد بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم، قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم في كتاب الله الحق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف"، وليس في هذا النص ذكر للآية المنسوخة لفظا لا حكما، أما لفظها فقد ورد في حديث آخر أخرجه في الحدود أبو داود، وابن ماجه، ومالك في موطئه، وأخرجه أحمد في مسنده (٥ ـ ١٨٣)، ولفظه فيه عن كثير بن الصلت قال: كان ابن العاص وزيد بن ثابت يكتبان المصاحف فمروا على هذه الآية، فقال زيد: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة)، فقال عمرو: لما أنزلت هذه أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: أكتبنيها، قال شعبة ـ أحد الرواة ـ: فكأنه كره ذلك، فقال عمرو رضي الله عنه: ألا ترى أن الشيخ إذا لم يحصن جلد وأن الشاب إذا زنى وقد أحصن رجم؟.
٥ هي شراحة الهمدانية، ثبتت عليها جريمة الزنى فجلدها علي بن أبي طالب رضي الله عنه مائة جلدة ورجمها بعد ذلك، وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني أن الجلد تنفيذ لهذه الآية الزانية والزاني، والرجم اتباع لما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد رجم الغامدية وماعزا..
٦ أخرجه مسلم في الحدود، والبخاري في تفسير سورة النساء، وكل من أبي داود، والترمذي، وابن ماجه، والدرامي في الحدود، وأحمد في مسنده (٣ ـ ٤٧٦، ٥ ـ ٣١٣، ٣١٧، ٣١٨، ٣٢٠)، والحديث كما جاء في مسلم عن عبادة بن الصامت قال: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه كرب لذلك وتربد له وجهه، قال: فأنزل عليه ذات يوم فلقي كذلك، فلما سري عنه قال: (خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلا، الثيب بالثيب والبكر بالبكر جلد مائة ثم رجم بالحجارة، والبكر جلد مائة ثم نفي سنة)..
٧ راجع حديث عبادة بن الصامت الذي سبق في الهامش ٢ من الصفحة ٤١٨، وفي رواية أخرى عن سلمة بن المحبق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم)، وقوله: (قد جعل الله لهن سبيلا) يشير إلى الآية الكريمة من سورة النساء فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا..
٨ أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والدرامي، ومالك في الموطأ، وأحمد في مسنده، ولفظه كما جاء في مسلم في كتاب الحدود عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني أنهما قالا: إن رجلا من الأعراب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله، فقال الخصم الآخر ـ وهو أفقه منه ـ: نعم فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل، قال: إن ابني كان عسيفا ـ أجيرا ـ على هذا، فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أن ما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها، قال: فغدا عليها فاعترفت، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت..
٩ راجع ذلك ج ٣ ص ٥٢٦..
١٠ أخرجه البخاري في التفسير، وكل من أبي داود، والنسائي، وابن ماجه في الطلاق، ولفظه كما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: البينة أو حد في ظهرك، فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: البينة وإلا حد في ظهرك، فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق فلينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل عليه: والذين يرمون أزواجهم، فقرأ حتى بلغ إن كان من الصادقين، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليها، فجاء هلال فشهد و النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا: إنها موجبة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين فهو لشريك ابن سحماء، فجاءت به كذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن..
١١ المتن: الظهر، يذكر ويؤنث..
١٢ في الأصول "فقال أبو مجلز ولاحق بن حميد"، والصحيح أنهما رجل واحد، هو لاحق بن حميد بن سعيد الدوسي البصري، أبو مجلز، بكسر الميم وسكون الجيم وفتح اللام بعدها زاي ـ وهو مشهور بكنيته، قال عنه العسقلاني في كتابه (تقريب التهذيب): "ثقة، من كبار الثالثة، مات سنة ست، وقيل تسع ومائة، وقيل قبل ذلك"..
١٣ سليمان بن يسار الهلالي، المدني، مولى ميمونة، وقيل أم سلمة، ثقة فاضل، أحد الفقهاء السبعة، مات بعد المائة، وقيل قبلها. (تقريب التهذيب)..
١٤ روى مالك عن زيد بن أسلم أن رجلا اعترف على نفسه بالزنى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوط، فأتي بسوط مكسور، فقال: (فوق هذا)، فأتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته، فقال: (دون هذا)، فأتي بسوط قد ركب به ولان، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلد... الحديث. قال أبو عمر: هكذا روى هذا الحديث مرسلا جميع رواة الموطأ، ولا أعلمه يستند بهذا اللفظ بوجه من الوجوه"، وقد روى معمر عن يحيى بن أبي كثير عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله سواء. وقول الراوي في الحديث: "لم تقطع ثمرته" يريد أن طرفه محدد، لم تنكسر حدته ولم يصر لينا. ومعنى "ركب به ولان" أنه لان لكن ليس لدرجة التفتت والبلى..
١٥ ومن هذا المعنى قوله تعالى: ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك، أي: في حكمه..
١٦ يقال: نزع معنى جيدا من الآية، أي: استخرج منها معنى جيدا..
١٧ من الآية (١٢٢) من سورة (التوبة)..
١٨ من الآية (٩) من سورة (الحجرات)..
١٩ أخرجه البخاري في تقصير الصلاة والصوم، ومسلم في الحج، والترمذي في الرضاع، وابن ماجه في المناسك، ومالك في الاستئذان من موطئه، وأحمد في مسنده (١ ـ٢٢٢، ٢ ـ ١٢، ٣ ـ ٣٤ ومواضع أخرى كثيرة). ولفظه في مسند أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يخلون رجل بامرأة، ولا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم)، وجاء رجل فقال: إن امرأتي خرجت إلى الحج وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، قال: (انطلق فاحجج مع امرأتك)، هكذا بدون تحديد للأيام، وفي البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا ومع ذي محرم)، وفيه أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة)..

### الآية 24:3

> ﻿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [24:3]

في هذه الآية أربعة أوجه من التأويل : أحدها أن يكون مقصد الآية تشنيع وتبشيع أمره وأنه محرم على المؤمنين واتصال هذا المعنى بما قبل حسن بليغ، ويريد بقوله  لا ينكح  أي لا يطأ فيكون النكاح بمعنى الجماع وردد القصة مبالغة وآخذاً من كلا الطرفين، ثم زاد تقسيم المشرك والمشركة من حيث الشرك أعم في المعاصي من الزنا، فالمعنى  الزاني  لا يطأ في وقت زناه  إلا زانية  من المسلمين أو من هي أخس منها من المشركات، وقد روي عن ابن عباس وأصحابه أن النكاح في هذه الآية الوطء، وأنكر ذلك الزجاج وقال لا يعرف النكاح في كتاب الله إلا بمعنى التزويج، وليس كما قال، وفي القرآن  حتى تنكح زوجاً غيره [(١)](#foonote-١) \[ البقرة : ٢٣٠ \] وقد بينه النبي عليه السلام أنه بمعنى الوطء، وذكر الطبري ما ينحو إلى هذا التأويل عن سعيد بن جبير وابن عباس وعكرمة ولكن غير ملخص ولا مكمل. والثاني أن تكون الآية نزلت في قوم مخصوصين وهذا قول روي معناه عن عبد الله بن عمر وعن ابن عباس وأصحابه قالوا وهم قوم كانوا يزنون في جاهليتهم ببغايا مشهورات، فلما جاء الإسلام وأسلموا لم يمكنهم الزنا، فأرادوا لفقرهم زواج أولئك النسوة إذ كان من عادتهن الإنفاق على من ارتسم بزواجهن فنزلت الآية بسببهن، والإشارة ب  الزاني  إلى أحد أولئك حمل عليه اسم الزنى الذي كان في الجاهلية، وقوله  لا ينكح  أي لا يتزوج، وفي الآية على هذا التأويل معنى التفرغ عليهم وفي ذلك توبيخ كأنه يقول أي مصاب الزاني لا يريد أن يتزوج إلا زانية أو مشركة أي تنزع نفوسهم إلى هذه الخسائس لقلة انضباطهم، ويرد على هذا التأويل الإجماع على أن  الزانية  لا يجوز أن يتزوجها مشرك، ثم قوله  وحرم ذلك على المؤمنين  أي نكاح أولئك البغايا، فيزعم أهل هذا التأويل أن نكاح أولئك البغايا حرمه الله على أمة محمد عليه السلام ومن أشهرهن عناق البغي وكان الذي هم بتزويجها يلقب دولدل[(٢)](#foonote-٢) كان يستخرج ضعفة المسلمين من مكة سراً ففطنت له ودعته إلى نفسها فأبى الزنى وأراد التزويج، واستأذن في ذلك النبي عليه السلام، فنزلت الآية ولما دعته وأبى قالت له : أي تبور والله لأفضحنك[(٣)](#foonote-٣)، وذكر الطبري أن من البغايا المذكورات أم مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي، ويقال فيها أم مهزم وأم غليظ[(٤)](#foonote-٤) جارية صفوان بن أمية، وحنة القبطية، جارية العاصي بن وائل، ومزنة[(٥)](#foonote-٥) جارية مالك بن عميلة بن سباق، وخلالة[(٦)](#foonote-٦) جارية سهيل بن عمرو، وأم سويد جارية عمرو بن عثمان المخزومي، وشريفة[(٧)](#foonote-٧) جارية زمعة بن الأسود، وفرسة جارية هشام بن ربيعة، ومرثنا[(٨)](#foonote-٨) جارية هلال بن أنس، وغيرهن ممن كانت لهن رايات تعرف منازلهن بها، وكذلك كان بالمدينة إماء عبد الله بن أَبي وغيره مشهورات، وحكى الطبري عن ابن عباس أنه قال في سياق هذا التأويل كانت بيوت في الجاهلية تسمى المواخير، كانوا يؤجرون فيها فتياتهم وكانت بيوتاً معلومة للزنى، فحرم الله  ذلك على المؤمنين ، ويحتمل أَن يكون هذا الكلام في التأويل الذي ذكرته قبل هذا، وواحد المواخير ماخور ومنه قول بعض المحدثين :

في كل واد هبطن فيه دسكرة  في كل نشز صعدن فيه ماخور[(٩)](#foonote-٩).والتأويل الثالث تأويل ذكره الزجاج وغيره عن الحسن وذلك أَنه قال المراد  الزاني  المحدود  والزانية  المحدودة[(١٠)](#foonote-١٠) قال وهذا حكم من الله فلا يجوز لزان محدود أَن يتزوج إلا زانية محدودة، وروي أن محدوداً تزوج غير محدودة فرد علي بن أبي طالب نكاحهما، وقوله  حرم ذلك  يريد الزنى، وحكى الزهراوي في هذا حديثاً من طريق أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله »** وهذا حديث لا يصح، وقول فيه نظر، وإدخال **«المشرك »** في الآية يرده، وألفاظ الآية تأباه وإن قدرت المشركة بمعنى الكتابية فلا حيلة في لفظ المشرك، ورابع قول روي عن سعيد بن المسيب وذلك أنه قال : هذا حكم كان في الزنى عامة أن لا يتزوج زان إلا زانية جاءت الرخصة ونسخ ذلك بقوله تعالى : وأنكحوا الأيامى منكم [(١١)](#foonote-١١) \[ النور : ٣٢ \] وروي ترتيب هذا النسخ أيضاً عن مجاهد، إلا أنه قال أن التحريم إنما كان في أولئك النفر خاصة لا في الزناة عامة، ذكر ذلك عنهما أبو عبيدة في ناسخه وذكر عن مجاهد أنه قال : حرم نكاح أولئك البغايا على أولئك النفر. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وذكر الاشتراك في الآية يضعف هذه المناحي، وقرأ أبو البرهسم **«وحرم الله ذلك على المؤمنين »**[(١٢)](#foonote-١٢)، واختلف فيمن زنا بامرأة ثم أراد نكاحها فأجاز ذلك أبو بكر الصديق وابن عمر وجابر بن عبد الله وطاوس وابن الحسيب وجابر بن زيد وعطاء والحسن وعكرمة وابن عباس ومالك والثوري والشافعي[(١٣)](#foonote-١٣) ومنعه ابن مسعود والبراء بن عازب وعائشة وقالوا : لا يزالان زانيين ما اجتمعا. 
١ من الآية (٢٣٠) من سورة (البقرة)..
٢ اسمه مرثد بن أبي مرثد، وكان رجلا قويا شديدا. وكان يساعد الضعفاء من المسلمين على الخروج من مكة سرا..
٣ كان يحمل رجلا من أسارى مكة، قال: فجئت به حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة، فعرفته عناق ودعته فأبى، فقالت له: أنى تستطيع البروز بمن معك؟ والله لأفضحنك، ثم نادت: يا أهل الخيام، هذا رجل يحمل أسراكم، فتبعه القوم، قال: فاختبأت منهم في كهف... الخ القصة، وتجدها في الدر المنثور في خبر رواه جمع كبير منهم ابن جرير، والبيهقي وعبد بن حميد وغيرهم..
٤ في الطبري: أم (عليط) بالعين، وهي في جميع الأصول هنا بالغين المعجمة..
٥ هكذا في الأصول، وفي الطبري: "مرية"..
٦ في الطبري "حلالة".
٧ في الطبري "سريفة" بالسين..
٨ في الطبري "قريبا"، وقد رجعنا إلى الطبري لأن ابن عطية نقل الكلام عنه..
٩ الدسكرة: القرية العظيمة، والجمع دساكر، والنشز: ما ارتفع وظهر من الأرض، والجمع نشوز ونشاز. والماخور: بيت الريبة، وفي حديث زياد حين قدم البصرة أميرا عليها: ما هذه المواخير؟ الشراب عليه حرام حتى تسوى بالأرض هدما وإحراقا، قال في اللسان: "هي مجلس الريبة، ومجمع أهل الفسق والفساد، وبيوت الخمارين"..
١٠ يريد: الذي أقيم عليه الحد بالجلد والتغريب..
١١ من الآية (٣٢) من هذه السورة (النور)..
١٢ في البحر المحيط: "وقرأ أبو البرهثيم \[وحرم\] مبنيا للفاعل، أي الله"، ومعنى ذلك أن القارئ لم يذكر لفظ في الآية..
١٣ أخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، من طريق سعيد مولى ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت مع ابن عباس فأتاه رجل فقال: إني كنت أتبع امرأة فأصبت منها ما حرم الله علي، وقد رزقني الله منها توبة فأردت أن أتزوجها فقال الناس: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، فقال ابن عباس: ليس هذا موضع هذه الآية، إنما كن نساء بغايا متعالنات، يجعلن على أبوابهن رايات، يأتيهن الناس يعرفن بذلك، فأنزل الله هذه الآية. تزوجها فما كان فيها من إثم فعلي..

### الآية 24:4

> ﻿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [24:4]

هذه الآية نزلت في القاذفين، فقال سعيد بن جبير كان سببها ما قيل في عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وقيل نزلت بسبب القذفة عاماً لا في تلك النازلة، وذكر الله تعالى في الآية قذف النساء من حيث هواهم، ورميهن بالفاحشة أبشع وأنكى للنفوس، وقذف الرجال داخل في حكم الآية بالمعنى، وإجماع الأمة على ذلك وهذا نحو نصه تعالى على لحم الخنزير ودخول شحمه وغضاريفه ونحو ذلك بالمعنى وبالإجماع، وحكى الزهراوي أن في المعنى الأنفس  المحصنات  فهي بلفظها الرجال والنساء ويدل على ذلك قوله تعالى : والمحصنات من النساء [(١)](#foonote-١) \[ النساء : ٢٤ \]، والجمهور على فتح الصاد من **«المحصَنات »**، وكسرها يحيى بن وثاب. و  المحصنات  العفائف في هذا الموضع لأن هذا هو الذي يجب به جلد القاذف، والعفة أعلى معاني الإحصان إذ في طيه الإسلام، وفي هذه النازلة الحرية[(٢)](#foonote-٢) ومنه قول حسان : حصان رزان[(٣)](#foonote-٣)، البيت، ومنه قوله تعالى : والتي أحصنت فرجها [(٤)](#foonote-٤) \[ الأنبياء : ٩١ \]، وذكر الله من صفات النساء المنافية للرمي بالزنا ولتخرج من ذلك من ثبت عليها الزنى وغير ذلك ممن لم تبلغ الوطء من النساء حسب الخلاف في ذلك وعبر عن القذف ب **«الرمي »**، من حيث معتاد الرمي أَنه مؤذ كالرمي بالحجر والسهم فلما كان قول القاذف مؤذياً جعل رمياً، وهذا كما قيل وجرح اللسان كجرح اليد[(٥)](#foonote-٥)، والقذف والرمي معنى واحد، وشدد الله تعالى على القاذف  بأربعة شهداء  رحمة بعباده وستراً لهم، وقرأ جمهور الناس **«بأربعةِ شهداء »** على إضافة الأربعة إلى الشهداء، وقرأ عبد الله بن مسلم بن يسار وأبو زرعة وابن جريج **«بأربعةٍ »** بالتنوين و **«شهداء »** على هذا، إما بدل وإما صفة للأربعة وإما حال وإما تمييز وفي هذين نظر إذ الحال من نكرة والتمييز مجموع، وسيبويه يرى أن تنوين العدد وترك إضافته إنما يجوز في الشعر، وقد حسن أبو الفتح هذه القراءة ورجحها على قراءة الجمهور[(٦)](#foonote-٦)، وحكم شهادة الأربعة أن تكون على معاينة مبالغة كالمرود في المكحلة في موطن واحد فإن اضطراب منهم واحد جلد الثلاثة والقاذف كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أمر المغيرة بن شعبة وذلك أَنه شهد عليه بالزنى أبو بكرة نفيع بن الحارث وأخوه نافع، وقال الزهراوي عبد الله بن الحارث وزياد أخوهما لأم، وهو مستلحق معاوية وشبل بن معبد البجلي، فلما جاؤوا لأداء الشهادة توقف زياد ولم يؤدها كاملة، فجلد عمر الثلاثة المذكورين[(٧)](#foonote-٧)، و **«الجلد »** الضرب والمجالدة المضاربة في الجلود، أو بالجلود، ثم استعير الجلد لغير ذلك من سيف وغيره ومنه قول قيس بن الخطيم :\[ الطويل \]
أجالدهم يوم الحديقة حاسراً. . . كأن يدي بالسيف مخراق لاعب[(٨)](#foonote-٨)
ونصب  ثمانينَ  على المصدر و  جلدةً  على التمييز، ثم أمر تعالى أن لا تقبل للقذفة المحدودين  شهادة أبداً  وهذا يقتضي مدة أَعمارهم، ثم حكم عليهم بأنهم  فاسقون  أي خارجون عن طاعة الله عز وجل، ثم استثنى عز وجل من تاب وأصلح بعد القذف فإِنه وعدهم بالرحمة والمغفرة، فتضمنت الآية ثلاثة أحكام في القاذف : جلده، ورد شهادته أبداً، وفسقه، فالاستثناء، غير عامل في جلده بإجماع[(٩)](#foonote-٩) وعامل في فسقه بإجماع[(١٠)](#foonote-١٠)، واختلف الناس في عمله في رد الشهادة، فقال شريح القاضي وإبراهيم النخعي والحسن الثوري وأبو حنيفة لا يعمل الاستثناء في رد شهادته[(١١)](#foonote-١١) وإنما يزول فسقه عند الله تعالى، وأما شهادة القاذف فلا تقبل البتة ولو تاب وأكذب نفسه ولا بحال من الأحوال، وقال جمهور الناس الاستثناء عامل في رد الشهادة فإذا تاب القاذف قبلت شهادته، ثم اختلفوا في صورة فمذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه والشعبي وغيره أن توبته لا تكون إلا بأَن يكذب نفسه في ذلك القذف الذي حد فيه، وهكذا فعل شبل بن معبد ونافع تابا عن القول في المغيرة وأكذبا أنفسهما فقبل عمر شهادتهما، وأَبى أبو بكرة من إكذاب نفسه فرد عمر شهادته حتى مات، وقال مالك رحمه الله وغيره توبته أن يصلح ويحسن حاله وإن لم يرجع عن قوله بتكذيب، واختلف فقهاء المالكيين متى تسقط شهادة القاذف، فقال ابن الماجشون بنفس قذفه، وقال ابن القاسم وأشهب وسحنون لا تسقط حتى يجلد فإن منع من جلده مانع عفو أو غيره لم ترد شهادته، قال الشيخ أبو الحسن اللخمي شهادته في مدة الأَجل في الإثبات موقوفة، ورجح القول بأن التوبة إنما تكون بالتكذيب في القذف، وإلا فأي رجوع لعدل إن قذف وحد وبقي على عدالته.

١ من الآية (٢٤) من سورة (النساء)..
٢ يعني أن الوصف بالإحصان يستلزم الإسلام والحرية، وهو يشير بذلك إلى أن للقذف شروطا منها في المقذوف به أن يكون عاقلا بالغا مسلما حرا عفيفا عن الفاحشة التي رمي بها، قال العلماء: إنما اشترط في المقذوف العقل والبلوغ لأن الحد إنما وضع للزجر على الأذى الذي يلحق بالمقذوف، ولا ضرر يلحق بالمجنون أو بغير البالغ، وهما شرطان أيضا في القاذف لأنهما أصلان في التكليف، ولا تكليف بدونهما..
٣ هذا بداية بيت قاله حسان بن ثابت في السيدة عائشة رضي الله عنها، والبيت بتمامه:
 حصان رزان ماتزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
 والحصان: العفيفة أو المتزوجة، وكل امرأة عفيفة محصنة ومحصنة، وكل متزوجة محصنة، وكان جمهور القراء على فتح الصاد من \[والمحصنات\] لأن المراد النساء المتزوجات اللاتي قد أحصنهن أزواجهن، ومن قرأ بالكسر ذهب إلى أنها أحصنت نفسها فهي محصنة. والرزان: الوقور من النساء، يقال: امرأة رزان: ذات ثبات ووقار وعفاف، رزينة في مجلسها. وما تزن بريبة: لا ترمى ولا تتهم بما يريبها أو يعيبها. والغراث: الجوع، وقيل: الجوع الشديد، يقال في الرجل: غرث فهو غرث، وفي المرأة: غرثت فهي غرثى وغرثانة. والغوافل: كأنه مفهوم من قوله تعالى: إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة. وحسان يصفها بالعفة والوقار والبعد عن الريبة والظن، وبأنها لا تأكل لحوم الغافلات من المؤمنات، فهي لا تتحدث نهن بما يشين. والبيت في اللسان: (حصن ـ زنن ـ غرث)..
٤ من الآية (٩١) من سورة (الأنبياء)..
٥ هذا عجز بيت من الشعر، قاله امرئ القيس من قصيدة له يتهدد بني أسد، وفيها يقول: 
 تطاول ليلك بالإثمد ونام الخلي ولم ترقد
 وبات وباتت له ليلة كليلة ذي العائر الأرمد
 وذلك من نباء جاءني وخبرته عن أبي الأسود
 ولو عن نثا غيره جاءني وجرح اللسان كجرح اليد
 والنثا: ما خبرت به الرجل من حسن أو سيء، والرجل بالفتح: الفعل، والجرح بالضم: الاسم، يقول: إنه قد يبلغ باللسان والقول من هجاء وذم ما يبلغ بالسيف إذا ضرب به. وأبو الأسود: رجل من كنانة هجا امرأ القيس. هذا وقد نسب القرطبي في تفسيره هذا الشعر إلى النابغة..
٦ قال أبو الفتح في تعليل ذلك: "إن أسماء العدد من الثلاثة إلى العشرة لا تضاف إلى الأوصاف، لا يقال: عندي ثلاثة ظريفين، إلا في ضرورة إلى إقامة الصفة مقام الموصوف، وليس ذلك في حسن وضع الاسم هناك، والوجه عندي: ثلاثة ظريفون، وكذلك قوله: بأربعة شهداء لتجري \[شهداء\] على \[أربعة\] وصفا، فهذا هذا". (المحتسب ٢ ـ ١٠١)..
٧ المغيرة بن شعبة أحد دهاة العرب وقادتهم وولاتهم، صحابي، يقال له: مغيرة الرأي، تردد في دخول الإسلام ثم أسلم، وشهد الحديبية واليمامة وفتوح الشام واليرموك ـ وفيها ذبت إحدى عينيه ـ والقادسية ونهاوند، ولاه مر رضي الله عنه على البصرة ثم الكوفة، وله ١٣٦ حديثا، وهو أول من سلم ليه بالإمرة في الإسلام، والخبر المذكور هنا عن قذفه من قبل ثلاثة أخرجه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن سعيد بن المسيب، وكذلك أخرجه ابن جرير في تفسيره، والأربعة الذين قذفوه هم: نفيع بن الحارث ـ لكن الزهراوي يقول: إن اسمه عبد الله بن الحارث ـ وأخوه نافع، وأخوهما لأمهما زياد، وشبل بن معبد، لكن عندما تقدموا لأداء الشهادة توقف زياد، فما كان من عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلا أن جلد الثلاثة وقال لهم: توبوا نقبل شهادتكم، فتاب رجلان هما نافع وشبل، ولم يتب أبو بكرة نفيع، وقد حلف ألا يكلم أخاه زيادا بسبب تراجعه عن الشهادة، ولم يكلمه فعلا حتى مات..
٨ هذا البيت من قصيدة قالها قيس بن الخطيم في حرب سميت حرب حاطب، ومن أيامها يوم الحديقة، وهي قرية من أعراض المدينة في طريق مكة كانت بها وقعة بين الأوس والخزرج قبل الإسلام، وكانت للخزرج، وفي الأغاني عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس يوما إلى جماعة من الخزرج فاستنشدهم هذه القصيدة، فأنشده بعضهم إياها، فلما بلغ هذا البيت التفت إليهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه وسألهم: هل كان كما ذكر؟ فشهد له ثابت بن قيس. والمخراق: ما يلعب بع الصبيان من الخرق المفتولة، قال ابن سيده: "و منديل أو نحوه يلوى فيضرب به، وهو لعبة يلعب بها الصبيان"، وهو المعروف في مصر باسم: الطرة..
٩ لأن الحد حق للمقذوفة، والتوبة لا تسقط حقها، وحقوق الآدميين التي أوجبها الله لبعضهم على بعض لا تزول إلا بأدائها أو عفو أصحابها..
١٠ لأن الفسق صفة ذميمة يتصف بها العبد، فإن تاب عفا الله عنه ووضع عنه عقوبة التسمية الذميمة..
١١ لأن الآية خصتها بالرفض الأبدي، والله تعالى يقول: ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا..

### الآية 24:5

> ﻿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [24:5]

و  تابوا  معناه رجعوا[(١)](#foonote-١) وهذا ترجيح، وقد رجح الطبري وغيره قول مالك واختلف أيضاً على القول بجواز شهادته بعد التوبة في أي شيء تجوز شهادته، فقال مالك رحمه الله تجوز في كل شيء بإطلاق وكذلك كل من حد في شيء من الأَشياء، وقال سحنون رحمه الله من حد في شيء من الأَشياء فلا تجوز شهادته في مثل ما حد فيه، وقال مطرف وابن الماجشون من حد في قذف أو زنى فلا تجوز شهادته في شيء من وجوه الزنى ولا في قذف ولا في لعان، وإن كان عدلاً، ورويا هذا القول عن مالك واتفقوا فيما أحفظ على ولد الزنا أَن شهادته لا تجوز في الزنا.

١ نقل القرطبي كل هذا كلام عن ابن عطية..

### الآية 24:6

> ﻿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ [24:6]

لما نزلت الآية المتقدمة في  الذين يرمون  \[ النور : ٤ \] تناول ظاهرها الأَزواج وغيرهن، فقال سعد بن عبادة يا رسول الله إن وجدت مع امرأتي رجلاً أمهله حتى آتي بأربعة والله لأضربنه بالسيف غير مصفح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم **«أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير مني »**[(١)](#foonote-١)، وفي ألفاظ سعد روايات مختلفة هذا نحو معناها، ثم جاء بعد ذلك هلال بن أمية الواقفي فرمى زوجته بشريك ابن سحماء البلوي، فعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ضربه حد القذف، فنزلت هذه الآية عند ذلك فجمعهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، وتلاعنا فتلكأت المرأة عند الخامسة لما وعظت، وقيل إنها موجبة ثم قالت لا أفضح قومي سائر اليوم ولجت، وفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وولدت غلاماً كأنه جمل أورق[(٢)](#foonote-٢) ثم كان بعد ذلك الغلام أميراً بمصر وهو لا يعرف لنفسه أباً. ثم جاءه أيضاً عويمر العجلاني فرمى امرأته ولاعن[(٣)](#foonote-٣). والمشهور أن نازلة هلال قبل وأنها سبب الآية، وقيل نازلة عويمر قبل وهو الذي وسط إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عاصم بن عدي[(٤)](#foonote-٤)، و **«الأزواج »** في هذا الحكم يعم المسلمات والكافرات والإماء، فكلهن يلاعنهن الزوج للانتفاء من الحمل، وتختص الحرة بدفع حد القذف عن نفسه[(٥)](#foonote-٥)، وقرأ الجمهور ****«أربعَ شهادات »**** بالنصب وهو كانتصاب المصدر والعامل في ذلك قوله  فشهادة  ورفع **«الشهادة »** على خبر ابتداء تقديره فالحكم أو فالواجب، أو على الابتداء بتقدير فعليهم أن يشهدوا وبتقدير حذف الخبر وتقديره في آخر الآية كافية أو واجبة، وقوله  بالله  من صلة  شهادات ، ويجوز أن يكون من صلة  فشهادة ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ******«أربعُ »****** بالرفع وذلك على خبر قوله  فشهادة  قال أبو حاتم لا وجه للرفع لأن الشهادة ليست ب  أربع شهادات  و  بالله  على هذه القراءة من صلة  شهادات ، ولا يجوز أن يكون من صلة ****«شهادة »**** لأنك كنت تفصل بين الصلة والموصول بالخبر الذي هو  أربع شهادات ، وقوله : إنه لمن الكاذبين  في قول من نصب ****«أربعَ شهادات »**** يجوز أن تكون من صلة ****«شهادة »**** وهي جملة في موضع نصب، لأن الشهادة أوقعتها موقع المفعول به، ومن رفع **«أربعُ شهادات »** فقوله  إنه لمن الكاذبين  من صلة  شهادات  لعلة الفصل المتقدمة في قوله  بالله ، وقرأ حفص عن عاصم **«والخامسةَ »** بالنصب في الثانية، وقرأها بالنصب فيهما طلحة بن مصرف وأبو عبد الرحمن والحسن والأعمش، وقرأ الجمهور فيهما **********«والخامسةُ »********** بالرفع، فأما من نصب فإن كان من قراءته نصب قوله **«أربعَ شهدات »** فإنه عطف الخامسة على ذلك لأنها من الشهادات، وأن كان يقرأ ******«أربعُ »****** بالرفع، فإنه جعل نصب قوله، والخامسة على فعل يدل عليه متقدم الكلام تقديره وتشهد الخامسة، وأما من رفع قوله **********«والخامسةُ »********** فإن كان يقرأ ******«أربعُ »****** بالرفع فقوله **********«والخامسةُ »********** عطف على ذلك، وإن كان يقرأ **«أربعَ »** بالنصب فإنه حمل قوله **********«والخامسةُ »********** على المعنى لأن معنى قوله شهادة أحدهم عليهم أربع شهادات والخامسة واستشهد أبو علي لهذا بحمل الشاعر :\[ الكامل \]
ومشجج أما سواد قذاله. . . البيت على قوله :**«إلا رواكد جمرهن هباء »**[(٦)](#foonote-٦) لأن المعنى ثم رواكد ولا خلاف في السبع في رفع قوله **********«والخامسةُ »********** في الأولى، وإنما خلاف السبع في الثانية فقط فنصبه حمل على قوله  أن تشهد أربع 
 والخامسة  على القطع والحمل على المعنى[(١)](#foonote-١)، وقرأ نافع وحده **«أن لعنة »**[(٢)](#foonote-٢) و **«أنَّ غضب »**[(٣)](#foonote-٣)، وقرأ الأعرج والحسن وقتادة وأبو رجاء وعيسى **«أَن لعنة »**[(٤)](#foonote-٤) و **«أن غضب الله »**[(٥)](#foonote-٥) وهذا على إضمار الأمر وهي المخففة كما هي في قول الشاعر :**«في فتية كسيوف الهند قد علموا أن هالك كل من يحفى ينتعل[(٦)](#foonote-٦)، البيت »** وقرأ باقي السبعة **«أنّ لعنة الله »** **«وأنّ غضب الله »** بتشديد النون فيهما ونصب **«اللعنة والغضب »** ورجح الأخفش القراءة بتثقيل النون لأن الخفيفة إنما يراد بها التثقيل ويضمر معها الأمر والشأن وما لا يحتاج معه إلى إضمار أولى. 
قال الفقيه الإمام القاضي : لا سيما وأن الخفيفة على قراءة نافع في قوله **«أن غضب »** قد وليها الفعل، قال أبو علي وأهل العربية يستقبحون أن يليها الفعل إلا أن يفصل بينها وبينه بشيء نحو قوله تعالى  علم أن سيكون [(٧)](#foonote-٧) \[ المزمل : ٢٠ \] وقوله : أَفلا يرون ألا يرجع [(٨)](#foonote-٨) \[ طه : ٨٩ \] وأما قوله تعالى : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى [(٩)](#foonote-٩) \[ النجم : ٣٩ \] فذلك لقلة تمكن ليس في الأفعال وأما قوله : أن بورك من في النار [(١٠)](#foonote-١٠) \[ النمل : ٨ \] ف  بورك  على معنى الدعاء فلم يجز دخول الفاصل لئلا يفسد المعنى[(١١)](#foonote-١١)، و **«العذاب الُمْدَرُأ »** في قول جمهور العلماء الحد وحكى الطبري عن آخرين أنه الحبس وهو قول أصحاب الرأي وأَنه لا حد عليها إن لم تلاعن وليس يوجبه عليها قول الزوج. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وظاهر حديث الوقفة في الخامسة حين تلكأت ثم مرت في لعانها أَنها كانت تحِّد لقول النبي عليه السلام لها فعذاب الدنيا أيسر من عذاب الآخرة[(١٢)](#foonote-١٢) وجعلت **«اللعنة »** للرجل الكاذب لأنه مفتر مباهت بالقول فأبعد باللعنة وجعل **«الغضب »** الذي هو أشد على المرأة التي باشرت المعصية بالفعل ثم كذبت وباهتت بالقول فهذا معنى هذه الألفاظ والله أَعلم. 
قال الفقيه الإمام القاضي : ولا بد أَن نذكر في تفسير هذه الآية ما يتعلق بها من مسائل اللعان إذ لا يستغنى عنها في معرفة حكمه وحيث يجب، أجمع مالك وأَصحابه على وجوب اللعان بادعاء رؤية زنى لا وطء من الزوج بعده[(١٣)](#foonote-١٣)، وكذلك مشهور المذهب، وقول مالك إن اللعان يحب بنفي حمل يدعى قبله استبراء، وحكى اللخمي عن مالك أنه قال مرة : لا ينفى الولد بالاستبراء لأَن الحيض يأتي على الحمل، وقاله أشهب في كتاب ابن المواز، وقاله المغيرة، وقال لا ينفى الولد إلا بخمس سنين[(١٤)](#foonote-١٤)، واختلف المذهب في أن يقذف الرجل أو ينفي حملاً ولا يعلل ذلك لا برؤية ولا باستبراء، فجل رواة مالك لا يوجب لعاناً بل يحد الزوج، وقاله ابن القاسم وروي عنه أيضاً أنه قال يلاعن ولا يسأل عن شيء[(١٥)](#foonote-١٥)، واختلف بعد القول بالاسبتراء في قدر الاستبراء، فقال مالك والمغيرة في أحد قوليه يجزىء في ذلك حيضة. وقال أيضاً مالك لا ينفعه إلا ثلاث حيض[(١٦)](#foonote-١٦)، وأما موضع اللعان ففي المسجد وعند الحاكم والمستحب أن يكون في المسجد بحضرة الحاكم، وكذلك يستحب \[ أن يكون \][(١٧)](#foonote-١٧) بعد العصر تغليظاً بالوقت وكل وقت مجز، ومن قذف امرأته وهي كبيرة لا تحمل تلاعنا هو لدفع الحد وهي لدرء العذاب، وأن كانت صغيرة لا تحمل لاعن هو لدفع الحد ولم تلاعن هي لأَنها لو أقرت لم يلزمها شيء[(١٨)](#foonote-١٨)، وقال ابن الماجشون لا حد على قاذف من لم يبلغ، قال اللخمي فعلى هذا لا لعان على زوج الصغيرة التي لا تحمل، والمستحب من ألفاظ اللعان أَن يمشي مع ترتيب القرآن ولفظه فيقول الزوج أشهد بالله لرأيت هذه المرأة تزني[(١٩)](#foonote-١٩) وإني في ذلك لمن الصادقين، ثم يقول في الخامسة لعنة الله علي أن كنت من الكاذبين، وقال أصبغ لا بد أَن يقول كالمرود في المكحلة، وقيل لا يلزمه ذلك وكذلك يقول أشهب لا بد أن يقول بالله الذي لا إله إلا هو، وأَما في لعان نفي الحمل فقيل يقول الرجل ما هذا الولد مني ولزنت، وقال ابن القاسم في الموازنة، لا يقول وزنت من حيث يمكن أَن تغضب، وتقول المرأة أشهد بالله ما زنيت وأنه في ذلك لمن الكاذبين، ثم تقول غضب الله علي إن كان من الصادقين فإِن منع جهلهما من ترتيب هذه الأَلفاظ وأتيا بما في معناها أجزأ ذلك، وحكى اللخمي عن محمد بن أَبي صفرة أَنه قال اللعان لا يرفع العصمة لقول عويمر كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها قال : فأحدث طلاقاً، ومشهور المذهب أن نفس تمام اللعان بينهما فرقة لا يحتاج معها إلى تفريق حاكم وابن أَبي صفرة هذا ليس بعيد[(٢٠)](#foonote-٢٠) يزاحم به الجمهور. 
ومذهب الشافعي أن الفرقة حاصلة إثر لعان الزوج وحده، وقال أبو حنيفة وأصحابه لا تفريق إلا بحكم السلطان بعد لعانهما، فإن مات أحدهما بعد تمام لعانهما وقبل حكم القاضي ورثه الآخر، ومذهب المدونة أن اللعان حكم تفريقه حكم الطلاق ويعطى لغير المدخول بها نفس الصداق، وفي مختصر ابن الجلاب لا شيء لها وهذا على أن تفريق اللعان فسخ، وقال ابن القصار تفريق اللعان عندنا فسخ وتحريم اللعان أبدي بإجماع فيما أحفظ من مذهب مالك رحمه الله، ومن فقهاء الكوفة وغيرهم من لا يراه متأبداً، وإن أكذب نفسه بعد اللعان لم ينتفع بذلك، وروي عن عبد العزيز بن أَبي سلمة أنه إن أكذب نفسه بعد اللعان كان خاطباً من الخطاب، وإن تقدمت المرأة في اللعان فقال ابن القاسم لا تعيد، وقال أشهب تعيد[(٢١)](#foonote-٢١).

