---
title: "تفسير سورة آل عمران - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/3/book/350.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/3/book/350"
surah_id: "3"
book_id: "350"
book_name: "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز"
author: "ابن عطية"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة آل عمران - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/3/book/350)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة آل عمران - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية — https://quranpedia.net/surah/1/3/book/350*.

Tafsir of Surah آل عمران from "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز" by ابن عطية.

### الآية 3:1

> الم [3:1]

قد تقدم ذكر اختلاف العلماء في الحروف التي في أوائل السور في أول سورة البقرة، ومن حيث جاء في هذه السورة  الله لا أله إلا هو الحي القيوم  جملة قائمة بنفسها فتتصور تلك الأقوال كلها في  الم  في هذه السورة، وذهب الجرجاني في النظم إلى أن أحسن الأقوال هنا أن يكون  الم  إشارة إلى حروف المعجم كأنه يقول : هذه الحروف كتابك أو نحو هذا. 
ويدل قوله  الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب  على ما ترك ذكره مما هو خبر عن الحروف قال : وذلك في نظمه مثل قوله تعالى : أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه  \[ الزمر : ٢١ \] وترك الجواب لدلالة قوله : فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله [(١)](#foonote-١) تقديره : كمن قسا قلبه. ومنه قول الشاعر[(٢)](#foonote-٢) :\[ الطويل \]
فَلاَ تَدْفِنُوني إنَّ دَفْنِي مُحَرَّمٌ. . . عَلَيْكُمْ، ولكنْ خامري أمَّ عامِرِ
قال : تقديره ولكن اتركوني للتي يقال لها خامري أم عامر. 
قال القاضي رحمه الله : يحسن في هذا القول أن يكون  نزل  خبر قوله  الله  حتى يرتبط الكلام إلى هذا المعنى. وهذا الذي ذكره القاضي الجرجاني فيه نظر لأن مثله ليست صحيحة الشبه بالمعنى الذي نحا إليه وما قاله في الآية محتمل ولكن الأبرع في نظم الآية أن يكون  الم  لا يضم ما بعدها إلى نفسها في المعنى وأن يكون  الله لا إله إلا هو الحي القيوم  كلاماً مبتدأ جزماً جملة رادة على نصارى نجران الذين وفدوا على رسول الله عليه السلام فحاجوه في عيسى ابن مريم وقالوا : إنه الله وذلك أن ابن إسحاق والربيع وغيرهما[(٣)](#foonote-٣) ممن ذكر السير رووا[(٤)](#foonote-٤) أن وفد نجران قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم نصارى ستون راكباً فيهم من أشرافهم أربعة عشر رجلاً في الأربعة عشر[(٥)](#foonote-٥) ثلاثة نفر إليه يرجع أمرهم، والعاقب أمير القوم وذو رأيهم واسمه عبد المسيح، والسيد ثمالهم[(٦)](#foonote-٦) وصاحب مجتمعهم واسمه الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أسد بني بكر بن وائل أسقفهم وعالمهم فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد إثر صلاة العصر عليهم الحبرات[(٧)](#foonote-٧) جبب وأردية فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما رأينا وفداً مثلهم جمالاً وجلالة، وحانت صلاتهم فقاموا فصلوا في مسجد رسول الله عليه السلام إلى المشرق فقال النبي عليه السلام : دعوهم ثم أقاموا بالمدينة أياماً يناظرون رسول الله عليه السلام في عيسى ويزعمون أنه الله إلى غير ذلك من أقوال بشعة مضطربة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يرد عليهم بالبراهين الساطعة وهم لا يبصرون، ونزل فيهم صدر هذه السورة إلى نيف وثمانين آية إلى أن آل أمرهم إلى أن دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الابتهال[(٨)](#foonote-٨) وسيأتي تفسير ذلك. 
وقرأ السبعة **«المَ الله »** بفتح الميم والألف ساقطة، وروي عن عاصم أنه سكن الميم ثم قطع الألف، روى الأولى التي هي كالجماعة حفص وروى الثانية أبو بكر، وذكرها الفراء عن عاصم، وقرأ أبو جعفر الرؤاسي[(٩)](#foonote-٩) وأبو حيوة-الم- بكسر الميم للالتقاء[(١٠)](#foonote-١٠) وذلك رديء لأن الياء تمنع ذلك والصواب الفتح قراءة جمهور الناس. قال أبو علي : حروف التهجي مبنية على الوقف فالميم ساكنة واللام ساكنة فحركت الميم بالفتح كما حركت النون في قولك :**«من الله ومنَ المسلمين »** إلى غير ذلك. 
قال أبو محمد : ومن قال بأن حركة الهمزة ألقيت على الميم فذلك ضعيف لإجماعهم على أن الألف الموصولة في التعريف تسقط في الوصل فيما يسقط فلا تلقى حركته، قاله أبو علي[(١١)](#foonote-١١)، وقد تقدم تفسير قوله : الحي القيوم  في آية الكرسي، والآية هنالك إخبار لجميع الناس، وكررت هنا إخباراً بحجج[(١٢)](#foonote-١٢) هؤلاء النصارى، وللرد عليهم أن هذه الصفات لا يمكنهم ادعاؤها لعيسى عليه السلام لأنهم إذ يقولون إنه صلب فذلك موت في معتقدهم لا محالة إذ من البين أنه ليس بقيوم، وقرأ جمهور القراء **«القيوم »** وزنه فيعول، وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعبد الله بن مسعود وعلقمة بن قيس **«القيام »** وزنه - فيعال - وروي عن علقمة أيضاً أنه قرأ **«القيم »** وزنه فيعل، وهذا كله من قام بالأمر يقوم به إذا اضطلع بحفظه وبجميع ما يحتاج إليه في وجوده، فالله تعالى القيام على كل شيء بما ينبغي له أو فيه أو عليه.

١ - من الآية: ٢ من سورة الزمر..
٢ -هو الشنفرى، وأم عامر كنية الضبع؛ وخامري: استتري، وقوله: "خامري أم عامر" يجري مجرى المثل، وهو يضرب للذي يرتاع من كل شيء جبنا. انظر الميداني ١: ١٦٠، وجمهرة الأمثال للعسكري ١/٤١٦، والمستقصي: ٢٠٧، وفصل المقال: ١٨٧، وبيت الشنفرى في الحيوان ٦/٤٥٠ (منسوبا لتأبط شرا)، والعقد ١: ٥٣، والأزمنة والأمكنة: ١/٢٩٣، والمخصص ١٣/٢٥٨..
٣ - في بعض النسخ: وغيرهم..
٤ - انظر ابن هشام ١/٥٧٣ (ط ١٣٧٥)..
٥ - زاد في بعض النسخ: رجلا، وهي ساقطة في نص سيرة ابن هشام..
٦ - ثمال القوم: من يقوم بأمرهم أو هو أصلهم الذي يقصدون إليه..
٧ - الحبرة بفتح الباء وكسرها: ثوب من قطن أو كتان مخطط، كان يصنع باليمن، وجمعه حبرات بالفتح والكسر وأيضا..
٨ - انظر الحديث عن الابتهال أو المباهلة في السيرة ١/٥٨٣، وفتح القدير: ١: ٢٨٣، وعيون الأثر ١/١٢٩، والابتهال هو: اجتماع القوم المختلفين في أمر للدعاء على الجائر منهم بنزول اللعنة عليه، ومثل: التباهل والمباهلة..
٩ - اسمه محمد بن الحسن بن أبي سارة الرؤاسي الكوفي النحوي، له اختيار في القراءة واختيار في الوقوف، روى عنه الكسائي والفراء (غاية النهاية: ٢/١١٦، وبغية الوعاة ٢/٨٢، وطبقات الزبيدي: ١٣٥)..
١٠ - في بعض النسخ: لالتقاء الساكنين..
١١ - جاء في تفسير الزمخشري: "وأما فتحها فهي حركة الهمزة ألقيت عليها حين أسقطت للتخفيف، فإن قلت: كيف جاز إلقاء حركتها عليها وهي همزة وصل لا تثبت في درج الكلام فلا تثبت حركتها لأن إثبات حركتها كإثباتها؟ قلت: هذا ليس بدرج، لأن (ميم) في حكم الوقف، والسكون والهمزة في حكم الثابت، وإنما حذفت تخفيفا، وألقيت حركتها على الساكن قبلها ليدل عليها، ونظيره قولهم: (واحد اثنان) بإلقاء حركة الهمزة على "الدال"..
١٢ - هكذا جاءت في كل النسخ، إلا في نسخة واحدة فقد جاءت (يحج) وهو المقبول والمناسب للمعنى..

### الآية 3:2

> ﻿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [3:2]

بسم الله الرّحمن الرّحيم وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم
 سورة آل عمران
 هذه السورة مدنية بإجماع فيما علمت، وذكر النقاش أن اسم هذه السورة في التوراة طيبة.
 **قوله تعالى:**
 \[سورة آل عمران (٣) : الآيات ١ الى ٤\]

 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

 الم (١) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٤)
 قد تقدم ذكر اختلاف العلماء في الحروف التي في أوائل السور في أول سورة البقرة، ومن حيث جاء في هذه السورة اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ جملة قائمة بنفسها فتتصور تلك الأقوال كلها في الم في هذه السورة، وذهب الجرجاني في النظم الى أن أحسن الأقوال هنا أن يكون الم إشارة إلى حروف المعجم كأنه يقول: هذه الحروف كتابك أو نحو هذا، ويدل قوله اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ على ما ترك ذكره مما هو خبر عن الحروف قال: وذلك في نظمه مثل قوله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ \[الزمر: ٢١\] وترك الجواب لدلالة قوله: فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ \[الزمر: ٢١\] تقديره: كمن قسا قلبه. ومنه قول الشاعر: \[الطويل\]فلا تدفنوني إنّ دفني محرّم  عليكم، ولكن خامري أمّ عامر قال: تقديره ولكن اتركوني للتي يقال لها خامري أم عامر.
 قال القاضي رحمه الله: يحسن في هذا القول أن يكون نَزَّلَ خبر قوله اللَّهُ حتى يرتبط الكلام إلى هذا المعنى. وهذا الذي ذكره القاضي الجرجاني فيه نظر لأن مثله ليست صحيحة الشبه بالمعنى الذي نحا إليه وما قاله في الآية محتمل ولكن الأبرع في نظم الآية أن يكون الم لا يضم ما بعدها إلى نفسها في المعنى وأن يكون اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ كلاما مبتدأ جزما جملة رادة على نصارى نجران الذين وفدوا على رسول الله عليه السلام فحاجوه في عيسى ابن مريم وقالوا: إنه الله وذلك أن ابن إسحاق والربيع وغيرهما ممن ذكر السير رووا أن وفد نجران قدم على رسول الله ﷺ نصارى ستون رأكبا فيهم من أشرافهم أربعة عشر رجلا في الأربعة عشر ثلاثة نفر إليه يرجع أمرهم، العاقب أمير القوم وذو رأيهم واسمه عبد المسيح، والسيد ثمالهم وصاحب مجتمعهم واسمه الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أسد

بني بكر بن وائل أسقفهم وعالمهم فدخلوا على رسول الله ﷺ المسجد إثر صلاة العصر عليهم جبب وأردية فقال أصحاب رسول الله عليه السلام: ما رأينا وفدا مثلهم جمالا وجلالة، وحانت صلاتهم فقاموا فصلوا في مسجد رسول الله عليه السلام إلى المشرق فقال النبي عليه السلام: دعوهم ثم أقاموا بالمدينة أياما يناظرون رسول الله عليه السلام في عيسى ويزعمون أنه الله إلى غير ذلك من أقوال بشعة مضطربة ورسول الله ﷺ يرد عليهم بالبراهين الساطعة وهم لا يبصرون، ونزل فيهم صدر هذه السورة إلى نيف وثمانين آية إلى أن آل أمرهم إلى أن دعاهم رسول الله ﷺ إلى الابتهال وسيأتي تفسير ذلك.
 وقرأ السبعة **«الم الله»** بفتح الميم والألف ساقطة، وروي عن عاصم أنه سكن الميم ثم قطع الألف، روى الأولى التي هي كالجماعة حفص وروى الثانية أبو بكر، وذكرها الفراء عن عاصم، وقرأ أبو جعفر الرؤاسي وأبو حيوة بكسر الميم للالتقاء وذلك رديء لأن الياء تمنع من ذلك والصواب الفتح قراءة جمهور الناس. قال أبو علي: حروف التهجي مبنية على الوقف فالميم ساكنة واللام ساكنة فحركت الميم بالفتح كما حركت النون في قولك: **«من الله ومن المسلمين»** إلى غير ذلك.
 قال أبو محمد: ومن قال بأن حركة الهمزة ألقيت على الميم فذلك ضعيف لإجماعهم على أن الألف الموصولة في التعريف تسقط في الوصل فما يسقط فلا تلقى حركته، قاله أبو علي، وقد تقدم تفسير قوله:
 الْحَيُّ الْقَيُّومُ في آية الكرسي، والآية هنالك إخبار لجميع الناس، وكررت هنا إخبارا لحجج هؤلاء النصارى، وللرد عليهم أن هذه الصفات لا يمكنهم ادعاؤها لعيسى عليه السلام لأنهم إذ يقولون إنه صلب فذلك موت في معتقدهم لا محالة إذ من البين أنه ليس بقيوم، وقرأ جمهور القراء **«القيوم»** وزنه فيعول، وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعبد الله بن مسعود وعلقمة بن قيس **«القيام»** وزنه- فيعال- وروي عن علقمة أيضا أنه قرأ **«القيم»** وزنه فيعل، وهذا كله من قام بالأمر يقوم به إذا اضطلع بحفظه وبجميع ما يحتاج إليه في وجوده، فالله تعالى القيام على كل شيء بما ينبغي له أو فيه أو عليه.
 وتنزيل الله الكتاب بواسطة الملك جبريل عليه السلام، والْكِتابَ في هذا الموضع القرآن باتفاق من المفسرين، وقرأ جمهور الناس **«نزّل عليك»** بشد الزاي **«الكتاب»** بنصب الباء، وقرأ إبراهيم النخعي **«نزل عليك الكتاب»** بتخفيف الزاي ورفع الباء، وهذه الآية تقتضي أن قوله اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ جملة مستقلة منحازة، وقوله بِالْحَقِّ يحتمل معنيين: إحداهما أن يكون المعنى ضمن الحقائق من خيره وأمره ونهيه ومواعظه، فالباء على حدها في قوله: جاءني كتاب بخبر كذا وكذا أي ذلك الخبر مقتص فيه، والثاني: أن يكون المعنى أنه نزل الكتاب باستحقاق أن ينزل لما فيه من المصلحة الشاملة وليس ذلك على أنه واجب على الله تعالى أن يفعله، فالباء في هذا المعنى على حدها في قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ \[المائدة: ١١٦\] وقال محمد بن جعفر بن الزبير: معنى قوله بِالْحَقِّ أي مما اختلف فيه أهل الكتاب واضطرب فيه هؤلاء النصارى الوافدون، وهذا داخل في المعنى الأول، ومُصَدِّقاً حال مؤكدة وهي راتبة غير منتقلة لأنه لا يمكن أن

يكون غير مصدق لما بين يديه من كتاب الله فهو كقول ابن دارة: \[البسيط\]

أنا ابن دارة معروفا بها نسبي  وهل بدارة يا للناس من عار؟ وما بين يديه هي التوراة والإنجيل وسائر كتب الله التي تلقيت من شرعنا كالزبور والصحف، وما بين اليد في هذه الحوادث هو المتقدم في الزمن.
 والتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ اسمان أصلهما عبراني لكن النحاة وأهل اللسان حملوها على الاشتقاق العربي فقالوا في التوراة: إنها من ورى الزناد يري إذا قدح وظهرت ناره يقال أوريته فوري، ومنه قوله تعالى: فَالْمُورِياتِ \[العاديات: ٢\] وقوله: أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ \[الواقعة: ٧٠\] قال أبو علي، فأما قولهم: وريت بك زنادي على وزن، فعلت فزعم أبو عثمان أنه استعمل في هذا الكلام فقط ولم يجاوز به غيره، وتوراة عند الخليل وسيبويه وسائر البصريين فوعلة كحوقلة وورية قلبت الواو الأولى تاء كما قلبت في تولج وأصله وولج من: ولجت، وحكى الزجاج عن بعض الكوفيين: أن توراة أصلها تفعلة بفتح العين، من: وريت بك زنادي، وإنما ينبغي أن تكون من: أوريت قال فهي تورية، وقال بعضهم: يصلح أن تكون تفعلة بكسر العين مثل توصية ثم ردت إلى تفعلة بفتح العين، قال الزجاج وكأنه يجيز في توصية توصأة وذلك غير مسموع، وعلى كل قول فالياء لما انفتح ما قبلها وتحركت هي انقلبت ألفا فقيل توراة، ورجح أبو علي قول البصريين وضعفه غيره، وقرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم **«التوراة»** مفتوحة الراء، وكان حمزة ونافع يلفظان بالراء بين اللفظين بين الفتح والكسر وكذلك فعلا في قوله من الأبرار ومِنَ الْأَشْرارِ \[ص: ٦٢\] وقَرارٍ إذا كان الحرف مخفوضا، وروى المسيبي عن نافع فتح الراء من التوراة، وروى ورش عنه كسرها، وكان أبو عمرو والكسائي يكسران الراء من التوراة ويميلان من الْأَبْرارِ وغيرها أشد من إمالة حمزة ونافع.
 وقالوا في الإنجيل: إنه إفعيل من النجل وهو الماء الذي ينز من الأرض، قال الخليل: استنجلت الأرض وبها انجال إذا خرج منها الماء والنجل أيضا الولد والنسل قاله الخليل وغيره، ونجله أبوه أي ولده، ومن ذلك قول الأعشى: \[المنسرح\]أنجب أيّام والداه به  إذ نجلاه فنعم ما نجلا قال ابن سيده عن أبي علي: معنى قوله أيام والداه به كما تقول: أنا بالله وبك، وقال أبو الفتح: معنى البيت، أنجب والداه به أيام إذ نجلاه فهو كقولك حينئذ ويومئذ لكنه حال بالفاعل بين المضاف الذي هو أيام وبين المضاف إليه الذي هو إذ. ويروى هذا البيت أنجب أيام والديه، والنجل الرمي بالشيء وذلك أيضا من معنى الظهور وفراق شيء شيئا، وحكى أبو القاسم الزجاجي في نوادره: أن الوالد يقال له، نجل وأن اللفظة من الأضداد، وأما بيت زهير فالرواية الصحيحة فيه:
 وكل فحل له نجل أي ولد كريم ونسل، وروى الأصمعي فيما حكى: وكل فرع له نجل، وهذا لا يتجه إلا على تسمية

### الآية 3:3

> ﻿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ [3:3]

وتنزيل الله الكتاب بواسطة الملك جبريل عليه السلام، و  الكتاب  في هذا الموضع القرآن باتفاق من المفسرين، وقرأ جمهور الناس **«نزَّل عليك »** بشد الزاي **«الكتابَ »** بنصب الباء، وقرأ إبراهيم النخعي **«نزَل عليك الكتابُ »** بتخفيف الزاي ورفع الباء، وهذه الآية تقتضي أن قوله  الله لا إله إلا هو الحي القيوم  جملة مستقلة منحازة، وقوله  بالحق [(١)](#foonote-١) يحتمل معنيين : إحداهما أن يكون المعنى ضمن الحقائق من خيره وأمره ونهيه ومواعظه، فالباء على حدها في قوله : جاءني كتاب بخبر كذا وكذا أي ذلك الخبر مقتص فيه، والثاني : أن يكون المعنى أنه نزل الكتاب باستحقاق أن ينزل لما فيه من المصلحة الشاملة وليس ذلك على أنه واجب على الله تعالى أن يفعله، فالباء في هذا المعنى على حدها في قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام  سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق [(٢)](#foonote-٢) وقال محمد بن جعفر بن الزبير[(٣)](#foonote-٣) : معنى قوله : بالحق  أي مما أختلف فيه أهل الكتاب واضطرب فيه هؤلاء النصارى الوافدون، وهذا داخل في المعنى الأول، و  مصدقاً  حال مؤكدة وهي رتبة غير منتقلة لأنه لا يمكن أن يكون غير مصدق لما بين يديه من كتب الله[(٤)](#foonote-٤) فهو كقول ابن دارة[(٥)](#foonote-٥) :\[ البسيط \]
أنا ابْنُ دارةَ معروفاً بها نسبي. . . وَهَلْ بِدَارَة يا للناسِ مِنْ عارِ ؟
وما بين يديه هي التوراة والإنجيل وسائر كتب الله التي تلقيت من شرعنا كالزبور والصحف، وما بين اليد في هذه الحوادث هو المتقدم من الزمن. 
و  التوراة والإنجيل  اسمان أصلهما عبراني لكن النحاة وأهل اللسان حملوها على الاشتقاق العربي فقالوا في التوراة : إنها من ورى الزند[(٦)](#foonote-٦) يري[(٧)](#foonote-٧) إذا قدح وظهرت ناره يقال أوريته فوري، ومنه قوله تعالى : فالموريات [(٨)](#foonote-٨) وقوله : أفرأيتم النار التي تورون [(٩)](#foonote-٩) قال أبو علي، فأما قولهم : وريت بك زنادي على وزن، فعلت فزعم أبو عثمان أنه استعمل في هذا الكلام فقط ولم يجاوز به غيره، وتوراة عند الخليل وسيبويه وسائر البصريين فوعلة كحوقلة وورية قلبت الواو الأولى تاء كما قلبت في تولج وأصله وولج من : ولجت، وحكى الزجاج عن بعض الكوفيين : أن توراة أصلها تفعلة بفتح العين، من : وريت بك زنادي، وإنما ينبغي أن تكون من : أوريت قال فهي تورية، وقال بعضهم : يصلح أن تكون تفعلة بكسر العين مثل توصية \[ ثم ردت إلى تفعلة بفتح العين، قال الزجاج وكأنه يجيز فى \[ توصية \][(١٠)](#foonote-١٠) توصأة وذلك غير مسموع، وعلى كل قول فالياء لما انفتح ما قبلها وتحركت هي انقلبت ألفاً فقيل توراة، ورجح أبو علي قول البصريين وضعفه غيره، وقرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم **«التورَاة »** مفتوحة الراء، وكان حمزة ونافع يلفظان بالراء بين اللفظين بين الفتح والكسر وكذلك فعلا في قوله  من الأبرار  و  من الأشرار  \[ ص : ٦٢ \] و  من قرار [(١١)](#foonote-١١) إذا كان الحرف مخفوضاً، وروى المسيبي[(١٢)](#foonote-١٢) عن نافع فتح الراء من التوراة، وروى ورش عنه كسرها، وكان أبو عمرو والكسائي يكسران الراء من التوراة ويميلان من  الأبرار  وغيرها أشد من إمالة حمزة ونافع. 
وقالوا في الإنجيل : إنه إفعيل من النجل وهو الماء الذي ينز[(١٣)](#foonote-١٣) من الأرض، قال الخليل : استنجلت الأرض وبها انجال إذا خرج منها الماء والنجل أيضاً الولد والنسل قاله الخليل وغيره، ونجله أبوه أي ولده، ومن ذلك قول الأعشى[(١٤)](#foonote-١٤) :\[ المنسرح \]
أنجبُ أيّام والداه به. . . اذ نَجَلاهُ فَنِعمَ مَا نَجَلا
قال ابن سيده عن أبي علي : معنى قوله أيام والداه به كما تقول : أنا بالله وبك، وقال أبو الفتح : معنى البيت، أنجب والداه به أيام إذ نجلاه فهو كقولك حينئذ ويومئذ لكنه حال بالفاعل بين المضاف الذي هو أيام وبين المضاف إليه الذي هو إذ. ويروى هذا البيت أنجب أيام والديه، والنجل الرمي بالشيء وذلك أيضاً من معنى الظهور وفراق شيء شيئاً، وحكى أبو القاسم الزجاجي[(١٥)](#foonote-١٥) في نوادره : أن الوالد يقال له، نجل وأن اللفظة من الأضداد وأما بيت زهير فالرواية الصحيحة فيه :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\* وكل فحل له نجل[(١٦)](#foonote-١٦)
أي ولد كريم ونسل، وروى الأصمعي فيما حكى \[ عنه \][(١٧)](#foonote-١٧) : وكل فرع له نجل، وهذا لا يتجه إلى على تسمية الوالد نجلاً. وقال الزجاج : الإنجيل  مأخوذ من النجل وهو الأصل فهذا ينحو إلى ما حكى أبو القاسم قال أبو الفتح : ف  التوراة  من وري الزناد[(١٨)](#foonote-١٨)، إذا ظهرت ناره، و  الإنجيل  من نجل إذا ظهر ولده، أو من ظهور الماء من الأرض فهو مستخرج إما من اللوح المحفوظ، وإما من التوراة، و  الفرقان  من الفرق بين الحق والباطل، فحروفها مختلفة، والمعنى قريب بعضه من بعض، إذ كلها معناه، ظهور الحق، وبيان الشرع، وفصله من غيره من الأباطيل، وقرأ الحسن بن أبي الحسن **«الأنجيل »** بفتح الهمزة، وذلك لا يتجه في كلام العرب، ولكن يحميه مكان الحسن من الفصاحة، وإنه لا يقرأ إلا بما روى، وأراه نحا به نحو الأسماء الأعجمية.

١ -في بعض النسخ: يقتضي..
٢ - من الآية ١١٦ من سورة المائدة..
٣ - من فقهاء أهل المدينة وقرائهم، روى عنه ابن إسحاق وابن جريج وغيرهما، توفي بين ١١٠-١٢٠ هـ (تهذيب التهذيب ٩: ٩٣)..
٤ - في بعض النسخ: كتاب..
٥ - دارة اسم أمه، قال ابن قتيبة: سميت بذلك لأنها شبهت بدارة القمر لجمالها، واسم أبيه مسافع، شاعر مخضرم هجاء وبسبب الهجاء قتل (انظر الشعر والشعراء: ٣١٥ والخزانة ١: ٣٨٩، ٥٥٧، والأغاني ٢١/ ٤٩، والسمط ٦٧٧، ٨٦٢، وشرح التبريزي على الحماسة ١/٢٠٥)..
٦ - في بعض النسخ: الزناد..
٧ - يري: سقطت من بعض النسخ..
٨ - من الآية ٢ من سورة العاديات..
٩ - الآية ٧١ من سورة الواقعة..
١٠ - ما بين معقفين سقط في بعض النسخ..
١١ - (مع الأبرار) من الآية ١٩٣ من سورة آل عمران و(من الأشرار) من الآية ٦٢ من سورة (ص)، و(من قرار) من الآية ٢٦ من سورة إبراهيم..
١٢ - هو إسحاق بن محمد بن عبد الرحمان المخزومي، روى عن أبي الزناد ومالك ونافع، توفي سنة ٢٠٦هـ (تهذيب التهذيب ١/٢٤٩)..
١٣ -ينز من الأرض: يتحلب منها وهذا هو النز- بفتح النون وكسرها-.
١٤ - بيت الأعشى في ديوانه: ١٣٥، وانظر اللسان والتاج في مادة (نجل)..
١٥ -اسمه عبد الرحمان بن إسحاق، نسب إلى شيخه إبراهيم الزجاج، وهو مصنف "الجمل" وغيره من المصنفات؛ توفي بطبرية سنة ٣٩٣هـ (انظر انباه الرواة ٢/١٦٠ وفي الحاشية ثبت بمصادر ترجمته)..
١٦ - بيت زهير:
 إلى معشر لم يورث اللؤم جدهم أصاغرهم، وكل فحل له نجل..
١٧ - عنه: سقطت من بعض النسخ..
١٨ - في بعض النسخ: الزند..

### الآية 3:4

> ﻿مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ ۗ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [3:4]

وقوله تعالى : من قبل  يعني من قبل القرآن[(١)](#foonote-١)، وقوله : هدى للناس  معناه دعاء، والناس بنو إسرائيل في هذا الموضع، لأنهم المدعوون بهما لا غير، وإن أراد أنهما  هدى  في ذاتهما مدعو إليه فرعون وغيره، منصوب[(٢)](#foonote-٢) لمن اهتدى به، فالناس عام في كل من شاء حينئذ أن يستبصر. 
قال القاضي رحمه الله : وقال هنا  للناس ، وقال في القرآن  هدى للمتقين ، وذلك[(٣)](#foonote-٣) عندي، لأن هذا خبر مجرد، وقوله : هدى للمتقين  \[ البقرة : ٢ \] خبر مقترن به الاستدعاء والصرف إلى الإيمان، فحسنت الصفة، ليقع من السامع النشاط والبدار، وذكر الهدى الذي هو إيجاد الهداية في القلب، وهنا إنما ذكر الهدى الذي هو الدعاء، والهدى الذي هو في نفسه معد يهتدي به الناس، فسمي  هدى  لذلك، وقال ابن فورك[(٤)](#foonote-٤) : التقدير هنا هدى للناس المتقين، ويرد هذا العام إلى ذلك الخاص، وفي هذا نظر، و  الفرقان  : القرآن، سمي بذلك لأنه فرق بين الحق والباطل، قال محمد بن جعفر، فرق بين الحق والباطل في أمر عيسى عليه السلام، الذي جادل فيه الوفد، وقال قتادة والربيع وغيرهما، فرق بين الحق والباطل في أحكام الشرائع، وفي الحلال والحرام ونحوه، و  الفرقان  يعم هذا كله، وقال بعض المفسرين،  الفرقان  هنا كل أمر فرق بين الحق والباطل، فيما قدم وحدث، فيدخل في هذا التأويل طوفان نوح، وفرق البحر لغرق فرعون، ويوم بدر، وسائر أفعال الله تعالى المفرقة بين الحق والباطل، فكأنه تعالى ذكر الكتاب العزيز، ثم التوراة والإنجيل، ثم كل أفعاله ومخلوقاته التي فرقت بين الحق والباطل، كما فعلت هذه الكتب، ثم توعد[(٥)](#foonote-٥) تعالى الكفار عموماً بالعذاب الشديد، وذلك يعم عذاب الدنيا بالسيف والغلبة، وعذاب الآخرة بالنار، والإشارة بهذا الوعيد إلى نصارى نجران، وقال النقاش : إلى اليهود، كعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، وبني أخطب وغيرهم[(٦)](#foonote-٦)، و  عزيز ، معناه غالب، وقد ذل له كل شيء، والنقمة والانتقام، معاقبة المذنب بمبالغة في ذلك.

١ - في بعض النسخ: الفرقان..
٢ - في بعض النسخ؛ مقصور..
٣ - في بعض النسخ: وهذا..
٤ - ابن فورك: هو أبو بكر محمد بن الحسن، وهو بضم الفاء وفتح الراء، متكلم أصولي أديب نحوي، أصبهاني الأصل، أقام بالعراق مدة يدرس العلم وغادرها إلى الري ثم إلى نيسابور ثم إلى غزنة، وبلغت مصنفاته في أصول الفقه والدين ومعاني القرآن قريبا من مائة، توفي سنة ٤٠٦هـ، (ابن خلكان ٤/٢٧٢، والوافي للصفدي ٢/٣٤٤، وطبقات السبكي ٣/٥٢، وتبيين كذب المفتري ٢٣٢)..
٥ -أشار الزمخشري في تفسيره إلى السر في التعبير عن تنزيل القرآن بقوله: \[نزّل\] على صيغة (فعّل)- والتعبير في تنزيل التوراة والإنجيل بقوله: \[أنزل\] على صيغة (أفعل) فقال: "لأن القرآن نزل منجما، ونزل الكتابان جملة- ونزول القرآن منجما جعله أكثر تنزيلا لتفرقه في مرات عدة فعبّر عنه بصيغة المبالغة والتكثير وهي (فعّل)" –لكن يرد على ذلك أن الزمخشري حمل \[الفرقان\] في أحد تأويلاته على أنه \[القرآن\]- وقد عبر الله سبحانه عنه بصيغة (أفعل)\] كغيره حين قال: \[وأنزل الفرقان\]- وأجاب بعض المحققين عن ذلك فقال: إنه لما عبّر أولا عن نزوله الخاص به أتى بعبارة مطابقة لقصد الخصوصية، فلما جرى ذكره ثانيا لينعت بصفة زائدة على اسم الجنس عبّر عن نزوله من حيث الإطلاق اكتفاء بتميزه أولا، وإجمالا لذلك في غير مقصوده- ومن العبارات السائدة عن هذا المعنى: (الكلام يُجمل في غير مقصوده، ويفصل في مقصوده)-١هـ "الكشاف ١/٤١١"..
٦ - في خبر كعب بن الأشرف وهجائه للرسول ثم مقتله، انظر ابن هشام ٢/٥١؛ فأما كعب بن أسد فكان من يهود بني قريظة الذين نصبوا العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بغيا وحسدا وضغنا، وهو صاحب عقد بني قريظة الذي نقض عام الأحزاب-قدم لقومه النصائح يوم أن حاصرهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه: وهو من جملة من نفذ فيهم حكم سعد بن معاذ (ابن هشام ٢٧/٢٠).
 وأما أبناء أخطب فهم: حيي، وأبو ياسر، وجدي، وكلهم من يهود بني النضير، والمراد بقوله: (وابني أخطب) حيي وأبو ياسر..

### الآية 3:5

> ﻿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ [3:5]

إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَآءِ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ هُوَ الَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ 
هذه الآية خبر عن علم الله تعالى بالأشياء على التفصيل، وهذه صفة لم تكن لعيسى ولا لأحد من المخلوقين، ثم أخبر عن تصويره[(١)](#foonote-١) للبشر في أرحام الأمهات، وهذا أمر لا ينكره عاقل، ولا ينكر أن عيسى وسائر البشر لا يقدرون عليه، ولا ينكر أن عيسى عليه السلام من المصورين في الأرحام، فهذه الآية تعظيم لله تعالى في ضمنها الرد على نصارى نجران، وفي قوله : إن الله لا يخفى عليه شيء  وعيد ما لهم، فسر بنحو هذا محمد بن جعفر بن الزبير والربيع. 
١ - في بعض النسخ: تصوير..

### الآية 3:6

> ﻿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [3:6]

وفي قوله : هو الذي يصوركم  رد على أهل الطبيعة، إذ يجعلونها فاعلة مستبدة، وشرح النبي صلى الله عليه وسلم كيفية التصوير في الحديث الذي رواه ابن مسعود وغيره أن النطفة إذا وقعت في الرحم مكثت نطفة أربعين يوماً ثم تكون علقة[(١)](#foonote-١) أربعين يوماً ثم مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليها ملكاً فيقول : يا رب، أذكر أم أنثى ؟ أشقي أم سعيد ؟ الحديث بطوله على اختلاف ألفاظه[(٢)](#foonote-٢)، وفي مسند ابن سنجر[(٣)](#foonote-٣) حديث : إن الله يخلق عظام الجنين وغضاريفه من مني الرجل ولحمه وشحمه وسائر ذلك من مني المرأة، وصور بناء مبالغة من : صار يصور إذا أمال وثنى إلى حال ما، فلما كان التصوير إمالة إلى حال وإثباتاً فيها، جاء بناؤه على المبالغة، والرحم موضع نشأة الجنين، و  كيف يشاء  يعني من طول وقصر ولون وسلامة وعاهة وغير ذلك من الاختلافات[(٤)](#foonote-٤). و  العزيز  الغالب و  الحكيم  ذو الحكمة أو المحكم في مخلوقاته وهذا أخص بما ذكر من التصوير.

١ -تكون: سقطت من بعض النسخ..
٢ - وردت في ذلك أحاديث كثيرة (انظر مثلا مسند أحمد ١/٣٧٤، ٣٨٢، ٤١٤، ٤٣٠، والبخاري (بدء الخلق: ٦)..
٣ - هو محمد بن سنجر أبو عبد الله الجرجاني، الإمام الحافظ الكبير، صاحب المسند، سكن قرية قضابة من أعمال مصر، وسمع يزيد بن هارون، وأبا النعيم، وخالد بن مخلد، وغيرهم، وأخذ عنه عيسى بن مسكين، وأحمد بن عمرو بن منصور، ومحمد بن المسيب، وخلق كثير، وثقه ابن أبي حاتم- توفي سنة ٢٨٥هـ- (تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٧٨)..
٤ - في بعض النسخ: الاختلاف..

### الآية 3:7

> ﻿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [3:7]

و  الكتاب  في هذه الآية القرآن بإجماع من المتأولين، والمحكمات، المفصلات المبينات الثابتات الأحكام، والمتشابهات هي التي فيها نظر وتحتاج إلى تأويل ويظهر فيها ببادي النظر إما تعارض مع أخرى أو مع العقل، إلى غير من أنواع التشابه، فهذا الشبه الذي من أجله توصف ب  متشابهات ، إنما هو بينها وبين المعاني الفاسدة التي يظنها أهل الزيغ ومن لم يمعن[(١)](#foonote-١) النظر، وهذا نحو الحديث الصحيح، عن النبي عليه السلام، الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور متشابهات[(٢)](#foonote-٢) أي يكون الشيء حراماً في نفسه فيشبه عند من لم يمعن النظر شيئاً حلالاً وكذلك الآية يكون لها في نفسها معنى صحيح فتشبه عند من لم يمعن النظر أو عند الزائغ معنى آخر فاسداً فربما أراد الاعتراض به على كتاب الله، هذا عندي معنى الإحكام والتشابه في هذه الآية، ألا ترى أن نصارى نجران قالوا للنبي عليه السلام، أليس في كتابك أن عيسى كلمة وروح منه ؟ قال نعم[(٣)](#foonote-٣)، قالوا : فحسبنا إذاً [(٤)](#foonote-٤) فهذا التشابه. \*\*\*. 
قال الفقيه الإمام أبو محمد : فهذا التشابه، واختلفت عبارة المفسرين في تعيين المحكم والمتشابه المراد بهذه الآية، فقال ابن عباس المحكمات هي قوله تعالى : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم [(٥)](#foonote-٥) إلى ثلاثة آيات، وقوله في بني إسرائيل  وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه [(٦)](#foonote-٦) وهذا عندي مثال أعطاه في المحكمات، وقال ابن عباس أيضاً : المحكمات ناسخه وحلاله وحرامه وما يؤمن به ويعمل[(٧)](#foonote-٧)، والمتشابه منسوخه ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به، وقال ابن مسعود وغيره : المحكمات الناسخات، والمتشابهات المنسوخات. 
قال الفقيه الإمام : وهذا عندي على جهة التمثيل أي يوجد الإحكام في هذا والتشابه في هذا، لا أنه وقف على هذا النوع من الآيات، وقال بهذا القول قتادة والربيع والضحاك، وقال مجاهد وعكرمة : المحكمات ما فيه الحلال والحرام، وما سوى ذلك فهو متشابه يصدق بعضه بعضاً، وذلك مثل قوله : وما يضل به إلا الفاسقين [(٨)](#foonote-٨) وقوله : كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون [(٩)](#foonote-٩). 
قال الفقيه أبو محمد : وهذه الأقوال وما ضارعها يضعفها أن أهل الزيغ لا تعلق لهم بنوع مما ذكر دون سواه، وقال محمد بن جعفر بن الزبير : المحكمات هي التي فيهن حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه، والمتشابهات لهن تصريف وتحريف وتأويل ابتلى الله فيهن العباد. 
قال الفقيه الإمام أبو محمد : وهذا أحسن الأقوال في هذه الآية، وقال ابن زيد[(١٠)](#foonote-١٠) : المحكم ما أحكم فيه قصص الأنبياء والأمم وبين لمحمد وأمته، والمتشابه هو ما اشتبهت الألفاظ به من قصصهم عند التكرير في السور بعضها باتفاق الألفاظ[(١١)](#foonote-١١) واختلاف المعاني، وبعضه بعكس ذلك نحو قوله : حية تسعى [(١٢)](#foonote-١٢) و  ثعبان مبين [(١٣)](#foonote-١٣) ونحو : اسلك يدك[(١٤)](#foonote-١٤)، وأدخل يدك[(١٥)](#foonote-١٥)، وقالت جماعة من العلماء منهم جابر بن عبد الله بن رئاب[(١٦)](#foonote-١٦) وهو مقتضى قول الشعبي وسفيان الثوري، وغيرهما : المحكمات من آي القرآن ما عرف العلماء تأويله وفهموا معناه وتفسيره والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه دون خلقه قال بعضهم : وذلك مثل وقت قيام الساعة وخروج يأجوج ومأجوج والدجال ونزول عيسى ونحو الحروف المقطعة في أوائل السور. 
قال القاضي رحمه الله : أما الغيوب التي تأتي فهي من المحكمات، لأن ما يعلم[(١٧)](#foonote-١٧) البشر منها محدود وما لا يعلمونه وهو تحديد الوقت محدود أيضاً، وأما أوائل السور فمن المتشابه لأنها معرضة للتأويل[(١٨)](#foonote-١٨) ولذلك اتبعته اليهود وأرادوا أن يفهموا منه مدة أمة محمد عليه السلام، وفي بعض هذه العبارات التي ذكرنا للعلماء اعتراضات، وذلك أن التشابه الذي في هذه الآية مقيد بأنه مما لأهل الزيغ به تعلق، وفي بعض عبارات المفسرين تشابه لا يقتضي لأهل الزيغ تعلقاً. 
وقوله تعالى : أم الكتاب  فمعناه الإعلام بأنها معظم الكتاب وعمدة ما فيه إذ المحكم في آيات الله كثير قد فصل ولم يفرط في شيء منه[(١٩)](#foonote-١٩). 
قال يحيى بن يعمر[(٢٠)](#foonote-٢٠) : هذا كما يقال لمكة -أم القرى- ولمرو ام خراسان، وكما يقال أم الرأس لمجتمع الشؤون إذ هو أخطر مكان، قال المهدوي والنقاش : كل آية محكمة في كتاب الله يقال لها  أم الكتاب ، وهذا مردود بل جميع المحكم هو  أم الكتاب ، وقال النقاش : وذلك كما تقول : كلكم عليَّ أسد ضار. 
قال الفقيه أبو محمد : وهذا المثال غير محكم، وقال ابن زيد : أم الكتاب  معناه جماع الكتاب، وحكى الطبري عن أبي فاختة[(٢١)](#foonote-٢١) أنه قال : هن أم الكتاب  يراد به فواتح السور إذ منها يستخرج القرآن  الم ذلك الكتاب  منه استخرجت سورة البقرة  الم الله لا إله إلا هو  منه استخرجت سورة آل عمران، وهذا قول متداع للسقوط مضطرب لم ينظر قائله أول الآية وآخرها ومقصدها وإنما معنى الآية الإنحاء على أهل الزيغ والإشارة بذلك أولاً إلى نصارى نجران وإلى اليهود الذين كانوا معاصرين[(٢٢)](#foonote-٢٢) لمحمد عليه السلام فإنهم كانوا يعترضون معاني القرآن، ثم تعم بعد ذلك كل زائغ، فذكر الله تعالى أنه نزل الكتاب على محمد إفضالاً منه ونعمة، وأن محكمه وبينه الذي لا اعتراض فيه هو معظمه والغالب عليه، وأن متشابهه الذي يحتمل التأويل ويحتاج إلى التفهم هو أقله. ثم إن أهل الزيغ يتركون المحكم الذي فيه غنيتهم ويتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وأن يفسدوا ذات البين[(٢٣)](#foonote-٢٣) ويردوا الناس إلى زيغهم، فهكذا تتوجه المذمة عليهم، و  أخر  جمع أخرى لا ينصرف لأنه صفة، وعدل عن الألف واللام في أنه يثنى ويجمع، وصفات التفضيل كلها إذا عريت عن الألف واللام لم تثن ولم تجمع كأفضل وما جرى مجراه، ولا يفاضل بهذه الصفات بين شيئين إلا وهي منكرة، ومتى دخلت عليه الألف واللام زال معنى التفضيل بين أمرين، وليس عدل  أخر  عن الألف واللام مؤثراً في التعريف كما هو عدل - سحر- بل أخر نكرة، وأما سحر فعدل لأنه[(٢٤)](#foonote-٢٤) زالت الألف واللام وبقي معرفة في قوله، جئت يوم الجمعة سحر، وخلط المهدوي في هذه المسألة وأفسد كلام سيبويه[(٢٥)](#foonote-٢٥) فتأمله. 
**قوله تعالى :**
 فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ 
قوله تعالى : الذين في قلوبهم زيغ  بعم كل طائفة من كافر وزنديق وجاهل صاحب بدعة، والزيغ الميل، ومنه زاغت الشمس، وزاغت الأبصار، والإشارة بالآية في ذلك الوقت كانت إلى نصارى نجران لتعرضهم للقرآن في أمر عيسى عليه السلام، قاله الربيع، وإلى اليهود، ثم تنسحب على كل ذي بدعة أو كفر، وبالميل عن الهدى فسر الزيغ محمد بن جعفر بن الزبير وابن مسعود وجماعة من الصحابة ومجاهد وغيرهم، و  ما تشابه منه  هو الموصوف آنفاً - بمتشابهات - وقال قتادة في تفسير قوله تعالى  وأما الذين في قلوبهم زيغ  : إن لم يكونوا الحرورية وأنواع الخوارج، فلا أدري من هم ؟ وقالت عائشة : إذا رأيتم الذين يجادلون في القرآن فهم الذي عنى الله فاحذروهم[(٢٦)](#foonote-٢٦)، وقال الطبري : الأشبه أن تكون الآية في الذين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مدته ومدة أمته بسبب حروف أوائل السور، وهؤلاء هم اليهود، و  ابتغاء  نصب على المفعول من أجله، ومعناه طلب الفتنة[(٢٧)](#foonote-٢٧)، وقال الربيع،  الفتنة  هنا الشرك، وقال مجاهد : الفتنة  الشبهات واللبس على المؤمنين، ثم قال : وابتغاء تأويله  والتأويل هو مرد الكلام ومرجعه والشيء الذي يقف عليه من المعاني، وهو من آل يؤول، إذا رجع، فالمعنى وطلب تأويله على منازعهم الفاسدة. 
هذا فيما له تأويل حسن وإن كان مما لا يتأول بل يوقف فيه كالكلام في معنى الروح ونحوه، فنفس طلب تأويله هو اتباع ما تشابه. وقال ابن عباس : ابتغوا معرفة مدة محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، ثم قال : وما يعلم تأويله إلا الله  فهذا على الكمال والتوفية فيما لا يتأول ولا سبيل لأحد عليه[(٢٨)](#foonote-٢٨) كأمر الروح وتعرف وقت قيام الساعة وسائر الأحداث التي أنذر بها الشرع، وفيما يمكن أن يتأوله العلماء ويصح التطرق إليه، فمعنى الآية : وما يعلم تأويله على الكمال إلا الله. 
واختلف العلماء في قوله تعالى : والراسخون في العلم  فرأت[(٢٩)](#foonote-٢٩) فرقة، أن رفع  والراسخون  هو بالعطف على اسم الله عز وجل وأنهم داخلون في علم المتشابه في كتاب الله وأنهم مع علمهم به،  يقولون آمنا به  الآية. قال بهذا القول ابن عباس، وقال : أنا ممن يعلم تأويله، وقال مجاهد : والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به، وقاله الربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير وغيرهم، و  يقولون  على هذا التأويل نصب على الحال، وقالت طائفة أخرى : والراسخون  رفع بالابتداء وهو مقطوع من الكلام الأول وخبره  يقولون ، والمنفرد بعلم المتشابه هو الله وحده بحسب اللفظ في الآية وفعل الراسخين قولهم  آمنا به  قالته عائشة وابن عباس أيضاً، وقال عروة بن الزبير : إن الراسخين لا يعلمون تأويله ولكنهم يقولون،  آمنا به ، وقال أبو نهيك الأسدي[(٣٠)](#foonote-٣٠) : إنكم تصلون هذه الآية وإنها مقطوعة وما انتهى علم الراسخين إلا إلى قولهم  آمنا به كل من عند ربنا  وقال مثل هذا عمر بن عبد العزيز، وحكى نحوه الطبري عن يونس عن أشهب عن مالك بن أنس. 
قال القاضي رحمه الله : وهذه المسألة إذا تؤملت قرب الخلاف فيها من الاتفاق، وذلك أن الله تعالى قسم آي الكتاب قسمين :- محكماً ومتشابهاً - فالمحكم هو المتضح المعنى لكل من يفهم كلام العرب لا يحتاج فيه إلى نظر ولا يتعلق به شيء يلبس ويستوي في علمه الراسخ وغيره والمتشابه يتنوع، فمنه ما لا يعلم البتة، كأمر الروح، وآماد المغيبات التي قد أعلم الله بوقوعها إلى سائر ذلك، ومنه ما يحمل وجوه في اللغة ومناح في كلام العرب، فيتأول تأويله المستقيم، ويزال ما فيه مما عسى أن يتعلق به من تأويل غير مستقيم كقوله في عيسى  وروح منه [(٣١)](#foonote-٣١) إلى غير ذلك، ولا يسمى أحد راسخاً إلا بأن يعلم من هذا النوع كثيراً بحسب ما قدر له، وإلا فمن لا يعلم سوى المحكم فليس يسمى راسخاً، وقوله تعالى : وما يعلم تأويله  الضمير عائد على جميع[(٣٢)](#foonote-٣٢) متشابه القرآن، وهو نوعان كما ذكرنا، فقوله  إلا الله  مقتض ببديهة العقل أنه يعلمه على الكمال والاستيفاء، يعلم نوعيه جميعاً، فإن جعلنا قوله : والراسخون  عطفاً على اسم الله تعالى، فالمعنى إدخالهم في علم التأويل لا على الكمال، بل علمهم إنما هو في النوع الثاني من المتشابه، وبديهة العقل تقضي بهذا، والكلام مستقيم على فصاحة العرب كما تقول : ما قام لنصرتي إلا فلان وفلان، وأحدهما قد نصرك بأن حارب معك، والآخر إنما أعانك بكلام فقط، إلى كثير من المثل، فالمعنى  وما يعلم  تأويل المتشابه إلا الله  والراسخون  كل بقدره، وما يصلح له،  والراسخون  بحال قول في جميعه  آمنا به ، وإذا تحصل لهم في ال

١ - في بعض النسخ: ينعم..
٢ - أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن النعمان بن بشير (الجامع الصغير ١/٥٢٢)..
٣ - في تفسير الطبري: بلى، في موضع نعم..
٤ - انظر تفسير الطبري ٣/ ١٧٧، والبغوي (بهامش الخازن١/٢٧٠)، وكلاهما عن الربيع..
٥ -من الآية ١٥١ من سورة الأنعام..
٦ - من الآية ٢٣ من سورة الإسراء..
٧ - "ويعمل به"، سقط من بعض النسخ..
٨ - من الآية ٢٦ من سورة البقرة..
٩ - من الآية ١٢٥ من سورة الأنعام..
١٠ -ا أبو عبد الله محمد بن زيد، مولى عبد الرحمان بن الحكم، كان عالما بالعربية ورواية للشعر..
١١ - في بعض النسخ: اللفظ..
١٢ -من الآية ٢٠ من سورة طه..
١٣ - من الآية ٣٢ من سورة القصص..
١٤ - من الآية ٣٢ من سورة القصص..
١٥ - من الآية ١٢ من سورة النمل..
١٦ - هو جابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان الأنصاري السلمي أحد الستة الذين شهدوا العقبة الأولى- شهد بدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أول من أسلم من الأنصار قبل البعثة الأولى بعام. (الاستيعاب. والإصابة: ١/٢٢١)..
١٧ -: في بعض النسخ: يعلمه..
١٨ - في بعض النسخ: للتأويلات؛ وفي بعضها: معرض للتأويلات..
١٩ - في بعض النسخ: ولم يفرط فيه شيء..
٢٠ - هو يحيى بن يعمر (بفتح الياء والميم بينهما عين ساكنة)، من العلماء المشهورين، روى عن ابن عباس، وابن عمر- وأخذ النحو عن أبي الأسود الدؤلي، توفي سنة ١٢٩ هـ..
٢١ - هو سعيد بن علاقة –أبو فاختة الهاشمي الكوفي، مولى أم هانئ-قدم الشام، روى عن علي، وأم هانئ، وعائشة أم المؤمنين، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وغيرهم من التابعين. وروى عنه ابنه نوير، وعمرو بن عبد الله بن عتبة، وسعيد المقبري، وعمرو بن دينار، وغيرهم. وثقه الدارقطني، والعجلي، شهد مع علي مشاهده، وتوفي في ولاية عبد الملك، أو الوليد بن عبد الملك؛ وهو بكنيته مشهور أكثر من اسمه. (الإصابة ٤/ ٧٥٧ وتهذيب التهذيب ٤/٧٠)..
٢٢ - في بعض النسخ: معاصري محمد..
٢٣ - في بعض النسخ: الدين..
٢٤ - بين النسخ اختلاف في هذه العبارة، وفي بعضها: "فإنه عدل في أنه" وفي بعضها الآخر: "فعدل في أنه"..
٢٥ - نص كلام سيبويه: "لا يجوز أن يكون (أخر) معدولة عن الألف واللام؛ لأنها لو كانت معدولة عنهما لكان معرفة ألا ترى أن (سَحَر) معرفة في جميع الأقاويل لما كانت معدولة" (فتح القدير-للشوكاني)..
٢٦ - في مسند الإمام أحمد من رواية ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها- قالت: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات إلى قوله: أولوا الألباب فقال: إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذرهم. وهكذا رواه ابن ماجة، ورواية البخاري: فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم. ورواية ابن أبي حاتم تتفق مع لفظ البخاري، فالآية كما يدل الحديث تدمغ كل من يقصد إلى المتشابه من القرآن يبتغي التحريف والتأويل، ويبتغي الفتنة للأمة في أي زمان وفي أي مكان..
٢٧ - أي طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم، وطلب أن يؤولوه التأويل الذي يشتهونه..
٢٨ - في بعض النسخ: إليه..
٢٩ - في بعض النسخ: فقالت..
٣٠ - اسمه القاسم بن محمد، روى عن زياد بن حدير، وعنه قرة بن خالد، ومنصور بن المعتمر، ذكره ابن حبان في الثقات (تهذيب التهذيب ١٢/٢٥٩).
٣١ - من الآية ١٧١ من سورة النساء..
٣٢ - جميع: سقطت من بعض النسخ..

### الآية 3:8

> ﻿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [3:8]

يحتمل أن تكون هذه الآية حكاية عن الراسخين في العلم، أنهم يقولون هذا مع قولهم  آمنا به  \[ آل عمران : ٧ \] ويحتمل أن يكون المعنى منقطعاً من الأول لما ذكر أهل الزيغ وذكر نقيضهم، وظهر[(١)](#foonote-١) ما بين الحالتين عقب ذلك بأن علم عبادة الدعاء إليه في أن لا يكونوا من الطائفة الذميمة التي ذكرت وهي أهل الزيغ، وهذه الآية حجة على المعتزلة في قولهم، إن الله لا يضل العباد، ولو لم تكن الإزاغة من قبله لما جاز أن يدعي في دفع ما لا يجوز عليه فعله[(٢)](#foonote-٢) و  تزغ  معناه، تمل قلوبنا عن الهدى والحق، وقرأ أبو واقد، والجراح[(٣)](#foonote-٣) **«ولا تزغ قلوبُنا »** بإسناد الفعل إلى القلوب، وهذه أيضاً رغبة إلى الله تعالى. وقال أبو الفتح[(٤)](#foonote-٤) : ظاهر هذا ونحوه الرغبة إلى القلوب وإنما المسؤول الله تعالى، وقوله الرغبة إلى القلوب غير متمكن[(٥)](#foonote-٥)، ومعنى الآية على القراءتين، أن لا يكن منك خلق الزيغ فيها فتزيغ هي. قال الزجاج : وقيل : إن معنى الآية لا تكلفنا عبادة ثقيلة تزيغ منها قلوبنا. 
قال الفقيه الإمام : وهذا قول فيه التحفظ من خلق الله تعالى الزيغ والضلالة في قلب أحد من العباد، و  من لدنك  معناه : من عندك ومن قبلك، أن تكون تفضلاً لا عن سبب منا ولا عمل، وفي هذا استسلام وتطارح، والمراد هب لنا نعيماً صادراً عن الرحمة لأن الرحمة راجعة إلى صفات الذات فلا تتصور فيها الهبة.

١ - في بعض النسخ: وذكر..
٢ - أول الزمخشري الآية فقال في معنى قوله تعالى: لا تزغ قلوبنا: أي لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا؛ أما أهل السنة فيرون أن كل هدى وزيغ مخلوق لله تعالى. وتفسير ابن عطية للآية يدل على أنه بعيد كل البعد عن الاعتزال..
٣ - لعله ابن واقد أبو مسلم (عبد الرحمن بن عبيد الله بن واقد) مقرئ معروف، أخذ القراءة عن حمزة بن القاسم الأحول والصباح بن دينار. (انظر ابن الجزري، غاية النهاية ١/٣٨١)؛ أما الجراح فلم أعثر عليه فيما لدي من مراجع؛ وفي تفسير القرطبي: وقرأ واقد الجراح (دون واو عطف)..
٤ - هو عثمان بن جني اللغوي المشهور..
٥ - ما بين معقفين سقط من أكثر النسخ..

### الآية 3:9

> ﻿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [3:9]

وقوله تعالى : ربنا إنك جامع الناس  إقرار بالبعث ليوم القيامة، قال الزجاج : هذا هو التأويل الذي علمه الراسخون فأقروا به، وخالف الذين اتبعوا ما تشابه عليهم من أمر البعث حين أنكروه، والريب : الشك، والمعنى أنه في نفسه حق لا ريب فيه وإن وقع فيه ريب عند المكذبين به فذلك لا يعتد به إذ هو خطأ منهم، وقوله تعالى : إن الله لا يخلف الميعاد  يحتمل أن يكون إخباراً منه محمداً عليه السلام وأمته، ويحتمل أن يكون حكاية من قول الداعين[(١)](#foonote-١)، ففي ذلك إقرار بصفة ذات الله تعالى، و  الميعاد  مفعال من الوعد.

١ - في بعض النسخ: من قول الراسخين..

### الآية 3:10

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ [3:10]

هم الكفار الذين لا يقرون ببعث إنما هي على وجه الدهر وإلى يوم القيامة في زينة الدنيا وهي المال والبنون، فأخبر الله تعالى في هذه الآية، أن ذلك المتهم فيه لا يغني عن صاحبه شيئاً ولا يمنعه من عذاب الله وعقابه، و  من  في قوله : من الله  لابتداء الغاية، والإشارة بالآية إلى معاصري النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا يفخرون بأموالهم وأبنائهم، وهي - بعد - متناولة كل كافر، وقرأ أبو عبد الرحمن[(١)](#foonote-١) :**«لن يغني »** بالياء، على تذكير العلامة، والوقود بفتح الواو ما يحترق في النار من حطب ونحوه، وكذلك هي قراءة جمهور الناس، وقرا الحسن ومجاهد وجماعة غيرهما  وُقُود  بضم الواو وهذا على حذف مضاف تقديره، حطب  وقود النار ، والوقود بضم الواو المصدر، وقدت النار تقد إذا اشتعلت، والدأْب والدأَب، بسكون الهمزة وفتحها، مصدر دأب يدأب - إذا لازم فعل شيء ودام عليه مجتهداً فيه، ويقال للعادة - دأب - فالمعنى في الآية، تشبيه هؤلاء في لزومهم الكفر ودوامهم عليه بأولئك المتقدمين، وآخر الآية يقتضي الوعيد بأن يصيب هؤلاء مثل ما أصاب أولئك من العقاب.

١ - هو محمد بن الحسين بن محمد النيسابوري الصوفي الأزدي السلمي-أبو عبد الرحمان-. أخذ عن أبي العباس الأصم، وأحمد بن محمد بن عبدوس، وأحمد بن المؤمل وخلق كثير، وعنه أخذ القشيري، والبيهقي، وأبو صالح المؤذن، وغيرهم، صنّف للصوفية سننا وتفسيرا وتاريخا، وبلغ فهرست تصانيفه المائة أو أكثر، وكتب الحديث. ولد سنة: ٣٣٠هـ، وتوفي سنة: ٤١٢هـ. "تذكرة الحفاظ للذهبي ١٠٤٦/٣"، قال الخطيب: محله كبير، وكان مع ذاك صاحب حديث مجودا. (نفس المصدر)..

### الآية 3:11

> ﻿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ [3:11]

والكاف في قوله  كدأب  في موضع رفع، التقدير : دأبهم  كدأب ، ويصح أن يكون الكاف في موضع نصب، قال الفراء : هو نعت لمصدر محذوف تقديره كفراً  كدأب ، فالعامل فيه  كفروا ، ورد هذا القول الزجاج بأن الكاف خارجة من الصلة فلا يعمل فيها ما في الصلة. 
قال القاضي رحمه الله : ويصح أن يعمل فيه فعل مقدر من لفظ **«الوقود »** ويكون التشبيه في نفس الاحتراق، ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى : النار يعرضون عليها غدواً وعشياً[(١)](#foonote-١)، أدخلوا آل فرعون أشد العذاب  \[ غافر : ٤٦ \]، والقول الأول أرجح الأقوال أن يكون الكاف في موضع رفع، والهاء في  قبلهم  عائدة على  آل فرعون ، ويحتمل أن تعود على معاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكفار، وقوله : بآياتنا  يحتمل أن يريد بالآيات المتلوة، ويحتمل أن يريد العلامات المنصوبة، واختلفت عبارة المفسرين، في تفسير الدأب، وذلك كله راجع إلى المعنى الذي ذكرناه.

١ - من الآيتين ٤٥و ٤٦ من سورة غافر-والأصل المثبت في النسخ هو: (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب، النار)، وهو من اضطراب النساخ فيما يبدو.-.

### الآية 3:12

> ﻿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [3:12]

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر، **«ستغلبون وتحشرون »** بالتاء من فوق و **«يرونهم »** بالياء من تحت، وحكى أبان عن عاصم **«تُرونهم »** بالتاء فمن فوق مضمومة، وقرا نافع ثلاثتهن بالتاء من فوق، وقرا حمزة ثلاثتهن بالياء من تحت، وبكل قراءة من هذه قرأ جمهور من العلماء، وقرأ ابن عباس، وطلحة بن مصرف وأبو حيوة، **«يُرُونهم »** بالياء المضمومة، وقرا أبو عبد الرحمن، بالتاء من فوق مضمومة، واختلف من الذين أمر بالقول لهم من الكفار، فقيل هم جميع معاصريه من الكفار، أمر بأن يقول لهم هذا الذي فيه إعلام بغيب ووعيد، قد صدق بحمد الله غلب الكفر وصار من مات عليه إلى جهنم، ونحا إلى هذا أبو علي في - الحجة - وتظاهرت روايات بأن المراد يهود المدينة، قال ابن عباس وغيره : لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً يوم بدر، وقدم المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع فقال : يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشاً فقالوا يا محمد : لا يغرنك نفسك أن قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، فأنزل الله في قولهم هذه الآية[(١)](#foonote-١)، وروي حديث آخر ذكره النقاش، وهو أن النبي عليه السلام لما غلب قريشاً ببدر قالت اليهود : هذا هو النبي المبعوث الذي في كتابنا وهو الذي لا تهزم له راية، وكثرت فتنتهم بالأمر، فقال لهم رؤساؤهم وشياطينهم : لا تعجلوا وأمهلوا حتى نرى أمره في وقعة أخرى، فلما وقعت أحد كفر جميعهم وبقوا على أولهم، وقالوا : ليس محمد بالنبي المنصور فنزلت الآية في ذلك[(٢)](#foonote-٢)، أي قل لهؤلاء اليهود سيغلبون يعني قريشاً[(٣)](#foonote-٣)، وهذا التأويل إنما يستقيم على قراءة **«سيغلبون ويحشرون »** بالياء من تحت، ومن قرأ بالتاء فمعنى الآية : قل للكفار جميعاً هذه الألفاظ، ومن قرأ بالياء من تحت، فالمعنى قل لهم كلاماً هذا معناه، ويحتمل قراءة التاء التأويل الذي ذكرناه آنفاً، أي قل لليهود ستغلب قريش، ورجح أبو علي قراءة التاء على المواجهة، وأن الذين كفروا يعم الفريقين، المشركين واليهود، وكل قد غلب بالسيف والجزية والذلة، والحشر : الجمع والإحضار، وقوله  وبئس المهاد  يعني جهنم، هذا ظاهر الآية، وقال مجاهد : المعنى بئس ما مهدوا لأنفسهم، فكأن المعنى، وبئس فعلهم الذي أداهم إلى جهنم.

١ - أخرجه محمد بن إسحاق، وابن جرير، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس، كما أخرجه ابن جرير، وابن إسحاق وابن أبي حاتم عن عاصم بن عمرو عن قتادة، وأخرجه أيضا ابن جرير، وابن المنذر عن عكرمة. (فتح القدير للشوكاني. ٢٩٢/١).
٢ - أخرجه البغوي عن ابن عباس، ونقله عنه الخازن، كما نقله الألوسي في تفسيره. (تفسير الخازن. ٢٧٢/١)، ورواه الواحدي في (أسباب النزول) عن الكلبي مع اختلاف يسير..
٣ - ما بين القوسين زيادة عن بعض النسخ..

### الآية 3:13

> ﻿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ۚ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ [3:13]

وقوله تعالى : قد كان لكم آية في فئتين  الآية تحتمل أن يخاطب بها المؤمنون وأن يخاطب بها جميع الكفار وأن يخاطب بها يهود المدينة، وبكل احتمال منها قد قال قوم، فمن رأى أن الخطاب بها للمؤمنين فمعنى الآية تثبيت النفوس وتشجيعها، لأنه لما قال للكفار ما أمر به أمكن أن يستبعد ذلك المنافقون وبعض ضعفة المؤمنين، كما قال قائل يوم الخندق : يعدنا محمد أموال كسرى وقيصر، ونحن لا نأمن على أنفسنا في المذهب، وكما قال عدي بن حاتم حين أخبره النبي عليه السلام بالأمنة التي تأتي، فقلت في نفسي : وأين دعار طيىء الذين سعروا البلاد ؟ الحديث بكماله[(١)](#foonote-١)، فنزلت الآية مقوية لنفوس المؤمنين ومبينة صحة ما أخبر به بالمثال الواقع، فمن قرأ ****«ترونهم »**** بالتاء من فوق فهي مخاطبة لجميع المؤمنين إذ قد رأى ذلك جمهور منهم، والهاء والميم في ****«ترونهم »**** تجمع المشركين، وفي **«مثلهم »** لجميع المؤمنين[(٢)](#foonote-٢)، ومن قرأ بالياء من تحت فالمعنى يرى الجمع من المؤمنين جمع الكفار مثلي جمع المؤمنين، ومن رأى أن الخطاب لجميع الكفار ومن رأى أنه لليهود فالآية عنده داخلة فيما أمر محمد عليه السلام أن يقوله لهم احتجاجاً عليهم، وتبييناً لصورة الوعيد المتقدم في أنهم سيغلبون، فمن قرأ بالياء من تحت، فالعنى يرى الجمع من المؤمنين جمع الكفار مثلي جمع المؤمنين، ومن قرأ بالتاء فالمعنى لو حضرتم أو إن كنتم حضرتم وساغت العبارة لوضوح الأمر في نفسه ووقوع اليقين به لكل إنسان في ذلك العصر، ومن قرأ بضم التاء أو الياء فكأن المعنى، أن اعتقاد التضعيف في جميع الكفار إنما كان تخميناً وظناً لا يقيناً، فلذلك ترك في العبارةضرب من الشك وذلك أن أرى بضم الهمزة تقولها فيما بقي عندك فيه نظر و-أرى- بفتح الهمزة تقولها فيما قد صح نظرك فيه، ونحا هذا المنحى أبو الفتح وهو صحيح، قال أبو علي : والرؤية في هذه الآية عين، ولذلك تعدت إلى مفعول واحد، و  مثليهم  نصب على الحال من الهاء والميم في  ترونهم  وأجمع الناس على الفاعل ب  ترونهم  المؤمنون والضمير المتصل هو للكفار، إلا ما حكى الطبري عن قوم أنهم قالوا : بل كثر الله عدد المؤمنين في عيون الكفار حتى كانوا عندهم ضعفيهم، وضعف الطبري هذا القول، وكذلك هو مردود من جهات، بل قلل الله كل طائفة في عين الأخرى، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، فقلل الكفار في عيون المؤمنين ليقع التجاسر ويحتقر العدو، وهذا مع اعتقاد النبي وقوله، واعتقاد أولي الفهم من أصحابه أنهم من التسعمائة إلى الألف[(٣)](#foonote-٣)، لكن أذهب الله عنهم البهاء وانتشار العساكر وفخامة الترتيب، حتى قال ابن مسعود في بعض ما روي عنه : لقد قلت لرجل إلى جنبي أتراهم سبعين ؟ فقال : أظنهم مائة، فلما أخذنا الأسرى أخبرونا أنهم كانوا ألفاً، وقلل الله المؤمنين في عيون الكفار ليغتروا ولا يحزموا، وتظاهرت الروايات أن جمع الكفار ببدر كان نحو الألف فوق التسعمائة وأن جمع المؤمنين كان ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً وقيل وثلاثة عشر، فكان الكفار ثلاثةاثلاث من المؤمنين، لكن رجع بنو زهرة مع الأخنس بن شريق، ورجع طالب بن أبي طالب[(٤)](#foonote-٤) وأتباع وناس كثير حتى بقي للقتال من يقرب من المثلين، وقد ذكر النقاش نحواً من هذا فذكر الله تعالى المثلين، إذ أمرهما متيقن لم يدفعه قط أحد، وقد حكى الطبري عن ابن عباس : أن المشركين في قتال بدر كانوا ستمائة وستة وعشرين رجلاً، وقد ذهب الزجاج وبعض المفسرين، أنهم كانوا نحو الألف وأراهم الله للمؤمنين مثليهم فقط، قال : فهذا التقليل في الآية الأخرى، ثم نصرهم عليهم مع علمهم بأنهم مثلاهم في العدد، لأنه كان أعلم المسلمين أن المائة منهم تغلب المائتين من الكفار، وروى علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي عليه السلام أنه قال يوم بدر : القوم ألف[(٥)](#foonote-٥)، وقوله تعالى : لكم آية  يريد علامة وأمارة ومعتبراً، والفئة : الجماعة من الناس سميت بذلك لأنها يفاء إليها، أي يرجع في وقت الشدة، وقال الزجاج : الفئة الفرقة، مأخوذة من فأوت رأسه بالسيف، ويقال : فأيته إذا فلقته، ولا خلاف أن الإشارة بهاتين الفئتين هي إلى يوم بدر، وقرأ جمهور الناس **«فئةٌ تقاتل »** برفع **«فئةٌ »** على خبر ابتداء، تقديره إحداهما فئة، وقرأ مجاهد والحسن والزهري وحميد :: فئةٍ **«بالخفض على البدل، ومنهم من رفع »** كافرةٌ **«ومنهم من خفضها على العطف، وقرأ ابن أبي عبلة :»** فئةً **«بالنصب وكذلك »** كافرة «قال الزجاج : يتجه ذلك على الحال كأنه قال : التقتا مؤمنة وكافرة، ويتجه أن يضمر فعل أعني ونحوه و  رأي العين  نصب على المصدر، و  ويؤيد  معناه يقوي من الأيد وهو القوة.

١ - الحديث المشار إليه ذكره ابن الأثير في النهاية (٢/ ٣٤١) لغرابته، وورد في مادة (دعر) من لسان العرب أنه لعلي بن أبي طالب، وأنه أراد بهم قطاع الطرق، والأمنة بفتحات هي: سكون النفس وطمأنينتها..
٢ - ما بين معقفين سقط في بعض النسخ..
٣ - يشير بهذا إلى ما رواه محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سأل ذلك العبد الأسود لبني الحجاج عن عدة قريش قال: كثير، قال صلى الله عليه وسلم: كم ينحرون كل يوم؟ قال: يوما تسعا، ويوما عشرا، قال النبي صلى الله عليه وسلم؛ القوم ما بين تسعمائة إلى ألف (ابن كثير. ٣٥٠/١)..
٤ - هو من أولاد أبي طالب وأكبر سنا من أخيه عقيل بعشر سنين، أتى غزوة بدر فوقعت بينه وبين بعض القرشين محاورة فرجع إلى مكة مع من رجع فأنشأ يقول:
 لا هم إما يغزون طـالب في عصبة مخالف محارب
 في مقنب من هذه المقانب فليكن المسلوب غير السالب
 وليكن المغلوب غير الغالب
 "سيرة ابن هشام ٤٥١/٢"
 وَالمِقْنَبُ: جماعة من الفرسان والخيل دون المائة تجتمع للغارة، وجمعه: مقانب.
٥ - أخرجه عنه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود (مجمع الزوائد: ٦/٧٥)، وروى أبو إسحاق السبيعي عن جارية عن علي قال: كانوا ألفا، وكذلك قال ابن مسعود، ولكن المشهور أنهم كانوا بين التسعمائة إلى الألف، وهو ما يؤيده الحديث الذي رواه ابن إسحاق عن ابن رومان عن عروة..

### الآية 3:14

> ﻿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [3:14]

قرأ جمهور الناس **«زُين »** على بناء الفعل للمفعول ورفع **«حبُّ »** على أنه مفعول لم يسم فاعله، وقرأ الضحاك ومجاهد **«زَين »** على بناء الفعل للفاعل ونصب **«حبَّ »** على أنه المفعول، واختلف الناس من المزين ؟ فقالت فرقة : الله زين ذلك وهو ظاهر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأنه قال لما نزلت هذه الآية : قلت الآن يا رب حين زينتها لنا فنزلت : قل أؤنبئكم بخير من ذلكم  \[ آل عمران : ١٥ \]، وقالت فرقة : المزين هو الشيطان، وهذا ظاهر قول الحسن بن أبي الحسن، فإنه قال من زينها ؟ ما أحد أشد لها ذماً من خالقها. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وإذا قيل زين الله، فمعناه بالإيجاد والتهيئة لانتفاع وإنشاء الجبلة عن الميل إلى هذه الأشياء[(١)](#foonote-١)، وإذا قيل زين الشيطان فمعناه بالوسوسة والخديعة وتحسين أخذها من غير وجوهها. والآية تحتمل هذين النوعين من التزيين ولا يختلف مع هذا النظر، وهذه الآية على كلا الوجهين ابتداء وعظ لجميع الناس، وفي ضمن ذلك توضح لمعاصري محمد عليه السلام من اليهود وغيرهم، و  الشهوات  ذميمة واتباعها مردٍ[(٢)](#foonote-٢) وطاعتها مهلكة، وقد قال عليه السلام :**«حفت النار بالشهوات وحفت الجنة بالمكاره »**[(٣)](#foonote-٣) فحسبك أن النار حفت بها، فمن واقعها خلص إلى النار، و  والقناطير  جمع قنطار، وهو العقدة الكبيرة من المال، واختلف الناس في تحرير حده كم هو ؟ فروى أبي بن كعب، عن النبي عليه السلام أنه قال : القنطار ألف ومائتا أوقية[(٤)](#foonote-٤)، وقال بذلك معاذ بن جبل وعبد الله بن عمر وأبو هريرة وعاصم بن أبي النجود وجماعة من العلماء، وهو أصح الأقوال، لكن القنطار على هذا يختلف باختلاف البلاد في قدر الأوقية، وقال ابن عباس والضحاك بن مزاحم والحسن بن أبي الحسن : القنطار ألف ومائتا مثقال[(٥)](#foonote-٥)، وروى الحسن ذلك مرفوعاً عن النبي عليه السلام، قال الضحاك وهو من  الفضة  ألف ومائتا مثقال، وروي عن ابن عباس أنه قال : القنطار من  الفضة  اثنا عشر ألف درهم، ومن  الذهب  ألف دينار، وروي بذلك عن الحسن والضحاك وقال سعيد بن المسيب : القنطار ثمانون ألفاً، وقال قتادة : القنطار مائة رطل من  الذهب  أو ثمانون ألف درهم من  الفضة ، وقال السدي : القنطار ثمانيه آلاف مثقال وهي[(٦)](#foonote-٦) مائة رطل، وقال مجاهد القنطار سبعون ألف دينار، وروي ذلك عن ابن عمر، وقال أبو نضرة[(٧)](#foonote-٧) : القنطار ملء مسك ثور ذهباً. 
قال ابن سيده : هكذا هو بالسريانية، وقال الربيع بن أنس : القنطار المال الكثير بعضه على بعض، وحكى النقاش عن ابن الكلبي، أن القنطار بلغة الروم ملء مسك ثور ذهباً[(٨)](#foonote-٨)، وقال النقاش : القناطير  ثلاثة،  والمقنطرة  تسعة لأنه جمع الجمع، وهذا ضعف نظر وكلام غير صحيح، وقد حكى مكي نحوه عن ابن كيسان أنه قال : لا تكون  المقنطرة  أقل من تسعة وحكى المهدوي عنه وعن الفراء، لا تكون  المقنطرة  أكثر من تسعة، وهذا كله تحكم. 
قال أبو هريرة : القنطار اثنا عشر ألف أوقية، وحكى مكي قولاً إن القنطار أربعون أوقية ذهباً أو فضة، وقاله ابن سيده في المحكم، وقال : القنطار بلغة بربر ألف مثقال، وروى أنس بن مالك عن النبي عليه السلام في تفسير قوله تعالى : وآتيتم إحداهن قنطاراً [(٩)](#foonote-٩) قال ألف دينار[(١٠)](#foonote-١٠) ذكره الطبري، وحكى الزجاج أنه قيل : إن القنطار هو رطل ذهباً أوفضة وأظنها وهماً، وإن القول مائة رطل فسقطت مائة للناقل، والقنطار إنما هو اسم المعيار الذي يوزن به، كما هو الرطل والربع، ويقال لما بلغ ذلك الوزن هذا قنطار أي يعدل القنطار، والعرب تقول : قنطر الرجل إذا بلغ ماله أن يوزن بالقنطار، وقال الزجاج : القنطار مأخوذ من عقد الشيء وأحكامه والقنطرة المعقودة نحوه، فكأن القنطار عقدة مال. 
واختلف الناس في معنى قوله : المقنطرة  فقال الطبري : معناه المضعفة، وكأن  القناطير  ثلاثة و  المقنطرة  تسع، وقد تقدم ذكر هذا النظر، وقال الربيع : معناه المال الكثير بعضه فوق بعض، وقال السدي : معنى  المقنطرة ، المضروبة حتى صارت دنانير أو دراهم، وقال مكي : المقنطرة  المكملة[(١١)](#foonote-١١)، والذي أقول : إنها إشارة إلى حضور المال وكونه عتيداً، فذلك أشهى[(١٢)](#foonote-١٢) في أمره وذلك أنك تقول في رجل غني من الحيوان والأملاك : فلان صاحب قناطير مال أي لو قومت أملاكه لاجتمع من ذلك ما يعدل قناطير، وتقول في صاحب المال الحاضر العتيد هو صاحب قناطير مقنطرة أي قد حصلت كذلك بالفعل بها، أي قنطرت فهي مقنطرة، وذلك أشهى للنفوس وأقرب للانتفاع وبلوغ الآمال. وقد قال مروان بن الحكم، ما المال إلا ما حازته العياب[(١٣)](#foonote-١٣)، وإذا كان هذا فسواء كان المال مسكوكاً، أو غير مسكوك، أما أن المسكوك أشهى لما ذكرناه، ولكن لا تعطي ذلك لفظة  المقنطرة . 
 والخيل  : جمع خائل عند أبي عبيدة، سمي الفرس لأنه يختال في مشيه[(١٤)](#foonote-١٤) فهو كطائر وطير، وقال غيره : هو اسم جمع لا واحد له من لفظه[(١٥)](#foonote-١٥)، واختلف المفسرون في معنى  المسومة  فقال سعيد بن جبير وابن عباس وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى[(١٦)](#foonote-١٦) والحسن والربيع ومجاهد، معناه الراعية في المروج والمسارح تقول : سامت الدابة أو الشاة إذا سرحت وأخذت سومها من الرعي أي غاية جهدها ولم تقصر عن حال دون حال، وأسمتها أنا إذا تركتها لذلك، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«في سائمة الغنم الزكاة »**[(١٧)](#foonote-١٧) ومنه قوله عز وجل : فيه تسيمون [(١٨)](#foonote-١٨) وروي عن مجاهد أنه قال : المسومة  معناه المطهمة الحسان، وقاله عكرمة، سومها الحسن، وروي عن ابن عباس أنه قال : المسومة  معناه المعلمة، شيات[(١٩)](#foonote-١٩) الخيل في وجوهها وقاله قتادة[(٢٠)](#foonote-٢٠)، ويشهد لهذا القول بيت لبيد[(٢١)](#foonote-٢١) :\[ الكامل \]
وَغَدَاةَ قاعِ الْقرْنَتينِ أتيْنَهُمْ. . . زُجْلاً يلوحُ خِلالها التَّسْوِيمُ[(٢٢)](#foonote-٢٢)
وأما قول النابغة[(٢٣)](#foonote-٢٣) :\[ الوافر \] :
بسمرٍ كَالْقِداحِ مُسَوَّمَاتٍ. . . عَلَيْهَا مَعْشَرٌ أَشْبَاهُ جنِّ[(٢٤)](#foonote-٢٤)
فيحتمل أن يريد المطهمة الحسان، ويحتمل أن يريد المعلمة بالشيات ويحتمل أن يريد المعدة، وقد فسر الناس قوله تعالى : مسومة عند ربك [(٢٥)](#foonote-٢٥) بمعنى معدة، وقال ابن زيد في قوله تعالى : والخيل المسومة  معناه : المعدة للجهاد. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق : قوله : للجهاد ليس من تفسير اللفظة،  والأنعام  الأصناف الأربعة : الإبل والبقر والضأن والمعز  والحرث  هنا اسم لكل ما يحرث، وهو مصدر سمي به، تقول : حرث الرجل إذا أثار ألأرض لمعنى الفلاحة فيقع اسم الحرث على زرع الحبوب وعلى الجنات وغير ذلك من أنواع الفلاحة. وقوله تعالى : إذ يحكمان في الحرث [(٢٦)](#foonote-٢٦) قال جمهور المفسرين، كان كرماً، والمتاع ما يستمتع به وينتفع مدة ما منحصرة، و  المآب  المرجع، تقول : آب الرجل يؤوب، ومنه قول الشاعر[(٢٧)](#foonote-٢٧) :\[ الوافر \]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\* رضيتُ من الْغَنِيمَةِ بالإيَابِ
وقول الآخر \[ بشر بن أبي حازم \] :\[ الوافر \]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\* إذا ما القَارِظُ العنَزِيّ آبا[(٢٨)](#foonote-٢٨)
وقول عبيد :\[ مخلع البسيط \]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\* وَغَائِبُ الموتِ لا يؤوبُ[(٢٩)](#foonote-٢٩)
وأصل مآب مأوب، نقلت حركة الواو إلى الهمزة وأبدل من الواو ألف، مثل مقال، فمعنى الآية تقليل أمر الدنيا وتحقيرها، والترغيب في حسن المرجع إلى الله تعالى في الآخرة، وفي قوله : زين للناس  تحسر ما على نحو ما في قول النبي عليه السلام : تتزوج المرأة لأربع -الحديث[(٣٠)](#foonote-٣٠)- وقوله تعالى : قل أؤنبئكم  \[ آل عمران : ١٥ \] بمثابة قول النبي عليه السلام :**«فاظفر بذات الدين »**.

