---
title: "تفسير سورة آل عمران - تفسير السمعاني - أبو المظفر السمعاني"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/3/book/134.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/3/book/134"
surah_id: "3"
book_id: "134"
book_name: "تفسير السمعاني"
author: "أبو المظفر السمعاني"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة آل عمران - تفسير السمعاني - أبو المظفر السمعاني

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/3/book/134)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة آل عمران - تفسير السمعاني - أبو المظفر السمعاني — https://quranpedia.net/surah/1/3/book/134*.

Tafsir of Surah آل عمران from "تفسير السمعاني" by أبو المظفر السمعاني.

### الآية 3:1

> الم [3:1]

قوله تعالى :( آلم الله ) فالألف : هو الله، واللام : جبريل، والميم : محمد صلى الله عليه وسلم، وفيه إشارة لما أنزل الله، على لسان جبريل، على محمد صلى الله عليه وسلم. 
وقد ذكرنا الأقوال في حروف التهجي. 
وإنما فتح الميم عند الوصل، وإن كان الساكن إذا حرك حرك إلى الكسر ؛ لأنهم استثقلوا الكسرة بعد \[ الجزم، والياء فيه جزم \] ( [(١)](#foonote-١) ).

١ - من "ك"..

### الآية 3:2

> ﻿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [3:2]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١:قوله تعالى :( آلم الله ) فالألف : هو الله، واللام : جبريل، والميم : محمد صلى الله عليه وسلم، وفيه إشارة لما أنزل الله، على لسان جبريل، على محمد صلى الله عليه وسلم. 
وقد ذكرنا الأقوال في حروف التهجي. 
وإنما فتح الميم عند الوصل، وإن كان الساكن إذا حرك حرك إلى الكسر ؛ لأنهم استثقلوا الكسرة بعد \[ الجزم، والياء فيه جزم \] ( [(١)](#foonote-١) ). 
١ - من "ك"..


---


( لا إله إلا هو ) لا معبود سواه. ( الحي القيوم ) فالحي : الدائم الذي لا يزل. 
وأما القيوم فقد سبق تفسيره، وقيل : هو الذي لا يزول ولا يحول. وقال جعفر بن محمد \[ بن \] ( [(١)](#foonote-١) )
الزبير : هو دائم الوجود. وقرأ عمر، وابن مسعود ( الحي القيام ) وهو في الشواذ. 
١ - ليس في الأصل ولا "ك" والصواب إثباتها..

### الآية 3:3

> ﻿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ [3:3]

قوله تعالى :( نزل عليك الكتاب بالحق ) الكتاب : القرآن، وسمى كتابا ؛ لأنه يجمع الآي والحروف، وهو من الكتب وهو : الجمع، ومنه : الكتيبة و \[ هي \] السرية لاجتماعهم. 
ومنه يقال : كتبت البغلة، إذا جمع بين شفريها بحلقة. وقوله :( بالحق ) أي : بالصدق في الدلالات و الإخبارات، والوعد و الوعيد. 
وقوله :( مصدقا لما بين يديه ) يعني : القرآن مصدق لما قبله من التوراة والإنجيل. وإنما قال :( لما بين يديه ) ؛ لأنه في تصديق ما قبله، وإظهار صدقه، كالشيء الحاضر بين يديه. 
( وأنزل التوراة و الإنجيل من قبل هدى للناس ) فذكر هاهنا ( أنزل ) وذكر في الابتداء ( نزل الكتاب )، لأنه أنزل التوراة جملة والإنجيل جملة، ونزل القرآن مفصلا. 
وأما التوراة أصلها وَوْرِيَةٌ من الورى، من قولهم ورى الزند إذا أضاء، وخرجت ناره، ويقال : ورى زندي عند فلان ؛ إذا أضاء أمره عنده. 
فسمى وورية ؛ لضيائها وكونها نورا، وقلبت الواو تاء فصارت تورية. وأما الإنجيل من " النجل " وهو الأصل فسمى به ؛ لأنه كان أصلا من الأصول في العلم.

### الآية 3:4

> ﻿مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ ۗ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [3:4]

( وأنزل التوراة و الإنجيل من قبل هدى للناس ) فذكر هاهنا ( أنزل ) وذكر في الابتداء ( نزل الكتاب )، لأنه أنزل التوراة جملة والإنجيل جملة، ونزل القرآن مفصلا. 
وأما التوراة أصلها وَوْرِيَةٌ من الورى، من قولهم ورى الزند إذا أضاء، وخرجت ناره، ويقال : ورى زندي عند فلان ؛ إذا أضاء أمره عنده. 
فسمى وورية ؛ لضيائها وكونها نورا، وقلبت الواو تاء فصارت تورية. وأما الإنجيل من " النجل " وهو الأصل فسمى به ؛ لأنه كان أصلا من الأصول في العلم. 
( وأنزل الفرقان ) قيل : هو القرآن، وهو المفرق بين الحلال والحرام، وقيل : كل ما أنزل الله فهو فرقان ؛ لكونه مفرقا بين الحلال والحرام، وفي الآية تقديم وتأخير، وتقديره وأنزل التوراة والإنجيل من قبل، وأنزل الفرقان هدى للناس. 
قوله تعالى :( إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد ) **«نزلت في وفد نجران من النصارى، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيهم السيد والعاقب : كانا رجلين منهم، وهم ستون راكبا، وقيل قريبا من عشرين راكباً، فدخلوا المسجد، والنبي صلى الله عليه وسلم قد صلى العصر، فوقفوا يصلون نحو المشرق صلاتهم، فلما فرغوا سألهم رسول الله عن عيسى، فاختلفوا فيه، فقال بعضهم : الله. وقال بعضهم : ابن الله، وقال بعضهم : ثالث ثلاثة، فقال صلى الله عليه وسلم : أسلموا، فقالوا نحن مسلمون، فقال صلى الله عليه وسلم : كذبتم ؛ يمنعكم من ذلك قولكم عيسى ولد الله. فأنزل الله تعالى فيهم بضع وثمانين آية، من أول سورة آل عمران في الحجاج، والدِّلالة عليهم، وردِّ قولهم، وهذه الآية من جملها نزلت فيهم »**( [(١)](#foonote-١) ). 
( والله عزيز ذو انتقام ) فالعزيز : المنيع الذي لا يُقْدَر عليه، ومنه : الأرض العزاء، وهي الصلبة الشاقة المسلك، وقيل : العزيز : الغالب الذي لا يفوته شيء، ومنه : يقال : من عَزَّ بَزَّ( [(٢)](#foonote-٢) ) أي من غلب سلب، والمنتقم المعاقب على ( الجناية ) ( [(٣)](#foonote-٣) )، والنقمة : العقوبة.

١ - رواه ابن جرير الطبري (٣/١٠٨) من طريق ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير مرسلا، الخبر بطوله، وفي أماكن متفرقة من تفسيره. وعزاه صاحب الدر المنثور (٢/٣-٤) لابن إسحاق، وابن المنذر أيضا. 
 وعزاه في الدر (٢/٤٣) لأبي نعيم في الدلائل، من حديث ابن عباس ولكن قال: **«وهم أربعة عشر رجلا...»** الحديث، ورواه ابن مردويه من حديث رافع بن خديج. إلا أنه قال في الأشراف: **«كانوا اثنى عشر.. »** الحديث. (تفسير ابن كثير ١/٣٦٩)..
٢ - تكررت في الأصل من الناسخ..
٣ - في "ك": الخيانة..

### الآية 3:5

> ﻿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ [3:5]

قوله تعالى :( إن الله لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء ) وهذا لا شك فيه.

### الآية 3:6

> ﻿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [3:6]

( هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ) هذا في الرد على وفد نجران ؛ حيث قالوا : عيسى ولد الله، فكأنه يقول : هو الذي صوره في الرحم، ( فكيف يكون ولد له ) ( [(١)](#foonote-١) ) ؟ !
وقد روى عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال : إن النطفة إذا وقعت في الرحم تكون أربعين يوماً نطفة، ثم أربعين يوماً علقة، ثم أربعين يوماً مضغة، ثم يبعث الله تعالى ملكا يأخذ ترابا بين أصبعيه فيخلطه بالمضغة، ثم يصوره بإذن الله كيف ( شاء ) ( [(٢)](#foonote-٢) )، أحمر أو أسود أو أبيض، طويلا أو قصيرا، حسنا أو قبيحا، ثم يكتب رزقه وعمله وأثره وأجله وشقى أو سعيد، ثم إذا مات يدفن في التربة التي أخذ منها التراب. ( لا إله إلا هو العزيز ) في أمره ( الحكيم ) في سلطانه.

١ - في "ك": فكيف يكون له ولداً..
٢ - في "ك": يشاء الله..

### الآية 3:7

> ﻿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [3:7]

قوله تعالى ( هو الذي أنزل عليكم الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ) اختلفوا في المحكمات و المتشابهات، قال ابن عباس : المحكمات هي( [(١)](#foonote-١) ) الآيات الثلاث التي في آخر سورة الأنعام، وذلك قوله :( قل تعالوا ) ( [(٢)](#foonote-٢) ) إلى آخر الآيات الثلاث، وأما المتشابهات : حروف التهجي في أوائل السور. وقال عكرمة ومجاهد : المحكمات : الحلال والحرام( [(٣)](#foonote-٣) )، وما سواه كله من المتشابهات ؛ لأنه يشبه بعضها بعضاً في الحق، والتصديق، يصدق بعضه بعضها. 
وقال الضحاك : المحكمات : الناسخات، و المتشابهات : المنسوخات. 
وقال جابر بن عبد الله الأنصاري : المحكمات ما أوقف الله تعالى الخلق على معناها، والمتشابهات ما لا يعقل معناها، ولا يعلمها إلا الله. وفيه قولان آخران : أحدهما : أن المحكمات ما لا يشتبه معناها، و المتشابهات ما يشتبه ويلتبس معناها. 
والقول الثاني : أن المحكمات ما يستقل بنفسه في المعنى، \[ والمتشابهات \] ( [(٤)](#foonote-٤) ) ما لا يستقل بنفسه في المعنى إلا بنوع استدلال، أو رُدَّ إلى غيره ؛ وإنما سميت محكمات من الإحكام ؛ ( كأنه ) ( [(٥)](#foonote-٥) ) أحكمها ؛ فمنع الخلق من التصرف فيها ؛ لظهورها ( ووضوح ) ( [(٦)](#foonote-٦) ) معناها. 
( هن أم الكتاب ) أي : أصل الكتاب، فإن قال قائل : لِمَ لم يقل : هن أمهات الكتاب ؟ قيل : قال الفراء : تقديره : هن الشيء الذي هو أصل الكتاب. وقال غيره : معناه : كل واحدة منهن أصل الكتاب، كما يقال : القوم أسد علىّ، أي : كل واحد منهم أسد عليّ، ومعناه : هن أصل الكتاب ؛ لأن الخلق يفزعون إليه، كما تفزع الفروع إلى الأصول، فإن قال قائل : كيف فرق ها هنا بين المحكمات والمتشابهات، وسمى كل القرآن متشابها في قوله تعالى ( الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها ) ( [(٧)](#foonote-٧) ). وسمى الكل محكماً حيث قال :( الر. كتاب أحكمت آياته ) ( [(٨)](#foonote-٨) ) ؟ قلنا : لما ذكر هنالك ( كتابا متشابه ) على معنى : أنه يشبه بعضه بعضا في الحق والصدق، وإنما ذكر في الموضع الآخر ( أحكمت آياته ) ( [(٩)](#foonote-٩) ) على معنى : أن الكل حق وجدٌّ، ليس فيه عبث ولا هزل، ثم ذكر تفصيلا آخر بعده، فجعل البعض محكماً و البعض متشابهاً. 
( فأما الذين في قلوبهم زيغ ) قال مجاهد : الزيغ : اللبس. وقيل : هو الشرك، وقيل : هو الشبهات التي تتعلق بالقلب ( فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) يعني : أن الذين في قلوبهم زيغ يغلون في طلب التأويل للمتشابه ؛ فيقعون على التأويل المظلم ؛ فذلك ابتغاء الفتنة ؛ لأن من غلا في الدين، وطلب تأويل ما لا يعلمه إلا الله، يقع في الفتنة، ويكون مفتوناً، وخير الدين : النمط الأوسط الذي ليس فيه غلو ولا تقصير. 
ثم اختلفوا في الذين يتبعون ما تشابه من هم ؟ قيل : هم اليهود الذين قالوا : مدة أمة محمد على حروف التهجي في أوائل السور، فهم الذين اتبعوا ما تشابه من حروف التهجي، وقيل : هم النصارى من وفد نجران، حيث قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما تقول في عيسى ؟ فقال : عبد الله ورسوله، قالوا : فهل تقول : أنه كلمة الله وروح منه ؟ فقال : نعم، قالوا : حسبنا الله( [(١٠)](#foonote-١٠) ). واتبعوا ما تشابه من قوله : كلمة الله وروح منه. وقيل : هم الغالون في طلب التأويل واتباع المتشابه، وروت عائشة **«أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية، ثم قال : إذا رأيتم الذين يجادلون في الآيات فاحذروهم فهم هم »**( [(١١)](#foonote-١١) ). 
قوله تعالى :( وما يعلم تأويله إلا الله ) استأثر الله تعالى بعلم التأويل، وقطع أفهام العباد عنه، والفرق بين التأويل والتفسير : أن التفسير : هو ذكر المعنى الواضح، كما تقول في قوله :( لا ريب فيه ) ( [(١٢)](#foonote-١٢) ) أي : لا شك فيه، وأما التأويل : هو ما يؤول المعنى إليه، ويستقر عليه. ثم الكلام في الوقف، فاعلم : أن أبي بن كعب وعائشة وابن عباس - في رواية طاوس عنه - ( رأو ) ( [(١٣)](#foonote-١٣) ) الوقف على قول ( إلا الله )، وهو قول الحسن، وأكثر التابعين، وبه قال الكسائي، والفراء، و الأخفش، وأبو عبيد، وأبو حاتم، قالوا : إن الواو في قوله :( والراسخون ) واو الابتداء ؛ و الدليل على صحته قراءة ابن عباس **«ويقول الراسخون في العلم آمنا به »** وروى ابن جريج، عن مجاهد، عن ابن عباس - في رواية أخرى - : الواو للنسق، ولا وقف ( على قوله ) ( إلا الله ) ( وأن الراسخون ) ( [(١٤)](#foonote-١٤) ) في العلم يعلمون التأويل، قال ابن عباس : وأنا ممن يعلم تأويله، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل »**( [(١٥)](#foonote-١٥) )، قالوا : والصحيح رواية طاوس، عن ابن عباس، كما ذكرنا، وعليه إجماع القراء ؛ ولأن على قضية قول مجاهد لا يستقيم. 
قوله :( والراسخون في العلم يقولون ) قال النحاة : وإنما يستقيم أن تقول : وما يعلم تأويله إلا الله و الراسخون في العلم قائلين ( أمنا به ) ( و ) ( [(١٦)](#foonote-١٦) ) لأنه قال :( و الراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ) ؛ ولو علموا التأويل لم يكن لقولهم هذا معنى، وقد روى عن ابن عباس أنه قال :**«أنزل القرآن على أربعة أوجه : الحلال والحرام، وعربية تعرفها العرب، ومما يعلم العباد تأويله، وما لا يعلم تأويله إلا الله »** وهذا يشهد لما قلنا ؛ فدل أن الوقف على قوله :( إلا الله ). والواو : واو الابتداء في قول ( والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ) قالوا : ومن رسوخهم في العلم يقولون ذلك ( وما يذكر إلا أولوا الألباب ).

١ - في "ك": من..
٢ - الأنعام: ١٥١..
٣ - في "ك" الحلالات والحرامات..
٤ - من "ك"..
٥ - في "ك" : لأنه..
٦ - في "ك" : وظهور..
٧ - الزمر: ٢٣..
٨ - هود: ١، ٢..
٩ - هود: ٢..
١٠ - رواه ابن جرير الطبري (٣/١١٨)، وابن أبي حاتم في تفسير (أل عمران ١/٦٦ رقم ١٠٦) كلاهما عن الربيع مرسلاً. وعزاه السيوطي في الدر لهما عن الربيع (٢/٧)..
١١ - متفق عليه من حديث عائشة. رواه البخاري (٨/٥٧ رقم ٤٥٤٧)، ومسلم (١٦/٣٣١-٣٣٢ رقم ٢٦٦٥)..
١٢ - البقرة: ٢..
١٣ - ليست في "ك"..
١٤ - في "ك": وإن الراسخين..
١٥ - متفق عليه. رواه البخاري في الصحيح (١/٢٠٤ رقم ٧٥، وأطرافه ١٤٣، ٣٧٥٦، ٧٢٧)، ومسلم (١٦/٥٥ رقم ٢٤٧٧)..
١٦ - ليست في "ك"..

### الآية 3:8

> ﻿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [3:8]

قوله تعالى :( ربنا لا تزغ قلوبنا ) أي : لا تمل قلوبنا ( بعد إذ هديتنا ) وهذا دعاء للتثبيت والإدامة عليه، وقد روت أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول :**«يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك »**( [(١)](#foonote-١) ) ( وهب لنا من لدنك رحمة ) نصرة ومعونة ( إنك أنت الوهاب ).

١ - رواه الترمذي (٥/٥٠٣ رقم ٣٥٢٢) وقال: حسن. وأحمد (٦/٢٩٤، ٣٠٢، ٣١٥)، وابن أبي شيبة في مصنفه (١٠/٢٠٩-٢١٠ رقم ٩٢٤٦) وابن خزيمة في التوحيد (ص ٨١)، والطبري في التفسير (٣/١٢٦)، وابن أبي حاتم في تفسير آل عمران (١/٨٤ رقم ١٤٥)، وابن أبي عاصم في السنة (١/١٠٠ رقم ٢٢٣)، والآجرى في الشريعة (ص ٣١٦)..

### الآية 3:9

> ﻿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [3:9]

قوله تعالى :( ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه ) أي : لا شك فيه عند أهل الحق، وقيل : أراد لا ريب فيه : يوم القيامة إذا قامت وظهرت. 
( إن الله لا يخلف الميعاد ) فلا تزغ قلوبنا، وارحمنا، ولكنه أوجزه ولم يذكر تمام الدعاء.

### الآية 3:10

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ [3:10]

قوله تعالى ( إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا ) هو قول الكافرين يوم القيامة : شغلتنا عن الحق أموالنا وأهلونا، يقول لا عذر لهم فيه، ولا يغنيهم ذلك ( وأولئك هم وقود النار ).

### الآية 3:11

> ﻿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ [3:11]

قوله تعالى :( كدأب آل فرعون ) الدَّأَب : الشأن، والدَّأْب : العادة، ومعنى الآية : أن هؤلاء الكفار في تكذيب الرسول، وجحد الحق، والتظاهر على الكفر ؛ كعادة آل فرعون، وآل فرعون : فرعون وقومه. 
( والذين من قبلهم ) يعني : عاداً وثمود ( كذبوا بآيتنا فأخذهم الله بذنوبهم )، عاقبهم بجرائمهم، ( والله شديد العقاب ) لأنه دائم، عقابه لا ينقطع ؛ وكل دائم شديد.

### الآية 3:12

> ﻿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [3:12]

قوله تعالى :( قل للذين كفروا ) قال ابن عباس : وسبب نزول الآية ما روى :**«أنه لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتال المشركين يوم بدر جمع اليهود بقينقاع، وقال لهم : أسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بالمشركين من بأس الله، فقالوا : إنك لقيت قوما أغماراً لا يعرفون القتال، فلو قاتلتنا لوليت »**( [(١)](#foonote-١) ) فنزل( [(٢)](#foonote-٢) ) قوله تعالى :( قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد ) يعني : ستغلبون في الدنيا، وتحشرون في الآخرة إلى جهنم، ( وبئس المهاد ) وقال مقاتل وجماعة : هو خطاب لأولئك المشركين يوم بدر، يقول الله : قل للمشركين : ستغلبون، وتحشرون إلى جهنم، وقد غلبوا وحشروا إلى جهنم، ويقرأ :**«سيغلبون ويحشرون »**( [(٣)](#foonote-٣) ) بالياء - وهو بمعنى الأول، قال الفراء : وهو مثل قول الرجل : قل لزيد : إنك قائم. هو بمعنى قوله : قل لزيد : إنّه قائم ؛ فهما( [(٤)](#foonote-٤) ) في المعنى سواء، ويحتمل أن يكون هذا خطاب لليهود، يعني : قل للذين كفروا من اليهود : سيغلب المشركون، ويحشرون إلى جهنم، وبئس المهاد، أي : بئسما مهدوا لأنفسهم، أو بئسما مُهِّد لهم.

١ - رواه أبو داود في سننه (٣/١٥٤-١٥٥ رقم ٣٠٠١)، وابن جرير في تفسيره (٣/١٢٨)، والبيهقي في الدلائل (٣/١٢٨) من حديث ابن عباس. وعزاه السيوطي في الدر (٢/٧) لهما وزاد فعزاه لابن إسحاق وقد رواه ابن جرير من طريقه..
٢ - في "الأصل" : فنزلت..
٣ - وهي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف، انظر النشر (٢/٢٣٨) وأما القرطبي في تفسيره (٤/٢٣) فعزى هذه القراءة لنافع..
٤ - في "ك" : فهو..

### الآية 3:13

> ﻿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ۚ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ [3:13]

قوله تعالى :( قد كان لكم آية ) أي : معجزة وعلامة، ( في فئتين ) في فرقتين ( التقتا ) اجتمعتا، من الالتقاء : وهو الاجتماع، ومنه :" يوم التلاق " ؛ لأنه يجتمع فيه أهل السماء وأهل الأرض ( فئة تقاتل في سبيل الله ) يعني : المسلمين يوم بدر ( وأخرى كافرة ) يعني المشركين ( يرونهم مثليهم رأى العين ) يعني المسلمين رأو المشركين مثلى عددهم، وكانوا ثلاثة أمثالهم ؛ لأن عدد المسلمين يوم بدر كان ثلثمائة وثلاثة عشر نفرا أو أربعة عشر نفرا، وكان عدد المشركين تسعمائة وخمسين نفرا، وعن علي وابن مسعود : أن عدد المشركين كانوا ألفا، فرآهم المسلمون نيفا وستمائة. قال ابن مسعود : رأيناهم ضعفى عددنا، ثم رأيناهم مثل عددنا ؛ رجل \[ برجل \] ( [(١)](#foonote-١) ) وهذا معنى قوله تعالى في سورة الأنفال ( وإذ يريكهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا ) ( [(٢)](#foonote-٢) ) فرآهم المسلمون أقل من عددهم، وكذلك المشركون رأوا المسلمين أقل من عددهم، وكانت الحكمة فيه إذا رأوهم أقل مما كانوا لا يحجمون، ولا يفترون عن القتال ؛ لأن الله تعالى قد أخبرهم أن الواحد منهم يقاوم اثنين من المشركين، وكذلك المشركون إذا رأوا المسلمين أقل مما كانوا لا يمتنعون عن القتال ؛ ( ليقضي الله أمرا كان مفعولا )، وذلك من قتل رؤسائهم وقادتهم، بإذن الله تعالى. 
قال الفراء : إنما رأوهم على عددهم كما كانوا، وإنما قال :( يرونهم مثليهم ) يعني : مثليهم سوى عددهم، وهذا مثل قول الرجل - وعنده درهم - : أنا أحتاج إلى مثلى هذا الدرهم، يعني إلى مثليه سواه. والأول أصح. 
وقرىء :" ترونهم " بالتاء( [(٣)](#foonote-٣) ) فيكون خطابا لليهود، وكان جماعة منهم حضروا قتال بدر ؛ لينظروا على من الدبرة، فرأو المشركين مثلى عدد المسلمين، ورأو النصرة مع ذلك للمسلمين، وكان ذلك معجزة، وآية للرسول في أعينهم. وعلى القراءة الأولى يكون الخطاب مع المسلمين في قوله :( قد كان لكم آية في فئتين ). 
( والله يؤيد بنصره من يشاء ) ؛ لأنه نصر المؤمنين يومئذ. 
( إن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار ) أي : علامة لأولى البصائر في الدين، ولذوي العقول أجمعين.

١ - في "الأصل، وك" : فرجل. أوله فاء، وهو تصحيف..
٢ - الأنفال: ٤٤..
٣ - وهي قراءة نافع، ويعقوب، وأبي جعفر. انظر النشر (٢/٢٣٨)..

### الآية 3:14

> ﻿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [3:14]

قوله تعالى :( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ) قال الحسن : المزين : هو الشيطان ؛ لأن الله تعالى ذم الدنيا بأبلغ ذم، فلا يزينه في الأعين. وقال عامة المفسرين : المُزَيِّن : هو الله تعالى، وتزيينه : أنه حبب في قلوبهم شهوة النساء والبنين ( والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة )، فالقناطير : جمع القنطار، وهو مال كثير، ثم اختلفوا ؛ قال معاذ وأُبَي بن كعب : القنطار : ألف ومائتا أوقية، وقال ابن عباس والضحاك : هو ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم. وقال سعيد بن المسيب : هو ثمانون ألف درهم. وقال مجاهد : هو سبعون ألف دينار. وقال قتادة : هو مائة رطل من ذهب أو فضة. وقال أبو نضرة : هو ملء مَسْك ثور من ذهب أو فضة. وسمى قنطارا ؛ من الأحكام والتوثيق، وأما المقنطرة : فهي المجموعة المملكة. قال الفراء : القناطير ثلاثة، والمقنطرة تسعة. 
قوله :( والخيل المسمومة ) قال مجاهد : هي الحسان المُطَهَّمَة، وقال سعيد ابن جبير : المسومة : الراعية. يقال : أسام الخيل من الرعي. وفيه قول ثالث، المسومة : المعلمة من السيما، وهي العلامة. منهم من قال : سيماها : الشبه. ومنهم من قال : سيماها( [(١)](#foonote-١) ) الكي ( والأنعام ) : هي الإبل والبقر والغنم ( والحرث ) : هي الأراضي المهيأة للزراعة ( ذلك متاع الحياة الدنيا ) فيه إشارة إلى أنه متاع يفنى. 
( والله عنده حسن المآب ) فيه تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة

١ - من "ك"..

### الآية 3:15

> ﻿۞ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَٰلِكُمْ ۚ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [3:15]

ثم أكده بقوله تعالى :( قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله ) وقرىء " رُضوان " بضم الراء( [(١)](#foonote-١) )، وهما في المعنى سواء يقال : رضى يرضى رضاءً ورضواناً. ورضواناً، وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم :**«أن أهل الجنة ؛ إذا دخلوا الجنة يقول الله تعالى : إن لكم عندي موعدا، وأنا منجزكموه، فيقولون : قد أعطيتنا كل ما نتمنى، فما هو يارب ؟ فيقول : أنزل عليكم رضواني ولا أسخط عليكم أبدا »**( [(٢)](#foonote-٢) ).

١ - هي قراءة أبي بكر. انظر النشر (٢/٢٣٨)..
٢ - متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري. رواه البخاري (١١/٤٢٣ رقم ٦٥٤٩، وطرفه في رقم ٧٥١٨)، ومسلم (١٧/٢٤٦ رقم ٢٨٢٩)..

### الآية 3:16

> ﻿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [3:16]

قوله تعالى :( والله بصير بالعباد الذين يقولون ) فقوله :( الذين يقولون ) يحتمل أن يكون في موضع الخفض، وتقديره : بالعباد الذين يقولون، ويحتمل أن يكون في موضع الرفع، وتقديره : يقولون على الابتداء، ويحتمل أن يكون في موضع النصب، وتقديره : أعنى : الذين يقولون :( ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار ).

### الآية 3:17

> ﻿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ [3:17]

( الصابرين ) يحتمل أن يكون في موضع الخفض، ويحتمل في موضع النصب، يعني : الصابرين على الشدائد والمصائب، وعلى الطاعات، وعن المعاصي ( والصادقين ) الذين استقامت أحوالهم وأفعالهم ( والقانتين ) : المقيمين على الطاعة، المداومين عليها ( والمنفقين ) يعني : المتصدقين، قيل في الجهاد، وقيل : في كل أبواب البر ( والمستغفرين بالأسحار ) قال ابن عباس : هم المصلون بالليل. وقال أنس : هم السائلون بالمغفرة. وقال زيد بن أسلم : المصلون صلاة الصبح في الجماعة، وإنما قيده ( بالأسحار ) لقرب صلاة الصبح من السحر.

### الآية 3:18

> ﻿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [3:18]

قوله تعالى :( شهد الله ) أي : بين وأعلم ؛ وكل شاهد مبيِّن ومعلم ( أنه لا إله إلا هو ) لنفسه بالوحدانية ؛ وذلك أن وفد نجران قد أنكروا وحدانيته، وهذه الآية من الآيات التي نزلت في شأنهم، والحجاج عليهم ( والملائكة ) أي : وشهدت الملائكة، ( وأولوا العلم ) قيل : هم علماء بني إسرائيل، وذلك مثل : عبد الله بن سلام، ومن آمن معه، وقيل : هم المهاجرون والأنصار، وقيل : هم جميع علماء الأمة. 
( قائما ) نصب على الحال، فهو الله تعالى قائم بتدبير الخلق ( بالقسط ) : بالعدل، يقال : قَسَطَ يَقْسِطُ إذا جار. وأَقْسَطَ يُقْسِطُ ؛ إذا عدل، فالقاسط : الجائر، ومنه قوله تعالى ( وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ) ( [(١)](#foonote-١) ) والمقسط : العادل، ومنه قوله تعالى :( إن الله يحب المقسطين ) ( [(٢)](#foonote-٢) ). 
( لا إله إلا هو العزيز الحكيم )

١ - الجن: ١٥..
٢ - المائدة: ٤٢..