١ أخرجه أحمد، وعبد الرازق، والطيالسي، وعبد بن حميد، وأبو داود، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفي بعض الروايات ـ على ما ذكره السيوطي في الدر المنثور ـ أن الآية لما نزلت قال سعد بن عبادة: أهكذا أنزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟ قالوا: يا رسول الله لا تلمه فإنه رجل غيور، والله ما تزوج امرأة قط إلا بكرا، وما طلق امرأة قط فاجترأ رجل منا على أن يتزوجها من شدة غيرته، فقال سعد: يا رسول الله إني لأعلم أنها حق وأنها من الله، ولكني تعجبت، إني لو وجدت لكاعا قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهجيه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء، فوالله لا آتي بهم حتى يقضي حاجته. ثم حدثت قصة هلال بن أمية، وقال الأنصار: قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة الآن. وقد ذكرنا الخبر كاملا في الهامش (١) من صفحة (٤٢٠) من هذا الجزء..
٢ الأورق من كل شيء: ما كان لونه الرماد، ومن الناس: الأسمر، ومن الإبل: ما في لونه بياض إلى سواد..
٣ أخرجه عبد الرزاق، وأحمد، وعبد بن حميد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، عن سهل بن سعد، وفي الخبر ـ كما ذكره الإمام السيوطي في الدر المنثور ـ أن عويمر جاء إلى عاصم بن عدي فقال: سل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا فقتله أيقتل به أم كيف يصنع؟ فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل، فلقيه عويمر فقال: ما صنعت؟ فقال: إنك لم تأتني بخير، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاب المسائل، فقال: والله لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأسألنه، فأتاه فوجده قد أنزل عليه، فدعا بهما فلاعن بينهما..
٤ نقل القرطبي عن أبي عبد الله بن أبي صفرة، قال: الصحيح أن القاذف لزوجه عويمر، وهلال بن أمية خطأ، ثم نقل عن الطبري أنه استنكر أن يكون و هلال بن أمية، وأنه قال: "وإنما القاذف ويمر ن زيد ن الجد بن العجلاني، شهد أحدا مع النبي صلى الله عليه وسلم، رماها بشريك بن السحماء، والسحماء أمه، قيل لها ذلك لسوادها، وهو ابن عبدة بن الجد بن العجلاني، كذلك كان يقول أهل الأخبار" راجع القرطبي (١٢ ـ ١٨٤)..
٥ يعني أنه يلاعنها لرفع حد القذف عن نفسه..
٦ هذه أجزاء من بيتين استشهد بهما ابن عطية، وعلى عادته اكتفى بموضع الشاهد فقط من كل بيت، والبيتان في كتاب سيبويه، وهما بتمامهما:
 بادت وغير آيهن مع البلى إلا رواكد مرهن هباء
 ومشجج أما سواء قذاله فبدا وغير ساره المعزاء
 وسيبويه يستشهد بهما في مجال العطف على المجرور، فأنت تقول: "هذا ضارب زيد وعمرو" إذا أشركت بين الآخر والأول في الجار لأنه لا مانع من ذلك، وإن شئت نصبت على المعنى وتضمر له ناصبا، تقول: "هذا ضارب زيد وعمرا" كأنه قال: ويضرب عمرا أو ضارب عمرا، وإنما جاز هذا الإضمار عنده لأن معنى الكلام في قولك: "هذا ضارب زيد": هذا ضرب زيدا، فيجوز لك أن تقول: وضرب عمرا، وهذا حمل على المعنى، وقد قال الله تعالى: ولحم طير مما يشتهون وحور عين، فالمعنى في الآية: لهم فيها لحم طير، ولهذا رفع \[حور\] حملا على المعنى، ثم استشهد بالبيتين، وفيهما رفع الشاعر قوله: "ومشجج" مع أنه في أصل الكلام معطوف على "رواكد" في البيت السابق، وحقه النصب، لكنه رفعه حملا على المعنى، كأنه قال: رواكد ومشجج.
 ومعنى بادت: بليت وذهبت، والآي: جمع آية وهي آثار الديار وعلاماتها، والبلى: تقادم العهد، والرواكد: يريد بها الأثافي وهي الأحجار التي توضع عليها القدر عند طهي الطعام، سميت بذلك لثبوتها وبقائها في مكانها، والراكد هو الثابت الساكن في موقعه، والهباء: الغبار، جعل الجمر كالهباء لقدمه وانسحاقه، والمشجج: الوتد من أوتاد الخباء، وشجه أو تشجيجه هو شقه بالضرب على رأسه لتثبيته، والقذال: جماع مؤخر الرأس من الإنسان والفرس، والمراد به هنا أعلى الوتد، وسواؤه: وسطه، وساره: ساره وجميعه، هي لغة في سائره، قال في اللسان: "وساره: جميعه، يجوز أن يكون من الباب لسعة الباب (س ي ر)، وأن يكون من الواو لأنها عين، وكلاهما قد قيل"، وقال الشنتمري: "حذف عين الفعل لاعتلاله، ونظيره هار بمعنى هائر، وشاك بمعنى شائك". والمعزاء: الأرض الحزنة الغليظة ذات الحجارة، وجمعها الأماعز، وكانوا يتحرون أن ينزلوا في الأراضي الصلبة ليكونوا بمعزل عن السبيل، والمعزاء بفتح الميم، وقد ضبطا بعضهم بالكسر وهو خطأ.
 هذا والبيت الثاني في اللسان والتاج وأساس البلاغة، وقد ضبطه محقق اللسان "ومشجج" بالكسر، والأحسن ما ذكرناه ها هنا وهو الموافق لرأي سيبويه..

### الآية 24:7

> ﻿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ [24:7]

المحدودين شَهادَةً أَبَداً وهذا يقتضي مدة أعمارهم، ثم حكم عليهم بأنهم **«فاسقون»** أي خارجون عن طاعة الله عز وجل، ثم استثنى عز وجل من تاب وأصلح بعد القذف فإنه وعدهم بالرحمة والمغفرة، فتضمنت الآية ثلاثة أحكام في القاذف: جلده، ورد شهادته أبدا، وفسقه، فالاستثناء غير عامل في جلده بإجماع وعامل في فسقه بإجماع، واختلف الناس في عمله في رد الشهادة، فقال شريح القاضي وإبراهيم النخعي والحسن والثوري وأبو حنيفة لا يعمل الاستثناء في رد شهادته وإنما يزول فسقه عند الله تعالى، وأما شهادة القاذف فلا تقبل البتة ولو تاب وأكذب نفسه ولا بحال من الأحوال، وقال جمهور الناس الاستثناء عامل في ريد الشهادة فإذا تاب القاذف قبلت شهادته، ثم اختلفوا في صورة توبته فمذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه والشعبي وغيره أن توبته لا تكون إلا بأن يكذب نفسه في ذلك القذف الذي حد فيه، وهكذا فعل شبل بن معبد ونافع تابا عن القول في المغيرة وأكذبا أنفسهما فقبل عمر شهادتهما، وأبى أبو بكرة من إكذاب نفسه فرد عمر شهادته حتى مات، وقال مالك رحمه الله وغيره توبته أن يصلح ويحسن حاله وإن لم يرجع عن قوله بتكذيب، واختلف فقهاء المالكيين متى تسقط شهادة القاذف، فقال ابن الماجشون بنفس قذفه، وقال ابن القاسم وأشهب وسحنون لا تسقط حتى يجلد فإن منع من جلده مانع عفو أو غيره لم ترد شهادته، قال
 الشيخ أبو الحسن اللخمي شهادته في مدة الأجل في الإثبات موقوفة، ورجح القول بأن التوبة إنما تكون بالتكذيب في القذف، وإلا فأي رجوع لعدل إن قذف وحد وبقي على عدالته. وتابُوا معناه رجعوا وهذا ترجيح، وقد رجح الطبري وغيره قول مالك واختلف أيضا على القول بجواز شهادته بعد التوبة في أي شيء تجوز شهادته، فقال مالك رحمه الله تجوز في كل شيء بإطلاق وكذلك كل من حد في شيء من الأشياء، وقال سحنون رحمه الله من حد في شيء من الأشياء فلا تجوز شهادته في مثل ما حد فيه، وقال مطرف وابن الماجشون من حد في قذف أو زنى فلا تجوز شهادته في شيء من وجوه الزنى ولا في قذف ولا في لعان، وإن كان عدلا، ورويا هذا القول عن مالك واتفقوا فيما أحفظ على ولد الزنا أن شهادته لا تجوز في الزنا.
 **قوله عز وجل:**
 \[سورة النور (٢٤) : الآيات ٦ الى ١٠\]
 وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)
 لما نزلت الآية المتقدمة في الَّذِينَ يَرْمُونَ \[النور: ٤\] تناول ظاهرها الأزواج وغيرهن، فقال سعد بن عبادة يا رسول الله إن وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة والله لأضربنه بالسيف غير مصفح، فقال رسول الله ﷺ **«أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير مني»**، وفي ألفاظ سعد روايات مختلفة هذا نحو معناها، ثم جاء بعد ذلك هلال بن أمية الواقفي فرمى زوجته بشريك

ابن سحماء البلوي، فعزم رسول الله ﷺ على ضربه حد القذف، فنزلت هذه الآية عند ذلك فجمعهما رسول الله ﷺ في المسجد، وتلاعنا فتلكأت المرأة عند الخامسة لما وعظت، وقيل إنها موجبة ثم قالت لا أفضح قومي سائر اليوم ولجت، وفرق رسول الله ﷺ بينهما وولدت غلاما كأنه جمل أورق ثم كان بعد ذلك الغلام أميرا بمصر وهو لا يعرف لنفسه أبا. ثم جاءه أيضا عويمر العجلاني فرمى امرأته ولا عن. والمشهور أن نازلة هلال قبل وأنها سبب الآية، وقيل نازلة عويمر قبل وهو الذي وسط إلى رسول الله ﷺ عاصم بن عدي، و **«الأزواج»** في هذا الحكم يعم المسلمات والكافرات والإماء، فكلهن يلاعنهن الزوج للانتفاء من الحمل، وتختص الحرة بدفع حد القذف عن نفسه، وقرأ الجمهور ******«أربع شهادات»****** بالنصب وهو كانتصاب المصدر والعامل في ذلك قوله فَشَهادَةُ ورفع **«الشهادة»** على خبر ابتداء تقديره فالحكم أو فالواجب، أو على الابتداء بتقدير فعليهم أن يشهدوا وبتقدير حذف الخبر وتقديره في آخر الآية كافية أو واجبة، وقوله بِاللَّهِ من صلة شَهاداتٍ، ويجوز أن يكون من صلة فَشَهادَةُ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ********«أربع»******** بالرفع وذلك على خبر قوله فَشَهادَةُ قال أبو حاتم لا وجه للرفع لأن الشهادة ليست ب أَرْبَعَ شَهاداتٍ وبِاللَّهِ على هذه القراءة من صلة شَهاداتٍ، ولا يجوز أن يكون من صلة ****«شهادة»**** لأنك كنت تفصل بين الصلة والموصول بالخبر الذي هو أَرْبَعَ شَهاداتٍ، وقوله: إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ في قول من نصب ******«أربع شهادات»****** يجوز أن تكون من صلة ****«شهادة»**** وهي جملة في موضع نصب، لأن الشهادة أوقعتها موقع المفعول به، ومن رفع ******«أربع شهادات»****** فقوله إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ من صلة شَهاداتٍ لعلة الفصل المتقدمة في قوله بِاللَّهِ، وقرأ حفص عن عاصم ************«والخامسة»************ بالنصب في الثانية، وقرأها بالنصب فيهما طلحة بن مصرف وأبو عبد الرحمن والحسن والأعمش، وقرأ الجمهور فيهما ************«والخامسة»************ بالرفع، فأما من نصب فإن كان من قراءته نصب قوله **«أربع شهدات»** فإنه عطف الخامسة على ذلك لأنها من الشهادات، وإن كان يقرأ ********«أربع»******** بالرفع، فإنه جعل نصب قوله، والخامسة على فعل يدل عليه متقدم الكلام تقديره وتشهد الخامسة، وأما من رفع قوله ************«والخامسة»************ فإن كان يقرأ ********«أربع»******** بالرفع فقوله ************«والخامسة»************ عطف على ذلك، وإن كان يقرأ ********«أربع»******** بالنصب فإنه حمل قوله ************«والخامسة»************ على المعنى لأن معنى قوله شهادة أحدهم عليهم أربع شهادات والخامسة واستشهد أبو علي لهذا بحمل الشاعر: \[الكامل\] ومشجج أما سواد قذاله البيت على قوله: **«إلا رواكد جمرهن هباء»** لأن المعنى ثم رواكد ولا خلاف في السبع في رفع قوله ************«والخامسة»************ في الأولى، وإنما خلاف السبع في الثانية فقط فنصبه حمل على قوله أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ وَالْخامِسَةَ على القطع والحمل على المعنى، وقرأ نافع وحده ****«أن لعنة»**** و **«أنّ غضب»**، وقرأ الأعرج والحسن وقتادة وأبو رجاء وعيسى ****«أن لعنة»**** و **«أن غضب الله»** وهذا على إضمار الأمر وهي المخففة كما هي في قول الشاعر: **«في فتية كسيوف الهند، البيت»**، وقرأ باقي السبعة **«أنّ لعنة الله»** **«وأنّ غضب الله»** بتشديد النون فيهما ونصب **«اللعنة والغضب»** ورجح الأخفش القراءة بتثقيل النون لأن الخفيفة إنما يراد بها التثقيل ويضمر معها الأمر والشأن وما لا يحتاج معه إلى إضمار أولى.

قال الفقيه الإمام القاضي: لا سيما وأن الخفيفة على قراءة نافع في قوله **«أن غضب»** قد وليها الفعل، قال أبو علي وأهل العربية يستقبحون أن يليها الفعل إلا أن يفصل بينها وبينه بشيء نحو قوله تعالى عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ \[المزمل: ٢٠\] وقوله: أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ \[طه: ٨٩\] وأما قوله تعالى
 : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى \[النجم: ٣٩\] فذلك لقلة تمكن ليس في الأفعال وأما قوله: أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ \[النمل: ٨\] ف بُورِكَ على معنى الدعاء فلم يجز دخول الفاصل لئلا يفسد المعنى. و **«العذاب المدرأ»** في قول جمهور العلماء الحد وحكى الطبري عن آخرين أنه الحبس وهو قول أصحاب الرأي وأنه لا حد عليها إن لم تلاعن وليس يوجبه عليها قول الزوج.
 قال الفقيه الإمام القاضي: وظاهر حديث الموقفة في الخامسة حين تلكأت ثم مرت في لعانها أنها كانت تحد لقول النبي عليه السلام لها فعذاب الدنيا أيسر من عذاب الآخرة وجعلت **«اللعنة»** للرجل الكاذب لأنه مفتر مباهت بالقول فأبعد باللعنة وجعل **«الغضب»** الذي هو أشد على المرأة التي باشرت المعصية بالفعل ثم كذبت وباهتت بالقول فهذا معنى هذه الألفاظ والله أعلم.
 قال الفقيه الإمام القاضي: ولا بد أن نذكر في تفسير هذه الآية ما يتعلق بها من مسائل اللعان إذ لا يستغنى عنها في معرفة حكمه وحيث يجب، أجمع مالك وأصحابه على وجوب اللعان بادعاء رؤية زنى لا وطء من الزوج بعده، وكذلك مشهور المذهب، وقول مالك إن اللعان يجب بنفي حمل يدعى قبله استبراء، وحكى اللخمي عن مالك أنه قال مرة: لا ينفى الولد بالاستبراء لأن الحيض يأتي على الحمل، وقاله أشهب في كتاب ابن المواز، وقاله المغيرة، وقال لا ينفى الولد إلا بخمس سنين، واختلف المذهب في أن يقذف الرجل أو ينفي حملا ولا يعلل ذلك لا برؤية ولا باستبراء، فجل رواة مالك لا يوجب لعانا بل يحد الزوج، وقاله ابن القاسم وروي عنه أيضا أنه قال يلاعن ولا يسأل عن شيء، واختلف بعد القول بالاستبراء في قدر الاستبراء، فقال مالك والمغيرة في أحد قوليه يجزىء في ذلك حيضة. وقال أيضا مالك لا ينفعه إلا ثلاث حيض، وأما موضع اللعان ففي المسجد وعند الحاكم والمستحب أن يكون في المسجد بحضرة الحاكم، وكذلك يستحب بعد العصر تغليظا بالوقت وكل وقت مجز، ومن قذف امرأته وهي كبيرة لا تحمل تلاعنا هو لدفع الحد وهي لدرء العذاب، وإن كانت صغيرة لا تحمل لا عن هو لدفع الحد ولم تلاعن هي لأنها لو أقرت لم يلزمها شيء، وقال ابن الماجشون لا حد على قاذف من لم يبلغ، قال اللخمي فعلى هذا لا لعان على زوج الصغيرة التي لا تحمل، والمستحب من ألفاظ اللعان أن يمشي مع ترتيب القرآن ولفظه فيقول الزوج أشهد بالله لرأيت هذه المرأة تزني وإني في ذلك لمن الصادقين، ثم يقول في الخامسة لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين، وقال أصبغ لا بد أن يقول كالمرود في المكحلة، وقيل لا يلزمه ذلك وكذلك يقول أشهب لا بد أن يقول بالله الذي لا إله إلا هو، وأما في لعان نفي الحمل فقيل يقول الرجل ما هذا الولد مني ولزنت، وقال ابن القاسم في الموازنة: لا يقول وزنت من حيث يمكن أن تغصب، وتقول المرأة أشهد بالله ما زنيت وإنه في ذلك لمن الكاذبين، ثم تقول غضب الله علي إن كان من الصادقين فإن منع جهلهما من ترتيب هذه الألفاظ وأتيا بما في معناها أجزأ ذلك، وحكى اللخمي عن محمد بن أبي صفرة أنه قال اللعان لا يرفع العصمة لقول عويمر كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها قال: فأحدث طلاقا،

### الآية 24:8

> ﻿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ [24:8]

المحدودين شَهادَةً أَبَداً وهذا يقتضي مدة أعمارهم، ثم حكم عليهم بأنهم **«فاسقون»** أي خارجون عن طاعة الله عز وجل، ثم استثنى عز وجل من تاب وأصلح بعد القذف فإنه وعدهم بالرحمة والمغفرة، فتضمنت الآية ثلاثة أحكام في القاذف: جلده، ورد شهادته أبدا، وفسقه، فالاستثناء غير عامل في جلده بإجماع وعامل في فسقه بإجماع، واختلف الناس في عمله في رد الشهادة، فقال شريح القاضي وإبراهيم النخعي والحسن والثوري وأبو حنيفة لا يعمل الاستثناء في رد شهادته وإنما يزول فسقه عند الله تعالى، وأما شهادة القاذف فلا تقبل البتة ولو تاب وأكذب نفسه ولا بحال من الأحوال، وقال جمهور الناس الاستثناء عامل في ريد الشهادة فإذا تاب القاذف قبلت شهادته، ثم اختلفوا في صورة توبته فمذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه والشعبي وغيره أن توبته لا تكون إلا بأن يكذب نفسه في ذلك القذف الذي حد فيه، وهكذا فعل شبل بن معبد ونافع تابا عن القول في المغيرة وأكذبا أنفسهما فقبل عمر شهادتهما، وأبى أبو بكرة من إكذاب نفسه فرد عمر شهادته حتى مات، وقال مالك رحمه الله وغيره توبته أن يصلح ويحسن حاله وإن لم يرجع عن قوله بتكذيب، واختلف فقهاء المالكيين متى تسقط شهادة القاذف، فقال ابن الماجشون بنفس قذفه، وقال ابن القاسم وأشهب وسحنون لا تسقط حتى يجلد فإن منع من جلده مانع عفو أو غيره لم ترد شهادته، قال
 الشيخ أبو الحسن اللخمي شهادته في مدة الأجل في الإثبات موقوفة، ورجح القول بأن التوبة إنما تكون بالتكذيب في القذف، وإلا فأي رجوع لعدل إن قذف وحد وبقي على عدالته. وتابُوا معناه رجعوا وهذا ترجيح، وقد رجح الطبري وغيره قول مالك واختلف أيضا على القول بجواز شهادته بعد التوبة في أي شيء تجوز شهادته، فقال مالك رحمه الله تجوز في كل شيء بإطلاق وكذلك كل من حد في شيء من الأشياء، وقال سحنون رحمه الله من حد في شيء من الأشياء فلا تجوز شهادته في مثل ما حد فيه، وقال مطرف وابن الماجشون من حد في قذف أو زنى فلا تجوز شهادته في شيء من وجوه الزنى ولا في قذف ولا في لعان، وإن كان عدلا، ورويا هذا القول عن مالك واتفقوا فيما أحفظ على ولد الزنا أن شهادته لا تجوز في الزنا.
 **قوله عز وجل:**
 \[سورة النور (٢٤) : الآيات ٦ الى ١٠\]
 وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)
 لما نزلت الآية المتقدمة في الَّذِينَ يَرْمُونَ \[النور: ٤\] تناول ظاهرها الأزواج وغيرهن، فقال سعد بن عبادة يا رسول الله إن وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة والله لأضربنه بالسيف غير مصفح، فقال رسول الله ﷺ **«أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير مني»**، وفي ألفاظ سعد روايات مختلفة هذا نحو معناها، ثم جاء بعد ذلك هلال بن أمية الواقفي فرمى زوجته بشريك

ابن سحماء البلوي، فعزم رسول الله ﷺ على ضربه حد القذف، فنزلت هذه الآية عند ذلك فجمعهما رسول الله ﷺ في المسجد، وتلاعنا فتلكأت المرأة عند الخامسة لما وعظت، وقيل إنها موجبة ثم قالت لا أفضح قومي سائر اليوم ولجت، وفرق رسول الله ﷺ بينهما وولدت غلاما كأنه جمل أورق ثم كان بعد ذلك الغلام أميرا بمصر وهو لا يعرف لنفسه أبا. ثم جاءه أيضا عويمر العجلاني فرمى امرأته ولا عن. والمشهور أن نازلة هلال قبل وأنها سبب الآية، وقيل نازلة عويمر قبل وهو الذي وسط إلى رسول الله ﷺ عاصم بن عدي، و **«الأزواج»** في هذا الحكم يعم المسلمات والكافرات والإماء، فكلهن يلاعنهن الزوج للانتفاء من الحمل، وتختص الحرة بدفع حد القذف عن نفسه، وقرأ الجمهور ******«أربع شهادات»****** بالنصب وهو كانتصاب المصدر والعامل في ذلك قوله فَشَهادَةُ ورفع **«الشهادة»** على خبر ابتداء تقديره فالحكم أو فالواجب، أو على الابتداء بتقدير فعليهم أن يشهدوا وبتقدير حذف الخبر وتقديره في آخر الآية كافية أو واجبة، وقوله بِاللَّهِ من صلة شَهاداتٍ، ويجوز أن يكون من صلة فَشَهادَةُ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ********«أربع»******** بالرفع وذلك على خبر قوله فَشَهادَةُ قال أبو حاتم لا وجه للرفع لأن الشهادة ليست ب أَرْبَعَ شَهاداتٍ وبِاللَّهِ على هذه القراءة من صلة شَهاداتٍ، ولا يجوز أن يكون من صلة ****«شهادة»**** لأنك كنت تفصل بين الصلة والموصول بالخبر الذي هو أَرْبَعَ شَهاداتٍ، وقوله: إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ في قول من نصب ******«أربع شهادات»****** يجوز أن تكون من صلة ****«شهادة»**** وهي جملة في موضع نصب، لأن الشهادة أوقعتها موقع المفعول به، ومن رفع ******«أربع شهادات»****** فقوله إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ من صلة شَهاداتٍ لعلة الفصل المتقدمة في قوله بِاللَّهِ، وقرأ حفص عن عاصم ************«والخامسة»************ بالنصب في الثانية، وقرأها بالنصب فيهما طلحة بن مصرف وأبو عبد الرحمن والحسن والأعمش، وقرأ الجمهور فيهما ************«والخامسة»************ بالرفع، فأما من نصب فإن كان من قراءته نصب قوله **«أربع شهدات»** فإنه عطف الخامسة على ذلك لأنها من الشهادات، وإن كان يقرأ ********«أربع»******** بالرفع، فإنه جعل نصب قوله، والخامسة على فعل يدل عليه متقدم الكلام تقديره وتشهد الخامسة، وأما من رفع قوله ************«والخامسة»************ فإن كان يقرأ ********«أربع»******** بالرفع فقوله ************«والخامسة»************ عطف على ذلك، وإن كان يقرأ ********«أربع»******** بالنصب فإنه حمل قوله ************«والخامسة»************ على المعنى لأن معنى قوله شهادة أحدهم عليهم أربع شهادات والخامسة واستشهد أبو علي لهذا بحمل الشاعر: \[الكامل\] ومشجج أما سواد قذاله البيت على قوله: **«إلا رواكد جمرهن هباء»** لأن المعنى ثم رواكد ولا خلاف في السبع في رفع قوله ************«والخامسة»************ في الأولى، وإنما خلاف السبع في الثانية فقط فنصبه حمل على قوله أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ وَالْخامِسَةَ على القطع والحمل على المعنى، وقرأ نافع وحده ****«أن لعنة»**** و **«أنّ غضب»**، وقرأ الأعرج والحسن وقتادة وأبو رجاء وعيسى ****«أن لعنة»**** و **«أن غضب الله»** وهذا على إضمار الأمر وهي المخففة كما هي في قول الشاعر: **«في فتية كسيوف الهند، البيت»**، وقرأ باقي السبعة **«أنّ لعنة الله»** **«وأنّ غضب الله»** بتشديد النون فيهما ونصب **«اللعنة والغضب»** ورجح الأخفش القراءة بتثقيل النون لأن الخفيفة إنما يراد بها التثقيل ويضمر معها الأمر والشأن وما لا يحتاج معه إلى إضمار أولى.