١ - قال الزمخشري: الله سبحانه وتعالى هو المزين للابتلاء، كقوله تعالى: إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها، وقراءة: (زيّن) على البناء للفاعل تؤيد هذا المعنى لأن نسق الكلام قبلها ينسب الأفعال إلى الله في قوله: والله يؤيد....
٢ - مردٍ: مهلك..
٣ - أخرجه الإمام أحمد ومسلم والترمذي (عن أنس)، وأخرجه مسلم (عن أبي هريرة)، كما أخرجه الإمام أحمد في الزهد عن ابن مسعود موقوفا، (الجامع الصغير ١/٥٠٧)..
٤ - أخرجه ابن جرير (عن أبي بن كعب)، وأخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي (عن معاذ بن جبل)، وأخرجه ابن جرير (عن ابن عمر)، وأخرجه عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي (عن أبي هريرة)، وأخرجه ابن جرير البيهقي (عن ابن عباس)، (فتح القدير ١/٢٩٤)، وذكره ابن كثير ثم قال: "وهذا حديث منكر أيضا"..
٥ - انظر تفسير الطبري ٣/ ٢٠٠، والبغوي على هامش الخازن ١/٣٧٤.
٦ - في بعض النسخ: وهو..
٧ - هو المنذر بن مالك بن قطعة العبدي البصري، روى عن علي بن أبي طالب، وأبي موسى الأشعري، وأنس، وجابر، وغيرهم، وروى عنه سليمان التيمي، وحميد الطويل، وعاصم الأحول، وقتادة، وآخرون، ثقة، كثير الحديث، توفي سنة: ١٠٨هـ (تهذيب التهذيب١٠/٣٠٢)..
٨ -أخرجه عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن أبي سعيد الخدري. (فتح القدير للشوكاني. ١/٢٩٤) والمسك (بفتح الميم وسكون السين) هو: الجلد-وجمعه: مسوك ومسك..
٩ - من الآية ٢٠ من سورة النساء..
١٠ - أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أنس (فتح القدير: ١/٢٩٤)، وفي ابن كثير: رواه ابن أبي حاتم عن أنس بلفظ "قنطار يعني ألف دينار" قال: وهكذا رواه الطبراني (تفسير ابن كثير١/٣٥٢)..
١١ - هو كما تقول: بدرة مبدّرة وألف مؤلفة، وهذا أيضا قول ابن قتيبة..
١٢ - في بعض النسخ: أشهر..
١٣ - العياب: جمع عيبة وهي وعاء تحفظ فيه الثياب والمتاع، وقد قال الشاعر:
 يمرون بالدهنا خفافا عيابهم ويرجعن من دارين بجر الحقائب..
١٤ - في بعض النسخ: مشيته..
١٥ - ذهب ابن كثير إلى أن حبّ الخيل يكون إما استعدادا للغزو، أو رغبة في الفخر والتباهي، أو للتعفف واقتناء النسل..
١٦ - كوفي مولى خزاعة، روى عن أبيه، وروى عنه الأجلح الكندي وأسلم المنقري وسلمة بن كهيل ومنصور بن المعتمر وغيرهم، وثقه ابن حبان. (تهذيب التهذيب ٥/٢٩٠).
١٧ -أخرجه الإمام مالك في الموطأ في كتاب الزكاة، صدقة الماشية: ٢/١١٢..
١٨ - من الآية (١٠) من سورة النحل..
١٩ - شيات: جمع شية، وهي العلامة، سواد في بياض أو بياض في سواد، وكل ما خالف اللون في جميع الجسد في الدواب، وشية الفرس: لونه..
٢٠ - زيادة من بعض النسخ..
٢١ - البيت في ديوانه: ١٣٣..
٢٢ - القاع: الأرض المستوية؛ قاع القرنتين: موضع كانت فيه وقعة بين كنانة وغطفان، والنون في (أتينهم) ضمير الخيل، وزجلا: جماعات، والتسويم: الإعلام بعلامة تعرف بها في الحرب..
٢٣ - البيت في ديوانه: ١٢٨ (تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم)..
٢٤ - سمر: صفة للخيل، ويروى: بضمر، أي خيل ضامرة، شبهها في ضمورها بقداح المسير، وشبه الفرسان بالجن لشدة صولتهم وخفتهم في الحرب على الخيل..
٢٥ - من الآية (٣٤) من سورة الذاريات..
٢٦ - من الآية (٧٨) من سورة الأنبياء..
٢٧ - هو امرؤ القيس، وهذا الذي أورده هو عجز البيت، وصدره.
 وقد طوفت في الآفاق حتى ...........................
 وقد جرى قوله: رضيت... الخ" مجرى المثل، يضرب عند القناعة بالسلامة لمن سعى في شيء ولم يبلغه، أو لمن يشقى في طلب الحاجة ثم يرضى بالخلاص سالما..
٢٨ - هذا عجز بيت لبشر بن أبي حازم، وصدره: فرجي الخير وانتظري إيابي.
 والقارظ: الذي يجمع ورق السلم للدباغ، وفي أوبة القارظين يضرب المثل، وهما رجلان خرجا يجمعان القرظ ولم يعودا، (انظر فصل المقال: ٣٧٤، والميداني: ١/١٤٢، وجمهرة العسكري ١/١٢٣)..
٢٩ - هذا عجز بيت لعدي بن الأبرص الشاعر الجاهلي، وصدره: وكل ذي غيبة يئوب..
٣٠ -أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة، عن أبي هريرة (الجامع الصغير١/١٣٢ ط. دار الكتب العلمية، بيروت)..

### الآية 3:15

> ﻿۞ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَٰلِكُمْ ۚ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [3:15]

في هذه الآية تسلية عن الدنيا وتقوية لنفوس تاركيها، وذكر تعالى حال الدنيا وكيف استقر تزيين شهواتها، ثم جاء الإنباء بخير من ذلك، هازاً للنفوس وجامعاً لها لتسمع هذا النبأ المستغرب النافع لمن عقل، وأنبىء : معناه أخبر، وذهبت فرقة من الناس إلى أن الكلام الذي أمر النبي صلى عليه السلام بقوله تم في قوله تعالى : عند ربهم  و جنات  على هذا مرتفع بالابتداء المضمر تقديره : ذلك جنات، وذهب آخرون إلى أن الكلام تم في قوله : من ذلكم  وأن قوله  للذين  خبر متقدم، و جنات  رفع بالابتداء، وعلى التأويل الأول يجوز في  جنات  الخفض بدلاً من خير، ولا يجوز ذلك على التأويل الثاني، والتأويلان محتملان، وقوله  من تحتها  يعني من تحت أشجارها وعلوها من الغرف ونحوها و خالدين  نصب على الحال، وقوله : وأزواج  عطف على الجنات وهو جمع زوج وهي امرأة الإنسان، وقد يقال زوجة، ولم يأت في القرآن، و  مطهرة ، معناه من المعهود في الدنيا من الأقذار والريب وكل ما يصم في الخلق والخلق، ويحتمل أن يكون الأزواج الأنواع والأشباه، والرضوان، مصدر من الرضى وفي الحديث عن النبي عليه السلام : أن أهل الجنة إذا استقروا فيها وحصل لكل واحد منهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر قال الله لهم : أتريدون أن أعطيكم ما هو أفضل من هذا ؟ قالوا يا ربنا وأي شيء أفضل من هذا ؟ فيقول الله تعالى :**«أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً »**[(١)](#foonote-١)، هذا سياق الحديث، وقد يجيء مختلف الألفاظ والمعنى قريب بعضه من بعض، وفي قوله تعالى : والله بصير بالعباد  وعد ووعيد.

١ - أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري، (الجامع الصغير ١/٣٥٩)..

### الآية 3:16

> ﻿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [3:16]

الذين  بدل من  الذين اتقوا  \[ آل عمران : ١٥ \]، فسر في هذه الآية أحوال المتقين الموعودين بالجنات، ويحتمل أن يكون إعراب قوله :
 الذين  في هذه الآية على القطع وإضمار الابتداء ويحتاج إلى القطع وإضمار فعل في قوله : الصابرين  والخفض في ذلك كله على البدل أوجه. ويجوز في  الذين ، وما بعده النصب على المدح.

### الآية 3:17

> ﻿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ [3:17]

والصبر في هذه الآية معناه على الطاعات وعلى المعاصي والشهوات، والصدق معناه في الأقوال والأفعال، والقنوت، الطاعة والدعاء أيضاً، وبكل يتصف المتقي. والإنفاق معناه في سبيل الله ومظان الأجر كالصلة للرحم وغيرها، ولا يختص هذا الإنفاق بالزكاة المفروضة. والاستغفار طلب المغفرة من الله تعالى، وخص تعالى السحر لما فسر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله، ينزل ربنا عز وجل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول، من يدعوني فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر[(١)](#foonote-١). 
وروي في تفسير قول يعقوب عليه السلام : سوف أستغفر لكم ربي، أنه أخر الأمر إلى السحر[(٢)](#foonote-٢)، وروى إبراهيم بن حاطب[(٣)](#foonote-٣) عن أبيه قال : سمعت رجلاً في السحر في ناحية المسجد يقول : رب أمرتني فأطعتك، وهذا سحر فاغفر لي، فنظرت فإذا ابن مسعود[(٤)](#foonote-٤)، وقال أنس بن مالك : أمرنا أن نستغفر بالسحر سبعين استغفارة[(٥)](#foonote-٥)، وقال نافع : كان ابن عمر يحيي الليل صلاة ثم يقول : يا نافع آسحرنا ؟ فأقول : لا، فيعاود الصلاة ثم يسأل، فإذا قلت نعم قعد يستغفر[(٦)](#foonote-٦)، فلفظ الآية إنما يعطي طلب المغفرة، وهكذا تأوله من ذكرناه من الصحابة، وقال قتادة : المراد بالآية المصلون بالسحر، وقال زيد بن أسلم : المراد بها الذين يصلون صلاة الصبح في جماعة وهذا كله يقترن به الاستغفار، والسحر، بفتح الحاء وسكونها آخر الليل، قال الزجاج وغيره : هو قبل طلوع الفجر، وهذا صحيح لأن ما بعده الفجر هو من اليوم لا من الليلة، وقال بعض اللغوين : السحر من ثلث الليل الآخر إلى الفجر. 
قال الفقيه الإمام : والحديث في التنزل و هذه الآية في الاستغفار يؤيدان هذا، وقد يجيء في أشعار العرب ما يقتضي أن حكم السحر يستمر فيما بعد الفجر نحو قول إمرىء القيس :\[ المتقارب \]
يَعُلُّ بهِ بَرْدَ أنْيابِها. . . إذا غَرَّدَ الطَّائِرُ المُسْتَحِرْ[(٧)](#foonote-٧)
يقال : أسحر واستحر إذا دخل في السحر، وكذلك قولهم : نسيم السحر، يقع لما بعد الفجر، وكذلك قول الشاعر :\[ ربيع بن زياد \] [(٨)](#foonote-٨)
تجد النساء حواسراً يندبنه. . . قد قمن قبل تبلج الأسحار
فقد قضى أن السحر يتبلج بطلوع الفجر، ولكن حقيقة السحر في هذه الأحكام الشرعية من الاستغفار المحمود، ومن سحور الصائم، ومن يمين لو وقعت إنما هي من ثلث الليل الباقي إلى السحر.

١ - أخرجه الصحيحان وغيرهما من أصحاب المسانيد والسنن بروايات مختلفة، (فتح القدير، وابن كثير، ومجمع الزوائد. ١/١٥٣)..
٢ - أخرجه أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن مسعود. (فتح القدير ٣/٥٢). والآية هي رقم (٩٨) من سورة يوسف..
٣ - لعله إبراهيم بن عبد الله بن الحارث بن حاطب الجمحي، روى عن عبد الله بن دينار وعطاء بن أبي رباح والثقات، وقال ابن القطان: لا يعرف حاله. (تهذيب التهذيب ١/١٣٣)..
٤ - انظر تفسير الطبري ٣/ ٢٠٨، وابن كثير ٢/٢٠..
٥ - أخرجه عنه ابن جرير وابن مردويه. (فتح القدير ١/٢٩٤).
٦ - رواه ابن أبي حاتم وفيه: هل جاء السحر؟ بدل "أسحرنا" (تفسير ابن كثير ٢/٢٠)..
٧ - العلّ: السقي أو الشرب ثانية، والبرد: الرقيق، واستحر الطائر: غرّد بسحر، والطائر المستحر هو الديك هنا؛ والضمير في "به" يعود إلى الشراب..
٨ - هو الربيع بن زياد العبسي يقوله في رثاء مالك بن زهير، (الأغاني ١٧/١٣٠ ط. دار الثقافة، بيروت)، وقد روى صاحب الأغاني بيتا آخر في القصيدة نفسها مشبها لهذا المثبت هنا، وهو:
 من مثله تمسي النساء حواسرا وتقوم معولة مع الأسحار
 وقبل البيت الذي ذكره ابن عطية بيت آخر هو:
 من كان مسرورا بمقتل مالك فليأت نسوتنا بوجه نهار.

### الآية 3:18

> ﻿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [3:18]

أصل  شهد  في كلام العرب حضر، ومنه قوله تعالى : فمن شهد منكم الشهر فليصمه [(١)](#foonote-١) ثم صرفت الكلمة حتى قيل في أداء ما تقرر علمه في النفس بأي وجه تقرر من حضور أو غيره : شهد يشهد فمعنى  شهد الله  أعلم عباده بهذا الأمر الحق وبينه، وقال أبو عبيدة : شهد الله  معناه، قضى الله وهذا مردود من جهات، وقرأ جميع القراء : أنه لا إله  بفتح الألف من  أنه  وبكسرها من قوله : إن الدين  \[ آل عمران : ١٩ \] واستئناف الكلام، وقرأ الكسائي وحده ******«أن الدين »****** بفتح الألف، قال أبو علي :**«أن »** بدل من  أنه  الأولى، وإن شئت جعلته من بدل الشيء من الشيء وهو هو، لأن الإسلام هو التوحيد والعدل، وإن شئت جعلته من بدل الاشتمال لأن الإسلام يشتمل على التوحيد والعدل، وإن شئت جعلت **«إن الدين »** بدلاً من القسط لأنه هو في المعنى. ووجه الطبري هذه القراءة، بأن قدر في الكلام، واو عطف ثم حذفت وهي مرادة كأنه قال : وإن الدين  \[ آل عمران : ١٩ \] وهذا ضعيف، وقرأ عبد الله بن العباس :****«إنه لا إله إلا هو »**** بكسر الألف من **«إنه »**، وقرأ ******«أن الدين »****** بفتح الألف، فأعمل  شهد  في ******«أن الدين »****** وجاء قوله :****«إنه لا إله إلا هو »**** اعتراضاً جميلاً في نفس الكلام المتصل. وتأول السدي الآية على نحو قراءة ابن عباس فقال : الله وملائكته والعلماء يشهدون : إن الدين عند الله الإسلام  \[ آل عمران : ١٩ \] وقرأ أبو المهلب[(٢)](#foonote-٢) عم محارب بن دثار[(٣)](#foonote-٣)، **«شهداء الله »** على وزن فعلاء، وبالإضافة إلى المكتوبة، قال أبو الفتح[(٤)](#foonote-٤)، هو نصب على الحال من الضمير في  المستغفرين  \[ آل عمران : ١٧ \] وهو جمع شهيد أو جمع شاهد كعالم وعلماء، وروي عن أبي المهلب هذا أنه قرأ **«شهدُ الله »** برفع الشهداء، وروي عنه أنه قرأ ****«شُهُد الله »**** على وزن - فُعُل- بضم الفاء والعين ونصب شهداء على الحال، وحكى النقاش أنه قرىء ****«شُهُد الله »**** بضم الشين والهاء، والإضافة إلى المكتوبة قال : فمنهم من نصب الدال ومنهم من رفعها، وأصوب هذه القراءات قراءة الجمهور، وإيقاع الشهادة على التوحيد، و  الملائكة وأولو العلم  عطف على اسم الله تعالى، وعلى بعض ما ذكرناه من القراءات يجيء قوله : والملائكة وأولو العلم ابتداء وخبره مقدر، كأنه قال : والملائكة وأولو العلم  يشهدون و  قائماً  نصب على الحال من اسمه تعالى في قوله : شهد الله  أو من قوله  إلا هو  وقرأ ابن مسعود **«القائم بالقسط »** والقسط العدل.

١ - من الآية (١٨٥) من سورة البقرة..
٢ - لم أجد في من يكنون بهذه الكنية من يعد عما لمحارب، وسقطت لفظة "عم" من المحتسب ١/١٥٥ فأصبح: "أبو المهلب محارب بن دثار"..
٣ - محارب بن دثار السدوسي الكوفي، كان قاضيا بالكوفة، روى عن ابن عمر وعبد الله بن يزيد النخعي وغيرهما، وعنه عطاء بن السائب، وأبو إسحاق الشيباني والأعمش وغيرهم، تابعي ثقة (تهذيب التهذيب ١/ ٤٩)..
٤ - انظر المحتسب ١/ ١٥٥-١٥٦، وقوله قبل ذلك (إلى المكتوبة) يريد بالمكتوبة لفظ الجلالة..

### الآية 3:19

> ﻿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [3:19]

قد تقدم ذكر اختلاف القراء في كسر الألف من  إن الدين  وفتحها، و الدين  في هذه الآية الطاعة والملة، والمعنى، أن الدين المقبول أو النافع أو المقرر، و الإسلام  في هذه الآية هو الإيمان والطاعة، قاله أبو العالية وعليه جمهور المتكلمين، وعبر عنه قتادة ومحمد بن جعفر بن الزبير بالإيمان. 
قال أبو محمد رحمه الله : ومرادهما، أنه من الأعمال، و الإسلام  هو الذي سأل عنه جبريل النبي عليه السلام حين جاء يعلم الناس دينهم الحديث[(١)](#foonote-١) وجواب النبي له في الإيمان والإسلام يفسر ذلك، وكذلك تفسيره قوله عليه السلام : بني الإسلام على خمس، الحديث[(٢)](#foonote-٢)، وكل مؤمن بنبيه ملتزم لطاعات شرعه فهو داخل تحت هذه الصفة، وفي قراءة ابن مسعود **«إن الدين عند الله للإسلام »** باللام[(٣)](#foonote-٣) ثم أخبر تعالى عن اختلاف أهل الكتاب، أنه كان على[(٤)](#foonote-٤) علم منهم بالحقائق، وأنه كان بغياً وطلباً للدنيا، قاله ابن عمر وغيره. 
و  والذين أوتوا الكتاب  لفظ يعم اليهود والنصارى، لكن الربيع بن أنس قال، المراد بهذه الآية اليهود[(٥)](#foonote-٥)، وذلك أن موسى عليه السلام، لما حضرته الوفاة، دعا سبعين حبراً من أحبار[(٦)](#foonote-٦) بني إسرائيل فاستودعهم التوراة، عند كل حبر جزء، واستخلف يوشع بن نون فلما مضت ثلاثة قرون، وقعت الفرقة بينهم، وقال محمد بن جعفر بن الزبير : المراد بهذه الآية النصارى، وهي توبيخ لنصارى نجران، و بغياً  نصب على المفعول من أجله أو على الحال من  الذين  ثم توعد عز وجل الكفار، وسرعة الحساب يحتمل أن يراد بها سرعة مجيء القيامة والحساب إذ هي متيقنة الوقوع، فكل آت قريب ويحتمل أن يراد بسرعة الحساب أن الله تعالى بإحاطته بكل شيء علماً لا يحتاج إلى عد ولا فكرة، قاله مجاهد.

١ - الحديث مشهور-أخرجه البخاري، ومسلم، والإمام أحمد، والبزار، والطبراني في الكبير بروايات مختلفة. "مجمع الزوائد ١/٣٨" والحديث مروي عن عمر بن الخطاب- وقد جاء فيه عن الإسلام والإيمان بلفظ مسلم: "وقال: يا محمد. أخبرني عن الإسلام، قال: "الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا" قال. صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه! قال: "فأخبرني عن الإيمان. قال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" (مشكاة المصابيح ١/٩)..
٢ - أخرجه الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي-عن ابن عمر- حديث صحيح. الجامع الصغير ١/٤٢٨- ونصه كما نقله في مشكاة المصابيح: (وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان). ثم قال: متفق عليه..
٣ - أي: المفتوحة..
٤ - في بعض الروايات: عن..
٥ - ما بين القوسين سقط في كثير من النسخ..
٦ -جاء في الصحاح: والحِبر والحَبر: واحد أحبار اليهود. قال أبو عبيد: والذي عندي أنه الحَبر. ومعناه: العالم بتحبير الكلام والعلم وتحسينه..

### الآية 3:20

> ﻿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ۗ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا ۖ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [3:20]

حاجوك  فاعلوك من الحجة والضمير في  حاجوك  لليهود ولنصارى نجران والمعنى : إن جادلوك وتعنتوا بالأقاويل المزورة، والمغالطات فاسند[(١)](#foonote-١) إلى ما كلفت من الإيمان والتبليغ وعلى الله نصرك. وقوله  وجهي  يحتمل أن يراد به المقصد كما تقول خرج فلان في وجه كذا فيكون معنى الآية : جعلت مقصدي لله، ويحتمل أن يكون معنى الآية، أسلمت شخصي وذاتي وكليتي وجعلت ذلك لله، وعبر بالوجه إذ الوجه أشرف أعضاء الشخص وأجمعها للحواس، وقد قال حذاق المتكلمين في قوله تعالى : ويبقى وجه ربك [(٢)](#foonote-٢) أنها عبارة عن الذات، و  أسلمت  في هذا الموضع بمعنى دفعت وأمضيت وليست بمعنى دخلت في السلم لأن تلك لا تتعدى، وقوله تعالى  ومن اتبعن  في موضع رفع عطف على الضمير في  أسلمت  ويجوز أن يكون مبتدأ أي  ومن اتبعن  أسلم وجهه، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون في موضع خفض عطفاً على اسم الله تعالى كأنه يقول : جعلت مقصدي لله بالإيمان به والطاعة له، ولمن اتبعن بالحفظ له والتحفي[(٣)](#foonote-٣) بتعليمه وصحبته لك في  اتبعن  حذف الياء وإثباتها وحذفها أحسن اتباعاً لخط المصحف، وهذه النون إنما هي لتسليم فتحة لام الفعل فهي مع الكسرة تغني عن الياء لا سيما إذا كانت رأس آية، فإنها تشبه قوافي الشعر كما قال الأعشى :\[ المتقارب \]
وَهَلْ يَمْنَعَنّ ارتياد البِلا. . . دِ منْ حَذَرِ الْمَوت أنْ يَأْتِيَنْ[(٤)](#foonote-٤)
فمن ذلك قوله تعالى : ربي أكرمن [(٥)](#foonote-٥) فإذا لم تكن نون فإثبات الياء أحسن، لكنهم قد قالوا : هذا غلام قد جاء فاكتفوا بالكسرة دلالة على الياء[(٦)](#foonote-٦)، و الذين أوتوا الكتاب  في هذا الموضع يجمع اليهود والنصارى باتفاق، والأميون هم الذين لا يكتبون وهم العرب في هذه الآية، وهذه النسبة هي إلى الأم أو إلى الأمة أي كما هي الأم، أو على حال خروج الإنسان عن الأم أو على حال الأمة الساذجة قبل التعلم والتحذق، وقوله : أأسلمتم  تقرير في ضمنه الأمر كذا قال الطبري وغيره، وذلك بين[(٧)](#foonote-٧)، وقال الزجاج  أأسلمتم  تهديد، وهذا حسن، لأن المعنى أأسلمتم أم لا ؟ وقوله تعالى : فقد اهتدوا  وجاءت العبارة بالماضي مبالغة في الإخبار بوقوع الهدى لهم وتحصله. 
وقوله تعالى : فإنما عليك البلاغ  ذكر بعض الناس أنها آية موادعة وأنها مما نسخته آية السيف. 
قال أبو محمد : وهذا يحتاج أن يقترن به معرفة تاريخ نزولها، وأما على ظاهر نزول هذه الآية في وقت وفد نجران فإنما المعنى  فإنما عليك البلاغ  بما فيه قتال وغيره، و  البلاغ  مصدر بلغ بتخفيف عين الفعل، وفي قوله تعالى : والله بصير بالعباد  وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين[(٨)](#foonote-٨). 
١ - سندت إلى الشيء أسند سنودا واستندت بمعنى..
٢ - من الآية (٢٧) من سورة الرحمان..
٣ - التحفي: الاهتمام والاحتفال، والحفاوة: المبالغة في السؤال عن الرجل والعناية بأمره..
٤ - البيت من قصيدة قالها يمدح بها قيس بن معدي كرب الكندي؛ وارتياد البلاد: كثرة التجول في أنحائها، وطلب الحاجات وتلمسها فيها، يقول: هل يمنعني ارتيادي البلاد من أن أحذر الموت أن يأتيني؟ وهو من قصيدة مطلعها:
 لعمرك ما طول هذا الزمن على المرء إلا عناء معن.
٥ - من الآية (١٥) من سورة الفجر..
٦ - أي: إثبات الياء كما جاء في بعض النسخ. قال الزمخشري: \[ومن اتبعن\] عطف على التاء في \[أسلمت\]، وحسن للفاصل.
 وقال ابن كثير: \[ومن اتبعن\] أي على ديني يقول مقالتي، كما قال تعالى: \[قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني\]..
٧ - ما بين القوسين زيادة عن بعض النسخ..
٨ - قال ابن كثير في تفسيره بعد أن انتهى من تفسير هذه الآية: "وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته صلوات الله وسلامه عليه إلى جميع الخلق"..

### الآية 3:21

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [3:21]

قال محمد بن جعفر بن الزبير وغيره : إن هذه الآية في اليهود والنصارى. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وتعم كل من كان بهذه الحال، والآية توبيخ للمعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمساوىء أسلافهم وببقائهم أنفسهم على فعل ما أمكنهم من تلك المساوىء لأنهم كانوا حرصى[(١)](#foonote-١) على قتل محمد عليه السلام، وروي أن بني إسرائيل قتلوا في يوم واحد سبعين نبياً وقامت سوق البقل بعد ذلك[(٢)](#foonote-٢)، وروى أبو عبيدة بن الجراح عن النبي عليه السلام : أنهم قتلوا ثلاثة وأربعين نبياً فاجتمع من خيارهم وأحبارهم مائة وعشرون ليغيروا وينكروا فقتلوا أجمعين كل ذلك في يوم واحد[(٣)](#foonote-٣) وذلك معنى قوله تعالى : ويقتلون الذين يأمرون بالقسط  وقوله تعالى : بغير حق  مبالغة في التحرير للذنب إذ في الإمكان[(٤)](#foonote-٤) أن يقتضي ذلك أمر الله تعالى بوجه ما من تكرمة نبي أوغير ذلك، وعلى هذا المعنى تجيء أفعل من كذا إذا كان فيها شياع[(٥)](#foonote-٥) مثل أحب وخير وأفضل ونحوه مقولة من شيئين ظاهرهما الاشتراك[(٦)](#foonote-٦) بينهما. 
وقرأ جمهور الناس :**«ويقتلون الذين »** وقرأ حمزة وجماعة من غير السبعة **«ويقاتلون الذين »** وفي مصحف ابن مسعود **«وقاتلوا الذين »**، وقرأها الأعمش، وكلها متوجهة وأبينها قراءة الجمهور، والقسط العدل، وجاءت البشارة بالعذاب من حيث نص عليه وإذا جاءت البشارة مطلقة فمجملها فيما يستحسن، ودخلت الفاء في قوله : فبشرهم  لما في الذي من معنى الشرط في هذا الموضع فذلك بمنزلة قولك : الذي يفعل كذا فله إذا أردت أن ذلك إنما يكون له بسبب فعله الشيء الآخر فيكون الفعل في صلتها وتكون بحيث لم يدخل عليها عامل يغير معناها كليت ولعل، وهذا المعنى نص في كتاب سيبويه في باب ترجمة هذا باب الحروف التي تتنزل منزلة الأمر والنهي لأن فيها معنى الأمر والنهي[(٧)](#foonote-٧).

١ -هكذا بالأصل مع أن (حرصى) ليست جمعا قياسا..
٢ -ذكره البغوي في تفسيره عند قوله تعالى: ويقتلون النبيين بغير الحق في سورة البقرة (تفسير الخازن ١/٥٦)..
٣ -أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم عن أبي عبيدة بن الجراح. "فتح القدير" للشوكاني ١/٢٩٨، ولفظه كما ذكره ابن كثير في تفسيره، والزمخشري في الكشاف: عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال: "رجل قتل نبيا أو من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم\]. الآية، ثم قال: "يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة وسبعون رجلا من بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف، ونهوهم عن المنكر فقتلوهم جميعا من آخر النهار من ذلك اليوم، فهم الذين ذكر الله عز وجل". وهكذا رواه ابن جرير عن مكحول..
٤ -اختلفت النسخ في العبارة التي وضعناها بين القوسين فجاءت العبارة في بعضها: (في التحرير من الطريق)، وفي بعض آخر: (في التحذير من طريق)، وفي بعضها: (في التحذير للذنب) ولعل الصواب فيها هو: (في التحذير من الذنب إذ في الإمكان)..
٥ - في اللسان: "شاع الشيب شيعا وشياعا وشيوعا وشيعوعة ومشيعا: ظهر وتفرّق، وشاع فيه الشيب. والمصدر ما تقدم. وشاع الخبر في الناس يشيع شيعا وشيعانا ومشاعا وشيعوعة فهو شائع: انتشر وافترق وذاع وظهر..
٦ - في بعض النسخ: (ظاهرهما أن لا اشتراك بينهما)..
٧ -انظر كتاب سيبويه ١/٤٥٢..

### الآية 3:22

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [3:22]

و حبطت  معناه بطلت وسقط حكمها، وحبطها في الدنيا بقاء الذم واللعنة عليهم، وحبطها في الآخرة كونها هباء منبثاً وتعذيبهم عليها، وقرأ ابن عباس وأبو السمال العدوي :**«حبَطت »** فتح الباء وهي لغة، ثم نفى النصر عنهم في كلا الحالين.

### الآية 3:23

> ﻿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ [3:23]

قال ابن عباس : نزلت هذه الآية بسبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل بيت المدراس[(١)](#foonote-١) على جماعة من يهود فدعاهم إلى الله فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد[(٢)](#foonote-٢) على أي دين أنت يا محمد ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«أنا على ملة إبراهيم »** فقالا : فإن إبراهيم كان يهودياً، فقال لهما النبي عليه السلام :**«فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم »** فأبيا عليه فنزلت، وذكر النقاش : أنها نزلت لأن جماعة من اليهود أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. فقال لهم النبي عليه السلام :**«هلموا إلى التوراة ففيها صفتي »**[(٣)](#foonote-٣) فأبوا. 
قال القاضي أبو محمد : فالكتاب في قوله : من الكتاب [(٤)](#foonote-٤) هو اسم الجنس، و  الكتاب  في قوله : إلى كتاب الله  هو التوراة، وقال قتادة وابن جريج : الكتاب  في قوله  إلى كتاب الله  هو القرآن، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم إليه فكانوا يعرضون، ورجح الطبري القول الأول، وقال مكي : الكتاب الأول اللوح المحفوظ والثاني التوراة، وقرأ جمهور الناس **«ليَحكم »** بفتح الياء أي ليحكم الكتاب، وقرأ الحسن وأبو جعفر وعاصم الجحدري **«ليُحكم »** بضم الياء وبناء الفعل للمفعول، وخص الله تعالى بالتولي فريقاً دون الكل لأن منهم من لم يتول كابن سلام وغيره.

١ - المدارس: الموضع يدرس فيه كتاب الله، ومنه: مدارس اليهود و-دارس كتب اليهود، وفي حديث اليهودي الزاني: " فوضع مدرسها كفه على آية الرجم" (ج) مداريس (المعجم الوسيط: ١/٢٨٠)..
٢ - الذي في سيرة ابن هشام: النعمان بن زيد، وزيد بن الحارث، وهما يهوديان من يهود بني قينقاع، "سيرة ابن هشام ٢/٣٥٩".
 لكن الزمخشري يتفق مع ابن عطية في الاسمين المذكورين وهما: "نعيم بن عمرو، والحارث بن زيد". "الكشاف ١/٤٢٠"..
٣ - أخرجه ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم-عن ابن عباس-"فتح القدير" للشوكاني ١/٢٩٨..
٤ - من هنا للتبعيض أو للبيان..

### الآية 3:24

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ۖ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [3:24]

وقوله تعالى : ذلك بأنهم  الإشارة فيه إلى التولي والإعراض، أي إنما تولوا وأعرضوا لاغترارهم بهذه الأقوال والافتراء الذي لهم في قولهم : نحن أبناء الله وأحباؤه [(١)](#foonote-١) إلى غير ذلك من هذا المعنى، وكان من قول بني إسرائيل : إنهم لن تمسهم النار إلا أربعين يوماً عدد الأيام التي عبدوا فيها العجل، قاله الربيع وقتادة، وحكى الطبري أنهم قالوا : إن الله وعد أباهم يعقوب أن لا يدخل أحداً من ولده النار إلا تحلة القسم[(٢)](#foonote-٢)، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لليهود : من أول من يدخل النار ؟ فقالوا نحن فترة يسيرة ثم تخلفوننا فيها فقال : كذبتم الحديث بطوله[(٣)](#foonote-٣)، و  يفترون  معناه، يشققون ويختلقون من الأحاديث في مدح دينهم وأنفسهم وادعاء الفضائل لها.

١ - من الآية (١٨) من سورة المائدة..
٢ - تفسير الطبري عن قتادة ٣/٢١٩..
٣ - أخرجه ابن مردويه (عن أبي هريرة)، والبخاري وأحمد والنسائي (عن الليث بن سعد)، وأخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم (عن عكرمة؛ انظر ابن كثير: ١/١١٨ وفتح القدير: ١/٨٩..

### الآية 3:25

> ﻿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [3:25]

ثم قال تعالى خطاباً لمحمد وأمته على جهة التوقيف والتعجيب فكيف حال هؤلاء المغترين بالأباطيل إذا حشروا يوم القيامة واضمحلت تلك الزخارف التي ادعوها في الدنيا وجوزوا بما اكتسبوه من كفرهم وأعمالهم القبيحة ؟ قال النقاش : واليوم الوقت، وكذلك قوله : في ستة أيام [(١)](#foonote-١) إنما هي عبارة عن أوقات فإنها الأيام والليالي والصحيح في يوم القيامة أنه يوم لأن قبله ليلة وفيه شمس، واللام في قوله تعالى : ليوم  طالبة لمحذوف، قال الطبري تقديره لما يحدث في يوم.

١ - في ستة أيام (الفرقان: ٥٩)؛ في يومين (فصلت: ٩ و ١٢)؛ في أربعة أيام (فصلت: ١٠)..

### الآية 3:26

> ﻿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [3:26]

قال بعض العلماء : إن هذه الآية دافعة لباطل نصارى نجران في قولهم : إن عيسى هو الله وذلك أن هذه الأوصاف تبين لكل صحيح الفطرة أن عيسى عليه السلام ليس في شيء منها، وقال قتادة : ذكر لنا أن النبي عليه السلام سأل ربه أن يجعل في أمته ملك فارس والروم فنزلت الآية في ذلك[(١)](#foonote-١). وقال مجاهد : الملك  في هذه الآية النبوة، والصحيح أنه  مالك الملك  كله مطلقاً في جميع أنواعه، وأشرف ملك يؤتيه سعادة الآخرة وروي أن الآية نزلت بسبب أن النبى عليه السلام بشّر أمته بفتح ملك فارس وغيره[(٢)](#foonote-٢) فقالت اليهود والمنافقون : هيهات وكذبوا ذلك، واختلف النحويون في تركيب لفظة  اللهم  بعد إجماعهم على أنها مضمومة الهاء مشددة الميم المفتوحة وأنها منادى، ودليل ذلك أنها لا تأتي مستعملة في معنى خبر، فمذهب الخليل وسيبويه والبصريين، أن الأصل **«يالله »** فلما استعملت الكلمة دون حرف النداء الذي هو- يا- جعلوا بدل حرف النداء هذه الميم المشددة، والضمة في الهاء هي ضمة الاسم المنادى المفرد، وذهب حرفان فعوض بحرفين، ومذهب الفراء والكوفيين، أن أصل  اللهم  يا لله أم : أي أم بخير وأن ضمة الهاء ضمة الهمزة التي كانت في أم نقلت، ورد الزجاج على هذا القول وقال : محال أن يترك الضم الذي هو دليل على نداء المفرد وأن تجعل في اسم الله ضمة أم، هذا إلحاد في اسم الله تعالى. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا غلو من الزجاج، وقال أيضاً : إن هذا الهمز الذي يطرح في الكلام فشأنه أن يؤتى به أحياناً قالوا :**«ويلمه »** في ويل أمه والأكثر إثبات الهمزة، وما سمع قط **«يالله أم »** في هذا اللفظ، وقال أيضاً : ولا تقول العرب **«ياللهم »**، وقال الكوفيون : إنه قد يدخل حرف النداء على  اللهم  وأنشدوا على ذلك :\[ الرجز \]
وما عليك أن تقولي كلما. . . سبحت أو هللت ياللهم ما
اردُدْ عَلَيْنَا شَيْخَنَا مُسَلَّما[(٣)](#foonote-٣). . . 
قالوا : فلو كانت الميم عوضاً من حرف النداء لما اجتمعا، قال الزجاج، وهذا شاذ لا يعرف قائله ولا يترك له ما في كتاب الله وفي جميع ديوان العرب، قال الكوفيون : وإنما تزاد الميم مخففة في **«فم وابنم »** ونحوه فأما ميم مشددة فلا تزاد، قال البصريون : لما ذهب حرفان عوض بحرفين[(٤)](#foonote-٤)، ومالك نصب على النداء، نص سيبويه ذلك في قوله تعالى : قل اللهم فاطر السماوات والأرض  \[ الزمر : ٤٦ \] [(٥)](#foonote-٥)وقال : إن  اللهم  لا يوصف لأنه قد ضمت إليه الميم، قال الزجاج : ومالك عندي صفة لاسم الله تعالى وكذلك  فاطر السموات  قال أبو علي : وهو مذهب أبي العباس، وما قال سيبويه أصوب وذلك أنه ليس في الأسماء الموصوفة شيء على حد  اللهم  لأنه اسم مفرد ضم إليه صوت والأصوات لا توصف نحو، غاق وما أشبهه، وكأن حكم الاسم المفرد أن لا يوصف وإن كانوا قد وصفوه في مواضع فلما ضم هنا ما لا يوصف إلى ما كان قياسه أن لا يوصف صار بمنزلة صوت ضم إلى صوت نحو، **«حيهل »** فلم يوصف، قال النضر بن شميل[(٦)](#foonote-٦) : من قال  اللهم  فقد دعا الله بجميع أسمائه كلها، وقال الحسن : اللهم  مجمع الدعاء. 
وخص الله تعالى : الخير  بالذكر وهو تعالى بيده كل شيء، إذ الآية في معنى دعاء ورغبة فكأن المعنى  بيدك الخير  فأجزل حظي منه، وقيل المراد  بيدك الخير  والشر فحذف لدلالة أحدهما على الآخر، كما قال  تقيكم الحر [(٧)](#foonote-٧) قال النقاش : بيدك الخير  أي النصر والغنيمة فحذف لدلالة أحدهما.

١ - أخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة، (فتح القدير: ١/٢٩٩)..
٢ - رواه الواحدي عن ابن عباس وأنس بن مالك. روح المعاني للألوسي ٣/١١٢، وذكره البغوي في تفسيره نقلا عن ابن عباس وأنس. ١/٢٨٠..
٣ - هذا الرجز مما لم يعرف قائله، والشاعر يخاطب أنثى لعلها زوجه أو ابنته ويطالبها أن تدعو له إذا سافر وغاب في أوقات الدعوات ومكان القبول، وتمام البيت الثاني: 
 ......................... فإننا من خيره أن نعدما.
٤ - قال الزمخشري: (الميم) في (اللهم) عوض من (يا)، ولذلك لا يجتمعان، وهذا بعض خصائص هذا الاسم، كما اختص بالتاء في القسم، وبدخول حرف النداء عليه، وفيه لام التعريف، وبقطع همزته في يا ألله. وبغير ذلك" –الكشاف ١/٤٢١..
٥ - من الآية (٤٦) من سورة الزمر. وكلمة (نص) تتعدى بنفسها، ولهذا سقط حرف الجر (على) في بعض النسخ..
٦ - النضر بن شميل بن خرشة المازني التميمي (١٢-٢٠٣هـ/ ٧٤٠-٨١٩م) من كبار النحويين اللغويين، (انظر أنباه الرواة ٣/٣٤٨، وثبتا بمصادر أخرى في الحاشية)..
٧ - من الآية (٨١) من سورة النحل..

### الآية 3:27

> ﻿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [3:27]

وقال ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والسدي وابن زيد في معنى قوله تعالى : تولج الليل في النهار  الآية : أنه ما ينتقص من النهار فيزيد في الليل وما ينتقص من الليل فيزيد في النهار دأباً كل فصل من السنة، وتحتمل ألفاظ الآية أن يدخل فيها تعاقب الليل والنهار كأن زوال أحدهما ولوج في الآخر. 
واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى : وتخرج الحي من الميت  الآية، فقال الحسن : معناه تخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، وروي نحوه عن سلمان الفارسي، وروى الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على بعض أزواجه فإذا بامرأة حسنة النغمة فقال : من هذه ؟ قالت إحدى خالاتك فقال : إن خالاتي بهذه البلدة لغرائب، أي خالاتي هي ؟ قالت : خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث[(١)](#foonote-١) فقال النبي عليه السلام : سبحان الذي يخرج الحي من الميت[(٢)](#foonote-٢)، وكانت امرأة صالحة وكان أبوها كافراً وهو أحد المستهزئين الذين كفيهم النبي عليه السلام. 
قال أبو محمد : فالمراد على هذا القول موت قلب الكافر وحياة قلب المؤمن والحياة والموت مستعاران، وذهب جمهور كثير من العلماء إلى أن الحياة والموت في الآية إنما هو الحياة حقيقة والموت حقيقة لا باستعارة، ثم اختلفوا في المثل التي فسروا بها فقال عكرمة : هو إخراج الدجاجة وهي حية من البيضة وهي ميتة وإخراج البيضة وهي ميتة من الدجاجة وهي حية ولفظ الإخراج في هذا المثال وما ناسبه لفظ متمكن على عرف استعماله، وقال عبد الله بن مسعود في تفسير الآية : هي النطفة تخرج من الرجل وهي ميتة وهو حي ويخرج الرجل منها وهي ميتة. 
قال القاضي أبو محمد : ولفظ الإخراج في تنقل النطفة حتى تكون رجلاً إنما هو عبارة عن تغير الحال كما تقول في صبي جيد البنية : يخرج من هذا رجل قوي، وهذا المعنى يسميه ابن جني : التجريد أي تجرد الشيء من حال إلى حال هو خروج، وقد يحتمل قوله تعالى : ويخرج الميت من الحي  أن يراد به أن الحيوان كله يميته فهذا هو معنى التجريد بعينه وأنشد ابن جني على ذلك :
أَفَاءَتْ بَنُوا مَرْوانَ ظُلْماً دِمَاءَناَ\*\*\* وفي اللَّهِ إنْ لَمْ يُنْصِفُوا حَكَمٌ عَدْلُ[(٣)](#foonote-٣)
وروى السدي عن أبي مالك[(٤)](#foonote-٤) قال في تفسير الآية : هي الحبة تخرج من السنبلة والسنبلة تخرج من الحبة، والنواة تخرج من النخلة والنخلة تخرج من النواة والحياة في النخلة والسنبلة تشبيه، وقوله تعالى : بغير حساب  قيل معناه بغير حساب منك لأنه تعالى لا يخاف أن تنتقص خزائنه، هذا قول الربيع وغيره، وقيل معنى  بغير حساب  أي من أحد لك، لأنه تعالى لا معقب لأمره، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر : الميْت **«بسكون الياء في جميع القرآن، وروى حفص عن عاصم »** من الميّت **«بتشديد الياء، وقرأ نافع وحمزة والكسائي »** الميّت «بتشديد الياء في هذه الآية، وفي قوله : لبلد ميت [(٥)](#foonote-٥)، و  إلى بلد ميت  \[ فاطر : ٩ \] وخفف حمزة والكسائي غير هذه الحروف، قال أبو علي : الميت  هو الأصل والواو التي هي عين منه انقلبت ياء لإدغام الياء فيها وميت التخفيف محذوف منه عينه أعلت بالحذف كما أعلت بالقلب، والحذف حسن والإتمام حسن وما مات وما لم يمت في هذا الباب يستويان في الاستعمال. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وذهب قوم إلى أن » الميْت **«بالتخفيف إنما يستعمل فيما قد مات، وأما »** الميّت «بالتشديد فيستعمل فيما مات وفيما لم يمت بعد.

١ - هي خالدة بنت الأسود القرشية الزهرية، كانت امرأة صالحة من المهاجرات، وإنما كانت خالة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الأسود والد خالدة هذه هو ابن أخ بنت وهب أم النبي صلى الله عليه وسلم: "الإصابة والاستيعاب" ٤/٢٧٩..
٢ - أخرجه سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي. "فتح القدير للشوكاني" ١/٣٠ كما رواه ابن نجيب في جزئه، وابن أبي عاصم. "الإصابة"..
٣ - يرد البيت في معظم المصادر منسوبا لأبي الخطار حسام بن ضرار الكلبي، (انظر أنساب الأشراف ٥/١٤٢، وتهذيب ابن عساكر ٤/١٤٧)، ونسب في الحماسة البصرية ١/٨١ لأبي الخطار بن صفوان الكلابي، وانظره في المحتسب١/٤٢، ١٠٦، وحماسة ابن الشجري: ٤، والخصائص ٢/٤٧٥..
٤ - الظاهر أن المراد به "غزوان الكوفي الغفاري" لأن صاحب التهذيب (٨/٢٤٥) ذكر أن البخاري أخرج له في التفسير، وأن السدي روى عنه، "الإصابة ٤/١٩١)..
٥ - الأولى من سورة فاطر: من الآية (٩)، والثانية من سورة الأعراف: من الآية (٥٧)..

### الآية 3:28

> ﻿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [3:28]

هذا النهي عن الاتخاذ إنما هو فيما يظهره المرء فأما أن يتخذه بقلبه ونيته فلا يفعل ذلك مؤمن، والمنهيون هنا قد قرر لهم الإيمان، فالنهي إنما هو عبارة عن إظهار اللطف للكافر والميل إليهم، ولفظ الآية عام في جميع الأعصار، واختلف الناس في سبب هذه الآية، فقال ابن عباس : كان كعب بن الأشرف وابن أبي الحقيق[(١)](#foonote-١) وقيس بن زيد[(٢)](#foonote-٢) قد بطنوا[(٣)](#foonote-٣) بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر بن زبير[(٤)](#foonote-٤) وعبد الله بن جبير[(٥)](#foonote-٥) وسعد بن خيثمة[(٦)](#foonote-٦) لأولئك النفر اجتنبوا هؤلاء اليهود واحذروا مباطنتهم فأبى أولئك النفر إلا موالاة اليهود فنزلت الآية في ذلك، وقال قوم : نزلت الآية في قصة حاطب بن أبي بلتعة[(٧)](#foonote-٧) وكتابه إلى أهل مكة، والآية عامة في جميع هذا ويدخل فيها فعل أبي لبابة[(٨)](#foonote-٨) في إشارته إلى حلقه حين بعثه النبي عليه السلام في استنزال بني قريظة، وأما تعذيب بني المغيرة لعمار فنزل فيما أباح النبي عليه السلام لعمار  إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان [(٩)](#foonote-٩). 
وقوله تعالى : من دون  عبارة عن كون الشيء الذي تضاف إليه  دون  غائباً متنحياً ليس من الأمر الأول  في شيء ، وفي المثل، وأمر دون عبيدة الوذم[(١٠)](#foonote-١٠) كأنه من غير أن ينتهي إلى الشيء الذي تضاف إليه، ورتبها الزجاج المضادة للشرف من الشيء الدون فيما قاله نظر، قوله : فليس من الله في شيء  معناه، في شيء مرضي على الكمال والصواب، وهذا كما قال النبي عليه السلام من غشنا فليس منا[(١١)](#foonote-١١)، وفي الكلام حذف مضاف تقديره، فليس من التقرب إلى الله أو التزلف ونحو هذا، وقوله  في شيء  هو في موضع نصب على الحال من الضمير الذي في قوله  ليس من الله [(١٢)](#foonote-١٢) ثم أباح الله إظهار اتخاذهم بشرط الأتقاء، فأما إبطانه[(١٣)](#foonote-١٣) فلا يصح أن يتصف به مؤمن في حال، وقرأ جمهور الناس **«تقاة »** أصله وقية -على وزن فعلة - بضم الفاء وفتح العين أبدلوا من الواو تاء كتجاة وتكأة فصار تقية ثم قلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها فجاء  تقاة  قال أبو علي يجوز أن تكون  تقاة  مثل رماة حالاً من  تتقوا  وهو جمع فاعل وإن كان لم يستعمل منه فاعل، ويجوز أن يكون جمع تقى وجعل فعيل بمنزلة فاعل، وقرأ ابن عباس والحسن وحميد بن قيس ويعقوب الحضرمي ومجاهد وقتادة والضحاك وأبو رجاء والجحدري وأبو حيوة **«تقية »** بفتح التاء وشد الياء على وزن فعيلة وكذلك روى المفضل عن عاصم وأمال الكسائي القاف في  تقاة  في الموضعين، وأمال حمزة في هذه الآية ولم يمل في قوله : حق تقاته [(١٤)](#foonote-١٤) وفتح سائر القراء القاف إلا أن نافعاً كان يقرأها بين الفتح والكسر، وذهب قتادة إلى أن معنى الآية : إلا أن تتقوا منهم تقاة  من جهة صلة الرحم أي ملامة، فكأن الآية عنده مبيحة الإحسان إلى القرابة من الكفار، وذهب جمهور المفسرين إلى أن معنى الآية، إلا أن تخافوا منهم خوفاً وهذا هو معنى التقية. 
واختلف العلماء في التقية ممن تكون ؟ وبأي شيء تكون ؟ وأي شيء تبيح ؟ فأما الذي تكون منه التقية فكل قادر غالب مكره يخاف منه، فيدخل في ذلك الكفار إذا غلبوا وجورة الرؤساء والسلابة وأهل الجاه في الحواضر، قال مالك رحمه الله : وزوج المرأة قد يكره، وأما بأي شيء تكون التقية ويترتب حكمها فذلك بخوف القتل وبالخوف على الجوارح وبالضرب بالسوط وبسائر التعذيب، فإذا فعل بالإنسان شيء من هذا أو خافه خوفاً متمكناً فهو مكره وله حكم التقية، والسجن إكراه والتقييد إكراه والتهديد والوعيد إكراه وعداوة أهل الجاه الجورة تقية، وهذه كلها بحسب حال المكره وبحسب الشيء الذي يكره عليه، فكم من الناس ليس السجن فيهم بإكراه، وكذلك الرجل العظيم يكره بالسجن والضرب غير المتلف ليكفر فهذا لا تتصور تقيته من جهة عظم الشيء الذي طلب منه، ومسائل الإكراه هي من النوع الذي يدخله فقه الحال، وأما أي شيء تبيح فاتفق العلماء على إباحتها للأقوال باللسان من الكفر وما دونه ومن بيع وهبة وطلاق، وإطلاق القول بهذا كله، ومن مداراة ومصانعة، وقال ابن مسعود : ما من كلام يدرأ عني سوطين من ذي سلطان، إلا كنت متكلماً به. واختلف الناس في الأفعال[(١٥)](#foonote-١٥)، فقال جماعة من أهل العلم منهم الحسن ومكحول ومسروق : يفعل المكره كل ما حمل عليه مما حرم الله فعله وينجي نفسه بذلك، وقال مسروق : فإن لم يفعل حتى مات دخل النار، وقال كثير من أهل العلم منهم سحنون : بل إن لم يفعل حتى مات فهو مأجور وتركه ذلك المباح أفضل من استعماله، وروي أن عمر بن الخطاب قال في رجل يقال له، نهيت بن الحارث، أخذته الفرس أسيراً، فعرض عليه شرب الخمر وأكل الخنزير وهدد بالنار، فلم يفعل فقذفوه فيها فبلغ ذلك عمر، فقال : وما كان عليّ نهيت أن يأكل وقال جمع كثير من العلماء التقية إنما هي مبيحة للأقوال، فأما الأفعال فلا، روي ذلك عن ابن عباس والربيع والضحاك، وروي ذلك عن سحنون وقال الحسن في الرجل يقال له : اسجد لصنم وإلا قتلناك، قال، إن كان الصنم مقابل القبلة فليسجد يجعل نيته لله، فإن كان إلى غير القبلة فلا وإن قتلوه، قال ابن حبيب : وهذا قول حسن. 
قال القاضي : وما يمنعه أن يجعل نيته لله وإن كان لغير قبله، وفي كتاب الله  فأين ما تولوا فثم وجه الله [(١٦)](#foonote-١٦) وفي الشرع إباحة التنفل للمسافر إلى غير القبلة، هذه قواعد مسألة التقية، وأما تشعب مسائلها فكثير لا يقتضي الإيجاز جمعه. 
وقوله تعالى : ويحذركم الله  إلى آخر الآية وعيد وتنبيه ووعظ وتذكير بالآخرة، وقوله : نفسه  نائبة عن إياه، وهذه مخاطبة على معهود ما يفهمه البشر، والنفس في مثل هذا راجع إلى الذات، وفي الكلام حذف مضاف لأن التحذير إنما هو من عقاب وتنكيل ونحوه، فقال ابن عباس والحسن، ويحذركم الله عقابه.

١ - المقصود سلام بن أبي الحقيق، وكان شديد الكيد للإسلام وأهله، وهو ممن اشترك في تحريض الأحزاب على غزو المدينة، انظر خبر مقتله في السيرة ٢/٢٧٤..
٢ - لم يذكر ابن إسحاق في السيرة شيئا عنه.
٣ - بطنوا بهم: صاروا من بطانتهم..
٤ -هو رفاعة بن عبد المنذر بن رفاعة بن زنبر الأنصاري الأوسي، اختلف في اسمه، من أهل العقبة، وعده ابن إسحاق في البدريين، "الإصابة ٤/٥١٨)..
٥ - هو عبد الله بن جبير بن النعمان الأنصاري، أخو وات بن جبير، شهد العقبة وبدرا واستشهد بأحد، وهو أمير الرماة يومئذ. "الإصابة ٢/٢٨٦"..
٦ - هو سعيد بن خيثمة بن الحارث بن مالك الأنصاري الأوسي، يكنى أبا خيثمة أحد النقباء بالعقبة، شهد يدرا واستشهد بها "الإصابة ٢/٢٥"..
٧ - حاطب بن أبي بلتعة: حليف بني أسد بن عبد العزى، شهد بدرا، وفيه نزل قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء، وذلك أنه كاتب بنيه وإخوته بمكة يعلمهم بما عزم عليه الرسول؛ توفي سنة ٣٠، (انظر ترجمته في الإصابة ١/٣٠٠ وقصة مكاتبته أهل مكة في السيرة: ٣٩٨-٣٩٩)..
٨ - حين حاصر الرسول بني قريظة طلبوا إليه أن يرسل إليهم أبا لبابة بن عبد المنذر الأنصاري أخا بني عمرو بن عوف ليستشيروه في أمرهم، فلما وصل إليهم قالوا له: أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم وأشار بيده إلى حلقه "إنه الذبح"، فنزل فيه: يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون..
٩ - من الآية (١٠٦) من سورة النحل..
١٠ - هذا المثل عجز بيت من شعر، وصدره:
 ولقد هممت بذاك إذ حبست ...............................
 والوذم: سيور تشد بها عراقي الدلو، والمثل يضرب للرجل يقطع الأمر دونه: (جمهرة العسكري ١/١٦٥ والميداني ٢/١٥٩)..
١١ - أخرجه الطبراني في الكبير وأبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود، (الجامع الصغير ٢/١٧٧)، وزاد فيه: "والمكر والخداع في النار"..
١٢ - نقل أبو حيان كلام ابن عطية في إعراب (فليس من الله في شيء) ثم قال: وهو كلام مضطرب لأن تقديره: "فليس من التقرب إلى الله" يقتضي ألا يكون "من الله" خبرا لليس، لأنه غير مستقل، وقوله إن "في شيء" في موضع نصب على الحال يقتضي ألا يكون خبرا، وعلى هذا الكلام لا يكون لها خبر (البحر المحيط ٢/٤٢٣)..
١٣ -في بعض النسخ: إبطانهم..
١٤ - من الآية (١٠٢) من سورة آل عمران..
١٥ - أي فعل المكره اتقاء الضرر، لأن ما سبق كان في الأقوال..
١٦ -من الآية (١١٥) من سورة البقرة..

### الآية 3:29

> ﻿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [3:29]

الضمير في  تخفوا  هو للمؤمنين الذين نهوا عن اتخاذ الكافرين أولياء، والمعنى أنكم إن أبطنتم الحرص على إظهار موالاتهم فإن الله يعلم ذلك ويكرهه منكم، وقوله تعالى : ويعلم ما في السموات وما في الأرض ، معناه على التفصيل، وقوله  على كل شيء قدير  عموم والشيء في كلام العرب الموجود.

### الآية 3:30

> ﻿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [3:30]

و يوم  نصب على الظرف، وقد اختلف في العامل فيه، فقال مكي بن أبي طالب، العامل فيه  قدير ، وقال الطبري : العامل فيه قوله : وإلى الله المصير  \[ آل عمران : ٢٨ \] وقال الزجّاج، وقال أيضاً العامل فيه  ويحذركم الله نفسه  \[ آل عمران : ٢٨ \] يوم ورجحه وقال مكي : حكاية العامل فيه فعل مضمر تقديره، **«اذكر يوم »**، و  ما  بمعنى الذي و محضراً  قال قتادة : معناه موفراً، وهذا تفسير بالمعنى، والحضور أبين من أن يفسر بلفظ آخر، وقوله تعالى : ما عملت من سوء  يحتمل أن تكون  ما  معطوفة على  ما  الأولى فهي في موضع نصب وتكون  تود  في موضع الحال، وإلى هذا العطف ذهب الطبري وغيره، ويحتمل أن تكون رفعاً بالابتداء ويكون الخبر في قوله : تود  وما بعده كأنه قال : وعملها السيىء مردود عندها أن بينها وبينه أمداً، وفي قراءة ابن مسعود **«من سوء ودت »** وكذلك قرأ ابن أبي عبلة، ويجوز على هذه القراءة أن تكون  ما  شرطية ولا يجوز ذلك على قراءة **«تود »** لأن الفعل مستقبل مرفوع والشرط يقتضي جزمه اللهم إلى أن يقدر في الكلام محذوف **«فهي تود »** وفي ذلك ضعف، و **«الأمد »** الغاية المحدودة من المكان أو الزمان، قال النابغة :\[ البسيط \]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\* سَبْق الْجَوادِ إذَا اسْتَوْلَى عَلَى الأمَدِ[(١)](#foonote-١)
فهذه غاية في المكان، وقال الطرماح[(٢)](#foonote-٢) :\[ الخفيف \]
كُلُّ حيّ مُسْتَكْمِلٌ عُدَّةَ الْعُمْ. . . رِ وَمُودٍ إذا انقضَى أَمَدُهْ
فهذه غاية في الزمان، وقال الحسن في تفسير هذه الآية، يسر أحدهم أن لا يلقى عمله ذلك أبداً ذلك مناه، وأما في الدنيا فقد كانت خطيئته يستلذها، وقوله : والله رؤوف بالعباد  يحتمل أن يكون إشارة إلى التحذير لأن تحذيره وتنبيهه على النجاة رأفة منه بعباده، ويحتمل أن يكون ابتداء إعلام بهذه الصفة فمقتضى ذلك التأنيس لئلا يفرط الوعيد على نفس مؤمن، وتجيء الآية على نحو قوله تعالى : إن ربك لشديد العقاب، وإنه لغفور رحيم [(٣)](#foonote-٣) لأن قوله : ويحذركم الله نفسه  \[ آل عمران : ٢٨ \] والله محذور العقاب.

١ - صدر هذا البيت: إلا لمثلك أو من أنت سابقه..
٢ -الطرماح بن حكيم أحد شعراء الخوارج في العصر الأموي، (انظر ترجمته في الشعر والشعراء: ٤٨٩، والأغاني: ١٠/١٤٨ (دار الكتب)، وتهذيب ابن عساكر ٧/٥٢، والبيت في ديوانه: ١٩٧، تحقيق عزت حسن)..
٣ - من الآية (١٦٧) من سورة الأعراف..

### الآية 3:31

> ﻿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [3:31]

اختلف المفسرون فيمن أمر محمداً عليه السلام أن يقول له هذه المقالة، فقال الحسن بن أبي الحسن وابن جريج : إن قوماً قالوا للنبي عليه السلام :
يا محمد إنا نحب ربنا، فنزلت هذه الآية في قولهم، جعل الله فيها أتباع محمد علماً لحبه، وقال محمد بن جعفر بن الزبير : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول هذا القول لنصارى نجران، أي إن كان قولكم في عيسى وغلوكم في أمره حباً لله،  فاتبعوني  ويحتمل أن تكون الآية عامة لأهل الكتاب اليهود والنصارى لأنهم كانوا يدعون أنهم يحبون الله ويحبهم، ألا ترى أن جميعهم قالوا  نحن أبناء الله وأحباؤه [(١)](#foonote-١) ولفظ أحباؤه إنما يعطي أن الله يحبهم لكن يعلم أن مرادهم " ويحبوه " [(٢)](#foonote-٢) فيحسن أن يقال لهم  قل إن كنتم تحبون الله  وقرأ الزهري 
**«فاتبعوني »** بتشديد النون، وقرأ أبو رجاء **«يحببكم »** بفتح الياء وضم الباء الأولى من **«حب »** وهي لغة، قال الزجاج : حببت قليلة في اللغة[(٣)](#foonote-٣)، وزعم الكسائي أنها لغة قد ماتت وعليها استعمل محبوب والمحبة إرادة يقترن بها إقبال من النفس وميل بالمعتقد، وقد تكون الإرادة المجردة فيما يكره المريد والله تعالى يريد وقوع الكفر ولا يحبه، ومحبة العبد لله تعالى يلزم عنها ولا بد أن يطيعه وتكون أعماله بحسب إقبال النفس، وقد تمثل بعض العلماء حين رأى الكعبة فأنشد[(٤)](#foonote-٤) :\[ الخفيف \]
هذِهِ دارُهُ وأَنْتَ مُحِبٌّ. . . مَا بَقَاءُ الدُّموعِ في الآمَاقِ
ومحبة الله للعبد أمارتها للمتأمل أن يرى العبد مهدياً مسدداً ذا قبول في الأرض، فلطف الله بالعبد ورحمته إياه هي ثمرة محبته، وبهذا النظر يتفسر لفظ المحبة حيث وقعت من كتاب الله عز وجل، وذكر الزجاج : أن أبا عمرو قرأ **«يغفر لكم »** بإدغام الراء في اللام وخطأ القراء وغلط من رواها عن أبي عمرو فيما حسبت.

١ - من الآية (١٨) من سورة المائدة..
٢ - هكذا هو في جميع النسخ، ولعل الصواب "ومحبوه"..
٣ - على هذه اللغة جاء قول الشاعر:
 أحب أبا ثروان من حب تمره وأعلم أن الرفق بالجار أرفق.
 ووالله لولا تمره ما حببتــه ولا كان أدنى من عبيد ومشرق.
٤ -هذا البيت من قطعة انشدها أبو الفضل الجوهري لما أشرف على المدينة، ونسبها صاحب نفح الطيب للشبلي ١/٤٠، وورد البيت في قطعة أخرى غير منسوبة ١/٤٥ وكأنه مضمّن فيها؛ ولم يرد من القطعة الأولى في ديوان الشبلي إلا البيت الوارد هنا (ص: ١١٣) نقلا عن "تلبيس إبليس" لابن الجوزي..

### الآية 3:32

> ﻿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ۖ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [3:32]

وذهب الطبري إلى أن قوله : قل أطيعوا الله والرسول  خطاب لنصارى نجران وفي قوله : فإن الله لا يحب الكافرين  وعيد، ويحتمل أن يكون بعد الصدع بالقتال.

### الآية 3:33

> ﻿۞ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ [3:33]

لما مضى صدر من محاجة نصارى نجران والرد عليهم وبيان فساد ما هم عليه جاءت هذه الآية معلمة بصورة الأمر الذي قد ضلوا فيه، ومنبئة عن حقيقته كيف كانت، فبدأ تعالى بذكر فضله على هذه الجملة التى  آل عمران  منها ثم خص  امرأة عمران  بالذكر لأن القصد وصف قصة القوم إلى أن يبين أمر عيسى عليه السلام وكيف كان و اصطفى  معناه : اختار صفو الناس فكان ذلك هؤلاء المذكورين وبقي الكفار كدراً، و آدم  هو أبونا عليه السلام اصطفاه الله تعالى بالإيجاد والرسالة إلى بنيه والنبوة والتكليم حسبما ورد في الحديث[(١)](#foonote-١) وحكى الزجاج عن قوم  إن الله اصطفى آدم  عليه السلام بالرسالة إلى الملائكة في قوله : أنبئهم بأسمائهم [(٢)](#foonote-٢) وهذا ضعيف، ونوح عليه السلام هو أبونا الأصغر في قول الجمهور هو أول نبي بعث إلى الكفار، وانصرف نوح مع عجمته وتعريفه لخفة الاسم، كهود ولوط، و آل إبراهيم  يعني بإبراهيم الخليل عليه السلام والآل في اللغة، الأهل والقرابة، ويقال للأتباع وأهل الطاعة آل، فمنه آل فرعون، ومنه قول الشاعر وهو أراكة الثقفي في رثاء النبي عليه السلام وهو يعزي نفسه في أخيه عمرو[(٣)](#foonote-٣) :\[ الطويل \]
فَلاَ تَبْكِ مَيْتاً بَعْدَ مَيْتٍ أَجنَّهُ. . . عليٌّ وَعَبَّاسٌ وآلُ أبي بَكْرِ
أراد جميع المؤمنين، و ****«الآل »**** في هذه الآية يحتمل الوجهين، فإذا قلنا أراد بالآل القرابة والبيتية فالتقدير  إن الله اصطفى  هؤلاء على عالمي زمانهم أو على العالمين عاماً يقدر محمداً عليه السلام من آل إبراهيم، وإن قلنا أرد بالآل الأتباع فيستقيم دخول أمة محمد في الآل لأنها على ملة إبراهيم، وذهب منذر بن سعيد وغيره إلى أن ذكر آدم يتضمن الإشارة إلى المؤمنين به من بنيه وكذلك ذكر نوح عليه السلام وأن ****«الآل »**** الأتباع فعمت الآية جميع مؤمني العالم فكان المعنى، أن الله اصطفى المؤمنين على الكافرين، وخص هؤلاء بالذكر تشريفاً لهم ولأن الكلام في قصة بعضهم، و آل عمران  أيضاً يحتمل من التأويل ما تقدم في  آل إبراهيم ، وعمران هو رجل من بني إسرائيل من ولد سليمان بن داود فيما حكى الطبري، قال مكي : هو عمران بن ماثال[(٤)](#foonote-٤)، وقال قتادة في تفسير هذه الآية : ذكر الله تعالى أهل بيتين صالحين ورجلين صالحين، ففضلهم على العالمين فكان محمد من آل إبراهيم، وقال ابن عباس :**«اصطفى الله »** هذه الجملة بالدين والنبوة والطاعة له.

١ - الحديث وردت الإشارة إليه في أحاديث الشفاعة، وأخرجه الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم بأفضل الملائكة؟ جبريل عليه السلام، وأفضل النبيين؟ آدم..) الحديث، (مجمع الزوائد ٨/١٩٨، وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أبي ذر قال: يا رسول الله أرأيت آدم كان نبيا؟ قال: (نعم كان نبيا رسولا كلمه الله، قال له: اسكن أنت وزوجك الجنة). (تفسير الشوكاني ١/٥٥)..
٢ - من الآية (٣٣) من سورة البقرة..
٣ - هو أراكة بن عبد الله بن سفيان الثقفي، شاعر محسن، قتل بسر بن أرطأة أخاه عمرا، فرثاه بأبيات منها هذا البيت، وهو يخاطب فيها ابنه عبد الله، (انظر المؤتلف والمختلف للآمدي ٦٧-٦٨)..
٤ - هو "ماثان" عند السهيل.

### الآية 3:34

> ﻿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [3:34]

وقوله تعالى : ذرية  نصب على البدل، وقيل على الحال لأن معنى  ذرية بعضها من بعض  متشابهين في الدين والحال، وهذا أظهر من البدل، والذرية في عرف الاستعمال تقع لما تناسل من الأولاد سفلاً، واشتقاق اللفظة في اللغة يعطي أن تقع على جميع الناس أي كل أحد ذرية لغيره فالناس كلهم ذرية بعضهم لبعض، وهكذا استعملت الذرية في قوله تعالى :
 أنا حملنا ذرياتهم في الفلك المشحون [(١)](#foonote-١)أي ذرية هذا الجنس ولا يسوغ أن يقول في والد هذا ذرية لولده وإذ اللفظة من ذر إذا بث فهكذا يجيء معناها، وكذلك إن جعلناها من **«ذرى »** وكذلك إن جعلت من ذرأ أو من الذر الذي هو صغار النمل[(٢)](#foonote-٢)، قال أبو الفتح[(٣)](#foonote-٣) : الذرية يحتمل أن تكون مشتقة من هذه الحروف الأربعة، ثم طول أبو الفتح القول في وزنها على كل اشتقاق من هذه الأربعة الأحرف تطويلاً لا يقتضي هذا الإيجاز ذكره وذكرها أبو علي في الأعراف في ترجمة  من ظهورهم ذرياتهم [(٤)](#foonote-٤) قال الزجّاج : أصلها فعليه من الذر، لأن الله أخرج الخلق من صلب آدم كالذر، قال أبو الفتح : هذه نسبة إلى الذر غير أولها كما قالوا في النسبة إلى الحرم : حرمي بكسرالحاء وغير ذلك من تغيير النسب قال الزجّاج : وقيل أصل  ذرية  ذرورة، وزنها فعلولة فلما كثرت الراءات أبدلوا من الأخيرة ياء فصارت ذروية ثم أدغمت الواو في الياء فجاءت  ذرية . 
قال القاضي فهذا اشتقاق من ذر يذر، أو من ذرى، وإذا كانت من ذرأ فوزنها فعلية كمريقة أصلها ذرئة فألزمت البدل والتخفيف كما فعلوا في البرية في قول من رآها من برأ الله الخلق، وفي كوكب دري، في قول من رآه من -درأ- لأنه يدفع الظلمة بضوئه. 
وقرأ جمهور الناس **«ذُرية »** بضم الذال وقرأ زيد بن ثابت والضحاك، **«ذِرية »** بكسر الذال، وقوله تعالى : بعضها من بعض  أي في الإيمان والطاعة وإنعام الله عليهم بالنبوة.

١ - من الآية (٤٤) من سورة يس..
٢ - قال الراغب: الذرية يقال للواحد والجمع و الأصل والنسل كقوله: (حملنا ذريتهم)، أي آباءهم، وقال صاحب النظم: "الآية توجب أن تكون الآباء ذرية الأبناء، والأبناء ذرية الآباء لأنه من ذرأ الله الخلق، فالأب ذرئ منه الولد، والولد ذرئ منه الأب (البحر المحيط ٢/٤٣٥)..
٣ -المحتسب: ١/١٥٦..
٤ - من الآية (١٧٢) من سورة الأعراف..

### الآية 3:35

> ﻿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [3:35]

واختلف الناس[(١)](#foonote-١) في العامل في قوله  إذ قالت  فقال أبو عبيدة معمر : إذ  زائدة، وهذا قول مردود، وقال المبرد والأخفش : العامل فعل مضمر تقديره، اذكر إذ وقال الزجاج : العامل معنى الاصطفاء، التقدير : واصطفى آل عمران إذ :
قال القاضي أبو محمد : وعلى هذا القول يخرج عمران من الاصطفاء، وقال الطبري ما معناه : إن العامل في  إذ  قوله  سميع  و  امرأة عمران  اسمها حنة بنت قاذوذ فيما ذكر الطبري عن ابن إسحاق، وهي أم مريم بنت عمران، ومعنى قوله : نذرت لك ما في بطني محرراً  أي جعلت نذراً أن يكون هذا الولد الذي في بطني حبيساً على خدمة بيتك محرراً من كل خدمة وشغل من أشغال الدنيا، أي عتيقاً من ذلك فهو من لفظ الحرية، ونصبه على الحال، قال مكي : فمن نصبه على النعت لمفعول محذوف يقدره، غلاماً محرراً، وفي هذا نظر[(٢)](#foonote-٢)، والبيت الذي نذرته له هو بيت المقدس. 
قال ابن إسحاق[(٣)](#foonote-٣) : كان سبب نذر حنة لأنها كانت قد أمسك عنها الولد حتى أسنت فبينما هي في ظل شجرة إذ رأت طائراً يزق فرخاً له فتحركت نفسها للولد فدعت الله أن يهب لها ولداً فحملت بمريم وهلك عمران، فلا علمت أن في بطنها جنيناً جعلته نذيرة لله، أن يخدم الكنيسة لا ينتفع به في شيء من أمر الدنيا، وقال مجاهد : محرراً  معناه خادماً للكنيسة وقال مثله الشعبي وسعيد بن جبير، وكان هذا المعنى من التحرير للكنائس عرفاً في الذكور خاصة، وكان فرضاً على الأبناء التزام ذلك[(٤)](#foonote-٤)، فقالت  ما في بطني  ولم تنص على ذكورته لمكان الإشكال، ولكنها جزمت الدعوة رجاء منها أن يكون ذكراً، وتقبل الشيء وقبوله أخذه حيث يتصور الأخذ والرضى به في كل حال، فمعنى قولها  فتقبل مني  أي ارضَ عني في ذلك واجعله فعلاً مقبولاً مجازى به، والسميع، إشارة إلى دعائها العليم إشارة إلى نيتها.