### الآية 3:19

> ﻿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [3:19]

( إن الدين عند الله الإسلام ) ويقرأ :" أن الدين " بفتح الألف، فمن قرأ بكسر الألف ؛ فهو على الابتداء وقرأ الكسائي بالنصب( [(١)](#foonote-١) )، وتقديره : شهد الله أن الدين عند الله الإسلام ؛ فإنه لا إله إلا هو والإسلام : هو الانقياد والاستسلام، وقد يكون مجرد الاستسلام من غير العقيدة فرقا بينه وبين الإيمان على ما سيأتي. 
والإسلام المعروف في الشرع : هو الإتيان بالشهادتين مع سائر الأركان الخمس، وفي الأخبار :**«أنه يؤتى بالأعمال يوم القيامة، فيؤتى بالصلاة على صورة، فتقول : يا رب، إني الصلاة، فيقول الله تعالى : إنك بخير، ويؤتى بالزكاة على صورة، فتقول : يا رب، إني الزكاة، فيقول الله : إنك بخير، وهكذا الصوم والحج، ثم يؤتى بالإسلام على أحسن الصور، فيقول يا رب، إني الإسلام، فيقول الله تعالى : إنك إلى خير، بك آخذ اليوم وبك أعطي »**. 
وحكي عن غالب القطان أنه قال : أتيت الكوفة للتجارة فنزلت قريبا من الأعمش، فكنت أختلف إليه وأسمع منه الحديث، فقصدت منه ليلة أن أنحدر منه إلى البصرة، فوجدته يتهجد في المسجد، فمر بهذه الآية ( شهد الله أانه لا إله إلا هو والملائكة وألوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ) ثم قال : وأشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة ؛ لتكون وديعة لي عنده، ثم قال :( إن الدين عند الله الإسلام ) كرره مرارا، فقلت في نفسي : لقد سمع فيه شيئا، فمكثت، وصليت معه الصبح، ثم قلت له : مررتَ بهذه الآية، وكنت تكررها ! فقال : أما بلغك ما ورد فيها ؟ !
قلت : أنا عندك منذ سنتين ولم تحدثني، وقد قصدت الانحدار إلى البصرة، فقال : والله لا أحدثك سنة، فمكثت بالكوفة وكتبت على بابه ذلك اليوم، فلما تمت السنة أتيته، فقلت : يا أبا محمد، قد تمت السنة. فقال : حدثني أبو وائل، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال :**«يجاء بصاحبها يوم القيامة، فيقول الله تعالى : إن لعبدي هذا عندي عهدا ( وأنا ) ( [(٢)](#foonote-٢) ) أحق من وفى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة »**( [(٣)](#foonote-٣) ). 
قوله تعالى :( وما أختلف الذين أوتوا الكتاب ) يعني : اليهود والنصارى ( إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ) أي : حسدا بينهم. ( ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب ) ظاهر المعنى.

١ - قرأ الكسائي بفتح الهمزة، وقرأ الباقون بكسرها. انظر النشر (٢/٢٣٨)..
٢ - في "ك" : وإني..
٣ - رواه الطبراني في الكبير (١٠/١٩٩)، وأبو نعيم في الحلية (٦/١٨٧-١٨٨)، والعقيلي في الضعفاء (٣/٣٢٥) وابن عدي في الكامل (٥/٣٥-٣٦)، والخطيب في تاريخه (٧/١٩٣-١٩٤) وابن الجوزي في العلل (١/١١٠-١١١) وقال الذهبي في الميزان (٣/٣٣١) الآفة من عمر؛ فإنه متهم بالوضع. وقال الهيثمي في المجمع (٦/٣٢٩): وفيه عمر بن المختار وهو ضعيف..

### الآية 3:20

> ﻿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ۗ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا ۖ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [3:20]

قوله تعالى :( فإن حاجوك ) أي( [(١)](#foonote-١) ) : فإن جادلوك ( فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن ) أي : قصدت بعبادتي الله تعالى ( وقل للذين أوتوا الكتاب ) يعني : اليهود والنصارى ( والأميين ) يعني : المشركين. 
( أأسلمتم يعني : أسلموا، وقيل : ذكره على التهديد ؛ كما يقال : أقبلت هذا مني ؟ على وجه التهديد ( فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد ) أي : عليك تبليغ الرسالة وليس عليك الهداية ( والله بصير بالعباد ) بالضال منهم والمهتدي. 
وتلخيص معنى الآية : أن الله تعالى يقول :**«فإن جادلوك بالباطل، فقل : أسلمت وجهي لله، أي : أخلصت عملي لله، أو قصدت بعبادتي إلى الله الذي لا تقرون له( [(٢)](#foonote-٢) ) بالخلق والتربية ؛ فإنهم كانوا مقرين بأن الله خالقهم ومربيهم، فأنا أقصد إليه بعبادي ولا أتبع هواى كما تتبعون أهواءكم »**. 
ثم قال :( وقل للذين أوتو الكتاب والأميين أأسلمتم ) أي : أسلموا. كما قال :( فهل أنتم منتهون ) ( [(٣)](#foonote-٣) ) أي : انتهوا، وإنما سمى المشركين أميين ؛ لأنهم لم يكونوا قراء، وقيل : نسبهم إلى أم القرى وهي مكة لسكونهم فيها.

١ - ليست في "ك"..
٢ - ليست في "الأصل"، ولا "ك"..
٣ - المائدة: ٩١..

### الآية 3:21

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [3:21]

قوله تعالى :( إن الذين يكفرون بآيات الله ) أراد به اليهود من بني إسرائيل. ( ويقتلون النبيين بغير حق ) إنما قال : بغير حق تأكيدا، لأن قتل النبيين لا ينقسم إلى الحق والباطل. 
وروى أبو عبيدة بن الجراح، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«أشد الناس عذابا يوم القيامة من قتل نبيا أو قتله نبي »**. ثم روى في هذا الخبر أنه قال :**«قتلت بنو إسرائيل اثنين وأربعين نبيا في ساعة واحدة، فقام إليهم مائة واثنا عشر رجلا من زهادهم وعبادهم، وأمروا بالمعروف، فقتلوهم »**( [(١)](#foonote-١) ) فهذا قوله تعالى :( ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس ) أي : بالعدل ( فبشرهم بعذاب أليم ) وإنما خاطب أبناءهم به، مع أن ( الجناية ) ( [(٢)](#foonote-٢) ) وجدت من آبائهم ؛ ( لأنهم ) ( [(٣)](#foonote-٣) ) رضوا بفعلهم، ودانوا بدينهم، فاستوجبوا هذا ( العذاب ) ( [(٤)](#foonote-٤) ).

١ - رواه البزار في مسنده (٤/١٠٩-١١٠ رقم ١٢٨٥)، وابن جرير في تفسيره (٣/١٤٤-١٤٥)، وابن أبي حاتم في تفسير "آل عمران" (١/١٦١-١٦٢ رقم ٢٧٦)، والبغوي في تفسيره (١/٢٨٨) من حديث أبي عبيدة وقال الهيثمي في المجمع (٧/٢٧٥): وفيه ممن لم أعرفه اثنان..
٢ - في "ك": الخيانة..
٣ - ليست في "الأصل"، ولا "ك"..
٤ - في "ك": العتاب..

### الآية 3:22

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [3:22]

قوله تعالى :( أولئك الذين حبطت أعمالهم ) أي : بطلت، والحبوط والبطلان، في الدنيا والآخرة، وبطلان العمل في الدنيا : ألا يقبل، وفي الآخرة : أنه لا يجازى عليه بالثواب، ( وما لهم من ناصرين ) من يمنع عنهم العذاب.

### الآية 3:23

> ﻿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ [3:23]

قوله تعالى :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ) قيل : ورد هذا في يهود بني قريظة والنضير ؛ **«فإن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بيت مدارسهم، فقال له نعيم بن عمرو بن الحارث بن زيد : على أي ملة أنت ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : على ملة إبراهيم. فقال نعيم : إن إبراهيم كان يهوديا. فقال صلى الله عليه وسلم : بيني وبينكم التوراة، أخرجوا التوراة. فأبوا أن يخرجوها »**( [(١)](#foonote-١) )، فهذا هو قوله ( يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ) يعني : التوراة. 
وفيه قول آخر : أن الآية في نصارى وفد نجران، وقوله ( يدعون إلى كتاب الله ) يعني : القرآن ليحكم بينهم. 
( ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ) وذلك أن بعضهم قد أسلموا.

١ - رواه ابن جرير في تفسيره (٣/١٤٥) من حديث ابن عباس مرفوعاً..

### الآية 3:24

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ۖ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [3:24]

قوله - تعالى - :( ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات ) يرجع هذا إلى اليهود، وقد ذكرناه من قبل. 
( وغرهم في دينهم ) الغرور : هو الإطماع فيما لا يحصل منه شيء، والغَرُور : الشيطان، وغر الثوب : طيه، فيقال : أعد الثوب إلى غره، أي : إلى طيه، والغرور : ركوب الخطر. ( ما كانوا يفترون ) الافتراء : اختلاق الكذب ؛ ومنه الفرية : تسوية الكذب، قال الشاعر :ولا أنتَ تَفْرى ما خَلَقْتَ  وبَعْضَ القومِ يَخلقُ ثمّ لا يَفْرِىأي : لا يكذب ولا يسوى.

### الآية 3:25

> ﻿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [3:25]

قوله تعالى :( فكيف إذا جمعناهم ) أي : فكيف حالهم ( إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت ) من الجزاء ( وهم لا يظلمون ).

### الآية 3:26

> ﻿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [3:26]

قوله تعالى :( قل اللهم مالك الملك ) في سبب نزول الآية قولان : أحدهما : أنه لما فتح مكة وعد أصحابه ملك فارس : فسمعه اليهود، وقالوا : هيهات فارس والروم أعز وأمنع جانبا مما تظنون ؛ فنزلت هذه الآية. 
وقال الحسن : إنه صلى الله عليه وسلم سأل ربه لأصحابه ملك فارس والروم. 
فأما قوله :( قل اللهم ) فأصله : يا الله ؛ فلما حذف حرف النداء زيدت الميم في آخره، قال الفراء : للميم فيه معنى، ومعناه : يا الله، أعنا بالمغفرة أي : اقصدنا. 
( مالك الملك ) تقديره يا مالك الملك، ومعناه : مالك العباد ؛ وما ملكوه، وقيل : أراد بالملك : النبوة، وقيل : مُلْك السموات والأرض. ( تؤتي الملك من تشاء ) أي : من تشاء أن تؤتيه من المسلمين. ( وتنزع الملك ممن تشاء ) أي : ممن تشاء أن تنزعه، وهم فارس والروم. ( وتعز من تشاء وتذل من تشاء ) فيه ثلاثة أقوال :
أحدهما : تعز من تشاء بالنصر، وتذل من تشاء بالقهر. 
والثاني : تعز من تشاء بالغنى، وتذل من تشاء بالفقر. 
والثالث : تعز من تشاء بالهداية، وتذل من تشاء بالضلالة. 
( بيدك الخير ) أي بيدك الخير والشر، كما قال :( سرابيل تقيكم الحر ) ( [(١)](#foonote-١) ) أي : تقيكم الحر والبرد، فاكتفى بأحد المذكورين عن الآخر. 
( إنك على كل شيء قدير )، وقد ورد في فضل هذه الآية من الأخبار : ما روى عن جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن على، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«فاتحة الكتاب، وآية الكرسي، وآيتان من آل عمران - شهد الله، وهذه الآية - متشفعات لمن قرأها يوم القيامة، ليس بينهما وبين الله حجاب »**( [(٢)](#foonote-٢) ). وروى في هذا الخبر : أنه قال :**«لما أنزل الله تعالى هذه الآيات تعلقن بالعرش، وقلن : يا رب، تهبطنا إلى أرضك وعبادك، فقال الله تعالى :«وعزتي وجلالي ما قرأكن عبد من عبادي إلا أسكنته جنتي ؛ على ما كان عليه، وقضيت له كل يوم سبعين حاجة، أدناها المغفرة »**( [(٣)](#foonote-٣) ).

١ - النحل: ٨١..
٢ - رواه ابن السنى في عمل اليوم والليلة (رقم ١٢٤)، وابن حبان في المجروحين (١/٢٢٣)، وابن الجوزي في الموضوعات (١/٢٤٥)، وقال ابن حبان في ترجمة الحارث بن عمير: كان يروى عن الأثبات الموضوعات، ثم ساق له هذا الحديث، وقال الذهبي في الميزان (١/٤٢٠): قال ابن حبان: موضوع لا أصل له. وقال ابن الجوزي: موضوع تفرد به الحارث بن عمير. وقال السيوطي في اللآلئ (١/٢٢٨): موضوع. وانظر ما نقله السيوطي من كلام الأئمة على هذا الحديث وشواهده في اللآلئ (١/٢٢٨-٢٢٣)..
٣ - هو جزء من الحديث السابق..

### الآية 3:27

> ﻿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [3:27]

قوله تعالى :( تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ) الإيلاج : الإدخال، ومعناه : تنقص من أحدهما وتزيد في الآخر، وقيل معناه : تغطي الليل بالنهار، والنهار بالليل. 
( وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي ) قال الحسن : معناه : تخرج الكافر من المؤمن، والمؤمن من الكافر، والقول الثاني : تخرج النطفة من الحي، والحي من النطفة، وفيه قول غريب : تخرج الفطن الكيس من البليد الفاجر، والبليد من الفطن ؛ لأن البليد ميت فهما ؛ والفطن حي فهما. ويقرأ ( من الميت ) : مخففا ومشددا( [(١)](#foonote-١) )، وفّرق نحاة الكوفة بين الميّت والميْت، فقالوا : الميِّت - بالتشديد - : هو الحي الذي لا يموت، والميْت مخففا : هو الذي مات ؛ واستدلوا بقوله تعالى ( إنك ميت وإنهم ميتون ) ( [(٢)](#foonote-٢) ) وأنكر ذلك نحاة البصرة وقالوا : هما بمعنى واحد. 
**وأنشد المبرد لبعض الشعراء :**

لَيْسَ مَنْ مَاتَ فاستراحَ بميتٍ  إنّما الميْت مَيِّتُ الأحياءِإنَّما الميتُ منْ يعيشُ كَئِيباً( [(٣)](#foonote-٣) )  كاسفاً بالُه قليلَ الرجاءِفجمع بين الميت والميت على معنى واحد. 
( وترزق من تشاء بغير حساب ) : من غير تضييق ولا تقتير. 
١ - قرأ أبو جعفر، ونافع، وحمزة، والكسائي، وخلف وحفص، بالتشديد، وقرأ الباقون بالتخفيف، وانظر النشر (٢/٢٢٤)..
٢ - الزمر: ٣٠..
٣ - كذا في "الأصل"، و"ك". وفي لسان العرب (٢/٩١ مادة: موت): شقياً. وعزا البيت لعدي بن الرعلاء..

### الآية 3:28

> ﻿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [3:28]

قوله تعالى :( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ) هذا في قوم مخصوصين، أسلموا على موالاة اليهود والمشركين، فنهاهم الله عن ذلك، وهو معنى قوله :( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ) ( [(١)](#foonote-١) ). 
( ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ) أي : ليس من حزب الله ( إلا أن تتقوا منهم تقاة ) وقرئ : تَقِيَّةً( [(٢)](#foonote-٢) )، ومعناهما واحد، يعني : إلا أن يقع في أيديهم، فيخافهم، فيوافقهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان، فلا بأس به، ولكن لو صبر حتى قتل، فله من الأجر العظيم، ما الله به عليم. 
وقد روى :**«أن مسيلمة الكذاب - لعنة الله - أخذ رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لأحدهما : أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ قال : نعم، فقال : أتشهد أني رسول الله ؟ قال : نعم، تقية منه، فخلى سبيله. ثم قال للآخر : أتشهد أن محمد رسول الله فقال : نعم نعم نعم، قال أتشهد أني رسول الله، فقال : أنا أصم، فقتله ؛ فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر درجة الذي صبر على القتل، وقال : إن الأول أخذ برخصة الله »**. 
وقد صح عن رسول الله : أنه قال :**«أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر »**( [(٣)](#foonote-٣) ). 
وقال صلى الله عليه وسلم :**«إن أفضل الشهداء بعد شهداء أحد : من قام إلى سلطان جائر وأمره بالمعروف، فقتله عليه( [(٤)](#foonote-٤) ) »**( [(٥)](#foonote-٥) ). 
قوله - تعالى - :( ويحذركم الله نفسه ) أي : يخوفكم إياه ( وإلى الله لمصير ) أي : المرجع.

١ - المجادلة: ٢٢..
٢ - هي قراءة يعقوب. انظر النشر (٢/٢٣٩)..
٣ - رواه أبو داود (٤/١٢٤ رقم ٤٣٤٤) والترمذي (٤/٤٠٩ رقم ٢١٧٤)، وأحمد في مسنده (٣/١٩، ٦١) جميعهم عن أبي سعيد الخدري مرفوعا. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقال: وفي الباب عن أبي أمامة. قلت: حديث أبي أمامة رواه الإمام أحمد (٥/٢٥١، ٢٥٦)، وابن ماجه (٢/١٣٣٠ رقم ٤٠١٢).
 ورواه النسائي (٧/١٦١ رقم ٤٢٠٩)، وأحمد (٤/٣١٥) من حديث طارق بن شهاب مرسلا. وانظر السلسلة الصحيحة للألباني رقم (٤٩١)..
٤ - كذا في "الأصل" و"ك" وسيكرره المصنف بعد ذلك، وفيه: غيلة..
٥ - لم أقف عليه بهذا اللفظ، وروى الطبراني في الأوسط – كما في مجمع البحرين (٦/٣١٤ رقم ٣٧٦٢، و(٧/٢٣٥ رقم ٤٣٧٥) عن ابن عباس مرفوعا: سيد الشهداء يوم القيامة حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر، فأمره ونهاه، فقتله». وقال الهيثمي في المجمع (٩/٢٧١): فيه ضعف.
 قلت: ورواه الحاكم في مستدركه (٣/١٩٥) عن جابر مرفوعا وقال: صحيح الإسناد، وتعقبه الذهبي بأن في إسناده الصفار، ولا يدرى من هو. والخطيب في تاريخه (٦/٣٧٧). وانظر السلسلة الصحيحة رقم (٣٧٤)..

### الآية 3:29

> ﻿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [3:29]

قوله تعالى :( قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ) أي : يجازى عليه ( ويعلم ما في السموات وما في الأرض والله على كل شيء قدير ) ظاهر المعنى.

### الآية 3:30

> ﻿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [3:30]

قوله تعالى :( يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا ) أي : محضر لها ما عملت من الخير والشر، فتسر بما عملت من الخير. 
( وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ) أي : غاية مديدة، قال السدي : ما بين المشرق والمغرب. وفي الأخبار : أن الأعمال يؤتى بها يوم القيامة على صور فما كان منها حسنا، فعلى الصورة الحسنة، وما كان قبيحا، فعلى الصورة القبيحة. 
( ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد ) ومن رأفته أن حذرهم، ورغبهم ورهبهم، ووعدهم وأوعدهم.

### الآية 3:31

> ﻿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [3:31]

قوله تعالى :( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) في سبب نزول هذه الآية قولان : أحدهما : أنه خطاب لليهود والنصارى من وفد نجران، وذلك أنهم قالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه، فنزل قوله :( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحبكم ) والثاني : أنه خطاب لمشركي قريش ؛ فإنه صلى الله عليه وسلم رآهم يعبدون الأصنام ؛ فقال لهم :**«خالفتم ملة أبيكم إبراهيم، فقالوا : إنما نعبدهم تقربا إلى الله ؛ فإنا نحبه ؛ فنزل قوله تعالى :( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم ) »** ( [(١)](#foonote-١) ). 
واعلم أن محبة الله العبد، ومحبة العبد الله لا يكون بلذة وشهوة، ولكن محبة العبد في حق الله : هو إتيان طاعته، وابتغاء مرضاته، واتباع أمره، ومحبة الله في حق العبد : هو العفو عنه، والمغفرة، والثناء الحسن وأكده قوله تعالى :( قل أطيعوا الله والرسول ).

١ - أورده الواحدي في أسباب النزول ص ٧٣ عن ابن عباس بطوله..

### الآية 3:32

> ﻿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ۖ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [3:32]

قوله تعالى :( قل أطيعوا الله والرسول ) ؛ بين أن محبته في طاعته وطاعة رسوله. 
( فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين )، فإن قال قائل : لم كرر اسم الله مرارا، وكان يكفيه : أن يقول فإنه لا يحب الكافرين ؟ قيل : هو على عادة العرب ؛ فإن من عادتهم أنهم إذا عظّموا شيئا كرروا ذكره، وأنشد سيبويه في مثل ذلك :

لا أرى الموت سبق الموت شيء  نغص الموت زلته الغني والفقير ( [(١)](#foonote-١) )١ - كذا وقع البيت في "الأصل، و"ك". وفي تفسير القرطبي (٤/٥٨).
 لا أرى الموت يسبقُ الموتَ شيء نغص الموتُ ذا الغِنَى والفقيرا.

### الآية 3:33

> ﻿۞ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ [3:33]

وقوله تعالى :( إن الله اصطفى آدم ونوحا ) الاصطفاء : الاختيار. والصفوة : الخيرة : ولِمَ ( [(١)](#foonote-١) ) اختار آدم ؟ اختلفوا ؛ فمنهم من قال : اختاره للدين، ومنهم من قال : اختاره للنبوة. فإن قال قائل : إلى من كان مبعوثا ؟ قيل : الملائكة ؛ حتى علمهم الأسماء، وإلى أولاده. قال : وآل إبراهيم : هم إسماعيل وإسحاق ويعقوب. 
وآل عمران : موسى وهارون، وآل عمران من آل إبراهيم، وقيل : أراد به عيسى ؛ لأنه ابن مريم بنت عمران ( على العالمين ) على عالميْ أهل زمانهم.

١ - في "الأصل"، و"ك": ومم. بميمين. والصواب ما أثبتناه..

### الآية 3:34

> ﻿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [3:34]

قوله تعالى :( ذرية بعضها من بعض ) قيل : هو مشتق من ذرأ بمعنى : خلق، وقيل : هو من الذرِّ، لأنه خلقهم ؛ واستخرجهم من صلب آدم كالذر، والأبناء يسمون ذرية، وكذلك الأباء، قال الله تعالى ( وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون ) ( [(١)](#foonote-١) ) يعني : آباءهم، والأبناء : ذرية، لأنه ذرأهم، والآباء ذرية ؛ لأنه ذرأ الأبناء منهم، ( بعضها ( [(٢)](#foonote-٢) ) من بعض ) في التفاضل، وقيل : في التناسل. ( والله سميع ) بما قالوا ( عليم ) بما اضمروا.

١ - يس: ٤١..
٢ - في "الأصل"، و"ك": بعضاً..

### الآية 3:35

> ﻿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [3:35]

قوله تعالى :( إذ قالت امرأت عمران ) وهي : حنة زوجة عمران، وكانت أختها تحت زكريا ( رب إني نذرت لك ما في بطني محررا ) قال الشعبي : معناه مخلصا لعبادة الله تعالى. وقال مجاهد معناه : مسمى لخدمة البيت، مفرغا لها عن سائر الأشغال. 
( فتقبل مني إنك أنت السميع العليم ) ظاهر المعنى.

### الآية 3:36

> ﻿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَىٰ ۖ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [3:36]

قوله تعالى :( فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى ) وذلك أن زوجها عمران كان قد ( عاتبها ) ( [(١)](#foonote-١) ). على ما نذرت، وقال لها : لا تدرين أنه يخلق ولدك ذكرا أو أنثى، وقد نذرت مطلقا. 
( والله أعلم بما وضعت ) هذا إخبار من الله تعالى عن علمه ويقرأ " والله أعلم بما وضعتُ " على الخبر ؛ وذلك من قول المرأة ( وليس الذكر كالأنثى ) فإن الذكر أقوم وأقوى لخدمة البيعة من الأنثى، وقيل : لأنه أبعد عن الموانع من العبادة بخلاف الأنثى، يمنعها الحيض والنفاس. 
( وإني سميتها مريم )، فإن قال قائل : ما معنى قولها : وإني سميتها مريم ؟ قيل : حتى تعرف هل وقع ذلك الاسم برضا الله تعالى حتى يغير أو يقرر. 
( وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ) فالشيطان : المطرود، والرجيم : المرجوم بالشهب، وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«ما من ولد يولد إلا ويطعن الشيطان في خاصرته ؛ فيستهل صارخا إلا مريم وابنها، فإنه ضربهما فوقع الضرب في الحجاب، وقرأ قوله تعالى ( وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ) »** ( [(٢)](#foonote-٢) ).

١ - في "الأصل" و"ك": عاقبها عاتبها. ولعله من الناسخ..
٢ - متفق عليه من حديث أبي هريرة، رواه البخاري (٦/٣٨٨-٣٨٩ رقم ٣٢٨٦، وطرفاه في ٣٤٣١، ٤٥٤٨) ومسلم (١٥/١٧٤ رقم ٢٣٦٦)..

### الآية 3:37

> ﻿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [3:37]

قوله تعالى :( فتقبلها ربها بقبول حسن ) أي : رضى بها وقبلها ( وأنبتها نباتا حسنا )، أي وأنبتها فنبتت نباتا حسنا. 
قال أبو العباس بن عطاء الصوفي ( [(١)](#foonote-١) ) : لما أنبتها الله نباتا حسنا، فانظروا إلى ثمرته كيف أثمر النبات ؟ يعني : عيسى صلوات الله عليه. 
( وكفلها ) - مشدد - ( زكريا ) بنصب الألف، وتقرأ مخففا " وكَفَلَهَا زكرياءُ " بضم الألف ( [(٢)](#foonote-٢) )، ومعنى الكفالة : الضم، يعني : وضمها زكرياء إلى نفسه، ومن قرأ بالتشديد، معناه : ضمها الله إلى زكريا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم :**«أنا وكافل اليتيم كهاتين »** ( [(٣)](#foonote-٣) ). ومن الأسباب التي خُصَّ بها زكريا بكفالة مريم ؛ أن خالتها كانت تحته، وهي أخت حنة امرأة عمران، ولكفالة زكريا مريم قصة معروفة ستأتي في سورة مريم إن شاء الله تعالى. 
( كلما دخل عليها زكريا المحراب ) يقرأ " زكريا " بالمد والقصر ( [(٤)](#foonote-٤) )، والمحراب : غرفة يرتقى إليها بالسلم، وكان زكريا قد اتخذ لمريم مثل تلك الغرفة، وكان يرقى إليها بالسلم، قال الشاعر في معناه :

رَبّةُ مِحْرابٍ إذا جِئْتُها  لَمْ ألقها أو أرتَقِى سُلَّما ( [(٥)](#foonote-٥) )إي : ربة غرفة، وقيل : المحراب : أشرف المجالس، وقيل : هو المحراب المعروف. 
( وجد عندها رزقا ) والرزق : ما يؤكل، قال قتادة : فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، كان قد رآها عندها، قال الحسن : حين ولدت مريم لم تلقم ثديا، وكان يأتيها الله تعالى برزقها. 
( قال يا مريم أنى لك هذا ) قال أبو عبيدة : معناه : من أين لك هذا ؟ ! وأنكرت النحاة هذا، وقالوا : هذا تساهل من أبي عبيدة، وبينهما فرق، ف " أَنَّى " للسؤال عن الجهة، و " أين " للسؤال عن المكان، وأنشد المبرد لبعضهم. 
أنَّى ومِنْ أينَ آنك الطربُ
فرق بينهما، قوله :( أني لك هذا ) أي : من أي جهة لك هذا ؟ ! ( قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ). 
١ - في "الأصل"، و"ك": الصونق. آخره قاف. وهو تحريف..
٢ - اختلف القراء في (وكفلها) فقراء الكوفيون – حمزة، والكسائي، وأبو بكر – بتشديد الفاء، وقرأ الباقون بتخفيفها..
٣ - رواه البخاري (٩/٣٤٩ رقم ٥٣٠٤) وطرفه في \[٦٠٠٥\]، وأبو داود (٤/٣٣٨ رقم ٥١٥٠)، والترمذي (٤/٢٨٣ رقم ١٩١٨)، وأحمد في مسنده (٥/٣٣٣)، وابن حبان –الإحسان- (٢/٢٠٧ رقم ٤٦٠) كلهم من حديث سهل بن سعد، وفي الباب عن أبي هريرة، وأبي أمامة، ومرة الفهري..
٤ - واختلفوا في (زكريا) أيضا، فقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص بالقصر من غير همز، وقرأ الباقون بالمد، والهمز؛ إلا أن أبا بكر نصبه هاهنا بعد (كفلها) على مفعول ثانٍ لـ (كفلها) ورفعه الباقون ممن خفف. انظر النشر (٢/٢٣٩)..
٥ - في "الأصل"، و"ك": أو ألتقي السلما. وهو تصحيف. وما أثبتناه من لسان العرب (مادة: حرب). وفي تفسير القرطبي (٤/٦٦): حتى أرتقي سلماً..

### الآية 3:38

> ﻿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ [3:38]

قوله تعالى :( هنالك دعا زكريا ربه ) وذلك أن زكريا لما رأى مريم يأتيها رزقها في غير حينه نحو فاكهة الصيف في الشتاء - طمع أن يرزق الولد في غير حينه - على الكبر - فدعا الله أن يرزقه ولدا، وكان قد بلغ مائة وعشرين سنة، وبلغت امرأته ثمان وتسعين سنة. 
( قال رب هب لي من لدنك ) من عندك ( ذرية طيبة ) أي : ولدا صالحا تقيا نقيا، والذرية تشتمل على الذكر والأنثى، وإنما قال :( طيبة ) بنعت المؤنث على لفظ الذرية. 
( إنك سميع الدعاء )

### الآية 3:39

> ﻿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ [3:39]

( فنادته الملائكة )، ويقرأ :" فناداه الملائكة " بالألف ( [(١)](#foonote-١) ) واختلفوا في المنادى، منهم من قال : كان جبريل. ومنهم من قال : جمع من الملائكة ( وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك ) يقرأ " أن " بكسر الألف وفتحها ( [(٢)](#foonote-٢) )، فمن قرأ بالكسر، فتقديره : فنادته الملائكة وقالوا : إن الله يبشرك، ومن قرأ بالفتح، فهو على النسق، ( يبشرك ) يقرأ مخففا ومشددا ( [(٣)](#foonote-٣) )، وهما في المعنى سواء. 
والبشارة : خبر سار يظهر أثره على بشرة الوجه، ( يبشرك بيحيى ) سماه يحيى قبل أن يولد، ( مصدقا بكلمة من الله ) قيل : مصدقا بكتاب الله وكلامه. وقيل : معناه مصدقا بعيسى، وهو كلمة الله فإن قال قائل :" كلمة الله " لا يكون مخلوقا، وقد أنكرنا على النصارى قولهم :" المسيح ابن الله "، وقولهم :" إن الله ثالث ثلاثة "، فكيف نعرف أن عيسى كلمة الله ؟ قيل : فيه ثلاثة أقوال :
أحدهما : أنه كلمة الله على معنى : أنه يكون بكلمة من الله حيث قال له :" كن فكان "، من غير سبب ولا علة، وصنع بشر وإلقاء نطفة. 
الثاني : أنه كلمة الله على معنى : أنه يهتدى به، كما يهتدى بكلام الله. 
والثالث : أن الله تعالى كان قد أخبر سائر الأنبياء، ووعدهم في كتبه أنه يخلق نبيا بلا أب، ووعد مريم أنه يولد لها ولد بلا أب، فلما تكوّن عيسى سماه كلمة ؛ لأنه حصل بتلك الكلمة، وذلك الوعد، وهو كما تقول العرب : أنشدني كلمتك، أي : قصيدتك، وقيل لحسان : إن الحوديرة أنشأ قصيدة، فقال : لعن الله كلمته، أي : قصيدته، فلما حصلت القصيدة بكلمته سمى ذلك كلمة. 
قوله :( وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين ) أما السيد : قال سعيد بن جبير : السيد : التقي، وقال مجاهد : هو الكريم، وقيل : هو العليم الذي لا يغضبه شيء، وقيل : هو الذي يفوق قومه في جميع خصال الخير. 
والحصور : قال سعيد بن جبير ومجاهد والضحاك وعطاء وجماعة : هو الذي لا يأتي النساء، والحصور بمعنى : المحصور، وكان ممنوعا من النساء، وهو مثل قول الشاعر

فيها اثنتان وأربعون حلوبة  سودا كَخَافِيةِ الغُرَابِ الأَسْحَمِفالحلوبة بمعنى : المحلوب، وقال سعيد بن المسيب : كان له مثل هدبة الثوب، وقد تزوج مع ذلك ؛ ليكون أغض لبصره، وقال الشعبي : الحصور العنّين، وفيه قول آخر : الحصور : هو الممتنع من الوطء مع القدرة عليه، وهذا يوافق قول الشافعي في مسألة التخلي لعبادة الله. 
واختاروا هذا القول لوجهين : أحدهما : أنه يكون أقرب إلى استحقاق الثناء، لأن الكلام خرج مخرج الثناء. 
والثاني : أنه يكون أبعد من إلحاق الآفة بالأنبياء ؛ لبعدهم عن الآفات. 
١ - هي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف. انظر النشر (٢/٢٣٩)..
٢ - قرأ ابن عامر وحمزة بكسر الهمزة، وقرأ الباقون بالفتح. انظر المصدر السابق..
٣ - قرأ حمزة، والكسائي بفتح الياء، وفتح الشين وضمها، وقرأ الباقون بضم الياء، وتشديد الشين المكسورة. انظر المصدر السابق..

