---
title: "تفسير سورة آل عمران - الجواهر الحسان في تفسير القرآن - الثعالبي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/3/book/339.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/3/book/339"
surah_id: "3"
book_id: "339"
book_name: "الجواهر الحسان في تفسير القرآن"
author: "الثعالبي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة آل عمران - الجواهر الحسان في تفسير القرآن - الثعالبي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/3/book/339)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة آل عمران - الجواهر الحسان في تفسير القرآن - الثعالبي — https://quranpedia.net/surah/1/3/book/339*.

Tafsir of Surah آل عمران from "الجواهر الحسان في تفسير القرآن" by الثعالبي.

### الآية 3:1

> الم [3:1]

\[الجزء الثاني\]

 تفسير سورة آل عمران
 بسم الله الرّحمن الرّحيم هذه السورة مدنيّة، بإجماع في ما علمت.
 \[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١ الى ٤\] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

 الم (١) اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٤)
 قولُه جَلَّتْ قدرته: الم اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الأبْرَعُ في نَظْمِ الآيةِ أنّ يكون: اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ كلاماً مبتدأً جزماً جملةً رادةً على نصارَى نَجْرَانَ الذين وفَدُوا علَى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فَحَاجُّوهُ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وقالوا: إِنَّهُ اللَّهُ على مَا هُوَ معلومٌ في السِّيَرِ، فنزل فيهم صَدْر هذه السورةِ إِلى نيِّفٍ **«١»** وثمانين آية منها، إلى أن دعاهم صلّى الله عليه وسلّم إلى الابتهال.
 وقد تقدَّم تفسيرُ قوله: الْحَيُّ الْقَيُّومُ في آية الكرسيِّ، والآيةُ هناك إِخبارٌ لجميعِ الناسِ، وكُرِّرتْ هنا إخباراً بحجج هؤلاءِ النصارى، ويردُّ عليهم إِذ هذه الصفاتُ لا يمكنهم ادعاؤها لعيسى- عليه السلام- لأنهم إِذ يقولُون: إِنه صُلِبَ، فذلك مَوْتٌ في معتقَدِهِمْ، وإِذْ من البيِّن أنَّه ليس بقَيُّومٍ.
 وقراءة الجمهور **«القَيُّوم»**، وقرىء خارجَ السَّبْعِ: **«القَيَّامُ»** و **«القَيِّمُ»** **«٢»**، وهذا كلُّه مِنْ: قَامَ بالأَمْرِ يقُومُ به، إِذا اضطلع بحفْظِهِ، وبجميعِ ما يحتاجُ إليه في وجوده، فالله تعالى
 (١) كل ما زاد على العقد، فهو نيّف- قال أبو العباس: الذي حصلناه من أقاويل حذاق البصريين والكوفيين أن النيف من واحدة إلى ثلاث.
 ينظر: **«لسان العرب»** (٤٥٨٠) (نوف).
 (٢) قرأ **«الحيّ القيّام»** كل من عمر، وعثمان، وابن مسعود، والنخعي، والأعمش، وأصحاب عبد الله، وزيد بن علي، وجعفر بن محمد، وأبي رجاء بخلاف، ورويت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، وقرأ **«الحيّ القيّم»** علقمة بن قيس. كما في **«مختصر الشواذ»** (ص ٢٥)، و **«المحتسب»** (١/ ١٥١)، و **«المحرر الوجيز»** (١/ ٣٩٧).

القَيَّامُ على كلِّ شيءٍ ممَّا ينبغِي له، أوْ فِيهِ، أوْ عليه.
 ت: وقد تقدَّم ما نقلْناه في هذا الاِسم الشريفِ أنه اسمُ اللَّهِ الأعظمُ، قال النوويُّ: ورُوِّينَا في كتاب الترمذيِّ عَنْ أنس، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: أنَّهُ كَانَ إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ، قَالَ:
 **«يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، بِرَحْمَتِكَ أسْتَغِيثُ»**، قَالَ الحاكمُ: هذا حديثٌ صحيحُ الإِسناد **«١»**. اهـ.
 قال صاحب **«سلاح المؤمن»** : وعنْ عليٍّ- رضي اللَّه عنه-، قَالَ: **«لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، قَاتَلْتُ شَيْئاً مِنْ قِتَالٍ، ثمَّ جئْتُ إلى رسُولِ اللَّه صلّى الله عليه وسلّم أنظر ما صنع فجئت، فإذا هو ب سَاجِدٌ يَقُولُ: «يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ»**، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى القِتَالِ/، ثُمَّ جِئْتُ، فَإِذَا هُوَ سَاجِدٌ لاَ يَزِيدُ على ذَلِكَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ إلَى الْقِتَالِ، ثُمَّ جِئْتُ، فَإِذَا هُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ ذَلِكَ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ» رواه النِّسائِيُّ، والحاكمُ في **«المستدرك»**، واللفظ للنسائِيِّ **«٢»**.
 وعن أسماء بنتِ يَزيد **«٣»** - رضي الله عنها- أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: **«اسم اللَّهِ الأَعْظَمُ فِي هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لاَّ إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ، وَفَاتِحَةِ آلِ عِمْرَانَ:
 الم اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ»** رواه أبو داود، واللفظُ له، والترمذيُّ، وابن ماجة **«٤»**، وقال التّرمذيّ: هذا حديث حسن صحيح.

 (١) تقدم تخريجه في سورة البقرة.
 (٢) أخرجه النسائي في **«الكبرى»** (٦/ ١٥٦- ١٥٧)، كتاب **«عمل اليوم والليلة»**، باب الاستنصار عند اللقاء، حديث (١٠٤٤٧). والحاكم (١/ ٢٢٢)، من طريق عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، عن إسماعيل بن عون بن عبيد الله بن أبي رافع، عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه محمد بن عمر بن علي عن علي به.
 وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
 وتعقبه الذهبي، فقال: ابن موهب اختلف قولهم فيه، وإسماعيل فيه جهالة.
 (٣) هي: أسماء بنت يزيد بن السكن بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث.. أم سلمة، الأنصارية، الأوسية، الأشهلية. خطيبة النساء.
 قال ابن حجر في ****«الإصابة»**** : روت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم عدة أحاديث، وعند أبي داود بسند حسن عنها قالت:
 سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: **«لا تقتلوا أولادكم سرا إنه ليدرك الفارس فيدعثره عن فرسه»**.
 ينظر ترجمتها في: **«أسد الغابة»** (٧/ ١٨، ١٩)، ****«الإصابة»**** (٨/ ١٢)، **«الثقات»** (٣/ ٢٣)، **«الاستيعاب»** (٤/ ١٧٨٧)، **«تجريد أسماء الصحابة»** (٢/ ٢٤٥)، **«أعلام النساء»** (١/ ٥٣)، **«حلية الأولياء»** (٢/ ٧٦)، **«خلاصة تذهيب تهذيب الكمال»** (٣/ ٣٧٥)، **«الكاشف»** (٣/ ٦٤)، **«تهذيب الكمال»** (٣/ ١٦٧٨)، **«تهذيب التهذيب»** (١٢/ ٣٩٩)، **«تقريب التهذيب»** (٢/ ٥٨٩)، **«بقي بن مخلد»** (٤٢).
 (٤) أخرجه أبو داود (١/ ٤٧٠)، كتاب **«الصلاة»**، باب الدعاء، حديث (١٤٩٦)، والترمذي (٥/ ٥١٧)، كتاب **«الدعوات»**، حديث (٣٤٧٨)، وابن ماجة (٢/ ١٢٦٧)، كتاب **«الدعاء»**، باب اسم الله الأعظم، -

وعن أبي أمامة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قَالَ: **«اسم اللَّهِ الأَعْظَمُ فِي ثَلاَثِ سُوَرٍ: فِي سُورَةِ البَقَرَةِ، وآل عِمْرَانَ، وَطَه»**، قال القاسِمُ: فالتمستها أنَّهُ الحَيُّ القَيُّومُ **«١»**. انتهى.
 **وقوله: بِالْحَقِّ: يحتملُ معنيَيْنِ:**
 أحدهما: أنْ يكون المعنى: ضُمِّنَ الحقائقَ في خبره، وأمره، ونهيه، ومواعظه.
 والثانِي: أنْ يكون المعنى: أنه نَزَّلَ الكتابَ باستحقاق أنْ يُنَزَّل لما فيه من المصلحةِ الشاملة، وليس ذلك على أنه واجبٌ على اللَّه تعالى أنْ يفعله.
 ت: أي: إِذْ لا يجبُ عَلَى اللَّه سبحانه فعْلٌ قال ع **«٢»** : فالباءِ، في هذا المعنى: على حدِّ قوله: سُبْحانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ \[المائدة: ١١٦\]. وقيل: معنى: بِالْحَقِّ: أيْ: مِمَّا اختلف فيه أهْلُ الكتابِ، واضطرب فيه هؤلاءِ النصارَى الوافِدُونَ.
 قال ع **«٣»** : وهذا داخلٌ في المعنى الأول.
 وقوله: مُصَدِّقاً: حالٌ مؤكِّدة لأنه لا يمكن أنْ يكون غير مصدِّقٍ، لما بين يديه من كتب الله سبحانه، ولِما بَيْنَ يَدَيْهِ: هي التوراةُ والإِنجيلُ وسائرُ كُتُبِ اللَّه التي تُلُقِّيَتْ من شرعنا.
 وقوله تعالى: مِنْ قَبْلُ: يعني: من قبل القرآن.
 وقوله: هُدىً لِلنَّاسِ: معناه: دُعَاءٌ، والنَّاسُ: بنو إِسرائيل في هذا الموضع، وإن

 - حديث (٣٨٥٥). كلهم من طريق عيسى بن يونس، عن عبيد الله بن أبي زياد القداح، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد به.
 وقال الترمذي: حسن صحيح.
 وشهر بن حوشب صدوق، كثير الإرسال والأوهام.
 ينظر: **«التقريب»** (١/ ٣٥٥).
 (١) أخرجه ابن ماجة (٢/ ١٢٦٧)، كتاب **«الدعاء»**، باب اسم الله الأعظم، حديث (٣٨٥٦). والطبراني في **«الكبير»** (٨/ ٢١٤)، من طريق عيسى بن موسى، عن غيلان بن أنس، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعا.
 قال البوصيري في **«الزوائد»** (٣/ ٢٠٤) : هذا إسناد فيه مقال غيلان لم أر من جرحه، ولا من وثّقه.
 (٢) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (١/ ٣٩٧).
 (٣) ينظر: المصدر السابق.

### الآية 3:2

> ﻿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [3:2]

بسم الله الرحمن الرحيم قولُه جَلَّتْ قدرته : الم الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم \[ آل عمران : ١و٢ \]. 
الأبْرَعُ في نَظْمِ الآيةِ أن يكون : الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم  كلاماً مبتدأً جزماً، جملةً رادةً على نصارَى نَجْرَانَ، الذين وفَدُوا علَى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فَحَاجُّوهُ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وقالوا : إِنَّهُ اللَّهُ على مَا هُوَ معلومٌ في السِّيَرِ، فنزل فيهم صَدْر هذه السورةِ إِلى نيِّفٍ وثمانينَ آيةً منْها، إلى أنْ دعَاهُمْ صلى الله عليه وسلم إلى الابتهال. 
وقد تقدَّم تفسيرُ قوله : الحي القيوم  في آية الكرسيِّ، والآيةُ هناك إِخبارٌ لجميعِ الناسِ، وكُرِّرتْ هنا إخباراً يحجّ هؤلاءِ النصارى، ويردُّ عليهم، إِذ هذه الصفاتُ لا يمكنهم ادعاؤها لعيسى عليه السلام، لأنهم إِذ يقولُون : إِنه صُلِبَ، فذلك مَوْتٌ في معتقَدِهِمْ، وإِذْ من البيِّن أنَّه ليس بقَيُّومٍ. 
وقراءة الجمهور ( القَيُّوم )، وقرئ خارجَ السَّبْعِ :**«القَيَّامُ »**، و**«القَيِّمُ »**، وهذا كلُّه مِنْ : قَامَ بالأَمْرِ يقُومُ به، إِذا اضطلع بحفْظِهِ، وبجميعِ ما يحتاجُ إِلَيْهِ في وُجُودِهِ، فاللَّه تعالى القَيَّامُ على كلِّ شيءٍ ممَّا ينبغِي له، أوْ فِيهِ، أوْ عليه. 
( ت ) : وقد تقدَّم ما نقلْناه في هذا الاِسم الشريفِ، أنه اسمُ اللَّهِ الأعظمُ، قال النوويُّ : ورُوِّينَا في كتابِ التِّرمذيِّ، ( عن أَنَسٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم : أنَّهُ كَانَ إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ، قَالَ :( يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، بِرَحْمَتِكَ أسْتَغِيثُ )، قَالَ الحاكمُ : هذا حديثٌ صحيحُ الإِسناد، اه. 
قال صاحب **«سلاح المؤمن »** : وعنْ عليٍّ رضي اللَّه عنه، قَالَ :" لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، قَاتَلْتُ شَيْئاً مِنْ قِتَالٍ، ثمَّ جئْتُ إلى رسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم أَنْظُرُ مَا صَنَعَ فَجِئْتُ، فَإِذَا هُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ :( يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى القِتَالِ، ثُمَّ جِئْتُ، فَإِذَا هُوَ سَاجِدٌ، لاَ يَزِيدُ على ذَلِكَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ إلَى الْقِتَالِ، ثُمَّ جِئْتُ فَإِذَا هُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ ذَلِكَ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ " رواه النِّسائِيُّ، والحاكمُ في **«المستدرك »**، واللفظ للنسائِيِّ. 
وعن أسماء بنتِ يَزيد رضي اللَّه عنها، أنَّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( اسم اللَّهِ الأَعْظَمُ فِي هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ : وإلهكم إله واحد لاَّ إله إِلاَّ هُوَ الرحمن الرحيم ، وَفَاتِحَةِ آلِ عِمْرَانَ : الم الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم . رواه أبو داود، واللفظ له، والترمذيُّ، وابن ماجة، وقال التِّرْمِذِيُّ : هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. 
وعن أبي أُمَامَة، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ :( اسم اللَّهِ الأَعْظَمُ فِي ثَلاَثِ سُوَرٍ : فِي سُورَةِ البَقَرَةِ، وآل عِمْرَانَ، وَطَه )، قال القاسِمُ : فالتمستها أنَّهُ الحَيُّ القَيُّومُ، انتهى.

### الآية 3:3

> ﻿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ [3:3]

وقوله : بالحق  \[ آل عمران : ٣ \]. يحتملُ معنيَيْنِ :
أحدهما : أنْ يكون المعنى ضُمِّنَ الحقائقَ، في خبره وأمره، ونهيه، ومواعظه. 
والثانِي : أنْ يكون المعنى : أنه نَزَّلَ الكتابَ باستحقاق أنْ يُنَزَّل، لما فيه من المصلحةِ الشاملة، وليس ذلك على أنه واجبٌ على اللَّه تعالى أنْ يفعله. 
( ت ) : أي إِذْ لا يجبُ عَلَى اللَّه سبحانه فعْلٌ. 
قال ( ع ) : فالباءِ، في هذا المعنى : على حدِّ قوله : سبحانك مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ  \[ المائدة : ١١٦ \]. وقيل معنى  بالحق  : أيْ : مِمَّا اختلف فيه أهْلُ الكتابِ، واضطرب فيه هؤلاءِ النصارَى الوافِدُونَ. 
قال ( ع ) : وهذا داخلٌ في المعنى الأول. 
وقوله : مُصَدِّقا  : حالٌ مؤكِّدة، لأنه لا يمكن أنْ يكون غير مصدِّقٍ، لما بين يديه من كتب اللَّه سُبْحانه،  وما بَيْن يديه  : هي التوراةُ والإِنجيلُ، وسائرُ كُتُبِ اللَّه التي تُلُقِّيَتْ من شرعنا.

### الآية 3:4

> ﻿مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ ۗ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [3:4]

وقوله تعالى : مِن قَبْلُ \[ آل عمران : ٣ \] يعني : من قبل القرآن. 
وقوله : هُدىً لِّلنَّاسِ  معناه : دُعَاءٌ، والنَّاسُ : بنو إِسرائيل في هذا الموضعِ، وإِن كان المراد أنهما هُدىً في ذاتهما، مَدْعُوٌّ إليه فرعَوْنُ وغَيْرُه، فالناسُ عامٌّ في كل مَنْ شاء حينئذٍ أنْ يستبصر، و الفرقان  القرآن، لأنه فَرَقَ بيْنَ الحقِّ والباطلِ، ثم توعَّد سبحانه الكفَّارَ عموماً بالعذابِ الشديدِ، والإشارةُ بهذا الوعيدِ إلى نصارى نَجْرَانَ، و عَزِيزٌ  : معناه : غالبٌ، والنقمة والاِنتقام : معاقبةُ المذْنِبِ بمبالغةٍ في ذلك.

### الآية 3:5

> ﻿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ [3:5]

قوله تعالى : إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأرض وَلاَ فِي السماء \[ آل عمران : ٥ \]. 
هذه الآية خَبَرٌ عن علْمِ اللَّه تعالى بالأشياء على التفصيل، وهذه صفةٌ لَمْ تكُنْ لعيسى، ولا لأحدٍ من المخلوقين.

### الآية 3:6

> ﻿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [3:6]

ثم أخبر سبحانه عن تَصْويره للبَشَرِ في أرحامِ الأمَّهاتِ، وهذا أمر لا ينكرُهُ عاقلٌ، ولا ينكر أنَّ عيسى وسائر البَشَر لا يقْدِرُونَ عليه، ولا ينكر أنَّ عيسى من المصوَّرِينَ كغيره من سائرِ البَشَر، فهذه الآية تعظيمٌ للَّه جلَّتْ قُدْرته، في ضِمْنِها الرَّدُّ على نصارى نَجْران، وفي قوله : إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَيْءٌ  وعيدٌ، وشرح النبيُّ صلى الله عليه وسلم كيفيَّة التصْويرِ في الحديثِ الَّذي رواه ابنُ مَسْعُودٍ وغيره :( إنَّ النُّطْفَةَ، إِذَا وَقَعَتْ فِي الرَّحِمِ، مَكَثَتْ نُطْفَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً، ثُمَّ تَكُونُ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً، ثُمَّ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إلَيْهَا مَلَكاً، فَيَقُولُ : يَا رَبِّ، أَذَكَرْ أَمْ أنثى ؟ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ ؟ ) الحديث بطوله على اختلاف ألفاظه، وفي مسندِ ابن **«سِنْجَر »** حديثٌ، ( إنَّ اللَّهَ سُبْحَانه يَخْلُقُ عِظَامَ الجَنِينِ، وَغَضَارِيفَهُ مِنْ مَنِيِّ الرَّجُلِ، وَلَحْمَهُ وَشَحْمَهُ وَسَائِرَ ذَلِكَ مِنْ مَنِيِّ المَرْأَةِ )، وَصَوَّرَ : بناءُ مبالغةٍ من صَارَ يَصُورُ، إِذا أمال وثنى إلى حالٍ مَّا، فلما كان التصويرُ إمالةً إلى حال، وإِثباتاً فيها، جاء بناؤه على المُبَالغة.

### الآية 3:7

> ﻿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [3:7]

و( الكتابُ ) في هذه الآية : القرآن، بإِجماع، والمُحْكَمَاتُ : المفصَّلات المبيَّنات الثابتَاتُ الأحكامِ، والمُتَشَابِهَاتُ : هي التي تحتاجُ إِلى نظر وتأويلٍ، ويظهر فيها ببَادِئ النَّظَرِ : إِما تَعَارُضٌ مع أخرى، وإما مع العَقْل، إِلى غير ذلك من أنواع التشابه، فهذا الشَّبَه الذي من أجله تُوصَفُ بمتشابهات، إِنما هو بينها وبيْنَ المعانِي الفاسدة الَّتي يظنُّها أهْلُ الزيغِ، ومَنْ لم يُنْعِمِ النظَرَ، وهذا نحوُ الحديث الصحيح عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم :( الحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ )، أي : يكون الشيء حراماً في نفسه، فَيُشْبِهُ عند من لَمْ يُنْعِمِ النظر شيئاً حلالاً، وكذلك الآية : يكونُ لها في نفسها معنًى صحيحٌ، فيشبه عنْد مَنْ لم ينعمِ النظر، أو عند الزائغِ معنًى آخر فاسداً، فربَّما أراد الاِعتراضَ به على كتاب اللَّه، هذا عندي معنَى الإِحكام، والتشابُهِ في هذه الآية. 
قال ( ع ) : وأحسنُ ما قيل في هذه الآية قولُ محمَّدِ بنِ جَعْفَرِ بنِ الزُّبَيرِ، أن المُحْكَمَاتِ هي الَّتِي فيهن حُجَّةُ الربِّ، وعصمةُ العبادِ، ودفْعُ الخصومِ والباطل، ليس لها تصريفٌ، ولا تحريفٌ عمَّا وضعْنَ عليه، والمُتَشَابِهَاتُ : لها تصريفٌ، وتحريفٌ، وتأويلٌ ابتلى اللَّه فيهنَّ العباد. 
قال ابن الحاجِبِ في **«منتهَى الوُصُولِ »** : مسألةٌ في القرآن محكمٌ، ومتشابهٌ. 
قال تعالى : مِنْهُ آيات محكمات هُنَّ أُمُّ الكتاب وَأُخَرُ متشابهات \[ آل عمران : ٧ \]. 
فالمُحُكَمُ : المتَّضِح المعنى، قال الرهوني : يعني نَصًّا كان أو ظَاهِراً، والمُتَشَابَهُ : مقابله إمَّا للاشتراك، مثل :
 ثلاثة قُرُوءٍ  \[ البقرة : ٢٢٨ \]، أو للإجمالِ، مثلُ : الذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح  \[ البقرة : ٢٣٧ \] وما ظاهره التِّشبيهُ، مثلُ : مِن رُّوحِي  \[ ص : ٧٢ \]، و أَيْدِينَا  \[ يس : ٧١ \]، و بِيَدَيَّ  \[ ص : ٧٥ \] و بِيَمِينِهِ  \[ الزمر : ٦٧ \]، و يَسْتَهْزِئُ  \[ البقرة : ١٥ \]، و مَكْرَ الله  \[ آل عمران : ٥٤ \] ونحوه، والظاهرُ : الوقْفُ على : والراسخون فِي العلم ، لأن الخطاب بما لا يُفْهَمُ بعيدٌ، انتهى. 
قال الرهونيُّ : وسمِّي ما ذكر **«مُتَشَابِهاً »**، لاشتباهه على السامِعِ، قال الرهونيُّ : والحقُّ الوقْفُ على : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله . وهو المرويُّ عن جماعة، منهم : ابنُ عبَّاسٍ، وابنُ عمر، وابنْ مسعودٍ، ومالكٌ، وغيرهم، وفي مُصْحَفِ أُبِيٍّ :" وما يعلم تأويلَهُ إلاَّ اللَّه ويقول الراسخونَ \[ في العلْمِ \] آمنا بِه " اه. 
وقوله تعالى : هُنَّ أُمُّ الكتاب ، أي : معظم الكتاب، وعُمْدة ما فيه : إذ المُحْكَم في آياتِ اللَّه كثيرٌ، قد فُصِّلَ، ولم يفرَّطْ في شيء منه، قال يَحْيَى بْنُ يَعْمَر : كما يقال لمكَّة أمُّ القرى. 
قال ( ع ) : وكما يقالُ : أمُّ الرَّأْس لمجتمع الشؤونِ، فجميع المحكَمِ هو أم الكتابِ، ومعنى الآية الإِنْحَاءُ على أهل الزيْغِ، والمذمَّةُ لهم، والإِشارة بذلك أولاً إلى نصارى نَجْرَانَ، وإلى اليهودِ الذين كانوا معاصِرِينَ لمحمَّد صلى الله عليه وسلم، فإِنهم كانوا يعترضُون معانِيَ القُرآن، ثم يعم بعد ذلك كلِّ زائغ، فذكر تعالى، أنه نزَّل الكتابَ على نبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم، إِفضالاً منه، ونعمةً، وأنَّ مُحْكَمَه وبَيِّنَهُ الَّذي لا اعتراض فيه هو معظمه، والغالِبُ فيه، وأنَّ متشابهه الذي يحتملُ التَّأْوِيلَ، ويحتاجُ إِلى التفهُّم هو أقلُّه، ثم إِن أهل الزيغ يتركُونَ المحكَمَ الذي فيه غُنْيَتهم، ويتبعونَ المتشَابِه، ابتغاء الفِتْنَةِ، وأنْ يفسدوا ذاتَ البَيْن، ويردوا النَّاس إِلى زيغهم. 
( م ) : قال أبو البقاءِ : وَأُخَرُ  : معطوفٌ على  آيات ، و متشابهات  : نعت لأُخَرُ، اه. 
وقوله تعالى : الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ  : يعمُّ كل طائفةٍ من كافرٍ وزنديقٍ، وجاهلٍ صاحب بدعةٍ، والزيغُ : المَيْلُ، و ابتغاء  : نصبٌ على المفعولِ من أجله، ومعناه : طلبُ الفِتْنَة، قال الربيع : الفِتْنَة هنا الشرْكُ، وقال مجاهدٌ : الفتْنَةُ : الشبهاتُ، واللَّبْسُ على المؤمنين، ثم قال : وابتغاء تأويلِهِ ، والتأويل هو مَرَدُّ الكلامِ وَمَرْجِعُهُ، والشيء الذي يقفُ علَيْه من المعانِي، وهو من : آلَ يَؤولُ إذا رجع، فالمعنى : وطَلَبَ تأويلِهِ على مَنَازِعِهِمُ الفاسدَةِ، هذا في ما له تأويلٌ حسنٌ، وإن كان ممَّا لا يتأوَّل بل يوقَفُ فيه، كالكلامِ في معنَى الرُّوح ونحوه، فنَفْسُ طلب تأويله هو اتباع ما تشابه. 
ثم قال تعالى : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله  أي : وما يعلم تأويله على الكَمَال إلا اللَّه سبحانه. 
واختلف في قوله : والراسخون فِي العلم ، فرأَتْ فرقةٌ أنَّ رفْعَ الراسخين هو بالعطْفِ على اسْمِ اللَّهِ ( عَزَّ وجلَّ )، وأنه مع علمهم بالمتشابه يقولونَ : آمَنَّا بِهِ ، وقالتْ طائفةٌ أخرى : و( الراسخُونَ ) : رفْع بالابتداء، وهو مقطوعٌ من الكلامِ الأول، وخبره ( يَقُولُونَ )، والمنفَردُ بعلْم المتشابه هو اللَّه وحده. 
قال ( ع ) : وهذه المسألة إذا تُؤُمِّلَتْ، قَرُبَ الخلافُ فيها من الاِتفاقِ، وذلك أنَّ اللَّه تعالى قسَّم آي الكتابِ قسْمَيْن محكمًا ومتشابهًا، فالمُحْكَم هو المتَّضِحُ المعنى لكلِّ من يفهم كلامَ العَرَب، لا يحتَاجُ فيه إِلى نظر، ولا يتعلَّق به شيء يلبِّس، ويستوي في علمه الراسخُ وغيره، والمتشابه على نوعَيْن منه : ما لا يُعْلَمُ البتَّةَ، كأمر الرُّوح، وآمادِ المغيَّبات التي قد أعْلَمَ اللَّه بوقوعها إلى سائر ذلك، ومنه : ما يُحْمَلُ على وجوه في اللغة، ومَنَاحٍ في كلامِ العربِ، فَيُتَأوَّلُ، ويُعْلَم تأويله، ولا يسمَّى أحدٌ راسِخاً إلاَّ أنْ يعلم من هذا النوع كثيراً، بحَسَب ما قُدِّر له، فمَنْ قال : إن الراسخين يعلمون تأويلَ المتشابِهِ، فمراده النوْعُ الثاني الَّذي ذكرناه، ومَنْ قال : إن الراسخين لا يعلَمُونَ تأويله، فمراده النوع الأول، كأمر الرُّوح، ووقْتِ الساعةِ، لكنَّ تخصيصه المتشابه بهذا النوعِ غيرُ صحيحٍ، بل هما نوعانِ، كما ذكرنا، والضمير في  تأويله  عائدٌ على جميع متشابه القرآن، وهما نوعانِ، كما ذكرنا، والرُّسُوخُ : الثبوتُ في الشيءِ، وسئل النبيُّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ، فَقَالَ :( هُوَ مَنْ بَرَّتْ يَمِينُهُ، وَصَدَقَ لِسَانُهُ، واستقام قَلْبُهُ )، قُلْتُ : ومن **«جامعِ العَتَبِيَّةِ »**، وسُئِل مالكٌ عن تفسيرِ الراسِخِينَ في العلْمِ، فقال : العالِمُونَ العاملُونَ بما علموا، المتَّبِعُونَ له، قال ابنُ رُشْدٍ : قولُ مالِكٍ هذا هو معنى ما رُوِيَ من أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ : مَنِ الراسِخُ في العِلْمِ ؟ فقالَ :( مَنْ بَرَّتْ يَمِينُهُ، وصَدَقَ لِسَانُهُ، واستقام بِهِ قَلْبُهُ، وعَفَّ بَطْنُهُ، فَذَلِكَ الرَّاسِخُ فِي العِلْمِ )، قال ابنُ رُشْدٍ : ويشهد لصحَّة هذا قولُ اللَّهِ ( عز وجل ) : إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء  \[ فاطر : ٢٨ \]، لأنه كَلاَمٌ يدُلُّ عَلى أنَّ مَنْ لَمْ يَخْشَ اللَّه فَلَيْسَ بعالمٍ، انتهى. 
قلت : وقد جاء في فضْلِ العلْمِ آثارٌ كثيرةٌ، فمن أحسنها : ما رواه أبو عُمَرَ بْنُ عبدِ البَرِّ بسنده عن معاذِ بنِ جَبلٍ، قال : قَالَ رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( تَعَلَّمُوا العِلْمَ، فَإِنَّ تَعْلِيمَهُ لِلَّهِ خَشْيَةٌ، وَطَلَبَهُ عِبَادَةٌ، وَمُذَاكَرَتَهُ تَسْبِيحٌ، والبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ، وتَعْلِيمَهُ لِمَنْ لاَ يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ، وَبَذْلَهُ لأَهْلِهِ قُرْبَةٌ، لأَنَّهُ مَعَالِمُ الحَلاَلِ وَالْحَرَامِ، وَمَنَارُ سُبُلِ أَهْلِ الجَنَّةِ، وهو الأنيسُ فِي الوَحْشَةِ، والصَّاحِبُ فِي الغُرْبَةِ، وَالمُحْدِّثُ فِي الخَلْوَةِ، والدَّلِيلُ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَالسِّلاَحُ عَلَى الأَعْدَاءِ، وَالزِّيْنُ عِنْدَ الأَخِلاَّءِ، وَيَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ أَقْوَاماً فَيَجْعَلُهُمْ فِي الخَيْرِ قَادَةً وَأَئِمَّةً، فتُقْتَصُّ آثَارُهُمْ، ويقتدى بِفِعَالِهِمْ، وينتهى إلى رَأْيِهِمْ، وَتَرْغَبُ المَلاَئِكَةُ فِي خُلَّتِهِمْ، وَبِأَجْنِحَتِهَا تَمْسَحُهُمْ، وَيَسْتَغْفِرُ لَهُمْ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ، وَحِيتَانُ البَحْرِ وهَوَامُّهُ، وَسِبَاعُ البَرِّ وأَنْعَامُهُ، لأنَّ العِلْمَ حَيَاةُ القُلُوبِ مِنَ الجَهْلِ، وَمَصَابِيحُ الأَبْصَارِ مِنَ الظُّلَمِ، يَبْلُغُ العَبْدُ بَالعِلْمِ مَنَازِلَ الأَخْيَارَ، وَالدَّرَجَاتِ العلى فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، الفِكْرُ فِيهِ يَعْدِلُ الصِّيَامَ، وَمُدَارَسَتُهُ تَعْدِلُ القِيَامَ، بِهِ تُوصَلُ الأَرْحَامُ، وَبِهِ يُعْرَفُ الحَلاَلُ مِنَ الحَرَامِ، هُوَ إِمَامُ العَمَلِ، وَالعَمَلُ تَابِعُهُ، يُلْهَمُهُ السُّعَدَاءُ، وَيُحْرَمُهُ الأَشْقِيَاءُ ) قال أبو عمر : هكذا حدَّثنيه عُبَيْدُ بْنُ محمَّدٍ مرفوعاً بالإِسناد الَّذِي روَيْناه به عنه، وهو حديثٌ حسنٌ جِدًّا، ولكن ليس له إِسناد قويٌّ، وَرَوَيْنَاهُ من طرقٍ شتى موقوفًا على معاذ. انتهى من كتاب **«فَضْل العِلْمِ »**. 
قال الشيخُ العارِفُ أبو القاسِمِ عبْدُ الرحمنِ بْنُ يُوسُفَ اللجائي رحمه اللَّه :" ومن علامة نورِ العلْمِ، إذا حلَّ بالقلب : المعرفةُ والمراقبةُ، والحياءُ والتوبةُ، والوَرَعُ والزُّهْد، والتوكُّل والصَّبْر، والرضى والأنس، والمجاهَدَةُ والصَّمْت، والخَوْف والرجاءُ، والقَنَاعةُ وذِكْرُ المَوْتِ ). اه. 
وقوله تعالى : كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا \[ آل عمران : ٧ \] فيه ضميرٌ عائدٌ على كتاب اللَّه، مُحْكَمِهِ ومتشَابِهِهِ، والتقديرُ : كلُّه من عنْدِ ربِّنا. 
ثم قال تعالى : وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب ، أي : ما يقول هذا، ويؤمن ويقفُ حيثُ وُقِّفَ، ويدع اتباع المتشابهِ، إلاَّ ذُو لُبٍّ، وهو العقْلُ، و( أُولُو ) : جمع : ذُو.

### الآية 3:8

> ﻿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [3:8]

وقوله تعالى : رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا. . .  \[ آل عمران : ٨ \]. 
لمَّا ذكر اللَّه سبحانه أهلَ الزيْغِ، وذكَرَ نقيضهم، وظهر ما بَيْن الحالَتَيْنِ، عقَّب ذلك، بأنْ علَّم عباده الدعاء إلَيْه، في أن لاَّ يكونوا من الطائفَةِ الذميمَةِ، الَّتي ذُكِرَتْ، وهم أهلْ الزيْغِ، ويحتمل أنْ يكون هذا من تمامِ قول الراسِخِينَ، و تُزِغْ  : معناه : تُمِلْ قلوبنا عن الهدى والحقِّ، و مِن لَّدُنْكَ  معناه : من عِنْدِكَ تَفَضُّلاً، لا عن سَبَبٍ منَّا، ولاَ عَمَلٍ، وفي هذا استسلامٌ وتطارُحٌ، والمرادُ : هَبْ لنا نعيماً صادراً عن الرحمة.

### الآية 3:9

> ﻿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [3:9]

وقوله تعالى : رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ الناس لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ \[ آل عمران : ٩ \]. إِقرار بالبَعْثِ ليومِ القيامةِ، والرَّيْبُ : الشكُّ، والمعنى أنه في نفْسِه حقٌّ، لا رَيْبَ فيه. 
وقوله تعالى : إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد ، يحتمل : أنْ يكون إِخباراً منه سبحانه لمحمَّد صلى الله عليه وسلم، وأمته، ويحتملُ أنْ يكون حكايةً مِنْ قول الداعين، ففي ذلك إِقرارٌ بصفة ذاتِ اللَّه تعالى، و( الميعادُ ) : من الوَعْد.

### الآية 3:10

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ [3:10]

وقوله تعالى : إِنَّ الذين كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أموالهم وَلاَ أولادهم مِّنَ الله شَيْئاً. . .  \[ آل عمران : ١٠ \]. 
الإِشارة بالآيةِ إلى معاصِرِي النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وكانوا يفْخَرُون بأموالهم وأبنائهم، وهي بَعْدُ متناوِلَةٌ كلَّ كافرٍ، والوَقُود : بفتحِ الواوِ كلُّ ما يحترق في النار من حَطَبٍ ونحوه، والدَّأْبُ، والدَّأَبُ، بسكون الهمزة وفتحها مصدرُ دَأَبَ يَدْأَبُ، إذا لازم فعل شيءٍ، ودام عليه مجتهداً فيه، ويقال للعادة دَأْبٌ، والمعنى في الآية : تشبيهُ هؤلاء في لزومهم الكُفْر، ودوامِهِم عليه، بأولئك المتقدِّمين، وآخر الآية يقتضي الوعيدَ بأنْ يصيب هؤلاءِ ما أصَابَ أولئك.

### الآية 3:11

> ﻿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ [3:11]

قوله : كَدَأْبِ \[ آل عمران : ١١ \] الكاف في موضعِ رفعٍ، والتقدير : دَأْبُهُمْ كَدَأْبِ، والضمير في  قَبْلِهِمْ  عائد على  آلِ فِرْعَوْنَ ، ويحتمل : على معاصري رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم من الكفار. 
وقوله : كَذَّبُواْ بآياتنا  يحتمل : أنْ يريد المتلوَّة، ويحتمل أن يريد العلاماتِ المنصوبَةَ.

### الآية 3:12

> ﻿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [3:12]

وقوله تعالى : قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ. . .  \[ آل عمران : ١٢ \]. 
اختلف في تعيين هؤلاءِ الذين أمِرَ صلى الله عليه وسلم بالقَوْل لهم :
فقيل : هم جميعُ معاصريه، أمر أنْ يقول لهم هذا الذي فيه إعلامٌ بغَيْب، فوقع بحَمْدِ اللَّه، كذلك، فغُلِبُوا، وصار مَنْ مات منهم على الكُفْرِ إلى جهنم. 
وتظاهرتْ رواياتٌ عن ابن عبَّاس وغيره، " بأنَّ المراد يهودُ المدينةِ، لما قَدِمَ رسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم من غزوة بَدْرٍ جمعهم، وقال :( يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَسْلِمُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَ قُرَيْشاً )، فقالوا : يَا مُحَمَّدُ، لاَ تَغُرَّنَّكَ نَفْسُكَ أَنْ قَتَلْتَ نَفَراً مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا أَغْمَاراً لاَ يَعْرِفُونَ القِتَالَ، إِنَّكَ لَوْ قَاتَلْتَنَا، لَعَرَفْتَ أَنَّا نحْنُ النَّاسُ "، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ، والحَشْر : الجمْعُ والإِحضار. 
وقوله تعالى : وَبِئْسَ المهاد  يعني : جهنَّم، هذا ظاهر الآية، وقال مجاهدٌ : المعنى : بِئْسَ ما مهدوا لأنفسهم. 
قال ( ع ) : فكان المعنى : وبئس فعْلُهُم الذي أدَّاهم إِلى جهنَّم.

### الآية 3:13

> ﻿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ۚ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ [3:13]

وقوله تعالى : قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ. . .  \[ آل عمران : ١٣ \]. 
الآية تحتملُ أنْ يخاطب بها المؤمنون، تثبيتاً لنفوسهم، وتشجيعاً لها، وأن يُخَاطَبَ بها جميعُ الكُفَّار، وأنْ يخاطب بها يهودُ المدينةِ، وبكلِّ احتمال منْها قد قال قومٌ، وقرئ شاذًّا :( تَروْنَهُمْ ) بضم التاء، فكأن معناها أنَّ اعتقادَ التضْعيف في جَمْعِ الكفَّار، إنما كان تخميناً وظَنًّا لا يقيناً، وذلك أنَّ أُرى، بضم الهمزة : تقولها فيما بَقِيَ عندك فيه نَظَرٌ، وأرى بفتح الهمزةِ : تقولها في ما قد صَحَّ نظرك فيه، ونحا هذا المنحى أبو الفَتْحِ وهو صحيحٌ، والمراد بالفئتَيْنِ : جماعةُ المؤمنين، وجماعةُ الكفَّار ببَدْرٍ. 
قال ( ع ) : ولا خلاف أن الإِشارة بهاتين الفئَتَيْنِ هي إِلى يوم بدر، و يُؤَيِّدُ  : معناه يُقَوِّي، من **«الأَيْد »**، وهو القُوَّة.

### الآية 3:14

> ﻿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [3:14]

وقوله تعالى : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات. . .  \[ آل عمران : ١٤ \]. 
هذه الآيةُ ابتداءُ وعظٍ لجميع الناس، وفي ضمن ذلك توبيخٌ، والشهواتُ ذميمةٌ، واتباعها مُرْدٍ، وطاعتها مَهْلَكَةٌ، وقد قال صلى الله عليه وسلم :( حُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ )، فَحَسْبُكَ أَنَّ النَّارَ حُفَّتْ بِهَا، فمَنْ واقعها، خلص إِلى النَّار. 
قلْتُ : وقد جاءت أحاديثٌ كثيرةٌ في التزْهِيدِ في الدنيا، ذكَرْنا من صحيحها وحَسَنِهَا في هذا المُخْتَصَرِ جملةً صالحةً لا توجد في غيره من التَّفَاسير، فعلَيْكَ بتحصيله فتَطَّلعَ فيه على جواهرَ نفيسةٍ، لا توجَدُ مجموعةً في غيره، كما هي بحَمْدِ اللَّه حاصلةٌ فيه، وكيف لا يكونُ هذا المختصر فائقاً في الحُسْن، وأحاديثه بحَمْد اللَّه مختارةٌ، أكثرها من أصولِ الإسلامِ الستَّةِ : البخاريِّ، ومسلمٍ، وأبي داود، والتِّرمذيِّ والنَّسائِيِّ، وابنِ مَاجَة، فهذه أصول الإِسلام، ثم مِنْ غيرها كصحيح ابن حِبَّانَ، وصحيح الحاكمِ، أعني : المُسْتَدْرَكَ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ، وأَبِي عَوَانَةَ، وابْنِ خُزَيْمَةَ، والدَّارِمِيِّ، وَالمُوَطَّأِ، وغيرِها من المسانيدِ المشهورةِ بيْن أئمَّة الحديثِ، حَسْبما هو معلومٌ في علْمِ الحديث، وقصْدِي من هذا نُصْحُ من اطلع على هذا الكتاب، أنْ يعلم قَدْرَ ما أنعم اللَّه به علَيْه، فإِن التحدُّث بالنعم شُكْر. ولنرجَعْ إلى ما قصدناه من نَقْلِ الأحاديث : روى الترمذيُّ عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( إِنْ أَرَدتِّ اللُّحُوقَ بِي، فَلْيَكْفِيكِ مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبَ، وإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الأَغْنِيَاءِ، وَلاَ تَسْتَخْلِفِي ثَوْباً حتى تَرْقَعِيهِ ) حديث غَرِيبٌ، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم :( إِنَّ البَذَاذَةَ مِنَ الإِيمَانِ )، خرَّجه أبو داود وقد نقله البغويُّ في **«مصابيحه »**، والبَذَاذَةُ : هي رث الهَيْئَة. اه و القَناطير  : جمع قِنْطَارٍ، وهو العُقْدة الكثيرةُ من المال، واختلف النَّاس في تحريرِ حَدِّه، وأصحُّ الأقوالِ فيه : ما رواه أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ :( القِنْطَارُ أَلْفٌ ومِائَتَا أُوقِيَّةٍ )، لكنَّ القنْطارَ على هذا يختلفُ باختلاف البلادِ، في قَدْر الأَوقِيَّةِ. 
وقوله : المقنطرة ، قال الطبريُّ : معناه المُضَعَّفة، وقال الربيعُ : المالُ الكثيرُ بعْضُه على بعض. 
( ص ) : المقنطرة  : مُفَعْلَلَة، أو مُفَنْعَلَة، مِن القِنْطَار، ومعناه : المجتمعة. 
( م ) : أبو البقاء، و مِنَ الذهب  : في موضعِ الحالِ من  المقنطرة  اه. 
وقوله : المسومة  : قال مجاهدٌ : معناه المُطَهَّمة الحِسَان، وقال ابن عبَّاس، وغيره : معناه الراعيَةُ، وقيل : المُعَدَّة،  والأنعام  : الأصنافُ الأربعةُ : الإِبلُ، والبَقَرُ، والضَّأْنُ، والمَعْز. 
( ص ) : و( الأنعامُ ) واحدُها نَعَمٌ، والنَّعَمُ : الإِبل فقَطْ، وإِذا جُمِعَ، انطق على الإِبلِ، والبقرِ، والغنمِ اه. 
 والحرث  : هنا اسمٌ لكلِّ ما يُحْرَثُ من حَبٍّ، وغيره، و( المَتَاعُ ) : ما يستمتعُ به، وينتفعُ مدَّةً مَّا منحصرة،  والمآب  : المَرْجِعُ، فمعنى الآية : تقليلُ أمر الدُّنيا وتحقيرُها، والترغيبُ في حُسْن المَرْجِع إِلى اللَّه تعالى.

### الآية 3:15

> ﻿۞ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَٰلِكُمْ ۚ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [3:15]

وقوله تعالى : قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذلكم. . .  \[ آل عمران : ١٥ \]. 
في هذه الآية تَسْلِيَةٌ عن الدنيا، وتقويةٌ لنفوسِ تاركيها، ذَكَر تعالى حالَ الدُّنْيا، وكَيْف استقر تزيينُ شهواتها، ثم جاء بالإِنباءِ بخَيْرٍ من ذلك، هَازًّا للنفُوس، وجامعاً لها، لتَسْمَعَ هذا النبأَ المستغْرَبَ النافعَ لِمَنْ عقل، وأُنَبِّئ : معناه : أُخْبِرُ. 
وقوله تعالى : ورضوان مِّنَ الله ، الرِّضْوَانُ : مصدر مِنْ رَضِيَ، وفي الحديث الصحيحِ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم :( أنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ، إذا استقروا فِيهَا، وَحَصَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ، وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ، قَالَ اللَّهُ لَهُمْ : أَتُرِيدُونَ أنْ أُعْطِيَكُمْ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا ؟ قَالُوا : يَا رَبَّنَا، وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي، فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ أَبَداً ) هذا سياقُ الحديثِ، وقد يجيءُ مختلِفَ الألفاظِ، والمعنى قريبٌ بعضُه من بعض، قال الفَخْر : وذلك أن معرفة أهْلِ الجَنَّة، مع هذا النعيم المقيم بأنَّه تعالى راضٍ عنهم، مُثْنٍ عليهم، أزيدُ عليهم في إِيجابِ السُّرور، اه. 
وباقي الآية بيِّن، وقد تقدَّم في سورة البقرة بيانُهُ.

### الآية 3:16

> ﻿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [3:16]

وقوله تعالى : الذين يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فاغفر لَنَا ذُنُوبَنَا \[ آل عمران : ١٦ \]. 
( الَّذِينَ ) : بدلٌ من ( الَّذِينَ اتقوا )، وفسر سبحانه في هذه الآية أحوال المتقين الموعودِينَ بالجَنَّات.

### الآية 3:17

> ﻿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ [3:17]

الصابرين والصادقين والقانيتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار \[ آل عمران : ١٧ \]. 
والصَّبْرُ، في هذه الآية : معناه : على الطَّاعاتِ، وعن المعاصي والشهواتِ، والصِّدْقُ : معناه : في الأقوالِ والأفعالِ، والقُنُوتُ : الطاعةُ والدعاءُ أيضاً، وبكلِّ ذلك يتصف المتَّقِي، والإِنْفَاقُ : معناه : في سبِيلِ اللَّه، ومَظَانِّ الأجر، والاِستغفارُ : طلبُ المَغْفرة من اللَّه سبحانه، وخصَّ تعالى السَّحَر، لما فيه من الفَضْل، حسْبَما وَرَدَ فيه مِنْ صحيحِ الأحاديثِ، كحديث النُّزُول :( هَلْ مِنْ دَاعٍ، فَأَسْتجِيبَ لَهُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ، فَأَغْفِرَ لَهُ ) إِلى غير ذلك ممَّا ورد في فَضْله. 
قلت : تنبيهٌ قال القرطبيُّ في **«تذكرته »** : وقد جاء حديثُ النزولِ مفسَّراً مبيَّناً في ما خرَّجه النسائِيُّ عن أبي هُرَيْرة، وأبي سَعِيدٍ، قَالاَ : قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم :( إِنَّ اللَّهَ ( عَزَّ وَجَلَّ ) يُمْهِلُ حتى يَمْضِيَ شَطْرُ اللَّيْلِ الأَوَّل، ثُمَّ يَأْمُرُ مُنَادِياً يَقُولُ : هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ، هَلْ مِنْ سَائِلٍ يعطى )، صحَّحه أبو محمَّد عبْدُ الحقِّ، اه. 
وخرَّج أبو بكرِ بْنُ الخَطِيبِ بسنده، عن عبد الرحمن بْنِ عَوْفٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( إِنَّ نُزُولَ اللَّهِ تعالى إِلَى الشَّيْءِ إِقْبَالُهُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نُزُولٍ ) اه. 
والسَّحَر آخرُ الليل، قال نافِعٌ :" كان ابْنُ عُمَرَ يُحْيِي الليْلَ صلاةً، ثم يقولُ : يا نَافِعُ، أسْحَرْنَا ؟، فأقول : لاَ، فَيُعَاوِدُ الصَّلاة، ثم يسأل، فَإِذا قُلْتُ : نَعَمْ، قَعَدَ يَسْتَغْفِرُ. 
قال ( ع ) : وحقيقةُ السَّحَرِ في هذه الأحكامِ الشرعيَّة من الاستغفار المحمودِ، وسُحُورِ الصَّائِمِ، ومِنْ يَمِين لَوْ وَقَعَتْ، إنما هي مِنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ الآخر إِلى الفَجْر.

### الآية 3:18

> ﻿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [3:18]

وقوله تعالى : شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ. . .  \[ آل عمران : ١٨ \]. 
معنى : شَهِدَ الله  أعلم عباده بهذا الأمْر الحَقِّ. 
وقال ( ص ) : شَهِدَ ، بمعنى عَلِمَ أو قضى، أوْ حَكَم، أو بَيَّن، وهي أقوال اه. 
وأسند أبو عُمَرَ بْنُ عبدِ البَرِّ في كتاب **«فَضْلِ العِلْمِ »** عن غالبٍ القَطَّان، قَالَ : كُنْتُ أختلِفُ إِلى الأَعْمَشِ، فرأيته ليلةً قَامَ يتهجَّد من الليل، وقرأ بهذه الآية : شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم قَائِمَاً بالقسط لاَ إله إِلاَّ هُوَ العزيز الحكيم إِنَّ الدّينَ عِندَ الله الإسلام  قال الأعمش : وأنا أشْهَدُ بما شَهِدَ اللَّه به، وأسْتَوْدِعُ اللَّهَ هذه الشهادةَ، فقلْتُ للأعمش : إِني سمعتُكَ تقرأُ هذه الآية تردِّدها، فما بَلَغَكَ فيها ؟ قال : حدَّثني أبو وَائِلٍ، عن ابنِ مَسْعُودٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ :( يُجَاءُ بِصَاحِبِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : عَبْدِي عهدَ إلَيَّ، وَأَنَا أَحَقُّ مِنْ وفى بِالعَهْدِ، أدْخِلُوا عَبْدِي الجَنَّةَ ) اه. 
وقرأ جميعُ القرَّاء ( أَنَّهُ )، بفتح الهمزةِ، وبكَسْرها، من قوله : إِنَّ الدِّينَ  على استئناف الكلامِ، وقرأ الكِسَائيُّ وحْده :( أَنَّ الدِّينَ )، بفتح الهمزةِ بَدَلاً من ( أَنَّهُ ) الأولى،  والملائكة وَأُوْلُواْ العلم  : عطْفٌ على اسم الله، قال الفَخْر :" المراد بِأُولِي العِلْمِ هنا : الذينَ عَرَفُوا اللَّه بالدَّلاَلة القطعيَّة، لأن الشهادة، إنما تكونُ مقبولةً، إِذا كان الإِخبار مقروناً بالعلْمِ، وهذا يدلُّ أنَّ هذه الدرجةَ الشريفَةَ لَيْسَتْ إِلا للعلماء بالأُصُولِ ". وتكرَّرت " لا إِله إِلا اللَّه " هنا، وفائدةُ هذا التكرير الإِعلامُ بأنَّ المسلم يجبُ أنْ يكون أَبداً في تكرير هذه الكلمة، فإِنَّ أشرفَ كلمةٍ يذكرها الإِنسان هي هذه الكلمةُ، وإذا كان في أكثر الأوقات مُشْتَغِلاً بذكْرِها وبتكريرها، كان مُشْتَغِلاً بأعظمِ أنواعِ العباداتِ، فكان من التكريرِ في هذه الآيةِ حضُّ العبادِ على تكريرها، اه. 
وصحَّ في البخاريِّ عنه صلى الله عليه وسلم، أنَّهُ قَالَ :( أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ قَالَ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ خَالِصاً مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ )، وروى زيْدُ بن أرْقَم، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنه قال :( مَنْ قَالَ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مُخْلِصاً دَخَلَ الجَنَّةَ، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا إخْلاَصُهَا ؟ قَالَ : أَنْ تَحْجِزَهُ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ )، خرَّجه الترمذيُّ الحَكِيمُ في **«نَوَادِرِ الأُصُولِ »** اه من " التَّذْكرة ". 
و قَائِمَاً  : حالٌ من اسمِهِ تعالى في قوله : شَهِدَ الله ، أو مِنْ قوله : إِلاَّ هُوَ ، و  القسط  : العَدْل.

### الآية 3:19

> ﻿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [3:19]

وقوله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام. . .  \[ آل عمران : ١٩ \]. 
( الدِّينُ ) في هذه الآية : الطاعةُ والمِلَّة، والمعنى : أنَّ الدين المَقْبُول أو النافع هو الإِسلام، و( الإِسلام ) في هذه الآية هو الإِيمانُ والطَّاعات، قاله أبو العالية، وعليه جمهور المتكلِّمين، وحديثُ :
 " بُنِيَ الإِسْلاَمُ على خَمْسٍ "، وحديثُ مَجِيءِ جِبْريلَ يعلِّم النَّاسَ دينَهُمْ، يفسِّر ذلك، ثم أخبر تعالى عن اختلاف أهْلِ الكتابِ بَعْد علمهم بالحقائقِ، وأنه كان بَغْياً وطلباً للدنيا، قاله ابن عُمَر، وغيره، و الذين أُوتُواْ الكتاب  : لفظٌ يعُمُّ اليهودَ والنصارى، لكنَّ الرَّبِيعَ بنَ أنسٍ قال : المرادُ بهذه الآية اليهودُ، اختلفوا بعد مَوْتِ موسى، وبعد مُضِيِّ ثلاثة قرون، وقيل : الآيةُ توبيخٌ لنصارى نَجْرَانَ، وسُرْعَةُ الحسَاب : يحتمل أنْ يراد بها : مَجِيءُ القيامةِ والحِسَابِ، إذ كل آت قريبٌ، ويحتمل أنْ يراد بسُرْعَةِ الحِسَابِ : أنَّ اللَّه تعالى بإِحاطته بكلِّ شَيْءٍ عِلْماً لا يحتاجُ إلى عَدٍّ، ولا فكْرة، قاله مجاهد.

### الآية 3:20

> ﻿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ۗ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا ۖ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [3:20]

وقوله تعالى : فَإنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتبعن. . .  \[ آل عمران : ٢٠ \]. 
الضميرُ في **«حَاجُّوكَ »** لليهودِ، ولنصارى نَجْرَانَ، والمعنى : إنْ جادَلُوك وتعنَّتوا بالأقاويلِ المزوَّرة، والمغالطاتِ، فأسند إلى ما كُلِّفْتَ من الإِيمانِ، والتبليغِ، وعلى اللَّه نَصْرُكَ. 
وقوله : وَجْهِيَ  يحتمل أنْ يراد به المَقْصِدُ، أي : جعلتُ مقصدي للَّه، ويحتمل أنْ يراد به الذاتُ، أي : أَسْلَمْتُ شخْصي وَذاتِي للَّه، وأسلَمْتُ، في هذا الموضعِ بمعنى : دَفَعْتُ، وأمضَيْتُ، وليستْ بمعنى دَخَلْتُ في السِّلْم، لأنَّ تلك لا تتعدى، ( ومَنِ اتبعني ) : في موضع رفعٍ، عطْفاً على الضميرِ في ( أَسْلَمْتُ )، و( الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ )، في هذا الموضعِ : يجمعُ اليهودَ، والنصارى باتفاق والأميُّونَ : الذين لا يكتبون، وهم العَرَبُ في هذه الآيةِ، وقوله : أَسْلَمْتُمْ  : تقريرٌ في ضمنه الأمْرُ، وقال الزَّجَّاج : َأَسْلَمْتُمْ  : تهدُّد، وهو حسن، و البلاغ  : مَصْدَرُ بَلَغَ، بتخفيف عَيْنِ الفعل. 
وفي قوله تعالى : والله بَصِيرٌ بالعباد  وعدٌ للمؤمنين، ووعيد للكافرين.

### الآية 3:21

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [3:21]

وقوله تعالى : إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بآيات الله. . .  \[ آل عمران : ٢١ \]
هذه الآيةُ نزلَتْ في اليهودِ والنصارى، وتعمُّ كلَّ من كان بهذه الحال، وفيها توبيخٌ للمعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، روى أبو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم :( أَنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ قَتَلُوا ثَلاَثَةً وَأَرْبَعِينَ نَبِيًّا، فاجتمع مِنْ عُبَّادِهِمْ وأَحْبَارِهِمْ مِائَةٌ وعِشْرُونَ، لِيُغَيِّرُوا المُنْكَرَ، وَيُنْكِرُوا، فَقُتِلُوا جَمِيعاً، كُلُّ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ) وذَلِكَ معنى قَوْلِهِ تعالى : وَيَقْتُلُونَ الذين يَأْمُرُونَ بالقسط مِنَ الناس .

### الآية 3:22

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [3:22]

و حَبِطَتْ  : معناه : بَطَلَتْ.

### الآية 3:23

> ﻿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ [3:23]

وقوله تعالى : أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الكتاب يُدْعَوْنَ إلى كتاب الله. . .  \[ آل عمران : ٢٣ \]. 
قال ابن عبَّاس : نزَلَتْ هذه الآيةُ بسبب أنَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم دخَلَ بيْتَ المِدْرَاسِ على جماعةٍ من يَهُود، فدعاهمْ إِلى اللَّه تعالى، فقال له نُعَيْمُ بْنُ عَمْرٍو، والحَارِثُ بْنُ زَيْدٍ : على أَيِّ دِينٍ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ ؟ فقالَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم : أَنا على مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ صلى الله عليه وسلم، فَقَالا : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ يَهُودِيًّا، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : فَهَلُمُّوا إِلَى التَّوْرَاةِ، فَهِيَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، فَأَبَيَا عَلَيْهِ، وَنَزَلَتِ الآيةُ. 
قال ( ع ) : فالكتابُ، في قوله : مِّنَ الكتاب  : اسمُ جنس، و( الكتابُ )، في قوله : إلى كتاب الله  هو التوراةُ، وقال قتادةُ وابنُ جُرَيْجٍ : هو القرآن، ورجَّح الطبريُّ الأولَ.

### الآية 3:24

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ۖ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [3:24]

وقوله تعالى : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ \[ آل عمران : ٢٤ \]. 
الإشارة فيه إٍلى التولِّي والإِعراض، أي : إِنما تولَّوْا، وأعرضوا، لاغترارهم بأقوالهم، وافترائهم.

### الآية 3:25

> ﻿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [3:25]

قال تعالى خطاباً لنبيِّه محمَّد صلى الله عليه وسلم، وأمته، على جهة التوقيفِ والتعجيب : فكيف حالُ هؤلاءِ المغترِّين بالأباطيل، إِذا حشروا يوم القيامة ؟ واضمحلت تلك الزخارفُ، والدعاوي، وجوَّزوا بما اكتسبوه مِنْ كفرهم، وأعمالهم القبيحة، قال ابن عطيَّة : والصحيحُ في يوم القيامةِ أنَّه يَوْمٌ، لأنَّ قبله ليلةٌ، وفيه شَمْسٌ، وقال النقَّاش : المراد باليَوْمِ الوقْتُ.

### الآية 3:26

> ﻿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [3:26]

وقوله تعالى : قُلِ اللهم مالك الملك. . .  \[ آل عمران : ٢٦ \]. 
هو سبحانه وتعالى مالكُ الملكِ كلِّه مطلقاً في جميع أنواعه، وأشرفُ ملكٍ يؤتيه عباده سعادةُ الآخرة، رُوِيَ أنَّ الآية نزلَتْ بسبب أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بشَّر أُمَّتَه بفتح مُلْك فارس وغيره، فقالَتِ اليهودُ والمنافقُونَ : هَيْهَاتَ، وكذَّبوا بذلك. 
ومذهب البصريِّين أن الأصل في ( اللَّهُمَّ ) : يَا أَللَّهُ، فعوِّض من ياء النداءِ ميماً مشدَّدة. 
و مالك  : نصْبٌ على النداء، وخص تعالى الخَيْر بالذكْر، وهو تعالى بيده كلُّ شيء، إِذ الآية في معنى دعاء ورغبة، فكأنَّ المعنى :( بِيَدِكَ الخَيْرُ ) فأجزِلْ حظِّي منه، قال النوويُّ : ورُوِّينَا في كتاب **«التِّرْمذيِّ »** وغيره، عن عُمَرَ بْنِ الخَطَّاب ( رضي اللَّه عنه )، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( مَنْ دَخَلَ السُّوقَ، فَقَالَ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّه وَحْده لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ، وهو على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ، وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ ) ورواه الحاكمُ أبو عبد اللَّه في المُسْتَدْرَكِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ، من طرق كثيرةٍ، وزاد فيه في بعْضِ طرقه :( وبنى لَهُ بَيْتاً فِي الجَنَّةِ ) قال الحاكمُ : وفي البابِ، عن جابرٍ، وأبي هريرة، وبُرَيْدَة الأسلميِّ، اه من **«الحلية »**.

### الآية 3:27

> ﻿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [3:27]

وقال ابن عبَّاس، وغيره في معنى قوله تعالى : تُولِجُ الليل فِي النهار \[ آل عمران : ٢٧ \]. 
إنه ما ينتقصُ من النهار، فيزيد في الليل، وما ينتقصُ من الليلِ، فيزيدُ في النَّهار، دَأَباً كلَّ فَصْلٍ من السنة، وتحتملُ ألفاظُ الآية أنْ يدخل فيها تعاقُبُ الليلِ والنهارِ، كأن زوالَ أحدهما وُلُوجٌ في الآخر. 
واختلف في معنى قوله تعالى : وَتُخْرِجُ الحي مِنَ الميت. . .  الآيةَ
فقال الحسَنُ : معناهُ يُخْرِجُ المؤمِنَ من الكافر، والكافِرَ من المؤمن، وروي نحْوَه، عن سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ، وروى الزُّهْرِيُّ، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، لمَّا سَمِعَ نَغْمَةَ خَالِدَةَ بِنْتِ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، فَقَالَ :( مَنْ هَذِهِ ؟ ) فأُخْبِرَ بِهَا، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم :( سُبْحَانَ الَّذِي يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ) وكَانَتِ امرأة صَالِحَةً، وكَانَ أَبُوهَا كَافِراً، والمرادُ على هذا : موتُ قلبِ الكافرِ، وحياةُ قَلْب المؤمن. 
وذهب جمهورٌ كثيرٌ إِلى أنَّ الحياة والمَوْتَ في الآية حقيقةٌ، لا أنها استعارةٌ، ثم اختلفوا في المُثُلِ التي فسَّروا بها، فقال ابن مسعود : هي النُّطْفة، تخْرُج من الرجُلِ، وهي ميتة، وهو حيٌّ، ويخرج الرجلُ منْها، وهي ميتة، وقال عكرمة : هو إِخراج الدَّجَاجة، وهي حية، مِن البَيْضَة، وهي ميتة، وإِخراج البيضة، وهي ميتة من الدَّجَاجة، وهي حية. 
وروى السُّدِّيُّ، عن أبي مالكٍ، قال : هي الحبَّة تَخْرُجُ من السنبلةِ، والسنبلةُ تخرجُ من الحبَّة، وكذلك النَّوَاة.

### الآية 3:28

> ﻿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [3:28]

وقوله تعالى : لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَاءَ. . .  \[ آل عمران : ٢٨ \]. هذا النهْيُ عن الاِتخاذِ، إِنما هو عن إِظهار اللُّطْفِ للكفَّار، والميلِ إِليهم، فأما أنْ يتخذوا بالقَلْب فلا يفعل ذلك مؤمن، ولفظ الآية عامٌّ في جميع الأعصار، واختلف في سَبَب نزولها، فقال ابنُ عَبَّاس : في كَعْبِ بْنِ الأَشْرَف، وغيره : قد بطنوا بنَفَرٍ من الأنصار، ليفتنُوهم عن دِينِهِمْ، فنزلَتْ في ذلك الآيةُ، وقال قومٌ : نزلَتْ في قصَّة حاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، وكتابِه إلى أهْل مكَّة، والآيةُ عامَّة في جميع هذا. 
وقوله تعالى : فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيْءٍ  معناه : في شيءٍ مَرْضِيٍّ، كقوله صلى الله عليه وسلم :( مَنْ غَشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّا ). ثم أباح سبحانه إِظهار اتخاذهم، بشرط الاِتقاءِ، فأما إِبطانه فلا يصحُّ أن يتصف به مؤمنٌ في حالٍ. 
وقوله تعالى : وَيُحَذِّرُكُمُ الله. . .  إلى آخر الآية : وعيدٌ، وتنبيهٌ، ووعظٌ، وتذكيرٌ بالآخرة. 
وقوله : نَفْسَهُ  نائبةٌ عن **«إيَّاهُ »**، وهذه مخاطبةٌ على معهود ما يفهمه البشَرُ، والنَّفْسُ في مثْلِ هذا راجعٌ إِلى الذاتِ، وفي الكلامِ حذْفُ مضافٍ، لأن التحذير إِنما هو من عقابٍ، وتنكيلٍ، ونحوه، قال ابنُ عَبَّاس، والحسن : ويحذِّركم اللَّه عقابه.