١ -قارن كلامه بما جاء في "زاد المسير" ١/ ٣٧٦..
٢ - لأن "نذر"" قد أخذ مفعوله وهو "ما في بطني"، أما من قال إنه منصوب على الحال فيقول: إنه حال من "ما" والعامل "نذر"، أو من الضمير الذي في "استقر" العامل في الجار والمجرور، لأن العامل فيه هو "استقر"..
٣ -أورده أيضا ابن الجوزي في "زاد المسير" ١/٣٧٦..
٤ - هذا هو قول الزجاج (المصدر السابق نفسه)؛ وفي بعض النسخ: على الأنبياء..

### الآية 3:36

> ﻿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَىٰ ۖ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [3:36]

هذه الآية خطاب من الله تعالى لمحمد عليه السلام، والوضع الولادة، وأنث الضمير في  وضعتها ، حملاً على الموجودة ورفعاً للفظ  ما  التي في قولها  ما في بطني [(١)](#foonote-١) \[ آل عمران : ٣٣ \] وقولها : رب إني وضعتها أنثى  لفظ خبر في ضمنه التحسر والتلهف، وبيّن الله ذلك بقوله : والله أعلم بما وضعت  : وقرأ جمهور الناس **«وضعَتْ »** بفتح العين وإسكان التاء، وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر **«وضعْتُ »**، بضم التاء وإسكان العين[(٢)](#foonote-٢)، وهذا أيضاً مخرج قولها،  رب إني وضعتها أنثى  من معنى الخبر إلى معنى التلهف، وإنما تلهفت لأنهم كانوا لا يحررون الإناث لخدمة الكنائس ولا يجوز ذلك عندهم، وكانت قد رجت أن يكون ما في بطنها ذكراً فلما وضعت أنثى تلهفت على فوت الأمل وأفزعها أن نذرت ما لا يجوز نذره، وقرأ ابن عباس **«وضعتِ »** بكسر التاء على الخطاب من الله لها، وقولها  وليس الذكر كالأنثى  تريد في امتناع نذره إذ الأنثى تحيض ولا تصلح لصحبة الرهبان[(٣)](#foonote-٣) قاله قتادة والربيع والسدي وعكرمة وغيرهم، وبدأت بذكر الأهم في نفسها وإلا فسياق قصتها يقتضي أن تقول : وليست الأنثى كالذكر فتضع حرف النفي مع الشيء الذي عندها وانتفت عنه صفات الكمال للغرض المراد، وفي قولها  وإني سميتها مريم  سنة تسمية الأطفال قرب الولادة ونحوه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ولد لي الليلة مولود فسميته باسم أبي إبراهيم[(٤)](#foonote-٤) وقد روي عنه عليه السلام أن ذلك في يوم السابع يعق عن المولود ويسمى[(٥)](#foonote-٥)، قال مالك رحمه الله : ومن مات ولده قبل السابع فلا عقيقة عليه ولا تسمية، قال ابن حبيب : أحب إلي أن يسمى، وأن يسمى السقط لما روي من رجاء شفاعته[(٦)](#foonote-٦)، و  مريم ، لا ينصرف لعجمته وتعريفه وتأنيثه[(٧)](#foonote-٧)، وباقي الآية إعادة، وورد في الحديث عن النبي عليه السلام من رواية أبي هريرة قال :**«كل مولود من بني آدم له طعنة من الشيطان وبها يستهل إلا ما كان من مريم ابنة عمران وابنها فإن أمها قالت حين وضعتها : وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم  فضرب بينهما حجاب فطعن الشيطان في الحجاب »**[(٨)](#foonote-٨)، وقد اختلفت ألفاظ الحديث من طرق والمعنى واحد كما ذكرته.

١ -قال الزمخشري: وإنما أنث على المعنى، لأن ما في بطنها كان أنثى في علم الله، أو على تأويل: الجبلة أو النفس أو النسمة..
٢ - يعني أن جملة "والله أعلم بما وضعت" تتمة كلام أم مريم، كأنها تخاطب نفسها..
٣ - قارن كلامه بما في "زاد المسير" ١/٣٧٧..
٤ - أخرجه الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود عن أنس. الجامع الصغير ٢/٦١٩..
٥ - أخرجه الإمام أحمد، وأهل السنن، وصححه الترمذي عن سمرة بن جندب "تفسير ابن كثير ١/٣٥٩" كما أخرجه الطبراني في الصغير عن بريدة مرفوعا، وفي الطبراني الأوسط والكبير عن ابن عمر، وفي الأوسط عن ابن عباس. وأخرجه أبو يعلى والبزار عن عائشة. "مجمع الزوائد" ٤/٥٧-٥٩. ومعنى يعق عن المولود: يذبح ذبيحة يوم سبوعه، وتسمى هذه الذبيحة: عقيقة..
٦ - رواه ابن عساكر عن أبي هريرة ولفظه: (سموا أسقاطكم) الحديث. الجامع الصغير ٢/٢٥..
٧ - مريم: قيل: إنه اسم عبراني معناه: العابدة، وقيل: عربي جاء شاذا كمدين وقياسه: مرام كمنال، ومعناه في العربية: التي تغازل الفتيان. قال الراجز:
 قلت لزيد لم تصله مريمه..
٨ - أخرجه البخاري عن أبي هريرة. الجامع الصغير ٢٢/٢٣٤- وقال عنه الزمخشري: "الله أعلم بصحته" (الكشاف ١/٤٢٦).

### الآية 3:37

> ﻿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [3:37]

وقوله تعالى : فتقبلها  إخبار لمحمد عليه السلام بأن الله رضي مريم لخدمة المسجد كما نذرت أمها وسنى لها الأمل في ذلك، والمعنى يقتضي أن الله أوحى إلى زكرياء ومن كان هنالك بأنه تقبلها، ولذلك جعلوها كما نذرت، وقوله  بقبول  مصدر جاء على غير الصدر، وكذلك قوله  نباتاً  بعد أنبت، وقوله  وأنبتها نباتاً حسناً ، عبارة عن حسن وسرعة الجودة فيها في خلقة وخلق، وقوله تعالى : وكفلها زكريا  معناه : ضمها إلى إنفاقه وحضنه، والكافل هو المربي الحاضن، قال ابن إسحاق : إن زكريا كان زوج خالتها لأنه وعمران كانا سلفين على أختين، ولدت امرأة زكريا يحيى وولدت امرأة عمران مريم، وقال السدي وغيره : إن زكرياء كان زوج ابنة أخرى لعمران، ويعضد هذا القول قول النبي صلى الله عليه وسلم في يحيى وعيسى : ابنا الخالة[(١)](#foonote-١)، قال مكي : وهو زكريا بن آذن، وذكر قتادة وغير واحد من أهل العلم : أنهم كانوا في ذلك الزمان يتشاحون في المحرر عند من يكون من القائمين بأمر المسجد فيتساهمون عليه، وأنهم فعلوا في مريم ذلك، فروي أنهم ألقوا أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة في النهر، وقيل أقلاماً بروها من عود كالسهام والقداح، وقيل عصياً لهم، وهذه كلها تقلم، وروي أنهم ألقوا ذلك في نهر الأردن، وروي أنهم ألقوه في عين[(٢)](#foonote-٢)، وروي أن قلم زكرياء صاعد الجرية[(٣)](#foonote-٣)، ومضت أقلام الآخرين مع الماء في جريته، وروي أن أقلام القوم عامت على الماء معروضة كما تفعل العيدان وبقي قلم زكرياء مرتزا[(٤)](#foonote-٤) واقفاً كأنما ركز في طين فكفلها عليه السلام بهذا الاستهام. وحكى الطبري عن ابن إسحاق، أنها لما ترعرعت أصابت بني إسرائيل مجاعة فقال لهم زكرياء : إني قد عجزت عن إنفاق مريم فاقترعوا على من يكفلها ففعلوا فخرج السهم على رجل يقال له جريج فجعل ينفق عليها وحينئذ كان زكرياء يدخل عليها المحراب عند جريج فيجد عندها الرزق. 
قال أبو محمد : وهذا الاستهام غير الأول، هذا المراد منه دفعها، والأول المراد منه أخذها، ومضمن هذه الرواية أن زكرياء كفلها من لدن طفولتها دون استهام، لكن[(٥)](#foonote-٥) لأن أمها هلكت وقد كان أبوها هلك وهي في بطن أمها فضمها زكرياء إلى نفسه لقرابتها من امرأته، وهكذا قال ابن إسحاق، والذي عليه الناس أن زكرياء إنما كفل بالاستهام لتشاحهم حينئذ فيمن يكفل المحرر، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر[(٦)](#foonote-٦)  وكفلها زكرياء  مفتوحة الفاء، خفيفة ****«زكرياء »**** مرفوعاً ممدوداً، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر، وكفلها مشددة الفاء ممدوداً منصوباً في جميع القرآن، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص، **«كفَّلها »** مشددة الفاء مفتوحة، **«زكريا »** مقصوراً في جميع القرآن، وفي رواية أبي بن كعب، و **«أكفلها زكرياء »** بفتح الفاء على التعدية بالهمزة، وقرأ مجاهد، **«فتقبلْها »** بسكون اللام على الدعاء **«ربَّها »** بنصب الباء على النداء و**«أنِبتها »** بكسر الباء على الدعاء، و**«كفِلها »** بكسرالفاء وشدها على الدعاء زكرياء منصوباً ممدوداً، وروي عن عبد الله بن كثير، وأبي عبد الله المزني[(٧)](#foonote-٧)، و **«وكفِلها »** بكسر الفاء خفيفة وهي لغة يقال : كفل يكفُل بضم العين في المضارع، وكفِل بكسر العين يكفَل بفتحها في المضارع، ****«زكرياء »**** اسم أعجمي يمد ويقصر، قال أبو علي : لما عرب صادق العربية في بنائه فهو كالهيجاء تمد وتقصر، قال الزجاج : فأما ترك صرفه فلأن فيه في المد ألفي تأنيث وفي القصر ألف التأنيث، قال أبو علي : ألف زكرياء ألف تأنيث ولا يجوز أن تكون ألف إلحاق، لأنه ليس في الأصول شيء على وزنه، ولا يجوز أن تكون منقلبة، ويقال في لغة زكرى منون معرب، قال أبو علي : هاتان ياءا نسب ولو كانتا اللتين في  زكريا  لوجب ألا ينصرف الاسم للعجمة والتعريف وإنما حذفت تلك وجلبت ياء النسب[(٨)](#foonote-٨)، وحكى أبو حاتم، زكرى بغير صرف وهو غلط عند النحاة، ذكره مكي. 
وقوله تعالى : كلما  ظرف والعامل فيه  وجد ، و  المحراب  المبنى الحسن كالغرف والعلالي ونحوه، ومحراب القصر أشرف ما فيه ولذلك قيل لأشرف ما في المصلى وهو موقف الإمام محراب، وقال الشاعر :\[ وضاح اليمن \] \[ السريع \]
رَبَّة مِحْرابٍ إذَا جئْتُهَا. . . لَمْ أَلْقَهَا أَوْ أرتقي سُلَّما[(٩)](#foonote-٩)
ومثل قول الآخر :\[ عدي بن زيد \] [(١٠)](#foonote-١٠) \[ الخفيف \]
كَدُمَى العاجِ في المحاريبِ أَوْ كال. . . بيضِ في الرَّوضِ زَهْرُهُ مُسْتَنِيرُ
وقوله تعالى : وجد عندها رزقاً ، معناه طعاماً تتغذى به ما لم يعهده ولا عرف كيف جلب إليها وكانت فيما ذكر الربيع، تحت سبعة أبواب مغلقة وحكى مكي أنها كانت في غرفة يطلع إليها، بسلم، وقال ابن عباس : وجد عندها عنباً في مكتل في غير حينه، وقاله ابن جبير ومجاهد، وقال الضحاك ومجاهد أيضاً وقتادة : كان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، وقال ابن عباس : كان يجد عندها ثمار الجنة : فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، وقال الحسن : كان يجد عندها رزقاً من السماء ليس عند الناس ولو أنه علم أن ذلك الرزق من عنده لم يسألها عنه، وقال ابن إسحاق : هذا الدخول الذي ذكر الله تعالى في قوله  كلما دخل عليها  إنما هو دخول زكرياء عليها وهي في كفالة جريج أخيراً، وذلك أن جريجاً كان يأتيها بطعامها فينميه الله ويكثره، حتى إذا دخل عليها زكرياء عجب من كثرته فقال : يا مريم أنّى لك هذا  والذي عليه الناس أقوى مما ذكره ابن إسحاق، وقوله  أنى  معناه كيف ومن أين[(١١)](#foonote-١١) ؟ وقولها : هو من عند الله ، دليل على أنه ليس من جلب بشر، وهكذا تلقى زكرياء المعنى وإلا فليس كان يقنع بهذا الجواب، قال الزجاج : وهذا من الآية التي قال تعالى :
 وجعلناها وابنها آية للعالمين [(١٢)](#foonote-١٢) وروي أنها لم تلقم ثدياً قط، وقولها : إن الله يرزق من يشاء بغير حساب  تقرير لكون ذلك الرزق من عند الله، وذهب الطبري إلى أن ذلك ليس من قول مريم وأنه خبر من الله تعالى لمحمد عليه السلام، والله تعالى لا تنتقص خزائنه، فليس يحسب ما يخرج منها، وقد يعبر بهذه العبارة عن المكثرين من الناس أنهم ينفقون بغير حساب، وذلك مجاز وتشبيه، والحقيقة هي فيما ينتفق من خزائن الله تعالى.

١ - أخرجه الإمام أحمد ومسلم والنسائي وابن أبي حاتم عن أنس بن مالك رضي الله عنه (تفسير ابن كثير ٣/٣) ولفظ الحديث: (فإذا بيحيى وعيسى وهما ابنا خالة)..
٢ - انظر تفصيل الاستهام لكفالة مريم وإلقاء الأقلام في "زاد المسير" ١/٣٧٩..
٣ - قيل: جرى عكس جري الماء، ومعنى صاعد الجرية: قاومها..
٤ - هكذا جاء في جميع النسخ مرتزا، ولعل الصواب: متركزا..
٥ - لكن: وردت في جميع النسخ، ولعلها حشو..
٦ - في بعض النسخ: ابن عباس..
٧ - في بعض النسخ: وأبي عبد الله المزني، ولم أعثر له على ترجمة، وفي البحر لأبي حيان: "وقرأ عبد الله المزني". ويوجد هناك عبد الله بن معقل بن مقرن المزني أبو الوليد الكوفي، تابعي، المتوفى سنة بضع وثمانين بالبصرة، وهناك عبد الله بن مغفل بن عبد نهم أبو عبد الرحمن المزني صحابي من أصحاب الشجرة توفي سنة ٥٧هـ ولعل المراد الأول، والله أعلم. "تهذيب التهذيب" ٦/٤٠، ٤٢..
٨ -قال أبو حيان (البحر المحيط ٢/٤٣٣): "زكرياء أعجمي، شبه بما فيه الألف الممدودة. والألف المقصورة فهو ممدود ومقصور، ولذلك يمتنع صرفه نكرة، وهاتان اللغتان فيه عند أهل الحجاز، ولو كان امتناعه للعلمية والعجمة انصرف نكرة"..
٩ - البيت لوضاح اليمن، (انظر الأغاني ٦/٢٣. وزاد المسير ١/٣٨٠)..
١٠ - البيت لعدي بن زيد العبادي (ديوانه ٨٤) شبه نساء حسانا مشرقات الوجوه بتماثيل من العاج في بيوت العبادة عندهم، أو بالبيض تضعه النعامة في روضة مزهرة..
١١ - راجع البحر المحيط (٢/٤٣٣) في تحديد دلالات "أنى"، ومنها الجهة (من أي جهة لك هذا الرزق)، بل قد تعني الكيفية (كيف تهيأ وصول هذا الرزق إليك).. الخ..
١٢ - من الآية (٩١) من سورة الأنبياء..

### الآية 3:38

> ﻿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ [3:38]

هناك في كلام العرب إشارة إلى مكان فيه بعد أو زمان، و هنالك  باللام أبلغ في الدلالة على البعد، ولا يعرب هنالك  لأنه إشارة فأشبه الحروف التي جاءت لمعنى، ومعنى هذه الآية : أن في الوقت الذي رأى زكرياء رزق الله لمريم ومكانتها منه وفكر في أنها جاءت أمها بعد أن أسنت وأن الله تقبلها وجعلها من الصالحات تحرك أمله لطلب الولد وقوي رجاؤه وذلك منه على حال سن ووهن عظم واشتعال شيب وذلك لخوفه الموالي من ورائه حسبما يتفسر في سورة مريم إن شاء الله فدعا ربه أن يهب له ذرية طيبة، و****«ذرية »**** اسم جنس يقع على واحد فصاعداً كما الولي يقع على اسم جنس كذلك، وقال الطبري : إنما أراد هنا بالذرية واحداً ودليل ذلك طلبه ولياً ولم يطلب أولياء، وأنث **«طيبة »** حملاً على لفظ ****«ذرية »****كما قال الشاعر :\[ الوافر \]
أبوك خليفةٌ وَلَدَتْهُ أُخْرى. . . وَأَنْتَ خَلِيفَةٌ ذاكَ الْكَمَالُ[(١)](#foonote-١)
**وكما قال الآخر :**
فما تزدري مِنْ حَيَّةٍ جَبليَّة ؟. . . سِكَات إذا ما عضَّ لَيْسَ بأدْرَدا[(٢)](#foonote-٢)
وفيما قال الطبري تعقب وإنما الذرية والولي اسما جنس يقعان للواحد فما زاد، وهكذا كان طلب زكرياء عليه السلام، و طيبة  معناه سليمة في الخلق والدين نقية، و  سميع  في هذه الآية بناء اسم فاعل.

١ - البيت غير منسوب، وهو من شواهد الفراء (اللسان: خلف)، قال: ولدته أخرى لتأنيث اسم الخليفة، والوجه أن يكون: ولده آخر..
٢ - سكات: لا يشعر به الملسوع حتى يلسعه؛ الأدرد: الذي ذهبت أسنانه؛ والشاهد فيه أنه أنث "جبلية" لموافقة لفظ "حية" ثم عاد إلى المعنى فقال "عضّ" على التذكير، (اللسان: حيي)..

### الآية 3:39

> ﻿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ [3:39]

ثم قال تعالى : فنادته الملائكة  وترك محذوف كثير دل ما ذكر عليه، تقديره فقبل الله دعاءه ووهبه يحيى وبعث الملك أو الملائكة بذلك إليه فنادته، وذكر أنه كان بين دعائه والاستجابة له بالبشارة أربعون سنة، وذكر جمهور المفسرين : أن المنادي المخبر إنما كان جبريل وحده وهذا هو العرف في الوحي إلى الأنبياء، وقال قوم : بل نادت ملائكة كثيرة حسبما تقتضيه ألفاظ الآية، وقد وجدنا الله تعالى بعث ملائكة إلى لوط وإلى إبراهيم عليه السلام وفي غير ما قصة، وفي مصحف عبد الله بن مسعود وقراءته **«فناداه جبريل وهو قائم يصلي »**، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وأبو عمرو :**«فنادته »** بالتاء **«الملائكة »**، وقرأ حمزة والكسائي ****«فناداه الملائكة »**** بالألف وإمالة الدال، قال أبو علي : من قرأ بالتاء فلموضع الجماعة والجماعة ممن يعقل في جمع التكسير تجري مجرى ما لا يعقل، ألا ترى أنك تقول : هي الرجال كما تقول : هي الجذوع وهي الجمال، ومثله : قالت الأعراب [(١)](#foonote-١). 
قال الفقيه الإمام : ففسر أبو علي على أن المنادي ملائكة كثيرة، والقراءة بالتاء على قول من يقول : المنادي جبريل وحده متجهة على مراعاة لفظ الملائكة، وعبر عن جبريل بالملائكة إذ هو منهم، فذكر اسم الجنس كما قال تعالى :
 الذين قال لهم الناس [(٢)](#foonote-٢) قال أبو علي : ومن قرأ ****«فناداه الملائكة »****، فهو كقوله تعالى : وقال نسوة في المدينة [(٣)](#foonote-٣). 
قال القاضي : وهذا على أن المنادي كثير، ومن قال إنه جبريل وحده كالسدي وغيره فأفرد الفعل مراعاة للمعنى، وعبر عن جبريل عليه السلام بالملائكة إذ هو اسم جنسه، وقوله تعالى : فنادته  عبارة تستعمل في التبشير وفيما ينبغي أن يسرع به وينهى إلى نفس السامع ليسر به فلم يكن هذا من الملائكة إخباراً على عرف الوحي بل نداء كما نادى الرجل الأنصاري كعب بن مالك من أعلى الجبل[(٤)](#foonote-٤)، وقوله تعالى : وهو قائم  جملة في موضع الحال، و  يصلي  صفة لقائم، و  المحراب  في هذا الموضع موقف الإمام من المسجد، وقرأ ابن عامر وحمزة :**«إن الله »** بكسر الألف، قال أبو علي : وهذا على إضمار القول، كأنه قال  فنادته الملائكة  فقالت وهذا كقوله تعالى : فدعا ربه أني مغلوب [(٥)](#foonote-٥) على قراءة من كسر الألف، وقال بعض النحاة : كسرت بعد النداء والدعاء لأن النداء والدعاء أقوال، وقرأ الباقون بفتح الألف من قوله : أن الله يبشرك  قال أبو علي : المعنى فنادته بأن الله فلما حذف الجار منها وصل الفعل إليها فنصبها، ف ******«إن »****** في موضع نصب، وعلى قياس قول الخليل في موضع جر، وفي قراءة عبد الله **«في المحراب، يا زكرياء إن الله »**، قال أبو علي : فقوله **«يا زكرياء »** في موضع نصب بوقوع النداء عليه، ولا يجوز فتح الألف في ******«إن »****** على هذه القراءة لأن نادته قد استوفت مفعوليها أحدهما الضمير، والآخر المنادى، فإن فتحت ******«إن »****** لم يبق لها شيء متعلق به، قال أبو علي : وكلهم قرأ  في المحراب  بفتح الراء إلا ابن عامر فإنه أمالها، وأطلق ابن مجاهد القول في إمالة ابن عامر الألف من محراب ولم يخص به الجر من غيره، وقال غير ابن مجاهد : إنما نميله في الجر فقط. 
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو :**«يبشرك »**، بضم الياء وفتح الباء والتشديد في كل القرآن إلا في ****«عسق »**** فإنهما قرآ  ذلك الذي يبشر الله عباده [(٦)](#foonote-٦) بفتح الياء، وسكون الباء، وضم الشين، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر، **«يبشِّرك بشد الشين المكسورة في كل القرآن، وقرأ حمزة «يبشُر »** خفيفاً بضم الشين مما لم يقع[(٧)](#foonote-٧) في كل القرآن إلا قوله تعالى،  فبم تبشرون [(٨)](#foonote-٨) وقرأ الكسائي **«يبشر »**
مخففة في خمسة مواضع في آل عمران في قصة زكرياء وقصة مريم وفي سورة بني إسرائيل والكهف، ويبشر المؤمنين، وفي ****«عسق »**** يبشر الله عباده ، قال غير واحد من اللغويين : في هذه اللفظة ثلاث لغات، بشّر بشد الشين، وبشر بتخفيفها[(٩)](#foonote-٩)، وأبشر يبشر إبشاراً، وهذه القراءات كلها متجهة فصيحة مروية، وفي قراءة عبد الله بن مسعود **«يُبشِرك »** بضم الياء وتخفيف الشين المكسورة من - أبشر- وهكذا قرأ في كل القرآن. 
و  يحيى  اسم سماه الله به قبل أن يولد، قال أبو علي : هو اسم بالعبرانية صادف هذا البناء، والمعنى من العربية، قال الزجاج : لا ينصرف لأنه إن كان أعجمياً ففيه التعريف والعجمة، وإن كان عربياً فالتعريف ووزن الفعل، وقال قتادة : سماه الله يحيى لأنه أحياه بالإيمان  مصدقاً  نصب على الحال وهي مؤكدة بحسب حال هؤلاء الأنبياء عليهم السلام، وقوله تعالى : بكلمة من الله ، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن والسدي وغيرهم، **«الكلمة »** هنا يراد بها عيسى ابن مريم. 
قال الفقيه الإمام أبو محمد : وسمى الله تعالى عيسى كلمة إذ صدر عن كلمة منه تعالى لا بسبب إنسان آخر كعرف البشر، وروى ابن عباس : أن امرأة زكرياء قالت لمريم وهما حاملتان : إني أجد ما في بطني يتحرك لما في بطنك، وفي بعض الروايات، يسجد لما في بطنك[(١٠)](#foonote-١٠) قال، فذلك تصديقه. 
قال الفقيه أبو محمد : أي أول التصديق، وقال بعض الناس : بكلمة من الله ، معناه بكتاب من الله الإنجيل وغيره من كتب الله فأوقع المفرد موقع الجمع، فكلمة اسم جنس، وعلى هذا النظر سمت العرب القصيدة الطويلة كلمة[(١١)](#foonote-١١)، وقوله تعالى : وسيداً  قال فيه قتادة : أي والله سيد في الحلم والعبادة والورع، وقال مرة : معناه في العلم والعبادة، وقال ابن جبير : وسيداً  أي حليماً، وقال مرة : السيد التقي وقال الضحاك : وسيداً  أي تقياً حليماً، وقال ابن زيد : السيد الشريف، وقال ابن المسيب : السيد الفقيه العالم، وقال ابن عباس : وسيداً  يقول، تقياً حليماً، وقال عكرمة : السيد الذي لا يغلبه الغضب. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه كل من فسر من هؤلاء العلماء المذكورين السؤدد بالحلم فقد أحرز أكثر معنى السؤدد ومن جرد تفسيره بالعلم والتقى ونحوه فلم يفسر بحسب كلام العرب، وقد تحصل العلم ليحيى عليه السلام بقوله عز وجل  مصدقاً بكلمة من الله  وتحصل التقى بباقي الآية، وخصه الله بذكر السؤدد الذي هو الاحتمال في رضى الناس على أشرف الوجوه دون أن يوقع في باطل، هذا لفظ يعم السؤدد، وتفصيله أن يقال : بذل الندى، وهذا هو الكرم وكف الأذى، وهنا هي العفة بالفرج واليد واللسان واحتمال العظائم، وهنا هو الحلم وغيره من تحمل الغرامات وجبر الكسير والإفضال على المسترفد، والإنقاذ من الهلكات، وانظر أن النبي عليه السلام قال : أنا سيد ولد آدم ولا فخر يجمع الله الأولين والآخرين، وذكر حديث الشفاعة[(١٢)](#foonote-١٢) في إطلاق الموقف، وذلك منه احتمال في رضى ولد آدم فهو سيدهم بذلك، وقد يوجد من الثقات[(١٣)](#foonote-١٣) العلماء من لا يبرز في هذه الخصال، وقد يوجد من يبرز في هذه فيسمى سيداً وإن قصر في كثير من الواجبات أعني واجبات الندب والمكافحة في الحق وقلة المبالاة باللائمة، وقد قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه : ما رأيت أحداً أسود من معاوية بن أبي سفيان قيل له، وأبو بكر وعمر ؟ قال : هما خير من معاوية ومعاوية أسود منهما، فهذه إشارة إلى أن معاوية برز في هذه الخصال ما لم يواقع محذوراً، وأن أبا بكر وعمر كانا من الاستضلاع بالواجبات وتتبع ذلك من أنفسهما وإقامة الحقائق على الناس بحيث كانا خيراً من معاوية ومع تتبع الحقائق وحمل الناس على الجادة وقلة المبالاة برضاهم والوزن بقسطاس الشريعة تحريراً ينخرم كثير من هذه الخصال التي هي السؤدد ويشغل الزمن عنها، والتقى والعلم والأخذ بالأشد أوكد وأعلى من السؤدد، أما إنه يحسن بالتقي العالم أن يأخذ من السؤدد بكل ما لا يخل بعلمه وتقاه، وهكذا كان يحيى عليه السلام، وليس هذا الذي يحسن بواجب ولا بد، كما ليس التتبع والتحرير في الشدة بواجب ولا بد، وهما طرفا خير حفتهما الشريعة، فمن صائر إلى هذا ومن صائر إلى هذا، ومثال ذلك، حاكم صليب معبس فظ على من عنده أدنى عوج لا يعتني في حوائج الناس، وآخر بسط الوجه بسام يعتني فيما يجوز، ولا يتتبع ما لم يرفع إليه وينفذ الحكم مع رفق بالمحكوم عليه فهما طريقان حسنان. 
وقوله تعالى : وحصوراً  أصل هذه اللفظة الحبس والمنع، ومنه الحصير لأنه يحصر من جلس عليه ومنه سمي السجن حصيراً وجهنم حصيراً، ومنه حصر العدو وإحصار المرض والعذر، ومنه قيل للذي لا ينفق مع ندمائه حصور، قال الأخطل[(١٤)](#foonote-١٤) :\[ البسيط \]
وشارِب مرْبح بالْكَأْسِ نَادَمني. . . لا بالحصورِ وَلاَ فِيها بِسَوَّارِ[(١٥)](#foonote-١٥)
ويقال للذي يكتم السر حصور وحصر، قال جرير[(١٦)](#foonote-١٦) :\[ الكامل \]
وَلَقَدْ تَسَاقَطَني الْوُشَاةُ فَصَادَفُوا. . . حَصِراً بسرِّكِ يا أميمُ ضَنِينَا[(١٧)](#foonote-١٧)
وأجمع من يعتدّ بقوله من المفسرين على أن هذه الصفة ليحيى عليه السلام إنما هي الامتناع من وطء النساء إلا ما حكى مكي من قول من قال : إنه الحصور عن الذنوب أي لا يأتيها، وروى ابن المسيب عن ابن العاصي  إما عبد الله وإما أبوه  عن النبي عليه السلام، أنه قال :**«كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا ما كان من يحيى بن زكرياء »**، قال : ثم دلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى الأرض فأخذ عويداً صغيراً، ثم قال :**«وذلك أنه لم يكن له ما للرجال إلا مثل هذا العود، ولذلك سماه الله سيداً وحصوراً »**[(١٨)](#foonote-١٨)، وقال ابن مسعود ****«الحصور »**** العنين، وقال مجاهد وقتادة :****«الحصور »**** الذي لا يأتي النساء، وقال ابن عباس والضحاك : الحصور الذي لا ينزل الماء. 
قال القاضي : ذهب بعض العلماء إلى أن حصر يحيى عليه السلام كان لأنه لم يكن له إلا مثل الهدبة، وذهب بعضهم إلى أن حصره كان لأنه كان عنيناً لا يأتي النساء وإن كانت خلقته غير ناقصة، وذهب بعضهم إلى أن حصره كان بأنه يمسك نفسه تقى وجلداً في طاعة الله وكانت به القدرة على جماع النساء، قالوا : وهذا أمدح له وليس له في التأويلين الأولين مدح، إلا بأن الله يسر له شيئاً لا تكسب له فيه، وباقي الآية بيّن، وروي من صلاحه عليه السلام أنه كان يعيش من العشب وأنه كان كثير البكاء من خشية الله حتى خدد الدمع في وجهه طرقاً وأخاديد.

١ - من الآية (١٤) من سورة الحجرات..
٢ - من الآية (١٧٢) من سورة آل عمران..
٣ - من الآية (٢٠) من سورة يوسف..
٤ - هو حمزة بن عمرو الأسلمي جاء ينادي من أعلى الجبل لكي يؤدي البشارة إلى كعب بن مالك أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن تبوك بأن الله قد عفا عنهم..
٥ - من الآية (١٠) من سورة القمر..
٦ - من الآية (٢٣) من سورة الشورى..
٧ - هكذا وردت هذه العبارة في جميع النسخ، ولعل صوابها "حيثما وقع"..
٨ - من الآية (٥٤) من سورة الحجر..
٩ - من ذلك قول الشاعر: 
 بشرت عيالي إذ رأيت صحيفة أتتك من الحجاج يتلى كتابها.
١٠ - روي أنها أحست جنينها يخر برأسه إلى ناحية بطن مريم..
١١ - من ذلك ما جاء في الحديث: (أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل) (البحر المحيط: ٢/٤٤٧)..
١٢ - أخرجه الإمام أحمد في مسنده والترمذي وابن ماجة عن أبي سعيد، (الجامع الصغير ١/٣٦٣) كما أخرجه الإمام أحمد والبزار وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه عن أبي بكر رضي الله عنه، (الترغيب والترهيب ٤/٤٣٧)..
١٣ - في بعض النسخ: من الأتقياء..
١٤ - ديوان الأخطل: ١١٦..
١٥ - المربح: الذي يربح صاحب الخمر أو الذي ينحر الربح لضيفانه، والرَبح: الفصلان، والحصور: البخيل الضيق، والسوار: السيئ الخلق الذي يساور عليها ويقاتل؛ ويروى بسآر وهو الذي يترك سؤرا أي بقية في القدح..
١٦ - ديوان جرير: ٣٨٧ (تحقيق نعمان أمين طه)..
١٧ - في الديوان: تسقطني؛ والمعنى: طلبوا سقطه وعالجوه كي يبوح بسره، والحصر: الكتوم للسر الحابس له؛ الضنين: البخيل..
١٨ - أخرجه ابن أبي حاتم وابن المنذر وابن جرير في تفسيرهما، ورواه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة (مجمع الزوائد ٨/٢٠٩)، وانظر أيضا "زاد المسير" ١/٣٨٣..

### الآية 3:40

> ﻿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [3:40]

اختلف المفسرون لم قال زكرياء  رب أنّى يكون لي غلام  فقال عكرمة والسدي : إنه نودي بهذه البشارة، جاء الشيطان يكدر عليه نعمة ربه فقال هل تدري من ناداك ؟ قال : نادتني ملائكة ربي، قال بل ذلك الشيطان ولو كان هذا من عند ربك لأخفاه لك كما أخفيت نداءك قال : فخالطت قلبه وسوسة وشك مكانه، فقال : أنّى يكون لي غلام  وذهب الطبري وغيره إلى أن زكرياء لما رأى حال نفسه وحال امرأته وأنها ليست بحال نسل سأل عن الوجه الذي به يكون الغلام، أتبدل المرأة خلقتها أم كيف يكون ؟
قال الفقيه أبو محمد : وهذا تأويل حسن يليق بزكرياء عليه السلام وقال مكي : وقيل إنما سأل لأنه نسي دعاءه لطول المدة بين الدعاء والبشارة وذلك أربعون سنة. 
قال الفقيه أبو محمد : وهذا قول ضعيف المعنى[(١)](#foonote-١)، و  أنّى  معناها كيف ومن أين، وقوله  بلغني الكبر  استعارة كأن الزمان طريق والحوادث تتساوق فيه فإذا التقى حادثان فكأن كل واحد منهما قد بلغ صاحبه وحقيقة البلوغ في الأجرام أن ينتقل البالغ إلى المبلوغ إليه، وحسن في الآية : بلغني الكبر  من حيث هي عبارة واهن منفعل وبلغت عبارة فاعل مستعل، فتأمله ولا يعترض على هذا بقوله : وقد بلغت من الكبر عتياً [(٢)](#foonote-٢) لأنه قد أفصح بضعف حاله في ذكر العتيّ، والعاقر الإنسان الذي لا يلد، يقال ذلك للمرأة والرجل، قال عامر بن الطفيل[(٣)](#foonote-٣) :

لبئس الفتى إن كنت أعور عاقراً  جبانا فما عذري لدى كل محضر )[(٤)](#foonote-٤)و **«عاقر »** بناء فاعل وهو على النسب وليس بجار على الفعل، والإشارة بذلك في قوله : كذلك الله ، يحتمل أن تكون إلى هذه الغريبة التي بشر بها أي كهذه القدرة المستغربة هي قدرة الله، ففي الكلام حذف مضاف، والكلام تام في قوله : كذلك الله  وقوله : يفعل ما يشاء  شرح الإبهام الذي في ذلك، ويحتمل أن تكون الإشارة بذلك إلى حال زكرياء وحال امرأته كأنه قال : ربِّ على أي وجه يكون لنا غلام ونحن بحال كذا ؟ فقال له : كما أنتما يكون لكما الغلام، والكلام تام على هذا التأويل في قوله : كذلك  وقوله : والله يفعل ما يشاء  جملة مبينة مقررة في النفس وقوع هذا الأمر المستغرب. 
١ - زاد أبو حيان على هذه الإجابات الثلاث أمورا أخرى لبيان سبب سؤال زكريا منها: 
 أ-أن هذا على سبيل الاستعظام لقدرة الله تعالى، فقد قاله من شدة الفرح والدهشة من حصول أمر مستبعد عادة.
 ب- أنه سأل: أيرزق الولد من امرأته العاقر أم من غيرها؟
 ج-يستعلم: أيكون الولد من صلبه أم يكون من بنيه، أي حفيدا؟.
٢ - من الآية (٨) من سورة مريم..
٣ - ديوان عامر: ٦٤ (ط. صادر، بيروت)..
٤ - في الأصل: لدي كل مشهد، وهو خطأ، لأن البيت من قصيدة له رائية..

### الآية 3:41

> ﻿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ۖ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ۗ وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ [3:41]

**«الآية »** العلامة، وقال الربيع والسدي وغيرهما : إن زكرياء قال : يا رب إن كان ذلك الكلام من قبلك والبشارة حق، فاجعل لي علامة أعرف صحة ذلك بها، فعوقب على هذا الشك في أمر الله، بأن منع الكلام ثلاثة أيام مع الناس، وقالت فرفة من المفسرين : لم يشك قط زكرياء وإنما سأل عن الجهة التي بها يكون الولد وتتم البشارة فلما قيل له  كذلك الله يفعل ما يشاء  \[ آل عمران : ٤٠ \] سأل علامة على وقت الحمل ليعرف متى يحمل بيحيى. 
واختلف المفسرون هل كان منعه الكلام لآفة نزلت به أم كان ذلك لغير آفة فقال جبير بن نفير[(١)](#foonote-١)، ربا لسانه في فيه حتى ملأه ثم أطلقه الله بعد ثلاث، وقال الربيع وغيره : عوقب لأن الملائكة شافهته بالبشارة فسأل بعد ذلك علامة فأخذ الله عليه لسانه، فجعل لا يقدر على الكلام، وقال قوم من المفسرين : لم تكن آفة، ولكنه منع محاورة الناس فلم يقدر عليها، وكان يقدر على ذكر الله قاله الطبري، وذكر نحوه عن محمد بن كعب، ثم استثنى الرمز، وهو استثناء منقطع[(٢)](#foonote-٢)، وذهب الفقهاء في الإشارة ونحوها، إلى أنها في حكم الكلام في الإيمان ونحوها، فعلى هذا يجيء الاستثناء متصلاً، والكلام المراد بالآية إنما هو النطق باللسان لا الإعلام بما في النفس، فحقيقة هذا الاستثناء، أنه منقطع، وقرأ جمهور الناس  رَمْزاً  بفتح الراء وسكون الميم، وقرأ علقمة بن قيس :**«رُمزاً »** بضمها، وقرأ الأعمش **«رَمْزاً »** بفتحها، والرمز في اللغة حركة تعلم بما في نفس الرامز بأي شيء كانت الحركة من عين أو حاجب أو شفة أو يد أو عود أو غير ذلك، وقد قيل للكلام المحرف عن ظاهره رموز، لأنها علامات بغير اللفظ الموضوع للمعنى المقصود الإعلام به، وقد يقال للتصويت الدال على معنى رمز، ومنه قول جؤية بن عائد[(٣)](#foonote-٣) :
\[ الوافر \]
وَكَانَ تَكَلُّمُ الأبْطَالِ رَمْزاً. . . وَغَمْغَمَةً لَهُمْ مِثْلَ الْهَدِيرِ[(٤)](#foonote-٤)
وأما المفسرون فخصص كل واحد منهم نوعاً من الرمز في تفسيره هذه الآية، فقال مجاهد : إلا رمزاً  معناه إلا تحريكاً بالشفتين، وقال الضحاك : معناه إلا إشارة باليد والرأس، وبه قال السدي وعبد الله ابن كثير، وقال الحسن : أمسك لسانه فجعل يشير بيده إلى قومه، وقال قتادة : إلا رمزاً ، معناه إلا إيماء، وقرأ جمهور الناس : ألا تكلم الناس  بنصب الفعل بأن، وقرأ ابن أبي عبلة، **«ألا تكلمُ »** برفع الميم، وهذا على أن تكون **«أن »** مخففة من الثقيلة ويكون فيها ضمير الأمر والشأن التقدير آيتك أنه لا تكلم الناس، والقول بأن هذه الآية نسخها قول النبي عليه السلام :} لا صمت يوماً إلى الليل[(٥)](#foonote-٥)  قول ظاهر الفساد من جهات، وأمره تعالى بالذكر لربه كثيراً لأنه لم يحل بينه وبين ذكر الله، وهذا قاض بأنه لم تدركه آفة ولا علة في لسانه، وقال محمد بن كعب القرظي : لو كان الله رخص لأحد في ترك الذكر لرخص لزكرياء عليه السلام حيث قال :**«آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً »**، لكنه قال له :{ واذكر ربك كثيراً ، وقوله تعالى : وسبح  معناه قل سبحان الله، وقال قوم معناه : صلّ والقول الأول أصوب لأنه يناسب الذكر ويستغرب مع امتناع الكلام مع الناس، و******«العشي »****** في اللغة من زوال الشمس إلى مغيبها ومنه قول القاسم بن محمد : ما أدركت الناس إلا وهم يصلون الظهر بعشي[(٦)](#foonote-٦)، و******«العشي »****** من حين يفيء الفيء، ومنه قول حميد بن ثور[(٧)](#foonote-٧) :
فلا الظل من برد الضحى تستطيعه. . . ولا الفيء من برد العشيِّ تذوق
و******«العشي »****** اسم مفرد عند بعضهم، وجمع عشية عند بعضهم كسفينة وسفين، و الإبكار  مصدر أبكر الرجل «إذا بادر أمره من لدن طلوع الشمس، وتتمادى البكرة شيئاً بعد طلوع الشمس يقال أبكر الرجل وبكر فمن الأول قول ابن أبي ربيعة[(٨)](#foonote-٨) :\[ الطويل \]
أَمِنْ آلِ نُعْمى أَنْتَ غادٍ فَمُبْكِرُ. . . ومن الثاني قول جرير :\[ الطويل \]
أَلاَ بَكَرَتْ سَلْمَى فَجَدَّ بُكُورُهَا. . . وشقَّ العَصَا بَعْدَ اجتماعٍ أمِيرُها[(٩)](#foonote-٩)
وقال مجاهد في تفسير  الإبكار  : أول الفجر، والعشي ميل الشمس حتى تغيب. 
١ - هو جبير بن نفير، ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وحدث عن أبي بكر، وعمر، وأبي ذر وجماعة، وعنه حدّث ابنه عبد الرحمان، ومكحول، وغيرهما، من أجلة العلماء، حديثه في الكتب كلها سوى صحيح البخاري، من كبار التابعين، ولأبيه صحبة، توفي سنة: ٨٠هـ ("تذكرة الحفاظ" ١/٥٢ و"الإصابة" ١/٢٥٨)..
٢ - إنما كان استثناء منقطعا لأن الرمز لا يدخل تحت التكليم، ومن أطلق الكلام في اللغة على الإشارة الدالة على ما نفس المشير جعله استثناء متصلا، ولذلك أنشد النحويون:
 أرادت كلاما فاتقت من رقيبها فلما يك إلا ومؤها بالحواجب
 **وأنشدوا أيضا:** 
 إذا كلمتني بالعيون الفواتر رددت عليها بالدموع البوادر.
 .
٣ - جؤية بن عائد، وقيل: ابن عاتك النضري، ويقال الأسدي الكوفي النحوي، قدم على معاوية فسأله: ما القرابة؟ قال: المودة، قال: فما السرور؟ قال: المؤاتاة، قال: فما الراحة؟ قال: الجنة، قال: صدقت (بغية الوعاة: ٢١٤à..
٤ - الرمز: تصويت خفي باللسان؛ وقيل إشارة بالعينين أو الحاجبين، والغمغمة: الكلام الذي لا يبين، والهدير: تردد صوت البعير في حنجرته..
٥ - أخرجه أبو داود في السنن عن علي رضي الله عنه قال: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يتم بعد احتلام، ولا صمات يوم إلى الليل). "الجامع الصغير" ٢/٦٥٠. "والأذكار" للنووي. والصمات بالضم: السكوت، وفي الحديث: النهي عما كان من أفعال الجاهلية وهو الصمت عن الكلام في الاعتكاف وغيره..
٦ - أخرجه الإمام مالك في الموطأ في باب "وقوت الصلاة"..
٧ - هو حميد بن ثور الهلالي أبو المثنى، شاعر مخضرم وفد على النبي وأنشده قصيدته التي أولها: أصبح قلبي من سليمى مقصدا.
 روى عن عمر، وكان شاعرا مغلبا، وعاش إلى خلافة عثمان، (انظر الشعر والشعراء: ٣٠٦، والأغاني ٤/٩٧، ومعجم الأدباء ٤/١٥٣، والسمط: ٣٧٦، وابن عساكر ٤/٤٥٦، وكتب الصحابة)..
٨ - يعني عمر بن أبي ربيعة المخزومي الشاعر المشهور، (ترجمته في الأغاني ١/٢٨ والخزانة ١/٢٣٨، والشعر والشعراء: ٤٥٧)؛ وتتمة بيته:
 ......................... غداة غد أم رائح فمهجّر؟.
٩ - البيت مطلع قصيدة لجيري يهجو بها غسان بن ذهب مناقضا (ديوانه: ٨٩٠) وشق العصا: كناية عن الفرقة. ومنه قول الشاعر:
 بكرت تلومك بعدوهن في الندى بسل عليك ملامتي وعتابي
 .

### الآية 3:42

> ﻿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ [3:42]

قال الطبري : العامل في  إذ  قوله  سميع  فهو عطف على قوله : إذ قالت امرأة عمران  \[ آل عمران : ٣٥ \]، وقال كثير من النحاة : العامل في  إذ  في هذه الآية فعل مضمر تقديره **«واذكر »** وهذا هو الراجح لأن هذه الآيات كلها إنما هي إخبارات بغيب تدل على نبوة محمد عليه السلام، مقصد ذكرها هو الأظهر في حفظ رونق الكلام، وقرأ عبد الله بن عمر وابن مسعود، **«وإذ قال الملائكة »**، واختلف المفسرون هل المراد هنا بالملائكة جبريل وحده أو جمع من الملائكة ؟ وقد تقدم القول على معنى مثلها في قوله تعالى : فنادته الملائكة  \[ آل عمران : ٣٩ \] و اصطفاك  مأخوذ من صفا يصفو وزنه - افتعل - وبدلت التاء طاء لتناسب الصاد، فالمعنى تخيرك لطاعته وقوله تعالى : وطهرك  معناه من كل ما يصم النساء في خلق أو خلق أو دين قاله مجاهد وغيره، وقال الزجّاج، قد جاء في التفسير أن معناه طهرك من الحيض والنفاس. 
قال الفقيه أبو محمد : وهذا يحتاج إلى سند قوي وما أحفظه. 
وقوله تعالى : واصطفاك على نساء العالمين  إن جعلنا  العالمين  عاماً فيمن تقدم وتأخر جعلنا الاصطفاء مخصوصاً في أمر عيسى عليه السلام وأنها اصطفيت لتلد من غير فحل، وإن جعلنا الاصطفاء عاماً جعلنا قوله تعالى : العالمين  مخصوصاً في عالم ذلك الزمان، قاله ابن جريج وغيره، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«خير نساء الجنة مريم بنت عمران، وخير نساء الجنة، خديجة بنت خويلد »** وروي عنه أنه قال :**«خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد »**[(١)](#foonote-١)، فذهب الطبري وغيره إلى أن الضمير في قوله - نسائها - يراد به الجنة، وذهب قوم إلى أنه يراد به الدنيا، أي كل امرأة في زمانها، وقال النبي عليه السلام، **«خير نساء ركبن الإبل، صالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه إلى زوج في ذات يده »**[(٢)](#foonote-٢)، وقال أبو هريرة راوي الحديث : ولم تركب مريم بنت عمران بعيراً قط، وهذه الزيادة فيها غيب، فلا يتأول أن أبا هريرة رضي الله عنه، قالها إلا عن سماع من النبي صلى الله عليه وسلم، وروى أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، **«خير نساء العالمين أربع، مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد »**[(٣)](#foonote-٣)، وقد أسند الطبري، أن النبي عليه السلام، قال لفاطمة بنته، **«أنت سيدة نساء أهل الجنة، إلا مريم بنت عمران، البتول »**[(٤)](#foonote-٤)، وأنه قال، **«فضلت خديجة على نساء أمتي، كما فضلت مريم على نساء العالمين »**[(٥)](#foonote-٥). 
قال الفقيه الإمام أبو محمد : وإذا تأملت هذه الأحاديث وغيرها مما هو في معناها، وجدت مريم فيها متقدمة، فسائغ أن يتأول عموم الاصطفاء على  العالمين  عموماً أيضاً، وقد قال بعض الناس، إن مريم نبية[(٦)](#foonote-٦)، قال ابن إسحاق، كانت الملائكة تقبل على مريم فتقول،  يا مريم إن الله اصطفاك ، الآية، فيسمع ذلك زكريا فيقول، إن لمريم لشأناً، فمن مخاطبة الملائكة لها، جعلها هذا القائل نبية، وجمهور الناس على أنه لم تنبأ امرأة.

١ - أخرجه البخاري ومسلم وكذا الترمذي عن علي. (الجامع الصغير ١/٥٥٣)..
٢ -أخرجه الشيخان، والإمام أحمد عن أبي هريرة: "الجامع الصغير" ١/٥٥٣.
٣ - أخرجه الإمام أحمد، والطبراني –عن أنس. "الجامع الصغير" ١/٥٥٣..
٤ - أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره ٣/٢٦٤..
٥ - أخرجه ابن جرير في تفسيره ٣/٢٦٤..
٦ - القول بنبوة مريم شهير، وقد مال الشيخ تقي الدين السبكي في الحلبيات، وابن السيد إلى ترجيحه، وذكر أن ذكرها مع الأنبياء في سورتهم قرينة قوية لذلك. تفسير روح المعاني ٣/١٥٤..

### الآية 3:43

> ﻿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [3:43]

و اقنتي  معناه اعبدي وأطيعي، قاله قتادة والحسن، وروى أبو سعيد الخدري، عن النبي عليه السلام قال :&lt; كل قنوت في القرآن فهو بمعنى طاعة الله[(١)](#foonote-١)&gt; ويحتمل أن يكون معناه، أطيلي القيام في الصلاة، وهذا هو قول الجمهور، وهو المناسب في المعنى لقوله : واسجدي واركعي  وبه قال مجاهد، وابن جريج، والربيع وروى مجاهد أنها لما خوطبت بهذا، قامت حتى ورمت قدماها[(٢)](#foonote-٢)، وروى الأوزاعي، أنها قامت حتى سال الدم والقيح من قدميها، وروي أن الطير كانت تنزل على رأسها، تظنها جماداً لسكونها في طول قيامها، وقال سعيد بن جبير،  اقنتي لربك ، معناه أخلصي لربك، واختلف المتأولون، لم قدم السجود على الركوع ؟ فقال قوم : كان ذلك في شرع زكرياء وغيره منهم وقال قوم : الواو لا تعطي رتبة، وإنما المعنى، افعلي هذا وهذا، وقد علم تقديم الركوع، وهذه الآية أكثر إشكالاً من قولنا، قام زيد وعمرو، لأن قيام زيد وعمرو ليس له رتبة معلومة، وهذه الآية قد علم أن السجود بعد الركوع، فكيف جاءت الواو بعكس ذلك[(٣)](#foonote-٣)، فالقول عندي في ذلك، أن مريم أمرت بفصلين ومعلمين من معالم الصلاة، وهما طول القيام والسجود، وخصا بالذكر لشرفهما في أركان الصلاة، وإذا العبد يقرب في وقت سجوده من الله تعالى : وهذان يختصان بصلاتها مفردة، وإلا فيمن يصلي وراء إمام، فليس يقال له أطل قيامك، ثم أمرت -بعد - بالصلاة في الجماعة، فقيل لها،  واركعي مع الراكعين  وقصد هنا معلم من معالم الصلاة، لئلا يتكرر لفظ، ولم يرد بالآية السجود والركوع، الذي هو منتظم في ركعة واحدة والله أعلم.

١ - أخرجه الإمام أحمد، وأبو يعلى في مسنده، وابن حبان، وابن أبي حاتم، وابن جرير عن أبي سعيد الخدري بلفظ: (كل حرف من القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة). "الجامع الصغير" ٢/٢٣٥. وابن كثير..
٢ - أخرجه ابن جرير في تفسيره. ٣/٢٦٥..
٣ - ذكر أبو حيان هذا الكلام عن ابن عطية، ثم قال: "وهذا كلام من لم يمعن النظر في كتاب سيبويه، فإن سيبويه ذكر أن الواو يكون معها في العطف المعية، وتقديم السابق وتقديم اللاحق يحتمل ذلك احتمالات سواء فلا يترجح أحد الاحتمالات على الآخر، ولا التفات لقول بعض المتأخرين في ترجيح المعية على تقديم السابق" البحر المحيط ٢/٤٥٧..

### الآية 3:44

> ﻿ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [3:44]

هذه المخاطبة لمحمد عليه السلام، والإشارة ب  ذلك  إلى ما تقدم ذكره من القصص، والأنباء : الأخبار، و الغيب  ما غاب عن مدارك الإنسان، و نوحيه  معناه نلقيه في نفسك في خفاء، وحد الوحي إلقاء المعنى في النفس في خفاء، ثم تختلف أنواعه، فمنه بالملك، ومنه بالإلهام، ومنه بالإشارة، ومنه بالكتاب، كما قال كعب بن زهير[(١)](#foonote-١) :\[ الطويل \]
أتَى الْعَجم والآفاق مِنْهُ قصائدٌ. . . بَقينَ بقاءَ الوحْي في الْحَجَرِ الأصمْ
تقول العرب : أوحى، وتقول وحى، وفي هذه الآية بيان لنبوة محمد عليه السلام، إذ جاءهم بغيوب لا يعلمها إلا من شاهدها وهو لم يكن لديهم، أو من قرأها في كتب أهل الكتاب، ومحمد عليه السلام أمي من قوم أميين، أو من أعلمه الله بها وهو ذاك صلى الله عليه وسلم، ولديهم معناه عندهم ومعهم، وقد تقدم القول في الأقلام والكفل، وجمهور العلماء على أنه استهام لأخذها والمنافسة فيها، وقال ابن إسحاق : إنما كان استهامهم حين نالتهم المجاعة دفعاً منها لتحمل مؤونتها، و يختصمون  معناه يتراجعون القول الجهير في أمرها، وفي هذه الآية استعمال القرعة والقرعة سنة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سافر أقرع بين نسائه[(٢)](#foonote-٢)، وقال عليه السلام : لو يعلمون ما في الصف الأول لاستهموا عليه [(٣)](#foonote-٣)، وجمهور الأمة على تجويز القرعة إلا من شذ فظنها قماراً، وهذا كله فيما يصلح التراضي بكونه دون قرعة فكأن القرعة محسنة لذلك الاختصاص، وأما حيث لا يجوز التراضي كعتق العبيد في ثلث الميت فجوزها الجمهور ومنعها أبو حنيفة، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرع بين ستة أعبد، فأعتق اثنين وأرقَّ أربعة[(٤)](#foonote-٤)، وقوله : أيهم يكفل مريم  ابتداء وخبر في موضع نصب بالفعل الذي تقديره، ينظرون،  أيهم يكفل مريم  والعامل في قوله  إذ قالت الملائكة .

١ - ديوان كعب: ٦٤ (ط. دار الكتب)، يفتخر بأبيه وذيوع قصائده، والحي هنا: الكتابة..
٢ - أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجة- عن عائشة رضي الله عنها، (الجامع الصغير) ٢/٢٦٧..
٣ -أخرجه الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي- عن أبي هريرة. (الجامع الصغير ٢/٣٧٩)..
٤ - أخرجه مسلم، والنسائي، وأبو داود- عن عمران بن حصين (سبل السلام ٤/ ١٤٣)..

### الآية 3:45

> ﻿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [3:45]

إذ قالت الملائكة  فعل مضمر تقديره اذكر  إذ قالت الملائكة  وهكذا يطرد وصف الآية وتتوالى الإعلامات بهذه الغيوب، وقال الزجّاج، العامل فيها  يختصمون ، ويجوز أن يتعلق بقوله : وما كنت لديهم إذ قالت الملائكة  وهذا كله يرده المعنى، لأن الاختصام لم يكن عند قول الملائكة، وقرأ ابن مسعود وعبد الله بن عمر :**«إذ قال الملائكة »** واختلف المتأولون هل الملائكة هنا عبارة عن جبريل وحده أو عن جماعة من الملائكة ؟ وقد تقدم معنى ذلك كله في قوله آنفاً،  فنادته الملائكة  \[ آل عمران : ٣٩ \] فتأمله، وتقدم ذكر القراءات في قوله  يبشرك . 
واختلف المفسرون لم عبر عن عيسى عليه السلام  بكلمة  ؟ فقال قتادة : جعله ****«كلمة »**** إذ هو موجود بكلمة وهي قوله تعالى : لمراداته - كن - وهذا كما تقول في شيء حادث هذا قدر الله أي هو عند قدر الله وكذلك تقول هذا أمر الله، وترجم الطبري فقال : وقال آخرون : بل الكلمة اسم لعيسى سماه الله بها كما سمى سائر خلقه بما شاء من الأسماء، فمقتضى هذه الترجمة أن الكلمة اسم مرتجل لعيسى ثم أدخل الطبري تحت الترجمة عن ابن عباس أنه قال :****«الكلمة »**** هي عيسى، وقول ابن عباس يحتمل أن يفسر بما قال قتادة وبغير ذلك مما سنذكره الآن وليس فيه شيء مما ادعى الطبري رحمه الله، وقال قوم من أهل العلم : سماه الله ****«كلمة »**** من حيث كان تقدم ذكره في توراة موسى وغيرها من كتب الله وأنه سيكون، فهذه كلمة سبقت فيه من الله، فمعنى الآية، أنت يا مريم مبشرة بأنك المخصوصة بولادة الإنسان الذي قد تكلم الله بأمره وأخبر به في ماضي كتبه المنزلة على أنبيائه، و اسمه  في هذا الموضع، معناه تسميته، وجاء الضمير مذكراً من أجل المعنى، إذ ****«الكلمة »**** عبارة عن ولد. 
واختلف الناس في اشتقاق لفظة  المسيح [(١)](#foonote-١) فقال قوم، هو من ساح يسيح في الأرض، إذا ذهب ومشى أقطارها فوزنه مفعل، وقال جمهور الناس : هو من - مسيح- فوزنه - فعيل، واختلفوا - بعد - في صورة اشتقاقه من - مسح - فقال قوم من العلماء، سمي بذلك من مساحة الأرض لأنه مشاها فكأنه مسحها، وقال آخرون : سمي بذلك لأنه ما مسح بيده على ذي علة إلا برىء، فهو على هذين القولين - فعيل- بمعنى - فاعل - وقال ابن جبير : سمي بذلك لأنه مسح بالبركة، وقال آخرون : سمي بذلك لأنه مسح بدهن القدس فهو على هذين القولين - فعيل- بمعنى مفعول، وكذلك هو في قول من قال : مسحه الله، فطهره من الذنوب، قال إبراهيم النخعي : المسيح الصديق، وقال ابن جبير عن ابن عباس : المسيح  الملك، وسمي بذلك لأنه ملك إحياء الموتى، وغير ذلك من الآيات، وهذا قول ضعيف لا يصح عن ابن عباس. 
وقوله : عيسى  يحتمل من الإعراب ثلاثة أوجه، البدل من  المسيح ، وعطف البيان، وأن يكون خبراً بعد خبر، ومنع بعض النحاة أن يكون خبراً بعد خبر وقال : كان يلزم أن تكون أسماؤه على المعنى أو أسماؤها على اللفظ للكلمة، ويتجه أن يكون  عيسى  خبر ابتداء مضمر، تقديره، هو عيسى ابن مريم، ويدعو إلى هذا كون قوله،  ابن مريم  صفة ل  عيسى  إذ قد أجمع الناس على كتبه دون ألف، وأما على البدل أو عطف البيان فلا يجوز أن يكون  ابن مريم  صفة ل  عيسى  لأن الاسم هنا لم يرد به الشخص، هذه النزعة لأبي علي، وفي صدر الكلام نظر[(٢)](#foonote-٢)، و  وجيهاً ، نصب على الحال وهو من الوجه، أي له وجه ومنزلة عند الله والمعنى في الوجيه أنه حيثما أقبل بوجهه، عظم وروعي أمره، وتقول العرب : فلان له وجه في الناس وله وجاه، وهذا على قلب في اللفظة، يقولون جاهني يجوهني بكذا أي واجهني به، وجاه عيسى عليه السلام في الدنيا نبوته وذكره، ورفعه في الآخرة مكانته ونعيمه وشفاعته،  ومن المقربين ، معناه من الله تعالى. 
١ - قارن ما جاء هنا بما جاء في "زاد المسير" ١/ ٣٨٩..
٢ - قال الزمخشري –ونقله عنه أبو حيان في البحر المحيط ٢/٤٦٠: "فإن قلت: لم قيل: اسمه المسيح عيسى بن مريم-وهذه ثلاثة أشياء الاسم منها (عيسى)، وأما المسيح والابن فلقب وصفة؟ قلت: الاسم للمسمى علامة يعرف بها ويتميز عن غيره، فكأنه قيل: الذي يعرف به ويتميز ممن سواه مجموع هذه الثلاثة"- ثم قال أبو حيان تعقيبا على ذلك: "ويظهر من كلامه أن اسمه مجموع هذه الثلاثة فتكون الثلاثة أخبارا عن قوله: \[اسمه\] فيكون من باب: هذا حلو حامض، وهذا أعسر أيسر- فلا يكون أحدهما على هذا مستقلا بالخبرية، ونظيره في كون الشيئين أو الأشياء في حكم شيء واحد قول الشاعر:
 كيف أصبحت؟ كيف أمسيت؟ مما يزرع الود في فؤاد الكريم؟
 أي: مجموع هذا مما يزرع الود، فلما جاز في المبتدأ أن يتعدد دون حرف عطف إذا كان المعنى على المجموع، كذلك يجوز في الخبر".
 .

### الآية 3:46

> ﻿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ [3:46]

قوله : ويكلم  نائب عن حال تقديرها ومكلماً وذلك معطوف على قوله : وجيهاً  \[ آل عمران : ٤٥ \]، وجاء عطف الفعل المستقبل على اسم الفاعل لما بينهما من المضارعة كما جاز عطف اسم الفاعل على الفعل المستقبل في قوله الشاعر :\[ الرجز \]. 
بتُّ أُعشّيها بِعَضْبٍ باترِ. . . يَفْصِدُ في أسْوقِها وَجَائِرِ[(١)](#foonote-١)
وقوله : في المهد  حال من الضمير في  يكلم ، و كهلاً  حال معطوفة على قوله : في المهد ، وقوله : من الصالحين ، حال معطوفة على قوله  ويكلم ، وهذه الآية إخبار من الله تعالى لمريم بأن ابنها يتكلم في مهده مع الناس آية دالة على براءة أمه مما عسى أن يقذفها به متعسف ظان، و المهد  موضع اضطجاع الصبي وقت تربيته، وأخبر تعالى عنه أنه أيضاً يكلم الناس  كهلاً ، وفائدة ذلك إذ كلام الكهل عرف أنه إخبار لها بحياته إلى سن الكهولة، هذا قول الربيع وجماعة من المفسرين، وقال ابن زيد : فائدة قوله  كهلاً  الإخبار بنزوله عند قتله الدجال كهلاً، وقال جمهور الناس : الكهل الذي بلغ سن الكهولة، وقال مجاهد : الكهل الحليم، وهذا تفسير الكهولة بعرض مصاحب لها في الأغلب، واختلف الناس في حد الكهوله : فقيل : الكهل ابن أربعين سنة، وقيل : ابن خمس وثلاثين، وقيل، ابن ثلاث وثلاثين، وقيل : ابن اثنين وثلاثين، وهذا حد أولها. وأما آخرها فاثنتان وخمسون، ثم يدخل سن الشيخوخة.

١ - البيت أورده الفراء، والزجاج، وأبو علي، ولم ينسبه أحد منهم إلى قائله. بات من أخوات كان. ويعشيها: أي يطعمها العشاء، وفي بعض الروايات: (يغشيها)، بالغين المعجمة، أي يشملها ويضمها. وضمير المؤنث للإبل. وروي أيضا: (بات يعشيها). والعضب: السيف. وباتر: صفة أولى لعضب، ومعناه: قاطع. ويقصد: يتوسط. وأسؤق: جمع ساق وهو ما بين الركبة والقدم. وجائر: من جار في حكمه إذا ظلم، أي يقصد في أسواق إبل تستحق العقر كالنيب، ويجور في أسواق إبل لا تستحق العقر كالحوامل وذات الفصال. "خزانة الأدب ٢/٩٤٥"..

### الآية 3:47

> ﻿قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [3:47]

وقول مريم : ربِّ أنّى يكون لي ولد  استفهام عن جهة حملها واستغراب للحمل على حال بكارتها، و يمسسني ، معناه يطأ ويجامع، والمسيس الجماع، ومريم لم تنف مسيس الأيدي، والإشارة بقوله : كذلك  يحتمل أن تكون إلى هذه القدرة التي تتضمنها البشارة بالكلمة، ويحتمل أن تكون إلى حال مريم وبكارتها، وقد تقدم شرح هذين التأويلين في أمر زكرياء عليه السلام، وجاءت العبارة في أمر زكريا يفعل وجاءت هنا،  يخلق  من حيث أمر زكرياء داخل في الإمكان الذي يتعارف وإن قل وقصة مريم لا تتعارف البتة، فلفظ الخلق أقرب إلى الاختراع وأدل عليه، وروي أن عيسى عليه السلام، ولد لثمانية أشهر فلذلك لا يعيش من يولد من غيره لمثل ذلك، وقوله تعالى : إذا قضى  معناه إذا أراد إيجاده، والأمر واحد الأمور وهو مصدر سمي به، والضمير في  له  عائد على الأمر والقول على جهة المخاطبة، قال مكي : وقيل المعنى يقول لأجله، وهذا ينحو إلى ما نورده عن أبي علي بعد، وقرأ جمهور السبعة **«فيكونُ »** بالرفع، وقرأ ابن عامر وحده **«فيكونَ »** بالنصب، فوجه الرفع العطف على  يقول ، أو تقدير فهو يكون، وأما قراءة ابن عامر فغير متجهة لأن الأمر المتقدم خطاب للمقضي وقوله : فيكون ، خطاب للمخبر، فليس كقوله قم فأحسن إليك، لكن وجهها أنه راعى الشبه اللفظي في أن تقدم في الكلام لفظ أمر كما قال أبو الحسن الأخفش في نحو قوله تعالى :
 قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة [(١)](#foonote-١) إنه مجرى جواب الأمر، وإن لم يكن جواباً في الحقيقة، فكذلك على قراءة ابن عامر يكون قوله، فيكون بمنزلة جواب الأمر وإن لم يكن جواباً، وذهب أبو علي في هذه المسألة إلى أن القول فيها ليس بالمخاطبة المحضة، وإنما هو قول مجازي كما قال :
 امتلأ الحوض وقال قطني[(٢)](#foonote-٢) \*\*\*. . . . . . . . . . . . . . . . . . 
وغير ذلك، قال : لأن المنتفي ليس بكائن فلا يخاطب كما لا يؤمر، وإنما المعنى فإنما يكونه فهو يكون، فهذه نزعة اعتزالية[(٣)](#foonote-٣) غفر الله له.

١ - من الآية (٣١) من سورة إبراهيم..
٢ - هذا صدر بيت من الرجز، وعجزه:
 ......................... مهلا رويدا قد ملأت بطني.
 وهو من كلام بعض الماتحين، رأى حوضه قد امتلأ، فقال: حسبي-امتلأ حوضي، ويكفيني، يريد بذلك أن ينصرف إلى دلو غيره، وهذا مما يسمى عندهم بلسان الحال، فإن الحوض لا يتكلم. وقطني بمعنى: حسبي-والبيت في اللسان ولم ينسبه لأحد..
٣ - لأن المعتزلة يقولون: المعدوم منتف فلا يخاطب ولا يؤمر، والأمر عندهم هو عين الإرادة..

### الآية 3:48

> ﻿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ [3:48]

وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ  
قرأ نافع وعاصم **«ويعلمه »** بالياء، وذلك عطف على  يبشرك بكلمة  \[ آل عمران : ٤٥ \] كذا قال أبو علي : ويحتمل أن يكون في موضع الحال عطفاً على  ويكلم  \[ آل عمران : ٤٦ \]، وقرأ الباقون، و**«نعلمه »** بالنون، وهي مثل قراءة الياء في المعنى لكن جاءت بنون العظمة، قال الطبري : قراءة الياء عطف على قوله : يخلق ما يشاء  \[ آل عمران : ٤٧ \]، وقراءة النون عطف على قوله : نوحيه إليك  \[ آل عمران : ٤٣ \]. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وهذا الذي قاله خطأ في الوجهين مفسد للمعنى[(١)](#foonote-١) و الكتاب  هو الخط باليد فهو مصدر كتب يكتب. هذا قول ابن جريج وجماعة المفسرين، وقال بعضهم : هي إشارة إلى كتاب منزل لم يعين وهذه دعوى لا حجة عليها، وأما  الحكمة ، فهي السنة التي يتكلم بها الأنبياء في الشرعيات والمواعظ ونحو ذلك، مما لم يوح إليهم في كتاب ولا بملك، لكنهم يلهمون إليه وتقوى غرائزهم عليه، وقد عبر بعض العلماء عن  الحكمة  بأنها الإصابة في القول والعمل، فذكر الله تعالى في هذه الآية أنه يعلم عيسى عليه السلام الحكمة، والتعليم متمكن فيما كان من الحكمة بوحي أو مأثوراً عمن تقدم عيسى من نبي وعالم، وأما ما كان من حكمة عيسى الخاصة به فإنما يقال فيها يعلمه على معنى يهيىء غريزته لها ويقدره ويجعله يتمرن في استخراجها ويجري ذهنه إلى ذلك، و التوراة  هي المنزلة على موسى عليه السلام، ويروى أن عيسى كان يستظهر التوراة وكان أعلم الناس بما فيها، ويروى أنه لم يحفظها عن ظهر قلب إلا أربعة، موسى ويوشع بن نون وعزير وعيسى عليهم السلام، وذكر  الإنجيل  لمريم وهو ينزل - بعد - لأنه كان كتاباً مذكوراً عند الأنبياء والعلماء وأنه سيزل. 
١ - وافق أبو (ح) في البحر المحيط على فساد العطف في قراءة النون، لكنه اعترض على فساد العطف في قراءة الياء، وقال: إنه هو الأولى..

