---
title: "تفسير سورة آل عمران - مدارك التنزيل وحقائق التأويل - أبو البركات النسفي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/3/book/26.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/3/book/26"
surah_id: "3"
book_id: "26"
book_name: "مدارك التنزيل وحقائق التأويل"
author: "أبو البركات النسفي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة آل عمران - مدارك التنزيل وحقائق التأويل - أبو البركات النسفي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/3/book/26)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة آل عمران - مدارك التنزيل وحقائق التأويل - أبو البركات النسفي — https://quranpedia.net/surah/1/3/book/26*.

Tafsir of Surah آل عمران from "مدارك التنزيل وحقائق التأويل" by أبو البركات النسفي.

### الآية 3:1

> الم [3:1]

الم الله  حركت الميم لالتقاء الساكنين أعني سكونها وسكون لام ****«الله »**** وفتحت لخفة الفتحة، ولم تكسر للياء وكسر الميم قبلها تحامياً عن توالي الكسرات، وليس فتح الميم لسكونها وسكون ياء قبلها إذ لو كان كذلك لوجب فتحها في **«حم »**. ولا يصح أن يقال : إن فتح الميم هو فتحة همزة ****«الله »**** نقلت إلى الميم لأن تلك الهمزة همزة وصل تسقط في الدرج وتسقط معها حركتها، ولو جاز نقل حركتها لجاز إثباتها وإثباتها غير جائز. وأسكن يزيد والأعشى الميم وقطعا الألف، والباقون بوصل الألف وفتح الميم.

### الآية 3:2

> ﻿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [3:2]

و**«الله »** مبتدأ  لاَ إله إِلاَّ هُوَ  خبره وخبر ****«لا »**** مضمر والتقدير : لا إله في الوجود إلا هو، **«وهو »** في موضع الرفع بدل من موضع ****«لا »****، واسمه  الحي القيوم  خبر مبتدأ محذوف أي هو الحي، أو بدل من **«هو »** و**«القيوم »** فيعول من قام وهو القائم بالقسط والقائم على كل نفس بما كسبت.

### الآية 3:3

> ﻿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ [3:3]

نَزَّلَ  أي هو نزل  عَلَيْكَ الكتاب  القرآن  بالحق  حال أي نزله حقاً ثابتاً  مُصَدِّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ  لما قبله  وَأَنزَلَ التوراة والإنجيل  هما اسمان أعجميان وتكلف اشتقاقهما من الورى والنجل، ووزنهما بتفعلة وافعيل إنما يصح بعد كونهما عربيين. وإنما قيل **«نزل الكتاب »** و**«أنزل التوراة والإنجيل »** لأن القرآن نزل منجماً ونزل الكتابان جملة.

### الآية 3:4

> ﻿مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ ۗ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [3:4]

مِن قَبْلُ  من قبل القرآن  هُدًى لّلنَّاسِ  لقوم موسى وعيسى أو لجميع الناس  وَأَنزَلَ الفرقان  أي جنس الكتب لأن الكل يفرق بين الحق والباطل، أو الزبور، أو كرر ذكر القرآن بما هو نعت له تفخيماً لشأنه  إِنَّ الذين كَفَرُواْ بآيات الله  من كتبه المنزلة وغيرها  لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ والله عَزِيزٌ ذُو انتقام  ذو عقوبة شديدة لا يقدر على مثلها منتقم

### الآية 3:5

> ﻿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ [3:5]

أي في العالم فعبر عنه بالسماء والأرض أي هو مطلع على كفر من كفر وإيمان من آمن وهو مجازيهم عليه

### الآية 3:6

> ﻿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [3:6]

هُوَ الذي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاءُ  من الصور المختلفة  لا إله إِلاَّ هُوَ العزيز  في سلطانه  الحكيم  في تدبيره. روي أنه لما قدم وفد بني نجران وهم ستون راكباً. أميرهم العاقب وعمدتهم السيد وأسقفهم وحبرهم أبو حارثة خاصموا في أن عيسى إن لم يكن ولداً لله فمن أبوه ؟ فقال عليه السلام :" ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه ؟ " قالوا : بلى. قال :" ألم تعلموا أن الله تعالى حي لا يموت وعيسى يموت، وأن ربنا قيم على العباد يحفظهم ويرزقهم وعيسى لا يقدر على ذلك، وأنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وعيسى لا يعلم إلا ما علم، وإنه صور عيسى في الرحم كيف شاء فحملته أمه ووضعته وأرضعته، وكان يأكل ويحدث وربنا منزه عن ذلك كله " 
فانقطعوا فنزل فيهم صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية.

### الآية 3:7

> ﻿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [3:7]

هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب  القرآن  مِنْهُ  من الكتاب  آيات محكمات  أحكمت عبارتها بأن حفظت من الاحتمال والاشتباه  هُنَّ أُمُّ الكتاب  أصل الكتاب تحمل المتشابهات عليها وترد إليها  وَأُخرُ  وآيات أخر  متشابهات  مشتبهات محتملات. مثال ذلك  الرحمن عَلَى العرش استوى  \[ طه : ٥ \] فالاستواء يكون بمعنى الجلوس وبمعنى القدرة والاستيلاء، ولا يجوز الأول على الله تعالى بدليل المحكم وهو قوله  لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء  \[ الشورى : ١١ \] أو المحكم ما أمر الله به في كل كتاب أنزله نحو قوله : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ  \[ الأنعام : ١٥١ \] الآيات،  وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه  \[ الإسراء : ٢٣ \]. الآيات. والمتشابه ما وراءه أو ما لا يحتمل إلا وجهاً واحداً، وما احتمل أوجهاً، أو ما يعلم تأويله وما لا يعلم تأويله، أو الناسخ الذي يعمل به والمنسوخ الذي لا يعمل به. وإنما لم يكن كل القرآن محكماً لما في المتشابه من الابتلاء به والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه، ولما في تقادح العلماء وإتعابهم والقرائح في استخراج معانيه ورده إلى المحكم من الفوائد الجليلة والعلوم الجمة ونيل الدرجات عند الله تعالى.  فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ  ميل عن الحق وهم أهل البدع  فَيَتَّبِعُونَ مَا تشابه  فيتعلقون بالمتشابه الذي يحتمل ما يذهب إليه المبتدع مما لا يطابق المحكم ويحتمل ما يطابقه من قول أهل الحق  مِنْهُ ابتغاء الفتنة  طلب أن يفتتنوا الناس عن دينهم ويضلوهم  وابتغاء تَأْوِيلِهِ  وطلب أن يؤولوه التأويل الذي يشتهونه  وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله  أي لا يهتدي إلى تأويله الحق الذي يجب أن يحمل عليه إلا الله  والراسخون فِي العلم  والذين رسخوا أي ثبتوا فيه وتمكنوا وعضوا فيه بضرس قاطع مستأنف عند الجمهور، والوقف عندهم على قوله **«إلا الله »** وفسروا المتشابه بما استأثر الله بعلمه، وهو مبتدأ عندهم والخبر يقولون **«آمنّا به »** وهو ثناء منه تعالى عليهم بالإيمان على التسليم واعتقاد الحقية بلا تكييف، وفائدة إنزال المتشابه الإيمان به، واعتقاد حقية ما أراد الله به، ومعرفة قصور أفهام البشر عن الوقوف على ما لم يجعل لهم إليه سبيلاً، ويعضده قراءة أبي **«ويقول الراسخون »** وعبد الله **«إن تأويله إلا عند الله »**. ومنهم من لا يقف عليه ويقول بأن الراسخين في العلم يعلمون المتشابه و****«يقولون »**** كلام مستأنف موضح لحال الراسخين بمعنى هؤلاء العالمون بالتأويل يقولون آمنا به أي بالمتشابه أو بالكتاب  كُلٌّ  من متشابهه ومحكمه  مِّنْ عِندِ رَبّنَا  من عند الله الحكيم الذي لا يتناقض كلامه  وَمَا يَذَّكَّرُ  وما يتعظ وأصله يتذكر  إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب  أصحاب العقول، وهو مدح للراسخين بإلقاء الذهن وحسن التأمل. وقيل :****«يقولون »**** حال من الراسخين.

### الآية 3:8

> ﻿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [3:8]

رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا  لا تملها عن الحق بخلق الميل في القلوب  بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا  للعمل بالمحكم والتسليم للمتشابه  وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً  من عندك نعمة بالتوفيق والتثبيت  إِنَّكَ أَنتَ الوهاب  كثير الهبة، والآية من مقول الراسخين ويحتمل الاستئناف أي قولوها وكذلك التي بعدها وهي رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ الناس لِيَوْمٍ .

### الآية 3:9

> ﻿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [3:9]

رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ الناس لِيَوْمٍ  أي تجمعهم لحساب يوم أو لجزاء يوم  لاَ رَيْبَ فِيهِ  لا شك في وقوعه  إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد  الموعد. والمعنى أن الإلهية تنافي خلف الميعاد كقولك **«إن الجواد لا يخيب سائله »** أي لا يخلف ما وعد المسلمين والكافرين من الثواب والعقاب.

### الآية 3:10

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ [3:10]

إِنَّ الذين كَفَرُواْ  برسول الله  لَن تُغْنِيَ  تنفع أو تدفع  عَنْهُمْ أموالهم وَلاَ أولادهم مّنَ الله  من عذابه  شَيْئاً  من الأشياء  وأولئك هُمْ وَقُودُ النار  حطبها.

### الآية 3:11

> ﻿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ [3:11]

كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ  الدأب مصدر دأب في العمل إذا كدح فيه فوضع موضع ما عليه الإنسان من شأنه وحاله. والكاف مرفوع المحل تقديره دأب هؤلاء الكفرة في تكذيب الحق كدأب من قبلهم من آل فرعون وغيرهم، أو منصوب المحل ب **« لن تغني أي لن تغني عنهم مثل ما لم تغن عن أولئك. «كدأب »** بلا همز حيث كان : أبو عمرو.  كَذَّبُواْ بئاياتنا  تفسير لدأبهم مما فعلوا، أو فعل بهم على أنه جواب سؤال مقدر عن حالهم، ويجوز أن يكون حالاً أي قد كذبوا  فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ  بسبب ذنوبهم يقال أخذته بكذا أي جازيته عليه  والله شَدِيدُ العقاب  شديد عقابه فالإضافة غير محضة.

### الآية 3:12

> ﻿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [3:12]

قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ  هم مشركو مكة  سَتُغْلَبُونَ  يوم بدر  وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ  من الجهنام وهي بئر عميقة. وبالياء فيهما : حمزة وعلي  وَبِئْسَ المهاد  المستقر جهنم.

### الآية 3:13

> ﻿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ۚ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ [3:13]

قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ  الخطاب لمشركي قريش  فِي فِئَتَيْنِ التقتا  يوم بدر  فِئَةٌ تقاتل فِي سَبِيلِ الله  وهم المؤمنون  وأخرى  وفئة أخرى  كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ  يرى المشركون المسلمين مثلي عدد المشركين ألفين، أو مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفاً وعشرين، أراهم الله إياهم مع قلتهم أضعافهم ليهابوهم ويجبنوا عن قتالهم. **«ترونهم »** نافع أي ترون يا مشركي قريش المسلمين مثلي فئتكم الكافرة، أو مثلي أنفسهم. ولا يناقض هذا ما قال في سورة الأنفال  وَيُقَلّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ  \[ الأنفال : ٤٤ \] لأنهم قللوا أولاً في أعينهم حتى اجترؤا عليهم، فلما اجتمعوا كثروا في أعينهم حتى غلبوا فكان التقليل والتكثير في حالتين مختلفتين ونظيره من المحمول على اختلاف الأحوال  فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ 
\[ الرحمن : ٣٩ \].  وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْؤولُونَ  \[ الصافات : ٢٤ \]. وتقليلهم تارة وتكثيرهم أخرى في أعينهم أبلغ في القدرة وإظهار الآية. و**«مثليهم »** نصب على الحال لأنه من رؤية العين بدليل قوله  رَأْيَ العين  يعني رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها  والله يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ  كما أيد أهل بدر بتكثيرهم في أعين العدو  إِنَّ فِي ذَلِكَ  في تكثير القليل  لَعِبْرَةً  لعظة  لأُوْلِي الأبصار  لذوي البصائر.

### الآية 3:14

> ﻿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [3:14]

زُيِّنَ لِلنَّاسِ  المزين هو الله عند الجمهور للابتلاء كقوله : إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ  \[ الكهف : ٧ \]. دليله قراءة مجاهد **«زين للناس »** على تسمية الفاعل. وعن الحسن : الشيطان  حُبُّ الشهوات  الشهوة توقان النفس إلى الشيء، جعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشتهاة، أو كأنه أراد تخسيسها بتسميتها شهوات إذ الشهوة مسترذلة عند الحكماء، مذموم من اتبعها، شاهد على نفسه بالبهيمية  مِّنَ النساء  والإماء داخلة فيها  والبنين  جمع ابن وقد يقع في غير هذا الموضع على الذكور والإناث، وهنا أريد به الذكور فهم المشتهون في الطباع والمعدون للدفاع  والقناطير  جمع قنطار وهو المال الكثير. قيل : ملء مسك ثور أو مائة ألف دينار، ولقد جاء الإسلام وبمكة مائة رجل قد قنطروا  المقنطرة  المنضدة أو المدفونة  مِنَ الذهب والفضة  سمي ذهباً لسرعة ذهابه بالإنفاق، وفضة لأنها تتفرق بالإنفاق والفض التفريق  والخيل  سميت به لاختيالها في مشيها  المسومة  المعلمة من السومة وهي العلامة أو المرعية من أسام الدابة وسومها  والأنعام  هي الأزواج الثمانية  والحرث  الزرع  ذلك  المذكور  مَّتَاعُ الحياة الدنيا  يتمتع به في الدنيا  والله عِندَهُ حُسْنُ المأب  المرجع.

### الآية 3:15

> ﻿۞ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَٰلِكُمْ ۚ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [3:15]

ثم زهدهم في الدنيا فقال  قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم  من الذي تقدم  لِلَّذِينَ اتقوا عِندَ رَبّهِمْ جنات  كلام مستأنف فيه دلالة على بيان ما هو خير من ذلكم، ف **«جَنات »** مبتدأ **«لِلذين اتقوا »** خبره  تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار  صفة ل ****«جنات »****، ويجوز أن يتعلق اللام ب ****«خير »**** واختص المتقين لأنهم هم المنتفعون به. ويرتفع ****«جنات »**** على هو جنات وتنصره قراءة من قرأ **«جناتٍ »** بالجر على البدل من ****«خير »****  خالدين فِيهَا وأزواج مُّطَهَّرَةٌ ورضوان مّنَ الله  أي رضا الله  والله بَصِيرٌ بالعباد  عالم بأعمالهم فيجازيهم عليها أو بصير بالذين اتقوا وبأحوالهم فلذا أعد لهم الجنات.

### الآية 3:16

> ﻿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [3:16]

الذين يَقُولُونَ  نصب على المدح أو رفع أو جر صفة للمتقين أو للعباد  رَبَّنَا إِنَّنَا ءَامَنَّا  إجابة لدعوتك  فاغفر لَنَا ذُنُوبَنَا  إنجازاً لوعدك 
 وَقِنَا عَذَابَ النار  بفضلك.

### الآية 3:17

> ﻿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ [3:17]

الصابرين  على الطاعات والمصائب وهو نصب على المدح  والصادقين  قولاً بإخبار الحق، وفعلاً بإحكام العمل، ونية بإمضاء العزم  والقانتين  الداعين أو المطيعين  والمنفقين  المتصدقين  والمستغفرين بالأسحار  المصلين أو طالبين المغفرة، وخص الأسحار لأنه وقت إجابة الدعاء، ولأنه وقت الخلوة. 
قال لقمان لابنه : يا بني لا يكن الديك أكيس منك ينادي بالأسحار وأنت نائم. والواو المتوسطة بين الصفات للدلالة على كمالهم في كل واحدة منها، وللإشعار بأن كل صفة مستقلة بالمدح.

### الآية 3:18

> ﻿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [3:18]

شَهِدَ الله  أي حكم أو قال  أَنَّهُ  أي بأنه  لا إله إِلاَّ هُوَ والملائكة  بما عاينوا من عظيم قدرته  وَأُوْلُواْ العلم  أي الأنبياء والعلماء  قَائِمَاً بالقسط  مقيماً للعدل فيما يقسم من الأرزاق والآجال ويثيب ويعاقب، وما يأمر به عباده من إنصاف بعضهم لبعض والعمل على السوية فيما بينهم. وانتصابه على أنه حال مؤكدة من اسم الله تعالى أو من ****«هو »****، وإنما جاز إفراده بنصب الحال دون المعطوفين عليه ولو قلت **«جاء زيد وعمرو راكباً »** لم يجز لعدم الإلباس فإنك لو قلت **«جاءني زيد وهند راكبا »** جاز لتميزه بالذكورة أو على المدح. وكرر  لاَ إله إِلاَّ هُوَ  للتأكيد  العزيز الحكيم  رفع على الاستئناف أي هو العزيز وليس بوصف ل ****«هو »**** لأن الضمير لا يوصف يعني أنه العزيز الذي لا يغالب، الحكيم الذي لا يعدل عن الحق.

### الآية 3:19

> ﻿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [3:19]

إِنَّ الدّينَ عِندَ الله الإسلام  جملة مستأنفة. وقرىء أن الدين على البدل من قوله أنه لا إله إلا هو أي شهد الله أن الدين عند الله الإسلام. قال عليه السلام " من قرأ الآية عند منامه خلق الله تعالى منها سبعين ألف خلق يستغفرون له إلى يوم القيامة، ومن قال بعدها : وأنا أشهد بما شهد الله به وأستودع الله هذه الشهادة وهي لي عند الله وديعة يقول الله تعالى يوم القيامة : إن لعبدي عندي عهداً وأنا أحق من وفى بالعهد أدخلوا عبدي الجنة "  وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب  أي أهل الكتاب من اليهود والنصارى، واختلافهم أنهم تركوا الإسلام وهو التوحيد فثلثت النصارى وقالت اليهود عزير بن الله  إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم  أنه الحق الذي لا محيد عنه  بَغْياً بَيْنَهُمْ  أي ما كان ذلك الاختلاف إلا حسداً بينهم وطلباً منهم للرياسة وحظوظ الدنيا واستتباع كل فريق ناساً لا شبهة في الإسلام. وقيل : هو اختلافهم في نبوة محمد عليه الصلاة والسلام حيث آمن به بعض وكفر به بعض. وقيل : هم النصارى واختلافهم في أمر عيسى بعد ما جاءهم العلم أنه عبد الله ورسوله  وَمَن يَكْفُرْ بآيات الله  بحججه ودلائله  فَإِنَّ الله سَرِيعُ الحساب  سريع المجازاة.

### الآية 3:20

> ﻿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ۗ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا ۖ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [3:20]

فَإنْ حَاجُّوكَ  فإن جادلوك في أن دين الله الإسلام والمراد بهم وفد بني نجران عند الجمهور  فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ  أي أخلصت نفسي وجملتي لله وحده لم أجعل فيها لغيره شريكاً بأن أعبده وأدعو إلهاً معه، يعني أن ديني دين التوحيد وهو الدين القويم الذي ثبتت عندكم صحته كما ثبتت عندي وما جئت بشيء بديع حتى تجادلوني فيه ونحوه :
 قُلْ ياأهل الكتاب تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَن لا نَعْبُدَ إِلاَّ الله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً  \[ آل عمران : ٦٤ \]. فهو دفع للمحاجة بأن ما هو عليه ومن معه من المؤمنين هو اليقين الذي لا شك فيه فما معنى المحاجة فيه !  وَمَنِ اتبعن  عطف على التاء في **«أسلمت »** أي أسلمت أنا ومن اتبعني وحسن للفاصل، ويجوز أن يكون الواو بمعنى **«مع »** فيكون مفعولاً معه. **«ومن اتبعني »** في الحالين : سهل ويعقوب وافق أبو عمرو في الوصل. **«وجهي »** : مدني وشامي وحفص والأعشى والبرجمي.  وَقُلْ لّلَّذِينَ أُوتُواْ الكتاب  من اليهود والنصارى  والأميين  والذين لا كتاب لهم من مشركي العرب  ءَأَسْلَمْتُمْ  بهمزتين : كوفي، يعني أنه قد أتاكم من البينات ما يقتضي حصول الإسلام فهل أسلمتم أم أنتم بعد على كفركم ؟ وقيل : لفظه لفظ الاستفهام ومعناه الأمر أي أسلموا كقوله  فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ  \[ المائدة : ٩١ \] أي انتهوا  فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهتدوا  فقد أصابوا الرشد حيث خرجوا من الضلال إلى الهدى  وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ  أي لم يضروك فإنك رسول منبه ما عليك إلا أن تبلغ الرسالة وتنبه على طريق الهدى  والله بَصِيرٌ بالعباد  فيجازيهم على إسلامهم وكفرهم.

### الآية 3:21

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [3:21]

إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بآيات الله وَيَقْتُلُونَ النبيين  هم أهل الكتاب رضوا بقتل آبائهم الأنبياء  بِغَيْرِ حَقّ  حال مؤكدة لأن قتل النبي لا يكون حقاً  وَيَقْتُلُونَ الذين يَأْمُرُونَ  **«ويقاتلون »** : حمزة  بالقسط  بالعدل  مِنَ الناس  أي سوى الأنبياء. قال عليه السلام " قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحدة فقام مائة واثنا عشر رجلاً من عباد بني إسرائيل فأمروا قتلتهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعاً في آخر النهار من ذلك اليوم "  فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  دخلت الفاء في خبر ****«إن »**** لتضمن اسمها معنى الجزاء كأنه قيل : الذين يكفرون فبشرهم بعذاب أليم بمعنى من يكفر فبشرهم، وهذا لأن ****«إن »**** لا تغير معنى الابتداء فهي للتحقيق فكأن دخولها كلا دخول ولو كان مكانها **«ليت »** أو **«لعل »** لامتنع دخول الفاء.

### الآية 3:22

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [3:22]

أولئك الذين حَبِطَتْ أعمالهم  أي ضاعت  فِي الدنيا والآخرة  فلهم اللعنة والخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة  وَمَا لَهُم مّن ناصرين  جمع لوقف رؤوس الآي وإلا فالواحد النكرة في النفي يعم.

### الآية 3:23

> ﻿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ [3:23]

أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب  يريد أحبار اليهود وأنهم حصلوا نصيباً وافراً من التوراة. **«ومن »** للتبعيض أو للبيان  يُدْعُونَ  حال من **«الذين »**  إلى كتاب الله  أي التوراة أو القرآن  لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ  جعل حاكماً حيث كان سبباً للحكم أو ليحكم النبي. روي أنه عليه السلام دخل مدراسهم فدعاهم فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد : على أي دين أنت ؟ قال النبي عليه السلام :" على ملة إبراهيم " قالا : إن إبراهيم كان يهودياً. قال لهما : إن بيننا وبينكم التوراة فهلموا إليها فأبيا  ثُمَّ يتولى فَرِيقٌ مّنْهُمْ  استبعاد لتوليهم بعد علمهم بأن الرجوع إلى كتاب الله واجب  وَهُم مُّعْرِضُونَ  وهم قوم لا يزال الإعراض ديدنهم.

### الآية 3:24

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ۖ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [3:24]

ذلك بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلا أَيَّامًا معدودات  أي ذلك التولي والإعراض بسبب تسهيلهم على أنفسهم أمر العقاب وطمعهم في الخروج من النار بعد أيام قلائل وهي أربعون يوماً أو سبعة أيام و**«ذلك »** مبتدأ **«وبأنهم »** خبره  وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ  أي غرهم افتراؤهم على الله وهو قولهم **«نحن أبناء الله وأحباؤه فلا يعذبنا بذنوبنا إلا مدة يسيرة »**.

### الآية 3:25

> ﻿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [3:25]

فَكَيْفَ إِذَا جمعناهم لِيَوْمٍ  فكيف يكون حالهم في ذلك الوقت  لاَ رَيْبَ فِيهِ  لا شك فيه  وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ  جزاء ما كسبت  وَهُمْ  يرجع إلى كل نفس على المعنى لأنه في معنى كل الناس  لاَ يُظْلَمُونَ  بزيادة في سيئاتهم ونقصان في حسناتهم.