قال الفقيه الإمام القاضي: لا سيما وأن الخفيفة على قراءة نافع في قوله **«أن غضب»** قد وليها الفعل، قال أبو علي وأهل العربية يستقبحون أن يليها الفعل إلا أن يفصل بينها وبينه بشيء نحو قوله تعالى عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ \[المزمل: ٢٠\] وقوله: أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ \[طه: ٨٩\] وأما قوله تعالى
 : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى \[النجم: ٣٩\] فذلك لقلة تمكن ليس في الأفعال وأما قوله: أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ \[النمل: ٨\] ف بُورِكَ على معنى الدعاء فلم يجز دخول الفاصل لئلا يفسد المعنى. و **«العذاب المدرأ»** في قول جمهور العلماء الحد وحكى الطبري عن آخرين أنه الحبس وهو قول أصحاب الرأي وأنه لا حد عليها إن لم تلاعن وليس يوجبه عليها قول الزوج.
 قال الفقيه الإمام القاضي: وظاهر حديث الموقفة في الخامسة حين تلكأت ثم مرت في لعانها أنها كانت تحد لقول النبي عليه السلام لها فعذاب الدنيا أيسر من عذاب الآخرة وجعلت **«اللعنة»** للرجل الكاذب لأنه مفتر مباهت بالقول فأبعد باللعنة وجعل **«الغضب»** الذي هو أشد على المرأة التي باشرت المعصية بالفعل ثم كذبت وباهتت بالقول فهذا معنى هذه الألفاظ والله أعلم.
 قال الفقيه الإمام القاضي: ولا بد أن نذكر في تفسير هذه الآية ما يتعلق بها من مسائل اللعان إذ لا يستغنى عنها في معرفة حكمه وحيث يجب، أجمع مالك وأصحابه على وجوب اللعان بادعاء رؤية زنى لا وطء من الزوج بعده، وكذلك مشهور المذهب، وقول مالك إن اللعان يجب بنفي حمل يدعى قبله استبراء، وحكى اللخمي عن مالك أنه قال مرة: لا ينفى الولد بالاستبراء لأن الحيض يأتي على الحمل، وقاله أشهب في كتاب ابن المواز، وقاله المغيرة، وقال لا ينفى الولد إلا بخمس سنين، واختلف المذهب في أن يقذف الرجل أو ينفي حملا ولا يعلل ذلك لا برؤية ولا باستبراء، فجل رواة مالك لا يوجب لعانا بل يحد الزوج، وقاله ابن القاسم وروي عنه أيضا أنه قال يلاعن ولا يسأل عن شيء، واختلف بعد القول بالاستبراء في قدر الاستبراء، فقال مالك والمغيرة في أحد قوليه يجزىء في ذلك حيضة. وقال أيضا مالك لا ينفعه إلا ثلاث حيض، وأما موضع اللعان ففي المسجد وعند الحاكم والمستحب أن يكون في المسجد بحضرة الحاكم، وكذلك يستحب بعد العصر تغليظا بالوقت وكل وقت مجز، ومن قذف امرأته وهي كبيرة لا تحمل تلاعنا هو لدفع الحد وهي لدرء العذاب، وإن كانت صغيرة لا تحمل لا عن هو لدفع الحد ولم تلاعن هي لأنها لو أقرت لم يلزمها شيء، وقال ابن الماجشون لا حد على قاذف من لم يبلغ، قال اللخمي فعلى هذا لا لعان على زوج الصغيرة التي لا تحمل، والمستحب من ألفاظ اللعان أن يمشي مع ترتيب القرآن ولفظه فيقول الزوج أشهد بالله لرأيت هذه المرأة تزني وإني في ذلك لمن الصادقين، ثم يقول في الخامسة لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين، وقال أصبغ لا بد أن يقول كالمرود في المكحلة، وقيل لا يلزمه ذلك وكذلك يقول أشهب لا بد أن يقول بالله الذي لا إله إلا هو، وأما في لعان نفي الحمل فقيل يقول الرجل ما هذا الولد مني ولزنت، وقال ابن القاسم في الموازنة: لا يقول وزنت من حيث يمكن أن تغصب، وتقول المرأة أشهد بالله ما زنيت وإنه في ذلك لمن الكاذبين، ثم تقول غضب الله علي إن كان من الصادقين فإن منع جهلهما من ترتيب هذه الألفاظ وأتيا بما في معناها أجزأ ذلك، وحكى اللخمي عن محمد بن أبي صفرة أنه قال اللعان لا يرفع العصمة لقول عويمر كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها قال: فأحدث طلاقا،

### الآية 24:9

> ﻿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ [24:9]

المحدودين شَهادَةً أَبَداً وهذا يقتضي مدة أعمارهم، ثم حكم عليهم بأنهم **«فاسقون»** أي خارجون عن طاعة الله عز وجل، ثم استثنى عز وجل من تاب وأصلح بعد القذف فإنه وعدهم بالرحمة والمغفرة، فتضمنت الآية ثلاثة أحكام في القاذف: جلده، ورد شهادته أبدا، وفسقه، فالاستثناء غير عامل في جلده بإجماع وعامل في فسقه بإجماع، واختلف الناس في عمله في رد الشهادة، فقال شريح القاضي وإبراهيم النخعي والحسن والثوري وأبو حنيفة لا يعمل الاستثناء في رد شهادته وإنما يزول فسقه عند الله تعالى، وأما شهادة القاذف فلا تقبل البتة ولو تاب وأكذب نفسه ولا بحال من الأحوال، وقال جمهور الناس الاستثناء عامل في ريد الشهادة فإذا تاب القاذف قبلت شهادته، ثم اختلفوا في صورة توبته فمذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه والشعبي وغيره أن توبته لا تكون إلا بأن يكذب نفسه في ذلك القذف الذي حد فيه، وهكذا فعل شبل بن معبد ونافع تابا عن القول في المغيرة وأكذبا أنفسهما فقبل عمر شهادتهما، وأبى أبو بكرة من إكذاب نفسه فرد عمر شهادته حتى مات، وقال مالك رحمه الله وغيره توبته أن يصلح ويحسن حاله وإن لم يرجع عن قوله بتكذيب، واختلف فقهاء المالكيين متى تسقط شهادة القاذف، فقال ابن الماجشون بنفس قذفه، وقال ابن القاسم وأشهب وسحنون لا تسقط حتى يجلد فإن منع من جلده مانع عفو أو غيره لم ترد شهادته، قال
 الشيخ أبو الحسن اللخمي شهادته في مدة الأجل في الإثبات موقوفة، ورجح القول بأن التوبة إنما تكون بالتكذيب في القذف، وإلا فأي رجوع لعدل إن قذف وحد وبقي على عدالته. وتابُوا معناه رجعوا وهذا ترجيح، وقد رجح الطبري وغيره قول مالك واختلف أيضا على القول بجواز شهادته بعد التوبة في أي شيء تجوز شهادته، فقال مالك رحمه الله تجوز في كل شيء بإطلاق وكذلك كل من حد في شيء من الأشياء، وقال سحنون رحمه الله من حد في شيء من الأشياء فلا تجوز شهادته في مثل ما حد فيه، وقال مطرف وابن الماجشون من حد في قذف أو زنى فلا تجوز شهادته في شيء من وجوه الزنى ولا في قذف ولا في لعان، وإن كان عدلا، ورويا هذا القول عن مالك واتفقوا فيما أحفظ على ولد الزنا أن شهادته لا تجوز في الزنا.
 **قوله عز وجل:**
 \[سورة النور (٢٤) : الآيات ٦ الى ١٠\]
 وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)
 لما نزلت الآية المتقدمة في الَّذِينَ يَرْمُونَ \[النور: ٤\] تناول ظاهرها الأزواج وغيرهن، فقال سعد بن عبادة يا رسول الله إن وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة والله لأضربنه بالسيف غير مصفح، فقال رسول الله ﷺ **«أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير مني»**، وفي ألفاظ سعد روايات مختلفة هذا نحو معناها، ثم جاء بعد ذلك هلال بن أمية الواقفي فرمى زوجته بشريك

ابن سحماء البلوي، فعزم رسول الله ﷺ على ضربه حد القذف، فنزلت هذه الآية عند ذلك فجمعهما رسول الله ﷺ في المسجد، وتلاعنا فتلكأت المرأة عند الخامسة لما وعظت، وقيل إنها موجبة ثم قالت لا أفضح قومي سائر اليوم ولجت، وفرق رسول الله ﷺ بينهما وولدت غلاما كأنه جمل أورق ثم كان بعد ذلك الغلام أميرا بمصر وهو لا يعرف لنفسه أبا. ثم جاءه أيضا عويمر العجلاني فرمى امرأته ولا عن. والمشهور أن نازلة هلال قبل وأنها سبب الآية، وقيل نازلة عويمر قبل وهو الذي وسط إلى رسول الله ﷺ عاصم بن عدي، و **«الأزواج»** في هذا الحكم يعم المسلمات والكافرات والإماء، فكلهن يلاعنهن الزوج للانتفاء من الحمل، وتختص الحرة بدفع حد القذف عن نفسه، وقرأ الجمهور ******«أربع شهادات»****** بالنصب وهو كانتصاب المصدر والعامل في ذلك قوله فَشَهادَةُ ورفع **«الشهادة»** على خبر ابتداء تقديره فالحكم أو فالواجب، أو على الابتداء بتقدير فعليهم أن يشهدوا وبتقدير حذف الخبر وتقديره في آخر الآية كافية أو واجبة، وقوله بِاللَّهِ من صلة شَهاداتٍ، ويجوز أن يكون من صلة فَشَهادَةُ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ********«أربع»******** بالرفع وذلك على خبر قوله فَشَهادَةُ قال أبو حاتم لا وجه للرفع لأن الشهادة ليست ب أَرْبَعَ شَهاداتٍ وبِاللَّهِ على هذه القراءة من صلة شَهاداتٍ، ولا يجوز أن يكون من صلة ****«شهادة»**** لأنك كنت تفصل بين الصلة والموصول بالخبر الذي هو أَرْبَعَ شَهاداتٍ، وقوله: إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ في قول من نصب ******«أربع شهادات»****** يجوز أن تكون من صلة ****«شهادة»**** وهي جملة في موضع نصب، لأن الشهادة أوقعتها موقع المفعول به، ومن رفع ******«أربع شهادات»****** فقوله إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ من صلة شَهاداتٍ لعلة الفصل المتقدمة في قوله بِاللَّهِ، وقرأ حفص عن عاصم ************«والخامسة»************ بالنصب في الثانية، وقرأها بالنصب فيهما طلحة بن مصرف وأبو عبد الرحمن والحسن والأعمش، وقرأ الجمهور فيهما ************«والخامسة»************ بالرفع، فأما من نصب فإن كان من قراءته نصب قوله **«أربع شهدات»** فإنه عطف الخامسة على ذلك لأنها من الشهادات، وإن كان يقرأ ********«أربع»******** بالرفع، فإنه جعل نصب قوله، والخامسة على فعل يدل عليه متقدم الكلام تقديره وتشهد الخامسة، وأما من رفع قوله ************«والخامسة»************ فإن كان يقرأ ********«أربع»******** بالرفع فقوله ************«والخامسة»************ عطف على ذلك، وإن كان يقرأ ********«أربع»******** بالنصب فإنه حمل قوله ************«والخامسة»************ على المعنى لأن معنى قوله شهادة أحدهم عليهم أربع شهادات والخامسة واستشهد أبو علي لهذا بحمل الشاعر: \[الكامل\] ومشجج أما سواد قذاله البيت على قوله: **«إلا رواكد جمرهن هباء»** لأن المعنى ثم رواكد ولا خلاف في السبع في رفع قوله ************«والخامسة»************ في الأولى، وإنما خلاف السبع في الثانية فقط فنصبه حمل على قوله أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ وَالْخامِسَةَ على القطع والحمل على المعنى، وقرأ نافع وحده ****«أن لعنة»**** و **«أنّ غضب»**، وقرأ الأعرج والحسن وقتادة وأبو رجاء وعيسى ****«أن لعنة»**** و **«أن غضب الله»** وهذا على إضمار الأمر وهي المخففة كما هي في قول الشاعر: **«في فتية كسيوف الهند، البيت»**، وقرأ باقي السبعة **«أنّ لعنة الله»** **«وأنّ غضب الله»** بتشديد النون فيهما ونصب **«اللعنة والغضب»** ورجح الأخفش القراءة بتثقيل النون لأن الخفيفة إنما يراد بها التثقيل ويضمر معها الأمر والشأن وما لا يحتاج معه إلى إضمار أولى.

قال الفقيه الإمام القاضي: لا سيما وأن الخفيفة على قراءة نافع في قوله **«أن غضب»** قد وليها الفعل، قال أبو علي وأهل العربية يستقبحون أن يليها الفعل إلا أن يفصل بينها وبينه بشيء نحو قوله تعالى عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ \[المزمل: ٢٠\] وقوله: أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ \[طه: ٨٩\] وأما قوله تعالى
 : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى \[النجم: ٣٩\] فذلك لقلة تمكن ليس في الأفعال وأما قوله: أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ \[النمل: ٨\] ف بُورِكَ على معنى الدعاء فلم يجز دخول الفاصل لئلا يفسد المعنى. و **«العذاب المدرأ»** في قول جمهور العلماء الحد وحكى الطبري عن آخرين أنه الحبس وهو قول أصحاب الرأي وأنه لا حد عليها إن لم تلاعن وليس يوجبه عليها قول الزوج.
 قال الفقيه الإمام القاضي: وظاهر حديث الموقفة في الخامسة حين تلكأت ثم مرت في لعانها أنها كانت تحد لقول النبي عليه السلام لها فعذاب الدنيا أيسر من عذاب الآخرة وجعلت **«اللعنة»** للرجل الكاذب لأنه مفتر مباهت بالقول فأبعد باللعنة وجعل **«الغضب»** الذي هو أشد على المرأة التي باشرت المعصية بالفعل ثم كذبت وباهتت بالقول فهذا معنى هذه الألفاظ والله أعلم.
 قال الفقيه الإمام القاضي: ولا بد أن نذكر في تفسير هذه الآية ما يتعلق بها من مسائل اللعان إذ لا يستغنى عنها في معرفة حكمه وحيث يجب، أجمع مالك وأصحابه على وجوب اللعان بادعاء رؤية زنى لا وطء من الزوج بعده، وكذلك مشهور المذهب، وقول مالك إن اللعان يجب بنفي حمل يدعى قبله استبراء، وحكى اللخمي عن مالك أنه قال مرة: لا ينفى الولد بالاستبراء لأن الحيض يأتي على الحمل، وقاله أشهب في كتاب ابن المواز، وقاله المغيرة، وقال لا ينفى الولد إلا بخمس سنين، واختلف المذهب في أن يقذف الرجل أو ينفي حملا ولا يعلل ذلك لا برؤية ولا باستبراء، فجل رواة مالك لا يوجب لعانا بل يحد الزوج، وقاله ابن القاسم وروي عنه أيضا أنه قال يلاعن ولا يسأل عن شيء، واختلف بعد القول بالاستبراء في قدر الاستبراء، فقال مالك والمغيرة في أحد قوليه يجزىء في ذلك حيضة. وقال أيضا مالك لا ينفعه إلا ثلاث حيض، وأما موضع اللعان ففي المسجد وعند الحاكم والمستحب أن يكون في المسجد بحضرة الحاكم، وكذلك يستحب بعد العصر تغليظا بالوقت وكل وقت مجز، ومن قذف امرأته وهي كبيرة لا تحمل تلاعنا هو لدفع الحد وهي لدرء العذاب، وإن كانت صغيرة لا تحمل لا عن هو لدفع الحد ولم تلاعن هي لأنها لو أقرت لم يلزمها شيء، وقال ابن الماجشون لا حد على قاذف من لم يبلغ، قال اللخمي فعلى هذا لا لعان على زوج الصغيرة التي لا تحمل، والمستحب من ألفاظ اللعان أن يمشي مع ترتيب القرآن ولفظه فيقول الزوج أشهد بالله لرأيت هذه المرأة تزني وإني في ذلك لمن الصادقين، ثم يقول في الخامسة لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين، وقال أصبغ لا بد أن يقول كالمرود في المكحلة، وقيل لا يلزمه ذلك وكذلك يقول أشهب لا بد أن يقول بالله الذي لا إله إلا هو، وأما في لعان نفي الحمل فقيل يقول الرجل ما هذا الولد مني ولزنت، وقال ابن القاسم في الموازنة: لا يقول وزنت من حيث يمكن أن تغصب، وتقول المرأة أشهد بالله ما زنيت وإنه في ذلك لمن الكاذبين، ثم تقول غضب الله علي إن كان من الصادقين فإن منع جهلهما من ترتيب هذه الألفاظ وأتيا بما في معناها أجزأ ذلك، وحكى اللخمي عن محمد بن أبي صفرة أنه قال اللعان لا يرفع العصمة لقول عويمر كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها قال: فأحدث طلاقا،

### الآية 24:10

> ﻿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ [24:10]

والجواب في قوله  ولولا فضل الله عليكم ورحمته  الآية محذوف تقديره لكشف الزناة بأيسر من هذا، ولأخذهم بعذاب من عنده، أو نحو هذا من المعاني التي أوجب تقديرها إبهام الجواب.

### الآية 24:11

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ [24:11]

هذه الآية وما بعدها إلى ست عشرة آية أنزلت في عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وما اتصل بذلك من أمر ************«الإفك »************ وفي البخاري في غزوة بني المصطلق عن عائشة قالت وأنزل الله العشر الآيات ثم أنزل الله ما قرىء في براءتي فكأنها عدت ما تختص بها. و ************«الإفك »************ : الزور والكذب، والأفاك : الكذاب، و ************«الإفك »************ : قلب الحقيقة عن حالها بالأقوال وصرفها عن جهة الصواب وبذلك شبه الكذب. واختصار، حديث ************«الإفك »************ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بعائشة في غزوة بني المصطلق هي غزوة المريسيع[(١)](#foonote-١) قال ابن إسحاق كانت سنة ست، وقال ابن عقبة كانت سنة أَربع[(٢)](#foonote-٢) فضاع لها هناك عقد، فلما انصرفت إلى الرحل شعرت بضياعه وجعلت تطلبه، وسار الناس يومئذ فوجدته وانصرفت فلم تجد أحداً وكانت شابة قليلة اللحم رفع الرجال هودجها ولم يشعروا بزوالها منه فلما لم تجد أحداً اضطجعت في مكانها رجاء أَن تفتقد فيرجع عنها فنامت في الموضع ولم يوقظها إلا قول صفوان بن المعطل إنا لله وإِنا إليه راجعون، وذلك أنه تخلف وراء الجيش لحفظ الساقة وقيل اتفاقاً فلما مر بسوادها قرب منها فعرفها، فاسترجع وقال ظعينة رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفت هاهنا، ونزل عن ناقته وتنحى عنها حتى ركبت عائشة وأخذ يقودها حتى بلغ بها الجيش في نحر الظهيرة فوقع أهل ************«الإفك »************ في مقالتهم وكل الذي يجتمع إليه فيه ويستوشيه[(٣)](#foonote-٣) عبدالله بن أبي ابن سلول المنافق وكان من قالته حسان بن ثابت ومسطح بن أَثاثة وحمنة بنت جحش، وهذا اختصار الحديث هو بكماله وإتقانه في البخاري ومسلم وهو في مسلم أكمل[(٤)](#foonote-٤) وكان صفوان صاحب ساقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزواته لشجاعته وكان من خيار الصحابة قال لما سمع ما قال الناس فيه : سبحان الله والله ما كشفت كنف[(٥)](#foonote-٥) أنثى قط. 
قال الفقيه الإمام القاضي : أراد بزنى[(٦)](#foonote-٦)، ويدل على ذلك حديثه المروي مع امرأته وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في ابنيه **«لهما أشبه به من الغراب بالغراب »**[(٧)](#foonote-٧) وقيل كان حصوراً لا يأتي النساء ذكره ابن إسحاق عن طريق عائشة، وقتل شهيداً رضي الله عنه في غزوة أرمينية سنة تسع عشر في زمن عمر، وقيل في بلاد الروم سنة ثمان وخمسين في زمن معاوية، وقوله  عصبة  رفع على البدل من الضمير في  جاؤوا  وخبر  إن  في قوله  لا تحسبوه  والتقدير إن فعل الذين، وهذا أنسق في المعنى وأكثر فائدة من أَن يكون  عصبة  خبر  إن  و **«العصبة »** الجماعة من العشرة إلى الأربعين، قاله يعقوب وغيره ولا يقال عصبة لأقل من عشرة ولم يسم من أهل ************«الإفك »************ إلا حسان ومسطح وحمنة وعبد الله[(٨)](#foonote-٨) وجهل الغير قاله عروة بن الزبير وقد سأله عن ذلك عبد الملك بن مروان وقال ألا إنهم كانوا  عصبة  كما قال الله تعالى. 
وقوله  لا تحسبوه  خطاب لكل من ساءه من المؤمنين، وقوله  بل هو خير لكم  يريد أنه تبرئة في الدنيا وترفيع من الله تعالى في أَن نزل وحيه بالبراءة من ذلك وأجر جزيل في الآخرة وموعظة للمؤمنين في غابر الزمن، ونقمة من المفترين في الدنيا والآخرة. ففي ذلك شفاء وخير هذه خمسة أوجه، والضمير في قوله  منهم  عائد على العصبة المذكورة، و  اكتسب  مستعملة في المآثم ونحوها لأنها تدل على اعتمال وقصد فهو أبلغ في التذنيب، وكسب مستعمل في الخير وذلك أن حصوله مغن عن الدلالة على اعتمال فيه، وقد تستعمل كسب في الوجهين ومثله :
فحملت برة واحتملت فجاره[(٩)](#foonote-٩)، والإشارة بقوله  والذي تولى كبره  إلى عبد الله بن أبي سلول، والعذاب المتوعد به هو عذاب الآخرة، وهذا قول الجمهور وهو ظاهر الحديث، وروي عن عائشة رضي الله عنها أَن حسان بن ثابت دخل عليها يوماً وقد عمي فأنشدها مدحه فيها :\[ الطويل \]
حصان رزان ما تزنُّ بريبة. . . وتصبح غرثى من لحوم الغوافل[(١٠)](#foonote-١٠)
فقالت له عائشة : لا لكنك لست كذلك تريد أَنه وقع في الغوافل فأنشد :\[ الطويل \]
فإن كان ما قد قيل عني قلته. . . فلا رفعت سوطي إليَّ أَناملي[(١١)](#foonote-١١)
فلما خرج قال لها مسروق أيدخل هذا عليك وقد قال ما قال وتوعده الله بالعذاب على توليه كبر الإفك، فقالت عائشة أي عذاب أشد من العمى، وضرب الحد ؟ وفي بعض الروايات وضربه بالسيف ع فأما قولها عن الحد فإن حسان بن ثابت وحمنة ومسطحاً حدوا، ذكر ذلك ابن إسحاق وذكره الترمذي، وفي تفسير ابن عباس رضي الله عنهما أن ابن أبي حد، وهذا عندي لا يصح عن ابن عباس رضي الله عنهما لأنه لم يحفظ عن عبد الله الرمي، قال عروة في البخاري :( أخبرت أنه كان يشاع ويتحدث به عنده فيقره ويستمعه ويستوشيه )[(١٢)](#foonote-١٢). وأَما ضربة بالسيف فإن صفوان بن العطل لما بلغه قول حسان في الإفك جاء فضربه بالسيف ضربة على رأسه وقال :\[ الطويل \]
تلق ذباب السيف عني فإنني. . . غلام إذا هوجيت لست بشاعر
فأخذ جماعة صفوان ولببوه وجاؤوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهدر رسول الله صلى الله عليه جرح حسان واستوهبه إياه، وهذا يقتضي أن حسان ممن تولى الكبر[(١٣)](#foonote-١٣)، وقال الإشارة ب  الذي  إلى البادي بهذه الفرية والذي اختلقها ف  لكل  واحد  منهم ما اكتسب  وللبادي المفتري عذاب عظيم، وهو على غير معين وهذا قول الضحاك والحسن وقال أَبو زيد وغيره هو عبد الله بن أَبي، وقرأ جمهور الناس **«كِبره »** بكسر الكاف، وقرأ حميد والأعرج ويعقوب والزهري وأَبو رجاء والأعمش وابن أَبي عبلة **«كُبره »** بضم الكاف وهما مصدران من كبر الشيء عظم، ولكن استعملت العرب ضم الكاف في السن تقول هذا كبر القوم أي كبيرهم سناً أو مكانة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في قصة حويصة ومحيصة **«الكبر الكبر »**[(١٤)](#foonote-١٤) ومن استعماله في المعنى الثاني قول ابن الحطيم :\[ المنسرح \]
تنام عن كبر شأنها فإذا. . . قامت رويداً تكاد تنقصف[(١٥)](#foonote-١٥)
الخطاب بهاتين الآيتين لجميع المؤمنين حاشى من تولى الكبر ويحتمل دخولهم في الخطاب، وفي هذا عتاب للمؤمنين أي كان الإنكار واجباً عليهم، والمعنى أنه كان ينبغي أن يقيس فضلاء المؤمنين والمؤمنات الأمر على أنفسهم وإذا كان ذلك يبعد فيهم فكانوا يقضون بأنه من صفوان وعائشة أبعد لفضلهما، وروي أَن هذا النظر السديد وقع من أَبي أيوب الأنصاري وامرأته، وذلك أنه دخل عليها فقالت له يا أًبا أيوب أسمعت ما قيل ؟ فقال نعم وذلك الكذب أكنت أنت يا أم أيوب تفعلين ذلك ؟ قالت لا والله، قال فعائشة والله أفضل منك، قالت أم أيوب نعم[(١)](#foonote-١) فهذا الفعل ونحوه هو الذي عاتب الله المؤمنين \[ عليه \][(٢)](#foonote-٢) إذ لم يفعله جميعهم.

١ هو ماء لبني المصطلق يقال له: المريسيع، وهو من ناحية قد يد إلى الساحل، وقد لقيهم الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا الماء فسميت الغزوة باسمه..
٢ وقيل: بل كانت سنة خمس، قال الحاكم في "الإكليل": وهذا أشبه من قول ابن إسحق، ويؤيد هذا ما ثبت في حديث الإفك من تنازع كل من سعد بن معاد الأنصاري وسعد بن عبادة في أصحاب الإفك، ولو كانت غزوة المريسيع سنة ست كما قال ابن إسحق لكان ذكر سعد بن معاذ في حديث الإفك خطأ؛ لأنه مات أيام قريظة سنة خمس على الصحيح. هذه حجة من قال إنها كانت سنة خمس، واعتمد على ذكر سعد بن معاذ في مسلم والبخاري، أما ابن إسحق الذي ذكر أنها كانت سنة ست فلا يذكر سعد بن معاذ، بل يذكر أسيد بن حضير على أنه هو الذي وقع بينه وبين سعد بن عبادة نزاع..
٣ يستوشيه: يستخرجه بالبحث والسؤال عنه ثم يفشيه ويشيعه وينشره في الناس..
٤ حديث الإفك مشهور، وهو حديث طويل، وقد رواه البخاري في غزوة بني المصطلق، ورواه مسلم في كتاب التوبة، وذكر الإمام السيوطي في الدر المنثور أن من رواته أحمد في مسنده، والترمذي، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، وهو عن عائشة رضي الله عنها. وقد نقل ابن كثير في تفسيره حديث الإفك عن الإمام أحمد وعن البخاري ومسلم، كذلك ذكر الحديث مطولا الإمام الحافظ بن حجر في كتاب "فتح الباري"..
٥ الكنف: جانب الشيء، وكنفا الإنسان: حضناه عن يمينه وشماله. "المعجم الوسيط"، وقد ورد في بعض الكتب "كتف" بالتاء..
٦ جاء في حديث الإفك ما يأتي على لسان السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها: (وبلغ الأمر ذلك الرجل الذي قيل له، فقال: سبحان الله، والله ما كشفت كنف أنثى قط) ـ وهذا يتفق مع ما قاله ابن إسحق من أن صفوان كان حصورا لا يأتي النساء، ولكن ذلك يتناقض مع ما رواه أبو داود من طريق أبي صالح عن أبي سعيد، قال: (جاءت امرأة صفوان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن زوجي صفوان يضربني...) فكيف تكون له زوجة ويقول: ما كشفت كنف امرأة قط؟ يجيب ابن عطية عن هذا بقوله: "أراد بزنى" يعني: لم أكشف كنف امرأة في زنى، أما الحلال فلم ينفه، وقد أورد البخاري هذا الإشكال قديما، ومال إلى تضعيف حديث أبي سعيد عن قصة امرأته وضربه لها، وأجاب صاحب "الإصابة" بقوله: إنه تزوج بعد قصة الإفك، أما عند قصة الإفك فلم يكن قد كشف كنف امرأة قط، وهو صادق في يمينه..
٧ هذا جزء من حديث رواه البخاري في كتاب اللباس، وهو عن رفاعة الذي طلق امرأته فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير القرظي، وشكت المرأة أن زوجها الجديد ليس معه إلا مثل هدبة الثوب، وكذبها زوجها وقال إنها ناشز ويريد العودة إلى رفاعة، وكان معه ابنين له من غيرها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (هذا الذي تزعمين ما تزعمين، فوالله لهم أشبه به من الغراب بالغراب)، ولم نقف على مثل هذا النص في حديث عن صفوان إلا هذه الفقرة التي ذكرها المؤلف، ونقلها عنه القرطبي فيما نقل، وهي أيضا في كتاب الإصابة، والله أعلم بالصواب..
٨ وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم حسان، ومسطحا، وحمنة بعد أن برأ القرآن الكريم عائشة رضي الله عنها، فقد أقام عليهم حد القذف، واختلف هل أقيم الحد على عبد الله بن أبي بن سلول أم لا، ومسطح لقب، واسمه عوف. وحمنة هي أخت زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم..
٩ هذا عجز بيت للنابغة الذبياني، والبيت بتمامه:
 إنا اقتسمنا خطتينا بيننا فحملت برة واحتملت فجار
 وهو من قصيدة قالها النابغة في هجاء زرعة بن عمرو بن خويلد الكلابي، لأن زرعة كان قد طلب إلى النابغة أن يشير على قومه بقتال بني أسد، فأبى النابغة فتوعده زرعة، فقال النابغة قصيدته وفيها:
 نبئت زرعة والسفاهة كاسمها يهدي إلي غرائب الأشعار
 وقد استشهد صاحب اللسان بالنصف الثاني أيضا من البيت، وقال: "عبر عن البرة بالحمل، وعن الفجرة بالاحتمال؛ لأن حمل البرة بالإضافة إلى احتمال الفجرة أمر يسير ومستصغر، ومثله قول عز اسمه: لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت. وبرة علم للبر، وفجار علم على الفجور، وهو مبني على الكسر، وقد قيل: إن (احتمل) بمعنى (حمل)، وأصله مطاوع (حمله) فاحتمل، ولكن تنوسي معنى المطاوعة بكثرة الاستعمال فصار بمعنى حمل، والنابغة لزرعة: لقد ذهب كل منها بحظه ونصيبه في الحياة، فذهبت أنا بالخير والبر، وذهبت أنت بالشر والفجور..
١٠ سبق الاستشهاد بهذا البيت في هذه السورة عند تفسير قوله تعالى: والذين يرمون المحصنات. راجع صفحة (٤٣١)..
١١ هذا بيت آخر من الأبيات التي قالها حسان بن ثابت في مدح أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وهو في هذه الأبيات يعتذر عما كان منه، وقد رواها ابن إسحق وتجدها في السيرة النبوية لابن هشام، وهذه هي الأبيات كما رواها، وتختلف في عددها وترتيب الأبيات فيها عما في الديوان:
 حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
 عقيلة حي من لؤي بن غالب كرام المساعي مجدهم غير زائل
 مهذبة قد طيب الله خيمها وطهرها من كل سوء وباطل
 فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتموا فلا رفعت سوطي إلي أناملي
 وكيف وودي ما حييت ونصرتي لآل رسول الله زين المحافل
 له رتب عال على الناس كلهم تقاصر عنه سورة المتطاول
 فإن الذي قد قيل ليس بلائط ولكنه قول امرئ بي ماحل.
١٢ أورد البخاري ذلك في حديث الإفك، وذكر بعده عن عروة أيضا قوله: (لم يسم من أهل الإفك أيضا إلا حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش في ناس آخرين لا علم لي بهم غير أنهم عصبة كما قال الله تعالى). والكلام من أول قول ابن عطية: "ذكره الترمذي..." إلى آخر ما نقله عن عروة سقط من أكثر النسخ المخطوطة..
١٣ قصة ضرب صفوان لحسان بالسيف ذكرها ابن إسحق في السيرة، وفيها أن ثابت ابن قيس بن الشماس وثب على صفوان بن المعطل حين ضرب حسان، فجمع يديه إلى عنقه بحبل، ثم انطلق به إلى دار بني الحارث بن الخزرج، فلقيه عبد الله بن رواحة، فقال: ما هذا؟ قال: أما أعجبك، ضرب حسان بالسيف، والله ما أراه إلا قد قتله، قال له عبد الله ابن رواحة: هل علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء مما صنعت؟ قال: لا والله، قال: لقد اجترأت، أطلق الرجل، فأطلقه، ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له، فدعا حسان وصفوان، فقال ابن المعطل: يا رسول الله، آذاني وهجاني فاحتملني الغضب فضربته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان: أحسن يا حسان، أتشوهت على قومي أن هداهم الله للإسلام، أحسن يا حسان في الذي أصابك، قال: هي لك يا رسول الله. قال ابن إسحق: فحدثني محمد بن إبراهيم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه عوضا منها بيرحاء..
١٤ أخرجه البخاري في الأدب، ومسلم في القسامة، والترمذي في الديات، والنسائي في القسامة، والدرامي في الفرائض، ولفظه كما في البخاري، عن رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة، أن عبد الله بن سهل، ومحيصة بن مسعود أتيا خيبر، فتفرقا في النخل، فقتل عبد الله بن سهل، فجاء عبد الرحمن بن سهل، وحويصة ومحيصة ابنا مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فتكلموا في أمر صاحبهم، فبدأ عبد الرحمن ـ وكان أصغر القوم ـ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كبر الكبر، قال يحيى: ليلي الكلام الأكبر، فتكلموا في أمر صاحبكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتستحقون قتيلكم ـ أو قال صاحبكم ـ بأيمان خمسين منكم؟ قالوا: يا رسول الله، أمر لم نره، قال: فتبرئكم يهود في أيمان خمسين منهم، قالوا: يا رسول الله، قوم كفار، فوداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبله..
١٥ قال ابن الخطيم هذا البيت من الشعر في حرب كانت بين قومه وبين بني خطمة، وهو في الديوان، وخبر هذه الحرب في الأغاني وفي الخزانة، والبيت مع أبيات قبله في وصف امرأة نشأت في نعمة ورفاهية، فهي لا تعمل، وهي تنام عن معظم شأنها لأنها ليست في حاجة إلى العمل، إذ لها من الخدم من يغنيها عن ذلك، حتى إذا قامت قامت في سكون وضعف. وتنغرف: تسقط، يقال: انغرف الغصن من الشجرة إذا انقطع، ورويت: (تكاد تنعطف)، كما رويت: (تنقصف) أي: تنكسر لرقة خصرها وثقل ردفها. ورويدا معناه: برفق ودعة وتكاسل، وهو منصوب على الحال، أو صفة لموصوف محذوف، والتقدير: قياما رويدا. والبيت شرحه ابن السكيت في كتابه (إصلاح المنطق)، والبطليوسي في (الاقتضاب)، وروي "تمشي رويدا"، وفي الحماسة البصرية: "قامت تمشي"، وهو في (المحتسب) لابن جني كما رواه ها هنا..