### الآية 3:29

> ﻿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [3:29]

وقوله تعالى : قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ. . .  \[ آل عمران : ٢٩ \]. الضميرُ في ( تُخْفُوا ) هو للمؤمنين الذين نُهُوا عن الكافرين، والمعنى : إِنكم إِن أبطنتم الحرْصَ على إِظهار موالاتهم، فإِن اللَّه يعلم ذلك، وَيَكْرَهُهُ منكم.

### الآية 3:30

> ﻿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [3:30]

قوله تعالى : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً \[ آل عمران : ٣٠ \]. 
قال ابنُ هِشَامٍ في **«المُغْنِي »** :( يَوْم ) نصْبٌ بمحذوفٍ، تقديره : اذكُروا أو احذروا، ولا يصحُّ أنْ يكون ظرفًا ليحذِّركم، كما زعم بعضُهم، لأن التحذير في الدنيا وَقعَ لا في الآخرة، اه. 
وقوله تعالى : وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ ، يحتمل أنْ تكون ( مَا ) معطوفةً على ( مَا ) الأولى، فهي في موضعِ نَصْب، ويكون ( تَوَدُّ ) في موضعِ الحالِ، وإِليه ذهب الطبريُّ وغيره، ويحتملُ أنْ تكون ( مَا ) رُفِعَ بالاِبتدَاء، والخبر في قوله :( تَوَدُّ ) وما بعده، والأَمَدُ : الغايةُ المحْدُودة من المكانِ أو الزَّمَان. 
وقوله تعالى : والله رَءُوفٌ بالعباد  يحتمل أنْ يكون إشارةً إِلى أنَّ تحذيره رأْفَةٌ منه سبحانه بعباده، ويحتملُ أنْ يكونَ ابتداء إِعلام بهذه الصفَةِ، فمقتضى ذلك : التأنيسُ، لئلا يفرطَ الوعيدُ على نَفْس مؤمن، فسبحانه مَا أرحمه بعباده، وعن مَنْصُورِ بْنِ عَمَّار، أنه قال : أعقلُ النَّاس مُحْسِنٌ خَائِفٌ، وأجْهَلُ النَّاسِ مُسِيءٌ آمنٌ، فلما سمع عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوَان منْه هذا الكلامَ، بكى حتى بَلَّ ثيابه، ثم قال له : اتل عَلَيَّ، يا مَنْصُورُ، شَيْئاً منْ كتابِ اللَّهِ، فتلا عليه : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً. . .  الآيَةَ، فَقَالَ عَبْدُ المَلِكِ : قَتَلْتَنِي، يَا مَنْصُورُ، ثُمَّ غُشِيَ عَلَيْهِ، اه.

### الآية 3:31

> ﻿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [3:31]

وقوله تعالى : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعوني. . .  \[ آل عمران : ٣١ \]. 
قال الشيخُ العارفُ باللَّه ابْنُ أبي جَمْرَةَ ( رضي اللَّه عنه ) : مِنْ علامةِ السعادةِ للشخْصِ : أنْ يكون مُعْتَنِياً بمعرفة السُّنَّة في جميعِ تصرُّفاته، والذي يكونُ كذلك هو دائما في عبادة، في كلِّ حركاته وسكناته، وهذا هو طريق أهل الفَضْلِ، حتى حُكِيَ عن بعضهم، أنه لم يأكُلِ البطِّيخَ سنين، لَمَّا لَمْ يبلُغْه كيفيَّةُ السُّنَّة في أَكْله، وكيف لاَ، واللَّه سبحانه يَقُولُ : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعوني يُحْبِبْكُمُ الله  والاِتباعية الكاملةُ إِنما تصحُّ بأنْ تكون عامَّة في كلِّ الأشياء، يعني : إِلا ما خصَّصه به الدليلُ، جعلنا اللَّه من أهْلها في الدَّارَيْن، انتهى. 
قال ( ع ) : قال الحَسَنُ بْنُ أَبِي الحَسَنِ، وابنُ جُرَيْج : إِنَّ قوماً على عهد النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالُوا : يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نُحِبُّ رَبَّنَا، فنزلَتْ هذه الآيةُ، وقيل : أمر صلى الله عليه وسلم أنْ يقولَ هذا القولَ لنصارى نَجْرَان. 
قال ( ع ) : ويحتملُ أنْ تكون الآيةُ عامَّة لأهل الكتاب : اليهود والنصارى، لأنهم كانوا يدَّعُون أنَّهم يحبُّون اللَّه، ويحبهم. 
قال عِيَاضٌ : اعلم أَنَّ مَنْ أَحبَّ شيئاً آثره، وآثر موافقته، وإِلا لم يكن صادقاً في حُبِّه، وكان مدَّعياً، فالصادقُ في حبِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، مَنْ تظهر علاماتُ ذلك عليه، وأولُها الاِقتداءُ به، واتباع سنَّته، واتباع أقوالِهِ وأفعالِهِ، والتأدُّبُ بآدابه في عُسره ويُسْره، قال تعالى : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعوني الآية. 
قال عِيَاضٌ : رُويَ في الحديثِ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّهُ قَالَ :( مَنِ استمسك بِحَدِيثِي، وَفَهِمَهُ وَحَفِظَهُ، جَاءَ مَعَ القُرْآنِ، وَمَنْ تَهَاوَنَ بالقُرْآنِ، وَحَدِيثِيَ، خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ. . . ) الحديثَ، وعن أبي هريرةَ ( رضي اللَّه عنه )، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( المُسْتَمْسِكُ بسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي، لَهُ أَجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ )، وَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ :( عليكُمْ بالسبيلِ والسُّنَّةِ، فإِنه ما على الأرضِ مِنْ عَبْدٍ على السبيل والسُّنَّة، ذَكَر اللَّه في نَفْسِهِ، ففاضَتْ عيناه مِنْ خَشْية ربه، فيعذِّبه اللَّه أبداً، وما على الأرضِ مِنْ عبدٍ على السبيلِ والسُّنَّةِ، ذَكَرَ اللَّه في نَفْسه، فاقشعر جِلْدُهُ مِنْ خَشْية اللَّه، إلا كان مَثَلُهُ كَمَثَلِ شجرة، قَدْ يَبِسَ ورَقُهَا، فهي كَذَلِكَ، إِذ أصابتها ريحٌ شديدةٌ فتحاتَّ عنها ورقُها إِلاَّ حَطَّ اللَّه عنه خَطَايَاهُ، كما تَحَاتَّ عن الشجرة وَرَقُهَا ). الحديث. 
قال عِيَاضٌ : ومن علامات محَبَّته صلى الله عليه وسلم : زُهْدُ مدَّعيها في الدُّنْيا، وإِيثاره الفَقْر، واتصافه به، ففي حديثِ أبي سَعِيدٍ :( إِنَّ الفَقْرَ إلى مَنْ يُحِبُّنِي مِنْكُمْ أَسْرَعُ مِنَ السَّيْلِ مِنْ أَعْلَى الوَادِي، أَوِ الجَبَل إلى أَسْفَلِهِ )، وفي حديثِ عبدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ :( قال رجُلٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم :**«يَا رَسُولَ اللَّهِ، إٍنِّي أُحِبُّكَ، فَقَالَ : انظر مَا تَقُولُ ؟ قَالَ : وَاللَّهِ لأُحِبُّكَ »**، ثَلاَثَ مَرَّات، قَالَ :( إِنْ كُنْتَ تُحِبُّنِي، فَأَعِدَّ لِلفَقْرِ تَجْفَافاً )، ثم ذكر نَحْوَ حديثِ أبِي سَعِيدٍ بمعناه، اه من **«الشِّفَا »**. 
قال ( ع ) : والمحبَّةُ إِرادةٌ يقترنُ بها إِقبالٌ من النَّفْس، ومَيْلٌ بالمعتَقِدِ، وقد تكونُ الإِرادة المجرَّدة فيما يكره المريدُ، واللَّه تعالى يريدُ وقوع الكُفْر، ولا يحبُّه، ومحبَّة العَبْد للَّه تعالى يلزمُ عَنْها ولا بدَّ أنْ يطيعه، ومحبَّةُ اللَّه تعالى أمارتُها للمتأمِّلِ أنْ يُرَى العَبْدُ مَهْدِيًّا مسدِّداً ذا قبولٍ في الأرض، فَلُطْفُ اللَّهِ تعالى بالعَبْدِ ورحمته إِيَّاه هي ثمرةُ محبَّته، وبهذا النظَر يفسَّر لفظُ المَحَبَّةِ، حيثُ وقعَتْ من كتاب اللَّه عَزَّ وجَلَّ.

### الآية 3:32

> ﻿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ۖ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [3:32]

وقوله: نَفْسَهُ: نائبةٌ عن **«إيَّاهُ»**، وهذه مخاطبةٌ على معهود ما يفهمه البشَرُ، والنَّفْسُ في مثْلِ هذا راجعٌ إِلى الذاتِ، وفي الكلامِ حذْفُ مضافٍ لأن التحذير إِنما هو من عقابٍ وتنكيلٍ ونحوه، قال ابنُ عَبَّاس، والحسن: / ويحذِّركم اللَّه عقابه **«١»**.
 وقوله تعالى: قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ... الآية: الضميرُ في **«تُخْفُوا»** هو للمؤمنين الذين نُهُوا عن الكافرين، والمعنى: إِنكم إِن أبطنتم الحرْصَ على إِظهار موالاتهم، فإِن اللَّه يعلم ذلك، وَيَكْرَهُهُ منكم.
 \[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٣٠ الى ٣٢\]
 يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٣٠) قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٣٢)
 وقوله تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً، قال ابنُ هِشَامٍ في **«المُغْنِي»** :**«يَوْم»** : نصْبٌ بمحذوفٍ، تقديره: اذكُروا أو احذروا، ولا يصحُّ أنْ يكون ظرفًا ل **«يحذِّركم»** كما زعم بعضُهم لأن التحذير في الدنيا وَقعَ لا في الآخرة. اهـ.
 وقوله تعالى: وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ، يحتمل أنْ تكون ******«مَا»****** معطوفةً على ******«مَا»****** الأولى، فهي في موضعِ نَصْب، ويكون ****«تَوَدُّ»**** في موضعِ الحالِ، وإِليه ذهب الطبريُّ **«٢»** وغيره، ويحتملُ أنْ تكون ******«مَا»****** رُفِعَ بالاِبتدَاء، والخبر في قوله: ****«تَوَدُّ»****. وما بعده، والأَمَدُ:
 الغايةُ المحْدُودة من المكانِ أو الزَّمَان.
 وقوله تعالى: وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ يحتمل أنْ يكون إشارةً إِلى أنَّ تحذيره رأْفَةٌ منه سبحانه بعباده، ويحتملُ أنْ يكونَ ابتداء إِعلام بهذه الصفَةِ، فمقتضى ذلك: التأنيسُ لئلا يفرطَ الوعيدُ على نَفْس مؤمن، فسبحانه ما أرحمه بعباده!.
 وعن مَنْصُورِ بْنِ عَمَّار **«٣»** أنه قال: أعقلُ النّاس محسن خائف، وأجهل النّاس مسيء

 (١) ذكره ابن عطية (١/ ٤٢٠).
 (٢) ينظر: **«تفسير الطبري»** (٣/ ٢٣٠).
 (٣) منصور بن عمّار بن كثير الواعظ، البليغ الصّالح، الرّبّاني، أبو السّريّ السّلمي، الخراساني، وقيل:
 البصري، كان عديم النظير في الموعظة والتّذكير، روى عن اللّيث، وابن لهيعة، ومعروف الخيّاط، وهقل بن زياد، والمنكدر بن محمد، وبشير بن طلحة وجماعة، ولم يكن بالمتضلّع من الحديث.
 قال أبو حاتم: صاحب مواعظ، ليس بالقوي.
 وقال ابن عدي: حديثه منكر.
 وقال الدّارقطني: يروي عن ضعفاء أحاديث لا يتابع عليها. -

آمنٌ، فلما سمع عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوَان **«١»** منْه هذا الكلامَ بكى حتى بَلَّ ثيابه، ثم قال له:
 اتل عَلَيَّ، يا مَنْصُورُ، شَيْئاً منْ كتابِ اللَّهِ، فتلا عليه: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً... الآيَةَ، فَقَالَ عَبْدُ المَلِكِ: قَتَلْتَنِي، يَا مَنْصُورُ، ثُمَّ غُشِيَ عَلَيْهِ. اهـ.
 وقوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي... الآية: قال الشيخُ العارفُ باللَّه ابْنُ أبي جَمْرَةَ (رضي اللَّه عنه) : مِنْ علامةِ السعادةِ للشخْصِ: أنْ يكون مُعْتَنِياً بمعرفة السُّنَّة في جميعِ تصرُّفاته، والذي يكونُ كذلك هو دائمٌ في عبادة في كلِّ حركاته وسكناته، وهذا هو طريق أهل الفَضْلِ حتى حُكِيَ عن بعضهم أنه لم يأكُلِ البطِّيخَ سنين لَمَّا لَمْ يبلُغْه كيفيَّةُ السُّنَّة في أَكْله، وكيف لاَ، واللَّه سبحانه يَقُولُ: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ والاِتباعية الكاملةُ إِنما تصحُّ بأنْ تكون عامَّة في كلِّ الأشياء، يعني: إِلا ما خصَّصه به الدليلُ، جعلنا اللَّه من أهْلها في الدَّارَيْن. انتهى.
 قال ع **«٢»** : قال الحَسَنُ بْنُ أَبِي الحَسَنِ، وابنُ جريج: إنّ قوما على عهد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نُحِبُّ رَبَّنَا، فنزلَتْ هذه الآية، وقيل: أمر صلّى الله عليه وسلّم أنْ يقولَ هذا القولَ لنصارى نَجْرَان.
 قال ع **«٣»** : ويحتملُ أنْ تكون الآيةُ عامَّة لأهل الكتاب اليهود والنصارى لأنهم كانوا يدَّعُون أنَّهم يحبُّون اللَّه، ويحبهم.
 قال عِيَاضٌ: اعلم أَنَّ مَنْ أَحبَّ شيئاً، آثره، وآثر موافقته، وإِلا لم يكن صادقاً في حُبِّه، وكان مدَّعياً، فالصادق في حبّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، مَنْ تظهر علاماتُ ذلك عليه، وأولُها الاِقتداءُ به، واتباع سنَّته، واتباع أقوالِهِ وأفعالِهِ، والتأدُّبُ بآدابه في عُسره ويُسْره قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي... الآية، قال عياض: روي في الحديث، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: **«مَنِ استمسك بِحَدِيثِي، وَفَهِمَهُ وَحَفِظَهُ، جاء مع القرآن، ومن
\- ينظر: «التاريخ الكبير» (٧/ ٣٥٠)، و **«طبقات الصوفية»** (١٣٠، ١٣٦)، و **«السير»** (٩/ ٩٣- ٩٤)، و **«النجوم الزاهرة»** (٢/ ٢٤٤).
 (١) عبد الملك بن مروان بن الحكم، الأموي، القرشي، أبو الوليد: من أعاظم الخلفاء ودهاتهم، نشأ في **«المدينة»** فقيها واسع العلم، متعبدا، ناسكا، وشهد يوم الدار مع أبيه، نقش خاتمه **«آمنت بالله مخلصا»** توفي ب **«دمشق»** سنة ٨٦ هـ. انظر: **«ابن الأثير»** (٤/ ١٩٨)، و **«الطبري»** (٨/ ٥٦)، و **«الأعلام»** (٤/ ١٦٥).
 (٢) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (١/ ٤٢١- ٤٢٢).
 (٣) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (١/ ٤٢٢).**

تَهَاوَنَ بالقُرْآنِ، وَحَدِيثِيَ، / خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ... » الحديثَ **«١»**، وعن أبي هريرةَ (رضي اللَّه عنه)، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: **«المُسْتَمْسِكُ بسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي، لَهُ أَجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ»** **«٢»**، وَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: **«عليكُمْ بالسبيلِ والسُّنَّةِ، فإِنه ما على الأرضِ من عبد على السبيل والسنة، ذكر الله في نَفْسِهِ، ففاضَتْ عيناه مِنْ خَشْية ربه، فيعذِّبه اللَّه أبداً، وما على الأرضِ مِنْ عبد على السبيل والسنة، ذكر الله في نَفْسه، فاقشعر جِلْدُهُ مِنْ خَشْية اللَّه، إلا كان مَثَلُهُ كَمَثَلِ شجرة، قَدْ يَبِسَ ورَقُهَا، فهي كَذَلِكَ إِذ أصابتها ريحٌ شديدةٌ فتحاتَّ عنها ورقُها إِلاَّ حَطَّ اللَّه عنه خَطَايَاهُ كما تَحَاتَّ عن الشجرة وَرَقُهَا... »** الحديث.
 قال عياض: ومن علامات محبّته صلّى الله عليه وسلّم: زُهْدُ مدَّعيها في الدُّنْيا، وإِيثاره الفَقْر، واتصافه فيه ففي حديثِ أبي سَعِيدٍ: **«إِنَّ الفَقْرَ إلى مَنْ يُحِبُّنِي مِنْكُمْ أَسْرَعُ مِنَ السَّيْلِ مِنْ أَعْلَى الوَادِي، أَوِ الجَبَل إلى أَسْفَلِهِ»** **«٣»**، وفي حديثِ عبدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ **«٤»** :**«قال رجُلٌ للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إٍنِّي أُحِبُّكَ، فَقَالَ: انظر مَا تَقُولُ؟ قَالَ: وَاللَّهِ لأُحِبُّكَ»** ثَلاَثَ مَرَّات قَالَ: **«إِنْ كُنْتَ تُحِبُّنِي، فَأَعِدَّ لِلفَقْرِ تَجْفَافاً»**، ثم ذكر نَحْوَ حديثِ أبِي سَعِيدٍ بمعناه **«٥»** اهـ من **«الشّفا»**.

 (١) ينظر: **«تفسير القرطبي»** (١٨/ ١٧).
 (٢) أخرجه ابن عدي في **«الكامل»** (٢/ ٧٣٩) من طريق الحسن بن قتيبة عن عبد الخالق بن المنذر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعا.
 وذكره الذهبي في **«الميزان»** (١/ ٥١٩) في ترجمة الحسن، وقال: هالك. قال الدارقطني: متروك الحديث، وقال أبو حاتم: ضعيف.
 (٣) أخرجه أحمد (٣/ ٤٢) من حديث أبي سعيد الخدري.
 (٤) هو: عبد الله بن مغفل بن عبد غنم المزني. قال البخاري: له صحبة، سكن ******«البصرة»******، وهو أحد البكائين في غزوة **«تبوك»**، وشهد بيعة الشجرة، ثبت ذلك في الصحيح، وهو أحد العشرة الذين بعثهم عمر ليفقه الناس ب ******«البصرة»******. وهو أول من دخل مدينة **«تستر»** قال ابن الأثير: روى عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أحاديث. وروى عنه: الحسن البصري، وأبو العالية، ومطرف، ويزيد بن عبد الله بن الشخير، وعقبة بن صهبان.. وغيرهم.
 توفي ب ******«البصرة»****** سنة (٥٩ هـ)، وقيل: سنة (٦٠ هـ).
 تنظر ترجمته في: **«الثقات»** (٣/ ٢٣٦)، **«أسد الغابة»** (٣/ ٣٩٨)، **«الاستبصار»** (٢٢٥)، **«الجرح والتعديل»** (٥/ ١٤٩)، **«التحفة اللطيفة»** (٢/ ٢٣)، **«الإصابة»** (٤/ ١٣٢)، **«تقريب التهذيب»** (١/ ٤٥٣)، **«تهذيب التهذيب»** (٦/ ٤٢)، **«بقي بن مخلد»** (٧٥)، **«التاريخ الصغير»** (١/ ١٢٨)، **«التعديل والتجريح»** (٧٧٦)، **«الخلاصة»** (٢/ ١٠٣)، **«الاستيعاب»** (٣، ٤/ ٩٩٦).
 (٥) أخرجه الترمذي (٤/ ٥٧٦- ٥٧٧) كتاب **«الزهد»**، باب ما جاء في فضل الفقر، حديث (٢٣٥٠) من طريق أبي الوازع عن عبد الله بن مغفل به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وأبو الوازع الراسبي اسمه جابر بن عمرو، وهو بصري. [.....]

### الآية 3:33

> ﻿۞ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ [3:33]

وقوله تعالى : إِنَّ الله اصطفى آدَمَ وَنُوحاً. . .  \[ آل عمران : ٣٣ \]. 
لما مضى صدْرٌ مِنْ مُحَاجَّةِ نصارى نَجْرَانَ، والردُّ عليهم، وبيانُ فسادِ ما هُمْ عليه، جاءَتْ هذه الآياتُ مُعْلِمَةً بصورةِ الأمر الذي قد ضَلُّوا فيه، ومُنْبِئَةً عن حقيقته كيف كانَتْ، فبدأ تعالى بذكْرِ فضْل آدم ومَنْ ذُكِرَ بعده، ثم خَصَّ امرأة عِمْرَانَ بالذكْرِ، لأنَّ القصْدَ وصْفُ قصَّة القَوْم إِلى أنْ يبيِّن أمر عيسى ( عليه السلام )، وكيف كان، وانصرف **«نُوحٌ »**، مع عُجْمَتِهِ وتعريفِهِ، لخفَّة الاِسم، كَهُودٍ وَلُوطٍ، قال الفَخْرُ هنا أعلم أنَّ المخلوقاتِ على قسمَيْنِ : مكلَّفٍ، وغيْرِ مكلَّفٍ، واتفقوا على أنَّ المكلَّف أفْضَلُ من غير المكلَّفِ، واتفقوا على أنَّ أصنافَ المكلَّفين أربعةٌ : الملائكةُ، والإِنْسُ، والْجِنُّ، والشَّيَاطِين. 
( ت ) : تأمَّلْه جَعَلَ الشياطين قسيماً للجِنِّ اه. 
و( الآلُ )، في اللغة الأَهْلُ والقَرَابَة، ويقال للأَتْبَاعِ، وأهل الطَّاعة : آل، والآلُ، في الآيةِ : يحتملُ الوجهَيْنِ، فَإِنْ أُريدَ بالآلِ : القَرَابَةُ، فالتقديرُ أنَّ اللَّهَ اصطفى هؤلاءِ على عَالِمِي زمانِهِمْ، أو على العَالَمِينَ جميعاً، بأنْ يقدَّر نبيُّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم من آل إِبراهيم، وإِن أُرِيدَ بالآلِ : الأَتْبَاعُ، فيستقيمُ دُخُول أمَّة نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم في الآلِ، لأنها على ملَّةِ إِبراهيم. و( عِمْرَانُ ) هو رجلٌ من بني إِسرائيل.

### الآية 3:34

> ﻿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [3:34]

وقوله تعالى : ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ \[ آل عمران : ٣٤ \]. 
أي متشابهينَ في الدِّين والحالِ.

### الآية 3:35

> ﻿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [3:35]

وامرأة عِمْرَانَ \[ آل عمران : ٣٥ \] اسمها حَنَّةُ، ومعنى : نَذَرْتُ  جعلْتُ  لكَ ما في بطْنِي محرَّراً  أي : حَبِيساً على خدْمةِ بَيْتِكَ، محرَّراً من كلِّ خدمةً وشُغْلٍ من أشغال الدنيا، والبَيْتُ الذي نَذَرَتْهُ له هو بَيْتُ المَقْدِسِ،  فَتَقَبَّلْ مِنِّي  أي : ارض عَنِّي في ذلِكَ، واجعله فعلاً مقبولاً مُجَازًى به، و السميع  : إِشارةٌ إِلى دعائها، و العليم  : إِشارةٌ إلى نيَّتها.

### الآية 3:36

> ﻿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَىٰ ۖ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [3:36]

وقوله تعالى : فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أنثى والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ \[ آل عمران : ٣٦ \]. 
الوضْعُ : الولادةُ، وقولها : رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أنثى  لفظ خبر في ضِمْنِهِ التحسُّر والتلهُّف، وبيَّن اللَّه ذلك بقوله : والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ، وقولها : وَلَيْسَ الذكر كالأنثى ، تريد في امتناع نَذْرها، إِذ الأنثى تحيضُ ولا تصلُحُ لِصُحْبَة الرُّهْبَان، قاله قتادة وغيره، وبدأَتْ بذكْرِ الأَهَمِّ في نفْسها، وإِلاَّ فسياق قصَّتها يقتضي أنْ تقول : وليس الأنثى كالذَّكَر، وفي قولها : وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ  سنةُ تسميةِ الأطفالِ قُرْبَ الولادةِ، ونحوُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم :( وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ مَوْلُودٌ، فَسَمَّيْتُهُ باسم أَبِي إِبْرَاهِيمَ )، وباقي الآيةِ إعادةٌ، قال النووي : ورُوِّينَا فِي سُنَن أبِي دَاوُدَ، بإسناد جيِّدٍ، عن أبي الدرداء، عن النبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّهُ قَالَ :( إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ بأسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ، فأحْسِنُوا أسْمَاءَكُمْ ) وفي صحيح مُسْلِمٍ، عن ابن عُمَرَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّهُ قَالَ :( إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَبْدُ اللَّهِ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ ) وفي سنن أبِي دَاوُدَ، والنَّسَائِيّ، وغيرِهِمَا، عن أبِي وَهْب الجُشَمِيِّ، قال : قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم :( تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الأَنْبِيَاءِ، وَأَحَبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ تعالى : عبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا : حَارِثٌ، وَهَمَّامٌ، وَأَقْبَحُهَا، حَرْبٌ ومُرَّة ) اه. 
وفي الحديثِ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، مِنْ روايةِ أبي هُرَيْرة، قَالَ :( كُلُّ مَوْلُودٍ مِنْ بَنِي آدَمَ لَهُ طَعْنَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَبِهَا يَسْتَهِلُّ الصَّبِيُّ إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ مَرْيَمَ ابنة عِمْرَانَ، وابنها، فَإِنَّ أُمَّهَا قَالَتْ حِينَ وَضَعْتَها : وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم ، فَضُرِبَ بَيْنَهُمَا حِجَابٌ، فَطَعَنَ الشَّيْطَانُ فِي الحَجابِ، وَقَدِ اختلفت ألفاظُ هذا الحديثِ، والمعنى واحد، كما ذكرته. 
قال النوويُّ : بَاب مَا يُقَالُ عنْد الولادةِ : رُوِّينَا في كتاب ابْنِ السُّنِّيِّ، عن فاطمة ( رضي اللَّه عنها )، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لمَّا دَنَا ولاَدَهَا، أَمَر أُمَّ سَلْمَة، وَزَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، أنْ تَأْتِيَاهَا، فَتَقْرَآ عِنْدَهَا آيَةَ الكُرْسيِّ، و إِنَّ رَبَّكُمُ الله. . .  إلى آخر الآيَةِ، وتُعَوِّذَانِهَا بِالمُعَوِّذَتَيْنِ، انتهى.

### الآية 3:37

> ﻿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [3:37]

وقوله تعالى : فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ \[ آل عمران : ٧ \]. 
إخبار منه سبحانه لمحمَّد صلى الله عليه وسلم، بأنه رَضِيَ مَرْيَمَ لخدمة المَسْجد، كما نذَرَتْ أُمُّهَا، وسنّى لها الأمَلَ في ذلك. 
وقوله سبحانه : وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً  عبارةٌ عن حُسْن النشأة في خِلْقَةٍ وخُلُقٍ. 
( ص )  بِقَبُولٍ  مصدر على غير الصَّدْرِ، والجاري على تَقَبَّلَ تَقَبُّلاً، وعلى قَبِلَ قَبُولاً، و نَبَاتاً  : مصدرٌ منصوبٌ بأَنْبَتَهَا، على غير الصَّدْر، انتهى. 
وقوله تعالى : وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا  معناه : ضمَّها إِلى إِنفاقه وحِضْنِهِ، والكَافِلُ : هو المربِّي، قال السُّدِّيُّ، وغيره : إِنَّ زكريَّا كان زَوْجَ أختها، وَيَعْضُدُ هذا القوْلَ قولُهُ صلى الله عليه وسلم في يحيى وعيسى :( ابنا الخَالَةِ ) والذي عليه النَّاس : أنَّ زكريَّا إنما كفَّلها بالاِستهامِ، لتشاحِّهم حينئذٍ فيمَنْ يكفُلُ المحرَّر. 
وقوله تعالى : كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا  المِحْرَابُ : المَبْنَى الحَسَنُ، ومِحْرَابُ القَصْر : أشرف ما فيه، ولذلك قيل لأَشْرَفِ مَا في المصلى، وهو موقِفُ الإِمامِ : مِحْرَاب، ومعنى  رِزْقاً  أيْ : طعاماً يتغذَّى به، لم يَعْهَدْهُ، ولا عَرفَ كيف جُلِبَ إليها، قال مجاهد وغيره : كان يجدُ عندها فاكهةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ، وفاكهةَ الصَّيْفِ في الشتاءِ، ونحوه عن ابن عَبَّاس إِلاَّ أنه قال : ثِمَار الجَنَّة، وقوله : أنى  معناه : كَيْفَ ؟ ومِنْ أَيْنَ ؟ وقولها : مِنْ عِندِ الله  دليلٌ على أنه ليس مِنْ جَلْب بَشَرٍ، قال الزَّجَّاج : وهذا من الآية الَّتي قال اللَّه تعالى : وجعلناها وابنها ءَايَةً للعالمين  \[ الأنبياء : ٩١ \] وقولها : إِنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ  تقرير لكون ذلك الرزْقِ من عند اللَّه، وذهب الطَّبَرِيُّ إِلى أنَّ ذلك ليس من قولِ مرْيَمَ، وأنَّه خبر من اللَّه تعالى لمحمَّد صلى الله عليه وسلم، واللَّه سبحانه لا تنتقصُ خزائنه، فليس يَحْسُبُ ما خرج منها، وقد يُعَبَّر بهذه العبارة عن المُكْثِرِينَ مِنَ النَّاسِ، أنهم ينفقون بغَيْرِ حِسَابٍ، وذلك مجازٌ وتشبيهٌ، والحقيقةُ هي فيما ينتفقُ من خزائنِ اللَّه سبحانه. 
قال الشيخُ ابْنُ أبي جَمْرَةَ ( رضي اللَّه عنه ) وقد قال العلماءُ في معنى قوله عزَّ وجلَّ : إِنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ  إِنه الفتوحُ، إِذا كان على وجهه اه، ذكر هذا عند شرحه لقوله صلى الله عليه وسلم :( لَوْ دُعِيْتُ إلى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ، لأَجَبْتُ ).

### الآية 3:38

> ﻿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ [3:38]

وقوله تعالى : هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ \[ آل عمران : ٣٨ \]. 
هُنَالِكَ، في كلامِ العربِ : إِشارةٌ إِلى مكانٍ أو زمانٍ فيه بُعْدٌ، ومعنى هذه الآية : أنَّ في الوقْتِ الذي رأى زكريَّاء رزْقَ اللَّهِ لمَرْيَمَ ومكانَتَها مِنَ اللَّه، وفَكَّر في أنَّها جاءَتْ أُمَّها بَعْدَ أَنْ أَسَنَّتْ، وأن اللَّه تعالى تقَبَّلها، وجعَلَها من الصالحاتِ، تحرَّك أملُهُ لطَلَبِ الولدِ، وقَوِيَ رجاؤه، وذلك منْه على حالِ سِنٍّ، وَوَهْنِ عَظْمٍ، واشتعال شَيْب، فدعا ربَّه أنْ يَهَبَ له ذريَّةً طيِّبَةً يرثه، والذُّرِّيَّةُ : اسم جنسٍ، يقع على واحد فصاعدًا، كما أن الوَلَدَ : اسمُ جنسٍ كذلك، و( طَيِّبة ) معناه : سَلِيمَة في الخَلْق، والدِّين تَقِيَّة.

### الآية 3:39

> ﻿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ [3:39]

ثم قال تعالى : فَنَادَتْهُ الملائكة  وتُرِكَ محذوفٌ كثيرٌ دَلَّ علَيْه ما ذُكِرَ، تقديره : فَقَبِلَ اللَّهُ دُعَاءَهُ، وبَعَثَ المَلَكَ، أو الملائكة فنادتْهُ، وذكر جمهورُ المفسِّرين، أنَّ المنادِي إِنما هو جبريلُ، وقال قومٌ : بل نادته ملائكةٌ كثيرةٌ، حسْبما تقتضيه ألفاظ الآيةِ، قلت : وهذا هو الظاهرُ، ولا يعدل عنه إِلا أن يصحَّ في ذلك حديثٌ عنه صلى الله عليه وسلم، فيتَّبَع. 
وقوله تعالى : فَنَادَتْهُ  عبارةٌ تستعملُ في التبشيرِ، وفي ما ينبغي أنْ يسرع به، وينهي إِلى نفس السامعِ، ليسرَّ به، فلم يكُنْ من الملائكةِ إِخباراً على عرف الوحْيِ، بل نداء كما نادَى الرَّجُلُ الأنصاريُّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ مِنْ أعلى الجَبَلِ. 
وقوله تعالى : وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي المحراب . يعني بالمِحْرَابِ، في هذا الموضعِ : موقفَ الإِمامِ من المسجدِ، و( يَحْيَى ) : اسم سمَّاه اللَّه به قَبْلَ أنْ يولَدَ، و مُصَدِّقًا  نصْبٌ على الحال، قال ابنُ عَبَّاس، وغيره :( الكلمةُ ) هنا يرادُ بها عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ. 
قال ( ع ) : وسَمَّى اللَّه تعالى عيسى كلمةً، إِذْ صدر عن كَلِمةٍ منه تعالى، وهي ( كُنْ )، لا بسبب إِنسان. 
وقوله تعالى : وَسَيِّداً  قال قتادة : أيْ : واللَّهِ سَيِّدٌ في الحِلْمِ والعبادةِ، والوَرَعِ. 
قال ( ع ) : مَنْ فَسَّر السؤدد بالحِلْمِ، فقَدْ أحرز أكْثَر معنى السؤددِ، ومَنْ جَرَّد تفسيره بالعِلْمِ، والتقى، ونحوه، فلم يفسِّره بحَسَب كلامِ العربِ، وقد تحصَّل العلْم ليحيى عليه السلام بقوله : مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ الله ، وتحصَّل التقى بباقِي الآية، وخصَّه اللَّه بذكْرِ السؤددِ الذي هو الاعتمال في رِضَا النَّاس على أشْرَفِ الوجوهِ، دون أنْ يوقعِ في باطِل هذا اللفظ يعمُّ السؤددَ، وتفصيلُهُ أن يقالَ : بذل الندى، وهذا هو الكَرَمُ، وكَفُّ الأذى، وهنا هي العفةُ بالفَرْج، واليَدِ وَاللِّسان، واحتمال العظائم، وهنا هو الحِلْمُ، وغيرُهُ، مِنْ تحمُّلِ الغراماتِ والإِنقاذِ من الهَلَكَاتِ، وجَبْرِ الكَسِيرِ، والإفضالِ على المُسْتَرْفد، وانظر قولَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم :( أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَلاَ فَخْرَ )، وذكر حديثَ الشفاعةِ في إِطلاق الموقِفِ، وذلك منه اعتمال في رِضَا ولد آدم. 
ثم قال ( ع ) : إما أنه يحسن بالتقيِّ العَالِمِ أنْ يأخُذَ من السؤدد بكلِّ ما لا يخلُّ بعلمه وتقاه، وهكذا كان يحيى عليه السلام. 
وقوله تعالى : وَحَصُوراً  أصل هذه اللفظة : الحَبْسُ والمَنْعُ، ومنه : حصر العدو. 
قال ( ع ) : وأجمعَ مَنْ يعتدُّ بقوله من المفسِّرين على أنَّ هذه الصفة ليحيى عليه السلام إِنما هي الاِمتناعُ عن وطْءِ النِّسَاءِ، إِلاَّ ما حكى مكِّيٌّ من قول من قَالَ : إِنه الحُصُور عن الذنوب، وذهب بَعْضُ العلماءِ إلى أنَّ حَصْرَهُ كان بأنه يُمْسِكُ نفسه، تُقًى وجَلَداً في طاعة اللَّه سبحانه، وكانتْ به القُدْرة على جِمَاعِ النساءِ، قالوا : وهذه أمْدَحُ له، قال الإِمام الفَخْر : وهذا القولُ هو اختيار المحقِّقين أنه لا يأتِي النِّساء لا للعَجْز، بل للعِصْمَةِ والزُّهْد. 
قلْتُ : قال عِيَاضٌ : اعلم أنَّ ثناء اللَّه تعالى على يحيى عليه السلام، بأنه حَصُورٌ، ليس كما قال بعضْهم : أنه كان هَيُوباً أو لا ذَكَرَ لَهُ، بل قد أنكر هذا حُذَّاق المفسِّرِين، ونُقَّادُ العلماء، وقالوا : هذه نقيصةٌ وعَيْب، ولا تليقُ بالأنبياء عليهم السلام، وإِنما معناه : معصومٌ من الذُّنُوب، أي : لا يأتيها، كأنه حُصِرَ عنها، وقيل : مانعاً نفسه من الشهوات، وقيل : ليستْ له شهوةٌ في النساءِ، كفَايَةً من اللَّه له، لكونها مَشْغَلَةً في كثير من الأوقات، حاطَّة إِلى الدنيا، ثم هي في حَقِّ مَنْ أُقْدِرَ عَلَيْها، وقام بالواجب فيها، ولم تَشْغَلْهُ عن ربِّهِ درجةٌ عُلْيَا، وهي درجةُ نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، أيْ : وسائرِ النبيِّين، اه من **«الشِّفَا »** وباقي الآية بيِّن. 
ورُوِيَ مِنْ صلاحه -عليه السلام-، أنَّهُ كان يعيشُ من العُشْب، وأنه كان كثير البُكَاء من خَشْية اللَّه، حتى اتخذ الدمْعُ في وَجْهه أخدودًا. 
( ص ) : مِّنَ الصالحين ، أي : من أصلاب الأنبياء، أو صالحاً من الصَّالحين، فيكون صفةً لموصوفٍ محذوفٍ، اه. 
قلت : والثاني أحْسَنُ، والأولُ تحصيلُ الحاصلِ، فتأمَّله.

### الآية 3:40

> ﻿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [3:40]

وقوله تعالى : قَالَ رَبِّ أنى يَكُونُ لِي غلام وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر  \[ آل عمران : ٤٠ \]. 
ذهب الطَّبَرِيُّ، وغيره إِلي أنَّ زكريَّا لَمَّا رأى حال نَفْسه، وحال امرأته، وأنها ليستْ بحالِ نسلٍ، سأل عن الوَجْه الذي به يكونُ الغلامُ، أتبدلُ المرأةُ خِلْقَتَهَا أمْ كيْفَ يكُون ؟
قال ( ع ) : وهذا تأويلٌ حسن لائقٌ بزكريَّاء عليه السلام. 
وَ أنى  : معناه كَيْفَ ؟ ومِنْ أَيْنَ ؟ وحسن في الآية  بَلَغَنِي الكبر ، من حيثُ هي عبارةُ وَاهِنٍ منفعلٍ. 
وقوله : كذلك ، أي : كهذه القُدْرةِ المستغْرَبَةِ قُدْرَةُ اللَّهِ، ويحتمل أن تكون الإِشارة بذلك إلى حال زكريَّا، وحالِ امرأتِهِ، كأنه قال : رَبِّ، على أيِّ وجه يكونُ لنا غلامٌ، ونحن بحالِ كذا ؟ فقال له : كما أَنْتُمَا يكونُ لكُمَا الغلامُ، والكلامُ تامٌّ، على هذا التأويل في قوله : كذلك . 
وقوله : الله يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ  جملةٌ مبيّنة مقرِّرة في النفْسِ وقوعَ هذا الأمْر المستغْرَبِ.

### الآية 3:41

> ﻿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ۖ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ۗ وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ [3:41]

وقوله : قَالَ رَبِّ اجعل لِّي آيَةً \[ آل عمران : ٤١ \]. 
أي : علامة، قالَتْ فرقة من المفسِّرين : لم يكنْ هذا من زكريَّا على جهة الشكِّ، وإِنما سأل علامةً على وَقْت الحَمْلِ. 
وقوله تعالى : آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ الناس. . .  \[ آل عمران : ٤١ \]. 
قال الطبريُّ، وغيره : لم يكُنْ منعه الكلامَ لآفة، ولكنه مُنِعَ محاورةَ النَّاس، وكان يَقْدِرُ على ذكر اللَّه، ثم استثنى الرَّمْز وهو استثناءٌ مُنْقَطِعٌ، والكلام المرادُ في الآية : إِنما هو النطْقُ باللِّسَان، لا الإِعلام بما في النَّفْس، والرَّمْزُ في اللغة : حركةٌ تُعْلِمُ بما في نَفْسِ الرَّامِزِ، كانت الحركةُ من عَيْنٍ، أو حاجبٍ، أو شَفَةٍ، أو يدٍ، أو عُودٍ، أو غيرِ ذلك، وقد قيل للكَلاَمِ المحرَّف عن ظاهره : رُمُوز. 
وأَمَرَهُ تعالى بالذِّكْر لربه كثيراً، لأنه لم يَحُلْ بينه وبين ذكْر اللَّه، وهذا قاضٍ بأنه لم تدركْهُ آفَةٌ ولا علَّة في لسانِهِ. 
قال محمَّد بن كَعْبٍ القُرَظِيّ : لو كان اللَّه رخَّصَ لأحدٍ في ترك الذِّكْر، لرخَّص لزكريَّاء عليه السلام، حيث قال : آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ الناس ثلاثة أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً ، لكنه قال له : واذكر رَّبَّكَ كَثِيراً \[ آل عمران : ٤١ \]، قال الإِمام الفَخْر : وفي الآية تأويلان :
أحدهما : أنَّ اللَّه تعالى حبس لسانه عن أمور الدنيا، وأقدره علَى الذِّكْر والتَّسْبيحِ والتهليلِ، ليكون في تلك المدَّة مشتغلاً بذكْرِ اللَّه وطاعته، شُكْراً للَّه على هذه النِّعْمة، ثم أعلم أنَّ هذه الواقعة كانَتْ مشتملةً علَى المُعْجِزِ من وجوه :
أحدها : أنَّ قدرته على الذكْرِ والتَّسبيحِ، وعَجْزَه عن التكلُّم بأمور الدنْيَا من المُعْجِزَات، 
وثانيها : أنَّ حصولَ ذلك العَجْز مع صِحَّة البِيْنَةِ من المعجزاتِ. 
وثالثها : أن إِخباره بأنه متى حصلَتْ تلْكَ الحالةُ، فقَدْ حصل الولد، ثم إِنَّ الأمر خرج على وفَقْ هذا الخبرِ يكون أيضاً من المعجزات. 
والتأويل الثَّاني : أن المراد منه الذكْر بالقَلْب، وذلك لأن المستغْرِقِينَ في بِحَارِ معرفة اللَّه تعالى عادتهم في أوَّل الأمر أنْ يواظِبُوا على الذكْرِ اللِّسَانِيِّ مدةً، فإِذا امتلأ القَلْبُ من نُور ذِكْرِ اللَّه تعالى، سكَتُوا باللِّسَان، وبقي الذِّكْرُ في القَلْب، ولذلك قالوا : مَنْ عَرَفَ اللَّه، كَلَّ لِسَانُهُ، فكان زكريَّاء عليه السلام أمر بالسُّكُوت باللِّسَان، واستحضار معانِي الذكْرِ والمعرفةِ، واستدامتها بالقَلْب اه. 
وقوله تعالى : وَسَبِّحْ  معناه : قلْ سُبْحَانَ اللَّهِ، وقال قومٌ : معناه صَلِّ، والأول أصوبُ، لأنه يناسب الذكْرَ، ويستغربُ مع امتناع الكلام مع النَّاسِ، و( العَشِيُّ ) في اللغة : من زوالِ الشَّمْسِ إِلى مغيبها، و( الإِبْكَارُ ) مصدرُ أَبْكَرَ الرَّجُلُ، إِذا بادر أمْرَهُ من لَدُنْ طلوع الفجر إِلى طلوع الشمْسِ، وتتمادَى البُكْرَة شَيْئاً بعد طلوع الشمس، يقال : أَبْكَرَ الرجُلُ، وَبَكَّرَ.

### الآية 3:42

> ﻿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ [3:42]

وقوله تعالى : وَإِذْ قَالَتِ الملائكة \[ آل عمران : ٤٢ \]. 
العامل في ( إِذْ ) : اذكر، لأن هذه الآياتِ كلَّها إِنما هي إِخبارات بغَيْبٍ تدلُّ على نبوَّة نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، مَقْصِدُ ذِكْرها هو الأظهر في حِفْظِ رَوْنَقِ الكلام. 
و اصطفاك  : معناه تَخَيَّرَكِ لطاعته، و طَهَّرَكِ  معناه : من كُلِّ ما يَصِمُ النساء في خَلْقٍ، أو خُلُقٍ، أو دِينٍ، قاله مجاهد وغيره، وقولُ الزَّجَّاجِ : قد جاء في التفْسير، أنَّ معناه : طَهَّرك من الحَيْض والنفاسِ، يحتاج إِلى سند قويٍّ، وما أحفظُه، و العالمين  يحتملُ عَالَمَ زَمانها. 
قال ( ع ) : وسائغ أنْ يتأوَّل عموم الاِصطفاء على العَالَمِينَ، وقد قال بعضُ الناس : إِن مريم نَبِيَّةٌ من أَجْلِ مخاطَبَةِ الملائكةِ لها، وجمهورُ النَّاسِ على أنها لم تُنَبِّأ امرأة.

### الآية 3:43

> ﻿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [3:43]

و  اقنتي  معناه : اعبدي، وأَطِيعِي، قاله الحَسَن وغيره، ويحتمل أنْ يكون معناه : أطِيلِي القيامَ في الصَّلاة، وهذا هو قولُ الجمهورِ، وهو المناسبُ في المعنى لقوله : واسجدي  وروى مجاهدٌ، أنها لما خوطِبَتْ بهذا، قامَتْ حتى وَرِمَتْ قَدَماها، وروى الأوزاعيُّ : حتى سَالَ الدَّمُ والقَيْحُ من قَدَمَيْهَا، وروي أنَّ الطَّيْرَ كَانَتْ، تنزلُ على رَأْسِهَا تظُنُّها جَمَاداً، واختلف المتأوِّلون، لِمَ قُدِّمَ السُّجودُ على الركوع ؟ فقال قوم : كان ذلك في شرِعِهِمْ، والقول عنْدي في ذلك : أنَّ مريم أُمِرَتْ بفَصْلَيْنِ ومَعْلَمَيْنِ مِن مَعَالِمِ الصلاة، وهما طُولُ القيامِ، والسُّجُودُ، وخُصَّا بالذكْرِ لشرفهما، وهذانِ يَخْتَصَّان بصلاتها مفْرَدةً، وإِلاَّ فمن يصلِّي وراء إِمامٍ، فليس يقال له : أَطِلْ قِيَامَكَ، ثم أمرتْ بعدُ بالصَّلاة في الجماعةِ، فقيل لها : واركعي مَعَ الراكعين ، وقُصِدَ هنا مَعْلَمٌ آخر من مَعَالِمِ الصلاةِ لئلاَّ يتكرَّر اللفظ، ولم يرد في الآية الركوع والسجود الذي هو منتظمٌ في ركْعَةٍ واحدةٍ، واللَّه أعلم. 
وقال ( ص ) : قوله : واركعي ، الواو : لا ترتّب، فلا يسأل لِمَ قُدِّم السجود، إِلا من جهة علْمِ البيانِ، وجوابه أنه قدّم، لأنه أقربُ ما يكونُ العَبْدُ فيه مِنْ ربِّه، فكان أشْرَفَ، وقيل : كان مقدَّماً في شرعهم. اه.

### الآية 3:44

> ﻿ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [3:44]

وقوله تعالى : ذلك مِنْ أَنبَاءِ الغيب نُوحِيهِ إِلَيْكَ. . .  \[ آل عمران : ٤٤ \]. 
هذه المخاطبةُ لنبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، والإِشارة بذلك إِلى ما تقدَّم ذكْرُهُ من القصصِ، و( الأنباء ) : الأخبار، و( الغَيْبُ ) : ما غَاب عن مدارك الإِنسان، و( نُوحِيهِ ) معناه : نُلْقِيهِ في نَفْسِك في خفاءٍ، وَحَدُّ الوَحْيِِ : إِلقاء المعنى في النَّفْس في خفاءٍ، فمنه بالمَلَكِ، ومنه بالإِلهام، ومنه بالإِشارة، ومنه بالكِتَابِ، وفي هذه الآية بيانٌ لنبوَّة نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، إِذ جاءهم بغُيُوب لا يعلمها إِلا مَنْ شاهدها، وهو لَمْ يَكُنْ لديهم، أوْ مَنْ قرأها في كتبهم، وهو صلى الله عليه وسلم أُمِّيٌّ من قومٍ أُمِّيِّينَ، أوْ : من أعلمه اللَّه بها، وهو ذاك صلى الله عليه وسلم، و لَدَيْهِمْ  معناه : عندهم ومَعَهُمْ. 
وقوله : إِذْ يُلْقُون أقلامهم. . .  الآية، جمهورُ العلماء على أنه استهام لأخذِها، والمنافَسَةِ فيها، فروي أنهم أَلْقَوْا أقلامَهُمُ الَّتي كانوا يَكْتُبُونَ بها التوراةَ في النَّهْرِ، فروي أنَّ قَلَمَ زكريَّا صاعد الجرية، ومضَتْ أقلام الآخَرِينَ، وقيل غير هذا. قُلْتُ : ولفظ ابْنِ العَرَبِيِّ في " الأحكام " قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم :( فَجَرَتِ الأَقْلاَمُ، وَعَلاَ قَلَمُ زَكَرِيَّا ) اه. وإِذا ثبت الحديثُ، فلا نظر لأحدٍ معه. 
و يَخْتَصِمُونَ  معناه : يتراجَعُونَ القَوْلَ الجهيرَ في أمْرها، وفي هذه الآية استعمال القُرْعَةِ، والقُرعَةُ سُنَّة، وكان النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، إِذَا سَافَرَ، أقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، وقال صلى الله عليه وسلم :( لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ، لاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ ). واختلف أيضاً، هل الملائكةُ هنا عبارةٌ عن جِبْرِيلَ وحْده، أوْ عن جماعةٍ من الملائكة ؟

### الآية 3:45

> ﻿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [3:45]

و وَجِيهاً  : نصبٌ على الحال، وهو من الوَجْهِ، أيْ : له وجْهٌ ومنزلةٌ عند اللَّه، وقال البخاريُّ :( وجيهاً ) شَريفاً اه. 
 وَمِنَ المقربين  : معناه مِنَ اللَّه تعالى.

### الآية 3:46

> ﻿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ [3:46]

وكلامه في المَهْدِ : آيةٌ دالَّة على براءة أُمِّه، وأَخبر تعالى عنه أنَّه أيضًا يكلِّم الناس كَهْلاً، وفائدةُ ذلك أنَّه إِخبار لها بحَيَاتِهِ إلى سِنِّ الكهولة، قال جمهورُ النَّاس : الكَهْلُ الذي بَلَغَ سِنَّ الكهولةِ، وقال مجاهد : الكَهْلُ : الحليمُ. 
قال ( ع ) : وهذا تفسيرٌ للكُهُولة بعَرضٍ مصاحِبٍ لها في الأغلب، واختلف النَّاسُ في حَدِّ الكهولة، فقيل : الكَهْلُ ابن أَرْبَعِينَ، وقيل : ابنُ خَمْسَةٍ وثلاثينَ، وقيل : ابن ثلاثةٍ وثلاثين، وقيل : ابن اثنين وثلاثينَ، هذا حدُّ أَوَّلِهَا، وأمَّا آخرها، فاثنان وخمسونَ، ثم يدْخُلُ سنُّ الشيخوخة.

### الآية 3:47

> ﻿قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [3:47]

وقولُ مَرْيَمَ : أنى يَكُونُ لِي وَلَدٌ  استفهام عن جهة حَمْلها، واستغراب الحَمْلِ على بَكَارتها، و( يَمْسَسْ ) معناه : يَطَأ ويُجَامِع. 
( ص ) : والبَشَر يُطْلَقُ على الواحِدِ والجمع، اه. 
والكلامُ في قولِهِ : كذلك  كالكلامِ في أمر زكريَّا، وجاءَتِ العبارةُ في أمر زكريَّا :( يَفْعَلُ )، وجاءت هنا :( يَخْلُقُ )، من حيث إنَّ أمر زكريَّا داخلٌ في الإِمكان الذي يتعارَفُ، وإنْ قَلَّ، وقصَّة مريم لا تتعارَفُ البتَّة، فلفظ الخَلْق أقربُ إِلى الاِختراعِ، وأدَلُّ عليه. 
وقوله تعالى : إِذَا قَضَى أَمْراً \[ آل عمران : ٤٧ \]. 
معناه : إِذا أراد إِيجاده، والأمر واحدُ الأمور، وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ به، والضميرُ في ( لَهُ ) عائدٌ على الأمْر والقول، على جهة المخاطبة. 
وقوله : كُنْ  خطابٌ للمَقْضِيِّ. وقوله : فَيَكُونُ ، بالرفع : خطابٌ للمُخْبَر.

### الآية 3:48

> ﻿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ [3:48]

وقوله تعالى : وَيُعَلِّمُهُ الكتاب. . .  \[ آل عمران : ٤٨ \]. 
( الكِتَابُ ) هنا : هو الخَطُّ باليد، وهو مصدر : كَتَبَ يَكْتُبُ، قاله جمهور المفسِّرين.

### الآية 3:49

> ﻿وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [3:49]

وقوله : وَرَسُولاً إلى بَنِي إسرائيل \[ آل عمران : ٤٩ \]. 
أي : ويجعله رسولاً، وكانت رسالةُ عيسى عليه السلام إلى بني إِسرائيل مبيِّناً حُكْمَ التوراة، ونَادِباً إِلى العَمَل بها، ومُحَلِّلاً أشياءَ ممَّا حرم فيها، كَالثُّرُوبِ ولُحُومِ الإِبل، وأشياء من الحِيتَانِ والطَّيْر، ومن أول القول ( لِمَرْيم ) إِلى قوله :( إِسرائيل ) خطابٌ لمريم، ومن قوله : أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ  إِلى قوله : مُّسْتَقِيمٌ  يحتملُ أنْ يكون خطاباً لمريم، على معنى : يَكُونُ من قوله :( لِبَنِي إِسرائيل ) كَيْتَ وَكَيْتَ، ويكون في آخر الكلام محذوفٌ يدُلُّ عليه الظاهرُ، تقديره : فجاء عيسى بني إِسرائيل رسولاً، فقال لهم ما تقدَّم ذكْرُهُ، ويحتملُ أنْ يكون المحذوفُ مقدَّراً في صَدْرِ الكلامِ بعد قوله :
 إلى بَنِي إسرائيل ، فيكون تقديره : فجاء عيسى، كما بَشَّر اللَّهُ رسولاً إلى بني إِسرائيل، بأنِّي قد جئتكم، ويكون قوله : أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ  ليس بخِطَابٍ لِمَرْيَمَ، والأول أظهر. 
وقوله : أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ الطين. . .  الآية، قرأ نافعٌ :( إِنِّي أَخْلُقُ ) بكسر الهمزة، وقرأ باقي السَّبْعة بفَتْحها، فوجه قراءةِ نافعٍ إِمَّا القَطْعُ والاستئناف، وإِما أنه فسَّر الآية بقوله :( إِنِّي )، كما فسر المَثَلَ في قوله : كَمَثَلِ آدَمَ  \[ آل عمران : ٥٩ \] ووجْه قراءة الباقين البَدَلُ من آية، كأنه قال : وجئْتكم بِأَنِّي أخلْقُ، و أَخْلُقُ  : معناه أقدِّر وأهيئ بيَدِي. 
( ص ) : كَهَيْئَةِ  الهيئةُ : الشَّكْل والصُّورة، وهو مصدر : هَاءَ الشَّيْءُ يَهِيئُ هَيْئَةً، وَهَيَّأَ، إِذا ترتَّب واستقر على حالٍ مَّا، وتعدِّيه بالتضْعيف، قال تعالى : وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقًا  \[ الكهف : ١٦ \] اه. 
وقرأ نافعٌ وحْده :( فَيَكُونُ طَائِرا ) بالإِفراد، أي : يكون طائراً من الطيورِ، وقرأ الباقونَ :( فَيَكُونُ طَيْراً )، بالجمع، وكذلك في سورة المائدة، والطير : اسمُ جمعٍ، وليس من أبنيةِ الجُمُوع، وإِنما البنَاءُ في جَمْعِ طائرٍ : أَطْيارٌ، وجَمْعُ الجَمْعِ : طُيُورٌ. 
وقوله : فَأَنفُخُ فِيهِ \[ آل عمران : ٤٩ \]. 
ذكَّر الضميرَ، لأنه يحتملُ أنْ يعود على الطِّينِ المهيّأ، ويحتملُ أنْ يريد : فأنفُخُ في المذكور، وأنَّثَ الضميرَ في سورة المائدة، لأنه يحتمل أنْ يعود على الهيئة، أوْ على تأنيثِ لَفْظ الجَمَاعة، وكَوْنُ عيسى يخلُقُ بيده، وينفُخُ بِفِيهِ، إِنما هو ليبيِّن تلبُّسه بالمعجزةِ، وأنها جاءَتْ من قِبَلِهِ، وأمَّا الإِيجاد من العَدَمِ، وخَلْقُ الحياةِ في ذلك الطِّينِ، فمِنَ اللَّهِ تعالى وحده، لا شريك له. 
ورُوِيَ في قَصَصٍ هذه الآية، أنَّ عيسى عليه السلام كانَ يَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ : أَيُّ الطَّيْرِ أَشَدُّ خِلْقَةً، وَأَصْعَبُ أنْ يحكى ؟ فيَقُولُونَ : الخُفَّاشُ، لأَنَّهُ طَائِرٌ لاَ رِيشَ لَهُ، فَكَانَ يَصْنَعُ مِنَ الطِّينِ خَفَافِيشَ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهَا فَتَطِيرُ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ النَّاسِ، وَمُعَايَنَتِهِمْ، فَكَانُوا يَقُولُونَ : هَذَا سَاحِرٌ و أُبْرِىءُ  معناه : أزيلُ المَرَض، و الأكمه  : هو الَّذِي يُولَدُ أعمى مضمومَ العَيْنَيْنِ، قاله ابن عَبَّاسٍ وقتادة. 
قال ( ع ) : و( الأَكْمَهُ )، في اللغة هو الأعمى، وقد كان عيسى عليه السلام يبرئ بدعائِهِ، ومَسْحِ يدِهِ على كل عاهة، ولكنَّ الاحتجاج على بني إِسرائيل في معنى النبوَّة لا يقومُ إِلاَّ بالإِبراء من العِلَلِ التي لا يُبْرِئُ منها طبيبٌ بوجْهٍ، ورُوِيَ في إِحيائه الموتى، أنه كان يَضْرِبُ بعَصَاهُ الميِّتَ، أو القَبْرَ، أو الجُمْجُمَةَ، فَيَحْيَى الإِنسانُ، ويكلِّمه بإِذن اللَّه، وفي قصص الإِحياء أحاديثُ كثيرةٌ لا يوقَفُ على صحَّتها، وآياتُ عيسى عليه السلام إِنما تَجْرِي فيما يُعَارِضُ الطِّبَّ، لأن علْمَ الطِّبِّ كان شَرَفَ النَّاس في ذلك الزَّمَان وشُغْلَهُمْ، وحينئذ أُثِيرَتْ فيه العجائبُ، فلما جاء عيسى عليه السلام بغرائبَ لا تقتضيها الأمزجةُ وأصولُ الطِّبِّ، وذلك إِحياءُ الموتى، وإِبراء الأكْمَهِ والأَبْرَصِ، عَلِمَتِ الأطبَّاء، أن هذه القوَّة من عند اللَّه، وهذا كأمْرِ السَّحَرَةِ مع موسى، والفُصَحَاءِ مع نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، ووقع في التواريخِ المُتَرْجَمَة عن الأطبَّاء، أنَّ جَالِينُوسَ كانَ في زمنِ عيسى عليه السلام، وأنه رحَل إِلَيْهِ مِنْ رُومِيَّةَ إِلَى الشَّامِ، فَمَاتَ فِي طَرِيقِهِ ذلك. 
وقوله : وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ الآية، قال مجاهدٌ، وغيره : كان عيسى عليه السلام مِنْ لَدُنْ طفوليَّته، وهو في الكُتَّابِ، يخبرُ الصِّبْيان بما يفعل آباؤهم في منازِلِهِمْ، وبما يُؤْكَلُ من الطعامِ، ويُدَّخَرُ، وكذلك إلى أنْ نُبِّئ، فكان يقول لكلِّ من سأله عن هذا المعنى : أَكَلْتَ البارحةَ كَذَا، وادخرت كذا، وقال قتادةُ : معنَى الآية : إِنما هو في نزول المائدةِ علَيْهم، وذلك أنَّها لما نزلَتْ، أخذ عليهم عَهْدَ أنْ يَأْكُلُوا ولا يَخْبََئ أَحدٌ شيئاً، ولا يدَّخره ولا يَحْمِله إلى بيته، فَخَانُوا وجعلوا يُخَبِّئُون، فكان عيسى عليه السلام يُخْبِرُ كلَّ أحدٍ عمَّا أكل، وعمَّا ادخر في بَيْته من ذلك، وعوقبوا على ذلك.

### الآية 3:50

> ﻿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ۚ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [3:50]

وقوله : فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ \[ آل عمران : ٥٠ \]. 
تحذيرٌ، ودعاءٌ إِلى اللَّه عزَّ وجلَّ.

### الآية 3:51

> ﻿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۗ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [3:51]

وقوله : هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ \[ آل عمران : ٥١ \]. 
إشارةٌ إلى قوله : إِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ فاعبدوه \[ آل عمران : ٥١ \] لأن ألفاظه جمعتِ الإِيمان، والطَّاعاتِ، والصِّرَاطُ : الطريقُ المُسْتَقِيم : الذي لا اعوجاج فيه.

### الآية 3:52

> ﻿۞ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [3:52]

وقوله تعالى : فَلَمَّا أَحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الكفر \[ آل عمران : ٥٢ \]
قبل هذه الآية محذوفٌ، به يتمُّ اتساق الآيات، تقديره : فجاء عيسى كما بَشَّر اللَّه به، فقالَ جميعَ ما ذُكِرَ لبنِي إسرائيل،  فَلَمَّا أَحَسَّ  ومعنى :
 أَحَسَّ  : عَلِمَ من جهة الحَوَاسِّ، بما سَمِعَ من أقوالهم في تكذيبه، ورأى من قرائن أحوالهم، وشدَّة عدَاوتِهِم، وإعراضهم،  قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى الله  وقوله : إِلَى الله  يحتملُ معنيين :
أحدهما : مَنْ ينصرنِي فِي السَّبيل إلى اللَّه. 
والثاني : أنْ يكون التقديرُ : مَنْ يضيفُ نُصْرته إلى نصرة اللَّهِ لِي، فإلى دَالَّة على الغاية في كِلاَ التقديرَيْن، وليس يُبَاحُ أنْ يُقَالَ : إلى بمعنى مع، كما غلط في ذلك بَعْضُ الفقهاءِ في تَأْويلِ قوله تعالى : وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق  \[ المائدة : ٦ \]، فقال : إلى بمعنى مَعَ، وهذه عُجْمَة. 
و( الحواريُّون ) قَوْمٌ مرَّ بهم عيسى صلى الله عليه وسلم، فدَعَاهم إلى نصرِهِ، واتباع ملَّته، فأجَابوه وقَامُوا بذلك خَيْرَ قيامٍ، وصَبَرُوا في ذاتِ اللَّه، واختلف لِمَ قِيلَ لهم حواريُّون ؟ فقال ابنُ جُبَيْرٍ : لبياضِ ثيابِهِمْ، وقال أبو أرْطاةَ : لأنَّهم كانوا قَصَّارِينَ يَحُورُونَ الثِّياب، أيْ : يبيِّضونها، وقال قتادة : الحواريُّون : أصفياء الأنبياء الَّذِينَ تَصْلُحُ لهم الخلافةُ، وقال الضَّحَّاك نحوه. 
قال ( ع ) : وهذا القولُ تقريرُ حالِ القومِ، وليس بتَفْسِيرِ اللَّفْظَة، وعلى هذا الحدِّ شبه النبيُّ صلى الله عليه وسلم ابن عَمَّتِهِ بِهِمْ في قوله :( وَحَوَارِي الزُّبَيْرُ ). 
والأقوال الأَوَلى هي تفسيرُ اللفظ، إذ هي من الحَوَر، وهو البَيَاضُ، حَوَّرْتُ الثَّوْبَ : بَيَّضْته، ومنْه الحُوَاري، وقد تسمِّي العرب النِّسَاءَ السَّاكِنَاتِ في الأمْصَارِ : الحَوَارِيَّاتِ، لغلبة البَيَاض علَيْهِنَّ، ومنه قولُ أبِي جِلْدَةَ اليَشْكُرِيِّ :\[ الطويل \]

فَقُلْ لِلْحَوَارِيَّاتِ يَبْكِينَ غَيْرَنَا  وَلاَ تَبْكِنَا إلاَّ الْكِلاَبُ النَّوَابِحُوقولُ الحواريِّين : واشهد  يحتملُ أنْ يكون خطَاباً لعيسى عليه السلام، أي : اشهد لَنَا عنْدَ اللَّهِ، ويحتملُ أنْ يكونَ خطَاباً للَّه تعالى، كقوله صلى الله عليه وسلم فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ :( اللَّهُمَّ، اشهد ).

