---
title: "تفسير سورة النّور - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/24/book/37.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/24/book/37"
surah_id: "24"
book_id: "37"
book_name: "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم"
author: "أبو السعود"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة النّور - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/24/book/37)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة النّور - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود — https://quranpedia.net/surah/1/24/book/37*.

Tafsir of Surah النّور from "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم" by أبو السعود.

### الآية 24:1

> سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [24:1]

سُورَةٌ  خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي هذه سورةٌ وإنَّما أُشير إليها مع عدمِ سبقِ ذكرِها لأنَّها باعتبار كونِها في شرف الذِّكرِ في حُكم الحاضرِ المُشاهَدِ. وقولُه تعالَى : أنزلناها  معَ ما عُطف عليه صفاتٌ لها مؤكِّدةٌ لما أفادَهُ التَّنكيرُ من الفخامة من حيثُ الذَّاتُ بالفخامة من حيثُ الصِّفاتُ. وأمَّا كونُها مبتدأً محذوفَ الخبرِ على أنْ يكونَ التَّقديرُ فيما أوحينا إليك سورةٌ أنزلناها فيأباهُ أنَّ مُقتضى المقام بيانِ شأنِ هذه السُّورةِ الكريمةِ لا أنَّ في جُملة ما أُوحي إلى النبيِّ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سورةً شأنُها كَذا وكَذا، وحملُها على السُّورةِ الكَريمةِ بمعونةِ المقامِ يُوهم أنَّ غيرَها من السُّورِ الكريمةِ ليستْ على تلكَ الصِّفاتِ، وقرئ بالنَّصبِ على إضمارِ فعلٍ يُفسِّره أنزلناهَا فلا محلَّ له حينئذٍ من الإعرابِ أو على تقديرِ اقرأْ ونحوِه أو دُونَك من يُسوِّغُ حذفَ أداةِ الإغراءِ فمحلُّ أنزلنا النَّصبُ على الوصفيَّةِ  وفرضناها  أي أوجبنَا ما فيها من الأحكامِ إيجاباً قطعيًّا، وفيه من الإيذانِ بغايةِ وكادةِ الفرضيَّةِ ما لا يَخْفى. وقرئ فرَّضناها بالتَّشديدِ لتأكيدِ الإيجابِ أو لتعددِ الفرائضِ أو لكثرةِ المفروضِ عليهم من السَّلفِ والخلفِ  وَأَنزَلْنَا فِيهَا  أي في تضاعيفِ السُّورةِ  آيَاتٍ بَيّنَاتٍ  إنْ أُريد بها الآياتُ التي نِيطتْ بها الأحكامُ المفروضةُ وهو الأظهرُ فكونُها في السُّورةِ ظاهرٌ ومعنى كونِها بيناتٍ وضوحُ دلالاتِها على أحكامِها لا على الإطلاقِ فإنَّها أسوةٌ لسائرِ الآياتِ في ذلكَ، وتكريرُ أنزلنا معَ استلزام إنزالِ السُّورةِ لإنزالِها لإبرازِ كمالِ العنايةِ بشأنِها وإنْ أُريد جميعُ الآياتِ فالظَّرفيةُ باعتبارِ اشتمالِ الكلِّ على كلِّ واحدٍ من أجزائِه، وتكريرُ أنزلنا مع أنَّ جميعَ الآياتِ عينُ السُّورةِ وإنزالها لاستقلالها بعنوانٍ رائقٍ رادعٍ إلى تخصيصِ إنزالِها بالذِّكرِ إبانةً لخطرِها ورفعاً لمحلِّها كقولِه تعالى : وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ  بعد قولِه تعالى : نَجَّيْنَا هُودًا والذين آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا   لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ  بحذفِ إحدى التَّاءينِ. وقرئ بإدغامِ الثَّانيةِ في الذَّالِ أي تَتذكَّرونها فتعملونَ بموجبِها عند وقوعِ الحوادثِ الدَّاعيةِ إلى إجراءِ أحكامِها وفيه إيذانٌ بأنَّ حقَّها أنْ تكونَ على ذكرٍ منهم بحيثُ مَتَى مسَّتِ الحاجةُ إليها استحضرُوها.

### الآية 24:2

> ﻿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [24:2]

الزانية والزاني  شُروعٌ في تفصيلِ ما ذُكِر منَ الآياتِ البيِّناتِ وبيانِ أحكامِها، والزَّانيةُ هي المرأةُ المُطاوِعةُ للزِّنا الممكِّنةُ منه كما تنبئ عنه الصِّيغةُ لا المزنيةُ كُرهاً وتقديمُها على الزَّاني لأنَّها الأصلُ في الفعل لكونِ الدَّاعيةِ فيها أوفرَ ولولا تمكينُها منه لم يقعْ. ورفعُهما على الابتداءِ، والخبرُ قولُه تعالى : فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ  والفاءُ لتضمُّنِ المبتدأِ معنى الشَّرطِ إذِ اللاَّمُ بمعنى الموصولِ والتَّقديرُ التي زنتْ والذي زَنى كما في قوله تعالى : واللذان يأتيانها مِنكُمْ فَآذُوهُمَا  وقيل الخبرُ محذوفٌ أي فيما أنزلنا أو فيما فرضنا الزانيةُ والزَّاني أي حُكمهُما. 
وقوله تعالى  فاجلدوا  الخ بيانٌ لذلكَ الحُكمِ وكانَ هذا عامًّا في حقِّ المُحصنِ وغيرِه وقد نُسخَ في حقِّ المحصنِ قَطْعاً ويكفينا في تعيينِ النَّاسخِ القطعُ بأنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ قد رجمَ ماعِزاً وغيره فيكونُ من بابِ نسخِ الكتابِ بالسُّنَّةِ المشهُورةِ. وفي الإيضاحِ الرَّجمُ حكمٌ ثبتَ بالسنَّةِ المشهورةِ المتفقِ عليها فجازتِ الزيادةُ بها على الكتابِ ورُوي عن عليَ رضي الله عنهُ : جلدتُها بكتابِ اللَّهِ ورجمتُها بسنَّةِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وقيلَ نُسخ بآيةٍ منسوخةِ التِّلاوةِ هي **«الشَّيخُ والشَّيخةُ إذا زنيا فارجمُوهما البتة نكالاً من اللَّهِ واللَّهُ عزيزٌ حكيمٌ »** ويأباهُ ما رُوي عن عليَ رضي الله عنهُ.  وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ  وقرئ بفتحِ الهمزةِ وبالمدِّ أيضاً على فَعَالةٍ أي رحمةٌ ورقَّةٌ.  في دِينِ الله  في طاعتهِ وإقامةِ حدِّه فتُعطِّلوه أو تُسامحوا فيهِ وقد قالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :" لو سرقتْ فاطمةُ بنتُ محمَّدٍ لقطعتُ يدها " [(١)](#foonote-١).  إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر  منْ بابِ التَّهييج والإلهابِ فإنَّ الإيمانَ بهما يقتضي الجدَّ في طاعته تعالى والاجتهادَ في إجراءِ أحكامِه. وذكرُ اليومِ الآخرِ لتذكيرِ ما فيهِ من العقابِ في مقابلةِ المُسامحةِ والتَّعطيلِ. 
 وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مّنَ المؤمنين  أي لتحضره زيادةً في التَّنكيلِ، فإنَّ التَّفضيحَ قد يُنكِّلُ أكثرَ ممَّا يُنكلُّ التَّعذيبُ والطَّائفةُ فرقةٌ يُمكن أنْ تكونَ حافَّةً حولَ شيءٍ من الطَّوفِ وأقلُّها ثلاثةٌ كما رُوي عن قتادة. وعن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهُما أربعةٌ إلى أربعينَ. وعن الحسنِ عشرةٌ والمرادُ جمعٌ يحصلُ بهِ التَّشهيرُ والزَّجرُ. 
١ أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء باب (٥٤) والمغازي باب(٥٣) والحدود باب (١١) كما أخرجه مسلم في كتاب الحدود الحديث رقم (٩) وأبو داود في كتاب الحدود باب (٤) والترمذي في كتاب الحدود باب (٦) وابن ماجه في كتاب الحدود باب (٦) والدرامي في كتاب الحدود باب (٥) وبلفظ "لو كانت فاطمة \[بنت محمد\] لقطعتها" في مسند أحمد (٣/٣٥٦، ٣٩٥)؛ (٦/٤١، ١٦٢)..

### الآية 24:3

> ﻿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [24:3]

الزاني لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً والزانية لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ  حكمٌ مؤسَّسٌ على الغالبِ المُعتادِ جيءَ به لزجرِ المؤمنينَ عن نكاحِ الزَّواني بعدَ زجرِهم عن الزِّنا بهنَّ وقد رَغِب بعضٌ من ضَعَفةِ المُهاجرينَ في نكاحِ موسراتٍ كانتْ بالمدينةِ من بَغَايا المُشركينَ فاستأذنُوا رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في ذلكَ فنُفِّروا عنه ببيانِ أنَّه من أفعالِ الزُّناةِ وخصائصِ المُشركين كأنَّه قيلَ الزَّاني لا يرغبُ إلاَّ في نكاحِ إحداهما والزَّانيةُ لا يرغبُ في نكاحِها إلا أحدُهما فلا تحومُوا حولَه كيلا تنتظمُوا في سلكهما أو تتسِمُوا بسمتِهما فإيرادُ الجُملةِ الأُولى مع أنَّ مناطَ التَّنفيرِ هي الثَّانيةُ إمَّا للتعريضِ بقصرهم الرَّغبةَ عليهنَّ حيثُ استأذنُوا في نكاحهنَّ أو لتأكيدِ العلاقةِ بين الجانبينِ مُبالغةً في الزَّجرِ والتَّنفيرِ وعدمِ التَّعرضِ في الجُملة الثَّانيةِ للمشركةِ للتنبيهِ على أنَّ مناطَ الزَّجرِ والتَّنفيرِ هو الزِّنا لا مجردُ الإشراكِ وإنَّما تعرَّضَ لها في الأُولى إشباعاً في التَّنفير عن الزَّانيةِ بنظمها في سلكِ المُشركةِ  وَحُرّمَ ذلك  أي نكاحُ الزَّواني  عَلَى المؤمنين  لما أنَّ فيهِ من التَّشبهِ بالفسقةِ والتَّعرضِ للتُّهمةِ والتَّسببِ لسوءِ القالةِ والطَّعنِ في النَّسبِ واختلالِ أمرِ المعاشِ وغيرِ ذلكَ من المفاسدِ ما لا يكادُ يليقُ بأحدٍ من الأداني والأراذلِ فضلاً عنِ المُؤمنينَ ولذلكَ عبَّر عن التنزيهِ بالتَّحريمِ مُبالغةً في الزَّجرِ وقيل النَّفيُ بمعنى النَّهيِ وقد قرئ بهِ. والتَّحريمُ على حقيقته والحكمُ إمَّا مخصوصٌ بسبب النُّزولِ أو منسوخٌ بقولهِ تعالى : وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ  فإنَّه متناولٌ للمسافحاتِ ويُؤيده ما رُوي أنَّه صلى الله عليه وسلم سُئلَ عن ذلكَ فقالَ :**« أولهُ سِفاحٌ وآخرُه نِكاحٌ والحرامُ لا يُحرِّمُ الحلالَ »**[(١)](#foonote-١) وما قيل من أنَّ المرادَ بالنِّكاحِ هو الوطءُ بيِّنُ البُطلانِ. 
١ أخرجه ابن ماجه في كتاب النكاح باب (٦٣)..

### الآية 24:4

> ﻿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [24:4]

والذين يَرْمُونَ المحصنات  بيانٌ لحكمِ العَفَائفِ إذا نُسبن إلى الزِّنا بعد بيانِ حُكمِ الزَّوانِي ويُعتبر في الإحصانِ هاهنا مع مدلولهِ الوضعيِّ الذي هو العِفَّةُ عن الزِّنا الحريَّةُ والبُلوغُ والإسلامُ وفي التَّعبيرِ عن التَّفوهِ بما قالُوا في حقهنَّ بالرَّمي المنبئ عن صلابةِ الآلةِ وإيلامِ المَرميِّ وبعدِه عن الرَّامِي إيذانٌ بشدَّةِ تأثيره فيهنَّ وكونهِ رجماً بالغيبِ والمرادُ به رميهنَّ بالزِّنا لا غير، وعدمُ التَّصريحِ به للاكتفاءِ بإيرادهنَّ عقيبَ الزَّواني ووصفِهنَّ بالإحصانِ الدَّالِّ بالوضعِ على نزاهتهنَّ عن الزنا خاصَّة فإنَّ ذلكَ بمنزلةِ التَّصريحِ بكونِ رميهنَّ به لا محالة ولا حاجة في ذلكَ إلى الاستشهادِ باعتبارِ الأربعةِ من الشُّهداءِ على أنَّ فيه مؤنة بيانِ تأخُّرِ نزولِ الآيةِ عن قوله تعالى : فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً  ولا بعدمِ وجوبِ الحدِّ بالرَّميِ بغيرِ الزنا على أنَّ فيه شبهة المُصادرةِ كأنَّه قيلَ والذينَ يرمُون العفائفَ المنزَّهاتِ عمَّا رُمين به من الزنا  ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء  يشهدونَ عليهنَّ بما رموهنَّ به، وفي كلمةِ ثمَّ إشعارٌ بجوازِ تأخيرِ الإتيانِ بالشُّهودِ كما أنَّ في كلمةِ لم إشارةً إلى تحققِ العجزِ عن الإتيانِ بهم وتقرره خلا أنَّ اجتماعَ الشُّهودِ لا بُدَّ منه عندَ الأداءِ خلافاً للشَّافعيِّ رحمه الله تعالى فإنَّه جَوَّزَ التَّراخي بينَ الشَّهاداتِ كما بينَ الرَّميِ والشَّهادةِ ويجوزُ أنْ يكونَ أحدُهم زوجَ المقذوفةِ خلافاً له أيضاً وقرئ بأربعة شهداء  فاجلدوهم ثَمَانِينَ جَلْدَةً  لظهورِ كذبهِم وافترائِهم بعجزِهم عن الإتيانِ بالشُّهداءِ لقوله تعالى : فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ الله هُمُ الكاذبون  وانتصابُ ثمانينَ كانتصابِ المصادرِ ونصبُ جلدةً على التَّمييزِ. وتخصيصُ رميهنَّ بهذا الحكم مع أنَّ حكم رَميِ المُحصنين أيضاً كذلك لخصوصِ الواقعةِ وشيوعِ الرَّمي فيهنَّ. 
 وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً  عطفٌ على اجلدُوا داخلٌ في حكمهِ تتمةٌ له لما فيهِ معنى الزَّجرِ لأنَّه مؤلمٌ للقلبِ كما أنَّ الجلدَ مؤلمٌ للبدنِ وقد آذى المقذوفَ بلسانه فعُوقبَ بإهدار منافعهِ جزاءً وِفاقاً. واللاَّمُ في لهُم متعلِّقةٌ بمحذوفٍ هو حالٌ من شهادةً قدمتْ عليها لكونها نكرةً ولو تأخرتْ عنها لكانتْ صفةً لها، وفائدتُها تخصيصُ الردِّ بشهادتهم النَّاشئةِ عن أهليَّتهم الثَّابتةِ لهم عندَ الرَّميِ وهُو السِّرُّ في قبولِ شهادةِ الكافرِ المحدودِ في القذفِ بعد التَّوبةِ والإسلامِ لأنَّها ليستْ ناشئةً عن أهليَّتهِ السَّابقةِ بل عن أهلية حَدَثتْ له بعد إسلامهِ فلا يتناولُها الردُّ فتدبَّرْ ودعْ عنك ما قيل من أنَّ المسلمينَ لا يعبأون بِنَسَبِ الكفَّارِ فلا يلحقُ المقذوفَ بقذفِ الكافرِ من الشَّينِ والشَّنارِ ما يلحقهُ بقذفِ المسلمِ فإنَّ ذلكَ بدونِ ما مرَّ من الاعتبارِ تعليلٌ في مُقابلةِ النصِّ ولا يخفى حالُه فالمعنى لا تقبلُوا منهم شهادةً من الشَّهاداتِ حالَ كونها حاصلةً لهم عندَ الرَّميِ  أَبَدًا  أي مُدَّة حياتهم وإنْ تابُوا وأصلحُوا لما عرفتَ من أنَّه تتمةٌ للحدِّ كأنَّه قيلَ فاجلدُوهم وردُّوا شهادتهم أي فاجمعُوا لهم الجلدَ والردَّ فيبقى كأصله.  وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون  كلامٌ مستأنفٌ مقررٌ لما قبلَه ومبينٌ لسُّوءِ حالهم عند اللَّهِ عزَّ وجلَّ. وما في اسمِ الإشارةِ من معنى البُعدِ للإيذانِ ببعدِ منزلتهم في الشرِّ والفسادِ أيْ أُولئك هم المحكومُ عليهم بالفسقِ والخروجِ على الطَّاعةِ والتَّجاوزِ عن الحدودِ الكاملون فيه كأنَّهم هم المستحقُّون لإطلاقِ اسمِ الفاسقِ عليهم لا غيرُهم منَ الفَسَقةِ.

### الآية 24:5

> ﻿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [24:5]

وقولُه تعالى : إِلاَّ الذين تَابُواْ  استثناءٌ من الفاسقينَ كما ينبئ عنْهُ التَّعليلُ الآتِي ومحلُّ المُستثنى النَّصبُ لأنَّه عن موجبٍ. وقولُه تعالى : مِن بَعْدِ ذلك  لتهويلِ المتوبِ عنه أي من بعدِ ما اقترفُوا ذلكَ الذَّنبَ العظيمَ الهائلَ  وَأَصْلَحُواْ  أي أصلحُوا أعمالَهم التي منْ جُملتِها ما فرطَ منهم بالتَّلافي والتَّداركِ ومنهُ الاستسلامُ للحدِّ والاستحلالُ من المقذوفِ  فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ  تعليلٌ لما يُفيدُه الاستثناءُ من العفوِ عن المؤاخذةِ بموجبِ الفسقِ كأنَّه قيلَ فحينئذٍ لا يؤاخذُهم اللَّهُ تعالى بما فَرَط منهُم ولا ينظمهم في سلكِ الفاسقينَ لأنَّه تعالى مبالغٌ في المغفرةِ والرَّحمةِ هذا وقد علَّق الشَّافعيُّ رحمه الله الاستثناءَ بالنَّهيِ فمحلُّ المستثنى حينئذٍ الجرُّ على البدليَّةِ من الضَّميرِ في لهُم وجعل الأبدَ عبارةً عنْ مُدَّةِ كونه قاذفاً فتنتهي بالتَّوبةِ فتُقبل شهادتهُ بعدَها.

### الآية 24:6

> ﻿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ [24:6]

والذين يَرْمُونَ أزواجهم  بيانٌ لحكم الرَّامين لأزواجِهم خاصَّة بعد بيانِ حكم الرامين لغيرهنَّ لكنْ لا بأن يكونَ هذا مخصصاً للمحصناتِ بالأجنبياتِ ليلزم بقاءُ الآيةِ السَّابقةِ ظنيةً فلا يثبتُ بها الحدُّ فإنَّ من شرائطِ التَّخصيصِ أنْ لا يكونَ المخصصُ متراخيَ النزولِ. بل بكونهِ ناسخاً لعمومها ضرورة تراخي نزولها كما سيأتي فتبقى الآيةُ السَّابقةُ قطعية الدِّلالةِ فيما بقيَ بعدَ النَّسخِ لما بُيِّن في موضعِه أنَّ دليلَ النَّسخِ غيرُ مُعلَّلٍ  وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَاء  يشهدُون بما رَموهنَّ به من الزِّنى. وقرئ بتأنيثِ الفعل  إِلاَّ أَنفُسُهُمْ  بدلٌ من شهداءُ أو صفةٌ لها على أن إلاَّ بمعنى غير جعلوا من جُملة الشُّهداء إيذاناً من أولِ الأمرِ بعدمِ إلغاءِ قولهم بالمرَّةِ ونظمِه في سلكِ الشَّهادةِ في الجُملةِ وبذلكَ ازدادَ حسنُ إضافةِ الشَّهادةِ إليهم في قوله تعالى : فشهادة أَحَدِهِمْ  أي شهادةُ كلِّ واحدٍ منهُم وهو مبتدأٌ وقولهُ تعالى : أَرْبَعُ شهادات  خبرُه أي فشهادتهم المشروعةُ أربعُ شهاداتٍ  بالله  متعلِّقٌ بشهاداتٍ لقُربِها وقيلَ بشهادةُ لتقدُّمِها. وقرئ أربعَ شهاداتٍ بالنَّصبِ على المصدرِ والعاملُ فشهادةُ على أنَّه إمَّا خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ أي فالواجبُ شهادةُ أحدهم، وإمَّا مبتدأٌ محذوفُ الخبرِ فشهادةُ أحدهم واجبةٌ  إِنَّهُ لَمِنَ الصادقين  أي فيما رَماها به من الزِّنا، وأصلُه على أنَّه الخ فحُذفَ الجارُّ، وكُسرتْ إنّ وعُلِّق العاملُ عنها للتَّأكيدِ.

### الآية 24:7

> ﻿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ [24:7]

والخامسة  أي الشهادةُ الخامسةُ للأربعِ المتقدِّمةِ أي الجاعلةُ لها خَمْساً بانضمامها إليهنَّ، وإفرادُها عنهنَّ مع كونها شهادةً أيضاً لاستقلالها بالفحوى ووكادتها في إفادةِ ما يُقصد بالشَّهادةِ من تحقيقِ الخبرِ وإظهارِ الصِّدقِ وهي مبتدأٌ خبرُه  أَنَّ لَعْنَةَ الله عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الكاذبين  فيما رماها به من الزِّنا فإذا لاعنَ الزَّوجُ حُبستِ الزَّوجةُ حتَّى تعترفَ فتُرجمَ أو تلاجم أو تلاعن.

### الآية 24:8

> ﻿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ [24:8]

وَيَدْرَأ عَنْهَا العذاب  أي العذابَ الدنيويَّ وهو الحبسُ المغيَّا على أحدِ الوجهينِ بالرَّجمِ الذي هو أشدُّ العذابِ  أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بالله إِنَّهُ  أي الزوج  لَمِنَ الكاذبين  أي فيما رَمَاني به من الزِّنا.

### الآية 24:9

> ﻿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ [24:9]

والخامسة  بالنَّصبِ عَطْفاً على أربع شهادات  أَنَّ غَضَبَ الله عَلَيْهَا إِن كَانَ  أي الزوج  مِنَ الصادقين  أي فيما رَمَاني به من الزِّنا. وقرئ والخامسةُ بالرَّفعِ على الابتداءِ وقرئ أنْ بالتَّخفيفِ في الموضعينِ، ورفعِ اللَّعنةِ والغضبِ. وقرئ أنْ غضِبَ اللَّهُ. وتخصيصُ الغضبِ بجانبِ المرأةِ للتغليظِ عليها لما أنَّها مادةُ الفجورِ ولأنَّ النِّساءَ كثيراً ما يستعملنَ اللَّعن فربما يجترئن على التفوُّهِ به لسقوطِ وقعهِ عن قلوبهنَّ بخلافِ غضبهِ تعالى. رُوي أنَّ آيةَ القذفِ لمَّا نزلتْ قرأها رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم على المنبرِ فقامَ عاصمُ بنُ عديَ الأنصاريُّ رضي الله عنه فقالَ : جعلني اللَّهُ فداكَ إنْ وجدَ رجلٌ مع امرأته رجُلاً فأخبرَ جُلد ثمانينَ ورُدَّتْ شهادتُه وفُسِّقَ وإنْ ضربه بالسَّيفِ قُتل وإنْ سكتَ سكتَ على غيظٍ وإلى أنْ يجيءَ بأربعةِ شهداءَ فقد قضى الرَّجلُ حاجته ومضى اللهمَّ افتحْ وخرجَ فاستقبله هلالُ بن أُميَّة أو عُويمرٌ فقال : ما وراءكَ ؟ قالَ : شَرٌّ وجدتُ على امرأتي خَوْلة وهي بنتُ عاصمٍ شريكَ بنَ سَحْماءَ فقالَ : واللَّهِ هذا سُؤالي ما أسرعَ ما ابتُليتَ به فرجعا فأخبرا رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فكلَّم خَوْلةَ فأنكرتْ فلاعنَ بينهما. والفُرقةُ الواقعةُ باللِّعانِ في حُكم التَّطليقةِ البائنةِ عندَ أبي حنيفةَ ومحمَّدٍ رحمهُما اللَّهُ ولا يتأبَّدُ حكمُها حتَّى إذا أكذبَ الرَّجلُ نفسَه بعدَ ذلكَ فحُدَّ جازَ له أنْ يتزوَّجها، وعند أبي يوسف وزُفر والحسنِ بنِ زياد والشَّافعيِّ رحمهم اللَّهُ : هي فُرقةٌ بغيرِ طلاقٍ تُوجبُ تَحريماً مؤبَّداً ليس لهما اجتماعٌ بعد ذلكَ أبدا.

### الآية 24:10

> ﻿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ [24:10]

وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ الله تَوَّابٌ حَكِيمٌ  التفاتٌ إلى خطابِ الرَّامين والمرميَّاتِ بطريقِ التَّغليبِ لتوفيةِ مقامَ الامتنانِ حقَّه. وجوابُ لولا محذوفٌ لتهويله والإشعارِ بضيقِ العبارةِ عن حصره كأنَّه قيل ولولا تفضُّلُه تعالى عليكم ورحمتُه وأنَّه تعالى مبالغٌ في قبولِ التَّوبةِ حكيمٌ في جميعِ أفعالِه وأحكامِه التي جُمْلتُها ما شرعَ لكُم من حكمِ اللِّعانِ لكانَ ما كانَ ممَّا لا يحيطُ به نطاقُ البيانِ ومن جُمْلتهِ أنَّه تعالى لو لم يشرعْ لهم ذلك لوجبَ على الزَّوجِ حدُّ القذفِ مع أنَّ الظاهرَ صدقُه لأنَّه أعرفُ بحالِ زوجته وأنّه لا يفترِي عليها لاشتراكِهما في الفضاحةِ، وبعدَما شرعَ لهم ذلك لو جعلَ شهاداتهِ موجبةً لحدِّ القذفِ عليه لفاتَ النَّظرُ له ولا ريبَ في خروجِ الكلِّ عن سننِ الحكمةِ والفضلِ والرَّحمةِ فجعلَ شهاداتِ كلَ منهُما مع الجزمِ بكذبِ أحدِهما حتماً دارئةً لما توجَّهَ إليهِ من الغائلةِ الدُّنيويةِ وقد ابتُليَ الكاذبُ منهما في تضاعيفِ شهاداتهِ من العذابِ بما هو أتمُّ مما درأتْهُ عنه وأطمُّ، وفي ذلكَ من أحكامِ الحكمِ البالغةِ وآثارِ التَّفضلِ والرَّحمةِ ما لا يخفى أمَّا على الصَّادقِ فظاهرٌ وأمَّا على الكاذبِ فهو إمهالُه والسَّترُ عليهِ في الدُّنيا ودرءُ الحدِّ عنه وتعريضُه للتَّوبةِ حسبما ينبئ عنه التَّعرضُ لعُنوانِ توَّابيته سُبحانه ما أعظمَ شأنَهُ وأوسعَ رحمتَهُ وأدقَّ حكمتَهُ.