### الآية 3:40

> ﻿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [3:40]

قوله تعالى :( قال ربي أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر ) وإنما قال :( بلغني الكبر ) ؛ لأن الكبر في طلب الإنسان، فإذا أصابه فقد بلغه. 
وأما العاقر : فهي التي عقم رحمها من الكبر، فإن قيل : كان شاكا في وعد الله تعالى حين قال :( رب أنى يكون لي غلام ) قيل : إنما قاله على سبيل التواضع، يعني : مثلي على هذا الكبر من مثل هذه العجوز يكون له الولد، وقيل معناه : كيف يكون لي هذا الغلام ؟ أتردني لحالة الشباب، أم يكون الغلام على حال الكبر ؟. 
( قال كذلك يفعل الله ما يشاء ).

### الآية 3:41

> ﻿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ۖ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ۗ وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ [3:41]

قوله تعالى :( قال ربي اجعل لي آية ) أي : علامة. قيل : إنما سأل العلامة ؛ لأن إبليس وسوس إليه أن الذي ناداك هو الشيطان، دون الملك وكان يديم عليه وسوسته، فسأل العلامة ؛ دفعا لتلك الوسوسة. وقيل : إنما سأل العلامة ؛ لمعرفة وقت الولادة حتى يزداد لله ( [(١)](#foonote-١) ) شكرا. 
( قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام ) وقيل :\[ إن الله أمسك \] ( [(٢)](#foonote-٢) ) لسانه وحبس عنه الكلام ثلاثة أيام، وهو سَوِىّ صحيح ؛ وعليه دل قوله تعالى في سورة مريم ( ثلاث ليال سويا ) ( [(٣)](#foonote-٣) ). 
( إلا رمزا ) أي : إشارة، والإشارة تكون باللسان، وتكون باليد، وتكون بالعين والمراد هاهنا : الإشارة بالإصبع المسبحة، قال قتادة : إنما أمسك لسانه عن الكلام عقوبة له على ما سأل من الآية بعدما أوحى الله تعالى إليه، وشافهته الملائكة بالبشارة. 
( واذكر ربك كثيرا ) قيل : إنما أمسك لسانه عن الكلام مع الناس، ولم يمسكه عن ذكر الله تعالى، فأمره بالذكر. 
( وسبح بالعشى والإبكار ) المراد بالتسبيح : الصلاة، وأما العشى : ما بين زوال الشمس إلى غروب الشمس، ومنه صلاة الظهر والعصر صلاتي العَشِىّ، وأما الإبكار : ما بين طلوع الفجر إلى الضحى الأعلى.

١ - في "الأصل": الله، وهو خطأ من الناسخ..
٢ - في "الأصل": إنه أمسك الله. وما أثبتناه من "ك"..
٣ - مريم: ١٠..

### الآية 3:42

> ﻿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ [3:42]

قوله تعالى :( وإذ قالت الملائكة يا مريم ) أي : واذكر إذ قالت الملائكة :( يا مريم إن الله اصطفاك ) اختارك وطهرك من الحيض والنفاس، وقيل : من الذنوب. ( وطهرك واصطفاك على نساء العالمين ) منهم من قال : على نساء عالمي زمانها، ومنهم من قال : على ( جميع نساء ) ( [(١)](#foonote-١) ) العالمين ؛ في أنها وَلَدَت بلا أب، ولم يكن ذلك لأحد من نساء العالم.

١ - في "ك": نساء جيمع..

### الآية 3:43

> ﻿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [3:43]

قوله تعالى :( يا مريم اقتني لربك ) أي : أطيعي ربك، وقومي لطاعته. والقنوت : طول القيام، قال مجاهد : معناه أطيلي ( [(١)](#foonote-١) )القيام لربك، وقيل : إنها قامت حتى انتفخت قدماها وتورمت. وسمى القنوت في الصلاة ؛ لأنه في حال القيام، وعن النبي صلى الله عليه وسلم **«أنه سئل عن أفضل الصلاة، فقال : طول القنوت »** ( [(٢)](#foonote-٢) )أي : طول القيام. 
( واسجدي واركعي مع الراكعين ) قيل : إنما قدم السجود على الركوع ؛ لأنه كان كذلك في شريعتهم، وقيل لا، بل الركوع قبل السجود في جميع الشرائع، وليست الواو للترتيب، بل للجمع، ويجوز أن يقول الرجل : رأيت زيدا وعمرا، وإن كان قد رأى عمرا قبل زيد، ويجوز أن نقول : رأيت عمرا وزيدا أي زيدا وعمرا، قال الشاعر :

ألا يا نخلة من ذات عرق  عليك ورحمة الله والسلامأي : عليك السلام ورحمة الله، فكذلك قوله :( واسجدي واركعي ) أي : واركعي واسجدي، وإنما قال : مع الراكعين، ولم يقل مع الراكعات ؛ ليكون أعم وأشمل، وقيل معناه : مع المصلين في الجماعة. 
١ - في "الأصل": أطيل، وفي "ك" أطول..
٢ - رواه مسلم في صحيحه (٦/٥٢ رقم ٧٥٦)، والترمذي (٢/٢٢٩ رقم ٣٨٧) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (١/٤٥٦ رقم ١٤٢١) جميعهم من حديث جابر..

### الآية 3:44

> ﻿ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [3:44]

قوله - تعالى - :( ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ) يقول لمحمد صلى الله عليه وسلم : ذلك من أخبار الغيب نوحيه إليك ( وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون ) فالأقلام : السهام، وإنما سمى قلما ؛ لأنه يقطع ويبرى. وأصل القلم : القطع، ومنه قلّم الظفر. 
والقصة في ذلك : أنهم تشاحنوا واختصموا في كفالة مريم، فقال زكريا : أنا أولى بكفالتها منكم، لأن خالتها عندي، وقال أحبارهم - وقيل أولياؤهم - : نحن أولى بكفالتها ؛ لأن أباها كان إمامنا وحبرنا، فاقترعوا واستهموا، على أن من يثبت قلمه في الماء وصعد، فهو أولى بكفالتها، فألقوا الأقلام على الماء وعلى كل قلم اسم واحد منهم، فانحدرت أقلامهم تجري في الماء، وجرى قلم زكريا مصعدا إلى أعلى الماء، قيل : غرقت أقلامهم، وارتد قلم زكريا، وبقي فوق الماء، وقيل إنما اختصموا في كفالتها ؛ لأنه كان قد أصابهم قحط وأزمة، وكانت تضيق بهم النفقة ؛ فاستهموا على كفالتها تدافعا حتى أن من خرج سهمه هو الذي يعولها، وينفق عليها، والأول أصح وأشهر.

### الآية 3:45

> ﻿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [3:45]

قوله تعالى :( إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه ) قيل : أن الملائكة قالوا لها ذلك مشافهة وعيانا. 
( اسمه المسيح عيسى ابن مريم ) قال ابن عباس : إنما سمي مسيحا ؛ لأنه ما مسح ذا عاهة إلا برئ، وقال الحسن وقتادة : سمي مسيحا ؛ لأنه مسح بالبركة، وقيل : المسيح : الصديق، ويكون المسيح بمعنى : الكذاب، وهو من الأضداد، وقيل : سمى مسيحا ؛ لأنه كان يمسح وجه الأرض، ويسيح فيها، وقيل : إنما سمى مسيحا ؛ لأنه ممسوح القدم لأخمص قدميه، ومنه قول الشاعر :

بات يُقَاسِيها غُلاَمٌ كالزَّلَمْ  خديج السَّاقين مَمْسُوُح القدمْومن ذلك سمى الدجال مسيحا ؛ لأنه مسح أحد شقى وجهه، لا عين له. 
( وجيها في الدنيا والآخرة ) أي : رفيعا ذا جاه عند الله ( ومن المقربين )

### الآية 3:46

> ﻿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ [3:46]

( ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين ) أما كلامه في المهد هو قوله في سورة مريم ( إني عبد الله ) ( [(١)](#foonote-١) ) وأنكر النصارى كلامه في المهد سيأتي بيانه، وأما كلامه وهو كهل، قيل : هو إخباره عن الأشياء المعجزة، وقيل : هو كلامه بعد نزوله من السماء. 
والكهل : قيل : هو ما فوق الغلام، ودون الشيخ، وهو ابن أربع وثلاثين سنة، وأصله : الطول، ومنه : اكتهل النبات إذا طال.

١ - مريم: ٣٠..

### الآية 3:47

> ﻿قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [3:47]

قوله تعالى :( قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ) قالت ذلك تعجبا ؛ إذ لم تكن جرت العادة بأن يولد ولد بلا أب ( قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له : كن، فيكون ) أي : لا يعسر عليه شيء، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.

### الآية 3:48

> ﻿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ [3:48]

قوله تعالى :( ويعلمه الكتاب ) يقرأ : بالياء والنون ( [(١)](#foonote-١) )، والكتاب : الخط ( والحكمة ) : العلم والفقه، ( والتوراة والإنجيل ) علمه الله التوراة والإنجيل

١ - قرأ نافع، وأبو جعفر، وعاصم، ويعقوب بالياء. وقرأ الباقون بالنون. انظر النشر (٢/٢٤٠)..

### الآية 3:49

> ﻿وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [3:49]

( ورسولا إلى بني إسرائيل ). منهم من قال : كان رسولا في حالة الصبا، ومنهم من قال : إنما كان رسولا بعد البلوغ. 
( أني قد جئتكم بآية من ربكم ) معناه : بآيات من ربكم، وإنما اكتفى بذكر الآية ؛ لأن الكل دال على شيء واحد. 
( أني أخلق لكم من الطين ) أي : أقدّر وأصور ( كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ) قيل : إن عيسى قال لهم : أي شيء أشد خلقا ؟ قالوا : الخفاش، فقدر من الطين خفاشا وصوره، ونفخ فيه ؛ فقام يطير بإذن الله. 
( وأبرىء الأكمه ) قال أبو عبيد : الأكمه الذي ولد أعمى، وقيل : هو الأعمش الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل ( والأبرص ) : الذي به وضح ( وأحيى الموتى بإذن الله ) قال ابن عباس : قد أحيا أربعة : عازر وابن العجوز وبنت العاشر وسام بن نوح عليه السلام. 
فأما عازر : فكان صديقا لعيسى، فأُخبر بموته، فدعا الله تعالى فأحياه \[ الله \] ( [(١)](#foonote-١) )، وأما ابن العجوز : كان على السرير يحمل إلى المقبرة، فرآه عيسى، فأمر بوضع السرير، ودعا فأحياه، فأخذ كفانه ( [(٢)](#foonote-٢) )، ولبسها ورجع إلى البيت، وأما بنت العاشر : فقد كان رجل يأخذ العشور، ماتت له ابنة فدعا الله فأحياها، وأما سام بن نوح فإن عيسى جاء ( [(٣)](#foonote-٣) ) إلى قبره ودعا ( الله فأحياه ) ( [(٤)](#foonote-٤) )، فقام إليه وقال : أقامت القيامة ؟ ! وقد شاب نصف رأسه خوفا من قيام الساعة. 
فقال : لا، أنا عيسى بن مريم ؛ فكلمه ؛ ومات من ساعته، وأما الثلاثة الذين أحياهم عاشوا، وَوُلِدَ لهم. 
( وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ) كان عيسى يخبر الرجل بما أكل في بيته البارحة، وما يأكل اليوم، وما ادخره للعشاء، وقيل أنه كان في المكتب يخبر الصبي بما أكل، وما خبّأت له أمه من الطعام، حتى كان الصبي يأتي إلى أمه، فيبكي حتى تعطيه الطعام، فيحمله إلى عيسى، فحبسوا الصبيان عن المكتب، فجاء عيسى في طلبهم، وكانوا في دار، فقال : من هؤلاء الذين في الدار ؟ فقيل : خنازير، فقال عيسى : يكونون كذلك ؛ فصاروا خنازير بأمر ( [(٥)](#foonote-٥) ) الله - تعالى - ( إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ).

١ - من "ك"..
٢ - في "ك": لباسه..
٣ - في "ك": صار..
٤ - تكررت في "ك"..
٥ - في "ك": بإذن..

### الآية 3:50

> ﻿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ۚ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [3:50]

قوله تعالى :( ومصدقا لما بين يدي من التوراة ) يعني : وأكون مصدقا، ( ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ) قال أبو عبيدة : أراد بالبعض : الكل، يعني : كل الذي حرم عليكم، ومثله قول الشاعر :
أو يرتبط بعض النفوس حمامها
أي : كل النفوس، وقيل : هو على حقيقته، وقد كان أحل لهم بعض ما حرم عليهم في التوراة من لحوم الإبل وثروبها ( [(١)](#foonote-١). 
( وجئتكم بآية من ربكم ) يعني : بآيات كما بينا، ( فاتقوا الله وأطيعون

١ - الثروب: هو الشحم الرقيق الذي يغشى الكرش والأمعاء. النهاية ١/٢٠٩..

### الآية 3:51

> ﻿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۗ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [3:51]

( إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم ) أي : طريق واضح.

### الآية 3:52

> ﻿۞ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [3:52]

قوله تعالى :( فلما أحس عيسى منهم الكفر ) أي : أبصر ووجد منهم الكفر ؛ قال :( قال من أنصارى إلى الله ) قيل معناه : من أنصارى مع الله، وقال النحويون :" إلى " في موضعها، وليست بمعنى " مع "، وإنما معناه : من يضم نصرته إلى نصرة الله لي ( قال الحواريون نحن أنصار الله ) قال ابن أبي نجيح : الحواريون : كانوا قوما قصارين، سموا بذلك لأنهم كانوا يقصرون الثياب. 
وقيل : كانوا صيادين يصطادون السمك. والصحيح أن الحوارى : صفوة كل شيء وخالصته ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في الزبير :**«هو ابن عمتي وحواريي من أمتي »** ( [(١)](#foonote-١) )، أي : صفوتي وخالصتي. 
وأصل الحوارى : النقاء والنظافة ؛ فسموا حواريين ؛ لنقاء قلوبهم، ومنه يقال لنساء الأمصار : حواريات. قال الشاعر :
فقل للحَوَارِيَّاتِ يَبْكِين غيرنا ولا تَبْكِينَا إلا الكلابُ النوابحُ
ومنه الخبز الحوارى ؛ لنقاوته وبياضه. 
وأما قوله :( نحن أنصار الله ) لأنهم إذا نصروا عيسى، فكأنهم نصروا الله ( آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ).

١ - رواه النسائي في الكبرى (٥/٦٠ رقم ٨١١٢)، وأحمد (٣/٣١٤)، وابن أبي شيبة -١٢/٩٢)، والخطيب في تاريخه (٥/١٢٦) من حديث جابر.
 ورواه البخاري (٧/٩٩ رقم ٣٧١٩)، ومسلم (١٥/٢٦٨ رقم ٢٤١٥) من حديث جابر أيضا مرفوعا: **«إن لكل نبي حواريا، وإن حواريي الزبير بن العوام»**..

### الآية 3:53

> ﻿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [3:53]

قوله تعالى :( ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ) قيل : مع الشاهدين من أمة محمد ؛ لأنهم يشهدون للرسل بالبلاغ، وقيل : من الشاهدين على نبوة عيسى.

### الآية 3:54

> ﻿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [3:54]

قوله تعالى :( ومكروا ومكر الله ) المكر من العبد : الخب والخداع، ومن الله تعالى : أن يأخذ العبد بغتة من حيث لا يعلم، وإنما سماه مكرا - على المقابلة - لأنه جزاء مكرهم : كما قال :( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) ( [(١)](#foonote-١) ) والمراد بمكرهم هاهنا : أنهم احتالوا لقتل عيسى، فقال رجل : ألا أدلكم على البيت الذي فيه عيسى، فجاءوا معه البيت الذي كان فيه عيسى، فرفعه الله إلى السماء، وألقى شبه عيسى على من دلهم عليه، فأخذوه، وهو يصيح : لست بعيسى، فقتلوه، وقيل : إن الدال كان واحدا من الحواريين ؛ فذلك مكر الله ( والله خير الماكرين ).

١ - الشورى: ٤٠..

### الآية 3:55

> ﻿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [3:55]

قوله تعالى :( إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ) أي : واذكر قول الله لعيسى : إني متوفيك ( ورافعك إلي ). فإن قال قائل : ما معنى التوفي، وعيسى في الأحياء على زعمكم ؟ قلنا : فيه أقوال، قال الحسن البصري : معناه : إني قابضك من الأرض، وهو صحيح عند أهل اللغة، فيقال : توفيت حقي من فلان. أي : قبضت. 
قال الازهري : كأنه يقول : إني متوفى عدد آبائك في الأرض، وكل شيء تم فهو متوفى، ومستوفى، وقال الفراء : فيه تقديم وتأخير، وتقديره :" إني رافعك إلي ومتوفيك " أي : بعد النزول من السماء. 
وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«ليهبطن عيسى بن مريم حكما مقسطا يكسر الصليب ويقتل الخنزير »** ( [(١)](#foonote-١) )، وفي رواية :**«أنه يقتل الدجال بباب لدّ »** ( [(٢)](#foonote-٢) ) من دمشق، وفي الأخبار : أنه يعيش بعد ذلك في الأرض سبع سنين ( [(٣)](#foonote-٣) )، ويتزوج، ويولد له. ثم يموت، ويصلي عليه المؤمنون من هذه الأمة ( [(٤)](#foonote-٤) ). 
وهذا التقديم والتأخير الذي ذكرنا في الآية محكي عن ابن عباس وله قول آخر : أن الآية على حقيقة الموت، وأن عيسى قد مات، ثم أحياه الله تعالى ورفعه إلى السماء. 
قال وهب بن منبه : أماته الله ثلاث ساعات من النهار، ثم أحياه الله، ورفعه إليه، وقال الربيع ابن أنس : التوفي : هو النوم، وكان عيسى قد نام، فرفعه الله نائما إلى السماء، والمعروف : القولان الأولان. 
وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«رأيت ابني الخالة : عيسى، ويحيى في السماء الثانية ليلة المعراج »** ( [(٥)](#foonote-٥) )، وروى أيضا :**«أنه رآهما في السماء الدنيا »** والأول أصح، وقال عليه الصلاة والسلام :**«رأيت المسيح بن مريم يطوف بالبيت »**( [(٦)](#foonote-٦) ) فدلّ على أن الصحيح أنه في الأحياء، وفي أخبار المعراج :**«أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي آدم في السماء الأولى وعيسى في السماء الثانية ويوسف في السماء الثالثة، وإدريس في السماء الرابعة وهارون في السماء الخامسة وموسى في السماء السادسة، - وفي رواية السماء السابعة - وإبراهيم في السماء السابعة »**( [(٧)](#foonote-٧) ). 
قوله :( ومطهرك من الذين كفروا ) أي : مخرجك من أرجاسهم وأنجاسهم، ( وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ). 
وقيل : أراد به النصارى، وهم فوق اليهود إلى يوم القيامة، واليهود أذل الفريقين ؛ قد ذهب ملكهم، فلا يعود أبدا، وملك النصارى دائم إلى قريب من قيام الساعة، وقيل : أراد بالذين اتبعوه : أمة محمد صلى الله عليه وسلم ؛ حيث صدقوه ووافقوه على دين التوحيد، فهم فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة. 
وفيه قولان : أحدهما : أنهم فوقهم بالحجة. 
والثاني : بالعز والغلبة، وقد قال صلى الله عليه وسلم :**«أنا أولى بعيسى بن مريم، ليس بيني وبينه نبي »**( [(٨)](#foonote-٨) ). 
( ثم إلى مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ).

١ - متفق عليه من حديث أبي هريرة. رواه البخاري بطوله (٦/٥٦٦ رقم ٣٤٤٨)، ومسلم (٢/٢٤٩ رقم ١٥٥)..
٢ - رواه مسلم (١٨/٨٥-٩٤ رقم ٢١٣٧)، وأبو داود (٤/١١٧ رقم ٤٣٢١)، والترمذي (٤/٤٤٢-٤٤٥ رقم ٢٢٤٠)، وابن ماجة (٢/١٣٥٦-١٣٥٩ رقم ٤٠٧٥) وأحمد في مسنده (٤/١٨١-١٨٢) كلهم من حديث النواس بن سمعان به وقوله "من دمشق" ليس في الحديث، بل هو تفسير منه، وهو خطأ، انظر شرح مسلم للنووي (١٨/٩١)، ومعجم البلدان (٥/١٧)..
٣ - ثبت هذا عند مسلم (١٨/٩٩-١٠٢ رقم ٢٩٤٠) من حديث عبد الله بن عمرو...
٤ - رواه أبو داود (٤/١١٧-١١٨ رقم ٤٣٢٣)، وأحمد (٢/٤٠٦، ٤٣٧)، والطبري (٦/١٦-١٧) وابن حبان (١٥/٢٣٣-٢٣٤ رقم ٦٨٢١) والحاكم (٢/٥٩٥) وصححه من حديث أبي هريرة..
٥ - متفق عليه من حديث أنس، عن مالك بن صعصعة، رواه البخاري (٦/٣٤٨-٣٥٠ رقم ٣٠٢٧) وأطرافه في (٣٣٩٣، ٣٤٣، ٣٨٨٧)، ومسلم (٢/٢٩٠-٢٩٣ رقم ١٦٤)..
٦ - متفق عليه من حديث عبد الله بن عمر في حديث طويل، رواه البخاري في صحيحه (٦/٥٥٠ رقم ٣٤٤٠ وأطرافه في ٣٤٤١، ٥٩٠٣، ٦٩٩٩، ٧٠٢٦، ٧١٢٨)، ومسلم (٢/٣٠٢-٣٠٧ رقم ٦٦٩)..
٧ - تقدم تخريجه في رقم (٥)، ورواية: أنه رأى موسى في السماء السابعة، أخرجها البخاري من حديث شريك عن أنس (١٣/٤٨٦ رقم ٧٥١٧) وهو عند مسلم (٢/٢٨٣ رقم ١٦٢) ولكن لم يسرده..
٨ - متفق عليه من حديث أبي هريرة، رواه البخاري (٦/٥٥٠-٥٥١ رقم ٣٤٤٢ وطرفه في ٣٤٤٣)، ومسلم (١٥/١٧٣-١٧٤ رقم ٣٣٦٥)..

### الآية 3:56

> ﻿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [3:56]

قوله تعالى :( فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة ) والعذاب في الدنيا : القتل والأسر والجزية، والعذاب في الآخرة : عذاب النار. 
قوله تعالى :( وما لهم من ناصرين

### الآية 3:57

> ﻿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [3:57]

( وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ) أي : جزاء أعمالهم ( والله لا يحب الظالمين ) أي : لا يرحم الكافرين، ولا يثني عليهم بالجميل.

### الآية 3:58

> ﻿ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ [3:58]

قوله تعالى :( ذلك نتلوه عليك من الآيات ) يعني : القرآن ( والذكر الحكيم ) أي : الذكر ذي الحكمة، وقيل : الذكر المحكم الذي لا يتخلله الفساد.

### الآية 3:59

> ﻿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [3:59]

قوله تعالى :( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ) ؛ سبب نزول الآية ما روى : أن وفد نجران لما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم :**«أسلموا، فقالوا : نحن مسلمون، قال : كذبتم ؛ يمنعكم من ذلك ثلاث : قولكم إن الله اتخذ ولدا، وسجودكم للصليب، وأكلكم الخنزير، فقالوا : من أبو عيسى ؟ فنزلت هذه الآية »**( [(١)](#foonote-١) )، وفي الآية دليل عليهم، ورد لقولهم، فقوله :( إن مثل عيسى ) أي : صفة عيسى ( عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون )، يعني : إن خلق عيسى بلا أب مثل خلق آدم بلا أب، ولا أم، وخلق عيسى بلا أب ليس بأبدع من خلق آدم بلا أب ولا أم. 
فأما قوله :( ثم قال له كن فيكون ) راجع إلى آدم، فإن قال قائل : لما ذكر أنه خلقه من تراب، فما معنى قوله بعده ( ثم قال له كن فيكون ) بعد الخلق ؟ قيل : معناه : خلقه من تراب، ثم أُخْبِرُكُم أني قلت له : كن، فكان من غير ترتيب في الخلق : كما يكون في أولاده، وهو مثل قول الرجل : أعطيتك اليوم درهما، ثم أعطيتك أمس درهما، أي : ثم أخبرك أني أعطيتك أمس درهما.

١ - تقدم تخريجه..

### الآية 3:60

> ﻿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [3:60]

قوله تعالى :( الحق من ربك فلا تكن من الممترين )، فإن قيل : أكان شاكا في الحق حتى نهاه عن الشك ؟ قيل : الخطاب مع النبي، والمراد به : الأمة، وقيل معناه : قل للشاك فيه : الحق من ربك فلا تكن من الشاكين. 
واعلم أن فيما سبق من التمثيل على جواز القياس دليل، على أن القياس هو رد فرع إلى أصل بنوع شبه، وقد رد الله تعالى عيسى إلى آدم بنوع ؛ فدل على جواز القياس. والمثل : هو ذكر سائر يستدل به على غيره في معناه.

### الآية 3:61

> ﻿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [3:61]

قوله تعالى :( فمن حاجك فيه ) أي : جادلك في الحق ( من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكافرين ). 
هذا في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بني نجران إلى المباهلة، روى سعد( [(١)](#foonote-١) ) بن أبي وقاص :**«أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيد الحسن والحسين وفاطمة وعلى، ثم دعاهم إلى المباهلة »**( [(٢)](#foonote-٢) ). فقوله :( ندع أبناءنا ) أراد به : الحسن والحسين، وقوله :( ونساءنا ) يعني : فاطمة، وأنفسنا يعني : نفسه وعلىّ، فإن قال قائل : كيف قال :( وأنفسنا ) وعلي - رضي الله عنه - غيره ؟ قيل : العرب تسمى ابن عم الرجل نفسه، وعليّ كان ابن عمه، وقيل : ذكره على العموم لجماعة أهل الدين. والابتهال : الإلتعان، ومنه البهلة : وهي اللعنة، يقال :
عليك بهلة الله، أي : لعنة الله، والابتهال : الاجتهاد في دعاء اللعنة. 
واللعنة : الإبعاد والطرد عن الرحمة بطريق العقوبة، قال لبيد :

وكهول سادةٌ مِنْ عَامِرٍ  نَظر الدَّهْرُ إليهِمْ فابتهلْأي : نظر الدهر إليهم بالهلاك فأفناهم باجتهاد فيه. 
وفي القصة وكهول **«أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دعاهم إلى الابتهال، وجعل اللعنة على الكاذب من الفريقين، فقال الأسقف لهم : لا تباهلوا ؛ فإنكم لو ابتهلتهم ؛ لاضطرم عليكم الوادي نارا، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : وهل غير المباهلة ؟ قال الإسلام أو الحرب أو الجزية، فقبلوا الجزية، وانصرفوا »**( [(٣)](#foonote-٣) )، وقال النبي صلى الله عليه وسلم :**«لو تلاعنوا لصاروا قردة وخنازير »**( [(٤)](#foonote-٤) ) وفي رواية **«لو تلاعنوا لم يبق في الدنيا نصراني ولا نصرانية إلى يوم القيامة »**( [(٥)](#foonote-٥) ). 
١ - في "ك": سعيد وهو خطأ..
٢ - رواه مسلم بطوله (١٥/٢٥١ رقم ٢٤٠٤)، والترمذي (٥/٢١٠ رقم ٢٩٩٩) وقال: حسن غريب صحيح و(٥/٥٩٦ رقم ٣٧٢٤)، وأحمد (١/١٨٥)..
٣ - رواه الحاكم في مستدركه (٢/٥٩٤)، وابن مردويه (تفسير ابن كثير (١/٣٧٠-٣٧١) وعزاه السيوطي في الدر (٢/٤٣) لهما ولأبي نعيم في الدلائل من حديث جابر بمعناه، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: **«إن العذاب قد أظل نجران»**. وقوله: **«لو ابتهلتم؛ لاضطرم عليكم الوادي نارا، هو من قوله –صلى الله عليه وسلم-.
 وقال الحافظ ابن كثير (١/٣٧١): وقد رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة عن المغيرة عن الشعبي مرسلا، وهذا أصح، وقد روي عن ابن عباس والبراء نحو ذلك.
 قلت: راجع تخريج حديث وفد نجران الذي تقدم في أول السورة..**
٤ - لم أقف عليه مرفوعاً، وإنما جاء في سياق حديث رواه ابن جرير (٣/٢١٣) من حديث علباء بن أحمد اليشكري مرسلا، في مباهلة النبي صلى الله عليه وسلم اليهود «فقال شاب منهم: ويحكم أليس عهدكم بالأمس إخوانكم الذين مسخوا قردة وخنازير، لا تلاعنوا فانتهوا»..
٥ - رواه ابن جرير (٣/٢١٢)، وعبد بن حميد، وأبو نعيم في الدلائل – كما في المنثور- (٢/٤٦) بمعناه، ولفظه: لو فعلوا لاستؤصلوا عن جديد الأرض»..

### الآية 3:62

> ﻿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ۚ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [3:62]

قوله تعالى :( إن هذا لهو القصص الحق ) أي : النبأ الحق ( وما من إله إلا الله ) " من " صلة، وتقديره : وما إله إلا الله ( وإن الله لهو العزيز الحكيم ).

### الآية 3:63

> ﻿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ [3:63]

( فإن تولوا ) أي : أعرضوا ( فإن الله عليم بالمفسدين ) أي : بمن يفسد منهم.