### الآية 3:53

> ﻿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [3:53]

وقولهم : رَبَّنَا ءامَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ \[ آل عمران : ٥٣ \] يريدون : الإنجيل، وآياتِ عيسى،  فاكتبنا مَعَ الشاهدين \[ آل عمران : ٥٣ \] أي : في عِدَادِ مَنْ شهد بالحَقِّ مِنْ مؤمني الأمم.

### الآية 3:54

> ﻿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [3:54]

ثم أخبر تعالى عن بني إسرائيل الكافرِينَ بعيسى عليه السلام، فقال : وَمَكَرُواْ  يريدُ في تحيُّلهم في قتله بزعمهم، فهذا هو مَكْرُهُمْ فجازاهم اللَّه تعالى بأنْ طرح شَبَهَ عيسى على أحد الحواريِّين، في قول الجمهور، أو على يهوديٍّ منهم كَانَ جَاسُوساً، وأعقبَ بَنِي إسرائيل مذلَّةً وهَوَاناً في الدُّنيا والآخرة، فهذه العُقُوبة هي التي سَمَّاها اللَّه تعالى مَكْراً في قوله : وَمَكَرَ الله \[ آل عمران : ٥٤ \] وذلك مَهْيَعٌ أنْ تسمَّى العقوبةُ باسم الذنب. 
وقوله : والله خَيْرُ الماكرين  معناه : فاعلُ حقٍّ في ذلك، وذكر أبو القَاسِمِ القُشَيْرِيُّ في **«تحبيره »**، قال : سُئِلَ مَيْمُونٌ، أحسبه : ابن مِهْرَانَ، عن قولِهِ تعالى : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله  فقال : تخليتُهُ إياهم، مع مَكْرهم هو مَكْرُهُ بهم، اه. 
ونحوه عن الجُنَيْدِ، قال الفَرَّاء : المَكْرُ من المخْلُوقِ الْخِبُّ والحِيلَة، ومِنَ الإله الاِسْتِدْرَاجُ، قال اللَّه تعالى : سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ  
\[ الأعراف : ١٨٢ \] قال ابن عبَّاس : كُلَّما أحْدَثُوا خطيئةً، أحدثنا لَهُمْ نعمة، اه.

### الآية 3:55

> ﻿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [3:55]

وقوله تعالى : إِذْ قَالَ الله يا عيسى إِنّي مُتَوَفّيكَ. . .  \[ آل عمران : ٥٥ \] اختلف في هذا التِّوفِّي، فقال الرَّبيع : هي وفاةُ نَوْمٍ، وقال الحَسَن وغيره : هو توفِّي قَبْضٍ، وتَحْصِيلٍ، أي : قابضك منَ الأرْضِ، ومحصِّلك في السماءِ، وقال ابنُ عبَّاس : هي وفاةُ مَوْتٍ، ونحوه لمالك في **«العَتَبِيَّة »**، وقال وهْبُ بنُ مُنَبِّهٍ : توفَّاه اللَّه بالمَوْتِ ثلاثَ ساعاتٍ، ورفعه فيها، ثُمَّ أحياه بعد ذلك، وقال الفَرَّاء : هي وفاةُ مَوْتٍ، ولكنَّ المعنى : إني متوفِّيك في آخر أمْرِكَ عنْد نزولِكَ وقَتْلِك الدَّجَّال، ففي الكلامِ تقديمٌ وتأخير. 
قال ( ع ) : وأجمعتِ الأمة على ما تضمَّنه الحديثُ المتواتر، منْ أنَّ عيسى عليه السلام في السَّمَاءِ حَيٌّ، وأنه يَنْزِلُ في آخِرِ الزَّمَانِ، فَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الدَّجَّالَ، وَيُفِيضُ العَدْلَ، وَيُظْهِرُ هَذِهِ المِلَّةَ مِلَّةَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، ويَحُجُّ البَيْتَ ويَعْتَمِرُ، ويبقى في الأَرْضِ أَرْبَعاً وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقِيلَ : أَرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ يُمَيتُهُ اللَّهُ تعالى. 
قال ( ع ) فقول ابن عباس : هي وفاةُ مَوْتٍ لا بدَّ أنْ يتمِّم إما على قول وهْبِ بن مُنَبِّهٍ، وإما على قول الفَرَّاء. 
وقوله تعالى : وَرَافِعُكَ إِلَيَّ  عبارةٌ عَنْ نَقْلِهِ من سُفْلٍ إلى عُلْو، وإضافة اللَّه سبحانه إضافةُ تشريفٍ، وإلا فمعلومٌ أنه سبحانه غَيْرُ متحيِّزٍ في جهةٍ،  وَمُطَهِّرُكَ ، أي مِنْ : دعاوى الكَفَرَةِ، ومعاشَرَتِهِمْ. 
وقوله : وَجَاعِلُ الذين اتبعوك  الآية، قال جمهورُ المفسِّرين بعموم اللفظ في المتَّبِعِينَ، فتدخُلُ في ذلك أمةُ محمَّد صلى الله عليه وسلم لأنها مُتَّبِعَةٌ لعيسى، قاله قتادة، وغيره، وكذلك قالوا بعموم اللفظِ في الكَافِرِينَ، فمقتضَى الآيَةِ إعلامُ عيسى عليه السلام، أنَّ أهْلَ الإيمانِ به، كما يجب، هم  فوق الذين كَفَرُوا \[ آل عمران : ٥٥ \] بالحُجَّة والبُرْهَان، والعِزِّ والغَلَبَةِ، ويظْهَرُ منْ عبارة ابن جُرَيْج وغيره، أنَّ المراد المتبعين لَهُ في وقْتِ استنصاره، وهم الحواريُّون. 
وقوله تعالى : ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ  خَطَابٌ لعيسى والمرادُ : الإخبار بالقيامة والحَشْرِ، وباقي الآيةِ بيِّن، وتوفيةُ الأجور هي قَسْم المَنَازِلِ في الجَنَّة، فذلك هو بحَسَب الأعمال، وأما نَفْسُ دخولِ الجَنَّةَ، فبرحْمَةِ اللَّه وتفضُّله سبحانه.

### الآية 3:56

> ﻿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [3:56]

تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ \[القلم: ٤٤\] قال ابن عبَّاس: كُلَّما أحْدَثُوا خطيئةً، أحدثنا لهم نعمة. اهـ.
 \[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٥٥ الى ٥٨\]
 إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)
 وقوله تعالى: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ... الاية: اختلف في هذا التِّوفِّي.
 فقال الرَّبيع: هي وفاةُ نَوْمٍ **«١»**، وقال الحَسَن وغيره: هو توفِّي قَبْضٍ وتَحْصِيلٍ، أي:
 قابضك منَ الأرْضِ، ومحصِّلك في السماءِ **«٢»** وقال ابنُ عبَّاس: هي وفاةُ مَوْتٍ **«٣»**، ونحوه لمالك في **«العَتَبِيَّة»**، وقال وهْبُ بنُ مُنَبِّهٍ: توفَّاه اللَّه بالمَوْتِ ثلاثَ ساعاتٍ، ورفعه فيها، ثُمَّ أحياه بعد ذلك **«٤»**، وقال الفَرَّاء: هي وفاةُ مَوْتٍ **«٥»**، ولكنَّ المعنى: إني متوفِّيك في آخر أمْرِكَ عنْد نزولِكَ وقَتْلِك الدَّجَّال، ففي الكلامِ تقديمٌ وتأخير.
 قال ع **«٦»** : وأجمعتِ الأمة على ما تضمَّنه الحديثُ المتواتر **«٧»** منْ أنَّ عيسى- عليه

 - عيناي مثله، وهو أول من تكلم في علم التوحيد، وقال ابن الأثير: إمام الدنيا في زمانه، له رسائل، منها: **«دواء الأرواح»** مخطوط، توفي في (٢٩٧) هـ.
 ينظر: **«وفيات الأعيان»** (١/ ١١٧)، و **«حلية»** (١٠/ ٢٥٥)، و **«صفة الصفوة»** (٢/ ٢٣٥)، و **«تاريخ بغداد»** (٧/ ٢٤١)، و **«طبقات السبكي»** (٢/ ٢٨)، و **«طبقات الحنابلة»** (٨٩)، **«الأعلام»** (٢/ ١٤١).
 (١) أخرجه الطبري في ****************«تفسيره»**************** (٣/ ٢٨٨) برقم (٧١٢٩) وذكره الماوردي في ****************«تفسيره»**************** (١/ ٣٩٧)، والبغوي في ****************«تفسيره»**************** (١/ ٣٠٨)، وابن عطية (١/ ٤٤٢). [.....]
 (٢) أخرجه الطبري في ****************«تفسيره»**************** (٣/ ٢٨٨) برقم (٧١٣١) بنحوه، وذكره ابن عطية (١/ ٤٤٤).
 (٣) ذكره الماوردي في ****************«تفسيره»**************** (١/ ٣٩٦)، وابن عطية (١/ ٤٤٤).
 (٤) أخرجه الطبري في ****************«تفسيره»**************** (٣/ ٢٨٩) برقم (٧١٣٨)، وذكره البغوي في ****************«تفسيره»**************** (١/ ٣٠٨)، وابن عطية (١/ ٤٤٤)، والسيوطي في **«الدر المنثور»** (٢/ ٦٤)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.
 (٥) ذكره ابن عطية في ****************«تفسيره»**************** (١/ ٤٤٤).
 (٦) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (١/ ٤٤٤).
 (٧) والحديث المتواتر هو ما رواه جمع يحيل العقل تواطؤهم على الكذب عادة من أمر حسّيّ، أو حصول الكذب منهم اتّفاقا، ويعتبر ذلك في جميع الطّبقات إن تعدّدت. -

السلام- في السَّمَاءِ حَيٌّ، وأنه يَنْزِلُ في آخِرِ الزَّمَانِ، فَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الدَّجَّالَ، وَيُفِيضُ العَدْلَ، وَيُظْهِرُ هَذِهِ المِلَّةَ مِلَّةَ محمّد صلّى الله عليه وسلّم ويحجّ البَيْتَ، ويَعْتَمِرُ، ويبقى في الأَرْضِ أَرْبَعاً وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُمَيتُهُ اللَّهُ تعالى **«١»**.

 **- وشروط التّواتر:**
 ١- أن يكون رواته عددا كثيرا.
 ٢- أن يحيل العقل تواطؤهم على الكذب، أو أن يحصل الكذب منهم اتّفاقا عادة.
 ٣- أن يرووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء في كون العقل يمنع من تواطؤهم على الكذب، أو حصوله منهم اتّفاقا عادة.
 ٤- أن يكون مستند انتهائهم الإدراك الحسّيّ بأن يكون آخر ما يئول إليه الطريق ويتم عنده الإسناد- أمر حسيّ مدرك بإحدى الحواسّ الخمس الظاهرة من الذوق، واللّمس، والشم، والسّمع، والبصر.
 ثم إنه من المتّفق عليه عند العلماء، وأرباب النّظر أنّ القرآن الكريم لا تجوز الرّواية فيه بالمعنى، بل أجمعوا على وجوب روايته لفظة لفظة، وعلى أسلوبه، وترتيبه، ولهذا كان تواتره اللفظي لا يشكّ فيه أدنى عاقل، أو صاحب حسّ، وأما سنّة رسول الله، فقد أجازوا روايتها بالمعنى لذلك لم تتّحد ألفاظها، ولا أسلوبها، ولا ترتيبها.
 فإذن يكون الحديث متواترا تواترا لفظيّا، أو معنويّا، إذا تعددت الرّواية بألفاظ مترادفة، وأساليب مختلفة في التّمام والنقص، والتقديم والتّأخير في الواقعة الواحدة، حتى بلغت مبلغ التّواتر.
 ومن ناحية أخرى، فإذا تعدّدت الوقائع، واتفقت على معنى واحد، دلّت عليه تارة بالتّضمّن، وتارة بالالتزام حتّى بلغ القدر المشترك في تلك الوقائع المتعددة مبلغ التّواتر فإنه حينئذ يكون متواترا تواترا معنويا، لا خلاف في ذلك.
 ينظر: **«البحر المحيط»** للزركشي (٤/ ٢٣١)، **«البرهان»** لإمام الحرمين (١/ ٥٦٦)، **«الإحكام في أصول الأحكام»** للآمدي (٢/ ١٤)، **«نهاية السول»** للأسنوي (٣/ ٥٤)، **«منهاج العقول»** للبدخشي (٢/ ٢٩٦)، **«غاية الوصول»** للشيخ زكريا الأنصاري (٩٥)، **«التحصيل من المحصول»** للأرموي (٢/ ٩٥)، **«المنخول»** للغزالي (٢٣١)، **«المستصفى»** له (١/ ١٣٢)، **«حاشية البناني»** (٢/ ١١٩)، **«الإبهاج»** لابن السبكي (٢/ ٢٦٣)، **«الآيات البينات»** لابن قاسم العبادي (٣/ ٢٠٦).
 (١) أخرجه البخاري (٤/ ٤٨٣) في البيوع: باب قتل الخنزير (٢٢٢٢)، (٥/ ١٤٤) في المظالم: باب كسر الصليب وقتل الخنزير (٢٤٧٦) و (٦/ ٥٦٦) في أحاديث الأنبياء: باب نزول عيسى ابن مريم عليهما السلام (٣٤٤٨)، ومسلم في الإيمان: باب نزول عيسى ابن مريم حاكما بشريعة نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم (٢٤٢- ١٥٥)، (٢٤٣-... )، وأبو داود (٢/ ٥٢٠) في الملاحم: باب ذكر خروج الدجال (٤٣٢٤)، والترمذي (٤/ ٤٣٩) في الفتن باب ما جاء في نزول عيسى ابن مريم عليه السلام (٢٢٣٣)، وابن ماجة (٢/ ١٣٦٣) في الفتن: باب فتنة الدجال، وخروج عيسى ابن مريم... (٤٠٧٨)، وأحمد (٢/ ٢٧٢، ٢٩٠، ٣٩٤، ٤٠٦، ٤٣٧، ٤٨٢، ٥٣٨). وعبد الرزاق (٢٠٨٤٠، ٢٠٨٤٤، ٢٠٨٤٥)، والحميدي (٢/ ٤٦٨) برقم (١٠٩٧، ١٠٩٨)، وأبو يعلى في **«مسنده»** (٥٨٧٧) من طرق عن أبي هريرة رفعه: **«لا تقوم الساعة حتى ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد»**.

### الآية 3:57

> ﻿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [3:57]

تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ \[القلم: ٤٤\] قال ابن عبَّاس: كُلَّما أحْدَثُوا خطيئةً، أحدثنا لهم نعمة. اهـ.
 \[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٥٥ الى ٥٨\]
 إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)
 وقوله تعالى: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ... الاية: اختلف في هذا التِّوفِّي.
 فقال الرَّبيع: هي وفاةُ نَوْمٍ **«١»**، وقال الحَسَن وغيره: هو توفِّي قَبْضٍ وتَحْصِيلٍ، أي:
 قابضك منَ الأرْضِ، ومحصِّلك في السماءِ **«٢»** وقال ابنُ عبَّاس: هي وفاةُ مَوْتٍ **«٣»**، ونحوه لمالك في **«العَتَبِيَّة»**، وقال وهْبُ بنُ مُنَبِّهٍ: توفَّاه اللَّه بالمَوْتِ ثلاثَ ساعاتٍ، ورفعه فيها، ثُمَّ أحياه بعد ذلك **«٤»**، وقال الفَرَّاء: هي وفاةُ مَوْتٍ **«٥»**، ولكنَّ المعنى: إني متوفِّيك في آخر أمْرِكَ عنْد نزولِكَ وقَتْلِك الدَّجَّال، ففي الكلامِ تقديمٌ وتأخير.
 قال ع **«٦»** : وأجمعتِ الأمة على ما تضمَّنه الحديثُ المتواتر **«٧»** منْ أنَّ عيسى- عليه

 - عيناي مثله، وهو أول من تكلم في علم التوحيد، وقال ابن الأثير: إمام الدنيا في زمانه، له رسائل، منها: **«دواء الأرواح»** مخطوط، توفي في (٢٩٧) هـ.
 ينظر: **«وفيات الأعيان»** (١/ ١١٧)، و **«حلية»** (١٠/ ٢٥٥)، و **«صفة الصفوة»** (٢/ ٢٣٥)، و **«تاريخ بغداد»** (٧/ ٢٤١)، و **«طبقات السبكي»** (٢/ ٢٨)، و **«طبقات الحنابلة»** (٨٩)، **«الأعلام»** (٢/ ١٤١).
 (١) أخرجه الطبري في ****************«تفسيره»**************** (٣/ ٢٨٨) برقم (٧١٢٩) وذكره الماوردي في ****************«تفسيره»**************** (١/ ٣٩٧)، والبغوي في ****************«تفسيره»**************** (١/ ٣٠٨)، وابن عطية (١/ ٤٤٢). [.....]
 (٢) أخرجه الطبري في ****************«تفسيره»**************** (٣/ ٢٨٨) برقم (٧١٣١) بنحوه، وذكره ابن عطية (١/ ٤٤٤).
 (٣) ذكره الماوردي في ****************«تفسيره»**************** (١/ ٣٩٦)، وابن عطية (١/ ٤٤٤).
 (٤) أخرجه الطبري في ****************«تفسيره»**************** (٣/ ٢٨٩) برقم (٧١٣٨)، وذكره البغوي في ****************«تفسيره»**************** (١/ ٣٠٨)، وابن عطية (١/ ٤٤٤)، والسيوطي في **«الدر المنثور»** (٢/ ٦٤)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.
 (٥) ذكره ابن عطية في ****************«تفسيره»**************** (١/ ٤٤٤).
 (٦) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (١/ ٤٤٤).
 (٧) والحديث المتواتر هو ما رواه جمع يحيل العقل تواطؤهم على الكذب عادة من أمر حسّيّ، أو حصول الكذب منهم اتّفاقا، ويعتبر ذلك في جميع الطّبقات إن تعدّدت. -

السلام- في السَّمَاءِ حَيٌّ، وأنه يَنْزِلُ في آخِرِ الزَّمَانِ، فَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الدَّجَّالَ، وَيُفِيضُ العَدْلَ، وَيُظْهِرُ هَذِهِ المِلَّةَ مِلَّةَ محمّد صلّى الله عليه وسلّم ويحجّ البَيْتَ، ويَعْتَمِرُ، ويبقى في الأَرْضِ أَرْبَعاً وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُمَيتُهُ اللَّهُ تعالى **«١»**.

 **- وشروط التّواتر:**
 ١- أن يكون رواته عددا كثيرا.
 ٢- أن يحيل العقل تواطؤهم على الكذب، أو أن يحصل الكذب منهم اتّفاقا عادة.
 ٣- أن يرووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء في كون العقل يمنع من تواطؤهم على الكذب، أو حصوله منهم اتّفاقا عادة.
 ٤- أن يكون مستند انتهائهم الإدراك الحسّيّ بأن يكون آخر ما يئول إليه الطريق ويتم عنده الإسناد- أمر حسيّ مدرك بإحدى الحواسّ الخمس الظاهرة من الذوق، واللّمس، والشم، والسّمع، والبصر.
 ثم إنه من المتّفق عليه عند العلماء، وأرباب النّظر أنّ القرآن الكريم لا تجوز الرّواية فيه بالمعنى، بل أجمعوا على وجوب روايته لفظة لفظة، وعلى أسلوبه، وترتيبه، ولهذا كان تواتره اللفظي لا يشكّ فيه أدنى عاقل، أو صاحب حسّ، وأما سنّة رسول الله، فقد أجازوا روايتها بالمعنى لذلك لم تتّحد ألفاظها، ولا أسلوبها، ولا ترتيبها.
 فإذن يكون الحديث متواترا تواترا لفظيّا، أو معنويّا، إذا تعددت الرّواية بألفاظ مترادفة، وأساليب مختلفة في التّمام والنقص، والتقديم والتّأخير في الواقعة الواحدة، حتى بلغت مبلغ التّواتر.
 ومن ناحية أخرى، فإذا تعدّدت الوقائع، واتفقت على معنى واحد، دلّت عليه تارة بالتّضمّن، وتارة بالالتزام حتّى بلغ القدر المشترك في تلك الوقائع المتعددة مبلغ التّواتر فإنه حينئذ يكون متواترا تواترا معنويا، لا خلاف في ذلك.
 ينظر: **«البحر المحيط»** للزركشي (٤/ ٢٣١)، **«البرهان»** لإمام الحرمين (١/ ٥٦٦)، **«الإحكام في أصول الأحكام»** للآمدي (٢/ ١٤)، **«نهاية السول»** للأسنوي (٣/ ٥٤)، **«منهاج العقول»** للبدخشي (٢/ ٢٩٦)، **«غاية الوصول»** للشيخ زكريا الأنصاري (٩٥)، **«التحصيل من المحصول»** للأرموي (٢/ ٩٥)، **«المنخول»** للغزالي (٢٣١)، **«المستصفى»** له (١/ ١٣٢)، **«حاشية البناني»** (٢/ ١١٩)، **«الإبهاج»** لابن السبكي (٢/ ٢٦٣)، **«الآيات البينات»** لابن قاسم العبادي (٣/ ٢٠٦).
 (١) أخرجه البخاري (٤/ ٤٨٣) في البيوع: باب قتل الخنزير (٢٢٢٢)، (٥/ ١٤٤) في المظالم: باب كسر الصليب وقتل الخنزير (٢٤٧٦) و (٦/ ٥٦٦) في أحاديث الأنبياء: باب نزول عيسى ابن مريم عليهما السلام (٣٤٤٨)، ومسلم في الإيمان: باب نزول عيسى ابن مريم حاكما بشريعة نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم (٢٤٢- ١٥٥)، (٢٤٣-... )، وأبو داود (٢/ ٥٢٠) في الملاحم: باب ذكر خروج الدجال (٤٣٢٤)، والترمذي (٤/ ٤٣٩) في الفتن باب ما جاء في نزول عيسى ابن مريم عليه السلام (٢٢٣٣)، وابن ماجة (٢/ ١٣٦٣) في الفتن: باب فتنة الدجال، وخروج عيسى ابن مريم... (٤٠٧٨)، وأحمد (٢/ ٢٧٢، ٢٩٠، ٣٩٤، ٤٠٦، ٤٣٧، ٤٨٢، ٥٣٨). وعبد الرزاق (٢٠٨٤٠، ٢٠٨٤٤، ٢٠٨٤٥)، والحميدي (٢/ ٤٦٨) برقم (١٠٩٧، ١٠٩٨)، وأبو يعلى في **«مسنده»** (٥٨٧٧) من طرق عن أبي هريرة رفعه: **«لا تقوم الساعة حتى ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد»**.

### الآية 3:58

> ﻿ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ [3:58]

وقوله تعالى : ذلك نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيات \[ آل عمران : ٥٨ \]. 
( ذَلِكَ ) : إشارة إلى ما تقدَّم من الأنباء. و نَتْلُوهُ  معناه : نَسْرُدُهُ، و مِنَ الآيات  : ظاهره آيات القُرآن، ويحتملُ أنْ يريدَ : من المعجزاتِ، والمُسْتَغْرَبَاتِ، أن تأتيهم بهذه الغُيُوبِ من قِبَلِنَا، وبسبَبِ تلاوتنا، و الذكر  : ما ينزلُ من عند اللَّه. قال ابن عبَّاس : الذِّكْر : القرآن، و الحكيم  الذي قد كَمَل في حكمته.

### الآية 3:59

> ﻿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [3:59]

وقوله تعالى : إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله. . .  \[ آل عمران : ٥٩ \]. 
قال ابن عَبَّاس، وغيره : سبَبُ نزولها مُحَاجَّة نصارى نَجْرَانَ في أمر عيسى، وقولُهم : يا محمَّد، هل رأَيْتَ بَشَراً قَطُّ جاء مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ، أَوْ سَمِعْتَ بِهِ ؟ ومعنى الآية أنَّ المَثَلَ الذي تتصوَّره النفُوسُ والعقولُ من عيسى، هو كَالمُتَصَوَّرِ من آدَمَ، إذ الناسُ مُجْمِعُونَ على أنَّ اللَّه تعالى خَلَقَهُ مِنْ ترابٍ من غير فَحْلٍ، وفي هذه الآية صحَّةُ القياس. 
وقوله تعالى : ثُمَّ قَالَ  ترتيبٌ للأخبار لمحمَّد صلى الله عليه وسلم، المعنى :( خَلَقَهُ من تُرَابٍ ) ثم كان مِنْ أمره في الأزَلِ أنْ ( قال له كُنْ ) وقْتَ كذا.

### الآية 3:60

> ﻿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [3:60]

وقوله تعالى : الحق مِن رَّبّكَ \[ آل عمران : ٦٠ \]. 
أي : هذا هو الحقُّ، و الممترين  هم الشاكُّونَ، ونُهِيَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في عبارةٍ اقتضت ذَمَّ الممترين، وهذا يدلُّ على أنَّ المراد بالامتراء غَيْرُهُ، ونُهِيَ عن الامتراء، مع بُعْده عنه، على جهة التثْبِيتِ، والدَّوام على حاله.

### الآية 3:61

> ﻿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [3:61]

وقوله تعالى : فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ \[ آل عمران : ٦١ \]. 
أي : في عيسى، ويحتملُ في الحقِّ، والعِلْمُ الذي أشير إلَيْه بالمجيء، وهو ما تضمَّنته هذه الآياتُ المتقدِّمة. 
وقوله : فَقُلْ تَعَالَوْاْ  استدعاءٌ للمُبَاهَلَة، و تَعَالَوْاْ  : تَفَاعَلُوا، من العُلُوِّ، وهي كلمةٌ قُصِدَ بها أولاً تحسينُ الأدَب مع المدعوِّ، ثم اطردت، حتى يقولها الإنسان لعدُوِّه وللبهيمةِ، و نَبْتَهِلْ  معناه : نَلْتَعِن، ويقال : عَلَيْهِمْ بهلة اللَّه، والابتهال : الجِدُّ في الدُّعاء بالبهلة، روى محمَّد بنُ جَعْفَرِ بنِ الزُّبَيْرِ وغيره : إن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لما دَعَا نصارى نَجْرَانَ إلى المباهلة، قالوا : دَعْنَا نَنْظُرْ في أمرنا، ثم نأتِكَ بما نَفْعَلُ، فَذَهَبُوا إلَى العَاقِب، وهو ذُو رَأْيِهِمْ، فَقَالُوا : يَا عَبْدَ المَسِيحِ، مَا ترى ؟ فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ النصارى، وَاللَّهِ لَقَدْ عَرَفْتُمْ أنَّ محمَّداً النَّبيُّ المُرْسَلُ، ولَقَدْ جَاءَكُمْ بِالفَصْلِ مِنْ خَبَرِ صَاحِبِكُمْ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا لاَعَنَ قَوْمٌ قَطُّ نَبِيًّا، فَبَقِيَ كَبِيرُهُمْ، وَلاَ نَبَتَ صَغِيرُهُمْ، وَإَنَّهُ الاستئصال إنْ فَعَلْتُمْ، فَإنْ أَبَيْتُمْ إلاَّ إلْفَ دِينِكُمْ، وَمَا أَنْتُمْ عليْهِ مِنَ القَوْلِ فِي صَاحِبِكُمْ، فَوَادِعُوا الرَّجُلَ، وانصرفوا إلى بِلاَدِكُمْ، حتى يُرِيَكُمْ زمن رَأْيه، فَأْتُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا : يَا أَبَا القَاسِمِ، قَدْ رَأَيْنَا أَن لاَّ نُلاَعِنَكَ وَأَنْ نبقى على دِينِنَا، وَصَالَحُوهُ على أَمْوَالٍ، وَقَالُوا لَهُ : ابعث مَعَنَا رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِكَ تَرْضَاهُ لَنَا، يَحْكُم بَيْنَنَا فِي أَشْيَاء قَدِ اختلفنا فِيهَا مِنْ أَمْوَالِنَا، فَإنَّكُمْ عِنْدَنَا رِضًى. 
قال ( ع ) : وفي ترك النصارَى الملاعَنَةَ لعلمهم بنبوَّة نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم شاهدٌ عظيمٌ على صحَّة نبوَّته صلى الله عليه وسلم عندهم، ودعاءُ النِّساء والأبناء أهَزُّ للنفوسِ، وأدعى لرحمة اللَّه للمُحِقِّين، أو لغضبه على المُبْطِلِينَ.

### الآية 3:62

> ﻿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ۚ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [3:62]

وقوله تعالى : إِنَّ هذا لَهُوَ القصص الحق \[ آل عمران : ٦٢ \]. 
هذا خبرٌ من اللَّه تعالى، جزمٌ مؤكَّد، فَصَل به بين المختَصِمَيْن، والإشارةُ بهذا هي إلى ما تقدَّم في أمر عيسى عليه السلام، و( القصص ) معناه الإخبار. 
وقال ( ص ) : إِنَّ هذا لَهُوَ  هذا إشارةً إلى القرآن، اه.

### الآية 3:63

> ﻿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ [3:63]

وانصرفوا إلى بِلاَدِكُمْ حتى يُرِيَكُمْ زمن رَأْيه، فأتوا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فَقَالُوا: يَا أَبَا القَاسِمِ، قَدْ رَأَيْنَا أَلاَّ نُلاَعِنَكَ، وَأَنْ نبقى على دِينِنَا، وَصَالَحُوهُ على أَمْوَالٍ، وَقَالُوا لَهُ: ابعث مَعَنَا رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِكَ تَرْضَاهُ لَنَا، يَحْكُم بَيْنَنَا فِي أَشْيَاء قَدِ اختلفنا فِيهَا مِنْ أَمْوَالِنَا فَإنَّكُمْ عِنْدَنَا رِضًى» **«١»**.
 قال ع **«٢»** : وفي ترك النصارَى الملاعَنَةَ لعلمهم بنبوّة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم شاهد عظيم على صحّة نبوّته صلّى الله عليه وسلّم عندهم، ودعاءُ النِّساء والأبناء أهَزُّ للنفوسِ، وأدعى لرحمة اللَّه للمُحِقِّين، أو لغضبه على المُبْطِلِينَ.
 \[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٦٢ الى ٦٤\]
 إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)
 وقوله تعالى: إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ... الآية: هذا خبرٌ من اللَّه تعالى، جزمٌ مؤكَّد، فَصَل به بين المختَصِمَيْن، والإشارةُ بهذا هي إلى ما تقدَّم في أمر عيسى- عليه السلام-، والقصص معناه الإخبار.
 وقال ص: إِنَّ هذا لَهُوَ: هذا، إشارةً إلى القرآن. اهـ.
 واختلف المفسِّرون من المُرَاد بأهْلِ الكِتَابِ هنا.
 فروى قتادة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنهم يهودُ المدينَة **«٣»**.
 وقال ابنُ زَيْدٍ وغيره: المرادُ نصارى نجران **«٤»**.
 قال ع **«٥»** : والذي يظهر لي أنَّ الآية نزلَتْ في وَفْد نَجْرَان، لكن لفظُ الآية يعمُّهم، وسواهم من النصارى واليهود، وقد كتب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بهذه الآية إلى هِرَقْلَ عظيمِ الرُّومِ، وكذا

 (١) أخرجه الطبري (٣/ ٢٩٨) برقم (٧١٧٧)، وذكره ابن عطية (١/ ٤٤٧).
 (٢) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (١/ ٤٤٨).
 (٣) أخرجه الطبري في ********«تفسيره»******** (٣/ ٣٠٠) برقم (٧١٨٧) وذكره ابن عطية في ********«تفسيره»******** (١/ ٤٤٨)، والسيوطي في **«الدر المنثور»** (٢/ ٧١)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة.
 (٤) أخرجه الطبري في ********«تفسيره»******** (٣/ ٣٠٠) برقم (٧١٩٢)، وذكره ابن عطية في ********«تفسيره»******** (١/ ٤٤٨).
 (٥) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (١/ ٤٤٨).

### الآية 3:64

> ﻿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [3:64]

واختلف المفسِّرون من المُرَاد بأهْلِ الكِتَابِ هنا، فروى قتادةُ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنهم يهودُ المدينَة، وقال ابنُ زَيْدٍ وغيره : المرادُ نصارى نجران. 
قال ( ع ) : والذي يظهر لي أنَّ الآية نزلَتْ في وَفْد نَجْرَان، لكن لفظُ الآية يعمُّهم، وسواهم من النصارى واليهود، وقد كتب النبيُّ صلى الله عليه وسلم بهذه الآية إلى هِرَقْلَ عظيمِ الرُّومِ، وكذا ينبغي أنْ يدعى بها أهل الكِتَابِ إلى يوم القيامة، والكلمةُ هنا، عند الجمهور : عبارةٌ عن الألفاظ التي تتضمَّن المعانِيَ المدعوَّ إليها، وهي ما فسر بعد ذلك، وهذا كما تسمِّي العربُ القصيدةَ كَلِمَةً، وقوله : سَوَاءٍ  نعتٌ للكلمةِ، قال قتادةُ، وغيره : معناه إلى كلمةٍ عَدْلٍ، وفي مُصْحَف ابنِ مَسْعود، ( إلى كلمةٍ عَدْلٍ )، كما فسر قتادة، قال ( ع ) : والذي أقوله في لفظة  سَوَاء  : أنها ينبغي أنْ تفسَّر بتفسير خاصٍّ بها في هذا الموضِعِ، وهو أنه دعاهم إلى معانٍ، جميعُ الناسِ فيها مُسْتَوُونَ. 
وقوله : أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ الله \[ آل عمران : ٦٤ \]. 
هو في موضعِ خفضٍ على البَدَلِ، مِنْ  كَلِمَة ، أو في موضعِ رفعٍ، بمعنى هِيَ أَلاَّ نَعْبُدَ إلاَّ اللَّه، واتخاذُ بعضهم بعضاً أرباباً، هو على مراتبَ، أشدُّها : اعتقادهم الألوهيَّة، وعبادتهم لهم كَعُزَيْرٍ، وعيسى، ومريمَ، وأدنى ذلك : طاعتهم لأساقفتهم في كلِّ ما أَمَرُوا بِهِ مِنَ الكُفْر، والمعاصِي، والتزامهم طاعتهم شرعاً. 
( م ) : فَإِن تَوَلَّوْاْ  أبو البقاءِ :( تَوَلَّوْا ) فعلٌ ماضٍ، ولا يجوزُ أنْ يكون التقديرُ :\[ تَتَوَلَّوا \] لفساد المعنى، لأنَّ قوله : فَقُولُواْ اشهدوا  خطابٌ للمؤمنين، و تَوَلَّوْاْ  للمشركينَ، اه. 
وقوله : فَقُولُوا اشهدوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ  أمر بالإعلان بمخالفتهم، ومواجهتهم بذلك وإشهادهم، على معنى التوبيخ والتهديد.

### الآية 3:65

> ﻿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [3:65]

وقوله تعالى : يا أهل الكتاب لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إبراهيم. . .  \[ آل عمران : ٦٥ \]. 
قال ابن عبَّاس، وغيره : اجتمعت نصارى نَجْرَانَ، وأحبارُ يَهُودَ عند النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فتنازعوا عنده، فقالت الأحبارُ : ما كان إبراهيمُ إلاَّ يهوديًّا، وقالتِ النصارى : ما كان إبراهيمُ إلاَّ نصرانيًّا، فأنزل اللَّه الآية.

### الآية 3:66

> ﻿هَا أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [3:66]

ومعنى قوله تعالى : فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ \[ آل عمران : ٦٦ \] أي : على زعمكم، وفسَّر الطبريُّ هذا الموضع، بأنه فيما لهم به علْمٌ من جهة كتبهم، وأنبيائِهِمْ، ممَّا أيقنوه، وثَبَتَتْ عندهم صحَّته. 
قال ( ع ) : وذهب عنه ( رحمه الله ) أنَّ ما كان هكذا، فلا يحتاجُ معهم فيه إلى محاجَّة، لأنهم يجدونه عند محمَّد صلى الله عليه وسلم، كما كان هناك على حقيقته. 
قُلْتُ : وما قاله الطبريُّ أَبْيَنُ، وهو ظاهر الآية، ومن المعلومِ أن أكثر احتجاجاتهم إنَّما كانَتْ تعسُّفاً، وجَحْداً للحَقِّ.

### الآية 3:67

> ﻿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [3:67]

وقوله تعالى : مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا \[ آل عمران : ٦٧ \]. 
أخبر اللَّه تعالى في هذه الآية عن حقيقة أمر إبراهيم عليه السلام، ونفى عنه اليهوديَّةَ والنصرانيَّةَ، والإشراكَ.

### الآية 3:68

> ﻿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۗ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [3:68]

ثم أخبر تعالى إخباراً مؤكَّداً أن أَوْلَى النَّاسِ بإبراهيم هم القومُ الَّذين اتبعوه، فيدخلُ في ذلك كُلُّ من اتبع الحنيفيةَ في الفتَرَاتِ، و هذا النبي  : يعنِي محمدًا صلى الله عليه وسلم، لأنه بعث بالحنيفيَّة السَّمْحة، و الذين ءَامَنُواْ  يعني : بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وسائرِ الأنبياء، على ما يجبُ، ثم أخبر سبحانه أنه ( وليُّ المؤمنين ) وعداً منْهُ لهم بالنَّصْر في الدنيا، والنعيم في الآخرة، روى عبدُ اللَّهِ بْنُ مسعودٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنه قَالَ :( لِكُلِّ نَبِيٍّ وُلاَةٌ مِنَ النَّبِيِّينَ، وَإنَّ وَلِيِّي مِنْهُمْ أَبِي وَخَلِيلُ رَبِّي إبْرَاهِيمُ )، ثُمَّ قَرَأَ : إِنَّ أَوْلَى الناس بإبراهيم. . .  \[ آل عمران : ٦٨ \].

### الآية 3:69

> ﻿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [3:69]

وقوله تعالى : وَدَّت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يُضِلُّونَكُمْ \[ آل عمران : ٦٩ \]. قال مَكِّيٌّ : قِيلَ : إن هذه الآية عُنِيَ بها قُرَيْظَةُ، والنَّضِيرُ، وبَنُو قَيْنُقَاع، ونصارى نَجْرَانَ. 
( ص ) قوله تعالى : وَدَّت طَّائِفَةٌ  ( وَدَّ ) : بمعنى تمنى، ويستعملُ معها : أَنْ، ولَوْ، ورُبَّمَا جمع بينهما نَحْوُ : وَدِدتُّ أَنْ لَوْ فَعَلَ، ومصدره الوَدَادَةُ، والاسْم منه الوُدُّ، وبمعنى : أَحَبَّ، فيتعدى كتَعَدِّي أَحَبَّ، ومصدره : مَوَدَّة، والاسم منه وُدٌّ، وقد يتداخَلاَنِ في الاسم والمصدر، اه. 
وقوله تعالى : وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ \[ آل عمران : ٦٩ \]. 
إعلامٌ بأن سوء فعلهم عائدٌ عليهم، وأنهم ببعدهم عن الإسلام هم الضالُّون، ثم أَعْلَمَ تعالى، أنهم لا يشعُرُونَ بذلك، أي : لا يتفطَّنون.

### الآية 3:70

> ﻿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ [3:70]

ثم وقفهم تعالى موبِّخاً لهم على لسان نبيِّه، والمعنى : قُلْ لهم، يا محمَّدُ : لأيِّ سببٍ تكفرون بآياتِ اللَّه التي هي آياتُ القرآن، وأنتم تَشْهَدُونَ، أنَّ أمره وَصِفَةَ محمَّد في كتابكم، قال هذا المعنى قتادةُ، وغيره، ويحتملُ أنْ يريد بالآياتِ ما ظَهَرَ على يده صلى الله عليه وسلم من المعجزات، قُلْتُ : ويحتملُ الجميع من الآيات المتلوَّة، والمعجزات التي شَاهَدُوها منه صلى الله عليه وسلم. 
وقال ( ص ) : وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ \[ آل عمران : ٧٠ \] جملةٌ حاليَّةٌ، ومفعول ( تَشْهَدُونَ ) : محذوفٌ، أي : أنها آيات اللَّه، أو ما يدلُّ على صحَّتها من كتابكم، أوْ بمثلها من آيات الأنبياء، اه.

### الآية 3:71

> ﻿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [3:71]

وقوله : لِمَ تَلْبِسُونَ \[ آل عمران : ٧١ \]. 
معناه تَخْلِطُونَ، تَقُولُ : لَبَسْتُ الأَمْرَ، بفتح الباءِ بمعنى خَلَطْتُهُ، ومنه قوله تعالى : وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ  \[ الأنعام : ٩ \]. 
وفي قوله : وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ  توقيفٌ علَى العنادِ ظاهرٌ، وباقي الآية تقدَّم بيانه في سورة البقرة.

### الآية 3:72

> ﻿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [3:72]

وقوله تعالى : وَقَالَت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب ءامِنُواْ بالذي أُنزِلَ عَلَى الذين ءامَنُواْ وَجْهَ النهار. . .  \[ آل عمران : ٧٢ \]. 
أخبر اللَّه سبحانه في هذه الآيةِ أنَّ طائفة من اليهودِ مِنْ أحبارهم ذهَبَتْ إلى خديعة المسلمين بهذا المَنْزَع، قال قتادة، وغيره : قال بَعْضُ الأحبار : لنظهر الإيمان بمحمَّد صَدْر النَّهار، ثم لنكْفُر به آخر النهار، فسيقول المُسْلِمُون عنْد ذلك : ما بَالُ هؤلاءِ كَانُوا مَعَنا ثم انصرفوا عَنَّا، ما ذاك إِلاَّ لأنهم انكشفت لهم حقيقةٌ في الأمر، فيشكُّون ولعلَّهم يَرْجِعُون عن الإِيمان بمحمَّد، قال الإِمام الفَخْر : وفي إِخبار اللَّه تعالى عن تواطئهم على هذه الحِيلَةِ من الفائدة وجوهٌ :
الأولُ : أنَّ هذه الحِيلَةَ كَانَتْ مخفيَّةً فيما بينهم، فلما أَخْبَرَ بها عنهم، كان إخباراً بمغيَّب، فيكون مُعْجِزاً. 
الثاني : أنه تعالى، لما أطْلَعَ المؤمنينَ على تواطئهم على هذه الحيلة، لَمْ يحصل لهذه الحيلة أثرٌ في قلوب المؤمنين، ولولا هذا الإِعلام، لأمكن تأثيرها في قَلْب من ضَعُفَ إِيمانه. 
الثالث : أنَّ القوم لما افتضحوا في هذه الحيلة، صار ذلكَ رَادِعاً لهم عن الإِقدام على أمثالها من الحِيَلِ والتَّلْبِيسِ، اه.

### الآية 3:73

> ﻿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ ۗ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [3:73]

وذكر تعالى عن هذه الطائفةِ مِنْ أَهْل الكتابِ، أنهم قالوا : وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ \[ آل عمران : ٧٣ \] ولا خلافَ أن هذا القول هو مِنْ كلام الطائفةِ، واختلف النَّاسُ في قوله تعالى : أَن يؤتى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ ، فقال مجاهد وغيره مِنْ أهل التأويل : الكلامُ كلُّه من قول الطائفة لأتْباعهم. 
وقوله تعالى : قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله \[ آل عمران : ٧٣ \] اعتراضٌ بَيْن الكلامَيْن. 
قال ( ع ) : والكلامُ على هذا التأويل يحتملُ معانِيَ :
أحدها : ولا تصدِّقوا وتؤْمنوا إلاَّ لمن جاء بِمِثْلِ دينِكُمْ، حذاراً أنْ يؤتى أحدٌ من النبوءة والكرامة مِثْلَ ما أوتيتم، وحِذَاراً أنْ يحاجُّوكم بتصديقِكُمْ إيَّاهم عنْدَ ربِّكم، إذا لم تستمرُّوا عليه، وهذا القولُ على هذا المعنى ثمرةُ الحَسَدِ والكُفْر، مع المَعْرِفَةِ بصحَّة نبوَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم، ويحتملُ الكلام أنْ يكون معناه : ولا تُؤْمنوا بمحمَّد، وتُقِرُّوا بنبوَّته، إذ قد علمتم صحَّتها إلا لليهودِ الَّذين هم مِنْكُمْ، و أَن يؤتى أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ  صفَةٌ لحالِ محمَّد صلى الله عليه وسلم، فالمعنى : تستَّروا بإقراركم أن قَدْ أوتيَ مِثْلَ ما أوتيتم، أو فإنهم ( يعنون العربَ ) يحاجُّونكم بالإقرار عند ربِّكم. 
وقرأ ابنُ كَثيرٍ وحْده مِنْ بَيْنِ السبعة :( أنْ يُؤتى ) بالمد : على جهة الاستفهام الَّذي هو تقريرٌ، وفسر أبو عليٍّ قراءة ابن كثيرٍ على أنَّ الكلام كلَّه من قول الطائفَةِ إلاَّ الاعتراض الذي هو : قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله ، فإنه لا يختلفُ، أنَّه من قول اللَّه تعالى لنبيِّه صلى الله عليه وسلم، قال : فلا يجوزُ مع الاستفهام أنْ يحمَلَ :( أن يؤتى ) على ما قبله مِنَ الفَعْلِ، لأن الاستفهامَ قاطعٌ، فيجوزُ أنْ تكونَ ( أَنْ ) في موضِعِ رَفْعٍ بالابتداء، وخبرُهُ محذوفٌ، تقديره : تُصدِّقون، أو تعترفُون، أو تذكُرونه لغيركم، ونحو هذا ممَّا يدلُّ عليه الكلام. 
قال ( ع ) : ويكونُ ( يحاجُّوكم )، على هذا معطوفاً على :( أنْ يؤتى ) قال أبو عَلِيٍّ : ويجوز أنْ يكون موضع ( أنْ ) نَصْباً، فيكونُ المعنَى : أتشيعونَ أو تَذكُرُون ( أنْ يؤتى أحدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ )، ويكون ذلك بمعنى قوله تعالى عنهم : أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ  \[ البقرة : ٧٦ \] فعلى كلا الوجهَيْن معنَى الآية توبيخٌ من الأحبارِ للأْتباعِ على تصديقهم بأنَّ محمَّداً صلى الله عليه وسلم نَبِيٌّ مبعوثٌ. 
قال ( ع ) : ويكون قوله تعالى : أَوْ يُحَاجُّوكُمْ  في تأويل نصْب ( أنْ ) بمعنى : أو تريدونَ أنْ يحاجُّوكم. 
وقال السُّدِّيُّ وغيره : الكلام كلّه من قوله : قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله  إلى آخر الآية : هو ممَّا أُمِرَ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم، أن يقوله لأمَّته، 
وحكَى الزَّجَّاج وغيره، أنَّ المعنى : قُلْ إن الهدى هو هذا الهدى، لا يؤتى أحدٌ مِثْلَ ما أوتيتم. 
ومعنى الآية على قول السدِّي : أيْ لم يعط أحدٌ مثْلَ حظِّكم، وإلاَّ فليحاجّكم مَنِ ادعى سوى ذلك، أو يكون المعنى : أو يحاجُّونكم، على معنى الازدراء باليَهُود، كأنه قال : أو هَلْ لهم أنْ يحاجُّوكم، أو يخاصمُوكُمْ فيما وهبَكُم اللَّه، وفضَّلكم به، وقال قتادةُ والرَّبيع : الكلامُ كلُّه من قوله : قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله  إلى آخر الآية هو ممَّا أُمِر به النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنْ يقوله للطائفة، قال ( ع ) : ويحتملُ أنْ يكون قوله : أَن يؤتى  بدلاً من قوله : هُدَى الله  قلْتُ : وقد أطالوا الكلامَ هنا، وفيما ذكرناه كفايةٌ. 
وقوله تعالى : قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء والله واسع عَلِيمٌ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء والله ذُو الفضل العظيم \[ آل عمران : ٧٣و٧٤ \]. في الآية تكذيبٌ لليهود في قولهم : لَنْ يُؤْتِيَ اللَّهُ أحداً مِثْلَ ما أتى بني إسرائيل، من النبوَّة والشَّرف، وباقي الآية تقدَّم تفسيرُ نظيره.

### الآية 3:74

> ﻿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [3:74]

كتابكم قال هذا المعنى قتادةُ وغيره **«١»**.
 ويحتملُ أنْ يريد بالآياتِ ما ظَهَرَ على يده صلّى الله عليه وسلّم من المعجزات.
 قُلْتُ: ويحتملُ الجميع من الآيات المتلوّة والمعجزات التي شاهدوها منه صلّى الله عليه وسلّم.
 وقال ص: وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ: جملةٌ حاليَّةٌ، ومفعول **«تَشْهَدُونَ»** : محذوفٌ، أي: أنها آيات اللَّه، أو ما يدلُّ على صحَّتها من كتابكم، أوْ بمثلها من آيات الأنبياء. اهـ.
 وقوله: لِمَ تَلْبِسُونَ: معناه: تَخْلِطُونَ: تَقُولُ: لَبَسْتُ الأَمْرَ بفتح الباءِ: بمعنى خَلَطْتُهُ ومنه قوله تعالى: وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ مَّا يَلْبِسُونَ \[الأنعام: ٩\].
 وفي قوله: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ توقيفٌ علَى العنادِ ظاهرٌ.
 وباقى الآية تقدّم بيانه في **«سورة البقرة»**.
 \[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٧٢ الى ٧٤\]
 وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)
 وقوله تعالى: وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ... الآية/ أخبر اللَّه سبحانه في هذه الآيةِ أنَّ طائفة من اليهودِ مِنْ أحبارهم ذهَبَتْ إلى خديعة المسلمين بهذا المَنْزَع، قال قتادة وغيره: قال بَعْضُ الأحبار: لنظهر الإيمان بمحمَّد صَدْر النَّهار ثم لنكْفُر به آخر النهار، فسيقول المُسْلِمُون عنْد ذلك: ما بَالُ هؤلاءِ كَانُوا مَعَنا ثم انصرفوا عَنَّا، ما ذاك إِلاَّ لأنهم انكشفت لهم حقيقةٌ في الأمر، فيشكُّون، ولعلَّهم يَرْجِعُون عن الإِيمان **«٢»** بمحمَّد، قال الإِمام الفَخْر **«٣»** : وفي إِخبار اللَّه تعالى عن تواطئهم على هذه الحِيلَةِ من الفائدة وجوه:

 (١) أخرجه الطبري في **********«تفسيره»********** (٣/ ٣٠٧) برقم (٧٢١٥)، وذكره الماوردي في **********«تفسيره»********** (١/ ٤٠٠) بنحوه، وابن عطية (١/ ٤٥٢)، والسيوطي في **«الدر المنثور»** (٢/ ٧٥)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة.
 (٢) أخرجه الطبري في **********«تفسيره»********** (٣/ ٣٠٨) برقم (٧٢٢٠) بنحوه، وذكره الماوردي (١/ ٤٠١)، والبغوي في **********«تفسيره»********** (١/ ٣١٥)، وابن عطية (١/ ٤٥٣)، وابن كثير في **********«تفسيره»********** (١/ ٣٧٣).
 (٣) ينظر: **«مفاتيح الغيب»** (٨/ ٨٤).

الأولُ: أنَّ هذه الحِيلَةَ كَانَتْ مخفيَّةً فيما بينهم، فلما أَخْبَرَ بها عنهم، كان إخباراً بمغيَّب، فيكون مُعْجِزاً.
 الثاني: أنه تعالى، لما أطْلَعَ المؤمنينَ على تواطئهم على هذه الحيلة، لَمْ يحصل لهذه الحيلة أثرٌ في قلوب المؤمنين، ولولا هذا الإِعلام، لأمكن تأثيرها في قَلْب من ضَعُفَ إِيمانه.
 الثالث: أنَّ القوم لما افتضحوا في هذه الحيلة، صار ذلكَ رَادِعاً لهم عن الإِقدام على أمثالها من الحِيَلِ والتَّلْبِيسِ اهـ.
 وذكر تعالى عن هذه الطائفةِ مِنْ أَهْل الكتابِ أنهم قالوا: وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، ولا خلافَ أن هذا القول هو مِنْ كلام الطائفةِ، واختلف النَّاسُ في قوله تعالى:
 أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ، فقال مجاهد وغيره مِنْ أهل التأويل: الكلامُ كلُّه من قول الطائفة لأتْباعهم **«١»**.
 وقوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ اعتراضٌ بَيْن الكلامَيْن قال ع **«٢»** : والكلامُ على هذا التأويل يحتملُ معانِيَ:
 أحدها: ولا تصدِّقوا وتؤْمنوا إلاَّ لمن جاء بِمِثْلِ دينِكُمْ حذاراً أنْ يؤتى أحدٌ من النبوَّة والكرامة مِثْلَ ما أوتيتم، وحِذَاراً أنْ يحاجُّوكم بتصديقِكُمْ إيَّاهم عنْدَ ربِّكم، إذا لم تستمرُّوا عليه، وهذا القولُ على هذا المعنى ثمرةُ الحَسَدِ والكُفْر، مع المعرفة بصحّة نبوّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم، ويحتملُ الكلام أنْ يكون معناه: ولا تُؤْمنوا بمحمَّد، وتُقِرُّوا بنبوَّته إذ قد علمتم صحَّتها إلا لليهود الّذين هم منكم، وأَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ: صفَةٌ لحالِ محمّد صلّى الله عليه وسلّم، فالمعنى: تستَّروا بإقراركم أن قَدْ أوتيَ مِثْلَ ما أوتيتم، أو فإنهم (يعنون العربَ) يحاجُّونكم بالإقرار عند ربِّكم.
 وقرأ ابنُ كَثيرٍ وحْده مِنْ بَيْنِ السبعة: **«آنْ يُؤتى»** بالمد: على جهة الاستفهام الَّذي هو تقريرٌ **«٣»**، وفسر أبو عليٍّ قراءة ابن كثيرٍ على أنَّ الكلام كلّه من قول الطائفة إلّا

 (١) أخرجه الطبري في ****«تفسيره»**** (٣/ ٣١١) برقم (٧٢٤٢) عن قتادة قال: هذا قول بعضهم لبعض. وذكره ابن عطية في ****«تفسيره»**** (١/ ٤٥٤).
 (٢) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (١/ ٤٥٤).
 (٣) قال الأزهري: ومن قرأ بالمد فهو استفهام معناه الإنكار، وذلك أن أحبار اليهود قالوا لذويهم: أيؤتى أحد مثل ما أوتيتم؟ أي: لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم. -

الاعتراض الذي هو: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ فإنه لا يختلفُ أنَّه من قول الله تعالى لنبيّه صلّى الله عليه وسلّم، قال: فلا يجوزُ مع الاستفهام أنْ يحمَلَ: **«آن يؤتى»** على ما قبله مِنَ الفَعْلِ لأن الاستفهامَ قاطعٌ، فيجوزُ أنْ تكونَ **«أَنْ»** في موضِعِ رَفْعٍ بالابتداء، وخبرُهُ محذوفٌ، تقديره:
 تُصدِّقون أو تعترفُون أو تذكِّرونه لغيركم، ونحو هذا ممَّا يدلُّ عليه الكلام.
 قال ع **«١»** : ويكونُ **«يحاجُّوكم»** على هذا معطوفاً على: **«أنْ يؤتى»**. قال أبو عَلِيٍّ: ويجوز أنْ يكون موضع ****«أنْ»**** نَصْباً، فيكونُ المعنَى: أتشيعونَ أو تَذكُرُون أنْ يؤتى أحدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، ويكون ذلك بمعنى قوله تعالى عنهم: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ \[البقرة: ٧٦\]، فعلى كلا الوجهَيْن/ معنَى الآية توبيخٌ من الأحبارِ للأْتباعِ على تصديقهم بأنّ محمّدا صلّى الله عليه وسلّم نَبِيٌّ مبعوثٌ.
 قال ع **«٢»** : ويكون قوله تعالى: أَوْ يُحاجُّوكُمْ في تأويل نصْب ****«أنْ»**** بمعنى:
 أو تريدونَ أنْ يحاجُّوكم.
 وقال السُّدِّيُّ وغيره: الكلام كله من قوله: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ إلى آخر الآية: هو مما أمر به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يقوله لأمَّته **«٣»**.
 وحكَى الزَّجَّاج **«٤»** وغيره أنَّ المعنى: قُلْ إن الهدى هو هذا الهدى، لا يؤتى أحدٌ مِثْلَ ما أوتيتم.
 ومعنى الآية على قول السدِّيِّ: أيْ: لم يعط أحدٌ مثْلَ حظِّكم، وإلاَّ فليحاجَّكم مَنِ ادعى سوى ذلك، أو يكون المعنى: أو يحاجُّونكم على معنى الازدراء باليَهُود كأنه قال:
 أو هَلْ لهم أنْ يحاجُّوكم، أو يخاصمُوكُمْ فيما وهبَكُم اللَّه، وفضَّلكم به، وقال قتادةُ والرَّبيع: الكلام كله من قوله: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ إلى آخر الآية هو مما أمر به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يقوله للطائفة.

 - ينظر: **«معاني القراءات»** (١/ ٢٦٠)، و **«السبعة»** (٢٠٧)، و **«الكشف»** (١/ ١٤٧)، و **«الحجة»** (٣/ ٥٢)، و **«حجة القراءات»** (١٦٥)، و **«إعراب القراءات»** (١/ ١١٤)، و **«العنوان»** (٨٠)، و **«شرح الطيبة»** (٤/ ١٦٠)، و **«إتحاف فضلاء البشر»** (١/ ٤٨٢).
 (١) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (١/ ٤٥٥).
 (٢) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (١/ ٤٥٥).
 (٣) أخرجه الطبري (٣/ ٣١٢) برقم (٧٢٤٨)، وذكره ابن عطية (١/ ٤٥٦)، والسيوطي (٢/ ٧٦)، وعزاه لابن أبي حاتم عن السدي.
 (٤) **«معاني القرآن»** (١/ ٤٣٠).

### الآية 3:75

> ﻿۞ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [3:75]

وقوله تعالى : وَمِنْ أَهْلِ الكتاب مَنْ إِن تَأْمَنْهُ. . .  \[ آل عمران : ٧٥ \]. 
أخبر تعالى عن أهْل الكتاب، أنهم قسْمَانِ في الأمانةِ، ومَقْصِدُ الآية ذمُّ الخَوَنَةِ منْهم، والتفنيدُ لرأيهم وكَذِبِهِمْ على اللَّه، في استحلالهم أموالَ العَرَبِ، قال الفَخْر : وفي الآية ثلاثةُ أقوال :
الأول : أنَّ أهل الأمانةِ منهم الَّذين أسْلَمُوا، أمَّا الذين بَقُوا عَلَى اليهوديَّة، فهم مصرُّون عَلَى الخيَانَة، لأن مذهبهم أنَّه يحلُّ لهم قَتْل كلِّ من خالفهم في الدِّينِ، وأَخْذ ماله. 
الثَّاني : أنَّ أهل الأمانة منهم هم النصارى، وأهل الخيانة هم اليهودُ. 
الثالث : قال ابنُ عَبَّاس : أوْدَعَ رجلٌ عبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلاَمٍ أَلْفاً ومِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ مِنْ ذَهَبٍ فأدَّى إلَيْه، وأودَعَ آخَرُ فِنْحَاصاً اليهوديَّ ديناراً فخانه، فنزلَتِ الآية. اه. 
قال ابنُ العَرَبِيِّ في **«أحكامِهِ »** :\[ قال الطبريُّ \] : وفائدةُ هذه الآيةِ النهْيُ عن ائتمانهم على مالٍ، وقالَ شيْخُنا أبو عبدِ اللَّهِ \[ المغربيُّ \] : فائدتُها ألاَّ يؤُتَمَنُوا على دِينٍ، يدُلُّ عليه ما بعده في قوله : وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بالكتاب \[ آل عمران : ٧٨ \] الآية، والصحيحُ عندي : أنها في المالِ نصٌّ، وفي الدِّينِ \[ تنبيهٌ \]، فأفادَتِ المعنيين بهذَيْنِ الوجهَيْنِ، قال ابنُ العربيِّ : فالأمانةُ عظيمةُ القَدْرِ في الدِّينِ، ومن عظيمِ قَدْرها أنها تقفُ على جَنَبَتَيِ الصِّراطِ لا يُمَكَّنُ من الجواز إلا مَنْ حفظها، ولهذا وجَبَ علَيْكَ أن تؤدِّيها إلى من ائتمنك، ولا تَخُنْ مَنْ خانك، \[ فتقابل المعْصِيَةَ بالمَعْصية \]، \[ وكذلك لا يجوزُ أنْ تَغْدُرَ مَنْ غَدَرَكِ \]. قال البخاريُّ : باب إثْمِ الغَادِرِ \[ للْبَرِّ \]، والفَاجِرِ، اه. 
و( القِنْطَارُ )، في هذه الآية : مثالٌ للمالِ الكَثيرِ، يَدْخُلُ فيه أكثر من القِنْطَارِ، وأقلُّ، وأَمَّا الدينار، فيحتملُ أنْ يكون كذلك مثالاً لما قَلَّ، ويحتملُ أنْ يريد أنَّ منهم طبقةً لا تخون إلا في دينار فما زاد، ولم يُعْنَ لذكْرِ الخائنَين في أقَلَّ، إذ هم طَغَامٌ حُثَالَةٌ، و( دَامَ ) معناه : ثَبَثَ. 
وقوله : قَائِمَاً  يحتملُ معنيين : قال قتادة، ومجاهد، والزَّجَّاج : معناه قَائِماً على اقتضاءِ حَقِّك، يريدون بأنواع الاقتضاءِ من الحَفْزِ والمُرَافَعَةِ إلى الحاكِمِ مِنْ غَيْر مراعاة لهيئة هذا الدِّائِم، وقال السُّدِّيُّ وغيره : معنى ( قَائِماً ) على رأسه. 
وقوله : ذلك بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأميين سَبِيلٌ \[ آل عمران : ٧٥ \]. الإشارة بذَلِكَ إلى كونهم لا يؤدُّون الأمانة، أي : يقولون نحن من أهل الكتاب، والعرب أُمِّيُّونَ أَصْحَابُ أوثانٍ، فأموالهم، لنا حلالٌ متى قَدَرْنا على شيْءٍ منها، لا حُجَّة عَلَيْنَا في ذلك، ولا سبيلَ لمعترضٍ. 
وقوله تعالى : وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ \[ آل عمران : ٧٥ \]. 
ذمٌّ لبني إسرائيل بأنهم يَكْذِبُونَ علَى اللَّه سبحانه، في غير مَا شَيْءٍ، وهم عَالِمُونَ بمواضعِ الصِّدْق. 
قال ( ص ) : وَهُمْ يَعْلَمُونَ  جملةٌ حاليَّةٌ، اه.

### الآية 3:76

> ﻿بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَىٰ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [3:76]

ردَّ اللَّه تعالى في صَدْر قولهم : لَيْسَ عَلَيْنَا ، بقوله : بلى ، أي : عليهم سبيلٌ، وحُجَّةٌ، وتِبَاعَةٌ، ثُمَّ أخبر، على جهة الشرط، أنَّ ( مَنْ أوفى ) بالعَهْد، ( واتقى ) عقُوبةَ اللَّهِ في نَقْضه، فإنه محبوبٌ عند اللَّه.

### الآية 3:77

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [3:77]

وقوله تعالى : إِنَّ الذين يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله. . .  \[ آل عمران : ٧٧ \]. 
آية وعيدٍ، لمن فعل هذه الأفاعيل إلى يوم القيامة، وهي آية يدخُلُ فيها الكُفْر فما دونه من جَحْد الحَقِّ، وخَتْرِ المواثيقِ، وكلٌّ يأخذ من وعيدها، بحَسَب جريمتِهِ، قال ابنُ العربِيِّ في أحكامه : وقد اختلف الناسُ في سَبَب نزول هذه الآيةِ، والذي يصحُّ من ذلك : أنَّ عبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( مَنْ حَلَفَ يَمِينَ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امرئ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللَّهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ )، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ،  إِنَّ الذين يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وأيمانهم ثَمَنًا قَلِيًلاً. . .  قال : فجاء الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ : فِيَّ نَزَلَتْ، كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابن عَمٍّ لِي، وفِي رِوَايَةٍ : كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ أَرْضٌ فَجَحَدَنِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ، قُلْتُ : إذَن يَحْلِفَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ) وذَكَرَ الحديث، اه.

