---
title: "تفسير سورة النّور - جامع البيان في تأويل آي القرآن - الطبري"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/24/book/4.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/24/book/4"
surah_id: "24"
book_id: "4"
book_name: "جامع البيان في تأويل آي القرآن"
author: "الطبري"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة النّور - جامع البيان في تأويل آي القرآن - الطبري

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/24/book/4)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة النّور - جامع البيان في تأويل آي القرآن - الطبري — https://quranpedia.net/surah/1/24/book/4*.

Tafsir of Surah النّور from "جامع البيان في تأويل آي القرآن" by الطبري.

### الآية 24:1

> سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [24:1]

بسم الله الرحمَن الرحيم

القول في تأويل قوله تعالى :  سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيّنَاتٍ لّعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ . 
قال أبو جعفر : يعني بقوله تعالى ذكره : سُورَةٌ أنْزَلْناها وهذه السورة أنزلناها. وإنما قلنا معنى ذلك كذلك، لأن العرب لا تكاد تبتدئ بالنكرات قبل أخبارها إذا لم تكن جوابا، لأنها توصل كما يوصل **«الذي »**، ثم يخبر عنها بخبر سوى الصلة، فيستقبح الابتداء بها قبل الخبر إذا لم تكن موصولة، إذ كان يصير خبرها إذا ابتدئ بها كالصلة لها، ويصير السامع خبرها كالمتوقع خبرها بعد إذ كان الخبر عنها بعدها كالصلة لها. وإذا ابتدىء بالخبر عنها قبلها، لم يدخل الشك على سامع الكلام في مراد المتكلم. وقد بيّنا فيما مضى قبلُ أن السورة وصف لما ارتفع بشواهده فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. 
وأما قوله : وَفَرَضْناها فإن القرّاء اختلفت في قراءته، فقرأه بعض قرّاء الحجاز والبصرة :******«وَفَرّضْناها »****** ويتأوّلونه : وفصّلناها ونزّلنا فيها فرائض مختلفة. وكذلك كان مجاهد يقرؤه ويتأوّله. 
حدثني أحمد بن يوسف، قال : حدثنا القاسم، قال : حدثنا ابن مهديّ، عن عبد الوارث بن سعيد، عن حميد، عن مجاهد، أنه كان يقرؤها :******«وَفَرّضْناها »****** يعني بالتشديد. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله :******«وَفَرّضْناها »****** قال : الأمر بالحلال، والنهى عن الحرام. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. 
وقد يحتمل ذلك إذا قرىء بالتشديد وجها غير الذي ذكرنا عن مجاهد، وهو أن يوجه إلى أن معناه : وفرضناها عليكم وعلى من بعدكم من الناس إلى قيام الساعة. وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والكوفة والشأم : وَفَرَضْناها بتخفيف الراء، بمعنى : أوجبنا ما فيها من الأحكام عليكم وألزمناكموه وبيّنا ذلك لكم. 
والصواب من القول في ذلك : أنهما قراءتان مشهورتان قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وذلك أن الله قد فصلها، وأنزل فيها ضروبا من الأحكام، وأمر فيها ونهى، وفرض على عباده فيها فرائض، ففيها المعنيان كلاهما : التفريض، والفرض فلذلك قلنا بأية القراءتين قرأ القارىء فمصيب الصواب. ذكر من تأوّل ذلك بمعنى الفَرْض والبيان من أهل التأويل :
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله : وَفَرَضْناها يقول : بيناها. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : سُورَةٌ أنْزَلْناها وَفَرَضْناها قال : فرضناها لهذا الذي يتلوها مما فرض فيها. وقرأ فيها : آياتٍ بَيّناتٍ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ. 
وقوله : وأنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيّناتٍ يقول تعالى ذكره : وأنزلنا في هذه السورة علامات ودلالات على الحقّ بينات، يعني واضحات لمن تأملها وفكر فيها بعقل أنها من عند الله، فإنها الحقّ المبين، وإنها تهدي إلى الصراط المستقيم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُريج : وأنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيّناتٍ قال : الحلال والحرام والحدود. لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ يقول : لتتذكروا بهذه الآيات البينات التي أنزلناها.

### الآية 24:2

> ﻿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [24:2]

القول في تأويل قوله تعالى :  الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُواْ كُلّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخر وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مّنَ الْمُؤْمِنِينَ . 
يقول تعالى ذكره : من زنى من الرجال أو زنت من النساء، وهو حُرّ بِكرٌ غير مُحْصَن بزوج، فاجلدوه ضربا مئة جلة عقوبة لِما صنع وأتى من معصية الله. وَلا تَأْخُذُكُمْ بِهِما رأفَةٌ فِي دِينَ اللّهِ يقول تعالى ذكره : لا تأخذكم بالزاني والزانية أيها المؤمنون رأفة، وهي رقة الرحمة في دين الله، يعني في طاعة الله فيما أمركم به من إقامة الحدّ عليهما على ما ألزمكم به. 
واختلف أهل التأويل في المنهيّ عنه المؤمنون من أخذ الرأفة بهما، فقال بعضهم : هو ترك إقامة حدّ الله عليهما، فأما إذا أقيم عليهما الحدّ فلم تأخذهم بهما رأفة في دين الله. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو هشام، قال : حدثنا يحيى بن أبي زائدة، عن نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، قال : جَلَد ابن عمر جارية له أحدثت، فجلد رجليها قال نافع : وحسبت أنه قال : وظهرها فقلت : وَلا تَأْخَذْكُمْ بِهما رأفَةٌ فِي دِينِ اللّهِ فقال : وأخذتني بها رأفة، إن الله لم يأمرني أن أقتلها. 
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن عُلَية، عن ابن جُرَيج، قال : سمعت عبد الله بن أبي مليكة يقول : ثني عبيد الله بن عبد الله بن عمر، أن عبد الله بن عمر حدّ جارية له، فقال للجالد، وأشار إلى رجلها وإلى أسفلها، قلت : فأين قول الله : وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رأفَةٌ فِي دِينِ اللّهِ قال : أفأقتلها ؟. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رأفَةٌ فِي دِينِ اللّهِ فقال : أن تقيم الحدّ. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، ابن جُرَيج : وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رأفَةٌ فِي دِينِ اللّهِ قال : لا تضيعوا حدود الله. 
قال ابن جُرَيج : وقال مجاهد : لا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رأفَةٌ : لا تضيعوا الحدود في أن تقيموها. وقالها عطاء بن أبي رباح. 
حدثنا أبو هشام، قال : حدثنا عبد الملك وحجاج، عن عطاء : وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رأفَةٌ فِي دِينِ اللّهِ قال : يقام حدّ الله ولا يعطل، وليس بالقتل. 
حدثنا ابن المثّنى، قال : ثني محمد بن فضيل، عن داود، عن سعيد بن جبير، قال : الجلد. 
حدثني عبيد بن إسماعيل الهَبّاريّ، قال : حدثنا محمد بن فضيل، عن المغيرة، عن إبراهيم، في قوله : وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رأفَةٌ في دينِ الله قال : الضرب. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا المعتمر، قال : سمعت عمران، قال : قلت لأبي مجلز : الزّانِيَةُ وَالزّاني فاجْلِدُوا كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُما. . . إلى قوله : واليَوْمِ الاَخرِ إنا لنرحمهم أن يجلد الرجل حدّا، أو تقطع يده. قال : إنما ذاك أنه ليس للسلطان إذا رفعوا إليه أن يدعهم رحمة لهم حتى يقيم الحدّ. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوريّ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رأفَةٌ في دِينِ اللّهِ قال لا تقام الحدود. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رأفَةُ فتدعوهما من حدود الله التي أمر بها وافترضها عليهما. 
قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرنا ابن لَهِيعة، عن خالد بن أبي عمران، أنه سأل سليمان بن يسار، عن قول الله : وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رأفَةٌ فِي دِينِ الله أي في الحدود أو في العقوبة ؟ قال : ذلك فيهما جميعا. 
حدثنا عمرو بن عبد الحميد الأملي، قال : حدثنا يحيى بن زكريا، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء في قوله : وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رأفَةٌ في دِينِ اللّهِ قال : أن يقام حدّ الله ولا يعطّل، وليس بالقتل. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن عطاء، عن عامر في قوله : وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رأفَةٌ في دين الله قال : الضرب الشديد. 
وقال آخرون : بل معنى ذلك : وَلا تَأْخُذْكُمْ بهما رأفَةٌ فتُخَفّفوا الضرب عنهما، ولكن أو أوجعوهما ضربا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا يحيى بن أبي بكر، قال : حدثنا أبو جعفر، عن قَتادة، عن الحسن وسعيد ابن المسيب : وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهما رأفَةٌ فِي دِينِ اللّهِ قال : الجلد الشديد. 
قال : حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن حماد، قال : يُحَدّ القاذف والشارب وعليهما ثيابهما. وأما الزاني فتخلع ثيابه. وتلا هذه الآية : وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رأفَةٌ فِي دِينِ اللّهِ فقلت لحماد : أهذا في الحكم ؟ قال : في الحكم والجلد. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن الزهريّ، قال : يجتهد في حدّ الزاني والفرية، ويخفف في حدّ الشرب. وقال قَتادة : يخفف في الشراب، ويجتهد في الزاني. 
وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال : معنى ذلك : ولا تأخذكم بهما رأفة في إقامة حدّ الله عليهما الذي افترض عليكم إقامته عليهما. 
وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالصواب، لدلالة قول الله بعده :**«في دين الله »**، يعني في طاعة الله التي أمركم بها. ومعلوم أن دين الله الذي أمر به في الزانيين : إقامة الحدّ عليهما، على ما أمر من جلد كل واحد منهما مئة جلدة، مع أن الشدّة في الضرب لا حدّ لها يوقف عليه، وكلّ ضرب أوجع فهو شديد، وليس للذي يوجع في الشدّة حدّ لا زيادة فيه فيؤمر به وغير جائز وصفه جلّ ثناؤه بأنه أمر بما لا سبيل للمأمور به إلى معرفته. وإذا كان ذلك كذلك، فالذي للمأمورين إلى معرفته السبيل هو عدد الجَلد على ما أمر به، وذلك هو إقامة الحد على ما قلنا. وللعرب في الرأفة لغتان : الرأفة بتسكين الهمزة، والرآفة بمدّها، كالسأمة والسآمة، والكآبة والكآبة. وكأنّ الرأفة المرّة الواحدة، والرآفة المصدر، كما قيل : ضَؤُل ضآلة مثل فَعُل فعالة، وقَبُح قباحة. 
وقوله : إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ باللّهِ وَالْيَوْمِ الآخر يقول : إن كنتم تصدّقون بالله ر بكم وباليوم الاَخر، وأنكم فيه مبعوثون لحشر القيامة وللثواب والعقاب، فإن من كان بذلك مصدّقا فإنه لا يخالف الله في أمره ونهيه خوف عقابه على معاصيه. وقوله : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ يقول تعالى ذكره : وليحضر جلد الزانيين البِكْرَين وحدّهما إذا أقيم عليهما طائفةٌ من المؤمنين. والعرب تسمي الواحد فما زاد. طائفة. مِنَ المُؤُمِنينَ يقول : من أهل الإيمان بالله ورسوله. 
وقد اختلف أهل التأويل في مبلغ عدد الطائفة الذي أمر الله بشهود عذاب الزانيين البِكْرين، فقال بعضهم : أقله واحد. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : الطائفة : رجل. 
حدثنا عليّ بن سهل بن موسى بن إسحاق الكنانيّ وابن القوّاس، قالا : حدثنا يحيى بن عيسى، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُما طائِقَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ قال : الطائفة رجل. قال عليّ : فما فوق ذلك وقال ابن القوّاس : فأكثر من ذلك. 
حدثنا عليّ، قال : حدثنا زيد، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : الطائفة : رجل. 
حدثنا يعقوب، قال : حدثنا ابن عُلَية، قال : قال ابن أبي نجيح : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ قال مجاهد : أقله رجل. 
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا أبو بشر، عن مجاهد، في قوله : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ قال : الطائفة : الواحد إلى الألف. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد في هذه الآية : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُما طائِفَةٌ مِن المُؤْمِنينَ قال : الطائفة واحد إلى الألف وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمنِينَ اقْتَتَلُوا فأَصْلِحُوا بَيْنَهُما. 
حدثنا ابن المثنى، قال : ثني وهب بن جرير، قال : حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد، قال : الطائفة : الرجل الواحد إلى الألف، قال : وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما : إنما كانا رجلين. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : سمعت عيسى بن يونس، يقول : حدثنا النعمان بن ثابت، عن حماد وإبراهيم قالا : الطائفة : رجل. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوريّ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ قال : الطائفة : رجل واحد فما فوقه. 
وقال آخرون : أقله في في هذا الموضع رجلان. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن عُلَية، قال : حدثنا ابن أبي نجيح، في قوله : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ قال : قال عطاء : أقله رجلان. 
حدثني القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : أخبرني عمر بن عطاء عن عكرمة قال : ليحضر رجلان فصاعدا. 
وقال آخرون : أقلّ ذلك ثلاثة فصاعدا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا عيسى بن يونس، عن ابن أبي ذئب، عن الزهريّ، قال : الطائفة : الثلاثة فصاعدا. 
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قَتادة، في قوله : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ قال : نفر من المسلمين. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة، مثله. 
حدثني أبو السائب، قال : حدثنا حفص بن غياث، قال : حدثنا أشعث، عن أبيه، قال : أتيت أبا بَرْزة الأسلميّ في حاجة وقد أخرج جارية إلى باب الدار وقد زنت، فدعا رجلاً فقال : اضربها خمسين فدعا جماعة، ثم قرأ : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ. 
حدثنا أبو هشام الرفاعيّ، قال : حدثنا يحيى، عن أشعث، عن أبيه، أن أبا بَرْزة أمر ابنه أن يضرب جارية له ولدت من الزنا ضربا غير مبرّح، قال : فألقى عليها ثوبا وعنده قوم، وقرأ : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُما الآية. 
وقال آخرون : بل أقلّ ذلك أربعة. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ قال : فقال : الطائفة التي يجب بها الحدّ أربعة. 
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : أقلّ ما ينبغي حضور ذلك من عدد المسلمين : الواحد فصاعدا وذلك أن الله عمّ بقوله : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُما طائِفَةٌ والطائفة : قد تقع عند العرب على الواحد فصاعدا.

### الآية 24:3

> ﻿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [24:3]

القول في تأويل قوله تعالى : الزّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ . 
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم : نزلت هذه الآية في بعض من استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في نكاح نسوة كنّ معروفات بالزنا من أهل الشرك، وكنّ أصحاب رايات، يُكْرِين أنفسهنّ، فأنزل الله تحريمهنّ على المؤمنين، فقال : الزاني من المؤمنين لا يتزوّج إلاّ زانية أو مشركة، لأنهنّ كذلك والزانية من أولئك البغايا لا ينكحها إلاّ زان من المؤمنين أو المشركين أو مشرك مثلها، لأنهنّ كنّ مشركات. وَحُرّمَ ذلكَ عَلى المُؤْمِنِينَ فحرّم الله نكاحهنّ في قول أهل هذه المقالة بهذه الآية. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا المعتمر، عن أبيه، قال : ثني الحضرميّ، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عمرو : أن رجلاً من المسلمين استأذن نبيّ الله في امرأة يقال لها أمّ مهزول، كانت تسافح الرجل وتشترط له أن تنفق عليه، وأنه استأذن فيها نبيّ الله صلى الله عليه وسلم وذكر له أمرها، قال : فقرأ نبيّ الله صلى الله عليه وسلم : الزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلاّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ أو قال : فأنزلت الزانية. . . . 
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : ثني هُشَيم، عن التيميّ، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عمرو في قوله : الزّاني لا يَنْكِحُ إلاّ زَانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً، وَالزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلاّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ قال : كنّ نساء معلومات، قال : فكان الرجل من فقراء المسلمين يتزوّج المرأة منهنّ لتنفق عليه، فنهاهم الله عن ذلك. 
قال : أخبرنا سليمان التيمي، عن سعيد بن المسيب، قال : كنّ نساء موارد بالمدينة. 
حدثنا أحمد بن المِقدام، قال : حدثنا المعتمر، قال : سمعت أبي، قال : حدثنا قَتادة، عن سعيد بن المسيب في هذه الآية : وَالزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلاّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ قال : نزلت في نساء موارد كنّ بالمدينة. 
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا عمرو بن عاصم الكلابيّ، قال : حدثنا معتمر، عن أبيه، عن قَتادة، عن سعيد، بنحوه. 
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا داود، عن رجل، عن عمرو بن شعيب، قال : كان لمرثَد صديقة في الجاهلية يقال لها عِناق، وكان رجلاً شديدا، وكان يقال له دُلْدُل، وكان يأتي مكة فيحمل ضَعَفة المسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقي صديقته، فدعته إلى نفسها، فقال : إن الله قد حرّم الزنا فقالت : أنّى تَبْرُز فخشي أن تشيع عليه، فرجع إلى المدينة، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله كانت لي صديقة في الجاهلية، فهل ترى لي نكاحها ؟ قال : فأنزل الله : الزّاني لا يَنْكِحُ إلاّ زَانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً وَالزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلاّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ قال : كنّ نساء معلومات يُدْعَوْن القليقيات. 
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن إبراهيم بن مهاجر، قال : سمعت مجاهدا يقول في هذه الآية : الزّاني لا يَنْكِحُ إلاّ زَانِيَةً أوْ مُشَرِكَةً قال : كنّ بغايا في الجاهلية. 
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، عن عبد الملك، عمن أخبره، عن مجاهد، نحوا من حديث ابن المثنى، إلاّ أنه قال : كانت امرأَة منهنّ يقال لها : أمّ مهزول يعني في قوله : الزّانِي لا ينْكِحُ إلاّ زَانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً قال : فكنّ نساء معلومات، قال : فكان الرجل من فقراء المسلمين يتزوّج المرأة منهنّ لتنفق عليه، فنهاهم الله عن ذلك. هذا من حديث التيميّ. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله : الزّاني لا يَنْكحُ إلاّ زَانيَةً قال : رجال كانوا يريدون الزنا بنساء زوان بغايا متعالمَات كنّ في الجاهلية، فقيل لهم هذا حرام، فأرادوا نكاحهن، فحرم الله عليهم نكاحهن. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، بنحوه، إلاّ أنه قال : بغايا مُعْلِنات كنّ كذلك في الجاهلية. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه وإسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبيّ وابن أبي ذئب، عن شعبة، عن ابن عباس، قال : كنّ بغايا في الجاهلية، على أبوابهنّ رايات مثل رايات البيطار يعرفن بها. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن قيس بن سعد، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال : نساء بغايا متعالمَات، حرّم الله نكاحهنّ، لا ينكحهنّ إلاّ زان من المؤمنين أو مشرك من المشركين. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : الزّانِي لا يَنْكحُ إلاّ زَانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً وَالزّانيَةُ لا يَنْكِحُها إلاّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ وحُرّمَ ذلكَ عَلى المُؤْمِنينَ قال : كانت بيوتٌ تسمى المواخير في الجاهلية، وكانوا يؤاجرون فيها فتياتهنّ، وكانت بيوتا معلومة للزنا، لا يدخل عليهنّ ولا يأتيهنّ إلاّ زان من أهل القبلة أو مشرك من أهل الأوثان، فحرّم الله ذلك على المؤمنين. 
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن ابن جُرَيج، عن عطاء، في قوله : الزّانِي لا يَنْكِحُ إلاّ زَانيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلاّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ قال : بغايا متعالمَات كنّ في الجاهلية بغيّ آل فلان وبغيّ آل فلان، فأنزل الله : الزّانِي لا يَنْكِحُ إلاّ زَانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانيَةُ لا يَنْكِحُها إلاّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ وَحُرّمَ ذلكَ عَلى المُؤْمِنِينَ فحكم الله بذلك من أمر الجاهلية على الإسلام. فقال له سليمان بن موسى : أبلغك ذلك عن ابن عباس ؟ فقال : نعم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : سمعت عطاء بن أبي رباح يقول في ذلك : كنّ بغايا متعالمَات بغيّ آل فلان وبغيّ آل فلان، وكنّ زواني مشركات، فقال : الزّانِي لا يَنْكِحُ إلاّ زَانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلاّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ وَحُرّمَ ذلكَ عَلى المُؤْمِنِينَ قال : أَحَكَم الله من أمر الجاهلية بهذا. قيل له : أبلغك هذا عن ابن عباس ؟ قال : نعم. 
قال ابن جريج : وقال عكرِمة : إنه كان يسمّي تسعا بعد صواحب الرايات، وكنّ أكثر من ذلك، ولكن هؤلاء أصحاب الرايات : أمّ مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزوميّ، وأمّ عُلَيط جارية صفوان بن أمية، وحنّة القبطية جارية العاصي بن وائل، ومَرِيّة جارية مالك بن عميلة بن السباق بن عبد الدار، وحلالة جارية سهيل بن عمرو، وأمّ سويد جارية عمرو بن عثمان المخزومي، وسريفة جارية زمعة بن الأسود، وفرسة جارية هشام بن ربيعة بن حبيب بن حذيفة بن جبل بن مالك بن عامر بن لؤُيّ، وقريبا جارية هلال بن أنس بن جابر بن نمر بن غالب بن فهر. 
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وقال الزهري وقتادة، قالوا : كان في الجاهلية بغايا معلوم ذلك منهنّ، فأراد ناس من المسلمين نكاحهنّ، فأنزل الله : الزّانِي لا يَنْكِحُ إلاّ زَانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً وَالزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلاّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ. . . الآية. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن ابن نجيح، عن مجاهد، وقاله الزهريّ وقتادة، قالوا : كانوا في الجاهلية بغايا، ثم ذكر نحوه. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن القاسم بن أبي بَزّة : كان الرجل ينكح الزانية في الجاهلية التي قد علم ذلك منها يتخذها مَأْكلة، فأراد ناس من المسلمين نكاحهنّ على تلك الجهة، فُنهوا عن ذلك. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، قال : قال القاسم بن أبي بزّة، فذكر نحوه. 
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا سليمان التيميّ، عن سعيد بن المسيب، قال : كنّ نساء مَواردَ بالمدينة. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جُبير : أن نساء في الجاهلية كنّ يُؤاجرن أنفسهنّ، وكان الرجل إنما ينكح إحداهنّ يريد أن يصيب منها عَرَضا، فنهوا عن ذلك، ونزل : الزّانِي لا يَنْكِحُ إلاّ زَانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلاّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ ومنهنّ امرأة يقال لها أمّ مهزول. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا جابر بن نوح، عن إسماعيل، عن الشعبيّ، في قوله : الزّانِي لا يَنْكِح إلاّ زَانيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانيَةُ لا يَنْكِحُها إلاّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ قال : كنّ نساء يُكْرِين أنفسهنّ في الجاهلية. 
وقال آخرون : معنى ذلك : الزاني لا يزنى إلاّ بزانية أو مشركة، والزانية لا يزنى بها إلاّ زان أو مشرك. قالوا : ومعنى النكاح في هذا الموضع : الجماع. ذكر من قال ذلك :
حدثنا هناد، قال : حدثنا أبو الأحوص، عن حُصَين، عن عكرِمة، عن ابن عباس، في قول الله : الزّانِي لا يَنْكِحُ إلاّ زَانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً قال : لا يزنى إلاّ بزانية أو مشركة. 
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن يَعْلَى بن مسلم، عن سعيد بن جُبير أنه قال في هذه الآية : وَالزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلاّ زانٍ أوْ مُشْرِكٌ قال : لا يزنى الزاني إلاّ بزانية مثله أو مشركة. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن ابن شُبْرُمة، عن سعيد بن جُبير وعكرمة في قوله : الزّانِي لا يَنْكِحُ إلاّ زَانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً قالا : هو الوطء. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد، عن معمر، قال : قال سعيد بن جُبير ومجاهد : الزّانِي لا يَنْكِحُ إلاّ زَانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً قالا : هو الوطء. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك بن مزاحم وشعبة، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جُبير، قوله : الزّاني لا يَنْكِحُ إلاّ زَانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانيَةُ لا يَنْكِحُها إلاّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ قالا : لا يزني الزاني حين يزني إلاّ بزانية مثله أو مشركة، ولا تزني مشركة إلاّ بمثلها. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قول الله : الزّاني لا يَنْكِحُ إلاّ زَانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلاّ زَانٍ أوْ مُشْرِكٌ قال : هؤلاء بغايا كنّ في الجاهلية، والنكاح في كتاب الله الإصابة، لا يصيبها إلاّ زان أو مشرك، لا يحرم الزنا، ولا تصيب هي إلاّ مثلها. قال : وكان

### الآية 24:4

> ﻿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [24:4]

القول في تأويل قوله تعالى : وَالّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلََئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ . 
يقول تعالى ذكره : والذين يَشْتُمون العفائف من حرائر المسلمين، فيرمونهنّ بالزنا، ثم لم يأتوا على ما رمَوْهن به من ذلك بأربعة شهداء عُدول يشهدون عليهنّ أنهنّ رأوهنّ يفعلن ذلك، فاجلدوا الذين رمَوْهنّ بذلك ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا، وأولئك هم الذين خالفوا أمر الله وخرجوا من طاعته ففسقوا عنها. 
وذُكر أن هذه الآية إنما نزلت في الذين رموا عائشة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم بما رموها به من الإفك. ذكر من قال ذلك :
حدثني أبو السائب وإبراهيم بن سعيد، قالا : حدثنا ابن فضيل، عن خَصِيف، قال : قلت لسعيد بن جُبير : الزنا أشدّ، أو قذف المحصنة ؟ قال : لا، بل الزنا. قلت : إن الله يقول : والّذِين يَرْمُونَ المُحْصَناتِ قال : إنما هذا في حديث عائشة خاصة. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : الّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمّ لَمْ يَأْتُوا بأرْبَعَةِ شُهَدَاءَ. . . الآية في نساء المسلمين. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وأُولَئكَ هُمُ الفاسقونَ قال : الكاذبون.

### الآية 24:5

> ﻿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [24:5]

القول في تأويل قوله تعالى : إِلاّ الّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ . 
اختلف أهل التأويل في الذي استثني منه قوله : إلاّ الّذِينَ تابُوا منْ بَعْدِ ذَلكَ وأصْلَحُوا فقال بعضهم : استثني من قوله : وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أبَدا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ وقالوا : إذا تاب القاذف قُبلت شهادته وزال عنه اسم الفسق، حُدّ فيه أو لم يحدّ. ذكر من قال ذلك :
حدثني أحمد بن حماد الدّولابيّ، قال : ثني سفيان، عن الزهري، عن سعيد إن شاء الله، أن عمر قال لأبي بكرة : إن تبت قبلت شهادتك، أو رَدّيْت شهادتك. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب : أن عمر بن الخطاب ضرب أبا بكرة وشبلَ بن معبد ونافع بن الحارث بن كَلَدة حَدّهم. وقال لهم : من أكذب نفسه أجزت شهادته فيما استقبل، ومن لم يفعل لم أجز شهادته. فأكذب شبلٌ نفسَه ونافع، وأبى أبو بكرة أن يفعل. قال الزهريّ : هو والله سُنّة فاحفظوه. 
حدثنا ابن أبي الشوارب، قال : حدثنا يزيد بن زُرَيع، قال : حدثنا داود، عن الشعبيّ، قال : إذا تاب يعني القاذف ولم يعلم منه إلاّ خير، جازت شهادته. 
حدثنا عمران بن موسى، قال : حدثنا عبد الوارث، قال : حدثنا داود، عن الشعبي، قال : على الإمام أن يستتيب القاذف بعد الجَلْد، فإن تاب وأونس منه خير جازت شهادته، وإن لم يتب فهو خليع لا تجوز شهادته. 
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا عبد الوارث، قال : حدثنا داود، عن عامر، أنه قال في القاذف : إذا تاب وعلم منه خير إن شهادته جائزة، وإن لم يتب فهو خليع لا تجوز شهادته، وتوبته إكذابه نفسه. 
قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن داود، عن الشعبيّ، نحوه. 
حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا : حدثنا ابن إدريس، قال : أخبرنا داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، قال في القاذف : إذا تاب وأكذب نفسه قُبلت شهادته، وإلا كان خليعا لا شهادة له لأن الله يقول : لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بأرْبَعَةِ شُهَدَاءَ. . . إلى آخر الآية. 
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا داود بن أبي هند، عن الشعبيّ أنه كان يقول في شهادة القاذف : إذا رجع عن قوله حين يُضرب، أو أكذب نفسه، قُبلت شهادته. 
قال : حدثنا هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي أنه كان يقول : يقبل الله توبته، وتردّون شهادته ؟ وكان يقبل شهادته إذا تاب. 
قال : أخبرنا إسماعيل عن الشعبيّ أنه كان يقول في القاذف : إذا شهد قبل أن يُضرب الحدّ، قُبلت شهادته. 
قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا عبيدة عن إبراهيم، وإسماعيل بن سالم عن الشعبي، أنهما قالا في القاذف : إذا شهد قبل أن يُجلد فشهادته جائزة. 
حدثني يعقوب، قال : قال أبو بشر، يعني ابن عُلَية، سمعت ابن أبي نجيح يقول : القاذف إذا تاب تجوز شهادته. وقال : كنا نقوله. فقيل له : من ؟ قال : قال عطاء وطاوس ومجاهد. 
حدثنا ابن بشار، وابن المثنى، قالا : حدثنا محمد بن خالد بن عَثْمة، قال : حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن عمر بن طلحة، عن عبد الله، قال : إذا تاب القاذف جلد وجازت شهادته. قال أبو موسى : هكذا قال ابن أبي عَثْمة. 
حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا : حدثنا ابن أبي عَثْمة، قال : حدثنا سعيد بن بشير، عن قَتادة، عن سليمان بن يسار والشعبي قالا : إذا تاب القاذف عند الجلد جازت شهادته. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة : أن عمر بن عبد الله بن أبي طلحة جلد رجلاً في قذف، فقال : أَكْذِبْ نفسك حتى تجوز شهادتك
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن أبي الهيثم، قال : سمعت إبراهيم والشعبيّ يتذاكران شهادة القاذف، فقال الشعبيّ لإبراهيم : لِم لا تقبل شهادته ؟ فقال : لأني لا أدري تاب أم لا. 
قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا عبد الله بن المبارك، عن مجالد، عن الشعبيّ، عن مسروق، قال : تُقبل شهادته إذا تاب. 
قال : حدثنا عبد الله بن المبارك، عن يعقوب بن القعقاع، عن محمد بن زيد، عن سعيد بن جبير، مثله. 
قال : حدثنا عبد الله بن المبارك، عن ابن جُرَيج، عن عمران بن موسى، قال : شهدت عمر بن عبد العزيز أجاز شهادة القاذف ومعه رجل. 
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن الحكم، قال : قال الشعبيّ : إذا تاب جازت شهادته، قال ابن المثنى. قال : عندي، يعني في القذف. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : أخبرنا مسعر، عن عمران بن عمير : أن عبد الله بن عتبة كان يجيز شهادة القاذف إذا تاب. 
حدثني يعقوب، قال : ثني هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، قال : إذا تاب وأصلح قُبلت شهادته يعني القاذف. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة، عن ابن المسيب، قال : تقبل شهادة القاذف إذا تاب. 
حدثنا الحسن، قال : حدثنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة، عن ابن المسيب، مثله. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد، عن معمر، قال : قال الزُهريّ : إذا حدّ القاذف، فإنه ينبغي للإمام أن يستتيبه، فإن تاب قُبلت شهادته، وإلاّ لم تقبل. قال : كذلك فعل عمر بن الخطاب بالذين شهدوا على المغيرة بن شعبة، فتابوا إلاّ أبا بكرة، فكان لا تقبل شهادته. 
وقال آخرون : الاستثناء في ذلك من قوله : وَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُون. 
وأما قوله : وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أبَدا فقد وصل بالأبد ولا يجوز قبولها أبدا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن أبي الشوارب، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا أشعث بن سوّار، قال : ثني الشعبيّ، قال : كان شريح يجيز شهادة صاحب كلّ عمل إذا تاب إلاّ القاذف، فإن توبته فيما بينه وبين ربه ولا نجيز شهادته. 
حدثنا حميد بن مسعدة، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا أشعث بن سوار، قال : حدثنا الشعبيّ، عن شُريح بنحوه، غير أنه قال : صاحب كلّ حدّ إذا كان عدلاً يوم شهد. 
حدثني أبو السائب، قال : حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن إبراهيم، عن شريح، قال : كان لا يجيز شهادة القاذف، ويقول : توبته فيما بينه وبين ربه. 
حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا : حدثنا ابن إدريس، عن مُطَرّف، عن أبي عثمان، عن شريح في القاذف : يقبل الله توبته، ولا أقبل شهادته. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : أخبرنا أشعث، عن الشعبيّ، قال : أتاه خصمان، فجاء أحدهما بشاهد أقطع، فقال الخصم : ألا ترى ما به ؟ قال : قد أراه. قال : فسأل القوم، فأثنوا عليه خيرا، فقال شريح : نجيز شهادة كل صاحب حدّ، إذا كان يوم شهد عدلاً إلاّ القاذف، فإن توبته فيما بينه وبين ربه. 
حدثنا أبو السائب، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : أخبرنا أشعث، عن الشعبيّ، قال : جاء خصمان إلى شُرَيح، فجاء أحدهما ببينة، فجاء بشاهد أقطع، فقال الخصم : ألا ترى إلى ما به ؟ فقال شريح : قد رأيناه، وقد سألنا القوم فأثنوا خيرا. ثم ذكر سائر الحديث، نحو حديث أبي كريب. 
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا الشيبانيّ، عن الشعبيّ، عن شريح أنه كان يقول : لا تُقبل له شهادة أبدا، توبته فيما بينه وبين ربه يعني القاذف. 
قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا الأشعث، عن الشعبيّ، بأن ربابا قطع رجلاً في قَطْعِ الطريق، قال : فقطع يده ورجله. قال : ثم تاب وأصلح، فشهد عند شريح، فأجاز شهادته. قال : فقال المشهود عليه : أتجيز شهادته عليّ وهو أقطع ؟ قال : فقال شريح : كل صاحب حدّ إذا أقيم عليه ثم تاب وأصلح، فشهادته جائزة إلاّ القاذف. 
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا أبو الوليد، قال : حدثنا شعبة، قال المغيرة : أخبرني، قال : سمعت إبراهيم يحدّث عن شريح، قال : قضاء من الله لا تقبل شهادته أبدا، توبته فيما بينه وبين ربه. قال أبو موسى : يعني القاذف. 
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، قال : قال شريح : لا يقبل الله شهادته أبدا. 
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا أبو الوليد، قال : حدثنا حماد، عن قَتادة، عن سعيد بن المسيب، قال : لا تجوز شهادة القاذف، توبته فيما بينه وبين الله. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، عن الحسن، أنه قال : القاذف توبته فيما بينه وبين الله، وشهادته لا تُقبل. 
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا أبو الوليد، قال : حدثنا حماد، عن قَتادة، عن سعيد بن المسيب، قال : لا تجوز شهادة القاذف، توبته فيما بينه وبين الله. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، عن الحسن، أنه قال : القاذف توبته فيما بينه وبين الله، وشهادته لا تُقبل. 
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم أنه قال في الرجل يُجْلَد الحدّ، قال : لا تجوز شهادته أبدا. 
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم : أنه كان لا يقبل له شهادة أبدا، وتوبته فيما بينه وبين الله يعني القاذف. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا معتمر بن سليمان، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :**«لا تَجُوزُ شَهادَةُ مَحْدُودٍ فِي الإسْلامِ »**. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن : وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أبَدا قال : كان يقول : لا تقبل شهادة القاذف أبدا، إنما توبته فيما بينه وبين الله. وكان شريح يقول : لا تُقبل شهادته. 
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أبَدا، ثم قال : فَمَنْ تابَ وأصْلَحَ فشهادته في كتاب الله تقبل. 
والصواب من القول في ذلك عندنا : أن الاستثناء من المعنيين جميعا، أعني من قوله : وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أبَدا، ومن قوله : وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ. وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أن ذلك كذلك إذا لم يحدّ في القذف حتى تاب، إما بأن يرفع إلى السلطان بعفو المقذوفة عنه، وإما بأن ماتت قبل المطالبة بحدّها ولم يكن لها طالب يطلب بحدّها. فإذ كان ذلك كذلك وحدثت منه توبة صحت له بها العدالة. 
فإذ كان من الجميع إجماعا، ولم يكن الله تعالى ذكره شرط في كتابه أن لا تقبل شهادته أبدا بعد الحدّ في رميه، بل نهى عن قبول شهادته في الحال التي أوجب عليه فيها الحدّ وسماه فيها فاسقا، كان معلوما بذلك أنّ إقامة الحدّ عليه في رميه، لا تحدث في شهادته مع التوبة من ذنبه، ما لم يكن حادثا فيها قبل إقامته عليه، بل توبته بعد إقامة الحدّ عليه من ذنبه أحرى أن تكون شهادته معها أجوز منها قبل إقامته عليه لأن الحدّ يزيد المحدود عليه تطهيرا من جُرمه الذي استحق