### الآية 3:64

> ﻿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [3:64]

قوله تعالى :( قل يا أهل الكتاب ) الخطاب مع اليهود والنصارى ( تعالوا إلى كلمة ) العرب تسمى كل قصة لها شرح : كلمة، ومنه سميت القصيد : كلمة. 
( سواء بيننا وبينكم ) أي : عدل، ومنه قول زهير بن أبي سلمى :

أَرُونِي خُطَّةً لا ضَيْمَ فِيهَا  يُسَوّى بَيْنَنَا فِيهَا السَّوَاءُفإنْ تُرِكَ السَّوَاءُ فليس بيني  وبينَكُم بنِي عمرو لقاءُوأراد بالسواء : العدل. 
( ألا نعبد إلا الله ) سبب هذا : أن اليهود قالوا : لا يريد محمد منا إلا أن نعبده، وكذلك قالت النصارى ؛ فنزلت الآية ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم )، معناه : تعالوا إلى أمر نستوي فيه : وهو أن لا نعبد إلا الله، ولنتفق جميعا على عبادته ( ولا نشرك به شيئا ). 
( ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ) قال عكرمة : أي : لا يسجد بعضنا لبعض ؛ فإن من سجد لغيره فقد اتخذه ربا. 
وقيل : هو طاعة الخلق في معصية الخالق ( فإن تولوا ) أي : فإن أعرضوا ( فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) أي : بهذه الكلمة وهذا الأمر.

### الآية 3:65

> ﻿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [3:65]

قوله تعالى :( قل يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم ) سبب نزول الآية : أن اليهود والنصارى اختصموا \[ إلى \] ( [(١)](#foonote-١) ) النبي صلى الله عليه وسلم في إبراهيم، فقالت اليهود : هو منا، وقالت النصارى : لا، بل منا ؛ فنزل قوله :( لم تحاجون ) لم تجادلون ( في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون ) ( [(٢)](#foonote-٢) )، معناه أن اليهودية محرفة من التوراة، والنصرانية محرفة من الإنجيل، والتوراة والإنجيل أنزلتا بعد إبراهيم. 
فكيف تدَّعُون أنه على اليهودية أو على النصرانية ؟ وأما التوراة والإنجيل فقد ذكرنا اشتقاقها، وقيل ليس لهما اشتقاق، وهما اسمان بالسريانية.

١ - كذا في "ك": إلى وفي "الأصل": الذي وهو خطأ..
٢ - رواه ابن جرير (٣/١٢١٦)، والبيهقي في الدلائل (٥/٣٨٤) عن ابن عباس رضي الله عنه، وعزاه السيوطي أيضا في الدر (٢/٤٥) لابن إسحاق.
 ورواه ابن جرير (٣/٢١٦، ٢١٧) عن قتادة، والربيع، والشعبي، جميعهم مرسلا..

### الآية 3:66

> ﻿هَا أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [3:66]

قوله تعالى :( ها أنتم هؤلاء ) " ها " للتنبيه، ومعناه : يا هؤلاء، أنتم ( حاججتم ) جادلتم ( فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ) أي : جادلتم في أمر موسى وعيسى، وادعيتم أنّا على دين موسى وعيسى، وقد أنزلت أمره عليكم، فلم تجادلون في أمر إبراهيم، ولم أنزله عليكم، ولا علم لكم به ؟ ! ( والله يعلم وأنتم لا تعلمون ).

### الآية 3:67

> ﻿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [3:67]

قوله تعالى :( ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ) أخبر الله تعالى أنه ليس على ما ادعوا من اليهودية و \[ لا \] ( [(١)](#foonote-١) ) النصرانية، ( ولكن كان حنيفا مسلما ). 
والحنيف : هو المائل إلى الدين، والمستقيم عليه، ومنه : الأحنف : وهو المائل القدم، وقال مجاهد : الحنيف : المتبع، وقال الضحاك : الحنيف : الحاج. فإن قال قائل : لم قال ( حنيفا مسلما ) والمسلم : هو الذي يكون على جميع ما أتى به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإبراهيم لم يكن على جملة شريعته ؟
قيل : قد كان على بعض شريعته ؛ فيكون بذلك مسلما ؛ كمن مات من هذه الأمة في بدء الأمر، كان مسلما ببعض شريعته ؛ فإنها إنما تمت، واستقرت في آخر الأمر، ويحتمل أن يكون قوله :( مسلما ) بمعنى : الانقياد من قوله :( أسلم قال أسلمت لرب العالمين ) ( [(٢)](#foonote-٢) ) ؛ فلذلك قال :( حنيفا مسلما وما كان من المشركين ).

١ - من "ك"..
٢ - البقرة: ١٣١..

### الآية 3:68

> ﻿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۗ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [3:68]

قوله تعالى :( إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه ) : من اتبعه في زمانه. ( وهذا النبي ) يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ( والذين آمنوا ) يعني : من هذه الأمة ( والله ولي المؤمنين ).

### الآية 3:69

> ﻿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [3:69]

قوله تعالى :( ودت طائفة من أهل الكتاب ) أي : تمنت طائفة من أهل الكتاب. ( لو يضلونكم ) لو يردونكم إلى الضلالة، وما هم عليه من اليهودية والنصرانية ( وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون ).

### الآية 3:70

> ﻿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ [3:70]

قوله تعالى :( يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون ) فيه قولان : أحدهما : معناه : لم تكفرون بنعت محمد وصفته، وأنتم تشاهدونه في التوراة والإنجيل ؟ !. 
والثاني معناه : لم تكفرون بما ياتي \[ به \] ( [(١)](#foonote-١) ) محمد من الدلالات والمعجزات، وأنتم تقرون بمثلها مما أتى به موسى وعيسى ؟ !

١ - ليست في "الأصل"، ولا "ك"..

### الآية 3:71

> ﻿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [3:71]

قوله - تعالى - :( يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون ) معناه : لم تخلطون الإيمان بعيسى - وهو الحق - بالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم - وهو الباطل - ؟ وقيل معناه : لم تغطون " الحق " من نعت محمد بالتغيير " الباطل " ؟ !.

### الآية 3:72

> ﻿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [3:72]

قوله تعالى :( وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار، واكفروا آخره لعلهم يرجعون ) أما وجه النهار : أوله، ومنه قول الشاعر :

من كان مسرورا بمقتل مالك  فليأت نسوتنا بوجه نهارأي : أول النهار، وهذا في اليهود، قالوا : نؤمن بمحمد في أول النهار، ثم نكفر به في آخر النهار ؛ حتى ( يتهمه ) ( [(١)](#foonote-١) ) الناس ( ويقولوا ) ( [(٢)](#foonote-٢) ) : قد ظهر منه شيء ؛ حتى كفروا به، وقيل : إنهم قالوا : نصدقه في البعض، ونكذبه في البعض ؛ حتى يقول الناس : صدقوه فيما كان صادقا، وكذبوه فيما كان كاذبا ( فيستريبون ) ( [(٣)](#foonote-٣) ) بحاله. 
( لعلهم يرجعون ) أي : من تَبِعَهُ في دينه، ويكون وجه النهار وآخره بمعنى : البعض على القول الثاني. 
١ - في "ك" نريب..
٢ - في "ك": يقولون..
٣ - في "ك": فيسترقبون..

### الآية 3:73

> ﻿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ ۗ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [3:73]

قوله - تعالى - :( ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ) أي : لا تصدقوا إلا من تبع دينكم، " واللام " فيه زائدة كما قال :( قال عسى أن يكون ردف لكم ) ( [(١)](#foonote-١) ) أي : ردفكم. وهذا في اليهود أيضا، قالوا : لا تصدقوا إلا من وافقكم في ملتكم. 
ثم ابتدأ الله تعالى فقال :( قل إن الهدى هدى الله ) أي : إن البيان بيان الله. 
( أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ) أي : لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، يقوله للمسلمين. 
( أو يحاجوكم عند ربكم ) أي : ولا يحاجونكم عند ربكم ؛ فإن الحجة لكم عليهم، وليست لهم عليكم عند الله. 
وقال محمد بن يزيد المبرد : في الآية تقديم وتأخير : قوله :( ولا تؤمنوا ) أي : لا تصدقوا ( أن يؤتى أحد مثل مل أوتيتم ) من الدلالات والآيات من المن والسلوى ونحوه. 
( إلا لمن تبع دينكم ) إلا لمن وافقكم في اليهودية ( أو يحاجوكم عند ربكم ) أي إن صدقتموهم، يحاجونكم يوم القيامة عند ربكم، فيقولون : نحن مثلكم، أو خير منكم، فلا تصدقوهم حتى لا يحاجوكم عند ربكم. إلى ها هنا كلام اليهود ثم ابتدأ الله تعالى فقال :( قل : إن الهدى هدى الله ) وقيل : معناه ( ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ) أي : ولا تصدقوا أن النبوة في غير بني إسحاق، وأنها في بني إسماعيل. 
\[ قوله تعالى \] ( [(٢)](#foonote-٢) ) ( قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم يختص برحمته من يشاء ) قال ابن عباس : هو الدين. وقال مجاهد : هو النبوة. وقال ابن جريج : هو القرآن والإسلام ( والله ذو الفضل العظيم ). ١ - النمل: ٧٢..
٢ - من "ك"..

### الآية 3:74

> ﻿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [3:74]

يخْتَص

يَشَاء وَالله وَاسع عليم (٧٣) يخْتَص برحمته من يَشَاء وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم (٧٤) وَمن أهل الْكتاب من إِن تأمنه بقنطار يؤده إِلَيْك وَمِنْهُم من إِن تأمنه بِدِينَار لَا يؤده إِلَيْك إِلَّا مَا دمت عَلَيْهِ قَائِما ذَلِك بِأَنَّهُم قَالُوا لَيْسَ علينا فِي الْأُمِّيين سَبِيل وَيَقُولُونَ على الله الْكَذِب وهم يعلمُونَ (٧٥) 
 برحمته من يَشَاء) قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ الدّين. وَقَالَ مُجَاهِد: هُوَ النُّبُوَّة. وَقَالَ ابْن جريج: هُوَ الْقُرْآن وَالْإِسْلَام (وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم).

### الآية 3:75

> ﻿۞ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [3:75]

قوله تعالى :( ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ) قد ذكرنا الأقوال في القنطار، وقال عطاء بن أبي رباح : هو ست آلاف دينار. 
وهذا في عبد الله بن سلام ؛ أودعه رجل ألفين ومائتي أوقية من الذهب فأدى الأمانة( [(١)](#foonote-١) ) فيه. 
( ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك ) هذا في فنحاص بن عازوراء اليهودي ؛ أودعه رجل دينارا فخان فيه. 
( إلا ما دمت عليه قائما ) أي : لا يؤده إليك إلا ما دمت على رأسه قائما تطالبه. 
وقيل : أراد بالقيام : الإلحاح والمطالبة. 
( ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ) قالت اليهود : ليس علينا في أخذ أموال العرب حرج، كأنهم استحلوا أموال الأميين : وهم العرب، محمد وأصحابه. 
( ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون )

١ - في "ك": الثانية. وهو تحريف..

### الآية 3:76

> ﻿بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَىٰ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [3:76]

( بلى ) عليهم سبيل ؛ ذكره جوابا لقولهم. 
قالت النحاة : وهو وقف تام، ثم ابتدأ، فقال :( من أوفى بعهده واتقى ) قال ابن عباس : واتقى الشرك ( فإن الله يحب المتقين ) الموحدين.

### الآية 3:77

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [3:77]

قوله تعالى :( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ) روى أبو وائل - وهو شقيق بن سلمة - عن ابن مسعود، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«من حلف على يمين كاذبة ؛ ليقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان، وتلا هذه الآية قال : وكان الأشعث بن قيس حاضرا، فقال : فيّ نزلت الآية، وذكر قصة »** وهذا حديث في الصحيحين( [(١)](#foonote-١) )، ورواه مسلم في صحيحه برواية أخرى، وزاد فيه أنه :**«قيل : يا رسول الله، وإن كان في شيء يسير ؟ قال : وإن كان في قضيب من أراك »**( [(٢)](#foonote-٢) ). 
وروى مسلم أيضا في كتابه برواية ثالثة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :«ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم 
\[ ولهم عذاب أليم \] ( [(٣)](#foonote-٣) ) : المنان بما أعطى والمسبل إزاره، والمنفق سلعته باليمين الكاذبة »( [(٤)](#foonote-٤) ). 
فقوله :( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ) أي : شيء قليل من حطام الدنيا ( أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ) أي : لا حظ لهم فيها. 
( ولا يكلمهم الله ) أي : ولا يكلمهم كما يكلم المؤمنين ؛ وقد صح أنه جلّ جلاله - يكلم المؤمنين يوم القيامة من غير ترجمان( [(٥)](#foonote-٥) )، وقيل : هو بمعنى : الغضب، كما يقال : أنا لا أكلم فلانا، إذا كان غضبانا عليه ( ولا ينظر إليهم يوم القيامة ) يعني : لا ينظر إليهم بالرحمة. 
( ولا يزكيهم ) لا يثني عليهم بالجميل، ولا يطهرهم من الذنوب ( ولهم عذاب أليم ).

١ - رواه البخاري في صحيحه (٥/٤١ رقم ٢٣٥٦، ٢٣٥٧)، والحديث رقم ٢٣٥٦ أطرافه في: ٢٤١٦، ٢٥١٥، ٢٦٦٦، ٢٦٦٩، ٢٦٧٣، ٢٦٧٦، ٤٥٤٩، ٦٦٥٩، ٦٦٧٦، ٧١٨٣، ٧٤٤٥)، والحديث رقم ٢٣٥٧ أطرافه في: ٢٤١٧، ٢٥١٦، ٢٦٦٧، ٢٦٧، ٢٦٧٧، ٤٥٥٠، ٦٦٦٠، ٦٦٧٧، ٧١٨٤). ورواه مسلم (٢/٢٠٨ رقم ١٣٨)..
٢ - رواه مسلم من حديث أبي أمامة – رضي الله عنه – (٢/٢٠٧ رقم ١٣٧)..
٣ - من "ك"..
٤ - رواه مسلم من حديث أبي ذر –رضي الله عنه- (٢/١٥٠ رقم ١٠٦)..
٥ - متفق عليه من حديث عدي بن حاتم، رواه البخاري (٣/٣٣٠ رقم ١٤١٣ وانظر أطرافه في ١٤١٧، ٣٥٩٥، ٦٠٢٣، ٦٥٣٩، ٦٥٤٠، ٦٥٦٣، ٧٤٤٣، ٧٥١٢) ومسلم (٧/١٤١ رقم ١٠١٦) ولفظ مسلم **«ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله، ليس بينه وبينه ترجمان... »** الحديث..

### الآية 3:78

> ﻿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [3:78]

قوله تعالى :( وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب ) أي : يغيرون، ويحرفون الكتاب بألسنتهم. وقيل : يعدلون بألسنتهم عن الكتاب ( لتحسبوه ) لتظنوه ( من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ).

### الآية 3:79

> ﻿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ [3:79]

قوله تعالى :( ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ) سبب نزول الآية :**«أن اليهود والنصارى اجتمعوا عند النبي صلى الله عليه وسلم واختصموا في إبراهيم، فقالت كل فرقة : هو منا، فقال صلى الله عليه وسلم : كذبتم ؛ فغضبوا، وقالوا : يا محمد، لا تريد منا إلا أن نتخذك ربا ؛ فنزلت الآية »**( [(١)](#foonote-١) ). 
( ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب ) يعني : القرآن، ( والحكم ) الأحكام، والحكمة : السنة ( والنبوة ) المنزلة الرفيعة بالأنبياء. 
( ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ) أي : عبيدا لي من دون الله وقيل : أراد بالبشر : عيسى - صلوات الله عليه - لأنهم كانوا يدعون أن عيسى أمرهم أن يعبدوه، ويتخذوه ربا، فقال :( ما كان لبشر ) يعني : عيسى. ( أن يؤتيه الله الكتاب ) يعني : الإنجيل ( والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب ). 
قال سعيد بن جبير : الرباني : الفقيه العالم الذي يعمل بعلمه. وقال الضحاك : الرباني : العالم الحكيم. وفي الخبر :**«كونوا علماء حلماء »**( [(٢)](#foonote-٢) ). 
والرباني من طريق المعني : هو أن يكون على دين الرب وعلى طريق الرب. 
وقيل هو من التربية، فالرباني هو الذي ربي( [(٣)](#foonote-٣) ) بصغار العلم حتى بلغ كباره، وروى : أن ابن عباس لما توفي، قام محمد بن الحنفية على قبره، وقال : اليوم مات رباني هذه الأمة. 
وقال مجاهد : الربانيون فوق الأحبار ؛ فالأحبار : العلماء، والربانيون : الذين جمعوا مع العلم البصيرة بسياسة الناس. 
( بما كنتم تعلمون )- بالتشديد- من تعليم القرآن، وبالتخفيف من العلم( [(٤)](#foonote-٤) ). 
( وبما كنتم تدرسون ) تقرؤون.

١ - سبق تخريجه عند قوله تعالى: (يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم... ) الآية..
٢ - روى هذا عن ابن عباس، وابن مسعود موقوفا عليهم. انظر الدر المنثور (٢/٥٢)..
٣ - في "ك" ولي..
٤ - قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم (تُعَلِّمُونَ) بضم التاء، وفتح العين وكسر اللام مشددة، وقرأ الباقون (تَعْلَمُون) بفتح التاء واللام وإسكان العين مخففاً.
 انظر النشر (٢/٢٤٠)..

### الآية 3:80

> ﻿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا ۗ أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [3:80]

قوله تعالى :( ولا يأمركم ) يقرأ بالرفع على الابتداء، أي : ولا يأمركم الله، ويقرأ بنصب الراء على النسق( [(١)](#foonote-١) )، أي : ولا يأمركم ذلك البشر ( أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ) فالنصارى : هم الذين اتخذوا النبيين أربابا، والصابئون : هم الذين اتخذوا الملائكة أربابا. 
( أيامركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ) أي : لا يأمركم بالكفر بعد الإسلام.

١ - قرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة، وخلف، ويعقوب، بنصب الراء.
 وقرأ الباقون بالرفع. انظر المصدر السابق..

### الآية 3:81

> ﻿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [3:81]

قوله تعالى :( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ) قرأ ابن مسعود :**«وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب »** ( لما آتيتكم من كتاب وحكمة ) : هو أحد القولين في معنى القراءة المعروفة، قال ابن عباس : معنى الآية : وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب مع النبيين. قال ابن عباس : لما استخرج الله الذرية من صلب آدم كالذر، والأنبياء كانوا فيهم كالمصابيح والسرج، أخذ الميثاق على النبيين أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وأن يصدقوه، وينصروه إن أدركوه. فهذا معنى قوله :( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة )، وقرأ حمزة " لِما آتيتكم " مخففا بكسر اللام، وقرأ غيره :" لَمَّا آتيتكم " بفتح اللام مشددا، والقراءة المعروفة : بفتح اللام مخففا( [(١)](#foonote-١) )، ومعناه : للذي آتيتكم بمعنى الخبر. 
وقيل : معناه : لئن آتيتكم بمعنى : الشرط، ( ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه ) يعني : محمدا صلى الله عليه وسلم. 
( قال أأقررتم ) أي : أقِروا ( وأخذتم على ذلكم إصري ) أي : عهدي. والإصر : العهد الثقيل ( قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين ). 
وقال الضحاك : إنما أخذ الميثاق على النبيين خاصة كما نطقت به الآية، فأخذ الميثاق على كل نبي أن يؤمن بالذي يأتي بعده من الأنبياء وينصره، فأخذ الميثاق على موسى - صلوات الله عليه وسلم - أن يؤمن بعيسى، وعلى عيسى أن يؤمن بمحمد ونحو ذلك.

١ - انظر النشر (٢/٢٤١)..

### الآية 3:82

> ﻿فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [3:82]

ثم قال :( فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون )

### الآية 3:83

> ﻿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [3:83]

( أفغير دين الله يبغون ) يطلبون، يقرأ بالياء والتاء( [(١)](#foonote-١) ). 
( وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها ) قال ابن عباس : لما خاطبهم بقوله :( ألست بربكم ) ( [(٢)](#foonote-٢) ) أسلم الكل، وقالوا : بلى، ولكن بعضهم قالوا : بلى، طوعا وبعضهم كرها. وقيل : أسلم من في السموات طوعا، وأسلم من في الأرض كرها وطوعا، وبعضهم طوعا، وبعضهم كرها ؛ لخوف السيف ( وإليه ترجعون ).

١ - قرأ أبو عمرو، ويعقوب، وحفص بالياء التحتية، وقرأ الباقون بالتاء الفوقية. انظر النشر (٢/٢٤١)..
٢ - الأعراف: ١٧٢..

### الآية 3:84

> ﻿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [3:84]

قوله تعالى :( قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ) لما ذكر الملك والأديان، واضطراب الناس فيها، أمر رسوله أن يقول :( آمنا بالله. . ) الآية، وقد ذكرنا معنى الأسباط وما قيل فيه ( وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ).

### الآية 3:85

> ﻿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [3:85]

قوله تعالى :( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) وحق لمن يبتغي غير دين الإسلام أن يصبح غدا من الخاسرين.

### الآية 3:86

> ﻿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [3:86]

قوله تعالى :( كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات ) يعني : لا يهديهم الله، وهو مثل قول عبد الله بن قيس الرقيات( [(١)](#foonote-١) ) :

كَيْفَ نَوْمِي على الفِرَاشِ  ولَما تشتمل السآم غارة شعواءُ ؟أي : لا نوم لي على الفراش. 
والآية نزلت في الحارث بن أوس بن الصامت ؛ فإنه ارتد عن الإسلام، ولحق بمكة، وأقام مدة، ثم أرسل إلى المسلمين في أن يرجع إلى الإسلام ؛ فنزلت الآية ( كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم ). 
قال الزجاج : يعني : أنهم يستحقون الضلالة، ولا يستحقون الهداية ( والله لا يهدي القوم الظالمين ). 
١ - في "ك": الرقبان. وهو خطأ..

### الآية 3:87

> ﻿أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [3:87]

( أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ). 
فإن قال قائل : لم قال :( والناس أجمعين ) فكذلك يتناول نفسه أيضا، فكيف يلعن على نفسه ؟ قيل : أراد في القيامة يلعن بعضهم بعضا، ويلعنون أنفسهم. وقيل : إنهم يلعنون الظالمين والكافرين ؛ فذلك لعنهم على أنفسهم ؛ لأن من لعن الظالمين والكافرين، وهو ظالم وكافر فقد لعن نفسه.

### الآية 3:88

> ﻿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ [3:88]

خَالِدين فِيهَا لَا يُخَفف عَنْهُم الْعَذَاب وَلَا هم ينظرُونَ إِلَّا الَّذين تَابُوا من بعد ذَلِك وَأَصْلحُوا فَإِن الله غَفُور رَحِيم يَعْنِي بِهَذَا: الْحَارِث بن أَوْس؛ فَإِنَّهُ تَابَ وَأسلم فَقبلت تَوْبَته.

### الآية 3:89

> ﻿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [3:89]

( إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم ) يعني بهذا : الحارث بن أوس ؛ فإنه تاب وأسلم فقبلت توبته.

### الآية 3:90

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ [3:90]

قوله تعالى :( إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم ) هذا في قوم كانوا مع الحارث بن أوس وارتدوا، فلما رجع هو إلى الإسلام أمسكوا عن الإسلام أولئك القوم، وقالوا : نتربص الدهر بمحمد، فإن ساعده الزمان، ونفذ أمره نرجع إلى دينه ؛ فنزلت الآية. 
( إن الذين كفروا بعد إيمانهم ) أي : ارتدوا عن الإسلام بعد إيمانهم ( ثم ازدادوا كفرا ) بقولهم : إنا نتربص بمحمد ريب المنون ( لن تقبل توبتهم ) قال أبو العالية : لأنهم لم يكونوا محققين للتوبة، بل كانوا متربصين ( وأولئك هم الضالون ) وقيل : أراد به : الذين كفروا بعد إيمانهم بعيسى ؛ ازدادوا كفرا بمحمد ( لن تقبل توبتهم ) عند الناس ( وأولئك هم الضالون ).

### الآية 3:91

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَىٰ بِهِ ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [3:91]

قوله تعالى :( إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به ) يعني : لو افتدى به، و " الواو " زائدة مقحمة، وقيل : تقدير الآية : فلن يقبل من أحدهم أن يتبرع بملء الأرض ذهبا، ولو افتدى به أيضا لا يقبل ( أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين ).

### الآية 3:92

> ﻿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [3:92]

قوله تعالى :( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) قال ابن مسعود وعمرو بن ميمون ومسروق بن الأجدع أبو عائشة : البر : الجنة هاهنا. وقيل : هو العمل الصالح. وقيل : هو الثواب، وفي الخبر :**«عليكم بالصدق ؛ فإنه يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، وإياكم والكذب ؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار »**( [(١)](#foonote-١) ). 
( حتى تنفقوا مما تحبون ) قيل : أراد بالإنفاق : أداء الزكاة. وقيل : أداء جميع الصدقات. وقيل : كل إنفاق يبتغي به مرضاة الله تعالى ينال به هذا البر. 
وروى أنه لما نزلت هذه الآية قال أبو طلحة :**«يا رسول الله، إني أرى الله يسألنا أموالنا، فأشهدك أني جعلت حائط كذا لله تعالى فقال صلى الله عليه وسلم : اقسمه بين الفقراء قرابتك، فقسمه بين أُبيّ وحسان »**( [(٢)](#foonote-٢) ). 
وروى أن ابن عمر - رضي الله عنه - اشترى جارية كان قد هويها، فلما نظر إليها أعتقها، وزوجها رجلا، وتلا قوله تعالى ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ). 
( وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم ) أي : يعلمه، أي : يجازى عليه.

١ - متفق عليه من حديث عبد الله بن مسعود، رواه البخاري (١٠/٥٢٣ رقم ٦٠٩٤) ومسلم (١٦/٢٤١-٢٤٣ رقم ٢٦٠٧)..
٢ - متفق عليه من حديث أنس، رواه البخاري (٣/٣٨١ رقم ١٤٦١، وأطرافه في ٢٣١٨، ٢٧٥٢، ٢٧٥٨، ٢٧٦٩، ٤٥٥٤، ٤٥٥٥، ٥٦١١) ومسلم (٧/١١٦-١١٩ رقم ٩٩٨) مع اختلاف في ألفاظه..

### الآية 3:93

> ﻿۞ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [3:93]

قوله تعالى :( كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل ) سبب نزول الآية : أن اليهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنك تزعم أنك على ملة إبراهيم، وكان لا يأكل لحوم الإبل وألبانها وأنت تأكلها، فلست على ملة إبراهيم ؛. فنزلت الآية ( كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ) يعني : ليس الأمر على ما قالوا من حرمة لحوم الإبل وألبانها على إبراهيم، بل كان ( الكل ) ( [(١)](#foonote-١) ) حلالا له ولبني إسرائيل، وإنما حرمها يعقوب على نفسه قبل نزول التوراة، يعني : أن حرمتها ليست في التوراة، ولا في شرع إبراهيم، وإنما هو شيء حرمه إسرائيل على نفسه، وسبب تحريمه ذلك على نفسه : أنه أشتكى عرق النسا، وكان له من ذلك زقاء - أي صياح - فقال : إن شفاني الله منه لأحرمن أحب الطعام إليّ لحوم الإبل وألبانها، فشفاه الله ؛ فحرمها على نفسه. 
( قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ) طالبهم بالإتيان بالتوراة حجة على ما ادعوا فلم يأتوا بها ؛ إذ لم يكن تحريمها في التوراة، فعجزوا عن الإتيان بالتوراة وكان ذلك كالمعجزة للرسول عليهم.

١ - ليست في "ك"..

### الآية 3:94

> ﻿فَمَنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [3:94]

قوله تعالى :( فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون ) وقد ذكرنا معنى الافتراء والظلم.

### الآية 3:95

> ﻿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ ۗ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [3:95]

قوله تعالى :( قل صدق الله ) يعني : فيما أخبر وأنزل ( فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا ) وإنما دعاهم إلى اتباع ملة إبراهيم ؛ لأن في اتباع ملته اتباعه، وفي اتباعه اتباع ملته، ( وما كان من المشركين ).

### الآية 3:96

> ﻿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ [3:96]

قوله تعالى :( إن أول بيت وضع للناس ببكة مباركا ) روى أبو ذر :**«أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي المساجد وضع أولا ؟ فقال : المسجد الحرام. ( قلت ) ( [(١)](#foonote-١) ) : ثم أي ؟ قال : المسجد الأقصى، قلت : كم بينهما ؟ قال : أربعون عاما، ثم قال : أينما أدركتك الصلاة، فصلِّ ؛ فإنه لك مسجد »**( [(٢)](#foonote-٢) ). 
وروى خالد بن عرعرة عن علي - رضي الله عنه - أنه قال : أراد به : أن أول بيت وضع للناس مباركا مع الرحمة والبركة، والآيات البينات للذي ببكة. 
وقيل : أول ما خلق الله تعالى من الأرض موضع البيت، ثم منه خلق جميع الأرض، وأول ما خلق من الجبال جبل أبي قبيس. 
وفي القصص : أن الله تعالى أمر الملائكة ببناء البيت قبل خلق آدم بألفي عام، وكانت الملائكة يحجونه، فلما حجه آدم، قالت الملائكة : بَرَّ حجك، حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام. وأما بكة فالصحيح : أن بكة و مكة بمعنى واحد، وهو قول ابن عباس، ومثله : طين لازب ولازم، وَسَّمل رأسه وسَبَّل بمعنى واحد. 
وقيل :( إنه ) ( [(٣)](#foonote-٣) ) موضع البيت، ومكة جميع القرية. وقيل : إنما سميت بكة، لأن الناس يتباكون فيها، أي : يزدحمون، ومنه قول الشاعر :

إذا الشَّريبُ أَخَذَتْه أكَّه  فَخَلِّه حتى يَبُكَّ بَةوقوله :( مباركا وهدى للعالمين ) أي : وضع ذلك البيت ذا بركة وهدى للعالمين. 
١ - في "ك": فقلت..
٢ - متفق عليه، رواه البخاري (٦/٤٦٩ رقم ٣٣٦٦، وطرفه في ٣٤٢٥)، ومسلم (٥/٣-٤ رقم ٥٢٠)..
٣ - في "ك": إن بكة..

