---
title: "تفسير سورة النّمل - جامع البيان في تأويل آي القرآن - الطبري"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/27/book/4.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/27/book/4"
surah_id: "27"
book_id: "4"
book_name: "جامع البيان في تأويل آي القرآن"
author: "الطبري"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة النّمل - جامع البيان في تأويل آي القرآن - الطبري

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/27/book/4)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة النّمل - جامع البيان في تأويل آي القرآن - الطبري — https://quranpedia.net/surah/1/27/book/4*.

Tafsir of Surah النّمل from "جامع البيان في تأويل آي القرآن" by الطبري.

### الآية 27:1

> طس ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ [27:1]

بسم الله الرحمَن الرحيم

**القول في تأويل قوله تعالى :**
 طسَ تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مّبِينٍ \* هُدًى وَبُشْرَىَ لِلْمُؤْمِنِينَ \* الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُم بالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ . 
قال أبو جعفر : وقد بيّنا القول فيما مضى من كتابنا هذا فيما كان من حروف المعجم في فواتح السور، فقوله : طس من ذلك. وقد رُوي عن ابن عباس أن قوله : طس : قسم أقسمه الله هو من أسماء الله. 
حدثني عليّ بن داود، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس. فالواجب على هذا القول أن يكون معناه : والسميع اللطيف، إن هذه الآيات التي أنزلتها إليك يا محمد لاَيات القرآن، وآيات كتاب مبين : يقول : يبين لمن تدبّره، وفكّر فيه بفهم أنه من عند الله، أنزله إليك، لم تتخرّصه أنت ولم تتقوّله، ولا أحد سواك من خلق الله، لأنه لا يقدر أحد من الخلق أن يأتي بمثله، ولو تظاهر عليه الجنّ والإنس. وخفض قوله : وكِتابٍ مُبِينٍ عطفا به على القرآن.

### الآية 27:2

> ﻿هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ [27:2]

وقوله : هُدًى من صفة القرآن. يقول : هذه آيات القرآن بيان من الله بين به طريق الحقّ وسبيل السلام وَبُشْرَى للْمُؤْمِنينَ يقول : وبشارة لمن آمن به، وصدّق بما أنزل فيه بالفوز العظيم في المعاد. 
وفي قوله : هُدًى وَبُشْرَى وجهان من العربية : الرفع على الابتداء بمعنى : هو هدى وبُشرى. والنصب على القطع من آيات القرآن، فيكون معناه : تلك آيات القرآن الهدى والبشرى للمؤمنين، ثم أسقطت الألف واللام من الهدى والبشرى، فصارا نكرة، وهما صفة للمعرفة فنصبا.

### الآية 27:3

> ﻿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [27:3]

وقوله : الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاةَ يقول : هو هدى وبشرى لمن آمن بها، وأقام الصلاة المفروضة بحدودها. وقوله : وَيُؤْتُونَ الزّكاةَ يقول : ويؤدّون الزكاة المفروضة. وقيل : معناه : ويطهرون أجسادهم من دنس المعاصي. وقد بيّنا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع وَهُمْ بالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ يقول : وهم مع إقامتهم الصلاة، وإيتائهم الزكاة الواجبة، بالمعاد إلى الله بعد الممات يوقنون، فيذلون في طاعة الله، رجاء جزيل ثوابه، وخوف عظيم عقابه، وليسوا كالذين يكذّبون بالبعث، ولا يبالون، أحسنوا أم أساءوا، وأطاعوا أم عصوا، لأنهم إن أحسنوا لم يرجوا ثوابا، وإن أساءوا لم يخافوا عقابا.

### الآية 27:4

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ [27:4]

القول في تأويل قوله تعالى : إِنّ الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة زَيّنّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ \* أُوْلََئِكَ الّذِينَ لَهُمْ سُوَءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الاَخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ . 
يقول تعالى ذكره : إن الذين لا يصدّقون بالدار الاَخرة، وقيام الساعة، وبالمعاد إلى الله بعد الممات والثواب والعقاب زَيّنا لَهُمْ أعمالَهُمْ يقول : حببنا إليهم قبيح أعمالهم، وسهّلنا ذلك عليهم فَهُمْ يَعْمَهُونَ يقول : فهم في ضلال أعمالهم القبيحة التي زيّناها لهم يتردّدون حيارى، يحسبون أنهم يحسنون.

### الآية 27:5

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ [27:5]

وقوله : أُولَئِكَ الّذِينَ لَهُمْ سُوءُ العَذَابِ يقول تعالى ذكره : هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة لهم سوء العذاب في الدنيا، وهم الذين قتلوا ببدر من مشركي قريش وَهُمْ فِي الاَخِرَةِ هُمُ الأَخَسرُونَ يقول : وهم يوم القيامة هم الأوضعون تجارة والأَوكسوها باشترائهم الضلالة بالهدى فَمَا رَبحَتْ تِجَارَتهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ.

### الآية 27:6

> ﻿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ [27:6]

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنّكَ لَتُلَقّى الْقُرْآنَ مِن لّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ \* إِذْ قَالَ مُوسَىَ لأهْلِهِ إِنّيَ آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُمْ مّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لّعَلّكُمْ تَصْطَلِونَ \* فَلَمّا جَآءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ . 
يقول تعالى ذكره : وإنك يا محمد لتحفظ القرآن وتعلمه مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ يقول : من عند حكيم بتدبير خلقه، عليم بأنباء خلقه ومصالحهم، والكائن من أمورهم، والماضي من أخبارهم، والحادث منها. إذْ قال مُوسى وإذ من صلة عليم. ومعنى الكلام : عليم حين قال موسى لأَهْلِهِ وهو في مسيره من مدين إلى مصر، وقد آذاهم بردُ ليلهم لما أصلد زَنْدُه : إنّي آنَسْتُ نارا : أي أبصرت نارا أو أحسستها، فامكثوا مكانكم سآتِيكُمْ مِنْها بِخَبرٍ يعني من النار، والهاء والألف من ذكر النار أوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ. 
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة :**«بِشِهابِ قَبَسٍ »** بإضافة الشهاب إلى القبس، وترك التنوين، بمعنى : أو آتيكم بشعلةِ نارٍ أقتبسها منها. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة : بشِهابٍ قَبَسٍ بتنوين الشهاب وترك إضافته إلى القبس، يعني : أو آتيكم بشهاب مقتبس. 
والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان في قَرَأة الأمصار، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وكان بعض نحوييّ البصرة يقول : إذا جُعل القبس بدلاً من الشهاب، فالتنوين في الشهاب، وإن أضاف الشهاب إلى القبس، لم ينوّن الشهاب. وقال بعض نحوييّ الكوفة : إذا أضيف الشهاب إلى القبس فهو بمنزلة قوله وَلَدَارُ الآخرة مما يضاف إلى نفسه إذا اختلف اسماه ولفظاه توهما بالثاني أنه غير الأوّل. قال : ومثله حبة الخضراء، وليلة القمراء، ويوم الخميس وما أشبهه. وقال آخر منهم : إن كان الشهاب هو القبس لم تجز الإضافة، لأن القبس نعت، ولا يُضاف الاسم إلى نعته إلا في قليل من الكلام، وقد جاء : وَلَدَارُ الاَخِرَةِ وللدار الاَخِرَةُ. 
والصواب من القول في ذلك أن الشهاب إذا أريد به أنه غير القبس، فالقراءة فيه بالإضافة، لأن معنى الكلام حينئذ، ما بينا من أنه شعلة قبس، كما قال الشاعر :

في كَفّه صَعْدَةٌ مُشَقّفَةٌ  فِيها سِنانٌ كشُعْلَةِ القَبَسِوإذا أريد بالشهاب أنه هو القبس، أو أنه نعت له، فالصواب في الشهاب التنوين، لأن الصحيح في كلام العرب ترك إضافة الاسم إلى نعته، وإلى نفسه، بل الإضافات في كلامها المعروف إضافة الشيء إلى غير نفسه وغير نعته. 
وقوله : لَعَلّكُمْ تَصْطَلُونَ يقول : كي تصطلوا بها من البرد.

### الآية 27:7

> ﻿إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ [27:7]

المفروضة. وقيل: معناه: ويطهرون أجسادهم من دنس المعاصي.
 وقد بيَّنا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) يقول: وهم مع إقامتهم الصلاة، وإيتائهم الزكاة الواجبة، بالمعاد إلى الله بعد الممات يوقنون، فيذلون في طاعة الله، رجاء جزيل ثوابه، وخوف عظيم عقابه، وليسوا كالذين يكذّبون بالبعث، ولا يبالون، أحسنوا أم أساءوا، وأطاعوا أم عصوا، لأنهم إن أحسنوا لم يرجوا ثوابا، وإن أساءوا لم يخافوا عقابا.
 القول في تأويل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ (٥) 
 يقول تعالى ذكره: إن الذين لا يصدّقون بالدار الآخرة، وقيام الساعة، وبالمعاد إلى الله بعد الممات والثواب والعقاب. (زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ)
 يقول: حببنا إليهم قبيح أعمالهم، وسهَّلنا ذلك عليهم. (فَهُمْ يَعْمَهُونَ) يقول: فهم في ضلال أعمالهم القبيحة التي زيَّناها لهم يتردّدون حيارى يحسبون أنهم يحسنون.
 وقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ) يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة لهم سوء العذاب في الدنيا، وهم الذين قتلوا ببدر من مشركي قريش.
 يقول: وهم يوم القيامة هم الأوضعون تجارة والأوكسوها باشترائهم الضلالة بالهدى (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ).
 القول في تأويل قوله تعالى: وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦) إِذْ قَالَ مُوسَى لأهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨) 
 يقول تعالى ذكره: وإنك يا محمد لتحفظ القرآن وتعلمه (مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ) يقول: من عند حكيم بتدبير خلقه، عليم بأنباء خلقه ومصالحهم، والكائن من أمورهم، والماضي من أخبارهم، والحادث منها. (إِذْ قَالَ مُوسَى) وإذ من صلة عليم. ومعنى

الكلام: عليم حين قال موسى (لأهْلِهِ) وهو في مسيره من مدين إلى مصر، وقد آذاهم برد ليلهم لما أصلد زنده. (إِنِّي آنَسْتُ نَارًا) أي أبصرت نارا أو أحسستها، فامكثوا مكانكم (سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ) يعني من النار، والهاء والألف من ذكر النار (أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ)
 اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة: "بِشِهَابِ قَبَسٍ" بإضافة الشهاب إلى القبس، وترك التنوين، بمعنى: أو آتيكم بشعلة نار أقتبسها منها. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة: (بِشِهَابٍ قَبَسٍ) بتنوين الشهاب وترك إضافته إلى القبس، يعني: أو آتيكم بشهاب مقتبس.
 والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان في قَرَأة الأمصار، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وكان بعض نحويِّي البصرة يقول: إذا جُعل القبس بدلا من الشهاب، فالتنوين في الشهاب، وإن أضاف الشهاب إلى القبس لم ينون الشهاب. وقال بعض نحويِّي الكوفة: إذا أضيف الشهاب إلى القبس فهو بمنزلة قوله (وَلَدَارُ الآخِرَةِ) مما يضاف إلى نفسه إذا اختلف اسماه ولفظاه توهما بالثاني أنه غير الأوّل قال: ومثله حبة الخضراء، وليلة القمراء، ويوم الخميس وما أشبهه. وقال آخر منهم: إن كان الشهاب هو القبس لم تجز الإضافة، لأن القبس نعت، ولا يضاف الاسم إلى نعته إلا في قليل من الكلام، وقد جاء: (وَلَدَارُ الآخِرَةِ) و (وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ).
 والصواب من القول في ذلك: أن الشهاب إذا أريد به أنه غير القبس، فالقراءة فيه بالإضافة، لأن معنى الكلام حينئذ، ما بينا من أنه شعلة قبس، كما قال الشاعر:

في كَفِّه صَعْدَةٌ مُثَقَّفَةٌ  فِيها سِنانٌ كشُعْلَة القَبَس (١) وإذا أريد بالشهاب أنه هو القبس، أو أنه نعت له، فالصواب في الشهاب التنوين؛ لأن الصحيح في كلام العرب ترك إضافة الاسم إلى نعته، وإلى نفسه، بل الإضافات في كلامها المعروف إضافة الشيء إلى غير نفسه وغير نعته.
 (١) البيت من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن (الورقة ١٧٥) قال: "بشهاب قبس" أي بشعلة نار. ومجاز قبس: ما اقتبست منها ومن الجمر، قال: "في كفه.." البيت. والصعدة: القناة تنبت مستقيمة. والشاهد في البيت: إضافة الشعلة إلى القبس أي شعلة مقتبسة من نار كما في قول الله عز وجل (بشهاب قبس) في قراءة من قرأه بالإضافة. ويجوز تنوين "شهاب" وجعل قبس صفة له إذا اعتبر الشهاب هو نفس القبس، لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه، ولا إلى صفته.

وقوله: (لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) يقول: كي تصطلوا بها من البرد. وقوله: (فَلَمَّا جَاءَهَا) يقول: فلما جاء موسى النار التي آنسها (نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا).
 كما حدثنا عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: (نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ) يقول: قدّس.
 واختلف أهل التأويل في المعنِّي بقوله (مَنْ فِي النَّارِ) فقال بعضهم: عنى جلّ جلاله بذلك نفسه، وهو الذي كان في النار، وكانت النار نوره تعالى ذكره في قول جماعة من أهل التأويل.
 **\*ذكر من قال ذلك:**
 حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: (فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ) يعني نفسه; قال: كان نور ربّ العالمين في الشجرة.
 حدثني إسماعيل بن الهيثم أبو العالية العبدي، قال: ثنا أبو قُتَيبة، عن ورقاء، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبير، في قول الله: (بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ) قال: ناداه وهو في النار.
 حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن الحسن في قوله: (نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا) قال: هو النور.
 قال معمر: قال قَتادة: (بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ) قال: نور الله بورك.
 قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال الحسن البصري: (بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ) (١).
 وقال آخرون: بل معنى ذلك: بوركت النار.
 **\*ذكر من قال ذلك:**
 حدثني الحارث، قال: ثنا الأشيب، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ) بوركت النار. كذلك قاله ابن عباس.

 (١) لعل المؤلف لم يجيء بمقول القول، اكتفاء بنص ما قبله، لموافقته إياه لفظًا ومعنى. وقد تكرر منه ذلك في مواضع.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: (أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ) قال: بوركت النار.
 حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال مجاهد: (بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ) قال: بوركت النار.
 حدثنا محمد بن سنان القزاز قال: ثنا مكي بن إبراهيم، قال: ثنا موسى، عن محمد بن كعب، في قوله: (أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ) نور الرحمن، والنور هو الله (وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
 واختلف أهل التأويل في معنى النار في هذا الموضع، فقال بعضهم: معناه: النور، كما ذكرت عمن ذكرت ذلك عنه.
 وقال آخرون: معناه النار لا النور.
 **\*ذكر من قال ذلك:**
 حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن سعيد بن جبير، أنه قال: حجاب العزّة، وحجاب المَلِكَ، وحجاب السلطان، وحجاب النار، وهي تلك النار التي نودي منها. قال: وحجاب النور، وحجاب الغمام، وحجاب الماء، وإنما قيل: بورك من في النار، ولم يقل: بورك فيمن في النار على لغة الذين يقولون: باركك الله. والعرب تقول: باركك الله، وبارك فيك.
 وقوله: (وَمَنْ حَوْلَهَا) يقول: ومن حول النار. وقيل: عَنى بمن حولها: الملائكة.
 **\*ذكر من قال ذلك:**
 حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: (وَمَنْ حَوْلَهَا) قال: يعني الملائكة.
 حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن الحسن، مثله.
 وقال آخرون: هو موسى والملائكة.
 حدثنا محمد بن سنان القزّاز، قال: ثنا مكي بن إبراهيم، قال: ثنا موسى، عن محمد بن كعب (وَمَنْ حَوْلَهَا) قال: موسى النبيّ والملائكة، ثم قال: (يَامُوسَى

### الآية 27:8

> ﻿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [27:8]

وقوله : فَلَمّا جاءَها يقول : فلما جاء موسى النار التي آنسها نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ ومَنْ حَوْلَهَا. كما :
حدثنا عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ يقول : قُدّس. 
واختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله مَنْ فِي النّارِ فقال بعضهم : عني جلّ جلاله بذلك نفسه، وهو الذي كان في النار، وكانت النار نوره تعالى ذكره في قول جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله : فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَنْ في النّارِ يعني نفسه قال : كان نور ربّ العالمين في الشجرة. 
حدثني إسماعيل بن الهيثم أبو العالية العبدي، قال : حدثنا أبو قُتَيبة، عن ورقاء، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبير، في قول الله : بُورِكَ مَنْ في النّارِ قال : ناداه وهو في النار. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن الحسن، في قوله : نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا قال هو النور. 
قال : قال قَتادة : بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ قال : نور الله بورك. 
قال : ثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : قال الحسن البصري بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ. 
وقال آخرون : بل معنى ذلك : بوركت النار. ذكر من قال ذلك :
حدثني الحارث، قال : حدثنا الأشيب، قال : حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ بوركت النار. كذلك قاله ابن عباس. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله أنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ قال : بوركت النار. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : قال مجاهد بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ قال : بوركت النار. 
حدثنا محمد بن سنان القزاز، قال : حدثنا مكي بن إبراهيم، قال : حدثنا موسى، عن محمد بن كعب، في قوله : أنْ بورِكَ مَنْ فِي النّارِ نور الرحمن، والنور هو الله وَسُبْحَانَ اللّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ. 
واختلف أهل التأويل في معنى النار في هذا الموضع، فقال بعضهم : معناه : النور كما ذكرت عمن ذكرت ذلك عنه. 
وقال آخرون : معناه النار لا النور. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن سعيد بن جُبَير، أنه قال : حجاب العزّة، وحجاب المَلِك، وحجاب السلطان، وحجاب النار، وهي تلك النار التي نودي منها. قال : وحجاب النور، وحجاب الغمام، وحجاب الماء، وإنما قيل : بورك من في النار، ولم يقل : بورك فيمن في النار على لغة الذين يقولون : باركك الله. والعرب تقول : باركك الله، وبارك فيك. 
وقوله : وَمَنْ حَوْلَهَا يقول : ومن حول النار. وقيل : عَني بمن حولها : الملائكة. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس وَمَنْ حَوْلَهَا قال : يعني الملائكة. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن الحسن، مثله. 
وقال آخرون : هو موسى والملائكة. 
حدثنا محمد بن سنان القزّاز، قال : حدثنا مكي بن إبراهيم، قال : حدثنا موسى، عن محمد بن كعب وَمَنْ حَوْلَهَا قال موسى النبيّ والملائكة، ثم قال : يا مُوسَى إنّهُ أنا اللّهُ العَزِيزُ الحَكيمُ. 
وقوله : وَسُبْحانَ الله رَبّ العالَمِينَ يقول : وتنزيها لله ربّ العالمين، مما يصفه به الظالمون.

### الآية 27:9

> ﻿يَا مُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [27:9]

القول في تأويل قوله تعالى : يَمُوسَىَ إِنّهُ أَنَا اللّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ \* وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمّا رَآهَا تَهْتَزّ كَأَنّهَا جَآنّ وَلّىَ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقّبْ يَمُوسَىَ لاَ تَخَفْ إِنّي لاَ يَخَافُ لَدَيّ الْمُرْسَلُونَ \* إَلاّ مَن ظَلَمَ ثُمّ بَدّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوَءٍ فَإِنّي غَفُورٌ رّحِيمٌ . 
يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيله لموسى : إنّهُ أنا اللّهُ العَزِيزُ في نقمته من أعدائه الحَكِيمُ في تدبيره في خلقه. والهاء التي في قوله : إنّهُ هاء عماد، وهو اسم لا يظهر في قول بعض أهل العربية. وقال بعض نحويي الكوفة : يقول هي الهاء المجهولة، ومعناها : أن الأمر والشأن : أنا الله،

### الآية 27:10

> ﻿وَأَلْقِ عَصَاكَ ۚ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ۚ يَا مُوسَىٰ لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ [27:10]

وقوله : وألْقِ عَصَاكَ فَلَمّا رآهَا تَهْتَزّ في الكلام محذوف تُرك ذكره، استغناء بما ذُكِر عما حُذف، وهو : فألقاها فصارت حية تهتز فَلَمّا رآها تَهْتَزّ كأنّها جانّ يقول : كأنها حية عظيمة، والجانّ : جنس من الحيات معروف. 
وقال ابن جُرَيْج في ذلك ما حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : قال ابن جُرَيج : وألْقِ عَصَاكَ فَلَمّا رآها تَهْتَزّ كأنّها جانّ قال : حين تحوّلت حية تسعى، وهذا الجنس من الحيات عني الراجز بقوله :

يَرْفَعْنَ باللّيْلِ إذَا ما أسْدَفا  أعْناقَ جِنّانٍ وَهاما رُجّفَا\*\*\* وَعَنَقا بَعْدَ الرّسِيم خَيْطَفَا \*\*\*
وقوله : وَلّى مُدْبرا يقول تعالى ذكره : ولى موسى هاربا خوفا منها ولَمْ يُعَقّبْ يقول : ولم يرجع من قولهم : عقب فلان : إذا رجع على عقبه إلى حيث بدأ. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله : ولَمْ يُعَقّبْ قال : لم يرجع. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. 
قال : ثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان عن معمر، عن قتادة، قال : لم يلتفت. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله ولَمْ يُعَقّبْ قال : لم يرجع يَا مُوسَى قال : لما ألقى العصا صارت حية، فرعب منها وجزع، فقال الله : إنّي لا يَخافُ لَدَيّ المُرْسَلُونَ قال : فلم يرعو لذلك، قال : فقال الله له : أقْبِلْ وَلا تَخَفْ إنّكَ مِنَ الآمنين قال : فلم يقف أيضا على شيء من هذا حتى قال : سَنُعِيدُها سِيرَتها الأُولى قال : فالتفت فإذا هي عصا كما كانت، فرجع فأخذها، ثم قوي بعد ذلك حتى صار يرسلها على فرعون ويأخذها. 
وقوله : يا موسَى لا تَخَفْ إنّي لا يَخافُ لَديّ المُرْسَلُونَ إلاّ مَنْ ظَلَمَ يقول تعالى ذكره : فناداه ربه : يا موسى لا تخف من هذه الحية، إني لا يخاف لديّ المرسلون : يقول : إني لا يخاف عندي رسلي وأنبيائي الذين أختصهم بالنبوّة، إلا من ظلم منهم، فعمل بغير الذي أُذن له في العمل به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : قوله يا مُوسَى لا تَخَفْ إنّي لا يَخافُ لَدَيّ المُرْسَلُونَ قال : لا يخيف الله الأنبياء إلا بذنب يصيبه أحدهم، فإن أصابه أخافه حتى يأخذه منه. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا عبد الله الفزاري، عن عبد الله بن المبارك، عن أبي بكر، عن الحسن، قال : قوله : يا مُوسَى لا تَخَفْ إنّي لا يَخافُ لَدَيّ المُرْسَلُونَ إلاّ مَنْ ظَلَمَ قال : إني إنما أخفتك لقتلك النفس، قال : وقال الحسن : كانت الأنبياء تذنب فتعاقب. 
واختلف أهل العربية في وجه دخول إلا في هذا الموضع، وهو استثناء مع وعد الله الغفران المستثنى من قوله : إنّي لا يَخافُ لَدَيّ المُرْسَلُونَ بقوله : فإنّي غَفُورٌ رَحِيمٌ. وحكم الاستثناء أن يكون ما بعده بخلاف معنى ما قبله، وذلك أن يكون ما بعده إن كان ما قبله منفيا مثبتا كقوله : ما قام إلا زيد، فزيد مثبت له القيام، لأنه مستثنى مما قبل إلا، وما قبل إلا منفيّ عنه القيام، وأن يكون ما بعده إن كان ما قبله مثبتا منفيا كقولهم : قام القوم إلا زيدا فزيد منفي عنه القيام ومعناه : إن زيدا لم يقم، والقوم مثبت لهم القيام، ( إلا من ظلم، ثم بدّل حسنا بعد سوء )، فقد أمنه الله بوعده الغفران والرحمة، وأدخله في عداد من لا يخاف لديه من المرسلين. فقال بعض نحويي البصرة : أدخلت إلا في هذا الموضع، لأن إلا تدخل في مثل هذا الكلام، كمثل قول العرب : ما أشتكي إلا خيرا فلم يجعل قوله : إلا خيرا على الشكوى، ولكنه علم أنه إذا قال : ما أشتكي شيئا أن يذكر عن نفسه خيرا، كأنه قال : ما أذكر إلا خيرا. 
وقال بعض نحويي الكوفة : يقول القائل : كيف صير خائفا من ظلم، ثم بدّل حسنا بعد سوء، وهو مغفور له ؟ فأقول لك : في هذه الآية وجهان : أحدهما أن يقول : إن الرسل معصومة مغفور لها آمنة يوم القيامة، ومن خلط عملاً صالحا وآخر سيئا فهو يخاف ويرجو، فهذا وجه. والآخر : أن يجعل الاستثناء من الذين تركوا في الكلمة، لأن المعنى : لا يخاف لديّ المرسلون، إنما الخوف على من سواهم، ثم استثنى فقال : إلا مَنْ ظَلَمَ ثُمّ بَدّلَ حُسْنا يقول : كان مشركا، فتاب من الشرك، وعمل حسنا، فذلك مغفور له، وليس يخاف. قال : وقد قال بعض النحويين : إن إلا في اللغة بمنزلة الواو، وإنما معنى هذه الاَية : لا يخاف لديّ المرسلون، ولا من ظلم ثم بدّل حسنا، قال : وجعلوا مثله كقول الله : لِئَلاّ يكُونَ للنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قال : ولم أجد العربية تحتمل ما قالوا، لأني لا أجيز : قام الناس إلا عبد الله، وعبد الله قائم إنما معنى الاستثناء أن يخرج الاسم الذي بعد إلا من معنى الأسماء التي قبل إلا. وقد أراه جائزا أن يقول : لي عليك ألف سوى ألف آخر فإن وُضِعت إلا في هذا الموضع صلحت، وكانت إلا في تأويل ما قالوا، فأما مجرّدة قد استثنى قليلها من كثيرها فلا، ولكن مثله مما يكون معنى إلا كمعنى الواو، وليست بها قوله : خالِدِينَ فِيها ما دَامَتِ السّمَوَاتُ والأرْضُ إلاّ ما شاءَ رَبّكَ هو في المعنى. والذي شاء ربك من الزيادة، فلا تجعل إلا بمنزلة الواو، ولكن بمنزلة سوى فإذا كانت **«سوى »** في موضع **«إلا »** صلحت بمعنى الواو، لأنك تقول : عندي مال كثير سوى هذا : أي وهذا عندي، كأنك قلت : عندي مال كثير وهذا أيضا عندي، وهو في سوى أبعد منه في إلا، لأنك تقول : عندي سوى هذا، ولا تقول : عندي إلا هذا. 
قال أبو جعفر : والصواب من القول في قوله إلاّ مَنْ ظَلَمَ ثُم بَدّلَ عندي غير ما قاله هؤلاء الذين حكينا قولهم من أهل العربية، بل هو القول الذي قاله الحسن البصري وابن جُرَيج ومن قال قولهما، وهو أن قوله : إلاّ مَنْ ظَلَمَ استثناء صحيح من قوله لا يَخافُ لَدَيّ المُرْسَلُونَ إلاّ مَنْ ظَلَمَ منهم فأتى ذنبا، فإنه خائف لديه من عقوبته. وقد بين الحسن رحمه الله معنى قيل الله لموسى ذلك، وهو قوله قال : إني إنما أخفتك لقتلك النفس. 
فإن قال قائل : فما وجه قيله إن كان قوله إلاّ مَنْ ظَلَمَ استثناءً صحيحا، وخارجا من عداد من لا يخاف لديه من المرسلين، وكيف يكون خائفا من كان قد وُعد الغفران والرحمة ؟ قيل : إن قوله : ثُمّ بَدّلَ حُسْنا بَعْدَ سُوءِ كلام آخر بعد الأوّل، وقد تناهى الخبر عن الرسل من ظلم منهم، ومن لم يظلم عند قوله إلاّ مَنْ ظَلَمَ ثم ابتدأ الخبر عمن ظلم من الرسل، وسائر الناس غيرهم. وقيل : فمن ظلم ثم بدّل حسنا بعد سوء فإني له غفور رحيم. 
فإن قال قائل : فعلام تعطف إن كان الأمر كما قلت بثم إن لم يكن عطفا على قوله : ظَلَمَ ؟ قيل : على متروك استغني بدلالة قوله ثُمّ بَدّلَ حُسْنا بَعْدَ سُوءٍ عليه عن إظهاره، إذ كان قد جرى قبل ذلك من الكلام نظيره، وهو : فمن ظلم من الخلق. وأما الذين ذكرنا قولهم من أهل العربية، فقد قالوا على مذهب العربية، غير أنهم أغفلوا معنى الكلمة وحملوها على غير وجهها من التأويل. وإنما ينبغي أن يحمل الكلام على وجهه من التأويل، ويلتمس له على ذلك الوجه للإعراب في الصحة مخرج لا على إحالة الكلمة عن معناها ووجهها الصحيح من التأويل. 
وقوله : ثُمّ بَدّلَ حُسْنا بَعْد سُوءٍ يقول تعالى ذكره : فمن أتى ظلما من خلق الله، وركب مأثما، ثم بدل حسنا، يقول : ثم تاب من ظلمه ذلك وركوبه المأثم، فإني غَفُورٌ يقول : فإني ساتر على ذنبه وظلمه ذلك بعفوي عنه، وترك عقوبته عليه رَحِيمٌ به أن أعاقبه بعد تبديله الحسن بضده. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله إلاّ مَنْ ظَلَمَ، ثُمّ بَدّلَ حُسْنا بَعْدَ سُوءٍ ثم تاب من بعد إساءته فإنّي غَفُورٌ رَحِيمٌ

