---
title: "تفسير سورة الفرقان - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/25/book/37.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/25/book/37"
surah_id: "25"
book_id: "37"
book_name: "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم"
author: "أبو السعود"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الفرقان - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/25/book/37)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الفرقان - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود — https://quranpedia.net/surah/1/25/book/37*.

Tafsir of Surah الفرقان from "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم" by أبو السعود.

### الآية 25:1

> تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [25:1]

تَبَارَكَ الذي نَزَّلَ الفرقان  البركةُ النَّماءُ والزِّيادةُ حسيَّةً كانتْ أو معنويَّةً، وكثرةُ الخيرِ ودوامُه أيضاً ونسبتُها إلى الله عزَّ وجلَّ على المَعْنى الأوَّل وهُو الأليقُ بالمقام باعتبار تعاليهِ عمَّا سواهُ في ذاته وصفاتِه وأفعالِه التي منْ جُمْلتها تنزيلُ القُرآنِ الكريمِ المُعجزِ النَّاطقِ بعلُوِّ شأنِه تعالى وسموِّ صفاتِه وابتناءِ أفعالِه على أساس الحِكَمِ والمصالحِ وخلوِّها عن شائبة الخَلَلِ بالكُلِّيةِ. وصيغةُ التَّفاعلُ للمبالغةِ فيما ذُكر فإنَّ ما لا يُتصوَّرُ نسبتُه إليهِ سبحانَهُ حقيقةً من الصِّيغ كالتَّكبر ونحوِه لا تُنسب إليه تعالى إلا باعتبار غايتِها. وعلى المعنى الثَّاني باعتبار كثرةِ ما يفيضُ منه على مخلوقاته لاسيما على الإنسان من فُنون الخيراتِ التي من جُملتها تنزيلُ القُرآن المنطويِ على جميع الخيراتِ الدِّينيَّةِ والدُّنيويَّةِ. والصِّيغةُ حينئذٍ يجوزُ أنْ تكونَ لإفادة نماءِ تلك الخيراتِ وتزايدها شيئاً فشيئاً وآناً فآناً بحسب حدوثِها أو حدوثِ متعلَّقاتِها. ولاستقلالِها بالدِّلالة على غايةِ الكمالِ وتحقُّقِها بالفعلِ والإشعارِ بالتَّعجُّبِ المناسبِ للإنشاءِ والإنباءِ عن نهاية التَّعظيمِ لم يجُز استعمالُها في حقِّ غيرِه تعالى ولا استعمالُ غيرِها من الصِّيغِ في حقِّه تعالى، والفُرقان مصدرُ فرقَ بينَ الشَّيئينِ أي فصَل بينهُما سمِّيَ به القرآنُ لغاية فرقِه بين الحقِّ والباطلِ بأحكامه أو بينَ المُحقِّ والمبطلِ بإعجازِه أو لكونه مفصولاً بعضِه من بعضٍ في نفسه أو في إنزاله  على عَبْدِهِ  محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وإيرادُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بذلك العُنوانِ لتشريفه والإيذانِ بكونِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في أقصى مراتب العُبوديَّةِ والتنبيهِ على أنَّ الرَّسولَ لا يكونُ إلا عبداً للمرسِل ردًّا على النَّصارى  لِيَكُونَ  غايةٌ للتَّنزيل أي نزَّله عليه ليكونَ هو عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أو الفرقانُ  للعالمين  من الثَّقلينِ  نَذِيراً  أيْ مُنذراً أو إنذاراً مبالغةً أو ليكون تنزيلُه إنذاراً وعدمُ التَّعرضِ للتَّبشير لانسياق الكلامِ على أحوالِ الكَفَرةِ. وتقديمُ اللامِ على عاملِها لمراعاةِ الفواصلِ، وإبرازُ تنزيل الفرقانِ في معرض الصِّلةِ التي حقُّها أن تكونَ معلومةَ الثُّبوت للموصولِ عند السَّامعِ مع إنكار الكَفَرةِ له لإجرائِه مُجرى المعلومِ المسلَّمِ تنبيهاً على كمال قُوَّةِ دلائلِه وكونِه بحيثُ لا يكادُ يجهلُه أحدٌ كقوله تعالى : لاَ رَيْبَ فِيهِ .

### الآية 25:2

> ﻿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [25:2]

الذي لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض  أي له خاصَّة دُونَ غيرِه لا استقلالاً ولا اشتراكاً للسُّلطان القاهرِ والاستيلاءِ الباهرِ عليهما المستلزمانِ للقدرة التَّامَّةِ والتَّصرفِ الكليِّ فيهما وفيما فيهما إيجاداً وإعداماً وإحياءً وإماتة وأمراً ونهياً حسبما تقتضيهِ مشيئتُه المبنيةُ على الحِكَمِ والمَصَالحِ، ومحلُّه الرَّفعُ على أنَّه خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ، والجملةُ مستأنفةٌ مقررةٌ لما قبلها أو على أنَّه نعتٌ للموصولِ الأوَّلِ أو بيانٌ له أو بدلٌ منه وما بينهُمَا ليس بأجنبيَ لأنَّه من تمامِ صلتِه، ومعلوميةُ مضمونِه للكَفرة ممَّا لا ريبَ فيه لقولِه تعالى : قُلْ مَن رَّبُّ السماوات السبع وَرَبُّ العرش العظيم سَيَقُولُونَ لِلَّهِ  ونظائرِه أو مدحٌ له تعالى بالرَّفع أو بالنَّصب  وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً  كما يزعمُ الذين يقولون في حقِّ المسيحِ والملائكةِ ما يقولُون فسبحان الله عمَّا يصفون وهو معطوفٌ على ما قبلَه من الجملةِ الظَّرفيةِ، ونظمه في سلك الصِّلةِ للإيذانِ بأنَّ مضمونَهُ من الوضوحِ والظُّهور بحيثُ لا يكادُ يجهله جاهلٌ لاسيما بعد تقرير ما قبله. 
 وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ في الملك  أي مُلكِ السماوات والأرضِ وهو أيضاً عطفٌ على الصِّلةِ وإفرادُه بالذِّكر مع أنَّ ما ذُكر من اختصاص ملكِهما به تعالى مستلزمٌ له قطعاً للتَّصريح ببُطلان زعم الثَّنويَّةِ القائلينِ بتعددِ الآلهةِ والدَّرءِ في نحورِهم، وتوسيطُ نفيِ اتِّخاذِ الولدِ بينهُما للتنبيهِ على استقلالِه وأصالتِه والاحترازِ عن توهُّم كونِه تتمة للأوَّلِ  وَخَلَقَ كُلَّ شَيء  أي أحدثَ كلَّ موجودٍ من الموجوداتِ إحداثاً جارياً على سَنن التَّقديرِ حسبما اقتضتْهُ إرادتُه المبنيَّةُ على الحكم البالغةِ بأنْ خلقَ كُلاًّ منها من موادَّ مخصوصةٍ على صورٍ معينةٍ ورتَّب فيه قُوى وخواصَّ مختلفةَ الآثارِ والأحكامِ  فَقَدَّرَهُ  أي هيَّأه لما أرادَ به من الخصائص والأفعالِ اللاَّئقةِ به  تَقْدِيراً  بديعاً لا يُقادر قَدرُه ولا يُبلغ كُنهُه كتهيئة الإنسانِ للفهمِ والإدراكِ والنَّظرِ والتَّدبرِ في أمور المعاشِ والمعادِ واستنباطِ الصَّنائعِ المتنوعةِ ومزاولةِ الأعمالِ المختلفةِ وهكذا أحوالُ سائرِ الأنواعِ. وقيل : أُريد بالخَلْقِ مطلقَ الإيجادِ والإحداثِ مجازاً من غيرِ ملاحظةِ معنى التَّقديرِ وإنْ لم يخلُ عنه في نفس الأمر فالمعنى أوجدَ كلَّ شيء فقدَّره في ذلك الإيجاد تقديراً وأما ما قيل من أنَّه سَمَّى إحداثه تعالى خَلْقاً لأنَّه تعالى لا يُحدث شيئاً إلاَّ على وجه التَّقديرِ من غير تفاوت ففيه أنَّ ارتكابَ المجاز بحملِ الخلقِ على مُطلق الإحداثِ لتجريده عن معنى التَّقديرِ فاعتباره فيه بوجهٍ من الوجوه مخلٌّ بالمرام قطعاً، وقيل : المراد بالتَّقدير الثَّانِي هو التَّقديرُ للبقاء إلى الأجل المُسمَّى وأيًّا ما كان فالجُملة جاريةٌ مجرى التَّعليلِ لما قبلها من الجُمل المنتظمةِ مثلَها في سلك الصِّلةِ فإنَّ خلقَهُ تعالى لجميع الأشياء على ذلك النَّمطِ البديعِ كما يقتضي استقلاله تعالى باتِّصافه بصفات الأُلوهيَّةِ يقتضي انتظامَ كلِّ ما سواه كائناً ما كان تحت ملكوتِه القاهر بحيثُ لا يشذُّ عنها شيء من ذلك قطعاً وما كان كذلك كيف يُتوهَّم كونه ولداً له سبحانه أو شريكاً في ملكه.

### الآية 25:3

> ﻿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا [25:3]

واتخذوا مِن دُونِهِ آلِهَةً  بعدما بيَّن حقيقةَ الحقِّ في مطلع السُّورةِ الكريمة بذكر تنزيله تعالى للفُرقان العظيم على رسولِه صلى الله عليه وسلم ووصفِه تعالى بصفاتِ الكمال وتنزيهه عمَّا لا يليقُ بشأنه الجليل عقَّب ذلك بحكايةِ أباطيلِ المُشركين في حقِّ المنزِّل سبحانَهُ والمنزَّلِ والمُنزَلِ عليه على التَّرتيب وإظهارِ بُطلانها. والإضمارُ من غير جريان ذكرِهم للثقة بدلالة ما قبله من نفيِ الشَّريكِ عليهم أي اتَّخذوا لأنفسِهم متجاوزين الله تعالى الذي ذُكر بعضُ شؤونِه الجليلةِ من اختصاصِ مُلكِ السماوات والأرضِ به تعالى وانتفاءِ الولد والشَّريكِ عنه وخلقِ جميعِ الأشياء وتقديرِها أبدعَ تقديرٍ آلهة  لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا  أي لا يقدرون على خلق شيءٍ من الأشياءِ أصلاً  وَهُمْ يُخْلَقُونَ  كسائر المخلوقاتِ وقيل : لا يقدرُون على أنْ يختلقُوا شيئاً وهم يُختلقون حيث تختلقهم عبدتُهم بالنَّحت والتَّصويرِ. وقولُه تعالى : وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً  لبيان ما لم يدلَّ عليه ما قبله من مراتبِ عجزِهم وضعفِهم فإنَّ بعضَ المخلوقين العاجزينَ عن الخلقِ رُبَّما يملك دفعَ الضُّرِّ وجلبَ النَّفعِ في الجملة كالحيوان وهؤلاءِ لا يقدرونَ على التَّصرفِ في ضُرَ ما ليدفعُوه عن أنفسِهم ولا في نفعٍ ما حتَّى يجلبوه إليهم فكيف يملكون شَيئاً منهما لغيرِهم. وتقديمُ ذكرِ الضُّرِّ لأنَّ دفعَه مع كونِه أهمَّ في نفسه أوَّلُ مراتبِ النَّفعِ وأقدمُها. والتَّنصيصُ على قولِه تعالى : وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةًَ وَلاَ نُشُوراً  أي لا يقدرون على التَّصرفِ في شيءٍ منها بإماتةِ الأحياءِ وإحياءِ المَوْتى وبعثِهم بعد بيانِ عجزِهم عمَّا هو أهونُ من هذه الأمور من دفع الضُّرِّ وجلب النَّفعِ للتَّصريحِ بعجزهم عن كلَّ واحدٍ ممَّا ذُكر على التَّفصيلِ والتَّنبيهِ على أنَّ الإله يجبُ أنْ يكونَ قادراً على جميعِ ذلك. وفيه إيذانٌ بغايةِ جهلهم وسَخافةِ عقولِهم كأنَّهم غيرُ عارفين بانتفاء ما نُفي عن آلهتِهم من الأمورِ المذكُورةِ مفترقون إلى التَّصريح بذلك.

### الآية 25:4

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ۖ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا [25:4]

وَقَالَ الذين كَفَرُواْ إِنْ هذا إِلاَّ إِفْكٌ  شروعٌ في حكاية أباطيلِهم المتعلِّقةِ بالمنزَّلِ والمنزَّل عليه معاً وإبطالِها. والموصولُ إمَّا عبارةٌ عن غُلاتِهم في الكفر والطُّغيانِ وهم النَّضرُ بنُ الحارث، وعبدُ اللَّهِ بنُ أُميَّةَ، ونوفلُ بنُ خُويلدٍ، ومَن ضامّهم. ورُوي عن الكَلْبيِّ ومُقاتلٍ أنَّ القائلَ هُو النَّضرُ بنُ الحارث. والجمعُ لمشايعةِ الباقين له في ذلك وإمَّا عن كلِّهم، ووضعُ الموصولِ موضعَ ضميرِهم لذمِّهم بما في حيِّز الصِّلةِ والإيذانِ بأنَّ ما تفوَّهوا به كفرٌ عظيمٌ وفي كلمةِ ( هذا ) حطٌّ لرتبة المشارِ إليه أي ما هذا إلا كذبٌ مصروفٌ عن وجهِه  افتراه  يريدون أنَّه اختلقَه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم  وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ  أي على اختلاقِه  قَوْمٌ آخَرُونَ  يعنُون اليَّهودَ بأنْ يُلقوا إليه أخبار الأممِ الدَّارجةِ وهو يعبِّر عنها بعبارتِه. وقيل : هما جبرٌ ويسارٌ كانا يصنعانِ السَّيفَ بمكَّةَ ويقرآنِ التَّوراةَ والإنجيلَ. وقيل : هو عابسٌ وقد مرَّ تفصيلُه في سورة النَّحلِ  فَقَدْ جاءُوا ظُلْماً  منصوبٌ بجاءوا فإنَّ جاءَ وأَتَى يستعملانِ في معنى فَعَل فيُعدَّيانِ تعديتَه أو بنزعِ الخافضِ أي بظلمٍ قاله الزَّجَّاجُ. والتَّنوينُ للتَّفخيمِ أي جَاءوا بما قالُوا ظلماً هائلاً عظيماً لا يُقادر قَدرُه حيث جعلُوا الحقَّ البحتَ الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديهِ ولا من خلفِه إفكاً مُفترى من قبل البشرِ وهو من جهة نظمِه الرَّائقِ وطرزه الفائقِ بحيث لو اجتمعتِ الإنسُ والجنُّ على مباراتِه لعجزُوا عن الإتيان بمثل آيةٍ من آياتِه ومن جهة اشتمالِه على الحِكَمِ الخفيَّةِ والأحكامِ المستتبعةِ للسَّعاداتِ الدِّينيةِ والدُّنيويَّةِ والأمور الغيبيَّةِ بحيثُ لا يناله عقولُ البشرِ ولا يفي بفهمه القُوى والقُدر  وَزُوراً  أي كذباً كبيراً لا يُبلغ غايتُه حيث نسبوا إليه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ما هو بريءٌ منه. والفاء لترتيبِ ما بعدها على ما قبلها لكن لا على أنَّهما أمرانِ مُتغايرانِ حقيقة يقع أحدُهما عقيب الآخرِ أو يحصل بسببه بل على أنَّ الثَّانِي هو عينُ الأوَّلِ حقيقة وإنَّما التَّرتيبُ بحسب التَّغايرِ الاعتباريِّ. وقد لتحقيقِ ذلك المعنى فإنَّ ما جاءوه من الظَّلمِ والزُّورِ هو عينُ ما حُكي عنهم لكنه لما كان مُغايراً له في المفهوم وأظهرَ منه بُطلاناً رُتِّب عليه بالفاء ترتيبَ اللازم على الملزوم تَهويلاً لأمره.

### الآية 25:5

> ﻿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [25:5]

وَقَالُواْ أساطير الأولين  بعد ما جعلوا الحقَّ الذي لا محيدَ عنه إفكاً مختلَقاً بإعانة البشرِ بيَّنوا على زعمهم الفاسدِ كيفيَّةَ الإعانةِ. والأساطيرُ جمع أسطارٍ أو أُسطورةٍ كأُحدوثةٍ وهي ما سطرَه المتقدِّمون من الخُرافاتِ  اكتتبها  أي كتبها لنفسِه على الإسناد المجازيِّ أو استكتبَها. وقُرئ على البناءِ للمفعولِ لأنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أُميٌّ. وأصله اكتتبها له كاتبٌ فحذف اللامُ وأُفضيَ الفعلُ إلى الضَّميرِ فصار اكتتبَها إيَّاه كاتبٌ ثم حُذف الفاعلُ لعدم تعلُّقِ الغرضِ العلميِّ بخصوصِه وبُني الفعلُ للضَّميرِ المنفصلِ فاستترَ فيه  فَهِيَ تملى عَلَيْهِ  أي تُلقي عليه تلك الأساطيرُ بعد اكتتابِها ليحفظَها من أفواهِ مَن يُمليها عليه من ذلك المكتتب لكونِه أميّاً لا يقدرُ على أنْ يتلقَّاها منه بالقراءةِ أو تملي على الكاتب على أنَّ معنى اكتتبها أرادَ اكتتابَها أو استكتابَها. ورجعُ الضَّميرِ المجرورِ إليه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لإسنادِ الكتابةِ في ضمن الاكتتابِ إليه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ.  بُكْرَةً وَأَصِيلاً  أي دائماً أو خُفية قبل انتشارِ النَّاسِ حين يأوون إلى مساكنِهم. انظُر إلى هذهِ الرُّتبةِ من الجراءةِ العظيمةِ قاتلهم الله أنَّى يُؤفكون.

### الآية 25:6

> ﻿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [25:6]

قُلْ  لهم ردًّا عليهم وتحقيقاً للحقِّ  أَنزَلَهُ الذي يَعْلَمُ السر في السماوات والأرض  وصفه تعالى بإحاطةِ علمِه بجميع المعلومات الجليَّةِ والخفيَّةِ للإيذان بانطواءِ ما أنزله على أسرارٍ مطويَّةٍ عن عقول البشر مع ما فيه من التَّعريضِ بمجازاتِهم بجناياتهم المحكيَّةِ التي هي من جُملة معلوماتِه تعالى أي ليس ذلك ممَّا يُفترى ويُفتعل بإعانة قومٍ وكتابة آخرين من الأحاديثِ المُلفَّقة وأساطيرِ الأوَّلينَ بل هو أمر سماويٌّ أنزله الله الذي لا يعزبُ عن علمه شيءٌ من الأشياءِ وأودع فيه فنونَ الحكمِ والأسرارِ على وجهٍ بديعٍ لا يحومُ حوله الأفهامُ حيث أعجزَكم قاطبةً بفصاحتِه وبلاغتِه وأخبركم بمغيَّباتٍ مستقبلةٍ وأمورٍ مكنونةٍ لا يُهتدى إليها ولا يُوقف عليها إلا بتوفيق العليم الخبيرِ وقد جعلتمُوه إفكاً مُفترى من قبيل الأساطير واستوجبتُم بذلك أنُ يُصَبَّ عليكم سوطُ العذابِ صبّاً. فقولُه تعالى : إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً  تعليلٌ لمَا هو المشاهد من تأخير العقوبة أي أنَّه تعالى أزلاً وأبداً مستمرٌّ على المغفرةِ والرَّحمةِ المستتبعين للتَّأخيرِ فلذلك لا يُعجِّلُ بعقوبتِكم على ما تقولون في حقِّه مع كمال استيجابِه إيَّاها وغاية قُدرتِه تعالى عليها.

### الآية 25:7

> ﻿وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ۙ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا [25:7]

وَقَالُواْ مَّالِ هذا الرسول  شروعٌ في حكاية جنايتهم المتعلِّقة بخصوصيَّةِ المنزَّلِ عليهِ. وما استفهاميَّةٌ بمعنى إنكار الوقوع ونفيه مرفوعةٌ على الابتداءِ خبرُها ما بعدها من الجارِّ والمجرورِ. وفي هذا تصغيرٌ لشأنه عليه الصَّلاة والسَّلام وتسميتُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ رسولاً بطريقِ الاستهزاءِ به عليه الصَّلاة والسَّلام كما قال فرعونُ : إنَّ رسولَكم الذي أُرسل إليكُم لمجنون ، وقولُه تعالى : يَأْكُلُ الطعام  حالٌ من الرَّسولِ، والعاملُ فيها ما عملَ في الجارِّ من معنى الاستقرارِ أيْ أيُّ شيءٍ وأيُّ سببٍ حصلَ لهذا الذي يدَّعي الرِّسالةَ حالَ كونِه يأكلُ الطَّعامَ كما نأكلُ  وَيَمْشِي في الأسواق  لابتغاءِ الأرزاقِ كما نفعلُه، على توجيه الإنكار والنَّفي إلى السببِ فقط مع تحقُّقِ المُسبَّبِ الذي هو مضمون الجملة الحاليَّةِ كما في قوله تعالى : فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ  وقوله : مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً  فكما أنَّ كلاًّ من عدمِ الإيمانِ وعدمِ الرَّجاءِ أمرٌ محقَّقٌ قد استبعد تحقُّقه لانتفاءِ سببِه بل لوجود سبب عدمِه خَلاَ أنَّ استبعادَ المسبَّبِ وإنكارَ السَّببِ ونفيَه في عدم الإيمان وعدم الرجاء بطريق التَّحقيقِ وفي الأكل والمشيِ بطريق التَّهكُّمِ والاستهزاء فإنَّهم لا يستبعدونهما ولا يُنكرون سببَهما حقيقةً بل هم مُعترفون بوجودِهما وتحقُّقِ سببِهما وإنَّما الذي يستبعدونَهُ الرِّسالةَ المُنافيةَ لهما على زعمِهم يعنون أنَّه إنْ صحَّ ما يدَّعيه فما بالُه لم يخالفْ حالُه حالَنا وهل هو إلا لعمهِهم ورَكَاكةِ عقولِهم وقصور أنظارهم على المحسُوسات فإنَّ تميُّزَ الرُّسلِ عمَّن عداهم ليس بأمورٍ جُسمانيَّةٍ وإنما هو بأمورٍ نفسانيَّةٍ كما أُشير إليه بقولِه تعالى : قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يوحى إِلَيَّ أَنَّمَا إلهكم إله وَاحِدٌ   لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ  أي على صورتِه وهيئتِه  فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً  تنزُّلٌ منهم من اقتراحِ أنْ يكونَ مَلَكاً مستغنياً عن الأكل والشُّربِ إلى اقتراح أنْ يكونَ معه مَلكٌ يصدِّقه ويكون رِدْءاً له في الإنذار وهو يُعبر عنه ويفسِّر ما يقوله للعامَّةِ.

