---
title: "تفسير سورة العنكبوت - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/29/book/37.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/29/book/37"
surah_id: "29"
book_id: "37"
book_name: "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم"
author: "أبو السعود"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة العنكبوت - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/29/book/37)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة العنكبوت - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود — https://quranpedia.net/surah/1/29/book/37*.

Tafsir of Surah العنكبوت from "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم" by أبو السعود.

### الآية 29:1

> الم [29:1]

الم  الكلامُ فيه كالذي مرَّ مراراً في نظائرِه من الفواتحِ الكريمةِ خلا أنَّ ما بعده لا يحتملُ أنُ يتعلَّق به تعلُّقاً إعرابياً

### الآية 29:2

> ﻿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ [29:2]

أَحَسِبَ الناس  الحسبانُ ونظائره لا يتعلَّق بمعاني المُفرداتِ بل بمضامينِ الجملِ المفيدةِ لثبوت شيءٍ أو انتفاءِ شيءٍ عن شيءٍ بحيثُ يتحصّلُ منها مفعولاه إمَّا بالفعلِ كما في عامَّة المواقع وإما بنوع تصرُّفٍ فيها كما في الجُملِ المصدَّرةِ بأن الواقعةِ صلةً للموصولِ الاسميِّ أو الحرفيِّ فإنَّ كلاًّ منها صالحةٌ لأنْ يُسبكَ منها مفعولاه لأنَّ قولَه تعالى أحِسب الناسُ  أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُون  في قوَّةِ أنْ يقالَ أحسبُوا أنفسَهم متروكين بلا فتنةٍ بمجرَّدِ أنْ يقولوا آمنَّا أو أنْ يقالَ أحسبوا تركَهم غيرَ مفتونينَ بقولِهم آمنَّا حاصلاً متحقِّقاً، والمَعْنى إنكارُ الحُسبانِ المذكور واستبعادُه وتحقيقُ أنَّه تعالى يمتحنُهم بمشاقِّ التَّكاليفِ كالمهاجرةِ والمجاهدة ورفضِ ما تشتهيه النَّفسُ، ووظائفِ الطَّاعاتِ وفنونِ المصائبِ في الأنفسِ والأموالِ ليتميَّز المخلصُ من المنافقِ والرَّاسخُ في الدِّينِ من المتزلزلِ فيه ويجازيَهم بحسبِ مراتبِ أعمالِهم فإنَّ مجرَّدَ الإيمانِ وإنْ كانَ عن خُلوصٍ لا يقتضِي غيرَ الخلاصِ من الخُلودِ في النَّارِ. رُوي أنَّها نزلتْ في ناسٍ من الصَّحابةِ رضوانُ الله تعالى عليهم أجمعينَ جزعُوا من أذيَّةِ المشركينَ، وقيل : في عمَّارٍ قد عُذِّب في الله، وقيل : في مهجعٍ مَولى عمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنهُما رماهُ عامرُ بنُ الحضرميِّ بسهم يومَ بدرٍ فقتلَه فجزعَ عليه أبُوه وامرأتُه وهو أولُ منِ استُشهدَ يومئذٍ من المسلمينَ فقال رسولُ صلى الله عليه وسلم :( سيِّدُ الشُّهداءِ مهجعٌ وهو أولُ من يُدعى إلى بابِ الجنَّةِ من هذه الأمَّةِ ).

### الآية 29:3

> ﻿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [29:3]

وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ  متَّصلٌ بقوله تعالى  أحسِب  أو بقولِه تعالى  لا يُفتنون  والمعنى أنَّ ذلك سنَّة قديمةٌ مبنية على الحكمِ البالغةِ جاريةٌ فيما بين الأممِ كلَّها فلا ينبغي أنْ يُتوقَّع خلافُها والمعنى أنّ الأممَ الماضيةَ قد أصابَهم من ضروبِ الفتنِ والمحنِ ما هو أشدُّ ممَّا أصاب هؤلاءِ فصبروا كما يُعرِبُ عنه قولُه تعالى : وَكَأَيّن مّن نَّبِيّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ الله وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا استكانوا  \[ سورة آل عمران، الآية١٤٦ \] الآياتِ وعن النبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام :( قد كان منَ قبلكم يُؤخذ فيوضع المنشارُ على رأسه فيُفرق فرقتينِ ما يصرفُه ذلك عن دينِه ويمشَّط بأمشاطِ الحديدِ ما دون عظمِه من لحمٍ وعصبٍ ما يصرفه ذلكَ عن دينه[(١)](#foonote-١) )  فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ  أي في قولِهم آمنا  وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين  في ذلك. لترتيبِ ما بعدها على ما يُفصح عنه ما قبلَها من وقوع الامتحانِ، واللامُ جوابُ القَسَمِ، والالتفاتُ إلى الاسمِ الجليلِ لإدخال الرَّوعةِ وتربية المهابة. وتكريرُ الجواب لزيادة التَّأكيدِ والتقرير، أي فوالله ليتعلقن علمُه بالامتحان تعلُّقاً حالياً يتميزُ به الذين صدقُوا في الإيمان الذي أظهروه والذين هم كاذبونَ فيه مستمرَون على الكذب ويترتبُ عليه أجزيتُهم من الثَّواب والعقابِ، ولذلك قيل : المعنى ليميزن أو ليجازين. وقُرئ وليُعلمنَّ من الإعلامِ أي وليعرِّفنَّهم النَّاسَ أو ليسمنّهم بسِمة يُعرفون بها يومَ القيامة كبياضِ الوجوه وسوادِها. 
١ أخرجه البخاري في كتاب المناقب باب (٢٥) وكتاب المدينة باب (٢، ١٠) ومناب الأنصار باب (٢٩) كما أخرجه مسلم في كتاب البر حديث رقم (٥٣) وأبو داود في كتاب الجهاد باب (٩٧) وأحمد في مسنده (٥/١٠٩، ١١١)؛ (٦/٣٩٥)..

### الآية 29:4

> ﻿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [29:4]

أَمْ حَسِبَ الذين يَعْمَلُونَ السيئات أَن يَسْبِقُونَا  أي يفوتُونا فلا نقدرَ على مجازاتِهم بمساوئ أعمالِهم وهو سادٌّ مسدَّ مفعولَيْ حسِب لاشتمالِه على مُسندٍ ومُسندٍ إليهِ. وأمْ منقطعةٌ وما فيها من مَعنى بل للإضرابِ والانتقالِ عن التَّوبيخ بإنكارِ حُسبانِهم متروكينَ غبرَ مفتُونين إلى التَّوبيخ بإنكارِ ما هو أبطلُ من الحُسبانِ الأول وهو حسبانُهم أنْ لا يجازُوا بسيئاتهم وهم وإنْ لم يحسبوا أنَّهم يفوتونَهُ تعالى ولم يحدِّثوا نفوسَهم بذلك كلنَّهم حيثُ أصرُّوا على المعاصي ولم يتفكَّروا في العاقبةِ نزلُوا منزلَه مَن طمِع في ذلك كما في قولِه تعالى : يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ  \[ سورة الهمزة، الآية٣ \]  سَاء مَا يَحْكُمُونَ  أي بئسَ الذي يحكمونَهُ حكمُهم ذلك أو بئس حُكماٍ يحكونَه حكمُهم ذلك.

### الآية 29:5

> ﻿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [29:5]

مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء الله  أي يتوقَّعُ مُلاقاةَ جزائِه ثواباً أو عِقاباً أو مُلاقاةُ حُكمِه يومَ القيامةِ وقيل : يرجُو لقاء الله عزَّ وجلَّ في الجنَّة وقيل : يرجُو ثوابَه وقيل : يخافُ عقابَه وقيل : لقاؤه تعالى عبارةٌ عن الوصول إلى العاقبةِ من تلقِّي مَلَكِ الموتِ والبعثِ والحسابِ والجزاءِ على تمثيلِ تلك الحالِ بحالِ عبدٍ قدِم على سيِّده بعد عهدٍ طويلٍ، وقد عَلِم مولاهُ بجميعِ ما كان يأتِي ويذرُ فإمَّا أنْ يلقاه ببشرٍ وكرامةٍ لمَا رضي من أفعالِه أو بضدِّه لما سخَطَه  فَإِنَّ أَجَلَ الله  الأجل عبارةٌ عن غايةِ زمانٍ متمدَ عينت لأمرٍ من الأمورِ وقد يُطلق على كلِّ ذلكَ الزَّمانَ والأولُ هو الأشهرُ في الاستعمالِ أي فإنَّ الوقتَ الذي عيَّنه تعالى لذلكَ  لآتٍ  لا محالةَ من غيرِ صارفٍ يلويهِ ولا عاطفٍ يثنيه لأنَّ أجزاءَ الزَّمانِ على التقضِّي والتَّصرُّم دائماً فلابدَّ من إتيان ذلك الجزاءِ أيضاً البتةَ، وإتيانُ وقتِه موجبٌ لإتيانِ اللِّقاءِ حتماً والجوابُ محذوفٌ أي فليخترْ من الأعمالِ ما يؤدي إلى حُسنِ الثَّوابِ وليحذرْ ما يسوقُه إلى سوءِ العذابِ كما في قوله تعالى : فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالحا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا  \[ سورة الكهف، الآية١١٠ \] وفيه من الوعدِ والوعيدِ ما لا يَخْفى، وقيل : فليبادرْ ما يحقق أملَه ويصدِّق رجاءَهُ أو ما يُوجبُ القُربةَ والزُّلفى  وَهُوَ السميع  لأقوالِ العبادِ  العليم  بأحوالِهم من الأعمالِ الظَّاهرةِ والعقائدِ.

### الآية 29:6

> ﻿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [29:6]

وَمَن جَاهَدَ  في طاعةِ الله عزَّ وجلَّ  فَإِنَّمَا يجاهد لِنَفْسِهِ  لعود منفعتِها إليها  إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عَنِ العالمين  فلا حاجةٍ له إلى طاعتِهم وإنَّما أمرهم بها تعريضاً لهم للثَّوابِ بموجب رحمتِه.

### الآية 29:7

> ﻿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ [29:7]

والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَنُكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ  الكفرَ بالإيمانِ والمعاصيَ بما يتبعُها من الطَّاعاتِ  وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الذي كَانُواْ يَعْمَلُونَ  أي أحسنَ جزاءِ أعمالِهم لا جزاءَ أحسنِ أعمالِهم فقط.