### الآية 24:11

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ [24:11]

إِنَّ الذين جَاءوا بالإفك  أي بأبلغَ ما يكونُ من الكذبِ والافتراءِ وقيلَ البُهتانُ لا تشعرُ به حتَّى يفجأكَ وأصلُه الإفكُ وهو القلبُ لأنه مأفوكٌ عن وجهه وسننهِ والمرادُ به ما أُفكَ بهِ الصِّدِّيقةُ أمُّ المؤمنينَ رضي الله عنها، وفي لفظ المجيءِ إشارةٌ إلى أنَّهم أظهرُوه من عندِ أنفسِهم من غير أنْ يكونَ له أصلٌ وذلك أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كانَ إذا أرادَ سفراً أقرعَ بين نسائهِ فأيتهنَّ خرجتْ قرعتُها استصحبَها قالتْ عائشةُ رضي الله عنها : فأقرعَ بيننا في غزوةٍ غزاها قيلَ غزوةُ بني المُصطلقِ فخرجَ سهمي فخرجتُ معه عليه السَّلامُ بعد نزولِ آيةِ الحجابِ فَحُملت في هَوْدجٍ فسرنا حتَّى إذا قفلنا ودنَونا من المدينةِ نزلنا منزلاً ثم نُودي بالرَّحيل فقُمت ومشيتُ حتَّى جاوزتُ الجيشَ فلمَّا قضيتُ شأني أقبلتُ إلى رَحْلي فلمستُ صَدري فإذا عِقدي من جَزَعِ ظَفَارَ قد انقطعَ فرجعتُ فالتمستُه فحبسني ابتغاؤه، وأقبلَ الرَّهطُ الذينَ كانُوا يُرحلون بي فاحتملُوا هودجي فرحلوه على بعيري وهم يحسبون أنِّي فيه لخفَّتي فلم يستنكرُوا خفَّة الهودجِ وذهبُوا بالبعير ووجدتُ عِقدي بعدما استمرت الجيش فجئتُ منازلَهم وليس فيها داعٍ ولا مجيبٌ فتيممتُ منزلي وظننتُ أنِّي سيفقدونني ويعودونَ في طَلَبي فبينما أنا جالسةٌ في منزلي غلبتني عيني فنِمتُ وكانَ صفوانُ بنُ المُعطِّلِ السُّلَميُّ من وراءِ الجيشِ فلمَّا رآنِي عرفنِي فاستيقظتُ باسترجاعهِ فخمَّرتُ وجهي بجلبابِي وواللَّهِ ما تكلَّمنا بكلمةٍ ولا سمعتُ منه كلمةً غيرَ استرجاعِه وهَوى حتَّى أناخَ راحلتَهُ فوطئ على يديها فقمتُ إليها فركبتُها وانطلقَ يقودُ بي الرَّاحلةَ حتى أتينا الجيشَ مُوغرين في نحرِ الظَّهيرةِ وهُم نزولٌ وافتقدنِي النَّاسُ حين نزلُوا وماجَ القومُ في ذكرِي فبينا النَّاسُ كذلكَ إذ هجمتُ عليهم فخاضَ النَّاسُ في حديثي فهلكَ مَن هلكَ وقولُه تعالى : عُصْبَةٌ مّنْكُمْ  خبرُ إنَّ أي جماعةٌ وهي من العشرة إلى الأربعينَ وكذا العِصابةُ وهم عبدُ اللَّهِ بنُ أُبيَ وزيدُ بنُ رفاعة وحسَّانُ بنُ ثابتٍ ومسطحُ بنُ أثاثة وحِمْنةُ بنتُ جحشٍ ومن ساعدهم. وقولُه تعالى : لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ  استئنافٌ خُوطب به رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأبوُ بكرٍ وعائشةُ وصفوانُ رضي الله عنهم تسليةً لهم من أولِ الأمرِ، والضَّميرُ للإفكِ  بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ  لاكتسابِكم به الثَّوابَ العظيمَ وظهورِ كرامتِكم على اللَّهِ عزَّ وجلَّ بإنزالِ ثماني عشرة آيةً في نزاهةِ ساحتِكم وتعظيمِ شأنِكم وتشديدِ الوعيدِ فيمَن تكلَّم فيكُم والثَّناءِ على مَنْ ظنَّ بكُم خَيراً  لِكُلّ امرئ مّنْهُمْ  أي من أولئكَ العُصبةِ  مَّا اكتسب مِنَ الإثم  بقدرِ ما خاضَ فيه  والذي تولى كِبْرَهُ  أي معظمَهُ. وقرئ بضمِّ الكافِ وهي لغةٌ فيهِ  مِنْهُمْ  من العُصبةِ وهو ابنُ أُبيَ فإنَّه بدأ به وأذاعَه بين النَّاسِ عداوةً لرسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وقيل هُو وحسَّانُ ومِسْطَحُ فإنَّهما شايعاهُ بالتَّصريحِ به فإفرادُ الموصولِ حينئذٍ باعتبارِ الفوجِ أو الفريقِ أو نحوهما  لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ  أي في الآخرةِ أو في الدُّنيا أيضاً فإنَّهم جلدُوا وردَّتْ شهادتهم وصارَ ابنُ أبيَ مطروداً مشهوداً عليه بالنِّفاق وحسَّانُ أعمى وأشلَّ اليدينِ ومسطحُ مكفوفَ البصرِ. وفي التَّعبير عنه بالذي وتكريرِ الإسنادِ وتنكيرِ العذابِ ووصفهِ بالعظم من تهويل الخطب ما لا يخفى.

### الآية 24:12

> ﻿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُبِينٌ [24:12]

لَّوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ  تلوينٌ للخطاب وصرفٌ له عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وذويهِ إلى الخائضينَ بطريق الالتفاتِ لتشديد ما في لولا التَّحضيضيةِ من التَّوبيخِ ثمَّ العدول عنه إلى الغيبةِ في قوله تعالى : ظَنَّ المؤمنون والمؤمنات بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً  لتأكيدِ التَّوبيخِ والتَّشنيعِ لكنْ لا بطريقِ الإعراضِ عنهم وحكايةِ جناياتهم لغيرهم على وجهِ المُباثَّةِ بل بالتَّوسلِ بذلكَ إلى وصفهم بما يوجبُ الإتيانَ بالمحضض عليه ويقتضيهِ اقتضاءً تامًّا ويزجرُهم عن ضدِّه زَجْراً بليغاً فإنَّ كونَ وصفِ الإيمانِ ممَّا يحملُهم على إحسان الظَّنِّ ويكفُّهم عن إساءته بأنفسِهم أي بأبناءِ جنسِهم النَّازلين منزلة أنفسهم كقولهِ تعالى : ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ  وقوله تعالى : وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ  ممَّا لا ريبَ فيه فإخلالهُم بموجب ذلك الوصفِ أقبحُ وأشنعُ والتَّوبيخُ عليه أدخلُ مع ما فيه من التَّوسل به إلى التَّصريحِ بتوبيخ الخائضاتِ ثمَّ إنْ كان المرادُ بالإيمان الإيمانَ الحقيقيَّ فإيجابُه لما ذُكر واضحٌ والتَّوبيخُ خاصٌّ بالمؤمنينَ وإن كان مطلقَ الإيمانِ الشَّاملِ لما يُظهره المنافقون أيضاً فإيجابُه له من حيثُ أنَّهم كانُوا يحترزون عن إظهارِ ما يُنافي مُدَّعاهم فالتَّوبيخُ حينئذٍ متوجِّهٌ إلى الكلِّ، وتوسيطُ الظَّرفِ بينَ لولا وفعلِها لتخصيصِ التَّحضيضِ بأولِ زمانِ سماعهم، وقصرُ التَّوبيخِ على تأخيرِ الإتيانِ بالمحضَّضِ عليه عن ذلك الآنَ والتَّردد فيه ليفيدَ أنَّ عدمَ الإتيانِ به رأساً في غاية ما يكونُ من القباحةِ والشَّناعةِ أي كان الواجبُ أنْ يظنَّ المؤمنونَ والمؤمناتُ أول ما سمعوه ممَّن اخترعَه بالذَّاتِ أو بالواسطةِ من غيرِ تلعثُمٍ وترددٍ بمثلِهم من آحادِ المؤمنينَ خيراً  وَقَالُواْ  في ذلكَ الآنَ  هذا إِفْكٌ مُّبِينٌ  أي ظاهرٌ مكشوفٌ كونُه إفكاً فكيفَ بالصِّدِّيقةِ ابنةِ الصِّدِّيقِ أمِّ المؤمنينَ حُرمةِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

### الآية 24:13

> ﻿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ۚ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَٰئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ [24:13]

لَّوْلاَ جاءوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء  إما من تمامِ القولِ المُحضَّضِ عليهِ مسوقٌ لحثِّ السامعينَ على إلزامِ المسمِّعين وتكذيبهم إثرَ تكذيبِ ما سمعُوه منهم بقولهم هذا إفكٌ مبينٌ وتوبيخهم على تركه أي هلاَّ جاءَ الخائضونَ بأربعةِ شُهداءَ يشهدُون على ما قالُوا  فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ  بهم وإنَّما قيل  بِالشُّهَدَاء  لزيادة التَّقريرِ  فَأُوْلَئِكَ  إشارةٌ إلى الخائضينَ وما فيه من معنى البُعد للإيذان بغلوهم في الفسادِ وبُعد منزلتهم في الشَّرِّ أي أولئك المُفسدون  عَندَ الله  أي في حُكمهِ وشَرْعه المؤسَّسِ على الدَّلائلِ الظَّاهرةِ المتقنةِ  هُمُ الكاذبون  الكاملونَ في الكذب المشهودُ عليهم بذلك المستحقُّون لإطلاقِ الاسمِ عليهم دُونَ غيرهم ولذلك رُتِّب عليه الحدُّ خاصَّة، وإما كلامُ مبتدأٌ مسوقٌ من جهته تعالى للاحتجاج على كذبهم بكونِ ما قالُوه قولاً لا يساعدُه الدَّليلُ أصلاً.

### الآية 24:14

> ﻿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [24:14]

وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ  خطابٌ للسَّامعينَ والمسمِّعينَ جميعاً  وَرَحْمَتُهُ في الدنيا  من فنون النِّعمِ التي من جُملتها الإمهالُ للتَّوبة  والآخرة  من ضروب الآلاءِ التي من جُملتها العفوُ والمغفرةُ بعد التَّوبةِ  لَمَسَّكُمْ  عاجلاً  فِيمَا أَفَضْتُمْ فِيهِ  بسبب ما خضتُم فيه من حديث الإفكِ، والإبهامُ لتهويل أمرِه والاستهجانِ بذكرِه. يقالُ أفاضَ في الحديثِ وخاضَ واندفعَ وهضبَ بمعنى  عَذَابٌ عظِيمٌ  يُستحقر دونَه التَّوبيخُ والجلدُ.

### الآية 24:15

> ﻿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [24:15]

إِذْ تَلَقَّوْنَهُ  بحذف إحدى التَّاءينِ ظرفٌ للمسِّ أي لمسَّكم ذلكَ العذابُ العظيمُ وقتَ تلقِّيكم إيَّاه من المخترعينَ  بِأَلْسِنَتِكُمْ  والتَّلقِّي والتلقُّفُ والتلقُّنُ معانٍ متقاربةٌ خلا أنَّ في الأولِ معنى الاستقبالِ وفي الثَّاني معنى الخَطفِ والأخذِ بسرعةٍ وفي الثَّالثِ معنى الحِذْقِ والمهارةِ. وقرئ تَتَلقَونه على الأصل وتلقونه من لقيَه وتلقونَه بكسرِ حرفِ المُضارعةِ وتُلقونه من إلقاء بعضهم على بعض وتَلْقُونه وتألقونَه من الولقِ والألق وهو الكذبُ وتثقفونَه من ثقفتُه إذا طلبتُه وتتقفونَه أي تتبعونَه  وَتَقُولُونَ بأفواهكم مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ  أي تقولونَ قولاً مختصًّا بالأفواهِ من غيرِ أنْ يكونَ له مصداقٌ ومنشأٌ في القلوبِ لأنَّه ليسَ بتعبيرٍ عن علمٍ به في قلوبكم كقوله تعالى : يَقُولُونَ بأفواههم مَّا لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ   وَتَحْسَبُونَهُ هَيّناً  سهلاً لا تبعةَ لهُ أو ليسَ له كثيرُ عقوبةٍ  وَهُوَ عِندَ الله  والحالُ أنَّه عنده عزَّ وجلَّ  عظِيمٌ  لا يُقادرُ قَدرُه في الوِزرِ واستجرارِ العذابِ.

### الآية 24:16

> ﻿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [24:16]

وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ  من المخترعينَ أو المشايعينَ لهم  قُلْتُمْ  تكذيباً لهُم وتهويلاً لما ارتكبُوه  مَّا يَكُونُ لَنَا  ما يُمكننا  أَن نَّتَكَلَّمَ بهذا  وما يصدرُ عنَّا ذلكَ بوجهٍ من الوجوهِ وحاصلُه نفيُ وجودِ التَّكلمِ به لا نفيُ وجوده على وجه الصِّحَّةِ والاستقامةِ والانبغاءِ وهذا إشارةٌ إلى ما سمعُوه. وتوسيطُ الظَّرفِ بينَ لولا وقلتُم لما مرَّ من تخصيصِ التَّحضيضِ بأول وقتِ السَّماعِ وقصرِ التَّوبيخِ واللَّومِ على تأخيرِ القولِ المذكورِ عن ذلك الآنَ ليفيدَ أنَّه المحتملُ للوقوعِ المفتقرُ إلى التَّحضيضِ على تركه وأما تركُ القولِ نفسِه رأساً فمما لا يُتوهَّم وقوعُه حتَّى يحضَّض على فعلِه ويلامَ على تركه، وعلى هذا ينبغي أنْ يحملَ ما قيل إنَّ المعنى أنَّه كان الواجبُ عليهم أنْ يتفادَوا أولَ ما سمعُوا بالإفك عن التَّكلُّم به فلمَّا كان ذكرُ الوقتِ أهمَّ وجبَ التَّقديمُ وأمَّا ما قيل من أنَّ ظروفَ الأشياءِ منزَّلةٌ أنفسَها لوقوعِها فيها وأنها لا تنفكُّ عنها فلذلك يتَّسعُ فيها ما لا يتَّسعُ في غيرِها فهي ضابطةٌ ربَّما تستعملُ فيما إذا وضع الظَّرفُ موضعَ المظروفِ بأنْ جُعل مفعولاً صريحاً لفعلٍ مذكورٍ كما في قوله تعالى : واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء  أو مقدَّرٍ كعامةِ الظُّروفِ المنصوبةِ بإضمارِ اذكُر، وأمَّا هاهنا فلا حاجةَ إليها أصلاً لما تحققت أنَّ مناطَ التَّقديمِ توجيهُ التحضيضِ إليه وذلك يتحقَّقُ في جميع متعلقاتِ الفعلِ كما في قوله تعالى :
 فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا   سبحانك  تعجُّبٌ ممَّن تفوَّه به وأصلُه أن يذكرُ عند معاينةِ العجيبِ من صنائعِه تعالى تنزيهاً له سبحانَه عنْ أنْ يصعبَ عليه أمثالُه ثمَّ كثُر حتَّى استُعملَ في كلِّ متعجَّبٍ منه أو تنزيهٌ له تعالى عن أنْ تكونَ حُرمةُ نبيِّه فاجرةً فإنَّ فجورَها تنفيرٌ عنه ومخلٌّ بمقصودِ الزَّواجِ فيكون تقريراً لمَا قبلَه وتمهيداً لقوله تعالى : هذا بهتان عَظِيمٌ  لعَظَمَةِ المبهوتِ عليه واستحالةِ صدقِه فإنَّ حقارةَ الذُّنوبِ وعظمَها باعتبار مُتعلقاتِها.

### الآية 24:17

> ﻿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [24:17]

يَعِظُكُمُ الله  أي ينصحُكم  أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ  أي كراهةَ أنْ تعودُوا أو يزجرُكم مِن أن لا تعودُوا من قولِك : وعظتُه في كذا فتركَه  أَبَدًا  أي مدَّةَ حياتِكم  إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ  فإنَّ الإيمانَ وازعٌ عنه لا محالةَ وفيه تهييجٌ وتقريعٌ.

### الآية 24:18

> ﻿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [24:18]

وَيُبَيّنُ الله لَكُمُ الآيات  الدَّالَّةَ على الشَّرائعِ ومحاسنِ الآدابِ دلالةً واضحةً لتتَّعِظوا وتتأدَّبوا بها أي يُنزلها كذلكَ أي مبينةً ظاهرةَ الدِّلالةِ على معانيها لا أنَّه يُبينها بعد أنْ لم تكُنْ كذلك وهذا كما في قولِهم : سبحانَ من صغَّر البعوضَ وكبَّر الفيلَ أي خلقَهُما صغيراً وكبيراً ومنه قولُك : ضُيِّقَ فمُ الرَّكيَّةِ ووُسِّعَ أسفلُها. وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موقع الإضمارِ لتفخيم شأنِ البيانِ  والله عَلِيمٌ  بأحوالِ جميعِ مخلوقاتِه جلائلِها ودقائقِها  حَكِيمٌ  في جميع تدابيرِه وأفعالِه فأنَّى يمكن صدقُ ما قيل في حقِّ حُرمةِ مَن اصطفاهُ لرسالاته وبعثَه لكافَّةِ الخلقِ ليرشدَهم إلى الحقِّ ويزكيهم ويُطهرَهم تطهيراً. وإظهارُ الاسمِ الجليلِ هاهنا لتأكيدِ استقلالِ الاعتراضِ التذييليِّ والإشعارِ بعلَّةِ الأُلوهيَّةِ للعلم والحكمةِ.

### الآية 24:19

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [24:19]

إِنَّ الذين يُحِبُّونَ  أي يُريدون ويقصدُون  أَن تَشِيعَ الفاحشة  أي تنتشرَ الخَصلةُ المفرطةُ في القُبح وهي الفريةُ والرَّميُ بالزِّنا أو نفسُ الزِّنا فالمراد بشيوعِها شيوعُ خبرِها أي يحبُّون شيوعَها ويتصدَّون مع ذلكَ لإشاعتِها وإنَّما لم يُصرِّحْ به اكتفاءً بذكرِ المحبَّةِ فإنَّها مستتبعةٌ له لا محالةَ  في الذين آمَنُواْ  متعلق بتشيعَ أي تشيعَ فيما بينَ النَّاسِ. وذكرُ المؤمنينَ لأنَّهم العمدةُ فيهم أو بمضمرٍ هو حالٌ من الفاحشةِ فالموصولُ عبارةٌ عن المؤمنينَ خاصَّة أي يحبُّون أنْ تشيعَ الفاحشةُ كائنةً في حقِّ المؤمنينَ وفي شأنهم  لَهُمْ  بسبب ما ذُكر  عَذَابٌ أَلِيمٌ في الدنيا  من الحدِّ وغيرِه ممَّا يتفقُ من البَلايا الدُّنيويةِ ولقد ضرب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عبدَ اللَّهِ بنَ أُبيَ وحسَّاناً ومِسْطَحاً حدَّ القذفِ وضربَ صفوانُ حسَّاناً ضربةً بالسَّيفِ وكُفَّ بصرُه  والآخرة  من عذابِ النَّارِ وغيرِ ذلكَ ممَّا يعلمُه الله عزَّ وجلَّ  والله يَعْلَمُ  جميعَ الأمورِ التي من جُملتِها ما في الضَّمائر من المحبَّة المذكورةِ  وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ  ما يعلمُه تعالى بل إنَّما تعلمونَ ما ظهرَ لكم من الأقوال والأفعالِ المحسوسةِ فابنُوا أمورَكم على ما تعلمونَه وعاقبُوا في الدُّنيا على ما تشاهدونَه من الأحوالِ الظَّاهرةِ والله سبحانَه هو المتولِّي للسَّرائرِ فيعاقبُ في الآخرةِ على ما تُكنُّه الصُّدورُ. هذا إذا جُعلَ العذابُ الأليمُ في الدُّنيا عبارةً عن حدِّ القذفِ أو منتظماً له كما أطبقَ عليه الجمهورُ أمَّا إذا بقي على إطلاقِه يُراد بالمحبَّةِ نفسُها من غيرِ أنْ يقارنَها التَّصدِّي للإشاعةِ وهو الأنسبُ بسياقِ النَّظمِ الكريم فيكون ترتيبُ العذابِ عليها تنبيهاً على عذاب مَن يُباشر الإشاعةَ ويتولاَّها أشدَّ وأعظمَ ويكون الاعتراضُ التذييليُّ أعني قولَه تعالى : والله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ  تقريراً لثبوت العذابِ الأليمِ لهم وتعليلاً له.

### الآية 24:20

> ﻿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [24:20]

وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ  تكريرٌ للمنَّةِ بترك المعاجلةِ بالعقاب للتنبيه على كمال عظمِ الجريرةِ  وَأَنَّ الله رَءوفٌ رَّحِيمٌ  عطفٌ على فضلُ الله. وإظهارُ الاسمِ الجليلِ لتربية المهابةِ والإشعارِ باستتباع صفةِ الأُلوهية للرَّأفة والرَّحمةِ، وتغييرُ سبكِه وتصديرُه بحرفِ التَّحقيقِ لما أنَّ المرادَ بيانُ اتِّصافِه تعالى في ذاتِه بالرَّأفةِ التي هي كمالُ الرَّحمةِ والرَّحيميةِ التي هي المبالغةُ فيها على الدَّوامِ والاستمرارِ لا بيانُ حدوثِ تعلُّق رأفتِه ورحمتِه بهم كما أنَّه المراد بالمعطوفِ عليه. وجوابُ لولا محذوفٌ لدلالةِ ما قبلَه عليه.

### الآية 24:21

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [24:21]

يأَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان  أي لا تسلكُوا مسالكَه في كلِّ ما تأتُون وما تذرُون من الأفاعيل التي من جُملتِها إشاعةُ الفاحشةِ وحبُّها. وقرئ خُطْواتِ بسكونِ الطَّاءِ وبفتحِها أيضاً  وَمَن يَتَّبِعْ خطوات الشيطان  وُضعَ الظَّاهرانِ موضعَ ضميريهما حيثُ لم يُقلْ ومَن يتبعها أو ومَن يتبع خطواتِه لزيادة التَّقريرِ والمبالغةِ في التَّنفيرِ والتَّحذيرِ  فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بالفحشاء والمنكر  علَّة للجزاءِ وضعتْ موضعَه كأنَّه قيل : فقد ارتكبَ الفحشاءَ والمُنكرَ لأنَّه دأبُه المستمرُّ أنْ يأمرَ بهما فمَن اتبعَ خطواتِه فقدِ امتثلَ بأمرِه قطعاً. والفحشاءُ : ما أفرطَ قبحُه كالفاحشةِ، والمنكرُ : ما يُنكره الشَّرعُ. وضميرُ إنَّه للشَّيطانِ وقيل : للشَّأنِ على رأي مَن لا يوجبُ عودَ الضَّميرِ من الجُملةِ الجزائيَّةِ إلى اسمِ الشَّرطِ، أو على أنَّ الأصلَ يأمرُه وقيل : هو عائدٌ إلى مَن أي فإنَّ ذلك المتَّبعَ يأمرُ النَّاسَ بهما لأنَّ شأنَ الشَّيطانِ هو الإضلالُ فمن اتَّبعه يترقَّى من رُتبة الضَّلالِ والفساد إلى رُتبة الإضلالِ والإفسادِ. 
 وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ  بما مِن جُملتِه هاتيك البياناتُ والتَّوفيقُ للتَّوبةِ الماحصةِ للذُّنوبِ، وشرحُ الحُدودِ المُكفِّرةِ لها  مَا زَكَا  أي ما طهُر من دنسِها. وقرئ ما زكَّى بالتَّشديدِ أي ما طهَّر الله تعالى. ومِن في قولِه تعالى : مّنكُمْ  بيانيَّةٌ. وفي قولِه تعالى : مّنْ أَحَدٍ  زائدةٌ وأحدٌ في حيِّزِ الرَّفعِ على الفاعليَّةِ على القراءةِ الأُولى، وفي محلِّ النَّصبِ على المفعوليَّةِ على القراءةِ الثَّانيةِ  أَبَدًا  لا إلى نهايةٍ  ولكن الله يُزَكّى  يُطهِّر  مَن يشاء  من عبادِه بإفاضة آثارِ فضلِه ورحمتِه عليه، وحملِه على التَّوبةِ ثمَّ قبولِها منه كما فَعَل بكُم  والله سَمِيعٌ  مبالغٌ في سمعِ الأقوالِ التي مِنْ جُملتِها ما أظهرُوه من التَّوبةِ  عَلِيمٌ  بجميعِ المعلوماتِ التي مِنْ جُملتِها نيَّاتُهم، وفيه حثٌّ لهم على الإخلاص في التَّوبة. وإظهارُ الاسمِ الجليلِ للإيذانِ باستدعاءِ الأُلوهيَّةِ للسمعِ والعلمِ مع ما فيهِ من تأكيدِ استقلالِ الاعتراضِ التَّذييليِّ.

### الآية 24:22

> ﻿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [24:22]

وَلاَ يَأْتَلِ  أي لا يحلفْ، افتعالٌ من الأَليّة وقيل : لا يُقصِّرُ من الأَلْوِ. والأولُ هو الأظهرُ لنزولِه في شأنِ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه حينَ حلفَ أنْ لا ينفقَ على مِسْطحٍ بعدُ وكانَ ينفقُ عليه لكونِه ابنَ خالتِه وكانَ من فُقراءِ المُهاجرينَ. ويَعضده قراءةُ مَن قرأَ ولا يألُ  أُوْلُو الفضل مِنكُمْ  في الدِّين وكفَى به دليلاً على فضلِ الصِّدِّيقِ رضي الله تعالى عنه  والسعة  في المالِ  أَن يُؤْتُواْ  أيْ على أنْ لا يُؤتوا. وقرئ بتاءِ الخطابِ على الالتفاتِ  أُوْلِى القربى والمساكين والمهاجرين في سَبِيلِ الله  صفاتٌ لموصوفٍ واحدٍ جِيء بها بطريقِ العطفِ تنبيهاً على أنَّ كلاًّ منها علَّة مستقلَّة لاستحقاقِه الأبناءِ، وقيل : لموصوفاتٍ أقيمتْ هي مقامَها وحُذف المفعولُ الثَّاني لغايةِ ظهورِه أي على أنْ لا يُؤتوهم شيئاً  وَلْيَعْفُواْ  ما فَرَطَ منهم  وَلْيَصْفَحُواْ  بالإغضاءِ عنه. وقد قرئ الأمرانِ بتاءِ الخطابِ على وفقِ قولِه تعالى : أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ  أي بمقابلة عفوِكم وصفحِكم وإحسانِكم إلى مَن أساءَ إليكُم  والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ  مبالغٌ في المغفرة والرَّحمةِ مع كمالِ قُدرتِه على المُؤاخذة وكثرةِ ذنوبِ العبادِ الدَّاعيةِ إليها. وفيهِ ترغيبٌ عظيمٌ في العفو ووعدٌ كريمٌ بمقابلتِه كأنَّه قيل : ألا تُحبُّون أنْ يغفرَ الله لكُم فهذا من موجباتِه. رُوي أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ قرأَه على أبي بكرٍ رضي الله عنه فقالَ : بل أحبُّ أنْ يغفرَ الله لي فرجع إلى مسطحٍ نفقتَه وقال : والله لا أنزعها أبداً.

### الآية 24:23

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [24:23]

إِنَّ الذين يَرْمُونَ المحصنات  أي العفائفَ ممَّا رُمين به من الفاحشةِ  الغافلات  عنها على الإطلاقِ بحيثُ لم يخطرْ ببالهنَّ شيءٌ منها ولا من مُقدِّماتِها أصلاً. ففيها من الدِّلالةِ على كمالِ النَّزاهةِ ما ليس في المحصناتِ أي السليماتِ الصدورِ النقيَّاتِ القلوبِ عن كلِّ سوءٍ  المؤمنات  أي المتصفاتِ بالإيمانِ بكلِّ ما يجبُ أنْ يُؤمن به الواجباتِ والمحظوراتِ وغيرِها إيماناً حقيقياً تفصيلياً كما ينبئ عنه تأخيرُ المؤمناتِ عمَّا قبلَها من أصالةِ وصفِ الإيمانِ فإنَّه للإيذان بأنَّ المرادَ بها المعنى الوصفيُّ المُعربُ كما ذُكر لا المعنى الاسميُّ المصححُ لإطلاق الاسمِ في الجملةِ كما هو المتبادرُ على تقديرِ التَّقديمِ، والمرادُ بها عائشةُ الصِّدِّيقةُ رضي الله عنهَا. والجمعُ باعتبارِ أنَّ رميَها رميٌ لسائرِ أمَّهاتِ المُؤمنينَ لاشتراكِ الكلِّ في العصمةِ والنَّزاهةِ والانتسابِ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في قولِه تعالى : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المرسلين  ونظائرِه وقيلَ : أمَّهاتُ المؤمنينَ فيدخلُ فيهن الصِّدِّيقةُ دُخولاً أوليًّا وأما ما قيل منْ أنَّ المرادَ هي الصِّدِّيقةُ والجمعُ باعتبارِ استتباعِها للمتَّصفاتِ بالصِّفاتِ المذكورةِ من نساءِ الأمةِ فيأباهُ أنَّ العقوباتِ المترتبةَ على رميِ هؤلاءِ عقوباتٌ مختصَّةٌ بالكفَّارِ والمنافقينِ ولا ريبَ في أنَّ رميَ غيرِ أمَّهاتِ المُؤمنين ليس بكفرٍ فيجبُ أن يكونَ المرادُ إيَّاهُنَّ على أحدِ الوجهينَ فإنهنَّ قد خصصنَّ من بين سائرِ المُؤمناتِ فجعل رميهنَّ كفراً إبرازاً لكرامتهنَّ على الله عزَّ وجلَّ وحمايةً لحمى الرِّسالة مِنْ أنْ يحومَ حوله أحدٌ بسوءٍ حتَّى إنَّ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما جعلَه أغلظَ من سائرِ أفرادِ الكفرِ حينَ سُئل عن هذه الآياتِ فقالَ : مَن أذنبَ ذنباً ثمَّ تابَ منه قُبلت توبتُه إلا مَن خاضَ في أمرِ عائشةَ رضي الله عنها. 
وهَلْ هُو منه رضي الله عنه إلا لتهويلِ أمرِ الإفكِ والتنبيهِ على أنَّه كفرٌ غليظٌ  لُعِنُواْ  بما قالُوه في حقهنَّ  في الدنيا والآخرة  حيثُ يلعنُهم اللاعنونَ من المؤمنينَ والملائكةِ أبداً  وَلَهُمْ  معَ ما ذُكر من اللَّعنِ الأبديِّ  عَذَابٌ عظِيمٌ  هائلٌ لا يُقادر قدرُه لغاية عظمِ ما اقترفُوه من الجنايةِ.