### الآية 25:8

> ﻿أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا ۚ وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا [25:8]

وقوله تعالى : أَوْ يلقى إِلَيْهِ كَنْزٌ  تنزُّلٌ من تلك المرتبةِ إلى اقتراح أنْ يُلقى إليه من السَّماءِ كنزٌ يستظهرُ به ولا يحتاجُ إلى طلب المعاشِ ويكون دليلاً على صدقه. وقولُه تعالى : أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا  تنزُّلٌ من ذلك إلى اقتراحِ ما هو أيسرُ منه وأقربُ من الوقوع. وقُرئ نأكلُ بنون الحكايةِ وفيه مزيدُ مكابرةٍ وفَرط تَحكُّمٍ.  وَقَالَ الظالمون  هم القائلونَ الأوَّلونَ وإنما وضع المظهرِ موضعَ ضميرِهم تسجيلاً عليهم بالظُّلم وتجاوزِ الحدِّ فيما قالوه لكونه إضلالاً خارجاً عن حدِّ الضَّلالِ مع ما فيه من نسبته عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى المَسْحُوريَّةِ أي قالُوا للمؤمنينَ : إِن تَتَّبِعُونَ  أي ما تتبعون  إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا  قد سُحرَ فغُلبَ على عقلِه وقيل : ذَا سَحْرٍ وهي الرِّئةُ أي بَشراً لا مَلكاً على أنَّ الوصفَ لزيادة التَّقريرِ والأوَّلُ هو الأنسبُ بحالِهم.

### الآية 25:9

> ﻿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا [25:9]

انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال  استعظامٌ للأباطيل التي اجترؤُا على التَّفوه بها وتعجيبٌ منها أي انظُر كيف قالوا في حقِّك تلكَ الأقاويلَ العجيبةَ الخارجة عن العقول، الجاريةَ لغرابتها مجرى الأمثالِ واخترعُوا لك تلك الصِّفاتِ والأحوالِ الشَّاذةَ البعيدة من الوقوعِ  فُضّلُواْ  أي عن طريقِ المُحاجّةِ حيث لم يأتُوا بشيءٍ يُمكن صدورُه عمَّن له أدنى عقلٍ وتمييزٍ فبقُوا مُتحيِّزين  فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً  إلى القدح في نبوتك بأنْ يجدوا قولاً يستقرُّون عليه وإنْ كان باطلاً في نفسِه أو فضلُّوا عن الحقِّ ضلالاً مبيناً فلا يجدون طريقاً موصِّلاً إليه فإنَّ مَن اعتاد استعمال أمثال هذه الأباطيلِ لا يكادُ يهتدِي إلى استعمال المقدِّماتِ الحقَّةِ.

### الآية 25:10

> ﻿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا [25:10]

تَبَارَكَ الذي  أي تكاثرَ وتزايدَ خيرُ الذي  إِن شَاء جَعَلَ لَكَ  في الدُّنيا عاجلاً شيئاً  خَيْرًا  لك  مّن ذلك  الذي اقترحُوه مِن أنْ يكون لك جنَّةٌ تأكل منها بأنْ يجعلَ لك مثل ما وعدك في الآخرةِ. وقولُه تعالى : جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار  بدلٌ من خَيراً ومحقق لخيريتِّةِ مَّما قالُوا لأنَّ ذلك كان مُطلقاً عن قيدِ التَّعددِ وجريان الأنهارِ  وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً  عطفٌ على محلِّ الجزاء الذي هو جعلَ وقُرئ بالرَّفعِ عطفاً على نفسِه لأنَّ الشرَّطَ إذا كان ماضياً جاز في جزائِه الرَّفعُ والجزمُ كما في قولِ القائل :\[ البسيط \]وَإِنْ أَتَاهُ خَليلٌ يَوْمَ مَسْأَلة  يقُولُ لا غَائبٌ مالِي ولا حرِمُ[(١)](#foonote-١)ويجوزُ أنْ يكون استئنافاً بوعدِ ما يكون له في الآخرةِ. وقُرئ بالنَّصبِ على أنَّه جوابٌ بالواوِ. وتعليقُ ذلك بمشيئتِه تعالى للإيذانِ بأنَّ عدمَ جعلها بمشيئته المبنيَّةِ على الحِكَمِ والمصالحِ، وعدمُ التعَّرضِ لجواب الاقتراحينِ الأوَّلينِ للتنبيه على خروجِهما عن دائرة العقل واستغنائهما عن الجواب لظهورِ بُطلانِهما ومنافاتِهما للحكمة التَّشريعيَّةِ وإنَّما الذي له وجهٌ في الجملة هو الاقتراحُ الأخيرُ فإنَّه غير منافٍ للحكمة بالكلِّيةِ فإنَّ بعضَ الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ قد أُوتوا في الدُّنيا مع النُّبوةِ مُلكاً عظيماً. 
١ وهو لزهير بن أبي سلمى في ديوانه (ص ١٥٣)؛ وجمهرة اللغة (ص ١٠٨)؛ وخزانة الأدب (٩/٤٨، ٧٠)؛ والدرر (٥/٨٢)؛ وشرح شواهد المغني (٢/٨٣٨)؛ ولسان العرب (١١/٣١٥) (خلل) (١٢/١٢٨)(حرم) وبلا نسبة في أوضح المسالك (٤/٢٠٧)؛ وجواهر الأدب (ص ٢٠٣)؛ وشرح شذور الذهب (ص ٤٥١)؛ وشرح عمدة الحافظ (ص ٣٥٣)؛ وشرح المفصل (٨/١٥٧)..

### الآية 25:11

> ﻿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ۖ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا [25:11]

بَلْ كَذَّبُواْ بالساعة  إضرابٌ عن توبيخهم بحكايةِ جنايتهم السَّابقةِ وانتقالٌ منه إلى توبيخِهم بحكاية جنايايتِهم الأخرى للتَّخلُّص إلى بيان ما لهم في الآخرة بسبها من فُنون العذابِ بقوله تعالى : وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بالساعة سَعِيراً  الخ أي أعتدنا لهم ناراً عظيمةً شديدةَ الاشتعالِ شأنُها كيتَ وكيتَ بسبب تكذيبهم بها على ما يُشعر به وضعُ الموصولِ موضعَ ضميرِهم أو لكلِّ مَن كذَّب بها كائناً من كان وهم داخلون في زُمرتهم دخولاً أوليَّا. ووضعُ السَّاعة موضعَ ضميرهِا للمبالغةِ في التَّشنيع ومدارُ اعتياد السَّعيرِ لهم وإنْ لم يكن مجرَّد تكذيبهم بالسَّاعةِ بل مع تكذيبهم بسائر ما جاء به الشَّريفة لكن السَّاعةَ لمَّا كانتْ هي العلَّةَ القريبة لدخولِهم السَّعيرَ أُشير إلى سببيَّةِ تكذيبها لدخولِها. وقيل : هو عطفٌ على وقالُوا ما لهذا الخ على معنى بل أتوا بأعجبَ من ذلك حيثُ كذَّبوا بالسَّاعةِ وأنكروها والحالُ أنَّا قد أعتدنا لكلِّ مَن كذَّب بها سعيراً فإنَّ جراءتَهم على التَّكذيب بها وعدمَ خوفِهم مَّما أُعدَّ لمن كذَّب بها من أنواعِ العذابِ أعجبُ من القولِ السَّابقِ وقيل : هو مُتَّصل بما قبلَه من الجوابِ المبنيِّ على التَّحقيقِ المنبئ عن الوعدِ بالجنَّاتِ في الآخرةِ مسوق لبيان أنَّ ذلك لا يجُدي نفعاً ولا يحلى بطائل على طريقةِ قولِ مَن قال :عُوجُوا لنُعمٍ فَحَيُّوا دِمنَةَ الدَّار  مَاذَا تُحيُّون مِنْ نُؤي وأحجارِوالمعنى أنَّهم لا يُؤمنون بالسَّاعةِ فكيفَ يقتنعُون بهذا الجوابِ وكيف يُصدِّقون بتعجيل مثلِ ما وعدك في الآخرةِ وقيل : المعنى بل كذَّبوا بها فقصُرت أنظارُهم على الحظوظِ الدُّنيوَّيةِ وظنُّوا أنَّ الكرامة ليستْ إلا بالمالِ وجعلُوا فقرك ذريعةً إلى تكذيبك.

### الآية 25:12

> ﻿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا [25:12]

وقولُه تعالى : إِذَا رَأَتْهُمْ  الخ صفة للسَّعيرِ أي إذا كانت بمرأى الناظرِ في البُعد كقولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ :**« لا تَتَراءَى نارَاهُما »**[(١)](#foonote-١) أيْ لا تتقاربانِ بحيثُ تكونُ إحدهُما بمرأى مِن الأُخرى على المجاز كأنَّ بعضَها يرى البعضَ. ونسبةُ الرُّؤيةِ إليها لا إليهم للإيذان بأنَّ التَّغيظَ والزَّفيرَ منها لهيجان غضبِها عليهم عند رُؤيتها إيَّاهم حقيقةً أو تمثيلاً. ومِن في قوله تعالى : مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ  إشعارٌ بأنَّ بُعدَ ما بينهما وبينهم من المسافة حين رأتهُم خارجٌ عن حدود البُعدِ المعتاد في المسافات المعهودةِ وفيه مزيدُ تهويلٍ لأمرها. قال الكَلْبيُّ والسُّدِّيُّ. من مسيرةِ عامٍ وقيل : من مسيرة مائةِ سنةٍ  سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً  أي صوتُ تغيظٍ على تشبيه صوتِ غليانها بصوتِ المُغتاظِ وزفيرِه وهو صوتٌ يُسمع من جوفِه. هذا وإن الحياةَ لمَّا لم تكُن مشروطةً عندنا بالبنية أمكن أنْ يخلقَ الله تعالى فيها حياةً فترى وتتغيظُ وتزفرُ، وقيل : إنَّ ذلك لزبانيتها فنُسب إليها على حذفِ المضافِ.

١ أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد باب (٩٥)؛ والنسائي في كتاب القسامة باب (٢٦)..

### الآية 25:13

> ﻿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا [25:13]

وَإَذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً  نُصبَ على الظَّرفَّيةِ ومنها حالٌ منه لأنَّه في الأصلِ صفةٌ له  ضَيّقاً  صفةٌ لمكاناً مفيدةٌ لزيادة شدَّةٍ فإنَّ الكَرْبَ مع الضَّيقِ كما أنَّ الرَّوحَ مع السَّعةِ، وهو السِّرُّ في وصف الجنَّةِ بأنَّ عرضَها السماوات الأرضُ. وعن ابن عبَّاس وابنِ عُمر رضي الله تعالى عنهم : تضيقُ جهنَّمُ عليهم كما يضيقُ الزُّجُّ[(١)](#foonote-١) على الرُّمحِ. وسُئل النبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلامُ عن ذلك فقال :**« والذي نفسي بيدهِ إنَّهم ليُستكرهون في النَّارِ كما يُستكرِه الوَتِدُ في الحائطِ »**. قال الكلبيُّ : الأسفلُون يرفعهم اللَّهبُ والأعْلوَن يحطُّهم الدَّاخلونَ فيزدحمُون فيها. وقُرئ ضَيْقاً بسكون الياء.  مُقْرِنِينَ  حالٌ من مفعول أُلقوا أي أُلقوا منها مكاناً ضَيِّقاً حالَ كونِهم مقرَّنين قد قُرنت أيديهم إلى أعناقهم بالجوامَع وقيل : مقرَّنين مع الشَّياطين في السَّلاسلِ، كلُّ كافرٍ مع شيطانٍ وفي أرجلهم الأصفادُ  دَعَوْاْ هُنَالِكَ  أي في ذلك المكانِ الهائلِ والحالةِ الفظيعةِ  ثُبُوراً  أي يتمنَّون هلاكاً وينادُونه يا ثبُوراه تعالَ فهذا حِينُك وأوانُك. 
١ الزج: زج الرمح والسهم: الحديدة التي تركب في اسفل الرمح والسنان: عاليته والزج تركز به الرمح في الأرض والسنان يطعن به..

### الآية 25:14

> ﻿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا [25:14]

لاَّ تَدْعُواْ اليوم ثُبُوراً واحدا  على تقدير قول إمَّا منصوبٌ على أنَّه حالٌ من فاعلِ دَعَوا أي دَعَوه مقُولاً لهم ذلك حقيقة بأنْ يخاطبهم الملائكةُ به لتنبيههم على خلودِ عذابِهم وأنَّهم لا يُجابون إلى ما يَدْعُونه ولا ينالون ما يتمنَّونه من الهلاكِ المنجِّي، أو تمثيلاً وتصويراً لحالهم بحال مَن يُقال له ذلك من غير أنْ يكونَ هناك قولٌ ولا خطابٌ أي دَعَوه حالَ كونِهم أحِقَّاءَ بأنْ يُقال لهم ذلك. وإمَّا مُستأنفٌ وقع جواباً عن سؤال ينسحبُ عليه الكلامُ كأنَّه قيل : فماذَا يكونُ عند دُعائِهم المذكورِ فقيل يُقال لهم ذلك إقناطاً مَّما علَّقوا به أطماعَهم من الهلاك وتنبيهاً على أنَّ عذابهم الملجئ لهم إلى استدعاء الهلاكِ بالمَّرةِ أبديٌّ لا خلاصَ لهم منه أيْ لا تقتصِرُوا على دُعاء ثبورٍ واحدٍ  وادعوا ثُبُوراً كَثِيراً  أي بحسب كثرة الدُّعاء المتعلِّق به لا بحسب كثرتِه في نفسِه فإنَّ ما يدعونَه ثبورٌ واحدٌ في حدِّ ذاته لكنه كلَّما تعلَّق به دعاءٌ من تلك الأدعية الكثيرةِ صارَ كأنَّه ثبورٌ مغايرٌ لما تعلَّق به دعاءٌ آخرُ منها وتحقيقُه لا تدعُوه دُعاءً واحداً وادعُوه أدعيةً كثيرةً فإنَّ ما أنتُم فيه من العذابِ لغايةِ شدَّتِه وطولِ مُدَّتِه مستوجبٌ لتكرير الدُّعاءِ في كلِّ آنٍ وهذا أدلُّ على فظاعة العذابِ وهوله جعل تعدد الدُّعاءِ وتجدده لتعدد العذاب بتعدد أنواعه وألوانِه أو لتعدُّدِه بتجدُّدِ الجلودِ كما لا يَخْفى. وأمَّا ما قيل : مِن أنَّ المعنى إنَّكم وقعتُم فيما ليس ثبورُكم فيه واحداً إنَّما هو ثبورٌ كثيرٌ، إمَّا لأنَّ العذابَ أنواعٌ وألوانٌ كلُّ نوعٍ منها ثبورٌ لشدَّتِه وفظاعتِه أو لأنَّهم كلمَّا نضجتْ جلودُهم بُدِّلوا غيرَها فلا غاية لهلاكِهم فلا يلائم المقامَ كيف لا وهُم إنَّما يدعُون هَلاَكاً ينهي عذابَهم ويُنجيِّهم منه فلا بُدَّ أنْ يكونَ الجوابُ إقناطاً لهم من ذلك ببيانِ استحالتِه ودوام ما يوجبُ استدعاءَه من العذاب الشَّديدِ، وتقييدُ النَّهي والأمر باليوم لمزيد التَّهويل والتَّفظيعِ والتَّنبيهِ على أنَّه ليس كسائر الأيَّامِ المعهُودةِ.

### الآية 25:15

> ﻿قُلْ أَذَٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۚ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا [25:15]

قُلْ  تقريعاً لهم وتهكُّماً بهم وتحسيراً على ما فاتَهم  أذلك  إشارةٌ إلى ما ذُكر من السَّعير باعتبار اتَّصافها بما فُصِّل من الأحوال الهائلة، وما فيه من معنى البُعد للإشعار بكونها في الغاية القاصيةِ من الهول والفظاعةِ أي قُل لهم أذلك الذي ذُكر من السَّعير التي أعتدت لمن كذَّب بالسَّاعة وشأنُها كيتَ وكيتَ وشأنُ أهلِها ذيتَ وذيتَ  خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخلد التي وَعِدَ المتقون  أي وُعدها المتَّقون. وإضافةُ الجَّنةِ إلى الخُلد للمدحِ وقيل : للتَّمييز عن جنَّاتِ الدُّنيا. والمرادُ بالمتَّقين المتَّصفون بمطلق التقَّوى لا بالمرتبة الثَّانيةِ أو الثَّالثةِ منها فَقَطْ  كَانَتْ  تلك الجَّنةُ  لَهُمْ  في علم الله تعالى أو في اللَّوح المحفوظِ أو لأنَّ ما وعده الله تعالى فهو كائنٌ لا محالةَ فحُكي تحقُّقه ووقوعُه  جَزَاء  على أعمالِهم حسبما مرَّ من الوعد الكريم  وَمَصِيراً  ينقلبون إليه.

### الآية 25:16

> ﻿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا [25:16]

لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءونَ  أي ما يشاءونه من فنُون الملاذِّ والمُشتَهيات وأنواع النَّعيمِ كما في قولِه تعالى : وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ  ولعلَّ كلَّ فريقٍ منهم يقتنعُ بما أُتيح له من درجات النَّعيم ولا تمتدُّ أعناقُ هممِهم إلى ما فوق ذلك من المراتبِ العاليةِ فلا يلزم الحرمانُ ولا تساوي مراتبِ أهلِ الجنانِ  خالدين  حالٌ من الضَّمير المستكِّنِ في الجارِّ والمجرورِ لاعتماده على المبتدأ وقيل : من فاعل يشاءون  كَانَ  أي ما يشاؤنه وقيل : الوعدُ المدلولُ عليه بقوله تعالى وُعد المتقَّون  على رَبّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً  أي موعُوداً حقيقيَّا بأنْ يُسألَ ويُطلبَ لكونِه مَّما يتنافسُ فيه المُتنافسون أو مسؤولاً لا يسألُه النَّاسُ في دُعائهم بقولِهم ربنا وآتنا ما وعدتنا على رُسلك أو الملائكة بقولهم ربنا وأدخلهم جنَّاتِ عدن التي وعدتهم، وما في على من معنى الوجوبِ لامتناع الخُلفِ في وعدِه تعالى ولا يلزم منه الإلجاءُ إلى الإنجازِ فإنَّ تعلَّق الإرادة بالموعودِ متقدِّمٌ على الوعدِ الموجبِ للإنجاز، وفي التَّعرضِ لعُنوان الرُّبوبِّيةِ مع الإضافة إلى ضميره عليه الصَّلاة والسَّلام من تشريفه والإشعارِ بأنه عليه الصَّلاة والسَّلام هو الفائزُ آثر ذي أثيرٍ بمغانم الوعدِ الكريمِ ما لا يَخفْى.

### الآية 25:17

> ﻿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَٰؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ [25:17]

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ  نُصب على أنَّه مفعول لمضمرٍ مقدَّمٍ معطوف على قولِه تعالى قل أذلك الخ أي لهم بعد التَّقريعِ والتَّحسيرِ يوم يحشرهم الله عزَّ وجلَّ. وتعليقُ التَّذكيرِ باليوم مع أنَّ المقصودَ تذكيرُ ما وقع فيه من الحوادثِ الهائلةِ قد مرَّ وجُهه غيرَ مرَّةٍ أو على أنَّه ظرفٌ لمضمرٍ مؤخَّرٍ قد حُذف للتَّنبيه على كمال هولِه وفظاعةِ ما فيه والإيذانِ بقُصورِ العبارةِ عن بيانِه أي يومَ يحشرُهم يكون من الأحوالِ والأهوالِ ما لا يفي ببيانِه المقالُ. وقُرئ بنونِ العظمةِ بطريقِ الالتفاتِ من الغَيبةِ إلى التَّكلمِ وبكسرِ الشِّينِ أيضاً  وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله  أُريد به ما يعمُّ العقلأَ وغيرَهم إمَّا لأنَّ كلمةَ ما موضوعةٌ للكلِّ كما ينبئ عنه أنك إذا رأيت شَبَحاً من بعيدٍ تقولُ ما هو أو لأنَّه أُريد به الوصفُ لا الذَّاتُ كأنَّه قيل : ومعبوديهم أو لتغليب الأصنامِ على غيرِها تنبيهاً على أنَّهم مثلُها في السُّقوطِ عن رُتبةِ المعبودَّيةِ أو اعتبارا لغلبة عبدتِها أو أُريد به الملائكةُ والمسيحُ وعزيرٌ بقرينةِ السُّؤالِ والجوابِ أو الأصنامُ ينطقها الله تعالى أو تكلُّم بلسانِ الحالِ كما قيل : في شهادةِ الأيدِي والأرجلِ.  فَيَقُولُ  أي الله عزَّ وجلَّ للمعبودينَ إثرَ حشرِ الكلِّ تقريعاً للعَبَدةِ وتبكيتاً لهم. وقُرئ بالنُّون كما عُطف عليه. وقُرئ هذا بالياء والأولُ بالنُّون على طريق الالتفاتِ إلى الغَيْبةِ  أأنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَء  بأنْ دعوتُموهم إلى عبادتِكم كما في قوله تعالى : قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمّيَ إلهين مِن دُونِ الله   أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل  أي عن السَّبيلِ بأنفسِهم لإخلالِهم بالنَّظر الصَّحيحِ وإعراضهم عن المرشدِ فحذف الجارَّ وأوصل الفعلُ إلى المفعول كقوله تعالى وهو يهدِي السَّبيلَ والأصلُ إلى السَّبيلِ أو للسَّبيلِ وتقديم الضَّميرينِ على الفعلينِ لأنَّ المقصودَ بالسُّؤالِ هو المُتصدَّي للفعل لا نفسُه.