### الآية 29:8

> ﻿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ۖ وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۚ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [29:8]

وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْناً  أي بإتياء والديهِ وإيلائهما فعلاً ذا حُسنٍ أو ما هو في حدِّ ذاته حسنٌ لفرطِ حُسنِه كقولِه تعالى : وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا  \[ سورة البقرة، الآية٨٣ \] ووصَّى يجري مجرى أمرَ معنى وتصرُّفاً غيرَ أنَّه يُستعمل فيما كان في المأمورِ به نفعٌ عائدٌ إلى المأمورِ أو غيرِه. وقيل هُو بمعنى قال فالمعنى وقلنا أحسِنْ بوالديك حُسنا. وقيل : انتصابُ حُسنا بمضمرٍ على تقدير قولٍ مفسِّرٍ للتَّوصيةِ أي وقُلنا أوْلِهما أو افعلْ بهما حُسنا وهو أوفق لما بعدَه وعليه يحسنُ الوقفُ على بوالديهِ وقرئ حسناً وإحساناً.  وَإِن جاهداك لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ  أي بالهيئةِ عبَّر عن نفيها بنفيِ العلمِ بها للإيذان بأنَّ ما لا يعلم صحته لا يجوزُ اتِّباعُه وإنْ لم يُعلم بطلانُه فكيف بما عُلم بطلانُه  فَلاَ تُطِعْهُمَا  في ذلك فإنَّه لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالقِ ولابُدَّ من إضمارِ القولِ إن لم يُضمر فيما قبل. وفي تعليقِ النَّهي عن طاعتِهما بمجاهدتِهما في التَّكليف إشعارٌ بأنَّ موجبَ النَّهي فيما دونها من التَّكليفِ ثابت بطريقِ الأولويَّةِ.  إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ  أي مرجعُ مَن آمن منكُم ومَن أشركَ ومن برَّ بوالديِه ومن عقَّ  فَأُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ  بأنْ أجازيَ كلاَّ منكم بعملِه إنْ خيراً فخيرٌ وإنْ شرَّا فشرٌّ. والآيةُ نزلتْ في سعدٍ بن أبي وقَّاص رضي الله تعالى عنه عند إسلامِه حيثُ حلفت أمُّه حمنةُ بنتُ أبي سفيانَ بنِ أُميَّة أن لا تنتقلَ من الضحِّ إلى الظلِّ ولا تَطعمُ ولا تشربُ حتَّى يرتدَّ فلبثتْ ثلاثةَ أيامٍ كذلك، وكذا التي في سُورة لقمانَ وسورةِ الأحقافِ \[ الآية١٥ \]. وقيل : نزلتْ في عيَّاش بن أبي ربيعة المخزُومي وذلك أنه هاجر مع عمرَ بن الخطَّاب رضي الله عنه حتَّى نزلا المدينةَ فخرجَ أبوُ جهلٍ والحارث أخواه لأمِّه أسماء فنزلا بعيَّاش وقالا له إن من دين محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم صلةَ الأرحامِ وبرَّ الوالدينِ وقد تركتَ أمَّك لا تطعمُ ولا تشربُ ولا تأوي بيتاً حتَّى تراك فاخرجْ معنا وفتلا منه في الذِّروة والغاربِ واستشار عمرَ رضي الله عنه فقال هُما يخدعانِك ولك على أنْ أقسمَ مالي بيني وبينك فما زالا به حتَّى أطاعهما وعصى عمرَ رضي الله عنه فقال عمرُ رضي الله عنه : أمَّا إذا عصيتني فخُذْ ناقتي فليس في الدُّنيا بعيرٌ بلحقها فإنْ رابك منهما ريبٌ فارجع فلمَّا انتهَوا إلى البيداءِ قال أبوُ جهل إنُّ ناقتي كلَّت فاحملني معك فنزل ليوطئ لنفسِه وله فأخذاه فشدَّاه وثاقاً وجلده كلُّ واحدٍ مائةَ جلدةٍ وذهبا به إلى أمِّه فقالت لا تزالُ في عذاب حتَّى ترجعَ عن دينِ محمَّدٍ.

### الآية 29:9

> ﻿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ [29:9]

والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصالحين  أي في زُمرةِ الرَّاسخينَ في الصَّلاحَ. والكمالُ في الصَّلاحِ مِنتهى درجاتِ المؤمنينَ وغايةُ مأمولِ أنبياءِ الله المُرسلين. قال الله تعالى حكايةً عن سُليمانَ عليه السَّلام : وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالحين  \[ سورة النمل، الآية١٩ \] وقال في حقِّ إبراهيمَ عليه السَّلام : وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين  \[ سورة البقرة، الآية١٣٠ \] أو في مدخلِ الصَّالحين وهو الجنَّة.

### الآية 29:10

> ﻿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ۚ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ [29:10]

وَمِنَ الناس مَن يِقُولُ آمَنَّا بالله فَإِذَا أُوذِيَ فِي الله  أي في شأنِه تعالى بأنْ عذَّبهم الكفرةُ على الإيمان  جَعَلَ فِتْنَةَ الناس  أي ما يصيبُه من أذيتَّهم  كَعَذَابِ الله  في الشدَّة والهولِ فيرتدَّ عن الدِّين مع أنَّه لا قدرَ لها عند نفحةٍ من عذابِ تعالى أصلاً.  وَلَئِنْ جَاء نَصْرٌ مّن رَّبّكَ  أي فتحٌ وغنيمةٌ  لَّيَقُولَنَّ  بضمِّ اللامِ نظراً إلى معنى مَن كما أنَّ الإفراد فيما سبق بالنَّظرِ إلى لفظها. وقرئ بالفتحِ  إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ  أي مشايعينَ لكم في الدِّينِ فأشركونا في المغنمِ وهم ناسٌ من ضَعَفةِ المُسلمين كانُوا إذا مسَّهم أذى من الكفَّارِ وافقُوهم وكانُوا يكتمونَهُ من المسلمينَ فردَّ عليهم ذلك بقولِه تعالى : أَوَلَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ العالمين  أي بأعلم منهم بما في صدورهم من الإخلاصِ والنِّفاقِ حتَّى يفعلون من الارتدادِ والإخفاءِ عن المسلمين وإدِّعاءِ كونِهم منهم لنيلِ الغنيمةِ. وهذا هو الأوفقُ لما سبقَ ولما لحقَ من قوله تعالى : وَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين آمَنُواْ  أي بالإخلاصِ

### الآية 29:11

> ﻿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ [29:11]

وَلَيَعْلَمَنَّ المنافقين  سواء كان كفرُهم بإذاية الكفرة أوْ لاَ أي ليجزينَّهم بما لهم من الإيمان والنِّفاقِ

### الآية 29:12

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ ۖ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [29:12]

وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ  بيانٌ لحملهم للمؤمنين على الكفرِ بالاستمالةِ بعد حملِهم لهم عليه بالأذيَّةِ والوعيدِ. ووصفُهم بالكفرِ هَهُنا دونَ ما سبق لما أنَّ مساقَ الكلامِ لبيان جنايتِهم وفيما سبق لبيانِ جنايةِ من أضلُّوه. واللامُ للتَّبليغِ أي قالُوا مخاطبينَ لهم  اتبعوا سَبِيلَنَا  أي اسلكُوا طريقنَا التي نسلكُها في الدِّينِ، عبَّر عن ذلكَ بالاتباعِ الذي هو المشيُ خلفَ ماشٍ آخرَ تنزيلاً للمسلك منزلةَ السَّالكِ فيه أو اتبعونا في طريقتنا في  وَلْنَحْمِلْ خطاياكم  أي إنْ ذلك خطيئةً يُؤاخذ عليها بالبعثِ كما تقُولونَ وإنَّما أَمروا أنفسَهم بالحمل عاطفين له على أمرِهم بالأتباعِ للمبالغة في تعليق الحملِ بالاتِّباع والوعدِ بتخفيفِ الأوزار عنهم إن كان ثمَةَ وزرٌ فردَّ عليهم بقولِه تعالى  وَمَا هُمْ بحاملين مِنْ خطاياهم مّن شَيْء  وقرئ من خطيئاتِهم أي وما هم بحاملين شيئاً مِن خطاياهم التي التزمُوا أنْ يحملُوا كلَّها على أن مِن الأُولي للتبيين والثانية مزيدةٌ للاستغراق. والجملةُ اعتراضٌ أو حالٌ.  إِنَّهُمْ لكاذبون  حيث أخبروا في ضمنِ وعدِهم بالحمل بأنَّهم قادرون على إنجازِ ما وعدوا فإنَّ الكذبَ كما يتطَّرقُ إلى الكلامِ باعتبار منطوقِه يتطرَّقُ إليه باعتبارِ ما يلزمُ مدلوله كما مرَّ في قوله تعالى : أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صادقين  \[ سورة البقرة، الآية٣١ \]

### الآية 29:13

> ﻿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ ۖ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ [29:13]

وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ  بيانٌ لما يستتبعه قولُهم ذلك في الآخرةِ من المضرة لأنفسِهم بعد بيانِ عدم منفعتِه لمخاطبيهم أصلاً، والتَّعبيرُ عن الخطايا بالأثقالِ للإيذانِ بغابة ثقلِها وكونِها فادحةً. واللامُ جوابّ قَسَمٍ مضمرٍ، أي وبالله ليحملنَّ أثقالَ أنفسِهم كاملةً  وَأَثْقَالاً  أُخرَ  مَّعَ أَثْقَالِهِمْ  لمَّا تسببُوا بالإضلالِ، والحملُ على الكفرِ والمَعاصي من غيرِ أنْ ينتقص من أثقالِ من أضلُّوه شيءٌ ما أصلاً  وليسألن يوم القيامة  سؤالَ تقريعٍ وتبكيتٍ  عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ  أي يختلقونَه في الدُّنيا من الأكاذيبِ والأباطيلِ التي من جملتها كذبُهم هذا.

### الآية 29:14

> ﻿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ [29:14]

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً  شروعٌ في بيان افتتانِ الأنبياءِ عليهم الصَّلاة والسَّلام بأذية أممهم إثرَ بيانِ افتتانِ المؤمنين بأذيةِ الكفَّارِ تأكيداً للإنكارِ على الذين يحسبُون أنْ يُتركوا بمجرَّدِ الإيمان بلا ابتلاءٍ وحثًّا لهم على الصَّبرِ فإنَّ الأنبياءَ عليهم الصَّلاة والسَّلام حيث ابتُلوا بما أصابَهم من جهةِ أُممهم من فنونِ المكارِه وصبرُوا عليها فَلأن يصبرَ هؤلاءِ أولى وأحرى. قالُوا كان عمرُ نوحٍ عليه السَّلام ألفاً وخمسين عاماً بعث على رأس أربعين سنةٍ ودعا قومَه تسعمائة وخمسين سنة وعاش بعد الطُّوفانِ ستين سنة، وعن وهبٍ أنَّه عاشَ ألفاً وأربعمائة سنة ولعلَّ ما عليه النَّظمُ الكريمُ للدِّلالةِ على كمال العددِ فإن تسعمائة وخمسين قد بُطلق على ما يقرُب منه. ولَما في ذكرِ الألفِ من تخييلِ طولِ المدَّةِ فإنَّ المقصودَ من القصة تسليةُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وتثبيته على ما كان عليه من مُكابدةِ ما يناله من الكفرةِ. وإظهارُ ركاكةِ رأي الذين يحسبونَ أنَّهم يُتركون بلا ابتلاءٍ واختلافُ المميزِ لما في التَّكريرِ من نوع بشاعةٍ.  فَأَخَذَهُمُ الطوفان  أي عقيبِ تمامِ المَّدةِ المذكورةِ. والطُّوفان يطلقُ على كلِّ ما يطوفُ بالشيء على كثرةٍ وشدَّةٍ من السَّيلِ والرَّيحِ والظَّلامِ وقد غلب على طُوفانِ الماءِ  وَهُمْ ظالمون  أي والحالُ أنَّهم مستمرُّون على الظُّلمِ لم يتأثَّروا بما سمعُوا من نوحٍ عليه السَّلام من الآياتِ ولم يَرعُووا أعماهُم عليه من الكفر والمعاصي هذه المدَّة المتماديةِ.