### الآية 3:78

> ﻿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [3:78]

وقوله تعالى : وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بالكتاب. . .  \[ آل عمران : ٧٨ \]. ( يَلْوُونَ ) معناه : يحرِّفون ويتحيَّلون، لتبديل المعانِي، من جهة اشتباه الألفاظ واشتراكها، وتشعُّب التأويلات كقولهم : راعنا  \[ البقرة : ١٠٤ \]،  واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ  \[ النساء : ٤٦ \] ونحو ذلك، وليس التبديلُ المحْضُ بِلَيٍّ، وحقيقةُ اللَّيِّ في الثِّيَابِ والحِبَالِ ونحوها، وهو فَتْلُها وإراغتها، ومنه : لَيُّ العُنُق، ثم استعمل ذلك في الحُجَج، والخُصُوماتِ، والمُجَادلاتِ، و( الكِتَابُ ) في هذا الموضع : التوراةُ، والضميرُ في ( تَحْسَبُوهُ ) للمسلمين. 
وقوله : وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله  نفْيٌ أنْ يكون منزَّلاً من عند اللَّه، كما ادعوا، وهو من عند اللَّه، بالخَلْق، والاختراع، والإيجاد، ومنهم بالتكسُّبِ.

### الآية 3:79

> ﻿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ [3:79]

وقوله تعالى : مَا كَانَ لِبَشَرٍ. . .  \[ آل عمران : ٧٩ \]، معناه : النفْيُ التامُّ، لأنا نقطع أنَّ اللَّه لا يؤتي النبوءة للكَذَبَةِ والمدَّعِينَ، و الكتاب  هنا اسم جنس، و  الحكم  : بمعنى الحكمةِ، ومنه قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم :( إنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحُكْماً )، وقال الفَخْر : هنا اتفق أهْلُ اللغة والتفْسير على أنَّ هذا الحكم هو العلْم، قال تعالى : وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً  \[ مريم : ١٢ \] يعني : العلم والفهم، اه. 
و( ثُمَّ ) : في قوله : ثُمَّ يَقُولُ  معطيةٌ تعظيمِ الذنْبِ في القولِ بعد مُهْلة من هذا الإنعام، وقوله : عِبَاداً  جمع عَبْدٍ، ومن جموعه عَبِيد، وعِبِدي. 
قال ( ع ) : والذي استقْرَيْتُ في لفظة ( العِبَادِ )، أنه جَمْعُ عَبْدٍ، متى سيقَتِ اللفظةُ في مضمارِ الترفيعِ، والدلالةِ على الطاعة، دون أنْ يقترن بها معنى التَّحْقير، وتصغير الشأن، وأما العَبِيدُ، فيستعمل في التحْقِيرِ. 
قال ( ص ) : ونوقش ابْنُ عطيَّة بأنَّ عِبِدي : اسْمُ جمعٍ، وتفريقه بيْن عِبَادٍ وعَبِيدٍ لا يصحُّ، اه. 
قلتُ : وقوله تعالى : أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ  \[ الفرقان : ١٧ \] ونحوه يوضِّحه، اه. 
ومعنى الآيةِ : ما كان لأحَدٍ من النَّاسِ أنْ يَقُولَ : اعبدوني، واجعلوني إلَهاً، قال النَّقَّاشُ، وغيره : وهذه الإِشارة إلى عيسى عليه السلام، والآية رادَّة على النصارى، وقال ابنُ عَبَّاس وجماعةٌ من المفسِّرين : بل الإشارةُ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وسببُ نزولِ الآيةِ أنَّ أبا رافِعٍ القُرَظِيَّ، قال للنبيِّ صلى الله عليه وسلم حِينَ اجتمعت الأحبارُ من يهودَ، والوَفْدُ مِنْ نصارى نَجْرَانَ : يَا مُحَمَّدُ، إنَّمَا تُرِيدُ أَنْ نَعْبُدَكَ وَنَتَّخِذَكَ إلَهاً، كَمَا عَبَدَتِ النصارى عيسى، فَقَالَ الرَّئِيسُ مِنْ نصارى نَجْرَانَ : أَوَ ذَاكَ تُرِيدُ يَا مُحَمَّدُ، وَإلَيْهِ تَدْعُونَا ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم :( مَعَاذَ اللَّهِ مَا بِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَلاَ إلَيْهِ دَعَوْتُ )، فنزلَتِ الآية، قال بعْضُ العلماءِ : أرادَتِ الأحبار أنْ تُلْزِمَ هذا القوْلَ محمَّداً صلى الله عليه وسلم، لَمَّا تلا علَيْهِمْ : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعوني  \[ آل عمران : ٣١ \] وإنَّما معنى الآيةِ : فاتبعوني فيما أدْعُوكُمْ إليه مِنْ طاعة اللَّهِ، فحرَّفوها بتأوُّلهم، وهذا مِنْ نوع لَيِّهِمُ الكتابَ بألسنتهم، قال الفَخْر : وقال ابنُ عبَّاس : إن الآية نزَلَتْ بسبب قولِ النَّصَارَى :( المَسِيحُ ابن اللَّهِ )، وقولِ اليهود :( عُزَيْرٌ ابن اللَّه ) وقيل : إن رجلاً من المسلِمِينَ. قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلاَ نَسْجُدُ لَكَ ؟ فَقَالَ عليه السلام :( مَا يَنْبَغِي السُّجُودُ إلاَّ لِلَّهِ )، قيلَ : وقوله تعالى : أَيَأْمُرُكُم بالكفر بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ \[ آل عمران : ٨٠ \] يقوِّي هذا التأويل، اه. 
وقوله تعالى : ولكن كُونُواْ ربانيين \[ آل عمران : ٧٩ \]. 
المعنى : ولكنْ يقول :( كونُوا ربانيِّين )، وهو جَمْعُ رَبَّانِيٍّ، قال قومٌ : منْسُوبٌ إلَى الرَّبِّ، من حيثُ هو عَالِمٌ ما علمه، عَامِلٌ بطاعته، معلِّم للناس ما أُمِرَ به، وزِيدَتْ فيه النُّونُ مبالغةً، وقال قومٌ : منسوبٌ إلى الرّبَّان، وهو معلِّم الناس، مأخوذ من : رَبّ يَرُبُّ، إِذا أصلح وربى، والنُّون أيضاً زائدة، كما زيدَتْ في غَضْبَان، وعَطْشَان، وفي البخاريِّ : الرَّبَّانِيُّ الذي يُرَبِّي النَاس بصغارِ العِلْمِ قبل كِبارِهِ. 
قال ( ع ) : فجملةُ ما يُقَالُ في الرَّبَّانِيِّ : أنه العالمُ بالرَّبِّ، والشرعِ، المصيبُ في التقديرِ من الأقوال والأفعال الَّتي يحاولُها في النَّاس، وقوله : بِمَا كُنتُمْ  معناه : بسَبَبِ كونكُمْ عالمينَ دارِسِينَ، ف( مَا ) : مصدريةٌ، وأسند أبو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ في كتاب **«فَضْلِ العِلْمِ »**، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( العِلْمُ عِلْمَانِ : علْمٌ فِي القَلْب، فَذَلِكَ العِلْمُ النَّافِعُ، وعِلْمٌ في اللسان، فذلك حُجَّة اللَّه ( عزَّ وجَلَّ ) على ابن آدَمَ، ومِنْ حديثِ ابن وَهْبٍ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( هَلاَكُ أُمَّتِي عَالِمٌ فَاجِرٌ، وعَابِدٌ جَاهِلٌ، وَشَرُّ الشِّرَارِ جَبَّارُ العُلَمَاءِ، وَخَيْرُ الخِيَارِ خِيَارُ العُلَمَاءِ ) اه. 
وقرأ جمهورُ النَّاس :( تَدْرُسُونَ )، بضم الرَّاء : من دَرَسَ، إذا أَدْمَنَ قراءةَ الكِتَابِ، وكرَّره.

### الآية 3:80

> ﻿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا ۗ أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [3:80]

قرأ نافع وغيره :( وَلاَ يَأْمُرُكُمْ )، برفع الراء على القَطْع، قال سِيبَوَيْهِ : المعنى لا يأمركم اللَّه، وقال ابْنُ جُرَيْجٍ وغيره : المعنى : ولا يأمركم هذا البَشَر الذي أُوتِيَ هذه النعَمَ، وهو محمَّد صلى الله عليه وسلم، وأما قراءةُ مَنْ نَصَب الراء، وهو حمزةُ وغيره، فهي عَطْفٌ على قوله : أَن يُؤْتِيهُ الله ، المعنى : ولا له أنْ يأمركم، قاله أبُو عَلِيٍّ، وغيره، وهو الصوابُ، لا ما قاله الطَّبَرِيُّ، من أنَّها عطْفٌ على قوله : ثُمَّ يَقُولُ ، والأربابُ، في هذه الآية : بمعنى الآلهة.

### الآية 3:81

> ﻿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [3:81]

وقوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كتاب وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ \[ آل عمران : ٨١ \]. المعنى : واذكر يا محمَّد إذْ، فيحتملُ أن يكون أخذ هذا الميثاق، حين أَخرج بني آدم مِنْ ظَهْر آدم نَسَماً، ويحتملُ أنْ يكون هذا الأخْذُ على كلِّ نبيٍّ في زمنه، ووقت بعثه، والمعنى : إنَّ اللَّه تعالى أخذ ميثاقَ كُلِّ نبيٍّ، بأنه ملتزمٌ هو ومن آمَنَ به الإيمانَ بمَنْ أتى بعده من الرُّسُل، والنَّصْرَ له، وقال ابن عبَّاس : إِنما أخذ اللَّه ميثاقَ النَّبيِّين على قومهم، فهو أخذ لميثاقِ الجميع، وقال عَلِيُّ بْنُ أبي طَالِبٍ ( رضي اللَّه عنه ) : لَمْ يبعثِ اللَّهُ نَبِيًّا آدَمَ فَمَنْ بعده، إلا أخذ عليه العَهْدَ في محمَّد صلى الله عليه وسلم لَئِنْ بُعثَ، وهو حيٌّ، لَيُؤْمِنَنَّ به، ولينصُرَنَّه، وأمره بأخذه على قومه، ثم تلا هذه الآيةَ، وقاله السُّدِّيُّ. 
وقرأ حمزةُ :( لِمَا ) بكسر اللام، وهي لامُ الجَرِّ، والتقديرُ لأجْلِ ما آتيناكم، إذْ أنتم القادَةُ، والرؤوس، ومَنْ كان بهذه الحال، فهو الذي يُؤْخَذُ ميثاقُهُ، و ( ما ) في هذه القراءةِ بمعنَى ( الَّذِي )، والعائدُ إلَيْها من الصِّلَة، تقديره : آتيناكموه، و ( مِنْ ) : لبيانِ الجنسِ، و ثُمَّ جَاءَكُمْ. . .  الآية : جملةٌ معطوفةٌ على الصِّلة، ولا بُدَّ في هذه الجملة مِنْ ضميرٍ يعودُ على الموصُول، وإنما حذف، تخفيفاً لطول الكلام، وتقديره عند سيبويه : رَسُولٌ بِهِ 
( مصَدِّقٌ لِمَا معَكُمْ ) واللامُ فِي :( لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ) هي اللامُ المتلقِّية للقَسَمِ، الذي تضمَّنه أخْذُ الميثاقِ، وفصل بَيْن القَسَم والمُقْسَم عليه بالجارِّ والمجرورِ، وذلك جائِزٌ، وقرأ سائِرُ السَّبْعة ( لَمَا ) بفتح اللام، وذلك يتخرَّج على وجهين :
أَحدهما : أنْ تكون ( مَا ) موصولةً في مَوْضع رفع بالابتداء، واللاَّمُ لامُ الابتداء، وهي متلقِّية لما أُجْرِيَ مُجْرَى القَسَم، من قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين ، وخَبَرُ الابتداءِ قولُهُ : لَتُؤْمِنُنَّ ، و( لَتُؤْمِنُنَّ ) : متعلِّق بقَسَمٍ محذوفٍ بالمعنى : واللَّهِ لَتُؤْمِنُنَّ، قاله أبو عَلِيٍّ وهو متَّجِه، بأنَّ الحَلِفَ يقع مرَّتين. 
والوجْهُ الثاني : أنْ تكونَ ( ما ) للجزاءِ شرْطاً، فتكون في موضع نصبٍ بالفعلِ الذي بعْدَهَا، وهو مجزومٌ، و( جَاءَكُمْ ) معطوفٌ في موضع جزمٍ، واللام الداخلَةُ على ( مَا ) ليسَتِ المتلقِّية للقَسَمِ، ولكنها الموطِّئةُ المُؤْذِنَةُ بمجيءِ لامِ القَسَم، فهي بمَنْزِلَة اللاَّم في قوله تعالى : لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ المنافقون  
\[ الأحزاب : ٦٦ \] لأنها مؤذِنَةٌ بمجيء المتلقِّية للقسم في قوله : لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ  \[ الأحزاب : ٦٠ \] وكذلك هذه مؤذنةٌ بمجيء المتلقِّية للقَسَمِ في قوله :( لَتُؤْمِنُنَّ ). 
وقرأ نافعٌ وحْده :( آتَيْنَاكُمْ ) بالنُّون، وقرأ الباقون :( آتَيْتُكُمْ )، بالتاء، و( رَسُول )، في هذه الآية : اسمُ جنسٍ، وقال كثيرٌ من المفَسرين هو نبيُّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم. 
وقوله تعالى : قَالَ ءأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِي. . . \[ آل عمران : ٨١ \]. 
هذه الآية : هي وصْفُ توقيفِ الأنبياء -عليهم السلام- على إِقرارهم بهذا الميثاق، والتزامهم له،  وَأَخَذْتُمْ ، في هذه الآية : عبارةٌ عمَّا تحصَّل لهم من إيتاء الكُتُبِ، والحِكْمة، فَمِنْ حيْثُ أخذ عليهم، أخذوا هم أيضًا، وقال الطَّبَرِيُّ : أَخَذْتُمْ ، في هذه الآية : معناه قَبِلْتُمْ، و( الإصْر ) : العَهْد لا تَفْسِير له في هذا الموضع إلا ذَلِكَ. 
وقوله تعالى : فاشهدوا  يحتملُ معنَيَيْنِ :
أحدهما : فاشهدوا على أممكم المؤمنينِ بكُمْ، وعلى أنْفُسِكُمْ بالتزام هذا العَهْد، قاله الطَّبَرِيُّ، وجماعة، والمعنى الثاني : بُثوا الأمْرَ عنْد أممكم، واشهدوا به، وشهادةُ اللَّهِ على هذا التأويل هي إعطاء المُعْجَزَاتِ، وإقرارُ نُبُوءاتهم، هذا قَوْلُ الزَّجَّاج وغيره. 
وقال ( ع ) : فتأمَّل أنَّ القول الأول هو إيداعُ الشهادةِ واستحفاظها، والقولُ الثَّانِي هو الأمر بأدائها، وحَكَمَ الله تعالى بالفِسْقِ على مَنْ تولى مِنَ الأمم بَعْدَ هذا الميثاق، قاله عليُّ بْنُ أبي طَالِبٍ، وغيره، وقرأ أبو عَمرٍو :( يَبْغُونَ )، بالياء مِنْ أَسْفَلُ مفْتُوحَة، و( تَرْجِعُونَ ) بالتَّاء من فوقُ مضمومةً، وقرأ عاصمٌ بالياءِ من أسفَلُ فيهما، وقرأ الباقُون بالتَّاء فيهما، ووجوه هذه القراءاتِ لا تخفى بأدنى تأمُّل. 
و تَبْغُونَ  معناه : تَطْلُبُونَ.

### الآية 3:82

> ﻿فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [3:82]

وقرأ جمهورُ النَّاس: **«تَدْرُسُونَ»** بضم الرَّاء: من دَرَسَ، إذا أَدْمَنَ قراءةَ الكِتَابِ، وكرَّره.
 وقرأ نافع وغيره: **«وَلاَ يَأْمُرُكُمْ»** برفع الراء: على القَطْع **«١»** قال سِيبَوَيْهِ: المعنى لا يأمركم اللَّه، وقال ابْنُ جُرَيْجٍ وغيره: المعنى: ولا يأمركم هذا البَشَر الذي أُوتِيَ هذه النعَمَ، وهو محمّد صلّى الله عليه وسلّم **«٢»**، وأما قراءةُ مَنْ نَصَب الراء، وهو حمزةُ وغيره، فهي عَطْفٌ على قوله:
 أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ، المعنى: ولا له أنْ يأمركم قاله أبُو عَلِيٍّ وغيره **«٣»**، وهو الصوابُ، لا ما قاله الطَّبَرِيُّ **«٤»** من أنَّها عطْفٌ على قوله: ثُمَّ/ يَقُولَ، والأربابُ في هذه الآية:
 بمعنى الآلهة.
 \[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٨١ الى ٨٥\]
 وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥)
 وقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ: المعنى: واذكر يا محمَّد إذْ، فيحتملُ أن يكون أخذ هذا الميثاق حين أَخرج بني آدم مِنْ ظَهْر آدم نَسَماً، ويحتملُ أنْ يكون هذا الأخْذُ على كلِّ نبيٍّ في زمنه، ووقت بعثه، والمعنى: إنَّ اللَّه تعالى أخذ ميثاقَ كُلِّ نبيٍّ بأنه ملتزمٌ هو ومن آمَنَ به الإيمانَ بمَنْ أتى بعده من الرُّسُل، والنّصر له، وقال ابن عبّاس: إنما

 (١) ينظر: **«السبعة»** (٢١٣)، و **«الكشف»** (١/ ٣٥٠)، و **«الحجة»** (٣/ ٥٧)، و **«معاني القراءات»** (١/ ٢٦٤)، و **«حجة القراءات»** (١٦٨)، و **«العنوان»** (٨٠)، و **«إعراب القراءات»** (١/ ١١٦)، و **«شرح طيبة النشر»** (٤/ ١٦١)، و **«شرح شعلة»** (٣١٩)، و **«إتحاف»** (١/ ٤٨٣).
 (٢) أخرجه الطبري بنحوه في ********«تفسيره»******** (٣/ ٣٢٧) برقم (٧٣٢٠)، وذكره البغوي في ********«تفسيره»******** (١/ ٣٢١)، وابن عطية في ********«تفسيره»******** (١/ ٤٦٣)، والسيوطي في **«الدر المنثور»** بنحوه (٢/ ٨٣)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر.
 (٣) ذكره ابن عطية في ********«تفسيره»******** (١/ ٤٦٣).
 (٤) ينظر: **«تفسير الطبري»** (٣/ ٣٢٧).

أخذ اللَّه ميثاقَ النَّبيِّين على قومهم، فهو أخذ لميثاقِ الجميع **«١»**، وقال عَلِيُّ بْنُ أبي طَالِبٍ (رضي اللَّه عنه) : لَمْ يبعثِ اللَّهُ نَبِيًّا آدَمَ فَمَنْ بعده، إلا أخذ عليه العهد في محمّد صلّى الله عليه وسلّم: لَئِنْ بُعثَ، وهو حيٌّ، لَيُؤْمِنَنَّ به، ولينصُرَنَّه **«٢»**، وأمره بأخذه على قومه، ثم تلا هذه الآيةَ، وقاله السُّدِّيُّ **«٣»**.
 وقرأ حمزةُ: **«لِمَا»** بكسر اللام **«٤»**، وهي لامُ الجَرِّ، والتقديرُ لأجْلِ ما آتيناكم إذْ أنتم القادَةُ والرءوس، ومَنْ كان بهذه الحال، فهو الذي يُؤْخَذُ ميثاقُهُ، و ****«ما»**** في هذه القراءةِ بمعنَى **«الَّذِي»**، والعائدُ إلَيْها من الصِّلَة، تقديره: آتيناكموه، و **«مِنْ»** : لبيان الجنس، وثُمَّ جاءَكُمْ... الآية: جملةٌ معطوفةٌ على الصِّلة، ولا بُدَّ في هذه الجملة مِنْ ضميرٍ يعودُ على الموصُول، وإنما حذف تخفيفاً لطول الكلام، وتقديره عند سيبويه: رَسُولٌ بِهِ مصَدِّقٌ لِمَا معَكُمْ، واللامُ فِي: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ هي اللامُ المتلقِّية للقَسَمِ الذي تضمَّنه أخْذُ الميثاقِ، وفصل بَيْن القَسَم والمُقْسَم عليه بالجارِّ والمجرورِ، وذلك جائِزٌ، وقرأ سائِرُ السَّبْعة **«لَمَا»** بفتح اللام، وذلك يتخرَّج على وجهين:
 أَحدهما: أنْ تكون **«مَا»** موصولةً في مَوْضع رفع بالابتداء، واللاَّمُ لامُ الابتداء، وهي متلقِّية لما أُجْرِيَ مُجْرَى القَسَم من قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ، وخَبَرُ الابتداءِ قولُهُ: لَتُؤْمِنُنَّ، ولَتُؤْمِنُنَّ: متعلِّق بقَسَمٍ محذوفٍ، فالمعنى: واللَّهِ، لَتُؤْمِنُنَّ، قاله أبو عَلِيٍّ **«٥»** وهو متَّجِه بأنَّ الحَلِفَ يقع مرَّتين.
 والوجْهُ الثاني: أنْ تكونَ ****«ما»**** للجزاءِ شرْطاً، فتكون في موضع نصبٍ بالفعلِ الذي

 (١) أخرجه الطبري في ******************«تفسيره»****************** (٣/ ٣٣٠) برقم (٧٣٢٤)، وذكره الماوردي في ******************«تفسيره»****************** (١/ ٤٠٦)، والبغوي في ******************«تفسيره»****************** (١/ ٣٢٢)، وابن عطية (١/ ٤٦٤)، والسيوطي في ******«الدر المنثور»****** (٢/ ٨٤)، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
 (٢) أخرجه الطبري في ******************«تفسيره»****************** (٣/ ٣٣٠) برقم (٧٣٢٦)، وذكره الماوردي في ******************«تفسيره»****************** بنحوه (١/ ٤٠٦)، والبغوي في ******************«تفسيره»****************** (١/ ٣٢٢)، وابن عطية (١/ ٤٦٤)، والسيوطي في ******«الدر المنثور»****** (٢/ ٨٤).
 (٣) أخرجه الطبري في ******************«تفسيره»****************** (٣/ ٣٣٠) برقم (٧٣٢٩)، وذكره الماوردي في ******************«تفسيره»****************** (١/ ٤٠٦)، وابن عطية (١/ ٤٦٤)، والسيوطي في ******«الدر المنثور»****** (٢/ ٨٤)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.
 (٤) ينظر: **«السبعة»** (٢١٣)، و **«الكشف»** (١/ ٣٥١)، و **«الحجة»** (٣/ ٦٢)، و **«إعراب القراءات»** (١/ ١١٦)، و **«شرح الطيبة»** (٤/ ١٦١)، و **«معاني القراءات»** (٢٦٥)، و **«شرح شعلة»** (٣٢٠)، و **«إتحاف»** (١/ ٤٨٣)، و **«العنوان»** (٨٠).
 (٥) ذكره ابن عطية في ******************«تفسيره»****************** (١/ ٤٦٤).

بعْدَهَا، وهو مجزومٌ، و **«جَاءَكُمْ»** : معطوفٌ في موضع جزمٍ، واللام الداخلَةُ على **«مَا»** ليسَتِ المتلقِّية للقَسَمِ، ولكنها الموطِّئةُ المُؤْذِنَةُ بمجيءِ لامِ القَسَم، فهي بمَنْزِلَة اللاَّم في قوله تعالى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ \[الأحزاب: ٦٠\] لأنها مؤذِنَةٌ بمجيء المتلقِّية للقسم في قوله: لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ \[الأحزاب: ٦٠\] وكذلك هذه مؤذنةٌ بمجيء المتلقِّية للقَسَمِ في قوله:
 **«لَتُؤْمِنُنَّ»**.
 وقرأ نافعٌ وحْده: **«آتَيْنَاكُمْ»**، بالنُّون، وقرأ الباقون: **«آتَيْتُكُمْ»** بالتاء **«١»**، ورَسُول في هذه الآية: اسمُ جنسٍ، وقال كثيرٌ من المفسرين هو نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم.
 وقوله تعالى: قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي... هذه الآية: هي وصْفُ توقيفِ الأنبياء- عليهم السلام- على إِقرارهم بهذا الميثاق، والتزامهم له، وَأَخَذْتُمْ في هذه الآية: عبارةٌ عمَّا تحصَّل لهم من إيتاء الكُتُبِ والحِكْمة، فَمِنْ حيْثُ أخذ عليهم، أخذوا هم أيضًا، وقال الطَّبَرِيُّ **«٢»** : أَخَذْتُمْ في هذه الآية: معناه: قَبِلْتُمْ، والإصْر: العَهْد لا تَفْسِير له في هذا الموضع إلا ذَلِكَ **«٣»**.
 وقوله تعالى: فَاشْهَدُوا يحتملُ معنَيَيْنِ:
 أحدهما: فاشهدوا/ على أممكم المؤمنينِ بكُمْ، وعلى أنْفُسِكُمْ بالتزام هذا العَهْد، قاله الطَّبَرِيُّ، وجماعة **«٤»**.
 والمعنى الثاني: بُثوا الأمْرَ عنْد أممكم، واشهدوا به، وشهادةُ اللَّهِ على هذا التأويل هي إعطاء المُعْجَزَاتِ، وإقرارُ نبوّاتهم، هذا قول الزّجّاج وغيره **«٥»**.

 (١) وحجة نافع قوله تعالى: وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً [الإسراء: ٥٥]، وقوله سبحانه: وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ [الصافات: ١١٧]، ونحوه.
 ينظر: **«حجة القراءات»** (١٦٨)، و **«السبعة»** (٢١٤)، و **«الحجة»** (٣/ ٦٩)، و **«معاني القراءات»** (١/ ٢٦٥)، و **«إعراب القراءات»** (١/ ١١٦)، و **«شرح شعلة»** (٣١٩)، و **«العنوان»** (٨٠)، و **«إتحاف فضلاء البشر»** (١/ ٤٨٤). [.....]
 (٢) ينظر: ****«الطبري»**** (٣/ ٣٣٢).
 (٣) وأصل الإصر: الثّقل والشّدّ. والإصر- أيضا-: الذنب. والإصر- أيضا-: والأصر ما عطفك على شيء.
 ينظر: **«لسان العرب»** (٨٦، ٨٧).
 (٤) ينظر: ****«الطبري»**** (٣/ ٣٣٣).
 (٥) ينظر: **«معاني القرآن»** (١/ ٤٣٧).

وقال ع **«١»** : فتأمَّل أنَّ القول الأول هو إيداعُ الشهادةِ واستحفاظها، والقولُ الثَّانِي هو الأمر بأدائها، وحَكَمَ تعالى بالفِسْقِ على مَنْ تولى مِنَ الأمم بَعْدَ هذا الميثاق، قاله عليُّ بْنُ أبي طَالِبٍ، وغيره **«٢»**، وقرأ أبو عَمرٍو: **«يَبْغُونَ»** بالياء مِنْ أَسْفَلُ مفْتُوحَة **«٣»**، و **«تَرْجِعُونَ»** بالتَّاء من فوقُ مضمومةً، وقرأ عاصمٌ بالياءِ من أسفَلُ فيهما، وقرأ الباقُون بالتَّاء فيهما، ووجوه هذه القراءاتِ لا تخفى بأدنى تأمُّل.
 وتبغون: معناه: تَطْلُبُونَ.
 قال النوويِّ: ورُوِّينَا في كتاب ابن السُّنِّيِّ، عن السَّيِّدِ الجليلِ المُجْمَعِ على جلالته وحِفْظِهِ ودِيَانَتِهِ وَوَرَعِهِ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ دِينَارٍ البَصْرِيِّ الشَّافِعِيِّ المشهور **«٤»** أنه قَالَ: لَيس رجُلٌ يكونُ على دابَّة صَعْبَةٍ، فيقول في أذنها: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ، إلا وقَفَتْ بإذن اللَّه تعالى.
 وروِّينَا في كتاب ابن السّنّيّ، عن ابن مسعود، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: **«إذَا انفلتت دَابَّةُ أَحَدِكُمْ بِأَرْضٍ فلاة، فليناد: يا عباد الله، احبسوا، يَا عِبَادَ اللَّهِ، احبسوا، فَإنَّ للَّهِ عَزَّ وجَلَّ فِي الأَرْضِ حَاضِراً سَيَحْبِسُهَا «٥»**.
 قال النَّوويُّ **«٦»** : حكى لِي بعُضْ شُيُوخِنا أَنَّهُ انفلتت لَهُ دابّة أظنّها بغلة، وكان يعرف

 (١) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (١/ ٤٦٦).
 (٢) أخرجه الطبري في ****«تفسيره»**** (٢/ ٣٣٣) برقم (٧٣٣٧)، وذكره ابن عطية في ****«تفسيره»**** (١/ ٤٦٦).
 (٣) وهي رواية حفص عن عاصم، وحجتهما أن الخطاب قد انقضى بالفصل بينه وبين ذلك بقوله: فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ... الآية، ثم إن المعنى حينئذ: اليهود.
 ينظر: **«السبعة»** (٢١٤)، و **«الكشف»** (١/ ٢٥٣)، و **«العنوان»** (٨٠)، و **«الحجة للقراء السبعة»** (٣/ ٦٩)، و **«حجة القراءات»** (١٧٠)، و **«شرح شعلة»** (٣٢٠)، و **«شرح الطيبة»** (٤/ ١٦٢)، و **«إتحاف»** (١/ ٤٨٤)، و **«معاني القراءات»** (١/ ٢٦٧).
 (٤) يونس بن عبيد بن دينار الإمام القدوة، الحجة، أبو عبد الله العبدي، مولاهم البصري، من صغار التابعين وفضلائهم.
 رأى أنس بن مالك، وحدث عن الحسن، وابن سيرين، وعطاء، وعكرمة، قال علي بن المديني: له نحو مائتي حديث، وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وقال أحمد وابن معين والناس: ثقة.
 ينظر: **«السير»** (٦/ ٢٨٨)، **«طبقات ابن سعد»** (٧/ ٢٦٠)، **«الكامل»** (٥/ ٤٨٧)، **«حلية الأولياء»** (٣/ ١٥- ٢٧).
 (٥) أخرجه ابن السني في **«عمل اليوم والليلة»**، حديث (٥٤٢).
 (٦) ينظر: **«حلية الأبرار»** (ص ٢٥٧).

هذا الحديثَ، فقالَهُ، فَحَبَسَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ في الحَالِ، وكنْتُ أَنَا مرَّةً مع جماعةٍ، فانفلتت منَّا بهيمةٌ، فَعَجَزُوا عَنْها، فَقُلْتُهُ، فوقَفَتْ في الحال بغَيْر سَبَبٍ سوى هذا الكلامِ. اهـ.
 وأَسْلَمَ: معناه: استسلم، عند الجمهور.
 واختلفوا في معنى قوله: طَوْعاً وَكَرْهاً، فقال مجاهد: هذه الآيةُ كقوله تعالى:
 وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ \[لقمان: ٢٥\] فالمعنى: أنَّ إقرار كلِّ كافرٍ بالصانعِ هو إسلامٌ كرهاً **«١»**، ونحوه لأبي العالية، وعبارته: كُلُّ آدمِيِّ، فقد أقرَّ على نفسه بأنَّ اللَّه رَبِّي، وأنا عبده، فمَنْ أشرك في عبادته، فهو الذي أسلم كرهاً، ومن أخلَص، فهو الذي أسلم طَوْعاً **«٢»**.
 قال ع **«٣»** : والمعنى في هذه الآية يفهم كلُّ ناظر أنَّ الكره خاصٌّ بأهل الأرض.
 وقوله سبحانه: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ: توقيفٌ لمعاصرِي نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم من الأحبار والكفّار.
 قوله تعالى: قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ... الآية: المعنى قل يا محمّد، أنت وأمّتك: آمَنَّا بِاللَّهِ... الآية، وقد تقدَّم بيانها في **«البقرة»**، ثم حكم تعالى في قوله: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ... الآيةَ بأنه لا يقبل من آدمي دِيناً غير دين الإسلام، وهو الَّذي وافَقَ في معتقداته دِينَ كُلِّ مَنْ سمي من الأنبياء- عليهم السلام-، وهو الحنيفيَّة السَّمْحة، وقال بعض المفسِّرين: إن مَنْ يَبْتَغِ... الآيةَ، نزلَتْ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ **«٤»**، قُلْتُ: وعلى تقدير صحَّة هذا القول، فهي تتناولُ بعمومها من سواه إلى يوم القيامة.

 (١) أخرجه الطبري في ****«تفسيره»**** (٢/ ٣٣٤) برقم (٧٣٤٠)، وذكره ابن عطية في ****«تفسيره»**** (١/ ٤٦٦)، والسيوطي في ****«الدر المنثور»**** (٢/ ٨٥)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير.
 (٢) ذكره ابن عطية (١/ ٤٦٦)، والسيوطي في ****«الدر المنثور»**** (٢/ ٨٦). وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.
 (٣) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (١/ ٤٦٧).
 (٤) الحارث بن سويد بن الصامت الأنصاري الأوسي، ووقع لابن عبد البر الحارث بن سويد، ويقال: ابن مسلم المخزومي، ارتدّ ولحق بالكفار فنزلت: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً.
 ينظر: **«الإصابة»** (١/ ٦٧١- ٦٧٢)، **«أسد الغابة»** ت (٨٩٩). [.....]

### الآية 3:83

> ﻿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [3:83]

قال النووي : ورُوِّينَا في كتاب ابن السُّنِّيِّ، عن السَّيِّدِ الجليلِ المُجْمَعِ على جلالته، وحِفْظِهِ، ودِيَانَتِهِ، وَوَرَعِهِ، يُونُسَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ دِينَارٍ البَصْرِيِّ الشَّافِعِيِّ المشهور، أنه قَالَ : لَيس رجُلٌ يكونُ على دابَّة صَعْبَةٍ، فيقول في أذنها : أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السموات والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ \[ آل عمران : ٨٣ \] إلا وقَفَتْ بإذن اللَّه تعالى. 
وروِّينَا في كتاب ابن السُّنِّيِّ، عن ابن مَسْعودٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّهُ قَالَ :( إذَا انفلتت دَابَّةُ أَحَدِكُمْ بِأَرْضٍ فَلاَةٍ، فَلْيُنَاد : يَا عِبَادَ اللَّهِ، احبسوا، يَا عِبَادَ اللَّهِ، احبسوا، فَإنَّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فِي الأَرْضِ حَاضِراً سَيَحْبِسُهَا ) قال النَّوويُّ : حكى لِي بعُضْ شُيُوخِنا، أَنَّهُ انفلتت لَهُ دَابَّةٌ أَظْنُّهَا بَغْلَةً، وَكَانَ يعرفُ هذا الحديثَ، فقالَهُ، فَحَبَسَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ في الحَالِ، وكنْتُ أَنَا مرَّةً مع جماعةٍ، فانفلتت منَّا بهيمةٌ، فَعَجَزُوا عَنْها، فَقُلْتُهُ، فوقَفَتْ في الحال بغَيْر سَبَبٍ سوى هذا الكلامِ، اه. 
وَ أَسْلَمَ  معناه : استسلم عند الجمهور. 
واختلفوا في معنى قوله : طَوْعاً وَكَرْهاً ، فقال مجاهد : هذه الآيةُ كقوله تعالى : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ الله  \[ لقمان : ٢٥ \] فالمعنى : أنَّ إقرار كلِّ كافرٍ بالصانعِ، هو إسلامٌ كرهاً، ونحوه لأبي العالية، وعبارته : كُلُّ آدمِيِّ، فقد أقرَّ على نفسه، بأنَّ اللَّه رَبِّي، وأنا عبده، فمَنْ أشرك في عبادته، فهو الذي أسلم كرهاً، ومن أخلَص، فهو الذي أسلم طَوْعاً. 
قال ( ع ) : والمعنى في هذه الآية يفهم كلُّ ناظر أنَّ الكره خاصٌّ بأهل الأرض. 
وقوله سبحانه : أَفَغَيْرَ دِينِ الله \[ آل عمران : ٨٣ \]. 
توقيفٌ لمعاصرِي نبيِّنا محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم من الأحبار والكُفَّار.

### الآية 3:84

> ﻿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [3:84]

قوله تعالى : قُلْ ءامَنَّا بالله وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ والأسباط وَمَا أُوتِيَ موسى وعيسى والنبيون مِن رَّبِّهِم. . .  \[ آل عمران : ٨٤ \]
المعنى قُلْ : يَا مُحَمَّدُ، أَنْتَ وأمَّتُكَ : ءَامَنَّا بالله. . .  الآية، وقد تقدَّم بيانها في البقرة.

### الآية 3:85

> ﻿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [3:85]

ثم حكم تعالى في قوله : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام. . .  \[ آل عمران : ٨٥ \]. بأنه لا يقبل من آدمي دِيناً غير دين الإسلام، وهو الَّذي وافَقَ في معتقداته دِينَ كُلِّ مَنْ سمي من الأنبياء عليهم السلام، وهو الحنيفيَّة السَّمْحة، وقال بعض المفسِّرين : إن  مَنْ يَبْتَغِ. . .  الآيةَ، نزلَتْ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، قُلْتُ : وعلى تقدير صحَّة هذا القول، فهي تتناولُ بعمومها مَنْ سواه إلى يوم القيامة.

### الآية 3:86

> ﻿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [3:86]

وقوله تعالى : كَيْفَ يَهْدِي الله قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إيمانهم. . .  \[ آل عمران : ٨٦ \]. 
قال ابنُ عَبَّاس : نَزَلَتْ هذه الآياتُ من قوله : كَيْفَ يَهْدِي الله  في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ الأنْصَارِيِّ، كان مُسْلِماً، ثم ارتد، وَلحِقَ بالشرك، ثم نَدِمَ، فأرْسَلَ إلَى قَوْمِهِ، أنْ سَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، هَلْ مِنْ تَوْبَةٍ ؟ فنزلَتِ الآياتُ إلى قوله : إِلاَّ الذين تَابُواْ ، فأرسلَ إلَيْهِ قومُهُ، فأسْلَمَ، قال مجاهدٌ : وحَسُنَ إسْلاَمُهُ، وقال ابنُ عَبَّاسٍ أيضًا والحَسَنُ بْنُ أبي الحَسَنِ : نَزلَتْ في اليَهُودِ والنصارى، شهدوا ببَعْثِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وآمنوا به، فلَمَّا جاء من العَرَب، حَسَدُوه، وكَفَرُوا به، ورجَّحه الطبري. 
وقال النقِّاش : نزلَتْ في طُعَيْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ. 
قال ( ع ) : وكُلُّ مَنْ ذُكِرَ، فألفاظ الآيةِ تعمُّه. 
وقوله تعالى : كَيْفَ  سؤالٌ عن حال لكنَّه سؤال توقيفٍ على جهة الاستبعادِ للأمْر، فالمعنى أنهم لشدَّة هذه الجرائِمِ يبعد أنْ يهديَهُم اللَّه جميعًا، وباقي الآيةِ بيِّن. 
قال الفَخْر : واستعظم تعالى كُفْرَ هؤلاء المرتدِّين، بَعْدَ حصولِ هذه الخِصَالِ الثَّلاث، لأن مثل هذا الكُفْر يكونُ كالمعانَدَة والجُحُود، وهذا يدلُّ على أنَّ زَلَّة العالِمِ أقبَحُ مِنْ زلَّة الجَاهل، اه.

### الآية 3:87

> ﻿أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [3:87]

\[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٨٦ الى ٨٩\]

 كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)
 وقوله تعالى: / كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ... الآيات: قال ابنُ عَبَّاس: نَزَلَتْ هذه الآياتُ من قوله: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ الأنْصَارِيِّ، كان مُسْلِماً، ثم ارتد وَلحِقَ بالشرك، ثم نَدِمَ، فأرْسَلَ إلى قومه أن سلوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، هَلْ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فنزلَتِ الآياتُ إلى قوله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا، فأرسلَ إلَيْهِ قومُهُ، فأسْلَمَ **«١»**، قال مجاهدٌ: وحَسُنَ إسْلاَمُهُ **«٢»**، وقال ابنُ عَبَّاسٍ أيضًا والحَسَنُ بْنُ أبي الحَسَنِ: نَزلَتْ في اليهود والنّصارى، شهدوا ببعث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وآمنوا به، فلَمَّا جاء من العَرَب، حَسَدُوه، وكَفَرُوا **«٣»** به، ورجَّحه الطبري **«٤»**.
 وقال النقِّاش: نزلَتْ في طُعَيْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ **«٥»**.
 قال ع **«٦»** : وكُلُّ مَنْ ذُكِرَ، فألفاظ الآيةِ تعمُّه.
 وقوله تعالى: كَيْفَ: سؤالٌ عن حال لكنَّه سؤال توقيفٍ على جهة الاستبعادِ للأمْر، فالمعنى أنهم لشدَّة هذه الجرائِمِ يبعد أنْ يهديَهُم اللَّه جميعًا، وباقي الآيةِ بيِّن.
 قال الفَخْر **«٧»** : واستعظم تعالى كُفْرَ هؤلاء المرتدِّين بَعْدَ حصولِ هذه الخِصَالِ الثَّلاث لأن مثل هذا الكُفْر يكونُ كالمعانَدَة والجُحُود وهذا يدلُّ على أنَّ زَلَّة العالِمِ أقبح من زلّة الجاهل. اهـ.
 \[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٩٠ الى ٩٣\]
 إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٩١) لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢) كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٣)
 (١) أخرجه الطبري في ********«تفسيره»******** (٢/ ٣٣٨) برقم (٧٣٥٨)، وذكره ابن عطية في ********«تفسيره»******** (١/ ٤٦٨)، والسيوطي في ****«الدر المنثور»**** (١/ ٨٧)، وعزاه للنسائي، وابن حبان، وابن أبي حاتم، والبيهقي في **«سننه»**، من طريق عكرمة.
 (٢) ذكره ابن عطية في ********«تفسيره»******** (١/ ٤٦٨).
 (٣) ذكره السيوطي في ****«الدر المنثور»**** (٢/ ٨٨)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، وعن الحسن، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر.
 (٤) ينظر: **«تفسير الطبري»** (٣/ ٣٢٠).
 (٥) ذكره ابن عطية في ********«تفسيره»******** (١/ ٤٦٨).
 (٦) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (١/ ٤٦٨).
 (٧) ينظر: **«مفاتيح الغيب»** (٨/ ١١٢).

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً... الآية: قال أبو العَالِيَة رفيع: الآية في اليهود كفروا بمحمّد صلّى الله عليه وسلّم بعد إيمانهم بصفاته، وإقرارِهِمْ أنها في التَّوراة، ثم ازدادوا كُفْراً بالذُّنوبِ الَّتي أصابوها في خلاف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مِنَ الافتراءِ، والبَهْتِ، والسَّعْي على الإسلام، وغير ذلك **«١»**.
 قال ع **«٢»** : وعلى هذا الترتيبِ يَدْخُلُ في الآية: المرتدُّون اللاحقون بقُرَيْش، وغيرُهم. وقال مجاهد: معنى قوله: ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً، أي: أتموا على كُفْرهم، وبلغوا المَوْت **«٣»** به.
 قال ع **«٤»** : فيدخُلُ في هذا القولِ: اليهودُ، والمرتدُّون، وقال السُّدِّيُّ نحوه **«٥»**، ثم أخبر تعالى أنَّ توبة هؤلاءِ لَنْ تقبَل، وقد قررت الشريعةُ أنَّ توبة كلِّ كافر تقبل، فلا بُدَّ في هذه الآيةِ مِنْ تخصيصٍ تُحْمَلُ عليه، ويصحُّ به نَفْيُ قبولِ التَّوبة، فقال الحسن وغيره:
 المعنى: لَنْ تُقْبَلَ توبتُهم عنْدَ الغَرْغَرَةِ والمعاينة، وقال أبو العاليَةِ: المعنى: لَنْ تُقْبَلَ توبتْهم مِنْ تلك الذُّنُوبِ الَّتي أصابُوها مع إقامتهم على كفرهم بمحمّد صلّى الله عليه وسلّم **«٦»**.
 قال ع **«٧»** : وتحتملُ الآية عنْدي أنْ تكونَ إشارةً إلى قومٍ بأعيانهم من المرتدِّين، وهم الذين أشار إلَيْهم بقوله سبحانه: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً \[آل عمران: ٨٦\]، فأخبر عنهم أنَّه لا

 (١) أخرجه الطبري في **********«تفسيره»********** (٣/ ٣٤١) برقم (٧٣٧٤، ٧٣٧٥)، وذكره الماوردي في **********«تفسيره»********** (١/ ٤٠٨)، وأسنده لأبي العالية، وذكره أيضا ابن عطية (١/ ٤٦٩)، والسيوطي في ****«الدر المنثور»**** (٢/ ٨٨)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
 (٢) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (١/ ٤٦٩).
 (٣) ذكره ابن عطية في **********«تفسيره»********** (١/ ٤٧٠)، والسيوطي في **«الدر»** (٢/ ٨٨)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير.
 (٤) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (١/ ٤٧٠).
 (٥) أخرجه الطبري في **********«تفسيره»********** (٣/ ٣٤٢) برقم (٧٣٨١)، وذكره السيوطي في ****«الدر المنثور»**** (٢/ ٨٨)، وعزاه لابن جرير.
 (٦) ذكره ابن عطية في **********«تفسيره»********** (١/ ٤٧٠).
 (٧) ينظر: المصدر السابق. [.....]

تكونُ منهم توبَةٌ، فيتصوَّر قبولها فكأنه أخبر عن هؤلاء المعيَّنين أنهم يموتون كُفَّاراً، ثم أخبر الناسَ عَنْ حُكْم كلِّ مَنْ يموت كافراً، والمِلْء: ما شُحِنَ به الوعاء، وقوله: وَلَوِ افْتَدى بِهِ، قال الزَّجَّاج **«١»** : المعنى: لَنْ يقبلَ منْ أحدهم إنفاقُهُ وتقرُّباته في الدُّنْيَا، ولو أنفق مِلْءَ الأرْض ذَهَباً، ولو افتدى أيضًا به في الآخرة، لَنْ يقبَل منْه، قال: فأَعْلَمَ اللَّهُ أنه لا يُثِيبُهُم على أعمالهم من الخَيْر، ولا يقبل منهم الافتداء من العذاب.
 قال ع **«٢»** : وهذا قولٌ حسَنٌ، وقال قوم: الواو زائدةٌ، وهذا قولٌ مردودٌ، ويحتملُ المعنى نفْيَ القَبُول على كلِّ وجه، ثم خص مِنْ تلك الوجوهِ أليقها وأحراها بالقَبُول، وباقي الآية وعيدٌ بَيِّن، عافانا اللَّه من عقابِهِ، وخَتَمَ لنا بما خَتَمَ به للصَّالحين من عباده/.
 وقوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ... الآية: خطابٌ لجميعِ المؤمنين، فتحتملُ الآية أنْ يريد لَنْ تنالوا بِرَّ اللَّه بكُمْ، أي: رحمتَهُ ولُطْفَه، ويحتملُ أنْ يريد لَنْ تنالوا درجَةَ الكمالِ مِنْ فعْلِ البِرِّ حتى تكونُوا أبراراً إلاَّ بالإنفاقِ المُنْضَافِ إلى سائر أعمالكم.
 قال ص: قوله: مِمَّا تُحِبُّونَ: **«مِنْ»** : للتبعيضِ تدلُّ عليه قراءةُ عبْد اللَّهِ:
 **«بَعْضِ مَا تُحِبُّونَ»** **«٣»** اهـ.
 قال الغَزَّالِيُّ: قال نافعٌ: كانَ ابْنُ عُمَرَ مريضاً، فاشتهى سَمَكَةً طَرِيَّةً، فحملتْ إلَيْه على رغيفٍ، فقام سائلٌ بالبابِ، فأمر بدفعها إلَيْه، ثم قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: **«أيّما امرئ اشتهى شَهْوَةً، فَرَدَّ شَهْوَتَهُ، وآثَرَ على نَفْسِهِ غفر الله له»** **«٤»** اهـ من **«الإحياء»**.

 (١) ينظر: **«معاني القرآن»** للزجاج (١/ ٤٤١).
 (٢) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (١/ ٤٧٠).
 (٣) ينظر: **«الكشاف»** (١/ ٣٨٥)، و **«البحر المحيط»** (٢/ ٥٤٦)، و **«الدر المصون»** (٢/ ١٦٦).
 (٤) ذكره الهندي في **«الكنز»** (٤٣١١٢)، وعزاه للدار قطني في الأفراد، وأبي الشيخ في ****«الثواب»****.
 وقال الحافظ العراقي في **«تخريج الإحياء»** (٣/ ٢٥٧) : أخرجه ابن حبان في **«الضعفاء»**، وأبو الشيخ في ****«الثواب»**** من حديث ابن عمر بسند ضعيف. اهـ.
 والحديث أخرجه ابن الجوزي في **«الموضوعات»** (٣/ ١٣٨)، من طريق عمرو بن خالد، عن حبيب بن أبي ثابت، عن نافع، عن ابن عمر به.
 وقال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع، والمتهم به عمرو بن خالد، قال وكيع: كان في جوارنا يضع الحديث، وقال ابن عدي: عامة ما يروي موضوعات كذبه أحمد، ويحيى.
 واعلم أن جهلة المتزهدين بنوا على مثل هذا الحديث الواهي، فتركوا كل ما تشتهيه النفس، فعذبوا أنفسهم لمجاهدتها في ترك كل ما يشتهى من المباحات، وذلك غلط لأن للنفس حقّا، ومتى ترك كل ما-

قال ع **«١»** : وبسبب نزول هذه الآيةِ تَصَدَّقَ أبو طَلْحَةَ بحائِطِه المسمى بَيْرَحاً، وتصدَّق زيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بفَرَسٍ كان يحبُّها، وكان عبد اللَّه بنُ عُمَرَ يشْتَهِي أكْلَ السُّكَّر باللّوز، فكان يَشْتَرِي ذلك، ويَتصدَّق به **«٢»**.
 قال الفَخْر **«٣»** : والصحيحُ أنَّ هذه الآية في إيتاء المالِ على طريق النَّدْب، لا أنها في الزكاة الواجِبَةِ. اهـ.
 وقوله سبحانه: وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ شرطٌ وجوابٌ فيه وعْد، أي: عليمٌ مُجَازٍ به، وإن قَلَّ.
 وقوله تعالى: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ... الآية إخبار بمغيّب عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لا يعلمه إلا اللَّه، وعُلَماءُ أهْلِ الكِتَابِ، وحِلاَّ: معناه: حَلاَلاً، والآيةُ ردُّ على اليهودِ في زَعْمهم أنَّ كُلَّ ما حَرَّموه على أنفسهم أنه بأمر اللَّه تعالى في التوراة، فأكذبهم اللَّه تعالى بهذه الآية، وقوله سبحانه: إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، أي: فهو محرَّم عليهم في التَّوْراة، لا هذه الزوائد التي افتروها.
 وقال الفَخْر **«٤»** : قوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ، المعنى: أنَّ قَبْلَ نُزُولِ التوراةِ كان حَلاَلاً لبني إسرائيل كُلُّ أنواعِ المطْعُوماتِ سوى ما حرَّمه إسرائيلُ على نفسه، فأما بعد نزولِ التوراةِ، فلم يَبْقَ الأمرُ كذلك، بل حَرَّم اللَّه عليهمْ أنواعاً كثيرةً بسبب بَغْيِهِمْ، وذلك هو عَيْنُ النَّسْخِ الذي هُمْ له منكرون. اهـ.

 - تشتهيه أثر في صورتها ومعناها. أما في صورتها، فإن جسدها قد بني على أخلاط وفي باطنها طبيعة مستحثة على ما يصلحها، فإذا قلّت عندها الرطوبة مالت إلى المرطبات، وإذا كثرت فيها طلبت المنشفات، طلبا لإصلاح بدنها، فإذا منعت ما ركبت عليه من طلب الملائم كان ذلك مضادا لحكمة الواضع، ومبالغة في أذى النفس.
 وأما في معناها ينكمد برد أغراضها إذ نيل أغراضها يقوي حاستها، فلا ينبغي أن يترك من أغراضها، إلا ما خاف من تناوله، إما الملائم أو التثبط عن الطاعة، أو فوات خيرها، وإنما المنع من ترك شهواتها على الإطلاق. وأما إذا اشتهت شيئا من فضول العيش، فآثرت به، فالثواب حاصل، وذلك داخل في قوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: ٩٢].
 (١) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (١/ ٤٧١).
 (٢) ذكره ابن عطية (١/ ٤٧١).
 (٣) ينظر: ****«مفاتيح الغيب»**** (٨/ ١١٨).
 (٤) ينظر: ****«مفاتيح الغيب»**** (٨/ ١٢٣).

### الآية 3:88

> ﻿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ [3:88]

\[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٨٦ الى ٨٩\]

 كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)
 وقوله تعالى: / كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ... الآيات: قال ابنُ عَبَّاس: نَزَلَتْ هذه الآياتُ من قوله: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ الأنْصَارِيِّ، كان مُسْلِماً، ثم ارتد وَلحِقَ بالشرك، ثم نَدِمَ، فأرْسَلَ إلى قومه أن سلوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، هَلْ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فنزلَتِ الآياتُ إلى قوله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا، فأرسلَ إلَيْهِ قومُهُ، فأسْلَمَ **«١»**، قال مجاهدٌ: وحَسُنَ إسْلاَمُهُ **«٢»**، وقال ابنُ عَبَّاسٍ أيضًا والحَسَنُ بْنُ أبي الحَسَنِ: نَزلَتْ في اليهود والنّصارى، شهدوا ببعث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وآمنوا به، فلَمَّا جاء من العَرَب، حَسَدُوه، وكَفَرُوا **«٣»** به، ورجَّحه الطبري **«٤»**.
 وقال النقِّاش: نزلَتْ في طُعَيْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ **«٥»**.
 قال ع **«٦»** : وكُلُّ مَنْ ذُكِرَ، فألفاظ الآيةِ تعمُّه.
 وقوله تعالى: كَيْفَ: سؤالٌ عن حال لكنَّه سؤال توقيفٍ على جهة الاستبعادِ للأمْر، فالمعنى أنهم لشدَّة هذه الجرائِمِ يبعد أنْ يهديَهُم اللَّه جميعًا، وباقي الآيةِ بيِّن.
 قال الفَخْر **«٧»** : واستعظم تعالى كُفْرَ هؤلاء المرتدِّين بَعْدَ حصولِ هذه الخِصَالِ الثَّلاث لأن مثل هذا الكُفْر يكونُ كالمعانَدَة والجُحُود وهذا يدلُّ على أنَّ زَلَّة العالِمِ أقبح من زلّة الجاهل. اهـ.
 \[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٩٠ الى ٩٣\]
 إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٩١) لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢) كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٣)
 (١) أخرجه الطبري في ********«تفسيره»******** (٢/ ٣٣٨) برقم (٧٣٥٨)، وذكره ابن عطية في ********«تفسيره»******** (١/ ٤٦٨)، والسيوطي في ****«الدر المنثور»**** (١/ ٨٧)، وعزاه للنسائي، وابن حبان، وابن أبي حاتم، والبيهقي في **«سننه»**، من طريق عكرمة.
 (٢) ذكره ابن عطية في ********«تفسيره»******** (١/ ٤٦٨).
 (٣) ذكره السيوطي في ****«الدر المنثور»**** (٢/ ٨٨)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، وعن الحسن، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر.
 (٤) ينظر: **«تفسير الطبري»** (٣/ ٣٢٠).
 (٥) ذكره ابن عطية في ********«تفسيره»******** (١/ ٤٦٨).
 (٦) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (١/ ٤٦٨).
 (٧) ينظر: **«مفاتيح الغيب»** (٨/ ١١٢).

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً... الآية: قال أبو العَالِيَة رفيع: الآية في اليهود كفروا بمحمّد صلّى الله عليه وسلّم بعد إيمانهم بصفاته، وإقرارِهِمْ أنها في التَّوراة، ثم ازدادوا كُفْراً بالذُّنوبِ الَّتي أصابوها في خلاف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مِنَ الافتراءِ، والبَهْتِ، والسَّعْي على الإسلام، وغير ذلك **«١»**.
 قال ع **«٢»** : وعلى هذا الترتيبِ يَدْخُلُ في الآية: المرتدُّون اللاحقون بقُرَيْش، وغيرُهم. وقال مجاهد: معنى قوله: ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً، أي: أتموا على كُفْرهم، وبلغوا المَوْت **«٣»** به.
 قال ع **«٤»** : فيدخُلُ في هذا القولِ: اليهودُ، والمرتدُّون، وقال السُّدِّيُّ نحوه **«٥»**، ثم أخبر تعالى أنَّ توبة هؤلاءِ لَنْ تقبَل، وقد قررت الشريعةُ أنَّ توبة كلِّ كافر تقبل، فلا بُدَّ في هذه الآيةِ مِنْ تخصيصٍ تُحْمَلُ عليه، ويصحُّ به نَفْيُ قبولِ التَّوبة، فقال الحسن وغيره:
 المعنى: لَنْ تُقْبَلَ توبتُهم عنْدَ الغَرْغَرَةِ والمعاينة، وقال أبو العاليَةِ: المعنى: لَنْ تُقْبَلَ توبتْهم مِنْ تلك الذُّنُوبِ الَّتي أصابُوها مع إقامتهم على كفرهم بمحمّد صلّى الله عليه وسلّم **«٦»**.
 قال ع **«٧»** : وتحتملُ الآية عنْدي أنْ تكونَ إشارةً إلى قومٍ بأعيانهم من المرتدِّين، وهم الذين أشار إلَيْهم بقوله سبحانه: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً \[آل عمران: ٨٦\]، فأخبر عنهم أنَّه لا

 (١) أخرجه الطبري في **********«تفسيره»********** (٣/ ٣٤١) برقم (٧٣٧٤، ٧٣٧٥)، وذكره الماوردي في **********«تفسيره»********** (١/ ٤٠٨)، وأسنده لأبي العالية، وذكره أيضا ابن عطية (١/ ٤٦٩)، والسيوطي في ****«الدر المنثور»**** (٢/ ٨٨)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
 (٢) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (١/ ٤٦٩).
 (٣) ذكره ابن عطية في **********«تفسيره»********** (١/ ٤٧٠)، والسيوطي في **«الدر»** (٢/ ٨٨)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير.
 (٤) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (١/ ٤٧٠).
 (٥) أخرجه الطبري في **********«تفسيره»********** (٣/ ٣٤٢) برقم (٧٣٨١)، وذكره السيوطي في ****«الدر المنثور»**** (٢/ ٨٨)، وعزاه لابن جرير.
 (٦) ذكره ابن عطية في **********«تفسيره»********** (١/ ٤٧٠).
 (٧) ينظر: المصدر السابق. [.....]

تكونُ منهم توبَةٌ، فيتصوَّر قبولها فكأنه أخبر عن هؤلاء المعيَّنين أنهم يموتون كُفَّاراً، ثم أخبر الناسَ عَنْ حُكْم كلِّ مَنْ يموت كافراً، والمِلْء: ما شُحِنَ به الوعاء، وقوله: وَلَوِ افْتَدى بِهِ، قال الزَّجَّاج **«١»** : المعنى: لَنْ يقبلَ منْ أحدهم إنفاقُهُ وتقرُّباته في الدُّنْيَا، ولو أنفق مِلْءَ الأرْض ذَهَباً، ولو افتدى أيضًا به في الآخرة، لَنْ يقبَل منْه، قال: فأَعْلَمَ اللَّهُ أنه لا يُثِيبُهُم على أعمالهم من الخَيْر، ولا يقبل منهم الافتداء من العذاب.
 قال ع **«٢»** : وهذا قولٌ حسَنٌ، وقال قوم: الواو زائدةٌ، وهذا قولٌ مردودٌ، ويحتملُ المعنى نفْيَ القَبُول على كلِّ وجه، ثم خص مِنْ تلك الوجوهِ أليقها وأحراها بالقَبُول، وباقي الآية وعيدٌ بَيِّن، عافانا اللَّه من عقابِهِ، وخَتَمَ لنا بما خَتَمَ به للصَّالحين من عباده/.
 وقوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ... الآية: خطابٌ لجميعِ المؤمنين، فتحتملُ الآية أنْ يريد لَنْ تنالوا بِرَّ اللَّه بكُمْ، أي: رحمتَهُ ولُطْفَه، ويحتملُ أنْ يريد لَنْ تنالوا درجَةَ الكمالِ مِنْ فعْلِ البِرِّ حتى تكونُوا أبراراً إلاَّ بالإنفاقِ المُنْضَافِ إلى سائر أعمالكم.
 قال ص: قوله: مِمَّا تُحِبُّونَ: **«مِنْ»** : للتبعيضِ تدلُّ عليه قراءةُ عبْد اللَّهِ:
 **«بَعْضِ مَا تُحِبُّونَ»** **«٣»** اهـ.
 قال الغَزَّالِيُّ: قال نافعٌ: كانَ ابْنُ عُمَرَ مريضاً، فاشتهى سَمَكَةً طَرِيَّةً، فحملتْ إلَيْه على رغيفٍ، فقام سائلٌ بالبابِ، فأمر بدفعها إلَيْه، ثم قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: **«أيّما امرئ اشتهى شَهْوَةً، فَرَدَّ شَهْوَتَهُ، وآثَرَ على نَفْسِهِ غفر الله له»** **«٤»** اهـ من **«الإحياء»**.

 (١) ينظر: **«معاني القرآن»** للزجاج (١/ ٤٤١).
 (٢) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (١/ ٤٧٠).
 (٣) ينظر: **«الكشاف»** (١/ ٣٨٥)، و **«البحر المحيط»** (٢/ ٥٤٦)، و **«الدر المصون»** (٢/ ١٦٦).
 (٤) ذكره الهندي في **«الكنز»** (٤٣١١٢)، وعزاه للدار قطني في الأفراد، وأبي الشيخ في ****«الثواب»****.
 وقال الحافظ العراقي في **«تخريج الإحياء»** (٣/ ٢٥٧) : أخرجه ابن حبان في **«الضعفاء»**، وأبو الشيخ في ****«الثواب»**** من حديث ابن عمر بسند ضعيف. اهـ.
 والحديث أخرجه ابن الجوزي في **«الموضوعات»** (٣/ ١٣٨)، من طريق عمرو بن خالد، عن حبيب بن أبي ثابت، عن نافع، عن ابن عمر به.
 وقال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع، والمتهم به عمرو بن خالد، قال وكيع: كان في جوارنا يضع الحديث، وقال ابن عدي: عامة ما يروي موضوعات كذبه أحمد، ويحيى.
 واعلم أن جهلة المتزهدين بنوا على مثل هذا الحديث الواهي، فتركوا كل ما تشتهيه النفس، فعذبوا أنفسهم لمجاهدتها في ترك كل ما يشتهى من المباحات، وذلك غلط لأن للنفس حقّا، ومتى ترك كل ما-

قال ع **«١»** : وبسبب نزول هذه الآيةِ تَصَدَّقَ أبو طَلْحَةَ بحائِطِه المسمى بَيْرَحاً، وتصدَّق زيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بفَرَسٍ كان يحبُّها، وكان عبد اللَّه بنُ عُمَرَ يشْتَهِي أكْلَ السُّكَّر باللّوز، فكان يَشْتَرِي ذلك، ويَتصدَّق به **«٢»**.
 قال الفَخْر **«٣»** : والصحيحُ أنَّ هذه الآية في إيتاء المالِ على طريق النَّدْب، لا أنها في الزكاة الواجِبَةِ. اهـ.
 وقوله سبحانه: وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ شرطٌ وجوابٌ فيه وعْد، أي: عليمٌ مُجَازٍ به، وإن قَلَّ.
 وقوله تعالى: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ... الآية إخبار بمغيّب عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لا يعلمه إلا اللَّه، وعُلَماءُ أهْلِ الكِتَابِ، وحِلاَّ: معناه: حَلاَلاً، والآيةُ ردُّ على اليهودِ في زَعْمهم أنَّ كُلَّ ما حَرَّموه على أنفسهم أنه بأمر اللَّه تعالى في التوراة، فأكذبهم اللَّه تعالى بهذه الآية، وقوله سبحانه: إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، أي: فهو محرَّم عليهم في التَّوْراة، لا هذه الزوائد التي افتروها.
 وقال الفَخْر **«٤»** : قوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ، المعنى: أنَّ قَبْلَ نُزُولِ التوراةِ كان حَلاَلاً لبني إسرائيل كُلُّ أنواعِ المطْعُوماتِ سوى ما حرَّمه إسرائيلُ على نفسه، فأما بعد نزولِ التوراةِ، فلم يَبْقَ الأمرُ كذلك، بل حَرَّم اللَّه عليهمْ أنواعاً كثيرةً بسبب بَغْيِهِمْ، وذلك هو عَيْنُ النَّسْخِ الذي هُمْ له منكرون. اهـ.

 - تشتهيه أثر في صورتها ومعناها. أما في صورتها، فإن جسدها قد بني على أخلاط وفي باطنها طبيعة مستحثة على ما يصلحها، فإذا قلّت عندها الرطوبة مالت إلى المرطبات، وإذا كثرت فيها طلبت المنشفات، طلبا لإصلاح بدنها، فإذا منعت ما ركبت عليه من طلب الملائم كان ذلك مضادا لحكمة الواضع، ومبالغة في أذى النفس.
 وأما في معناها ينكمد برد أغراضها إذ نيل أغراضها يقوي حاستها، فلا ينبغي أن يترك من أغراضها، إلا ما خاف من تناوله، إما الملائم أو التثبط عن الطاعة، أو فوات خيرها، وإنما المنع من ترك شهواتها على الإطلاق. وأما إذا اشتهت شيئا من فضول العيش، فآثرت به، فالثواب حاصل، وذلك داخل في قوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: ٩٢].
 (١) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (١/ ٤٧١).
 (٢) ذكره ابن عطية (١/ ٤٧١).
 (٣) ينظر: ****«مفاتيح الغيب»**** (٨/ ١١٨).
 (٤) ينظر: ****«مفاتيح الغيب»**** (٨/ ١٢٣).