### الآية 3:26

> ﻿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [3:26]

قُلِ اللهم  الميم عوض من **«يا »** ولذا لا يجتمعان، وهذا بعض خصائص هذا الاسم كما اختص بالتاء في القسم وبدخول حرف النداء عليه، وفيه لام التعريف وبقطع همزته في **«يا الله »** وبالتفخيم  مالك الملك  تملك جنس الملك فتتصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكون وهو نداء ثانٍ أي يا مالك الملك  تُؤْتِي الملك مَن تَشَاءُ  تعطي من تشاء النصيب الذي قسمت له من الملك  وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاءُ  أي تنزعه فالملك الأول عام والملكان الآخران خاصان بعضان من الكل. " روي أنه عليه السلام حين فتح مكة وعد أمته ملك فارس والروم فقالت اليهود والمنافقون : هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم هم أعز وأمنع من ذلك " فنزلت  وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ  بالملك  وَتُذِلُّ مَن تَشَاء  بنزعه منه  بِيَدِكَ الخير  أي الخير والشر فاكتفى بذكر أحد الضدين عن الآخر، أو لأن الكلام وقع في الخير الذي يسوقه إلى المؤمنين وهو الذي أنكرته الكفرة فقال : بيدك الخير تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك  إِنَّكَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ولا يقدر على شيء أحد غيرك إلا بإقدارك. وقيل : المراد بالملك ملك العافية أو ملك القناعة. قال عليه السلام " ملوك الجنة من أمتي القانعون بالقوت يوماً فيوماً " أو ملك قيام الليل. وعن الشبلي : الاستغناء بالمكون عن الكونين تعز بالمعرفة أو بالاستغناء بالمكون أو بالقناعة وتذل بأضدادها.

### الآية 3:27

> ﻿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [3:27]

ثم ذكر قدرته الباهرة بذكر حال الليل والنهار في المعاقبة بينهما، وحال الحي والميت في إخراج أحدهما من الآخر، وعطف عليه رزقه بغير حساب بقوله  تُولِجُ اليل فِي النهار وَتُولِجُ النهار فِي اليل  فالإيلاج إدخال الشيء في الشيء وهو مجاز هنا أي تنقص من ساعات الليل وتزيد 
في النهار، وتنقص من ساعات النهار وتزيد في الليل  وَتُخْرِجُ الحي مِنَ الميت  الحيوان من النطفة، أو الفرخ من البيضة، أو المؤمن من الكافر  وَتُخْرِجُ الميت مِنَ الحي  النطفة من الإنسان، أو البيض من الدجاج، أو الكافر من المؤمن  وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ  لا يعرف الخلق عدده ومقداره وإن كان معلوماً عنده، ليدل على أن من قدر على تلك الأفعال العظيمة المحيرة للأفهام، ثم قدر أن يرزق بغير حساب من يشاء من عباده فهو قادر على أن ينزع الملك من العجم ويذلهم ويؤتيه العرب ويعزهم. وفي بعض الكتب : أنا الله ملك الملوك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة، وإن العباد عصوني جعلتهم عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسبب الملوك ولكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم. وهو معنى قولهم عليه السلام " كما تكونوا يولى عليكم الحي من الميت والميت من الحي " بالتشديد حيث كان : مدني وكوفي غير أبي بكر.

### الآية 3:28

> ﻿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [3:28]

لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَاءَ  نهوا أن يوالوا الكافرين لقرابة بينهم أو لصداقة قبل الإسلام أو غير ذلك، وقد كرر ذلك في القرآن والمحبة في الله والبغض في الله باب عظيم في الإيمان.  مِن دُونِ المؤمنين  يعني أن لكم في موالاة المؤمنين مندوحة عن موالاة الكافرين فلا تؤثروهم عليهم  وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيْءٍ  أي ومن يوال الكفرة فليس من ولاية الله في شيء لأن موالاة الولي وموالاة عدوه متنافيان  إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تقاة  إلا أن تخافوا من جهتهم أمراً يجب اتقاؤه أي إلا أن يكون للكافر عليك سلطان فتخافه على نفسك ومالك فحينئذ يجوز لك إظهار الموالاة وإبطان المعاداة  وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ  أي ذاته فلا تتعرضوا لسخطه بموالاة أعدائه وهذا وعيد شديد  وإلى الله المصير  أي مصيركم إليه والعذاب معد لديه وهو وعيد آخر.

### الآية 3:29

> ﻿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [3:29]

قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ  من ولاية الكفار أو غيرها مما لا يرضى الله  يَعْلَمْهُ الله  ولم يخف عليه وهو أبلغ وعيد  وَيَعْلَمُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض  استئناف وليس بمعطوف على جواب الشرط أي هو الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض فلا يخفى عليه سركم وعلنكم  والله على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  فيكون قادراً على عقوبتكم.

### الآية 3:30

> ﻿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [3:30]

يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بعيداً  **«يوم »** منصوب ب ******«تود »****** والضمير في **«بينه »** لليوم أي يوم القيامة حين تجد كل نفس خيرها وشرها حاضرين، تتمنى لو أن بينها وبين ذلك اليوم وهو له أمداً بعيداً أي مسافة بعيدة، أو ب **«اذكر »** ويقع **«تجد »** على **«ما عملت »** وحده ويرتفع **«وما عملت »** على الابتداء و******«تود »****** خبره أي والذي عملته من سوء تود هي لو تباعد ما بينها وبينه، ولا يصح أن تكون **«ما »** شرطية لارتفاع ******«تود »******، نعم الرفع جائز إذا كان الشرط ماضياً لكن الجزم هو الكثير. وعن المبرد أن الرفع شاذ. وكرر قوله  وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ  ليكون على بال منهم لا يغفلون عنه  والله رَءُوفٌ بالعباد  ومن رأفته بهم أن حذرهم نفسه حتى لا يتعرضوا لسخطه، ويجوز أن يريد أنه مع كونه محذوراً لكمال قدرته مرجو لسعة رحمته كقوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةَ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ  \[ فصلت : ٤٣ \]. ونزل حين قال اليهود نحن أبناء الله وأحباؤه.

### الآية 3:31

> ﻿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [3:31]

قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعوني يُحْبِبْكُمُ الله  محبة العبد لله إيثار طاعته على غير ذلك، ومحبة الله العبد أن يرضى عنه ويحمد فعله. وعن الحسن : زعم أقوام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم يحبون الله فأراد أن يجعل لقولهم تصديقاً من عمل، فمن ادعى محبته وخالف سنة رسوله فهو كذاب وكتاب الله يكذبه. 
وقيل : محبة الله معرفته ودوام خشيته ودوام اشتغال القلب به وبذكره ودوام الأنس به. وقيل : هي اتباع النبي عليه السلام في أقواله وأفعاله وأحواله إلا ما خص به. وقيل : علامة المحبة أن يكون دائم التفكير، كثير الخلوة، دائم الصمت، لا يبصر إذا نظر، ولا يسمع إذا نودي، ولا يحزن إذا أصيب، ولا يفرح إذا أصاب، ولا يخشى أحداً ولا يرجوه  وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ \* .

### الآية 3:32

> ﻿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ۖ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [3:32]

قُلْ أَطِيعُواْ الله والرسول  قيل : هي علامة المحبة  فَإِن تَوَلَّوْاْ  أعرضوا عن قبول الطاعة، ويحتمل أن يكون مضارعاً أي فإن تتولوا  فَإِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الكافرين  أي لا يحبهم.

### الآية 3:33

> ﻿۞ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ [3:33]

إِنَّ الله اصطفى  اختار  ءَادَمَ  أبا البشر  وَنُوحاً  شيخ المرسلين  وآلَ إبراهيم  إسماعيل وإسحاق وأولادهما  وآل عمران  موسى وهارون هما ابنا عمران بن يصهر. وقيل : عيسى ومريم بنت عمران ابن ماثان وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة  عَلَى العالمين  على عالمي زمانهم.

### الآية 3:34

> ﻿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [3:34]

ذُرِّيَّةً  بدل من **«آل إبراهيم وآل عمران »**  بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ  مبتدأ وخبره في موضع النصب صفة ل **«ذرية »** يعني أن الآلين ذرية واحدة متسلسلة بعضها متشعب من بعض : موسى وهارون من عمران، وعمران من يصهر، ويصهر من قاهث، وقاهث من لاوي، ولاوي من يعقوب، ويعقوب من إسحاق، وكذلك عيسى بن مريم بنت عمران بن ماثان وهو يتصل بيهودا بن يعقوب بن إسحاق، وقد دخل في آل إبراهيم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل : بعضها من بعض في الدين  والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ  يعلم من يصلح للاصطفاء، أو سميع عليم لقول امرأة عمران ونيتها.

### الآية 3:35

> ﻿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [3:35]

إِذْ قَالَتِ  **«وإذ »** منصوب به أو بإضمار **«اذكر »**.  امرأت عمران  هي امرأة عمران بن ماثان أم مريم جدة عيسى وهي حنة بنت فاقوذا 
 رَبِّ إِنّي نَذَرْتُ لَكَ  أوجبت  مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا  هو حال من **«ما »** وهي بمعنى الذي أي معتقاً لخدمة بيت المقدس لا يد لي عليه ولا أستخدمه، وكان هذا النوع من النذر مشروعاً عندهم أو مخلصاً للعبادة يقال **«طين حر »** أي خالص  فَتَقَبَّلْ مِنّي  **«منّي »** مدني وأبو عمر، والتقبل : أخذ الشيء على الرضا به  إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم \* .

### الآية 3:36

> ﻿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَىٰ ۖ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [3:36]

فَلَمَّا وَضَعَتْهَا  الضمير ل **«ما في بطني »** وإنما أنّث على تأويل الحبلة أو النفس أو النسمة  قَالَتْ رَبِّ إِنّي وَضَعْتُهَا أنثى  ****«أنثى »**** حال من الضمير في **«وضعتها »** أي وضعت الحبلة أو النفس أو النسمة أنثى، وإنما قالت هذا القول لأن التحرير لم يكن إلا للغلمان فاعتذرت عما نذرت وتحزنت إلى ربها ولتكلمها بذلك على وجه التحزن والتحسر قال الله  والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ  تعظيماً لموضوعها أي والله أعلم بالشيء الذي وضعت وما علق به من عزائم الأمور. 
**«وضعتُ »** : شامي وأبو بكر بمعنى ولعل لله فيه سراً وحكمة، وعلى هذا يكون داخلاً في القول. وعلى الأول يوقف عند قوله ****«أنثى »**** وقوله :
**«والله أعلم بما وضعت »**. ابتداء إخبار من الله تعالى  وَلَيْسَ الذكر  الذي طلبت  كالأنثى  التي وهبت لها واللام فيهما للعهد  وَإِنّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ  معطوف على **«إني وضعتها أنثى »** وما بينهما جملتان معترضتان. وإنما ذكرت حنة تسميتها مريم لربها لأن مريم في لغتهم العابدة، فأرادت بذلك التقرب والطلب إليه أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقاً لاسمها وأن يصدق فيها ظنها بها، ألا ترى كيف أتبعته طلب الإعاذة لها ولولدها من الشيطان بقوله  وَإِنّي  **«وإنّي »** مدني  أُعِيذُهَا بِكَ  أجيرها  وَذُرِّيَّتَهَا  أولادها  مِنَ الشيطان الرجيم  الملعون في الحديث " ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها ".

### الآية 3:37

> ﻿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [3:37]

فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا  قبل الله مريم ورضي بها في النذر مكان الذكر  بِقَبُولٍ حَسَنٍ  قيل : القبول اسم ما يقبل به الشيء كالسعوط لما يسعط به وهو اختصاصه لها بإقامتها مقام الذكر في النذر ولم تقبل قبلها أنثى في ذلك، أو بأن تسلمها من أمها عقيب الولادة قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة. روي أن حنة لما ولدت مريم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة فقالت لهم : دونكم هذه النذيرة، فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، وكانت بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم فقال لهم زكريا : أنا أحق بها، عندي أختها. فقالوا : لا حتى نقترع عليها. فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم فارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم فتكفلها. وقيل : هو مصدر على تقدير حذف المضاف أي فتقبلها بذي قبول حسن أي بأمر ذي قبول حسن وهو الاختصاص  وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا  مجاز عن التربية الحسنة، قال ابن عطاء : ما كانت ثمرته مثل عيسى فذاك أحسن النبات. **«ونباتاً »** مصدر على خلاف الصدر أو التصدير فنبتت نباتاً  وَكَفَّلَهَا  **«وكفلها »** : قبلها أو ضمن القيام بأمرها. وكفّلها : كوفي أي كفلها الله زكريا يعني جعله كافلاً لها وضامناً لمصالحها  زَكَرِيَّا  بالقصر : كوفي غير أبي بكر في كل القرآن. وقرأ أبو بكر بالمد والنصب هنا. غيرهم بالمد والرفع كالثانية والثالثة ومعناه في العبري : دائم الذكر والتسبيح  كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب  قيل : بنى لها زكريا محراباً في المسجد أي غرفة تصعد إليها بسلم. 
وقيل : المحراب أشرف المجالس ومقدّمها كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس. وقيل : كانت مساجدهم تسمى المحاريب وكان لا يدخل عليها إلا هو وحده  وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا  كان رزقها ينزل عليها من الجنة ولم ترضع ثدياً قط فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء  قَالَ يامريم أنى لَكِ هذا  من أين لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا وهو آتٍ في غير حينه ؟  قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله  فلا تستبعد. قيل : تكلمت وهي صغيرة كما تكلم عيسى وهو في المهد  إنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ  من جملة كلام مريم أو من كلام رب العالمين  بِغَيْرِ حِسَابٍ  بغير تقدير لكثرته أو تفضلاً بغير محاسبة ومجازاة على عمل.

### الآية 3:38

> ﻿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ [3:38]

هُنَالِكَ  في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم في المحراب أو في ذلك الوقت فقد يستعار **«هنا »** و **«حيث »** و **«ثم »** للزمان. لما رأى حال مريم في كرامتها على الله ومنزلتها رغب أن يكون له من إيشاع ولد مثل ولد أمها حنة في الكرامة على الله، وإن كانت عاقراً عجوزاً فقد كانت أمها كذلك. وقيل : لما رأى الفاكهة في غير وقتها انتبه على جواز ولادة العاقر  دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً  ولداً والذرية يقع على الواحد والجمع  طَيِّبَةً  مباركة والتأنيث للفظ الذرية  إِنَّكَ سَمِيعُ الدعاء  مجيبه.

### الآية 3:39

> ﻿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ [3:39]

فَنَادَتْهُ الملائكة  قيل : ناداه جبريل عليه السلام. وإنما قيل **«الملائكة »** لأن المعنى أتاه النداء من هذا الجنس كقولهم **«فلان يركب الخيل »**. 
**«فناديه »** بالياء والإمالة : حمزة وعلي  وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّي فِي المحراب  وفيه دليل على أن المرادات تطلب بالصلوات، وفيها إجابة الدعوات وقضاء الحاجات. وقال ابن عطاء : ما فتح الله تعالى على عبد حالة سنية إلا باتباع الأوامر وإخلاص الطاعات ولزوم المحاريب.  إِنَّ الله  بكسر الألف : شامي وحمزة وعلى إضمار القول، أو لأن النداء قول. الباقون : بالفتح أي بأن الله  يُبَشّرُكَ  **«يبشرك »** وما بعده : حمزة وعلي من بشره والتخفيف والتشديد لغتان  بيحيى  هو غير منصرف إن كان عجمياً وهو الظاهر فللتعريف والعجمة كموسى وعيسى، وإن كان عربياً فللتعريف ووزن الفعل ك **«يعمر »**  مُصَدِّقاً  حال منه  بِكَلِمَةٍ مّنَ الله  أي مصدقاً بعيسى مؤمناً به فهو أول من آمن به. وسمي عيسى كلمة الله لأن تكون ب **«كن »** بلا أب، أو مصدقاً بكلمة من الله مؤمناً بكتاب منه  وَسَيّدًا  هو الذي يسود قومه أي يفوقهم في الشرف، وكان يحيى فائقاً على قومه لأنه لم يركب سيئة قط ويا لها من سيادة. وقال الجنيد : هو الذي جاد بالكونين عوضاً عن المكون  وَحَصُورًا  هو الذي لا يقرب النساء مع القدرة حصراً لنفسه أي منعاً لها من الشهوات  وَنَبِيّاً مِّنَ الصالحين  ناشئاً من الصالحين لأنه كان من أصلاب الأنبياء أو كائناً من جملة الصالحين.

### الآية 3:40

> ﻿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [3:40]

قَالَ رَبِّ أنى يَكُونُ لِي غلام  استبعاد من حيث العادة واستعظام للقدرة لا تشكك  وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر  كقولهم **«أدركته السن العالية »** أي أثر فيَّ الكبر وأضعفني وكان له تسع وتسعون سنة ولامرأته ثمان وتسعون  وامرأتي عَاقِرٌ  لم تلد  قَالَ كذلك الله يَفْعَلُ مَا يَشَاء  من الأفعال العجيبة.

### الآية 3:41

> ﻿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ۖ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ۗ وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ [3:41]

قَالَ رَبِّ اجعل لِّي  **«لِي »** مدني وأبو عمرو  ءَايَةً  علامة أعرف بها الحبل لأتلقى النعمة بالشكر إذا جاءت  قَالَ آيتُكَ ألاَّ تُكَلِّمَ الناس  أي لا تقدر على تكليم الناس  ثلاثة أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا  إلا إشارة بيد أو رأس أو عين أو حاجب وأصله التحرك، يقال ارتمز إذا تحرك. واستثنى الرمز وهو ليس من جنس الكلام لأنه لما أدّى مؤدّى الكلام وفهم منه ما يفهم منه سمي كلاماً، أو هو استثناء منقطع. وإنما خص تكليم الناس ليعلم أنه يحبس لسانه عن القدرة عن تكليمهم خاصة مع إبقاء قدرته على التكلم بذكر الله، ولذا قال  واذكر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبّحْ بالعشي والإبكار  أي في أيام عجزك عن تكليم الناس وهي من الآيات الباهرة والأدلة الظاهرة، وإنما حبس لسانه عن كلام الناس ليخلص المدة لذكر الله لا يشغل لسانه بغيره كأنه لما طلب الآية من أجل الشكر قيل له : آيتك أن تحبس لسانك إلا عن الشكر، وأحسن الجواب ما كان منتزعاً من السؤال. والعشي من حين الزوال إلى الغروب، والإبكار من طلوع الفجر إلى وقت الضحى.

### الآية 3:42

> ﻿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ [3:42]

وَإِذْ  عطف على **«إذ قالت امرأة عمران »** أو التقدير واذكر إذا  قَالَتِ الملائكة يا مريم  روي أنهم كلموها شفاها  إِنَّ الله اصطفاك  أولاً حين تقبلك من أمك ورباك واختصك بالكرامة السنية  وَطَهَّرَكِ  مما يستقذر من الأفعال  واصطفاك  آخراً  على نِسَاء العالمين  بأن وهب لك عيسى من غير أب ولم يكن ذلك لأحد من النساء.

### الآية 3:43

> ﻿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [3:43]

يامريم اقنتي لِرَبِّكِ  أديمي الطاعة أو أطيلي قيام الصلاة  واسجدي  وقيل : أمرت بالصلاة بذكر القنوت والسجود لكونهما من هيئات الصلاة، ثم قيل لها  واركعي مَعَ الراكعين  أي ولتكن صلاتك مع المصلين أي في الجماعة، أو وانظمي نفسك في جملة المصلين وكوني في عدادهم ولا تكوني في عداد غيرهم.

### الآية 3:44

> ﻿ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [3:44]

ذلك  إشارة إلى ما سبق من قصة حنة وزكريا ويحيى ومريم  مِنْ أَنبَاءِ الغيب نُوحِيهِ إِلَيْكَ  يعني أن ذلك من الغيوب التي لم تعرفها إلا بالوحي  وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أقلامهم  أزلامهم وهي قداحهم التي طرحوها في النهر مقترعين، أو هي الأقلام التي كانوا يكتبون التوراة بها اختاروها للقرعة تبركاً بها  أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ  متعلق بمحذوف دل عليه **«يلقون »** كأنه قيل : يلقونها ينظرون أيهم يَكفل مريم أو ليعلموا أو يقولون  وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ  في شأنها تنافساً في التكفل بها.

### الآية 3:45

> ﻿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [3:45]

إِذْ قَالَتِ الملائكة  أي اذكر  يامريم إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ  أي بعيسى  مِّنْهُ  في موضع جر صفة لكلمة  اسمه  مبتدأ وذكر ضمير الكلمة لأن المسمى بها مذكر  المسيح  خبره والجملة في موضع جر صفة ل ****«كلمة »****. 
والمسيح لقب من الألقاب المشرفة كالصديق والفاروق وأصله **«مشيحاً »** بالعبرانية ومعناه المبارك كقوله : وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَمَا كُنتُ  \[ مريم : ٣١ \]. وقيل : سمي مسيحاً لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برأ، أو لأنه كان يمسح الأرض بالسياحة لا يستوطن مكاناً  عِيسَى  بدل من المسيح  ابن مَرْيَمَ  خبر مبتدأ محذوف أي هو ابن مريم، ولا يجوز أن يكون صفة لعيسى لأن اسمه عيسى فحسب وليس اسمه عيسى ابن مريم. وإنما قال **«ابن مريم »** إعلاماً لها أنه يولد من غير أب فلا ينسب إلا إلى أمه **«وَجِيهاً »** ذا جاه وقدر **«في الدُّنيا »** بالنبوة والطاعة  والآخرة  بعلو الدرجة والشفاعة  وَمِنَ المقربين  برفعه إلى السماء، وقوله **«وجيهاً »** حال من ****«كلمة »**** لكونها موصوفة وكذا **«ومن المقربين »** أي وثابتاً من المقربين.

### الآية 3:46

> ﻿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ [3:46]

وكذا **«ويكَلِّمُ النّاسَ »** أي ومكلماً الناس في المهد حال من الضمير في **«يكلم »** أي ثابتاً في المهد وهو ما يمهد للصبي من مضجعه سمي بالمصدر  وَكَهْلاً  عطف عليه أي ويكلم الناس طفلاً وكهلاً أي يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء من غير تفاوت بين حال الطفولة وحالة الكهولة التي يستحكم فيها العقل ويستنبأ فيها الأنبياء  وَمِنَ الصالحين  حال أيضاً والتقدير يبشرك به موصوفاً بهذه الصفات.

### الآية 3:47

> ﻿قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [3:47]

قَالَتْ رَبِّ أنى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كذلك الله يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يقول له كن فيكون  أي إذا قدر تكون شيء كونه من غير تأخير لكنه عبر بقوله **«كن »** إخباراً عن سرعة تكون الأشياء بتكوينه.

### الآية 3:48

> ﻿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ [3:48]

وَيُعَلِّمُهُ  مدني وعاصم وموضعه حال معطوفة على **«وجيهاً »**. الباقون : بالنون على أنه كلام مبتدأ  الكتابَ  أي الكتابة وكان أحسن الناس خطاً في زمانه. وقيل : كتب الله  والحكمَةَ  بيان الحلال والحرام أو الكتاب الخط باليد. والحكمة : البيان باللسان  والتوراة والإنجيل \* .

### الآية 3:49

> ﻿وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [3:49]

وَرَسُولاً  أي ونجعله رسولاً أو يكون في موضع الحال أي وجيهاً في الدنيا والآخرة ورسولاً  إلى بَنِي إسراءيل أَنّي  بأني  قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ  بدلالة تدل على صدقي فيما أدعيه من النبوة  أَنِي أَخْلُقُ لَكُمْ  نصب بدل من **«أني قد جئتكم »** أو جر بدل من **«آية »** أو رفع على 
**«هي أني أخلق لكم »**. **«ِإنِّيَ »** : نافع على الاستئناف  مِّنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير  أي أقدر لكم شيئاً مثل صورة الطير  فَأَنفُخُ فِيهِ  الضمير للكاف أي في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير  فَيَكُونُ طَيْرًا  فيصير طيراً كسائر الطيور. **«طائراً »** : مدني  بِإِذُنِ الله  بأمره. قيل : لم يخلق شيئاً غير الخفاش  وَأُبْرِىءُ الأكمه  الذي ولد أعمى  والأبرص وَأُحْييِ الموتى بِإِذْنِ الله  كرر **«بإذن الله »** دفعاً لو هم من يتوهم فيه اللاهوتية. 
روي أنه أحيا سام بن نوح عليه السلام وهم ينظرون إليه فقالوا : هذا سحر مبين فأرنا آية فقال : يا فلان أكلت كذا ويا فلان خبىء لك كذا وهو قوله  وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ  و**«ما »** فيهما بمعنى **«الذي »**، أو مصدرية  إِنَّ فِي ذَلِكَ  فيما سبق  لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ \* .