### الآية 25:18

> ﻿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَٰكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّىٰ نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا [25:18]

قَالُواْ  استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأَ من حكاية السُّؤالِ كأنَّه قيل : فماذا قالوا في الجواب فقيل قالوا  سبحانك  تعجُّباً ممَّا قيل لهم لأنَّهم إمَّا ملائكةٌ معصومون أو جماداتٌ لا قُدرةَ لها على شيءٍ أو إشعاراً بأنَّهم الموسُومون بتسبيحِه تعالى وتوحيدِه فكيف يتأتَّى منهم إضلالُ عبادِه، أو تنزيهاً له تعالى عن الأندادِ  مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا  أي ما صحَّ وما استقام لنا  أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ  أي متجاوزينَ إيَّاك  مِنْ أَوْلِيَاء  نعبدُهم لِما بنا من الحالةِ المُنافيةِ له فأنَّى يُتصوَّرُ أنْ نحملَ غيرَها على أنْ يتَّخذَ ولياً غيرَك فضلاً أنْ يتخذنا وليَّاً وأنْ نتخذَ من دونك أولياءَ أي أتباعاً فإنَّ الولي كما يُطلق على المتبوعِ يُطلق على التَّابعِ كالمَوْلى يُطلق على الأَعلى والأسفلِ ومنه أولياءُ الشَّيطانِ أي أتباعُه. وقُرئ على البناءِ للمفعولِ من المتعدِّي إلى مفعولينِ كما في قوله تعالى : واتخذ الله إبراهيم خَلِيلاً  ومفعوله الثَّاني من أولياء على أنَّ مِن للتبعيضِ أي أنْ نتخذَ بعضَ أولياءٍ وهي على الأول مزيدةٌ. وتنكيرُ أولياء من حيثُ إنَّهم أولياء مخصوصون وهم الجنُّ والأصنام  ولكن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءهُمْ  استدراك مسوقٌ لبيان أنَّهم هم الضَّالُّون بعد بيان تنزههم عن إضلالهم، وقد نُعي عليهم سوءُ صنيعِهم حيث جعلُوا أسبابَ الهداية أسباباً للضَّلالة أي ما أضللناهم ولكنَّك متعتهم وآباءَهم بأنواع النِّعم ليعرفوا حقَّها ويشكروها فاستغرقُوا في الشَّهواتِ وانهمكُوا فيها  حتى نَسُواْ الذكر  أي غفَلوا عن ذكرِك أو عن التَّذكرِ في آلائِك والتَّدبرِ في آياتِك فجعلُوا أسبابَ الهداية بسوء اختيارِهم ذريعةً إلى الغَوايةِ  وَكَانُواْ  أي في قضائِك المبنيِّ على علمِك الأزليِّ المتعلق بما سيصدرُ عنهم فيما لا يزال باختيارِهم من الأعمالِ السَّيئةِ  قَوْماً بُوراً  أي هالكين على أنَّ بُوراً مصدرٌ وُصف به الفاعلُ مبالغةً ولذلك يستوي فيه الواحدُ والجمعُ أو جمعُ بائرٍ كعُوذٍ في جمعِ عائذٍ. والجملةُ اعتراضٌ تذييليٌّ مقررٌ لمضمونِ ما قبله.

### الآية 25:19

> ﻿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا ۚ وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا [25:19]

وقوله تعالى : فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ  حكايةٌ لاحتجاجِه تعالى على العَبَدة بطريق تلوين الخطابِ وصرفه عن المعبودينَ عند تمام جوابِهم وتوجيهه إلى العَبَدة مبالغةٌ في تقريعهم وتبكيتِهم على تقديرِ قولٍ مرتَّبٍ على الجواب أي فقال الله تعالى عند ذلك فقد كذَّبوكم المعبودون أيُّها الكفرةُ  بِمَا تَقُولُونَ  أي في قولِكم إنَّهم آلهةٌ وقيل : في قولكم هؤلاء أضلُّونا ويأباه أنَّ تكذيبَهم في هذا القول لا تعلق له بما بعَدُه من عدم استطاعتِهم للصَّرف والنصر أصلاً، وإنما الذي يستتبُعه تكذيبُهم في زعمهم أنَّهم آلهتهم وناصروهم، وأيَّا ما كان فالباءُ بمعنى في أو هي صلةٌ للتكذيب على أنَّ الجارَّ والمجرورَ بدلُ اشتمالٍ من الضَّمير المنصوب. وقُرئ بالياء أي كَذبوكم بقولهم سبحانك الآيةَ  فَمَا تَسْتَطِيعُونَ  أي ما تملكُون  صَرْفاً  أي دفعاً للعذاب عنكم بوجهٍ من الوجوه كما يُعرب عنه التَّنكيرُ أي لا بالذَّاتِ ولا بالواسطة وقيل : حيلةً من قولهم إنَّه ليتصرف في أموره أي يحتالُ فيها وقيل : توبة  وَلاَ نَصْراً  أي فرداً من أفراد النَّصر لا من جهةِ أنفسِكم ولا من جهةِ غيرِكم. والفاءُ لترتيبِ عدمِ الاستطاعةِ على ما قبلها من التَّكذيبِ لكن لا على أنَّه لولاه لوُجدتْ الاستطاعةُ حقيقةً بل في زعمِهم حيثُ كانُوا يزعمون أنَّهم يدفعون عنهم العذابَ وينصرونهم، وفيه ضربُ تهكُّمٍ بهم. وقُرئ يستطيعون على صيغة الغَيبةِ أي ما يستطيعُ آلهتُكم أنْ يصرفوا عنكم العذابَ أو يحتالُوا لكم ولا أنْ ينصروكم، وترتب ما بعد الفاء على ما قبلَها كما مرَّ بيانُه  وَمَن يَظْلِم مّنكُمْ  أيُّها المكلَّفون كدأبِ هؤلاءِ حيث ركبُوا متنَ المُكابرة والعناد واستمرُّوا على ما هم عليه من الفساده وتجاوزوا في اللجاجِ كلَّ حدَ معتادٍ  نُذِقْةُ  في الآخرة  عَذَاباً كَبِيراً  لا يُقادر قدرُه، وهو عذابُ النَّارِ. وقُرئ يُذقه على أنَّ الضَّمير لله سبحانه وتعالى وقيل لمصدر الفعلِ الواقعِ شرطاً. وتعميمُ الظُّلمِ لا يستلزمُ اشتراكَ الفاسقِ للكافر في إذاقة العذابِ الكبيرِ فإنَّ الشَّرطَ في اقتضاء الجزاءِ مقيَّدٌ بعدمِ المُزاحمِ وفاقاً وهو التَّوبةُ، والإحباطِ بالطَّاعةِ إجماعاً وبالعفوِ عندنا.

### الآية 25:20

> ﻿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ۗ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا [25:20]

وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام وَيَمْشُونَ في الأسواق  جوابٌ عن قولهم : مَا لهذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِي في الأسواق  والجملةُ الواقعةُ بعد إلاَّ صفةٌ لموصوفٍ قد حُذف ثقةً بدلالة الجارِّ والمجرورِ عليه وأقيمتْ هي مقامَه كما في قوله تعالى : وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ  والمعنى ما أرسلَنا أحداً قبلكَ من المُرسلين إلا آكلينَ وماشينَ وقيل : في حالٌ، والتَّقديرُ إلاَّ وإنَّهم ليأكلون الخ وقُرئ يُمشَون على البناء للمفعول أي يُمشيهم حوائجُهم أو النَّاسُ.  وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ  تلوينٌ للخطاب بتعميمِه لسائر الرُّسلِ عليهم الصَّلاةُ والسلامُ بطريق التَّغليبِ، والمرادُ بهذا البعضِ كفَّارُ الأممِ فإنَّ اختصاصَهم بالرُّسل وتبعيتهم لهم مصحِّحٌ لأنْ يعدُّوا بعضاً منهم وبما في قوله تعالى : لِبَعْضٍ  رسلِهم لكن لا على معنى جعلنا مجموعَ البعضِ الأولِ  فِتْنَةً  أي ابتلاءً ومحنةً لمجموعِ البعض الثَّاني ولا على معنى جعلنا كلَّ فردٍ من أفراد البعض الأول فتنةً لكلِّ فردٍ من أفراد البعض الثَّاني ولا على معنى جعلنا بعضاً مُبهماً من الأوَّلينَ فتنةً لبعضٍ مُبهمٍ من الآخرين ضرورةَ أنَّ مجموعَ الرُّسل من حيثُ هو مجموعٌ غيرُ مفتونٍ بمجموعِ الأُممِ ولا كلُّ فردٍ منهم بكلِّ فردٍ من الأمم ولا بعض مبهمٌ من الأوَّلين لبعضِ مُبهمٍ من الآخرينَ بل على معنى جعلنا كلَّ بعضً مُعيَّنٍ من الأُمم فتنةً لبعض معَّين من الرُّسلِ كأنَّه قيل : وجعلنا كلَّ أمَّةٍ مخصوصةٍ من الأُممِ الكافرةِ فتنةً لرسولِها المعيَّنِ المبعوثِ إليها وإنَّما لم يُصرِّح بذلك تعويلاً على شهادةِ الحالِ. هذا وأمَّا تعميمُ الخطابِ لجميع المكلَّفين وإبقاء البعضين على العمومِ والإبهامِ على معنى وجعلنا بعضَكم أيُّها فتنةً لبعضٍ آخرَ منكم فيأباهُ قولُه تعالى : أَتَصْبِرُونَ  فإنَّه غايةٌ للجعلِ المذكورِ، ومن البيِّنِ أنْ ليسَ ابتلاءُ كلِّ أحدٍ من آحادِ النَّاسِ مُغيًّا بالصَّبرِ بل بما يناسبُ حالَه على أنَّ الاقتصارَ على ذكرهِ من غير تعرّض لمعالٍ له مما يدلُّ على أنَّ الَّلائقَ بحال المفتونينَ والمتوقع صدورُه عنهم هو الصَّبرُ لا غيرُ، فلا بُدَّ أنْ يكونَ المرادُ بهم الرُّسلَ فيحصل به تسليتُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فالمعنى جرتْ سُنَّتنا بموجب حكمتِنا على ابتلاءِ المُرسلينَ بأممِهم وبمناصبتهم لهم العداوةَ وإيذائهم لهم وأقاويلِهم الخارجةِ عم حُدودِ الإنصاف لنعلمَ صبرَكم. وقوله تعالى : وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً  وعدٌ كريم للرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بالأجرِ الجزيلِ لصبرِه الجميلِ مع مزيدِ تشريفٍ له عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بالالتفاتِ إلى اسمِ الرَّبِّ مُضافاً إلى ضميرِه صلى الله عليه وسلم.

### الآية 25:21

> ﻿۞ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا ۗ لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا [25:21]

وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا  شروعٌ في حكايةِ بعضٍ آخر من أقاويلِهم الباطلةِ وبيانِ بُطلانِها إثرَ إبطالِ أباطيلهم السَّابقةِ. والجملةُ معطوفةٌ على قولِه تعالى : وَقَالُواْ مَا لهذا الرسول  \[ سورة الفرقان : الآية : ٧ \] الخ ووضعُ الموصولِ موضعَ الضَّمير للتَّنبيهِ بما في حيِّز الصِّلة على أنَّ ما يُحكى عنهم من الشَّناعةِ بحيثُ لا يصدرُ عمَّن يعتقدُ المصيرَ إلى الله عزَّ وجلَّ. ولقاءُ الشَّيءِ عبارةٌ عن مصادفتهِ من غيرِ أنْ يمنعَ مانعٌ من إدراكِه بوجهٍ من الوجوهِ، والمرادُ بلقائِه تعالى إمَّا الرُّجوعُ إليه تعالى بالبعثِ والحشرِ أو لقاءُ حسابه تعالى كما في قوله تعالى : إِني ظَنَنتُ أَنّي ملاق حِسَابِيَهْ \[ سورة الحاقة، الآية : ٢٠ \] وبعدم رجائِهم إيَّاه عدمُ توقُّعهم له أصلاً لإنكارِهم البعث والحساب بالكليِّة لا عدمُ أملِهم حسنَ اللقاءِ ولا عدمُ خوفِهم سوءَ اللقَّاءِ لأنَّ عدمَهما غيرُ مستلزمٍ لما هم عليه من العُتوِّ والاستكبار وإنكارِ البعثِ والحسابِ رأساً أي وقال الذَين لا يتوقعَّون الرَّجوعَ إلينا أو حسابَنا المؤدِّيَ إلى سُوءِ العذابِ الذي تستوجب. مقالتُهم  لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الملائكة  أي هلاَّ أُنزلوا علينا بطريق ليخبرونَا بصدقٍ محمَّدٍ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وقيل : هَلاَّ أُنزلوا علينا بالرِّسالةِ وهو الأنسب لقولِهم  أَوْ نرى رَبَّنَا  من حيثُ أنَّ كلا القولينِ ناشئ عن غايةِ غُلوهم في المُكابرةِ والعُتوِّ حسبما يَعربُ عنه قولُه تعالى  لَقَدِ استكبروا فِي أَنفُسِهِمْ  أي في شأنِها حتَّى اجترأوا على التَّفوه بمثل هذه العظيمةِ الشَّنعاءِ  وَعَتَوْا  أي تجاوزُوا الحدَّ في الظُّلم والطُّغيانِ  عُتُوّاً كَبِيراً  بالغاً أقصَى غاياته حيثُ أمَّلوا نيلَ مرتبةِ المفاوضةِ الإلهيةِ من غير توسطِ الرَّسولِ والمَلك كما قالوا : لَوْلاَ يُكَلّمُنَا الله  \[ سورة البقرة، الآية ١١٨ \] ولم يكتفُوا بما عاينوا من المعجزاتِ القاهرة التي تخرُّ لها صمُّ الجبالِ فذهبوا في الاقتراح كلَّ مذهبٍ حتَّى منَّتهم أنفسُهم الخبيثةُ أمانيَّ لا تكادُ ترنو إليها أحداقُ الأممِ ولا تمتدُّ إليها أعناقُ الهمم ولا ينالُها إلا أولُو العزائم الماضيةِ من الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ. واللامُ جوابُ قسمٍ محذوفٍ أي : والله لقد استكبروا. الآيةَ. وفيه من الدِّلالةِ على غايةِ قُبح ما هُم عليه والإشعارِ بالتَّعجبِ من استكبارِهم وعُتوِّهم ما لا يخفى.

### الآية 25:22

> ﻿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا [25:22]

يَوْمَ يَرَوْنَ الملائكة  استئنافٌ مسوقٌ لبيانِ ما يلقَونه عند مشاهدتِهم لما اقترحُوه من نزول الملائكةِ عليهم السَّلامُ بعد استعظامِه وبيانِ كونِه في غاية ما يكون من الشَّناعة وإنمَّا قيلَ :( يوم يَرَون ) دُون أنْ يقالَ :( يومَ ينزلُ الملائكةُ ) إيذاناً من أوَّلِ الأمر بأنَّ رؤيتَهم لهم ليست على طريقِ الإجابةِ إلى ما اقترحُوه بل على وجهٍ آخرَ غيرِ معهودٍ. ويومَ منصوبٌ على الظَّرفية بما يدلُّ عليه قولُه تعالى  لاَ بشرى يَوْمَئِذٍ لّلْمُجْرِمِينَ  فإنَّه في معنى لا يُبشَّر يومئذٍ المُجرمون والعُدولُ إلى نفيِ الجنسِ للمبالغةِ في نفيِ البُشرى. وما قيل : من أنَّه بمعنى يمُنعون البُشرى أو يعُدمونها تهوينٌ للخطبِ في مقام التَّهويل فإنَّ منعَ البُشرى وفقدانها مُشعرانِ بأنَّ هناك بُشرى يمنعونَها أو يفقِدونها. وأينَ هذا من نفيها بالكُليِّة وحيثُ كان نفيُها كنايةً عن إثباتِ ضدِّها كما أنَّ نفيَ المحبَّةِ في مثلِ قولِه تعالى : فَإِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الكافرين  \[ سورة آل عمران، الآية٣٢ \] كنايةٌ عن البُغض والمَقْتِ دلَّ على ثبوت النَّذرى لهم على أبلغِ وجهٍ وآكدِه وقيل : منصوب بفعلٍ مُقدَّر يُؤكِّده بشرى على أنَّ لا غير نافية للجنسِ وقيل : منصوب على المفعوليَّةِ بمضمرٍ مقدَّمٍ عليه أي اذكُر يومَ رؤيتهم الملائكةَ ويومئذٍ على كلِّ حالٍ تكريرٌ للتأكيد والتَّهويلِ مع ما فيه من الإيذانِ بأنَّ تقديمَ الظَّرفِ للاهتمامِ لا لقصرِ نفيِ البُشرى على ذلك الوقتِ فقط فإنَّ ذلك مخلٌّ بتفظيعِ حالِهم، وللمجرمين تبيين على أنَّه مظهرٌ وُضع موضعَ الضَّميرِ تسجيلاً عليهم بالإجرام مع ما هم عليه من الكفر وحملُه على العموم بحيثُ يتناول فسَّاقَ المؤمنين ثم الالتجاءُ في إخراجِهم عن الحرمانِ الكليِّ إلى أنَّ نفيَ البُشرى حينئذٍ لا يستلزمُ نفيَه في جميعِ الأوقاتِ، فيجوزُ أنْ يُبشَّروا بالعفوِ والشَّفاعةِ في وقتٍ آخرَ بمعزلٍ عن الحقِّ بعيد  وَيَقُولُونَ  عطفٌ على ما ذُكر من الفعلِ المنفيِّ المنبئ عن كمال فظاعة ما يحيق بهم من الشر، وغاية هول مطلعه، بيان أنهم يقولون عند مشاهدتِهم له  حِجْراً مَّحْجُوراً  وهي كلمةٌ يتكلَّمون بها عند لقاءِ عدوّ موتورٍ وهجومِ نازلةٍ هائلةٍ، يضعونها موضعَ الاستعاذةِ حيثُ يطلبون من الله تعالى أن يمنعَ المكروه فلا يلحقهم، فكان المَعنى نسألُ الله تعالى أنْ يمنعَ ذلك مَنْعاً ويحجُره حَجْراً، و كسرُ الحاءِ تصرفٌ فيه لاختصاصِه بموضعِ واحدٍ كما في قَعدَك وعَمرَك. وقد قُرئ حُجْراً بالضمِّ، والمعنى : أنَّهم يطلبون نزولَ الملائكةِ عليهم السَّلامُ ويقترحونَه، وهم إذا رَأوهم كرِهُوا لقاءهم أشدَّ كراهةٍ وفزعُوا منهم فزعاً شَديداً، وقالوا ما كانوا يقولونَه عند نزولِ خطبٍ شنيعٍ وحلولِ بأسٍ شديدٍ فظيعٍ و( محجُوراً ) صفةٌ ل( حِجراً ) وإرادةٌ للتَّأكيدِ، كما قالوا ذيلٌ ذَائلٌ وليلٌ أليل، وقيل : يقولُها الملائكةُ إقناطاً للكَفَرةِ بمعنى حَراماً محرَّماً عليكم الغفرانُ أو الجنَّة أو البُشرى أي جعل الله تعالى ذلك حَرَاماً عليكم وليس بواضح.

### الآية 25:23

> ﻿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [25:23]

وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً  بيانٌ لحالِ ما كانُوا يعملونَه في الدُّنيا من صلةِ رحمٍ وإغاثةِ ملهوفٍ. وقرى ضيفٍ ومنِّ على أسير وغير ذلك من مكارمِهم ومحاسِنهم التي لو كانُوا عملُوها مع الإيمانِ لنالُوا ثَوابَها بتمثيلِ حالِهم وحالِ أعمالِهم المذكورةِ بحال قومٍ خالفُوا سلطانَهم واستعصَوا عليه فقدمَ إلى أشيائِهم وقصدَ ما تحت أيديهم فأنحى عليها بالإفسادِ والتَّحريقِ ومزَّقها كلَّ تمزيقٍ بحيث لم يَدع لها عيناً ولا أثراً أي عمَدنا إليها وأبطلَناها أي أظهرنا بُطلانَها بالكلِّيةِ من غير أنْ يكونَ هناك قدومٌ ولا شيء يُقصد تشبيهه به والهَبَاءُ شبه غبارٍ يُرى في شعاعِ الشَّمسِ يطلع من الكُوَّة من الهبوةِ وهي الغبارُ ومنثُوراً صفتُه شبه به أعمالَهم المُحبَطةَ في الحقارةِ وعدمِ الجَدوى ثمَّ بالمنثُور منه في الانتشارِ بحيثُ لا يمكن نظمُه أو مفعولٌ ثالثٌ من حيثُ إنَّه كالخبر كما في قوله تعالى : كَونُواْ قِرَدَةً خاسئين  \[ سورة البقرة : الآية : ٦٥ \].