### الآية 24:12

> ﻿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُبِينٌ [24:12]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١١:هذه الآية وما بعدها إلى ست عشرة آية أنزلت في عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وما اتصل بذلك من أمر ************************«الإفك »************************ وفي البخاري في غزوة بني المصطلق عن عائشة قالت وأنزل الله العشر الآيات ثم أنزل الله ما قرىء في براءتي فكأنها عدت ما تختص بها. و ************************«الإفك »************************ : الزور والكذب، والأفاك : الكذاب، و ************************«الإفك »************************ : قلب الحقيقة عن حالها بالأقوال وصرفها عن جهة الصواب وبذلك شبه الكذب. واختصار، حديث ************************«الإفك »************************ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بعائشة في غزوة بني المصطلق هي غزوة المريسيع[(١)](#foonote-١) قال ابن إسحاق كانت سنة ست، وقال ابن عقبة كانت سنة أَربع[(٢)](#foonote-٢) فضاع لها هناك عقد، فلما انصرفت إلى الرحل شعرت بضياعه وجعلت تطلبه، وسار الناس يومئذ فوجدته وانصرفت فلم تجد أحداً وكانت شابة قليلة اللحم رفع الرجال هودجها ولم يشعروا بزوالها منه فلما لم تجد أحداً اضطجعت في مكانها رجاء أَن تفتقد فيرجع عنها فنامت في الموضع ولم يوقظها إلا قول صفوان بن المعطل إنا لله وإِنا إليه راجعون، وذلك أنه تخلف وراء الجيش لحفظ الساقة وقيل اتفاقاً فلما مر بسوادها قرب منها فعرفها، فاسترجع وقال ظعينة رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفت هاهنا، ونزل عن ناقته وتنحى عنها حتى ركبت عائشة وأخذ يقودها حتى بلغ بها الجيش في نحر الظهيرة فوقع أهل ************************«الإفك »************************ في مقالتهم وكل الذي يجتمع إليه فيه ويستوشيه[(٣)](#foonote-٣) عبدالله بن أبي ابن سلول المنافق وكان من قالته حسان بن ثابت ومسطح بن أَثاثة وحمنة بنت جحش، وهذا اختصار الحديث هو بكماله وإتقانه في البخاري ومسلم وهو في مسلم أكمل[(٤)](#foonote-٤) وكان صفوان صاحب ساقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزواته لشجاعته وكان من خيار الصحابة قال لما سمع ما قال الناس فيه : سبحان الله والله ما كشفت كنف[(٥)](#foonote-٥) أنثى قط. 
قال الفقيه الإمام القاضي : أراد بزنى[(٦)](#foonote-٦)، ويدل على ذلك حديثه المروي مع امرأته وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في ابنيه ****«لهما أشبه به من الغراب بالغراب »****[(٧)](#foonote-٧) وقيل كان حصوراً لا يأتي النساء ذكره ابن إسحاق عن طريق عائشة، وقتل شهيداً رضي الله عنه في غزوة أرمينية سنة تسع عشر في زمن عمر، وقيل في بلاد الروم سنة ثمان وخمسين في زمن معاوية، وقوله  عصبة  رفع على البدل من الضمير في  جاؤوا  وخبر  إن  في قوله  لا تحسبوه  والتقدير إن فعل الذين، وهذا أنسق في المعنى وأكثر فائدة من أَن يكون  عصبة  خبر  إن  و ****«العصبة »**** الجماعة من العشرة إلى الأربعين، قاله يعقوب وغيره ولا يقال عصبة لأقل من عشرة ولم يسم من أهل ************************«الإفك »************************ إلا حسان ومسطح وحمنة وعبد الله[(٨)](#foonote-٨) وجهل الغير قاله عروة بن الزبير وقد سأله عن ذلك عبد الملك بن مروان وقال ألا إنهم كانوا  عصبة  كما قال الله تعالى. 
وقوله  لا تحسبوه  خطاب لكل من ساءه من المؤمنين، وقوله  بل هو خير لكم  يريد أنه تبرئة في الدنيا وترفيع من الله تعالى في أَن نزل وحيه بالبراءة من ذلك وأجر جزيل في الآخرة وموعظة للمؤمنين في غابر الزمن، ونقمة من المفترين في الدنيا والآخرة. ففي ذلك شفاء وخير هذه خمسة أوجه، والضمير في قوله  منهم  عائد على العصبة المذكورة، و  اكتسب  مستعملة في المآثم ونحوها لأنها تدل على اعتمال وقصد فهو أبلغ في التذنيب، وكسب مستعمل في الخير وذلك أن حصوله مغن عن الدلالة على اعتمال فيه، وقد تستعمل كسب في الوجهين ومثله :
فحملت برة واحتملت فجاره[(٩)](#foonote-٩)، والإشارة بقوله  والذي تولى كبره  إلى عبد الله بن أبي سلول، والعذاب المتوعد به هو عذاب الآخرة، وهذا قول الجمهور وهو ظاهر الحديث، وروي عن عائشة رضي الله عنها أَن حسان بن ثابت دخل عليها يوماً وقد عمي فأنشدها مدحه فيها :\[ الطويل \]
حصان رزان ما تزنُّ بريبة... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل[(١٠)](#foonote-١٠)
فقالت له عائشة : لا لكنك لست كذلك تريد أَنه وقع في الغوافل فأنشد :\[ الطويل \]
فإن كان ما قد قيل عني قلته... فلا رفعت سوطي إليَّ أَناملي[(١١)](#foonote-١١)
فلما خرج قال لها مسروق أيدخل هذا عليك وقد قال ما قال وتوعده الله بالعذاب على توليه كبر الإفك، فقالت عائشة أي عذاب أشد من العمى، وضرب الحد ؟ وفي بعض الروايات وضربه بالسيف ع فأما قولها عن الحد فإن حسان بن ثابت وحمنة ومسطحاً حدوا، ذكر ذلك ابن إسحاق وذكره الترمذي، وفي تفسير ابن عباس رضي الله عنهما أن ابن أبي حد، وهذا عندي لا يصح عن ابن عباس رضي الله عنهما لأنه لم يحفظ عن عبد الله الرمي، قال عروة في البخاري :( أخبرت أنه كان يشاع ويتحدث به عنده فيقره ويستمعه ويستوشيه )[(١٢)](#foonote-١٢). وأَما ضربة بالسيف فإن صفوان بن العطل لما بلغه قول حسان في الإفك جاء فضربه بالسيف ضربة على رأسه وقال :\[ الطويل \]
تلق ذباب السيف عني فإنني... غلام إذا هوجيت لست بشاعر
فأخذ جماعة صفوان ولببوه وجاؤوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهدر رسول الله صلى الله عليه جرح حسان واستوهبه إياه، وهذا يقتضي أن حسان ممن تولى الكبر[(١٣)](#foonote-١٣)، وقال الإشارة ب  الذي  إلى البادي بهذه الفرية والذي اختلقها ف  لكل  واحد  منهم ما اكتسب  وللبادي المفتري عذاب عظيم، وهو على غير معين وهذا قول الضحاك والحسن وقال أَبو زيد وغيره هو عبد الله بن أَبي، وقرأ جمهور الناس ****«كِبره »**** بكسر الكاف، وقرأ حميد والأعرج ويعقوب والزهري وأَبو رجاء والأعمش وابن أَبي عبلة ****«كُبره »**** بضم الكاف وهما مصدران من كبر الشيء عظم، ولكن استعملت العرب ضم الكاف في السن تقول هذا كبر القوم أي كبيرهم سناً أو مكانة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في قصة حويصة ومحيصة ****«الكبر الكبر »****[(١٤)](#foonote-١٤) ومن استعماله في المعنى الثاني قول ابن الحطيم :\[ المنسرح \]
تنام عن كبر شأنها فإذا... قامت رويداً تكاد تنقصف[(١٥)](#foonote-١٥)
الخطاب بهاتين الآيتين لجميع المؤمنين حاشى من تولى الكبر ويحتمل دخولهم في الخطاب، وفي هذا عتاب للمؤمنين أي كان الإنكار واجباً عليهم، والمعنى أنه كان ينبغي أن يقيس فضلاء المؤمنين والمؤمنات الأمر على أنفسهم وإذا كان ذلك يبعد فيهم فكانوا يقضون بأنه من صفوان وعائشة أبعد لفضلهما، وروي أَن هذا النظر السديد وقع من أَبي أيوب الأنصاري وامرأته، وذلك أنه دخل عليها فقالت له يا أًبا أيوب أسمعت ما قيل ؟ فقال نعم وذلك الكذب أكنت أنت يا أم أيوب تفعلين ذلك ؟ قالت لا والله، قال فعائشة والله أفضل منك، قالت أم أيوب نعم[(١)](#foonote-١) فهذا الفعل ونحوه هو الذي عاتب الله المؤمنين \[ عليه \][(٢)](#foonote-٢) إذ لم يفعله جميعهم. 
١ هو ماء لبني المصطلق يقال له: المريسيع، وهو من ناحية قد يد إلى الساحل، وقد لقيهم الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا الماء فسميت الغزوة باسمه..
٢ وقيل: بل كانت سنة خمس، قال الحاكم في "الإكليل": وهذا أشبه من قول ابن إسحق، ويؤيد هذا ما ثبت في حديث الإفك من تنازع كل من سعد بن معاد الأنصاري وسعد بن عبادة في أصحاب الإفك، ولو كانت غزوة المريسيع سنة ست كما قال ابن إسحق لكان ذكر سعد بن معاذ في حديث الإفك خطأ؛ لأنه مات أيام قريظة سنة خمس على الصحيح. هذه حجة من قال إنها كانت سنة خمس، واعتمد على ذكر سعد بن معاذ في مسلم والبخاري، أما ابن إسحق الذي ذكر أنها كانت سنة ست فلا يذكر سعد بن معاذ، بل يذكر أسيد بن حضير على أنه هو الذي وقع بينه وبين سعد بن عبادة نزاع..
٣ يستوشيه: يستخرجه بالبحث والسؤال عنه ثم يفشيه ويشيعه وينشره في الناس..
٤ حديث الإفك مشهور، وهو حديث طويل، وقد رواه البخاري في غزوة بني المصطلق، ورواه مسلم في كتاب التوبة، وذكر الإمام السيوطي في الدر المنثور أن من رواته أحمد في مسنده، والترمذي، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، وهو عن عائشة رضي الله عنها. وقد نقل ابن كثير في تفسيره حديث الإفك عن الإمام أحمد وعن البخاري ومسلم، كذلك ذكر الحديث مطولا الإمام الحافظ بن حجر في كتاب "فتح الباري"..
٥ الكنف: جانب الشيء، وكنفا الإنسان: حضناه عن يمينه وشماله. "المعجم الوسيط"، وقد ورد في بعض الكتب "كتف" بالتاء..
٦ جاء في حديث الإفك ما يأتي على لسان السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها: (وبلغ الأمر ذلك الرجل الذي قيل له، فقال: سبحان الله، والله ما كشفت كنف أنثى قط) ـ وهذا يتفق مع ما قاله ابن إسحق من أن صفوان كان حصورا لا يأتي النساء، ولكن ذلك يتناقض مع ما رواه أبو داود من طريق أبي صالح عن أبي سعيد، قال: (جاءت امرأة صفوان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن زوجي صفوان يضربني...) فكيف تكون له زوجة ويقول: ما كشفت كنف امرأة قط؟ يجيب ابن عطية عن هذا بقوله: "أراد بزنى" يعني: لم أكشف كنف امرأة في زنى، أما الحلال فلم ينفه، وقد أورد البخاري هذا الإشكال قديما، ومال إلى تضعيف حديث أبي سعيد عن قصة امرأته وضربه لها، وأجاب صاحب "الإصابة" بقوله: إنه تزوج بعد قصة الإفك، أما عند قصة الإفك فلم يكن قد كشف كنف امرأة قط، وهو صادق في يمينه..
٧ هذا جزء من حديث رواه البخاري في كتاب اللباس، وهو عن رفاعة الذي طلق امرأته فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير القرظي، وشكت المرأة أن زوجها الجديد ليس معه إلا مثل هدبة الثوب، وكذبها زوجها وقال إنها ناشز ويريد العودة إلى رفاعة، وكان معه ابنين له من غيرها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (هذا الذي تزعمين ما تزعمين، فوالله لهم أشبه به من الغراب بالغراب)، ولم نقف على مثل هذا النص في حديث عن صفوان إلا هذه الفقرة التي ذكرها المؤلف، ونقلها عنه القرطبي فيما نقل، وهي أيضا في كتاب الإصابة، والله أعلم بالصواب..
٨ وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم حسان، ومسطحا، وحمنة بعد أن برأ القرآن الكريم عائشة رضي الله عنها، فقد أقام عليهم حد القذف، واختلف هل أقيم الحد على عبد الله بن أبي بن سلول أم لا، ومسطح لقب، واسمه عوف. وحمنة هي أخت زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم..
٩ هذا عجز بيت للنابغة الذبياني، والبيت بتمامه:
 إنا اقتسمنا خطتينا بيننا فحملت برة واحتملت فجار
 وهو من قصيدة قالها النابغة في هجاء زرعة بن عمرو بن خويلد الكلابي، لأن زرعة كان قد طلب إلى النابغة أن يشير على قومه بقتال بني أسد، فأبى النابغة فتوعده زرعة، فقال النابغة قصيدته وفيها:
 نبئت زرعة والسفاهة كاسمها يهدي إلي غرائب الأشعار
 وقد استشهد صاحب اللسان بالنصف الثاني أيضا من البيت، وقال: "عبر عن البرة بالحمل، وعن الفجرة بالاحتمال؛ لأن حمل البرة بالإضافة إلى احتمال الفجرة أمر يسير ومستصغر، ومثله قول عز اسمه: لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت. وبرة علم للبر، وفجار علم على الفجور، وهو مبني على الكسر، وقد قيل: إن (احتمل) بمعنى (حمل)، وأصله مطاوع (حمله) فاحتمل، ولكن تنوسي معنى المطاوعة بكثرة الاستعمال فصار بمعنى حمل، والنابغة لزرعة: لقد ذهب كل منها بحظه ونصيبه في الحياة، فذهبت أنا بالخير والبر، وذهبت أنت بالشر والفجور..
١٠ سبق الاستشهاد بهذا البيت في هذه السورة عند تفسير قوله تعالى: والذين يرمون المحصنات. راجع صفحة (٤٣١)..
١١ هذا بيت آخر من الأبيات التي قالها حسان بن ثابت في مدح أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وهو في هذه الأبيات يعتذر عما كان منه، وقد رواها ابن إسحق وتجدها في السيرة النبوية لابن هشام، وهذه هي الأبيات كما رواها، وتختلف في عددها وترتيب الأبيات فيها عما في الديوان:
 حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
 عقيلة حي من لؤي بن غالب كرام المساعي مجدهم غير زائل
 مهذبة قد طيب الله خيمها وطهرها من كل سوء وباطل
 فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتموا فلا رفعت سوطي إلي أناملي
 وكيف وودي ما حييت ونصرتي لآل رسول الله زين المحافل
 له رتب عال على الناس كلهم تقاصر عنه سورة المتطاول
 فإن الذي قد قيل ليس بلائط ولكنه قول امرئ بي ماحل.
١٢ أورد البخاري ذلك في حديث الإفك، وذكر بعده عن عروة أيضا قوله: (لم يسم من أهل الإفك أيضا إلا حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش في ناس آخرين لا علم لي بهم غير أنهم عصبة كما قال الله تعالى). والكلام من أول قول ابن عطية: "ذكره الترمذي..." إلى آخر ما نقله عن عروة سقط من أكثر النسخ المخطوطة..
١٣ قصة ضرب صفوان لحسان بالسيف ذكرها ابن إسحق في السيرة، وفيها أن ثابت ابن قيس بن الشماس وثب على صفوان بن المعطل حين ضرب حسان، فجمع يديه إلى عنقه بحبل، ثم انطلق به إلى دار بني الحارث بن الخزرج، فلقيه عبد الله بن رواحة، فقال: ما هذا؟ قال: أما أعجبك، ضرب حسان بالسيف، والله ما أراه إلا قد قتله، قال له عبد الله ابن رواحة: هل علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء مما صنعت؟ قال: لا والله، قال: لقد اجترأت، أطلق الرجل، فأطلقه، ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له، فدعا حسان وصفوان، فقال ابن المعطل: يا رسول الله، آذاني وهجاني فاحتملني الغضب فضربته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان: أحسن يا حسان، أتشوهت على قومي أن هداهم الله للإسلام، أحسن يا حسان في الذي أصابك، قال: هي لك يا رسول الله. قال ابن إسحق: فحدثني محمد بن إبراهيم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه عوضا منها بيرحاء..
١٤ أخرجه البخاري في الأدب، ومسلم في القسامة، والترمذي في الديات، والنسائي في القسامة، والدرامي في الفرائض، ولفظه كما في البخاري، عن رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة، أن عبد الله بن سهل، ومحيصة بن مسعود أتيا خيبر، فتفرقا في النخل، فقتل عبد الله بن سهل، فجاء عبد الرحمن بن سهل، وحويصة ومحيصة ابنا مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فتكلموا في أمر صاحبهم، فبدأ عبد الرحمن ـ وكان أصغر القوم ـ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كبر الكبر، قال يحيى: ليلي الكلام الأكبر، فتكلموا في أمر صاحبكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتستحقون قتيلكم ـ أو قال صاحبكم ـ بأيمان خمسين منكم؟ قالوا: يا رسول الله، أمر لم نره، قال: فتبرئكم يهود في أيمان خمسين منهم، قالوا: يا رسول الله، قوم كفار، فوداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبله..
١٥ قال ابن الخطيم هذا البيت من الشعر في حرب كانت بين قومه وبين بني خطمة، وهو في الديوان، وخبر هذه الحرب في الأغاني وفي الخزانة، والبيت مع أبيات قبله في وصف امرأة نشأت في نعمة ورفاهية، فهي لا تعمل، وهي تنام عن معظم شأنها لأنها ليست في حاجة إلى العمل، إذ لها من الخدم من يغنيها عن ذلك، حتى إذا قامت قامت في سكون وضعف. وتنغرف: تسقط، يقال: انغرف الغصن من الشجرة إذا انقطع، ورويت: (تكاد تنعطف)، كما رويت: (تنقصف) أي: تنكسر لرقة خصرها وثقل ردفها. ورويدا معناه: برفق ودعة وتكاسل، وهو منصوب على الحال، أو صفة لموصوف محذوف، والتقدير: قياما رويدا. والبيت شرحه ابن السكيت في كتابه (إصلاح المنطق)، والبطليوسي في (الاقتضاب)، وروي "تمشي رويدا"، وفي الحماسة البصرية: "قامت تمشي"، وهو في (المحتسب) لابن جني كما رواه ها هنا..


---

### الآية 24:13

> ﻿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ۚ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَٰئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ [24:13]

والضمير في قوله : جاؤوا  لأولئك الذين تولوا الكبر، وإذا كانوا عند الله كذبة فهي الحقيقة فيهم، وعند هذا حدوا، ولم يرو في شهير الدواوين أَن عبد الله بن ُأَبِّي ُحَّد، ويشبه أن ذلك لأَنه لم تقم عليه بالمقالة بينة لنفاقه وتستره، وإنما كان يخوض فيه مع من يذيعه ولا يسأل عن شهادته كما قال عروة في البخاري :‹أخبرت أَنه كان يقره ويستمعه ويستوشيه›
قال الفقيه الإمام القاضي : ولكن النبي عليه السلام استعذر منه على المنبر ووقذه بالقول ووقع في أمره بين الأوس والخزرج ما هو مطول في مسلم في جملة حديث الإفك[(١)](#foonote-١).

١ في حديث الإفك كما رواه البخاري ومسلم وغيرهما قالت عائشة رضي الله عنها: (فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبي وهو على المنبر، فقال: يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي؟ والله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما يدخل على أهلي إلا معي، فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل فقال: أنا يا رسول الله أعذرك، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، قالت: فقام رجل من الخزرج ـ وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه ـ وهو سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، قالت: وكان قبل ذلك رجلا صالحا، ولكن احتملته الحمية، فقال لسعد: كذبت لعمر الله، لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل، فقام أسيد بن حضير ـ وهو ابن عم سعد ـ فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين، قالت: فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر، قالت: فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت)، وابن عطية يشير إلى ذلك على أنه السبب في عدم إقامة الحد على عبد الله ابن أبي لعنه الله..

### الآية 24:14

> ﻿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [24:14]

هذا عتاب من الله تعالى بليغ ذكر أَن حالتهم التي وقع فيها جميعهم من تعاطيهم الحديث وإن لم يكن المخبر ولا المخبر مصدقين، ولكن نفس التعاطي والتلقي من لسان إلى لسان والإفاضة في الحديث هو الذي وقع العتاب فيه.

### الآية 24:15

> ﻿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [24:15]

وقرأ محمد بن السميفع **«إذ تُلْقُونه »** بضم التاء وسكون اللام وضم القاف من لإلقاء، وهذه قراءة بينة وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود **«إذ تتلقونه »** بضم التاء من التلقي بتاءين، وقرأ جمهور السبعة ******«إذ تلقونه »****** بحذف التاء الواحدة وإظهار الذال دون إدغام وهو ايضاً من التلقي، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي **«أتلقونه »** بإدغام الذال في التاء، وقرأ ابن كثير ******«إذ تلقونه »****** بإظهار الذال وإدغام التاء في التاء وهذه قراءة قلقة لأنها تقتضي اجتماع ساكنين وليس كالإدغام في قراءة من قرأ فلا **«تناجوا[(١)](#foonote-١) ولا تنابزوا »**[(٢)](#foonote-٢) لأن لدونة الألف الساكنة وكونها حرف لين حسنت هنالك ما لا يحسن مع سكون الدال، وقرأ ابن يعمر وعائشة رضي الله عنها وهي أعلم الناس بهذا الأمر **«إذ تَلِقُونه »** بفتح التاء وكسر اللام وضم القاف، ومعنى هذه القراءة من قول العرب ولق الرجل ولقاً إذا كذب قال ابن سيده في المحكم قرىء ******«إذ تلقونه »****** وحكى أَهل اللغة أَنها من ولق إذا كذب فجاؤوا بالمعتدي شاهداً على غير المعتدي وعندي أنه أراد إذ تلقون فيه فحذف حرف الجر ووصل بالضمير[(٣)](#foonote-٣)، وحكى الطبري وغيره أَن هذه اللفظة مأخوذة من الولق الذي هو إسراعك بالشيء بعد الشيء كعدو في إثر عدو وكلام في إثر كلام يقال ولق في سيره إذا أسرع ومنه قول الشاعر :
**«جاءت به عنس من الشام تلق »**[(٤)](#foonote-٤). . . وقوله تعالى : وتقولون بأفواهكم  مبالغة وإلزام وتأكيد. 
والضمير في قوله  وتحسبونه  للحديث والخوض فيه والإذاعة له.

١ من قوله تعالى في الآية (٩) من سورة (المجادلة): فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول..
٢ من قوله تعالى في الآية (١١) من سورة (الحجرات): ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب..
٣ نقل القرطبي كلام ابن عطية من أول قوله: "وقرأ محمد بن السميفع..." إلى قوله: "ووصل الضمير" ولم ينسبه إلى ابن عطية إلا من أول قوله: "وعندي أنه أراد"، فقد قال: "وقال عطية: وعندي... الخ" مع أن هذا الكلام الأخير ليس من كلام ابن عطية بل هو من كلام ابن سيده، ويدل على ذلك أن اللسان نقل هذا الكلام عن ابن سيده وفيه هذه الجملة (راجع اللسان ـ ولق ـ)، وأيضا اعتاد ابن عطية عندما يكون الكلام أو الرأي له أن يبين ذلك بقوله: "قال القاضي أبو محمد" أو نحو ذلك، ولم أجد مثل هذه الإشارة في الأصول..
٤ هذا بيت من عدة أبيات من مشطور الرجز، قالها القلاح بن حزن المنقري، ذكرها صاحب اللسان (زلق)، وهي:
 إن الجليد زلق وزملق
 كذنب العقرب شوال غلق
 جاءت به عنس من الشأم تلق
 يدعى الجليد وهو فينا الزملق
 لا آمن جليسه ولا أنق
 مجوع البطن كلابي الخلق
 ويروى (الحصين) بدلا من (الجليد)، قال صاحب اللسان: وهو خطأ لقوله بعد ذلك: يدعى الجليد، والزلق: السريع الغضب، والزملق: الخفيف الطائش أو الذي ينزل من مجرد الحديث مع المرأة قبل المباشرة، والغلق: السيء الخلق، والعنس: الناقة القوية، ومعنى (تلق): تسرع، وهو الشاهد هنا، فالولق بمعنى الإسراع، ومن العجيب أن صاحب اللسان أعاد الاستشهاد بهذه الأبيات في (ولق) بمعنى أسرع، لكنه نسبها للشماخ، ولم نجدها في ديوانه. وحذف حرف الجر ووصل الضمير الذي نقله ابن عطية عن ابن سيده أمر معروف في اللغة، ومن شواهده قوله تعالى: واختار موسى قومه سبعين رجلا، أي: اختار من قومه، فحذف حرف الجر ووصل الضمير..

### الآية 24:16

> ﻿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [24:16]

وقوله تعالى : ولولا إذ سمعتموه  إلى  حكيم ، عتاب لجميع المؤمنين أي كان ينبغي عليكم أن تنكروه ولا يتعاطاه بعضكم من بعض على جهة الحكاية والنقل وأن تنزهوا الله تعالى عن أن يقع هذا من زوج نبيه عليه السلام وأن تحكموا على هذه المقالة بأنها  بهتان ، وحقيقة البهتان أَن يقال في الإنسان ما ليس فيه والغيبة أن يقال في الإنسان ما فيه.

### الآية 24:17

> ﻿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [24:17]

ثم وعظهم تعالى في العودة إلى مثل هذه الحالة و  وأَن  مفعول من أَجله بتقدير **«كراهية أن »** ونحوه، وقوله : إن كنتم مؤمنين  توقيف وتأكيد كما تقول ينبغي لك أن تفعل كذا وكذا إن كنت رجلاً. وسائر الآية بين.

### الآية 24:18

> ﻿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [24:18]

و عليم حكيم  صفتان تقتضيهما الآية.

### الآية 24:19

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [24:19]

قال مجاهد وابن زيد الإشارة بهذه الآية إلى المنافقين عبد الله بن أَبي ومن أشبهه، وهي خاصة في أمر عائشة رضي الله عنها ع فحبهم شياع[(١)](#foonote-١)  الفاحشة  في المؤمنين متمكن على وجهه لعداوتهم في أهل الإيمان، و **«عذابهم الأليم »**  في الدنيا  الحدود، وفي  الآخرة  النار، وقالت فرقة وقولها الأظهر الآية عامة في كل قاذف منافقاً كان أو مؤمناً ع فالقاذف المؤمن لا يتصف بحب شياع  الفاحشة  في المؤمنين جملة لكنه يحبها لمقذوفه، وكذلك آخر لمقذوفه، وآخر حتى  تشيع الفاحشة  من مجموع فعلهم فهم لها محبون بهذا الوجه من حيث أحب واحد جزءاً من شياعها، والعذاب الأليم  في الدنيا  الحدود وفي  الآخرة  يحتمل وجهين أحدهما أن يكون القاذف متوعداً من بين العصاة بعذاب الآخرة لا يزيله الحد، حسب مقتضى حديث عبادة بن الصامت[(٢)](#foonote-٢) ويكون أمره كأمر المحاربين إذا صلبوا لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب، والوجه الثاني أن يحكم بأن الحد مسقط عذاب الآخرة حسب حديث عبادة بن الصامت وأن قوله  والآخرة  لا يريد به عموم القذفة بل يريد إما المنافقين وإما من لم يتب، وقال الطبري معناه إن مات مصراً غير تائب، وقوله  والله يعلم  معناه البريء من المذنب وسائر الأمور، وحجة الحكمة في ستركم والتغليظ في الوعيد والعذاب على قاذفيكم.

١ الشياع: الظهور والانتشار، يقال: شاع الأمر شيعا وشياعا وشيعانا وشيوعا وشيعوعة ومشيعا: ظهر وتفرق..
٢ حديث عبادة بن الصامت في أن الحدود كفارة لأهلها أخرجه البخاري في الإيمان ومناقب الأنصار والتفسير والحدود والأحكام والتوحيد، وأخرجه مسلم والترمذي في الحدود، والنسائي في البيعة، والدرامي في السير، وأحمد في مسنده (٥ ـ ٣١٤)، ولفظه كما في مسلم عن عبادة بن الصامت قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس فقال: تبايعوني على ألا تشركوا بالله ولا تزنوا ولا تسرقوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب شيئا من ذلك فستره الله عليه فأمره إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه)..

### الآية 24:20

> ﻿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [24:20]

وقوله : ولولا فضل الله  الآية جواب  لولا  محذوف لدلالة الكلام عليه تقدير لفضحكم بذنوبكم ولعذبكم فيما أفضتم فيه من قول الباطل والبهتان.

### الآية 24:21

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [24:21]

هذا الخطاب عام لجميع المؤمنين، و  خطوات  جمع خطوة وهي ما بين القدمين في المشي فكأن المعنى لا تمشوا في سبله وطرقه من الأفعال الخبيثة، وقال منذر بن سعيد يجوز أَن يكون  خطوات  جمع خطأ من الخبيثة، وسهلت الهمزة فنطق بها  خطوات  وقرأ بضم الطاء من **«خُطوات »** الجمهور، وقرأ بسكونها عاصم[(١)](#foonote-١) والأعمش، وقرأ الجمهور **«ما زكى »**، بتخفيف الكاف أَي ما اهتدى ولا أسلم ولا عرف رشداً، وقرأ أبو حيوة والحسن **«زكّى »** بشد الكاف أي تزكيته لكم وتطهيره وهدايته إنما هي بفضله لا بأعمالهم وتحرزكم من المعاصي، ثم ذكر تعالى أنه  يزكي من يشاء  ممن سبقت له السعادة وكان عمله الصالح أمارة على سبق السعادة له، ثم أخبر بأنه  سميع  لجميع أقوالهم وكلامهم من قذف وغيره،  عليم  بحق ذلك من باطله لا يجوز عليه في ذلك وهم ولا غلط.

١ في رواية أبي بكر عنه، أما رواية حفص فهي بضم الطاء كما هي ثابتة في المصحف الشريف..

### الآية 24:22

> ﻿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [24:22]

المشهور من الروايات أن هذه الآية نزلت في قصة أبي بكر بن أبي قحافة الصديق ومسطح بن أثاثة، وذلك أنه كان ابن خالته وكان من المهاجرين البدريين المساكين وهو مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف، وقيل اسمه عوف ومسطح لقب، وكان أَبو بكر ينفق عليه لمسكنته، فلما وقع أمر الإفك وقال فيه مسطح ما قال حلف أبو بكر ألا ينفق عليه ولا ينفعه بنافعة أبداً، فجاءه مسطح فاعتذر وقال إنما كنت أغشى مجلس حسان فأسمع ولا أقول، فقال له أبو بكر لقد ضحكت وشاركت فيما قيل ومر على يمينه، فنزلت الآية، وقال الضحاك وابن عباس إن جماعة من المؤمنين قطعوا منافعهم عن كل من قال في الإفك وقالوا والله لا نصل من تكلم في شأن عائشة فنزلت الآية في جميعهم والأول أصح، غير أن الآية تتناول الأمة إلى يوم القيامة بأن لا يغتاظ **«ذو فضل وسعة »** فيحلف أن لا ينفع من هذه صفته غابر الدهر، ورأى الفقهاء من حلف ألا يفعل سنة من السنن أو مندوباً وأبد ذلك أنها جرحة في شهادته ذكر الباجي في المنتقى، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم **«أيكم المتألي على الله لا يفعل المعروف »**[(١)](#foonote-١)، و  يأتل  معناه يحلف وزنها يفتعل من الألية وهي اليمين[(٢)](#foonote-٢)، وقالت فرقة معناه يقصر من قولك ألوت في كذا إذا قصرت فيه، ومن قوله تعالى : لا يألونكم خبالاً [(٣)](#foonote-٣)، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وزيد بن أسلم **«ولا يتأل »** وهذا وزنه يتفعل من الألية بلا خلاف وهي في المصحف ياء تاء لام، فلذلك ساغ هذا الخلاف لأبي جعفر وزيد فروياه، وذكر الطبري أن خط المصحف مع قراءة الجمهور فظاهر قوله إن ثم ألفاً قبل التاء، و **«الفصل والسعة »** هنا هي المال، وقوله تعالى : ألا تحبون  الآية تمثيل وحجة أي كما تحبون عفو الله لكم عن ذنوبكم فذلك أغفر لمن دونكم وينظر إلى هذا المعنى قول النبي عليه السلام **«من لا َيرحم لا يُرحم »**[(٤)](#foonote-٤) فروي أن أبا بكر رضي الله عنه لما نزلت هذه الآية قال إني لأحب أن يغفر الله لي ورجع إلى مسطح النفقة والإحسان الذي كان يجري عليه، قالت عائشة وكفر عن يمينه، وقرأ ابن مسعود وسفيان بن حسين **«ولتعفوا ولتصفحوا »** بالتاء من فوق فيهما، ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعض الناس هذه أرجى آية في كتاب الله عز وجل من حيث لطف الله فيها بالقذفة العصاة بهذا اللفظ، قال القاضي أبو محمد وإنما تعطي الآية تفضلاً من الله في الدنيا وإنما الرجاء في الآخرة، أما أن الرجاء في هذه الآية بقياس أي إذا أمر **«أولي السعة »** بالعفو فطرد هذا التفضل بسعة رحمته لا رب سواه، وإنما آيات الرجاء قوله تعالى :
 يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم [(٥)](#foonote-٥) \[ الزمر : ٥٣ \]. وقوله تعالى : الله لطيف بعباده [(٦)](#foonote-٦) \[ الشورى : ١٩ \]. وسمعت أبي رضي الله عنه يقول إن أرجى آية في كتاب الله عندي قوله تعالى : وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً [(٧)](#foonote-٧) \[ الأحزاب : ٤٧ \]. وقد قال تعالى في آية أخرى : والذين آمنوا وعملو الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير [(٨)](#foonote-٨) \[ الشورى : ٢٢ \]. فشرح الفضل الكبير في هذه الآية وبشر بها المؤمنين في تلك، وقال بعضهم أرجى آية في كتاب الله تعالى قوله تعالى : ولسوف يعطيك ربك فترضى [(٩)](#foonote-٩) \[ الضحى : ٥ \]. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرضى ببقاء أحد من أمته في النار.

١ أخرجه البخاري في الصلح، ومسلم في المساقاة، ولفظه كما في البخاري أن عمرة بنت عبد الرحمن قالت: سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلمصوت خصوم بالباب عالية أصواتهم، وإذا أحدهما يستوضح الآخر ويسترفقه في شيء وهو يقول: والله لا أفعل، فخرج عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيكم المتألي على الله لا يفعل المعروف؟ فقال: أنا يا رسول الله، وله أي ذلك أحب..
٢ ومنه قول عاتكة بنت زيد العدوية ترثي زوجها عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهم: 
 فآليت لا تنفك عيني حزينة عليك ولا ينفك جلدي أغبرا.
٣ من قوله تعالى في الآية (١١٨) من سورة (آل عمران): يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا، ومنه قول الشاعر:
 وإن كنائني لنساء صدق فما آللا بني ولا أساءوا
 أي: قصر أبنائي..
٤ أخرجه البخاري في الأدب، ومسلم في الفضائل، وأبو داود في الأدب، والترمذي في البر، وأحمد في مسنده (٢ ـ ٢٢٨، ٢٤١)، ولفظه ما في مسند أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: دخل عيينة بن حصن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه يقبل حسنا أو حسيبا، فقال له: لا تقبله يا رسول الله، لقد ولد لي عشرة ما قبلت أحدا منهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من لا يرحم لا يرحم)..
٥ من الآية (٥٣) من سورة (الزمر)..
٦ من الآية (١٩) من سورة (الشورى)..
٧ من الآية (٤٧) من سورة (الأحزاب)..
٨ من الآية (٢٢) من سورة (الشورى)..
٩ من الآية (٥) من سورة (الضحى)..

### الآية 24:23

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [24:23]

قال سعيد بن جبير إن هذه الآية التي تضمنت لعن القاذف وتوعده الشديد إنما هي خاصة في رماة عائشة، وقال ابن عباس والضحاك وغيرهما بل هذه لجميع أزواج النبي عليه السلام، غلظ الله أمر رميهن لمكانهن من الدين، فلعن قاذفهن ولم يقرن بآخر الآية توبة ع وقاذف غيرهن له اسم الفسق، وذكرت له التوبة، وقالت جماعة من العلماء بل هي في شأن عائشة إلا أنه يراد بها كل من اتصف بهذه الصفة، وقال بعض هذه الفرقة إن هذه الآية نزلت أولاً في القاذفين، ثم نزلت بعد ذلك الآية التي صدرت في السورة التي فيها التوبة، وقد تقدم القول في  المحصنات  ما معناه، و **«اللعنة »** في هذه الآية الإبعاد وضرب الحد واستيحاش المؤمنين منهم وهجرهم لهم وزوالهم عن رتبة العدالة، وعلى من قال إن هذه الآية خاصة لعائشة تترتب هذه الشدائد في جانب عبد الله بن أُبي وأَشباهه[(١)](#foonote-١) وفي ضمن رمي المحصنة رمي الرجل معها وقد يكون مؤمناً،

١ (قال الزمخشري: "ولو قلبت القرآن كله وفتشت عما أوعد به العصاة لم تر الله عز وجل قد غلظ في شيء تغليظه في الإفك، ولو لم تنزل إلا هذه الثلاث لكفى بها حيث جعل القذافة ملعونين في الدارين جميعا، وتوعدهم بالعذاب العظيم في الآخرة، وأن ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم تشهد عليهم، وأنه يوفيهم جزاء الحق الذي هم أهله حتى يعلموا أن الله و الحق، فأوجز وأشبع، وفصل وأجمل، وأكد وكرر، وجاء بما لم يقع في وعيد المشركين عبدة الأوثان إلا ما هو دونه في الفظاعة"..

### الآية 24:24

> ﻿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [24:24]

والعامل في قوله  يوم  فعل مضمر يقتضيه **«العذاب »** أي يعذبونه  يوم  أو نحو هذا[(١)](#foonote-١)، وأخبر الله تعالى أن جوارحهم تشهد عليهم ذلك من أعظم الخزي والتنكيل فيشهد اللسان وقلب المنافق لا يريد ما يشهد به، وتشهد الأيدي والأرجل \[ وتتكلم \][(٢)](#foonote-٢) كلاماً يقدرها الله عليه، وقرأ جمهور السبعة **«تشهد »** بالتاء من فوق وقرأ حمزة والكسائي **«يشهد »** بالياء.

١ نقل القرطبي كلام ابن عطية هنا عن معنى "اللعنة"، وفيه زيادة على ما هنا يقتضيها تمام الكلام ونعتقد أنها من كلام ابن عطية، وهي: "وعى قول من قال: نزلت في مشركي مكة فلا كلام، فإنهم مبعدون، ولهم في الآخرة عذاب عظيم، ومن أسلم فالإسلام يجب ما قبله"..
٢ ما بين العلامتين زيادة يحتاج إليها المعنى..