### الآية 29:15

> ﻿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ [29:15]

فأنجيناه  أي نوحاً عليه السَّلام  وأصحاب السفينة  أي ومَن ركب فيها معه من أولادِه وأتباعِه وكانُوا ثمانين وقيل : ثمانيةً وسبعين وقيل : عشرةً وقيل ثمانيةً نصفُهم ذكورٌ ونصفُهم إناثٌ  وجعلناها  أيِ السَّفينةَ أو الحادثةَ والقصَّةَ  آيَةً للعالمين  يتَّعظِون بها.

### الآية 29:16

> ﻿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ۖ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [29:16]

وإبراهيم  نُصب بالعطفِ على نوحاً، وقيل : بإضمارِ أذكُر. وقرئ بالرَّفع على تقديرِ ومن المرسلينَ إبراهيمُ  إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ  على الأولِ ظرفٌ للإرسالِ أي أرسلناه حينَ تكامل عقلُه وقدر على النَّظرِ والاستدلال وترقى من رُتبة الكمال إلى درجة التَّكميلِ حيث تصدَّى لإرشادِ الخلقِ إلى طريق الحقِّ. وعلى الثَّاني بدلُ اشتمالٍ من إبراهيمَ  اعبدوا الله  أي وحدَه  واتقوه  أن تُشركُوا به شيئاً  ذلكم  أي ما ذُكر من العبادةِ والتَّقوى  خَيْرٌ لَّكُمْ  أي ممَّا أنتُم عليه. ومعنى التَّفضيل مع أنَّه لا خيريةَ فيه قطعاً باعتبارِ زعمِهم الباطلِ  إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ  أي الخيرَ والشرَّ وتُميزون أحدَهما من الآخرِ أو إنْ كنتُم تعلمون شيئاً من الأشياءِ بوجهٍ من الوجوهِ فإنَّ ذلك كافٍ في الحكمِ بخيريةِ ما ذُكر من العبادةِ والتَّقوى.

### الآية 29:17

> ﻿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ ۖ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [29:17]

إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله أوثانا  بيانٌ لبطلانِ دينِهم وشرِّيته في نفسِه بعد بيانِ شرِّيته بالنَّسبةِ إلى الدِّينِ الحقِّ أي إنَّما تعبدونَ من دُونه تعالى أوثاناً هي في نفسِها تماثيلُ مصنوعةٌ لكم ليس فيها وصفٌ غير ذلك  وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً  أي وتكذبون كذباً حيثُ تسمُّونها آلهةً وتدَّعون أنَّها شفعاؤكم عندَ الله تعالى أو تعملونَها وتنحتونَها للإفكِ. وقرئ تخلقُون بالتَّشديدِ للتكثيرِ في الخلقِ بمعنى الكذبِ والافتراءِ وتخلقُون بحذفِ إحدى التَّاءينِ من تخلَّق بمعنى تكذَّبَ وتخرَّص. وقرئ أَفِكاً على أنَّه مصدرٌ كالكذِب واللَّعِب. أو نعتٌ بمعنى خلقاً ذا إفكٍ  إِنَّ الذين تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله  بيانٌ لشرِّيةِ ما يعبدونَه من حيثُ إنَّه لا يكادُ يجُديهم نفعاً  لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً  أي لا يقدرونَ على أنْ يرزقوكَم شيئاً من الرِّزقِ  فابتغوا عِندَ الله الرزق  كلَّه فإنَّه هو الرزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المتينِ  واعبدوه  وحدَهُ  واشكروا لَهُ  على نعمائِه متوسِّلين إلى مطالبِكم بعبادتِه مقيدين بالشُّكرِ للعتيدِ ومستجلبينَ للمزيدِ.  إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ  بالموتِ ثمَّ بالبعثِ لا إلى غيرِه فافعلُوا ما أمرتُكم به. وقرئ تَرجعون من رَجَع رُجوعاً.

### الآية 29:18

> ﻿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ۖ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [29:18]

وَإِن تُكَذّبُواْ  أي تكذِّبُوني فيما أخبرتُكم به من أنَّكم إليه تُرجعون بالبعثِ  فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مّن قَبْلِكُمْ  تعليلٌ للجوابِ أي فلا تضرونني بتكذيبكم فإنَّ من قبلكم من الأممِ قد كذَّبوا من قبلي من الرُّسلِ وهم شيثُ وإدريُس ونوحٌ عليهم السَّلام فلم يضرَّهم تكذيبهم شيئاً وإنمَّا ضرَّ أنفسَهم حيثُ تسبَّب لما حلَّ بهم من العذاب فكذا تكذيُبكم  وَمَا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ المبين  أي التَّبليغُ الذي لا يبقى معه شكٌّ وما عليه أنْ يُصدِّقَه قومُه البتةَ وقد خرجتُ عن عُهدةِ التَّبليغِ بما لا مزيدَ عليه فلا يضرُّني تكذيُبكم بعد ذلك أصلاً.

### الآية 29:19

> ﻿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [29:19]

أَوَ لَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِئ الله الخلق  كلامٌ مُستأنفٌ مسوقٌ من جهتِه للإنكارِ على تكذيبهم بالبعث معَ وضوحِ دليلِه وسنوحِ سبيلِه. والهمزةُ لإنكارِ عدمِ رؤيتهم الموجبِ لتقريرها والواوُ للعطفِ على مقدَّرٍ أي ألم ينظروا ولم يعلموا علماً جارياً مجرى الرؤيةِ في الجلاءِ والظُّهور كيفيةَ خلقِ الله تعالى الخلقَ ابتداءً من مادَّةٍ ومن غير مادَّةٍ أي قد علموا ذلك. وقرئ بصيغةِ الخطابِ لتشديدِ الإنكارِ وتأكيدِه. وقرئ يبدأُ وقوله تعالى : ثُمَّ يُعِيدُهُ  عطفٌ على أو لم يَروا لا على يُبدئ لعدمِ وقوعِ الرُّؤية عليه فهو إخبارٌ بأنَّه تعالى يعيد الخلقَ قياساً على الإبداءِ، وقد جُوِّز العطفُ على يُبدئ بتأويلها الإعادةِ بإنشائِه تعالى كل سنة مثلَ ما أنشأه في السَّنةِ السَّابقةِ من النبات والثمار وغيرِهما فإنَّ ذلك ممَّا يُستدلُّ به على صِحَّة البعثِ ووقوعه من غير رَيبٍ  إِنَّ ذلك  أي ما ذُكر من الإعادة  عَلَى الله يَسِيرٌ  إذ لا يفتقر فعلُه إلى شيءٍ أصلاً.

### الآية 29:20

> ﻿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [29:20]

قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض  أمرٌ لإبراهيمَ عليه السَّلام أنْ يقولَ لهم ذلك أي سِيروا فيها  فانظروا كَيْفَ بَدَأَ الخلق  أي كيف خلقَهم ابتداءً على أطوارٍ مختلفةٍ وطبائعَ متغايرةٍ وأخلاقٍ شتَّى فإنَّ ترتيبَ النَّظر على السَّيرِ في الأرضِ مؤذنٌ بتتبعِ أحوالِ أصنافِ الخلق القاطنينَ في أقطارِها  ثُمَّ الله يُنشِىء النشأة الآخرة  بعدَ النَّشأةِ الأُولى التي شاهدتُموها. والتَّعبيرُ عن الإعادةِ التي هي محلُّ النزاعِ بالنَّشأةِ الآخرةِ المشعرةِ بكون البدِء نشأةً أولى للتَّنبيهِ على أنَّهما شأنٌ واحدٌ من شؤونِ الله تعالى حقيقةً وإسماً من حيثُ إنَّ كلاًّ منهما اختراعٌ وإخراجٌ من العدمِ إلى الوجودِ ولا فرقَ بينَهما إلا بالأوليةِ والآخريةِ. وقرئ النَّشاءَة بالمدِّ وهما لُغتانِ كالرَّأفةِ والرَّآفةِ ومحلها النَّصبُ على أنَّها مصدرٌ مؤكِّدٌ ليُنشئ بحذف الزَّوائد والأصلُ الإنشاءةِ أو بحذف العاملِ أي ينشىء فينشأون النَّشأةَ الآخرةَ كما في قوله تعالى : وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا  \[ سورة آل عمران، الآية٣٧ \] والجملةُ معطوفةٌ على جُملةِ سيروا في الأرض داخلةٌ معها في حيِّز القول. وإظهارُ الاسمِ الجليلِ وإيقاعُه مبتدأً مع إضمارِه في بدأ لإبرازِ مزيدِ الاعتناءِ ببيانِ تحقُّق الإعادةِ بالإشارة إلى عِلَّة الحُكم وتكريرِ الإسنادِ. وقولُه تعالى : إِنَّ الله على كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ  تعليلٌ لما قبله بطريقِ التَّحقيق فإنَّ من علِم قدرتَهُ تعالى على جميعِ الأشياءِ التي من جُملتِها الإعادةُ لا يتصوَّر أنْ يترددَ في قدرتِه عليها ولا في وقوعِها بعدما أخبر به

### الآية 29:21

> ﻿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ ۖ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ [29:21]

يُعَذّبُ  أي بعد النَّشأةِ الآخرةِ  مَن يَشَاء  أن يعذبه وهم المنكرون لها حَتماً  وَيَرْحَمُ مَن يَشَاء  أنْ يرحمَه وهم المصدِّقُون بها والجملةُ تكملة لما قبلها. وتقديمُ التَّعذيبِ لما أنَّ التَّرهيبَ أنسبُ بالمقام من الترَّغيبِ  وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ  عند ذلك لا إلى غيرهِ فيفعلُ بكم ما يشاءُ من التَّعذيبِ والرَّحمةِ

### الآية 29:22

> ﻿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ۖ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [29:22]

وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ  له تعالى عن إجراءِ حُكمه وقَضائه عليكم  فِي الأرض وَلاَ في السماء  أي بالتَّواري في الأرضِ أو الهبوطِ في مَهَاويها ولا بالتَّحصُّنِ في السَّماءِ التي هي أفسحُ منها لو استطعتُم الرُّقيَّ فيها كما في قولِه تعالى : إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أقطار السموات والأرض فانفذوا  \[ سورة الرحمن، الآية٣٣ \] أو القلاعِ الذَّاهبةِ فيها وقيل في السَّماء صفةٌ لمحذوفٍ معطوفٍ على أنتُم أي ولا من في السَّماءِ  وَمَا لَكُم مّن دُونِ الله مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ  يحرسكم ممَّا يُصيبكم من بلاءٍ يظهرُ من الأرضِ أو ينزلُ من السَّماءِ ويدفعُه عنكم.