### الآية 3:50

> ﻿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ۚ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [3:50]

وَمُصَدِّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوراة  أي قد جئتكم بآية وجئتكم مصدقاً  وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ  رد على قوله **«بآية من ربكم »** أي جئتكم بآية من ربكم ولأحل لكم. وما حرم الله عليهم في شريعة موسى عليه السلام الشحوم ولحوم الإبل والسمك وكل ذي ظفر فأحل لهم عيسى بعض ذلك  وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ  كرر للتأكيد  فاتقوا الله  في تكذيبي وخلافي  وَأَطِيعُونِ  في أمري.

### الآية 3:51

> ﻿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۗ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [3:51]

إِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ  إقرار بالعبودية ونفي للربوبية عن نفسه بخلاف ما يزعم النصارى  فاعبدوه  دوني  هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ  يؤدي صاحبه إلى النعيم المقيم.

### الآية 3:52

> ﻿۞ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [3:52]

فَلَمَّا أَحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الكفر  علم من اليهود كفراً علماً لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس  قَالَ مَنْ أَنصَارِي  **«أنصاري »** مدني وهو جمع ناصر كأصحاب أو جمع نصير كأشراف  إِلَى الله  يتعلق بمحذوف حال من الياء أي من أنصاري ذاهباً إلى الله ملتجئاً إليه  قَالَ الحواريون  حواريّ الرجل صفوته وخاصته  نَحْنُ أَنْصَارُ الله  أعوان دينه  آمنا بالله واشهد  يا عيسى  بِأَنَّا مُسْلِمُونَ  إنما طلبوا شهادته بإسلامهم تأكيداً لإيمانهم لأن الرسل يشهدون يوم القيامة لقومهم وعليهم، وفيه دليل على أن الإيمان والإسلام واحد.

### الآية 3:53

> ﻿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [3:53]

رَبَّنَا ءَامَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ واتبعنا الرسول  أي رسولك عيسى  فاكتبنا مَعَ الشاهدين  مع الأنبياء الذين يشهدون لأممهم، أو مع الذين يشهدون لك بالوحدانية، أو مع أمة محمد عليه السلام لأنهم شهداء على الناس.

### الآية 3:54

> ﻿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [3:54]

وَمَكَرُواْ  أي كفار بني إسرائيل الذين أحس عيسى منهم الكفر حين أرادوا قتله وصلبه  وَمَكَرَ الله  أي جازاهم على مكرهم بأن رفع عيسى إلى السماء وألقى شبهه على من أراد اغتياله حتى قتل، ولا يجوز إضافة المكر إلى الله تعالى إلا على معنى الجزاء، لأنه مذموم عند الخلق وعلى هذا الخداع والاستهزاء كذا في شرح التأويلات.  والله خَيْرُ الماكرين  أقوى المجازين وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب.

### الآية 3:55

> ﻿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [3:55]

إِذْ قَالَ الله  ظرف لمكر الله  يا عيسى إِنّي مُتَوَفّيكَ  أي مستوفي أجلك ومعناه أني عاصمك من أن يقتلك الكفار ومميتك حتف أنفك لا قتلاً بأيديهم  وَرَافِعُكَ إِلَيَّ  إلى سمائي ومقر ملائكتي  وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الذين كَفَرُواْ  من سوء جوارهم وخبث صحبتهم. 
وقيل : متوفيك قابضك من الأرض من توفيت مالي على فلان إذا استوفيته، أو مميتك في وقتك بعد النزول من السماء ورافعك الآن، إذ الواو لا توجب الترتيب. قال النبي عليه السلام **« ينزل عيسى خليفة على أمتي يدق الصليب ويقتل الخنازير ويلبث أربعين سنة، ويتزوج ويولد له ثم يتوفى، وكيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها والمهدي من أهل بيتي وفي وسطها »** أو متوفي نفسك بالنوم ورافعك وأنت نائم حتى لا يلحقك خوف وتستيقظ وأنت في السماء آمن مقرب  وَجَاعِلُ الذين اتبعوك  أي المسلمين لأنهم متبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى  فَوْقَ الذين كَفَرُواْ  بك  إلى يَوْمِ القيامة  يعلونهم بالحجة وفي أكثر الأحوال بها وبالسيف  ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ  في الآخرة  فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ \* .

### الآية 3:56

> ﻿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [3:56]

فَأَمَّا الذين كَفَرُواْ فَأُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدنيا والآخرة وَمَا لَهُمْ مّن ناصرين \*  وَأَمَّا الذين ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ والله لاَ يُحِبُّ الظالمين } وتفسير الحكم هاتان الآيتان.

### الآية 3:57

> ﻿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [3:57]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥٦: فَأَمَّا الذين كَفَرُواْ فَأُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدنيا والآخرة وَمَا لَهُمْ مّن ناصرين \*  وَأَمَّا الذين ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ والله لاَ يُحِبُّ الظالمين } وتفسير الحكم هاتان الآيتان. ---


 فيوفيهم  حفص.

### الآية 3:58

> ﻿ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ [3:58]

ذلك  إشارة إلى ما سبق من نبأ عيسى وغيره وهو مبتدأ  نَتْلُوهُ عَلَيْكَ  خبره  مِنَ الأيات  خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف  والذكر الحكيم  القرآن يعني المحكم، أو كأنه ينطق بالحكمة لكثرة حكمه. ونزل لما قال وفد بني نجران هل رأيت ولداً بلا أب.

### الآية 3:59

> ﻿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [3:59]

إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءادَمَ  أي إن شأن عيسى وحاله الغريبة كشأن آدم عليه السلام  خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ  قدره جسداً من طين وهي جملة مفسرة لحالة شبه عيسى بآدم ولا موضع لها أي خلق آدم من تراب ولم يكن ثمة أب ولا أم، فكذلك حال عيسى مع أن الوجود من غير أب وأم أغرب وأخرق للعادة من الوجود من غير أب، فشبه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم وأحسم لمادة شبهته إذا نظر فيما هو أغرب مما استغربه، وعن بعض العلماء أنه أسر بالروم فقال لهم : لم تعبدون عيسى ؟ قالوا : لأنه لا أب له قال : فآدم أولى لأنه لا أبوين له. قالوا : كان يحيي الموتى. قال : فحزقيل أولى لأن عيسى أحيا أربعة نفر وحزقيل ثمانية آلاف. فقالوا : كان يبرىء الأكمه والأبرص. قال : فجرجيس أولى لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالماً  ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن  أي أنشأه بشراً  فَيَكُونُ  أي فكان وهو حكاية حال ماضية، و **«ثم »** لترتيب الخبر على الخبر لا لترتيب المخبر عنه.

### الآية 3:60

> ﻿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [3:60]

الحق مِن رَّبّكَ  خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق  فَلاَ تَكُن  أيها السامع  مِنَ الممترين  الشاكين. ويحتمل أن يكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ويكون من باب التهييج لزيادة الثبات لأنه عليه السلام معصوم من الامتراء.

### الآية 3:61

> ﻿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [3:61]

فَمَنْ حَاجَّكَ  من النصارى  فِيهِ  في عيسى  مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العلم  من البينات الموجبة للعلم و**«ما »** بمعنى **«الذي »**  فَقُلْ تَعَالَوْاْ  هلموا والمراد المجيء بالعزم والرأي كما تقول : تعالى نفكر في هذه المسألة  نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ  أي يدع كل منا ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه إلى المباهلة  ثُمَّ نَبْتَهِلْ  ثم نتباهل بأن نقول **«بهلة الله على الكاذب منا ومنكم »**. والبهلة بالفتح والضم اللعنة، وبهله الله لعنه وأبعده من رحمته، وأصل الابتهال هذا ثم يستعمل في كل دعاء يجتهد فيه وإن لم يكن التعاناً. روي أنه عليه السلام لما دعاهم إلى المباهلة قالوا : حتى ننظر. فقال العاقب. وكان ذا رأيهم - والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمداً نبي مرسل وما باهل قوم نبياً قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لتهلكن، فإن أبيتم إلا ألف دينكم فودعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم. 
فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غدا محتضناً للحسين آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعليّ خلفها وهو يقول :" إذا أنا دعوت فأمنوا " فقال أسقف نجران : يا معشر النصارى إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها فلا تباهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني فقالوا : يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك. فصالحهم النبي على ألفي حلة كل سنة فقال عليه السلام :" والذي نفسي بيده إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير "، وإنما ضم الأبناء والنساء وإن كانت المباهلة مختصة به وبمن يكاذبه لأن ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده لذلك، ولم يقتصر على تعريض نفسه له وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته إن تمت المباهلة. وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب وقدمهم في الذكر على الأنفس لينبه على قرب مكانهم ومنزلتهم، وفيه دليل واضح على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لم يرو أحد من موافق أو مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك  فَنَجْعَل لَّعْنَتُ الله عَلَى الكاذبين  منا ومنكم في شأن عيسى ونبتهل ونجعل معطوفان على **«ندع »**.

### الآية 3:62

> ﻿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ۚ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [3:62]

إِنَّ هَذَا  الذي قص عليك من نبأ عيسى  لَهُوَ القصص الحق  هو فصل بين اسم ****«إن »**** وخبرها، أو مبتدأ و**«القصص الحق »** خبره، والجملة خبر ****«إن »**** وجاز دخول اللام على الفصل لأنه إذا جاز دخولها على الخبر كان دخولها على الفصل أجوز لأنه أقرب إلى المبتدأ منه، وأصلها أن تدخل على المبتدأ. و**«من »** في  وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله  بمنزلة البناء على الفتح في **«لا إله إلا الله »** في إفادة معنى الاستغراق، والمراد الرد على النصارى في تثليثهم  وَإِنَّ الله لَهُوَ العزيز  في الانتقام  الحكيم  في تدبير الأحكام.

### الآية 3:63

> ﻿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ [3:63]

فَإِن تَوَلَّوْاْ  أعرضوا ولم يقبلوا  فَإِنَّ الله عَلِيمٌ بالمفسدين  وعيد لهم بالعذاب المذكور في قوله : زدناهم عَذَابًا فَوْقَ العذاب بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ  \[ النحل : ٨٨ \].

### الآية 3:64

> ﻿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [3:64]

قُلْ ياأهل الكتاب  هم أهل الكتابين أو وفد نجران أو يهود المدينة  تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَاء  أي مستوية  بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ  لا يختلف فيها القرآن والتوراة والإنجيل. وتفسير الكلمة قوله  أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ الله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مّن دُونِ الله  يعني تعالوا إليها حتى لا نقول عزير ابن الله ولا المسيح ابن الله، لأن كل واحد منهما بعضنا بشر مثلنا، ولا نطيع أحبارنا فميا أحدثوا من التحريم والتحليل من غير رجوع إلى ما شرع الله. 
وعن عدي بن حاتم : ما كنا نعبدهم يا رسول الله قال :" أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم " قال : نعم. قال :" هو ذاك ". 
 فَإِن تَوَلَّوْاْ  عن التوحيد  فَقُولُواْ اشهدوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ  أي لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا وتسلموا بأنا مسلمون دونكم كما يقول الغالب للمغلوب في جدال أو صراع : اعترف بأني أنا الغالب وسلم إليّ الغلبة.

### الآية 3:65

> ﻿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [3:65]

ياأهل الكتاب لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إبراهيم وَمَا أُنزِلَتِ التوراة والإنجيل إِلاَّ مِن بَعْدِهِ  زعم كل فريق من اليهود والنصارى أن إبراهيم كان منهم وجادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فيه فقيل لهم : إن اليهودية إنما حدثت بعد نزول التوراة والنصرانية بعد نزول الإنجيل وبين إبراهيم وموسى ألف سنة وبينه وبين عيسى ألفان، فكيف يكون إبراهيم على دين لم يحدث إلا بعد عهده بأزمنة متطاولة. 
 أَفَلاَ تَعْقِلُونَ  حتى لا تجادلوا مثل هذا الجدال المحال.

### الآية 3:66

> ﻿هَا أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [3:66]

هَاأَنتُمْ هَؤُلاَء  **«ها »** للتنبيه و**«أنتم »** مبتدأ و**«هؤلاء »** خبره  حاججتم  جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى يعني أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى. وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم جادلتم  فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ  مما نطق به التوراة والإنجيل  فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ  ولا ذكر له في كتابيكم من دين إبراهيم. وقيل : هؤلاء بمعنى **«الذين »** و**«حاججتم »** صلته. **«ها أنتم »** بالمد وغير الهمز حيث كان : مدني وأبو عمرو.  والله يَعْلَمُ  علم ما حاججتم فيه  وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ  وأنتم جاهلون به.

### الآية 3:67

> ﻿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [3:67]

ثم أعلمهم بأنه بريء من دينهم فقال  مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ المشركين  كأنه أراد بالمشركين اليهود والنصارى لإشراكهم به عزيراً والمسيح، أو ما كان من المشركين كما لم يكن منهم.

### الآية 3:68

> ﻿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۗ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [3:68]

إِنَّ أَوْلَى الناس بإبراهيم  إن أخصهم به وأقربهم منه من الولي وهو القرب  لَلَّذِينَ اتبعوه  في زمانه وبعده  وهذا النبي  خصوصاً خص بالذكر لخصوصيته بالفضل والمراد محمد عليه السلام  والذين ءَامَنُواْ  من أمته  والله وَلِيُّ المؤمنين  ناصرهم.

### الآية 3:69

> ﻿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [3:69]

وَدَّت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يُضِلُّونَكُمْ  هم اليهود دعوا حذيفة وعماراً ومعاذاً إلى اليهود  وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ  وما يعود وبال الإضلال إلا عليهم لأن العذاب يضاعف لهم بضلالهم وإضلالهم  وَمَا يَشْعُرُونَ  بذلك.

### الآية 3:70

> ﻿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ [3:70]

يأَهْلَ الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بآيات الله  بالتوراة والإنجيل، وكفرهم بها أنهم لا يؤمنون بما نطقت به من صحة نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرها  وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ  تعترفون بأنها آيات الله أو تكفرون بالقرآن ودلائل نبوة الرسول وأنتم تشهدون نعته في الكتابين، أو تكفرون بآيات الله جميعاً وأنتم تعلمون أنها حق.

### الآية 3:71

> ﻿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [3:71]

ياأهل الكتاب لِمَ تَلْبِسُونَ الحق بالباطل  تخلطون الإيمان بموسى وعيسى بالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم  وَتَكْتُمُونَ الحق  نعت محمد عليه السلام  وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ  أنه حق.

### الآية 3:72

> ﻿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [3:72]

وَقَالَت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب  فيم بينهم  ءامِنُواْ بالذى أُنزِلَ عَلَى الذين ءَامَنُواْ  أي القرآن  وَجْهَ النهار  ظرف أي أوله يعني أظهروا الإيمان بما أنزل على المسلمين في أول النهار  واكفروا ءاخِرَهُ  واكفروا به آخره  لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ  لعل المسلمين يقولون ما رجعوا وهم أهل كتاب وعلم إلا لأمر قد تبين لهم فيرجعون برجوعكم.

### الآية 3:73

> ﻿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ ۗ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [3:73]

وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله  **«ولا تؤمنوا »** متعلق بقوله  أن يؤتى أحدٌ مّثل ما أوتيتم  وما بينهما اعتراض أي ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم، أرادوا أسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم ولا تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتاً ودون المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام  أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ  عطف على ****«أن يؤتى »**** والضمير في **«يحاجوكم »** لأحد لأنه في معنى الجمع، بمعنى ولا تؤمنوا لغير اتباعكم أن المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق ويغالبونكم عند الله بالحجة. ومعنى الاعتراض أن الهدى هدى الله من شاء هداه حتى أسلم أو ثبت على الإسلام كان ذلك ولم ينفع كيدكم وحيلكم وزيكم تصديقكم عن المسلمين والمشركين، وكذلك قوله  قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ  يريد الهداية والتوفيق، أو يتم الكلام عند قوله **«إلا لمن تبع دينكم »** أي ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر وهو إيمانهم وجه النهار إلا لمن تبع دينكم إلا لمن كانوا تابعين لدينكم ممن أسلموا منكم، لأن رجوعهم كان أرجى عندهم من رجوع من سواهم. ومعنى قوله ****«أن يؤتى »**** لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ذلك ودبرتموه لا لشيء آخر يعني أن ما بكم من الحسد والبغي أن يأتي أحد مثل ما أوتيتم من العلم، والكتاب دعاكم إلى أن قلتم ما قلتم، ويدل عليه قراءة ابن كثير **«آن »** بالمد والاستفهام يعني الآن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الكتاب تحسدونهم. وقوله **«أو يحاجوكم »** على هذا معناه دبرتم ما دبرتم لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أو لما يتصل به عند كفركم به من محاجتهم لكم عند ربكم  والله واسع  أي واسع الرحمة  عَلِيمٌ  بالمصلحة.

### الآية 3:74

> ﻿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [3:74]

يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ  بالنبوة أو بالإسلام  مَن يَشَاء والله ذُو الفضل العظيم \* .

### الآية 3:75

> ﻿۞ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [3:75]

وَمِنْ أَهْلِ الكتاب مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدّهِ إِلَيْكَ  هو عبد الله بن سلام، استودعه رجل من قريش ألفاً ومائتي أوقية ذهباً فأداه إليه  وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ  هو فنحاص بن عازوراء، استودعه رجل من قريش ديناراً فجحده وخانه. 
وقال : المأمونون على الكثير النصارى لغلبة الأمانة عليهم، والخائنون في القليل اليهود لغلبة الخيانة عليهم  إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا  إلا مدة دوامك عليه يا صاحب الحق قائماً على رأسه ملازماً له. **«يؤده »** و****«لا يؤده »**** بكسر الهاء مشبعة : مكي وشامي ونافع وعلي وحفص، واختلس أبو عمرو في رواية. غيرهم : بسكون الهاء. 
 ذلك  إشارة إلى ترك الأداء الذي دل عليه ****«لا يؤده »****  بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الأميين سَبِيلٌ  أي تركهم أداء الحقوق بسبب قولهم **«ليس علينا من الأميين سبيل »** أي لا يتطرق علينا إثم وذم في شأن الأميين يعنون الذين ليسوا من أهل الكتاب، وما فعلنا بهم من حبس أموالهم والإضرار بهم لأنهم ليسوا على ديننا وكانوا يستحلون ظلم من خالفهم وكانوا يقولون لم يجعل لهم في كتابنا حرمة. وقيل : بايع اليهود رجالاً من قريش، فلما أسلموا تقاضوهم فقالوا : ليس لكم علينا حق حيث تركتم دينكم وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم  وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب  بادعائهم أن ذلك في كتابهم  وَهُمْ يَعْلَمُونَ  أنهم كاذبون.

### الآية 3:76

> ﻿بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَىٰ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [3:76]

بلى  إثبات لما نفوه من السبيل عليهم في الأميين أي بلى عليهم سبيل فيهم. وقوله  مَنْ أوفى بِعَهْدِهِ واتقى  جملة مسأنفة مقررة للجملة التي سدت **«بلى »** مسدها، والضمير في **«بعده »** يرجع إلى الله تعالى أي كل من أوفى بعهد الله واتقاه  فَإِنَّ الله يُحِبُّ المتقين  أي يحبهم فوضع الظاهر موضع الضمير وعموم المتقين قام مقام الضمير الراجع من الجزاء إلى **«من »** ويدخل في ذلك الإيمان وغيره من الصالحات وما وجب اتقاؤه من الكفر وأعمال السوء. قيل : نزلت في عبد الله بن سلام ونحوه من مسلمي أهل الكتاب، ويجوز أن يرجع الضمير إلى **«من أوفى »** أي كل من أوفى بما عاهد الله عليه واتقى الله في ترك الخيانة والغدر فإن الله يحبه. ونزل فيمن حرّف التوراة وبدل نعته عليه السلام من اليهود وأخذ الرشوة على ذلك.

### الآية 3:77

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [3:77]

إِنَّ الذين يَشْتَرُونَ  يستبدلون  بِعَهْدِ الله  بما عاهدوه عليه من الإيمان بالرسول المصدق لما معهم  وأيمانهم  وبما حلفوا به من قولهم **«والله لنؤمنن به ولننصرنه »**  ثَمَناً قَلِيلاً  متاع الدنيا من الترؤس والارتشاء ونحو ذلك، وقوله **«بعهد الله »** يقوي رجوع الضمير في **«بعهده »** إلى الله  أولئك لاَ خلاق لَهُمْ فِى الآخرة  أي لا نصيب  وَلاَ يُكَلّمُهُمُ الله  بما يسرهم  وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القيامة  نظر رحمة  وَلاَ يُزَكّيهِمْ  ولا يثني عليهم  وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  مؤلم.

### الآية 3:78

> ﻿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [3:78]

وَإِنَّ مِنْهُمْ  من أهل الكتاب  لَفَرِيقًا  هم كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وحيي بن أخطب وغيرهم  يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بالكتاب  يفتلونها بقراءته عن الصحيح إلى المحرف، واللّيُ الفتل وهو الصرف والمراد تحريفهم كآية الرجم ونعت محمد صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك. والضمير في  لِتَحْسَبُوهُ  يرجع إلى ما دل عليه **«يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بالكتاب »** وهو المحرف، ويجوز أن يراد يعطفون ألسنتهم بشبه الكتاب لتحسبوا ذلك الشبه  مّنَ الكتاب  أي التوراة  وَمَا هُوَ مِنَ الكتاب  وليس هو من التوراة  وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ  تأكيد لقوله **«وما هو من الكتاب »** وزيادة تشنيع عليهم  وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ  أنهم كاذبون.

### الآية 3:79

> ﻿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ [3:79]

مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ الله الكتاب  تكذيب لمن اعتقد عبادة عيسى عليه السلام. وقيل : قال رجل : يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك ؟ قال :" لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله ".  والحكم  والحكمة وهي السنة أو فصل القضاء  والنبوة ثُمَّ يَقُولَ  عطف على **«يؤتيه »**  لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لّى مِن دُونِ الله ولكن كُونُواْ ربانيين  ولكن يقول : كونوا ربانيين. والرباني منسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون وهو شديد التمسك بدين الله وطاعته. وحين مات ابن عباس قال ابن الحنفية : مات رباني هذه الأمة. وعن الحسن : ربانيين علماء فقهاء. وقيل : علماء معلمين. وقالوا : الرباني العالم العامل  بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ الكتاب  كوفي وشامي أي غيركم غيرهم بالتخفيف  وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ  أي تقرؤون، والمعنى بسبب كونكم عالمين وبسبب كونكم دارسين للعلم كانت الربانية التي هي قوة التمسك بطاعة الله مسببة عن العلم والدراسة، وكفى به دليلاً على خيبة سعي من جهد نفسه وكد روحه في جمع العلم ثم لم يجعله ذريعة إلى العمل، فكان كمن غرس شجرة حسناء تؤنقه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها. وقيل : معنى **«تدرسون »** تدرسونه على الناس كقوله  لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس  \[ الإسراء : ١٠٦ \] فيكون معناه معنى تدرسون من التدريس كقراءة ابن جبير.

### الآية 3:80

> ﻿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا ۗ أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [3:80]

وَلاَ يَأْمُرَكُمْ  بالنصب عطفاً على **«ثم يقول »** ووجهه أن تجعل **«لا »** مزيدة لتأكيد معنى النفي في قوله **«ما كان لبشر »** والمعنى ما كان لبشر 
أن يستنبئه الله وينصبه للدعاء إلى اختصاص الله بالعبادة وترك الأنداد ثم يأمر الناس بأن يكونوا عباداً له ويأمركم  أَن تَتَّخِذُواْ الملائكة والنبيين أَرْبَابًا  كما تقول **«ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ولا يستخف بي »** وبالرفع حجازي وأبو عمرو وعليّ على ابتداء الكلام، والهمزة في 
 أَيَأْمُرُكُم بالكفر  للإنكار والضمير في **«لا يأمركم »** و**«أيأمركم »** للبشر أو لله. 
وقوله  بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ  يدل على أن المخاطبين كانوا مسلمين وهم الذين استأذنوه أن يسجدوا له.