### الآية 24:6

> ﻿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ [24:6]

القول في تأويل قوله تعالى : وَالّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللّهِ إِنّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ \* وَالْخَامِسَةُ أَنّ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ . 
يقول تعالى ذكره : وَالّذِينَ يَرْمُونَ من الرجال أزْوَاجَهُمْ بالفاحشة، فيقذفونهنّ بالزنا، ولَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ يشهدون لهم بصحة ما رموهنّ به من الفاحشة، فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ باللّهِ إنّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ. 
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة :**«أرْبَعَ شَهاداتٍ »** نصبا، ولنصبهم ذلك وجهان : أحدهما : أن تكون الشهادة في قوله : فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ مرفوعة بمضمر قبلها، وتكون ******«الأربع »****** منصوبا بمعنى الشهادة، فيكون تأويل الكلام حينئذٍ : فعلى أحدهم أن يشهد أربعَ شهادات بالله. والوجه الثاني : أن تكون الشهادة مرفوعة بقوله : إنّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ و ******«الأربع »****** منصوبة بوقوع الشهادة عليها، كما يقال : شهادتي ألف مرّة إنك لرجل سَوْء وذلك أن العرب ترفع الأيمان بأجوبتها، فتقول : حَلِفٌ صادق لأقومنّ، وشهادة عمرو ليقعدنّ. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفيين : أرْبَعُ شَهاداتٍ برفع ******«الأربع »******، ويجعلونها للشهادة مرافِعة، وكأنهم وجهوا تأويل الكلام : فالذي يلزم من الشهادة، أربعُ شهادات بالله إنه لمن الصادقين. 
وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأ :**«فشهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعَ شَهاداتٍ باللّهِ إنّهُ لَمنَ الصّادِقِينَ »** بنصب أربع، بوقوع ******«الشهادة »****** عليها، و ******«الشهادة »****** مرفوعة حينئذٍ على ما وصفت من الوجهين قبل وأحبّ وجهيهما إليّ أن تكون به مرفوعة بالجواب، وذلك قوله : إنّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ وذلك أن معنى الكلام : والذين يرمون أزواجهم، ولم يكن لهم شهداء إلاّ أنفسهم، فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، تقوم مقام الشهداء الأربعة في دفع الحدّ عنه. فترك ذكر تقوم مقام الشهداء الأربعة، أكتفاء بمعرفة السامعين بما ذُكِر من الكلام، فصار مُرافِع ******«الشهادة »****** ما وصفت. ويعني بقوله : فَشَهادَةُ أحَدِهمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ باللّهِ : فحلف أحدهم أربع أيمان بالله، من قول القائل : أشهد بالله إنه لمن الصادقين فيما رَمَى زوجته به من الفاحشة، والخامسةمِسَة يقول : والشهادة الخامسة، أن لعنة الله عليه يقول : إن لعنة الله له واجبة وعليه حالّة، إن كان فيما رماها به من الفاحشة من الكاذبين. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك جاءت الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت به جماعة من أهل التأويل. ذكر الرواية بذلك، وذكر السبب الذي فيه أُنزلت هذه الآية : حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن عُلَية، قال : حدثنا أيوب، عن عكرِمة، قال : لما نزلت وَالّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمّ لَمْ يَأْتُوا بأرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً قال سعد بن عبادة : الله إن أنا رأيت لَكَاعِ متفخذَها رجل فقلت بما رأيت إن في ظهري لثمانين إلى ما أجمع أربعة ؟ قد ذهب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«يا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، ألا تَسْمَعونَ إلى ما يَقولُ سَيّدُكُمْ ؟ »**. قالوا : يا رسول الله لا تَلُمْه وذكروا من غَيرته فما تزوّج امرأة قطّ إلا بكرا، ولا طلق امرأة قطّ فرجع فيها أحد منا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«فإنّ اللّهَ يَأبَى إلاّ ذَاكَ »** فقال : لا والله، لا يَجْعَل في ظهري ثمانين أبدا، لقد نظرت حتى أيقنت، ولقد استسمعت حتى استشفيت قال : فأنزل الله القرآن باللّعان، فقيل له : احلف فحلف، قال :**«قِفُوهُ عِنْدَ الخَامِسَةِ، فإنّها مُوجِبَةٌ »**. فقال : لا يُدْخله الله النار بهذا أبدا، كما درأ عنه جلد ثمانين، لقد نظرت حتى أيقنت، ولقد استسمعت حتى استشفيت فحلف ثم قيل : احلفي فحلفت ثم قال :**«وقفوها عِنْدَ الخَامِسَةِ، فإنّها مُوجِبَةٌ »**. فقيل لها : إنها مُوجِبة، فتلكأت ساعة، ثم قالت : لا أُخْزِي قومي، فحلفت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«إنْ جاءَتْ بِهِ كَذَا وكَذَا فَهُوَ لِزَوْجِها، وَإنْ جاءَتْ بِهِ كَذَا وكَذَا فَهُوَ للّذِي قِيلَ فيهِ ما قيلَ »**. قال : فجاءت به غلاما كأنه جمل أورق، فكان بعد أميرا بمصر، لا يُعرف نَسَبُه، أو لا يُدْرَى من أبوه. 
حدثنا خلاد بن أسلم، قال : أخبرنا النضر بن شميل، قال : أخبرنا عباد، قال : سمعت عكرِمة، عن ابن عباس، قال : لما نزلت هذه الآية : وَالّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمّ لَمْ يَأْتُوا بأرْبَعَةِ شُهَدَاء فاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أبَدا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسقُونَ قال سعد بن عبادة : لهكذا أنزلت يا رسول الله ؟ لو أتيت لَكاعِ قد تفخّذها رجل، لم يكن لي أن أهيجه ولا أحرّكه حتى آتيَ بأربعة شهداء ؟ فوالله ما كنت لاَتيَ بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«يا مَعْشَرَ الأنْصَارِ، أما تَسْمَعُونَ إلى ما يَقُولُ سَيّدُكُمْ ؟ »** قالوا : لا تلُمه فإنه رجل غَيُور، ما تزوّج فينا قطّ إلاّ عذراء ولا طلق امرأة له فاجترأ رجل منا أن يتزوّجها قال سعد : يا رسول الله، بأبي وأمي، والله إني لأعرف أنها من الله وأنها حقّ، ولكن عجبت لو وجدت لَكَاعِ قد تفخذها رجل بم يكن لي أن أهيجه ولا أحرّكه حتى آتيَ بأربعة شهداء والله لا آتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته فوالله ما لبثوا إلاّ يسيرا حتى جاء هلالُ بن أمية من حديقة له، فرأى بعينيه، وسمع بأذنيه، فأمسك حتى أصبح. فلما أصبح غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو جالس مع أصحابه، فقال : يا رسول الله إني جئت أهلي عِشاء، فوجدت رجلاً مع أهلي، رأيت بعيني وسمعت بأذني. فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أتاه به وثقل عليه جدّا، حتى عُرف ذلك في وجهه، فقال هلال : والله يا رسول الله إني لأرى الكراهة في وجهك مما أتيتك به، والله يعلم أني صادق، وما قلت إلاّ حقّا، فإني لأرجو أن يجعل الله فرجا. قال : واجتمعت الأنصار، فقالوا : ابتلينا بما قال سعد، أيُجْلَد هلال بن أميّة وتبطلَ شهادته في المسلمين ؟ فهمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بضربه، فإنه لكذلك يريد أن يأمر بضربه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس مع أصحابه، إذ نزل عليه الوحي، فأمسك أصحابه عن كلامه حين عرفوا أن الوحي قد نزل، حتى فرغ، فأنزل الله : وَالّذِينَ يَرْمُونَ أزْوَاجَهُمْ ولَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلاّ أنْفُسُهُمْ. . . إلى : أنّ غَضَبَ اللّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقينَ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«أبْشِرْ يا هِلالُ، فإنّ اللّهَ قَدْ جَعَلَ فَرَجا »** فقال : قد كنت أرجو ذلك من الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«أرْسِلُوا إلَيْها »** فجاءت، فلما اجتمعا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل لها، فكذّبت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«إنّ اللّهَ يَعْلَمُ أنّ أحَدَكما كاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُما تائِبٌ ؟ »** فقال هلال : يا رسول الله، بأبي وأمي لقد صَدَقْتُ وما قلتُ إلاّ حقّا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«لاعِنُوا بَيْنَهُما »** قيل لهلال : يا هلال اشهد فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فقيل له عند الخامسة : يا هلال اتق الله، فإن عذاب الله أشدّ من عذاب الناس، وإنها الموجبة التي توجب عليك العذاب. فقال هلال : والله لا يعذّبني الله عليها كما لم يجلدني عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد الخامسة : أنّ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ ثم قيل لها : اشهدي فشهدت أربعَ شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، فقيل لها عند الخامسة : اتقي الله، فإن عذاب الله أشدّ من عذاب الناس، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب. فتلكّأت ساعة، ثم قالت : والله لا أفضَح قومي، فشهدت الخامسة : أنّ غَضَبَ اللّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ ففرّق بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقضى أن الولد لها، ولا يُدْعَى لأب، ولا يُرْمَى ولدها. 
حدثني أحمد بن محمد الطّوسي، قال : حدثنا أبو أحمد الحسين بن محمد، قال : حدثنا جرير بن حازم، عن أيوب، عن عكرِمة، عن ابن عباس، قال : لمّا قَذف هلال بن أميّة امرأته، قيل له : والله ليجلدنّك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانين جلدة قال : الله أعدل من ذلك أن يضربني ضربة وقد علم أني قد رأيت حتى استيقنت وسمعت حتى استثبتّ، لا والله لا يضربني أبدا فنزلت آية الملاعنة، فدعا بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت الآية، فقال :**«الله يَعْلَمُ أنّ أحَدَكُما كَاذِبٌ، فهَلْ منكما تَائِبٌ ؟ »** فقال هلال : والله إني لصادق. فقال له :**«احْلفْ باللّهِ الّذِي لا إلَهَ إلاّ هُوَ : إنّي لَصَادِقٌ »** يقول ذلك أربع مرّات **«فإن كنتُ كاذبا فعليّ لعنةُ الله »**. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«قِفُوهُ عِنْدَ الخامِسَةِ، فإنّها مُوجِبَةٌ »** فحلف. ثم قالت أربعا : والله الذي لا إله إلاّ هو إنه لمن الكاذبين، فإن كان صادقا فعليها غضب الله. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«قفُوها عنْدَ الخامِسَةِ، فإنّها مُوجِبَةٌ »** فتردّدت وهمّت بالاعتراف، ثم قالت لا أفضَح قومي ». 
حدثنا أبو كريب وأبو هشام الرفاعيّ، قالا : حدثنا عَبْدة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال : كنا ليلة الجمعة في المسجد، فدخل رجل فقال : لو أن رجلاً وجَد مع امرأته رجلاً فقتله قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه فذُكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله آية اللّعان. ثم جاء الرجل بعد، فقذف امرأته، فلاعَنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، فقال :**«عَسَى أنْ تَجيءَ بِهِ أسْوَدَ جَعْدا »**. فجاءت به أسود جَعْدا. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جُبير قال : سألت ابن عمر، فقلت : يا أبا عبد الرحمن، أَيُفَرّق بين المتلاعنين ؟ فقال : نعم، سبحان الله إن أوّل من سأل عن ذلك فلان، أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فسأله، فقال : أرأيت لو أن أحدنا رأى صاحبته على فاحشة، كيف يصنع ؟ فلم يجبه في ذلك شيئا. قال : فأتاه بعد ذلك فقال : إن الذي سألتُ عنه قد ابتليتُ به. فأنزل الله هذه الآية في سورة النور، فدعا الرجلَ فوعظه وذكّره، وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة قال : والذي بعثك بالحقّ، لقد رأيتُ وما كذبت عليها قال : ودعا المرأة فوعظها، وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الاَخرة، فقالت : والذي بعثك بالحقّ إنه لكاذب، وما رأى شيئا قال : فبدأ الرجل، فشهد أربع شهادات بالله : إنه لمن الصادقين، والخا

### الآية 24:7

> ﻿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ [24:7]

فسبيل توبته منه سبيل توبته من سائر أجرامه، فإذا كان الصحيح في ذلك من القول ما وصفنا، فتأويل الكلام: وأولئك هم الفاسقون، إلا الذين تابوا من جُرمهم الذي اجترموه بقذفهم المحصنات من بعد اجترامهموه (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يقول: ساتر على ذنوبهم بعفوه لهم عنها، رحيم بهم بعد التوبة أن يعذّبهم عليها، فأقبلوا شهادتهم ولا تسموهم فسقة، بل سموهم بأسمائهم التي هي لهم في حال توبتهم.
 القول في تأويل قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) 
 يقول تعالى ذكره: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ) من الرجال (أَزْوَاجِهِمْ) بالفاحشة، فيقذفونهنّ بالزنا، (وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ) يشهدون لهم بصحة ما رموهنّ به من الفاحشة، (فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ).
 واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة: "أرْبَعَ شَهاداتٍ" نصبا، ولنصبهم ذلك وجهان: أحدهما: أن تكون الشهادة في قوله: (فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ) مرفوعة بمضمر قبلها، وتكون "الأربع" منصوبا بمعنى الشهادة، فيكون تأويل الكلام حينئذ: فعلى أحدهم أن يشهد أربعَ شهادات بالله. والوجه الثاني: أن تكون الشهادة مرفوعة بقوله: (إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) و"الأربع" منصوبة بوقوع الشهادة عليها، كما يقال: شهادتي ألف مرة إنك لرجل سَوْء، وذلك أن العرب ترفع الأيمان بأجوبتها، فتقول: حلف صادق لأقومنّ، وشهادة عمرو ليقعدنّ. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفيين: (أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ) برفع "الأربع"، ويجعلونها للشهادة مرافعة، وكأنهم وجهوا تأويل الكلام: فالذي يلزم من الشهادة، أربعُ شهادات بالله إنه لمن الصادقين.
 وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأ: "فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين" بنصب أربع، بوقوع "الشهادة" عليها، و "الشهادة" مرفوعة حينئذ على ما وصفت من الوجهين قبل. وأحبّ وجهيهما إليّ أن تكون به مرفوعة بالجواب، وذلك قوله: (إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) وذلك أن معنى الكلام: (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن

الصادقين) تقوم مقام الشهداء الأربعة في دفع الحدّ عنه. فترك ذكر: تقوم مقام الشهداء الأربعة، اكتفاء بمعرفة السامعين بما ذكر من الكلام، فصار مرافع "الشهادة" ما وصفت.
 ويعني بقوله: (فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ) : فحلف أحدهم أربع أيمان بالله، من قول القائل: أشهد بالله إنه لمن الصادقين فيما رمى زوجته به من الفاحشة. (وَالْخَامِسَةُ) يقول: والشهادة الخامسة، (أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ) يقول: إن لعنة الله له واجبة وعليه حالَّة، إن كان فيما رماها به من الفاحشة من الكاذبين.
 وبنحو الذي قلنا في ذلك جاءت الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت به جماعة من أهل التأويل.
 ذكر الرواية بذلك، وذكر السبب الذي فيه أنزلت هذه الآية:
 حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلية، قال: ثنا أيوب، عن عكرمة، قال: لما نزلت (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) قال سعد بن عبادة: الله إن أنا رأيت لَكَاعِ متفخذَها رجل فقلت بما رأيت إن في ظهري لثمانين إلى ما أجمع أربعة قد ذهب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا مَعْشَرَ الأنْصَار، ألا تَسْمَعونَ إلى ما يَقولُ سَيِّدُكُمْ؟ ". قالوا: يا رسول الله لا تَلُمْه، وذكروا من غيرته، فما تزوّج امرأة قط إلا بكرا، ولا طلق امرأة قطّ فرجع فيها أحد منا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فإنَّ الله يَأبَى إلا ذَاكَ" فقال: صدق الله ورسوله. قال: فلم يلبثوا أن جاء ابن عمّ له فرمى امرأته، فشق ذلك على المسلمين، فقال: لا والله، لا يجعل في ظهري ثمانين أبدا، لقد نظرت حتى أيقنت، ولقد استسمعت حتى استشفيت، قال: فأنزل الله القرآن باللعان، فقيل له: احلف! فحلف، قال: قفوه عند الخامسة، فإنها موجبة، فقال: لا يدخله الله النار بهذا أبدا، كما درأ عنه جلد ثمانين، لقد نظرت حتى أيقنت، ولقد استسمعت حتى استشفيت فحلف، ثم قيل: احلفي، فحلفت، ثم قال: قفوها عند الخامسة، فإنها مُوجِبة، فقيل لها: إنها مُوجبة، فتلكأت ساعة، ثم قالت: لا أُخْزي قومي، فحلفت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنْ جاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لِزَوْجها، وإنْ جاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ للَّذِي قِيلَ فِيهِ ما قِيلَ، قال: فجاءت به غلاما كأنه جمل أورق، فكان بعد أميرا بمصر لا يُعرف نسبه، أو لا يُدْرَى من أبوه".

حدثنا خلاد بن أسلم، قال: أخبرنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا عباد، قال: سمعت عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) قال سعد بن عبادة: لهكذا أنزلت يا رسول الله؟ لو أتيتُ لَكَاع قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحرّكه حتى آتي بأربعة شهداء، فوالله ما كنت لآتيَ بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا مَعْشَرَ الأنْصَار أما تَسْمَعونَ إلى ما يَقُول سَيدُكُمْ؟ "قالوا: لا تلمه فإنه رجل غَيُور، ما تزوّج فينا قطّ إلا عذراء ولا طلق امرأة له فاجترأ رجل منا أن يتزوّجها؛ قال سعد: يا رسول الله، بأبي وأمي، والله إني لأعرف أنها من الله، وأنها حقّ، ولكن عجبت لو وجدت لَكَاعِ، قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء، والله لا آتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته، فوالله ما لبثوا إلا يسيرا حتى جاء هلال بن أمية من حديقة له فرأى بعينيه، وسمع بأذنيه، فأمسك حتى أصبح، فلما أصبح غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو جالس مع أصحابه، فقال: يا رسول الله إني جئت أهلي عشاء، فوجدت رجلا مع أهلي، رأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله ﷺ ما أتاه به وثقل عليه جدا، حتى عُرف ذلك في وجهه، فقال هلال: والله يا رسول الله إني لأرى الكراهة في وجهك مما أتيتك به، والله يعلم أني صادق، وما قلت إلا حقا، فإني لأرجو أن يجعل الله فرجا، قال: واجتمعت الأنصار، فقالوا: ابتلينا بما قال سعد، أيجلد هلال بن أميَّة، وتبطل شهادته في المسلمين؟ فهمّ رسول الله ﷺ بضربه، فإنه لكذلك يريد أن يأمر بضربه، ورسول الله ﷺ جالس مع أصحابه، إذ نزل عليه الوحي، فأمسك أصحابه عن كلامه حين عرفوا أن الوحي قد نزل حتى فرغ، فأنزل الله: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ)... إلى: (أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبْشِرْ يا هِلالُ، فإنَّ الله قدْ جَعَل فَرَجا " فقال: قد كنت أرجو ذلك من الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرْسِلُوا إلَيْها! " فجاءت، فلما اجتمعا عند رسول الله ﷺ قيل لها، فكذّبت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اللهَ يَعْلَمُ أنَّ أحَدَكما كاذب، فَهَل مِنْكُما تائب؟ " فقال هلال:

يا رسول الله، بأبي وأمي لقد صدقتُ، وما قلت إلا حقا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاعِنُوا بَيْنَهُما! " قيل لهلال: يا هلال اشهد، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فقيل له عند الخامسة: يا هلال اتق الله، فإن عذاب الله أشدّ من عذاب الناس، إنها الموجبة التي توجب عليك العذاب فقال هلال: والله لا يعذّبني الله عليها، كما لم يجلدني عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشهد الخامسة: (أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) ثم قيل لها: اشهدي، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، فقيل لها عند الخامسة: اتقي الله، فإن عذاب الله أشدّ من عذاب الناس، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فتلكأت ساعة، ثم قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت الخامسة: (أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) ففرّق بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقضى أن الولد لها، ولا يُدعى لأب، ولا يُرْمى ولدها.
 حدثني أحمد بن محمد الطوسي، قال: ثنا أبو أحمد الحسين بن محمد، قال: ثنا جرير بن حازم، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: " لما قذف هلال بن أميَّة امرأته، قيل له: والله ليجلدنك رسول الله ﷺ ثمانين جلدة، قال: الله أعدل من ذلك أن يضربني ضربة وقد علم أني قد رأيت حتى استيقنت، وسمعت حتى استثبتُّ، لا والله لا يضربني أبدا، فنزلت آية الملاعنة، فدعا بهما رسول الله ﷺ حين نزلت الآية، فقال: "الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ فقال هلال: والله إني لصادق. فقال له: "احلف بالله الذي لا إله إلا هو: إني لصادق" يقول ذلك أربعَ مرّات فإن كنتُ كاذبا فعليّ لعنة الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قِفُوه عِنْدَ الخامِسَة، فإنَّها مُوجِبه"، فحلف، ثم قالت أربعا: والله الذي لا اله إلا هو إنه لمن الكاذبين، فإن كان صادقا فعليها غضب الله، وقال رسول الله ﷺ "قِفُوها عِنْدَ الخامِسَة، فإنَّها مُوجِبة"، فتردّدت وهمَّت بالاعتراف، ثم قالت: لا أفضح قومي.
 حدثنا أبو كريب وأبو هشام الرفاعي، قالا ثنا عَبْدة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: كنا ليلة الجمعة في المسجد، فدخل رجل فقال: لو أن رجلا وجَد مع امرأته رجلا فقتله قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، فذُكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله آية اللعان، ثم جاء الرجل بعد، فقذف امرأته، فلاعن

رسول الله ﷺ بينهما، فقال: " عَسَى أنْ تَجِيء بِهِ أسْوَدَ جَعْدًا، فجاءت به أسود جعدا".
 حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير بن عبد الحميد، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جُبير قال: سألت ابن عمر، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أيفرق بين المتلاعنين؟ فقال: نعم، سبحان الله، إن أوّل من سأل عن ذلك فلان، أتى النبيّ ﷺ فسأله، فقال: أرأيت لو أن أحدنا رأى صاحبته على فاحشة، كيف يصنع؟ فلم يجبه في ذلك شيئا، قال: فأتاه بعد ذلك فقال: إن الذي سألت عنه قد ابتليتُ به، فأنزل الله هذه الآية في سورة النور، فدعا الرجل فوعظه وذكَّره، وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، قال: والذي بعثك بالحق، لقد رأيت وما كذبتُ عليها، قال: ودعا المرأة فوعظها، وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقالت: والذي بعثك بالحق إنه لكاذب، وما رأى شيئا؛ قال: فبدأ الرجل، فشهد أربع شهادات بالله: إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين; ثم إن المرأة شهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غَضَبَ الله عليها إن كان من الصادقين وفرق بينهما.
 حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن داود، عن عامر، قال: لما أنزل: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) قال عاصم بن عديّ: إن أنا رأيت فتكلمت جلدت ثمانين، وإن أنا سكت سكت على الغيظ، قال: فكأن ذلك شقّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأنزلت هذه الآية: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ) قال: فما لبثوا إلا جمعة، حتى كان بين رجل من قومه وبين امرأته، فلاعن رسول الله ﷺ بينهما.
 حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ)... الآية، والخامسة: أن يقال له: إن عليك لعنة الله إن كنت من الكاذبين. وإن أقرّت المرأة بقوله رُجمت، وإن أنكرت شهدت أربع شهادات بالله: إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن يقال لها: غضب الله عليك إن كان من الصادقين، فيدرأ عنها العذاب، ويفرق بينهما، فلا يجتمعان أبدا، ويُلحق الولد بأمه.

### الآية 24:8

> ﻿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ [24:8]

القول في تأويل قوله تعالى :  ويدرؤوا عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللّهِ إِنّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ \* وَالْخَامِسَةَ أَنّ غَضَبَ اللّهِ عَلَيْهَآ إِن كَانَ مِنَ الصّادِقِينَ . 
يعني جلّ ذكره بقوله : وَيَدْرَأُ عَنْها العَذَابَ : ويدفع عنها الحدّ. 
واختلف أهل العلم في العذاب الذي عناه الله في هذا الموضع أنه يدرأه عنها شهاداتها الأربع، فقال بعضهم بنحو الذي قلنا في ذلك، من أنّ الحدّ جَلْدُ مئة إن كانت بكرا أو الرجْم إن كانت ثيبا قد أحصنت. 
وقال آخرون : بل ذلك الحبس، وقالوا : الذي يجب عليها إن هي لم تشهد الشهادات الأربع بعد شهادات الزوج الأربع والْتِعَانة : الحبس دون الحدّ. 
وإنما قلنا : الواجب عليها إذا هي امتنعت من الالْتعان بعد الْتعان الزوج الحدّ الذي وصفنا، قياسا على إجماع الجميع على أن الحدّ إذا زال عن الزوج بالشهادات الأربع على تصديقه فيما رماها به، أن الحدّ عليها واجب، فجعل الله أيمانه الأربع والْتعانة في الخامسة مخرجا له من الحدّ الذي يجب لها برميه إياها، كما جعل الشهداء الأربعة مخرجا له منه في ذلك وزائلاً به عنه الحدّ فكذلك الواجب أن يكون بزوال الحدّ عنه بذلك واجبا عليها حدّها كما كان بزواله عنه بالشهود واجبا عليها، لا فرق بين ذلك. وقد استقصينا العلل في ذلك في باب اللعان من كتابنا المسمى **«لطيف القول في شرائع الإسلام »**، فأغني عن إعادته في هذا الموضع. 
وقوله : أنْ تشْهَدَ أرْبَعَ شَهادَاتٍ باللّهِ يقول : ويدفع عنها العذاب أن تحلف بالله أربع أيمان : أن زوجها الذي رماها بما رماها به من الفاحشة، لمن الكاذبين فيما رماها من الزنا.

### الآية 24:9

> ﻿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ [24:9]

وقوله : والخامِسَةُ أنّ غَضَبَ اللّهِ عَلَيْها. . . الآية، يقول : والشهادة الخامسة : أن غضب الله عليها إن كان زوجها فيما رماها به من الزنا من الصادقين. ورفع قوله : والخامِسَةُ في كلتا الآيتين، ب**«أنّ »** التي تليها.

### الآية 24:10

> ﻿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ [24:10]

القول في تأويل قوله تعالى :  وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنّ اللّهَ تَوّابٌ حَكِيمٌ . 
يقول تعالى ذكره : ولولا فضل الله عليكم أيها الناس ورحمته بكم، وأنه عَوّاد على خلقه بلطفه وطَوْله، حكيم في تدبيره إياهم وسياسته لهم لعاجلكم بالعقوبة على معاصيكم وفضَح أهل الذنوب منكم بذنوبهم، ولكنه ستر عليكم ذنوبكم وترك فضيحتكم بها عاجلاً، رحمة منه بكم وتفضلاً عليكم، فاشكروا نعمه وانتهوا عن التقدّم عما عنه نهاكم من معاصيه. وترك الجواب في ذلك، اكتفاء بمعرفة السامع المراد منه.