### الآية 3:97

> ﻿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [3:97]

( فيه آيات بينات مقام إبراهيم ) قرىء :" فيه آية بينة " على الوحدان، وهي مقام إبراهيم، والمعروف :( فيه آيات بينات مقام إبراهيم ). 
من تلك الآيات : مقام إبراهيم : وهو الحجر الذي فيه أثر أصابع قدم إبراهيم، وكان قد بقي أثره فيه، فاندرس من كثرة المسح بالأيدي، وقيل مقام إبراهيم : جميع الحرم. 
ومن الآيات في البيت أيضا : أن الطير يطير فلا يعلو فوقه، كذا قيل، ومنها : أن الجارحة إذا قصدت صيدا، فإذا دخل الصيد الحرم كفت عنه، ومنها : أنه ما قصده جبار إلا قصمه الله - تعالى -، ومنها : أن المطر إذا أصاب الركن اليماني ؛ ( كان الخصب باليمن، وإن أصاب جانب الشام ) ( [(١)](#foonote-١) ) ؛ كان الخصب بالشام، وإن أصاب جميع الجوانب كان الخصب جميع الجوانب. 
وسبب هذا أن اليهود قالوا : قبلتنا أولى من قبلتكم ؛ فبيّن الله تعالى للمسلمين شرف قبلتهم ؛ فإنها خصت بأشياء ليست تلك لقبلتهم، وأن بيت المقدس قد حرق وهدم، وأما الكعبة فما قصدها جبار إلا قصمه الله تعالى. ( ومن دخله كان آمنا ) قال ابن عباس : هو ( الجاني ) ( [(٢)](#foonote-٢) ) يدخله، فيصير آمنا عن القتل فيه، ولكنه لا يؤاكل ولا يشارب، ولا يباع ولا يشاري حتى يخرج فيقتل. 
وقال الحسن وقتادة وعامة المفسرين - وهو الأصح - : إنه أراد الأمن عن تخطف الكفار بالقتل والغارة. وقيل : أراد به : ومن دخله كان آمنا في القيامة من العذاب. 
قوله - تعالى - :( ولله على الناس حج البيت ) قد ذكرنا معنى الحج. 
( من استطاع إليه سبيلا ) روى الحسن مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم **«أنه سئل عن الاستطاعة، فقال : الزاد والراحلة »**( [(٣)](#foonote-٣) )، وروى ابن عمر **«أنه صلى الله عليه وسلم سئل أيّ الحاج أفضل( [(٤)](#foonote-٤) ) ؟ فقال : الشعث، التفل. فقيل : أي الحج أفضل ؟ العج، والثج. قيل : ما السبيل ؟ قال : الزاد والراحلة »**( [(٥)](#foonote-٥) ). 
وقال مالك : الاستطاعة بقوة البدن، فمتى وجد الزاد، وقوى على المشي لزمه الحج، والأصح أن الاستطاعة : هي القدرة على ما يوصله إلى الحج، فمنها : الزاد، والراحلة، ومنها : أمن الطريق، ونفقة الأهل، ونحو ذلك. 
( ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ) الأصح : أنه أراد بالكفر : إنكار وجوب الحج، وقيل :**«إنه لما نزل ( قوله :( ولله ) ( [(٦)](#foonote-٦) ) على الناس حج البيت ) جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جميع الأديان، وقال : إن الله كتب عليكم الحج أيها الناس فحجوا، فصدقه المؤمنون، وكذبه الكافرون ؛ فنزل قوله :( ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ) »** ( [(٧)](#foonote-٧) ).

١ - ليست في "ك"..
٢ - في "ك": الخائف..
٣ - رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٤/٩٠)، وابن جرير في تفسيره (٤/١٢)، وسعيد بن منصور في سننه (٣/١٠٧٦ رقم ٥١٨)، والدارقطني في سننه (٢/٢١٨)، والبيهقي (٤/٣٢٧)..
٤ - ليست في "الأصل"، ولا "ك"..
٥ - رواه الترمذي (٣/١٧٧ رقم ٨١٣ مختصرا، و٥/٢٠٩-٢١٠ رقم ٢٩٩٨) بأتم مما هاهنا) وابن ماجة (٢/٩٦٧ رقم ٢٨٩٦)، والشافعي في مسنده (١/٢٨٤) وابن أبي شيبة (٤/٩٠) والدارقطني (٢/٢١٧)، والبيهقي (٤/٣٣٠). وقال الترمذي في الموضع الأول: هذا حديث حسن، والعمل عليه عند أهل العلم: أن الرجل إذا ملك زادا وراحلة وجب عليه الحج.
 وقال في الموضع الثاني: هذا حديث لا نعرفه من حديث ابن عمر إلا من حديث إبراهيم بن يزيد الخوزي المكي، وقد تكلم بعض أهل الحديث في إبراهيم بن يزيد من قبل حفظه.
 وقال ابن جرير الطبري في تفسيره (٤/١٣): فأما الأخبار التي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك بأنه الزاد والراحلة، فإنها أخبار في أسانيدها نظر، ولا يجوز الاحتجاج بمثلها في الدين..
٦ - في "ك": قول الله..
٧ - أخرجه الطبري في تفسيره (٧/٤٩-٥٠)، وسعيد بن منصور (٣/١٠٧٤ رقم ٥١٥). وزاد السيوطي فعزاه في الدر(٢/٦٣) لعبد بن حميد، وابن المنذر، كلهم عن الضحاك مرسلا..

### الآية 3:98

> ﻿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ [3:98]

قوله تعالى :( قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون ) أي : لا يخفى عليه ما تعملون، ويجازيكم عليه.

### الآية 3:99

> ﻿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [3:99]

قوله تعالى :( قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن ) أي :( لم تمنعون من آمن عن سبيل الله ) ( [(١)](#foonote-١) ) بكتمان نعت محمد ( تبغونها عوجا ) أي : تطلبون الزيغ عن السبيل، والعدول عنها بتغيير صفة محمد صلى الله عليه وسلم ( وأنتم شهداء ) يعني : أنتم عالمون أنه حق ؛ على ما ورد نعته وصفته ( وما الله بغافل عما تعملون ).

١ - في "ك": لم تنعون عن سبيل الله من آمن..

### الآية 3:100

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [3:100]

قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين ) يعني : يردونكم إلى اليهودية والنصرانية.

### الآية 3:101

> ﻿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ۗ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [3:101]

قوله تعالى :( وكيف تكفرون ) قال الأخفش سعيد بن مسعدة : على أي حال تكفرون ؟ !، وقال غيره : لم تكفرون ؟ ! ( وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ). 
فإن قال قائل : منعه إياهم عن الكفر ؛ يكون الرسول فيهم، يوهم إباحة الكفر في حال لا يكون الرسول فيهم، قيل : ولا يخلو حال من كون الرسول فيهم، فإنه اليوم وإن كان خارجا من بينهم، فشرعه قائم بينهم، فيكون كأنه فيهم. 
( ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صراط مستقيم ) أي : ومن يمتنع بالله، قيل : ومن يثق بالله، فقد أرشد إلى طريق مستقيم.

### الآية 3:102

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [3:102]

قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ) قال ابن مسعود : هو أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر. وقال قتادة :( الآية ) ( [(١)](#foonote-١) ) منسوخة بقوله :( فاتقوا الله ما استطعتم ) ( [(٢)](#foonote-٢) ) قال أهل المعاني : لا يستقيم النسخ فيه، وقوله ( فاتقوا الله ما استطعتم ) ( [(٣)](#foonote-٣) ) تفسير لهذه الآية ؛ لأن من أطاع الله في وقت وجوب الطاعة، وذكره في وقت وجوب الذكر، وشكره في موضع وجوب الشكر، فقد اتقى الله حق تقاته. 
وهذا لم يصر منسوخا، وقوله :( فاتقوا الله ما استطعتم ) ( [(٤)](#foonote-٤) ) موافق له ؛ لأن التقوى إن كان في موضع الأمر والوجوب، والأوامر والواجبات على قدر الاستطاعة، فتكون إحدى الآيتين موافقة للأخرى، فلا يستقيم فيه النسخ. 
( ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون )، فإن قال قائل : كيف نهاهم عن الموت على الكفر، والموت لا يدخل تحت الأمر والنهي ؟ ! قيل : معناه : دوموا على الإسلام، حتى إذا وافاكم الموت ألفاكم على الإسلام، هذا كما يقول الرجل لغيره : لا أريتك تفعل كذا. معناه : لا تفعل كذا، حتى إذا رأيتك ( لا ) ( [(٥)](#foonote-٥) ) أراك على فعله.

١ - في "الأصل" و"ك": الآباية، وهو خطأ..
٢ - التغابن: ١٦..
٣ - ليست في "ك"..
٤ - ليست في "ك"..
٥ - في "ك": طرفه..

### الآية 3:103

> ﻿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [3:103]

قوله تعالى :( واعتصموا بحبل الله جميعا ) قال ابن عباس : حبل الله : هو العهد. وقال قتادة ( والسدى ) ( [(١)](#foonote-١) ) : حبل الله : القرآن. وفي الخبر **«القرآن : حبل ممدود ( طرف ) بيد الله وطرف بأيديكم »** وقيل : الحبل : الطريق، حبل الله : طريق الله، وأنشدوا في ذكر الناقة قول الشاعر :

وإذا أُجَوِّزُها حِبَالَ قبيلةٍ  نزَلتْ من الأخرى إليكَ حُبالُها( [(٢)](#foonote-٢) )أي : طريقها. 
وأصل الحبل كل ما يوصلك إلى الشيء، فتفوز به، والعهد : حبل، والقرآن : حبل، ( ومنه ) ( [(٣)](#foonote-٣) ) الحبل المعروف ؛ لأنه يوصل إلى المقصود. 
( ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم ) سبب نزول الآية ما روى **«أن رجلين : أحدهما من الأوس، والآخر من الخزرج تسابا، فدعا كل واحد منهما قبيلته ؛ فثار الحيان، وضربوا بأيديهم إلى السيوف، وكاد يكون بينهم قتال، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج عليهم وهو على حمار، وقام بينهم ؛ فنزلت الآية، وتلا عليهم، فبكوا، ومشى كل واحد إلى صاحبه وتعانقوا، واصطلحوا وكفوا عن القتال »**( [(٤)](#foonote-٤) )، قال جابر : ما كان يوم أقبح أولا من ذلك اليوم، ولا أحسن آخر من ذلك اليوم. فقوله :( ولا تفرقوا ) الخطاب معهم ( واذكروا نعمة الله عليكم ) يعني : بالإسلام وبعث الرسول وإنزال الكتاب. 
( إذ كنتم أعداء ) لأن الأوس والخزرج كان بينهم قتال \[ دام \] ( [(٥)](#foonote-٥) ) مائة وعشرين سنة ( فألف بين قلوبكم ) يعني : بالإسلام ( فأصبحتم بنعمته إخوانا ) أي : في الدين( [(٦)](#foonote-٦) ). 
( وكنتم على شفا حفرة ) أي : طرف حفرة ( من النار فأنقذكم منها ). 
وقيل : نزلت الآية في مشركي العرب، والأول \[ أصح وهو \] ( [(٧)](#foonote-٧) )قول عكرمة. ( كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ) أي : ترشدون، وتسلكون طريق الحق. 
١ - رواه ابن أبي شيبة (١٠/٤٨١ رقم ١٠٠٥٥)، وعبد بن حميد، كما في المنتخب (ص ١٧٥ رقم ٤٨٣)، والطبراني في الكبير (٢٢/١٨٨ رقم ٤٩١)، وابن حبان –الإحسان- (١/٣٢٩-٣٣٠ رقم ١٢٢) والبيهقي في الشعب (٤/٥٠١ رقم ١٧٩٢) كلهم من حديث أبي شريح الخزاعي، وقال الهيثمي في المجمع (١/١٩٧): رجاله رجال الصحيح. وقال البيهقي في الشعب: ورواه الليث بن سعد، عن سعيد المقبري، عن نافع بن جبير، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا. قال البخاري هذا أصح. وانظر علل ابن أبي حاتم (٢/٥٦ رقم ١٦٥٣). وروى بنحوه عن علي بن أبي طالب مرفوعاً نسبه الحافظ ابن حجر في المطالب لإسحاق بن راهويه وقال: هذا إسناد صحيح – المطالب (٤/٦٥ رقم ٣٩٧٢)- وفي الباب عن جماعة من الصحابة..
٢ - وقع البيت في لسان العرب (مادة: حبل) كما يأتي:
 وإذا تجوّزها حبال قبيلة أخذت من الأخرى إليك حِبَالها.
٣ - في"ك": فمنه..
٤ - رواه ابن جرير عن عكرمة مرسلا..
٥ - في "الأصل"، و"ك": دائم..
٦ - في "ك": يعني بالدين..
٧ - ما بين المعكوفين تكرر بالأصل، وك..

### الآية 3:104

> ﻿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [3:104]

قوله تعالى :( ولتكن منكم أمة ) أي : كونوا أمة، وكلمة " من " - فيه - للجنس، لا للتبعيض، وهو مثل قوله :( فاجتنبوا الرجس من الأوثان ) ( [(١)](#foonote-١) ) والمراد به الاجتناب من جنس الأوثان كلها لا من بعض الأوثان، كذلك قوله :( ولتكن منكم أمة ) أي : كونوا أمة ( يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) أي : وأنتم المفلحون.

١ - الحج: ٣٠..

### الآية 3:105

> ﻿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [3:105]

قوله تعالى :( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا ) يعني : اليهود والنصارى. 
( من بعد ما جاءتهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه ) يعني : وأولئك لهم عذاب عظيم يوم القيامة

### الآية 3:106

> ﻿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [3:106]

ثم وصف ذلك اليوم، فقال :( يوم تبيض وجوه ) يعني : بالتوحيد ( وتسود وجوه ) بالشرك. وقيل : تبيض وجوه بالسنة، وتسود وجوه بالبدعة. وقيل : أراد به : في الدنيا تبيض وجوه بالقناعة، وتسود وجوه بالطمع. والأول أصح، ويشهد لذلك قوله تعالى :( وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة. . . ) ( [(١)](#foonote-١) ) الآية. 
وفي رواية أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم **«تسود وجوه الخوارج »**( [(٢)](#foonote-٢) ). ( فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم ) أي : يقال لهم : أكفرتم بعد إيمانكم ؟ ! فإن قال قائل : كيف كفروا بعد الإيمان ولم يكونوا مؤمنين قط ؟ قيل أراد به إيمان يوم الميثاق، وكفروا بعده. 
وقيل : أراد به : اليهود ؛ آمنوا بما كان في التوراة من نعت محمد، ثم كفروا، وغيروا. ( فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ).

١ - عيسى: ٣٨-٣٩..
٢ - رواه الترمذي (٥/٢١٠ رقم ٣٠٠٠) بطوله، وقال: حسن، وابن ماجة (١/٦٢ رقم ١٧٦)، وأحمد (٥/٢٦٢)، وعبد الرزاق في مصنفه (١٠/١٥٢ رقم ١٨٦٦٣)، وابن أبي شيبة (١٥/٣٠٧-٣٠٨ رقم ١٩٧٣٨)ـ وابن أبي حاتم في تفسير "آل عمران" (١/٤٦٥ رقم ١١٤٤)، والطبراني في الكبير (٨/٢٦٧ رقم ٨٠٣٣) وأعاده في غير موضع من كتابه، كلهم من حديث أبي أمامة مرفوعا..

### الآية 3:107

> ﻿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [3:107]

قوله تعالى :( وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله ) أي : في ثواب الله ( هم فيها خالدون ).

### الآية 3:108

> ﻿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۗ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ [3:108]

( تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين ) لأنه يعاقب من يعاقب عن استحقاق بالعدل

### الآية 3:109

> ﻿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [3:109]

( ولله ما في السموات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور ).

### الآية 3:110

> ﻿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ۚ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ [3:110]

قوله تعالى :( كنتم خير أمة ) فإن قال قائل : ما معنى قوله :( كنتم خير أمة ) ومتى كانوا بتلك الصفة ؟ قيل : أراد به : كنتم خير أمة في اللوح المحفوظ. 
وقيل : أراد به صرتم خير أمة إذا آمنتم. وقيل : يقال لهم يوم القيامة :( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ) فالمعروف : ما عرفه الشرع، والمنكر : ما أنكره الشرع. وفي الحديث :**«لتأمرون بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو يوشك أن يعمكم الله بعقابه »**( [(١)](#foonote-١) )، وقال صلى الله عليه وسلم :**«أفضل الشهداء بعد شهداء أحد : رجل قام إلى إمام جائر، فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله عليه »**( [(٢)](#foonote-٢) ). 
قوله :( وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم ) وهذا لاشك فيه. 
( منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ) لأنه آمن بعضهم، وكفر أكثرهم.

١ - رواه أبو داود (٤/١٢١-١٢٢ رقم ٤٣٣٦، ٤٣٣٧)، والترمذي (٥/٢٣٥ رقم ٣٠٤٧)، وابن ماجة (٢/١٣٢٨ رقم ٤٠٠٦)، وأحمد (١/٣٩١) والطبراني في الكبير (١٠/١٤٥-١٤٦ رقم ١٠٢٦٤، ١٠٢٦٨)، والبيهقي في الكبرى (١٠/٩٣) كلهم من حديث ابن مسعود، بعضهم اختصره، وبعضهم ذكره بطوله، وقد اختلف في أسانيده انظر علل الدارقطني (٥/٢٨٥-٢٨٨ رقم ٨٨٩) والسلسلة الضعيفة رقم (١١٠٤)..
٢ - سبق تخريجه في أول هذه السورة..

### الآية 3:111

> ﻿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ۖ وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ [3:111]

( لن يضروكم إلا أذى ) يعني : لا يضرونكم بأكثر من أذى وهو إضرار يسير، وأذى توقيعه باللسان. ( وإن يقاتلونكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ) أي : يهزمون وتكون النصرة لكم عليهم.

### الآية 3:112

> ﻿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [3:112]

قوله تعالى :( ضربت عليهم الذلة ) يعني : ذل الكفر : بالقتل، والسبي، والاغتنام ( أين ما ثقفوا ) أي : وجدوا. 
( إلا بحبل من الله ) يعني : عهد الذمة ( وحبل من الناس ) وهو عهد الأمان، يعني : أنهم يقتلون، ويؤسرون، إلا أن تكون لهم ذمة أو أمان. 
( وباءوا بغضب من الله ) رجعوا واحتملوا غضب الله، ( وقيل : لزمهم غضب الله ) ( [(١)](#foonote-١) ) من قولهم تبوأ مكان كذا أي : لزمه ( وضربت عليهم المسكنة ) أي : ذل الكفر، بزي الفقر، وذلك على اليهود، حتى لا يرى يهودي إلا على زي الفقر، وإن كان غنيا ( ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ).

١ - ليست في "ك"..

### الآية 3:113

> ﻿۞ لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ [3:113]

( ليسوا سواء ) يعني :( المؤمنين والكافرين ) ( [(١)](#foonote-١) ) ليسوا سواء، وهذا وقف تام، ثم ابتداء ( من أهل الكتاب أمة قائمة ) أي : عادلة، وقيل قائمة : مستقيمة على الحق، وقيل الأمة الطريقة المستقيمة، وهي طريقة الحق، وتقديره : من أهل الكتاب ذو أمة قائمة، ومنه قول النابغة :

أكْلَفْتَنِي ذنبَ امرئٍ وتركْتَهُ( [(٢)](#foonote-٢) )  وهلْ يأثمَن ذو أمةٍ وهو طائعُأي : ذو دين وطريقة. ( يتلون آيات الله آناء الليل ) : ساعات الليل، وأحدها : إناً، وأناً ( وهم يسجدون ) قال ابن مسعود : يعني : يصلون صلاة العتمة، وقيل أراد به الصلاة ما بين المغرب والعشاء وهو في آناء الليل. 
١ - في "ك": الكافرين والمؤمنين..
٢ - كذا جاء الشطر من البيت في "الأصل"، و"ك"، وفي لسان العرب (مادة: أمم):
 حَلَفْتُ ! فلم أترك لنفسك ريبةً.

### الآية 3:114

> ﻿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ [3:114]

( يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين ) وصفهم الله تعالى وشكرهم

### الآية 3:115

> ﻿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ [3:115]

( وما يفعلوا من خير فلن يكفروه ) أي : يجازون عليه. والله تعالى إذا جازى العبد على صنيعه، فقد شكره ( والله عليم بالمتقين ).

### الآية 3:116

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۚ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [3:116]

قوله تعالى :( إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا ) أي : لا تدفع أموالهم بالفدية، ولا أولادهم بالنصرة من عذاب الله ؛ وذلك أن الإنسان يدفع عن نفسه بفداء المال، وتارة بالاستعانة بالأولاد ( وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ).

### الآية 3:117

> ﻿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَٰذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [3:117]

( قوله ) ( [(١)](#foonote-١) ) :( مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر ) الصِرُّ في الريح : البرد، وقول الشاعر :

أَوْقِدْ فإنَّ الليلَ ليل قرِّ  والرّيحُ يا واقدُ ريْحُ صِرِّعسى \[ ما \] ( [(٢)](#foonote-٢) ) نرى نارا لمن يمرّ  إنْ جلبتْ ضيفاً فأنت حرُّ( أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته ) شبه إنفاقهم بزرع اجتاحته جائحة أو أصابته ريح باردة فأهلكته. 
واختلفوا في تلك النفقة : قال بعضهم : أراد به : إنفاق أبي سفيان يوم بدر وأحد على المشركين في قتال المسلمين، وقيل أراد به : إنفاق المرء الذي ينفق ماله رياء وسمعة، لا يبتغي وجه الله ( وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون ). 
١ - ليست في "ك"..
٢ - ليست في "الأصل"..

### الآية 3:118

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [3:118]

قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم ) أي : خواص من غير أهل ملتكم، وبطانة الرجل : خاصته، والذين يستنبطون أمره، ومنه : البطانة في الثوب ؛ لأنه يلي البطن والباطن، وهذا في النهي عن موالاة الكفار ( لا يألونكم خبالا ) أي : يقصرون في ( أمركم ) ( [(١)](#foonote-١) )، فيفسدون عليكم أمركم، والخبال : الفساد ( ودوا ما عنتم ) أي : يودون ما يشق عليكم، والعَنَت : المشقة، ومنه الأكَمه العنوت وهي الشاقة الصعود، قال السدي : أراد به : أنهم يودّون ردَّكم إلى الكفر والضلالة. 
( قد بدت البغضاء من أفواههم ) يعني : الوقيعة باللسان، ( وما تخفي صدورهم أكبر ) ( يعني : الذي : في صدورهم ) ( [(٢)](#foonote-٢) ) من الغيظ أعظم من الوقيعة باللسان ( قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ).

١ - في "ك": أموركم..
٢ - ليست في "ك"..

### الآية 3:119

> ﻿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ۚ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [3:119]

قوله تعالى :( ها أنتم أولاء ) يعني : أنتم يا هؤلاء، ( تحبونهم ) أي : تحبون إيمانهم، ( ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا ) يعني : باللسان. 
( وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم ) وهو عبارة عن شدة الغيظ ( إن الله عليم بذات الصدور ).

### الآية 3:120

> ﻿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ۖ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [3:120]

قوله تعالى :( إن تمسسكم حسنة ) أي : خصب ونصرة ( تسؤهم ) ( وإن تصبكم سيئة ) أي : قحط وبلاء ( يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا ) يعني : على الشدة والبلاء ( لا يضركم كيدهم شيئا ) ويقرأ " لا يَضِرْكُمْ " بكسر الضاد مخففا( [(١)](#foonote-١) )، والمعنى واحد ( إن الله بما يعملون محيط ).

١ - قرأ ابن عامر، وأبو جعفر، وحمزة، والكسائي، وعاصم بضم الضاد، ورفع الراء وتشديدها، وقرأ الباقون بكسر الضاد، وجزم الراء المخففة.
 انظر النشر (٢/٢٤٢)..

### الآية 3:121

> ﻿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [3:121]

قوله تعالى :( وإذ غدوت من أهلك ) يعني : واذكر إذ غدوت، ومعناه : خرجت غدوة من اهلك ) ( [(١)](#foonote-١) )، أي : من بيت عائشة ( تبوئ المؤمنين ) أي : تنزل المؤمنين ( مقاعد للقتال ) يعني : تنزلهم في مواضع القتال ومراكزه، يقال : بوأ فلانا مكان كذا، إذا أنزله فيه، قال ابن عباس : كان النبي صلى الله عليه وسلم يسمى لكل واحد من المسلمين مكانا من \[ القتال \] ( [(٢)](#foonote-٢) )، ويقيمه ». 
وهذا كان في حرب أحد، وهذه الآية إلى قريب من آخر السورة في حرب أحد ( والله سميع عليم ) أي : سميع بما قاله المنافقون، عليم بما أضمروا ؛ فيكون على وجه التهديد، وقيل : معناه :( والله سميع ) بما قاله المؤمنون، عليهم بما أضمروا ؛ فيكون على وجه المدح.

١ - في "ك" خرجت من غدوة أهلك..
٢ - في "الأصل"، و"ك": القتل..

### الآية 3:122

> ﻿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [3:122]

قوله تعالى :( إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا ) يعني : أرادت، وقصدت، والهمّ : القصد، وأما الطائفتان، فقد صح عن جابر أنه قال : أراد به : بني سلمة، وبني حارثة. والقصة في ذلك : ما روى **«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شاور أصحابه في الخروج إلى حرب أحد، فأشار بعضهم بالخروج، وبعضهم بالمكث بالمدينة، فاختار الخروج، وكان جيش المسلمين ألفا، فانخذل عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الجيش فهمت هاتان الطائفتان بنو سلمة وبنو حارثة أن يرجعوا( [(١)](#foonote-١) ) معهم، فثبتهما الله تعالى على المضي معه، فلم يرجعوا »**( [(٢)](#foonote-٢) )، فهذا معنى قوله :( إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا ) أي : أن تضعفا : وتجبنا ( والله وليهما ) أي : ناصرهما ومثبتهما على الحرب. 
قال جابر : ما وددنا أن تفشلا، وقال الله :( والله وليهما( [(٣)](#foonote-٣) ) وعلى الله فليتوكل المؤمنون ).

١ - في "ك": يرجعا..
٢ - رواه ابن جرير بطوله عن السدي مرسلا..
٣ - ليست في "ك"..

### الآية 3:123

> ﻿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [3:123]

قوله تعالى :( ولقد نصركم الله ببدر ) يذكر عليهم منته بالنصرة يوم بدر، وهو موضع بين مكة والمدينة، وسمى بدرا باسم الموضع، وقيل : سمى بدرا باسم رجل، وقيل باسم بئر ( وأنتم ذلة ) أي : قليل العدد ؛ لأنهم كانوا يوم بدر ثلثمائة وثلاثة عشر نفرا، قال علي : ولم يكن فينا فارس إلى المقداد، وكان منهم سبعة وسبعون من المهاجرين والباقون من الأنصار، وكان صاحب راية المهاجرين أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه -، وصاحب راية الأنصار قيس بن سعد بن عبادة. 
وكان لهم يومئذ قليل سلاح، فمنّ الله عليهم بالنصرة لهم ؛ مع قلة عددهم وعدتهم، ( فاتقوا الله لعلكم تشكرون ).

### الآية 3:124

> ﻿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ [3:124]

قوله تعالى :( إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم ) قيل : أراد به : في يوم بدر، وقيل : في يوم أحد، قال ابن عباس : ما قاتلت الملائكة في المعركة إلا يوم بدر. 
أي : يكفيكم ( أن يمدكم ربكم ) الإمداد : هو إعانة الجيش بالجيش، ومنه : المدد ( بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ).

### الآية 3:125

> ﻿بَلَىٰ ۚ إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [3:125]

قوله تعالى :( بلى إن تصبروا ) يعني : بلى وعدكم إن تصبروا على لقاء العدو، ( وتتقوا ) أي : وتحذروا مخالفة الرسول ( ويأتوكم من فورهم هذا ) قال ابن عباس والحسن وأكثر المفسرين : معناه : ويأتوكم من وجوههم هذا، وقيل معناه : من غضبهم هذا ؛ لأنهم إنما رجعوا للحرب يوم أحد من غضبهم ليوم بدر. 
( يمددكم ربكم بخمسة آلاف ) لم يرد به خمسة آلاف سوى ما ذكر من ثلاثة آلاف ؛ لأنهم أجمعوا على أن عدد الملائكة يومئذ خمسة آلاف، فكأنه جعل ما وعدهم من ثلاثة آلاف خمسة آلاف، وهذا نظير قوله تعالى :( بالذي خلق الأرض في يومين ) ( [(١)](#foonote-١) )، ثم قال بعده :( وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام ) ( [(٢)](#foonote-٢) ) ولم يرد به أربعة أيام سوى ذلك اليومين ؛ لأنه قال بعده :( فقضاهن سبع سموات في يومين ) ( [(٣)](#foonote-٣) ) وأجمعوا على أن خلق الكل كان في ستة أيام لا في ثمانية أيام، بل أراد به أربعة أيام مع ذلك اليومين كذا هذا. 
( من الملائكة مسومين ) يقرأ بفتح الواو، والمراد به المُعَلَّمِينَ، ويقرأ بكسر الواو( [(٤)](#foonote-٤) ) فيكون فعل التسويم : من الملائكة، والتسويم الإعلام بالعلامة، وهو من السومة، والسماء : وهو العلامة، واختلفوا في علامة الملائكة يومئذ كيف كانت ؟ قال عروة بن الزبير : كانت الملائكة على خيل يُلْق عليهم عمائم صُفْر. 
وقال الحسن : كانت عمائم بيض مرسلة خلف الظهور. وقال مجاهد : كانوا قد أعلموا من الصوف على أذناب الخيل ونواصيها ؛ وذلك سنة في خلق الشجعان، وقد قال صلى الله عليه وسلم :**«سوموا فإن الملائكة قد سومت »**( [(٥)](#foonote-٥) ).

١ - فصلت: ٩..
٢ - فصلت: ١٠..
٣ - فصلت: ١٢..
٤ - قرأ ابن كثير، وعاصم، ويعقوب، وأبو عمرو بكسر الواو، وقرأ الباقون بفتحها..
٥ - رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (١٢/٢٦١ رقم ١٢٧٦٨، ١٤/٣٥٨ رقم ١٨٥١٥)، وسعيد بن منصور في سننه (٢٨٦١)، وابن جرير في تفسيره (٤/٥٤) جميعهم عن عمير بن إسحاق مرسلا..

### الآية 3:126

> ﻿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ۗ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [3:126]

قوله تعالى :( وما جعله الله إلا بشرى لكم ) أي : بشارة لكم ( ولتطمئن قلوبكم به ) أي : بوعده النصرة ( وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ) يعني :( لا ) ( [(١)](#foonote-١) ) تختلوا بالنصرة عن الملائكة والجند، واعرفوا \[ أن \] ( [(٢)](#foonote-٢) ) النصر من عند الله.

١ - ليست في "ك"..
٢ - ليست في "الأصل" ولا "ك"..

### الآية 3:127

> ﻿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ [3:127]

( ليقطع طرفا من الذين كفروا ) أي : قطعة منهم، ومنه أطراف الإنسان ؛ لأنها قطع النفس، ثم من حمل الآية على حرب بدر، فقد كان ذلك القطع منهم يوم بدر ؛ فإنه قتل منهم سبعون وأسر سبعون ؛ أكثرهم رؤساؤهم، ومن حمل الآية على حرب أحد، فقد قتل منهم ستة عشر فيهم أصحاب الرايات، فكانت النصرة للمسلمين مالم يخالفوا أمر رسول الله، فلما خالفوا أمره ذهبت النصرة عنهم. 
قوله :( أو يكبتهم ) قال أبو عبيدة : أي : يهلكهم، وقيل معناه : يخزيهم، وهو أصح، وقيل معناه : أو يصرعنهم، والكب والكبت : الصرع على الوجه، وفيه قول رابع : يكبتهم بمعنى : يكبدهم، وذلك أن يحزنهم حتى وصل الحزن إلى أكبادهم ؛ والعرب تسمي الحزين : أسود الكبد من تأثير الحزن فيه \[ ومنه \] ( [(١)](#foonote-١) ) قول الشاعر :
الأعداءُ والأَكْبَادُ سودُ
( فينقلبوا خائبين ) أي : لا يدركون ما أمَّلوا، يقال : رجع فلان من الغيبة بالخيبة، إذا لم يدرك أمله.