### الآية 3:81

> ﻿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [3:81]

وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين  هو على ظاهره من أخذ الميثاق على النبيين بذلك، أو المراد ميثاق الأولاد النبيين وهم بنو إسرائيل على حذف المضاف. واللام في  لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كتاب وَحِكْمَةٍ  لام التوطئة لأن أخذ الميثاق في معنى الاستحلاف، وفي ****«لتؤمنن »**** لام جواب القسم، وما يجوز أن تكون متضمنة لمعنى الشرط و****«لتؤمنن »**** ساد مسد جواب القسم والشرط جميعاً، وأن تكون موصولة بمعنى للذي آتيتكموه لتؤمنن به  ثُمَّ جَاءكُمْ  معطوف على الصلة والعائد منه إلى ما محذوف والتقدير ثم جاءكم به  رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لّمَا مَعَكُمْ  للكتاب الذي معكم  لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ  بالرسول  وَلَتَنصُرُنَّهُ  أي الرسول وهو محمد صلى الله عليه وسلم **«لما آتيتكم »** حمزة و**«ما »** بمعنى الذي، أو مصدرية أي لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة ثم لمجيء رسول مصدق لما معكم. واللام للتعليل أي أخذ الله ميثاقهم لتؤمنن بالرسول ولتنصرنه لأجل أني آتيتكم الحكمة، وأن الرسول الذي آمركم بالإيمان به ونصرته موافق لكم غير مخالف. **«آتيناكم »** : مدني قَالَ  أي الله  أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِى  أي قبلتم عهدي، وسمي إصراً لأنه مما يؤصر أي يشد ويعقد  قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فاشهدوا  فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار  وَأَنَاْ مَعَكُمْ مّنَ الشاهدين  وأنا معكم على ذلك من إقراركم وتشاهدكم من الشاهدين، وهذا توكيد عليهم وتحذير من الرجوع إذا علموا بشهادة الله وشهادة بعضهم على بعض. وقيل : قال الله للملائكة اشهدوا.

### الآية 3:82

> ﻿فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [3:82]

فَمَنْ تولى بَعْدَ ذلك  الميثاق والتوكيد ونقض العهد بعد قبوله وأعرض عن الإيمان بالنبيّ الجائي  فأولئك هُمُ الفاسقون  المتمردون من الكفار.

### الآية 3:83

> ﻿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [3:83]

أَفَغَيْرَ دِينِ الله  دخلت همزة الإنكار على الفاء العاطفة جملة على جملة، والمعنى فأولئك هم الفاسقون فغير دين الله يبغون، ثم توسطت الهمزة بينهما. ويجوز أن يعطف على محذوف تقديره : أيتولون فغير دين الله يبغون. وقدم المفعول وهو غير دين الله على فعله لأنه أهم من حيث إن الإنكار الذي هو معنى الهمزة متوجه إلى المعبود بالباطل  يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى السموات  الملائكة  والأرض  الإنس والجن  طَوْعاً  بالنظر في الأدلة والإنصاف من نفسه  وَكَرْهًا  بالسيف أو بمعاينة العذاب كنتق الجبل على بني إسرائيل وإدراك الغرق فرعون والإشفاء على الموت، فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده. وانتصب  طَوْعًا وَكَرْهًا  على الحال أي طائعين ومكرهين  وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ  فيجازيكم على الأعمال 
**«يبغون »** و**«يرجعون »** بالياء فيهما : حفص، وبالتاء في الثاني وفتح الجيم أبو عمرو لأن الباغين هم المتولون والراجعون جميع الناس، وبالتاء فيهما وفتح الجيم : غيرهما.

### الآية 3:84

> ﻿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [3:84]

قُلْ ءَامَنَّا بالله وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا  أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يخبر عن نفسه وعمن معه بالإيمان فلذا وحد الضمير في ****«قل »**** وجمع في **«آمنا »** أو أمر بأن يتكلم عن نفسه كما يتكلم الملوك إجلالاً من الله لقدر نبيه. وعدي **«أنزل »** هنا بحرف الاستعلاء وفي البقرة بحرف الانتهاء لوجود المعنيين، إذ الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسول، فجاء تارة بأحد المعنيين وأخرى بالآخر. وقال صاحب اللباب : الخطاب في البقرة للأمة لقوله  قُولُواْ  فلم يصح إلا **«إلى »** لأن الكتب منتهية إلى الأنبياء وإلى أمتهم جميعاً، وهنا قال ****«قل »**** وهو خطاب للنبي عليه السلام دون أمته فكان اللائق به **«علي »** لأن الكتب منزلة عليه لا شركة للأمة فيه، وفيه نظر لقوله تعالى : وَقَالَت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب ءامِنُواْ بالذى أُنزِلَ عَلَى الذين ءَامَنُواْ  \[ آل عمران : ٧٢ \]  وَمَا أُنزِلَ على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ والأسباط  أولاد يعقوب وكان فيهم أنبياء  وَمَا أُوتِىَ موسى وعيسى والنبيون  كرر في البقرة و**«ما أوتي »** ولم يكرر هنا لتقدم ذكر الإيتاء حيث قال **«لما آتيتكم »**  مّن رَّبّهِمُ  من عند ربهم  لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ  في الإيمان كما فعلت اليهود والنصارى  وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ  موحدون مخلصون أنفسنا له لا نجعل له شريكاً في عبادتنا.

### الآية 3:85

> ﻿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [3:85]

وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام  يعني التوحيد وإسلام الوجه لله أو غير دين محمد عليه السلام  دِينًا  تمييز  فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الآخرة مِنَ الخاسرين  من الذين وقعوا في الخسران ونزل في رهط أسلموا ثم رجعوا عن الإسلام ولحقوا بمكة.

### الآية 3:86

> ﻿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [3:86]

كَيْفَ يَهْدِى الله قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إيمانهم  والواو في  وَشَهِدُواْ أَنَّ الرسول حَقٌّ  للحال و **«قد »** مضمرة أي كفروا وقد شهدوا أن الرسول 
أي محمداً حق، أو للعطف على ما في إيمانهم من معنى الفعل لأن معناه بعد أن آمنوا  وَجَاءهُمُ البينات  أي الشواهد كالقرآن وسائر المعجزات  والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين  أي ما داموا مختارين الكفر، أو لا يهديهم طريق الجنة إذا ماتوا كفاراً.

### الآية 3:87

> ﻿أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [3:87]

أولئك  مبتدأ  جَزَآؤُهُمْ  مبتدأ ثانٍ خبره  أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ الله  وهما خبر ****«أولئك »**** أو **«جزاؤهم »** بدل الاشتمال من ****«أولئك »****  والملائكة والناس أَجْمَعِينَ .

### الآية 3:88

> ﻿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ [3:88]

خالدين  حال من الهاء والميم في **«عليهم »**  فِيهَا  في اللعنة  لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ .

### الآية 3:89

> ﻿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [3:89]

إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك  الكفر العظيم والارتداد  وَأَصْلَحُواْ  ما أفسدوا أو دخلوا في الصلاح  فَإِنَّ الله غَفُورٌ  لكفرهم  رَّحِيمٌ  بهم.

### الآية 3:90

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ [3:90]

ونزل في اليهود  إِنَّ الذين كَفَرُواْ  بعيسى والإنجيل  بَعْدَ إيمانهم  بموسى والتوراة  ثُمَّ ازدادوا كُفْراً  بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، أو كفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما كانوا به مؤمنين قبل مبعثه ثم ازدادوا كفراً بإصرارهم على ذلك وطعنهم فيه في كل وقت أو نزل في الذين ارتدوا ولحقوا بمكة. وازديادهم الكفر أن قالوا : نقيم بمكة نتربص بمحمد ريب المنون  لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ  أي إيمانهم عند البأس لأنهم لا يتوبون إلا عند الموت قال الله تعالى : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمانهم لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا  \[ غافر : ٨٥ \]  وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضالون \* .

### الآية 3:91

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَىٰ بِهِ ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [3:91]

إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مّلْءُ الأرض  الفاء في **«فلن يقبل »** يؤذن بأن الكلام بني على الشرط والجزاء، وأن بسبب امتناع قبول الفدية هو الموت على الكفر، وترك الفاء فيما تقدم يشعر بأن الكلام مبتدأ وخبر ولا دليل فيه على التسبيب  ذَهَبًا  تمييز 
 وَلَوِ افتدى بِهِ  أي فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهباً قال عليه السلام :" يقال للكافر يوم القيامة لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت مفتدياً به ؟ فيقول : نعم. فيقال له : لقد سئلت أيسر من ذلك ". قيل : الواو لتأكيد النفي  أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  مؤلم  وَمَا لَهُم مّن ناصرين  معينين دافعين للعذاب.

### الآية 3:92

> ﻿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [3:92]

لَن تَنَالُواْ البر  لن تبلغوا حقيقة البر أو لن تكونوا أبراراً أو لن تنالوا بر الله وهو ثوابه  حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ  حتى تكون نفقتكم من أموالكم التي تحبونها وتؤثروها. وعن الحسن : كل من تصدق ابتغاء وجه الله بما يحبه ولو تمرة فهو داخل في هذه الآية. قال الواسطي : الوصول إلى البر بإنفاق بعض المحاب وإلى الرب بالتخلي عن الكونين، وقال أبو بكر الوراق : لن تناولوا بري بكم إلا ببركم بإخوانكم. 
والحاصل أنه لا وصول إلى المطلوب إلا بإخراج المحبوب. وعن عمر بن عبد العزيز أنه كان يشتري أعدال السكر ويتصدق بها فقيل له : لم لا تتصدق بثمنها ؟ قال : لأن السكر أحب إليّ فأردت أن أنفق مما أحب.  وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ  أي هو عليكم بكل شيء تنفقونه فيجازيكم بحسبه. و**«من »** الأولى للتبعيض لقراءة عبد الله **«حتى تنفقوا بعض ما تحبون »** والثانية للتبيين أي من أي شيء كان الإنفاق طيب تحبونه أو خبيث تكرهونه. ولما قالت اليهود للنبي عليه السلام : إنك تدعي أنك على ملة إبراهيم وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها فقال عليه السلام :" كان ذلك حلالاً لإبراهيم فنحن نحله "، فقالت اليهود : إنها لم تزل محرمة في ملة إبراهيم ونوح عليهما السلام نزل تكذيباً لهم.

### الآية 3:93

> ﻿۞ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [3:93]

كُلُّ الطعام  أي المطعومات التي فيها النزاع فإن منها ما هو حرام قبل ذلك كالميتة والدم  كَانَ حِلاًّ لّبَنِى إسراءيل  أي حلالاً وهو مصدر. يقال حل الشيء حلاً ولذا استوى في صفة المذكر والمؤنث والواحد والجمع قال الله تعالى : لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ  \[ الممتحنة : ١٠ \]  إِلاَّ مَا حَرَّمَ إسراءيل  أي يعقوب  على نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التوراة  وبالتخفيف مكي وبصري وهو لحوم الإبل وألبانها، وكانا أحب الطعام إليه. والمعنى أن المطاعم كلها لم تزل حلاً لبني إسرائيل من قبل إنزال التوراة سوى ما حرم إسرائيل على نفسه، فلما نزلت التوراة على موسى حرم عليهم فيها لحوم الإبل وألبانها لتحريم إسرائيل ذلك على نفسه  قُلْ فَأْتُواْ بالتوراة فاتلوها إِن كُنتُمْ صادقين  أمر بأن يحاجهم بكتابهم ويبكتهم بما هو ناطق به من أن تحريم ماحرم عليهم تحريم حادث سبب ظلمهم وبغيهم لا تحريم قديم كما يدعونه، فلم يجرؤوا على إخراج التوراة وبهتوا. وفيه دليل بيّن على صدق النبي عليه السلام وعلى جواز النسخ الذي ينكرونه

### الآية 3:94

> ﻿فَمَنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [3:94]

فَمَنِ افترى عَلَى الله الكذب  بزعمه أن ذلك كان محرماً في ملة إبراهيم ونوح عليهما السلام  مِن بَعْدِ ذلك  من بعدما لزمهم من الحجة القاطعة  فأولئك هُمُ الظالمون  المكابرون الذين لا ينصفون من أنفسهم ولا يلتفتون إلى البينات

### الآية 3:95

> ﻿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ ۗ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [3:95]

قُلْ صَدَقَ الله  في إخباره أنه لم يحرم وفيه تعريض بكذبهم أي ثبت أن الله تعالى صادق فيما أنزل وأنتم الكاذبون  فاتبعوا مِلَّةَ إبراهيم  وهي ملة الإسلام التي عليها محمد عليه السلام ومن آمن معه حتى تتخلصوا من اليهودية التي ورطتكم في فساد دينكم ودنياكم حيث اضطرتكم إلى تحريف كتاب الله لتسوية أغراضكم، وألزمتكم تحريم الطيبات التي أحلها الله لإبراهيم ولمن تبعه  حَنِيفاً  حال من إبراهيم أي مائلاً من الأديان الباطلة  وَمَا كَانَ مِنَ المشركين .

### الآية 3:96

> ﻿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ [3:96]

ولما قالت اليهود للمسلمين : قبلتنا قبل قبلتكم نزل  إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ  والواضع هو الله عز وجل. ومعنى وضع الله بيتاً للناس أنه جعله متعبداً لهم فكأنه قال : إن أول متعبد للناس الكعبة وفي الحديث " إن المسجد الحرام وضع قبل بيت المقدس بأربعين سنة " قيل : أول من بناه إبراهيم. وقيل : هو أول بيت حج بعد الطوفان. وقيل : هو أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق السماء والأرض. وقيل : هو أول بيت بناه آدم عليه السلام في الأرض. وقوله **«وضع للناس »** في موضع جر صفة ل **«بيت »** والخبر  لَلَّذِى بِبَكَّةَ  أي للبيت الذي ببكة وهي علم للبلد الحرام. ومكة وبكة لغتان فيه. وقيل : مكة البلد وبكة موضع المسجد. وقيل : اشتقاقها من بكه إذا زحمه لازدحام الناس فيها، أو لأنها تبك أعناق الجبابرة أي تدقها لم يقصدها جبار إلا قصمه الله.  مُبَارَكاً  كثير الخير لما يحصل للحجاج والمعتمرين من الثواب وتكفير السيئات  وَهُدًى للعالمين  لأنه قبلتهم ومتعبدهم، و**«مباركاً وهدى »** حالان من الضمير في وضع

### الآية 3:97

> ﻿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [3:97]

فِيهِ ءايات بينات  علامات واضحات لا تلتبس على أحد  مَّقَامُ إبراهيم  عطف بيان لقوله **«آيات بينات »**. وصح بيان الجماعة بالواحد لأنه وحده بمنزلة آيات كثيرة لظهور شأنه وقوة دلالته على قدرة الله تعالى، ونبوة إبراهيم عليه السلام من تأثير قدمه في حجر صلد، أو لاشتماله على آيات لأن أثر القدم في الصخرة الصماء آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وإلانة بعض الصخرة دون بعض آية، وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء عليهم السلام آية لإبراهيم خاصة على أن  وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِناً  عطف بيان ل **«آيات »** وإن كان جملة ابتدائية أو شرطية من حيث المعنى لأنه يدل على أمن داخله فكأنه قيل : فيه آيات بينات مقام لإبراهيم وأمن داخله، والاثنان في معنى الجمع. ويجوز أن يذكر هاتان الآيتان ويطوى ذكر غيرهما دلالة على تكاثر الآيات كأنه قيل : فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن داخله وكثير سواهما نحو انمحاق الأحجار مع كثرة الرماة، وامتناع الطير من العلو عليه وغير ذلك، ونحوه في طي الذكر قوله عليه السلام " حبب إليّ من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وقرة عيني في الصلاة " فقرة عيني ليس من الثلاث بل هو ابتداء كلام لأنها ليست من الدنيا، والثالث مطوي وكأنه عليه السلام ترك ذكر الثالث تنبيهاً على أنه لم يكن من شأنه أن يذكر شيئاً من الدنيا فذكر شيئاً هو من الدين. وقيل في سبب هذا الأثر أنه لما ارتفع بنيان الكعبة وضعف إبراهيم عليه السلام عن رفع الحجارة قام على هذا الحجر فغاصت فيه قدماه. 
وقيل : إنه جاء زائراً من الشام إلى مكة فقالت له امرأة إسماعيل عليه السلام : إِنزل حتى تغسل رأسك فلم ينزل، فجاءته بهذا الحجر فوضعته على شقه الأيمن فوضع قدمه عليه حتى غسلت شق رأسه ثم حولته إلى شقه الأيسر حتى غسلت الشق الآخر فبقي أثر قدميه عليه، وأمان من دخله بدعوة إبراهيم عليه السلام  رَبّ اجعل هذا البلد آمِنًا  \[ إبراهيم : ٣٥ \] وكان الرجل لو جنى كل جناية ثم التجأ إلى الحرم لم يطلب. وعن عمر رضي الله عنه : لو ظفرت فيه بقاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه. ومن لزمه القتل في الحل بقود أو ردة أو زنا فالتجأ إلى الحرم لم يتعرض له إلا أنه لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج. وقيل : آمنا من النار لقوله عليه السلام من " من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمنا من النار " وعنه عليه السلام " الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينثران في الجنة " وهما مقبرتا مكة والمدينة. وعنه عليه السلام " من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت منه جهنم مسيرة مائتي عام "  وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت  أي استقر له عليهم فرض الحج **«حج البيت »** : كوفي غير أبي بكر وهو اسم وبالفتح مصدر. وقيل : هما لغتان في مصدر حج  منْ  في موضع جر على أنه بدل البعض من الكل  استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً  فسرها النبي عليه السلام بالزاد والراحلة. والضمير في **«إليه »** للبيت أو للحج وكل مأتي إلى الشيء فهو سبيل إليه. ولما نزل قوله تعالى :**«ولله على الناس حج البيت »**. جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الأديان كلهم فخطبهم فقال :" إن الله تعالى كتب عليكم الحج فحجوا " فآمنت به ملة واحدة وهم المسلمون، وكفرت به خمس ملل قالوا : لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نحجه فنزل  وَمَن كَفَرَ  أي جحد فرضية الحج وهو قول ابن عباس والحسن وعطاء، ويجوز أن يكون من الكفران أي ومن لم يشكر ما أنعمت عليه من صحة الجسم وسعة الرزق ولم يحج  فإنّ اللّه غنيٌّ عن العالمين  مستغنٍ عنهم وعن طاعتهم. وفي هذه الآية أنواع من التأكيد والتشديد : منها اللام و **«على »** أي أنه حق واجب لله في رقاب الناس، ومنها الإبدال ففيه تثنية للمراد وتكرير له، ولأن الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال إيراد له في صورتين مختلفتين، ومنها قوله **«ومن كفر »** مكان ومن لم يحج تغليظاً على تاركي الحج، ومنها ذكر الاستغناء وذلك دليل على المقت والسخط، ومنها قوله **«عن العالمين »** وإن لم يقل عنه وما فيه من الدلالة على الاستغناء عنه ببرهان لأنه إذا استغنى عن العالمين تناوله الاستغناء لا محالة، ولأنه يدل على الاستغناء الكامل فكان أدل على عظم السخط الذي وقع عبارة عنه.

### الآية 3:98

> ﻿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ [3:98]

قُلْ ياأهل الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بئايات الله والله شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ  الواو للحال والمعنى لم تكفرون بآيات الله الدالة على صدق محمد عليه السلام والحال أن الله شهيد على أعمالكم فيجازيكم عليها ؟ !

### الآية 3:99

> ﻿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [3:99]

قُلْ ياأهل الكتاب لِمَ تَصُدُّونَ  الصد المنع  عَن سَبِيلِ الله مَنْ ءامَنَ  عن دين حق علم أنه سبيل الله التي أمر بسلوكها وهو الإسلام، وكانوا يمنعون من أراد الدخول فيه بجهدهم ومحل  تَبْغُونَهَا  تطلبون لها نصب على الحال  عِوَجَا  اعوجاجاً وميلاً عن القصد والاستقامة بتغييركم صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وجهها ونحو ذلك  وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ  أنها سبيل الله التي لا يصد عنها إلاّ ضال مضل  وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ  من الصد عن سبيله وهو وعيد شديد.

### الآية 3:100

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [3:100]

ثم نهى المؤمنين عن اتباع هؤلاء الصادين عن سبيله بقوله  ياأيها الذين ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب يَرُدُّوكُم بَعْدَ إيمانكم كافرين  قيل : مرّ شاس ابن قيس اليهودي على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مجلس لهم يتحدثون، فغاظه تحدثهم وتألفهم فأمر شاباً من اليهود أن يذكرهم يوم بعاث لعلهم يغضبون، وكان يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس، ففعل فتنازع القوم عند ذلك وقالوا : السلاح السلاح. فبلغ النبي عليه السلام فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار فقال **« أتدعون الجاهلية وأنا بين أظهركم »** بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام وألف بينكم ؟ فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان فألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضاً باكين فنزلت الآية

### الآية 3:101

> ﻿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ۗ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [3:101]

وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ  معنى الاستفهام فيه الإنكار والتعجب أي من أين يتطرق إليكم الكفر  وَأَنْتُمْ تتلى عَلَيْكُمْ ءايات الله  والحال أن آيات الله وهي القرآن المعجز تتلى عليكم على لسان الرسول غضة طرية  وَفِيكُمْ رَسُولُهُ  وبين أظهركم رسول الله عليه السلام ينبهكم ويعظكم ويزيح عنكم شبهكم  وَمَن يَعْتَصِم بالله  ومن يتمسك بدينه أو بكتابه، أو هو حث لهم على الالتجاء إليه في دفع شرور الكفار ومكايدهم  فَقَدْ هُدِىَ إلى صراط مّسْتَقِيمٍ  أرشد إلى الدين الحق، أو ومن يجعل ربه ملجأ ومفزعاً عند الشبه يحفظه عن الشبه.

### الآية 3:102

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [3:102]

ياأيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ  واجب تقواه وما يحق منها وهو القيام بالواجب والاجتناب عن المحارم. وعن عبد الله هو أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى. أو هو أن لا تأخذه في الله لومة لائم ويقوم بالقسط ولو على نفسه أو بنيه أو أبيه. وقيل : لا يتقي الله عبد حق تقاته حتى يخزن لسانه. 
والتقاة من اتقى كالتؤدة من اتأد  وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ  ولا تكونن على حال سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت

### الآية 3:103

> ﻿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [3:103]

واعتصموا بِحَبْلِ الله  تمكسوا بالقرآن لقوله عليه السلام " القرآن حبل الله المتين لا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد، من قال به صدق، ومن عمل به رشد ومن اعتصم به هدى إلى صراط مستقيم "  جَمِيعاً  حال من ضمير المخاطبين. وقيل : تمكسوا بإجماع الأمة دليله  وَلاَ تَفَرَّقُواْ  أي ولا تتفرقوا يعني ولا تفعلوا ما يكون عنه التفرق ويزول معه الاجتماع، أو ولا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم كما اختلفت اليهود والنصارى، أو كما كنتم متفرقين في الجاهلية يحارب بعضكم بعضاً  واذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُم أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً  كانوا في الجاهلية بينهم العداوة والحروب فألف بين قلوبهم بالإسلام وقذف في قلوبهم المحبة فتحابوا وصاروا إخواناً  وَكُنتُمْ على شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النار  وكنتم مشفين على أن تقعوا في نار جهنم لما كنتم عليه من الكفر  فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا  بالإسلام وهو رد على المعتزلة، فعندهم هم الذين ينقذون أنفسهم لا الله تعالى. والضمير للحفرة أو للنار أو للشفا، وأنث لإضافته إلى الحفرة. وشفا الحفرة : حرفها، ولامها واو فلهذا يثنى شفوان  كذلك  مثل ذلك البيان البليغ  يُبَيّنُ الله لَكُمْ آياته  أي القرآن الذي فيه أمر ونهي ووعد ووعيد  لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ  لتكونوا على رجاء الهداية أو لتهتدوا به إلى الصواب وما ينال به الثواب.