### الآية 3:49

> ﻿وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [3:49]

وَرَسُولاً إِلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ 
وقوله : ورسولاً  حال معطوفة على  ويعلمه  إذ التقدير، ومعلماً الكتاب، فهذا كله عطف بالمعنى على قوله  وجيهاً  \[ آل عمران : ٤٥ \]، ويحتمل أن يكون التقدير، ويجعله رسولاً[(١)](#foonote-١)، وكانت رسالة عيسى عليه السلام إلى بني إسرائيل، مبيناً حكم التوراة ونادباً إلى العمل بها ومحللاً أشياء مما حرم فيها، كالشحوم ولحوم الإبل وأشياء من الحيتان والطير. ومن أول القول لمريم إلى قوله  إسرائيل  خطاب لمريم. ومن قوله : أني قد جئتكم  إلى قوله : مستقيم  يحتمل أن يكون خطاباً لمريم على معنى يكون من قوله لبني إٍسرائيل : كيت وكيت، ويكون في آخر الكلام متروكا يدل عليه الظاهر، تقديره فجاء عيسى بني إسرائيل رسولاً فقال لهم ما تقدم ذكره  فلما أحس ، ويحتمل أن يكون المتروك مقدراً في صدر الكلام بعد قوله : إلى بني إسرائيل ، فيكون تقديره فجاء عيسى كما بشر الله رسولاً إلى بني إسرائيل بأني قد جئتكم، ويكون قوله : أني قد جئتكم  ليس بخطاب لمريم، والأول أظهر. 
وقرأ جمهور الناس **«أني قد جئتكم »** بفتح الألف، تقديره بأني وقرىء في الشاذ **«إني قد جئتكم »**. وجمهور الناس قرؤوا بآية على الإفراد وفي مصحف ابن مسعود **«بآيات »**، وكذلك في قوله بعد هذا  وجئتكم بآيات من ربكم  واختلف القراء في فتح الألف وكسرها من قوله : أني أخلق ، فقرأ نافع وجماعة من العلماء، ****«إني »**** بكسر الألف، وقرأ باقي السبعة وجماعة من العلماء، **«أني »** بفتح الألف، فوجه قراءة نافع، إما القطع والاستئناف وإما أنه فسر الآية بقوله، ****«إني »**** كما فسر المثل في قوله  كمثل آدم  بقوله : خلقه من تراب [(٢)](#foonote-٢) إلى غير ذلك من الأمثلة ووجه قراءة الباقين البدل من آية، كأنه قال :**«وجئتكم بأني أخلق »**، وقيل : هي بدل من  أني  الأولى، وهذا كله يتقارب في المعنى و  أخلق  معناه، أقدر وأُهيىء بيدي، ومن ذلك قول الشاعر \[ زهير بن أبي سلمى \] [(٣)](#foonote-٣) :\[ الكامل \]
وَلأَنْتَ تَفْري مَا خَلَقْتَ وَبَعْ. . . ضُ الْقَوْمِ يَخْلقُ ثمّ لا يفْري
وقوله  لكم  تقييد لقوله،  أخلق  لأنه يدل دلالة ما، على أنه لم يرد الإيجاد من العدم، ويصرح بذلك قوله  بإذن الله  وحقيقة الخلق في الأجرام، ويستعمل في المعاني، ومنه قوله تعالى : وتخلقون إفكاً [(٤)](#foonote-٤) ومنه قول الشاعر[(٥)](#foonote-٥) :\[ مجزوء الكامل مرفّل \]
من كان يخلق ما يقو. . . ل فحيلتي فيه قليله
وجمهور الناس قرأ **«كهيئة »** على وزن فعلة بفتح الفاء وهو مصدر من قولك، هاء الشيء يهاء هيئاً وهيئة، إذا ترتب واستقر على حال ما، وهو الذي تعديه فتقول : هيأت، وقرأ الزهري **«كهِيَّئة الطير »**، بكسر الهاء وياء مفتوحة مشددة، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع، **«كهيئة الطائر فأنفخ فيه فيكون طائراً »** على الإفراد في الموضعين، فالأول اسم الجنس والثاني مفرد، أي يكون طائراً من الطيور، وقرأ نافع وحده، **«كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طائراً »** بالإفراد في الأخير، وهكذا قرأ في المائدة الباقون **«كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً »** بالجمع فيهما، وكذلك في سورة المائدة، ومعاني هذه القراءات بينة، و  الطير  اسم جمع وليس من أبنية الجموع، وإنما البناء في جمع طائر أطيار، وجمع الجمع طيور، وحكاه أبو علي بن أبي الحسن، وقوله  فأنفخ فيه  ذكر الضمير هنا لأنه يحتمل أن يعود على الطين المهيأ. ويحتمل أن يريد فانفخ في المذكور، وأنث الضمير في سورة المائدة في قوله : فتنفخ فيها  \[ المائدة : ١١٠ \] لأنه يحتمل أن يعود على الهيئة أو على تأنيث لفظ الجماعة في قوله  الطير  وكون عيسى عليه السلام خالقاً بيده ونافخاً بفيه إنما هو ليبين تلبسه بالمعجزة، وأنها جاءت من قبله، وأما الإيجاد من العدم وخلق الحياة في ذلك الطين فمن الله تعالى وحده لا شريك له. 
وقوله  بإذن الله ، معناه بعلم منه تعالى أني أفعل ذلك وتمكين منه لي، وحقيقة الإذن في الشيء هي العلم بأنه يفعل والتمكين من ذلك، فإن اقترن بذلك قول فذلك أمكن في الإذن وأبلغ، ويخرج من حد الإذن إلى حد الأمر ولكن تجده أبداً في قسم الإباحة، وتأمل قوله تعالى :
 فهزموهم بإذن الله [(٦)](#foonote-٦)، وقول النبي عليه السلام : وإذنها صماتها [(٧)](#foonote-٧)، وروي في قصص هذه الآية، أن عيسى عليه السلام كان يقول لبني إسرائيل : أي الطير أشد خلقة وأصعب أن يحكى ؟ فيقولون : الخفاش، لأنه طائر لا ريش له، فكان يصنع من الطين خفافيش ثم ينفخ فيها فتطير، وكل ذلك بحضرة الناس ومعاينتهم، فكانوا يقولون : هذا ساحر. 
**قوله تعالى :**
 وَأُبْرِىءُ الأَكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ 
 أبرىء ، معناه أزيل المرض يقال برأ المريض وأبرأه غيره، ويقال : برىء المريض أيضاً كما يقال في الذنب والدين[(٨)](#foonote-٨)، واختلف المفسرون في  الأكمه  فقال مجاهد : الأكمه  هو الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل، وقال ابن عباس والحسن والسدي : الأكمه  الأعمى على الإطلاق، وقال عكرمة : الأكمه  الأعمش، وحكى النقاش قولاً : أن  الأكمه  هو الأبكم الذي لا يفهم ولا يفهم، الميت الفؤاد، وقال ابن عباس أيضاً وقتادة : الأكمه  الذي يولد أعمى مضموم العين. 
قال القاضي : وقد كان عيسى عليه السلام يبرىء بدعائه ومسح يده كل علة، ولكن الاحتجاج على بني إسرائيل في معنى النبوة لا يقوم إلا بالإبراء من العلل التي لا يبرىء منها طبيب بوجه، فليس يتخلص من هذه الأقوال في  الأكمه  إلا القول الأخير، إذ  الأكمه  في اللغة هو الأعمى، وكمهت العين عميت، ولولا ضبط اللغة لكان القول الذي حكى النقاش حسناً في معنى قيام الحجة به،  والأبرص  معروف، وهو داء لا يبرأ منه إذا تمكن، وروي في إحيائه الموتى، أنه كان يضرب بعصاه الميت أو القبر أو الجمجمة، فيحيي الإنسان ويكلمه، وروي في أنه أحيى سام بن نوح عليه السلام، وروي أن الذي كان يحييه كانت تدوم حياته، وروي أنه كان يعود لموته سريعاً، وفي قصص الإحياء أحاديث كثيرة لا يوقف على صحتها، وإحياء الموتى هي آيته المعجزة المعرضة للتحدي، وهي بالمعنى متحدى بها وإن كان لم ينص على التحدي بها، وآيات عيسى عليه السلام إنما تجري فيما يعارض الطب لأن علم الطب كان شرف الناس في ذلك الزمان وشغلهم وحينئذ أثيرت فيه العجائب، فلما جاء عيسى عليه السلام بغرائب لا تقتضيها الأمزجة وأصول الطب، وذلك إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص علمت الأطباء أن هذه القوة من عند الله، وهذا كأمر السحرة مع موسى، والفصحاء مع محمد عليه السلام. 
ووقع في التواريخ المترجمة عن الأطباء أن جالينوس، كان في زمن عيسى عليه السلام وأنه رحل إليه من رومية إلى الشام ليلقاه فمات في طريقه ذلك. 
واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى : وأنبئكم  الآية، فقال السدي وسعيد بن جبير وابن إسحاق ومجاهد وعطاء : كان عيسى من لدن طفولته وهو في الكتّاب يخبر الصبيان بما يفعل آباؤهم في منازلهم وبما يؤكل من الطعام ويدخر حتى قال بنو إسرائيل لأبنائهم لا تخالطوا هذا الساحر، وكذلك إلى أن نبىء، فكان يقول لكل من سأله عن هذا المعنى، أكلت البارحة كذا، وادخرت كذا، قال ابن إسحاق، وكان معلمه يريد أن يعلمه الشيء فيسبقه إليه عيسى فيتعجب معلمه من ذلك ويذكره للناس، وقال قتادة معنى الآية إنما هو في نزول المائدة عليهم. وذلك أنها لما أنزلت أخذ عليهم عهداً أن يأكلوا ولا يخبىء أحد شيئاً ولا يدخره ويحمله إلى بيته فخانوا وجعلوا يخبئون من ثمار الجنة وطعامها الذي كان ينزل على المائدة. فكان عيسى عليه السلام يخبر كل أحد عما أكل وعما ادخر في بيته من ذلك وعوقبوا على ذلك، وما في قوله  بما تأكلون  يحتمل أن تكون بمعنى الذي وتحتمل المصدرية وكذلك  وما تدخرون ، وقرأ الجمهور، **«تدّخِرون »** بدال مشددة وخاء مكسورة، وهو تفتعلون من ذخرت أصله، **«تذخرون »** استثقل النطق بالذال والتاء، لتقاربهما في المخرج فأبدلت التاء دالاً وأدغمت الذال في الدال، كما صنع في مدكر، ومطلع، بمعنى مضطلع وغير ذلك نحو قول الشاعر :\[ زهير \] \[ البسيط \]
إن الكَريمَ الذي يُعطيكَ نَائِلَهُ. . . عَفْواً وَيظْلِمُ أحْياناً فَيَطَّلِمُ[(٩)](#foonote-٩)
بالطاء غير منقوطة، وقرأ الزهري ومجاهد وأيوب السختياني وأبو السمال **«تدْخَرون »** - بدال - ساكنة وخاء مفتوحة، وقوله : إن في ذلك  إشارة إلى ما ذكر من الإحياء والإبراء والإنباء، وفي مصحف ابن مسعود **«لآيات »** على الجمع، وقوله  إن كنتم مؤمنين ، توقيف والمعنى، لآيات نافعة هادية إن آمنتم وأبصرتم وإلا فليست بنافعة ولا هادية، فأما كونها آيات فعلى كل حال آمنوا أو كفروا، هذا كله على أن المخاطبة لمن لم يؤمن - بعد - وهو ظاهر حاله مع بني إسرائيل، وإن كان خطابه لمؤمنين، أو لما[(١٠)](#foonote-١٠) كانوا مؤمنين بموسى، فمعنى الآية التثبيت وهز النفس كما تقول لإنسان تقيم نفسه إلى شيء : ما أنت يا فلان يلزمك أن تفعل كذا وكذا إن كنت من الرجال. 
١ - اختلف العلماء في إعراب \[رسولا\] هنا- قال قوم: هو وصف بمعنى الرسل، ويكون منصوبا بإضمار فعل مناسب تقديره: ويجعله رسولا-أو حالا معطوفة على \[ويعلمه\] كما ذكرهما ابن عطية، على حد قول الشاعر:
 يا ليت زوجك قد غدا متقلدا سيفا ورمحا.
 أي: ومعتقلا رمحا وقيل: إن \[رسولا\] مصدر بمعنى رسالة، ويكون معطوفا على الكتاب، والمعنى: ويعلمه رسالة، فتكون (رسالة) داخلة فيما يعلمه الله لعيسى، قال ذلك الحوفي وأبو البقاء..
٢ - من الآية (٥٩) من سورة آل عمران..
٣ - هو زهير بن أبي سلمى (ديوانه ٩٤) ويخلق ويفري معناه: يقرر الأمر ثم يمضيه..
٤ - من قوله تعالى في الآية (١٧) من سورة العنكبوت: {إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا)..
٥ - أنشد المبرد البيت في الجزء الثاني من الكامل، وذكر قبله بيتا ونسبهما لبعض المحدثين، وهما:
 لي حيلة فيمن ينمـ م، وليس في الكذاب حيل
 من كان يخلق ما يقو ل فحيلتي فيه قليـــله
 ونسبهما في "معجم الأدباء" إلى منصور بن إسماعيل الشافعي أبي الحسن التميمي الفقيه الشاعر الضرير المصري. ويخلق ما يقول: يفتريه-
 -يقول: إنه لا حيل له في الكذاب الذي يفتري الأمور ويدعيها..
٦ - من الآية (٢٥١) من سورة البقرة..
٧ - أخرجه الإمام مسلم، وأبو داود، والنسائي –عن ابن عباس (الجامع الصغير١ /٤٨٧)..
٨ - قال في الصحاح: أهل الحجاز يقولون: "برأت من المرض برءا" بالفتح.
 -وفي المعجم الوسيط: برئ المريض برءا وبُرءا- وبرؤَ برءا وبروءا بمعنى: شفي وتخلص مما به-.
 -وقال أبو حيان في البحر المحيط ٢/٤٥٥: "الإبراء إزالة العلة، يقال: برئ الرجل وبرأ من المرض وأما من الذنب ومن الدين فبرئ" تأمل الفرق بين قوله وقول ابن عطية رحمهما الله..
٩ - البيت لزهير بن أبي سلمى، أورده اللسان في مادة: ظلم، برواية:
 هو الجواد الذي يعطيك نائله عفوا................. البيت
 ومعنى يظلم بالبناء للمجهول: يطلب منه في غير موضع الطلب: ومعنى يطلم أو يظطلم: يحتمل الظلم. ويروى: فيظلم؛ أي يتكلف. ورواه الأصمعى: وينظلم كما في اللسان..
١٠ - لعل الصواب: أو لمن..

### الآية 3:50

> ﻿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ۚ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [3:50]

قوله : مصدقاً  حال معطوفة على قوله : أني قد جئتكم بآية  \[ آل عمران : ٤٩ \]، لأن قوله  بآية  في موضع الحال، وكان عيسى عليه السلام مصدقاً للتوراة متبعاً عاملاً بما فيها، قال وهب بن منبه : كان يسبت ويستقبل بيت المقدس، وقال قتادة في تفسير قوله : ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ، كان الذي جاء به عيسى ألين من الذي جاء به موسى، وقال ابن جريج، أحل لكم لحوم الإبل والشحوم، قال الربيع : وأشياء من السمك، وما لا صئصئة[(١)](#foonote-١) له من الطير، وكان في التوراة محرمات تركها شرع عيسى على حالها، فلفظة ****«البعض »**** على هذا متمكنة، وقال أبو عبيدة :****«البعض »**** في هذه الآية بمعنى الكل، وخطأه الناس في هذه المقالة وأنشد أبو عبيدة شاهداً على قوله بيت لبيد :
\[ الكامل \]
ترَّاكُ أَمْكِنَةٍ إذا لمْ يَرْضَها. . . أو يخترمْ بعضَ النفوسِ حِمامُها[(٢)](#foonote-٢)
وليست في البيت له حجة لأن لبيداً أراد نفسه فهو تبعيض صحيح، وذهب بعض المفسرين إلى أن قوله تعالى : حرم عليكم  إشارة إلى ما حرمه الأحبار بعد موسى وشرعوه، فكأن عيسى رد أحكام التوراة **«إلى حقائقها التي نزلت من عند الله تعالى، وقال عكرمة :»** حرم عليكم «بفتح الحاء والراء المشددة، وإسناد الفعل إلى الله تعالى أو إلى موسى عليه السلام، وقرأ الجمهور  وجئتكم بآية  وفي مصحف عبد الله بن مسعود، 
**«وجئتكم بآيات من ربكم »**، وقوله تعالى : فاتقوا الله وأطيعون  تحذير ودعاء إلى الله تعالى.

١ - صئصئة الديك: مخلبه في ساقه..
٢ - بيت لبيد من معلقته المشهورة؛ اخترمته المنية: أخذته. واخترمهم الدهر: اقتطعهم واستأصلهم. والحمام بكسر الحاء: قضاء الموت وقدره.
 يقول لبيد: إني أترك الأمكنة التي لا أحبها ولا أرضى بالعيش فيها إلا إذا نزل بي قضاء الله وقضى علي الموت بالبقاء فيها. وفي بعض الروايات: (أو يرتبط) بدلا من (أو يخترم) ومعناها أن يربط الحمام نفسه بهذه الأرض فلا يبرحها.
 وأراد ببعض النفوس-نفسه، فالتبعيض صحيح، وليس لأبي عبيدة حجة في البيت؛ وقد أنشد. بعضهم بيتا آخر ليؤيد كلام أبي عبيدة من أن (بعض) تأتي بمعنى (كل) وهو قول الشاعر: 
 إن الأمور إذا الأحداث دبّرها دون الشيوخ ترى في بعضها خللا 
 فهو يرى أن الأحداث إذا دبروا الأمور من دون الشيوخ صارت كلها خللا- وهذا أيضا غير صحيح، فليس كل ما دبّره الأحداث يكون فيه الخلل – والتبعيض هنا أيضا صحيح. وقال بعضهم: لا يقوم (بعض) مقام (كل) إلا إذا دلت قرينة على ذلك نحو قول الشاعر: 
 أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشر أهون من بعض
 يريد: بعض الشر أهون من كله. وهذا أيضا موضع بحث ونظر.
 راجع اللسان. والبحر المحيط ٢/٤٦٨..

### الآية 3:51

> ﻿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۗ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [3:51]

وقرأ جمهور الناس  إن الله ربي وربكم  بكسر الألف على استئناف الخبر، وقرأه قوم **«أن الله ربي وربكم »** **«بفتح الألف قال الطبري :«إن »** بدل من **«آية »**، في قوله  جئتكم بآية ، وفي هذا ضعف وإنما التقدير أطيعون، لأن الله ربي وربكم، أو يكون المعنى، لأن الله ربي وربكم فاعبدوه، وقوله : هذا صراط مستقيم  إشارة إلى قوله : إن الله ربي وربكم فاعبدوه ، وهو لأن ألفاظه جمعت الإيمان والطاعات، والصراط، الطريق، والمستقيم، الذي لا اعوجاج فيه.

### الآية 3:52

> ﻿۞ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [3:52]

قبل هذه الآية متروك به يتم اتساق الآيات، تقديره، فجاء عيسى عليه السلام كما بشر الله به فقال جميع ما ذكر لبني إسرائيل،  فلما أحس  ومعنى أحس، علم من جهة الحواس بما سمع من أقوالهم في تكذيبه ورأى من قرائن الأحوال وشدة العداوة والإعراض، يقال أحسست بالشيء وحسيت به، أصله، حسست فأبدلت إحدى السينين ياء[(١)](#foonote-١)، و الكفر  هو التكذيب به، وروي أنه رأى منهم إرادة قتله، فحينئذ طلب النصر، والضمير في  منهم  لبني إسرائيل، وقوله تعالى : قال من أنصاري إلى الله  عبارة عن حال عيسى في طلبه من يقوم بالدين ويؤمن بالشرع ويحميه، كما كان محمد عليه السلام يعرض نفسه على القبائل ويتعرض للأحياء في المواسم، وهذه الأفعال كلها وما فيها من أقوال يعبر عنها ب \*\*\* قال من أنصاري إلى الله ، ولا شك أن هذه الألفاظ كانت في جملة أقواله للناس، والأنصار جمع نصير، كشهيد وأشهاد وغير ذلك، وقيل جمع ناصر، كصاحب وأصحاب وقوله : إلى الله  يحتمل معنيين، أحدهما : من ينصرني في السبيل إلى الله ؟ فتكون 
 إلى  دالة على الغاية دلالة ظاهرة على بابها، والمعنى الثاني، أن يكون التقدير من يضيف نصرته إلى نصرة الله لي ؟ فيكون بمنزلة قوله  ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم [(٢)](#foonote-٢) فإذا تأملتها وجدت فيها معنى الغاية لأنها تضمنت إضافة شيء إلى شيء، وقد عبر عنها ابن جريج والسدي بأنها بمعنى مع ونعم[(٣)](#foonote-٣)، إن - مع - تسد في هذه المعاني مسد **«إلى »** لكن ليس يباح من هذا أن يقال إن  إلى  بمعنى  مع  حتى غلط في ذلك بعض الفقهاء في تأويل قوله تعالى : وأيديكم إلى المرافق [(٤)](#foonote-٤) فقال  إلى  بمعنى مع وهذه عجمة بل  إلى  في هذه الآية، غاية مجردة، وينظر هل يدخل ما بعد إلى فيما قبلها من طريق آخر، و الحواريون ، قوم مر بهم عيسى عليه السلام، فدعاهم إلى نصرة، واتباع ملته، فأجابوه وقاموا بذلك خير قيام، وصبروا في ذات الله، وروي أنه مر بهم وهم يصطادون السمك، واختلف الناس لم قيل لهم  الحواريون  ؟ فقال سعيد بن جبير، سموا بذلك لبياض ثيابهم ونقائها، وقال أبو أرطأة[(٥)](#foonote-٥)، سموا بذلك لأنهم كانوا قصارين[(٦)](#foonote-٦) يحورون الثياب، أي يبيضونها، وقال قتادة، الحواريون أصفياء الأنبياء، الذين تصلح لهم الخلافة، وقال الضحاك نحوه. 
قال الفقيه الإمام أبو أحمد : وهذا تقرير حال القوم، وليس بتفسير اللفظة، وعلى هذا الحد شبه النبي عليه السلام، ابن عمته بهم في قوله : وحواريَّ الزبير[(٧)](#foonote-٧)، والأقوال الأولى هي تفسير اللفظ، إذ هي من الحور، وهو البياض، حورت الثوب بيضته ومنه الحواري، قد تسمي العرب النساء الساكنات في الأمصار، الحواريات، لغلبة البياض عليهن، ومنه قول أبي جلدة اليشكري[(٨)](#foonote-٨) :
فقل للحواريات يبكين غيرنا. . . ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح
وحكى مكي : أن مريم دفعت عيسى عليه السلام في صغره في أعمال شتى، وكان آخر ما دفعته إلى الحواريين وهم الذين يقصرون الثياب ثم يصبغونها فأراهم آيات وصبغ لهم ألواناً شتى من ماء واحد، وقرأ جمهور الناس **«الحواريّون »** بتشديد الياء، واحدهم - حواريّ - وليست بياء نسب وإنما هي كياء كرسي، وقرأ إبراهيم النخعي وأبو بكر الثقفي :**«الحواريون »** مخففة الياء في جميع القرآن، قال أبو الفتح[(٩)](#foonote-٩) : العرب تعاف ضمة الياء الخفيفة المكسور ما قبلها وتمتنع منها، ومتى جاءت في نحو قولهم، العاديون القاضيون والساعيون أعلت بأن تستثقل الضمة فتسكن الياء وتنقل حركتها ثم تحذف لسكونها وسكون الواو بعدها فيجيء العادون ونحوه، فكان يجب على هذا أن يقال، الحوارون، لكن وجه القراءة على ضعفها أن الياء خففت استثقالاً لتضعيفها وحملت الضمة دلالة على أن التشديد مراد، إذ التشديد محتمل للضمة، وهذا كما ذهب أبو الحسن في تخفيف يستهزئون إلى أن أخلص الهمزة ياء البتة وحملها الضمة تذكرا لحال الهمزة المرادة فيها. 
وقول الحواريين : واشهد  يحتمل أن يكون خطاباً لعيسى عليه السلام، أي اشهد لنا عند الله، ويحتمل أن يكون خطاباً لله تعالى كما تقول : أنا أشهد الله على كذا، إذا عزمت وبالغت في الالتزام، ومنه قول النبي عليه السلام في حجة الوداع : اللهم اشهد [(١٠)](#foonote-١٠)، قال الطبري : وفي هذه الآية توبيخ لنصارى نجران، أي هذه مقالة الأسلاف المؤمنين بعيسى، لا ما تقولونه أنتم، يا من يدعي له الألوهية.

١ - أضاف أبو حيان: "أو تحذف أولى سينيه في أحسست فيقال: أحست، قال: 
 سوى أن العتاق من المطايا أحسن به فهن إليه شوس
 وشوس: جمع أشوس- وهو الذي ينظر بمؤخر عينه تكبرا وتغيظا.
 وقال سيبويه: "وما شذ من المضاعف- يعني في الحذف- فشبيه بباب (أقمت)- وذلك قولهم: أحست وأحسن. يريدون: أحسست وأحسسن"..
٢ - من الآية (٢) من سورة النساء..
٣ - ونعم: بثبوت الواو في جميع النسخ، وهو وجه جائز، ولو حذفها لكان أحسن..
٤ - من الآية رقم (٦) في سورة المائدة في قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق..
٥ - أبو أرطأة: كذا ورد، وقد ورد في الصحابة من اسمه أبو أرطأة (انظر الكنى في الاستيعاب والإصابة). ولعله أبو أرطأة حجاج بن أرطأة الكوفي القاضي (التهذيب ٢/١٩٦)..
٦ - قصر الثوب: دقه، ومنه القصار، وحرفته هي القصارة..
٧ -أخرجه الشيخان، كما أخرجه البزار عن عائشة رضي الله عنها، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده، والبزار والطبراني عن عبد الله بن الزبير (تفسير ابن كثير، ومجمع الزوائد ٩/١٥١)..
٨ - أبو جلدة اليشكري: من بني يشكر. كان مولعا بالشراب، وقيل: إنه كان ممن خرج مع ابن الأشعث فقتله الحجاج بعد أن كان من أخص الناس به، وقيل: مات في طريق مكة. (الشعر والشعراء: ٦١٩ والأغاني ١١/ ٢٩١ والآمدي: ٧٨).
 يقول الشاعر: قل للنساء الحضريات الصافيات البياض يبكين غيرنا. فهو لا يريد أن يبكي عليه هذا النوع من النساء، لأنه غير منعم ولا مترف، ثم طلب ألا يبكي عليه إلا الكلاب التي كانت تخرج معهم للصيد، كناية عن أنه من أهل البدو.
 ومثل (الحواري) في الوزن (الحوالي) للكثير الحيلة..
٩ - المحتسب ١/١٦٢ (بتصرف)..
١٠ -أخرجه البخاري عن أبي بكرة في باب خطبة أيام منى، والإمام مسلم عن جابر، كما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والطبراني في الكبير؛ ومجمع الزوائد..

### الآية 3:53

> ﻿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [3:53]

وقوله : ربنا آمنا بما أنزلت  يريدون الإنجيل وآيات عيسى، و وَاتَّبَعْنَا الرسول  عيسى عليه السلام، وقوله : فاكتبنا مع الشاهدين  عبارة عن الرغبة في أن يكونوا عنده في عداد من شهد بالحق من مؤمني الأمم، ولما كان البشر يقيد ما يحتاج إلى علمه وتحقيقه في ثاني حال بالكتاب، عبروا عن فعل الله بهم ذلك وقال ابن عباس : قولهم  مع الشاهدين  معناه اجعلنا من أمة محمد عليه السلام في أن نكون ممن يشهد على الناس.

### الآية 3:54

> ﻿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [3:54]

ثم أخبر تعالى عن بني إسرائيل الكافرين بعيسى فقال : ومكروا  يريد تحيلهم في أخذ عيسى للقتل بزعمهم، ويروى أنهم تحيلوا له، وأذكوا عليه العيون[(١)](#foonote-١) حتى دخل هو والحواريون بيتاً فأخذوهم فيه، فهذا مكر بني إسرائيل، وجازاهم الله تعالى بأن طرح شبه عيسى على أحد الحواريين ورفع عيسى، وأعقب بني إسرائيل مذلة وهواناً في الدنيا والآخرة، فهذه العقوبة هي التي سماها الله مكراً في قوله  ومكر الله  وهذا مهيع أن تسمى العقوبة باسم الذنب وإن لم تكن في معناه، وعلى هذا فسر جمهور المفسرين الآية، وعلى أن عيسى قال للحواريين : من يصبر فيلقى عليه شبهي فيقتل وله الجنة ؟ فقال أحدهم - أنا - فكان ذلك، وروى قوم أن بني إسرائيل دست يهودياً جاسوساً على عيسى حتى صحبه ودلهم عليه ودخل معه البيت فلما أحيط بهم ألقى الله شبه عيسى على ذلك الرجل اليهودي فأخذ وصلب، فهذا معنى قوله : ومكروا ومكر الله  وهذه أيضاً تسمية عقوبة باسم الذنب، والمكر في اللغة، السعي على الإنسان دون أن يظهر له ذلك، بل أن يبطن الماكر ضد ما يبدي، وقوله  والله خير الماكرين  معناه في أنه فاعل حق في ذلك، والماكر من البشر فاعل باطل في الأغلب، لأنه في الأباطيل يحتاج إلى التحيل، والله سبحانه أشد بطشاً وأنفذ إرادة، فهو خير من جهات لا تحصى، لا إله إلا هو[(٢)](#foonote-٢)، وذكر حصر عيسى عليه السلام، وعدة أصحابه به وأمر الشبه وغير ذلك من أمره سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.

١ - أذكوا العيون: بثوا الجواسيس والطلائع، وفي بعض النسخ: أذكوا له..
٢ - سأل رجل الجنيد فقال: كيف رضي الله لنفسه المكر وقد عاب به غيره؟ فقال: لا أدري ما تقول، ولكن أنشدني فلان الظهراني:
 ويقبح من سواك الفعل عندي فتفعله فيحسن منك ذاكا
 ثم قال: قد أجبتك إن كنت تعقل..

### الآية 3:55

> ﻿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [3:55]

قال الطبري : العامل في  إذ  قوله تعالى  ومكر الله  \[ آل عمران : ٥٤ \] وقال غيره من النحاة : العامل فعل مضمر تقديره اذكر. 
قال القاضي أبو محمد : هذا هو الأصوب، وهذا القول هو بواسطة الملك لأن عيسى ليس بمكلم، و  عيسى  اسم أعجمي معرف فلذلك لا ينصرف وهو بالسريانية - ايسوع - عدلته العرب إلى  عيسى  واختلف المفسرون في هذا التوفي، فقال الربيع : هي وفاة نوم، رفعه الله في منامه، وقال الحسن وابن جريج ومطر الوراق[(١)](#foonote-١) ومحمد بن جعفر بن الزبير وجماعة من العلماء : المعنى أني قابضك من الأرض، ومحصلك فى السماء فهو توفى قبض وتحصيل، وقال ابن عباس هى وفاة موت، معناه أنى مميتك، هذا لفظ ابن عباس ولم يفسر، فقال وهب بن منبه : توفاه الله بالموت ثلاث ساعات ورفعه فيها ثم أحياه الله بعد ذلك، عنده في السماء وفي بعض الكتب، سبع ساعات، وقال الفراء : هي وفاة موت ولكن المعنى،  إني متوفيك  في آخر أمرك عند نزولك وقتلك الدجال، ففي الكلام تقديم وتأخير، وقال مالك في جامع العتبية : مات عيسى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة[(٢)](#foonote-٢)، ووقع في كتاب مكي عن قوم : أن معنى  متوفيك  متقبل عملك، وهذا ضعيف من جهة اللفظ. 
قال القاضي أبو محمد : وأجمعت الأمة على ما تضمنه الحديث المتواتر من أن عيسى عليه السلام في السماء حي، وأنه ينزل في آخر الزمان فيقتل الخنزير ويكسر الصليب ويقتل الدجال ويفيض العدل ويظهر هذه الملة ملة محمد ويحج البيت ويعتمر، ويبقى في الأرض أربعاً وعشرين سنة، وقيل أربعين سنة، ثم يميته الله تعالى[(٣)](#foonote-٣). 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : فقول ابن عباس رضي الله عنه : هي وفاة موت لا بد أن يتمم، إما على قول وهب بن منبه، وإما على قول الفراء، وقوله تعالى : ورافعك إليّ  عبارة عن نقله إلى علو من سفل وقوله  إلى  إضافة تشريف لما كانت سماءه والجهة المكرمة المعظمة المرجوة، وإلا فمعلوم أن الله تعالى غير متحيز في جهة، وقوله تعالى : ومطهرك  حقيقة التطهير إنما هي من دنس ونحوه، واستعمل ذلك في السب والدعاوى والآثام وخلطة الشرار ومعاشرتهم، تشبيهاً لذلك كله بالأدناس، فطهر الله العظيم عيسى من دعاوى الكفرة ومعاشرتهم القبيحة له، وقوله تعالى : وجاعل  اسم فاعل للاستقبال، وحذف تنوينه تخفيفاً، وهو متعد إلى مفعولين، لأنه بمعنى مصيَّر فأحدهما  الذين  والآخرة في قوله : فوق الذين كفروا  وقال ابن زيد : الذين اتبعوه هم النصارى والذين كفروا هم اليهود، والآية مخبرة عن إذلال اليهود وعقوبتهم بأن النصارى فوقهم في جميع أقطار الأرض إلى يوم القيامة. 
قال القاضي أبو محمد : فخصص ابن زيد المتبعين والكافرين وجعله حكماً دنيوياً لا فضيلة فيه للمتبعين الكفار منهم بل كونهم فوق اليهود عقوبة لليهود فقط، وقال جمهور المفسرين بعموم اللفظ في المتبعين فيدخل في ذلك أمة محمد لأنها متبعة لعيسى، نص على ذلك قتادة وغيره، وكذلك قالوا بعموم اللفظ في الكافرين، فمقتضى الآية إعلام عيسى عليه السلام أن أهل الإيمان به كما يجب هم فوق الذين كفروا بالحجة والبرهان وبالعزة والغلبة، ويظهر من قول ابن جريج وغيره أن المراد المتبعون له في وقت استنصاره وهم الحواريون جعلهم الله فوق الكافرين لأنه شرفهم وأبقى لهم في الصالحين ذكراً، فهم فوقهم بالحجة والبرهان، وما ظهر عليهم من أمارات رضوان الله، وقوله تعالى  ثم إليّ مرجعكم  الخطاب لعيسى، والمراد الإخبار بالقيامة والحشر فلذلك جاء اللفظ عاماً من حيث الأمر في نفسه لا يخص عيسى وحده فكأنه قال له : ثم إلي ، أي إلى حكمي وعدلي، يرجع الناس، فخاطبه كما تخاطب الجماعة إذ هو أحدها، وإذ هي مرادة في المعنى، وفي قوله تعالى : فأحكم  إلى آخر الآية، وعد لعيسى والمؤمنين ووعيد للكافرين.

١ - هو مطر بن طهمان الوراق أبو رجاء الخراساني السلمي، مولى علي، سكن البصرة وروى عن أنس وعكرمة وعطاء وحميد بن هلال وغيرهم، وعنه إبراهيم بن طهمان، وابنه هلال الراسبي، وعبد الله بن شوذب، ومعمر الدستوائي، وغيرهم، روي أن المنصور قتله (تهذيب التهذيب ١٠/١٦٧)..
٢ -وأخرج ابن سعد، وأحمد في الزهد، والحاكم- عن سعيد بن المسيب قال: رفع عيسى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وأخرج ابن عساكر، عن وهب مثله. "فتح القدير للشوكاني" ١/٣١٥..
٣ - أخرجه البخاري، ومسلم، والإمام أحمد، وأبو داود، وابن جرير-عن أبي هريرة. وبوّب ابن كثير لنزوله في تفسيره عند قوله تعالى: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته الآية، والحديث ورد بطرق. وذكر في فتح القدير للشوكاني: ١/٤٩٧ أنه أفرد للأحاديث الواردة في نزول عيسى عليه السلام مؤلفا مستقلا..

### الآية 3:56

> ﻿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [3:56]

وقوله تعالى : فأما الذين كفروا  الآية، إخبار بما يجعل عليه حالهم من أول أمرهم وليس بإخبار عما يفعل بعد يوم القيامة، لأنه قد ذكر الدنيا وهي قبل، وإنما المعنى، فأما الكافرون فالصنع بهم أنهم يعذبون  عذاباً شديداً في الدنيا  بالأسر والقتل والجزية والذل ومن لم ينله منهم فهو تحت خوفه إذ يعلم أن شرع الإسلام طالب له بذلك، وقد أبرز الوجود هذا، وفي  الآخرة  معناه، بعذاب النار.

### الآية 3:57

> ﻿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [3:57]

ثم ذكر قسم الإيمان وقرن به الأعمال الصالحات تنبيهاً على درجة الكمال ودعاء إليها، وقرأ حفص عن عاصم **«فيوفيهم »** بالياء على الغيبة، والفعل مسند إلى الله تعالى، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم **«فنوفيهم »** بالنون، وهي نون العظمة، وتوفية الأجور هي قسم المنازل في الجنة فذلك هو بحسب الأعمال، وأما نفس دخول الجنة فبرحمة الله وبفضله، وتقدم نظير قوله  والله لا يحب الظالمين  في قوله قبل  فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين  \[ آل عمران : ٣٢ \]

### الآية 3:58

> ﻿ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ [3:58]

ذلك  رفع بالابتداء والإشارة به إلى ما تقدم من الأنباء، و  نتلوه عليك  خبر ابتداء وقوله  من الآيات  لبيان الجنس، ويجوز أن تكون للتبعيض، ويصح أن يكون  نتلوه عليك  حالاً ويكون الخبر في قوله من  الآيات  وعلى قول الكوفيين يكون قوله  نتلوه  صلة لذلك، على حد قولهم في بيت ابن مفرغ الحميري[(١)](#foonote-١) :
وهذا تحملين طليق \*\*\* . . . . . . . . . . . . . . . . 
ويكون الخبر في قوله : من الآيات ، وقول البصريين في البيت أن تحملين حال التقدير، وهذا محمولاً، و نتلوه  معناه نسرده، و من الآيات  ظاهره آيات القرآن، ويحتمل أن يريد بقوله  من الآيات  من المعجزات والمستغربات أن تأتيهم بهذه الغيوب من قبلنا، وبسبب تلاوتنا وأنت أمي لا تقرأ، ولست ممن صحب أهل الكتاب، فالمعنى أنها آيات لنبوتك، وهذا الاحتمال إنما يتمكن مع كون  نتلوه  حالاً، و الذكر  ما ينزل من عند الله، و الحكيم  يجوز أن يتأول بمعنى المحكم، فهو فعيل بمعنى مفعول، ويصح أن يتأول بمعنى مصرح بالحكمة، فيكون بناء اسم الفاعل، قال ابن عباس،  الذكر  القرآن، و الحكيم  الذي قد كمل في حكمته. 
١ - شاعر عاش في العصر الأموي، اسمه يزيد بن ربيعة بن مفرغ، (الشعر والشعراء: ٢٧٦، والأغاني ١٧/٥١، والخزانة ٢/٢١٠، ٥١٤، وأمالي الزجاجي: ٢٢٩) والبيت بتمامه: 
 عدس، ما لعباد عليك إمارة نجوت، وهذا تحملين طليق
 يخاطب بغلته: وعدس: كلمة لزجر البغل..

### الآية 3:59

> ﻿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [3:59]

وذكر ابن عباس وقتادة وعكرمة والسدي وغيرهم، قالوا سبب نزول قوله تعالى : إن مثل عيسى  الآية أن وفد نصارى نجران جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم في أمر عيسى، وقالوا بلغنا أنك تشتم صاحبنا وتقول هو عبد، فقال النبي عليه السلام، وما يضر ذلك عيسى، أجل هو عبد الله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فقالوا فهل رأيت بشراً قط جاء من غير فحل أو سمعت به ؟ وخرجوا من عند النبي فأنزل الله عليه هذه الآية[(١)](#foonote-١). قوله تعالى  إن مثل  عبر عنه بعض الناس، بأن صفة عيسى وقرنوا ذلك بقوله تعالى : مثل الجنة [(٢)](#foonote-٢) قالوا : معناه صفة الجنة. 
قال الإمام أبو محمد : وهذا عندي ضعف في فهم معنى الكلام وإنما المعنى :**«أن المثل »** الذي تتصوره النفوس والعقول من عيسى هو كالمتصور من آدم إذ الناس كلهم مجمعون على أن الله تعالى خلقه من تراب من غير فحل، وكذلك مثل الجنة عبارة عن المتصور منها، وفي هذه الآية صحة القياس، أي إذا تصوروا أمر آدم قيس عليه جواز أمر عيسى عليه السلام والكاف في قوله : كمثل  اسم على ما ذكرناه من المعنى وقوله  عند الله  عبارة عن الحق في نفسه، أي هكذا هو الأمر فيما غاب عنكم، وقوله : خلقه من تراب  تفسير لمثل آدم، الذي ينبغي أن يتصور، والمثل والمثال بمعنى واحد، ولا يجوز أن يكون  خلقه  صلة لآدم ولا حالاً منه، قال الزجاج : إذ الماضي لا يكون حالاً أنت فيها بل هو كلام مقطوع منه، مضمنه تفسير المثل، قوله عز وجل : ثم قال  ترتيب للأخبار لمحمد عليه السلام، المعنى خلقه من تراب ثم كان من أمره في الأزل أن قال له  كن  وقت كذا، وعلى مذهب أبي علي الفارسي، في أن القول مجازي، مثل } وقال قطني [(٣)](#foonote-٣)، وأن هذه الآية عبارة عن التكوين، ف { ثم  على بابها في ترتيب الأمرين المذكورين، وقراءة الجمهور **«فيكونُ »**، بالرفع على معنى فهو يكون، وقرأ ابن عامر **«فيكونَ »** بالنصب، وهي قراءة ضعيفة الوجه، وقد تقدم توجيهها آنفاً في مخاطبة مريم.

١ أخرجه الطبري وابن أبي حاتم والبغوي في التفسير عن ابن عباس وذكر الشوكاني (فتح القدير١/٣١٦) أن هذه القصة رويت على وجوه عن جماعة من التابعين..
٢ - من الآية (٣٥) من سورة الرعد..
٣ - إشارة إلى الرجز المتقدم في ص ١٢٤ من هذا الجزء: 
 امتلأ الحوض وقال قطني مهلا رويدا قد ملأت بطني.

### الآية 3:60

> ﻿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [3:60]

وقوله تعالى : الحق من ربك ، رفع على الابتداء وخبره فيما يتعلق به، قوله  من ربك ، أو الحق ذلك، أو ما قلناه لك، ويجوز أن يكون خبر ابتداء، تقديره هذا الحق و  الممترين  هم الشاكون، والمرية الشك، ونهي النبي عليه السلام في عبارة اقتضت ذم الممترين، وهذا يدل على ان المراد بالامتراء غيره، ولو قيل : فلا تكن ممترياً لكانت هذه الدلالة أقل، ولو قيل فلا تمتر لكانت أقل ونهي النبي عليه السلام عن الامتراء مع بعده عنه على جهة التثبيت والدوام على حاله.

### الآية 3:61

> ﻿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [3:61]

وقوله تعالى : فمن حاجك فيه  معناه جادلك ونازعك الحجة، والضمير في قوله : فيه  يحتمل أن يعود على  عيسى ، ويحتمل أن يعود على  الحق ، والعلم الذي أشير إليه بالمجيء هو ما تضمنته هذه الآيات المتقدمة من أمر عيسى وقوله تعالى : فقل تعالوا  الآية، استدعاء المباهلة و  تعالوا  تفاعلوا من العلو، وهي كلمة قصد بها أولاً تحسين الأدب مع المدعو ثم اطردت حتى يقولها الإنسان لعدوه وللبهيمة ونحو ذلك و نبتهل  معناه نلتعن، ويقال عليهم بهلة الله معنى اللعنة[(١)](#foonote-١)، والابتهال : الجد في الدعاء بالبهلة. 
وروي في قصص هذه الآية : أنها نزلت بسبب محاجة نصارى نجران في عيسى عليه السلام وقولهم هو الله، وكانوا يكثرون الجدال وقد روى عبد الله بن الحارث بن جزء السوائي[(٢)](#foonote-٢) عن النبي عليه السلام أنه قال : ليت بيني وبين أهل نجران حجاباً فلا أراهم ولا يروني [(٣)](#foonote-٣) لشدة ما كانوا يمارون فلما قرأ النبي عليه السلام الآية دعاهم إلى ذلك، فروى الشعبي وغيره، أنهم وعدوه بالغد أن يلاعنوه فانطلقوا إلى السيد والعاقب فتابعاهم على أن يلاعنوا فانطلقوا إلى رجل آخر منهم عاقل فذكروا له ما صنعوا فذمهم وقال لهم : إن كان نبياً ثم دعا عليكم هلكتم، وإن كان ملكاً فظهر لم يبق عليكم، قالوا فكيف نصنع وقد واعدناه ؟ قال : إذا غدوتم فدعاكم إلى ذلك فاستعيذوا بالله من ذلك فعسى أن يعفيكم فلما كان الغد غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم محتضناً حسيناً آخذاً بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، فدعاهم إلى الميعاد، فقالوا : نعوذ بالله فأعادوا التعوذ فقال النبي صلى الله عليه وسلم :
**«فإن أبيتم فأسلموا فإن أبيتم فأعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون فإن أبيتم فإني أنبذ إليكم على سواء »**، قالوا : لا طاقة لنا بحرب العرب ولكنا نؤدي الجزية قال : فجعل عليهم كل سنة ألفي حلة ألفاً في رجب وألفاً في صفر وطلبوا منه رجلاً آميناً يحكم بينهم فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح[(٤)](#foonote-٤) وقال عليه السلام :**«لقد أتاني البشير بهلكة أهل نجران لو تموا على الملاعنة »**[(٥)](#foonote-٥)، وروى محمد بن جعفر بن الزبير وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعاهم قالوا : دعنا ننظر في أمرنا ثم نأتيك بما نفعل فذهبوا إلى العاقب وهو ذو رأيهم فقالوا : يا عبد المسيح ما ترى ؟ فقال : يا معشر النصارى، والله لقد عرفتم أن محمداً لنبي مرسل ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ولقد علمتم ما لاعن قوم قط نبياً فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم وإنه الاستئصال إن فعلتم، فإن أبيتم إلا إلف دينكم وما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم حتى يريكم زمن رأيه، فأتوا النبي عليه السلام، فقالوا : يا أبا القاسم قد رأينا ألا نلاعنك وأن نبقى على ديننا وصالحوه على أموال وقالوا له : ابعث معنا رجلاً من أصحابك ترضاه لنا يحكم في أشياء قد اختلفنا فيها من أموالنا فإنكم عندنا رضى، وروى السدي وغيره أن النبي عليه السلام جاء هو وعلي وفاطمة والحسن والحسين ودعاهم فأبوا وجزعوا وقال لهم أحبارهم : إن فعلتم اضطرم الوادي عليكم ناراً فصالحوا النبي عليه السلام على ثمانين ألف درهم في العام فما عجزت عنه الدراهم ففي العروض، الحلة بأربعين وعلى أن عليهم ثلاثاً وثلاثين درعاً وثلاثة وثلاثين بعيراً وأربعاً وثلاثين فرساً عارية كل سنة ورسول الله ضامن ذلك حتى يؤديها إليهم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو لاعنوا لاستؤصلوا من جديد الأرض [(٦)](#foonote-٦)، وقال أيضاً  لو فعلوا لاضطرم عليهم الوادي ناراً [(٧)](#foonote-٧)، وروى علباء بن احمر اليشكري[(٨)](#foonote-٨) قال : لما نزلت هذه الآية أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي وفاطمة وابنيهما الحسن والحسين ودعا اليهود[(٩)](#foonote-٩) ليلاعنهم، فقال شاب من اليهود : ويحكم، أليس عهدكم بالأمس بإخوانكم الذين مسخوا قردة وخنازير ؟ فلا تلاعنوا فانتهوا، وفي هذه القصة اختلافات للرواة وعبارات تجري كلها في معنى ما ذكرناه لكنا قصدنا الإيجاز وفي ترك النصارى الملاعنة لعلمهم بنبوة محمد شاهد عظيم على صحة نبوته صلى الله عليه وسلم، وما روي من ذلك خير مما روى الشعبي من تقسيم ذلك الرجل العاقل فيهم أمر محمد بأنه إما نبي وإما ملك لأن هذا نظر دنياوي[(١٠)](#foonote-١٠) وما روى الرواة من أنهم تركوا الملاعنة لعلمهم بنبوته أحج لنا سائر الكفرة وأليق بحال محمد صلى الله عليه وسلم، ودعاء النساء والأنبياء للملاعنة أهز للنفوس وأدعى لرحمة الله أو لغضبه على المبطلين، وظاهر الأمر أن النبي عليه السلام جاءهم بما[(١١)](#foonote-١١) يخصه، ولو عزموا استدعى المؤمنين بأبنائهم ونسائهم، ويحتمل أنه كان يكتفي بنفسه وخاصته فقط.

١ - في حديث مروي عن أبي بكر: (من ولي من أمور الناس شيئا فلم يعطهم كتاب الله فعليه بهلة الله). والمعنى: عليه لعنة الله..
٢ - هو عبد الله بن الحارث بن جزء بن عبد الله الزبيدي حليف أبي وداعة السهمي، له صحبة، سكن مصر، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث، وعنه المصريون ومن آخرهم يزيد بن أبي حبيب، وهو أخر من مات بمصر من الصحابة وذلك سنة: ٨٦هـ بعد أن عمي. (الإصابة ٢/٢٩١). والذي في تفسير الطبري: عبد الله بن الحارث الزبيدي-بدلا من: السوائي..
٣ - انظر تفسير الطبري ٣/٢١٣..
٤ -أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن حذيفة (فتح القدير ١/ ٣١٦، وتفسير ابن كثير ١/٣٦٩)..
٥ -أخرجه الطبري في تفسيره ٣/٢٩٩..
٦ - أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره عن قتادة (٣/٣٠٠) وجديد الأرض: وجه الأرض..
٧ - أخرجه الحاكم، وأبو نعيم في "الدلائل" عن جابر، ورواه الحاكم أيضا من وجه آخر عن جابر. (فتح القدير للشوكاني: ١/٣١٦)..
٨ - هو علباء بن أحمد اليشكري البصري، أحد القراء، له اختيار، روى عن عكرمة مولى ابن عباس، وعمرو بن أخطب، وروى عنه أبو علي الرحبي، وداود بن الفرات، والحسين بن واقد، وغيرهم. له في مسلم حديث واحد، ذكره ابن حبان في الثقات، (تهذيب التهذيب ٧/٢٧٣)..
٩ - كذا قال هنا، مع أن الظاهر أنهم نصارى، فهذه رواية غريبة. لكن قتادة روى أن الدعوة إلى كلمة سواء كانت مع اليهود كما جاء في صفحة١٥٤ من هذا الجزء..
١٠ - زيادة الألف في النسب هنا جائزة..
١١ - في بعض النسخ (من) وهو الصواب..

### الآية 3:62

> ﻿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ۚ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [3:62]

هذا  خبر من الله تعالى جزم مؤكد فصل به بين المختصمين، والإشارة ب هذا  هي إلى ما تقدم في أمر عيسى عليه السلام، قاله ابن عباس وابن جريج وابن زيد وغيرهم : و القصص  معناه الأخبار، تقول : قص يقص، قصاً وقصصاً، إذا تتبع الأمر يخبر به شيئاً بعد شيء، قال قوم : هو مأخوذ من قص الأثر، وقوله  لهو  يحتمل أن يكون فصلاً ويحتمل أن يكون ابتداء، و من  قوله  من إله  مؤكدة بعد النفي، وهي التي يتم الكلام دونها لكنها تعطي معنى التأكيد.

### الآية 3:63

> ﻿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ [3:63]

وقوله تعالى : فإن الله عليم بالمفسدين  وعيد.

### الآية 3:64

> ﻿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [3:64]

واختلف المفسرون من المراد بقوله : قل يا أهل الكتاب تعالوا  فقال قتادة : ذكر لنا أن رسول الله عليه السلام دعا يهود المدينة إلى الكلمة السواء، وهم الذين حاجوا في إبراهيم، وقاله الربيع وابن جريج، وقال : محمد بن جعفر بن الزبير : نزلت الآية في وفد نجران، وقاله السدي، وقال ابن زيد : لما أبى أهل نجران ما دعوا إليه من الملاعنة، دعوا إلى أيسر من ذلك وهي ****«الكلمة السواء »**** والذي يظهر لي أن الآية نزلت في وفد نجران، لكن لفظ  أهل الكتاب  يعمهم وسواهم من النصارى واليهود، فدعى النبي عليه السلام بعد ذلك يهود المدينة بالآية، وكذلك كتب بها إلى هرقل عظيم الروم، وكذلك ينبغي أن يدعى بها أهل الكتاب إلى يوم القيامة، وقرأ جمهور الناس **«إلى كَلِمة »** بفتح الكاف وكسر اللام، وروى أبو السمال :**«كَلْمة »** بفتح الكاف وسكون اللام، وروي عنه أنه قرأ **«كِلْمة »** بكسر الكاف وسكون اللام، وذلك على إلقاء حركة اللام على الكاف كما قالوا في كبد، كبد بكسر الكاف وسكون الباء، و **«الكلمة »** هنا عبارة عن الألفاظ التي تتضمن المعاني المدعو إليها، وهي ما فسره بعد ذلك بقوله  ألا نعبد  الآية وهذا كما تسمي العرب القصيدة كلمة، وجمهور المفسرين على أن الكلمة هي ما فسر بعد، وقال أبو العالية :****«الكلمة السواء »****، لا إله إلا الله. 
قال الفقيه الإمام : وقوله : سواء  نعت للكلمة، قال قتادة والربيع وغيرهما : معناه إلى كلمة عدل، فهذا معنى **«السواء »**، وفي مصحف عبد الله بن مسعود :**«إلى كلمة عدل بيننا وبينكم »**، كما فسر قتادة والربيع، وقال بعض المفسرين : معناه إلى كلمة قصد. 
قال الفقيه الإمام أبو محمد : وهذا قريب في المعنى من الأول، والسواء والعدل والقصد مصادر وصف بها في هذه التقديرات كلها، والذي أقوله في لفظة  سواء  انها ينبغي أن تفسر بتفسير خاص بها في هذا الموضع وهو أنه دعاهم إلى معان جميع الناس فيها مستوون، صغيرهم وكبيرهم، وقد كانت سيرة المدعوين أن يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً فلم يكونوا على استواء حال فدعاهم بهذه الآية إلى ما تألفه النفوس من حق[(١)](#foonote-١) لا يتفاضل الناس فيه، ف  سواء  على هذا التأويل بمنزلة قولك لآخر : هذا شريكي في مال سواء بيني وبينه. 
والفرق بين هذا التفسير وبين تفسير اللفظة بعدل، أنك لو دعوت أسيراً عندك إلى أن يسلم أو تضرب عنقه، لكنت قد دعوته إلى السواء الذي هو العدل، وعلى هذا الحد جاءت لفظة  سواء  في قوله تعالى : فانبذ إليهم على سواء [(٢)](#foonote-٢) على بعض التأويلات، ولو دعوت أسيرك إلى أن يؤمن فيكون حراً مقاسماً لك في عيشك، لكنت قد دعوته إلى السواء، الذي هو استواء الحال على ما فسرته، واللفظ على كل تأويل فيها معنى العدل[(٣)](#foonote-٣)، ولكني لم أر لمتقدم أن يكون في اللفظة معنى قصد استواء الحال، وهو عندي حسن، لأن النفوس تألفه، والله الموفق للصواب برحمته. 
وقوله  ألا نعبد  يحتمل أن يكون في موضع خفض بمعنى، إلى  ألا نعبد ، فذلك على البدل من  كلمة  ويحتمل أن يكون في موضع رفع بمعنى، هي  ألا نعبد  وما ذكره المهدوي وغيره من أن تكون مفسرة إلى غير ذلك من الجائزات التي يلزم عنها رفع  نعبد  إكثار منهم فاختصرته، واتخاذ بعضهم بعضاً أرباباً هو على مراتب، أعلاها اعتقادهم فيهم الألوهية، وعبادتهم لهم على ذلك، كعزير وعيسى ابن مريم، وبهذا فسر عكرمة، وأدنى ذلك طاعتهم لأساقفتهم، ورؤسائهم في كل ما أمروا به من الكفر والمعاصي والتزامهم طاعتهم شرعاً، وبهذا فسر ابن جريج، فجاءت الآية بالدعاء إلى ترك ذلك كله وأن يكون الممتثل ما قاله الله تعالى على لسان[(٤)](#foonote-٤) نبيه عليه السلام، وقوله تعالى : فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون  أمر بتصريح مخالفتهم بمخاطبتهم ومواجهتهم بذلك، وإشهادهم على معنى التوبيخ والتهديد، أي سترون أنتم أيها المتولون عاقبة توليكم كيف تكون.

١ - ما بين معقفين زيادة عن بعض النسخ.
٢ - من الآية: (٥٨) من سورة الأنفال..
٣ - هذا ما سبق أن نقله ابن عطية عن قتادة، والربيع- وقد وافقهما الزجاج على أنها من استوى الشيء، وقد قال زهير:
 أروني خطة لا ضيم فيها يسوي بيننا فيها السواء.
 ومعنى الآية إذا: إلى كلمة عادلة بيننا وبينكم، قال أبو عبيدة: تقول العرب: قد دعاك فلان إلى سواء فاقبل منه..
٤ - في قوله تعالى: \[ولا يتخذ بعضنا بعضا...\] إشارة لطيفة، وهي أن البعضية تنافي الإلهية، إذ هي تماثل في البشرية، وما كان مثلك استحال أن يكون إلها لك، وإذا كانوا قد استبعدوا اتباع من شاركهم في البشرية للاختصاص بالنبوة في قولهم: \[إن أنتم إلا بشر مثلنا\]، \[أنؤمن لبشر مثلنا\] \[إن هو إلا بشر مثلكم\] فادعاء الإلهية فيهم ينبغي أن يكونوا فيه أشد استبعادا. والله أعلم..

### الآية 3:65

> ﻿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [3:65]

اختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآية، فقال ابن عباس : اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند النبي عليه السلام فتنازعوا عنده فقالت الأحبار : ما كان إبراهيم إلا يهودياً، وقالت النصارى، ما كان إبراهيم إلا نصرانياً، فأنزل الله الآية، وقال السدي وقتادة : وحكى الطبري عن مجاهد وقتادة أيضاً : أنهما قالا نزلت الآية بسبب دعوى اليهود أنه منهم وأنه مات يهودياً، وجعل هذا القول تحت ترجمة مفردة له، والصحيح أن جميع المتأولين إنما نحوا منحى واحداً، وأن الآية في اليهود والنصارى، وألفاظ الآية تعطي ذلك فكيف يدافع أحد الفريقين عن ذلك ؟ وهذه الآية مبينة فساد هذه الدعاوى، التي لا تشبه[(١)](#foonote-١) لقيام الدليل القاطع على فسادها، لأنهم ادعوا لإبراهيم الخليل نحلاً لم تحدث في الأرض، ولا وجدت إلا بعد موته بمدة طويلة، ولما كان الدليل عقلياً قال الله تعالى لهم موبخاً  أفلا تعقلون  ؟

١ - شبه عليه الأمر: أبهمه..

### الآية 3:66

> ﻿هَا أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [3:66]

واختلف القراء في قوله  ها أنتم  في المد والهمز وتركه، فقرأ ابن كثير، **«هأنتم »**، في وزن هعنتم[(١)](#foonote-١)، وقرأ نافع وأبو عمرو **«هانتم »** استفهاماً بلا همز، وقرأ الباقون، ****«ها أنتم »**** ممدودا مهموزاً، ولم يختلفوا في مد  هؤلاء  وأولاء، فوجه قراءة ابن كثير، أنه أبدل من همزة الاستفهام الهاء، أراد **«أأنتم »**، ووجه قراءة نافع وأبي عمرو أحد أمرين، يجوز أن تكون ****«ها »**** التي للتنبيه دخلت على ****«أنتم »****، ويكون التنبيه داخلاً على الجملة، كما دخل على قولهم هلم وكما دخلت - يا - التي للتنبيه في قوله } ألا يا اسجدوا{ [(٢)](#foonote-٢)، وفي قول الشاعر :
\[ البسيط \]
يَا قَاتَل َالله صِبياناً تجيءُ بِهِمْ. . . أمُّ الهُنَيِّدِ مِنْ زَنْدٍ لها وَاري[(٣)](#foonote-٣)
وقول الآخر :\[ البسيط \]
يَا لَعْنَةَ اللَّهِ وَالأَقْوَامِ كُلِّهِم. . . والصَّالِحِينَ عَلَى سِمْعَانَ مِنْ جَارِ[(٤)](#foonote-٤)
وخففت الهمزة من ****«أنتم »**** ولم تحقق بعد الألف، كما قالوا في هباءة هباة، ويجوز أن تكون الهاء في  هأنتم  بدلاً من همزة الاستفهام، كوجه قراءة ابن كثير، وتكون الألف هي التي تدخل بين الهمزتين، لتفصل بينهما، ووجه قراءة الباقين ****«ها أنتم »**** مهموز ممدود يحتمل الوجهين اللذين في قراءة نافع وأبي عمرو، وحققوا الهمزة التي بعد الألف، ولم يخففوها كما خففها أبو عمرو ونافع، ومن لم ير إلحاق الألف للفصل بين الهمزتين كما يراه أبو عمرو، فينبغي أن تكون ****«ها »**** في قوله للتنبيه ولا تكون بدلاً من همزة الاستفهام، وأما  هؤلاء  ففيه لغتان، المد والقصر، وقد جمعهما بيت الأعشى في بعض الروايات[(٥)](#foonote-٥) :\[ الخفيف \]
هؤلا ثُمَّ هؤلاءِ قَدِ اعْطيتَ. . . نِعالاً مَحْذُوَّةً بِنِعَالِ
وأما إعراب  ها أنتم هؤلاء  فابتداء وخبر، و  حاججتم  في موضع الحال لا يستغنى عنها، وهي بمنزلة قوله تعالى :
 ثم أنتم هؤلاء تقتلون [(٦)](#foonote-٦) ويحتمل أن يكون  هؤلاء  بدلاً أو صفة ويكون الخبر  حاججتم  وعلى مذهب الكوفيين 
 حاججتم ، صلة لأولاء والخبر في قوله : فلم تحاجون  ومعنى قوله تعالى : فيما لكم به علم  أي على زعمكم، وإنما المعنى فيما تشبه فيه دعواكم، ويكون الدليل العقلي لا يرد عليكم وفسر الطبري هذا الموضع بأنه فيما لهم به علم من جهة كتبهم وأنبائهم مما أيقنوه وثبت عندهم صحته. 
قال الفقيه الإمام : وذهب عنه رحمه الله أن ما كان هكذا فلا يحتاج معهم فيه إلى محاجة، لأنهم يجدونه عند محمد صلى الله عليه وسلم، كما كان هنالك على حقيقته، وباقي الآية بين.

١ - في بعض النسخ: وزن فعلتم..
٢ - من الآية: (٢٥) من سورة النمل..
٣ - البيت للقتال الكلابي، عبد الله بن المضرحي أحد شعراء القتال في العصر الأموي، (الشعر والشعراء: ٥٩١ والأغاني ٢٠/١٨٥ والخزانة ٣/ ٦٦٧؛ وانظر ديوانه (بيروت ١٩٦١) ص: ٥٧ وروايته: أم الهنيبر (واللسان والتاج: هنبر، زند) والزند: كنى به هنا عن الرحم..
٤ -ورد في الخزانة ٤/ ٤٧٩ (دون نسبة)..
٥ - انظر ديوان الأعشى: ١١.
٦ - من الآية (٨٥) من سورة البقرة..

### الآية 3:67

> ﻿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [3:67]

أخبر الله تعالى في هذه الآية، عن حقيقة أمر إبراهيم، فنفى عنه اليهودية والنصرانية والإشراك الذي هو عبادة الأوثان، ودخل في ذلك الإشراك الذي تتضمنه اليهودية والنصرانية، وجاء ترتيب النفي على غاية الفصاحة، نفى نفس الملل وقرر الحالة الحسنة، ثم نفى نفياً بين به أن تلك الملل فيها هذا الفساد الذي هو الشرك، وهذا كما تقول : ما أخذت لك مالاً بل حفظته، وما كنت سارقاً، فنفيت أقبح ما يكون في الأخذ.

### الآية 3:68

> ﻿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۗ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [3:68]

ثم أخبر تعالى إخباراً مؤكداً أن أولى الناس بإبراهيم الخليل عليه السلام هم القوم الذين اتبعوه على ملته الحنيفية. 
قال الفقيه الإمام أبو محمد : وهنا يدخل كل من اتبع الحنيفية في الفترات  وهذا النبي  محمد صلى الله عليه وسلم لأنه بعث بالحنيفية السمحة،  والنبي  في الإعراب نعت أو عطف بيان، أو بدل، وفي كونه بدلاً نظر،  والذين آمنوا  يعني بمحمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء على ما يجب دون المحرفين المبدلين، ثم أخبر أن الله تعالى  ولي المؤمنين ، وعداً منه لهم بالنصر في الدنيا والنعيم في الآخرة، و**«الحنيف »**[(١)](#foonote-١) مأخوذ من الحنف، وهو الاستقامة وقيل هو الميل، ومنه قيل للمائل الرجل أحنف، فالحنيف من الاستقامة معناه المستقيم، ومن الميل معناه المائل عن معوج الأديان إلى طريق الحق، واختلفت عبارة المفسرين عن لفظة الحنيف، حتى قال بعضهم : الحنيف الحاج، وكلها عبارة عن الحنف بإجراء منه كالحج وغيره، وأسند الطبري عن عبد الله بن عمر عن أبيه، أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه، فلقي عالماً من اليهود، فسأله عن دينه، وقال له : إني أريد أن أكون على دينكم، فقال اليهودي : إنك لن تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من غضب الله، قال زيد : ما أفر إلا من غضب الله ولا أحمل من غضب الله شيئاً أبداً وأنا أستطيع، فهل تدلني على دين ليس فيه هذا ؟ قال : ما أعلمه إلا أن تكون حنيفاً، قال وما الحنيف ؟ قال دين إبراهيم، لم يكن يهودياً ولا نصرانياً وكان لا يعبد إلا الله، فخرج من عنده فلقي عالماً من النصارى، فقاوله بمثل مقاولة اليهودي، إلا أن النصراني قال : بنصيبك من لعنة الله، فخرج من عنده وقد اتفقا له على دين إبراهيم فلم يزل رافعاً يديه إلى الله، وقال اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم، وروى عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لكل نبي ولاة من النبيين وإن وليي منهم أبي وخليل ربي إبراهيم، ثم قرأ  إن أولى الناس بإبراهيم  الآية[(٢)](#foonote-٢).

١ - تعرضت هذه اللفظة لدراسات كثيرة في العصر الحديث قام بها عرب ومستشرقون.
٢ - أخرجه سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وصححه عن ابن مسعود. (فتح القدير للشوكاني: ١/٣١٩).

### الآية 3:69

> ﻿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [3:69]

أخبر الله تعالى عن طائفة أنها تود وتشتهي أن تضل المسلمين، أي تتلفهم عن دينهم وتجعلهم في ضلال ثم فسر الطائفة بقوله : من أهل الكتاب  فتحتمل  من  أن تكون للتبعيض، وتكون الطائفة الرؤساء والأحبار الذين يسكن الناس إلى قولهم، ويحتمل أن تكون لبيان الجنس وتكون الطائفة جميع أهل الكتاب، وقال الطبري : يضلونكم  معناه يهلكونكم، واستشهد ببيت جرير[(١)](#foonote-١). 
كنْتَ القَذَى في موج أَخْضَرَ مُزْبدٍ. . . قذف الأتيُّ بِهِ فَضَلَّ ضلالا
وقول النابغة[(٢)](#foonote-٢) :\[ الطويل \]
فآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ. . . وهذا تفسير غير خاص باللفظة وإنما اطرد له هذا الضلال في الآية وفي البيتين اقترن به هلاك، وأما أن تفسر لفظة الضلال بالهلاك فغير قويم[(٣)](#foonote-٣)، قوله تعالى : وما يضلون إلا أنفسهم  إعلام بأن سوء فعلهم عائد عليهم، وأنهم ببعدهم عن الإسلام هم الضالون، ثم أعلم أنهم لا يشعرون لذلك، أي لا يتفطنون، مأخوذ من الشعار المأخوذ من الشعر، وقيل المعنى لا يشعرون أنهم لا يصلون إلى إضلالكم.

١ - البيت للأخطل يهجو به جريرا. والقذى: ما يعلو الماء من الزبد والغثاء، والأتي: السيل يأتي من بلد بعيد. وقد وردت رواية أخرى للبيت وهي:
 كنت القذى في موج أكدر مزبد... (البيت)..
٢ - البيت للنابغة الذبياني يرثي النعمان بن الحارث بن أبي شمر الغساني، وتمامه: 
 .................... وغودر بالجولان حزم ونائل.
 والأصح "مصلوه" بالصاد المهملة..
٣ - ذكر أبو حيان في البحر المحيط أن غير ابن عطية قال: "أضل الضلال في اللغة: الهلاك من قولهم: ضل اللبن في الماء إذا صار مستهلكا فيه- وقيل. معناه: يوقعونكم في الضلال، ويلقون إليكم ما يشككونكم به في دينكم. قال أبو علي"..

### الآية 3:70

> ﻿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ [3:70]

ثم وقفهم تعالى موبخاً لهم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، والمعنى : قل لهم يا محمد، لأي سبب تكفرون بآيات الله التي هي آية القرآن ؟ وأنتم تشهدون أن أمره وصفة محمد الذي هو الآتي به في كتابكم، قال هذا المعنى قتادة وابن جريج والسدي، وتحتمل الآية أن يريد **«بالآيات »** ما ظهر على يدي محمد عليه السلام من تعجيز العرب والإعلام بالغيوب وتكلم الجمادات وغير ذلك و  تشهدون  على هذا يكون بمعنى تحضرون وتعاينون، والتأويل الأول أقوى لأنه روي أن أهل الكتاب كانوا قبل ظهور محمد صلى الله عليه وسلم يخبرون بصفة النبي الخارج وحاله، فلما ظهر كفروا به حسداً، فإخبارهم المتقدم لظهوره هو الشهادة التي وقفوا عليها، قال مكي : وقيل إن هذه الآيات عني بها قريظة والنضير وبنو قينقاع ونصارى نجران.

### الآية 3:71

> ﻿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [3:71]

وقوله تعالى : لم تلبسون الحق  معناه تخلطون، تقول لبست الأمر بفتح الباء بمعنى خلطته، ومنه قوله تعالى : وللبسنا عليهم ما يلبسون [(١)](#foonote-١) وتقول : لبست الثوب بكسر الباء، قال ابن زيد : الحق  الذي لبسوه هو التوراة المنزلة، و******«الباطل »****** الذي لبسوه به هو ما كتبوه بأيديهم ونسبوه إلى التوراة، وقال ابن عباس : الحق  إسلامهم بكرة، و******«الباطل »****** كفرهم عشية، والآية نزلت في قول عبد الله بن الصيف وعدي بن زيد والحارث بن عوف[(٢)](#foonote-٢)، تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد وجه النهار، ونكفر آخره، عسى أن نلبس على المسلمين أمرهم، وقال قتادة وابن جريج : لم تلبسون الحق بالباطل  معناه لم تخلطون اليهودية والنصرانية بالإسلام، وقد علمتم أن دين الله الذي لا يقبل غيره الإسلام. 
قال الفقيه الإمام أبو محمد : فكأن هذا المعنى لم تبقون على هذه الأديان وتوجدونها ؟ فيكون في ذلك لبس على الناس أجمعين، وقال بعض المفسرين : الحق  الذي لبسوه قولهم : محمد نبي مرسل، و******«الباطل »****** الذي لبسوه به قول أحبارهم : لكن ليس إلينا، بل ملة موسى مؤبدة، وقوله تعالى : وتكتمون الحق وأنتم تعلمون  يريد شأن محمد صلى الله عليه وسلم، كذلك قال الربيع وابن جريج وقتادة وغيرهم، وفي قوله : وأنتم تعلمون  توقيف على العناد ظاهر، قال أبو إسحاق الزجّاج : ولو قيل وتكتموا الحق لجاز على قولك، لم تجمعون ذا وذا، على أن تكتموا في موضع نصب على الظرف[(٣)](#foonote-٣) في قول الكوفيين، وبإضمار ****«أن »****، في قول أصحابنا، قال أبو علي : الصرف ها هنا يقبح، وكذلك إضمار ****«أن »****، لأن  تكتمون ، معطوف على موجب، فليست الآية بمنزلة قولهم : أتأكل السمك وتشرب اللبن، وبمنزلة قولك أتقوم فأقوم والعطف على الموجب مقرر وليس بمستقيم عنه، وإنما استفهم عن السبب في اللبس، واللبس موجب، والعطف على الموجب المقرر قبيح متى نصب إلا في ضرورة شعر كما روي :\[ الرجز \]
وألحقُّ بالحِجَازِ فاسْتَرِيحَا[(٤)](#foonote-٤). 
وقد قال سيبويه في قولك : أسرت حتى تدخل المدينة ؟ لا يجوز إلا النصب في- تدخل -، لأن السير مستفهم عنه غير موجب، وإذا قلت : أيهم سار حتى يدخلها ؟ رفعت، لأن السير موجب والاستفهام إنما وقع عن غيره.

١ - من الآية (٩) من سورة الأنعام..
٢ - عبد الله بن الصيف وعدي من أحبار بني قينقاع؛ وفي سيرة ابن هشام: ابن صيف، ويقال: ابن ضيف، وفي بعض نسخ تفسير ابن عطية: الضيف، وعند القرطبي: مالك بن الصيف؛ أما الحارث فكان من أحبار بني قريظة..
٣ - في بعض النسخ "على الصرف"-وهو أن تعطف الواو ما لا يستقيم أن يعاد فيه الحادث الذي فيما قبله-ولعلها أقرب إلى الصواب..
٤ - البيت للمغيرة بن حبناء الحنظلي، وصدره: سأترك منزلي لبني تميم (الخزانة ٣/٦٠٠).

### الآية 3:72

> ﻿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [3:72]

وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ  
أخبر تعالى في هذه الآية أن طائفة من اليهود من أحبارهم ذهبت إلى خديعة المسلمين بهذا المنزع، قال الحسن : قالت ذلك يهود خيبر ليهود المدينة، قال قتادة وأبو مالك[(١)](#foonote-١) والسدي وغيرهم : قال بعض الأحبار لنظهر الإيمان لمحمد صدر النهار ثم لنكفر به آخر النهار، فسيقول المسلمون عند ذلك : ما بال هؤلاء كانوا معنا ثم انصرفوا عنا ؟ ما ذلك إلا لأنهم انكشفت لهم حقيقة في الأمر فيشكون، ولعلهم يرجعون عن الإيمان بمحمد عليه السلام. 
قال الفقيه الإمام أبو محمد : ولما كانت الأحبار يظن بهم العلم وجودة النظر والاطلاع على الكتاب القديم، طمعوا أن تنخدع العرب بهذه النزعة ففعلوا ذلك، جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بكرة، فقالوا : يا محمد أنت هو الموصوف في كتابنا، ولكن أمهلنا إلى العشي حتى ننظر في أمرنا، ثم رجعوا بالعشي، فقالوا : قد نظرنا ولست به  وجه  على هذا التأويل منصوب بقوله  آمنوا  والمعنى أظهروا الإيمان في  وجه النهار ، والضمير في قوله  آخره  عائد على  النهار ، وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهم : نزلت الآية، لأن اليهود ذهبت إلى المكر بالمؤمنين، فصلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، ثم رجعوا آخر النهار، فصلوا صلاتهم ليرى الناس أنهم بدت لهم منه ضلالة، بعد أن كانوا اتبعوه. 
قال الفقيه الإمام : وهذا القول قريب من القول الأول، وقال جماعة من المفسرين : نزلت هذه الآية في أمر القبلة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الصبح إلى الشام، كما كان يصلي، ثم حولت القبلة، فصلى الظهر، وقيل العصر إلى مكة، فقالت الأحبار لتبّاعهم وللعرب : آمنوا بالذي أنزل في أول النهار واكفروا بهذه القبلة الأخيرة. 
قال الفقيه الإمام : والعامل في قوله  وجه النهار  على هذا التأويل قوله : أنزل  والضمير في قوله : آخره  يحتمل أن يعود على  النهار  أو يعود على **«الذي أنزل »**، و يرجعون  في هذا التأويل، معناه عن مكة إلى قبلتنا التي هي الشام كذلك قال قائل هذا التأويل،  وجه النهار  أوله الذي يواجه منه، تشبيهاً بوجه الإنسان، وكذلك تقول : صدرالنهار وغرة العام والشهر، ومنه قول النبي عليه السلام  أقتلته في غرة الإسلام[(٢)](#foonote-٢) ؟  ومن هذا قول الربيع بن زياد العبسي[(٣)](#foonote-٣) :\[ الكامل \]
من كان مسروراً بِمَقْتَل مالِكٍ. . . فَلْيَأتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ
يَجِدِ النِّساءَ حَوَاسِراً يَنْدُبْنَهُ. . . قَدْ قُمْنَ قَبْلَ تَبلُّجِ الأَسْحَارِ
يقول هذا في مالك بن زهير بن جذيمة العبسي[(٤)](#foonote-٤) وكانوا قد أخذوا بثأره، وكان القتيل عندهم لا يناح عليه ولا يندب إلا بعد أخذ ثأره، فالمعنى من سره مصابنا فيه فلينظر إلى ما يدله على أنّا قد أدركنا ثأره، فيكمد لذلك ويغتم، ومن استعارة الوجه قولهم : فعلت كذا على وجه الدهر، أي في القديم. 
١ - هو أبو مالك الغفاري غزوان الكوفي- روى عن عمار بن ياسر، وابن عباس، والبراء بن عازب، وغيرهم-وروى عنه سلمة بن كهيل، وإسماعيل السدي، وغيرهما.
 قال ابن أبي خيثمة: سألت ابن معين عن أبي مالك الذي روى عنه حصين فقال: هو الغفاري، كوفي ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات- "تهذيب التهذيب ٨/ ٢٤٥".
٢ - روى البخاري الحديث برواية أخرى في كتاب "الديات" عن أسامة أنه قال: (بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة من جهينة قال: فصحبنا القوم فهزمناهم، إلى أن قال: أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟)... الحديث..
٣ - الربيع بن زياد بن عبد الله العبسي، مشهور في الجاهلية، كان ينادم النعمان بن المنذر، ويقال: أحد الكملة، ولم أر من ذكر أنه أدرك الإسلام إلا الرشاطي. (الإصابة ٥٢٩)..
٤ - وردت قصة مالك بن زهير في حرب "داحس والغبراء"، وذلك أن قيس بن زهير قتل ابنا لحذيفة فقتل حذيفة مالكا أخا قيس بعد ما استفرد به. وحرب "داحس والغبراء" مشهورة بين حروب العرب في الجاهلية..

### الآية 3:73

> ﻿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ ۗ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [3:73]

وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ 
وذكر الله تعالى عن هذه الطائفة من أهل الكتاب، أنهم قالوا : ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم  ولا خلاف بين أهل التأويل أن هذا القول هو من كلام الطائفة، واختلف الناس في قوله تعالى : أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم ، فقال مجاهد وغيره من أهل التأويل. الكلام كله من قول الطائفة لأتباعهم، وقوله تعالى : قل إن الهدى هدى الله  اعتراض بين الكلامين. 
قال القاضي : والكلام على هذا التأويل يحتمل معاني : أحدها : ولا تصدقوا تصديقاً صحيحاً وتؤمنوا إلا لمن جاء بمثل دينكم كراهة أو مخافة أو حذاراً أن يؤتى أحد من النبوة والكرامة مثل ما أوتيتم، وحذراً أن يحاجوكم بتصديقكم إياهم عند ربكم إذا لم تستمروا عليه، وهذا القول على هذا المعنى ثمرة الحسد والكفر، مع المعرفة بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون التقدير، أن لا يؤتى فحذفت - لا - لدلالة الكلام، ويحتمل الكلام أن يكون معناه، ولا تصدقوا وتؤمنوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم وجاء بمثله وعاضداً له، فإن ذلك لا يؤتاه غيركم،  أو يحاجوكم عند ربكم ، بمعنى : إلا أن يحاجوكم، كما تقول : أنا لا أتركك أو تقتضيني حقي، وهذا القول على هذا المعنى ثمرة التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم على اعتقاد منهم أن النبوة لا تكون إلا في بني إسرائيل، ويحتمل الكلام أن يكون معناه : ولا تؤمنوا بمحمد وتقروا بنبوته، إذ قد علمتم صحتها، إلا لليهود الذين هم منكم، و أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ، صفة لحال محمد فالمعنى، تستروا بإقراركم، ان قد أوتي أحد مثل ما أوتيتم، أو فإنهم يعنون \_ العرب \_ يحاجوكم بالإقرار عند ربكم، قال أبو علي و تؤمنوا  تعدى بالباء المقدرة في قوله 
 أن يؤتى  كما تعدى أول الآية في قوله،  بالذي أنزل  واللام في قوله،  لمن تبع ، لا يسهل أن تعلق ب تؤمنوا ، وأنت قد أوصلته بالباء فتعلق بالفعل جارين، كما لا يستقيم أن تعديه إلى مفعولين إذا كان لا يتعدى إلا إلى واحد، وإنما يحمل أمر هذه اللام على المعنى، والمعنى : لاتقروا بأن الله يؤتي أحداً مثل ما أوتيتم إلا لمن، فهذا كما تقول : أقررت لزيد بألف فتكون اللام متعلقة بالمعنى ولا تكون زائدة على حد  إن كنتم للرؤيا تعبرون [(١)](#foonote-١) ولا تتعلق على حد المفعول، قال أبو علي : وقد تعدى **«آمن »** باللام في قوله  فما آمن لموسى إلا ذرية [(٢)](#foonote-٢) وقوله  آمنتم له [(٣)](#foonote-٣) \[ الشعراء : ٤٩ \] وقوله  يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين [(٤)](#foonote-٤) و أحد  إنما دخل في هذا الكلام بسبب النفي الواقع في أوله، قوله : ولا تؤمنوا  كما دخلت - من - في قوله  ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم [(٥)](#foonote-٥) فكما دخلت - من - في صلة أن ينزل، لأنه مفعول النفي اللاحق لأول الكلام، فكذلك دخل  أحد  في صلة - أن - في قوله  أن يؤتى أحد  لدخول النفي في أول الكلام. 
قال القاضي : وهذا لأن أحداً الذي فيه الشياع، لا يجيء في واجب من الكلام، لأنه لا يفيد معنى، وقرأ ابن كثير وحده بين السبعة **«آن يؤتى »** بالمد على جهة الاستفهام الذي هو تقرير، وفسر أبو علي قراءة ابن كثير على أن الكلام كله من قول الطائفة، إلا الاعتراض الذي هو : قل إن الهدى هدى الله  فإنه لا يختلف أنه من قول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم قال : فلا يجوز مع الاستفهام أن يحمل  أن يؤتى  على ما قبله من الفعل، لأن الاستفهام قاطع، فيجوز أن تكون - أن - في موضع رفع بالابتداء وخبره محذوف تقديره تصدقون به أو تعترفون، أو تذكرونه لغيركم، ونحو هذا مما يدل عليه الكلام ويكون  يحاجوكم  على هذا معطوفاً على  أن يؤتى  قال أبو علي : ويجوز أن يكون موضع - أن - منصوباً، فيكون المعنى : أتشيعون أو أتذكرون  أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم  ؟ ويكون ذلك بمعنى قوله تعالى عنهم  أتحدثونهم بما فتح الله عليكم [(٦)](#foonote-٦) فعلى كل الوجهين معنى الآية، توبيخ من الأحبار للأتباع على تصديقهم بأن محمداً نبي مبعوث، ويكون قوله تعالى :
 أو يحاجوكم  في تأويل نصب أن أي أو تريدون أن يحاجوكم. قال أبو علي : و أحد  على قراءة ابن كثير هو الذي يدل على الكثرة[(٧)](#foonote-٧)، وقد منع الاستفهام القاطع من أن يشفع لدخوله النفي الذي في أول الكلام، فلم يبق إلا أن يقدر أن أحداً الذي في قولك، أحد وعشرون وهو يقع في الإيجاب لأنه بمعنى واحد، وجمع ضميره في قوله  أو يحاجوكم  حملاً على المعنى، إذ ل  أحد  المراد بمثل النبوة اتباع، فهو في معنى الكثرة، قال أبو علي : وهذا موضع ينبغي أن ترجح فيه قراءة غير ابن كثير على قراءة ابن كثير، لأن الأسماء المفردة ليس بالمستمر أن تدل على الكثرة. 
قال القاضي : إلا أن أحداً في مثل النبوة يدل عليها من حيث يقتضي الاتباع، وقرأ الأعمش، وشعيب بن أبي حمزة - ****«إن يؤتى »**** - بكسر الهمزة بمعنى، لم يعط أحد مثل ما أعطيتم من الكرامة وهذه القراءة يحتمل بمعنى فليحاجوكم، وهذا على التصميم على أنه لا يؤتى أحد مثل ما أوتي، ويحتمل أن تكون بمعنى، إلا أن يحاجوكم، وهذا على تجويز أن تؤتى أحد ذلك إذا قامت الحجة له، فهذا ترتيب التفسير والقراءات على قول من قال : الكلام كله من قول الطائفة. 
وقال السدي وغيره : الكلام كله من قوله  قل إن الهدى هدى الله ، إلى آخر الآية هو مما أمر به محمد عليه السلام أن يقوله لأمته، وحكى الزجّاج وغيره أن المعنى : قل إن الهدى هو هذا الهدى، لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، وحكي عن بعض النحويين أن المعنى : أن لا يؤتى أحداً، وحذفت -لا- لأن في الكلام دليلاً عليها، كما في قوله تعالى : يبين الله لكم أن تضلوا [(٨)](#foonote-٨) أي أن لا تضلوا، وحكي عن أبي العباس المبرد : لا تحذف لا، وإنما المعنى كراهة أن تضلوا، وكذلك هنا كراهة **«أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم »**، أي ممن خالف دين الإسلام، لأن الله لا يهدي من هو كاذب كفار، فهدى الله بعيد من غير المؤمنين. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق : وتبعد من هذا القول قراءة ابن كثير بالاستفهام والمد، وتحمل عليه قراءة الأعمش وابن أبي حمزة - إن يؤتى-، بكسر الألف، كأنه عليه السلام يخبر أمته أن الله لا يعطي أحداً ولا أعطى فيما سلف مثل ما أعطى أمة محمد عليه السلام لكونها وسطاً ويكون قوله تعالى : أو يحاجوكم  على هذه المعاني التي ترتبت في قول السدي، تحتمل معنيين أحدهما **«أو فليحاجوكم عند ربكم »**، يعني اليهود، فالمعنى لم يعط أحد مثل حظكم وإلا فليحاجوكم من ادعى سوى ذلك، والمعنى الثاني : أن يكون قوله،  أو يحاجوكم  بمعنى التقرير والإزراء باليهود، كأنه قال : أو هل لهم أن يحاجوكم أو يخاصموكم فيما وهبكم الله وفضلكم به ؟ وقوله : هدى الله  على جميع ما تقدم خبر  إن 
وقال قتادة والربيع : الكلام من قوله  قل إن الهدى هدى الله  إلى آخر الآية، هو مما أمر به محمد عليه السلام أن يقوله للطائفة التي قالت 
 لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم  وتتفق مع هذا القول قراءة ابن كثير بالاستفهام والمد، وتقدير الخبر المحذوف  أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ، حسدتم وكفرتم، ويكون قوله  أو يحاجوكم  محمولاً على المعنى، كأنه قال : أتحسدون أو تكفرون لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ؟ 
 أو يحاجوكم  على ما أوتوه فإنه يغلبونكم بالحجة، وأما على قراءة غير ابن كثير بغير المد، فيحتمل \[ ذلك \] [(٩)](#foonote-٩)أن يكون بمعنى التقرير بغير حرف استفهام، وذلك هو الظاهر من لفظ[(١٠)](#foonote-١٠) قتادة فإنه قال : يقول لما أنزل الله كتاباً مثل كتابكم وبعث نبياً مثل نبيكم حسدتموهم على ذلك، ويحتمل أن يكون قوله : أن يؤتى  بدلاً من قوله  هدى الله  ويكون المعنى : قل إن الهدى هدى الله، وهو أن يؤتى أحد كالذي جاءنا نحن، ويكون قوله  أو يحاجوكم  بمعنى، أو فليحاجوكم، فإنه يغلبونكم، ويحتمل قوله،  أن يؤتى  خبر - **«إن »** ويكون قوله 
 هدى الله  بدلاً من الهدى، وهذا في المعنى قريب من الذي قبله، وقال ابن جريج، قوله تعالى : أن يؤتى  هو من قول محمد صلى الله عليه وسلم لليهود، وتم الكلام في قوله  أوتيتم  وقوله تعالى : أو يحاجوكم  متصل بقول الطائفة  ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ، وهذا القول يفسر معانيه ما تقدم في قول غيره من التقسيم والله المستعان. 
وقرا ابن مسعود :**«أن يحاجوكم »** بدل  أو ، وهذه القراءة تلتئم مع بعض المعاني التي تقدمت ولا تلتئم مع بعضها، وقوله  عند ربكم  يجيء في بعض المعاني على معنى عند ربكم في الآخرة، ويجيء في بعضها على معنى عند كتب ربكم، والعلم الذي جعل في العباد، فأضاف ذلك إلى الرب تشريفاً، وكأن المعنى أو يحاجوكم عند الحق، وقرأ الحسن ****«إن يؤتى »**** أحد بكسر الهمزة والتاء، على إسناد الفعل إلى  أحد ، والمعنى : أن إنعام الله لا يشبهه إنعام أحد من خلقه، وأظهر ما في القراءة أن يكون خطاباً من محمد عليه السلام لأمته، والمفعول محذوف تقديره إن يؤتي أحد أحداً. 
١ - من الآية (٤٣) من سورة يوسف..
٢ - من الآية (٨٣) من سورة يونس..
٣ - من الآية (٧١) من سورة طه..
٤ - من الآية (٦١) من سورة التوبة..
٥ - من الآية (١٠٥) من سورة البقرة..
٦ - من الآية (٧٦) من سورة البقرة..
٧ - راجع البحر المحيط ج ٢/٤٩٦ فالكلام هنا يعطي معنى غير المقصود..
٨ - من الآية (١٧٦) من سورة النساء..
٩ - ما بين معقفين زيادة من بعض النسخ..
١٠ - في بعض النسخ: من قول..