### الآية 24:24

> ﻿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [24:24]

وقولُه تعالى : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ  الخ، إمَّا متصلٌ بما قبلَه مسوقٌ لتقريرِ العذابِ المذكورِ بتعيينِ وقتِ حلولِه وتهويلِه ببيانِ ظهورِ جنايتِهم الموجبةِ له مع سائرِ جناياتِهم المستتبعةِ لعقوباتِها على كيفيةٍ هائلةٍ وهيئةٍ خارقةٍ للعاداتِ. فيومَ ظرفٌ لما في الجارِّ والمجرورِ المتقدمِ من معنى الاستقرارِ لا لعذابٌ وإنْ أغضينَا عن وصفِه لإخلالِه بجزالةِ المعنى. وإمَّا منقطعٌ عنه مسوقٌ لتهويلِ اليومِ بتهويلِ ما يحويهِ على أنَّه ظرفٌ لفعلٍ مؤخَّرٍ قد ضُرب عنه الذِّكرُ صَفْحاً للإيذانِ بقصورِ العبارةِ عن تفصيلِ ما يقعُ فيه من الطَّامةِ التَّامةِ والدَّاهيةِ العامةِ كأنَّه قيلَ : يومَ تشهدُ عليهم  أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ  يكونُ من الأحوالِ والأهوالِ ما لا يحيطُ به حيطةَ المقالُ على أنَّ الموصولَ المذكورَ عبارةٌ عن جميعِ أعمالِهم السَّيئةِ وجناياتِهم القبيحةِ لا عن جنايتِهم المعهودةِ فَقَطْ ومعنى شهادةِ الجوارحِ المذكورةِ بها أنَّه تعالى يُنطقها بقدرته فتخبر كلُّ جارحةٍ منها بما صدرَ عنها من أفاعيل صاحبِها لا أنَّ كلاًّ منها يخبرُ بجنايتِهم المعهودةِ فحسب. والموصولُ المحذوفُ عبارةٌ عنها وعن فنونِ العُقوباتِ المترتبةِ عليها كافَّة لا عنْ إحداهما خاصَّة ففيهِ من ضروبِ التَّهويلِ بالإجمالِ والتَّفصيلِ ما لا مزيدَ عليه وجعلُ الموصولِ المذكورِ عبارةً عن خصوصِ جنايتِهم المعهودةِ وحملُ شهادةِ الجوارحِ على إخبارِ الكلِّ بها فَقَط تحجيرٌ للواسعِ وتهوينُ أمرِ الوازعِ والجمعُ بين صيغتي الماضِي والمستقبلِ للدِّلالةِ على استمرارِهم عليها في الدُّنيا. وتقديمُ عليهم على الفاعل للمُسارعةِ إلى بيانِ أنَّ الشَّهادةَ ضارةٌ لهم مع ما فيهِ من التَّشويقِ إلى المؤخرِ كما مرَّ مِراراً.

### الآية 24:25

> ﻿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ [24:25]

وقولُه تعالى : يَوْمَئِذٍ يُوَفّيهِمُ الله دِينَهُمُ الحق  أي يومَ إذْ تشهدُ جوارحُهم بأعمالِهم القبيحةِ يُعطيهم الله تعالى جزاءَهم الثَّابتَ الذي يحقِّقُ أنْ يثبتَ لهم لا محالةَ وافياً كاملاً. كلامٌ مبتدأٌ مسوقٌ لبيانِ ترتيبِ حكمِ الشَّهادةِ عليها متضمنٌ لبيانِ ذلك المهمِّ المحذوفِ على وجهِ الإجمالِ، ويجوزُ أنْ يكونَ يومَ تشهدُ ظرفاً ليوفِّيهم، ويومئذٍ بدلاً منه، وقيلَ : هو منصوبٌ على أنَّه مفعولٌ لفعلٍ مضمرٍ أي اذكُر يومَ تشهدُ. وقرئ يومَ يشهدُ بالتَّذكير للفصل  وَيَعْلَمُونَ  عند معاينتِهم الأهوالَ والخُطوبَ حسبما نطقَ به القرآنُ الكريم  أَنَّ الله هُوَ الحق  الثَّابتُ الذي يحقُّ أنْ يثبت لا محالة في ذاتِه وصفاتِه وأفعالِه التي من جُملتها كلماتُه التَّاماتُ المنبئة عن الشُّؤونِ التي يُشاهدونها منطقة عليها  المبين  المظهرُ للأشياءِ كما هي في أنفسِها أو الظَّاهرُ أنَّه هو الحقُّ وتفسيرُه بظهورِ ألوهيَّتِه تعالى وعدمِ مشاركةِ الغير له فيها وعدمِ قُدرة ما سواه على الثَّوابِ والعقابِ ليس له كثيرُ مناسبةٍ للمقام كما أنَّ تفسيرَ الحقِّ بذي الحقِّ البيَّنِ العادل الظَّاهر عدلُه كذلك ولو تتبعتَ ما في الفُرقان المجيدِ من آياتِ الوعيدِ الواردةِ في حقِّ كلِّ كَفَّارٍ مريدٍ وجبَّارٍ عَنيدٍ لا تجدُ شيئاً منها فوقَ هاتيك القوارعِ المشحونةِ بفُنون التَّهديدِ والتَّشديدِ، وما ذاكَ إلاَّ لإظهار منزلةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في عُلُّو الشَّأنِ والنباهةِ وإبرازِ رُتبةِ الصِّدِّيقةِ رضي الله عنها في العِفَّةِ والنَّزاهةِ.

### الآية 24:26

> ﻿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ۖ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ۚ أُولَٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ۖ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [24:26]

وقولُه تعالى : الخبيثات  الخ، كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ على قاعدةِ السنَّةِ الإلهية الجاريةِ فيما بين الخلقِ على موجب أنَّ لله تعالى مَلَكاً يسوقُ الأهلَ إلى الأهلِ أي الخبيثاتُ من النِّساءِ  لِلْخَبِيثِينَ  من الرِّجال أي مختصَّاتٌ بهم لا يكَدْنَ يتجاوزْنَهم إلى غيرِهم على أنَّ اللامَ للاختصاصِ  والخبيثون  أيضاً  للخبيثات  لأنَّ المُجانسةَ من دَوَاعي الانضمامِ  والطيبات  منهنَّ  لِلطَّيّبِينَ  منهم  والطيبون  أيضاً  للطيبات  منهنَّ بحيثُ لا يكادُون يجاوزوهنَّ إلى من عداهنَّ وحيثُ كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أطيبَ الأطيبينِ وخيرةَ الأوَّلين والآخرين تبين كونُ الصِّدِّيقةِ رضي الله عنها من أطيب الطَّيباتِ بالضَّرورةِ واتَّضح بطلانُ ما قيل في حقِّها من الخُرافاتِ حسبما نطقَ به قولُه تعالى : أُوْلَئِكَ مُبَرَّءونَ مِمَّا يَقُولُونَ  على أنَّ الإشارةَ إلى أهلِ البيتِ المنتظِمين للصِّدِّيقةِ انتظاماً أوَّليًّا، وقيل : إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم والصِّدِّيقةِ وصفوانَ، وما في اسمِ الإشارةِ من معنى البُعد للإيذان بعلُّوِ رُتبة المشارِ إليهم وبُعد منزلتِهم في الفضلِ أي أولئك الموصُوفون بعلُّوِ الشَّأنِ مُبرَّءون ممَّا تقوَّله أهلُ الإفكِ في حقِّهم من الأكاذيبِ الباطلةِ. وقيل : الخبيثاتُ من القولِ للخبيثينَ من الرِّجالِ والنِّساءِ أي مختصَّة ولائقة بهم لا ينبغي أنْ تُقال في حقِّ غيرِهم وكذا الخبيثون من الفريقين أحِقَّاءُ بأنْ يُقال في حقِّهم خبائثُ القول والطَّيباتُ من الكلم للطَّيبين من الفريقينِ مختصَّةٌ وحقيقة بهم وهم أحِقَّاءُ بأنْ يُقال في شأنهم طيِّباتُ الكلمِ أولئك الطَّيبون مبرَّءون ممَّا يقول الخبيثون في حقِّهم فمآلُه تنزيهُ الصِّدِّيقةِ أيضاً، وقيل : خبيثاتُ القول مختصَّةٌ بالخبيثين من فريقَيْ الرِّجالِ والنِّساءِ لا تصدرُ عن غيرِهم والخبيثون من الفريقينِ مختصُّون بخبائث القولِ متعرِّضُون لها والطَّيباتُ من الكلام للطَّيبين من الفريقينِ أي مختصَّةٌ بهم لا تصدرُ عن غيرِهم والطَّيبون من الفريقينِ مختصُّون بطيِّباتِ الكلامِ لا يصدرُ عنهم غيرُها أولئك الطَّيبون مبرَّءون ممَّا يقولُه الخبيثون من الخبائثِ أي لا يصدرُ عنهم مثلُ ذلك فمآلُه تنزيهُ القائلينِ سبحانَك هذا بهتانٌ عظيمٌ  لَهُم مَّغْفِرَةٌ  عظيمةٌ لما لا يخلُو عنه البشرُ من الذُّنوب  وَرِزْقٌ كَرِيمٌ  هو الجنَّةُ.

### الآية 24:27

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [24:27]

يأَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ  إثرَ ما فُصل الزَّواجرُ عن الزِّنا وعن رميِ العفائف عنه شُرع في تفصيل الزَّواجر عمَّا عسى يُؤدِّي إلى أحدهما من مُخالطة الرِّجالِ بالنِّساءِ ودخولِهم عليهنَّ في أوقات الخلوات وتعليمِ الآدابِ الجميلة والأفاعيل المرضيَّة المستتبعة لسعادةِ الدَّارين ووصف البيوت بمغايرة بيوتِهم خارجٌ مخرجَ العادة التي هي سُكنى كلِّ أحدٍ في ملكه وإلا فالمآجر والمُعير أيضاٌ منهيَّانِ عن الدُّخول بغير إذنٍ. وقرئ بِيوتاً غيرَ بِيوتكم بكسرِ الباءِ لإجلِ الياءِ  حتى تَسْتَأْنِسُواْ  أي تستأذنوا مَن يملكُ الإذن من أصحابها من الاستئناس بمعنى الاستعلام من آنس الشيء إذا أبصره فإن المستأنس مستعلم للحال مستكشف أنه هل يؤذن له أو من الاستئناس الذي هو خلاف الاستيحاشس لما أن المستأذن مستوحش خائف أن لا يؤذن له فإذا أذن له استأنس  وَتُسَلّمُواْ على أَهْلِهَا  عند الاستئذان. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن التسليم أن يقول : السلام عليكم، أأدخل ؟ ثلاث مرات فإن أذن له دخل وإلا رجع  ذلكم  أي الاستئذان مع التسليم  خَيْرٌ لَّكُمْ  من أن تدخلوا بغتة أو على تحية الجاهلية حيث كان الرجل منهم إذا أراد أن يدخل بيتاً غير بيته يقول : حييتم صباحاً حييتم مساء فيدخل فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف. وروي أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أستأذن على أمي ؟ قال :**« نعم »** قال : ليس لها خادم غيري أأستأذن عليها كُلَّما دخلتُ ؟ قالَ صلى الله عليه وسلم :**« أتحب أن تراها عريانة ؟ »** قال : لا. قال صلى الله عليه وسلم :**« فاستأذن »**[(١)](#foonote-١)  لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ  متعلق بمضمر أي أمرتم به أو قيل لكم هذا كي تتذكروا وتتعظوا وتعملوا بموجبه. 
١ أخرجه مالك في الموطأ في كتاب الاستئذان حديث رقم (١)..

### الآية 24:28

> ﻿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ ۖ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [24:28]

فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَداً  أي ممن يملك الإذن على أنَّ مَن لا يملكه من النِّساءِ والولدانُ وُجدانُه كفُقدانِه أو أحداً أصلاً على أنَّ مدلول النصِّ الكريم عبارةٌ هو النَّهي عن دُخول البيوتِ الخاليةِ لما فيه من الاطلاع على ما يعتادُ النَّاسُ إخفاءَه مع أنَّ التَّصرفَ في ملك الغير محظورٌ مطلقاً وأمَّا حُرمة دخول ما فيه للنِّساءِ والولدان فثابتةٌ بدلالة النصِّ لأنَّ الدخول حيث حَرُمَ مع ما ذكر من العلَّة فلأن يحرُمَ عند انضمامِ ما هو أقوى منه إليه أعني الاطِّلاعَ على العَورات أَولى  فَلاَ تَدْخُلُوهَا  واصبروا  حتى يُؤْذَنَ لَكُمُ  أي من جهة مَن يملكُ الإذنَ عند إتيانه. ومَن فسَّره بقوله : حتَّى يأتي مَن يأذنُ لكم أو حتَّى تجدوا من يأذن لكم فقد أبرز القطعيَّ في معرض الاحتمال، ولما كان جعلُ النَّهي بالإذنِ ممَّا يُوهم الرُّخصة في الانتظار على الأبواب مُطلقاً بل في تكرير الاستئذانِ ولو بعد الردِّ دُفع ذلك بقولِه تعالى : وَإِن قِيلَ لَكُمْ ارجعوا فارجعوا  أي إنْ أُمرتم من جهةِ أهلِ البيتِ بالرُّجوع سواء كان الأمرُ ممَّن يملكُ الإذن أو لاَ فارجعُوا ولا تلحّوا بتكرير الاستئذانِ كما في الوجهِ الأول لا تلحوا بالإصرار على الانتظار إلى أنْ يأتيَ الآذنُ كما في الثَّاني فإنَّ ذلك ممَّا يجلبُ الكراهةَ في قلوب النَّاسِ ويقدحُ في المروءةِ أيَّ قدحٍ  هُوَ  أي الرُّجوعُ  أزكى لَكُمْ  أي أطهرُ ممَّا لا يخلُو عنه اللجُّ والعناد والوقوف على الأبواب من دنس الدناءةِ والرَّذالة  والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ  فيعلم ما تأتون وما تذرون ممَّا كلفتموه فيجازيكم عليه.

### الآية 24:29

> ﻿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ [24:29]

لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ  أي بغير استئذانٍ  بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ  أي غيرَ موضوعةٍ لسكنى طائفةٍ مخصوصةٍ فقط بل ليتمتَّعَ بها من يُضطر إليها كائناً من كان من غير أنْ يتخذَها سكناً كالرُّبطِ والخَاناتِ والحوانيتِ والحمَّاماتِ ونحوِها فإنَّها معدَّةٌ لمصالح النَّاس كافَّة كما ينبئ عنه قولُه تعالى : فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ  فإنَّه صفةٌ للبيوتِ أو استئنافٌ جارٍ مجرى التَّعليلِ لعدم الجُناح أي فيها حقُّ تمتعٍ لكم كالاستكنان من الحرِّ والبردِ وإيواءِ الأمتعةِ والرِّحالِ والشِّراءِ والبيعِ والاغتسالِ وغيرِ ذلك ممَّا يليقُ بحال البُيوت وداخليها فلا بأسَ بدخولها بغير استئذانٍ من داخليها من قبل ولا ممَّن يتولَّى أمرَها ويقومُ بتدبيرها من قوام الرِّباطاتِ والخاناتِ وأصحابِ الحوانيتِ ومتصرِّفي الحمَّاماتِ ونحوِهم. ويُروى أنَّ أبا بكر رضي الله عنه قال : يا رسولَ الله، إنَّ الله تعالى قد أنزل عليك آيةً في الاستئذان وإنَّا نختلفُ في تجاراتِنا فننزل هذه الخاناتِ أفلا ندخلها إلاَّ بإذنٍ ؟ فنزلتْ. وقيل : هي الخَرِباتُ يُتبرَّزُ فيها والمتاع التَّبرزُ. والظَّاهر أنَّها من جُملة ما ينتظمه البيوتُ لا أنها المرادةُ فقط. وقوله تعالى : والله يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ  وعيدٌ لمن يدخلُ مدخلاً من هذه المداخل لفسادٍ أو اطِّلاعٍ على عوراتٍ.

### الآية 24:30

> ﻿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [24:30]

قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ  شروعٌ في بيان أحكام كليَّة شاملة للمؤمنين كافَّة يندرج فيها حكمُ المستأذنين عند دخولِهم البيوت اندراجاً أوليًّا. وتلوينُ الخطاب وتوجيهه إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وتفويضُ ما في حيِّزِه من الأوامر والنَّواهي إلى رأيِه عليه الصَّلاة والسَّلام لأنَّها تكاليفُ متعلِّقةٌ بأمورٍ جُزئيةٍ كثيرةِ الوقوعِ حقيقةٌ بأنْ يكون الآمرُ بها والمتصدِّي لتدبيرها حافظاً ومُهيمناً عليهم. ومفعولُ الأمر أمرٌ آخرُ قد حُذف تعويلاً على دلالة جوابه عليه أي قُل لهم غُضُّواً  يَغُضُّواْ مِنْ أبصارهم  عمَّا يحرُم ويقتصروا به على ما يحلُّ  وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ  إلا على أزواجِهم أو ما ملكتْ أيمانُهم. وتقييدُ الغضِّ بمن التبعيضيَّةِ دونَ الحفظ لما في أمر النَّظر من السَّعةِ. وقيل : المرادُ بالحفظِ هاهنا خاصَّة هو السِّترُ. 
 ذلك  أي ما ذُكر من الغضِّ والحفظ  أزكى لَهُمْ  أي أطهرُ لهم من دنس الرِّيبة  إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ  لا يخفى عليه شيءٌ ممَّا يصدرُ عنهم من الأفاعيلِ التي من جُملتِها إحالةُ النَّظرِ واستعمالُ سائرِ الحواس وتحريك الجوارحِ وما يقصدون بذلك فليكونوا على حذرٍ منه في كلِّ ما يأتُون وما يذرُون.

### الآية 24:31

> ﻿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [24:31]

وَقُل للمؤمنات يَغْضُضْنَ مِنْ أبصارهن  فلا ينظرن إلى ما لا يحلُّ لهنَّ النَّظرُ إليه  وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ  بالتَّسترِ أو التَّصونِ عن الزِّنا. وتقديمُ الغضِّ لأنَّ النَّظرَ بريدُ الزِّنا ورائدُ الفسادِ  وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ  كالحُليِّ وغيرِها ممَّا يُتزين بهِ وفيهِ من المبالغة في النَّهيِ عن إبداءِ مواضعِها ما لا يخفى  إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا  عند مُزاولةِ الأمورِ التي لا بُدَّ منها عادةً كالخاتمِ والكُحلِ والخضابِ ونحوها فإنَّ في سترِها حَرَجاً بيناً. وقيلَ : المرادُ بالزِّينةِ مواضعُها على حذفِ المضافِ أو ما يعمُّ المحاسنَ الخَلقيةَ والتَّزينيةَ. والمُستثنى هو الوجهُ والكفَّانِ لأنَّها ليستْ بعورةٍ.  وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ  إرشادٌ إلى كيفيَّة إخفاءِ بعضِ مواضع الزِّينة بعد النَّهي عن إبدائِها. وقد كانتِ النِّساءُ على عادةِ الجاهليةِ يسدُلْن خُمرَهنَّ من خلفهنَّ فتبدُو نحورُهنَّ وقلائدهُنَّ من جيوبِهنَّ لوسعِها فأُمرن بإرسالِ خمرهنَّ إلى جيوبهنَّ ستراً لما يبدُو منها وقد ضُمِّن الضَّربُ معنى الإلقاءِ فعُدِّي بعَلَى. وقرئ بكسرِ الجيمِ كما تقدَّم  وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ  كرر النهي لاستثناء بعضِ موادِّ الرُّخصةِ عنه باعتبار النَّاظرِ بعد ما استُثني عنه بعضُ موادِّ الضَّرورةِ باعتبارِ المنظُور  إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ  فإنَّهم المقصودون بالزِّينة ولهم أنْ ينظرُوا إلى جميع بدنهنَّ حتَّى الموضعِ المعهودِ  أَوْ آبائهن أَوْ آباء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أبنائهن أَوْ أبناء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بني إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ  لكثرةِ المخالطةِ الضَّروريَّةِ بينهم وبينهنَّ وقلة توقع الفتنةِ من قبلهم لما في طباعِ الفريقينِ من النَّفرة عن مماسة القرائبِ ولهم أنْ ينظرُوا منهنَّ ما يبدُو عند المهنةِ والخدمةِ. وعدمُ ذكرِ الأعمامِ والأخوالِ لما أنَّ الأحوطَ أنْ يتسترن عنهم حذاراً من أنْ يصفوهنَّ لأبنائهم  أَوْ نِسَائِهِنَّ  المختصَّات بهن بالصُّحبة والخدمةِ من حرائر المؤمناتِ فإنَّ الكوافرَ لا يتحرجنَّ عن وصفهنَّ للرِّجالِ. 
 أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهن  أي من الإماءِ فإنَّ عبدَ المرأةِ بمنزلة الأجنبيِّ منها. وقيل مِن الإماءِ والعَبيدِ لما رُوي أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أتى فاطمة رضي الله عنها بعبدٍ وهبه لها وعليها ثوبٌ إذا قنَّعتْ به رأسَها لم يبلغْ رجليها وإذا غطَّت رجليها لم يبلغْ رأسَها فقال عليه الصَّلاة والسَّلام :**« إنَّه ليس عليك بأسٌ إنَّما هو أبوكِ وغلامكِ »**  أَوِ التابعين غَيْرِ أُوْلِى الإربة مِنَ الرجال  أي أولي الحاجةِ إلى النِّساء وهم الشُّيوخُ الهِمّ[(١)](#foonote-١) والممسوحون[(٢)](#foonote-٢). وفي المجبوبِ[(٣)](#foonote-٣) والخَصيِّ خلافٌ، وقيل هُم البُله الذين يتتبعون النَّاس لفضل طعامِهم ولا يعرفون شيئاً من أمور النِّساء. وقرئ غيرَ بالنَّصبِ على الحاليَّةِ  أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ على عورات النساء  لعدم تمييزهم. من الظُّهور بمعنى الاطِّلاع أو لعدم بلوغهم حدَّ الشَّهوةِ، من الظُّهور بمعنى الغَلَبة. 
والطِّفلُ جنسٌ وُضع موضعَ الجمعِ اكتفاءً بدلالةِ الوصفِ.  وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ  أي ما يخفينَه من الرؤيةِ  مِن زِينَتِهِنَّ  أي ولا يضربن بأرجلِهنَّ الأرضَ ليتقعقعَ خلخالهُنَّ فيُعلمَ أنهنَّ ذواتُ الخلخالِ فإنَّ ذلك ممَّا يُورث الرِّجالَ ميلاً إليهنَّ ويُوهم أنَّ لهنَّ ميلاً إيهم. وفي النَّهيِ عن إبداء صوتِ الحُلى بعد النَّهي عن إبداءِ عينها من المبالغةِ في الزَّجرِ عن إبداءِ مواضعها ما لا يخفى  وَتُوبُواْ إِلَى الله جَمِيعاً  تلوينٌ للخطابِ وصرفٌ له عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى الكُلِّ بطريق التَّغليبِ لإبراز كمال العنايةِ بما في حيِّزه من أمرِ النوبةِ وأنَّها من معظمات المهمَّاتِ الحقيقيَّةِ بأنْ يكونَ سبحانَهُ وتعالى هو الآمرَ بها لما أنَّه لا يكادُ يخلُو أحدٌ من المكلَّفين عن نوعِ تفريطٍ في إقامة مواجبِ التَّكاليفِ كما ينبغي. وناهيك بقوله عليه السَّلامُ **« شيَّبتني سورةُ هودٍ »**[(٤)](#foonote-٤) لما فيها من قولهِ عزَّ وجلَّ  فاستقم كَمَا أُمِرْتَ  لاسيما إذا كانَ المأمورُ به الكفَّ عن الشَّهواتِ. وقيل توبُوا عمَّا كنتُم تفعلونَه في الجاهليَّةِ فإنَّه وإنْ جُبَّ بالإسلامِ لكن يُجبُّ بالندمِ عليه والعزمِ على تركهِ كلَّما خطرَ ببالهِ. وفي تكرير الخطابِ بقوله تعالى : أَيُّهاَ المؤمنون  تأكيدٌ للإيجاب وإيذانٌ بأنَّ وصفَ الإيمانِ موجبٌ للامتثال حتماً. وقرئ أيّهُ المؤمنون  لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  تفوزونَ بذلكَ بسعادةِ الدَّارينِ. 
١ الشيوخ الهم: والهم بالكسر الشيخ الكبير البالي والفاني وفي حديث عمر: أنه كان يأمر جيوشه ألا يقتلوا هما ولا امرأة..
٢ يقال خصي ممسوح: إذا سلتت مذاكيره وفي حديث اللعان: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ولد الملاعنة: إن جاءت به ممسوح الأليتين قال شمر: هو الذي لزقت أليتاه بالعظم ولم تعظما. ورجل ممسوح الوجه: ليس على أحد شقي وجهه عين ولا حاجب..
٣ الجب:.
٤ أخرجه الترمذي في كتاب التفسير سورة (٥٦) باب (٦) بلفظ: "شيبتي هود والواقعة"..

### الآية 24:32

> ﻿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [24:32]

وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ  بعدما زَجر تعالى عن السِّفاحِ ومباديه القريبةِ والبعيدةِ أمرَ بالنِّكاحِ فإنَّه مع كونهِ مقصُوداً بالذَّات من حيثُ كونُه مناطاً لبقاء النَّوعِ خيرُ مزجرةٍ عن ذلك. وأيامى مقلوبُ أيَايم جمعُ أيِّم وهو مَن لا زوجَ له من الرِّجالِ والنِّساءِ بكراً كان أو ثيِّباً كما يُفصح عنه قولُ من قالَ :\[ الطويل \]فإنْ تَنْكحِي أنكِحْ وإنْ تتأيَّمي  وإنْ كُنتُ أفتى مِنكُم أتأيَّمِ[(١)](#foonote-١)أي زَوِّجُوا مَن لا زوجَ له مِن الأحرارِ والحَرَائرِ  والصالحين مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ  على أنَّ الخطابَ للأولياءِ والسَّاداتِ. واعتبارُ الصَّلاحِ في الأرقَّاءِ لأنَّ من لا صلاحَ له منهم بمعزلٍ مَن أنْ يكون خَليقاً بأن يعتني مولاه بشأنه ويُشفق عليه ويتكلَّفُ في نظمِ مصالحهِ بما لا بدَّ منه شَرعاً وعادةً من بذل المالِ والمنافعِ، بل حقُّه أنْ لا يستبقيَه عنده وأمَّا عدمُ اعتبار الصَّلاحِ في الأحرارِ والحرائرِ فلأنَّ الغالبَ فيهم الصَّلاحُ على أنَّهم مُستبدُّون في التَّصرفاتِ المتعلِّقةِ بأنفسهِم وأموالهم فإذا عزمُوا النِّكاحَ فلا بدَّ من مساعدةِ الأولياءِ لهم إذ ليسَ عليهم في ذلك غرامةٌ حتَّى يُعتبر في مقابلتها غنيمةٌ عائدةٌ إليهم عاجلةً أو آجلةً. وقيل المرادُ هو الصَّلاحُ للنِّكاحِ والقيامِ بحقوقهِ  إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ  إزاحةً لما عسى يكونُ وازعاً من النِّكاحِ من فقرِ أحدِ الجانبينِ أي لا يمنعنَّ فقرُ الخاطبِ أو المخطوبةِ من المُناكحةِ فإنَّ في فضل اللَّهِ عزَّ وجلَّ غُنيةً عن المالِ فإنَّه غادٍ ورائحٌ يرزق مَن يشاء مِن حيثُ لا يحتسبُ أو وعدٌ منه سبحانه بالإغناءِ لقولهِ عليه الصَّلاة والسَّلامُ **« اطلبُوا الغِنى في هذه الآيةِ »** لكنَّه مشروطٌ بالمشيئةِ كما في قولهِ تعالى : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ إِن شَاء   والله واسع  غنيٌّ ذُو سَعةٍ لا يرزؤُه إغناءُ الخلائقِ إذْ لا نفادَ لنعمتهِ ولا غايةَ لقدُرتهِ ومع ذلك  عَلِيمٌ  يبسطُ الرِّزقَ لمن يشاءُ ويقدرُ حسبما تقتضيهِ الحكمةُ والمصلحةُ. 
١ وهو بلا نسبة في لسان العرب (١٢/٣٩) (أيم) وقد ورد في المعجم وعجزه "يدا الدهر ما لم تنكحي أتأيم"..