### الآية 27:11

> ﻿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ [27:11]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٠:وقوله : وألْقِ عَصَاكَ فَلَمّا رآهَا تَهْتَزّ في الكلام محذوف تُرك ذكره، استغناء بما ذُكِر عما حُذف، وهو : فألقاها فصارت حية تهتز فَلَمّا رآها تَهْتَزّ كأنّها جانّ يقول : كأنها حية عظيمة، والجانّ : جنس من الحيات معروف. 
وقال ابن جُرَيْج في ذلك ما حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : قال ابن جُرَيج : وألْقِ عَصَاكَ فَلَمّا رآها تَهْتَزّ كأنّها جانّ قال : حين تحوّلت حية تسعى، وهذا الجنس من الحيات عني الراجز بقوله :يَرْفَعْنَ باللّيْلِ إذَا ما أسْدَفا  أعْناقَ جِنّانٍ وَهاما رُجّفَا\*\*\* وَعَنَقا بَعْدَ الرّسِيم خَيْطَفَا \*\*\*
وقوله : وَلّى مُدْبرا يقول تعالى ذكره : ولى موسى هاربا خوفا منها ولَمْ يُعَقّبْ يقول : ولم يرجع من قولهم : عقب فلان : إذا رجع على عقبه إلى حيث بدأ. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله : ولَمْ يُعَقّبْ قال : لم يرجع. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. 
قال : ثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان عن معمر، عن قتادة، قال : لم يلتفت. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله ولَمْ يُعَقّبْ قال : لم يرجع يَا مُوسَى قال : لما ألقى العصا صارت حية، فرعب منها وجزع، فقال الله : إنّي لا يَخافُ لَدَيّ المُرْسَلُونَ قال : فلم يرعو لذلك، قال : فقال الله له : أقْبِلْ وَلا تَخَفْ إنّكَ مِنَ الآمنين قال : فلم يقف أيضا على شيء من هذا حتى قال : سَنُعِيدُها سِيرَتها الأُولى قال : فالتفت فإذا هي عصا كما كانت، فرجع فأخذها، ثم قوي بعد ذلك حتى صار يرسلها على فرعون ويأخذها. 
وقوله : يا موسَى لا تَخَفْ إنّي لا يَخافُ لَديّ المُرْسَلُونَ إلاّ مَنْ ظَلَمَ يقول تعالى ذكره : فناداه ربه : يا موسى لا تخف من هذه الحية، إني لا يخاف لديّ المرسلون : يقول : إني لا يخاف عندي رسلي وأنبيائي الذين أختصهم بالنبوّة، إلا من ظلم منهم، فعمل بغير الذي أُذن له في العمل به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : قوله يا مُوسَى لا تَخَفْ إنّي لا يَخافُ لَدَيّ المُرْسَلُونَ قال : لا يخيف الله الأنبياء إلا بذنب يصيبه أحدهم، فإن أصابه أخافه حتى يأخذه منه. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا عبد الله الفزاري، عن عبد الله بن المبارك، عن أبي بكر، عن الحسن، قال : قوله : يا مُوسَى لا تَخَفْ إنّي لا يَخافُ لَدَيّ المُرْسَلُونَ إلاّ مَنْ ظَلَمَ قال : إني إنما أخفتك لقتلك النفس، قال : وقال الحسن : كانت الأنبياء تذنب فتعاقب. 
واختلف أهل العربية في وجه دخول إلا في هذا الموضع، وهو استثناء مع وعد الله الغفران المستثنى من قوله : إنّي لا يَخافُ لَدَيّ المُرْسَلُونَ بقوله : فإنّي غَفُورٌ رَحِيمٌ. وحكم الاستثناء أن يكون ما بعده بخلاف معنى ما قبله، وذلك أن يكون ما بعده إن كان ما قبله منفيا مثبتا كقوله : ما قام إلا زيد، فزيد مثبت له القيام، لأنه مستثنى مما قبل إلا، وما قبل إلا منفيّ عنه القيام، وأن يكون ما بعده إن كان ما قبله مثبتا منفيا كقولهم : قام القوم إلا زيدا فزيد منفي عنه القيام ومعناه : إن زيدا لم يقم، والقوم مثبت لهم القيام، ( إلا من ظلم، ثم بدّل حسنا بعد سوء )، فقد أمنه الله بوعده الغفران والرحمة، وأدخله في عداد من لا يخاف لديه من المرسلين. فقال بعض نحويي البصرة : أدخلت إلا في هذا الموضع، لأن إلا تدخل في مثل هذا الكلام، كمثل قول العرب : ما أشتكي إلا خيرا فلم يجعل قوله : إلا خيرا على الشكوى، ولكنه علم أنه إذا قال : ما أشتكي شيئا أن يذكر عن نفسه خيرا، كأنه قال : ما أذكر إلا خيرا. 
وقال بعض نحويي الكوفة : يقول القائل : كيف صير خائفا من ظلم، ثم بدّل حسنا بعد سوء، وهو مغفور له ؟ فأقول لك : في هذه الآية وجهان : أحدهما أن يقول : إن الرسل معصومة مغفور لها آمنة يوم القيامة، ومن خلط عملاً صالحا وآخر سيئا فهو يخاف ويرجو، فهذا وجه. والآخر : أن يجعل الاستثناء من الذين تركوا في الكلمة، لأن المعنى : لا يخاف لديّ المرسلون، إنما الخوف على من سواهم، ثم استثنى فقال : إلا مَنْ ظَلَمَ ثُمّ بَدّلَ حُسْنا يقول : كان مشركا، فتاب من الشرك، وعمل حسنا، فذلك مغفور له، وليس يخاف. قال : وقد قال بعض النحويين : إن إلا في اللغة بمنزلة الواو، وإنما معنى هذه الاَية : لا يخاف لديّ المرسلون، ولا من ظلم ثم بدّل حسنا، قال : وجعلوا مثله كقول الله : لِئَلاّ يكُونَ للنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قال : ولم أجد العربية تحتمل ما قالوا، لأني لا أجيز : قام الناس إلا عبد الله، وعبد الله قائم إنما معنى الاستثناء أن يخرج الاسم الذي بعد إلا من معنى الأسماء التي قبل إلا. وقد أراه جائزا أن يقول : لي عليك ألف سوى ألف آخر فإن وُضِعت إلا في هذا الموضع صلحت، وكانت إلا في تأويل ما قالوا، فأما مجرّدة قد استثنى قليلها من كثيرها فلا، ولكن مثله مما يكون معنى إلا كمعنى الواو، وليست بها قوله : خالِدِينَ فِيها ما دَامَتِ السّمَوَاتُ والأرْضُ إلاّ ما شاءَ رَبّكَ هو في المعنى. والذي شاء ربك من الزيادة، فلا تجعل إلا بمنزلة الواو، ولكن بمنزلة سوى فإذا كانت ****«سوى »**** في موضع ****«إلا »**** صلحت بمعنى الواو، لأنك تقول : عندي مال كثير سوى هذا : أي وهذا عندي، كأنك قلت : عندي مال كثير وهذا أيضا عندي، وهو في سوى أبعد منه في إلا، لأنك تقول : عندي سوى هذا، ولا تقول : عندي إلا هذا. 
قال أبو جعفر : والصواب من القول في قوله إلاّ مَنْ ظَلَمَ ثُم بَدّلَ عندي غير ما قاله هؤلاء الذين حكينا قولهم من أهل العربية، بل هو القول الذي قاله الحسن البصري وابن جُرَيج ومن قال قولهما، وهو أن قوله : إلاّ مَنْ ظَلَمَ استثناء صحيح من قوله لا يَخافُ لَدَيّ المُرْسَلُونَ إلاّ مَنْ ظَلَمَ منهم فأتى ذنبا، فإنه خائف لديه من عقوبته. وقد بين الحسن رحمه الله معنى قيل الله لموسى ذلك، وهو قوله قال : إني إنما أخفتك لقتلك النفس. 
فإن قال قائل : فما وجه قيله إن كان قوله إلاّ مَنْ ظَلَمَ استثناءً صحيحا، وخارجا من عداد من لا يخاف لديه من المرسلين، وكيف يكون خائفا من كان قد وُعد الغفران والرحمة ؟ قيل : إن قوله : ثُمّ بَدّلَ حُسْنا بَعْدَ سُوءِ كلام آخر بعد الأوّل، وقد تناهى الخبر عن الرسل من ظلم منهم، ومن لم يظلم عند قوله إلاّ مَنْ ظَلَمَ ثم ابتدأ الخبر عمن ظلم من الرسل، وسائر الناس غيرهم. وقيل : فمن ظلم ثم بدّل حسنا بعد سوء فإني له غفور رحيم. 
فإن قال قائل : فعلام تعطف إن كان الأمر كما قلت بثم إن لم يكن عطفا على قوله : ظَلَمَ ؟ قيل : على متروك استغني بدلالة قوله ثُمّ بَدّلَ حُسْنا بَعْدَ سُوءٍ عليه عن إظهاره، إذ كان قد جرى قبل ذلك من الكلام نظيره، وهو : فمن ظلم من الخلق. وأما الذين ذكرنا قولهم من أهل العربية، فقد قالوا على مذهب العربية، غير أنهم أغفلوا معنى الكلمة وحملوها على غير وجهها من التأويل. وإنما ينبغي أن يحمل الكلام على وجهه من التأويل، ويلتمس له على ذلك الوجه للإعراب في الصحة مخرج لا على إحالة الكلمة عن معناها ووجهها الصحيح من التأويل. 
وقوله : ثُمّ بَدّلَ حُسْنا بَعْد سُوءٍ يقول تعالى ذكره : فمن أتى ظلما من خلق الله، وركب مأثما، ثم بدل حسنا، يقول : ثم تاب من ظلمه ذلك وركوبه المأثم، فإني غَفُورٌ يقول : فإني ساتر على ذنبه وظلمه ذلك بعفوي عنه، وترك عقوبته عليه رَحِيمٌ به أن أعاقبه بعد تبديله الحسن بضده. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله إلاّ مَنْ ظَلَمَ، ثُمّ بَدّلَ حُسْنا بَعْدَ سُوءٍ ثم تاب من بعد إساءته فإنّي غَفُورٌ رَحِيمٌ---

### الآية 27:12

> ﻿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ۖ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ [27:12]

القول في تأويل قوله تعالى : وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوَءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ . 
يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيله لنبيه موسى : وأدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ذكر أنه تعالى ذكره أمره أن يدخل كفه في جيبه وإنما أمره بإدخاله في جيبه، لأن الذي كان عليه يومئذ مِدرعة من صوف. قال بعضهم : لم يكن لها كُمّ. وقال بعضهم : كان كمها إلى بعض يده. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد وأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ قال : الكفّ فقط في جيبك. قال : كانت مدرعة إلى بعض يده، ولو كان لها كُمّ أمره أن يدخل يده في كمه. 
قال : ثني حجاج، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن عمرو بن ميمون، قال : قال ابن مسعود : إن موسى أتى فرعون حين أتاه في ذُرْ مانقة، يعني جبة صوف. 
وقوله : تخْرُجْ بَيْضَاءَ يقول : تخرج اليد بيضاء بغير لون موسى من غيرِ سُوءٍ يقول : من غير برص في تسع آيات، يقول تعالى ذكره : أدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء، فهي آية في تسع آيات مُرسل أنت بهنّ إلى فرعون وترك ذكر مرسل لدلالة قوله إلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ على أن ذلك معناه، كما قال الشاعر :

رأتْنِي بِحَبْلَيْها فَصَدّتْ مَخافَةً  وفِي الحَبْلِ رَوْعاءُ الفُؤَادِ فَرُوقُومعنى الكلام : رأتني مقبلاً بحبليها، فترك ذكر **«مقبل »** استغناء بمعرفة السامعين معناه في ذلك، إذ قال : رأتني بحبليها ونظائر ذلك في كلام العرب كثيرة. 
والآيات التسع : هنّ الاَيات التي بيّناهنّ فيما مضى. وقد :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمهِ قال : هي التي ذكر الله في القرآن : العصا، واليد، والجراد، والقمل، والضفادع، والطوفان، والدم، والحجر، والطّمْس الذي أصاب آل فرعون في أموالهم. 
وقوله : إنّهُمْ كانُوا قَوْما فاسِقِينَ يقول : إن فرعون وقومه من القبط كانوا قوما فاسقين، يعني كافرين بالله، وقد بيّنا معنى الفسق فيما مضى.

### الآية 27:13

> ﻿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُبِينٌ [27:13]

القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هََذَا سِحْرٌ مّبِينٌ \* وَجَحَدُواْ بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ . 
يقول تعالى ذكره : فلما جاءت فرعون وقومه آياتنا، يعني أدلتنا وحججنا، على حقيقة ما دعاهم إليه موسى وصحته، وهي الآيات التسع التي ذكرناها قبل. وقوله مُبْصِرَةً يقول : يبصر بها من نظر إليها ورآها حقيقة ما دلت عليه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج فَلَمّا جاءَتْهُمْ آياتُنَا مُبْصِرَةً قال : بيّنة قَالُوا : هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ، يقول : قال فرعون وقومه : هذا الذي جاءنا به موسى سحر مبين، يقول : يبين للناظرين له أنه سحر.

### الآية 27:14

> ﻿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [27:14]

وقوله : وَجَحَدُوا بِها يقول : وكذّبوا بالآيات التسع أن تكون من عند الله، كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج وَجَحَدُوا بِها قال : الجحود : التكذيب بها. 
وقوله : وَاسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ يقول : وأيقنتها قلوبهم، وعلموا يقينا أنها من عند الله، فعاندوا بعد تبينهم الحقّ، ومعرفتهم به، كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس وَاسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ قال : يقينهم في قلوبهم. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله الله : وَاسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ ظُلْما وَعُلُوّا قال : استيقنوا أن الاَيات من الله حقّ، فلم جحدوا بها ؟ قال : ظلما وعلوّا. 
وقوله : ظُلْما وَعُلُوّا يعني بالظلم : الاعتداء، والعلوّ : الكبر، كأنه قيل : اعتداء وتكبرا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، في قوله ظُلْما وَعُلُوّا قال : تعظما واستكبارا، ومعنى ذلك : وجحدوا بالاَيات التسع ظلما وعلوّا، واستيقنتها أنفسهم أنها من عند الله، فعاندوا الحقّ بعد وضوحه لهم، فهو من المؤخر الذي معناه التقديم. 
وقوله : فانْظُرْ كَيْف كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : فانظر يا محمد بعين قلبك كيف كان عاقبة تكذيب هؤلاء الذين جحدوا آياتنا حين جاءتهم مبصرة، وماذا حلّ بهم من إفسادهم في الأرض ومعصيتهم فيها ربهم، وأعقبهم ما فعلوا، فإن ذلك أخرجهم من جنات وعيون، وزروع ومقام كريم، إلى هلاك في العاجل بالغرق، وفي الأجل إلى عذاب دائم، لا يفتر عنهم، وهم فيه مبلسون. يقول : وكذلك يا محمد سنتي في الذين كذّبوا بما جئتهم به من الاَيات على حقيقة ما تدعوهم إليه من الحقّ من قومك.

### الآية 27:15

> ﻿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا ۖ وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ [27:15]

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالاَ الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي فَضّلَنَا عَلَىَ كَثِيرٍ مّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ . 
يقول تعالى ذكره : وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيمَانُ عِلْما وذلك علم كلام الطير والدوابّ، وغير ذلك مما خصهم الله بعلمه وَقالا الحَمْدُ لِلّهِ الّذِي فَضّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ يقول جلّ ثناؤه : وقال داود وسليمان : الحمد لله الذي فضلنا بما خصنا به من العلم الذي آتاناه دون سائر خلقه من بني آدم في زماننا هذا على كثير من عباده المؤمنين به في دهرنا هذا.

### الآية 27:16

> ﻿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ۖ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ [27:16]

القول في تأويل قوله تعالى : وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَأَيّهَا النّاسُ عُلّمْنَا مَنطِقَ الطّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلّ شَيْءٍ إِنّ هََذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ . 
يقول تعالى ذكره : وَوَرِثَ سُلَيْمانُ أباه دَاوُدَ العلم الذي كان آتاه الله في حياته، والمُلك الذي كان خصه به على سائر قومه، فجعله له بعد أبيه داود سائر ولد أبيه. وَقالَ يا أيّها النّاس عُلّمْنا مَنْطِقَ الطّيْرِ يقول : وقال سليمان لقومه : يا أيها الناس علمنا منطق الطير، يعني فهمنا كلامها وجعل ذلك من الطير كمنطق الرجل من بني آدم إذ فهمه عنها، وقد :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب وَقالَ يا أيّها النّاسُ عُلّمْنا مَنْطِقَ الطّيْر قال : بلغنا أن سليمان كان عسكره مئة فرسخ : خمسة وعشرون منها للإنس، وخمسة وعشرون للجنّ وخمسة وعشرون للوحش وخمسة وعشرون للطير، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاث مئة صريحة، وسبع مئة سرية، فأمر الريح العاصف فرفعته، وأمر الرّخاء فسيرته فأوحى الله إليه وهو يسير بين السماء والأرض : إني قد أردت أنه لا يتكلم أحد من الخلائق بشيء إلا جاءت الريح فأخبرته. وقوله : وأُوتينا مِنْ كلّ شَيْءٍ يقول : وأُعطينا ووُهب لنا من كلّ شيء من الخيرات إنّ هَذَا لَهُوَ الفَضْلُ المُبِينُ يقول : إن هذا الذي أوتينا من الخيرات لهو الفضل على جميع أهل دهرنا المبين، يقول : الذي يبين لمن تأمّله وتدبره أنه فضل أُعطيناه على من سوانا من الناس.

### الآية 27:17

> ﻿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ [27:17]

القول في تأويل قوله تعالى : وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنّ وَالإِنْس وَالطّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ . 
يقول تعالى ذكره : وجمع لسليمان جنوده من الجنّ والإنس والطير في مسير لهم فهم يوزعون. 
واختلف أهل التأويل في معنى قوله فَهُمْ يُوزَعُونَ فقال بعضهم : معنى ذلك : فهم يُحبس أوّلهم على آخرهم حتى يجتمعوا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قال : جعل على كل صنف من يردّ أولاها على أُخراها لئلا يتقدموا في المسير كما تصنع الملوك. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا أبو سفيان عن معمر، عن قَتادة، في قوله : وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنودُهُ مِنَ الجنّ والإِنْس والطّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ قال : يردّ أوّلهم على آخرهم. 
وقال آخرون : معنى ذلك فهم يساقون. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنّ والإنْسِ والطّيْرَ فَهُمْ يُوزَعُونَ قال : يوزعون : يُساقون. 
وقال آخرون : بل معناه : فهم يتقدمون. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان عن معمر، قال : قال الحسن : يُوزَعُونَ يتقدمون. 
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال : معناه : يردّ أوّلهم على آخرهم وذلك أن الوازع في كلام العرب هو الكافّ، يقال منه : وزع فلان فلانا عن الظلم : إذا كفّه عنه، كما قال الشاعر :

ألَمْ يَزَعِ الهَوَى إذْ لَمْ يُؤَاتِ  بَلى وَسَلَوْتُ عَنْ طَلَب الفَتاةِ**وقال آخر :**عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشيبَ عَلى الصّبا  وقُلْتُ ألَمّا أصْحُ والشّيْبُ وَازعُوإنما قيل للذين يدفعون الناس عن الولاة والأمراء وزعة : لكفهم إياهم عنه.

### الآية 27:18

> ﻿حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [27:18]

القول في تأويل قوله تعالى : حَتّىَ إِذَآ أَتَوْا عَلَىَ وَادِي النّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَأَيّهَا النّمْلُ ادْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ . 
يعني تعالى ذكره بقوله : حتى إذَا أتَوْا عَلى وَادِي النّمْلِ حتى إذا أتى سليمان وجنوده على وادي النمل قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيّها النّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يحْطِمَنّكُمْ سلَيْمانُ وَجُنُودُهُ يقول : لا يكسرنكم ويقتلنكم سليمان وجنوده وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ يقول : وهم لا يعلمون أنهم يحطمونكم. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن ويحيى، قالا حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن رجل يقال له الحكم، عن عوف، في قوله : قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيها النّمْلُ قال : كان نمل سليمان بن داود مثل الذباب.

### الآية 27:19

> ﻿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ [27:19]

القول في تأويل قوله تعالى : فَتَبَسّمَ ضَاحِكاً مّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبّ أَوْزِعْنِيَ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الّتِيَ أَنْعَمْتَ عَلَيّ وَعَلَىَ وَالِدَيّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصّالِحِينَ . 
يقول تعالى ذكره : فتبسّم سليمان ضاحكا من قول النملة التي قالت ما قالت، وقال : رَبّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ التي أنْعَمْتَ عَليّ يعني بقوله أوْزِعْنِي : ألهمني. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله : قالَ رَبّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ يقول : اجعلني. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله الله : رَبّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ التي أنْعَمْتَ عَليّ قال : في كلام العرب، تقول : أوزع فلان بفلان، يقول : حرض عليه. وقال ابن زيد : أوْزِعْنِي ألهمني وحرّضني على أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ. 
وقوله : وأنْ أعْمَلَ صَالِحا تَرْضَاهُ يقول : وأوزعني أن أعمل بطاعتك وما ترضاه وأدّخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ يقول : وأدخلني برحمتك مع عبادك الصالحين، الذين اخترتهم لرسالتك وانتخبتهم لوحيك، يقول : أدخلني من الجنة مداخلهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عبادِكَ الصّالِحينَ قال : مع عبادك الصالحين الأنبياء والمؤمنين.

### الآية 27:20

> ﻿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ [27:20]

القول في تأويل قوله تعالى : وَتَفَقّدَ الطّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَآئِبِينَ \* لأعذبنه عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأذْبَحَنّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنّي بِسُلْطَانٍ مّبِينٍ . 
يقول تعالى ذكره : وَتَفَقّدَ سليمان الطيْرَ فَقالَ ماليَ لا أرَى الهُدْهُدَ. وكان سبب تفقده الطير وسؤاله عن الهدهد خاصة من بين الطير، ما :
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا المعتمر بن سليمان، قال : سمعت عمران عن أبي مُجَلّز، قال : جلس ابن عباس إلى عبد الله بن سلام، فسأله عن الهدهد : لم تفقّده سليمان من بين الطير٠فقال عبد الله بن سلام : إن سليمان نزل منزلة في مسير له، فلم يدر ما بُعْدَ الماء، فقال : من يعلم بُعْدَ الماء ؟ قالوا : الهدهد، فذاك حين تفقده. 
حدثنا محمد، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا عمران بن حدير، عن أبي مجلّز، عن ابن عباس وعبد الله ابن سلام بنحوه. 
حدثني أبو السائب، قال : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : كان سليمان بن داود يوضع له ستّ مئة كرسي، ثم يجيء أشراف الإنس فيجلسون مما يليه، ثم تجيء أشراف الجنّ فيجلسون مما يلي الإنس، قال : ثم يدعو الطير فتظلهم، ثم يدعو الريح فتحملهم، قال : فيسير في الغداة الواحدة مسيرة شهر، قال : فبينا هو في مسيره إذا احتاج إلى الماء وهو في فلاة من الأرض، قال : فدعا الهدهد، فجاءه فنقر الأرض، فيصيب موضع الماء، قال : ثم تجيء الشياطين فيسلخونه كما يسلخ الإهاب، قال : ثم يستخرجون الماء. فقال له نافع بن الأزرق : قف يا وقاف أرأيت قولك الهدهد يجيء فينقر الأرض، فيصيب الماء، كيف يبصر هذا، ولا يبصر الفخّ يجيء حتى يقع في عنقه ؟ قال : فقال له ابن عباس : ويحك إن القدر إذا جاء حال دون البصر. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه، قال : كان سليمان بن داود إذا خرج من بيته إلى مجلسه عكفت عليه الطير، وقام له الجنّ والإنس حتى يجلس على سريره، حتى إذا كان ذات غداة في بعض زمانه غدا إلى مجلسه الذي كان يجلس فيه، فتفقد الطير. وكان فيما يزعمون يأتيه نوبا من كل صنف من الطير طائر، فنظر فرأى من أصناف الطير كلها قد حضره إلا الهدهد، فقال : مالي لا أرى الهدهد
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : أوّل ما فقد سليمان الهدهد نزل بواد فسأل الإنس عن مائه، فقالوا : ما نعلم له ماء، فإن يكن أحد من جنودك يعلم له ماء فالجنّ، فدعا الجنّ فسألهم، فقالوا : ما نعلم له ماء وإن يكن أحد من جنودك يعلم له ماء فالطير، فدعا الطير فسألهم، فقالو : ما نعلم له ماء، وإن يكن أحد من جنودك يعلمه فالهدهد، فلم يجده، قال : فلذاك أوّل ما فقد الهدهد. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَتَفَقّدَ الطّيْرَ فَقالَ ماليَ لا أرَى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ قال : تفقد الهدهد من أجل أنه كان يدله على الماء إذا ركب، وإن سليمان ركب ذات يوم فقال : أين الهدهد ليدلنا على الماء ؟ فلم يجده، فمن أجل ذلك تفقده. فقال ابن عباس : إن الهدهد كان ينفعه الحذر ما لم يبلغه الأجل فلما بلغ الأجل لم ينفعه الحذر، وحال القدر دون البصر. 
فقد اختلف عبد الله بن سلام والقائلون بقوله ووهب بن منبه، فقال عبد الله : كان سبب تفقده الهدهد وسؤاله عنه ليستخبره عن بُعد الماء في الوادي الذي نزل به في مسيره. وقال وهب بن منبه : كان تفقده إياه وسؤاله عنه لإخلاله بالنوبة التي كان ينوبها والله أعلم بأيّ ذلك كان إذ لم يأتنا بأيّ ذلك كان تنزيل، ولا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح. 
فالصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله أخبر عن سليمان أنه تفقد الطير، إما للنوبة التي كانت عليها وأخلت بها، وإما لحاجة كانت إليها عن بُعد الماء. 
وقوله : فَقالَ مالِيَ لا أرَى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ يعني بقوله ماليَ لا أرَى الهُدْهُدَ أخطأه بصرى فلا أراه وقد حضر أم هو غائب فيما غاب من سائر أجناس الخلق فلم يحضر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه مالِيَ لا أرَى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغَائِبِينَ أخطأه بصري في الطير، أم غاب فلم يحضر ؟

### الآية 27:21

> ﻿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ [27:21]

وقوله : لأُعَذّبَنّهُ عَذَابا شَدِيدا يقول : فلما أخبر سليمان عن الهدهد أنه لم يحضر وأنه غائب غير شاهد، أقسم لأُعَذّبَنّه عَذَابا شَدِيدا وكان تعذيبه الطير فيما ذُكر عنه إذا عذّبها أن ينتف ريشها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا الحماني، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، في قوله لأُعَذّبَنّهُ عَذَابا شَدِيدا قال : نتف ريشه. 
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا ابن عطية، عن شريك، عن عطاء، عن مجاهد، عن ابن عباس، في لأُعَذّبَنّهُ عَذَابا شَدِيدا عذابه : نتفه وتشميسه. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله لأُعَذّبَنّهُ عَذَابا شَدِيدا قال : نتف ريشه وتشميسه. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد لأُعَذّبَنّهُ عَذَابا شَدِيدا قال : نتف ريشه كله. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله لأُعَذّبَنّهُ عَذَابا شدِيدا قال : نتف ريش الهدهد كله، فلا يغفو سنة. 
قال : ثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قَتادة، قال : نتف ريشه. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله لأُعَذّبَنّهُ عَذَابا شَدِيدا يقول : نتف ريشه. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : ثني ابن إسحاق، عن يزيد بن رومان أنه حدّث أن عذابه الذي كان يعذّب به الطير نتف جناحه. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : قيل لبعض أهل العلم : هذا الذبح، فما العذاب الشديد ؟ قال : نتف ريشه بتركه بَضعة تنزو. 
حدثنا سعيد بن الربيع الرازيّ، قال : حدثنا سفيان، عن عمرو بن بشار، عن ابن عباس، في قوله لأُعَذّبَنّهُ عَذَابا شَدِيدا قال : نتفه. 
حدثني سعيد بن الربيع، قال : حدثنا سفيان، عن حسين بن أبي شدّاد، قال : نتفه وتشميسه. 
أو لأذبحنه، يقول : أو لأقتلنه. كما :
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول، في قوله : أوْ لأَذْبَحَنّه يقول : أو لأقتلنه. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا عباد بن العوّام، عن حُصَين، عن عبد الله بن شدّاد : لأُعَذّبَنّهُ عَذَابا شَدِيدا أَوْ لأَذْبحَنّهُ. . . الآية، قال : فتلقاه الطير، فأخبره، فقال : ألم يستثن ؟ 
وقوله : أوْ لَيَأْتِيَنّي بسُلْطانٍ مُبِينٍ يقول : أو ليأتيني بحجة تبين لسامعها صحتها وحقيقتها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا عليّ بن الحسين الأزديّ، قال : حدثنا المعافىَ بن عمران، عن سفيان، عن عمار الدّهْني، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال : كل سلطان في القرآن فهو حجة. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله أوْلَيَأْتِيَنّي بِسُلْطانٍ مَبِينٍ يقول : ببينة أعذره بها، وهو مثل قوله : الّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللّهِ بغَيْرِ سُلْطانٍ يقول : بغير بيّنة. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا سفيان، عن رجل، عن عكرِمة، قال : كل شيء في القرآن سلطان، فهو حجة. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا عبد الله، بن يزيد، عن قَباث بن رَزِين، أنه سمع عكرِمة يقول : سمعت ابن عباس يقول : كلّ سلطان في القرآن فهو حجة، كان لهدهد سلطان. 
حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قَتادة أوْلَيَأْتِيَنّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ قال : بعذر بين. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه أوْلَيأْتِيَنّي بِسُلْطانٍ مُبِينِ : أي بحجة عذر له في غيبته. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول، في قوله : أوْليَأْتِيَنّي بِسُلْطانٍ مُبِينِ يقول : ببينة، وهو قول الله الّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللّهِ بغَيْرِ سُلْطانٍ بغير بينة. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله أوْلَيَأْتِيَنّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ قال : بعذر أعذره فيه.