### الآية 3:89

> ﻿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [3:89]

\[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٨٦ الى ٨٩\]

 كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)
 وقوله تعالى: / كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ... الآيات: قال ابنُ عَبَّاس: نَزَلَتْ هذه الآياتُ من قوله: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ الأنْصَارِيِّ، كان مُسْلِماً، ثم ارتد وَلحِقَ بالشرك، ثم نَدِمَ، فأرْسَلَ إلى قومه أن سلوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، هَلْ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فنزلَتِ الآياتُ إلى قوله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا، فأرسلَ إلَيْهِ قومُهُ، فأسْلَمَ **«١»**، قال مجاهدٌ: وحَسُنَ إسْلاَمُهُ **«٢»**، وقال ابنُ عَبَّاسٍ أيضًا والحَسَنُ بْنُ أبي الحَسَنِ: نَزلَتْ في اليهود والنّصارى، شهدوا ببعث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وآمنوا به، فلَمَّا جاء من العَرَب، حَسَدُوه، وكَفَرُوا **«٣»** به، ورجَّحه الطبري **«٤»**.
 وقال النقِّاش: نزلَتْ في طُعَيْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ **«٥»**.
 قال ع **«٦»** : وكُلُّ مَنْ ذُكِرَ، فألفاظ الآيةِ تعمُّه.
 وقوله تعالى: كَيْفَ: سؤالٌ عن حال لكنَّه سؤال توقيفٍ على جهة الاستبعادِ للأمْر، فالمعنى أنهم لشدَّة هذه الجرائِمِ يبعد أنْ يهديَهُم اللَّه جميعًا، وباقي الآيةِ بيِّن.
 قال الفَخْر **«٧»** : واستعظم تعالى كُفْرَ هؤلاء المرتدِّين بَعْدَ حصولِ هذه الخِصَالِ الثَّلاث لأن مثل هذا الكُفْر يكونُ كالمعانَدَة والجُحُود وهذا يدلُّ على أنَّ زَلَّة العالِمِ أقبح من زلّة الجاهل. اهـ.
 \[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٩٠ الى ٩٣\]
 إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٩١) لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢) كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٣)
 (١) أخرجه الطبري في ********«تفسيره»******** (٢/ ٣٣٨) برقم (٧٣٥٨)، وذكره ابن عطية في ********«تفسيره»******** (١/ ٤٦٨)، والسيوطي في ****«الدر المنثور»**** (١/ ٨٧)، وعزاه للنسائي، وابن حبان، وابن أبي حاتم، والبيهقي في **«سننه»**، من طريق عكرمة.
 (٢) ذكره ابن عطية في ********«تفسيره»******** (١/ ٤٦٨).
 (٣) ذكره السيوطي في ****«الدر المنثور»**** (٢/ ٨٨)، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، وعن الحسن، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر.
 (٤) ينظر: **«تفسير الطبري»** (٣/ ٣٢٠).
 (٥) ذكره ابن عطية في ********«تفسيره»******** (١/ ٤٦٨).
 (٦) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (١/ ٤٦٨).
 (٧) ينظر: **«مفاتيح الغيب»** (٨/ ١١٢).

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً... الآية: قال أبو العَالِيَة رفيع: الآية في اليهود كفروا بمحمّد صلّى الله عليه وسلّم بعد إيمانهم بصفاته، وإقرارِهِمْ أنها في التَّوراة، ثم ازدادوا كُفْراً بالذُّنوبِ الَّتي أصابوها في خلاف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مِنَ الافتراءِ، والبَهْتِ، والسَّعْي على الإسلام، وغير ذلك **«١»**.
 قال ع **«٢»** : وعلى هذا الترتيبِ يَدْخُلُ في الآية: المرتدُّون اللاحقون بقُرَيْش، وغيرُهم. وقال مجاهد: معنى قوله: ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً، أي: أتموا على كُفْرهم، وبلغوا المَوْت **«٣»** به.
 قال ع **«٤»** : فيدخُلُ في هذا القولِ: اليهودُ، والمرتدُّون، وقال السُّدِّيُّ نحوه **«٥»**، ثم أخبر تعالى أنَّ توبة هؤلاءِ لَنْ تقبَل، وقد قررت الشريعةُ أنَّ توبة كلِّ كافر تقبل، فلا بُدَّ في هذه الآيةِ مِنْ تخصيصٍ تُحْمَلُ عليه، ويصحُّ به نَفْيُ قبولِ التَّوبة، فقال الحسن وغيره:
 المعنى: لَنْ تُقْبَلَ توبتُهم عنْدَ الغَرْغَرَةِ والمعاينة، وقال أبو العاليَةِ: المعنى: لَنْ تُقْبَلَ توبتْهم مِنْ تلك الذُّنُوبِ الَّتي أصابُوها مع إقامتهم على كفرهم بمحمّد صلّى الله عليه وسلّم **«٦»**.
 قال ع **«٧»** : وتحتملُ الآية عنْدي أنْ تكونَ إشارةً إلى قومٍ بأعيانهم من المرتدِّين، وهم الذين أشار إلَيْهم بقوله سبحانه: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً \[آل عمران: ٨٦\]، فأخبر عنهم أنَّه لا

 (١) أخرجه الطبري في **********«تفسيره»********** (٣/ ٣٤١) برقم (٧٣٧٤، ٧٣٧٥)، وذكره الماوردي في **********«تفسيره»********** (١/ ٤٠٨)، وأسنده لأبي العالية، وذكره أيضا ابن عطية (١/ ٤٦٩)، والسيوطي في ****«الدر المنثور»**** (٢/ ٨٨)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
 (٢) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (١/ ٤٦٩).
 (٣) ذكره ابن عطية في **********«تفسيره»********** (١/ ٤٧٠)، والسيوطي في **«الدر»** (٢/ ٨٨)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير.
 (٤) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (١/ ٤٧٠).
 (٥) أخرجه الطبري في **********«تفسيره»********** (٣/ ٣٤٢) برقم (٧٣٨١)، وذكره السيوطي في ****«الدر المنثور»**** (٢/ ٨٨)، وعزاه لابن جرير.
 (٦) ذكره ابن عطية في **********«تفسيره»********** (١/ ٤٧٠).
 (٧) ينظر: المصدر السابق. [.....]

تكونُ منهم توبَةٌ، فيتصوَّر قبولها فكأنه أخبر عن هؤلاء المعيَّنين أنهم يموتون كُفَّاراً، ثم أخبر الناسَ عَنْ حُكْم كلِّ مَنْ يموت كافراً، والمِلْء: ما شُحِنَ به الوعاء، وقوله: وَلَوِ افْتَدى بِهِ، قال الزَّجَّاج **«١»** : المعنى: لَنْ يقبلَ منْ أحدهم إنفاقُهُ وتقرُّباته في الدُّنْيَا، ولو أنفق مِلْءَ الأرْض ذَهَباً، ولو افتدى أيضًا به في الآخرة، لَنْ يقبَل منْه، قال: فأَعْلَمَ اللَّهُ أنه لا يُثِيبُهُم على أعمالهم من الخَيْر، ولا يقبل منهم الافتداء من العذاب.
 قال ع **«٢»** : وهذا قولٌ حسَنٌ، وقال قوم: الواو زائدةٌ، وهذا قولٌ مردودٌ، ويحتملُ المعنى نفْيَ القَبُول على كلِّ وجه، ثم خص مِنْ تلك الوجوهِ أليقها وأحراها بالقَبُول، وباقي الآية وعيدٌ بَيِّن، عافانا اللَّه من عقابِهِ، وخَتَمَ لنا بما خَتَمَ به للصَّالحين من عباده/.
 وقوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ... الآية: خطابٌ لجميعِ المؤمنين، فتحتملُ الآية أنْ يريد لَنْ تنالوا بِرَّ اللَّه بكُمْ، أي: رحمتَهُ ولُطْفَه، ويحتملُ أنْ يريد لَنْ تنالوا درجَةَ الكمالِ مِنْ فعْلِ البِرِّ حتى تكونُوا أبراراً إلاَّ بالإنفاقِ المُنْضَافِ إلى سائر أعمالكم.
 قال ص: قوله: مِمَّا تُحِبُّونَ: **«مِنْ»** : للتبعيضِ تدلُّ عليه قراءةُ عبْد اللَّهِ:
 **«بَعْضِ مَا تُحِبُّونَ»** **«٣»** اهـ.
 قال الغَزَّالِيُّ: قال نافعٌ: كانَ ابْنُ عُمَرَ مريضاً، فاشتهى سَمَكَةً طَرِيَّةً، فحملتْ إلَيْه على رغيفٍ، فقام سائلٌ بالبابِ، فأمر بدفعها إلَيْه، ثم قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: **«أيّما امرئ اشتهى شَهْوَةً، فَرَدَّ شَهْوَتَهُ، وآثَرَ على نَفْسِهِ غفر الله له»** **«٤»** اهـ من **«الإحياء»**.

 (١) ينظر: **«معاني القرآن»** للزجاج (١/ ٤٤١).
 (٢) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (١/ ٤٧٠).
 (٣) ينظر: **«الكشاف»** (١/ ٣٨٥)، و **«البحر المحيط»** (٢/ ٥٤٦)، و **«الدر المصون»** (٢/ ١٦٦).
 (٤) ذكره الهندي في **«الكنز»** (٤٣١١٢)، وعزاه للدار قطني في الأفراد، وأبي الشيخ في ****«الثواب»****.
 وقال الحافظ العراقي في **«تخريج الإحياء»** (٣/ ٢٥٧) : أخرجه ابن حبان في **«الضعفاء»**، وأبو الشيخ في ****«الثواب»**** من حديث ابن عمر بسند ضعيف. اهـ.
 والحديث أخرجه ابن الجوزي في **«الموضوعات»** (٣/ ١٣٨)، من طريق عمرو بن خالد، عن حبيب بن أبي ثابت، عن نافع، عن ابن عمر به.
 وقال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع، والمتهم به عمرو بن خالد، قال وكيع: كان في جوارنا يضع الحديث، وقال ابن عدي: عامة ما يروي موضوعات كذبه أحمد، ويحيى.
 واعلم أن جهلة المتزهدين بنوا على مثل هذا الحديث الواهي، فتركوا كل ما تشتهيه النفس، فعذبوا أنفسهم لمجاهدتها في ترك كل ما يشتهى من المباحات، وذلك غلط لأن للنفس حقّا، ومتى ترك كل ما-

قال ع **«١»** : وبسبب نزول هذه الآيةِ تَصَدَّقَ أبو طَلْحَةَ بحائِطِه المسمى بَيْرَحاً، وتصدَّق زيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بفَرَسٍ كان يحبُّها، وكان عبد اللَّه بنُ عُمَرَ يشْتَهِي أكْلَ السُّكَّر باللّوز، فكان يَشْتَرِي ذلك، ويَتصدَّق به **«٢»**.
 قال الفَخْر **«٣»** : والصحيحُ أنَّ هذه الآية في إيتاء المالِ على طريق النَّدْب، لا أنها في الزكاة الواجِبَةِ. اهـ.
 وقوله سبحانه: وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ شرطٌ وجوابٌ فيه وعْد، أي: عليمٌ مُجَازٍ به، وإن قَلَّ.
 وقوله تعالى: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ... الآية إخبار بمغيّب عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لا يعلمه إلا اللَّه، وعُلَماءُ أهْلِ الكِتَابِ، وحِلاَّ: معناه: حَلاَلاً، والآيةُ ردُّ على اليهودِ في زَعْمهم أنَّ كُلَّ ما حَرَّموه على أنفسهم أنه بأمر اللَّه تعالى في التوراة، فأكذبهم اللَّه تعالى بهذه الآية، وقوله سبحانه: إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، أي: فهو محرَّم عليهم في التَّوْراة، لا هذه الزوائد التي افتروها.
 وقال الفَخْر **«٤»** : قوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ، المعنى: أنَّ قَبْلَ نُزُولِ التوراةِ كان حَلاَلاً لبني إسرائيل كُلُّ أنواعِ المطْعُوماتِ سوى ما حرَّمه إسرائيلُ على نفسه، فأما بعد نزولِ التوراةِ، فلم يَبْقَ الأمرُ كذلك، بل حَرَّم اللَّه عليهمْ أنواعاً كثيرةً بسبب بَغْيِهِمْ، وذلك هو عَيْنُ النَّسْخِ الذي هُمْ له منكرون. اهـ.

 - تشتهيه أثر في صورتها ومعناها. أما في صورتها، فإن جسدها قد بني على أخلاط وفي باطنها طبيعة مستحثة على ما يصلحها، فإذا قلّت عندها الرطوبة مالت إلى المرطبات، وإذا كثرت فيها طلبت المنشفات، طلبا لإصلاح بدنها، فإذا منعت ما ركبت عليه من طلب الملائم كان ذلك مضادا لحكمة الواضع، ومبالغة في أذى النفس.
 وأما في معناها ينكمد برد أغراضها إذ نيل أغراضها يقوي حاستها، فلا ينبغي أن يترك من أغراضها، إلا ما خاف من تناوله، إما الملائم أو التثبط عن الطاعة، أو فوات خيرها، وإنما المنع من ترك شهواتها على الإطلاق. وأما إذا اشتهت شيئا من فضول العيش، فآثرت به، فالثواب حاصل، وذلك داخل في قوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: ٩٢].
 (١) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (١/ ٤٧١).
 (٢) ذكره ابن عطية (١/ ٤٧١).
 (٣) ينظر: ****«مفاتيح الغيب»**** (٨/ ١١٨).
 (٤) ينظر: ****«مفاتيح الغيب»**** (٨/ ١٢٣).

### الآية 3:90

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ [3:90]

وقوله تعالى : إِنَّ الذين كَفَرُواْ بَعْدَ إيمانهم ثُمَّ ازدادوا كُفْرًا. . .  \[ آل عمران : ٩٠ \]. 
قال أبو العَالِيَة رُفَيْعٌ : الآيةُ في اليهودِ، كَفَرْوا بمحمَّد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم بصفاته، وإقرارِهِمْ أنها في التَّوراة، ( ثم ازدادوا كُفْراً )، بالذُّنوبِ الَّتي أصابوها في خلافِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، مِنَ الافتراءِ، والبَهْتِ، والسَّعْي على الإسلام، وغير ذلك. 
قال ( ع ) : وعلى هذا الترتيبِ يَدْخُلُ في الآية : المرتدُّون اللاحقون بقُرَيْش، وغيرُهم، وقال مجاهد : معنى قوله : ثُمَّ ازدادوا كُفْراً ، أي : أتموا على كُفْرهم، وبلغوا المَوْت به. 
قال ( ع ) : فيدخُلُ في هذا القولِ : اليهودُ، والمرتدُّون، وقال السُّدِّيُّ نحوه.

### الآية 3:91

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَىٰ بِهِ ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [3:91]

ثم أخبر تعالى أنَّ توبة هؤلاءِ لَنْ تقبَل، وقد قررت الشريعةُ أنَّ توبة كلِّ كافر تقبل، فلا بُدَّ في هذه الآيةِ مِنْ تخصيصٍ تُحْمَلُ عليه، ويصحُّ به نَفْيُ قبولِ التَّوبة، فقال الحسن وغيره : المعنى : لَنْ تُقْبَلَ توبتُهم عنْدَ الغَرْغَرَةِ، والمعاينة، وقال أبو العاليَةِ : المعنى : لَنْ تُقْبَلَ توبتْهم مِنْ تلك الذُّنُوبِ الَّتي أصابُوها مع إقامتهم على كُفْرهم بمحمَّد صلى الله عليه وسلم. 
قال ( ع ) : وتحتملُ الآية عنْدي أنْ تكونَ إشارةً إلى قومٍ بأعيانهم من المرتدِّين، وهم الذين أشار إلَيْهم بقوله سبحانه : كَيْفَ يَهْدِي الله قَوْماً  
\[ آل عمران : ٨٦ \]، فأخبر عنهم أنَّه لا تكونُ منهم توبَةٌ، فيتصوَّر قبولها، فكأنه أخبر عن هؤلاء المعيَّنين، أنهم يموتون كُفَّاراً، ثم أخبر الناسَ عَنْ حُكْم كلِّ مَنْ يموت كافراً، والمِلْء : ما شُحِنَ به الوعاء، وقوله : وَلَوِ افتدى بِهِ  قال الزَّجَّاج : المعنى لَنْ يقبلَ منْ أحدهم إنفاقُهُ وتقرُّباته في الدُّنْيَا، ولو أنفق مِلْءَ الأرْض ذَهَباً، ولو افتدى أيضًا به في الآخرة، لَنْ يقبَل منْه، قال : فأَعْلَمَ اللَّهُ أنه لا يُثِيبُهُم على أعمالهم من الخَيْر، ولا يقبل منهم الافتداء من العذاب. 
قال ( ع ) : وهذا قولٌ حسَنٌ، وقال قوم : الواو زائدةٌ، وهذا قولٌ مردودٌ، ويحتملُ المعنى نفْيَ القَبُول على كلِّ وجه، ثم خص مِنْ تلك الوجوهِ أليقها وأحراها بالقَبُول، وباقي الآية وعيدٌ بَيِّن، عافانا اللَّه من عقابِهِ، وخَتَمَ لنا بما خَتَمَ به للصَّالحين من عباده.

### الآية 3:92

> ﻿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [3:92]

وقوله تعالى : لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ. . .  \[ آل عمران : ٩٢ \]. خطابٌ لجميعِ المؤمنين، فتحتملُ الآية أنْ يريد لَنْ تنالوا بِرَّ اللَّه بكُمْ، أي : رحمتَهُ ولُطْفَه، ويحتملُ أنْ يريد لَنْ تنالوا درجَةَ الكمالِ مِنْ فعْلِ البِرِّ، حتى تكونُوا أبراراً إلاَّ بالإنفاقِ المُنْضَافِ إلى سائر أعمالكم. 
قال ( ص ) : قوله : مِمَّا تُحِبُّونَ  ( مِنْ ) : للتبعيضِ، تدلُّ عليه قراءةُ عبْد اللَّهِ :( بَعْضِ مَا تُحِبُّونَ ) اه. 
قال الغَزَّالِيُّ : قال نافعٌ : كانَ ابْنُ عُمَرَ مريضاً، فاشتهى سَمَكَةً طَرِيَّةً، فحملتْ إلَيْه على رغيفٍ، فقام سائلٌ بالبابِ، فأمر بدفعها إلَيْه، ثم قَالَ : سمعْتُ رسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يَقُولُ :
( أَيُّمَا امرئ اشتهى شَهْوَةً، فَرَدَّ شَهْوَتَهُ، وآثَرَ على نَفْسِهِ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ )، اه من **«الإِحياء »**. 
قال ( ع ) : وبسبب نزول هذه الآيةِ تَصَدَّقَ أبو طَلْحَةَ بحائِطِه المسمى بَيْرَحاً، وتصدَّق زيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بفَرَسٍ كان يحبُّها، وكان عبد اللَّه بنُ عُمَرَ يشْتَهِي أكْلَ السُّكَّر باللّوز، فكان يَشْتَرِي ذلك، ويَتصدَّق به. 
قال الفَخْر : والصحيحُ أنَّ هذه الآية في إيتاء المالِ على طريق النَّدْب، لا أنها في الزكاة الواجِبَةِ، اه. 
وقوله سبحانه : وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ  شرطٌ، وجوابٌ فيه وعْد، أي : عليمٌ مُجَازٍ به، وإن قَلَّ.

### الآية 3:93

> ﻿۞ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [3:93]

وقوله تعالى : كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لّبَنِي إسرائيل. . .  \[ آل عمران : ٩٣ \]. إخبارٌ بمَغِيَّب عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم لا يعلمه إلا اللَّه، وعُلَماءُ أهْلِ الكِتَابِ، و( حِلاَّ ) : معناه : حَلاَلاً، والآيةُ ردُّ على اليهودِ في زَعْمهم، أنَّ كُلَّ ما حَرَّموه على أنفسهم، أنه بأمر اللَّه تعالى في التوراة، فأكذبهم اللَّه تعالى بهذه الآية، وقوله سبحانه : إِلاَّ مَا حَرَّمَ إسرائيل على نَفْسِهِ ، أي : فهو محرَّم عليهم في التَّوْراة، لا هذه الزوائد التي افتروها. 
وقال الفَخْر : قوله تعالى : مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التوراة ، المعنى : أنَّ قَبْلَ نُزُولِ التوراةِ كان حَلاَلاً لبني إسرائيل كُلُّ أنواعِ المطْعُوماتِ، سوى ما حرَّمه إسرائيلُ على نفسه، فأما بعد نزولِ التوراةِ، فلم يَبْقَ الأمرُ كذلك، بل حَرَّم اللَّه عليهمْ أنواعاً كثيرةً بسبب بَغْيِهِمْ، وذلك هو عَيْنُ النَّسْخِ الذي هُمْ له مُنْكِرُونَ، اه. 
قال ( ع ) : ولم يختلفُ فيما علمتُ أنَّ سبَبَ تحريمِ يَعْقُوبَ ما حرَّمه على نَفْسِهِ هو بمَرَضٍ أصابه، فَجَعَلَ تحريمَ ذلِكَ شُكْراً للَّه أنْ شُفِيَ، وقيل : هو وَجَعُ عِرْقِ النَّسَا، وفي حديثٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم :( أنَّ عِصَابَةً مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ، قَالُوا لَهُ : يَا مُحَمَّدُ، مَا الَّذِي حَرَّمَ إسْرَائِيلُ على نَفْسِهِ ؟ فَقَالَ لَهُمْ : أُنْشِدُكُمْ بِاللَّه هَلْ تَعْلَمُونَ، أنَّ يَعْقُوبَ مَرِضَ مَرَضاً شَدِيداً، فَطَالَ سَقَمُهُ مِنْهُ، فَنَذَرَ لِلَّهِ نَذْراً، إنْ عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ سَقَمِهِ، لَيُحْرِّمَنَّ أَحَبَّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إلَيْهِ، وَكَانَ أَحَبُّ الطَّعَامِ إلَيْهِ لُحُومَ الإبِلِ، وَأَحَبُّ الشَّرَابِ إلَيْهِ أَلْبَانَهَا ؟ قَالُوا : اللَّهُمَّ، نَعَمْ )، قال ( ع ) : وظاهرُ الأحاديثِ والتفاسيرِ في هذا الأمْرِ أنَّ يعقوبَ عليه السلام حَرَّم لُحوم الإبلِ وألْبَانَهَا، وهو يحبُّها، تقرُّباً بذلك، إذْ ترك الترفُّه والتنعُّم من القُرَبِ، وهذا هو الزهْدُ في الدُّنْيا، وإليه نَحَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ( رضي اللَّه عنه ) بقوله :**«إيَّاكُمْ وهذه المَجَازِرَ، فإنَّ لها ضَرَاوَةً كَضَرَاوَةِ الخَمْرِ »**، ومِنْ ذلك قولُ أبِي حَازِمٍ الزاهِدِ، وقدْ مَرَّ بسُوقِ الفَاكِهَةِ، فرأى مَحَاسِنَهَا، فقَالَ : مَوْعِدُكَ الجَنَّةُ، إنْ شَاءَ اللَّهِ. 
وقوله عز وجل : قُلْ فَأْتُواْ بالتوراة. . . ، قال الزَّجَّاج : وفي هذا تعجيزٌ لهم، وإقامةٌ للحجة علَيْهم.

### الآية 3:94

> ﻿فَمَنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [3:94]

وقوله سبحانه : فَمَنِ افترى عَلَى الله الكذب مِن بَعْدِ ذَلِكَ \[ آل عمران : ٩٤ \]. أي : مِنْ بعد ما تبيَّن له الحَقُّ، وقيامُ الحُجَّة، فهو الظَّالِمُ.

### الآية 3:95

> ﻿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ ۗ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [3:95]

وقوله : قُلْ صَدَقَ الله \[ آل عمران : ٩٥ \]. 
أي : الأمر كما وصَفَ سبحانه، لا كما تَكْذُبونَ، فإن كنتم تَعْتزونَ إلى إبراهيم، فاتبعوا ملَّته، على ما ذكر اللَّه.

### الآية 3:96

> ﻿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ [3:96]

وقوله سبحانه : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ. . .  \[ آل عمران : ٩٦ \]. 
لا مِرْيَة أنَّ إبراهيم عليه السلام وضع بيْتَ مكة، وإنما الخلافُ، هَلْ هو وضع بَدْأَةً أوْ وضعَ تجديد ؟ وقال الفَخْر : يحتمل أولاً في الوضْعِ والبناءِ، ويحتملُ أنْ يريد أولاً في كونه مباركاً، وهذا تحصيلُ المفسِّرين في الآية، اه. 
قال ابن العربيِّ في **«أحكامِهِ »** وكونُ البَيْتِ الحَرَامِ مُبَارَكاً، قيل : بركَتُهُ ثوابُ الأعمال هناك، وقيل : ثوابُ قاصِدِيهِ، وقيل : أمْنُ الوَحْش فيه، وقيل : عُزُوفُ النفْسِ عن الدنيا عِنْدَ رؤيته، قال ابنُ العربيِّ، والصحيحُ عِنْدَي أنَّهُ مُبَارَكٌ مِنْ كلِّ وجْهٍ مِنْ وجوه الدنْيَا والآخرة، وذلك بجميعه موجودٌ فيه اه. 
قال مالكٌ في سماعِ ابن القاسِمِ من **«العتبية »** : بَكَّة موضعُ البَيْت، ومَكَّة غيره مِنَ المواضعِ، قال ابن القاسِمِ : يريد القَرْيَةَ، قلتُ : قال ابنُ رُشْدٍ في **«البيان »** : أرى مالكاً أخَذَ ذلك مِنْ قول اللَّه عزَّ وَجَلَّ، لأنه قال تعالى في بَكَّة : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً ، وهو إنما وضع بموضعه الَّذي وُضِعَ فيه، لا فيما سواه من القرية، وقال في **«مَكَّة »**،  وَهُوَ الذي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ  \[ الفتح : ٢٤ \] وذلك إنما كان في القرية، لا في موضع البَيْتَ. اه.

### الآية 3:97

> ﻿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [3:97]

وقوله سبحانه : فِيهِ \[ آل عمران : ٩٧ \] أي : في البيتِ  آيات بينات . 
قال ( ع ) : والمترجِّح عندي أنَّ المَقَامَ، وأَمْنَ الدَّاخِلِ جُعِلاَ مثالاً ممَّا في حَرَمِ اللَّه منَ الآياتِ وخُصَّا بالذكْرِ، لعظمهما، و مَّقَامُ إبراهيم  : هو الحَجَرُ المعروفُ، قاله الجمهور، وقال قوم : البيتُ كلُّه مقامُ إبراهيم، وقال قومٌ : الحَرَمُ كلُّه مقامُ إبراهيم، والضميرُ في قوله : وَمَن دَخَلَهُ  عائدٌ على البَيْت، في قول الجمهور، وعائدٌ على الحَرَمِ، في قول مَنْ قَالَ : مقامُ إبراهيم هو الحَرَمُ. 
وقوله : كَانَ ءامِناً  قال الحَسَنُ، وغيره : هذه وصْفُ حالٍ كانَتْ في الجاهلية، إذا دخَلَ أحدٌ الحَرَمَ، أَمِنَ، فلا يُعْرَضُ له، فأما في الإسلام، فإن الحرم لا يَمْنَعُ مِنْ حَدٍّ مِنْ حدودِ اللَّه، وقال يَحْيَى بْنُ جَعْدَةَ : معنى الآية، ومَنْ دخل البيتَ كان آمناً من النَّار، وحكى النقَّاش عن بَعْض العُبَّاد، قال : كُنْتُ أطوفُ حوْلَ الكعبةِ لَيْلاً، فقلْتُ : يا رَبِّ، إنَّكَ قُلْتَ : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً ، فمما ذا هو آمنٌ ؟ فسمعتُ مكلِّماً يكلِّمني، وهو يقولُ : مِنَ النَّارِ، فنظَرْتُ، وتأمَّلت، فما كان في المكان أحد، قال ابنُ العَرَبِيِّ في **«أحكامه »** : وقول بعضهم :( وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمناً ) من النار، لا يصحُّ حمله على عمومه، ولكنه ثَبَتَ، ( أنَّ مَنْ حَجَّ، فَلَمْ يرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ) ( والحَجُّ المَبْرُور لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلاَّ الجَنَّة ). 
قال ذلك كلَّه رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اه. 
وقوله تعالى : وَللَّهِ عَلَى الناس حجُّ البيت \[ آل عمران : ٩٧ \]. 
هو فرضُ الحجِّ في كتابِ اللَّه بإجماع، وقرأ حمزةُ، والكِسَائيُّ، وحَفْص عن عاصِمٍ :( حَجُّ الَبْيتِ ) بكَسْر الحاء، وقرأ الباقُونَ بفتحها، فَبِكَسْر الحاء : يريدُون عَمَلَ سَنَةٍ واحدةٍ، وقال الطبريُّ : هما لُغَتَانِ الكَسْر : لُغَةُ نَجْدٍ، والفتْحُ لغة أهل العَالِيَةِ. 
وقوله سبحانه : مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً \[ آل عمران : ٩٧ \]. 
( مَنْ ) : في موضعِ خَفْضٍ، بدلٍ من **«النَّاس »**، وهو بدلُ البَعْض من الكلِّ، وقال الكسائيُّ وغيره : هي شَرْطٌ في موضع رفعٍ بالابتداء، والجوابُ محذوفٌ، تقديره : فَعَلَيْهِ الحجُّ، ويدلُّ عليه عطْفُ الشرطِ الآخَرِ بعده في قوله : وَمَنْ كَفَرَ ، وأسند الطبريُّ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنه قال :( مَنْ مَلَكَ زَاداً وَرَاحِلَةً، فَلَمْ يَحُجَّ، فَلاَ عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا )، وذهب جماعةٌ من العلماءِ إلى أنَّ قوله سبحانه : مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً  كلامٌ عامٌّ، لا يتفسَّر بزادٍ ولا راحلةٍ، ولا غَيْرِ ذلك، بل إذا كان مستطيعاً غَيْرَ شاقٍّ على نفسه، فقد وجَبَ علَيْه الحَجُّ، وإليه نحا مَالِكٌ في سماع أَشْهَبَ، وقال : لا صِفَةَ في هذا أبْيَنُ ممَّا قال الله تعالى، وهذا أنْبَلُ الأقوال، وهذه مِنَ الأمور التي يتصرَّف فيها فِقْهُ الحال، والضميرُ في ( إِلَيْهِ ) عائدٌ على البيت، ويحتملُ عَلَى الحِجِّ. 
وقوله سبحانه : وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالمين \[ آل عمران : ٩٧ \]. 
قال ابن عبَّاس، وغيره : المعنى مَنْ زعم أنَّ الحَجَّ ليس بفَرْضٍ عليه، ورُوِيَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنه قرأَ هذه الآيةَ، فقَالَ رَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ تَرَكَهُ، كَفَرَ ؟ فَقَالَ لَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم :( مَنْ تَرَكَهُ، لاَ يَخَافُ عُقُوبَتَهُ، ومَنْ حَجَّهُ لاَ يَرْجُو ثَوَابَهُ، فَهُوَ ذَلِكَ )، وقال بمعنى هذا الحديثِ ابْنُ عبَّاس، وغيره، وقال السُّدِّيُّ، وجماعة مِنْ أهْل العلْم : معْنَى الآيةِ مَنْ كَفَر بأنْ وَجَد ما يَحُجُّ به، ثم لَمْ يَحُجَّ، قال السُّدِّيُّ : مَنْ كان بهذه الحالِ، فهو كافرٌ، يعني : كُفْرَ مَعْصية، ولا شكَّ أنَّ مَنْ أنعم اللَّه علَيْه بمالٍ وصحَّة، ولم يَحُجَّ، فقد كَفَر النِّعْمَةَ، وقال ابنُ عُمَر وجماعةٌ : معنى الآيةِ ( ومن كَفَر ) باللَّه واليومِ الآخِرِ. قال الفَخْر : والأكثرون هم الذين حَمَلُوا الوعيدَ على مَنْ ترك اعتقادَ وُجُوبَ الحجِّ، وقال الضَّحَّاك : لما نَزلَتْ آية الحَجِّ، فأعْلَمِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بذَلِكَ أَهْلَ المِلَلِ، وقَالَ :( إنَّ اللَّه تعالى كَتَبَ عَلَيْكُمْ الحَجُّ، فحُجُّوا، فَآمَنَ بِهِ المُسْلِمُونَ، وَكَفَرَ غَيْرُهُم فَنَزَلَتِ الآيةُ، قَالَ الفَخْرُ : وهذا هو الأقوى، واللَّه أعلم، اه. 
ومعنى قوله تعالى : غَنِيٌّ عَنِ العالمين  الوعيدُ لِمَنْ كفر، والقَصْدُ بالكلامِ، فَإنَّ اللَّه غنيٌّ عنهم، ولكن عمَّم اللفظ، ليَبْرَعَ المعنى، وتنتبه الفِكَرُ لقدرته سبحانه، وعظيم سلطانه، واستغنائه عن جميعِ خَلْقِهِ لا ربَّ سواه.

### الآية 3:98

> ﻿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ [3:98]

وقوله عزَّ وجلَّ : قُلْ يا أهل الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بآيات الله والله شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ \[ آل عمران : ٩٨ \]. 
هذه الآياتُ : توبيخٌ لليهود المعاصرِينَ للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، والكتابُ : التوراةُ، وآياتُ اللَّه يحتملُ أنْ يريدَ بها القُرآن، ويحتملُ العلاماتِ الظاهرةَ على يَدَيِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقوله سبحانه : والله شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ  وعيدٌ محضٌ، قال الطبريُّ : هاتان الآيتانِ : قُلْ يا أهل الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بآيات الله ، وما بعدهما إلى قوله : فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ  \[ آل عمران : ١٠٥ \]، نزلَتْ بسبب رَجْلٍ من اليهودِ، حاول الإغراء بَيْن الأوس والخَزْرَج، قال ابنُ إسْحَاق : حدَّثني الثِّقَةُ عَنْ زَيْدِ بنِ أسْلَم، قال : مَرَّ شَاسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ، وكان شَيْخاً قَدْ عَسَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، عَظِيمَ الكُفْر، شَدِيدَ الضِّغْن على المُسْلمين، والحَسَدِ لهم، على نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ، وَهُمْ في مَجْلِسٍ يتحدَّثُونَ، فغَاظَهُ مَا رآه مِنْ جماعَتِهِمْ، وصَلاَحِ ذات بَيْنِهِمْ، بَعْدَ مَا كَانَ بينَهُمْ مِنَ العَدَاوَةِ، فَقَالَ : قَدِ اجتمع مَلأ بَنِي قَيْلَةَ بِهَذِهِ البِلاَدِ، واللَّهِ مَا لَنَا مَعَهُمْ، إذَا اجتمع مَلأُهُمْ بِهَا مِنْ قَرَارٍ، فَأَمَر فَتًى شَابًّا مِنْ يَهُودَ، فَقَالَ : اعمد إلَيْهِمْ، واجلس مَعَهُمْ، وَذَكِّرْهُمْ يَوْمَ بُعَاثَ، وَمَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْ أَيَّامِ حَرْبِهِمْ، وَأَنْشِدْهُمْ مَا قَالُوهُ مِنَ الشِّعْرِ فِي ذَلِكَ، فَفَعَلَ الفتى، فَتَكَلَّمَ القَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَتَفَاخَرُوا، وَتَنَازَعُوا حتى تَوَاثَبَ رَجُلاَنِ مِنَ الحَيَّيْنِ عَلَى الرُّكَبِ، أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ مِنَ الأَوْسِ، وَجَبَّارُ بْنُ صَخْر مِنَ الخَزْرَجِ، فَتَقَاوَلاَ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : إنْ شِئْتُمْ، وَاللَّهِ رَدَدْنَاهَا الآنَ جَذَعَةً، فَغَضِبَ الفَرِيقَانِ، وَقَالُوا : قَدْ فَعَلْنَا، السِّلاَحَ، السِّلاَح، مَوْعِدُكُمُ الظَّاهِرَةُ، يُرِيدُونَ : الحَرَّةَ، فَخَرَجُوا إلَيْهَا، وَتَجَاوَزَ النَّاسُ على دَعْوَاهُمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ، فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ المُهَاجرِينَ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، اللَّه اللَّه، أَبِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ، وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ؟ وَوَعَظَهُمْ، فَعَرَفَ القَوْمُ، أَنَّهَا نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَأَلْقُوا السِّلاَحَ، وَبَكَوْا، وَعَانَقَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً مِنَ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ، وانصرفوا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم سَامِعِينَ مُطِيعِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي شَاسِ بْنِ قيسٍ، وما صَنَعَ هذه الآيات. 
وقال الحَسَنُ، وغيره : نزلَتْ في أحْبَار اليَهُود الَّذِينَ يَصُدُّون المُسْلِمِينَ عَنِ الإسلام، ويَقُولُون : إن محمَّداً ليس بالموصُوفِ في كتابنا. 
قال ( ع ) : ولا شَكَّ في وقوعِ هَذيْن الشيئَيْن، وما شاكَلَهما مِنْ أفعال اليهودِ وأقوالِهِمْ، فَنَزَلَتِ الآياتُ في جميعِ ذلك، ومعنى ( تَبْغُونَ ) أي : تطلبون لها الاعوجاجَ والانفسادَ، ( وأنْتُمْ شُهَدَاءُ ) : يريدُ جَمْعَ شاهِدٍ، على ما في التوراةِ مِنْ صِفَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وصِدْقِهِ، وباقِي الآية وعيدٌ.

### الآية 3:99

> ﻿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [3:99]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٩٨:وقوله عزَّ وجلَّ : قُلْ يا أهل الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بآيات الله والله شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ \[ آل عمران : ٩٨ \]. 
هذه الآياتُ : توبيخٌ لليهود المعاصرِينَ للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، والكتابُ : التوراةُ، وآياتُ اللَّه يحتملُ أنْ يريدَ بها القُرآن، ويحتملُ العلاماتِ الظاهرةَ على يَدَيِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقوله سبحانه : والله شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ  وعيدٌ محضٌ، قال الطبريُّ : هاتان الآيتانِ : قُلْ يا أهل الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بآيات الله ، وما بعدهما إلى قوله : فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ  \[ آل عمران : ١٠٥ \]، نزلَتْ بسبب رَجْلٍ من اليهودِ، حاول الإغراء بَيْن الأوس والخَزْرَج، قال ابنُ إسْحَاق : حدَّثني الثِّقَةُ عَنْ زَيْدِ بنِ أسْلَم، قال : مَرَّ شَاسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ، وكان شَيْخاً قَدْ عَسَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، عَظِيمَ الكُفْر، شَدِيدَ الضِّغْن على المُسْلمين، والحَسَدِ لهم، على نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ، وَهُمْ في مَجْلِسٍ يتحدَّثُونَ، فغَاظَهُ مَا رآه مِنْ جماعَتِهِمْ، وصَلاَحِ ذات بَيْنِهِمْ، بَعْدَ مَا كَانَ بينَهُمْ مِنَ العَدَاوَةِ، فَقَالَ : قَدِ اجتمع مَلأ بَنِي قَيْلَةَ بِهَذِهِ البِلاَدِ، واللَّهِ مَا لَنَا مَعَهُمْ، إذَا اجتمع مَلأُهُمْ بِهَا مِنْ قَرَارٍ، فَأَمَر فَتًى شَابًّا مِنْ يَهُودَ، فَقَالَ : اعمد إلَيْهِمْ، واجلس مَعَهُمْ، وَذَكِّرْهُمْ يَوْمَ بُعَاثَ، وَمَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْ أَيَّامِ حَرْبِهِمْ، وَأَنْشِدْهُمْ مَا قَالُوهُ مِنَ الشِّعْرِ فِي ذَلِكَ، فَفَعَلَ الفتى، فَتَكَلَّمَ القَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَتَفَاخَرُوا، وَتَنَازَعُوا حتى تَوَاثَبَ رَجُلاَنِ مِنَ الحَيَّيْنِ عَلَى الرُّكَبِ، أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ مِنَ الأَوْسِ، وَجَبَّارُ بْنُ صَخْر مِنَ الخَزْرَجِ، فَتَقَاوَلاَ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : إنْ شِئْتُمْ، وَاللَّهِ رَدَدْنَاهَا الآنَ جَذَعَةً، فَغَضِبَ الفَرِيقَانِ، وَقَالُوا : قَدْ فَعَلْنَا، السِّلاَحَ، السِّلاَح، مَوْعِدُكُمُ الظَّاهِرَةُ، يُرِيدُونَ : الحَرَّةَ، فَخَرَجُوا إلَيْهَا، وَتَجَاوَزَ النَّاسُ على دَعْوَاهُمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ، فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ المُهَاجرِينَ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، اللَّه اللَّه، أَبِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ، وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ؟ وَوَعَظَهُمْ، فَعَرَفَ القَوْمُ، أَنَّهَا نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَأَلْقُوا السِّلاَحَ، وَبَكَوْا، وَعَانَقَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً مِنَ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ، وانصرفوا مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم سَامِعِينَ مُطِيعِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي شَاسِ بْنِ قيسٍ، وما صَنَعَ هذه الآيات. 
وقال الحَسَنُ، وغيره : نزلَتْ في أحْبَار اليَهُود الَّذِينَ يَصُدُّون المُسْلِمِينَ عَنِ الإسلام، ويَقُولُون : إن محمَّداً ليس بالموصُوفِ في كتابنا. 
قال ( ع ) : ولا شَكَّ في وقوعِ هَذيْن الشيئَيْن، وما شاكَلَهما مِنْ أفعال اليهودِ وأقوالِهِمْ، فَنَزَلَتِ الآياتُ في جميعِ ذلك، ومعنى ( تَبْغُونَ ) أي : تطلبون لها الاعوجاجَ والانفسادَ، ( وأنْتُمْ شُهَدَاءُ ) : يريدُ جَمْعَ شاهِدٍ، على ما في التوراةِ مِنْ صِفَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وصِدْقِهِ، وباقِي الآية وعيدٌ. ---

### الآية 3:100

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [3:100]

وقوله تعالى : يا أيها الذين ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب يَرُدُّوكُم بَعْدَ إيمانكم كافرين. . . \[ آل عمران : ١٠٠ \]. 
خطابٌ عامٌّ للمؤمنين، والإشارة بذلك وقْتَ نزوله إلى الأوْسِ والخَزْرَجِ، بسبب نَائِرَةِ شَاسِ بْنِ قَيْسٍ. 
قال ( ص ) : قوله تعالى : يَرُدُّوكُم بَعْدَ إيمانكم كافرين ، ( ردَّ ) : بمعنى صَيَّر، فيتعدى إلى مفعولَيْنِ الأول : الكافُ، والثاني : الكافِرِينَ، كقوله :\[ الوافر \]

فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضاً  وَرَدَّ وُجُوهَهُنَّ الْبِيضَ سُودَا

### الآية 3:101

> ﻿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ۗ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [3:101]

و يَعْتَصِم  معناه : يتمسَّك، وعُصِمَ الشَّيءُ، إذا مُنِعَ وحُمِيَ، ومنه قوله : يَعْصِمُنِي مِنَ الماء  \[ هود : ٤٣ \] وباقي الآية بيِّن.

### الآية 3:102

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [3:102]

وقوله تعالى : يا أيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ \[ آل عمران : ١٠٢ \]. قال ابن مسعود :( حَقَّ تُقَاتِهِ ) هو أنْ يُطَاع فلا يعصى، وأنْ يُذْكَر فلا ينسى، وأنْ يُشْكَر فلا يُكْفَر، وكذلك عَبَّر الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَم، وقتادةُ، والحَسَنُ، قالتْ فرقة : نزلَتِ الآيةُ على عمومِ لفظها، مِنْ لزومِ غاية التقوى، حتى لا يقع الإخْلاَلُ في شَيْء من الأشياءِ، ثم نُسِخَ ذلك، بقوله تعالى : فاتقوا الله مَا استطعتم  \[ التغابن : ١٦ \]، وبقوله : لاَ يُكَلّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا  \[ البقرة : ٢٨٦ \] وقالت جماعة : لاَ نَسْخَ هنا، وإنَّما المعنى : اتقوا اللَّهَ حَقَّ تقاته، فِي ما استطعتم، وهذا هو الصحيحُ، وخرَّج الترمذيُّ، عن ابن عَبَّاس، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ، وهي : اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ \[ آل عمران : ١٠٢ \] قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ قُطِرَتْ فِي الدُّنْيَا، لأفْسَدَتْ على أَهْلِ الدُّنْيَا مَعَايِشَهُمْ، فَكيْفَ بِمَنْ يَكُونُ طَعَامَهُ ) قال أبو عيسى : هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وخرَّجه ابنُ ماجة أيضاً، اه. 
وقوله تعالى : وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ \[ آل عمران : ١٠٢ \]. 
معناه : دُومُوا على الإسلام، حتى يوافيكم المَوْتُ، وأنتم علَيْه، والحَبْلُ في هذه الآيةِ مستعارٌ، قال ابنُ مسعودٍ : حبْلُ اللَّهِ الجماعةُ.

### الآية 3:103

> ﻿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [3:103]

وروى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنه قَالَ :( إنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ افترقوا على إحدى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وإنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلَى اثنين وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إلاَّ وَاحِدَةٌ، فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هَذِهِ الوَاحِدَةُ ؟ قَالَ : فَقَبَضَ يَدَهُ، وَقَالَ : الجَمَاعَةُ، وقرأ : واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً \[ آل عمران : ١٠٢ \]. وقال قتادةُ وغيره : حبْلُ اللَّهِ الَّذي أمر بالاعتصام به : هو القُرآن، ورواه أبو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقال ابنُ زَيْدٍ : هو الإسلام، وقيل غير هذا ممَّا هو كلُّه قريبٌ بعضُهُ مِنْ بعض. 
وقوله تعالى : وَلاَ تَفَرَّقُواْ \[ آل عمران : ١٠٣ \]
يريد : التفرُّقَ الَّذي لا يتأتى معه الائتلافُ، كالتفرُّقِ بالفتن، والافتراقِ في العقائد، وأما الافتراقُ في مسائل الفروعِ، والفِقْه، فلَيْسَ بداخلٍ في هذه الآيةِ، بل ذلك هو الذي قَالَ فيه صلى الله عليه وسلم :( خَلاَفُ أُمَّتِي رَحْمَةً )، وقد اختلفتِ الصَّحابةُ في الفُرُوع أشَدَّ اختلافٍ، وهم يَدٌ واحدةٌ على كُلِّ كافرٍ. 
وقوله سبحانه : واذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُم أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ. . .  \[ آل عمران : ١٠٣ \]. 
هذه الآيةُ تدُلُّ على أنَّ الخطاب إنما هو للأوس والخَزْرَج، كما تقدَّم، وكانَتِ العداوةُ قد دامَتْ بين الحَيَّيْنِ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، حتى رفَعَها اللَّه بالإسلام، فجاء النَّفَر الستَّةُ من الأنْصَارِ إلى مكَّة حُجَّاجاً، فعرض النبيُّ صلى الله عليه وسلم نَفْسَهُ علَيْهم، وتَلاَ عَلَيْهِمْ شَيْئاً مِنَ القُرآنِ، كَمَا كَانَ يَصْنَعُ مَعَ قَبَائِلِ العَرَبِ، فَآمَنُوا بِهِ، وَأَرَادَ الخُرُوجَ مَعَهُمْ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ قَدِمْتَ بَلَدَنَا على مَا بَيْنَنَا مِنَ العَدَاوَةِ وَالحَرْبِ، خِفْنَا أَلاَّ يَتِمَّ مَا نُرِيدُهُ بِكَ، وَلَكِنْ نَمْضِي نَحُنُ، وَنُشِيعُ أَمْرَكَ، وَنُدَاخِلُ النَّاسَ، وَمَوْعِدُنَا وَإيَّاكَ العَامُ القَابِلُ، فَمَضَوْا، وَفَعَلُوا، وَجَاءَتِ الأَنْصَارُ فِي العَامِ القَابِلِ، فَكَانَتِ العَقَبَةُ الثَّانِيَةُ، وَكَانُوا اثني عَشَرَ رَجُلاً فِيهِمْ خَمْسَةٌ مِنَ السِّتَّةِ الأَوَّلِينَ، ثُمَّ جَاءُوا مِنَ العَامِ الثَّالِثِ، فَكَانَتْ بَيْعَةُ العَقَبة الكبرى، حَضَرَهَا سَبْعُونَ، وَفِيهِمُ اثنا عَشَرَ نَقِيباً. 
ووصْفُ القصَّة مستوعبٌ في السِّيرِ، ويسَّر اللَّه تعالى الأنصار للإسلام بوجْهَيْن :
أحدهما : أنَّ بني إسرائيل كانُوا مجاوِرِينَ لهم، وكانوا يقولُونَ لِمَنْ يتوعَّدونه من العَرَبِ : يُبْعَثُ لَنَا الآنَ نَبِيٌّ نَقْتُلُكُمْ معه قَتْلَ عَادٍ وإرَمَ، فلمَّا رأَى النَّفَر من الأنْصَارِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال بعضُهم لبعضٍ : هذا، واللَّهِ، النَّبيُّ الَّذِي تَذْكُرُه بَنُو إسرائيل، فلا تُسْبَقَنَّ إلَيْهِ. 
والوجْهُ الآخرُ : الحَرْبُ الَّتي كَانَتْ ضرَّسَتْهم، وأفْنَتْ سراتهم، فَرَجوْا أنْ يجمع اللَّه به كلمتهم، فكان الأمر كما رَجَوْا، فعدَّد اللَّه سبحانَهُ علَيْهم نعمَتَهُ في تأليفهم بعد العَدَاوة، وذَكَّرهم بها، قال الفَخْر : كانَتِ الأنصارُ قَبْلَ الإسلام أعداءً، فلما أكرمهم اللَّه سبحانه بالإسلام، صاروا إخواناً في اللَّه، متراحِمِينَ. 
واعلم أنَّ كلَّ مَنْ كان وجهه إلى الدنيا، كان معادياً لأكثر الخَلْق، ومَنْ كان وجهه إلى خدمة المولى سبحانه، لَمْ يكُنْ معادِياً لأحدٍ، لأنه يَرَى الكُلَّ أسيراً في قبضة القَضَاء والقَدَر، ولهذا قيل : إن العارف، إذا أَمَرَ، أَمَرَ برفْقٍ، ونَصَحَ لاَ بِعُنْفٍ وعُسْر، وكيف، وهو مُسْتَبْصِرٌ باللَّه في القَدَر، اه. 
وقوله تعالى : فَأَصْبَحْتُم \[ آل عمران : ١٠٣ \] عبارةٌ عن الاستمرار. 
قال ( ص ) : أصْبَحَ يستعملُ لاتصافِ الموصوفِ بصفَتِهِ وقْتَ الصَّباحِ، وبمعنى صَارَ، فلا يلحظ فيها وقْت الصباح، بل مطْلَق الانتقال والصيرورةِ مِنْ حالٍ إلى حالٍ، وأَصْبَحَ : هنا بمعنى صَارَ، وما ذكره ابنُ عطية مِنْ أنَّ أَصْبَحَ لِلاستمرارِ، لم يذهَبْ إليه أحَدٌ من النَّحْوِيِّين، اه. 
قلْتُ : وفيما ادَّعاه نَظَرٌ، وهي شهادةٌ على نَفْيٍ. 
وكلامٍ( ع ) : واضحٍ من جهة المعنى، والشَّفَا : حَرْفُ كلِّ جِرْمٍ له مهوى، كالحفرة، والبِئْر، والجُرُفِ، والسَّقْفِ، والجِدَار ونحوه، ويضافُ في الاستعمالِ إلى الأعلى، كقوله : شَفَا جُرُفٍ  \[ التوبة : ١٠٩ \] وإلى الأسفلِ، كقوله : شَفَا حُفْرَةٍ  فشبَّه اللَّه كفرهم الذي كانوا عليه بالشَّفَا، لأنهم كانوا يَسْقُطُون في جهنَّم دَأَباً، فأنقدهم اللَّه منها بالإسلام. 
وقوله تعالى : فَأَنقَذَكُمْ مّنْهَا  أي : مِنَ النَّار، ويحتمل من الحُفْرة، والأول أحسنُ، قال العِرَاقِيُّ :( أَنْقَذَكُمْ )، أي : خلَّصكم، اه.

### الآية 3:104

> ﻿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [3:104]

وقوله تعالى : وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخير \[ آل عمران : ١٠٤ \]. 
أَمْرَ اللَّه سبحانه الأمَّةَ، بأنْ يكونَ منْها علماءُ يَفْعَلُونَ هذه الأفعالَ على وجوهها، ويحْفَظُونَ قوانينَها، ويكون سائِرُ الأمَّة مُتَّبِعِينَ لأولئك، إذ هذه الأفعالُ لا تكُونُ إلاَّ بعلْمٍ واسعٍ، وقد عَلِمَ اللَّه سبحانه، أنَّ الكُلَّ لا يكُونونَ علماء، ( فمِنْ ) هنا : للتبعيضِ، وهو تأويلُ الطبريِّ، وغيره. 
وذهب الزَّجَّاج وغيرُ واحدٍ، إلى أنَّ المعنى : ولتكونوا كلُّكم أمةً يدْعُونَ، و ( مِنْ ) : لبيانِ الجنْس، ومعنى الآية على هذا : أمر الأمة بأنْ يَدْعُوا جميعَ العَالَمِ إلى الخَيْر، فيَدْعُون الكُفَّار إلى الإسلامِ، والعُصَاةَ إلى الطاعةِ، ويكونُ كلُّ واحدٍ في هذه الأمور على منزلته من العلْمِ والقدرةِ، وروى الليثُ بْنُ سَعْدٍ، قال : حدَّثني محمَّدُ بْنُ عَجْلاَن، أنَّ وَافِداً النَّضْرِيَّ أَخْبَرَهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أنَّهُ قَالَ :( لَيُؤْتَيَنَّ بِرِجَالٍ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ، وَلاَ شُهَدَاءَ، يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ، لِمَنَازِلِهِمْ مِنَ اللَّهِ، يَكُونُونَ على مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، قَالُوا : وَمَنْ هُمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : هُمُ الَّذِينَ يُحَبِّبُونَ اللَّهَ إلَى النَّاسِ، وَيُحَبِّبُونَ النَّاسَ إلَى اللَّهِ، وَيَمْشُونَ فِي الأَرْضِ نُصْحاً، قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا يُحَبِّبُونَ اللَّهَ إلَى النَّاسِ، فَكَيْفَ يُحَبِّبُونَ النَّاسَ إلَى اللَّهِ ؟ ! قَالَ : يَأْمُرُونَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَهُمْ عَنِ المُنْكَرِ، فَإذَا أَطَاعُوهُمْ، أَحَبَّهُمُ اللَّهُ تعالى ) اه، من **«التذكرة »** للقرطبيِّ. 
قال ( ع ) : قال أهْلُ العلْمِ : وفَرَضَ اللَّه سبحانه بهذه الآية الأَمْرَ بالمَعْرُوفِ، والنَّهْيَ عن المُنْكَر، وهو مِنْ فروضِ الكفاية، إذا قام به قائمٌ سقَطَ عن الغَيْر، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم :( مَنْ رأى مِنْكُمْ مُنْكَراً، فَلْيُغَيِّرهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإيمَان ) والناسُ في الأمر بالمعروفِ وتغْييرِ المُنْكَرِ على مراتِبَ، فَفَرْضُ العلماءِ فيه تنبيهُ الولاةِ، وحَمْلُهُمْ على جَادَّة العلْمِ، وفرضُ الولاةِ تَغْييره بقوَّتهم وسلطانِهِمْ، ولهم هي اليَدُ، وفَرْضُ سائر الناسِ رَفْعُهُ إلى الولاةِ والحُكَّام بعد النَّهْيِ عنه قولاً، وهذا في المُنْكَرِ الذي له دَوَامٌ، وأما إنْ رأى أحَدٌ نازلةٌ بديهيَّةً مِنَ المُنْكَرِ كالسَّلْبِ والزِّنَا ونحوه، فيغيِّرها بنَفْسِهِ، بحَسَب الحالِ والقدرةِ، ويَحْسُنُ لكلِّ مؤمن أنْ يعتمل في تَغْيِيرِ المُنْكَرِ، وإنْ ناله بَعْضُ الأذى، ويؤيِّد هذا المَنْزَعَ أنَّ في قراءة عثمانَ، وابْنِ مسْعودٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، :" يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ، \[ وَيَسْتَعِينونَ اللَّهَ \] على مَا أَصَابَهُمْ "، فهذا وإنْ لم يثبتْ في المُصْحَفِ، ففيه إشارةٌ إلى التعرُّض لما يصيبِ عَقِيبَ الأمْر والنهْيِ، كما هو في قوله : وَأْمُرْ بالمعروف وانه عَنِ المنكر واصبر على مَا أَصَابَكَ  \[ لقمان : ١٧ \].

### الآية 3:105

> ﻿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [3:105]

وقوله سبحانه : وَلاَ تَكُونُواْ كالذين تَفَرَّقُواْ. . .  \[ آل عمران : ١٠٥ \]. 
قال ابن عبَّاس : هي إشارة إلى كلِّ مَنِ افترق من الأمَمِ في الدِّين، فأهلكهم الافتراقُ، وقال الحسنُ : هي إشارة إلى اليهودِ والنصارى. 
قلتُ : وروى أبو داوُدَ في " سُنَنِهِ "، عن معاويةَ بْنِ أبي سُفْيَان، قال : قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم :( إنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ افترقوا على ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَإنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ على ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ، ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الجَنَّةِ، وَهِيَ الجَمَاعَةُ )، وروى أبو هريرة نحوه، ولم يَذْكُرِ النَّار، اه.

### الآية 3:106

> ﻿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [3:106]

وقوله تعالى : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ \[ آل عمران : ١٠٦ \]. 
بياضُ الوُجُوهِ : عبارةٌ عن إشراقِها واستنارتها وبِشْرِها برحمة اللَّهِ، قاله الزَّجَّاج وغيره. 
وقوله تعالى : أَكْفَرْتُمْ  : تقريرٌ وتوبيخٌ متعلِّق بمحذوف، تقديره : فيقالُ لهم : أكفرتم، وفي هذا المَحْذُوفِ جوابُ **«أمَّا »**، وهذا هو فحوَى الخطَابِ، وهو أنْ يكون في الكلام شيْءٌ مقدَّر لا يستغنِي المعنى عنه، كقوله تعالى : فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ  \[ البقرة : ١٨٤ \] المعنى : فَأَفْطَرَ، فَعِدَّةٌ. 
وقوله تعالى : بَعْدَ إيمانكم \[ آل عمران : ١٠٦ \] يقتضي أنَّ لهؤلاء المذكورين إيماناً متقدِّماً، واختلف أهل التأويل في تَعْيِينِهِمْ، فقال أُبيُّ بْنُ كَعْبٍ : هم جميعُ الكُفَّارِ، وإيمانهم هو إقرارهم يَوْمَ قِيلَ لهم : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى  \[ الأعراف : ١٧٢ \] وقال أكثر المتأوِّلين : المراد أهل القبْلَة مِنْ هذه الأمة، ثم اختلفوا، فقال الحسَنُ : الآية في المنافقين، وقال قتادة : هي في أهْل الرَّدة، وقال أبو أُمَامة : هي في الخَوَارج.

### الآية 3:107

> ﻿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [3:107]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٠٦:وقوله تعالى : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ \[ آل عمران : ١٠٦ \]. 
بياضُ الوُجُوهِ : عبارةٌ عن إشراقِها واستنارتها وبِشْرِها برحمة اللَّهِ، قاله الزَّجَّاج وغيره. 
وقوله تعالى : أَكْفَرْتُمْ  : تقريرٌ وتوبيخٌ متعلِّق بمحذوف، تقديره : فيقالُ لهم : أكفرتم، وفي هذا المَحْذُوفِ جوابُ ****«أمَّا »****، وهذا هو فحوَى الخطَابِ، وهو أنْ يكون في الكلام شيْءٌ مقدَّر لا يستغنِي المعنى عنه، كقوله تعالى : فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ  \[ البقرة : ١٨٤ \] المعنى : فَأَفْطَرَ، فَعِدَّةٌ. 
وقوله تعالى : بَعْدَ إيمانكم \[ آل عمران : ١٠٦ \] يقتضي أنَّ لهؤلاء المذكورين إيماناً متقدِّماً، واختلف أهل التأويل في تَعْيِينِهِمْ، فقال أُبيُّ بْنُ كَعْبٍ : هم جميعُ الكُفَّارِ، وإيمانهم هو إقرارهم يَوْمَ قِيلَ لهم : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى  \[ الأعراف : ١٧٢ \] وقال أكثر المتأوِّلين : المراد أهل القبْلَة مِنْ هذه الأمة، ثم اختلفوا، فقال الحسَنُ : الآية في المنافقين، وقال قتادة : هي في أهْل الرَّدة، وقال أبو أُمَامة : هي في الخَوَارج. ---

### الآية 3:108

> ﻿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۗ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ [3:108]

وقوله تعالى : تِلْكَ آيات الله نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بالحق \[ آل عمران : ١٠٨ \]. الإشارة بتِلْكَ إلى هذه الآياتِ المتضمِّنة تعذيبَ الكُفَّار، وتَنْعِيمَ المؤمنين، ولَمَّا كان في هذا ذكْرُ التعذيبِ، أخبر سبحانه، أنه لا يريدُ أنْ يقع منه ظُلْمٌ لأحدٍ من العبادِ، وإذا لم يردْ ذلك فلا يوجد البتة، لأنه لا يَقَعُ من شيء إلاَّ ما يريده سُبْحانه، وقوله : بالحق  معناه بالإخبار الحَقِّ، ويحتمل أنْ يكون المعنى : نَتْلُوهَا عَلَيْكَ مضمَّنة الأفعال التي هِيَ حَقٌّ في نفسها، من كرامةِ قومٍ، وتعذيبِ آخرينَ.

### الآية 3:109

> ﻿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [3:109]

ولما كان للذِّهْنِ أنْ يقف هنا في الوَجْه الذي به خَصَّ اللَّه قومًا بعملٍ يرحمهم مِنْ أجله، وآخرين بعملٍ يعذِّبهم عليه، ذكر سبحانه الحُجَّة القاطعة في مِلْكِهِ جميعَ المخلوقاتِ، وأنَّ الحَقَّ أَلاَّ يعترض علَيْه، وذلك في قوله : وَلِلَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض. . .  \[ آل عمران : ١٠٩ \].

### الآية 3:110

> ﻿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ۚ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ [3:110]

وقوله تعالى : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ. . .  \[ آل عمران : ١١٠ \]. 
اختلفَ في تأويل هذه الآية، فقيل : نزلَتْ في الصحابة، وقال الحسَنُ بْنُ أبي الحَسَن وجماعةٌ مِنْ أَهْل العلْمِ : الآيةُ خطَابٌ لجميع الأمة، بأنهم خير أمة أخرجَتْ للنَّاس، ويؤيِّد هذا التأويلَ كونُهم شهداءَ عَلَى النَّاس، وأمَّا قوله : كُنْتُمْ  على صيغة المُضِيِّ، فإنها التي بمعنَى الدَّوامِ، كما قال تعالى : وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً  \[ النساء : ٩٦ \]، وقال قوم : المعنى : كنتم فِي عِلْمِ اللَّه، وهذه الخَيْريَّة التي خَصَّ اللَّه بها هذه الأمَّة، إنما يأخذ بحَظِّه منها مَنْ عمل بهذه الشُّروط مِنَ الأمر بالمعروفِ، والنَّهْيِ عن المنكر، والإيمانِ باللَّه، ممَّا جاء في فَضْل هذه الأمَّة ما خرَّجه مُسْلِمٌ في صحيحه، عن أبي هريرة، قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ يَوْمَ القِيَامةِ ) وفي رواية :( السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّة )، وفي رواية :( نَحْنُ الآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، والأَوَّلُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، المَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الخَلاَئِقِ )، وفي رواية :( المَقْضِيُّ بَيْنَهُمْ ) اه. 
وخرَّج ابن مَاجَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاس، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( نَحْنُ آخرُ الأُمَمِ، وَأَوَّلُ مَنْ يُحَاسَبَ، يُقَالُ : أَيْنَ الأَمَّةُ الأَمِّيَّةُ ونبيها ؟ فَنَحْنُ الآخرُونَ الأَوَّلُونَ )، وفي روايةٍ عن ابن عَبَّاس :( فتُفَرِّجُ لَنَا الأَمَمُ عَنْ طَرِيقَنَا، فَنَمْضِي غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الطُّهُورِ، فَتَقُولُ الأُمَمُ : كَادَتْ هَذِهِ الأَمَّةُ أَنْ تَكُونَ أَنْبِيَاءَ كُلُّهَا )، وخَرَّجهُ أيضاً أبو داود الطَّيَالِسِيُّ في مسنده بمعناه. اه من **«التذكرة »**. 
وروى أبو داود في " سننه "، قال : حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شَيْبة، عن أبيه، عن أبي موسى، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الآخِرَةِ، عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا، الفِتَنُ، وَالزَّلاَزِلُ، وَالقَتْل ) اه، وقد ذكرنا هذا الحديثَ أيضاً عن غَيْر أبي داود، وهذا الحديثُ ليس هو على عمومه في جميعِ الأمَّة، لثبوت نُفُوذِ الوعيدِ في طائفةٍ من العُصَاة، اه. 
وقوله : تَأْمُرُونَ بالمعروف \[ آل عمران : ١١٠ \]، وما بعده : أحوالٌ في موضعِ نصبٍ، وفي الحديثِ :( خَيْرُ النَّاسِ أتقَاهُمْ لِلَّهِ، وَآمَرُهُمْ بِالمَعْرُوفِ، وَأَنْهَاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ، وَأَوْصَلُهُمْ لِلرَّحِمِ )، رواه البغويُّ في **«منتخبه »**، اه من **«الكوكب الدري »**. 
وقوله سبحانه : مّنْهُمُ المؤمنون  تنبيهٌ على حال عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ، وأخيهِ، وثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْيَةَ، وغيْرِهِمْ مِمَّنْ آمَنَ.