### الآية 24:25

> ﻿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ [24:25]

و **«الدين »** في هذه الآية الجزاء ومنه قول الشاعر :\[ شهل بن شيبان الزماني \] \[ الهزج \]
ولم يبق سوى العدوا. . . ن دناهم كما دانوا[(٣)](#foonote-٣)
أي جازيناهم كما فعلوا مثل المثل كما تدين تدان[(٤)](#foonote-٤). 
وقرأ جمهور الناس ****«الحقُّ »**** بالنصب على الصفة للدين، وقرأ مجاهد ****«الحقُّ »**** بالرفع على الصفة لله عز وجل وفي مصحف ابن مسعود وأبي بن كعب **«يومئذ يوفيهم الله الحق دينهم »** بتقديم الصفة على الموصوف ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله  يعلمون أن الله هو الحق المبين  يقوي قول من ذهب إلى أن الآية في المنافقين عبد الله بن أبي وغيره وذلك أَن كل مؤمن ففي الدنيا يعلم  أَن الله هو الحق المبين  وإلا فليس بمؤمن.

### الآية 24:26

> ﻿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ۖ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ۚ أُولَٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ۖ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [24:26]

اختلف المتأَولون في الموصوف في هذه الآية ب **«الخبيث والطيب »**، فقال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة هي الأقوال والأفعال ثم اختلفت هذه الجماعة فقال بعضها المعنى الكلمات والفعلات **«الخبيثات »** لا يقول ويرضاها إلا  الخبيثات  من الناس فهي لهم وهم لها بهذا الوجه وكذلك  الطيبات للطيبين  وقال بعضها المعنى الكلمات والفعلات الخبيثات لا تليق وتلصق عند رمي الرامي وقذف القاذف إلا بالخبيثين من الناس فهي لهم وهم لها بهذا الوجه، وقال ابن زيد الموصوف بالخبيث والطيب النساء والرجال، وإنما الآية على نحو التي تقدمت وهي قوله تعالى : الزاني لا ينكح إلا زانية  \[ النور : ٣ \] الآية فمعنى هذا، التفريق بين حكم عبد الله بن أبي وأشباهه وبين حكم النبي عليه السلام وفضلاء صحابته وأمته، أي النبي عليه السلام طيب فلم يجعل الله له إلا كل طيبة وأولئك خبيثون فهم أهل النساء الخبائث. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وبهذه الآية قيل لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم  الطيبات  المبرءات، وقوله  أولئك  إشارة إلى  الطيبين  المذكورين. في قوله : والطيبون للطيبات . وقال النقاش : الإشارة ب  أولئك مبرءون  إلى صفوان وعائشة رضي الله عنهما، وجمعهما في الضمير على حد قوله تعالى : فإن كان له إخوة [(١)](#foonote-١) والمراد : أخوان. 
**قال القاضي أبو محمد رحمه الله :**
وفي هذا التمثيل بآية الإخوة نظر، وبحسب هذه المعاني يتقدر المراد بالضمير في \[ يقولون \]، تأمله. ثم وعد الله تعالى الطيبين من المؤمنين بالمغفرة عند الحساب، وبالرزق الكريم في الجنة.

١ من الآية (١١) من سورة (النساء)..

### الآية 24:27

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [24:27]

سبب هذه الآية فيما ذكر الطبري بسند عن عدي بن ثابت أن أمراة من الأنصار قالت يا رسول الله إني أكون في منزلي على الحالة التي لا أحب أن يراني أحد عليها لا والد ولا ولد وإنه لا يزال يدخل علي رجل من أهلي وأنا على تلك الحال فنزلت هذه الآية[(١)](#foonote-١)، ثم هي عامة في الأمة غابر الدهر من حيث هذه النازلة تختص بكل أحد في نفسه وبيت الإنسان، هو البيت الذي لا أحد معه فيه أو البيت الذي فيه زوجه أو أمته، وما عدا فهو غير بيته، قال ابن مسعود وغيره ينبغي للأنسان أن لا يدخل البيت الذي فيه أمه إلا بعد الاستيناس، وروي في ذلك حديث عن النبي عليه السلام أن رجلاً قال يا رسول الله استأذن على أمي قال نعم قال إنما هي أمي ولا خادم لها غيري، قال **«أتحب أن تراها عريانة »** قال لا، قال **«فاستأذن عليها[(٢)](#foonote-٢) وكذلك كل ذات محرم منه لأنه لا ينبغي أن يراهن عاريات »**، وقالت زينب امرأة ابن مسعود كان ابن مسعود إذا جاء منزله تنحنح مخافة أن يهجم على ما يكره، و  تستأنسوا  معناه تستعلموا أي تستعلموا من في البيت وتستبصروا، تقول آنست إذا علمت عن حس وإذا أبصرت ومنه قوله تعالى : آنستم منهم رشداً [(٣)](#foonote-٣) \[ النساء : ٦ \]، وقوله  آنست ناراً [(٤)](#foonote-٤) \[ القصص : ٢٩ \] ومنه قول حسان بن ثابت **«أنظر خليلي بباب جلق هل تؤنس دون البلقاء من أحد »**[(٥)](#foonote-٥) وقول الحارث أنست نبأة. . . . . . . . . . . البيت[(٦)](#foonote-٦)، ووزن آنس أفعل واستأنس وزنه استفعل فكأن المعنى في **«تستأنسون »** تطلبون ما يؤنسكم ويؤنس أهل البيت منكم، وإذا طلب الإنسان أن يعلم أمر البيت الذي يريد دخوله فذلك يكون بالاستئذان على من فيه أو بأن يتنحنح ويستشعر بنفسه بأي وجه أمكنه ويتأنى قدر ما يتحفظ ويدخل إثر ذلك، وذهب الطبري في  تستأنسوا  إلى أنه بمعنى حتى تؤنسوا أهل البيت من أنفسكم بالتنحنح والاستئذان ونحوه وتؤنسوا أنفسكم بأن تعلموا أن قد شهر بكم. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وتصريف الفعل يأبى أن يكون من آنس، وذكر الطبري عن ابن عباس أنه كان يقرأ **«حتى تستأذنوا وتسلموا »** وهي قراءة أبي بن كعب وحكاها أبو حاتم **«حتى تسلموا وتستأذنوا »** قال ابن عباس  تستأنسوا  خطأ أو وهم من الكتاب. 
قال الفقيه الإمام القاضي : مصاحف الإسلام كلها قد ثبت فيها  تستأنسوا  وصح الإجماع فيها من لدن مدة عثمان رضي الله عنه فهي التي لا يجوز خلافها، والقراءة ب **«يستأذنوا »** ضعيفة، وإطلاق الخطأ والوهم على الكتاب في لفظ أجمع الصحابة عليه لا يصح عن ابن عباس والأشبه أن يقرأ ****«تستأذنوا »**** على التفسير، وظاهر ما حكى الطبري أنها قراءة برواية ولكن قد روي عن ابن عباس أنه قال  تستأنسوا  معناه ****«تستأذنوا »****، وما ينفي هذا القول عن ابن عباس أن  تستأنسوا  متمكنة في المعنى بينة الوجه في كلام العرب، وقد قال عمر للنبي عليه السلام : استأنس يا رسول الله وعمر واقف على باب الغرفة الحديث المشهور[(٧)](#foonote-٧) وذلك يقتضي أنه طلب الأنس به صلى الله عليه وسلم فكيف يخطىء ابن عباس رضي الله عنه أصحاب الرسول في مثل هذا[(٨)](#foonote-٨)، وحكى الطبري أيضاً بسند عن ابن جريج عن ابن عباس وعكرمة والحسن بن أبي الحسن أنهم قالوا نسخ واستثني من هذه الآية الأولى قوله بعد
 ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة  \[ النور : ٩ \]
قال أبو محمد رحمه الله : وهذا أيضاً لا يترتب فيه نسخ ولا استثناء لأن الآية الأولى في البيوت المسكونة والآية الثانية في المباحة وكأن من ذهب إلى الاستثناء رأى الأولى عامة، وصورة الاستئذان أن يقول الرجل السلام عليكم أأدخل ؟ فإن أذن له دخل وإن أمر بالرجوع انصرف وإن سكت عنه استأذن ثلاثاً ثم ينصرف بعد الثلاث، فأما ثبوت ما ذكرته من صورة الاستئذان فروى الطبري أن رجلاً جاء إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ألج ؟ أو أتلج ؟فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمة له يقال لها روضة :**«قولي لهذا يقول السلام عليكم أدخل ؟ »** فسمعه الرجل فقالها فقال له النبي عليه السلام **«ادخل »**[(٩)](#foonote-٩) وروي أن ابن عمر آذته الرمضاء يوماً فأتى فسطاط امرأة من قريش فقال : السلام عليكم أأدخل ؟ فقالت المرأة ادخل بسلام، فأعاد، فأعادت، فقال لها قولي ادخل، فقالت ذلك، فدخل فكأنه توقف لما قالت بسلام لاحتمال اللفظ أن تريد ادخل بسلامك لا بشخصك، ثم لكل قوم في الاستئذان عرفهم في العبارة، وأما ثبوت الرجوع بعد الاستئذان ثلاثاً فلحديث أبي موسى الأشعري الذي استعمله مع عمر وشهد به لأبي موسى أبو سعيد الخدري ثم أبي بن كعب الحديث المشهور[(١٠)](#foonote-١٠)، وقال عطاء بن أبي رباح الاستئذان واجب على كل محتلم وسيأتي ذكر هذا، وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«رسول الرجل إذنه »**[(١١)](#foonote-١١) أي إذا أرسل في أحد فقد أذن له في الدخول وقوله : ذلكم خير لكم  تم الكلام عنده، وقوله : لعلكم تذكرون  معناه فعلنا ذلك بكم ونبهناكم  لعلكم .

١ أخرجه الفريابي، وابن جرير، من طريق عدي بن ثابت، عن رجل من الأنصار..
٢ أخرجه ابن جرير الطبري، عن ابن جريج، عن ابن زياد، عن صفوان، عن عطاء بن يسار..
٣ من الآية (٦) من سورة (النساء)..
٤ من الآية (١٠) من سورة (طه)، وتكررت في الآية (٧) من سورة (النمل)، وفي الآية (٢٩) من سورة (القصص)..
٥ جلق بكسر الجيم وتشديد اللام: دمشق، وفيها أيضا يقول حسان بن ثابت:
 لله در عصابة نادمتهم يوما بجلق في الزمان الأول
 وآنس الشيء: أحسه، وآنس الشخص: رآه وأبصره، والبلقاء: أرض بالشام، وقيل: مدينة. والبيت في اللسان شاهدا على أن البلقاء أرض بالشام، وهو أيضا في تاريخ ابن عساكر مع اختلاف في الألفاظ. أما الشاهد هنا فهو "تؤنس" لأنها بمعنى: ترى وتحس أو تعلم وترى..
٦ البيت للحارث بن حلزة، وهو من معلقته التي بدأها بقوله: (آذنتنا ببينها أسماء)، والبيت من أبيات يصف فيها ناقته وهو بتمامه:
 آنست نبأة وأفزعها القناص عصرا وقد دنا الإمساء
 ومعنى (آنست): أحست، وهي موضع الشاهد هنا. والنبأة: الصوت الخفي لا يدرى من أين هو، والقناص: الصياد، والقنص: الصيد. وأفزعها القناص: أخافها، وعصرا هنا: عشيا، قال ابن الأنباري في شرح المعلقات: وإنما سميت العصر في الصلاة عصرا لأنها في آخر النهار، والعصر في غير هذا: الدهر، وفاعل "آنست" ضمير يعود على النعامة التي شبه بها ناقته في البيت السابق، وعصرا منصوب على الوقف، والواو في (وقد دنا) واو الحال، والإمساء فاعل بالفعل (دنا)، وهو مصدر (أمسى)..
٧ الحديث مشهور وطويل، وقد رواه البخاري في المظالم والنكاح، والترمذي في التفسير، وأحمد في مسند (١ ـ ٣٤). وهو عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: لم أزل حريصا على أن أسأل عمر رضي الله عنه عن المرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتين قال الله لهما: إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما، وقد قص عمر عليه ما كان بين النبي صلوات الله وسلامه عليه وبين زوجاته حين أشيع أنه طلقهن، وذهب عمر رضي الله عنه ليعلم الخبر فوجد النبي صلى الله عليه وسلم في مشربة، فقال لغلام أسود: استأذن لعمر، ولكن الغلام دخل ثم خرج وقال: ذكرتك له فصمت، وهكذا ثلاث مرات، وبعد الثالثة دعاه الغلام، قال عمر: (فدخلت عليه فإذا هو مضطجع على رمال حصير ليس بينه وبينه فراش، قد أثر الرمال بجنبه، متكئ على وسادة من أدم حشوها ليف، فسلمت عليه ثم قلت وأنا قائم: طلقت نساءك؟ فرفع بصره إلي فقال: لا، ثم قلت وأنا قائم أستأنس: يا رسول الله لو رأيتني وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على قوم تغلبهم نساؤهم، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم) إلى آخر الحديث. واللفظ فيما سقناه هنا من الحديث للبخاري..
٨ نقل القرطبي هذا الكلام عن ابن عطية وأيده في رأيه، ونقل أبو حيان خلاصته، ثم زاد عليه فقال: "ومن روى ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما فهو طاعن في الإسلام، ملحد في الدين، وابن عباس بريء من هذا القول"..
٩ أخرجه ابن جرير، عن عمرو بن سعد الثقفي. (الدر المنثور)، وهو في تفسير ابن جرير الطبري..
١٠ أخرجه مالك، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، عن أبي سعيد الخدري، قال: كنت جالسا في مجلس من مجالس الأنصار، فجاء أبو موسى فزعا، فقلنا له: ما أفزعك؟ قال: أمرني عمر أن آتيه فأتيته فاستأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت، فقال: ما منعك أن تأتيني؟ قلت: قد جئت فاستأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليراجع)، قال: لتأتيني على هذا بالبينة، فقالوا: لا يقوم إلا أصغر القوم، فقام أبو سعيد معه فشهد له، فقال عمر لأبي موسى رضي الله عنهما: إني لم أتهمك، ولكن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد..
١١ أخرجه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه، ويؤيد ما أخرجه أبو داود أيضا عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دعي أحدكم إلى طعام فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن)..

### الآية 24:28

> ﻿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ ۖ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [24:28]

والضمير في قوله  تجدوا فيها  للبيوت التي هي بيوت الغير، وحكى الطبري عن مجاهد أنه قال معنى قوله  فإن لم تجدوا فيها أحداً  إن لم يكن لكم فيها متاع وضعف الطبري هذا التأويل وكذلك هو في غاية الضعف، وكأن مجاهداً رأى أن البيوت غير المسكونة إنما تدخل دون إذن. إذا كان فيها للداخل متاع، ورأى لفظة المتاع : متاع البيت الذي هو البسط والثياب وهذا كله ضعيف وأسند الطبري عن قتادة أنه قال : قال رجل من المهاجرين لقد طلبت عمري كله هذه الآية فما أدركتها أن أستأذن على بعض إخواني فيقول لي ارجع فأرجع وانا مغتبط لقوله تعالى : هو أزكى لكم  وقوله تعالى : والله بما تعملون عليم  توعد لأهل التجسس على البيوت وطلب الدخول على غفلة للمعاصي والنظر إلى ما لا يحل ولغيرهم مما يقع في محظور.

### الآية 24:29

> ﻿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ [24:29]

روي أن بعض الناس لما نزلت آية الاستئذان تعمق في الأمر فكان لا يأتي موضعاً خرباً ولا مسكوناً إلا سلم واستأذن فنزلت هذه الآية أباح الله فيها رفع الاستئذان في كل بيت لا يسكنه أحد، لأن العلة إنما هي في الاستئذان خوف الكشفة على الحرامات فإذا زالت العلة زال الحكم، ومثل أهل التأويل من هذه البيوت أمثلة فقال محمد بن الحنفية وقتادة ومجاهد هي الفنادق التي في طرق المسافرين، قال مجاهد لا يسكنها أحد بل هي موقوفة ليأوي إليها كل ابن سبيل و  فيها متاع  لهم أي استمتاع بمنفعتها، ومثل عطاء في بيوت غير مسكونة بالخرب[(١)](#foonote-١) التي يدخلها الإنسان للبول والغائط ففي هذا أيضاً متاع، وقال ابن زيد والشعبي هي حوانيت القيساريات[(٢)](#foonote-٢) والسوق، وقال الشعبي لأنهم جاؤوا ببيوعهم فجعلوها فيها وقالوا للناس هلم، ع وهذا قول غلط قائله لفظ المتاع، وذلك أن بيوت القيسارية محظورة بأموال الناس غير مباحة لكل من أراد دخولها بإجماع، ولا يدخلها إلا من أُذن له بها، بل أربابها موكلون بدفع الناس عنها، وقال محمد بن الحنفية أيضاً أراد تعالى دور مكة، وهذا على القول بأنها غير متملكة وأن الناس شركاء فيها وأن مكة أخذت عنوة، وهذا هو في هذه المسألة القول الضعيف، يرده قوله عليه السلام **«وهل ترك لنا عقيل منزلاً »**[(٣)](#foonote-٣) وقوله **«من دخل دار أبي سفيان »** **«ومن دخل داره »**[(٤)](#foonote-٤) وغير ذلك من وجوه النظر وباقي الآية بين ظاهره التوعد.

١ جمع خربة، وهي موضع الخراب، وفي حديث بناء مسجد المدينة: "كان فيه نخل وقبور المشركين وخرب، فأمر بالخرب فسويت"..
٢ جاء في معجم البلدان للحموي أن "قيسارية" بالفتح ثم السكون وسين مهملة وبعد الألف راء وياء مشددة، ثم قال: "وهي بلد على ساحل بحر الشام في أعمال فلسطين بينها وبين طبرية ثلاثة أيام، وكانت قديما من أعيان أمهات المدن، وقيسارية أيضا مدينة "عظيمة كبيرة في بلاد الروم...". فالمراد إذا: المدن الكبيرة العظيمة المتسعة، والحوانيت جمع حانوت وهو دكان الخمار ومحل التجارة، فالمراد بالجملة: محلات التجارة في المدن الكبيرة..
٣ أخرجه البخاري، وأبو داود، ولفظه في البخاري في غزوة الفتح، عن أسامة ابن زيد أنه قال زمن الفتح: يا رسول الله أين ننزل غدا؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (هل ترك لنا عقيل من منزل؟) ثم قال: (لا يرث المؤمن الكافر ولا الكافر المؤمن)، قيل للزهري ـ أحد رواة الحديث ـ: ومن ورث أبا طالب؟ قال: ورثه عقيل وطالب..
٤ جاء هذا في فتح مكة، ورواه البخاري، ومسلم، وابن إسحق، وغيرهم، وهو حديث طويل، وفيه أبا سفيان جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح مع العباس فأسلم، فقال العباس: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئا، قال: (نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن). (واللفظ عن السيرة النبوية لابن هشام)..

### الآية 24:30

> ﻿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [24:30]

قوله  قل للمؤمنين  بمنزلة قوله إنهم، فقوله  يغضوا  جواب الأمر، وقال المازني المعنى قل لهم غضوا  يغضوا . ويلحق هذين من الاعتراض أن الجواب خبر من الله وقد يوجد من لا يغض وينفصل بأن المراد يكونون في حكم من يغض، وقوله  من أبصارهم  أظهر ما في  من  أن تكون للتبعيض وذلك أن أول نظرة لا يملكها الإنسان وإنما يغض فيما بعد ذلك فقد وقع التبعيض، ويؤيد هذا التأويل ما روي من قوله عليه السلام لعلي بن أبي طالب **«لا تتبع النظرة فإن الأولى لك وليست لك الثانية »** الحديث[(١)](#foonote-١). وقال جرير بن عبد الله سألت النبي عليه السلام عن نظرة الفجأة فقال **«اصرف بصرك »**[(٢)](#foonote-٢) ويصح أن تكون  من  لبيان الجنس[(٣)](#foonote-٣)، ويصح أن تكون لابتداء الغاية، والبصر هو الباب الأكبر إلى القلب وأعمر طرق الحواس إليه وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته ووجب التحذير منه، و **«حفظ الفروج »** يحتمل أن يريد في الزنى ويحتمل أن يريد في ستر العورة والأظهر أن الجميع مراد واللفظ عام، وبهذه الآية حرم العلماء دخول الحمام بغير مئزر وقال أبو العالية كل فرج ذكر في القرآن فهو من الزنا إلا هذه الآيتين فإنه يعني التستر. 
قال الفقيه الإمام القاضي : ولا وجه لهذا التخصيص عندي وباقي الآية بين وظاهره والتوعد.

١ أخرجه أبو داود في النكاح، والترمذي في الأدب، والدرامي في الرقاق، وأحمد في مسنده (٥ ـ ٣٥١، ٣٥٣)، ولفظه في مسند أحمد، ن بريدة عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي: (لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الآخرة). واللفظ في سنن الدرامي: (لا تتبع النظرة النظرة، فإن الأولى لك والآخرة عليك)..
٢ أخرجه مسلم في الأدب، وأبو داود في النكاح، والترمذي في الأدب، والدرامي عن أبيه عن جده قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة فقال: (اصرف بصرك). وفي رواية الإمام أحمد: (فأمرني أن أصرف بصري). وزاد الإمام السيوطي في "الدر المنثور" نسبته إلى ابن أبي شيبة، والنسائي، وابن مردويه..
٣ قال أبو حيان تعقيبا على ذلك: "ولم يتقدم مبهم فتكون \[من\] لبيان الجنس، على أن الصحيح أن \[من\] ليس من موضوعاتها أن تكون لبيان الجنس"..

### الآية 24:31

> ﻿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [24:31]

وقوله تعالى : وقل للمؤمنات  الآية أمر الله تعالى النساء في هذه الآية بغض البصر عن كل ما يكره من جهة الشرع النظر إليه، **«وفي حديث أم سلمة قالت : كنت أنا وعائشة عند النبي صلى الله عليه وسلم فدخل ابن أم مكتوم فقال النبي عليه السلام »** احتجبن **«فقلنا : أعمى، فقال النبي عليه السلام »** أفعمياوان أنتما ؟[(١)](#foonote-١) **«و  من  تحتمل ما تقدم في الأولى، و »** حفظ الفروج «يعم الفواحش وستر العورة وما دون ذلك مما فيه حفظ، وأمر الله تعالى بأن  لا يبدين زينتهن  للناظرين إلا ما استثناه من الناظرين في باقي الآية، ثم استثنى ما يظهر من الزينة، فاختلف الناس في قدر ذلك، فقال ابن مسعود ظاهر الزينة هو الثياب، وقال سيعد ين جبير الوجه والثياب، وقال سعيد بن جبير أيضاً وعطاء والأوزاعي الوجه والكفان والثياب، وقال ابن عباس وقتادة والمسور بن مخرمة[(٢)](#foonote-٢) ظاهر الزينة هو الكحل والسواك والخضاب إلى نصف الذراع والِقَرَطة والفتخ[(٣)](#foonote-٣) ونحو هذا فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس، وذكر الطبري عن قتادة في معنى نصف الذراع حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم[(٤)](#foonote-٤) وذكر آخر عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم[(٥)](#foonote-٥). 
قال الفقيه الإمام القاضي : ويظهر لي في محكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بأن لا تبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء في كل ما غلبها فظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه أو إصلاح شأن ونحو ذلك، فما ظهر على هذا الوجه فهو المعفو عنه فغالب الأمر أن الوجه بما فيه والكفين يكثر فيهما الظهور، وهو الظاهر في الصلاة، ويحسن[(٦)](#foonote-٦) بالحسنة الوجه ان تستره إلا من ذي حرمة **«محرمة »** ويحتمل لفظ الآية أن الظاهر من الزينة لها أن تبديه ولكن يقوي ما قلناه الاحتياط ومراعاة فساد الناس فلا يظن أن يباح للنساء من إبداء الزينة إلا ما كان بذلك الوجه والله الموفق للصواب برحمته، وقرأ الجمهور **«ولْيضربن »** بسكون اللام التي هي للأمر، وقرأ أبو عمر في رواية عباس عنه و **«لِيضربن »** بكسر اللام على الأصل لأن أصل لام الأمر الكسر في **«ليذهب وليضرب »**، وإنما تسكينها كتسكين عضد وفخذ[(٧)](#foonote-٧)، وسبب هذه الآية أن النساء كن في ذلك الزمان إذا غطين رؤوسهن بالأخمرة سدلنها من وراء الظهر قال النقاش كما يصنع النبط فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر على ذلك فأمر الله تعالى ب **«الخمار على الجيوب »** وهيئة ذلك \[ أن تضرب المرأة بخمارها على جيبها \][(٨)](#foonote-٨) يستر جميع ما ذكرناه، وقالت عائشة رضي الله عنها : رحم الله المهاجرات الأول لما نزلت هذه الآية عمدن إلى أكثف المروط فشققنها أخمرة وضربن بها على الجيوب. ودخلت على عائشة حفصة بنت أخيها عبد الرحمن وقد اختمرت بشيء يشف عن عنقها وما هنالك فشقته عليها وقالت إنما يضرب بالكثيف الذي يستر، ومشهور القراءة ضم الجيم من **«جُيوبهن »** وقرأ بعض الكوفيين بكسرها بسبب الياء كقراءتهم ذلك في بيوت وشيوخ ذكره الزهراوي. 
 وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَآئِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَآءِ 
المعنى في هذه الآية ولا يقصدن ترك الإخفاء للزينة الباطنة كالخلخال والأقراط ونحوه ويطرحن مؤونة التحفظ إلا مع من سمي وبدأ تعالى ب **«البعولة »** وهو الأزواج لأن إطلاعهم يقع على أعظم من هذا، ثم ثنى به المحارم وسوى بينهم في إبداء الزينة ولكنهم تختلف مراتبهم في الحرمة بحسب ما في نفوس البشر، فلا مرية أن كشف الأب والأخ على المرأة أحوط من كشف ولد زوجها، وتختلف مراتب ما يبدي لهم فيبدي للأب ما لا يجوز إبداؤه لولد الزوج، وقوله  أو نسائهن  يعني جميع المؤمنات فكأنه قال أو صنفهن، ويدخل في هذا الإماء المؤمنات ويخرج منه نساء المشركين من أهل الذمة وغيرهم، وكتب عمر رضي الله عنه إلى أبي عبيدة :«أنه بلغني أن نساء أهل الذمة يدخلن الحمامات مع نساء المسلمين فامنع من ذلك وحل دونه فإنه لا يجوز أن ترى الذمية عرية المسلمة[(٩)](#foonote-٩). 
قال فعند ذلك قام أبو عبيدة فابتهل وقال : أيما امرأة تدخل الحمام من غير عذر لا تريد إلا أن تبيض وجهها فسود الله وجهها يوم تبيض الوجوه. وقوله : أو ما ملكت أيمانهن  يدخل فيه الإماء الكتابيات[(١٠)](#foonote-١٠) ويدخل فيه العبيد عند جماعة من أهل العلم، وهو الظاهر من مذهب عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما، وقال ابن عباس وجماعة من العلماء لا يدخل العبد على سيدته فيرى شعرها ونحو ذلك إلا أن يكون وغداً، فمنعت هذه الفرقة الكشف بملك اليمين وأباحته بأن يكون من  التابعين غير أولي الإربة  وفي بعض المصاحف **«ملكت أيمانكم »** فيدخل فيه عبدالغير، وقوله  أو التابعين  يريد الأتباع الذين يدخلون ليطعموا الفضول من الرجال الذين لا إربة لهم في الوطء، فهي شرطان، ويدخل في هذه الصفة المجبوب[(١١)](#foonote-١١) والمعتوه والمخنث والشيخ الفاني والزمن الموقوذ بزمانته[(١٢)](#foonote-١٢) ونحو هذا هو الغالب في هذه الأصناف، ورب مخنث لا ينبغي أن يكشف، ألا ترى إلى حديث هند، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كشفه على النساء لما وصف بادنة بنت غيلان بن معتب[(١٣)](#foonote-١٣)، وتأمل ما روي في أخبار الدلال المخنث وكذلك الحمقى والمعتوهون فيهم من لا ينبغي أن يكشف، والذي **«لا إربة له »** من الرجال قليل و  الإربة  الحاجة إلى الوطء[(١٤)](#foonote-١٤)، وعبر عن هذا بعض المفسرين، قال هو الذي يتبعك لا يريد إلا الطعام وما تؤكله، وقرأ عاصم[(١٥)](#foonote-١٥) وابن عامر **«غيرَ »** بالنصب وهو على الحال من الذكر الذي في  التابعين ، وقرأ الباقون **«غيرِ »** بالخفض على النعت ل  التابعين  والقول فيها كقول في  غير المغضوب [(١٦)](#foonote-١٦) \[ الفاتحة : ٧ \] وقوله  أو الطفل  اسم جنس بمعنى الجمع[(١٧)](#foonote-١٧) ويقال طفل ما لم يراهق الحلم، و  يظهروا  معناه يطلعون بالوطء[(١٨)](#foonote-١٨)، والجمهور على سكون الواو من **«عوْرات »**، وروي عن ابن عامر فتح الواو، وقال الزجاج الأكثر سكون الواو، كجوزات وبيضات لثقل الحركة على الواو والياء، ومن قرأ بالفتح فعلى الأصل في فعلة وفعلات. 
 وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَنْكِحُواْ الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ 
أسند الطبري عن المعتمر عن أبيه قال : زعم حضرمي أن امرأة اتخذت برتين[(١٩)](#foonote-١٩) من فضة واتخذت جزعاً[(٢٠)](#foonote-٢٠) فجعلت في ساقيها فمرت على القوم فضربت برجلها الأرض فوقع الخلخال على الجزع فصوت فنزلت هذه الآية، وسماع هذه الزينة أشد تحريكاً للشهوة من إبدائها، ذكره الزجاج، قال مكي رحمه الله ليس في كتاب الله آية أكثر ضمائر من هذه جمعت خمسة وعشرين ضميراً للمؤمنات من مخفوض ومرفوع، وقرأ عبد الله بن مسعود **«ليعلم ما سر من زينتهن »**[(٢١)](#foonote-٢١) ثم أمر عز وجل بالتوبة مطلقة وقد قيد توبة الكفار بالإخلاص وبالانتهاء في آية أخرى[(٢٢)](#foonote-٢٢)، وتوبة أهل الذمة بالتبيين، يريد لأمر محمد عليه السلام[(٢٣)](#foonote-٢٣) وأمر بهذه التوبة مطلقة عامة من كل شيء صغير وكبير، وقرأ الجمهور ****«أيُّهَ »**** بفتح الهاء، وقرأ ابن عامر ****«أيُّهَ »**** بضم الهاء ووجهه أن تجعل الهاء كأنها من نفس الكلمة فيكون إعراب المنادى فيها، وضعف أبو علي ذلك جداً[(٢٤)](#foonote-٢٤)، وبعضهم يقف **«أية »** وبعضهم يقف **«أيها »** بالألف، وقوى أبو علي الوقف بالألف لأن علة حذفها في الوصل إنما هي سكونها وسكون اللام فإذا كان الوقف ذهبت العلة فرجعت الألف كما ترجع الياء إذا وقفت على
 محلي  \[ المائدة : ١ \] من قوله  غير محلي الصيد [(٢٥)](#foonote-٢٥) \[ المائدة : ١ \]، والاختلاف الذي ذكرناه في  أيه المؤمنون  كذلك هو في  أيه الساحر [(٢٦)](#foonote-٢٦) \[ الزخرف : ٤٩ \] و  أيه الثقلان [(٢٧)](#foonote-٢٧) \[ الرحمن : ٣١ \].

١ أخرجه أبو داود في اللباس، والترمذي في الأدب، وأحمد في مسنده (٦ ـ ٢٩٦). ولكن في مسند أحمد عن الزهري أن نبهان حدثه أن أم سلمة حدثته قالت: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وميمونة. بدلا من عائشة كما هو هنا..
٢ هو المسور بن مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة، له ولأبيه صحبة، مات سنة ٦٤ للهجرة..
٣ الفتخ بفتحتين: جمع الفتخة وهي خواتيم كبار تلبس في الأيدي. وقيل: الفتخة حلقة من ذهب أو فضة لا فص لها تلبس في البنصر. والقرطة: جمع قرط وهو ما يعلق في الأذن..
٤ ونصه: قال قتادة: وبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تخرج يدها إلا إلى ها هنا، وقبض نصف الذراع)..
٥ أخرجه ابن جرير عن ابن جريح عن عائشة رضي الله عنها، وهو: وقالت عائشة: القلب والفتخة، قالت عائشة: دخلت علي ابنة أخي لأمي عبد الله بن الطفيل مزينة، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فأعرض، فقالت عائشة: يا رسول الله إنها ابنة أخي وجارية، فقال: إذا عركت المرأة لم يحل لها أن تظهر إلا وجهها وإلا ما دون هذا، وقبض على ذراع نفسه، فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى، وأشار به أبو علي. ومعنى: عركت تعرك: حاضت. أما القلب فهو السوار يكون نظما واحدا..
٦ في بعض النسخ: (ويخصص) بدلا من (ويحسن)..
٧ إذ يقال فيهما: عضد وفخذ..
٨ ما بين العلامتين زيادة عن القرطبي، فقد نقل كلام ابن عطية هنا من أول قوله: وسبب هذه الآية... إلى هنا"، ووردت فيه هذه الزيادة، ونعتقد أنها سقطت من النساخ. والجيب هو فتحة الثوب على الصدر..
٩ يعني: ما يعرى منها ويكشف..
١٠ هو من مكاتبة العبيد، وهي أن يكاتب العبد على نفسه بثمنه، فإذا سعى وعمل وأدى هذا الثمن عتق..
١١ المجبوب: المقطوع الذكر، وفي بعض النسخ: "المجنون" بدلا من المجبوب..
١٢ الزمن: المريض مرضا يدوم طويلا، والموقوذ: الشديد المرض المشرف على الموت..
١٣ حديث هيت أخرجه مسلم، وأبو داود، ومالك في الموطأ، وعبد بن حميد، وعبد الرزاق، والنسائي، وان جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رجل يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مخنث، فكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم يوما وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة، قال: إذا أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا أرى هذا يعرف ما ها هنا، لا يدخلن عليكم)، فحجبوه، وفي رواية لابن مردويه أن اسمه هيت، وقد ذكر الواقدي والكلبي أن هيتا هذا قال لعبد الله بن أمية المخزومي وهو أخو أم سلمة رضي الله عنها، قال له في بيت أخته: إن فتح الله عليكم الطائف فعليك ببادية بنت غيلان الثقفي، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، مع ثغر كالأقحوان، إن جلست تبنت، وإن تكلمت تغنت الخ، فسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لقد غلغلت النظر إليها يا عدو الله، ثم أجلاه عن المدينة إلى الحمى. ـ هذا وبادية بالياء، ويقال لها بادنة بالنون، والصواب بالياء، ومعنى (تقبل بأربع وتدبر بثمان): تقبل بأربع طيات من لحم جسمها وتدبر بثمان منها. وتبنت: صارت كالمبناة لسمنها..
١٤ أي في هذا الموضع، أما في غير ذلك فإن الإربة هي الحاجة، ومثلها الأرب والمأربة والإرب، والجمع مآرب، قال تعالى: ولي فيها مآرب أخرى..
١٥ أي في رواية أبي بكر عنه، أما رواية حفص عنه فهي بالخفض كما هو ثابت في المصحف..
١٦ من الآية (٧) من سورة (الفاتحة)..
١٧ بدليل قوله تعالى بعد ذلك: الذين لم يطهروا. فإن \[الذين\] نعت للطفل، والضمير في \[يظهروا\] ضمير جمع..
١٨ يعني لم يكشفوا عن عورات النساء لهذا الغرض بسبب صغر السن..
١٩ مثنى "برة" بضم الباء وفتح الراء خفيفة: وهي الخلخال، وقيل: هي كل حلقة من سوار وقرط وخلخال، قال الشاعر: (وقعقعن الخلاخل والبرينا). قال أبو علي: أصل البرة: بروة؛ لأنها جمعت على برى قرية..
٢٠ الجزع: ضرب من العقيق يعرف بخطوط متوازية مستديرة مختلفة الألوان..
٢١ في بعض النسخ: "ليعلم ما يسترن من زينتهن". أما كلمة "سر" فلعلها فهي بمعنى: أخفي وستر..
٢٢ هي قوله تعالى في الآية (١٤٦) من سورة النساء: إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله..
٢٣ جاء ذلك في الآية (١٦٠) من سورة البقرة، وهي قوله تعالى:  إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم..
٢٤ قال: لأن آخر الاسم هو الياء الثانية من "أي"، فالمضموم ينبغي أن يكون آخر الاسم، ولو جاز هنا أن نضم الهاء لاقترانها بالكلمة لجاز ضم الميم من "اللهم" لاقترانها بالكلمة أيضا، وعلق العلماء على ذلك فقالوا: إذا ثبتت القراءة عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا حجة للغوي بعد ذلك، فإن القرآن هو الحجة، وبه تصبح اللغة صحيحة..
٢٥ من الآية (١) من سورة (المائدة)..
٢٦ من الآية (٤٩) من سورة (الزخرف)..
٢٧ من الآية (٣١) من سورة (الرحمن). هذا وقد قال ابن خالويه في كتاب (الحجة في القراءات السبع): "والحجة لمن حذف وأسكن الهاء أنه اتبع خط السواد، واحتج بأن النداء مبني على الحذف، وإنما فتحت الهاء لمجيء ألف بعدها، فلما ذهبت الألف عادت الهاء إلى السكون، وإنما يوقف على مثل هذا اضطرار لا اختيارا"..