١ - ليست في "الأصل" ولا "ك"..

### الآية 3:128

> ﻿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [3:128]

قوله تعالى :( ليس لك من الأمر شيء ) روى الزهري، عن سالم، عن أبيه عبد الله بن عمر :**«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلعن في القنوت قوما من المشركين مدة ؛ فنزل قوله :( ليس لك من الأمر شيء ) فترك اللعن في القنوت »**( [(١)](#foonote-١) )، وروى أنس «أنه صلى الله عليه وسلم شُجَّ رأسه يوم أحد، وكُسِرَت رباعيته، وأُدْمِيَ وجهه، وكان يأخذ الدم بكفِّه ويقول : كيف يفلح قوم خضَّبوا وجه نبيِّهم ؟ ! فنزل قوله :( ليس لك من الأمر شيء( [(٢)](#foonote-٢) ) ) ( [(٣)](#foonote-٣) ) وقيل : أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعوا عليهم بدعاء الاستئصال ؛ فنزل قوله :( ليس لك من الأمر شيء ) وذلك أنه تعالى علم أن فيهم من يسلم \[ أو يتوب \] ( [(٤)](#foonote-٤) ) ( أو يتوب عليهم أو يعذبهم ) إنما نصبه على نصب قوله :( ليقطع طرفا ) ومعناه : ليس لك من الأمر شيء ؛ فإن تبتُ عليهم، أو عذّبتُهم، فأمرك متابع لأمري، أي : إن تبتُ عليهم، فبرحمتي، وإن عذّبتُهم، فبظلمهم. 
فإن قال قائل : أي اتصال لقوله :( أو يتوب عليهم ) بقوله ( ليس لك من الأمر شيء ) ؟ قيل : معناه : ليس لك من الأمر شيء، حتى يتوب عليهم، أو إلى أن يتوب عليهم، ومثله قول امرئ القيس :

فقلتُ لها لا تَبْكِ عَينُكِ إنّما  نحاولُ مُلْكَا أو نموت فَنُعْذَرَاأي : حتى نموت، فنعذرا، ويحتمل أنه على نسق قوله : ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ليس لك من الأمر شيء. والأمر أمري في ذلك كله. 
١ - رواه البخاري في صحيحه (٧/٤٢٢-٤٢٣ رقم ٤٠٦٩ وأطرافه في ٤٠٧٠، ٤٥٥٩، ٧٣٤٦). والترمذي (٥/٢١٢ رقم ٣٠٠٤، ٣٠٠٥)، والنسائي (٢/٢٠٣ رقم ١٠٧٨) وفي الكبرى (٦/٣١٤ رقم ١١٠٧٥، ١١٠٧٦)، وأحمد (٢/٩٣، ١٠٤، ١١٨، ١٤٧)، وابن خزيمة في صحيحه (١/٣١٥ رقم ٦٢٢، ٦٢٣) وابن حبان –الإحسان- (٥/٣٢٥-٣٢٧ رقم ١٩٨٧، ١٩٨٨)..
٢ - رواه مسلم في صحيحه (١٢/٢٠٧ رقم ١٧٩١)، والبخاري تعليقا (٧/١٤٢٢)، والترمذي في سننه (٥/٢١١-٢١٢ رقم ٣٠٠٢، ٣٠٠٣)، وقال: حسن صحيح، والنسائي في الكبرى كتاب التفسير (٦/٣١٤ رقم ١١٠٧٥، ١١٧٠٦)، وابن ماجة (٢/١٣٣٦ رقم ٤٠٢٧)..
٣ - في "ك" زيادة مقحمة؛ وهي: «وذلك أنه تعالى علم أن فيهم ولعله انتقال نظر من الناسخ لما سيأتي..
٤ - من "ك"..

### الآية 3:129

> ﻿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [3:129]

قوله تعالى :( ولله ما في السموات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم )

### الآية 3:130

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [3:130]

( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة ) قد ذكر الربا في سورة البقرة، وأعاد ذكره ها هنا تأكيدا، والأضعاف المضاعفة : هو ما كانوا يفعلونه من تبعيد الأجل بزيادة الدين. ( واتقوا الله لعلكم تفلحون ) أي : كونوا على رجاء الفلاح، يعني : من ترك الربا وفيه الفلاح، وفي عطاء الربا الهلاك. 
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه( [(١)](#foonote-١) ) - :**«ما هلك قوم إلا وقد فشا فيهم الربا والزنا »**، \[ و \] ( [(٢)](#foonote-٢) ) عنه أيضا :**«\[ كثير \] ( [(٣)](#foonote-٣) ) الربا إلى قلة »**.

١ - في "ك": عنهما، وهو خطأ..
٢ - من "ك"..
٣ - في "الأصل وك": كثر..

### الآية 3:131

> ﻿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [3:131]

قوله تعالى :( واتقوا النار التي أعدت للكافرين ) وهي معدة للكافرين ؛ فإنها دار الخلود لهم

### الآية 3:132

> ﻿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [3:132]

( وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون ) أي : كونوا على رجاء الرحمة.

### الآية 3:133

> ﻿۞ وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [3:133]

قوله تعالى :( وسارعوا إلى مغفرة ) أي : بادروا إلى مغفرة ( من ربكم )، قال ابن عباس : معناه : بادروا إلى التوبة التي هي سبب المغفرة. وقيل : أراد به : سؤال المغفرة. وفيه قول غريب أنه التكبيرة الأولى. 
( وجنة عرضها السموات والأرض ) أي : سعتها كسعة السموات والأرض. 
\[ وفي الخبر :**«أن النبي صلى الله عليه وسلم : سئل إذا كانت الجنة عرضها السموات والأرض \] ( [(١)](#foonote-١) ) فأين النار ؟ قال - عليه الصلاة السلام - : فإذا جاء الليل، فأين يذهب النهار ؟ \[ وإذ \] ( [(٢)](#foonote-٢) ) جاء النهار فأين يذهب الليل ؟ »**( [(٣)](#foonote-٣) ) ومعناه - والله أعلم - أنه حيث يشاء الله. 
فإن قيل : قد قال الله تعالى :( وفي السماء رزقكم وما توعدون ) ( [(٤)](#foonote-٤) )، وأراد بالذي وَعَدَنَا الجنة، فإذا كانت في السماء، فكيف يكون عرضها السموات والأرض ؟ قيل : إن باب الجنة في السماء وعرضها السموات والأرض كما أخبر. 
وقيل : أراد به في القيامة، فإن الله يزيد فيها، فيصير عرضها السموات والأرض إذا ( وصلت السموات والأرض ) ( [(٥)](#foonote-٥) ) بعضها ببعض، وأما طولها \[ فلا يعلمه \] ( [(٦)](#foonote-٦) ) إلا الله. 
( أعدت للمتقين )

١ - ليست في "ك"..
٢ - في "ك": فإذا، وهو خطأ..
٣ - رواه البزار – كما في مختصر الزوائد (٢/٧٦ رقم ١٤٥٢)، والحاكم في المستدرك (١/٣٦) من حديث أبي هريرة مرفوعا، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين وابن حبان في صحيحه –الإحسان (١/٣٠٦-٣٠٧ رقم ١٠٣) وقال الهيثمي في المجتمع (٦/٣٣٠): رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح..
٤ - الذاريات: ٢٢..
٥ - في "ك": إذا وصلت السماء بعضها ببعض..
٦ - في "الأصل": فلا يعلم..

### الآية 3:134

> ﻿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [3:134]

( الذين ينفقون في السراء والضراء ) أي : في ( اليسر والعسر ) ( [(١)](#foonote-١) ) ( والكاظمين الغيظ ) كَظْمُ الغيظ : هو أن يمتلئ غيظا ؛ فيمنع نفوذه، من قولهم : كَظَمَ البعيرُ بُجْرَتَه ( [(٢)](#foonote-٢) ) إذا ردها إلى جوفه، وفي الخبر :**«من امتلأ غيظا، وكظمه خيَّره الله في الحور العين »** ( [(٣)](#foonote-٣) ). 
( والعافين عن الناس ) قيل : عن المماليك سوء الأدب، وقيل : على العموم عن كافة الناس، ( والله يحب المحسنين ).

١ - في "ك": العسر واليسر..
٢ - في "الأصل": يجدته، وفي "ك": لجدته..
٣ - رواه أبو داود (٤/٢٤٨ رقم ٤٧٧٧)، والترمذي (٤/٥٦٧-٥٦٦ رقم ٢٤٩٣) وقال حسن غريب، وابن ماجة (٢/١٤٠٠ رقم ٤١٨٦)، وأحمد (٣/٤٣٨، ٤٤٠) والطبراني في الكبير (٢٠/١٨٨-١٨٩ رقم ٤١٥، ٤١٦، ٤١٧) وفي الأوسط – كما في مجمع البحرين (٤/١٥٩-١٦٠ رقم ٢٢٥٥)، وفي الصغير (٢/٢٥٠ رقم ١١١٢)، وأبو نعيم في الحلية (٨/٤٧، ٥٥)، والبيهقي في الكبرى (٨/١٦١) كلهم من حديث معاذ بن أنس بمعناه..

### الآية 3:135

> ﻿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [3:135]

قوله تعالى :( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ) : ما دون الزنا من القبلة، والمعانقة، واللمس، والضم، ونحوه ( ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ) سبب نزول الآية ما روى : أن رجلا بالمدينة - يقال له : نبهان - كان تمَّارا فجاءته امرأة تشتري منه التمر، فأعجبه جمالها فَقَبَّلَهَا، فذكر الله، وندم واستغفر ؛ فنزلت الآية. 
( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله ) أي : ذكروا وعيد الله ( فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا ) الإصرار هو المقام على المعصية من غير توبة، فقوله :( ولم يصروا ) أي : ولم يقيموا، ولم يمضوا ( على ما فعلوا وهم يعلمون ) أن الله لا يتعاظمه العفو عن الذنب، وإن أكثر الذنب، وقد روى عن معبد بن صبيحة أنه قال : صليت خلف عثمان، فلما أنصرف من صلاته قال : إن الله تعالى يقول :( ولم يصروا على ما فعلوا ) وأنا قد صليت من غير طهارة ناسيا، وها أنا أتوضأ، فذهب ( وتوضأ ) ( [(١)](#foonote-١) ) وأعاد الصلاة.

١ - في "ك" القضاء، وهو تحريف..

### الآية 3:136

> ﻿أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [3:136]

( أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين ) ذكر في هذه الآية جزاء الذاكرين، والمستغفرين، وقد ورد في الاستغفار أخبار : منها ما روى مرفوعا :**«ما أصر من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرة »** ( [(١)](#foonote-١) ). 
وروى أسماء بن الحكم الفزاري عن علي أنه قال : إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا، ينفعني الله به ما شاء، وإذا سمعت من غيره ( حلَّفته ) ( [(٢)](#foonote-٢) ) عليه، فإذا حلف صدقته وحدثني أبو بكر - وهو صادق - : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«ما من عبد يذنب ذنبا، فتوضأ، وصلى ركعتين واستغفر ( الله ) ( [(٣)](#foonote-٣) ) إلا غفر الله له »** ( [(٤)](#foonote-٤) ). 
واعلم أن الاستغفار تسهيل للأمر على هذه الأمة، فإن الذين قبلنا كان الواحد منهم إذا أذنب ذنبا يظهر على بابه ( أن اقطع ) ( [(٥)](#foonote-٥) ) من نفسك عضو كذا، وكان لا بد له منه، وقد أخرج الله - تعالى - هذه الأمة عن الذنوب بالاستغفار ؛ كرامة لهم ؛ وتيسيرا عليهم. 
وسئل ابن المعتز : إذا كان الله - تعالى - واسع المغفرة، وسعت رحمته كل شيء فما يمنعه أن يرحم الكافر ؟ فقال : إنّ رحمته لا تغلب حكمته.

١ - رواه أبو داود (٢/٨٤ رقم ١٥١٤)، والترمذي (٥/٥٢١ رقم ٣٥٥٩) وقال: غريب؛ إنما نعرفه من حديث أبي نصيرة وليس إسناده بالقوي، والبزار في مسنده (١/٢٠٥ رقم ٩٣)، وأبو يعلى في مسنده (١/١٢٤-١٢٥ رقم ١٣٧، ١٣٨، ١٣٩) والطبري في التفسير (٤/٦٤)، وابن أبي حاتم في تفسير **«آل عمران»** (١/٥٥٤-٥٥٥) كلهم من حديث أبي بكر الصديق –رضي الله عنه-..
٢ - في "ك": فلقيه. وهو تحريف واضح..
٣ - لفظ الجلالة ليس في "ك"..
٤ - رواه أبو داود (٢/٨٦ رقم ١٥٢١)، والترمذي (٢/٢٥٧-٢٥٨ رقم ٤٠٦، ٥/٢١٢-٢١٣ رقم ٣٠٠٦) وقال: حسن والنسائي في الكبرى (٦/١٠٩-١١٠ رقم ١٠٢٤٧، ١٠٢٥٠)، و(٦/٣١٥ رقم ١١٠٧٨)، وابن ماجة (١/٤٤٦ رقم ١٣٩٦) وأحمد (١/٢، ٨-٩، ٩، ١٠) وابن أبي شيبة (٢/٣٨٧-٣٨٨)، والطيالسي (ص ٢ رقم ١) والبزار (١/٦١-٦٤ رقم ٨-١١)، وأبو يعلى في مسنده (١/١١ رقم ٢) و(١/٢٣-٢٦ رقم ١١-١٥) والطبري في التفسير (٤/٦٣)، وابن حبان (٢/٣٨٩-٣٩٠ رقم ٦٢٣)..
٥ - في "ك": فإذا قطع..

### الآية 3:137

> ﻿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [3:137]

قوله تعالى :( قد خلت من قبلكم سنن ) قرأ ابن مسعود :" قد مضت "، وهو بمعنى خلت. السنة : هي الطريقة المتبعة في الخير والشر. 
وقد قال صلى الله عليه وسلم في المجوس :**«سنوا بهم سنة أهل الكتاب »** ( [(١)](#foonote-١) ) وكانت شرا لهم. 
**وقال الشاعر :**

وإن الآلى بالطَّفِّ مِنْ آلِ هاشمٍ  تَأَسَّوْا فسنّوا للكرام التأسِّيّاقال ابن عباس : سنن \[ الذين \] ( [(٢)](#foonote-٢) ) من قبلكم، وهي وقائع الله على الكفار. وقال غيره : هي الأعلام والآثار التي كانت. وحقيقة المعنى : أنها طرائق الله في الكفار، وبقتلهم، وسَبْيهم وتخريب ديارهم، ونحوه، قال الزجاج :( قد خلت من قبلكم ( [(٣)](#foonote-٣) ) سنن ) أي : أهل سنن. ( فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ). 
١ - رواه مالك في الموطأ (١/٢٧٨)، والشافعي في مسنده (ترتيب المسند ٢/١٣٠ رقم ٤٣٠)، وعبد الرزاق في مصنفه (٦/٦٨-٦٩ رقم ١٠٠٢٥)، وابن أبي شيبة (٣/٢٢٤)، و(١٢/٢٤٣)، وأبو عبيد في الأموال (ص ٤٠ رقم ٧٨)، وأبو يعلى (٢/١٦٨ رقم ٨٦٢)، والبزار (٣/٢٦٤ – ٢٦٥ رقم ١٠٥٦) والدارقطني في العلل (٤/٣٠٠ رقم ٥٧٨)، والبيهقي في سننه (٩/١٨٩-١٩٠) كلهم من حديث عبد الرحمن بن عوف –رضي الله عنه- مرفوعا..
٢ - من "ك"..
٣ - في "ك": قبلهم..

### الآية 3:138

> ﻿هَٰذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [3:138]

قوله تعالى :( هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ) قال الشعبي : بيان من العَمَى، وهدى من الضلالة، وموعظة من الجهل ؛ فالبيان : هو إظهار معنى الكلام، والموعظة : هي الدعاء إلى الحق بالترغيب والترهيب.

### الآية 3:139

> ﻿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [3:139]

قوله تعالى :( ولا تهنوا ولا تحزنوا ) أي : ولا تضعفوا، ولا تجبنوا، ولا تحزنوا، ( وأنتم الأعلون ) أي : تكون لكم العاقبة والنُّصْرة. 
وقيل : إنما قال ( وأنتم الأعلون ) ؛ لأن المسلمين كانوا على الجبل، والمشركين في أسفل الجبل، وقوله :( إن كنتم مؤمنين ) أي : لا تهنوا إن كنتم مؤمنين ؛ لأن الإيمان يزيد القوة فلا يورث الوَهَن.

### الآية 3:140

> ﻿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [3:140]

قوله - تعالى - :( إن يمسسكم قرح ) تقرأ : بفتح القاف، وضمنها ( [(١)](#foonote-١) )، وقال الفراء : القَرْحُ - بالفتح - : الجِرَاحة، والقُرْح : الألم، وقال الكسائي : هما عبارتان عن معنى واحد. والأكثرون على القول الأول، وقوله :( إن يمسسكم قرح ) خطاب للمسلمين فيما مسّهم يوم أحد ( فقد مس القوم قرح مثله ) أي : مسّ الكفار يوم بدر ( قَرْحَ ) ( [(٢)](#foonote-٢) ) مثل ما مسّكم يوم أحد. 
( وتلك الأيام نداولها بين الناس ) : فتارة تكوم الدولة للمسلمين على الكفار، وتارة للكفار على المسلمين، قال الزجاج : الدولة تكون للمسلمين على الكفار، وقد كانت الدولة للكفار على المسلمين ؛ لما خالفوا أمر الرسول، فإن لم يخالفوا أمره كانت الدولة للمسلمين أبدا ؛ لقوله تعالى :( وإن جندنا لهم الغالبون ) ( [(٣)](#foonote-٣) ) ؛ وقوله تعالى :( فإن حزب الله هم الغالبون ) ( [(٤)](#foonote-٤) ). 
( وليعلم الله الذين آمنوا )، قرأ ابن مسعود :" وليبلي الله الذين آمنوا "، والقراءة المعروفة :( وليعلم )، فإن قال قائل : ما معنى قوله :( وليعلم الله الذين آمنوا )، وهو عالم بهم أبدا ؟ قيل : معناه : وليعلم الصابرين على الجهاد في مواطن الجهاد ليعاملهم معاملة من يبتليهم ؛ فيعلمهم، والعلم بالجهاد في مواطن الجهاد إنما يقع بعد وقوع الجهاد، وقيل : العلم الأول : علم الغيب، وقوله :( وليعلم ) يعني : علم المشاهدة، والوقوع والمجازة على علم الوقوع لا على علم الغيب. 
( ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين ) يعني : أنه ما جعل اليد للكفار يوم أحد لحبه إياهم ؛ ولكن ليبتليكم، ويجعلكم شهداء. 
١ - قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر بضم القاف، وقرأ الباقون بفتحها..
٢ - ليست في "ك"..
٣ - الصافات: ١٧٣..
٤ - المائدة: ٥٦..

### الآية 3:141

> ﻿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [3:141]

قوله تعالى :( وليمحص الله الذين آمنوا ) وكل هذا على نسق قوله :( ليقطع طرفا ) ( [(١)](#foonote-١) ) ( وكذلك ) ( [(٢)](#foonote-٢) ) قوله :( وليعلم الله الذين آمنوا ) وأما التمحيص : قيل : هو \[ التخليص \] ( [(٣)](#foonote-٣) ) وهو قول الحسن، وقال مجاهد : هو بمعنى : الابتلاء، وحقيقة معنى التمحيص : التطهير من الذنوب، تقول العرب : محص عنا ذنوبنا أي : طهرنا من الذنوب. 
( ويمحق الكافرين ) \[ معنى \] ( [(٤)](#foonote-٤) ) الآية : أنهم إن قتلوكم ؛ فذلك تطهير لكم، وإن قتلتموهم فذلك محق لهم واستئصال.

١ - آل عمران: ١٢٧..
٢ - ليست في "ك"..
٣ - في "الأصل وك": التلخيص..
٤ - ليست في "الأصل"، و"ك"..

### الآية 3:142

> ﻿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [3:142]

قوله تعالى :( أم حسبتم ) أي :\[ أحسبتم \] ( [(١)](#foonote-١) ) ( أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ) أي : ولم يعلم الله الذين وقع منهم الجهاد، ( ويعلم الصابرين ).

١ - في "الأصل وك": حسبتم..

### الآية 3:143

> ﻿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [3:143]

قوله تعالى :( ولقد كنتم تمنون الموت ) سبب نزول الآية أن الذين تخلفوا من حرب بدر من المسلمين قالوا لما انقضت حرب بدر : لو كان لنا يوم مثله فنقاتل ونقتل ونستشهد، فلما كان يوم أحد انهزموا، وهربوا ؛ فنزلت الآية. 
( ولقد كنتم تمنون الموت ) أي : سبب الموت وهو الجهاد ؛ إذ لا يجوز أن يتمنى الموت بقتل الكافر إياه ( من قبل أن تلقوه ) أي : تلقون سببه من الجهاد ( فقد رأيتموه وأنتم تنظرون )، فإن قيل : ما معنى قوله :( وأنتم تنظرون )، وقد قال :( فقد رأيتموه ) ؟ ( قيل ) ( [(١)](#foonote-١) ) : يحتمل \[ أن تكون \] ( [(٢)](#foonote-٢) ) الرؤية بمعنى العلم ؛ فقال :( وأنتم تنظرون ) ليُعْلَم أن المراد بالرؤية هاهنا : التفكر، قاله الأخفش، وقيل : إنما قاله تأكيدا، وقيل : معناه : وأنتم تنظرون إلى محمد.

١ - ليست في "ك"..
٢ - ليست في "الأصل"، ولا "ك"..

### الآية 3:144

> ﻿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [3:144]

قوله تعالى :( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ) سبب نزول الآية أن المسلمين يوم أحد لما وقعت الهزيمة عليهم، ووقع القتل فيهم ؛ صاح الشيطان - عليه ما يستحق - : ألا إن محمدا \[ قد \] ( [(١)](#foonote-١) ) قتل، فقال المسلمون : خذوا لنا الأمان من أبي سفيان، وقال من كان في قلبه نفاق : ارجعوا إلى دينكم الأول، فإن محمدا قد قتل ؛ فنزل قوله :( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ) يعني : هو على رسالته ونبوته مات أو قتل، فلِمَ انقلبتم على أعقابكم ؟ ! ( ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا ) أي : إنما ضر نفسه، ( وسيجزي الله الشاكرين ). 
وروى : أن \[ أنس بن النضر \] ( [(٢)](#foonote-٢) ) **«لما سمع قول الشيطان : إن محمدا قتل، اخترط سيفه وتوجه إلى الكفار، وقال : إن قاتل محمد وقتل، ووصل إلى ما وصل، فأنا أقاتل حتى أقتل، وأصل إلى ما وصل إليه، فقاتل حتى قتل »**. 
وقال كعب بن مالك : أنا أول من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد بعد صياح الشيطان، عرفته بعينيه تحت المغفر، فقلت : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم حي، فأشار إلىّ أن اسكت » ( [(٣)](#foonote-٣) ).

١ - من "ك"..
٢ - في "الأصل وك": النضر بن أنس. وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه، وهو عم أنس بن مالك، انظر ترجمته في الإصابة (١/٨٤)..
٣ - ذكره ابن هشام في سيرته (٣/٢٦): قال ابن إسحاق: ذكر لي ابن شهاب الزهري، يعني مرسلا..

### الآية 3:145

> ﻿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ۗ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ [3:145]

قوله تعالى :( وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله ) تقديره : وما كانت نفس لتموت إلا بإذن الله بقضائه وقدره ( كتابا مؤجلا ) تقديره : كتب كتابا مؤجلا. 
( ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ) فإن قيل : نحن نرى من يريد الدنيا، فلا يؤتى ؟ قيل : معناه : لا يمنع عنه ما قدر له من ثواب الدنيا بسبب كفره. 
( ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها ) فإن قيل : وهل يؤتى ثواب الآخرة بمجرد الإرادة ؟ قيل معناه : ومن يرد بالعمل، وهذا كما يقال : فلان يريد الجنة، أي : يعمل للجنة ( وسنجزي الشاكرين ) يعني : المؤمنين، قال عليّ - رضي الله عنه - : أبو بكر إمام الشاكرين. أي : إمام المؤمنين، رضي الله عنه.

### الآية 3:146

> ﻿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [3:146]

قوله تعالى :( وكأين من نبي \[ قاتل \] ( [(١)](#foonote-١) ) معه ربيون كثير ) أي : وكم من نبي قُتِلَ قال جرير :

وكأين بالأباطح من صديق  يراني إن أصبت هو المصاباقال عكرمة : هذا وقف تام، ومعناه : كم نبي قُتل ومعه أصحابه. 
( فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله ) أي : ما جبنوا ( وما ضعفوا وما استكانوا ) أي : ما ذلوا، وما خضعوا، وقال الحسن : ما قتل نبي في معركة قط، وإنما معنى الآية : وكأين من نبي قُتل معه ربيون كثير، وأما القراءة الأخرى :" قاتل معه ربيون كثير » فمعناه ظاهر، وأما الربيون قال ابن مسعود : هم ألوف، وقيل : هم عشرة آلاف. قال الحسن : الربيون من العلماء مأخوذ من الرّب ؛ لأنهم على دين الرب وطريقه. 
قوله تعالى :( والله يحب الصابرين
١ - في "الأصل وك": قتل، وهي قراءة نافع، وابن كثير، ويعقوب، وأبو عمرو. انظر النشر (٢/٢٤٢)..

### الآية 3:147

> ﻿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [3:147]

( وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا ) أي : الصغائر ( وإسرافنا في أمرنا ) أي : الكبائر، ( وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ).

### الآية 3:148

> ﻿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [3:148]

قوله تعالى :( فآتاهم الله ثواب الدنيا ) يعني :( النصرة ) ( [(١)](#foonote-١) ) والغنيمة. 
( وحسن ثواب الآخرة ) قال ابن عباس : هو أن الله ينزل النبي وأصحابه في قباب من در وياقوت حتى يفصل بين الخلق، وقيل، حسن ثواب الآخرة : أن يجازيهم على عملهم ويزيدهم من فضله ( والله يحب المحسنين ).

١ - في "ك": النصر..

### الآية 3:149

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ [3:149]

قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا ) يعني : اليهود والنصارى ( يردوكم على أعقابكم ) يعني : إلى اليهودية والنصرانية. 
وقيل : أراد به المنافقين الذين قالوا يوم أحد : ارجعوا إلى دينكم الأول ؛ فإن محمدا قد قتل، فهذا معنى قوله تعالى :( يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين ) أي : مغبونين.

### الآية 3:150

> ﻿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ [3:150]

_لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب._

### الآية 3:151

> ﻿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ۖ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۚ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ [3:151]

قوله تعالى :( سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب ) يعني : الخوف، قال صلى الله عليه وسلم :**«نصرت بالرعب مسيرة شهر »** ( [(١)](#foonote-١) ) ( بما أشركوا بالله ) أي : بشركهم بالله ( ما لم ينزل به سلطانا ) أي : الذي لم يُنَزِّل به حجة، والسلطان : الحُجّة، قال الله تعالى ( هلك عني سلطانيه ) ( [(٢)](#foonote-٢) ) أي : حجتي. 
( ومأواهم النار ) مكانهم النار ( وبئس مثوى الظالمين ) سبب نزول الآية : أن الهزيمة لما وقعت على المسلمين يوم أحد، ووقع القتل فيهم، تشاور المشركون فيما بينهم، وأجمعوا على أن يعودوا للقتال، فيستأصلوا محمدا وأصحابه فألقى الله تعالى الرعب في قلوبهم، فمروا على وجوههم لا يلوون على شيء حتى بلغوا مكة، فذلك قوله تعالى :( سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب ).

١ - متفق عليه من حديث جابر، رواه البخاري في صحيحه (١/٥١٩ رقم ٣٣٥)، ومسلم (٥/٥ رقم ٥٢١)..
٢ - الحاقة: ٢٩..

### الآية 3:152

> ﻿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ ۚ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [3:152]

قوله تعالى :( ولقد صدقكم الله وعده ) أي : وعده صدقكم بالظفر والنصرة ؛ وقد كانت النصرة في الابتداء للمسلمين يوم أحد ( إذ تحسونهم بإذنه ) أي : تقتلونهم بقضاء الله وقدره، والحَسّ : القتل، ومنه قول الشاعر :

تَحُسُّهُم السُّيوفُ كما تَسَامَى  لهيبُ النارِ في أَجَمِ الحَصِيدِ( حتى إذا فشلتم ) أي : جَبُنتم، ( وتنازعتم في الأمر ) تقديره : حتى إذا فشلتم، تنازعتم في الأمر، و " الواو " زائدة قاله الفراء، وقيل : فيه تقديم وتأخير وتقديره : حتى إذا تنازعتم في الأمر، فشلتم ( وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون ) يعني : من الظفر والغنيمة. 
( منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ) ؛ لأنهم اختلفوا على ما سنذكر ( ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ) أي :\[ كف \] ( [(١)](#foonote-١) ) أيديكم عنهم ؛ ليمتحنكم، وقيل : لينزل البلاء عليكم، ( ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين )، والقصة في ذلك :«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في منامه : أنه لبس درعا حصينة حين نزل المشركون بأحد ؛ فأولها على المدينة، وشاور أصحابه في الخروج إلى أحد، فقالوا : إن هذه بلدة ما دخل علينا فيها أحد، ولا تبع حتى قدم وحتى يخرج إليهم، فلبس رسول الله درعين، ووضع المغفر على رأسه، وخرج ؛ فندموا وعلموا أنه كان مراده أن يقيم، فقالوا : يا رسول الله، ( إنا ) ( [(٢)](#foonote-٢) ) تبع لرأيك، وطلبوا منه أن يرجع إن شاء، فقال : ما كان لنبي إذا لبس لامته أن ينزعها حتى يقاتل، أو يحكم الله. 
ومضى معه ألف نفر، فانخذل عبد الله بن أبي بن سلول \[ وأصحابه \] ( [(٣)](#foonote-٣) ) بثلث الجيش ثلثمائة نفر، وبقي سبعمائة، فلما وصل إلى أحد بعث قوما من الرماة، وأجلسهم على موضع من جبل يخاف منه الكمين، وأمر عليهم عبد الله بن جبير الأنصاري. ثم ابتدأ القتال مع المشركين، فظفر عليهم، وقتل جماعة من رؤسائهم، وانهزموا، ولاح الظفر للمسلمين، وساروا في أثرهم للغنيمة، فلما رآه الرماة، فقالوا : إن المشركين قد انهزموا، ولاح الظفر حتى نسير على أثرهم ؛ ونغنم، فقال عبد الله بن جبير : لا تفارقوا هذا المكان ؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمركم أن تلزموا هذا المكان، فالزموه، فاختلفوا عليه، وذهب أكثرهم، وبقي عبد الله بن جبير مع نفر قليل من أصحابه. 
فلما عرى موضع الكمين عن الرماة، خرج عليهم خالد بن الوليد من الكمين، وحمل عليهم بالقتل، فاستشهد عبد الله بن جبير، ومن بقي معه، وعاد المشركون للقتال، ووقع القتل في المسلمين، وقتل منهم سبعون نفرا، وانهزم الباقون، وبقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر قليل، فذلك قوله ( ولقد صدقكم الله وعده ) أي : في الابتداء بالظفر والنصرة ( إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر ) يعني : أولئك الرماة الذين اختلفوا، ( وعصيتم ) يعني : عصيتم الرسول، وخالفتم أمره ( من بعد ما أراكم ) يعني : من بعد أن أراكم الله تعالى ( ما تحبون ) من الظفر ( منكم من يريد الدنيا ) هم الذين ذهبوا للغنيمة، ( ومنكم من يريد الآخرة ) : الذين صبروا مع عبد الله بن جبير ( [(٤)](#foonote-٤) ). 
قال ابن مسعود : ما علمنا أن أحدا منا يريد الدنيا حتى أنزل الله هذه الآية. 
( ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ) يعني : في الوقعة الثانية حين عاد المشركون، وهذا دليل لأهل السنة على : أن أفعال العباد مخلوقة ؛ حيث نسب الله تعالى هزيمة المسلمين إلى نفسه مع وقوع الفعل منهم، فقال :( ثم صرفكم عنهم ). 
١ - في "الأصل وك": كَيَّف..
٢ - ليست في "ك"..
٣ - من "ك"..
٤ - أورده السيوطي في الدر مطولا (٢/٧٥-٧٦) وعزاه لابن إسحاق وعبد بن حميد وابن جرير، وابن المنذر عن جمع، كل قد حدث ببعض الحديث عن يوم أحد وانظر ابن جرير (٤/٨١-٨٥)..