### الآية 3:111

> ﻿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ۖ وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ [3:111]

وقوله تعالى : لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى \[ آل عمران : ١١١ \]. 
أي : إلا أَذًى بالألسنة فَقَطْ، وأخبر سبحانه في قوله : وَإِن يقاتلوكم يُوَلُّوكُمُ الأدبار ، بخبر غَيْب، صحَّحه الوجودُ، فهي مِنْ آيات نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، وفائدةُ الخَبَرِ هي في قولِهِ : ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ  أي : لا تكونُ حَرْبُ اليهودِ معكم سِجَالاً، وخص الأدبار بالذِّكْر دون الظَّهْرِ، تَخْسِيساً للفَارِّ، وهكذا هو حيثُ تصرَّفَ.

### الآية 3:112

> ﻿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [3:112]

وقوله تعالى : ضُرِبَتْ \[ آل عمران : ١١٢ \]. 
معناه : أُثْبِتَتْ بشدَّةٍ وإلزامٍ، وهنا وصْفُ حالٍ تقرَّرت على اليهودِ في أقطار الأرْضِ قبل مَجِيء الإسلام، ( وثُقِفُوا ) : معناه أُخِذُوا بحالِ المذْنِبِ المستحِقِّ الإهلاك، وقوله : إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ الله  في الكلامِ محذوفٌ يدركُهُ فهُمْ السامعِ، تقديره : فلا نجاة لهم مِنَ القَتْلِ أو الاستئصال ( إلاَّ بحَبْلٍ )، هو العَهْدُ. 
وقوله : ذلك  إشارةٌ إلى الغَضَب، وضَرْب الذلَّة والمَسْكَنَة، وباقي الآية تقدَّم تفسير نظيره.

### الآية 3:113

> ﻿۞ لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ [3:113]

وقوله تعالى : لَيْسُواْ سَوَاءً. . .  \[ آل عمران : ١١٣ \]. 
قال ابنُ عَبَّاس ( رضي اللَّه عنهما ) : لمَّا أسلم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْيَةَ، وَأَسَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، ومَنْ أَسْلَمَ من اليهود معهم، قال الكُفَّار من أحْبَارِ اليهودِ : مَا آمن بمحمَّد إلاَّ شِرَارُنَا، وَلَوْ كَانُوا خِيَاراً، ما تَرَكُوا دِينَ آبائِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي ذَلِكَ : لَيْسُواْ سَوَاء. . .  الآية، وقالَ مثلَهُ قتادةُ، وابنُ جُرَيْجٍ، وهو أصح التأويلات في الآية. 
واختلفَ في قوله : قَائِمَةً ، فقال ابنُ عَبَّاس، وغيره : معناه : قائمةٌ على كتابِ اللَّهِ، وحُدُودِهِ مهتديةٌ، وقال السُّدِّيُّ : القائمةُ : القانِتَةُ المُطيعةُ. وهذا كلُّه يرجع إلى معنى وَاحِدٍ، ويحتمل أنْ يراد ب  قَائِمَةً  : وَصْفُ حال التالين في آناء الليلِ، ومَنْ كانت حاله هذه، فلا محالة، أنه معتدلٌ عَلَى أمْر اللَّه، و آيَاتِ الله ، في هذه الآيةِ : هي كُتُبُهُ، والآناءُ : السَّاعاتُ، واحِدها إنْيٌ، بكسر الهمزة، وسكونِ النون، وحكم هذه الآية لا يتَّفقُ في شَخْص، شَخْصٍ بأنْ يكون كلُّ واحدٍ يصلِّي جميعَ ساعاتِ الليلِ، وإنما يقوم هذا الحُكْمُ من جماعةِ الأمَّة، إذ بعضُ الناسِ يَقُومُ أول الليلِ، وبعضهم آخِرَهُ، وبعضُهُم بَعْدَ هَجْعَةٍ، ثم يعودُ إلى نَوْمِهِ، فيأتي مِنْ مجموعِ ذلك في المُدُنِ والجَمَاعَاتِ عِمَارةُ آناء الليلِ بالقيامِ، وهكذا كان صَدْرُ هذه الأمَّة، وعُرْفُ النَّاسِ القيامُ في أول الثُّلُثِ الآخرِ مِنَ الليلِ، أو قبله بشَيْء، وحينئذٍ : كان يقوم الأكثر، والقيام طولَ الليلِ قليلٌ، وقد كان في الصالِحِينَ مَنْ يلتزمه، وقد ذكر اللَّه سبحانه القَصْدَ من ذَلِكَ في **«سُورة المُزَّمِّلِ »**، وقِيامُ الليلِ لقراءةِ العِلْمِ المبتغى به وجْهُ اللَّهِ داخلٌ في هذه الآيةِ، وهو أفضلُ من التنفُّل، لِمَنْ يُرْجَى انتفاعُ المسلمِينَ بعلْمه. قُلْتُ : وقد تقدَّم في أوَّل السُّورة : ما جاء من التأويل في حديثِ النُّزُولِ، فلنذكُرِ الآن الحديثَ بكَمَالِهِ، لما فيه من الفوائِدِ :
روى أبو هريرةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّهُ قَالَ :( يَنْزِلُ رَبَّنَا تَبَارَكَ وتعالى كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يبقى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، فَيَقُولُ : مَنْ يَدْعُونِي، فَأَسْتَجِيبَ لَهُ ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيهُ ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي ؟ فَأَغْفِرَ لَهُ ) رواه الجماعةُ، أعني : الكتبَ الستَّة، البخاريَّ، ومُسْلِماً، وأبا داوُدَ، والتِّرمذيَّ، والنَّسائيَّ، وابْنَ مَاجَة، وفي بعضِ الطُّرُق :( حتى يَطْلُعَ الفَجْرُ )، زاد ابْنُ ماجَة :**«فَلِذَلِكَ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ الصَّلاَةَ آخِرَ اللَّيْلِ، على أَوَّلِهِ »**. 
وعن عمرو بْنِ عَنبَسَة أَنَّهُ سَمِعَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ :( أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ العَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ، فإنِ استطعت أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، فَكُنْ ) رواه أبو داوُد، والتِّرمذيُّ، والنَّسَائِيُّ، والحَاكِمُ في **«المستدرك »**، واللفظ للتِّرمذيِّ، وقال : حَسَنٌ صَحِيحٌ، وقال الحاكمُ : صحيحٌ على شرطِ مُسْلِمٍ. 
اه من ****«السلاح »****. 
 " وعن أبي أُمَامَةَ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ ؟ قَالَ :( جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرَ، ودُبُرَ الصَّلَوَاتِ المَكْتُوبَاتِ ) ". رواه الترمذيُّ، والنسائيُّ، وقال الترمذيُّ : هذا حديثٌ حسنٌ، وفي روايةٍ :( جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرَ أرجى )، أو نحو هذا، اه من ****«السلاح »****.

### الآية 3:114

> ﻿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ [3:114]

ومما يدْخُلُ في ضِمْنِ قوله سبحانه : ويسارعون فِي الخيرات \[ آل عمران : ١١٤ \] أن يكون المرءُ مغْتَنِماً للخَمْس، كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم :( اغتنم خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ : شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتِكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ )، فَيَكُونُ متى أَرَادَ أَنْ يَصْنَعَ خَيْراً، بادر إليه، ولم يسوِّف نفسه بالأمل، فهذه أيضاً مسارعةٌ في الخيرات، وذكر بعض النَّاس قال : دخلْتُ معَ بَعْضِ الصَّالحين في مَرْكَبٍ، فقُلْتُ له : ما تقُولُ أصْلَحَكَ اللَّه، في الصَّوْمِ في السَّفر ؟ فقال لي : إنها المبادرةُ، يا ابْنَ الأخِ، قال المحدِّث : فجاءني واللَّهِ، بجوابٍ ليس من أجوبة الفُقَهَاء. 
قال ( ص ) : قوله : مّنَ الصالحين  :( مِنْ ) للتبعيض، ابنُ عطية : ويحسُنُ أيضاً أنْ تكون لبيانِ الجنْس، وتعقِّب بأنه لم يتقدَّم شيء فيه إبهام، فيبين جنْسه، اه.

### الآية 3:115

> ﻿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ [3:115]

وقوله تعالى : وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ \[ آل عمران : ١١٥ \]. 
أي : فلَنْ يعطى دونكم، فلا تثابُونَ عليه، وفي قوله سبحانه : والله عَلِيمٌ بالمتقين  : وعدٌ، ووعيدٌ.

### الآية 3:116

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۚ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [3:116]

ومما يدْخُلُ في ضِمْنِ قوله سبحانه: وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ أن يكون المرءُ مغْتَنِماً للخَمْس كما قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: **«اغتنم خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ وَصِحَّتِكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ»** **«١»** فَيَكُونُ متى أَرَادَ أَنْ يَصْنَعَ خَيْراً، بادر إليه، ولم يسوِّف نفسه بالأمل، فهذه أيضاً مسارعةٌ في الخيرات، وذكر بعض النَّاس قال: دخلْتُ معَ بَعْضِ الصَّالحين في مَرْكَبٍ، فقُلْتُ له: ما تقُولُ (أصْلَحَكَ اللَّه) في الصَّوْمِ في السَّفر؟ فقال لي: إنها المبادرةُ، يا ابْنَ الأخِ، قال المحدِّث: فجاءني، واللَّهِ، بجوابٍ ليس من أجوبة الفُقَهَاء/.
 قال ص: قوله: مِنَ الصَّالِحِينَ: **«مِنْ»** : للتبعيض، ابنُ عطية: ويحسُنُ أيضاً أنْ تكون لبيانِ الجنْس، وتعقِّب بأنه لم يتقدَّم شيء فيه إبهام، فيبين جنسه. اهـ.
 \[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١١٥ الى ١١٦\]
 وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١٦)
 وقوله تعالى: وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ، أي: فلَنْ يعطى دونكم، فلا تثابُونَ عليه، وفي قوله سبحانه: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ: وعد ووعيد.
 \[سورة آل عمران (٣) : آية ١١٧\]
 مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)
 وقوله تعالى: ثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ...
 الآية: وقع في الآية التشبيهُ بين شيئَيْن وشَيْئَيْن، وتَرَكَ مِنْ كلٍّ منهما ما دلَّ عليه الكلام، وهذه غايةُ الإيجازِ والبلاغةِ، وجمهور المفسّرين على أن نْفِقُونَ
 يراد به الأموال التي كانُوا ينفقُونَها في التحنُّث، أي: يبطلها كفْرهم كما تبطل الريح الزرْعَ، والصِّرُّ: البَرْدُ الشديدُ المُحْرِقُ لكلِّ ما يهبّ عليه، والحرث: شامل للزرع والثمار.

 (١) أخرجه الحاكم (٤/ ٣٠٦)، والبيهقي في ****«شعب الإيمان»**** (٧/ ٢٦٣) رقم (١٠٢٤٨) من طريق عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه عن ابن عباس مرفوعا.
 وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
 وأخرجه ابن المبارك في ****«الزهد»**** رقم (٢)، وأبو نعيم في **«حلية الأولياء»** (٤/ ١٤٨)، والبيهقي في ****«شعب الإيمان»**** (٧/ ٢٦٣) رقم (١٠٢٥٠)، والبغوي في **«شرح السنة»** (٧/ ٢٧٦، ٢٧٧- بتحقيقنا) عن عمرو بن ميمون الأودي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مرسلا.
 والمرسل ذكره الحافظ العراقي في **«تخريج الإحياء»** (٤/ ٤٤٣)، وعزاه لأحمد في ****«الزهد»****، وقال:
 بإسناد حسن.

### الآية 3:117

> ﻿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَٰذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [3:117]

قوله تعالى : مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هذه الحياة الدنيا كَمَثَلِ رِيحٍ. . .  \[ آل عمران : ١١٧ \]. 
وقع في الآية التشبيهُ بين شيئَيْن، وشَيْئَيْن، وتَرَكَ مِنْ كلٍّ منهما ما دلَّ عليه الكلام، وهذه غايةُ الإيجازِ والبلاغةِ، وجمهورُ المفسِّرين على أن  يُنفِقُونَ  يراد به الأموال التي كانُوا ينفقُونَها في التحنُّث، أي : يبطلها كفْرهم، كما تبطل الريح الزرْعَ، والصِّرُّ : البَرْدُ الشديدُ، المُحْرِقُ، لكلِّ ما يهُبُّ عليه، والحَرْثُ : شامل للزرعِ، والثمارِ. 
وقوله سبحانه : حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ. . .  الآية، مِنْ أَهْلِ العِلْم من يرى أنَّ كل مصائبِ الدنيا، فإنما هي بمعاصِي العبيدِ، وينتزع ذلك مِنْ غير ما آية في القرآن، فيستقيم على قوله، إنَّ كلَّ حرثٍ تحرقُهُ ريحٌ، فإنما هو لِمَنْ قد ظلم نفْسَه، والضميرُ في قوله : وَمَا ظَلَمَهُمُ الله  للكفَّار الذين تقدَّم ضميرهم في  يُنفِقُونَ ، وليس هو للقومِ ذوي الحَرْث.

### الآية 3:118

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [3:118]

وقوله تعالى : يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً \[ آل عمران : ١١٨ \]. 
أي لا تتَّخذوا من الكفَّارِ، واليهودِ، والمنافقينَ أخلاَّء تأنَسُونَ بهم في الباطنِ، وتفاوضونهم في الآراء. 
وقوله سبحانه : مّن دُونِكُمْ \[ آل عمران : ١١٨ \] يعني : مِنْ دُونِ المؤمنين. 
وقوله سبحانه : لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً \[ آل عمران : ١١٨ \]
معناه : لا يقصِّرون لكم فيما فيه فسادٌ عليكم، تقُول : ما أَلَوْتُ فِي كَذَا، أيْ : ما قصَّرت، بل اجتهدت، والخبالُ : الفسادُ، قال ابن عبَّاس : كان رجالٌ من المؤمنين يواصِلُون رجالاً من اليهودِ للْحِلْفِ، والجِوَارِ، الذي كان بَيْنهم في الجاهليَّة، فنزلَتِ الآية في ذلك، وقال ابنُ عبَّاس أيضاً وقتادة، والرَّبِيع، والسُّدِّيُّ : نزلَتْ في المنافقين. 
قال ( ع ) : ويدخُلُ في هذه الآية استكتاب أهل الذِّمَّة، وتصريفُهم في البَيْع، والشِّراء، ونَحْو ذلك، و**«ما »** في قوله : مَا عَنِتُّمْ  : مصدريةٌ، فالمعنى : رَدُّوا عَنَتَكُمْ، والعَنَتُ : المشقَّة والمكروه، يلقاه المرءُ، وعَقَبَةٌ عَنُوتٌ، أي : شاقَّة. 
قال ( ص ) : قال الزجَّاج :( عَنَتَكُمْ ) أي : مشقَّتَكُم، وقال ابنُ جَرِيرٍ : ضلاَلَكُمْ، وقال الزُّبَيْدِيُّ : العَنَتُ : الهلاك اه. 
وقوله تعالى : قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم \[ آل عمران : ١١٨ \]. 
أي : فهم فوق المستَتِر الَّذي تبدو البغضاءُ في عينيه، وخصَّ سبحانه الأفواه بالذكْرِ دون الألسنة، إشارةً إلى تشدُّقهم وثَرْثَرَتِهِمْ في أقوالهم هذه، ثمَّ قال سبحانه للمؤمنين : قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيات إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ، تحْذيراً وتنبيهاً، وقد عَلِمَ سبحانه، أنهم عقلاء، ولكن هذا هَزٌّ للنفوس، كما تقول : إنْ كُنْتَ رَجُلاً، فافعل كذا وكذا.

### الآية 3:119

> ﻿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ۚ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [3:119]

وقوله : هاأنتم أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ \[ آل عمران : ١١٩ \]. 
الضمير في **«تُحِبُّونهم »** للذين تقدَّم ذكْرُهم في قوله : بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ . قال ( ص ) : وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلّهِ ، قال أبو البقاء : الكِتَاب، هنا : جنس، أيْ : بالكتب كلِّها، اه. 
وقوله تعالى : عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ \[ آل عمران : ١١٩ \]. 
عبارةٌ عن شدَّة الغيظِ، مع عدم القُدْرة على إنفاذه، ومنه قولُ أبي طَالِبٍ :\[ الطويل \]
يَعَضُّونَ غَيْظاً خَلْفَنَا بِالأَنَامِلِ\*\*\*
وقوله سبحانه : قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ \[ آل عمران : ١١٩ \]. 
قال فيه الطبريُّ، وكثيرٌ من المفسِّرين : هو دعاءٌ عليهم، وقال قومٌ : بل أمر النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأمَّتَه أنْ يواجهُوهم بهذا، فعلَى هذا زال معْنَى الدعاء، وبَقِيَ معنى التقْرِيعِ. 
وقوله تعالى : إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور  : وعيدٌ و ذَاتَ الصدور  : ما تنطوِي عليه.

### الآية 3:120

> ﻿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ۖ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [3:120]

وقوله سبحانه : إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ. . .  \[ آل عمران : ١٢٠ \]
الحَسَنَةُ والسيِّئة، في هذه الآية : لفظ عامٌّ في كل ما يَحْسُنُ ويَسُوء، قلْتُ : ويجبُ على المؤمن أنْ يجتنب هذه الأخلاقَ الذَّميمة، وَرُوِّينا في **«كتاب الترمذيِّ »**، عن وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ رضي اللَّه عنه، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( لاَ تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ لأخِيكَ، فَيَرْحَمَهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِيكَ ) اه. 
والكَيْد : الاحتيالُ بالأباطيل، وقوله تعالى : وَأَكِيدُ كَيْداً  \[ الطارق : ١٦ \] من باب تسمية العقوبة باسم الذَّنْب.

### الآية 3:121

> ﻿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [3:121]

وقوله تعالى : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ المؤمنين مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ \[ آل عمران : ١٢١ \]. 
هذا ابتداءُ عتْبِ المؤمنين في أَمْر أُحُدٍ، وفيه نزلَتْ هذه الآياتُ كلُّها، وكان من أمر غزوة أُحُدٍ أَنَّ المُشْرِكِينَ اجتمعوا في ثلاثة آلاف رجُلٍ، وقصدوا المدينةَ ليأخذوا بثأرهم في يوم بَدْرٍ، فنزلوا عند أُحُدٍ يوم الأربعاء، الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ شَوَّالٍ، سنَةَ ثلاثٍ من الهجرةِ، على رأس أَحَدٍ وثلاثين شهرًا من الهجْرة، وأقاموا هنالك يَوْمَ الخمِيسِ، ورسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم بالمدينة يدبِّر، وينتظرُ أمْرَ اللَّهِ سبحانه، فلَمَّا كان في صَبِيحَة يَوْم الجُمُعة، جَمَعَ رسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم النَّاس واستشارهم، وأخبرهم أنه كان يرى بقرًا تُذْبَح، وثَلْماً في ذُبَابِ سَيْفه، وأنَّهُ يُدْخِلُ يده في دِرْعٍ حَصِينَةٍ، وأنه تأوَّلها المدينةَ، وقال لهم : أرى أن لاَّ نخرج إلى هؤلاء الكُفَّارِ، فقال له عبدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ : أَقِمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلاَ تَخْرُجْ إلَيْهِمْ بِالنَّاسِ، فَإنْ هُمْ أَقَامُوا، أَقَامُوا بِشَرِّ مَحْبِسٍ، وإنِ انْصَرَفُوا مَضَوْا خَائِبِينَ، وَإنْ جَاءُونَا إلَى المَدِينَةِ، قَاتَلْنَاهُمْ فِي الأَفْنِيَةِ، وَرَمَاهُمُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ بِالحِجَارَةِ مِنَ الآطامِ، فَوَاللَّهِ، مَا حَارَبَنَا قَطُّ عَدُوٌّ فِي هَذِهِ المَدِينَةِ إلاَّ غَلَبْنَاهُ، وَلاَ خَرَجْنَا مِنْهَا إلى عَدُوٍّ إلاَّ غَلَبَنَا، فَوَافَقَ هَذَا الرَّأْيُ رَأْيَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ورَأْيَ جَمَاعَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ، وَالأَنْصَارِ، وقَالَ قَوْمٌ مِنْ صُلَحَاءِ المُؤْمِنِينَ مِمَّنْ فَاتَتْهُ بَدْرٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ اخرج بِنَا إلى عَدُوِّنَا، وَشَجَّعُوا النَّاسَ، وَدَعوْا إلَى الحَرْبِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فصلى بِالنَّاسِ صَلاَةَ الجُمُعَةِ، وَقَدْ حَشَّمَهُ هَؤُلاَءِ الدَّاعُونَ إلَى الحَرْبِ، فَدَخَلَ إثْرِ صَلاَتِهِ بَيْتَهُ، وَلَبِسَ سِلاَحَهُ، فَنَدِمَ أُولَئِكَ القَوْمُ، وَقَالُوا : أَكْرَهْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا خَرَجَ عَلَيْهِمُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فِي سِلاَحِهِ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقِمْ، إنْ شِئْتَ، فَإنَّا لاَ نُرِيدُ أنْ نُكْرِهَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ لَبِسَ سِلاَحَهُ أَنْ يَضَعَهَا، حتى يُقَاتِل، ثُمَّ خَرَجَ بِالنَّاسِ، وَسَارَ حتى قَرُبَ مِنْ عَسْكَرِ المُشْرِكِينَ، فَعَسْكَرَ هُنَالكَ، وَبَاتَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَقَدْ غَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ، وَقَالَ : أَطَاعَهُمْ، وَعَصَانِي، فَلَمَّا كَانَ فِي صَبِيحَةِ يَوْمَ السَّبْتِ، اعتزم النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى المَسِيرِ إلى مُنَاجَزَةِ المُشْرِكِينَ، فَنَهَضَ وَهُوَ فِي أَلْفِ رَجُلٍ، فانخزل عَنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ بِثَلاَثِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ مُنَافِقٍ وَمُتَّبِعٍ، وَقَالُوا : نَظُنُّ أَنَّكُمْ لاَ تَلْقَوْنَ قِتَالاً، ومضى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي سبْعِمِائةٍ، فَهَمَّتْ عِنْدَ ذَلِكَ بَنُو حَارِثَةَ مِنَ الأَوْسِ، وَبَنُو سَلِمَةَ مِنَ الخَزْرَجِ بالانْصِرَافِ، وَرَأَوْا كَثَافَةَ المُشْرِكِينَ، وَقِلَّةَ المُسْلِمِينَ، وَكَادُوا أَنْ يَجْبُنُوا، وَيَفْشَلُوا، فَعَصَمَهُمُ اللَّهُ تعالى، وَذَمَّ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، وَنَهَضُوا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حتى أَطَلَّ عَلَى المُشْرِكِينَ، فَتَصَافَّ النَّاسُ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَمَّرَ عَلَى الرُّمَاةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ، وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلاً، وَجَعَلَهُمْ يَحْمُونَ الجَبَلَ، وَرَاءَ المُسْلِمِينَ، وَأسْنَدَ هُوَ إلَى الجَبَلِ، فَلَمَّا اضطرمت نَارُ الحَرْبِ، انكشف المُشْرِكُونَ، وانهزموا، وَجَعَلَ نِسَاءُ المُشْرِكِينَ يَشْدُدْنَ فِي الجَبَلِ، وَيَرْفَعْنَ عَنْ سُوقِهِنَّ، قَدْ بَدَتْ خَلاَخِيلُهُنَّ، فَجَعَلَ الرُّمَاةُ يَقُولُونَ : الغَنِيمَةَ الغَنِيمَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَدْ قَالَ لَهُمْ :( لاَ تَبْرَحُوا مِنْ هُنَا، وَلَوْ رَأَيْتُمُونَا تَخَطَّفُنَا الطَّيْرُ )، فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَوْمٌ مِنْهُمْ : اتقوا اللَّهَ واثبتوا، كَمَا أَمَرَكُمْ نَبِيُّكُمْ، فَعَصَوْا، وَخَالَفُوا، وانصرفوا يُرِيدُونَ النَّهْبَ، وَخَلَّوْا ظُهُورَ المُسْلِمِينَ لِلْخَيْلِ. 
وَجَاءَ خَالِدٌ فِي جَرِيدَةِ خَيْلٍ مِنْ خَلْفِ المُسْلِمِينَ، حَيْثُ كَانَ الرُّمَاةُ، فَحَمَلَ عَلَى النَّاسِ، وَوَقَعَ التَّخَاذُلُ، وَصِيحَ فِي المُسْلِمِينَ مِنْ مُقَدِّمَتِهِم، وَمِنْ سَاقَتِهِمْ، وَصَرَخَ صَارِخٌ : قُتِلَ مُحَمَّدٌ، فَتَخَاذَلَ النَّاسِ، واستشهد مِنَ المُسْلِمِينَ سَبْعُونَ، وَتَحَيَّزَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي أَعْلَى الجَبَلِ، وَتَحَاوَزَ النَّاسُ ". 
هَذَا مختصرٌ من القصَّة، يتركَّب عليه تفسيرُ الآياتِ، وأمْرِ أُحُدٍ مستوعَبٌ في السِّيَرِ، وليس هذا التعليقُ ممَّا يقتضي ذكْرَهُ، و تُبَوِّئُ  : معناه : تُعَيِّنُ لهم مقاعدَ، يتمكَّنون فيها، ويثْبُتُون، وقوله سبحانه : مقاعد  : جمعُ مَقْعَدٍ، وهو مكانُ القعود، وهذا بمنزلة قولك : مَوَاقِف، ولكنَّ لفظة القُعُود أدلُّ على الثبوتِ، ولا سيَّما أنَّ الرماة إنما كانوا قُعُوداً، وكذلك كانَتْ صفوفُ المسلمين أولاً، والمُبَارِزَةُ والسَّرعَان يَجُولُون. 
وقوله تعالى : والله سَمِيعٌ ، أي : ما تقولُ، وما يقالُ لك وقْتَ المشاورة وغيره.

### الآية 3:122

> ﻿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [3:122]

وهَمَّتْ  معناه : أرادَتْ، ولم تَفْعَلْ، والفَشَل : في هذا الموضع : هو الجُبْن الذي كاد يلحق الطَّائفتين، ففي البُخَاريِّ وغيره، عَنْ جَابِرٍ، قال : نزلَتْ هذه الآيةُ فينا، إذ همَّت طائفتان في بَنِي سَلِمَةَ وبَنِي حَارِثَةَ، وما أحب أنها لم تنزلْ، واللَّهُ يقولُ : والله وَلِيُّهُمَا \[ آل عمران : ١٢٢ \].

### الآية 3:123

> ﻿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [3:123]

وقوله سبحانه : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ. . .  \[ آل عمران : ١٢٣ \]. لمَّا أمر اللَّه سبحانه بالتوكُّل عليه، ذَكَّر بأَمْر بَدْرٍ الذي كان ثَمَرَتُهُ التوكُّلَ عَلَى اللَّه سبحانه، والثِّقَةَ به. 
وقوله سبحانه : وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ  معناه : قليلون، واسم الذُّلِّ في هذا الموضع : مستعارٌ، إذ نسبتهم إلى عدوِّهم، وإلى جميعِ الكفَّار في أقطار الأرض تَقْتَضِي عند المتأمِّل ذِلَّتَهُمْ، وأنهم مغلوبُونَ، رَوَى ابن عمرو " أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ يَوْمَ بَدْرٍ فِي ثَلاَثِمِائَةٍ، وَخَمْسَةَ عَشَرَ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم :( اللَّهُمَّ، إنَّهُمْ حُفَاةٌ، فاحملهم، اللَّهُمَّ إنَّهُمْ عُرَاةٌ، فاكسهم، اللَّهُمَّ، إنَّهُمْ جِيَاعٌ، فَأَشْبِعْهُمْ )، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، يَوْمَ بَدْرٍ، فانقلبوا حِينَ انقلبوا، وَمَا فِيهِمْ رجُلٌ إلاَّ قَدْ رَجَعَ بِجَمَلٍ أوْ جمَلَيْنِ، واكتسوا، وَشَبِعُوا، " رواه أبو داود، والحاكمُ في **«المستدرك على الصَّحيحَيْن »**، واللفظ له، وقال : صحيحٌ على شرط الشيخَيْن، اه من **«السلاح »**.

### الآية 3:124

> ﻿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ [3:124]

وقوله سبحانه : إِذْ تَقُولُ \[ آل عمران : ١٢٤ \]
العاملُ في ( إذ ) فعلٌ مضمرٌ، ويحتملُ أنْ يكون العاملُ ( نَصَرَكُمْ )، وعلى هذا قولُ الجمهورِ، إَنَّ هذا القولَ مِنَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم كَانَ ببَدْرٍ، قال ابنُ عبَّاس : لم تقاتِلِ الملائكةُ في يَوْمٍ من الأيامِ إلا يَوْمَ بَدْرٍ، وكانوا يكونون في سائرِ الأيام عدَداً ومَدداً لا يَضْرِبُون. قال الشَّعْبِيُّ : وهم يحضرون حروبَ المُسْلمين إلى يَوْمِ القيامة، وقال قتادة : أمد اللَّه المؤمنين يَوْمَ بَدْر بخَمْسَة آلاف، قال عِكْرِمَةُ : كان الوعْدُ يوْمَ بدرٍ، فلم يصْبروا يَوْمَ أُحُدٍ، ولا اتقوا، فلم يُمَدُّوا، ولَوْ مُدُّوا، لَمْ يهزموا، وقال الضَّحَّاك، وابنُ زيدٍ : إنما كان هذا الوعدُ والمقالة للمؤمنين يوم أحُدٍ، ففَرَّ الناس، ووَلَّوْا مدبرين، فلم يمدَّهم اللَّه، وإنما مُدَّوا يوم بدر بألفٍ من الملائكة مُرْدِفِينَ. والفَوْرُ : النهوضُ المُسْرِعُ إلى الشيء، مأخوذ من فَوْرِ القِدْرِ، والماءِ، ونحوِهِ، ومنْه : الفَوْرُ في الحَجِّ والوُضُوءِ.

### الآية 3:125

> ﻿بَلَىٰ ۚ إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [3:125]

مُسَوِّمِينَ  معناه : مُعْلِمِينَ بعَلاَماتٍ، وروي أنَّ الملائكةَ أَعْلَمَتْ يَوْمَ بَدْرٍ بعمائمَ بِيضٍ إلاَّ جِبْرِيل، فإنه كان بِعَمَامَةٍ صَفْرَاءَ على مثالِ عَمَامَةِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ، وروي أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ للمسلمينَ يَوْمَ بَدْرٍ :( سُوِّمُوا، فَإنَّ المَلاَئِكَةَ قَدْ سَوَّمَتْ ).

### الآية 3:126

> ﻿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ۗ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [3:126]

قوله سبحانه : وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بشرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله العزيز الحكيم \[ آل عمران : ١٢٦ \]
الضميرُ في  جَعَلَهُ الله  : عائدٌ على الإنزال والإمداد، ومعنى الآية : وما كان هذا الإمداد إلا لتستبشروا بهِ، وتطمئنَّ به قلوبكم، وترون حِفَايَةَ اللَّه بكم، وإلا فالكثرةُ لا تُغْنِي شيئًا إلاَّ أنْ ينصر اللَّه.

### الآية 3:127

> ﻿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ [3:127]

اللاَّمُ في قوله : لِيَقْطَعَ  متعلِّقة بقوله : وَمَا النصر ، ويحتمل أنْ تكون متعلِّقة ب  جَعَلَهُ  فيكون قَطْع الطَّرف إشارةً إلى مَنْ قتل ببَدْرٍ، على قول ابن إسحاق وغيره، أو إلى من قتل بأحد على ما قال السُّدِّيُّ، وقتل من المشركين ببَدْرٍ سبعون، وقُتِلَ منهم يوم أحد اثنان وعِشْرُونَ رجُلاً، والطرف الفريق. 
وقوله سبحانه : أَوْ يَكْبِتَهُمْ \[ آل عمران : ١٢٧ \] معناه يُخْزِيَهُمْ، والكَبْتُ : الصرع لليَدَيْن. 
وقال ( ص ) : الكَبْت : الهزيمة، وقيل : الصَّرْع لليدين اه.

### الآية 3:128

> ﻿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [3:128]

وقوله تعالى : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ. . .  \[ آل عمران : ١٢٨ \]. 
رُويَ في سبب هذه الآية، أنَّه لما هزم أصحابه صلى الله عليه وسلم، وشُجَّ وَجْهُهُ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، جَعَلَ يَمْسَحُ وَجْهَهُ، وَيَقُولُ :( كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ )، وفي بعض طُرُق الحَدِيثِ :( كَيْفَ بِقَوْمٍ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إلَى اللَّه )، فَنَزَلَتِ الآيةُ، فقيلِ لَهُ : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ ، أي : عواقب الأمور بيد اللَّه، فامض أنْتَ لشأْنِكَ، ودُمْ على الدعاء إلى ربِّك. قُلْتُ : وقد فعل ذلك صلى الله عليه وسلم ممتثلاً أَمْرَ ربِّه، قال عِيَاض : رُوِيَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَشُجَّ وَجْهُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، شَقَّ ذَلِكَ على أَصْحَابِهِ، وَقَالُوا : لَوْ دَعَوْتَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ :( إنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَلَكِنِّي بُعِثْتُ دَاعِياً، وَرَحْمَةً، اللَّهُمَّ اهد قَوْمِي، فإنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ )، ورُوِيَ عن عُمَر ( رضي اللَّه عنه )، أنَّهُ قَالَ فِي بَعْضِ كلامه : بِأَبِي وَأُمِّي أنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ دَعَا نُوحٌ على قَوْمِهِ، فَقَالَ : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض  \[ نوح : ٢٦ \] الآية، وَلَوْ دَعَوْتَ عَلَيْنَا، لَهَلَكْنَا مِنْ عِنْدِ آخِرِنَا، فَلَقَدْ وُطِئَ ظَهْرُكَ، وَأُدْمِيَ وَجْهُكَ، وَكُسِرَتْ رُبَاعِيَتُكَ، فَأَبَيْتَ أَنْ تَقُولَ إلاَّ خَيْراً، فَقُلْتَ :( اللَّهُمَّ، اغفر لِقَوْمِي، فَإنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) اه. 
قال الطبريُّ وغيره من المفسِّرين : أَوْ يَتُوبَ  عطْفٌ على  يَكْبِتَهُمْ  والمعنى : أوْ يَتُوبَ عليهم، فَيَسْلَمُونَ، أو يُعَذِّبَهم، إنْ تَمَادَوْا على كفرهم، فإنهم ظالمون، ثم أكَّد سبحانه معنى قوله : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ  بذكْرِ الحُجَّةِ السَّاطعة في ذلك، وهي ملكه الأشياء، فقال سُبْحانه : وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ \[ آل عمران : ١٢٩ \]، أي : فله سبحانه أنْ يفعل بحَقِّ ملكه ما يشاء، لا اعتراض علَيْه، ولا معقِّب لحُكْمه، وذَكَر سبحانَهُ : أنَّ الغُفْران أو التَّعْذيب، إنما هو بمشيئَتِهِ، وبحَسَب السَّابق في علْمه، ثم رجّى سبحانه في آخر ذلك، تأْنيساً للنُّفُوس.

### الآية 3:129

> ﻿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [3:129]

ومُسَوِّمِينَ: معناه: مُعْلِمِينَ بعَلاَماتٍ، وروي أنَّ الملائكةَ أَعْلَمَتْ يَوْمَ بَدْرٍ بعمائمَ بِيضٍ إلاَّ جِبْرِيل فإنه كان بِعَمَامَةٍ صَفْرَاءَ على مثالِ عَمَامَةِ الزُّبَيْرِ بن العوّام **«١»**، وروي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ للمسلمينَ يَوْمَ بَدْرٍ: **«سُوِّمُوا فَإنَّ المَلاَئِكَةَ قد سوّمت»** **«٢»**.
 \[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٢٦ الى ١٢٩\]
 وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)
 وقوله سبحانه: وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ: الضميرُ في جَعَلَهُ اللَّهُ: عائدٌ على الإنزال والإمداد، ومعنى الآية: وما كان هذا الإمداد إلا لتستبشروا بهِ، وتطمئنَّ به قلوبكم، وترون حِفَايَةَ اللَّه بكم، وإلا فالكثرةُ لا تُغْنِي شيئًا إلاَّ أنْ ينصر اللَّه، واللاَّمُ في قوله: لِيَقْطَعَ متعلِّقة بقوله: وَمَا النَّصْرُ، ويحتمل أنْ تكون متعلِّقة ب جَعَلَهُ فيكون قَطْع الطَّرف إشارةً إلى مَنْ قتل ببَدْرٍ على قول ابن إسحاق وغيره، أو إلى **«٣»** من قتل بأحد على ما قال السُّدِّيُّ **«٤»**، وقتل من المشركين ببَدْرٍ سبعون، وقُتِلَ منهم يوم أحد اثنان وعِشْرُونَ رجُلاً، والطرف الفريق.
 وقوله سبحانه: أَوْ يَكْبِتَهُمْ: معناه يُخْزِيَهُمْ والكَبْتُ: الصرع لليَدَيْن.
 وقال ص: الكَبْت: الهزيمة، وقيل: الصَّرْع لليدين اهـ.

 (١) الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى. أبو عبد الله القرشي. الأسدي. حواري الرسول صلّى الله عليه وسلّم وابن عمته، أمه صفية بنت عبد المطلب. أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وهو صحابي مشهور، وفضائله كثيرة لا يتسع المقام للكلام عنها. قتل بعد منصرفه يوم الجمل في جمادى الأولى سنة (٣٦)، وله ست أو سبع وستون سنة.
 ينظر ترجمته في: **«أسد الغابة»** (٢/ ٢٤٩)، و **«تجريد أسماء الصحابة»** (١/ ١٨٨)، و **«الإصابة»** (٣/ ٥)، و **«الاستيعاب»** (٢/ ٥١٠)، و **«التاريخ الكبير»** (٣/ ٤٠٩)، و **«حلية الأولياء»** (١/ ٨٠٩)، و **«الكاشف»** (١/ ٣٢٠)، و **«الرياض المستطابة»** (٧٤)، و **«المصباح المضيء»** (١/ ١١٤)، و **«الرياض النضرة»** (٢/ ٣٥١)، و **«البداية والنهاية»** (٧/ ٤٤٩)، و **«بقي بن مخلد»** (٨٤) و **«الأنساب»** (١/ ٢١٦)، و **«صفة الصفوة»** (١/ ٣٤٢)، و **«سير أعلام النبلا»** (١/ ٤١).
 (٢) أخرجه سعيد بن منصور (٢/ ٣٦٠) رقم (٢٨٦١) عن عمير بن إسحاق عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مرسلا.
 (٣) ذكره ابن عطية في ********«تفسيره»******** (١/ ٥٠٥).
 (٤) أخرجه الطبري في ********«تفسيره»******** (٣/ ٤٣٠) برقم (٧٧٩٩)، وذكره الماوردي في ********«تفسيره»******** (١/ ٤٢٢)، وابن عطية في ********«تفسيره»******** (١/ ٥٠٥).

### الآية 3:130

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [3:130]

وقوله تعالى : يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الربا أضعافا مضاعفة. . .  \[ آل عمران : ١٣٠ \]. 
قال ( ع ) : هذا النهْيُ عن أَكْلِ الربا اعترَضَ أثناء قِصَّة أُحُدٍ، ولا أحفَظُ سَبَباً في ذلك مرويًّا، ومعناه : الرِّبَا الذي كانت العربُ تُضعِّف فيه الدَّيْن، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك في سورة البقرة.

### الآية 3:131

> ﻿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [3:131]

وقوله تعالى : أُعِدَّتْ للكافرين \[ آل عمران : ١٣١ \]. 
أي : أنهم المقصودُ، والمراد الأوَّل، وقد يدخُلُها سواهم من العُصَاة، هذا مذْهَبُ أهل العلْمِ في هذه الآية، وحكَى الماوَرْدِيُّ وغيره، عن قوم، أنهم ذهبوا إلى أن أَكَلَة الرِّبا، إنما توعَّدهم اللَّهُ بنارِ الكَفَرة، لا بنار العُصَاة.

### الآية 3:132

> ﻿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [3:132]

وقوله سبحانه : وَأَطِيعُواْ الله والرسول لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ \[ آل عمران : ١٣٢ \]. قال محمَّد بْنُ إسحاق : هذه الآية من قوله تعالى : وَأَطِيعُواْ الله  هي ابتداءُ المعاتبةِ فِي أمر أُحُدٍ، وانهزام مَنْ فَرَّ، وزوالِ الرماةِ عن مَرَكزهم.

### الآية 3:133

> ﻿۞ وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [3:133]

قوله تعالى : وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السماوات والأرض \[ آل عمران : ١٣٣ \]
قرأ نافعٌ، وابنُ عامِرٍ :( سارعوا ) بغَيْر واوٍ، وكذلك هي في مصاحِفِ أهل المدينة والشام، وقرأ باقي السبعة بالواو، والمُسَارَعَة : المبادرةُ، وهي مفاعلة، إذ الناس كأن كلَّ واحِدٍ يُسْرِعُ لِيَصِلَ قبل غيره، فَبَيْنَهُمْ في ذلك مُفَاعَلَةٌ، أَلاَ ترى إلى قوله تعالى : فاستبقوا الخيرات  \[ البقرة : ١٤٨ \]، والمعنى : سارعوا بالطَّاعة، والتقوى، والتقرُّب إلى ربِّكم، إلى حالٍ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ فيها، قلْتُ : وحقٌّ على مَنْ فَهِمَ كلامَ ربِّه، أنْ يبادر ويُسَارع إلى ما ندبه إلَيْه ربُّه، وأن لاَّ يتهاوَنَ بترك الفضائِلِ الواردَةِ في الشَّرّع، قال النوويُّ رحمه الله : اعلم أنه ينبغِي لِمَنْ بلغه شيْءٌ في فضائلِ الأعمال، أنْ يعمل به، ولو مَرَّةً، ليكون مِنْ أهله، ولا ينبغي أنْ يتركه جملةً، بل يأتي بما تيسَّر منه، لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم في الحديث المتَّفَقِ على صِحَّته :( وَإذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فافعلوا مِنْهُ مَا استطعتم ) اه من **«الحِلْيَة »**. 
وقوله سبحانه : وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السموات والأرض \[ آل عمران : ١٣٣ \] أي : كعرض السموات والأرض، قال ابنُ عبَّاس في تفسير الآية : تقرن السمواتُ والأرَضَُ بعضها إلى بعض، كما تبسطُ الثيابُ، فذلك عَرْضُ الجَنَّة، ولا يَعْلَمُ طولَهَا إلا اللَّه سبحانه، وفي الحديثِ الصحيحِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم :( إنَّ بَيْنَ المِصْرَاعَيْنِ مِنْ أَبْوابِ الجَنَّةِ مَسِيرَةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَسَيَأْتِي عَلَيْهَا يَوْمٌ يَزْدَحِمُ النَّاسُ فِيهَا كَمَا تَزْدَحِمُ الإبِلُ، إذَا وَرَدَتْ خُمُصاً ظِمَاءً ) وفي الصحيح :( إنَّ فِي الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ المُجِدُّ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لاَ يَقْطَعُهَا ) فهذا كلُّه يقوِّي قولَ ابْنِ عَبَّاسِ، وهو قولُ الجُمْهور :" أنَّ الجنَّة أَكْبرُ من هذه المخلوقاتِ المذْكُورة، وهي ممتدَّة على السَّماء، حيْثُ شاء اللَّه تعالى، وذلك لا يُنْكَرُ، فإن في حديث النبيِّ صلى الله عليه وسلم :( مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُونَ السَّبْعُ فِي الكُرْسِيِّ إلاَّ كَدَرَاهِمَ أُلْقِيَتْ فِي فَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ، وَمَا الكُرْسِيُّ فِي العَرْشِ إلاَّ كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ فِي فَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ ). 
قال ( ع ) : فهذه مخلوقاتٌ أعظم بكثير جدًّا من السمواتِ والأرضِ، وقدرةُ اللَّه أعْظَمُ مِنْ ذلك كلِّه. 
قلتُ : قال الفَخْر : وفي الآية وجْه ثانٍ، أنَّ الجنَّة التي عرضُها مثْلُ عَرْضِ السمواتِ والأرضِ، إنما تكونُ للرَّجُل الواحدِ، لأن الإنسان يَرْغَبُ فيما يكون مِلْكاً له، فلا بُدَّ أَنْ تصير الجَنَّة المملوكة لكلِّ أحد مقْدَارُها هكذا. اه. 
وقُدْرَةُ اللَّه تعالى أوسع، وفَضْلُه أعظم، وفي **«صحيح مسلم »**، والترمذيِّ، مِنْ حديث المُغَيرة بْنِ شُعْبَة ( رضي اللَّه عنه ) :" في سُؤَال موسى رَبَّهُ عَنْ أدنى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً، وَأَنَّهُ ( رَجُلٌ يَأْتِي بَعْدَمَا يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، فَيُقَالُ لَهُ : أترضى أَنْ يَكُونَ لَكَ مَا كَانَ لِمَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا ؟ فَيَقُولُ : رَضِيتُ، أَيْ رَبِّ، فَيُقَالُ لَهُ : لَكَ ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ، فَقَالَ فِي الخَامِسَةِ : رَضِيتُ، أيْ رَبِّ، فَيُقَالُ لَهُ : لَكَ ذَلِكَ، وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، فَيَقُولُ : رَضِيتُ، أَيْ رَبِّ، فَيُقَالُ لَهُ : فَإنَّ لَكَ مَعَ هَذَا مَا اشتهت نَفْسُكَ، وَلَذَّتْ عَيْنُكَ " قال أبو عيسى : هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. 
وفي البخاريِّ من طريقِ ابْنِ مسعودٍ ( رَضِيَ اللَّه عَنه ) :" إنَّ آخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولاً الجَنَّة، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجاً مِنَ النَّارِ رَجُلٌ يَخْرُجُ حَبْواً، فَيَقُولُ لَهُ رَبُّهُ : ادخل الجَنَّةَ، فَيَقُولُ : رَبِّ، الجَنَّةُ ملأى، فَيَقُولُ لَهُ : إنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا عَشْرَ مَرَّاتٍ " اه. 
وفي **«جامع التِّرمذيِّ »**، عن ابنِ عُمَرَ ( رضي اللَّه عنهما )، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( إنَّ أدنى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَمَنْ يَنْظُرُ إلى جِنَانِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَنَعِيمِهِ وَخَدَمِهِ وَسُرُرِهِ مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ، وَأَكْرَمُهُمْ عَلَى اللَّهِ مَنْ يَنْظُرُ إلى وَجْهِهِ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً ) الحديثَ، قال أبو عيسى : وقد رُوِيَ هذا الحديثُ مِنّ غير وَجْهٍ، مرفوعًا وموقوفًا، وفي الصَّحيحِ ما معناه :( إذَا دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، تبقى فِيهَا فَضْلَةٌ، فَيُنْشِئُ اللَّهُ لَهَا خَلْقاً )، أَوْ كما قاله، اه. 
قال ( ع ) : وخص العرض بالذِّكْر، لأنه يدلُّ متى ما ذُكِرَ علَى الطُّولِ، والطُّولُ إذا ذكر لا يدُلُّ على قَدْر العَرْض، بل قد يكونُ الطَّويلُ يَسِيرَ العَرْضِ، كالخَيْطِ ونحوه.

### الآية 3:134

> ﻿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [3:134]

وصف تعالى المتَّقِينَ الذين أعدَّتّ لهم الجنَّةُ بقوله : الذين يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء والضراء \[ آل عمران : ١٣٤ \] وهما اليُسْر والعُسْر، قاله ابن عَبَّاس. إذ الأغلَبُ أنَّ مع اليُسْر النَّشَاطَ، وسرورَ النفْسِ، ومع العُسْر الكراهيَةَ، وضُرَّ النفس، وكَظْمُ الغَيْظ : ردُّه في الجَوْفِ، إذا كاد أنْ يخرج من كثرته، ومنعه : كظْمٌ له، والكِظَامُ : السَّيْر الذي يشدُّ به فَمُّ الزِّقِّ، والغَيْظُ : أصْلُ الغضَبِ، وكثيراً ما يتلازمَانِ، ولذلك فسَّر بعض الناس الغَيْظَ بالغَضَب، وليس تحريرُ الأمر كذلك، بل الغيظُ حالٌ للنفس، لا تظهر على الجوارح، والغضبُ حالٌ لها تظهر في الجوارحِ، وفِعْلٍ مَّا ولا بدَّ، ولهذا جاز إسناد الغَضَب إلى اللَّه سبحانه، إذ هو عبارة عن أفعاله في المغْضُوب علَيْهم، ولا يسند إلَيْه تعالى الغَيْظُ، ووردَتْ في كظْمِ الغيظ، ومِلْكِ النفْسِ عند الغضب أحاديثُ، وذلك من أعظم العباداتِ، وجهادِ النفسِ، ففي حديثِ أبِي هُرَيْرة ( رضي اللَّه عنه )، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( مَنْ كَظَمَ غَيْظاً، وَهُوَ يَقْدِرُ على إنْفَاذِهِ، مَلأَهُ اللَّهُ أَمْناً وإيمَاناً )، إلى غير ذلك من الأحاديثَ. 
قُلْتُ : وروى أبو داوُدَ، والترمذيُّ عن معاذِ بْنِ أَنَس ( رضي اللَّه عنه )، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( مَنْ كَظَمَ غَيْظاً، وَهُوَ يَقْدِرُ على أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللَّهُ على رُءُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ، حتى يُخَيِّرَهُ فِي أَيِّ الحُورِ شَاءَ )، قَالَ أبو عيسى : هذا حديثٌ حسنٌ اه. 
وفي روايةٍ أخرى لأبي داود :( مَلأهُ اللَّهُ أَمْناً وإيمَاناً، وَمَنْ تَرَكَ لُبْسَ ثَوْبِ جَمَالٍ، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، قَالَ بِشْرٌ : أَحْسِبُهُ قَالَ : تَوَاضُعاً، كَسَاهُ اللَّهُ حُلَّةَ الكَرَامَةِ ). 
وحدَّث الحافظُ أَبو الفَضْلِ محمَّد بنُ طَاهِرٍ المَقْدِسِيُّ بسنده، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ :( مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ، كَفَّ اللَّهُ عَنْهُ عَذَابَهُ، وَمَنْ خَزَنَ لِسَانَهُ، سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنِ اعتذر إلَى اللَّهِ قَبِلَ اللَّهُ عُذْرَهُ ). اه. من **«صفوة التَّصوُّف »**. 
والعَفْوُ عَنِ النَّاسِ : من أجلِّ ضروبِ فعْلِ الخَيْرِ. 
ثم قال سبحانه : والله يُحِبُّ المحسنين ، فعم أنواع البرِّ، وظَاهر الآية أنَّها مدْحٌ بفعل المندوب.

### الآية 3:135

> ﻿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [3:135]

قوله سبحانه : والذين إِذَا فَعَلُواْ فاحشة أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ الله \[ آل عمران : ١٣٥ \]. 
ذكر سبحانه في هذه الآيةِ صِنْفاً هو دُون الصِّنف الأول، فألحقهم بهم برَحْمته ومَنِّه، وهم التَّوَّابون، وروي في سَبَب نُزُول هاتَيْن الآيتَيْن، أن الصحابَةَ ( رضي اللَّه عنهم )، قَالُوا : يا رَسُولَ اللَّهِ، كَانَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنَّا حِينَ كَانَ المُذْنِبُ مِنْهُمْ يُصْبِحْ، وَعُقُوبَتُهُ مَكْتُوبَةٌ على بَابِ دَارِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، تَوْسِعَةً وَرَحْمَةً، وَعِوَضاً مِنْ ذَلِكَ الفِعْلِ بِبَنِي إسْرَائِيلَ ». 
ورُوِيَ أَنَّ إبليسَ بكى، حين نزَلَتْ هذه الآيةُ، والفاحشةُ لفظٌ يعمُّ جميع المعاصِي، وقد كثر استعماله في الزِّنا، حتى فسر السُّدِّيُّ الفاحشَةَ هنا بالزِّنَا، وقال قومٌ : الفاحِشَةُ هنا : إشارةٌ إلى الكبائِرِ، وظُلْمُ النَّفْس : إشارةٌ إلى الصَّغائر، ( واستغفروا ) معناه : طلبوا الغُفْران. 
قال النوويُّ : وَرُوِّينَا في " سنن ابْنِ ماجه "، بإسنادٍ جيدٍ، عن عبد اللَّه بْنُ بُسْرٍ ( بضم الباء )، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( طوبى لِمَنْ وَجَدَ فِي صَحِيفَتِهِ استغفارا كَثِيراً ) اه من **«الحلية »**. 
و ذَكَرُواْ الله  : معناه : بالخَوْفِ من عقابِهِ، والحَيَاءِ منه، إذ هو المُنْعِمُ المتطَوِّل، ثم اعترض أثناء الكلام قوله تعالى : وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله  اعتراضا موقِّفاً للنفْس، داعياً إلى اللَّه، مرجِّياً في عفوه، إذا رجع إلَيْه، وجاء اسم اللَّهِ مرفوعًا بعد الاستثناء، والكلامُ موجَبٌ حملاً على المعنى، إذ هو بمعنى : ومَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللَّه، وعن عليِّ بْنِ أبي طالبٍ ( رضي اللَّه عنه )، قَالَ : حدَّثني أبو بكر رضي اللَّه عنه، وصَدَقَ أبو بَكْرٍ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ :( مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْباً، ثُمَّ يَقُومُ، فَيَتَطَهَّرُ، ثُمَّ يُصَلِّي، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إلاَّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ) ثُمَّ قرأَ هذه الآيةَ : والذين إِذَا فَعَلُواْ فاحشة أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ الله. . .  إلى آخر الآية رواه أبو داود، والترمذيُّ، والنسائيُّ، وابن ماجة، وابْنُ حِبَّانَ، في **«صحيحه »**، وقال الترمذيُّ، واللفظ له : حديثٌ حَسَن اه. من **«السلاح »**. 
وقوله سبحانه : وَلَمْ يُصِرُّواْ  : الإصْرَارُ : هو المُقَامُ على الذَّنْبِ، واعتقادُ العودة إليه، وقوله : وَهُمْ يَعْلَمُونَ ، قال السُّدِّيُّ : معناه : وهم يعلَمُونَ أنهم قد أَذْنَبُوا، وقال ابنُ إسحاق : معناه : وهم يعلمون بمَا حَرَّمْتُ عليهم، وقيل : وهم يعلَمُونَ أنَّ بابِ التوبة مفتوحٌ، وقيل : وهم يعلمون أنِّي أعاقب عَلَى الإصرار.

### الآية 3:136

> ﻿أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [3:136]

ثم شَرك سبحانه الطَّائفَتَيْنِ المذكورتَيْن في قوله : أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ. . .  \[ آل عمران : ١٣٦ \]. 
قال ( ص ) : قوله : ونِعْمَ  المخصوصُ بالمدحِ محذوفٌ، أي المغفرةُ والجَنَّة.

### الآية 3:137

> ﻿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [3:137]

وقوله سبحانه : قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأرض \[ آل عمران : ١٣٧ \]. 
الخطابُ للمؤمنين، والمعنى : لا يذهب بكُمْ أنْ ظَهَرَ الكُفَّار المكذِّبون عليكم بِأُحُدٍ، فإن العاقبة للمتَّقين، وقديماً ما أدال اللَّه المُكَذِّبين على المؤمنين، ولكن انظروا كيْفَ هلَك المكذِّبون بَعْدَ ذلك، فكذلك تكُونُ عاقبةُ هؤلاءِ، وقال النَّقَّاش : الخِطَابُ ب  قَدْ خَلَتْ  للكُفَّار. 
وقال ( ع ) : وذلك قَلِقٌ، وخَلَتْ : معناه : مضَتْ، والسُّنَن : الطرائِقُ. 
وقال ابنُ زَيْد : سُنَنَ : معناه : أمثال، وهذا تفسيرٌ لا يخُصُّ اللفظة، وقوله : فانظروا  هو عند الجمهورِ مِنْ نَظَر العَيْن، وقال قومٌ : هو بالفكْر.

### الآية 3:138

> ﻿هَٰذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [3:138]

قوله تعالى : هذا بَيَانٌ لّلنَّاسِ ، يريد به القُرآن، قاله الحَسَن وغيره، وقال جماعة : الإشارة بهذا إلى قوله تعالى : قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ . 
وقال الفَخْر : يعني بقوله :**«هذا بيانٌ »** ما تقدَّم، من أمره سبحانه، ونَهْيِهِ، ووعدِهِ، ووعيدِهِ، وذكرِهِ لأنواع البيِّنات والآيات. اه.

### الآية 3:139

> ﻿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [3:139]

نهى سبحانه المؤمنين عن الوَهَنِ، وهو الضَّعْف، وأنَّسهم بأنهم الأعلَوْنَ أصْحَابُ العاقبة، ومِنْ كَرَمِ الخُلُقِ أن لا يَهِنَ الإنسانُ في حربه، إذا كان مُحِقًّا، وإنما يحسن اللِّين في السِّلْم والرضى، ومنه قولُه صلى الله عليه وسلم :( المُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ )، وقوله سبحانه : وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ \[ محمد : ٣٥ \] إخبار بعُلُوِّ كلمة الإسلام، هذا قول الجمهور، وهو ظاهر اللفظ. 
قال ( ص ) : وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ  : في موضِعِ نصبٍ، على الحال. 
وقوله سبحانه : إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ  : المقصدُ هزُّ النفوسِ، وإقامتها، ويترتَّب من ذلك الطَّعْنُ على من نجم في ذلك اليَوْم نِفَاقُهُ أو اضطرب يقينه، أي : لا يتحصَّل الوعد إلاَّ بالإيمان، فالزموه.

### الآية 3:140

> ﻿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [3:140]

قال تعالى، تسليةً للمؤمنين : إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القوم قَرْحٌ مّثْلُهُ ، والأُسْوَةُ مسلاة للبَشَر، ومنه قول الخَنْسَاء :\[ الوافر \]

وَلَوْلاَ كَثْرَةُ البَاكِينَ حَوْلِي  على إخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِيوَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِن  أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّيوالقَرْح : القَتْل والجِرَاحْ، قاله مجاهدٌ وغيره. 
وقوله تعالى : وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس ، أخبر سبحانه على جهة التسلية، أنَّ الأيام على قديم الدهر وغابِرِه أيضاً إنما جعلَهَا دُولاً بيْنَ البَشَر، أي : فلا تُنْكِرُوا أنْ يدَالَ عليكم الكفَّار. 
وقوله تعالى : وَلِيَعْلَمَ الله الذين ءامَنُواْ \[ آل عمران : ١٤٠ \]. 
تقديره : وليَعْلَم اللَّهُ الذين آمنوا فعل ذلك، والمعنى : ليظهر في الوجود إيمانُ الذين قَدْ علم اللَّه أزلاً أنهم يؤمنون، وإلاَّ فقد علمهم في الأزَلِ،  وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ  : معناه أهْل فَوْز في سَبِيلِهِ، حسْبما وَرَدَ في " فضائلِ الشهداءِ "، وذَهَب كثيرٌ من العلماء إلى التَّعْبير عن إدَالَةِ المؤمنين بالنَّصْر، وعن إدالة الكُفّار بالإدالة، ورُوِيَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في ذلك حديثٌ ( أنَّهُمْ يُدَالُونَ، كَمَا تُنْصَرُونَ ).

### الآية 3:141

> ﻿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [3:141]

التمحيصُ : التنقيةُ، قال الخليل : التَّمْحِيصُ : التخليص من العَيْب، فتمحيصُ المؤمنينَ هو تنقيتُهم منَ الذُّنُوب، والمَحَقُ : الإذهاب شيْئاً فشيْئاً، ومنه : مَحَاقُ القَمَر.

### الآية 3:142

> ﻿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [3:142]

قوله سبحانه : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصابرين \[ آل عمران : ١٤٢ \]. 
حَسِبْتُم : معناه : ظَنَنْتُم، وهذه الآيةُ وما بعدها عَتْبٌ وتقريعٌ لطوائفَ مِنَ المؤمنين الَّذينَ وقَعَتْ منهم الهَنَوَاتُ المشْهورة في يَوْمِ أُحُدٍ.

### الآية 3:143

> ﻿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [3:143]

خاطب اللَّه سبحانَهُ المؤمنين بقوله : وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ \[ آل عمران : ١٤٣ \]، والسببُ في ذلك أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ في غزوةِ بَدْرٍ، يريدُ عِيرَ قُرَيْشٍ مبادراً، فلم يوعب النَّاس معه، إذ كان الظنُّ أنه لا يلقى حَرْباً، فلَمَّا قضَى اللَّه ببَدْرٍ ما قضى، وفاز حاضِرُوها بالمَنْزِلة الرَّفيعةِ، كان المتخلِّفون من المؤمنين عنْها يتمنَّوْن حُضُور قتالِ الكُفَّار، ليكونَ منْهُمْ في ذلك غَنَاء يُلْحِقُهُمْ عِنْدَ ربِّهم، ونبيِّهم، بمنزلةِ أهْل بَدْر، فلمَّا جاء أمْر أُحُدٍ، لم يَصْدُقْ كُلُّ المؤمنين، فعاتبهم اللَّه بهذه الآية، وألزمهم تمنِّيَ المَوْتِ، من حيثُ تَمَنَّوْا أسبابه، وهو لقاءُ العَدُوِّ، ومُضَارَبَتُهم، وإلاَّ فنَفْسُ قَتْل المُشْرِك للمُسْلِم لا يجُوزُ أنْ يتمنى، من حيث هو قَتْلٌ، وإنما تتمنى لواحقه من الشهادةِ والنْعيم. 
قُلْتُ : وفي كلام ( ع ) : بعضُ إجمالٍ، وقد ترجم البخاريُّ تَمَنِّيَ الشهادةِ، ثم أسند عن أبي هريرة، قال : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ :( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلاَ أَنَّ رِجَالاً مِنَ المُؤْمِنِينَ لاَ تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ، أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوَدِدتُّ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أَحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أَحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ). وخرَّجه أيضًا مسلمٌ، وخرَّج البخاريُّ ومسلمٌ مِنْ حديث أنسٍ، عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ، لَهُ عِنْدَ اللَّهِ ( عَزَّ وجَلَّ ) خَيْرٌ، يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا، وأَنَّ الدُّنْيَا لَهُ، وَمَا فِيهَا، إلاَّ الشَّهِيدَ، لِمَا يرى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ، فَإنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا، فَيُقْتَلُ عَشْرَ مَرَّاتٍ، لِمَا يرى مِنَ الكَرَامَةِ ) اه. 
فقد تبيَّن لك تمنِّي القَتْلِ في سبيل اللَّه بهذه النُّصُوصِ، لما فيه من الكرامة. 
وصَوَابُ كلام ( ع ) : أنْ يقول : وإِنما يتمنَّى القتلُ، للواحقه، من الشَّهادةِ والتنْعِيمِ. 
وقوله سبحانه : فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ \[ آل عمران : ١٤٣ \]. 
يريد : رأيتم أسبابه، وقوله : وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ  : تأكيدٌ للرؤية، وإخراجِها من الاشتراك الذي بَيْنَ رؤية القَلْب ورُؤْية العَيْن.

### الآية 3:144

> ﻿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [3:144]

قوله تعالى : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل. . .  \[ آل عمران : ١٤٤ \]. 
هذا استمرار في عتبهم، وإقامةُ الحُجَّة علَيْهم : المعنى أنَّ محمدًا عليه السلام رسُولٌ كسائرِ الرُّسُلِ، قد بَلَّغ كما بلَّغوا، ولزمكم أيُّها المؤمنُونَ العَمَلُ بمُضَمَّن الرسالة، وليسَتْ حياته وبَقَاؤه بَيْنَ أظهركم شَرْطاً في ذلك، لأنه يَمُوتُ، كما مَاتَتِ الرُّسُل قبله، ثم توعَّد سبحانه المُنْقَلِبَ على عَقِبَيْهِ بقوله : فَلَن يَضُرَّ الله شَيْئاً ، لأن المعنى : فإنما يضرُّ نفسه، وإياها يوبق، ثم وعد الشاكِرِينَ، وهم الذين صدَقُوا، وصَبَرُوا، ومَضَوْا في دينهم، ووَفَّوْا للَّه بعَهْدهم، كسعدِ بْنِ الرَّبيع، ووصيته يومئذٍ للأنصار، وأَنَسِ بْنِ النَّضرِ، وغيرهما، ثم يَدْخُلُ في الآية الشاكرون إلى يوم القيامةِ، وقال عليٌّ ( رضي اللَّه عنه ) في تفسير هذه الآية : الشاكِرُونَ الثَّابِتُونَ على دِينِهِمْ، أبو بَكْر وأصحابه، وكان يقولُ : أبُو بَكْرٍ أَمِيرُ الشَّاكِرِينَ، إشارة منه إلى صَدْعِ أبي بَكْر بهذه الآيةِ يوم مَوْتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وثبوتِهِ في ذلك المَوْطِن، وثبوتِهِ في أمْرِ الرِّدَّة، وسائرِ المواطنِ التي ظَهَرَ فيها شُكْرُهُ، وشُكْرُ الناس بسببه.