### الآية 24:11

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ [24:11]

القول في تأويل قوله تعالى :  إِنّ الّذِينَ جَآءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مّنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لّكُمْ لِكُلّ امْرِىءٍ مّنْهُمْ مّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالّذِي تَوَلّىَ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ . 
يقول تعالى ذكره : إن الذين جاءوا بالكذب والبُهتان عُصْبَةٌ مِنْكُمْ يقول : جماعة منكم أيها الناس. لا تَحْسَبُوهُ شَرّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ يقول : لا تظنوا ما جاءوا به من الإفك شرّا لكم عند الله وعند الناس، بل ذلك خير لكم عنده وعند المؤمنين وذلك أن الله يجعل ذلك كَفّارة للمرميّ به، ويُظهر براءته مما رُمي به، ويجعل له منه مخرجا. وقيل : إن الذي عَنَى الله بقوله : إنّ الّذِينَ جاءُوا بالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ : جماعة، منهم حسان بن ثابت، ومِسْطَح بن أُثاثة، وحَمْنه بنت جحش. كما :
حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد، قال : حدثنا أبي، قال : حدثنا أبان العطار، قال : حدثنا هشام بن عروة، عن عروة : أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان : كتبت إليّ تسألني في الذين جاءوا بالإفك، وهم كما قال الله : إنّ الّذِينَ جاءُوا بالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ، وأنه لم يُسَمّ منهم أحد إلا حسان بن ثابت، ومِسْطَح بن أُثاثة، وحَمْنة بنت جَحْش، وهو يقال في آخرين لا علم لي بهم غير أنهم عصبة كما قال الله. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله : جاءُوا بالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ هم أصحاب عائشة. قال ابن جُرَيج : قال ابن عباس : قوله : جاءُوا بالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ. . . الآية، الذين افْتَروا على عائشة : عبد الله بن أُبَيّ، وهو الذي تولى كِبْره، وحسان بن ثابت، ومِسْطَح، وحَمْنة بنت جحش. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : الّذِينَ جاءُوا بالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ الذين قالوا لعائشة الإفك والبهتان. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : إنّ الّذِينَ جاءُوا بالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّا لَكُمْ، بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ قال : الشرّ لكم بالإفك الذي قالوا، الذي تكلّموا به، كان شرّا لهم، وكان فيهم من لم يقله إنما سمعه، فعاتبهم الله، فقال أوّلَ شيء : إنّ الّذِينَ جاءُوا بالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّا لَكُمْ، بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ثم قال : والّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ. 
وقوله : لِكُلّ امْرِىءٍ مِنْهُمْ ما اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ يقول : لكلّ امرئ من الذين جاءوا بالإفك جزاء ما اجترم من الإثم، بمجيئه بما جاء به، من الأولى عبد الله. وقوله : وَالّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ يقول : والذي تحمل معظم ذلك الإثم والإفك منهم هو الذي بدأ بالخوض فيه. كما :
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَالّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ يقول : الذي بدأ بذلك. 
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : عُصْبَةٌ مِنْكُمْ قال : أصحاب عائشة عبد الله بن أبيّ ابن سَلُول، ومِسْطَح، وحَسّان. 
قال أبو جعفر : له من الله عذاب عظيم يوم القيامة. 
وقد اختلفت القرّاء في قراءة قوله : كِبْرَهُ فقرأت ذلك عامة قرّاء الأمصار : كِبْرَهُ بكسر الكاف، سوى حميد الأعرج فإنه كان يقرؤه :**«كُبْرَهُ »** بمعنى : والذي تحمل أكبره. 
وأولى القراءتين في ذلك بالصواب : القراءة التي عليها عوامّ القرّاء، وهي كسر الكاف، لإجماع الحجة من القرّاء عليها، وأن الكِبْر بالكسر : مصدر الكبير من الأمور، وأن الكُبْر بضم الكاف : إنما هو من الولاء والنسب، من قولهم : هو كُبْر قومه والكِبْر في هذا الموضع : هو ما وصفناه من معظم الإثم والإفك. فإذا كان ذلك كذلك، فالكسر في كافة هو الكلام الفصيح دون ضمها، وإن كان لضمها وجه مفهوم. 
وقد اختلف أهل التأويل في المعنىّ بقوله : وَالّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ. . . الآية، فقال بعضهم : هو حسان بن ثابت. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن قزعة، قال : حدثنا مسلمة بن علقمة، قال : حدثنا داود، عن عامر، أن عائشة قالت : ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسان، وما تمثلت به إلا رجوت له الجنة، قوله لأبي سفيان :

هَجَوْتَ مُحَمّدًا فَأجَبْتُ عَنْهُ  وَعِنْدَ اللّهِ فِي ذَاكَ الجَزاءُفإنّ أبي وَوَالِدهُ وَعِرْضِي  لِعِرْضِ مُحَمّدٌ مِنْكُمْ وِقاءُأتَشْتُمُهُ وَلَسْتَ لَهُ بكُفْءٍ  فَشَرّكُما لخَيْرِكُما الفِداءُلِسانِي صَارِمٌ لا عَيْبَ فِيهِ  وبَحْرِي لا تُكَدّرهُ الدّلاءُفقيل : يا أمّ المؤمنين، أليس هذا لغوا ؟ قالت لا، إنما اللّغو ما قيل عند النساء. قيل : أليس الله يقول : وَالّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ قالت : أليس قد أصابه عذاب عظيم ؟ أليس قد ذهب بصره وكُنّع بالسيف ؟. 
قال : حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال : كنت عند عائشة، فدخل حسان بن ثابت، فأمرت، فأُلقي له وسادة فلما خرج قلت لعائشة : ما تصنعين بهذا وقد قال الله ما قال ؟ فقالت : قال الله : وَالّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ وقد ذهب بصره، ولعلّ الله يجعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره. 
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا محمد بن أبي عديّ، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال : دخل حسان بن ثابت على عائشة، فشبّب بأبيات له، فقال :
\*\*\* وَتُصْبِح غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الغَوَافِلِ \*\*\*
فقالت عائشة : أما إنك لست كذلك فقلت : تدعين هذا الرجل يدخل عليك وقد أنزل الله فيه : وَالّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ. . . الآية ؟ فقالت : وأيّ عذاب أشدّ من العمى وقالت : إنه كان يدفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. 
حدثني محمد بن عثمان الواسطي، قال : حدثنا جعفر بن عون، عن المُعَلّى بن عرفان، عن محمد بن عبد الله بن جحش، قال : تفاخرت عائشة وزينب، قال : فقالت زينب : أنا التي نزل تزويجِي من السماء. قال : وقالت عائشة : أنا التي نزل عذري في كتابه حين حملني ابن المعَطّل على الراحلة. فقالت لها زينب : يا عائشة، ما قلت حين ركبتيها ؟ قالت : قلت : حسبي الله ونعم الوكيل قالت قلتِ كلمةَ المؤمنين. 
وقال آخرون : هو عبد الله بن أُبيّ ابن سَلُول. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت : كان الذين تكلموا فيه : المنافق عبد الله بن أُبيّ ابن سَلول، وكان يستوشيه ويجمعه، وهو الذي تولى كِبْره، ومِسْطَحا، وحسان بن ثابت. 
حدثنا سفيان، قال : حدثنا محمد بن بشر، قال : حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن علقمة بن وقّاص وغيره أيضا، قالوا : قالت عائشة : كان الذي تولى كبره الذي يجمعهم في بيته، عبد الله بن أُبيّ ابن سَلُول. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن شهاب، قال : ثني عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عتبة، عن عائشة، قالت : كان الذي تولى كبره : عبد الله بن أُبيّ. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : قال ابن عباس : إنّ الّذِينَ جاءُوا. . . الآية، ، الذين افْتَرَوا على عائشة : عبد الله بن أُبيّ، وهو الذي تولى كِبْره، وحسان، ومِسْطَح، وحَمْنه بنت جحش. 
حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد، قال : حدثنا أبي، قال : حدثنا أبان العطار، قال : حدثنا هشام بن عروة في الذين جاءوا بالإفك : يزعمون أنه كان كِبْرُ ذلك عبدَ الله بن أبيّ ابن سلول، أحد بني عوف بن الخزرج وأخبرت أنه كان يحدّث به عنهم فيقرّه ويسمعه ويستوشيه. 
حدثنا يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : أما الذي تولى كبره منهم، فعبد الله بن أُبيّ ابن سلول الخبيث، هو الذي ابتدأ هذا الكلام، وقال : امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت، ثم جاء يقود بها. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : والذي تولى كِبْره هو عبد الله بن أُبيّ ابن سلول، وهو بدأه. 
وأولى القولين في ذلك بالصواب : قول من قال : الذي تولى كِبْره من عصبة الإفك، كان عبد الله بن أبيّ، وذلك أنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير، أن الذي بدأ بذكر الإفك، وكان يجمع أهله ويحدثهم، عبدُ الله بن أُبيّ ابن سَلُول، وفعله ذلك على ما وصفت كان توليه كِبْر ذلك الأمر. وكان سبب مجيء أهل الإفك، ما :
حدّثنا به ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، ثني عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقّاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن حديث عائشة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله، وكلهم حدثني طائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض، وأثبت اقتصاصا، وقد وعيت عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة، وبعض حديثهم يصدق بعضا :
زعموا أن عائشة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهنّ خرج سهمها خرج بها. قالت عائشة : فأقرع بيننا في غزاة غزاها، فخرج سهمي، فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك بعد ما أَنْزِل الحجاب، وأنا أُحْمَل في هودجي وأنزل فيه. فسرنا، حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوه وقفل إلى المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني، أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، فإذا عِقْدٌ لي من جَزْع ظَفَارِ قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه. وأقبل الرهط الذين كانوا يرْحَلون لي، فاحتملوا هو دجي، فَرَحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه. قالت : وكانت النساء إذ ذاك خِفافا لم يُهَبّلْهُن ولم يَغْشَهن اللحم، إنما يأكلن العُلْقة من الطعام. فلم يستنكر القوم ثقلَ الهودج حين رَحَلُوه ورفعوه، وكنت جارية حديثة السنّ، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عَقْدي بعد ما استمرّ الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب. فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أن القوم سيفقدوني ويرجعون إليّ. فبينا أنا جالسة في منزلي، غلبتني عيني، فنمت حتى أصبحت. وكان صفوان بن المعطّل السّل

### الآية 24:12

> ﻿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُبِينٌ [24:12]

القول في تأويل قوله تعالى :  لّوْلآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُواْ هََذَآ إِفْكٌ مّبِينٌ . 
وهذا عتاب من الله تعالى ذِكْره أهلَ الإيمان به فيما وقع في أنفسهم من إرجافِ من أرْجَفَ في أمر عائشة بما أرجف به. يقول لهم تعالى ذكره : هلا أيها الناس إذ سمعتم ما قال أهل الإفك في عائشة ظنّ المؤمنون منكم والمؤمنات بأنفسهم خيرا يقول : ظننتم بمن قُرِف بذلك منكم خيرا، ولم تظنوا به أنه أتى الفاحشة. وقال **«بأنفسهم »** لأن أهل الإسلام كلهم بمنزلة نفس واحدة، لأنهم أهل ملة واحدة. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن أبيه، عن بعض رجال بني النجار، أن أبا أيوب خالد بن زيد، قالت له امرأته أمّ أيوب : أما تسمع ما يقول الناس في عائشة ؟ قال : بلى، وذلك الكذب، أكنت فاعلة ذلك يا أمّ أيوب ؟ قالت : لا والله ما كنت لأفعله. قال : فعائشة والله خير منك. قال : فلما نزل القرآن، ذكر الله من قال في الفاحشة ما قال من أهل الإفك : إنّ الّذِينَ جاءُوا بالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ وذلك حسان وأصحابه الذين قالوا ما قالوا، ثم قال : لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنّ المُؤْمِنُونَ. . . الآية : أي كما قال أبو أيوب وصاحبته. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنّ المُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِناتُ بأنْفُسِهِمْ خَيْرا ما هذا الخير ؟ ظنّ المؤمن أن المؤمن لم يكن ليفجر بأمه، وأن الأم لم تكن لتفجر بابنها، إن أراد أن يفجر فجر بغير أمه. يقول : إنما كانت عائشة أمّا، والمؤمنون بنون لها، محرّما عليها، وقرأ : لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بأرْبَعَةِ شُهَدَاءَ. . . الآية. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله : ظَنّ المُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِناتُ بأنْفُسِهِمْ خَيْرا قال لهم خيرا، ألا ترى أنه يقول : لا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ يقول : بعضكم بعضا، وسلموا على أنفسكم، قال : يسلم بعضكم على بعض. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا هَوْذة، قال : حدثنا عوف عن الحسن، في قوله : لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنّ المُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِناتُ بأنْفُسِهِمْ خَيْرا يعني بذلك المؤمنين والمؤمنات. 
وقوله : وَقالُوا هَذَا إفْكٌ مُبِينٌ يقول : وقال المؤمنون والمؤمنات : هذا الذي سمعناه من القول الذي رُمِيَ به عائشة من الفاحشة : كذب وإثم، يبين لمن عقل وفكر فيه أنه كذب وإثم وبهتان. كما :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا هوذة، قال : أخبرنا عوف عن الحسن : وَقالُوا هَذَا إفْكٌ مُبِينٌ قالوا : إن هذا لا ينبغي أن يتكلم به إلا من أقام عليه أربعة من الشهود وأقيم عليه حدّ الزنا.

### الآية 24:13

> ﻿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ۚ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَٰئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ [24:13]

القول في تأويل قوله تعالى :  لّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشّهَدَآءِ فَأُوْلََئِكَ عِندَ اللّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ . 
يقول تعالى ذكره : هلا جاء هؤلاء العصبة الذين جاءوا بالإفك، ورمَوا عائشة بالبهتان، بأربعة شهداء يشهدون على مقالتهم فيها وما رَمَوها به فإذا لم يأتوا بالشهداء الأربعة على حقيقة ما رمَوْها به فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللّهِ هُمُ الكاذِبُونَ يقول : فالعُصْبة الذين رَمَوها بذلك عند الله هم الكاذبون فيما جاءوا به من الإفك.

### الآية 24:14

> ﻿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [24:14]

القول في تأويل قوله تعالى :  وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدّنْيَا والآخرة لَمَسّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ . 
يقول تعالى ذكره : وَلَوْلا فَضْلُ اللّهَ عَلَيْكُمْ أيها الخائضون في أمر عائشة، المُشِيعُون فيها الكذب والإثم، بتركه تعجيل عقوبتكم وَرَحْمَتُهِ إياكم، لعفوه عنكم في الدّنْيا والاَخِرَةِ بقبول توبتكم مما كان منكم في ذلك، لَمسّكُمْ فِيما خضتم فيه من أمرها عاجلاً في الدنيا عَذَابٌ عَظِيمٌ. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : وَلَوْلا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ هذا للذين تكلموا فنشروا ذلك الكلام، لَمَسّكُمْ فِيما أفْضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ.

### الآية 24:15

> ﻿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [24:15]

القول في تأويل قوله تعالى :  إِذْ تَلَقّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مّا لّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيّناً وَهُوَ عِندَ اللّهِ عَظِيمٌ . 
يقول تعالى ذكره : لمسّكم فيما أفضتم فيه من شأن عائشة عذاب عظيم، حين تلقّونه بألسنتكم. و**«إذ »** من صلة قوله **«لمسّكم »**. ويعني بقوله : تَلَقّوْنَهُ تتلقون الإفك الذي جاءت به العصبة من أهل الإفك، فتقبلونه، ويرويه بعضكم عن بعض يقال : تلقيّت هذا الكلام عن فلان، بمعنى أخذته منه وقيل ذلك لأن الرجل منهم فيما ذُكر يَلْقى آخر فيقول : أَوَ مَا بلغك كذا وكذا عن عائشة ؟ ليُشِيع عليها بذلك الفاحشة. وذكر أنها في قراءة أُبيّ :**«إذْ تَتَلقّوْنَهُ »** بتاءين، وعليها قَرَأَهُ الأمصار، غير أنهم قرءوها : تَلَقّوْنَهُ بتاء واحدة، لأنها كذلك في مصاحفهم. وقد رُوِي عن عائشة في ذلك، ما :
حدثني به محمد بن عبد الله بن عبد الحكَم، قال : حدثنا خالد بن نزار، عن نافع، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنها كانت تقرأ هذه الآية :**«إذْ تَلِقُوْنَهُ بألْسِنَتِكُمْ »** تقول : إنما هو وَلْق الكذب، وتقول : إنما كانوا يَلِقُون الكذب. قال ابن أبي مليكة : وهي أعلم بما فيها أنزلت. 
قال نافع : وسمعت بعض العرب يقول : اللّيْق : الكذب. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا نافع بن عمر بن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الجَمَحِيّ، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، أنها كانت تقرأ :**«إذْ تَلِقُونَهُ بألْسِنَتُكُمْ »** وهي أعلم بذلك وفيها أنزلت، قال ابن أبي مليكة : هو من وَلْق الكذب. 
قال أبو جعفر : وكأن عائشة وَجّهت معنى ذلك بقراءتها **«تلِقُونَهُ »** بكسر اللام وتخفيف القاف، إلى : إذ تستمرّون في كذبكم عليها وإفككها بألسنتكم، كما يقال : وَلَق فلان في السير فهو يَلِق : إذا استمرّ فيه وكما قال الراجز :

إنّ الجُلَيْدَ زَلِقٌ وَزُمَلِقْ  جاءتْ بِهِ عَنْسٌ مِنَ الشّأَمِ تَلِقْ\*\*\* مجَوّعُ البَطْنِ كِلابِيّ الخُلُقْ \*\*\*
وقد رُوي عن العرب في الوَلْق : الكذب : الأَلْق، والإِلق : بفتح الألف وكسرها، ويقال في فعلت منه : أَلِقْتُ، فأنا أَلِقُ وقال بعضهم :مَنْ لِيَ بالمُزَرّرِ اليَلامِقِ  صاحِبِ أدْهانٍ وألْقٍ آلِقِوالقراءة التي لا أستجيز غيرها : إذْ تَلَقّوْنَهُ على ما ذكرت من قراءة الأمصار، لإجماع الحجة من القرّاء عليها. 
وبنحو الذي قلنا من التأويل في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد : إذْ تَلَقّوْنَهُ بألْسِنَتِكُمْ قال : تَرْوُونه بعضُكم عن بعض. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : إذْ تَلَقّوْنَهُ قال : تَرْوُونه بعضُكم عن بعض. 
قوله : وَتَقُولُونَ بأفْوَاهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ يقول تعالى ذكره : وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم من الأمر الذي تَرْوُونه، فتقولون : سمعنا أن عائشة فعلت كذا وكذا، ولا تعلمون حقيقة ذلك ولا صحته. وَتَحْسَبُونَهُ هَيّنا وتظنون أن قولكم ذلك وروايتك موه بألسنتكم وتلقّيكموه بعضكم عن بعض، هَيّنٌ سهل، لا إثم عليكم فيه ولا حرج. وَهُوَ عِنْدَ اللّهِ عَظِيمٌ يقول : وتلقّيكم ذلك كلك وقولُكموه بأفواهكم، عند الله عظيم من الأمر لأنكم كنتم تؤذون به رسول الله صلى الله عليه وسلم وحليلته.

### الآية 24:16

> ﻿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [24:16]

القول في تأويل قوله تعالى :  وَلَوْلآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مّا يَكُونُ لَنَآ أَن نّتَكَلّمَ بِهََذَا سُبْحَانَكَ هََذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ . 
يقول تعالى ذكره : فَلَوْلا أيها الخائضون في الإفك الذي جاءت به عصبة منكم، إذْ سَمِعْتُمُوهُ ممن جاء به، قلتُمْ ما يحلّ لنا أن نتكلم بهذا، وما ينبغي لنا أن نتفوّه به سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتانٌ عَظِيمٌ، تنزيها لك يا ربّ وبراءة إليك مما جاء به هؤلاء هَذَا بُهْتانٌ عَظِيمٌ يقول : هذا القول بهتان عظيم.

### الآية 24:17

> ﻿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [24:17]

القول في تأويل قوله تعالى :  يَعِظُكُمُ اللّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُمْ مّؤْمِنِينَ . 
يقول تعالى ذكره : يذكّرُكم الله وينهاكم بآي كتابه، لئلا تعودوا لمثل فعلكم الذي فعلتموه في أمر عائشة من تلقّيكم الإفك الذي رُوي عليها بألسنتكم، وقولكم بأفواهكم ما ليس لكم به علم فيها أبدا. إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يقول : إن كنتم تتعظون بعظات الله وتأتمرون لأمره وتنتهون عما نهاكم عنه. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَيُبَيّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيات وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ قال : والذي هو خيرٌ لنا من هذا، أن الله أعلمنا هذا لكيلا نقع فيه، لولا أن الله أعلمنا لهلكنا كما هلك القوم، أن يقول الرجل : أنا سمعته ولم أخترقه ولم أتقوّله، فكان خيرا حين أعلمناه الله، لئلا ندخل في مثله أبدا، وهو عند الله عظيم.

### الآية 24:18

> ﻿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [24:18]

وقوله : وَيُبَيّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيات : ويفصّل الله لكم حججه عليكم بأمره ونهيه، ليتبين المطيع له منكم من العاصي، والله عليم بكم وبأفعالكم، لا يخفي عليه شيء، وهو مجاز المحسنَ منكم بإحسانه والمسيء بإساءته، حكيم في تدبير خلقه وتكليفه ما كلّفهم من الأعمال وفرضه ما فرض عليهم من الأفعال.

### الآية 24:19

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [24:19]

القول في تأويل قوله تعالى :  إِنّ الّذِينَ يُحِبّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدّنْيَا والآخرة وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ . 
يقول تعالى ذكره : إن الذين يحبون أن يذيع الزنا في الذين صدّقوا بالله ورسوله ويظهر ذلك فيهم، لهم عَذَابٌ أليمٌ يقول : لهم عذاب وجيع في الدنيا، بالحدّ الذي جعله الله حدّا لرامي المحصَناتِ والمحصَنين إذا رموهم بذلك، وفي الاَخرة عذاب جهنم إن مات مُصِرّا على ذلك غير تائب. كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله : يُحِبّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ قال : تظهر في شأن عائشة. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : إنّ الّذِينَ يُحِبّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ فِي الّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ قال : الخبيث عبد الله بن أبيّ ابن سَلول، المنافق، الذي أشاع على عائشة ما أشاع عليها من الفرية، لهم عَذَابٌ أليمٌ. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ قال : تظهر يتحدّث عن شأن عائشة. 
وقوله : وَاللّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ يقول تعالى ذكره : والله يعلم كذبَ الذين جاءوا بالإفك من صدقهم، وأنتم أيها الناس لا تعلمون ذلك لأنكم لا تعلمون الغيب، وإنما يعلم ذلك علاّم الغيوب. يقول : فلا تَروُوا ما لا علم لكم به من الإفك على أهل الإيمان بالله، ولا سيما على حلائل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتهلكوا.

### الآية 24:20

> ﻿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [24:20]

القول في تأويل قوله تعالى :  وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنّ اللّهَ رَءُوفٌ رّحِيمٌ . 
يقول تعالى ذكره : ولولا أن تفضّل الله عليكم أيها الناس ورحمكم، وأن الله ذو رأفة، ذو رحمة بخلقه، لهلكتم فيما أفضتم فيه وعاجلتْكم من الله العقوبة. وترك ذكر الجواب لمعرفة السامع بالمراد من الكلام بعده، وهو قوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّبِعُوا خُطُوَاتِ الشّيْطانِ. . . الآية.

### الآية 24:21

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [24:21]

القول في تأويل قوله تعالى :  يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشّيْطَانِ وَمَن يَتّبِعْ خُطُوَاتِ الشّيْطَانِ فَإِنّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ مّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلََكِنّ اللّهَ يُزَكّي مَن يَشَآءُ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . 
يقول تعالى ذكره للمؤمنين به : يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله، لا تسلكوا سبيل الشيطان وطرقه ولا تقتفوا آثاره، بإشاعتكم الفاحشة في الذين آمنوا وإذا عتكموها فيهم وروايتكم ذلك عمن جاء به، فإن الشيطان يأمر بالفحشاء وهي الزنا والمنكر من القول. 
وقد بيّنا معنى الخطوات والفحشاء فيما مضى بشواهد ذلك بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. 
وقوله :وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ مّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلََكِنّ اللّهَ يُزَكّي مَن يَشَآءُ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 
يقول تعالى ذكره : ولولا فضل الله عليكم أيها الناس ورحمته لكم، ما تَطَهّر منكم من أحد أبدا من دنس ذنوبه وشركه، ولكن الله يطهّر من يشاء من خلقه. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَلَوْلا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ أبَدا يقول : ما اهتدى منكم من الخلائق لشيء من الخير ينفع به نفسه، ولم يتق شيئا من الشرّ يدفعه عن نفسه. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَلَوْلا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ أبَدا قال : ما زكى : ما أسلم. وقال : كلّ شيء في القرآن من **«زكى »** أو **«تَزَكّي »** فهو الإسلام. 
وقوله : وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يقول : والله سميع لما تقولون بأفواهكم وتَلَقّوْنه بألسنتكم وغير ذلك من كلامكم، عليم بذلك كله وبغيره من أموركم، محيط به محصيه عليكم، ليجازيَكم بكل ذلك.

### الآية 24:22

> ﻿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [24:22]

القول في تأويل قوله تعالى :  وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسّعَةِ أَن يُؤْتُوَاْ أُوْلِي الْقُرْبَىَ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوَاْ أَلاَ تُحِبّونَ أَن يَغْفِرَ اللّهُ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رّحِيمٌ . 
يقول تعالى ذكره : ولا يحلف بالله ذوو الفضل منكم، يعني ذوي التفضل والسّعة يقول : وذوو الجِدَة. 
واختلف القرّاء في قراءة قوله : وَلا يأْتَلِ فقرأته عامة قرّاء الأمصار : وَلا يَأْتَلِ بمعنى : يفتعل من الأَلِيّة، وهي القسم بالله سوى أبي جعفر وزيد بن أسلم، فإنه ذُكِر عنهما أنهما قرآ ذلك :**«وَلا يَتأَلّ »** بمعنى : يتفعّل، من الأَلِية. 
والصواب من القراءة في ذلك عندي قراءة من قرأ : ولا يأَتَل بمعنى يفتعل من الأَلِية وذلك أن ذلك في خطّ المصحف كذلك، والقراءة الأخرى مخالفة خطّ المصحف، فاتباع المصحف مع قراءة جماعة القرّاء وصحّة المقروء به أولى من خلاف ذلك كله. وإنما عُنِي بذلك أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه في حلفه بالله لا ينفق على مِسْطَح، فقال جلّ ثناؤه : ولا يحلف من كان ذا فضل من مال وسعة منكم أيها المؤمنون بالله ألاّ يُعْطُوا ذَوِي قَرابتهم فيصِلوا به أرحامهم، كمِسْطح، وهو ابن خالة أبي بكر. والمساكين : يقول : وذوي خَلّة الحاجة، وكان مِسْطح منهم، لأنه كان فقيرا محتاجا. والمهاجرين في سبيل الله وهم الذين هاجروا من ديارهم وأموالهم في جهاد أعداء الله، وكان مِسْطَح منهم لأنه كان ممن هاجر من مكة إلى المدينة، وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا. وَلْيَعْفُوا يقول وليعفُوا عما كان منهم إليهم من جُرم، وذلك كجرم مِسْطح إلى أبي بكر في إشاعته على ابنته عائشة ما أشاع من الإفك. وَلْيَصْفَحُوا يقول : وليتركوا عقوبتهم على ذلك، بحرمانهم ما كانوا يؤتونهم قبل ذلك، ولكن ليعودوا لهم إلى مثل الذي كانوا لهم عليه من الإفضال عليهم. ألا تُحِبّونَ أنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَكُمْ يقول : ألا تحبون أن يستر الله عليكم ذنوبكم بإفضالكم عليهم، فيترك عقوبتكم عليها. وَاللّهُ غَفُورٌ لذنوب من أطاعه واتبع أمره، رحيم بهم أن يعذّبهم مع اتباعهم أمره وطاعتهم إياه، على ما كان لهم من زلة وهفوة قد استغفروه منها وتابوا إليه من فعلها. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهريّ، عن عَلقمة بن وقّاص الليثيّ، وعن سعيد بن المسيب، وعن عرورة بن الزبير، وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة. قال : وثني ابن إسحاق، قال : حدثنا يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزّبير، عن أبيه، عن عائشة. قال : وثني ابن إسحاق، قال : ثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، قالت : لما نزل هذا يعني قوله : إنّ الّذِينَ جاءُوا باْلإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ في عائشة، وفيمن قال لها ما قال قال أبو بكر، وكان ينفق على مسطح لقرابته وحاجته : والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا ولا أنفعه بنفع أبدا بعد الذي قال لعائشة ما قال وأدخل عليها ما أدخل قالت : فأنزل الله في ذلك : وَلا يأَتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ والسّعَةِ. . . الآية. قالت : فقال أبو بكر : والله إني لأحبّ أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح نفقتَه التي كان يُنفِق عليه، وقال : والله لا أنزعها منه أبدا. 
حدثني عليّ، قال حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسّعَةِ يقول : لا تُقْسِموا ألاّ تنفعوا أحدا. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسّعَةِ. . . إلى آخر الآية، قال : كان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رَمَوا عائشة بالقبيح وأفشَوا ذلك وتكلوا به، فأقسم ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيهم أبو بكر، ألاّ يتصدّق على رجل تكلم بشيء من هذا ولا يصله، فقال : لا يُقْسِم أولوا الفضل منكم والسعة أن يصلوا أرحامهم وأن يعطوهم من أموالهم كالذي كانوا يفعلون قبل ذلك. فأمر الله أن يُغْفَر لهم وأن يُعْفَى عنهم. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسّعَةِ : لما أنزل الله تعالى ذكره عذر عائشة من السماء، قال أبو بكر وآخرون من المسلمين : والله لا نصل رجلا منهم تَكَلّم بشيء من شأن عائشة ولا ننفعه فأنزل الله : وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسّعة يقول : ولا يحلف. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسّعَةِ أنْ يُؤْتُوا أُولي القُرْبَى قال : كان مِسْطَح ذا قرابة. والَمَساكِينَ قال : كان مسكينا. وَالمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللّه كان بدْريّا. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ والسّعَةِ قال : أبو بكر حلف أن لا ينفع يتيما في حِجْره كان أشاع ذلك. فلما نزلت هذه الآية قال : بلى أنا أحبّ أن يغفر الله لي، فلأكونن ليتيمي خيرَ ما كنت له قطّ.

### الآية 24:23

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [24:23]

القول في تأويل قوله تعالى :  إِنّ الّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُواْ فِي الدّنْيَا والآخرة وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ . 
يقول تعالى ذكره : إنّ الّذِينَ يَرْمُونَ بالفاحشة المُحْصَناتِ يعني العفيفات الغافِلاتِ عن الفواحش المُؤْمِناتِ بالله ورسوله، وما جاء به من عند الله، لُعِنُوا فِي الدّنيْا والاَخِرَةِ يقول : أُبْعِدوا من رحمة الله في الدنيا والاَخرة. وَلَهُمْ في الاَخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ وذلك عذاب جهنم. 
واختلف أهل التأويل في المحصنات اللاتي هذا حكمهن، فقال بعضهم : إنما ذلك لعائشة خاصة، وحكم من الله فيها وفيمن رماها، دون سائر نساء أمة نبينا صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن أبي الشوارب، قال : حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال : حدثنا خَصِيف، قال : قلت لسعيد بن جُبير : الزنا أشدّ أم قذف المحصَنة ؟ فقال : الزنا. فقلت : أليس الله يقول : إنّ الّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ. . . الآية ؟ قال سعيد : إنما كان هذا لعائشة خاصة. 
حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، قال : حدثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سَلَمة، عن أبيه، قال : قالت عائشة : رُمِيت بما رُمِيت به وأنا غافلة، فبلغني بعد ذلك، قالت : فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم عندي جالس، إذ أُوحي إليه، وكان إذا أوحي إليه أخذه كهيئة السّبات. وإنه أُوحي إليه وهو جالس عندي، ثم استوى جالسا يمسح عن وجهه، وقال :**«يا عائشة أبْشِري »** قالت : فقلت : بحمد الله لا بحمدك فقرأ : إنّ الّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ. . . حتى بلغ : أُولَئِكَ مبرئون مِمّا يَقُولُونَ. 
وقال آخرون : بل ذلك لأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة دون سائر النساء غيرهنّ. ذكر من قال ذلك :
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : إنّ الّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ. . . الآية، أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة. 
وقال آخرون : نزلت هذه الآية في شأن عائشة، وعُني بها كلّ من كان بالصفة التي وصف الله هذه الآية. قالوا : فذلك حكم كلّ من رَمى محصنة لم تقارف سُوءا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا عليّ بن سهل، قال : حدثنا زيد، عن جعفر بن برقان، قال : سألت ميمونا، قلت : الذي ذكر الله : الّذينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمّ لَمْ يَأْتُوا بأرْبَعَةِ شُهَدَاءَ. . . إلى قوله : إلاّ الّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلكَ وأصْلَحُوا فإنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فجعل في هذه توبة، وقال في الأخرى : إنّ الّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ. . . إلى قوله : لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ؟ قال ميمون : أما الأولى فعسى أن تكون قد قارفت، وأما هذه فهي التي لم تقارف شيئا من ذلك. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا العوّام بن حوشب، عن شيخ من بني أسد، عن ابن عباس، قال : فسّر سورة النور، فلما أتى على هذه الآية : إنّ الّذِينَ يرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ. . . الآية، قال : هذا في شأن عائشة وأزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهي مبهمة، وليست لهم توبة. ثم قرأ : وَالّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمّ لَمْ يَأتُوا بأرْبَعَةِ شُهَدَاءَ. . . إلى قوله : إلاّ الّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْد ذلك وأصْلَحُوا. . . الآية، قال : فجعل لهؤلاء توبة، ولم يجعل لمن قذف أولئك توبة. قال : فهمّ بعض القوم أن يقوم إليه فيقبل رأسه من حسن ما فسّر سورة النور. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : إنّ الّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدّنيْا والاَخِرَةِ ولَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ قال : هذا في عائشة، ومن صنع هذا اليومَ في المسلمات فله ما قال الله، ولكن عائشة كانت إمام ذلك. 
وقال آخرون : نزلت هذه الآية في أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم، فكان ذلك كذلك حتى نزلت الآية التي في أوّل السورة فأوجب الجَلْد وقبل التوبة. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي قال : حدثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : إنّ الّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِنات. . . إلى : عَذَابٌ عَظِيمٌ يعني أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم، رماهنّ أهل النفاق، فأوجب الله لهم اللعنة والغضب وباءوا بسخط من الله. وكان ذلك في أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم نزل بعد ذلك : وَالّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمّ لَمْ يَأْتُوا بأرْبَعَةِ شُهَدَاءَ. . . إلى قوله : فإنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فأنزل الله الجلد والتوبة، فالتوبة تُقبل، والشهادة تردّ. 
وأولى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال : نزلت هذه الآية في شأن عائشة، والحكم بها عامّ في كلّ من كان بالصفة التي وصفه الله بها فيها. 
وإنما قلنا ذلك أولى تأويلاته بالصواب، لأن الله عمّ بقوله : إنّ الّذِينَ يَرمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ كلّ محصنة غافلة مؤمنة رماها رام بالفاحشة، من غير أن يحضّ بذلك بعضا دون بعض، فكلّ رام محصنة بالصفة التي ذكر الله جلّ ثناؤه في هذه الآية فملعون في الدنيا والاَخرة وله عذاب عظيم، إلا أن يتوب من ذنبه ذلك قبل وفاته، فإن الله دلّ باستثنائه بقوله : إلاّ الّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلكَ وأصْلَحُوا على أن ذلك حكم رامي كل محصنة بأيّ صفة كانت المحصنة المؤمنة المرمية، وعلى أن قوله : لُعِنُوا في الدّنيْا والاَخِرَةِ، وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ معناه : لهم ذلك إن هلكوا ولم يتوبوا.