### الآية 3:74

> ﻿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [3:74]

قوله تعالى : يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ 
 في قوله تعالى : قل إن الفضل بيد الله  إلى قوله  العظيم ، تكذيب لليهود في قولهم : نبوءة موسى مؤبدة، ولن يؤتي الله أحداً مثل ما آتى بني إسرائيل من النبوة والشرف، وسائر ما في الآية من لفظة  واسع  وغير ذلك قد تقدم نظيره.

### الآية 3:75

> ﻿۞ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [3:75]

وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأَمْنَهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمَا . 
ثم أخبر تعالى عن أهل الكتاب أنهم قسمان في الأمانة، ومقصد الآية ذم الخونة منهم، والتفنيد لرأيهم وكذبهم على الله، في استحلالهم أموال العرب، وفي قراءة أبي بن كعب **«تيمنه »**[(١)](#foonote-١) بتاء وياء في الحرفين وكذلك -تيمنا- في يوسف، قال أبو عمرو الداني : وهي لغة تميم. 
قال القاضي : وما أراها إلا لغة قرشية، وهي كسر نون الجماعة كنستعين، وألف المتكلم كقول ابن عمر، لا إخاله، وتاء المخاطب كهذه الآية ولا يكسرون الياء في الغائب وبها قرأ أبي بن كعب في **«تيمنا »** وابن مسعود والأشهب العقيلي وابن وثاب، وقد تقدم القول في ****«القنطار »**** في صدر السورة وقرأ جمهور الناس، **«يؤدهِ إليك »** بكسر الهاء التي هي ضمير القنطار، وكذلك في الأخرى التي هي ضمير ****«الدينار »****، واتفق أبو عمرو وحمزة وعاصم والأعمش على إسكان الهاء، وكذلك كل ما أشبهه في القرآن، نحو  نصله جهنم [(٢)](#foonote-٢) و نؤته   نوله  إلا حرفاً حكي عن أبي عمرو أنه كسره، وهو قوله تعالى : فألقه إليهم [(٣)](#foonote-٣) قال أبو إسحاق : وهذا الإسكان الذي روي عن هؤلاء غلط بين لأن الهاء لا ينبغي أن تجزم، وإذا لم تجزم فلا يجوز أن تسكن في الوصل، وأما أبو عمرو فأراه كان يختلس الكسرة فغلط عليه، كما غلط عليه في بارئكم، وقد حكى عنه سيبويه، وهو ضابط لمثل هذا : أنه يكسر كسراً خفيفاً، و****«القنطار »**** في هذه الآية : مثال للمال الكثير يدخل فيه أكثر من القنطار وأقل، وأما ****«الدينار »**** فيحتمل أن يكون كذلك، مثالاً لما قل، ويحتمل أن يريد طبقة لا تخون إلا في دينار فما زاد، ولم يعن لذكر الخائنين في أقل إذ هم طغام حثالة، وقرأ جمهور الناس **«دُمت »** بضم الدال، وقرأ ابن وثاب والأعمش وأبو عبد الرحمن السلمي وابن أبي ليلى والفياض بن غزوان[(٤)](#foonote-٤) وغيرهم :**«دِمت ودِمتم »**، بكسر الدال في جميع القرآن، قال أبو إسحاق : من قوله :**«دمت »**، تدام، نمت، تنام، وهي لغة، ودام معناه ثبت على حال ما، والتدويم على الشيء الاستدارة حول الشي ومنه قول ذي الرمة[(٥)](#foonote-٥) :\[ البسيط \]
والشمس حَيرَىَ لهَا في الْجوَّ تَدْوِيمْ. . . 
والدوام، الدوار يأخذ في رأس الإنسان، فيرى الأشياء تدور له، وتدويم الطائر في السماء، هو ثبوته إذا صفّ واستدار والماء الدائم وغيره هو الذي كأنه يستدير حول مركزه، وقوله  قائماً  يحتمل معنيين قال الزجّاج وقتادة ومجاهد : معناه قائماً على اقتضاء دينك. 
قال الفقيه الإمام أبو محمد : يريدون بأنواع الاقتضاء من الحفز والمرافعة إلى الحكام، فعلى هذا التأويل، لا تراعى هيئة هذا الدائم بل اللفظة من قيام المرء على أشغاله، أي اجتهاده فيها، وقال السدي وغيره : قائماً  في هذه الآية معناه : قائماً على رأسه، على الهيئة المعروفة، وتلك نهاية الحفز، لأن معنى ذلك أنه في صدر شغل آخر، يريد أن يستقبله، وذهب إلى هذا التأويل جماعة من الفقهاء وانتزعوا من الآيات جواز السجن، لأن الذي يقوم عليه غريمه فهو يمنعه من تصرفاته في غير القضاء، ولا فرق بين المنع من التصرفات وبين السجن، وهذه الآية وما بعدها نزلت فيما روي، بسبب أن جماعة من العرب كانت لهم ديون في ذمم قوم من أهل الكتاب، فلما أسلم أولئك العرب قالت لهم اليهود : نحن لا نؤدي إليكم شيئاً حين فارقتم دينكم الذي كنتم عليه، فنزلت الآية في ذلك وروي أن بني إسرائيل كانوا يعتقدون استحلال أموال العرب لكونهم أهل أوثان، فلما جاء الإسلام واسلم من أسلم من العرب بقي اليهود فيهم على ذلك المعتقد، فنزلت الآية حامية من ذلك، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«ألا كل شيء من أمر الجاهلية فهو تحت قدمي، إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر »**[(٦)](#foonote-٦). 
**قوله تعالى :**
 ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ  
الإشارة ب  ذلك  إلى كونهم لا يؤدون الأمانة في دينار فما فوقه، على أحد التأويلين، والضمير في،  قالوا ، يعني به لفيف بني إسرائيل، لأنهم كانوا يقولون : نحن أهل الكتاب، والعرب أميون أصحاب أوثان، فأموالهم لنا حلال متى قدرنا على شيء منها لا حجة علينا في ذلك ولا سبيل لمعترض وناقد إلينا في ذلك، و **«الأميون »** القوم الذين لا يكتبون لأنهم لا يحسنون الكتابة، وقد مر في سورة البقرة اشتقاق اللفظ واستعارة السبيل، هنا في الحجة هو على نحو قول حميد بن ثور[(٧)](#foonote-٧) :
وهل أنا إن عللت نفسي بسرحة. . . من السرح موجود عليَّ طريق
وقوله تعالى : فأولئك ما عليهم من سبيل [(٨)](#foonote-٨) هو من هذا المعنى، وهو كثير في القرآن وكلام العرب، وروي أن رجلاً قال لابن عباس : إنا نمر في الغزو بأموال أهل الذمة فنأخذ منها الشاة والدجاجة ونحوها قال : وتقولون ماذا ؟ قال نقول : ليس علينا بأس، فقال ابن عباس : هذا كما قال أهل الكتاب : ليس علينا في الأميين سبيل ، إنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم، وقوله تعالى : ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون  ذم لبني إسرائيل بأنهم يكذبون على الله تعالى في غير ما شيء، وهم علماء بمواضع الصدق لو قصدوها، ومن أخطر ذلك أمر محمد صلى الله عليه وسلم، هذا قول جماعة من المتأولين، وروي عن السدي وابن جريج وغيرهما : أن طائفة من أهل الكتاب ادعت أن في التوراة إحلال الله لهم أموال الأميين كذباً منها وهي عالمة بكذبها في ذلك وقالا : والإشارة بهذه الآية إلى ذلك الكذب المخصوص في هذا الفصل. 
١ - في سورة يوسف الآية (١١) \[قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف\]..
٢ - في سورة النساء: الآية (١١٦) \[نوله ما تولى ونصله جهنم\]..
٣ - من الآية (٢٨) من سورة النمل \[اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم\]..
٤ - هو فياض بن غزوان الضبي الكوفي مقرئ موثق، أخذ القراءة عرضا عن طلحة بن مصرف وسمع من زبيد اليامي، قال الداني: ويروى عنه حروف شواذ من اختياره تضاف إليه، روى الحروف عنه طلحة بن سليمان السمان، وقرأ عليه القرآن بحروف طلحة بن مصرف، وروى عنه عبد الله بن المبارك، وعمر بن شعبان، ونعيم بن مسيرة، وثقه أحمد بن حنبل. "طبقات القراء لابن الجزري. ٢/١٣)..
٥ - صدر البيت:
 معروريا رمض الرضراض يركضه ...........................
 واعرورى: سار في الأرض وحده، والفرس ركبه عريانا. والرمض: شدة الحر. 
 والرضراض: الحصى الصغار، والتدويم: الدوران. يصف بذلك جنديا يركض ويضرب برجله الحصى والبيت من قصيدة أولها:
 أعن ترسمت من خرقاء منزلة ماء الصبابة من عينيك مسجوم
 ومثل البيت الذي رواه ابن عطية قول علقمة في وصف الخمر.
 تشفي الصداع ولا يؤذيك صالبها ولا يخالطها في الرأس تدويم.
٦ - أخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم (عن سعيد بن جبير) انظر (فتح القدير: ١/٣٢)..
٧ - كنى بالسرحة –وهي الشجرة- عن امرأة، وعلل نفسه: شغلها (انظر ديوان حميد والإصابة: ١/٣١٦). وقد قال حميد هذه القصيدة بعد أن نهى عمر بن الخطاب الشعراء عن التشبيب بالنساء..
٨ - من الآية (٤١) من سورة الشورى.

### الآية 3:76

> ﻿بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَىٰ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [3:76]

بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ  
ثم رد الله تعالى في صدر قولهم، ليس علينا بقوله  بلى  أي عليهم سبيل وحجة وتبعة، ثم أخبر على جهة الشرط أن  من أوفى  بالعهد  واتقى  عقوبة الله في نقضه، فإنه محبوب عند الله، وتقول العرب : وفى بالعهد، وأوفى به بمعنى، وأوفى، هي لغة الحجاز وفسر الطبري وغيره، على أن الضمير في قوله  بعهده  عائد على الله تعالى، وقال بعض المفسرين : هو عائد على  من . 
قال الفقيه الإمام أبو محمد : والقولان يرجعان إلى معنى واحد، لأن أمر الله تعالى بالوفاء مقترن بعهد كل إنسان، وقال ابن عباس : اتقى  في هذه الآية، معناه : اتقى الشرك، ثم خرج جواب الشرط على تعميم المتقين تشريفاً للتقوى وحضّاً عليها.

### الآية 3:77

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [3:77]

إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِى الأَخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ 
وقوله تعالى : الذين يشترون بعهد الله  الآية آية وعيد لمن فعل هذه الأفاعيل إلى يوم القيامة وهي آية يدخل فيها الكفر فيما دونه من جحد الحقوق وختر المواثيق، وكل أحد يأخذ من وعيد الآية على قدر جريمته، واختلف المفسرون في سبب نزولها، فقال عكرمة : نزلت في أحبار اليهود، أبي رافع وكنانة بن أبي الحقيق وكعب بن الأشرف وحيي بن أخطب، تركوا عهد الله في التوراة للمكاسب والرياسة التي كانوا بسبيلها، وروي أنها نزلت بسبب خصومة الأشعث بن قيس[(١)](#foonote-١) مع رجل من اليهود في أرض فوجبت اليمين على اليهودي فقال الأشعث : إذن يحلف يا رسول الله ويذهب بمالي، فنزلت الآية[(٢)](#foonote-٢)، وروي أن الأشعث بن قيس اختصم في أرض مع رجل من قرابته فوجبت اليمين على الأشعث وكان في الحقيقة مبطلاً قد غصب تلك الأرض في جاهليته فنزلت الآية، فنكل الأشعث عن اليمين، وتحرج وأعطى الأرض وزاد من عنده أرضاً أخرى[(٣)](#foonote-٣)، وروي أن الآية نزلت بسبب خصومة لغير الأشعث بن قيس، وقال الشعبي : نزلت الآية في رجل أقام سلعة في السوق من أول النهار، فلما كان في آخره جاءه رجل فساومه فحلف حانثاً لقد منعها في أول النهار من كذا وكذا ولولا المساء ما باعها، فنزلت الآية بسببه[(٤)](#foonote-٤)، وقال سعيد بن المسيب، اليمين الفاجرة من الكبائر، ثم تلا هذه الآية وقال ابن مسعود : كنا نرى ونحن مع نبينا أن من الذنب الذي لا يغفر يمين الصبر، إذا فجر فيها صاحبها، وقد جعل الله **«الأيمان »** في هذه الألفاظ مشتراة فهي مثمونة أيضاً، والخلاق : الحظ والنصيب والقدر، وهو مستعمل في المستحبات، وقال الطبري : ولا يكلمهم الله  معناه بما يسرهم وقال غيره : نفى تعالى أن يكلمهم جملة لأنه يكلم عباده المؤمنين المتقين، وقال قوم من العلماء : وهي عبارة عن الغضب، المعنى لا يحفل بهم ولا يرضى عنهم  ولا يزكيهم  يحتمل معنيين، أحدهما يطهرهم من الذنوب وأدرانها، والآخر ينمي أعمالهم، فهي تنمية لهم، والوجهان منفيان عنهم في الآخرة و  أليم  فعيل بمعنى، مفعل، فالمعنى، مؤلم. 
١ - هو الأشعث بن قيس بن معد يكرب الكندي، يكنى أبا محمد، أمه كبشة بنت يزيد، قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة عشر في وفد كندة وكان رئيسهم مطاعا، وفي الإسلام وجيها، إلا أنه كان ممن ارتد عن الإسلام بعد النبي عليه الصلاة والسلام، ثم راجع الإسلام في خلافة أبي بكر الصديق، شهد القادسية، والمدائن، وجلولاء، ونهاوند، واختط بالكوفة دارا في كندة ونزلها، وشهد تحكيم الحكمين، وكان أحد شهود الكتاب، توفي سنة ٤٢ وقيل: ٤٠ هـ بالكوفة وصلى عليه الحسن بن علي: "الإصابة" و"الاستيعاب"..
٢ -أخرجه البخاري، ومسلم، وأهل السنن، وغيرهم عن ابن مسعود. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقطع بها مال امرئ مسلم) الحديث..
٣ - أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره عن ابن جريج ٣/٣٢٢..
٤ - أخرجه البخاري، وابن أبي حاتم عن عبد الله بن أبي أوفى. "تفسير ابن كثير ١/٣٧٦"..

### الآية 3:78

> ﻿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [3:78]

الضمير في  منهم ، عائد على أهل الكتاب، و **«الفريق »**، الجماعة من الناس هي مأخوذة من فرق، إذا فصل وأبان شيئاً عن شيء، و يلوون  معناه : يحرفون ويتحيلون بتبديل المعاني من جهة اشتباه الألفاظ واشتراكها وتشعب التأويلات فيها، ومثال ذلك قولهم : سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع [(١)](#foonote-١) ونحو ذلك وليس التبديل المحض بليٍّ، وحقيق الليّ في الثياب والحبال ونحوها، فتلها وإراغتها[(٢)](#foonote-٢)، ومنه ليّ العنق ثم استعمل ذلك في الحجج والخصومات والمجادلات تشبيهاً بتلك الإراغة التي في الأجرام فمنه قولهم، خصم ألوى ومنه قول الشاعر :
\[ الطويل \]
فَلَوْ كَانَ فِي لَيْلَى شَذًى مِنْ خُصُومَةٍ. . . لَلَوَّيْتُ أَعْنَاقَ الْخُصُومِ الملاويا[(٣)](#foonote-٣)
وقال الآخر :\[ الرجز \]
ألْفَيْتَني ألوي بعيداً المستمر[(٤)](#foonote-٤) 
وقرأ جمهور الناس، **«يلوون »**، مضارع لوى، على وزن فعل بتخفيف العين وقرأ أبو جعفر بن القعقاع، وشيبة بن نصاح، **«يلَوّون »** بتشديد الواو وفتح اللام، من لوّى، على وزن فعّل بتشديد العين، وهو تضعيف مبالغة لا تضعيف تعدية، وقرأ حميد **«يلُوْن »** بضم اللام وسكون الواو، وهي في الأصل **«يلون »** مثل قراءة الجماعة، فهمزت الواو المضمومة لأنها عرفها في بعض اللغات، فجاء **«يلؤون »** فنقلت ضمة الهمزة إلى اللام فجاء **«يلُون »** و الكتاب  في هذا الموضع التوراة، وضمير الفاعل في قوله  لتحسبوه  هو للمسلمين قوله  وما هو من عند الله  نفي أن يكون منزلاً كما ادعوا، وهو من عند الله بالخلق والاختراع والإيجاد ومنهم بالتكسب ولم تعن الآية إلا لمعنى التنزيل فبطل تعلق القدرية بظاهر قوله، وما هو من عند الله، وقد تقدم نظير قوله تعالى  ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون .

١ - من الآية (٤٦) من سورة النساء..
٢ - الإراغة: المخادعة، وهي مصدر: أراغ..
٣ - البيت لمجنون ليلى (ديوانه: ٣١٣، واللسان: شذا، لوى) والشذا: الأذى والملاويا: الثنايا الملتوية..
٤ - في المثل: "لتجدن فلانا ألوى بعيد المستمر (فصل المقال: ١٣١ والميداني ٢/٩٣)، وقيل: إن المثل للنعمان قاله في خالد بن معاوية السعدي، واستخدمه أرطأة بن سهية في رجز له:
 إذا تخازرت وما بي من خزر ثم كسرت العين من غير عور 
 ألفيتني ألوى بعيد المستمر
 وروي في اللسان (خزر) لعمرو بن العاص؛ وانظر أيضا المعاني الكبير: ٢٣٩؛ وهو مثل في شدة الخصومة واللجاجة..

### الآية 3:79

> ﻿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ [3:79]

وقوله تعالى : ما كان لبشر  معناه لأحد من الناس، والبشر اسم جنس يقع للكثير والواحد ولا مفرد له من لفظه، وهذا الكلام لفظه النفي التام كقول أبي بكر رضي الله عنه : ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم[(١)](#foonote-١)، وإنما يعلم مبلغها من النفي بقرينة الكلام الذي هي فيه، كقوله تعالى : وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله [(٢)](#foonote-٢) وقوله تعالى : ما كان لكم أن تنبتوا شجرها [(٣)](#foonote-٣) فهذا منتف عقلاً، وأما آيتنا هذه فإن النفي على الكمال لأنّا نقطع أن الله تعالى لا يؤتي النبوة للكذبة والمدعين، و الكتاب  في هذه الآية اسم جنس، و الحكم  بمعنى الحكمة، ومنه قول النبي عليه السلام :( إن من الشعر لحكماً ) [(٤)](#foonote-٤)، و ثم  في قوله تعالى : ثم يقول  معطية تعظيم الذنب في القول، بعد مهلة من هذا الإنعام، وقوله  عباداً  هو جمع عبد، ومن جموعه عبيد وعبدى[(٥)](#foonote-٥)، قال بعض اللغويين، وهذه الجموع بمعنى، وقال قوم، العباد لله، العبيد والعبدى للبشر، وقال قوم : العبدى، إنما تقال في العبيد بني العبيد، وكأنه بناء مبالغة، تقتضي الإغراق في العبودية. 
قال القاضي أبو محمد : والذي استقريت في لفظة العباد، أنه جمع عبد متى سيقت اللفظة في مضمار الترفيع والدلالة على الطاعة دون أن يقترن بها معنى التحقير وتصغير الشأن وانظر قوله تعالى : والله رؤوف بالعباد  \[ البقرة : ٢٠٧ \] \[ آل عمران : ٣٠ \] و  عباد مكرمون  \[ الأنبياء : ٢٦ \]  يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله [(٦)](#foonote-٦) وقول عيسى في معنى الشفاعة والتعريض لرحمة الله  إن تعذبهم فإنهم عبادك [(٧)](#foonote-٧) فنوه بهم، وقال بعض اللغويين : إن نصارى الحيرة وهم عرب لما أطاعوا كسرى ودخلوا تحت أمره سمتهم العرب العباد فلم ينته بهم إلى اسم العبيد، وقال قوم بل هم قوم من العرب من قبائل شتى اجتمعوا وتنصروا وسموا أنفسهم العباد كأنه انتساب إلى عبادة الله، وأما العبيد فيستعمل في تحقير، ومنه قول امرىء القيس :\[ السريع \]. 
قُولا لِدُوَدان عبيدِ العَصَى. . . مَا غَرَّكُمْ بالأَسَد الباسلِ[(٨)](#foonote-٨)
ومنه قول حمزة بن عبد المطلب : وهل أنتم إلا عبيد لأبي " [(٩)](#foonote-٩) ؟ ومنه قول الله تعالى : وما ربك بظلاّم للعبيد [(١٠)](#foonote-١٠) لأنه مكان تشفيق وإعلام بقلة انتصارهم ومقدرتهم، وأنه تعالى ليس بظلاّم لهم مع ذلك، ولما كانت لفظة العباد تقتضي الطاعة لم تقع هنا، ولذلك أنس بها في قوله تعالى : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم [(١١)](#foonote-١١). 
قال الإمام أبو محمد : فهذا النوع من النظر يسلك به سبل العجائب في ميزة فصاحة القرآن العزيز على الطريقة العربية السليمة، ومعنى قوله :
 كونوا عباداً لي من دون الله  اعبدوني واجعلوني إلهاً. 
واختلف المفسرون إلى من هي الإشارة بقوله تعالى : ما كان لبشر  فقال النقاش وغيره : الإشارة إلى عيسى عليه السلام، والآية رادة على النصارى الذين قالوا : عيسى إله، وادعوا أن عبادته هي شرعة ومستندة إلى أوامره، وقال ابن عباس والربيع وابن جريج وجماعة من المفسرين : بل الإشارة إلى محمد عليه السلام، وسبب نزول الآية، أن أبا رافع القرظي، قال للنبي صلى الله عليه وسلم، حين اجتمعت الأحبار من يهود والوفد من نصارى نجران : يا محمد إنما تريد أن نعبدك ونتخذك إلهاً كما عبدت النصارى عيسى، فقال الرئيس من نصارى نجران : أو ذلك تريد يا محمد وإليه تدعونا ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( معاذ الله ما بذلك أمرت، ولا إليه دعوت )[(١٢)](#foonote-١٢)، فنزلت الآية، في ذلك، قال بعض العلماء : أرادت الأحبار أن تلزم هذا القول محمداً صلى الله عليه وسلم، لما تلا عليهم  قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني  \[ آل عمران : ٣١ \] وإنما معنى الآية، فاتبعوني فيما أدعوكم إليه من طاعة الله، فحرفوها بتأويلهم، وهذا من نوع ليِّهم الكتاب بألسنتهم، وقرأ جمهور القراء **«ثم يقولَ »** بالنصب، وروى شبل[(١٣)](#foonote-١٣) عن ابن كثير ومحبوب[(١٤)](#foonote-١٤) عن أبي عمرو **«ثم يقولُ »** برفع اللام وهذا على القطع وإضمار مبتدأ، وقرأ عيسى بن عمر، **«عباداً ليَ »** بتحريك الياء مفتوحة. 
**وقوله تعالى :**
 وَلَكِن كُونُواْ رَبَّنِيِّنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ  
المعنى  ولكن  يقول : كونوا ربانيين  وهو جمع رباني، واختلف النحاة في هذه النسبة، فقال قوم : هو منسوب إلى الرب من حيث هو عالم علمه، العامل بطاعته، المعلم للناس ما أمر به، وزيدت الألف والنون مبالغة كما قالوا، لحياني وشعراني في النسبة إلى اللحية والشعر، وقال قوم الرباني منسوب إلى الربان وهو معلم الناس، وعالمهم السائس لأمرهم، مأخوذ من رب يرب إذا أصلح وربى، وزيدت فيه هذه النون كما زيدت في غضبان وعطشان، ثم نسب إليه رباني، واختلف العلماء في صفة من يستحق أن يقال له رباني، فقال أبو رزين[(١٥)](#foonote-١٥) : الرباني : الحكيم العالم، وقال مجاهد : الرباني الفقيه، وقال قتادة وغيره : الرباني العالم الحليم، وقال ابن عباس : هو الحكيم الفقيه، وقال الضحاك : هو الفقيه العالم، وقال ابن زيد : الرباني والي الأمر، يرب الناس أي يصلحهم، فالربانيون الولاة والأحبار والعلماء، وقال مجاهد : الرباني فوق الحبر لأن الحبر هو العالم والرباني هو الذي جمع إلى العلم والفقه البصر بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية وما يصلحهم في دينهم ودنياهم، وفي البخاري : الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره. 
قال الفقيه أبو محمد : فجملة ما يقال في الرباني إنه العالم بالرب والشرع المصيب في التقدير من الأقوال والأفعال التي يحاولها في الناس، وقوله 
 بما كنتم  معناه : بسبب كونكم عالمين دارسين، فما مصدرية، ولا يجوز أن تكون موصولة، لأن العائد الذي كان يلزم لم يكن بد أن يتضمنه : كنتم تعلمون ، ولا يصح شيء من ذلك لأن **«كان »** قد استوفت خبرها ظاهراً، وهو  تعلمون  وكذلك  تعلمون  قد استوفى مفعوله وهو  الكتاب  ظاهراً، فلم يبق إلا أن  ما  مصدرية، إذ لا يمكن عائد، و  تعلمون  بمعنى تعرفون، فهي متعدية إلى مفعول واحد، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو :**«تعْلمون »** بسكون العين، وتخفيف اللام، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي **«تُعلِّمون »** مثقلاً، بضم التاء وكسر اللام، وهذا على تعدية الفعل بالتضعيف، والمفعول الثاني على هذه القراءة محذوف، تقديره : تعلمون الناس الكتاب. 
قال الفقيه الإمام : والقراءتان متقاربتا المعنى، وقد رجحت قراءة التخفيف بتخفيفهم  تدرسون  وبأن العلم هو العلة التي توجب للموفق من الناس أن يكون ربانياً، وليس التعليم شرطاً في ذلك، ورجحت الأخرى بأن التعليم يتضمن العلم، والعلم لا يتضمن التعليم، فتجيء قراءة التثقيل أبلغ في المدح. 
قال الفقيه الإمام : ومن حيث العالم بحال من يعلم، فالتعليم كأنه في ضمن العلم، وقراءة التخفيف عندي أرجح، وقرأ مجاهد والحسن **«تَعَلَّمون »** بفتح التاء والعين، وشد اللام المفتوحة، وقرأ جمهور الناس، **«تدرُسون »** بضم الراء، من درس إذا أدمن قراءة الكتاب وكرره، وقرأ أبو حيوة **«تدرِسون »** بكسر الراء، وهذا على أنه يقال في مضارع درس، يدرُس ويدرِس وروي عن أبي حيوة، أنه قرأ **«تُدرِّسون »** بضم التاء، وكسر الراء وشدها، بمعنى تدرسون غيركم.

١ - أخرجه البخاري ومسلم والإمام أحمد وأبو داود والنسائي، (نيل الأوطار ٣/١٥٧)..
٢ - من الآية (١٤٥) من سورة آل عمران..
٣ - من الآية (٦٠) من سورة النمل..
٤ - أخرجه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود (عن ابن عباس) كما أخرجه أبو داود (عن بريدة وهو ضعيف (الجامع الصغير١/٣٣١)..
٥ - للفظة (عبد) جموع عدة، (راجع لسان العرب)..
٦ - هي على الترتيب من السور والآيات الآية: البقرة: ٢٠٧، الأنبياء: ٢٦، الزمر: ٥٣..
٧ - من الآية (١١٨) من سورة المائدة..
٨ - البيت من قصيدة طويلة لامرئ القيس ودودان: بطن من بطون بني أسد. وعبيد العصا: الذي يساقون بها ذلة وهوانا، وهو أول من لقبهم بهذا اللقب فلزمهم، والمراد بالأسد الباسل: الشاعر نفسه..
٩ - أخرجه البخاري في كتاب البيوع والمغازي واللباس، كما أخرجه مسلم في الأشربة، وأبو داود في الخراج، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده عن علي بن الحسين. "القسطلاني ٤/٣٠".
١٠ - من الآية (٤٦) من سورة فصلت..
١١ - من الآية (٥٣) من سورة الزمر..
١٢ - أخرجه ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس، (فتح القدير: ١/٣٢٤)..
١٣ - شبل بن عباد المكي القارئ، ثقة، ضابط، هو أجل أصحاب ابن كثير، مولده في سنة ٧٠ وتوفي قبل سنة ١٤٨. روى عن أبي الطفيل، وابن كثير، وعباس بن سهل، وزيد بن أسلم، وغيرهم. وعنه روى ابنه داود، وسعد بن إبراهيم، وابن المبارك، وابن عيينة وغيرهم. "طبقات القراء لابن الجزري". و"تهذيب التهذيب".
١٤ -هو محمد بن الحسن بن هلال بن محبوب، أبو بكر محبوب "وهو لقبه" البصري، مولى قريش، مشهور كبير، روى القراءة عن شبل بن عباد، ومسلم بن خالد، وأبي عمرو بن العلاء، وعنه روى محمد بن يحيى القطعي، وخلف بن هشام، وروح بن عبد المؤمن، وحدث عنه أحمد ابن حنبل، ومحمد بن سنان وأخرج له البخاري. "طبقات القراء لابن الجزري ٢/١٢٣"..
١٥ - هو مسعود بن مالك أبو رزين الأسدي مولى أبي وائل الكوفي، روى عن معاذ بن جبل، وابن مسعود، وعلي بن أبي طالب، وغيرهم، وروى عنه ابنه عبد الله، وعاصم بن أبي النجود، والأعمش، وغيرهم، شهد صفين مع علي، كان عالما، فهما، ثقة، وقع ذكره في البخاري في الحيض من صحيحه، أرخ بن قانع وفاته بسنة ٨٥هـ وقال خليفة: مات بعد الجماجم. "تهذيب التهذيب. ١٠/ص: ١١٨" و"طبقات القراء لابن الجزري"..

### الآية 3:80

> ﻿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا ۗ أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [3:80]

وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْملاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ  
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي :****«ولا يأمرُكم »**** برفع الراء، وكان أبو عمرو يختلس حركة الراء تخفيفاً، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة :**«ولا يأمرَكم نصباً »**، ولا خلاف في الراء من قوله : أيأمركم  إلا اختلاس أبي عامر، فمن رفع قوله :****«ولا يأمرُكم »**** فهو على القطع، قال سيبويه : المعنى ولا يأمركم الله، وقال ابن جريج وغيره : المعنى ولا يأمركم هذا البشر الذي أوتي هذه النعم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وفي قراءة ابن مسعود :**«ولن يأمركم »**، فهذه قراءة تدل على القطع، وأما قراءة من نصب الراء، فهي عطف على قوله : أن يؤتيه  \[ آل عمران : ٧٩ \] والمعنى ولا له أن يأمركم، قاله أبو علي وغيره، وقال الطبري : قوله  ولا يأمركم  بالنصب، معطوف على قوله،  ثم يقول  \[ آل عمران : ٧٩ \]. 
قال الفقيه أبو محمد : وهذا خطأ لا يلتئم[(١)](#foonote-١) به المعنى، والأرباب في هذه الآية بمعنى الآلهة. 
قوله تعالى : أيأمركم بالكفر  تقرير على هذا المعنى الظاهر فساده. 
١ - وجه الخطأ أنه إذا كان معطوفا على \[ثم يقول\] وكانت \[لا\] لتأسيس النفي فلا يمكن إلا أن يقدر العامل قبل \[لا\] وهو (أن)، فينسبك من أن والفعل المنفي مصدر منتف فيصير المعنى: ما كان لبشر موصوف بما وصف به انتفاء أمره باتخاذ الملائكة والنبيين أربابا، وإذا لم يكن له الانتفاء كان له الثبوت فصار آمرا باتخاذهم أربابا وهو خطأ، فإذا جعلت \[لا\] لتأكيد النفي السابق كان النفي منسحبا على المصدرين المقدر ثبوتهما فينتفي قوله: \[كونوا عبادا لي\]، وأمره باتخاذ الملائكة والنبيين أربابا. راجع البحر المحيط ٢/٥٠٧..

### الآية 3:81

> ﻿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [3:81]

وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنَصُرُنَّهُ 
وقوله تعالى : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين  الآية، المعنى واذكر يا محمد **«إذ »** ويحتمل أن يكون **«أخذ »** هذا الميثاق حين أخرج بني آدم من ظهر آدم نسماً، ويحتمل أن يكون هذا الأخذ على كل نبي في زمنه ووقت بعثه، ثم جمع اللفظ، في حكاية الحال في هذه الآية، والمعنى : أن الله تعالى أخذ ميثاق كل نبي بأنه يلتزم هو ومن آمن به، الإيمان بمن أوتي بعده من الرسل، الظاهرة براهينهم والنصرة له، واختلف المفسرون في العبارة عن مقتضى ألفاظ هذه الآية، فقال مجاهد والربيع : إنما أخذ ميثاق أهل الكتاب، لا ميثاق النبيين، وفي مصحف أبي بن كعب وابن مسعود :**«وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب »**، قال مجاهد : هكذا هو القرآن، وإثبات **«النبيين »** خطأ من الكتاب. 
قال الفقيه الإمام : وهذا لفظ مردود بإجماع الصحابة على مصحف عثمان رضي الله عنه، وقال ابن عباس رضي الله عنه : إنما  أخذالله ميثاق النبيين  على قومهم، فهو أخذ لميثاق الجميع، وقال طاوس : أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ما بعث الله نبياً، آدم فمن بعده، إلا أخذ عليه العهد في محمد لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره بأخذه على قومه، ثم تلا هذه الآية، وقاله السدي : وروي عن طاوس أنه قال : صدر الآية أخذ الميثاق على النبيين وقوله : ثم جاءكم  مخاطبة لأهل الكتاب بأخذ الميثاق عليهم. 
قال الفقيه الإمام أبو محمد : حكاه الطبري وهو قول يفسده إعراب الآية[(١)](#foonote-١)، وهذه الأقوال كلها ترجع إلى ما قاله علي بن أبي طالب وابن عباس، لأن الأخذ على الأنبياء أخذ على الأمم. وقرأ حمزة وغيره سوى السبعة :************«لما »************ بكسر اللام، وهي لام الجر، والتقدير لأجل ما أتيناكم، إذ أنتم القادة الرؤوس، ومن كان بهذه الحال فهو الذي يؤخذ ميثاقه، و ****************«ما »**************** في هذه القراءة بمعنى الذي الموصولة، والعائد إليها من الصلة تقديره آتيناكموه، و ****«من »**** لبيان الجنس، وقوله،  ثم جاءكم  الآية، جملة معطوفة على الصلة، ولا بد في هذه الجملة من ضمير يعود على الموصول، فتقديره عند سيبويه : رسول به مصدق لما معكم، وحذف تخفيفاً كما حذف الذي في الصلة بعينها لطول الكلام، كما قال تعالى :
 أهذا الذي بعث الله رسولاً [(٢)](#foonote-٢) \[ الفرقان : ٤١ \] والحذف من الصلات كثير جميل، وأما أبو الحسن الأخفش، فقال قوله تعالى : لما معكم  هو العائد عنده على الموصول، إذ هو في المعنى بمنزلة الضمير الذي قدر سيبويه، وكذلك قال الأخفش في قوله تعالى : إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين [(٣)](#foonote-٣) لأن المعنى لا يضيع أجرهم، إذ المحسنون هم من يتقي ويصبر، وكذلك قوله تعالى : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنّا لا نضيع أجر من أحسن عملاً [(٤)](#foonote-٤) وكذلك ما ضارع هذه الآيات، وسيبويه رحمه الله لا يرى أن يضع المظهر موقع المضمر، كما يراه أبو الحسن، واللام في  لتؤمِننَّ ، هي اللام المتعلقة للقسم الذي تضمنه أخذ الميثاق وفصل بين القسم والمقسم عليه بالجار والمجرور وذلك جائز. 
وقرأ سائر السبعة :**«لَما »** بفتح اللام، وذلك يتخرج على وجهين، أحدهما أن تكون ****************«ما »**************** موصولة في موضع رفع بالابتداء، واللام لام الابتداء، وهي متلقية لما أجري مجرى القسم من قوله تعالى : وإذ أخذ الله ميثاق  وخبر الابتداء قوله  لتؤمنن ، و  لتؤمنن  متعلق بقسم محذوف، والمعنى والله لتؤمنن، هكذا قال أبو علي الفارسي، وفيه من جهة المعنى نظر، إذا تأملت على أي شيء وقع التحليف لكنه متوجه بأن الحلف يقع مرتين تأكيداً فتأمل، والعائد الذي في الصلة، والعائد الذي في الجملة المعطوفة على الصلة هنا في هذه القراءة هما على حد ما ذكرناهما في قراءة حمزة، أما أن هذا التأويل يقتضي عائداً من الخبر الذي هو  لتؤمنن  فهو قوله تعالى : به  فالهاء من  به  عائدة على ****************«ما »****************، ولا يجوز أن تعود على  رسول  فيبقى الموصول حينئذ غير عائد عليه من خبره ذكر، والوجه الثاني الذي تتخرج عليه قراءة القراء ************«لما »************ بفتح اللام، هو أن تكون ****************«ما »**************** للجزاء شرطاً، فتكون في موضع نصب بالفعل الذي بعدها وهو مجزوم و جاءكم  معطوف في موضع جزم، واللام الداخلة على ****************«ما »**************** ليست المتلقية للقسم، ولكنها الموطئة المؤذنة بمجيء لام القسم، فهي بمنزلة اللام في قوله تعالى :
 لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض [(٥)](#foonote-٥) لانها مؤذنة بمجيء المتلقية للقسم في قوله، لنغرينك بهم وكذلك هذه مؤذنة بمجيء المتلقية للقسم في قوله : لتؤمِننَّ  وهذه اللام الداخلة على **«أن »** لا يعتمد القسم عليها، فلذلك جاز حذفها تارة وإثباتها تارة، كما قال تعالى : وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم [(٦)](#foonote-٦). قال الزجاج : لأن قولك، والله لئن جئتني لأكرمنك، إنما حلف على فعلك[(٧)](#foonote-٧)، لأن الشرط معلق به، فلذلك دخلت اللام على الشرط، وما في هذا الوجه من كونها جزاء لا تحتاج إلى عائد لأنها مفعولة والمفعول لا يحتاج إلى ذكر عائد. 
والضمير في قوله تعالى : لتؤمِننَّ به  عائد على  رسول ، وكذلك هو على قراءة من كسر اللام، وأما الضمير في قوله  ولَتنصرنَه  فلا يحتمل بوجه إلا العود على رسول، قال أبو علي في الإغفال : وجزاء الشرط محذوف[(٨)](#foonote-٨) بدلالة قوله  لتؤمنن  عليه، قال سيبويه : سألته، يعني الخليل عن قوله تعالى : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيناكم  فقال :****************«ما »**************** هنا بمنزلة الذي ودخلتها اللام كما دخلت على إن، حين قلت : لئن فعلت لأفعلن، ثم استمر يفسر وجه الجزاء قال أبو علي : أرد الخليل بقوله : هي بمنزلة الذي، أنها اسم كما أن الذي اسم ولَم يرد أنها موصولة كالذي، وإنما فرّ من أن تكون ****************«ما »**************** حرفاً كما جاءت حرفاً في قوله تعالى : وإن كلاًّ لما ليوفينهم ربك أعمالهم [(٩)](#foonote-٩) وفي قوله  وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا [(١٠)](#foonote-١٠)، والله المستعان، وحكى المهدوي ومكي عن سيبويه والخليل، : أن خبر الابتداء فيمن جعل ****************«ما »**************** ابتداء على قراءة من فتح اللام هو في قوله : من كتاب وحكمة  ولا أعرف من أين حكياه لأنه مفسد لمعنى الآية لا يليق بسيبويه، والخليل، وإنما الخبر في قوله،  لتؤمنن  كما قال أبو علي الفارسي ومن جرى مجراه كالزجاج وغيره، وقرأ الحسن :**«لمّا آتيناكم »** بفتح اللام وشدها قال أبو إسحاق : أي لما آتاكم الكتاب والحكمة أخذ الميثاق، وتكون اللام تؤول إلى الجزاء، كما تقول لما جئتني أكرمتك. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : ويظهر أن ************«لما »************ هذه هي الظرفية أي لما كنتم بهذه الحال، رؤساء الناس وأماثلهم، أخذ عليكم الميثاق، إذ على القادة يؤخذ، فيجيء هذا المعنى كالمعنى في قراءة حمزة، وذهب ابن جني[(١١)](#foonote-١١) في ************«لما »************ في هذه الآية إلى أن أصلها **«لمن ما »**، وزيدت ****«من »**** في الواجب على مذهب الأخفش، ثم أدغمت، كما يجب في مثل هذا، فجاء لهما، فثقل اجتماع ثلاث ميمات فحذفت الميم الأولى فبقي ************«لما »************، وتتفسر هذه القراءة على هذا التوجيه المحلق تفسر ************«لما »************ بفتح الميم مخففة، وقد تقدم، وقرأ نافع وحده، **«آتيناكم »** بالنون، وقرأ الباقون، **«آتيتكم »** بالتاء، و رسول  في هذه الآية اسم جنس، وقال كثير من المفسرين : الإشارة بذلك إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وفي مصحف ابن مسعود :**«مصدقاً »** بالنصب على الحال. 
**قوله تعالى :**
 قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِى قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ  
هذه الآية هي وصف توقيف الأنبياء على إقرارهم بهذا الميثاق والتزامهم له وأخذ عهد الله فيه، وذلك يحتمل موطن القسم، ويحتمل أن يراد بهذه العبارة الجامعة وصف ما فعل مع كل نبي في زمنه،  وأخذتم  في هذه الآية عبارة عما تحصل لهم من إيتاء الكتاب والحكمة فمن حيث أخذ عليهم أخذوا هم ايضاً وقال الطبري : أخذتم  في هذه الآية معناه : قبلتم، و**«الإصر »**، العهد، لا تفسير له في هذا الموضع إلا لذلك، وقوله تعالى  فاشهدوا  يحتمل معنيين : أحدهما فاشهدوا على أممكم المؤمنين بكم، وعلى أنفسكم بالتزام هذا العهد، هذا قول الطبري وجماعة، والمعنى الثاني، بثوا الأمر عند أممكم واشهدوا به، وشهادة الله تعالى هذا التأويل، وهي التي في قوله  وأنا معكم من الشاهدين  هي إعطاء المعجزات وإقرار نبوءاتهم، هذا قول الزجّاج وغيره. 
قال القاضي أبو محمد : فتأمل أن القول الأول هو إيداع الشهادة واستحفاظها، والقول الثاني هو الأمر بأدائها. 
١ - لأن الضمير في كل من آتيتكم وجاءكم يرجع إلى النبيين، أو الأتباع، وهذا القول يخصص الضمير في (جاءكم) لأهل الكتاب فقط..
٢ - لأن الضمير في كل من آتيتكم وجاءكم يرجع إلى النبيين، أو الأتباع، وهذا القول يخصص الضمير في (جاءكم) لأهل الكتاب فقط..
٣ - من الآية (٩٠) من سورة يوسف..
٤ - من الآية (٣٠) من سورة الكهف..
٥ - من الآية (٦٠) من سورة الأحزاب..
٦ - من الآية (٧٣) من سورة المائدة..
٧ - لعل صحة الجملة: "إنما هو حلف على فعلك"..
٨ - قال أبو (ح) جواب الشرط لا يحذف إلا إذا كان من جنس جواب القسم المذكور ليدل عليه، وإن قدرناه من جنسه وهو (يؤمنوا) خلت جملته من ضمير يعود على (ما) الشرطية. فتأمل..
٩ - من الآية (١١١) من سورة هود..
١٠ - من الآية (٣٥) من سورة الزخرف..
١١ - المحتسب ١/١٦٤..

### الآية 3:82

> ﻿فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [3:82]

فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأْوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ  
وحكم الله تعالى بالفسق على من تولى من الأمم بعد هذا الميثاق، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره ويحتمل أن يريد بعد الشهادة عند الأمم بهذا الميثاق على أن قوله،  فاشهدوا  أمر بالأداء.

### الآية 3:83

> ﻿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [3:83]

أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ 
وقرأ أبو عمرو :**«يَبغون »** بالياء مفتوحة، **«تُرجعون »** بالتاء مضمومة، وقرأ عاصم، **«يبغون »** و **«يرجعون »** بالياء معجمة من تحت فيهما، وقرأ الباقون بالتاء فيهما، ووجوه هذه القراءات لا تخفى بأدنى تأمل و  تبغون  معناه : تطلبون، و أسلم  في هذه الآية بمعنى : استسلم عند جمهور المفسرين، و من  في هذه الآية تعم الملائكة والثقلين، واختلفوا في معنى قوله  طوعاً وكرهاً  فقال مجاهد : هذه الآية كقوله تعالى :
 ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله [(١)](#foonote-١) فالمعنى أن إقرار كل كافر بالصانع هو إسلام كرهاً. 
قال الفقيه الإمام أبو محمد : فهذا عموم في لفظ الآية، لأنه لا يبقى من لا يسلم على هذا التأويل و أسلم  فيه بمعنى استسلم، وقال بمثل هذا القول أبو العالية رفيع، وعبارته رحمه الله : كل آدمي فقد أقر على نفسه بأن الله ربي وأنا عبده، فمن أشرك في عبادته فهذا الذي أسلم كرهاً، ومن أخلص فهذا الذي أسلم طوعاً، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : بل إسلام الكاره منهم كان حين أخذ الميثاق، وروي عن مجاهد أنه قال : الكره في هذه الآية هو بسجود ظل الكافر فيسجد المؤمن طوعاً ويسجد الكافر وهو كاره، وقال الشعبي : الآية عبارة عن استقادة جميع البشر لله وإذعانهم لقدرته وإن نسب بعضهم الألوهية إلى غيره، وذلك هو الذي يسجد كرهاً. 
قال الفقيه الإمام : وهذا هو قول مجاهد وأبي العالية المتقدم وإن اختلفت العبارات، وقال الحسن بن أبي الحسن : معنى الآية : أنه أسلم قوم طوعاً، وأسلم قوم خوف السيف، وقال مطر الوراق : أسلمت الملائكة طوعاً، وكذلك الأنصار وبنو سليم وعبد القيس، وأسلم سائر الناس كرهاً حذر القتال والسيف[(٢)](#foonote-٢). 
قال الفقيه الإمام : وهذا قول الإسلام فيه هو الذي في ضمنه الإيمان، والآية ظاهرها العموم ومعناها الخصوص، إذ من أهل الأرض من لم يسلم طوعاً ولا كرهاً على هذا حد، وقال قتادة : الإسلام كرهاً هو إسلام الكافر عند الموت والمعاينة حيث لا ينفعه. 
قال الفقيه الإمام : ويلزم على هذا أن كل كافر يفعل ذلك، وهذا غير موجود إلا في أفراد، والمعنى في هذه الآية، يفهم كل ناظر أن هذا القسم الذي هو الكره إنما هو في أهل الأرض خاصة، والتوقيف بقوله  أفغَير  إنما هو لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم من الأحبار والكفار، وقرأ أبو بكر عن عاصم، **«أُصري »**، بضم الألف وهي لغة. 
١ - من الآية (٢٥) من سورة لقمان، ومن الآية ٣٨ من سورة الزمر..
٢ - أخرجه الطبري في تفسيره، وأخرج الديلمي عن أنس نحوه، (فتح القدير: ١/٣٣٦).

### الآية 3:84

> ﻿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [3:84]

المعنى : قل يا محمد أنت وأمتك : آمنا بالله وما أنزل علينا  وهو القرآن وأمر محمد صلى الله عليه وسلم والإنزال على نبي الأمة إنزال عليها، وقدم إسماعيل لسنه، وسائر الآية بين.

### الآية 3:85

> ﻿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [3:85]

ثم حكم تعالى في قوله  ومن يبتغ  الآية بأنه لا يقبل من آدمي ديناً غير دين الإسلام، وهو الذي وافق في معتقداته دين كل من سمي من الأنبياء، وهو الحنيفية السمحة، وقال عكرمة : لما نزلت قال أهل الملل للنبي صلى الله عليه وسلم : قد أسلمنا قبلك ونحن المسلمون، فقال الله له : فحجهم يا محمد وأنزل عليه  ولله على الناس حج البيت [(١)](#foonote-١) فحج المسلمون وقعد الكفار، وأسند الطبري عن ابن عباس أنه قال : نزلت  إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر  إلى قوله  ولا هم يحزنون [(٢)](#foonote-٢) فأنزل الله بعدها،  ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه  الآية. 
قال الفقيه الإمام : فهذه إشارة إلى نسخ، وقوله  في الآخرة  متعلق بمقدر، تقديره خاسر في الآخرة لأن الألف واللام في  الخاسرين  في معنى الموصول، وقال بعض المفسرين : إن قوله  من يبتغ  الآية، نزلت في الحارث بن سويد[(٣)](#foonote-٣)، ولم يذكر ذلك الطبري.

١ - من الآية: (٩٧) من سورة آل عمران..
٢ - الآية (٦٢) من سورة البقرة..
٣ - الحارث بن سويد، ويقال: ابن مسلم المخزومي، ارتد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولحق بالكفار فنزلت هذه الآية: \[كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم\] الآيات، فحمل رجل هذه الآيات فقرأهن عليه فرجع وأسلم وحسن إسلامه، روى عنه مجاهد. "الاستيعاب" و"الإصابة..

### الآية 3:86

> ﻿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [3:86]

قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت هذه الآيات من قوله : كيف يهدي الله  نزلت في الحارث بن سويد الأنصاري، كان مسلماً ثم ارتد ولحق بالشرك، ثم ندم فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لي من توبة ؟
قال : فنزلت  كيف يهدي الله  الآيات، إلى قوله  إلا الذين تابوا  فأرسل إليه قومه فأسلم، وقال مجاهد : حمل الآيات إليه رجل من قومه فقرأها عليه، فقال له الحارث، إنك والله لما علمت لصدوق، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصدق منك، وإن الله لأصدق الثلاثة[(١)](#foonote-١)، قال : فرجع الحارث فأسلم وحسن إسلامه. وقال السدي : نسخ الله تعالى بقوله : إلا الذين تابوا  قوله  أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله . 
قال الفقيه أبو محمد : وفي هذه العبارة تجوز كثير، وليس هذا بموضع نسخ، وقال عكرمة : نزلت هذه الآية في أبي عامر الراهب[(٢)](#foonote-٢) والحارث بن سويد بن الصامت ووحوح بن الأسلت[(٣)](#foonote-٣) في اثني عشر رجلاً، رجعوا عن الإسلام ولحقوا بقريش ثم كتبوا إلى أهليهم هل لنا من توبة ؟ فنزلت هذه الآيات وقال ابن عباس أيضاً والحسن بن أبي الحسن : إن هذه الآيات نزلت في اليهود والنصارى، شهدوا بنعت الرسول صلى الله عليه وسلم وآمنوا به، فلما جاء من العرب حسدوه، وكفروا به ورجح الطبري هذا القول، وقال النقاش : نزلت هذه الآيات في طعيمة بن أبيرق[(٤)](#foonote-٤). 
وقال الفقيه القاضي : وكل من ذكر فألفاظ الآية تعمه. 
وقوله تعالى : كيف  سؤال عن حال لكنه سؤال توقيف على جهة الاستبعاد للأمر كما قال عليه السلام : كيف تفلح أمة أدمت وجه نبيها[(٥)](#foonote-٥) ؟ فالمعنى أنهم لشدة هذه الجرائم يبعد أن يهديهم الله تعالى، وقوله تعالى : وشهدوا  عطف على  كفروا  بحكم اللفظ، والمعنى مفهوم أن الشهادة قبل الكفر، والواو لا ترتب، وقال قوم : معنى قوله  بعد إيمانهم  بعد أن آمنوا فقوله  وشهدوا  عطف على هذا التقدير، وقوله تعالى  والله لا يهدي القوم الظالمين  عموم معناه الخصوص فيمن حتم كفره وموافاته عليه.

١ - أخرجه النسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه –عن ابن عباس وأخرجه عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر- عن مجاهد، وقال: هو الحارث بن سويد، وأخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، عن السدي، وأخرجه كذلك ابن إسحاق، وابن المنذر- عن ابن عباس. (فتح القدير: ١/٣٢٨)..
٢ - هو عامر عبد عمرو بن صيفي بن مالك بن النعمان، أحد بني ضبيعة، كان يسمى في الجاهلية الراهب فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق، ذكره ابن هشام في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد..
٣ - هو وحوح بن الأسلت، واسمه عامر بن جُشم بن وائل الأوسي الأنصاري، أخو أبي قيس الشاعر. قال عبد الله بن محمد بن عمارة: له صحبة وشهد الخندق وما بعدها من المشاهد (الإصابة. ٣/٦٣١) وكذا "الاستيعاب"..
٤ - هو طعيمة بن أبيرق بن عمير الأنصاري، ذكره أبو إسحاق المستملي في الصحابة، وقال: شهد المشاهد كلها إلا بدرا، وساق من طريق خالد بن معدان عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أمشي قدامه فسأله رجل: ما فضل من جامع أهله محتسبا، قال: غفر الله لهما البتة. استدركه يحيى بن منده على جده. وإسناده ضعيف قال أبو موسى. "الإصابة. ٢/٢٢٤"..
٥ - أخرجه البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد، وشج في وجهه حتى سال الدم، فقال: (كيف يفلح قوم) الحديث. "فتح القدير للشوكاني ١/٣٤)..

### الآية 3:87

> ﻿أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [3:87]

ويحتمل أن يريد الإخبار عن أن الظالم في ظلمه ليس على هدى من الله، فتجيء الآية عامة تامة العموم، و **«اللعنة »** الإبعاد وعدم الرحمة والعطف، وذلك مع قرينة الكفر زعيم بتخليدهم في النار، ولعنة الملائكة قول، و الناس  : بنو آدم، ويظهر من كلام أبي علي الفارسي في بعض تعاليقه، أن الجن يدخلون في لفظة الناس، وأنشد على ذلك، \[ الوافر \]
فقلتُ إلى الطَّعامِ فَقَالَ مِنْهُمْ. . . أُناسٌ يَحْسُدُ الأَنَسَ الطَّعاما[(١)](#foonote-١)
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : والذي يظهر، أن لفظة  الناس  إذا جاءت مطلقة، فإنما هي في كلام العرب بنو آدم لا غير، فإذا جاءت مقيدة بالجن، فذلك على طريقة الاستعارة، إذ هي جماعة كجماعة، وكذلك  برجال من الجن [(٢)](#foonote-٢) وكذلك  نفر من الجن [(٣)](#foonote-٣)، ولفظة النفر أقرب إلى الاشتراك من رجال وناس، وقوله تعالى : من الجنة والناس [(٤)](#foonote-٤) قاض بتباين الصنفين، وقوله تعالى : والناس أجمعين [(٥)](#foonote-٥) إما يكون لمعنى الخصوص في المؤمنين ويلعن بضعهم بعضاً، فيجيء من هذا في كل شخص منهم أن لعنة جميع الناس، وإما أن يريد أن هذه اللعنة تقع في الدنيا من جميع الناس على من هذه صفته، وكل من هذه صفته - وقد أغواه الشيطان- يلعن صاحب الصفات ولا يشعر من نفسه أنه متصف بها، فيجيء من هذا أنهم يلعنهم جميع الناس في الدنيا حتى أنهم ليلعنون أنفسهم، لكن على غير تعيين.

١ - نسب صاحب "خزانة الأدب" ٣/٣ البيت لشمير بن الحارث الضبي، وقيل: لتأبط شرا، وهي رواية الجرجاوي أيضا. وفي العيني على الشواهد: لجذع بن سنان الغساني في رواية من روى: "عموا صباحا". وأما على رواية من روى: "عموا ظلاما" فإنه ينسب إلى شمر بن الحارث الغساني: فقلت: إلى الطعام: أي: هلموا إليه، نحسد: يروى بالنون، ويروى بالمثناة التحتية، والإنس: البشر، أي يحسد الإنس على الطعام. والكلام مع الجن بدليل البيت قبله:
 أتوا ناري فقلت: منون أنتم فقالوا: الجن. قلت: عموا ظلاما..
٢ - من الآية (٦) من سورة الجن..
٣ - من الآية (١) من سورة الجن..
٤ - من الآية (٦) من سورة الناس..
٥ - تكررت أيضا في الآية (١٦١) من سورة البقرة والآية (٨٧) من سورة آل عمران..

### الآية 3:88

> ﻿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ [3:88]

والضمير في قوله : خالدين فيها  قال الطبري : يعود على عقوبة الله التي يتضمنها معنى اللعنة، وقال قوم من المفسرين : الضمير عائد على اللعنة. 
قال الفقيه الإمام أبو محمد : وقرائن الآية تقتضي أن هذه اللعنة مخلدة لهم في جهنم : فالضمير عائد على النار، وإن كان لم يجر لها ذكر، لأن المعنى يفهمها في هذا الموضع كما يفهم قوله تعالى : كل من عليها فان [(١)](#foonote-١) أنها الأرض، وقد قال بعض الخراسانيين في قوله تعالى : إنما أنت منذر من يخشاها [(٢)](#foonote-٢) إن الضمير عائد على النار و ينظرون  في هذه الآية، بمعنى يؤخرون، ولا راحة إلا في التخفيف أو التأخير فهما مرتفعان عنهم، ولا يجوز أن يكون  ينظرون  هنا من نظر العين إلا على توجيه غير فصيح لا يليق بكتاب الله تعالى.

١ - الآية (٢٦) من سورة الرحمن..
٢ - الآية (٤٥) من سورة النازعات..

### الآية 3:89

> ﻿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [3:89]

وقوله عزوجل  إلا الذين تابوا  استثناء متصل يبين ذلك قوله تعالى : من بعد ذلك  التوبة : الرجوع، والإصلاح عام في القول والعمل، وقوله تعالى : فإن الله غفور رحيم  وعد، وقرأ الحسن بن أبي الحسن :**«والناس أجمعون »**. 
وقال السدي : نسخ الله تعالى بقوله : إلا الذين تابوا  قوله  أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله .

### الآية 3:90

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ [3:90]

اختلف المتأولون في كيف يترتب كفر بعد إيمان، ثم زيادة كفر، فقال الحسن وقتادة وغيرهما : الآية في اليهود كفروا بعيسى بعد الإيمان بموسى ثم  ازدادوا كفراً  بمحمد صلى الله عليه وسلم. 
قال الإمام أبو محمد : وفي هذا القول اضطراب، لأن الذي كفر بعيسى بعد الإيمان بموسى ليس بالذي كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، فالآية على هذا التأويل تخلط الأسلاف بالمخاطبين، وقال أبو العالية رفيع : الآية في اليهود، كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانهم بصفاته وإقرارهم أنها في التوراة. ثم ازدادوا كفراً بالذنوب التي أصابوها في خلاف النبي صلى الله عليه وسلم، من الافتراء والبهت والسعي على الإسلام وغير ذلك. 
قال الإمام أبو محمد : وعلى هذا الترتيب يدخل في الآية المرتدون اللاحقون بقريش وغيرهم، وقال مجاهد : معنى قوله  ثم ازدادوا كفراً  أي تموا على كفرهم وبلغوا الموت به، فيدخل في هذا القول اليهود والمرتدون، وقال السدي نحوه، ثم أخبر تعالى أن توبة هؤلاء لن تقبل، وقد قررت الشريعة أن توبة كل كافر تقبل، سواء كفر بعد إيمان وازداد كفراً، أو كان كافراً من أول أمره، فلا بد في هذه الآية من تخصيص تحمل عليه ويصح به نفي قبول التوب فقال الحسن وقتادة ومجاهد والسدي : نفي قبول توبتهم مختص بوقت الحشرجة الغرغرة والمعاينة، فالمعنى  لن تقبل توبتهم  عند المعاينة، وقال أبو العالية : معنى الآية : لن تقبل توبتهم من تلك الذنوب التي أصابوها مع إقامتهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا يقولون في بعض الأحيان : نحن نتوب من هذه الأفعال، وهم مقيمون على كفرهم، فأخبر الله تعالى، أنه لا يقبل تلك التوبة. 
قال الفقيه الإمام : وتحتمل الآية عندي أن تكون إشارة إلى قوم بأعيانهم من المرتدين ختم الله عليهم بالكفر، وجعل ذلك جزاء لجريمتهم ونكايتهم في الدين، وهم الذي أشار إليهم بقوله  كيف يهدي الله قوماً  \[ آل عمران : ٨٦ \] فأخبر عنهم أنهم لا تكون لهم توبة فيتصور قبولها، فتجيء الآية بمنزلة قول الشاعر :

على لا حب لا يهتدى بمناره [(١)](#foonote-١) . . . . . . . . . . . . . . . . .أي قد جعلهم الله من سخطه في حيز من لا تقبل له توبة إذ ليست لهم، فهم لا محالة يموتون على الكفر، ولذلك بيّن حكم الذين يموتون كفاراً بعقب الآية، فبانت منزلة هؤلاء، فكأنه أخبر عن هؤلاء المعينين، أنهم يموتون كفاراً، ثم أخبر الناس عن حكم من يموت كافراً و الضالون  المخطئون الطريق القويم في الأقوال والأفعال، وقرأ عكرمة :**«لن نقبل »** بنون العظمة **«توبتَهم »** بنصب التاء. 
١ - البيت لامرئ القيس، وتمامه:............ إذا ساقه العود النباطي جرجا
 اللحب واللاحب: الطريق الواسع، من لحبه إذا وطئه ومر فيهن فأصله ملحوب، والمنار: أعلام الطريق. وسافه يسوفه سوفا: إذا شمه شما، ومنه المساقه. والعود: الجمل المسن، ويطلق على الطريق القديم. والنباطي: نسبة للنبط، وهم قوم يحلون البطاح بين العراقين يستنبطون منها الماء. كانت عاصمتهم (سلع) وتعرف اليوم بالبتراء- ثم استعمل اللفظ (النبط) في أخلاط الناس من غير العرب. والنبط هم: الأنباط. والجرجرة: صوت يردده البعير في حنجرته.
 والمقصود بالبيت نفي المنار إذا شمه البعير المسن عرف أنه طريق وعر لتجربته الطرق وجرجر خوفا منه لصعوبته عليه مع تمرنه على السفر سيما إذا كان من إبل النبط لكثرة رحيلهم. "معلق الكشاف"..

### الآية 3:91

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَىٰ بِهِ ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [3:91]

وقوله تعالى : إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار  الآية، جزم للحكم على كل مواف على الكفر إلى يوم القيامة، وقرأ عكرمة :**«فلن نقبل »** بنون العظمة **«ملء الأرض »** بالنصب، و**«الملء »** ما شحن به الوعاء، فهو بكسر الميم الاسم وبفتحها المصدر، تقول ملأت الشيء أملؤه مَلأً والملء اسم ما ملأت به، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وأبو السمال :**«مل »** دون همزة، ورويت عن نافع و ذهباً  نصب على التمييز، وقرأ ابن أبي عبلة :**«ذهباً لو افتدى به »**، دون واو، واختلف الناس في هذه الآية في قوله  ولو افتدى  فقال الطبري : هي متعلقة بمحذوف في آخر الكلام دل عليه دخول الواو، كما دخلت في قوله  وليكون من الموقنين [(١)](#foonote-١) لمتروك من الكلام، تقديره، وليكون من الموقنين أريناه ملكوت السماوات والأرض. 
قال الفقيه الإمام : وفي هذا التمثيل نظر فتأمله، وقال الزّجاج : المعنى : لن يقبل من أحدهم إنفاقه وتقرباته في الدنيا **«ولو أنفق ملء الأرض ذهباً ولو افتدى »** أيضاً به في الآخرة لم يقبل منه، قال : فأعلم الله أنه لا يثيبهم على أعمالهم من الخير، ولا يقبل منهم الافتداء من العذاب. 
قال الفقيه الإمام أبو محمد : وهذا قول حسن : وقال قوم : الواو زائدة وهذا قول مردود، ويحتمل أن يكون المعنى نفي القبول جملة على كل الوجوه، ثم خص من تلك الوجوه أليقها وأحراها بالقبول، كما تقول : أنا لا أفعل لك كذا بوجه، ولو رغبت إليَّ، وباقي الآية وعيد بيّن.

١ - من الآية (٧٥) من سورة الأنعام.

### الآية 3:92

> ﻿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [3:92]

لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ  ( ٩٢ )
ذهب بعض الناس إلى أن يصل معاني هذه الآيات بعضها ببعض، من حيث أخبر تعالى : أنه لا يقبل من الموافي على الكفر  ملء الأرض ذهباً  \[ آل عمران : ٩١ \] وقد بان أنه يقبل من المؤمن القليل والكثير، فحض على الإنفاق من المحبوب المرغوب فيه، ثم ذكر تقرب إسرائيل عليه السلام، بتحريم ما كان يحب على نفسه، ليدل تعالى على أن جميع التقربات تدخل بالمعنى في جملة الإنفاق من المحبوب، وفسر جمهور المفسرين هذه الآيات، على أنها معان منحازة، نظمتها الفصاحة المعجزة أجمل نظم، وقوله تعالى  لن تناولوا  الآية، خطاب لجميع المؤمنين، وقال السدي وعمر بن ميمون[(١)](#foonote-١) : البر  الجنة. 
قال الفقيه الإمام : وهذا تفسير بالمعنى، وإنما الخاص باللفظة أنه ما يفعله البر من أفاعيل الخير، فتحتمل الآية أن يريد : لن تنالوا بر الله تعالى بكم، أي رحمته ولطفه، ويحتمل أن يريد : لن تنالوا درجة الكمال من فعل البر حتى تكونوا أبراراً، إلا بالإنفاق المنضاف إلى سائر أعمالكم، وبسبب نزول هذه الآية، تصدق أبو طلحة[(٢)](#foonote-٢) بحائطه، المسمى بيرحاء، وتصدق زيد بن حارثة بفرس كان يحبها، فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة ابنه[(٣)](#foonote-٣)، فكأن زيداً شق عليه فقال له النبي : أما إن الله قد قبل صدقتك[(٤)](#foonote-٤)، وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري أن يشتري له جارية من سبي جلولاء وقت فتح مدائن كسرى علي يدي سعيد بن أبي وقاص فسيقت إليه وأحبها فدعا بها يوماً وقال : إن الله يقول  لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ، فأعتقها. 
قال الفقيه الإمام أبو محمد : فهذا كله حمل للآية على أن قوله تعالى : مما تحبون  أي من رغائب الأموال التي يضن بها، ويتفسر بقول النبي صلى الله عليه وسلم :( خير الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى )[(٥)](#foonote-٥) - الحديث - وذهب قوم من العلماء إلى أن ما يحب من المطعومات على جهة الاشتهاء يدخل في الآية، فكان عبد الله بن عمر، يشتهي أكل السكر باللوز فكان يشتري ذلك ويتصدق به ويتلو الآية. 
قال الفقيه الإمام أبو محمد : وإذا تأملت جميع الطاعات، وجدتها إنفاقاً مما يحب الإنسان، إما من ماله، وإما من صحته، وإما من دعته وترفهه، وهذه كلها محبوبات، وسأل رجل أبا ذر الغفاري رضي الله عنه، أي الأعمال أفضل ؟ فقال : الصلاة عماد الإسلام، والجهاد سنام العمل، والصدقة شيء عجيب، فقال له الرجل : أراك تركت شيئاً وهو أوثقها في نفسي الصيام، فقال أبو ذر : قربة وليس هناك، ثم تلا  لن تنالوا البر  الآية، وقوله تعالى  وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم  شرط وجواب فيه وعد، أي عليم مجاز به وإن قل. 
١ - هو عمرو بن ميمون الأزدي، أبو عبد الله أو أبو يحيى الكوفي، أدرك الجاهلية، وأسلم في حياته صلى الله عليه وسلم ولم يلقه، روى عن عمر، وابن مسعود، ومعاذ بم جبل، وعائشة، وغيرهم، وروى عنه سعيد بن جبير، والربيع بن خيثم، وأبو إسحاق السبيعي، وغيرهم، كان عمرو بن ميمون إذا دخل المسجد فرؤى ذكر الله، توفي سنة ٨٤ وقيل: ٧٥هـ. "الإصابة ٣/١١٨" و"تهذيب التهذيب"..
٢ - هو أبو طلحة زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري الخزرجي، مشهور بكنيته، وهو القائل:
 أنا أبو طلحة واسمي زيد وكل يوم في سلاحي صيد
 كان من فضلاء الصحابة، وهو زوج أم سليم، شهد بدرا، وروى عنه من الصحابة ابن عباس، وأنس، وزيد بن خالد، حكي أنه كان يبغي الصوم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمنعه الغزو، فلما توفي صلى الله عليه وسلم أصبح يسرد الصوم لا يفطر إلا يوم عيد الفطر أو الأضحى. اختلف في وفاته. "الإصابة. ١: ٥٦٦"..
٣ - أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي الحب بن الحب، يكنى أبا محمد، ويقال: أبو زيد، أمه أم أيمن حاضنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولد أسامة في الإسلام، ومات صلى الله عليه وسلم وله عشرون سنة، وقيل: ثماني عشرة، وكان أمره على جيش عظيم فمات صلى الله عليه وسلم قبل أن يتوجه فأنفذه أبو بكر، وكان عمر يجله ويُكرمه، اعتزل الفتن بعد مقتل عثمان إلى أن مات في أواخر خلافة معاوية بالمدينة، روى عنه من الصحابة أبو هريرة، وابن عباس، ومن كبار التابعين أبو عثمان النهدي، وأبو وائل، وآخرون (الإصابة).
٤ - أخرجه سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن جرير. (فتح القدير: ١/٣٢٩-..
٥ - أخرجه البخاري في كتاب "الزكاة" باب "أي الصدقة أفضل" وفي "الوصايا"، وأخرجه مسلم، والنسائي كذلك في "الزكاة".

### الآية 3:93

> ﻿۞ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [3:93]

قوله تعالى : كل الطعام  الآية، إخبار بمغيب عن محمد صلى الله عليه وسلم وجميع الأميين لا يعلمه إلا الله وعلماء أهل الكتاب، وذهب كثير من المفسرين إلى أن معنى الآية : الرد على اليهود في قولهم في كل ما حرموه على أنفسهم من الأشياء : إنها محرمة عليهم بأمر الله في التوراة، فأكذبهم الله بهذه الآية، وأخبر أن جميع الطعام كان حلاً لهم، إلا ما حرم إسرائيل على نفسه خاصة، ولم يرد به ولده، فلما استنوا هم به جاءت التوراة بتحريم ذلك عليهم، وليس من التوراة شيء من الزوائد التي يدعون أن الله حرمها، وإلى هذا تنحو ألفاظ السدي، وقال : إن الله تعالى حرم ذلك عليهم في التوراة عقوبة لاستنانهم في تحريم شيء إنما فعله يعقوب خاصة لنفسه، قال : فذلك قوله تعالى : فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم [(١)](#foonote-١). 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : والظاهر في لفظة ظلم أنها مختصة بتحريم ونحوه، يدل على ذلك أن العقوبة وقعت بذلك النوع، وذهب قوم من العلماء إلى أن معنى الآية : الرد على قوم من اليهود قالوا : إن ما نحرمه الآن على أنفسنا من الأشياء التي لم تذكر في التوراة كان علينا حراماً في ملة أبينا إبراهيم، فأكذبهم الله وأخبر أن الطعام كله كان حلالاً لهم قبل التوراة  إلا ما حرم إسرائيل  في خاصته، ثم جاءت التوراة بتحريم ما نصت عليه، وبقيت هذه الزوائد في حيز افترائهم وكذبهم، وإلى هذا تنحو ألفاظ بن عباس رضي الله عنهما وترجم الطبري في تفسير هذه الآية بتراجم، وأدخل تحتها أقوالاً توافق تراجمه، وحمل ألفاظ الضحاك أن الاستثناء منقطع وكأن المعنى : كل الطعام كان حلاً لهم قبل نزول التوراة وبعد نزولها. 
قال الفقيه الإمام أبو محمد : فيرجع المعنى إلى القول الأول الذي حكيناه، وحمل الطبري قول الضحاك إن معناه : لكن إسرائيل حرم على نفسه خاصة ولم يحرم الله على بني إسرائيل في توراة ولا غيرها. 
قال الفقيه الإمام : وهذا تحميل يرد عليه قوله تعالى : حرمنا عليهم [(٢)](#foonote-٢) وقوله صلى الله عليه وسلم :( حرمت عليهم الشحوم ) [(٣)](#foonote-٣) إلى غير ذلك من الشواهد، وقوله تعالى : حِلاًّ  معناه : حلالاً، و  إسرائيل  هو يعقوب، وانتزع من هذه الآية أن للأنبياء أن يحرموا باجتهادهم على أنفسهم ما اقتضاه النظر لمصلحة أو قربة أو زهد، ومن هذا على جهة المصلحة تحريم النبي صلى الله عليه وسلم جاريته على نفسه[(٤)](#foonote-٤)، فعاتبه الله تعالى في ذلك ولم يعاتب يعقوب، فقيل : إن ذلك لحق آدمي ترتب في نازلة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وقيل : إن هذه تحريم تقرب وزهد، وتحريم الجارية تحريم غضب ومصلحة نفوس، واخلتف الناس في الشيء الذي حرمه يعقوب على نفسه فقال يوسف بن ماهك[(٥)](#foonote-٥) : جاء أعرابي إلى ابن عباس فقال له : إنه جعل امرأته عليه حراماً، فقاله ابن عباس : إنها ليست عليك بحرام، فقال الأعرابي : ولم ؟ والله تعالى يقول في كتابه  إلا ما حرم إسرائيل على نفسه  فضحك ابن عباس وقال : وما يدريك ما حرم إسرائيل ؟ ثم أقبل على القوم يحدثهم، فقال : إن إسرائيل عرضت له الأنساء[(٦)](#foonote-٦) فأضنته فجعل لله إن شفاه من ذلك أن لا يطعم عرقاً، قال : فلذلك اليهود تنزع العروق من اللحم، وقال بمثل هذا القول قتادة وأبو مجلز وغيرهم، وقال ابن عباس والحسن بن أبي الحسن وعبد الله بن كثير ومجاهد أيضاً : إن الذي حرم إسرائيل هو لحوم الإبل وألبانها، ولم يختلف فيما علمت أن سبب التحريم هو بمرض أصابه، فجعل تحريم ذلك شكراً لله تعالى إن شفي، وقيل : هو وجع عرق النسا، وفي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن عصابة من بني إسرائيل قالوا له : يا محمد ما الذي حرم إسرائيل على نفسه ؟ فقال لهم : أنشدكم بالله هل تعلمون أن يعقوب مرض مرضاً شديداً فطال سقمه منه فنذر لله نذراً إن عافاه الله من سقمه ليحرمنَّ أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لحوم الإبل وألبانها ؟ قالوا : اللهم نعم[(٧)](#foonote-٧)، وظاهر الأحاديث والتفاسير في هذا الأمر أن يعقوب عليه السلام حرم الإبل وألبانها، وهو يحبها، تقرباً إلى الله بذلك، إذ ترك الترفه والتنعم من القرب، وهذا هو الزهد في الدنيا، وإليه نحا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوله : إياكم وهذه المجازر فإن لها ضراوة كضراوة الخمر[(٨)](#foonote-٨) ومن ذلك قول أبي حازم الزاهد[(٩)](#foonote-٩)، وقد مر بسوق الفاكهة فرأى محاسنها فقال : موعدك الجنة إن شاء الله، وحرم يعقوب عليه السلام أيضاً العروق، لكن بغضه لها لما كان امتحن بها، وهذا شيء يعتري نفوس البشر في غير ما شيء وليس في تحريم العروق قربة فيما يظهر، والله أعلم، وقد روي عن ابن عباس : أن يعقوب حرم العروق ولحوم الإبل، وأمر الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يأمرهم بالإتيان بالتوراة، حتى يبين منها كيف الأمر، المعنى : فإنه أيها اليهود، كما أنزل الله عليَّ لا كما تدعون أنتم، قال الزجّاج : وفي هذا تعجيز لهم وإقامة الحجة عليهم، وهي كقصة المباهلة مع نصارى نجران.