### الآية 3:104

> ﻿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [3:104]

وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخير وَيَأْمُرُونَ بالمعروف  بما استحسنه الشرع والعقل  وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر  عما استقبحه الشرع والعقل، أو المعروف ما وافق الكتاب والسنة. والمنكر ما خالفهما، أو المعروف الطاعة والمنكر المعاصي. والدعاء إلى الخير عام في التكاليف من الأفعال والتروك وما عطف عليه خاص. و**«من »** للتبعيض لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفاية، ولأنه لا يصلح له إلا من علم بالمعروف والمنكر وعلم كيف يرتب الأمر في إقامته فإنه يبدأ بالسهل فإن لم ينفع ترقى إلى الصعب قال الله تعالى : فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا . ثم قال : فقاتلوا  \[ الحجرات : ٩ \]. أو للتبيين أي وكونوا أمة تأمرون كقوله تعالى : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف   وأولئك هُمُ المفلحون  أي هم الأخصاء بالفلاح الكامل قال عليه السلام " من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه " وعن علي رضي الله عنه : أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

### الآية 3:105

> ﻿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [3:105]

وَلاَ تَكُونُواْ كالذين تَفَرَّقُواْ  بالعداوة  واختلفوا  في الديانة وهم اليهود والنصارى فإنهم اختلفوا وكفر بعضهم بعضاً  مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ البينات  الموجبة للاتفاق على كلمة واحدة وهي كلمة الحق  وأولئك لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ

### الآية 3:106

> ﻿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [3:106]

ونصب  يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ  أي وجوه المؤمنين بالظرف وهو لهم أو بعظيم أو باذكروا  وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ  أي وجوه الكافرين. 
والبياض من النور والسواد من الظلمة  فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ  فيقال لهم  أَكْفَرْتُمْ  فحذف الفاء، والقول جميعاً للعلم به والهمزة للتوبيخ والتعجب من حالهم  بَعْدَ إيمانكم  يوم الميثاق فيكون المراد به جميع الكفار وهو قول أبي وهو الظاهر، أو هم المرتدون أو المنافقون أي أكفرتم باطناً بعد إيمانكم ظاهراً، أو أهل الكتاب، وكفرهم بعد الإيمان تكذيبهم برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد اعترافهم به قبل مجيئه { فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ \*

### الآية 3:107

> ﻿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [3:107]

وَأَمَّا الذين ابيضت وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ الله } ففي نعمته وهي الثواب المخلد. ثم استأنف فقال  هُمْ فِيهَا خالدون  لا يظعنون عنها ولا يموتون.

### الآية 3:108

> ﻿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۗ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ [3:108]

تِلْكَ آيات الله  الواردة في الوعد والوعيد وغير ذلك  نَتْلُوهَا عَلَيْكَ  ملتبسة  بالحق  والعدل من جزاء المحسن والمسيء  وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً للعالمين  أي لا يشاء أن يظلم هو عباده فيأخذ أحداً بغير جرم، أو يزيد في عقاب مجرم، أو ينقص من ثواب محسن

### الآية 3:109

> ﻿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [3:109]

وَللَّهِ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض وإلى الله تُرْجَعُ الأمور  فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. **«ترجع »**. شامي وحمزة وعلي. كان عبارة عن وجود الشيء في زمان ماضٍ على سبيل الإبهام، ولا دليل فيه على عدم سابق ولا على انقطاع طارىء ومنه قوله.

### الآية 3:110

> ﻿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ۚ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ [3:110]

كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ  كأنه قيل : وجدتم خير أمة أو كنتم في علم الله أو في اللوح خير أمة، أو كنتم في الأمم قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة موصوفين به  أُخْرِجَتْ  أظهرت  لِلنَّاسِ  اللام يتعلق ب **«أخرجت »**  تَأْمُرُونَ  كلام مستأنف بين به كونهم خير أمة كما تقول **«زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم »** بينت بالإطعام والإلباس وجه الكرم فيه  بالمعروف  بالإيمان وطاعة الرسول  وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر  عن الكفر وكل محظور  وَتُؤْمِنُونَ بالله  وتدومون على الإيمان به أو لأن الواو لا تقتضي الترتيب  وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ الكتاب  بمحمد عليه السلام  لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ  لكان الإيمان خيراً لهم مما هم فيه لأنهم إنما آثروا دينهم على دين الإسلام حباً للرياسة واستتباع العوام، ولو آمنوا لكان لهم من الرياسة والأتباع وحظوظ الدنيا ما هو خير مما آثروا دين الباطل لأجله، مع الفوز بما وعدوا على الإيمان به من إيتاء الأجر مرتين  مّنْهُمُ المؤمنون  كعبد الله بن سلام وأصحابه  وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون  المتمردون في الكفر.

### الآية 3:111

> ﻿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ۖ وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ [3:111]

لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى  إلا ضرراً مقتصراً على أذى بقول من طعن في الدين أو تهديد أو نحو ذلك  وَإِن يقاتلوكم يُوَلُّوكُمُ الأدبار  منهزمين ولا يضروكم بقتلٍ أو أسر  ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ  ثم لا يكون لهم نصر من أحد ولا يمنعون منكم، وفيه تثبيت لمن أسلم منهم لأنهم كانوا يؤذونهم بتوبيخهم وتهديدهم وهو ابتداء إخبار معطوف على جملة الشرط والجزاء وليس بمعطوف على **«يولوكم »** إذ لو كان معطوفاً عليه لقيل ثم لا ينصروا، وإنما استؤنف ليؤذن أن الله لا ينصرهم قاتلوا أم لم يقاتلوا، وتقدير الكلام : أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا ثم أخبركم أنهم لا ينصرون. 
و**«ثم »** للتراخي في المرتبة لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الإخبار بتوليتهم الأدبار.

### الآية 3:112

> ﻿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [3:112]

ضُرِبَتْ  ألزمت  عَلَيْهِمُ الذلة  أي على اليهود  أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ  وجدوا  إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ الله  في محل النصب على الحال، والباء متعلق بمحذوف تقديره إلا معتصمين أو متمسكين بحبل من الله  وَحَبْلٍ مّنَ الناس  والحبل العهد والذمة، والمعنى ضربت عليهم الذلة في كل حال إلا في حال اعتصامهم بحبل الله وحبل الناس يعني ذمة الله وذمة المسلمين أي لا عزّ لهم قط إلا هذه الواحدة وهي التجاؤهم إلى الذمة لما قبلوه من الجزية  وَبَاءُو بِغَضَبٍ مِّنَ الله  استوجبوه  وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المسكنة  الفقر عقوبة لهم على قولهم  إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء  \[ آل عمران : ١٨١ \] أو خوف الفقر مع قيام اليسار  ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بئايات الله وَيَقْتُلُونَ الأنبياء بِغَيْرِ حَقٍّ  ذلك إشارة إلى ما ذكر من ضرب الذلة والمسكنة والبوء بغضب الله أي ذلك كائن بسبب كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق. ثم قال  ذلك بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ  أي ذلك الكفر وذلك القتل كائن بسبب عصيانهم لله واعتدائهم لحدوده.

### الآية 3:113

> ﻿۞ لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ [3:113]

لَيْسُواْ سَوَاءً  ليس أهل الكتاب مستوين  مِّنْ أَهْلِ الكتاب  كلام مستأنف لبيان قوله **«ليسوا سواء »** كما وقع قوله  تَأْمُرُونَ بالمعروف  بياناً لقوله **«كنتم خير أمة »**  أمّةٌ قائمةٌ  جماعة مستقيمة عادلة من قولك **«أقمت العود فقام »** أي استقام وهم الذين أسلموا منهم  يَتْلُونَ ءايات الله  القرآن  ءَانَآءَ اليل  ساعاته واحدها ****«إنى »**** كمعي أو **«إنو »** كقنو أو ****«إنى »**** ك **«نحى »**. 
 وَهُمْ يَسْجُدُونَ  يصلون. قيل : يريد صلاة العشاء لأن أهل الكتاب لا يصلونها. وقيل : عبر عن تهجدهم بتلاوة القرآن في ساعات الليل مع السجود

### الآية 3:114

> ﻿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ [3:114]

يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر وَيَأْمُرُونَ بالمعروف  بالإيمان وسائر أبواب البر  وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر  عن الكفر ومنهيات الشرع  ويسارعون فِى الخيرات  يبادرون إليها خشية الفوت. وقوله :**«يتلون »** و**«يؤمنون »** في محل الرفع صفتان لأمة أي أمة قائمة تالون مؤمنون. وصفهم بخصائص ما كانت في اليهود من تلاوة آيات الله بالليل ساجدين ومن الإيمان بالله، لأن إيمانهم به كلا إيمان لإشراكهم به عزيراً وكفرهم ببعض الكتب والرسل ومن الإيمان باليوم الآخر لأنهم يصفونه بخلاف صفته، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنهم كانوا مداهنين، ومن المسارعة في الخيرات لأنهم كانوا متباطئين عنها غير راغبين فيها، والمسارعة في الخير فرط الرغبة فيه لأن من رغب في الأمر سارع بالقيام به  وأولئك  الموصوفون بما وصفوا به  مّنَ الصالحين  من المسلمين أو من جملة الصالحين الذين صلحت أحوالهم عند الله ورضيهم

### الآية 3:115

> ﻿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ [3:115]

وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ  بالياء فيهما كوفي غير أبي بكر وأبو عمرو. مخير غيرهم بالتاء. وعدي **«يكفروه »** إلى مفعولين وإن كان شكر وكفر لا يتعديان إلا إلى واحد تقول شكر النعمة وكفرها لتضمنه معنى الحرمان كأنه قيل : فلن تحرموه أي فلن تحرموا جزاءه  والله عَلِيمٌ بالمتقين  بشارة للمتقين بجزيل الثواب.

### الآية 3:116

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۚ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [3:116]

إِنَّ الذين كَفَرُواْ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أموالهم وَلاَ أولادهم مِّنَ الله شَيْئًا  أي من عذاب الله { وأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون \*

### الآية 3:117

> ﻿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَٰذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [3:117]

مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِى هذه الحياة الدنيا } في المفاخر والمكارم وكسب الثناء وحسن الذكر بين الناس أو ما يتقربون به إلى الله مع كفرهم  كَمَثَلِ رِيحٍ  كمثل مهلك ريح وهو الحرث أو مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح  فِيهَا صِرٌّ  برد شديد عن ابن عباس رضي الله عنهما وهو مبتدأ وخبر في موضع جر صفة ل **«ريح »** مثل  أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ  بالكفر  فَأَهْلَكَتْهُ  عقوبة على كفرهم  وَمَا ظَلَمَهُمُ الله  بإهلاك حرثهم  ولكن أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ  بارتكاب ما استحقوا به العقوبة، أو يكون الضمير للمنفقين أي وما ظلمهم الله بأن لم يقبل نفقاتهم ولكنهم ظلموا أنفسهم حيث لم يأتوا بها لائقة للقبول.

### الآية 3:118

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [3:118]

ونزل نهياً للمؤمنين عن مصافات المنافقين  ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً  بطانة الرجل ووليجته خصيصه وصفيه شبه ببطانة الثوب كما يقال **«فلان شعاري »** وفي الحديث " الأنصار شعار والناس دثار "  مّن دُونِكُمْ  من دون أبناء جنسكم وهم المسلمون وهو صفة لبطانة أي بطانة كائنة من دونكم مجاوزة لكم  لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً  في موضع النصب صفة لبطانة يعني لا يقصرون في فساد دينكم يقال **«ألا في الأمر يألو »** إذا قصر فيه، والخبال الفساد. وانتصب **«خبالاً »** على التمييز أوعلى حذف في أي في خبالكم  وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ  أي عنتكم ف **«ما »** مصدرية. والعنت شدة الضرر والمشقة أي تمنوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم أشد الضرر وأبلغه، وهو مستأنف على وجه التعليل للنهي عن اتخاذهم بطانة كقوله  قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم  لأنهم لا يتمالكون مع ضبطهم أنفسهم أن ينفلت من ألسنتهم ما يعلم به بغضه للمسلمين  وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ  مع البغض لكم  أَكْبَرُ  مما بدا  قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيات  الدالة على وجوب الإخلاص في الدين وموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه  إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ  ما بين لكم.

### الآية 3:119

> ﻿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ۚ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [3:119]

هَاأَنتُمْ أُوْلاءِ  **«ها »** للتنبيه و**«أنتم »** مبتدأ و**«أولاء »** خبره أي أنتم أولاء الخاطئون في موالاة منافي أهل الكتاب  تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ  بيان لخطئهم في موالاتهم حيث يبذلون محبتهم لأهل البغضاء، أو أولاء موصول صلته **«تحبونهم »**. والواو في  وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلّهِ  للحال وانتصابها من **«لا يحبونكم »** أي لا يحبونكم والحال أنكم تؤمنون بكتابهم كله وهم مع ذلك يبغضونكم، فما بالكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم ؟ وفيه توبيخ شديد لأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم. وقيل : الكتاب للجنس.  وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ ءَامَنَّا  أظهروا كلمة التوحيد  وَإِذَا خَلَوْاْ  فارقوكم أو خلا بعضهم ببعض  عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ  يوصف المغتاظ والنادم بعض الأنامل والبنان والإبهام  قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ  دعاء عليهم بأن يزداد غيظهم حتى يهلكوا به، والمراد بزيادة الغيظ زيادة ما يغيظهم من قوة الإسلام وعز أهله ومالهم في ذلك من الذل والخزي  إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور  فهو يعلم ما في صدور المنافقين من الحنق والبغضاء وما يكون منهم في حال خلو بعضهم ببعض، وهو داخل في جملة المقول أي أخبرهم بما يسرونه من عضهم الأنامل غيظاً إذا خلوا وقل لهم : إن الله عليم بما هو أخفى مما تسرونه بينكم وهو مضمرات الصدور، فلا تظنوا أن شيئاً من أسراركم يخفى عليه أو خارج عن المقول، أي قل لهم ذلك يا محمد ولا تتعجب من إطلاعي إياك على ما يسرون فإني أعلم بما هو أخفى من ذلك وهو ما أضمروه في صدورهم

### الآية 3:120

> ﻿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ۖ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [3:120]

إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ  رخاء وخصب وغنيمة ونصرة  تَسُؤْهُمْ  تحزنهم إصابتها  وَإِن تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ  أضداد ما ذكرنا. 
والمس مستعار من الإصابة فكأن المعنى واحد، ألا ترى إلى قوله تعالى : إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ  \[ التوبة : ٥٠ \]  يَفْرَحُواْ بِهَا  بإصابتها  وَإِن تَصْبِرُواْ  على عداوتهم  وَتَتَّقُواْ  ما نهيتم عنه من موالاتهم، أو وإن تصبروا على تكاليف الدين ومشاقه وتتقوا الله في اجتنابكم محارمه  لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً  مكرهم وكنتم في حفظ الله، وهذا تعليم من الله وإرشاد إلى أن يستعان على كيد العدو بالصبر والتقوى. وقال الحكماء : إذا أردت أن تكبت من يحسدك فازدد فضلاً في نفسك.  لاَ يَضُرُّكُمْ  : مكي وبصري ونافع من ضاره يضيره بمعنى ضره وهو واضح. والمشكل قراءة غيرهم لأنه جواب الشرط وجواب الشرط مجزوم فكان ينبغي أن يكون بفتح الراء كقراءة المفضل عن عاصم، إلا أن ضمة الراء لإتباع ضمة الضاد نحو **«مد يا هذا »**  إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ  بالتاء : سهل أي من الصبر والتقوى وغيرهما  مُحِيطٌ  ففاعل بكم ما أنتم أهله. وبالياء : غيره أي أنه عالم بما يعملون في عداوتكم فمعاقبهم عليه.

### الآية 3:121

> ﻿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [3:121]

وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ  واذكر يا محمد إذ خرجت غدوة من أهلك بالمدينة، والمراد غدوة من حجرة عائشة رضي الله عنها إلى أحد  تُبَوّىءُ المؤمنين  تنزلهم وهو حال  مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ  مواطن ومواقف من الميمنة والميسرة والقلب والجناحين والساقة. و**«للقتال »** يتعلق ب **«تبوىء »**  والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ  سميع لأقوالكم عليم بنياتكم وضمائركم. رُوي أن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ودعا عبد الله بن أبيّ فاستشاره فقال : أقم بالمدينة فما خرجنا على عدو قط إلا أصاب منا، وما دخلوا علينا إلا أصبنا منهم. فقال عليه السلام :" إني رأيت في منامي بقراً مذبحة حولي فأولتها خيراً، ورأيت في ذباب سيفي ثلمة فأولتها هزيمة، ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة، فلم يزل به قوم ينشطون في الشهادة حتى لبس لأمته ثم ندموا " فقالوا : الأمر إليك يا رسول الله فقال عليه السلام " لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل " فخرج بعد صلاة الجمعة وأصبح بالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوال

### الآية 3:122

> ﻿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [3:122]

إِذْ هَمَّتْ  بدل من **«إذ غدوت »** أو عمل فيه معنى **«عليم »**  طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ  خيان من الأنصار : بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس. وكان عليه السلام خرج إلى أحد في ألف، والمشركون في ثلاثة آلاف، ووعدهم الفتح إن صبروا فانخذل عبد الله بن أبيّ بثلث الناس وقال : علام نقتل أنفسنا وأولادنا ؟ فهم الحيان باتباعه فعصمهم الله فمضوا مع رسول الله  أَن تَفْشَلاَ  أي بأن تفشلا أي بأن تجبنا وتضعفا والفشل الجبن والخور  والله وَلِيُّهُمَا  محبهما أو ناصرهما أو متولي أمرهما فما لهما تفشلان ولا تتوكلان على الله  وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون  أمرهم بأن لا يتوكلوا إلا عليه ولا يفوضوا أمورهم إلا إليه. 
قال جابر : والله ما يسرنا أنا لم نهم بالذي هممنا به وقد أخبرنا الله بأنه ولينا. ثم ذكرهم ما يوجب عليهم التوكل مما يسر لهم من الفتح يوم بدر وهم في حال قلة وذلة فقال :

### الآية 3:123

> ﻿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [3:123]

وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ  وهو اسم ماء بين مكة والمدينة كان لرجل يسمى بدراً فسمي به، أو ذكر بدراً بعد أحد للجمع بين الصبر والشكر.  وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ  لقلة العدد فإنهم كانوا ثلثمائة وبضعة عشر، وكان عدوهم زهاء ألف مقاتل والعدد، فإنهم خرجوا على النواضح يعتقب النفر منهم على البعير الواحد وما كان معهم إلا فرس واحد، ومع عدوهم مائة فرس والشكة والشوكة. وجاء بجمع القلة وهو **«أذلة »** ليدل على أنهم على ذلتهم كانوا قليلاً **«فاتّقوا اللّه »** في الثبات مع رسوله  لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  بتقواكم ما أنعم الله به عليكم من النصر

### الآية 3:124

> ﻿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ [3:124]

إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ  ظرف ل **«نصركم »** على أن يقول لهم ذلك يوم بدر أي نصركم الله وقت مقالتكم هذه، أو بدل ثانٍ من **«إذ غدوت »** على أن تقول لهم ذلك يوم أحد  أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءَالاَفٍ مِّنَ الملائكة مُنزَلِينَ  **«منزّلين »** شامي. **«مُنزلِين »** أبو حيوة أي للنصرة. ومعنى **«ألن يكفيكم »** إنكار أن لا يكفيهم الإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة، وجيء ب **«لن »** الذي هو لتأكيد النفي للإشعار بأنهم كانوا لقلتهم وضعفهم وكثرة عدوهم وشوكته كالآيسين من النصر

### الآية 3:125

> ﻿بَلَىٰ ۚ إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [3:125]

بلى  إيجاب لما بعد**« لن »** أي يكفيكم الإمداد بهم فأوجب الكفاية. ثم قال  إِن تَصْبِرُواْ  على القتال  وَتَتَّقُواْ  خلاف الرسول عليه السلام  وَيَأْتُوكُمْ  يعني المشركين  مّن فَوْرِهِمْ هذا  هو من فارت القدر إذا غلت فاستعير للسرعة ثم سميت بها الحالة التي لا ريث بها ولا تعريج على شيء من صاحبها فقيل **«خرج من فوره »** كما تقول **«من ساعته لم يلبث »** ومنه قول الكرخي **«الأمر المطلق على الفور لا على التراخي »** والمعنى إن يأتوكم من ساعتهم هذه  يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالافٍ مِّنَ الملائكة  في حال إتيانهم لا يتأخر نزولهم عن إتيانهم يعني أن الله تعالى يعجل نصرتكم وييسر فتحكم إن صبرتم واتقيتم  مُسَوِّمِينَ  بكسر الواو : مكي وأبو عمر وعاصم وسهل أي معلمين أنفسهم أو خيلهم بعلامة يعون بها في الحرب. والسومة العلامة. عن الضحاك : معلمين بالصوف الأبيض في نواصي الدواب وأذنابها. غيرهم : بفتح الواو أي معلمين. قال الكلبي : معلين بعمائم صفر مرخاة على اكتافهم، وكانت عمامة الزبير يوم بدر صفراء فنزلت الملائكة كذلك. قال قتادة : نزلت ألفاً فصاروا ثلاثة آلاف ثم خمسة آلاف

### الآية 3:126

> ﻿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ۗ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [3:126]

وَمَا جَعَلَهُ الله  الضمير يرجع إلى الإمداد الذي دل عليه **«أن يمدكم »**  إِلاَّ بشرى لَكُمْ  أي وما جعل الله إمدادكم بالملائكة إلا بشارة لكم بأنكم تنصرون  وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ  كما كانت السكينة لبني إسرائيل بشارة بالنصر وطمأنينة لقلوبهم  وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله  لا من عند المقاتلة ولا من عند الملائكة ولكن ذلك مما يقوي به الله رجاء النصرة والطمع في الرحمة  العزيز  الذي لا يغالب في أحكامه  الحكيم  الذي يعطي النصر لأوليائه ويبتليهم بجهاد أعدائه.

### الآية 3:127

> ﻿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ [3:127]

واللام في  لِيَقْطَعَ طَرَفاً مّنَ الذين كَفَرُواْ  ليهلك طائفة منهم بالقتل والأسر وهو ما كان يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين من رؤساء قريش متعلقه بقوله :**«ولقد نصركم الله »**. أو بقوله :**«وما النصر إلا من عند الله »**. أو ب **«يمددكم ربكم »**  أَوْ يَكْبِتَهُمْ  أو يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة، وحقيقة الكبت شدَّة وهن تقع في القلب فيصرع في الوجه لأجله  فَيَنقَلِبُواْ خَائِبِينَ  فيرجعوا غير ظافرين بمبتغاهم

### الآية 3:128

> ﻿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [3:128]

لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَىْءٌ  اسم ليس ****«شيء »**** والخبر **«لك »** و**«من الأمر »** حال من ****«شيء »**** لأنها صفة مقدمة  أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ  عطف على **«ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم »** و**«وليس لك من الأمر شيء »** اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، والمعنى أن الله تعالى مالك أمرهم فإما أن يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا  أَوْ يُعَذِّبَهُمْ  إن أصروا على الكفر وليس لك من أمرهم شيء إنما أنت عبد مبعوث لإنذارهم ومجاهدتهم. وعن الفراء **«أو »** بمعنى **«حتى »**. وعن ابن عيسى بمعنى إلا أن كقولك لألزمنك أو تعطيني حقي أي ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله عليهم فتفرح بحالهم أو يعذبهم فتتشفى منهم. وقيل : أراد أن يدعو عليهم فنهاه الله تعالى لعلمه أن فيهم من يؤمن  فَإِنَّهُمْ ظالمون  مستحقون للتعذيب.

### الآية 3:129

> ﻿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [3:129]

وَللَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض  أي الأمر له لا لك لأن ما في السموات وما في الأرض ملكه  يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ  للمؤمنين  وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ  الكافرين { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ \*

### الآية 3:130

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [3:130]

ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الربا أضعافا مضاعفة } **«مضعفَّة »** مكي وشامي. هذا نهي عن الربا مع التوبيخ بما كانوا عليه من تضعيفه كان الرجل منهم إذا بلغ الدين محله يقول : إما أن تقضي حقي أو تربي وتزيد في الأجل  واتقوا الله  في أكله { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ \*

### الآية 3:131

> ﻿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [3:131]

واتقوا النار التى أُعِدَّتْ للكافرين } كان أبو حنيفة رضي الله عنه يقول : هي أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه، وقد أمد ذلك بما أتبعه من تعليق رجاء المؤمنين لرحمته بتوفرهم على طاعته وطاعة رسوله بقوله  وَأَطِيعُواْ الله والرسول لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

### الآية 3:132

> ﻿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [3:132]

وَأَطِيعُواْ الله والرسول لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ  وفيه رد على المرجئة في قولهم **«لا يضر مع الإيمان ذنب ولا يعذب بالنار أصلاً »** وعندنا غير الكافرين من العصاة قد يدخلها ولكن عاقبة أمره الجنة. وفي ذكره تعالى ****«لعل »**** و ****«عسى »**** في نحو هذه المواضع وإن قال أهل التفسير إن ****«لعل »**** و ****«عسى »**** من الله للتحقيق، ما لا يخفى على العارف من دقة مسلك التقوى وصعوبة إصابة رضا الله تعالى وعزة التوصل إلى رحمته وثوابه.