### الآية 27:22

> ﻿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ [27:22]

القول في تأويل قوله تعالى : فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ . 
يعني تعالى ذكره بقوله : فَمَكَثَ غيرَ بَعِيدٍ فمكث سليمان غير طويل من حين سأل عن الهدهد، حتى جاء الهدهد. 
واختلف القرّاء في قراءة قوله : فَمَكَثَ فقرأت ذلك عامة قرّاء الأمصار سوى عاصم :**«فَمَكُثَ »** بضمّ الكاف، وقرأه عاصم بفتحها، وكلتا القراءتين عندنا صواب، لأنهما لغتان مشهورتان، وإن كان الضمّ فيها أعجب إليّ، لأنها أشهر اللغتين وأفصحهما. 
وقوله : فَقالَ أحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ يقول : فقال الهدهد حين سأله سليمان عن تخلفه وغيبته : أحطب بعلم ما لم تحط به أنت يا سليمان. كما :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : أحَطْتُ بِمَا لَمْ تحِطْ بِهِ قال : ما لم تعلم. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه فمَكَثَ غيرَ بَعيدٍ ثم جاء الهدهد، فقال له سليمان : ما خلّفك عن نوبتك ؟ قال : أحطت بما لم تحط به. 
وقوله : وَجِئْتُكَ مِنْ سَبإ بِنَبإ يَقِينٍ يقول : وجئتك من سبإ بخبر يقين. وهو ما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه وَجِئْتُكَ مِنْ سَبإٍ بِنَبإٍ يَقِينٍ : أي أدركت ملكا لم يبلغه ملكك. 
واختلفت القرّاء في قراءة قوله : مِنْ سَبإٍ فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والكوفة مِنْ سَبإٍ بالإجراء. المعني أنه رجل اسمه سبأ. وقرأه بعض قرّاء أهل مكة والبصرة مِنْ سَبإٍ بترك الإجراء، على أنه اسم قبيلة أو لامرأة. 
والصواب من القول في ذلك أن يُقال : إنهما قراءتان مشهورتان، وقد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب فالإجراء في سبأ، وغير الإجراء صواب، لأن سبأ إن كان رجلاً كما جاء به الأثر، فإنه إذا أريد به اسم الرجل أُجري، وإن أريد به اسم القبيلة لم يُجْرَ، كما قال الشاعر في إجرائه :

الْوَارِدُونَ وَتَيْمٌ في ذَرَا سَبإٍ  قَدْ عَضّ أعْناقَهُمْ جِلدُ الجَوَاميسِيروى : ذرا، وذرى، وقد حُدثت عن الفرّاء عن الرؤاسي أنه سأل أبا عمرو بن العلاء كيف لم يجر سبأ ؟ قال : لست أدري ما هو فكأن أبا عمرو ترك إجراءه، إذ لم يدرِ ما هو، كما تفعل العرب بالأسماء المجهولة التي لا تعرفها من ترك الإجراء. حكي عن بعضهم : هذا أبو معرورَ قد جاء، فترك إجراءه إذ لم يعرفه في أسمائهم. وإن كان سبأ جبلاً، أجري لأنه يُراد به الجبل بعينه، وإن لم يجر فلأنه يجعل اسما للجبل وما حوله من البقعة.

### الآية 27:23

> ﻿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [27:23]

القول في تأويل قوله تعالى : إِنّي وَجَدتّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ \* وَجَدتّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشّمْسِ مِن دُونِ اللّهِ وَزَيّنَ لَهُمُ الشّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدّهُمْ عَنِ السّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ . 
يقول تعالى مخبرا عن قيل الهدهد لسليمان مخبرا بعذره في مغيبه عنه : إنّي وَجَدْتُ امْرأةً تَمْلِكُهُمْ يعني تملك سبأ، وإنما صار هذا الخبر للهدهد عذرا وحجة عند سليمان، درأ به عنه ما كان أُوعد به، لأن سليمان كان لا يرى أن في الأرض أحدا له مملكة معه، وكان مع ذلك صلى الله عليه وسلم رجلاً جُبّب إليه الجهاد والغزو، فلما دله الهدهد على ملك بموضع من الأرض هو لغيره، وقوم كفرة يعبدون غير الله، له في جهادهم وغزوهم الأجر الجزيل، والثواب العظيم في الأجل، وضمّ مملكة لغيره إلى ملكه، حقّت للهدهد المعذرة، وصحّت له الحجة في مغيبه عن سليمان. 
وقوله : وأُوتِيَتْ مِنْ كُلّ شَيْءٍ يقول : وأوتيت من كلّ شيء يؤتاه الملك في عاجل الدنيا مما يكون عندهم من العتاد والآلة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن أبي عُبَيدة الباجي، عن الحسن، قوله : وأُوتِيَتْ مِنْ كُلّ شَيْءٍ يعني : من كل أمر الدنيا. 
وقوله ولَهَا عَرْشٌ عَظيمٌ يقول : ولها كرسي عظيم. وعُني بالعظيم في هذا الموضع : العظيم في قدره، وعظم خطره، لا عظمه في الكبر والسعة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قوله وَلهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ قال : سرير كريم، قال : حَسن الصنعة، وعرشها : من ذهب قوائمه من جوهر ولؤلؤ. 
قال : ثني حجاج، عن أبي عُبيدة الباجي، عن الحسن، قوله : ولَهَا عَرْشٌ عَظيمٌ : يعني سرير عظيم.

### الآية 27:24

> ﻿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ [27:24]

وقوله : وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ للشّمْس مِنْ دُونِ اللّهِ يقول : وجدت هذه المرأة ملكة سبأ، وقومها من سبأ، يسجدون للشمس فيعبدونها من دون الله. وقوله : وَزَيّنَ لَهُمُ الشّيْطانُ أعمالَهُمْ يقول : وحسّن لهم إبليس عبادتهم الشمس، وسجودهم لها من دون الله، وحبّب ذلك إليهم فَصّدّهُمْ عَنِ السّبِيلِ يقول : فمنعهم بتزيينه ذلك لهم أن يتبعوا الطريق المستقيم، وهو دين الله الذي بعث به أنبياءه، ومعناه : فصدّهم عن سبيل الحقّ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ يقول : فهم لما قد زين لهم الشيطان ما زين من السجود للشمس من دون الله والكفر به لا يهتدون لسبيل الحقّ ولا يسلكونه، ولكنهم في ضلالهم الذي هم فيه يتردّدون.

### الآية 27:25

> ﻿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ [27:25]

القول في تأويل قوله تعالى : أَلاّ يَسْجُدُواْ للّهِ الّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ \* اللّهُ لاَ إِلََهَ إِلاّ هُوَ رَبّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ . 
اختلف القرّاء، في قراءة قوله ألاّ يَسْجُدُوا لِلّهِ فقرأ بعض المكيين وبعض المدنيين والكوفيين **«ألاَ »** بالتخفيف، بمعنى : ألا يا هؤلاء اسجدوا، فأضمروا **«هؤلاء »** اكتفاء بدلاة **********«يا »********** عليها. وذكر بعضهم سماعا من العرب : ألا يا ارحمنا، ألا يا تصدّق علينا واستشهد أيضا ببيت الأخطل :

ألا يا اسْلَمي يا هِنْدُ هنْدَ نَبِي بَدرِ  وَإنْ كانَ حَيّانا عِدا آخِرَ الدّهْرِفعلى هذه القراءة اسجدوا في هذا الموضع جزم، ولا موضع لقوله **«ألا »** في الإعراب. وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والكوفة والبصرة ألاّ يَسْجُدوا بتشديد ألاّ، بمعنى : وزيّن لهم الشيطان أعمالهم لئلا يسجدوا لله **«ألاّ »** في موضع نصب لما ذكرت من معناه أنه لئلا، ويسجدوا في موضع نصب بأن. 
والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار قد قرأ بكلّ واحدة منهما علماء من القرّاء مع صحة معنييهما. 
واختلف أهل العربية في وجه دخول **********«يا »********** في قراءة من قرأه على وجه الأمر، فقال بعض نحويي البصرة : من قرأ ذلك كذلك، فكأنه جعله أمرا، كأنه قال لهم : اسجدوا، وزاد **********«يا »********** بينهما التي تكون للتنبيه، ثم أذهب ألف الوصل التي في اسجدوا، وأذهبت الألف التي في **********«يا »********** لأنها ساكنة لقيت السين، فصار ألا يسجدوا. وقال بعض نحويي الكوفة : هذه **********«يا »********** التي تدخل للنداء يكتفي بها من الاسم، ويكتفي بالاسم منها، فتقول : يا أقبل، وزيد أقبل، وما سقط من السواكن فعلى هذا. 
ويعني بقوله : يُخْرِجُ الخَبْءَ يخرج المخبوء في السموات والأرض من غيث في السماء، ونبات في الأرض ونحو ذلك. وبالذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل، وإن اختلفت عبارتهم عنه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا ابن المبارك، عن ابن جُرَيج، قراءة عن مجاهد يُخْرِجُ الخَبْءَ في السّمَوَات قال : الغيث. 
حدثني محمد بن عمر، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله يُخْرِجُ الخَبْءَ قال : الغيث. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله الّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ فِي السّمَوَاتِ والأرْضِ قال : خبء السماء والأرض : ما جعل الله فيها من الأرزاق، والمطر من السماء، والنبات من الأرض، كانتا رتقا، لا تمطر هذه ولا تنبت هذه، ففتق السماء، وأنزل منها المطر، وأخرج النبات. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا عيسى بن يونس، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن حكيم ابن جابر، في قوله : ألاّ يَسْجُدُوا لِلّه الّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ فِي السّمَوَاتِ والأرْضِ ويعلم كلّ خفية في السموات والأرض. 
حدثني محمد بن عمارة، قال : حدثنا عبيد الله بن موسى، قال : أخبرنا أُسامة بن زيد، عن معاذ بن عبد الله، قال : رأيت ابن عباس على بغلة يسأل تبعا ابن امرأة كعب : هل سألت كعبا عن البذر تنبت الأرضُ العامَ لم يصب العام الآخر ؟ قال : سمعت كعبا يقول : البذر ينزل من السماء ويخرج من الأرض، قال : صدقت. 
قال أبو جعفر : إنما هو تبيع، ولكن هكذا قال محمد. وقيل : يخرج الخَبْءَ في السموات والأرض، لأن العرب تضع **«مِن »** مكان ****«في »**** و ****«في »**** مكان **«من »** في الاستخراج ويَعَلَمُ ما تُخْفُونَ ومَا تُعْلِنُونَ يقول : ويعلم السرّ من أمور خلقه، هؤلاء الذين زين لهم الشيطان أعمالهم والعلانية منها، وذلك على قراءة من قرأ ألاّ بالتشديد. وأما على قراءة من قرأ بالتخفيف فإن معناه : ويعلم ما يسره خلقه الذين أمرهم بالسجود بقوله :**«ألا يا هؤلاء اسجدوا »**. وقد ذكر أن ذلك في قراءة أُبيّ :**«وألاّ تَسْجُدُوا لِلّهِ الّذِي يَعْلَمُ سرّكُمْ ومَا تُعْلِنُونَ »**. )

### الآية 27:26

> ﻿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ۩ [27:26]

وقوله : اللّهُ لا إلَهَ إلاّ هُوَ رَب العَرْشِ العَظِيمِ يقول تعالى ذكره : الله الذي لا تصلح العبادة إلا له، لا إله إلا هو، لا معبود سواه تصلح له العبادة، فأخلصوا له العبادة، وأفردوه بالطاعة، ولا تشركوا به شيئا رَبّ العَرْشِ العَظِيمِ يعني بذلك : مالك العرش العظيم الذي كل عرش، وإن عظم، فدونه، لا يُشبهه عرش ملكة سبأ ولا غيره. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : أحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ إلى قوله لا إلَه إلاّ هُوَ رَبّ العَرْشِ العَظِيمِ هذا كله كلام الهدهد. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق بنحوه.

### الآية 27:27

> ﻿۞ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ [27:27]

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ \* اذْهَب بّكِتَابِي هََذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمّ تَوَلّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ . 
يقول تعالى ذكره : قالَ سليمان للهدهد : سَنَنْظُرُ فيما اعتذرت به من العذر، واحتججت به من الحجة لغيبتك عنا، وفيما جئتنا به من الخير أصَدَقْتَ في ذلك كله أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ فيه اذْهَبْ بكِتابِي هذَا فأَلْقْهِ إِلَيْهِمْ ثُمّ تَوَلّ عَنْهُمْ فانْظُرْ ماذَا يَرْجِعُونَ. 
فاختلف أهل التأويل في تأويل ذلك فقال بعضهم : معناه : اذهب بكتابي هذا، فألقه إليهم، فانظر ماذا يَرْجِعون، ثم تولّ عنهم منصرفا إليّ، فقال : هو من المؤخّر الذي معناه التقديم. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد : فأجابه سليمان، يعني أجاب الهدهد لَمّا فرغ : قالَ سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ. اذْهَبْ بكِتابِي هَذَا فَألْقِهْ إلَيْهِمْ وانظر ماذا يرجعون، ثم تولّ عنهم منصرفا إليّ. وقال : وكانت لها كَوّة مستقبلةُ الشمس، ساعة تطلع الشمس تطلع فيها فتسجد لها، فجاء الهدهد حتى وقع فيها فسدّها، واستبطأت الشمس، فقامت تنظر، فرمى بالصحيفة إليها من تحت جناحه، وطار حتى قامت تنظر الشمس. 
قال أبو جعفر : فهذا القول من قول ابن زيد يدلّ على أن الهدهد تولى إلى سليمان راجعا، بعد إلقائه الكتاب، وأن نظره إلى المرأة ما الذي ترجع وتفعل كان قبل إلقائه كتاب سليمان إليها. 
وقال آخرون : بل معنى ذلك : اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم، ثم تولّ عنهم، فكن قريبا منهم، وانظر ماذا يرجعون قالوا : وفعل الهدهد، وسمع مراجعة المرأة أهل مملكتها، وقولها لهم : إنّي أُلْقِيَ إليّ كِتابٌ كَرِيمٌ، إنّهُ مِنْ سُلَيْمانَ، وَإنّهُ بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ وما بعد ذلك من مراجعة بعضهم بعضا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه، قوله : فَأَلْقِهْ إلَيْهمْ ثُمّ تَوَلّ عَنْهُمْ : أي كن قريبا فانْظُرْ ماذَا يَرْجِعُونَ. وهذا القول أشبه. بتأويل الآية، لأن مراجعة المرأة قومها، كانت بعد أن ألقي إليها الكتاب، ولم يكن الهدهد لينصرف وقد أُمر بأن ينظر إلى مراجعة القوم بينهم ما يتراجعونه قبل أن يفعل ما أمره به سليمان.

### الآية 27:28

> ﻿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ [27:28]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٧:القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ \* اذْهَب بّكِتَابِي هََذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمّ تَوَلّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ . 
يقول تعالى ذكره : قالَ سليمان للهدهد : سَنَنْظُرُ فيما اعتذرت به من العذر، واحتججت به من الحجة لغيبتك عنا، وفيما جئتنا به من الخير أصَدَقْتَ في ذلك كله أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ فيه اذْهَبْ بكِتابِي هذَا فأَلْقْهِ إِلَيْهِمْ ثُمّ تَوَلّ عَنْهُمْ فانْظُرْ ماذَا يَرْجِعُونَ. 
فاختلف أهل التأويل في تأويل ذلك فقال بعضهم : معناه : اذهب بكتابي هذا، فألقه إليهم، فانظر ماذا يَرْجِعون، ثم تولّ عنهم منصرفا إليّ، فقال : هو من المؤخّر الذي معناه التقديم. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد : فأجابه سليمان، يعني أجاب الهدهد لَمّا فرغ : قالَ سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ. اذْهَبْ بكِتابِي هَذَا فَألْقِهْ إلَيْهِمْ وانظر ماذا يرجعون، ثم تولّ عنهم منصرفا إليّ. وقال : وكانت لها كَوّة مستقبلةُ الشمس، ساعة تطلع الشمس تطلع فيها فتسجد لها، فجاء الهدهد حتى وقع فيها فسدّها، واستبطأت الشمس، فقامت تنظر، فرمى بالصحيفة إليها من تحت جناحه، وطار حتى قامت تنظر الشمس. 
قال أبو جعفر : فهذا القول من قول ابن زيد يدلّ على أن الهدهد تولى إلى سليمان راجعا، بعد إلقائه الكتاب، وأن نظره إلى المرأة ما الذي ترجع وتفعل كان قبل إلقائه كتاب سليمان إليها. 
وقال آخرون : بل معنى ذلك : اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم، ثم تولّ عنهم، فكن قريبا منهم، وانظر ماذا يرجعون قالوا : وفعل الهدهد، وسمع مراجعة المرأة أهل مملكتها، وقولها لهم : إنّي أُلْقِيَ إليّ كِتابٌ كَرِيمٌ، إنّهُ مِنْ سُلَيْمانَ، وَإنّهُ بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ وما بعد ذلك من مراجعة بعضهم بعضا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه، قوله : فَأَلْقِهْ إلَيْهمْ ثُمّ تَوَلّ عَنْهُمْ : أي كن قريبا فانْظُرْ ماذَا يَرْجِعُونَ. وهذا القول أشبه. بتأويل الآية، لأن مراجعة المرأة قومها، كانت بعد أن ألقي إليها الكتاب، ولم يكن الهدهد لينصرف وقد أُمر بأن ينظر إلى مراجعة القوم بينهم ما يتراجعونه قبل أن يفعل ما أمره به سليمان. ---

### الآية 27:29

> ﻿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ [27:29]

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَتْ يَأَيّهَا الملأ إِنّيَ أُلْقِيَ إِلَيّ كِتَابٌ كَرِيمٌ \* إِنّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنّهُ بِسْمِ اللّهِ الرّحْمََنِ الرّحِيمِ \* أَلاّ تَعْلُواْ عَلَيّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ . 
يقول تعالى ذكره : فذهب الهدهد بكتاب سليمان إليها، فألقاه إليها فلما قرأته قالت لقومها : يا أيّها المَلأُ إنّي أُلْقِيَ إليّ كِتابٌ كَرِيمٌ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سليمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه، قال : كتب، يعني سليمان بن داود مع الهدهد : بسم الله الرحمن الرحيم، من سليمان بن داود، إلى بلقيس بنت ذي سرح وقومها، أما بعد، فلا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين، قال : فأخذ الهدهد الكتاب برجله، فانطلق به حتى أتاها، وكانت لها كوّة في بيتها إذا طلعت الشمس نظرت إليها، فسجدت لها، فأتى الهدهد الكوّة فسدّها بجناحيه حتى ارتفعت الشمس ولم تعلم، ثم ألقى الكتاب من الكوّة، فوقع عليها في مكانها الذي هي فيه، فأخذته. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قَتادة، قال : بلغني أنها امرأة يقال لها بلقيس، أحسبه قال : ابنة شرا حيل، أحد أبويها من الجنّ، مؤخر أحد قدميها كحافر الدابة، وكانت في بيت مملكة، وكان أولو مشورتها ثلاث مئة واثني عشر كلّ رجل منهم على عشرة آلاف، وكانت بأرض يقال لها مأرب، من صنعاء على ثلاثة أيام فلما جاء الهدهد بخبرها إلى سليمان بن داود، كتب الكتاب وبعث به مع الهدهد، فجاء الهدهد وقد غَلّقت الأبواب، وكانت تغلّق أبوابها وتضع مفاتيحها تحت رأسها، فجاء الهدهد فدخل من كوّة، فألقى الصحيفة عليها، فقرأتها، فإذا فيها : إنّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإنّهُ بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ أَلاّ تَعْلُوا عَليّ وأتُونِي مُسْلِمِينَ وكذلك كانت تكتب الأنبياء لا تطنب، إنما تكتب جملاً. 
قال : ثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : لم يزد سليمان على ما قصّ الله في كتابه : إنه وإنه. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : اذْهَبْ بكِتابِي هَذَا فأَلْقه إلَيْهِمْ : فمضى الهدهد بالكتاب، حتى إذا حاذى الملكة وهي على عرشها ألقى إليها الكتاب. 
وقوله : قالَتْ يا أيّها المَلأُ إنّي أُلْقِيَ إليّ كِتابٌ كَرِيمٌ والملأ : أشراف قومها. يقول تعالى ذكره : قالت ملكة سبأ لأشراف قومها : يا أيّها المَلأُ إنّي ألْقِيَ إليّ كِتابٌ كَرِيمٌ. 
واختلف أهل العلم في سبب وصفها الكتاب بالكريم، فقال بعضهم : وصفته بذلك لأنه كان مختوما : وقال آخرون : وصفته بذلك لأنه كان من ملك فوصفته بالكرم لكرم صاحبه. وممن قال ذلك ابن زيد. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : إنّي أُلْقِيَ إليّ كِتابٌ كَرِيمٌ قال : هو كتاب سليمان حيث كتب إليها.

### الآية 27:30

> ﻿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [27:30]

وقوله إنّهُ مِن سُلَيْمانَ وَإنّهُ بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ كُسِرت إن الأولى والثانية على الردّ على **«إني »** من قوله : إنّي أُلْقِيَ إليّ كِتابٌ كَرِيمٌ. ومعنى الكلام : قالت : يا أيها الملأ إني ألقي إليّ كتاب، وإنه من سليمان. خ

### الآية 27:31

> ﻿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [27:31]

وقوله أَلاّ تَعْلُوا عَليّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ يقول : ألقي إليّ كتاب كريم ألا تعلوا عليّ. 
ففي **«أنْ »** وجهان من العربية : إن جعلت بدلاً من الكتاب كانت رفعا بما رفع به الكتاب بدلاً منه وإن جعل معنى الكلام : إني ألقى إليّ كتاب كريم أن لا تعلو عليّ كانت نصبا بتعلق الكتاب بها. 
وعنى بقوله : أَلاّ تَعْلُوا عَلَيّ : أن لا تتكبروا ولا تتعاظموا عما دعوتكم إليه. كما :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : أَلاّ تَعْلُوا عَليّ : أن لا تتمنعوا من الذي دعوتكم إليه إن امتنعتم جاهدتكم. فقلت لابن زيد : أنْ لا تَعْلُوا عَليّ أن لا تتكبروا عليّ ؟ قال : نعم قال : وقال ابن زيد : أَلاّ تَعْلوا عَليّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ ذلك في كتاب سليمان إليها. وقوله : وأْتُونِي مُسْلِمِينَ يقول : وأقبلوا إليّ مذعنين لله بالوحدانية والطاعة.

### الآية 27:32

> ﻿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ [27:32]

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَتْ يَأَيّهَا الملأ أَفْتُونِي فِيَ أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتّىَ تَشْهَدُونِ \* قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُو قُوّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ . 
يقول تعالى ذكره : قالت ملكة سبأ لأشراف قومها : يا أيّها المَلأ أَفْتُونِي فِي أمْرِي تقول : أشيروا عليّ في أمري الذي قد حضرني من أمر صاحب هذا الكتاب الذي ألقي إليّ، فجعلت المشورة فتيا. 
وقوله : ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرا حتى تَشْهَدُونِ تقول : ما كنت قاضية أمرا في ذلك حتى تشهدون، فأشاوركم فيه. كما :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : دعت قومها تشاورهم أيّها المَلأُ أفْتُونِي في أمْرِي، ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرا حتى تَشْهَدُونِ يقول في الكلام : ما كنت لأقطع أمرا دونك ولا كنت لأقضي أمرا، فلذلك قالت : ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرا بمعنى : قاضية.

### الآية 27:33

> ﻿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ [27:33]

وقوله : قالُوا نَحْنُ أُولُو قُوّةٍ وأُولُو بأْسٍ شَدِيدٍ يقول تعالى ذكره : قال الملأ من قوم مَلِكة سبأ، إذ شاورتهم في أمرها وأمر سليمان : نحن ذوو القوّة على القتال، والبأس الشديد في الحرب، والأمر أيتها الملكة إليك في القتال وفي تركه، فانظري من الرأي ما ترين، فَمُرِينا نأتمرْ لأمرك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : قالُوا نَحْنُ أُولُو قُوّةٍ وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ عرضوا لها القتال، يقاتلون لها، والأمر إليك بعد هذا، فانْظُرِي ماذَا تَأْمُرِينَ. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، قال : كان مع ملكة سبأ اثنا عشر ألف قيول، مع كلّ قيول مئة ألف. 
حدثنا عمرو بن عليّ، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال : كان مع بلقيس مئة ألف قَيْل، مع كل قَيْل مئة ألف. 
قال : ثنا وكيع، قال : حدثنا الأعمش، قال : سمعت مجاهدا يقول : كانت تحت يد ملكة سبأ اثنا عشر ألف قيول والقيول بلسانهم : الملك تحت يد كلّ مَلِكٍ مئة ألف مقاتل.

### الآية 27:34

> ﻿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ [27:34]

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَتْ إِنّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوَاْ أَعِزّةَ أَهْلِهَآ أَذِلّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ . 
يقول تعالى ذكره : قالت صاحبة سبأ للملأ من قومها، إذا عرضوا عليها أنفسهم لقتال سليمان، إن أَمَرَتَهم بذلك : إنّ المُلُوكَ إذَا دَخَلُوا قَرْيَةً عَنْوةً وغَلَبةً أفْسَدُوها يقول : خرّبوها وَجَعَلُوا أعِزّةَ أهْلِها أذِلّةً وذلك باستعبادهم الأحرار، واسترقاقهم إياهم وتناهى الخبر منها عن الملوك في هذا الموضع، فقال الله : وكذلكَ يَفْعَلُونَ يقول تعالى ذكره : وكما قالت صاحبة سبأ تفعل الملوك، إذا دخلوا قرية عَنْوة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا أبو بكر، في قوله : وَجَعَلُوا أعِزّةَ أهْلِها أذِلّةً قال أبو بكر : هذا عَنْوَة. 
حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال : حدثنا أبو بكر، قال : حدثنا الأعمش، عن مسلم، عن ابن عباس، في قوله : إنّ المُلُوكَ إذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها قال : إذا دخلوها عَنْوَة خرّبوها. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : قال ابن عباس قالَتْ إنّ المُلُوكَ إذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها وَجَعَلُوا أعِزّةَ أهْلِها أذِلّةً قال ابن عباس : يقول الله : وكذلكَ يَفْعَلُونَ.

### الآية 27:35

> ﻿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ [27:35]

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ \* فَلَمّا جَآءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِي اللّهُ خَيْرٌ مّمّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيّتِكُمْ تَفْرَحُونَ \* ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنّهُم بِجُنُودٍ لاّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنّهُم مّنْهَآ أَذِلّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ . 
ذكر أنها قالت : إني مرسلة إلي سليمان، لتختبره بذلك وتعرفه به، أملك هو، أم نبيّ ؟ وقالت : إن يكن نبيا لم يقبل الهدية، ولم يرضه منا، إلا أن نتبعه على دينه، وإن يكن ملكا قبل الهدية وانصرف. ذكر الرواية عمن قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قالت : وإنّي مُرْسلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ قال : وبعثت إليه بوصائف ووصفَاء، وألبستْهم لباسا واحدا حتى لا يعرف ذكر من أنثى، فقالت : إن زيّل بينهم حتى يعرف الذكر من الأنثى، ثم ردّ الهدية فإنه نبيّ، وبنبغي لنا أن نترك ملكنا، ونتّبع دينه، ونلحق به. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله : وإنّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيّةٍ قال : بجوارٍ لباسهم لباس الغلمان، وغلمان لباسهم لباس الجواري. 
حدثنا القامس، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : قولها : وَإنّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيّةٍ قال : مئتي غلام ومئتي جارية. قال ابن جُرَيج، قال مجاهد : قوله بِهَدِيّةٍ قال : جوار ألبستهنّ لباس الغلمان، وغلمان ألبستهم لباس الجواري. 
قال ابن جُرَيج : قال ( مجاهد ) : قالت : فإن خلّص الجواري من الغلمان، وردّ الهدية فإنه نبيّ، وينبغي لنا أن نتّبعه. 
قال ابن جُرَيج، قال مجاهد : فخلّص سليمان بعضهم من بعض، ولم يقبل هديتها. 
قال : ثنا الحسين، قال : حدثنا سفيان، عن معمر، عن ثابت اليُثانيّ، قال : أهدت له صفائح الذهب في أوعية الديباج فلما بلغ ذلك سليمان أمر الجنّ فموّهوا له الآجر بالذهب، ثم أمر به فألقي في الطرق فلما جاءوا فرأوه ملقى ما يُلتفت إليه، صغر في أعينهم ما جاءوا به. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : إنّ المُلُوكَ إذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها. . . الآية، وقالت : إن هذا الرجل إن كان إنما همته الدنيا فسنرضيه، وإن كان إنما يريد الدين فلن يقبلَ غيره وإنّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيّةٍ فَناظرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه، قال : كانت بلقيس امرأة لبيبة أديبة في بيت ملك، لم تملك إلا لبقايا من مضى من أهلها، إنه قد سيست وساست حتى أحكمها ذلك، وكان دينها ودين قومها فيما ذُكر الزنديقية فلما قرأت الكتاب سمعت كتابا ليس من كتب الملوك التي كانت قبلها، فبعثت إلى المَقَاولة من أهل اليمن، فقالت لهم : يا أيّها الملأ إنّي أُلْقِيَ إليّ كِتابٌ كَرِيمٌ، إنّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإنّهُ بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ، ألاّ تَعْلُوا عَليّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ إلى قوله بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ثم قالت : إنه قد جاءني كتاب لم يأتني مثله من ملك من الملوك قبله، فإن يكن الرجل نبيا مرسلاً فلا طاقة لنا به ولا قوّة، وإن يكن الرجل ملكا يكاثر، فليس بأعزّ منا، ولا أعدّ. فهيّأت هدايا مما يُهدَى للملوك، مما يُفتنون به، فقالت : إن يكن ملكا فسيقبل الهدية ويرغب في المال، وإن يكن نبيا فليس له في الدنيا حاجة، وليس إياها يريد، إنما يريد أن ندخل معه في دينه ونتبعه على أمره، أو كما قالت. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وإنّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيّةٍ بعثت بوصائف ووصفاء، لباسهم لباس واحد، فقالت : إن زيّل بينهم حتى يعرف الذكر من الأنثى، ثم ردّ الهدية فهو نبيّ، وينبغي لنا أن نتّبعه، وندخل في دينه فزيّل سليمان بين الغلمان والجواري، وردّ الهدية، فقال : أتُمِدّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتانِيَ اللّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكمْ. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : كان في الهدايا التي بعثت بها وصائف ووصفاء يختلفون في ثيابهم، لتمييز الغلمان من الجواري، قال : فدعا بماء، فجعل الجواري يتوضأن من المرفق إلى أسفل، وجعل الغلمان يتوضئون من المرفق إلى فوق. قال : وكان أبي يحدثنا هذا الحديث. 
حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا مروان بن معاوية، قال : حدثنا إسماعيل، عن أبي صالح وَإنّي مُرْسِلةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيّةٍ قال : أرسلت بلبنة من ذهب، وقالت : إن كان يريد الدنيا علمته، وإن كان يريد الآخرة علمته. 
وقوله : فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ تقول : فأنظر بأيّ شيء من خبره وفعله في هديتي التي أرسلها إليه ترجع رسلي، أبقبول وانصراف عنا، أم بردّ الهدية والثبات على مطالبتنا باتباعه على دينه ؟ وأسقطت الألف من ****«ما »**** في قوله بِمَ وأصله : بما، لأن العرب إذا كانت ****«ما »**** بمعنى : أي، ثم وصلوها بحرف خافض أسقطوا ألفها تفريقا بين الاستفهام وغيره، كما قال جلّ ثناؤه عَمّ يَتَساءَلونَ و قَالُوا : فِيمَ كُنْتُمْ، وربما أثبتوا فيها الألف، كما قال الشاعر :

عَلامَا قَامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمٌ  كَخِنْزِيرٍ تَمَرّغَ فِي تُرَابِوقالت وإني مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ وإنما أرسلت إلى سليمان وحده على النحو الذي بيّنا في قوله : عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ.

