---
title: "تفسير سورة القصص - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل - الزمخشري"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/28/book/346.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/28/book/346"
surah_id: "28"
book_id: "346"
book_name: "الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل"
author: "الزمخشري"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة القصص - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل - الزمخشري

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/28/book/346)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة القصص - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل - الزمخشري — https://quranpedia.net/surah/1/28/book/346*.

Tafsir of Surah القصص from "الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل" by الزمخشري.

### الآية 28:1

> طسم [28:1]

سورة القصص
 مكية، \[إلا من آية ٥٢ إلى غاية آية ٥٥ فمدنية، وآية ٨٥ فبالجحفة أثناء الهجرة\] وآياتها ٨٨ \[نزلت بعد النمل\] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
 \[سورة القصص (٢٨) : الآيات ١ الى ٣\]

 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

 طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣)
 مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ مفعول نتلو، أى: نتلو عليك بعض خبرهما بِالْحَقِّ محقين، كقوله تنبت بالدهن لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ لمن سبق في علمنا أنه يؤمن، لأنّ التلاوة إنما تنفع هؤلاء دون غيرهم.
 \[سورة القصص (٢٨) : آية ٤\]
 إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)
 إِنَّ فِرْعَوْنَ جملة مستأنفة كالتفسير للمجمل، كأن قائلا قال: وكيف كان نبؤهما فقال:
 إنّ فرعون عَلا فِي الْأَرْضِ يعنى أرض مملكته قد طغى فيها وجاوز الحدّ في الظلم والعسف شِيَعاً فرقا يشيعونه على ما يريد ويطيعونه، لا يملك أحد منهم أن يلوى عنقه. قال الأعشى:وبلدة يرهب الجوّاب دلجتها  حتّي تراه عليها يبتغى الشّيعا **«١»** (١).وبلدة يرهب الجواب دلجتها  حتى تراه عليها يبتغى الشيعاكلفت مجهولها نفسي وشايعنى  همى عليها إذا ما آلها لمعابذات لوث عفرناة إذا عثرت  فالتعس أولى لها من أن يقال لعا للأعشى، أى: ورب مفازة يخاف الجواب: أى كثير السير، من جبت الأرض: قطعتها بالسير. والدلجة، من دلج وأدلج بوزن افتعل، وأدلج بوزن أكرم: إذا سار ليلا والدلجة: ساعة من الليل، أى: يخاف المعتاد على السير من سيرها ليلا حتى يطلب الجماعات المساعدين له على سيرها، كلفت نفسي سير المجهول منها، وعاوننى عزمي على سيرها وقت لمعان آلها، وهو السراب الذي يرى عند شدة الحر كأنه ماء، مع أن سير الهاجرة أشد من سير الليل، ثم قال مع ناقة صاحبة قوة، ويطلق اللوث على الضعف أيضا، فهو من الأضداد، عفرناة: غليظة، ويقال للعائر: لعا لك، دعاء له بالانتعاش. وتعسا له: دعاء عليه بالسقوط، يريد أنها لا تعثر، ولو عثرت فالدعاء عليها أحق بها من الدعاء لها.

### الآية 28:2

> ﻿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ [28:2]

سورة القصص
 مكية، \[إلا من آية ٥٢ إلى غاية آية ٥٥ فمدنية، وآية ٨٥ فبالجحفة أثناء الهجرة\] وآياتها ٨٨ \[نزلت بعد النمل\] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
 \[سورة القصص (٢٨) : الآيات ١ الى ٣\]

 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

 طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣)
 مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ مفعول نتلو، أى: نتلو عليك بعض خبرهما بِالْحَقِّ محقين، كقوله تنبت بالدهن لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ لمن سبق في علمنا أنه يؤمن، لأنّ التلاوة إنما تنفع هؤلاء دون غيرهم.
 \[سورة القصص (٢٨) : آية ٤\]
 إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)
 إِنَّ فِرْعَوْنَ جملة مستأنفة كالتفسير للمجمل، كأن قائلا قال: وكيف كان نبؤهما فقال:
 إنّ فرعون عَلا فِي الْأَرْضِ يعنى أرض مملكته قد طغى فيها وجاوز الحدّ في الظلم والعسف شِيَعاً فرقا يشيعونه على ما يريد ويطيعونه، لا يملك أحد منهم أن يلوى عنقه. قال الأعشى:وبلدة يرهب الجوّاب دلجتها  حتّي تراه عليها يبتغى الشّيعا **«١»** (١).وبلدة يرهب الجواب دلجتها  حتى تراه عليها يبتغى الشيعاكلفت مجهولها نفسي وشايعنى  همى عليها إذا ما آلها لمعابذات لوث عفرناة إذا عثرت  فالتعس أولى لها من أن يقال لعا للأعشى، أى: ورب مفازة يخاف الجواب: أى كثير السير، من جبت الأرض: قطعتها بالسير. والدلجة، من دلج وأدلج بوزن افتعل، وأدلج بوزن أكرم: إذا سار ليلا والدلجة: ساعة من الليل، أى: يخاف المعتاد على السير من سيرها ليلا حتى يطلب الجماعات المساعدين له على سيرها، كلفت نفسي سير المجهول منها، وعاوننى عزمي على سيرها وقت لمعان آلها، وهو السراب الذي يرى عند شدة الحر كأنه ماء، مع أن سير الهاجرة أشد من سير الليل، ثم قال مع ناقة صاحبة قوة، ويطلق اللوث على الضعف أيضا، فهو من الأضداد، عفرناة: غليظة، ويقال للعائر: لعا لك، دعاء له بالانتعاش. وتعسا له: دعاء عليه بالسقوط، يريد أنها لا تعثر، ولو عثرت فالدعاء عليها أحق بها من الدعاء لها.

### الآية 28:3

> ﻿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [28:3]

مِن نَّبَإِ موسى وَفِرْعَوْنَ  مفعول نتلو، أي : نتلو عليك بعض خبرهما  بالحق  محقين، كقوله تنبت بالدهن  لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ  لمن سبق في علمنا أنه يؤمن، لأنّ التلاوة إنما تنفع هؤلاء دون غيرهم.

### الآية 28:4

> ﻿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [28:4]

إِنَّ فِرْعَوْنَ  جملة مستأنفة كالتفسير للمجمل، كأن قائلاً قال : وكيف كان نبؤهما فقال : إن فرعون  عَلاَ فِى الارض  يعني أرض مملكته قد طغى فيها وجاوز الحدّ في الظلم والعسف  شِيَعاً  فرقا يشيعونه على ما يريد ويطيعونه، لا يملك أحد منهم أن يلوي عنقه. قال الأعشى :وَبَلْدَةٍ يَرْهَبُ الْجَوَّابُ دُلْجَتَهَا  حَتَّى تَرَاهُ عَلَيْهَا يَبْتَغِي الشِّيَعَاأو يشيع بعضهم بعضاً في طاعته. أو أصنافاً في استخدامه يتسخر صنفاً في بناء وصنفاً في حرث وصنفاً في حفر، ومن لم يستعمله ضرب عليه الجزية، أو فرقاً مختلفة قد أغرى بينهم العداوة، وهم بنو إسرائيل والقبط. والطائفة المستضعفة : بنو إسرائيل : وسبب ذبح الأبناء : أنّ كاهناً قال له : يولد مولود في بني إسرائيل يذهب ملكك على يده. وفيه دليل بيّن على ثخانة حمق فرعون، فإنه إن صدق الكاهن لم يدفع القتل الكائن، وإن كذب فما وجه القتل ؟ و  يَسْتَضْعِفُ  حال من الضمير في  وَجَعَلَ  أو صفة لشيعا. أو كلام مستأنف. و  يُذَبِّحُ  بدل من يستضعف. وقوله : إِنَّهُ كَانَ مِنَ المفسدين  بيان أنّ القتل ما كان إلا فعل المفسدين فحسب، لأنه فعل لا طائل تحته، صدق الكاهن أو كذب.

### الآية 28:5

> ﻿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ [28:5]

فإن قلت : علام عطف قوله : وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ  وعطفه على  نتلو  و  يَسْتَضْعِفُ  غير سديد ؟ قلت : هي جملة معطوفة على قوله : إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِى الأرض  لأنها نظيرة **«تلك »** في وقوعها تفسيراً لنبأ موسى وفرعون، واقتصاصاً له.  وَنُرِيدُ  : حكاية حال ماضية. ويجوز أن يكون حالاً من يستضعف، أي يستضعفهم فرعون، ونحن نريد أن نمنّ عليهم. 
فإن قلت : كيف يجتمع استضعافهم وإرادة الله المنة عليهم ؟ وإذا أراد الله شيئاً كان ولم يتوقف إلى وقت آخر، قلت : لما كانت منة الله بخلاصهم من فرعون قريبة الوقوع، جعلت إرادة وقوعها كأنها مقارنة لاستضعافهم  أَئِمَّةً  مقدّمين في الدين والدنيا، يطأ الناس أعقابهم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما : قادة يقتدى بهم في الخير. وعن مجاهد رضي الله عنه : دعاة إلى الخير، وعن قتادة رضي الله عنه : ولاة، كقوله تعالى : وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً  \[ المائدة : ٢٠ \].  الوارثين  يرثون فرعون وقومه ملكهم وكل ما كان لهم.

### الآية 28:6

> ﻿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ [28:6]

مكن له : إذا جعل له مكاناً يقعد عليه أو يرقد، فوطأه ومهده ونظيره : أرّض له. ومعنى التمكين لهم في الأرض وهي أرض مصر والشام : أن يجعلها بحيث لا تنبو بهم ولا تغث عليهم ؛ كما كانت في أيام الجبابرة، وينفذ أمرهم، ويطلق أيديهم ويسلطهم. وقرىء :**«ويرى فرعون وهامان وجنودهما »**، أي : يرون  مّنْهُمْ مَّا  حذروه : من ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود منهم.

### الآية 28:7

> ﻿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [28:7]

اليم : البحر. قيل : هو نيل مصر. 
فإن قلت : ما المراد بالخوفين حتى أوجب أحدهما ونهى عن الآخر ؟ قلت : أما الأوّل فالخوف عليه من القتل ؛ لأنه كان إذا صاح خافت أن يسمع الجيران صوته فينموا عليه. وأما الثاني، فالخوف عليه من الغرق ومن الضياع ومن الوقوع في يد بعض العيون المبثوثة من قبل فرعون في تطلب الولدان، وغير ذلك من المخاوف. 
فإن قلت : ما الفرق بين الخوف والحزن ؟ قلت : الخوف غم يلحق الإنسان لمتوقع. والحزن : غم يلحقه لواقع وهو فراقه والإخطار به، فنهيت عنهما جميعاً، وأومنت بالوحي إليها، ووعدت ما يسليها ويطامن قلبها ويملؤها غبطة وسروراً : وهو ردّه إليها وجعله من المرسلين. وروي : أنه ذبح في طلب موسى عليه السلام تسعون ألف وليد. وروي : أنها حين أقربت وضربها الطلق وكانت بعض القوابل الموكلات بحبالى بني إسرائيل مصافية لها، فقالت لها : لينفعني حبك اليوم، فعالجتها، فلما وقع إلى الأرض هالها نور بين عينيه، وارتعش كل مفصل منها، ودخل حبه قلبها، ثم قالت : ما جئتك إلا لأقبل مولودك وأخبر فرعون، ولكني وجدت لابنك حباً ما وجدت مثله فاحفظيه، فلما خرجت جاء عيون فرعون، فلفته في خرقة ووضعته في تنور مسجور، لم تعلم ما تصنع لما طاش من عقلها، فطلبوا فلم يجدوا شيئاً، فخرجوا وهي لا تدري مكانه، فسمعت بكاءه من التنور، فانطلقت إليه وقد جعل الله النار عليه برداً وسلاماً. فلما ألح فرعون في طلب الولدان أوحى الله إليها فألقته في اليم. وقد روي أنها أرضعته ثلاثة أشهر في تابوت من بردي مطلي بالقار من داخله.

### الآية 28:8

> ﻿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ۗ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ [28:8]

اللام في  لِيَكُونَ  هي لام كي التي معناها التعليل، كقولك : جئتك لتكرمني سواء بسواء ولكن معنى التعليل فيها وارد على طريق المجاز دون الحقيقة، لأنه لم يكن داعيهم إلى الالتقاط أن يكون لهم عدوّاً وحزناً، ولكن : المحبة والتبني، غير أن ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له وثمرته، شبه بالداعي الذي يفعل الفاعل الفعل لأجله، وهو الإكرام الذي هو نتيجة المجيء، والتأدب الذي هو ثمرة الضرب في قولك : ضربته ليتأدّب. وتحريره : أن هذه اللام حكمها حكم الأسد، حيث استعيرت لما يشبه التعليل، كما يستعار الأسد لمن يشبه الأسد. وقرىء :**«وحزناً »** وهما لغتان : كالعُدم والعَدم  كَانُواْ خاطئين  في كل شيء، فليس خطؤهم في تربية عدوّهم ببدع منهم. أو كانوا مذنبين مجرمين، فعاقبهم الله بأن ربي عدوّهم ومن هو سبب هلاكهم على أيديهم. وقرىء :**«خاطين »**، تخفيف خاطئين، أو خاطين الصواب إلى الخطأ.

### الآية 28:9

> ﻿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [28:9]

روي أنهم حين التقطوا التابوت عالجوا فتحه، فلم يقدروا عليه، فعالجوا كسره فأعياهم، فدنت آسية فرأت في جوف التابوت نوراً، فعالجته ففتحته، فإذا بصبيّ نوره بين عينيه وهو يمصّ إبهامه لبناً فأحبوه، وكانت لفرعون بنت برصاء، وقالت له الأطباء : لا تبرأ إلا من، قبل البحر، يوجد فيه شبه إنسان دواؤها ريقه، فلطخت البرصاء برصها بريقه فبرأت. وقيل لما نظرت إلى وجهه برأت، فقالت : إن هذه لنسمة مباركة، فهذا أحد ما عطفهم عليه، فقال الغواة من قومه : هو الصبي الذي نحذر منه، فأذن لنا في قتله، فهمّ بذلك فقالت آسية  قُرَّةُ عَيْنٍ لّى وَلَكَ  فقال فرعون : لك لا لي. وروي في حديث :" لو قالَ هوَ قرّةُ عين لي كما هُوَ لَكَ، لهداهُ اللَّهُ كما هداهَا "، وهذا على سبيل الفرض والتقدير، أي : لو كان غير مطبوع على قلبه كآسية لقال مثل قولها، ولأسلم كما أسلمت : هذا إن صح الحديث تأويله، والله أعلم بصحته. وروي أنها قالت له : لعله من قوم آخرين ليس من بني إسرائيل.  قُرَّةُ عَيْنٍ  : خبر مبتدأ محذوف ولا يقوى أن تجعله مبتدأ و  لاَ تَقْتُلُوهُ  خبراً، ولو نصب لكان أقوى. وقراءة ابن مسعود رضي الله عنه دليل على أنه خبر، قرأ :**«لا تقتلوه قرّة عين لي ولك »**، بتقديم ( لا تقتلوه ).  عسى أَن يَنفَعَنَا  فإنّ فيه مخايل اليمن ودلائل النفع لأهله، وذلك لما عاينت من النور وارتضاع الإبهام وبرء البرصاء، ولعلها توسمت في سيماه النجابة المؤذنة بكونه نفاعاً. أو نتبناه، فإنه أهل للتبني، ولأن يكون ولداً لبعض الملوك. 
فإن قلت : وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ  حال، فما ذو حالها ؟ قلت : ذو حالها آل فرعون. وتقدير الكلام : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً، وقالت امرأة فرعون كذا وهم لا يشعرون أنهم على خطأ عظيم في التقاطه ورجاء النفع منه وتبنيه. وقوله : إِنَّ فِرْعَوْنَ  الآية : جملة اعتراضية واقعة بين المعطوف والمعطوف عليه، مؤكدة لمعنى خطئهم. وماأحسن نظم هذا الكلام عند المرتاض بعلم محاسن النظم.