### الآية 25:24

> ﻿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [25:24]

أصحاب الجنة  هم المؤمنون المشارُ إليهم في قوله تعالى : قلْ أذلك خيرٌ أو جنَّةُ الخلد التي وُعد المتَّقون الخ ،  يَوْمَئِذٍ  أي : يومَ إذ يكونُ ما ذُكر من عدمِ التَّبشير وقولِهم حِجْراً محجُوراً وجعلِ أعمالِهم هباءً منثُوراً  خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً  المستقرُّ المكانُ الذي يُستقرُّ فيه في أكثرِ الأوقاتِ للتَّجالسِ والتَّحادثِ.  وَأَحْسَنُ مَقِيلاً  المقيلُ : المكانُ الذي يؤوى إليه للاسترواحِ إلى الأزواجِ والتَّمتعِ بمغازلتهنَّ سُمِّي بذلك لما أنَّ التَّمتعَ به يكون وقتَ القَيلولهِ غالباً وقيل : لأنه يُفرغٍ من الحسابِ في منتصفِ ذلك اليَّوم فقيل أهلُ الجَّنة في الجنَّةِ وأهلُ النَّار في النَّارِ، وفي وصفه بزيادةِ الحُسن مع حصولِ الخيرَّيةِ بعطفه على المستقرِّ رمزٌ إلى أنه مزَّينٌ بفنون الزَّينِ والزَّخارفِ، والتَّفضيلُ المُعتبر فيهما إمَّا لإرادةِ الزِّيادةِ على الإطلاقِ أي هُم في أقصى ما يكونُ من خيرَّيةِ المُستقرِّ وحسنِ المَقيلِ، وإمَّا بالإضافةِ إلى مَا للكَفَرةِ المُتنعِّمينَ في الدُّنيا أو إلى ما لَهُم في الآخرةِ بطريق التَّهكُّمِ بهم كما مرَّ في قوله تعالى : قُلْ أذلك خَيْرٌ  \[ سورة الفرقان : الآية : ١٥ \] الآيةَ. هذا وقد جُوِّز أنْ يُرادَ بأحدِهما المصدرُ أو الزَّمانُ إشارةً إلى أنَّ مكانَهم وزمانَهم أطيبُ ما يُخيَّلُ من الأمكنةِ والأزمنةِ.

### الآية 25:25

> ﻿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا [25:25]

وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السماء  أي تتفتحُ وأصلُه تتشقَّقُ فحُذفتْ إحدى التَّاءينِ كما في تلظَّى. وقُرئ بإدغامِ التَّاءِ في الشِّينِ  بالغمام  بسببِ طلوعِ الغمامِ منها وهو الغَمامُ الذي ذُكر في قوله تعالى : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مّنَ الغمام والملائكةُ  \[ سورة البقرة، الآية : ٢١٠ \] قيل هو غمامٌ أبيضُ رقيقٌ مثلُ الضَّبابةِ ولم يكُنْ إلاَّ لبني إسرائيلَ  وَنُزّلَ الملائكة تَنزِيلاً  أي تنزيلاً عجيباً غيرَ معُهودٍ، قيل تنشق سماءً سماءً وينزل الملائكةُ خلالَ ذلك الغمامِ بصحائفِ أعمالِ العبادِ. وقُرئ : ونُزِّلتِ الملائكةُ ونُنْزل ونُنزّل على صيغة المتكلم من الإنزالِ والتَّنزيل ونزَّل الملائكةَ وأنزلَ الملائكةَ وتزِلُ الملائكةُ على حذف النُّون الذي هو فاءُ الفعلِ من تنزل.

### الآية 25:26

> ﻿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَٰنِ ۚ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا [25:26]

الملك يَوْمَئِذٍ الحق للرحمن  أي السَّلطنةُ القاهرِةُ والاستيلاءُ الكليُّ العام الثَّابتُ صورةً ومعنى ظاهراً وباطناً بحيثُ لا زوالَ له أصلاً، ثابتٌ الرَّحمِ يومئذٍ، فالمُلكُ مبتدأٌ، والحقُّ صفتُه وللرَّحمنِ خبرُه، ويومئذٍ ظرفٌ لثبُوتِ الخبرِ للمبتدأِ، وفائدةُ التَّقييدِ أنَّ ثبوت المُلك المذكور له تعالى خاصَّةً يومئذٍ، وأمَّا فيما عداهُ من أيَّامِ الدُّنيا فيكون لغيرهِ أيضاً تصرُّفٌ صوريُّ في الجُملةِ. وقيل : المُلك مبتدأٌ والحقُّ خبرُه وللرَّحمنُ متعلَّق بالحقِّ أو بمحذوفٍ على التَّبيين، أو بمحذوفٍ هو صفةٌ للحقِّ. ويومئذٍ معمولٌ للملك. وقيلَ : الخبرُ يومئذٍ، والحقُّ نعتٌ للملكِ وللرحمن على ما ذُكر، وأيَّاً ما كان، فالجملُة بمعناها عاملةٌ في الظَّرفِ، أي ينفردُ الله تعالَى بالملكِ يومَ تشقَّقُ. وقيل : الظَّرفُ منصوبٌ بما ذُكر فالجملةُ حينئذٍ استئنافٌ مسوقٌ لبيانِ أحوالِه وأهوالِه وإيرادُه تعالى بعُنوانِ الرَّحمانيةِ للإيذانِ بأنَّ اتصِّافَه تعالى بغايةِ الرَّحمةِ لا يهُوِّنُ الخَطْبَ على الكَفَرةِ لعدمِ استحقاقِهم للرَّحمةِ كما في قولِه تعالى : يا أيها الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ الكريم  \[ الانفطار، الآية : ٦ \] والمعنى أنَّ الملكَ الحقيقيَّ يومئذٍ للرَّحمنِ.  وَكَانَ  ذلكَ اليوم مع كونِ المُلكِ فيه لله تعالى المبالغ في الرَّحمةِ لعبادِه  يَوْماً عَلَى الكافرين عَسِيراً  شَديداً لهُم. وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ لمُراعاةِ الفواصلِ. وأمَّا للمُؤمنين فيكون يَسيراً بفضلِ الله تعالى. وقد جاءَ في الحديثِ : أنَّه يُهوَّن يومُ القيامةِ على المؤمنِ حتَّى يكونَ أخفَّ عليه من صلاةٍ مكتوبةٍ صلاَّها في الدّنيا، والجملةُ اعتراضٌ تذييليّ مقرِّرٌ لما قبله.

### الآية 25:27

> ﻿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا [25:27]

وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم على يَدَيْهِ  عضُّ اليدينِ والأناملِ وأكلُ البنانِ وحرقُ الأسنانِ ونحوها كناياتٌ عن الغيظِ والحسرةِ لأنَّها من روادِفهما. والمرادُ بالظَّالمِ إمَّا عقبةُ بنُ أبي مُعيطٍ على ما قيل : من أنَّه كان يُكثر مجالسةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فدعاهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ يوماً إلى ضيافتِه فأبى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يأكلَ من طعامِه حتَّى ينطِقَ بالشَّهادتينِ ففعلَ وكان أُبيُّ بنُ خَلَفٍ صديقَه فعاتبَه فقال : صَبأتَ فقال : لا ولكنْ أَبَى أنْ يأكلَ منْ طَعَامي وهو في بيتي فاستحييتُ منه فشهدتُ له فقال : إنيِّ لا أرضى منكَ إلا أنْ تأتيَه فتطأَ قفاهُ وتبزقَ في وجههِ فأتاهُ فوجدَه ساجداً في دارِ النَّدوةِ ففعل ذلك فقال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، لا ألقاكَ خارجاً من مكَّةَ إلاَّ علوتُ رأسَك بالسَّيفِ فأُسرَ يوم بدرٍ فأمرَ عليَّاً رضي الله عنه فقتَلَه وقيل : قَتَله عاصمُ بنُ ثابثٍ الأنصاريُّ وطعنَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أُبيَّاً يومَ أُحدٍ في المُبارزة فرجعَ إلى مكَّةَ وماتَ. 
وإما جنسُ الظَّالم وهو داخلٌ فيه دخولاً أوليَّا. وقولُه تعالى : يقُولُ  الخ حالٌ من فاعلِ يعضُّ. وقولُه تعالى : ياليتني  الخ محكيٌّ به ويَا إمَّا لمجرَّدِ التَّنبيهِ من غيرِ قَصْدٍ إلى تعيينِ المنبَّه، ِ أو المُنادي محذوفٌ أي يا هؤلاءِ ليتني  اتخذت مَعَ الرسول سَبِيلاً  أي طريقاً واحداً منجياً من هذه الورطاتِ وهو طريقُ الحقِّ ولم تتشعبْ بي طرقُ الضَّلالةِ أو حَصَّلتُ في صحبتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ طريقاً ولم أكُن ضالاَّ لا طريقَ لي قط.

### الآية 25:28

> ﻿يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا [25:28]

يا ويلتا  بقلب ياءِ المتكلِّمِ ألفاً كما في صحارى ومدارى. وقُرئ على الأصلِ يا ويلتي أي هَلَكتي تعالَيْ واحضري فهذا أوانُكِ  لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً  يريدُ مَن أضلَّه في الدُّنيا فإنَّ فُلانا كنايةٌ عن الأعلامِ كما أن الهَنَ كنايةُ عن الأجناسِ. وقيل فُلانٌ كنايةٌ عن علَم ذكورِ مَن يعقلُ، وفُلانةٌ عن علَم إناثِهم. وفل كنايةٌ عن نكرةِ مَن يعقلُ من الذكور، وفُلة عمَّن يعقلُ من الإناثِ، والفُلانُ والفُلانةُ من غير العاقلِ ويختصُّ فُل بالنِّداءِ إلاَّ في ضرورةٍ كما في قوله :\[ الرجز \]
في لُجَّةٍ أَمْسِكْ فُلاناً عن فُلِ[(١)](#foonote-١) \*\*\*. . . . 
**وقوله :**
خُذَا حدِّثاني عن فُلٍ وفُلانِ \*\*\*. . . . 
وليس فُل مرخَّماً من فُلان خلافاً للفرَّاء، واختلفُوا في لامِ فُل وفُلان فقيلَ واوٌ، وقيل ياءٌ، هذا فإنْ أرُيدَ بالظَّالم عقبةُ ففُلان كنايةٌ عن أَبيَ، وإنْ أُريدَ بهِ الجنسُ فهوُ كنايةٌ عن علَمِ كلِّ مَن يضلُّه كائناً مَن كان من شياطينِ الإنس والجنِّ وهذا التَّمنِّي منه وإنْ كان مسُوقاً لإبراز النَّدمِ والحسرةِ لكنَّه متضمنٌ لنوعِ تعللٍ واعتذارٍ بتوريك جنايتِه إلى الغيرِ. 
١ وهو لأبي النجم في جمهرة اللغة (ص ٤٠٧)؛ وخزانة الأدب (٢ / ٣٨٩)؛ والدرر (٣/ ١٣٧)؛ وسمط اللآلي (ص ٢٥٧)؛ وشرح أبيات سيبويه (١ / ٤٣٩)؛ ولسان العرب (٢ / ٣٥٥) (لجج) (١٣/ ٣٢٤، ٣٢٥) (فلن)؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك (٤ / ٤٣) وشرح المفصل (١ / ٤٨)؛ وشرح ابن عقيل (ص ٥٢٧)..

### الآية 25:29

> ﻿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا [25:29]

وقوله تعالى : لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذكر  تعليلٌ لتمنيه المذكورِ وتوضيحٌ لتعللُّهِ. وتصديُره باللامِ القسميَّةِ للُمبالغةِ في بيانِ خطئِه وإظهارِ ندمهِ وحسرتِه أي واِلله لقد أضلَّني عن ذكرِ الله تعالى أو عن القرآنِ أو عن موعظةِ الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أو كلمةِ الشَّهادةِ  بَعْدَ إِذْ جَاءنِي  وتمكَّنتُ منه وقوله تعالى : وَكَانَ الشيطان للإنسان خَذُولاً  أي مُبالغاً في الخِذلانِ حيثُ يواليهِ حتَّى يؤدِّيه إلى الهلاكِ ثمَّ يتركُه ولا ينفَعُه اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبلَه إما من جهتِه تعالى أو من تمام كلامِ الظَّالمِ على أنَّه سَمَّي خليلَه شيطاناً بعد وصفهِ بالإضلالِ الذي هو أخصُّ الأوصافِ الشَّيطانيَّة، ِ أو على أنَّه أرادَ بالشَّيطانِ إبليسَ لأنَّه الذي حملَه على مخالَّةِ المُضلِّين ومخالفةِ الرَّسولِ الهادِي عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بوسوستِه وإغوائِه، لكن وصفُه بالخِذلانِ يُشعر بأنَّه كانَ يعِدُه في الدُّنيا ويُمنّيه بأنَّه ينفعه في الآخرةِ وهو أوفقُ بحالِ إبليسَ.

### الآية 25:30

> ﻿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [25:30]

وَقَالَ الرسول  عطفٌ على قوله تعالى : وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا  \[ سورة الفرقان، الآية : ٢١ \] وما بينهما اعتراضٌ مسوقٌ لاستعظامِ ما قالُوه وبيانِ ما يحيقُ بهم في الآخرةِ من الأهوالِ والخُطوبِ وإبرادُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بعُنوانِ الرِّسالةِ لتحقيقِ الحقِّ والردِّ على نحورِهم حيثُ كانَ ما حُكي عنهم قَدحاً في رسالتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أي قالُوا : كيتَ وكيتَ، وقال الرَّسولُ إثرَ ما شاهدَ منهم غايةَ العُتوِّ ونهايةَ الطُّغيان بطريق البثِّ إلى ربِّه عزَّ وجلَّ : يا رب إِنَّ قَوْمِي  يعني الذين حُكي عنهم ما حُكي من الشَّنائعِ  اتخذوا هذا القرآن  الذي من جُملته هذه الآياتُ النَّاطقةُ بما يحيقُ بهم في الآخرة من فُنونِ العقابِ كما ينبئُ عنه كلمةُ الإشارةِ. 
 مَهْجُوراً  أي متروكاً بالكلِّيةِ ولم يُؤمنوا به ولم يرفعوا إليهِ رأساً ولم يتأثَّرُوا بوعيدِه، وفيه تلويحٌ بأنَّ من حقِّ المؤمنِ أنْ يكونَ كثيرَ التَّعاهدِ للقرآن كيلا يندرجَ تحت ظاهرِ النَّظمِ الكريمِ، فإنَّه رُوي عنه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّه قال :( مَن تعلَّم القرآنَ وعلَّق مُصحفاً لم يتعاهدْهُ ولم ينظرْ فيهِ جاءَ يومَ القيامةِ متعلِّقاً به يقولُ يا ربَّ العالمينَ عبدُك هذا اتَّخذِني مهجُوراً اقضِ بيني وبينَهُ ) وقيل : هو من هجَر إذا هَذَى أي جعلوه مهجُوراً فيه إمَّا على زعمِهم الباطلِ وإمَّا بأنْ هجَّروا فيه إذا سمعُوه، كما يُحكى عنه من قولِهم : لا تسمعُوا لهذا القُرآنِ والغَوا فيهِ  \[ سورة فصلت، الآية٢٦ \] وقد جُوِّز أنْ يكون المهجورُ بمعنى الهَجْر كالمجلود والمعقولِ فالمعنى : اتَّخذُوه هجْراً وهَذَياناً وفيه من التَّحذيرِ والتَّخويفِ ما لا يَخْفى فإنَّ الأنبياءَ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ إذا شكَوا إلى الله تعالى قومَهم عجَّل لهم العذابَ ولم يُنظَروا.

### الآية 25:31

> ﻿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا [25:31]

وقوله تعالى : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نَبِيّ عَدُوّاً مّنَ المجرمين  تسليةٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم وحملٌ له على الاقتداءِ بمن قبلَه من الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ أي كما جعلنا لك أعداءً من المُشركين يقولُون ما يقولُون ويفعلُون ما يفعلُون من الأباطيلِ جعلنا لكلِّ نبيٌّ من الأنبياءِ الذينَ هم أصحابُ الشَّريعةِ والدّعوة إليها عدوَّاً من مُجرمي قومِهم، فاصبرْ كما صبرُوا. وقوله تعالى : وكفى بِرَبّكَ هَادِياً وَنَصِيراً  وعدٌ كريمٌ له عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بالهدايةِ إلى كافَّةِ مطالبِه والنَّصرِ على أعدائِه، أي كَفَاك مالكُ أمرِك ومُبلِّغك إلى الكمالِ هَادياً لك إلى ما يُوصلكَ إلى غايةِ الغاياتِ التي من جُملتها تبليغُ الكتابِ أجلَه وإجراء أحكامِه في أكنافِ الدُّنيا إلى يومِ القيامة، ِ ونصيراً لك على جميعِ مَن يُعاديك.

### الآية 25:32

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا [25:32]

وَقَالَ الذين كَفَرُواْ  حكايةً لاقتراحِهم الخاصِّ بالقُرآن الكريمِ بعد حكايةِ اقتراحِهم في حقِّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ والقائلون هم القائلونَ أوَّلاً، وإيرادُهم بعُنوانِ الكفرِ لذمِّهم به والإشعارِ بعلَّةِ الحُكمِ  لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ القرآن  التَّنزيلُ هَهُنا مجرَّدٌ عن مَعْنى التَّدريجِ كما في قولِه تعالى : يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب أَن تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ كتابا مّنَ السماء  \[ سورة النساء، الآية : ١٥٣ \] ويجوز أنْ يرادَ به الدِّلالةُ على كثرةِ المُنزَّلِ في نفسِه أي هلاَّ أُنزل كلُّه  جُمْلَةً واحدة  كالكتب الثَّلاثةِ. وبُطلان هذه الكلمةِ الحمقاءِ ممَّا لا يكادُ يخفى على، فإنَّ الكتبَ المتقدِّمةَ لم يكُن شاهدَ صحَّتِها ودليلَ كونَها من عندِ الله تعالى إعجازُها، وأمَّا القرآنُ الكريمُ فبيِّنةُ صحَّتِه وآيةُ كونِه من عند الله تعالى نظمُه المعجزُ الباقي على مرِّ الدّهورِ المتحقِّقُ في كلِّ جُزءٍ من أجزائِه المقدَّرةِ بمقدار أقصرِ السُّورِ حسبما وقع به التَّحدِّي، ولا ريبَ في أنَّ ما يدور عليه فَلَكُ الإعجاز هو المطابقةُ لما تقتضيه الأحوالُ ومن ضرورة تغيّرِها وتجدُّدها تغيُّر ما يُطابقها حتماً على أنَّ فيه فوائدَ جمَّةً قد أُشير إلى بعضٍ منه بقوله تعالى : كَذَلِكَ لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ  فإنَّه استئناف واردٌ من جهته تعالى لردِّ مقالتهم الباطلة وبيانِ الحكمة في التَّنزيلِ التَّدريجيِّ. ومحلُّ الكافِ النَّصبُ على أنَّها صفة لمصدرٍ مؤكِّدٍ لمضمر معلَّلٍ بما بعده، وذلك إشارة إلى ما يُفهم من كلامِهم أي مثلَ ذلك التَّنزيلِ المُفرَّق الذي قدحُوا فيه واقترحوا خلافَه نزَّلناه لا تنزيلا مُغايراً له لنقويَ بذلك التَّنزيلِ المفرَّقِ فؤادَك، فإنَّ فيه تيسيراً لحفظِ النَّظمِ وفهم المعانِي وضبطِ الأحكامِ والوقوفِ على تفاصيلِ ما رُوعي فيها من الحِكَمِ والمصالحِ المبنيَّةِ المُناسبة عل أنَّها منوطةٌ بأسبابها الدَّاعيةِ إلى شَرعها ابتداءً أو تبديلاً بالنَّسخِ من أحوال المكلَّفينَ، وكذلك عامة ما ورد في القرآنِ المجيدِ من الأخبار وغيرِها متعلِّقةٌ بأمورٍ حادثةٍ من الأقاويل والأفاعيل ومن قضية تجدُّدِها تجددُ ما يتعلَّقُ بها كالاقتراحاتِ الواقعة من الكَفَرة الدَّاعيةِ إلى حكايتِها وإبطالِها وبيانِ ما يؤول إليه حالُهم في الآخرِة على أنَّهم في هذا الاقتراح كالباحثِ عن حَتْفِه بظلفِه، حيثُ أُمروا بالإتيان بمثل نَوبةٍ من نُوبِ التَّنزيل فظهرَ عجزُهم عن المعارضةِ وضاقتْ عليهم الأرضُ بما رَحُبتْ، فكيف لو تُحدُّوا بكلِّه. وقوله تعالى :
 وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً  عطفٌ على ذلك المُضمر، وتنكيرُ " ترتيلاً " للتَّفخيمِ، أي كذلك نزَّلناهُ ورتلناهُ تَرتْيلا بديعاً لا يُقادرُ قَدرُه، ومعنى ترتيلهِ : تفريقُه آيةً بعدَ آيةٍ، قالَه النَّخعيُّ والحسنُ وقَتَادةُ. 
وقال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنُهمَا : بيَّناهُ بياناً فيه ترتيلٌ وتثبيتٌ. وقال السُّدِّيُّ : فصَّلناهُ تفصيلاً. وقال مجاهد : جعلنا بعضَه في إثر بعضٍ. وقيل هو الأمرُ بترتيلِ قراءتِه بقوله تعالى : وَرَتّلِ القرءان تَرْتِيلاً  \[ سورة المزمل، الآية : ٤ \] وقيل : قرأناه عليك بلسانِ جبرِيلَ عليه السَّلامُ شيئاً فشيئاً في عشرين أو في ثلاث وعشرين سنة على تُؤَدةٍ وتَمهّلٍ.