### الآية 3:153

> ﻿۞ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ۗ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [3:153]

قوله تعالى :( إذ تصعدون ) ويقرأ : بفتح التاء والعين ( [(١)](#foonote-١) ). فالإصعاد : هو المشي في مستو من الأرض، والصعود : المشى في مرتفع من الأرض. 
والخطاب مع المسلمين الذين انهزموا، بقوله :( إذ تصعدون ولا تلوون على أحد ) أي : لا تعرجون، ولا تلتفتون إلى أحد، ثم منهم من قال :( أراد بالأحد ) ( [(٢)](#foonote-٢) ) : الرسول، ومنهم من قال : معناه : لا تلوون على أحد من الناس. 
( والرسول يدعوكم في أخراكم ) يعني : في آخر الجيش، وكان يدعوهم :**«عباد الله، إليّ إليّ، أنا رسول الله، فلم يلتفتوا إليه، ومضوا »** ( [(٣)](#foonote-٣) ). 
( فأثابكم غما بغم ) أي : جازاكم، ثم اختلفوا، منهم من قال : الغم الأول : هو القتل، والهزيمة التي وقعت على المسلمين، والغم الثاني : هو الإرجاف من قول الشيطان : إن محمدا قد قتل. وقيل :\[ إن \] ( [(٤)](#foonote-٤) ) الغم الأول : هو القتل والهزيمة، والغم الثاني : هو فوات الظفر على العدو. 
وقال الزجاج : معناه : أنهم غموا الرسول بمخافة أمره ؛ فجازاهم الله تعالى بذلك الغم غم القتل والهزيمة ؛ وإنما سمّاه ثوابا ؛ لأنه وضعه موضع الثواب، كما قال :( فبشرهم بعذاب أليم ) ( [(٥)](#foonote-٥) ) سمى العذاب : بشارة ؛ لأنه وضعه موضع البشارة ( لكيلا تحزنوا على مل فاتكم ولا ما أصابكم ) من القتل والهزيمة، منعهم الله تعالى من الحزن على شيء ابتلاهم الله به، ووعد الثواب عليه ( والله خبير بما تعملون ).

١ - هي قراءة أبي رجاء العطاردى، وأبي عبد الرحمن السلمي، والحسن، قتادة بفتح التاء، والعين، يعني تَصْعَدون الجبل. انظر تفسير القرطبي (٤/٢٣٩)..
٢ - في "ك": أن الأحد..
٣ - رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/٦١٠ رقم ١٦٦٣) عن الحسن مرسلا بنحوه، ورواه ابن جرير (٤/٨٧-٨٨) عن ابن عباس. وليس فيه "فلم يلتفتوا ومضوا". وعزاه السيوطي في الدر (٢/٩٧) أيضا لابن المنذر عن ابن عباس. رواه ابن جرير أيضا عن قتادة، وعطية العوفي، والسدي بنحو رواية ابن عباس..
٤ - من "ك"..
٥ - آل عمران: ٢١، والتوبة: ٣٤، والإنشقاق: ٢٤..

### الآية 3:154

> ﻿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِنْكُمْ ۖ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ۗ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [3:154]

قوله تعالى :( ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة ) قيل : الأمن والأمنة ( [(١)](#foonote-١) ) بمعنى واحد، وقيل : يكون مع ( زوال سبب الخوف ) ( [(٢)](#foonote-٢) )، فأما ها هنا فقال :( أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم ) قيل : فيه تقديم وتأخير، وتقديره : نعاسا أمنة، وقيل : هو على نظمه مستقيم، ومعنى الآية : أن الله تعالى أراد تميز المؤمنين من المنافقين، فأوقع النعاس على المؤمنين أمنة لهم، حتى أَمِنُوا، ولم يوقع على المنافقين فبقوا على الخوف. 
قال أبو طلحة : أوقع الله تعالى علينا النعاس ونحن تحت الحجر. 
وقيل : أوقع النعاس عليهم حتى كان يسقط السيوف من أيديهم، وكذلك عبد الرحمن بن عوف والزبير أخبرا عن ذلك النعاس، كما أخبر أبو طلحة. 
وعن الزبير أنه قال : لما أوقع الله النعاس علينا، سمعنا معتب بن قشير يقول : لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا، وكنت كأني في النوم أسمع، فذلك قوله :( يغشى طائفة منكم ) يعني : المؤمنين ( وطائفة قد أهمتهم أنفسهم ) يعني : المنافقين ( يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء ) قال :( قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك ). 
ثم فسر ذلك فقال :( يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ). 
أي : خرج الذين كتب عليهم القتل إلى مصارعهم للموت، وفي هذا دليل على أن الأجل في القتل والموت واحد، كما قال أهل السنة. 
قوله تعالى :( وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور ).

١ - وقع سقط كبير من الأصل مقداره (٤/ ورقات) من هذا الموضع، واعتمدنا على النسخة "ك" فقط في ضبط النص. وسنبينه على آخر السقط في موضعه إن شاء الله تعالى..
٢ - في "ك": سبب زوال الخوف، وما أثبتناه هو الصواب..

### الآية 3:155

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ۖ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [3:155]

قوله تعالى :( إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان ). يعني : الذين انهزموا من المسلمين يوم أحد ؛ فإنه لما وقعت الهزيمة على المسلمين انهزم أكثرهم، ولم يبقى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أربعة عشر نفرا : سبعة من المهاجرين وسبعة من الأنصار، وقيل : ثلاثة عشر، ستة من المهاجرين وهم أبو بكر، وعمر، وعلي، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص. 
وفي الرواية الأولى : كان السابع الزبير، وكان طلحة أشد نكاية في الكفار يومئذ. 
وقيل : إن يوم أحد لطلحة، وقيل : إنه كان وقاية رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قد ضُرب على يده فشُلَّت وبقيت كذلك. 
وأما سعد وهو رامية، وكان يرمي بين يديه، ويقول له رسول الله :**«ارم، فداك أبي وأمي »** ( [(١)](#foonote-١) ). 
وأما الذين انهزموا، فقد لحق بعضهم بالمدينة منهم عثمان، ورجع بعضهم على الطريق منهم عمر ؛ فذلك قوله :( إنما استزلهم الشيطان ) أي : طلب زلتهم، يقال : استعجل فلانا، أي : طلب عجلته، ومعناه : أن الشيطان استزلهم حتى انهزموا. 
وقوله ( ببعض ما كسبوا ) يعني : من مخالفة الرسول ( ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم ) قال الزجاج : كان سبب انهزامهم : أن الشيطان وسوس إليهم : إن عليكم ذنوبا ؛ فكرهوا القتل قبل أن يتوبوا من الذنوب ؛ فذلك قوله :( إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم ). 
روى :«أن رجلا جاء إلى ابن عمر - وقيل : إلى ابن عباس، \[ و \] ( [(٢)](#foonote-٢) ) الأصح إلى ابن عباس ( [(٣)](#foonote-٣) )، وقال : أليس عثمان لم يشهد بدرا ؟ قال : نعم. فقال : أليس لم يشهد بيعة الرضوان ؟ قال : نعم، قال : أليس انهزم يوم أحد ؟ قال : نعم. 
فقال الرجل الله أكبر. 
فعرف ابن عباس أنه أراد النقص ؛ فدعاه، قال : أما يوم بدر ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد خلفه على ابنته، وكانت مريضة وقال له : لك أجر واحد ممن شهد، وسهم واحد ممن شهد، وهو بدري بقول الرسول. 
وأما بيعة الرضوان، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم بعث عثمان إلى مكة رسولا، ولو كان بينهم في الوادي أعز منه لبعثه، ولما بايعهم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله على يمينه، وقال : هذه يد عثمان، وهذه يدي، أما انهزامه يوم أحد، فقد عفا الله عنه، ولا عيب في شيء عفا الله عنه » ( [(٤)](#foonote-٤) ).

### فصل


**«وأما ما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فإنه كان قد هشمت البيضة التي كانت على رأسه، وأُدْمي وجهه، وكسر \[ ثنيته \] ( [(٥)](#foonote-٥) ) ؛ فجاء إلى المدينة فكانت فاطمة تغسل وجهه، وعلي - رضي الله عنه - يأتي بالماء في المجن، وكان يغلب الدم، حتى أحرقت حصيرا، فلما صار رمادا، جعلوه في الجراحة فاستمسك الدم »** ( [(٦)](#foonote-٦) ). 
١ - متفق عليه من حديث سعد بن أبي وقاص، وعلي بن أبي طالب –رضي الله عنهما-. فرواه البخاري (٦/١١٠ رقم ٢٩٠٥ وأطرافه في ٤٠٥٨، ٤٠٥٩، ٦١٨٤)، ومسلم (١٥/٢٦١-٢٦٢ رقم ٢٤١١) من حديث علي.
 ورواه البخاري (٧/١٠٤ رقم ٣٧٢٥، وأطرافه في ٤٠٥٥، ٤٠٥٦، ٤٠٥٧)، ومسلم (١٥/٢٦٣ رقم ٢٤١٢) من حديث سعد بن أبي وقاص..
٢ - ليست في "ك"، والسياق يقتضيها..
٣ - بل الصحيح أنه جاء إلى ابن عمر كما سيأتي تخريجه عند البخاري في صحيحه..
٤ - رواه البخاري (٦/٢٧١ رقم ٣١٣٠)، والترمذي (٥/٥٨٧-٥٨٨ رقم ٣٧٠٦) وأحمد (٢/١٠١، ١٢٠)، والطيالسي (ص ٢٦٤ رقم ١٩٥٨) كلهم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما..
٥ - في "ك": جبينه، وهو تصحيف..
٦ - متفق عليه من حديث سهل بن سعد، رواه البخاري في صحيحه (١/٤٢٢ رقم ٢٤٣، وأطرافه في ٢٩٠٣، ٢٩١١، ٤٠٧٥، ٥٧٢٢)، ومسلم (١٢/٢٠٥-٢٠٧ رقم ١٧٩٠)..

### الآية 3:156

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [3:156]

قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا ) يعني : المنافقين ( وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض ) أراد : إخوانهم في النسب، لا في الدين ( ضربوا في الأرض ) أي : سافروا ( أو كانوا غزى ) جمع غاز ( لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ) وهذا قول المعتب بن قشير، وعبد الله بن أبي بن سلول، وجد بن قيس ؛ ( ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير ).

### الآية 3:157

> ﻿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [3:157]

قوله تعالى :( ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم ) أي : لئن خرجتم، فقتلتم، أو لم تخرجوا، فمتم ( لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون ) من الدنيا ويطلبون الحياة لأجله.

### الآية 3:158

> ﻿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ [3:158]

قوله تعالى :( ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون ) يعني : كيفما خرجتم من الدنيا، فحشركم إلى الله تعالى.

### الآية 3:159

> ﻿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [3:159]

قوله تعالى :( فبما رحمة من الله ) أي : فبرحمة، و " ما " للصلة، ( لنت لهم ) وهذه صفة المؤمنين، وقد قال صلى الله عليه وسلم :**«المؤمنون هينون لينون، كالجمل الأنف، إن قيد انقاد، وإن أُنخَّ على صخرة استناخ »** ( [(١)](#foonote-١) ). 
( ولو كنت فظا ) وهو الجافي ( غليظ القلب ) أي : قاسي القلب ( لا نفضوا ) لتفرقوا ( من حولك ). 
( فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر ) المشاورة هي استخراج الرأي، وكانت المشاورة جائزة للنبي صلى الله عليه وسلم في أمور الدنيا، فأما في أمور الدين فعلى التفصيل إن كان في شيئين يجوز كلاهما، جازت المشاورة، كما شاورهم في أسارى بدر، حيث كان يجوز القتل والفداء. 
والثاني : في أمور ثبتت نصا، كالصوم والصلاة، لا تجوز فيها المشاورة. 
الثالث : في شيء لا نص فيه، فهو بناء على أن اجتهاده هل كان سائغا أم لا ؟ فإن ساغ اجتهاده، جازت مشاورته، وإلا فلا. 
ولأي كان يشاور ؟ قال الضحاك : ليقتدى به، وليستن بسنته، وهو قول سفيان الثوري، وقال قتادة : تطييبا لقلوبهم. 
( فإذا عزمت فتوكل على الله ) أي : لا تتوكل على المشاورة، وإنما توكل على الله ( إن الله يحب المتوكلين ).

١ - رواه العقيلي في الضعفاء (٢/٢٧٩) والقضاعي في الشهاب (١/١١٤-١١٥ رقم ١٣٩) من حديث عبد الله بن عمر. وقد ساقه العقيلي في ترجمة عبد الله بن عبد العزيز بن أبي رواد عن أبيه، وقال: أحاديثه عن أبيه مناكير غير محفوظة أ. هـ.
 ورواه ابن المبارك في الزهد (ص ١٣٠ رقم ٣٨٧) والقضاعي في الشهاب (١/ رقم ١٤٠) عن مكحول مرسلا. ورواه أحمد في الزهد (٣٨٦-٣٨٧)، وأبو نعيم في الحلية (٥/١٨٠) عن مكحول قوله.
 وللحديث شاهد من حديث العرياض بن سارية، رواه ابن ماجة (١/١٦ رقم ٢٤٣)، وأحمد (٤/١٢٦) وغيرهما..

### الآية 3:160

> ﻿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [3:160]

( إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده ) الخذلان : الامتناع عن النصرة عند الحاجة ( وعلى الله فليتوكل المؤمنين ).

### الآية 3:161

> ﻿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ۚ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [3:161]

قوله تعالى :( وما كان لنبي أن يغل ) يقرأ بقراءتين ( [(١)](#foonote-١) )، فمن قرأه : بفتح الياء وضم الغين، فمعناه : أن يخون. 
قال ابن عباس : سبب نزول الآية : أنه يوم بدر فقدت قطيفة حمراء، فقال بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : الرسول أخذها ؛ فنزل قوله :( وما كان لنبي أن يغل ). 
وقال محمد بن كعب القرظي : معناه : وما كان لنبي أن يكتم شيئا من الوحي، ويخون فيه. 
وفيه قول ثالث :**«أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد بعث طلائع، فهمّ ألا يعطيهم من الغنائم شيئا ؛ فنزل قوله :( وما كان لنبي أن يغل ) »** ( [(٢)](#foonote-٢) ) قال قتادة : أن يخان منه، أي : لا تخونوه، وقيل معناه : أن ينسب إلى الغلول، وقيل معناه : أن يلقى غلا، وهذا غريب من معنى القراءة الأولى. والغُلول : الخيانة، والغِلّ : الحقد، والغَلَل : الماء الذي يجري بين الشجر، ومنه قول الشاعر :
لَعِبَ \[ السُّيولُ \] ( [(٣)](#foonote-٣) ) به فأصبح ماؤه غَلَلاً \[ يخلل \] ( [(٤)](#foonote-٤) ) في أصول الخِرْوَع
وفي الخبر : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم : إخلاص العمل لله، ونصيحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين ؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم ( [(٥)](#foonote-٥) ). ( ومن يغلل ) أي : ومن يخن ( يأت بما غل يوم القيامة ) قيل : يأتي ما غل بعينه يوم القيامة، وذلك معنى قوله صلى الله عليه وسلم فيما روى عنه :«لألقين أحدكم يوم القيامة، وعلى رقبته فرس له حمحمة قد غله، فيقول : يا محمد، يا محمد، فأقول : لا أغني عنك من الله شيئا، ألا قد بلغت، ولألقين أحدكم يأتي يوم القيامة، وعلى رقبته شاة لها ثُغاء، قد غلها، فيقول يا محمد، يا محمد، فأقول : لا أغني عنك من الله شيئا، ألا قد بلغت، ولألقين أحدكم يوم القيامة وعلى رقبته بعير له رغاء، قد غله، فيقول : يا محمد، يا محمد، فأقول : لا أغني عنك من الله شيئا ألا قد بلغت »** ( [(٦)](#foonote-٦) ). 
والقول الثاني : أنه أراد به : يأتي بإثم ما غل يوم القيامة، وفي الخبر :**«أن رجلا كان على ثَقَلِ ( [(٧)](#foonote-٧) ) رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستشهد فقال الناس هو في الجنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم هو في النار ؛ فَطُلب، فإذا هو قد غلَّ عباءة عن المغنم »** ( [(٨)](#foonote-٨) ). 
( ثم توفى كل نفس ما كسبت ) أي : جزاء ما كسبت، فالجزاء مضمر فيه ( وهم لا يظلمون ).

١ - قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم بفتح الياء وضم الغين، وقرأ الباقون بضم الياء، وفتح الغين. انظر النشر (٢/٢٤٣)..
٢ - رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (١٢/٤١٣ رقم ١٥٠٧٨)، وابن جرير (٤/١٠٣) عن الضحاك مرسلا إلا أنه قرأ: **«وما كان لنبي أن يغل»**..
٣ - في "الأصل وك": السيوف، وما أثبتناه من لسان العرب (مادة: غلل) وفيه أيضا: يُقَطّع في أصول الخروع بدلا من يُخلل..
٤ - كذا في "الأصل وك" وفي لسان العرب..
٥ - رواه ابن ماجة (١/٨٤ رقم ٢٣٠)، وأحمد (٥/١٨٣)، والدارمي (١/٨٦-٨٧ رقم ٢٢٩، وابن أبي عاصم في السنة (٥/٤٥ رقم ٩٤)، والطبراني في الكبير (٥/١٤٣ رقم ٤٨٩٠)، و(١٥٤-١٥٥ رقم ٤٩٢٥) وابن حبان في صحيحه (١/٢٧٠ رقم ٦٧)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (١/٣٨-٣٩) كلهم من حديث زيد بن ثابت.
 قال ابن أبي عاصم: وفيه عن جبير بن مطعم، وابن مسعود، ومعاذ، وأنس..
٦ - متفق عليه من حديث أبي هريرة. رواه البخاري (٦/٢١٤-٢١٥ رقم ٣٠٧٣)، ومسلم (١٢/٢٩٩-٣٠٠ رقم ١٨٣١)..
٧ - قال ابن الأثير هو: متاع السفر. انظر النهاية (مادة: ثقل)..
٨ - رواه البخاري في صحيحه (٦/٢١٦ رقم ٣٠٧٤)، وابن ماجه (٢/٩٥٠ رقم ٢٨٤٩) وابن أبي شيبة (١٢/١٥٣٧٣)، وسعيد بن منصور في سننه (٢/٣/ رقم ٢٧٢٠) جميعهم من حديث عبد الله بن عمرو، ووقع عند ابن أبي شيبة: عبد الله بن عمر، وهو تصحيف..

### الآية 3:162

> ﻿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [3:162]

قوله تعالى :( أفمن اتبع رضوان الله ) يعني : ترك الغلول ( كمن باء بسخط من الله ) يعني : بالغلول، وقيل معناه : أفمن اتبع رضوان الله بموافقة الرسول، كمن باء بسخط من الله بمخالفة الرسول ( ومأواه جهنم وبئس المصير ).

### الآية 3:163

> ﻿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [3:163]

قوله تعالى :( هم درجات عند الله ) قال مجاهد : لهم درجات عند الله، يعني : المؤمنين، وقال غيره : تقديره : هم ذَوُوا درجات عند الله، يعني : المؤمنين والمنافقين، فالمؤمنون ذووا الدرجات الرفيعة، والمنافقون ذووا الدرجات الخسيسة، ومثله قول الشاعر :

أَنُصْب للمنيِّة تعتريهم  رجالي، أم هُمو دَرَجُ السيول ( [(١)](#foonote-١) )أي : ذووا درج السيول. ( والله بصير بما يعملون )
١ - فصلت: ٨..

### الآية 3:164

> ﻿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [3:164]

قوله - تعالى - :( لقد منّ الله على المؤمنين ) أي : أنعم، والمنه : النعمة، والمن : القطع ؛ ومنه قوله - تعالى - :( لهم أجر غير ممنون ) ( [(١)](#foonote-١) ) أي : غير مقطوع، وسميت النعمة منة، لأنها مقطوعة عن المحن والشدائد. 
وقوله تعالى :( إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ) قيل : هذا في العرب خاصة ؛ لأن الرسول بُعث من بني إسماعيل إلى العرب، وقيل : هو على العموم في حق الكافة ؛ فإنه بعث بشر مثلهم. 
وموضع المنة في بعثه من أنفسهم للعرب : أنه كان شرفا لهم، حيث بعث الرسول منهم، وأيضا فإن القرآن نزل بلسان العرب ؛ إذ كان الرسول عربيا، وكان التعلم أسهل عليهم ؛ لكونه أقرب إلى أفهامهم، فالمنة في السهولة عليهم، ولأنه لما نشأ فيهم، وعرفوا صدقة وأمانته، وكان أميا مثلهم ما كان يحسن الخط، ولا يعلم شيئا، ولا سافر، ثم أتى بكتاب يخبر عن القرون الماضية وقصص الأولين، ووافق الكتب المنزلة قبله، كان أقرب إلى قلوبهم، فكان يسهل طريق الإيمان عليهم. 
وقوله :( يتلو عليهم آياته ويزكيهم ) أي : يشهد بتزكية سائر الأمم، ويجعلهم أزكياء، وقيل : يطهرهم من الذنوب ( ويعلمهم الكتاب ) يعني : القرآن ( والحكمة )، قال ابن عباس : الفقه والشرائع، وقال غيره : الحكمة : السنة. 
( وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) أي : ما كانوا من قبل إلا في ضلال مبين. 
١ - كذا وقع البيت في لسان العرب "مادة: درج" وعزاه ابن منظور لسيبويه. وفي "ك" وقع تحريف كثير في البيت..

### الآية 3:165

> ﻿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [3:165]

قوله تعالى :( أو لما أصابتكم مصيبة ) يعني : يوم أحد ( قد أصبتم مثليها ) يعني : يوم بدر : نزلت الآية في تسلية المؤمنين، وذلك : أن يوم أحد قتل من المسلمون سبعون، وقد أصاب المسلمون منهم يوم بدر سبعين بالقتل، وسبعين بالأسر، فذلك مثليهم، فجعل الأسر مثل القتل ؛ حيث جعل القتلى والأسرى يوم بدر مثلي قتلى أحد. 
( قلتم أنى هذا ) من أين هذا ؟ ( قل هو من عند أنفسكم ) أي : بمخالفة الرسول منكم ». وعن عمر - رضي الله عنه - أنه قال في تفسير قوله تعالى :( قل هو من عند أنفسكم ) أي : باختياركم الفداء ؛ وذلك أن النبي صلى الله علي وسلم خير المسلمين يوم \[ بدر \] ( [(١)](#foonote-١) ) في الأسارى بين القتل والفداء، وقال لهم :**«إن اخترتم الفداء أصيب منكم بعدتهم في العام القابل، فاختاروا الفداء، وقالوا : نتقوى به على العدو، ويستشهد منا »** ( [(٢)](#foonote-٢) ) فذلك قوله :( قل هو من عند أنفسكم ) أي : باختياركم، وهو قول علي - رضي الله عنه - ( إن الله على كل شيء قدير ).

١ - سقطت من الناسخ..
٢ - رواه الترمذي (٤/١١٤-١١٥ رقم ٥٦٧)، والنسائي في الكبرى (٥/٢٠٠ رقم ٨٦٦٢) والطبري في التفسير (٤/١١٠)، البزار في مسنده (٢/١٧٦- رقم ٥٥١)، والدارقطني في العلل (٤/٣١-٣٣) كلهم من طريق عبيدة السلماني عن علي. ورواه ابن أبي شيبة (١٤/٣٦٨ رقم ١٨٥٣٣)، والطبري (٤/١٨٠) عن عبيدة مرسلا، وقال الدارقطني في العلل: والمرسل أشبه بالصواب..

### الآية 3:166

> ﻿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ [3:166]

قوله تعالى :( وما أصابكم يوم التقى الجمعان ) يعني : يوم أحد ( فبإذن الله ) أي : بعلم الله، وروى **«أنه صلى الله عليه وسلم - لما نزل المشركون بأحد رأى في منامه أن بقرا ينحر ( [(١)](#foonote-١) )، فأوله على أن يستشهد بعض أصحابه. ورأى أن سيفه ذا الفقار انقصم فأوله على قتل حمزة، ورأى كأن كبشا أغبر قتل فأوله على قتل مبارز الكفار، فقتل يوم أحد مبارزهم عثمان بن طلحة العبدري من بني عبد الدار »** ( [(٢)](#foonote-٢) ). 
د١٦٦

١ - هذا آخر موضع السقط الكبير الذي وقع في النسخة "الأصل" والذي استدركناه من النسخة "ك"..
٢ - متفق عليه من حديث أبي موسى الأشعري بنحوه رواه البخاري (٦/٧٥ رقم ٣٦٢٢، وأطرافه في ٣٩٨٧، ٤٠٨١، ٧٠٣٥، ٧٠٤١) ومسلم (١٥/٤٥-٤٦ رقم ٢٢٧٢)، وفي الباب عن ابن عباس وأنس وجابر..

### الآية 3:167

> ﻿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ۚ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا ۖ قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ ۗ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ۚ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ [3:167]

د١٦٦
( وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا ) قائل ذلك القول : عبد الله بن حرام أبو جابر، قال للمنافقين : قاتلوا في سبيل الله، وإن لم تقاتلوا لأجل الدين، فادفعوا عن الأهل والحريم. 
( قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم ) فرجعوا وهم يقولون : لا قتال، لا قتال، حتى يفشل المسلمون ( هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان ) يعني : بعد رجوعهم ومقالتهم تلك ؛ لأنهم كانوا من قبل من المؤمنين في الظاهر ؛ وإن كانوا منافقين في الباطن، فلما فارقوا المؤمنين صاروا أقرب إلى الكفر منهم للإيمان. 
( يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون ).

### الآية 3:168

> ﻿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ۗ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [3:168]

قوله تعالى :( الذين قالوا لإخوانهم ) يعني : في النسب لا في الدين، وهم المنافقون، قالوا للمسلمين : لو قعدوا قتلوا ) ( [(١)](#foonote-١) )، كما لم نقتل، فذلك قوله :( الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين ) يعني : إن قدرتم على دفع القتل، وتقدرون على دفع الموت، فادفعوا الموت عن أنفسكم. والدرء : الدفع، ومنه قول الشاعر :

أقولُ وقد درأتُ لها وضِينِي  أهَذا دينُكم أبداً وديني ( [(٢)](#foonote-٢) ) ؟١ - في "ك" كما قعدوا لقتلنا..
٢ - هكذا وقع البيت في "الأصل وك"، وفي لسان العرب (مادة: وضن):
 تقول إذا درأتُ وضينى أهذا دأبه أبداً وديني ؟
 وعزاه للمثقب العبدي..

### الآية 3:169

> ﻿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [3:169]

قوله تعالى :( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ) سبب نزول الآية : أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما استشهدوا يوم أحد، كان الناس يقولون : مات فلان ؛ ومات فلان، فنزل قوله تعالى :( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ) قيل معناه : يؤولون أحياء يوم القيامة. إلا أن هذا ضعيف ؛ لأنه لا يبقى لهم فيه تخصيص، والأصح : أنه على معنى ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلف من ثمار الجنة - وفي رواية : تأكل، وفي رواية : تسرح في الجنة فترد مياهها - ثم تأوى إلى قناديل من ذهب معلقة من العرش »** ورواه مسلم في صحيحه، وزاد **«إن الله تعالى اطلع عليهم اطلاعة، فيقول : تمنوا علي، فيقولون : ماذا نتمنى وقد أعطيتنا هذا ؟ ! فيقول : تمنوا على، فيقولون : وماذا نتمنى وقد أعطيتنا هذا ؟ ! فيقول : تمنوا على، فيقولون : نتمنى أن نرد إلى الدنيا ونقتل في سبيلك ثانيا »** الحديث ( [(١)](#foonote-١) ). 
وفي رواية ثالثة :**«أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جابرا حزينا، وقتل أبوه عبد الله بن حرام يوم أحد، فقال : ما لي أراك حزينا، إن الله تعالى لم يكلم أحدا، إلا من وراء حجاب، وقد كلم أباك كفاحا، فقال : تمن علي. . »** ( [(٢)](#foonote-٢) ) الحديث. 
وروى :**«أن شهداء أحد قالوا : من يبلغ نبينا وإخواننا ما وصلنا إليه ؟ فقال الله تعالى : أنا أبلغهم - وفي رواية : أنا رسولكم - وأنزل هذه الآية »** ( [(٣)](#foonote-٣) ). 
( بل أحياء عند ربهم يرزقون

١ - تقدم تخريجه..
٢ - رواه الترمذي (٥/٢١٤-٢١٥ رقم ٣٠١٠) وقال: حسن غريب، وابن ماجة (١/٦٨ رقم ١٩٠، و(٢/٩٣٦ رقم ٢٨٠٠)، وأحمد (٣/٢٦١) وابن أبي عاصم في السنة (١/٢٦٧ رقم ٦٠٢) وابن خزيمة في التوحيد (ص ٣٧٩) والحميدي في مسنده (٢/ رقم ١٢٦٥)، وأبو يعلى (٤/٢٠٠٢)، والحاكم (٣/٢٠٤-٢٠٥) وصححه وتعقبه الذهبي بأن فيه المفصل بن صدقة، قال النسائي: متروك وبان حبان في صحيحه (١٥/٤٩٠-٤٩١ رقم ٧٠٢٢)، والبيهقي في الدلائل (٣/٢٩٨) كلهم من حديث جابر، رضي الله عنه..
٣ - رواه أبو داود (٣/١٥ رقم ٢٥٢٠)، وابن جرير (٤/١١٣) من حديث ابن عباس مرفوعا مطولا.
 ورواه ابن جرير أيضا عن قتادة، والربيع، والضحاك جميعهم مرسلا، وعن قيس بن مخرمة مرفوعا. وعزاه السيوطي في الدر (٢/١٠٦) لابن المنذر، عن محمد بن قيس بن مخرمة مرسلا..