### الآية 28:10

> ﻿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا ۖ إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [28:10]

فَارِغاً  صفراً من العقل. والمعنى : أنها حين سمعت بوقوعه في يد فرعون طار عقلها لما دهمها من فرط الجزع والدهش. ونحو قوله تعالى : وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء  \[ إبراهيم : ٤٣ \] أي جوّف لا عقول فيها ومنه بيت حسان :أَلاَ أَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنِّي  فَأَنْتَ مُجَوَّفٌ نَخِبٌ هَوَاءُوذلك أن القلوب مراكز العقول. ألا ترى إلى قوله : فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا  \[ الحج : ٤٦ \] ويدل عليه قراءة من قرأ : فرغاً. وقرىء :**«قرعاً »** أي خالياً من قولهم : أعوذ بالله من صفر الإناء وقرع الفناء. وفرغاً، من قولهم : دماؤهم بينهم فرغ، أي هدر، يعني : بطل قلبها وذهب، وبقيت لا قلب لها من شدّة ما ورد عليها  لَتُبْدِى بِهِ  لتصحر به. والضمير لموسى والمراد بأمره وقصته، وأنه ولدها  لَوْلا أَن رَّبَطْنَا على قَلْبِهَا  بإلهام الصبر، كما يربط على الشيء المنفلت ليقرّ ويطمئن  لِتَكُونَ مِنَ المؤمنين  من المصدقين بوعد الله، وهو قوله : إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ  إليك ويجوز : وأصبح فؤادها فارغاً من الهم، حين سمعت أن فرعون عطف عليه وتبناه إن كادت لتبدي بأن ولدها ؛ لأنها لم تملك نفسها فرحاً وسروراً بما سمعت، لولا أنا طامنا قلبها وسكنَّا قلقه الذي حدث به من شدّة الفرح والابتهاج، لتكون من المؤمنين الواثقين بوعد الله لا بتبني فرعون وتعطفه. وقرىء :**«مؤسى »**، بالهمزة : جعلت الضمة في جارة الواو وهي الميم كأنها فيها، فهمزت كما تهمز واو وجوه.

### الآية 28:11

> ﻿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ ۖ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [28:11]

قُصّيهِ  اتبعي أثره وتتبعي خبره. وقرىء :**«فبصرت »** بالكسر يقال بصرت به عن جنب وعن جنابة، بمعنى : عن بعد. وقرىء :**«عن جانب »**، **«وعن جنب »**. والجنب : الجانب. يقال : قعد إلى جنبه وإلى جانبه، أي : نظرت إليه مزورة متجانفة مخاتلة.  وهم لا يشعرون  وهم لا يحسون بأنها أخته، وكان اسمها مريم.

### الآية 28:12

> ﻿۞ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ [28:12]

التحريم : استعارة للمنع ؛ لأنّ من حرم عليه الشيء فقد منعه. ألا ترى إلى قولهم : محظور. وحجر، وذلك لأن الله منعه أن يرضع ثدياً، فكان لا يقبل ثدي مرضع قط، حتى أهمهم ذلك. والمراضع : جمع مرضع، وهي المرأة التي ترضع. أو جمع مرضع، وهو موضع الرضاع يعني الثدي أو الرضاع  مِن قَبْلُ  من قبل قصصها أثره. روي أنها لما قالت : وَهُمْ لَهُ ناصحون  قال هامان : أنها لتعرفه وتعرف أهله، فقالت : إنما أردت وهم للمك ناصحون والنصح : إخلاص العمل من شائب الفساد.

### الآية 28:13

> ﻿فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [28:13]

فانطلقت إلى أمها بأمرهم، فجاءت بها والصبيّ على يد فرعون يعلله شفقة عليه وهو يبكي يطلب الرضاع، فحين وجد ريحها استأنس والتقم ثديها، فقال لها فرعون : ومن أنت منه فقد أبى كل ثدي ؟ إلا ثديك ؟ قالت : إني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن، لا أوتي بصبي إلا قبلني، فدفعه إليها وأجرى عليها، وذهبت به إلى بيتها، وأنجز الله وعهده في الردّ، فعندها ثبت واستقرّ في علمها أن سيكون نبياً. وذلك قوله : وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ  يريد. وليثبت علمها ويتمكن. 
فإن قلت : كيف حل لها أن تأخذ الأجر إلى إرضاع ولدها ؟ قلت : ما كانت تأخذه على أنه أجر على الرضاع، ولكنه مال حربيّ كانت تأخذه على وجه الاستباحة. وقوله : ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ  داخل تحت علمها. المعنى : لتعلم أن وعد الله حق، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أنه حق فيرتابون. ويشبه التعريض بما فرط منها حين سمعت بخبر موسى، فجزعت وأصبح فؤادها فارغاً يروى أنها حين ألقت التابوت في اليم جاءها الشيطان فقال لها : يا أم موسى، كرهت أن يقتل فرعون موسى فتؤجري، ثم ذهبت فتوليت قتله، فلما أتاها الخبر بأن فرعون أصابه قالت : وقع في يد العدوّ، فنسيت وعد الله. ويجوز أن يتعلق  ولكن  بقوله : وَلِتَعْلَمَ  ومعناه : أن الردّ إنما كان لهذا الغرض الديني، وهو علمها بصدق وعد الله. ولكنّ الأكثر لا يعلمون بأن هذا هو الغرض الأصلي الذي ما سواه تبع له من قرّة العين وذهاب الحزن.

### الآية 28:14

> ﻿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [28:14]

واستوى  واعتدل وتمّ استحكامه، وبلغ المبلغ الذي لا يزاد عليه، كما قال لقيط :واستحملوا أَمْرَكُمْ لِلهِ دَرُّكُمُو  شَزْرَ الْمَرِيرَةِ لا قَمحاً وَلاَ ضَرَعَاوذلك أربعون سنة، ويروى : أنه لم يبعث نبيّ إلا على رأس أربعين سنة. العلم. التوراة. والحكم : السنة. وحكمة الأنبياء : سنتهم. قال الله تعالى : واذكرن مَا يتلى فِى بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءايات الله والحكمة  \[ الأحزاب : ٣٤ \] وقيل : معناه أتيناه سيرة الحكماء العلماء، وسمتهم قبل البعث، فكان لا يفعل فعلاً يستجهل فيه.

### الآية 28:15

> ﻿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ۖ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ [28:15]

المدينة : مصر. وقيل : مدينة منف من أرض مصر. وحين غفلتهم : ما بين العشاءين. وقيل : وقت القائلة. وقيل : يوم عيد لهم هم مشتغلون فيه بلهوهم. وقيل : لما شبّ وعقل أخذ يتكلم بالحق وينكر عليهم، فأخافوه، فلا يدخل قرية إلا على تغفل. وقرأ سيبويه :**«فاستعانه »**  مِن شِيعَتِهِ  ممن شايعه على دينه من بني إسرائيل. وقيل : هو السامريّ  مِنْ عَدُوّهِ  من مخالفيه من القبط، وهو فاتون، وكان يتسخر الإسرائيلي لحمل الحطب إلى مطبخ فرعون. والوكز : الدفع بأطراف الأصابع. وقيل : بجمع الكف، وقرأ ابن مسعود :**«فلكزه »** باللام  فقضى عَلَيْهِ  فقتله.

### الآية 28:16

> ﻿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [28:16]

فإن قلت : لم جعل قتل الكافر من عمل الشيطان وسماه ظلماً لنفسه واستغفر منه ؟ قلت : لأنه قتله قبل أن يؤذن له في القتل، فكان ذنباً يستغفر منه. وعن ابن جريج : ليس لنبي أن يقتل ما لم يؤمر.

### الآية 28:17

> ﻿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ [28:17]

بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ  يجوز أن يكون قسماً جوابه محذوف، تقديره : أقسم بإنعامك عليّ بالمغفرة لأتوبنّ  فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لّلْمُجْرِمِينَ  وأن يكون استعطافاً، كأنه قال : رب اعصمني بحق ما أنعمت عليّ من المغفرة، فلن أكون إن عصمتني ظهيراً للمجرمين. وأراد بمظاهرة المجرمين : إما صحبة فرعون وانتظامه في جملته وتكثيره سواده حيث كان يركب بركوبه كالولد مع الوالد، وكان يسمى ابن فرعون. وإما مظاهرة من أدت مظاهرته إلى الجرم والإثم، كمظاهرة الإسرائيلي المؤدية إلى القتل الذي لم يحل له. وعن ابن عباس : لم يستثن فابتلى به مرّة أخرى. يعني : لم يقل :( فلن أكون ) إن شاء الله. وهذا نحو قوله : وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الذين ظَلَمُواْ  \[ هود : ١١٣ \] وعن عطاء : أنّ رجلاً قال له : إنّ أخي يضرب بقلمه ولا يعدو رزقه. قال : فمن الرأس، يعني من يكتب له ؟ قال : خالد بن عبد الله القسري : قال : فأين قول موسى ؟ وتلا هذه الآية. وفي الحديث :" ينادي مناد يوم القيامة : أين الظلمة وأشباه الظلمة وأعوان الظلمة، حتى من لاق لهم دواة أو بري لهم قلماً، فيجمعون في تابوت من حديد فيرمي به في جهنم " وقيل معناه : بما أنعمت عليّ من القوة، فلن استعملها إلا في مظاهرة أوليائك وأهل طاعتك والإيمان بك. ولا أدع قبطياً يغلب أحداً من بني إسرائيل.

### الآية 28:18

> ﻿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ ۚ قَالَ لَهُ مُوسَىٰ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ [28:18]

يَتَرَقَّبُ  المكروه وهو الاستقادة منه، أو الإخبار وما يقال فيه، ووصف الإسرائيلي بالغيّ ؛ لأنه كان سبب قتل رجل، وهو يقاتل آخر.

### الآية 28:19

> ﻿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ ۖ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ [28:19]

وقرىء :**«يبطش »**، بالضم. والذي هو عدوّ لهما : القبطي ؛ لأنه ليس على دينهما، ولأن القبط كانوا أعداء بني إسرائيل. والجبار : الذي يفعل ما يريد من الضرب والقتل بظلم، لا ينظر في العواقب ولا يدفع بالتي هي أحس : وقيل : المتعظم الذي لا يتواضع لأمر الله، ولما قال هذا : أفشى على موسى فانتشر الحديث في المدينة ورقي إلى فرعون، وهموا بقتله.

### الآية 28:20

> ﻿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ [28:20]

قيل : الرجل : مؤمن آل فرعون، وكان ابن عم فرعون، و  يسعى  يجوز ارتفاعه وصفاً لرجل، وانتصابه حالاً عنه ؛ لأنه قد تخصص بأن وصف بقوله : مِنْ أَقْصَى المدينة  وإذا جعل صلة لجاء، لم يجز في  يسعى  إلا الوصف. والائتمار : التشاور. يقال : الرجلان يتآمران ويأتمران، لأن كل واحد منهما يأمر صاحبه بشيء أو يشير عليه بأمر. والمعنى : يتشاورون بسببك  لَكَ  بيان، وليس بصلة الناصحين.

### الآية 28:21

> ﻿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ۖ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [28:21]

يَتَرَقَّبُ  التعرّض له في الطريق. أو أن يلحق.

### الآية 28:22

> ﻿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ [28:22]

تِلْقَاء مَدْيَنَ  قصدها ونحوها. ومدين : قرية شعيب عليه السلام، سميت بمدين بن إبراهيم، ولم تكن في سلطان فرعون، وبينها وبين مصر مسيرة ثمان، وكان موسى لا يعرف إليها الطريق قال ابن عباس : خرج وليس له علم بالطريق إلا حسن ظنه بربه. و  سَوَاءَ السبيل  وسطه ومعظم نهجه. وقيل : خرج حافياً لا يعيش إلا بورق الشجر، فما وصل حتى سقط خف قدمه. وقيل : جاءه ملك على فرس بيده عنزة، فانطلق به إلى مدين.

### الآية 28:23

> ﻿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ [28:23]

مَاءَ مَدْيَنَ  ماءهم الذي يستقون منه، وكان بئراً فيما روي. ووروده : مجيئه والوصول إليه  وَجَدَ عَلَيْهِ  وجد فوق شفيره ومستقاه  أُمَّةً  جماعة كثيفة العدد  مِنَ الناس  من أناس مختلفين  مِن دُونِهِمُ  في مكان أسفل من مكانهم. والذود : الطرد والدفع وإنما كانتا تذودان ؛ لأنّ على الماء من هو أقوى منهما فلا يتمكنان من السقي. وقيل : كانتا تكرهان المزاحمة على الماء. وقيل : لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم، وقيل : تذودان عن وجوههما نظر الناظر لتسترهما  مَا خَطْبُكُمَا  ما شأنكما. وحقيقته : ما مخطوبكما، أي : مطلوبكما من الذياد، فسمى المخطوب خطباً، كما سمى المشئون شأناً في قولك : ما شأنك ؟ يقال : شأنت شأنه، أي : قصدت قصده. وقرىء **«لا نسقي »** و**«يصدر »**. و**«الرعاء »** بضم النون والياء والراء. والرعاء : اسم جمع كالرخال والثناء. وأما الرعاء بالكسر فقياس، كصيام وقيام  كَبِيرٌ  كبير السن.