### الآية 3:133

> ﻿۞ وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [3:133]

وَسَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ  **«سَارعوا »** : مدني وشامي. فمن أثبت الواو عطفها على ما قبلها، ومن حذفها استأنفها. ومعنى المسارعة إلى المغفرة والجنة الإقبال على ما يوصل إليهما. ثم قيل : هي الصلوات الخمس أو التكبيرة الأولى، أو الطاعة، أو الإخلاص، أو التوبة، أو الجمعة والجماعات.  عَرْضُهَا السموات والأرض  أي عرضها عرض السماوات والأرض كقوله : عَرْضُهَا كَعَرْضِ السماء والأرض  \[ الحديد : ٢١ \]. والمراد وصفها بالسعة والبسط فشبهت بأوسع ما علمه الناس من خلقه وأبسطه. وخص العرض لأنه في العادة أدنى من الطول للمبالغة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما كسبع سموات وسبع أرضين لو وصل بعضها ببعض. وما روي أن الجنة في السماء السابعة أو في السماء الرابعة فمعناه انها في جهتها لا أنها فيها أو في بعضها كما يقال في الدار بستان وإن كان يزيد عليها لأن المراد أن بابه إليها  أُعِدَّتْ  في موضع جر صفة ل **«جنة »** أيضاً أي جنة واسعة معدة  لّلْمُتَّقِينَ  ودلت الآيتان على أن الجنة والنار مخلوقتان. ثم المتقي من يتقي الشرك كما قال  وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السماء والأرض أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ  \[ الحديد : ٢١ \] أو من يتقي المعاصي فإن كان المراد الثاني فهي لهم بغير عقوبة، وإن كان الأول فهي لهم أيضاً في العاقبة، ويوقف عليه إن جعل  الذين يُنفِقُونَ فِى السَّرَّاءِ والضراء  في حال اليسر والعسر مبتدأ وعطف عليه ****«والذين إذا فعلوا فاحشة »**** وجعل الخبر **«أولئك »**. وإن جعل وصفاً للمتقين وعطف عليه ****«والذين إذا فعلوا فاحشة »**** أي أعدت للمتقين والتائبين فلا وقف. فإن قلت : الآية تدل على أن الجنة معدة للمتقين والتائبين دون المصرين. قلت : جاز أن تكون معدة لهما ثم يدخلها بفضل الله وعفوه غيرهما كما يقال **«أعدت هذه المائدة للأمير »** ثم قد يأكلها أتباعه. ألا ترى أنه قال  واتقوا النار التى أُعِدَّتْ للكافرين  \[ آل عمران : ١٣١ \] ثم قد يدخلها غير الكافرين بالاتفاق.

### الآية 3:134

> ﻿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [3:134]

وافتتح بذكر الإنفاق لأنه أشق شيء على النفس وأدله على الإخلاص، ولأنه كان في ذلك الوقت أعظم الأعمال للحاجة إليه في مجاهدة العدو ومواساة فقراء المسلمين. وقيل : المراد الإنفاق في جميع الأحوال لأنها لا تخلو من حال مسرة ومضرة  والكاظمين الغيظ  والممسكين الغيظ عن الإمضاء يقال كظم القربة إذا امتلأها وشد فاها، ومنه كظم الغيظ وهو أن يمسك على ما في نفسه منه بالصبر ولا يظهر له أثراً. والغيظ : توقد حرارة القلب من الغضب، وعن النبي عليه السلام " من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيماناً " 
 والعافين عَنِ الناس  أي إذا جنى عليهم أحد لم يؤاخذوه وروي " ينادي مناد يوم القيامة أين الذين كانت أجورهم على الله فلا يقوم إلا من عفا " وعن ابن عيينة أنه رواه للرشيد وقد غضب على رجل فخلاه  والله يُحِبُّ المحسنين  اللام للجنس فيتناول كل محسن ويدخل تحته هؤلاء المذكورون، أو للعهد فيكون إشارة إلى هؤلاء. عن الثوري : الإحسان أن تحسن إلى المسيء فإن الإحسان إلى المحسن متاجرة.

### الآية 3:135

> ﻿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [3:135]

والذين إِذَا فَعَلُواْ فاحشة  فعلة متزايدة القبح، ويجوز أن يكون و**«والذين »** مبتدأ خبره **«أولئك »**  أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ  قيل : الفاحشة الكبيرة وظلم النفس الصغيرة، أو الفاحشة الزنا وظلم النفس القبلة واللمسة ونحوهما  ذَكَرُواْ الله  بلسانهم أو بقلوبهم ليبعثهم على التوبة  فاستغفروا لِذُنُوبِهِمْ  فتابوا عنها لقبحهما نادمين. قيل : بكى إبليس حين نزلت هذه الآية  وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله  ****«من »**** مبتدأ و****«يغفر »**** خبره، وفيه ضمير يعود إلى ****«من »**** و**«إلا الله »** بدل من الضمير في ****«يغفر »**** والتقدير : ولا أحد يغفر الذنوب إلا الله، وهذه جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، وفيه تطييب لنفوس العباد، وتنشيط للتوبة، وبعث عليها، وردع عن اليأس والقنوط، وبيان لسعة رحمته وقرب مغفرته من التائب، وإشعار بأن الذنوب وإن جلّت فإن عفوه أجل وكرمه أعظم.  وَلَمْ يُصِرُّواْ على مَا فَعَلُواْ  : ولم يقيموا على قبيح فعلهم والإصرار الإقامة قال عليه السلام " ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة " وروي " لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار "  وَهُمْ يَعْلَمُونَ  حال من الضمير في **«ولم يصروا »** أي وهم يعلمون أنهم أساؤوا، أو وهم يعلمون أنه لا يغفر ذنوبهم إلا الله

### الآية 3:136

> ﻿أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [3:136]

أولئك  الموصوفون  جَزَاؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ  بتوبته  وجنات  برحمته  تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ العاملين  المخصوص بالمدح محذوف أي ونعم أجر العاملين ذلك يعني المغفرة والجنات، نزلت في تمار قال لامرأة تريد التمر : في بيتي تمر أجود، فأدخلها بيته وضمها إلى نفسه وقبلها فندم. أو في أنصاري استخلفه ثقفي وقد آخى بينهما النبي عليه السلام في غيبة غزوة فأتى أهله لكفاية حاجة فرآها فقبلها فندم فساح في الأرض صارخاً فاستعتبه الله تعالى.

### الآية 3:137

> ﻿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [3:137]

قَدْ خَلَتْ  مضت  مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ  يريد ما سنه الله تعالى في الأمم المكذبين من وقائعه  فَسِيرُواْ فِى الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين  فتعتبروا بها هذا أي القرآن أو ما تقدم ذكره

### الآية 3:138

> ﻿هَٰذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [3:138]

بَيَانٌ لّلنَّاسِ وَهُدًى  أي إرشاد  وَمَوْعِظَةٌ  ترغيب وترهيب  لّلْمُتَّقِينَ  عن الشرك

### الآية 3:139

> ﻿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [3:139]

وَلاَ تَهِنُواْ  : ولا تضعفوا عن الجهاد لما أصابكم من الهزيمة،  وَلاَ تَحْزَنُواْ  : على ما فاتكم من الغنيمة أو على من قتل منكم أو جرح، وهو تسلية من الله لرسوله وللمؤمنين عما أصابهم يوم أحد وتقوية لقلوبهم،  وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ  : وحالكم أنكم أعلى منهم وأغلب لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أحد، أو وأنتم الأعلون بالنصر والظفر في العاقبة وهي بشارة لهم بالعلو والغلبة وإن جندنا لهم الغالبون، أو وأنتم الأعلون شأناً لأن قتالكم لله ولإعلاء كلمته وقتاً لهم للشيطان ولإعلاء كلمة الكفر، أو لأن قتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار،  إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ  : متعلق بالنهي أي ولا تهنوا إن صح إيمانكم يعني أن صحة الإيمان توجب قوة القلب والثقة بوعد الله وقلة المبالاة بأعدائه، أو ب **«الأعلون »** أي إن كنتم مصدقين بما يعدكم الله به ويبشركم به من الغلبة.

### الآية 3:140

> ﻿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [3:140]

إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ  : بضم القاف حيث كان، كوفي غير حفص. ويفتح القاف : غيرهم. وهما لغتان كالضعف والضعف. وقيل : بالفتح الجراحة وبالضم ألمها،  فَقَدْ مَسَّ القوم قَرْحٌ مّثْلُهُ  : أي إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر، ثم لم يضعف ذلك قلوبهم ولم يمنعهم عن معاودتكم إلى القتال فأنتم أولى أن لا تضعفوا،  وَتِلْكَ  مبتدأ  الأيام  صفته والخبر  نُدَاوِلُهَا  نصرفها  بَيْنَ الناس  : أي نصرف ما فيها من النعم والنقم نعطي لهؤلاء تارة وطوراً لهؤلاء كبيت الكتاب :
فيوماً علينا ويوماً لنا\*\*\* ويوماً نساء ويوماً نسر
 وَلِيَعْلَمَ الله الذين ءَامَنُواْ  : أي نداولها لضروب من التدبير وليعلم الله المؤمنين مميزين بالصبر والإيمان من غيرهم كما علمهم قبل الوجود،  وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ  وليكرم ناساً منكم بالشهادة يريد المستشهدين يوم أحد، أو ليتخذ منكم من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة من قوله  لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس  \[ البقرة : ١٤٣ \]  والله لاَ يُحِبُّ الظالمين  : اعتراض بين بعض التعليل وبعض، ومعناه والله لا يحب من ليس من هؤلاء الثابتين على الإيمان المجاهدين في سبيله وهم المنافقون والكافرون.

### الآية 3:141

> ﻿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [3:141]

وَلِيُمَحِّصَ الله الذين ءَامَنُواْ  التمحيص : التطهير والتصفية.  وَيَمْحَقَ الكافرين  : ويهلكهم يعني إن كانت الدولة على المؤمنين فللتمييز والاستشهاد والتمحيص، وإن كانت على الكافرين فلمحقهم ومحو آثارهم }

### الآية 3:142

> ﻿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [3:142]

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة  :**«أم »** منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار أي لا تحسبوا،  وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ  : أي ولما تجاهدون لأن العلم متعلق بالمعلوم فنزل نفي العلم منزلة نفي متعلقة لأنه منتف بانتفائه، تقول : ما علم الله في فلان خيراً أي ما فيه خير حتى يعلمه. و**«لما »** بمعنى **«لم »** إلا أن فيه ضرباً من التوقع فدل على نفي الجهاد فيما مضى وعلى توقعه فيما يستقبل  وَيَعْلَمَ الصابرين  : نصب بإضمار **«أن »** والواو بمعنى الجمع نحو **«لا تأكل السمك وتشرب اللبن »**، أو جزم للعطف على **«يعلم الله »**، وإنما حركت الميم لالتقاء الساكنين واختيرت الفتحة لفتحة ما قبلها.

### الآية 3:143

> ﻿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [3:143]

وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ  خوطب به الذين لم يشهدوا بدراً وكانوا يتمنون أن يحضروا مشهداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لينالوا كرامة الشهادة، وهم الذين ألحوا على رسول الله في الخروج إلى المشركين وكان رأيه في الإقامة بالمدينة، يعني وكنتم تمنون الموت قبل أن تشاهدوه وتعرفوا شدته  فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ  أي رأيتموه معاينين مشاهدين له حين قتل إخوانكم بين أيديكم وشارفتم أن تقتلوا، وهذا توبيخ لهم على تمنيهم الموت وعلى ما تسببوا له من خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم بإلحاحهم عليه، ثم انهزامهم عنه. وإنما تمنوا الشهادة لينالوا كرامة الشهداء من غير قصد إلى ما يتضمنه من غلبة الكفار كمن شرب الدواء من طبيب نصراني فإن قصده حصول الشفاء ولا يخطر بباله أن فيه جر منفعة إلى عدو الله وتنفيقاً لصناعته.

### الآية 3:144

> ﻿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [3:144]

لما رمى ابن قميئة رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر رباعيته أقبل يريد قتله فذب عنه مصعب بن عمير وهو صاحب الراية حتى قتله ابن قميئة وهو يرى أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : قتلت محمداً وخرج صارخ قيل هو الشيطان ألا إن محمداً قد قتل. ففشا في الناس خبر قتله فانكفئوا وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو :**« إليّ عباد الله »** حتى انحازت إليه طائفة من أصحابه فلامهم على هربهم فقالوا : يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا أتانا خبر قتلك فولينا مدبرين فنزل  وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ  مضت  مِن قَبْلِهِ الرسل  فسيخلو كما خلوا، وكما أن أتباعهم بقوا متمسكين بدينهم بعد خلوهم فعليكم أن تتمسكوا بدينه بعد خلوه، لأن المقصود من بعثة الرسل تبليغ الرسالة وإلزام الحجة لا وجوده بين أظهر قومه  أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقلبتم على أعقابكم  الفاء معلقة للجملة الشرطية بالجملة التي قبلها على معنى التسبيب، والهمزة لإنكار أن يجعلوا خلو الرسل قبله سبباً لانقلابهم على أعقابهم بعد هلاكه بموت أو قتل مع علمهم أن خلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكاً به يجب أن يجعل سبباً للتمسك بدين محمد عليه السلام لا للانقلاب عنه، والانقلاب على العقبين مجاز عن الارتداد أو عن الانهزام  وَمَن يَنقَلِبْ على عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ الله شَيْئاً  وإنما ضر نفسه  وَسَيَجْزِى الله الشاكرين  الذين لم ينقلبوا، وسماهم شاكرين لأنهم شكروا نعمة الإسلام فيما فعلوا.

### الآية 3:145

> ﻿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ۗ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ [3:145]

وَمَا كَانَ  وما جاز  لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله  أي بعلمه أو بأن يأذن ملك الموت في قبض روحه، والمعنى أن موت الأنفس محال أن يكون إلا بمشيئة الله، وفيه تحريض على الجهاد، وتشجيع على لقاء العدو، وإعلام بأن الحذر لا ينفع، وأن أحداً لا يموت قبل بلوغ أجله وإن خاض المهالك واقتحم المعارك  كتابا  مصدر مؤكد لأن المعنى كتب الموت كتاباً  مُّؤَجَّلاً  مؤقتاً له أجل معلوم لا يتقدم ولا يتأخر  وَمَن يُرِدْ  بقتاله  ثَوَابَ الدنيا  أي الغنيمة وهو تعريض بالذين شغلتهم الغنائم يوم أحد  نُؤْتِهِ مِنْهَا  من ثوابها  وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخرة  أي إعلاء كلمة الله والدرجة في الآخر  نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِى الشاكرين  وسنجزي الجزاء المبهم الذين شكروا نعمة الله فلم يشغلهم شيء عن الجهاد.

### الآية 3:146

> ﻿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [3:146]

وَكَأَيّن  أصله أي دخل عليه كاف التشبيه وصارا في معنى **«كم »** التي للتكثير. وكائن بوزن كاع حيث كان : مكي  مِّن نَّبِىٍّ قَاتَلَ  **«قتل »** : مكي وبصري ونافع.  مَعَهُ  حال من الضمير في قتل أي قتل كائناً معه  رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ  والربيون الربانيون. وعن الحسن بضم الراء وعن البعض بفتحها، فالفتح على القياس لأنه منسوب إلى الرب، والضم والكسر من تغييرات النسب  فَمَا وَهَنُواْ  فما فتروا عند قتل نبيهم  لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ الله وَمَا ضَعُفُواْ  عن الجهاد بعده  وَمَا استكانوا  وما خضعوا لعدوهم، وهذا تعريض بما أصابهم من الوهن عند الإرجاف بقتل رسول الله عليه السلام واستكانتهم لهم حيث أرادوا أن يعتضدوا بابن أبي في طلب الأمان من أبي سفيان  والله يُحِبُّ الصابرين  على جهاد الكافرين.

### الآية 3:147

> ﻿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [3:147]

وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا  أي وما كان قولهم إلا هذا القول وهو إضافة الذنوب إلى أنفسهم مع كونهم ربانيين هضماً لها  وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا  تجاوزنا حد العبودية  وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا  في القتال  وانصرنا عَلَى القوم الكافرين  بالغلبة. وقدم الدعاء بالاستغفار من الذنوب على طلب تثبيت الأقدام في مواطن الحرب والنصرة على الأعداء، لأنه أقرب إلى الإجابة لما فيه من الخضوع والاستكانة.

### الآية 3:148

> ﻿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [3:148]

فئاتاهم الله ثَوَابَ الدنيا  أي النصرة والظفر والغنيمة  وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخرة  المغفرة والجنة. وخص بالحسن دلالة على فضله وتقدمه وأنه هو المعتد به عنده  والله يُحِبُّ المحسنين  أي هم محسنون والله يحبهم.

### الآية 3:149

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ [3:149]

ياأيها الذين ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ الذين كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ على أعقابكم  يرجعوكم إلى الشرك  فَتَنقَلِبُواْ خاسرين  قيل : هو عام في جميع الكفار وعلى المؤمنين أن يجانبوهم ولا يطيعوهم في شيء حتى لا يستجروهم إلى موافقتهم. وعن السدي : إن تستكينوا لأبي سفيان وأصحابه وتستأمنوهم يردوكم إلى دينهم. وقال علي رضي الله عنه : نزلت في قول المنافقين للمؤمنين عند الهزيمة ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم

### الآية 3:150

> ﻿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ [3:150]

بَلِ الله مولاكم  ناصركم فاستغنوا عن نصرة غيره { وَهُوَ خَيْرُ الناصرين \*

### الآية 3:151

> ﻿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ۖ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۚ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ [3:151]

سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب } **«الرعب »** شامي وعلي وهما لغتان. قيل : قذف الله في قلوب المشركين الخوف يوم أحد فانهزموا إلى مكة من غير سبب ولهم القوة والغلبة  بِمَا أَشْرَكُواْ بالله  بسبب إشراكهم أي كان السبب في إلقاء الله الرعب في قلوبهم إشراكهم به  مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا  آلهة لم ينزل الله بإشراكها حجة، ولم يرد أن هناك حجة إلا أنها لم تنزل عليهم لأن الشرك لا يستقيم أن تقوم عليه حجة، وإنما المراد نفي الحجة ونزولها جميعاً كقوله :
ولا ترى الضب بها ينجحر\*\*\* أي ليس بها ضب فينجحر، ولم يعن أن بها ضباً ولا ينجحر  وَمَأْوَاهُمُ  مرجعهم  النار وَبِئْسَ مثوى الظالمين  النار فالمخصوص بالذم محذوف.

### الآية 3:152

> ﻿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ ۚ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [3:152]

ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه إلى المدينة قال ناس من أصحابه، من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر ؟ فنزل  وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ  أي حقق  إِذْ تَحُسُّونَهُمْ  تقتلونهم قتلاً ذريعاً. وعن ابن عيسى : حسه أبطل حسه بالقتل  بِإِذْنِهِ  بأمره وعلمه  حتى إِذَا فَشِلْتُمْ  جبنتم  وتنازعتم فِى الأمر  أي اختلفتم  وَعَصَيْتُمْ  أمر نبيكم بترككم المركز واشتغالكم بالغنيمة  مِن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ  من الظفر وقهر الكفار. ومتعلق **«إذا »** محذوف تقديره حتى إذا فشلتم منعكم نصره، وجاز أن يكون المعنى صدقكم الله وعده إلى وقت فشلكم  مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا  أي الغنيمة وهم الذين تركوا المركز لطلب الغنيمة. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل أحداً خلف ظهره واستقبل المدينة وأقام الرماة عند الجبل وأمرهم أن يثبتوا في مكانهم ولا يبرحوا كانت الدولة للمسلمين أو عليهم فلما أقبل المشركون جعل الرماة يرشقون خيلهم والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا، والمسلمون على آثارهم يقتلونهم. 
حتى إذا فشلوا وتنازعوا فقال بعضهم : قد انهزم المشركون فما موقفنا هاهنا، فادخلوا عسكر المسلمين وخذوا الغنيمة مع إخوانكم، وقال بعضهم : لا تخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمن ثبت مكانه عبد الله بن جبير أمير الرماة في نفر دون العشرة وهم المعنيون بقوله  وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الأخرة  فكر المشركون على الرماة وقتلوا عبد الله ابن جبير وأقبلوا على المسلمين حتى هزموهم وقتلوا من قتلوا وهو قوله  ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ  أي كف معونته عنكم فغلبوكم  لِيَبْتَلِيَكُمْ  ليمتحن صبركم على المصائب وثباتكم عندها وحقيقته ليعاملكم معاملة المختبر لأنه يجازي على ما يعمله العبد لا على ما يعلمه منه  وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ  حيث ندمتم على ما فرط منكم من عصيان رسول الله صلى الله عليه وسلم  والله ذُو فَضْلٍ عَلَى المؤمنين  بالعفو عنهم وقبول توبتهم، أو هو متفضل عليهم في جميع الأحوال سواء أديل لهم أو أديل عليهم، لأن الابتلاء رحمة كما أن النصرة رحمة. وانتصب.

### الآية 3:153

> ﻿۞ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ۗ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [3:153]

إِذْ تُصْعِدُونَ  تبالغون في الذهاب في صعيد الأرض، والإصعاد الذهاب في صعيد الأرض أو الإبعاد فيه بصرفكم، أو بقوله **«ليبتليكم »** أو بإضمار **«اذكروا »**  وَلاَ تَلْوُونَ على أحَدٍ  ولا تلتفون وهو عبارة عن غاية انهزامهم وخوف عدوهم  والرسول يَدْعُوكُمْ  يقول " إليّ عباد الله أنا رسول الله من يكر فله الجنة " والجملة في موضع الحال  فِى أُخْرَاكُمْ  في ساقتكم وجماعتكم الأخرى وهي المتأخرة. يقال جئت في آخر الناس وأخرهم كما تقول في أولهم وأولاهم بتأويل مقدمتهم وجماعتهم الأولى  فأثابكم  عطف على **«صرفكم »** أي فجازاكم الله  غَمّاً  حين صرفكم عنهم وابتلاكم  بِغَمّ  بسبب غم أذقتموه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعصيانكم أمره أو غماً مضاعفاً، غماً بعد غم وغماً متصلاً بغم، من الاغتمام بما أرجف به من قتل رسول الله عليه السلام والجرح والقتل وظفر المشركين وفوت الغنيمة والنصر  لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ على مَا فَاتَكُمْ  لتتمرنوا على تجرع الغموم فلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع  وَلاَ مَا أصابكم  ولا على مصيب من المضار  والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ  عالم بعملكم لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وهذا ترغيب في الطاعة وترهيب عن المعصية.