### الآية 27:36

> ﻿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ [27:36]

وقوله : فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أتُمِدّونَنِ بِمَالٍ. 
إن قال قائل : وكيف قيل : فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ فجعل الخبر في مجيء سليمان عن واحد، وقد قال قبل ذلك فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ فإن كان الرسول كان واحدا، فكيف قيل بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ وإن كانوا جماعة فكيف قيل : فَلَمّا جَاءَ سُليْمَانَ ؟ قيل : هذا نظير ما قد بيّنا قبل من إظهار العرب الخبر في أمر كان من واحد على وجه الخبر، عن جماعة إذا لم يقصد قصد الخبر عن شخص واحد بعينه، يُشار إليه بعينه، فسمي في الخبر. وقد قيل : إن الرسول الذي وجّهته ملكة سبأ إلى سليمان كان أمرأً واحدا، فلذلك قال : فلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ يُراد به : فلما جاء الرسول سليمان واستدلّ قائلو ذلك على صحة ما قالوا من ذلك بقوله سليمان للرسول : ارْجِعْ إلَيْهِمْ وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله. فلما جاءوا سليمان على الجمع، وذلك للفظ قوله : بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ فصلح الجمع للفظ والتوحيد للمعنى. 
وقوله : قال أتُمِدّونَنِ بِمَالٍ يقول : قال سليمان لما جاء الرسول من قبل المرأة بهداياها : أتمدوننِ بمال. واختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه بعض قرّاء أهل المدينة **«أتُمِدّنَنِي »** بنونين، وإثبات الياء. وقرأه بعض الكوفيين مثل ذلك، غير أنه حذف الياء من آخر ذلك وكسر النون الأخيرة. وقرأه بعض قرّاء البصرة بنونين، وإثبات الياء في الوصل وحذفها في الوقف. وقرأه بعض قرّاء الكوفة بتشديد النون وإثبات الياء. وكلّ هذه القراءات متقاربات وجميعها صواب، لأنها معروفة في لغات العرب، مشهورة في منطقها. )
وقوله : فَمَا آتانِيَ اللّهُ خَيْرٌ ممّا آتاكُمْ يقول : فما آتاني الله من المال والدنيا أكثر مما أعطاكم منها وأفضل بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيّتِكُمْ تَفْرَحُونَ يقول : ما أفرح بهديتكم التي أهديتم إليّ، بل أنتم تفرحون بالهدية التي تُهدى إليكم، لأنكم أهل مفاخرة بالدنيا، ومكاثرة بها، وليست الدنيا وأموالها من حاجتي، لأن لله تعالى ذكره قد مكّنني منها وملّكني فيها ما لم يُمَلّك أحدا ارْجِعْ إلَيْهِمْ وهذا قول سليمان لرسول المرأة ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها لا طاقة لهم بها ولا قدرة لهم على دفعهم عما أرادوا منهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه، قال : لما أتت الهدايا سليمان فيها الوصائف والوُصفاء، والخيل العراب، وأصناف من أصناف الدنيا، قال للرسل. الذين جاءوا به : أتُمِدّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيّتِكُمْ تَفْرَحُونَ لأنه لا حاجة لي بهديتكم، وليس رأيي فيه كرأيكم، فارجعوا إليها بما جئتم به من عندها، فَلَنَأْتِيَنّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها. 
حدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال : حدثنا مروان بن معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله : فَلَنَأْتِيَنّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها قال : لا طاقة لهم بها. 
وقوله وَلَنُخْرِجَنّهُمْ مِنْهَا أذِلّةً وَهُمْ صَاغرُونَ يقول : ولنخرجنّ من أرسلكم من أرضهم أذلة وهم صاغرون إن لم يأتوني مسلمين. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه : وَلَنُخْرِجَنّهُمْ مِنْها أذِلّةً وَهُمْ صَاغرونَ، أو لتأتيني مسلمة هي وقومها.

### الآية 27:37

> ﻿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ [27:37]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٦:وقوله : فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أتُمِدّونَنِ بِمَالٍ. 
إن قال قائل : وكيف قيل : فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ فجعل الخبر في مجيء سليمان عن واحد، وقد قال قبل ذلك فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ فإن كان الرسول كان واحدا، فكيف قيل بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ وإن كانوا جماعة فكيف قيل : فَلَمّا جَاءَ سُليْمَانَ ؟ قيل : هذا نظير ما قد بيّنا قبل من إظهار العرب الخبر في أمر كان من واحد على وجه الخبر، عن جماعة إذا لم يقصد قصد الخبر عن شخص واحد بعينه، يُشار إليه بعينه، فسمي في الخبر. وقد قيل : إن الرسول الذي وجّهته ملكة سبأ إلى سليمان كان أمرأً واحدا، فلذلك قال : فلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ يُراد به : فلما جاء الرسول سليمان واستدلّ قائلو ذلك على صحة ما قالوا من ذلك بقوله سليمان للرسول : ارْجِعْ إلَيْهِمْ وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله. فلما جاءوا سليمان على الجمع، وذلك للفظ قوله : بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ فصلح الجمع للفظ والتوحيد للمعنى. 
وقوله : قال أتُمِدّونَنِ بِمَالٍ يقول : قال سليمان لما جاء الرسول من قبل المرأة بهداياها : أتمدوننِ بمال. واختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه بعض قرّاء أهل المدينة ****«أتُمِدّنَنِي »**** بنونين، وإثبات الياء. وقرأه بعض الكوفيين مثل ذلك، غير أنه حذف الياء من آخر ذلك وكسر النون الأخيرة. وقرأه بعض قرّاء البصرة بنونين، وإثبات الياء في الوصل وحذفها في الوقف. وقرأه بعض قرّاء الكوفة بتشديد النون وإثبات الياء. وكلّ هذه القراءات متقاربات وجميعها صواب، لأنها معروفة في لغات العرب، مشهورة في منطقها. )
وقوله : فَمَا آتانِيَ اللّهُ خَيْرٌ ممّا آتاكُمْ يقول : فما آتاني الله من المال والدنيا أكثر مما أعطاكم منها وأفضل بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيّتِكُمْ تَفْرَحُونَ يقول : ما أفرح بهديتكم التي أهديتم إليّ، بل أنتم تفرحون بالهدية التي تُهدى إليكم، لأنكم أهل مفاخرة بالدنيا، ومكاثرة بها، وليست الدنيا وأموالها من حاجتي، لأن لله تعالى ذكره قد مكّنني منها وملّكني فيها ما لم يُمَلّك أحدا ارْجِعْ إلَيْهِمْ وهذا قول سليمان لرسول المرأة ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها لا طاقة لهم بها ولا قدرة لهم على دفعهم عما أرادوا منهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه، قال : لما أتت الهدايا سليمان فيها الوصائف والوُصفاء، والخيل العراب، وأصناف من أصناف الدنيا، قال للرسل. الذين جاءوا به : أتُمِدّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيّتِكُمْ تَفْرَحُونَ لأنه لا حاجة لي بهديتكم، وليس رأيي فيه كرأيكم، فارجعوا إليها بما جئتم به من عندها، فَلَنَأْتِيَنّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها. 
حدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال : حدثنا مروان بن معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله : فَلَنَأْتِيَنّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها قال : لا طاقة لهم بها. 
وقوله وَلَنُخْرِجَنّهُمْ مِنْهَا أذِلّةً وَهُمْ صَاغرُونَ يقول : ولنخرجنّ من أرسلكم من أرضهم أذلة وهم صاغرون إن لم يأتوني مسلمين. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه : وَلَنُخْرِجَنّهُمْ مِنْها أذِلّةً وَهُمْ صَاغرونَ، أو لتأتيني مسلمة هي وقومها. ---

### الآية 27:38

> ﻿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [27:38]

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ يَأَيّهَا الملأ أَيّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ \* قَالَ عِفْرِيتٌ مّن الْجِنّ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مّقَامِكَ وَإِنّي عَلَيْهِ لَقَوِيّ أَمِينٌ \* قَالَ الّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الْكِتَابِ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هََذَا مِن فَضْلِ رَبّي لِيَبْلُوَنِيَ أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنّ رَبّي غَنِيّ كَرِيمٌ . 
اختلف أهل العلم في الحين الذي قال فيه سليمان يا أيها المَلأُ أيّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها فقال بعضهم : قال ذلك حين أتاه الهدهد بنبأ صاحبة سبأ، وقال له : جئْتُكَ مِنْ سَبأ بِنَبأٍ يَقِينٍ وأخبره أن لها عرشا عظيما، فقال له سليمان صلى الله عليه وسلم : سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ فكان اختباره صدقه من كذبه بأن قال لهؤلاء : أيكم يأتيني بعرش هذه المرأة قبل أن يأتوني مسلمين. وقالوا إنما كتب سليمان الكتاب مع الهدهد إلى المرأة بعد ما صحّ عنده صدق الهدهد بمجيء العالم بعرضها إليه على ما وصفه به الهدهد، قالوا : ولولا ذلك كان محالاً أن يكتب معه كتابا إلى من لا يدري، هل هو في الدنيا أم لا ؟ قالوا : وأخرى أنه لو كان كتب مع الهدهد كتابا إلى المرأة قبل مجيء عرشها إليه، وقبل علمه صدق الهدهد بذلك، لم يكن لقوله له سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذبِينَ معنى، لأنه لا يُلِم بخبره الثاني من إبلاغه إياها الكتاب، أو ترك إبلاغه إياها ذلك، إلا نحو الذي علم بخبره الأوّل حين قال له : جئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبإٍ يَقِينٍ قالوا : وإن لم يكن في الكتاب معهم امتحان صدقه من كذبه، وكان محالاً أن يقول نبيّ الله قولاً لا معنى له وقد قال : سَنَنْطُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ علم أن الذي امتحن به صدق الهدهد من كذبه هو مصير عرش المرأة إليه، على ما أخبره به الهدهد الشاهد على صدقه، ثم كان الكتاب معه بعد ذلك إليها. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال : إن سليمان أوتي ملكا، وكان لا يعلم أن أحدا أوتي ملكا غيره فلما فقد الهدهد سأله : من أين جئت ؟ ووعده وعيدا شديدا بالقتل والعذاب، قال : جِئْتُكَ مِنْ سَبأٍ بِنَبأٍ يَقِينٍ قال له سليمان : ما هذا النبأ ؟ قال الهدهد : إني وَجَدْتٌ امْرأةً بسبأ تَمْلِكُهُمْ، وأُوتِيَتْ مِنْ كُلّ شَيْءٍ، ولَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ فلما أخبر الهدهد سليمان أنه وجد سلطانا، أنكر أن يكون لأحد في الأرض سلطان غيره، فقال لمن عنده من الجنّ والإنس : يا أيّها المَلأّ أيّكُمْ يَأْتِينِي بعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ؟ قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الجِنّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ، وإنّي عَلَيْهِ لَقَوِيّ أمِينٌ قال سليمان : أريد أعجل من ذلك قالَ الّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ وهو رجل من الإنس عنده علم من الكتاب فيه اسم الله الأكبر، الذي إذا دعي به أجاب : أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدّ إلَيْكَ طَرْفُكَ فدعا بالاسم وهو عنده قائم، فاحتمل العرش احتمالاً حتى وُضع بين يدي سليمان، والله صنع ذلك فلما أتى سليمان بالعرش وهم مشركون، يسجدون للشمس والقمر، أخبره الهدهد بذلك، فكتب معه كتابا ثم بعثه إليهم، حتى إذا جاء الهدهد الملكة ألقى إليها الكتاب قالَتْ يا أيّها المَلأُ إنّي أُلْقِيَ إليّ كِتابٌ كَرِيمٌ. . . إلى وأْتُونِي مُسْلِمِينَ فقالت لقومها ما قالت وإنّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ قال : وبعثت إليه بوصائف ووصفاء، وألبستهم لباسا واحدا، حتى لا يعرف ذكر من أنثى، فقالت : إن زيّل بينهم حتى يعرف الذكر من الأنثى، ثم ردّ الهدية، فإنه نبيّ، وينبغي لنا أن نترك ملكنا ونتّبع دينه ونلحق به، فردّ سليمان الهدية وزيّل بينهم، فقال : هؤلاء غلمان، وهؤلاء جَوَارٍ، وقال : أتُمِدونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتانِيَ اللّهُ خَيْرٌ مِمّا أتاكُمْ بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيّتِكُمْ تفْرَحُونَ. . . إلى آخر الآية. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : إنّي وَجَدْتُ امْرأةً تَمْلِكُهُمْ. . . الاَية قال : وأنكر سليمان أن يكون لأحد على الأرض سلطان غيره، قال لمن حوله من الجنّ والإنس : أيّكُمْ يَأْتِينِي بعَرْشِها. . . الاَية. 
وقال آخرون : بل إنما اختبر صدقَ الهدهدِ سليمانُ بالكتاب، وإنما سأل من عنده إحضاره عرش المرأة بعد ما خرجت رسلها من عنده، وبعد أن أقبلت المرأة إليه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه، قال : لما رجعت إليها الرسل بما قال سليمان : قالت : والله عرفت ما هذا بملك، وما لنا به طاقة، وما نصنع بمكاثرته شيئا، وبعثت : إني قادمة عليك بملوك قومي، حتى أنظر ما أمرك، وما تدعو إليه من دينك. ثم أمرت بسرير ملكها، الذي كانت تجلس عليه، وكان من ذهب مفضض بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ، فجعل في سبعة أبيات بعضها في بعض، ثم أقفلت عليه الأبواب. وكانت إنما يخدمها النساء، معها ستّ مئة امرأة يخدمنها ثم قالت لمن خلفت على سلطانها، احتفظ بما قِبَلك، وبسرير ملكي، فلا يخلص إليه أحد من عباد الله، ولا يرينه أحد حتى أتيك ثم شخصت إلى سليمان في اثني عشر ألف قَيْلٍ معها من ملوك اليمن، تحت يد كلّ قَيْلٍ منهم ألوف كثيرة، فجعل سليمان يبعث الجنّ، . فيأتونه بمسيرها ومنتهاها كلّ يوم وليلة، حتى إذا دنت جمع مَن عنده من الجنّ والإنس ممن تحت يده، فقال : يا أيّها المَلأُ أيّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يأْتُونِي مُسْلِمِينَ. 
وتأويل الكلام : قال سليمان لأشراف من حضره من جنده من الجنّ والإنس : يا أيّها المَلأُ أيّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها يعني سريرها. كما :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله : أيّكُمْ يَأْتِينِي بعَرْشِها قال : سرير في أريكة. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قال : عرشها سرير في أريكة. قال ابن جُرَيج : سرير من ذهب، قوائمه من جوهر ولؤلؤ. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه أيّكُمْ يَأْتِينِي بعَرْشِها : بسريرها. 
**وقال ابن زيد في ذلك ما :**
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : أيكُمْ يَأْتِينِي بعَرْشِها قال : مجلسها. 
واختلف أهل العلم في السبب الذي من أجله خصّ سليمان مسألة الملأ من جنده إحضار عرش هذه المرأة من بين أملاكها قبل إسلامها، فقال بعضهم : إنما فعل ذلك لأنه أعجبه حين وصف له الهدهد صفته، وخشي أن تسلم فيحرُم عليه مالها، فأراد أن يأخذ سريرها ذلك قبل أن يحرُم عليه أخذه بإسلامها. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قَتادة، قال : أخبر سليمانَ الهدهدُ أنها قد خرجت لتأتيه، وأخبر بعرشها فأعجبه. كان من ذهب وقوائمه من جوهر مكلّل باللؤلؤ، فعرف أنهم إن جاءوه مسلمين لم تحلّ لهم أموالهم، فقال للجنّ : أيّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأتونِي مُسْلِمِينَ. 
وقال آخرون : بل فعل ذلك سليمان ليعاتبها به، ويختبر به عقلها، هل تثبته إذا رأته، أم تنكره ؟ ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : أعلم الله سليمان أنها متأتيه، فقال : أيّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ حتى يعاتبها، وكانت الملوك يتعاتبون بالعلم. 
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله قَبْلَ أن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ فقال بعضهم : معناه : قبل أن يأتوني مستسلمين طوعا. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله وقبْل أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ يقول : طائعين. 
وقال آخرون : بل معنى ذلك : قبل أن يأتوني مسلمين الإسلام الذي هو دين الله. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : قال ابن جُرَيج أيّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ بحرمة الإسلام فيمنعهم وأموالهم، يعني الإسلام يمنعهم. 
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال بالصواب في السبب الذي من أجله خصّ سليمان بسؤاله الملأ من جنده بإحضاره عرش هذه المرأة دون سائر ملكها عندنا، ليجعل ذلك حجة عليها في نبوّته، ويعرّفها بذلك قُدرة الله وعظيم شأنه، أنها خلّفته في بيت في جوف أبيات، بعضها في جوف بعض، مغلق مقفل عليها، فأخرجه الله من ذلك كله، بغير فتح أغلاق وأقفال، حتى أوصله إلى وَلِيّة من خلقه، وسلمه إليه، فكان لها في ذلك أعظم حجة، على حقيقة ما دعا لها إليه سليمان، وعلى صدق سليمان فيما أعلمها من نبوّته. 
فأما الذي هو أولى التأويلين في قوله قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ بتأويله، فقول ابن عباس الذي ذكرناه قبل، من أن معناه طائعين، لأن المرأة لم تأت سليمان إذ أتته مسلمة، وإنما أسلمت بعد مقدمها عليه وبعد محاورة جرت بينهما ومساءلة. )

### الآية 27:39

> ﻿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ ۖ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ [27:39]

وقوله : قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الجِنّ يقول تعالى ذكره : قال رئيس من الجنّ مارد قويّ. وللعرب فيه لغتان : عفريت، وعفرية فمن قال : عفرية، جمعه : عفاري ومن قال : عفريت، جمعه : عفاريت. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : قال ابن جُرَيج، قال مجاهد : قال عِفْرِيتٌ مِنَ الجِنّ قال : مارد من الجنّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قَتادة وغيره، مثله. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن بعض أصحابه قالَ عِفْرِيتٌ قال : داهية. 
قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : أخبرني وهب بن سليمان، عن شعيب الجبائي قال : العفريت الذي ذكره الله اسمه : كوزن. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، قَالَ عِفْرِيتٌ اسمه : كوزن. 
وقوله : أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ يقول : أنا آتيك بعرشها قبل أن تقوم من مقعدك هذا. وكان فما ذُكر قاعدا للقضاء بين الناس، فقال : أنا أتيك به قبل أن تقوم من مجلسك هذا الذي جلست فيه للحكم بين الناس. وذكر أنه كان يقعد إلى انتصاف النهار. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. 
قال : ثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قَتادة وغيره، مثله، قال : وكان يقضي قال : قبل أن تقوم من مجلسك الذي تقضي فيه. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أن تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ يعني مجلسه. 
وقوله وإنّي عَلَيْهِ لَقَوِيّ أمِينٌ على ما فيه من الجواهر، ولا أخون فيه. وقد قيل : أمين على فرج المرأة. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله وإنّي عَلَيْهِ لَقَوِيّ أمِينٌ يقول : قويّ على حمله، أمين على فرج هذه.

### الآية 27:40

> ﻿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَٰذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [27:40]

قوله : قَالَ الّذِي عِنْدَه عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ يقول جلّ ثناؤه : قال الذي عنده علم من كتاب الله، وكان رجلاً فيما ذكر من بني آدم، فقال بعضهم : اسمه بليخا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا أبو عثمة، قال : حدثنا شعبة، عن بشر، عن قَتادة، في قوله قالَ الّذي عنْدَه عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ قال : كان اسمه بليخا. 
حدثنا يحيى بن داود الواسطي، قال : حدثنا أبو أسامة، عن إسماعيل، عن أبي صالح، في قوله الّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ رجل من الإنس. 
حدثنا ابن عرفة، قال : حدثنا مروان بن معاوية الفزاريّ، عن العلاء بن عبد الكريم، عن مجاهد، في قول الله : قالَ الّذِي عِنْدَه عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قال : أنا أنظر في كتاب ربي، ثم آتيك به قَبْلَ أنْ يَرْتَدّ إلَيْكَ طَرْفُكَ قال : فتكلم ذلك العالم بكلام دخل العرش تحت الأرض حتى خرج إليهم. 
حدثنا ابن عرفة، قال : ثني حماد بن محمد، عن عثمان بن مطر، عن الزهريّ، قال : دعا الذي عنده علم من الكتاب : يا إلهنا وإله كلّ شيء إلها واحدا، لا إله إلا أنت، ائتني بعرشها، قال : فمثل بين يديه. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قَتادة قالَ الّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ قال : رجل من بني آدم أحسبه قال : من بني إسرائيل، كان يعلم اسم الله الذي إذا دعي به أجاب. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله الّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ قال : الاسم الذي إذا دعي به أجاب، وهو : يا ذا الجلال والإكرام. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول : قال سليمان لمن حوله : أيّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلِ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ فقال عفريت أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أن تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ قال سليمان : أريد أعجل من ذلك، فقال رجل من الإنس عنده علم من الكتاب، يعني اسم الله إذا دعي به أجاب. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الجِنّ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ، وإنّي عَلَيْهِ لَقَوِيّ أمِينٌ لا آتيك بغيره، أقول غيره أمثله لك. قال : وخرج يومئذٍ رجل عابد في جزيرة من البحر، فلما سمع العفريت قالَ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدّ إلَيْكَ طَرْفُكَ قال : ثم دعا باسم من أسماء الله، فإذا هو يحمل بين عينيه، وقرأ : فَلَمّا رآهُ مُسْتَقرّا عنْدَهُ قالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبّي. . . حتى بلغ إنّ رَبّي غَنِيّ كَرِيمٌ. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : قال رجل من الإنس. قال : وقال مجاهد : الذي عنده علم من الكتاب : علم اسم الله. 
وقال آخرون : الذي عنده علم من الكتاب، كان آصف. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قَالَ عِفْرِيتٌ لسليمان أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ، وإنّي عَلَيْهِ لَقَوِيّ أمِينٌ فزعموا أن سليمان بن داود قال : أبتغي أعجل من هذا، فقال آصف بن برخيا، وكان صدّيقا يعلم الاسم الأعظم الذي إذا دعي الله به أجاب، وإذا سئل به أعطى : أنا يا نبيّ الله آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدّ إلَيْكَ طَرْفُكَ. 
وقوله : أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدّ إلَيْكَ طَرْفُكَ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم : معناه : أنا آتيك به قبل أن يصل إليك من كان منك على مدّ البصر. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني إبراهيم، قال : حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن سعيد بن جُبَير قَبْلَ أنْ يَرْتَدّ إلَيْكَ طَرْفُكَ قال : من قبل أن يرجع إليك أقصى من ترى، فذلك قوله قَبْلَ أنْ يَرْتَدّ إلَيْكَ طَرْفُكَ. 
قال : ثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، قال : قال غير قَتادة قَبْلَ أنْ يَرْتَدّ إلَيْكَ طَرْفُكَ قبل أن يأتيك الشخص من مدّ البصر. 
وقال آخرون : بل معنى ذلك : من قبل أن يبلغ طرفك مداه وغايته. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه قَبْلَ أنْ يَرْتَدّ إلَيْكَ طَرْفُكَ تمدّ عينيك فلا ينتهي طرفك إلى مداه حتى أمثله بين يديك. قال : ذلك أريد. 
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا عثام، عن إسماعيل، عن سعيد بن جُبَير، قال : أخبرت أنه قال : ارفع طرفك من حيث يجيء، فلم يرجع إليه طرفه حتى وضع العرش بين يديه. 
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا يحيى، قال : حدثنا سفيان، عن عطاء، عن مجاهد، في قوله قَبْلَ أنْ يَرْتَدّ إلَيْكَ طَرْفُكَ قال : مدّ بصره. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قَبْلَ أنْ يَرْتَدّ إلَيْكَ طَرْفُكَ قال : إذا مدّ البصر حتى يردّ الطرف خاسئا. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد قَبْلَ أنْ يَرْتَدّ إلَيْكَ طَرْفُكَ قال : إذا مدّ البصر حتى يحسر الطرف. 
قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال : قبل أن يرجع إليك طرفك من أقصى أثره، وذلك أن معنى قوله يَرَتَدّ إلَيْكَ يرجع إليك البصر، إذا فتحت العين غير راجع، بل إنما يمتدّ ماضيا إلى أن يتناهى ما امتدّ نوره. فإذا كان ذلك كذلك، وكان الله إنما أخبرنا عن قائل ذلك أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدّ لم يكن لنا أن نقول : أنا آتيك به قبل أن يرتدّ راجعا إلَيْكَ طَرْفُكَ من عند منتهاه. 
وقوله : فَلَمّا رآه مُسْتَقِرّا عِنْدَهُ يقول : فلما رأى سليمان عرش ملكة سبأ مستقرّا عنده. وفي الكلام متروك استغني بدلالة ما ظهر عما ترك، وهو : فدعا الله، فأتى به فلما رآه سليمان مستقرّا عنده. 
وذُكر أن العالم دعا الله، فغار العرش في المكان الذي كان به، ثم نبع من تحت الأرض بين يدي سليمان. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سليمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه، قال : ذكروا أن آصِف بن برخيا توضأ، ثم ركع ركعتين، ثم قال : يا نبيّ الله، امدد عينك حتى ينتهي طرفك، فمدّ سليمان عينه ينظر إليه نحو اليمن، ودعا آصف فانخرق بالعرش مكانه الذي هو فيه، ثم نبع بين يدي سليمان فَلَمّا رَآهُ سليمان مُسْتَقِرّا عِنْدَهَ قالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبّي لِيَبْلُوَنِي. . . الآية. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال : نبع عرشها من تحت الأرض. 
وقوله : قالَ هَذَا مِنْ فَضِلِ رَبّي لِيَبْلُوَنِي يقول : هذا البصر والتمكن والملك والسلطان الذي أنا فيه حتى حمل إليّ عرش هذه في قدر ارتداد الطرف من مأرب إلى الشام، من فضل ربي الذي أفْضَلَه عليّ وعطائه الذي جاد به عليّ، ليبلوني، يقول : ليختبرني ويمتحنني، أأشكر ذلك من فعله عليّ، أم أكفر نعمته عليّ بترك الشكر له ؟ 
وقد قيل : إن معناه : أأشكر على عرش هذه المرأة إذ أُتيت به، أم أكفر إذ رأيت من هو دوني في الدنيا أعلم مني ؟ ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : أخبرني عطاء الخراساني، عن ابن عباس، في قوله : فَلَمّا رآهُ مُسْتَقِرّا عِنْدَهُ قالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبّي لِيَبْلُوَنِي أأشْكُرُ على السرير إذ أُتيت به أمْ أكْفُرُ إذ رأيت من هو دوني في الدنيا أعلم مني ؟. 
وقوله : وَمَنْ شَكَرَ فإنّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ يقول : ومن شكر نعمة الله عليه، وفضله عليه، فإنما يشكر طلب نفع نفسه، لأنه ليس بنفع بذلك غير نفسه، لأنه لا حاجة لله إلى أحد من خلقه، وإنما دعاهم إلى شكره تعريضا منه لهم للنفع، لا لاجتلاب منه بشكرهم إياه نفعا إلى نفسه، ولا دفع ضرّ عنها. وَمَنْ كَفَرَ فإنّ رَبّي غَنِيّ كَرِيمٌ يقول : ومن كفر نعمه وإحسانه إليه، وفضله عليه، لنفسه ظلم، وحظّها بخَس، والله غنّي عن شكره، لا حاجة به إليه، لا يضرّه كفر من كفر به من خلقه، كريمٌ، ومِن كرمه إفضاله على من يكفر نعمه، ويجعلها وصلة يتوصل بها إلى معاصيه.