### الآية 28:24

> ﻿فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [28:24]

فسقى لَهُمَا  فسقى غنمهما لأجلهما. وروي أن الرعاة كانوا يضعون على رأس البئر حجراً لا يقله إلا سبعة رجال. وقيل : عشرة. وقيل : أربعون. وقيل : مائة، فأقله وحده. وروي أنه سألهم دلواً من ماء فأعطوه دلوهم وقالوا : استق بها، وكانت لا ينزعها إلا أربعون، فاستقى بها وصبها في الحوض ودعا بالبركة، وروى غنمهما وأصدرهما وروي أنه دفعهم عن الماء حتى سقى لهما. وقيل : كانت بئراً أخرى عليها الصخرة. وإنما فعل هذا رغبة في المعروف وإغاثة للملهوف. والمعنى : أنه وصل إلى ذلك الماء وقد ازدحمت عليه أمّة من أناس مختلفة متكاثفة العدد، ورأى الضعيفتين من ورائهم مع غنيمتهما مترقبتين لفراغهم، فما أخطأت همته في دين الله تلك الفرصة، مع ما كان به من النصب وسقوط خف القدم والجوع، ولكنه رحمهما فأغاثهما، وكفاهما أمر السقي في مثل تلك الزحمة بقوّة قلبه وقوّة ساعده، وما آتاه الله من الفضل في متانة الفطرة ورصانة الجبلة وفيه مع إرادة اقتصاص أمره وما أوتي من البطش والقوّة وما لم يغفل عنه، على ما كان به من انتهاز فرصة الاحتساب، ترغيب في الخير، وانتهاز فرصه، وبعث على الاقتداء في ذلك بالصالحين والأخذ بسيرهم ومذاهبهم. 
فإن قلت : لم ترك المفعول غير مذكور في قوله : يَسْقُوْنَ  و  تَذُودَانِ  و  نَسْقِى  ؟ قلت : لأن الغرض هو الفعل لا المفعول. ألا ترى أنه إنما رحمهما لأنهما كانتا على الذياد وهم على السقي. ولم يرحمها لأن مذودهما غنم ومسقيهم إبل مثلاً، وكذلك قولهما  لاَ نَسْقِى حتى يُصْدِرَ الرعاء  المقصود فيه السقي لا المسقي. 
فإن قلت : كيف طابق جوابهما سؤاله قلت : سألهما عن سبب الذود فقالتا : السبب في ذلك أنا امرأتان ضعيفتان مستورتان لا نقدر على مساجلة الرجال ومزاحمتهم، فلا بد لنا من تأخير السقي إلى أن يفرغوا، وما لنا رجل يقوم بذلك، وأبونا شيخ قد أضعفه الكبر فلا يصلح للقيام به : أبلتا إليه عذرهما في توليهما السقي بأنفسهما. 
فإن قلت : كيف ساغ لنبيّ الله الذي هو شعيب عليه السلام أن يرضى لابنتيه بسقي الماشية ؟ قلت : الأمر في نفسه ليس بمحظور، فالدين لا يأباه. وأما المروءة، فالناس مختلفون في ذلك، والعادات متباينة فيه، وأحوال العرب فيه خلاف أحوال العجم، ومذهب أهل البدو فيه غير مذهب أهل الحضر، خصوصاً إذا كانت الحالة حالة ضرورة  إِنّى  لأي شيء  أَنزَلْتَ إِلَىَّ  قليل أو كثير، غث أو سمين ل  فَقِيرٌ  وإنما عُدي فقير باللام ؛ لأنه ضمن معنى سائل وطالب. قيل : ذكر ذلك وإن خضرة البقل يتراءى في بطنه من الهزال، ما سأل الله إلا أكلة. ويحتمل أن يريد : إني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلت إليّ من خير الدين وهو النجاة من الظالمين. لأنه كان عند فرعون في ملك وثروة : قال ذلك رضا بالبدل السني، وفرحا به، وشكراً له، وكان الظل ظل سمرة.

### الآية 28:25

> ﻿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [28:25]

عَلَى استحياء  في موضع الحال، أي : مستحيية متخفرة وقيل. قد استترت بكم درعها. روي أنهما لما رجعتا إلى أبيهما قبل الناس وأغنامهما حفل بطان قال لهما : ما أعجلكما ؟ قالتا : وجدنا رجلاً صالحاً رحمنا فسقى لنا، فقال لإحداهما : اذهبي فادعيه لي، فتبعها موسى فألزقت الريح ثوبها بجسدها فوصفته، فقال لها : امشي خلفي وانعتي لي الطريق، فلما قص عليه قصته قال له. لا تخف فلا سلطان لفرعون بأرضنا. 
فإن قلت : كيف ساغ لموسى أن يعمل بقول امرأة، وأن يمشي معها وهي أجنبيه ؟ قلت : أما العمل بقول امرأة فكما يعمل بقول الواحد حرّاً كان أو عبداً ذكراً كان أو أنثى في الأخبار، وما كانت إلا مخبرة عن أبيها بأنه يدعوه ليجزيه. وأما مماشاته امرأة أجنبية فلا بأس بها في نظائر تلك الحال، مع ذلك الاحتياط والتورّع. 
فإن قلت : كيف صح له أخذ الأجر على البرّ والمعروف ؟ قلت : يجوز أن يكون قد فعل ذلك لوجه الله وعلى سبيل البر والمعروف. وقيل إطعام شعيب وإحسانه لا على سبيل أخذ الأجر، ولكن على سبيل التقبل لمعروف مبتدإ. كيف وقد قص عليه قصصه وعرفه أنه من بيت النبوّة من أولاد يعقوب ؟ ومثله حقيق بأن يضيَّف ويكرم خصوصاً في دار نبيّ من أنبياء الله، وليس بمنكر أن يفعل ذلك لاضطرار الفقر والفاقة طلباً للأجر. وقد روي ما يعضد كلا القولين : روي أنها لما قالت : ليجزيك، كره ذلك، ولما قدّم إليه الطعام امتنع وقال : إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بطلاع الأرض ذهباً، ولا نأخذ على المعروف ثمناً، حتى قال شعيب : هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا. 
وعن عطاء ابن السائب : رفع صوته بدعائه ليسمعهما، فلذلك قيل له : ليجزيك أجر ما سقيت، أي ؛ جزاء سقيك. والقصص : مصدر كالعلل، سمي به المقصوص.

### الآية 28:26

> ﻿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [28:26]

كبراهما : كانت تسمى صفراء، والصغرى : صفيراء. وصفراء : هي التي ذهبت به وطلبت إلى أبيها أن يستأجره، وهي التي تزوجها. وعن ابن عباس : أن شعيبا أحفظته الغيرة فقال : وما علمك بقوّته وأمانته ؟ فذكرت إقلال الحجر ونزع الدلو، وأنه صوّب رأسه حين بلغته رسالته وأمرها بالمشي خلفه. وقولها : إِنَّ خَيْرَ مَنِ استجرت القوى الأمين  كلام حكيم جامع لا يزاد عليه، لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان ؛ أعني الكفاية والأمانة في القائم بأمرك فقد فرغ بالك وتم مرادك ؛ وقد استغنت بإرسال هذا الكلام الذي سياقه سياق المثل، والحكمة أن تقول استأجره لقوّته وأمانته. 
فإن قلت : كيف جعل خير من استأجرت اسماً لإنّ والقوي الأمين خبراً ؟ قلت : هو مثل قوله :

أَلاَ إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ حَيًّا وَهَالِكَا  أَسِيرُ ثَقِيفٍ عِنْدَهُمْ فِي السَّلاَسِلِفي أن العناية هي سبب التقديم، وقد صدقت حتى جعل لها ما هو أحق بأن يكون خبراً اسماً، وورود الفعل بلفظ الماضي للدلالة على أنه أمر قد جرب وعرف. ومنه قولهم : أهون ما أعملت لسان ممخ. وعن ابن مسعود رضي الله عنه : أفرس الناس ثلاثة : بنت شعيب، وصاحب يوسف، في قوله : عسى أَن يَنفَعَنَا  \[ يوسف : ٢١ \] وأبو بكر في عمر. روي أنه أنكحه صفراء.

### الآية 28:27

> ﻿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ ۖ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ [28:27]

وقوله : هَاتَيْنِ  فيه دليل على أنه كانت له غيرهما  تَأْجُرَنِى  من أجرته إذا كنت له أجيراً، كقولك : أبوته إذا كنت له أبا، و  ثَمَانِىَ حِجَجٍ  ظرفه. أو من أجرته كذا، إذا أثبته إياه. ومنه : تعزية رسول الله صلى الله عليه وسلم :**« أجرَكم اللَّهُ ورحمكم »** وثماني حجج : مفعول به، ومعناه : رعية ثماني حجج
فإن قلت : كيف صح أن ينكحه إحدى ابنتيه من غير تمييز ؟ قلت : لم يكن ذلك عقداً للنكاح، ولكن مواعدة ومواصفة أمر قد عزم عليه، ولو كان عقداً لقال : قد أنكحتك ولم يقل : إني أريد أن أنكحك. 
فإن قلت : فكيف صح أن يمهرها إجارة نفسه في رعية الغنم، ولا بد من تسليم ما هو مال ؟ ألا ترى إلى أبي حنيفة كيف منع أن يتزوج امرأة بأن يخدمها سنة وجوّز أن يتزوجها بأن يخدمها عبده سنة، أو يسكنها داره سنة، لأنه في الأول : مسلم نفسه وليس بمال، وفي الثاني : هو مسلم مالاً وهو العبد أو الدار، قلت : الأمر على مذهب أبي حنيفة على ما ذكرت. وأما الشافعي : فقد جوّز التزوّج على الإجارة لبعض الأعمال والخدمة، إذا كان المستأجر له أو المخدوم فيه أمراً معلوماً، ولعلّ ذلك كان جائزاً في تلك الشريعة. ويجوز أن يكون المهر شيئاً آخر، وإنما أراد أن يكون راعي غنمه هذه المدّة، وأراد أن ينكحه ابنته، فذكر له المرادين، وعلق الإنكاح بالرعية على معنى : إني أفعل هذا إذا فعلت ذاك على وجه المعاهدة لا على وجه المعاقدة. 
ويجوز أن يستأجره لرعية ثماني سنين بمبلغ معلوم ويوفيه إياه، ثم ينكحه ابنته به، ويجعل قوله : على أَن تَأْجُرَنِى ثَمَانِىَ حِجَجٍ  عبارة عما جرى بينهما  فَإِنْ أَتْمَمْتَ  عمل عشر حجج  فَمِنْ عِندِكَ  فإتمامه من عندك. ومعناه : فهو من عندك لا من عندي، يعني : لا ألزمكه ولا أحتمه عليك، ولكنك إن فعلته فهو منك تفضل وتبرع، وإلا فلا عليك  وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ  بإلزام أتمّ الأجلين وإيجابه. 
فإن قلت : ما حقيقة قولهم : شققت عليه، وشق عليه الأمر ؟ قلت : حقيقته أن الأمر إذا تعاظمك فكأنه شق عليك ظنك باثنين، تقول تارة : أطيقه، وتارة : لا أطيقه. أو وعده المساهلة والمسامحة من نفسه، وأنه لا يشق عليه فيما استأجره له من رعي غنمه، ولا يفعل نحو ما يفعل المعاسرون من المسترعين، من المناقشة في مراعاة الأوقات، والمداقة في استيفاء الأعمال، وتكليف الرعاة أشغالاً خارجة عن حدّ الشرط، وهكذا كان الأنبياء عليهم السلام آخذين بالأسمح في معاملات الناس. ومنه الحديث :**« كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم شريكي، فكان خير شريك لا يداري ولا يشاري ولا يماري »** وقوله : سَتَجِدُنِى إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصالحين  يدل على ذلك، يريد بالصلاح : حسن المعاملة ووطأة الخلق ولين الجانب. ويجوز أن يريد الصلاح على العموم. ويدخل تحته حسن المعاملة، والمراد باشتراط مشيئة الله بما وعد من الصلاح : الاتكال على توفيقه فيه ومعونته، لا أنه يستعمل الصلاح إن شاء الله، وإن شاء استعمل خلافه.

### الآية 28:28

> ﻿قَالَ ذَٰلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ۖ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ ۖ وَاللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [28:28]

ذلك  مبتدأ، و  بَيْنِى وَبَيْنَكَ  خبره، وهو إشارة إلى ما عاهده عليه شعيب، يريد. ذلك الذي قلته وعاهدتني فيه وشارطتني عليه قائم بيننا جميعاً، لا نخرج كلانا عنه، لا أنا عما شرطت عليّ ولا أنت عما شرطت على نفسك. ثم قال : أي أجل من الأجلين قضيت : أطولهما الذي هو العشر، أو أقصرهما الذي هو الثمان  فَلاَ عُدْوَانَ عَلَىَّ  أي لا يعتدي عليّ في طلب الزيادة عليه. 
فإن قلت : تصوّر العدوان إنما هو في أحد الأجلين الذي هو الأقصر وهو المطالبة بتتمة العشر، فما معنى تعليق العدوان بهما جميعاً ؟ قلت : معناه كما أني إن طولبت بالزيادة على العشر كان عدواناً لا شك فيه، فكذلك إن طولبت بالزيادة على الثمان. أراد بذلك تقرير أمر الخيار، وأنه ثابت مستقرّ، وأن الأجلين على السواء : إما هذا وإما هذا من غير تفاوت بينهما في القضاء وأما التتمة فموكولة إلى رأيي : إن شئت أتيت بها، وإلا لم أجبر عليها. 
وقيل : معناه فلا أكون متعدّياً، وهو في نفي العدوان عن نفسه، كقولك : لا إثم عليّ، ولا تبعة عليّ. وفي قراءة ابن مسعود : أي الأجلين ما قضيت. وقرىء :**«أيما »** بسكون الياء، كقوله :تنَظَّرْتُ نَصْراً وَالسِّمَاكَيْنِ أَيْهُمَا  عَلَيَّ مِنَ الْغَيْثِ اسْتُهِلَّتْ مَوَاطِرُهْوعن ابن قطيب : عدوان، بالكسر. 
فإن قلت : ما الفرق بين موقعي ( ما ) المزيدة في القراءتين ؟ قلت : وقعت في المستفيضة مؤكدة لإبهام، أيّ : زائدة في شياعها : وفي الشاذة تأكيداً للقضاء، كأنه قال : أي الأجلين صممت على قضائه وجردت عزيمتي له. الوكيل : الذي وكل إليه الأمر، ولما استعمل في موضع الشاهد والمهيمن والمقيت، عدي بعلى لذلك. روي أنّ شعيباً كانت عنده عصى الأنبياء فقال لموسى بالليل : ادخل ذلك البيت فخذ عصا من تلك العصي. فأخذ عصا هبط بها آدم من الجنة، ولم يزل الأنبياء يتوارثونها حتى وقعت إلى شعيب، فمسها وكان مكفوفاً، فضنّ بها فقال : غيرها، فما وقع في يده إلا هي سبع مرات، فعلم أنّ له شأناً. وقيل : أخذها جبريل بعد موت آدم فكانت معه حتى لقي بها موسى ليلاً. وقيل : أودعها شعيباً ملك في صورة رجل، فأمر بنته أن تأتيه بعصا، فأتته بها فردها سبع مرّات فلم يقع في يدها غيرها، فدفعها إليه ثم ندم لأنها وديعة، فتبعه فاختصما فيها، ورضيا أن يحكم بينهما أوّل طالع، فأتاهما الملك فقال : ألقياها فمن رفعها فهي له، فعالجها الشيخ فلم يطقها ؛ ورفعها موسى. وعن الحسن : ما كانت إلا عصا من الشجر اعترضها اعتراضاً. وعن الكلبي : الشجرة التي منها نودي شجرة العوسج، ومنها كانت عصاه. ولما أصبح قال له شعيب : إذا بلغت مفرق الطريق فلا تأخذ على يمينك، فإنّ الكلأ وإن كان بها أكثر، إلا أنّ فيها تنيناً أخشاه عليك وعلى الغنم، فأخذت الغنم ذات اليمين ولم يقدر على كفها، فمشى على أثرها فإذا عشب وريف لم ير مثله، فنام فإذا بالتنين قد أقبل، فحاربته العصا حتى قتلته وعادت إلى جنب موسى دامية، فلما أبصرها دامية والتنين مقتولاً أرتاح لذلك، ولما رجع إلى شعيب مسّ الغنم، فوجدها ملأى البطون غزيرة اللبن، فأخبره موسى ففرح وعلم أنّ لموسى والعصا شأنا، وقال له : إني وهبت لك من نتاج غنمي هذا العام كلّ أدرع ودرعاء، فأوحى إليه في المنام : أن أضرب بعصاك مستقى الغنم، ففعل ؛ ثم سقى فما أخطأت واحدة إلا وضعت أدرع ودرعاء، فوفى له بشرطه.