### الآية 24:32

> ﻿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [24:32]

وقوله تعالى : وأنكحوا الأيامى  هذه المخاطبة لكل من تصور أن ينكح في نازلة ما، فهم المأمورون بتزويج من لا زوج له وظاهر الآية أن المرأة لا تتزوج إلا بولي، والأيم يقال للرجل وللمرأة ومنه قول الشاعر :
**«لله در بني على أيم منهم وناكح »**[(١)](#foonote-١)، ولعموم هذا اللفظ قالت فرقة إن هذه الآية ناسخة لحكم قوله تعالى : والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين [(٢)](#foonote-٢) \[ النور : ٣ \] وقوله : والصالحين  يريد للنكاح[(٣)](#foonote-٣)، وقرأ الحسن بن أبي الحسن **«من عبيدكم »** والجمهور على **«عبادكم »** والمعنى واحد إلا أن قرينة الترفيع بالنكاح يؤيد قراءة الجمهور، وهذا الأمر بالإنكاح يختلف بحسب شخص شخص، ففي نازلة يتصور وجوبه، وفي نازلة الندب وغير ذلك وهذا بحسب ما قيل في النكاح، ثم وعد الله تعالى بإغناء الفقراء المتزوجين طلب رضى الله عنهم واعتصاماً من معاصيه، وقال ابن مسعود التمسوا الغنى في النكاح، وقال عمر رضي الله عنه عجبي ممن لا يطلب الغنى بالنكاح وقد قال تعالى : إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله [(٤)](#foonote-٤)، قال النقاش هذه الآية حجة على من قال إن القاضي يفرق بين الزوجين إذا كان الزوج فقيراً لا يقدر على النفقة لأن الله قال  يغنهم  ولم يقل يفرق بينهما، وهذا انتزاع ضعيف، وليست هذه الآية حكماً فيمن عجز عن النفقة وإنما هي وعد بالإغناء كما وعد مع التفرق في قوله تعالى : وإن يتفرقا يغن الله كلاًّ من سعته [(٥)](#foonote-٥) \[ النساء : ١٣ \] ونفحات رحمة الله مأمولة في كل حال موعود بها، وقوله : واسع عليم  صفتان نحو المعنى الذي فيه القول أي  واسع  الفضل  عليم  بمستحق التوسعة والإغناء.

١ هذا البيت لأمية بن أبي الصلت، قال ذلك القرطبي واستشهد به، و "الدر" في الأصل: اللبن، والمراد به هنا الخير، يقال: لله درك من رجل، أي لله علمك، يقال هذا لمن يمدح ويتعجب من عمله"، فإذا شتموا أو سبوا قالوا: لا در دره، أي لكثر خيره، والأيم: من لا زوج له رجلا كان أو امرأة، والناكح: المتزوج، فهو يثني على آل علي جميعا المتزوجين منهم وغير المتزوجين. والشاهد استعمال الأيم هنا للرجل وللمرأة..
٢ من الآية (٣) من سورة (النور)..
٣ وقيل: (المراد بالصالحين المستقيمين المؤدين لواجباتهم، وخصهم الله بالذكر ليحصن لهم دينهم بالزواج ويحفظ عليهم صلاحهم، لأن الصالحين من العبيد يكونون موضع رعاية وإشفاق ممن ملوكهم، فهم ينزلون منزلة الأولاد في المودة والرعاية، فهم مظنة الاهتمام بشأنهم وتقبل الوصية فيهم، بخلاف المفسدين فحالهم عند واليهم على عكس ذلك..
٤ وأخرج ابن ماجه في سننه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة كلهم حق على الله عونه، المجاهد في سبيل الله، والناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء)..
٥ من الآية (١٣٠) من سورة (النساء)..

### الآية 24:33

> ﻿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ۚ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ [24:33]

**«استعف »** وزنه استفعل ومعناه طلب أن يكون عفيفاً، فأمر الله تعالى في هذه الآية كل من يتعذر عليه النكاح ولا يجده بأي وجه تعذر أن يستعف، ثم لما كان أغلب الموانع على النكاح عدم المال وعد بالإغناء من فضله، فعلى هذا التأويل يعم الأمر بالاستعفاف كل من تعذر عليه النكاح بأي وجع تعذر، وقالت جماعة من المفسرين **«النكاح »** في هذه الآية اسم ما يمهر وينفق في الزواج كاللحاف واللباس لما يلتحف به ويلبس، قال القاضي وحملهم على هذا قوله : حتى يغنيهم الله من فضله ، فظنوا أن المأمور بالاستعفاف إنما هو من عدم المال الذي يتزوج به، وفي هذا القول تخصيص المأمورين بالاستعفاف وذلك ضعيف[(١)](#foonote-١)، ثم أمر الله تعالى المؤمنين كافة أن يكاتب منهم كل من له مملوك، وطلب المملوك الكتابة وعلم سيده منه  خيراً ، قال النقاش سببها أن غلاماً لحويطب بن عبد العزى سأل مولاه الكتابة فأبى عليه، وقال مكي هو صبيح القبطي غلام حاطب بن أبي بلتعة، ولفظ  الكتاب  في الآية مصدر كالقتال والجلاد ونحوه من مصادر فاعل، والمكاتبة مفاعلة من حيث هذا يكتب على نفسه وهذا على نفسه، واختلف الناس هل هذا الأمر بالكتابة على الوجوب أو على الندب على قولين، فمذهب مالك رحمه الله أن ذلك على الندب، وقال عطاء ذلك واجب وهو ظاهر قول عمر لأنس بن مالك في سيرين حين سأل سيرين الكتابة فتلكأ أنس فقال عمر كاتبه أو لأضربنك بالدرة، وهو قول عمرو بن دينار والضحاك[(٢)](#foonote-٢)، واختلف الناس في المراد ب ********«الخير »********، فقالت فرقة : هو المال ولم تر على سيد عبد أن يكاتب إلا إذا علم أن له مالاً يؤدي منه أو من التجر فيه[(٣)](#foonote-٣)، وروي عن ابن عمر وسلمان أنهما أبيا من كتابة عبدين رغبا في الكتابة ووعدا باسترفاق الناس، فقال كل واحد منهما لعبده أتريد أن تطعمني أوساخ الناس، وقال مالك إنه ليقال ********«الخير »******** القوة والأداء، وقال الحسن بن أبي الحسن ********«الخير »******** هو صدق الموعد وقلة الكذب والوفاء وإن لم يكن للعبد مال، وقال عبيدة السلماني ********«الخير »******** هو الصلاح في الدين عَ وهذا في ضمنه القول الذي قبله، والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وحرمة العتق إنما يتلبس بها بعد الأداء هذا قول جمهور الأمة، وقال ابن مسعود إذا أدى ثلث الكتابة فهو عتيق غريم، وقال علي بن أبي طالب العتاقة تجري فيه بأول نجم يؤديه[(٤)](#foonote-٤)، وقوله تعالى : وآتوهم ، قال المفسرون هو أمر لكل مكاتب أن يضع للعبد من مال كتابته، واستسحن ذلك علي بن أبي طالب أن يكون ذلك ربع الكتابة، قال الزهراوي وروي ذلك عن النبي عليه السلام[(٥)](#foonote-٥)، واستحسن الحسن بن أبي الحسن وابن مسعود ثلثها وقال قتادة عشرها، ورأى عمر بن الخطاب أن يكون ذلك من أول نجومه مباردة إلى الخير خوف أن لا يدرك آخرها، ورأى مالك رحمه الله وغيره أن يكون الوضع من آخر نجم، وعلة ذلك أنه إذا وضع من أول نجم ربما عجز العبد، فرجع هو وماله إلى السيد، فعادت إليه وضيعته، وهي شبه الصدقة، وهذا قول عبد الله بن عمر، ورأى مالك رحمه الله هذا الأمر على الندب ولم ير لقدر الوضيعة حداً، ورأى الشافعي وغيره الوضيعة واجبة يحكم بها الحاكم على المكاتب وعلى ورثته، وقال الحسن والنخعي، وبريدة إنما الخطاب بقوله تعالى : وآتوهم  للناس أجمعين في أن يتصدقوا على المكاتبين وأن يعينوهم في فكاك رقابهم، وقال زيد بن أسلم إنما الخطاب لولاة الأمور بأن يعطوا المكاتبين من مال الصدقة حظهم وهو الذي تضمنه قوله تعالى :
 وفي الرقاب [(٦)](#foonote-٦) \[ البقرة : ١٧٧ \]. 
**قوله عز وجل :**
 وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ ءَايَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِين 
روي أن سبب هذه الآية هو أن عبد الله بن أبي ابن سلول كانت له أمة تسمى مسيكة، وقيل معادة[(٧)](#foonote-٧)، فكان يأمرها بالزنا والكسب به، فشكت ذلك إلى النبي عليه السلام، فنزلت الآية فيه وفيمن فعل فعله من المنافقين وقوله : إن أردن تحصناً  راجع إلى **«الفتيات »**، وذلك أن الفتاة إذا أرادت التحصن فحينئذ يتصور ويمكن أن يكون السيد مكرهاً، ويمكن أن ينهى عن الإكراه وإذا كانت الفتاة لا تريد التحصن، فلا يتصور أن يقال للسيد لا تكرهها لأن الإكراه لا يتصور فيها هي مريدة للزنا، فهذا أمر في سادة وفتيات[(٨)](#foonote-٨) حالهم هذه، وذهب هذا النظر عن كثير من المفسرين فقال بعضهم قوله : إن أردن  راجع إلى  الأيامى  \[ النور : ٣٢ \] في قوله : وأنكحوا الأيامى منكم ، وقال بعضهم هذا الشرط في قوله : إن أردن  ملغى ونحو هذا مما ضعف والله الموفق للصواب برحمته، وعرض  الحياة الدنيا ، في هذه الآية الشيء الذي تكتسبه الأمة بفرجها ومعنى باقي الآية بين  فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ، بهن، وقد يتصور الغفران والرحمة بالمكرهين بعد أن تقع التوبة من ذلك، فالمعنى  غفور  لمن تاب، وقرأ ابن مسعود وجابر بن عبد الله وابن جبير **«لهن غفور رحيم »** بزيادة **«لهن »**. 
١ نقل القرطبي كلام ابن عطية في هذه الفقرة، وزاد عليه قوله: "بل الأمر بالاستعفاف متوجه لكل من تعذر عليه النكاح بأي وجه"..
٢ وحجة القائلين بالندب وهم الجمهور أن الإجماع منعقد على لو سأل العبد سيده أن يبيعه لم يجبر على ذلك واو ضوعف له الثمن، كذلك لو طلب العبد من سيده أن يعتقه أو يدبره أو يزوجه لم يلزمه ذلك بالإجماع، فكذلك المكاتبة، وهي مفاعلة لا تتم إلا عن تراض، وقالوا: إن الآية فيها أمر مطلق وهو يقتضي الوجوب إذا لم تكن هناك قرينة تمنع من ذلك، وهي هنا علم الخير من السيد في العبد، فلو قال العبد: كاتبني. وقال السيد: لا أعلم فيك خيرا، أخذ بقول السيد، والله أعلم..
٣ التجر: مصدر تجر، يقال: تجر في كذا بمعنى: مارس البيع والشراء..
٤ النجم هو: ما يؤدى من دين في وقت معين، والذي يعرف الآن بأنه "القسط"..
٥ أخرجه عبد الرزاق، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والديلمي، وابن المنذر، والبيهقي، وابن مردويه، من طريق عبد الله بن حبيب، عن علي، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: وآتوهم من مال الله الذي آتاكم، قال: يترك للمكاتب الربع. (الدر المنثور)..
٦ من الآية (٦٠) من سورة (التوبة). وهي الآية التي بينت مصارف الزكاة..
٧ وقيل: هما أمتان مسيكة ومعاذة، وقيل: بل كان عنده عدد كبير منهن، معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة، والأخبار في ذلك كثيرة، وقد أخرج مسلم في صحيحه، عن جابر أن جارية لعبد الله بن أبي يقال لها مسيكة، وأخرى يقال لها: أميمة، فكان يريدهما على الزنى، فشكيا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ولا تكرهوا فتياتكم..
٨ ما بين العلامتين زيادة عن القرطبي الذي نقل كلام ابن عطية في هذه الفقرة كاملا..

### الآية 24:34

> ﻿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [24:34]

ثم عدد تعالى على المؤمنين نعمه فيها أنزل إليهم من الآيات المنيرات، وفيما ضرب لهم من أمثال الماضين من الأمم، ليقع التحفظ مما وقع أولئك فيه وفيما ذكر لهم من المواعظ، وقرأ جمهور الناس **«مبينَّات »** بفتح الياء أي بينها الله تعالى وأوضحها، وقرأ الحسن وطلحة وعاصم والأعمش **«مبيِّنات »** بكسر الياء أي بينت الحق وأوضحته.

### الآية 24:35

> ﻿۞ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [24:35]

****«النور »**** في كلام العرب الأضواء المدركة بالبصر ويستعمل فيما صح من المعاني ولاح فيقال منه كلام له نور ومنه الكتاب المنير ومنه قول الشاعر :\[ الكامل \]
نسب كأن عليه من شمس الضحى. . . نوراً ومن فلق الصباح عمودا[(١)](#foonote-١)
والله تعالى ليس كمثله شيء فبين أنه ليس كالأضواء المدركة ولم يبق للآية معنى إلا أنه أراد  الله  ذو  نور السماوات والأرض  أي بقدرته أنارت أضواؤها واستقامت أمورها وقامت مصنوعاتها، فالكلام على التقريب للذهن، كما تقول : الملك نورالأمة أي به قوام أمورها وصلاح جملتها، والأمر في الملك مجاز وهو في صفة الله تعالى حقيقة محضة، إذ هو الذي أبدع الموجودات وخلق العقل نوراً هادياً لأن ظهور الوجود به حصل كما حصل بالضوء ظهور المبصرات تبارك الله لا رب سواه[(٢)](#foonote-٢)، وقالت فرقة التقدير دين الله  نور السماوات والأرض ، قال ابن عباس هادي أهل السماوات والأرض والأول أعم للمعاني وأوضح مع التأمل، وقرأ عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة وأبو عبد الرحمن السلمي الله **«نَوّرَ »** بفتح النون والواو المشددة وفتح الراء على أنه فعل[(٣)](#foonote-٣)، وروي أن اليهود لما نزلت هذه الآية جسموا في تأوليها واعترضوا محمداً عليه السلام بأن قالوا كيف هو نور الأرض والسماء بيننا وبينه، فنزلت حينئذ  مثل نوره كمشكاة  الآية أي ليس الأمر كما ظننتم وإنما هو نور بأنه قوام كل شيء وخالقه وموجده  مثل نوره  كذا وكذا، واختلف المتأولون في الضمير في  نوره  على من يعود، فقال كعب الأحبار وابن جبير هو عائد على محمد عليه السلام أي مثل نور محمد، وقال أبي بن كعب وابن جبير والضحاك هو عائد على المؤمنين، وفي قراءة أبي بن كعب **«مثل نور المؤمنين »**، وروي أن في قراءته **«نور المؤمن »**، وروي أن فيها **«مثل نور من آمن به »**، وقال الحسن هو عائد على القرآن والإيمان، قال مكي بن أبي طالب وعلى هذه الأقوال يوقف على قوله  والأرض . 
قال القاضي أبو محمد : وهذه أقوال فيها عود الضمير على من لم يجر له ذكر، وفيها تقطع المعنى المراد بالآية، وقالت فرقة الضمير في  نوره  عائد على  الله ، ثم اختلفت هذه الفرقة في المراد ب ****«النور »**** الذي أضيف إلى الله تعالى إضافة خلق إلى خالق كما تقول سماء الله وناقة الله، فقال بعضها هو محمد صلى الله عليه وسلم[(٤)](#foonote-٤)، وقال بعضها هو المؤمن، وقال بعضها هو الإيمان والقرآن[(٥)](#foonote-٥)، وهذه الأقوال متجهة مطرد معها المعنى فكأن اليهود لما تأولوا  الله نور السماوات والأرض  بمعنى الضوء، قيل لهم ليس كذلك وإنما هو نور فإنه قوام كل شيء وهاديه مثل نوره في محمد أو في القرآن، والإيمان  كمشكاة  وهي الكوة غير النافذة فيها القنديل ونحوه. 
وهذه الأقوال الثلاثة تطرد فيها مقابلة جزء من المثال لجزء من الممثل، فعلى قول من قال الممثل به محمد عليه السلام، وهو قول كعب الحبر، فرسول الله صلى الله عليه وسلم، هو ************«المشكاة »************ أو صدره، و  المصباح  هو النبوءة وما يتصل بها من عمله وهداه، و  الزجاجة  قلبه و **«الشجرة المباركة »** هي الوحي والملائكة رسل إليه وسببه المتصل به، والزيت هو الحجج والبراهين، والآيات التي تضمنها الوحي، وعلى قول من قال الممثل به المؤمن وهذا قول أبي بن كعب، ف ************«المشكاة »************ صدره، و  المصباح  الإيمان والعلم، و  الزجاجة  قلبه و **«الشجرة »** القرآن، وزيتها هو الحجج والحكمة التي تضمنها، قال أبي فهو على أحسن الحال يمشي في الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات، ومن قال إن الممثل به القرآن والإيمان فتقدير الكلام  مثل نوره  الذي هو الإيمان في صدر المؤمن في قلبه  كمشكاة ، أي كهذه الجملة وهذا القول ليس في مقابلة التشبيه كالأولين، لأن المشكاة ليست تقابل الإيمان، وتحتمل الآية معنى آخر ليس فيه مقابلة جزء من المثال لجزء من الممثل بل وقع التشبيه فيه جملة بجملة، \[ وذلك أن يريد : مثل نور الله الذي هو هداه وإتقانه صنعة كل مخلوق وبراهينه الساطعة على الجملة \][(٦)](#foonote-٦) كهذه الجملة من النور الذي تتخذونه أنتم على هذه الصفة التي هي أبلغ صفات النور الذي بين أيدي الناس، أي فمثل نور الله في الوضوح كهذا الذي هو منتهاكم أية البشر، و ************«المشكاة »************ الكوة في الحائط غير النافذة، قاله ابن جبير وسعيد بن عياض وجمهور المفسرين، وهي أجمع للضوء، و  المصباح  فيها أكثر إنارة من غيرها، وقال مجاهد ************«المشكاة »************ العمود الذي يكون  المصباح  على رأسه، وقال أبو موسى ************«المشكاة »************ الحديدة أو الرصاصة التي يكون فيها الفتيل في جوف الزجاجة، وقال مجاهد أيضاً ************«المشكاة »************ الحدائد التي يعلق بها القنديل، والأول أصح هذه الأقوال، وقوله  في زجاجة  لأنه جسم شفاف  المصباح  فيه أنور منه في غير الزجاج، و  المصباح  الفتيل بناره وأمال الكسائي فيما روى عنه أبو عمرو الداني الألف من **«مشكاة »** فكسر الكاف التي قبلها، وقرأ نصر بن عاصم **«في زَجاجة »** بفتح الزاي، و **«الزجاجة »** كذلك وهي لغة[(٧)](#foonote-٧)، وقوله : كأنها كوكب دري  أي في الإنارة والضوء وذلك يحتمل معنين : إما أن يريد انها بالمصباح كذلك، وإما أن يريد أنها في نفسها لصفائها وجودة جوهرها كذلك. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وهذا التأويل أبلغ في التعاون على النور، قال الضحاك **«الكوكب الدري »** الزهرة، وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم **«دُريّ »** بضم الدال وشد الياء. 
ولهذه القراءة وجهان : إما أن ينسب الكوكب إلى الدر لبياضه وصفائه، وإما أن يكون أصله دريء مهموز من الدرء وهو الدفع وخففت الهمزة، وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم ****«دريء »**** بالهمزة وهو فعيل من الدرء بمعنى أنها تدفع بعضها بعضاً أو بمعنى أن بهاءها يدفع خفاءها، وفعيل بناء لا يوجد في الأسماء إلا في قولهم مريق للعصفور[(٨)](#foonote-٨) وفي السرية إذا اشتقت من السرو[(٩)](#foonote-٩)، ووجه هذه القراءة أبو علي، وضعفها غيره، وقرأ أبو عمرو والكسائي ****«دريء »**** على وزن فعيل بكسر الفاء من الدرء وهذه متوجهة، وقرأ قتادة **«دَريء »** بفتح الدال والهمز قال أبو الفتح وهذا عزيز وإنما عزيز وإنما حفظ منه السكّينة بشد الكاف، وقرأ سعيد بن المسيب وأبو رجاء ونصر بن عاصم **«دري »** بفتح الدال دون همزة، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وطلحة والأعمش والحسن وقتادة وابن وثاب وعيسى **«توقد »** بضم التاء أي الزجاجة، وقرأ أبو عمرو وأهل الكوفة والحسن وابن محيصن **«تَوَقّدُ »** بفتح التاء والواو وشد القاف وضم الدال أي الزجاجة، وقرأ أبو عمرو أيضاً وابن كثير **«تَوقَد »** بفتح التاء والدال أي المصباح، وقرأ عاصم فيما روى عنه إسماعيل[(١٠)](#foonote-١٠) **«يوقد »** بالياء المرفوعة على معنى يوقد المصباح، قال أبو الفتح وقرأ السلمي والحسن وابن محيصن وسلام وقتادة **«يَوَقَّدُ »** بفتح الياء والواو والقاف والمشددة ورفع الدال أصله يتوقد، وقوله  من شجرة  أي من زيت شجرة، و **«المباركة »** المنمأة، و **«الزيتون »** من أعظم الثمار نماء واطراد أفنان وغضارة ولا سيما بالشام والرمان كذلك والعيان يقضي بذلك، وقول أبي طالب يرثي مسافر بن أبي عمرو بن امية **«ابن شمس »** :\[ الخفيف \]
ليت شعري مسافر بن أبي عمرو. . . **«وليتٌ »** يقولها المحزون
بورك الميّت الغريب كما بو. . . رك الرمّانُ والزيتون[(١١)](#foonote-١١)
وقوله تعالى : لا شرقية ولا غربية  قرأ الجمهور فيهما بالخفض عطفاً على  زيتونة ، وقرأ الضحاك **«لا شرقيةٌ ولا غربيةٌ »** بالرفع[(١٢)](#foonote-١٢)، واختلف المتأولون في معناه، فقال ابن عباس فيما حكى عنه الطبري معناه أنها شجرة في دوحة قد أحاطت بها فهي غير منكشفة من جهة الشرق ولا من جهة الغرب. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وهذا قول لا يصح عندي عن ابن عباس لأن الوجود يقتضي أَن الشجرة التي تكون بهذه الصفة ينفسد جناها، وقال الحسن ليست هذه الشجرة من شجر الدنيا وإنما هو مثل ضربه الله لنوره ولو كانت في الدنيا لكانت إما شرقية وإما غربية، وقال ابن زيد أراد أَنها من شجر الشام لأن شجر الشام هي أفضل الشجر وهي **«الأرض المباركة »**، وقال ابن عباس وعكرمة وقتادة وغيرهم المعنى في قوله : لا شرقية ولا غربية  أنها في منكشف من الأرض تصيبها الشمس طول النهار تستدير عليها أي فليست خالصة للشرق فتسمى شرقية ولا للغرب فتسمى غربية، وقوله : يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار  مبالغة في صفة صفائه وحسنه وجودته، وقرأ الجمهور **«تمسسه »** بالتاء من فوق، وقرأ ابن عباس والحسن بالياء من تحت، وقوله : نور على نور  أي هذه كلها معاون تكامل بها هذا النور الممثل به وفي هذا الموضع تم المثال، ثم ذكر تعالى هداه لنوره من شاء وأسعد من عباده وذكر تفضله في ضرب الأمثال للعباد ليقع لهم العبرة والنظر المؤدي إلى الإيمان. 
١ البيت في القرطبي أيضا غير منسوب، وهو من الأبيات المشهورة لأبي تمام، وقد استشهد به مع بيتين آخرين إبراهيم بن العباس الصولي على أن أبا تمام أشعر أهل زمانه، ذكر ذلك الأصفهاني في كتاب الأغاني، والأبيات الثلاثة هي:
 مطر أبوك أبو أهلة وائل ملأ البسيطة عدة وعديدا
 نسب كأن عليه من شمس الضحى نورا ومن فلق الصباح عمودا
 ورثوا الأبوة والخطوط فأصبحوا جمعوا جدودا في العلا وجدودا
 والنسب: القرابة، ويقال: إنه في الآباء خاصة، والفلق ـ بفتح الفاء واللام ـ: ما انشق من عمود الصبح، وقيل: هو الصبح بعينه، وقيل: هو الفجر، وكله راجع إلى معنى الشق، وفلق الصبح: ضوءه وناره، وفي الحديث أن النبي صلة الله عليه وسلم كان يرى الرؤيا فتأتي مثل فلق الصبح، والشاهد أن النور هنا بمعنى الأضواء المدركة بالبصر. .
٢ أخرج البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تهجد في الليل يدعو (اللهم لك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيام السماوات والأرض ومن فيهن، أنت الحق، وقولك حق، ووعدك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبتـ، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت إلهي لا إله إلا أنت)..
٣ وهي قراءة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأب جعفر، وعبد العزيز المكي، وزيد بن علي، وثابت بن أبي حفصة، والقوصي، ومسلمة بن عبد الملك، قال ذلك أبو حيان في "البحر المحيط"..
٤ فقد سماه الله تعالى نورا في قوله: قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين..
٥ وقد سماه الله تعالى نورا في قوله: وأنزلنا إليكم نورا مبينا (١٧٤ ـ النساء)..
٦ ما بين العلامتين \[...\] سقط من كل النسخ الأصلية إلا نسخة واحدة، واتفق معها كلام القرطبي الذي نقل هذه الفقرة كاملة عن ابن عطية دون أن يشير إليه..
٧ قال أبو الفتح: "فيها ثلاث لغات: زجاجة، وزجاجة، وزجاج ـ بالفتح والضم والكسر ـ وفي الجمع: زجاج، وزجاج، وزجاج ـ كنعامة ونعام، ورقاقة ورقاق، وعمامة وعمام ـ"..
٨ جاء في اللسان (درأ): "وكوكب دريء على فعيل: مندفع في مضيه من المشرق إلى المغرب"، ثم نقل عن ابن بري أن سيبويه حكى أنه يدخل في الكلام فعيل وهو قولهم للعصفر: مريق، وكوكب دريء"، وجاء فيه في (مرق): "والمريق: حب العصفر، وفي التهذيب: شحم العصفر" فضبطه بتشديد الراء وفتحها كقبيط"، وعلق محققه على ذلك بقوله: "ضبطه الصاغاني بضم فكسر الراء المشددة، وكذلك مجد الدين في (درأ)، وضبطه هنا كقبيط مناقض لما تقدم في (درأ)، أفاده شارح القاموس"..
٩ قال أبو حيان في البحر: "إذا قيل إنها مشتقة من السرور وأبدل من أحد المضعفات الياء فأدغمت فيها ياء فعيل، وسمع أيضا (مريخ) للذي في داخل القرن اليابس"..
١٠ وكذلك فيما رواه حفص كما هو ثابت في المصحف..
١١ ليت شعري: ليت علمي، ويقال: ليت شعري لفلان ما صنع، وليت شعري عن فلان ما صنع، وليت شعري فلانا، وأنشدوا شاهدا على الأخيرة البيت الأول، وهو في اللسان (شعر)، والبيت الثاني في اللسان أيضا (برك)، وليت: كلمة تمن، والنبع في الأصل: شجر من أشجار الجبال تتخذ منه القسي لصلابته، وكل القسي إذا ضمت إلى قوس النبع كرمتها قوس النبع، ولا يكون العود كريما حتى يكون ذلك، ولهذا يطلقون على كل شيء كريم اسم النبع، وشجر كل من الرمان والزيتون من أكرم الأشجار وأنفعها للناس..
١٢ وتكون الجملة في موضع الصفة..

### الآية 24:36

> ﻿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ [24:36]

الباء في  بيوت  : تضم وتكسر، واختلف في الفاء من قوله  في  فقيل هي متعلقة ب  مصباح  \[ النور : ٣٥ \] قال أبو حاتم وقيل متعلقة ب  يسبح  المتأخر، فعلى هذا التأويل يوقف على  عليم  \[ النور : ٣٨ \] قال الرماني هي متعلقة ب  يوقد  \[ النور : ٣٥ \] واختلف الناس في البيوت التي أَرادها بقوله تعالى : في بيوت أذن الله أن ترفع  فقال ابن عباس والحسن ومجاهد هي المساجد المخصوصة لله تعالى التي من عادتها أن تنور بذلك النوع من المصابيح، وقال الحسن بن أَبي الحسن أراد بيت المقدس وسماه بيوتاً من حيث فيه مواضيع يتحيز بعضها عن بعض. 
قال الفقيه الإمام القاضي : ويؤثر، أن عادة بني إسرائيل في وقيد بيت المقدس كانت غاية في التهمم به، وكان الزيت منتخباً مختوماً على ظروفه قد صنع صنعة وقدس حتى لا يجزى الوقيد بغيره، فكان لهذا ونحوه أضوأ بيوت الأرض، وقال عكرمة أراد بيوت الإِيمان على الإطلاق مساجد ومساكن فهي التي يستصبح فيها بالليل للصلاة وقراءة العلم، وقال مجاهد أراد بيوت النبي صلى الله عليه وسلم. 
قال القاضي أبو محمد : وقوله تعالى : يسبح له فيها بالغدو والآصل رجال  يقوي أنها المساجد وقوله : أذن  بمعنى أمر وقضى، وحقيقة الإذن العلم والتمكين دون حظر فإن اقتران بذلك أمر وإنفاذ كان أقوى، و  ترفع ، قيل معناه تبنى وتعالى، قاله مجاهد وغيره فذلك كنحو قوله تعالى : وإذ يرفع إبراهيم القواعد [(١)](#foonote-١) \[ البقرة : ١٢٧ \] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم **«من بنى مسجداً من ماله بنى الله له بيتاً في الجنة »**[(٢)](#foonote-٢)، وفي هذا المعنى أحاديث، وقال الحسن بن أبي الحسن وغيره معناه تعظم ويرفع شأنها، وذكر  اسمه  تعالى، هو بالصلاة والعبادة قولاً وفعلاً، وقرأ ابن كثير وعاصم[(٣)](#foonote-٣) **«يسبَّح »** بفتح الباء المشددة، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم **«يسبِّح »** بكسر الباء، ف  رجال  على القراءة الأولى مرتفع بفعل مضمر يدل عليه  يسبح  تقديره يسبحه رجال، فهذا عند سيبويه نظير قول الشاعر :**«ليبك يزيد ضارع لخصومة »**[(٤)](#foonote-٤) أي يبكيه ضارع، و  رجال  على القراءة الثانية مرتفع ب  يسبح  الظاهر، وروي عن يحيى بن وثاب أنه قرأ **«تسبح »** بالتاء من فوق، و  الغدو والآصال  قال الضحاك أراد الصبح والظهر، وقال ابن عباس أراد ركعتي الضحى والعصر وإن ركعتي الضحى لفي كتاب الله وما يغوص عليها إلا غواص، وقرأ أبو مجلز **«والإيصال »**.

١ من الآية (١٢٧) من سورة (البقرة)..
٢ أخرجه مسلم في المساجد والمسافرين والزهد، والبخاري في الصلاة، وأبو داود في التطوع، والترمذي في الصلاة، والنسائي في المساجد وقيام الليل، وابن ماجه في المساجد والتجارات، والدرامي في الصلاة، وأحمد في مواضع كثيرة من مسنده، وتختلف الألفاظ باختلاف الرواة..
٣ في رواية أبي بكر عنه..
٤ هذا صدر بيت نسبه سيبويه في الكتاب للحارث بن نهيك، ونسبه في خزانة الأدب لنهشل بن حري، وقد ذكر نسبته أيضا إلى لبيد، وإلى مزرد، وإلى الحارث بن ضرار النهشلي، والبيت بتمامه:
 ليبك يزيد ضارع لخصومة ومختبط مما تطيح الطوائح
 والبيت من شواهد النحويين، واستشهدوا به على رفع (ضارع) بإضمار فعل دل عليه ما قبله كما ذكر ابن عطية هنا، وهو موجود في العيني، وابن يعيش. و(يزيد) المذكور في البيت هو يزيد بن نهشل، والضارع: الذليل الخاضع، ولخصومة، أي: لأجل الخصومة، والمتخبط: طالب العرف، وتطيح: تذهب وتهلك، والطوائح أراد بها المطاوح لأنه جمع مطيحة، جمع على حذف الزيادة، كقوله تعالى \[لواقح\] جمع ملقحة، والاستشهاد بالبيت عند سيبويه وغيره من النحويين تم بناء على رواية (لبيك) بالبناء للمفعول، و (يزيد) نائب فاعل، وقد روى البيت ببناء الفعل (يبك) للفاعل، وعلى هذا فالفاعل هو ضارع، و (يزيد) مفعوله، ولا حذف ولا شاهد. (راجع الخزانة والكتاب)..