### الآية 25:33

> ﻿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا [25:33]

وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ  من الأمثالِ التي من جُملتها ما حُكي من اقتراحاتِهم القبيحةِ الخارجةِ عن دائرةِ العقولِ الجاريةِ لذلك مجرى الأمثالِ أي لا يأتونَك بكلامٍ عجيبٍ هو مَثَلٌ في البُطلان يريدون به القَدْحَ في حقِّك وحقِّ القُرآنِ  إِلاَّ جئناك  في مُقابلتِه  بالحق  أي بالجوابِ الحقِّ الثَّابتِ الذي ينْحي عليه بالإبطالِ ويَحسمُ مادَّةَ القِيلِ والقالِ كما مرَّ من الأجوبةِ الحقَّةِ القالعةِ لعروقِ أسئلتِهم الشَّنيعةِ الدَّامغةِ لها بالكُلِّيةِ. وقوله تعالى : وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً  عطفٌ على الحقِّ، أي جئناك بأحسنَ تفسيراً، أو على محلِّ بالحقِّ، أي آتيناك الحقِّ وأحسنَ تفسيراً أي بياناً وتفصيلاً على معنى أنَّه في غاية ما يكونُ من الحُسنِ في حدِّ ذاته لا أنَّ ما يأتون به له حَسنٌ في الجملة وهذا أحسنُ منه كما مرَّ. والاستثناءُ مفرَّغٌ محلُّه النَّصبُ على الحاليَّةِ أي لا يأتونك بمَثَلٍ إلا حال إيتاننا إيَّاك الحقَّ الذي لا محيدَ عنه، وفيه من الدَّلالةِ على المُسارعة إلى إبطالِ ما أَتَوا به تثبيت فؤداه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ما لا يخفى، وهذا بعبارته ناطقٌ ببطلان جميع الأسئلة وبصحَّةِ جميع الأجوبة وبإشارته منبئ عن بُطلانِ السُّؤالِ الأخير وصحَّةِ جوابِه إذْ لولا أنَّ تنزيلَ القرآن على التَّدريجِ لما أمكن إبطالُ تلك الاقتراحاتِ الشَّنيعةِ ولما حصل تثبيتُ فؤادِه عليه الصَّلاة والسَّلام من تلك الحيثيَّةِ، هذا وقد جُوِّز أن يكون المَثَلُ عبارةً عن الصِّفةِ الغريبةِ التي كانُوا يقترحون كونَه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ عليها من مقارنة الملكِ والاستغناء عن الأكل والشُّربِ وحيازة الكنز والجنَّة ونزول القرآن عليه جملةً واحدةً على معنى لا يأتونك بحال عجيبة يقترحون اتِّصافك بها قائلين هلاَّ كان على هذه الحالة إلا أعطيناك نحنُ من الأحوال الممكنة ما يحقُّ لك في حكمتِنا ومشيئتنا أنْ تُعطاهُ وما هو أحسنُ تكشيفاً لما بُعثت عليه ودلالةً على صحَّته وهو الذي أنتَ عليه في الذَّاتِ والصِّفاتِ ويأباهُ الاستثناءُ المذكور فإنَّ المتبادر منه أنْ يكون ما أعطاه الله تعالى من الحقِّ مترتباً على ما أتوَا به من الأباطيلِ دامغاً لها ولا ريبَ في أنَّ ما آتاه الله تعالى من المَلَكاتِ السَّنيةِ اللاَّئقةِ بالرَّسالة قد أتاه من أوَّلِ الأمر لا بمقابلة ما حُكي عنهم من الاقتراحات لأجلِ دمغها وإبطالِها.

### الآية 25:34

> ﻿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا [25:34]

الذين يُحْشَرُونَ على وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ  أي يُحشرون كائنين على وجوهِهم يُسحبون عليها ويُجرُّون إلى جهنَّمَ وقيل : مقلوبين وجوهُهم على قفاهم وأرجلُهم إلى فوقٍ. رُوي عنه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ :( يُحشر النَّاسُ يومَ القيامةِ على ثلاثةِ أثلاثٍ ثلثٌ على الدَّوابِّ، وثُلثٌ على وجوهِهم، وثُلثٌ على أقدامِهم ينسِلون نَسلاً ) وأما ما قيل : متعلقةً قلوبهم بالسُّفليَّاتِ متوجِّهةً وجوهُهم إليها فبعيد لأنَّ هول ذلك اليومِ ليس بحيث يبقى لهم عنده تعلُّقٌ بالسُّفليَّاتِ أو توجُّه إليها في الجملة ومحلُّ الموصول إمَّا النَّصبُ أو الرَّفعُ على الذمِّ أو الرَّفعُ على الابتداء وقوله تعالى : أولئك  بدلٌ منه أو بيانٌ له وقوله تعالى : شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً  خبر له أو اسم الإشارة مبتدأ ثانٍ وشرُّ خبرُه والجملة خبرٌ للموصول ووصف السَّبيلِ بالضَّلالِ من باب الإسناد المجازيِّ للمبالغة والمفضل عليه الرَّسولُ عليه الصَّلاة والسَّلام على منهاجِ قوله تعالى : قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُمْ بِشَرّ مّن ذلك مَثُوبَةً عِندَ الله مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ  \[ سورة المائدة، الآية : ٦٠ \] كأنَّه قيل إنَّ حاملهم على هذه الاقتراحات تحقيرُ مكانِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بتضليل سبيله ولا يعلمون حالَهم ليعلموا أنَّهم شرٌّ مكاناً وأضلُّ سبيلاً وقيل : هو متَّصلٌ بقوله تعالى : أصحاب الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً  \[ سورة الفرقان، الآية ٢٤ \].

### الآية 25:35

> ﻿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا [25:35]

وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى الكتاب  جملةٌ مستأنفةٌ سيقتْ لتأكيد ما مرَّ من التَّسليةِ والوعد بالهداية والنَّصرِ في قوله تعالى : وكفى بِرَبّكَ هَادِياً وَنَصِيراً  \[ سورة الفرقان، الآية ٣١ \] بحكايةِ ما جرى بينَ مَن ذُكر من الأنبياء عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ وبين قومِهم حكايةً إجماليَّةً كافيةً فيما هو المقصود. واللامُ جوابٌ لقسمٍ محذوفٍ أي وبالله ولقد آتينا مُوسى التَّوراةَ أي أنزلناها عليه بالآخرةِ  وَجَعَلْنَا مَعَهُ  الظَّرف متعلِّق بجعلنا وقوله تعالى : أَخَاهُ  مفعولٌ أوَّلٌ له وقوله تعالى : هارون  بدلٌ من أخاه أو عطفُ بيانٍ له على عكس ما وقع في سورةِ طه وقوله تعالى : وَزِيراً  مفعولٌ ثانٍ له وقد مرَّ ثمَّة معنى الوزير أن جعلناه في أوَّلِ الأمر وزيراً له.

### الآية 25:36

> ﻿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا [25:36]

فَقُلْنَا  لهما حينئذٍ  اذهبا إِلَى القوم الذين كَذَّبُواْ بآياتنا  هم فرعونُ وقومه، والآياتُ هي المعجزات التِّسعُ المفصَّلاتُ الظَّاهرُة على يَدَيْ موسى عليه السَّلامُ ولم يُوصفِ القومُ لهما عند إرسالِهما إليهم بهذا الوصف ضرورةَ تأخُّرِ تكذيب الآيات عن إظهارِها المتأخِّر عن ذهابهما المتأخِّر عن الأمر به بل إنَّما وُصفوا بذلك عند الحكايةِ لرَّسولِ الله صلى الله عليه وسلم بياناً لعلَّة استحقاقِهم لما يُحكى بعده من التَّدميرِ أي فذهبا إليهم فأرياهُم آياتنا كلَّها فكذَّبوها تكذيباً مُستمرَّاً  فدمرناهم  إثرَ ذلك التَّكذيبِ المستمرِّ  تَدْمِيرًا  عجيباً هائلاً لا يُقادرُ قَدرُه ولا يُدرك كُنهُه فاقتصر على حاشيتي القصَّةِ اكتفاءً بما هو المقصودُ وحَملُ قوله تعالى : فدمَّرناهم على معنى فحكمنا بتدميرِهم مع كونِه تعسُّفاً ظاهراً مما لا وجَه له إذ لا فائدةَ يُعتدُّ بها في حكاية الحكم بتدميرِهم قد وقع وانقضى، والتَّعرضُ في مطلع القصَّةِ لإيتاء الكتاب مع أنَّه كان بعد مهلكِ القوم ولم يكن له مدخلٌ في هلاكهم كسائرِ الآيات للإيذانِ من أوَّلِ الأمر ببلوغِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ غايةَ الكمالِ ونيله نهايةَ الآمالِ التي هي إنجاءُ بني إسرائيلَ من ملكة فرعونَ وإرشادُهم إلى طريق الحقِّ بما في التَّوراة من الأحكام إذ به يحصُلُ تأكيدُ الوعدِ بالهدايةِ على الوجه الذي مرَّ بيانُه. 
وقُرئ فدمَّرتُهم وفدمَّرنَّاهم على التَّأكيد بالنُّون الثَّقيلةِ.

### الآية 25:37

> ﻿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً ۖ وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا [25:37]

وَقَوْمَ نُوحٍ  منصوبٌ بمضمرٍ يدلُّ عليه قوله تعالى : فدمَّرناهم أي ودمَّرنا قومَ نوحٍ وقيل عطف على مفعول فدمَّرناهم وليس من ضرورة ترتُّبِ تدميرهم على ما قبله ترتُّبُ تدميرِ هؤلاء عليه لاسيَّما وقد بُيِّن سببُه بقوله تعالى : لَّمَّا كَذَّبُواْ الرسل  أي نوحاً ومن قبله من الرُّسل أو نوحاً وحدَهُ لأنَّ تكذيَبُه تكذيبٌ للكُلِّ لاتِّفاقِهم على التَّوحيدِ والإسلامِ وقيل هو منصوبٌ بمضمر يفسِّره قوله تعالى : أغرقناهم  وإنَّما يتسنَّى ذلك على تقديرِ كونِ كلمة لَّماً ظرفَ زمانٍ وأمَّا على تقدير كونِها حرفَ وجودٍ لوجودٍ فلا لأنَّه حينئذٍ جواب لما لا يفسَّر ما قبله مع أنَّه مخلٌّ بعطف المنصوبات الآتية على قوم نوح لما أنَّ إهلاكَهم ليس بالإغراق فالوجهُ ما تقدَّم وقوله تعالى : أغرقناهم استئنافٌ مبيِّن لكيفيَّةِ تدميرِهم. 
 وجعلناهم  أي جعلنا إغراقَهم أو قصَّتهم  لِلنَّاسِ آيَةً  أيْ آيةً عظيمةً يعتبرُ بها كلُّ مَن شاهدها أو سمعها وهي مفعول ثانٍ لجعلنا وللنَّاس ظرفٌ لغوٌ له أو متعلِّق بمحذوف وقع حالاً من آيةً إذ لو تأخَّر عنها لكان صفةً لها  وَأَعْتَدْنَا للظالمين  أي لهم، والإظهارُ في موقع الإضمارِ للإيذانِ بتجاوزهم الحدَّ في الكفر والتَّكذيبِ  عَذَاباً أَلِيماً  هو عذاب الآخرة إذْ لا فائدة في الإخبار بإعتاد العذابِ الذي قد أُخبر بوقوعه من قبلُ أو لجميع الظَّالمينَ الباقينَ الذين لم يعتبرُوا بمَا جَرى عليهم من العذاب فيدخل في زُمرتهم قُريشٌ دخولاً أوليَّاً ويحتملُ العذابَ الدُّنيويَّ والأُخرويَّ

### الآية 25:38

> ﻿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا [25:38]

وَعَاداً  عطفٌ على قوم نوح وقيل : على المفعول الأول لجعلناهم وقيل : على محلِّ الظَّالمينَ إذ هو في معنى وعدنا الظالمين وكلاهما بعيدٌ  وَثَمُودُ  الكلامُ فيه وفيما بعدَه كما فيما قبلَه. وقُرئ وثموداً على تأويل الحيِّ أو على أنَّه اسمُ الأبِ الأقصى  وأصحاب الرس  هم قومٌ يعبدون الأصنامَ فبعثَ الله تعالى إليهم شُعيباً عليه السَّلامُ فكذَّبُوه فبينما هم حَولَ الرَّسِّ وهي البِئرُ التي لم تُطْوَ بعد إذِ انهارتُ فخُسف بهم وبديارِهم. وقيل : الرَّسُّ قرية بفَلْجِ اليمامةِ كان فيها بقايا ثمودَ فبَعث إليهم نبيٌّ فقتلوه فهلكوا. وقيل : هو الأُخدودُ. وقيل : بئرٌ بأنطاكيَّةَ قتلوا فيها حبيباً النَّجارَ. وقيل : هم أصحابُ حنظلةَ بنِ صفوانَ النبيِّ عليه السَّلامُ ابتلاهم الله تعالى بطيرٍ عظيمٍ كان فيها من كلِّ لون وسمَّوها عنقاءَ لطولِ عُنقِها وكانت تسكنُ جبلَهم الذي يقالُ له فتخ أو دمح فتنقضُّ على صبيانِهم فتخطفُهم إنْ أعوزها الصَّيدُ ولذلك سُمِّيتْ مُغْرِبا فدعا عليها حنظلةُ عليه السَّلامُ فأصابتْها الصَّاعقةُ ثم إنَّهم قتلُوه عليه السَّلامُ فأُهلكوا. وقيل : قومٌ كذَّبُوا رسولَهم فرسُّوه أي دسُّوه في بئرٍ. 
 وَقُرُوناً  أي أهلَ قرونٍ. قيل : القرنُ أربعونَ سنةً وقيل : سبعونَ وقيل : مائةٌ وقيل : مائةٌ وعشرون  بَيْنَ ذلك  أي بين ذلك المذكورِ من الطَّوائفِ والأُمم وقد يذكرُ الذَّاكرُ أشياءَ مختلفةً ثمَّ يشيرُ إليها بذلك ويحسبُ الحاسبُ أعداداً مُتكاثرةً ثمَّ يقولُ فذلك كيتَ وكيتَ على ذلك المذكورِ وذلك المحسوبِ.  كَثِيراً  لا يعلم مقدارَها إلاَّ العليمُ الخبيرُ. ولعلَّ الاكتفاءَ في شؤون تلك القرُونِ بهذا البيان الإجماليِّ لما أنَّ كلَّ قرنٍ منها لم يكن في الشُّهرةِ وغرَابةِ القصَّةِ بمثابة الأُممِ المذكِورةِ.

### الآية 25:39

> ﻿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ ۖ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا [25:39]

وَكُلاًّ  منصوبٌ بمضمرٍ يدلُّ عليه ما بعده فإنَّ ضربَ المثلِ في معنى التَّذكيرِ والتَّحذيرِ. والمحذوفُ الذي عُوِّضَ عنه التَّنوينُ عبارةٌ إمَّا عن الأُممِ التي لم يُذكر أسبابُ إهلاكِهم وإمَّا عن الكلِّ. فإنَّ ما حُكي عن قومِ نوحٍ وقومِ فرعونَ تكذيبُهم للآياتِ والرُّسلِ لا عدمُ التَّأثرِ من الأمثالِ المضروبة أي ذكرنا وأنذرنا كلَّ واحدٍ من المذكورين  ضَرَبْنَا لَهُ الأمثال  أي بينَّا له القصصَ العجيبةَ الزَّاجرةَ عمَّا هم عليه من الكُفر والمعاصي بواسطةِ الرَّسلِ  وَكُلاًّ  أي كلَّ واحدٍ منهم لا بعضَهم دُون بعضٍ  تَبَّرْنَا تَتْبِيراً  عجيباً هائلاً لما أنَّهم لم يتأثَّروا بذلك ولم يرفعُوا له رأساً وتمادَوا على ما هُم عليه من الكُفرِ والعُدوانِ. وأصلُ التَّتبيرُ التَّفتيتُ. قال الزَّجَّاجُ : كلُّ شيءٍ كسرتَه وفتّتَه فقد تبَّرتَه ومنه التِّبرُ لفُتاتِ الذَّهبِ والفِضَّةِ.

### الآية 25:40

> ﻿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ ۚ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا ۚ بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا [25:40]

وَلَقَدْ أَتَوْا  جملةٌ مستأنفة مسوقة لبيانِ مشاهدتهم لآثارِ هلاك بعض الأُمم المتبَّرةِ وعدم اتِّعاظِهم بها. وتصديرُها بالقسم لمزيدِ تقريرِ مضمونِها، أي وبالله لقد أتى قُريشٌ في متاجرهم إلى الشَّامِ  عَلَى القرية التي أُمْطِرَتْ  أي أُهلكت بالحجارة وهي قُرى قومِ لوطٍ وكانت خمسَ قُرى ما نجتْ منها إلاَّ واحدةٌ كان أهلُها لا يعملون العملَ الخبيثَ وأمَّا البواقي فأهلكها الله تعالى بالحجارةِ وهي المرادةُ بقوله تعالى : مَطَرَ السوء  وانتصابُه إمَّا على أنَّه مصدرٌ مؤكِّدٌ بحذف الزَّوائد كما قيل في أنبتَه الله تعالى نباتاً حسنَاً أي إمطارَ السَّوءِ، أو على أنَّه مفعولٌ ثانٍ إذِ المعنى أُعطيت أو وُلِّيتْ مطرَ السَّوءِ  أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا  توبيخ لهم على تركهم التَّذكر عند مُشاهدة ما يُوجبه. والهمزة لإنكار نفي استمرار رؤيتِهم لها وتقريرِ استمرارِها حسب استمرارِ ما يُوجبها من إتيانِهم عليها لا لإنكارِ استمرارِ نفي رؤيتِهم وتقريرِ رؤيتِهم لها في الجُملةِ والفاءُ لعطفِ مدخولِها على مقدَّرٍ يقتضيه المقامُ أي ألم يكونوا ينظرُون إليها فلم يكونُوا يَرونها أو أكانُوا ينظرون إليها فلم يكونُوا يَرونها في مرارِ مرورِهم ليتَّعظِوا بما كانُوا يُشاهدونَهُ من آثارِ العذابِ، فالمنكر في الأوَّلِ تركُ النَّظرِ وعدمُ الرُّؤيةِ معاً، وفي الثَّانِي عدمُ الرُّؤيةِ مع تحقُّقِ النَّظرِ الموجبِ لها. وقوله تعالى  بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً  إما إضرابٌ عمَّا قبلَه من عدمِ رؤيتِهم لآثار ما جَرى على أهلِ القُرى من العقوبةِ وبيانٌ لكون عدم اتِّعاظِهم بسبب إنكارِهم لكون ذلك عقوبةً لمعاصيهم لا لعدم رؤيتهم لآثارِها خلا أنَّه اكتفى عن التَّصريحِ بإنكارِهم ذلك بذكرِ ما يستلزمُه من إنكارهم للجزاءِ الأُخرويِّ الذي هو الغاية من خلق العالمِ، وقد كُني عن ذلك بعدم رجاءِ النُّشورِ أي عدم توقُّعهِ كأنَّه قيل : بل كانُوا ينكرون النُّشورَ المستتبع للجزاءِ الأُخرويِّ ولا يرَون لنفسٍ من النُّفوسِ نُشوراً أصلاً مع تحقُّقهِ حتماً وشمولِه للنَّاسِ عموماً واطِّرادِه وقوعاً فكيف يعترفُون بالجزاء الدٌّنيويِّ في حقِّ طائفةٍ خاصَّةً مع عدم الاطِّرادِ والملازمة بينه وبين المعاصي حتَّى يتذكَّروا ويتَّعظوا بما شاهدوه من آثارِ الهلاك وإنَّما يحملونه على الاتِّفاقِ. وإمَّا انتقالٌ من التَّوبيخِ بما ذُكر من ترك التَّذكرِ إلى التَّوبيخِ بما هو أعظمُ منه من عدمِ توقُّعِ النُّشورِ.

### الآية 25:41

> ﻿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا [25:41]

وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً  أي ما يتَّخذونك إلا مهزُوءاً به على معنى قصرِ معاملتِهم معه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ على اتِّخاذِهم إيَّاهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ هُزؤاً لا على معنى قصرِ اتِّخاذِهم على كونِه هُزؤاً كما هو المتبادرُ من ظاهر العبارةِ كأنَّه قيل : ما يفعلون بك إلا اتِّخاذَك هزواً وقد مرَّ تحقيقُه في قولِه تعالى : إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيّ  من \[ سورة الأنعام، الآية : ٦ \] وقوله تعالى : أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً  محكيٌّ بعد قول مضمر هو حالٌ من فاعلِ يتَّخذونك أي يستهزئون بك قائلينَ أهذا الذي الخ والإشارةُ للاستحقارِ وإبراز بعث الله رسولاً في معرض التَّسليمِ بجعله صلةً للموصول الذي هو صفتُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ مع كونِهم في غاية النَّكيرِ لبعثه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بطريقِ التَّهكُّمِ والاستهزاءِ وإلاَّ لقالُوا أبعثَ الله هذا رسولاً أو أهذا يزعمُ أنَّه بعثه الله رسولاً.