### الآية 28:29

> ﻿۞ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ [28:29]

سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيُّ الأجلَينِ قضَى موسَى ؟ فقال :**« أبعدهما وأبطأهما »** وروي أنه قال :**« قَضى أوفَاهُما، وتزوّج صغرَاهُما »** وهذا خلاف الرواية التي سبقت. الجذوة باللغات الثلاث. وقرىء بهنّ جميعاً : العود الغليظ، كانت في رأسه نار أو لم تكن، قال كُثَيِّرُ :

بَاتَتْ حَوَاطِبُ لَيْلَى يَلْتَمِسْنَ لَهَا  جَزْلَ الْجُذَى غَيْرَ خَوَّارٍ وَلاَ دَعِرِ**وقال :**وَأَلْقَى عَلَى قَبْشٍ مِنَ النَّارِ جَذْوَةً  شَدِيداً عَلَيْهِ حَرُّهَا وَالْتِهَابُهَا

### الآية 28:30

> ﻿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [28:30]

مِن  الأولى والثانية لابتداء الغاية، أي : أتاه النداء من شاطىء الوادي من قبل الشجرة. و  مِنَ الشجرة  بدل من قوله : من شاطىء الوادي، بدل الاشتمال ؛ لأنّ الشجرة كانت نابتة على الشاطىء، كقوله تعالى : لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ  \[ الزخرف : ٣٣ \] وقرىء : البقعة  بالضم والفتح.

### الآية 28:31

> ﻿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ۚ يَا مُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ ۖ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ [28:31]

والتنين مقتولا ارتاح لذلك، ولما رجع إلى شعيب مسّ الغنم، فوجدها ملأى البطون غزيرة اللبن، فأخبره موسى ففرح وعلم أنّ لموسى والعصا شأنا، وقال له: إنى وهبت لك من نتاج غنمي هذا العام كلّ أدرع ودرعاء»
 ، فأوحى إليه في المنام: أن اضرب بعصاك مستقى الغنم، ففعل، ثم سقى فما أخطأت واحدة إلا وضعت أدرع ودرعاء، فوفى له بشرطه
 \[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٢٩ الى ٣٢\]
 فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٣٢)
 سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أى الأجلين قضى موسى؟ فقال: أبعدهما وأبطأهما **«٢»**.
 وروى أنه قال: قضى أوفاهما، وتزوّج صغراهما. وهذا خلاف الرواية التي سبقت. الجذوة- باللغات الثلاث. وقرئ بهنّ جميعا-: العود الغليظ، كانت في رأسه نار أو لم تكن، قال كثير:

باتت حواطب ليلى يلتمسن لها  جزل الجذى غير خوّار ولا دعر **«٣»** (١). قوله **«كل أدرع ودرعاء»** لعله **«كل أردع وردعاء»** وفي الصحاح: به ردع من زعفران أو دم، أى: لطخ وأثر.
 وردعته بالشيء فارتدع، أى: لطخته به فتلطخ اه، فالأردع: شبيه المتلطخ بلون آخر. ولفظ الخازن: أبلق وبلقاء. (ع)
 (٢). أخرجه الحاكم من طريق ابن عيينة عن إبراهيم بن يحيى عن عكرمة عن ابن عباس بهذا قلت. وإبراهيم مجهول. وقوله: وروى أنه قال قضى أوفاهما وتزوج من صغراهما: أخرجه الطبراني والبزار من طريق عويد بن أبى عمران الجونى عنه عن أبيه عن عبد الله بن الصامت عن أبى ذر **«أن النبي ﷺ سئل: أى الأجلين قضى موسى؟ قال: أوفاهما وأبرهما، قال وسئل أى المرأتين تزوج؟ قال الصغرى منهما»** وعويد ضعيف وفي ابن مردويه من حديث أبى هريرة رفعه **«قال لي جبريل: إن سألك اليهودي: أى الأجلين قضى موسى؟ فقل أوفاهما وإن سألك أيهما تزوج؟ فقل الصغرى منهما»** وفي إسناده سليمان الشاذكوني وهو ضعيف.
 (٣). لابن مقبل. والحواطب: الجواري يطلبن الحطب، والالتماس- بحسب الأصل-: من اللمس.» ثم اتسع فيه. والجذل: الحطب الغليظ اليابس: والجذى: جمع جذوة بتثليث الجيم فيهما وهي العود الغليظ في رأسه نار أولا. والخوار: الضعيف. والخور معيب، إلا في قولهم: ناقة خوارة، أى كثيرة اللبن. ونخلة خوارة:
 كثيرة الحمل. ودعر العود دعرا كتعب كثر دخانه، فهو دعر كحذر. والدعر أيضا: السوس والفساد. والدعار:
 الفسق والخبث، وغير خوار: حال من جزل الجذى.

**وقال:**وألقى على قبس من النّار جذوة  شديدا عليه حرها والتهابها **«١»** مِنْ الأولى والثانية لابتداء الغاية، أى: أتاه النداء من شاطئ الوادي من قبل الشجرة.
 ومِنَ الشَّجَرَةِ بدل من قوله: من شاطئ الوادي، بدل الاشتمال، لأنّ الشجرة كانت نابتة على الشاطئ، كقوله تعالى لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ وقرئ: الْبُقْعَةِ بالضم والفتح.
 والرَّهْبِ بفتحتين، وضمتين، وفتح وسكون، وضم وسكون: وهو الخوف. فإن قلت: ما معنى قوله وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ؟ قلت: فيه معنيان، أحدهما: أنّ موسى عليه السلام لما قلب الله العصا حية: فزع واضطرب، فاتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء، فقيل له:
 إنّ اتقاءك بيدك فيه غضاضة **«٢»** عند الأعداء. فإذا ألقيتها فكما تنقلب **«٣»** حية، فأدخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها، ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران: اجتناب ما هو غضاضة عليك، وإظهار معجزة أخرى. والمراد بالجناح: اليد، لأنّ يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر. وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضد يده اليسرى، فقد ضمّ جناحه إليه. والثاني: أن يراد بضم جناحه إليه: تجلده وضبطه نفسه. وتشدّده عند انقلاب العصاحية حتى لا يضطرب ولا يرهب، استعارة من فعل الطائر، لأنه إذا خاف نشر جناحيه وأرخاهما. وإلا فجناحاه مضمومان إليه مشمران. ومنه ما يحكى عن عمر بن عبد العزيز أنّ كاتبا له كان يكتب بين يديه، فانفلتت منه فلتة ريح، فخجل وانكسر، فقام وضرب بقلمه الأرض، فقال له عمر: خذ قلمك، واضمم إليك جناحك، وليفرخ روعك **«٤»**، فإنى ما سمعتها من أحد أكثر مما سمعتها من نفسي. ومعنى قوله مِنَ الرَّهْبِ من أجل الرهب، أى: إذا أصابك الرهب عند رؤية الحية فاضمم إليك جناحك: جعل الرهب الذي كان يصيبه سببا وعلة فيما أمر به من ضم جناحه إليه. ومعنى: وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ، وقوله اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ على أحد التفسيرين: واحد. ولكن خولف بين العبارتين، وإنما كرّر المعنى الواحد لاختلاف الغرضين، وذلك أن الغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء
 (١). الجذوة في الأصل، العود الغليظ في رأسه نار أولا، ولكن خصها الوصف بما في رأسه نار، ثم إنها استعارة تصريحية للرمح أو للسيف، والحر والالتهاب: ترشيح لها. وشديد: خبر المبتدأ الذي بعده.
 (٢). قوله **«فيه غضاضة»** أى: ذلة ومنقصة، كما في الصحاح. (ع)
 (٣). قوله **«فكما تنقلب حية»** أى: فعند ما تنقلب. (ع) [.....]
 (٤). قوله **«وليفرخ روعك»** أى ليذهب فزعك. أفاده الصحاح. (ع)

### الآية 28:32

> ﻿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ ۖ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ [28:32]

و  الرهب  بفتحتين، وضمتين، وفتح وسكون، وضم وسكون : وهو الخوف. 
فإن قلت : ما معنى قوله : واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرهب  ؟ قلت : فيه معنيان، أحدهما : أنّ موسى عليه السلام لما قلب الله العصا حية : فزع واضطرب، فاتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء، فقيل له : إنّ إتقاءك بيدك فيه غضاضة عند الأعداء. فإذا ألقيتها فكما تنقلب حية، فأدخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها، ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران : اجتناب ما هو غضاضة عليك، وإظهار معجزة أخرى. والمراد بالجناح : اليد ؛ لأنّ يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر. وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضد يده اليسرى، فقد ضمّ جناحه إليه. والثاني : أن يراد بضم جناحه إليه : تجلده وضبطه نفسه. وتشدّده عند انقلاب العصا حية حتى لا يضطرب ولا يرهب، استعارة من فعل الطائر ؛ لأنه إذا خاف نشر جناحيه وأرخاهما. وإلا فجناحاه مضمومتان إليه مشمران. ومنه ما يحكى عن عمر بن عبد العزيز أنّ كاتباً له كان يكتب بين يديه، فانفلتت منه فلتة ريح، فخجل وانكسر، فقام وضرب بقلمه الأرض، فقال له عمر : خذ قلمك، واضمم إليك جناحك، وليفرخ روعك، فإني ما سمعتها من أحد أكثر مما سمعتها من نفسي. ومعنى قوله :( من الرهب ) من أجل الرهب، أي : إذا أصابك الرهب عند رؤية الحية فاضمم إليك جناحك : جعل الرهب الذي كان يصيبه سبباً وعلة فيما أمر به من ضم جناحه إليه. ومعنى : واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ ، وقوله : اسلك يَدَكَ فِى جَيْبِكَ  على أحد التفسيرين : واحد. ولكن خولف بين العبارتين، وإنما كرّر المعنى الواحد لاختلاف الغرضين، وذلك أن الغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء وفي الثاني : إخفاء الرهب. فإن قلت قد جعل الجناح وهو اليد في أحد الموضعين مضموماً وفي الآخر مضموماً إليه، وذلك قوله : واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ  وقوله :
 واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ  \[ طه : ٢٢ \] فما التوفيق بينهما ؟ قلت : المراد بالجناح المضموم. هو اليد اليمنى، وبالمضموم إليه : اليد اليسرى وكلّ واحدة من يمنى اليدين ويسراهما : جناح. ومن بدع التفاسير : أنّ الرهب : الكم، بلغة حمير وأنهم يقولون : أعطني مما في رهبك، وليت شعري كيف صحته في اللغة ؟ وهل سمع من الأثبات الثقات الذين ترتضي عربيتهم ؟ ثم ليت شعري كيف موقعه في الآية ؟ وكيف تطبيقه المفصل كسائر كلمات التنزيل ؟ على أن موسى عليه السلام ما كان عليه ليلة المناجاة إلا زرمانقة من صوف لا كمي لها  فَذَانِكَ  قرىء مخففاً ومشدّداً، فالمخفف مثنى ذاك. والمشدّد مثنى ذلك،  برهانان  حجتان بينتان نيرتان. 
فإن قلت : لم سميت الحجة برهانا ؟ قلت : لبياضها وإنارتها من قولهم للمرأة البيضاء. برهرهة، بتكرير العين واللام معا. والدليل على زيادة النون قولهم : أبره الرجل، إذا جاء بالبرهان. ونظيره تسميتهم إياها سلطاناً من السليط وهو الزيت، لإنارتها.

### الآية 28:33

> ﻿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ [28:33]

يقال : ردأته : أعنته. والردء : اسم ما يعان به، فعل بمعنى مفعول كما أن الدفء اسم لما يدفأ به. قال سلامة بن جندل :

وَرِدْئي كُلُّ أبْيَضَ مَشْرَفِيٍّ  شَحِيذِ الْحَدِّ عَضْبٍ ذِي فُلُولِ

### الآية 28:34

> ﻿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ۖ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ [28:34]

وقرىء :**«رداً »** على التخفيف، كما قرىء **«الخب »**  رِدْءاً يُصَدّقُنِى  بالرفع والجزم صفة وجواب، ونحو  وَلِيّاً يَرِثُنِى  سواء. 
فإن قلت : تصديق أخيه ما الفائدة فيه ؟ قلت : ليس الغرض بتصديقه أن يقول له : صدقت، أو يقول للناس : صدق موسى، وإنما هو أن يلخص بلسانه الحق، ويبسط القول فيه، ويجادل به الكفار، كما يفعل الرجل المنطيق ذو العارضة، فذلك جار مجرى التصديق المفيد، كما يصدّق القول بالبرهان. ألا ترى إلى قوله :**«وَأَخِى هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنّى لِسَاناً فَأَرْسِلْهِ مَعِىَ »**، وفضل الفصاحة إنما يحتاج إليه لذلك، لا لقوله : صدقت، فإنّ سحبان وباقلا يستويان فيه، أو يصل جناح كلامه بالبيان، حتى يصدّقه الذي يخاف تكذيبه، فأسند التصديق إلى هرون، لأنه السبب فيه إسناداً مجازياً. ومعنى الإسناد المجازي : أن التصديق حقيقة في المصدّق، فإسناده إليه حقيقة وليس في السبب تصديق، ولكن استعير له الإسناد لأنه لابس التصديق بالتسبب كما لابسه الفاعل بالمباشرة. والدليل على هذا الوجه قوله : إِنّى أَخَافُ أَن يُكَذّبُونِ  وقراءة من قرأ :**«ردءا يصدقوني »**. وفيها تقوية للقراءة بجزم يصدقني.

### الآية 28:35

> ﻿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ۚ بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ [28:35]

العضد : قوام اليد، وبشدّتها تشتد. قال طرفة :

أَبَنِي لُبَينَى لَسْتُمُو بِيَدٍ  إِلاَّ يَداً لَيْسَتْ لَهَا عَضُدُويقال في دعاء الخير : شدّ الله عضدك. وفي ضده ؛ فت الله في عضدك. ومعنى  سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ  سنقويك به ونعينك، فإمّا أن يكون ذلك لأن اليد تشتد بشدة العضد. والجملة تقوى بشدة اليد على مزاولة الأمور. وإمّا لأنّ الرجل شبة باليد في اشتدادها باشتداد العضد، فجعل كأنه يد مشتدة بعضد شديدة  سلطانا  غلبة وتسلطا. أو حجة واضحة  بئاياتنا  متعلق بنحو ما تعلق به في تسع آيات، أي اذهبا بآياتنا. أو بنجعل لكما سلطانا، أي : نسلطكما بآياتنا. أو بلا يصلون، أي : تمتنعون منهم بآياتنا. أو هو بيان للغالبون لا صلة، لامتناع تقدم الصلة على الموصول. ولو تأخر : لم يكن إلا صله له. ويجوز أن يكون قسماً جوابه : لا يصلون، مقدماً عليه. أو من لغو القسم.

### الآية 28:36

> ﻿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ [28:36]

سِحْرٌ مُّفْتَرًى  سحر تعمله أنت ثم تفتريه على الله. أو سحر ظاهر افتراؤه. أو موصوف بالافتراء كسائر أنواع السحر وليس بمعجزة من عند الله  وفي آياتنا  حال منصوبة عن هذا، أي : كائناً في زمانهم وأيامهم، يريد : ما حدثنا بكونه فيهم، ولا يخلو من أن يكونوا كاذبين في ذلك، وقد سمعوا وعلموا بنحوه. أو يريدوا أنهم لم يسمعوا بمثله في فظاعته. أو ما كان الكهان يخبرون بظهور موسى ومجيئه بما جاء به. وهذا دليل على أنهم حجوا وبهتوا، وما وجدوا ما يدفعون به ما جاءهم من الآيات إلا قولهم هذا سحر وبدعة لم يسمعوا بمثلها.