١ - من الآية (١٦٠) من سورة النساء.
٢ - من الآية (١٤٦) من سورة الأنعام \[حرمنا عليهم شحومها إلا ما حملت ظهورهما\]..
٣ - أخرجه الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، عن جابر بن عبد الله، وأخرجه البخاري، ومسلم- عن أبي هريرة، كما أخرجه الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي وابن ماجة، عن عمر. "الجامع الصغير ٢/١٩٢".
٤ - جاريته صلى الله عليه وسلم هي مارية القبطية أم سيدنا إبراهيم. سورة التحريم عند قوله تعالى: {يا أيها النبي لم تحرم..\] الآية..
٥ - هو يوسف بن ماهك- بفتح الهاء- بن مهران الفارسي المكي، مولى قريش، روى عن أبيه، وأبي هريرة، وعائشة، وعبد بن صفوان، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وغيرهم، وروى عنه عطاء بن أبي رباح، وأيوب، وأبو بسر، وحميد، وابن جريج، وأبو خيثم، وغيرهم، ثقة عدل، توفي سنة ١٠٣ وقيل ١١٠ (تهذيب التهذيب. ١١/٤٢١)..
٦ - الأنساء: جمع نسا وهو عرق من الورك إلى الكعب..
٧ - أخرجه الترمذي وحسنه، وابن جرير الطبري عن ابن عباس، وأخرجه أيضا الإمام أحمد والنسائي. "تفسير الشوكاني" و "ابن كثير" و"ابن جرير"..
٨ - هذا الحديث ذكره ابن الأثير في الغريب. "ابن الأثير ٣/٢٠|.
٩ - هو سلمة بن دينار المخزومي المدني مولاهم، التمار، الواعظ، الزاهد، أبو حازم عالم المدينة وقاضيها أو شيخها، سمع سهل بن سعد الساعدي، وسعيد بن المسيب، وأبا صالح السمان، وعدة، وروى عنه مالك، والسفيانان، والحمادان، وخلق، قال ابن خزيمة: لم يكن في زمانه أحد مثله.
 وقوله في الفاكهة لما مر بها في السوق ذكره أبو نعيم في الحلية. توفي سنة ١٤٠ "تذكرة الحفاظ: ١/١٣٣" وكذا "حلية الأولياء ٣/٢٢٩..

### الآية 3:94

> ﻿فَمَنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [3:94]

قوله : فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك  تحتمل الإشارة -بذلك- أن تكون إلى ثلاثة أشياء : أحدها : أن تكون إلى التلاوة إذ مضمنها بيان المذهب وقيام الحجة، أي فمن كذب منا على الله تعالى أو نسب إلى كتب الله ما ليس فيها فهو ظالم واضع الشيء غير موضعه، والآخر : أن تكون الإشارة إلى استقرار التحريم في التوراة، لأن معنى الآية : كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه  \[ آل عمران : ٩٣ \]، ثم حرمته التوراة عليهم عقوبة لهم،  فمن افترى على الله الكذب ، وزاد في المحرمات فهو الظالم، والثالث : أن تكون الإشارة إلى الحال بعد تحريم إسرائيل على نفسه، وقبل نزول التوراة، أي من تسنن بيعقوب وشرع ذلك دون إذن من الله، ومن حرم شيئاً ونسبه إلى ملة إبراهيم فهو الظالم، ويؤيد هذا الاحتمال الأخير، قوله تعالى  فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم [(١)](#foonote-١) فنص على أنه كان لهم ظلم في معنى التحليل والتحريم، وكانوا يشددون فشدد الله عليهم، كما فعلوا في أمر البقرة، وبخلاف هذه السيرة جاء الإسلام في قوله صلى الله عليه وسلم :( يسروا ولا تعسروا ) [(٢)](#foonote-٢)، وقوله :( دين الله يسر ) [(٣)](#foonote-٣) وقوله :( بعثت بالحنيفية السمحة )[(٤)](#foonote-٤).

١ - من الآية (١٦) من سورة النساء..
٢ - أخرجه البخاري، ومسلم، والنسائي، والإمام أحمد- عن أنس (الجامع الصغير: ٢/٦٥٦)..
٣ - أخرجه البخاري وهو من أفراده، والنسائي عن أبي هريرة (القسطلاني: ١/١٢٣)..
٤ - أخرجه الخطيب في التاريخ عن جابر. (الجامع الصغير: ١/٤٢٧)..

### الآية 3:95

> ﻿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ ۗ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [3:95]

ثم أمر الله تعالى نبيه أن يصدع بالخلاف والجدال مع الأحبار بقوله  قل صدق الله  أي الأمر كما وصف لا كما تكذبون أنتم، فإن كنتم تعتزون بإبراهيم فاتبعوا ملته على ما ذكر الله، وقرأ أبان بن تغلب :**«قل صدق »**، بإدغام اللام في الصاد، وكذلك : قل سيروا ، قرأها بإدغام اللام في السين، قال أبو الفتح : علة جواز ذلك فشو هذين الحرفين في الفم وانتشار الصدى المنبث عنهما فقاربا بذلك مخرج اللام، فجاز إدغامهما فيهما.

### الآية 3:96

> ﻿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ [3:96]

وقرأ جمهور الناس :**«وُضع »** على بناء الفعل للمفعول على معنى وضعه الله، فالآية على هذا ابتداء معنى منقطع من الكلام الأول، وقرأ عكرمة، **«وَضع »** بفتح الواو والضاد، فيحتمل أن يريد : وضع الله، فيكون المعنى منقطعاً كما هو في قراءة الجمهور، ويحتمل أن يريد وضع إبراهيم عليه السلام، فيكون المعنى متصلاً بالذي قبله، وتكون هذه الآية استدعاء لهم إلى ملته، في الحج وغيره على ما روى عكرمة : أنه لما نزلت  ومن يبتغ غير الإسلام ديناً  الآية : قال اليهود : نحن على الإسلام فقرئت،  ولله على الناس حج البيت  \[ آل عمران : ٩٧ \] قيل له : أحجهم يا محمد، إن كانوا على ملة إبراهيم التي هي الإسلام. 
قال القاضي أبو محمد : ويؤيد هذا التأويل ما قال أبو ذر رضي الله عنه قال : قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أول ؟ قال : المسجد الحرام، قلت ثم أي ؟ قال : المسجد الأقصى، قلت : كم بينهما ؟ قال ( أربعون سنة ) [(١)](#foonote-١)، فيظهر من هذا أنهما من وضع إبراهيم جميعاً، ويضعف ما قال الزجّاج : من أن بيت المقدس من بناء سليمان بن داود، اللهم إلا أن يكون جدده، وأين مدة سليمان، من مدة إبراهيم ؟ ولا مرية في أن إبراهيم وضع بيت مكة، وإنما الخلاف هل وضع بدأة أو وضع تجديد ؟ واختلف المفسرون في معنى هذه الأولية التي في قوله : إن أول  فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : معنى الآية أن أول بيت وضع مباركاً وهدى هذا البيت الذي ببكة وقد كانت قبله بيوت لم توضع وضعه من البركة والهدى، وقال قوم : بل هو أول بيت خلق الله تعالى ومن تحته دحيت الأرض[(٢)](#foonote-٢). 
قال الفقيه القاضي أبو محمد : ورويت في هذا أقاصيص من نزول آدم به من الجنة ومن تحديد ما بين خلقه ودحو الأرض، ونحو ما قال الزجّاج : من أنه البيت المعمور أسانيدها ضعاف فلذلك تركتها، وعلى هذا القول يجيء رفع إبراهيم القواعد تجديداً، قال قتادة : ذكر لنا أن البيت أهبط مع آدم ورفع وقت الطوفان[(٣)](#foonote-٣)، واختلف الناس في  بكة ، فقال الضحاك وجماعة من العلماء :********«بكة »******** هي مكة، فكأن هذا من إبدال الباء بالميم، على لغة مازن وغيرهم، وقال ابن جبير وابن شهاب وجماعة كثيرة من العلماء مكة الحرم كله، و ********«بكة »******** مزدحم الناس حيث يتباكون، وهو المسجد وما حول البيت، وقال مالك في سماع ابن القاسم من العتبية :********«بكة »******** موضع البيت، ومكة غيره من المواضع، قال ابن القاسم : يريد القرية، قال الطبري : ما خرج عن موضع الطواف فهو مكة لا بكة، وقال قوم :********«بكة »********، ما بين الجبلين ومكة، الحرم كله، و  مباركاً  نصب على الحال، والعامل فيه على قول علي بن أبي طالب إنه أول بيت وضع بهذه الحال، قوله : وضع  والعامل فيه على القول الآخر الفعل الذي تتعلق به باء الجر في قوله  ببكة  تقديره : استقر ببكة مباركاً، وفي وصف البيت ب  هدى  مجازية بليغة، لأنه مقوم مصلح، فهو مرشد، وفيه إرشاد، فجاء قوله،  وهدى  بمعنى وذا هدى، ويحتمل أن يكون  هدى  في هذه الآية، بمعنى الدعاء، أي من حيث دعي العالمون إليه.

١ - أخرجه البخاري، ومسلم، وغيرهما- عن أبي ذر (فتح القدير: ١/٣٣٢).
٢ - أخرجه ابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي، في الشعب عن ابن عمر، وأخرج نحوه ابن المنذر عن أبي هريرة. (فتح القدير. ١: ٣٣٢).
٣ - انظر تفسير الطبري ٤/٨.

### الآية 3:97

> ﻿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [3:97]

الضمير في قوله : فيه  عائد على البيت، وساغ ذلك مع كون **«الآيات »** خارجة عنه لأن البيت إنما وضع بحرمه وجميع فضائله، فهي فيه وإن لم تكن داخل جدرانه، وقرأ جمهور الناس :**«آيات بينات »** بالجمع، وقرأ أبي بن كعب وعمر وابن عباس :**«آية بينة »** على الإفراد، قال الطبري : يريد علامة -واحدة المقام وحده، وحكي ذلك عن مجاهد. 
قال القاضي أبو محمد : ويحتمل أن يراد بالآية اسم الجنس فيقرب من معنى القراءة الأولى، واختلفت عبارة المفسرين عن ****«الآيات البينات »**** فقال ابن عباس : من الآيات المقام، يريد الحجر المعروف والمشعر وغير ذلك. 
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه : وهذا يدل على أن قراءته **«آية »** بالإفراد إنما يراد بها اسم الجنس، وقال الحسن بن أبي الحسن :****«الآيات البينات »**** مقام إبراهيم، وإن من دخله كان آمناً، وقال مجاهد : المقام الآية، وقوله : ومن دخله كان آمناً  كلام آخر. 
قال القاضي أبو محمد : فرفع  مقام  على قول الحسن ومجاهد على البدل من  آيات ، أو على خبر ابتداء تقديره هن مقام إبراهيم، وعلى قول ابن عباس ومن نحا نحوه : هو مرتفع بالابتداء وخبره محذوف مقدم تقديره : منهن  مقام إبراهيم . 
قال القاضي : والمترجح عندي أن المقام وأمن الداخل جعلا مثالاً مما في حرم الله من الآيات، وخصا بالذكر لعظمهما، وأنهما تقوم بهما الحجة على الكفار، إذ هم مدركون لهاتين الآيتين بحواسهم، ومن آيات الحرم والبيت التي تقوم بها الحجة على الكفار أمر الفيل، ورمي طير الله عنه بحجارة السجيل، وذلك أمر لم تختلف كافة العرب في نقله وصحته إلى أن أنزله الله في كتابه، ومن آياته كف الجبابرة عنه على وجه الدهر، ومن آياته الحجر الأسود، وما روي فيه أنه من الجنة وما أشربت قلوب العالم من تعظيمه قبل الإسلام، ومن آياته حجر المقام، وذلك أنه قام عليه إبراهيم عليه السلام، وقت رفعه القواعد من البيت، لما طال له البناء فكلما علا الجدار، ارتفع الحجر به في الهواء، فما زال يبني وهو قائم عليه وإسماعيل يناوله الحجارة والطين حتى أكمل الجدار، ثم إن الله تعالى، لما أراد إبقاء ذلك آية للعالمين لين الحجر، فغرقت فيه قدما إبراهيم عليه السلام كأنها في طين، فذلك الأثر العظيم باق في الحجر إلى اليوم، وقد نقلت كافة العرب ذلك في الجاهلية على مرور الأعصار، وقال أبو طالب[(١)](#foonote-١) :\[ الطويل \]
ومَوْطِىءُ إبراهيمَ في الصَّخرِ رطْبَةٌ. . . على قَدَمِيهِ حافياً غيرَ ناعِلِ
فما حفظ أن أحداً من الناس نازع في هذا القول، ومن آياته البينات زمزم في نبعها لهاجر بهمز جبريل عليه السلام الأرض بعقبه، وفي حفر عبد المطلب لها آخراً بعد دثورها بتلك الرؤيا المشهورة، وبما نبع من الماء تحت خف ناقته في سفره، إلى منافرة قريش ومخاصمتها في أمر زمزم، ذكر ذلك ابن إسحاق مستوعباً، ومن آيات البيت نفع ماء زمزم لما شرب له، وأنه يعظم ماؤها في الموسم، ويكثر كثرة خارقة للعادة في الآبار، ومن آياته، الأمنة الثابتة فيه على قديم الدهر، وأن العرب كانت تغير بعضها على بعض ويتخطف الناس بالقتل، وأخذ الأموال وأنواع الظلم إلا في الحرم، وتركب على هذا أمن الحيوان فيه، وسلامة الشجر، وذلك كله للبركة التي خصه الله بها، والدعوة من الخليل عليه السلام في قوله،  اجعل هذا بلداً آمناً [(٢)](#foonote-٢)، وإذعان نفوس العرب وغيرهم قاطبة لتوقير هذه البقعة دون ناه، ولا زاجر، آية عظمى تقوم بها الحجة، وهي التي فسرت بقوله تعالى : ومن دخله كان آمناً  ومن آياته كونه بواد غير ذي زرع، والأرزاق من كل قطر تجيء إليه عن قرب وعن بعد، ومن آياته، ما ذكر ابن القاسم العتقي رحمه الله، قال في النوادر، وغيرها : سمعت أن الحرم يعرف بأن لا يجيء سيل من الحل فيدخل الحرم. 
قال القاضي أبو محمد : هذا والله أعلم، لأن الله تعالى جعله ربوة أو في حكمها ليكون أصون له، والحرم فيما حكى ابن أبي زيد في الحج الثاني من النوادر. مما يلي المدينة نحو من أربعة أميال إلى منتهى التنعيم، ومما يلي العراق نحو من ثمانية أميال إلى مكان يقال له المقطع، ومما يلي عرفة تسعة أميال، ومما يلي طريق اليمن سبعة أميال، إلى موضع يقال له أضاة، ومما يلي جدة عشرة أميال إلى منتهى الحديبية، قال مالك في العتبية : والحديبية في الحرم، ومن آياته فيما ذكر مكي وغيره، أن الطير لا تعلوه، وإن علاه طائر فإنما ذلك لمرض به، فهو يستشفي بالبيت، وهذا كله عندي ضعيف، والطير تعاين تعلوه، وقد علته العقاب التي أخذت الحية المشرفة على جداره، وتلك كانت من آياته ومن آياته فيما ذكر الناس قديماً وحديثاً، أنه إذا عمه المطر من جوانبه الأربعة في العام الواحد، أخصبت آفاق الأرض، وإن لم يصب جانباً منه لم يخصب ذلك الأفق الذي يليه ذلك العام، واختلف الناس في  مقام إبراهيم ، فقال الجمهور : هو الحجر المعروف، وقال قوم : البيت كله مقام إبراهيم لأنه بناه وقام في جميع أقطاره، وقال قوم من العلماء مكة كلها مقام إبراهيم، وقال قوم : الحرم كله مقام إبراهيم، والضمير في قوله : ومن دخله  عائد على الحرم في قول من قال : مقام إبراهيم هو الحرم، وعائد على البيت في قول الجمهور، إذ لم يتقدم ذكر لغيره، إلا أن المعنى يفهم منه أن من دخل الحرم فهو في الأمن، إذا الحرم جزء من البيت، إذ هو بسببه ولحرمته. 
واختلف الناس في معنى قوله  كان آمناً  فقال الحسن وقتادة وعطاء ومجاهد وغيرهم : هذه وصف حال كانت في الجاهلية أن الذي يجر جريرة ثم يدخل الحرم، فإنه كان لا يتناول ولا يطلب فأما في الإسلام وأمن جميع الأقطار، فإن الحرم لا يمنع من حد من حدود الله، من سرق فيه قطع، ومن زنى رجم، ومن قتل قتل، واستحسن كثير ممن قال هذا القول أن يخرج من وجب عليه القتل إلى الحل فيقتل هنالك، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : من أحدث حدثاً ثم استجار بالبيت فهو آمن، وإن الأمن في الإسلام كما كان في الجاهلية، والإسلام زاد البيت شرفاً وتوقيراً، فلا يعرض أحد بمكة لقاتل وليه، إلا أنه يجب على المسلمين ألا يبايعوا ذلك الجاني ولا يكلموه ولا يؤوه حتى يتبرم فيخرج من الحرم فيقام عليه الحد، وقال بمثل هذا عبيد بن عمير والشعبي وعطاء بن أبي رباح والسدي وغيرهم، إلا أن أكثرهم قالوا هذا فيمن يقتل خارج الحرم ثم يعوذ بالحرم، فأما من يقتل في الحرم، فإنه يقام عليه الحد في الحرم. 
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وإذا تؤمل أمر هذا الذي لا يكلم ولا يبايع، فليس بآمن، وقال يحيى بن جعدة[(٣)](#foonote-٣) : معنى الآية ومن دخل البيت كان آمناً من النار، وحكى النقاش عن بعض العباد قال : كنت أطوف حول الكعبة ليلاً فقلت : يا رب إنك قلت : ومن دخله كان آمناً ، فمن ماذا هو آمن يا رب ؟ فسمعت مكلماً يكلمني وهو يقول : من النار، فنظرت وتأملت فما كان في المكان أحد. 
وقوله تعالى : ولله على الناس حج البيت  الآية، هو فرض الحج في كتاب الله بإجماع، وقال مالك رحمه الله : الحج كله في كتاب الله، فأما الصلاة والزكاة فهي من جملة الذي فسره النبي عليه السلام، والحج من دعائم الإسلام التي بني عليها حسب الحديث[(٤)](#foonote-٤)، وشروط وجوبه خمسة، البلوغ، والعقل، والحرية، والإسلام، واستطاعة السبيل، والحج في اللغة، القصد لكنه في بيت الله مخصص بأعمال وأقوال، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عصام :**«حِج البيت »** بكسر الحاء، وقرأ الباقون :**«حَج البيت »** قالوا غزاة فأرادوا عمل وجه واحد، كما قيل حجة. 
قال القاضي : بكسر الحاء يريدون عمل سنة واحدة، ولم يجيئوا به على الأصل لكنه اسم له[(٥)](#foonote-٥)، قال أبو علي : قوله لم يجيئوا به على الأصل يريد على الفتح الذي هو الدفعة من الفعل، ولكن كسروه فجعلوه اسماً لهذا المعنى، كما أن غزاة كذلك، ولم تجىء فيه الغزوة وكان القياس. 
قال القاضي : وأكثر ما التزم كسر الحاء في قولهم ذو الحِجة، وأما قولهم حجة الوداع ونحوه فإنها على الأصل، وقال الزجّاج وغيره، **«الحَج »** : بفتح الحاء المصدر، وبكسرها اسم العمل، وقال الطبري : هما لغتان الكسر لغة نجد، والفتح لغة أهل العالية. 
وقوله تعالى : من استطاع إليه سبيلاً ،  من  في موضع خفض بدل من  الناس ، وهو بدل البعض من الكل وقال الكسائي وغيره : هي شرط في موضع رفع بالابتداء، والجواب محذوف تقديره : من استطاع فعليه الحج، ويدل عليه عطف الشرط الآخر بعده في قوله : ومن كفر ، وقال بعض البصريين : من  رفع على أنه فاعل بالمصدر الذي هو  حج البيت  ويكون المصدر مضافاً إلى المفعول، واختلف الناس في حال مستطيع السبيل كيف هي ؟ فقال عمر بن الخطاب وابن عباس وعطاء وسعيد بن جبير : هي حال الذي يجد زاداً وراحلة، وروى الطبري عن الحسن من طريق إبراهيم بن يزيد الخوزي[(٦)](#foonote-٦) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فقال له رجل : يا رسول الله ما السبيل ؟ قال :( الزاد والراحلة ) [(٧)](#foonote-٧)، وأسند الطبري إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«من ملك زاداً وراحلة فلم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً »**[(٨)](#foonote-٨)، وروى عبد الرزاق وسفيان عن إبراهيم بن يزيد الخوزي عن محمد بن عباد بن جعفر[(٩)](#foonote-٩) عن ابن عمر قال : قام رجل إلى النبي عليه السلام، فقال : ما السبيل ؟ قال : الزاد والراحلة. 
قال القاضي : وضعّف قوم هذا الحديث، لأن إبراهيم بن يزيد الخوزي تكلم فيه ابن معين[(١٠)](#foonote-١٠) وغيره، والحديث مستغن عن طريق إبراهيم، وقال بعض البغداديين، هذا الحديث مشير إلى أن الحج لا يجب مشياً. 
قال القاضي : والذي أقول : إن هذا الحديث إنما خرج على الغالب من أحوال الناس وهو البعد عن مكة واستصعاب المشي على القدم كثيراً، فأما القريب الدار فلا يدخل في الحديث، لأن القرب أغناه عن زاد وراحلة، وأما الذي يستطيع المشي من الأقطار البعيدة، فالراحلة عنده بالمعنى والقوة التي وهب، وقد ذكره الله تعالى في قوله : يأتوك رجالاً  \[ الحج : ٢٧ \] وكذلك أيضاً معنى الحديث : الزاد والراحلة لمن لم يكن له عذر في بدنه، من مرض أو خوف على أقسامه أو استحقاق بأجرة أو دين وهو يحاول الأداء ويطمع فيه بتصرفه في مال بين يديه، وأما العديم فله أن يحج إذا تكلف واستطاع، فمقصد الحديث : أن يتحدد موضع الوجوب على البعيد الدار، وأما المشاة وأصحاب الأعذار فكثير منهم من يتكلف السفر، وإن كان الحج غير واجب عليه، ثم يؤديه ذلك التكلف إلى موضع يجب فيه الحج عليه، وهذه مبالغة في طلب الأجر ونيله إن شاء الله تعالى، وذهبت فرقة من العلماء إلى قوله تعالى : من استطاع إليه سبيلاً  كلام عام لا يتفسر بزاد وراحلة ولا غير ذلك، بل إذا كان مستطعياً غير شاق على نفسه فقد وجب عليه الحج، قال ذلك ابن الزبير والضحاك، وقال الحسن : من وجد شيئاً يبلغه فقد استطاع إليه سبيلاً، وقال عكرمة : استطاعة السبيل الصحة، وقال ابن عباس : من ملك ثلاثمائة درهم فهو السبيل إليه، وقال مالك بن أنس رضي الله عنه، في سماع أشهب من العتبية، وفي كتاب محمد، وقد ق

١ - أبو طالب هو عم النبي وناصره، ولد قبل النبي صلى الله عليه وسلم بخمس وثلاثين سنة، ولما حضرت الوفاة عبد المطلب وصّى بالنبي صلى الله عليه وسلم إليه فكفله، وأحسن تربيته، وسافر به إلى الشام وهو شاب، ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم قام بنصره، وذبّ عنه من عاداه، ومدحه عدة مدائح، توفي في السنة العاشرة من النبوة. "خزانة الأدب: ١/ ٢٦١".
 وموطئ إبراهيم عليه السلام هو موضع قدمه في الصخرة التي اعتمد عليها حين أمال رأسه ليغسل فأبقى الله فيها أثر قدمه آية، قال تعالى: \[فيه آيات بينات مقام إبراهيم\] وقيل: بل هو أثر قدمه حين رفع القواعد من البيت وهو قائم عليه..
٢ - من الآية (٣٥) من سورة إبراهيم..
٣ - يحيى بن جعدة بن هبيرة القرشي المخزومي، روى عن جدته أم هانئ بنت أبي طالب، وعن أبي الدرداء، وزيد بن أرقم، وابن مسعود، وغيرهم، وروى عنه عمرو بن دينار، ومجاهد، وحبيب بن ثابت، وغيرهم، ثقة، ذكره ابن حبان في الثقات (تهذيب التهذيب. ١١/١٩٢)..
٤ - يشير إلى حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (بني الإسلام على خمس) والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، والإمام أحمد، (الجامع الصغير: ١/٤٢٨)..
٥ - قوله: (ولم يجيئوا... اسم له): هذا تتمة كلام سيبويه..
٦ - إبراهيم بن يزيد الخوزي الأموي أبو إسماعيل المكي، مولى عمر بن عبد العزيز روى عن طاوس وأبي الزبير ومحمد بن عباد وغيرهم.. وروى عنه عبد الرزاق، ووكيع، ومعتمر بن سلمان، وغيرهم، قال البخاري: سكتوا عنه. قال ابن سعد: مات سنة ١٥١. "تهذيب التهذيب" ١/١٧٩..
٧ - أخرجه الشافعي، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن ماجة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عدي، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن ابن عمر مرفوعا، كما أخرجه الدارقطني بعدة روايات مختلفة. "تفسير الشوكاني ١/٣٣٢"..
٨ - أخرجه الترمذي والبيهقي من رواية الحارث عن علي. "الترغيب والترهيب: ٢/٢١١"..
٩ - محمد بن عباد بن جعفر المخزومي المكي، روى عن أبي هريرة، وعائشة، وابن عمر، وغيرهم، وروى عنه ابنه جعفر، والزهدي، والأوزاعي وغيرهم، ثقة، قليل الحديث. "تهذيب التهذيب ٩/٢٤٣"..
١٠ - هو يحيى بن معين الإمام الفرد، سيد الحفاظ أبو زكرياء مولاهم البغدادي، سمع هشيما، وابن المبارك وغيرهما، وروى عنه أحمد، والبخاري، وغيرهما، توفي سنة ٢٣٣هـ "تذكرة الحفاظ: ٢/٢٢٩".

### الآية 3:98

> ﻿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ [3:98]

هذه الآيات توبيخ لليهود المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم و  الكتاب  التوراة، وجعلهم أهله بحسب زعمهم ونسبهم، وإلا فأهله على الحقيقة هم المؤمنون، و **«آيات الله »** يحتمل أن يريد بها القرآن، ويحتمل أن يراد بالآيات العلامات الظاهرة على يدي محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى : الله شهيد على ما تعملون  وعيد محض : أي يجازيكم به ويعاقبكم، قال الطبري : هاتان الآيتان قوله،  قل يا أهل الكتاب لم تكفرون  وما بعدهما، إلى قوله  أولئك لهم عذاب عظيم  \[ آل عمران : ١٠٥ \]، نزلت بسبب رجل من يهود، حاول الإغواء بين الأوس والخزرج، قال ابن إسحاق[(١)](#foonote-١) : حدثني الثقة عن زيد بن أسلم، مر شاس ابن قيس اليهودي، وكان شيخاً قد عسا[(٢)](#foonote-٢) في الجاهلية، عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين، والحسد لهم، على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج، وهم في مجلس يتحدثون، فغاظه ما رأى من جماعتهم، وصلاح ذات بينهم، بعد ما كان بينهم من العداوة فقال : قد اجتمع ملأ بني قيلة[(٣)](#foonote-٣) بهذه البلاد، والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار، فأمر فتى شاباً من يهود، فقال أمد إليهم، واجلس معهم، وذكرهم يوم بعاث[(٤)](#foonote-٤)، وما كان قبله من أيام حربهم، وأنشدهم ما قالوه من الشعر في ذلك، ففعل الفتى، فتكلم القوم عند ذلك فتفاخروا وتنازعوا، حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب، أوس بن قيظي[(٥)](#foonote-٥)، أحد بني حارثة بن الحارث من الأوس، وجبار بن صخر[(٦)](#foonote-٦) من الخزرج، فتقاولا، ثم قال أحدهما : لصاحبه : إن شئتم والله رددناها الآن جذعة[(٧)](#foonote-٧)، فغضب الفريقان : وقالوا : قد فعلنا السلاح السلاح، موعدكم الظاهرة، يريدون الحرة، فخرجوا إليها، وتحاور الناس على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية، وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين، فقال : يا معشر المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم، ووعظهم فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، فألقوا السلاح وبكوا وعانق الناس بعضهم بعضاً من الأوس والخزرج، وانصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، سامعين مطيعين فأنزل الله في شاس بن قيس وما صنع هذه الآيات[(٨)](#foonote-٨)، وقال الحسن وقتادة والسدي : إن هذه الآيات نزلت في أحبار اليهود الذين كانوا يصدون المسلمين عن الإسلام، بأن يقولوا لهم، إن محمداً ليس بالموصوف في كتابنا[(٩)](#foonote-٩). 
قال الفقيه الإمام : ولا شك في وقوع هذين السببين وما شاكلهما من أفعال اليهود وأقوالهم، فنزلت الآيات في جميع ذلك.

١ - انظر السيرة: ١/٥٥٥-٥٥٧..
٢ - بمعنى: كبر وأسن..
٣ - بنو قيلة: هم الأوس والخزرج وهي أمهم، قضاعية أو غسانية (اللسان: قيل)..
٤ هو يوم اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس..
٥ - أوس بن قيظي بن عمرو بن زيد الأنصاري الأوسي: شهد أحدا هو وابناه: كنانة، وعبد الله. قيل إنه كان منافقا وهو الذي قال: إن بيوتنا عورة، وقيل: لم يحضر عرابة أحدا مع أبيه ولا مع أخويه لأن الرسول صلى الله عليه وسلم استصغره. "الإصابة ١/٨٧". و"الاستيعاب"..
٦ - جبار بن صخر بن أمية الأنصاري السلمي شهد بدرا وهو ابن اثنين وثلاثين سنة، ثم شهد أحدا وما بعدها من المشاهد، وكان أحد السبعين ليلة العقبة، وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين المقداد بن الأسود، توفي سنة ثلاثين في خلافة عثمان وهو ابن اثنتين وستين سنة. "الإصابة: ١/٢٢٠"..
٧ - يردها جذعة: أي الحرب، يعيدها من جديد وكأنها لم تسكن..
٨ - أخرجه ابن إسحاق وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ-عن زيد بن أسلم. وقد رويت هذه القصة مختصرة ومطولة من عدة طرق. "تفسير الشوكاني ١/٣٣٦"..
٩ - يشير بهذا إلى ما أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم- عن السدي. وما أخرجه عبد بن حميد وابن جرير- عن قتادة: "تفسير الشوكاني ١/٣٣٦"..

### الآية 3:99

> ﻿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [3:99]

و**«صد »** معناه : أعرض عن الشيء وانصرف عنه، وهو فعل يقف ويتعدى بلفظ واحد، تقول : صددت عن كذا، وصددت غيري عنه، فالذي في هذه الآية هو الفعل المتعدي، وقرأ الحسن بن أبي الحسن :**«تُصِدون »** بضم التاء وكسر الصاد، وهذا هو الفعل الواقف، نقل بالهمزة فعدي، و  سبيل الله  في هذه الآية، هو الإسلام الذي هو طريق إلى رضى الله وجنته، و  من  مفعولة ب  تصدون  والضمير في  تبغونها  عائد على السبيل، ومعنى ****«تبغون »**** على ما فسر الزجّاج والطبري وغيرهما : تطلبون فالمعنى تطلبون لها العوج، أي الاعوجاج والانفساد، تقول العرب : أبغني كذا بألف موصولة، بمعنى اطلبه لي، فإذا أرادوا أعني على طلبه واطلبه معي، قطعوا الألف مفتوحة وقيل : إن تبغون هنا، من البغي الذي هو التعدي، أي تبغون عليها، ويكون،  عوجاً  على هذا التأويل نصبه على الحال من الضمير في ****«تبغون »**** أي **«عوجاً »** منكم وعدم استقامة، والعوج بكسر العين : ما كان في الأمور والحجج غير الأجرام، والعَوج بفتح العين، ما كان في الأجرام، كالجدار والعصا ونحو ذلك، قال ابن قتيبة : والأرض خاصة من الأجرام يقال فيها : عِوج بكسر العين، ومنه قول الله تعالى : لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً [(١٠)](#foonote-١٠) قال بعض اللغويين هما لغتان بمعنى واحد، وقوله تعالى : وأنتم شهداء ، يريد جمع شاهد، على ما في التوراة من صفة محمد وصدقه، وباقي الآية وعيد.

### الآية 3:100

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [3:100]

الخطاب بقوله : يا أيها الذين آمنوا  عام في المؤمنين، والإشارة بذلك - وقت نزوله - إلى الأوس والخزرج بسبب نائرة[(١)](#foonote-١) شاس بن قيس، و **«الفريق »** -الجماعة من الناس والمراد بها هنا الأحبار والرؤوس، و  يردوكم  معناه : بالإضلال والتشكيك والمخادعة وإظهار الغش في معرض النصح[(٢)](#foonote-٢).

١ - نأرت نائرة في الناس نأرا: هاجت هائجة..
٢ - في قوله تعالى: يردوكم بعد إيمانكم كافرين انتصب \[كافرين\] على أنه مفعول ثان للفعل \[يردّ\] لأنها هنا بمعنى \[صير\] كقول الشاعر: 
 فردّ شعورهن السود بيضا وردّ وجوههن البيض سودا
 وهو أظهر من قول من قال: إنه منصوب على الحال..

### الآية 3:101

> ﻿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ۗ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [3:101]

ثم وقف تعالى المؤمنين على هذا الأمر المستبعد المستشنع الذي يريده بهم اليهود، فقال  وكيف تكفرون وأنتم  بهذه الأحوال الموصوفة ؟ و  كيف  في موضع نصب على الحال، كما هي في قوله تعالى : كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم [(١)](#foonote-١) والمعنى أجاحدين تكفرون ؟ أجاهلين أمستخفين أمرتدين ؟ ونحو هذا من التقدير والواو في قوله : وكيف تكفرون  عاطفة جملة كلام على جملة كلام، ولا يجوز أن تكون  كيف  في هذه الآية كما هي في قولك، كيف تفعل كذا، وأنت تسأل عن شيء ثابت الوقوع متحصله، لأنه كان يلزم أن يكون كفر المؤمنين مقرراً مثبت الوقوع، وتأمل معنى  كيف  إذا وليها فعل، ومعناها إذا وليها اسم[(٢)](#foonote-٢)، وقرأ جمهور الناس **«تتلى »** بالتاء من فوق، وقرأ الحسن :**«يتلى »** بالياء إذ الآيات هي القرآن، وقوله تعالى : وفيكم  هي ظرفية الحضور والمشاهدة لشخصه عليه السلام، وهو في أمته إلى يوم القيامة، بأقواله وآثاره، و  يعتصم  معناه : يتمسك ويستذري[(٣)](#foonote-٣)، وعصم الشيء إذا منع وحمى، ومنه قوله  يعصمني من الماء [(٤)](#foonote-٤) والعصم الأسباب التي يمتّ بها، ويعتصم من الخيبة في الغرض المطلوب، وقال الأعشى :\[ المتقارب \]
إلى الْمَرْءِ قَيْس أُطِيلُ السُّرى. . . وآخُذُ مِنْ كُلِّ حَيٍّ عِصَمْ[(٥)](#foonote-٥)
وتصرف اللفظة كثير جداً، وباقي الآية بيّن، والله المستعان.

١ - من الآية (٢٨) من سورة البقرة..
٢ - هناك خلاف في معناها بين السيرافي و وسيبويه..
٣ - يستذري به: يلجأ إليه..
٤ - من الآية (٤٣) من سورة هود..
٥ - البيت في ديوانه من قصيدة يمدح بها قيس بن معد يكرب، والعصم: جمع عصام وهو الحبل للمزادة والقربة، والمراد به هنا كل عهد وموثق..

### الآية 3:102

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [3:102]

يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ وَاعتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ 
الخطاب بهذه الآية يعم جميع المؤمنين، والمقصود به وقت نزولها الأوس والخزرج الذين شجر بينهم بسعاية شاس بن قيس ما شجر، و **«تقاة »** مصدر وزنة فعلة، أصله تقية، وقد تقدم قوله : إلا أن تتقوا منهم تقاة [(١)](#foonote-١)، ويصح أن تكون التقاة في هذه الآية جمع فاعل وإن كان لم يتصرف منه فيكون كرماة ورام، أو يكون جمع تقي إذ فعيل وفاعل بمنزلة، والمعنى على هذا : اتقوا الله كما يحق أن يكون متقوه المختصون به، ولذلك أضيفوا إلى ضمير الله تعالى، واختلف العلماء في قوله : حق تقاته  فقالت فرقة : نزلت الآية على عموم لفظها، وألزمت الأمة أن تتقي الله غاية التقوى حتى لا يقع إخلال في شيء من الأشياء، ثم إن الله نسخ ذلك عن الأمة بقوله تعالى : فاتقوا الله ما استطعتم [(٢)](#foonote-٢) وبقوله : لا يكلف الله نفساً إلا وسعها [(٣)](#foonote-٣) قال ذلك قتادة والسدي والربيع بن أنس وابن زيد وغيرهم، وقالت جماعة من أهل العلم : لا نسخ في شيء من هذا، وهذه الآيات متفقات، فمعنى هذه : اتقوا الله حقَّ تقاته فيما استطعتم، وذلك أن  حق تقاته  هو بحسب أوامره ونواهيه، وقد جعل تعالى الدين يسراً، وهذا هو القول الصحيح، وألا يعصي ابن آدم جملة لا في صغيرة ولا في كبيرة، وألا يفتر في العبادة أمر متعذر في جبلة البشر، ولو كلف الله هذا لكان تكليف ما لا يطاق، ولم يلتزم ذلك أحد في تأويل هذه الآية، وإنما عبروا في تفسير هذه الآية بأن قال ابن مسعود رضي الله عنه : حق تقاته  : هو أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى[(٤)](#foonote-٤)، وكذلك عبر الربيع بن خيثم وقتادة والحسن، وقال ابن عباس رضي عنهما : معنى قوله،  واتقوا الله حق تقاته  : جاهدوا في الله حق جهاده ولا نسخ في الآية، وقال طاوس في معنى قوله تعالى : اتقوا الله حق تقاته  : يقول تعالى، إن لم تتقوه ولم تستطيعوا ذلك فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون، وقوله تعالى : ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون  معناه : دوموا على الإسلام حتى يوافيكم الموت وأنتم عليه. هكذا هو وجه الأمر في المعنى، وجاءت العبارة على هذا النظم الرائق الوجيز، ونظيره ما حكى سيبويه من قولهم : لا أرينك هاهنا، وإنما المراد : لا تكن هاهنا فتكون رؤيتي لك، و  مسلمون  في هذه الآية، هو المعنى الجامع في التصديق والأعمال، وهو الدين عند الله وهو الذي بني على خمس. 
١ - من الآية (٢٨) من سورة آل عمران..
٢ - من الآية (١٦) من سورة التغابن..
٣ - من الآية (٢٨٦) من سورة البقرة..
٤ - أخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم، وصححه، وابن مردويه- عن ابن مسعود، وقد رواه الحاكم وصححه، وابن مردويه من وجه آخر عنه مرفوعا بدون قوله: (ويشكر فلا يكفر) (تفسير الشوكاني ١/٣٣٦. وابن كثير ١/٣٨٧، ومجمع الزوائد ٦/٣٢٦)..

### الآية 3:103

> ﻿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [3:103]

وقوله تعالى : واعتصموا بحبل الله جميعاً  معناه تمنعوا وتحصنوا به، فقد يكون الاعتصام بالتمسك باليد، وبارتقاء القنن، وبغير ذلك ما هو منعة، ومنه الأعصم في الجبل، ومنه عصمة النكاح، و **«الحبل »** في هذه الآية مستعار لما كان السبب الذي يعصم به، وصلة ممتدة بين العاصم والمعصوم، ونسبة بينهما، شبه ذلك بالحبل الذي شأنه أن يصل شيئاً بشيء، وتسمى العهود والمواثيق حبالاً، ومنه قول الأعشى[(١)](#foonote-١) :
وإذَا تَجَوَّزَها حِبالُ قَبِيلَةٍ. . . أَخَذَتْ مِنَ الأَدْنَى إِلَيْكَ حِبَالهَا
ومنه قول الآخر :\[ الكامل \]
إني بحبلِكِ واصلٌ حبلي[(٢)](#foonote-٢) \*\*\*. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 
ومنه قول الله تعالى : إلا بحبل من الله وحبل من الناس [(٣)](#foonote-٣) واختلفت عبارة المفسرين في المراد في هذه الآية  بحبل الله ، فقال ابن مسعود :**********«حبل الله »********** الجماعة، وروى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«إن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبيعن فرقة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة قال فقيل يا رسول الله : وما هذه الواحدة ؟ قال فقبض يده وقال : الجماعة وقرأ،  واعتصموا بحبل الله جميعاً [(٤)](#foonote-٤) »**، وقال ابن مسعود في خطبة : عليكم جميعاً بالطاعة والجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به، وقال قتادة رحمه الله :**********«حبل الله »********** الذي أمر بالاعتصام به هوا لقرآن، وقال السدي :**********«حبل الله »********** كتاب الله، وقاله أيضاً ابن مسعود والضحاك، وروى أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض »**[(٥)](#foonote-٥)، وقال أبو العالية :**********«حبل الله »********** في هذه الآية هو الإخلاص في التوحيد وقال ابن زيد :**********«حبل الله »********** هو الإسلام. 
قال القاضي أبو محمد : وقيل غير هذا مما هو كله قريب بعضه من بعض، وقوله تعالى : جميعاً  حال من الضمير في قوله،  اعتصموا ، فالمعنى : كونوا في اعتصامكم مجتمعين : ولا تفرقوا  يريد التفرق الذي لا يتأتى معه الائتلاف على الجهاد وحماية الدين وكلمة الله تعالى، وهذا هو الافتراق بالفتن والافتراق في العقائد، وأما الافتراق في مسائل الفروع والفقه فليس يدخل في هذه الآية، بل ذلك، هو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«خلاف أمتي رحمة »**[(٦)](#foonote-٦)، وقد اختلف الصحابة في الفروع أشد اختلاف، وهم يد واحدة على كل كافر، وأما الفتنة على علي بن أبي طالب رضي الله عنه فمن التفرق المنهي عنه، أما أن التأويل هو الذي أدخل في ذلك أكثر من دخله من الصحابة رضي الله عن جميعهم. 
**قوله تعالى :**
 وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءَ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ 
هذه الآية تدل على أن الخطاب بهذه الآية إنما هو للأوس والخزرج، وذلك أن العرب وإن كان هذا اللفظ يصلح في جميعها فإنها لم تكن في وقت نزول هذه الآية اجتمعت على الإسلام ولا تألفت قلوبها، وإنما كانت في قصة شاس بن قيس في صدر الهجرة، وحينئذ نزلت هذه الآية، فهي في الأوس والخزرج، كانت بينهم عداوة وحروب، منها يوم بعاث وغيره، وكانت تلك الحروب والعداوة قد دامت بين الحيين مائة وعشرين سنة، حتى رفعها الله بالإسلام، فجاء النفر الستة من الأنصار إلى مكة حجاجاً، فعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه عليهم، وتلا عليهم القرآن، كما كان يصنع مع قبائل العرب، فآمنوا به وأراد الخروج معهم، فقالوا يا رسول الله : إن قدمت بلادنا على ما بيننا من العداوة والحرب، خفنا أن لا يتم ما نريده منك، ولكن نمضي نحن ونشيع أمرك، ونداخل الناس، وموعدنا وإياك العام القابل، فمضوا وفعلوا، وجاءت الأنصار في العام القابل، فكانت العقبة الثانية وكانوا اثني عشر رجلاً، فيهم خمسة من الستة الأولين، ثم جاؤوا من العام الثالث، فكانت بيعة العقبة، الكبرى، حضرها سبعون وفيهم اثنا عشر نقيباً، ووصف هذه القصة مستوعب في سيرة ابن هشام[(٧)](#foonote-٧)، ويسر الله تعالى الأنصار للإسلام بوجهين، أحدهما أن بني إسرائيل كانوا مجاورين لهم وكانوا يقولون لمن يتوعدونه من العرب، يبعث لنا نبي الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما رأى النفر من الأنصار محمداً صلى الله عليه وسلم، قال بعضهم لبعض : هذا والله النبي الذي تذكره بنو إسرائيل فلا تسبقن إليه، والوجه الآخر، الحرب التي كانت ضربتهم وأفنت سراتهم، فرجوا أن يجمع الله به كلمتهم كالذي كان، فعدد الله تعالى عليهم نعمته في تأليفهم بعد العداوة، وذكرهم بها، وقوله تعالى : فأصبحتم  عبارة عن الاستمرار وإن كانت اللفظة مخصوصة بوقت ما، وإنما خصت هذه اللفظة بهذا المعنى من حيث هي مبدأ النهار، وفيها مبدأ الأعمال، فالحال التي يحسها المرء من نفسه فيها هي حاله التي يستمر عليها يومه في الأغلب، ومنه قول الربيع بن ضبع[(٨)](#foonote-٨) :\[ المنسرح \]
أصبحت لا أحمل السلاح ولا. . . أَمْلِكُ رَأْسَ البعيرِ إنْ نَفَرا
و **«الإخوان »** جمع أخ، ويجمع إخوة، وهذان أشهر الجمع فيه، على ان سيبويه رحمه الله يرى أن إخوة اسم جمع، وليس ببناء جمع لأن فعلاً لا يجمع على فعلة، قال بعض الناس : الأخ في الدين يجمع إخواناً، والأخ في النسب يجمع إخوة : هكذا كثر استعمالهم. 
قال القاضي أبو محمد : وفي كتاب الله تعالى : إنما المؤمنون إخوة [(٩)](#foonote-٩) وفيه،  أو بني إخوانهن [(١٠)](#foonote-١٠)، فالصحيح أنهما يقالان في النسب، ويقالان في الدين، و ******«الشفا »****** حرف كل جرم له مهوى، كالحفرة والبئر والجرف والسقف والجدار ونحوه، ويضاف في الاستعمال إلى الأعلى، كقوله  شفا جرف [(١١)](#foonote-١١) وإلى الأسفل كقوله  شفا حفرة ، ويثنى شفوان، فشبه تعالى كفرهم الذي كانوا عليه وحربهم المدنية من الموت بالشفا، لأنهم كانوا يسقطون في جهنم دأباً، فأنقذهم الله بالإسلام، والضمير في  منها  عائد على النار، أو على **«الحفرة »**، العود على الأقرب أحسن، وقال بعض الناس حكاه الطبري : إن الضمير عائد على ******«الشفا »******، وأنث الضمير من حيث كان الشفا مضافاً إلى مؤنث، فالآية كقول جرير :
رَأَتْ مَرَّ السنينِ أَخَذْنَ مِنّي. . . كَمَا أَخذَ السّرارُ مِنَ الهِلاَلِ[(١٢)](#foonote-١٢)
إلى غير ذلك من الأمثلة. 
قال القاضي : وليس الأمر كما ذكر، والآية لا يحتاج فيها إلى هذه الصناعة، إلا لو لم تجد معاداً للضمير إلا ******«الشفا »******، وأما ومعنا لفظ مؤنث يعود الضمير عليه، ويعضده المعنى المتكلم فيه، فلا يحتاج إلى تلك الصناعة وقوله تعالى : كذلك يبين لكم آياته  إشارة إلى ما بين في هذه الآيات، أي فكذلك يبين لكم غيرها، وقوله،  لعلكم  ترجٍّ في حق البشر، أي من تأمل منكم الحال رجا الاهتداء[(١٣)](#foonote-١٣).

١ - البيت في ديوانه: ٢٤ والضمير في "تجوزها" يعود إلى ناقته، وفي رواية الدويان: أخذت من الأخرى..
٢ - قائل البيت: امرؤ القيس. وتمامه: وبريش نبلك رائش نبلي..
٣ - من الآية (١١٢) من سورة (آل عمران)..
٤ - أخرجه الإمام أحمد عن أنس في مسنده، وأخرجه الإمام أحمد، وأبو داود عن معاوية. "الترغيب والترهيب ١/٨٤". كما أخرجه الطبراني في الصغير عن أنس، وفي السند عبد الله بن سفيان وقد تكلم فيه. "مجمع الزوائد ١/١٨٩"..
٥ - أخرجه ابن أبي شيبة، وابن جرير- عن أبي سعيد الخدري، وهو حسن. "الجامع الصغير ٢/٢٢٥ ط: ١".
٦ - رواه نصر المقدسي في "الحجة"، والبيهقي في "الرسالة الأشعرية" بغير سند، وأورده الحليمي، والقاضي حسين، وإمام الحرمين، وغيرهم، ولعله خرج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا. "الجامع الصغير ١/٣٩". وقال السبكي: لم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف..
٧ - انظر السيرة ١/٤٢٨، وما بعدها..
٨ - الربيع بن ضبع بن وهب الفزاري، جاهلي، ذكر ابن هشام في التيجان أنه كبر وخرّف وأدرك الإسلام، ويقال: لم يسلم، وروي عنه أنه وصف عمره فقال: عشت مائتي سنة في فترة عيسى، وستين في الجاهلية، وستين في الإسلام. "الإصابة ١/٥٢٦. ط: ١" وقد قال أبو حيان تعقيبا على استشهاد ابن عطية بهذا البيت: "وهذا الذي ذكره لا أعلم أحدا من النحويين ذهب إليه، إنما ذكروا أن أصبح تستعمل لاتصاف الموصوف بصفة وقت الصباح، وتستعمل بمعنى (صار) فلا يلاحظ فيها وقت الصباح، بل مطلق الانتقال والصيرورة، وعليه قول الربيع بن ضبع..
٩ - من الآية (١٠) من سورة الحجرات..
١٠ - من الآية (٣١) من سورة النور..
١١ - من الآية (١٠٩) من سورة التوبة..
١٢ - السرار: آخر ليلة، إذا كان الشهر تسعا وعشرين فسراره ليلة ثمان وعشرين، وإذا كان الشهر ثلاثين فسراره ليلة تسع وعشرين، وربما استسر ليلتين، إذا أتم الشهر. استسر الهلال في آخر الشهر: خفي، لا يلفظ به إلا مزيدا. "اللسان". والبيت في ديوان جرير، وإنما قال: أخذن، ولم يقل: أخذ لأن المر لما أضيف إلى السنين وهو جمع مؤنث اكتسب منه التأنيث، فأدخل النون في الفعل مراعاة لما في المر من التأنيث المكتسب من الإضافة. "معلق الطبري". هذا، وقد روى البيت: أرى مرّ السنين....
١٣ - فابن عطية هنا يبقى الترجي على حقيقته لكنه يجعله بالنسبة إلى البشر لا إلى الله تعالى إذ يستحيل الترجي منه. أما الزمخشري فقال: \[لعلكم تهتدون\]: إرادة أن تزدادوا هدى، فجعل الترجي مجازا عن إرادة الله زيادة الهدى –فهو على الرأيين مجاز- أما في قول الزمخشري فلأنه جعل الترجي بمعنى إرادة الله، وأما في قول ابن عطية فلأنه أسند ما ظاهره الإسناد إليه سبحانه – إلى البشر..

### الآية 3:104

> ﻿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [3:104]

قرأ الحسن والزهري وأبو عبد الرحمن وعيسى بن عمر وأبو حيوة :**«ولِتكن »** بكسر اللام على الأصل، إذ أصلها الكسر، وكذلك قرؤوا لام الأمر في جميع القرآن، قال الضحاك والطبري وغيرهما : أمر المؤمنون أن تكون منهم جماعة بهذه الصفة، فهم خاصة أصحاب الرسول، وهم خاصة الرواة. 
قال القاضي : فعلى هذا القول ****«من »**** للتبعيض، وأمر الله الأمة بأن يكون منها علماء يفعلون هذه الأفاعيل على وجوهها ويحفظون قوانينها على الكمال، ويكون سائر الأمة متبعين لأولئك، إذ هذه الأفعال لا تكون إلا بعلم واسع، وقد علم تعالى أن الكل لا يكون عالماً، وذهب الزجّاج وغير واحد من المفسرين، إلى أن المعنى : ولتكونوا كلكم أمة يدعون، **«ومن »** لبيان الجنس قال : ومثله من كتاب الله،  فاجتنبوا الرجس من الأوثان [(١)](#foonote-١) ومثله من الشعر قول القائل :\[ البسيط \]
أَخُوا رَغَائِبَ يُعْطِيها وَيسْأَلُها. . . يأبى الظُّلامةَ مِنْهُ النُّوفَل الزّفرُ[(٢)](#foonote-٢)
قال القاضي : وهذه الآية على هذا التأويل إنما هي عندي بمنزلة قولك : ليكن منك رجل صالح، ففيها المعنى الذي يسميه النحويون، التجريد، وانظر أن المعنى الذي هو ابتداء الغاية يدخلها، وكذلك يدخل قوله تعالى : من الأوثان  ذاتها ولا تجده يدخل قول الشاعر : منه النوفل الزفر، ولا تجده يدخل في ****«من »**** التي هي صريح بيان الجنس، كقولك ثوب من خز، وخاتم من فضة، بل هذه يعارضها معنى التبعيض، ومعنى الآية على هذا التأويل : أمر الأمة بأن يكونوا يدعون جميع العالم إلى الخير، الكفار إلى الإسلام، والعصاة إلى الطاعة، ويكون كل واحد من هذه الأمور على منزلته من العلم والقدرة، قال أهل العلم : وفرض الله بهذه الآية، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو من فروض الكفاية إذا قام به قائم سقط عن الغير، وللزوم الأمر بالمعروف شروط، منها أن يكون بمعروف لا بتخرق[(٣)](#foonote-٣)، فقد قال صلى الله عليه وسلم :( من كان آمراً بمعروف، فليكن أمره ذلك بمعروف ) [(٤)](#foonote-٤)، ومنها أن لا يخاف الآمر أذى يصيبه، فإن فعل مع ذلك فهو أعظم لأجره، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان »**[(٥)](#foonote-٥). 
قال القاضي : والناس في تغيير المنكر والأمر بالمعروف على مراتب، ففرض العلماء فيه تنبيه الحكام والولاة، وحملهم على جادة العلم، وفرض الولاة تغييره بقوتهم وسلطانهم، ولهم هي اليد[(٦)](#foonote-٦)، وفرض سائر الناس رفعه إلى الحكام والولاة بعد النهي عنه قولاً، وهذا في المنكر الذي له دوام، وأما إن رأى أحد نازلة بديهة من المنكر، كالسلب والزنى ونحوه، فيغيرها بنفسه بحسب الحال والقدرة، ويحسن لكل مؤمن أن يحتمل في تغيير المنكر، وإن ناله بعض الأذى، ويؤيد هذا المنزع أن في قراءة عثمان بن عفان وابن مسعود وابن الزبير **«يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويستعينون بالله على ما أصابهم »**[(٧)](#foonote-٧)، فهذا وإن كان لم يثبت في المصحف، ففيه إشارة إلى التعرض لما يصيب عقب الأمر والنهي، كما هي في قوله تعالى :
 وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، واصبر على ما أصابك [(٨)](#foonote-٨) وقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم [(٩)](#foonote-٩) معناه إذا لم يقبل منكم ولم تقدروا على تغيير منكره، وقال بعض العلماء :**«المعروف »** التوحيد، و  المنكر  الكفر، والآية نزلت في الجهاد. 
قال الفقيه القاضي : ولا محالة أن التوحيد والكفر هما رأس الأمرين، ولكن ما نزل عن قدر التوحيد والكفر، يدخل في الآية ولا بد،  المفلحون  الظافرون ببغيتهم، وهذا وعد كريم.

١ - من الآية (٣٠) من سورة الحج..
٢ - البيت لأعشى باهلة وهو عامر بن الحارث الباهلي، شاعر جاهلي، والرغائب العطايا والنوفل: من ينفي الظلم من قومه، الزفر: السيد (اللسان: نفل)..
٣ - التخرق: الاختلاق..
٤ - أخرجه البيهقي في الشعب بلفظ: (من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف) عن ابن عمرو وهو ضعيف. "الجامع الصغير ٢/ ٥٠٣"..
٥ - أخرجه الإمام أحمد، ومسلم في صحيحه، والأربعة عن أبي سعيد الخدري. "الجامع الصغير ٢/٥٢٠"..
٦ - الضمير في: (لهم) يعود على "الولاة"، و(هي) أي: السلطة، و(اليد) هي المذكورة في الحديث الشريف: (بيده)..
٧ - هذه الزيادة ليست من القرآن –راجع القرطبي..
٨ - من الآية (١٧) من سورة لقمان..
٩ - من الآية (١٠٥) من سورة المائدة.

### الآية 3:105

> ﻿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [3:105]

ثم نهى الله تعالى هذه الأمة عن أن يكونوا كالمتفرقين من الأمم، واختلفت عبارة المفسرين في المشار إليهم، فقال ابن عباس : هي إشارة إلى كل من افترق في الأمم في الدين فأهلكهم الافتراق، وقال الحسن : هي إشارة إلى اليهود والنصارى، وقال الزجاج : يحتمل أن تكون الإشارة أيضاً إلى فرق اليهود وفرق النصارى، ومجيء  البينات  هو ببعث الرسل، وإنزال الكتب، وأسند الفعل دون علامة إلى  البينات ، من حيث نزلت منزلة البيان، ومن حيث لا حقيقة لتأنيثها، وباقي الآية وعيد، وقوله : عذاب عظيم  يعني أنه أعظم من سواه، ويتفاضل هذان العوضان بأن أحدهما يتخلله فتور، وأما الجزء الفرد من هذا وذلك فسواء، هذا تحرير مذهب أصحابنا الأصوليين رحمهم الله.

### الآية 3:106

> ﻿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [3:106]

والعامل في قوله  يوم  الفعل الذي تتعلق به اللام، وفي قوله  ولهم عذاب عظيم  \[ آل عمران : ١٠٥ \] قال الزجاج : تقديره ويثبت لهم عذاب عظيم. 
قال القاضي : وذلك ضعيف من جهة المعنى، لأنه يقتضي أن عظم العذاب في ذلك اليوم، ولا يجوز أن يكون العامل قوله عذاب، لأنه مصدر قد وصف، **«وبياض الوجوه »** : عبارة عن إشراقها واستنارتها وبشرها برحمة الله، قال الزجّاج -وغيره- : ويحتمل عندي أن يكون ذلك من آثار الوضوء كما قال النبي عليه السلام، ( أنتم الغر المحجلون من آثار الوضوء ) [(١)](#foonote-١)، وأما **«سواد الوجوه »**، فقال المفسرون هي عبارة عن اربدادها وإظلامها بغم العذاب، ويحتمل أن يكون ذلك تسويداً ينزله الله بهم على جهة التشويه والتمثيل بهم، على نحو حشرهم زرقاً وهذه أقبح طلعة، ومن ذلك قول بشار :\[ البسيط \]
وَلِلْبَخِيلِ عَلى أَمْوالِهِ عِلَلٌ. . . زُرْقٌ العُيونِ عَلَيْها أَوْجُةٌ سُودُ[(٢)](#foonote-٢)
وقرأ يحيى بن وثاب، **«تِبيض وتِسود »** بكسر التاء، وقرأ الزهري، **«تبياض »** وجوه، **«وتسواد »** وجوه بألف، وهي لغة، ولما كان صدر هذه الآية، إخباراً عن حال لا تخص أحداً معيناً، بدىء بذكر البياض لشرفه، وأنه الحالة المثلى، فلما فهم المعنى، وتعين له **«الكفار والمؤمنون »**، بدىء بذكر الذين اسودت وجوههم للاهتمام بالتحذير من حالهم، وقوله تعالى : أكفرتم  تقرير وتوبيخ، متعلق بمحذوف، تقديره : فيقال لهم : أكفرتم ؟ وفي هذا المحذوف هو جواب **«أما »**، وهذا هو فحوى الخطاب، وهو أن يكون في الكلام شيء مقدر لا يستغنى المعنى عنه، كقوله تعالى : فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة [(٣)](#foonote-٣) المعنى فأفطر فعدة وقوله تعالى : بعد إيمانكم  يقتضي أن لهؤلاء الموقنين إيماناً متقدماً، فاختلف أهل التأويل في تعيينهم، فقال أبي بن كعب : الموقفون جميع الكفار، والإيمان الذي قيل لهم بسببه  بعد إيمانكم  هو الإيمان الذي أقروا به يوم قيل لهم  ألست بربكم ؟ قالوا بلى [(٤)](#foonote-٤) وقال أكثر المتأولين : إنما عني بالتوقيف في هذه الآية أهل القبلة من هذه الأمة، ثم اختلفوا، فقال الحسن : الآية في المنافقين، يؤمنون بألسنتهم ويكفرون بقلوبهم، فيقال لهم : أكفرتم بعد إيمانكم  ؟ أي ذلك الإيمان بألسنتهم، وقال السدي : هي فيمن كفر من أهل القبلة حين اقتتلوا، وقال أبو أمامة[(٥)](#foonote-٥) : الآية في الخوارج وقال قتادة : الآية في أهل الردة، ومنه الحديث : ليردن عليَّ الحوض رجال من أصحابي حتى إذا رفعوا إليّ اختلجوا فأقول : أصحابي أصحابي، فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول : فسحقاً فسحقاً[(٦)](#foonote-٦)، وفي بعض طرقه : فأناديهم : ألا هلم، ألا هلم، وذكر النحاس قولاً : إن الآية في اليهود، وذلك أنهم آمنوا بصفة محمد واستفتحوا به، فلما جاءهم من غيرهم كفروا، فهذا كفر بعد إيمان، وروي عن مالك أنه قال : الآية في أهل الأهواء. 
**قال القاضي أبو محمد رحمه الله :**
إن كان هذا ففي المختلجين[(٧)](#foonote-٧) منهم القائلين ما هو كفر، وروي حديث : أن الآية في القدرية[(٨)](#foonote-٨) وقال أبو أمامة : سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنها في الحرورية[(٩)](#foonote-٩)، وقد تقدم عنه أنها في الخوارج وهو قول واحد، وما في قوله  بما كنتم  مصدرية.

١ - أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة. (الجامع الصغير: ١/٣٦٥).
٢ - هو بشار بن برد، أبو معاذ، لقبه المرعث، ولد بالبصرة ونشأ في بني عقيل مولعا بالاختلاف إلى الأعراب فشب فصيح اللسان صحيح البيان، كان يعيش في ظلال الشعر، ولد أكمه، وكان هجاء يتغزل بالنساء، ويهتك ستر الحشمة حتى نقم الناس منه وتمنوا موته فأمر المهدي العباسي صاحب شرطته أن يضربه بالسوط فضربه حتى مات سنة: ١٦٧ هـ وقد أوفى على السبعين "الأغاني ٣/١٢٩" والبيت من قطعة يهجو بها العباس بن محمد العباسي. والعلل: المعاذير الذي يبديها البخيل ليصرف العفاة، وسميت عللا لأنها يبرهن بها على وجه منع العطاء. وشبه بشار هذه العلل بحرّاس يتخذها البخيل على أمواله على طريق المكنية وأثبت لها أعينا زرقا ووجوها سودا على طريقة التخييل.
 والمقصود من البيت: التشنيع وعلامة الشر، فقوله: "زرق العيون" تشويه وتوسيم بالشر (تعليق الشيخ الطاهر بن عاشور ٣/١٢٨ على ديوان بشار)..
٣ - من الآية (١٨٤) من سورة البقرة..
٤ - من الآية (١٧٢) من سورة الأعراف..
٥ - هو صدي بن عجلان بن الحارث الباهلي، مشهور بكنيته، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وجماعة من الصحابة، وروى عنه جماعة منهم مكحول وشهر بن حوشب، سكن الشام وتوفي سنة ٨٦هـ. "الإصابة ٢/١٨٢"..
٦ - أخرجه الإمام أحمد والبخاري، ومسلم، عن أنس وعن حذيفة. "الجامع الصغير ٢/٣٨٦"..
٧ - المختلج: هو الذي نقل عن قومه ونسبه فيهم إلى قوم آخرين، اختلج الشيء انتزعه..
٨ - الحديث المشار إليه: هو حديث أبي أمامة الباهلي، وقد أخرجه الثعلبي في تفسيره من طريق عكرمة، وكذا الحاكم. وقد أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وعبد الرزاق وإسحاق والطبراني وأبو يعلى، كلهم من طريق أبي غالب. "تعليق الكشاف لابن حجر ١/٣٩٩ ط: ١" وابن كثير في تفسيره ١/٣٩٠".
 والقدرية: قوم يجحدون القدر، أو ينسبون إلى التكذيب بما قدر الله من الأشياء وينقسمون إلى اثنتي عشرة فرقة..
٩ - الحرورية: فرقة من الخوراج الذين قاتلهم علي رضي الله عنه، تنسب إلى موضع بظاهر الكوفة يقال له حروراء، وتنقسم إلى اثنتي عشرة فرقة أيضا..

### الآية 3:107

> ﻿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [3:107]

وقوله تعالى : ففي رحمة الله  أي في النعيم الذي هو[(١٠)](#foonote-١٠) موجب رحمة الله وقوله بعد ذلك  هم فيها  تأكيد بجملتين، إذ كان الكلام يقوم دونها.

### الآية 3:108

> ﻿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۗ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ [3:108]

الإشارة بتلك إلى هذه الآيات المتقدمة المتضمنة تعذيب الكفار وتنعيم المؤمنين، ولما كان فيها ذكر التعذيب، أخبر تعالى : أنه لا يريد أن يقع منه ظلم لأحد من العباد، وإذا لم يرد ذلك فلا يوجد البتة، لأنه لا يقع من شيء إلا ما يريد تعالى، وقوله تعالى : بالحق  معناه : الإخبار الحق، ويحتمل أن يكون المعنى : نتلوها عليك  مضمنة الأفاعيل التي هي **«حق »** في أنفسها، من كرامة قوم، وتعذيب آخرين، وقرأ أبو نهيك :**«يتلوها »** بالياء، وجاء الإعلام بأنه تعالى لا يريد ظلماً في حكمه، فإذا لا يوجد[(١)](#foonote-١).

١ - في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله لا يظلم المؤمن حسنة، يعطي بها في الدنيا ويجزي بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا ما عمل لله بها، فإذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها).
 وروى أبو ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يروي عن ربه عز وجل أنه قال: يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا)..

### الآية 3:109

> ﻿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [3:109]

ولما كان للذهن أن يقف هنا في الوجه الذي به خص الله قوماً بعمل يرحمهم من أجله، وآخرين بعمل يعذبهم عليه، ذكر تعالى الحجة القاطعة في ملكه جميع المخلوقات، وأن **«الحق »** لا يعترض عليه، وذلك في قوله،  ولله ما في السموات وما في الأرض  الآية، وقال : ما  ولم يقل **«من »** من حيث هي جمل وأجناس، وذكر الطبري : أن بعض البصريين نظر قوله تعالى : وإلى الله  فأظهر الاسم، ولم يقل إليه بقول الشاعر :
لا أرى الموتَ يسبقُ الموتَ شيءٌ. . . نَغَّصَ الموتُ ذا الغنى والْفَقيرا[(١)](#foonote-١)
وما جرى مجراه، وقاله الزجّاج، وحكي أن العرب تفعل ذلك إرادة تفخيم الكلام والتنبيه على عظم المعنى. 
قال القاضي أبو محمد : والآية تشبه البيت في قصد فخامة النظم، وتفارقه من حيث الآية جملتان مفترقتان في المعنى، فلو تكررت جمل كثيرة على هذا الحد لحسن فيها كلها إظهار الاسم، وليس التعرض بالضمير في ذلك بعرف، وأما البيت وما أشبهه فالضمير فيه هو العرف، إذ الكلام في معنى واحد، ولا يجوز إظهار الاسم إلا في المعاني الفخمة في النفوس من التي يؤمن فيها اللبس على السامع، وقرأ بعض السبعة، **«تَرجع الأمور »** بفتح التاء على بناء الفعل للفاعل، وقد تقدم ذكر ذلك.

١ - البيت لعدي بن زيد. وقوله: لا أدري الموت يسبقه شيء، أي لا يفوت الموت شيء وقوله: نغص الموت... يريد: نغص الموت عيش ذي الغنى والفقر، يعني أن خوف الغني من الموت ينغص عليه الالتذاذ بالغنى والسرور به، وخوف الفقير من الموت ينغص عليه السعي في التماس الغنى. "خزانة الأدب ١/١٨٣".

### الآية 3:110

> ﻿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ۚ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ [3:110]

واختلف المتأولون في معنى قوله : كنتم خير أمة أخرجت للناس  فقال عمر بن الخطاب : هذه لأولنا، ولا تكون لآخرنا وقال عكرمة : نزلت في ابن مسعود وسالم ومولى أبي حذيفة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل. 
قال القاضي أبو محمد : يريد من شاكلهم، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت في الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. 
قال القاضي : فهذا كله قول واحد، مقتضاه أن الآية نزلت في الصحابة، قيل لهم  كنتم خير أمة ، فالإشارة بقوله  أمة  إلى أمة محمد معينة، فإن هؤلاء هم خيرها، وقال الحسن بن أبي الحسن وجماعة من أهل العلم : معنى الآية، خطاب الأمة بأنهم  خير أمة أخرجت للناس ، فلفظ  أمة ، على هذا التأويل اسم جنس كأنه قيل لهم كنتم خير الأمم، ويؤيد هذا التأويل كونهم شهداء على الناس، وقول النبي صلى الله عليه وسلم :
**«نحن الآخرون السابقون »**[(١)](#foonote-١) الحديث. وروى بهز بن حكيم[(٢)](#foonote-٢) عن أبيه عن جده : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً وهو مسند ظهره إلى الكعبة، **«نحن نكمل يوم القيامة سبعين أمة نحن آخرها وخيرها »**[(٣)](#foonote-٣) قال مجاهد : معنى الآية **«كنتم خير الناس »** - وقال الحسن : نحن آخرها وأكرمها على الله تعالى[(٤)](#foonote-٤)، وقال أبو هريرة رضي الله عنه : معنى الآية كنتم للناس خير الناس[(٥)](#foonote-٥). 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : فأمة  على هذا التأويل، اسم جنس، قال أبو هريرة : يجيئون بالكفار في السلاسل فيدخلونهم في الإسلام. 
قال القاضي : ولم يبعث نبي إلى الأمم كافة إلا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو وأمته يدعون إلى الإيمان ويقاتلون العالم عليه، فهم خير الناس للناس، وليس يلزم على هذا التأويل أنها أفضل الأمم من نفس لفظ الآية، لكن يعلم هذا من لفظ آخر، وهي كقوله صلى الله عليه وسلم :( أرأف أمتي بأمتي أبو بكر )[(٦)](#foonote-٦)، فليس يقتضي هذا اللفظ أن أبا بكر أرأف الناس على الإطلاق، في مؤمن وكافر. 
قال القاضي : والرأفة على الإطلاق ليست بجارية مع الشرع كما يجب، وأما قوله،  كنتم  على صيغة الماضي، فإنها التي بمعنى الدوام، كما قال : وكان الله غفوراً رحيماً  \[ النساء : ٩٦- ٩٩- ١٠٠- ١٥٢- الفرقان : ٧٠، الأحزاب : ٥- ٥٠- ٥٩- ٧٣، الفتح : ١٤ \]، إلى غير هذا من الأمثلة، وقال قوم : المعنى كنتم في علم الله، وقيل : في اللوح المحفوظ، وقيل فيما أخبر به الأمم قديماً عنكم و  خير  على هذه الأقوال كلها خبر كان، ويحتمل أن تكون كان التامة، ويكون  خير أمة  نصباً على الحال، وهذا يتجه على بعض التأويلات التي ذكرناها دون بعض. 
قال القاضي : وهذه الخيرية التي فرضها الله لهذه الأمة إنما يأخذ بحظه منها من عمل هذه الشروط من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، وقوله : تأمرون بالمعروف  وما بعده، أحوال في موضع نصب، ثم أخبر تعالى عن أهل الكتاب على جهة التوبيخ المقرون بالنصح، أنهم لو آمنوا لنحّوا أنفسهم من عذاب الله، وجاءت لفظة  خير  في هذه الآية وهي صيغة تفضيل، ولا مشاركة بين كفرهم وإيمانهم في الخير، وإنما جاز ذلك لما في لفظة  خير  من الشياع وتشعب الوجوه، وكذلك هي لفظة أفضل وأحب وما جرى مجراها، وقد بيّن هذا المعنى في غير هذا الموضع بأوعب من هذا، وقوله تعالى : منهم المؤمنون  تنبيه على حال عبد الله بن سلام[(٧)](#foonote-٧) وأخيه[(٨)](#foonote-٨) وثعلبه بن سعية[(٩)](#foonote-٩) وغيرهم ممن آمن، ثم حكم الله على أكثرهم بالفسق في كفره لأنهم حرفوا وبدلوا وعاندوا بعد معرفتهم بحقيقة أمر محمد صلى الله عليه وسلم، فهم كفار فسقة في الكفر قد جمعوا المذمتين.

١ - أخرجه البخاري، ومسلم- عن أبي هريرة. "البخاري ٢/٢ من كتاب الجمعة"..
٢ - هو أبو مالك بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري البصري، روى عن أبيه، وروى عنه الزهري وابن عون، وخلائق من الأئمة، توفي بعد الأربعين ومائة، وقيل: قبل الستين. "تهذيب الأسماء"، و"الخلاصة". وحكيم والد بهز: هو أبو بهز القشيري البصري التابعي، ثقة معروف. ومعاوية بن حيدة. جد بهز صحابي غزا خراسان ومات بها، له أحاديث صحاح. "تهذيب الأسماء" و"تهذيب التهذيب"، و"الخلاصة"، و"الإصابة".
٣ - أخرجه ابن جرير في تفسيره عن قتادة ٤/٤٥..
٤ - أخرجه الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجة، والحاكم- عن معاوية بن حيدة. "الجامع الصغير" ١/٣٤١. و"فتح القدير" للشوكاني ١/٣٤٠..
٥ - أخرجه البخاري وغيره عن أبي هريرة قال: (خير الناس للناس يأتون بهم في السلاسل) الحديث. "فتح القدير للشوكاني" ١/٣٤٠..
٦ - أخرجه أبو يعلى في مسنده عن ابن عمر، وهو ضعيف، والحديث بطوله في الجامع الصغير ١/١١٨..
٧ - عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيلي ثم الأنصاري، أسلم قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بعامين، وكان اسمه الحصين فغيره النبي صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله. قال الطبري: مات في قول جميعهم بالمدينة سنة ثلاث وأربعين. عن ابن عباس قال: لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسد بن عبيد، وأسد أو أسيد بن سعية قالت يهود: ما أتى محمدا إلا شرارنا فأنزل الله تعالى: \[ليسوا سواء، من أهل الكتاب- إلى قوله: صالحين\]: "الإصابة"..
٨ - هو ثعلبة بن سلام، روى الطبراني من قول ابن جريج مقطوعا أنه أحد من نزل فيه قوله تعالى: \[من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله\]. "الإصابة ١/١٩٩".
٩ - هو ثعلبة بن سعية هو أحد من أسلم من اليهود يوم قريظة فمنعوا دماءهم وأموالهم، لهم خبر في السير يخرج في أعلام نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، قال البخاري: توفي ثعلبة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. "الإصابة" و"الاستيعاب ١/٢١١"..