### الآية 24:37

> ﻿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ [24:37]

ثم وصف تعالى المسبحين بأنهم لمراقبتهم أمر الله تعالى وطلبهم لرضاه لا يشغلهم عن الصلاة وذكر الله شيء من أمور الدنيا، وقال كثير من الصحابة نزلت هذه الآية في أَهل الأَسواق الذين إذا سمعوا النداء بالصلاة تركوا كل شغل وبادروا إليها، فرأى سالم بن عبد الله بن عمر أهل الأسواق وهم مقبلون إلى الصلاة فقال هؤلاء الذين أراد الله تعالى بقوله : لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ، وروي ذلك عن ابن مسعود،  وإقام ، مصدر من أقام يقيم أصله أقوام نقلت حركة الواو إلى القاف فبقيت ساكنة والألف ساكنة فحذفت للالتقاء، فجاء  إقام ، بعض النحويين هو مصدر بنفسه قد لا يضاف وقيل لا يجوز أقمته إقاماً، وإنما يستعمل مضافاً، ذكره الرماني وقال بعضهم من حيث رأوه لا يستعمل إلا مضافاً ألحقت به هاء عوضاً من المحذوف فجاء إقامة، فهم إذا أضافوه حذفوا العوض لاستغنائهم عنه بأَن المضاف والمضاف إليه كاسم واحد، و  الزكاة  هنا عند ابن عباس الطاعة لله، وقال الحسن هي الزكاة المفروضة في المال، و **«اليوم المخوف »** الذي ذكره تعالى، هو يوم القيامة، واختلف الناس في تقلب  القلوب والأبصار  كيف هو، فقالت فرقة يرى الناس الحقائق عياناً فتتقلب قلوب الشاكين ومعتقدي الضلال عن معتقداتها إلى اعتقاد الحق على وجهه وكذلك الأبصار وقالت فرقة هو تقلبها على جمر جهنم. 
قال الفقيه الإمام القاضي : ومقصد الآية إنما هو وصف هول يوم القيامة، فأما القول الأول فليس يقتضي هولاً وأما الثاني فليس التقلب في جمر جهنم يوم القيامة وإنما هو بعده. 
وإنما معنى الآية عندي أن ذلك اليوم لشدة هوله ومطلعه، القلوب والأبصار فيه مضطربة قلقة متقلبة من طمع في النجاة إلى طمع ومن حذر هلاك إلى حذر، ومن نظر في هول إلى النظر في الآخر، والعرب تستعمل هذا المعنى في الحروب ونحوها ومنه قول الشاعر :**«بل كان قلبك في جناحي طائر »**[(١)](#foonote-١) ومنه قول بشار كان فؤاده كرة تنزى[(٢)](#foonote-٢)، ومنه قول الآخر :**«إذا حلق النجيد وصلصل الحديد »** وهذا كثير.

١ جناح الطائر: ما يخفق به في الطيران، ويقال: "فلان في جناحي طائر" إذا كان قلقا دهشا، قال في اللسان: "والعرب أمثال في الجناح، منها قولهم في الرجل إذا جد في الأمر واحتفل: ركب فلان جناحي نعامة، ويقال: "ركب القوم جناحي الطائر" إذا فارقوا أوطانهم، ويقال: "فلان في جناحي طائر" إذا كان قلقا دهشا... والقلوب هي موضع القلق والاضطراب والتقلب، وهذا هو موضع الاستشهاد هنا..
٢ هذا صدر بيت قيل: هو من شعر نصيب، وقيل: بل من شعر بشار، قال صاحب اللسان حين استشهد بأبيات على أن التنزي هو التوثب والتسرع، والأبيات هي:
 أقول وليلتي تزداد طولا أما لليل بعدهم نهارا؟
 جفت عيني عن التغميض حتى كأن جفونها عنها قصار
 كأن فؤاده كره تنزى حذار البين لو نفع الحذار
 يشبه فؤاده بالكرة التي تتوثب وتضطرب إشفاقا من الفراق وخوفا لو كان ينفع الفراق الخوف..

### الآية 24:38

> ﻿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [24:38]

اللام في قوله  ليجزيهم  متعلقة بفعل مضمر تقديره فعلوا ذلك ويسروا لذلك ونحو هذا، ويحتمل أن تكون متعلقة ب  يسبح  \[ النور : ٣٦ \] وقوله  أحسن ما عملوا  فيه حذف مضاف تقديره ثواب أحسن ثم وعدهم عز وجل بالزيادة من فضله على ما تقتضيه أعمالهم، فأهل الجنة أبداً في مزيد، ثم ذكر أنه  يرزق من يشاء  ويخصه بما يشاء من رحمته دون حساب ولا تعديد، وكل تفضل لله فهو  بغير حساب ، وكل جزاء على عمل فهو بحساب.

### الآية 24:39

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [24:39]

ولما ذكر الله تعالى فيما تقدم من هذه الآية حالة الإيمان والمؤمنين وتنويره قلوبهم عقب ذلك بذكر الكفرة وأعمالهم فمثل لها ولهم تمثيلين : الأول منهما يقتضي حال أعمالهم في الآخرة من أنها غير نافعة ولا مجدية، والثاني يقتضي حالها في الدنيا من أنها في الغاية من الضلال والغمة التي مآلها ما ذكر من تناهي الظلمة في قوله  أو كظلمات ، و ****«السراب »**** ما ترقرق من الهواء في الهجير في فيافي الأرض المنسبطة وأوهم الناظر إليه على البعد أنه ماء، سمي بذلك لأنه ينسرب كالماء فكذلك أعمال الكافر يظن في دنياه أنه نافعته فإذا كان يوم القيامة لم يجدها شيئاً فهي كالسراب الذي يظنه الرائي العطشان ماء فإذا قصده وأتعب نفسه بالوصول إليه لم يجد شيئاً، و **«القيعة »** جمع قاع كجيرة وجار والقاع المنخفض البساط من الأرض ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في مانع زكاة الأنعام **«فيبطح لها بقاع قرقر »**[(١)](#foonote-١)، وقيل القيعة مفرد، وهو بمعنى القاع، وقرأ مسلم بن محارب **«بقيعات »**[(٢)](#foonote-٢)، وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع بخلاف **«الظمان »** بفتح الميم وطرح حركة الهمزة على الميم وترك الهمزة، وقوله  حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً  يريد  شيئاً  نافعاً في العطش، أو يريد  شيئاً  موجوداً على العموم ويريد ب  جاءه  جاء موضعه الذي تخيله فيه ويحتمل أن يعود الضمير في  جاءه  على ****«السراب »****، ثم يكون في الكلام بعد ذلك متروك يدل عليه الظاهر تقديره فكذلك الكافر يوم القيامة يظن عمله نافعاً  حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً . 
ويحتمل الضمير أن يعود على العمل الذي يدل عليه قوله  أعمالهم  ويكون تمام المثل في قوله  ماء  ويستغني الكلام عن متروك على هذا التأويل، لكن يكون في المثل إيجاز واقتضاب لوضوح المعنى المراد به، وقوله  ووجد الله عنده  أي بالمجازاة، والضمير في  عنده  عائد على العمل، وباقي الآية بين فيه توعد وسرعة الحساب من حيث هو يعلم لا تكلف فيه.

### الآية 24:40

> ﻿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ۗ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [24:40]

وقوله تعالى : أو كظلمات  عطف على قوله  كسراب ، وهذا المثال الأخير تضمن صفة أعمالهم في الدنيا، أي إنهم من الضلال ونحوه في مثل هذه الظلمة المجتمعة من هذه الأشياء، وذهب بعض الناس إلى أن في هذا المثال أجزاء تقابل أجزاء من الممثل فقال **«الظلمات »** الأعمال الفاسدة والمعتقدات الباطلة، و **«البحر اللجي »** صدر الكافر وقلبه، و **«اللجي »** معناه ذو اللجة، وهي معظم الماء وغمره واجتماع ما به أشد لظلمته، و **«الموج »** هو الضلال والجهالة التي غمرت قلبه والفكر المعوجة، و **«السحاب »** هو شهوته في الكفر وإعراضه عن الإيمان وما رين به على قلبه. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وهذا التأويل سائغ وإن لا يقدر هذا التقابل سائغ، وقرأ سفيان بن حسين[(١)](#foonote-١) **«أوَ كظلمات »** بفتح الواو، وقرأ جمهور السبعة ****«سحابٌ »**** بالرفع والتنوين ******«ظلمات »****** بالرفع، وقرأ ابن كثير في رواية قنبل ****«سحابٌ »**** بالرفع والتنوين ******«ظلمات »****** بالخفض على البدل من ******«ظلمات »****** الأول، وقرأ ابن أبي بزة عن ابن كثير **«سحابُ »** بغير تنوين على الإضافة على الظلماتٍ، وقوله  إذا أخرج يده لم يكد يراها  لفظ يقتضي مبالغة الظلمة، واختلف الناس في هذه اللفظ هل يقتضي أن هذا الرجل المقدر في هذه الأحوال وأخرج يده رأى يده ولم يرها البتة، فقالت فرقة لم يرها جملة وذلك أن ********«كاد »******** معناها قارب فكأنه قال  إذا أخرج يده  لم يقارب رؤيتها، وهذا يقتضي نفي الرؤية جملة، وقالت فرقة بل رآها بعد عسر وشدة وكان أن لا يراها ووجه ذلك أن ********«كاد »******** إذا صحبها حرف النفي وجب الفعل الذي بعدها وإذا لم يصحبها انتفى الفعل. 
قال أبو محمد رحمه الله : وهذا لازم متى كان حرف النفي بعد ********«كاد »******** داخلاً على الفعل الذي بعدها، تقول : كاد زيد يقوم، فالقيام منفي فإذا قلت كاد زيد أن لا يقوم فالقيام واجب واقع، وتقول كاد النعام يطير، فهذا يقتضي نفي الطيران عنه، فإذا قلت كاد النعام أن يطير وجب الطيران له، فإذ كان حرف النفي مع ********«كاد »******** فالأمر محتمل مرة يوجب الفعل ومرة ينفيه، تقول المفلوج لا يكاد يسكن فهذا كلام صحيح تضمن نفي السكون، وتقول رجل متكلم[(٢)](#foonote-٢) لا يكاد يسكن، فهذا كلام صحيح يتضمن إيجاب السكون بعد جهد ونادراً ومنه قوله تعالى : فذبحوها وما كادوا يفعلون [(٣)](#foonote-٣) \[ البقرة : ٧١ \] نفي مع كاد تضمن وجوب الذبح، وقوله في هذه الآية  لم يكد يراها  نفي مع كاد يتضمن في أحد التأويلين، نفي الرؤية، ولهذا ونحوه قال سيبويه رحمه الله إن أفعال المقاربة لها نحو آخر بمعنى أنها دقيقة التصرف[(٤)](#foonote-٤)، وقوله تعالى : ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور  قالت فرقة يريد في الدنيا، أي من لم يهده الله لم يهتد، وقالت فرقة أراد في الآخرة أي من لم يرحمه الله وينور حاله بالعفو والرحمة فلا رحمة له، والأول أبين وأليق بلفظ الآية، وأيضاً فذلك لازم نور الآخرة إنما هو لمن نور قلبه في الدنيا وهدى، وقد قررت الشريعة أن من مر لآخرته على كفره فهو غير مرحوم ولا مغفور له.

١ سفيان بن حسين بن حسن، أبو محمد، أو أبو الحسن الواسطي، ثقة ـ في غير الزهري ـ باتفاقهم، من السابعة، مات بالري مع المهدي، وقيل: مات في أول خلافة الرشيد. (تقريب التهذيب)..
٢ في بعض النسخ: "رجل متصرف..."..
٣ من الآية (٧١) من سورة (البقرة)..
٤ قال النحاس: "وأصح الأقوال في هذا أن المعنى: لم يقارب رؤيتها، فإذا لم يقارب رؤيتها لم يرها رؤية بعيدة ولا قريبة"..

### الآية 24:41

> ﻿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ۖ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ [24:41]

ألم تر  تنبيه، و **«الرؤية »** رؤية الفكر، قال سيبويه كأنه قال انتبه الله يسبح له من في السماوات، والتسبيح هنا التعظيم والتنزيه فهو من العقلاء بالنطق وبالصلاة من كل ذي دين، واختلف في تسبيح  الطير  وغير ذلك مما قد ورد الكتاب بتسبيحه، فالجمهور على أنه تسبيح حقيقي وقال الحسن وغيره هو لفظ تجوز وإنما تسبيحه بظهور الحكمة فيه، فهو لذلك يدعو إلى التسبيح، وقال المفسرون قوله  من في السماوات والأرض  عامة لكل شيء من له عقل وسائر الجمادات، لكنه لما اجتمع ذلك عبر عنه ب  من  تغليباً لحكم من يعقل، و  صافات  معناه مصطفة في الهواء، وقرأ الأعرج **«والطيرَ »** بنصب الراء، وقرأ الحسن و **«الطيرُ صافاتٌ »** مرفوعتان وقوله : كل قد علم صلاته وتسبيحه  قال الحسن المعنى كل قد علم صلاة نفسه وتسبيح نفسه فهو يثابر عليها، قال مجاهد **«الصلاة »** للبشر و **«التسبيح »** لما عداهم، وقالت فرقة المعنى كل قد علم صلاة الله وتسبيح الله اللذين أمر بهما وهدى إليهما فهذه إضافة خلق إلى خالق، وقال الزجاج وغيره المعنى  كل قد علم  الله  صلاته وتسبيحه  فالضميران للكل، وقرأت فرقة **«عُلم صلاتُه وتسبيحُه »** بالرفع وبناء الفعل للمفعول الذي لم يسم فاعله ذكرها أبو حاتم. 
 وقرأ الجمهور ****«يفعلون»**** بالياء على معنى المبالغة في وصف قدرة الله وعلمه بخلقه، وقرأ عيسى والحسن ****«تفعلون»**** بالتاء من فوق ففيه المعنى المذكور وزيادة الوعيد والتخويف من الله تعالى وإعلام بعد بكون الملك على الإطلاق له وتذكيره بأمر المصير إليه والحشر يقوي أمر التخويف من الله تعالى وفي مصحف أبي بن كعب وابن مسعود ****«والله بصير بما تفعلون»****.

### الآية 24:42

> ﻿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [24:42]

وقرأ الجمهور ****«يفعلون»**** بالياء على معنى المبالغة في وصف قدرة الله وعلمه بخلقه، وقرأ عيسى والحسن ****«تفعلون»**** بالتاء من فوق ففيه المعنى المذكور وزيادة الوعيد والتخويف من الله تعالى وإعلام بعد بكون الملك على الإطلاق له وتذكيره بأمر المصير إليه والحشر يقوي أمر التخويف من الله تعالى وفي مصحف أبي بن كعب وابن مسعود ****«والله بصير بما تفعلون»****.

### الآية 24:43

> ﻿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ ۖ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ [24:43]

**«الرؤية في هذه الآية رؤية عين والتقدير أن أمر الله وقدرته، و  يزجي  معناه يسوق، والإزجاء إنما يستعمل في سوق كل ثقيل ومدافعته كالسحاب والإبل المزاحف كما قال الفرزدق »** على مزاحيف تزجيها مخارير[(١)](#foonote-١) **«، والبضاعة المزجاة التي تحتاج من الشفاعة والتحسين إلى ما هو كسوق الثقيل، ومنه قول حبيب في الشيب، »** ونحن نزجيه **«، وسيبويه أبداً يقول في كلامه فأنت تزجيه إلى كذا أي تسوقه ثقيلاً متباطئاً، وقوله  يؤلف بينه  أي بين مفترق السحاب نفسه لأن مفهوم السحاب يقتضي أن بينه فروجاً، وهذا كما تقول جلست بين الدور ولو أضيفت »** بين **«إلى مفرد لم يصح إلا أن تريد آخر، لا تقول جلست بين الدار إلا أن تريد وبين كذا[(٢)](#foonote-٢)، وورش عن نافع لا يهمز »** يولف **«وقالون عن نافع والباقون يهمزون »** يؤلف **«وهو الأصل، و »** الركام «الذي يركب بعضه بعضاً ويتكاثف، والعرب تقول إن الله تعالى إذا جعل السحاب ركاماً بالريح عصر بعضه بعضاً فخرج  الودق  منه ومن ذلك قوله تعالى : وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجاً [(٣)](#foonote-٣) \[ النبأ : ١٤ \] ومن ذلك قول حسان بن ثابت :\[ الكامل \]
كلتاهما حلب العصير. . . فعاطني بزجاجة أرخاهما للمفصل[(٤)](#foonote-٤)
ويروى للمِفصل بكسر الميم وبفتح الصاد، فالمِفصل واحد المفاصيل والمفصل اللسان[(٥)](#foonote-٥) ويروى بالقاف، أراد حسان الخمر والماء الذي مزجت به أي هذه من عصر العنب وهذه من عصر السحاب، فسر هذا التفسير قاضي البصرة عبد الله بن الحسن العنبري للقوم الذين حلف صاحبهم بالطلاق أن يسأل القاضي عن تفسير بيت حسان، و  الودق  المطر ومنه قول الشاعر :\[ المتقارب \]
فلا مزنة ودقت ودقها. . . ولا أرض أبقل إبقالها[(٦)](#foonote-٦)
وقرأ جمهور الناس » من خلاله **«وهو جمع خلل كجبل وجبال، وقرأ ابن عباس والضحاك »** من خلله **«، وقرأ عاصم والأعرج »** وينزّل **«على المبالغة والجمهور على التخفيف، وقوله  من جبال فيها من برد  قيل تلك حقيقة وقد جعل الله تعالى في السماء جبالاً  من برد  وقالت فرقة ذلك مجاز وإنما أراد وصف كثرته وهذا كما تقول عند فلان جبال من المال وجبال من العلم أي في الكثرة مثل الجبال، وحكي عن الأخفش تقديره زيادة  من  في قوله : من برد  وهو قول ضعيف، و  من  في قوله  من السماء  في لابتداء الغاية، وفي قوله  من الجبال  هي للتبعيض، وفي قوله  من برد  هي لبيان الجنس، و »** السنا **«مقصور، الضوء والسناء، ممدود، المجد والارتفاع في المنزلة، وقرأ الجمهور »** سنا **«بالقصر، وقرأ طلحة بن مصرف »** سناء «بالمد والهمز. 
وقرأ طلحة أيضاً **«بُرَقةَ »** بضم الباء وفتح الراء وهي جمع **«بُرْقة »** بضم الباء وسكون الراء فعلة وهي القدر من البرق كلقمة ولقم وغرفة وغرف، وقرأ الجمهور **«يَذهب »** بفتح الياء، وقرأ أبو جعفر **«يُذهب »** بضمها من أذهب كأن التقدير يذهب النفوس بالأبصار نحو قوله  ينبت بالدهن [(٧)](#foonote-٧) \[ المؤمنون : ٢٠ \] ويحتمل أن يكون مثل قوله  ومن يرد فيه بإلحاد بظلم [(٨)](#foonote-٨) \[ الحج : ٢٥ \] فالباء زائدة دالة على فعل يناسبها ثم اقتضت لفظ الآية الإخبار عن تقبله الليل والنهار والإتيان بهذا بعد هذا دون توطئة هو الذي تعجز عنه الفصحاء حتى يقع منهم التخليق في الألفاظ والتوطئة بالكلام وباقي الآية بين. 
١ هذا عجز بيت قاله الفرزدق من قصيدة له يمدح فيها يزيد بن عبد الملك، ويهجو يزيد بن المهلب، والبيت بتمامه مع بيت قبله:
 مستقبلين شمال الشام تضربنا بحاصب كنديف القطن منثور
 على عمائمنا يلقى وأرحلنا على مزاحف نزجيها محاسير
 والبيتان في اللسان، والرواية فيه وفي الديوان: "على زواحف"، والحاصب: الريح الشديدة تحمل الحصباء، والزواحف: النيقان التي أصابها التعب والإعياء، يقال: ناقة زحوف من إبل زحف، وناقة مزحاف من إبل مزاحيف ومزاحف، وتزجي: تسوق وتدفع دفعا رفيقا، وهو موضع الشاهد هنا، وفي الحديث الشريف (كان يتخلف في السير فيزجي الضعيف)، أي يسوقه ليلحق بالرفاق، والفرزدق يصور هنا رحيله مع صحبه إلى يزيد بن عبد الملك في شمال الشام، والريح ترميمهم بالثلج المتساقط كأنه نديف القطن، وهو يتناثر على عمائمهم وأرحلهم، وهم يقومون بهذه الرحلة على إبل تزحف من شدة الإعياء والتعب فيسوقونها سوقا رفيقا رحمة بها..
٢ وقيل: إن \[بينه\] في الآية لجماعة السحاب، كما تقول: هذا الشجر قد جلست بينه؛ لأنه جمع، وتذكير الكناية يأتي تبعا للفظ، قال الفراء في (معاني القرآن): هو واحد في اللفظ ومعناه جمع؛ ألا ترى قوله ينشئ السحاب الثقال؟ ألا ترى أن واحدته سحابة، فإذا ألقيت الهاء كان بمنزلة نخلة ونخل وشجرة وشجر، وأنت قائل: فلان بين الشجر وبين النخل"..
٣ الآية (١٤) من سورة (النبأ)..
٤ هذا البيت من قصيدة حسان التي تقول في مطلعها: "أسألت رسم الدار أم لم تسأل"، وقبل هذا البيت يقول في وصف الخمر:
 إن التي ناولتني فرددتها قتلت، قتلت، فهاتها لم تقتل
 وقد ورد بيت الشاهد هنا في لسان العرب بروايتين، إحداهما كما هنا، والثانية تقول: (كلتاهما عرق الزجاجة فاسقني)، والضمير في (كلتاهما) راجع إلى النوعين اللذين ذكرهما في البيت السابق، التي قتلت ـ أي مزجت بالماء فخفت حدتها ـ والتي لم تقتل، والعصير: ما تعصر من الشيء أو تحلب منه عند عصره. والحلب: المحلوب، وحلب العصير: الخمر، يطلب منه أن يقدم له خمرا خالصة غير ممزوجة لأنها هي التي تؤثر فيه..
٥ ذكر ذلك صاحب اللسان واستشهد عليه ببيت حسان هذا، ثم ذكر أن في الصحاح: المفصل ـ بكسر الميم ـ هو اللسان، وأنشد ابن بري هذا البيت شاهدا على ذلك، ومعنى هذا أنه ضبطه بالكسر للميم..
٦ هذا البيت لعامر بن جوين الطائي، وهو في اللسان (ودق)، وقد استشهد به على أن الودق: المطر كله شديده وهينه، وأنه يقال: ودق يدق ودقا، والمزن: السحاب عامة، وقيل: السحابة البيضاء، وقيل: السحاب الممطر، وأبقل إبقالها: أنبتت البقل، ولم يقل أبقلت لأن تأنيث الأرض ليس بتأنيث حقيقي، وقيل: إن هذا إذا أسند الفعل للظاهر نحو طلعت الشمس وطلع الشمس، أما إذا أسند للضمير فيستوي فيه الحقيقي والمجازي ويتعين التأنيث نحو: الشمس طلعت، ولا يجوز: الشمس طلع، وهذا البيت شاذ أو مؤول، نص على ذلك النحويون..
٧ من الآية (٢٠) من سورة (المؤمنون)، وقد قيل فيها إن الباء زائدة على قراءة \[تنبت\] بضم الباء، فيكون التقدير: تنبت الدهن، وقيل: إن التقدير: تنبت جناها ومعه الدهن، فالمفعول محذوف، راجع تفسير هذه الآية في هذا الجزء صفحة (٣٤٣)..
٨ من الآية (٢٥) من سورة (الحج)..

### الآية 24:44

> ﻿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ [24:44]

كل قد علم صلاة نفسه وتسبيح نفسه فهو يثابر عليها، قال مجاهد **«الصلاة»** للبشر و **«التسبيح»** لما عداهم، وقالت فرقة المعنى كل قد علم صلاة الله وتسبيح الله اللذين أمر بهما وهدى إليهما فهذه إضافة خلق إلى خالق، وقال الزجاج وغيره المعنى كُلٌّ قَدْ عَلِمَ الله صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ فالضميران للكل، وقرأت فرقة **«علم صلاته وتسبيحه»** بالرفع وبناء الفعل للمفعول الذي لم يسم فاعله ذكرها أبو حاتم، وقرأ الجمهور **«يفعلون»** بالياء على معنى المبالغة في وصف قدرة الله وعلمه بخلقه، وقرأ عيسى والحسن **«تفعلون»** بالتاء من فوق ففيه المعنى المذكور وزيادة الوعيد والتخويف من الله تعالى وإعلام بعد بكون الملك على الإطلاق له وتذكيره بأمر المصير إليه والحشر يقوي أمر التخويف من الله تعالى وفي مصحف أبي بن كعب وابن مسعود **«والله بصير بما تفعلون»**.
 **قوله عز وجل:**
 \[سورة النور (٢٤) : الآيات ٤٣ الى ٤٤\]
 أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (٤٤)
 **«الرؤية في هذه الآية رؤية عين والتقدير أن أمر الله وقدرته، ويُزْجِي معناه يسوق، والإزجاء إنما يستعمل في سوق كل ثقيل ومدافعته كالسحاب والإبل المزاحف كما قال الفرزدق «على مزاحيف تزجيها مخارير»**، والبضاعة المزجاة التي تحتاج من الشفاعة والتحسين إلى ما هو كسوق الثقيل، ومنه قول حبيب في الشيب، **«ونحن نزجيه»**، وسيبويه أبدا يقول في كلامه فأنت تزجيه إلى كذا أي تسوقه ثقيلا متباطئا، وقوله يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ أي بين مفترق السحاب نفسه لأن مفهوم السحاب يقتضي أن بينه فروجا، وهذا كما تقول جلست بين الدور ولو أضيفت **«بين»** إلى مفرد لم يصح إلا أن تريد آخر، لا تقول جلست بين الدار إلا أن تريد وبين كذا، وورش عن نافع لا يهمز **«يولف»** وقالون عن نافع والباقون يهمزون **«يؤلف»** وهو الأصل، و **«الركام»** الذي يركب بعضه بعضا ويتكاثف، والعرب تقول إن الله تعالى إذا جعل السحاب ركاما بالريح عصر بعضه بعضا فخرج الْوَدْقَ منه ومن ذلك قوله تعالى: وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً \[النبأ: ١٤\] ومن ذلك قول حسان بن ثابت: \[الكامل\]
 كلتاهما حلب العصير... فعاطني بزجاجة أرخاهما للمفصل
 ويروى للمفصل بكسر الميم وبفتح الصاد، فالمفصل واحد المفاصيل والمفصل اللسان ويروى بالقاف، أراد حسان الخمر والماء الذي مزجت به أي هذه من عصر العنب وهذه من عصر السحاب، فسر هذا التفسير قاضي البصرة عبد الله بن الحسن العنبري للقوم الذين حلف صاحبهم بالطلاق أن يسأل القاضي عن تفسير بيت حسان، والْوَدْقَ المطر ومنه قول الشاعر: \[المتقارب\]
 فلا مزنة ودقت ودقها... ولا أرض أبقل إبقالها

### الآية 24:45

> ﻿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ ۚ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [24:45]

هذه آية اعتبار، وقرأ حمزة والكسائي **«والله خالق كل »** على الإضافة، وقرأ الجمهور **«والله خلق كل »**، و **«الدابة »** كل من يدب من الحيوان أي تحرك منتقلاً أمامه قدماً، ويدخل فيه الطير إذ قد يدب ومنه قول الشاعر :**«دبيب قطا البطحاء في كل منهل »**[(١)](#foonote-١)، ويدخل في الحوت وفي الحديث **«دابة من البحر مثل الظرب »**[(٢)](#foonote-٢)، وقوله  من ماء  قال النقاش أراد أمنية الذكور، وقال جمهور النظرة أراد أن خلقة كل حيوان أن فيها ماء كما خلق آدم من الماء والطين، وعلى هذا يتخرج قول النبي عليه السلام للشيخ الذي سأل في غزاة بدر ممن أنتما ؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم **«نحن من ماء. . . »**[(٣)](#foonote-٣) الحديث، و **«المشي علي البطن »** للحيات والحوت ونحوه من الدود وغيره، و **«على الرجلين »** للإِنسان والطير إذا مشى، و **«الأربع »** لسائر الحيوان، وفي مصحف أبي بن كعب **«ومنهم من يمشي على أكثر »** فعم بهذه الزيادة جميع الحيوان، ولكنه قرآن لم يثبته الإجماع، لكن قال النقاش : إنما اكتفى لقول بذكر ما  يمشي على أربع  عن ذكر ما يمشي على الأكثر لأن جميع الحيوان إنما اعتماده على أربع وهي قوام مشيه وكثرة الأرجل في بعضه زيادة في الخلقة لا يحتاج ذلك الحيوان في مشيه إلى جميعها. 
قال القاضي أبو محمد : والظاهر أن تلك الأرجل الكثيرة ليست باطلاً بل هي محتاج إليها في تنقل الحيوان وفي كلها تتحرك في تصرفه.

١ الدبيب: المشي، والقطا: نوع من اليمام يؤثر الحياة في الصحراء، ويتخذ أفحوصه في الأرض، ويطير في جماعات، ويقطع مسافات شاسعة، وبيضه مرقط، والبطحاء: المكان المتسع يمر به السيل فيترك فيه الرمل والحصى الصغار، والمنهل: المورد، أي الموضع الذي فيه المشرب، وهذا الشطر شاهد على أن الدبيب يكون للطير أيضا كما هو للحيوان..
٢ أخر ج النسائي والدرامي في الصيد حديثا عن جابر رضي الله عنه قال: (بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثمائة، فأصابنا جوع حتى أتينا البحر وقد قذف دابة، فأكلنا منها حتى ثابت أجسامنا، فأخذ أبو عبيدة ضاعا من أضلاعها فوضعه، ثم حمل أطول رجل في الجيش على أعظم بعير في الجيش فمر تحته، هذا معناه)، وليس فيه لفظ الظرب، وقد جاء التشبيه بالظرب في رواية البخاري، والموطأ، وأحمد في مسنده، وفيه: (ثم انتهينا إلى البحر فإذا حوت مثل الظرب، فأكل منه ذلك الجيش ثمانية عشرة ليلة)، ولكن ليس في هذه الرواية لفظ الدابة، والحديث واحد، رواه جابر عن بعث للنبي صلى الله عليه وسلم قبل الساحل تحت إمرأة أبي عبيدة بن الجراح..
٣ من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن سلام حين سأله عن ثلاث خصال، الثالثة منها هي: ومن أين يشبه الولد أباه وأمه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع إليه الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع إليها). أخرجه البخاري في الأنبياء، وأحمد في مسنده (٣ ـ ١٠٨)..

### الآية 24:46

> ﻿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ ۚ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [24:46]

وقوله  آيات مبينات  يعم كل ما نصب الله تعالى من آية وصنعه للعبرة وكل ما نص في كتابه من آية تنبيه وتذكير وأخبر تعالى أنه أنزل الآيات، ثم قيد الهداية إليها لأنها من قبله لبعض دون بعض.

### الآية 24:47

> ﻿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ [24:47]

وقوله تعالى : ويقولون آمنا بالله  الآية نزلت في المنافقين وسببها فيما روي أن رجلاً من المنافقين اسمه بشر كانت بينه وبين رجل من اليهود خصومة فدعاه اليهودي إلى التحاكم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان المنافق مبطلاً فأبى من ذلك ودعا اليهود إلى كعب بن الأشرف فنزلت هذه الآية فيه[(١)](#foonote-١). 
وأسند الزهراوي عن الحسن بن أبي الحسن أنه قال من دعاه خصمه إلى حكم من حكام المسلمين فلم يجب فهو ظالم.

١ أخرجه الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما، وذكر ذلك النيسابوري في أسباب النزول، وذكر أن هذه القصة هي أيضا سبب نزول قوله تعالى في سورة النساء: يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وأخرجه ابن جرير عن الربيع بن أنس، كما أخرجه الثعلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما. (الدر المنثور، وأسباب النزول)..

### الآية 24:48

> ﻿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ [24:48]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٤٧:وقوله تعالى : ويقولون آمنا بالله  الآية نزلت في المنافقين وسببها فيما روي أن رجلاً من المنافقين اسمه بشر كانت بينه وبين رجل من اليهود خصومة فدعاه اليهودي إلى التحاكم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان المنافق مبطلاً فأبى من ذلك ودعا اليهود إلى كعب بن الأشرف فنزلت هذه الآية فيه[(١)](#foonote-١). 
وأسند الزهراوي عن الحسن بن أبي الحسن أنه قال من دعاه خصمه إلى حكم من حكام المسلمين فلم يجب فهو ظالم. 
١ أخرجه الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما، وذكر ذلك النيسابوري في أسباب النزول، وذكر أن هذه القصة هي أيضا سبب نزول قوله تعالى في سورة النساء: يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وأخرجه ابن جرير عن الربيع بن أنس، كما أخرجه الثعلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما. (الدر المنثور، وأسباب النزول)..


---

### الآية 24:49

> ﻿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ [24:49]

و  مذعنين  أي مظهرين للانقياد والطاعة وهم إنما فعلوا ذلك حيث أيقنوا بالُّنجح، وأما إذا طلبوا بحق فهم عنه  معرضون

### الآية 24:50

> ﻿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ۚ بَلْ أُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [24:50]

ثم وقفهم تعالى على أسباب فعلهم توقيف توبيخ أي ليقروا مما يوبخ به أو مما يمدح به فهو بليغ جداً ومنه قول جرير **«ألستم خير من ركب المطايا »**[(١)](#foonote-١) البيت. ثم حكم عليهم بأنهم  هم الظالمون  وقال : أن يحيف الله عليهم ورسوله  من حيث الرسول إنما يحكم بأمر الله وشرعه والميل الحيف.

### الآية 24:51

> ﻿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [24:51]

وقرأ الجمهور **«قولَ »** بالنصب، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه والحسن وابن أبي إسحاق **«قولُ »** بالرفع، واختلف عنهما قال أبو الفتح شرط  كان  أن يكون اسمها أعرف من خبرها فقراءة الجمهور أقوى، والمعنى إنما كان الواجب أن يقوله المؤمنون  إذا دعوا إلى  حكم  الله ورسوله   سمعنا وأطعنا  فكأن هذه ليست إخباراً عن ماضي زمن وإنما كقول الصديق : ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم[(١)](#foonote-١). وجعل الدعاء إلى الله من حيث هو إلى شرعة ودينه، وقرأ الجمهور **«ليَحكُم »** على بناء الفعل للفاعل، وقرأ أبو جعفر والجحدري وخالد بن إلياس والحسن **«ليُحكَم »** على بناء الفعل للمفعول، و  المفلحون  البالغون آمالهم في دنياهم وآخرتهم.