### الآية 25:42

> ﻿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا ۚ وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا [25:42]

إِن كَادَ  إنْ مخففةٌ مِن إنَّ. وضميرُ الشَّأنِ محذوفٌ أيْ إنَّه كادَ.  لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا  أي ليصرفنا عن عبادتِها صرفاً كليَّاً بحيث يُبعدنا عنها لا عن عبادتِها فقط، والعدولُ إلى الإضلال لغاية ضلالِهم بادَّعاء أنَّ عبادتَها طريقٌ سويٌّ.  لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا  ثبتْنا عليها واستمسكنَا بعبادتِها. ولولا في أمثال هذا الكلامِ تجري مجَرى التَّقييدِ للحكم المطلقِ من حيثُ المعنى كما أشار إليه في قوله تعالى : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ  \[ سورة يوسف، الآية : ٢٤ \] الخ وهذا اعترافٌ منهم بأنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ قد بلغ من الاجتهادِ في الدَّعوةِ إلى الحقِّ وإظهارِ المعجزاتِ وإقامةِ الحججِ والبيِّناتِ إلى حيثُ شارفُوا أنْ يتركُوا دينَهم لولا فرطُ لجَاجِهم وغايةُ عنادِهم. يُروى أنَّه من قولِ أبي جهلٍ  وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ  جوابٌ من جهته تعالى لآخرِ كلامِهم وردٌّ لما ينبئُ عنه من نسبته عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى الضَّلالِ في ضمن الإضلال أي سوف يعلمونَ البتةَ وإنْ تراخى  حِينَ يَرَوْنَ العذاب  الذي يستوجبُه كفرُهم وعنادُهم  مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً  وفيه ما لا يخفى من الوعيدِ والتَّنبيهِ على أنَّه تعالى لا يُهملهم وإنْ أمهلهم.

### الآية 25:43

> ﻿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا [25:43]

أَرَأيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ  تعجيبٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم من شناعةِ حالِهم بعد حكاية قبائحِهم من الأقوالِ والأفعالِ وبيانِ ما لهم من المصيرِ والمآلِ وتنبيهٌ على أنَّ ذلك من الغرابةِ بحيث يجبُ أنْ يرى ويتعجَّبَ منه. وإلههَ مفعول ثانٍ لاتَّخذ قُدِّم على الأوَّلِ للاعتناء به لأنَّه الذي يدورُ عليه أمرُ التَّعجيبِ. ومَن توهَّم أنهما على التَّرتيبِ بناء على تساويهما في التَّعريفِ فقد زلَّ منه أنَّ المفعولَ الثَّانِي في هذا الباب هو المتلبِّسُ بالحالة الحادثِة أي أرأيتَ مَن جعلَ هواهُ إلهاً لنفسهِ من غير أنْ يلاحظه وبنى عليه أمرَ دينِه مُعرِضاً عن استماع الحجَّةِ الباهرة والبُرهان النيِّرِ بالكلِّيةِ على معنى انظُر إليه وتعجَّب منه. وقولُه تعالى : أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً  إنكارٌ واستبعادٌ لكونه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ حفيظاً عليه يزجرُه عمَّا هو عليه من الضَّلالِ ويُرشده إلى الحقَ طوعاً أو كَرهاً. والفاءُ لترتيب الإنكارِ على ما قبله من الحالةِ المُوجبةِ له كأنَّه قيل أبعد ما شاهدت غلوَّه في طاعة الهوى وعتوَّه عن اتباع الهُدى تقسره على الإيمان شاء أو أَبَى.

### الآية 25:44

> ﻿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [25:44]

وقوله تعالى : أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ  إضرابٌ وانتقال عن الإنكار المذكُور إلى إنكارِ حُسبانِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لهم ممَّن يسمعُ أو يعقل حسبما ينبئ عنه جِدُّه عليه الصَّلاةُ والسلام في الدَّعوةِ واهتمامُه بالإرشاد والتَّذكيرِ لكن لا على أنَّه لا يقعُ كالأوَّلِ بل على أنَّه لا ينبغي أنْ يقعَ أي بل أتحسب أنَّ أكثرهم يسمعون ما تتلُو عليهم من الآيات حقَّ السَّماعِ أو يعقلون ما في تضاعيفها من المواعظ الزَّاجرةِ عن القبائح الدَّاعيةِ إلى المحاسن فتعتنِي بشأنِهم وتطمعُ في إيمانهم. وضميرُ أكثرَهم لمَن، وجمعُه باعتبارِ معناهَا كما أنَّ الإفرادَ في الضَّمائرِ الأُوَلِ باعتبار لفظِها، وضميرُ الفعلينِ لأكثرَ لاَ لِمَا أُضيف هُو إليهِ. وقولُه تعالى :
 إِنْ هُمْ إِلاَّ كالأنعام  الخ جملةٌ مستأنفة مسوقة لتقرير النَّكيرِ وتأكيدِه وحسم مادة الحُسبانِ بالمرَّةِ أي ما هم في عدم الانتفاعِ بما يقرعُ آذانَهم من قوارع الآياتِ وانتفاء التَّدبرِ فيما يشاهدونَهُ من الدَّلائلِ والمُعجزاتِ إلا كالبهائمِ التي هي مثلٌ في الغفلةِ وعَلَمٌ في الضَّلالةِ  بَلْ هُمْ أَضَلُّ  منها  سَبِيلاً  لما أنها تنقادُ لصاحبها الذي يعلِفها ويتعهدُّها وتعرف مَن يُحسِن إليها ممَّن يُسيء إليها وتطلبُ ما ينفعها وتجتنبُ ما يضرُّها وتهتدي لمراعيها ومشاربها وتأوِي إلى معاطنِها، وهؤلاءِ لا ينقادونَ لربِّهم وخالقِهم ورازقِهم ولا يعرفون إحسانَهُ إليهم من إساءةِ الشَّيطانِ الذي هو أعدى عدوِّهم ولا يطلبون الثَّوابَ الذي هو أعظمُ المنافع ولا يتَّقون العقابَ الذي هو أشدُّ المضارِّ والمهالك ولا يهتدون للحقِّ الذي هو المشرب الهنيُّ والمورد العذبُ الرَّويُّ لأنَّها إنْ لم تعتقِد حقَّاً مستتبِعاً لاكتساب الخيرِ لم تعتقد باطلاً مستوجباً لاقترافِ الشَّرِّ بخلاف هؤلاء حيث مهّدوا قواعدَ الباطلِ وفرَّعُوا عليها أحكامُ الشُّرورِ، ولأنَّ أحكامَ جهالتِها وضلالتها مقصورةٌ على أنفسها لا تتعدَّى إلى أحدٍ وجهالةُ هؤلاء مؤدِّيةٌ إلى ثوران الفتنةِ والفسادِ وصدِّ النَّاسِ عن سَننِ السَّدادِ وهيجان الهَرْجِ والمَرْجِ فيما بين العباد ولأنَّها غيرُ معطلةٍ لقوَّةٍ من القُوى المُودَعة بل صارفة لها إلى ما خُلقت هي له فلا تقصيرَ من قبلها في طلبِ الكمالِ، وأمَّا هؤلاءِ فهم مُعطِّلون لقواهم العقلية مضيِّعون للفطرةِ الأصليةِ التي فُطر النَّاسُ عليها مستحقُّون بذلك أعظم العقابِ وأشدَّ النَّكالِ.

### الآية 25:45

> ﻿أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا [25:45]

أَلَمْ تَرَ إلى رَبّكَ  بيانٌ لبعضِ دلائل التَّوحيدِ إثرَ بيانِ جهالةِ المُعرِضينِ عنها وضلالتهم. والخطابُ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم، والهمزةُ للتَّقريرِ. والتَّعرضُ لعُنوان الرُّبُوبِّيةِ مع الإضافة إلى ضميره عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لتشريفه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وللإيذانِ بأنَّ ما يعقُبه من آثارِ ربوبيَّتِه ورحمتِه تعالى أي ألم تنظُر إلى بديعِ صُنعه تعالى  كَيْفَ مَدَّ الظل  أي كيف أنشأ ظلَّ أيَّ مُظَلَ كان من جبلٍ أو بناءٍ أو شجرةٍ عند ابتداء طلوع الشَّمسِ ممتداً لا أنَّه تعالى مدَّهَ بعد أنْ لم يكن كذلك كما بعدَ نصفِ النهار إلى غروبها فإنَّ ذلك مع خُلوِّه عن التَّصريح بكون نفسه بإنشائه تعالى وإحداثِه يأباهُ سياقُ النَّظمِ الكريمِ. وأما ما قيل من أنَّ المرادَ بالظِّل ما بين طُلوعِ الفجرِ وطُلوع الشَّمسِ وأنه أطيبُ الأوقاتِ فإنَّ الظُّلمةَ الخالصةَ تنفِرُ عنها الطِّباعُ وشعاع الشمس يسخِّنُ الجوَّ ويبهر البصرَ ولذلك وَصَف به الجَّنةَ في قوله تعالى : وَظِلّ مَّمْدُودٍ  \[ سورة الواقعة، الآية٣٠ \] فغيرُ سديد إذ لا ريب في أنَّ المرادَ تنبيهُ النَّاسِ على عظيم قُدرة الله عزَّ وجلَّ وبالغِ حكمتِه فيما يشاهدونَه فلابدَّ أنْ يُرادُ بالظلِّ ما يتعارفونه من حالةٍ مخصوصةٍ يشاهدونها في موضعٍ يحول بينه وبين الشَّمسِ جسمٌ كثيفٌ مخالفةً لما في جوانبه من مواقعِ ضحِّ الشَّمسِ وما ذُكر وإن كانَ في الحقيقةِ ظلاَّ للأفق الشرقيِّ لكنَّهم لا يعدونه ظلاً ولا يصفونه بأوصافهِ المعهودةِ ولعلَّ توجيه الرُّؤية إليه سبحانه وتعالى مع أنَّ المرادَ تقريرُ رؤيته عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لكيفيَّةِ مدِّ الظِّلِّ للتنبيهِ على أنَّ نظرَه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ غيرُ مقصورٍ على ما يُطالعه من الآثارِ والصَّنائعِ بل مطمح أنظارِه معرفةُ شؤون الصَّانعِ المجيدِ. وقوله تعالى :
 وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً  جملةٌ اعترضتْ بين المعطوفين للتَّنبيِه من أول الأمرِ على أنَّه لا مدخل فيما ذكر من المدِّ للأسباب العاديَّةِ وإنَّما المؤثر فيها المشيئةُ والقدرةُ، ومفعولُ المشيئةِ محذوفٌ على القاعدة المستمرَّة من وقوعها شرطاً وكونِ مفعولها مضمونَ الجزاء أي ولو شاء سكونَه لجعله ساكناً أي ثابتاً على حالِه من الطُّولِ والامتدادِ وإنما عُبِّر عن ذلك بالسُّكونِ لما أنَّ مقابلَه الذي هو تغيُّر حاله حسب تغُّيرِ الأوضاعِ بينَ المظلِّ وبين الشَّمسِ يُرَى رأيَ العينِ حركة وانتقالاً وحاصلُه أنه لا يعتريهِ اختلافُ حالٍ بأن لا تنسخه الشَّمسُ، وأمَّا التَّعليلُ بأنْ يجعل الشَّمسَ مقيمةً على وضع واحد فمداره الغفُول عمَّا سِيق له النَّظمُ الكريم ونطقَ به صريحاً من بيان كمال قُدرته القاهرة وحِكمته الباهرة بنسبة جميعِ الأمور الحادثة إليه تعالى بالذَّاتِ وإسقاط الأسباب العاديَّةِ عن رُتبة السَّببيَّةِ والتَّأثيرِ بالكُلِّيةِ وقصرِها على مجرَّدِ الدِّلالةِ على وجود المسبَّبات لا بذكر قُدرته تعالى على بعض الخوارق كإقامةِ الشَّمسِ في مُقام واحدٍ على أنَّها أعظمُ من إبقاء الظلِّ على حالِه في الدِّلالةِ على ما ذُكر من كمال القُدرةِ والحكمة لكونِه من فُروعها ومُستتبعاتها فهي أَوْلَى وأحقُّ بالإيراد في معرضِ البيانِ. 
**وقولُه تعالى :**
 ثُمَّ جَعَلْنَا الشمس عَلَيْهِ دَلِيلاً  عطفٌ على مدَّ داخلٌ في حُكمه أي جعلناها علامةً يستدلُّ بأحوالها المتغيِّرة على أحوالِه من غير أنْ يكونَ بينهما سببيّة وتأثيرٌ قطعاً حسبما نطقَ به الشَّرطيةُ المعترضة. والالتفاتُ إلى نون العظمةِ لما في الجعلِ المذكورِ العاري عن التَّأثيرِ مع ما يشاهد بين الشَّمسِ والظلِّ من الدَّورانِ المُطَّردِ المنبئِ عن السَّببيّةِ من مزيد دلالة على عظمِ القُدرةِ ودقة الحكمةِ، وهو السرُّ في إيراد كلمة التَّراخي.

### الآية 25:46

> ﻿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا [25:46]

وقولُه تعالى : ثُمَّ قبضناه  عطف على مدَّ داخل في حكمه وثمَّ للتَّراخي الزَّماني لما أنَّ في بيان كون القبضِ والمدِّ مرتَّبينِ دائرينِ على قطبِ مصالحِ المخلوقاتِ مزيدَ دلالةِ على الحكمة الرَّبانيَّةِ، ويجوز أنْ تكونَ للتَّراخي الرُّتبي أي أزلناه بعد ما أنشأناهُ ممتدَّاً ومحوناه بمحض قُدرتنا ومشيئتنا عند إيقاعِ شعاعِ الشَّمس موقعَه من غيرِ أنْ يكونَ له تأثيرٌ في ذلك أصلاً، وإنَّما عبَّر عنه بالقبضِ المُنبئِ عن جمعِ المنبسطِ وطيِّه لمَا أنَّه قد عبَّر عن إحداثِه بالمدِّ الذي هو البسطُ طولاً وقوله تعالى : إِلَيْنَا  للتَّنصيصِ على كونِ مرجعِه تعالى كما أنَّ حدوثَه منه عزَّ وجلَّ  قَبْضاً يَسِيراً  أي على مهل قليلاً قليلاً حسب ارتفاعِ دليله على وتيرة معيَّنةٍ مطَّردةٍ مستتبعة لمصالحِ المخلوقاتِ ومرافقها، وقيل إنَّ الله تعالى حين بنى السَّماءَ كالقُبَّةِ المضروبة ودَحَا الأرضَ تحتها ألقتِ القُبَّةُ ظلَّها على الأرضِ لعدمِ النيِّر وذلك مدُّه تعالى إيَّاه ولو شاء لجعله ساكناً مستقرَّاً على تلك الحالةِ ثم خلق الشَّمسَ وجعلها على ذلك الظلِّ أي سلَّطها عليه ونصَبها دليلاً متبوعاً له كما يتبعُ الدَّليل في الطَّريقِ فهو يزيدُ بها وينقصُ ويمتدُّ ويقلصُ ثم نسخه بها فقبضه قبضاً سهلاً يسيراً غيرَ عسيرٍ أو قبضاً سهلاً عند قيام السَّاعةِ بقبضِ أسبابهِ وهي الأجرامُ التي تلقي الظلَّ فيكون قد ذُكر إعدامُه بإعدامِ أسبابِه كما ذُكر إنشاؤه بإنشائِها ووصفه باليسرِ على طريقةِ قوله تعالى : ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ  \[ سورة ق، الآية٤٤ \] وصيغة الماضي للدِّلالةِ على تحقيقِ الوقوع.

### الآية 25:47

> ﻿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا [25:47]

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الليل لِبَاساً  بيانٌ لبعض بدائعِ آثارِ قُدرته تعالى وحكمتِه وروائعِ أحكامِ رحمتِه ونعمتِه الفائضِة على الخلق. وتلوينُ الخطابِ لتوفيةِ مقامِ الامتنانِ حقَّه. واللامُ متعلِّقةٌ بجعلَ وتقديمُها على مفعولَيْه للاعتناءِ ببيان كونِ ما يعقبه من منافعِهم. وفي تعقيبِ بيانِ أحوالِ الظلِّ بيانَ أحكامِ اللَّيلِ الذي هُو ظلُّ الأرضِ من لُطف المسلكِ ما لا مزيدَ عليه، أي هو الذي جعلَ لكُم اللَّيلَ كاللِّباسِ يسترُكم بظلامِه كما يسترُكم اللِّباسُ  والنوم سُبَاتاً  أي وجعلَ النَّومَ الذي يقعُ في اللَّيلِ غالباً قطعاً عن الأفاعيل المختصَّة بحال اليقظةِ عبَّر عنه بالسُّباتِ الذي هو الموتُ لما بينها من المُشابهةِ التَّامةِ في انقطاعِ أحكامِ الحياةِ وعليه قوله تعالى : وَهُوَ الذي يتوفاكم بالليل  \[ سورة الأنعام، الآية٦٠ \] وقوله تعالى : الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا والتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا  \[ سورة الزمر، الآية ٤٢ \]  وَجَعَلَ النهار نُشُوراً  أي زمانَ بعثٍ من ذلك السُّباتِ كبعثِ الموتى على حذفِ المضافِ وإقامةِ المضافِ إليه مُقامَه أو نفسُ البعثِ على طريق المبالغة وفيه إشارةٌ إلى أنَّ النَّومَ واليقظةَ أنموذجٌ للموتِ والنُّشورِ. وعن لُقمانَ عليه السَّلامُ : يا بُنيَّ كما تنامُ فتوقظُ كذلك تموتُ وتنشرُ.

### الآية 25:48

> ﻿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۚ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [25:48]

وَهُوَ الذي أَرْسَلَ الرياح  وقُرئ بالتَّوحيدِ على أنَّ المرادَ هو الجنسُ  بشرًا  تخفيفُ بُشُرٍ جمع بَشُورٍ أي مُبشِّرينَ. وقُرئ بُشْرى. وقُرئ نُشْراً بالنُّونِ جمعُ نَشُورٍ أي ناشرات للَّسَّحابِ وقرئ بالتَّخفيفِ وبفتحِ النُّونِ أيضاً على أنَّه مصدرٌ وُصف به مبالغةً. وقولُه تعالى : بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ  استعارةٌ بديعةٌ أي قُدامَ المطرِ. والالتفاتُ إلى نونِ العظمةِ في قوله تعالى : وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء طَهُوراً  لإبرازِ كمالِ العنايةِ بالإنزالِ لأنَّه نتيجةُ ما ذُكر من إرسالِ الرِّياحِ أي أنزلنا بعظمتِنا بما رتَّبنا من إرسالِ الرِّياح من جهةِ الفوقِ ماءً بليغاً في الطَّهارةِ، وما قيل إنَّه ما يكون طاهراً في نفسه ومطهراً لغيرهِ فهو شرح لبلاغته في الطَّهارةِ كما ينبُئ عنه قوله تعالى : وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن السماء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ  \[ سورة الأنفال، الآية١١ \] فإنَّ الطَّهورَ في العربيةِ إمَّا صفةٌ كما تقول ماء طهور أو اسمٌ كما في قوله عليه الصَّلاةُ والسلامُ :( التُّرابُ طهورُ المؤمنِ )[(١)](#foonote-١) وقد جاء معنى الطَّهارةِ كما في قولك تطهرتُ طَهوراً حسناً كقولك وَضُوءاً حسناً ومنه قوله عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ :( لا صلاةَ إلا بطَهورٍ )[(٢)](#foonote-٢) ووصف الماءِ به إشعارٌ بتمام النِّعمةِ فيه وتتميم للنِّعمةِ فيما بعده فإنَّ الماءَ الطَّهورَ أهنأُ وأنفعُ ممَّا خالطه ما يزيل طهوريَّتَه وتنبيه على أنَّ ظواهرهم لما كانت ممَّا ينبغي أنْ يطهروها فبواطنُهم أحقُّ بذلك وأولى. 
١ أخرجه أبو داود بلفظ (فإن التراب له طهور) في كتاب الطهارة باب (١٣٧)..
٢ ورد بلفظ "لا يقبل الله صلاة بغير طهور" وقد أخرجه البخاري في كتاب الوضوء باب (٢)؛ ومسلم في كتاب الطهارة حديث رقم (١)؛ وأبو داود في كتاب الطهارة باب (٣١) والترمذي في كتاب الطهارة باب (١) والنسائي في كتاب الطهارة باب (١٠٣) والزكاة باب (٤٨) وابن ماجه في كتاب الطهارة باب (٢) والدارمي في كتاب الوضوء باب (٢١) وأحمد في مسنده ٢ / ٢٠، ٣٩، ٥١، ٥٧، ٧٣ ٥ /٧٤، ٧٥..