### الآية 24:24

> ﻿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [24:24]

القول في تأويل قوله تعالى :  يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ . 
يقول تعالى ذكره : ولهم عذاب عظيم يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهُمْ ف**«اليوم »** الذي في قوله : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ من صلة قوله : وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ. وعُنِي بقوله : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيهِمْ ألْسِنَتُهُمْ يوم القيامة وذلك حين يجحد أحدهما ما اكتسب في الدنيا من الذنوب عند تقرير الله إياه بها، فيختم الله على أفواههم، وتشهد عليهم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون. 
فإن قال قائل : وكيف تشهد عليهم ألسنتهم حين يختم على أفواههم ؟ قيل : عُنِي بذلك أن ألسنة بعضهم تشهد إلى بعض، لا أن ألسنتهم تنطق وقد ختم على الأفواه. وقد :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرنا عمرو، عن درّاج، عن أبي الهيثمي، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«إذَا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ عُرِفَ الكافِرُ بعَمَلِهِ، فَجَحَدَ وَخاصَمَ، فَيُقالُ لَهُ : هَؤُلاءِ جيرَانُكَ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ، فَيَقُولُ : كَذَبُوا فَيَقُولُ : أهْلُكَ وَعَشِيرَتُكَ، فَيَقُولُ : كَذَبُوا فَيَقُولُ : أتَحْلِفُونَ ؟ فَيَحْلِفُونَ. ثُمّ يُصْمِتُهُمُ اللّهُ، وتَشْهَدُ ألْسِنَتُهُمْ، ثُمّ يُدْخِلُهُمُ النّارُ »**.

### الآية 24:25

> ﻿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ [24:25]

القول في تأويل قوله تعالى :  يَوْمَئِذٍ يُوَفّيهِمُ اللّهُ دِينَهُمُ الْحَقّ وَيَعْلَمُونَ أَنّ اللّهَ هُوَ الْحَقّ الْمُبِينُ . 
يقول تعالى ذكره : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهُمْ وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ بِمَا كانُوا يَعْمَلُونَ يوفيهم الله حسابهم وجزاءهم الحقّ على أعمالهم. والدّين في هذا الموضع : الحساب والجزاء، كما :
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله : يَوْمَئِذٍ يُوَفّيهِمُ اللّهُ دينَهُمُ الحَقّ يقول : حسابهم. 
واختلفت القرّاء في قراءة قوله : الحَقّ فقرأته عامة قرّاء الأمصار : دِينَهُمُ الحَقّ نصبا على النعت للدين، كأنه قال : يوفيهم الله أعمالهم حقّا. ثم أدخل في الحقّ الألف واللام، فنصب بما نصب به الدين. وذُكر عن مجاهد أنه قرأ ذلك :**«يُوَفّيهِمُ اللّهُ دِينَهُمُ الحَقّ »** برفع ******«الحقّ »****** على أنه من نعت الله. 
حدثنا بذلك أحمد بن يوسف، قال : حدثنا القاسم، قال : حدثنا يزيد، عن جرير بن حازم، عن حميد، عن مجاهد، أنه قرأها ******«الحقّ »****** بالرفع. قال جرير : وقرأتها في مصحف أُبيّ بن كعب يُوَفّيهِمُ اللّهُ الحَقّ دِينَهُمْ. 
والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار، وهو نصب ******«الحقّ »****** على إتباعه إعراب **«الدين »** لإجماع الحجة عليه. 
وقوله : وَيَعْلَمُونَ أنّ اللّهَ هُوَ الحَقّ المُبِينُ يقول : ويعلمون يومئذٍ أن الله هو الحقّ الذي يبين لهم حقائق ما كان يعدهم في الدنيا من العذاب، ويزول حينئذٍ الشكّ فيه عن أهل النفاق الذين كانوا فيما كان يَعِدُهم في الدنيا يمترون.

### الآية 24:26

> ﻿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ۖ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ۚ أُولَٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ۖ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [24:26]

القول في تأويل قوله تعالى :  الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطّيّبَاتُ لِلطّيّبِينَ وَالطّيّبُونَ لِلْطّيّبَاتِ أُوْلََئِكَ مبرئون مِمّا يَقُولُونَ لَهُم مّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ . 
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك فقال بعضهم : معناه : الخبيثات من القول للخبثيين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول، والطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : الخَبِيثاتُ للخَبيثِينِ والخَبِيثُونَ للْخَبِيثاتِ يقول : الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول. 
وقوله : والطّيّباتُ للطّيّبِينَ يقول : الطيبات من القول للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من القول. نزلت في الذين قالوا في زوجة النبيّ صلى الله عليه وسلم ما قالوا من البهتان. ويقال : الخبيثات للخبيثين : الأعمال الخبيثة تكون للخبيثين، والطيبات من الأعمال تكون للطيبين. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد : الخبيثات من الكلام للخبيثين من الناس، والطيبات من الكلام للطيبين من الناس. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى عن ابن أبي نجيح، في قول الله : الخَبِيثاتُ للْخَبِيثِينَ والخَبِيثُونَ للْخَبِيثاتِ والطّيّباتُ للطّيّبِينَ والطّيّبُونَ لِلطّيّباتِ قال : الطيبات : القول الطيب يخرج من الكافر والمؤمن فهو للمؤمن والخبيثات : القول الخبيث يخرج من المؤمن والكافر فهو للكافر. أُولَئِكَ مُبَرّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ وذلك أنه برأ كليهما مما ليس بحقّ من الكلام. 
حدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : الخَبِيثاتُ للْخَبِيثِينَ والخَبِيثُونَ للْخَبِيثاتِ والطّيّباتُ لِلطّيّبينَ والطّيّبُونَ لِلطّيّباتِ يقول : الخبيثات والطيبات : القول السيء والحسن للمؤمنين الحسن وللكافرين السيء. أُولَئِكَ مُبَرءُونَ مِمّا يَقُولُونَ وذلك بأنه ما قال الكافرون من كلمة طيبه فهي للمؤمنين، وما قال المؤمنون من كلمة خبيثة فهي للكافرين، كلّ بريء مما ليس بحقّ من الكلام. 
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : الخَبِيثاتُ للْخَبِيثِينَ قال : الخبيثات من الكلام للخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس للخبيثات من الكلام. 
حدثنا الحسن قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، مثله. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : الخَبِيثاتُ للْخَبِيثينَ. . . الآية، يقول : الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول، والطيبات من القول للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من القول. فهذا في الكلام، وهم الذين قالوا لعائشة ما قالوا، هم الخبيثون. والطيبون هم المبرّءون مما قال الخبيثون. 
حدثنا أبو زرعة، قال حدثنا أبو نعيم، قال : حدثنا سلمة، يعني ابن نبيط الأشجعيّ، عن الضحاك : الخَبِيثاتُ للْخَبِيثِين قال : الخبيثات من الكلام للخبيثين من الناس، والطيبات من الكلام للطيبين من الناس. 
قال : حدثنا قبيصة، قال : حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح وعثمان بن الأسود، عن مجاهد : الخَبِيثاتُ للْخَبِيثِينَ والخَبِيثُونَ للْخَبيثاتِ والطّيّباتُ للطّيّبِينَ والطّيّبُونَ للطّيّباتِ قال : الخبيثات من الكلام للخبيثين من الناس والخبيثون من الناس للخبيثات من القول، والطيبات من القول للطيبين من الناس والطيبون من الناس للطيبات من القول. 
قال : حدثنا عن خصيف، عن سعيد بن جبير، قال : الخَبِيثَاتُ للْخَبِيثِينَ والخَبِيثُونَ للْخَبِيثاتِ والطّيّبَاتُ للطّيّبِينَ والطّيّبُونَ للطّيّبَاتِ قال : الخبيثات من القول للخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس للخبيثات من القول، والطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول. 
قال : ثني محمد بن بكر بن مقدم، قال : أخبرنا يحيى بن سعيد، عن عبد الملك، يعني ابن أبي سليمان، عن القاسم بن أبي بَزّة، عن سعيد بن جبير، عن مجاهد : والخَبِيثُونَ للْخَبِيثاتِ قال : الخبيثات من القول للخبيثين من الناس. 
قال : حدثنا عباس بن الوليد النّرسيّ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة : الخبِيثاتُ للْخَبيثِينَ والخَبِيثُونَ للْخَبِيثاتِ والطّيّباتُ للطّيّبِينَ والطّيّبُونَ للطّيّباتِ يقول : الخبيثات من القول والعمل للخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس للخبيثات من القول والعمل. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، قال : الطيبات للطيبين، والطيبون للطيبات، قال : الطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول، والخبيثات من القول للخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس للخبيثات من القول. 
وقال آخرون : بل معنى ذلك : الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : الخَبِيثاتُ للْخَبِيثِينَ والخَبِيثُونَ للْخَبِيثاتِ والطّيّباتُ للطّيّبِينَ والطّيّبُونَ للطّيّبَاتِ قال : نزلت في عائشة حين رماها المنافق بالبهتان والفِرْية، فبرأها الله من ذلك. وكان عبد الله بن أُبي هو خبيث، وكان هو أولى بأن تكون له الخبيثة ويكونَ لها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم طيبا، وكان أولى أن تكون له الطيبة. وكانت عائشة الطيبة، وكانَ أولى أن يكون لها الطيب. أُولَئكَ مُبَرّءُون مِمّا يَقُولُونَ قال : هاهنا بُرّئت عائشة. لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ. 
وأولى هذه الأقوال في تأويل الآية قول من قال : عَنَى بالخبيثات : الخبيثات من القول وذلك قبيحه وسيئه للخبيثين من الرجال والنساء، والخبيثون من الناس للخبيثات من القول هم بها أولى، لأنهم أهلها. والطيبات من القول وذلك حسنه وجميله للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول لأنهم أهلها وأحقّ بها. 
وإنما قلنا هذا القول أولى بتأويل الآية، لأن الآيات قبل ذلك إنما جاءت بتوبيخ الله للقائلين في عائشة الإفك، والرامين المحصنات الغافلات المؤمنات، وإخبارهم ما خَصّهم به على إفكهم، فكان ختم الخبر عن أولى الفريقين بالإفك من الرامي والمرمي به أشبه من الخبر عن غيرهم. 
وقوله : أُولَئِكَ مُبَرّءُونَ يقول : الطيبون من الناس مبرّءون من خبيثات القول، إن قالوها فإن الله يصفح لهم عنها ويغفرها لهم، وإن قيلت فيهم ضرّت قائلها ولم تضرّهم، كما لو قال الطيب من القول الخبيث من الناس لم ينفعه الله به لأن الله لا يتقبّله، ولو قيلت له لضرّته لأنه يلحقه عارها في الدنيا وذلها في الآخرة. كما :
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : أُولَئِكَ مُبَرّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ فمن كان طيبا فهو مبرأ من كل قول خبيث، يقول : يغفره الله ومن كان خبيثا فهو مبرأ من كل قول صالح، فإنه يردّه الله عليه لا يقبله منه. وقد قيل : عُنِي بقوله : أُولَئِكَ مُبَرّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ عائشة وصفوان بن المعطّل الذي رُمِيت به. فعلى هذا القول قيل **«أولئك »** فجمع، والمراد **«ذانك »**، كما قيل : فإن كان له إخوة، والمراد أخوان. 
وقوله : لَهُمْ مَغْفِرَةٌ يقول لهؤلاء الطيبين من الناس مغفرة من الله لذنوبهم، والخبيث من القول إن كان منهم. وَرِزْقٌ كَرِيمٌ يقول : ولهم أيضا مع المغفرة عطية من الله كريمة، وذلك الجنة، وما أُعِدّ لهم فيها من الكرامة. كما :
حدثنا أبو زرْعة، قال : حدثنا العباس بن الوليد النّرسيّ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة : لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ مغفرة لذنوبهم ورزق كريم في الجنة.

### الآية 24:27

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [24:27]

القول في تأويل قوله تعالى : يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّىَ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ عَلَىَ أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لّكُمْ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ . 
اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم : تأويله يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأذنوا. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه كان يقرأ :**«لا تَدْخُلُوا بُيُوتا عيرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْذِنُوا وَتُسَلّمُوا عَلى أهْلِها »** قال : وإنما **«تستأنسوا »** وَهَمٌ من الكتاب. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس في هذه الآية : لا تَدْخُلُوا بُيُوتا غيرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلّمُوا على أهْلِها وقال : إنما هي خَطَأ من الكاتب :**«حتى تستأذنوا وتسلموا »**. 
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا وهب بن جرير، قال : حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير، بمثله، غير أنه قال : إنما هي حتى تستأذنوا، ولكنها سقط من الكاتب. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن عطية، قال : حدثنا معاذ بن سليمان، عن جعفر بن إياس، عن سعيد، عن ابن عباس : حتى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلّمُوا عَلى أهْلِها قال : أخطأ الكاتب. وكان ابن عباس يقرأ :**«حتى تَسْتأْذِنُوا وَتُسَلّمُوا »** وكان يقرؤها على قراءة أُبيّ بن كعب. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو عامر، قال : حدثنا سفيان، عن الأعمش أنه كان يقرؤها :**«حتى تَسْتأذِنوا وتُسَلّمُوا »** قال سفيان : وبلغني أن ابن عباس كان يقرؤها :**«حتى تَسْتَأْذِنُوا وَتُسَلّمُوا »** وقال : إنها خَطَأ من الكاتب. 
حدثنا محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتا غيرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلّمُوا على أهْلِها قال : الاستئناس : الاستئذان. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني هشيم، قال : أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، قال : في مصحف ابن مسعود :**«حتى تُسَلّموا عَلى أهْلِها وَتَسْتَأذِنُوا »**. 
قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا جعفر بن إياس، عن سعيد، عن ابن عباس أنه كان يقرؤها :**«يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتا غيرَ بُيُوتِكُمْ حتى تُسَلّمُوا عَلى أهْلِها وَتَسْتأذِنُوا »** قال : وإنما تستأنسوا وَهم من الكُتّاب. 
قال : حدثنا هشيم، قال مغيرة، قال مجاهد : جاء ابن عمر من حاجة وقد آذاه الرّمْضاء، فأتى فُسطاط امرأة من قريش، فقال : السلام عليكم، أدخل ؟ فقالت : ادخل بسلام فأعاد، فأعادت، وهو يراوح بين قدميه، قال : قولي ادْخل قالت : ادخل فدخل. 
قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا منصور، عن ابن سيرين، وأخبرنا يونس بن عبيد، عن عمرو بن سعيد الثقفيّ : أنّ رجلاً استأذن النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال : أَلِج أو أَنَلِج ؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم لأمة له يقال لها رَوْضة :**«قومي إلى هَذَا فَكَلّمِيهِ، فإنّهُ لا يُحْسِنُ يستأذن، فَقُولي لَهْ يَقُولُ : السّلامُ عَلَيْكُمْ، أدْخُل ؟ »** فسمعها الرجل، فقالها، فقال :**«أُدْخُلْ »**. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : قال ابن عباس، قوله : حتى تَسْتأْنِسوا قال : الاستئذان، ثم نُسخ واستثني : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتا غيرَ مَسْكُونَةٍ. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، قال : حدثنا أبو حمزة، عن المغيرة، عن إبراهيم، قوله : لا تَدْخُلُوا بُيُوتا غيرَ بُيُوتِكُمْ قال : حتى تسلّموا على أهلها وتستأذنوا. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة : حتى تَسْتَأْنِسُوا قال : حتى تستأذنوا وتسلّموا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا أشعث بن سوار، عن كردوس، عن ابن مسعود، قال : عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم وأَخَواتكم. 
قال أشعث عن عديّ بن ثابت : أن امرأة من الأنصار، قالت : يا رسول الله، إني أكون في منزلي على الحال التي لا أحبّ أن يراني أحد عليها والد ولا ولد، وإنه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهلي وأنا على تلك الحال ؟ قال : فنزلت : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتا غيرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلّمُوا على أهْلِها. . . الآية. 
وقال آخرون : معنى ذلك : حتى تُؤْنِسوا أهل البيت بالتنحنح والتنخم وما أشبهه، حتى يعلموا أنكم تريدون الدخول عليهم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد، في قوله : لا تَدْخُلُوا بُيُوتا غيرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلّمُوا عَلى أهْلِها قال : حتى تتنحنحوا وتتنخموا. 
حدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله : حتى تَسْتَأْنسُوا قال : حتى تجرّسوا وتسلموا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله : حتى تَسْتَأْنِسُوا قال : تَنَحْنحوا وتَنَخّموا. 
قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : سمعت عطاء بن أبي رباح يخبر عن ابن عباس، قال : ثلاث آيات قد جحدهنّ الناس، قال الله : إنّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أتْقاكُمْ قال : ويقولون : إن أكرمهم عند الله أعظمهم شأنا. قال : والإذن كله قد جحده الناس فقلت له : أستأذن على أَخَواتي أيتامٍ في حِجري معي في بيت واحد ؟ قال : نعم، فرددت على من حضرني، فأبى، قال : أتحبّ أن تراها عريانة ؟ قلت : لا. قال : فاستأذِن فراجعته أيضا، قال : أتحبّ أن تطيع الله ؟ قلت : نعم، قال : فاستأذِن فقال لي سعيد بن جُبير : إنك لَتُرَدّد عليه قلت : أردت أن يرخص لي. 
قال ابن جُرَيج : وأخبرني ابن طاوس، عن أبيه، قال : ما من امرأة أكره إليّ أن أرى كأنه يقول عريتها أو عريانة من ذات محرم. قال : وكان يشدّد في ذلك. قال ابن جُرَيج، وقال عطاء بن أبي رباح : وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا، فواجب على الناس أجمعين إذا احتلموا أن يستأذنوا على من كان من الناس. قلت لعطاء : أواجب على الرجل أن يستأذن على أمه ومَنْ وراءَها من ذات قرابته ؟ قال : نعم. قلت : أَبِرّ وَجَب ؟ قال قوله : وَإذَا بَلَغَ الأطْفالُ مِنْكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتأْذِنُوا. قال ابن جُرَيج : وأخبرني ابن زياد : أن صفوان مولى لبني زُهْرة، أخبره عن عطاء بن يسار : أن رجلاً قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم : أَسْتأذِنُ على أمي ؟ قال :**«نَعَمْ »**. قال : إنها ليس لها خادم غيري، أفأستأذن عليها كلما دخلت ؟ قال :**«أتُحبّ أنْ تَراها عُرْيانَةً ؟ »** قال الرجل : لا. قال :**«فاسْتأْذِنْ عَلَيْها »**. قال ابن جُرَيج عن الزهريّ، قال : سمعت هزيل بن شُرَحبيل الأَوْدِيّ الأعمى، أنه سمع ابن مسعود يقول : عليكم الإذن على أمهاتكم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : قلت لعطاء : أيستأذن الرجل على امرأته ؟ قال : لا. 
حدثنا الحسين، قال : حدثنا محمد بن حازم، عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن يحيى بن الجزّار، عن ابن أخي زينب امرأة ابن مسعود، عن زينب قالت : كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب، تنحنح وبَزَق، كراهة أن يَهْجُم منا على أمر يكرهه. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قول الله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتا غيرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتأْنِسُوا قال : الاستئناس : التنحنح والتجرّس، حتى يعرفوا أن قد جاءهم أحد. قال : والتجرّس : كلامه وتنحنحه. 
والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إن الاستئناس : الاستفعال من الأنس، وهو أن يستأذن أهل البيت في الدخول عليهم، مخبرا بذلك من فيه، وهل فيه أحد ؟ وليؤذنهم أنه داخل عليهم، فليأنس إلى إذنهم له في ذلك، ويأنسوا إلى استئذانه إياهم. وقد حُكِي عن العرب سماعا : اذهب فاستأنس، هل ترى أحدا في الدار ؟ بمعنى : انظر هل ترى فيها أحدا ؟ 
فتأويل الكلام إذن، إذا كان ذلك معناه : يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تسلموا وتستأذنوا، وذلك أن يقول أحدكم : السلام عليكم، أدخل ؟ وهو من المقدم الذي معناه التأخير، إنما هو : حتى تسلموا وتستأذنوا، كما ذكرنا من الرواية عن ابن عباس. 
وقوله : ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ يقول : استئناسكم وتسليمكم على أهل البيت الذي تريدون دخوله، فإن دخولكموه خير لكم لأنكم لا تدرون أنكم إذا دخلتموه بغير إذن، على ماذا تهجُمون ؟ على ما يسوءكم أو يسرّكم ؟ وأنتم إذا دخلتم بإذن، لم تدخلوا على ما تكرهون، وأدّيتم بذلك أيضا حقّ الله عليكم في الاستئذان والسلام. وقوله : لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ يقول : لتتذكروا بفعلكم ذلك أو الله عليكم، واللازم لكم من طاعته، فتطيعوه.

### الآية 24:28

> ﻿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ ۖ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [24:28]

القول في تأويل قوله تعالى : فَإِن لّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتّىَ يُؤْذَنَ لَكُمُ وَإِن قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُواْ فَارْجِعُواْ هُوَ أَزْكَىَ لَكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ . 
يقول تعالى ذكره : فإن لم تجدوا في البيوت التي تستأذنون فيها أحدا يأذن لكم بالدخول إليها، فلا تدخلوها، لأنها ليست لكم، فلا يحلّ لكم دخولها إلا بإذن أربابها، فإن أذن لكم أربابها أن تدخلوها فادخلوها. وَإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا يقول : وإن قال لكم أهل البيوت التي تستأذنون فيها ارجعوا فلا تدخلوها، فارجعوا عنها ولا تدخلوها هُوَ أزْكَى لَكُمْ يقول : رجوعكم عنها إذا قيل لكم ارجعوا، ولم يؤذن لكم بالدخول فيها، أطهر لكم عند الله. وقوله : هُوَ كناية من اسم الفعل، أعنى من قوله : فارْجِعُوا. وقوله : وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ يقول جلّ ثناؤه : والله بما تعملون من رجوعكم بعد استئذانكم في بويت غيركم إذا قيل لكم ارجعوا وترك رجوعكم عنها وطاعتكم الله فيما أمركم ونهاكم في ذلك وغيره من أمره ونهيه، ذو علم محيط بذلك كله، مُحْصٍ جميعه عليكم، حتى يجازيَكم على جميع ذلك. وكان مجاهد يقول في تأويل ذلك ما :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : فإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدا قال : إن لم يكن لكم فيها متاع، فلا تدخلوها إلا بإذن. وَإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا. 
حدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. 
قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا هاشم بن القاسم المزنيّ، عن قَتادة، قال : قال رجل من المهاجرين : لقد طلبت عمري كله هذه الآية فما أدركتها : أن أستأذن على بعض إخواني، فيقول لي : ارجع، فأرجع وأنا مغتبط، لقوله : وَإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا هُوَ أزْكَى لَكُمْ. 
وهذا القول الذي قاله مجاهد في تأويل قوله : فإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدا بمعنى : إن لم يكن لكم فيها مَتاع، قول بعيد من مفهوم كلام العرب لأن العرب لا تكاد تقول : ليس بمكان كذا أحد، إلا وهي تعني ليس بها أحد من بني آدم. وأما الأمتعة وسائر الأشياء غير بني آدم ومن كان سبيله سبيلهم فلا تقول ذلك فيها.

### الآية 24:29

> ﻿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ [24:29]

القول في تأويل قوله تعالى :  لّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ . 
يقول تعالى ذكره : ليس عليكم أيها الناس إثم وحرج أن تدخلوا بيوتا لا ساكن بها بغير استئذان. 
ثم اختلفوا في ذلك أيّ البيوت عَنَى، فقال بعضهم : عنى بها الخانات والبيوت المبنية بالطرق التي ليس بها سكان معروفون، وإنما بنيت لمارّة الطريق والسابلة ليأوُوا إليها ويُؤْوُوا إليها أمتعتهم. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا حجاج، عن سالم المكّيّ، عن محمد ابن الحنفية، في قوله : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتا غيرَ مَسْكُونَةٍ قال : هي الخانات التي تكون في الطرق. 
حدثني عباس بن محمد، قال : حدثنا مسلم، قال : حدثنا عمر بن فَرّوخ، قال : سمعت قَتادة يقول : بُيُوتا غيرَ مَسْكُونَةٍ قال : هي الخانات تكون لأهل الأسفار. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا ابن أبي زائدة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتا غيرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ قال : كانوا يضعون في بيوت في طرق المدينة متاعا وأقتابا، فرُخّص لهم أن يدخلوها. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : بُيُوتا غيرَ مَسْكُونَةٍ قال : هي البيوت التي ينزلها السّفْر، لا يسكنها أحد. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : بُيُوتا غيرَ مسْكُونَةٍ قال : كانوا يصنعون أو يضعون بطريق المدينة أقتابا وأمتعة في بيوت ليس فيها أحد، فأحلّ لهم أن يدخلوها بغير إذن. 
حدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال : كانوا يضعون بطريق المدينة بغير شكّ. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله، غير أنه قال : كانوا يضعون بطريق المدينة أقتابا وأمتعة. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا مُعاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول، في قوله : أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتا غيرَ مسْكُونَةٍ هي البيوت التي ليس لها أهل، وهي البيوت التي يكون بالطرق والخَرِبة. فِيها مَتاعٌ منفعة للمسافر في الشتاء والصيف، يأوي إليها. 
وقال آخرون : هي بيوت مكة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام بن سلم، عن سعيد بن سائق، عن الحجاج بن أرطاة، عن سالم بن محمد ابن الحنفية، في : بُيُوتا غيرَ مَسْكُونَةٍ قال : هي بيوت مكة. 
وقال آخرون : هي البيوت الخَرِبة. والمتاع الذي قال الله لكم فيها قضاء الحاجة من الخلاء والبول فيها. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : سمعت عطاء يقول : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَدخُلُوا بُيُوتا غيرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ قال : الخلاء والبول. 
حدثني محمد بن عُمارة، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا حسن بن عيسى بن زيد، عن أبيه، في هذه الآية : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتا غيرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ قال : التخلّي في الخراب. 
وقال آخرون : بل عني بذلك بيوت التجار التي فيها أمتعة الناس. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتا غيرَ مَسْكُونَةٍ فيها مَتاعٌ لَكُمْ قال : بيوت التجار، ليس عليكم جناح أن تدخلوها بغير إذن، الحوانيت التي بالقَيساريات والأسواق. وقرأ : فِيها مَتاعٌ لَكُمْ متاع للناس، ولبني آدم. 
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله عمّ بقوله : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَدْخُلوا بُيُوتا غيرَ مَسْكُونَةِ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ كلّ بيت لا ساكن به لنا فيه متاع ندخله بغير إذن لأن الإذن إنما يكون ليؤْنَس المأذون عليه قبل الدخول، أو ليأذن للداخل إن كان له مالكا أو كان فيه ساكنا. فأما إن كان لا مالك له، فيحتاج إلى إذنه لدخوله ولا ساكن فيه، فيحتاج الداخل إلى إيناسه والتسليم عليه، لئلا يهجُم على ما لا يحبّ رؤيته منه، فلا معنى للاستئذان فيه. فإذا كان ذلك، فلا وجه لتخصيص بعض ذلك دون بعض، فكلّ بيت لا مالك له ولا ساكن من بين مبنيّ ببعض الطرق للمارّة والسابلة ليأووا إليه، أو بيت خراب قد باد أهله ولا ساكن فيه، حيث كان ذلك، فإن لمن أراد دخوله أن يدخل بغير استئذان، لمتاع له يؤويه إليه أو للاستمتاع به لقضاء حقه من بول أو غائط أو غير ذلك. وأما بيوت التجار، فإنه ليس لأحد دخولها إلا بإذن أربابها وسكانها. 
فإن ظنّ ظانّ أن التاجر إذا فتح دكانه وقعد للناس فقد أذِن لمن أراد الدخول عليه في دخوله، فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظنّ وذلك أنه ليس لأحد دخول ملك غيره بغير ضرورة ألجأته إليه أو بغير سبب أباح له دخوله إلا بإذن ربه، لا سيما إذا كان فيه متاع فإن كان التاجر قد عُرِف منه أن فتحه حانوته إذن منه لمن أراد دخوله في الدخول، فذلك بعدُ رجع إلى ما قلنا من أنه لم يدخله من دخله إلا بإذنه. وإذا كان ذلك كذلك، لم يكن من معنى قوله : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتا غيرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ في شيء، وذلك أن التي وضع الله عنا الجُناح في دخولها بغير إذن من البيوت، هي ما لم يكن مسكونا، إذ حانوت التاجر لا سبيل إلى دخوله إلا بإذنه وهو مع ذلك مسكون، فتبين أنه مما عَنَى الله من هذه الآية بمعزل. 
وقال جماعة من أهل التأويل : هذه الآية مستثناة من قوله : لا تَدْخُلُوا بُيُوتا غيرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلّمُوا على أهْلِها. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : قال ابن عباس : لا تَدْخُلُوا بُيُوتا غيرَ بُيُوتَكُمْ ثم نسخ واستثنى فقال : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتا غيرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين، عن يزيد، عن عكرِمة : حتى تَستأنِسُوا. . . الآية، فنُسخ من ذلك، واستُثني فقال : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتا غيرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ. وليس في قوله : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتا غيرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ دلالة على أنه استثناء من قوله : لا تَدْخُلُوا بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتأْنِسُوا لأن قوله : لا تَدْخُلُوا بُيُوتا غيرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتأْنِسُوا وَتُسَلّمُوا عَلى أهْلِها حكم من الله في البيوت التي لها سكان وأرباب. وقوله : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتا غيرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ حكم منه في البيوت التي لا سكان لها ولا أرباب معروفون، فكل واحد من الحكمين حكم في معنى غير معنى الآخر، وإنما يستثنى الشيء من الشيء إذا كان من جنسه أو نوعه في الفعل أو النفس، فأما إذا لم يكن كذلك فلا معنى لاستثنائه منه. وقوله : وَاللّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ يقول تعالى ذكره : والله يعلم ما تظهرون أيها الناس بألسنتكم من الاستئذان إذا استأذنتم على أهل البيوت المسكونة، وَما تَكْتُمُونَ يقول : وما تضمرونه في صدوركم عند فعلكم ذلك ما الذي تقصدون به : إطاعة الله والانتهاء إلى أمره، أم غير ذلك ؟

### الآية 24:30

> ﻿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [24:30]

القول في تأويل قوله تعالى :  قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَىَ لَهُمْ إِنّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قُلْ للمؤْمِنينَ بالله وبك يا محمد يَغُضّوا مِنْ أبْصَارِهِمْ يقول : يكفوا من نظرهم إلى ما يشتهون النظر إليه مما قد نهاهم الله عن النظر إليه. وَيحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ أن يراها مَنْ لا يحلّ له رؤيتها، بلبس ما يسترها عن أبصارهم. ذلكَ أزْكَى لَهُمْ يقول : فإنّ غضها من النظر عما لا يحلّ النظر إليه وحفظ الفرج عن أن يظهر لأبصار الناظرين، أطهر لهم عند الله وأفضل. إنّ اللّهُ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ يقول : إن الله ذو خبرة بما تصنعون أيها الناس فيما أمركم به من غضّ أبصاركم عما أمركم بالغضّ عنه وحفظ فروجكم عن إظهارها لمن نهاكم عن إظهارها له. 
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ بن سهل الرّمليّ، قال : حدثنا حجاج، قال : حدثنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله : قُلْ للْمُؤمِنينَ يَغُضّوا مِنْ أبْصَارِهِمْ وَيحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ قال : كل فرج ذُكِر حفظة في القرآن فهو من الزنا، إلا هذه : وَقُلْ للْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أبْصَارِهِنّ وَيحْفَظْنَ فُرُوجَهُنّ فإنه يعني الستر. 
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : قُلْ للْمُؤْمِنِينَ يَغُضّوا مِنْ أبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ وَقُلْ للْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أبْصَارِهِنّ وَيحفَظْنَ فُرُوجَهُنّ قال : يغضوا أبصارهم عما يكره الله. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : قُلْ للْمُؤْمِنِينَ يَغُضّوا مِنْ أبْصَارِهِمْ قال : يغضّ من بصره : أن ينظر إلى ما لا يحلّ له، إذا رأى ما لا يحلّ له غضّ من بصره، لا ينظر إليه، ولا يستطيع أحد أن يغضّ بصره كله، إنما قال الله : قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضّوا مِنْ أبْصَارِهِمْ.