### الآية 28:37

> ﻿وَقَالَ مُوسَىٰ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَىٰ مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [28:37]

يقول : ربى أَعْلَمُ  منكم بحال من أهله الله للفلاح الأعظم، حيث جعله نبياً وبعثه بالهدى، ووعده حسن العقبى : يعني نفسه، ولو كان كما تزعمون كاذباً ساحراً مفترياً لما أهله لذلك، لأنه غني حكيم لا يرسل الكاذبين، ولا ينبىء الساحرين، ولا يفلح عنده الظالمون. و  عاقبة الدار  هي العاقبة المحمودة. والدليل عليه قوله تعالى : أُوْلَئِكَ لَهُمْ عقبى الدار جنات عَدْنٍ  \[ الرعد : ٢٢-٢٣ \] وقوله : وَسَيَعْلَمُ الكفار لِمَنْ عُقْبَى الدار  \[ الرعد : ٤٢ \] والمراد بالدار : الدنيا، وعاقبتها وعقباها : أن يختم للعبد بالرحمة والرضوان وتلقي الملائكة بالبشرى عند الموت. 
فإن قلت : العاقبة المحمودة والمذمومة كلتاهما يصح أن تسمى عاقبة الدار ؛ لأنّ الدنيا إمّا أن تكون خاتمتها بخير أو بشر، فلم اختصت خاتمتها بالخير بهذه التسمية دون خاتمتها بالشر ؟ قلت : قد وضع الله سبحانه الدنيا مجازاً إلى الآخرة وأراد بعباده أن لا يعملوا فيها إلا الخير، وما خلقهم إلا لأجله ليتلقوا خاتمة الخير وعاقبة الصدق، ومن عمل فيها خلاف ما وضعها الله فقد حرف ؛ فإذاً عاقبتها الأصلية هي عاقبة الخير. وأما عاقبة السوء فلا اعتداد بها ؛ لأنها من نتائج تحريف الفجار. وقرأ ابن كثير :**«قال موسى »** بغير واو، على ما في مصاحف أهل مكة، وهي قراءة حسنة ؛ لأنّ الموضع موضع سؤال وبحث عما أجابهم به موسى عليه السلام عند تسميتهم مثل تلك الآيات الباهرة : سحراً مفترى. ووجه الأخرى : أنهم قالوا ذلك. وقال موسى عليه السلام هذا، ليوازن الناظر بين القول والمقول، ويتبصر فساد أحدهما وصحة الآخر :
وَبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الأشْيَاءُ \*\*\*
وقرىء :**«تكون »**، بالياء والتاء.

### الآية 28:38

> ﻿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ [28:38]

روى أنه لما أمر ببناء الصرح، جمع هامان العمال حتى اجتمع خمسون ألف بناء سوى الأتباع والأجراء، وأمر بطبخ الآجر والجص ونجر الخشب وضرب المسامير، فشيدوه حتى بلغ ما لم يبلغه بنيان أحد من الخلق، فكان الباني لا يقدر أن يقف على رأسه يبني، فبعث الله تعالى جبريل عليه السلام عند غروب الشمس، فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع : وقعت قطعة على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل، ووقعت قطعة في البحر وقطعة في المغرب، ولم يبق أحد من عماله إلا قد هلك. ويروى في هذه القصة : أنّ فرعون ارتقى فوقه فرمى بنشابة نحو السماء، فأراد الله أن يفتنهم فردّت إليه وهي ملطوخة بالدم ؛ فقال : قد قتلت إله موسى، فعندها بعث الله جبريل عليه السلام لهدمه، والله أعلم بصحته. قصد بنفي علمه بإله غيره : نفي وجوده، معناه : مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرِى  \[ الأعراف : ٥٩ \] كما قال الله تعالى : قُلْ أَتُنَبّئُونَ الله بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِى السموات وَلاَ فِى الأرض  \[ يونس : ١٨ \] معناه بما ليس فيهن، وذلك لأنّ العلم تابع للمعلوم لا يتعلق به إلا على ما هو عليه، فإذا كان الشيء معدوماً لم يتعلق به موجود، فمن ثمة كان انتفاء العلم بوجوده لا انتفاء وجوده. وعبر عن انتفاء وجوده بانتفاء العلم بوجوده. ويجوز أن يكون على ظاهره، وأنّ إلها غيره غير معلوم عنده، ولكنه مظنون بدليل قوله : وَإِنّى لأظُنُّهُ مِنَ الكاذبين ، وإذا ظنّ موسى عليه السلام كاذباً في إثباته إلهاً غيره ولم يعلمه كاذباً، فقد ظنّ أن في الوجود إلهاً غيره، ولو لم يكن المخذول ظاناً ظناً كاليقين، بل عالماً بصحة قول موسى عليه السلام لقول موسى له : لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السموات والأرض بَصَائِرَ  \[ الإسراء : ١٠٢ \] لما تكلف ذلك البنيان العظيم، ولما تعب في بنائه ما تعب، لعله يطلع بزعمه إلى إله موسى عليه السلام، وإن كان جاهلاً مفرط الجهل به وبصفاته، حيث حسب أنه في مكان كما كان هو في مكان، وأنه يطلع إليه كما كان يطلع إليه إذا قعد في عليته، وأنه ملك السماء كما أنه ملك الأرض. ولا ترى بينة أثبت شهادة على إفراط جهله وغباوته وجهل ملئه وغباوتهم : من أنهم راموا نيل أسباب السموات بصرح يبنونه، وليت شعري ؛ أكان يلبس على أهل بلاده ويضحك من عقولهم، حيث صادفهم أغبى الناس وأخلاهم من الفطن وأشبههم بالبهائم بذلك ؟ أم كان في نفسه بتلك الصفة ؟ وإن صحّ ما حكى من رجوع النشابة إليه ملطوخة بالدم، فتهكم به بالفعل، كما جاء التهكم بالقول في غير موضع من كتاب الله بنظرائه من الكفرة. ويجوز أن يفسر الظن على القول الأوّل باليقين، كقوله :
فَقُلْتُ لَهُمْ ظُنُّوا بِأَلفِيْ مُدَجَّجِ \*\*\*
ويكون بناء الصرح مناقضة لما ادعاه من العلم واليقين، وقد خفيت على قومه لغباوتهم وبلههم. أولم تخف عليهم، ولكن كلا كان يخاف على نفسه سوطه، وسيفه، وإنما قال : فَأَوْقِدْ لِى ياهامان عَلَى الطين  ولم يقل : اطبخ لي الآجر واتخذه، لأنه أوّل من عمل الآجر، فهو يعلمه الصنعة، ولأن هذه العبارة أحسن طباقاً لفصاحة القرآن وعلوّ طبقته وأشبه بكلام الجبابرة. وأمر هامان وهو وزيره ورديفه بالإيقاد على الطين منادى باسمه بيا في وسط الكلام. دليل التعظيم والتجبر. وعن عمر رضي الله عنه أنه حين سافر إلى الشام ورأى القصور المشيدة بالآجر فقال : ما علمت أن أحداً بنى بالآجر غير فرعون. والطلوع والإطلاع : الصعود. يقال : طلع الجبل وأطلع : بمعنى.

### الآية 28:39

> ﻿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ [28:39]

الاستكبار بالحق : إنما هو لله تعالى، وهو المتكبر على الحقيقة، أي : المتبالغ في كبرياء الشأن. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما حكى عن ربه :**« الكبرياء ردائي والعظمةُ إزاري، فمن نازعني واحداً منهما ألقيتُه في النار »** وكلُ مستكبر سواه فاستكباره بغير الحق  يَرْجَعُونَ  بالضم والفتح.

### الآية 28:40

> ﻿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ۖ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ [28:40]

فأخذناه وَجُنُودَهُ فنبذناهم فِى اليم  من الكلام الفخم الذي دل به على عظمة شأنه وكبرياء سلطانه. شبههم استحقاراً لهم واستقلالاً لعددهم، وإن كانوا الكثر الكثير والجم الغفير، بحصيات أخذهنّ آخذ في كفه فطرحهنّ في البحر. ونحو ذلك قوله : وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِىَ شامخات  \[ المرسلات : ٢٧ \]،  وَحُمِلَتِ الأرض والجبال فَدُكَّتَا دَكَّةً واحدة  \[ الحاقة : ١٤ \]،  وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مطويات بِيَمِينِهِ  \[ الزمر : ٦٧ \] وما هي إلا تصويرات وتمثيلات لاقتداره، وأن كل مقدور وإن عظم وجل، فهو مستصغر إلى جنب قدرته.

### الآية 28:41

> ﻿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ [28:41]

فإن قلت : ما معنى قوله : وجعلناهم أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النار  ؟ قلت : معناه : ودعوناهم أئمة دعاة إلى النار، وقلنا : إنهم أئمة دعاة إلى النار، كما يدعي خلفاء الحق أئمة دعاة إلى الجنة. وهو من قولك : جعله بخيلاً وفاسقاً، إذا دعاه وقال : إنه بخيل وفاسق. ويقول أهل اللغة في تفسير فسقه وبخله : جعله بخيلاً وفاسقاً. ومنه قوله تعالى : وَجَعَلُواْ الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا  \[ الزخرف : ١٩ \] ومعنى دعوتهم إلى النار : دعوتهم إلى موجباتها من الكفر والمعاصي  وَيَوْمَ القيامة لاَ يُنصَرُونَ  كما ينصر الأئمة الدعاة إلى الجنة. ويجوز : خذلناهم حتى كانوا أئمة الكفر. ومعنى الخذلان : منع الألطاف، وإنما يمنعها من علم أنها لا تنفع فيه، وهو المصمم على الكفر الذي لا تغني عنه الآيات والنذر، ومجراه مجرى الكناية ؛ لأنّ منع الألطاف يردف التصميم، والغرض بذكره : التصميم نفسه، فكأنه قيل : صمموا على الكفر حتى كانوا أئمة فيه دعاة إليه وإلى سوء عاقبته. 
فإن قلت : فأي فائدة في ترك المردوف إلى الرادفة ؟ قلت : ذكر الرادفة يدل على وجود المردوف فيعلم وجود المردوف مع الدليل الشاهد بوجوده، فيكون أقوى لإثباته من ذكره. ألا ترى أنك تقول : لولا أنه مصمم على الكفر مقطوع أمره مثبوت حكمه لما منعت منه الألطاف، فبذكر منع الألطاف يحصل العلم بوجود التصميم على الكفر وزيادة، وهو قيام الحجة على وجوده. وينصر هذا الوجه قوله : وَيَوْمَ القيامة لاَ يُنصَرُونَ  كأنه قيل : وخذلناهم في الدنيا وهم يوم القيامة مخذولون.

### الآية 28:42

> ﻿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ [28:42]

كما قال : وأتبعناهم فِى هَذِهِ الدنيا لَعْنَةً  أي طرداً وإبعاداً عن الرحمة  وَيَوْمَ القيامة هُمْ مِّنَ المقبوحين  أي من المطرودين المبعدين.

### الآية 28:43

> ﻿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَىٰ بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [28:43]

بَصَائِرَ  نصب على الحال. والبصيرة : نور القلب الذي يستبصر به، كما أن البصر نور العين الذي تبصر به، يريد : آتيناه التوراة أنواراً للقلوب، لأنها كانت عمياء لا تستبصر ولا تعرف حقا من باطل. وإرشاداً ؛ لأنهم كانوا يخبطون في ضلال  وَرَحْمَةً  لأنهم لو عملوا بها وصلوا إلى نيل الرحمة  لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ  إرادة أن يتذكروا، شبهت الإرادة بالترجي فاستعير لها. ويجوز أن يراد به ترجي موسى عليه السلام لتذكرهم، كقوله تعالى : لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ  \[ طه : ٤٤ \].

### الآية 28:44

> ﻿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ [28:44]

الغربى  المكان الواقع في شق الغرب، وهو المكان الذي وقع فيه ميقات موسى عليه السلام من الطور وكتب الله له في الألواح. والأمر المقضي إلى موسى عليه السلام : الوحي الذي أوحى إليه ؛ والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : وما كنت حاضراً المكان الذي أوحينا فيه إلى موسى عليه السلام، ولا كنت  مِنَ  جملة  الشاهدين  للوحي إليه، أو على الوحي إليه ؛ وهم نقباؤه الذين اختارهم للميقات، حتى تقف من جهة المشاهدة على ما جرى من أمر موسى عليه السلام في ميقاته. وكتبة التوراة له في الألواح، وغير ذلك.

### الآية 28:45

> ﻿وَلَٰكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ۚ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ [28:45]

فإن قلت : كيف يتصل قوله : وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُوناً  بهذا الكلام ؟ ومن أي وجه يكون استدراكاً له ؟ قلت : اتصاله به وكونه استدراكاً له، من حيث أن معناه : ولكنا أنشأنا بعد عهد الوحي إلى عهدك قرونا كثيرة  فَتَطَاوَلَ  على آخرهم : وهو القرن الذي أنت فيهم  العمر  أي أمد انقطاع الوحي واندرست العلوم، فوجب إرسالك إليهم، فأرسلناك وكسبناك العلم بقصص الأنبياء وقصة موسى عليهم السلام، كأنه قال : وما كنت شاهداً لموسى وما جرى عليه، ولكنا أوحينا إليك. فذكر سبب الوحي الذي هو إطالة الفترة ؛ ودلّ به على المسبب على عادة الله عز وجل في اختصاراته ؛ فإذاً هذا الاستدراك شبيه الاستدراكين بعده  وَمَا كُنتَ ثَاوِياً  أي مقيماً  فِى أَهْلِ مَدْيَنَ  وهم شعيب والمؤمنون به  تَتْلُو عَلَيْهِمْ ءاياتنا  تقرؤها عليهم تعلماً منهم، يريد : الآيات التي فيها قصة شعيب وقومه، ولكنا أرسلناك وأخبرناك بها وعلمناكها.

### الآية 28:46

> ﻿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَٰكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [28:46]

إِذْ نَادَيْنَا  يريد مناداة موسى عليه السلام ليلة المناجاة وتكليمه، و  لَكِن  علمناك  رَحْمَةً  وقرىء :**«رحمة »**، بالرفع : أي هي رحمة  مَا ءاتاهم  من نذير في زمان الفترة بينك وبين عيسى وهي خمسمائة وخمسون سنة، ونحوه قوله : لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ ءابَاؤُهُمْ  \[ يس : ٦ \].