### الآية 27:41

> ﻿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ [27:41]

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ نَكّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِيَ أَمْ تَكُونُ مِنَ الّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ . 
يقول تعالى ذكره : قال سليمان لما أتى عرش بلقيس صاحبة سبأ، وقدمت هي عليه، لجنده : غيّروا لهذه المرأة سريرها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قَتادة، قوله نَكّرُوا لَهَا عَرْشَها قال : غيروا. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : فلما أتته قالَ نَكّرُوا لَهَا عَرْشَها قال : وتنكير العرش، أنه زيد فيه ونقص. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله نَكّرُوا لَهَا عَرْشَها قال : غيّروه. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، نحوه. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله نَكرُوا لهَا عَرْشَها قال : مجلسها الذي تجلس فيه. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول، في قوله نَكّرُوا لَهَا عَرْشَها أمرهم أن يزيدوا فيه، وينقصوا منه. 
وقوله : نَنْظُرْ أتَهْتَدِي يقول : ننظر أتعقل فتثبت عرشها أنه هو الذي لها أمْ تَكُونُ مِنَ الّذِينَ لا يَهْتَدُونَ يقول : من الذين لا يعقلون فلا تثبت عرشها. 
وقيل : إن سليمان إنما نكّر لها عرشها، وأمر بالصرح يعمل لها، من أجل أن الشياطين كانوا أخبروه أنه لا عقل لها، وأن رجلها كحافر حمار، فأراد أن يعرف صحة ما قيل له من ذلك. وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله أتَهْتَدِي أمْ تَكُونُ مِنَ الّذِين لا يَهْتَدُونَ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ننْظُرْ أتَهْتَدِي أمْ تَكُونُ مِنَ الّذِينَ لا يَهْتَدُونَ قال : زيد في عرشها ونقص منه، لينظر إلى عقلها، فوُجدت ثابتة العقل. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد نَنْظُرْ أتَهْتَدِي أتعرفه. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : ثني ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله نَنْظُرْ أتَهْتَدِي قال : تعرفه. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه : أتَهْتَدِي أمْ تَكُونَ مِنَ الّذِينَ لا يَهْتَدُونَ : أي أتعقل، أم تكون من الذين لا يعقلون ؟ ففعل ذلك لينظر أتعرفه، أم لا تعرفه ؟

### الآية 27:42

> ﻿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَٰكَذَا عَرْشُكِ ۖ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ۚ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ [27:42]

القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمّا جَآءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنّا مُسْلِمِينَ . 
يقول تعالى ذكره : لما جاءت صاحبة سبأ سليمان، أخرج لها عرشها، فقال لها : أَهَكَذَا عَرْشُكِ ؟ قَالت وشبهته به : كَأنّهُ هُوَ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه، قال : لما انتهت إلى سليمان وكلمته أخرج لها عرشها، ثم قال : أهَكَذَا عَرْشُكِ ؟ قالَتْ كأنّهُ هُوَ. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قَتادة فَلَمّا جَاءَتَ قِيلَ أهَكَذَا عَرْشكِ ؟ قالَتْ كأنّهُ هُوَ قال : شبهته، وكانت قد تركته خلفها. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : كان أبي يحدّثنا هذا الحديث كله، يعني حديث سليمان، وهذه المرأة فلما جاءت قِيلَ أهَكَذَا عَرْشُكِ ؟ قالَتْ كأنّهُ هُوَ شكّت. 
وقوله : وأوتِينا العِلْمَ مِنْ قَبْلِها يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل سليمان، وقال سليمان : وَأُوِتينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا أي هذه المرأة، بالله وبقدرته على ما يشاء، وَكُنّا مُسْلِمِينَ لله من قبلها. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله وأُوتِينَا العِلْمَ مِنْ قَبْلِها قال : سليمان بقوله. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.

### الآية 27:43

> ﻿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ [27:43]

القول في تأويل قوله تعالى : وَصَدّهَا مَا كَانَت تّعْبُدُ مِن دُونِ اللّهِ إِنّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ . 
يقول تعالى ذكره : ومنع هذه المرأة صاحبة سبأ ما كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ الله، وذلك عبادتها الشمس أن تعبد الله. 
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وَصَدّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللّهِ قال : كفرها بقضاء الله غير الوثن ( صدّها ) أن تهتدي للحق. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد وَصَدّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دونِ اللّهِ قال : كفرها بقضاء الله، صدها أن تهتدي للحق. 
ولو قيل : معنى ذلك : وصدّها سليمان ما كانت تعبد من دون الله، بمعنى : منعها وحال بينها وبينه، كان وجها حسنا. ولو قيل أيضا : وصدّها الله ذلك بتوفيقها للإسلام، كان أيضا وجها صحيحا. 
وقوله : إنّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ يقول : إن هذه المرأة كانت كافرة من قوم كافرين. وكسرت الألف من قوله **«إنها »** على الابتداء. ومن تأول قوله : وَصَدّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللّهِ التأويل الذي تأولنا، كانت ****«ما »**** من قوله ما كانَتْ تَعْبُدُ في موضع رفع بالصد، لأن المعنى فيه لم يصدها عن عبادة الله جهلها، وأنها لا تعقل، إنما صدها عن عبادة الله عبادتها الشمس والقمر، وكان ذلك من دين قومها وآبائها، فاتبعت فيه آثارهم. ومن تأوله على الوجهين الآخرين كانت ****«ما »**** في موضع نصب.

### الآية 27:44

> ﻿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ ۖ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ ۗ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [27:44]

القول في تأويل قوله تعالى : حسر سورة النمل )  قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصّرْحَ فَلَمّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنّهُ صَرْحٌ مّمَرّدٌ مّن قَوارِيرَ قَالَتْ رَبّ إِنّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ . 
ذُكر أن سليمان لما أقبلت صاحبة سبأ تريده، أمر الشياطين فبنوا له صرحا، وهو كهيئة السطح من قوارير، وأجرى من تحته الماء ليختبر عقلها بذلك، وفهمها على نحو الذي كانت تفعل هي من توجيهها إليه الوصائف والوصفاء ليميز بين الذكور منهم والإناث معاتبة بذلك كذلك. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه، قال : أمر سليمان بالصرح، وقد عملته له الشياطين من زجاج كأنه الماء بياضا، ثم أرسل الماء تحته، ثم وضع له فيه سريره، فجلس عليه، وعكفت عليه الطير والجنّ والإنس، ثم قال : ادْخُلِي الصّرْحَ ليريها مُلكا هو أعزّ من مُلكها، وسلطانا هو أعظم من سلطانها فَلَما رأَتْهُ حَسِبَتْهُ لّجةً وكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها لا تشكّ أنه ماء تخوضه، قيل لها : ادخلي إنه صرح ممرّد من قوارير فلما وقفت على سليمان دعاها إلى عبادة الله وعاتبها في عبادتها الشمس دون الله، فقالت بقول الزنادقة، فوقع سليمان ساجدا إعظاما لما قالت، وسجد معه الناس وسقط في يديها حين رأت سليمان صنع ما صنع فلما رفع سليمان رأسه قال : ويحكِ ماذا قلت ؟ قال : وأُنْسِيت ما قالت : ، فقالت : رَبّ إنّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانِ لله رَبّ العالَمِينَ وأسلمت، فحسُن إسلامها. 
وقيل : إن سليمان إنما أمر ببناء الصرح على ما وصفه الله، لأن الجنّ خافت من سليمان أن يتزوّجها، فأرادوا أن يزهدوه فيها، فقالوا : إن رجلها رجل حمار، وإن أمها كانت من الجنّ، فأراد سليمان أن يعلم حقيقة ما أخبرته الجنّ من ذلك. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظيّ، قال : قالت الجنّ لسليمان تزهّدهِ في بِلقيس : إن رجلها رجل حمار، وإن أمها كانت من الجنّ فأمر سليمان بالصرح، فعُمل، فسجن فيه دواب البحر : الحِيتان، والضفادع فلما بصرت بالصرح قالت : ما وجد ابن داود عذابا يقتلني به إلا الغرق فَحَسِبَتْهُ لُجّةً وكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قال : فإذا ( هي ) أحسن الناس ساقا وقدما. قال : فضنّ سليمان بساقها عن الموسى، قال : فاتّخذت النّورة بذلك السبب. 
وجائز عندي أن يكون سليمان أمر باتخاذ الصرح للأمرين الذي قاله وهب، والذي قاله محمد بن كعب القرضيّ، ليختبر عقلها، وينظر إلى ساقها وقدمها، ليعرف صحة ما قيل له فيها. 
وكان مجاهد يقول فيما ذكر عنه في معنى الصرح ما :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : الصرْحَ قال : بركة من ماء ضرب عليها سليمان قوارير ألبسها. قال : وكانت بلقيس هلباء شعراء، قدمها كحافر الحمار، وكانت أمها جنية. 
حدثني أحمد بن الوليد الرملي، قال : حدثنا هشام بن عمار، قال : حدثنا الوليد بن مسلم، عن سعيد بن بشير، عن قَتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«كانَ أحَدُ أبَوَيْ صَاحِبَةِ سَبإٍ جِنّبّا »**. 
قال : ثنا صفوان بن صالح، قال : ثني الوليد، عن سعيد بن بشير، عن قَتادة، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر النضر بن أنس. 
وقوله : فَلَما رأتْهُ حَسِبَتْهُ لُجةً يقول : فلما رأت المرأة الصرح حسبته لبياضه واضطراب دواب الماء تحته لجة بحر كشفت عن ساقيها لتخوضه إلى سليمان. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قَتادة قِيل لَهَا ادْخُلِي الصرْحَ فَلَمّا رأتْهُ حَسِبَتْهُ لُجّةً قال : وكان من قوارير، وكان الماء من خلفه فحسبته لجة. 
قال : ثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله حَسِبَتْهُ لُجّةً قال : بحرا. 
حدثنا عمرو بن عليّ، قال : حدثنا ابن سوار، قال : حدثنا روح بن القاسم، عن عطاء بن السائب، عن مجاهد، في قوله : وكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها فإذا هما شعراوان، فقال : ألا شيء يذهب هذا ؟ قالوا : الموسى، قال : لا، الموسى له أثر، فأمر بالنّورة فصنعت. 
حدثني أبو السائب، قال : حدثنا حفص، عن عمران بن سليمان، عن عكرمة وأبي صالح قالا : لما تزوّج سليمان بلقيس قالت له : لم تمسني حديدة قطّ قال سليمان للشياطين : انظروا ما يُذهب الشعر ؟ قالوا : النّورة، فكان أوّل من صنع النورة. 
وقوله : إنّهُ صَرْحٌ مُمَرّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ يقول جلّ ثناؤه : قال سليمان لها : إن هذا ليس ببحر، إنه صرح ممّرد من قوارير، يقول : إنما هو بناء مبنيّ مشيد من قوارير. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، مُمَرّدً قال : مشيد. 
وقوله : قالَتْ رَبّ إنّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ. . . الآية، يقول تعالى ذكره : قالت المرأة صاحبة سبأ : ربّ إني ظلمت نفسي في عبادتي الشمس، وسجودي لما دونك وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلّهِ تقول : وانقدت مع سليمان مذعنة الله بالتوحيد، مفردة له بالألوهة والربوبية دون كلّ من سواه. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في حَسِبَتْهُ لُجّةً قال : إنّهُ صَرْحٌ مُمَرّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ فعرفت أنها قد غلبت قالَتْ رَبّ إني ظَلَمْتُ نَفْسِي، وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلّهِ رَبّ العالَمِينَ.

### الآية 27:45

> ﻿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ [27:45]

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىَ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ \* قَالَ يَقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسّيّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ اللّهَ لَعَلّكُمْ تُرْحَمُونَ . 
يقول تعالى ذكره : وَلَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهُمْ صَالِحا أن اعْبُدُوا اللّهَ وَحده لا شرِيك له، ولا تجعلوا معه إلها غيره فإذَا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ يقول : فلما أتاهم صالح داعيا لهم إلى الله صار قومه من ثمود فيما دعاهم إليه فريقين يختصمون، ففريق مصدّق صالحا مؤمن به، وفريق مكذّب به كافر بما جاء به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله : فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ قال : مؤمن وكافر، قولهم صالح مرسل، وقولهم صالح ليس بمُرسل. ويعني بقوله يَخْتَصِمُونَ يختلفون. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد فإذَا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ قال : مؤمن، وكافر.

### الآية 27:46

> ﻿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ۖ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [27:46]

وقوله : قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بالسّيّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ يقول تعالى ذكره : قال صالح لقومه : يا قوم لأيّ شيء تستعجلون بعذاب الله قبل الرحمة. كما :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بالسّيّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ قال : السيئة : العذاب، قبل الحسنة : قبل الرحمة. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بالسّيّئَةِ قال بالعذاب قبل الحسنة، قال : العافية. 
وقوله : لَوْلا تَسْتَغْفرُونَ اللّهَ لَعَلّكُمْ تُرْحَمُونَ يقول : هلا تتوبون إلى الله من كفركم، فيغفر لكم ربكم عظيم جرمكم، يصفح لكم عن عقوبته إياكم على ما قد أتيتم من عظيم الخطيئة. 
وقوله : لَعَلّكُمْ تُرْحَمُونَ يقول : ليرحمكم ربكم باستغفاركم إياه من كفركم.

### الآية 27:47

> ﻿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ ۚ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ ۖ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ [27:47]

القول في تأويل قوله تعالى : قَالُواْ اطّيّرْنَا بِكَ وَبِمَن مّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ . 
يقول تعالى ذكره : قالت ثمود لرسولها صالح اطّيّرنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ أي تشاءمنا بك وبمن معك من أتباعنا، وزجرنا الطير بأنا سيصيبنا بك وبهم المكاره والمصائب، فأجابهم صالح فقال لهم طائِرُكُمْ عِنْدَ اللّهِ أي ما زجرتم من الطير لما يصيبكم من المكاره عند الله علمه، لا يدري أيّ ذلك كائن، أما تظنون من المصائب أو المكاره، أم ما لا ترجونه من العافية والرجاء والمحاب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : حدثنا معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله قالَ طائرُكُمْ عِنْدَ اللّهِ يقول : مصائبكم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قَتادة، قوله طائِرُكُمْ عِنْدَ اللّهِ علمكم عند الله. 
وقوله : بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ يقول : بل أنتم قوم تختبرون، يختبركم ربكم إذ أرسلني إليكم، أتطيعونه، فتعملون بما أمركم به، فيجزيكم الجزيل من ثوابه، أم تعصونه، فتعملون بخلافه، فيحلّ بكم عقابه.

### الآية 27:48

> ﻿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ [27:48]

القول في تأويل قوله تعالى : وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ \* قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِاللّهِ لَنُبَيّتَنّهُ وَأَهْلَهُ ثُمّ لَنَقُولَنّ لِوَلِيّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنّا لَصَادِقُونَ . 
يقول تعالى ذكره : وكان في مدينة صالح، وهي حِجر ثمود، تسعة أنفس يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وكان إفسادهم في الأرض : كفرهم بالله، ومعصيتهم إياه، وإنما خصّ الله جلّ ثناؤه هؤلاء التسعة الرهط بالخبر عنهم أنهم كانوا يفسدون في الأرض، ولا يصلحون، وإن كان أهل الكفر كلهم في الأرض مفسدين، لأن هؤلاء التسعة هم الذين سعوا فيما بلغنا في عقر الناقة، وتعاونوا عليه، وتحالفوا على قتل صالح من بين قوم ثمود. وقد ذكرنا قصصهم وأخبارهم فيما مضى من كتابنا هذا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد تِسْعَةُ رَهْطٍ قال : من قوم صالح. . 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وكانَ فِي المَدِينَة تسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ هم الذين عقروا الناقة، وقالوا حين عقروها : نبيّت صالحا وأهله فنقتلهم، ثم نقول لأولياء صالح : ما شهدنا من هذا شيئا، ومالنا به علم، فدمرهم الله أجمعين.

### الآية 27:49

> ﻿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [27:49]

وقوله : قالُوا تَقاسَمُوا باللّهِ لَنُبَيّتَنّهُ وأهْلَهُ يقول تعالى ذكره : قال هؤلاء التسعة الرهط الذين يُفسدون في أرض حجر ثمود، ولا يصلحون، تقاسموا بالله : تحالفوا بالله أيها القوم، ليحلف بعضكم لبعض : لنبيتنّ صالحا وأهله، فلنقتلنه، ثم لنقولنّ لوليه : ما شهدنا مهلك أهله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد تَقاسَمُوا باللّهِ قال : تحالفوا على إهلاكه، فلم يصلوا إليه حتى هلكوا وقومهم أجمعون. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، بنحوه :
ويتوجه قوله تَقاسَمُوا بالله إلى وجهين : أحدهما النصب على وجه الخبر، كأنه قيل : قالوا متقاسمين. وقد ذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله :**«وَلا يُصْلِحُونَ تَقاسَمُوا باللّهِ »** وليس فيها **«قالوا »**، فذلك من قراءته يدلّ على وجه النصب في **«تقاسموا »** على ما وصفت. والوجه الآخر : الجزم، كأنهم قال بعضهم لبعض : اقسموا بالله، فعلى هذا الوجه الثاني تصلح قراءة لَنُبَيّتَنّهُ بالياء والنون، لأن القائل لهم تقاسموا، وإن كان هو الأمر فهو فيمن أقسم، كما يقال في الكلام : انهضوا بنا نمض إلى فلان، وانهضوا نمضي إليه. وعلى الوجه الأوّل الذي هو وجه النصب القراءة فيه بالنون أفصح، لأن معناه : قالوا متقاسمين لنُبيّتنّهُ، وقد تجوز الياء على هذا الوجه كما يقال في الكلام : قالوا لنكرمنّ أباك، وليكرمنّ أباك، وبالنون قرأ ذلك قرّاء المدينة، وعامة قرّاء البصرة وبعض الكوفيين. وأما الأغلب على قرّاء أهل الكوفة، فقراءته بالياء، وضمّ التاء جميعا. وأما بعض المكيين، فقرأه بالياء. 
وأعجب القراءات في ذلك إليّ النون، لأن ذلك أفصح الكلام على الوجهين اللذين بيّنت من النصب والجزم، وإن كان كل ذلك صحيحا غير فاسد لما وصفت. وأكرهها إليّ القراءة بها الياء، لقلة قارىء ذلك كذلك. وقوله : لَنُبَيّتَنّهُ قال : ليُبَيّتُنّ صالحا ثم يفتكوا به. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال :( قال ) التسعة الذين عقروا الناقة : هلمّ فلنقتل صالحا، فإن كان صادقا، يعني فيما وعدهم من العذاب بعد الثلاث، عجلناه قبله، وإن كان كاذبا نكون قد ألحقناه بناقته. فأتوه ليلاً ليبيتوه في أهله، فدمغتهم الملائكة بالحجارة فلما أبطئوا على أصحابهم أتوا منزل صالح، فوجدوهم مشدوخين قد رضخوا بالحجارة. وقوله : وَإنّا لَصَادقُونَ نقول لوليه : وإنا لصادقون، أنا ما شهدنا مُهلِكَ أهله.

### الآية 27:50

> ﻿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [27:50]

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ \* فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنّا دَمّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ . 
يقول تعالى ذكره : وغدر هؤلاء التسعة الرهط الذين يفسدون في الأرض بصالح بمصيرهم إليه ليلاً ليقتلوه وأهله، وصالح لا يشعر بذلك وَمَكَرْنا مَكْرا يقول : فأخذناهم بعقوبتنا إياهم، وتعجيلنا العذاب لهم وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ بمكرنا. 
وقد بيّنا فيما مضى معنى : مكر الله بمن مكر به، وما وجه ذلك، وأنه أخذه من أخذه منهم على غرّة، أو استدراجه منهم من استدرج على كفره به، ومعصيته إياه، ثم إحلاله العقوبة به على غرّة وغفلة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا مؤمل، قال : حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن رجل، عن عليّ، قال : المكر غدر، والغدر كفر. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله وَمَكَرُوا مَكْرا وَمَكَرْنا مَكْرا قال : احتالوا لأمرهم، واحتال الله لهم، مكروا بصالح مكرا، ومكرنا، ومكرنا بهم مكرا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ بمكرنا وشعرنا بمكرهم، قالوا : زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث فنحن نفرغ منه وأهله قبل ذلك، وكان له مسجد في الحجر في شعب يصلي فيه، فخرجوا إلى كهف وقالوا : إذا جاء يصلي قتلناه، ثم رجعنا إذا فرغنا منه إلى أهله، ففرغنا منهم، وقرأ قول الله تبارك وتعالى : قالُوا تَقاسَمُوا باللّهِ لَنُبَيّتَنّه وأهْلَهُ، ثُمّ لَنَقُولَنّ لِوَلِيّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ، وإنّا لَصَادِقُونَ فبعث الله صخرة من الهَضْب حِيالَهم، فخشُوا أن تشدَخَهم، فبادروا الغار، فَطَبقت الصخرة عليهم فم ذلك الغار، فلا يدري قومُهم أين هم ؟ ولا يدرون ما فعل بقومهم ؟ فعذّب الله تبارك وتعالى هؤلاء ها هنا، وهؤلاء هنا، وأنجى الله صالحا ومن معه. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قَتادة وَمَكَرُوا مَكْرا وَمَكَرْنا مَكْرا قال : فسلط الله عليهم صخرة فقتلتهم.

### الآية 27:51

> ﻿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ [27:51]

وقوله : فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقبَةُ مَكْرِهِمْ يقول تعالى ذكره : فانظر يا محمد بعين قلبك إلى عاقبة غدر ثمود بنبيهم صالح، كيف كانت ؟ وما الذي أورثها اعتداؤهم وطغيانهم وتكذيبهم ؟ فإن ذلك سنتنا فيمن كذّب رسلنا، وطغى علينا من سائر الخلق، فحذر قومك من قريش، أن ينالهم بتكذيبهم إياك، ما نال ثمود بتكذّيبهم صالحا من المثلات. )
وقوله : إنّا دَمّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أجمَعِينَ يقول : إنا دمرنا التسعة الرهط الذين يفسدون في الأرض من قوم صالح وقومهم من ثمود أجمعين، فلم نبقِ منهم أحدا. 
واختلفت القرّاء في قراءة قوله **«إنّا »** فقرأ بكسرها عامة قرّاء الحجاز والبصرة على الابتداء، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة : أنّا دَمّرْناهُمْ بفتح الألف. وإذا فُتحت كان في أنّا وجهان من الإعراب : أحدهما الرفع على ردّها على العاقبة على الإتباع لها، والآخر النصب على الردّ على موضع كيف، لأنها في موضع نصب إن شئت، وإن شئت على تكرير كان عليها على وجه، فانظر كيف كان عاقبة مكرهم ؟ كان عاقبة مكرهم تدميرَنا إياهم. 
قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إنهما قراءتان مشهورتان في قَرَأَةِ الأمصار، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.

### الآية 27:52

> ﻿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [27:52]

القول في تأويل قوله تعالى : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوَاْ إِنّ فِي ذَلِكَ لآية لّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ \* وَأَنجَيْنَا الّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتّقُونَ . 
يعني تعالى ذكره بقوله : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً فتلك مساكنهم خاوية خالية منهم، ليس فيها منهم أحد، قد أهلكهم الله فأبادهم بما ظلموا : يقول تعالى ذكره : بظلمهم أنفسهم، بشركهم بالله، وتكذيبهم رسولهم إنّ فِي ذلكَ لاَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ يقول تعالى ذكره : إن في فعلنا بثمود ما قصصنا عليك يا محمد من القصة، لعظةً لمن يعلم فعلنا بهم ما فعلنا، من قومك الذين يكذّبونك فيما جئتهم به من عند ربك وعبرة. وأنجَيْنا الّذِينَ آمَنُوا يقول : وأنجينا من نقمتنا وعذابنا الذي أحللناه بثمود رسولنا صالحا والمؤمنين به وكانُوا يَتّقُونَ يقول : وكانوا يتقون بإيمانهم، وبتصديقهم صالحا الذي حلّ بقومهم من ثمود ما حلّ بهم من عذاب الله، فكذلك ننجيك يا محمد وأتباعك، عند إحلالنا عقوبتنا بمشركي قومك من بين أظهرهم. 
وذُكر أن صالحا لما أحلّ الله بقومه ما أحلّ، خرج هو والمؤمنون به إلى الشام، فنزل رملة فلسطين.

### الآية 27:53

> ﻿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [27:53]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥٢:القول في تأويل قوله تعالى : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوَاْ إِنّ فِي ذَلِكَ لآية لّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ \* وَأَنجَيْنَا الّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتّقُونَ . 
يعني تعالى ذكره بقوله : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً فتلك مساكنهم خاوية خالية منهم، ليس فيها منهم أحد، قد أهلكهم الله فأبادهم بما ظلموا : يقول تعالى ذكره : بظلمهم أنفسهم، بشركهم بالله، وتكذيبهم رسولهم إنّ فِي ذلكَ لاَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ يقول تعالى ذكره : إن في فعلنا بثمود ما قصصنا عليك يا محمد من القصة، لعظةً لمن يعلم فعلنا بهم ما فعلنا، من قومك الذين يكذّبونك فيما جئتهم به من عند ربك وعبرة. وأنجَيْنا الّذِينَ آمَنُوا يقول : وأنجينا من نقمتنا وعذابنا الذي أحللناه بثمود رسولنا صالحا والمؤمنين به وكانُوا يَتّقُونَ يقول : وكانوا يتقون بإيمانهم، وبتصديقهم صالحا الذي حلّ بقومهم من ثمود ما حلّ بهم من عذاب الله، فكذلك ننجيك يا محمد وأتباعك، عند إحلالنا عقوبتنا بمشركي قومك من بين أظهرهم. 
وذُكر أن صالحا لما أحلّ الله بقومه ما أحلّ، خرج هو والمؤمنون به إلى الشام، فنزل رملة فلسطين. ---

### الآية 27:54

> ﻿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ [27:54]

القول في تأويل قوله تعالى : وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ \* أَإِنّكُمْ لَتَأْتُونَ الرّجَالَ شَهْوَةً مّن دُونِ النّسَآءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ . 
يقول تعالى ذكره : فلم يكن لقوم لوط جواب له، إذ نهاهم عما أمره الله بنهيهم عنه من إتيان الرجال، إلا قيل بعضهم لبعض : أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إنّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهّرُونَ عما نفعله نحن من إتيان الذكران في أدبارهم. كما :
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : سمعت الحسن بن عُمارة يذكر عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله : أُناسٌ يَتَطَهّرُونَ قال : من إتيان الرجال والنساء في أدبارهن. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : إنّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهّرُونَ قال : من أدبار الرجال وأدبار النساء استهزاء بهم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قال : يَتَطَهّرُونَ من أدبار الرجال والنساء، استهزاء بهم يقولون ذلك. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة أنه تلا : إنّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهّرُونَ قال : عابوهم بغير عيب : أي إنهم يتطهرون من أعمال السوء.

### الآية 27:55

> ﻿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [27:55]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥٤:القول في تأويل قوله تعالى : وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ \* أَإِنّكُمْ لَتَأْتُونَ الرّجَالَ شَهْوَةً مّن دُونِ النّسَآءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ . 
يقول تعالى ذكره : فلم يكن لقوم لوط جواب له، إذ نهاهم عما أمره الله بنهيهم عنه من إتيان الرجال، إلا قيل بعضهم لبعض : أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إنّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهّرُونَ عما نفعله نحن من إتيان الذكران في أدبارهم. كما :
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : سمعت الحسن بن عُمارة يذكر عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله : أُناسٌ يَتَطَهّرُونَ قال : من إتيان الرجال والنساء في أدبارهن. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : إنّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهّرُونَ قال : من أدبار الرجال وأدبار النساء استهزاء بهم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قال : يَتَطَهّرُونَ من أدبار الرجال والنساء، استهزاء بهم يقولون ذلك. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة أنه تلا : إنّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهّرُونَ قال : عابوهم بغير عيب : أي إنهم يتطهرون من أعمال السوء. ---

### الآية 27:56

> ﻿۞ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ [27:56]

القول في تأويل قوله تعالى : فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَن قَالُوَاْ أَخْرِجُوَاْ آلَ لُوطٍ مّن قَرْيَتِكُمْ إِنّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهّرُونَ . يقول تعالى ذكره : فلم يكن لقوم لوط جواب له، إذ نهاهم عما أمره الله بنهيهم عنه من إتيان الرجال، إلا قال بعضهم لبعض : أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إنّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهّرُونَ  عما نفعله نحن من إتيان الذكران في أدبارهم. كما :
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : سمعت الحسن بن عُمارة يذكر عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله : أُناسٌ يَتَطَهّرُونَ قال : من إتيان الرجال والنساء في أدبارهن. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : إنّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهّرُونَ قال : من أدبار الرجال وأدبار النساء استهزاء بهم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قال : يَتَطَهّرُونَ من أدبار الرجال والنساء، استهزاء بهم يقولون ذلك. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة أنه تلا : إنّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهّرُونَ قال : عابوهم بغير عيب : أي إنهم يتطهرون من أعمال السوء.

### الآية 27:57

> ﻿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ [27:57]

القول في تأويل قوله تعالى :  فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاّ امْرَأَتَهُ قَدّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ \* وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مّطَراً فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ . 
يقول تعالى ذكره : فأنجينا لوطأ وأهله سوى امرأته من عذابنا حين أحللناه بهم، ثم قَدّرْناها يقول : فإن امرأته قدرناها : جعلناها بتقديرنا مِنَ الغابِرِينَ من الباقين وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرا وهو إمطار الله عليهم من السماء حجارة من سجيل فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ يقول : فساء ذلك المطر مطر القوم الذين أنذرهم الله عقابه على معصيتهم إياه، وخوّفهم بأسه بإرسال الرسول إليهم بذلك.

### الآية 27:58

> ﻿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا ۖ فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ [27:58]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥٧:القول في تأويل قوله تعالى : فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاّ امْرَأَتَهُ قَدّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ \* وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مّطَراً فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ . 
يقول تعالى ذكره : فأنجينا لوطأ وأهله سوى امرأته من عذابنا حين أحللناه بهم، ثم قَدّرْناها يقول : فإن امرأته قدرناها : جعلناها بتقديرنا مِنَ الغابِرِينَ من الباقين وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرا وهو إمطار الله عليهم من السماء حجارة من سجيل فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ يقول : فساء ذلك المطر مطر القوم الذين أنذرهم الله عقابه على معصيتهم إياه، وخوّفهم بأسه بإرسال الرسول إليهم بذلك. ---

### الآية 27:59

> ﻿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَىٰ ۗ آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [27:59]

القول في تأويل قوله تعالى : قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ وَسَلاَمٌ عَلَىَ عِبَادِهِ الّذِينَ اصْطَفَىَ ءَآللّهُ خَيْرٌ أَمّا يُشْرِكُونَ . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم قُل يا محمد الحَمْدُ لِلّهِ على نعمه علينا، وتوفيقه إيانا لما وفّقنا من الهداية وَسَلامٌ يقول : وأَمنة منه من عقابه الذي عاقب به قوم لوط، وقوم صالح، على الذين اصطفاهم، يقول : الذين اجتباهم لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فجعلهم أصحابه ووزراءه على الدّين الذي بعثه بالدعاء إليه دون المشركين به، الجاحدين نبوّة نبيه. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا طلق، يعني ابن غنام، عن ابن ظهير، عن السديّ، عن أبي مالك، عن ابن عباس وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الّذِينَ اصْطَفَى قال : أصحاب محمد اصطفاهم الله لنبيه. 
حدثنا عليّ بن سهل، قال : حدثنا الوليد بن مسلم، قال : قلت لعبد الله بن المبارك : أرأيت قول الله قُلِ الحَمْدُ لِلّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الّذِينَ اصْطَفَى من هؤلاء ؟ فحدثني عن سفيان الثوري، قال : هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. 
وقوله : آللّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ يقول تعالى ذكره : قل يا محمد لهؤلاء الذين زيّنا لهم أعمالهم من قومك فهم يعمهون : آلله الذي أنعم على أوليائه هذه النّعم التي قصّها عليكم في هذه السورة، وأهلك أعداءه بالذي أهلكهم به من صنوف العذاب التي ذكرها لكم فيها خير، أما تشركون من أوثانكم التي لا تنفعكم ولا تضرّكم، ولا تدفع عن أنفسها ولا عن أوليائها سوءا، ولا تجلب إليها ولا إليهم نفعا ؟ يقول : إن هذا الأمر لا يشكل على من له عقل، فكيف تستجيزون أن تشركوا عبادة من لا نفع عنده لكم، ولا دفع ضرّ عنكم في عبادة من بيده النفع والضرّ، وله كلّ شيء. ثم ابتدأ تعالى ذكره تعديد نعمه عليهم، وأياديه عندهم، وتعريفهم بقلة شكرهم إياه على ما أولاهم من ذلك، فقال : أمّنْ خَلَقَ السّمَوَاتِ والأرْضَ.