### الآية 3:170

> ﻿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [3:170]

فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ) قيل معناه : أنه يُدْفَع إليهم كتاب فيه أسماء إخوانهم الذين يستشهدون من بعدهم، فيستبشرون بهم. 
وقوله :( ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ) وقُدِّر عليهم أن يلحقوا بهم. فيه قول آخر، أن الشهداء يقولون : ياليت إخواننا أصيبوا مثل ما أُصِبْنَا ؛ فيصلون إلى ما وصلنا ؛ فذلك قوله :( ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم أي : بأن لا خوف عليهم ( ولاهم يحزنون ).

### الآية 3:171

> ﻿۞ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ [3:171]

( يستبشرون بنعمة من الله وفضل ) وقيل : أراد بالنعمة : قدر الكفاية، وبالفضل : ما زاد على الكفاية، ومعناه : لا يضيِّق عليهم، بل يوسّع في العطاء، وقيل : ذكر الفضل تأكيدا للنعمة، ( وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ) قرأ ابن مسعود :**«والله لا يضيع أجر المؤمنين »**.

### الآية 3:172

> ﻿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ [3:172]

قوله تعالى :( الذين استجابوا لله والرسول ) قيل : سبب نزول الآية : أن أبا سفيان لما رجع إلى مكة يوم أحد، قال الكفار بعضهم لبعض في الطريق : نرجع ؛ فنستأصل محمدا وأصحابه، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : من ينتدب إلى الخروج، فانتدب سبعون نفرا فيهم أبو بكر والزبير. 
وقد قالت عائشة لعروة : إن أبويك من الذين استجابوا لله والرسول، وأرادت أن أبا بكر والزبير كانا في السبعين، فخرجوا إلى حمراء الأسد \[ وهم \] ( [(١)](#foonote-١) ) على ثمانية أميال من المدينة، فلما وصلوا ( فإذا الله كان قد ألقى ) ( [(٢)](#foonote-٢) ) الرعب في قلوب المشركين، وكانوا مضوا إلى مكة » ( [(٣)](#foonote-٣) ). 
وقال ابن عباس ( قولا آخر ) ( [(٤)](#foonote-٤) ) : أن أبا سفيان لما أراد أن يرجع يوم أحد، قال : موعدنا وموعدكم العام القابل ببدر، ثم لم يتفق له الخروج في العام القابل، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لموعده إلى بدر مع أصحابه، فأولئك الذين استجابوا لله والرسول » ( [(٥)](#foonote-٥) ). 
( من بعد ما أصابهم القرح ) يعني : الألم يوم أحد، ( للذين أحسنوا منهم ) باستجابة الرسول، ( واتقوا ) يعني مخالفة الرسول ( أجر عظيم ).

١ - كذا في "ك"، و"الأصل": وهو..
٢ - كذا في "الأصل"، وفي "ك": كان الله قد ألقى..
٣ - رواه البخاري بنحوه من حديث عائشة (٦/٤٣٢ رقم ٤٠٧٧)، وبدون ذكره: **«فخرجوا إلى حمراء الأسد... إلخ»**. ورواه مسلم في صحيحه (١٥/٢٧٢ رقم ٢٤١٨) مختصرا..
٤ - في "ك": قول آخر، وهو خطأ..
٥ - رواه النسائي في الكبرى (٦/٣١٧ رقم ١١٠٨٣)، والطبراني في الكبير (١١/٢٤٧ رقم ١١٦٣٢) من طريق عكرمة، عن ابن عباس. قال الهيثمي في المجمع (٦/١٢٤): رجاله رجال الصحيح غير محمد بن منصور وهو ثقة. ورواه ابن جرير (٤/١٢٠)، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم – كما في الر (٢/١١٥) –جميعهم عن مجاهد مرسلا..

### الآية 3:173

> ﻿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [3:173]

قوله تعالى :( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ) هذا قول نعيم بن مسعود الأشجعي، والقصة في ذلك :**«أن أبا سفيان لما لم يتفق له الخروج لموعده ببدر بعث بنعيم بن مسعود الأشجعي إلى المدينة، وقال له : ثبط أصحاب محمد عن الخروج ؛ كيلا يظنوا أن بنا فشلا ولك عشر من الإبل، فجاء إليهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته يتهيئون للخروج، فقال لهم : تخرجون إليهم ! قد خرجوا إليكم في العام الماضي، وفعلوا بكم ما فعلوا في بيوتكم، والله لو خرجتم إليهم لا يعود أحد منكم، فقال صلى الله عليه وسلم وأصحابه : حسبنا الله ونعم الوكيل، ولم يمتنعوا من الخروج »** ( [(١)](#foonote-١) ). 
فقوله :( الذين قال لهم الناس ) هو نعيم بن مسعود وحده، هذا قول عكرمة ومجاهد ومقاتل والكلبي، وقال ابن عباس : هو قول نفر قليل من عبد القيس، وقوله :( فزادهم إيمانا ) منهم من قال معناه : زادهم إيمانا بتفويضهم، وقولهم : حسبنا الله ونعم الوكيل، وقيل معناه : زادهم يقينا بما وعدهم الله من النصر، ( وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل )، قال ابن عباس : وهذا قول إبراهيم حين ألقى في النار، فإنه قال : حسبنا الله ونعم الوكيل.

١ - رواه الطبري (٤/١٢٠) بمعناه، عن ابن عباس. وانظر الدر المنثور (٢/١١٢-١١٦)..

### الآية 3:174

> ﻿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [3:174]

قوله تعالى :( فانقلبوا بنعمة من الله وفضل ) معنى الآية :**«أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه خرجوا لموعد أبي سفيان إلى بدر، وهو مجمع سوق العرب، فلم يلقوا هنالك ( أحدا ) ( [(١)](#foonote-١) ) إذ لم يتفق ( خروجهم ) ( [(٢)](#foonote-٢) )، فاتجروا هنالك، وربحوا، وانصرفوا »** ( [(٣)](#foonote-٣) ) فذلك قوله :( فانقلبوا بنعمة من الله وفضل ) فالنعمة : العافية، والفضل : ربح التجارة ( لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم ).

١ - في "ك": أحد، وهو خطأ..
٢ - ليست في "ك"..
٣ - تقدم تخريجه في الحديث الذي قبله..

### الآية 3:175

> ﻿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [3:175]

قوله تعالى :( إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه ) فالشيطان : كل عات متمرد من الجن والإنس، والمراد بالشيطان هاهنا : نعيم بن مسعود، وقيل : هو الشيطان المعروف ؛ فإنه وسوس إليهم : أن لا تخرجوا لذلك الوعد. 
وقوله :( يخوف أولياءه ) قال إبراهيم النخعي : تقديره : يخوفكم أولياءه أي : من أولياءه، وهم الكفار، وقال أهل المعاني : هو قول حسن. 
وقال الفراء : معناه : يخوفكم بأوليائه، وكذا قرأ أبي بن كعب. ( ومثله ) ( [(١)](#foonote-١) ) قوله تعالى :( لينذر بأسا شديدا ) ( [(٢)](#foonote-٢) ) أي : ببأس شديد، وقال الشاعر :

أمرتُكَ الخير فافعل ما أُمرت به  فقد تركتُك ذا مال وذا نسبِأي : أمرتك بالخير، فنزع الباء ( فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين )
١ - ليست في "ك"..
٢ - الكهف: ٢..

### الآية 3:176

> ﻿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ۚ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ۗ يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [3:176]

قوله تعالى :( ولا يحزنك ) ويقرأ :" ولا يحزنك " بضم الياء( [(١)](#foonote-١) )، ومعناهما واحد. 
( الذين يسارعون في الكفر ) يعني : قول الذين يسارعون في الكفر. 
( إنهم لن يضروا الله شيئا ) أي : لن ينقصوا الله شيئا ( يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ) أي : نصيبا في الآخرة ( ولهم عذاب عظيم ).

١ - قرأ نافع بضم الياء، وكسر الزاء، وقرأ الباقون بفتح الياء، وضم الزاي، انظر النشر (٢/٢٤٤)...

### الآية 3:177

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [3:177]

قوله تعالى :( إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان ) أي : استبدلوا وكل شراء استبدال، وليس كل استبدال شراء ( لن يضروا الله شيئا ) أي : لن ينقصوا الله شيئا ( ولهم عذاب أليم ).

### الآية 3:178

> ﻿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [3:178]

قوله تعالى :( ولا يحسبن الذين كفروا ) أي : لا يظنن، من الحسبان : الظن ( أنما نملي لهم خير لأنفسهم ) الإملاء : إطالة العُمُر، والإمهال : التأخير، ويقال لليل والنهار : ملوان. 
( إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ) أي : إنما نطيل عمرهم ليزدادوا إثما. روى الأسود عن ابن مسعود :**«ما من أحد إلا والموت خير له ؛ برا كان أو فاجرا : أما البر، لقوله تعالى - :( وما عند الله خير للأبرار ) ( [(١)](#foonote-١) ) وأما الفاجر ؛ لقوله تعالى :( إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ) ؛ وذلك أنه إذا ازداد إثما اشتدت عقوبته »** ( ولهم عذاب مهين ).

١ - آل عمران: ١٩٨..

### الآية 3:179

> ﻿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ [3:179]

قوله تعالى :( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه ) يعني : على اختلاط المنافقين بكم ؛ فإنهم كانوا مختلطين بالمؤمنين ( حتى يميز الخبيث من الطيب ) قال مجاهد : حتى يميز الكافر من المؤمن، وقال قتادة : حتى يميز، المنافق من المؤمن، ويقرأ : حتى " يميّز " مشددا( [(١)](#foonote-١) ) يقال : ماز يَمِيزُ، ومَيَّز يُميِّز، بمعنى واحد. وفي الحديث :**«من ماز أذى من الطريق، فهو له صدقة »** ( وما كان الله ليطلعكم على الغيب ) سبب نزوله : أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : يا رسول الله، أخبرنا بمن يموت على الإيمان، ومن يموت على الكفر ؛ فنزل قوله :( وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء ) يعني : فيطلعه على الغيب بما شاء، وهذا كما قال في آخر سورة الجن :( فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ) ( [(٢)](#foonote-٢) ) ( فآمنوا بالله ورسوله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم ).

١ - قرأ يعقوب، وحمزة، والكسائي، وخلف بضم الياء الأولى، وتشديد الياء الأخرى وقرأ الباقون بالفتح، والتخفيف. انظر النشر (٢/٢٤٤)..
٢ - الجن: ٢٦-٢٧..

### الآية 3:180

> ﻿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [3:180]

قوله تعالى :( ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم ) يعني : هو يكون خيرا لهم ( بل هو شرا لهم ) في معنى الآية قولان : أحدهما : أنه في اليهود، حيث كتموا نعت محمد، وبخلوا به ؛ فعلى هذا معنى قوله :( سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ) أي : إثم ما بخلوا به يوم القيامة، والقول الثاني : أن الآية في مانعي الزكاة، وقوله :( سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ) على حقيقته، وهو معنى ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«من منع الزكاة جاء يوم القيامة، فيمثل له ماله شجاعا أقرع فيطوق في رقبته، \[ فينهسه \] ( [(١)](#foonote-١) ) من قرنه إلى قدميه ثم قرأ هذه الآية »**( [(٢)](#foonote-٢) ). 
( ولله ميراث السموات والأرض ) فإن قال قائل : كيف يكون له ميراث السموات والأرض ؟ قيل : العرب تسمى كل ما انتقل من أحد إلى غيره ميراثا بأي سبب كان، فلما خلصت السموات والأرض لله تعالى بعد هلاك العباد، سماه ميراثا، كأنه انتقل منهم إليه ( والله بما تعملون خبير ).

١ - في "ك": فينهشه بالشين المعجمة وكلاهما بمعنى واحد..
٢ - رواه البخاري في صحيحه (٣/٣١٥ رقم ١٤٠٣، ٤٥٦٥، ٤٦٥٩، ٦٩٥٧)، والنسائي (٥/٣٩ رقم ٢٤٨٤)، وأحمد (٢/٢٧٩، ٣١٦، ٣٥٥، ٣٧٩، ٤٨٩، ٥٣٠) وابن حبان في صحيحه (٨/٥٠ رقم ٣٢٥٨) جميعهم من حديث أبي هريرة مرفوعا بنحوه.
 وفي الباب عن ابن مسعود، وابن عمر، وغيرهم..

### الآية 3:181

> ﻿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ۘ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [3:181]

قوله تعالى :( لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء ) قيل : سبب نزول الآية : أنه لما نزل قوله تعالى :( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ) ( [(١)](#foonote-١) ) قالت اليهود : إن الله يستقرض منا أموالنا ؛ فإذن هو فقير ونحن أغنياء وما قالوا ذلك عن اعتقاد، ولكن تمويها على المسلمين، وتشكيكا لهم فيما جاء به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل قوله :( لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء ) وفيه قول آخر : أنه عليه \[ الصلاةو \] ( [(٢)](#foonote-٢) ) السلام لما استعان بيهود بني قينقاع في الحرب، قالوا : إن الله فقير إذن ؛ حيث يستعين بنا في نصرة دينه، ونحن أغنياء ؛ فنزلت الآية. 
( سنكتب ما قالوا ) : هو الكتابة في صحائف الأعمال، وقيل : معناه : نحصي ما قالوا نجازى عليه، ويقرأ :" سيُكتب ما قالوا " بضم الياء( [(٣)](#foonote-٣) ). ( وقتلهم الأنبياء ) بالرفع( [(٤)](#foonote-٤) ) أي : ويكتب قتلهم الأنبياء ( بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق ) أي : بعذاب النار ؛ لأن عذاب النار محرق.

١ - البقرة: ٢٤٥..
٢ - من "ك"..
٣ - قرأ حمزة بالياء وضمها، وفتح التاء، وقرأ الباقون بالنون وفتحها، وضم التاء انظر النشر (٢/٢٤٥)..
٤ - هي قراءة حمزة – برفع اللام- وقرأ الباقون بفتح اللام على النصب. انظر المصدر السابق..

### الآية 3:182

> ﻿ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [3:182]

( ذلك بما قدمت أيديكم ) يعني : بما قدمتم، وذكر أيديكم تأكيدا. ( وأن الله ليس بظلام للعبيد ) يعني : أنه يفعل ما يفعل بهم ؛ مجازاة لهم على أعمالهم.

### الآية 3:183

> ﻿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ۗ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [3:183]

قوله تعالى :( الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار ) الآية في اليهود، قال السدي : كان الله تعالى عهد إلى اليهود : أن لا يؤمنوا لرسول حتى يأتيهم بقربان تأكله النار سوى عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، فإنه أمرهم أن يؤمنوا بهما من غير هذه الشريطة. 
وقال غيره : كانوا يتقربون بالقربان، ثم يأخذون أطايب لحمه، فيضعونها في بيت، ثم يقوم نبيهم في ذلك البيت يناجي ربه، فتأتي نار بيضاء لها حفيف من السماء، فتأكله، ويكون ذلك علامة قبول القربان. 
( قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات ) أي : بالدلالات والمعجزات ( وبالذي قلتم ) يعني : من الإتيان بقربان تأكله النار. 
( فلم قتلتموهم ) أي : فلم كذبتموهم، وقتلتموهم ( إن كنتم صادقين ) في دعوتكم ذلك العهد.

### الآية 3:184

> ﻿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ [3:184]

قوله تعالى :( فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات ) أي : بالدلالات والمعجزات ( والزبر ) : جمع الزبور وهو كتاب فيه الحكمة، وبه سمى كتاب داود : زبورا، وفي مصحف أهل الشام " وبالزبر " ( [(١)](#foonote-١) ). فإن قال قائل : أي فرق بين الزبر والكتاب ؟ وقد قال :( والزبر والكتاب المنير ) قيل : الكتاب اسم لما كتب، وضُمَّ بعض الكلمات فيه إلى بعض من الكَتْب ( هو ) ( [(٢)](#foonote-٢) ) الضم، وأما الزبر : مأخوذ من الزَبْر وهو الزجر، فالزبور : كتاب فيه مزاجر.

١ - هي قراءة ابن عامر بزيادة باء بعد الواو انظر النشر (٢/٢٤٥)..
٢ - في "ك": إلى. وهو خطأ..

### الآية 3:185

> ﻿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [3:185]

قوله تعالى :( كل نفس ذائقة الموت ) والذوق في الموت مجاز، وحقيقة الذوق : هو الإحساس بالشيء ؛ فلما كان يحس بالموت، سماه ذوقا مجازا، قال الشاعر :

من لم يمت عَبْطَةً يمت هَرَماً  الموت كأس وكل الناس ذائقها( [(١)](#foonote-١) )فإن قال قائل : لا يخفي أن كل نفس تموت، فأيْش الفائدة في قوله :( كل نفس ذائقة الموت ) ؟ قيل : أراد به : التزهيد بالدنيا، يعني : أن النفوس إلى الفناء ؛ فتزهّدوا بالدنيا، ( وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ). 
( فمن زحزح عن النار ) أي : نجى، وبعد عن النار ( وأدخل الجنة فقد فاز ) أي : نجا ( وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) لأنها تغر الإنسان، وهي الانقطاع. 
١ - كذا وقع الشطر الثاني في "الأصل، وك".
 وفي لسان العرب (مادة: عبط): للموت كاس والمرء ذائقها..

### الآية 3:186

> ﻿۞ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [3:186]

قوله تعالى :( لتبلون ) أي : لتختبرن، وقيل : لتصابن ( في أموالكم وأنفسكم ) في أموالكم بالإنفاق، وأنفسكم بالجهاد، وقيل : في أموالكم ( وأنفسكم بالمصائب والأمراض، وقال بعض أصحاب الخواطر : في أموالكم ) ( [(١)](#foonote-١) ) بالمنع عن الحق، وأنفسكم باتباع الهوى. 
( ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا ) قال الزهري : هذا في كعب بن الأشرف، كان يهجو النبي ويُسمع المسلمين هجاه »، وقيل : هو قول اليهود : عزيز ابن الله، وقول النصارى : المسيح ابن الله، وقيل : هو قول أولئك الذين قالوا : إن الله فقير. 
( وإن تصبروا ) يعني : على الأذى ( وتتقوا ) يعني : من مخالفة الرسول ( فإن ذلك من عزم الأمور ) أي : من حقائق الأمور، وشدائدها.

١ - ليست في "ك"..

### الآية 3:187

> ﻿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ [3:187]

قوله تعالى :( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ). قيل : أراد به : اليهود، أخذ الله ميثاقهم أن يبينوا نعت محمد للناس ولا يكتمونه. وقيل : هو في جميع العلماء، أخذ الله ميثاق العلماء : أن يبينوا العلم للناس ولا يكتمونه، وفي الحديث : من سئل عن علم، فكتمه، ألجم بلجام من نار »( [(١)](#foonote-١) ). 
( فنبذوه وراء ظهورهم ) أي : تركوه وراء ظهورهم ( واشتروا به ثمنا قليلا ) يعني : الرشاء ( فبئس ما يشترون ).

١ - رواه أبو داود (٣/٣٢١ رقم ٣٦٥٨)، والترمذي (٥/٢٩ رقم ٢٦٤٩) وقال: حسن، وابن ماجة (١/٩٦ رقم ٢٦١)، وأحمد (٢/٢٦٣، ٣٠٥، ٣٤٤، ٣٥٣، ٤٩٥)، والطيالسي (رقم ٢٥٣٤)، وابن أبي شيبة (٩/٥٥) وابن حبان في صحيحه (١/٢٩٧ رقم ٩٥)، والحاكم في مستدركه (١/١٠١) وصححه، جميعهم من حديث أبي هريرة مرفوعا.
 وقال الزيلعي في تخريجه للكشاف (١/٢٥٥ رقم ٢٦٨)، روى من حديث أبي هريرة وأنس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وابن عباس، وابن مسعود، وطلق بن علي، وابن عمر، وأبي سعيد الخدري، وجابر، وعائشة..

### الآية 3:188

> ﻿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [3:188]

قوله تعالى :( لا تحسبن الذين يفرحون بما أوتوا ) يعني : اليهود، بما أوتوا أي : العلم والكتاب، ولم يقوموا بموجبه وما يقتضيه، وقيل : هو في المنافقين يفرحون بما أتوا من التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم( [(١)](#foonote-١) ). 
( ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ) ( يعني ) ( [(٢)](#foonote-٢) ) : بالأعذار الكاذبة، ( فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ) أي : بمنجاة من العذاب ( ولهم عذاب أليم ). 
وروى أن مروان بعث إلى عائشة : هلكنا إذن ؛ فإنا نفرح بما نأتي، ونحب أن نحمد بما لم نفعل ؛ والله تعالى يقول :( فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ) فذكرت عائشة أن الآية في اليهود.

١ - من "ك"..
٢ - في "ك": أي..

### الآية 3:189

> ﻿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [3:189]

قوله تعالى :( ولله ملك السموات والأرض والله على كل شيء قدير ) ذكر هذا رد لقولهم : إن الله فقير ونحن أغنياء.

### الآية 3:190

> ﻿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [3:190]

قوله تعالى :( إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ) يعني : أن فيها دلالات على وحدانيته لذوي العقول.

### الآية 3:191

> ﻿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [3:191]

قوله تعالى :( الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ) روى ابن مسعود وعمران بن الحصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنبك تومىء إيماء »**( [(١)](#foonote-١) ) فهذا معنى الآية. 
وقيل : معناه : الذين يوحدون الله على كل حال. 
( ويتفكرون في خلق السموات والأرض ) فيستدلون به على وحدانيته، وفي الحديث :**«تفكروا في الخلق، ولا تتفكروا في الخالق »**( [(٢)](#foonote-٢) ). 
( ربنا ما خلقت هذا باطلا ) أي : عبثا، وقيل :( باطلا ) ( [(٣)](#foonote-٣) ) أي : بباطل. 
( سبحانك ) : هو للتنزيه عن كل سوء ( فقنا عذاب النار ) روى عن ابن عباس : أنه قال :**«بت عند خالتي ميمونة، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله على عرض الوسادة، وأنا على طولها، ثم قام من الليل، وقرأ هذه الآيات العشر »**( [(٤)](#foonote-٤) ) وفي رواية قال :**«سبحان الملك القدوس رب الملائكة والروح، وقرأ هذه الآيات العشر إلى آخر السورة »**.

١ - رواه البخاري في صحيحه (٢/٦٨٠-٦٨١ رقم ١١١٥، ١١١٦، ١١١٧)، وأبو داود (١/٢٥٠ رقم ٩٥٢) والترمذي (٢/٢٠٨ رقم ٣٧٢) وقال: حسن صحيح. وابن ماجة (١/٣٨٦ رقم ١٢٢٣)، وأحمد (٤/٤٢٦)، وابن خزيمة في صحيحه (٢/ رقم ٩٧٩)، والحاكم (١/٣١٥) وصححه على شرط الشيخين، جميعهم من حديث عمران ابن حصين..
٢ - رواه الطبراني في الأوسط – مجمع البحرين (١/١٠٨ رقم ٧١) – وابن حبان في المجروحين (٣/٨٣-٨٤)، وابن عدي في الكامل (٧/٩٥)، وأبو الشيخ في العظمة (ص ١٧ رقم١) كلهم من حديث ابن عمر، وقال الهيثمي في المجمع (١/٨٤): وفيه الوازع بن نافع وهو متروك.
 وفي الباب عن: عبد الله بن سلام، وابن عباس، وأبي ذر، وأبي هريرة، وعمرو بن مرة.
 وقال السخاوي في المقاصد (ص ٢٦): وأسانيده ضعيفة لكن اجتماعها يكتسب قوة. وانظر السلسلة الصحيحة (١٧٧٨)..
٣ - ليست في "ك"..
٤ - متفق عليه من حديث ابن عباس، رواه البخاري في صحيحه (١/٣٤٤-٣٤٥ رقم ١٨٣ وأطرافه في ١١٩٨٢، ٤٥٦٩، ٤٥٧٠، ٤٥٧١، ٤٥٧٢، ٧٤٥٢)، ومسلم (٦/٦٤-٧٦ رقم ٧٦٣)..

### الآية 3:192

> ﻿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [3:192]

قوله تعالى :( ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ) أي : أهلكته. فإن قال قائل : ألستم تقولون : إن المؤمنين يدخلون النار، ولا يخلدون فيها، فكيف يكون ذلك إهلاكا ؟ قيل : قال قتادة : معنى الآية : إنك من تدخل النار للخلود فقد أخزيته أي : أهلكته، وقال الضحاك : معنى الآية ( إنك من تدخل النار فقد أخزيته ) أي : فضحته، وهتكت ستره ؛ فعلى هذا يستوي فيه كل من دخل النار وإن لم يخلد فيها ( وما للظالمين من أنصار ).

### الآية 3:193

> ﻿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ۚ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ [3:193]

( ربنا إننا سمعنا مناديا ينادى للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ) أكثر المفسرين على أن المنادي : هو الرسول، وقيل : هو القرآن قاله محمد بن كعب القرظي. لأن كثيرا من الناس لم ير الرسول ولم يسمعه. 
( ربنا فاغفر لنا ذنوبنا ) أي : كبائرنا ( وكفر عنا سيئاتنا ) أي : صغائرنا، وقيل : الذنوب : المعاصي، والسيئات : التقصير في الطاعات. 
( وتوفنا مع الأبرار ) البَرّ المطيع، وفي الآثار : إن البَرَّ لا يؤذي الذر. يعني : النمل الصغار الحمر.

### الآية 3:194

> ﻿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ [3:194]

( ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ) أي : على ألسنة رسلك ( ولا تخزنا يوم القيامة ) أي : لا تفضحنا، ولا تهلكنا. ( إنك لا تخلف الميعاد ) وهو على سبيل المدح له ؛ لأنا على القطع نعلم أنك لا تخلف الميعاد.

### الآية 3:195

> ﻿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ ۖ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ۖ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ [3:195]

قوله تعالى :( فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ) روى أن أم سلمة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إني أرى الله لا يذكر النساء في القرآن، فنزل قوله :( من ذكر أو أنثى ). 
( بعضكم من بعض ) أي : كلكم كنفس واحدة، فلا أضيع عمل واحد منكم. 
( فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا ) وقرأ حمزة والكسائي :" وقتلوا وقاتلوا " ( [(١)](#foonote-١) ) ( لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله ) أي : جزاء من عند الله، ( والله عنده حسن الثواب ).

١ - وهي قراءة خلف أيضا، وقرأ ابن كثير، وعامر بتشديد التاء من "قُتِّلوا"، وقرأ الباقون بالتخفيف. انظر النشر (٢/٢٤٣، ٢٤٦)..

### الآية 3:196

> ﻿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ [3:196]

قوله تعالى :( لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد ) يعني : على مرادهم، فإن مصيرهم إلى النار

### الآية 3:197

> ﻿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [3:197]

( متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد ) وفيه دليل على أن أقل القليل من الجنة خير من الدنيا، وفي الحديث :**«لموضع سوط من الجنة خير من الدنيا وما فيها »**( [(١)](#foonote-١) ).

١ - رواه البخاري في صحيحه (٦/١٠٠ رقم ٢٨٩٢، وأطرافه في ٢٧٩٤، ٣٢٥٠، ٦٤١٥)، والترمذي (٤/١٥٤-١٥٥ رقم ١٦٤٨) وقال: حسن صحيح، وابن ماجة (٢/١٤٤٨ رقم ٤٣٣٠)، وأحمد (٣/٤٣٣) و(٥/٣٣٠، ٣٣٧، ٣٣٩) جميعهم من حديث سهل بن سعد الساعدي، وفي الباب عن أنس، وأبي هريرة..

### الآية 3:198

> ﻿لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۗ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ [3:198]

قوله تعالى :( لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله ) النُّزُل هو ما يعد للضيف من النعمة ؛ فسمى الله تعالى ما أعده للمؤمنين من نعيم الجنة : نزلا من عند الله ( وما عند الله خير للأبرار )

### الآية 3:199

> ﻿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [3:199]

قوله تعالى :( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ) قيل : أراد النجاشي، وروى أنه لما مات قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه :**«صلوا على أخ لكم مات، وهو أصحمة النجاشي »**( [(١)](#foonote-١) ) فقال المنافقون : انظروا يصلي على علج من النصارى ويدعوا له ؛ فنزلت الآية. 
وقيل : هو في عبد الله بن سلام، ومن أسلم معه ؛ فذلك قوله :( لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله ) أي : متواضعين لله ( لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب ).

١ - متفق عليه بنحوه من حديث أبي هريرة، رواه البخاري في صحيحه (٣/١٣٩ رقم ١٢٤٥، ١٣١٨، ١٣٢٧، ١٣٢٨، ١٣٣٣، ٣٨٨٠، ٣٨٨١) ومسلم في صحيحه (٧/٣٥-٣١/ رقم ٩٥١). وفي الباب عن أبي حذيفة بن أسيد ومجمع وعن جابر وعن عمران ابن حصين، ومجمع بن جارية، وراجع الإرواء (رقم ٧٢٧)..

### الآية 3:200

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [3:200]

قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا اصبروا ) يعني : على الجهاد، ( وصابروا ) أي : مع الأعداء ( ورابطوا ) أي : في الثغور بالملازمة، وقيل : اصبروا على دينكم، وصابروا مع الأعداء، ورابطوا بالمحافظة على الصلوات، وفي الحديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«ألا أدلكم على ما يمحو الله به السيئات، ويرفع الله به الدرجات، قيل : بلى يا رسول الله، قال : إسباغ الوضوء في السَّبْرَات( [(١)](#foonote-١) )، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم، الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط »**( [(٢)](#foonote-٢) ). 
( واتقوا الله لعلكم تفلحون ) أي : كونوا على رجاء الفلاح.

١ - السبرات: جمع سبرة بسكون الباء، وهي شدة البرد. النهاية (٢/٣٣٣)..
٢ - رواه مسلم في صحيحه (٣/١٧٩-١٨٠ رقم ٢٥١)، والترمذي (١/٧٢-٧٤ رقم ٥١، ٥٢) وقال: حسن صحيح، والنسائي (١/٨٩-٩٠ رقم ١٤٣)، وأحمد في مسنده (٢/٢٧٧، ٣٠٣) جميعهم من حديث أبي هريرة مرفوعا..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/3.md)
- [كل تفاسير سورة آل عمران
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/3.md)
- [ترجمات سورة آل عمران
](https://quranpedia.net/translations/3.md)
- [صفحة الكتاب: تفسير السمعاني](https://quranpedia.net/book/134.md)
- [المؤلف: أبو المظفر السمعاني](https://quranpedia.net/person/4446.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/3/book/134) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