١ ومثل هذا قوله تعالى: وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا وقوله تعالى: وما كان جواب قومه إلا أن قالوا، واسم \[كان\] في آيتنا هنا هو أن يقولوا سمعنا وأطعنا، وهو أعرف من قول المؤمنين الذي جعلناه خبرا لكان، قال أبو الفتح: وهو أعرف لأن "أن" وصلتها تشبه المضمر من حيث لا يجوز وصفها كالمضمر، والمضمر أعرف من قول المؤمنين، وقال أبو حيان: هو أعرف لأنه لا سبيل عليه للتنكير..

### الآية 24:52

> ﻿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [24:52]

للإنسان والطير إذا مشى، و **«الأربع»** لسائر الحيوان، وفي مصحف أبي بن كعب **«ومنهم من يمشي على أكثر»** فعم بهذه الزيادة جميع الحيوان، ولكنه قرآن لم يثبته الإجماع، لكن قال النقاش: إنما اكتفى لقول بذكر ما يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ عن ذكر ما يمشي على الأكثر لأن جميع الحيوان إنما اعتماده على أربع وهي قوام مشيه وكثرة الأرجل في بعضه زيادة في الخلقة لا يحتاج ذلك الحيوان في مشيه إلى جميعها.
 قال القاضي أبو محمد: والظاهر أن تلك الأرجل الكثيرة ليست باطلا بل هي محتاج إليها في تنقل الحيوان وفي كلها تتحرك في تصرفه وقوله آياتٍ مُبَيِّناتٍ يعم كل ما نصب الله تعالى من آية وصنعه للعبرة وكل ما نص في كتابه من آية تنبيه وتذكير وأخبر تعالى أنه أنزل الآيات، ثم قيد الهداية إليها لأنها من قبله لبعض دون بعض، وقوله تعالى: وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ الآية نزلت في المنافقين وسببها فيما روي أن رجلا من المنافقين اسمه بشر كانت بينه وبين رجل من اليهود خصومة فدعاه اليهودي إلى التحاكم عند رسول الله ﷺ وكان المنافق مبطلا فأبى من ذلك ودعا اليهود إلى كعب بن الأشرف فنزلت هذه الآية فيه، وأسند الزهراوي عن الحسن بن أبي الحسن أنه قال من دعاه خصمه إلى حكم من حكام المسلمين فلم يجب فهو ظالم، ومُذْعِنِينَ أي مظهرين للانقياد والطاعة وهم إنما فعلوا ذلك حيث أيقنوا بالنجح وأما إذا طلبوا بحق فهم عنه مُعْرِضُونَ ثم وقفهم تعالى على أسباب فعلهم توقيف توبيخ أي ليقروا مما يوبخ به أو مما يمدح به فهو بليغ جدا ومنه قول جرير **«ألستم خير من ركب المطايا»** البيت، ثم حكم عليهم بأنهم هُمُ الظَّالِمُونَ وقال: أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ من حيث الرسول إنما يحكم بأمر الله وشرعه والميل الحيف.
 **قوله عز وجل:**
 \[سورة النور (٢٤) : الآيات ٥١ الى ٥٤\]
 إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٥٢) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٥٣) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٥٤)
 وقرأ الجمهور ****«قول»**** بالنصب، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه والحسن وابن أبي إسحاق ****«قول»**** بالرفع، واختلف عنهما قال أبو الفتح شرط كانَ أن يكون اسمها أعرف من خبرها فقراءة الجمهور أقوى، والمعنى إنما كان الواجب أن يقوله المؤمنون إِذا دُعُوا إِلَى حكم اللَّهِ وَرَسُولِهِ سَمِعْنا وَأَطَعْنا فكأن هذه ليست إخبارا عن ماضي زمن وإنما كقول الصديق: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجعل الدعاء إلى الله من حيث هو إلى شرعه ودينه، وقرأ الجمهور ****«ليحكم»**** على بناء الفعل للفاعل، وقرأ أبو جعفر والجحدري وخالد بن الياس والحسن ****«ليحكم»****

### الآية 24:53

> ﻿۞ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ۖ قُلْ لَا تُقْسِمُوا ۖ طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [24:53]

و **«جهد اليمين »** بلوغ الغاية في تعقيدها. 
و  ليخرجن  معناه إلى الغزو وهذه في المنافقين الذين تولوا حين  دعوا إلى الله ورسوله . 
وقوله : قل لا تقسموا طاعة معروفة  يحتمل معاني أحدها النهي عن القسم الكاذب إذ عرف أن طاعتهم دغلة رديئة. فكأنه يقول لا تغالطوا فقد عرف ما أنتم عليه، والثاني أن يكون المعنى لا تتكلفوا القسم طاعة متوسطة على قدر الاستطاعة أمثل وأجدى عليكم، وفي هذا الوجه إبقاء عليهم، والثالث أن يكون المعنى لا تقنعوا بالقسم طاعة تعرف منكم وتظهر عليكم هو المطلوب منكم، والرابع أن يكون المعنى لا تقنعوا لأنفسكم بإرضائنا بالقسم، طاعة الله معروفة وشرعه وجهاد عدوه مهيع لائح. 
وقوله  إن الله خبير  متصل بقوله : لا تقسموا ، و  طاعة معروفة ، اعتراض بليغ.

### الآية 24:54

> ﻿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ۖ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ ۖ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ۚ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [24:54]

وقوله  قل أطيعوا الله  الآية مخاطبة لأولئك المنافقين وغيرهم من الكفار وكل من يتعتى عن أمر محمد عليه السلام، وقوله  تولوا  معناه تتولوا محذوف التاء الواحدة يدل على ذلك، قوله : وعليكم ما حملتم  ولو جعلنا  تولوا  فعلاً ماضياً وقدرنا في الكلام خروجاً من خطاب الحاضر إلى ذكر الغائب لاقتضى الكلام أن يكون بعد ذلك وعليهم ما حملوا، والذي حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم هو التبليغ ومكافحة الناس بالرسالة وإعمال الجهد في إنذارهم، والذي حمل الناس هو السمع والطاعة واتباع الحق وباقي الآية بين، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي ونافع في رواية ورش **«ويتقهي »** بياء بعد الهاء قال أبو علي وهو الوجه. 
وقرأ قالون عن نافع **«ويتقهِ »** بكسر الهاء لا يبلغ بها الياء، وقرأ أبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر **«ويتقهْ »** جزماً للهاء، وقرأ حفص عن عاصم  ويتقه  بسكون وكسر الهاء[(١)](#foonote-١).

١ وهذا على نية الجزم، أما الباقون فقد كسروها لأن جزم الفعل بحذف آخره..

### الآية 24:55

> ﻿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [24:55]

قرأ الجمهور **«استخلَف »** على بناء الفعل للفاعل، وقرأ أبو بكر عن عاصم والأعرج، **«استُخلِف »** على بناء الفعل للمفعول، وروي أن سبب هذه الآية أن أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم شكا جهد مكافحة العدو وما كانوا فيه من الخوف على أنفسهم وأنهم لا يضعون أسلحتهم فنزلت هذه الآية عامة لأمة محمد عليه السلام، وقوله  في الأرض  يريد في البلاد التي تجاورهم والأصقاع التي قضى بامتدادهم إليها، و **«استخلافهم »** هو أن يملكهم ويجعلهم أهلها كما جرى في الشام وفي العراق وخراسان والمغرب، وقال الضحاك في كتاب النقاش هذه الآية تتضمن خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي لأنهم أهل الإيمان وعمل الصالحات، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم **«الخلافة بعدي ثلاثون سنة »**[(١)](#foonote-١)
قال الفقيه الإمام القاضي : والصحيح في الآية أنها في استخلاف الجمهور، واللام في قوله  ليستخلفنهم  لام القسم، وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر **«ليبَدّلنهم »** بفتح الباء وشد الدال، وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر والحسن وابن محيصن بسكون الباء وتخفيف الدال[(٢)](#foonote-٢)، وجاء في معنى تبديل خوفهم بالأمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال أصحابه : ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم **«لا تغبرون إلا قليلاً حتى يجلس الرجل منكم في الملأِ العظيم محتبياً ليس في حديدة »**[(٣)](#foonote-٣)، وقوله  يعبدونني  فعل مستأنف أي هم يعبدونني، قوله  ومن كفر  يحتمل أن يريد كفر هذه النعم إذا وقعت ويكون **«الفسق »** على هذا غير المخرج عن الملة، قال بعض الناس في كتاب الطبري ظهر ذلك في قتلة عثمان رضي الله عنه، ويحتمل أن يريد الكفر والفسق المخرجين عن الملة وهو ظاهر قول حذيفة بن اليمان فإنه قال كان على عهد النبي نفاق وقد ذهب ولم يبق إلا كفر بعد إيمان،

١ أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٥ ـ ٢٢٠، ٢٢١) عن سفينة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الخلافة ثلاثون عاما ثم يكون بعد ذلك الملك)، قال سفينة، أمسك خلافة أبي بكر رضي الله عنه سنتين، وخلافة عمر رضي الله عنه عشر سنين، وخلافة عثمان رضي الله عنه اثنى عشرة سنة، وخلافة علي رضي الله عنه ست ينين، رضي الله عنهم. (هذا وسفينة هو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم). وأخرجه بلفظ (خلافة النبوة ثلاثون سنة) كل من أبي داود، والترمذي، وأحمد أيضا، عن النعمان بن بشير..
٢ قراءة تشديد الدال من بدل، وقراءة التخفيف من أبدل، واختار أبو عبيدة قراءة التشديد لأنها أكثر ما في القرآن، قال تعالى: لا تبديل لكلمات الله، وقال: وإذا بدلنا آية مكان آية. واختار أبو حاتم قراءة التخفيف، وقال بعض العلماء: هما لغتان..
٣ أخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة نحوا من عشر سنين يدعون إلى الله وحده وعبادته وحده لا شريك له سرا وهم خائفون، لا يؤمرون بالقتال، حتى أمروا بالهجرة إلى المدينة، فقدموا المدينة فأمرهم الله بالقتال، وكانوا بها خائفين، يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح، فغبروا بذلك ما شاء الله، ثم إن رجلا من أصحابه قال: يا رسول الله، أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع فيه السلاح. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لن تغبروا إلا قليلا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليست فيهم حديدة، فأنزل الله وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض إلى آخر الآية. و (غبر) معناها: مكث. وأخرج مثله ابن المنذر، والطبراني في الأوسط، والحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل، وابن مردويه، عن أبي بن كعب رضي الله عنه..

### الآية 24:56

> ﻿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [24:56]

ولما قدم تعالى شرط عمل الصالحات بينها في هذه الآية، فنص على عظمها وهي إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وعم بطاعة الرسول لأنها عامة لجميع الطاعات، و  لعلكم  معناه في حقكم ومعتقدكم، ثم أنحى القول على الكفرة بأن نبه على أنهم ليسوا بمفلتين من عذاب الله.

### الآية 24:57

> ﻿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۖ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ [24:57]

وقرأ جمهور السبعة **«لا تحسبن »** بالتاء على المخاطبة للنبي عليه السلام، وقرأها الحسن بن أبي الحسن بفتح السين، وقرأ حمزة وابن عامر **«لا يحسبن »** بالياء قال أبو علي، وذلك يحتمل وجهين أحدهما أن يكون التقدير لا يحسبن محمد والآخر أن يسند الفعل إلى  الذين كفروا  والمفعول أنفسهم، وأعجز الرجل، إذا ذهب في الأرض فلم يقدر عليه ثم أخبر بأن **«مأواهم النار »** وأنها بئس الخاتمة والمصير.

### الآية 24:58

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ۚ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ۚ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [24:58]

قال ابن عمر  الذين ملكت  يراد به الرجال خاصة، وقال أبو عبد الرحمن السلمي يراد به النساء خاصة وسبيل الرجال يستأذنوا في كل وقت[(١)](#foonote-١)، وحكى الزهراوي عن أبي عمر ونحوه، وقيل الرجال والنساء كلهم مراد ورجحه الطبري، وقرأ الجمهور الناس **«الحلُم »** بضم اللام وكان أبو عمرو يستحسنها، وهذه الآية محكمة قال ابن عباس تركها الناس وكذلك ترك الناس قوله : إن أكرمكم عند الله أتقاكم [(٢)](#foonote-٢) \[ الحجرات : ١١٣ \] فأبى الناس إلا أن الأكرم هو الأنسب. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وهذه العبارة بترك \[ الناس \][(٣)](#foonote-٣) إغلاظ وزجر إذ لم تلتزم حق الالتزام، وإلا فما قال الله هو المعتقد في ذلك العلماء المكتوب في تواليفهم، أعني في أن الكرم التقوى وأما أمر الاستئذان فإن تغيير المباني والحجب أغنت عن كثير من الاستئذان، وصيرته على حد آخر، وأين أبواب المنازل اليوم من مواضع النوم وقد ذكر المهدوي عن ابن عباس أنه قال كان العمل بهذه الآية واجباً إذ كانوا لا غلق ولا أبواب ولو عادت الحال لعاد الوجوب. 
قال الفقيه الإمام القاضي : فهي الآن واجبة في كثير من مساكن المسلمين في البوادي والصحارى ونحوها، ومعنى الآية عند جماعة من العلماء أن الله تعالى أدب عباده بأن يكون العبيد إذ لا بال لهم والأطفال الذين لم يبلغوا إلا أنهم عقلوا معاني الكشفة ونحوها يستأذنون على أهليهم في هذه الأوقات الثلاثة وهي الأوقات التي تقتضي عادة الناس الانكشاف فيها وملازمة التعري في المضاجع، وهي عند الصباح لأن الناس في ذلك الوقت عراة في مضاجعهم وقد ينشكف النائم، فمن مشى ودخل وخرج فحكمه أن يستأذن لئلا يطلع على ما يجب ستره، وكذلك في وقت القائلة وهي الظهيرة لأن النهار يظهر فيها إذا علا واشتد حره، وبعد العشاء لأنه وقت التعري للنوم والتبدل للفراش[(٤)](#foonote-٤)، وأما غير هذه الأوقات التي هي عروة أي ذات انكشاف، فالعرف من الناس التحرز والتحفظ فلا حرج في دخول هذه الصنيفة[(٥)](#foonote-٥) بغير إذن إذ هم  طوافون  يمضون ويجيئون لا يجد الناس بدأ من ذلك. وقرأ ابن أبي عبلة **«طوافين »** وقال الحسن إذا أبات الرجل خادمه معه فلا استئذان عليه ولا في هذه الأوقات الثلاثة، وقوله  بعضكم على بعض  بدل من قوله  طوافون  و  ثلاثَ عورات  نصب على الظرف لأنهم لم يؤمروا بالاستئذان ثلاثاً إنما أمروا بالاستئذان ثلاث مواطن، فالظرفية في  ثلاث  بينة، قرأ جمهور السبعة **«ثلاثُ عورات »** برفع **«ثلاثُ »** وهذا على الابتداء، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم **«ثلاثَ عورات »** بنصب **«ثلاث »**، وهذه على البدل من الظرف في قوله  ثلاث مرات ، وهذا البدل إنما يصح معناه بتقدير أوقات **«ثلاث عورات »** فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، و  عورات  جمع عورة وبابه في الصحيح أن يجيء على فعلات بفتح العين كجفنة وجفنات ونحو ذلك وسكنوا العين في المعتل كبيضة وبيضات وجوبة وجوبات ونحوه لأن فتحه داع إلى اعتلاله فلم يفتح لذلك.

١ ضعف العلماء قول السلمي هذا لأن "الذين" لا يكون للنساء في كلام العرب، إنما يكون لهن "اللاتي، واللائي، واللواتي"..
٢ من الآية (١٣) من سورة (الحجرات)..
٣ في الصول: "وهذه العبارة بترك إغلاظ وزجر"، وواضح أن المقصود هو ما ذكرناه وأن كلمة الناس سقطت من النساخ. وما بين العلامتين \[...\] زيادة للإيضاح..
٤ يقال: "تبذل الرجل" أي: ترك التصون والتحرز..
٥ هكذا في الأصول، والمألوف أن يقال: "هذه الأصناف"..

### الآية 24:59

> ﻿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [24:59]

المعنى أن  الأطفال  أمروا بالاستئذان في الأوقات الثلاثة المذكورة وأبيح لهم الأمر في غير ذلك من الأوقات، ثم أمر تعالى في هذه الآية أن يكونوا إذا بلغوا  الحلم  على حكم الرجال في الاستئذان في كل وقت وهذا بيان من الله عز وجل.

### الآية 24:60

> ﻿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ۖ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [24:60]

وقوله : والقواعد ، يريد النساء اللائي قد أسنن وقعدن عن الولد واحدتهن قاعد. وقال ربيعة هي هنا التي تستقذر من كبرها، قال غيره وقد تقعد المرأة عن الولد وفيها مستمتع فلما كان الغالب من النساء أن ذوات هذا السن لا مذهب للرجل فيهن أبيح لهن ما لم يبح لغيرهن. 
وأزيل عنهن كلفة التحفظ المتعب إذ علة التحفظ مرتفعة منهن، وقرأ ابن مسعود **«أن يضعن من ثيابهن »** وهي قراءة أبي وروي عن ابن مسعود أيضاً **«من جلابيبهن »**، والعرب تقول امرأة واضع للتي كبرت فوضعت خمارها، ثم استثني عليهن في وضع الثياب أن لا يقصدن به التبرج وإبداء الزينة، فرب عجوز يبدوا منها الحرص على أن يظهر لها جمال ونحو هذا مما هو أقبح الأشياء وأبعده عن الحق، و **«التبرج »** طلب البدو والظهور إلخ. . . . والظهور للعيون ومنه  بروج مشيدة  \[ النساء : ٧٨ \] وأصل ذلك بروج السماء والأسوار، والذي أبيح وضعه لهذه الصنيفة الجلباب الذي فوق الخمار والرداء، قاله ابن مسعود وابن جبير وغيرهما، ثم ذكر تعالى أن تحفظ الجميع منهن واستعفافهن عن وضع الثياب والتزامهن ما يلزمه الشباب من الستر أفضل لهن وخير، وقرأ ابن مسعود **«وأن يعففن »** بغير سين، ثم ذكر تعالى  سيمع  لما يقول كل قائل وقائلة،  عليم  بمقصد كل أحد في قوله، وفي هاتين الصفتين توعد، وتحذير والله الموفق للصواب برحمته.

### الآية 24:61

> ﻿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ۚ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [24:61]

اختلف الناس في المعنى الذي رفع الله فيه ****«الحرج »**** عن الأصناف الثلاثة، فظاهر الآية وأمر الشريعة أن الحرج عنهم مرفوع في كل ما يضطرهم إليه العذر وتقتضي نيتهم الإتيان بالأكمل، ويقتضي العذر أن يقع منهم الأنقص، فالحرج مرفوع عنهم في هذا. فأما ما قال الناس في هذا ****«الحرج »**** هنا فقال ابن زيد هو الحرج في الغزو أي لا حرج عليهم في تأخرهم، وقوله : ولا على أنفسكم  الآية معنى مقطوع من الأول، وقالت فرقة الآية كلها في معنى المطاعم قال وكانت العرب ومن بالمدينة قبل المبعث تتجنب الأكل مع أهل الأعذار فبعضهم كان يفعل ذلك تقذراً لجولان اليد من  الأعمى  ولانبساط الجلسة من  الأعرج  ولرائحة المريض وعلاته وهي أخلاق جاهلية وكبر، فنزلت مؤيدة، وبعضهم كان يفعل ذلك تحرجاً من غبن أهل الأعذار إذ هم مقصرون في الأكل عن درجة الأصحاء لعدم الرؤية في  الأعمى  وللعجز عن المزاحمة في  الأعرج  ولضعف المريض فنزلت الآية في إباحة الأكل معهم، وقال ابن عباس في كتاب الزهراوي أن أهل هذه الأعذار تحرجوا في الأكل مع الناس لأجل عذرهم فنزلت الآية مبيحة لهن، وقال ابن عباس أيضاً الآية من أولها إلى آخرها إنما نزلت بسبب أن الناس، لما نزلت  ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل [(١)](#foonote-١) \[ البقرة : ١٨٨ \] قالوا لا مال أعز من الطعام وتحرجوا من أن يأكل أحد مع هؤلاء فيغبنهم في الأكل فيقع في أكل المال بالباطل، وكذلك تحرجوا عن أكل الطعام القرابات لذلك فنزلت الآية مبيحة جميع هذه المطاعم ومبينة تلك إنما هي في التعدي والقمار وكل ما يأكله المرء من مال الغير والغير كاره أو بصفة فاسدة ونحوه، وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قوله في الأصناف الثلاثة إنما نزلت بسبب أن الناس كانوا إذا نهضوا إلى الغزو، خلفوا أهل العذر في منازلهم وأموالهم، فكان أهل العذر يتجنبون أكل مال الغائب، فنزلت الآية مبيحة لهم أكل الحاجة من طعام الغائب إذا كان الغائب قد بنى على ذلك، وقيل كان الرجل إذا ساق أهل العذر إلى بيته فلم يجد فيه شيئاً ذهب بهم إلى بيت قرابته فتحرج أهل الأعذار من ذلك، فنزلت الآية وذكر الله تعالى بيوت القرابات وسقط منها بيوت الأبناء، فقال المفسرون ذلك داخل في قوله  من بيوتكم  لأن بيت ابن الرجل بيته، وقرأ طلحة بن مصرف **«إمهاتكم »** بكسر الهمزة وقوله : أم ما ملكتم مفاتحه  يعني ما حزتم وصار في قبضتكم، فعظمه ما ملكه الرجل في بيته وتحت غلقه وذلك هو تأويل الضحاك ومجاهد، وعند جمهور المفسرين يدخل في الآية الوكلاء والعبيد والأجراء بالمعروف، وقرأ جمهور الناس **«مَلَكتم »** بفتح الميم واللام، وقرأ سعيد بن جبير **«مُلِّكتم »** بضم الميم وكسر اللام وشدها، وقرأ جمهور الناس **«مفاتحه »**، وقرأ سعيد بن جبير **«مفاتيحه »** بياء بين التاء والحاء الأولى على جمع مَفتح والثانية على جمع مُفتاح[(٢)](#foonote-٢)، وقرأ قتادة **«ملكتم مفاتحه »** وقرن تعالى في هذه الآية الصديق بالقرابة المحضة الوكيدة لأن قرب المودة لصيق، قال معمر : قلت لقتادة ألا أشرب من هذا الجب[(٣)](#foonote-٣) ؟ قال أنت لي صديق فما هذا الاستئذان ؟ قال ابن عباس في كتاب النقاش : الصديق أوكد من القرابة، ألا ترى إلى استغاثة الجهنميين
 فما لنا من شافعين ولا صديق حميم [(٤)](#foonote-٤) \[ الشعراء : ١٠٠ \] وقوله  ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتاً  رد لمذهب جماعة من العرب كانت لا تأكل أفراداً البتة، قاله الطبري، ومن ذلك قول بعض الشعراء :\[ الطويل \]
إذا صنعت الزاد فالتمسي له. . . أكيلاً فإني لست آكله وحدي[(٥)](#foonote-٥)
وكان بعض العرب إذا كان له ضيف لا يأكل إلا أن يأكل مع ضيفه فنزلت هذه الآية مبينة سنة الأكل ومذهبة كل ما خلفها من سنة العرب، ومبيحة من أكل المنفرد ما كان عند العرب محرماً نحت به نحو كرم الخلق فأفرطت في إلزامه وأن إحضار الأكيل لحسن ولكن بأن لا يحرم الانفراد، وقال بعض أهل العلم هذه الآية منسوخة بقوله عليه السلام :**«إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام »**[(٦)](#foonote-٦) وبقوله تعالى : لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا [(٧)](#foonote-٧) \[ النور : ٢٧ \] وبقوله عليه السلام من حديث ابن عمر **«لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه »** الحديث[(٨)](#foonote-٨)، ثم ختم الله تعالى الآية بتبيينه سنة السلام في البيوت، واختلف المتأولون في أي البيوت أراد، فقال إبراهيم النخعي : أراد المساجد، والمعنى سلموا على من فيها من صنفكم فهذا كما قال  لقد جاءكم رسول من أنفسكم [(٩)](#foonote-٩) \[ التوبة : ١٢٨ \] فإن لم يكن في المساجد أحد فالسلام أن يقول المرء السلام على رسول الله وقيل السلام عليكم يريد الملائكة ثم يقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين قوله  تحية  مصدر[(١٠)](#foonote-١٠) ووصفها بالبركة لأن فيها الدعاء واستجلاب مودة المسلم عليه والكاف من قوله  كذلك  كاف تشبيه وذلك إشارة إلى هذه السنن أي كهذا الذي وصف يطرد تبيين الآيات  لعلكم  تعقلونها وتعملون بها، وقال بعض الناس في هذه الآية إنها منسوخة بآية الاستئذان الذي أمر به الناس وهي المقدمة في السورة، فإذا كان الإذن محجوراً فالطعام أحرى، وكذلك أيضاً فرضت فرقة نسخاً بينها وبين قوله تعالى  ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل [(١١)](#foonote-١١) \[ البقرة : ١٨٨ \]. 
قال الفقيه الإمام القاضي : والنسخ لا يتصور في شيء من هذه الآيات بل هي كلها محكمة، أما قوله  ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل  \[ البقرة : ١٨٨ \] ففي التعدي والخدع والإغرار واللهو والقمار ونحوه، وأما هذه الآية ففي إباحة هذه الأصناف التي يسرها استباحة طعامها على هذه الصفة، وأما آية الإذن فعلة إيجاب الاستئذان خوف الكشف فإذا استأذن الرجل خوف الكشفة ودخل المنزل بالوجه المباح صح له بعد ذلك أكل الطعام بهذه الإباحة وليس يكون في الآية نسخ فتأمله.

١ من الآية (١٨٨) من سورة (البقرة)..
٢ جاء في اللسان: "جمع المفتاح الذي يفتح به المغلاق: مفاتيح، وجمع المفتح الخزانة: المفاتح"، فالمفتح هو الكنز أو الخزانة التي توضع فيها الكنوز، قال تعالى: ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، فالمراد: ما في خزائنه من مال، أو نفس الخزائن..
٣ الحب: وعاء الماء كالزير والجرة، جمعه: أحباب وحببة وحباب. (المعجم الوسيط)..
٤ الآيتان (١٠٠، ١٠١) من سورة (الشعراء). والأكل من بيت الصديق من غير استئذان أمر لا بأس به، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل حائط أبي طلحة المسمى بيرحا ويشرب من ماء فيها طيب بغير إذنه، قال العلماء: والماء متملك لأهله، وإذا جاز الشرب من ماء الصديق بغير إذنه جاز الأكل من ثماره وطعامه إذا علم أن نفس صاحبه تطيب به..
٥ الزاد: الطعام في السفر والحضر جميعا، والجمع أزواد، ومعنى "صنعت الزاد": أعددت الطعام، والأكيل هو الذي يأكل معك، تقول فلان أكيلي، وهي من المؤاكلة، يقال: آكلته مؤاكلة: أكلت معه، ومثله في ذلك الشريب: فالأكيل والشريب هو الذي يصاحبك في الأكل والشرب، يقول لزوجه: إذا ما أعددت الطعام فابحثي عمن يأكل معي فإني لا آكل وحدي، وهذه عادة لبعض العرب كما قال ابن عطية..
٦ هذا جزء من خطبة الوداع، وهي طويلة ومعروفة، وقد أخرجها البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والدرامي، والإمام أحمد..
٧ من الآية (٢٧) من هذه السورة (النور)..
٨ أخرجه كل من البخاري ومسلم في اللقطة، وأبو داود في الجهاد، ولفظه كما جاء في البخاري، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحلبن أحد ماشية امرئ بغير إذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته فينتقل طعامه؟ فإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعماتهم، فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه)..
٩ من الآية (١٢٨) من سورة (التوبة)..
١٠ وذلك لأن قوله تعالى قبلها: \[فسلموا\] معناه: فحيوا، وقد وصفها الله بالبركة لما فيها من الدعاء واكتساب مودة المسلمين كما قال ابن عطية، ووصفها بالطيب لأن سامعها يجد لها وقعا طيبا في نفسه..
١١ من الآية (١٨٨) من سورة (البقرة)..

### الآية 24:62

> ﻿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [24:62]

إنما  في هذه الآية للحصر اقتضى المعنى لأنه لا يتم إيمان إلا بأن يؤمن المرء  بالله ورسوله  وبأن يكون من الرسول سامعاً غير معنت في أن يكون الرسول يريد إكمال أمر فيريد هو إفساده بزواله في وقت الجمع ونحو ذلك، و ****«الأمر الجامع »**** يراد به ما للإمام حاجة إلى جمع الناس فيه لإذاعة مصلحة، فأدب الإسلام اللازم في ذلك إذا كان الأمر حاضراً أن لا يذهب أحد لعذر إلا بإذنه، فإذا ذهب بإذن ارتفع عنه الظن السيىء، والإمام الذي يرتقب إذنه في هذه الآية هو إمام الإمرة، وقال مكحول والزهري الجمعة من ****«الأمر الجامع »**** وإمام الصلاة ينبغي أن يستأذن إذا قدمه إمام الإمرة، إذا كان يرى المستأذن، ومشى بعض الناس دهراً على استئذان إمام الصلاة وروي أن هرم بن حيان كان يخطب فقام رجل فوضع يده على أنفه وأشار إلى هرم بالاستئذان فأذن له فلما قضيت الصلاة كشف عن أمره أنه إنما ذهب لغير ضرورة. 
فقال هرم اللهم أخر رجال السوء لزمان السوء. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وظاهر الآية إنما يقتضي أن يستأذن أمير الإمرة الذي هو في مقعد النبوة فإنه ربما كان له رأي في حبس ذلك الرجل لأمر من أمور الدين، فأما إمام الصلاة فقط فليس ذلك إليه لأنه وكيل على جزء من أجزاء الدين للذي هو في مقعد النبوة، ثم أمر الله تعالى نبيه أن يأذن لمن عرف منه صحة العذر وهم الذين يشاء، وروي أن هذه الآية نزلت في وقت حفر رسول الله صلى الله عليه وسلم خندق المدينة وذلك أن بعض المؤمنين كان يستأذن لضرورة، وكان المنافقون يذهبون دون استئذان فأخرج الله تعالى الذين لا يستأذنون عن صنيفة المؤمنين وأمر النبي عليه السلام أن يأذن للمؤمن الذي لا تدعوه ضرورة إلى حبسه وهو الذي يشاء ثم أمره بالاستغفار لصنفي المؤمنين من أذن له ومن لم يؤذن له وفي ذلك تأنيس للمؤمنين ورأفة بهم.

### الآية 24:63

> ﻿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [24:63]

هذه الآية مخاطبة لجميع معاصري رسول الله. وأمرهم الله أن لا يجعلوا مخاطبة رسول الله في النداء كمخاطبة بعضهم لبعض فإن سيرتهم كانت التداعي بالأسماء وعلى غاية البداوة وقلة الاهتبال، فأمرهم الله تعالى في هذه الآية وفي غيرها[(١)](#foonote-١) أن يدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأشرف أسمائه وذلك هو مقتضى التوقير والتعزير[(٢)](#foonote-٢)، فالمبتغى في الدعاء أن يقول : يا رسول الله، وأن يكون ذلك بتوقير وخفض صوت وبر، وأن لا يجري ذلك على عادتهم بعضهم في بعض قاله مجاهد، وغيره، وقال ابن عباس المعنى في هذه الآية إنما هو لا تحسبوا دعاء الرسول عليكم  كدعاء بعضكم  على بعض أي دعاؤه عليكم مجاب فاحذروه. 
قال الفقيه الإمام القاضي : ولفظ الآية يدفع هذا المعنى. 
والأول أصح ثم أخبرهم تعالى أن المتسللين منهم  لواذاً  قد علمهم. واللواذ الروغان والمخالفة وهو مصدر لاوذ وليس بمصدر لاذ لأنه كان يقال له لياذاً[(٣)](#foonote-٣) ذكره الزجاج وغيره، ثم أمرهم بالحذر من عذاب الله ونقمته إذا خالفوا عن أمره، وقوله  يخالفون عن أمره  معناه يقع خلافهم بعد أمره وهذا كما تقول كان المطر عن ريح وعن هي لما عدا الشيء[(٤)](#foonote-٤) والفتنة في هذا الموضع الإخبار بالرزايا في الدنيا وبالعذاب الأثيم في الآخرة ولا بد للمنافقين من أحد هذين ملكاً وخلفاً.

١ كقوله تعالى في سورة الحجرات: إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون، وقوله تعالى في سورة الفتح: لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه..
٢ من معاني عزره: فخمه وعظمه، قال في اللسان: "وعزره: فخمه وعظمه، والعزر: النصر بالسيف، وعزره عزرا وعزره: أعانه وقواه ونصره"..
٣ في اللغة: "لاذ به إذا التجأ إليه وانضم واستغاث، ولاوذه لواذا: راوغه" راجع اللسان. وانتصب قوله تعالى: \[لواذا\] على المصدر في موضع الحال، أي: متلاوذين..
٤ الفعل "خالف" يتعدى بنفسه، تقول: خالفت أمر فلان، ويتعدى بإلى، تقول: خالفت إلى كذا، وهنا ضمن الفعل "خالف" معنى "صد" فعدي بعن، وقال أبو عبيدة والأخفش: (عن) زائدة، أي: يخالفون أمره..

### الآية 24:64

> ﻿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [24:64]

ثم أخبرهم أنه قد علم ما أهل الأرض والسماء عليه وخص منهم بالذكر المخاطبين لأن ذلك موضع الحجة عليهم وهم به أعني وقوله : ويوم يرجعون  يجوز أن يكون معمولاً لقوله  يعلم  ويجوز أن يكون التقدير والعلم الظاهر لكم أو نحو هذا يوم فيكون النصب على الظرف، وقرأ الجمهور **«يُرجَعون »** بضم الياء وفتح الجيم، وقرأ يحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق وأبو عمر **«يَرجِعون »** بفتح الياء وكسر الجيم، وقال عقبة بن عامر الجهني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية خاتمة النور فقال **«والله بكل شيء بصير »**[(١)](#foonote-١) وباقي الآية بين.

١ أخرجه أبو عبيد في فضائله، والطبراني بسند حسن، عن عقبة بن عامر، وفيه كما ذكره في "الدر المنثور" زيادة على ما هنا قوله: (يعني خاتمة سورة النور، وهو جاعل إصبعيه تحت عينيه)..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/24.md)
- [كل تفاسير سورة النّور
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/24.md)
- [ترجمات سورة النّور
](https://quranpedia.net/translations/24.md)
- [صفحة الكتاب: المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز](https://quranpedia.net/book/350.md)
- [المؤلف: ابن عطية](https://quranpedia.net/person/4644.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/24/book/350) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