### الآية 27:60

> ﻿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا ۗ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ [27:60]

القول في تأويل قوله تعالى :  أَمّنْ خَلَقَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ السماء مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا أَإِلََهٌ مّعَ اللّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ . 
يقول تعالى ذكره للمشركين به من قُرَيش : أعبادة ما تعبدون من أوثانكم التي لا تضرّ ولا تنفع خير، أم عبادة من خلق السموات والأرض ؟ وأنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السّماءِ ماء يعني مطرا، وقد يجوز أن يكون مريدا به العيون التي فجّرها في الأرض، لأن كل ذلك من خلقه فَأنْبَتْنا بِهِ يعني بالماء الذي أنزل من السماء حَدَائِقَ وهي جمع حديقة، والحديقة : البستان عليه حائط محوّط، وإن لم يكن عليه حائط لم يكن حديقة. وقوله : ذَاتَ بَهْجَةٍ يقول : ذات منظر حسن. وقيل ذات بالتوحيد. وقد قيل حدائق، كما قال : وَلِلّهِ الأسْماءُ الحُسْنَى، وقد بيّنت ذلك فيما مضى. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن قال : حدثنا ورقاء، جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ قال : البهجة : الفُقّاح مما يأكل الناس والأنعام. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله : حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ قال : من كلّ شيء تأكله الناس والأنعام. 
وقوله : ما كانَ لَكُمْ أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها يقول تعالى ذكره : أنبتنا بالماء الذي أنزلناه من السماء لكم هذه الحدائق إذا لم يكن لكم - لولا أنه أنزل عليكم الماء من السماء - طاقة أن تنبتوا شجر هذه الحدائق، ولم تكونوا قادرين على ذهاب ذلك، لأنه لا يصلح ذلك إلا بالماء. وقوله : أءِلَهٌ مَعَ اللّهِ يقول تعالى ذكره : أمعبود مع الله - أيها الجهلة - الذي خلق ذلك، وأنزل من السماء الماء، فأنبت به لكم الحدائق ؟ فقوله : أءله مردود على تأويل : أمع الله إله. بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ يقول جلّ ثناؤه : بل هؤلاء المشركون قوم ضلال، يعدلون عن الحقّ، ويجورون عليه، على عمد منهم لذلك، مع علمهم بأنهم على خطأ وضلال ولم يعدلوا عن جهل منهم، بأن من لا يقدر على نفع ولا ضرّ، خير ممن خلق السموات والأرض، وفعل هذه الأفعال، ولكنهم عدلوا على علم منهم ومعرفة، اقتفاء منهم سنة من مضى قبلهم من آبائهم.

### الآية 27:61

> ﻿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا ۗ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [27:61]

القول في تأويل قوله تعالى : أَمّن جَعَلَ الأرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلََهٌ مّعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ . 
يقول تعالى ذكره : أعبادة ما تشركون أيها الناس بربكم خير وهو لا يضرّ ولا ينفع، أم الذي جعل الأرض لكم قرارا تستقرّون عليها لا تميد بكم وَجَعَلَ لكم خِلاَلَها أنهارا يقول : بينها أنهارا وجعل لَها رَوَاسِيَ وهي ثوابت الجبال، وَجَعَلَ بينَ البَحْرَيْنِ حاجِزا بين العذب والمالح، أن يفسد أحدهما صاحبه أءِلَهٌ مَعَ الله سواه فعل هذه الأشياء فأشركتموه في عبادتكم إياه ؟ وقوله : بَلْ أكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ  يقول تعالى ذكره : بل أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون قدر عظمة الله، وما عليهم من الضرّ في إشراكهم في عبادة الله غيره، وما لهم من النفع في إفرادهم الله بالألوهة، وإخلاصهم له العبادة، وبراءتهم من كلّ معبود سواه.

### الآية 27:62

> ﻿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [27:62]

القول في تأويل قوله تعالى : أَمّن يُجِيبُ الْمُضْطَرّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السّوَءَ وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَآءَ الأرْضِ أَإِلََهٌ مّعَ اللّهِ قَلِيلاً مّا تَذَكّرُونَ . 
يقول تعالى ذكره : أم ما تُشركون بالله خير، أم الذي يجيب المضطّر إذا دعاه، ويكشف السوء النازل به عنه ؟ كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله : وَيَكْشِفُ السّوءَ قال : الضرّ. 
وقوله : ويجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الأرْضِ يقول : ويستخلف بعد أمرائكم في الأرض منكم خلفاء أحياء يخلفونهم. وقوله : أءِلَهٌ مَعَ اللّهِ يقول : أءِلَهٌ مع الله سواه يفعل هذه الأشياء بكم، وينعم عليكم هذه النعم ؟ وقوله : قَلِيلاً ما تَذَكّرُونَ يقول : تذكّرا قليلاً من عظمة الله وأياديه عندكم تذكرون وتعتبرون حجج الله عليكم يسيرا، فلذلك أشركتم بالله غيره في عبادته.

### الآية 27:63

> ﻿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ ۚ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [27:63]

القول في تأويل قوله تعالى :  أَمّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرّيَاحَ بُشْرًى بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلََهٌ مّعَ اللّهِ تَعَالَى اللّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ . 
يقول تعالى ذكره : أم ما تشركون بالله خير، أم الذي يهديكم في ظلمات البرّ والبحر إذا ضللتم فيهما الطريق، فأظلمت عليكم السبل فيهما ؟ كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله : أمّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرّ وَالْبَحْرِ  والظّلمات في البر، ضلاله الطريق، والبحر، ضلاله طريقه وموجه وما يكون فيه. قوله : وَمَنْ يُرْسِلُ الرّياحَ نُشْرا بينَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ  يقول : والذي يرسل الرياح نشرا لموتان الأرض بين يدي رحمته، يعني : قدام الغيث الذي يحيى موات الأرض. وقوله : أءِلَهٌ مَعَ اللّهِ تَعالى اللّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ  يقول تعالى ذكره : أءله مع الله سوى الله يفعل بكم شيئا من ذلك فتعبدوه من دونه، أو تشركوه في عبادتكم إياه تَعَالى اللّهُ يقول : لله العلوّ والرفعة عن شرككم الذي تشركون به، وعبادتكم معه ما تعبدون.

### الآية 27:64

> ﻿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ ۚ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [27:64]

القول في تأويل قوله تعالى : أَمّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمّ يُعيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مّنَ السّمَآءِ والأرْضِ أَإِلََهٌ مّعَ اللّهِ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ . 
يقول تعالى ذكره : أم ما تشركون أيها القوم خير، أم الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، فينشئه من غير أصل، ويبتدعه ثم يفنيه إذا شاء، ثم يعيده إذا أراد كهيئته قبل أن يفنيه، والذي يرزقكم من السماء والأرض فينزل من هذه الغيث، وينبت من هذه النبات لأقواتكم، وأقوات أنعامكم أءِلَهٌ مَعَ اللّهِ سوى الله يفعل ذلك ؟ وإن زعموا أن إلها غير الله يفعل ذلك أو شيئا منه فَقُلْ لهم يا محمد هاتُوا بَرْهانَكُمْ : أي حجتكم على أن شيئا سوى الله يفعل ذلك إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ في دعواكم. و**«من »** التي في **«أمّنْ »** و**«ما »** مبتدأ في قوله : أما يشركون، والآيات بعدها إلى قوله : وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السّماءِ والأرْضِ  بمعنى **«الذي »**، لا بمعنى الاستفهام، وذلك أن الاستفهام لا يدخل على الاستفهام.

### الآية 27:65

> ﻿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ۚ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [27:65]

القول في تأويل قوله تعالى :  قُل لاّ يَعْلَمُ مَن فِي السّمَاواتِ والأرْضِ الْغَيْبَ إِلاّ اللّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ \* بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخرة بَلْ هُمْ فِي شَكّ مّنْهَا بَلْ هُم مّنْهَا عَمُونَ . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قُلْ يا محمد لسائليك من المشركين عن الساعة متى هي قائمة : لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السّمَوَاتِ وَالأرْضِ الْغَيْبَ الذي قد استأثر الله بعلمه، وحجب عنه خلقه غيره والساعة من ذلك، وَما يَشْعَرُونَ يقول : وما يدري من في السموات والأرض من خلقه متى هم مبعوثون من قبورهم لقيام الساعة. وقد :
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، قال : أخبرنا داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، عن مسروق، قال : قالت عائشة : من زعم أنه يخبر الناس بما يكون في غد، فقد أعظم على اللّهِ الفِرْيَةَ، والله يقول : لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السّمَواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلاّ اللّهُ. 
واختلف أهل العربية في وجه رفع الله، فقال بعض البصريين : هو كما تقول : إلا قليل منهم. وفي حرف ابن مسعود : قليلاً بدلاً من الأوّل، لأنك نفيته عنه وجعلته للآخر. وقال بعض الكوفيين : إن شئت أن تتوهم في ****«من »**** المجهول، فتكون معطوفة على : قل لا يعلم أحد الغيب إلا الله. قال : ويجوز أن تكون ****«من »**** معرفة، ونزل ما بعد **«إلا »** عليه، فيكون عطفا ولا يكون بدلاً، لأن الأوّل منفي، والثاني مثبت، فيكون في النسق كما تقول : قام زيد إلا عمرو، فيكون الثاني عطفا على الأوّل، والتأويل جحد، ولا يكون أن يكون الخبر جحدا، أو الجحد خبرا. قال : وكذلك مَا فَعَلُوهُ إلاّ قَلِيلٌ وقليلاً من نَصَب، فعلى الاستثناء في عبادتكم إياه، ومن رَفَع فعلى العطف، ولا يكون بدلاً.

### الآية 27:66

> ﻿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ ۚ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا ۖ بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ [27:66]

وقوله : بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخرة اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء أهل المدينة سوى أبي جعفر وعامة قرّاء أهل الكوفة : بَلِ ادّارَكَ بكسر اللام من ****«بل »**** وتشديد الدال من **«ادّارك »**، بمعنى : بل تدارك علمهم أي تتابع علمهم بالآخرة هل هي كائنة أم لا، ثم أدغمت التاء في الدال كما قيل : اثّاقَلْتُمْ إلَى الأرْضِ وقد بيّنا ذلك فيما مضى بما فيه الكفاية من إعادته. 
وقرأته عامة قرّاء أهل مكة :**«بَلْ أدرك عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ »** بسكون الدال وفتح الألف، بمعنى هل أدرك علمهم علم الآخرة. وكان أبو عمرو بن العلاء يُنكر فيما ذكر عنه قراءة من قرأ :******«بَلْ أدْرَكَ »****** ويقول : إن ****«بل »**** إيجاب والاستفهام في هذا الموضع إنكار. ومعنى الكلام : إذا قرىء كذلك ******«بَلْ أدْرَكَ »****** لم يكن ذلك لم يدرك علمهم في الآخرة، وبالاستفهام قرأ ذلك ابن محيصن على الوجه الذي ذكرت أن أبا عمرو أنكره. 
وبنحو الذي ذكرت عن المكيين أنهم قرأوه ذُكر عن مجاهد أنه قرأه، غير أنه كان يقرأ في موضع بل : أم. 
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن موسى، قال : حدثنا عثمان بن الأسود، عن مجاهد، أنه قرأ **«أمْ أدْرَكَ عِلْمُهُمْ »** وكان ابن عباس فيما ذُكر عنه يقرأ بإثبات ياء في بل، ثم يبتدئ أدّارك بفتح ألفها على وجه الاستفهام وتشديد الدال. 
حدثنا حميد بن مسعدة، قال : حدثنا بشر بن المفضل، قال : حدثنا شعبة، عن أبي حمزة، عن ابن عباس في هذه الآية :**«بَلى أدّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الاَخِرَةِ »** : أي لم يدرك. 
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن أبي حمزة، قال : سمعت ابن عباس يقرأ بَلى أدّرَاكَ عِلْمُهُمِ فِي الاَخِرَةِ إنما هو استفهام أنه لم يدرك. وكأن ابن عباس وجه ذلك إلى أن مخرجه مخرج الاستهزاء بالمكذّبين بالبعث. 
والصواب من القراءات عندنا في ذلك القراءتان اللتان ذكرت إحداهما عن قَرأَة أهل مكة والبصرة، وهي ********«بَلْ أدْرَكَ عِلْمُهُمْ »******** بسكون لام بل وفتح ألف أدرك وتخفيف دالها، والأخرى منهما عن قرأة الكوفة، وهي بَلِ ادّرَكَ بكسر اللام وتشديد الدال من أدّارك، لأنهما القراءتان المعروفتان في قرّاء الأمصار، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب عندنا. فأما القراءة التي ذُكرت عن ابن عباس، فإنها وإن كانت صحيحة المعنى والإعراب، فخلاف لما عليه مصاحف المسلمين، وذلك أن في بلى زيادة ياء في قراءاته ليست في المصاحف، وهي مع ذلك قراءة لا نعلمها قرأ بها أحد من قرّاء الأمصار. وأما القراءة التي ذكرت عن ابن محيصن، فإن الذي قال فيها أبو عمرو قول صحيح، لأن العرب تحقق ببل ما بعدها لا تنفيه. والاستفهام في هذا الموضع إنكار لا إثبات، وذلك أن الله قد أخبر عن المشركين أنهم من الساعة في شكّ، فقال : بَلْ هُمْ فِي شَكّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ. 
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم : معناه : بل أدرك علمهم في الاَخرة فأيقنوها إذ عاينوها حين لم ينفعهم يقينهم بها، إذ كانوا بها في الدنيا مكذّبين. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال : قال عطاء الخراساني، عن ابن عباس ********«بَلْ أدْرَكَ عِلْمُهُمْ »******** قال : بصرهم في الاَخرة حين لم ينفعهم العلم والبصر. 
وقال آخرون : بل معناه : بل غاب علمهم في الاَخرة. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله :****«بَلْ أدْرَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ »**** يقول : غاب علمهم. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : بَلِ ادّرَكَ عِلْمُهُمْ فِي الاَخِرَةِ قال : يقول : ضلّ علمهم في الآخرة فليس لهم فيها علم، هُمْ مِنْهَا عَمُونَ. 
وقال آخرون : معنى ذلك : لم يبلغ لهم فيها علم. ذكر من قال ذلك :
حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد، قال : ثني أبي، عن جدي، قال : حدثنا الحسين، عن قتَادة في قوله : بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ قال : كان يقرؤها :****«بَلْ أدْرَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ »**** قال : لم يبلغ لهم فيها علم، ولا يصل إليها منهم رغبة. 
وقال آخرون : معنى ذلك : بل أدْرَكَ : أم أدرك. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ********«بَلْ أدْرَكَ عِلْمُهُمْ »******** قال : أم أدرك. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عثمان، عن مجاهد ********«بَلْ أدْرَكَ عِلْمُهُمْ »******** قال : أم أدرك علمهم من أين يدرك علمهم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، بنحوه. 
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب على قراءة من قرأ ******«بَلْ أدْرَكَ »****** القول الذي ذكرناه عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، وهو أن معناه : إذا قرىء كذلك وَما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ بل أدرك علمهم نفس وقت ذلك في الآخرة حين يبعثون، فلا ينفعهم علمهم به حينئذٍ، فأما في الدنيا فإنهم منها في شكّ، بل هم منها عمون. 
وإنما قلت : هذا القول أولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب على القراءة التي ذُكِرَتْ، لأن ذلك أظهر معانيه. وإذ كان ذلك معناه كان في الكلام محذوف قد استُغني بدلالة ما ظهر منه عنه. وذلك أن معنى الكلام : وما يشعرون أيان يُبعثون، بل يشعرون ذلك في الآخرة، فالكلام إذا كان ذلك معناه، وما يشعرون أيان يبعثون، بل أدرك علمهم بذلك في الآخرة، بل هم في الدنيا في شكّ منها. وأما على قراءة من قرأه بَلِ ادّارَكَ بكسر اللام وتشديد الدال، فالقول الذي ذكرنا عن مجاهد، وهو أن يكون معنى بل : أم، والعرب تضع أم موضع بل، وموضع بل : أم، إذا كان في أوّل الكلام استفهام، كما قال الشاعر :

فَوَاللّهِ ما أدْرِي أسَلْمَى تَغَوّلَت  أمِ النّوْمُ أمْ كُلّ إليّ حَبِيبُيعني بذلك بل كلّ إليّ حبيب، فيكون تأويل الكلام : وما يشعرون أيان يبعثون، بل تدارك علمهم في الاَخرة : يعني تتابع علمهم في الآخرة : أي بعلم الآخرة : أي لم يتتابع بذلك ولم يعلموه، بل غاب علمهم عنه، وضلّ فلم يبلغوه ولم يدركوه. 
وقوله : بَلْ هُمْ فِي شَكّ مِنْها  يقول : بل هؤلاء المشركون الذين يسألونك عن الساعة في شك من قيامها لا يوقنون بها ولا يصدّقون بأنهم مبعوثون من بعد الموت، بَلْ هُمْ مِنْهمَا عمُونَ يقول : بل هم من العلم بقيامها عمون.

### الآية 27:67

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ [27:67]

القول في تأويل قوله تعالى :  وَقَالَ الّذِينَ كَفَرُوَاْ أَإِذَا كُنّا تُرَاباً وآباؤنا أَإِنّا لَمُخْرَجُونَ \* لَقَدْ وُعِدْنَا هََذَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هََذَآ إِلاّ أَسَاطِيرُ الأوّلِينَ . 
يقول تعالى ذكره : قال : الذين كفروا بالله أئنا لمخرجون من قبورنا أحياء، كهيئتنا من بعد مماتنا بعد أن كنا فيها ترابا قد بلينا لَقَدْ وُعِدْنا هَذَا نَحْنُ وآباؤُنا مِنْ قَبْلُ يقول : لقد وعدنا هذا من قبل محمد، واعدون وعدوا ذلك آباءنا، فلم نر لذلك حقيقة، ولم نتبين له صحة إنْ هذَا إلاّ أساطِيرُ الأوّلِينَ يقول : قالوا : ما هذا الوعد إلا ما سطّر الأوّلون من الأكاذيب في كتبهم، فأثبتوه فيها وتحدّثوا به من غير أن يكون له صحة.

### الآية 27:68

> ﻿لَقَدْ وُعِدْنَا هَٰذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [27:68]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٦٧:القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ الّذِينَ كَفَرُوَاْ أَإِذَا كُنّا تُرَاباً وآباؤنا أَإِنّا لَمُخْرَجُونَ \* لَقَدْ وُعِدْنَا هََذَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هََذَآ إِلاّ أَسَاطِيرُ الأوّلِينَ . 
يقول تعالى ذكره : قال : الذين كفروا بالله أئنا لمخرجون من قبورنا أحياء، كهيئتنا من بعد مماتنا بعد أن كنا فيها ترابا قد بلينا لَقَدْ وُعِدْنا هَذَا نَحْنُ وآباؤُنا مِنْ قَبْلُ يقول : لقد وعدنا هذا من قبل محمد، واعدون وعدوا ذلك آباءنا، فلم نر لذلك حقيقة، ولم نتبين له صحة إنْ هذَا إلاّ أساطِيرُ الأوّلِينَ يقول : قالوا : ما هذا الوعد إلا ما سطّر الأوّلون من الأكاذيب في كتبهم، فأثبتوه فيها وتحدّثوا به من غير أن يكون له صحة. ---

### الآية 27:69

> ﻿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ [27:69]

القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ سِيرُواْ فِي الأرْضِ فَاْنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ \* وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قُلْ يا محمد لهؤلاء المكذّبين ما جئتهم به من الأنباء من عند ربك : سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا إلى ديار من كان قبلكم من المكذّبين رسلَ الله ومساكنهم كيف هي، ألم يخرّبها الله، ويهلك أهلها بتكذيبهم رسلهم، وردّهم عليهم نصائحهم فخلت منهم الديار وتعّفت منهم الرسوم والآثار، فإن ذلك كان عاقبة إجرامهم، وذلك سنة ربكم في كلّ من سلك سبيلهم في تكذيب رسل ربهم، والله فاعل ذلك بكم إن أنتم لم تبادروا الإنابة من كفركم وتكذيبكم رسول ربكم.

### الآية 27:70

> ﻿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [27:70]

وقوله : وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ  يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ولا تحزن على إدبار هؤلاء المشركين عنك وتكذيبهم لك  وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ  يقول : ولا يضق صدرك من مكرهم بك، فإن الله ناصرك عليهم، ومهلكهم قتلاً بالسيف.

### الآية 27:71

> ﻿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [27:71]

القول في تأويل قوله تعالى : وَيَقُولُونَ مَتَىَ هََذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ \* قُلْ عَسَىَ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الّذِي تَسْتَعْجِلُونَ . 
يقول تعالى ذكره : ويقول مشركو قومك يا محمد، المكذّبوك فيما أتيتهم به من عند ربك. مَتى يكون هَذَا الوَعْدُ الذي تعدُناه من العذاب، الذي هو بنا فيما تقول حالّ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فيما تعدوننا به قُلْ عَسَى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ يقول جلّ جلاله : قل لهم يا محمد : عسى أن يكون اقترب لكم ودنا بَعْضُ الّذِي تَسْتَعْجِلُونَ من عذاب الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : قُلْ عَسَى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ يقول : اقترب لكم. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : قُلْ عَسَى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الّذِي تَسْتَعْجِلُونَ  يقول : اقترب لكم بعض الذي تستعجلون. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : عَسَى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ  قال : ردف : أعجل لكم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله : قُلْ عَسَى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الّذِي تَسْتَعْجِلُونَ  قال : أزِف. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : رَدِفَ لَكُمْ اقترب لكم. 
واختلف أهل العربية في وجه دخول اللام في قوله : رَدفَ لَكُمْ وكلام العرب المعروف : ردفه أمرٌ، وأردفه، كما يقال : تبعه وأتبعه، فقال بعض نحويي البصرة : أدخل اللام في ذلك فأضاف بها الفعل كما يقال : للرّؤْيا تَعْبُرُون ولِرَبّهِمْ يَرْهَبُونَ. وقال بعض نحويي الكوفة : أدخل اللام في ذلك للمعنى، لأن معناه : دنا لهم، كما قال الشاعر :
\*\*\* فَقُلْتُ لَها الحاجاتُ يَطْرَحْنَ بالفَتى \*\*\*
فأدخل الياء في يطرحن، وإنما يقال طرحته، لأن معنى الطرح : الرمي، فأدخل الباء للمعنى، إذ كان معنى ذلك يرمين بالفتى، وهذا القول الثاني هو أولاهما عندي بالصواب، وقد مضى البيان عن نظائره في غير موضع من الكتاب بما أغنى عن تكراره في هذا الموضع. 
وبنحو الذي قلنا في معنى قوله : تَسْتَعْجِلُونَ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج  رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الّذِي تَسْتَعْجِلُونَ  قال : من العذاب.

### الآية 27:72

> ﻿قُلْ عَسَىٰ أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ [27:72]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧١:القول في تأويل قوله تعالى : وَيَقُولُونَ مَتَىَ هََذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ \* قُلْ عَسَىَ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الّذِي تَسْتَعْجِلُونَ . 
يقول تعالى ذكره : ويقول مشركو قومك يا محمد، المكذّبوك فيما أتيتهم به من عند ربك. مَتى يكون هَذَا الوَعْدُ الذي تعدُناه من العذاب، الذي هو بنا فيما تقول حالّ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فيما تعدوننا به قُلْ عَسَى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ يقول جلّ جلاله : قل لهم يا محمد : عسى أن يكون اقترب لكم ودنا بَعْضُ الّذِي تَسْتَعْجِلُونَ من عذاب الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : قُلْ عَسَى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ يقول : اقترب لكم. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : قُلْ عَسَى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الّذِي تَسْتَعْجِلُونَ  يقول : اقترب لكم بعض الذي تستعجلون. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله : عَسَى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ  قال : ردف : أعجل لكم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله : قُلْ عَسَى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الّذِي تَسْتَعْجِلُونَ  قال : أزِف. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : رَدِفَ لَكُمْ اقترب لكم. 
واختلف أهل العربية في وجه دخول اللام في قوله : رَدفَ لَكُمْ وكلام العرب المعروف : ردفه أمرٌ، وأردفه، كما يقال : تبعه وأتبعه، فقال بعض نحويي البصرة : أدخل اللام في ذلك فأضاف بها الفعل كما يقال : للرّؤْيا تَعْبُرُون ولِرَبّهِمْ يَرْهَبُونَ. وقال بعض نحويي الكوفة : أدخل اللام في ذلك للمعنى، لأن معناه : دنا لهم، كما قال الشاعر :
\*\*\* فَقُلْتُ لَها الحاجاتُ يَطْرَحْنَ بالفَتى \*\*\*
فأدخل الياء في يطرحن، وإنما يقال طرحته، لأن معنى الطرح : الرمي، فأدخل الباء للمعنى، إذ كان معنى ذلك يرمين بالفتى، وهذا القول الثاني هو أولاهما عندي بالصواب، وقد مضى البيان عن نظائره في غير موضع من الكتاب بما أغنى عن تكراره في هذا الموضع. 
وبنحو الذي قلنا في معنى قوله : تَسْتَعْجِلُونَ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج  رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الّذِي تَسْتَعْجِلُونَ  قال : من العذاب. ---

### الآية 27:73

> ﻿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ [27:73]

القول في تأويل قوله تعالى :  وَإِنّ رَبّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلََكِنّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ \* وَإِنّ رَبّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ . يقول تعالى ذكره : وَإنّ رَبكَ يا محمد لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ بتركه معاجلتهم بالعقوبة على معصيتهم إياه، وكفرهم به، وذو إحسان إليهم في ذلك وفي غيره من نعمه عندهم وَلَكِنّ أكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَهُ على ذلك من إحسانه وفضله عليهم، فيخلصوا له العبادة، ولكنهم يشركون معه في العبادة ما يضرّهم ولا ينفعهم ومن لا فضل له عندهم ولا إحسان.

### الآية 27:74

> ﻿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ [27:74]

وقوله : وَإنّ رَبّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ  يقول : وإن ربك ليعلم ضمائر صدور خلقه، ومكنون أنفسهم، وخفيّ أسرارهم، وعلانية أمورهم الظاهرة، لا يخفى عليه شيء من ذلك، وهو محصيها عليهم حتى يجازي جميعهم بالإحسان إحسانا وبالإساءة جزاءها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : ثني الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج وَإنّ رَبّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنّ صُدُورُهُمْ قال : السرّ.

### الآية 27:75

> ﻿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [27:75]

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا مِنْ غَآئِبَةٍ فِي السّمَآءِ وَالأرْضِ إِلاّ فِي كِتَابٍ مّبِينٍ \* إِنّ هََذَا الْقُرْآنَ يَقُصّ عَلَىَ بَنِيَ إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ . 
يقول تعالى ذكره : وَمَا مِنْ مكتوم سرّ وخفيّ أمر يغيب عن أبصار الناظرين فِي السَمَاءِ وَالأرْضِ إلاّ فِي كِتَابٍ وهو أمّ الكتاب الذي أثبت ربنا فيه كلّ ما هو كائن من لدن ابتدأ خلق خلقه إلى يوم القيامة. ويعني بقوله : مُبِينٌ أنه يبين لمن نظر إليه، وقرأ ما فيه مما أثبت فيه ربنا جلّ ثناؤه. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السّماءِ والأرْضِ إلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ يقول : ما من شيء في السماء والأرض سرّ ولا علانية إلا يعلمه.

### الآية 27:76

> ﻿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [27:76]

وقوله : إنّ هَذَا القُرآنَ يَقُصّ عَلى بَنِي إسْرَائِيلَ أكْثَرَ الّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ يقول تعالى ذكره : إن هذا القرآن الذي أنزلته إليك يا محمد يقصّ على بني إسرائيل الحقّ في أكثر الأشياء التي اختلفوا فيها، وذلك كالذي اختلفوا فيه من أمر عيسى، فقالت اليهود فيه ما قالت، وقالت النصارى فيه ما قالت، وتبرأ لاختلافهم فيه هؤلاء من هؤلاء، وهؤلاء من هؤلاء، وغير ذلك من الأمور التي اختلفوا فيها، فقال جلّ ثناؤه لهم : إن هذا القرآن يقصّ عليكم الحقّ فيما اختلفتم فيه فاتبعوه، وأقرّوا لما فيه، فإنه يقصّ عليكم بالحقّ، ويهديكم إلى سبيل الرشاد.

### الآية 27:77

> ﻿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [27:77]

القول في تأويل قوله تعالى :  وَإِنّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤمِنِينَ \* إِن رَبّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ . 
يقول تعالى ذكره : إن هذا القرآن لهدى، يقول : لبيان من الله، بين به الحقّ فيما اختلف فيه خلقه من أمور دينهم وَرَحْمَةٌ للْمُؤْمِنِينَ يقول : ورحمة لمن صدق به وعمل بما فيه إنّ رَبّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يقول : إن ربك يقضي بين المختلفين من بني إسرائيل بحكمه فيهم، فينتقم من المبطل منهم، ويجازي المحسن منهم المحقّ بجزائه وَهُوَ العَزِيزُ العَلِيمُ يقول : وربك العزيز في انتقامه من المبطل منهم ومن غيرهم، لا يقدر أحد على منعه من الانتقام منه إذا انتقم العليم بالمحقّ المحسن من هؤلاء المختلفين من بني إسرائيل فيما اختلفوا فيه، ومن غيرهم من المبطل الضالّ عن الهدى.