### الآية 28:47

> ﻿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [28:47]

لَوْلاَ  الأولى امتناعية وجوابها محذوف، والثاني تحضيضية، وإحدى الفاءين للعطف، والأخرى جواب لولا، لكونها في حكم الأمر، من قبل أن الأمر باعث على الفعل، والباعث والمحضض من واد واحد. والمعنى : ولولا أنهم قائلون إذا عوقبوا بما قدّموا من الشرك والمعاصي : هلا أرسلت إلينا رسولاً، محتجين علينا بذلك : لما أرسلنا إليهم، يعني : أن إرسال الرسول إليهم إنما هو ليلزموا الحجة ولا يلزموها، كقوله : لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل  \[ النساء : ١٦٥ \]،  أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ  \[ المائدة : ١٩ \]،  لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتِّبِعَ ءاياتك . 
فإن قلت : كيف استقام هذا المعنى وقد جعلت العقوبة هي السبب في الإرسال لا القول، لدخول حرف الامتناع عليها دونه ؟ قلت : القول هو المقصود بأن يكون سبباً لإرسال الرسل، ولكن العقوبة لما كانت هي السبب للقول وكان وجوده بوجودها، جعلت العقوبة كأنها سبب الإرسال بواسطة القول، فأدخلت عليها لولا، وجيء بالقول معطوفاً عليها بالفاء المعطية معنى السببية، ويؤول معناه إلى قولك : ولولا قولهم هذا إذا أصابتهم مصيبة لما أرسلنا، ولكن اختيرت هذه الطريقة لنكتة : وهي أنهم لو لم يعاقبوا مثلاً على كفرهم وقد عاينوا ما ألجئوا به إلى العلم اليقين : لم يقولوا : لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً  وإنما السبب في قولهم هذا هو العقاب لا غير لا التأسف على ما فاتهم من الإيمان بخالقهم. وفي هذا من الشهادة القوية على استحكام كفرهم ورسخوه فيهم ما لا يخفى، كقوله تعالى : وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ  \[ الأنعام : ٢٨ \]. ولما كانت أكثر الأعمال تزاول بالأيدي : جعل كل عمل معبراً عنه باجتراح الأيدي وتقدم الأيدي وإن كان من أعمال القلوب، وهذا من الاتساع في الكلام وتصيير الأقل تابعاً للأكثر وتغليب الأكثر على الأقل.

### الآية 28:48

> ﻿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَىٰ ۚ أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ مِنْ قَبْلُ ۖ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ [28:48]

فَلَمَّا جَاءهُمُ الحق  وهو الرسول المصدق بالكتاب المعجز مع سائر المعجزات وقطعت معاذيرهم وسدّ طريق احتجاجهم  قَالُواْ لَوْلا أُوتِىَ مِثْلَ مَا أُوتِىَ موسى  من الكتاب المنزل جملة واحدة، ومن قلب العصا حية وفلق البحر وغيرهما من الآيات ؛ فجاءوا بالاقتراحات المبنية على التعنت والعناد، كما قالوا : لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك، وما أشبه ذلك  أَوَ لَمْ يَكْفُرُواْ  يعني أبناء جنسهم ومن مذهبهم مذهبهم وعنادهم عنادهم، وهم الكفرة في زمن موسى عليه السلام  بِمَا أُوتِىَ موسى  وعن الحسن رحمه الله : قد كان للعرب أصل في أيام موسى عليه السلام، فمعناه على هذا : أو لم يكفر آباؤهم  قَالُواْ  في موسى وهرون  سِحْرَانِ تظاهرا  أي تعاونا. وقرىء :**«إظهاراً »** على الإدغام. وسحران. بمعنى : ذوا سحر. أو جعلوهما سحرين مبالغة في وصفهما بالسحر. أو أرادوا نوعان من السحر  بِكُلٍّ  بكل واحد منهما. 
فإن قلت : بم علقت قوله من قبل في هذا التفسير ؟ قلت : ب ( أولم ) يكفروا، ولي أن أعلقه بأوتي، فينقلب المعنى إلى أن أهل مكة الذين قالوا هذه المقالة كما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن فقد كفروا بموسى عليه السلام وبالتوراة، وقالوا في موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام : ساحران تظاهرا. أو في الكتابين : سحران تظاهرا ؛ وذلك حين بعثوا الرهط إلى رؤساء اليهود بالمدينة يسألونهم عن محمد صلى الله عليه وسلم، فأخبرهم أنه نعته وصفته، وأنه في كتابهم، فرجع الرهط إلى قريش فأخبروهم بقول اليهود، فقالوا عند ذلك : ساحران تظاهرا.

### الآية 28:49

> ﻿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [28:49]

هُوَ أهدى مِنْهُمَا  مما أنزل على موسى عليه السلام ومما أنزل عليّ. هذا الشرط من نحو ما ذكرت أنه شرط المدل بالأمر المتحقق لصحته ؛ لأنّ امتناع الإتيان بكتاب أهدى من الكتابين أمر معلوم متحقق لا مجال فيه للشكّ. ويجوز أن يقصد بحرف الشكّ : التهكم بهم.

### الآية 28:50

> ﻿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [28:50]

فإن قلت : ما الفرق بين فعل الاستجابة في الآية، وبينه في قوله :
فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ \*\*\*
حيث عدّى بغير اللام ؟ قلت : هذا الفعل يتعدّى إلى الدعاء بنفسه وإلى الداعي باللام، ويحذف الدعاء إذا عدّي إلى الداعي في الغالب، فيقال ؛ استجاب الله دعاءه أو استجابة له، ولا يكاد يقال : استجاب له دعاءه. وأما البيت فمعناه : فلم يستجب دعاءه، على حذف المضاف. 
فإن قلت : فالاستجابة تقتضي دعاء ولا دعاء ههنا. قلت : قوله فأتوا بكتاب أمر بالإتيان والأمر بعث على الفعل ودعاء إليه، فكأنه قال : فإن لم يستجيبوا دعاءك إلى الإتيان بالكتاب الأهدى، فاعلم أنهم قد ألزموا ولم تبق لهم حجة إلا اتباع الهوى، ثم قال : وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ  لا يتبع في دينه إلا  هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ الله  أي مطبوعاً على قلبه ممنوع الألطاف  إِنَّ الله لاَ يَهْدِى  أي لا يلطف بالقوم الثابتين على الظلم الذين اللاطف بهم عابث. وقوله بغير هدى في موضع الحال، يعني مخذولاً مخلى بينه وبين هواه.

### الآية 28:51

> ﻿۞ وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [28:51]

قرىء : وَصَّلْنَا  بالتشديد والتخفيف. والمعنى : أن القرآن أتاهم متتابعاً متواصلاً، وعداً ووعيداً، وقصصاً وعبراً، ومواعظ ونصائح : إرادة أن يتذكروا فيفلحوا. أو نزل عليهم نزولاً متصلاً بعضه في أثر بعض. كقوله : وَمَا يَأْتِيهِم مّن ذِكْرٍ مّنَ الرحمن مُحْدَثٍ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ  \[ الشعراء : ٥ \]

### الآية 28:52

> ﻿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ [28:52]

نزلت في مؤمني أهل الكتاب وعن رفاعة بن قرظة : نزلت في عشرة أنا أحدهم. وقيل : في أربعين من مسلمي أهل الإنجيل : اثنان وثلاثون جاؤوا مع جعفر من أرض الحبشة، وثمانية من الشام، والضمير في  مِن قَبْلِهِ  للقرآن.

### الآية 28:53

> ﻿وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ [28:53]

فإن قلت : أي فرق بين الاستئنافين إنه وإنا ؟ قلت : الأوّل تعليل للإيمان به، لأن كونه حقاً من الله حقيق بأن يؤمن به. والثاني : بيان لقوله : ءَامَنَّا بِهِ  لأنه يحتمل أن يكون إيماناً قريب العهد وبعيده، فأخبروا أن إيمانهم به متقادم ؛ لأنّ آباءهم القدماء قرؤوا في الكتب الأول ذكره وأبناءهم من بعدهم  مِن قَبْلِهِ  من قبل وجوده ونزوله  مُسْلِمِينَ  كائنين على دين الإسلام ؛ لأن الإسلام صفة كل موحد مصدّق للوحي.

### الآية 28:54

> ﻿أُولَٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [28:54]

بِمَا صَبَرُواْ  بصبرهم على الإيمان بالتوراة والإيمان بالقرآن. أو بصبرهم على الإيمان بالقرآن قبل نزوله وبعد نزوله. أو بصبرهم على أذى المشركين وأهل الكتاب. ونحوه  يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ  \[ الحديد : ٢٨ \]،  بالحسنة السيئة  بالطاعة المعصية المتقدمة. أو بالحلم الأذى.

### الآية 28:55

> ﻿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [28:55]

سلام عَلَيْكُمْ  توديع ومتاركة. وعن الحسن رضي الله عنه : كلمة حلم من المؤمنين  لاَ نَبْتَغِى الجاهلين  لا نريد مخالطتهم وصحبتهم
فإن قلت : من خاطبوا بقولهم  وَلَكُمْ أعمالكم  ؟ قلت : اللاغين الذين دل عليهم قوله : وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو .

### الآية 28:56

> ﻿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [28:56]

لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ  : لا تقدر أن تدخل في الإسلام كل من أحببت أن يدخل فيه من قومك وغيرهم ؛ لأنك عبد لا تعلم المطبوع على قلبه من غيره ؛  ولكن الله  يدخل في الإسلام  مَن يَشَآءُ  وهو الذي علم أنه غير مطبوع على قلبه، وأن الألطاف تنفع فيه ؛ فيقرن به ألطافه حتى تدعوه إلى القبول.  وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين  : بالقابلين من الذين لا يقبلون. 
 قال الزجاج : أجمع المسلمون أنها نزلت في أبي طالب. وذلك أن أبا طالب قال عند موته : يا معشر بني هاشم ؛ أطيعوا محمداً وصدِّقوه تفلحوا وترشدوا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم :**« تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم وتدعها لنفسك ! »** قال : فما تريد يا ابن أخي ؟ قال :**« أريد منك كلمة واحدة ؛ فإنك في آخر يوم من أيام الدنيا : أن تقول لا إله إلا الله ؛ أشهد لك بها عند الله »**. قال : يا ابن أخي ؛ قد علمت إنك لصادق ؛ ولكني أكره أن يقال : خرع عند الموت. ولولا أن تكون عليك وعلى بني أبيك غضاضة ومسبة بعدي لقلتها، ولأقررت بها عينك عند الفراق ؛ لما أرى من شدّة وجدك ونصيحتك ؛ ولكني سوف أموت على ملة الأشياخ ؛ عبد المطلب وهاشم وعبد مناف.

### الآية 28:57

> ﻿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ۚ أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [28:57]

قالت قريش، وقيل : إن القائل الحرث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف : نحن نعلم أنك على الحق، ولكنا نخاف إن اتبعناك وخالفنا العرب بذلك وإنما نحن أكلة رأس، أي : قليلون أن يتخطفونا من أرضنا، فألقمهم الله الحجر. بأنه مكن لهم في الحرم الذي آمنه بحرمة البيت وآمن قطانه بحرمته، وكانت العرب في الجاهلية حولهم يتغاورون ويتناحرون، وهم آمنون في حرمهم لا يخافون، وبحرمة البيت هُم قارّون بواد غير ذي زرع، والثمرات والأرزاق تجبى إليهم من كل أوب، فإذا خولهم الله ما خولهم من الأمن والرزق بحرمة البيت وحدها وهم كفرة عبدة أصنام فكيف يستقيم أن يعرضهم للتخوّف والتخطف، ويسلبهم الأمن إذا ضموا إلى حرمة البيت حرمة الإسلام وإسناد الأمن إلى أهل الحرم حقيقة، وإلى الحرم مجاز  يجبى إِلَيْهِ  تجلب وتجمع. قرىء : بالياء والتاء. وقرىء :**«تجنى »**، بالنون، من الجني. وتعديته بإلى كقوله : يجني إليّ فيه، ويجني إلى الخافة. وثمرات : بضمتين وبضمة وسكون. ومعنى الكلية : الكثرة كقوله : وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء  \[ النمل : ٢٣ \]  ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ  متعلق بقوله  مِّن لَّدُنَّا  أي قليل منهم يقرون بأنّ ذلك رزق من عند الله، وأكثرهم جهلة لا يعلمون ذلك ولا يفطنون له ولو علموا أنه من عند الله لعلموا أن الخوف والأمن من عنده. ولما خافوا التخطف إذا آمنوا به وخلعوا أنداده. 
فإن قلت : بم انتصب رزقاً ؟ قلت : إن جعلته مصدراً جاز أن ينتصب بمعنى ما قبله ؛ لأنّ معنى  يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَىْءٍ  ويرزق ثمرات كل شيء : واحد، وأن يكون مفعولاً له. وإن جعلته بمعنى : مرزوق، كان حالاً من الثمرات لتخصصها بالإضافة، كما تنتصب عن النكرة المتخصصة بالصفة.

### الآية 28:58

> ﻿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ۖ فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ [28:58]

هذا تخويف لأهل مكة من سوء عاقبة قوم كانوا في مثل حالهم من إنعام الله عليهم بالرقود في ظلال الأمن وخفض العيش، فغمطوا النعمة وقابلوها بالأشر والبطر، فدمّرهم الله وخرّب ديارهم. وانتصبت  مَعِيشَتَهَا  إمّا بحذف الجار وإيصال الفعل، كقوله تعالى : واختار موسى قومه  \[ الأعراف : ١٥٥ \] وإمّا على الظرف بنفسها، كقولك : زيد ظني مقيم. أو بتقدير حذف الزمان المضاف، أصله : بطرت أيام معيشتها، كخفوق النجم، ومقدم الحاج : وإمّا بتضمين  بَطِرَتْ  معنى : كفرت وغمطت. وقيل : البطر سوء احتمال الغنى : وهو أن لا يحفظ حق الله فيه  إِلاَّ قَلِيلاً  من السكنى. قال ابن عباس رضي الله عنهما : لم يسكنها إلا المسافر ومارّ الطريق يوماً أو ساعة ويحتمل أنّ شؤم معاصي المهلكين بقي أثره في ديارهم، فكل من سكنها من أعقابهم لم يبق فيها إلا قليلاً  وَكُنَّا نَحْنُ الوارثين  لتلك المساكن من ساكنيها، أي : تركناها على حال لا يسكنها أحد، أو خرّبناها وسوّيناها بالأرض.

تَتَخَلَّفُ الآثَارُ عَنْ أَصْحَابِهَا  حِيناً وَيُدْرِكُهَا الْفَنَاءُ فَتَتْبَعُ

### الآية 28:59

> ﻿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ۚ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَىٰ إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [28:59]

وما كانت عادة ربك أن يهلك القرى في كل وقت  حتى يَبْعَثَ فِى  القرية التي هي أمّها، أي : أصلها وقصبتها التي هي أعمالها وتوابعها  رَسُولاً  لإلزام الحجة وقطع المعذرة، مع علمه أنهم لا يؤمنون ؛ أو وما كان في حكم الله وسابق قضائه أن يهلك القرى في الأرض حتى يبعث في أمر القرى يعني مكة رسولاً وهو محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء. وقرىء :**«أمها »** بضم الهمزة وكسرها لا تباع الجرّ، وهذا بيان لعدله وتقدسه عن الظلم، حيث أخبر بأنه لا يهلكهم إلا إذا استحقوا الهلاك بظلمهم، ولا يهلكهم مع كونهم ظالمين إلا بعد تأكيد الحجة والإلزام ببعثة الرسل، ولا يجعل علمه بأحوالهم حجة عليهم، ونزه ذاته أن يهلكهم وهم غير ظالمين، كما قال تعالى : وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ  \[ هود : ١١٧ \] فنصّ في قوله : بظلم  أنه لو أهلكهم وهم مصلحون لكان ذلك ظلماً منه، وأنّ حاله في غناه وحكمته منافية للظلم، دلّ على ذلك بحرف النفي مع لامه، كما قال الله تعالى : وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم  \[ البقرة : ١٤٣ \].