### الآية 29:23

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَٰئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [29:23]

والذين كَفَرُواْ بآيات الله  أي بدلائلِه التَّكوينيةِ والتَّنزيليةِ الدَّالَّةِ على ذاتِه وصفاتِه وأفعالِه فيدخلُ فيها النَّشأةُ الأُولى الدَّالَّة على تحقُّق البعثِ والآياتُ النَّاطقةُ به دُخولاً أولياً. وتخصيصُها بدلائلَ وحدانيتِه تعالى لا يناسبُ المقامَ  وَلِقَائِهِ  الذي تنطقُ به تلك الآياتُ  أولئك  الموصُوفون بما ذُكر مِن الكفر بآياتِه تعالى ولقائِه  يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي  أي ييأسون منها يومَ القيامةِ. وصيغةُ الماضي للدِّلالة على تحقُّقِه أو يئسوا منها في الدُّنيا لإنكارِهم البعثَ والجزاءَ  وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  وفي تكرير اسمِ الإشارة وتكريرِ الإسناد وتنكيرِ العذابِ ووصفهِ بالأليمِ من الدِّلالةِ على كمالِ فظاعةِ حالِهم ما لا يخفى، أي أولئك الموصُوفون بالكفر بآياتِ الله تعالى ولقائِه وباليأس من رحمتِه الممتازون بذلك عن سائر الكَفَرة لهم بسبب تلك الأوصافِ القبيحةِ عذابٌ لا يُقَادر قَدرُه في الشِّدَّةِ والإيلامِ

### الآية 29:24

> ﻿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [29:24]

فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ  بالنَّصبِ على أنَّه خبرُ كان واسمُها قولُه تعالى : إِلاَّ أَن قَالُواْ اقتلوه أَوْ حَرّقُوهُ  وقرئ بالرَّفعِ على العكسِ. وقد مرَّ ما فيهِ في نظائِره، وليس المرادُ أنَّه لم يصدر عنُهم بصددِ الجوابِ عن حُججِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ إلا هذه المقالةُ الشَّنيعةُ كما هو المتبادَرُ من ظاهر النَّظْمِ الكريمِ بل إنَّ ذلك هو الذي استقرَّ عليه جوابُهم بعد اللَّتيا والِّتي في المرَّةِ الأخيرةِ وإلا فقد صدرَ عنُهم من الخُرافاتِ والأباطيلِ ما لا يُحصى  فَأَنْجَاهُ الله مِنَ النار  الفاءُ فصيحةٌ أي فألقَوه في النَّار فأنجاهُ الله تعالى منها بأنْ جعلَها عليه الصَّلاة والسَّلام بَرداً وسلاماً حسبما بُيِّن في مواضعَ أُخَرَ، وقد مرَّ في سورة الأنبياءِ بيانُ كيفَّيةِ إلقائِه عليه الصَّلاة والسَّلام فيها وإنجائِه بدعائه تعالى إيَّاه تفصيلاً. قيل لم ينتفعْ يومئذٍ بالنَّارِ في موضعٍ أصلاً  إِنَّ فِي ذَلِكَ  أي في إنجائِه منها  لآيَاتٍ  بينةً عجيبةً هي حفظُه تعالى إيَّاه من حرِّها وإخمادِها في زمانٍ يسيرٍ وإنشاءُ رَوْضٍ في مكانِها  لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ  وأما مَن عداهُم فهم عن اجتلائِها غافلون ومن الفوزِ بمغانمِ آثارِها محرومون.

### الآية 29:25

> ﻿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [29:25]

وَقَالَ  أي إبراهيُم عليهِ السَّلامُ مُخاطباً لهم  إِنَّمَا اتخذتم مّن دُونِ الله أوثانا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الحياة الدُّنْيَا  أي لتتوادُّوا بينكم وتتواصلُوا لاجتماعِكم على عبادتِها وائتلافِكم، وثَاني مفعولَيْ اتخذتُم محذوفٌ أي أوثاناً آلهةً ويجوزُ أن يكونَ مودَّةَ هو المفعولَ بتقديرِ المُضافِ أو بتأويلِها بالمودودةِ أو بجعلها نفسَ المودَّةِ مُبالغةً أي اتخذتُم أوثاناً سببَ المودَّة بينكم أو مودودةً أو نفسَ المودَّة. وقرئ مودةً منونةً منصوبةً ناصبةَ الظَّرفِ وقُرئت بالرَّفعِ والإضافةِ على أنَّها خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أي هي مودودةٌ أو نفسُ المودةِ أو سببُ مودةِ بينكم. والجملةُ صفةٌ أوثاناً أو خبرُ إنَّ على أنَّ ما مصدريةٌ أو موصولهٌ قد حُذف عائدُها وهو المفعولُ الأولُ وقُرئت مرفوعةً منوَّنةً ومضافةً بفتحِ بينَكم كما قرئ  لقد تقطَّع بينكم  \[ سورة الأنعام، الآية٩٤ \] على أحدِ الوجهينِ وقرئ إنمَّا مودةُ بينكم والمعنى أنَّ اتخاذكم إيَّاها مودةَ بينكم ليس إلاَّ في الحياة وقد أجريتم أحكامه حيث فعلتُم بي ما فعلتُم لأجلِ مودَّتِكم لها انتصاراً منِّي كما يُنبئ عنه قولُه تعالى وانصُروا آلهتكم. 
 ثُمَّ يَوْمَ القيامة  تنْقلَبُ الأمورُ ويتبدَّلُ التوادُّ تباغُضاً والتَّلاطف تلاعُناً حيث  يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ  وهو العَبَدةُ  بِبَعْضِ  وهم الأوثانُ  وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً  أي يلعنُ كلُّ فريقٍ منكم ومن الأوثانِ حيث يُنطقها الله تعالى الفريقَ الآخرَ  وَمَأْوَاكُمُ النار  أي هي لُكم الذي تأوون إليه ولا ترجعونَ منه أبداً  وَمَا لَكُمْ مّن ناصرين  يُخلِّصونكُم منها كما خلَّصني ربِّي من النَّارِ التي ألقيتُموني فيها. وجمعَ النَّاصرَ لوقوعِه في مُقابلة الجمعِ أي ما لأحدٍ منكُم من ناصرٍ أصلاً.

### الآية 29:26

> ﻿۞ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [29:26]

فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ  أي صدَّقه في جميع مقالاتِه لا في نُبُّوتِه وما دعا إليه من التَّوحيدِ فقط فإنَّه كان منزَّهاً عن الكُفر. وما قيل إنَّه آمنَ له حين رَأى النَّارَ لم تحرقْهُ ينبغي أنْ يُحملَ على ذكرنا أو على أنْ يُرادَ بالإيمانِ الرُّتبةَ العاليةَ منه وهي التي لا يرتقِي إليها إلاَّ همم الأفرادِ الكُمَّل. ولوطُ هو ابنُ أخيهِ عليهما السَّلامُ.  وَقَالَ إِنّي مُهَاجِرٌ  أي من قومِي  إلى رَبّي  إلى حيثُ أمرني ربِّي  إِنَّهُ هُوَ العزيز  الغالبُ على أمرِه فيمنعني من أعدائِي  الحكيم  الذي لا يفعلُ فعلاً إلاَّ وفيه حكمةٌ ومصلحةٌ فلا يأمرني إلا بما فيه خلاصي. رُوي أنَّه هاجر من كُوثَى سوادِ الكُوفةِ مع لوطَ وسارَّة ابنة عمِّه إلى حرَّانَ ثمَّ منها إلى الشامِ فنزلَ فلسطينَ ونزل لوطُ سَدُومَ

### الآية 29:27

> ﻿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [29:27]

وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ  ولداً ونافلةً حين أيسَ من عجوزٍ عاقرٍ  وَجَعَلْنَا فِي ذُرّيَّتِهِ النبوة  فكثُر منهم الأنبياءُ  والكتاب  أي جنسَ الكتابِ المتناولِ للكتبِ الأربعةِ  وآتيناه أجره  بمقابلة هجرتِه إلينا  فِي الدنيا  بإعطاءِ الولد والذُّرية الطيبةِ واستمرار النُّبوة فهيم وانتماءِ أهل المللِ إليه والثناء والصَّلاة عليه إلى آخرِ الدَّهر  وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين  أي الكاملينَ في الصَّلاح

### الآية 29:28

> ﻿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ [29:28]

وَلُوطاً  منصوبٌ إمَّا بالعطفِ على نوحاً أو على إبراهيمَ والكلامُ في قوله تعالى : إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ  كالذي مرَّ في قصَّة إبراهيمَ عليه السَّلام  إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الفاحشة  أي الفعلةَ المُتناهيةَ في القُبح. وقرئ أَئِنَّكم  مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مّن العالمين  استئنافٌ مقررٌ لكمالِ قُبحها، فإنَّ إجماعَ جميع أفرادِ العالمينَ على التَّحاشي عنها ليس إلا لكونِها مما تشمئزُّ منه الطِّباع وتنفرُ منه النُّفوسُ.

### الآية 29:29

> ﻿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ ۖ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [29:29]

أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال وَتَقْطَعُونَ السبيل  وتتعرَّضُون للسَّابلةِ أي بالفاحشةِ، حيثُ رُوي أنَّهم كانُوا كثيراً ما يفعلونَها بالغُرباء وقيل تقطعون سبيلَ النِّساءِ بالإعراضِ عن الحَرثِ وإتيانِ ما ليس بحرثٍ وقيل : تقطعونَ السَّبيلَ بالقتلِ وأخذِ المالِ  وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ  أي تفعلون في مجلسِكم الجامعِ لأصحابكم  المنكر  كالجماعِ والضُّراطِ وحلِّ الإزارِ وغيرِها مما لا خيرَ فيه من الأفاعيل المنكرةِ. وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما هو الحَذفُ[(١)](#foonote-١) بالحَصَى والرَّميُّ بالبنادق والفرقعةُ ومضغُ العلكِ والسِّواكِ بينَ النَّاس وحلُ الإزارِ والسِّبابُ والفُحشُ في المِزاحِ، وقيل : السُّخريةُ بمن مرَّ بهم، وقيل المجاهرةُ في ناديهم بذلكَ العملِ.  فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ائتنا بِعَذَابِ الله إِن كُنتَ مِنَ الصادقين  أي فما كان جواباً من جهتِهم شيءٌ من الأشياءِ إلا هذه الكلمةُ الشَّنيعةُ أي لم يصدر عنهم في هذه المرَّةِ من مرَّاتِ مواعظ لوطٍ عليه السَّلام وقد كان أوعدهم فيها بالعذابِ وأمَّا ما في سُورة الأعراف \[ الآية٨٢ \] من قولِه تعالى : وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مّن قَرْيَتِكُمْ  \[ سورة الأعراف، الآية٨٢ \] الآيةَ وما في سورة النَّمل من قولِه تعالى : فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُواْ آلَ لُوطٍ مّن قَرْيَتِكُمْ  \[ سورة النمل، الآية٥٦ \] الآيةَ فهو الذي صَدر عنهم بعده هذه المرةُ وهي المرَّةُ الأخيرةُ من مرَّات المُقاولاتِ الجاريةِ بينهم وبينه عليه الصَّلاة والسَّلام وقد مرَّ تحقيقُه في سورةِ الأعرافِ. 
١ الحذف: الرمي عن جانب والضرب عن جانب وحذفه بالعصا وبالسيف: ضربه أو رماه بها وأما الخذف بالخاء فإنه الرمي بالحص الصغار ويقال هم بين حاذف وقاذف. الحاذف بالعصا والقاذف بالحجر..