### الآية 24:33

> ﻿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ۚ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ [24:33]

وَلْيَسْتَعْفِفِ  إرشادٌ للعاجزينَ عن مبادِي النِّكاحِ وأسبابِها إلى ما هُو أولى لهم وأحْرى بهم بعدَ بيانِ جوازِ مُناكحةِ الفُقراءِ أي ليجتهدْ في العِفَّةِ وقمعِ الشَّهوةِ  الذين لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً  أي أسبابَ نكاحٍ أو لا يتمكَّنون ممَّا يُنكح به من المالِ  حتى يُغْنِيَهُمُ الله مِن فَضْلِهِ  عدةٌ كريمةٌ بالتَّفضلِ عليهم بالغِنى ولطفٌ لهم في استعفافِهم وتقويةٌ لقلوبهم وإيذانٌ بأنَّ فضلَه تعالى أولى بالإعفاءِ وأدنى من الصُّلحاءِ  والذين يَبْتَغُونَ الكتاب  بعدما أمرَ بإنكاحِ صَالحي المماليك الأحقَّاءِ بالإنكاح أمرَ بكتابة مَن يستحقُّها منهم. والكتابُ مصدر كاتبَ كالمُكاتبة أي الذين يطلبون المُكاتبةَ  مِمَّا مَلَكَتْ أيمانكم  عبداً كان أو أمةً وهي أنْ يقولَ المولى لمملوكه كاتبتُك على كذا درهماً تؤدِّيه إليَّ وتعتق، ويقول المملوكُ قبلتُه أو نحوَ ذلك فإنْ أدَّاه إليه عتق قالوا معناه كتبتُ لك على نفسي أنْ تعتق منِّي إذا وفَّيت بالمال وكتبت لي على نفسك أنْ تفيَ بذلك أو كتبت عليك الوفاءَ بالمال وكتبتُ عليَّ العتقَ عنده، والتَّحقيقُ أنَّ المكاتبةَ اسمٌ للعقد الحاصل من مجموع كلاميهما كسائر العُقودِ الشَّرعيَّةِ المُنعقدةِ بالإيجاب والقبولِ. ولا ريبَ في أنَّ ذلك لا يصدرُ حقيقةً إلا من المتعاقدين وليس وظيفةُ كلِّ منهما في الحقيقةِ إلا الإتيانَ بأحدث شطريه مُعرباً عمَّا يتمُّ من قِبله ويصدر عنه من الفعلِ الخاصِّ به من غير تعرُّضٍ لما يتمُّ من قبل صاحبه ويصدر عنه من فعله الخاصِّ به إلاَّ أنَّ كلاًّ من ذينكَ الفعلينِ لما كان بحيثُ لا يمكن تحقُّقه في نفسهِ إلا منوطاً بتحقُّقِ الآخرِ ضرورةَ أنَّ التزامَ العتقِ بمقابلة البدلِ من جهة المولى لا يُتصور تحقُّقه وتحصُّله إلا بالتزام البدل من طرف العبد كما أنَّ عقدَ البيع الذي هو تمليك المَبيعِ بالثَّمن من جهة البائعِ لا يُمكن تحقُّقه إلا بتملُّكه به من جانب المُشتري لم يكن بدٌّ من تضمينِ أحدهِما الآخر وقت الإنشاء فكما أنَّ قول البائع بعتُ إنشاءٌ لعقد البيع على معنى أنَّه إيقاعٌ لما يتمُّ من قبله أصالةً ولما يتمُّ من قبل المُشتري ضمناً إيقاعاً متوقفاً على رأيهِ توقفاً شبيهاً بتوقُّفِ عقد الفضوليِّ كذلك قولُ المولى كاتبتُك على كذا إنشاء لعقدِ الكتابةِ أي إيقاعٌ لما يتمُّ من قبله من التزام العتقِ بمقابلة البدلِ أصالةً ولما يتمُّ من قبلِ العبدِ من التزامِ البدلِ ضمناً إيقاعاً متوقِّفاً على قبوله فإذا قُبل تمَّ العقدُ، ومحل الموصولِ الرَّفعُ على الابتداء خبرُه  فكاتبوهم  والفاءُ لتضمُّنهِ معنى الشَّرطِ أو النَّصبُ على أنَّه مفعولٌ لمضمرٍ يفسِّره هذا والأمر فيه للنَّدب لأنَّ الكتابة عقدٌ يتضمَّن الإرفاقَ فلا تجبُ كغيرِها ويجوزُ حالاً ومؤجَّلاً ومنجَّماً[(١)](#foonote-١) وغيرَ منجَّمٍ. 
وعند الشَّافعيِّ رحمه الله لا يجوزُ إلا مؤجَّلاً منجَّماً وقد فُصِّل في موضعه  إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً  أي أمانةً ورُشداً وقدرة على أداء البدلِ بتحصيله من وجهٍ حلالٍ وصلاحاً لا يؤذي النَّاسَ بعد العتق وإطلاق العَنَانِ. 
 وَآتُوهُم مِن مَّالِ الله الذي آتاكم  أمرٌ للموالي ببذل شيءٍ من أموالهم وفي حكمه حطُّ شيء من مال الكتابة ويكفي في ذلك أقلُّ ما يُتموَّل. وعن عليَ رضي الله عنه : حطُّ الرُّبع وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما : الثُّلثُ. وهو للنَّدبِ عندنا وعند الشافعيِّ للوجوبِ ويردُّه قولُه عليه الصَّلاة والسَّلام :**« المُكاتَبُ عبدٌ ما بقي عليه درهمٌ »**[(٢)](#foonote-٢). إذ لو وجب الحطُّ لسقط عنه الباقي حتماً وأيضاً لو وَجَب الحطُّ لكان وجوبُه معلَّقاً بالعقد فيكون العقد مُوجِباً ومُسقِطاً معاً وأيضاً فهو عقدُ مُعاوضةٍ فلا يُجبر على الحَطيطةِ كالبيع وقيل معنى آتُوهم أقرِضُوهم وقيل هو أمرٌ لهم بأنْ يُنفقوا عليهم بعد أنْ يؤدُّوا ويعتقوا. وإضافةُ المال إليه تعالى ووصْفُه بإيتائه إيَّاهم للحثِّ على الامتثال بالأمر بتحقيق المأمور به كما في قوله تعالى : وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ  فإنَّ ملاحظة وصولِ المال إليهم من جهته تعالى مع كونه هو المالكَ الحقيقيَّ له من أقوى الدَّواعي إلى صرفه إلى الجهة المأمور بها وقيل هو أمرٌ بإعطاءِ سهمهِم من الصَّدقات، فالأمرُ للوجوبِ حَتْماً والإضافةُ والوصفُ لتعيين المأخذِ وقيل هو أمرُ ندبٍ لعامَّة المسلمين بإعانة المُكاتبين بالتَّصدق عليهم، ويحلُّ ذلك للمولى وإنْ كان غنيًّا لتبدل العُنوان حسبما ينطقُ به قولُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في حديثِ بَريرةَ :**« هو لها صدقةٌ ولنا هديَّةٌ »**[(٣)](#foonote-٣). 
 وَلاَ تُكْرِهُواْ فتياتكم  أي إماءكم فإنَّ كُلاَّ من الفَتَى والفَتاةِ كنايةٌ مشهورةٌ عن العبدِ والأمَةِ وعلى ذلك مبنيٌّ قولُه عليه الصَّلاة والسَّلام :**« ليقُلْ أحدُكم فتاي وفتاتي ولا يقُل عبدي وأمَتي »**[(٤)](#foonote-٤) ولهذه العبارةِ في هذا المقامِ باعتبار مفهومِها الأصلي حسنُ موقعٍ ومزيدُ مناسبةٍ لقولهِ تعالى : عَلَى البغاء  وهو الزِّنا من حيثُ صدورُه عن النساءِ لأنهنَّ اللاَّتي يُتوقَّع منهنَّ ذلك غالباً دُون مَن عداهنَّ من العجائزِ والصَّغائرِ. وقولُه تعالى : إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً  ليس لتخصيص النَّهي بصورة إرادتهِنَّ التَّعففَ عن الزِّنا وإخراجِ ما عداها من حُكمه كما إذا كان الإكراه بسبب كراهتهنَّ الزِّنا لخصوصِ الزَّاني أو لخصوصِ الزَّمانِ أو لخصوصِ المكانِ أو لغيرِ ذلكَ من الأُمور المُصحِّحةِ للإكراه في الجُملةِ بل للمحافظةِ على عادتهم المستمرَّة حيثُ كانُوا يكرهونهنَّ على البغاء وهنَّ يُردن التَّعففَ عنه مع وفورِ شهوتهنَّ الآمرةِ بالفُجورِ وقصورهنَّ في معرفةِ الأمورِ الدَّاعيةِ إلى المحاسنِ الزَّاجرةِ عن تَعَاطي القبائحِ فإنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ أُبيَ كانت له ستُّ جوارٍ يُكرههنَّ على الزِّنا وضربَ عليهنَّ ضرائبَ فشكتِ اثنتانِ منهنَّ إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فنزلتْ. 
وفيهِ من زيادةِ تقبيحِ حالهم وتشنيعهِم على ما كانُوا عليه من القبائحِ ما لا يخفى فإنَّ مَن له أدنى مروءةٍ لا يكادُ يرضى بفجور من يحويهِ حرمُه من إمائهِ فضلاً عن أمرهنَّ به أو إكراههنَّ عليه لاسيَّما عند إرادتهنَّ التَّعففَ فتأمَّلْ ودَعْ عنك ما قيلَ مِن أنَّ ذلك لأنَّ الإكراه لا يتأتَّى إلا مع إرادة التَّحصُّنِ وما قيل من أنَّه إنْ جُعل شرطاً للنَّهي لا يلزم من عدمِه جوازُ الإكراه لجوازِ أنْ يكون ارتفاعُ النَّهي لامتناع المنهيِّ عنه فإنَّهما بمعزلٍ من التَّحقيق، وإيثار كلمةِ إنْ على إذا مع تحقُّق الإرادةِ في موردِ النَّصِّ حتماً للإيذانِ بوجوبِ الانتهاء عن الإكراه عند كونِ إرادةِ التَّحصنِ في حيِّز التَّردد والشَّكِّ فكيفَ إذا كانت مُحقَّقة الوقوع كما هو الواقعُ، وتعليلُه بأنَّ الإرادةَ المذكورة منهنَّ في حيِّز الشَّاذ النادرِ مع خُلوه عن الجَدْوى بالكُلِّية يأباهُ اعتبارُ تحقُّقِها إباءً ظاهراً. وقولُه تعالى : لّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الحياة الدنيا  قيدٌ للإكراه لكنْ لا باعتبارِ أنَّه مدارٌ للنَّهي عنه بل باعتبار أنَّه المعتادُ فيما بينهُم كما قبله جيءَ به تشنيعاً لهُم فيما هُم عليه من احتمال الوزرِ الكبيرِ لأجل النَّزْرِ الحقيرِ أي لا تفعلُوا ما أنتُم عليه من إكراههنَّ على البغاءِ لطلب المتاعِ السَّريعِ الزَّوالِ الوشيكِ الاضمحلالِ فالمرادُ بالابتغاء الطَّلبُ المقارنُ لنيل المطلوبِ واستيفائهِ بالفعل إذْ هُو الصَّالحُ لكونه غايةً للإكراهِ مترتِّباً عليه لا المطلقُ المتناولُ للطَّلبِ السَّابقِ الباعثِ عليه  وَمَن يُكْرِههُنَّ  الخ جملةٌ مستأنفةٌ سِيقتْ لتقرير النَّهيِ وتأكيدِ وجوبِ العملِ به ببيان خلاص المُكرهاتِ عن عقوبة المُكره عليه عبارةً، ورجوعِ غائلة الإكراه إلى المُكرِهين إشارةً، أي ومَن يكرهنَّ على ما ذُكر من البغاء. 
 فِإِنَّ الله مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  أي لهنَّ كما وقع في مصحف ابن مسعودٍ وعليه قراءةُ ابن عبَّاسً رضي الله تعالى عنهم وكما ينبئ عنه قولُه تعالى : مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ  أي كونهنَّ مكرهاتٍ على أنَّ الإكراه مصدرٌ من المبنيِّ للمفعولِ فإن توسيطَه بين اسمِ إنَّ وخبرِها للإيذانِ بأنَّ ذلك هو السببُ للمغفرةِ والرَّحمةِ. وكان الحسنُ البصريُّ رحمه الله إذا قرأ هذه الآيةَ يقولُ لهنَّ واللَّهِ لهنَّ واللَّهِ. وفي تخصيصهما بهنَّ وتعيين مدارِهما مع سبق ذِكرِ المكرهين أيضاً في الشَّرطيةِ دلالةٌ بينة على كونهم محرومين منهما بالكُلِّية كأنَّه قيل لا للمكره، ولظهور هذا التَّقديرِ اكتفى به عن العائدِ إلى اسم الشَّرطِ فتجويزُ تعلقهما بهم بشرطِ التَّوبةِ استقلالاً أو معهنَّ إخلالٌ بجزالة النَّظمِ الجليلِ وتهوينٌ لأمر النَّهيِ في مقامِ التَّهويلِ، وحاجتُهنَّ إلى المغفرةِ المنبئةِ عن سابقةِ الإثمِ إمَّا باعتبار أنهنَّ وإن كنَّ مكرهاتٍ لا يخلون في تضاعيفِ الزِّنا عن شائبة مطاوعةٍ ما بحكم الجبلَّة البشريَّةِ وإمَّا باعتبارِ أنَّ الإكراه قد يكونُ قاصراً عن حدِّ الإلجاءِ المُزيلِ للاختيارِ بالمرَّة وإما لغايةِ تهويلِ أمرِ الزِّنا وحثِّ المكرهاتِ على التثبت في التَّجافي عنه والتَّشديد في تحذيرِ المُكرهين ببيانِ أنهنَّ حيثُ كنَّ عرضةً للعقوبة لولا أن تدارَكَهن المغفرةُ والرَّحمةُ مع قيام العُذر في حقهنَّ فما حالُ من يكرههنَّ في استحقاقِ العذاب ؟. 
١ تنجيم الدين: هو أن يقدر عطاؤه في أوقات معلومة متتابعة مشاهرة أو مساناة ومنه تنجيم المكاتب ونجوم الكتابة، وأصله أن الرب كانت تجعل مطالع منازل القمر ومساقطها مواقيت حلول ديونها فتقول إذا طلع عليك النجم: حل عليك لي: فلما جاء الإسلام جعل الله تعالى الأهلة مواقيت لما يحتاجون إليه من معرفة أوقات الحج والصوم ومحل الديون وسموها نجوما اعتبارا بالرسم القديم..
٢ أخرجه أبو داود في السنن في كتاب العتاق باب (١) والترمذي في جامعه في كتاب البيوع باب (٣٥) وابن مالك في الموطأ في كتاب المكاتب حديث رقم (١، ٢)..
٣ أخرجه البخاري في كتاب النكاح باب (١٨)؛ والطلاق باب (١٤) كما أخرجه مالك في الموطأ في كتاب الطلاق حديث رقم (٢٥) وأحمد في مسنده (١/٧٨)، (٢/٤٤٤، ٤٩٦)..
٤ أخرجه أحمد في مسنده كما أخرجه مسلم في كتاب الألفاظ حديث (١٥، ١٤، ١٣) وبنفس المعنى واختلاف اللفظ أخرجه البخاري في كتاب العتق باب (١٧) و أبو داود في كتاب الآداب باب (٧٥)..

### الآية 24:34

> ﻿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [24:34]

وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيات مبينات  كلامٌ مستأنف جيءَ به في تضاعيف ما وردَ من الآيات السَّابقةِ واللاَّحقةِ لبيان جلالةِ شؤونها المستوجبةِ للإقبال الكليِّ على العمليِّ بمضمونِها وصُدِّر بالقسم الذي تُعرب عنه اللاَّمُ لإبراز كمالِ العنايةِ بشأنهِ أي وباللَّهِ لقد أنزلنا إليكم في هذه السورةِ الكريمة آياتٍ مبيِّناتٍ لكلِّ ما بكم حاجةٌ إلى بيانه من الحدود وسائرِ الأحكام والآدابِ وغير ذلك ممَّا هو من مَبادي بيانِها على أنَّ إسنادَ التبيينِ إليها مجازيٌّ. أو آياتٍ واضحاتٍ تصدِّقها الكتبُ القديمةُ والعقولُ السَّليمةُ على أنَّ مبيِّنات من بيَّن بمعنى تبيَّن ومنه المثلُ :قد بَيَّن الصّبحُ لذي عينينِ[(١)](#foonote-١) . . . . . . . .وقرئ على صيغةِ المفعولِ أي التي بُيِّنتْ وأوضحتْ في هذه السورةِ من معاني الأحكامِ والحدودِ وقد جُوِّز أن يكونَ الأصلُ مبيَّناً فيها الأحكامُ فاتّسع في الظَّرف بإجرائه مُجرى المفعولِ  وَمَثَلاً مّنَ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ  عطفٌ على آياتٍ أي وأنزلنا مثلاً كائناً من قبيل أمثالِ الذين مضوا من قبلِكم من القصصِ العجيبةِ والأمثالِ المضروبة لهم في الكتب السَّابقةِ والكلماتِ الجاريةِ على ألسنة الأنبياءِ عليهم السَّلامُ فينتظمُ قصَّة عائشة رضي الله عنها المحاكية لقصَّةِ يوسفَ عليه السَّلامُ وقصَّةِ مريمَ رضي الله عنها وسائرِ الأمثالِ الواردةِ في السُّورةِ الكريمةِ انتظاماً واضحاً. وتخصيصُ الآياتِ المبيِّناتِ بالسوابقِ وحملُ المثلِ على القصَّة العجيبةِ فَقَط يأباهُ تعيبُ الكلامِ بما سيأتِي من التمثيلاتِ  وَمَوْعِظَةً  تتَّعظِون به وتنزجِرُون عمَّا لا ينبغي من المحرَّمات والمكروهاتِ وسائرِ ما يخلُّ بمحاسنِ الآدابِ فهي عبارةٌ عمَّا سبقَ من الآيات والمثل لظهورِ كونها من المواعظ بالمعنى المذكور. ومدارُ العطف هو التَّغايرُ العنوانيُّ المنزَّلُ منزلة التَّغايرِ الذَّاتيِّ وقد خُصَّت الآياتُ بما يبيِّنُ الحدودَ والأحكامَ والموعظةَ بما وُعظ به من قولهِ تعالى : وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ في دِينِ الله  وقوله تعالى : لَّوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ  وغيرِ ذلك من الآياتِ الواردةِ في شأنِ الآدابِ وإنَّما قيل  لّلْمُتَّقِينَ  مع شمولِ الموعظةِ للكلِّ حسب شمول الإنزال لقوله تعالى : أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ  حثًّا للمُخاطَبين على الاعتناء بالانتظام في سلك المتَّقين ببيان أنَّهم المغتنمون لآثارها المُقتبسون من أنوارها فحسب. وقيل المرادُ بالآيات المبيناتِ والمثلِ والموعظةِ جميعُ ما في القُرآنِ المجيدِ من الآياتِ والأمثالِ والمواعظِ. 
١ بين هنا بمعنى تبين ويضرب للأمر يظهر كل الظهور..

### الآية 24:35

> ﻿۞ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [24:35]

فقولُه تعالى : الله نُورُ السماوات والأرض  الخ حينئذٍ استئنافٌ مَسوقٌ لتقريرِ ما فيها من البيانِ مع الإشعارِ بكونه في غاية الكمالِ على الوجه الذي ستعرفُه، وأمَّا على الأوَّلِ فلتحقيقِ أنَّ بيانه تعالى ليس مقصُوراً على ما وردَ في السُّورة الكريمة بل هو شاملٌ لكلِّ ما يحقُّ بيانُه من الأحكام والشَّرائعِ ومباديها وغاياتها المترتِّبة عليها في الدُّنيا والآخرة وغير ذلك ممَّا له مدخلٌ في البيان وأنَّه واقعٌ منه تعالى على أتمِّ الوجوهِ وأكملِها حيث عبَّر عنه بالتَّنوير الذي هو أقوى مراتب البيانِ وأجلاها وعبَّر عن المنوِّر بنفس النُّور تنبيهاً على قوَّةِ التَّنوير وشدَّةِ التَّأثيرِ وإيذاناً بأنه تعالى ظاهرٌ بذاته، وكلُّ ما سواه ظاهرٌ بإظهاره، كما أنَّ النُّور نيِّرٌ بذاته وما عداه مستنير به وأضيف النُّور إلى السماوات والأرضِ للدِّلالةِ على كمال شيوع البيان المُستعار له وغاية شمولهِ لكلِّ ما يليق به من الأمور التي لها مدخل في إرشاد النَّاسِ بوساطة بيان شمول المُستعار منه لجميع ما يقبله ويستحقُّه من الأجرام العُلويَّةِ والسُّفليَّةِ فإنَّهما قُطرانِ للعالم الجسمانيِّ الذي لا مظهر للنُّور الحسيِّ سواه أو على شمول البيان لأحوالهما وأحوال ما فيهما من الموجُودات، إذ ما من موجودٍ إلا وقد بُيِّن من أحواله ما يستحقُّ البيانَ إمَّا تفصيلاً أو إجمالاً، كيف لا ولا ريبَ في بيان كونهِ دليلاً على وجود الصَّانعِ وصفاته وشاهداً بصحَّة البعثِ أو على تعلُّق البيان بأهلهما كما قال ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما : هادي أهلِ السماوات والأرضِ فهم بنوره يهتدون وبهداه من حَيرة الضَّلالةِ ينجُون، هذا وأما حملُ التَّنوير على إخراجهِ تعالى للماهيَّاتِ من العدمِ إلى الوجود. إذ هو الأصلُ في الإظهار كما أنَّ الإعدامَ هو الأصلُ في الإخفاء أو على تزيينِ السماوات بالنيِّرينِ وسائر الكواكب وما يفيضُ عنها من الأنوار أو بالملائكة عليهم السَّلامُ وتزيين الأرض بالأنبياءِ عليهم السَّلامُ والعلماء والمؤمنين أو بالنبات والأشجارِ أو على تدبيره تعالى لأمورهما وأمور ما فيهما فمما لا يلائمُ المقامَ ولا يساعدهُ حسنُ النِّظامِ. 
 مَثَلُ نُورِهِ  أي نورهِ الفائض منه تعالى على الأشياء المُستنيرة به وهو القرآنُ المبينُ كما يعرب عنه ما قبله من وصف آياته بالإنزال والتَّبيينِ وقد صرّح بكونهِ نوراً أيضاً في قوله تعالى : وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً  وبه قال ابنُ عبَّاس رضي الله عنهُما والحسنُ وزيدُ بنُ أسلم رحمهم الله تعالى، وجعلُه عبارةً عن الحقِّ وإن شاع استعارتُه كاستعارة الظُّلمة للباطل يأباه مقامُ بيان شأن الآياتِ ووصفِها بما ذُكر من التَّبيين مع عدم سبق ذكر الحقِّ ولأنَّ المعتبرَ في مفهوم النُّور هو الظُّهورُ والإظهار كما هو شأنُ القُرآن الكريم. 
وأما الحقُّ فالمعتبر في مفهومِه من حيثُ هو حقٌّ هو الظُّهورُ لا الإظهارُ، والمراد بالمثل الصِّفةُ العجيبةُ أي صفة نوره العجيبة  كَمِشْكَاةٍ  أي صفة كُوَّة غير نافذةٍ في الجدار في الإنارة والتَّنويرِ  فِيهَا مِصْبَاحٌ  سراجٌ ضخمٌ ثاقبٌ، وقيل المشكاةُ الأُنبوبةُ في وسطِ القنديلِ والمصباحُ الفتيلةُ المشتعلةُ  المصباح في زُجَاجَةٍ  أي قنديلٍ من الزُّجاجِ الصَّافي الأزهرِ. وقرئ بفتح الزَّاي وكسرِها في الموضعينِ  الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرّىٌّ  متلألئ وقَّادٌ شبيه بالدُّرِّ في صفائه وزُهرته. ودراري الكواكب عظامُها المشهورةُ. وقرئ درئ بدالٍ مكسورةٍ وراءٍ مشدَّدةٍ وياءٍ ممدودةٍ بعدها همزةٌ، على أنَّه فِعيلٌ من الدَّرءِ وهو الدَّفعُ أي مبالغٌ في دفعِ الظَّلامِ بضوئهِ أو في دفعِ بعضِ أجزاءِ ضيائهِ لبعضٍ عندَ البريقِ واللَّمعانِ. وقرئ بضمِّ الدَّال، والباقي على حالهِ، وفي إعادةِ المصباحِ والزُّجاجةِ معروفينِ إثرَ سبقهما مُنكرين والإخبار عنهما بما بعدهما مع انتظامِ الكلامِ بأنْ يقالَ كمشكاةٍ فيها مصباحٌ في زجاجةٍ كأنَّها كوكبٌ دُرِّيٌّ. من تفخيمِ شأنهما ورفعِ مكانهِما بالتَّفسيرِ إثرَ الإبهامِ والتَّفصيلِ بعدَ الإجمالِ وإثباتِ ما بعدهما لهما بطريقِ الإخبارِ المنبئ عن القصثد الأصليِّ دونَ الوصفِ المبنيِّ على الإشارة إلى الثُّبوت في الجملةِ ما لا يخفى. ومحلُّ الجملةِ الأُولى الرَّفعُ على أنَّها صفةٌ لمصباحٌ، ومحلُّ الثَّانيةِ الجرُّ على أنَّها صفةٌ لزجاجةٍ واللاَّمُ مغنيةٌ عن الرَّابط كأنَّه قيل فيها مصباحٌ هو في زُجاجةٍ هي كأنَّها كوكبٌ دُرِّيٌّ. 
 يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ  أي يبتدأُ إيقادُ المصباحِ من شجرةٍ  مباركة  أي كثيرةِ المنافعِ بأنْ رُويت ذبالتُه بزيتها، وقيلَ إنَّما وُصفتْ بالبركةِ لأنَّها تنبتُ في الأرضِ التي باركَ اللَّهُ تعالى فيها للعالمينَ  زَيْتُونَةٍ  بدلٌ من شجرةٍ وفي إبهامِها ووصفِها بالبركةِ ثم الإبدالِ منها تفخيمٌ لشأنِها. وقرئ تُوقد بالتَّاء على أنَّ الضَّميرَ القائمَ مقامَ الفاعل للزُّجاجة دون المصباحِ. وقرئ توقَّدَ على صيغة الماضي من التَّفعُّلِ أي ابتداءُ ثقوب المصباح منها. وقرئ تَوقَّدُ بحذف إحدى التَّاءين من تتوقدُ على إسناده إلى الزُّجاجةِ  لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ  تقعُ الشَّمسُ عليها حيناً دُونَ حينٍ بل بحيثُ تقعُ عليها طولَ النَّهار كالتي على قُلَّة أو صحراء واسعةٍ فتقع الشَّمسُ عليها حالتَيْ الطُّلوع والغروب وهذا قولُ ابن عباسٍ رضي الله عنهما، وسعيد بن جُبير، وقتادة. وقال الفرَّاءُ والزَّجاجُ : لا شرقيَّة وحدها ولا غربيَّة وحدها لكنَّها شرقيَّةٌ وغربيَّةٌ أي تصيبها الشَّمسُ عند طلوعِها وعند غروبِها فتكون شرقيَّةً وغربيَّةً تأخذ حظَّها من الأمرينِ فيكون زيتُها أضوأ. وقيل لا نابتة في شرقِ المعمُورة ولا في غربِها بل في وسطِها وهو الشَّامُ فإن زيوتَها أجودُ ما يكون وقيل لا في مَضحى تشرقُ الشَّمسُ عليها دائماً فتحرِقُها ولا في مَقْنأةٍ تغيب عنها دائماً فتتركها نيِّئةً. وفي الحديث :**« لا خيرَ في شجرةٍ ولا في نباتٍ في مَقْنأةٍ ولا خير فيهما في مَضْحى »**[(١)](#foonote-١). 
 يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ  أي هو في الصَّفاءِ والإنارةِ بحيثُ يكادُ يُضيءُ بنفسِه من غير مساسِ نارٍ أصلاً. وكلمة لو في أمثالِ هذه المواقع ليستْ لبيان انتفاء شيءٍ في الزَّمان الماضي لانتفاء غيره فيه فلا يُلاحظ لها جوابٌ قد حُذف ثقةً بدلالة ما قبلها عليه ملاحظةً قصديةً إلا عند القصدِ إلى بيان الإعرابِ على القواعد الصناعيةِ بل هي لبيان تحقُّقِ ما يفيده الكلامُ السَّابقُ من الحكم الموجبِ أو المنفيِّ على كل حالٍ مفروض من الأحوال المُقارنة له إجمالاً بإدخالِها على أبعدها منه إما لوجودِ المانع كما في قولِه تعالى : أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت وَلَوْ كُنتُمْ في بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ  وإما لعدم الشَّرط كما في هذه الآية الكريمة ليظهر بثبوتِه أو انتفائِه معه ثبوتُه أو انتفاؤُه مع ما عداه من الأحوالِ بطريق الأولويَّةِ لما أنَّ الشيءَ متى تحقَّقَ مع ما ينافيه من وجود المانعِ أو عدم الشَّرطِ فلأنْ يتحققَ بدون ذلك أولى ولذلك لا يُذكر معه شيءٌ آخرُ من سائر الأحوالِ ويكتفى عنه بذكر الواوِ العاطفةِ للجُملة على نظيرتها المقابلةِ لها المتناولة لجميع الأحوالِ المغايرةِ لها عند تعدُّدِها وهذا معنى قولِهم أنها لاستقصاء الأحوالِ على سبيلِ الإجمال وهذا أمر مطَّرد في الخبر الموجب والمنفيِّ فإنَّك إذا قلتَ : فلانٌ جوادٌ يُعطي ولو كان فقيراً أو بخيلٌ لا يُعطي ولو كان غنيًّا تريد بيان تحقُّقِ الإعطاء في الأوَّلِ وعدم تحقُّقِه في الثَّانِي في جميع الأحوال المفروضة والتَّقديرُ يُعطي لو لم يكن فقيراً، ولا يُعطي لو لم يكن غنيًّا فالجملة مع ما عُطفت هي عليه في حيِّزِ النَّصبِ على الحاليَّةِ من المستكِّنِ في الفعل الموجب أو المنفيِّ أي يُعطي أو لا يُعطي كائناً على جميعِ الأحوال. وتقديرُ الآية الكريمة يكادُ زيتُها يضيءُ لو مسَّته نارٌ ولو لم تمسسه نارٌ أي يضيءُ كائناً على كلِّ حال من وجود الشَّرطِ وعدمه وقد حُذفت الجملةُ الأولى حسبما هو المطَّردُ في الباب لدلالة الثَّانيةِ عليها دلالةً واضحةً  نُورٍ  خبرُ مبتدأ محذوفٍ. وقولُه تعالى : على نُورٍ  متعلِّق بمحذوفٍ هو صفة له مؤكِّدةٌ لما أفاده التَّنكيرُ من الفخامة. والجملة فَذْلكةٌ للتَّمثيل وتصريحٌ بما حصلَ منه وتمهيدٌ لما يعقبه أي ذلك النُّور الذي عُبِّر به من القرآن ومُثِّلتْ صفتُه العجيبةُ الشَّأنِ بما فُصِّل من صفة المشكاة نورٌ عظيمٌ كائن على نور كذلك لا على أنَّه عبارة عن نورٍ واحدٍ معيَّن، أو غير معيَّنٍ فوق نور آخرَ مثله ولا عن مجموع نورينِ اثنينِ فقط بل عن نورٍ مُتضاعفٍ من غير تحديد لتضاعفه بحدَ مُعيَّنٍ، وتحديدُ مراتبِ تضاعُف ما مُثِّل به من نورِ المشكاةِ بما ذُكر لكونِه أقصى مراتب تضاعفِه عادةً فإنَّ المصباحَ إذا كان في مكانٍ متضايق كالمشكاةِ كان أضوأَ له وأجمعَ لنورِه بسبب انضمامِ الشُّعاعِ المنعكس منه إلى أصلِ الشُّعاعِ بخلاف المكان المتَّسعِ فإنَّ الضَّوءَ ينبثُّ فيه وينتشرُ والقنديل أعونُ شيءٍ على زيادة الإنارةِ وكذلك الزَّيت وصفاؤه، وليس وراء هذه المراتبِ ممَّا يزيد نورَها إشراقاً ويمدُّه بإضاءةٍ مرتبةٌ أُخرى عادةً هذا وجعل النُّورِ عبارةً عن النُّورِ المشبه به مما لا يليق بشأن التَّنزيلِ الجليل  يَهْدِى الله لِنُورِهِ  أي يهدي هدايةً خاصَّةً موصِلةً إلى المطلوب حتماً لذلك النُّور المتضاعف العظيمِ الشَّأنِ. 
وإظهارُه في مقام الإضمارِ لزيادة تقريرِه وتأكيدِ فخامتِه الذَّاتيَّةِ بفخامتِه الإضافيةِ النَّاشئةِ من إضافتِه إلى ضميره عزَّ وجلَّ  مَن يشاء  هدايتَه من عباده بأنْ يوفِّقَهم لفهم ما فيه من دلائلِ حقيقتِه وكونه من عند الله تعالى من الإعجاز والإخبارِ عن الغيبِ وغير ذلك من مُوجباتِ الإيمانِ به وفيه إيذانٌ بأنَّ مناطَ هذه الهدايةِ ومِلاكَها ليس إلا مشيئتَه تعالى وأنَّ تظاهرَ الأسباب بدونها بمعزلٍ من الإفضاء إلى المطالب. 
 وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ  في تضاعيف الهداية حسبَما يقتضِي حالُهم فإنَّ له دخلاً عظيماً في باب الإرشاد لأنَّه إبرازٌ للمعقول في هيئة المحسوس وتصويرٌ لأوابدِ المعاني بصورة المأنُوسِ ولذلك مُثّل نورُه المعبَّر به عن القُرآن المُبين بنور المشكاة. وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في مقام الإضمار للإيذانِ باختلاف حال ما أُسند إليه تعالى من الهدايةَ الخاصَّةَ وضربِ الأمثالِ الذي هو من قبيلِ الهداية العامَّةِ كما يُفصح عنه تعليقُ الأُولى بمن يشاءُ والثَّانيةِ بالنَّاس كافَّة  والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ  معقولاً كان أو محسوساً ظاهراً كان أو باطناً، ومن قضيَّتِه أنْ تتعلقَ مشيئتُه بهداية مَن يليق بها ويستحقُّها مِن النَّاسِ دُونَ مَن عداهم لمخالفتِه الح

١ المقنأة والمقنوة: الموضع الذي لا تصيبه الشمس في الشتاء وقال غير أبي عمرو: مقناة ومقنوة، بغيرهم نقيض المضحاة.
 والمضحاة: الأرض البارزة التي لا تكاد الشمس تغيب عنها..