### الآية 3:111

> ﻿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ۖ وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ [3:111]

قوله تعالى : لن يضروكم إلا أذى  معناه : لن يصيبكم منهم ضرر في الأبدان ولا في الأموال، وإنما هو أذى بالألسنة، فالاستثناء متصل، وقال الحسن، وقتادة وغيرهما :**«الأذى »** هو تحريفهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم إياه. 
قال القاضي أبو محمد : وتنقصهم المؤمنين وطعنهم عليهم جملة وأفراداً، وهذا كله عظيم مقلق وبسببه استحقوا القتل والإجلاء، وضرب الجزية، لكن أراد الله تعالى بهذه الآية أن يلحظهم المؤمنون بعين الاحتقار حتى لا يصدوا أحداً عن دينه ولا يشغلوه عن عبادة ربه، وهكذا هي فصاحة العرب، ومن هذا المعنى في التحقير قول ثمامة بن أثال[(١)](#foonote-١) : يا محمد إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن شئت المال فاسأل منه ما شئت، فقوله : ذا دم، روي بالذال منقوطة، وبالدال غير منقوطة، فذم بفتح الذال وبكسرها أراد بها الذمام، وأما الدال غير المنقوطة، فيحتمل أنه أرد التعظيم لأمر نفسه، وذلك بأحد وجهين : إما أن يريد الوعيد، أي تقتل ذا دم مطلوب بثأره له حماة فاحذر عاقبة ذلك، وإما أن يريد تقتل ملكاً يستشفى بدمه، كما كانت العرب تعتقد في دماء الملوك، فهذا استعطاف لا وعيد، أي لا ينبغي ذلك أن تفسد مثلي، وهذا كما استعطف الأشعث بن قيس أبا بكر رضي الله عنه بهذا المعنى، ويحتمل كلام ثمامة، أنه أراد تحقير أمر نفسه وليذهب عن نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم المسرة بنيل مثل هذا الأمر العظيم، ويجري ذلك مجرى قول أبي جهل لعبد الله بن مسعود : وهل أعمد[(٢)](#foonote-٢) من رجل قتلتموه ؟ ومثله قول الأسير لعمر بن عبد العزيز، حين قال له : لأقتلنك، قال إن ذلك لا ينقص من عدد الخزر[(٣)](#foonote-٣) شيئاً فكأن ثمامة أراد : إن تقتلني تقتل حيواناً حقيراً شأنه، كما يقتل كل ذي دم فما بالك تفعل ذلك وتدع الإنعام عليّ ؟ فالآية تنظر إلى هذا المعنى من جهة أنه حقر عند المؤمنين ما هو عظيم في نفسه تنبيهاً لهم، وأخبر الله تعالى في قوله : وإن يقاتلوكم  الآية، بخبر غيب صححه الوجود، فهي من آيات محمد صلى الله عليه وسلم، وفائدة الخبر هي في قوله : ثم لا ينصرون  أي لا تكون حربهم معكم سجالاً[(٤)](#foonote-٤) وخص  الأدبار  بالذكر دون الظهر تخسيساً للفارّ، وهكذا هو حيث تصرف. 
قوله : ضربت  معناه : أثبتت بشدة والتزام مؤكد، وهذا وصف حال تقررت على اليهود في أقطار الأرض قبل مجيء الإسلام، قال الحسن : جاء الإسلام وإن المجوس لتجبيهم[(٥)](#foonote-٥) الجزية، وما كانت لهم عزة ومنعة إلا بيثرب وخيبر وتلك الأرض فأزالها الله بالإسلام، ولم تبق لهم راية أصلاً في الأرض، و  الذلة  فعلة من الذل  ثقفوا  معناه أخذوا وهم بحال المذنب المستحق الإهلاك، ومنه قوله تعالى : فإما تثقفنهم في الحرب [(٦)](#foonote-٦)  فاقتلوا المشركين حيث ثقفتموهم [(٧)](#foonote-٧) واللفظة مأخوذة من الثقاف، ومنه قول الشاعر :
تدعو ثقيفاً وَقَدْ عَضَّ الحديدُ بها. . . عضَّ الثّقافِ على صُمّ الأنابيبِ[(٨)](#foonote-٨)
وقوله تعالى : إلا بحبل  استثناء منقطع، وهو نظير قوله تعالى : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأً [(٩)](#foonote-٩) لأن بادي الرأي يعطي أن له أن يقتل خطئاً، وأن الحبل من الله ومن الناس يزيل ضرب الذلة، وليس الأمر كذلك، وإنما الكلام محذوف، يدركه فهم السامع الناظر في الأمر، وتقديره في آياتنا فلا نجاة من الموت  إلا بحبل .

١ - هو ثمامة بن أثال الحنفي، سيد أهل اليمامة أسر فقال صلى الله عليه وسلم: (ما عندك يا ثمامة؟ قال: إن تقتل تقتل ذا دم). الحديث، أسره الصحابة حينما ظفروا به بنجد، وكان يريد مكة ليعتمر فأصبح مربوطا باسطوانة عند باب رسول الله، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فأطلق، فذهب ثمامة إلى المصانع فغسل ثيابه، واغتسل، ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وشهد شهادة الحق. "الاستيعاب ١/٢٠٣"..
٢ - من حديث ابن مسعود أن أبا جهل قال لمّا قتله: أعمد من رجل قتله قومه، أي: هل زاد على رجل قتله قومه؟ وهل كان إلا هذا؟ أي أنه ليس بعار، وقيل: أعمد بمعنى: أعجب، وقيل أعمد بمعنى أغضب، وقيل: معناه: أتوجع وأشتكي، والمراد بذلك كله أن يهوّن على نفسه ما حلّ به من الهلاك. "النهاية لابن الأثير ٣/١٤٣"..
٣ - اختلفت النسخ في كتابة الكلمة مما لم يتبين معه المقصود بها إلا ما كان من نسخة الخرز فهي أقرب إلى الفهم، ويوجد احتمال أن اللفظة هي الخرز بتقديم الزاي على الراء ومعناها كما في معجم البلدان: سكان الخرز، وهي بلاد الترك خلف باب الأبواب، وهو احتمال غير بعيد سيما إذا علم أن الأسير من بلاد الترك، فليحقق.
 .
٤ - قال بعضهم: إن (ثم) في قوله تعالى: \[ثم لا ينصرون\] استئناف إخبار بأنهم لا ينصرون –يريد أعداءه، ولم يشرك في الجزاء فيجزم لأنه ليس مرتبا على الشرط، بل التولية مترتبة على القتال، والنصر منفى عنهم أبدا، و(ثم) هنا ليست للتراخي في الزمان، وإنما هي للتراخي في الإخبار بانتفاء النصر عنهم مطلقا..
٥ - جبى الخراج والماء والحوض يجباه ويجبيه: جمعه. ابن سيده، يقال: جبيت الخراج من القوم وجبيته القوم، إذا أخذته منهم- ويقال: جبيت الخراج جباية، وجبوته جباوة..
٦ - من الآية (٥٧) من سورة الأنفال..
٧ - من الآية (٩١) من سورة البقرة..
٨ - البيت للنابغة الذبياني. والثقاف: خشبة تقوم بها الرماح، والأنابيب: جمع أنبوب وهو كعوب العصا. يقول: عض الحديد معصم هذه المرأة فأوجعها فجعلت تستغيث بقومها. "ديوان النابغة".
٩ - من الآية (٩٢) من سورة النساء..

### الآية 3:112

> ﻿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [3:112]

وقوله تعالى : ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا  كأنه بالمعنى هلكوا واستؤصلوا، فلذلك حسن أن يجيء بعده  إلا بحبل ، وقرب فهم ذلك للسامع، قال الزجّاج : المعنى ضربت عليهم الذلة إلا أنهم يعتصمون بالعهد إذا أعطوه، و **«الحبل »** العهد، شبه به لأنه يصل قوماً بقوم كما يفعل الحبل في الأجرام، و  باؤوا  معناه مضوا متحملين لهذا الحكم، و **«غضب الله عليهم »**، بما دلت عليه هذه الأمور التي أوقع بهم، وأفعال بني إسرائيل على وجه الدهر من التعنت والعصيان توجب الغضب، فلذلك خصوا به، والنصارى إنما ضلوا فقط، و  المسكنة  التذلل والضعة، وهي حالة الطواف الملتمس للقمة واللقمتين المضارع المفارق لحالة التعفف والتعزز به، فليس أحد من اليهود وإن كان غنياً إلا وهو بهذه الحال، وقوله تعالى : ذلك  إشارة إلى الغضب وضرب الذلة والمسكنة، فعاقبهم الله على كفرهم وقتلهم الأنبياء بذلك، و  آيات الله  : يحتمل أن يراد بها المتلوة، ويحتمل أن يريد العبر التي عرضت عليهم، وقوله : بغير حق  تأكيد ومبالغة وقطع لما عسى أن يكون في وهم إنسان ممكناً بوجه ما، وقوله تعالى : ذلك بما عصوا  حمله المفسرون على أن الإشارة بذلك إلى الشيء الذي أشير إليه بذلك الأول، قاله الطبري والزجّاج وغيرهما. والذي أقول : إن الإشارة ب  ذلك  الأخير إنما هي إلى كفرهم وقتلهم، وذلك أن الله تعالى، استدرجهم فعاقبهم على العصيان والاعتداء بالمصير إلى الكفر وقتل الأنبياء، وهو الذي يقول أهل العلم : إن الله تعالى يعاقب على المعصية بالإيقاع في معصية، ويجازي على الطاعة بالتوفيق إلى الطاعة، وذلك موجود في الناس إذا تأمل[(١)](#foonote-١)، وعصيان بني إسرائيل واعتداؤهم في السبت وغيره متقرر في غير ما موضع من كتاب الله، وقال قتادة رحمه الله عندما فسر هذه الآية : اجتنبوا المعصية والعدوان فإن بها أهلك من كان قبلكم من الناس.

١ - يريد: تأمل المتأمل؛ وقد تكون بصيغة المجهول "تؤمل". كما جاء في بعض النسخ.

### الآية 3:113

> ﻿۞ لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ [3:113]

لما مضت الضمائر في الكفر والقتل والعصيان والاعتداء عامة في جميع أهل الكتاب، عقب ذلك بتخصيص الذين هم على خير وإيمان، وذلك أن أهل الكتاب لم يزل فيهم من هو على استقامة، فمنهم من مات قبل أن يدرك الشرائع فذلك من الصالحين، ومنهم من أدرك الإسلام فدخل فيه. 
قال القاضي أبو محمد : ويعترض هذا النظر أن جميع اليهود على عوج من وقت عيسى، وتجيء الآية إشارة إلى من أسلم فقط، أو يكون اليهود في معنى الأمة القائمة إلى وقت عيسى، ثم ينتقل الحكم في النصارى، ولفظ  أهل الكتاب  يعم الجميع، والضمير في  ليسوا  لمن تقدم ذكره في قوله  منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون  \[ آل عمران : ١١٠ \] وما قال أبو عبيدة من أن الآية نظيرة قول العرب أكلوني البراغيث خطأ مردود[(١)](#foonote-١)، وكذلك أيضاً ما حكي عن الفراء أن  أمة  مرتفعة ب  سواء  على أنها فاعلة كأنه قال : لا تستوي أمة كذا وإن في آخر الكلام محذوفاً معادلاً تقديره وأمة كافرة، فأغنى القسم الأول عن ذكرها ودل عليه كما قال أبو ذؤيب :
عَصَيْتُ إليْها الْقَلْبَ إنّي لأَمْرِها. . . سَمِيعٌ فما أدري أَرُشْدٌ طِلابُها[(٢)](#foonote-٢) ؟
المعنى أم غيّ، فاقتصر لدلالة ما ذكر عليه. 
قال القاضي أبو محمد : وإنما الوجه أن الضمير في  ليسوا  يراد به من تقدم ذكره، و  سواء  خبر ليس، و  من أهل الكتاب  مجرور فيه خبر مقدم، و  أمة  رفع بالابتداء قال ابن عباس رضي الله عنهما : لما أسلم عبد الله بن سلام وثعلبة بن سعية وأسيد[(٣)](#foonote-٣) بن سعية وأسد بن عبيد[(٤)](#foonote-٤) ومن أسلم من اليهود، معهم، قال الكفار من أحبار اليهود ما آمن بمحمد إلا شرارنا ولو كانوا خياراً ما تركوا دين آبائهم، فأنزل الله تعالى في ذلك  ليسوا سواء  الآية، وقال مثله قتادة وابن جريج. 
قال القاضي أبو محمد : وهو أصح التأويلات، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : معنى الآية : ليس اليهود وأمة محمد سواء، وقاله السدي. 
قال القاضي أبو محمد : فمن حيث تقدم ذكر هذه الآمة في قوله  كنتم خير أمة  \[ آل عمران : ١١٠ \] وذكر أيضاً اليهود قال الله لنبيه  ليسوا سواء  و  الكتاب  على هذا جنس كتب الله وليس بالمعهود من التوراة والإنجيل فقط، والمعنى : من أهل الكتاب  وهم أهل القرآن أمة قائمة : واختلفت عبارة المفسرين في قوله  قائمة  فقال مجاهد : معناه عادلة، وقال قتادة والربيع وابن عباس : معناه قائمة على كتاب الله وحدوده مهتدية، وقال السدي : القائمة القانتة المطيعة. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا كله يرجع إلى معنى واحد من الاعتدال على أمر الله، ومنه قيل للدنانير أو الدراهم الوازنة قائمة وهذه الآية تحتمل هذا المعنى وأن لا تنظر اللفظة إلى هيئة الأشخاص وقت تلاوة آيات الله، ويحتمل أن يراد ب  قائمة  وصف حال التالين في  آناء الليل ، ومن كانت هذه حاله فلا محالة أنه معتدل على أمر الله، وهذه الآية في هذين الاحتمالين مثل ما تقدم في قوله :
 إلا ما دمت عليه قائماً [(٥)](#foonote-٥) و  يتلون  معناه : يسردون، و  آيات الله  في هذه الآية هي كتبه، و **«الآناء »** : الساعات واحدها **«إني »** بكسر الهمزة وسكون النون، ويقال فيه **«أني »** بفتح الهمزة، ويقال **«إنَى »** بكسر الهمزة وفتح النون والقصر، ويقال فيه **«أنى »** بفتح الهمزة ويقال **«إِنْو »** بكسر الهمزة وسكون النون وبواو مضمومة ومنه قول الهذيلي :\[ البسط \]
حُلْوٌ وَمُرٌّ كَعَطْفِ الْقدْحِ مِرَّتهُ. . . في كلُّ إنيٍ قضاه الليل ينتعل[(٦)](#foonote-٦)
وحكم هذه الآية لا يتفق في شخص بأن يكون كل واحد يصلي جميع ساعات الليل وإنما يقوم هذا الحكم من جماعة الأمة، إذا بعض الناس يقوم أول الليل، وبعضهم آخره، وبعضهم بعد هجعة ثم يعود إلى نومه، فيأتي من مجموع ذلك في المدن والجماعات عبارة  آناء الليل  بالقيام، وهكذا كان صدر هذه الأمة، وعرف الناس القيام في أول الثلث الآخر من الليل أو قبله بشيء، وحينئذ كان يقوم الأكثر، والقيام طول الليل قليل وقد كان في الصالحين من يلتزمه، وقد ذكر الله تعالى القصد من ذلك في سورة المزمل، وقيام الليل لقراءة العلم المبتغى به وجه الله داخل في هذه الآية، وهو أفضل من التنفل لمن يرجى انتفاع المسلمين بعلمه، وأما عبارة المفسرين في  آناء الليل ، فقال الربيع وقتادة وغيرهما : آناء الليل  ساعات الليل، وقال عبد الله بن كثير : سمعنا العرب تقول  آناء الليل  ساعات الليل، وقال السدي : آناء الليل  جوف الليل. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا قلق، أما ان جوف الليل جزء من الآناء، وقال ابن مسعود : نزلت هذه الآية بسبب أن النبي صلى الله عليه وسلم احتبس عنا ليلة عن صلاة العشاء وكان عند بعض نسائه فلم يأت حتى مضى ليل، فجاء ومنا المصلي ومنا المضطجع، فقال :( أبشروا فإنه ليس أحد من أهل الكتاب يصلي هذه الصلاة ) [(٧)](#foonote-٧)، فأنزل الله تعالى : ليسوا سواء  الآية، فالمراد بقوله : يتلون آيات الله آناء الليل  صلاة العشاء، وروى سفيان الثوري عن منصور[(٨)](#foonote-٨) أنه قال : بلغني أن هذه الآية نزلت في المصلين بين العشاءين وقوله تعالى : وهم يسجدون  ذهب بعض الناس إلى أن السجود هنا عبارة عن الصلاة، سماها بجزء شريف منها كما تسمى في كثير من المواضع ركوعاً، فهي على هذا جملة في موضع الحال، كأنه قال : يتلون آيات الله آناء الليل مصلين، وذهب الطبري وغيره إلى أنها جملة مقطوعة من الكلام الأول، أخبر عنهم أنهم أيضاً أهل سجود. 
قال القاضي أبو محمد : ويحسن هذا من جهة أن التلاوة آناء الليل قد يعتقد السامع أن ذلك في غير الصلاة، وأيضاً فالقيام في قراءة العلم يخرج من الآية على التأويل الأول، وثبت فيها على هذا الثاني ف  هم يسجدون  على هذا نعت عدد بواو العطف، كما تقول : جاءني زيد الكريم والعاقل.

١ - ذهب أبو عبيدة إلى أن الواو في \[ليسوا\] علامة جمع لا ضمير – مثل في ذلك قول الشاعر: 
 يلومونني في شراء النخيـ ـل قومي، وكلهم ألوم
 واسم (ليس) هو: (أمة قائمة)- أي: ليس سواء من أهل الكتاب أمة قائمة موصوفة بما ذكر وأمة كافرة. قال أبو (حيان) في البحر المحيط: "إن ابن عطية توهم أن اسم (ليس) هو (أمة قائمة) فقط، وأنه لا محذوف- فإذا عرف أن ليس الغرض تفاوت الأمة القائمة التالية وإذا قدر ثم محذوف لم يكن قول أبي عبيدة خطأ مردودا"..
٢ - البيت لأبي ذؤيب الهذلي أنشده ابن هشام في المغني وروايته:
 دعاني إليها القلب إني لأمره سميع..........................
 ورواه النيسابوري في تفسيره بهذا اللفظ: دعاني إليها القلب إني لأمره مطيع
 ومعنى البيت على ما في ديوان الهذليين: عصاني إليها: أي خطر إليها قلبي وذهب إليها، فما أدري أرشد الذي وقعت فيه أم غي؟ 
 **وقال غيره:** 
 أراك فما أدري أهم ضممته وذو الهم قدما خاشع متضائل
 والتقدير: أم غيره. قال الفراء: لأن المساواة تقتضي شيئين، وذلك واضح في قوله تعالى: \[سواء العاكف فيه والباد\].
 \[سواء محياهم ومماتهم\].
 .
٣ -أسيد بن سعية بن عريض القرظي أحد من أسلم من اليهود، نزل هو وأخوه ثعلبة بن سعية في الليلة التي في صبيحتها نزل بنو قريظة على حكم سعد بن معاذ ومعهما أسيد بن عبيد القرظي فأسلموا وأحرزوا دماءهم وأموالهم. "الإصابة ١/٣٣". و"الاستيعاب ١/٥٦"..
٤ -أسد بن عبيد القرظي ذكره ابن حبان في الصحابة وهو أحد من أسلم من اليهود مع أسيد بن سعية، وثعلبة بن سعية وغيرهما، وفيهم قالت اليهود لما أسلموا: ما أتى محمدا إلا شرارنا، فأنزل الله فيهم: \[ليسوا سواء من أهل الكتاب\] الآية "الإصابة ١/٣٣\]..
٥ - تقدمت في سورة آل عمران، في الآية: ٧٥..
٦ - المتنخل لقبه، واسمه: مالك بن عويمر بن سويد، وقيل: بن عويمر بن عثمان، ويكنى أبا أثيلة، جاهلي من شعراء هذيل وفحولهم وفصحائهم. "الأغاني ٢٠/١٤٥". و"خزانة الأدب ٢/١٣٧". والبيت من قصيدة قالها في ابنه أثيلة يرثيه. ورواية البيت في الديوان وفي كتاب الشعر والشعراء: في كل أني حذاء الليل ينتعل. ورواية الأغاني: في كل آن أتاه، والقدح: السهم. المرة: الشدة والقوة. إني واحد الآناء، وهي الساعات. وينتعل: يسري في كل ساعة من هدايته..
٧ - أخرجه أحمد، والنسائي، والبزار، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني. قال السيوطي: بسند حسن عن ابن مسعود قال: (أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء ليلة) الحديث. ولفظ ابن جرير، والطبراني قال: (إنه لا يصلي هذه الصلاة) الحديث. "فتح القدير للشوكاني ١/ ٣٤٢"..
٨ - هو منصور بن المعتمر بن عبد الله أبو عتاب السلمي الكوفي، روى عن أبي وائل، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري، وخلق، وروى عنه أيوب، وحصين بن عبد الرحمان، والثوري، وابن عيينة، وآخرون، كان أثبت أهل الكوفة، صام ستين سنة وقامها، توفي سنة ١٣٢هـ. "تهذيب التهذيب ١٠/٣١٢"..

### الآية 3:114

> ﻿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ [3:114]

و  يؤمنون  معناه : يصدقون، وفي الإيمان باليوم الآخر إيمان بالأنبياء، لأنه من جائزات العقل التي أثبتها السمع من الأنبياء، وقوله تعالى : ويسارعون في الخيرات  وصف بأنهم متى دعوا إلى الخير من نصر مظلوم وإغاثة مكروب وجبر مهيض وعبادة لله أجابوا، ومنه فعل مالك رضي الله عنه في ركعتي المسجد، وقال : دعوتني إلى خير فأجبت إليه، ومما يدخل في ضمن قوله تعالى : ويسارعون في الخيرات  أن يكون المرء مغتنماً للخمس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :( اغتنم خمساً قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل مماتك، وغناك قبل فقرك )[(١)](#foonote-١)، فيكون متى أراد أن يصنع خيراً بادر إليه ولم يسوف نفسه بالأمل، فهذه أيضاً مسارعة في الخيرات، وذكر بعض الناس قال : دخلت مع بعض الصالحين في مركب فقلت له : ما تقول أصلحك الله في الصوم في السفر ؟ فقال لي : إنها المبادرة يا ابن أخي، قال المحدث : فجاءني والله بجواب ليس من أجوبة الفقهاء، ثم وصف الله تعالى من تحصلت له هذه الصفات، بأنه من جملة الصالحين، و  من  يحسن أن تكون للتبعيض، ويحسن أن تكون لبيان الجنس[(٢)](#foonote-٢).

١ - أخرجه الحاكم، في مستدركه، والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس، وأخرجه الإمام أحمد في الزهد وأبو نعيم، والبيهقي- عن عمرو بن ميمون مرسلا، وقال: إنه حسن. "الجامع الصغير ١/١٥٧"..
٢ - قال أبو حيان الأندلسي: "لم يتقدم شيء فيه إبهام فيبين جنسه. ويظهر أن الوصف بالصلاح زيادة على الوصف بالإسلام، ولذلك سأل بعض الأنبياء الله هذه الرتبة- قال سليمان مخاطبا ربه: \[وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين\]- وقال الله تعالى في حق إبراهيم: \[ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين\]..

### الآية 3:115

> ﻿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ [3:115]

قرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر &lt; تفعلوا &gt;و &lt;تكفروه &gt; بالتاء على مخاطبة هذه الأمة، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالياء فيهما، على مشابهة ما تقدم من **«يتلون ويؤمنون »** وما بعدهما، وكان أبو عمرو يقرأ بالوجهين، و  تكفروه  معناه : يعطى دونكم فلا تثابون عليه، ومن هذا القول النبي صلى الله عليه وسلم : من أزلت إليه نعمة فليذكرها فإن ذكرها فقد شكرها، فإن لم يفعل فقد كفرها[(١)](#foonote-١)، ومنه قول الشاعر[(٢)](#foonote-٢) :\[ عنترة \] :\[ الكامل \]. 
( والْكُفْرُ مَخبَثَةٌ لِنَفْسِ الْمُنْعِمِ ). . . وفي قوله تعالى : والله عليم بالمتقين  وعد ووعيد.

١ - أخرجه الطبراني، عن طلحة بن عبيد الله بلفظ: (من أولي معروفا فليذكره، فمن ذكره فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره). "مجمع الزوائد ٨/١٨١" ومعنى أزلت: أسديت..
٢ - هو عنترة بن شداد العبسي، والبيت كاملا هو: 
 نبئت عمرا غير شاكر نعمتي والكفر مخبثة لنفس المنعم
 التنبئة: مثل الإنباء. والمخبثة: المفسدة. يقول: أعلمت أن عمرا لا يشكر نعمتي، وكفران النعمة ينفر نفس المنعم عن الإنعام..

### الآية 3:116

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۚ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [3:116]

ثم عقب تعالى ذكر هذا الصنف الصالح بذكر حال الكفار، ليبين الفرق، وخص الله تعالى **«الأموال والأولاد »** بالذكر لوجوه. منها أنها زينة الحياة الدنيا، وعظم ما تجري إليه الآمال، ومنها أنها ألصق النصرة بالإنسان وأيسرها، ومنها أن الكفار يفخرون بالآخرة لا همة لهم إلا فيها هي عندهم غاية المرء وبها كانوا يفخرون على المؤمنين، فذكر الله أن هذين اللذين هما بهذه الأوصاف لا غناء فيهما من عقاب الله في الآخرة، فإذا لم تغن هذه فغيرها من الأمور البعيدة أحرى أن لا يغني وقوله تعالى : أصحابه  إضافة تخصيص ما، تقتضي ثبوت ذلك لهم ودوامه.

### الآية 3:117

> ﻿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَٰذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [3:117]

وقوله تعالى : مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا  الآية، معناه : المثال القائم في النفوس من إنفاقهم الذي يعدونه قربة وحسبة وتحنثاً ومن حبطه يوم القيامة وكونه هباء منثوراً، وذهابه كالمثال القائم في النفوس من زرع قوم نبت واخضرّ وقوي الأمر فيه فهبت عليه  ريح فيها صر  محرق فأهلكته، فوقع التشبيه بين شيئين وشيئين، ذكر الله عز وجل أحد الشيئين المشبهين وترك ذكر الآخر ثم ذكر أحد الشيئين المشبه بهما وليس الذي يوازي المذكور الأول، وترك ذكر الآخر، ودل المذكوران على المتروكين، وهذه غاية البلاغة والإيجاز، ومثل ذلك قوله تعالى : ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء  [(١)](#foonote-١)، وقرأ عبد الرحمن بن هرمز الأعرج[(٢)](#foonote-٢)، **«تنفقون »** بالتاء على معنى قل لهم يا محمد، و  مثل  رفع بالابتداء وخبره في محذوف به تتعلق الكاف من قوله  كمثل ، و  ما  بمعنى الذي وجمهور المفسرين على أن  ينفقون  يراد به الأموال التي كانوا ينفقونها في التحنث وفي عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك عندهم قربة، وقال السدي : ينفقون  معناه من أقوالهم التي يبطنون ضدها. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف، لأنه يقتضي أن الآية في منافقين والآية إنما هي في كفار يعلنون مثل ما يبطنون، وذهب بعض المفسرين إلى أن  ينفقون  يراد به أعمالهم من الكفر ونحوه، أي هي **«كالريح التي فيها صر »**، فتبطل كل ما لهم من صلة رحم وتحنث بعتق ونحوه، كما تبطل الريح الزرع، وهذا قول حسن لولا بعد الاستعارة في الإنفاق، و ******«الصر »****** البرد الشديد، المحرق لكل ما يهب عليه وهو معروف قال ابن عباس وجمهور المفسرين :******«الصر »****** البرد، وتسميه العرب الضريب، وذهب الزجّاج وغيره : إلى أن اللفظة من التصويت، من قولهم صر الشيء، ومنه الريح الصرصر، قال الزجاج، فالصر صوت النار التي في الريح. 
قال القاضي :******«الصر »****** هو نفس جهنم الذي في الزمهرير يحرق نحواً مما تحرق النار، و **«الحرث »** شامل للزرع والثمار، لأن الجميع مما يصدر عن إثارة الأرض، وهي حقيقة الحرث، ومنه الحديث ( لا زكاة إلا في عين أو حرث أو ماشية )[(٣)](#foonote-٣)، وقال عز وجل : ظلموا أنفسهم  فما بال هذا التخصيص والمثل صحيح، وإن كان الحرث لمن لم يظلم نفسه ؟ فالجواب أن ظلم النفس في هذه الآية تأوله جمهور المفسرين بأنه ظلم بمعاصي الله، فعلى هذا وقع التشبيه بحرث من هذه صفته، إذ عقوبته أرجى[(٤)](#foonote-٤)، وأخذ الله له أشد والنقمة إليه أسرع وفيه أقوى، كما روي في " جوف العير " [(٥)](#foonote-٥) وغيره، وأيضاً فمن أهل العلم من يرى أن كل مصائب الدنيا فإنما هي بمعاصي العبيد، وينتزع ذلك من غير ما آية في القرآن، فيستقيم على قوله : إن كل حرث تحرقه ريح فإنما هو لمن قد ظلم نفسه، وذهب بعض الناس ونحا إليه المهدوي : إلى أن قوله تعالى : حرث قوم ظلموا أنفسهم  معناه زرعوا في غير أوان الزراعة. 
قال أبو محمد : وينبغي أن يقال في هذا : ظلموا أنفسهم  بأن وضعوا أفعال الفلاحة غير موضعها من وقت أو هيئة عمل، ويخص هؤلاء بالذكر لأن الحرق فيما جرى هذا المجرى أوعب وأشد تمكناً، وهذا المنزع يشبه من جهة ما قول امرىء القيس :\[ المتقارب \]
وسالفة كَسحوقِ اللَّيا. . . نِ أَضرِمَ فيها الغويُّ السعرُ[(٦)](#foonote-٦)
فخصص الغويّ لأنه يلقي النار في النخلة الخضراء الحسنة التي لا ينبغي أن تحرق، فتطفىء النار عن نفسها رطوبتها بعد أن تتشذب وتسود، فيجيء الشبه حسناً، والرشيد لا يضرم النار إلا فيما يبس وأسحق[(٧)](#foonote-٧) فهو يذهب ولا يبقى منه ما يشبه به، والضمير في  ظلمهم  للكفار الذين تقدم ضميرهم في  ينفقون  وليس هو للقوم ذوي الحرث لأنهم لم يذكروا ليرد عليهم، ولا ليبين ظلمهم وأيضاً فقوله : ولكن أنفسهم يظلمون ، يدل على فعل الحال في حاضرين.

١ - من الآية (١٧١) من سورة البقرة..
٢ - هو أبو داود المدني مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت (تقريب التهذيب ١/ ٥٠١).
٣ - في موطإ الإمام مالك ١/٢٤٧ أنه بلغه أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله على دمشق في الصدقة "إنما الصدقة في العين، والحرث، والماشية". قال مالك: ولا تكون الصدقة إلا في ثلاثة أشياء: في الحرث، والعين، والماشية..
٤ - اختلفت النسخ في هذه اللفظة، فهي: أرجى، وأوحى، وأوخى، ورجا مهموزا وغير مهموز يأتي بمعنى الخوف والتأخير، وأوحى: بمعنى أسرع، ويبعد معنى أوخى الذي هو القصد والتحري..
٥ - الجوف اسم واد في أرض عاد فيه ماء وشجر، لم يكن ببلاد العرب أخصب منه، فيه من كل الثمار، حماه رجل اسمه حمار بن طويلع أو مويلع، وإلى قصته يشير ابن عطية وهي مذكورة في عدة كتب منها: "اللسان" في مادة: (جوف)، والميداني في "الأمثال" في مادة: (أكفر من حمار)، و"معجم البلدان ٣/١٧٤" و "حياة الحيوان" في: (الحمار الوحشي). وتشير الأسطورة كما رواها اللسان إلى أن هذا الرجل كان له بنون فماتوا كلهم فكفر بالله، وقتل كل من مر به، ثم أرسل الله عليه صاعقة فأحرقته والجوف، فصار الجوف ملعبا للجن لا يتجرأ أحد على سلوكه، وفيه قال الشاعر:
 وخرق كجوف العير قفر مضلة.
 أراد (كجوف الحمار) فلم يستقم له فقال: كجوف العير..
٦ - السالفة: جانب العنق، وسحوق بفتح السين: طويلة. والبيان: النخل، واحدتها: لينة، وأضرم: أوقد. الغوي: الغاوي. السعر: النار: يصف فرسا له..
٧ - أسحق بمعنى يبس وجفّ. وفي بعض النسخ: واستحق، أي استحق النار..

### الآية 3:118

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [3:118]

نهى الله تعالى المؤمنين بهذه الآية عن أن يتخذوا من الكفار واليهود أخلاء يأنسون بهم في الباطن من أمورهم ويفاوضونهم في الآراء ويستنيمون إليهم، وقوله : من دونكم  يعني من دون المؤمنين، ولفظة **«دون »** تقتضي فيما أضيف إليه أنه معدوم من القصة التي فيها الكلام، فشبه الأخلاء بما يلي بطن الإنسان من ثوبه، ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : ما من خليفة ولا ذي إمرة إلا وله بطانتان، بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه والمعصوم من عصم الله[(١)](#foonote-١)، وقوله : لا يألونكم خبالاً  معناه لا يقصرون لكم فيما فيه الفساد عليكم، تقول : ما ألوت في كذا أي ما قصرت بل اجتهدت ومنه قول زهير :
جرى بعدهم قوم لكي يلحقوهم. . . فلم يلحقوا ولم يليموا ولم يألوا[(٢)](#foonote-٢)
أي لم يقصروا، والخبل والخبال : الفساد، وقال ابن عباس : كان رجال من المؤمنين يواصلون رجالاً من اليهود للجوار والحلف الذي كان بينهم في الجاهلية، فنزلت الآية في ذلك، وقال أيضاً ابن عباس وقتادة والربيع والسدي : نزلت في المنافقين : نهى الله المؤمنين عنهم، وروى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«لا تستضيئوا بنار المشركين ولا تنقشوا في خواتيمكم عربياً »**[(٣)](#foonote-٣) فسره الحسن بن أبي الحسن، فقال أراد عليه السلام، لا تستشيروا المشركين في شيء من أموركم ولا تنقشوا في خواتيمكم ( محمداً ). 
قال القاضي : ويدخل في هذه الآية استكتاب أهل الذمة وتصريفهم في البيع والشراء والاستنامة إليهم، وروي أن أبا موسى الأشعري استكتب ذميماً فكتب إليه عمر يعنفه، وتلا عليه هذه الآية، وقيل لعمر : إن هاهنا رجلاً من نصارى الحيرة لا أحد أكتب منه ولا أخط بقلم، أفلا يكتب عنك ؟ فقال : إذاً أتخذ بطانة من دون المؤمنين، و  ما  في قوله،  ما عنتّم  مصدرية، فالمعنى : ودوا  عنتكم، و **«العنت »** : المشقة والمكروه يلقاه المرء وعقبة عنوت : أي شاقة، وقوله تعالى : ذلك لمن خشي العنت [(٤)](#foonote-٤) معناه المشقة إما في الزنا وإما في ملك الإرب قال السدي : معناه ****«ودوا »**** ما ضللتم، وقال ابن جريج : المعنى ****«ودوا »**** أن تعنتوا في دينكم ويقال عنت الرجل يعنت بكسر النون في الماضي، وقوله تعالى : قد بدت البغضاء من أفواههم  يعني بالأقوال، فهم فوق المتستر الذي تبدوالبغضاء في عينيه وخص تعالى الأفواه بالذكر دون الألسنة إشارة إلى شدقهم وثرثرتهم في أقوالهم هذه، ويشبه هذا الذي قلناه ما في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يتشحى الرجل في عرض أخيه[(٥)](#foonote-٥)، معناه : أن يفتح فاه به يقال شحّى الحمار فاه بالنهيق وشحّى اللجام في الفرس، والنهي في أن يأخذ أحد عرض أخيه همساً راتب[(٦)](#foonote-٦)، فذكر التشحي إنما هو إشارة إلى التشدق والانبساط وقوله : وما تخفي صدورهم أكبر  إعلام بأنهم يبطنون من البغضاء أكثر مما يظهرون بأفواههم، وفي قراءة عبد الله بن مسعود :**«قد بدا البغضاء »** بتذكير الفعل، لما كانت  البغضاء  بمعنى البغض، ثم قال تعالى للمؤمنين،  قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون  تحذيراً وتنبيهاً، وقد علم تعالى أنهم عقلاء ولكن هذا هز للنفوس كما تقول : إن كنت رجلاً فافعل كذا وكذا.

١ - أخرجه البخاري، والنسائي، وغيرهما عن أبي سعيد الخدري "تفسير ابن كثير١/٣٩٨..
٢ - ورواية البيت في ديوانه: ١١٤
 سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم فلم يفعلوا ولم يلاموا ولم يألوا
 يقول: تقدم هؤلاء في المجد والشرف، وسعى على آثارهم قوم آخرون لكي يدركوهم وينالوا منزلتهم فلم ينالوا ذلك. ولم يليموا: أي لم ياتوا ما يلامون عليه، يقال: ألام الرجل إذا أتى ما يلام عليه، وما تركت في عملي لومة، أي: ما ألام عليه. "ديوان زهير ١١٤. ط. دار الكتاب".
 .
٣ - أخرجه أبو يعلى، والنسائي، والإمام أحمد، وابن جرير. "تفسير ابن كثير ١/٣٩٨".
٤ - من الآية ٢٥ من سورة النساء..
٥ - الحديث المشار إليه لم نعثر عليه بهذا اللفظ في المراجع التي بين أيدينا، والأحاديث في الغيبة والنميمة كثيرة، ذكر المفسرون معظمها عند قوله في سورة الحجرات: \[ولا يغتب بعضكم بعضا، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرتموه\]..
٦ - راتب: ثابت، وهو خبر "النهي"..

### الآية 3:119

> ﻿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ۚ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [3:119]

تقدم إعراب نظير هذه الآية وقراءتها في قوله تعالى آنفاً : ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم  \[ آل عمران : ٦٦ \] والضمير في  تحبونهم  لمنافقي اليهود الذين تقدم ذكرهم في قوله : بطانة من دونكم  \[ آل عمران : ١١٨ \] والضمير في هذه الآية اسم للجنس، أي تؤمنون بجميع الكتب وهم لا يؤمنون بقرآنكم، وإنما وقف الله تعالى المؤمنين بهذه الآية على هذه الأحوال الموجبة لبغض المؤمنين لمنافقي اليهود واطراحهم إياهم، فمن تلك الأحوال أنهم لا يحبون المؤمنين وأنهم يكفرون بكتابهم وأنهم ينافقون عليهم ويستخفون بهم ويغتاظون ويتربصون الدوائر عليهم، وقوله تعالى : عضوا عليكم الأنامل  عبارة عن شدة الغيظ مع عدم القدرة على إنفاذه ومنه قول أبي طالب[(١)](#foonote-١) :\[ الطويل \]
 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\* يعضُّون غَيْظاً خَلْفَنَا بِالأَنَامِلِ
**ومنه قول الآخر :\[ الفرزدق \] :**
وَقَدْ شَهِدَتْ قَيْسٌ فَمَا كَانَ نَصْرُهَا. . . قُتَيْبَةَ إلاَّ عَضَّها بِالأَباهِمِ[(٢)](#foonote-٢)
وهذا العض هو بالأسنان، وهي هيئة في بدن الإنسان تتبع هيئة النفس الغائظة، كما أن عض اليد على اليد يتبع هيئة النفس النادمة فقط، إلى غير ذلك من عد الحصى والخط في الأرض للمهموم ونحوه، ويكتب هذا العض بالضاد، ويكتب عظ الزمان بالظاء المشالة وواحد **«الأنامل »** أنملة بضم الميم، ويقال بفتحها والضم أشهر، ولا نظير لهذا الاسم في بنائه إلا أشد، له نظائر في الجموع، وقوله  وتؤمنون بالكتاب كله  يقتضي أن الآية في منافقي اليهود لا في منافقي العرب، ويعترضها أن منافقي اليهود لم يحفظ عنهم أنهم كانوا يؤمنون في الظاهر إيماناً مطلقاً ويكفرون في الباطن، كما كان المنافقون من العرب يفعلون، إلا ما روي من أمر زيد بن الصيت القينقاعي[(٣)](#foonote-٣) فلم يبق إلا أن قولهم : آمنا  معناه : صدقنا أنه نبي مبعوث إليكم، أي فكونوا على دينكم ونحن أولياؤكم وإخوانكم ولا نضمر لكم إلا المودة، ولهذا كان بعض المؤمنين يتخذهم بطانة، وهذا منزع قد حفظ أن كثيراً من اليهود كان يذهب إليه، ويدل على هذا التأويل أن المعادل لقولهم  آمنا ، **«عض الأنامل من الغيظ »**، وليس هو ما يقتضي الارتداد كما هو في قوله تعالى : وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنّا معكم [(٤)](#foonote-٤) بل هو ما يقتضي البغض وعدم المودة، وكان أبو الجوزاء إذا تلا هذه الآية قال : هم الإباضية[(٥)](#foonote-٥). 
قال القاضي أبو محمد : وهذه الصفة قد تترتب في أهل بدع من الناس إلى يوم القيامة، وقوله تعالى : قل موتوا بغيظكم ، قال فيه الطبري وكثير من المفسرين : هو دعاء عليهم. 
قال القاضي أبو محمد : فعلى هذا يتجه أن يدعى عليهم بهذا مواجهة وغير مواجهة، قال قوم : بل أمر النبي صلى الله عليه وسلم وأمته أن يواجهوهم بهذا. 
قال القاضي أبو محمد : فعلى هذا زال معنى الدعاء وبقي معنى التقريع والإغاظة، ويجري المعنى مع قول مسافر بن أبي عمرو :
وننمي في أرومتنا \*\*\* ونفقأ عين من حسدا[(٦)](#foonote-٦)
وينظر إلى هذا المعنى في قوله،  موتوا بغيظكم  قوله تعالى : فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع [(٧)](#foonote-٧)، وقوله : إن الله عليم بذات الصدور  وعيد يواجهون به على هذا التأويل الأخير في  موتوا بغيظكم  و **«ذات الصدور »** : ما تنطوي عليه، والإشارة هنا إلى المعتقدات ومن هذا قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه : إنما هو ذو بطن بنت خارجة[(٨)](#foonote-٨)، ومنه قولهم : الذيب مغبوط بذي بطنه[(٩)](#foonote-٩)، وال **«ذات »** : لفظ مشترك في معان لا يدخل منها في هذه الآية إلا ما ذكرناه.

١ - صدره: وقد حالفوا قوما علينا أظنة.
 والبيت من قصيدة له يتعوذ فيها بحرم مكة. "سيرة ابن هشام ١/١٧٦".
٢ - البيت من قصيدة للفرزدق قالها في قتل قتيبة بن مسلم ويمدح سليمان عبد الملك ويهجو قيسا وجريرا. "شرح ديوان الفرزدق٢: ٨٥١" وقد أراد: بالأباهيم-لكنه حذف.
 ومثل البيتين اللذين استشهد بهما ابن عطية قول الحارث بن ظالم المري:
 وأقبل أقواما لئاما أذلة يعضون من غيظ رؤوس الأباهم
 **وقول الآخر:**
 إذا رأوني أطال الله غيظهم عضوا من الغيظ أطراف الأباهيم.
٣ - ورد اسمه في السيرة (٢/٥٢٣): زيد بن اللصيت، قال ابن هشام: ويقال: ابن لصيب. وفي بعض النسخ: ابن الوسيط..
٤ - من الآية (١٤) من سورة البقرة..
٥ - الإباضية: قوم من الحرورية لهم هوى ينسبون إليه، وقيل: هم فرقة من الخوارج أصحاب عبد الله بن إباض التميمي..
٦ - ورواية الأغاني ٩/٥٤. ط٣ للبيت هي:
 وزمزم من أرومتنا ونفقا عين من حسدا
 والبيت من قطعة قالها في الفخر، ويتغنى بها، وهي من جيد شعره. والأرومة: تضم الأصل، وفقأ العين: قلعها..
٧ - من الآية ١٥ من سورة الحج.
٨ - أخرجه مالك في الموطأ في ما لا يجوز من النحل. وذو بطن: أي: صاحبة بطن بمعنى: الكائنة في بطن حبيبة بنت خارجة، وكانت بنت خارجة زوجا لأبي بكر. والقصة بكاملها في "الاستيعاب" في ترجمة "خارجة بن زيد"..
٩ - قال أبو عبيد: "وذلك أنه لا يظن به أبدا الجوع، إنما يظن به البطنة لعدوه على الناس والماشية، ولعله يكون مجهودا من الجوع، وأنشد:
 ومن يسكن البحرين يعظم طحاله ويغبط ما في بطنه وهو جائع.
 اللسان-مادة: (بطن)..

### الآية 3:120

> ﻿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ۖ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [3:120]

**«الحسنة والسيئة »** في هذه الآية لفظ عام في كل ما يحسن ويسوء، وما ذكر المفسرون من الخصب والجدب واجتماع المؤمنين ودخول الفرقة بينهم وغير ذلك من الأقوال، فإنما هي أمثلة وليس ذلك باختلاف وذكر تعالى **«المس في الحسنة »** ليبين أن بأدنى طروء الحسنة تقع المساءة بنفوس هؤلاء المبغضين، ثم عادل ذلك بالسيئة بلفظ الإصابة وهي عبارة عن التمكن، لأن الشيء المصيب لشيء فهو متمكن منه أو فيه، فدل هذا المنزع البليغ على شدة العداوة، إذ هو حقد لا يذهب عند الشدائد، بل يفرحون بنزول الشدائد بالمؤمنين، وهكذا هي عداوة الحسد في الأغلب، ولا سيما في مثل هذا الأمر الجسيم الذي هو ملاك الدنيا والآخرة وقد قال الشاعر :\[ البسيط \]
كلٌّ العداوةِ قَدْ تُرجى إزالَتُها. . . إلاّ عداوةَ مَنْ عَادَاكَ مِنْ حَسَدِ[(١)](#foonote-١)
ولما قرر تعالى هذا الحال لهؤلاء المذكورين، ووجبت الآية أن يعتقدهم المؤمنون بهذه الصفة، جاء قوله تعالى : وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً  تسلية للمؤمنين وتقوية لنفوسهم، وشرط ذلك بالصبر والتقوى، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع :**«لا يضِرْكم »** بكسر الضاد وجزم الراء وهو من ضار يضير بمعنى ضر يضر وهي لغة فصيحة، وحكى الكسائي : ضار يضور، ولم يقرأ على هذه اللغة، ومن ضار يضير في كتاب الله  لا ضير [(٢)](#foonote-٢) ومنه قول أبي ذؤيب الهذلى :
فَقِيلَ تَحْمَّلْ فَوْقَ طَوْقِكَ إنّها. . . مُطَبَّعَةٌ مَنْ يأتِها لا يَضِيرُها[(٣)](#foonote-٣)
يصف مدينة، والمعنى فليس يضيرها، وفي هذا النفي المقدر بالفاء هو جواب الشرط، ومن اللفظ قول توبة بن الحمير :
وَقالَ أُنَاسٌ لا يُضِيرُكَ نَأْيُها. . . بَلَى كلُّ ما شقَّ النُّفوسَ يَضِيرُها[(٤)](#foonote-٤)
وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي :**«لا يضُرُّكم »** بضم الضاد والراء والتشديد في الراء، وهذا من ضر يضر، وروي عن حمزة مثل قراءة أبي عمرو، وأما إعراب هذه القراءة فجزم، وضمت الراء للالتقاء، وهو اختيار سيبويه في مثل هذا إتباعاً لضمة الضاد، ويجوز فتح الراء وكسرها مع إرادة الجزم، فما الكسر فلا أعرفها قراءة، وعبارة الزجّاج في هذا متجوز فيها، إذ يظهر من درج كلامه أنها قراءة، وأما فتح الراء من قوله **«لا يضرَّكم »** فقرأ به عاصم فيما رواه أبو زيد عن المفضل عنه، ويجوز أيضاً أن يكون إعراب قوله، **«لا يضركم »**، رفعاً إما على تقدير، فليس يضركم، على نحو تقدم في بيت أبي ذؤيب، وإما على نية التقدم على **«وإن تصبروا »** كما قال \[ جرير بن عبد الله \] :\[ الرجز \]
يَا أقْرَعُ بْنَ حَابِسٍ يَا أَقْرَعُ. . . إنَّكَ إنْ يُصْرَعْ أَخْوكَ تُصْرَعُ[(٥)](#foonote-٥)
المراد أنك تصرع، وقرأ أبي بن كعب :**«لا يضرركم »** براءين وذلك على فك الإدغام وهي لغة أهل الحجاز وعليها تعالى في الآية  إن تمسسكم  ولغة سائر العرب الإدغام في مثل هذا كله، و **«الكيد »** الاحتيال بالأباطيل وقوله تعالى : وأكيد كيداً [(٦)](#foonote-٦) إنما هي تسمية العقوبة باسم الذنب، وقوله تعالى : إن الله بما يعملون محيط  وعيد، والمعنى محيط جزاؤه وعقابه وبالقدرة والسلطان، وقرأ الحسن :**«بما تعملون »** بالتاء، وهذا إما على توعد المؤمنين في اتخاذ هؤلاء بطانة، وإما على توعد هؤلاء المنافقين بتقدير : قل لهم يا محمد. 
١ - لم نعثر على قائل البيت فيما لدينا من المراجع، وورد في "العقد الفريد لابن عبد ربه ٢/٣٢٠" أن عبد الله بن المبارك المروزي كتب إلى علي بن بشر المروزي:
 كل العداوة قد ترجى إماتتها إلا عداوة من عاداك من حسد
 فإن في القلب منها عقدة عقدت وليس يفتحها راق إلى الأبد
 إلا إله فإن يرحم تحل به وإن أباه فلا ترجوه من أحد
 .
٢ - من قوله تعالى في الآية (٥٠) من سورة الشعراء: \[قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون\]..
٣ - تحمل: الخطاب للبختي في البيت قبله، والبختي: واحد البخث، أو البختية وهي الإبل الخراسانية، والبيت هو:
 وما حمل البختي عام غياره عليه الوسوق برها وشعيرها
 والطوق: الطاقة. ومطبقة: مملوءة طعاما والضمير في إنها –للقرية المذكورة في قوله: 
 أتى قرية كانت كثيرا طعامها كرفع التراب كل شيء يميرها
 "الأغاني" و "الشعر والشعراء ٢/٥٤٩"..
٤ - هو توبة بن الحمير بن حزم بن كعب أحد بني عقيل شاعر إسلامي وأحد عشاق العرب المشهورين، وصاحبته ليلى الأخيلية، كان يقول الأشعار فيها ولا يراها إلا متبرقعة، فأتاها يوما وقد سفرت فأنكر ذلك، وعلم أنها لم تسفر إلا لأمر حدث... فأنشأ القصيدة التي منها البيت ومطلعها:
 وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت فقد رابني منها الغداة سفورها
 الشعر والشعراء ١/٣٥٦".
 الضير: الضر، والنأي: البعد، وشف النفوس: أي آذاها. والمعنى: يقول أناس إن الفراق والبعد لا يضرك، فقلت: بلى- كل ما يؤذي النفس يضرها ولا ينفعها. "معلق الحماسة" ٢/١٢٥"..
٥ - البيت من الرجز، وقائله الصحابي جرير بن عبد الله البجلي، وسببه أنه نافر رجلا من اليمن إلى الأقرع بن حابس حكم العرب فقال: يا أقرع... ويصرع: معناه: يطرح. "شواهد ابن عقيل"..
٦ - الآية ١٦ من سورة الطارق..

### الآية 3:121

> ﻿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [3:121]

ذهب الطبري رحمه الله إلى أن هذه الآية متصلة بمعنى ما تقدمها من الآيات والظاهر أنها استقبال أمر آخر، لأن تلك مقاولة في شأن منافقي اليهود، وهذا ابتداء عتب المؤمنين في أمر أحد، فالعامل في  إذ  فعل مضمر تقديره واذكر، وقال الحسن : هذا الغدو المذكور في هذه الآية **«لتبويء المؤمنين »** الذي كان في غزوة الأحزاب. 
قال القاضي أبو محمد : وخالفه الناس، والجمهور على أن ذلك كان في غزوة أحد، وفيها نزلت هذه الآيات كلها، وكان من أمر غزوة أحد أن المشركين اجتمعوا في ثلاثة آلاف رجل، وقصدوا المدينة ليأخذوا بثأرهم في يوم بدر، فنزلوا عند أحد يوم الأربعاء الثاني عشر من شوال سنة ثلاث من الهجرة، على رأس أحد وثلاثين شهراُ من الهجرة، وأقاموا هنالك يوم الخميس، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة يدير وينتظر أمر الله تعالى، فلما كان في صبيحة يوم الجمعة جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس واستشارهم وأخبرهم أنه كان يرى بقرة تذبح وثلماً في ذباب سيفه، وأنه يدخل يده في درع حصينة، وأنه تأولها المدينة، وقال لهم، أرى أن لا نخرج إلى هؤلاء الكفار، فقال له عبد الله بن أبي بن سلول : أقم يا رسول الله ولا تخرج إليهم بالناس، فإن هم أقاموا أقاموا بشر محبس وإن انصرفوا مضوا خائبين، وإن جاؤونا إلى المدينة قاتلناهم في الأفنية ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من الآطام، فوالله ما حاربنا قط عدواً في هذه المدينة إلا غلبناه، ولا خرجنا منها إلى عدو إلا غلبنا، فوافق هذا الرأي رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأي جماعة عظيمة من المهاجرين والأنصار، وقال قوم من صلحاء المؤمنين ممن كان فاتته بدر : يا رسول الله اخرج بنا إلى عدونا، وشجعوا الناس ودعوا إلى الحرب، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس صلاة الجمعة وقد جشمه هؤلاء الداعون إلى الحرب، فدخل إثر صلاته بيته ولبس سلاحه، فندم اولئك القوم وقالوا : أكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما خرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم في سلاحه، قالوا : يا رسول الله أقم إن شئت، فإنّا لا نريد أن نكرهك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما ينبغي لنبي إذا لبس سلاحه أن يضعها حتى يقاتل ثم خرج بالناس، وسار حتى قرب من عسكر المشركين، هناك وبات تلك الليلة، وقد غضب عبد الله بن أبي بن سلول وقال : أطاعهم وعصاني، فلما كان في صبيحة يوم السبت، اعتزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على السير إلى مناجزة المشركين، فنهض وهو في ألف رجل، فانعزل عنه عند ذلك عبد الله بن أبي بن سلول بثلاثمائة رجل من الناس، من منافق ومتبع، وقالوا : نظن أنكم لا تلقون قتالاً، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، في سبعمائة، فهمت عند ذلك بنو حارثة من الأوس وبنو سلمة من الخزرج بالانصراف، ورأوا كثافة المشركين وقلة المسلمين، وكادوا أن يجبنوا ويفشلوا فعصمهم الله تعالى، وذمر[(١)](#foonote-١) بعضهم بعضاً، ونهضوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أطل على المشركين، فتصافَّ الناس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر على الرماة عبد الله بن جبير، وكانوا خمسين رجلاً، وجعلهم يحمون الجبل وراء المسلمين، وأسند هو إلى الجبل، فلما أضرمت الحرب انكشف المشركون وانهزموا، وجعل نساء المشركين تبدو خلاخلهن وهن يسندن في صفح[(٢)](#foonote-٢) جبل، فلما رأى الرماة ذلك قالوا : الغنيمة الغنيمة أيها المسلمون، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لهم : لا تبرحوا من هنا ولو رأيتمونا تتخطفنا الطير، فقال لهم عبد الله بن جبير وقوم منهم : اتقوا الله واثبتوا كما أمركم نبيكم، فعصوا وخالفوا وزالوا متبعين، وكان خالد بن الوليد قد تجرد في جريدة خيل وجاء من خلف المسلمين حيث كان الرماة، فحمل على الناس ووقع التخاذل وصيح في المسلمين من مقدمتهم ومن ساقتهم، وصرخ صارخ : قتل محمد، فتخاذل الناس واستشهد من المسلمين نيف على سبعين، قال مكي : قال مالك رحمه الله : قتل من المهاجرين يوم أحد أربعة، ومن الأنصار سبعون وتحيز رسول الله صلى الله عليه وسلم في أعلى الجبل وتجاوز الناس، هذا مختصر من القصة يتركب عليه تفسير الآية، وأمر ****«أحد »**** بطوله وما تخلله من الأفعال والأقوال، مستوعب في كتب السير، وليس هذا التعليق مما يقتضي ذكره وحكى مكي عن السدي ما يظهر منه أن القتال كان يوم الجمعة، وحكى عنه الطبري، أن نزول أبي سفيان بأحد كان في الثالث من شوال، وذلك كله ضعيف، وقال النقاش، وقعة ****«أحد »**** في الحادي عشر من شوال، وذلك خطأ، قال الطبري وغيره : فغدو رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة إلى التدبير مع الناس واستشارتهم هو الذي عبر عنه بقوله تعالى : تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال . 
قال القاضي : ولا سيما أن غدو النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان ورأيه أن لا يخرج الناس، فكان لا يشك في نفسه أن يقسم أقطار المدينة على قبائل الأنصار، وقال غير الطبري : بل نهوض النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة بعد الصلاة، هو غدوه، وبوأ المؤمنين في وقت حضور القتال، وقيل ذلك في ليلته، وسماه **«غدواً »** إذ كان قد اعتزم التدبير، والشروع في الأمر من وقت الغدو. 
قال القاضي أبو محمد : ولا سيما أن صلاة الجمعة ربما كانت قبل الزوال، حسبما وردت بذلك أحاديث[(٣)](#foonote-٣)، فيجيء لفظ الغدو متمكناً، وقيل إن **«الغدو »** المذكور هو **«غدوة »** يوم السبت إلى القتال، ومن حيث لم يكن في تلك الليلة موافقاً للغدو فهو كأنه كان في أهله وبوأ المسلمين بأمره الرماة وبغير ذلك من تدبيره مصاف الناس و  تبوىء  معناه : تعين لهم مقاعد يتمكنون فيها ويثبتون تقول : تبوأت مكان كذا، إذا حللته حلولاً متمكناً تثبت فيه، ومنه قوله تعالى : نتبوأ من الجنة حيث نشاء [(٤)](#foonote-٤) ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار »**[(٥)](#foonote-٥)، ومنه قول الشاعر :\[ مجزوء الكامل مرفل \]
كم صاحب ليَ صالحٍ. . . بَوَّأْتُهُ بيديَّ لحْدا[(٦)](#foonote-٦)
ومنه قول الأعشى :\[ الطويل \]
وَمَا بَوَّأ الرَّحْمَنُ بَيْتَكَ مَنْزلاً. . . بِشَرْقِيّ أجْيَادِ الصَّفَا والْمحَرَّمِ[(٧)](#foonote-٧)
وقوله تعالى : مقاعد  جمع مقعد وهو مكان القعود، وهذا بمنزلة قولك مواقف، ولكن لفظة القعود أدل على الثبوت، ولا سيما أن الرماة إنما كانوا قعوداً، وكذلك كانت صفوف المسلمين أولاً، والمبارزة والسرعان[(٨)](#foonote-٨) يجولون، وقوله : والله سميع  أي ما تقول ويقال لك وقت المشاورة وغيره.

١ - ذمره: بالتخفيف والتشديد: لامه وحضه وحثّه، وتذامر القوم في الحرب: تحاضوا، والقوم يتذامرون: أي يحض بعضهم بعضا على الجد في القتال. "اللسان"، قال عنترة: 
 لما رأيت القوم أقبل جمعهم يتذامرون كررت غير مذمم
 .
٢ - الصفح: الجانب، ومن الجبل مضطجعه، وهو لغة في السفح الذي هو عرض الجبل حيث يسفح فيه الماء. وقيل السفح: أصل الجبل. وقيل: هو الحضيض الأسفل. "اللسان"..
٣ - من ذلك ما أخرجه الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس. "نيل الأوطار"..
٤ - من الآية ٧٤ من سورة الزمر، ومنه قوله تعالى: \[لنبوئنهم من الجنة غرفا\].
٥ - أخرجه الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة عن أنس. "الجامع الصغير ٢/٥٥٣"..
٦ - البيت من قصيدة لعمرو بن معد يكرب الزبيدي ومطلعها:
 ليس الجمال بمئزر فاعلم وإن رديت بردا
 وبوأته: أنزلته، واللحد: الحفرة وهو القبر..
٧ - رواية البيت في الديوان:
 وما جعل الرحمان بيتك في العلى بأجياد غربي الصفا والمحرم
 وأجياد: أرض بمكة، أو جبل بها لكونه موضع خيل تبع. "قاموس". والبيت من قصيدة هجا بها الأعشى عمير بن عبد الله بن المنذر بن عبدان لما جمع بينه وبين جهنام ليهاجيه "الديوان. ٤٠٠ ط الشركة اللبنانية للكتاب"..
٨ - وسرعان الناس محركة: أوائلهم المستبقون، وتسكن الراء- وفي السين ثلاث لغات: الفتح والضم والكسر. ومن الخيل أوائلها. "قاموس"..

### الآية 3:122

> ﻿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [3:122]

و  إذ  الثانية بدل من الأولى، و  همت  معناه أرادت ولم تفعل، والفشل في هذا الموضع هو الجبن الذي كاد يلحق بني سلمة وبني حارثة و ****«الفشل »**** في البدن هو الإعياء والتبليح[(١)](#foonote-١)، و ****«الفشل »**** في الرأي هو العجز والحيرة وفساد العزم، وقال جابر بن عبد الله : ما وددنا أنها لم تنزل، لقوله تعالى : والله وليهما ، وقوله : وعلى الله فليتوكل المؤمنون  أمر في ضمنه التغبيط للمؤمنين بمثل ما فعله بنو حارثة وبنو سلمة من المسير مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ عبد الله بن مسعود، **«تبوىء للمؤمنين »** بلام الجر، وقرأ **«والله وليهم »** على معنى الطائفتين لا على اللفظ.

١ - يقال بلح الرجل وبلّح أعيا، وقد أبلحه السير فانقطع به. "اللسان"..

### الآية 3:123

> ﻿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [3:123]

لما أمر الله تعالى بالتوكل عليه، ذكر بأمر ********«بدر »******** الذي كان ثمرة التوكل على الله والثقة به، فمن قال من المفسرين إن قول النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين : ألن يكفيكم . كان في غزوة بدر، فيجيء التذكير بأمر ********«بدر »******** وبأمر الملائكة وقتالهم فيه مع المؤمنين، محرضاً على الجد والتوكل على الله، ومن قال : إن قول النبي صلى الله عليه وسلم : ألن يكفيكم  الآية، إنما كان في غزوة أحد، كان قوله تعالى : ولقد نصركم الله ببدر  إلى  تشكرون  اعتراضاً بين الكلام جميلاً، والنصر ببدر هو المشهور الذي قتل فيه صناديد قريش، وعلى ذلك اليوم انبنى الإسلام، وكانت ********«بدر »******** يوم سبعة عشر من رمضان يوم جمعة لثمانية عشر شهراً من الهجرة، و ********«بدر »******** ماء هنالك سمي به الموضع، وقال الشعبي : كان ذلك الماء لرجل من جهينة يسمى بدراً فبه سمي، قال الواقدي[(١)](#foonote-١) : فذكرت هذا لعبد الله بن جعفر[(٢)](#foonote-٢) ومحمد بن صالح[(٣)](#foonote-٣) فأنكراه وقالا : بأي شيء سميت الصفراء والجار وغير ذلك من المواضع ؟. قال وذكرت ذلك ليحيى بن النعمان الغفاري[(٤)](#foonote-٤) فقال : سمعت شيوخاً من بني غفار يقولون : هو ماؤنا ومنزلنا وما ملكه أحد قط يقال له بدر، وما هو من بلاد جهينة إنما هي بلاد غفار، قال الواقدي : فهذا المعروف عندنا، وقوله تعالى : وأنتم أذلة  معناه قليلون، وذلك أنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر أو أربعة عشر رجلاً، وكان عدوهم ما بين التسعمائة إلى الألف، و  أذلة  جمع ذليل، واسم الذل في هذا الموضع مستعار، ولم يكونوا في أنفسهم إلا أعزة، ولكن نسبتهم إلى عدوهم وإلى جميع الكفار في أقطار الأرض يقتضي عند التأمل ذلتهم، وأنهم مغلوبون، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم : اللهم ( إن تهلك هذه العصابة لم تعبد )[(٥)](#foonote-٥)، وهذه الاستعارة كاستعارة الكذب في قوله في الموطأ، كذب كعب، وكقوله كذب أبو محمد، وكاستعارة المسكنة لأصحاب السفينة على بعض الأقوال، إذ كانت مسكنتهم بالنسبة إلى الملك القادر الغاصب، ثم أمر تعالى المؤمنين بالتقوى، ورجاهم بالإنعام الذي يوجب الشكر، ويحتمل أن يكون المعنى : اتقوا الله عسى أن يكون تقواكم شكراً على النعمة في نصره ببدر.

١ - هو أبو عبد الله محمد بن عمر الواقدي مولى الأسلميين، كان يتشيع، حسن المذهب، يلزم التقية، كان من أهل المدينة، انتقل إلى بغداد وولي القضاء بها. كان عالما بالمغازي والسير والفُتوح واختلاف الناس في الحديث والفقه والأحكام والأخبار، توفي سنة ٢٠٧. "الفهرست لابن النديم ١٤٤"..
٢ - عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الهاشمي، أبو محمود، ولد بأرض الحبشة حفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى عنه وعن أبويه، وعنه بنوه، كان يقال له: قطب السخاء، كان أحد أمراء علي يوم صفين، وقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وأما عبد الله فيشبه خلقي وخلقي)..." الإصابة ٢/٢٨٩"..
٣ - محمد بن صالح بن دينار التمار، أبو عبد الله المدني، مولى الأنصار، روى عن أبي حازم، والقاسم، وعمر بن عبد العزيز، وعنه ابنه صالح، والواقدي وغيرهما، ثقة قليل الحديث، توفي سنة ١٦٨هـ" تهذيب التهذيب: ٢/٢٢٥"..
٤ - لم نعثر على ترجمته فيما لدينا من المراجع..
٥ - أخرجه مسلم في صحيحه في باب الإمداد بالملائكة من كتاب "الجهاد ٥/١٥٦"..

### الآية 3:124

> ﻿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ [3:124]

وقوله تعالى : إذ تقول  العامل في  إذ  فعل مضمر، ويحتمل أن يكون العامل  نصركم  وهذا على قول الجمهور : إن هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم كان ببدر قال الشعبي والحسن بن أبي الحسن وغيرهما إن هذا كان ببدر، قال الشعبي بلغ المؤمنين أن كرز بن جابر بن حسل المحاربي[(١)](#foonote-١) محارب فهر، قد جاء في مدد للمشركين، فغم ذلك المؤمنين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين عن أمر الله تعالى، هذه المقالة فصبر المؤمنون واتقوا، وهزم المشركون وبلغت الهزيمة كرزاً ومن معه فانصرفوا ولم يأتوا من فورهم، ولم يمدّ المؤمنون بالملائكة، وكانت الملائكة بعد ذلك تحضر حروب النبي صلى الله عليه وسلم مدداً، وهي تحضر حروب المسلمين إلى يوم القيامة. 
قال القاضي : وخالف الناس الشعبي في هذه المقالة، وتظاهرت الروايات بأن الملائكة حضرت بدراً وقاتلت، ومن ذلك قول أبي أسيد مالك بن ربيعة[(٢)](#foonote-٢)، لو كنت معكم الآن ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أتمارى، ومنه حديث الغفاري وابن عمه اللذين سمعا من الصحابة، أقدم حيزوم فانكشف قناع قلب أحدهما فمات مكانه، وتماسك الآخر[(٣)](#foonote-٣)، وقال ابن عباس : لم تقاتل الملائكة في يوم من الأيام إلا يوم بدر، وكانوا يكونون في سائر الأيام عدداً ومدداً لا يضربون، ومن ذلك قول أبي سفيان بن الحارث[(٤)](#foonote-٤) لأبي لهب[(٥)](#foonote-٥) : ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلون ويأسرون، وعلى ذلك فوالله ما لمت الناس، لقينا رجالاً بيضاً على خيل بلق بين السماء والأرض ما تليق[(٦)](#foonote-٦) شيئاً ولا يقوم لها شيء، ومن ذلك أن أبا اليسر كعب بن عمرو الأنصاري[(٧)](#foonote-٧) أحد بني سلمة أسر يوم بدر العباس بن عبد المطلب وكان أبو اليسر رجلاً مجموعاً وكان العباس رجلاً طويلاً جسيماً فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لقد أعانك عليه ملك كريم[(٨)](#foonote-٨)، الحديث بطوله، وقد قال بعض الصحابة : كنت يوم بدر أتبع رجلاً من المشركين لأضربه بسيفي فلما دنوت منه وقع رأسه قبل أن يصل سيفي إليه فعلمت أن ملكاً قتله[(٩)](#foonote-٩)، وقال قتادة ابن دعامة : أمد الله المؤمنين يوم بدر بخمسة آلاف من الملائكة[(١٠)](#foonote-١٠)، قال الطبري : وقال آخرون : إن الله وعد المؤمنين يوم بدر أن يمدهم في حروبهم كلها إن صبروا واتقوا، فلم يفعلوا ذلك إلا في يوم الأحزاب، فأمدهم حين حصروا قريظة، ثم أدخل تحت هذه الترجمة عن عبد الله بن أبي أوفى[(١١)](#foonote-١١) أنه قال : حاصرنا قريظة مدة فلم يفتح علينا فرجعنا، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعا بغسل يريد أن يغسل رأسه، إذ جاءه جبريل عليه السلام فقال : وضعتم أسلحتكم ولم تضع الملائكة أوزارها فلف رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه بخرقة ولم يغسله، ونادى فينا فقمنا كالين متعبين، حتى أتينا قريظة والنضير، فيؤمئذ أمدنا الله بالملائكة بثلاثة آلاف، وفتح لنا فتحاً يسيراً، فانقلبنا بنعمة من الله وفضل، وقال عكرمة : كان الوعد يوم بدر، فلم يصبروا يوم أحد ولا اتقوا، فلم يمدوا ولو مدوا لم يهزموا، وقال الضحاك : كان هذا الوعد والمقالة للمؤمنين يوم أحد، ففر الناس وولوا مدبرين فلم يمدهم الله، وإنما مدوا يوم بدر بألف من الملائكة مردفين، وقال ابن زيد : قال المسلمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وهم ينتظرون المشركين : يا رسول الله أليس يمدنا الله كما أمدنا يوم بدر ؟ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : ألن يكفيكم  الآية وإنما أمدهم يوم بدر بألف قال ابن زيد : فلم يصبروا، وقوله تعالى : ألن يكفيكم  تقرير على اعتقادهم الكفاية في هذا العدد من الملائكة، ومن حيث كان الأمر بيناً في نفسه أن الملائكة كافية، بادر المتكلم إلى الجواب ليبني ما يستأنف من قوله عليه فقال : بلى  وهي جواب المقررين، وهذا يحسن في الأمور البينة التي لا محيد في جوابها، ونحوه قوله تعالى : قل أي شيء أكبر شهادة قل الله [(١٢)](#foonote-١٢) وفي مصحف أبي بن كعب، **«ألا يكفيكم »** وقد مضى القول في قوله : ويمدهم في طغيانهم [(١٣)](#foonote-١٣) وقرأ الحسن بن أبي الحسن[(١٤)](#foonote-١٤) :**«بثلاثة آلاف »**، يقف على الهاء، وكذلك **«بخمسة آلاف »**، ووجه هذه القراءة، ضعيف، لأن المضاف والمضاف إليه يقتضيان الاتصال، إذ هما كالاسم الواحد، وإنما الثاني كمال للأول، والهاء إنما هي أمارة وقف، فيقلق الوقف في موضع إنما هو للاتصال، لكن قد جاء نحو هذا للعرب في مواضع، فمن ذلك ما حكاه الفراء أنهم يقولون : أكلت لحماً، شاة، يريدون لحم شاة فمطلوا الفتحة حتى نشأت عنها ألف، كما قالوا في الوقف، قالا : يريدون قال : ثم مطلوا الفتحة في القوافي ونحوها من مواضع الروية والتثبت، ومن ذلك في الشعر قول الشاعر :\[ عنترة \] :\[ الرجز \] :
يَنْبَاعُ مِنْ ذفْرَى غضوبٍ جسرة [(١٥)](#foonote-١٥) \*\*\*. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 
يريد ينبع فمطل ومنه قول الآخر :\[ الرجز \]
أقول إذ جرت على الكلكال. . . يا ناقتا ما جُلْتِ مِن مَجَالِ[(١٦)](#foonote-١٦)
يريد على الكلكل، فمطل ومنه قول الآخر :\[ لابن هرمة \] :\[ الوافر \]
فَأَنْتَ مِنَ الْغَوَائِلِ حِينَ تَرْمي. . . وَمِنْ ذمِّ الرجالِ بِمُنْتَزاحِ[(١٧)](#foonote-١٧)
يريد بمنتزح، قال أبو الفتح[(١٨)](#foonote-١٨) : فإذا جاز أن يعترض هذا التمادي بين أثناء الكلمة الواحد، جاز التمادي والتأني بين المضاف والمضاف إليه إذ هما في الحقيقة اثنان[(١٩)](#foonote-١٩)، وقرأ ابن عامر وحده :**«منَزَّلين »** بفتح النون والزاي مشددة، وقرأ الباقون : منزلين بسكون النون وفتح الزاي مخففة، وقرأ ابن أبي عبلة :**«منَزِّلين »** بفتح النون وكسر الزاي مشددة، معناها : ينزلون النصر، وحكى النحاس قراءة ولم ينسبها :**«منْزِلين »** بسكون النون وكسر الزاي خفيفة، وفسرها بأنهم ينزلون النصر.

١ - كرز بن جابر بن حسل القرشي الفهري أسلم بعد الهجرة وحسن إسلامه، وولاه رسول الله صلى الله عيه وسلم الجيش الذي بعثه في أثر العرنيين الذين قتلوا راعيه. "الاستيعاب" و"الإصابة ٣/٢٩٠، و ٣٠٩"..
٢ - مالك بن ربيعة بن البدن بن عامر الأنصاري الساعدي أبو أسيد، مشهور بكنيته، شهد بدرا وأحدا وما معها، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعنه أولاده وآخرون من الصحابة والتابعين. وهو آخر البدريين موتا، توفي سنة ٦٠هـ "الإصابة ٣/٣٤٤"..
٣ - أخرجه ابن هشام في السيرة، وابن جرير في تفسيره من طريق ابن حميد. أقدم بضم الدال من التقدم: كلمة يزجر بها الخيل. وحيزوم: اسم فرس جبريل، وهو فيعول من الحزم. الروض الأنف ٢/٧٠"..
٤ - أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرضاعة، أسلم يوم الفتح، شهد حنينا، وكان ممن ثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم توفي سنة: ١٥ وقيل: ٢٠ "الإصابة. ٤/٩٠"..
٥ - أبو لهب هو أحد أعمام النبي صلى الله عليه وسلم، واسمه عبد العزي، كان كثير الإذاية لرسول الله صلى الله عليه وسلم والبغضة له، والازدراء به، والتنقص له ولدينه، توفي بعد وقعة بدر بعدة أيام، رماه الله بالعدسة فقتلته..
٦ - من ألاق يليق، أي: ما تبقى ولا يقف لها ولا يثبت..
٧ - هو كعب بن عمرو بن عباد الأنصاري السلمي، مشهور باسمه وكنيته، شهد العقبة وبدرا، وله فيها آثار كثيرة، وهو الذي أسر العباس. قال المدائني: كان قصيرا دحداحا عظيم البطن، توفي بالمدينة سنة: ٥٥. "الإصابة ٤/٢٢١"..
٨ - رواه الإمام أحمد، وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله ثقات. "مجمع الزوائد٦/ ٨٥ في باب ما جاء في الأسرى"..
٩ - أخرجه ابن جرير، وابن إسحاق-عن أبي داود المازني، وكان شهد بدرا. "ابن جرير ٤/٧٧"..
١٠ - أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر "تفسير الشوكاني١/٣٤٦"..
١١ - عبد الله بن أبي أوفى الأسلمي، أبو معاوية، له ولأبيه صحبة، شهد الحديبية، وهو آخر من مات من الصحابة، وكان من أصحاب الشجرة، توفي سنة ٨٠ "الإصابة ٢/٢٧٩" والحديث الذي رواه أخرجه ابن جرير بلفظه، وأخرج البخاري ومسلم طرفا منه في غزوة بني قريظة. "البخاري ٣/٢٠"..
١٢ - من الآية ١٩ من سورة الأنعام..
١٣ - من الآية ١٥ من سورة البقرة..
١٤ - من هنا حتى أواخر الشواهد الشعرية نقول بإيجاز عن "المحتسب١/١٦٥-١٦٦"..
١٥ - قائله عنترة بن شداد، وتمام البيت: زيافة مثل الفنيق المُكْدَم
 أراد : ينبع فأشبع الفتحة لإقامة الوزن. وينبع: يتفجر. والذّفرى: ما خلف الأذن. والجسرة: الناقة الموثقة الخلق. والزيف: التبختر. والفنيق: الفحل من الإبل. والمكدم: الغليظ الصلب. يقول: ينبع هذا العرق من خلف أذن ناقة غضوب موثقة الخلق شديدة التبختر في سيرها. "ديوانه: ١٥"..
١٦ - نسبة في اللسان إلى الراجز. والكلكل والكلكال: الصدر من كل شيء، وجال الفرس يجول في الميدان: قطع جوانبه، والمجال: اسم مكان الجولان..
١٧ - قائل البيت: إبراهيم بن علي بن هرمة الهذلي القرشي، يرثي ابنه. الغوائل: الدواهي: المنتزح: البعد. يقال: نزح نزوحا وانتزح انتزاحا: بعد. وقولهم: أنت من الذم بمنتزح، مجاز (أساس البلاغة)..
١٨ - المحتسب ١/١٦٦..
١٩ - قال أبو حيان بعد أن أورد هذه الأمثلة نقلا عن ابن عطية، وبعد أن نقل رأيه: "وهو تكثير وتنظير بغير ما يناسب، والذي يناسب توجيه هذه القراءة الشاذة أنها من إجراء الوصل مجرى الوقف أبدلها هاء في الوصل كما أبدلوها هاء في الوقف، وما ذكره ابن عطية من أمثلة إنما هو من باب إشباع الحركة"..