### الآية 29:30

> ﻿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ [29:30]

قَالَ رَبّ انصرني  أي بإنزالِ العذابِ الموعودِ  عَلَى القوم المفسدين  بابتداعِ الفاحشةِ وسنِّها فيمن بعدَهُم والإصرارِ عليها واستعجالِ العذابِ بطريقِ الاستهزاءِ وإنما وصفَهم بذلك مبالغةً في استنزالِ العذابِ عليهم

### الآية 29:31

> ﻿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ ۖ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ [29:31]

وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا إبراهيم بالبشرى  أي بالبشارةِ بالولدِ والنافلة  قَالُواْ  أي لإبراهيمَ عليه السَّلامُ في تضاعيفِ الكلامِ حسبما فُصِّل في سورة هود \[ الآية٦٩، وما بعدها \] وسورة الحجرِ\[ الآية٦٧ \]  إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هذه القرية  أي قريةِ سَدُومَ. والإضافةُ لفظيةٌ لأنَّ المَعنى على الاستقبالِ  إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظالمين  تعليلٌ للإهلاكِ بإصرارِهم على الظُّلم وتمادِيهم في فُنون الفسادِ وأنواعِ المَعَاصي

### الآية 29:32

> ﻿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا ۚ قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا ۖ لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ [29:32]

قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً  فكيف تُهلكونها  قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ  أرادُوا أنَّهم غيرُ غافلينَ عن مكانِ لوطٍ عليه السَّلام فيها بل عمَّن لم يتعرض له إبراهيمُ عليه السَّلامُ من أتباعِه المؤمنينَ وأنَّهم معتنُون بشأنهم أتَّم اعتناءٍ حسبما يُنبئ عنه تصديرُ الوعد بالتَّنجيةِ بالقسمِ أيْ والله لننجينَّه وأهلَه  إِلاَّ امرأته كَانَتْ مِنَ الغابرين  أي الباقينَ في العذابِ أو القريةِ.

### الآية 29:33

> ﻿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ ۖ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ [29:33]

وَلَمَّا أَن جَاءتْ رُسُلُنَا  المذكورينَ بعد مفارقتِهم لإبراهيمَ عليه السَّلامُ  لُوطاً سِيء بِهِمْ  اعتراهُ المساءةُ بسببهم مخافةَ أنْ يتعرَّض لهم قومُه بسوءٍ. وكلمةُ أنْ صلةٌ لتأكيدِ ما بين الفعلينِ من الاتِّصالِ  وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا  أي ضاقَ بشأنِهم وتدبير أمِرهم ذرعُه أي طاقتُه كقولِهم ضاقتْ يدُه وبإزائِه رَحُبَ ذَرْعُه بكذا إذا كان مُطبقاً به قادراً عليه وذلك أنَّ طويلَ الذِّراعِ ينالُ ما لا يناله قصير الذِّراع. 
 وَقَالُواْ  ريثما شاهدوا فيه مخايلَ التَّضجرِ من جهتهم وعاينُوا أنَّه قد عجزَ عن مُدافعةِ قومِه بعد اللَّتيا والتِّي حتى آلتْ به الحالُ إلى أنْ قالَ : لو أنَّ لي بكم قوةً أو آوي إلى رُكنٍ شديدٍ \[ سورة هود، الآية٨٠ \]  لاَ تَخَفْ  أي من قومِك علينا  وَلاَ تَحْزَنْ  أي على شيءٍ وقيل بإهلاكِنا إيَّاهم  إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ  ممَّا يُصيبهم من العذابِ  إِلاَّ امرأتك كَانَتْ مِنَ الغابرين  وقرئ لننجينَّك ومنجُّوك من الإنجاءِ، وأيَّا ما كان فمحلُّ الكافِ الجرُّ على المختارِ ونصب أهلكَ بإضمار فعلٍ أو بالعطفِ على محلِّها باعتبارِ الأصلِ

### الآية 29:34

> ﻿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [29:34]

إِنَّا مُنزِلُونَ على أَهْلِ هذه القرية رِجْزاً مّنَ السماء  استئنافٌ مسُوقٌ لبيانِ ما أشير إليه بوعدِ التَّنجيةِ من نزول العذابِ عليهم. والرِّجزُ العذابُ الذي يُقلقُ المعذَّبَ أي يُزعجُه من قولِهم ارتجزَ إذا ارتجسَ واضطربَ. وقرئ مُنزِّلون بالتَّشديدِ.  بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ  بسببِ فسقِهم المستمرِّ

### الآية 29:35

> ﻿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [29:35]

وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا  أي من القريةِ  آيَةً بَيّنَةً  هي قصَّتُها العجيبةُ آثارُ ديارها الخربةِ وقيل : الحجارةُ المطمُورة فإنَّها كانتْ باقيةً بعدها وقيل : الماءُ الأسودُ على وجهِ الأرضِ  لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ  يستعملون عقولَهم في الاستبصارِ والاعتبارِ وهو متعلقٌ إما بتركنَا أو ببينةً

### الآية 29:36

> ﻿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ [29:36]

وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْباً  متعلق بمضمن معطوفٍ على أرسلنا في قصَّة نوحٍ عليه السَّلام أي وأرسلنا إلى مدينَ شُعيباً  فَقَالَ يا قوم اعبدوا الله  وحدَه  وارجوا اليوم الآخر  أي توقَّعوه وما سيقعُ فيه من فُنون الأهوالِ وافعلُوا اليوم من الأعمالِ ما تأمنون غائلتَهُ وقيل : وارجُوا ثوابَه بطريقِ إقامةِ المسبَّبِ مقامَ السَّببِ وقيل : الرَّجاءُ بمعنى الخوفِ  وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ

### الآية 29:37

> ﻿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ [29:37]

فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة  أي الزَّلزلةُ الشَّديدةُ وفي سورة هود وأخذتِ الذين ظلمُوا الصَّيحةُ أي صحيةُ جبريلَ عليه السَّلام فإنَّها المُوجِبة للرَّجفة بسبب تمويجِها للهواءِ وما يُجاورها من الأرض  فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ  أي بلدِهم أو منازِلهم والإفرادُ لأمنِ اللَّبسِ  جاثمين  باركينَ على الرُّكبِ ميِّتينَ.

### الآية 29:38

> ﻿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ ۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ [29:38]

وَعَاداً وَثَمُودَ  منصوبانِ بإضمارِ فعلٍ يُنبئ عنه ما قبلَه أي أهلكَنا. وقرئ ثموداً بتأويلِ الحيِّ  وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مّن مساكنهم  أي وقد ظهرَ لكم إهلاكُنا إيَّاهم من جهةِ مساكنِهم بالنَّظر إليها عند اجتيازِكم بها ذهاباً إلى الشَّامِ وإياباً منه  وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أعمالهم  من فُنون الكفرِ والمَعاصي  فَصَدَّهُمْ عَنِ السبيل  السَّويِّ الموصِّلِ إلى الحقِّ  وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ  ممكِّنين من النَّظرِ والاستدلالِ ولكِنَّهم لم يفعلُوا ذلك أو متبينين أنَّ العذابَ لاحقٌ بهم بإخبارِ الرُّسلِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ لهم ولكنَّهم لجُّوا حتَّى لقُوا ما لقُوا

### الآية 29:39

> ﻿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ [29:39]

وقارون وَفِرْعَوْنَ وهامان  معطوفٌ على عاداً. قيل : تقديمُ قارونَ لشرفِ نسبِه  وَلَقَدْ جَاءهُمْ موسى بالبينات فاستكبروا فِي الأرض وَمَا كَانُواْ سابقين  مفلتينَ فائتينَ من قولِهم سبقَ طالبَه إذا فاتَه ولم يُدركه ولقد أدركَهم أمرُ الله عزَّ أيَّ إدراكٍ فتداركُوا نحوَ الدَّمارِ والهَلاَكِ

### الآية 29:40

> ﻿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [29:40]

فَكُلاًّ  تفسيرٌ لما يُنبئ عنه عدمُ سبِقهم بطريقِ الإبهامِ أي فكلُّ واحدٍ من المذكورينَ  أَخَذْنَا بِذَنبِهِ  أي عاقبناهُ بجنايتِه لا بعضِه دُون بعضٍ كما يُشعر به تقديمُ المفعولِ  فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً  تفصيلاً للأخذِ أي ريحاً عاصفاً فيها حصباءُ وقيل مَلَكاً رماهم بها وهم قومُ لوطٍ  وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصيحة  كمدينَ وثمود  وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرض  كقارون  وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا  كقومِ نوحٍ وفرعونَ وقومِه  وَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ  بما فعل بهم فإنَّ ذلك محالٌ من جهتِه تعالى  ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ  بالاستمرارِ على مُباشرةِ ما يُوجبُ ذلك من أنواعِ الكفرِ والمَعاصي.

### الآية 29:41

> ﻿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [29:41]

مَثَلُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله أَوْلِيَاء  أي فيما اتَّخذوه معتمداً ومتَّكلاً  كَمَثَلِ العنكبوت اتخذت بَيْتاً  فيما نسجتْهُ في الوهنِ والخورِ بل ذلك أوهنُ من هذا لأنَّ له حقيقةً وانتفاعاً في الجُملة أو مَثَلُهم بالإضافةِ إلى المُوحَّدِ كمثله بالإضافة إلى رجلٍ بنى بيتاً من حجرٍ وجِصّ. والعنكبوتُ يقعُ على الواحدِ والجمعِ والمذكَّرِ والمؤنَّثِ، والغالبُ في الاستعمالِ التَّأنيثُ وتاؤُه كتاءِ طاغوت ويُجمع على عناكبَ وعنكبوتاتٍ وأمَّا العِكَابُ والعُكُبُ والأَعْكُبُ فأسماءُ الجموعِ  وَإِنَّ أَوْهَنَ البيوت لَبَيْتُ العنكبوت  حيثُ لا يُرى شيءٌ يدانيِه في الوَهَنِ والوَهَى  لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ  أي شيئاً من الأشياءِ لجزمُوا أنَّ هذا مثلُهم وأنَّ دينَهم أَوْهى من ذلكَ ويجوزُ أنْ يجعلَ بيتُ العنكبوتِ عبارةً عن دينِهم تحقيقاً للتَّمثيلِ فالمعنى وإنَّ أوهنَ ما يُعتمد به في الدِّين دينُهم.

### الآية 29:42

> ﻿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [29:42]

إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيء  على إضمارِ القولِ أي قُل للكَفَرةِ إنَّ الله الخ وما استفهامَّيةٌ منصوبةٌ بيدعونَ معلقةٌ ليعلم ومِن للتَّبيينِ أو نافيةٌ، ومِنْ مزيدةٌ وشيءٍ مفعولُ يدعون أو مصدريةٌ وشيءٍ عبارةٌ عن المصدرِ أو موصولةٌ مفعولٌ ليعلمُ ومفعولُ يدعون عائدُه المحذوفُ. وقرئ تَدعُون بالتَّاءِ والكلامُ على الأولين تجهيلٌ لهم وتأكيدٌ وعلى الآخرينَ وعيدٌ لهم  وَهُوَ العزيز الحكيم  تعليلٌ على المعنيينِ فإنَّ إشراكَ ما لا يُعدُّ شيئاً بمن هَذا شأنُه من فرطِ الغباوةِ وأنَّ الجمادَ النسبةِ إلى القادرِ القاهرِ على كلِّ شيءٍ البالغِ في العلم وإتقانِ الفعلِ الغايةَ القاصيةَ كالمعدومِ البحت وأنَّ منَ هذه صفاتُه قادرٌ على مجازاتِهم.