### الآية 27:78

> ﻿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [27:78]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧٧:القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤمِنِينَ \* إِن رَبّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ . 
يقول تعالى ذكره : إن هذا القرآن لهدى، يقول : لبيان من الله، بين به الحقّ فيما اختلف فيه خلقه من أمور دينهم وَرَحْمَةٌ للْمُؤْمِنِينَ يقول : ورحمة لمن صدق به وعمل بما فيه إنّ رَبّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يقول : إن ربك يقضي بين المختلفين من بني إسرائيل بحكمه فيهم، فينتقم من المبطل منهم، ويجازي المحسن منهم المحقّ بجزائه وَهُوَ العَزِيزُ العَلِيمُ يقول : وربك العزيز في انتقامه من المبطل منهم ومن غيرهم، لا يقدر أحد على منعه من الانتقام منه إذا انتقم العليم بالمحقّ المحسن من هؤلاء المختلفين من بني إسرائيل فيما اختلفوا فيه، ومن غيرهم من المبطل الضالّ عن الهدى. ---

### الآية 27:79

> ﻿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ [27:79]

القول في تأويل قوله تعالى :  فَتَوَكّلْ عَلَى اللّهِ إِنّكَ عَلَى الْحَقّ الْمُبِينِ \* إِنّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَىَ وَلاَ تُسْمِعُ الصّمّ الدّعَآءَ إِذَا وَلّوْاْ مُدْبِرِينَ . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ففوّض إلى الله يا محمد أمورك، وثق به فيها، فإنه كافيك إنّكَ عَلى الحَقّ المُبِين لمن تأمّله، وفكر ما فيه بعقل، وتدبره بفهم، أنه الحقّ، دون ما عليه اليهود والنصارى المختلفون من بني إسرائيل، ودون ما عليه أهل الأوثان المكذّبوك فيما أتيتهم به من الحقّ، يقول : فلا يحزنك تكذيب من كذّبك، وخلاف من خالفك، وامض لأمر ربك الذي بعثك به.

### الآية 27:80

> ﻿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ [27:80]

وقوله : إنّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتَى يقول : إنك يا محمد لا تقدر أن تُفهِم الحقّ من طبع الله على قلبه فأماته، لأن الله قد ختم عليه أن لا يفهمه ولاَ تُسْمِعَ الصّمّ الدّعاءَ يقول : ولا تقدر أن تسمع ذلك من أصمّ الله عن سماعه سمعه إذَا وَلّوْا مُدْبِرِينَ يقول : إذا هم أدبروا معرضين عنه، لا يسمعون له لغلبة دين الكفر على قلوبهم، ولا يُصغون للحقّ، ولا يتدبرونه، ولا ينصتون لقائله، ولكنهم يعرضون عنه، وينكرون القول به، والاستماع له.

### الآية 27:81

> ﻿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ ۖ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ [27:81]

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَآ أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلاّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مّسْلِمُونَ \* وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبّةً مّنَ الأرْضِ تُكَلّمُهُمْ أَنّ النّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ . 
اختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين : وما أنْتَ بِهادِي بالياء والألف وإضافته إلى العمي بمعنى : لست يا محمد بهادي من عمي عن الحقّ عَنْ ضَلالَتِهِ. وقراءة عامة قرّاء الكوفة **«وَما أنْتَ تَهْدِي العُمْىَ »** بالتاء ونصب العمي، بمعنى : ولست تهديهم عَنْ ضَلالَتهِمْ ولكن الله يهديهم إن شاء. 
والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان متقاربتا المعنى مشهورتان في قرّاء الأمصار، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وتأويل الكلام ما وصفت وَما أنتَ يا محمد بِهادِي من أعماه الله عن الهدى والرشاد فجعل على بصره غشاوة أن يتبين سبيل الرشاد عن ضلالته التي هو فيها إلى طريق الرشاد وسبيل الرشاد. وقوله : إنْ تُسْمِعُ إلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بآياتِنا يقول : ما تقدر أن تُفهم الحقّ وتوعيه أحدا إلا سمع من يصدّق بآياتنا، يعني بأدلته وحججه وآي تنزيله فَهُمْ مُسْلمُونَ فإن أولئك يسمعون منك ما تقول ويتدبرونه، ويفكرون فيه، ويعملون به، فهم الذين يسمعون. 
ذكر من قال مثل الذي قلنا في قوله تعالى : وَقَع :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : وَإذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ قال : حقّ عليهم. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله : وَإذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهُمْ يقول : إذا وجب القول عليهم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ قال : حقّ العذاب. 
قال ابن جُرَيج : القول : العذاب. ذكر من قال قولنا في معنى القول :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة وَإذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ والقول : الغضب. 
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، عن هشام، عن حفصة، قالت : سألت أبا العالية، عن قوله : وَإذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ فقال : أوحى الله إلى نوح إنّهُ لَنْ يُؤْمِنُ مِنَ قَوْمِكَ إلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ قالت : فكأنما كان على وجهي غطاء فكشف. 
وقال جماعة من أهل العلم : خروج هذه الدابة التي ذكرها حين لا يأمر الناس بمعروف ولا ينهون عن منكر. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا الأشجعي، عن سفيان، عن عمرو بن قيس، عن عطية العوفي، عن ابن عمر في قوله : وَإذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهُمْ دَابّةً مِنَ الأرْضِ قال : هو حين لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر. 
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا محمد بن الحسن أبو الحسن، قال : حدثنا عمرو بن قيس الملائي، عن عطية، عن ابن عمر، في قوله : وَإذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهُمْ دَابّةً مِنَ الأرْضِ قال : ذاك إذا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا سفيان، عن عمرو بن قيس، عن عطية، عن ابن عمر، في قوله : أخْرَجْنا لَهُمْ دَابّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلّمُهُمْ قال : حين لا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر. 
حدثني محمد بن عمرو المقدسي، قال : حدثنا أشعث بن عبد الله السجستاني، قال : حدثنا شعبة، عن عطية، في قوله : وَإذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهُمْ دَابّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلّمُهُمْ قال : إذا لم يعرفوا معروفا، ولم ينكروا منكرا. 
وذُكر أن الأرض التي تخرج منها الدابة مكة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كُريب، قال : ثني الأشجعي، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن ابن عمر، قال : تخرج الدابة من صَدع في الصفا كجري الفرس ثلاثة أيام وما خرج ثلثها. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا الحكم بن بشير، قال : حدثنا عمرو بن قيس، عن الفرات القزاز، عن عامر بن واثلة أبي الطفيل، عن حُذيفة بن أسيد الغفاري، قال : إن الدابة حين تخرج يراها بعض الناس فيقولون : والله لقد رأينا الدابة، حتى يبلغ ذلك الإمام، فيطلب فلا يقدر على شيء. قال : ثم تخرج فيراها الناس، فيقولون : والله لقد رأيناها، فيبلغ ذلك الإمام فيطلب فلا يرى شيئا، فيقول : أما إني إذا حدث الذي يذكرها قال : حتى يعدّ فيها القتل، قال : فتخرج، فإذا رآها الناس دخلوا المسجد يصلون، فتجيء إليهم فتقول : الآن تصلون، فتخطم الكافر، وتمسح على جبين المسلم غرّة، قال : فيعيش الناس زمانا يقول هذا : يا مؤمن، وهذا : يا كافر. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا عثمان بن مطر، عن واصل مولى أبي عيينة، عن أبي الطفيل عن حُذيفة، وأبي سفيان، حدثنا عن معمر، عن قيس بن سعد، عن أبي الطفيل، عن حُذيفة بن أسيد، في قوله : أخْرَجْنا لَهُمْ دَابّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلّمُهُمْ قال : للدابة ثلاث خرجات : خرجة في بعض البوادي ثم تكمن، وخرجة في بعض القُرى حين يريق فيها الأمراء الدماء، ثم تكمن، فبينا الناس عند أشرف المساجد وأعظمها وأفضلها، إذ ارتفعت بهم الأرض، فانطلق الناس هرابا، وتبقى طائفة من المؤمنين، ويقولون : إنه لا ينجينا من الله شيء، فتخرج عليهم الدابة تجلو وجوههم مثل الكوكب الدرّيّ ثم تنطلق فلا يدركها طالب ولا يفوتها هارب، وتأتي الرجل يصليّ، فيقول : والله ما كنت من أهل الصلاة، فيلتفت إليها فتخطمه، قال : تجلو وجه المؤمن، وتخطم الكافر، قلنا : فما الناس يومئذٍ ؟ قال : جيران في الرباع، وشركاء في الأموال، وأصحاب في الأسفار. 
حدثني أبو السائب، قال : حدثنا ابن فضيل، عن الوليد بن جميع، عن عبد الملك بن المُغيرة، عن عبد الرحمن بن البيلماني، عن ابن عمر : يبيت الناس يسيرون إلى جمع، وتبيت دابة الأرض تسايرهم، فيصبحون وقد خطمتهم من رأسها وذنبها، فما من مؤمن إلا مسحته، ولا من كافر ولا منافق إلا تخبطه. 
حدثنا مجاهد بن موسى، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا الخيبري، عن حيان بن عمير، عن حسان بن حمصة، قال : سمعت عبد الله بن عمرو يقول : لو شئت لانتعلت بنعليّ هاتين، فلم أمسّ الأرض قاعدا حتى أقف على الأحجار التي تخرج الدابة من بينها، ولكأني بها قد خرجت في عقب ركَب من الحاجّ، قال : فما حججت قطّ إلا خفت تخرج بعقبنا. 
حدثنا عمرو بن عبد الحميد الآملي، قال : حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن قيس بن سعد، عن عطاء، قال : رأيت عبد الله بن عمرو، وكان منزله قريبا من الصفا، رفع قدمه وهو قائم، وقال : لو شئت لم أضعها حتى أضعها على المكان الذي تخرج منه الدابة. 
حدثنا عصام بن روّاد بن الجراح، قال : حدثنا أبي، قال : حدثنا سفيان بن سعيد الثوريّ، قال : حدثنا منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حراش، قال : سمعت حُذيفة بن اليمان يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : وذكر الدابة، فقال حُذيفة : قلت يا رسول الله، من أين تخرج ؟ قال :**«مِنْ أعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةً عَلى اللّهِ، بَيْنَما عِيَسى يَطُوفُ بالبَيْتِ وَمَعَهُ المُسْلِمُونَ، إذْ تَضْطَربُ الأرْضُ تَحْتَهُمْ، تَحَرّكَ القِنْدِيلِ، وَيَنْشَق الصّفا مِمّا يَلي المَسْعَى، وَتخْرُجُ الدّابّةُ مِنَ الصّفا أوّلُ ما يَبْدُو رأسُها مُلَمّعَةٌ ذَاتُ وّبَرٍ وَرِيشٍ، لَمْ يُدْرِكْها طالِبٌ، وَلَنْ يَفُوَتها هارِبٌ، تَسِمُ النّاسَ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، أمّا المُؤْمِنُ فَتَتْرُكَ وَجْهَهُ كأنّهُ كَوْكَبٌ دُرّيّ، وتَكْتُبُ بينَ عَيْنَيْهِ مُؤْمِنٌ، وأمّا الكافِرُ فَتَنْكُتُ بينَ عَيْنَيْهِ نُكْتَةً سَوْدَاءَ كافِرٌ »**. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو الحسين، عن حماد بن سلمة، عن عليّ بن زيد بن جدعان، عن أوس بن خالد، عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«تَخْرُجُ الدّابّةُ مَعَها خاتَمُ سَلَيْمانَ وَعَصا مُوسَى، فَتَجْلُو وَجْهَ المُؤْمِنِ بالْعَصَا، وَتخْتِمُ أنْفَ الكافِرِ بالخاتِمِ، حتى إنّ أهْلَ البَيْتِ لَيَجْتَمِعُونَ فَيَقُولُ هَذَا. يا مُؤْمِنُ، وَيَقُولُ هَذَا : يا كاِفُر »**. 
قال : ثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قَتادة، قال : هي دابة ذات زغب وريش، ولها أربع قوائم تخرج من بعض أودية تهامة، قال : قال عبد الله بن عمر : إنها تنكت في وجه الكافر نكتة سوداء، فتفشو في وجهه، فيسودّ وجهه، وتنكت في وجه المؤمن نكتة بيضاء فتفشو في وجهه، حتى يبيضّ وجهه، فيجلس أهل البيت على المائدة، فيعرفون المؤمن من الكافر، ويتبايعون في الأسواق، فيعرفون المؤمن من الكافر. 
حدثني ابن عبد الرحيم البرقي، قال : حدثنا ابن أبي مريم، قال : حدثنا ابن لهيعة ويحيى بن أيوب، قالا : حدثنا ابن الهاد، عن عمر بن الحكم، أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول : تخرج الدابة من شعب، فيمسّ رأسها السحاب، ورجلاها في الأرض ما خرجتا، فتمرّ بالإنسان يصلي، فتقول : ما الصلاة من حاجتك فتخطمه. 
حدثنا صالح بن مسمار، قال : حدثنا ابن أبي فديك، قال : حدثنا يزيد بن عياض، عن محمد بن إسحاق، أنه بلغه عن عبد الله بن عمرو، قال : تخرج دابة الأرض ومعها خاتم سليمان وعصا موسى، فأما الكافر فتختم بين عينيه بخاتم سليمان، وأما المؤمن فتمسح وجهه بعصا موسى فيبيضّ. 
واختلفت القرّاء في قراءة قوله : تُكَلّمُهُمْ فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار : تُكلّمُهُمْ بضمُ التاء وتشديد اللام، بمعنى تخبرهم وتحدثهم، وقرأه أبو زرعة بن عمرو :**«تَكْلِمُهُمْ »** بفتح التاء وتخفيف اللام بمعنى : تسمهم. 
والقراءة التي لا أستجيز غيرها في ذلك ما عليه قرّاء الأمصار. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : أخْرَجْنا لَهُمْ دَابّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلّمُهُمْ قال : تحدثهم. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله : أخْرَجْنا لَهُمْ دَابّةً مِنْ الأَرْضِ تُكَلّمُهُمْ وهي في بعض القراءة **«تحدثهم »** تقول لهم : أَنّ النّاس كَانُوا بِآياتِنَا لاَ يُوقِنُونَ. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، في قوله : تُكَلّمُهُمْ قال : كلامها تنبئهم أنّ النّاس كانُوا بِآياتِنَا لاَ يُوقِنُونَ. 
وقوله : أنّ النّاسَ كانُوا بآياتِنا لا يُوقِنُونَ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والبصرة والشام :«

### الآية 27:82

> ﻿۞ وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ [27:82]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٨١:القول في تأويل قوله تعالى : وَمَآ أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلاّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مّسْلِمُونَ \* وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبّةً مّنَ الأرْضِ تُكَلّمُهُمْ أَنّ النّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ . 
اختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين : وما أنْتَ بِهادِي بالياء والألف وإضافته إلى العمي بمعنى : لست يا محمد بهادي من عمي عن الحقّ عَنْ ضَلالَتِهِ. وقراءة عامة قرّاء الكوفة ****«وَما أنْتَ تَهْدِي العُمْىَ »**** بالتاء ونصب العمي، بمعنى : ولست تهديهم عَنْ ضَلالَتهِمْ ولكن الله يهديهم إن شاء. 
والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان متقاربتا المعنى مشهورتان في قرّاء الأمصار، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وتأويل الكلام ما وصفت وَما أنتَ يا محمد بِهادِي من أعماه الله عن الهدى والرشاد فجعل على بصره غشاوة أن يتبين سبيل الرشاد عن ضلالته التي هو فيها إلى طريق الرشاد وسبيل الرشاد. وقوله : إنْ تُسْمِعُ إلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بآياتِنا يقول : ما تقدر أن تُفهم الحقّ وتوعيه أحدا إلا سمع من يصدّق بآياتنا، يعني بأدلته وحججه وآي تنزيله فَهُمْ مُسْلمُونَ فإن أولئك يسمعون منك ما تقول ويتدبرونه، ويفكرون فيه، ويعملون به، فهم الذين يسمعون. 
ذكر من قال مثل الذي قلنا في قوله تعالى : وَقَع :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : وَإذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ قال : حقّ عليهم. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله : وَإذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهُمْ يقول : إذا وجب القول عليهم. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ قال : حقّ العذاب. 
قال ابن جُرَيج : القول : العذاب. ذكر من قال قولنا في معنى القول :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة وَإذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ والقول : الغضب. 
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، عن هشام، عن حفصة، قالت : سألت أبا العالية، عن قوله : وَإذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ فقال : أوحى الله إلى نوح إنّهُ لَنْ يُؤْمِنُ مِنَ قَوْمِكَ إلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ قالت : فكأنما كان على وجهي غطاء فكشف. 
وقال جماعة من أهل العلم : خروج هذه الدابة التي ذكرها حين لا يأمر الناس بمعروف ولا ينهون عن منكر. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا الأشجعي، عن سفيان، عن عمرو بن قيس، عن عطية العوفي، عن ابن عمر في قوله : وَإذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهُمْ دَابّةً مِنَ الأرْضِ قال : هو حين لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر. 
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا محمد بن الحسن أبو الحسن، قال : حدثنا عمرو بن قيس الملائي، عن عطية، عن ابن عمر، في قوله : وَإذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهُمْ دَابّةً مِنَ الأرْضِ قال : ذاك إذا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا سفيان، عن عمرو بن قيس، عن عطية، عن ابن عمر، في قوله : أخْرَجْنا لَهُمْ دَابّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلّمُهُمْ قال : حين لا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر. 
حدثني محمد بن عمرو المقدسي، قال : حدثنا أشعث بن عبد الله السجستاني، قال : حدثنا شعبة، عن عطية، في قوله : وَإذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهُمْ دَابّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلّمُهُمْ قال : إذا لم يعرفوا معروفا، ولم ينكروا منكرا. 
وذُكر أن الأرض التي تخرج منها الدابة مكة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كُريب، قال : ثني الأشجعي، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن ابن عمر، قال : تخرج الدابة من صَدع في الصفا كجري الفرس ثلاثة أيام وما خرج ثلثها. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا الحكم بن بشير، قال : حدثنا عمرو بن قيس، عن الفرات القزاز، عن عامر بن واثلة أبي الطفيل، عن حُذيفة بن أسيد الغفاري، قال : إن الدابة حين تخرج يراها بعض الناس فيقولون : والله لقد رأينا الدابة، حتى يبلغ ذلك الإمام، فيطلب فلا يقدر على شيء. قال : ثم تخرج فيراها الناس، فيقولون : والله لقد رأيناها، فيبلغ ذلك الإمام فيطلب فلا يرى شيئا، فيقول : أما إني إذا حدث الذي يذكرها قال : حتى يعدّ فيها القتل، قال : فتخرج، فإذا رآها الناس دخلوا المسجد يصلون، فتجيء إليهم فتقول : الآن تصلون، فتخطم الكافر، وتمسح على جبين المسلم غرّة، قال : فيعيش الناس زمانا يقول هذا : يا مؤمن، وهذا : يا كافر. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا عثمان بن مطر، عن واصل مولى أبي عيينة، عن أبي الطفيل عن حُذيفة، وأبي سفيان، حدثنا عن معمر، عن قيس بن سعد، عن أبي الطفيل، عن حُذيفة بن أسيد، في قوله : أخْرَجْنا لَهُمْ دَابّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلّمُهُمْ قال : للدابة ثلاث خرجات : خرجة في بعض البوادي ثم تكمن، وخرجة في بعض القُرى حين يريق فيها الأمراء الدماء، ثم تكمن، فبينا الناس عند أشرف المساجد وأعظمها وأفضلها، إذ ارتفعت بهم الأرض، فانطلق الناس هرابا، وتبقى طائفة من المؤمنين، ويقولون : إنه لا ينجينا من الله شيء، فتخرج عليهم الدابة تجلو وجوههم مثل الكوكب الدرّيّ ثم تنطلق فلا يدركها طالب ولا يفوتها هارب، وتأتي الرجل يصليّ، فيقول : والله ما كنت من أهل الصلاة، فيلتفت إليها فتخطمه، قال : تجلو وجه المؤمن، وتخطم الكافر، قلنا : فما الناس يومئذٍ ؟ قال : جيران في الرباع، وشركاء في الأموال، وأصحاب في الأسفار. 
حدثني أبو السائب، قال : حدثنا ابن فضيل، عن الوليد بن جميع، عن عبد الملك بن المُغيرة، عن عبد الرحمن بن البيلماني، عن ابن عمر : يبيت الناس يسيرون إلى جمع، وتبيت دابة الأرض تسايرهم، فيصبحون وقد خطمتهم من رأسها وذنبها، فما من مؤمن إلا مسحته، ولا من كافر ولا منافق إلا تخبطه. 
حدثنا مجاهد بن موسى، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا الخيبري، عن حيان بن عمير، عن حسان بن حمصة، قال : سمعت عبد الله بن عمرو يقول : لو شئت لانتعلت بنعليّ هاتين، فلم أمسّ الأرض قاعدا حتى أقف على الأحجار التي تخرج الدابة من بينها، ولكأني بها قد خرجت في عقب ركَب من الحاجّ، قال : فما حججت قطّ إلا خفت تخرج بعقبنا. 
حدثنا عمرو بن عبد الحميد الآملي، قال : حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن قيس بن سعد، عن عطاء، قال : رأيت عبد الله بن عمرو، وكان منزله قريبا من الصفا، رفع قدمه وهو قائم، وقال : لو شئت لم أضعها حتى أضعها على المكان الذي تخرج منه الدابة. 
حدثنا عصام بن روّاد بن الجراح، قال : حدثنا أبي، قال : حدثنا سفيان بن سعيد الثوريّ، قال : حدثنا منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حراش، قال : سمعت حُذيفة بن اليمان يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : وذكر الدابة، فقال حُذيفة : قلت يا رسول الله، من أين تخرج ؟ قال :****«مِنْ أعْظَمِ المَساجِدِ حُرْمَةً عَلى اللّهِ، بَيْنَما عِيَسى يَطُوفُ بالبَيْتِ وَمَعَهُ المُسْلِمُونَ، إذْ تَضْطَربُ الأرْضُ تَحْتَهُمْ، تَحَرّكَ القِنْدِيلِ، وَيَنْشَق الصّفا مِمّا يَلي المَسْعَى، وَتخْرُجُ الدّابّةُ مِنَ الصّفا أوّلُ ما يَبْدُو رأسُها مُلَمّعَةٌ ذَاتُ وّبَرٍ وَرِيشٍ، لَمْ يُدْرِكْها طالِبٌ، وَلَنْ يَفُوَتها هارِبٌ، تَسِمُ النّاسَ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، أمّا المُؤْمِنُ فَتَتْرُكَ وَجْهَهُ كأنّهُ كَوْكَبٌ دُرّيّ، وتَكْتُبُ بينَ عَيْنَيْهِ مُؤْمِنٌ، وأمّا الكافِرُ فَتَنْكُتُ بينَ عَيْنَيْهِ نُكْتَةً سَوْدَاءَ كافِرٌ »****. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو الحسين، عن حماد بن سلمة، عن عليّ بن زيد بن جدعان، عن أوس بن خالد، عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :****«تَخْرُجُ الدّابّةُ مَعَها خاتَمُ سَلَيْمانَ وَعَصا مُوسَى، فَتَجْلُو وَجْهَ المُؤْمِنِ بالْعَصَا، وَتخْتِمُ أنْفَ الكافِرِ بالخاتِمِ، حتى إنّ أهْلَ البَيْتِ لَيَجْتَمِعُونَ فَيَقُولُ هَذَا. يا مُؤْمِنُ، وَيَقُولُ هَذَا : يا كاِفُر »****. 
قال : ثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قَتادة، قال : هي دابة ذات زغب وريش، ولها أربع قوائم تخرج من بعض أودية تهامة، قال : قال عبد الله بن عمر : إنها تنكت في وجه الكافر نكتة سوداء، فتفشو في وجهه، فيسودّ وجهه، وتنكت في وجه المؤمن نكتة بيضاء فتفشو في وجهه، حتى يبيضّ وجهه، فيجلس أهل البيت على المائدة، فيعرفون المؤمن من الكافر، ويتبايعون في الأسواق، فيعرفون المؤمن من الكافر. 
حدثني ابن عبد الرحيم البرقي، قال : حدثنا ابن أبي مريم، قال : حدثنا ابن لهيعة ويحيى بن أيوب، قالا : حدثنا ابن الهاد، عن عمر بن الحكم، أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول : تخرج الدابة من شعب، فيمسّ رأسها السحاب، ورجلاها في الأرض ما خرجتا، فتمرّ بالإنسان يصلي، فتقول : ما الصلاة من حاجتك فتخطمه. 
حدثنا صالح بن مسمار، قال : حدثنا ابن أبي فديك، قال : حدثنا يزيد بن عياض، عن محمد بن إسحاق، أنه بلغه عن عبد الله بن عمرو، قال : تخرج دابة الأرض ومعها خاتم سليمان وعصا موسى، فأما الكافر فتختم بين عينيه بخاتم سليمان، وأما المؤمن فتمسح وجهه بعصا موسى فيبيضّ. 
واختلفت القرّاء في قراءة قوله : تُكَلّمُهُمْ فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار : تُكلّمُهُمْ بضمُ التاء وتشديد اللام، بمعنى تخبرهم وتحدثهم، وقرأه أبو زرعة بن عمرو :****«تَكْلِمُهُمْ »**** بفتح التاء وتخفيف اللام بمعنى : تسمهم. 
والقراءة التي لا أستجيز غيرها في ذلك ما عليه قرّاء الأمصار. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : أخْرَجْنا لَهُمْ دَابّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلّمُهُمْ قال : تحدثهم. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله : أخْرَجْنا لَهُمْ دَابّةً مِنْ الأَرْضِ تُكَلّمُهُمْ وهي في بعض القراءة ****«تحدثهم »**** تقول لهم : أَنّ النّاس كَانُوا بِآياتِنَا لاَ يُوقِنُونَ. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، في قوله : تُكَلّمُهُمْ قال : كلامها تنبئهم أنّ النّاس كانُوا بِآياتِنَا لاَ يُوقِنُونَ. 
وقوله : أنّ النّاسَ كانُوا بآياتِنا لا يُوقِنُونَ اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والبصرة والشام :«---

### الآية 27:83

> ﻿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ [27:83]

القول في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلّ أُمّةٍ فَوْجاً مّمّن يُكَذّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ \* حَتّىَ إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً أَمّا ذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ . 
يقول تعالى ذكره : ويوم نجمع من كلّ قرن وملة فوجا، يعني جماعة منهم، وزمرة مِمّنْ يُكَذّبُ بآياتِنا يقول : ممن يكذّب بأدلتنا وحججنا، فهو يحبس أوّلهم على آخرهم، ليجتمع جميعهم، ثم يساقون إلى النار. وبنحو ما قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلّ أُمّةٍ فَوْجا مِمّنْ يُكَذّبُ بآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ يعني : الشيعة عند الحشر. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مِنْ كُلّ أُمّةٍ فَوْجا قال : زمرة. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله : نَحْشُرُ مِنْ كُلّ أُمّةٍ فَوْجا قال : زمرة زمرة فَهُمْ يُوزَعُونَ. 
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : مِمّنْ يُكَذّبُ بآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ قال : يقول : فهم يدفعون. 
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا أبو أحمد، قال : حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، في قوله : فَهُمْ يُوزَعُونَ قال : يحبس أوّلهم على آخرهم. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة فَهُمْ يُوزَعُونَ قال : وزعة تردّ أولاهم على آخرهم. 
وقد بيّنت معنى قوله : يُوزَعُونَ فيما مضى قبل بشواهده، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.

### الآية 27:84

> ﻿حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [27:84]

وقوله : حتى إذَا جاءُوا قالَ أكَذّبْتُمْ بآياتِي يقول تعالى ذكره : حتى إذا جاء من كلّ أمة فوج ممن يكذّب بآياتنا فاجتمعوا قال الله : أكذّبتم بآياتي : أي بحججي وأدلتي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْما يقول ولم تعرفوها حقّ معرفتها ؟ أمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فيها من تكذيب أو تصديق.

### الآية 27:85

> ﻿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ [27:85]

القول في تأويل قوله تعالى :  وَوَقَعَ الْقَوْلُ بِمَا ظَلَمُواْ فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ \* أَلَمْ يَرَوْاْ أَنّا جَعَلْنَا الْلّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنّهَارَ مُبْصِراً إِنّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . 
يقول تعالى ذكره : ووجب السخط والغضب من الله على المكذّبين بآياته بِمَا ظَلَمُوا يعني بتكذيبهم بآيات الله، يوم يحشرون فَهُمْ لاَ يَنَطِقُونَ يقول : فهم لا ينطقون بحجة يدفعون بها عن أنفسهم عظيم ما حلّ بهم ووقع عليهم من القول.

### الآية 27:86

> ﻿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [27:86]

وقوله : أَلَم يَرَوْا أنّا جَعَلَنْا اللّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ يقول تعالى ذكره : ألم ير هؤلاء المكذّبون بآياتنا تصريفنا الليل والنهار، ومخالفتنا بينهما بتصييرنا هذا سكنا لهم يسكنون فيه، ويهدءون راحة أبدانهم من تعب التصرّف والتقلب نهارا، وهذا مضيئا يبصرون فيه الأشياء ويعاينونها فيتقلبون فيه لمعايشهم، فيتفكروا في ذلك، ويتدبروا، ويعلموا أن مصرّف ذلك كذلك هو الإله الذي لا يُعجزه شيء، ولا يتعذّر عليه إماتة الأحياء، وإحياء الأموات بعد الممات، كما لم يتعذّر عليه الذهاب بالنهار والمجيء بالليل، والمجيء بالنهار والذهاب بالليل مع اختلاف أحوالهما إنّ في ذلكَ لَآيَاتٍ لقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يقول تعالى ذكره : إن في تصييرنا الليل سكنا، والنهار مبصرا لدلالة لقوم يؤمنون بالله على قدرته على ما آمنوا به من البعث بعد الموت، وحجة لهم على توحيد الله.