### الآية 24:31

> ﻿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [24:31]

القول في تأويل قوله تعالى :  وَقُل لّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إِلاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ عَلَىَ جُيُوبِهِنّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إِلاّ لِبُعُولَتِهِنّ أَوْ آبَآئِهِنّ أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنّ أَوْ أَبْنَآئِهِنّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنّ أَوْ إِخْوَانِهِنّ أَوْ بَنِيَ إِخْوَانِهِنّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنّ أَوْ نِسَآئِهِنّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنّ أَوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرّجَالِ أَوِ الطّفْلِ الّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىَ عَوْرَاتِ النّسَآءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنّ وَتُوبُوَاْ إِلَى اللّهِ جَمِيعاً أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وَقُلْ يا محمد للْمُؤْمِناتِ من أمتك يَغْضُضْنَ مِنْ أبْصَارِهِنّ عما يكره الله النظر إليه مما نهاكم عن النظر إليه وَيحْفَظْنَ فُرُوجَهُنّ يقول : ويحفظن فروجهنّ على أن يراها من لا يحلّ له رؤيتها، بلبس ما يسترها عن أبصارهم. 
وقوله : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ يقول تعالى ذكره : ولا يُظْهرن للناس الذين ليسوا لهنّ بمحرم زينتهنّ، وهما زينتان : إحداهما : ما خفي، وذلك كالخَلْخال والسّوارين والقُرْطَين والقلائد. والآخرى : ما ظهر منها، وذلك مختلف في المعنىّ منه بهذه الآية، فكان بعضهم يقول : زينة الثياب الظاهرة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا هارون بن المغيرة، عن الحجاج، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود، قال : الزينة زينتان : فالظاهرة منها الثياب، وما خفي : الخلخالان والقُرطان والسّواران. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني الثوريّ، عن أبي إسحاق الهمدانيّ، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، أنه قال : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها : قال : هي الثياب. 
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها قال : الثياب. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، مثله. 
قال : حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن زيد، عن عبد الله، مثله. 
قال : حدثنا سفيان، عن علقمة، عن إبراهيم، في قوله : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها : قال : الثياب. 
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، قال : أخبرنا بعض أصحابنا إما يونس، أو ما غيره عن الحسن، في قوله : إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها قال : الثياب. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله : إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها قال : الثياب. 
قال أبو إسحاق : ألا ترى أنه قال : خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلّ مَسْجِدٍ ؟. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : حدثنا محمد بن الفضل، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن زيد، عن ابن مسعود : إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها قال : هو الرداء. 
وقال آخرون : الظاهر من الزينة التي أبيح لها أن تبديه : الكحل، والخاتم، والسواران، والوجه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا مروان، قال : حدثنا مسلم المَلائي، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها قال : الكحل والخاتم. 
حدثنا عمرو بن عبد الحميد الأمُليّ، قال : حدثنا مروان، عن مسلم المَلائيّ، عن سعيد بن جُبير، مثله، ولم يذكر ابن عباس. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا هارون، عن أبي عبد الله نهشل، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال : الظاهر منها : الكحل والخَدّان. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا سفيان، عن عبد الله بن مسلم بن هُرْمز، عن سعيد بن جُبير، في قوله : ولا يبدين زِينَتَهُنّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها قال : الوجه والكفّ. 
حدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال : حدثنا مروان بن معاوية، عن عبد الله بن مسلم بن هُرمز المكيّ، عن سعيد بن جُبير، مثله. 
حدثني عليّ بن سهل، قال : حدثنا الوليد بن مسلم، قال : حدثنا أبو عمرو، عن عطاء في قول الله : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها قال : الكفّان والوجه. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ عن سعيد، عن قَتادة قال : الكحل، والسوران والخاتم. 
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها قال : والزينة الظاهرة : الوجه، وكُحل العين، وخِضاب الكفّ، والخاتم فهذه تظهر في بيتها لمن دخل من الناس عليها. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها قال : المسكتان والخاتم والكحل. قال قتادة : وبلغني أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :**«لا يحِلّ لاِمْرأةٍ تُوْمِنُ باللّهِ واليَوْمِ الاَخِرِ أنْ تُخْرِجَ يَدَها إلاّ إلى هَا هُنا »**. وقبض نصف الذراع. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن رجل، عن المِسْورَ بن مخرمة، في قوله : إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها قال : القلبين، والخاتم، والكحل : يعني السوار. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : قال ابن عباس، قوله : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها قال : الخاتم والمَسَكة. قال ابن جُرَيج، وقالت عائشة : القُلْب والفَتْخَة، قالت عائشة : دخلت عليّ ابنة أخي لأمي عبد الله بن الطفيل مزينّة، فدخل النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأعرض، فقالت عائشة : يا رسول الله إنها ابنة أخي وجارية. فقال :**«إذا عَرَكَت المرأة لم يحلّ لها أن تظهر إلا وَجْهها، وإلاّ ما دون هذا »**، وقبض على ذراع نفسه، فترك بين قبضته وبين الكفّ مثل قبضة أخرى. وأشار به أبو علي قال ابن جُرَيج، وقال مجاهد : قوله : إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها قال : الكحل والخضاب والخاتم. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن عاصم، عن عامر : إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها قال : الكحل، والخضاب، والثياب. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها من الزينة : الكحل، والخضاب والخاتم هكذا كانوا يقولون وهذا يراه الناس. 
حدثني ابن عبد الرحيم البرقي، قال : حدثنا عمر بن أبي سلمة، قال : سئل الأوزاعي عن : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها قال : الكفّين والوجه. 
حدثنا عمرو بن بندق، قال : حدثنا مروان، عن جُويبر، عن الضحاك في قوله : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ قال : الكفّ والوجه. 
وقال آخرون : عَنَى به الوجه والثياب. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا المعتمر، قال : قال يونس : وَلا يُبْدِينَ زِينِتَهُنّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها قال الحسن : الوجه والثياب. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، وعبد الأعلى، عن سعيد، عن قَتادة، عن الحسن، في قوله : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها قال : الوجه والثياب. 
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب : قول من قال : عُنِي بذلك الوجهُ والكفان، يدخل في ذلك إذا كان كذلك : الكحل، والخاتم، والسّوار، والخِضاب. 
وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالتأويل، لإجماع الجميع على أن على كلّ مصلّ أن يستر عورته في صلاته، وأن المرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها، وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها إلا ما رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه أباح لها أن تبديَه من ذراعها إلى قدر النصف. فإذ كان ذلك من جميعهم إجماعا، كان معلوما بذلك أن لها أن تبدي من بدنها ما لم يكن عورة كما ذلك للرجال لأن ما لم يكن عورة فغير حرام إظهاره. وإذا كان لها إظهار ذلك، كان معلوما أنه مما استثناه الله تعالى ذكره بقوله : إلاّ ما ظَهَرَ مِنْها، لأن كل ذلك ظاهر منها. 
وقوله : وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ على جُيُوبِهِنّ يقول تعالى ذكره : وليلقين خُمُرَهنّ، وهي جمع خمار، على جيوبهنّ، ليسترن بذلك شعورهنّ وأعناقهن وقُرْطَهُنّ. 
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا زيد بن حباب، عن إبراهيم بن نافع، قال : حدثنا الحسن بن مسلم بن يناق، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة، قالت : لما نزلت هذه الآية : وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ على جُيوبِهِنّ قال : شققن البُرْدَ مما يلي الحواشي، فاختمرن به. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، أن قرة بن عبد الرحمن، أخبره، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم أنها قالت : يرحم الله النساء المهاجرات الأول لما أنزل الله : وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرُهِنّ على جُيُوبِهِنّ شققن أكثف مروطهنّ، فاختمرن به. 
وقوله : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إلاّ لِبُعُولَتِهِنّ يقول تعالى ذكره : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ التي هي غير ظاهرة بل الخفية منها، وذلك الخَلخال والقُرط والدّمْلُج، وما أُمرت بتغطيته بخمارها من فوق الجيب، وما وراء ما أبيح لها كشفه وإبرازه في الصلاة وللأجنبيين من الناس، والذراعين إلى فوق ذلك، إلاّ لبعولتهنّ. 
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ) ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن منصور، عن طلحة بن مُصَرّف، عن إبراهيم : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إلاّ لِبُعُولَتِهِنّ أوْ آبائِهِنّ قال : هذه ما فوق الذراع. 
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن منصور، قال : سمعت رجلاً يحدّث عن طلحة، عن إبراهيم، قال في هذه الآية : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إلاّ لِبُعُولَتِهِنّ أوْ آبائِهِنّ أو آباء بُعُولَتِهِنّ قال : ما فوق الجيب. قال شعبة : كتب به منصور إليّ، وقرأته عليه. 
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قَتادة، في قوله : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إلاّ لِبُعُولَتِهِنّ قال : تبدي لهؤلاء الرأس. 
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قال : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ إلاّ لِبُعُولَتِهِنّ. . . إلى قوله : عَوْرَاتِ النّساءِ قال : الزينة التي يبدينها لهؤلاء : قرطاها وقلادتها وسِوارها، فأما خلخالاها ومِعْضدَاها ونحرها وش

### الآية 24:32

> ﻿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [24:32]

القول في تأويل قوله تعالى :  وَأَنْكِحُواْ الأيَامَىَ مِنْكُمْ وَالصّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ . 
يقول تعالى ذكره : وزوّجوا أيها المؤمنون من لا زوج له من أحرار رجالكم ونسائكم، ومن أهل الصلاح من عبيدكم ومماليككم. والأيامَى : جمع أيّم، وإنما جمع أيامَى لأنها فعيلة في المعنى، فجُمعت كذلك كما جمعت اليتيمة : يتامَى ومنه قول جميل :

أُحِبّ الأيامَى إذْ بُثَيْنَةُ أيّمٌ  وأحْبَبْتُ لَمّا أنْ غَنِيتِ الغَوَانِياولو جمعت أيائم كان صوابا. والأيّم يوصف به الذكر والأنثى، يقال : رجل أيّم، وامرأة أيّم وأيّمة : إذا لم يكن لها زوج ومنه قول الشاعر :فإنْ تَنْكِحي أنْكِحْ وَإنْ تَتأَيّمِي  وإنْ كُنْتُ أفْتَى منكمُ أتَأيّمِإنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يقول : إن يكن هؤلاء الذين تنكحونهم من أيامَى رجالكم ونسائكم وعبيدكم وإمائكم أهلَ فاقة وفقر، فإن الله يغنيهم من فضله، فلا يمنعنكم فقرهم من إنكاحهم. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وأنْكِحُوا الأيامَى مِنْكُمْ وَالصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإمائِكُمْ قال : أمر الله سبحانه بالنكاح، ورغّبهم فيه وأمرهم أن يزوّجوا أحرارَهم وعبيدَهم، ووعدهم في ذلك الغنى، فقال : إنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا حسن أبو الحسن وكان إسماعيل بن صُبيح مَوْلى هذا قال : سمعت القاسم بن الوليد، عن عبد الله بن مسعود، قال : التمسوا الغنى في النكاح، يقول الله : إنْ يَكُونُوا فُقَرَاءُ يُغْنِهِمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ. 
حدثنا يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وأنْكِحُوا الأيامَى مِنكُمْ قال : أيامى النساء : اللاتي ليس لهنّ أزواج. 
وقوله : وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ يقول جلّ ثناؤه : والله واسع الفضل جواد بعطاياه، فزوجوا إماءكم، فإن الله واسع يوسع عليهم من فضله إن كانوا فقراء. عَلِيمٌ يقول : هو ذو علم بالفقير منهم والغنيّ، لا يخفى عليه حال خلقه في شيء وتدبيرهم.

### الآية 24:33

> ﻿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ۚ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ [24:33]

القول في تأويل قوله تعالى : وَلْيَسْتَعْفِفِ الّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتّىَ يُغْنِيَهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَالّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مّن مّالِ اللّهِ الّذِيَ آتَاكُمْ وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصّناً لّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَمَن يُكْرِههُنّ فِإِنّ اللّهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنّ غَفُورٌ رّحِيمٌ . 
يقول تعالى ذكره : وليَسْتَعْفِف الّذِينَ لا يَجِدُون ما ينكحون به النساء عن إتيان ما حرّم الله عليهم من الفواحش، حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللّهُ مِنْ سعة فَضْلِهِ، ويوسّع عليهم من رزقه. 
وقوله : وَالّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ يقول جلّ ثناؤه : والذين يلتمسون المكاتبة منكم من مماليككم، فكاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهمْ خَيْرا. 
واختلف أهل العلم في وجه مكاتبة الرجل عبده الذي قد علم فيه خيرا، وهل قوله : فَكاتِبُوهُم إنْ عَلِمْتُمْ فيهِمْ خَيْرا على وجه الفرض أم هو على وجه الندب ؟ فقال بعضهم : فرض على الرجل أن يكاتب عبده الذي قد علم فيه خيرا إذا سأله العبد ذلك. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا ابن جُرَيج، قال : قلت لعطاء : أواجب عليّ إذا علمت مالاً أن أكاتبه ؟ قال : ما أراه إلاّ واجبا. وقالها عمرو بن دينار، قال : قلت لعطاء : أَتأْثِرُه عن أحد ؟ قال : لا. 
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا محمد بن بكر، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، عن أنس بن مالك، أن سيرين، أراد أن يكاتبه فتلكّأ عليه، فقال له عمر : لتكاتبنه
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال : لا ينبغي لرجل إذا كان عنده المملوك الصالح الذي له المال يريد إن يكاتب ألاّ يكاتبه. 
وقال آخرون : ذلك غير واجب على السيد، وإنما قوله : فَكاتِبُوهُمْ : نَدْب من الله سادَة العبيد إلى كتابة من علم فيه منهم خير، لا إيجاب. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال مالك بن أنس : الأمر عندنا أن ليس على سيد العبد أن يكاتبه إذا سأله ذلك، ولم أسمع بأحد من الأئمة أكره أحدا على أن يكاتب عبده. وقد سمعت بعض أهل العلم إذا سُئل عن ذلك فقيل له : إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه : فَكاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرا يتلو هاتين الآيتين : فإذَا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا فإذَا قُضِيَتِ الصّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللّهِ قال مالك : فإنما ذلك أمر أذِن الله فيه للناس، وليس بواجب على الناس ولا يلزم أحدا. وقال الثوريّ : إذا أراد العبد من سيده أن يكاتبه، فإن شاء السيد أن يكاتبه كاتبه، ولا يُجْبر السيد على ذلك. 
حدثني بذلك عليّ عن زيد عنه وحدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : فَكاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهمْ خَيْرا قال : ليس بواجب عليه أن يكاتبه، إنما هذا أمر أذن الله فيه ودليل. 
وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال : واجب على سيد العبد أن يكاتبه إذا علم فيه خيرا وسأله العبد الكتابة وذلك أن ظاهر قوله : فَكاتِبُوهُمْ ظاهر أمر، وأمر الله فرضٌ الانتهاء إليه، ما لم يكن دليلٌ من كتاب أو سنة على أنه ندب، لما قد بيّنا من العلة في كتابنا المسمى **«البيان عن أصول الأحكام »**. 
وأما الخير الذي أمر الله تعالى ذكره عباده بكتابة عبيدهم إذا علموه فيهم، فهو القُدْرة على الاحتراف والكسب لأداء ما كوتبوا عليه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن عبد الكريم الجزري، عن نافع، عن ابن عمر : أنه كره أن يكاتِب مملوكه إذا لم تكن له حرفة، قال : تطعمني أوساخ الناس. 
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : فَكاتِبوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهمْ خَيْرا يقول : إن علمتم لهم حيلة، ولا تلقوا مُؤْنتهم على المسلمين. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرنا أشهب، قال : سئل مالك بن أنس، عن قوله : فكاتبوهم إن علمتم فيه خيرا فقال : إنه ليقال : الخير القوة على الأداء. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : ثني ابن زيد، عن أبيه، قول الله : فَكاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهمْ خَيْرا قال : الخير : القوة على ذلك. 
وقال آخرون : بل معنى ذلك : إن علمتم فيهم صدقا ووفاء وأداء. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، قال : أخبرنا يونس، عن الحسن، في قوله : فَكاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهمْ خَيْرا قال : صدقا ووفاء وأداء وأمانة. 
قال : حدثنا ابن عُلَية، قال : حدثنا عبد الله، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وطاوس، أنهما قالا في قوله : فَكاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهمْ خَيْرا قالا : مالاً وأمانة. 
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا جابر بن نوح، قال : حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح : فكاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهمْ خَيْرا قال : أداء وأمانة. 
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن المغيرة، قال : كان إبراهيم يقول في هذه الآية : فَكاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهمْ خَيْرا قال : صدقا ووفاء، أو أحدهما. 
حدثنا أبو بكر، قال : حدثنا ابن إدريس، قال : سمعت عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، في قوله : فَكاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرا قال : أداء ومالاً. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا ابن جُرَيج، قال : قال عمرو بن دينار : أحسبه كل ذلك المال والصلاح. 
حدثني عليّ بن سهل، قال : حدثنا زيد، قال : حدثنا سفيان : إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِم خَيْرا يعني : صدقا ووفاء وأمانة. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرا، قال : إن علمت فيه خيرا لنفسك، يؤدّي إليك ويصدّقك ما حدثك، فكاتبه. 
وقال آخرون بل معنى ذلك : إن علمتم لهم مالاً. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله : فَكاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرا يقول : إن علمتم لهم مالاً. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : قال ابن عباس : إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرا قال : مالاً. 
حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد : فَكاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرا قال : مالاً. 
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، مثله. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله : إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرا قال : لهم مالاً، فكاتبوهم. 
حدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد : فَكاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرا قال : إن علمتم لهم مالاً، كائنة أخلاقهم وأديانهم ما كانت. 
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن منصور، عن زَاذان، عن عطاء بن أبي رَباح : فَكاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرا قال : مالاً. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا أبو بشر، عن مجاهد، قال : إن علمتم عندهم مالاً. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني محمد بن عمرو اليافعيّ، عن ابن جُرَيج، أن عطاء بن أبي رَباح، كان يقول : ما نراه إلاّ المال، يعني قوله : إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرا قال : ثم تلا : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرا. 
وأولى هذه الأقوال في معنى ذلك عندي قول من قال : معناه : فكاتبوهم إن علمتم فيهم قوّة على الاحتراف والاكتساب ووفاء بما أوجب على نفسه وألزمها وصدق لهجة. وذلك أن هذه المعاني هي الأسباب التي بمولى العبد الحاجةُ إليها إذا كاتب عبده مما يكون في العبد فأما المال وإن كان من الخير، فإنه لا يكون في العبد وإنما يكون عنده أو له لا فيه، والله إنما أوجب علينا مكاتبة العبد إذا علمنا فيه خيرا لا إذا علمنا عنده أو له، فلذلك لم نقل : إن الخير في هذا الموضع معنيّ به المال. 
وقوله : وآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللّهِ الّذِي آتاكُمْ يقول تعالى ذكره : وأعطُوهم من مال الله الذي أعطاكم. 
ثم اختلف أهل التأويل في المأمور بإعطائه من مال الله الذي أعطاه مَنْ هو ؟ وفي المال أيّ الأموال هو ؟ فقال بعضهم : الذي أمر الله بإعطاء المكاتب من مال الله هو مولَى العبد المكاتَب، ومال الله الذي أُمر بإعطائه منه هو مال الكِتابة، والقدر الذي أمر أن يعطيه منه الربع. 
وقال آخرون : بل ما شاء من ذلك المولى. ذكر من قال ذلك :
حدثني عمرو بن عليّ، قال : حدثنا عمران بن عيينة، قال : حدثنا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السّلَمِيّ، عن عليّ في قول الله : وآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللّهِ الّذِي آتاكُمْ قال : ربع المكاتبة. 
حدثنا الحسن بن عرفة، قال : حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السّلَميّ، عن عليّ، في قوله الله : وآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللّهِ الّذِي آتاكُمْ قال : ربع الكتابة يحطّها عنه. 
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن عُليَة، عن ليث، عن عبد الأعلى، عن أبي عبد الرحمن، عن عليّ رضي الله عنه، في قول الله : وآتوهُمْ مِنْ مالِ اللّهِ الّذِي آتاكُمْ قال : الربع من أوّل نجومه. 
قال : أخبرنا ابن عُلَية، قال : عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السّلَميّ، عن عليّ، في قوله : وآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللّهِ الّذِي آتاكُمْ قال : الربع من مكاتبته. 
حدثنا محمد بن إسماعيل الأَحمسيّ، قال : حدثنا محمد بن عبيد، قال : ثني عبد الملك بن أبي سليمان، عن عبد الملك بن أعين، قال : كاتب أبو عبد الرحمن غلاما في أربعة آلاف درهم، ثم وضع له الربع، ثم قال : لولا أني رأيت عليّا رضوان الله عليه كاتب غلاما له ثم وضع له الربع، ما وضعت لك شيئا. 
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن عبد الأعلى، عن أبي عبد الرحمن السّلَمي : أنه كاتب غلاما له على ألف ومِئتين، فترك الربع وأشهدني، فقال لي : كان صديقك يفعل هذا، يعني عليّا رضوان الله عليه، يتأوّل : وآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللّهِ الّذِي آتاكُمْ. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدث

### الآية 24:34

> ﻿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [24:34]

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مّبَيّنَاتٍ وَمَثَلاً مّنَ الّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لّلْمُتّقِينَ . 
يقول تعالى ذكره : ولقد أنزلنا إليكم أيها الناس دِلالات وعلامات مبيّنات يقول : مفصّلاتٍ الحقّ من الباطل، وموضّحات ذلك. 
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة وبعض الكوفيين والبصريين :**«مُبَيّناتٍ »** بفتح الياء : بمعنى مفصّلات، وأن الله فصّلَهن وبيّنَهنّ لعباده، فهنّ مفصّلات مبيّنات. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة : مُبَيّناتٍ بكسر الياء، بمعنى أن الآيات هن تبين الحقّ والصواب للناس وتهديهم إلى الحقّ. 
والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان، وقد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، متقاربتا المعنى. وذلك أن الله إذ فصّلها وبيّنها صارت مبيّنة بنفسها الحقّ لمن التمسه من قِبَلها، وإذا بيّنت ذلك لمن التمسه من قَبِلها فيبين الله ذلك فيها. فبأيّ القراءتين قرأ القارئ فمصيب في قراءته الصواب. 
وقوله : وَمَثَلاً مِنَ الّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ من الأمم، وموعظة لمن اتقى الله، فخاف عقابه وخشي عذابه.

### الآية 24:35

> ﻿۞ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [24:35]

القول في تأويل قوله تعالى : اللّهُ نُورُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزّجَاجَةُ كَأَنّهَا كَوْكَبٌ دُرّيّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاّ شَرْقِيّةٍ وَلاَ غَرْبِيّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيَءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نّورٌ عَلَىَ نُورٍ يَهْدِي اللّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ اللّهُ الأمْثَالَ لِلنّاسِ وَاللّهُ بِكُلّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ . 
يعني تعالى ذكره بقوله : اللّهُ نُورُ السّمَوَاتِ والأرْضِ هادي من في السموات والأرض، فهم بنوره إلى الحقّ يهتدون وبهداه من حيرة الضلالة يعتصمون. 
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم فيه نحو الذي قلنا. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : اللّهُ نُورُ السّمَوَاتِ والأرْضِ يقول : الله سبحانه هادي أهل السموات والأرض. 
حدثني سليمان بن عمر بن خَلْدة الرّقي، قال : حدثنا وهب بن راشد، عن فرقد، عن أنس بن مالك، قال : إن إلهي يقول : نوري هُداي. 
وقال آخرون : بل معنى ذلك : الله مدبّر السموات والأرض. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : قال مجاهد وابن عباس في قوله : اللّهُ نُورُ السّمَوَاتِ والأرْضِ يدبّر الأمر فيهما : نجومَهما وشمسَهما وقمرَهما. 
وقال آخرون : بل عنى بذلك النور الضياء. وقالوا : معنى ذلك : ضياء السموات والأرض. ذكر من قال ذلك :
حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال : حدثنا عبيد الله بن موسى، قال : حدثنا أبو جعفر الرازيّ، عن الربيع ابن أَنَس، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب، في قول الله : اللّهُ نُورُ السّمَوَاتِ والأرْضِ قال : فبدأ بنور نفسه، فذكره، ثم ذكر نور المؤمن. 
وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك لأنه عَقِيب قوله : وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيّناتٍ، وَمَثَلاً مِنَ الّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً للْمُتّقِينَ فكان ذلك بأن يكون خبرا عن موقع يقع تنزيله من خلقه ومن مدح ما ابتدأ بذكر مدحه، أولى وأشبه، ما لم يأت ما يدلّ على انقضاء الخبر عنه من غيره. فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام : ولقد أنزلنا إليكم أَيّها الناس آيات مبينات الحق من الباطل وَمَثَلاً مِنَ الّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً للْمُتّقِينَ فهديناكم بها، وبيّنا لكم معالم دينكم بها، لأني هادي أهل السموات وأهل الأرض. وترك وصل الكلام باللام، وابتدأ الخبر عن هداية خلقه ابتداء، وفيه المعنى الذي ذكَرْتُ، استغناء بدلالة الكلام عليه من ذكره. ثم ابتدأ في الخبر عن مثل هدايته خلقه بالآيات المبينات التي أنزلها إليهم، فقال : مَثَلُ نُورِهِ كمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ يقول : مثل ما أنار من الحقّ بهذا التنزيل في بيانه كمشكاة. 
وقد اختلف أهل التأويل في المعنيّ بالهاء في قوله : مَثَلُ نُورِهِ علام هي عائدة ؟ ومن ذكر ما هي ؟ فقال بعضهم : هي من ذكر المؤمن. وقالوا : معنى الكلام : مثل نور المؤمن الذي في قلبه من الإيمان والقرآن مثل مشكاة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا عبد الأعلى بن واصل، قال : حدثنا عبيد الله بن موسى، قال : أخبرنا أبو جعفر الرازيّ، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب، في قول الله : مَثَلُ نُورِهِ قال : ذكر نور المؤمن فقال : مثل نوره، يقول : مثل نور المؤمن. قال : وكان أبيّ يقرؤها كذلك :**«مَثَلُ المؤمن »**. قال : هو المؤمن قد جعل الإيمان والقرآن في صدره. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن أبي جعفر الرازيّ، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب : اللّهُ نُورُ السّمَوَاتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ قال : بدأ بنور نفسه فذكره، ثم قال : مَثَلُ نُورِهِ يقول : مثل نور مَنْ آمن به. قال : وكذلك كان يقرأ أُبيّ، قال : هو عبد جعل الله القرآن والإيمان في صدره. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبير : مَثَلُ نُورِهِ قال : مثل نور المؤمن. 
حدثني عليّ بن الحسن الأزدي، قال : حدثنا يحيى بن اليمان، عن أبي سِنان، عن ثابت، عن الضحاك في قوله : مَثَلُ نُورِهِ قال : نور المؤمن. 
وقال آخرون : بل عُنِي بالنور : محمد صلى الله عليه وسلم، وقالوا : الهاء التي قوله : مَثَلَ نُورِهِ عائدة على اسم الله. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يعقوب القُمّيّ، عن حفص، عن شَمِر، قال : جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار، فقال له : حدثني عن قول الله عزّ وجلّ : اللّهُ نُورُ السّمَوَاتِ والأرْضِ. . . الآية ؟ فقال كعب : الله نور السموات والأرض، مَثَل نوره مثل محمد صلى الله عليه وسلم، كمشكاة. 
حدثني عليّ بن الحسن الأزدي، قال : حدثنا يحيى بن اليمان، عن أشعث، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جُبير في قوله : مَثَلُ نُورِهِ قال : محمد صلى الله عليه وسلم. 
وقال آخرون : بل عُنِي بذلك : هَدْي اللّهِ وبيانه، وهو القرآن. قالوا : والهاء من ذكر الله، قالوا : ومعنى الكلام : الله هادي أهل السموات والأرض بآياته المبينات، وهي وهي النور الذي استنار به السموات والأرض، مَثَلُ هداه وآياته التي هَدَى بها خلقه ووعظهم بها في قلوب المؤمنين كمِشكاة. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس : مَثَلُ نُورِهِ مثل هُدَاه في قلب المؤمن. 
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن عُلَيّة، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله : مَثَلُ نُورِهِ قال : مثل هذا القرآن في القلب كمشكاة. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : مَثَلُ نُورِهِ : نورِ القرآن الذي أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم وعباده، هذا مثل القرآن كمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ. 
قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني عبد الله بن عَيّاش، قال : قال زيد بن أسلم، في قول الله تبارك وتعالى : اللّهُ نُورُ السّمَوَاتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ ونوره الذي ذكر : القرآن، ومَثَلُه الذي ضَرَب له. 
وقال آخرون : بل معنى ذلك : مثل نور الله. وقالوا : يعني بالنور : الطاعة. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني بي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : اللّهُ نُورُ السّمَوَاتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كمِشْكاةٍ فِيها مصْباحٌ وذلك أن اليهود قالوا لمحمد : كيف يخلُص نور الله من دون السماء ؟ فضرب الله مَثَلَ ذلك لنوره، فقال : اللّهُ نُورُ السّمَوَاتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كمِشْكاةٍ قال : وهو مثل ضربه الله لطاعته، فسمّى طاعته نورا، ثم سماها أنوارا شَتّى. 
وقوله : كمِشْكاةٍ اختلف أهل التأويل في معنى المِشكاة والمصباح وما المراد بذلك، وبالزجاجة، فقال بعضهم : المِشكاة كل كَوّة لا منفذَ لها، وقالوا : هذا مثل ضربه الله لقلب محمد صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا يعقوب، عن حفص، عن شَمِر، قال : جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار، فقال له : حدثني عن قول الله : مَثَلُ نُورِهِ كمِشْكاةٍ قال : المشكاة وهي الكَوّة، ضربها الله مثلاً لمحمد صلى الله عليه وسلم، المِشكاة فِيها مِصْباحٌ المِصْباحُ قلبه فِي زُجاجَةٍ الزّجاجَةُ صدره الزجاجة كأنّها كَوْكَبٌ دُرّيّ شبه صدر النبيّ صلى الله عليه وسلم بالكوكب الدريّ، ثم رجع المصباح إلى قلبه فقال : تُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقيّةٍ وَلا غَرْبِيّةٍ لم تمسّها شمس المشرق ولا شمس المغرب، يَكادُ زَيْتُها يُضِىءُ يكاد محمد يبين للناس وإن لم يتكلم أنه نبيّ، كما يكاد ذلك الزيت يضيء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ. 
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : كمِشْكاةٍ يقول : موضع الفتيلة. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : اللّهُ نُورُ السّمَوَاتِ والأرْضِ. . . إلى كمِشْكاةٍ قال : المِشكاة : كَوّة البيت. 
وقال آخرون : عنى بالمشكاة : صدر المؤمن، وبالمصباح : القرآن والإيمان، وبالزجاجة : قلبه. ذكر من قال ذلك :
حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال : حدثنا عبيد الله بن موسى، قال : أخبرنا أبو جعفر الرازيّ، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب : مَثَلُ نُورِهِ كمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ قال : مَثَل المؤمن قد جعل الإيمان والقرآن في صدره كمشكاة، قال : المشكاة : صدره. فِيها مِصْباحٌ قال : والمصباح القرآن والإيمان الذي جعل في صدره. المِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ قال : والزجاجة : قلبه. الزّجاجَةُ كأنّها كَوْكَبٌ دُرّيّ توقَدُ، قال : فمثله مما استنار فيه القرآن والإيمان كأنه كوكب درّيّ، يقول : مُضِيء. تُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ والشجرة المباركة، أصله المباركة الإخلاص لله وحده وعبادته، لا شريك له. لا شَرْقَيّةٍ وَلا غَرْبِيّةٍ قال : فمثله مَثَل شجرة التفّ بها الشجر، فهي خضراء ناعمة، لا تصيبها الشمس على أيّ حال كانت، لا إذا طلعت ولا إذا غَربت، وكذلك هذا المؤمن قد أجير من أن يصيبه شيء من الغَيرِ وقد ابتُلِي بها فثبته الله فيها، فهو بين أربع خلال : إن أُعطِى شكر، وإن ابتُلِي صبر، وإن حَكَم عدل، وإن قال صدق فهو في سائر الناس كالرجل الحيّ يمشي في قبور الأموات. قال : نُورٌ عَلى نُورٍ فهو يتقلّب في خمسة من النور : فكلامه نور، وعمله نور، ومَدْخله نور، ومَخْرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة في الجنة. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني يحيى بن اليمان، عن أبي جعفر الرازيّ، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب، قال : المشكاة : صدر المؤمن. فيها مصباح، قال : القرآن. 
قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب، نحو حديث عبد الأعلى، عن عبيد الله. 
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس : مَثَلُ نُورِهِ كمِشْكاةٍ قال : مثل هداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسّه النار، فإذا مسته النار ازداد ضوءا على ضوء، كذلك يكون قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيَه العلم، فإذا جاءه العلم ازداد هدى على هدى ونورا على نور، كما قال إبراهيم صلوات الله عليه قبل أن تجيئه المعرفة : قالَ هَذَا رَبّي حين رأى الكوكب من غير أن يخبره أحد أن له ربّا، فلما أخبره الله أنه ربه ازداد هُدًى على هدى. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثن

### الآية 24:36

> ﻿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ [24:36]

القول في تأويل قوله تعالى :  فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوّ وَالاَصَالِ \* رِجَالٌ لاّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَإِقَامِ الصّلاَةِ وَإِيتَآءِ الزّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ \* لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مّن فَضْلِهِ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ . 
يعني تعالى ذكره بقوله : فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللّهُ أنْ تُرفَعَ الله نور السموات والأرض، مَثَل نورِه كمشكاة فيها مصباح، في بيوت أذن الله أن ترفع. كما :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : المِشكاة : التي فيها الفتيلة التي فيها المصباح. قال : المصابيح في بيوت أذن الله أن ترفع. 
قال أبو جعفر : قد يحتمل أن تكون **«من »** في صلة **«توقد »**، فيكون المعنى : تُوقَد من شجرة مباركة ذلك المصباح في بيوت أذن الله أن ترفع. وعنى بالبيوت : المساجد. 
وقد اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم بالذي قلنا في ذلك. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، ونصر بن عبد الرحمن الأَوْديّ، قالا : حدثنا حَكّام، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قول الله : فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللّهُ أنْ تُرْفَعَ قال : المساجد. 
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله : فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللّهُ أنْ تُرْفَعَ وهي المساجد تُكْرَم، ونهي عن اللغو فيها. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أنْ تُرْفَعَ يعني : كل مسجد يصلّى فيه، جامع أو غيره. 
حدثني محمد بن عمرو، قالي : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أنْ تُرْفَعَ قال : مساجد تُبْني. 
حدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أنْ تُرْفَعَ قال : في المساجد. 
قال : أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال : أدركت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يقولون : المساجد : بيوت الله، وإنه حقّ على الله أن يُكْرِم من زاره فيها. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا ابن المبارك، عن سالم بن عمر، في قوله : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أنْ تُرْفَعَ قال : هي المساجد. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : فِي بُيُوتٍ أَذِن الله أنْ تُرْفَعَ قال : المساجد. 
وقال آخرون : عَنَى بذلك البيوتَ كلّها. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، ونصر بن عبد الرحمن الأَوْديّ، قالا : حدثنا حَكّام بن سلم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عكرمة : فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللّهُ أنْ تُرْفَعَ قال : هي البيوت كلها. 
وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك، لدلالة قوله : يُسَبّحُ لَهُ فِيها بالغُدُوّ والاَصَالِ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ على أنها بيوت بنيت للصلاة فلذلك قلنا هي المساجد. 
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : أَذِنَ اللّهُ أنْ تُرْفَعَ فقال بعضهم : معناه : أذن الله أن تُبْنَي. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عصام، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : أذِنَ اللّهُ أنْ تُرْفَعَ قال : تُبْنَى. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد مثله. 
وقال آخرون : معناه : أذن الله أن تعظّم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله : أذِنَ اللّهُ أنْ تُرْفَعَ يقول : أن تعظّم لذكره. 
وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب القول الذي قاله مجاهد، وهو أن معناه : أذن الله أن ترفع بناء، كما قال جلّ ثناؤهِ : وَإذْ يَرْفَعُ إبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وذلك أن ذلك هو الأغلب من معنى الرفع في البيوت والأبنية. 
وقوله : وَيُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يقول : وأَذِن لعباده أن يذكروا اسمه فيها. وقد قيل : عُنِي به أنه أذن لهم بتلاوة القرآن فيها. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قال : ثم قال : وَيُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يقول : يُتْلَى فيها كتابه. 
وهذا القول قريب المعنى مما قلناه في ذلك، لأن تلاوة كتاب الله من معاني ذكر الله. غير أن الذي قلنا به أظهر معنييه، فلذلك اخترنا القول به. 
وقوله : يُسَبّحُ لَهُ فِيها بالغُدُوّ والاَصَالِ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ اختلفت القرّاء في قراءة قوله : يُسَبّحُ لَهُ، فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار : يُسَبّحُ لَهُ بضم الياء وكسر الباء، بمعنى : يصلّي له فيها رجال، وبجعل **«يسبّح »** فعلاً ل**********«الرجال »********** وخبرا عنهم، وترفع به **********«الرجال »**********. سوى عاصم وابن عامر، فإنهما قرءا ذلك :**«يُسَبّحُ له »** بضمّ الياء وفتح الباء، على ما لم يسمّ فاعله، ثم يرفعان **********«الرجال »********** بخبر ثان مضمر، كأنهما أرادا : يسبّح الله في البيوت التي أذن الله أن ترفع، فسبّح له رجال فرفعا **********«الرجال »********** بفعل مضمر. 
والقراءة التي هي أولاهما بالصواب : قراءة من كسر الباء، وجعله خبرا ل**********«الرجال »********** وفعلاً لهم. وإنما كان الاختيار رفع الرجال بمضمر من الفعل لو كان الخبر عن البيوت لا يتمّ إلا بقوله : يُسَبّحُ لَهُ فِيها، فأما والخبر عنها دون ذلك تام، فلا وجه لتوجيه قوله : يُسَبّحُ لَهُ إلى غيره، أيْ غير الخبر عن الرجال. وعُنِي بقوله : يُسَبّحُ لَهُ فِيها بالغُدُوّ والاَصَالِ يصلّي له في هذه البيوت بالغُدُوات والعَشيات رجال. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ بن الحسن الأزديّ، قال : حدثنا المَعافى بن عمران، عن سفيان، عن عَمّار الدّهني، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال : كلّ تسبيح في القرآن فهو صلاة. 
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قال : ثم قال : يُسَبّحُ لَهُ فِيها بالغُدُوّ والاَصَالِ يقول : يصلى له فيها بالغداة والعشيّ. يعني بالغدوّ : صلاة الغَداة، ويعني بالآصال : صلاة العصر. وهما أوّل ما افترض الله من الصلاة، فأحبّ أن يذكرهما ويذكر بهما عبادته. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن الحسن : يُسَبّحُ لَهُ فِيها بالغُدُوّ والاَصَالِ رِجالٌ أذِن الله أن تُبْنى، فيصلّى فيها بالغدوّ والاَصال. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول في قوله : يُسَبّحُ لَهُ فِيها بالغُدُوّ والاَصَالِ يعني الصلاة المفروضة.