### الآية 25:49

> ﻿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا [25:49]

لّنُحْيِي بِهِ  أي بما أنزلنا من الماءِ الطَّهورِ  بَلْدَةً مَّيْتاً  بإنبات النَّباتِ، والتَّذكيرُ لأنَّ البلدة بمعنى البلد ولأنَّه غير جارٍ على الفعل كسائر أبنية المبالغةِ فأُجريَ مُجرى الجامدِ، والمرادُ به القطعةُ من الأرضِ عامرةً كانت أو غامرةً[(١)](#foonote-١).  وَنُسْقِيَهِ  أي ذلك الماءُ الطَّهورُ عند جريانه في الأوديةِ أو اجتماعه في الحياضِ والمنافعِ أو الآبارِ  مِمَّا خَلَقْنَا أنعاما وَأَنَاسِيَ كَثِيراً  أي أهلَ البَوادي الذي يعيشون بالحَيَا ولذلك نكَّر الأنعامَ والأَناسيَّ، وتخصيصهم بالذكر لأنَّ أهل القرى والأمصار يقيمون بقُرب الأنهار، والمنابعُ فيهم وبمالهم من الأنعام غنيةٌ عن سُقيا السَّماءِ، وسائرُ الحيوانات تبعدُ في طلب الماء فلا يُعوِزُها الشُّربُ غالباً من أنَّ مساق الآيات الكريمة كما هو للدِّلالة على عِظمِ القُدرة فهو لتعدُّدِ أنواع النِّعمةِ، والأنعامُ حيث كانت قُنيةً للإنسان وعامة منافعهم ومعايشهم مَنوطةٌ بها قُدِّمَ سقيُها على سقيهم كما قُدِّم عليها إحياءُ الأرضِ فإنَّه سببٌ لحياتِها وتعيُّشِها. وقرئ نُسقيه وأَسْقَى وسَقَى لغتان وقيل : أسقاهُ جعل له سُقيا وأَناسيَّ جمع إنسيَ أو إنسانٍ كظَرابِيّ في ظِربَاء على أنَّ أصله أناسينَ فقُلبت نونُه ياءً وقرئ أَناسيْ بالتَّخفيفِ بحذف ياءِ أفاعيلَ كأناعمَ في أناعيمَ. 
١ الغامر من الأرض والدور: خلاف العامر..

### الآية 25:50

> ﻿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا [25:50]

ولقد صرفناه  أي وبالله لقد كررنا هذا القول الذي هو ذكر إنشاء السحاب وإنزال القطر لما مر من الغايات الجميلة في القرآن وغيره من الكتب السماوية  بينهم  أي بين الناس من المتقدمين والمتأخرين  ليذكروا  ليتفكروا ويعرفوا بذلك كمال قدرته تعالى وواسع رحمته في ذلك ويقوموا بشكر نعمته حق قيام وقيل : الضمير للمطر. وتصريفه بينهم إنزاله في بعض البلاد دون غيرها أو في بعض الأوقات دون بعض أو جعله تارة وابلا وأخرى طلا وحينا ديمه ووقتا رُهمة والأول هو الأظهر  فأبى أكثر الناس  ممن سلف وخلف  إلا كفورا  أي لم يفعل إلا كفران النعمة وقلة الاكتراث لها أو وإلا جحودها بأن يقولوا مطرنا بنوء كذا ولا يذكروا صنع الله تعالى ورحمته، ومن لا يرى الأمطار إلا من الأنواء فهو كافر بخلاف من يرى أن الكل يخلق الله تعالى والأنواء أمارات لجعله تعالى.

### الآية 25:51

> ﻿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا [25:51]

وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً  نبيَّاً يُنذرُ أهلَها فيخفف عليك أعباءَ النبوةِ لكن لم نشأْ ذلك فلم نفعلْه بل قصرنا الأمرَ عليك حسبما ينطقُ به قوله تعالى : لِيَكُونَ للعالمين نَذِيراً  \[ سورة الفرقان، الآية١ \] إجلالاً لك وتعظيماً وتفضيلاً لك على سائر الرُّسلِ

### الآية 25:52

> ﻿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا [25:52]

فَلاَ تُطِعِ الكافرين  أي فقابل ذلك بالثَّباتِ والاجتهاد في الدَّعوةِ وإظهار الحقِّ والتَّشددِ معهم كأنَّه نهيٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم عن المُداراة معهم والتَّلطفِ في الدَّعوةِ لما أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ كان يودُّ أنْ يدخلُوا في الإسلام ويجتهدُ في ذلك بتأليفِ قلوبهم أشدَّ الاجتهاد  وجاهدهم بِهِ  أي بالقُرآن بتلاوةِ ما في تضاعيفِه من القوارع والزَّواجرِ والمَواعظِ وتذكير أحوال الأممِ المكذِّبةِ  جِهَاداً كَبيراً  فإنَّ دعوةَ كلِّ العالمينَ على الوجهِ المذكورِ جهادٌ كبيرٌ لا يُقادرُ قدرُه كمًّا وكيفاً وقيل : الضَّميرُ المجرورُ لتِركِ الطَّاعةِ المفهوم من النَّهي عن الطَّاعةِ وأنتَ خبيرٌ بأنَّ مجرَّد تركِ الطَّاعةِ يتحقَّقُ بلا دعوةٍ أصلاً وليس فيه شائبةُ الجهادِ فضلاً عن الجهاد الكبيرِ اللهمَّ إلاَّ أنْ تجعلَ الباء للملابسةِ ليكون المعنى وجاهِدْهم بما ذُكر من أحكامِ القُرآن الكريم ملابَساً بتركِ طاعتِهم كأنَّه قيل : فجاهدْهم بالشِّدَّةِ والعُنفِ لا بالمُلاءمةِ والمُداراةِ كما في قوله تعالى : يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عَلَيْهِمْ  \[ سورة التوبة، الآية ٧٣ \] وقد جُعل الضَّميرُ لما دلَّ عليه قولُه تعالى : وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً  \[ سورة الفرقان، الآية٥١ \] من كونه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ نذيرَ كافَّةِ القُرى لأنَّه لو بُعث في كلِّ قرية نذيراً لوجبَ على كلِّ نذير مجاهدةُ قريتِه فاجتمعتْ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم تلك المجاهداتُ كلُّها فكبُر من أجلِ ذلك جهادُه وعظُم فقيل له عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وجاهدْهم بسببِ كونِك نذيرَ كافَّةِ القُرى جهاداً كبيراً جامعاً لكلِّ مُجاهدةٍ. وأنت خبيرٌ بأنَّ بيانَ سبب كِبَرِ المُجاهدةِ بحسب الكميَّةِ ليس فيه مزيدُ فائدةٍ فإنَّه بيِّنٌ بنفسِه وإنَّما اللائقُ بالمقامِ بيانُ سببِ كبرِها وعظمِها في الكيفيَّةِ.

### الآية 25:53

> ﻿۞ وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا [25:53]

وَهُوَ الذي مَرَجَ البحرين  أي خلاَّهما متجاورينِ مُتلاصقين بحيثُ لا يتمازجانِ، من مَرَجَ دابَّته إذا خلاَّها  هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ  قامعٌ للعطشِ لغايةِ عذوبتِه  وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ  بليغُ المُلوحةِ. وقرئ مَلْحٌ فلعلَّه تخفيفُ مالحٍ كبَرْدٍ في باردٍ  وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً  حاجزاً غيرَ مرئيَ من قُدرتِه كما في قولِه تعالى : بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا  \[ سورة الرعد، الآية٢. وسورة لقمان، الآية١٠ \]  وَحِجْراً مَّحْجُوراً  وتنافراً مُفرِطاً كأنَّ كلاًّ منهما يتعوَّذُ من الآخرِ بتلك المقالِة وقيل : حَدَّاً محدُوداً وذلك كدجلةَ تدخلُ البحرَ وتشقُّه وتجري في خلالِه فراسخَ لا يتغيَّرُ طعمُها، وقيل : المرادُ بالبحرِ العذبِ النَّهرُ العظيمُ وبالمالحِ البحرُ الكبيرُ وبالبرزخ ما بينهما من الأرضِ فيكون أثرُ القُدرة في الفصلِ واختلافِ الصِّفةِ، مع أنَّ مُقتضى طبيعةِ كلِّ عُنصرٍ التَّضامُّ والتَّلاصقُ والتَّشابهُ في الكيفيَّةِ.

### الآية 25:54

> ﻿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا ۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا [25:54]

وَهُوَ الذي خَلَقَ مِنَ الماء بَشَراً  هو الماءُ الذي خمَّر به طينة آدمَ عليه السَّلامُ أو جعله جُزءاً من مادَّةِ البشر ليجتمع ويسلسَ ويستعدَّ لقبول الأشكال والهيئاتِ بسهولة أو هو النُّطفةُ  فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً  أي قسمه قسمينِ ذوَيْ نسبٍ أي ذكوراً يُنتسبُ إليهم وذوات صهر أي أناثاً يُصاهرُ بهنَّ كقولهِ تعالى : فَجَعَلَ مِنْهُ الزوجين الذكر والأنثى  \[ سورة القيامة، الآية٣٩ \]  وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً  مبالغاً في القُدرة حيث قدرَ على أنْ يخلقَ من مادَّةٍ واحدةٍ بشراً ذَا أعضاءٍ مختلفةٍ وطباعٍ مُتباعدةٍ وجعله قسمينِ مُتقابلينِ ورُبَّما يخلق من نُطفةٍ واحدةٍ تَوأمين ذَكراً وأُثنى.

### الآية 25:55

> ﻿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ ۗ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيرًا [25:55]

وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله  الذي شأنُه ما ذُكر  مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ  أي ما ليس من شأنِه النَّفعُ والضُّرُّ أصلاً وهو الأصنامُ أو كلُّ ما يُعبدُ من دُونه تعالى إذْ ما من مخلوقٍ يستقلُّ بالنَّفع والضُّرُّ  وَكَانَ الكافر على رَبّهِ  الذي ذُكرتْ آثارُ ربوبَّيتهِ  ظَهِيرًا  يُظاهر الشَّيطانَ بالعداوةِ والشركِ. والمرادُ بالكافر الجنسُ أو أبُو جهلٍ وقيل : هيِّناً مهيناً لا اعتدادَ به عندَه تعالى من قولِهم ظهرتَ به إذا نبدتَه خلفَ ظهرِك فيكون كقولِه تعالى : وَلاَ يُكَلّمُهُمُ الله وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ  \[ سورة آل عمران، الآية٧٧ \].

### الآية 25:56

> ﻿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [25:56]

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشّرًا  للمؤمنين  وَنَذِيرًا  للكافرين

### الآية 25:57

> ﻿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا [25:57]

قُلْ  لهم  مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ  أي على تبليغِ الرَّسالةِ الذي ينبئ عنه الإرسالُ  مِنْ أَجْرٍ  من جهتكم  إِلاَّ مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إلى رَبّهِ سَبِيلاً  أي إلاَّ فعلَ من يُريد أنْ يتقرَّبَ إليه تعالى ويطلبَ الزُّلْفى عندَه بالإيمانِ والطَّاعةِ حسبَما أدعُوهم إليهما فصوَّرَ ذلك بصورةِ الأجرِ من حيثُ إنَّه مقصودُ الإتيانِ به واستثنى منه قلعاً كلَّياً لشائبةِ الطَّمعِ وإظهاراً لغاية الشَّفقةِ عليهم حيثُ جعلَ ذلك مع كونِ نفعِه عائداً إليه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وقيل الاستثناءُ منقطعٌ أي لكن منَ شاء أنْ يتَّخذَ إلى ربَّه سبيلاً فليفعلْ.

### الآية 25:58

> ﻿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ۚ وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا [25:58]

وَتَوَكَّلْ عَلَى الحي الذي لاَ يَمُوتُ  في الاستكفاءِ عن شرورِهم والإغناءِ عن أجورِهم فإنَّه الحقيقُ بأنْ يُتوكَّل عليه دون الأحياء الذين من شأنِهم الموتُ فإنَّهم إذا ماتُوا ضاعَ مَن توكَّل عليهم.  وَسَبّحْ بِحَمْدِهِ  ونزَّهه عن صفاتِ النُّقصانِ مُثنياً عليه بنعوتِ الكمالِ طالباً لمزيدِ الإنعامِ بالشُّكرِ على سوابغِه  وكفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ  ما ظهرَ منها وما بطنَ  خَبِيراً  أي مُطَّلِعاً عليها بحيثُ لا يخفى عليه شيءٌ منها فيجزيهم جزاءً وفيَّا.

### الآية 25:59

> ﻿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ الرَّحْمَٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا [25:59]

الذي خَلَقَ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش  قد سلفَ تفسيرُه. ومحلُّ الموصولِ الجرُّ على أنَّه صفة أُخرى للحيِّ وصف بالصِّفةِ الفعلية بعد وصفهِ بالأبديَّةِ التي هي من الصَّفاتِ الذَّاتيةِ، والإشارةُ إلى اتَّصافه بالعلمِ الشَّاملِ لتقريرِ وجوبِ التَّوكلِ عليه تعالى وتأكيده فإنَّ من أنشأَ هذه الأجرامَ العظامَ على هذا النمطِ الفائقِ والنَّسقِ الرَّائقِ بتدبيرٍ متينٍ وترتيبٍ رصينٍ في أوقاتٍ معيَّنة مع كمال قُدرتِه على إبداعها دفعةً لحكمِ جليلةٍ وغاياتٍ جميلةٍ لا تقف على تفاصيلِها العقولُ أحقُّ مَن يُتوكَّل عليه وأَولى من يُفوَّضُ الأمرُ إليه  الرحمن  مرفوعٌ على المدحِ أي هو الرحمنُ وهو في الحقيقةِ وصفٌ آخرُ للحيِّ كما قرئ بالجرِّ مفيد لزيادة تأكيد ما ذُكر من وجوب التَّوكلِ عليه تعالى وإنْ لم يتبْعه في الإعرابِ لما تقرَّر من أنَّ المنصوبَ والمرفوعَ مَدحاً وإنْ خرجَا عن التَّبعيةِ لما قبلهما صورةً حيثُ لم يتبعاهُ في الإعرابِ وبذلك سُمِّيا قطعاً لكنَّهما تابعانِ له حقيقةً، أَلاَ يُرى كيفَ التزمُوا حذفَ الفعلِ والمبتدأ في النَّصبِ والرَّفعِ رَوْماً لتصوير كلَ منهما بصورةِ متعلَّق من متعلَّقات ما قبلَه وتنبيهاً على شدَّةِ الاتِّصالِ بينهما وقد مرَّ تمامُ التَّحقيق في تفسير قولِه عزَّ وجلَّ :
 الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب  \[ سورة البقرة، الآية٣ \] الآيةَ وقيل : الموصولُ مبتدأٌ والرَّحمنُ خبرُه وقيل : الرَّحمنُ بدلٌ من المستكنِّ في استوى  فَاسْأَلْ بِهِ  أي بتفاصيلِ ما ذُكر إجمالاً من الخَلْقِ والاستواءِ لا بنفسِهما فقط إذْ بعد بيانِهما لا يبقى إلى السُّؤالِ حاجةٌ ولا في تعديتهِ بالباءِ فائدةٌ فإنَّها مبنيَّةٌ على تضمينهِ معنى الاعتناءِ المستدعِي لكون المسؤولِ أمراً خطيراً مهتمًّا بشأنِه غيرَ حاصلٍ للسَّائلِ. وظاهرٌ أنَّ نفسَ الخلقِ والاستواءِ بعد الذِّكرِ ليس كذلكَ. وما قيل من أنَّ التَّقديرَ : إنْ شككتَ فيه فاسألْ به خَبيراً على أنَّ الخطابَ له عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ والمرادَ غيرُه بمعزلٍ من السَّدادِ، بل التَّقديرُ : إنْ شئتَ تحقيقَ ما ذُكر أو تفصيلَ ما ذُكر فاسألْ معنيًّا بهِ  خَبِيراً  عظيمَ الشَّأنِ محيطاً بظواهرِ الأمورِ وبواطِنها وهو الله سبحانَه يُطلعك على جليَّةِ الأمرِ. وقيل : فاسألْ به مَن وجدَهُ في الكتبِ المتقدِّمةِ ليصدُقكَ فيه فلا حاجةَ حينئذٍ إلى ما ذَكرنا. وقيل : الضَّميرُ للرَّحمنِ، والمعنى إنْ أنكرُوا إطلاقَه على الله تعالى فاسألْ عنه مَن يُخبرك من أهلِ الكتابِ ليعرفُوا مجيء ما يُرادفه في كتبِهم، وعلى هَذا يجوزُ أنْ يكونَ الرَّحمنُ مُبتدأً وما بعدَهُ خَبَراً. وقرئ فَسَلْ.

### الآية 25:60

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا ۩ [25:60]

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسجدوا للرحمن قَالُواْ وَمَا الرحمن  قالُوه لما أنَّهم ما كانُوا يُطلقونَهُ على الله تعالى، أو لأنَّهم ظنُّوا أنَّ المرادَ به غيرُه تعالى ؛ ولذلك قالُوا  أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا  أي للذي تأمرُنا بسجودِه أو لأمرِك إيَّانا من غيرِ أنْ نعرفَ أنَّ المسجودَ ماذا. وقيل : لأنَّه كانَ مُعرَّباً لم يسمعُوه. وقرئ يأْمُرنا بياءِ الغَيبةِ على أنَّه قولُ بعضِهم لبعضٍ  وَزَادَهُمْ  أي الأمرُ بسجودِ الرَّحمنِ  نُفُورًا  عن الإيمانِ.

### الآية 25:61

> ﻿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا [25:61]

تَبَارَكَ الذي جَعَلَ فِي السماء بُرُوجاً  هي البروجُ الاثنا عشرَ، سُّمِّيتْ به، وهي القُصور العاليةُ لأنَّها للكواكبِ السَّيارةِ كالمنازلِ الرَّفيعةِ لسُكَّانِها. واشتقاقُه من البُرجِ لظهورِه  وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً  هي الشَّمسُ لقولِه تَعالَى وجعل الشَّمسَ سراجاً. وقرئ سُرُجاً وهي الشَّمسُ والكواكبُ الكبارُ  وَقَمَراً مُّنِيراً  مُضيئاً بالليَّل وقرئ قُمْراً أي ذات قمرٍ وهي جمعُ قَمراءَ ولما أنَّ اللَّياليَ بالقمرِ تكونُ قمراءَ أُضيف إليها ثمَّ حُذفَ وأُجريَ حكمُه على المضافِ إليهِ القائمِ مقامَهُ كما في قولِ حسَّانَ رضَي الله عنْهُ\[ الكامل \]يسقون من ورد البريص عليهم  بردى يُصفَّقُ بالرَّحيقِ السَّلسلِ[(١)](#foonote-١)أي ماءُ بَردى ويُحتمل أنَّ يكونَ بمعنى القمرِ كالرَّشدِ والرُّشدِ والعَرَبِ والعُرْبِ. 
١ ورد في ديوانه (ص ١٢٢)؛ وفي خزانة الأدب (٤ / ٣٨١، ٣٨٢، ٣٨٤)؛ (١١/ ١٨٨)؛ وشرح المفصل (٣ / ٢٥)؛ ولسان العرب (٣ / ٨٨) (برد)؛ (٧ / ٦) (برص)، (١٠/٢٠٢) (صفق) وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب (١ / ٤٥١)؛ وشرح الأشموني (٢ / ٣٢٤)، وشرح المفصل (٦ / ١٣٣)؛ ولسان العرب (١١/٣٤٥) (سلسل)، (١٤ / ٣٧٨) (ضحا)..

### الآية 25:62

> ﻿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [25:62]

وَهُوَ الذي جَعَلَ الليل والنهار خِلْفَةً  أي ذَوَي خلفةٍ يخلفُ كلٌّ منهما الآخرَ بأنْ يقومَ مقامَه فيما ينبغي أنْ يَعملَ فيه أو بأنْ يَعتِقبا كقولِه تعالى : واختلاف الليل والنهار  \[ سورة البقرة، الآية١٦٤. وسورة آل عمران، الآية١٩٠ \]. وهي اسمٌ للحالةِ من خلفَ كالرِّكبةِ والجِلسةِ من رَكِبَ وجَلَس.  لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ  أي يتذكَّر آلاءَ الله عزَّ وجلَّ ويتفكَّر في بدائعِ صُنَعهِ فيعلم أنَّه لابُدَّ لها من صانعٍ حكيمٍ واجبِ الذَّاتِ رحيمٍ للعبادِ  أَوْ أَرَادَ شُكُوراً  أي أنْ يشكَر الله تعالى على ما فيهما من النِّعمِ أو ليكونا وقتينٍ للذَّاكرينَ مَن فاتَهُ وِرْدُه في أحدِهما تدارَكه في الآخرةِ. وقرئ أنْ يذكُرَ من ذَكَر بمعنى تذكَّر.

### الآية 25:63

> ﻿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا [25:63]

وَعِبَادُ الرحمن  كلامٌ مستأنف مسوقٌ لبيانِ أوصافِ خلَّصِ عبادِ الرَّحمنِ وأحوالِهم الدَّنيويةِ والأخُروَّيةِ بعد بيان حال النَّافرين عن عبادتِه والسُّجودِ له. والإضافةُ للتَّشريفِ وهو مبتدأٌ خبرُه ما بعدَهُ من الموصولِ وما عُطف عليه، وقيلَ : هو ما في آخرِ السُّورةِ الكريمةِ من الجُملةِ المصدَّرةِ باسمِ الإشارةِ. وقرئ عبادُ الرَّحمنِ أي عبادُه المقبُولونَ  الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً  أي بسكينةٍ وتواضعٍ. وهَوْناً مصدرٌ وُصف به. ونصبُه إمَّا على أنَّه حال من فاعلِ يمشُون أو على أنَّه نعتٌ لمصدرِه أي يمشُون هيِّنين ليِّنيِ الجانبِ من غيرِ فظاظةٍ أو مشياً هيِّنا. وقولُه تعالى : وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون  أي السُّفهاءُ كما في قولِ من قال \[ الوافر \]أَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَينا  فَنَجْهَل فوقَ جهلِ الجَاهِلِيْنا[(١)](#foonote-١) قَالُواْ سَلاَماً  بيانٌ لحالِهم في المُعاملة مع غيرِهم إثرَ بيانِ حالِهم في أنفسِهم أي إذا خاطبُوهم بالسُّوءِ قالوا تسليماً منكمُ ومتاركةً لا خيرَ بيننا وبينَكمُ ولا شرَّ. وقيل : سَداداً من القولِ يسلمُون به من الأذيَّةِ والإثمِ، وليسَ فيه تعرُّضٌ لمعاملتِهم مع الكَفَرةِ حتَّى يُقالَ نسختها آيةُ القتالِ كما نُقل عن أبي العاليةِ. 
١ وهو لعمرو بن كلثوم في ديوانه ( ص ٧٨) ولسان العرب (٣ / ١٧٧) (رشد)؛ وخزانة الأدب (٦ / ٤٣٧)؛ وشرح ديوان امرئ القيس (ص ٣٢٧)؛ وشرح القصائد السبع (ص ٤٢٦)، وشرح المعلقات السبع (ص ١٧٨)، وشرح المعلقات العشر (ص ٩٢)؛ وبلا نسبة في لسان العرب (٨ / ٦٤) (خدع) وأساس البلاغة (جهل)..