### الآية 27:87

> ﻿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ۚ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ [27:87]

القول في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأرْضِ إِلاّ مَن شَآءَ اللّهُ وَكُلّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ . 
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ يُنْفَخ فِي الصورِ وقد ذكرنا اختلافهم فيما مضى، وبيّنا الصواب من القول في ذلك عندنا بشواهده، غير أنا نذكر في هذا الموضع بعض ما لم يذكر هناك من الأخبار، فقال بعضهم : هو قرن يُنفخ فيه. ذكر بعض من لم يُذكر فيما مضى قبل من الخبر عن ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جمِيعا، عَن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله : وَيَوْمَ يُنْفَخُ في الصُورِ قال كهيئة البوق. 
حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قال : الصور : البوق قال : هو البوق صاحبه آخذ به يقبض قبضتين بكفيه على طرف القرن بين طرفه، وبين فيه قدر قبضة أو نحوها، قد برك على ركبة إحدى رجليه، فأشار، فبرك على ركبة يساره مقعيا على قدمها عقبها تحت فخذه وأليته وأطراف أصابعها في التراب. 
قال : ثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن أبي بكر بن عبد الله، قال : الصور كهيئة القرن قد رفع إحدى ركبتيه إلى السماء، وخفض الأخرى، لم يلق جفون عينه على غمض منذ خلق الله السموات مستعدّا مستجدّا، قد وضع الصور على فيه ينتظر متى يؤمر أن ينفخ فيه. 
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل بن رافع المدني، عن يزيد بن زياد قال أبو جعفر : والصواب : يزيد بن أبي زياد عن محمد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار عن أبي هُريرة : أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله، ما الصّور ؟ قال :**«قَرْنٌ »**، قال : وكيف هو ؟ قال :**«قَرْنٌ عَظِيمٌ يُنْفَخُ فِيهِ ثَلاثُ نَفخاتٍ : الأُولى : نَفْخَةُ الفَزَعِ، والثّانِيَةُ : نَفْخَةُ الصّعْقِ، والثّالِثَةُ : نَفْخَةُ القِيامِ لِلّهِ رَبّ العَالَمِينَ، يأْمُرُ اللّهُ إسْرَافِيلَ بالنّفْخَةِ الأُولى، فَيَقُولُ : انْفُخْ نَفْخَةَ الفَزَعِ، فَيَنْفُخُ نَفْخَةَ الفَزَعِ، فَيَفْزَعُ أهْلُ السّمَواتِ وأهْلُ الأرْضِ، إلاّ مَنْ شاءَ اللّهُ، وَيَأْمُرُهُ اللّهُ فَيَمُدّ بِها ويطوّلهَا، فَلا يَفْتُرُ، وَهِيَ التي يَقُولُ اللّهُ : ما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلاّ صَيْحَةً وَاحِدَةً ما لَهَا مِنْ فَوَاقٍ فَيُسَيّرُ اللّهُ الجِبالَ، فَتَكُونُ سَرَبا، وَتُرَجّ الأرْضُ بأهْلِها رَجّا، وهي التي يَقُولُ اللّهُ : يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ تَتْبَعُها الرّادِفَةُ، قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ فَتَكُونُ الأرْضُ كالسّفِينَةِ المُوثَقَةِ فِي البَحْرِ، تَضْرُبها الأَمْوَاجُ، تُكْفأُ بأْهْلِها، أوْ كالقِنْدِيلِ المُعَلّقِ بالوَتَرِ، تُرَجّحُهُ الأرْياحُ، فَتَمِيدُ النّاسُ علىَ ظَهْرِها، فَتَذْهَلُ المَرَاضِعُ، وَتَضَعُ الحَوَامِلُ، وَتَشِيبُ الوِلْدَانُ، وَتَطِيرُ الشّياطِينُ هارِبَةً، حتى تَأتِيَ الأقْطارَ، فَتَتَلَقّاها المَلائِكَةُ، فَتَضْرِبُ وُجُوهَها، فَترْجِعُ، وَيُوَلّي النّاسُ مُدْبِرِينَ يُنادي بَعْضُهُمْ بَعْضا، وَهُوَ الّذِي يَقُولُ اللّهُ : يَوْمَ التّنادِ، يَوْمَ تُوَلّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللّهِ مِنْ عاصِمٍ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هادٍ. فَبَيْنَما هُمْ عَلى ذلكَ إذْ تَصَدّعَت الأرْضُ مِنْ قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، فَرَأَوْا أمْرا عَظِيما، فأخَذَهُمْ لِذَلَكَ مِنَ الكَرْبِ ما اللّهُ أعْلَمُ بِهِ، ثم نَظَرُوا إلى السّماءِ، فإذَا هِي كالمُهْلِ، ثمّ خُسِفَ شَمْسُها وَقَمَرُها، وانْتَثَرتْ نُجُومُها، ثُمّ كُشِطَتْ عَنْهُمْ »**. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«والأَمْوَاتُ لا يعْلَمُونَ بِشَيْءٍ مِنْ ذلكَ »**، فقال أبو هريرة : يا رسول الله، فمن استثنى الله حين يقول : فَفَزِعَ مَنْ فِي السّمَوَاتِ ومَنْ في الأرْضِ إلاّ مَنْ شاءَ اللّهُ قال :**«أُولَئِكَ الشّهَدَاءُ، وإنّمَا يَصِلُ الفَزَعُ إلى الأحْياءِ، أُولَئِكَ أحيْاءٌ عِنْدَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ، وَقاهُمُ اللّهُ فَزَعَ ذلكَ اليَوْمِ وآمَنَهُمْ، وَهُوَ عَذَابُ اللّهِ يَبْعثُهُ على شِرَارِ خَلْقِهِ »**. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا إسماعيل بن رافع، عن محمد بن كعب القُرَظيّ، عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«إنّ اللّهَ تَبارَكَ وَتَعالى لَمّا فَرَغَ مِنَ السّمَوَاتِ والأرْضِ، خَلَقَ الصّورَ، فأعْطَاهُ مَلَكا، فَهُوَ وَاضِعُهُ عَلى فِيهِ، شاخِصٌ بِبَصَرِه العَرْشِ، يَنْتَظِرُ مَتى يُؤْمَرُ »**. قال : قُلْتُ : يا رسول الله، وما الصّورُ ؟ قال :**«قرنٌ »**، قلت : فكيف هو ؟ قال :**«عَظِيمٌ، وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنّ عظم دائِرَةٍ فِيهِ، لَكَعَرْضِ السّمَوَاتِ والأرْضِ، يَأْمُرُهُ فَيَنْفُخُ نَفْخَةَ الفَزَعِ، فَيَفْزَعُ أهْلُ السّمَوَاتِ والأرضِ إلاّ مَنْ شاءَ اللّهُ »**، ثم ذكر باقي الحديث نحو حديث أبي كُرَيب عن المحاربيّ، غير أنه قال في حديثه **«كالسّفِينَةِ المُرْفأَةِ فِي البَحْرِ »**. 
وقال آخرون : بل معنى ذلك : ونُفخ في صُور الخلق. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله : وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصّورِ : أي في الخلق، قوله : فَفَزِعَ مَنْ فِي السّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ يقول : ففزع من في السموات من الملائكة ومن في الأرض من الجنّ والإنس والشياطين، من هول ما يعاينون ذلك اليوم. 
فإن قال قائل : وكيف قيل : ففزع، فجعل فزع وهي فعل مردودة على ينفخ، وهي يَفْعُلُ ؟ قيل : العرب تفعل ذلك في المواضع التي تصلح فيها إذا، لأن إذا يصلح معها فعل ويفعل، كقولك : أزورك إذا زرتني، وأزورك إذا تزورني، فإذا وضع مكان إذا يوم أجرى مجرى إذا. فإن قيل : فأين جواب قوله : وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصورِ فَفَزِعَ قيل : جائز أن يكون مضمرا مع الواو، كأنه قيل : ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون، وذلك يوم ينفخ في الصور. وجائز أن يكون متروكا اكتفي بدلالة الكلام عليه منه، كما قيل : وَلَوْ يَرَى الّذِينَ ظَلَمُوا فترك جوابه. 
وقوله : إلا مَنْ شاءَ الله قيل : إن الذين استثناهم الله في هذا الموضع من أن ينالهم الفزع يومئذٍ الشهداء، وذلك أنهم أحياء عند ربهم يُرزقون، وإن كانوا في عداد الموتى عند أهل الدنيا، وبذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرناه في الخبر الماضي. 
وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا العوّام عمن حدثه، عن أبي هريرة، أنه قرأ هذه الآية : فَفَزِعَ مَنْ فِي السّمَواتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إلاّ مَنْ شاءَ اللّهُ قال : هم الشهداء. 
وقوله : وكُلّ أتَوْهُ داخرِينَ يقول : وكلّ أتوه صاغرين. وبمثل الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وكُلّ أتَوْهُ دَاخِرِينَ يقول : صاغرين. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة وكُلّ أتَوْهُ داخِرِينَ قال : صاغرين. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وكلّ أتَوْهُ دَاخرِينَ قال : الداخر : الصاغر الراغم، قال : لأن المرء الذي يفزع إذا فزع إنما همته الهرب من الأمر الذي فزع منه، قال : فلما نُفخ في الصور فزعوا، فلم يكن لهم من الله منجى. 
واختلفت القرّاء في قراءة قوله : وكُلّ أتَوْهُ داخِرِينَ فقرأته عامة قرّاء الأمصار :**«وكُلّ آتَوهُ »** بمدّ الألف من أتوه على مثال فاعلوه، سوى ابن مسعود، فإنه قرأه :**«وكُلّ أَتُوهُ »** على مثال فعلوه، واتبعه على القراءة به المتأخرون الأعمش وحمزة، واعتلّ الذين قرأوا ذلك على مثال فاعلوه بإجماع القرّاء على قوله : وكُلّهُمْ آتِيهِ قالوا : فكذلك قوله :**«آتُوهُ »** في الجمع. وأما الذين قرءوا على قراءة عبد الله، فإنهم ردّوه على قوله : فَفَزِع كأنهم وجّهوا معنى الكلام إلى : ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض، وأتوه كلهم داخرين، كما يقال في الكلام : رأى وفر وعاد وهو صاغر. 
والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار، ومتقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.

### الآية 27:88

> ﻿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ۚ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ [27:88]

القول في تأويل قوله تعالى : وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرّ مَرّ السّحَابِ صُنْعَ اللّهِ الّذِيَ أَتْقَنَ كُلّ شَيْءٍ إِنّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ . 
يقول تعالى ذكره : وَتَرى الجِبَالَ يا محمد تَحْسَبُها قائمة وَهِيَ تَمُرُ. 
كالذي حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : وَتَرَى الجبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً يقول : قائمة، وإنما قيل : وَهِيَ تَمُرّ مَرّ السّحابِ لأنها تجمع ثم تسير، فيحسب رائيها لكثرتها أنها واقفة، وهي تسير سيرا حثيثا، كما قال الجعدي :

بأرْعَنَ مِثْلِ الطّوْدِ تَحْسِبُ أنّهُمْ  وُقُوفٌ لِحاجٍ والرّكابُ تُهَمْلجُقوله : صُنْعَ اللّهِ الّذِي أتْقَنَ كُلّ شَيْءٍ وأوثق خلقه. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : صُنْعَ اللّهِ الّذِي أتْقَنَ كُلّ شَيْءٍ يقول : أحكم كلّ شيء. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : صُنعَ اللّهِ الّذِي أتْقَنَ كُلّ شَيْءٍ يقول : أحسن كلّ شيء خلقه وأوثقه. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : الّذِين أتْقَنَ كُلّ شَيْءٍ قال : أوثق كلّ شيء وسوّى. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد أتْقَنَ أوثق. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة إنّهُ خَبِيرٌ بِمَا يَفْعَلونَ يقول تعالى ذكره : إن الله ذو علم وخبرة بما يفعل عباده من خير وشرّ وطاعة له ومعصية، وهو مجازي جميعهم على جميع ذلك على الخير الخيرَ، وعلى الشرّ الشرّ نظيره.

### الآية 27:89

> ﻿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ [27:89]

القول في تأويل قوله تعالى : مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا وَهُمْ مّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ \* وَمَن جَآءَ بِالسّيّئَةِ فَكُبّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ . 
يقول تعالى ذكره : مَنْ جَاءَ الله بتوحيده والإيمان به، وقول لا إله إلا الله موقنا به قلبه، فَلَهُ من هذه الحسنة عند الله خَيرٌ يوم القيامة، وذلك الخير أن يثيبه الله مِنْهَا الجنة، ويؤمّنه مِنْ فَزَعِ الصيحة الكبرى وهي النفخ في الصور وَمَنْ جاءَ بالسّيّئَةِ يقول : ومن جاء بالشرك به يوم يلقاه، وجحود وحدانيته فَكُبّتْ وُجُوهُهُمْ في نار جهنم. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال : ثني الفضل بن دكين، قال : حدثنا يحيى بن أيوب البجلي، قال : سمعت أبا زرعة، قال : قال أبو هُريرة، قال يحيى : أحسبه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :**«مَنْ جاءَ بالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ قال : وَهِيَ لا إلَهَ إلاّ اللّهُ وَمَنْ جاءَ بالسّيّئَةِ فَكُبّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ قال : وهِيَ الشّرْكُ »**. 
حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال : حدثنا أبو يحيى الحماني، عن النضر بن عربيّ، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله : مَنْ جاءَ بالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ قال : من جاء بلا إله إلا الله، وَمَنْ جَاءَ بالسّيّئَةِ فَكُبّتْ وُجُوهُهُمْ في النّارِ، قال : بالشرك. 
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : مَنْ جاءَ بالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يقول : من جاء بلا إله إلا الله وَمَنْ جاءَ بالسّيّئَةِ وهو الشرك. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَمَنْ جاءَ بالسّيّئةِ قال : بالشرك. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : مَنْ جاءَ بالحَسَنَةِ قال : كلمة الإخلاص وَمَنْ جاءَ بالسّيّئَةِ قال : الشرك. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد بنحوه. قال ابن جُرَيج : وسمعت عطاء يقول فيها الشرك، يعني في قوله : وَمَنْ جاءَ بالسّيّئَةِ. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن أبي المحجل، عن أبي معشر، عن إبراهيم، قال : كان يحلف ما يستثني، أن مَنْ جاءَ بالحَسَنَةِ قال : لا إله إلا الله، وَمَنْ جاءَ بالسّيّئَةِ قال : الشرك. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن عبد الملك، عن عطاء مثله. 
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا جابر بن نوح، قال : حدثنا موسى بن عُبيدة، عن محمد بن كعب وَمَنْ جاءَ بالسّيّئَةِ فَكُبّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النارِ قال : الشرك. 
حدثني أبو السائب، قال : حدثنا حفص، قال : حدثنا سعيد بن سعيد، عن عليّ بن الحسين، وكان رجلاً غزّاء، قال : بينا هو في بعض خلواته حتى رفع صوته : لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له المُلك وله الحمد يحيي ويميت، بيده الخير، وهو على كلّ شيء قدير قال : فردّ عليه رجل : ما تقول يا عبد الله ؟ قال : أقول ما تسمع، قال : أما إنها الكلمة التي قال الله : مَنْ جاءَ بالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة مَنْ جاءَ بالحَسَنَةِ قال : الإخلاص وَمَنْ جاءَ بالسّيّئَةِ قال : الشرك. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول، في قوله : وَمَنْ جاءَ بالسّيّئَةِ يعني : الشرك. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن الحسن وَمَنْ جاءَ بالسّيّئَةِ : يقول : الشرك. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : وَمَنْ جاءَ بالسّيّئَةِ فَكُبّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ قال : السيئة : الشرك الكفر. 
حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم قال : حدثنا حفص بن عمر العدني، قال : حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، قوله : مَنْ جاءَ بالحَسَنَةِ قال : شهادة أن لا إله إلا الله وَمَنْ جاءَ بالسّيّئَةِ قال : السيئة : الشرك. قال الحكم : قال عكرِمة : كل شيء في القرآن السيئة فهو الشرك. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله : فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها فمنها وصل إليه الخير، يعني ابن عباس بذلك : من الحسنة وصل إلى الذي جاء بها الخير. 
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا روح بن عبادة، قال : حدثنا حسين الشهيد، عن الحسن مَنْ جاءَ بالحَسَنة فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها قال : له منها. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن الحسن، قال : من جاء بلا إله إلا الله، فله خير منها خيرا. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله : فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يقول : له منها حظّ. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج مَنْ جاءَ بالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها قال : له منها خير فأما أن يكون خيرا من الإيمان فلا، ولكن منها خير يصيب منها خيرا. 
حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال : حدثنا حفص بن عمر، قال : حدثنا الحكم، عن عكرمة، قوله : مَنْ جاءَ بالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها قال : ليس شيء خيرا من لا إله إلا الله، ولكن له منها خير. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : مَنْ جاءَ بالحَسَنَةِ فَلهُ خَيْرٌ مِنْها قال : أعطاه الله بالواحدة عشرا، فهذا خير منها. 
واختلفت القرّاء في قراءة قوله : وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ فقرأ ذلك بعض قرّاء البصرة :**«وَهُمْ مِنْ فَزَعِ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ »** بِإضافة فزع إلى اليوم. وقرأ ذلك جماعة قرّاء أهل الكوفة : مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ بتنوين فزع. 
والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان في قَرَأَة الأمصار متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أن الإضافة أعجب إليّ، لأنه فزع معلوم. وإذا كان ذلك كذلك كان معرفة على أن ذلك في سياق قوله : وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إلاّ مَنْ شاءَ اللّهُ  فإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أنه عُني بقوله : وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ من الفزع الذي قد جرى ذكره قبله. وإذا كان ذلك كذلك، كان لا شكّ أنه معرفة، وأن الإضافة إذا كان معرفة به أولى من ترك الإضافة وأخرى أن ذلك إذا أضيف فهو أبين أنه خبر عن أمانه من كلّ أهوال ذلك اليوم منه إذا لم يضف ذلك، وذلك أنه إذا لم يضف كان الأغلب عليه أنه جعل الأمان من فزع بعض أهواله. 
وقوله : هَلْ تُجْزَوْنَ إلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يقول تعالى ذكره : يقال لهم : هل تجزون أيها المشركون إلا ما كنتم تعملون، إذ كبكم الله لوجوهكم في النار، وإلا جزاء ما كنتم تعملون في الدنيا بما يسخط ربكم، وترك **«يقال لهم »** اكتفاءً بدلالة الكلام عليه.

### الآية 27:90

> ﻿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [27:90]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٨٩:القول في تأويل قوله تعالى : مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا وَهُمْ مّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ \* وَمَن جَآءَ بِالسّيّئَةِ فَكُبّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ . 
يقول تعالى ذكره : مَنْ جَاءَ الله بتوحيده والإيمان به، وقول لا إله إلا الله موقنا به قلبه، فَلَهُ من هذه الحسنة عند الله خَيرٌ يوم القيامة، وذلك الخير أن يثيبه الله مِنْهَا الجنة، ويؤمّنه مِنْ فَزَعِ الصيحة الكبرى وهي النفخ في الصور وَمَنْ جاءَ بالسّيّئَةِ يقول : ومن جاء بالشرك به يوم يلقاه، وجحود وحدانيته فَكُبّتْ وُجُوهُهُمْ في نار جهنم. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن خلف العسقلاني، قال : ثني الفضل بن دكين، قال : حدثنا يحيى بن أيوب البجلي، قال : سمعت أبا زرعة، قال : قال أبو هُريرة، قال يحيى : أحسبه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :****«مَنْ جاءَ بالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ قال : وَهِيَ لا إلَهَ إلاّ اللّهُ وَمَنْ جاءَ بالسّيّئَةِ فَكُبّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ قال : وهِيَ الشّرْكُ »****. 
حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال : حدثنا أبو يحيى الحماني، عن النضر بن عربيّ، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله : مَنْ جاءَ بالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ قال : من جاء بلا إله إلا الله، وَمَنْ جَاءَ بالسّيّئَةِ فَكُبّتْ وُجُوهُهُمْ في النّارِ، قال : بالشرك. 
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : مَنْ جاءَ بالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يقول : من جاء بلا إله إلا الله وَمَنْ جاءَ بالسّيّئَةِ وهو الشرك. 
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَمَنْ جاءَ بالسّيّئةِ قال : بالشرك. 
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : مَنْ جاءَ بالحَسَنَةِ قال : كلمة الإخلاص وَمَنْ جاءَ بالسّيّئَةِ قال : الشرك. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد بنحوه. قال ابن جُرَيج : وسمعت عطاء يقول فيها الشرك، يعني في قوله : وَمَنْ جاءَ بالسّيّئَةِ. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن أبي المحجل، عن أبي معشر، عن إبراهيم، قال : كان يحلف ما يستثني، أن مَنْ جاءَ بالحَسَنَةِ قال : لا إله إلا الله، وَمَنْ جاءَ بالسّيّئَةِ قال : الشرك. 
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن عبد الملك، عن عطاء مثله. 
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا جابر بن نوح، قال : حدثنا موسى بن عُبيدة، عن محمد بن كعب وَمَنْ جاءَ بالسّيّئَةِ فَكُبّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النارِ قال : الشرك. 
حدثني أبو السائب، قال : حدثنا حفص، قال : حدثنا سعيد بن سعيد، عن عليّ بن الحسين، وكان رجلاً غزّاء، قال : بينا هو في بعض خلواته حتى رفع صوته : لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له المُلك وله الحمد يحيي ويميت، بيده الخير، وهو على كلّ شيء قدير قال : فردّ عليه رجل : ما تقول يا عبد الله ؟ قال : أقول ما تسمع، قال : أما إنها الكلمة التي قال الله : مَنْ جاءَ بالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة مَنْ جاءَ بالحَسَنَةِ قال : الإخلاص وَمَنْ جاءَ بالسّيّئَةِ قال : الشرك. 
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول، في قوله : وَمَنْ جاءَ بالسّيّئَةِ يعني : الشرك. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن الحسن وَمَنْ جاءَ بالسّيّئَةِ : يقول : الشرك. 
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : وَمَنْ جاءَ بالسّيّئَةِ فَكُبّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ قال : السيئة : الشرك الكفر. 
حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم قال : حدثنا حفص بن عمر العدني، قال : حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، قوله : مَنْ جاءَ بالحَسَنَةِ قال : شهادة أن لا إله إلا الله وَمَنْ جاءَ بالسّيّئَةِ قال : السيئة : الشرك. قال الحكم : قال عكرِمة : كل شيء في القرآن السيئة فهو الشرك. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله : فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها فمنها وصل إليه الخير، يعني ابن عباس بذلك : من الحسنة وصل إلى الذي جاء بها الخير. 
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا روح بن عبادة، قال : حدثنا حسين الشهيد، عن الحسن مَنْ جاءَ بالحَسَنة فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها قال : له منها. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن الحسن، قال : من جاء بلا إله إلا الله، فله خير منها خيرا. 
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله : فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يقول : له منها حظّ. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج مَنْ جاءَ بالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها قال : له منها خير فأما أن يكون خيرا من الإيمان فلا، ولكن منها خير يصيب منها خيرا. 
حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال : حدثنا حفص بن عمر، قال : حدثنا الحكم، عن عكرمة، قوله : مَنْ جاءَ بالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها قال : ليس شيء خيرا من لا إله إلا الله، ولكن له منها خير. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : مَنْ جاءَ بالحَسَنَةِ فَلهُ خَيْرٌ مِنْها قال : أعطاه الله بالواحدة عشرا، فهذا خير منها. 
واختلفت القرّاء في قراءة قوله : وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ فقرأ ذلك بعض قرّاء البصرة :****«وَهُمْ مِنْ فَزَعِ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ »**** بِإضافة فزع إلى اليوم. وقرأ ذلك جماعة قرّاء أهل الكوفة : مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ بتنوين فزع. 
والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان في قَرَأَة الأمصار متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أن الإضافة أعجب إليّ، لأنه فزع معلوم. وإذا كان ذلك كذلك كان معرفة على أن ذلك في سياق قوله : وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إلاّ مَنْ شاءَ اللّهُ  فإذا كان ذلك كذلك، فمعلوم أنه عُني بقوله : وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ من الفزع الذي قد جرى ذكره قبله. وإذا كان ذلك كذلك، كان لا شكّ أنه معرفة، وأن الإضافة إذا كان معرفة به أولى من ترك الإضافة وأخرى أن ذلك إذا أضيف فهو أبين أنه خبر عن أمانه من كلّ أهوال ذلك اليوم منه إذا لم يضف ذلك، وذلك أنه إذا لم يضف كان الأغلب عليه أنه جعل الأمان من فزع بعض أهواله. 
وقوله : هَلْ تُجْزَوْنَ إلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يقول تعالى ذكره : يقال لهم : هل تجزون أيها المشركون إلا ما كنتم تعملون، إذ كبكم الله لوجوهكم في النار، وإلا جزاء ما كنتم تعملون في الدنيا بما يسخط ربكم، وترك ****«يقال لهم »**** اكتفاءً بدلالة الكلام عليه. ---

### الآية 27:91

> ﻿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [27:91]

القول في تأويل قوله تعالى :  إِنّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الّذِي حَرّمَهَا وَلَهُ كُلّ شَيءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : يا محمد قُلِ إنّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعُبُدَ رَبّ هِذِهِ الْبَلْدَةِ وهي مكة الّذِي حَرّمَهَا على خلقه أن يسفكوا فيها دما حراما، أو يظلموا فيها أحدا، أو يُصادَ صَيدُها، أو يتخلى خلاها دون الأوثان التي تعبدونها أيها المشركون. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله : إنّمَا أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبّ هَذِهِ البَلْدَةِ الّذِي حَرّمَها يعني : مكة. 
وقوله : وَلَهُ كُلّ شَيْءٍ يقول : ولربّ هذه البلدة الأشياء كلها ملكا، فإياه أمرت أن أعبد، لا من لا يملك شيئا. وإنما قال جلّ ثناؤه : رَبّ هَذِهِ البَلْدَةِ الّذِي حَرّمَها فخصها بالذكر دون سائر البلدان، وهو ربّ البلاد كلها، لأنه أراد تعريف المشركين من قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين هم أهل مكة، بذلك نعمته عليهم، وإحسانه إليهم، وأن الذي ينبغي لهم أن يعبدوه هو الذي حرّم بلدهم، فمنع الناس منهم، وهم في سائر البلاد يأكل بعضهم بعضا، ويقتل بعضهم بعضا، لا من لم تجر له عليهم نعمة، ولا يقدر لهم على نفع ولا ضرّ. وقوله : وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ يقول : وأمرني ربي أن أسلم وجهي له حنيفا، فأكون من المسلمين الذين دانوا بدين خليله إبراهيم وجدكم أيها المشركون، لا من خالف دين جدّه المحقّ، ودان دين إبليس عدوّ الله.

### الآية 27:92

> ﻿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ [27:92]

**القول في تأويل قوله تعالى :**
 وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَىَ فَإِنّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلّ فَقُلْ إِنّمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُنذِرِينَ . 
يقول تعالى ذكره : قُلِ إنّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبّ هذِه البَلْدَةِ و أَنْ أَكُونَ مِنَ المُسْلِمِين وأنْ أتْلُوَا القُرآنَ، فَمَنِ اهْتَدَى يقول : فمن تبعني وآمن بي وبما جئت به، فسلك طريق الرشاد فإنما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ يقول : فإنما يسلك سبيل الصواب باتباعه إياي، وإيمانه بي، وبما جئت به لنفسه، لأنه بإيمانه بي، وبما جئت به يأمن نقمته في الدنيا وعذابه في الآخرة. وقوله : وَمَنْ ضَلّ يقول : ومن جار عن قصد السبيل بتكذيبه بي وبما جئت به من عند الله فَقُل إنّمَا أنا مِنَ المُنْذِرِينَ يقول تعالى ذكره : فقل يا محمد لمن ضلّ عن قصد السبيل، وكذبك، ولم يصدّق بما جئت به من عندي، إنما أنا ممن ينذر قومه عذاب الله وسخطه على معصيتهم إياه، وقد أنذرتكم ذلك معشر كفار قُريش، فإن قبلتم وانتهيتم عما يكرهه الله منكم من الشرك به، فحظوظَ أنفسكم تصيبون، وإن رددتم وكذبتم فعلى أنفسكم جنيتم، وقد بلّغتكم ما أمرت بإبلاغه إياكم، ونصحت لكم.

### الآية 27:93

> ﻿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [27:93]

القول في تأويل قوله تعالى : وَقُلِ الْحَمْدُ للّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبّكَ بِغَافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ . 
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قُلْ يا محمد لهؤلاء القائلين لك من مشركي قومك : مَتى هَذَا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ : الحَمْدُ لِلّهِ على نعمته علينا بتوفيقه إيانا للحقّ الذي أنتم عنه عمون، سيريكم ربكم آيات عذابه وسخطه، فتعرفون بها حقيقة نصحي كان لكم، ويتبين صدق ما دعوتكم إليه من الرشاد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها قال : في أنفسكم، وفي السماء والأرض والرزق. 
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله : سَيُرِيكُم آياتِهِ فَتَعْرِفونَها قال : في أنفسكم والسماء والأرض والرزق. 
وقوله : وَما رَبّكَ بغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ يقول تعالى ذكره : وما ربك يا محمد بغافل عما يعمل هؤلاء المشركون، ولكن لهم أجل هم بالغوه، فإذا بلغوه فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم : فلا يحزنك تكذيبهم إياك، فإني من وراء إهلاكهم، وإني لهم بالمرصاد، فأيقن لنفسك بالنصر، ولعدوّك بالذلّ والخزي. 
آخر تفسير سورة النمل
ولله الحمد والمنة، وبه الثقة والعصمة

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/27.md)
- [كل تفاسير سورة النّمل
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/27.md)
- [ترجمات سورة النّمل
](https://quranpedia.net/translations/27.md)
- [صفحة الكتاب: جامع البيان في تأويل آي القرآن](https://quranpedia.net/book/4.md)
- [المؤلف: الطبري](https://quranpedia.net/person/3982.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/27/book/4) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