### الآية 29:43

> ﻿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [29:43]

وَتِلْكَ الأمثال  أي هذا المثلُ وأمثاله  نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ  تقريباً لما بعُد من أفهامِهم  وَمَا يَعْقِلُهَا  على ما هي عليه من الحُسنِ واستتباع الفوائدِ  إِلاَّ العالمون  الرَّاسخون في العلمِ المتدبِّرون في الأشياءِ على ما ينبغِي وعنه عليهِ الصَّلاة والسَّلامُ أنَّه تَلاَ هذه فقال :( العالمُ من عقلَ عنِ الله تعالى وعمِل بطاعتِه واجتنبَ سَخَطَه[(١)](#foonote-١) )
١ أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة باب (٢٢٣)..

### الآية 29:44

> ﻿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ [29:44]

خَلَقَ الله السموات والأرض بالحق  أي مُحقَّاً مُراعياً للحكمِ والمَصَالح على أنَّه حالٌ من فاعلِ خلقَ أو ملتبسةً بالحقِّ الذي لا محيدَ عنه مستتبعةً للمنافعِ الدِّينيةِ والدُّنيويةِ على أنَّه حالٌ من مفعولِه فإنَّها مع اشتمالِها على جميعِ ما يتعلَّقُ به معاشُهم شواهدُ دالَّةٌ على شؤونِه تعالى المتعلقةِ بذاتِه وصفاتِه كما يُفصحُ عنه قولُه تعالى : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ  دالَّة لهم ما ذُكر من شؤونِه سبحانه وتخصيصُ المؤمنينَ بالذكر مع عمومِ الهدايةِ والإرشادِ في خلقهِما للكلِّ لأنَّهم المُنتفعون بذلكَ.

### الآية 29:45

> ﻿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [29:45]

اتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الكتاب  تقرُّباً إلى الله تعالى بقراءتِه وتذكُّراً لما في تضاعيفهِ من المعاني وتذكيراً للنَّاس وحملاً لهم على العملِ بما فيه من الأحكامِ ومحاسنِ الآدابِ ومكارمِ الأخلاقِ  وَأَقِمِ الصَّلاَةَ  أي داوِمْ على إقامتِها وحيثُ كانتِ الصَّلاةُ منتظمةً للصَّلواتِ المكتوبةِ المؤدَّاةِ بالجماعةِ وكان أمرُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بإقامتِها متضمناً لأمرِ الأمَّة بها علِّل بقوله تعالى : إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ والْمُنكَر  كأنّه قيل : وصلِّ بهم إنّ الصَّلاة تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، ومعنى نهيها عنهُما أنَّها سببٌ للانتهاءِ عنُهما لأنَّها مناجاةٌ تعالى فلابدَّ أنْ تكونَ مع إقبالٍ تامَ على طاعتِه وإعراضِ كليَ عن معاصيِه قال ابنُ مسعودٍ وابنُ عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما :( في الصَّلاةِ مُنتهى ومُزدجرٌ عن مَعَاصي الله تعالى فمَن لم تأمْره صلاتُه بالمعروفِ ولم تنهَه عن المنكرِ لم يزددْ بصلاتِه من الله تعالى إلا بُعداً ) وقال الحسنُ : وقَتادةُ من لم تنهَه صلاتُه عن الفحشاءِ والمنكر فصلاتُه وبالٌ عليه. ورَوَى أنسٌ رضيَ الله عنه **«إنَّ فتى من الأنصارِ كانَ يصلِّي مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ثمَّ لا يدع شيئاً من الفواحِش إلا ركبَهُ فوُصفَ له عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ حاله فقال : إنَّ صلاتَه ستنهاهُ »** فلم يلبثْ أن تابَ وحسُنَ حالُه. 
 وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ  أي وللصَّلاةُ أكبرُ من سائرِ الطَّاعاتِ وإنَّما عبرَّ عنها بهِ كما في قوله تعالى : فاسعوا إلى ذِكْرِ الله  \[ سورة الجمعة، الآية٩ \] للإيذانِ بأنَّ ما فيها من ذكرِ الله تعالى هو العمدةُ في كونِها مفضَّلةً على الحسناتِ ناهيةً عن السيئاتِ وقيل ولذكرُ الله تعالى عندَ الفحشاءِ والمُنكر وذكرُ نهيهِ عنهُما ووعيدِه عليهما أكبرُ في الزَّجرِ عنهما وقيل : ولذكرُ الله إيَّاكم برحمتِه أكبرُ من ذكِركم إيَّاه بطاعتِه.  والله يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ  منه ومن سائرِ الطَّاعات فيجازيكم بها أحسنَ المُجازاةِ.

### الآية 29:46

> ﻿۞ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [29:46]

لاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب  من اليَّهودِ والنَّصارَى  إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ  أي بالخصلة التي هي أحسنُ كمقابلةِ الخشونةِ باللِّينِ والغضبِ بالكظمِ والمشاغبةِ بالنُّصحِ والسَّورةِ بالأَناة على وجهٍ لا يدلُّ على الضَّعفِ ولا يُؤدِّي إلى إعطاءِ الدَّنيةِ وقيل : منسوخٌ بآيةِ السَّيفِ  إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ  بالإفراطِ في الاعتداءِ والعنادِ أو بإثباتِ الولدِ وقولِهم : يدُ الله مغلولةٌ ونحوِ ذلك فإنَّه يجبُ حينئذٍ المُدَافعةُ بما يليقُ بحالِهم  وَقُولُواْ آمَنَّا بالذي أُنزِلَ إِلَيْنَا  من القُرآنِ  وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ  أي وبالذي أُنزل إليكُم من التَّوراةِ والإنجيلِ وقد مرَّ تحقيقُ كيفيَّةِ الإيمانِ بهما في خاتمةِ سورةِ البقرةِ. وعن النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ :( لا تُصدِّقوا أهلَ الكتابِ ولا تكذِّبُوهم وقولُوا آمنَّا بالله وبكتبِه ورسلِه فإنْ قالُوا باطِلاً لم تصدِّقوهم وإنْ قالُوا حقّاً لم تكذِّبُوهم )  وإلهنا وإلهكم وَاحِدٌ  لا شريكَ له في الأُلوهيَّةِ  وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ  مُطيعونَ خاصَّة وفيه تعريضٌ بحالِ الفريقينِ حيثُ اتَّخذوا أحبارَهم ورهبانَهم أرباباً من دُونِ الله

### الآية 29:47

> ﻿وَكَذَٰلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ ۚ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۖ وَمِنْ هَٰؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ ۚ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ [29:47]

وكذلك  تجريدٌ للخطابِ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وذلكَ إشارةٌ إلى مصدرِ الفعلِ الذي بعدَهُ، وما فيهِ مِن مَعْنى البُعدِ للإيذانِ ببُعدِ منزلةِ المُشارِ إليه في الفضلِ أي مثلَ ذلكَ الإنزالِ البديعِ الموافقِ لإنزالِ سائرِ الكتبِ  أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب  أي القُرآنَ الذي من جُملتِه هذهِ الآيةُ النَّاطقةُ بما ذُكر من المُجادلةِ بالحُسْنَى 
 فالذين آتيناهم الكتاب  من الطَّائفتينِ  يُؤْمِنُونَ بِهِ  أُريد بهم عبدُ اللَّهِ بنُ سَلاَم وأضرابُه من أهلِ الكتابين خاصَّة كأنَّ من عداهُم لم يُؤتَوا الكتابَ حيثُ لم يعملوا بما فيهِ أو مَنْ تقدم عهدَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم منهم حيثُ كانُوا مصدِّقين بنزولِه حسبما شاهدُوا في كتابيهما، وتخصيصُهم بإيتاءِ الكتابِ للإيذانِ بأنَّ مَن بعدهم من مُعاصري رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قد نُزع عنهم الكتابُ بالنَّسخِ فلم يُؤتَوه. والفاءُ لترتيبِ ما بعدها على ما قبلها فإنَّ إيمانَهم به مترتِّبٌ على إنزالِه على الوجهِ المذكُورِ  وَمِنْ هَؤُلاء  أي ومِن العربِ أو أهلِ مكَّةَ على الأولِ أو ممَّن في عصرِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ على الثَّانِي  مَن يُؤْمِنُ بِهِ  أي بالقُرآنِ  وَمَا يَجْحَدُ بآياتنا  عبَّر عن الكتابِ بالآياتِ للتنبيهِ على ظهورِ دلالتِها على معانيها وعلى كونِها من عندِ الله تعالى، وأضيفتْ إلى نونِ العظمةِ لمزيدِ تفخيمِها وغايةِ تشنيعِ مَنْ يجحدُ بها  إِلاَّ الكافرون  المتوغِّلون في الكُفر المصمِّمون عليهِ فإنَّ ذلكَ يصدُّهم عن التَّأملِ فيما يُؤدِّيهم إلى معرفةِ حقّيتها وقيل : هم كعبُ بنُ الأشرفِ وأصحابِه.

### الآية 29:48

> ﻿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [29:48]

وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ  أي ما كنتَ قبل إنزالِنا إليك الكتابَ تقدرُ على أنْ تتلوَ شيئاً من كتابٍ  وَلاَ تَخُطُّهُ  أي ولا تقدرُ على أنْ تخطَّه  بِيَمِينِكَ  حسبَما هُو المعتادُ أو ما كانت عادَتُك أنْ تتلوَه ولا أنْ تخطَّه  إِذاً لارتاب المبطلون  أي لو كنتَ ممَّن يقدرُ على التِّلاوةِ والخطِّ أو ممَّن يعتادُهما لارتابُوا وقالُوا : لعلَّه التقطَه من كتبِ الأوائلِ، وحيثُ لم تكن كذلكَ لم يبقَ في شأنِك منشأُ ريبٍ أصلاً، وتسميتُهم مُبطلينَ في ارتيابِهم على التَّقديرِ المفروضِ لكونِهم مُبطلينَ في اتِّباعِهم للاحتمالِ المذكورِ مع ظهورِ نزاهتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ عن ذلكَ

### الآية 29:49

> ﻿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ۚ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ [29:49]

بَلْ هُوَ  أي القرآنُ  آيَاتٌ بَيّنَاتٌ  واضحاتٌ ثابتةٌ راسِخةٌ  فِي صُدُورِ الذين أُوتُواْ العلم  من غيرِ أنْ يُلتقطَ من كتابٍ يحفظونَهُ بحيثُ لا يقدرُ أحدٌ على تحريفِه  وَمَا يَجْحَدُ بآياتنا  مع كونِها كما ذُكر  إِلاَّ الظالمون  المُتجاوزونَ للحدودِ في الشرِّ والمكابرةِ والفسادِ