### الآية 25:64

> ﻿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا [25:64]

وقولُه تعالى  وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّداً وقياما  بيانٌ لحالِهم في معاملتِهم مع ربِّهم أي يكونون ساجدين لربِّهم وقائمين أي يُحيون اللَّيلَ كُلاًّ أو بعضاً بالصَّلاةِ. وقيل : من قرأ شيئاً من القُرآنِ في صلاةٍ وإنْ قلَّ فقد باتَ ساجداً وقائماً. وقيل هُما الرَّكعتانِ بعد المغربِ والرَّكعتانِ بعد العشاءِ. وتقديمُ السُّجودِ على القيامِ لرعايةِ الفواصلِ.

### الآية 25:65

> ﻿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا [25:65]

والذين يَقُولُونَ  أي في أعقابِ صلواتِهم أو في عامَّةِ أوقاتِهم  رَبَّنَا اصرف عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً  أي شراً دائماً وهلاكاً لازماً وفيه مزيدُ مدحٍ لهم ببيان أنَّهم مع حُسن معاملتِهم مع الخلقِ واجتهادِهم في عبادةِ الحقِّ يخافُون العذابَ ويبتهلون إلى الله تعالى في صرفِه عنهم غيرَ محتفلين بأعمالِهم كقوله تعالى : والذين يُؤْتُونَ مَا آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إلى رَبّهِمْ راجعون  \[ سورة المؤمنون، الآية٦٠ \].

### الآية 25:66

> ﻿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا [25:66]

إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً  تعليلٌ لاستدعائِهم المذكورِ بسوءِ حالِها في نفسها إثرَ تعليلهِ بسوء حالِ عذابِها، وقد جُوِّز أن يكون تعليلاً للأُولى وليس بذاك. وساءتْ في حكم بئستُ وفيها ضميرٌ مبهمٌ يفسِّره مستقرَّاً. والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ معناه ساءتْ مستقرَّاً ومقاماً هَي وهذا الضَّميرُ هو الذي ربطَ الجملة باسمِ إنَّ وجعلَها خبراً لها. قيلَ : ويجوزُ أنْ يكونَ ساءتْ بمعنى أحزنتْ وفيها ضميرُ اسم إنَّ. ومستقرَّاً حالٌ أو تمييزٌ وهو بعيدٌ خالٍ عَّما في الأولِ من المبالغةِ في بيانِ سوءِ حالِها وكذا جعل التعليلينِ من جهتِه تعالى.

### الآية 25:67

> ﻿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا [25:67]

والذين إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ  لم يجاوزُوا حدَّ الكرمِ  وَلَمْ يَقْتُرُواْ  ولم يضيِّقُوا تضييقَ الشَّحيحِ وقيل : الإسرافُ هو الإنفاقُ في المعاصِي والقترُ منعُ الواجباتِ والقُربِ. وقرئ بكسرِ التَّاءِ مع فتحِ الياءِ وبكسرِها مخفَّفةً ومشدَّدةً مع ضمِّ الياءِ  وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ  أي بين ما ذُكر من الإسرافِ والقَترِ  قَوَاماً  وسطاً وعدلاً سُمِّي به لاستقامةِ الطَّرفينِ كما سُمِّيَ به سواءً لاستوائِهما وقرئ بالكسرِ وهو ما يُقام به الحاجةُ لا يفضلُ عنها ولا ينقصُ وهو خبرٌ ثانٍ أو حالٌ مؤكِّدة أو هو الخبرُ وبين ذلك لغوٌ وقد جُوِّز أنْ يكونَ اسمَ كانَ على أنَّه مبنيٌّ لإضافتِه إلى غيرِ متمكِّن ولا يَخْفى ضعفُه فإنَّه بمعنى القوام فيكون كالإخبارِ بشيءِ عن نفسِه.

### الآية 25:68

> ﻿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا [25:68]

والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ  شروعٌ في بيان اجتنابِهم عن المعاصي بعد بيانِ إتيانِهم بالطَّاعات. وذكرُ نفيِ الإسرافِ والقَتْرِ لتحقيقِ معنى الاقتصادِ والتَّصريحُ بوصفِهم بنفيِ الإشراكِ مع ظهورِ إيمانِهم لإظهارِ كمالِ الاعتناء بالتَّوحيدِ والإخلاصِ وتهويلِ أمرِ القتلِ والزِّنا بنظمِهما في سلكِه وللتَّعريضِ بما كانَ عليه الكَفَرةُ من قُريشٍ وغيرِهم أي لا يعبدونَ معه تعالى إلهاً آخرَ. 
 وَلاَ يَقْتُلُونَ النفس التي حَرَّمَ الله  أي حرَّمها بمعنى حرَّم قتلَها فحُذف المضافُ وأُقيم المضافُ إليهِ مقامَه مبالغةً في التَّحريمِ  إِلاَّ بالحق  أي لا يقتلونَها بسببٍ من الأسبابِ إلا بسببِ الحقِّ المزيلِ لحُرمتِها وعصمتِها أو لا يقتلون قتلاً ما إلا قتلاً ملتبساً بالحقِّ أو لا يقتلونها في حالٍ من الأحوال إلا حالً كونِهم ملتبسين بالحقِّ  وَلاَ يَزْنُونَ  أي الذين لا يفعلُون شيئاً من هذه العظائمِ القبيحةِ التي جمعهنَّ الكفرةُ حيث كانُوا مع إشراكِهم به سبحانه مداومين على قتلِ النُّفوسِ المحرَّمةِ التي من جُملتها الموءودةُ مكبِّين على الزِّنا لا يرعُوون عنه أصلاً  وَمَن يَفْعَلْ ذلك  أي ما ذُكر كما هو دأبُ الكَفرةِ المذكُورين  يَلْقَ  في الآخرةِ. وقرئ يلقَّى وقرئ يلقَّ بالتَّشديدِ مجزوماً  أَثَاماً  وهو جزاءُ الإثمِ كالوبال والنِّكال وزناً ومعنى. وقيل : هو الإثم أبي يلقَ جزاءُ الإثم والتَّنوينُ على التَّقديرين للتفخيم. وقرئ أيَّاماً أي شدائدَ يقال يومٌ ذُو أيَّام لليومِ الصَّعبِ.

### الآية 25:69

> ﻿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا [25:69]

يضاعف لَهُ العذاب يَوْمَ القيامة  بدلٌ من يلقَ لاتِّحادِهما في المعنى كقوله\[ الطويل \]متى تأتِنا تُلممْ بنا في ديارِنا  تجدْ حَطَباً جَزْلاً وناراً تأجَّجاً[(١)](#foonote-١)وقرئ بالرَّفع على الاستئنافِ أو على الحالَّيةِ وكذا ما عُطف عليه وقرئ يُضعَّف ونُضعِّف له العذابَ بالنُّون ونصبِ العذابِ  وَيَخْلُدْ فِيهِ  أي في ذلكَ العذابِ المضاعفِ  مُهَاناً  ذليلاً مستحقراً جامعاً للعذاب الجُسمانيِّ والرُّوحانيِّ وقرئ يُخلَد ويُخلَّد مبنياً للمفعول من الإخلاد والتَّخليدِ. وقرئ تخلُد بالتاء على الالتفات المنبئ عن شدَّة الغضبِ ومضاعفةِ العذابِ لانضمامِ المعاصي إلى الكفر كما يفصح عنه قولُه تعالى  إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالحا 
١ هو لعبد الله في خزانة الأدب (٩ / ٩٠، ٩٩)؛ والدرر (٦ / ٦٩)؛ وشرح أبيات سيبويه (٢ / ٦٦)؛ وشرح المفصل (٧ / ٥٣)؛ وبلا نسبة في شرح المفصل (١٠/ ٢٠)، ولسان العرب (٥ / ٢٤٢) (نور)؛ والمقتضب (٢ / ٦٣)، وشرح قطر الندى (ص ٩٠)..

### الآية 25:70

> ﻿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [25:70]

وذكر الموصوفِ مع جريانِ الصَّالحِ والصَّالحاتِ مَجرى الاسم للاعتناء به والتنَّصيص على مغايرتهِ للأعمال السَّابقةِ  فَأُوْلَئِكَ  إشارةٌ إلى الموصولِ والجمعُ باعتبارِ معناه كما أنَّ الإفرادَ في الأفعالِ الثَّلاثة باعتبار لفظةِ أي أولئك الموصُوفون بالتَّوبةِ والإيمانِ والعملِ الصَّالحِ  يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات  بأنْ يمحوَ سوابقَ معاصِيهم بالتَّوبةِ ويثبت مكانَها لواحقَ طاعتِهم أو يبدلَ بملكة المعصيةِ ودواعيها في النفسِ ملكةَ الطَّاعةِ بأنْ يُزيلَ الأُولى ويأتيَ بالثَّانيةِ وقيل : بأنْ يُوفقَه لأضدادِ ما سلفَ منه أو بأنْ يُثبت له بدَل كلِّ عقابٍ ثواباً وقيل : يبدلهم بالشِّركِ إيماناً وبقتل المسلمينَ قتلَ المشركين وبالزِّنا عفَّةً وإحصاناً  وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً  اعتراضٌ تذييلي مقررٌ لما قبله من المحوِ والإثبات.

### الآية 25:71

> ﻿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا [25:71]

وَمَن تَابَ  أي عن المعاصي بتركها بالكليَّة والنَّدمِ عليها  وَعَمِلَ صالحا  يتلافى به ما فَرَطَ منه أو خرج عن المعاصي ودخل في الطَّاعات  فَإِنَّهُ  بما فعلَ  يَتُوبُ إِلَى الله  أي يرجعُ إليه تعالى : مَتاباً  أي متاباً عظيمَ الشَّأنِ مرضيّاً عنده تعالى ماحياً للعقاب محصِّلاً للثَّوابِ أو يتوب متاباً إلى الله تعالى الذي يحبُّ التَّوابينَ ويحسن إليهم أو فإنَّه يرجعُ إليه تعالى أو إلى ثوابه مرجعاً حسناً وهذا تعميمٌ بعد تخصيصِ.

### الآية 25:72

> ﻿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا [25:72]

والذين لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ  لا يُقيمون الشَّهادةَ الكاذبةَ أو لا يحضُرون محاضرَ الكذبِ فإنَّ مشاهدةَ الباطل مشاركةٌ فيه  وَإِذَا مَرُّواْ  على طريقِ الاتفاقِ  باللغو  أي ما يجبُ أنْ يُلغى ويُطرحَ مَّما لا خيرَ فيه  مَرُّواْ كِراماً  معرضين عنه مكرِمين أنفسَهم عن الوقوف عليه والخوض فيه ومن ذلك الإغضاءُ عن الفواحش والصَّفحُ عن الذُّنوب والكنايةُ عمَّا يُستهجنُ التَّصريحُ به.

### الآية 25:73

> ﻿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا [25:73]

وَالَّذِينَ إِذَا ذُكّرُواْ بآيات رَبّهِمْ  المنطويةِ على المواعظ والأحكامِ  لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً  أي أكبُّوا عليها سامعين بآذانٍ واعيةٍ مجتلين لها بعيون راعية وإنما عبَّر عن ذلك بنفي الضِّدِّ تعريضاً بما يفعله الكفرةُ والمنافقون وقيل الضَّميرُ لمعاصي المدلولِ عليها باللغو.

### الآية 25:74

> ﻿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [25:74]

والذين يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أزواجنا وذرياتنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ  بتوفيقهم للطَّاعةِ وحيازة الفضائلِ فإنَّ المؤمنَ إذا ساعده أهلُه في طاعةِ الله عزَّ وجلَّ وشاركوه فيها يُسرُّ بهم قلبُه وتقرُّ بهم عينُه لما يشاهدُه من مشايعتهم له في مناهجِ الدِّينِ وتوقُّعِ لحوقِهم به في الجنَّة حسبما وعد بقوله تعالى : أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ  \[ سورة الطور، الآية٢١ \] ومِن ابتدائيةٌ أو بيانيةٌ وقرئ وذريتِنا. وتنكيرُ الأعينِ لإرادة تنكيرِ القُرَّة تعظيماً. وتقليلُها لأنَّ المرادَ أعينُ المتَّقين ولا ريبَ في قلَّتِها نظراً إلى غيرِها  واجعلنا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً  أي اجعلنا بحيثُ يقتدون بنا في إقامة مراسم الدِّين بإفاضة العلم والتَّوفيقِ للعمل. وتوحيدُه للدِّلالة على الجنس وعدم الالتباس كقوله تعالى : ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً  \[ سورة غافر، الآية٢٧ \] أو لأنَّ المرادَ واجعلْ كلَّ واحدٍ مَّنا إماماً أو لأنَّهم كنفس واحدةٍ لاتِّحاد طريقتهم واتِّفاق كلمتِهم كذا قالُوا. وأنت خبيرٌ بأن مدارَ الكلِّ صدورُ هذا الدُّعاء إما عن الكلِّ بطريق المعيَّةِ وأنَّه محالٌ لاستحالة اجتماعِهم في عصرٍ واحدٍ فما ظنُّك باجتماعهم في مجلسٍ واحدٍ واتِّفاقِهم على كلمةٍ واحدةَ وإما عن كلَّ واحدٍ بطريق تشريك غيره في استدعاءِ الإمامةِ وأنَّه ليس بثابتٍ جَزْماً بل الظَّاهرُ صدورُه عنهم بطريقِ الانفرادِ وأنَّ عبارةَ كلِّ واحدٍ منهم عند الدُّعاء واجعلني للمتَّقين إماماً خلا أنه حُكيت عباراتُ الكلِّ بصيغة المتكلِّم مع الغيرِ للقصدِ إلى الإنجاز على طريقة قوله تعالى : يا أَيُّهَا الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات واعملوا صالحا  \[ سورة المؤمنون، الآية٥١ \] وأُبقي إماماً على حاله، وقيل : الإمام جمع آمَ بمعنى قاصد كصيام جمع صائم ومعناه قاصدين لهم مُقتدين بهم. وإعادةُ الموصولِ في المواقع السَّبعةِ مع كفايةِ ذكرِ الصِّلات بطريقِ العطفِ على صلةِ الموصولِ الأولِ للإيذانِ بأنَّ كلَّ واحدٍ مما ذُكر في حيَّزِ صلةِ الموصولاتِ المذكورة وصفٌ جليلٌ على حيالهِ شأنٌ خطيرٌ حقيقٌ بأنْ يُفردَ له موصوفٌ مستقلٌّ ولا يجعل شيءٌ من ذلكَ تتمة لغيرهِ وتوسيط العاطفِ بين الموصولاتِ لتنزيلِ الاختلافِ العنوانيِّ منزلةَ الاختلاف الذاتيِّ كما في قوله :\[ المتقارب \]إلى الملكِ القَرمِ وابنِ الهُمَام  وَلَيْثِ الكَتَائبِ في المُزْدَحمْ[(١)](#foonote-١)١ وهو بلا نسبة في الإنصاف (٢ / ٤٦٩)؛ وخزانة الأدب (١ / ٤٥١)، (٥/١٠٧)، (٦ / ٩١)؛ وشرح قطر الندى (ص ٢٩٥)..

### الآية 25:75

> ﻿أُولَٰئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا [25:75]

أولئك  إشارةٌ إلى المتَّصفين بما فُصِّل في حيِّزِ صلة الموصُولات الثمَّانيةِ من حيثُ اتِّصافُهم به. وفيه دلالةٌ على أنَّهم متميِّزون بذلك أكمل تميُّزٍ منتظِمون بسببه في سلك الأمورِ المُشاهَدة، وما فيه من معنى البُعد للإيذان ببُعدِ منزلتهم في الفضلِ. وهو مبتدأٌ خبرُه قولُه تعالى : يُجْزَوْنَ الغرفة  والجملة مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب مبيِّنةٌ لما لهم في الآخرةِ من السَّعادةِ الأبديَّةِ إثرَ بيانِ ما لهمُ في الدُّنيا من الأعمال السَّنيةِ. والغُرفة الدَّرجةُ العاليةُ من المنازل وكلُّ بناءٍ مرتفعٍ عالٍ أي يُثابون أعلى منازل الجنَّةِ وهي اسمُ جنسٍ أُريد به الجمع كقولِه تعالى : وَهُمْ فِي الغرفات آمِنُونَ  \[ سورة سبأ، الآية٣٧ \] وقيل : هي اسمٌ من أسماء الجنَّةِ  بِمَا صَبَرُواْ  أي بصبرِهم على المشاقِّ من مضض الطَّاعاتِ ورفض الشَّهواتِ وتحمُّلِ المجاهدات  وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا  من جهةِ الملائكةِ  تَحِيَّةً وسلاما  أي يحييهم الملائكةُ ويدعُون لهم بطول الحياة والسَّلامةِ من الآفاتِ، أو يُعطون التَّبقيةَ والتَّخليدَ مع السَّلامةِ من كلِّ آفةٍ، وقيل : يُحيِّي بعضُهم بعضاً ويُسلِّم عليه. وقرئ يلقَون من لَقِي.

### الآية 25:76

> ﻿خَالِدِينَ فِيهَا ۚ حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا [25:76]

خالدين فِيهَا  لا يموتُون ولا يُخرجون  حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً  الكلام فيه كالذي مرَّ في مقابلة.

### الآية 25:77

> ﻿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ۖ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا [25:77]

قُلْ  أُمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بأنْ يبيِّن للنَّاسِ أنَّ الفائزينَ بتلك النَّعماءِ الجليلةِ التي يتنافسُ فيها المتنافسون إنَّما نالُوها بما عُدِّدَ من محاسنِهم ولوها لم يُعتدَّ بهم أصلاً أي قُل لهم كافَّةً مشافِهاً لهم بما صدرَ عن جنسهم من خيرٍ وشرَ  مَا يَعْبَأ بِكُمْ رَبّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ  أيْ أيُّ عبءٍ يُعبأُ بكم وأيُّ اعتدادٍ يُعتدُّ بكم لولا عبادتُكم له تعالى حسبما مرَّ تفصيلُه فإنَّ ما خُلق له الإنسانُ معرفتُه تعالى وطاعتُه وإلاَّ فهو وسائرُ البهائمِ سواءٌ. وقال الزَّجَّاجُ : معناه أيُّ وزنٍ يكون لكم عنده، وقيل معناه ما يصنع بكم ربي لولا دعاؤه إيَّاكم إلى الإسلامِ وقيل : ما يصنعُ بعذابِكم لولا دعاؤكم معه آلهةً ويجوزُ أنْ تكونَ ما نافيةً، وقوله تعالى : فَقَدْ كَذَّبْتُمْ  بيانٌ لحال الكَفَرةِ من المخاطَبين كما أنَّ ما قبله بيانٌ لحال المُؤمنين منُهم أي فقد كذَّبتُم بما أخبرتُكم به وخالفتمُوه أيُّها الكَفَرةُ ولم تعملوا عملَ أولئك المذكورينَ وقيل : فقد قصَّرتمُ في العبادة من قولهم كذَب القتالُ إذا لم يُبالغ فيه. وقرئ فقد كذبَ الكافرون أي الكافرون منكُم لعمومِ الخطابِ للفريقينِ وفائدتُه الإيذانُ بأنَّ مناطَ فوزِ أحدِهما وخسرانِ الآخر مع الاتِّحاد الجنسيِّ المصحِّحِ للاشتراكِ في الفوزِ ليس إلا اختلافُهما في الأعمال  فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً  أي يكون جزاءُ التكذيبِ أو أثرُه لازماً يحيقُ بكم لا محالةَ حتَّى يُكبكم في النَّارِ كما تُعربُ عنه الفاءُ الدَّالَّةُ على لزومِ ما بعدها لما قبلَها، وإنَّما أُضمر من غير ذكرٍ للإيذان بغاية ظهوره وتهويل أمره وللتنبيه على أنه مَّما لا يُكتنهه البيانُ وقيل : يكون العذابُ لزاماً. وعن مجاهدٍ رحمه الله : هو القتلُ يومَ بدرٍ وأنه لُوزم بين القَتْلى وقرئ لَزاماً بالفتح بمعنى اللُّزومِ كالثَّباتِ والثُّبوتِ.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/25.md)
- [كل تفاسير سورة الفرقان
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/25.md)
- [ترجمات سورة الفرقان
](https://quranpedia.net/translations/25.md)
- [صفحة الكتاب: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم](https://quranpedia.net/book/37.md)
- [المؤلف: أبو السعود](https://quranpedia.net/person/4781.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/25/book/37) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