### الآية 24:37

> ﻿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ [24:37]

وقوله : رجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ يقول تعالى ذكره : لا يشغل هؤلاء الرجال الذي يصلّون في هذه المساجد التي أذن الله أن ترفع عن ذكر الله فيها وإقام الصلاة، تجارة ولا بيع. كما :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن سعيد بن أبي الحسن، عن رجل نسي اسمه في هذه الآية : فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللّهُ أنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيها اسمُهُ يُسَبّحُ لَهُ فِيها بالغُدُوّ والاَصَالِ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ. . . إلى قوله : والأبْصَارِ قال : هم قوم في تجاراتهم وبيوعهم، لا تلهيهم تجاراتهم ولا بيوعهم عن ذكر الله. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا جعفر بن سليمان، عن عمرو بن دينار، عن سالم بن عبد الله : أنه نظر إلى قوم من السّوق قاموا وتركوا ببياعاتهم إلى الصلاة، فقال هؤلاء الذين ذكر الله في كتابه : لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ. . . الآية. 
قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا هشيم، عن سيار، عمن حدثه، عن ابن مسعود، نحو ذلك. 
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هُشَيم، عن سيار، قال : حُدثت عن ابن مسعود، أنه رأى قوما من أهل السوق حيثُ نودي بالصلاة تركوا بِياعاتهم ونهضوا إلى الصلاة، فقال عبد الله : هؤلاء من الذين ذكر الله في كتابه : لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ. 
وقال بعضهم : معني ذلك : لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عن صلاتهم المفروضة عليهم. ذكر من قال ذلك :
حدّثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قال : ثم قال : رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ يقول : عن الصلاة المكتوبة. 
وقوله : وَإقامِ الصّلاةِ يقول : ولا يشغلهم ذلك أيضا عن إقام الصلاة بحدودها في أوقاتها. 
وبنحو قولنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا محمد، قال : حدثنا عوف، عن سعيد بن أبي الحسن، عن رجل نسي عوف اسمه في : وَإقامِ الصّلاةِ قال : يقومون للصلاة عند مواقيت الصلاة. 
فإن قال قائل : أو ليس قوله : وَإقامِ الصّلاةِ مصدرا من قوله أقمت ؟ قيل : بلى. فإن قال : أو ليس المصدر منه إقامة، كالمصدر من آجرت إجارة ؟ قيل : بلى. فإن قال : وكيف قال : وَإقامِ الصّلاةِ، أو تجيز أن نقول : أقمت إقاما ؟ قيل : ولكني أجيز : أعجبني إقام الصلاة. فإن قيل : وما وجه جواز ذلك ؟ قيل : إن الحكم في أقمت إذا جعل منه مصدر أن يقال إقواما، كما يقال : أقعدت فلانا إقعادا وأعطيته إعطاء ولكن العرب لما سكنت الواو من **«أقمت »** فسقطت لاجتماعها وهي ساكنة والميم ووهي ساكنة، بنَوا المصدر على ذلك إذ جاءت الواو ساكنة قبل ألف الإفعال وهي ساكنة، فسقطت الأولى منهما، فأبدلوا منها هاء في آخر الحرف، كالتكثير للحرف، كما فعلوا ذلك في قولهم : وَعَدته عِدَة، ووزنته زِنة إذ ذهبت الواو من أوّله، كثّروه من آخره بالهاء فلما أضيفت الإقامة إلى الصلاة، حذفوا الزيادة التي كانوا زادوها للتكثير، وهي الهاء في آخرها لأن الخافض وما خفض عندهم كالحرف الواحد، فاستغنَوا بالمضاف إليه من الحرف الزائد. وقد قال بعضهم في نظير ذلك :

إنّ الخَلِيطَ أجَدّوا البَيْنَ فانْجَرَدوا  وأخْلَفوكَ عِدَ الأمْرِ الّذِي وَعَدُوايريد : عدة الأمر. فأسقط الهاء من العدة لما أضافها، فكذلك ذلك في إقام الصلاة. 
وقوله : وَإيتاءِ الزّكاةِ قيل : معناه : وإخلاص الطاعة لله. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وأقِيمُوا الصّلاةَ وآتُوا الزّكاةَ وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة. وقوله : وأوْصَانِي بالصّلاةِ والزّكاةِ، وقوله : وَلَوْلا فَضْلُ اللّهُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ أبَدا، وقوله : وَحَنانا مِنْ لَدُنّا وَزَكاةً ونحو هذا في القرآن، قال : يعني بالزكاة : طاعة الله والإخرص. 
وقوله : يخافُونَ يَوْما تَتَقَلّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصَارُ يقول : يخافون يوما تتقلب فيه القلوب من هوله، بين طمع بالنجاة وحذر بالهلاك. والأبصار : أيّ ناحية يؤخذ بهم : أذات اليمين أم ذات الشمال ؟ ومن أين يُؤْتون كتبهم : أمن قِبَل الأيمان أو من قبل الشمائل ؟ وذلك يوم القيامة. ) كما :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال عبد الله بن عياش، قال زيد بن أسلم، في قول الله : فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللّهُ أنْ تُرْفَعَ. . . إلى قوله : تَتَقَلّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصَارُ يوم القيامة.

### الآية 24:38

> ﻿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [24:38]

وقوله : ليَجْزِيَهُمُ اللّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا يقول : فعلوا ذلك، يعني أنهم لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وأقاموا الصلاة وآتَوا الزكاة وأطاعوا ربهم، مخافة عذابه يوم القيامة كي يثيبهم الله يوم القيامة بأحسن أعمالهم التي عملوها في الدنيا، ويزيدهم على ثوابه إياهم على أحسن أعمالهم التي عملوها في الدنيا، من فضله، فيُفْضِل عليهم عن عنده بما أحبّ من كرامته لهم. وقوله : وَاللّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بغيرِ حِسابٍ يقول تعالى ذكره : يتفضل على من شاء وأراد من طَوْله وكرامته، مما لم يستحقه بعمله ولم يبلغه بطاعته بغير حساب يقول : بغير محاسبة على ما بذل له وأعطاه.

### الآية 24:39

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [24:39]

القول في تأويل قوله تعالى :  وَالّذِينَ كَفَرُوَاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظّمْآنُ مَآءً حَتّىَ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللّهَ عِندَهُ فَوَفّاهُ حِسَابَهُ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ . 
وهذا مَثَل ضربه الله لأعمال أهل الكفر به، فقال : والذين جحدوا توحيد ربهم وكذّبوا بهذا القرآن وبمن جاء به، مَثَل أعمالهم التي عملوها كسراب يقول : مثلُ سَراب، والسراب : ما لَصِق بالأرض، وذلك يكون نصف النهار وحين يشتدّ الحرّ. والآل ما كان كالماء بين السماء والأرض، وذلك يكون أوّل النهار، يرفع كلّ شيء ضُحًى. وقوله : بقيَعَةٍ وهي جمع قاع، كالجِيرة جمع جار، والقاع : ما انبسط من الأرض واتسع، وفيه يكون السراب. وقوله : يَحْسَبُهُ الظّمآنُ ماءٌ يقول : يظن العطشان من الناس السراب، ماء. حتى إذا جاءه والهاء من ذكر السّراب، والمعنى : حتى إذا جاء الظمآن السراب ملتمسا ماء يستغيث به من عطشه لم يَجِدْهُ شَيْئا يقول : لم يجد السراب شيئا، فكذلك الكافرون بالله من أعمالهم التي عملوها في غُرور يحسبون أَنها منجيتهم عند الله من عذابه، كما حسب الظمآن الذي رأى السراب فظنه ماء يُرْويه من ظمئه حتى إذا هلك وصار إلى الحاجة إلى عمله الذي كان يرى أنه نافعه عند الله، لم يجده ينفعه شيئا لأنه كان عمله على كفر بالله، ووجد الله هذا الكافر عند هلاكه بالمِرصاد، فوفّاه يوم القيامة حساب أعماله التي عملها في الدنيا وجازاه بها جزاءه الذي يستحقه عليه منه. 
فإن قال قائل : وكيف قيل : حتى إذَا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئا فإن لم يكن السراب شيئا، فعلام أدخلت الهاء في قوله : حتى إذَا جاءَهُ ؟ قيل : إنه شيء يُرَى من بعيد كالضباب الذي يرى كثيفا من بعيد والهباء، فإذا قرب منه المرء رقّ وصار كالهواء. وقد يحتمل أن يكون معناه : حتى إذا جاء موضع السراب لم يجد السراب شيئا، فاكتفى بذكر السراب من ذكر موضعه. وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ يقول : والله سريع حسابه لأنه تعالى ذكره لا يحتاج إلى عقد أصابع ولا حفظ بقلب، ولكنه عالم بذلك كله قبل أن يعمله العبد ومن بعد ما عمله. 
وبنحو الذي قلنا في معنى ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال : حدثنا عبيد الله بن موسى، قال : أخبرنا أبو جعفر الرازيّ، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب، قال : ثم ضرب مثلاً آخر، فقال : وَالّذِينَ كَفَرُوا أعْمَالُهُمْ كَسَرابٍ بقِيعَةٍ قال : وكذلك الكافر يجيء يوم القيامة وهو يَحْسِب أن عند الله خيرا، فلا يجد، فيُدخله النار. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن أبي جعفر الرازيّ، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب بنحوه. 
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله : أعمالُهُمْ كَسَرابٍ بقِيعَةٍ يقول : الأرض المستوية. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله : وَالّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ. . . إلى قوله : وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِساب قال : هو مَثَل ضربه الله لرجل عطش فاشتدّ عطشه، فرأى سرابا فحسبه ماء، فطلبه وظنّ أنه قد قدر عليه، حتى أتاه، فلما أتاه لم يجده شيئا، وقُبض عند ذلك. يقول : الكافر كذلك، يحسب أن عمله مُغْنٍ عنه أو نافعه شيئا، ولا يكون آتيا على شيء حتى يأتيه الموت، فإذا أتاه الموت لم يجد عمله أغنى عنه شيئا ولم ينفعه إلا كما نفع العطشانَ المشتدّ إلى السّراب. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله : كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ قال : بقاعٍ من الأرض، والسراب : عَمَلُه. زاد الحارث في حديثه عن الحسن : والسراب عمل الكافر. إذَا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئا. إتيانه إياه : موته وفراقه الدنيا. وَوَجَد اللّهَ عند فراقه الدنيا، فَوَفّاهُ حِسَابَهُ. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قَتادة، في قوله : كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ قال : بقِيعة من الأرض. يَحْسَبُهُ الظّمانُ ماءً : هو مثل ضربه الله لعمل الكافر، يقول : يحسب أنه في شيء كما يحسب هذا السراب ماء. حتى إذَا جاءَهُ لَمْ يَجدْهُ شَيْئا، وكذلك الكافر إذا مات لم يجد عمله شيئا وَوَجَدَ اللّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَالّذِينَ كَفَرُوا. . . إلى قوله : وَوَجَدَ اللّهُ عِنْدَهُ قال : هذا مَثَل ضربه الله للذين كفروا أعمْالُهُمْ كَسَراب بِقِيعَةٍ قد رأى السراب، ووثق بنفسه أنه ماء، فلما جاءه لم يجده شيئا. قال : وهؤلاء ظنوا أن أعمالهم صالحة، وأنهم سَيَرْجعون منها إلى خير، فلم يرجعوا منها إلا كما رجع صاحب السراب فهذا مَثَلٌ ضربه الله جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه. القول في تأويل قوله تعالى :  أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لّجّيّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لّمْ يَجْعَلِ اللّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ . 
وهذا مَثَل آخر ضربه الله لأعمال الكفار، يقول تعالى ذكره : ومَثَل أعمال هؤلاء الكفار في أنها عُمِلت على خطأ وفساد وضلالة وحيرة من عمالها فيها وعلى غير هدى، مَثَل ظلمات في بحر لُجّىّ. ونسب البحر إلى اللّجة، وصفا له بأنه عميق كثير الماء. ولجُة البحر : معظمه. يَغْشاهُ مَوْج يقول : يغشى البحر موج، مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ : يقول : من فوق الموج موج آخر يغشاه، مِنْ فَوْقِهِ سحَابٌ : يقول : من فوق الموج الثاني الذي يغشى الموج الأوّل سحاب. فجعل الظلمات مثلاً لأعمالهم، والبحر اللجيّ مثلاً لقلب الكافر، يقول : عَمِل بنية قلب قد غَمَره الجهل وتغشّته الضلال والحَيرة كما يغشى هذا البحر اللّجيّ موج من فوقه موج من فوقه سحاب، فكذلك قلب هذا الكافر الذي مَثَل عمله مَثَل هذه الظلمات، يغشاه الجهل بالله، بأن الله ختم عليه فلا يعقل عن الله، وعلى سمعه فلا يسمع مواعظ الله، وجعل على بصره غشاوة فلا يبصر به حجج الله، فتلك ظلمات بعضها فوق بعض. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : حدثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : أوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجّىّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سحَابٌ. . . إلى قوله : مِنْ نُورٍ قال : يعني بالظلمات : الأعمال، وبالبحر اللّجيّ : قلب الإنسان. قال : يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، قال : ظلمات بعضها فوق بعض يعني بذلك الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر. 
وهو كقوله : خَتَمَ اللّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ. . . الآية، وكقوله : أفَرأيْتَ مَنِ اتّخَذَ إلهَهُ هَوَاهُ. . . إلى قوله : أفَلا تَذَكّرُونَ. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة، في قوله : أوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرِ لجّيّ عميق، وهو مثل ضربه الله للكافر يعمل في ضلالة وحيرة، قال : ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْض. ورُوِيِ عن أُبيّ بن كعب، ما :
حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال : حدثنا عبيد الله بن موسى، قال : أخبرنا أبو جعفر الرازيّ، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعب، في قوله : أوْ كُظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجّىَ يَغْشاهُ مَوْجٌ. . . الآية، قال : ضرب مثلاً آخر للكافر، فقال : أوْ كُظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجّيّ. . . الآية، قال : فهو يتقلب في خمس من الظّلَم : فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومَدخله ظلمة، ومَخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة إلى النار. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن أبي جعفر الرازيّ، عن أبي الربيع، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب، بنحوه. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : أو كَظُلُماتٍ فِي بَحْرِ لُجّىّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ. . . إلى قوله : ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ قال : شرّ بعضه فوق بعض. 
وقوله : إذَا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاها يقول : إذا أخرج الناظر يده في هذه الظلمات، لم يكد يراها. 
فإن قال لنا قائل : وكيف قيل : لم يكد يراها، مع شدّة هذه الظلمة التي وصف، وقد علمت أن قول القائل : لم أكد أرى فلانا، إنما هو إثبات منه لنفسه رؤيته بعد جهد وشدّة، ومن دون الظلمات التي وصف في هذه الآية ما لا يرى الناظر يده إذا أخرجها فيه، فكيف فيها ؟ قيل : في ذلك أقوال نذكرها، ثم نخبر بالصواب من ذلك. أحدها : أن يكون معنى الكلام : إذا أخرج يده رائيا لها لم يكد يراها أي لم يعرف من أين يراها. والثاني : أن يكون معناه : إذا أخرج يده لم يرها، ويكون قوله : لَمْ يَكَدْ في دخوله في الكلام، نظير دخول الظنّ فيما هو يقين من الكلام، كقوله : وَظَنّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ونحو ذلك. والثالث : أن يكون قد رآها بعد بطء وجهد، كما يقول القائل لآخر : ما كدت أراك من الظلمة، وقد رآه، ولكن بعد إياس وشدة. وهذا القول الثالث أظهر معاني الكلمة من جهة ما تستعمل العرب **«أكاد »** في كلامها. والقول الآخر الذي قلنا إنه يتوجه إلى أنه بمعنى لم يرها، قول أوضح من جهة التفسير، وهو أخفى معانيه. وإنما حسُنَ ذلك في هذا الموضع، أعني أن يقول : لم يكد يراها مع شدة الظلمة التي ذكر لأن ذلك مَثَل لا خبر عن كائن كان. وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللّهُ لَهُ نُورا يقول : من من لم يرزقه الله إيمانا وهدى من الضلالة ومعرفة بكتابه، فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ يقول : فما له من إيمان وهدى ومعرفة بكتابه.

### الآية 24:40

> ﻿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ۗ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [24:40]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٩:القول في تأويل قوله تعالى : وَالّذِينَ كَفَرُوَاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظّمْآنُ مَآءً حَتّىَ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللّهَ عِندَهُ فَوَفّاهُ حِسَابَهُ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ . 
وهذا مَثَل ضربه الله لأعمال أهل الكفر به، فقال : والذين جحدوا توحيد ربهم وكذّبوا بهذا القرآن وبمن جاء به، مَثَل أعمالهم التي عملوها كسراب يقول : مثلُ سَراب، والسراب : ما لَصِق بالأرض، وذلك يكون نصف النهار وحين يشتدّ الحرّ. والآل ما كان كالماء بين السماء والأرض، وذلك يكون أوّل النهار، يرفع كلّ شيء ضُحًى. وقوله : بقيَعَةٍ وهي جمع قاع، كالجِيرة جمع جار، والقاع : ما انبسط من الأرض واتسع، وفيه يكون السراب. وقوله : يَحْسَبُهُ الظّمآنُ ماءٌ يقول : يظن العطشان من الناس السراب، ماء. حتى إذا جاءه والهاء من ذكر السّراب، والمعنى : حتى إذا جاء الظمآن السراب ملتمسا ماء يستغيث به من عطشه لم يَجِدْهُ شَيْئا يقول : لم يجد السراب شيئا، فكذلك الكافرون بالله من أعمالهم التي عملوها في غُرور يحسبون أَنها منجيتهم عند الله من عذابه، كما حسب الظمآن الذي رأى السراب فظنه ماء يُرْويه من ظمئه حتى إذا هلك وصار إلى الحاجة إلى عمله الذي كان يرى أنه نافعه عند الله، لم يجده ينفعه شيئا لأنه كان عمله على كفر بالله، ووجد الله هذا الكافر عند هلاكه بالمِرصاد، فوفّاه يوم القيامة حساب أعماله التي عملها في الدنيا وجازاه بها جزاءه الذي يستحقه عليه منه. 
فإن قال قائل : وكيف قيل : حتى إذَا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئا فإن لم يكن السراب شيئا، فعلام أدخلت الهاء في قوله : حتى إذَا جاءَهُ ؟ قيل : إنه شيء يُرَى من بعيد كالضباب الذي يرى كثيفا من بعيد والهباء، فإذا قرب منه المرء رقّ وصار كالهواء. وقد يحتمل أن يكون معناه : حتى إذا جاء موضع السراب لم يجد السراب شيئا، فاكتفى بذكر السراب من ذكر موضعه. وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ يقول : والله سريع حسابه لأنه تعالى ذكره لا يحتاج إلى عقد أصابع ولا حفظ بقلب، ولكنه عالم بذلك كله قبل أن يعمله العبد ومن بعد ما عمله. 
وبنحو الذي قلنا في معنى ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال : حدثنا عبيد الله بن موسى، قال : أخبرنا أبو جعفر الرازيّ، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب، قال : ثم ضرب مثلاً آخر، فقال : وَالّذِينَ كَفَرُوا أعْمَالُهُمْ كَسَرابٍ بقِيعَةٍ قال : وكذلك الكافر يجيء يوم القيامة وهو يَحْسِب أن عند الله خيرا، فلا يجد، فيُدخله النار. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن أبي جعفر الرازيّ، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب بنحوه. 
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله : أعمالُهُمْ كَسَرابٍ بقِيعَةٍ يقول : الأرض المستوية. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله : وَالّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ... إلى قوله : وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِساب قال : هو مَثَل ضربه الله لرجل عطش فاشتدّ عطشه، فرأى سرابا فحسبه ماء، فطلبه وظنّ أنه قد قدر عليه، حتى أتاه، فلما أتاه لم يجده شيئا، وقُبض عند ذلك. يقول : الكافر كذلك، يحسب أن عمله مُغْنٍ عنه أو نافعه شيئا، ولا يكون آتيا على شيء حتى يأتيه الموت، فإذا أتاه الموت لم يجد عمله أغنى عنه شيئا ولم ينفعه إلا كما نفع العطشانَ المشتدّ إلى السّراب. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله : كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ قال : بقاعٍ من الأرض، والسراب : عَمَلُه. زاد الحارث في حديثه عن الحسن : والسراب عمل الكافر. إذَا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئا. إتيانه إياه : موته وفراقه الدنيا. وَوَجَد اللّهَ عند فراقه الدنيا، فَوَفّاهُ حِسَابَهُ. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قَتادة، في قوله : كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ قال : بقِيعة من الأرض. يَحْسَبُهُ الظّمانُ ماءً : هو مثل ضربه الله لعمل الكافر، يقول : يحسب أنه في شيء كما يحسب هذا السراب ماء. حتى إذَا جاءَهُ لَمْ يَجدْهُ شَيْئا، وكذلك الكافر إذا مات لم يجد عمله شيئا وَوَجَدَ اللّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَالّذِينَ كَفَرُوا... إلى قوله : وَوَجَدَ اللّهُ عِنْدَهُ قال : هذا مَثَل ضربه الله للذين كفروا أعمْالُهُمْ كَسَراب بِقِيعَةٍ قد رأى السراب، ووثق بنفسه أنه ماء، فلما جاءه لم يجده شيئا. قال : وهؤلاء ظنوا أن أعمالهم صالحة، وأنهم سَيَرْجعون منها إلى خير، فلم يرجعوا منها إلا كما رجع صاحب السراب فهذا مَثَلٌ ضربه الله جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه. القول في تأويل قوله تعالى : أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لّجّيّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لّمْ يَجْعَلِ اللّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ . 
وهذا مَثَل آخر ضربه الله لأعمال الكفار، يقول تعالى ذكره : ومَثَل أعمال هؤلاء الكفار في أنها عُمِلت على خطأ وفساد وضلالة وحيرة من عمالها فيها وعلى غير هدى، مَثَل ظلمات في بحر لُجّىّ. ونسب البحر إلى اللّجة، وصفا له بأنه عميق كثير الماء. ولجُة البحر : معظمه. يَغْشاهُ مَوْج يقول : يغشى البحر موج، مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ : يقول : من فوق الموج موج آخر يغشاه، مِنْ فَوْقِهِ سحَابٌ : يقول : من فوق الموج الثاني الذي يغشى الموج الأوّل سحاب. فجعل الظلمات مثلاً لأعمالهم، والبحر اللجيّ مثلاً لقلب الكافر، يقول : عَمِل بنية قلب قد غَمَره الجهل وتغشّته الضلال والحَيرة كما يغشى هذا البحر اللّجيّ موج من فوقه موج من فوقه سحاب، فكذلك قلب هذا الكافر الذي مَثَل عمله مَثَل هذه الظلمات، يغشاه الجهل بالله، بأن الله ختم عليه فلا يعقل عن الله، وعلى سمعه فلا يسمع مواعظ الله، وجعل على بصره غشاوة فلا يبصر به حجج الله، فتلك ظلمات بعضها فوق بعض. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : حدثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : أوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجّىّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سحَابٌ... إلى قوله : مِنْ نُورٍ قال : يعني بالظلمات : الأعمال، وبالبحر اللّجيّ : قلب الإنسان. قال : يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، قال : ظلمات بعضها فوق بعض يعني بذلك الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر. 
وهو كقوله : خَتَمَ اللّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ... الآية، وكقوله : أفَرأيْتَ مَنِ اتّخَذَ إلهَهُ هَوَاهُ... إلى قوله : أفَلا تَذَكّرُونَ. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة، في قوله : أوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرِ لجّيّ عميق، وهو مثل ضربه الله للكافر يعمل في ضلالة وحيرة، قال : ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْض. ورُوِيِ عن أُبيّ بن كعب، ما :
حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال : حدثنا عبيد الله بن موسى، قال : أخبرنا أبو جعفر الرازيّ، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعب، في قوله : أوْ كُظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجّىَ يَغْشاهُ مَوْجٌ... الآية، قال : ضرب مثلاً آخر للكافر، فقال : أوْ كُظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجّيّ... الآية، قال : فهو يتقلب في خمس من الظّلَم : فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومَدخله ظلمة، ومَخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة إلى النار. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن أبي جعفر الرازيّ، عن أبي الربيع، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب، بنحوه. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : أو كَظُلُماتٍ فِي بَحْرِ لُجّىّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ... إلى قوله : ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ قال : شرّ بعضه فوق بعض. 
وقوله : إذَا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاها يقول : إذا أخرج الناظر يده في هذه الظلمات، لم يكد يراها. 
فإن قال لنا قائل : وكيف قيل : لم يكد يراها، مع شدّة هذه الظلمة التي وصف، وقد علمت أن قول القائل : لم أكد أرى فلانا، إنما هو إثبات منه لنفسه رؤيته بعد جهد وشدّة، ومن دون الظلمات التي وصف في هذه الآية ما لا يرى الناظر يده إذا أخرجها فيه، فكيف فيها ؟ قيل : في ذلك أقوال نذكرها، ثم نخبر بالصواب من ذلك. أحدها : أن يكون معنى الكلام : إذا أخرج يده رائيا لها لم يكد يراها أي لم يعرف من أين يراها. والثاني : أن يكون معناه : إذا أخرج يده لم يرها، ويكون قوله : لَمْ يَكَدْ في دخوله في الكلام، نظير دخول الظنّ فيما هو يقين من الكلام، كقوله : وَظَنّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ونحو ذلك. والثالث : أن يكون قد رآها بعد بطء وجهد، كما يقول القائل لآخر : ما كدت أراك من الظلمة، وقد رآه، ولكن بعد إياس وشدة. وهذا القول الثالث أظهر معاني الكلمة من جهة ما تستعمل العرب ****«أكاد »**** في كلامها. والقول الآخر الذي قلنا إنه يتوجه إلى أنه بمعنى لم يرها، قول أوضح من جهة التفسير، وهو أخفى معانيه. وإنما حسُنَ ذلك في هذا الموضع، أعني أن يقول : لم يكد يراها مع شدة الظلمة التي ذكر لأن ذلك مَثَل لا خبر عن كائن كان. وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللّهُ لَهُ نُورا يقول : من من لم يرزقه الله إيمانا وهدى من الضلالة ومعرفة بكتابه، فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ يقول : فما له من إيمان وهدى ومعرفة بكتابه. ---

### الآية 24:41

> ﻿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ۖ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ [24:41]

القول في تأويل قوله تعالى :  أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ يُسَبّحُ لَهُ مَن فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالطّيْرُ صَآفّاتٍ كُلّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ \* وَللّهِ مُلْكُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَإِلَىَ اللّهِ الْمَصِيرُ . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ألم تنظر يا محمد بعين قلبك فتعلم أن الله يصلي له من في السموات والأرض من مَلَك وإنس وجنّ. والطّيْرُ صَافّاتٍ في الهواء أيضا تسبح له. كُلّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَه والتسبيح عندك صلاة، فيقال : قيل : إن الصلاة لبني آدم والتسبيح لغيرهم من الخلق، ولذلك فصّل فيما بين ذلك. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : ثني عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : يُسّبّحُ لَهُ مَنْ فِي السّمَوَاتِ والأرْضِ والطّيْرُ صَافّات كُلّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ قال : والصلاة للإنسان، والتسبيح لما سوى ذلك من الخلق. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد : قوله : أَلَمْ تَرَ أنّ اللّهَ يُسَبّحُ لَهُ مَنْ فِي السّمَوَاتِ والأرْضِ والطّيْرُ صَافّاتٍ كُلّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ قال : صلاته : للناس، وتسبيحه : عامة لكلّ شيء. 
ويتوجه قوله : كُلّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ لوجوه : أحدها : أن تكون الهاء التي في قوله : صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ من ذكر **«كلّ »**، فيكون تأويل الكلام : كل مصلّ ومسبح منهم قد علم الله صلاته وتسبيحه، ويكون ********«الكلّ »******** حينئذٍ مرتفعا بالعائد من ذكره في قوله : كُلّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ، وهو الهاء التي في الصلاة. 
والوجه الآخر : أن تكون الهاء في الصلاة والتسبيح أيضا ل********«الكلّ »********، ويكون ********«الكلّ »******** مرتفعا بالعائد من ذكره عليه في : عَلِمَ، ويكون : عَلِمَ فعلاً ل********«الكلّ »********، فيكون تأويل الكلام حينئذٍ : قد علم كلّ مصلّ ومسبح منهم صلاة نفسه وتسبيحه الذي كُلّفه وأُلْزمه. 
والوجه الاَخر : أن تكون الهاء في الصلاة والتسبيح من ذكر الله، والعلم ل**«الكل »**، فيكون تأويل الكلام حينئذٍ : قد علم كلّ مسبّح ومُصَلّ صلاة الله التي كلّفه إياها، وتسبيحه. وأظهر هذه المعاني الثلاثة على هذا الكلام المعنى الأوّل، وهو أن يكون المعنى : كلّ مصلّ منهم ومسبّح، قد علم الله صلاته وتسبيحه. 
وقوله : وَاللّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ يقول تعالى ذكره : والله ذو علم بما يفعل كلّ مصلّ ومسبح منهم، لا يخفى عليه شيء من أفعالهم، طاعتها ومعصيتها، محيط بذلك كله، وهو مجازيهم على ذلك كله.