### الآية 29:50

> ﻿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ ۖ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ [29:50]

وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيات مّن رَّبّهِ  مثلُ ناقةِ صالحٍ وعَصَا مُوسى ومائدةُ عيسَى عليهم السَّلامُ. وقرئ آيةٌ  قُلْ إِنَّمَا الآيات عِندَ الله  يُنزِّلها حسبَما يشاءُ من غيرِ دخلٍ لأحدٍ في ذلكَ قطعاً  وَإِنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ  ليسَ من شأنِي إلا الإنذارُ بما أُوتيتُ من الآياتِ

### الآية 29:51

> ﻿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [29:51]

أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ  كلامٌ مستأنفٌ واردٌ من جهتِه تعالى ردّاً على اقتراحِهم وبياناً لبُطلانِه والهمزةُ للإنكارِ والنَّفيِ والواوُ للعطفِ على مقدَّرٍ يقتضيهِ المقامُ أي أقصُر ولم يكفِهم آيةٌ مغنيةٌ عن سائرِ الآياتِ  أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب  الناطقَ بالحقِّ المصدِّقَ لما بين يديهِ من الكتبِ السَّماويَّةِ وأنتَ بمعزلٍ عن مدارستِها وممارستِها  يتلى عَلَيْهِمْ  في كلِّ زمانٍ ومكانٍ فلا يزالُ معهم آيةٌ ثابتةٌ لا تزولُ ولا تضمحلُّ كما تزولُ كلُّ آيةٍ بعدَ كونِها وتكونُ في مكانٍ دُونَ مكانٍ أو يُتلى على اليَّهودِ بتحقيقِ ما في أيديهم من نعتِك ونعتِ دينِكَ  إِنَّ فِي ذَلِكَ  الكتابِ العظيمِ الشَّأنِ الباقِي على مرِّ الدُّهورِ  لَرَحْمَةً  أي نعمةً عظيمةً  وذكرى  أي تذكرةً  لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ  أي لقوم همُّهم الإيمانُ لا التعنُّتُ كأولئك المُقترحينَ، وقيل : إنَّ ناساً من المؤمنينَ أَتَوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بكتبٍ فيها بعضُ ما يقولُه اليهودُ فقال :( كَفَى بها ضلالةَ قومٍ أنْ يرغبُوا عمَّا جاءَ به نبيُّهم إلى ما جاءَ به غيرُ نبيِّهم[(١)](#foonote-١) ) فنزلتْ. 
١ أخرجه الدارمي في المقدمة باب (٤٢).

### الآية 29:52

> ﻿قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا ۖ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [29:52]

قُلْ كفى بالله بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً  بمَا صدرَ عنِّي وعنكُم  يَعْلَمُ مَا فِي السموات والأرض  أي من الأُمورِ التي من جُمْلتِها شأنِي وشأنُكم فهو تقريرٌ لما قبلَه من كفايتِه تعالى شَهيداً  والذين آمَنُواْ بالباطل  وهو ما يُعبد من دُونِ الله تعالَى  وَكَفَرُواْ بالله  مع تعاضُد موجباتِ الإيمانِ به  أولئك هُمُ الخاسرون  المغبُونون في صفقتِهم حيثُ اشترَوا الكفرَ بالإيمانِ بأنْ ضيَّعوا الفطرةَ الأصليَّةَ والأدلَّةَ السمعيَّةَ الموجبةَ للإيمانِ، والآيةُ من قبيلِ المُجادلةِ بالتي هي أحسنُ حيثُ لم يُصرِّحْ بنسبةِ الإيمانِ بالباطلِ والكفرِ بالله والخسرانِ إليهم بل ذُكر على منهاجِ الإبهامِ كما في قولِه تعالى : وَأَنَا أَو إياكم لعلى هُدًى أَوْ فِي ضلال مُّبِينٍ \[ سبأ : ٢٤ \]

### الآية 29:53

> ﻿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ ۚ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [29:53]

وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب  على طريقةِ الاستهزاءِ بقولِهم : متى هذا الوعد  \[ سورة يونس، الآية٤٨ \] وقولِهم : فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ  \[ سورة الأنفال، الآية٣٢ \] ونحوِ ذلكَ  وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى  قد ضربَهُ الله تعالى لعذابِهم وبيَّنه في اللَّوحِ  لجَاءهُمُ العذاب  المعيَّنُ لهم حسبَما استعجلُوا له. قيل : المرادُ بالأجلِ يومُ القيامةِ لما رُوي أنَّه تعالى وعدَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أنْ لا يُعذِّبَ قومَه بعذابِ الاستئصال وأنْ يؤخِّر عذابَهم إلى يومِ القيامةِ، وقيل : يومُ بدرٍ وقيل : وقتُ فنائِهم بآجالِهم وفيه بُعدٌ ظاهرٌ لِمَا أنَّهم ما كانُوا يُوعدون بفنائِهم الطبيعيِّ ولا كانُوا يستعجلونَ به  وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ  جملةٌ مستأنفةٌ مبنيَّةٌ لما أُشير إليهِ في الجُملةِ السَّابقةِ من مجيءِ العذابِ عند محلِّ الأجلِ أي وبالله ليأتينَّهم العذابُ الذي عُيِّن لهم عند حُلولِ الأجلِ  بَغْتَةً  أي فجأةً  وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ  أي بإتيانِه، ولعلَّ المرادَ بإتيانِه كذلك أنَّه لا يؤتيهم بطريقِ التَّعجيلِ عند استعجالِهم والإجابةِ إلى مسؤولِهم فإنَّ ذلك إتيانٌ برأيهم وشعورِهم لا أنَّه يأتيهم وهم غارُّون آمِنُون لا يخطرونَه بالبالِ كدأبِ بعضِ العُقوباتِ النازلةِ على بعضِ الأممِ بياتاً وهم نائمونَ أو ضُحى وهم يلعبُون لما أنَّ إتيانَ عذابِ الآخرةِ وعذابِ يومِ بدرٍ ليس من هذا القبيلِ.

### الآية 29:54

> ﻿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ [29:54]

يَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين  استئنافٌ مسوقٌ لغايةِ تجهيلِهم ورَكَاكةِ رأيِهم، وفيه دلالةٌ على أنَّ ما استعجلوه عذابُ الآخرةِ أي يستعجلونك بالعذابِ والحال أنَّ محلَّ العذابِ الذي لا عذابَ فوقَه محيطٌ بهم كأنَّه قيل : يستعجلونك بالعذابِ وإنَّ العذابَ لمحيطٌ بهم، وإنَّما جيء بالجملةِ الاسميةِ دلالةً على تحقُّقِ الإحاطةِ واستمرارِها أو تنزيلاً لحالِ السَّببِ منزلةَ حالِ المسبَّبِ فإنَّ الكفرَ والمعاصيَ الموجبةَ لدخولِ جهنَّم محيطةٌ بهم، وقيل : إنَّ الكفرَ والمعاصيَ هي النَّار في الحقيقةِ لكنَّها ظهرتْ في هذهِ النَّشأةِ بهذه الصُّورةِ وقد مرَّ تفصيلُه في سورةِ الأعرافِ الآية ٨ عند قولِه تعالى : والوزن يَوْمَئِذٍ الحق  ولامُ الكافرينَ إمَّا للعهدِ ووضعُ الظَّاهرِ موضعَ المضمرِ للإشعارِ بعلةِ الحُكمِ، أو للجنسِ وهم داخلون فيه دُخولاً أولياً.

### الآية 29:55

> ﻿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [29:55]

يَوْمَ يغشاهم العذاب  ظرفٌ لمضمرٍ قد طُوي ذكرُه إيذاناً بغايةِ كثرتِه وفظاعتِه كأنَّه قيلَ : يومَ يغشاهُم العذابُ الذي أشير إليه بإحاطةِ جهنَّم بهم يكونُ من الأحوالِ والأهوالِ ما لا يفي به المقالُ، وقيل : ظرفٌ للإحاطةِ  مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم  أي من جميعِ جهاتِهم  وَيَقُولُ  أي الله عزَّ وجلَّ ويعضدُه القِراءةُ بنونِ العظمةِ، أو بعضُ ملائكتِه بأمرِه  ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ  أي جزاءَ ما كنتُم تعملونه في الدُّنيا على الاستمرارِ من السيئاتِ التي من جُملتها الاستعجالُ بالعذابِ.

### الآية 29:56

> ﻿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ [29:56]

يَا عِبَادِي الذين آمَنُواْ  خطابُ تشريفٍ لبعضِ المؤمنينَ الذين لا يتمكَّنُون من إقامةِ أمورِ الدِّين كما ينبغِي لممانعةٍ من جهةِ الكَفَرةِ وإرشادٌ لهم إلى الطَّريقِ الأسلمِ  إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فاعبدون  أي إذا لم يتسهَّل لكُم العبادةُ في بلدٍ ولم يتيسَّر لكُم إظهارُ دينِكم فهاجِرُوا إلى حيثُ يتسنَّى لكم ذلكَ، وعنه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ :( من فرَّ بدينِه من أرضٍ إلى أرضٍ ولو كان شبراً استوجبَ الجنَّة وكان رفيقَ إبراهيمَ ومحمَّدٍ عليهما السَّلامُ ). والفاءُ جوابُ شرطٍ محذوفٍ إذِ المعنى إنَّ أرضي واسعةٌ إنْ لم تُخلصوا العبادةَ لي في أرضٍ فأخلِصُوها في غيرِها ثم حُذفَ الشَّرطُ وعُوِّض عنه تقديمُ المفعولِ مع إفادةِ تقديمِه معنى الاختصاصِ والإخلاصِ.

### الآية 29:57

> ﻿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [29:57]

كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ  جملةٌ مستأنفةٌ جِيءَ بها حثاً على المُسارعة في الامتثالِ بالأمرِ أي كلُّ نفسٍ من النُّفوسِ واجدةٌ مرارةَ الموتِ وكربَه فراجعةٌ إلى حُكمِنا وجَزَائِنا بحسبِ أعمالِها، فمَنْ كانت هَذه عاقبتَهُ فليس له بدٌّ من التَّزودِ والاستعدادِ لها. وقرئ يَرجعون

### الآية 29:58

> ﻿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [29:58]

والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَنُبَوّئَنَّهُمْ  لننزلنَّهم  مّنَ الجنة غُرَفَاً  أي عَلالي وهو مفعولٌ ثانٍ للتَّبوئةِ. وقرئ لنُثوينَّهم من الثُّواء بمعنى الإقامةِ فانتصابُ غُرفاً حينئذٍ إمَّا بإجرائِه مُجرى لنُنزلنَّهم أو بنزعِ الخافضِ أو بتشبيهِ الظَّرفِ الموَّقتِ بالمُبهم كما في قولِه تعالى : لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم  \[ سورة الأعراف، الآية١٦ \]  تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار  صفةٌ لغرفاً  خالدين فِيهَا  أي في الغُرَفِ أو في الجنَّة  نِعْمَ أَجْرُ العاملين  أي الأعمالُ الصَّالحةُ والمخصوصُ بالمدحِ محذوفٌ ثقةً بدلالةِ ما قبله عليهِ. وقرئ فنعَم.