### الآية 3:154

> ﻿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِنْكُمْ ۖ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ۗ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [3:154]

ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ الغم أَمَنَةً نُّعَاساً  ثم أنزل الله الأمن على المؤمنين وأزال عنهم الخوف الذي كان بهم حتى نعسوا وغلبهم النوم. عن أبي طلحة : غشينا النعاس ونحن في مصافنا فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه ثم يسقط فيأخذه. والأمنة الأمن، و**«نعاساً »** بدل من ******«أمنة »****** أو هو مفعول و******«أمنة »****** حال منه مقدمة عليه نحو **«رأيت راكباً رجلاً »** والأصل أنزل عليكم نعاساً ذا أمنة إذ النعاس ليس هو الأمن، ويجوز أن يكون ******«أمنة »****** مفعولاً له أو حالاً من المخاطبين بمعنى ذوي أمنة أو على أنه جمع آمن كبار وبررة  يغشى  يعني النعاس. 
**«تغشى »** بالتاء والإمالة : حمزة وعلي أي الأمنة  طَائِفَةٌ مّنكُمْ  هم أهل الصدق واليقين  وَطَائِفَةٌ  هم المنافقون  قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ  ما يهمهم إلا هم أنفسهم وخلاصها لا همّ الدين ولا همّ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين رضوان الله عليهم  يَظُنُّونَ بالله غَيْرَ الحق  في حكم المصدر أي يظنون بالله غير الظن الحق الذي يجب أن يظن به وهو أن لا ينصر محمداً صلى الله عليه وسلم  ظَنَّ الجاهلية  بدل منه والمراد الظن المختص بالملة الجاهلية، أو ظن أهل الجاهلية أي لا يظن مثل ذلك الظن إلا أهل الشرك الجاهلون بالله  يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَىْء  هل لنا معاشر المسلمين من أمر الله نصيب قط يعنون النصر والغلبة على العدو  قُلْ إِنَّ الأمر  أي النصر والغلبة  كُلُّهُ لِلهِ  ولأوليائه المؤمنين  وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون  \[ الصافات : ١٧٣ \] ****«كله »**** تأكيد للأمر و****«لله »**** خبر **«أن »** ****«كله »**** بصري وهو مبتدأ و****«لله »**** خبره والجملة خبر **«إن »**  يُخْفُونَ فِى أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ  خوفاً من السيف  يَقُولُونَ  في أنفسهم أو بعضهم لبعض منكرين لقولك لهم **«إن الأمر كله لله »**  لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَىْء مَّا قُتِلْنَا هاهنا  أي لو كان الأمر كما قال محمد " إن الأمر كله لله ولأوليائه وأنهم الغالبون " لما غلبنا قط، ولما قتل من المسلمين من قتل في هذه المعركة. **«قد أهمتهم »** صفة ل ****«طائفة »**** و****«يظنون »**** خبر ل ****«طائفة »**** أو صفة أخرى، أو حال أي قد أهمتهم أنفسهم ظانين. و******«يقولون »****** بدل من ****«يظنون »**** و****«يخفون »**** حال من ******«يقولون »****** و**«قل إن الأمر كله لله »** اعتراض بين الحال وذي الحال و******«يقولون »****** بدل من ****«يخفون »**** أو استئناف  قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ  أي من علم الله منه أنه يقتل في هذه المعركة وكتب ذلك في اللوح لم يكن به من وجوده، فلو قعدتم في بيوتكم  لَبَرَزَ  من بينكم  الذين كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتل إلى مَضَاجِعِهِمْ  مصارعهم بأحد ليكون ما علم الله أنه يكون، والمعنى أن الله كتب في اللوح قتل من يقتل من المؤمنين وكتب مع ذلك أنهم الغالبون لعلمه أن العاقبة في الغلبة لهم، وأن دين الإسلام يظهر على الدين كله، وأن ما ينكبون به في بعض الأوقات تمحيص لهم  وَلِيَبْتَلِىَ الله مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ  وليمتحن ما في صدور المؤمنين من الإخلاص ويمحص ما في قلوبهم من وساوس الشيطان فعل ذلك. 
أو فعل ذلك لمصالح جمة وللابتلاء والتمحيص  والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور  بخفياتها.

### الآية 3:155

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ۖ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [3:155]

إِنَّ الذين تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ  انهزموا  يَوْمَ التقى الجمعان  جمع محمد عليه السلام وجمع أبي سفيان للقتال بأحد  إِنَّمَا استزلهم الشيطان  دعاهم إلى الزلة وحملهم عليها  بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ  بتركهم المركز الذي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثبات فيه فالإضافة إلى الشيطان لطف وتقريب والتعليل بكسبهم وعظ وتأديب. وكان أصحاب محمد عليه السلام تولوا عنه يوم أحد إلا ثلاثة عشر رجلاً منهم أبو بكر وعلي وطلحة وابن عوف وسعد بن أبي وقاص والباقون من الأنصار  وَلَقَدْ عَفَا الله عَنْهُمْ  تجاوز عنهم  إِنَّ الله غَفُورٌ  للذنوب  حَلِيمٌ  لا يعاجل بالعقوبة

### الآية 3:156

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [3:156]

يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كالذين كَفَرُواْ  كابن أبيّ وأصحابه  وَقَالُواْ لإخوانهم  أي في حق إخوانهم في النسب أو في النفاق  إِذَا ضَرَبُواْ فِى الأرض  سافروا فيها للتجارة أو غيرها  أَوْ كَانُواْ غُزًّى  جمع غازٍ كعافٍ وعفّى وأصابهم موت أو قتل  لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ الله ذلك حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ  اللام يتعلق ب **«لا تكونوا »** أي لا تكونوا كهؤلاء في النطق بذلك القول واعتقاده ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم خاصة ويصون منها قلوبكم، أو ب **«قالوا »** أي قالوا ذلك واعتقدوه ليكون ذلك حسرة في قلوبهم والحسرة الندامة على فوت المحبوب  والله يُحْيىِ وَيُمِيتُ  رد لقولهم **«إن القتال يقطع الآجال »** أي الأمر بيده قد يحيي المسافر والمقاتل. ويميت المقيم والقاعد  والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ  فيجازيكم على أعمالكم. **«يعملون »** مكي وحمزة وعلي أي الذين كفروا.

### الآية 3:157

> ﻿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [3:157]

وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ الله أَوْ مُتُّمْ  متم وبابه بالكسر : نافع وكوفي غير عاصم، تابعهم حفص إلا في هذه السورة كأنه أراد الوفاق بينه وبين قتلتم. غيرهم : بضم الميم في جميع القرآن، فالضم من مات يموت، والكسر من مات يمات كخاف يخاف فكما تقول خفت تقول مت  لَمَغْفِرَةٌ مّنَ الله خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ  **«ما »** بمعنى **«الذي »** والعائد محذوف وبالياء : حفص

### الآية 3:158

> ﻿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ [3:158]

وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ  لإلى الرحيم الواسع الرحمة المثيب العظيم الثواب تحشرون. ولوقوع اسم الله في هذا الموضع مع تقديمه وإدخال اللام على الحرف المتصل به شأن غني عن البرهان. **«لمغفرة »** جواب القسم وهو ساد مسد جواب الشرط، وكذلك **«لالى الله تحشرون »** كذب الكافرين أولاً في زعمهم أن من سافر من إخوانهم أو غزا لو كان بالمدينة لما مات، ونهى المسلمين عن ذلك لأنه سبب التقاعد عن الجهاد ثم قال لهم : ولئن تم عليكم ما تخافونه من الهلاك بالموت أو القتل في سبيل الله فإن ما تنالونه من المغفرة والرحمة بالموت في سبيل الله خير مما تجمعون من الدنيا، فإن الدنيا زاد المعاد فإذا وصل العبد إلى المراد لم يحتج إلى الزاد.

### الآية 3:159

> ﻿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [3:159]

فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله لِنتَ لَهُمْ  **«ما »** مزيدة للتوكيد والدلالة على أن لينه لهم ما كان إلا برحمة من الله. ومعنى الرحمة ربطه على جأشه وتوفيقه للرفق والتلطف بهم  وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً  جافياً  غَلِيظَ القلب  قاسيه  لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ  لتفرقوا عنك حتى لا يبقى حولك أحد منهم  فاعف عَنْهُمْ  ما كان منهم يوم أحد مما يختص بك  واستغفر لَهُمُ  فيما يختص بحق الله إتماماً للشفقة عليهم  وَشَاوِرْهُمْ فِى الأمر  أي في أمر الحرب ونحوه مما لم ينزل عليك فيه وحي تطييباً لنفوسهم وترويحاً لقلوبهم ورفعاً لأقدارهم، ولتقتدي بك أمتك فيها. في الحديث " ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم " وعن أبي هريرة رضي الله عنه : ما رأيت أحداً أكثر مشاورة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومعنى شاورت فلاناً أظهرت ما عندي وما عنده من الرأي. وشرت الدابة استخرجب جريها، وشرت العسل أخذته من مآخذه، وفيه دلالة جواز الاجتهاد وبيانا أن القياس حجة  فَإِذَا عَزَمْتَ  فإذا قطعت الرأي على شيء بعد الشورى  فَتَوَكَّلْ عَلَى الله  في إمضاء أمرك على الأرشد لا على المشورة  إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين  عليه والتوكل الاعتماد على الله والتفويض في الأمور إليه. وقال ذو النون : خلع الأرباب وقطع الأسباب

### الآية 3:160

> ﻿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [3:160]

إِن يَنصُرْكُمُ الله  كما نصركم يوم بدر  فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ  فلا أحد يغلبكم وإنما يدرك نصر الله من تبرأ من حوله وقوته واعتصم بربه وقدرته  وَإِن يَخْذُلْكُمْ  كما خذلكم يوم أحد  فَمَن ذَا الذى يَنصُرُكُم مّنْ بَعْدِهِ  من بعد خذلانه وهو ترك المعونة، أو هو من قولك ليس لك من يحسن إليك من بعد فلان تريد إذا جاوزته، وهذا تنبيه على أن الأمر كله لله وعلى وجوب التوكل عليه  وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون  وليخص المؤمنون ربهم بالتوكل والتفويض إليه لعلمهم أنه لا ناصر سواه، ولأن إيمانهم يقتضي ذلك.

### الآية 3:161

> ﻿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ۚ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [3:161]

وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ  مكي وأبو عمرو وحفص وعاصم أي يخون، وبضم الياء وفتح الغين : غيرهم. يقال غلّ شيئاً من المغنم غلولاً وأغلّ إغلالاً إذا أخذه في خفية، ويقال أغله إذا وجده غالاً، والمعنى ما صح له ذلك يعني أن النبوة تنافي الغلول، وكذا من قرأ على البناء للمفعول فهو راجع إلى هذا لأن معناه : وما صح له أن يوجد غالاً ولا يوجد غالاً إلا إذا كان غالاً. روي أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر مما أصيب من المشركين فقال بعض المنافقين : لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها فنزلت الآية  وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة  أي يأت بالشيء الذي غله بعينه حاملاً له على ظهره كما جاء في الحديث " أو يأت بما احتمل من وباله وإثمه "  ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ  تعطي جزاءها وافياً ولم يقل **«ثم يوفى ما كسب »** ليتصل بقوله **«ومن يغلل »** بل جيء بعام ليدخل تحته كل كاسب من الغال وغيره فاتصل به من حيث المعنى وهو أبلغ، لأنه إذا علم الغال أن كل كاسب خيراً أو شراً مجزي فموفى جزاءه علم أنه غير متخلص من بينهم مع عظم ما اكتسب  وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ  أي جزاء كل على قدر كسبه

### الآية 3:162

> ﻿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [3:162]

أَفَمَنِ اتبع رضوان الله  أي رضا الله قيل هم المهاجرون والأنصار  كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مّنَ الله  وهم المنافقون والكفار  وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير  المرجع  هُمْ درجات عِندَ الله

### الآية 3:163

> ﻿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [3:163]

هُمْ درجات عِندَ الله  هم متفاوتون كما تتفاوت الدرجات أو ذوو درجات، والمعنى تفاوت منازل المثابين منهم ومنازل المعاقبين أو التفاوت بين الثواب والعاقب  والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ  عالم بأعمالهم ودرجاتها فيجازيهم على حسبها.

### الآية 3:164

> ﻿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [3:164]

لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين . 
على من آمن مع رسول الله عليه السلام من قومه، وخص المؤمنين منهم لأنهم هم المنتفعون بمبعثه  إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنفُسِهِمْ  من جنسهم عربياً مثلهم أو من ولد إسماعيل كما أنهم من ولده، والمنة في ذلك من حيث إنه إذا كان منهم كان اللسان واحد فيسهل أخذ ما يجب عليهم أخذه عنه، وكانوا واقفين على أحواله في الصدق والأمانة فكان ذلك أقرب لهم إلى تصديقه، وكان لهم شرف بكونه منهم. 
وفي قراءة رسول الله **«من أنفسهم »** أي من أشرفهم  يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءاياته  أي القرآن بعدما كانوا أهل جاهلية لم يطرق أسماعهم شيء من الوحي  وَيُزَكّيهِمْ  ويطهرهم بالإيمان من دنس الكفر والطغيان أو يأخذ منهم الزكاة  وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب والحكمة  القرآن والسنة  وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ  من قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم  لَفِى ضلال  عمى وجهالة  مُّبِينٍ  ظاهر لا شبهة فيه **«إن »** مخففة من الثقيلة واللام فارقة بينها وبين النافية والتقدير : وإن الشأن والحديث كانوا من قبل في ضلال مبين.

### الآية 3:165

> ﻿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [3:165]

أَوَ لَمَّا أصابتكم مُّصِيبَةٌ  يريد ما أصابهم يوم أحد من قتل سبعين منهم  قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا  يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين وهو في موضع رفع صفة ل **«مصيبة »**  قُلْتُمْ أنى هذا  من أين هذا  قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ  لاختياركم الخروج من المدينة أو لترككم المركز. لما نصب ب **«قلتم »** و**«أصابتكم »** في محل الجر بإضافة **«لما »** إليه وتقديره : أقلتم حين أصابتكم. **«وأنى هذا »** نصب لأنه مقول والهمزة للتقرير والتقريع، وعطفت الواو هذه الجملة على ما مضى من قصة أحد من قوله :**«ولقد صدقكم الله وعده »**. أو على محذوف كأنه قيل : أفعلتم كذا وقلتم حينئذ كذا  إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ  يقدر على النصر وعلى منعه.

### الآية 3:166

> ﻿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ [3:166]

وَمَا أصابكم } **«ما »** بمعنى **«الذي »** وهو مبتدأ  يَوْمَ التقى الجمعان  جمعكم وجمع المشركين بأحد والخبر  فَبِإِذْنِ الله  فكائن بأذن الله أي بعلمه وقضائه { وَلِيَعْلَمَ المؤمنين \*

### الآية 3:167

> ﻿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ۚ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا ۖ قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ ۗ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ۚ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ [3:167]

وَلِيَعْلَمَ الذين نَافَقُواْ } وهو كائن ليتميز المؤمنون والمنافقون وليظهر إيمان هؤلاء ونفاق هؤلاء  وَقِيلَ لَهُمْ  للمنافقين وهو كلام مبتدأ  تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ الله  أي جاهدوا للآخرة كما يقاتل المؤمنون  أَوِ ادفعوا  أي قاتلوا دفعاً على أنفسكم وأهليكم وأموالكم إن لم تقاتلوا للآخرة. وقيل : أو ادفعوا العدو بتكثيركم سواد المجاهدين إن لم تقاتلوا لأن كثرة السواد مما تروع العدو  قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتبعناكم  أي لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالاً لاتبعناكم يعنون أن ما أنتم فيه لخطإ رأيكم ليس بشيء، ولا يقال لمثله قتال إنما هو إلقاء النفس في التهلكة  هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ للإيمان  يعني أنهم كانوا يتظاهرون بالإيمان قبل ذلك وما ظهرت منهم أمارة تؤذن بكفرهم، فلما انخذلوا عن عسكر المؤمنين وقالوا ما قالوا تباعدوا بذلك عن الإيمان المظنون بهم واقتربوا من الكفر، أو هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان لأن تقليلهم سواد المؤمنين بالانخذال تقوية للمشركين  يَقُولُونَ بأفواههم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ  أي يظهرون خلاف ما يضمرون من الإيمان وغيره والتقييد بالأفواه للتأكيد ونفي المجاز  والله أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ  من النفاق

### الآية 3:168

> ﻿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ۗ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [3:168]

الذين قَالُواْ  أي ابن أبيّ وأصحابه وهو في موضع رفع على **«هم الذين قالوا »** أو على الإبدال من واو **«يكتمون »** أو نصب بإضمار **«أعني »**، أو على البدل من **«الذين نافقوا »** أو جر على البدل من الضمير **«في أفواههم »** أو **«قلوبهم »**  لإخوانهم  لأجل إخوانهم من جنس المنافقين المقتولين يوم أحد  وَقَعَدُواْ  أي قالوا وقد قعدوا عن القتال  لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا  لو أطاعنا إخواننا فيما أمرناهم به من الانصراف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والقعود ووافقونا فيه لما قتلوا كما لم نقتل  قُلْ فَادْرَءوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صادقين  بأن الحذر ينفع من القدر فخذوا حذركم من الموت، أو معناه قل إن كنتم صادقين في أنكم وجدتم إلى دفع القتل سبيلاً وهو القعود عن القتال فجدوا إلى دفع الموت سبيلاً. 
وروي أنه مات يوم قالوا هذه المقالة سبعون منافقاً.

### الآية 3:169

> ﻿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [3:169]

ونزل في قتلى أحد  وَلاَ تَحْسَبَنَّ  شامي وحمزة وعلي وعاصم، وبكسر السين غيرهم : والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد  الذين قَتَلُواْ  **«قتلوا »** : شامي  فِى سَبِيلِ الله أمواتا بَلْ أَحْيَاء  بل هم أحياء  عِندَ رَبّهِمْ  مقربون عنده ذوو زلفى  يُرْزَقُونَ  مثل ما يرزق سائر الأحياء يأكلون ويشربون، وهو تأكيد لكونهم أحياء ووصف لحالهم التي هم عليها من التنعم برزق الله

### الآية 3:170

> ﻿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [3:170]

**«فرحين »** حال من الضمير في **«يرزقون »**  بِمَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ  وهو التوفيق في الشهادة وما ساق إليهم من الكرامة والتفضيل على غيرهم من كونهم أحياء مقربين معجلاً لهم رزق الجنة ونعيمها. وقال النبي عليه السلام " لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر تدور في أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش " وقيل : هذا الرزق في الجنة يوم القيامة وهو ضعيف لأنه لا يبقى للتخصيص فائدة  وَيَسْتَبْشِرُونَ بالذين  بإخوانهم المجاهدين الذين  لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم  لم يقتلوا فيلحقوا بهم  مّنْ خَلْفِهِمْ  يريد الذين من خلفهم قد بقوا من بعدهم وهم قد تقدموهم أو لم يلحقوا بهم لم يدركوا فضلهم ومنزلتهم  أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ  بدل من **«الذين »** والمعنى : ويستبشرون بما تبين لهم من حال من تركوا خلفهم من المؤمنين وهو أنهم يبعثون آمنين يوم القيامة، بشرهم الله بذلك فهم مستبشرون به. وفي ذكر حال الشهداء واستبشارهم بمن خلفهم، بعثٌ للباقين بعدهم على الجد في الجهاد والرغبة في نيل منازل الشهداء  وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ .

### الآية 3:171

> ﻿۞ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ [3:171]

يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ  يسرون بما أنعم الله عليهم وما تفضل عليهم من زيادة الكرامة  وَأَنَّ الله  عطف على النعمة والفضل. **«وإن الله »** : عليٌّ بالكسر على الاستئناف وعلى أن الجملة اعتراض  لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المؤمنين  بل يوفر عليهم.

### الآية 3:172

> ﻿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ [3:172]

الذين استجابوا لِلَّهِ والرسول  مبتدأ خبره **«للذين أحسنوا »**، أو صفة للمؤمنين، أو نصب على المدح  مِن بَعْدِ مَا أصابهم القرح  الجرح. روي أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ندموا وهموا بالرجوع فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يرهبهم ويريهم من نفسه وأصحابه قوة، فندب النبيّ أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان، فخرج يوم الأحد من المدينة مع سبعين رجلاً حتى بلغوا حمراء الأسد وهي من المدينة على ثمانية أميال، وكان بأصحابه القرح فألقى الله الرعب في قلوب المشركين فذهبوا فنزلت  لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ واتقوا  **«من »** للتبيين. مثلها في قوله : وَعَدَ الله الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم مَّغْفِرَةً  \[ الفتح : ٢٩ \]. لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا لا بعضهم  أَجْرٌ عَظِيمٌ  في الآخرة.

### الآية 3:173

> ﻿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [3:173]

الذين قَالَ لَهُمُ الناس  بدل من الذين استجابوا  إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ  روي أن أبا سفيان نادى عند انصرافه من أحد : يا محمد موعدنا موسم بدر القابل. فقال عليه السلام " إن شاء الله " فلما كان القابل خرج أبو سفيان في أهل مكة فألقى الله الرعب في قلبه فبدا له أن يرجع فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمراً فقال : يا نعيم إني واعدت محمداً أن نلتقي بموسم بدر وقد بدا لي أن أرجع فالحق بالمدينة، فثبطهم ولك عندي عشرة من الإبل، فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم : أتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم فوالله لا يفلت منكم أحد فقال عليه السلام " والله لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد " فخرج في سبعين راكباً وهم يقولون **«حسبنا الله ونعم الوكيل »** حتى وافوا بدراً وأقاموا بها ثماني ليال وكانت معهم تجارة فباعوها وأصابوا خيراً، ثم انصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين ولم يكن قتال، ورجع أبو سفيان إلى مكة فسمى أهل مكة جيشه جيش السويق وقالوا : إنما خرجتم لتأكلوا السويق. فالناس الأول نعيم وهو جمع أريد به الواحد أو كان له أتباع يثبطون مثل تثبيطه، والثاني أبو سفيان وأصحابه.  فاخشوهم  فخافوهم  فَزَادَهُمُ  أي المقول الذي هو **«إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم »** أو القول، أو نعيم  إيمانا  بصيرة وإيقاناً  وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله  كافينا الله أي الذي يكفينا الله. 
يقال أحسبه الشيء إذا كفاه وهو بمعنى المحسب بدليل أنك تقول **«هذا رجل حسبك »** فتصف به النكرة لأن إضافته غير حقيقية لكونه في معنى اسم الفاعل  وَنِعْمَ الوكيل  ونعم الموكول إليه هو.

### الآية 3:174

> ﻿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [3:174]

فانقلبوا بِنِعْمَةٍ مّنَ الله  وهي السلامة وحذر العدو منهم  وَفَضْلٍ  وهو الربح في التجارة فأصابوا بالدرهم درهمين  لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء  لم يلقوا ما يسوءهم من كيد عدو وهو حال من الضمير في ****«انقلبوا »****، وكذا **«بنعمة »** والتقدير : فرجعوا من بدر منعمين بريئين من سوء  واتبعوا رضوان الله  بجرأتهم وخروجهم إلى وجه العدو على أثر تثبيطه وهو معطوف على ****«انقلبوا »****  والله ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ  قد تفضل عليهم بالتوفيق فيما فعلوا.

### الآية 3:175

> ﻿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [3:175]

إِنَّمَا ذلكم الشيطان  هو خبر **«ذلكم »** أي إنما ذلك المثبط هو الشيطان وهو نعيم  يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ  أي المنافقين وهو جملة مستأنفة بيان لشيطنته، أو الشيطان صفة لاسم الإشارة و**«يخوف »** الخبر  فَلاَ تَخَافُوهُمْ  أي أولياءه  وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ  لأن الإيمان يقتضي أن يؤثر العبد خوف الله على خوف غيره. و**«خافوني »** في الوصل والوقف : سهل ويعقوب، وافقهما أبو عمرو في الوصل.

### الآية 3:176

> ﻿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ۚ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ۗ يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [3:176]

وَلاَ يَحْزُنكَ  **«يحزنك »** في كل القرآن : نافع إلا في سورة الأنبياء  لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر  \[ الأنبياء : ١٠٣ \]  الذين يسارعون فِى الكفر  يعني لا يحزنوك لخوف أن يضروك ألا ترى إلى قوله  إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً  أي أولياء الله يعني أنهم لا يضرون بمسارعتهم في الكفر غير أنفسهم وما وبال ذلك عائداً على غيرهم. ثم بين كيف يعود وباله عليهم بقوله  يُرِيدُ الله أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِى الآخرة  أي نصيباً من الثواب  وَلَهُمْ  بدل الثواب  عَذَابٌ عظِيمٌ  وذلك أبلغ ما ضر به الإنسان نفسه، والآية تدل على إرادة الكفر والمعاصي لأن إرادته أن لا يكون لهم ثواب في الآخرة لا تكون بدون إرادة كفرهم ومعاصيهم.

### الآية 3:177

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [3:177]

إِنَّ الذين اشتروا الكفر بالإيمان  أي استبدلوه به  لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً  هو نصب على المصدر أي شيئاً من الضرر. الآية الأولى فيمن نافق من المتخلفين أو ارتد عن الإسلام، والثانية في جميع الكفار أو على العكس  وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ .

### الآية 3:178

> ﻿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [3:178]

وَلاَ يَحْسَبَنَّ  وثلاثة بعدها مع ضم الباء في **«يحسبنهم »** بالياء : مكي وأبو عمرو، وكلها بالتاء : حمزة، وكلها بالياء : مدني وشامي إلا **«فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ »** فإنها بالتاء. الباقون : الأوليان بالياء والأخريان بالتاء.  الذين كَفَرُواْ  فيمن قرأ بالياء رفع أي ولا يحسبن الكافرون. و ****«أن »**** مع اسمه وخبره في قوله  أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لأَِنفُسِهِمْ  في موضع المفعولين ل **«يحسبن »** والتقدير : ولا يحسبن الذين كفروا إملاءنا خيراً لأنفسهم. و****«ما »**** مصدرية وكان حقها في قياس علم الخط أن تكتب مفصولة ولكنها وقعت في الإمام متصلة فلا يخالف. 
وفيمن قرأ بالتاء نصب أي ولا تحسبن الكافرين وأنما نملي لهم خير لأنفسهم بدل من الكافرين، أي ولا تحسبن أن ما نملي للكافرين خير لهم، و****«أن »**** مع ما في حيزه ينوب عن المفعولين، والإملاء لهم إمهمالهم وإطالة عمرهم.  إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً  ****«ما »**** هذه حقها أن تكتب متصلة لأنها كافة دون الأولى، وهذه جملة مستأنفة تعليل للجملة قبلها كأنه قيل : ما بالهم لا يحسبون الإملاء خيراً لهم ؟ فقيل : إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً. والآية حجة لنا على المعتزلة في مسألتي الأصلح وإرادة المعاصي  وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ .

### الآية 3:179

> ﻿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ [3:179]

اللام في  مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين على مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ  من اختلاط المؤمنين الخلص والمنافقين لتأكيد النفي  حتى يَمِيزَ الخبيث مِنَ الطيب  حتى يعزل المنافق عن المخلص. **«يميز »** : حمزة وعلي. والخطاب في **«أنتم »** للمصدقين من أهل الإخلاص والنفاق كأنه قيل : ما كان الله ليذر المخلصين منكم على الحال التي أنتم عليها من اختلاط بعضكم ببعض حتى يميزهم منكم بالوحي إلى نبيه وإخباره بأحوالكم  وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب  وما كان الله ليؤتي أحد منكم علم الغيوب فلا تتوهموا عند إخبار الرسل بنفاق الرجل وإخلاص الآخر أنه يطلع على ما في القلوب إطلاع الله فيخبر عن كفرها وإيمانها  وَلَكِنَّ الله يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء  أي ولكن الله يرسل الرسول فيوحي إليه ويخبره بأن في الغيب كذا وأن فلاناً في قلبه النفاق وفلاناً في قلبه الإخلاص، فيعلم ذلك من جهة إخبار الله لا من جهة نفسه. والآية حجة على الباطنية فإنهم يدعون ذلك العلم لإمامهم فإن لم يثبتوا النبوة له صاروا مخالفين للنص حيث أثبتوا علم الغيب لغير الرسول، وإن أثبتوا النبوة له صاروا مخالفين لنص آخر وهو قوله  وَخَاتَمَ النبيين  \[ الأحزاب : ٤٠ \]  فَئَامِنُواْ بالله وَرُسُلِهِ  بصفة الإخلاص  وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ  النفاق  فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ  في الآخرة.

### الآية 3:180

> ﻿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [3:180]

ونزل في مانعي الزكاة  وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلُونَ بِمَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ  من قرأ بالتاء قدر مضافاً محذوفاً أي ولا تحسبن بخل الباخلين و****«هو »**** فصل و****«خيراً لهم »**** مفعول ثانٍ، وكذا من قرأ بالياء وجعل فاعل **«يحسبن »** ضمير رسول الله أو ضمير أحد، ومن جعل فاعله **«الذين يبخلون »** كان التقدير : ولا يحسبن الذين يبخلون بخلهم هو خير لهم و****«هو »**** فصل و****«خيراً لهم »**** مفعول ثانٍ  بَلْ هُوَ  أي البخل  شَرٌّ لَّهُمْ  لأن أموالهم ستزول عنهم ويبقى عليهم وبال البخل  سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ القيامة  تفسير لقوله **«بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ »** أي سيجعل مالهم الذي منعوه عن الحق طوقاً في أعناقهم كما جاء في الحديث " من منع زكاة ماله يصير حية ذكراً أقرع له نابان فيطوق في عنقه فينهشه ويدفعه إلى النار "  وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السموات والأرض  وله ما فيهما مما يتوارثه أهلهما من مال وغيره، فما لهم يبخلون عليه بملكه ولا ينفقونه في سبيل الله ؟ والأصل في ميراث موراث فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها.  والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ  وبالياء مكي وأبو عمرو، فالتاء على طريقة الالتفات وهو أبلغ في الوعيد، والياء على الظاهر.

### الآية 3:181

> ﻿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ۘ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [3:181]

لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ  قال ذلك اليهود حين سمعوا قوله تعالى : مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا  \[ البقرة : ٢٤٥ \]. وقالوا : إن إله محمد يستقرض منا فنحن إذاً أغنياء وهو فقير. ومعنى سماع الله له أنه لم يخف عليه وأنه أعد له كفاء من العقاب  سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ  سنأمر الحفظة بكتابة ما قالوا في الصحائف، أو سنحفظه إذ الكتاب من الخلق ليحفظ ما فيه فسمي به مجازاً. و****«ما »**** مصدرية أو بمعنى **«الذي »**  وَقَتْلَهُمُ الأنبياء بِغَيْرِ حَقٍّ  معطوف على ****«ما »****. جعل قتلهم الأنبياء قرينة له إيذاناً له بأنهما في العظم أخوان، وأن من قتل الأنبياء لم يستبعد منه الاجتراء على مثل هذا القول  وَنَقُولُ  لهم يوم القيامة  ذُوقُواْ عَذَابَ الحريق  أي عذاب النار كما أذقتم المسلمين الغصص. قال الضحاك : يقول لهم ذلك خزنة جهنم، وإنما أضيف إلى الله تعالى لأنه بأمره كما في قوله **«سنكتب »** **«سيكتب »** و**«قتلهم »** و**«يقول »** : حمزة.

### الآية 3:182

> ﻿ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [3:182]

ذلك  إشارة إلى ما تقدم من عقابهم  بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ  أي ذلك العذاب بما قدمتم من الكفر والمعاصي، والإضافة إلى اليد لأن أكثر الأعمال يكون بالأيدي فجعل كل عمل كالواقع بالأيدي على سبيل التغليب، ولأنه يقال للآمر بالشيء فاعله فذكر الأيدي للتحقيق يعني أنه فعل نفسه لا غيره بأمره  وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ  وبأن الله لا يظلم عباده فلا يعاقبهم بغير جرم

### الآية 3:183

> ﻿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ۗ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [3:183]

الذين قَالُواْ  في موضع جر على البدل من **«الذين قالوا »** أو نصب بإضمار أعني أو رفع بإضمارهم. 
 إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا  أمرنا في التوراة وأوصانا  أَلاَّ نُؤْمِنَ  بأن لا نؤمن  لِرَسُولٍ حتى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النار  أي يقرب قرباناً فتنزل نار من السماء فتأكله فإن جئتنا به صدقناك، وهذه دعوى باطلة وافتراء على الله لأن أكل النار القربان سبب الإيمان للرسول الآتي به لكونه معجزة فهو إذاً وسائر المعجزات سواء  قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بالبينات  بالمعجزات سوى القربان  وبالذى قُلْتُمْ  أي بالقربان يعني قد جاء أسلافكم الذين أنتم على ملتهم ورضوان بفعلهم  فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ  أي إن كان امتناعكم عن الإيمان لأجل هذا فلم لم تؤمنوا بالذين أتوابه ولم قتلتموهم  إِن كُنتُمْ صادقين  في قولكم إنما نؤخر الإيمان لهذا

### الآية 3:184

> ﻿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ [3:184]

فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذّبَ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ  فإن كذبك اليهود فلا يهولنك فقد فعلت الأمم بأنبيائها كذلك  جَاءُو بالبينات  بالمعجزات الظاهرات  والزبر  الكتب جمع زبور من الزبر وهو الكتابة. **«وبالزبر »** : شامي  والكتاب  جنسه  المنير  المضيء. قيل : هما واحد في الأصل وإنما ذكرا لاختلاف الوصفين، فالزبور كتاب فيه حكم زاجرة، والكتاب المنير هو الكتاب الهادي.

### الآية 3:185

> ﻿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [3:185]

كُلُّ نَفْسٍ  مبتدأ والخبر  ذَائِقَةُ الموت  وجاز الابتداء بالنكرة لما فيه من العموم، والمعنى لا يحزنك تكذيبهم إياك فمرجع الخلق إليّ فأجازيهم على التكذيب وأجازيك على الصبر وذلك قوله  وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القيامة  أي تعطون ثواب أعمالكم على الكمال يوم القيامة فإن الدنيا ليست بدار الجزاء  فَمَن زُحْزِحَ  بعد، والزحزحة : الإبعاد  عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ  ظفر بالخير. وقيل : فقد حصل له الفوز المطلق. وقيل : الفوز نيل المحبوب والبعد عن المكروه  وَمَا الحياة الدنيا إِلاَّ متاع الغرور  شبه الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغر حتى يشتريه ثم يتبين له فساده ورداءته، والشيطان هو المدلس الغرور. وعن سعيد بن جبير : إنما هذا لمن آثرها على الآخرة، فأما من طلب الآخرة بها فإنها متاع بلاغ. وعن الحسن : كخضرة النبات ولعب البنات لا حاصل لها.

### الآية 3:186

> ﻿۞ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [3:186]

لَتُبْلَوُنَّ  والله لتبلون أي لتختبرن  فِى أموالكم  بالإنفاق في سبيل الله وبما يقع فيها من الآفات  وأَنفُسِكُمْ  بالقتل والأسر والجراح وما يرد عليه من أنواع المخاوف والمصائب، وهذه الآية دليل على أن النفس هي الجسم المعاين دون ما فيه من المعنى الباطن كما قال بعض أهل الكلام والفلاسفة، كذا في شرح التأويلات  وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ  يعني اليهود والنصارى  وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً  كالطعن في الدين وصد من أراد الإيمان وتخطئة من آمن ونحو ذلك  وَأَن تَصْبِرُواْ  على أذاهم  وَتَتَّقُواْ  مخالفة أمر الله  فَإِنَّ ذلك  فإن الصبر والتقوى  مِنْ عَزْمِ الأمور  من معزومات الأمور أي مما يجب العزم عليه من الأمور، خوطب المؤمنون بذلك ليوطنوا أنفسهم على احتمال ما سيلقون من الشدائد والصبر عليها حتى إذا لقوها وهم مستعدون لا يرهقهم ما يرهق من تصيبه الشدة بغتة فينكرها وتشمئز منها نفسه.

### الآية 3:187

> ﻿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ [3:187]

وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب  واذكر وقت أخذ الله ميثاق أهل الكتاب  لَتُبَيّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ  عن الناس بالتاء على حكاية مخاطبتهم كقوله  وَقَضَيْنَا إلى بَنِى إسرائيل فِى الكتاب لَتُفْسِدُنَّ  \[ الإسراء : ٤ \] وبالياء : مكي وأبو عمرو وأبو بكر، لأنهم غيب والضمير للكتاب، أكد عليهم إيجاب بيان الكتاب واجتناب كتمانه  فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ  فنبذوا الميثاق وتأكيده عليهم أي لم يراعوه ولم يلتفتوا إليه، والنبذ وراء الظهر مثل في الطرح وترك الاعتداد، وهو دليل على أنه يجب على العلماء أن يبينوا الحق للناس وما علموه وأن لا يكتموا منه شيئاً لغرض فاسد من تسهيل على الظلمة وتطييب لنفوسهم، أو لجر منفعة أو دفع أذية، أو لبخل بالعلم، وفي الحديث :" من كتم علماً عن أهله ألجمه الله بلجام من نار "  واشتروا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً  عرضاً يسيراً  فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ .

### الآية 3:188

> ﻿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [3:188]

والخطاب في  لاَ تَحْسَبَنَّ  لرسول الله وأحد المفعولين  الذين يَفْرَحُونَ  والثاني بمفازة، وقوله **«فلا تحسبنهم »** تأكيد تقديره : لا تحسبنهم فائزين  بِمَا أَتَوْاْ  بما فعلوا وهي قراءة أبيّ و **«جاء »** و **«أتى »** يستعملان بمعنى فعل  إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً  \[ مريم : ٦١ \].  لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً  \[ مريم : ٢٧ \]. وقرأ النخعي **«بما آتوا »** أي أعطوا  وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مّنَ العذاب  بمنجاة منه  وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  مؤلم. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل اليهود عن شيء مما في التوراة فكتموا الحق وأخبروه بخلافه وأروه أنهم قد صدقوه واستحمدوا إليه وفرحوا بما فعلوا من تدليسهم، فأطلع الله رسوله على ذلك وسلاه بما أنزل من وعيدهم أي لا تحسبن اليهود الذين يفرحون بما فعلوا من تدليسهم عليك ويحبون أن تحمدهم بما لم يفعلوا من إخبارك بالصدق عما سألتهم عنه، ناجين من العذاب. وقيل : هم المنافقون يفرحون بما أتوا من إظهار الإيمان للمسلمين وتوصلهم بذلك إلى أغراضهم، ويستحمدون إليهم بالإيمان الذي لم يفعلوه على الحقيقة. وفيه وعيد لمن يأتي بحسنة فيفرح بها فرح إعجاب ويحب أن يحمده الناس بما ليس فيه.

### الآية 3:189

> ﻿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [3:189]

وَللَّهِ مُلْكُ السموات والأرض  فهو يملك أمرهما، وفيه تكذيب لمن قال **«إن الله فقير »**  والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ  فهو يقدر على عقابهم.

### الآية 3:190

> ﻿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [3:190]

إِنَّ فِي خَلْقِ السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات  لأدلة واضحة على صانع قديم عليم حكيم قادر  لأُوْلِى الألباب  لمن خلص عقله عن الهوى خلوص اللب عن القشر، فيرى أن العرض المحدث في الجواهر يدل على حدوث الجواهر، لأن جوهراً ما لا ينفك عن عرض حادث وما لا يخلو عن الحادث فهو حادث، ثم حدوثها يدل على محدثها وذا قديم وإلا لاحتاج إلى محدث آخر إلى ما لا يتناهى، وحسن صنعه يدل على علمه، وإتقانه يدل على حكمته، وبقاؤه يدل على قدرته، قال عليه السلام " ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها " وحكي أنه كان في بني إسرائيل من إذا عبد الله ثلاثين سنة أظلته سحابة، فعبدها فتى فلم تظله فقالت له أمه : لعل فرطة فرطت منك في مدتك. قال : ما أذكر. قالت : لعلك نظرت مرة إلى السماء ولم تعتبر. قال : لعل. قالت : فما أوتيت إلا من ذاك

### الآية 3:191

> ﻿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [3:191]

الذين  في موضع جر نعت ل **«أولي »** أو نصب بإضمار أعني أو رفع بإضمارهم  يَذْكُرُونَ الله  يصلون  قِيَاماً  قائمين عند القدرة  وَقُعُوداً  قاعدين **«وعلى جُنُوبِهِمْ »** أي مضطجعين عند العجز وقياماً وقعوداً حالان من ضمير الفاعل في **«يذكرون »**. 
و**«وعلى جنوبهم »** حال أيضاً، أو المراد الذكر على كل حال لأن الإنسان لا يخلو عن هذه الأحوال، وفي الحديث " من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله "  وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السموات والأرض  وما يدل عليه اختراع هذه الأجرام العظام وإبداع صنعتها وما دبر فيها مما تكل الأفهام عن إدراك بعض عجائبه من عظم شأن الصانع وكبرياء سلطانه، وعن النبي عليه السلام " بينا رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال : أشهد أن لك رباً وخالقاً، اللهم اغفر لي، فنظر الله إليه فغفر له " وقال عليه السلام " لا عبادة كالتفكر " وقيل ؛ الفكرة تذهب الغفلة وتحدث للقلب الخشية، وما جليت القلوب بمثل الأحزان ولا استنارت بمثل الفكر.  رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا  أي يقولون ذلك وهو في محل الحال أي يتفكرون قائلين، والمعنى ما خلقته خلقاً باطلاً بغير حكمة بل خلقته لحكمة عظيمة وهو أن تجعلها مساكن للمكلفين وأدلة لهم على معرفتك، و**«هذا »** إشارة إلى الخلق على أن المراد به المخلوق، أو إلى السماوات والأرض لأنها في معنى المخلوق كأنه قيل : ما خلقت هذا المخلوق العجيب باطلاً  سبحانك  تنزيهاً لك عن الوصف بخلق الباطل وهو اعتراض  فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ  الفاء دخلت لمعنى الجزاء تقديره إذا نزهناك فقنا.

### الآية 3:192

> ﻿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [3:192]

رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ  أهنته أو أهلكته أو فضحته، واحتج أهل الوعيد بالآية مع قوله : يَوْمَ لاَ يُخْزِى الله النبى والذين ءَامَنُواْ مَعَهُ  \[ التحريم : ٨ \]. في أن من يدخل النار لا يكون مؤمناً ويخلد. قلنا : قال جابر : إخزاء المؤمن تأديبه وإن فوق ذلك لخزياً  وَمَا للظالمين  اللام إشارة إلى من يدخل النار والمراد الكفار  مِنْ أَنصَارٍ  من أعوان وشفعاء يشفعون لهم كما للمؤمنين

### الآية 3:193

> ﻿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ۚ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ [3:193]

رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً  تقول : سمعت رجلاً يقول كذا، فتوقع الفعل على الرجل وتحذف المسموع لأنك وصفته بما يسمع فأغناك عن ذكره، ولولا الوصف لم يكن منه بد وأن يقال سمعت كلام فلان. والمنادي هو الرسول عليه السلام أو القرآن  يُنَادِى للإيمان  لأجل الإيمان بالله، وفيه تفخيم لشأن المنادي إذ لا منادي أعظم من منادٍ ينادي للإيمان  أَنْ ءَامِنُواْ  بأن آمنوا أو أي آمنوا  بِرَبّكُمْ فَئَامَنَّا  قال الشيخ أبو منصور رحمه الله : فيه دليل بطلان الاستثناء في الإيمان  رَبَّنَا فاغفر لَنَا ذُنُوبَنَا  كبائرنا  وَكَفّرْ عَنَّا سيئاتنا  صغائرنا  وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبرار  مخصوصين بصحبتهم معدودين في جملتهم، والأبرار والمتمسكون بالسنة جمع **«بر »** أو **«بار »** ك **«رب »** وأرباب وصاحب وأصحاب

### الآية 3:194

> ﻿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ [3:194]

رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ  أي على تصديق رسلك، أو ما وعدتنا منزلاً على رسلك، أو على ألسنة رسلك، و **«على »** متعلق ب **«وعدتنا »** والموعود هو الثواب أو النصرة على الأعداء. وإنما طلبوا إنجاز ما وعد الله والله لا يخلف الميعاد لأن معناه طلب التوفيق فيما يحفظ عليهم أسباب إنجاز الميعاد، أو المراد اجعلنا ممن لهم الوعد إذ الوعد غير مبين لمن هو، أو المراد ثبتنا على ما يوصلنا إلى عدتك يؤيده قوله  وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة  أو هو إظهار للخضوع والضراعة  إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد  هو مصدر بمعنى الوعد.

### الآية 3:195

> ﻿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ ۖ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ۖ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ [3:195]

فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ  أي أجاب يقال استجاب له واستجابه  أَنّى  بأني  لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ  **«منكم »** صفة ل عامل  مّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى  بيان ل **«عامل »**  بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ  الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر كلكم بنو آدم، أو بعضكم من بعض في النصرة والدين، وهذه جملة معترضة بينت بها شركة النساء مع الرجال فيما وعد الله به عباده العاملين. عن جعفر الصادق رضي الله عنه : من حزبه أمر فقال خمس مرات :**«ربنا »**، أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد وقرأ الآيات.  فالذين هاجروا  مبتدأ وهو تفصيل لعمل العامل منهم على سبيل التعظيم له كأنه قال : فالذين عملوا هذه الأعمال السنية الفائقة وهي المهاجرة عن أوطانهم فارين إلى الله بدينهم إلى حيث يأمنون عليه، فالهجرة كائنة في آخر الزمان كما كانت في أول الإسلام  وَأُخْرِجُواْ مِن ديارهم  التي ولدوا فيها ونشأوا  وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى  بالشتم والضرب ونهب المال يريد سبيل الدين  وقاتلوا وَقُتِلُواْ  وغزوا المشركين واستشهدوا، **«وقتّلوا »** : مكي وشامي، **«وقتلوا وقاتلوا »** على التقديم والتأخير : حمزة وعلي. 
وفيه دليل على أن الواو لا توجب الترتيب والخبر.  لاكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سيئاتهم وَلاَدْخِلَنَّهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار  وهو جواب قسم محذوف  ثَوَاباً  في موضع المصدر المؤكد يعني إثابة أو تثويباً  مِنْ عِندِ الله  لأن قوله **«لأكفرن عنهم ولأدخلنهم »** في معنى لأثيبنهم  والله عِندَهُ حُسْنُ الثواب  أي يختص به ولا يقدر عليه غيره.

### الآية 3:196

> ﻿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ [3:196]

وروي أن طائفة من المؤمنين قالوا : إن أعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع، فنزل  لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الذين كَفَرُواْ فِى البلاد  والخطاب لكل أحد أو للنبي عليه السلام والمراد به غيره، أو لأن مدره القوم ومقدّمهم يخاطب بشيء فيقوم خطابه مقام خطابهم جميعاً فكأنه قيل : لا يغرنكم. أو لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان غير مغرور بحالهم فأكد عليه ما كان عليه وثبت على التزامه كقوله  فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً للكافرين  \[ القصص : ٨٦ \]  وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين  \[ الأنعام : ١٤ \] وهذا في النهي نظير قوله في الأمر  اهدنا الصراط المستقيم  \[ الفاتحة : ٧ \]  يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ ءامِنُواْ  ( النساء ١٣٦ ).

### الآية 3:197

> ﻿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [3:197]

متاع قَلِيلٌ  خبر مبتدإ محذوف أي تقلبهم في البلاد متاع قليل، وأراد قتله في جنب ما فاتهم من نعيم الآخرة أو في جنب ما أعد الله للمؤمنين من الثواب، أو أراد أنه قليل في نفسه لانقضائه وكل زائل قليل  ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المهاد  وساء ما مهدوا لأنفسهم

### الآية 3:198

> ﻿لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۗ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ [3:198]

لَكِنِ الذين اتقوا رَبَّهُمْ  عن الشرك  لَهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا نُزُلاٍ  النزل والنزل ما يقام للنازل وهو حال من **«جنات »** لتخصصها بالصفة، والعامل اللام في **«لهم »** أو هو مصدر مؤكد كأنه قيل رزقاً أو عطاء  مّن عند اللّه  صفة له  وَمَا عِندَ الله  من الكثير الدائم  خَيْرٌ لّلابْرَارِ  مما يتقلب فيه الفجار من القليل الزائل. **«لكن »** بالتشديد : يزيد وهو للاستدراك أي لإبقاء لتمتعهم لكن ذلك للذين اتقوا. ونزلت في ابن سلام وغيره من مسلمي أهل الكتاب، أو في أربعين من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم وكانوا على دين عيسى عليه السلام فأسلموا.

### الآية 3:199

> ﻿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [3:199]

وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب لَمَن يُؤْمِنُ بالله  دخلت لام الابتداء على اسم **«إن »** لفصل الظرف بينهما  وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ  من القرآن  وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ  من الكتابين  خاشعين للَّهِ  حال من فاعل **«يؤمن »** لأن من يؤمن في معنى الجمع  لاَ يَشْتَرُونَ بئايات الله ثَمَناً قَلِيلاً  كما يفعل من لم يسلم من أحبارهم وكبارهم وهو حال بعد حال أي غير مشترين  أُوْلئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ  أي ما يختص بهم من الأجر وهو ما وعده في قوله
 أولئك يؤتون أجرهم مرتين  \[ القصص : ٥٤ \]  إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب  لنفوذ علمه في كل شيء.

### الآية 3:200

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [3:200]

يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ اصبروا  على الدين وتكاليفه. قال الجنيد رضي الله عنه : الصبر حبس النفس على المكروه بنفي الجزع  وَصَابِرُواْ  أعداء الله في الجهاد أي غالبوهم في الصبر على شدائد الحرب لا تكونوا أقل صبراً منهم وثباتاً  وَرَابِطُواْ  وأقيموا في الثغور رابطين خيلكم فيها مترصدين مستعدين للغزو  واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  الفلاح : البقاء مع المحبوب بعد الخلاص عن المكروه، و **«لعل »** لتغييب المآل لئلا يتكلوا على الآمال عن تقديم الأعمال. وقيل : اصبروا في محبتي، وصابروا في نعمتي، ورابطوا أنفسكم في خدمتي لعلكم تفلحون تظفرون بقربتي. قال النبي صلى الله عليه وسلم " اقرأوا الزهراوين البقرة وآل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيابتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما " والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/3.md)
- [كل تفاسير سورة آل عمران
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/3.md)
- [ترجمات سورة آل عمران
](https://quranpedia.net/translations/3.md)
- [صفحة الكتاب: مدارك التنزيل وحقائق التأويل](https://quranpedia.net/book/26.md)
- [المؤلف: أبو البركات النسفي](https://quranpedia.net/person/1082.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/3/book/26) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