### الآية 24:42

> ﻿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [24:42]

وقوله : وَلِلّهِ مُلْكُ السّمَوَاتِ والأرْضِ يقول جلّ ثناؤه : ولله سلطان السموات والأرض وملكها، دون كلّ من هو دونه من سلطان وملِك، فإياه فارهبوا أيها الناس، وإليه فارغبوا لا إلى غيره، فإن بيده خزائن السموات والأرض، لا يخشى بعطاياكم منها فقرا. وَإلى اللّهِ المَصِيرُ : يقول : وأنتم إليه بعد وفاتكم، مصيركم ومَعادكم، فيوفيكم أجور أعمالكم التي عملتموها في الدنيا، فأحسنوا عبادته، واجتهدوا في طاعته، وقدّموا لأنفسكم الصالحاتِ من الأعمال. )

### الآية 24:43

> ﻿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ ۖ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ [24:43]

القول في تأويل قوله تعالى :  أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمّ يُؤَلّفُ بَيْنَهُ ثُمّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَيُنَزّلُ مِنَ السّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مّن يَشَآءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصَارِ \* يُقَلّبُ اللّهُ اللّيْلَ وَالنّهَارَ إِنّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأولي الأبْصَارِ . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ألَمْ تَرَ يا محمد أنّ اللّهَ يُزْجِي يعني يسوق سَحَابا حيث يريد. ثُمّ يُؤَلّفُ بَيْنَهُ : يقول : ثم يؤلف بين السحاب. وأضاف ****«بين »**** إلى السحاب، ولم يذكر معه غيره، و****«بين »**** لا تكون مضافة إلا إلى جماعة أو اثنين، لأن السحاب في معنى جمع، واحده سحابة، كما يجمع النخلة : نَخْل، والتمرة : تمر، فهو نظير قول قائل : جلس فلان بين النخل. وتأليفُ الله السحاب : جمعه بين متفرّقها. 
وقوله : ثُمّ يَجْعَلُهُ رُكاما يقول : ثم يجعل السحاب الذي يزجيه ويؤلف بعضه إلى بعض رُكاما يعني : متراكما بعضه على بعض. وقد :
حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال : أخبرنا خالد، قال : حدثنا مطر، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عُبيد بن عُمير الليثيّ، قال : الرياح أربع : يبعث الله الريح الأولى فتقمّ الأرض قَمّا، ثم يبعث الثانية فتنشئ سحابا، ثم يبعث الثالثة فتؤلف بينه فتجعله رُكاما، ثم يبعث الرابعة فتمطره. 
وقوله : فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاِلِهِ يقول : فترى المطر يخرج من بين السحاب، وهو الوَدْق، قال الشاعر :

فَلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَها  وَلا أرْضَ أبْقَلَ إبْقَالَهَاوالهاء في قوله : مِنْ خِلالِهِ من ذكر السحاب، والخلال : جمع خَلَل. وذُكر عن ابن عباس وجماعة أنهم كانوا يقرءون ذلك :**«مِنْ خَلَلَهِ »**. 
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا حِرْميّ بن عُمارة، قال : حدثنا شعبة، قال : حدثنا قَتادة، عن الضحاك بن مزاحم أنه قرأ هذا الحرف : فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ :****«مِنْ خَلَلِهِ »****. 
قال : حدثنا شُعبة، قال : أخبرني عُمارة، عن رجل، عن ابن عباس، أنه قر هذا الحرف : فَتَرى الوَدْقَ يَخْرجُ مِنْ خِلالِهِ :**«من خَلَله »**. 
حدثنا أحمد بن يوسف، قال : حدثنا القاسم، قال : حدثنا حجاج، عن هارون، قال : أخبرني عُمارة بن أبي حفصة، عن رجل، عن ابن عباس، أنه قرأها :****«مِنْ خَلَلِهِ »**** بفتح الخاء، من غير ألف. 
قال هارون : فذكرت ذلك لأبي عمرو، فقال : إنها لحسنة، ولكن خِلاله أعمّ. 
وأما قرّاء الأمصار، فإنهم على القراءة الآخرى : مِنْ خِلاَلِهِ وهي التي نختار، لإجماع الحجة من القراء عليها. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ قال : الودّق : القطر، والخِلال : السحاب. 
وقوله : وَيُنَزّلُ مِنَ السّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ : قيل في ذلك قولان : أحدهما : أن معناه : وأن الله ينزل من السماء من جبال في السماء من بَرَد، مخلوقة هنالك خلقه. كأن الجبال على هذا القول، هي من بَرَد، كما يقال : جبال من طين. والقول الاَخر : أن الله ينزل من السماء قَدْر جبال وأمثال جبال من بَرَد إلى الأرض، كما يقال : عندي بَيْتان تبنا. والمعنى : قدر بيتين من التبن، والبيتان ليسا من التبن. 
وقوله : فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَمّنْ يَشاءُ يقول : فيعذّب بذلك الذي ينزل من السماء من جبال فيها من بَرَد من يشاء فيهلكه، أو يهلك به زروعه وماله. وَيَصْرِفُهُ عَمّنْ يَشاءُ من خلقه، يعني عن زروعهم وأموالهم. 
وقوله : يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بالأبْصَارِ يقول : يكاد شدّة ضوء برق هذا السحاب يذهب بأبصار من لاقى بصره. والسنا : مقصور، وهو ضوء البرق. ) كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الخُراسانيّ، عن ابن عباس، قوله : يَكادُ سَنا بَرْقِهِ قال : ضوء برقه. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قَتادة، في قوله : يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يقول : لَمَعان البرق يذهب بالأبصار. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بالأبْصَارِ قال : سناه : ضوء يذهب بالأبصار. 
وقرأت قرّاء الأمصار : يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بفتح الياء من **«يَذْهب »**، سوى أبي جعفر القارئ فإنه قرأه بضم الياء :**«يُذْهِبُ بالأبْصَارِ »**. 
والقراءة التي لا أختار غيرها هي فتحها، لإجماع الحجة من القرّاء عليها، وأن العرب إذا أدخلت الباء في مفعول **«ذهبت »**، لم يقولوا : إلا ذهب به، دون أذهبت به. وإذا أدخلوا الألف في **«أذهبت »**، لم يكادوا أن يدخلوا الباء في مفعوله، فيقولون : أذهبته، وذهبت به.

### الآية 24:44

> ﻿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ [24:44]

وقوله : يُقَلّبُ اللّهُ اللّيْلَ والنّهارَ يقول : يُعْقِب الله بين الليل والنهار ويصرفهما، إذا أذهب هذا جاء هذا، وإذا أَذهب هذا جاء هذا. إنّ فِي ذلكَ لَعِبْرَةً لأولي الأبْصَارِ يقول : إنّ في إنشاء الله السحاب وإنزاله منه الوَدّقَ ومن السماء البردَ وفي تقليبه الليل والنهار، لعبرةً لمن اعتبر به وعظةً لمن اتعظ به ممن له فهم وعقل لأن ذلك ينبئ ويدلّ على أنه له مدبّرا ومصرّفا ومقلّبا، لا يشبهه شيء.

### الآية 24:45

> ﻿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ ۚ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [24:45]

القول في تأويل قوله تعالى :  وَاللّهُ خَلَقَ كُلّ دَآبّةٍ مّن مّآءٍ فَمِنْهُمْ مّن يَمْشِي عَلَىَ بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مّن يَمْشِي عَلَىَ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مّن يَمْشِي عَلَىَ أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللّهُ مَا يَشَآءُ إِنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . 
اختلفت القرّاء في قراءة قوله : وَاللّهُ خَلَق كُلّ دابّةٍ مِنْ ماءٍ فقرأته عامة قرّاء الكوفة غير عاصم :**«وَاللّهْ خالِقُ كُلّ دَابّةٍ »**. وقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة وعاصم : وَاللّهُ خَلَقَ كُلّ دابّةٍ بنصب **«كلّ »**، و**«خَلَقَ »** على مثال **«فَعَل »**. وهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، وذلك أن الإضافة في قراءة من قرأ ذلك **«خالق »** تدلّ على أن معنى ذلك المضيّ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وقوله : خَلَقَ كُلّ دَابّةٍ مِنْ ماءٍ يعني : من نطفة. فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ كالحياة وما أشبهها. وقيل إنما قيل : فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ والمشي لا يكون على البطن لأن المشي إنما يكون لما له قوائم، على التشبيه، وأنه لما خالط ما له قوائمُ ما لا قوائمَ له، جاز، كما قال : وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ كالطير، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ كالبهائم. 
فإن قال قائل : فكيف قيل : فمنهم من يمشي، و****«مَن »**** للناس، وكلّ هذه الأجناس أو أكثرها لغيرهم ؟ قيل : لأنه تفريق ما هو داخل في قوله : وَاللّهُ خَلَقَ كُلّ دَابّةٍ وكان داخلاً في ذلك الناس وغيرهم، ثم قال : فمنهم لاجتماع الناس والبهائم وغيرهم في ذلك واختلاطهم، فكنى عن جميعهم كنايته عن بني آدم، ثم فسرهم ب****«مَن »****، إذ كان قد كنى عنهم كناية بني آدم خاصة. يَخْلُقُ اللّهُ ما يَشاءُ يقول : يحدث الله ما يشاء من الخلق. إنّ اللّهَ عَلى كُلّ شَيْءٍ قَديرٌ يقول : إن الله على إحداث ذلك وخلقه وخلق ما يشاء من الأشياء غيره، ذو قدرة لا يتعذّر عليه شيء أراد.

### الآية 24:46

> ﻿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ ۚ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [24:46]

القول في تأويل قوله تعالى :  لّقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ مّبَيّنَاتٍ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ . 
يقول تعالى ذكره : لقد أنزلنا أيّها الناس علامات واضحات، دالاّت على طريق الحقّ، وسبيل الرشاد. وَاللّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يقول : والله يرشد من يشاء من خلقه بتوفيقه، فيهديه إلى دين الإسلام، وهو الصراط المستقيم والطريق القاصد الذي لا اعوجاج فيه.

### الآية 24:47

> ﻿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ [24:47]

القول في تأويل قوله تعالى :  وَيِقُولُونَ آمَنّا بِاللّهِ وَبِالرّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمّ يَتَوَلّىَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ مّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَآ أُوْلََئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ \* وَإِذَا دُعُوَاْ إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ مّعْرِضُونَ . 
يقول تعالى ذكره : ويقول المنافقون : صدّقنا بالله وبالرسول وأطعنا الله وأطعنا الرسول. ثُمّ يَتَوَلّى فريق مِنْهُمْ يقول : ثم تُدْبِر كلّ طائفة منهم من بعد ما قالوا هذا القول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتدعو إلى المحاكمة إلى غيره خصمَها. وَما أُولَئِكَ بالمُؤْمِنِينَ يقول : وليس قائلو هذه المقالة، يعني قوله : آمَنّا باللّهِ وَبالرّسُولِ وأطَعْنا بالمؤمنين، لتركهم الاحتكام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإعراضهم عنه إذا دُعُوا إليه.

### الآية 24:48

> ﻿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ [24:48]

وقوله : وَإذَا دُعُوا إلى اللّهِ وَرَسُولِهِ يقول : وإذا دُعِي هؤلاء المنافقون إلى كتاب الله وإلى رسوله لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ فيما اختصموا فيه بحكم الله، إذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ عن قبول الحقّ والرضا بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

### الآية 24:49

> ﻿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ [24:49]

القول في تأويل قوله تعالى :  وَإِن يَكُنْ لّهُمُ الْحَقّ يَأْتُوَاْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ \* أَفِي قُلُوبِهِمْ مّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوَاْ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلََئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ . 
يقول تعالى ذكره : وإن يكن الحقّ لهؤلاء الذين يدعون إلى الله ورسوله ليحكم بينهم، فيأبَون ويُعْرِضون عن الإجابة إلى ذلك، قِبَلَ الذين يدعونهم إلى الله ورسوله، يأتوا إلى رسول الله مذعنين، يقول مُذْعِنِينَ منقادين لحكمه، مقرّين به طائعين غير مكرهين يقال منه : قد أذعن فلان بحقه : إذا أقرّ به طائعا غير مستكْرَه وانقاد له وسلّم. وكان مجاهد فيما ذكر عنه يقول في ذلك، ما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله : يَأْتُوا إلَيهِ مُذْعِنِينَ قال : سِراعا.

### الآية 24:50

> ﻿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ۚ بَلْ أُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [24:50]

وقوله : أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يقول تعالى ذكره : أفي قلوب هؤلاء الذين يُعْرِضون إذا دُعُوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم، شكّ في رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لله رسول فهم يمتنعون من الإجابة إلى حكمه والرضا به. أمْ يَخافُونَ أن يَحِيفَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ إذا احتكموا إلى حكم كتاب الله وحكم رسوله. وقوله : أن يَحيفَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ والمعنى : أن يحيف رسولُ الله عليهم، فبدأ بالله تعالى ذكره تعظيما لله، كما يقال : ما شاء الله ثم شئت، بمعنى : ما شئت. ومما يدلّ على أن معنى ذلك كذلك قوله : وَإذَا دُعُوا إلى اللّهِ وَرَسُولهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ فأفرد الرسول بالحكم، ولم يقُل : ليحكما. وقوله : بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ يقول : ما خاف هؤلاء المعرضون عن حكم الله وحكم رسوله، إذ أعرضوا عن الإجابة إلى ذلك، مما دُعوا إليه، أن يحيف عليهم رسول الله، فيجورَ في حكمه عليهم ولكنهم قوم أهل ظلم لأنفسهم بخلافهم أمر ربهم ومعصيتهم الله فيما أمرهم من الرضا بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أحبوا وكرهوا، والتسليم له. )

### الآية 24:51

> ﻿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [24:51]

القول في تأويل قوله تعالى :  إِنّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوَاْ إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلََئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . 
يقول تعالى ذكره : إنما كان ينبغي أن يكون قول المؤمنين إذا دُعُوا إلى حكم الله وإلى حكم رسوله، لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ وبين خصومهم، أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا ما قيل لنا، وأطَعْنا من دعانا إلى ذلك. ولم يُعْنَ بكان في هذا الموضع الخبر عن أمر قد مضى فيقضى، ولكنه تأنيب من الله الذي أُنزلت هذه الآية بسببهم وتأديب منه آخرين غيرهم. وقوله : وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ يقول تعالى ذكره : والذين إذا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم وبين خصومهم، أن يقولوا : سمعنا وأطعنا. المفلحون : يقول : هم المنجِحون المدّركون طَلِباتهم، بفعلهم ذلك، المخلدون في جنات الله.

### الآية 24:52

> ﻿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [24:52]

القول في تأويل قوله تعالى :  وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللّهَ وَيَتّقْهِ فَأُوْلََئِكَ هُمُ الْفَآئِزُون . 
يقول تعالى ذكره : ومن يطع الله ورسوله فيما أمره ونهاه، ويسلّمْ لحكمهما له وعليه، ويَخَفْ عاقبة معصية الله ويحذره، ويتق عذاب الله بطاعته إياه في أمره ونهيه فَأُولَئِكَ يقول : فالذين يفعلون ذلك هم الفائزون برضا الله عنهم يوم القيامة وأمنهم من عذابه. ) القول في تأويل قوله تعالى :  وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنّ قُل لاّ تُقْسِمُواْ طَاعَةٌ مّعْرُوفَةٌ إِنّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ . 
يقول تعالى ذكره : وحلف هؤلاء المعرِضون عن حكم الله وحكم رسوله إذ دعوا إليه باللّهِ جَهْدَ أيمَانِهِمْ يقول : أغلظ أيمانهم وأشدّها : لَئِنْ أمَرْتَهُمْ يا محمد بالخروج إلى جهاد عدوّك وعدوّ المؤمنين لَيَخْرُجُنّ قُلْ لا تُقْسمُوا لا تحلفوا، فإن هذه طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ منكم، فيها التكذيب. كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله : قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ قال : قد عُرفت طاعتكم إليّ أنكم تكذبون. إنّ اللّهَ خَبيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ يقول : إن الله ذو خبرة بما تعملون من طاعتكم الله ورسوله، أو خلافكم أمرهما أو غير ذلك من أموركم، لا يخفي عليه من ذلك شيء، وهو مجازيكم بكل ذلك.

### الآية 24:53

> ﻿۞ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ۖ قُلْ لَا تُقْسِمُوا ۖ طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [24:53]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥٢:القول في تأويل قوله تعالى : وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللّهَ وَيَتّقْهِ فَأُوْلََئِكَ هُمُ الْفَآئِزُون . 
يقول تعالى ذكره : ومن يطع الله ورسوله فيما أمره ونهاه، ويسلّمْ لحكمهما له وعليه، ويَخَفْ عاقبة معصية الله ويحذره، ويتق عذاب الله بطاعته إياه في أمره ونهيه فَأُولَئِكَ يقول : فالذين يفعلون ذلك هم الفائزون برضا الله عنهم يوم القيامة وأمنهم من عذابه. ) القول في تأويل قوله تعالى : وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنّ قُل لاّ تُقْسِمُواْ طَاعَةٌ مّعْرُوفَةٌ إِنّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ . 
يقول تعالى ذكره : وحلف هؤلاء المعرِضون عن حكم الله وحكم رسوله إذ دعوا إليه باللّهِ جَهْدَ أيمَانِهِمْ يقول : أغلظ أيمانهم وأشدّها : لَئِنْ أمَرْتَهُمْ يا محمد بالخروج إلى جهاد عدوّك وعدوّ المؤمنين لَيَخْرُجُنّ قُلْ لا تُقْسمُوا لا تحلفوا، فإن هذه طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ منكم، فيها التكذيب. كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله : قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ قال : قد عُرفت طاعتكم إليّ أنكم تكذبون. إنّ اللّهَ خَبيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ يقول : إن الله ذو خبرة بما تعملون من طاعتكم الله ورسوله، أو خلافكم أمرهما أو غير ذلك من أموركم، لا يخفي عليه من ذلك شيء، وهو مجازيكم بكل ذلك. ---

### الآية 24:54

> ﻿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ۖ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ ۖ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ۚ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [24:54]

القول في تأويل قوله تعالى :  قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرّسُولَ فَإِن تَوَلّوْاْ فَإِنّمَا عَلَيْهِ مَا حُمّلَ وَعَلَيْكُمْ مّا حُمّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ وَمَا عَلَى الرّسُولِ إِلاّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ . 
يقول تعالى ذكره : قُلْ يا محمد لهؤلاء المقسمين بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليُخرجُنّ وغيرهم من أمتك : أطِيعُوا اللّهَ أيها القوم فيما أمركم به ونهاكم عنه. وأطِيعُوا الرّسُولَ فإن طاعته لله طاعة. فإن تَوَلّوْا يقول : فإن تُعْرِضوا وتُدْبِروا عما أمركم به رسول الله صلى الله عليه وسلم أو نهاكم عنه، وتأبَوا أن تُذْعنوا لحكمه لكم وعليكم. فإنّمَا عَلَيْهِ ما حُمّلَ يقول : فإنما عليه فعل ما أُمِر بفعله من تبليغ رسالة الله إليكم، على ما كلّفه من التبليغ. وَعَلَيْكُمْ ما حُمّلْتُمْ يقول : وعليكم أيها الناس أن تفعلوا ما أَلزمكم وأوجب عليكم من اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم والانتهاء إلى طاعته فيما أمركم ونهاكم. 
وقلنا : إن قوله : فإنْ تَوَلّوْا بمعنى : فإن تتولوا، فإنه في موضع جزم لأنه خطاب للذين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم : أطِيعُوا اللّهَ وأطِيعُوا الرّسُولَ يدلّ على أن ذلك كذلك قوله : وَعَلَيْكُمْ ما حُمّلْتمْ، ولو كان قوله : تَوَلّوْا فعلاً ماضيا على وجه الخبر عن غيب، لكان في موضع قوله : وَعَلَيْكُمْ ما حُمّلْتُمْ وَعَلَيْهِمْ ما حُمّلُوا. 
وقوله : وَإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا يقول تعالى ذكره : وإن تطيعوا أيها الناس رسول الله فيما يأمركم وينهاكم، تَرْشُدوا وتصيبوا الحقّ في أموركم. وَما عَلى الرّسُولِ إلاّ البَلاغُ المُبِينُ يقول : وغير واجب على من أرسله الله إلى قوم برسالة إلا أن يبلّغهم رسالته بلاغا يبين لهم ذلك البلاغ عما أراد الله به، يقول : فليس على محمد أيها الناس إلا أداء رسالة الله إليكم وعليكم الطاعة وإن أطعتموه لحظوظ أنفسكم تصيبون، وإن عصيتموه بأنفْسكم فتوبقون.

### الآية 24:55

> ﻿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [24:55]

القول في تأويل قوله تعالى :  وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنّ لَهُمْ دِينَهُمُ الّذِي ارْتَضَىَ لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلََئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ . 
يقول تعالى ذكره : وَعَدَ اللّهُ الّذِين آمَنُوا بالله ورسوله مِنْكُمْ أيها الناس، وَعمِلُوا الصّالِحاتِ يقول : وأطاعوا الله ورسوله فيما أمراه ونهياه لَيَسْتَخْلِفَنّهُمْ فِي الأرْضِ يقول : لَيُورثنهم الله أرض المشركين من العرب والعجم، فيجعلهم ملوكها وساستها. كمَا اسْتَخْلَفَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يقول : كما فعل من قبلهم ذلك ببني إسرائيل، إذ أهلك الجبابرة بالشأم وجعلهم ملوكها وسكانها. وَلَيُمَكّنَنّ لَهُمْ دِينَهُمُ الّذِي ارْتَضَى لَهُمْ يقول : وليوطئنّ لهم دينهم، يعني ملتهم التي ارتضاها لهم فأمرهم بها. وقيل : وعد الله الذين آمنوا، ثم تلقى ذلك بجواب اليمين بقوله : لَيَسْتَخْلفنّهُمْ لأن الوعد قول يصلح فيه **«أن »**، وجواب اليمين كقوله : وعدتك أن أكرمك، ووعدتك لأكرمنك. 
واختلف القرّاء في قراءة قوله : كمَا اسْتَخْلَفَ فقرأته عامة القرّاء : كمَا اسْتَخْلَفَ بفتح التاء واللام، بمعنى : كما استخلف الله الذين من قبلهم من الأمم. وقرأ ذلك عاصم :**«كمَا اسْتُخْلِفَ »** بضم التاء وكسر اللام، على مذهب ما لم يْسَمّ فاعله. 
واختلفوا أيضا في قراءة قوله : وَلَيُبَدّلَنّهُمْ فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار سوى عاصم : وَلَيُبْدّلنّهُمْ بتشديد الدال، بمعنى : وليغّيرَنّ حالهم عما هي عليه من الخوف إلى الأمن، والعرب تقول : قد بُدّل فلان : إذا غيرت حاله ولم يأت مكان غيره، وكذلك كلّ مغير عن حاله فهو عندهم مبدّل بالتشديد. وربما قيل بالتخفيف، وليس بالفصيح. فأما إذا جعل مكان الشيء المبدل غيره، فذلك بالتخفيف : أَبْدلته فهو مُبْدَل. وذلك كقولهم : أُبدل هذا الثوب : أي جُعِل مكانه آخر غيره، وقد يقال بالتشديد غير أن الفصيح من الكلام ما وصفت. وكان عاصم يقرؤه :**«وَلَيُبْدِلَنّهُمْ »** بتخفيف الدال. 
والصواب من القراءة في ذلك : التشديد، على المعنى الذي وصفت قبلُ، لإجماع الحجة من قرّاء الأمصار عليه، وأن ذاك تغيير حال الخوف إلى الأمن. وأرى عاصما ذهب إلى أن الأمن لما كان خلاف الخوف وجّه المعنى إلى أنه ذهب بحال الخوف وجاء بحال الأمن، فخفّف ذلك. 
ومن الدليل على ما قلنا من أن التخفيف إنما هو ما كان في إبدال شيء مكان آخر، قول أبي النجم :
\*\*\* عَزْلُ الأمِيرِ للأَمَيرِ المُبْدَلِ \*\*\*
وقوله : يَعْبُدُونَني يقول : يخضعون لي بالطاعة ويتذللون لأمري ونهيي. لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئا يقول : لا يشركون في عبادتهم إياي الأوثان والأصنام ولا شيئا غيرها، بل يخلصون لي العبادة فيفردونها إليّ دون كلّ ما عُبد من شيء غيري. وذُكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل شكاية بعض أصحابه إليه في بعض الأوقات التي كانوا فيها من العدوّ في خوف شديد مما هُمْ فيه من الرّعب والخوف وما يَلْقَون بسبب ذلك من الأذى والمكروه. ذكر الرواية بذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قوله : وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحات. . . الآية، قال : مكث النبيّ صلى الله عليه وسلم عَشْر سنين خائفا يدعو إلى الله سرّا وعلانية، قال : ثم أُمر بالهجرة إلى المدينة. قال : فمكث بها هو وأصحابه خائفون، يُصبحون في السلاح ويُمسون فيه، فقال رجل : ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح فقال النبي صلى الله عليه وسلم :**«لا تَغْبُرُونَ إلاّ يَسِيرا حتى يَجْلِسَ الرّجُلُ مِنْكُمْ فِي المَلإ العَظيمِ مُحْتَبِيا فِيهِ لَيْسَ فِيهِ حَدِيدَةٌ »**. فأنزل الله هذه الآية : وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ. . . إلى قوله : فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلكَ » قال : يقول : من كفر بهذه النعمة فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسقُونَ وليس يعني الكفر بالله. قال : فأظهره الله على جزيرة العرب، فآمنوا، ثم تجَبّروا، فغَيّر الله ما بهم. وكفروا بهذه النعمة، فأدخل الله عليهم الخوف الذي كان رفعه عنهم قال القاسم : قال أبو عليّ : بقتلهم عثمان بن عفان رضي الله عنه. 
واختلف أهل التأويل في معنى الكفر الذي ذكره الله في قوله : فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلكَ فقال أبو العالية ما ذكرنا عنه من أنه كفر بالنعمة لا كفر بالله. ورُوى عن حُذيفة في ذلك ما :
حدثنا به ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي الشعثاء، قال : كنت جالسا مع حُذيفة وعبد الله بن مسعود، فقال حُذيفة : ذهب النفاق، وإنما كان النفاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو الكفر بعد الإيمان قال : فضحك عبد الله، فقال : لم تقول ذلك ؟ قال : علمت ذلك، قال : وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنّهُمْ فِي الأرْضِ. . . حتى بلغ آخرها. 
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، قال : حدثنا شعبة، عن أبي الشّعْثاء، قال : قعدت إلى ابن مسعود وحُذيفة، فقال حذيفة : ذهب النّفاق فلا نفاق، وإنما هو الكفر بعد الإيمان فقال عبد الله : تعلم ما تقول ؟ قال : فتلا هذه الآية : إنّمَا كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ. . . حتى بلغ : فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسقُونَ قال : فضحك عبد الله. قال : فلقيت أبا الشعثاء بعد ذلك بأيام، فقلت : من أيّ شيء ضحك عبد الله ؟ قال : لا فلقيت أبا الشعثاء بعد ذلك بأيام، فقلت : من أيّ شيء ضحك عبد الله ؟ قال : لا أدري، إن الرجل ربما ضحك من الشيء الذي يُعْجبه وربما ضحك من الشيء الذي لا يعجبه، فمن أيّ شيء ضحك ؟ لا أدري. 
والذي قاله أبو العالية من التأويل أشبه بتأويل الآية، وذلك أن الله وعد الإنعام على هذه الأمة بما أخبر في هذه الآية أنه منعم به عليهم ثم قال عقيب ذلك : فمن كفر هذه النعمة بعد ذلك فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قول الله : يَعْبُدونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئا قال : تلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد : أمنا يَعْبُدونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئا قال : لا يخافون غيري.

### الآية 24:56

> ﻿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [24:56]

القول في تأويل قوله تعالى :  وَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَاةَ وَأَطِيعُواْ الرّسُولَ لَعَلّكُمْ تُرْحَمُونَ \* لاَ تَحْسَبَنّ الّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ . 
يقول تعالى ذكره : وأقيمُوا أيها الناس الصّلاةَ بحدودها فلا تضيعوها. وآتُوا الزّكاةَ التي فرضها الله عليكم أهلها، وأطيعوا رسول ربكم فيما أمركم ونهاكم. لَعَلّكُمْ تُرْحَمُونَ يقول : كي يرحمكم ربكم فينجيكم من عذابه،

### الآية 24:57

> ﻿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۖ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ [24:57]

وقوله : لا تَحْسَبنّ الّذِينَ كَفَرُوا مُعْجزِينَ فِي الأرْضِ يقول تعالى ذكره : لا تحسبنّ يا محمد الذين كفروا بالله معجزيه في الأرض إذا أراد إهلاكهم. ومأْوَاهُم بعد هلاكهم النّارُ وَلَبِئْسَ المَصِيرُ الذي يصيرون إليه ذلك المأوى. وقد كان بعضهم يقول :**«لا يحسبنّ الذين كفروا »** بالياء. وهو مذهب ضعيف عند أهل العربية وذلك أن **«تحسب »** محتاج إلى منصوبين. وإذا قرىء **«يَحْسَبنّ »** لم يكن واقعا إلاّ على منصوب واحد، غير أني أحسب أن قائله بالياء ظنّ أنه قد عمل في **«معجزين »**، وأن منصوبه الثاني في **«الأرض »**، وذلك لا معنى له إن كان ذلك قصد.

### الآية 24:58

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ۚ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ۚ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [24:58]

القول في تأويل قوله تعالى : يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاَثَ مَرّاتٍ مّن قَبْلِ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مّنَ الظّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَآءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنّ طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَىَ بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيات وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . 
اختلف أهل التأويل في المعنى بقوله : ليَسْتأْذِنْكُمُ الّذِينَ مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ فقال بعضهم : عُني بذلك الرجال دون النساء، ونهوا عن أن يدخلوا عليهم في هذه الأوقات الثلاثة هؤلاء الذين سُمّوا في هذه الآية إلاّ بإذن. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عَنبسة، عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر، قوله : لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الّذِينَ مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ قال : هي على الذكور دون الإناث. 
وقال آخرون : بل عُنِي به الرجال والنساء. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن، في قوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتأذِنْكُمُ الّذِينَ مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ قال : هي في الرجال والنساء، يستأذنون على كلّ حال، بالليل والنهار. 
وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال : عُني به الذكور والإناث لأن الله عمّ بقوله : الّذِينَ مَلَكَتْ أيمانُكُمْ جميع أملاك أيماننا، ولم يخصص منهم ذكرا ولا أنثى فذلك على جميع من عمه ظاهر التنزيل. 
فتأويل الكلام : يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله، ليستأذنكم في الدخول عليكم عبيدُكم وإماؤكم، فلا يدخلوا عليكم إلاّ بإذن منكم لهم. 
وَالّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنْكُمْ يقول : والذين لم يحتلموا من أحراركم ثلاث مرّات، يعني ثلاث مرات في ثلاثة أوقات من ساعات ليلكم ونهاركم. كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، في قوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتأْذِنْكُمُ الّذِينَ مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ قال : عبيدكم المملوكون. وَالّذينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ منْكُمْ قال : لم يحتلموا من أحراركم. 
قال ابن جُرَيج : قال لي عطاء بن أبي رباح : فذلك على كل صغير وصغيرة أن يستأذن، كما قال : ثَلاَثَ مرّاتٍ منْ قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ قالوا : هي العَتَمة. قلت : فإذا وضعوا ثيابهم بعد العتمة استأذنوا عليهم حتى يصبحوا ؟ قال نعم. قلت لعطاء : هل استئذانهم إلاّ عند وضع الناس ثيابهم ؟ قال : لا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن صالح بن كيسان ويعقوب بت عُتبة وإسماعيل بن محمد، قالوا : لا استئذان على خدم الرجل عليه إلاّ في العورات الثلاث. 
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله : لِيَسْتأذِنْكُمُ الّذِينَ مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ يقول : إذا خلا الرجل بأهله بعد صلاة العشاء، فلا يدخل عليه خادم ولا صبيّ إلاّ بإذن حتى يصلّي الغداة، فإذا خلا بأهله عند صلاة الظهر فمثل ذلك. 
حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني قرة بن عبد الرحمن، عن ابن شهاب، عن ثعلبة، عن أبي مالك القرظي : أنه سأل عبد الله بن سُوَيد الحارثيّ، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن الإذن في العورات الثلاث، فقال : إذا وضعت ثيابي من الظهيرة، لم يلج عليّ أحد من الخدم الذي بلغ الحلم ولا أحد ممن لم يبلغ الحلم من الأحرار، إلاّ بإذن. 
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن عُلَية، عن ابن جُرَيج، قال : سمعت عطاء يقول : قال ابن عباس : ثلاث آيات جَحَدَهنّ الناس : الإذن كله، وقال : إنّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أتْقاكُمْ وقال الناس : أكرمكم أعظمكم بيتا، ونسيت الثالثة. 
حدثنا ابن أبي الشوارب، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا يونس، عن الحسن، في هذه الآية : لِيَسْتأْذِنْكُمُ الّذِينَ مَلَكَتْ أيمانُكُمْ قال : كان الحسن يقول : إذا أبات الرجل خادمه معه فهو إذنه، وإن لم يبته معه استأذن في هذه الساعات. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا يحيى بن سعيد، قال : حدثنا سفيان، قال : ثني موسى بن أبي عائشة، عن الشعبيّ في قوله : لِيَسْتأْذِنْكُمُ الّذِينَ مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ قال : لم تُنسخ. قلت : إن الناس لا يعملون به قال : الله المستعان. 
قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، عن الشعبيّ، وسألته عن هذه الآية : لِيَسْتأْذِنْكُمُ الّذِينَ مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ قلت : منسوخة هي ؟ قال : لا والله ما نُسخت، قلت : إن الناس لا يعملون بها قال : الله المستعان. 
قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا أبو عَوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير، قال : إن ناسا يقولون نسخت، ولكنها مما يتهاون الناس به. 
قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير في هذه الآية : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتأْذِنْكُمُ الّذِينَ مَلَكَتْ أيمَانُكُمْ. . . إلى آخر الآية، قال : لا يعمل بها اليوم. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : حدثنا حنظلة، أنه سمع القاسم بن محمد يُسْأَل عن الإذن، فقال : يستأذن عند كلّ عورة، ثم هو طوّاف يعني الرجل على أمه. 
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا عثمان بن عمر، قال : أخبرنا عبد العزيز بن أبي رَوّاد، قال : أخبرني رجل من أهل الطائف، عن غَيلان بن شُرَحبيل، عن عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«لا يَغْلِبَنّكُمُ الأعْرَابُ عَلى اسْمِ صَلاَتِكُمْ، قالَ اللّهُ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ وإنّمَا العَتَمَةُ عَتَمَةُ الإبِلِ »**. 
وقوله : ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة : ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ برفع ********«الثلاث »********، بمعنى الخبر عن هذه الأوقات التي ذكرت. كأنه عندهم قيل : هذه الأوقات الثلاثة التي أمرناكم بأن لا يدخل عليكم فيها من ذكرنا إلاّ بإذن، ثلاثُ عورات لكم لأنكم تضعون فيها ثيابكم وتخلُون بأهليكم. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة :**«ثَلاثَ عَوْرَاتٍ »** بنصب ********«الثلاث »******** على الردّ على ********«الثلاث »******** الأولى. وكأن معنى الكلام عندهم : ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاثَ مرّات، ثلاثُ عورات لكم. 
والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان متقاربتا المعنى، وقد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. 
وقوله : لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنّ، طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ يقول تعالى ذكره : ليس عليكم معشر أرباب البيوت والمساكن، ولا عَلَيْهِمْ يعني : ولا على الذين ملكت أيمانكم من الرجال والنساء والذين لم يبلغوا الحلم من أولادكم الصغار حرج ولا إثم بعدهنّ، يعني بعد العورات الثلاث. والهاء والنون في قوله : بَعْدَهُنّ عائدتان على ********«الثلاث »******** من قوله : ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ. وإنما يعني بذلك أنه لا حرج ولا جُناح على الناس أن يدخل عليهم مماليكهم البالغون وصبيانهم الصغار بغير إذن بعد هذه الأوقات الثلاث اللاتي ذكرهنّ في قوله : مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ. )
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قال : ثم رخص لهم في الدخول فيما بين ذلك بغير إذن، يعني فيما بين صلاة الغداة إلى الظهر، وبعد الظهر إلى صلاة العشاء أنه رخص لخادم الرجل والصبيّ أن يدخل عليه منزله بغير إذن. قال : وهو قوله : لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنّ فأما من بلغ الحلُم فإنه لا يدخل على الرجل وأهله إلاّ بإذن على كل حال. 
وقوله : طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ رفع **«الطوّافون »** بمضمر، وذلك **«هم »**. يقول لهؤلاء المماليك والصبيان الصغار هم طوّافون عليكم أيها الناس، ويعني بالطوّافين : أنهم يدخلون ويخرجون على مواليهم وأقربائهم في منازلهم غدوة وعشية بغير إذن، يطوفون عليهم بعضكم على بعض في غير الأوقات الثلاث التي أمرهم أن لا يدخلوا على ساداتهم وأقربائهم فيها إلاّ بإذن. كَذلكَ يُبَيّنُ اللّهُ لَكُمُ الاَياتِ يقول جلّ ثناؤه : كما بينت لكم أيها الناس أحكام الاستئذان في هذه الآية، كذلك يبين الله لكم جميع أعلامه وأدلته وشرائع دينه. وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ يقول : والله ذو علم بما يصلح عباده، حكيم في تدبيره إياهم وغير ذلك من أموره.