### الآية 24:36

> ﻿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ [24:36]

في بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه  لمَّا ذُكر شأنُ القرآن الكريم في بيانه للشَّرائع والأحكام ومباديها وغاياتها المترتِّبةِ عليها من الثَّوابِ والعقاب وغير ذلك من أحوال الآخرة وأهوالِها وأُشير إلى كونِه في غاية ما يكونُ من التَّوضيحِ والإظهار حيثُ مُثِّل بما فُصِّل من نور المشكاة، وأُشير إلى أنَّ ذلك النُّورَ مع كونِه في أقصى مراتبِ الظُّهور إنَّما يهتدي بهداه من تعلَّقتْ مشيئةُ الله تعالى بهدايته دُونَ مَن عداه عقَّب ذلك بذكر الفريقينِ وتصوير بعض أعمالهم المُعربةِ عن كيفيَّةِ حالهم في الاهتداءِ وعدمه. والمرادُ بالبيوتِ المساجدُ كلِّها حسبما رُوي عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما وقيل : هي المساجدُ التي بناها نبيٌّ من أنبياء الله تعالى : الكعبةُ التي بناها إبراهيمُ وإسماعيلُ عليهما السَّلامُ وبيتُ المقدسِ الذي بناه داودُ وسليمانُ عليهما السَّلامُ ومسجدُ المدينةِ ومسجدُ قُباءَ اللذانِ بناهما رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. وتنكيرُها للتَّفخيم والمرادُ بالإذنِ في رفعها الأمرُ ببنائها رفيعةً لا كسائر البيوتِ وقيل : هو الأمر برفعِ مقدارها بعبادة الله تعالى فيها فيكونُ عطفُ الذِّكرِ عليه من قبيل العطفِ التفسيريِّ. وأيًّا ما كان ففي التَّعبير عنه بالإذن تلويحٌ بأنَّ اللائقَ بحال المأمور أنْ يكونَ متوجِّهاً إلى المأمور به قبل ورود الأمر به ناوياً لتحقيقِه كأنَّه مستأذنٌ في ذلك فيقع الأمرُ به موقعَ الإذن فيه. والمرادُ بذكر اسمه تعالى ما يعمُّ جميعَ أذكارِه تعالى. وكلمةُ في متعلِّقةٌ بقوله تعالى : يُسَبّحُ لَهُ  وقولُه تعالى : فِيهَا  تكريرٌ لها للتَّأكيد والتَّذكيرِ لما بينهما من الفاصلةِ وللإيذانِ بأنَّ التَّقديمَ للاهتمام لا لقصر التَّسبيحِ على الوقوع في البيوت فقط. وأصلُ التَّسبيحِ التَّنزيهُ والتَّقديسُ، يُستعملُ باللامِ وبدونِها أيضاً كما في قوله تعالى : سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى  قالوا : أُريد به الصَّلواتُ المفروضةُ كما ينبئ عنه تعيينُ الأوقاتِ بقوله تعالى : بالغدو والآصال  أي بالغَدَواتِ والعَشَايا على أنَّ الغُدوَّ إمَّا جمعُ غداةٍ كقُنيَ في جمع قَنَاةٍ كما قيل. أو مصدرٌ أُطلق على الوقت حسبما يُشعر به اقترانُه بالآصالِ وهو جمع أَصيلٍ وهو العَشِيُّ وهو شامل لأوقاتِ ما عدا صلاةَ الفجرِ المؤدَّاةَ بالغداةِ، ويجوزُ أنْ يرادَ به نفسُ التَّنزيه على أنَّه عبارة عمَّا يقعُ منه في أثناء الصَّلواتِ وأوقاتها لزيادةِ شرفِه وإنافتِه على سائر أفراده أو عمَّا يقعُ في جميع الأوقاتِ. وإفرادُ طَرَفي النَّهارِ بالذِّكرِ لقيامِهما مقامَ كلِّها لكونِهما العمدةَ فيها بكونِهما مشهورينَ وكونِهما أشهرَ ما يقعُ فيه المباشرةُ للأعمال والاشتغالُ بالأشغالِ. وقرئ والإيصالِ وهو الدُّخولُ في الأصيلِ.

### الآية 24:37

> ﻿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ [24:37]

وقولُه تعالى : رِجَالٌ  فاعلُ يسبِّح، وتأخيرُه عن الظُّروفِ لما مرَّ مراراً من الاعتناءِ بالمقدَّم والتَّشويق إلى المؤخَّر ولأنَّ في وصفه نوع طُولٍ فيُخلُّ تقديمُه بحسن الانتظام. وقرئ يُسبِّح على البناء للمفعول بإسناده إلى أحد الظُّروف. ورجالٌ مرفوعٌ بما ينبئ عنه حكايةُ الفعلِ من غير تسميةِ الفاعل على طريقة قوله :\[ الطويل \]

ليُبكَ يزيدُ ضارعٌ لخصومةٍ[(١)](#foonote-١)  \[ ومختبط مما تطيح الطوائح \]كأنه قيل : مَنْ يُسبِّح له ؟ فقيل : يُسبِّح له رجالٌ. وقرئ تُسبِّح بتأنيثِ الفعلِ مبنيًّا للفاعلِ لأنَّ جمعَ التَّكسيرِ قد يُعامل معاملةَ المؤنَّثِ ومبنياً للمفعول على أنْ يُسندَ إلى أوقات العُدوِّ والآصالِ بزيادة الباءِ وتجعلُ الأوقاتُ مسبِّحةً مع كونِها فيها أو يُسند إلى ضميرِ التَّسبيحةِ أي تُسبَّح له التَّسبيحةُ على المجازِ المسوِّغ لإسناده إلى الوقتينِ كما خرَّجُوا قراءة أبي جَعفرٍ ليُجزَى قوماً أي ليُجزَى الجزاءُ قَوْماً بل هذا أولى من ذلك إذْ ليس هنا مفعولٌ صريحٌ  لاَّ تُلْهِيهِمْ تجارة  صفةٌ لرجالٌ مؤكِّدةٌ لما أفادَه التَّنكيرُ من الفخامةِ مفيدةٌ لكمال تبتُّلِهم إلى الله تعالى واتغراقهم فيما حُكي عنهم من ييالتَّسبيحِ من غير صارفٍ يلويهم ولا عاطفٍ يثنيهم كائناً ما كان وتخصيصُ التِّجارةِ بالذِّكرِ لكونِها أقوى الصَّوارفِ عندهم وأشهرَها أي لا يشغلُهم نوعٌ من أنواعِ التِّجارةِ  وَلاَ بَيْعٌ  أي ولا فردٌ من أفراد البياعاتِ وإنْ كان في غايةِ الرِّبحِ. وإفرادُه بالذِّكرِ مع اندراجِه تحت التِّجارة للإيذانِ بإنافتِه على سائرِ أنواعِها لأنَّ ربحَهُ متيقَّنٌ ناجزٌ وربحُ ما عداه متوقَّعٌ في ثاني الحال عند البيع فلم يلزمْ من نفيِ إلهاءِ ما عداه نفيُ إلهائِه ولذلك كُرِّرت كلمةُ لا لتذكيرِ النَّفيِ وتأكيدِه وقد نُقل عن الواقديِّ أنَّ المرادَ بالتِّجارة هو الشِّراءُ لأنَّه أصلُها ومبدؤها. وقيل : هو الجَلَبُ لأنَّه الغالبُ فيها ومنه يُقال : تَجَر في كَذا أي جَلَبه. 
 عَن ذِكْرِ الله  بالتَّسبيحِ والتَّحميدِ  وإِقَامِ الصلاة  أي إقامتِها لمواقيتها من غير تأخيرٍ وقد أُسقطتْ التَّاءُ المُعوِّضةُ عن العينِ السَّاقطةِ بالإعلال وعُوِّض عنها الإضافةُ كما في قوله :\[ البسيط \]\[ إن الخليط أجدوا البين فانجردوا \]  وَأَخْلفُوك عِدَ الأَمْرِ الذي وَعدُوا[(٢)](#foonote-٢)أي عدةَ الأمرِ  وإيتاء الزكاة  أي المال الذي فُرض إخراجُه للمستحقِّين، وإيرادُه هاهنا وإنْ لم يكن ممَّا يُفعل في البيوت لكونِه قرينةً لا تُفارق إقامةَ الصَّلاةِ في عامَّة المواضع مع ما فيه من التَّنبيه على أنَّ محاسنَ أعمالِهم غيرُ منحصرةٍ فيما يقعُ في المساجدِ وكذلك قوله تعالى : يَخَافُونَ  الخ، فإنه صفةٌ ثانيةٌ لرجالٌ أو حالٌ من مفعول لا تُلهيهم، وأيًّا ما كان فليس خوفُهم مقصُوراً على كونِهم في المساجد وقوله تعالى : يَوْماً  مفعولُ ليخافون لا ظرفٌ له. وقولُه تعالى : تَتَقَلَّبُ فِيهِ القلوب والأبصار  صفةٌ ليوماً أي تضطربُ وتتغيرُ في أنفسها من الهول والفزعِ وتشخصُ كما في قولِه تعالى :
 وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر  أو تتغيرُ أحوالُها وتتقلَّب فتتفقّه القلوبُ بعد أن كانتْ مطبوعاً عليها وتُبصر الأبصارُ بعد أنْ كانت عمياءَ أو تتقلَّب القلوبُ بين توقُّعِ النَّجاةِ وخوفِ الهلاكِ والإبصار من أيِّ ناحيةٍ يُؤخذ بهم ويُؤتى كتابُهم. 
١ وهو للحارث بن نهيك في خزانة الأدب (١/٣٠٣)؛ وشرح المفصل (١/٨٠)؛وللبيد بن ربيعة في ملحق ديوانه (ص٣٦٢)، ولنهشل بن حري في خزانة الأدب (١/٣٠٣) ولضرار بن نهشل في الدرر (٢/٢٧٦)؛ وللحارث بن ضرار في شرح أبيات سيبويه (١/١٠١)؛ ولنهشل أو للحارث أو لضرار أو لمزرد بن ضرار أو للمهلهل في المقاصد النحوية (٢/٤٠٤)؛ وبلا نسبة في الأشباه 
 والنظائر (٢/٣٤٥)، (٧/٢٤)؛ وأمالي ابن الحاجب (ص٤٤٧)؛ وأوضح المسالك (٢/٩٣)؛ وخزانة الأدب (٨/١٣٩)؛ ولسان العرب (٢/٥٣٦) (طوح)..
٢ وهو الفضل بن عباس في شرح التصريح (٢/٣٩٦)؛ وشرح شواهد الشافية (ص٦٤)؛ ولسان العرب (١/٦٥١) (غلب)، (٧/٢٩٣) (خلط)؛ والمقاصد النحوية (٤/٥٧٢)؛ وبلا نسبة في الأشياء والنظائر (٥/٢٤١)؛ وأوضح المسالك (٤/٤٠٧)؛ ولسان العرب (٣/٤٦٢) (وعد)، (٧/٢٩٣) (خلط)..

### الآية 24:38

> ﻿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [24:38]

لِيَجْزِيَهُمُ الله  متعلِّق بمحذوفٍ يدلُّ عليه ما حُكي من أعمالهم المرضيَّةِ أي يفعلُون ما يفعلُون من المُداومة على التَّسبيح والذِّكرِ وإيتاءِ الزَّكاةِ والخوفِ من غير صارفٍ لهم عن ذلك ليجزيهم الله تعالى  أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ  أي أحسنَ جزاءِ أعمالِهم حسبما وعد لهم بمقابلةِ حسنةٍ واحدةٍ عشر أمثالها إلى سبعمائةِ ضعفٍ  وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ  أي يتفضَّلُ عليهم بأشياءَ لم تُوعد لهم بخصوصيَّاتِها أو بمقاديرِها ولم تخطُر ببالِهم كيفيَّاتُها ولا كميَّاتُها بل إنَّما وُعدت بطريقِ الإجمالِ في مثل قوله تعالى : لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ  وقوله عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ حكايةً عنه عزَّ وجلَّ :**« أعددتُ لعبادي الصَّالحينَ ما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعتْ ولا خطَرَ على قلبِ بشرٍ »**[(١)](#foonote-١) وغيرِ ذلك من المواعيدِ الكريمةِ التي مِن جُملتِها قولُه تعالى : والله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ  فإنَّه تذييلٌ مقرِّرٌ للزيادة ووعدٌ كريم بأنَّه تعالى يُعطيهم غيرَ أجزيةِ أعمالِهم من الخيرات ما لا يفي من الحساب وأما عدمُ سبقِ الوعدَ بالزِّيادة ولو إجمالاً وعدمُ خُطورِها ببالِهم ولو بوجهٍ ما فيأباهُ نظمُها في سلك الغايةِ. والموصولُ عبارةٌ عمَّن ذُكرتْ صفاتُهم الجميلةُ كأنَّه قيل : والله يرزقُهم بغير حسابٍ، ووضعه موضعَ ضميرهم للتَّنبيه بما في حيِّزِ الصِّلةِ على أنَّ مناطَ الرِّزقِ المذكُور محضُ مشيئتِه تعالى لا أعمالُهم المحكيَّةُ كما أنَّها المناطُ لما سبقَ من الهداية لنوره تعالى لا لتظاهر الأسباب وللإيذان بأنَّهم ممَّن شاءَ الله تعالى أنْ يرزقَهم كما أنَّهم ممَّن شاءَ الله تعالى أنْ يهديَهم لنُوره حسبَما يُعرب عنه ما فُصِّل من أعمالهم الحسنةِ فإنَّ جميعَ ما ذُكر من الذِّكرِ والتَّسبيحِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ وخوفِ اليوم الآخرِ وأهوالِه ورجاءِ الثَّوابِ مقتبسٌ من القُرآن الكريم الذي هو المعنيُّ بالنُّور وبه يتمُّ بيانُ أحوالِ مَن اهتدى بهُداه على أوضحِ وجهٍ وأجلاه هذا، وقد قيل : قوله تعالى : في بُيُوتٍ  الخ، من تتمة التَّمثيلِ وكلمةُ في متعلَّقةٌ بمحذوفٍ هي صفة لمشكاةٍ أي كائنةٍ في بيوتٍ، وقيل : لمصباح، وقيل : لزجاجة، وقيل : متعلِّقةٌ بيُوقَد والكلُّ مما لا يليقُ بشأن التَّنزيلِ الجليلِ كيف لا وأنَّ ما بعد قولِه تعالى : وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ  على ما هو الحقُّ أو ما بعد قوله تعالى : نُّورٌ على نُورٍ  على ما قيل إلى قولِه تعالى : بِكُلّ شيء عَلِيمٌ  كلامٌ متعلِّقٌ بالمُمَثَّل قطعاً فتوسيطُه بين أجزاءِ التَّمثيل مع كونِه من قبيل الفصل بين الشَّجر ولحائِه بالأجنبيِّ يؤدِّي إلى كون ذكر حال المنتفعين بالتَّمثيلِ المهديِّينَ بنور القُرآن الكريم بطريق الاستتباعِ والاستطرادِ مع كون بيانِ أضدادِهم مقصوداً بالذَّاتِ، ومثلُ هذا ممَّا لا عهدَ به في كلام النَّاسِ فضلاً أنْ يُحملَ عليه الكلامُ المعجِزُ. 
١ أخرجه البخاري في كتاب الخلق باب (٨) وفي كتاب التفسير سورة (٣٢) باب (١) وفي كتاب التوحيد باب (٣٥) كما أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، الحديث رقم (٣١٢) وفي كتاب الجنة حديث (٣، ٥) والترمذي في كتاب التفسير سورة (٣٢) باب (٣) والدرامي في كتاب الرقاق باب (٩٨) كما أخرجه أحمد في مسنده (٢/٣١٣، ٣٧٠، ٤٠٧، ٤١٦، ٤٣٨، ٤٦٢، ٤٩٥، ٥٠٦)؛ (٥/٢٢٤)..

### الآية 24:39

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [24:39]

والذين كَفَرُواْ  عطف على ما ينساق إليه ما قبله كأنَّه قيل : الذين أمنُوا أعمالُهم حالاً ومآلاً كما وُصفَ والذين كفرُوا  أعمالهم  أي أعمالُهم التي هي من أبواب البِرِّ كصلةِ الأرحامِ وفكِّ العُناةِ وسقاية الحاجِّ وعمارة البيت وإغاثة الملهُوفين وقِرى الأضيافِ ونحوِ ذلك ممَّا لو قارنَه الإيمانُ لاستتبعَ الثوابَ كما في قوله تعالى : مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ  الآيةَ  كَسَرَابٍ  وهو ما يُرى في الفَلَوات من لمَعَانِ الشَّمسِ عليها وقتَ الظَّهيرةِ فيُظنُّ أنه ماءٌ يسرُب أو يجري  بِقِيعَةٍ  متعلِّق بمحذوف هو صفةٌ لسرابٍ أي كائن في قاعٍ وهي الأرضُ المنبسِطةُ المستويةُ، وقيل : هي جمعُ قاعٍ كجيرة جمعُ جارٍ. وقرئ بقيعاتٍ بتاء ممدودةٍ كديماتٍ إمَّا على أنَّها جمعُ قيعةٍ أو على أنَّ الأصلَ قيعة قد أُشبعت فتحةُ العينِ فتولَّد منها ألِفٌ  يَحْسَبُهُ الظمآن مَاء  صفةٌ أخرى لسرابٍ وتخصيص الحسبان بالظَّمآن مع شموله لكلِّ مَن يراه كائناً من كان من العطشانِ والريَّانِ لتكميل التَّشبيهِ بتحقيق شركة طرفيه في وجه الشَّبهِ الذي هو المطلعُ المطمع والمقطعُ المؤنِسُ  حتى إِذَا جَاء  أي إذا جاءَ العطشانُ ما حَسِبَه ماءً، وقيل : موضعَه  لَمْ يَجِدْهُ  أي ما حسبَه ماءً وعلَّق به رجاءَهُ  شَيْئاً  أصلاً لا محقَّقاً، ولا متوهَّماً كما كان يراهُ من قبلُ فضلاً عن وجدانه ماء وبه تمَّ بيانُ أحوالِ الكفرِ بطريق التَّمثيل وقوله تعالى : وَوَجَدَ الله عِندَهُ فوفاه حِسَابَهُ والله سَرِيعُ الحساب  بيانٌ لبقيَّة أحوالِهم العارضة لهم بعد ذلك بطريقِ التَّكملة لئلاَّ يتوَّهم أنَّ قُصارى أمرِهم هو الخيبةُ والقُنوط كما هو شأنُ الظَّمآنِ ويظهر أنَّه يعتريهم بعد ذلك من سوءِ الحالِ ما لا قدرَ عنده للخيبةِ أصلاً فليستِ الجملةُ معطوفةً على لم يجدْهُ شيئاً بل على ما يُفهم منه بطريقِ التَّمثيل من عدمِ وجدان الكَفَرةِ من أعمالِهم المذكُورةِ عيناً ولا أثراً كما في قوله تعالى : وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً  كيف لا وأنَّ الحكم بأنَّ أعمالَ الكَفَرة كسرابٍ يحسبه الظمآنُ ماء حتَّى إذا جاءه لم يجدُه شيئاً حكمٌ بأنَّها بحيث يحسبونَها في الدُّنيا نافعةً لهم في الآخرة حتَّى إذا جاءوها لم يجدُوها شيئاً كأنَّه قيل : حتَّى إذا جاء الكَفَرةُ يومَ القيامةِ أعمالَهم التي كانُوا في الدُّنيا يحسبونها نافعةً لهم في الآخرةِ لم يجدُوها شيئاً ووجدُوا الله أي حكمَهُ وقضاءَهُ عند المجيءِ وقيل : عند العملِ فوفَّاهم أي أعطاهُم وافياً كاملاً حسابَهم أي حسابَ أعمالِهم المذكورةِ وجزاءها فإنَّ اعتقادَهم لنفعها بغير إيمانٍ وعملهم بموجبه كفرٌ على كفرٍ موجب للعقاب قطعاً وإفرادُ الضَّميرينِ الرَّاجعينِ إلى الذين كفروا إمَّا لإرادة الجنس كالظَّمآنِ الواقع في التَّمثيلِ وإمَّا للحملِ على كلِّ واحدٍ منهم وكذا إفرادُ ما يرجع إلى أعمالِهم، هذا وقد قيل : نزلتْ في عُتبةَ بنِ أبي ربيعةَ بنِ أُميَّة كان قد تعبَّد في الجاهليَّةِ ولبس المسوحَ والتمسَ الدِّينَ فلمَّا جاء الإسلامُ كفرَ.

### الآية 24:40

> ﻿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ۗ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [24:40]

أَوْ كظلمات  عطفٌ على كسرابٍ وكلمةُ أو للتَّنويع إثرَ ما مُثِّلت أعمالُهم التي كانُوا يعتمدونَ عليها أقوى اعتمادٍ ويفتخرون بها في كلِّ وادٍ ونادٍ بما ذُكر من حال السَّرابِ مع زيادةِ حسابٍ وعقابٍ مُثِّلتْ أعمالُهم القبيحةُ التي ليس فيها شائبةٌ خيريَّةٌ يغترُّ بها المغترُّون بظلماتٍ كائنة  في بَحْرٍ لُّجّىّ  أي عميقٍ كثيرِ الماءِ منسوبٍ إلى اللُّجِّ وهو معظمُ ماءِ البحرِ وقيل : إلى اللُّجَّةِ وهي أيضاً معظمُه  يغشاه  صفة أُخرى للبحر أي يسترُه ويُغطِّيه بالكُلِّية  مَوْجٍ  وقولُه تعالى : مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ  جملةٌ مِن مبتدأ وخبرٍ محلُّها الرَّفعُ على أنَّها صفةٌ لموجٌ أو الصِّفةُ هي الجارُّ والمجرورُ وموجٌ الثَّانِي فاعلٌ له لاعتمادِه على الموصوفِ والكلامُ فيهِ كما مرَّ في قولِه تعالى : نُّورٌ على نُورٍ  أي يغشاهُ أمواجٌ متراكمةٌ متراكبةٌ بعضُها على بعضٍ، وقوله تعالى : مّن فَوْقِهِ سَحَابٌ  صفةٌ لموجٌ الثَّاني على أحد الوجهينِ المذكُورينِ أي من فوق ذلك الموجِ سحابٌ ظلمانيٌّ ستَر أضواءَ النُّجومِ وفيه إيماءٌ إلى غايةِ تراكم الأمواجِ وتضاعفُها حتَّى كأنَّها بلغت السَّحابَ  ظلمات  خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ أي هي ظلماتٌ  بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ  أي متكاثفة متراكمة وهذا بيان لكمال شدَّةِ الظُّلماتِ كما أنَّ قوله تعالى : نُّورٌ على نُورٍ  بيانٌ لغاية قُوَّةِ النُّورِ خلا أنَّ ذلك متعلِّق بالمشبَّهِ وهذا بالمشبَّه به كما يُعرِبُ عنه ما بعده. وقرئ بالجرِّ على الإبدالِ من الأُولى، وقرئ بإضافةِ السَّحابِ إليها  إِذَا أَخْرَجَ  أي مَن ابتُليَ بها. وإضمارُه من غير ذكرِه لدلالة المَعْنى عليه دلالةً واضحة  يَدَهُ  وجعلها بمرأى منه قريبةً من عينه لينظرَ إليها  لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا  وهي أقربُ شيءٍ منه فضلاً عن أنْ يراها  وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً  الخ، اعتراضٌ تذييليٌّ جيء به لتقرير ما أفاده التَّمثيلُ من كون أعمالِ الكَفَرةِ كما فُصِّل، وتحقيق أنَّ ذلك لعدمِ هدايتِه تعالى إيَّاهم لنورِه، وإيرادُ الموصولِ للإشارة بما في حيِّزِ الصِّلةِ إلى علَّة الحُكم وأنَّهم ممَّن لم يشأ الله تعالى هدايتَهم أي ومَن لم يشأ الله أنْ يهديَه لنوره الذي هُو القرآنُ هدايةً خاصَّةً مستتبعة للاهتداء حتماً ولم يُوفقه للإيمان به  فَمَا لَهُ مِن نُورٍ  أي فما له هدايةٌ ما من أحدٍ أصلاً.