### الآية 3:145

> ﻿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ۗ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ [3:145]

أخبر عزَّ وجلَّ عن النفوسِ، أنها إنما تَمُوتُ بَأجَلٍ مَكْتُوبٍ محتومٍ عند اللَّه تعالى، أي : فالجُبْنُ والخَوَرُ لا يزيدُ في الأجَلِ، والشَّجَاعَةُ والإقدامُ لا ينقصُ منه، وفي هذه الآية تقويةٌ للنفوس في الجهادِ، وفيها ردٌّ على المعتزلة في قَوْلِهِمْ بِالأَجَلَيْنِ. 
وقوله سبحانه : وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا \[ آل عمران : ١٤٥ \]. 
أي : نؤت من شئْنا منها ما قُدِّرَ له، يبيِّن ذلك قولُهُ تعالى : مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ  \[ الإسراء : ١٨ \]، وقرينةُ الكلامِ تقتضي أنه لا يؤتى شيْئاً من الآخرة، لأنَّ مَنْ كانَتْ نيَّته من عمله مقصورةً على طَلَب الدُّنْيا، فلا نَصِيبَ له في الآخرة، والأعمال بالنيَّات، وقرينةُ الكلامِ مِنْ قوله : وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخرة نُؤْتِهِ مِنْهَا \[ آل عمران : ١٤٥ \] لا تمنع أنْ يؤتى نصيباً من الدنيا، قال ابنُ فُورَكَ في قوله تعالى : وَسَنَجْزِي الشاكرين  إشارة إلى أنه ينعِّمهم بِنعَمِ الدُّنْيا، لا أنهم يقصرون عَلَى الآخرة.

### الآية 3:146

> ﻿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [3:146]

ضَرَب سبحانه المثل للمؤمنينَ بمَنْ سَلَف مِنْ صالح الأمم الذين لم يَثْنِهِمْ عن دينهم قَتْلُ الكُفَّار لأنبيائِهِمْ، فقال : وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قاتل مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ. . .  \[ آل عمران : ١٤٦ \]. وفي ****«كَأَيِّنْ »**** لغاتٌ، فهذه اللغة أصلها، لأنها كافُ التشبيه دخلَتْ على **«أيٍّ »**، و****«كَأَيِّنْ »**** في هذه الآية في موضِعِ رَفْعٍ بالابتداء، وهي بمنزلة **«كَمْ »**، وبمعناها، تعطى في الأغلب التكثيرَ، وقرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو عمرو :( قاتلَ )، مَبْنياً لما لم يسمَّ فاعله، وقرأ الباقُونَ ( قَاتَلَ )، فقوله :( قُتِلَ )، قال فيه جماعةٌ من المفسِّرين، منهم الطَّبريُّ : إنه مستند إلى ضميرِ ( نَبِيء )، والمعنى عندهم أنَّ النبيَّ قُتِلَ، ونحا إليه ابنُ عَبَّاس، وإذا كان هذا، ف( رِبِّيُّونَ ) مرتفعٌ بالظرف بلا خلاف، وهو متعلِّق بمحذوفٍ، وليس متعلِّقاً بقُتِلَ، وقال الحَسَن بْنُ أبي الحَسَن وجماعة : أنَّ ( قُتِلَ ) إنما هو مستندٌ إلى قوله :( رِبِّيُّون )، وهم المقتولُونَ، قال الحَسَن، وابنُ جُبَيْر : لم يقتل نبيٌّ في حَرْبٍ قطُّ. 
قال ( ع ) : فعلى هذا القول يتعلَّق قوله :( مَعَهُ ) ب**«قُتِلَ »**، ورجح الطبريُّ القَوْلَ الأوَّل، بدلالة نازِلة النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وذلك أنَّ المؤمنين إنما تخاذلوا يَوْم أحد، لما قِيلَ : قُتِلَ مُحَمَّد، فضرب المَثَل بنَبِيٍّ قُتِلَ، وترجيحُ الطبريِّ حسن، ويؤيِّد ذلك ما تقدَّم من قوله : أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ  \[ آل عمران : ١٤٤ \] وحجة من قَرَأَ **«قَاتَلَ »** : أنها أعمُّ في المدح، لأنه يدخل فيها مَنْ قُتِلَ، ومن بقي. 
قال ( ع ) : ويحسُنُ عندي على هذه القراءةِ استناد الفعْلِ إلى الربِّيِّين، وقوله : رِبِّيُّونَ ، قال ابن عباس وغيره : معناه : جموعٌ كثيرةٌ، وهو من الرِّبَّة ( بكسر الراء )، وهي الجماعة الكثيرة، وروي عنِ ابن عَبَّاس والحسنِ بْنِ أبي الحَسَن وغيرهما : أنهم قالوا :( ربِّيونَ ) : معناه : علماء، ويقوِّي هذا القولَ قراءةُ مَنْ قرأَ :( رِبِّيُّونَ ) بفتح الراء، منسوبون إلى الرَّبِّ، إما لأنهم مطيعُونَ له، أوْ مِنْ حيث إنهم علماء بما شَرَع. 
وقوله سبحانه : وَمَا استكانوا ، ذهبتْ طائفةٌ من النحاة إلى أنَّه من السُّكُون، وذهَبَتْ طائفة إلى أنه مأخوذٌ مِنْ :**«كَانَ، يَكُونُ »**، وأصلُهُ : استكونوا، والمعنى : أنهم لم يَضْعُفوا، ولا كانوا قريباً من ذلكَ. 
قلْتُ : واعلم ( رحمك اللَّه ) أنَّ أصْلَ الوَهَنِ والضَّعْفِ عن الجِهَادِ، ومكافحةِ العَدُوِّ، هو حُبُّ الدنيا وكراهيةُ بَذْلِ النفُوسِ للَّه، وبَذْلِ مُهَجِهَا لِلقَتْلِ في سَبيلِ اللَّهِ، ألا ترى إلى حال الصَّحابة ( رضي اللَّه عنهم )، وقلَّتِهِمْ في صَدْرِ الإسلامِ، وكيف فتح اللَّه بهم البلاد، ودان لدِينِهِمُ العباد، لما بَذَلُوا للَّه أنفسَهُمْ في الجهاد، وحالِنا اليَوْمَ، كما ترى، عددُ أهْل الإسلام كثيرٌ، ونكايتهم في الكُفَّار نَزْرٌ يسيرٌ، وقد روى أبو داود في **«سننه »** عن ثَوْبَانَ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تتداعى عَلَيْكُمْ، كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ : أومِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ : بَلْ أَنْتُمْ كَثِيرٌ، ولَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ المَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ فِي قُلُوبِكُمُ الوَهَنَ، فَقَالَ قَائِلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الوَهَنُ ؟ قَالَ : حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ المَوْتِ ) اه، فانظر ( رحمك اللَّه )، فهل هذا الزمانُ إلا زماننا بعَيْنه، وتأمَّل حال ملوكنا، إنما هِمَّتهم جمْعُ المالِ مِنْ حرامٍ وحلالٍ، وإعراضُهم عَنْ أمْر الجهاد، فإنا للَّه وإنا إليه راجعُونَ على مُصَاب الإسلام.

### الآية 3:147

> ﻿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [3:147]

قوله تعالى : وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا. . .  \[ آل عمران : ١٤٧ \]
هذه الآيةُ في ذكْر الرِّبِّيِّين، أي : هذا كان قولَهُم، لا ما قاله بعضُكم، يا أصْحَاب محمَّد : لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هاهنا  \[ آل عمران : ١٥٤ \]، إلى غير ذلك ممَّا اقتضته تلْكَ الحَالُ مِن الأقوال، قُلْتُ : وهذه المقالَةُ ترجِّح القولَ الثانِيَ في تفْسير الرِّبِّيِّينَ، إذ هذه المقالةُ إنما تَصْدُرُ من علماء عارفينَ باللَّه. 
قال ( ع ) : واستغفار هؤلاءِ القَوْمِ الممْدُوحِينَ فِي هذا المَوْطِنِ يَنْحُو إلى أنهم رَأَوْا أَنَّ ما نزل مِنْ مصائبِ الدُّنْيا إنما هو بِذُنُوبٍ من البَشَرِ، كما نزلَتْ قصَّة أُحُدٍ بعصيان من عصى، وقولهم : ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا  : عبارتان عن معنًى قريبٍ بعضُهُ من بعضٍ، جاء للتأكيد، ولتعمَّ مناحي الذنوبِ، وكذلكَ فسَّره ابنُ عبَّاس وغيره، وقال الضَّحَّاك : الذنوبُ عامُّ، والإسرافُ في الأمر، أريدَ به الكبائرُ خاصَّة.

### الآية 3:148

> ﻿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [3:148]

فآتاهم الله ثَوَابَ الدنيا ، بأن أظهرهم على عدُوِّهم،  وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخرة  الجَنَّة بلا خلاف. 
قال الفَخْر : ولا شَكَّ أنَّ ثوابَ الآخِرَةِ هي الجَنَّة، وذلك غَيْرُ حاصلٍ في الحالِ، فيكون المرادُ أنَّه سبحانه، لَمَّا حكم لهم بحصولها في الآخرة، قام حُكْمُهُ لهُمْ بذلك مَقَامَ الحُصُول في الحالِ، ومَحْمَلُ قوله : آتاهم  أنه سيؤتيهم. 
وقيل : ولا يمتنع أنْ تكون هذه الآية خاصَّةً بالشهداء، وأنه تعالى في حال نزول هذه الآية، كان قد آتاهم حُسْنَ ثواب الآخرة، انتهى.

### الآية 3:149

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ [3:149]

قوله سبحانه : يا أيها الذين ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ الذين كَفَرُواْ \[ آل عمران : ١٤٩ \]. 
يعني : المنافقين الذين خَيَّبوا المسلمين، وقالوا في أمر أُحُد : لو كان محمَّد نبيًّا، لم ينهزم.

### الآية 3:150

> ﻿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ [3:150]

قوله سبحانه : بَلِ الله مولاكم وَهُوَ خَيْرُ الناصرين \[ آل عمران : ١٥٠ \]. 
هذا تثبيتٌ لهم.

### الآية 3:151

> ﻿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ۖ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۚ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ [3:151]

قوله سبحانه : سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب \[ آل عمران : ١٥١ \]. سبب هذه الآيةِ أنه لما ارتحَلَ أبُو سُفْيان بالكفَّار، رجع النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ فتجهَّز، واتبع المشركِينَ، وكان مَعْبَدُ بْنُ أبي مَعْبَدٍ الخُزَاعِيُّ قد جاء إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهُ : وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ، لَقَدْ سَاءَنَا مَا أَصَابَكَ، وَكَانَتْ خُزَاعَةُ تَمِيلُ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ رَكِبَ مَعْبَدٌ، حتى لَحِقَ بِأَبِي سُفْيَانَ، فَلَمَّا رأى أَبُو سُفْيَانَ مَعْبَداً، قَالَ : مَا وَرَاءَكَ، يَا مَعْبَدُ ؟ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي أصْحَابِهِ يَطْلُبُكُمْ فِي جَمْعٍ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ، يَتَحَرَّقُونَ عَلَيْكُمْ، قَدِ اجتمع مَعَهُ مَنْ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ، ونَدِمُوا على مَا صَنَعُوا، قَالَ : وَيْلَك مَا تَقُولُ ؟ قَالَ : وَاللَّهِ، مَا أَرَاكَ أَنْ تَرْحَلَ حتى ترى نَوَاصِيَ الخَيْلِ، قَالَ : فَوَ اللَّهِ، لَقَدْ أَجْمَعْنَا الكَرَّةَ إلَيْهِمْ، قَالَ : فَإنِّي أَنْهَاكَ عَنْ ذَلِكَ، وَوَاللَّهِ، لَقَدْ حَمَلَنِي مَا رَأَيْتُ على أَنْ قُلْتُ فِيهِمْ شِعْراً، قَالَ : وَمَا قُلْتَ ؟ قَالَ : قُلْتُ :\[ البسيط \]

كَادَتْ تَهُدُّ مِنَ الأَصْوَاتِ رَاحِلَتِي  إذْ سَالَتِ الأَرْضُ بِالجُرْدِ الأَبَابِيلِتَرْدِي بِأُسْدٍ كِرَامٍ لاَ تَنَابِلَةٍ  عِنْدَ اللِّقَاءِ وَلاَ مِيلٍ مَعَازِيلِفَظَلْتُ عَدْواً أَظُنُّ الأَرْضَ مَائِلَة  لَمَّا سَمَوْا بِرَئيسٍ غَيْرِ مَخْذُولإلى آخر الشِّعْر. فألقى اللَّه الرُّعْبَ في قلوبِ الكفَّارِ، وقالَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّة : لاَ تَرْجِعُوا فإني أرى أنه سيكُونُ للقَوْمِ قِتَالٌ غَيْرُ الذي كَانَ، فنَزَلَتِ الآيةُ في هذا الإلقاء، وهي بَعْدُ متناولَةٌ كلَّ كافرٍ، قال الفَخْر : لأنه لا أحد يخالفُ دِينَ الإسلام، إلا وَفِي قلبه خَوْفٌ من الرُّعْب، إما عند الحَرْب، وإما عند المُحَاجَّة، انتهى. 
وقوله سبحانه : بِمَا أَشْرَكُواْ  هذه باءُ السَّبَبِ، والسُّلْطَانُ : الحُجَّة والبُرْهَان. 
قال ( ص ) : قوله  وَبِئْسَ ، المخصوصُ بالذَّمِّ محذوفٌ، أي : النار.

### الآية 3:152

> ﻿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ ۚ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [3:152]

وقوله سبحانه : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ \[ آل عمران : ١٥٢ \]، جاء الخطَابُ لجميعِ المؤمنينَ، وإن كانَتِ الأمور التي عاتبهم سبحانه علَيْها، لم يقَعْ فيها جميعُهم، ولذلك وجوهٌ من الفصاحةِ، منْها : وعْظ الجميع، وزجْرُه، إذ مَنْ لم يفعلْ مُعَدٌّ أنْ يفعل، إن لم يزجر، ومنها : السَّتْر والإبقاء على من فعل، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم قد وَعَدَ المؤمِنِينَ النَّصْرَ يَومَئِذٍ على خبر اللَّه، إنْ صَبَرُوا وجَدُّوا، فصَدَقَهُم اللَّه وعْدَه، وذلك أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم صَافَّ المشركين يومئذ، ورتَّب الرماة، على ما قَدْ ذكَرْناه قَبْلَ هذا، واشتعلت نارُ الحَرْب، وأبلى حمزةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وأَبُو دُجَانَةَ، وعليٌّ، وعَاصِمُ بْنُ أَبِي الأَفْلَحِ، وغيرُهم، وانهزم المشركُونَ، وقُتِلَ منهم اثنان وعشْرُونَ رجُلاً، فهذا معنى قوله عز وجل : إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ \[ آل عمران : ١٥٢ \]، والحَسُّ : القتل الذَّريعُ، يقال : حَسَّهُمْ إذا استأصلهم قتْلاً، وحَسَّ البَرْدُ النَّباتَ. 
وقوله سبحانه : حتى إِذَا فَشِلْتُمْ ، يحتملُ أنْ تكونَ ( حتى ) غايةً، كأنه قال : إلى أنْ فشلتم، والأظهر الأقوى أنَّ ( إذا ) على بابها تحتاجُ إلى الجوابِ، ومَذْهَبُ الخَلِيلِ، وسِيبَوَيْهِ، وفُرْسَانِ الصِّنَاعة، أنَّ الجوابَ محذوفٌ يدلُّ عليه المعنى، تقديرُهُ : انهزمتم، ونحوه، والفَشَل : استشعار العَجْزِ، وترْكُ الجِدِّ، والتَّنَازُعُ هو الَّذي وقَعَ بَيْنَ الرماةِ،  وَعَصَيْتُمْ  : عبارةٌ عن ذَهَابِ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الرماة، وتأمَّل ( رحمك اللَّه ) ما يوجبه الركُونُ إلى الدنيا، وما يَنْشَأُ عنها من الضَّرَرِ، وإذا كان مَثَلُ هؤلاءِ السَّادة على رِفْعَتِهِمْ وعظيمِ منزلتهم، حَصَلَ لهم بسببها مَا حَصَلَ، مِنَ الفَشَل والهزيمةِ، فكيف بأمثالنا، وقد حذَّرَ اللَّه عز وجلَّ ونبيُّه عليه السلام من الدُّنْيا وآفاتها، بما لا يخفى على ذي لُبٍّ، وقد ذكرنا في هذا **«المُخْتَصَرِ »** جملةً كافيةً لمَنْ وفَّقه اللَّه، وشَرَح صدْره، وقد خرَّج البَغَوِيُّ في **«المُسْنَدِ المُنْتَخَبِ »** له، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ :( لاَ تُفْتَحُ الدُّنْيَا على أَحَدٍ إلاَّ أَلْقَتْ بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ، وَالبَغْضَاءَ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ ) انتهى من **«الكوكب الدري »**. 
وقال -عليه السلام- للأنْصَارِ : لما تعرَّضوا له، إذْ سمعوا بقُدُوم أبي عُبَيْدةِ بمالِ البَحْرَيْنِ :( أَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ، مَا الفَقْرَ أخشى عَلَيْكُم، وَلَكِنِّي أخشى أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ، كَمَا بُسِطَتْ على مَنْ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، فَتُهْلِكَكُم كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ )، أخرجه البخاريُّ، ومسلمٌ والترمذيُّ، واللفظ له، وقال : هذا حديثٌ صحيحٌ، انتهى. 
واعلم ( رحمك اللَّه ) أنَّ تيسير أسْبَابِ الدُّنْيا مع إعراضك عن أمر آخرتك، ليس ذلك من علاماتِ الفَلاَحِ، وقد روى ابنُ المُبَارك في **«رقائقه »**، قال : أخبرنا ابْنُ لَهِيعَةَ، قال : حدَّثني سعيدُ بنُ أَبِي سَعِيدٍ، أنَّ رجُلاً قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ كَيْفَ أَنَا ؟ قَالَ :( إذَا رَأَيْتَ كُلَّمَا طَلَبْتَ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ، وابتغيته، يُسِّرَ لَكَ، وَإذَا أَرَدتَّ شَيْئاً مِنَ الدُّنْيَا، وابتغيته، عُسِّرَ عَلَيْكَ، فَأَنْتَ على حَالٍ حَسَنَةٍ، وَإذَا رَأَيْتَ كُلَّمَا طَلَبْتَ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ، وابتغيته، عُسِّرَ عَلَيْكَ، وَإذَا أَرَدتَّ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وابتغيته، يُسِّرَ لَكَ، فَأَنْتَ على حَالٍ قَبِيحَةٍ ) انتهى. فتأمَّله راشداً. 
وقولَه : مِّن بَعْدِ مَا أراكم مَّا تُحِبُّونَ ، يعني : هزيمةَ المشركين، قال الزُّبَيْر : واللَّه، لَقَدْ رأيتُنِي أنْظُرُ إلى خَدَمِ هنْدِ بنْتِ عُتْبَةَ، وصواحِبِهَا مشَمِّراتٍ هَوَارِبَ، ما دُونَ أخْذِهِنَّ قليلٌ، ولا كثيرٌ، إذ مالَتِ الرماةُ إلى العَسْكَر حين كَشَفْنَا القَوْمَ عَنه، يريدون النَّهْبَ، وخَلَّوْا ظهورَنَا للخَيْلِ، فَأُوتِينَا مِنْ أَدْبَارنا، وصَرَخَ صَارِخٌ أَلاَ إنَّ محمَّداً قد قُتِلَ، وانكفأ علينا القومُ. 
وقوله سبحانه : مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا ، يعني بهم الذين حَرَصُوا على الغنيمة، وكان المالُ همَّهم، قاله ابنُ عَبَّاسٍ، وسائرُ المفسِّرين، وقال عبدُ اللَّهِ بْنُ مسْعود : ما كنتُ أرى أنَّ أحداً مِنْ أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم يريدُ الدنيا، حتى نَزَلَ فينا يَوْمَ أُحُدٍ : مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا . 
وقوله سبحانه : وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخرة  إخبارٌ عن ثبوتِ مَنْ ثَبَتَ من الرُّماة، مع عبد اللَّه بن جُبَيْر، امتثالا للأمْر، حتى قُتِلُوا، ويدخلُ في هذا أنَسُ بْنُ النَّضْر، وكلُّ من جَدَّ، ولم يَضْطَرِبْ من المؤمنين.

### الآية 3:153

> ﻿۞ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ۗ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [3:153]

وقوله تعالى : إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ على أحَدٍ \[ آل عمران : ١٥٣ \]. 
العامل في ( إذ ) قوله ( عفا ) وقراءة الجمهور ( تصعدون ) بضم التاء، وكسر العين، من : أصْعَدَ، ومعناه : ذَهَبَ في الأَرْضِ، والصعيدُ : وجهُ الأرض، فاَصْعَدَ : معناه : دَخَلَ في الصَّعيد، كما أنَّ أَصْبَحَ : دخل في الصَّبَاحِ. 
وقوله سبحانه : وَلاَ تَلْوُونَ على أحَدٍ  مبالغةٌ في صفةِ الانهزامِ، وقرأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ :( على أُحُدٍ ) بضم الألف والحاء، يريد الجَبَلَ، والمَعنِيُّ بذلك نبيُّ اللَّه صلى الله عليه وسلم، لأنه كان على الجَبَلِ، والقراءةُ الشهيرةُ أقوى، لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يكُنْ علَى الجَبَلِ إلاَّ بعد ما فَرَّ الناسُ، وهذه الحالُ مِنْ إصعادهم إنَّما كانتْ، وهو يدعوهم، ورُوِيَ أنَّه كان يُنَادِي صلى الله عليه وسلم :( إلَيَّ، عِبَادَ اللَّهِ )، والناسُ يفرُّون. وفي قوله تعالى : فِي أُخْرَاكُمْ  مدْح له صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك هو موقِفُ الأبطالِ في أعْقَابِ النَّاس، ومنه قولُ الزُّبِيْرِ بْنِ باطيا : ما فَعَل مقدِّمتُنا إذَا حَمَلْنا، وحَامِيَتُنَا إذَا فَرَرْنَا، وكذلك كَانَ صلى الله عليه وسلم أشْجَعَ الناسِ، ومنه قولُ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ : كنَّا إذا احمر البَأْسُ، اتقيناه برَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم. 
وقوله تعالى : فأثابكم  معناه : جازاكُمْ على صنيعكم، واختلف في معنى قوله تعالى : غَمّاً بِغَمٍّ ، فقال قوم : المعنى أثابكم غَمًّا بسبب الغمِّ الذي أدخلتموه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسائرِ المسلمينَ بفَشَلكم، وتَنَازُعِكم، وعِصْيَانكم. قال قتادة، ومجاهد : الغَمُّ الأول : أنْ سَمِعُوا أَلاَ إنَّ محمَّداً قد قُتِلَ، والثاني : القَتْلُ والجرَح. 
وقوله تعالى : لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ على مَا فَاتَكُمْ ، أي : من الغنيمة،  ولا ما أصابكم ، أي : من القَتْل والجِرَاحِ، وذُلِّ الانهزام، واللامُ من قوله :( لكَيْ لاَ ) متعلِّقة ب( أثَابَكُمْ )، المعنى : لتعلموا أنَّ ما وقَعَ بكُمْ إنما هو بجنايَتِكُمْ، فأنتم آذيتم أنفسكم، وعادةُ البَشَر أنَّ جانِيَ الذنْبِ يَصْبِرُ للعقوبة، وأكْثَرُ قَلَقِ المعاقَبِ وحُزْنِهِ، إنما هو مع ظَنِّه البراءةَ بنَفْسه.

### الآية 3:154

> ﻿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِنْكُمْ ۖ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ۗ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [3:154]

ذكر سبحانه أمْرَ النُّعَاس الذي أَمَّنَ به المؤمنِينَ، فغشي أهْل الإخلاص، قُلْتُ : وفي **«صحيح البخاريِّ »**، عن أنسٍ، أنَّ أبَا طَلْحَةَ قَالَ : غَشِينَا النُّعَاسُ، ونَحْنُ فِي مَصَافِّنَا يَوْمَ أُحُدٍ، قَالَ :" فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِنْ يَدِي وآخُذُهُ، وَيَسْقُطُ وَآخُذُهُ "، ونحْوه عن الزُّبَيْر، وابنِ مسْعود، و( الواوُ ) في قوله : وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ، واو الحال، ذَهَب أكثر المفسِّرين إلى أنَّ اللفظة من الهَمِّ الذي هو بمعنَى الغَمِّ والحُزْن. 
وقوله سبحانه : يَظُنُّونَ بالله غَيْرَ الحق \[ آل عمران : ١٥٤ \] معناه : يظنُّون أنَّ دين الإسلام ليس بحقٍّ، وأنَّ أمر محمَّد صلى الله عليه وسلم يضمحلُّ. 
قلْتُ : وقد وردَتْ أحاديثُ صِحَاحٌ في الترغيبِ في حُسْن الظَّنِّ باللَّه عزَّ وجلَّ، ففي **«صحيح مُسْلِم »**، وغيره، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم حاكِياً عن اللَّه عزَّ وجلَّ يقولُ سبْحَانه :( أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي. . . ) الحديثَ، وقال ابْنُ مَسْعود : واللَّه الَّذِي لاَ إله غيره، لا يُحْسِنُ أحَدٌ الظنَّ باللَّه عزَّ وجلَّ إلا أعطاه اللَّهُ ظنَّه، وذلك أنَّ الخَيْر بيده، وخرَّج أبو بَكْرِ بْنُ الخَطِيب بسنده، عن أنَسِ، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( مِنْ حُسْنِ عِبَادَةِ المَرْءِ حُسْنُ ظَنِّهِ ) اه. وقوله : ظَنَّ الجاهلية  : ذهب الجمهورُ إلى أنَّ المراد مدَّة الجاهليَّة القديمَة قَبْل الإسلام، وهذا كقوله سبحانه : حَمِيَّةَ الجاهلية  \[ الفتح : ٢٦ \] و تَبَرُّجَ الجاهلية ، \[ الأحزاب : ٣٣ \] وذهب بعضُ المفسِّرين إلى أنَّ المراد في هذه الآيةِ ظَنُّ الفِرْقَةِ الجاهليَّة، وهم أبو سُفْيَانَ ومن معه، قال قتادة، وابْنُ جُرَيْج : قيل لعبد اللَّه ابْن أُبَيٍّ ابن سَلُولَ : قُتِلَ بَنُو الخَزْرَجِ، فَقَالَ :( وهلْ لنا من الأمْرِ من شَيْء )، يريدُ أنَّ الرأْيَ ليس لنا، ولو كان لَنَا منْهُ شيْءٌ، لسمع مَنْ رأينا، فلم يَخْرُجْ، فلم يُقْتَلْ أحدٌ منا. 
وقوله سبحانه : قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ  اعتراضٌ أثناء الكلامِ فصيحٌ، ومضمَّنه الردُّ عليهم، وقوله سبحانه : يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ. . .  الآية : أخبر تعالى عنهم على الجُمْلة دُونَ تَعْيين، وهذه كانَتْ سُنَّتَهُ في المنافقينَ، لا إله إلا هو. 
وقوله سبحانه : يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هاهنا  هي مقالةٌ سُمِعَتْ من مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ المغموصِ عليه بالنِّفَاق، وباقي الآية بيِّن. 
وقوله تعالى : وَلِيَبْتَلِيَ الله مَا فِي صُدُورِكُمْ  اللام في **«ليبتلي »** متعلِّقة بفعلٍ متأخِّرٍ، تقديره : وليبتليَ، وليمحِّصَ فعْلَ هذه الأمور الواقعة، والابتلاءُ هنا الاختبار.

### الآية 3:155

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ۖ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [3:155]

قوله سبحانه : إِنَّ الذين تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ التقى الجمعان \[ آل عمران : ١٥٥ \]. قال عُمَرُ ( رضي اللَّه عنه ) : المرادُ بهذه الآية جميعُ مَنْ تولى ذلك اليَوْمَ عن العدُوِّ. 
وقيل : نزلَتْ في الذين فَرُّوا إلى المدينةِ. 
قال ابنُ زَيْد : فلا أدْري، هل عُفِيَ عن هذه الطائفةِ خاصَّة، أمْ عن المؤمنين جميعاً. 
وقوله تعالى : إِنَّمَا استزلهم الشيطان بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ  ظاهره عند جمهور المفسِّرين : أنه كانَتْ لهم ذنوبٌ عاقبهم اللَّه علَيْها بتَمْكين الشيطان من استزلالهم بوسوسَتِهِ وتخويفِهِ، والفرَارُ مِنَ الزَّحْفِ من الكبائر، بإجماعٍ، فيما عَلِمْتُ، وقَدْ عده صلى الله عليه وسلم في السَّبْعِ المُوبِقَاتِ.

### الآية 3:156

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [3:156]

وقوله تعالى : يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كالذين كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإخوانهم. . .  \[ آل عمران : ١٥٦ \]
نَهَى اللَّه المؤمنِينَ، أنْ يكونوا مثل الكفَّار المنافقين في هذا المعتقَدِ الفاسِدِ الذي هو أنَّ من سافر في تجارةٍ ونحوها، ومَنْ قَاتَلَ فَقُتِلَ، لو قعد في بَيْته لعاش، ولم يَمُتْ في ذلك الوَقْتِ الذي عَرَّض فيه نَفْسه للسَّفَر أو للقِتَال، وهذا هو مُعْتَقَدُ المعتزلة في القَوْل بالأَجَلَيْنِ، أو نحو منْه، وصرَّح بهذه المقالة عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِيٍّ المُنَافِقُ، وأصحابه، قاله مجاهد وغيره، والضَّرْبُ في الأرض : السيرُ في التِّجَارة، و( غُزًّى ) : جمعُ غازٍ. 
وقوله تعالى : لِيَجْعَلَ الله ذلك  الإشارةُ بذَلِكَ إلى هذا المعتقد الَّذي جعله اللَّه حَسْرةً لهم، لأن الذي يتيقن أنَّ كل قَتْل ومَوْت، إنما هو بأجَلٍ سابقٍ، يجدُ برد اليأسِ والتسليمِ للَّه سبحانه على قلبه، والذي يَعْتَقِدُ أنَّ حميمه لو قعد في بَيْته، لم يَمْتُ، يتحسَّر ويتلهَّف، وعلى هذا التأويل، مَشَى المتأوِّلونَ، وهو أظهرُ مَا في الآية، والتحسُّرُ : التلهُّفُ على الشيء، والغَمُّ به. 
وقوله سبحانه : والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ  توكيدٌ للنهيْ في قوله : ولاَ تَكُونُواْ  ووعيدٌ لمن خالفه، ووَعْدٌ لمن امتثله.

### الآية 3:157

> ﻿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [3:157]

وقوله سبحانه : وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ الله أَوْ مُتُّمْ \[ آل عمران : ١٥٧ \]. 
اللامُ في  وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ  هي المؤذنةُ بمَجِيءِ القَسَمِ، واللامُ في قوله : لَمَغْفِرَةٌ  هي المتلقِّية للقَسَمِ، والتقديرُ : واللَّهِ، لمغفرةٌ وترتَّب المَوْتُ قبل القَتْل في قوله تعالى : مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ \[ آل عمران : ١٥٦ \]، مراعاةً لترتُّب الضَّرْب في الأرض والغَزْو، وقدَّم القَتْل هنا، لأنَّه الأشرف الأهمُّ.

### الآية 3:158

> ﻿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ [3:158]

قدَّم المَوْتَ في قوله تعالى : وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ \[ آل عمران : ١٥٨ \] لأنها آية وعظٍ بالآخرةِ والحَشْرِ، وآيةُ تزهيدٍ في الدنْيَا والحَيَاةِ، وفي الآيةِ تحقيرٌ لأمر الدنيا، وحضٌّ على طَلَبِ الشهادةِ، والمعنى : إذا كان الحَشْر لا بُدَّ في كِلاَ الأمْرَيْن، فالمضيُّ إليه في حالِ شهادةٍ أولى، وعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :" مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصدْقٍ، بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإنْ مَاتَ على فِرَاشِهِ )، رواه الجماعةُ إلاَّ البخاريَّ، وعن أنَسٍ قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقاً أُعْطِيِهَا، وَلَوْ لَمْ تُصْبْهُ )، انفرد به مُسْلم، اه. من **«سلاح المؤمن »**.

### الآية 3:159

> ﻿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [3:159]

قوله سبحانه : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ \[ آل عمران : ١٥٩ \]
معناه : فبرحمةٍ، قال القُشَيْريُّ في **«التحبير »** : واعلَمْ أنَّ اللَّه سبحانه يحبُّ من عباده مَنْ يرحم خَلْقه، ولا يرحم العبد إلاَّ إذا رحمه اللَّه سبحانَهُ، قال اللَّه تعالى لنبيِّه عليه السلام : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ  اه. 
قال ( ع ) : ومعنى هذه الآيةِ التقريعُ لكلِّ مَنْ أخلَّ يومَ أُحُدٍ بمَرْكزه، أي : كانوا يستحقُّون الملام منْكَ، ولكنْ برحمةٍ منه سُبْحَانه ( لِنْتَ لهم )، وجَعَلَكَ على خُلُقٍ عظيمٍ، وبعَثَكَ لتتميمِ محاسنِ الأخلاق،  ولو كُنْتَ فظًّا غليظَ القَلْب، لانفضوا مِنْ حولك  وتفرَّقوا عَنْكَ، والفَظُّ : الجافِي في مَنْطِقِهِ وَمَقاطِعِهِ، وفي صفته صلى الله عليه وسلم في الكُتُب المُنزَّلة :**«لَيْسَ بِفَظٍّ، ولا غَلِيظٍ، وَلاَ صَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ »**، والفَظَاظة : الجَفْوة في المعاشرة قولاً وفعلاً، وغِلَظُ القَلْب : عبارةٌ عن تجهُّمِ الوجْهِ، وقلَّةِ الانفعالِ في الرغَائِبِ، وقلَّةِ الإشفاقِ والرَّحْمةِ، والانفضاضُ : افتراق الجموع. 
وقوله تعالى : فاعف عَنْهُمْ واستغفر لَهُمْ. . .  الآية، أمر سبحانه نبيَّه عليه السلام بهذه الأوامر التي هِيَ بتدريجٍ بليغٍ، فأمره أنْ يعفو عَنْهم فيما لَهُ علَيْهِمْ مِنْ حَقٍّ، ثُمَّ يستغفر لهم فيما للَّه علَيْهم مِنْ تَبِعَةٍ، فإذا صاروا في هذه الدَّرَجَة، كانوا أهلاً للاستشارة. 
قال ( ع ) : ومَنْ لا يستشيرُ أهل العِلْمِ والدِّين، فعَزْلُه واجبٌ، هذا ممَّا لا خلافَ فيه، وقد وردَتْ أحاديثُ كثيرةٌ في الاستشارة، ومُشَاورته عليه السلام إنما هي في أمور الحَرْب والبُعُوث ونحوه من أشخاصِ النَّوَازِلِ، فإما في حلالٍ، أو حرامٍ، أو حَدٍّ، فتلك قوانينُ شَرْعٍ،  ما فرَّطنا في الكتابِ مِنْ شيء \[ الأنعام : ٣٨ \] والشورى مبنيَّة على اختلافِ الآراءِ، والمُسْتَشِيرُ ينظر في ذَلِكَ الخلافِ، ويتخيَّر، فإذا أرشده اللَّه إلى ما شاء منْهُ، عزم علَيْه، وأنفذه متوكِّلاً على اللَّه، إذ هو غايةُ الاجتهادِ المَطْلُوب منه، وبهذا أمر اللَّه تعالى نبيَّه في هذه الآيةِ، وصِفَةُ المُسْتشارِ في الأحكامِ أنْ يكونَ عالماً ديِّناً، وقلَّما يكونُ ذلك إلاَّ في عاقلٍ، فقَدْ قال الحَسَنُ ابْنُ أبِي الحَسَنِ : ما كَمَلَ دِينُ امرئ لَمْ يَكْمَلْ عَقْلُهُ. 
قال ( ع ) : والتوكُّل على اللَّه سبحانه وتعالى مِنْ فروض الإيمانِ، وفصولِهِ، ولكنَّه مقترنٌ بالجِدِّ في الطاعاتِ، والتَّشْميرِ والحَزَامَةِ بغايةِ الجُهْدِ، وليس الإلقاء باليدِ وما أشبهه بتوكُّل، وإنما هو كما قال عليه السلام :( قَيِّدْهَا وَتَوَكَّلْ ). 
وقوله تعالى : إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين  هذه غايةٌ في الرِّفْعة، وشَرَفِ المنزلةِ، وقد جاءت آثار صحيحةٌ في فَضْل التوكُّلِ، وعظيمِ منزلةِ المتوكِّلين، ففي **«صحيح مُسْلِمٍ »** عن عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنِ، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال :( يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفاً بِغَيْرِ حِسَابٍ، قَالُوا : مَنْ هُمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : هُمُ الَّذِينَ لاَ يَرْقُونَ، وَلاَ يَستَرْقُونَ، وَلاَ يَتَطَيَّرُونَ، وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) وخَرَّج أبو عيسَى، والتِّرمذيُّ، عن أبي أُمَامَةَ، قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ :( وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِل الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفاً لاَ حِسَابَ عَلَيْهِمْ، وَلاَ عَذَابَ، مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفاً وَثَلاَثُ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي )، وخرَّجه ابن ماجة أيضاً، وخرَّج أبو بَكْرٍ البَزَّارُ، وأبو عَبْدِ اللَّهِ التِّرمذيُّ الحكيمُ، عنْ عبد الرحمنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصديقِ ( رضي اللَّه عنهما )، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم :( إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَعْطَانِي سَبْعِينَ أَلْفاً يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَقَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَهَلاَّ استزدته ؟ قَالَ : قَدِ استزدته، فَأَعْطَانِي مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ السَّبْعِينَ الأَلْفَ سَبْعِينَ أَلْفاً، فقالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَهَلاَّ استزدته، فَقَالَ : قَدِ استزدته، فَأَعْطَانِي هَكَذَا )، وفَتَحَ أَبُو وَهْبٍ يَدَيْهِ، قَالَ أَبُو وَهْبٍ : قَالَ هِشَامٌ : هَذَا مِنَ اللَّهِ لاَ يدري مَا عَدَدُهُ، وخرَّج أبو نُعَيْمٍ، عن أنس، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الجَنَّة مِنْ أُمَّتِي مِائَةَ أَلْفٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، زِدْنَا، قَالَ : وَهَكَذَا، وَأَشَارَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، زِدْنَا، فَقَالَ عُمَرُ : إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَادِرٌ أَنْ يُدْخِلَ النَّاسَ الجَنَّةَ بِحَفْنَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَالَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم :( صَدَقَ عُمَرُ ) اه من **«التذكرة »**. وما وقَعَ من ذكْرِ الحَثْيَةِ والحَفْنَةِ لَيْسَ هو على ظاهره، فاللَّه سبحانه منزَّه عن صفَاتِ الأجْسَامِ.

### الآية 3:160

> ﻿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [3:160]

وقوله تعالى : وَإِن يَخْذُلْكُمْ \[ آل عمران : ١٦٠ \]. 
أيْ : يترككم، والخذل الترك، والضميرُ في : مِن بَعْدِهِ  يعودُ على اسمِ اللَّهِ، ويحتملُ على الخِذْلِ.

### الآية 3:161

> ﻿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ۚ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [3:161]

وقوله تعالى : وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ \[ آل عمران : ١٦١ \] قرأ ابنُ كَثِيرٍ، وأبو عَمْرٍو، وعاصم :( أَنْ يَغُلَّ ) بفتح الياء، وضم الغين، وقرأ باقي السبعة : أَنْ يُغَلَّ، بضم الياء، وفتح الغين، واللفظةُ بمعنى الخِيَانة في خَفَاءِ، تقولُ العربُ : أَغَلَّ الرَّجُلُ يُغِلُّ إغْلاَلاً، إذا خان، واختلفَ عَلَى القراءة الأولى، فقال ابنُ عَبَّاسٍ وغيره : نزلَتْ بسبب قَطِيفَةٍ حَمْرَاءَ فُقِدَتْ من المغانمِ يَوْمَ بَدْرٍ، فقال بعضُ النَّاس : لعلَّ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَخَذَهَا، فقيلَ : كانت هذه المَقَالَةُ مِنْ مؤمِنٍ لم يَظُنَّ في ذلك حَرَجاً، 
وقيل : كانَتْ من منافِقين، وقد رُوِيَ أن المفقود إنما كَانَ سَيْفاً، قال النَّقَّاش : ويقال : إنما نزلَتْ، لأن الرماة قالوا يوم أُحُدٍ : الغنيمةَ الغنيمةَ، فإنا نخشى أنْ يَقُولَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم : مَنْ أَخَذ شيئاً فهو له، وقال ابْنُ إسحاق : الآية إنما أنزلَتْ، إعلاماً بأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يكتم شيئاً مما أُمِرَ بتبليغه. 
وأمَّا على القراءة الثانيةِ، فمعناها عند الجمهور، أي : ليس لأحدٍ أنْ يغل للنبيَّ، أيْ : يخونه في الغنيمة، لأنَّ المعاصِيَ تَعْظُمُ بحَضْرته، لتعيين توقيره. 
قال ابنُ العَرَبِيِّ في **«أحكامه »** : وهذا القولُ هو الصحيحُ، وذلك أنَّ قوماً غَلُّوا من الغنائمِ، أو هَمُّوا، فأنزل اللَّه تعالَى الآية، فنهاهُمُ اللَّه عن ذلك، رواه الترمذيُّ. اه. 
وقوله تعالى : وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة. . .  \[ آل عمران : ١٦١ \]. وعيدٌ لِمَنْ يغل من الغنيمة، أو في زكاته، بالفَضِيحَة يَوْمَ القيامة على رءوس الأَشهاد، قال القرطبيُّ في **«تذكرته »** : قال علماؤنا ( رحمهم اللَّه ) في قوله تعالى : وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة  إنَّ ذلك عَلَى الحقيقةِ، كما بيَّنه صلى الله عليه وسلم، أي : يأتي به حاملاً له على ظهره ورقبته، معذَّباً بحمله وثِقَلِهِ، ومروَّعاً بصوته، وموبَّخاً بإظهار خيانته، اه. وفي الحديثِ عَنْه صلى الله عليه وسلم، أنَّهُ قَالَ :( أَدُّوا الْخَائِطَ وَالمَخِيطَ، فَإنَّ الغُلُولَ عَارٌ ونَارٌ وشَنَارٌ على أَهْلِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ ) رواه مالكٌ في **«الموطَّأ »**. 
قال أبو عُمَرَ في **«التمهيد »** : الشَّنَار : لَفْظَةٌ جامعةٌ لمعنَى العَارِ وَالنَّارِ، ومعناها الشَّيْن، والنَّار، يريد أن الغلول شَيْنٌ وعارٌ ومنْقَصَة في الدُّنْيا، وعذابٌ في الآخرة، اه، وفي الباب أحاديثُ صحيحةٌ في الغُلُولِ، وفي مَنْعِ الزكاة.

### الآية 3:162

> ﻿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [3:162]

قوله سبحانه : أَفَمَنِ اتبع رضوان الله \[ آل عمران : ١٦٢ \]. 
أي : الطاعة الكفيلة بِرضْوَان اللَّه. 
قال ( ص ) :( أَفَمَنْ ) : استفهام، معناه : النَّفْيُ، أي : ليس مَنِ اتبع مَا يؤولُ به إلى رِضَا اللَّه تعالى عَنْه، فباء برضَاه، كَمَنْ لم يَتَّبِعْ ذلك، فباء بسَخَطه. اه.

### الآية 3:163

> ﻿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [3:163]

قوله سبحانه : هُمْ درجات عِندَ الله \[ آل عمران : ١٦٣ \]. 
قال ابنُ إسحاق، وغيره : المراد بذلك الجَمْعَانِ المذكورانِ، أهل الرِّضْوان، وأصحاب السَّخَط، أيْ : لكلِّ صِنْفٍ منهم تَبَايُنٌ في نفسه في منازل الجنة، وفي أطباق النَّار أيضاً، وقال مجاهدٌ، والسُّدِّيُّ : ما ظاهره أن المراد بقوله :( هم )، إنما هو لمتبعي الرضْوان، أي : لهم درجاتٌ كريمةٌ عند ربهم، وفي الكلامِ حذفٌ، تقديره : هُمْ ذَوْو دَرَجَاتٍ، والدرجاتُ : المنازلُ بعضها أعلى من بعض في المَسَافة، أو في التكرمة، أو في العذاب، وباقي الآيةِ وعْدٌ ووعيدٌ.

### الآية 3:164

> ﻿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [3:164]

وقوله تعالى : لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنفُسِهِمْ. . .  \[ آل عمران : ١٦٤ \]. 
اللامُ في ( لَقَدْ ) لام القسم، و( مَنَّ ) في هذه الآية معناه : تطوَّل وتفضَّل سبحانه، وقد يقال :( مَنَّ ) بمعنى كَدَّرَ مَعْرُوفَهُ بالذِّكْرِ، فهي لفظةٌ مشتركة، وقوله : مِّنْ أَنفُسِهِمْ ، أي : من الجنْسِ، واللسانِ، والمُجَاورةِ، فكونه مِنَ الجنْسِ يوجبُ الأنْسَ به، وكونُه بِلِسانِهِمْ يوجِبُ حُسْنَ التفهيم، وكونُه جَاراً وربِيًّا يوجِبُ التصديقَ والطُّمأنينة، إذ قد خَبَرُوه وعَرَفُوا صِدْقَه وأمانته.

### الآية 3:165

> ﻿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [3:165]

وقَف اللَّه سبْحانه المؤمنين عَلَى الخَطَأ في قَلَقِهِمْ للمُصِيبة الَّتي نزلَتْ بهم، وإعراضهم عمَّا نَزَلَ بالكُفَّار، فقال : أَوَ لَمَّا أصابتكم مُّصِيبَةٌ \[ آل عمران : ١٦٥ \]، أي : يوم أُحُدٍ  قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا ، أيْ : يوم بَدْر، إذ قتل من الكُفَّار سبعون، وأسر سَبْعُون، هذا تفْسِيرُ ابنِ عَبَّاس، والجمهورِ. 
وقال الزَّجَّاج : وَاحِدُ المِثْلَيْن : هو قتْلُ السبعينَ يَوْمَ بَدْر، والثاني : هو قتل اثنين وعشرين يَوْمَ أحد، ولا مَدْخَل للأسرى، لأنهم قد فُدُوا. 
و أنى  معناه : كَيْفَ ؟ وَمِنْ أَيْنَ ؟  قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ ، أي : حين خالفتم النبيَّ صلى الله عليه وسلم في الرأْيِ، حينَ رأى أنْ يقيمَ بالمَدينة، ويترك الكُفَّار بَشَّر مَحْبِسٍ، فأبيتم إلا الخُرُوجِ، وهذا تأويلُ الجمهور، وقالَتْ طائفة : هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ  : إشارةٌ إلى عصيانِ الرُّمَاة، وتسبيبهم الهَزيمة عَلَى المؤمنين، وقال عليٌّ والحَسَن : بل ذلك لِمَا قَبِلُوا الفِدَاءَ يَوْمَ بدر، وذلك أنَّ اللَّه سبحانه أخبرهم على لسانِ نبيِّه بَيْنَ قَتْل الأسرى أو يأخذوا الفِدَاءَ على أنْ يُقْتَلَ منْهم عدَّة الأسرى، فاختاروا أَخْذَ الفدَاءِ، ورَضُوا بالشَّهَادةِ، فقُتِلَ منهم يوْمَ أحدٍ سَبْعُونَ، قلْتُ : وهذا الحديثُ رواه الترمذيُّ عنْ عليٍّ ( رضي اللَّه عنه )، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ أحمدُ بْنُ نَصْرٍ الدَّاوُدِيُّ وعَنِ الضَّحَّاك : أنى هذا ، أيْ : بأيِّ ذنب هذا ؟ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ : قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ  عقوبةً لمعصيتكم لنبيِّكم عليه السلام، اه.

### الآية 3:166

> ﻿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ [3:166]

قوله سبحانه : وَمَا أصابكم يَوْمَ التقى الجمعان \[ آل عمران : ١٦٦ \]، يعني : يوم أُحُد.

### الآية 3:167

> ﻿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ۚ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا ۖ قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ ۗ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ۚ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ [3:167]

قوله سبحانه : وَلِيَعْلَمَ المؤمنين \[ آل عمران : ١٦٧ \]. 
أيْ : ليعلم اللَّه المؤمن مِنَ المُنَافق، والإشارة بقوله سبحانه : نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ \[ آل عمران : ١٦٧ \] هي إلى عَبْد اللَّه بن أبَيٍّ وأصحابه، حين انخزل بنَحْو ثُلُث النَّاسِ، فمشى في إثرهم عبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَزَامٍ أبُو جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فقَالَ لهم : اتقوا اللَّهَ، ولا تَتْرُكُوا نبيَّكم، وقاتلوا في سَبيلِ اللَّهِ، أو ادفعوا، ونحْوَ هذا من القولِ، فقال له ابْنُ أُبَيٍّ : ما أرى أَنْ يكُونَ قِتَالاً، ولو علمْنا أنْ يكُونَ قتَالٌ، لكنا معكم، فلما يَئِسَ منهم عبْدُ اللَّهِ، قال : اذهبوا أَعْدَاءَ اللَّهِ، فَسَيْغُنِي اللَّهُ رَسُولَهُ عَنْكُمْ، ومضى مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فاستشهد. 
وقوله تعالى : أَوِ ادفعوا \[ آل عمران : ١٦٧ \]. 
قال ابنُ جُرَيْجٍ وغيره : معناه : كَثِّروا السوادَ، وإنْ لم تقاتِلُوا، فيندفع القَوْم، لكثرتِكُمْ، وذهب بعضُ المفسِّرين إلى أنَّ قولَ عبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو :( أو ادفعوا ) : استدعاء للقتَالِ حميَّةً، إذ ليسوا بأهْلٍ للقتال في سبيل اللَّه، والمعنى : قاتلوا في سبيل اللَّه، أو قاتلوا دفاعاً عن الحَوْزَة، ألا ترى أنَّ قُزْمَانَ قَالَ في ذلك اليَوْمِ : واللَّهِ، ما قاتلْتُ إلاَّ على أحساب قَوْمِي، وقَوْلِ الأنصاريِّ يومئذ، لَمَّا أرسلَتْ قُرَيْشٌ الظَّهْرَ في الزُّروع : أترعى زُرُوعَ بَنِي قَيْلَةَ، وَلَمَّا نُضَارِبْ.

### الآية 3:168

> ﻿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ۗ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [3:168]

قوله تعالى : الذين قَالُواْ لإخوانهم وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا \[ آل عمران : ١٦٨ \]. 
 الذين  بدل من  الذين  المتقدِّم،  لإخوانهم ، أي : لأجْلِ إخوانهم، أوْ في شأنِ إخوانهم المقتولِينَ، ويحتمل أنْ يريد : لإخوانهم الأحياءِ مِنَ المُنَافِقِينَ، ويكون الضميرُ في ( أَطَاعُونَا ) للمقتولين، ( وقَعَدُوا ) : جملةٌ في موضِعِ الحالِ، معترضةٌ أثْنَاءَ الكلامِ، وقولهم : لَوْ أَطَاعُونَا ، يريدون : في أن لاَّ يخرُجُوا، وباقِي الآيةِ بَيِّن.

### الآية 3:169

> ﻿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [3:169]

أخْبَرَ سبحانه عن الشهداءِ، أنهم في الجنَّة أحياءٌ يرزقُونَ، وعن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّه قال :( إنَّ اللَّهَ يَطَّلِعُ عَلَى الشُّهَدَاءِ، فَيَقُولُ : يَا عِبَادِي، مَا تَشْتَهُونَ، فَأَزِيدَكُمْ ؟ فَيَقُولُونَ : يَا رَبَّنَا، لاَ فَوْقَ مَا أَعْطَيْتَنَا، هَذِهِ الجَنَّةُ نَأْكُلُ مِنْهَا حَيْثُ نَشَاءُ، لَكِنَّا نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّنَا إلَى الدُّنْيَا، فَنُقَاتِلَ فِي سَبِيلِكَ، فَنُقْتَلُ مَرَّةً أخرى، فَيَقُولُ سُبْحَانَهُ :( قَدْ سَبَقَ أَنَّكُمْ لاَ تُرَدُّونَ )، والأحاديثُ في فَضْل الشُّهَداء كثيرةٌ. 
قال الفَخْر : والرواياتُ في هذا البابِ كأنَّها بلَغَتْ حدَّ التواتر، ثم قَالَ : قال بعْضُ المفسِّرين : أرواحُ الشُّهَدَاءِ أحياءٌ، وهي تركَعُ وتَسْجُدُ تَحْتَ العَرْشِ إلى يَوْمِ القِيامةِ، اه. 
والعقيدةُ أنَّ الأرواحَ كلَّها أحياء، لا فرق بَيْن الشهداءِ وغيرهم في ذلك، إلاَّ ما خَصَّص اللَّه به الشُّهداءَ مِنْ زيادَةِ المَزِيَّة والحياةِ الَّتِي ليْسَتْ بمكيَّفة، وفي **«صحيح مسْلِمٍ »**، عن مَسْرُوقٍ، قال : سَأَلْنَا ابْنَ مَسْعُودٍ عن هذه الآية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أمواتا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ \[ آل عمران : ١٦٩ \] فقال : أَمَّا أَنَا، فَقَدْ سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ : يَعْنِي النبيَّ صلى الله عليه وسلم :( أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقةٌ بِالعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إلى تِلْكَ القَنَادِيلِ. . . ) الحديثَ إلى آخره، اه. 
ومن الآثار الصحيحةِ الدالَّة على فَضْلِ الشُّهداءِ ما رواه مالكٌ في **«الموطَّأ »**، أنه بلَغَهُ أنَّ عمرو بْنَ الجَمُوحِ، وعبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو الأنصارِيَّيْنِ ثُمَّ السُّلَمِيَّيْنِ كَانَا قَدْ حَفَرَ السَّيْلُ قبرهما، وكان قَبْرُهما ممَّا يَلِي السَّيْلَ، وكانا في قَبْرٍ واحدٍ، وهما مِمَّن استشهد يَوْمَ أُحُدٍ، فحفر عنهما ليغيَّرَا مِنْ مَكَانِهِمَا، فَوُجِدَا لم يُغَيَّرا، كأنما ماتا بالأمْسِ، وكان أحدُهُما قَدْ جُرِحَ فَوَضَعَ يَدَهُ على جُرْحِهِ، فَدُفِنَ، وهو كذلك، فَأُمِيطَتْ يده عَنْ جُرْحِهِ، ثم أرْسِلَتْ، فَرَجَعَتْ، كما كانَتْ، وكان بَيْنَ أُحُدٍ، وبَيْنَ يَوْمَ حُفِرَ عَنْهُمَا سِتٌّ وأربعون سنَةً )، قال أبو عمر في **«التمهيد »** : حديثُ مالكٍ هذا يتَّصلُ من وجوهٍ صحاحٍ بمعنى واحدٍ متقاربٍ، وعبد اللَّه بن عمرو هذا هو والدُ جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، وعَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ هو ابنُ عَمِّه، ثم أسند أبو عمر، عن جابرِ بنِ عبْدِ اللَّهِ، قال : لما أراد معاويةُ أنْ يُجْرِيَ العَيْنَ بأُحُدٍ، نُودِيَ بالمدينةِ : مَنْ كان له قتيلٌ، فليأت قتيله، قال جابرٌ : فأتيناهم، فأخرجْنَاهم رطَاباً يَتَثَنَّوْنَ، فأصابَتِ المِسْحَاةُ أُصْبُعَ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فانفطرت دَماً، قال أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ :" لاَ يُنْكِرُ بَعْدَ هَذَا مُنْكَرٌ أَبداً "، وفي رواية :«فاستخرجهم يعني : معاويةَ، بعد سِتٍّ وأربعين سنَةً لَيِّنَةً أجسادُهم، تتثنى أطرافهم )، قال أبو عمر : الذي أصابَتِ المِسْحَاةُ أصبُعَهُ هو حمزةُ ( رضي اللَّه عنه ).

### الآية 3:170

> ﻿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [3:170]

أسند عَنْ جابِرٍ قال :" رأَيْتُ الشهداءَ يَخْرجُونَ على رِقَابِ الرجَالِ، كأنهم رجَالٌ نُوَّمٌ، حتى إذا أَصَابَتِ المِسْحَاةُ قَدَمَ حمزةَ ( رضي اللَّه عنه ) فانثعبت دَماً " اه. 
وقوله سبحانه : وَيَسْتَبْشِرُونَ بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم. . .  \[ آل عمران : ١٧٠ \]. معناه : يُسَرُّونَ، ويَفْرَحُونَ، وذهَبَ قتادة وغيره إلى أنَّ استبشارهم هو أنهم يقولُونَ : إخواننا الذين تركْنَاهم خَلْفَنَا في الدنيا يُقَاتِلُونَ في سَبيل اللَّه مع نبيِّهم، فيستشهدُونَ، فينالُونَ مِنَ الكرامَةِ مِثْلَ ما نِلْنَا نَحْنُ، فيسرُّون لهم بذلك، إذْ يحصُلُونَ ( لا خَوْفٌ عليهم ولا هُمْ يَحْزَنُونَ ) وذهب فريقٌ من العلماءِ إلى أَنَّ الإشارة في قوله : بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ ، إلى جميع المؤمنين الَّذِينَ لم يلحقوا بهم في فَضْل الشهادة، وذَلك لِمَا عايَنُوا من ثوابِ اللَّهِ، فهم فَرِحُونَ لأنفسهم بما آتاهم اللَّه مِنْ فضله، ومُسْتَبْشِرُون للمؤمنين أنَّهم لا خَوْفٌ عليهم ولا هم يَحْزَنُونَ.

### الآية 3:171

> ﻿۞ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ [3:171]

أكَّد سبحانه استبشارهم بقوله : يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ \[ آل عمران : ١٧١ \] ثم بيَّن سبحانه بقوله : وَفَضْلٍ  أنَّ إدخالَهُ إياهم الجَنَّةَ هو بفَضْل مِنْه، لا بعملِ أَحَدٍ. وأمَّا النعمة في الجَنَّة، والدَّرجاتُ، فقد أخبر أنَّها على قَدْر الأعمال. 
قُلْتُ : وخرَّج أبو عبد اللَّهِ الحُسَيْنُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ حَرْبٍ صَاحِبُ ابن مبارَكِ في **«رقائقه »**، بسنده، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العَاصِي، " أنَّ الشُّهداءَ فِي قِبابٍ مِنْ حَرِيرٍ فِي رِياضٍ خُضْرٍ، عِنْدَهُمْ حُوتٌ وَثَوْرٌ، يَظَلُّ الحُوتُ يُسَبِّحُ فِي أَنْهَارِ الجَنَّةِ، يَأْكُلُ مِنْ كُلِّ رائِحَةٍ فِي أَنْهَارِ الجَنَّةِ، فَإذَا أمسى وَكَزَهُ الثَّوْرُ بقَرْنِهِ، فَيُذْكِيهِ، فَيَأْكُلُونَ لَحْمَهُ، يَجِدُونَ فِي لَحْمِهِ طَعْمَ كُلِّ رَائِحَةٍ، وَيَبِيتُ الثَّوْرُ فِي أَفْنَاءِ الجَنَّةِ، فَإذَا أَصْبَحَ، غَدَا عَلَيْهِ الحُوتُ، فَوَكَزَهُ بِذَنَبِهِ، فَيُذْكِيهِ، فَيَأْكُلُونَ، فَيَجِدُونَ فِي لَحْمِهِ طَعْمَ كُلِّ رَائِحَةٍ فِي الجَنَّةِ، ثُمَّ يَعُودُونَ، وَيَنْظُرُونَ إلى مَنَازِلِهِمْ مِنَ الجَنَّةِ، وَيَدْعُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ. . . ) الحديثَ اه. مختصرًا، وقد ذكره صاحب **«التذكرة »** مطوَّلاً، وقرأ الكِسَائِيُّ : وَ( إنَّ اللَّهَ ) بكسر الهمزة، على استئناف الأخبار، وقرأ باقي السبعة بالفتْحِ على أنَّ ذلك داخلٌ فيما يُسْتبشر به.

### الآية 3:172

> ﻿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ [3:172]

قوله : الذين استجابوا  يحتملُ أنْ يكون صفَةً للمؤمنين، على قراءة مَنْ كَسَر الألف من ( أنَّ )، والأظهر ( أنَّ الذين ) ابتداءٌ، وخبره في قوله : لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ. . .  \[ آل عمران : ١٧٢ \]الآية والمستجيبُونَ للَّه والرسولِ : هم الذين خرَجُوا مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى حَمْرَاءِ الأَسَدِ في طَلَبِ قُرَيْش.

### الآية 3:173

> ﻿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [3:173]

قوله سبحانه : الذين قَالَ لَهُمُ الناس إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ. . .  \[ آل عمران : ١٧٣ \]. 
( الذين ) صفةٌ للمحسنين، وهذا القولُ هو الذي قاله الركْبُ مِنْ عَبْدِ القَيْسِ لرسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأصحابه حِينَ حَمَّلَهُمْ أبُو سُفْيَانَ ذلكَ، فالنَّاسُ الأوَّلُ هُمُ الرَّكْبُ، والنَّاسُ الثَّانِي عَسْكَر قُرَيْش، هذا قول الجمهورِ، وهو الصوابُ، وقولُ مَنْ قال : إن الآية نزلَتْ في خروجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى بَدْرٍ الصغرى، لميعاد أبي سُفْيان، و أنَّ الناس  هنا هو نُعيْمُ بْنُ مسعودٍ قولٌ ضعيفٌ، وعن ابنِ عَبَّاسٍ، أنه قال :( حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ ) قَالَهَا إبْرَاهِيمُ عليه السلام، حينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وقَالَها محمَّد صلى الله عليه وسلم حِينَ قَالُوا : إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فاخشوهم فَزَادَهُمْ إيمانا وَقَالُواْ : حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوكيل  رواه مسلمٌ، والبخاريُّ، انتهى.

### الآية 3:174

> ﻿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [3:174]

آتاهم اللَّه مِنْ فضله، ومُسْتَبْشِرُون للمؤمنين أنَّهم لا خَوْفٌ عليهم ولا هم يَحْزَنُونَ ثم أكَّد سبحانه استبشارهم بقوله: يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ، ثم بيَّن سبحانه بقوله: وَفَضْلٍ، أنَّ إدخالَهُ إياهم الجَنَّةَ هو بفَضْل مِنْه، لا بعملِ أَحَدٍ، وأمَّا النعمة في الجَنَّة، والدَّرجاتُ، فقد أخبر أنَّها على قَدْر الأعمال.
 قُلْتُ: وخرَّج أبو عبد اللَّهِ الحُسَيْنُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ حَرْبٍ **«١»** صَاحِبُ ابن المبارَكِ في **«رقائقه»**، بسنده، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العَاصِي **«أنَّ الشُّهداءَ فِي قِبابٍ مِنْ حَرِيرٍ فِي رِياضٍ خُضْرٍ، عِنْدَهُمْ حُوتٌ وَثَوْرٌ، يَظَلُّ الحُوتُ يُسَبِّحُ فِى أَنْهَارِ الجَنَّةِ يَأْكُلُ مِنْ كُلِّ رائِحَةٍ فِي أَنْهَارِ الجَنَّةِ، فَإذَا أمسى وَكَزَهُ الثَّوْرُ بقَرْنِهِ، فَيُذْكِيهِ، فَيَأْكُلُونَ لَحْمَهُ، يَجِدُونَ فِي لَحْمِهِ طَعْمَ كُلِّ رَائِحَةٍ، وَيَبِيتُ الثَّوْرُ فِي أَفْنَاءِ الجَنَّةِ، فَإذَا أَصْبَحَ، غَدَا عَلَيْهِ الحُوتُ، فَوَكَزَهُ بِذَنَبِهِ، فَيُذْكِيهِ، فَيَأْكُلُونَ، فَيَجِدُونَ فِي لَحْمِهِ طَعْمَ كُلِّ رَائِحَةٍ فِي الجَنَّةِ، ثُمَّ يَعُودُونَ، وَيَنْظُرُونَ إلى مَنَازِلِهِمْ مِنَ الجَنَّةِ، وَيَدْعُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ... »** الحديثَ. انتهى.
 مختصرًا، وقد ذكره صاحب **«التذكرة»** مطوَّلاً.
 وقرأ الكِسَائِيُّ: **«وَإنَّ اللَّهَ»** بكسر **«٢»** الهمزة على استئناف الإخبار، وقرأ باقي السبعة بالفتْحِ على أنَّ ذلك داخلٌ فيما يُسْتبشر به، وقوله: الَّذِينَ اسْتَجابُوا يحتملُ أنْ يكون صفَةً للمؤمنين على قراءة مَنْ كَسَر الألف من **«إنَّ»**، والأظهر أنَّ الذين ابتداءٌ، وخبره في قوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ... الآية، والمستجيبُونَ للَّه والرسولِ: هم الذين خرَجُوا مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى حمراء الأسد في طلب قريش.
 \[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٧٣ الى ١٧٤\]
 الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)
 وقوله سبحانه: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ... الآية:
 **«الذين»** : صفةٌ للمحسنين، وهذا القولُ هو الذي قاله الركْبُ من عبد القيس لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم

 (١) الحسين بن الحسن بن حرب السلمي، أبو عبد الله المروزي، ثم المكي. عن ابن المبارك، وهشيم، وابن عيينة، ويزيد بن زريع، وخلق. وعنه الترمذي وابن ماجة.
 ينظر: **«الخلاصة»** (١/ ٢٢٤).
 (٢) ينظر: **«السبعة»** (٢١٩)، و **«الحجة»** (٣/ ٩٨)، و **«حجة القراءات»** (١٨٢)، و **«إعراب القراءات»** (١/ ١٢٢)، و **«العنوان»** (٨١)، و **«شرح الطيبة»** (٤/ ١٧٨)، و **«شرح شعلة»** (٣٢٦)، و **«إتحاف»** (١/ ٤٩٤)، و **«معاني القراءات»** (١/ ٢٨٠).