### الآية 28:60

> ﻿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا ۚ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [28:60]

وأي شيء أصبتموه من أسباب الدنيا فما هو إلا تمتع وزينة أياماً قلائل، وهي مدة الحياة المتقضية  وَمَا عِندَ الله  وهو ثوابه  خَيْرٌ  في نفسه من ذلك  وأبقى  لأنّ بقاءه دائم سرمد وقرىء :**«يعقلون »** بالياء، وهو أبلغ في الموعظة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله خلق الدنيا وجعل أهلها ثلاثة أصناف : المؤمن، والمنافق، والكافر ؛ فالمؤمن يتزوّد، والمنافق يتزين، والكافر يتمتع.

### الآية 28:61

> ﻿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [28:61]

هذه الآية تقرير وإيضاح للتي قبلها. والوعد الحسن : الثواب ؛ لأنه منافع دائمة على وجه التعظيم والاستحقاق، وأي شيء أحسن منها، ولذلك سمى الله الجنة بالحسنى. و  لاَقِيهِ  كقوله تعالى : ولقاهم نَضْرَةً وَسُرُوراً ، وعكسه  فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً  \[ مريم : ٥٩ \]  مِنَ المحضرين  من الذين أحضروا النار. ونحوه : لَكُنتُ مِنَ المحضرين  \[ الصافات : ٥٧ \]،  فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ  \[ الصافات : ١٢٧ \] قيل : نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي جهل. وقيل : في علي وحمزة وأبي جهل. وقيل : في عمار بن ياسر والوليد بن المغيرة. 
فإن قلت : فسر لي الفاءين وثم، وأخبرني عن مواقعها. قلت : قد ذكر في الآية التي قبلها متاع الحياة الدنيا وما عند الله وتفاوتهما، ثم عقبه بقوله : أَفَمَن وعدناه  على معنى : أبعد هذا التفاوت الظاهر يسوّي بين أبناء الآخرة وأبناء الدنيا، فهذا معنى الفاء الأولى وبيان موقعها. وأمّا الثانية فللتسبيب : لأن لقاء الموعود مسبب عن الوعد الذي هو الضمان في الخير. وأمّا **«ثم »** فلتراخي حال الإحضار عن حال التمتيع، لا لتراخي وقته عن وقته. وقرىء :**«ثم هو »** بسكون الهاء، كما قيل عضْد في عضُد. تشبيهاً للمنفصل بالمتصل، وسكون الهاء في : فهو : وهو، ولهو : أحسن ؛ لأنّ الحرف الواحد لا ينطق به وحده فهو كالمتصل.

### الآية 28:62

> ﻿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [28:62]

شُرَكَائِىَ  مبني على زعمهم، وفيه تهكم، 
**فإن قلت : زعم يطلب مفعولين، كقوله :**
ذ. . . . وَلَمْ أَزْعُمْكِ عَنْ ذَاكَ مَعْزِلاَ \*\*\*
فأين هما ؟ قلت : محذوفان، تقديره : الذين كنتم تزعمونهم شركائي. ويجوز حذف المفعولين في باب ظننت، ولا يصح الاقتصار على أحدهما.

### الآية 28:63

> ﻿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا ۖ تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ ۖ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ [28:63]

الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول  الشياطين أو أئمة الكفر ورؤوسه. ومعنى حق عليهم القول : وجب عليهم مقتضاه وثبت، وهو قوله : لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ  \[ هود : ١١٩ \]، \[ السجدة : ١٣ \] و  هَؤُلاءِ  مبتدأ، و  الذين أَغْوَيْنَا  صفته، والراجع إلى الموصول محذوف، و  أغويناهم  الخبر، والكاف صفة مصدر محذوف، تقديره : أغويناهم، فغووا غيا مثل ما غوينا، يعنون : أنا لم نغو إلا باختيارنا، لا أن فوقنا مغوين أغوونا بقسر منهم وإلجاء. أو دعونا إلى الغيّ وسوّلوه لنا، فهؤلاء كذلك غووا باختيارهم ؛ لأن إغواءنا لهم لم يكن إلا وسوسة وتسويلاً لا قسراً وإلجاء، فلا فرق إذاً بين غينا وغيهم. وإن كان تسويلنا داعياً لهم إلى الكفر، فقد كان في مقابلته دعاء الله لهم إلى الإيمان بما وضع فيهم من أدلة العقل، وما بعث إليهم من الرسل وأنزل عليهم من الكتب المشحونة بالوعد والوعيد والمواعظ والزواجر، وناهيك بذلك صارفاً عن الكفر وداعياً إلى الإيمان، وهذا معنى ما حكاه الله عن الشيطان  إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِى فَلاَ تلوموني ولوموا أنفسكم  \[ إبراهيم : ٢٢ \] والله تعالى قدّم هذا المعنى أوّل شيء، حيث قال لإبليس  إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين  \[ الحجر : ٤٢ \].  تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ  منهم وما اختاروه من الكفر بأنفسهم، هوى منهم للباطل ومقتاً للحق، لا بقوّة منا على استكراههم ولا سلطان  مَا كَانُواْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ  إنما كانوا يعبدون أهواءهم ويطيعون شهواتهم. وإخلاء الجملتين من العاطف، لكونهما مقرّرتين لمعنى الجملة الأولى.

### الآية 28:64

> ﻿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ ۚ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ [28:64]

لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ  لوجه من وجوه الحيل يدفعون به العذاب. أو لو أنهم كانوا مهتدين مؤمنين، لما رأوه. أو تمنوا لو كانوا مهتدين. أو تحيروا عند رؤيته وسدروا فلا يهتدون طريقا. حكى أوّلا ما يوبخهم به من اتخاذهم له شركاء، ثم ما يقوله الشياطين أو أئمتهم عند توبيخهم لأنهم إذا وبخوا بعبادة الآلهة، اعتذروا بأن الشياطين هم الذي استغووهم وزينوا لهم عبادتها.

### الآية 28:65

> ﻿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [28:65]

ثم ما يشبه الشماتة بهم من استغاثتهم آلهتهم وخذلانهم لهم وعجزهم عن نصرتهم، ثم ما يبكتون به من الاحتجاج عليهم بإرسال الرسل وإزاحة العلل.

### الآية 28:66

> ﻿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ [28:66]

فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنباء  فصارت الأنباء كالعمى عليهم جميعاً لا تهتدي إليهم  فَهُمْ لاَ يَتَسَاءلُونَ  لا يسأل بعضهم بعضاً كما يتساءل الناس في المشكلات، لأنهم يتساوون جميعاً في عمى الأنباء عليهم والعجز عن الجواب. وقرىء :**«فعميت »**، والمراد بالنبأ : الخبر عما أجاب به المرسل إليه رسوله، وإذا كانت الأنبياء لهول ذلك اليوم يتتعتعون في الجواب عن مثل هذا السؤال، ويفوّضون الأمر إلى علم الله، وذلك قوله تعالى : يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ علام الغيوب  \[ المائدة : ١٠٩ \] فما ظنك بالضُّلال من أممهم.

### الآية 28:67

> ﻿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَىٰ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ [28:67]

فَأَمَّا مَن تَابَ  من المشركين من الشرك، وجمع بين الإيمان والعمل الصالح  فعسى أَن  يفلح عند الله، و**«عسى »** من الكرام تحقيق. ويجوز أن يراد : ترجي التائب وطمعه، وكأنه قال : فليطمع أن يفلح.

### الآية 28:68

> ﻿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ [28:68]

الخيرة من التخير، كالطيرة من التطير : تستعمل بمعنى المصدر هو التخير، وبمعنى المتخير كقولهم : محمد خيرة الله من خلقه  مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة  بيان لقوله : وَيَخْتَارُ  لأنّ معناه : ويختار ما يشاء، ولهذا لم يدخل العاطف. والمعنى : أنّ الخيرة لله تعالى في أفعاله، وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها، ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه. قيل : السبب فيه قول الوليد بن المغيرة : لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ  \[ الزخرف : ٣١ \] يعني : لا يبعث الله الرسل باختيار المرسل إليهم. وقيل : معناه ويختار الذي لهم فيه الخيرة، أي : يختار للعباد ما هو خير لهم وأصلح، وهو أعلم بمصالحهم من أنفسهم، من قولهم في الأمرين : ليس فيهما خيرة لمختار. 
فإن قلت : فأين الراجع من الصلة إلى الموصول إذا جعلت ما موصولة ؟ قلت : أصل الكلام : ما كان لهم فيه الخيرة، فحذف **«فيه »** كما حذف، منه في قوله : إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الامور  \[ الشورى : ٤٣ \] لأنه مفهوم  سبحان الله  أي الله بريء من إشراكهم ومايحملهم عليه من الجراءة على الله واختيارهم عليه ما لا يختار.

### الآية 28:69

> ﻿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ [28:69]

مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ  من عداوة رسول الله وحسده  وَمَا يُعْلِنُونَ  من مطاعنهم فيه. وقولهم : هلا اختير عليه غيره في النبوّة.

### الآية 28:70

> ﻿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَىٰ وَالْآخِرَةِ ۖ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [28:70]

وهُوَ الله  وهو المستأثر بالإلهية المختص بها، و  لاَ إله إِلاَّ هُوَ  تقرير لذلك، كقولك : الكعبة القبلة، لا قبلة إلا هي. 
فإن قلت : الحمد في الدنيا ظاهر فما الحمد في الآخرة ؟ قلت : هو قولهم : الحمد للَّهِ الذى أَذْهَبَ عَنَّا الحزن  \[ فاطر : ٣٤ \]،  الحمد للَّهِ الذى صَدَقَنَا وَعْدَهُ  \[ الزمر : ٧٤ \]  وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبّ العالمين  \[ الزمر : ٧٥ \] والتحميد هناك على وجه اللذة لا الكلفة. وفي الحديث :**« يلهمونَ التسبيحَ والتقديس »**  وَلَهُ الحكم  القضاء بين عباده.

### الآية 28:71

> ﻿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ ۖ أَفَلَا تَسْمَعُونَ [28:71]

أَرَءيْتُمْ  وقرىء :**«أريتم »** : بحذف الهمزة، وليس بحذف قياسي. ومعناه : أخبروني من يقدر على هذا ؟ والسرمد : الدائم المتصل، من السرد وهو المتابعة. ومنه قولهم في الأشهر الحرم : ثلاثة سردٍ، وواحد فرد، والميم مزيدة. ووزنه فعمل. ونظيره. دلامص، من الدلاص. 
فإن قلت : هلا قيل : بنهار تتصرفون فيه، كما قيل : بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ  ؟ قلت ذكر الضياء وهو ضوء الشمس : لأن المنافع التي تتعلق به متكاثرة، ليس التصرف في المعاش وحده، والظلام ليس بتلك المنزلة، ومن ثمة قرن بالضياء  أَفَلاَ تَسْمَعُونَ  لأنّ السمع يدرك ما لا يدركه البصر من ذكر منافعه ووصف فوائدهّ، وقرن بالليل  أَفلاَ تُبْصِرُونَ .

### الآية 28:72

> ﻿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ [28:72]

أَفلاَ تُبْصِرُونَ  لأنّ غيرك يبصر من منفعة الظلام ما تبصره. وأنت من السكون ونحوه.

### الآية 28:73

> ﻿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [28:73]

وَمِن رَّحْمَتِهِ  زاوج بين الليل والنهار لأغراض ثلاثة : لتسكنوا في أحدهما وهو الليل، ولتبتغوا من فضل الله في الآخر وهو النهار ولإرادة شكركم.

### الآية 28:74

> ﻿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [28:74]

وقد سلكت بهذه الآية طريقة اللف في تكرير التوبيخ باتخاذ الشركاء : إيذان بأن لا شيء أجلب لغضب الله من الإشراك به، كما لا شيء أدخل في مرضاته من توحيده. اللهم فكما أدخلتنا في أهل توحيدك، فأدخلنا في الناجين من وعيدك.

### الآية 28:75

> ﻿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [28:75]

وَنَزَعْنَا  وأخرجنا  مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا  وهو نبيهم : لأن أنبياء الأمم شهداء عليهم، يشهدون بما كانوا عليه  فَقُلْنَا  للأمة  هَاتُواْ برهانكم  فيما كنتم عليه من الشرك ومخالفة الرسول  فَعَلِمُواْ  حينئذٍ  أَنَّ الحق لِلَّهِ  ولرسوله، لا لهم ولشياطينهم  وَضَلَّ عَنْهُم  وغاب عنهم غيبة الشيء الضائع  مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ  من الكذب والباطل.

### الآية 28:76

> ﻿۞ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [28:76]

قارون  اسم أعجمي مثل هرون، ولم ينصرف للعجمة والتعريف، ولو كان فاعولاً من قرن لانصرف. وقيل : معنى كونه من قومه أنه آمن به. وقيل : كان إسرائيلياً ابن عم موسى : هو قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب. وموسى بن عمران بن قاهث. وقيل : كان موسى ابن أخيه، وكان يسمى المنور لحسن صورته، وكان أقرأ بني إسرائيل للتوراة، ولكنه نافق كما نافق السامري وقال : إذا كانت النبوّة لموسى عليه السلام، والمذبح والقربان إلى هرون فمالي ؟ وروي : أنه لما جاوز بهم موسى البحر وصارت الرسالة والحبورة لهرون يقرّب القربان ويكون رأساً فيهم وكان القربان إلى موسى فجعله موسى إلى أخيه وجد قارون في نفسه وحسدهما، فقال لموسى : الأمر لكما ولست على شيء، إلى متى أصبر ؟ قال موسى : هذا صنع الله قال : والله لا أصدق حتى تأتي بآية، فأمر رؤساء بني إسرائيل أن يجيء كل واحد بعصاه، فحزمها وألقاها في القبة التي كان الوحي ينزل عليه فيها، وكانوا يحرسون عصيهم بالليل، فأصبحوا وإذا بعصا هرون تهتز ولها ورق أخضر، وكانت من شجر اللوز، فقال قارون : ما هو بأعجب مما تصنع من السحر  فبغى عَلَيْهِمْ  من البغي وهو الظلم. قيل : ملكه فرعون على بني إسرائيل فظلمهم. وقيل : من البغي وهو الكبر والبذخ : تبذخ عليهم بكثرة ماله وولده. وقيل : زاد عليهم في الثياب شبراً. المفاتح : جمع مفتح بالكسر : وهو ما يفتح به. وقيل هي الخزائن، وقياس واحدها : مفتح بالفتح. ويقال : ناء به الحمل، إذا أثقله حتى أماله. والعصبة : الجماعة الكثيرة والعصابة : مثلها. واعصوصبوا : اجتمعوا. وقيل : كانت تحمل مفاتيح خزائنه ستون بغلاً، لكل خزانة مفتاح، ولا يزيد المفتاح على أصبع. وكانت من جلود. قال أبو رزين يكفي الكوفة مفتاح، وقد بولغ في ذكر ذلك بلفظ : الكنوز، والمفاتح، والنوء، والعصبة، وأولى القوة. وقرأ بُديل بن ميسرة : لينوء بالياء. ووجهه أن يفسر المفاتح بالخزائن، ويعطيها حكم ما أضيفت إليه للملابسة والاتصال، كقولك ذهبت أهل اليمامة. ومحل إذ منصوب بتنوء  لاَ تَفْرَحْ  كقوله : وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا ءاتاكم  \[ الحديد : ٢٣ \] وقول القائل :
وَلَسْتُ بِمِفْرَاحٍ إذَا الدَّهْرُ سَرَّنِي \*\*\*
وذلك أنه لا يفرح بالدنيا إلا من رضي بها واطمأن. وأمّا من قلبه إلى الآخرة ويعلم أنه مفارق ما فيه عن قريب، لم تحدّثه نفسه بالفرح. وما أحسن ما قال القائل :أَشَدُّ الغمِّ عِنْدِي فِي سُرُورٍ  تَيَقَّنَ عَنْهُ صَاحِبُهُ انْتِقَالاَ

### الآية 28:77

> ﻿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [28:77]

وابتغ فِيمَا ءاتَاكَ الله  من الغنى والثروة  الدار الآخرة  بأن تفعل فيه أفعال الخير من أصناف الواجب والمندوب إليه، وتجعله زادك إلى الآخرة  وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ  وهو أن تأخذ منه ما يكفيك ويصلحك  وَأَحْسِن  إلى عباد الله  كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ  أو أحسن بشكرك وطاعتك لله كما أحسن إليك. والفساد في الأرض : ما كان عليه من الظلم والبغي. وقيل إن القائل موسى عليه السلام. وقرىء :**«واتبع »**.