### الآية 24:41

> ﻿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ۖ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ [24:41]

وقوله تعالى : أَلَمْ تَرَ  الخ، استئنافٌ خُوطب به النبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ للإيذانِ بأنَّه تعالى قد أفاضَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أعلى مراتب النُّور وأجلاها وبيَّن له من أسرار المُلكِ والمَلَكُوت أدقَّها وأخفَاها. والهمزةُ للتَّقرير أي قد علمتَ علماً يقينيّاً شبيهاً بالمشاهدة في القوَّة والرَّصانةِ بالوحي الصَّريحِ والاستدلالِ الصَّحيحِ  أَنَّ الله يُسَبّحُ لَهُ  أي ينزهه تعالى على الدَّوام في ذاته وصفاتِه وأفعاله عن كلِّ ما لا يليقُ بشأنه الجليلِ من نقص أو خللٍ  مَن في السماوات والأرض  أي ما فيهما إما بطريق الاستقرارِ فيهما من العُقلاء وغيرِهم كائناً ما كان أو بطريق الجُزئية منهما تنزيهاً معنويّاً تفهمه العقولُ السَّليمةُ فإنَّ كلَّ موجود من الموجوداتِ المُمكنة مُركبّاً كان أو بسيطاً فهو من حيثُ ماهيتُه ووجودُه وأحوالُه يدلُّ على وجود صانعٍ واجبِ الوجود متَّصفٌ بصفاتِ الكمال مقدَّسٌ عن كلِّ ما لا يليقُ بشأنٍ من شؤونِه الجليلةِ وقد نبَّه على كمالِ قُوَّةِ تلك الدِّلالةِ وغاية وضوحِها حيثُ عبَّر عنها بما يخصُّ العقلاء من التَّسبيح الذي هو أقوى مراتب التَّنزيه وأظهرها تنزيلاً للسان الحالِ منزلةَ لسانِ المقالِ وأكَّدَ ذلك بإيثار كلمةِ مَن على مَا كأنَّ كلَّ شيءٍ ممَّا عزَّ وهان وكلَّ فردٍ من أفراد الأعراضِ والأعيان عاقلٌ ناطقٌ ومخبرٌ صادقٌ بعلُّوِ شأنِه تعالى وعزَّةِ سُلطانه، وتخصيصُ التَّنزيه بالذِّكر مع دلالةِ ما فيهما على اتِّصافِه تعالى بنعوتِ الكمالِ أيضاً لما أنَّ مساقَ الكلامِ لتقبيح حالِ الكَفَرة في إخلالهم بالتَّنزيه بجعلهم الجماداتِ شركاءَ له في الأُلوهيَّةِ ونسبتهم إيَّاه إلى اتخاذ الولد تعالى عن ذلك عُلُّواً كبيراً. 
وحملُ التَّسبيح على ما يليقُ بكلِّ نوعٍ من أنواع المخلوقات بأنْ يُرادَ به معنى مجازيٌّ شاملٌ لتسبيحِ العُقلاءِ وغيرهم حسبما هو المتبادَرُ من قوله تعالى : كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ  يردُّه أنَّ بعضاً من العُقلاءِ وهم الكفرةُ من الثَّقلينِ لا يسبِّحونَهُ بذلك المعنى قطعاً وإنَّما تسبيحُهم ما ذُكر من الدِّلالةِ التي يُشاركهم فيها غيرُ العُقلاءِ أيضاً وفيه مزيدُ تخطئةٍ لهم وتعبيرٌ ببيان أنَّهم يسبِّحونه تعالى باعتبارِ أخسِّ جهاتهم التي هي الجماديَّةُ والجسميَّةُ والحيوانيَّةُ ولا يسبِّحونه باعتبارِ أشرفها التي هي الإنسانيَّةُ  والطير  بالرَّفعِ عطفاً على مَن وتخصيصُها بالذِّكرِ مع اندراجها في جُملة ما في الأرضِ لعدم استمرارِ قرارها فيها واستقلالها بصنعٍ بارعٍ وإنشاءٍ رائعٍ قُصد بيانُ تسبيحها من تلك الجهةِ لوضوح إنبائِها عن كمال قُدرةِ صانعِها ولطفِ تدبير مُبدعِها حسبما يُعرب عنه التَّقييدُ بقوله تعالى : صافات  أي تُسبِّحه تعالى حال كونِها صافاتٍ أجنحتَها فإنَّ إعطاءه تعالى للأجرام الثَّقيلةِ ما تتمكنُ به من الوقوف في الجوِّ والحركةِ كيف تشاءُ من الأجنحةِ والأذنابِ الخفيفةِ وإرشادها إلى كيفيَّةِ استعمالها بالقبضِ والبسط حجَّةٌ نيِّرةٌ واضحة المكنونِ وآيةٌ بيِّنة لقومٍ يعقلون دالَّةٌ على كمال قُدرة الصَّانعِ المجيد وغايةِ حكمةِ المبدىء المُعيدِ، وقولُه تعالى : كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ  بيانٌ لكمالِ عراقةِ كلِّ واحدٍ ممَّا ذُكر في التَّنزيه ورسوخ قدمِه فيه بتمثيل حالِه بحالِ مَن يَعلمُ ما يصدرُ عنه من الأفاعيلِ فيفعلها عن قصدٍ ونيَّةٍ لا عن اتفاقٍ بلا رويَّةٍ وقد أدمج في تضاعيفِه الإشارة إلى أنَّ لكلِّ واحدٍ من الأشياء المذكورةِ مع ما ذُكر من التَّنزيه حاجةً ذاتيَّةً إليه تعالى واستفاضة منه لما يهمه بلسان استعدادِه وتحقيقه أنَّ كلَّ واحدٍ من الموجُوداتِ الممكنةِ في حدِّ ذاته بمعزلٍ من استحقاق الوجود لكنَّه مستعدٌّ لأنْ يفيضَ عليه منه تعالى ما يليقُ بشأنه من الوجودِ وما يتبعه من الكمالاتِ ابتداءً وبقاء فهو مستفيضٌ منه تعالى على الاستمرار فيفيض عليه في كلِّ آنٍ من فيوض الفُنونِ المتعلِّقةِ بذاته وصفاته ما لا يحيطُ به نطاقُ البيانِ بحيث لو انقطعَ ما بينه وبين العناية الربَّانيَّةِ من العلاقة لانعدمَ بالمرَّة وقد عبَّر عن تلك الاستفاضةِ المعنويَّةِ بالصَّلاةِ التي هي الدُّعاءُ والابتهالُ لتكميل التَّمثيل وإفادة المزايا المذكُورة فيما مرَّ على التَّفصيلِ وتقديمها على التَّسبيحِ في الذِّكرِ لتقدمها عليه في الرُّتبةِ هذا ويجوز أنْ يكونَ العلمُ على حقيقتِه ويراد به مطلقُ الإدراكِ وبما ناب عنه التَّنوينُ في كلِّ أنواع الطَّيرِ وأفرادها وبالصَّلاة والتَّسبيح ما ألهمه الله تعالى كلَّ واحدٍ منها من الدُّعاءِ والتَّسبيحِ المخصوصينِ به لكن لا على أنْ يكونَ الطَّيرُ معطُوفاً على كلمة مَن مرفوعاً برافعِها فإنَّه يؤدِّي إلى أنْ يُرادَ بالتَّسبيح معنى مجازيٌّ شاملٌ للتَّسبيحِ المقاليِّ والحاليِّ من العُقلاءِ وغيرهم وقد عرفتَ ما فيه، بل بفعل مُضمرٍ أريد به التَّسبيحُ المخصوص بالطَّيرِ معطوف على المذكور كما مرَّ في قولِه تعالى : وَكَثِيرٌ مّنَ الناس  أي وتسبيحُ الطَّيرِ تسبيحاً خاصًّا بها حالَ كونِها صافاتٍ أجنحتَها وقوله تعالى : كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ  أي دعاءَهُ وتسبيحَه اللَّذينِ ألهمهما الله عزَّ وجلَّ إيَّاه لبيان كمال رُسوخه فيهما وأنَّ صدورَهما عنه ليس بطريقِ الإنفاق بلا رويَّةٍ بل عن علمٍ وإيقانٍ من غير إخلالٍ بشيءٍ منهما حسبما ألهمَه الله تعالى فإنَّ إلهامَه تعالى لكلِّ نوعٍ من أنواعِ المخلوقاتِ علوماً دقيقةً لا يكادُ يهتدِي إليه جهابذةُ العُقلاءِ ممَّا لا سبيلَ إلى إنكاره أصلاً، كيف لا وإنَّ القُنفذَ مع كونه أبعدَ الأشياءِ من الإدراك قالُوا : إنَّه يحسُّ بالشَّمالِ والجَنوبِ قبل هبوبِها فيغير المدخلَ إلى جُحرِه حتَّى رُوي أنَّه كان بقُسطنطينيَّةَ قبل الفتحِ الإسلاميِّ رجلٌ قد أثرى بسببِ أنَّه كان يُنذر النَّاسَ بالرِّياحِ قبل هبوبِها وينتفعون بإنذارِه بتدارُكِ أمورِ سفائنِهم وغيرها وكانَ السَّببُ في ذلك أنَّه كان يقتنِي في دارِه قُنفذاً يستدلُّ بأحوالِه على ما ذُكر، وتخصيص تسبيحِ الطَّيرِ بهذا المَعْنى بالذِّكرِ لما أنَّ أصواتَها أظهرُ وجُوداً وأقربُ حملاً على التَّسبيحِ وقولُه تعالى : والله عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ  أي ما يفعلونَهُ اعتراضٌ مقررٌ لمضمون ما قبله، وما على الوجه الأوَّل عبارةٌ عمَّا ذُكر من الدِّلالة الشَّاملةِ لجميع الموجُوداتِ من العُقلاءِ وغيرِهم والتَّعبيرُ عنها بالفعل مسنداً إلى ضميرِ العُقلاء لما مرَّ غيرَ مرَّةٍ وعلى الثَّاني إمَّا عبارة عنها وعن التَّسبيح الخاصِّ بالطَّير معاً أو عن تسبيح الطَّيرِ فقط فالفعلُ على حقيقته وإسناده إلى ضميرِ العُقلاء لما مرَّ والاعتراضُ حينئذٍ مقررٌ لتسبيح الطَّيرِ فقط وعلى الأوَّلينِ لتسبيح الكلِّ. 
هذا وقد قيل إنَّ الضَّمير في قوله تعالى : قَدْ عَلِمَ  لله عزَّ وجلَّ وفي صلاته وتسبيحه لكلٌّ أي قد علَم الله تعالى صلاةَ كلِّ واحدٍ ممَّا في السماوات والأرضِ وتسبيحه فالاعتراضُ حينئذٍ مقررٌ لمضمونه على الوجهينِ لكن لا على أنْ تكونَ ما عبارةً عمَّا تعلَّق به علمُه تعالى من صلاتِه وتسبيحِه بل عن جميع أحوالِه العارضةِ له وأفعاله الصَّادرةِ عنه وهما داخلتانِ فيها دخولاً أوليًّا.

### الآية 24:42

> ﻿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [24:42]

وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض  لا لغيرِه لأنَّه الخالقُ لهما ولما فيهما من الذَّواتِ والصِّفاتِ وهو المتصرفُ في جميعِها إيجاداً وإعداماً بدءاً وإعادةً. وقولُه تعالى : وإلى الله  أي إليهِ تعالى خاصَّة لا إلى غيرِه  المصير  أي رجوعُ الكلِّ بالفناء والبعثِ بيانٌ لاختصاصِ المُلك به تعالى في المعادِ إثرَ بيانِ اختصاصِه به تعالى في المبدأ. وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موقع الإضمارِ لتربية المهابةِ والإشعارِ بعلَّةِ الحُكم.

### الآية 24:43

> ﻿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ ۖ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ [24:43]

أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُزْجِي سَحَاباً  الإزجاءُ سوقُ الشَّيءِ برفقٍ وسهولة غلبَ في سوقِ شيءٍ يَسيرٍ أو غيرِ معتدَ به، ومنه البضاعةُ المُزجاة ففيه إيماءٌ إلى أنَّ السَّحابَ بالنسبة إلى قُدرته تعالى ممَّا لا يعتدُّ به  ثُمَّ يُؤَلّفُ بَيْنَهُ  أي بين أجزائِه بضمِّ بعضِها إلى بعضٍ. وقرئ يُوَلِّف بغير همزةٍ  ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً  أي مُتراكماً بعضُه فوقَ بعضٍ  فَتَرَى الودق  أي المطرَ إثرَ تراكمِه وتكاثفِه، وقوله تعالى : يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ  أي من فتوقِه. حالٌ من الوَدْق لأنَّ الرُّؤيةَ بصريَّةٌ وفي تعقيب الجعلِ المذكورِ برؤيته خارجاً لا بخروجه من المبالغةِ في سرعةِ الخُروج على طريقة قوله تعالى : أَنِ اضرب بّعَصَاكَ البحر فانفلق  ومن الاعتناءِ بتقرير الرُّؤيةِ ما لا يخفى. والخِلالُ جمع خَلَلٍ كجِبَالٍ وجَبَلٍ، وقيل : مفردٌ كحِجابٍ وحِجاز ويؤيِّده أنَّه قرئ من خَلَلِه  وَيُنَزّلُ مِنَ السماء  من الغمامِ فإن كلَّ ما علاك سماءٌ  مِن جِبَالٍ  أي من قطعٍ عظامٍ تُشبه الجبالَ في العِظَمِ كائنة  فِيهَا  وقوله تعالى : مِن بَرَدٍ  مفعولُ ينزل على أنَّ مِن تبعيضيَّةٌ والأُوليانِ لابتداء الغايةِ على أنَّ الثَّانية بدلُ اشتمالٍ من الأُولى بإعادة الجارِّ أي ينزل مبتدئاً من السَّماءِ من جبال فيها بعضُ بَرَدٍ، وقيل : المفعولُ محذوفٌ ومِن بَرَدٍ بيانٌ للجبال أي ينزل مُبتدئاً من السَّماءِ من جبالٍ فيها من جنس البَرَدِ برداً والأولُ أظهرُ لخُلوهِ عن ارتكاب الحذفِ والتَّصريح ببعضيَّةِ المنزل، وقيل : المفعولُ مِن جبالٍ على أن مِن تبعيضيَّةٌ ومن بَرَدٍ بيانٌ للجبالِ أي ينزل من السَّماءِ بعضَ جبالٍ كائنة فيها من بَرَدٍ أي مشبهة بالجبالِ في الكثرةِ، وأيًّا ما كان فتقديمُ الجارِّ والمجرورِ على المفعول لما مرَّ غيرَ مرَّةٍ من الاعتناء بالمقدَّم والتَّشويق إلى المؤخَّر، وقيل : المرادُ بالسَّماءِ المظلة وفيها جبال من بَرَد كما أنَّ في الأرض جبالاً من حَجَرٍ وليس في العقل ما ينفيهِ من قاطعٍ والمشهورُ أنَّ الأبخرةَ إذا تصاعدت ولم تحللها حرارةٌ فبلغت الطَّبقةَ الباردةَ من الهواءِ وقوي البردُ اجتمع هناك وصار سَحَاباً وإنْ لم يشتدَّ البردُ تقاطر مطراً وإنِ اشتدَّ فإنْ وصلَ إلى الأجزاء البُخاريَّةِ قبل اجتماعها نزل ثَلْجاً والإنزال بَرَداً وقد يبردُ الهواءُ برداً مُفرطاً فينقبض وينعقدُ سحاباً وينزل منه المطر أو الثلجُ وكلُّ ذلك مستندٌ إلى إرادةِ الله تعالى ومشيئتِه المبنيَّةِ على الحِكَمِ والمَصَالحِ  فَيُصِيبُ بِهِ  أي بما ينزله من البَرَد  مَن يشاء  أنْ يصيبَه به فينالُه من ضرر في نفسه وماله  وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء  أنْ يصرفَه عنه فينجُو من غائلتِه  يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ  أي ضوءُ برقِ السَّحابِ الموصوفِ بما مرَّ من الإزجاءِ والتَّأليفِ وغيرِهما. 
وإضافةُ البرقِ إليه قبل الإخبار بوجودِه فيه للإيذانِ بظهور أمرِه واستغنائِه عن التَّصريح به. وقرئ بالمدِّ بمعنى الرِّفعةِ والعُلو وبإدغامِ الدَّالِ في السِّينِ. وبُرَقه بفتحِ الرَّاءِ على أنَّه جمع بَرْقة وهي مقدارٌ من البرق كالغُرفةِ وبضمِّها للإتباع لضمَّة الباءِ  يَذْهَبُ بالأبصار  أي يخطفُها من فرطِ الإضاءةِ وسرعةِ ورودِها، وفي إطلاق الأبصارِ مزيدُ تهويلٍ لأمرِه وبيانٌ لشدَّةِ تأثيرِه فيها كأنَّه يكادُ يذهبُ بها ولو عندَ الإغماضِ وهذا مِن أقوى الدَّلائلِ على كمالِ القُدرةِ من حيثُ أنَّه توليدٌ للضدِّ من الضدِّ. وقرئ يُذهب من الإذهابِ على زيادةِ الباءِ.

### الآية 24:44

> ﻿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ [24:44]

يُقَلّبُ الله الليل والنهار  بالمُعاقبة بينهما أو بنقصِ أحدِهما وزيادةِ الآخرِ أو بتغير أحوالهما بالحرِّ والبردِ وغيرهما ممَّا يقعُ فيهما من الأمور التي من جُملتِها ما ذُكر من إزجاءِ السَّحابِ وما ترتَّب عليهِ. 
 إِنَّ في ذَلِكَ  إشارةٌ إلى ما فُصِّل آنِفاً، وما فيه من معنى البُعد مع قُربِ المشارِ إليه للإيذانِ بعلُّوِ رُتبتِه وبُعدِ منزلتِه  لَعِبْرَةً  أي لدلالةً واضحةً على وجود الصَّانعِ القديمِ ووحدتِه وكمال قُدرتِه وإحاطة علمِه بجميعِ الأشياءِ ونفاذِ مشيئتِه وتنزهه عمَّا لا يليقُ بشأنه العليِّ  لأُوْلِى الأبصار  لكلِّ مَن له بصرٌ.

### الآية 24:45

> ﻿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ ۚ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [24:45]

والله خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ  أي كلَّ حيوانٍ يدبُّ على الأرض. وقرئ خالقُ كلِّ دابةٍ بالإضافة  مِن مَّاء  هو جزءُ مادتِه أو ماءٍ مخصوصٍ هو النُّطفةُ فيكون تنزيلاً للغالب منزلةَ الكلِّ لأنَّ من الحيوانات ما يتولَّد لا عن نُطفةٍ وقيل : من ماءٍ متعلِّق بدابةٍ وليست صلةً لخَلَقَ  فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى على بَطْنِهِ  كالحيَّةِ وتسمية حركتِها مشياً مع كونِها زَحْفاً بطريقِ الاستعارةِ أو المُشاكلةِ  وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِى على رِجْلَيْنِ  كالإنسِ والطَّيرِ  وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى على أَرْبَعٍ  كالنَّعمِ والوحش وعدمُ التَّعرضِ لما يمشي على أكثرَ من أربعٍ كالعناكبِ ونحوِها من الحشرات لعدمِ الاعتدادِ بها. وتذكيرُ الضَّميرِ في منهم لتغليبِ العُقلاءِ، والتَّعبير عن الأصنافِ بكلمة مَن ليوافقَ التَّفصيلُ الإجمالَ، والتَّرتيبُ لتقديم ما هُو أعرفُ في القُدرةِ  يَخْلُقُ الله مَا يَشَاء  ممَّا ذُكر وممَّا لم يُذكرْ بسيطاً كان أو مركّباً على ما يشاء من الصُّورَ والأعضاء والهيئات والحَرَكات والطَّبائعِ والقُوَى والأفاعيلِ مع اتِّحادِ العُنصرِ. وإظهارُ الاسم الجليل في موضعِ الإضمارِ لتفخيمِ شأنِ الخلقِ المذكورِ والإيذانِ بأنَّه من أحكامِ الأُلوهيَّةِ  إِنَّ الله على كُلِّ شيء قَدِيرٌ  فيفعل ما يشاءُ كما يشاءُ. وإظهارُ الجلالةِ لما ذُكر مع تأكيد استقلال الاستئنافِ التعليليِّ.

### الآية 24:46

> ﻿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ ۚ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [24:46]

لَّقَدْ أَنزَلْنَا آيات مبينات  أي لكلِّ ما يليقُ بيانُه من الأحكام الدِّينيةِ والأسرار التَّكوينيَّةِ  والله يَهْدِى مَن يَشَاء  أنْ يهديَه بتوفيقِه للنَّظرِ الصَّحيحِ فيها وإرشادِه إلى التَّأملِ في مطاويها  إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ  موصل إلى حقيقة الحقِّ والفوز بالجنَّةِ.

### الآية 24:47

> ﻿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ [24:47]

وَيِقُولُونَ آمنا بالله وبالرسول  شروعٌ في بيان أحوالِ بعضِ مَن لم يشأ الله هدايتَه إلى الصِّراطِ المستقيمِ. قال الحسنُ : نزلتْ في المُنافقين الذين كانُوا يُظهرون الإيمانَ ويُسرُّون الكفرَ، وقيل : نزلتْ في بشرٍ المُنافقِ خاصمَ يهوديّاً فدعاهُ إلى كعبِ بنِ الأشرفِ واليهوديُّ يدعُوه إلى النبي عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقيل : في المغيرةِ بنِ وائلٍ خاصمَ عليًّا رضي الله عنه في أرضٍ وماءٍ فأبَى أنْ يُحاكِم إلى الرَّسُولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأيًّا ما كان فصيغةُ الجمعِ للإيذانِ بأنَّ للقائلِ طائفةً يُساعدونَهُ ويُشايعونَهُ في تلك المقالةِ كما يُقال : بنوُ فلانٍ قتلُوا فُلاناً والقاتلُ واحدٌ منهم  وَأَطَعْنَا  أي أطعناهُما في الأمرِ والنَّهيِ  ثُمَّ يتولى  عن قبول حُكمِه  فَرِيقٌ مّنْهُمْ مّن بَعْدِ ذلك  أي من بعد ما صدرَ عنهم ما صدرَ من ادِّعاءِ الإيمانِ بالله وبالرَّسولِ والطَّاعةِ لهما على التَّفصيلِ، وما في ذلك من معنى البُعد للإيذانِ بكونه أمراً معتدًّا به واجبَ المُراعاةِ  وَمَا أُوْلَئِكَ  إشارةٌ إلى القائلينَ لا إلى الفريقِ المتولِّي منهم فقط لعدمِ اقتضاءِ نفيِ الإيمانِ عنهم نفيَه عن الأوَّلينَ بخلافِ العكسِ فإنَّ نفيَه عنِ القائلينَ مقتضٍ لنفيِه عنهم على أبلغِ وجهٍ وآكدِه وما فيه مِن مَعْنى البُعد للإشعارِ ببُعد منزلتهم في الكفر والفسادِ أي وما أُولئك الذين يدَّعُون الإيمانَ والطَّاعةَ ثم يتولَّى بعضُهم الذين يُشاركون في العقدِ والعملِ  بالمؤمنين  أي المؤمنينَ حقيقةً كما يُعرب عنه اللامُ أي ليسُوا بالمؤمنينَ المعهودين بالإخلاص في الإيمان والثَّباتِ عليه.

### الآية 24:48

> ﻿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ [24:48]

وَإِذَا دُعُواْ إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ  أي الرَّسولُ  بَيْنَهُمْ  لأنَّه المباشرُ حقيقةً للحكمِ وإنْ كانَ ذلك حكمَ الله حقيقةً. وذكرُ الله تعالى لتفخيمه عليه السَّلامُ والإيذانِ بجلالة محلِّه عنده تعالى  إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ  أي فاجأ فريقٌ منهم الإعراضَ عن المحاكمةِ إليه عليه السَّلامُ لكون الحقِّ عليهم وعلمِهم بأنَّه عليه السَّلامُ يحكمُ بالحقِّ عليهم وهو شرح للتَّولِّي ومبالغةٌ فيه.

### الآية 24:49

> ﻿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ [24:49]

وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ الحق  لا عليهم  يَأْتُواْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ  مُنقادين لجزمِهم بأنَّه عليه السَّلامُ يحكمُ لهم. وإلى صلةٌ ليأتُوا فإنَّ الإتيانَ والمجيءَ يُعدَّيان بإلى، أو لمذعنين على تضمينِ معنى الإسراعِ والإقبال كما في قولِه تعالى : فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ  والتقديمُ للاختصاصِ.

### الآية 24:50

> ﻿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ۚ بَلْ أُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [24:50]

أفي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ  إنكارٌ واستقباحٌ لإعراضِهم المذكورِ وبيانٌ لمنشئه بعد استقصاء عدَّةٍ من القبائح المحقَّقةِ فيهم والمتوقَّعةِ منهم وترديدِ المنشئية بينها فمدارُ الاستفهام ليس نفسَ ما وليتْه الهمزةُ وأَمْ من الأمورِ الثَّلاثة بل هو منشئيتها له كأنَّه قيل : أذلك أي إعراضُهم المذكورُ لأنَّهم مرضى القلوبِ لكفرِهم ونفاقِهم. 
 أَمْ  لأنَّهم  ارتابوا  في أمر نُبوَّتِه عليه السَّلامُ مع ظهور حقيَّتِها  أَمْ  لأنَّهم  يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ الله عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ  ثمَّ أُضربَ عن الكلِّ وأُبطلت منشئيَّتُه وحُكم بأنَّ المنشأَ شيءٌ آخرُ من شنائعِهم حيثُ قيلَ : بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون  أي ليسَ ذلك لشيءٍ ممَّا ذُكر، أمَّا الأوَّلانِ فلأنَّه لو كان لشيءٍ منهما لأعرضُوا عنه عليه السَّلامُ عند كونِ الحقِّ لهم ولمَا أتَوا أليه عليه السَّلامُ مُذعنينَ لحُكمِه لتحقُّقِ نفاقِهم وارتيابِهم حينئذٍ أيضاً وأمَّا الثَّالثُ فلانتفائِه رأساً حيثُ كانُوا لا يخافون الحيفَ أصلاً لمعرفتِهم بتفاصيلِ أحوالِه عليه السَّلامُ في الأمانةِ والثَّباتِ على الحقِّ بل لأنَّهم هم الظالمون يُريدون أنْ يظلمُوا مَن له الحقُّ عليهم ويتمُّ لهم جحودُه فيأبون المحاكمةَ إليه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لعلمِهم بأنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ يقضي عليهم بالحقِّ فمناطُ النَّفيِ المُستفادِ من الإضراب في الأوَّلينِ هو وصف منشئيَّتِهما للإعراضِ فقط مع تحقُّقِهما في نفسِهما وفي الثَّالثِ هو الأصلُ والوصف جميعاً هذا وقد خُصَّ الارتيابُ بما له منشأٌ مصححٍ لعروضِه لهم في الجُملةِ والمعنى أمِ ارتابُوا بأنْ رَأَوا منه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تُهمةً فزالتْ ثقتُهم ويقينُهم به عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فمدارُ النَّفيِ حينئذٍ نفسُ الارتيابِ ومنشئيَّتُه معاً فتأمَّل فيما ذُكر على التَّفصيلِ ودَعْ عنك ما قيل وقيل حسبما يقتضيه النَّظرُ الجليلُ.

### الآية 24:51

> ﻿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [24:51]

إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المؤمنين  بالنَّصبِ على أنَّه خبرُ كانَ، وأنْ مع ما في حيِّزِها اسمُها. وقرئ بالرَّفعِ على العكسِ والأوَّلُ أقوى صناعةً لأنَّ الأَولى للاسميَّةِ ما هُو أوغلُ في التَّعريفِ وذلكَ هو الفعلُ المصدَّرُ بأَنْ إذْ لا سبيلَ إليه للتَّنكيرِ بخلافِ قولَ المُؤمنين فإنَّه يحتملُه كما إذا اعتزلتْ عنه الإضافةُ، لكن قراءةُ الرَّفعِ أقعدُ بحسب المَعْنى وأوفى لمُقتضى المقام لما أنَّ مصبَّ الفائدةِ وموقعَ البيانِ في الجُملِ هو الخبرُ فالأحقُّ بالخبريَّةِ ما هو أكثرُ إفادةً وأظهرُ دلالةً على الحدوثِ وأوفرُ اشتمالاً على نسبٍ خاصَّةٍ بعيدةٍ من الوقُوع في الخارج وفي ذهن السَّامعِ. ولا ريبَ في أنَّ ذلكَ هاهنا في أنَّ مع ما في حيِّزها أتمُّ وأكملُ فإذا هو أحقُّ بالخبريَّةِ، وأما ما تفيدُه الإضافةُ من النِّسبةِ المُطلقةِ الإجماليَّةِ فحيث كانتْ قليلةَ الجَدوى سهلةَ الحُصول خارجاً وذهناً كان حقُّها أنْ تُلاحظ ملاحظةً مجملةً وتجعلَ عُنواناً للموضوعِ فالمعنى إنَّما كانَ مطلقُ القولِ الصَّادرِ عن المؤمنين  إِذَا دُعُواْ إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ  أي الرَّسولُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ  بَيْنَهُمْ  أي وبين خصومِهم سواءً كانُوا منهم أو من غيرِهم  أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا  أي خصوصية هذا القولِ المحكيِّ عنهم لا قولاً آخرَ أصلاً. 
وأما قراءةُ النَّصبِ فمعناها إنما كانَ قولُ المؤمنين أي إنما كانَ قولاً لهم عند الدَّعوةِ خصوصية قولهم المحكيِّ عنهم ففيه من جعلِ أخصِّ النِّسبتينِ وأبعدهما وقوعاً وحضُوراً في الأذهانِ وأحقِّهما بالبيان مفروغاً عنها عُنواناً للموضوعِ وإبرازِ ما هو بخلافِها في معرضِ القصدِ الأصليِّ ما لا يَخْفى. وقرئ ليُحكمَ على بناءِ الفعلِ للمفعولِ مُسنداً إلى مصدرِه مُجاوباً لقوله تعالى : إِذَا دُعُواْ  أي ليُفعل الحكمُ كما في قولِه تعالى : لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ  أي وقعَ التَّقطُّعُ بينكم. 
 وَأُوْلئِكَ  إشارةٌ إلى المؤمنينَ باعتبارِ صدورِ القولِ المذكُورِ عنهم، وما فيه من معنى البُعد للإشعارِ بعلوِّ رُتبتِهم وبُعدِ منزلتِهم في الفضل أي أولئك المنعُوتون بما ذُكر من النَّعتِ الجميلِ  هُمُ المفلحون  أي هم الفَائزون بكلِّ مطلبٍ والنَّاجُون من كلِّ محذورٍ.