### الآية 3:175

> ﻿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [3:175]

قوله سبحانه : إِنَّمَا ذلكم الشيطان يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ. . .  \[ آل عمران : ١٧٥ \]. إشارة إلى جميع ما جرى من أخبار الرَّكْب عن رسالة أبِي سُفْيَان، ومِنْ جَزَعِ مَنْ جَزِعَ من الخَبَر. 
وقرأ الجمهورُ :( يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ) قالَ قوم : معناه يخوِّف المنافقينَ، ومَنْ في قلبه مرضٌ، وحكى أبو الفَتْحِ بْنُ جِنِّي، عن ابن عَبَّاس، أنه قرأ ( يُخَوِّفُكُمْ أَوْلِيَاءَهُ )، فهذه قراءةٌ ظهر فيها المفعولانِ، وهي مفسِّرة لقراءة الجَمَاعة، وفي قراءة أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ :( يُخَوِّفُكُمْ بِأَوْلِيَائِهِ )، وفِي كتاب " القَصْد إلى اللَّه تعالى "، للمحاسِبِيِّ، قال : وكلما عَظُمَتْ هيبةُ اللَّه عزَّ وجلَّ في صدورِ الأولياء، لم يهابوا معه غيره، حياءً منه عزَّ وجلَّ أن يخافوا معَهُ سواء، انتهى.

### الآية 3:176

> ﻿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ۚ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ۗ يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [3:176]

قوله سبحانه : وَلاَ يَحْزُنكَ الذين يسارعون فِي الكفر \[ آل عمران : ١٧٦ \]. والمسارعة في الكُفْر : هي المبادرة إلى أقواله وأفعاله، والجِدُّ في ذلك، وسَلَّى اللَّه تعالى نبيَّه عليه السلام بهذه الآية عنْ حالِ المنافقين والمجاهِرِين، إذ كلُّهم مسارعٌ.

### الآية 3:177

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [3:177]

قوله تعالى : إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً  خبرٌ في ضِمْنِهِ وعيدٌ لهم، أي : وإنما يضرُّون أنفسهم، والحَظُّ : إذا أطلق، فإنما يستعملُ في الخير.

### الآية 3:178

> ﻿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [3:178]

وقوله سبحانه : وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ \[ آل عمران : ١٧٨ \] نُمْلِي : معناه نُمْهِلُ ونَمُدُّ في العمر، والمعنى : لا تَحْسَبَنَّ إملاءنا للذين كَفَرُوا خَيْراً لهم، فالآيةُ ردٌّ على الكفَّار في قولهم : أنَّ كوننا مموَّلِينَ أصحَّة دليلٌ على رِضا اللَّه بحالتنا.

### الآية 3:179

> ﻿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ [3:179]

قوله تعالى : مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ \[ آل عمران : ١٧٩ \]
أيْ : ليدع المؤمنين مختلطين بالمنافقين، مُشْكِلاً أمرَهُم، ( حتى يميز ) بعْضَهُم مِنْ بعض، بما يظهره مِنْ هؤلاء وهؤلاء في **«أُحُدٍ »** من الأفعال والأقوال، هذا تفسيرُ مجاهد، وغيره. 
وقوله : وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب ، أي : في أمر أُحُدٍ، وما كان من الهزيمة، وأيضاً : فما كان اللَّه ليطلعكم على المنافقين تصريحاً وتسميةً لهم، ولكنْ بقرائنِ أفعالهم وأقوالهم، قال الفَخْر : وذلك أنَّ سنة اللَّه جاريةٌ بأنَّه لا يُطْلِعُ عوامَّ الناس على غَيْبِهِ، أي : لا سبيلَ لكم إلى معرفة ذلك الامتياز إلاَّ بامتحانات، كما تقدَّم، فأمَّا معرفةُ ذلك على سبيلِ الإطلاعِ مِنَ الغَيْبِ، فهو من خواصِّ الأنبياء، فلهذا قال تعالى : وَلَكِنَّ الله يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ  انتهى. 
وقال الزَّجَّاج، وغيره : رُوِيَ أنَّ بعض الكُفَّار قال : لِمَ لا يكونُ جميعنا أنبياءَ ؟ فنَزَلَتْ هذه الآيةُ، و يَجْتَبِي  : معناه يَخْتَارُ ويصْطَفِي.

### الآية 3:180

> ﻿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [3:180]

قوله سبحانه : وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلُونَ بِمَا آتاهم الله مِن فَضْلِهِ 
قال السُّدِّيُّ وجماعةٌ من المتأوِّلين : الآية نزلَتْ في البُخْل بالمال، والإنفاقِ في سبيل اللَّه، وأداء الزكاة المفْرُوضَة، وَنحْو ذلك، قال : ومعنى : سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ  هو الذي ورد في الحديثِ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنه قال :( مَا مِنْ ذِي رَحِمٍ يَأْتِي ذَا رَحِمِهِ، فَيَسْأَلَهُ مِنْ فَضْلٍ عِنْدَهُ، فَيَبْخَلُ عَلَيْهِ إلاَّ أُخْرِجَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعٌ مِنَ النَّارِ يَتَلَمَّظُ، حتى يُطَوَّقَه ). 
قُلْتُ : وفي البخاريِّ وغيره، عنه صلى الله عليه وسلم قَالَ :( مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ شُجَاعاً أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ يَأْخُذُ بلَهْزَمَتَيْهِ، يَعْنِي : شِدْقَيهِ، يَقُولُ : أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ ) ثُمَّ تَلاَ هذه الآيةَ : وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلُونَ بِمَا آتاهم الله مِن فَضْلِهِ. . .  الآية. 
قلْتُ : واعلم أنه قد وردَتْ آثار صحيحةٌ بتعذيبِ العُصَاة بنَوْعٍ مَا عَصَوْا به، كحديث :" مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَهُوَ يَجَأُ نَفْسَهُ بِحَدِيدَتِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَالَّذِي قَتَلَ نَفْسَهُ بِالسُّمِّ، فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ "، ونحو ذلك. 
قال الغَزَّالِيُّ. في **«الجَوَاهِرِ »** : واعلم أنَّ المعانِيَ في عالم الآخرة تستتبعُ الصُّور، ولا تَتْبَعُها، فيتمثَّل كلُّ شيء بصورة تُوَازِي معناه، فيُحْشَرُ المتكبِّرون في صُوَرِ الذَّرِّ يَطَأهُمْ مَنْ أَقْبَل وأَدْبَر، والمتواضِعُون أعزَّاء. انتهى. وهو كلام صحيحٌ يشهد له صحيحُ الآثارِ، ويؤيِّده النظَرُ والاعتبار، اللَّهم، وفِّقنا لما تحبُّه وترضاه. 
قال ابنُ العَرَبِيِّ في **«أحكامه »** : قال عُلَماؤنا : البُخْل : مَنْعُ الواجبِ، والشُّحُّ : منع المستحَبِّ، والصحيحُ المختارُ أنَّ هذه الآيةَ في الزكاة الواجبَة، لأنَّ هذا وعيدٌ لمانعيها، والوعيدُ إذا اقترن بالفعْلِ المأمورِ به، أو المنهيِّ عنه، اقتضى الوجوبَ، أو التحريمَ. انتهى. وتعميمها في جميع أنْواع الواجب أحْسَنُ. 
وقوله سبحانه : وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السموات والأرض  خطابٌ على ما يفهمه البشر، دَالٌّ على فناء الجميعِ، وأنه لا يبقى مَالِكٌ إلاَّ اللَّه سبحانه.

### الآية 3:181

> ﻿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ۘ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [3:181]

قوله سبحانه : لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ \[ آل عمران : ١٨١ \] الآية نزلَتْ بسبب فِنْحَاصٍ اليَهُودِيِّ، وأشباهه كَحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، وغيره لمَّا نزلَتْ : مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً  \[ البقرة : ٢٤٥ \] قالوا : يستقرضُنا ربُّنا، إنما يَسْتَقْرِضُ الفَقِيرُ الغَنِيَّ، وهذا مِنْ تحريف اليهودِ للتأويل علَى نحو ما صَنَعُوا في تَوْرَاتِهِمْ. 
وقوله تعالى : قَوْلَ الذين قَالُواْ \[ آل عمران : ١٨١ \] دالٌّ على أنَّهم جماعةٌ. 
وقوله تعالى : سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ. . .  الآية وعيدٌ لهم، أي : سنُحْصِي عليهم قولَهُمْ، ويتصلُ ذلك بفعل آبائهم مِنْ قَتْل الأنبياءِ بغَيْر حَقٍّ.

### الآية 3:182

> ﻿ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [3:182]

قوله سبحانه : وأِنَّ الله \[ آل عمران : ١٨٢ \] أي : وبأنَّ اللَّه  ليس بظَلاَّم للعبيد . 
قال ( ص ) : قيل : المراد هنا نفْيُ القليلِ والكثيرِ مِنَ الظُّلْم، كقول طرَفَةَ :\[ الطويل \].

وَلَسْتُ بِحَلاَّلِ التِّلاَعِ مَخَافَةً  وَلَكِنْ متى يَسْتَرْفِدِ القَوْمُ أَرْفِدِولا يريدُ : أنه قدْ يحلُّ التلاعَ قليلاً، وزاد أبو البقاءِ وجْهاً آخر، وهو أنْ يكون على النَّسَبِ، أي : لا ينسب سبحانه إلى ظُلْمٍ، فيكون من باب بَزَّاز وعَطَّار انتهى. 
قلتُ : وهذا القولُ أحْسَنُ ما قيل هنا، فمعنى ( وما ربُّكَ بظَلاَّم )، أي : بذي ظُلْم.

### الآية 3:183

> ﻿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ۗ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [3:183]

قوله سبحانه : الذين قَالُواْ إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا. . .  \[ آل عمران : ١٨٣ \] هذه المقالَةُ قالَتْها أحْبَارُ اليهودِ، مدافعةً لأمر النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والمعنى : أنَّك لم تأْتِنَا بقُرْبان تأكله النار، فنَحْنُ قد عُهِدَ إلَيْنا ألاَّ نُؤْمِنَ لك. 
وقوله تعالى : قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بالبينات وبالذي قُلْتُمْ ، مِنْ أمْر القُرْبان، والمعنى : أنَّ هذا منكم تعلُّل وتعنُّت، ولو أتيتُكُمْ بقُرْبَان، لتعلَّلتم بغَيْرِ ذلك.

### الآية 3:184

> ﻿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ [3:184]

أَنَّسَ سبحانه نبيَّه بالأُسْوة، والقُدْوة فيمن تقدَّم من الأنبياء. 
قال الفَخْر : والمرادُ  بالبينات  المعجزاتُ، انتهى. 
و( الزُّبُر ) : الكتابُ المكتوبُ، قال الزَّجَّاج : زَبَرْتُ : كَتَبْتُ.

### الآية 3:185

> ﻿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [3:185]

قوله سبحانه : كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت. . .  \[ آل عمران : ١٨٥ \]. 
وعْظٌ فيه تسليةٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولأمته عن أمْرِ الدُّنْيا وأهلِها، ووَعْدٌ بالفلاحِ في الآخرةِ، فبالفكْرة في المَوْت يَهُونُ أمر الكُفَّار وتكذيبُهم،  وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ \[ آل عمران : ١٨٥ \] أي : على الكمالِ، ولا محَالَة أنَّ ( يوم القيامةِ ) تَقَعُ فيه توفيةُ الأجور، وتوفيةُ العُقُوبات، و زُحْزِحَ  : معناه : أبعد، والمَكَانُ الزَّحْزَاحُ : البعيدُ،  وفَازَ  : معناه : نَجَا من خَطَره وخَوْفه، و الغرور  : الخَدْعُ، والتَّرْجِيَةُ بالباطل والحياةِ الدنيا، وكلُّ ما فيها من الأموالِ هي متاعٌ قليلٌ، يخدَعُ المرء، ويمنِّيه الأباطيلَ، وعلى هذا فسَّر الآيةَ جمهورُ المفسِّرين، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم :( لَمَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا )، ثم تَلاَ هذه الآيةَ. 
قُلْتُ : وأسند أبو بَكْر بْنُ الخَطِيبِ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( مَا سَكَنَ حُبُّ الدُّنْيَا قَلْبَ عَبْدٍ قَطُّ إلاَّ التاط مِنْهَا بِخِصَالٍ ثَلاَثٍ : أَمَلٌ لاَ يَبْلُغُ مُنْتَهَاهُ، وَفَقْرٌ لاَ يُدْرِكُ غِنَاهُ، وَشُغْلٌ لاَ يَنْفَكُّ عَنَاهُ ) انتهى.

### الآية 3:186

> ﻿۞ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [3:186]

قوله تعالى : لَتُبْلَوُنَّ فِي أموالكم وَأَنفُسِكُمْ. . .  \[ آل عمران : ١٨٦ \]
خطابٌ للنبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وأمته، والمعنى : لتختبرنَّ ولتمتحننَّ في أموالكم بالمَصَائب والأَرْزَاء، وبالإنفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وفي سَائِرِ تَكَاليفِ الشَّرْع، والابتلاء في الأنفس بالمَوْتِ، والأمراضِ، وفَقْدِ الأحبَّة، قال الفَخْر : قال الواحديُّ : اللام في  لَتُبْلَوُنَّ  : لامُ قسمٍ، انتهى. 
وقوله : وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب. . .  الآية، قال عِكْرِمَةُ وغَيْره : السبَبُ في نزولها أقوالُ فِنْحَاص، وقال الزُّهْريُّ وغيره : نزلَتْ بسبب كَعْب بن الأشْرفِ، حتى بعث إلَيْه رسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم مَنْ قتله، والأذَى : اسمٌ جامعٌ في معنى الضَّرَر، وهو هنا يشملُ أقوالهم فيما يَخُصُّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وأصحابه مِنْ سبٍّ، وأقوالهم في جِهَة اللَّه سبحانه وأنبيائه، وندَبَ سبحانه إلى الصبْرِ والتقوى، وأخبر أنه  مِنْ عَزْم الأمور  أي : مِنْ أشدِّها وأحسنها، والعَزْمُ : إمضاءُ الأَمْر المُرَوَّى المُنَقَّح، وليس رُكُوبُ الرأْي دون رَوِيَّةٍ عَزْماً.

### الآية 3:187

> ﻿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ [3:187]

قوله سبحانه : وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب. . .  \[ آل عمران : ١٨٧ \]. 
توبيخٌ لمعاصري النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثم هو مع ذلك خَبَرٌ عامٌّ لهم، ولغيرهم، قال جمهورٌ من العلماء : الآية عامَّةٌ في كلِّ من علَّمه اللَّه عِلْماً، وعلماءُ هذه الأمَّة داخلُونَ في هذا الميثاقِ، وقد قال صلى الله عليه وسلم :( مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ، فَكَتَمَهُ، أَلْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ )، والضميرُ في : لَتُبَيِّنُنَّهُ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ  : عائدٌ على  الكتاب ، والنَّبْذُ : الطَّرْح، وأظهر الأقوال في هذه الآيةِ أنَّها نزلَتْ في اليهودِ، وهم المعْنِيُّون، ثم كلِّ كاتمٍ من هذه الأمَّة يأخذ بحظِّه من هذه المَذَمَّةِ.

### الآية 3:188

> ﻿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [3:188]

قوله سبحانه : لاَ تَحْسَبَنَّ الذين يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ. . .  \[ آل عمران : ١٨٨ \]
ذهبتْ جماعة إلى أن الآية في المنافقين، وقالت جماعة كبيرة : إنما نزلَتْ في أهْل الكتاب أحبارِ اليهودِ، قال سعيدُ بن جُبَيْر : الآية في اليهود، فَرِحُوا بما أعطَى اللَّه آل إبراهيم من النبوءة والكتابِ، فهم يقولونَ : نحن على طريقهم، ويحبُّون أن يُحْمَدُوا بذلك، وهم ليسوا على طريقهم، وقراءةُ سعيدِ بنِ جُبَيْر :( بما أُوتُوا )، بمعنى أُعْطُوا، بضم الهمزة والطاء، وعلى قراءته يَستقيمُ المعنَى الذي قال، والمفازةُ : مَفْعَلَةٌ من فَازَ يَفُوزُ، إذا نَجَا، وباقي الآية بيِّن.

### الآية 3:189

> ﻿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [3:189]

\[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٨٨ الى ١٩٠\]

 لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠)
 وقوله سبحانه: لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا... الآية: ذهبتْ جماعة إلى أن الآية في المنافقين، وقالت جماعة كبيرة: إنما نزلَتْ في أهْل الكتاب أحبارِ/ اليهودِ، قال سعيدُ بن جُبَيْر **«١»** : الآية في اليهود، فَرِحُوا بما أعطَى اللَّه آل إبراهيم من النبوَّة والكتابِ، فهم يقولونَ: نحن على طريقهم، ويحبُّون أن يُحْمَدُوا بذلك، وهم ليسوا على طريقهم **«٢»**، وقراءةُ سعيدِ **«٣»** بنِ جُبَيْر: **«بما أُوتُوا»** بمعنى **«أُعْطُوا»** (بضم الهمزة والطاء) وعلى قراءته يَستقيمُ المعنَى الذي قال، والمفازةُ مَفْعَلَةٌ من فَازَ يَفُوزُ، إذا نَجَا، وباقي الآية بيِّن.
 ثم دلَّ سبحانه على مواضِع النظرِ والعبرةِ، فقالَ: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ، أي: تَعَاقُب الليل والنَّهار إذ جعلهما سبحانه خِلْفِةً، ويدخل تحت اختلافهما قِصَرُ أحدِهِمَا وطولُ الآخَرِ، وبالعكْسِ، واختلافُهُما بالنُّور والظَّلام، والآياتُ: العلاماتُ الدالَّة على وحدانيَّتِهِ، وعظيمِ قُدْرته سُبْحانه.
 قال الفَخْر **«٤»** : واعلم أنَّ المقصود من هذا الكتَابِ الكريمِ جَذْبُ القلوبِ والأرْوَاحِ عن الإشتغالِ بالخَلْقِ والإستغراقِ في معرفة الحقِّ، فلمَّا طال الكلامُ في تَقْرير الأحكامِ، والجوابِ عن شُبُهَاتِ المُبْطِلِين، عاد إلى إثارة القُلُوب بِذِكْرِ ما يدلُّ على التوحيدِ والكِبْرِيَاءِ والجَلاَل، وذِكْرِ الأدعية، فختم بهذه الآياتِ بنَحْو ما في **«سورة البقرة»**. انتهى.
 \[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٩١ الى ١٩٢\]
 الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (١٩٢)
 (١) أخرجه الطبري (٣/ ٥٤٦) برقم (٨٣٣٦)، وذكره ابن عطية (١/ ٥٥٢)، والسيوطي في ****«الدر»**** (٢/ ١٩١)، وعزاه لابن جرير.
 (٢) أخرجه الطبري (٣/ ٥٤٦) برقم (٨٣٣٧)، وذكره ابن عطية (١/ ٥٥٢)، وذكره السيوطي في ****«الدر»**** (٢/ ١٩٢)، وعزاه لابن جرير.
 (٣) وقرأ بها علي فيما روي عنه.
 ينظر: **«الكشاف»** (١/ ٤٥١)، و **«مختصر الشواذ»** (٣٠)، و **«المحرر الوجيز»** (١/ ٥٥٢).
 (٤) ينظر: **«مفاتيح الغيب»** للرازي (٩/ ١٠٩).

وقوله سبحانه: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً: الّذين: في موضع خفض صفة لِأُولِي الْأَلْبابِ، وهذا وصف ظاهره استعمالُ التحميدِ والتَّهْليلِ والتَّكْبير ونَحْوه مِنْ ذكر اللَّه، وأنْ يحضر القلب اللسان وذلك من أعْظَمِ وجوه العبادَاتِ، والأحاديثُ الصحيحةُ في ذلك كثيرةٌ، وابنُ آدم متنقِّلٌ في هذه الثلاثِ الهيئاتِ، لا يَخْلُو في غالب أمْرِه مِنْها فكأنها تحصرُ زمنه، وكذلك جَرَّتْ عائشةُ (رضي اللَّه عنها) إلى حصر الزَّمَن في قَوْلها:
 **«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم يَذْكُرُ اللَّهَ على كُلِّ أَحْيَانِهِ»**.
 قلت: خرَّجه أبو داود **«١»**، فدخَلَ في ذلك كونه على الخَلاَءِ وغيره.
 وذهَبَ جماعةٌ إلى أنَّ قوله تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إنما هو عبارةٌ عن الصَّلاة، أي: لا يضيِّعونها، ففي حال العُذْر يصلُّونها قعوداً، وعلى جُنُوبهم، ثم عَطَف على هذه العبادةِ التي هِيَ ذكُرْ اللَّه باللسان، أو الصَّلاة فرضها وندبها بعبادة أخرى عظيمةٍ، وهي الفِكْرَةُ في قُدْرة اللَّه تعالى ومخلوقاتِهِ، والعِبَرُ التي بَثَّ. \[المتقارب\]
 وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ... تَدُلُّ على أَنَّهُ وَاحِدُ **«٢»**
 قال الغَزَّالِيُّ: ونهايةُ ثمرة الدِّين في الدُّنيا تَحْصيلُ معرفة اللَّه، وتحصيلُ الأُنُس بذكْرِ اللَّهِ تعالى، والأنسُ يَحْصُلُ بدوامِ الذِّكْر، والمعرفَةُ تحصُلُ بدوامِ الفِكْرِ. انتهى من **«الإحياء»**.
 ومَرَّ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم على قومٍ يتفكَّرون في اللَّه، فَقَالَ: **«تَفَكَّرُوا فِي الخَلْقِ، وَلاَ تَتَفَكَّرُوا فِي الخَالِقِ فَإنَّكُمْ لاَ تَقْدُرُونَ قَدْرَهُ»** **«٣»**.
 قال ع **«٤»** : وهذا هو قَصْدُ الآية في قوله: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.

 (١) تقدم تخريجه.
 **(٢) وقبله:**
 ولله في كل تحريكة... وفي كل تسكينة شاهد
 البيت لأبي العتاهية في ديوانه (١٢٢)، و **«المحتسب»** (١/ ١٥٣).
 (٣) أخرجه أبو القاسم الأصبهاني في ****«الترغيب والترهيب»**** (١/ ١٧٤)، وأبو الشيخ في **«العظمة»** (١/ ٢١٦) رقم (٥) عن ابن عباس مرفوعا.
 وذكره السيوطي في **«الدر المنثور»** (٢/ ١١٠)، وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في كتاب **«التفكر»**، والأصبهاني في ****«الترغيب والترهيب»****.
 (٤) ينظر: **«المحرر الوجيز»** (١/ ٥٥٥).

وقال بعض العلماء: المتفكِّر في ذاتِ اللَّهِ كَالنَّاظر في عَيْنِ الشمْسِ لأنه سبحانه لَيْسَ كمثله شيء، وإنما التفكُّر وانبساط الذِّهْن في المخلوقاتِ، وفي أحوالِ الآخِرَةِ، قال رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: **«لاَ عِبَادَةَ كَتَفَكُّرٍ»** **«١»** وقال ابن عبَّاس، وأبو الدَّرْدَاء: فكْرَةُ ساعَةٍ خيُرٌ من قيامِ لَيْلَةٍ **«٢»**، وقال سَرِيٌّ السَّقطِيُّ **«٣»** : فكرةُ ساعةٍ خَيْرٌ من عبادة سَنَةٍ، ما هو إلاَّ أنْ تحلَّ أطناب خَيْمَتِكَ، فَتَجْعَلها في الآخِرَةِ **«٤»**، وقال الحَسَنُ بْنُ أَبي الحَسَن: الفكْرةُ مِرآةُ المُؤْمنِ/، ينظر فيها إلى حسنَاتهِ وسيِّئاته **«٥»**، وأخذ أبو سليمان الدَّارانِيُّ **«٦»** قَدَح الماء ليتوضَّأ لصلاة الليلِ، وعنده ضيْفٌ، فرآه لما أدخَلَ أصبعه في أُذُنِ القَدَح، أقام كذلك مفكِّراً حتى طلع الفَجْر، فقال له: ما هذا يَا أبا سليمان؟ فَقَالَ: إني لما طَرَحْتُ أصبعي في أُذُنِ القَدَحِ، تذكَّرت قول اللَّه سُبْحَانه: إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ \[غافر: ٧١\]،

 (١) أخرجه الطبراني في **«الكبير»** (٣/ ٦٦- ٦٨) رقم (٢٦٨٨) من طريق أبي رجاء الحبطي محمد بن عبد الله: ثنا شعبة عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي بن أبي طالب.
 وذكره الهيثمي في **«المجمع»** (١٠/ ٢٨٣)، وقال: رواه الطبراني، وفيه أبو رجاء الحبطي، واسمه محمد بن عبد الله، وهو كذاب.
 (٢) أخرجه أبو نعيم في **«الحلية»** (١/ ٥٠٩)، والبيهقي في **«الشعب»** (١/ ١١٨) كلاهما عن أبي الدرداء. كما أخرجه أبو الشيخ في **«العظمة»** (١/ ٢٩٧- ٢٩٨) برقم (٤٢)، وذكره الديلمي في **«مسند الفردوس»** (٢/ ١١٠) برقم (٢٢١٦) عن ابن عباس، وفي طريق ابن عباس **«ليث بن أبي سليم»** وهو ضعيف. والأثر ذكره السيوطي في **«الدر»** (٢/ ١٩٥)، وعزاه لأبي الشيخ في **«العظيمة»**. [.....]
 (٣) سري بن المغلس السقطي، أبو الحسن: من كبار المتصوفة. بغدادي المولد والوفاة. وهو أول من تكلم في **«بغداد»** بلسان التوحيد وأحوال الصوفية، وكان إمام البغداديين وشيخهم في وقته. وهو خال الجنيد، وأستاذه. قال الجنيد: ما رأيت أعبد من السريّ، أتت عليه ثمان وتسعون سنة ما رؤي مضطجعا إلا في علة الموت. من كلامه: **«من عجز عن أدب نفسه كان عن أدب غيره أعجز»** توفي سنة ٢٥٣.
 ينظر: **«الأعلام»** (٣/ ٨٢)، و **«الوفيات»** (١/ ٢٠٠)، و **«صفة الصفوة»** (٢/ ٢٠٩).
 (٤) ذكره ابن عطية في ****«تفسيره»**** (١/ ٥٥٥).
 (٥) ذكره ابن عطية في ****«تفسيره»**** (١/ ٥٥٥).
 (٦) عبد الرّحمن بن سليمان بن أبي الجون العنسيّ الدمشقيّ، محدّث رحّال.
 روى عن: ليث، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وابن أبي خالد، والأعمش، وعمرو بن شراحيل الدّاراني.
 وعنه: إسماعيل بن عيّاش من أقرانه، ومحمد بن عائذ، وأبو توبة الحلبي، وصفوان بن صالح، وهشام بن عمّار، وجماعة.
 وثّقه دحيم وقال أبو حاتم: لا يحتج به. توفي سنة نيف وتسعين ومائة.
 ينظر ترجمته في: **«التاريخ الكبير»** (٥/ ٢٨٩). ، و **«ميزان الاعتدال»** (٢/ ٥٦٧)، و **«سير أعلام النبلاء»** (١٠/ ١٨٦)، و **«تهذيب التهذيب»** (٦/ ١٨٨- ١٨٩).

فتفكَّرت في حالِي، وكيف أتلَقَّى الغُلَّ، إنْ طُرِحَ في عُنُقِي يوم القيامة، فما زلْتُ في ذلك حتى أُصْبِحَ.
 قال ع **«١»** : وهذه نهايةُ الخَوْف، وخَيْرُ الأمور أوساطها، وليس علماء الأمَّة الذين هم الحُجَّة على هذا المنهاج، وقراءةُ علْمِ كتابِ اللَّه ومَعَانِي سُنَّة رسُوله لِمَنْ يفهم ويرجى نَفْعُه أفضَلُ من هذا، لكنْ يَحْسُنُ ألاَّ تخلُوَ البلاد مِنْ مثل هذا.
 قال ع **«٢»** : وحدثني أبي (رحمه اللَّه)، عَنْ بعضِ علماءِ المَشْرق، قال: كنتُ بائتًا في مسجد الإقدامُ ب **«مَصْرَ»** فصلَّيْتُ العَتَمَةَ، فرأَيْتُ رجلاً قد اضطجع في كساءٍ له، حتى أصبح، وصلَّينا نَحْنُ تلك اللَّيْلَة، وسَهِرْنَا، فلَمَّا أُقِيمَتْ صلاةُ الصُّبْح، قام ذلك الرجُلُ، فاستقبل القبْلَةَ، وصلى مع النَّاس، فاستعظمت جرأته في الصلاة بغير وضوء، فلَمَّا فرغَتِ الصلاةُ، خرَجَ، فتبعْتُهُ لأعظَهُ، فلَمَّا دنوْتُ منه، سَمِعْتُهُ، وهو ينشد: \[المنسوح\]

مُنْسَجِنُ الْجِسْمِ غَائِبٌ حَاضِر  مُنْتَبِهُ القَلْبِ صَامِتٌ ذَاكِرْمُنْبَسِطٌ فِي الغُيُوبِ مُنْقَبُض  كَذَاكَ مَنْ كَانَ عَارِفاً ناكِرْيَبِيتُ فِي لَيْلِهِ أَخَا فِكَر  فَهْوَ مَدَى اللَّيْلِ نَائِمٌ سَاهِرْ قال: فعلمتُ أنه مِمَّن يعبدُ اللَّهَ بالفِكْرة، فانصرفت **«٣»** عنه.
 قال الفَخْر **«٤»** : ودلَّتِ الآية على أنَّ أعلى مراتب الصِّدِّيقين التفكُّر. انتهى.
 وفي **«العتبية»** : قال مالكٌ: قيلَ لأمِّ الدَّرْداء: ما كان أَكْثَر شأن أبي الدَّرْداء؟ قَالَتْ:
 كان أَكْثَرُ شَأْنِهِ التفكُّرَ. قال مالكٌ: وهو مِنَ الأعمال، وهو اليَقِينُ قال اللَّه عزَّ وجلَّ:
 وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، قال ابنُ رُشْدٍ: والتفكُّر مِنَ الأعمال كما قاله مالك (رحمه اللَّه)، وهو مِنْ أشرف الأعمال لأنه مِنْ أعمال القُلُوب التي هي أشْرَفُ الجوارحِ أَلاَ ترى أنه لا يُثَابُ أحدٌ على عملٍ مِنْ أعمال الجَوَارح مِنْ سائر الطَّاعات، إلاَّ مع مشارَكَةِ القُلُوبِ لها بإخلاص النِّيَّة للَّه (عَزَّ وجَلَّ) في فعلها. انتهى من **«البيان والتحصيل»**.
 (١) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (١/ ٥٥٥).
 (٢) ينظر: ****«المحرر الوجيز»**** (١/ ٥٥٥).
 (٣) وهذا الفعل غير مشروع لأنه يخالف الكتاب والسنة لأن التفكر الذي يجعل العبد يعبد الله (عز وجل) على غير نهجه، فباطل وغير مأجور عليه العبد.
 (٤) ينظر: **«تفسير الرازي»** (١/ ١٢٢).

قال ابنُ بَطَّال **«١»** : إن الإنسان إذا كَمُل إيمانه، وكَثُر تفكُّره، كان الغالِبُ علَيْه الإشفاقَ والخَوْف. انتهى.
 قال ابنُ عطاءِ اللَّهِ: الفِكْرَةُ سَيْر القَلْب في ميادين الاعتبار، والفَكْرَةِ سِرَاجُ القَلْب، فإذا ذَهَبَتْ، فلا إضاءة له.
 قُلْتُ: قال بعض المحقِّقين: وذلك أن الإنسان إذا تفكَّر، عَلِم، وإذا عَلِمَ، عَمِلَ.
 قال ابنُ عَبَّاد **«٢»** : قال الإمام أبو القاسم القُشَيْريُّ (رحمه اللَّه) : التفكُّر نعتُ كلِّ طالب، وثمرتُهُ الوصولُ بشرط العِلْمِ، ثم فِكْرُ الزاهدين: في فناءِ الدنيا، وقلَّةِ وفائها لطلاَّبها فيزدادُونَ بالفِكْرِ زهْداً، وفِكْرُ العابدين: في جَميلِ الثوابِ، فيزدادُونَ نَشَاطاً ورغبةً فيه، وفِكْرُ العارفين: في الآلاء والنعماء فيزدادُونَ محبَّةً للحَقِّ سبحانه. انتهى.
 وقوله تعالى: رَبَّنا مَا خَلَقْتَ هَذا باطِلًا، أي: يقولُونَ: يا ربَّنا على النداء، ما خلَقْتَ هذا باطلاً، يريد: لغير غايةٍ منصوبةٍ، بل خلقْتَهُ، وخلَقْتَ البشر لينظروا فيه فيوحِّدوك، ويعبدوك فَمَنْ فعل ذلك نَعَّمْتَهُ، ومَنْ ضَلَّ عن ذلك عَذَّبته، وقولهم:
 سُبْحانَكَ، أي: تنزيهاً لك عمَّا/ يقول المُبْطِلُون، وقولهم: رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ، أي: فلا تفعلْ ذلك بِنَا، والخِزْيُ: الفضيحةُ المُخْجِلَةُ الهادِمَة لقَدْرِ المرء.
 قال أنَسُ بنُ مالكٍ، والحَسَنُ بنُ أبي الحَسَن، وابنُ جُرَيْج، وغيرهم: هذه إشارة إلى من يَخْلُدُ في النَّار، وأمَّا مَنْ يخرج منها بالشفاعةِ والأَمان، فليس بمُخْزًى، أي: وما أصابه

 (١) شارح **«صحيح»** البخاري، العلامة أبو الحسن عليّ بن خلف بن بطال البكريّ، القرطبي، ثم البلنسي، ويعرف ب **«ابن اللّجّام»**.
 أخذ عن: أبي عمر الطّلمنكي، وابن عفيف، وأبي المطرّف القنازعي، ويونس بن مغيث.
 قال ابن بشكوال: كان من أهل العلم والمعرفة، عني بالحديث العناية التامة شرح **«الصحيح»** في عدة أسفار، رواه الناس عنه، واستقضي بحصن **«لورقة»**. توفي في صفر سنة تسع وأربعين وأربعمائة.
 تنظر ترجمته في: **«ترتيب المدارك»** (٤/ ٨٢٧)، و **«الديباج المذهب»** (٣/ ١٠٥- ١٠٦)، و **«شجرة النور الذكية»** (١/ ١١٥)، و **«سير أعلام النبلاء»** (١٨/ ٤٧).
 (٢) محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن مالك بن إبراهيم بن محمد بن مالك بن إبراهيم بن يحيى بن عباد النفزي، الحميري، الرندي، أبو عبد الله، المعروف ب **«ابن عباد»** : متصوف باحث. من أهل **«رندة»** بالأندلس. تنقل بين ****«فاس»**** و **«تلمسان»** و **«مراكش»** و **«سلا»** و **«طنجة»**، واستقر خطيبا للقرويين ب ****«فاس»****. وتوفي بها. له كتب، منها **«الرسائل الكبرى»** في التوحيد والتصوف ومتشابه الآيات، و **«غيث المواهب العلية بشرح الحكم العطائية»**، و **«كفاية المحتاج»** و **«الرسائل الصغرى»**.
 ينظر: **«الأعلام»** (٥/ ٢٩٩).

### الآية 3:190

> ﻿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [3:190]

دلَّ سبحانه على مواضِع النظرِ والعبرةِ، فقالَ : إِنَّ فِي خَلْقِ السموات والأرض واختلاف الليل والنهار \[ آل عمران : ١٩٠ \] أي : تَعَاقُب الليل والنَّهار، إذ جعلهما سبحانه خِلْفِةً، ويدخل تحت اختلافهما قِصَرُ أحدِهِمَا، وطولُ الآخَرِ، وبالعكْسِ، واختلافُهُما بالنُّور والظَّلام، والآياتُ : العلاماتُ الدالَّة على وحدانيَّتِهِ، وعظيمِ قُدْرته سُبْحانه. 
قال الفَخْر : واعلم أنَّ المقصود من هذا الكتَابِ الكريمِ جَذْبُ القلوبِ والأرْوَاحِ عن الاشتغالِ بالخَلْقِ والاستغراقِ في معرفة الحقِّ، فلمَّا طال الكلامُ في تَقْرير الأحكامِ والجوابِ عن شُبُهَاتِ المُبْطِلِين، عاد إلى إثارة القُلُوب بِذِكْرِ ما يدلُّ على التوحيدِ والكِبْرِيَاءِ والجَلاَل، وذِكْرِ الأدعية، فختم بهذه الآياتِ بنَحْو ما في **«سورة البقرة »**، انتهى.

### الآية 3:191

> ﻿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [3:191]

قوله سبحانه : الذين يَذْكُرُونَ الله قياما وَقُعُوداً \[ آل عمران : ١٩١ \]. 
( الذين ) في موضع خفضٍ صفَة ( لأُوْلِي الألباب )، وهذا وصف ظاهره استعمالُ التحميدِ والتَّهْليلِ والتَّكْبير، ونَحْوه مِنْ ذكر اللَّه، وأنْ يحضر القلب اللسان، وذلك من أعْظَمِ وجوه العبادَاتِ، والأحاديثُ الصحيحةُ في ذلك كثيرةٌ، وابنُ آدم متنقِّلٌ في هذه الثلاثِ الهيئاتِ، لا يَخْلُو في غالب أمْرِه مِنْها، فكأنها تحصرُ زمنه، وكذلك جَرَّتْ عائشةُ ( رضي اللَّه عنها ) إلى حصر الزَّمَن في قَوْلها :( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُ اللَّهَ على كُلِّ أَحْيَانِهِ ). 
قلت : خرَّجه أبو داود، فدخَلَ في ذلك كونه على الخَلاَءِ وغيره. 
وذهَبَ جماعةٌ إلى أنَّ قوله تعالى : الذين يَذْكُرُونَ الله  إنما هو عبارةٌ عن الصَّلاة، أي : لا يضيِّعونها، ففي حال العُذْر يصلُّونها قعوداً، وعلى جُنُوبهم، ثم عَطَف على هذه العبادةِ التي هِيَ ذكُرْ اللَّه باللسان، أو الصَّلاة فرضها وندبها، بعبادة أخرى عظيمةٍ، وهي الفِكْرَةُ في قُدْرة اللَّه تعالى، ومخلوقاتِهِ، والعِبَرُ التي بَثَّ :\[ المتقارب \]

وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ  تَدُلُّ على أَنَّهُ وَاحِدُقال الغَزَّالِيُّ : ونهايةُ ثمرة الدِّين في الدُّنيا تَحْصيلُ معرفة اللَّه، وتحصيلُ الأُنُس بذكْرِ اللَّهِ تعالى، والأنسُ يَحْصُلُ بدوامِ الذِّكْر، والمعرفَةُ تحصُلُ بدوامِ الفِكْرِ. انتهى من **«الإحياء »**. 
ومَرَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم على قومٍ يتفكَّرون في اللَّه، فَقَالَ :( تَفَكَّرُوا فِي الخَلْقِ، وَلاَ تَتَفَكَّرُوا فِي الخَالِقِ، فَإنَّكُمْ لاَ تَقْدُرُونَ قَدْرَهُ ). 
قال ( ع ) : وهذا هو قَصْدُ الآية في قوله : وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السموات والأرض \[ آل عمران : ١٩١ \]. 
وقال بعض العلماء : المتفكِّر في ذاتِ اللَّهِ كَالنَّاظر في عَيْنِ الشمْسِ، لأنه سبحانه لَيْسَ كمثله شيء، وإنما التفكُّر وانبساط الذِّهْن في المخلوقاتِ، وفي أحوالِ الآخِرَةِ، قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :( لاَ عِبَادَةَ كَتَفَكُّرٍ ) وقال ابن عبَّاس، وأبو الدَّرْدَاء : فكْرَةُ ساعَةٍ خيُرٌ من قيامِ لَيْلَةٍ، وقال سَرِيٌّ السَّقطِيُّ : فكرةُ ساعةٍ خَيْرٌ من عبادة سَنَةٍ، ما هو إلاَّ أنْ تحلَّ أطناب خَيْمَتِكَ، فَتَجْعَلها في الآخِرَةِ، وقال الحَسَنُ بْنُ أَبي الحَسَن : الفكْرةُ مِرآةُ المُؤْمنِ، ينظر فيها إلى حسنَاتهِ وسيِّئاته، وأخذ أبو سليمان الدَّارانِيُّ قَدَح الماء، ليتوضَّأ لصلاة الليلِ، وعنده ضيْفٌ، فرآه لما أدخَلَ إصبعه في أُذُنِ القَدَح، أقام كذلك مفكِّراً حتى طلع الفَجْر، فقال له : ما هذا يَا أبا سليمان ؟ فَقَالَ : إني لما طَرَحْتُ إصبعي في أُذُنِ القَدَحِ، تذكَّرت قول اللَّه سُبْحَانه : إِذِ الأغلال فِي أعناقهم والسلاسل  \[ غافر : ٧١ \]، فتفكَّرت في حالِي، وكيف أتلَقَّى الغُلَّ إنْ طُرِحَ في عُنُقِي يوم القيامة، فما زلْتُ في ذلك حتى أُصْبِحَ. 
قال ( ع ) : وهذه نهايةُ الخَوْف، وخَيْرُ الأمور أوساطها، وليس علماء الأمَّة الذين هم الحُجَّة على هذا المنهاج، وقراءةُ علْمِ كتابِ اللَّه، ومَعَانِي سُنَّة رسُوله لِمَنْ يفهم ويرجى نَفْعُه أفضَلُ من هذا، لكنْ يَحْسُنُ أن لاَّ تخلُوَ البلاد مِنْ مثل هذا. 
قال ( ع ) : وحدثني أبي ( رحمه اللَّه )، عَنْ بعضِ علماءِ المَشْرق، قال : كنتُ بائتًا في مسجد الإقدامُ بمَصْرَ فصلَّيْتُ العَتَمَةَ، فرأَيْتُ رجلاً قد اضطجع في كساءٍ له، حتى أصبح، وصلَّينا نَحْنُ تلك اللَّيْلَة، وسَهِرْنَا، فلَمَّا أُقِيمَتْ صلاةُ الصُّبْح، قام ذلك الرجُلُ، فاستقبل القبْلَةَ، وصلى مع النَّاس، فاستعظمت جرأته في الصلاة بغير وضوء، فلَمَّا فرغَتِ الصلاةُ، خرَجَ، فتبعْتُهُ لأعظَمهُ، فلَمَّا دنوْتُ منه، سَمِعْتُهُ، وهو يُنْشِدُ :\[ المنسرح \]مُنْسَجِنُ الْجِسْمِ غَائِبٌ حَاضِر  مُنْتَبِهُ القَلْبِ صَامِتٌ ذَاكِرْمُنْبَسِطٌ فِي الغُيُوبِ مُنْقَبُض  كَذَاكَ مَنْ كَانَ عَارِفاً ناكِرْيَبِيتُ فِي لَيْلِهِ أَخَا فِكَر  فَهْوَ مَدَى اللَّيْلِ نَائِمٌ سَاهِرْقال : فعلمتُ أنه مِمَّن يعبدُ اللَّهَ بالفِكْرة، فانصرفت عنه. 
قال الفَخْر : ودلَّتِ الآية على أنَّ أعلى مراتب الصِّدِّيقين التفكُّر، انتهى. 
وفي **«العتبية »** : قال مالكٌ : قيلَ لأمِّ الدَّرْداء : ما كان أَكْثَر شأن أبي الدَّرْداء ؟ قَالَتْ : كان أَكْثَرُ شَأْنِهِ التفكُّرَ. قال مالكٌ : وهو مِنَ الأعمال، وهو اليَقِينُ، قال اللَّه عزَّ وجلَّ : وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السموات والأرض \[ آل عمران : ١٩١ \] قال ابنُ رُشْدٍ : والتفكُّر مِنَ الأعمال، كما قاله مالك ( رحمه اللَّه )، وهو مِنْ أشرف الأعمال، لأنه مِنْ أعمال القُلُوب التي هي أشْرَفُ الجوارحِ، أَلاَ ترى أنه لا يُثَابُ أحدٌ على عملٍ مِنْ أعمال الجَوَارح مِنْ سائر الطَّاعات، إلاَّ مع مشارَكَةِ القُلُوبِ لها بإخلاص النِّيَّة للَّه ( عَزَّ وجَلَّ ) في فعلها، انتهى من **«الَبَيانِ والتحصيل »**. 
قال ابنُ بَطَّال : إن الإنسان إذا كَمُل إيمانه، وكَثُر تفكُّره، كان الغالِبُ علَيْه الإشفاقَ، والخَوْف، انتهى. 
قال ابنُ عطاءِ اللَّهِ : الفِكْرَةُ سَيْر القَلْب في ميادين الاعتبار، والفَكْرَةِ سِرَاجُ القَلْب، فإذا ذَهَبَتْ، فلا إضاءة له. 
قُلْتُ : قال بعض المحقِّقين : وذلك أن الإنسان إذا تفكَّر عَلِم، وإذا عَلِمَ، عَمِلَ. 
قال ابنُ عَبَّاد : قال الإمام أبو القاسم القُشَيْريُّ ( رحمه اللَّه ) : التفكُّر نعتُ كلِّ طالب، وثمرتُهُ الوصولُ بشرط العِلْمِ، ثم فِكْرُ الزاهدين في فناءِ الدنيا، وقلَّةِ وفائها لطلاَّبها، فيزدادُونَ بالفِكْرِ زهْداً، وفِكْرُ العابدين : في جَميلِ الثوابِ، فيزدادُونَ نَشَاطاً ورغبةً فيه، وفِكْرُ العارفين : في الآلاء والنعماء، فيزدادُونَ محبَّةً للحَقِّ سبحانه، انتهى. 
وقوله تعالى : رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا ، أي : يقولُونَ : يا ربَّنا، على النداء،  ما خلَقْتَ هذا باطلاً ، يريد : لغير غايةٍ منصوبةٍ، بل خلقْتَهُ، وخلَقْتَ البشر، لينظروا فيه، فيوحِّدوك، ويعبدوك، فَمَنْ فعل ذلك نَعَّمْتَهُ، ومَنْ ضَلَّ عن ذلك، عَذَّبته، وقولهم : سبحانك ، أي : تنزيهاً لك عمَّا يقول المُبْطِلُون.

### الآية 3:192

> ﻿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [3:192]

قولهم : رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ \[ آل عمران : ١٩٢ \] أي : فلا تفعلْ ذلك بِنَا، والخِزْيُ : الفضيحةُ المُخْجِلَةُ الهادِمَة لقَدْرِ المرء. 
قال أنَسُ بنُ مالكٍ، والحَسَنُ بنُ أبي الحَسَن، وابنُ جُرَيْج، وغيرهم : هذه إشارة إلى من يَخْلُدُ في النَّار، وأمَّا مَنْ يخرج منها بالشفاعةِ والإيمان، فليس بمُخْزًي أي : وما أصابه من عذابِهَا، إنما هو تمحيصٌ لذنوبه. 
وقوله سبحانه : وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ \[ آل عمران : ١٩٢ \] هو من قول الدَّاعِينَ.

### الآية 3:193

> ﻿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ۚ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ [3:193]

قوله سبحانه : رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي للإيمان. . .  \[ آل عمران : ١٩٣ \]. 
حكايةٌ عن أولي الألباب، قال أبو الدرداء : يرحم اللَّه المؤمنينَ، ما زالُوا يقولُونَ : رَبَّنَا رَبَّنَا، حتَّى استجيب لهم، قال ابنُ جُرَيْجٍ وغيره : المنادِي محمَّد صلى الله عليه وسلم، وقال محمَّد بنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ : المنادِي كتابُ اللَّهِ، وليس كلُّهم رَأَي النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وسمعه.

### الآية 3:194

> ﻿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ [3:194]

قولهم : مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ \[ آل عمران : ١٩٤ \] معناه : على أَلْسِنَةِ رُسُلِكَ، وقولهم : وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد  إشارةٌ إلى قوله تعالى : يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ  \[ التحريم : ٨ \] فهذا وعده تعالى، وهو دالٌّ على أنَّ الخِزْيَ إنما هو مع الخلود. 
قال ( ص ) : قال أبو البقاء : المِيعَادُ مصدَرٌ بمعنى الوَعْد، اه.

### الآية 3:195

> ﻿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ ۖ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ۖ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ [3:195]

قوله سبحانه : فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى. . .  \[ آل عمران : ١٩٥ \]
استجاب بمعنى أَجَابَ، رُوِيَ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ( رضي اللَّه عنها ) قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الرِّجَالَ فِي الْهِجْرَةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ النِّسَاءَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيةُ، وهِيَ آية وعدٍ مِنَ اللَّه، أي : هذا فعلُهُ سبحانه مع الذي يَتَّصِفُونَ بما ذكر، قال الفَخْر : رُوِيَ عن جعفرٍ الصادِقِ، أنه قال : مَنْ حَزَبَهُ أمْرٌ فقال خَمْسَ مَرَّاتٍ : ربَّنا أنجاه اللَّه ممَّا يخاف، وأعطاه ما أراد، وقرأ هذه الآية، قَالَ : لأنَّ اللَّه تعالى حكى عنهم، أنهم قالوا : رَبَّنَا، خَمْسَ مرَّاتٍ، ثم أخبر أنه استجاب لَهُم، انتهى. 
وقوله تعالى : بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ  يعني : في الأجْرِ، وتقبُّلِ الأعمالِ، أي : أنَّ الرجَالَ والنساء في ذلك على حدٍّ واحدٍ، قال الفَخْر : قوله سبحانه : بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ ، أي : شِبْهُ بَعْضٍ، أو مثلُ بعضٍ، والمعنى : أنه لا تفاوُتَ في الثواب بَيْن الذَّكَر والأنثى، إذا استَوَوْا في الطَاعة، وهذا يدُلُّ على أن الفَضْل في باب الدِّين، إنما هو بالأعمال، لا بِسِرِّ صفاتِ العامِلِينَ، لأن كونهم ذكراً أو أنثى، أوْ مِنْ نَسَبٍ خسيسٍ، أو شريفٍ لا تأثير له في هذا الباب، انتهى. 
وبَيَّن سبحانه حَالَ المهاجِرِينَ، ثم الآيةُ بَعْدُ تنسحبُ على كلِّ مَنْ أُوذِيَ في اللَّه، وهاجر أيضًا إلى اللَّه إلى يوم القيامة. 
وقوله سبحانه : وَأُخْرِجُواْ مِن ديارهم  : عبارةٌ فيها إلزامُ الذَّنْب للكفَّار، واللامُ في قوله : لأَكَفّرَنَّ  : لامُ القَسَمِ، و ثَوَاباً  : مصدرٌ موكِّد، وباقي الآية بيِّن.

### الآية 3:196

> ﻿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ [3:196]

قوله سبحانه : لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الذين كَفَرُواْ فِي البلاد. . .  \[ آل عمران : ١٩٦ \]. 
نُزِّلَتْ : لاَ يَغُرَّنَّكَ  في هذه الآيةِ مَنْزِلَةَ :**«لا تَظُنَّ »**، أنَّ حال الكُفَّار حسنةٌ، والخطاب للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، والمراد أمَّته، والتقلُّب : التصرُّف في التجاراتِ، والأرباحِ، والحُرُوب وسائرِ الآمالِ.

### الآية 3:197

> ﻿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [3:197]

من عذابِهَا، إنما هو تمحيصٌ لذنوبه **«١»**.
 وقوله سبحانه: وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ: هو من قول الدّاعين.
 \[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٩٣ الى ١٩٤\]
 رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (١٩٣) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعادَ (١٩٤)
 وقوله سبحانه: رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ... الآية: حكايةٌ عن أولي الألباب، قال أبو الدرداء **«٢»** : يرحم اللَّه المؤمنينَ ما زالُوا يقولُونَ: رَبَّنَا رَبَّنَا، حتَّى استجيب لهم، قال ابن جريج **«٣»** وغيره: المنادي محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وقال محمَّد بنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: المنادِي كتابُ الله **«٤»**، وليس كلّهم رأى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وسمعه، وقولهم: مَا وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ، معناه: على أَلْسِنَةِ رُسُلِكَ، وقولهم: وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعادَ: إشارةٌ إلى قولِه تعالى: يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ \[التحريم: ٨\] فهذا وعده تعالى، وهو دالٌّ على أنَّ الخِزْيَ إنما هو مع الخلود.
 قال ص: قال أبو البقاء: الميعاد مصدر بمعنى الوعد. انتهى.
 \[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٩٥ الى ١٩٨\]
 فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (١٩٥) لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٩٧) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (١٩٨)

 (١) أخرجه الطبري (٣/ ٥٥٢) برقم (٨٣٥٦- ٨٣٥٩) عن أنس، وابن المسيب، والحسن، وابن جريج بألفاظ متقاربة، وأخرجه عبد الرزاق في **********«تفسيره»********** (١/ ١٤٢) عن ابن المسيب بلفظ: **«هذه خاصة لمن لا يخرج منها»**، وذكره البغوي في **«معالم التنزيل»** (١/ ٣٨٦)، وابن عطية في ****«المحرر الوجيز»**** (١/ ٥٥٦)، والسيوطي في **«الدر المنثور»** (٢/ ١٩٦) عن أنس، وابن المسيب، وابن جريج، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
 (٢) ذكره ابن عطية الأندلسي في **********«تفسيره»********** ****«المحرر الوجيز»**** (١/ ٥٥٦).
 (٣) أخرجه الطبري (٣/ ٥٣) برقم (٨٣٦٣- ٨٣٦٤)، عن ابن جريج وابن زيد، وذكره الماوردي في **********«تفسيره»********** (١/ ٤٤٣)، والبغوي في **«التفسير»** (١/ ٣٨٦) عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما، وذكره ابن عطية (١/ ٥٥٦)، والسيوطي في ****«الدر»**** (٢/ ١٩٦)، عن ابن جريج وابن زيد، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
 (٤) أخرجه الطبري (٣/ ٥٥٣) برقم (٨٣٦١)، (٨٣٦٢)، وذكره الماوردي في **********«تفسيره»********** (١/ ٤٤٢)، والبغوي في **********«تفسيره»********** (١/ ٣٨٦)، وابن عطية (١/ ٥٥٦). ، والسيوطي في ****«الدر»**** (٢/ ١٩٦)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والخطيب في **«المتفق والمفترق»**. [.....]

وقوله سبحانه: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى... الآية: استجاب بمعنى أَجَابَ، رُوِيَ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ (رضي اللَّه عنها) قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الرِّجَالَ فِي الْهِجْرَةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ النِّسَاءَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ **«١»** الآيةُ. وهِيَ آية وعدٍ مِنَ اللَّه، أي: هذا فعلُهُ سبحانه مع الذي يَتَّصِفُونَ بما ذكر، قال الفَخْر **«٢»** : رُوِيَ عن جعفرٍ الصادِقِ أنه قال: مَنْ حَزَبَهُ أمْرٌ فقال خَمْسَ مَرَّاتٍ: ربَّنا- أنجاه اللَّه ممَّا يخاف، وأعطاه ما أراد، وقرأ هذه الآية قَالَ: لأنَّ اللَّه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: رَبَّنَا خَمْسَ مرَّاتٍ، ثم أخبر أنه استجاب لَهُم. انتهى.
 وقوله تعالى: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، يعني: في الأجْرِ، وتقبُّلِ الأعمالِ، أي: أنَّ الرجَالَ والنساء في ذلك على حدٍّ واحدٍ، قال الفَخْر **«٣»** : قوله سبحانه: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، أي: شِبْهُ بَعْضٍ، أو مثلُ بعضٍ، والمعنى: أنه لا تفاوُتَ في الثواب بَيْن الذَّكَر والأنثى إذا استَوَوْا في الطَاعة وهذا يدُلُّ على أن الفَضْل في باب الدِّين، إنما هو بالأعمال، لا بِسِرِّ صفاتِ العامِلِينَ لأن كونهم ذكراً أو أنثى، أوْ مِنْ نَسَبٍ خسيسٍ أو شريفٍ- لا تأثير له في هذا الباب. انتهى.
 وبَيَّن سبحانه حَالَ المهاجِرِينَ، ثم الآيةُ بَعْدُ تنسحبُ على كلِّ مَنْ أُوذِيَ في اللَّه، وهاجر أيضًا إلى اللَّه إلى يوم القيامة.
 وقوله سبحانه: وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ: عبارةٌ فيها إلزامُ الذَّنْب للكفَّار، واللامُ في قوله: لَأُكَفِّرَنَّ: لامُ القَسَمِ، وثَواباً: مصدرٌ موكِّد، وباقي الآية بيِّن.
 وقوله سبحانه: لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ... الآية: نُزِّلَتْ: لاَ يَغُرَّنَّكَ في هذه الآيةِ مَنْزِلَةَ: **«لا تَظُنَّ»** أنَّ حال الكُفَّار حسنةٌ، والخطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمراد أمَّته، والتقلُّب: التصرُّف في التجاراتِ، والأرباحِ، والحروب، وسائر الآمال

 (١) أخرجه الطبري (٣/ ٥٥٥)، وذكره البغوي في **«تفسيره»** **«معالم التنزيل»** (١/ ٣٨٦- ٣٨٧).
 (٢) ينظر: ****«تفسير الرازي»**** (٩/ ١٢).
 (٣) ينظر: ****«تفسير الرازي»**** (٩/ ١٢٣).
 .

### الآية 3:198

> ﻿لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۗ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ [3:198]

قوله : نُزُلاً  : معناه تَكْرِمَةً. 
وقوله تعالى : وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ \[ آل عمران : ١٩٨ \]. 
يحتملُ أن يريد : خَيْرٌ مِمَّا هؤلاءِ فيه، من التقلُّب والتنعُّم، ويحتمل أنْ يريد : خَيْرٌ ممَّا هم فيه في الدُّنْيا، وفي الحديث عَنْه صلى الله عليه وسلم :( الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الكَافِرِ ) قال القاضِي ابْنُ الطَّيِّب : هذا بالإضافة إلى ما يصير إلَيْه كلُّ واحد منْهما في الآخرةِ، وقيل : المعنى أنها سِجْنُ المؤمن، لأنها موضعُ تَعَبِهِ في الطاعة.

### الآية 3:199

> ﻿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [3:199]

قوله تعالى : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب لَمَن يُؤْمِنُ بالله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خاشعين للَّهِ \[ آل عمران : ١٩٩ \]. 
قال جابر بن عبد اللَّه، وغيره : هذه الآيةُ نَزَلَتْ بسبب أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيِّ سُلْطَانِ الحبشة، آمن باللَّه، وبمحمَّد عليه السلام، وأَصْحَمَة : تفسيره بالعربيَّة : عَطِيَّة، قاله سفيان وغيره، وقال قومٌ : نزلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ، وقال ابنُ زَيْدٍ ومجاهدٌ : نَزَلَتْ في جميعِ مَنْ آمَنَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب. 
وقوله سبحانه : لاَ يَشْتَرُونَ بآيات الله ثَمَناً قَلِيلاً  مدحٌ لهم، وذَمٌّ لسائر كفَّار أهل الكتاب، لتبديلهم وإيثارهم مكاسبَ الدُّنْيا على آخرتهم، وعلى آياتِ اللَّهِ سُبْحانه.

### الآية 3:200

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [3:200]

خَتَمَ اللَّه سُبْحانه السُّورة بهذه الوَصَاةِ التي جَمَعَتِ الظُّهورَ في الدنيا علَى الأعداء، والفَوْزَ بنعيمِ الآخرةِ، فحضَّ سبحانه على الصبْرِ على الطاعات، وعنِ الشهواتِ، وأَمَرَ بالمصابرةِ، فقيل : معناه مصابرةُ الأعداء، قاله زيدُ بْنُ أسلم، وقيل : معناه مصابَرَةَ وعْدِ اللَّهِ فِي النَّصْر، قاله محمدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، أي : لا تسأَمُوا وانتظروا الفَرَجَ، وقد قَالَ صلى الله عليه وسلم :( انتظار الفَرَجِ بِالصَّبْرِ عِبَادَةٌ ). قال الفَخْر : والمصابرةُ عبارةٌ عن تحمُّل المكارِهِ الواقعة بَيْن الإنسان، وبَيْن الغَيْر، انتهى. 
وقوله : وَرَابِطُواْ \[ آل عمران : ٢٠٠ \] معناه عند الجُمْهُور : رَابِطُوا أعداءكم الخَيْلَ، أي : ارتبطوها، كما يرتبطها أعداؤكم. 
قلْتُ : وروى مسلمٌ في **«صحيحه »**، عن سلمانَ، قال : سَمِعْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ :( رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ، وَقِيَامِهِ، وإنْ مَاتَ جرى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الفَتَّان ) وخَرَّجَ الترمذيُّ، عن فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ على عَمَلِهِ إلاَّ الَّذِي مَاتَ مُرَابِطاً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فإنَّهُ يَنْمُو عَمَلُهُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ )، قال أبو عيسى : هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وخرَّجه أبو داود بمعناه، وقال :( ويُؤْمَنُ مِنْ فَتَّانِي القَبْرِ )، وخرَّجه ابنُ ماجة بإسناد صحيحٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ :( مَنْ مَاتَ مُرَابِطاً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَجْرَى اللَّهُ عَلَيْهِ أَجْرَ عَمَلِهِ الصَّالِحِ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ، وأجرى عَلَيْهِ رِزْقَهُ، وَأَمِنَ الفَتَّانَ، وَيَبْعَثُهُ اللَّهُ آمناً مِنَ الفَزَعَ )، وروى مسلم، والبخاريُّ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنه قال :( رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا، ومَا فِيهَا )، انتهى. 
وجاء في فَضْل الرباطِ أحاديثُ كثيرةٌ يطُولُ ذكْرها. 
قال صاحبُ **«التَّذْكرة »** : وروى أبيُّ بن كَعْب، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( لَرِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ وَرَاءِ عَوْرَةِ المُسْلِمِينَ مُحْتَسِباً مِنْ غَيْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ، أَعْظَمُ أجْراً مِنْ عِبَادَةِ مِائَةِ سَنَةٍ، صِيَامِهَا، وقِيَامِهَا، وَرِبَاطُ يَوْمٍ فِي رَمَضَانَ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَعْظَمُ أَجْراً )
أُرَاهُ قَالَ :( مِنْ عِبَادَةِ أَلْفَيْ سَنَةٍ، صِيَامِهَا، وقِيَامِهَا ) الحديثَ ذكره القرطبيُّ مسنداً، انتهى. 
والرباط : هو الملازمةُ في سَبيلِ اللَّهِ، أصلها مِنْ رَبَاطَ الخَيْلَ، ثم سُمِّيَ كلُّ ملازمٍ لثَغْرٍ من ثُغُور الإسلام مرابطاً، فارساً كان أو راجلاً، واللفظةُ مأخوذةٌ من الرَّبْط. 
قلْتُ : قال الشيخُ زيْنُ الدينِ العِرَاقِيُّ في **«اختصاره لغريب القرآن »**، لأبي حَيَّان : معنى : رَابِطُوا : دُومُوا واثبتوا، ومتى ذكَرْتُ العِرَاقِيَّ، فمرادِي هذا الشيخُ، انتهى. 
وروى ابنُ المبارك في **«رقائقه »**، أنَّ هذه الآيةَ : اصبروا وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ ، إنما نزلَتْ في انتظار الصَّلاةِ خَلْفَ الصلاة، قاله أبو سَلَمَةَ بْنُ عبدِ الرحمنِ، قال : ولم يكُنْ يومئذٍ عَدُوٌّ يرابَطُ فيه، انتهى. 
وقوله سبحانه : لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  ترجٍّ في حقِّ البَشَر، والحمدُ للَّه حَقَّ حمده.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/3.md)
- [كل تفاسير سورة آل عمران
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/3.md)
- [ترجمات سورة آل عمران
](https://quranpedia.net/translations/3.md)
- [صفحة الكتاب: الجواهر الحسان في تفسير القرآن](https://quranpedia.net/book/339.md)
- [المؤلف: الثعالبي](https://quranpedia.net/person/710.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/3/book/339) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