### الآية 24:59

> ﻿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [24:59]

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا بَلَغَ الأطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا اسْتَأْذَنَ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . 
يقول تعالى ذكره : إذا بلغ الصغار من أولادكم وأقربائكم ويعني بقوله : مِنْكُمْ من أحراركم الحُلُمَ يعني الاحتلام واحتلموا. فَلْيَسْتأْذِنُوا يقول : فلا يدخلوا عليكم في وقت من الأوقات إلاّ بإذن، لا في أوقات العَورات الثلاث ولا في غيرها. وقوله : كمَا اسْتَأذَنَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يقول : كما استأذن الكبار من ولد الرجل وأقربائه الأحرار. وخصّ الله تعالى ذكره في هذه الآية الأطفال بالذكر وتعريف حكمهم عباده في الاستئذان دون ذكر ما ملكت أيماننا، وقد تقدّمت الآية التي قبلها بتعريفهم حكم الأطفال الأحرار والمماليك لأن حكم ما ملكت أيماننا من ذلك حكم واحد، سواء فيه حكم كبارهم وصغارهم في أن الإذن عليهم في الساعات الثلاث التي ذكرها الله في الآية التي قبل. 
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قال : أما من بلغ الحُلُم، فإنه لا يدخل على الرجل وأهله يعني من الصبيان الأحرار إلا بإذن على كل حال وهو قوله : وَإذَا بَلَغَ الأطْفالُ مِنْكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتأْذِنُوا كمَا اسْتأذَنَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهمْ. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قال : قال عطاء : وَإذَا بَلَغَ الأطْفالُ مِنْكُمُ الحُلُمَ فَلْيَستأْذِنُوا قال : واجب على الناس أن يستأذنوا إذا احتلموا، على مَنْ كان مِنَ الناس. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، قال : يستأذن الرجل على أمه. قال : إنما نزلت : وَإذَا بَلَغَ الأطْفالُ مِنْكُمُ الحُلُمَ في ذلك. كَذلكَ يُبَيّنُ اللّهُ لَكُمْ آياتِهِ يقول : هكذا يبين الله لكم آياته، أحكامه وشرائع دينه، كما بين لكم أمر هؤلاء الأطفال في الاستئذان بعد البلوغ. وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ يقول : والله عليم بما يصلح خلقه وغير ذلك من الأشياء، حكيم في تدبيره خلقه.

### الآية 24:60

> ﻿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ۖ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [24:60]

القول في تأويل قوله تعالى : وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النّسَآءِ الّلاَتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنّ غَيْرَ مُتَبَرّجَاتِ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لّهُنّ وَاللّهُ سَمِيعٌ عِلِيمٌ . 
يقول تعالى ذكره : واللواتي قد قعدن عن الولد من الكبر من النساء، فلا يحضن ولا يلدن واحدتهنّ قاعد. اللاّتي لا يَرْجُونَ نِكاحا يقول : اللاتي قد يئسن من البعولة، فلا يطمعن في الأزواج. فَلَيْسَ عَلَيْهنّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنّ يقول : فليس عليهنّ حرج ولا إثم أن يضعن ثيابهنّ، يعني جلابيبهنّ، وهي القناع الذي يكون فوق الخمار والرداء الذي يكون فوق الثياب، لا حرج عليهنّ أن يضعن ذلك عند المحارم من الرجال وغير المحارم من الغرباء غير متبرّجات بزينة. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : والقَوَاعِدُ مِنَ النّساءِ اللاّتي لا يَرْجُونَ نكاحا وهي المرأة، لا جناح عليها أن تجلس في بيتها بدِرع وخِمار وتضع عنها الجلباب ما لم تتبرّج لما يكره الله، وهو قوله : فَلَيْسَ عَلَيْهنّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنّ غَيْرَ مُتَبرّجاتٍ بِزِينَةٍ ثم قال : وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنّ. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : يَضَعْنَ ثِيابَهُنّ يعني : الجلباب، وهو القِناع وهذا للكبيرة التي قد قعدت عن الولد، فلا يضرّها أن لا تجلبب فوق الخمار. وأما كلّ امرأة مسلمة حرّة، فعليها إذا بلغت المحيض أن تدنَى الجلباب على الخمار. وقال الله في سورة الأحزاب : يُدْنِينَ عَلَيْهِنّ مِنْ جَلابِيبِهِنّ ذلكَ أدْنَى أنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وكان بالمدينة رجال من المنافقين إذا مرّت بهم امرأة سيئة الهيئة والزيّ، حَسِب المنافقون أنها مزنية وأنها من بغيتهم، فكانوا يؤذون المؤمنات بالرفث، ولا يعلمون الحرّة من الأمة فأنزل الله في ذلك : يا أيّها النّبِيّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنّ مِنْ جَلابِيبِهِنّ ذلكَ أدْنَى أنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ يقول : إذا كان زِيهنّ حسنا لم يطمع فيهنّ المنافقون. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : قال ابن جُرَيج، في قوله : وَالقَوَاعِدُ مِنَ النّساءِ التي قعدت من الوَلد وكِبرت. قال ابن جُرَيج : قال مجاهد : اللاتي لا يَرْجُونَ نِكاحا قال : لا يردنه. فَلَيْسَ عَلَيْهِنّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنّ قال : جلابيبهنّ. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : والقَوَاعِدُ مِنَ النّساءِ اللاّتي لا يَرْجُونَ نِكاحا فَلَيْسَ عَلَيْهِنّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنّ غيرَ مُتَبَرّجاتٍ بِزِينَةٍ قال : وضع الخمار، قال : التي لا ترجو نكاحا، التي قد بلغت أن لا يكون لها في الرجال حاجة ولا للرجال فيها حاجة فإذا بلغن ذلك وضعن الخمار غير متبرّجات بزينة. ثم قال : وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنّ كان أبي يقول هذا كله. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا : حدثنا سفيان، عن علقمة بن مَرْثَد، عن ذرّ، عن أبي وائل، عن عبد الله، في قوله : فَلَيْسَ عَلَيْهِنّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنّ قال : الجلباب أو الرداء. شكّ سفيان. 
قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله : لَيْسَ عَلَيْهِنّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنّ قال : الرداء. 
حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال : حدثنا أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال : قال عبد الله في هذه الآية : فَلَيْسَ عَلَيْهِنّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنّ قال : هي المِلْحَفة. 
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن الحكم، قال : سمعت أبا وائل قال : سمعت عبد الله يقول في هذه الآية : فَلَيْسَ عَلَيْهِنّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنّ قال : الجلباب. 
حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال : أخبرني الحَكَم، عن أبي وائل، عن عبد الله، مثله. 
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، عن الثّوري، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود، في قوله : أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنّ غيرَ مُتَبرّجاتٍ بِزِينَةٍ قال : هو الرداء. 
قال الحسن، قال : عبد الرزاق، قال الثوريّ : وأخبرني أبو حصين وسالم الأفطس، عن سعيد بن جُبير، قال : هو الرداء. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبيّ : أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنّ غيرَ مُتَبرّجاتٍ بِزِينَةٍ قال : تضع الجلباب المرأة التي قد عجزت ولم تزوّج. قال الشعبيّ : فإن أُبيّ بن كعب يقرأ :**«أنْ يَضَعْنَ مِنْ ثِيابِهِنّ »**. 
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن عُلَية، قال : قلت لابن أبي نجيح، قوله : فَلَيْسَ عَلَيْهِنّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنّ غيرَ مُتَبرّجاتٍ بِزِينَةٍ قال : الجلباب. قال يعقوب، قال أبو يونس : قلت له : عن مجاهد ؟ قال : نعم، في الدار والحجرة. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : فَلَيْسَ عَلَيْهِنّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنّ قال : جلابيبهنّ. 
وقوله : غيرَ مُتَبرّجاتٍ بِزِينَةٍ يقول : ليس عليهنّ جناح في وضع أرديتهنّ إذا لم يُرِدن بوضع ذلك عنهنّ أن يبدين ما عليهنّ من الزينة للرجال. والتبرّج : هو أن تظهر المرأة من محاسنها ما ينبغي لها أن تستره. 
وقوله : وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنّ يقول : وإن تعففن عن وضع جلابيبهنّ وأرديتهنّ، فيلبسنها، خير لهنّ من أن يضعنها. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : أنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنّ قال : أن يلبسن جلابيبهنّ. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن مُغِيرة، عن الشعبيّ : وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيرٌ لَهُنّ قال : ترك ذلك، يعني ترك وضع الثياب. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنّ والاستعفاف : لبس الخِمار على رأسها، كان أبي يقول هذا كله. 
وَاللّهُ سَمِيعٌ ما تنطقون بألسنتكم. عَلِيمٌ بما تضمره صدوركم، فاتقوه أن تنطقوا بألسنتكم ما قد نهاكم عن أن تنطقوا بها، أو تضمروا في صدوركم ما قد كرهه لكم، فتستوجبوا بذلك منه عقوبة.

### الآية 24:61

> ﻿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ۚ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [24:61]

القول في تأويل قوله تعالى :  لّيْسَ عَلَى الأعْمَىَ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَىَ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاَتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مّفَاتِحهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلّمُواْ عَلَىَ أَنفُسِكُمْ تَحِيّةً مّنْ عِندِ اللّهِ مُبَارَكَةً طَيّبَةً كَذَلِكَ يُبَيّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيات لَعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ . 
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في هذه الآية في المعنى الذي أنزلت فيه، فقال بعضهم : أنزلت هذه الآية ترخيصا للمسلمين في الأكل مع العُمْيان والعُرْجان والمرضى وأهل الزّمانة من طعامهم، من أجل أنهم كانوا قد امتنعوا من أن يأكلوا معهم من طعامهم، خشية أن يكونوا قد أتَوْا بأكلهم معهم من طعامهم شيئا مما نهاهم الله عنه بقوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطِلِ إلاّ أنْ تَكُونَ تِجارَةٌ عَنْ تَرَاضٍ مِنكمْ. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : ثني عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ. . . إلى قوله : أوْ أشْتاتا وذلك لَمّا أنزل الله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطلِ فقال المسلمون : إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام من أفضل الأموال، فلا يحلّ لأحد منا أن يأكل عند أحد. فكفّ الناس عن ذلك، فأنزل الله بعد ذلك : لَيْسَ عَلى الأعْمَى حَرَجٌ. . . إلى قوله : أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : لَيْسَ عَلى الأعْمَى حَرَجٌ. . . الآية، كان أهل المدينة قبل أن يُبعث النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يخالطهم في طعامهم أعمى ولا مريض، فقال بعضهم : إنما كان بهم التقذّر والتقزّز. وقال بعضهم : المريض لا يستوفي الطعام كما يستوفي الصحيح، والأعرج المنحبس لا يستطيع المزاحمة على الطعام، والأعمى لا يبصر طيب الطعام. فأنزل الله : لَيْسَ عَلَيْكُمْ حَرَجٌ في مؤاكلة المريض والأعمى والأعرج. 
فمعنى الكلام على تأويل هؤلاء : ليس عليكم أيها الناس في الأعمى حرج أن تأكلوا منه ومعه، ولا في الأعرج حرج، ولا في المريض حرج، ولا في أنفسكم، أن تأكلوا من بيوتكم. فوجّهوا معنى **«على »** في هذا الموضع إلى معنى **«في »**. 
وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية ترخيصا لأهل الزمانة في الأكل من بيوت من سمى الله في هذه الآية لأن قوما كانوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم يكن عندهم في بيوتهم ما يطعمونهم، ذهبوا بهم إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم أو بعض من سمّى الله في هذه الآية، فكان أهل الزمانة يتخوّفون من أن يطعموا ذلك الطعام لأنه أطعمهم غير ملكه. ذكر من قال ذلك :
١٩٨٧٤حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : لا جُناحَ عَلَيْكُمْ أنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ قال : كان رجال زمني قال ابن عمرو في حديثه : عُمْيان وعُرْجان. وقال الحارث : عُمْيٌ عُرْج أولوا حاجة، يستتبعهم رجال إلى بيوتهم، فإن لم يجدوا طعاما ذهبوا بهم إلى بيوت آبائهم ومن عدد منهم من البيوت، فكره ذلك المستتبعون، فأنزل الله في ذلك : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ، وأحلّ لهم الطعام حيث وجدوه. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : كان الرجل يذهب بالأعمى والمريض والأعرج إلى بيت أبيه، أو إلى بيت أخيه، أو عمه، أو خاله، أو خالته، فكان الزّمني يتحرّجون من ذلك، يقولون : إنما يذهبون بنا إلى بيوت غيرهم، فنزلت هذه الآية رُخْصة لهم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، نحو حديث ابن عمرو، عن أبي عاصم. 
وقال آخرون : بل نزلت ترخيصا لأهل الزمانة الذين وصفهم الله في هذه الآية أن يأكلوا من بيوت من خَلّفهم في بيوته من الغزاة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، قال : قلت للزهريّ، في قوله : لَيْسَ عَلى الأعْمَى حَرَجٌ ما بال الأعمى ذكر ها هنا والأعرج والمريض ؟ فقال : أخبرني عُبيد الله بن عبد الله أن المسلمين كانوا إذا غَزَوا خَلّفوا زَمْناهم، وكانوا يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم، يقولون : قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا وكانوا يتحرّجون من ذلك، يقولون : لا ندخلها وهي غُيّب. فأنزلت هذه الآية رخصة لهم. 
وقال آخرون : بل عُني بقوله : لَيْسَ عَلى الأعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ في التخلف عن الجهاد في سبيل الله. قالوا : وقوله : وَلا عَلى أنْفُسِكُمْ أنْ تَأْكُلوا مِنْ بُيُوتِكُمْ كلام منقطع عما قبله. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : لَيْسَ عَلى الأعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ قال : هذا في الجهاد في سبل الله. وفي قوله : وَلا عَلى أنْفُسِكُمْ أنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ. . . إلى قوله : أوْ صَدِيقِكُمْ قال : هذا شيء قد انقطع، إنما كان هذا في الأوّل، لم يكن لهم أبواب وكانت الستور مُرْخاة، فربما دخل الرجل البيت وليس فيه أحد، فربما وجد الطعام وهو جائع، فسوّغه الله أن يأكله. قال : وقد ذهب ذلك اليوم البيوت اليوم فيما أهلها، وإذا أخرجوا أغلقوها فقد ذهب ذلك. 
وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية ترخيصا للمسلمين الذين كانوا يتقون مؤاكلة أهل الزمانة في مؤاكلتهم إذا شاءوا ذلك. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن مِقْسم، في قوله : لَيْسَ عَلى الأعْمَى حَرَجٌ قال : كانوا يتقون أن يأكلوا مع الأعمى والأعرج، فنزلت : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعا أوْ أشْتاتا. 
واختلفوا أيضا في معنى قوله : أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ فقال بعضهم : عُني بذلك وكيلُ الرجل وَقيّمُه، أنه لا بأس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته، ونحو ذلك. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : حدثنا معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله : أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ وهو الرجل يوكّل الرجل بضيعته، فرخص الله له أن يأكل من ذلك الطعام والتمر ويشربَ اللبن. 
وقال آخرون : بل عُنِي بذلك : منزل الرجل نفسه أنه لا بأس عليه أن يأكل. ذكر من قال ذلك :
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ، يقول : قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ يعني : بيت أحدهم، فإنه يملكه، والعبيد منهم مما ملكوا. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قَتادة، في قوله : أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ مما تحبون يا ابن آدم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قال : أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ قال : خزائن لأنفسهم، ليست لغيرهم. 
وأشبه الأقوال التي ذكرنا في تأويل قوله : لَيْسَ عَلى الأعْمَى حَرَجٌ. . . إلى قوله : أوْ صَدِيقكُمْ القول الذي ذكرنا عن الزهريّ عن عبيد الله بن عبد الله، وذلك أن أظهر معاني قوله : لَيْسَ عَلى الأعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ : أنه لا حرج على هؤلاء الذين سُمّوا في هذه الآية أن يأكلوا من بيوت من ذكره الله فيها، على ما أباح لهم من الأكل منها. فإذ كان ذلك أظهر معانيه، فتوجيه معناه إلى الأغلب الأعرف من معانيه أولى من توجيهه إلى الأنكر منها. فإذ كان ذلك كذلك، كان ما خالف من التأويل قول من قال : معناه : ليس في الأعمى والأعرج حرج، أولى بالصواب. وكذلك أيضا الأغلب من تأويل قوله : وَلا عَلى أنْفُسِكُمْ أنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتكُمْ أنه بمعنى : ولا عليكم أيها الناس. ثم جمع هؤلاء والزمني الذين ذكرهم قبل في الخطاب، فقال : أن تأكلوا من بيوت أنفسكم. وكذلك تفعل العرب إذا جمعت بين خبر الغائب والمخاطب، غلّبت المخاطب فقالت : أنت وأخوك قمتما، وأنت وزيد جلستما، ولا تقول : أنت وأخوك جلسا، وكذلك قوله : وَلا عَلى أنْفُسِكُمْ والخبر عن الأعمى والأعرج والمريض، غلّب المخاطب، فقال : أن تأكلوا، ولم يقل : أن يأكلوا. 
فإن قال قائل : فهذا الأكل من بيوتهم قد علمناه كان لهم حلالاً إذ كان ملكا لهم، أَوَ كانَ أيضا حلالاً لهم الأكل من مال غيرهم ؟ قيل له : ليس الأمر في ذلك على ما توهمّتَ ولكنه كما ذكرناه عن عبيد الله بن عبد الله، أنهم كانوا إذا غابوا في مغازيهم وتخلف أهل الزمانة منهم، دفع الغازي مفتاح مسكنه إلى المتخلف منهم، فأطلق له في الأكل مما يخلف في منزله من الطعام، فكان المتخلفون يتخوّفون الأكل من ذلك وربه غائب، فأعلمه الله أنه لا حرج عليه في الأكل منه وأذِن لهم في أكله. فإذ كان ذلك كذلك تبين أن لا معنى لقول من قال : إنما أنزلت هذه الآية من أجل كراهة المستتبع أكل طعام غير المستتبع لأن ذلك لو كان كما قال من قال ذلك : لقيل : ليس عليكم حرج أن تأكلوا من طعام غير من أضافكم، أو من طعام آباء من دعاكم، ولم يقل : أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم. وكذلك لا وجه لقول من قال : معنى ذلك : ليس على الأعمى حرج في التخلف عن الجهاد في سبيل الله، لأن قوله : أنْ تأْكُلوا خبر ****«ليس »****، و**«أنْ »** في موضع نصب على أنها خبر لها، فهي متعلقة ب****«ليس »****، فمعلوم بذلك أن معنى الكلام : ليس على الأعمى حرج أن يأكل من بيته، ولا ما قاله الذين ذكرنا من أنه لا حرج عليه في التخلف عن الجهاد. فإذ كان الأمر في ذلك على ما وصفنا، تبين أن معنى الكلام : لا ضِيقَ على الأعمى، ولا على الأعرج، ولا على المريض، ولا عليكم أيها الناس، أن تأكلوا من بيوت أنفسكم أو من بيوت آبائكم أو من بيوت أمهاتكم أو من بيوت إخوانكم أو من بيوت أخواتكم أو من بيوت أعمامكم أو من بيوت عماتكم أو من بيوت أخوالكم أو من بيوت خالاتكم أو من البيوت التي ملكتم مَفاتحها أو من بيوت صديقكم، إذا أذنوا لكم في ذلك، عند مغيبهم ومشهدهم. والمفاتح : الخزائن، واحدها :**«مَفْتح »** إذا أريد به المصدر، وإذا كان من المفاتيح التي يفتح بها، فهي مِفْتح ومفاتح وهي ها هنا على التأويل الذي اخترناه جمع مِفْتح الذي يفتح به. وكان قَت

### الآية 24:62

> ﻿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [24:62]

القول في تأويل قوله تعالى : إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ الّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَىَ أَمْرٍ جَامِعٍ لّمْ يَذْهَبُواْ حَتّىَ يَسْتَأْذِنُوهُ إِنّ الّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلََئِكَ الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا استأذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللّهَ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ 
يقول تعالى ذكره : ما المؤمنون حقّ الإيمان، إلا الذين صدّقوا الله ورسوله. وَإذَا كانُوا مَعَهُ يقول : وإذا كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، عَلى أمِرٍ جامِعٍ يقول : على أمر يجمع جميعهم من حرب حضرت، أو صلاة اجتمع لها، أو تشاور في أمر نزل لَمْ يَذْهَبُوا يقول : لم ينصرفوا عما اجتمعوا له من الأمر، حَتّى يَسْتَأْذِنُوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : إنّمَا المُؤْمِنُونَ الّذِين آمَنُوا باللّهِ وَرَسُولِهِ وَإذَا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حتى يَسْتأْذِنُوهُ يقول : إذا كان أمر طاعة لله. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : قال ابن عباس، قوله : وَإذَا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ قال : أمر من طاعة الله عامّ. 
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا محمد بن بكر، قال : أخبرنا ابن جُرَيج، قال : سأل مكحولاً الشاميّ إنسانٌ وأنا أسمع، ومكحول جالس مع عطاء، عن قول الله في هذه الآية : وَإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حتّى يَسْتأذِنُوهُ فقال مكحول : في يوم الجمعة، وفي زَحْف، وفي كلّ أمر جامع، قد أمر أن لا يذهب أحد في يوم جمعة حتى يستأذن الإمام، وكذلك في كل جامع، ألا ترى أنه يقول : وَإذَا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ. 
حدثني يعقوب، قال : ثني ابن عُلَية، قال : أخبرنا هشام بن حسان، عن الحسن، قال : كان الرجل إذا كانت له حاجة والإمام يخطب، قام فأمسك بأنفه، فأشار إليه الإمام أن يخرُج. قال : فكان رجل قد أراد الرجوع إلى أهله، فقام إلى هَرِم بن حِيان وهو يخطب، فأخذ بأنفه، فأشار إليه هرم أن يذهب. فخرج إلى أهله فأقام فيهم، ثم قدم قال له هرم : أين كنت ؟ قال : في أهلي ؟ قال : أبإذن ذهبت ؟ قال : نعم، قمت إليك وأنت تخطب، فأخذت بأنفي، فأشرت إليّ أن اذْهَب فذهبت. فقال : أفاتخذت هذا دَغَلاً ؟ أو كلمة نحوها. ثم قال : اللهمّ أخّر رجال السوء إلى زمان السوء. 
حدثني الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن الزهريّ، في قوله : وَإذَا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ قال : هو الجمعة إذا كانوا معه، لم يذهبوا حتى يستأذنوه. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : إنّمَا المُؤْمِنُونَ الّذِينَ آمَنُوا باللّهِ وَرَسُولِهِ وَإذَا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حتى يَسْتَأذنُوهُ قال : الأمر الجامع حين يكونون معه في جماعة الحرب أو جمعة. قال : والجمعة من الأمر الجامع، لا ينبغي لأحد أن يخرج إذا قعد الإمام على المنبر يوم الجمعة إلا بإذن سلطان إذا كان حيث يراه أو يقدر عليه، ولا يخرج إلا بإذن. وإذا كان حيث لا يراه ولا يقدر عليه ولا يصل إليه، فالله أولى بالعذر. 
وقوله : إنّ الّذِينَ يَسْتأذنُوكَ أُولَئِكَ الّذِينَ يُؤْمِنُونَ باللّهِ وَرَسُولِهِ يقول تعالى ذكره : إن الذين لا ينصرفون يا محمد إذا كانوا معك في أمر جامع، عنك إلا بإذنك لهم، طاعة منهم لله ولك وتصديقا بما أتيتهم به من عندي أولئك الذين يصدقون الله ورسوله حقّا، لا من خالف أمر الله وأمر رسوله فينصرف عنك بغير إذن منك له بعد تقدّمك إليه أن لا ينصرف عنك إلاّ بإذنك. وقوله : فإذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبْعَضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ يقول تعالى ذكره : فإذا استأذنك يا محمد الذين لا يذهبون عنك إلا بإذنك في هذه المواطن لبعض شأنهم يعني لبعض حاجاتهم التي تعرض لهم فأْذن لمن شِئت منهم في الانصراف عنك لقضائها. وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ يقول : وادع الله لهم بأن يتفضل عليهم بالعفو عن تبعات ما بينه وبينهم. إنّ اللّهَ غَفُورٌ لذنوب عباده التائبين، رَحِيمٌ بهم أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها. )

### الآية 24:63

> ﻿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [24:63]

القول في تأويل قوله تعالى :  لاّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللّهُ الّذِينَ يَتَسَلّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . 
يقول تعالى ذكره لأصحاب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم : لا تَجْعَلُوا أيها المؤمنون دُعاءَ الرّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضا. 
واختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم : نَهَى الله بهذه الآية المؤمنين أن يتعرّضوا لدعاء الرسول عليهم، وقال لهم : اتقوا دعاءه عليكم، بأن تفعلوا ما يسخطه فيدعو لذلك عليكم فتهلكوا، فلا تجعلوا دعاءه كدعاء غيره من الناس، فإن دعاءه موجبة. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضا دعوة الرسول عليكم موجبة، فاحذروها. 
وقال آخرون : بل ذلك نهيٌ من الله أن يَدْعُوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلَظ وجفَاء، وأمر لهم أن يَدْعوه بلين وتواضع. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد : كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضا قال : أمرهم أن يَدْعوا يا رسول الله، في لين وتواضع، ولا يقولوا يا محمد، في تجهّم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله : لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضا قال : أمرهم أن يَدْعوه : يا رسول الله، في لين وتواضع. 
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا مَعْمر، عن قَتادة، في قوله : لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاء بَعْضِكُمْ بَعْضا قال : أمرهم أن يفخّموه ويشرّفوه. 
وأولى التأويلين في ذلك بالصواب عندي التأويل الذي قاله ابن عباس، وذلك أن الذي قَبْل قوله : لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضا نهيٌ من الله المؤمنين أن يأتوا من الانصراف عنه في الأمر الذي يجمع جميعهم ما يكرهه، والذي بعده وعيد للمُنْصرفين بغير إذنه عنه، فالذي بينهما بأن يكون تحذيرا لهم سُخْطة أن يضطّره إلى الدعاء عليهم أشبه من أن يكون أمرا لهم بما لم يجر له ذكر من تعظيمه وتوقيره بالقول والدعاء. 
وقوله : قَدْ يَعْلَمُ اللّهُ الّذِينَ يَتَسَلّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذا يقول تعالى ذكره : إنكم أيها المنصرفون عن نبيكم بغير إذنه، تسترا وخِفية منه، وإن خفي أمر من يفعل ذلك منكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الله يعلم ذلك ولا يخَفي عليه، فليتّق من يفعل ذلك منكم الذين يخالفون أمر الله في الانصراف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بإذنه، أن تصيبهم فتنة من الله أو يصيبهم عذاب أليم، فيطبع على قلوبهم، فيكفروا بالله. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا الحكم بن بشير، قال : حدثنا عمرو بن قيس، عن جُويبر، عن الضحاك، في قول الله : قَدْ يَعْلَمُ اللّهُ الّذِينَ يَتَسَلّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذا قال : كانوا يستتر بعضهم ببعض، فيقومون، فقال : فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة، قال : يطَبع على قلبه، فلا يأمن أن يظهر الكفر بلسانه فتُضرب عُنُقه. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله : قَدْ يَعْلَمُ اللّهُ الّذِينَ يَتَسَلّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذا قال : خلافا. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : قَدْ يَعْلَمُ اللّهُ الّذِينَ يَتَسَلّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذا قال : هؤلاء المنافقون الذين يرجعون بغير إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال : اللّواذ : يلوذ عنه ويروغ ويذهب بغير إذن النبيّ صلى الله عليه وسلم. 
فَلْيَحْذَرِ الّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ الذين يصنعون هذا، أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم. الفتنة ها هنا. الكفر، واللّواذ : مصدر لاوذت بفلان مُلاوذة ولِواذا، ولذلك ظهرت الواو، ولو كان مصدرا للُذت لقيل : لِياذا، كما يقال : قُمت قياما، وإذا قيل : قاومتك، قيل : قواما طويلاً. واللّواذ : هو أن يلوذ القوم بعضُهم ببعض، يستتر هذا بهذا وهذا بهذا، كما قال الضحاك. 
وقوله : أوْ يُصِيبُهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ يقول : أو يصيبهم في عاجل الدنيا عذاب من الله موجع، على صنيعهم ذلك وخلافهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. 
وقوله : فَلْيَحْذَرِ الّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ وأدخلت **«عن »** لأن معنى الكلام : فليحذر الذين يلوذون عن أمره ويُدبِرون عنه معرضين. )

### الآية 24:64

> ﻿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [24:64]

القول في تأويل قوله تعالى :  أَلآ إِنّ للّهِ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ وَاللّهُ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمُ . 
يقول تعالى ذكره : ألاَ إنّ لله مُلْكُ جميع السّمَوَاتِ والأَرْضِ يقول : فلا ينبغي لمملوك أن يخالف أمر مالكه فيعصيَه، فيستوجب بذلك عقوبته. يقول : فكذلك أنتم أيها الناس، لا يصلح لكم خلاف ربكم الذي هو مالككم، فأطيعوه وأتَمروا لأمره ولا تنصرفوا عن رسوله إذا كنتم معه على أمر جامع إلا بإذنه. 
وقوله : قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ من طاعتكم إياه فيما أمركم ونهاكم من ذلك، كما :
حدثني أيضا يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ صنيعكم هذا أيضا. 
وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إلَيْهِ يقول : ويوم يَرْجع إلى الله الذين يخالفون عن أمره. فيُنَبّئُهُم يقول : فيخبرهم حينئذٍ، بِمَا عَمِلُوا في الدنيا، ثم يجازيهم على ما أسلفوا فيها، من خلافهم على ربهم. وَاللّهُ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يقول : والله ذو علم بكل شيء عم لتموه أنتم وهم وغيركم وغيرك ذلك من الأمور، لا يخفي عليه شيء، بل هو محيط بذلك كله، وهو مُوَفَ كلّ عامل منكم أجر عمله يوم ترجعون إليه.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/24.md)
- [كل تفاسير سورة النّور
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/24.md)
- [ترجمات سورة النّور
](https://quranpedia.net/translations/24.md)
- [صفحة الكتاب: جامع البيان في تأويل آي القرآن](https://quranpedia.net/book/4.md)
- [المؤلف: الطبري](https://quranpedia.net/person/3982.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/24/book/4) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