### الآية 24:52

> ﻿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [24:52]

وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ  استئنافٌ جيء به لتقرير مضمونِ ما قبله من حُسنِ حالِ المُؤمنين وترغيب مَن عداهُم في الانتظام في سلكِهم أي ومَن يُطعهما كائناً مَن كان فيما أُمرا به من الأحكامِ الشَّرعيَّةِ اللازمةِ والمتعديَّةِ وقيل : في الفرائضِ والسُّننِ والأوَّلُ هو الأنسبُ بالمقام  وَيَخْشَ الله وَيَتَّقْهِ  بإسكانِ القافِ المبنيِّ على تشبيهِه بكِتْفٍ. وقرئ بكسرِ القافِ والهاءِ وبإسكانِ الهاءِ أي ويخشَ الله على ما مَضَى من ذنوبِه ويتقه فيما يستقبلُ  فَأُوْلَئِكَ  الموصُوفون بما ذُكر من الطَّاعةِ والخشية والاتِّقاءِ  هُمُ الفائزون  بالنَّعيم المُقيم لا مَن عداهُم.

### الآية 24:53

> ﻿۞ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ۖ قُلْ لَا تُقْسِمُوا ۖ طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [24:53]

وَأَقْسَمُواْ بالله  حكايةً لبعضٍ آخرَ من أكاذيبِهم مؤكَّد بالإيمان الفاجرةِ وقوله تعالى : جَهْدَ أيمانهم  نُصبَ على أنَّه مصدرٌ مؤكِّد لفعله الذي هو في حيِّز النَّصبِ على أنَّه حالٌ من فاعلِ أقسمُوا أي أقسمُوا به تعالى يجهدون أيمانَهم جَهداً ومعنى جَهد اليمينِ بلوغُ غايتِها بطريقِ الاستعارةِ من قولِهم : جهدَ نفسَه إذا بلغَ أقصى وُسعِها وطاقتِها أي جاهدين بالغينَ أقصى مراتبِ اليمينِ في الشدَّةِ والوكادةِ، وقيل : هو مصدرٌ مؤكِّد لأقسمُوا أي أقسمُوا إقسامَ اجتهادٍ في اليمينِ. قال مقاتلٌ : مَن حلفَ بالله فقدِ اجتهدَ في اليمينِ  لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ  أي بالخروجِ إلى الغزوِ لا عن ديارِهم وأموالِهم كما قيل لأنَّه حكايةٌ لما كانُوا يقولون لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم : أينما كنتَ نكُنْ معك لئن خرجتَ خرجنَا وإنْ أقمتَ أقمنَا وإن أمرتَنا بالجهادِ جاهدنَا وقوله تعالى : لَيُخْرِجَنَّ  جوابٌ لأقسمُوا بطريقِ حكايةِ فعلِهم لا حكايةِ قولِهم وحيثُ كانتْ مقالتُهم هذه كاذبةً ويمينُهم فاجرةً أُمرَ عليه السَّلامُ بردِّها حيثُ قيل : قُلْ  أي ردًّا عليهم وزَجْراً لهم عن التَّفوه بها وإظهاراً لعدمِ القَبُول لكونِهم كاذبينَ فيها  لاَّ تُقْسِمُواْ  أي على ما ينبئ عنه كلامُكم من الطَّاعةِ وقوله تعالى : طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ  خبرُ مُبتدأٍ محذوفٍ والجملةُ تعليلٌ للنَّهيِ أي لا تقسمُوا على ما تدَّعُون من الطَّاعةِ لأنَّ طاعتَكم طاعةٌ نفاقيةٌ واقعةٌ باللِّسان فَقَط من غيرِ مُواطأةٍ من القلبِ، وإنَّما عبر عنها بمعروفةٌ للإيذانِ بأنَّ كونَها كذلك مشهورٌ معروفٌ لكلِّ أحدٍ. وقرئ بالنَّصبِ والمعنى تُطيعون طاعةً معرُوفةً هذا وحملُها على الطَّاعةِ الحقيقيَّةِ بتقديرِ ما يُناسبها من مبتدأ أو خبرٍ أو فعلٍ، مثلُ الذي يُطلب منكم طاعةٌ معروفةٌ حقيقيةٌ لا نفاقيةٌ أو طاعةٌ معروفةٌ أمثلُ أو ليكُن طاعةً معروفةً أو أطيعوا طاعةً معروفةً ممَّا لا يُساعده المقامُ. 
 إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ  من الأعمالِ الظَّاهرةِ والباطنةِ التي منْ جُملتِها ما تُظهرونه من الأكاذيب المؤكِّدةِ بالأيمان الفاجرةِ وما تُضمرونه في قلوبكم من الكفرِ والنَّفاقِ والعزيمةِ على مُخادعة المُؤمنين وغيرِها من فُنون الشَّرِّ والفسادِ، والجملةُ تعليلٌ للحكم بأنَّ طاعتَهم طاعةٌ نفاقيَّةٌ تشعر بأنَّ مدارَ شُهرةِ أمرِها فيما بينَ المُؤمنين إخبارُه تعالى بذلك ووعيدٌ لهم بأنَّه تعالى مجازيهم بجميع أعمالِهم السَّيئةِ التي منها نفاقُهم.

### الآية 24:54

> ﻿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ۖ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ ۖ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ۚ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [24:54]

قُلْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول  كرَّر الأمرَ بالقول لإبراز كمالِ العنايةِ به والإشعارِ باختلافهما من حيثُ أنَّ المقولَ في الأوَّلِ نهيٌ بطريق الردِّ والتَّقريعِ كما في قولِه تعالى : اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ  وفي الثَّاني أمرٌ بطريقِ التَّكليفِ والتَّشريعِ، وإطلاقُ الطَّاعة المأمورِ بها عن وصفِ الصحَّةِ والإخلاصِ ونحوهما بعد وصف طاعتهم بما ذُكر للتَّنبيه على أنَّها ليستْ من الطَّاعةِ في شيءٍ أصلاً. وقوله تعالى : فَإِن تَوَلَّوْاْ  خطابٌ للمأمورين بالطَّاعةِ من جهتِه تعالى واردٌ لتأكيد الأمر بها والمبالغةِ في إيجاب الامتثال به والحملِ عليه بالتَّرهيب والتَّرغيبِ لما أنَّ تغييرَ الكلامِ المسوقِ لمعنى من المعاني وصرفِه عن سَننِه المسلوكِ ينبئ عن اهتمامٍ جديدٍ بشأنه من المتكلِّم ويستجلبُ مزيدَ رغبةٍ فيه من السَّامعِ كما أُشير إليه في تفسيرِ قولِه تعالى : وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً  لاسيما إذا كان ذلك بتغيير الخطابِ بالواسطةِ إلى الخطابِ بالذَّاتِ فإنَّ في خطابِه تعالى إيَّاهم بالذَّات بعد أمرِه تعالى إيَّاهم بوساطتِه عليه السَّلامُ وتصدِّيه لبيان حُكمِ الامتثالِ بالأمر والتولِّي عنه إجمالاً وتفصيلاً من إفادةِ ما ذُكر من التَّأكيدِ والمُبالغةِ ما لا غايةَ وراءَهُ وتَوهُّم أنَّه داخل تحت القولِ المأمور بحكايتِه من جهته تعالى وأنَّه أبلغُ في التَّبكيتِ تعكيسٌ للأمرِ والفاء لترتيبِ ما بعدها على تبليغِه عليه السَّلامُ للمأمور به إليهم، وعدمُ التَّصريحِ به للإيذانِ بغاية ظهورِ مسارعتِه عليه السَّلامُ إلى تبليغ ما أُمرَ به وعدم الحاجةِ إلى الذِّكرِ أي إنْ تتولَّوا عن الطَّاعةِ إثرَ ما أُمرتم بهَا  فَإِنَّمَا عَلَيْهِ  أي فاعلمُوا أنَّما عليه عليه السَّلام  مَا حُمّلَ  أي أُمر به من التَّبليغِ وقد شاهدتمُوه عند قوله : أطيعوا الله والرسول  وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمّلْتُمْ  أي ما أُمرتم به من الطَّاعة، ولعلَّ التَّعبيرَ عنه بالتَّحميل للإشعارِ بثقله وكونِه مُؤنةً باقيةً في عهدتِهم بعدُ، كأنَّه قيل : وحيثُ توليتُم عن ذلك فقد بقيتم تحت ذلك الحملِ الثَّقيلِ. وقولُه تعالى : مَا حُمّلَ  محمولٌ على المُشاكلة  وَإِن تُطِيعُوهُ  أي فيما أَمركم به من الطَّاعةِ  تَهْتَدُواْ  إلى الحقِّ الذي هو المقصدُ الأصليُّ المُوصلُ إلى كلِّ خيرٍ والمُنجِّي من كلِّ شرَ، وتأخيرُه عن بيانِ حكم التَّولِّي لما في تقديم التَّرهيبِ من تأكيد التَّرغيبِ وتقريبه ممَّا هو من بابه من الوعد الكريمِ. وقولُه تعالى : وَمَا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ المبين  اعتراضٌ مقرِّرٌ لما قبله من أنَّ غائلةَ التولِّي وفائدة الإطاعةِ مقصورتانِ عليهم واللامُ إمَّا للجنسِ المُنتظمِ له عليه السَّلامُ انتظاماً أوليًّا أو للعهد أي ما على جنس الرَّسولِ كائناً مَن كان أو ما عليه عليه السَّلامُ إلاَّ التَّبليغُ الموضِّحُ لكلِّ ما يَحتاج إلى الإيضاحِ، أو الواضحُ على أنَّ المُبينَ مِن أبانَ بمعنى بانَ وقد علمتُم أنَّه قد فعله بما لا مزيدَ عليه وإنما بقيَ ما حُمِّلتم.

### الآية 24:55

> ﻿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [24:55]

وقوله تعالى : وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ مِنْكُمْ  استئنافٌ مقرِّرٌ لما في قوله تعالى : وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ  من الوعد الكريمِ ومُعربٌ عنه بطريق التَّصريحِ ومبينٌ لتفاصيلِ ما أُجمل فيه من فنون السَّعاداتِ الدِّينيَّةِ والدُّنيويَّة التي هي من آثار الاهتداءِ ومتضمِّنٌ لما هو المرادُ بالطَّاعة التي نيطَ بها الاهتداءُ والمرادُ بالذين آمنُوا كلُّ من اتَّصف بالإيمان بعد الكُفر على الإطلاق من أيِّ طائفةٍ كان وفي أيِّ وقتٍ كان لا مَن آمنَ من طائفةِ المُنافقين فقط ولا مَن آمنَ بعد نزولِ الآيةِ الكريمةِ فحسب ضرورةَ عمومِ الوعد الكريم للكلِّ كافَّةً فالخطاب في منكم لعامَّةِ الكَفَرةِ لا للمنافقين خاصَّةً ومِن تبعيضيَّةٌ. 
 وَعَمِلُواْ الصالحات  عطفٌ على آمنُوا داخلٌ معه في حيِّزِ الصِّلةِ وبه يتمُّ تفسيرُ الطَّاعةِ التي أُمر بها ورُتِّب عليها ما نُظم في سلك الوعدِ الكريمِ كما أُشير إليه. وتوسيطُ الظَّرف بين المعطُوفينِ لإظهار أصالةِ الإيمانِ وعراقتِه في استتباع الآثارِ والأحكامِ وللإيذانِ بكونِه أوَّلَ ما يُطلب منهم وأهمَّ ما يجبُ عليهم، وأمَّا تأخيرُه عنهما في قولِه تعالى : وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً  فلأنَّ مِن هناك بيانيَّةٌ والضَّميرُ للذين معه عليه السَّلامُ من خُلَّصِّ المؤمنين ولا ريبَ في أنَّهم جامعون بين الإيمان والأعمال الصَّالحةِ مثابرون عليهما فلا بُدَّ من ورود بيانِهم بعد ذكر نُعوتهم الجليلة بكمالِها، هذا ومَن جعلَ الخطابَ للنَّبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وللأُمةِ عُموماً على أنَّ مِن تبعيضيَّةٌ أوْ له عليهِ السَّلامُ ولمن معه من المُؤمنينَ خُصوصاً على أنَّها بيانيَّةٌ فقد نَأَى عمَّا يقتضيهِ سباقُ النَّظمِ الكريمِ وسياقُه بمنازلَ، وأبعدَ عمَّا يليقُ بشأنه عليه السَّلامُ بمراحلَ  لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الأرض  جوابٌ للقسم إمَّا بالإضمار أو بتنزيل وعدِه تعالى منزلةَ القسمِ لتحقُّق إنجازِه لا محالةَ أي ليجعلنَّهم خلفاءَ مُتصرِّفين فيها تصرُّفَ الملوكِ في ممالكهم أو خَلَفاً من الذين لم يكونُوا على حالهم من الإيمانِ والأعمالِ الصَّالحةِ. 
 كَمَا استخلف الذين مِن قَبْلِهِمْ  هم بنوُ إسرائيلَ استخلفهم عزَّ وجلَّ في مصرَ والشَّامَ بعد إهلاكِ فرعونَ والجبابرةِ أو هُم ومَن قبلهم من الأمم المؤمنةِ التي أُشير إليهم في قولِه تعالى : أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ والذين مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله جَاءتْهُمْ رُسُلُهُمْ  إلى قوله تعالى : فأوحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظالمين وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرض مِن بَعْدِهِمْ  ومحلُّ الكافِ النَّصبُ على أنَّه مصدرٌ تشبيهيٌّ مؤكِّدٌ للفعل بعد تأكيدِه بالقسم وما مصدريةٌ أي ليستخلفنَّهم استخلافاً كائناً كاستخلافِه للذينَ من قبلِهم. وقرئ كما استُخلفَ على البناء للمفعول فليس العاملُ في الكاف حينئذٍ الفعل المذكور بل ما يدلُّ هو عليه من فعلٍ مبنيَ هو للمفعول جارٍ منه مجرى المطاوعِ فإنَّ استخلافَه تعالى إيَّاهم مستلزمٌ لكونِهم مستخلَفين لا محالة كأنَّه قيل : ليستخلفنَّهم في الأرض فيُستخلفُنَّ فيها استخلافاً أيْ مستخلفيَّةً كائنةً كمستخلفيَّةِ مَن قبلهم وقد مرَّ تحقيقُه في قوله تعالى :
 كَمَا سُئِلَ موسى مِن قَبْلُ  ومن هذا القَبيلِ قوله تعالى : وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا  على أحدِ الوجهينِ أي فنبتتْ نباتاً حسناً وعليه قولُ مَن قال :\[ الطويل \]

وعضَّةُ دَهْرٍ يا ابنَ مَرْوَانَ لَم تَدَع  مِن المَالِ إلا مُسحَتٌ أو مُجلَّفُ[(١)](#foonote-١)أي فلم يبق إلا مُسحتٌ الخ  وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ  عطفٌ على ليستخلفنَّهم منتظم معه في سلك الجوابِ وتأخيرُه عنه مع كونه أجلَّ الرَّغائبِ الموعودة وأعظمها لما أنَّ النُّفوسَ إلى الحظوظِ العاجلة أميلُ فتصدير المواعيد بها في الاستمالةِ أدخلُ والمعنى ليجعلنَّ دينَهم ثابتاً مُقرَّراً بحيثُ يستمرُّون على العمل بأحكامِه ويرجعون إليهِ في كلِّ ما يأتُون وما يذرُون والتَّعبيرُ عن ذلك بالتَّمكينِ الذي هو جُعل الشَّيءِ مكاناً لآخرَ يُقال : مكَّن له في الأرضِ أي جعلها مقرًّا له ومنه قولُه تعالى : إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ في الأرض  ونظائرُه، وكلمة في للإيذانِ بأنَّ ما جُعل مقرًّا له قطعةٌ منها لا كلُّها للدِّلالةِ على كمال ثبات الدِّين ورصانةِ أحكامِه وسلامتِه من التَّغييرِ والتَّبديلِ لابتنائه على تشبيهِه بالأرض في الثَّبات والقرار مع ما فيه من مُراعاةِ المُناسبة بينه وبين الاستخلافِ في الأرضِ. وتقديمُ صلةِ التَّمكينِ على مفعوله الصَّريحِ للمُسارعةِ إلى بيان كونِ الموعودِ من منافعِهم تشويقاً لهم إليه وترغيباً لهم في قبوله عند ورودِه ولأنَّ في توسيطها بينَهُ وبينَ وصفِه أعني قوله تعالى : الذي ارتضى لَهُمْ  وفي تأخيرِها عنه من الإخلالِ بجَزَالةِ النَّظمِ الكريم ما لا يَخْفى وفي إضافة الدِّين إليهم وهو دينُ الإسلامِ ثم وصفُه بارتضائه لهم تأليفٌ لقلوبِهم ومزيدُ ترغيبٍ فيه وفضلُ تثبيتٍ عليه. 
 وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ  بالتَّشديدِ وقرئ بالتَّخفيفِ من الإبدالِ  مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ  أي من الأعداءِ  أمِناَ  حيثُ كان أصحابُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قبل الهجرةِ عشرَ سنين بل أكثرَ خائفين ثم هاجرُوا إلى المدينةِ وكانوا يُصبحون في السِّلاحِ ويُمسون كذلك حتى قالَ رجلٌ منهم : ما يأتي علينا يومٌ نأمنُ فيه ؟ فقالَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ :**« لا تعبُرون إلاَّ يسيراً حتى يجلسَ الرَّجلُ منكم في الملإِ العظيمِ مُحتبياً ليس معه حديدةٌ »** فأنزل الله عزَّ وجلَّ هذه الآيةَ وأنجز وعدَه وأظهرَهم على جزيرةِ العربِ وفتح لهم بلادَ الشَّرقِ والغربِ وصاروا إلى حالٍ يخافُهم كلُّ مَن عداهُم. وفيه من الدِّلالةِ على صحَّة النُّبوةِ للإخبارِ بالغيبِ على ما هُو عليه قبل وقوعِه ما لا يخفى. وقيل : المرادُ الخوفُ من العذابِ والأمنُ منه في الآخرةِ  يعبدونني  حالٌ من الموصول الأوَّلِ مفيدةٌ لتقييد الوعد بالثَّباتِ على التَّوحيدِ، أو استئنافٌ ببيانِ المُقتضي للاستخلافِ وما انتظم معه في سلكِ الوعدِ  لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً  حالٌ من الواوِ أي يعبدوننِي غيرَ مشركين بي في العبادة شيئاً  وَمَن كَفَرَ  أي اتَّصف بالكُفر بأنْ ثبتَ واستمرَّ عليه ولم يتأثَّر بما مرَّ من التَّرهيب والتَّرغيبِ فإنَّ الإصرارَ عليه بعد مُشاهدةِ دلائلِ التَّوحيدِ كفرٌ مستأنفٌ زائدٌ على الأصل، وقيل : كفرَ بعد الإيمانِ وقيل : كفرَ هذه النِّعمةَ العظيمةَ، والأوَّلُ هو الأنسبُ بالمقامِ  بَعْدَ ذَلِكَ  أي بعد ذلك الوعدِ الكريمِ بما فُصِّل من المطالب العاليةِ المستوجبةِ لغاية الاهتمامِ بتحصيلها والسعيِ الجميلِ في حيازتِها  فَأُوْلَئِكَ  البُعداءُ عن الحقِّ التائهون في تيهِ الغَواية والضَّلال  هُمُ الفاسقون  الكاملون في الفِسق والخروجِ عن حُدودِ الكُفر والطُّغيانِ. 
١ وهو الفرزدق في ديوانه (٢/٦٢)؛ وجمهرة أشعار العرب (ص٨٨٠)؛ وجمهرة اللغة (ص٣٨٦، ١٢٥٩)، وخزانة الأدب (١/٢٣٧)، (٨/ ٥٤٣) ولسان العرب (٢/ ٤١) (سحت)،(٩/٣١) (جلف)، (٨/٣٨٢) (ودع) وبلا نسبة في شرح المفصل (١/٣١)، (١٠/١٠٣).
 وقد ورد في المعجم بلفظ "وعض زمان" بدل "وعضة دهر"..

### الآية 24:56

> ﻿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [24:56]

وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة  عطفٌ على مقدَّرٍ ينسحبُ عليه الكلامُ ويستدعيهِ النِّظامُ فإنَّ خطابَه تعالى للمأمورينَ بالطَّاعةِ على طريقِ التَّرهيبِ من التَّولِّي بقوله تعالى : فَإِن تَوَلَّوْاْ  الخ، وترغيبَه تعالى إيَّاهم في الطَّاعة بقوله تعالى : وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ  الخ، ووعدَه تعالى إيَّاهم على الإيمان والعملِ الصَّالحِ بما فُصِّل من الاستخلافِ وما يتلُوه من الرَّغائبِ الموعُودةِ ووعيدَه على الكفرِ ممَّا يوجبُ الأمرَ بالإيمانِ والعملِ الصَّالحِ والنَّهيِ عن الكُفر فكأنَّه قيل : فآمِنُوا واعملُوا صالحاً وأقيمُوا أو فلا تكفرُوا وأقيمُوا، وعطفُه على أطيعُوا الله مما لا يليقُ بجزالةِ النَّظمِ الكريمِ  وَأَطِيعُواْ الرسول  أمرهم الله سبحانه وتعالى بالذَّاتِ بما أمرَهم به بواسطة الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ من طاعتِه التي هي طاعتُه تعالى في الحقيقة تأكيداً للأمرِ السَّابقِ وتقريراٌ لمضمونه على أنَّ المرادَ بالمُطاع فيه جميعُ الأحكامِ الشَّرعيةِ المنتظمةِ للآداب المرضيَّةِ أيضاً أي وأطيعُوه في كلِّ ما يأمرُكم به وينهاكم عنه أو تكميلاً لما قبله من الأمرينِ الخاصَّينِ المتعلِّقينِ بالصَّلاةِ والزَّكاةِ على أنَّ المرادَ بما ذُكر ما عداهما من الشَّرائعِ أي وأطيعُوه في سائر ما يأمرُكم به الخ، وقوله تعالى : لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ  متعلِّقٌ على الأوَّلِ بالأمرِ الأخيرِ المُشتمل على جميعِ الأوامرِ وعلى الثَّانِي بالأوامرِ الثَّلاثةِ أي افعلُوا ما ذُكر من الإقامةِ والإيتاءِ والإطاعةِ راجينَ أنْ تُرحموا.

### الآية 24:57

> ﻿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۖ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ [24:57]

لاَ تَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ  لمَّا بُيِّن حالَ من أطاعَه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وأُشير إلى فوزِه بالرَّحمةِ المُطلقة المستتبعةِ لسعادةِ الدَّارينِ عُقّب ذلك ببيانِ حالِ مَن عصاهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ومآلِ أمرِه في الدُّنيا والآخرةِ بعد بيانِ تناهيهِ في الفسقِ تكميلاً لأمرِ التَّرغيبِ والتَّرهيبِ والخطاب إما لكلِّ أحد ممَّن يصلح له كائناً من كانَ وإمَّا للرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ على منهاج قوله تعالى : فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين  ونظائرِه للإيذانِ بأنَّ الحُسبانَ المذكورَ من القُبحِ والمحذوريَّةِ بحيث يُنهى عنه مَن يمتنعُ صدورُه عنه فكيف بمَن يمكن ذلك منه ؟ ومحلُّ الموصولِ النَّصبُ على أنَّه مفعولٌ أوَّلٌ للحُسبانِ وقوله تعالى : معاجزين  ثانيهما وقوله تعالى : في الأرض  ظرفٌ لمعجزين لكن لا لإفادةِ كون الإعجاز المنفيّ فيها لا في غيرها فإن ذلك مما لا تحتاج إلى البيان بل لإفادة شمولِ عدم الإعجازِ بجميعِ أجزائِها أي لا تحسبنَّهم مُعجزين الله عزَّ وجلَّ عن إدراكِهم وإهلاكِهم في قطرٍ من أقطارِ الأرضِ بما رحُبتْ وإنْ هربُوا منها كلَّ مهربٍ. وقرئ لا يَحسَبنَّ بياءِ الغَيبةِ على أنَّ الفاعلَ كلُّ أحدٍ والمعنى كما ذُكر أي لا يَحسبنَّ أحدٌ الكافرينَ معجزين له سبحانَهُ في الأرضِ أو هو الموصولُ والمفعولُ الأوَّلُ محذوفٌ لكونه عبارةً عن أنفسِهم كأنَّه قيل : لا يحسبنَّ الكافرونَ أنفسَهم مُعجزين في الأرضِ وأما جعلُ معجزين مفعولاً أوَّلَ وفي الأرضِ مفعولاً ثانياً فبمعزلٍ من المُطابقة لمقتضى المقامِ ضرورةَ أنَّ مصبَّ الفائدةِ هو المفعولُ الثَّاني ولا فائدةَ في بيانِ كونِ المُعجزين في الأرضِ وقد مرَّ في قولِه تعالى : إِنّي جَاعِلٌ في الأرض خَلِيفَةً  وقولِه تعالى : وَمَأْوَاهُمُ النار  معطوفٌ على جملة النَّهيِ بتأويلِها بجُملةٍ خبريَّةٍ لأنَّ المقصودَ بالنَّهيِ عن الحُسبان تحقيقُ نفيِ الحُسبانِ كأنَّه قيل : ليسَ الذين كفرُوا مُعجزين ومأواهم الخ، أو على جملةٍ مقدَّرةٍ وقعتْ تعليلاً للنَّهيِ كأنَّه قيل : لا تحسبنَّ الذين كفرُوا معجزين في الأرضِ فإنَّهم مُدرَكُونَ ومأواهم الخ، وقيل : الجملةُ المقدَّرةُ بل هم مقهورون فتدبَّرْ  وَلَبِئْسَ المصير  جوابٌ لقسمٍ مقدَّرٍ والمخصوص بالذمِّ محذوفٌ أي وبالله لبئسَ المصيرُ هي أي النَّارُ والجملة اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّرٌ لما قبله وفي إيراد النَّارِ بعنوان كونها مأوى ومصيراً لهم إثرَ نفيِ فَوتِهم بالهرب في الأرض كلَّ مهرَبٍ من الجَزَالة ما لا غايةَ وراءَهُ فللَّه درُّ شأنِ التَّنزيلِ.