### الآية 28:78

> ﻿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِنْدِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ [28:78]

على عِلْمٍ  أي على استحقاق واستيجاب لما فيّ من العلم الذي فضلت به الناس، وذلك أنه كان أعلم بني إسرائيل بالتوراة. وقيل : هو علم الكيمياء. عن سعيد بن المسيب : كان موسى عليه السلام يعلم علم الكيمياء، فأفاد يوشع بن نون ثلثه، وكالب بن يوفنا ثلثه، وقارون ثلثه، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه فكان يأخذ الرصاص والنحاس فيجعلهما ذهبا. وقيل : علم الله موسى علم الكيمياء، فعلمه موسى أخته، فعلمته أخته قارون. وقيل : هو بصره بأنواع التجارة والدهقنة وسائر المكاسب. وقيل : عِندِى  معناه : في ظني، كا تقول الأمر عندي كذا، كأنه قال : إنما أوتيته على علم، كقوله تعالى : ثُمَّ إِذَا خولناه نِعْمَةً مّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ  \[ الزمر : ٤٩ \] ثم زاد  عِندِى  أي هو في ظني ورأيي هكذا. يجوز أن يكون إثباتاً لعلمه بأنّ الله قد أهلك من القرون قبله من هو أقوى منه وأغنى، لأنه قد قرأه في التوراة، وأخبر به موسى، وسمعه من حفاظ التواريخ والأيام كأنه قيل : أَوَ لَمْ يَعْلَمْ  في جملة ما عنده من العلم هذا، حتى لا يغتر بكثرة ماله وقوّته. ويجوز أن يكون نفياً لعلمه بذلك ؛ لأنه لما قال : أوتيته على علم عندي، فتنفج بالعلم وتعظم به. قيل : أعنده مثل ذلك العلم الذي ادعاه ورأى نفسه به مستوجبة لكل نعمة، ولم يعلم هذا العلم النافع حتى يقي به نفسه مصارع الهالكين  وَأَكْثَرُ جَمْعاً  للمال، أو أكثر جماعة وعدداً. 
فإن قلت : ما وجه اتصال قوله : وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون  بما قبله ؟ قلت : لما ذكر قارون من أهلك من قبله من القرون الذي كانوا أقوى منه وأغنى، قال على سبيل التهديد له : والله مطلع على ذنوب المجرمين، لا يحتاج إلى سؤالهم عنها واستعلامهم. وهو قادر على أن يعاقبهم عليها، كقوله تعالى : والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ  \[ آل عمران : ١٥٣ \] وغيرها،  والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ  \[ البقرة : ٢٨٣ \]، \[ المؤمنون : ٥١ \]، \[ النور : ٢٨ \] وما أشبه ذلك.

### الآية 28:79

> ﻿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [28:79]

فِى زِينَتِهِ  قال الحسن : في الحمرة والصفرة. وقيل : خرج على بغلة شهباء عليها الأرجوان وعليها سرج من ذهب، ومعه أربعة آلاف على زيه. وقيل : عليهم وعلى خيولهم الديباج الأحمر، وعن يمينه ثلثمائة غلام، وعن يساره ثلثمائة جارية، بيض عليهنّ الحلي والديباج. وقيل : في تسعين ألفاً عليهم المعصفرات، وهو أوّل يوم رؤي فيه المعصفر : كان المتمنون قوماً مسلمين وإنما تمنوه على سبيل الرغبة في اليسار والاستغناء كما هو عادة البشر. وعن قتادة : تمنوه ليتقربوا به إلى الله وينفقوه في سبل الخير. وقيل : كانوا قوماً كفاراً. الغابط : هو الذي يتمنى مثل نعمة صاحبه من غير أن تزول عنه. والحاسد : هو الذي يتمنى أن تكون نعمة صاحبه له دونه فمن الغبطة قوله تعالى : يا ليت لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِىَ قارون  ومن الحسد قوله : وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْض  \[ النساء : ٣٢ \] وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم :
هل يضر الغبط ؟ فقال :**« لا إلا كما يضر العضاه الخبط »** والحظ : الجدّ، وهو البخت والدولة : وصفوه بأنه رجل مجدود مبخوت، يقال : فلان ذو حظ، وحظيظ، ومحظوظ، وما الدنيا إلا أحاظ وجدود.

### الآية 28:80

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ [28:80]

ويلك : أصله الدعاء بالهلاك، ثم استعمل في الزجر والردع والبعث على ترك ما لا يرتضى، كما استعمل : لا أبا لك. وأصله الدعاء على الرجل بالأقراف في الحث على الفعل. والراجع في  وَلاَ يُلَقَّاهَا  للكلمة التي تكلم بها العلماء. أو للثواب، لأنه في معنى المثوبة أو الجنة، أو للسيرة والطريقة، وهي الإيمان والعمل الصالح  الصابرون  على الطاعات وعن الشهوات وعلى ما قسم الله من القليل عن الكثير. كان قارون يؤذي نبي الله موسى عليه السلام كل وقت، وهو يداريه للقرابة التي بينهما، حتى نزلت الزكاة فصالحه عن كل ألف دينار على دينار، وعن كل ألف درهم على درهم فحسبه فاستكثره فشحت به نفسه، فجمع بني إسرائيل وقال : إنّ موسى أرادكم على كل شيء، وهو يريد أن يأخذ أموالكم، فقالوا : أنت كبيرنا وسيدنا، فمر بما شئت، قال : نبرطل فلانة البغيّ حتى ترميه بنفسها فيرفضه بنو إسرائيل، فجعل لها ألف دينار. وقيل : طستاً من ذهب. وقيل : طستاً من ذهب مملوءة ذهباً. وقيل : حكمها فلما كان يوم عيد قام موسى فقال : يا بني إسرائيل، من سرق قطعناه، ومن افترى جلدناه، ومن زنى وهو غير محصن جلدناه، وإن أحصن رجمناه، فقال قارون : وإن كنت أنت ؟ قال : وإن كنت أنا، قال : فإنّ بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة، فأحضرت، فناشدها موسى بالذي فلق البحر، وأنزل التوراة أن تصدق، فتداركها الله فقالت : كذبوا، بل جعل لي قارون جعلاً على أن أقذفك لنفسي، فخرّ موسى ساجداً يبكي وقال : يا رب، إن كنت رسولك فاغضب لي.

### الآية 28:81

> ﻿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ [28:81]

فأوحى إليه : أن مر الأرض بما شئت، فإنها مطيعة لك. فقال : يا بني إسرائيل، إنّ الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون، فمن كان معه فليلزم مكانه، ومن كان معي فليعتزل، فاعتزلوا جميعاً غير رجلين ثم قال : يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى الركب، ثم قال : خذيهم، فأخذتهم إلى الأوساط، ثم قال : خذيهم، فأخذتهم إلى الأعناق، وقارون وأصحابه يتضرعون إلى موسى عليه السلام ويناشدونه بالله والرحم، وموسى لا يلتفت إليهم لشدّة غضبه، ثم قال : خذيهم، فانطبقت عليهم. وأوحى الله إلى موسى : ما أفظك : استغاثوا بك مراراً فلم ترحمهم، أما وعزتي لو إياي دعوا مرة واحدة لوجدوني قريباً مجيباً، فأصبحت بنو إسرائيل يتناجون بينهم : إنما دعا موسى على قارون ليستبد بداره وكنوزه، فدعا الله حتى خسف بداره وأمواله  مِنَ المنتصرين  من المنتقمين من موسى عليه السلام، أو من الممتنعين من عذاب الله. يقال : نصره من عدوه فانتصر، أي : منعه منه فامتنع.

### الآية 28:82

> ﻿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ۖ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ۖ وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [28:82]

قد يذكر الأمس ولا يراد به اليوم الذي قبل يومك، ولكن الوقت المستقرب على طريق الاستعارة  مَكَانَهُ  منزلته من الدنيا ( وي ) مفصولة عن كأن، وهي كلمة تنبُّهٍ على الخطأ وتندُّم. ومعناه : أن القوم قد تنبهوا على خطئهم في تمنيهم وقولهم : ياليت لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِىَ قارون  وتندموا ثم قالوا : وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون  أي : ما أشبه الحال بأن الكافرين لا ينالون الفلاح، وهو مذهب الخليل وسيبويه. قال :

وَيْ كَأَنَّ مَنْ يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْ  بب وَمَنْ يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّوحكى الفراء أنّ أعرابية قالت لزوجها : أين ابنك ؟ فقال : وي كأنه وراء البيت. وعند الكوفيين أنّ ****«ويك »**** بمعنى : ويلك، وأنّ المعنى ألم تعلم أنه لا يفلح الكافرون. ويجوز أن تكون الكاف كاف الخطاب مضمومة إلى وي، كقوله :
. . . وَيْكَ عَنْتَرُ أَقْدِمِ \*\*\*
وأنه بمعنى لأنه، واللام لبيان المقول لأجله هذا القول، أو لأنه لا يفلح الكافرون كان ذلك، وهو الخسف بقارون، ومن الناس من يقف على ( وي ) ويبتدىء ( كَأَنَّهُ ) ومنهم من يقف على ****«ويك »****. وقرأ الأعمش **«لولا منّ الله علينا »**. وقرىء : لَخَسَفَ بِنَا  وفيه ضمير الله. ولا نخسف بنا، كقولك : انقطع به. ولتخسف بنا.

### الآية 28:83

> ﻿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [28:83]

تِلْكَ  تعظيم لها وتفخيم لشأنها، يعني : تلك التي سمعت بذكرها وبلغك وصفها. لم يعلق الموعد بترك العلو والفساد، ولكن بترك إرادتهما وميل القلوب إليهما، كما قال : وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الذين ظَلَمُواْ  \[ هود : ١١٣ \] فعلق الوعيد بالركون. وعن علي رضي الله عنه : إنّ الرجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه، فيدخل تحتها. وعن الفضيل أنه قرأها ثم قال : ذهبت الأماني ههنا. وعن عمر بن عبد العزيز أنه كان يردّدها حتى قبض. ومن الطماع من يجعل العلوّ لفرعون، والفساد لقارون، متعلقاً بقوله : إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِى الأرض  \[ القصص : ٤ \]،  وَلاَ تَبْغِ الفساد فِى الأرض  \[ القصص : ٧٧ \] ويقول : من لم يكن مثل فرعون وقارون فله تلك الدار الآخرة، ولا يتدبر قوله : والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ  كما تدبره عليّ والفضيل وعمر.

### الآية 28:84

> ﻿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا ۖ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [28:84]

معناه : فلا يجزون، فوضع  الذين عَمِلُواْ السيئات  موضع الضمير ؛ لأن في إسناد عمل السيئة إليهم مكرراً. فضل تهجين لحالهم، وزيادة تبغيض للسيئة إلى قلوب السامعين  إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ  إلا مثل ما كانوا يعملون، وهذا من فضله العظيم وكرمه الواسع أن لا يجزي السيئة إلا بمثلها، ويجزي الحسنة بعشر أمثالها وبسبعمائة، وهو معنى قوله : فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا .

### الآية 28:85

> ﻿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ ۚ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [28:85]

فَرَضَ عَلَيْكَ القرءان  أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل بما فيه، يعني : أن الذي حملك صعوبة هذا التكليف لمثيبك عليها ثواباً لا يحيط به الوصف. و  لَرَادُّكَ  بعد الموت  إلى مَعَادٍ  أي معاد ليس لغيرك من البشر وتنكير المعاد لذلك : وقيل : المراد به مكة : ووجهه أن يراد رده إليها يوم الفتح : ووجه تنكيره أنها كانت في ذلك اليوم معاداً له شأن، ومرجعاً له اعتداد ؛ لغلبة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها، وقهره لأهلها، ولظهور عز الإسلام وأهله وذل الشرك وحزبه. والسورة مكية، فكأن الله وعده وهو بمكة في أذى وغلبة من أهلها : أنه يهاجر به منها، ويعيده إليها ظاهراً ظافراً. وقيل : نزلت عليه حين بلغ الجحفة في مهاجره. وقد اشتاق إلى مولده ومولد آبائه وحرم إبراهيم، فنزل جبريل فقال له : أتشتاق إلى مكة ؟ قال : نعم، فأوحاها إليه. 
فإن قلت : كيف اتصل قوله تعالى : قُل رَّبّى أَعْلَمُ  بما قبله ؟ قلت : لما وعد رسوله الردّ إلى معاد، قال : قل للمشركين : رَّبّى أَعْلَمُ مَن جَاء بالهدى  يعني نفسه وما يستحقه من الثواب في معاده  وَمَنْ هُوَ فِى ضلال مُّبِينٍ  يعنيهم وما يستحقونه من العقاب في معادهم.

### الآية 28:86

> ﻿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَىٰ إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ [28:86]

فإن قلت : قوله : إِلاَّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ  ما وجه الاستثناء فيه ؟ قلت : هذا كلام محمول على المعنى، كأنه قيل : وما ألقى عليك الكتاب إلا رحمه من ربك. ويجوز أن يكون إلا بمعنى لكن للاستدراك، أي : ولكن لرحمة من ربك ألقي إليك.

### الآية 28:87

> ﻿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ ۖ وَادْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [28:87]

وقرىء :**«يصدنك »**، من أصدّه بمعنى صدّه، وهي في لغة كلب. وقال :

أُنَاسٌ أَصَدُّوا النَّاسَ بِالسَّيْفِ عَنْهُمُو  صُدُودَ السَّوَاقي عَنْ أُنُوفِ الْحَوَائِمِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ  بعد وقت إنزاله وإذ تضاف إليه أسماء الزمان، كقولك : حينئذٍ وليلتئذٍ ويومئذٍ وما أشبه ذلك. والنهي عن مظاهرة الكافرين ونحو ذلك من باب التهييج الذي سبق ذكره.

### الآية 28:88

> ﻿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۘ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ۚ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [28:88]

إِلاَّ وَجْهَهُ  إلا إياه. والوجه يعبر به عن الذات.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/28.md)
- [كل تفاسير سورة القصص
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/28.md)
- [ترجمات سورة القصص
](https://quranpedia.net/translations/28.md)
- [صفحة الكتاب: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل](https://quranpedia.net/book/346.md)
- [المؤلف: الزمخشري](https://quranpedia.net/person/3927.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/28/book/346) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