### الآية 29:59

> ﻿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [29:59]

الذين صَبَرُواْ  إمَّا صفةٌ للعاملينَ أو نُصبَ على المدحِ أي صبرُوا على أذيَّةِ المشركينَ وشدائدِ المهاجرةِ وغيرِ ذلكَ من المحنِ والمشاقِّ  وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ  أي ولم يتوكَّلوا فيما يأتُون ويذرونَ إلا عَلى الله تعالى.

### الآية 29:60

> ﻿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [29:60]

وَكَأَيّن مّن دَابَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا  رُوي أنَّ النبيَّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لمَّا أمرَ المُؤمنينَ الذين كانُوا بمكَّةَ بالمهاجرةِ إلى المدينةِ قالُوا : كيفَ نقدُم بلدةً ليس لنا فيها معيشةٌ فنزلتْ أي وكم من دابةٍ لا تطيقُ حملَ رزقِها لضعفِها أو لا تدخرُه وإنَّما تُصبح ولا معيشةَ عندها  الله يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ  ثمَّ إنَّها مع ضعفِها وتوكُّلِها وإيَّاكم مع قوَّتِكم واجتهادِكم سواء في أنَّه لا يرزقُها وإيَّاكم إلا الله تعالى لأنَّ رزقَ الكلِّ بأسبابٍ هو المسبِّبُ لها وحدَهُ فلا تخافُوا الفقرَ بالمُهاجرةِ  وَهُوَ السميع  المبالغُ في السَّمعِ فيسمعُ قولَكم هذا  العليم  المبالغُ في العلمِ فيعلمُ ضمائرَكم.

### الآية 29:61

> ﻿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ [29:61]

وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ  أي أهلَ مكَّةَ  منْ خلق السموات والأرض وَسَخَّرَ الشمس والقمر لَيَقُولُنَّ الله  إذ لا سبيلَ لهم إلى إنكارِه ولا إلى التَّردُدِ فيه  فأنى يُؤْفَكُونَ  إنكارٌ واستبعادٌ من جهتِه تعالى لتركِهم العملَ بموجبِه أي فكيفَ يُصرفون عن الإقرارِ بتفرُّدِه تعالى في الإلهية مع إقرارِهم بتفرُّدِه تعالى فيما ذُكر من الخلقِ والتَّسخيرِ.

### الآية 29:62

> ﻿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [29:62]

الله يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَاء  أنْ يبسطَه له  مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ  أي يقدرُ لمن يشاءُ أنْ يقدرَ له منهم كائناً مَن كانَ على أنَّ الضَّميرَ مبهمٌ حسبَ إبهامِ مرجعِه، أو يقدرُ لمن يبسطه له على التَّعاقبِ  أَنَّ الله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ  فيعلم مَن يليقُ ببسطِ الرِّزقِ فيبسطُه له ومن يليقُ بقدْرِه له فيقدرُه له أو فيعلم أنَّ كلاًّ من البسطِ والقدرِ في أيِّ وقتٍ يُوافق الحكمةَ والمصلحةَ فيفعلُ كلاًّ منهما في وقتِه

### الآية 29:63

> ﻿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [29:63]

وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ السماء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأرض مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ الله  معترفينَ بأنَّه الموجدُ للممكناتِ بأسرِها أصولِها وفروعِها ثمَّ إنَّهم يُشركون به بعضَ مخلوقاتِه الذي لا يكادُ يُتوهَّمُ منه القدرةُ على شيءٍ أصلاً  قُلِ الحمد لِلَّهِ  على أنْ جعلَ الحقَّ بحيثُ لا يجترئُ المبطلون على جُحودِه وأنَّه أظهرَ حجَّتَك عليهم وقيل : على أنْ عصَمَك من هذهِ الضَّلالاتِ ولا يخفى بعدُه  بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ  أي شيئاً من الأشياءِ فلذلك لا يعملونَ بمُقتضى قولِهم هذا فيُشركون به سبحانَه أخسَّ مخلوقاتِه وقيل : لا يعقلونَ ما تُريد بتحميدِك عند مقالِهم ذلك.

### الآية 29:64

> ﻿وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [29:64]

وَمَا هذه الحياة الدنيا  إشارةُ تحقيرٍ وازدراءٍ للدُّنيا وكيفَ لا وقد قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم :( لو كانت الدُّنيا تزنُ عندَ الله جناحَ بَعُوضةٍ ما سَقَى الكافرَ منها شَرْبةَ ماءٍ[(١)](#foonote-١) )  إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ  أي إلا كما يُلهى ويلعبُ به الصبيانُ يجتمعون عليهِ ويبتهجون به ساعةً ثم يتفرَّقُون عنه  وَإِنَّ الدار الآخرة لَهِيَ الحيوان  أي لهيَ دارُ الحياةِ الحقيقية لامتناعِ طريانِ الموتِ والفناءِ عليها أو هي في ذاتِها حياةٌ للمبالغةِ. والحيوانُ مصدرُ حَيِيَ سُمِّيَ بهِ ذُو الحياة وأصلُه حَيَيانُ فقُلبتْ الياءُ الثَّانيةُ واواً لما في بناءِ فَعَلان من مَعْنى الحَرَكةِ والاضطرابِ اللازم للحَيَوان ولذلك اختِير على الحياةِ في هذا المقامِ المُقتضي للمبالغةِ  لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ  أي لما آثرُوا عليها الحياةَ الدُّنيا التي أصلُها عدمُ الحياةِ ثمَّ ما يحدثُ فيها من الحَيَاةِ عارضةٌ سريعةُ الزَّوالِ وشيكةُ الاضمحلالِ
١ أخرجه الترمذي في كتاب الزهد باب (١٣)..

### الآية 29:65

> ﻿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [29:65]

فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الفلك  متَّصلٌ بما دلَّ عليه شرحُ حالِهم، والرُّكوب هو الاستعلاءُ على الشيءِ المتحرِّكِ وهو متعدَ بنفسِه كما في قولِه تعالى : والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا  \[ سورة النحل، الآية٨ \] واستعمالُه هاهنا وفي أمثالِه بكلمة في للإيذانِ بأنَّ المركوبَ في نفسِه من قبيلِ الأمكنةِ، وحركتُه قسريةٌ غيرُ إراديةٍ كما مرَّ في سورةِ هُودٍ والمعنى أنَّهم على ما وُصفوا من الإشراكِ فإذا ركبُوا في البحرِ ولقُوا شدَّةً  دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين  أي كائنينَ على صورةِ المُخلصين لدينِهم من المؤمنينَ حيثُ لا يدعُون غيرَ الله تعالى لعلمِهم بأنَّه لا يكشفُ الشَّدائدَ عنهم إلا هُو  فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ  أي فاجؤوا المعاودةَ إلى الشِّركِ

### الآية 29:66

> ﻿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [29:66]

لِيَكْفُرُواْ بِمَا آتيناهم وَلِيَتَمَتَّعُواْ  أي يفاجئونَ الإشراكَ ليكونُوا كافرينَ بما آتيناهُم من نعمةِ الإنجاءِ التي حقُّها أنْ يشكرُوها  فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ  أي عاقبةَ ذلكَ وغائلتَه حينَ يَرَون العذابَ

### الآية 29:67

> ﻿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ۚ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ [29:67]

أَوَلَمْ يَرَوْاْ  أي ألم ينظرُوا ولم يشاهدُوا  إِنَّا جَعَلْنَا  أي بلدَهم  حَرَماً آمِناً  مصُوناً من النَّهبِ والتَّعدِّي سالماً أهلُه من كلِّ سوءٍ  وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ  أي والحالُ أنَّهم يُختلسون من حولِهم قتلاً وسبياً إذ كانتِ العربُ حولَه في تغاورٍ وتناهُبٍ  أفبالباطل يُؤْمِنُونَ  أي أبعد ظهورِ الحقِّ الذي لا ريبَ فيه بالباطلِ خاصَّة يُؤمنون دُون الحقِّ  وَبِنِعْمَةِ الله يَكْفُرُونَ  وهي المستوجبةُ للشُّكرِ حيثُ يُشركون به غيرَهُ. وتقديمُ الصِّلةِ في الموضعينِ لإظهارِ كمالِ شناعةِ ما فعلُوا

### الآية 29:68

> ﻿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ ۚ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ [29:68]

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً  بأنْ زعمَ أنَّ له شريكاً أي هو أظلمُ من كلِّ ظالمٍ وإنْ كانَ سبكُ النَّظمِ دالاًّ على نفيِ الأظلمِ من غيرِ تعرضٍ لنفيِ المُساوي وقد مرَّ مراراً  أَوْ كَذَّبَ بالحق لَمَّا جَاءهُ  أي بالرَّسولِ أو بالقُرآنِ وفي لمَّا تسفيهٌ لهم بأنْ لم يتوقفُوا ولم يتأمَّلوا حينَ جاءَهم بل سارعُوا إلى التَّكذيبِ آثر ذي أثيرٍ  أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى للكافرين  تقريرٌ لثُوائِهم فيها كقولِ من قالَ :\[ الوافر \]
ألستُم خيرَ من رَكبَ المَطَايا[(١)](#foonote-١)\*\*\* \[ وأندى العالمين بطون راح \]
أي أَلاَ يستوجبونَ الثَّواء فيها وقد فعلُوا ما فعلُوا من الافتراءِ على الله تعالى والتَّكذيبِ بالحقِّ الصَّريحِ أو إنكارٌ واستبعادٌ لاجترائِهم على ما ذُكر من الافتراءِ والتَّكذيبِ مع علمِهم بحالِ الكَفَرةِ أي ألم يعلمُوا أن في جهنَّم مثوى للكافرين حتَّى اجترؤا هذه الجرأةَ. 
١ وهو لجرير في ديوانه (ص ٨٥، ٨٩) وشرح شواهد المغني (١ / ٤٢) ولسان العرب (٧ /١٠١) (نقص) ومغني اللبيب (١/١٧) وبلا نسبة في الخصائص (٢/٤٦٣)، (٣/٢٦٩) ورصف المباني (ص٤٦)؛ وشرح المفصل (٨/١٢٣)..

### الآية 29:69

> ﻿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [29:69]

والذين جاهدوا فِينَا  أي في شأنِنا ولوجهِها خالصاً. أطلقَ المُجاهدةَ ليعمَّ جهادَ الأعادِي الظاهرةِ والباطنةِ  لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا  سُبُلَ السَّيرِ إلينا والوصولِ إلى جنابِنا أو لنزيدنَّهم هدايةً إلى سُبُلِ الخيرِ وتوفيقاً لسلُوكها كقولِه تعالى : والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى  \[ سورة محمد، الآية١٧ \] وفي الحديثِ :( من عَمِل بما عَلِم ورَّثه الله علمَ ما لم يعلَم )  وَإِنَّ الله لَمَعَ المحسنين  معيةَ النَّصرِ والمعُونة.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/29.md)
- [كل تفاسير سورة العنكبوت
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/29.md)
- [ترجمات سورة العنكبوت
](https://quranpedia.net/translations/29.md)
- [صفحة الكتاب: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم](https://quranpedia.net/book/37.md)
- [المؤلف: أبو السعود](https://quranpedia.net/person/4781.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/29/book/37) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