### الآية 24:58

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ۚ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ۚ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [24:58]

يا أيها الذين آمَنُواْ  رجوع إلى بيان تتمةِ الأحكامِ السَّابقةِ بعد تمهيدِ ما يُوجب الامتثالَ بالأوامر والنَّواهي الواردة فيها وفي الأحكام اللاَّحقةِ من التمثيلات والتَّرغيبِ والتَّرهيبِ والوعدِ والوعيدِ. والخطابُ إمَّا للرِّجالِ خاصَّةً، والنِّساءُ داخلاتٌ في الحكم بدلالة النَّصِّ أو للفريقينِ جميعاً بطريقِ التَّغليبِ. رُوي أنَّ غلاماً لأسماءَ بنتِ أبي مَرْثَدٍ دخل عليها في وقتٍ كرهتْهُ فنزلتْ، وقيلَ : أرسلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مِدْلَجَ بنَ عمروٍ الأنصاريَّ وكان غُلاماً وقتَ الظَّهيرةِ ليدعوَ عُمرَ رضي الله عنه فدخلَ عليه وهو نائمٌ قد انكشفَ عنه ثوبُه، فقال عمرُ رضي الله عنه : لوددتُ أنَّ الله تعالى نَهَى آباءَنا وأبناءَنا وخدمَنا أنْ لا يدخلوا علينا هذه السَّاعاتِ إلا بإذنٍ ثمَّ انطلقَ معه إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فوجدَه وقد أُنزلتْ عليه هذه الآيةُ. 
 لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذين مَلَكَتْ أيمانكم  من العبيدِ والجَوَاري  والذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم  أي الصِّبيانُ القاصرُون عن درجة البلوغِ المعهود. والتَّعبيرُ عنه بالحُلُم لكونِه أظهرَ دلائلِه  مّنكُمْ  أي من الأحرارِ  ثَلاَثَ مَرَّاتٍ  أي ثلاثةَ أوقاتٍ في اليَّومِ واللَّيلةِ. والتَّعبيرُ عنها بالمرَّات للإيذانِ بأنَّ مدارَ وجوبِ الاستئذانِ مقارنةُ تلك الأوقاتِ لمرور المستأذنينَ بالمخاطبينَ لا أنفسِها  مّن قَبْلِ صلاة الفجر  لظهورِ أنَّه وقتُ القيامِ من المضاجعِ وطرحِ ثيابِ النَّومِ ولبسِ ثيابِ اليقظةِ، ومحلُّه النَّصبُ على أنَّه بدلٌ من ثلاثَ مرَّاتٍ أو الرَّفعُ على أنه خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ أي أحدُها من قبل الخ  وَحِينَ تَضَعُونَ ثيابكم  أي ثيابَكم التي تلبسونَها في النَّهارِ وتخلعونَها لأجل القَيلولةِ وقوله تعالى : مّنَ الظهيرة  وهي شدَّةُ الحرِّ عند انتصافِ النَّهارِ بيانٌ للحينِ. والتَّصريحُ بمدارِ الأمرِ أعني وضعَ الثِّيابِ في هذا الحينِ دُون الأوَّلِ والآخرِ لما أنَّ التَّجردَ عن الثِّيابِ فيه لأجل القيلولةِ لقلَّة زمانِها كما ينبئ عنها إيرادُ الحين مُضافاً إلى فعلٍ حادثٍ منقضَ ووقوعُها في النَّهارِ الذي هُو مَئِنَّةٌ لكثرةِ الورودِ والصُّدورِ ومَظِنَّةٌ لظهورِ الأحوالِ وبروزِ الأمورِ ليسَ من التَّحقُّقِ والاطرادِ بمنزلةِ ما في الوقتينِ المذكورينِ فإنَّ تحقُّقَ التَّجردِ واطِّرادَه فيهما أمرٌ معروفٌ لا يحتاجُ إلى التَّصريحِ به  وَمِن بَعْدِ صلاة العشاء  ضرورةَ أنَّه وقتُ التَّجردِ عن اللِّباسِ والالتحافِ باللِّحافِ وليسَ المرادُ بالقبليَّةِ والبعديَّةِ المذكورتينِ مطلقَهُما المتحقِّقَ في الوقتِ الممتدِّ المتخللِ بينَ الصَّلاتينِ كما في قوله تعالى : وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافلين  وقوله تعالى : مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشيطان بيني وَبَيْنَ إخوتي  بل ما يعرض منهما لطرفي ذلك الوقتِ الممتدِّ المتصلين بالصَّلاتينِ المذكورتينِ اتِّصالاً عاديّاً. وقولُه تعالى : ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ  خبرُ مبتدأ محذوفٍ. وقولُه تعالى : لَكُمْ  متعلِّقٌ بمحذوفٍ هو صفةٌ لثلاثُ عوراتٍ أي كائنةٌ لكم والجملةُ استئنافٌ مسوقٌ لبيان علَّةِ وجوبِ الاستئذانِ أي هنَّ ثلاثةُ أوقاتٍ يختلُّ فيها التَّستُّر عادةً. 
والعورةُ في الأصلِ هو الخللُ غلبَ في الخللِ الواقعِ فيما يهمُّ حفظُه ويُعتنى بسترِه. أُطلقتْ على الأوقاتِ المُشتملةِ عليها مبالغةً كأنَّها نفسُ العورةِ. وقرئ ثلاثَ عوراتٍ بالنَّصبِ بدلاً من ثلاثَ مرَّاتٍ. 
 لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ  أي على المماليكِ والصِّبيانِ  جُنَاحٌ  أي إثمٌ في الدُّخولِ بغيرِ استئذانٍ لعدمِ ما يُوجبه من مخالفةِ الأمرِ والاطِّلاعِ على العوراتِ  بَعْدَهُنَّ  أي بعد كلِّ واحدةٍ من تلك العوراتِ الثَّلاثِ وهي الأوقاتُ المتخلِّلةُ بين كلِّ اثنتينِ منهنَّ وإيرادُها بعُنوان البعديَّةِ مع أنَّ كلَّ وقتٍ من تلكَ الأوقاتِ قبل عورةٍ من العَورات كما أنَّها بعد أخرى منهنَّ لتوفيةِ حقِّ التَّكليفِ والتَّرخيصِ الذي هو عبارةٌ عن رفعه إذ الرُّخصةُ إنَّما تتصور في فعل يقعُ بعد زمان وقوعِ الفعلِ المكلَّف، والجملة على القراءتينِ مستأنفةٌ مسوقة لتقرير ما قبلها بالطَّردِ والعكس وقد جُوِّز على القراءة الأولى كونُها في محلِّ رفعٍ على أنَّها صفة أخرى لثلاثُ عوراتٍ وأمَّا على القراءة الثَّانيةِ فهي مستأنفةٌ لا غير إذ لو جُعلت صفةً لثلاثُ عورات وهي بدلٌ من ثلاثَ مرَّاتٍ لكانَ التَّقديرُ ليستأذنكم هؤلاءِ في ثلاث عورات لا إثمَ في ترك الاستئذانِ بعدهنَّ وحيثُ كان انتفاءُ الإثمِ حينئذٍ ممَّا لم يعلمه السَّامعُ إلا بهذا الكلامِ لم يتسنَّ إبرازُه في معرض الصِّفةِ بخلافِ قراءة الرَّفع فإنَّ انتفاءَ الإثمِ حينئذٍ معلومٌ من صدر الكلام وقوله تعالى : طوافون عَلَيْكُمْ  استئنافٌ ببيان العذر المرخَّص في ترك الاستئذان وهي المخالطةُ الضَّروريةُ وكثرةُ المداخلةِ وفيه دليلٌ على تعليل الأحكامِ وكذا في الفرق بين الأوقات الثَّلاثةِ وبين غيرِها بكونها عَورات. 
 بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ  أي بعضكم طائفٌ على بعضٍ طوافاً كثيراً أو بعضُكم يطوفُ على بعضٍ  كذلك  إشارةٌ إلى مصدرِ الفعلِ الذي بعدَه، وما فيه من معنى البُعد لما مرَّ مراراً من تفخيم شأنِ المشار إليهِ حسّاً أي مثلَ ذلك التَّبيين  يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات  الدَّالة على الأحكامِ أي ينزلها بينةً واضحة الدلالاتِ عليها لا أنَّه تعالى يبينها بعد أنْ لم تكن كذلك والكافُ مقحمةٌ وقد مرَّ تفصيلُه في قوله تعالى : وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا  ولكم متعلِّق بيبين وتقديمُه على المفعول الصَّريحِ لما مرَّ مراراً من الاهتمام بالمقدَّم والتَّشويقِ إلى المؤخَّر وقيل : يبين عللَ الأحكامِ وليس بواضحٍ مع أنَّه مؤدٍ إلى تخصيص الآياتِ مما ذُكر هاهنا  والله عَلِيمٌ  مبالغٌ في العلمِ بجميع المعلوماتِ فيعلم أحوالَكم  حَكِيمٌ  في جميع أفاعيلِه فيشرع لكُم ما فيه صلاحُ أمرِكم معاشاً ومعاداً.

### الآية 24:59

> ﻿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [24:59]

وَإِذَا بَلَغَ الأطفال مِنكُمُ الحلم  لمَّا بيِّن فيما مرَّ آنفاً حكمَ الأطفالِ في أنَّه لا جناح عليهم في ترك الاستئذانِ فيما عدا الأوقاتِ الثلاثة عقب ببيان حالِهم بعد البلوغِ دفعاً لمَا عسى يُتوهم أنَّهم وإنْ كانُوا أجانبَ ليسُوا كسائرِ الأجانبِ بسببِ اعتيادهم الدُّخولَ أي إذا بلغَ الأطفالُ الأحرارُ الأجانبُ  فَلْيَسْتَأْذِنُواْ  إذا أرادُوا الدخولَ عليكم وقوله تعالى : كَمَا استأذن الذين مِن قَبْلِهِمْ  في حيِّز النَّصبِ على أنَّه نعتٌ لمصدر مؤكِّد للفعل السَّابقِ والموصول عبارةٌ عمَّن قيل لهم : لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ  الآية، ووصفهم بكونِهم قبل هؤلاء باعتبار ذكرِهم قبل ذكرِهم لا باعتبار بلوغِهم قبل بلوغِهم كما قيل لما أنَّ المقصودَ بالتشبيه بيانُ كيفيَّةِ استئذان هؤلاءِ وزيادةُ إيضاحِه ولا يتسنَّى ذلك إلا بتشبيهِه باستئذانِ المعهودين عند السَّامعِ ولا ريبَ في أنَّ بلوغهم قبلَ بلوغِ هؤلاءِ مما لا يخطُر ببال أحدٍ وإنْ كان الأمرُ كذلك في الواقع وإنَّما المعهودُ المعروفُ ذكرهم قبلَ ذكرِهم أي فليستأذنُوا استئذاناً كائناً مثل استئذانِ المذكورينَ قبلهم بأنْ يستأذنُوا في جميع الأوقاتِ ويرجعُوا إنْ قيل لهم : ارجعُوا حسبما فُصِّل فيما سلف  كذلك يُبَيّنُ الله لَكُمْ آياته والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ  الكلامُ فيه كالذي سبقَ والتَّكريرُ للتأكيد والمبالغةِ في الأمر بالاستئذانِ، وإضافةُ الآياتِ إلى ضمير الجلالةِ لتشريفها.

### الآية 24:60

> ﻿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ۖ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [24:60]

والقواعد مِنَ النساء  أي العجائزُ اللاتي قعدنَ عن الحيض والحملِ  اللاتي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً  أي لا يطمعنَ فيه لكبرهنَّ  فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ  أي الثيابَ الظَّاهرةَ كالجلباب ونحوِه، والفاءُ فيه لأن اللاَّمَ في القواعدِ بمعنى اللاَّتِي أو للوصفِ بها  غَيْرَ متبرجات بِزِينَةٍ  غير مظهراتٍ لزينةٍ ممَّا أمر بإخفائِه في قوله تعالى : وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ  وأصلُ التَّبرجِ التَّكلُّفُ في إظهارِ ما يَخْفى من قولِهم : سفينةٌ بارجةٌ لا غطاءَ عليها والبَرَجُ سعةُ العينِ بحيث يُرى بياضُها محيطاً بسوادِها كلِّه إلا أنَّه خُصَّ بكشفِ المرأةِ زينتَها ومحاسنَها للرِّجال  وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ  بترك الوضعِ  خَيْرٌ لَّهُنَّ  من الوضعِ لبُعده من التُّهمَة  والله سَمِيعٌ  مبالغٌ في سمعِ جميعِ ما يُسمع فيسمعُ ما يَجري بينهنَّ وبين الرِّجالِ من المقاولةِ  عَلِيمٌ  فيعلم مقاصدهنَّ وفيه من التَّرهيبِ ما لا يخفى.

### الآية 24:61

> ﻿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ۚ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [24:61]

لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ  كانت هؤلاء الطوائفُ يتحرَّجُون من مؤاكلةِ الأصحَّاءِ حِذاراً من استقذارِهم إيَّاهم وخَوفاً من تأذِّيهم بأفعالِهم وأوضاعِهم فإنَّ الأعمى رُبَّما سبقتَ يدُه إلى ما سبقتْ إليه عينُ أكيلِه وهو لا يشعرُ به والأعرجُ يتفسَّح في مجلسِه فيأخذُ أكثرَ من موضعِه فيضيقُ على جليسِه والمريضُ لا يخلُو عن حالةٍ تُؤذي قرينَه. وقيل : كانُوا يدخلُون على الرَّجل لطلبِ العلمِ فإذا لم يكُن عنده ما يُطعمهم ذهبَ بهم إلى بيوتِ آبائِهم وأمَّهاتِهم أو إلى بعضِ مَن سمَّاهم الله عزَّ وجلَّ في الآيةِ الكريمةِ فكانُوا يتحرَّجون من ذلكَ ويقولُون : ذهبَ بنا إلى بيتِ غيرِه ولعلَّ أهلَه كارهون لذلكَ وكذا كانُوا يتحرَّجُون من الأكلِ من أموالِ الذينَ كانُوا إذا خرجُوا إلى الغزوِ خلَّفوا هؤلاءِ الضُّعفاءَ في بيوتِهم ودفعُوا إليهم مفاتيحَها وأذنُوا لهم أنْ يأكلُوا مما فيها مخافةَ أنْ لا يكون إذنُهم عن طيبِ نفسٍ منهم وكانَ غيرُ هؤلاء أيضاً يتحرَّجون من الأكلِ في بيوتِ غيرِهم فقيل لهم : ليسَ على الطوائفِ المعدودةِ  وَلاَ على أَنفُسِكُمْ  أي عليكم وعلى مَن يُماثلكم في الأحوالِ من المؤمنينَ حرجٌ  أَن تَأْكُلُواْ  أي تأكلُوا أنتُم وهم معكم. وتعميمُ الخطابِ للطَّوائفِ المذكورةِ أيضاً يأباهُ ما قبله وما بعدَه فإنَّ الخطابَ فيهما لغير أولئكَ الطَّوائفِ حتماً  مِن بُيُوتِكُمْ  أي البيوتِ التي فيها أزواجُكم وعيالُكم فيدخل فيها بيوتُ الأولادِ لأنَّ بيتَهم كبيتِه لقوله عليه الصلاة والسلام :**« أنتَ ومالُكَ لأبيكَ »**[(١)](#foonote-١) وقوله عليه الصَّلاة والسَّلام :**« إنَّ أطيبَ مالِ الرَّجلِ من كسبِه وإنَّ ولدَه من كسبِه »**[(٢)](#foonote-٢)  أَوْ بُيُوتِ آبائكم أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ  وقرئ بكسرِ الهمزةِ والميمِ وبكسرِ الأُولى وفتحِ الثَّانيةِ  أَوْ بُيُوتِ إخوانكم أَوْ بُيُوتِ أخواتكم أَوْ بُيُوتِ أعمامكم أَوْ بُيُوتِ عماتكم أَوْ بُيُوتِ أخوالكم أَوْ بُيُوتِ خالاتكم أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ  من البيوتِ التي تملكُون التَّصرفَ فيها بإذنِ أربابِها على الوجهِ الذي مرَّ بيانُه، وقيل : هي بيوتُ المماليكِ، والمفاتحُ جمع مِفْتحٍ وجمعُ المفتاحِ مفاتيحُ. 
وقرئ مُفتاحَه  أَوْ صَدِيقِكُمْ  أي أو بيوتِ صديقِكم وإنْ لم يكُن بينكم وبينهم قرابةٌ نَسَبيةٌ فإنَّهم أرضى بالتَّبسطِ وأسرُّ به من كثيرٍ من الأقرباءِ. رُوي عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهُما أنَّ الصَّديقَ أكبرُ من الوالدينِ إن الجهنميين لمَّا استغاثُوا لم يستغيثوا بالآباءِ والأمَّهاتِ بل قالُوا : فما لنا من شافعينَ ولا صديقٍ حميم، والصَّديقُ يقعُ على الواحدِ والجمعِ كالخَليط والقَطينِ وأضرابِهما وهذا فيما إذا عَلم رضَا صاحبِ البيتِ بصريحِ الإذنِ أو بقرينةٍ دالَّةٍ عليه ولذلكَ خُصص هؤلاءِ بالذِّكرِ لاعتيادِهم التَّبسطَ فيما بينُهم وقولُه تعالى : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً  كلامٌ مستأنفٌ مسوق لبيانِ حكمٍ آخرَ من جنسِ ما بُيِّن قبله حيثُ كان فريقٌ من المؤمنينَ كبني ليثِ بنِ عمروٍ من كِنانةَ يتحرَّجون أنْ يأكلُوا طعامَهم مُنفردين وكانَ الرَّجلُ منهم لا يأكلُ ويمكثُ يومَه حتَّى يجدَ ضيفاً يأكلُ معه فإنْ لم يجدْ من يُؤاكله لم يأكلْ شيئاً ورُبَّما قعدَ الرَّجلُ والطَّعامُ بين يديهِ لا يتناولُه من الصَّباحِ إلى الرَّواحِ ورُبَّما كانتْ معه الإبلُ الحُفّلِ فلا يشربُ من ألبانِها حتَّى يجدَ مَن يُشاربه فإذا أمسى ولم يجدْ أحداً أكلَ، وقيل : كان الغنيُّ منهم يدخلُ على الفقيرِ من ذوي قرابته وصداقتِه فيدعُوه إلى طعامِه فيقول : إنِّي أتحرَّجُ أنْ آكلَ معك وأنا غنيٌّ وأنت فقيرٌ، وقيل : كان قومٌ من الأنصار لا يأكلون إذا نزلَ بهم ضيفٌ إلا مع ضيفِهم فرُخِّص لهم في أن يأكلُوا كيف شاءوا، وقيل : كانوا إذا اجتمعُوا ليأكلوا طعاماً عزلُوا للأعمى وأشباهِه طعاماً على حدةٍ فبيَّن الله تعالى أن ذلك ليس بواجبٍ وقوله تعالى : جَمِيعاً  حالٌ من فاعلِ تأكلوا وأشتاتاً عطفٌ عليه داخلٌ في حُكمه وهو جمعُ شَتَ على أنَّه صفةٌ كالحقِّ يقال : أمر شتٌّ أي متفرِّقٌ أو على أنه في الأصلِ مصدرٌ وصف به مبالغةً أي ليس عليكم جناحٌ أنْ تأكلوا مجتمعين أو متفرِّقين  فَإِذَا دَخَلْتُمْ  شروع في بيان الآدابِ التي تجب رعايتها عند مباشرةِ ما رُخِّص فيه إثرَ بيان الرُّخصةِ فيه  بُيُوتًا  أي من البيوتِ المذكورة  فَسَلّمُواْ على أَنفُسِكُمْ  أي على أهلِها الذين بمنزلة أنفسِكم لما بينكم وبينهُم من القرابة الدِّينيةِ والنَّسبيةِ الموجبة لذلك  تَحِيَّةً مّنْ عِندِ الله  أي ثابتةً بأمره مشروعةً من لدنه ويجوزُ أنْ يكون صلةً للتَّحية فإنَّها طلبُ الحياة التي هي من عنده تعالى وانتصابُها على المصدريَّةِ لأنَّها بمعنى التَّسليمِ  مباركة  مستتبعة لزيادة الخيرِ والثَّواب ودوامها  طَيّبَةً  تطيبُ بها نفسُ المستمع. 
وعن أنس رضي الله عنه أنه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ قال :**« متى لقيتَ أحداً من أمَّتي فسلِّم عليه يطُلْ عمرُك وإذا دخلتَ بيتَك فسلِّم عليهم يكثُر خيرُ بيتك وصلِّ صلاةَ الضُّحى فإنَّها صلاةُ الأبرارِ الأوَّابينَ »**  كذلك يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات  تكرير لتأكيد الأحكامِ المختتمةِ به وتفخيمها  لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ  أي ما في تضاعيفها من الشَّرائعِ والأحكامِ وتعملون بموجبها وتحوزُون بذلك سعادةَ الدَّارين، وفي تعليل هذا التَّبيينِ بهذه الغاية القُصوى بعد تذييل الأولين بما يُوجبهما من الجَزَالةِ ما لا يخفى. 
١ أخرجه ابن ماجه في كتاب التجارات باب (٦٤)؛ وأحمد في المسند: (٢/١٧٩، ٢٠٤، ٢١٤)..
٢ أخرجه الترمذي في كتاب الأحكام باب (٢٢) وابن ماجه في كتاب التجارات باب (٦٤) وأحمد في مسنده (٢/١٧٩)؛ (٦/١٦٢) والنسائي في كتاب البيوع (١) وأبو داود في كتاب البيوع باب (٧٧)، جميعا بلفظ "إن من أطيب، أحق ما أكل الرجل \[من أطيب\] كسبه وأن ولده ممن كسبه"..

### الآية 24:62

> ﻿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [24:62]

إِنَّمَا المؤمنون الذين آمَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ  استئنافٌ جيء به في أواخر الأحكام السَّابقةِ تقريراً لها وتأكيداً لوجوب مراعاتِها وتكميلاً لها ببيانِ بعضٍ آخرَ من جنسها وإنَّما ذكر الإيمان بالله ورسوله في حيِّز الصِّلةِ للموصولِ الواقع خبراً للمبتدأ مع تضمُّنِه له قطعاً تغيراً لما قبله وتمهيداً لما بعده وإيذاناً بأنه حفيفٌ بأن يجعل قريناً للإيمان بهما مُنتظماً في سلكه فقوله تعالى : وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ على أَمْرٍ جَامِعٍ  معطوفٌ على آمنُوا داخلٌ معه في حيِّز الصِّلةِ أي إنَّما الكاملون في الإيمانِ الذين آمنُوا بالله ورسولِه عن صميم قلوبهم وأطاعوهُما في جميع الأحكامِ التي من جُملتها ما فُصِّل من قبل من الأحكامِ المتعلِّقةِ بعامة أحوالِهم المطَّردة في الوقوع وأحوالِهم الواقعة بحسب الاتِّفاقِ كما إذا كانُوا معه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ على أمر مهمَ يجب اجتماعُهم في شأنه كالجمعةِ والأعيادِ والحروبِ وغيرِها من الأمور الدَّاعيةِ إلى اجتماع أولي الآراءِ والتَّجارِب، ووصف الأمر بالجمعِ للمبالغة وقرئ أمرٍ جميعٍ  لَّمْ يَذْهَبُواْ  أي من المجمعِ مع كون ذلك الأمرِ مما لا يوجبُ حضورَهم لا محالةَ كما عند إقامة الجمعةِ ولقاء العدوِّ بل يسوِّغ التَّخلفَ عنه  حتى يستأذنوه  عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في الذهابِ لا على أنَّ نفسَ الاستئذانِ غايةٌ لعدم الذَّهاب بل الغاية هي الإذنُ المنوط برأيِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، والاقتصار على ذكرِه لأنَّه الذي يتمُّ من قبلهم وهو المعتبرُ في كمال الإيمانِ لا الإذنُ ولا الذهابُ المترتِّبُ عليه، واعتبارُه في ذلك لِما أنَّه كالمصداقِ لصحَّتِه والمميِّز للمخلصِ فيه عن المنافق فإنَّ ديدنه التَّسللُ للفرار ولتعظيم ما في الذهابِ بغير إذنه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ من الجنايةِ وللتَّنبيهِ على ذلك عقب بقوله تعالى : إِنَّ الذين يَسْتَأذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ  فقَضَى بأنَّ المستأذنينَ هم المؤمنون بالله ورسولِه كما حكم في الأول بأنَّ الكاملينَ في الإيمان هم الجامعونَ بين الإيمانِ بهما وبين الاستئذانِ وفي أولئك من تفخيم شأنِ المستأذنينَ ما لا يخفى  فَإِذَا استأذنوك  بيانٌ لما هو وظيفتُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في هذا البابِ إثرَ بيانِ ما هو وظيفةُ المؤمنينَ وأن الإذن عند الاستئذانِ ليس بأمرٍ محتومٍ بل هو مفوَّض إلى رأيِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي بعد ما تحقَّق أنَّ الكاملين في الإيمان هم المستأذنُون فإذا استأذنوك  لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ  أي لبعضِ أمرِهم المهم وخَطبهم المُلِّمِ  فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ  لما علمتَ في ذلك من حكمةٍ ومصلحةٍ  واستغفر لَهُمُ الله  فإنَّ الاستئذانَ وإنْ كان لعذرٍ قويَ لا يخلُو عن شائبةِ تقديمِ أمرِ الدُّنيا على أمرِ الآخرةِ  إنَّ الله غَفُورٌ  مبالغ في مغفرةِ فرطاتِ العبادِ  رَّحِيمٌ  مبالغ في إفاضةِ آثار الرَّحمةِ عليهم. والجملةُ تعليلٌ للمغفرة الموعودةِ في ضمن الأمرِ بالاستغفار لهم.

### الآية 24:63

> ﻿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [24:63]

لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَاء الرسول بَيْنَكُمْ  استئنافٌ مقرر لمضمون ما قبله والالتفاتُ لإبراز مزيدِ الاعتناءِ بشأنه أي لا تجعلُوا دعوتَه عليه الصلاة والسلام إيَّاكم في الاعتقاد والعملِ بها  كَدُعَاء بَعْضِكُمْ بَعْضاً  أي لا تقيسُوا دعاءَه عليه الصَّلاة والسَّلام إيَّاكُم على دعاء بعضِكم بعضاً في حالٍ من الأحوال وأمرٍ من الأمور التي من جُملتها المساهلةُ فيه والرُّجوعُ عن مجلسه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بغير استئذانٍ فإنَّ ذلكَ من المحرَّماتِ وقيل : لا تجعلُوا دعاءَه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ربَّه كدعاءِ صغيرِكم كبيرَكم يجيبه مرَّةً ويردُّه أُخرى فإنَّ دعاءَه مستجابٌ لا مردَّ له عند الله عزَّ وجلَّ وتقريرُ الجملةِ حينئذٍ لما قبلها أما من حيثُ إنَّ استجابتَه تعالى لدعائِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ممَّا يُوجب امتثالَهم بأوامره عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ومتابعتَهم له في الورود والصُّدورِ أكملَ إيجابٍ وأما من حيثُ إنها موجبةٌ للاحتراز عن التَّعرض لسخطه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ المؤدِّي إلى ما يُوجبُ هلاكَهم من دعائه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ عليهم، وأمَّا ما قيل من أنَّ المعنى لا تجعلُوا نداءَه عليه الصَّلاةُ والسلام كنداءِ بعضِكم بعضاً باسمِه ورفع الصَّوتِ والنِّداءِ من وراء الحجراتِ ولكن بلقبِه المعظَّم مثل : يا رسولَ الله يا نبيَّ الله، مع غايةِ التَّوقيرِ والتَّفخيمِ والتَّواضعِ وخفضِ الصَّوتِ فلا يناسب المقامَ فإن قوله تعالى : قَدْ يَعْلَمُ الله الذين يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ  الخ، وعيدٌ لمخالفي أمرِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فيما ذُكر من قبل فتوسيطُ ما ذكر بينهما ممَّا لا وجهَ له، والتَّسللُ الخروجُ من البين على التَّدريجِ والخفيةِ وقد للتَّحقيق كما أنَّ رُبَّ تجيء للتَّكثير حسبما بُيِّن في مطلع سورةِ الحجرِ أي يعلمُ الله الذين يخرجُون من الجماعة قليلاٌ قليلاً على خُفيةٍ  لِوَاذاً  أي مُلاوذةً بأن يستترَ بعضُهم ببعضٍ حتَّى يخرجَ أو بأن يلوذَ بمن يخرجُ بالإذنِ إراءةً أنَّه من أتباعِه. وقرئ بفتحِ اللاَّمِ وانتصابِه على الحاليةِ من ضمير يتسللون أي مُلاوذين أو على أنَّه مصدرٌ مؤكِّد لفعل مضمرٍ هو الحالُ في الحقيقة أي يلوذُون لِواذاً، والفاء في قوله تعالى : فَلْيَحْذَرِ الذين يخالفون عَنْ أَمْرِهِ  لترتيب الحذرِ أو الأمر به على ما قبلها من علمه تعالى بأحوالهم فإنَّه ممَّا يُوجب الحذرَ البتةَ أي يخالفون أمرَه بترك مقتضاه ويذهبونَ سمتاً خلافَ سمتِه إما لتضمُّنه معنى الإعراضِ أو حملِه على معنى يصدُّون على أمره دُون المؤمنين من خالفَه عن الأمر إذا صدَّ عنه دونه، وحذفُ المفعولِ لما أنَّ المقصودَ بيانُ المُخالِفِ والمُخالَفَ عنه. والضَّميرُ لله تعالى لأنَّه الآمرُ حقيقةً أو للرَّسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لأنَّه المقصودُ بالذِّكر  أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ  أي محنةٌ في الدُّنيا  أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  أي في الآخرةِ وكلمةُ أَوْ لمنع الخلوِّ دون الجمعِ وإعادة الفعلِ صريحاً للاعتناء بالتَّهديد والتَّحذيرِ واستُدلَّ به على أنَّ الأمرَ للإيجاب فإنَّ ترتيب العذابينِ على مخالفته كما يُعرب عنه التَّحذيرُ عن إصابتهما يوجبُ وجوبَ الامتثالِ به حتماً.

### الآية 24:64

> ﻿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [24:64]

أَلا إِنَّ للَّهِ مَا في السماوات والأرض  من الموجوداتِ بأسرِها خَلْقاً ومُلْكاً وتَصرُّفاً وإيجاداً وإعدَاماً بَدْءاً وإعادةً  قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ  أيُّها المُكلَّفون من الأحوالِ والأوضاعِ التي من جُملتها الموافقةُ والمخالفةُ والإخلاصُ والنِّفاقُ  وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ  عطفٌ على ما أنتُم عليه أي يعلمُ يومَ يُرجع المنافقون المخالفون للأمرِ إليه تعالى للجزاءِ والعقابِ وتعليقُ علمِه تعالى بيومِ رجوعِهم لا يرجعهم لزيادةِ تحقيق علمِه تعالى بذلك. وغايةُ تقريرِه لما أنَّ العلمَ بوقت وقوع الشيء مستلزمٌ للعلم بوقوعِه على أبلغِ وجهٍ وآكدِه وفيه إشعارٌ بأنَّ علمَه تعالى لنفسِ رجوعِهم من الظُّهور بحيثُ لا يحتاجُ إلى البيانِ قطعاً. ويجوزُ أن يكونَ الخطابُ أيضاً خاصّاً بالمنافقين على طريقةِ الالتفاتِ. وقرئ يَرجعون مبنيّاً للفاعلِ  فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ  من الأعمال السَّيئةِ التي من جُملتها مخالفةُ الأمر فيرتِّب عليه ما يليقُ به من التَّوبيخ والجزاء، وقد مرَّ وجهُ التَّعبيرِ عن الجزاء بالتنبئة في قوله تعالى : إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ  الآيةَ  والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ  لا يعزبُ عنه مثقالُ ذَرَّةٍ في الأرضِ ولا في السَّماءِ.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/24.md)
- [كل تفاسير سورة النّور
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/24.md)
- [ترجمات سورة النّور
](https://quranpedia.net/translations/24.md)
- [صفحة الكتاب: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم](https://quranpedia.net/book/37.md)
- [المؤلف: أبو السعود](https://quranpedia.net/person/4781.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/24/book/37) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