### الآية 3:125

> ﻿بَلَىٰ ۚ إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [3:125]

و  بلى  - جواب للنفي الذي في  ألن  وقد تقدم معناه، ثم ذكر تعالى الشرط الذي معه يقع الإمداد وهو الصبر، والتقى. و ****«الفور »**** : النهوض المسرع إلى الشيء مأخوذ من فور القدر والماء ونحوه، ومنه قوله تعالى : وفار التنور [(١)](#foonote-١) فالمعنى ويأتوكم في نهضتكم هذه، قال ابن عباس : من فورهم هذا  : معناه من سفرهم هذا، قال الحسن والسدي : معناه، من وجههم هذا، وقاله قتادة، وقال مجاهد وعكرمة وأبو صالح مولى أم هاني[(٢)](#foonote-٢) : من غضبهم هذا. 
قال القاضي : وهذا تفسير لا يخص اللفظة قد يكون ****«الفور »**** لغضب ولطمع ولرغبة في أجر، ومنه الفور في الحج والوضوء، وقرأ أبو عمرو وابن كثير وعاصم :******«مسوِّمين »******، بكسر الواو، وقرأ الباقون :****«مسوَّمين »**** بفتح الواو، فأما من قرأ بفتح الواو فمعناه : معلمين بعلامات، قال أبو زيد الأنصاري[(٣)](#foonote-٣) :**«السومة »** العلامة تكون على الشاة وغيرها يجعل عليها لون يخالف لونها لتعرف، وروي أن الملائكة أعلمت يومئذ بعمائم بيض، حكاه المهدوي عن الزجّاج، إلا جبريل عليه السلام فإنه كان بعمامة صفراء على مثال عمامة الزبير بن العوام، وقاله ابن إسحاق، وقال مجاهد : كانت خيلهم مجزوزة الأذناب والأعراف معلمة النواصي والأذناب بالصوف والعهن، وقال الربيع : كانت سيماهم أنهم كانوا على خيل بلق، وقال عباد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير[(٤)](#foonote-٤) : نزلت الملائكة في سيما الزبير عليهم عمائم صفر، وقال ذلك عروة وعبد الله ابنا الزبير : وقال عبد الله : كانت ملاءة صفر فاعتم الزبير بها، ومن قرأ :******«مسوِّمين »****** بكسر الواو، فيحتمل من المعنى مثل ما تقدم، أي هم قد أعلموا أنفسهم بعلامة وأعلموا خيلهم، ورجح الطبري وغيره هذه القراءة، بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسلمين يوم بدر :**«سوِّموا فإن الملائكة قد سوَّمت[(٥)](#foonote-٥)، فهم على هذا مسومون »**، وقال كثير من أهل التفسير : إن معنى ******«مسوِّمين »******، بكسر الواو أي هم قد سوموا خيلهم : أي أعطوها سومها من الجري والقتال والإحضار فهي سائمة، ومنه سائمة الماشية، لأنها تركت وسومها من الرعي، وذكر المهدوي هذا المعنى في ****«مسوَّمين »**** بفتح الواو أي أرسلوا وسومهم. 
قال القاضي : وهذا قلق : وقد قاله ابن فورك أيضاً.

١ - من الآية ٤٠ من سورة هود..
٢ - هو باذام، ويقال باذان أبو صالح مولى أم هانئ بنت أبي طالب، تابعي مشهور روى عن علي، وابن عباس، وأبي هريرة، ومولاته أم هانئ، وعنه الأعمش، وإسماعيل السدي وسماك بن حرب، وأبو قلابة، وسفيان الثوري، وغيرهم، وثقه بعضهم، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه تفسير، وما أقل ما له من المسند، وفي ذلك التفسير ما لم يتابعه عليه أهل التفسير، ولم أعلم أحدا من المتقدمين رضيه. "تهذيب التهذيب ١/٤١٦" و "الإصابة الجزء الأول، وكذا الرابع"..
٣ - هو أبو زيد سعيد بن أوس بن ثابت صاحب النحو واللغة، روى عنه أبو عبيدة القاسم بن سلام وأبو حاتم السجستاني، وغيرهما، وكان الأصمعي يقول فيه: هذا عالمنا ومعلمنا منذ عشر سنين، توفي في البصرة سنة ٢١٤ أو ٢١٥ هـ (انظر إنباه الرواة للقفطي٢/٣٠، وتاريخ بغداد ٩/٧٧، وتهذيب التهذيب ٤/٣، وابن خلكان ٢/ ٣٧٨)..
٤ - هو عباد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير الأسدي أخو عبد الله بن حمزة، روى عن جدة أبيه أسماء بنت أبي بكر، وأختها عائشة أم المؤمنين، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وعنه ابن عم أبيه هشام بن عروة. ثقة. وقال الزهري: كان سخيا سريا أحسن الناس وجها، أخرج له مسلم والنسائي حديث: (لا تحصي فيحصي الله عليك). "تهذيب التهذيب. ٥/٩١". وحديث السيمة: أخرجه ابن هشام في السيرة..
٥ - أخرجه ابن أبي شيبة، وابن إسحاق، وهو مرسل، وابن جرير الطبري، وابن سعد من طرق. "تعليق ابن حجر على الكشاف ١/٤١٢"..

### الآية 3:126

> ﻿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ۗ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [3:126]

الضمير في  جعله الله  عائد على الإنزال والإمداد، و **«البشرى »** مصدر واللام في  ولتطمئن  متعلقة بفعل مضمر يدل عليه جعله، ومعنى الآية : وما كان هذا الإمداد إلا لتستبشروا به وتطمئن به قلوبكم وتروا حفاية الله بكم، وإلا فالكثرة لا تغني شيئاً إلا أن ينصر الله، قوله : وما النصر  يريد للمؤمنين، وكذلك هي الإدالة للكفار من عند الله.

### الآية 3:127

> ﻿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ [3:127]

واللام في قوله تعالى : ليقطع  متعلقة بقوله  وما النصر إلا من عند الله  وعلى هذا لا يكون قطع الطرف مختصاً بيوم، اللهم إلا أن تكون الألف واللام في **«النصر »** للعهد، وقيل : العامل في **«ولقد نصركم »** حكاه ابن فورك وهو قلق، لأنه قوله : أو يكبتهم  لا يترتب عليه، وقد يحتمل أن تكون اللام في قوله  ليقطع  متعلقة ب  جعله ، فيكون قطع الطرف إشارة إلى من قتل ببدر، على ما قال الحسن وابن إسحاق وغيرهم، أو إلى من قتل بأحد على ما قال السدي، وقتل من المشركين ببدر سبعون، وقتل منهم يوم أحد اثنان وعشرون رجلاً، وقال السدي : قتل منهم ثمانية عشرة والأول أصح، و **«الطرف »** الفريق، ومتى قتل المسلمون كفاراً في حرب فقد قطعوا  طرفاً ، لأنه الذي وليهم من الكفار فكأن جميع الكفار رقعة وهؤلاء المقتولون طرف منها أي حاشية، ويحتمل أن يكون قوله تعالى : ليقطع طرفاً  بمنزلة ليقطع دابراً وقوله : أو يكبتهم  معناه : أو يخزيهم، والكبت الصرع لليدين، وقال النقاش وغيره : التاء بدل من دال كبته أصله كبده أي فعل به يؤذي كبده، وإذا نصر الله على أمة كافرة فلا بد من أحد هذين الوجهين، إما أن يقتل منهم واما ان يخيبوا، فذلك نوع من الهزم.

### الآية 3:128

> ﻿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [3:128]

وقوله تعالى : ليس لك من الأمر شيء  توقيف على أن الأمر كله لله، وهذا التوقيف يقتضي أنه كان بسبب من جهة النبي صلى الله عليه وسلم وروي في ذلك **«أنه لما هزم أصحابه وشج في وجهه، حتى دخلت بعض حلق الدرع في خده وكسرت رباعيته وارتث بالحجارة حتى صرع لجنبه، تحيز عن الملحمة، وجعل يمسح الدم من وجهه ويقول : لا يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم »**[(١)](#foonote-١)، هكذا لفظ الحديث من طريق أنس بن مالك، وفي بعض الطرق، وكيف يفلح ؟ وفي بعضها أن سالماً مولى أبي حذيفة كان يغسل الدم عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فأفاق وهو يقول : كيف بقوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله ؟ فنزلت الآية : بسبب هذه المقالة. 
قال القاضي : وكأن النبي صلى الله عليه وسلم لحقه في تلك الحال يأس من فلاح كفار قريش، فمالت نفسه إلى أن يستأصلهم الله ويريح منهم، فروي أنه دعاء عليهم أو أستأذن في أن يدعو عليهم، وروى ابن عمر وغيره : أنه دعا على أبي سفيان والحارث بن هشام[(٢)](#foonote-٢) وصفوان بن أمية[(٣)](#foonote-٣) باللعنة، إلى غير هذا من معناه، فقيل له بسبب ذلك،  ليس لك من الأمر شيء  أي عواقب الأمور بيد الله، فامض أنت لشأنك ودم على الدعاء إلى ربك، قال الطبري وغيره من المفسرين : قوله : أو يتوب عليهم  عطف على  يكبتهم . 
قال القاضي : فقوله : ليس لك من الأمر شيء  اعتراض أثناء الكلام، وقوله : أو يتوب  معناه : فيسلمون، وقوله : أو يعذبهم  معناه : في الآخرة بأن يوافوا على الكفر، قال الطبري وغيره : ويحتمل أن يكون قوله  أو يتوب  بمعنى حتى يتوب أو إلى أن يتوب فيجيء بمنزلة قولك : لا أفارقك أو تقضيني حقي، وكما تقول : لا يتم هذا الأمر أو يجيء فلان، وقوله تعالى : ليس لك من الأمر شيء  ليس باعتراض على هذا التأويل، وإنما المعنى الإخبار لمحمد عليه السلام أنه ليس يتحصل له من أمر هؤلاء الكفار شيء يؤمله إلا أن يتوب عليهم فيسلموا، فيرى محمد عليه السلام أحد أمليه فيهم، أو يعذبهم الله بقتل في الدنيا، أو بنار في الآخرة أو بهما، فيرى محمد صلى الله عليه وسلم الأمل الآخر، وعلى هذا التأويل فليس في قوله : ليس لك من الأمر شيء  ردع كما هو في التأويل الأول، وذلك التأويل الأول أقوى، وقرأ أبي بن كعب، **«أو يتوبُ أو يعذبُ »**، برفع الباء فيهما، المعنى : أو هو يتوب، ثم قرر تعالى ظلم هؤلاء الكفار. 
ثم أكد معنى قوله  ليس لك من الأمر شيء  بالقول العام وذكر الحجة الساطعة في ذلك وهي ملكه الأشياء، إذ ذلك مقتض أن يفعل بحق ملكه ما شاء، لا اعتراض عليه ولا معقب لحكمه، وذكر أن الغفران أو التعذيب إنما هو بمشيئته وحسب السابق في علمه، ثم رجا في آخر ذلك تأنيساً للنفوس وجلباً لها إلى طاعته، وذلك كله في قوله تعالى : ولله ما في السموات وما في الأرض، يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، والله غفور رحيم

١ - أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والطبري والإمام أحمد في مسنده (عن أنس)..
٢ - هو الحارث بن هشام بن المغيرة، القرشي، المخزومي-أخو أبي جهل، وابن عم خالد بن الوليد، أمه فاطمة بنت الوليد بن المغيرة، وهو ممن شهد بدرا مع المشركين، وكان فيمن انهزم، وعيّره حسان بن ثابت ببيتين، فرد عليه المترجم له بثلاثة أبيات قيل فيها: إنها أحسن ما قيل في الاعتذار من الفرار، أسلم يوم فتح مكة ثم حسن إسلامه، قيل: كانت وفاته في طاعون عمواس: وقيل: استشهد يوم اليرموك. "الإصابة ١/٢٩٣"..
٣ - صفوان بن أمية بن خلف أبو وهب الجمحي، أمه صفية بنت معمر جمحية أيضا، قتل أبوه يوم بدر كافرا، وحكي أنه كان إليه أمر الأزلام في الجاهلية، كما حكي أنه فر يوم فتح مكة وأسلمت امرأته فأحضر له ابن عمه عمير بن وهب أمانا من النبي صلى الله عليه وسلم فحضر، وحضر وقعة حنين قبل أن يسلم ثم أسلم، وكان أحد العشرة الذين انتهى إليهم شرف الجاهلية ووصله لهم الإسلام "الإصابة ٢/١٨٧"..

### الآية 3:129

> ﻿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [3:129]

و  ما  في قوله  ما في السماوات وما في الأرض ، إشارة إلى جملة العالم فلذلك حسنت  ما ، وما ذكر في هذه الآية من أن هذه الآية ناسخة لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم على المشركين كلام ضعيف كله، وليس هذا من مواضع الناسخ والمنسوخ[(١)](#foonote-١).

١ - قال تعالى في هذه الآية \[يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء\]. قال المفسرون: بدأ بالغفران وأردف بالعذاب ليناسب ما تقدم من قوله: \[أو يتوب عليهم أو يعذبهم\]- ولم يشترط في الغفران هنا التوبة إذ يغفر سبحانه وتعالى لمن يشاء من تائب وغير تائب إلا ما استثناه تعالى من الشرك. وقوله بعد ذلك: \[والله غفور رحيم\] ترجيح لجهة الإحسان والإنعام والغفران..

### الآية 3:130

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [3:130]

هذا النهي عن أكل الربا اعتراض أثناء قصة **«أحد »**، ولا أحفظ سبباً في ذلك مروياً، والربا الزيادة، وقد تقدم ذكر مثل هذه الآية وأحكام الربا في سورة البقرة[(١)](#foonote-١)، وقوله  أضعافاً  نصب في موضع الحال، ومعناه : الربا الذي كانت العرب تضعف فيه الدين، فكان الطالب يقول : أتقضي أم تربي ؟ وقوله : مضاعفة  إشارة إلى تكرار التضعيف عاماً بعد عام، كما كانوا يصنعون، فدلت هذه العبارة المؤكدة على شنعة فعلهم وقبحه، ولذلك ذكرت حال التضعيف خاصة، وقد حرم الله جميع أنواع الربا، فهذا هو مفهوم الخطاب إذ المسكوت عنه من الربا في حكم المذكور، وأيضاً فإن الربا يدخل جميع أنواعه التضعيف والزيادة على وجوه مختلفة من العين[(٢)](#foonote-٢) أو من التأخير ونحوه.

١ - ذكر أبو حيان وجها آخر في سبب نزول هذه الآية (انظر البحر المحيط ٣/٥٤)..
٢ - العين والعينة ضرب من ضروب الربا، يتم بالحيل الكلامية..

### الآية 3:131

> ﻿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [3:131]

و  النار  في قوله : واتقوا النار  هي اسم الجنس، ويحتمل أن تكون للعهد، ثم ذكر أنها  أعدت للكافرين ، أي إنهم هم المقصود والمراد الأول، وقد يدخلها سواهم من العصاة، فشنع أمر النار بذكر الكفر، وحسن للمؤمن أن يحذرها ويبعد بطاعة الله عنها وهذا كما قال في الجنة : أعدت للمتقين، أي هم المقصود، وإن كان يدخلها غيرهم من صبي ومجنون ونحوه ممن لا يكلف ولا يوصف بتقوى، هذا مذهب أهل العلم في هذه الآية، وحكى الماوردي وغيره، عن قوم أنهم ذهبوا إلى أن أكلة الربا إنما توعدهم الله بنار الكفرة، إذ النار سبع طبقات، العليا منها وهي جهنم للعصاة، والخمس للكفار والدرك الأسفل للمنافقين، قالوا : فأكلة الربا إنما يعذبون يوم القيامة بنار الكفرة لا بنار العصاة، وبذلك توعدوا، فالألف واللام على هذا في قوله  واتقوا النار  إنما هي للعهد.

### الآية 3:132

> ﻿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [3:132]

ثم أمر تعالى بطاعته وطاعة رسوله، والطاعة هي موافقة الأمر الجاري عند المأمور مع مراد الأمر وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :&lt; من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني ومن عصى الأمير فقد عصاني&gt;[(١)](#foonote-١)، وقال محمد بن إسحاق إن هذه الآية من قوله تعالى : وأطيعوا الله  هي ابتداء المعاتبة في أمر أحد، وانهزام من فر وزوال الرماة عن مراكزهم[(٢)](#foonote-٢).

١ - أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة..
٢ - قال المهدوي: ذكر الرسول زيادة في التبيين والتأكيد والتعريف بأن طاعته طاعة الله، وقيل في صيغتها الأمر ومعناها العتب على المؤمنين في ما جرى منهم من أكل الربا والمخالفة يوم أحد..

### الآية 3:133

> ﻿۞ وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [3:133]

قرأ نافع وابن عامر :**«سارعوا »** بغير واو، وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة وأهل الشام، وقرأ باقي السبعة بالواو، قال أبو علي : كلا الأمرين شائع مستقيم، فمن قرأ بالواو فلأنه عطف الجملة على الجملة، ومن ترك الواو فلأن الجملة الثانية ملتبسة بالأولى مستغنية بذلك عن العطف بالواو، وأمال الكسائي الألف من قوله  سارعوا  ومن قوله  يسارعون في الخيرات  \[ المؤمنون : ٦١ \] و  ونسارع لهم في الخيرات [(١)](#foonote-١) في كل ذلك، قال أبو علي : والإمالة هنا حسنة لوقوع الراء المكسورة بعدها، والمسارعة المبادرة وهي مفاعلة، إذ الناس كأن كل واحد يسرع ليصل قبل غيره، فبينهم في ذلك مفاعلة، ألا ترى إلى قوله تعالى : فاستبقوا الخيرات [(٢)](#foonote-٢) وقوله  إلى مغفرة  معناه : سارعوا بالتقوى والطاعة والتقرب إلى ربكم إلى حال يغفر الله لكم فيها، أي يستر ذنوبكم بعفوه عنها وإزالة حكمها، ويدخلكم جنة، قال أنس بن مالك ومكحول في تفسير  سارعوا إلى مغفرة ، معناه : إلى تكبيرة الإحرام مع الإمام. 
قال الفقيه القاضي : هذا مثال حسن يحتذى عليه في كل طاعة، وقوله تعالى : عرضها السماوات والأرض  تقديره : كعرض السماوات والأرض، وهذا كقوله تعالى : ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة [(٣)](#foonote-٣) أي كخلق نفس واحدة وبعثها، فجاء هذا الاقتضاب المفهوم الفصيح، ومنه قول الشاعر :\[ ذو الخرق الطهوي \] :\[ الوافر \] :
حسبتُ بغامَ راحلتي عنَاقا. . . وما هِيَ وَيْبَ غَيْرِكَ بِالعنَاقِ[(٤)](#foonote-٤)
**ومنه قول الآخر :**
كأنَّ غَدِيرَهُمْ بِجَنُوبِ سَلْيٍ. . . نعَامٌ فَاقَ فيَ بَلَدٍ قِفَارٍ[(٥)](#foonote-٥)
التقدير صوت عناق وغدير نعام. 
وأما معنى قوله تعالى : عرضها السماوات والأرض  فاختلف العلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب، فروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : تقرن السماوات والأرضون بعضها إلى بعض كما يبسط الثوب، فذلك عرض الجنة ولا يعلم طولها إلا الله، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم :**«أن بين المصراعين من أبواب الجنة مسيرة أربعين سنة، وسيأتي عليها يوم يزدحم الناس فيها كما تزدحم الإبل إذا وردت خمصاً ظماء »**[(٦)](#foonote-٦) وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم :**«أن في الجنة شجرة يسير الراكب المجدّ في ظلها مائة عام لا يقطعها »**[(٧)](#foonote-٧) فهذا كله يقوي قول ابن عباس وهو قول الجمهور، إن الجنة أكبر من هذه المخلوقات المذكورة وهي ممتدة عن السماء حيث شاء الله تعالى، وذلك لا ينكر، فإن في حديث النبي عليه السلام :**«ما السماوات السبع والأرضون السبع في الكرسي إلا كدراهم ألقيت في فلاة من الأرض، وما الكرسي في العرش إلا كحلقة في فلاة من الأرض »** )[(٨)](#foonote-٨). 
**قال القاضي أبو محمد رحمه الله :**
فهذه مخلوقات أعظم بكثير جداً من السماوات والأرض، وقدرة الله تعالى أعظم من ذلك كله، 
**«وروى يعلى بن أبي مرة[(٩)](#foonote-٩) قال : لقيت التنوخي[(١٠)](#foonote-١٠) رسول هرقل[(١١)](#foonote-١١) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمص، شيخاً كبيراً قد فند[(١٢)](#foonote-١٢) فقال قدمت على النبي عليه السلام بكتاب هرقل، فناول الصحيفة رجلاً عن يساره فقلت : من صاحبكم الذي يقرأ ؟ قالوا : معاوية، فإذا كتاب هرقل : إنك كتبت إليَّ تدعوني إلى  جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ، فأين النار ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سبحان الله، فأين الليل إذا جاء النهار ؟ »** [(١٣)](#foonote-١٣) وروى قيس بن مسلم[(١٤)](#foonote-١٤) عن طارق بن شهاب[(١٥)](#foonote-١٥) قال : جاء رجلان من اليهود من نجران إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال أحدهما : تقولون : جنة عرضها السماوات والأرض ، أين تكون النار ؟ فقال عمر رضي الله عنه أرأيت النهار إذا جاء أين يكون الليل ؟ والليل إذا جاء أين يكون النهار ؟ فقال اليهودي : إنه لمثلها في التوراة فقال له صاحبه : لم أخبرته ؟ دعه إنه بكل موقن. 
قال القاضي أبو محمد : فهذه الآثار كلها هي في طريق واحد، من أن قدرة الله تتسع لهذا كله وخص العرض بالذكر لأنه يدل متى ذكر على الطول، والطول إذا ذكر لا يدل على قدر العرض، بل قد يكون الطويل يسير العرض كالخيط ونحوه، ومن ذلك قول العرب بلاد عريضة، وفلاة عريضة، وقال قوم : قوله تعالى : عرضها السماوات والأرض  معناه : كعرض السماوات والأرض، كما هي طباقاً، لا بأن تقرن كبسط الثياب، فالجنة في السماء، وعرضها كعرضها وعرض ما وراءها من الأرضين إلى السابعة، وهذه الدلالة على العظم أغنت عن ذكر الطول، وقال قوم : الكلام جار على مقطع العرب من الاستعارة، فلما كانت الجنة من الاتساع والانفساح في غاية قصوى، حسنت العبارة عنها بعرضها السماوات والأرض، كما تقول لرجل : هذا بحر، ولشخص كبير من الحيوان : هذا جبل، ولم تقصد الآية تحديد العرض. 
قال القاضي أبو محمد : وجلب مكي هذا القول غير ملخص، وأدخل حجة عليه قول العرب : أرض عريضة وليس قولهم، أرض عريضة، مثل قوله : عرضها السماوات والأرض  إلا في دلالة ذكر العرض على الطول فقط، وكذلك فعل النقاش وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للفارين يوم أحد : لقد ذهبتم فيها عريضة[(١٦)](#foonote-١٦)، وقال ابن فورك : الجنة في السماء، ويزاد فيها يوم القيامة. 
قال القاضي أبو محمد : وفي هذا متعلق لمنذر بن سعيد وغيره ممن قال : إن الجنة لم تخلق بعد، وكذلك النار، وهو قول ضعيف، وجمهور العلماء على أنهما قد خلقتا، وهو ظاهر كتاب الله تعالى في قوله،  أعدت للمتقين  و  أعدت للكافرين [(١٧)](#foonote-١٧) وغير ذلك، وهو نص في الأحاديث كحديث الإسراء[(١٨)](#foonote-١٨) وغيره، مما يقتضي أن ثم جنة قد خلقت، وأما من يقول : يزاد فيهما فلا ترد عليه الأحاديث، لكنه يحتاج إلى سند يقطع العذر، و  أعدت  معناه : يسرت وانتظروا بها.

١ - \[ويسارعون في الخيرات\] من الآية (١١٤) من سورة آل عمران، ومن الآية (٦١) من سورة المؤمنون، \[ونسارع لهم في الخيرات\] من الآية (٥٧) من سورة المؤمنون..
٢ - من الآية (١٤٨) من سورة البقرة، ومن الآية (٤٨) من سورة المائدة..
٣ من الآية (٢٨) من سورة لقمان..
٤ - البيت لذي الخرق الطهوي يخاطب ذئبا تبعه في طريقه. وبُغام الناقة بالضم: صوت لا تفصح به. والعناق: بالفتح الأنثى من المعز. وويب: بمعنى: ويل. "اللسان"..
٥ - البيت نسبه في اللسان للنابغة، ونسبه ابن بري لشقيق بن جزء بن رباح الباهلي، والغدير: الحال. وسلي: اسم موضع بالأهواز كثير الثمر. والنعام: طائر من فصيلة النعاميات يقال فيه: إنه مركب من خلقة الطير وخلقة الجمل، ومؤنثة نعامة. قاق النعام: صوّت. والقفار: جمع القفر الخالي من البناء والشجر والساكن. يريد: كأن حالهم في الهزيمة حال نعام تغدو مذعورة..
٦ - أخرجه الطبراني-عن عبد الله بن سلام بلفظ: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ما بين المصراعين في الجنة أربعون عاما، وليأتين يوم يزاحم عليه كازدحام الإبل وردت لخمس ظماء). "مجمع الزوائد. (١٠/ ٣٩٧) والحديث متعدد الروايات والطرق. والخمص: جمع خميص من خمص إذا جاع. والظماء: جمع ظمآن من ظمئ مثقل عطش وزنا ومعنى..
٧ - أخرجه الإمام أحمد في مسنده، والإمام مسلم، والبخاري، والترمذي عن أنس. (الجامع الصغير١/٣١١)..
٨ - أخرجه ابن جرير، وأبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي ذر. (فتح القدير للشوكاني ١/٢٤٥)..
٩ - هكذا ورد في جمع النسخ: وكذا في "تفسير القرطبي"، أما بقية كتب التفاسير الموجودة بأيدينا فقد ورد فيها: يعلى بن مرة بإسقاط (أبي)، ولعله الصواب، بدليل أن ابن جرير روى حديثا عن يعلى بن مرة عن التنوخي، وهو نفس السند الذي رواه به ابن عطية.
 وهو يعلى بن مرة الثقفي أبو المرازم من أفاضل الصحابة، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث، وروى عنه ابناه، وراشد بن سعد، وآخرون. قال ابن سعد: أمره صلى الله عليه وسلم بأن يقطع أعناب ثقيف فقطعها (الإصابة ٣/٦٦٩)..
١٠ - التنوخي بفتح المثناة الفوقية وضم النون المخففة وخاء معجمة نسبة إلى تنوخ، وهو اسم لعدة قبائل اجتمعوا قديما بالبحرين، وتحالفوا على التناصر، وهي إحدى القبائل الثلاث التي هي مسكن نصارى العرب وهم بهراء وتنوخ وتغلب والتنوخي هذا لما حضر بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض عليه الإسلام فأجاب بأنه رسول قوم، وعلى دين قوم لا يرجع عنه حتى يرجع، فقال صلى الله عليه وسلم: إنك تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء. (مجمع الزوائد ٨/٢٣٥)..
١١ - هرقل: هو إمبراطور الدولة الرومانية الشرقية بالقسطنطينية، حكم من سنة: ٦١٠ إلى سنة ٦٤١، في مدته افتتح أبو عبيدة بن الجراح، وخالد بن الوليد كثيرا من بلاد سوريا، وهزموا جيوشا رومية عديدة، وفتحوا مصر ودمشق. (دائرة المعارف لوجدي ١٠/٤٩٢)..
١٢ - فند، الفند: الخرف وإنكار العقل من الهرم أو المرض، وقد يستعمل في غير الكبر. (اللسان)..
١٣ - أخرجه الإمام أحمد في مسنده، عن التنوخي وهو حديث صحيح، (الجامع الصغير. ٢/١٤). كما أخرجه ابن جرير في تفسيره: ٤/٩٢ عن يعلى بن مرة عن التنوخي)..
١٤ - هو قيس بن مسلم الجدلي العدواني أبو عمر الكوفي، من قيس علان، روى عن طارق بن شهاب، والحسن بن محمد بن الحنفية، ومجاهد وعبد الرحمان بن أبي ليلى، وغيرهم، وروى عنه الأعمش، وشعبة، والثوري، ومسعر، ومالك بن مغول، وآخرون، ثقة، وكان مرجئا (تهذيب التهذيب ٨/٤٠٣)..
١٥ - هو طارق بن شهاب بن عبد شمس البجلي، أبو عبد الله، رأى النبي صلى الله عليه وسلم، روى عنه مرسلا، وعن الخلفاء الأربعة وغيرهم، وروى عنه إسماعيل بن أبي خالد، وقيس بن مسلم وجماعة، توفي سنة ٨٢هـ. "تهذيب التهذيب. ٥/٣" و"الإصابة"..
١٦ - أخرجه ابن جرير في التفسير والتاريخ، وابن إسحاق في السيرة، وذكره ابن الأثير في النهاية في مادة: عرض..
١٧ - \[أعدت للكافرين\] تكررت في الآيتين (١٣١) من سورة (آل عمران) و(٢٤) من سورة (البقرة)..
١٨ - أخرجه مسلم في باب الإيمان ١/١٠٢ كما أخرجه غيره من المحدثين..

### الآية 3:134

> ﻿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [3:134]

ثم وصف تعالى المتقين الذين أعدت لهم الجنة، بقوله : الذين ينفقون  الآية، وظاهر هذه الآية أنها مدح بفعل المندوب إليه، قال ابن عباس رضي الله عنهما : في السراء والضراء ، معناه : في العسر واليسر. 
قال القاضي : إذ الأغلب أن مع اليسر النشاط وسرور النفس، ومع العسر الكراهية وضر النفس، وكظم الغيظ رده في الجوف إذا كاد أن يخرج من كثرته، فضبطه ومنعه كظم له، والكظام : السير الذي يشد به فم الزق والقربة، وكظم البعير جرته[(١)](#foonote-١) : إذا ردها في جوفه، وقد يقال لحبسه الجرة قبل أن يرسلها إلى فيه، كظم، حكاه الزجّاج، فقال : كظم البعير والناقة إذا لم يجترا ومنه قول الراعي :\[ الكامل \]
فَأَفَضْنَ بَعْدَ كُظُومِهِنَّ بجِرَّةٍ. . . من ذي الأباطح أذرعين حقيلا[(٢)](#foonote-٢)
و  الغيظ  : أصل الغضب، وكثيراً ما يتلازمان، ولذلك فسر بعض الناس  الغيظ  بالغضب وليس تحرير الأمر كذلك، بل  الغيظ  فعل النفس لا يظهر على الجوارح، والغضب حال لها معه ظهور في الجوارح وفعل ما ولا بد، ولهذا جاز إسناد الغضب إلى الله تعالى، إذ هو عبارة عن أفعاله في المغضوب عليهم، ولا يسند إليه تعالى غيظ، وخلط ابن فورك في هذه اللفظة، ووردت في كظم الغيظ وملك النفس عند الغضب أحاديث، وذلك من أعظم العبادة وجهاد النفس، ومنه قوله عليه السلام&lt; ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب&gt;[(٣)](#foonote-٣)، ومنه قول النبي عليه السلام :( ما من جرعة يتجرعها العبد خير له وأعظم أجراً من جرعة غيظ في الله ) [(٤)](#foonote-٤)، وروى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال :**«من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه، ملأه الله أمناً وإيماناً »**[(٥)](#foonote-٥)، والعفو عن الناس من أجل ضروب فعل الخير، وهذا حيث يجوز للإنسان ألا يعفو، وحيث يتجه حقه، وقال أبو العالية : والعافين عن الناس ، يريد المماليك. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا حسن على جهة المثال، إذ هم الخدمة، فهم مذنبون كثيراً، والقدرة عليهم متيسرة، وإنفاذ العقوبة سهل، فلذلك مثل هذا المفسر به، وذكر تعالى بعد ذلك أنه  يحب المحسنين ، فعم هذه الوجوه وسواها من البر، وهذا يدلك على أن الآية في المندوب إليه، ألا ترى إلى سؤال جبريل عليه السلام، فقال : ما الإيمان ؟ ثم قال ما الإسلام ؟ فذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم المفروضات، ثم قال له : ما الإحسان ؟ قال :( أن تعبد الله كأنك تراه ) [(٦)](#foonote-٦)، الحديث.

١ - الجرة بالكسر: ما يخرجه البعير للاجترار..
٢ - الراعي: هو عبيد بن حصين النميري تقدمت ترجمته. وأفاض البعير: دفع جرته من كرشته، وكظم كظوما: أمسك عن الجرة. قال ثعلب: سألني محمد بن عبد الله بن طاهر عن هذا البيت فقلت: ذو الأبارق وحقيل: موضع واحد فأراد من ذي الأبارق إذ رعينه، يقول: كن أي الإبل كظوما من العطش، فلما ابتل ما في بطونها أفضن بجرة، والمعنى أنها إذا رعت حقيلا أفاضت بذي الأبارق. (معجم البلدان ٣/ ٣٠٧) ورواية البيت فيه:
 وأفضن بعد كظومهن بجرة من ذي الأبارق... بدلا من: ذي الأباطح..
٣ - أخرجه الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم- عن أبي هريرة- (الجامع الصغير. ٢/٣٨٨)..
٤ - أخرجه ابن ماجة عن ابن عمر (وهو حسن). (الجامع الصغير ٢/ ٤٤٠)..
٥ - أخرجه ابن أبي ليلى في ذم الغضب عن أبي هريرة، (وهو ضعيف). الجامع الصغير. (٢/٥٥٤) – هذا وهناك أخبار وأشعار كثيرة عن كظم الغيظ نذكر منها:
 عن عائشة أن خادما لها غاظها فقالت: لله در التقوى، ما تركت لذي غيظ ثناء
 **وأنشد أبو القاسم ابن حبيب:**
 وإذا غضبت فكن وقورا كاظما للغيظ تُبصر ما تقول وتسمع.
٦ - أخرجه مسلم عن ابن عمر ١/٢٩..

### الآية 3:135

> ﻿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [3:135]

ذكر الله تعالى في هذه الآية صنفاً دون الصنف الأول، فألحقهم بهم برحمته ومنه، فهؤلاء هم التوابون، وروي في سبب هاتين الآيتين : أن الصحابة قالوا : يا رسول الله، كانت بنو إسرائيل أكرم على الله منا حين كان المذنب منهم يصبح وعقوبته مكتوبة على باب داره، فأنزل الله هذه الآية توسعة ورحمة وعوضاً من ذلك الفعل ببني إسرائيل، ويروى أن إبليس بكى حين نزلت هذه الآية[(١)](#foonote-١)، وروى أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«ما من عبد يذنب ذنباً ثم يقوم فيتطهر ويصلي ركعتين ويستغفر إلا غفر له »**[(٢)](#foonote-٢)، وقوله  والذين  عطف جملة ناس على جملة أخرى، وليس  الذين  بنعت كرر معه واو العطف، لأن تلك الطبقة الأولى تنزه عن الوقوع في الفواحش، و **«الفاحشة »** هنا صفة لمحذوف أقيمت الصفة مقامه، التقدير : فعلوا فعلة فاحشة، وهو لفظ يعم جميع المعاصي، وقد كثر اختصاصه بالزنا، حتى فسر السدي هذه الآية بالزنا، وقال جابر بن عبد الله لما قرأها : زنى القوم ورب الكعبة، وقال إبراهيم النخعي : الفاحشة من الظلم، والظلم من الفاحشة وقال قوم : الفاحشة في هذه الآية إشارة إلى الكبائر، وظلم النفس إشارة إلى الصغائر، و  ذكروا الله  معناه : بالخوف من عقابه والحياء منه، إذ هو المنعم المتطول ومن هذا قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه : رحم الله صهيباً لو لم يخف الله لم يعصه، و  استغفروا  معناه : طلبوا الغفران، واللام معناها : لأجل **«ذنوبهم »**، ثم اعترض أثناء الكلام قوله تعالى : ومن يغفر الذنوب إلا الله ، اعتراضاً مرققا للنفس، داعياً إلى الله، مرجياً في عفوه، إذا رجع إليه، وجاء اسم  الله  مرفوعاً بعد الاستثناء والكلام موجب، حملاً على المعنى، إذ هو بمعنى وما يغفر الذنوب إلا الله، وقوله تعالى : ولم يصروا  الإصرار معناه : اعتزام الدوام على الأمر، وترك الإقلاع عنه، ومنه صر الدنانير، أي الربط عليها، ومنه قول أبي السمال قعنب العدوي :**«علم الله أنها مني صرى »**. 
يريد : عزيمة. فالإصرار اعتزام البقاء على الذنب، ومنه قول النبي عليه السلام :&lt; لا توبة مع إصرار&gt;[(٣)](#foonote-٣)، وقال أيضاً :&lt; ما أصر من استغفر&gt;[(٤)](#foonote-٤)، واختلفت عبارة المفسرين في الإصرار، فقال قتادة : هو الذي مضى قدماً في الذنب لا تنهاه مخافة الله. وقال الحسن، إتيان العبد الذنب هو الإصرار حتى يتوب، وقال مجاهد : لم يصروا  معناه : لم يمضوا وقال السدي :**«الإصرار »** هو ترك الاستغفار، والسكوت عنه مع الذنب[(٥)](#foonote-٥)، وقوله تعالى : وهم يعلمون  قال السدي : معناه وهم يعلمون أنهم قد أذنبوا، وقال ابن إسحاق : معناه، وهم يعلمون بما حرمت عليهم، وقال آخرون : معناه، وهم يعلمون أن باب التوبة مفتوح لهم وقيل : المعنى، وهم يعلمون أني أعاقب على الإصرار.

١ - أخرجه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير- عن ثابت البناني (فتح القدير للشوكاني ١/٣٤٩)..
٢ - أخرجه ابن أبي شيبة، وأحمد، والحميدي، وعبد بن حميد، وابن المنذري، وابن أبي حاتم، وابن السني، والبيهقي في "الشعب"، والضياء في "المختارة" عن أبي بكر الصديق (فتح القدير للشوكاني ١/٣٥٠)..
٣ - وأخرج الديلمي في الفردوس عن ابن عباس قال: (لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار)، وهو ضعيف. (الجامع الصغير ٢/ ٦٤٧)..
٤ - أخرجه أبو داود، والترمذي عن أبي بكر "وهو ضعيف" (الجامع الصغير ٢/٤١٧..
٥ - مما ذكر في "الإصرار" قول الشاعر:
 يصر بالليل ما تخفى شواكله يا ويح كل مصر القلب ختّار
 .

### الآية 3:136

> ﻿أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [3:136]

ثم شرك تعالى الطائفتين المذكورتين في قوله  أولئك جزاؤهم  الآية، وهذه تؤذن بأن الله تعالى أوجب على نفسه بهذا الخبر الصادق قبول توبة التائب، وليس يجب عليه تعالى من جهة العقل شيء، بل هو بحكم الملك لا معقب لأمره، وقوله : ونعم أجر العاملين  بمنزلة قوله : ونعم الأجر، لأن نعم وبئس تطلب الأجناس المعرفة أو ما أضيف إليها وليست هذه الآية بمنزلة قوله تعالى : ساء مثل القوم [(١)](#foonote-١) لأن المثل هنا أضيف إلى معهود لا إلى جنس، فلذلك قدره أبو علي : ساء المثل مثل القوم، ويحتمل أن يكون مثل القوم مرتفعاً **«بساء »** ولا يضمر شيء.

١ -من الآية (١٧٧) من سورة الأعراف..

### الآية 3:137

> ﻿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [3:137]

الخطاب بقوله تعالى : قد خلت  للمؤمنين والمعنى : لا يذهب بكم ان ظهر الكفار المكذبون عليكم بأحد **«فإن العاقبة للمتقين »** وقديماً أدال الله المكذبين على المؤمنين، ولكن انظروا كيف هلك المكذبون بعد ذلك، فكذلك تكون عاقبة هؤلاء، وقال النقاش : الخطاب ب  قد خلت  للكفار. 
قال الفقيه القاضي أبو محمد : وذلك قلق، و  خلت  معناه : مضت وسلفت، قال الزجّاج : التقدير أهل سنن، و **«السنن »** : الطرائق من السير والشرائع والملك والفتن ونحو ذلك، وسنة الإنسان : الشيء الذي يعمله ويواليه، ومن ذلك قول خلد الهذلي، لأبي ذؤيب :
فَلاَ تَجْزَعَنْ مِنْ سُنَّة أَنْتَ سِرْتَها. . . فَأَوَّلُ راضٍ سُنَّةً مَنْ يَسيرُها[(١)](#foonote-١)
**وقال سليمان بن قتة :**
وإنَّ الأُلى بالطَّفِّ مِنْ آلِ هاشمٍ. . . تأسَّوْا فسَنُّوا للكرام التأسِّيَا[(٢)](#foonote-٢)
**وقال لبيد :**
مِنْ مَعْشَرٍ سَنَّتْ لَهُمْ آباَؤُهُمْ. . . وَلكلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وإِمَامُهَا[(٣)](#foonote-٣)
وقال ابن زيد : قد خلت من قبلكم سنن  معناه : أمثال. 
قال الفقيه الإمام : هذا تفسير لا يخص اللفظة، وقال تعالى : فسيروا  وهذا الأمر قد يدرك بالإخبار دون السير لأن الإخبار إنما يكون ممن سار وعاين، إذ هو مما يدرك بحاسة البصر وعن ذلك ينتقل خبره، فأحالهم الله تعالى على الوجه الأكمل، وقوله : فانظروا ، هو عند الجمهور من نظر العين، وقال قوم : هو بالفكر[(٤)](#foonote-٤).

١ - السنة: السيرة حسنة كانت أو قبيحة، والسيرة: الطريقة: يقول: أنت جعلتها سائرة في الناس..
٢ - هو سليمان بن قتة منسوب إلى أمه، وكان شاعرا يحمل عنه الحديث وهو مولى لتيم قريش. "المعارف لابن قتيبة: ٢٥٨" والألى: اسم موصول، والطف بالفتح: موضع قرب الكوفة كانت به وقعة الحسين بن علي رضي الله عنهما، والمراد بآل هاشم من كان مع الحسين من أهل بيته. تأسوا: تعزوا فسنوا للكرام التأسيا، أي: بينوه وأوضحوا طريقته. "تعليق الكامل"..
٣ - يقول: هو من قوم سنّت لهم أسلافهم كسب رغائب المعالي واغتنامها، ولكل قوم سنة وإمام سنة يؤتم به فيها..
٤ - والجملة الاستفهامية في موضع المفعول لـ (انظروا)، و(كيف) في موضع نصب خبر (كان).

### الآية 3:138

> ﻿هَٰذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [3:138]

وقوله تعالى : هذا بيان للناس  قال الحسن : الإشارة إلى القرآن، وقال قتادة في تفسير الآية : هو هذا القرآن جعله الله بياناً للناس عامة وهدى وموعظة للمتقين خاصة، وقال بمثله ابن جريج والربيع. 
قال القاضي : كونه بياناً للناس ظاهر، وهو في ذاته أيضاً هدى منصوب وموعظة، لكن من عمي بالكفر وضل وقسا قلبه لا يحسن أن يضاف إليه القرآن، وتحسن إضافته إلى **«المتقين »** الذين فيهم نفع وإياهم هدى، وقال ابن إسحاق والطبري وجماعة : الإشارة ب  هذا  إلى قوله تعالى : قد خلت من قبلكم سنن  الآية، قال ابن إسحاق : المعنى هذا تفسير للناس إن قبلوه، قال الشعبي : المعنى، هذا بيان للناس من العمى.

### الآية 3:139

> ﻿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [3:139]

ثم نهى عز وجل المؤمنين عن الوهن لما أصابهم بأحد، والحزن على من فقد، وعلى مذمة الهزيمة، وآنسهم بأنهم  الأعلون  أصحاب العاقبة، والوهن : الضعف، واللين والبلى، ومنه : وهن العظم مني  \[ مريم : ٤ \] ومنه قول زهير :\[ البسيط \]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فَأَصْبَحَ الْحَبْلُ مِنْها واهِناً خلقَا[(١)](#foonote-١)ومن كرم الخلق ألا يهن الإنسان في حربه وخصامه، ولا يلين إذا كان محقاً، وأن يتقصى جميع قدرته ولا يضرع ولو مات، وإنما يحسن اللين في السلم والرضى، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم :**«المؤمن هين لين، والمؤمنون هينون لينون »**[(٢)](#foonote-٢) ومنه قول الشاعر[(٣)](#foonote-٣) :\[ المنخل الهذلي \] :\[ المتقارب \]. 
لَعَمْرُكَ مَا إنْ أَبُو مالِكِ. . . بِوَاهٍ ولا بِضَعِيفٍ قواه
إذا سُدْتَه سُدْتَه مِطْواعَةً. . . وَمَهْما وَكلْتَ إلَيْهِ كَفَاه
وفي هذا الأسلوب الذي ذكرته يجري قول النابغة :
ومن عصاك فعاقبه معاقبة تنهى الظلوم ولا تقعد على ضمد
إلاّ لِمِثْلِكَ أَوْ مَنْ أَنْتَ سَابِقُهُ سبق الجواد إذا استولى على الأمد[(٤)](#foonote-٤)
وفيه يجري قول العرب : إذا لم تغلب فاخلب[(٥)](#foonote-٥)، على من تأوله من المخلب، أي حارب ولو بالأظافر، وهذا هو فعل عبد الله بن طارق[(٦)](#foonote-٦) وهو من أصحاب عاصم بن عدي[(٧)](#foonote-٧) حين نزع يده من القرآن[(٨)](#foonote-٨) وقاتل حتى قتل، وفعل المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح[(٩)](#foonote-٩) في يوم بئر معونة، ومن رآه من معنى الخلب والخلابة الذي هو الخديعة والمكر، فهو رأي دهاة العرب، وليس برأي جمهورها، ومنه فعل عمر بن سعيد الأشدق[(١٠)](#foonote-١٠) مع عبد الملك بن مروان عند قتله إياه، والأمثلة في ذلك كثيرة، وأيضاً فليس المكر والخديعة بذل محض، ولذلك رآه بعضهم، وأما قولهم إذا عز أخوك فهن[(١١)](#foonote-١١)، فالرواية الصحيحة المعنى فيه بكسر الهاء بمعنى : لن واضعف ضعف المطواع، وأما الرواية بضم الهاء فهي أمر بالهوان، وما أعرف ذلك في شيء من مقاطع العرب، وأما الشرع فقد قال النبي عليه السلام :&lt; لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه&gt;[(١٢)](#foonote-١٢)، ورأيت لعاصم أن المثل على ضم الهاء إنما هو من الهون الذي هو الرفق، وليس من الهوان، قال منذر بن سعيد : يجب بهذه الآية أن لا يوادع العدو ما كانت للمسلمين قوة، فإن كانوا في قطر ما على غير ذلك فينظر الإمام لهم بالأصلح، وقوله تعالى : وأنتم الأعلوْن  إخبار بعلو كلمة الإسلام. 
هذا قول الجمهور وظاهر اللفظ، وقاله ابن إسحاق : وروي عن ابن عباس وابن جريج : إنما قال الله لهم ذلك بسبب علوهم في الجبل، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انحاز في نفر يسير من أصحابه إلى الجبل، فبينما هو كذلك إذ علا خالد بن الوليد عليهم الجبل فقال رسول الله عليه السلام :( اللهم لا يعلوننا ) [(١٣)](#foonote-١٣)، ثم قام وقام من معه فقاتل أصحابه وقاتل حينئذ عمر بن الخطاب حتى أزالوا المشركين عن رأس الجبل، وصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيه، فأنزل الله تعالى عليه،  ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون  وقوله تعالى : إن كنتم مؤمنين  يحتمل أن يتعلق الشرط بقوله  ولا تهنوا ولا تحزنوا  فيكون المقصد هز النفوس وإقامتها، ويحتمل أن يتعلق بقوله  وأنتم الأعلون  فيكون الشرط على بابه دون تجوز، ويترتب من ذلك الطعن على من نجم نفاقه في ذلك اليوم، وعلى من تأود[(١٤)](#foonote-١٤) إيمانه واضطرب يقينه، ألا لا يتحصل الوعد إلا بالإيمان، فالزموه. 
ثم قال تعالى، تسلية للمؤمنين : إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله  والأسوة مسلاة للبشر، ومنه قول الخنساء :\[ الوافر \]
ولَوْلاَ كَثْرَةُ البَاكِينَ حَوْلي. . . عَلَى إخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي
وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخي ولكنْ. . . أعزّي النَّفْسَ عَنْهُ بالتأَسِّي[(١٥)](#foonote-١٥)
والسلو بالتأسي هو النفع الذي يجره إلى نفسه الشاهد المحدود، فلذلك ردت شهادته فيما حد فيه وإن تاب وحسنت حاله، و **«القرح »** : القتل والجراح، قاله مجاهد والحسن والربيع وقتادة وغيرهم، والمعنى : إن مسكم في أحد فقد مس كفار قريش ببدر بأيديكم، وقرا نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية حفص :**«قَرْح »** بفتح القاف، وقرأ حمزة الكسائي وعاصم في رواية أبي بكر :**«قُرْح »** بضم القاف، وكلهم سكن الراء، قال أبو علي : هما لغتان كالضَّعف والضُّعف والكَره والكُره، والفتح أولى لأنها لغة أهل الحجاز والأخذ بها أوجب لأن القرآن عليها نزل. 
قال القاضي أبو محمد : هذه القراءات لا يظن إلا أنها مروية عن النبي عليه السلام : وبجميعها عارض جبريل عليه السلام مع طول السنين توسعة على هذه الأمة، وتكملة للسبعة الأحرف حسب ما بيناه في صدر هذا التعليق، وعلى هذا لا يقال : هذه أولى من جهة نزول القرآن بها، وإن رجحت قراءة فبوجه غير وجه النزول، قال أبو الحسن الأخفش :**«القَرح »** و **«القُرح »** مصدران بمعنى واحد، ومن قال القَرح بالفتح الجراحات بأعيانها، والقُرح بضم القاف ألم الجراحات قبل منه إذا أتى برواية، لأن هذا مما لا يعلم بقياس، وقال بهذا التفسير الطبري، وقرأ الأعمش **«إن تمسسكم »** : بالتاء من فوق، **«قروح »** بالجمع، **«فقد مس القوم قرح مثله »**، وقرأ محمد بن السميفع اليماني **«قَرَح »** بفتح القاف والراء، قال أبو الفتح[(١٦)](#foonote-١٦) : هي لغة في القرح كالشل والشلل والطرد والطرد. هذا مذهب البصريين، وليس هذا عندهم من تأثير حرف الحلق، وأنا أميل في هذا إلى قول أصحابنا البغداديين، في أن لحرف الحلق في مثل هذا أثراً معتمداً، وقد سمعت بعض بني عقيل يقول : نحوه بفتح الحاء، يريد نحوه، ولو كانت الكلمة مبنية على فتح الحاء لأعلت الواو كعصاة وقناة، وسمعت غيره يقول : أنا محموم بفتح الحاء قال ابن جني : ولا قرابة بيني وبين البصريين ولكنها بيني وبين الحق، والحمد الله. 
١ -من الآية (٤) من سورة مريم..
٢ - أخرجه البيهقي، و"هو ضعيف". "الجامع الصغير٢/ ٥٧٢".
٣ - هو المتنخل، قال يرثي أخاه عويمرا وهو أبو مالك، وقيل: بل هو: أبو الشاعر لأن المتنخل اسمه مالك. والواهي: الضعيف. والقوى: جمع قوة خلاف الضعف. وبعد البيت:
 ولكنه هين لين كعالية الرمح عرد نساه
 وعالية الرمح: ما دخل في السنان إلى ثلثه. والعرد: بالفتح ثم سكون الراء: الشديد.
 والنّسا بفتح النون مقصورا: عرق يخرج من الورك فيستبطن الفخذ. والمطواعة: الكثير الطوع أي الانقياد. يريد أن أباه كان جلدا شهما لا يكل أمره إلى أحد، ولا يؤخر لعجزه إلى وقت آخر، ومعنى كونه لينا كعالية الرمح: أنه إذا دعي أجاب بسرعة، وأنه غليظ موضع النسا. وإذا كنت فوقه سيدا له طاوعك ولم يحسدك، وإذا وكلت إليه شيئا كفاك. "الخزانة ٢/ ١٩٥"..
٤ - الظلوم: الكثير الظلم. الضمد: الذل والغيظ. استولى: غلب. الأمد: الغاية التي تجري إليها. إلا لمثلك: أي أبيك أو من خرج من صلبك..
٥ - في مجمع الأمثال: (إن لم تغلب فاخلب)، بالضم، ويروى بالكسر، والصحيح الضم يقال: خلب يخلب خلابة، وهي الخديعة. ويراد به الخدعة في الحرب.
 .
٦ - هو عبد الله بن طارق بن عمرو بن مالك البلوي، حليف لبني ظفر من الأنصار، شهد بدرا وأحدا، وهو أحد الستة الذين بعثهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى رهط من عضل والقارة في آخر سنة ثلاث من الهجرة ليفقهوهم في الدين، ويعلموهم القرآن وشرائع الإسلام، فخرجوا معهم حتى إذا كانوا بالرجيع وهو ماء لهذيل استصرخوا عليهم بهذيل وغدروا بهم، فقاتلوا حتى قتلوا وهم: عاصم بن ثابت، ومرثد بن أبي مرثد، وخبيب بن عدي، وخالد بن البكير، وزيد بن الدثنة، وعبد الله هذا من الذين لم يقاتلوا ولانوا في القول ورقوا ورغبوا في الحياة فأعطوا بأيديهم فأسروا حتى إذا كانوا بالظهران انتزع عبد الله يده من القران وأخذ سيفه واستأخر عنه القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه، وقبره بالظهران: "الإصابة" و"الاستيعاب"..
٧ - في كتب السير أن عاصما هو ابن ثابت- وهو الصحيح- وليس ابن عدي. ولعله سهو من الناسخ سقط فيه: (ثابت، وخبيب)، فبذلك يكون ابن عطية قد ذكر ثلاثة من الستة: "عبد الله بن طارق، وعاصم بن ثابت، وخبيب بن عدي".
 فأما عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري فمن السابقين الأولين من الأنصار، يكنى أبا سليمان، شهد بدرا وهو الذي حمته الدبر من المشركين لما أرادوا أن يحتزوا رأسه يوم الرجيع حين قتله بنو لحيان لأنه كان قتل عظيما من عظماء قريش يوم بدر. "الإصابة والاستيعاب".
 وأما خبيب بن عدي بن مالك الأنصاري الأوسي فقد شهد بدرا وأسر يوم الرجيع فانطلق به المشركون مع من أسر معه إلى مكة فباعوهما وحبس في بيت (ماوية) مولاة حجير بن أبي إهاب التي قالت فيه: ما رأيت أسيرا خيرا من خُبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذ من حديقة، وإنه لموثق في الحديد، وأيضا فإنه طلب منها لما علم منها دنو أجله أن تحضر له موسى يتطهر بها ففعلت حيث أرسلتها مع غلام إليه فندمت على فعلتها، ولما دخل بها عليه وسلمها له قال خبيب: لعمرك ما خافت أمك غدري، ما كانت لأفعل إن شاء الله، و لما خرجوا به من الحرم ليقتلوه طلب منهم أن يمهلوه حتى يصلي ركعتين فصلاهما، فكان أول من سنّ الركعتين عند القتل للمسلمين، ثم سلّم نفسه ودعا على الحاضرين من مشركي قريش بدعائه المعروف: "اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحد". "الإصابة والاستيعاب"..
٨ - القران: الحبل يربط به الأسير ويقاد به..
٩ - المنذر بن محمد بن عقبة الأنصاري الخزرجي يكنى أبا عبيدة، شهد بدرا وأحدا واستشهد يوم بئر معونة وهي: بين أرض عامر وحرّة بني سليم. "الإصابة والاستيعاب"..
١٠ - عمرو بن سعيد الأشدق كان من أكابر بني أمية وأما جدهم، وكان شجاعا باسلا، وعلى يديه استتب الأمر لمروان بن الحكم فنازع عبد الملك من بعده الحكم فقتله. "البيان والتبيين"..
١١ - المثل في أمثال المفضل الضبي: ٦٠ والفاخر: ٦٤ وجمهرة العسكري ١/٦٥ وفصل المقال: ٢٣٥ والميداني ١/٤٤ والمستقصى: ٥٣؛ والخلاف بين العلماء فيه حول ضم الهاء وكسرها قديم..
١٢ - أخرجه الإمام أحمد، انظر المسند ٥/ ٤٠٥، وهو أيضا عند الترمذي وابن ماجة في باب "الفتن"..
١٣ - أخرجه ابن جرير من طريق العوفي –عن ابن عباس قال: أقبل خالد بن الوليد يريد أن يعلو عليهم الجبل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم لا يعلون علينا، (فتح القدير للشوكاني ١/٣٥٤) كما أخرجه ابن إسحاق في سيرته..
١٤ - التأود: التثني والاعوجاج..
١٥ - وما يبكون: أي النساء والرجال. أعزي: أصبر وأسلي. والتأسي: التصبر. قال المبرّد: أي يرى ذو البلاء من به مثل بلائه فيكون قد ساواه فيه، فيسكن ذلك من وجده..
١٦ - المحتسب ١/ ١٦٦- ١٦٧..

### الآية 3:140

> ﻿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [3:140]

أخبر تعالى على جهة التسلية أن  الأيام  على قديم الدهر وغابره أيضاً إنما جعلها دولاً بين البشر، أي : فلا تنكروا أن يدال عليكم الكفار، وقال تعالى : نداولها  فهي مفاعلة من جهة واحدة، وإنما ساغ ذلك لأن المداولة منه تعالى هي بين شيئين، فلما كان ذلك الفريقان يتداولان حسن ذلك، و **«الدُّولة »** بضم الدال المصدر، و **«الدَّولة »** بفتح الدال الفعلة الواحدة من ذلك، فلذلك يقال في دولة فلان لأنها مرة في الدهر، وسمع بعض العرب الأَقحاح قارئاً يقرأ هذه الآية، فقال : إنما هو، **«وتلك الأيام نداولها بين العرب »**، فقيل له : إنما هو **«بين الناس »** فقال : إنّا لله، ذهب ملك العرب ورب الكعبة، وقوله تعالى : وليعلم الله الذين آمنوا  دخلت الواو لتؤذن أن اللام متعلقة بمقدر في آخر الكلام، تقديره : وليعلم الله الذين آمنوا، فعل ذلك، وقوله تعالى : وليعلم  معناه : ليظهر في الوجود إيمان الذين قد علم أزلاً أنهم يؤمنون وليساوق علمه إيمانهم ووجودهم، وإلا فقد علمهم في الأول، وعلمه تعالى لا يطرأ عليه التغيير ونحو هذا : أن يضرب حاكم أحداً ثم يبين سبب الضرب ويقول : فعلت هذا التبيين لأضرب مستحقاً، معناه : ليظهر أن فعلي وافق استحقاقه، وقوله تعالى : ويتخذ منكم شهداء ، معناه : أهل فوز في سبيله حسبما ورد في فضائل الشهيد.

### الآية 3:141

> ﻿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [3:141]

ثم أخبر تعالى : أن إدالته الكفار على المؤمنين إنما هي  ليمحص  المؤمنين، وأن إدالة المؤمنين على الكفار إنما هي لمحق الكفار، هذا مقتضى ألفاظ الآية، وقد قال ابن عباس وغيره : جعل الله الدولة لرسوله يوم بدر، وعليه يوم أحد وذهب كثير من أهل العلم إلى العبارة عن إدالة المؤمنين بالنصر، وعن إدالة الكفار بالإدالة، وروي في ذلك عن النبي عليه السلام حديث : إنهم يدالون كما تنصرون، و **«التمحيص »** : التنقية. قال الخليل : التمحيص من العيب يقال : محص الحبل إذا زال عنه بكثرة مره على اليد زئبره وامّلس هكذا ساق الزجّاج اللفظة **«الحبل »** ورواها النقاش محص الجمل : إذا زال عنه وبره وامّلس، وقال حنيف الحناتم، وقد ورد ماء يقال له طويلع[(١)](#foonote-١) : إنك لمحص الرشاء، بعيد المستقى، مطل على الأعداء، فالمعنى : إنه لبعده يلمس حبله بالطين الحر ومد الأيدي، فمعنى الآية : أن الله يمحص المؤمنين إذا أدال عليهم، بأنه ينقي المتشهدين من ذنوبهم، وينقي الأحياء من منافقهم إذ يميزهم، وأنه  يمحق الكافرين  إذا نصر عليهم أي ينقصهم والمحق : الذهاب شيئاً شيئاً، ومنه محاق القمر.

١ - حنيف الحناتم رجل من بني تيم اللات، وأحد بني حنتم، ابن عدي بن الحارث بن تيم اللات من ثعلبة- وفي المثال: "آبل من حنيف الحناتم". ومن كلام حنيف الدال على إبالته قوله: "من قاظ الشرف، وتربّع الحزن، وتشتى الصمان فقد أصاب المرعى" (مجمع الأمثال ١/٨٦) والتاج على القاموس في مادة (أبل) وإبالة الرجل: حسن رعايته للإبل، وأبلت الإبل: استغنت عن الماء بالكلأ الرطب.
 وطويلع: ماء لبني تيم ثم لبني يربوع منهم، قال أبو منصور: هو ركية عادية بالشواجن عذبة الماء قريبة الرشاء. قال السكوني: قال شيخ من الأعراب لآخر: فهل وجدت طويلعا، أما والله إنه لطويل الرشاء، بعيد العشاء، مشرف على الأعداء. (معجم البلدان ٦/ ٧٣)..

### الآية 3:142

> ﻿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [3:142]

أم  : هي بمعنى الإضراب عن الكلام الأول والترك له، وفيها لازم معنى الاستفهام، فلذلك قدرها سيبويه ببل وألف الاستفهام، و  حسبتم  معناه ظننتم. وهذه الآية وما بعدها تقريع وعتب لطوائف المؤمنين الذين وقعت منهم الهفوات المشهورة في يوم واحد، وقوله : ولما يعلم  نفي مؤكد وهو معادل لقول القائل : قد كان كذا، فلما أكد هذا الخبر الموجب، بقد، أكد النفي المعادل له ب ( لما )، وإذا قال القائل : كان كذا، فمعادله لم يكن دون تأكيد في الوجهين، قاله سيبويه : وقرأ جمهور الناس : بكسر الميم للالتقاء في قوله : ولما يعلم  وقرأ يحيى بن وثاب وإبراهيم النخعي :**«ولما يعلم »** بفتح الميم إتباعاً لفتحة اللام، وقرأ الجمهور **«ويعلمَ »** على النصب بإضمار - أن- عند البصريين، وبواو الصرف عند الكوفيين وروي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قرأ :**«ويعلمُ »** بالرفع على استئناف الفعل، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ويحيى بن يعمر وأبو حيوة وعمرو بن عبيد :**«ويعلمِ »** بكسر الميم جزماً معطوفاً على قوله  ولما يعلم .

### الآية 3:143

> ﻿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [3:143]

ثم خاطب المؤمنين بقوله : ولقد كنتم تمنون الموت  والسبب في ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في غزوة بدر يريد عير قريش مبادراً فلم يوعب[(١)](#foonote-١) الناس معه، إذ كان الظن أنه لا يلقى حرباً، فلما قضى الله ببدر ما قضى وفاز حاضروها بالمنزلة الرفيعة، كان المتخلفون من المؤمنين عنها يتمنون حضور قتال الكفار مع النبي صلى الله عليه وسلم ليكون منهم في ذلك غناء يلحقهم عند ربهم ونبيهم بمنزلة أهل بدر، ولأنس بن النضر[(٢)](#foonote-٢) في ذلك كلام محفوظ، فلما جاء أمر أحد -وحضر القتال لم يصدق كل المؤمنين، فعاتبهم الله بهذه الآية وألزمهم تعالى تمني الموت من حيث تمنوا لقاء الرجال بالحديد ومضاربتهم به، وهي حال في ضمنها في الأغلب الموت، ولا يتمناها إلا من طابت نفسه بالموت، فصار الموت كأنه المتمنى، وإلا فنفس قتل المشرك للمسلم لا يجوز أن يتمنى من حيث هو قتل، وإنما تتمنى لواحقه من الشهادة والتنعيم، وقرأ الجمهور :**«من قبل أن تلقوه »**، وقرأ الزهري وإبراهيم النخعي **«من قبل أن تلاقوه »** وهذه والأولى في المعنى سواء من حيث - لقي - معناه يتضمن أنه من اثنين وإن لم يكن على وزن فاعل، وقرأ مجاهد **«من قبلُ »** بضم اللام وترك الإضافة، وجعل  أن تلقوه  بدلاً من  الموت ، وقوله تعالى : فقد رأيتموه  يريد رأيتم أسبابه وهي الحرب المشتعلة والرجال بأيديهم السيوف، وهذا كما قال عمير بن وهب[(٣)](#foonote-٣) يوم بدر : رأيت البلايا، تحمل المنايا، وكما قال الحارث بن هشام :\[ الكامل \]
وَوَجَدْتُ رِيحَ الْمَوْتِ مِنْ تِلْقَائِهِمْ. . . في مَأْزقِ وَالْخَيْلُ لَمْ تتبددِ[(٤)](#foonote-٤)
يريد لقرب الأمر، ونحو هذا قول عامر بن فهيرة[(٥)](#foonote-٥) :
لقد رأيت الموت قبل ذوقه. . . يريد لما اشتد به المرض، وقرأ طلحة بن مصرف **«فلقد رأيتموه »**، وقوله تعالى : وأنتم تنظرون  يحتمل ثلاثة معان : أحدها التأكيد للرؤية وإخراجها من الاشتراك الذي بين رؤية القلب ورؤية العين في اللفظ، والآخر أن يكون المعنى أنتم تنظرون في أسباب النجاة والفرار وفي أمر محمد عليه السلام هل قتل أم لا ؟ وذلك كله نقض لما كنتم عاهدتم الله عليه، وحكى مكي عن قوم أنهم قالوا : المعنى : وأنتم تنظرون إلى محمد، وهذا قول ضعيف، إلا أن ينحى به إلى هذا القول الذي ذكرته أنه النظر في أمره هل قتل ؟ والاضطراب بحسب ذلك، والمعنى الثالث أن يكون قد وقفهم على تمنيهم ومعاهدتهم، وعلى أنهم رأوا ذلك الذي تمنوا، ثم قال على جهة التوبيخ والعتب : وأنتم تنظرون  في فعلكم الآن بعد انقضاء الحرب هل وفيتم أم خالفتم ؟ كأنه قال : وأنتم حسباء أنفسكم، فتأملوا قبيح فعلكم وفي هذا التوبيخ على هذا الوجه ضرب جميع من الإبقاء والصون والاستدعاء، قال ابن فورك : المعنى وأنتم تتأملون الحال في ذلك وتفكرون فيها كيف هي ؟ وهذا نحو ما تقدم.

١ - أوعب الناس: خرجوا كلهم للغزو..
٢ - هو أنس بن النضر بن ضمضم الأنصاري الخزرجي عم أنس بن مالك خادم النبي صلى الله عليه وسلم، روي أنه غاب عن قتال بدر فقال: يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت فيه المشركين، والله لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، القصة بتمامها في الإصابة والاستيعاب..
٣ - هو عمير بن وهب بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح-يكنى أبا أمية، كان له قدر وشرف في قريش، شهد بدرا كافرا، وهو القائل لقريش يومئذ في الأنصار: إني أرى وجوها كوجوه الحيات، لا يموتون ظمأ أو يقتلوا منا أعدادهم، فلا تتعرضوا لهم بهذه الوجوه التي كأنها المصابيح، فقالوا له: دع هذا عنك وحرش بين القوم. وهو الذي مشى حول عسكر النبي من نواحيه ليحزر عددهم يوم بدر، وأسر ابنه، ثم قدم عمير المدينة يريد الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره صلى الله عليه وسلم بما جرى بينه وبين صفوان فأسلم وشهد شهادة الحق، ثم انصرف إلى مكة حيث أسلم على يده خلق كثير، وشهد أحدا، وهو أحد الأربعة الذين أمد بهم عمر بن الخطاب عمرو بن العاص بمصر، عاش إلى صدر من خلافة عثمان. "الاستيعاب والإصابة"..
٤ - تلقاء الشيء: نحوه، وقد يستعمل في معنى اللقاء. والمأزق: المضيق. والتبدد: التمزق. وقوله: "ووجدت ريح الموت من تلقائهم" ضربه مثلا، ومعناه: إنه غلب على ظنه أنه لو وقف وقاتل قتل، وأن قتاله منفردا لا يؤثر في العدو، فلذلك آثر الفرار، ورواية البيت في الحماسة:
 وشممت ريح الموت من تلقائهم... إلخ.
٥ - عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق، من مواليد الأزد، أسود، أسلم وهو مملوك للطفيل فاشتراه أبو بكر وأعتقه، وكان إسلامه قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم بن أبي الأرقم، وكان يرعى الغنم في ثور ثم يروح بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر في الغار، وكان رفيقهما في الهجرة إلى المدينة، شهد بدرا وأحدا، ولما قدم المدينة اشتكى فيمن اشتكى بالحمى وكان كلما تألم يقول:
 إني وجدت الموت قبل ذوقه إن الجبان حتفه من فوقه
 كل امرئ مجاهد بطوقه كالثور يحمي جلده بروقه.
 قتله عامر بن الطفيل يوم بئر معونة. "الإصابة والاستيعاب"..

### الآية 3:144

> ﻿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [3:144]

هذا استمرار في عتبهم، وإقامة لحجة الله عليهم، المعنى : أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول كسائر الرسل، قد بلغ كما بلغوا، ولزمكم أيها المؤمنون العمل بمضمن الرسالة وليست حياة الرسول وبقاؤه بين أظهركم شرطاً في ذلك، لأن الرسول يموت كما مات الرسل قبله، و  خلت  معناه مضت وسلفت، وصارت إلى الخلاء من الأرض. وقرأ جمهور الناس ******«الرسل »****** بالتعريف، وفي مصحف ابن مسعود **«رسل »** دون تعريف، وهي قراءة حطان بن عبد الله[(١)](#foonote-١)، فوجه الأولى تفخيم ذكر الرسل، والتنويه، بهم على مقتضى حالهم من الله تعالى، ووجه الثانية، أنه موضع تيسير لأمر النبي عليه السلام في معنى الحياة، ومكان تسوية بينه وبين البشر في ذلك، فيجيء تنكير ******«الرسل »****** جارياً في مضمار هذا الاقتصاد به صلى الله عليه وسلم، وهكذا يفعل في مواضع الاقتصاد بالشي، فمنه قوله تعالى : وقليل من عبادي الشكور [(٢)](#foonote-٢) وقوله تعالى : وما آمن معه إلا قليل [(٣)](#foonote-٣) إلى غير ذلك من الأمثلة، ذكر ذلك أبو الفتح[(٤)](#foonote-٤)، والقراءة بتعريف ******«الرسل »****** أوجه في الكلام، وقوله تعالى : أفإن مات  الآية، دخلت ألف الاستفهام على جملة الكلام على الحد الذي يخبر به ملتزمه، لأن أقبح الأحوال أن يقولوا : إن مات محمد أو قتل انقلبنا، فلما كان فعلهم ينحو هذا المنحى وقفوا على الحد الذي به يقع الإخبار، وقال كثير من المفسرين : ألف الاستفهام دخلت في غير موضعها، لأن الغرض إنما هو : أتنقلبون على أعقابكم إن مات محمد ؟ فالسؤال إنما هو عن جواب الشرط. 
قال الفقيه القاضي أبو محمد : وبذلك النظرالذي قدمته يبين وجه فصاحة دخول الألف على الشرط، وذلك شبيه بدخول ألف التقريب في قوله : أو لو كان آباؤهم [(٥)](#foonote-٥) ونحوه من الكلام، كأنك أدخلت التقرير على ما ألزمت المخاطب أنه يقوله، والانقلاب على العقب يقتضي التولي عن المنقلب عنه، ثم توعد تعالى المنقلب على عقبه بقوله تعالى : فلن يضر الله شيئاً  لأن المعنى فإنما يضر نفسه وإياها يوبق، ثم وعد الشاكرين وهم الذين صدقوا وصبروا ولم ينقلب منهم أحد على عقبيه بل مضى على دينه قدماً حتى مات، فمنهم سعد بن الربيع[(٦)](#foonote-٦) وتقضي بذلك وصيته إلى الأنصار، ومنهم أنس بن النضر، ومنهم الأنصاري الذي ذكر الطبري عنه بسند أنه مر عليه رجل من المهاجرين، والأنصاريّ يتشحط في دمه، فقال : يا فلان أشعرت أن محمداً قد قتل : فقال الأنصاري : إن كان محمد قد قتل فإنه قد بلغ، فقاتلوا عن دينكم. 
قال الفقيه أبو محمد : فهؤلاء أصحاب النازلة يومئذ صدق فعلهم قولهم : ثم يدخل في الآية الشاكرون إلى يوم القيامة : قال ابن إسحاق معنى  وسيجزي الله الشاكرين  أي من أطاعه وعمل بأمره، وذكر الطبري بسند عن علي بن أبي طالب وذكر غيره : أنه قال في تفسير هذه الآية :**«الشاكرون »** : الثابتون على دينهم، أبو بكر وأصحابه وكان يقول : أبو بكر أمير الشاكرين، وهذه عبارة من علي بن أبي طالب رضي الله عنه إنما هي إلى صدع أبي بكر رضي الله عنه بهذه الآية في يوم موت النبي عليه السلام وثبوته في ذلك الموطن، وثبوته في أمر الردة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قبض وشاع موته، هاج المنافقون وتكلموا، وهموا بالاجتماع والمكاشفة، أوقع الله تعالى في نفس عمر رضي الله عنه أن النبي لم يقبض فقام بخطبته المشهورة المخوفة للمنافقين برجوع النبي عليه السلام، ففت ذلك في أعضاد المنافقين وتفرقت كلمتهم ثم جاء أبو بكر بعد أن نظر إلى النبي عليه السلام فسمع كلام عمر فقال له : اسكت، فاستمر عمر في كلامه فتشهد أبو بكر فأصغى الناس إليه، فقال : أما بعد فإنه من كان يعبد الله تعالى، فإن الله حي لا يموت ومن كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات،  وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ، وتلا الآية كلها، فبكى الناس ولم يبق أحد إلا قرأ الآية كأن الناس ما سمعوها قبل ذلك اليوم، قالت عائشة رضي الله عنها في البخاري : فنفع الله بخطبة عمر، ثم بخطبة أبي بكر. 
قال الفقيه الإمام أبو محمد : فهذا من المواطن التي ظهر فيها شكر أبي بكر وشكر الناس بسببه.

١ - هو حطان بن عبد الله الرقاشي البصري، ويقال: السدوسي، كبير القدر، صاحب زهد وورع وعلم، قرأ على أبي موسى الأشعري عرضا، وقرأ عليه عرضا الحسن البصري، مات سنة نيف وسبعين، وهو ثقة، قليل الحديث، (طبقات القراء للجزري ١/٢٥٣. وتهذيب التهذيب)..
٢ - من الآية (١٣) من سورة سبأ..
٣ - من الآية (٤٠) من سورة هود..
٤ - انظر المحتسب ١/١٦٨..
٥ - تكررت في سورة البقرة في الآية (١٧٠) وفي سورة المائدة في الآية (١٠٤)..
٦ - هو سعيد بن الربيع بن عمرو الأنصاري الخزرجي، أحد نقباء الأنصار، كان كاتبا في الجاهلية، شهد العقبة الأولى و الثانية وبدرا، وقتل يوم أحد شهيدا، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلتمس عن خبره أهو في الأحياء أم في الأموات، فوجده المتطوع للبحث عنه به رمق، فقال له: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم لآتيه بخبرك، فقال له سعد: اذهب إليه فأقرئه مني السلام، وأخبره أني قد طعنت اثنتي عشرة طعنة، وأني قد نفذت مقاتلي، وأخبر قومك أنهم لا عذر لهم عند الله إن قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وواحد منهم حي، فلما أخبر صلى الله عليه وسلم بحالته قال: نصح لله ولرسوله حيا وميتا. (الإصابة والاستيعاب)..

### الآية 3:145

> ﻿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ۗ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ [3:145]

ثم أخبر تعالى عن النفوس أنها إنما تموت بأجل مكتوب محتوم واحد عند الله تعالى، أي فالجبن لا يزيد فيه، والشجاعة والإقدام لا تنقص منه، وفي هذه الآية تقوية النفوس للجهاد، قال ابن فورك : وفيها تسلية في موت النبي عليه السلام، العبارة بقوله : وما كان  قد تجيء فيما هو ممكن قريب نحو قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه : ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله، وقد تقع في الممتنع عقلاً نحو قوله  ما كان لكم أن تنبتوا شجرها [(١)](#foonote-١) فهي عبارة لا صيغة لها ولا تتضمن نهياً كما يقول بعض المفسرين، وإنما يفهم قدر معناها من قرائن الكلام الذي تجيء العبارة فيه، و **«نفس »** في هذه الآية : اسم الجنس، و **«الإذن »** التمكين من الشيء مع العلم بالشيء المأذون فيه، فإن انضاف إلى ذلك قول فهو الأمر، وقوله : كتاباً  نصب على التمييز و  مؤجلا  صفة. وهذه الآية ردّ على المعتزلة[(٢)](#foonote-٢) في قولهم بالأجلين، وأما الانفصال عن تعلقهم بقوله تعالى : ويؤخركم إلى أجل مسمى [(٣)](#foonote-٣) ونحو هذا من الآيات، فسيجيء في مواضعه إن شاء الله تعالى. 
**قوله تعالى :**
 وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِى الشَّاكِرِينَ وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ 
قوله تعالى : نؤته منها  مشروط بالمشيئة، أي نؤت من شئنا منها ما قدر له، بيّن ذلك قوله تعالى : من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد [(٤)](#foonote-٤)، وقرينة الكلام تقتضي أنه لا يؤتى شيئاً من الآخرة لأن من كانت نيته من عمله مقصورة على طلب الدنيا، فلا نصيب له في الآخرة، والأعمال بالنيات، وقرينة الكلام في قوله : ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها  لا تمنع أن يؤتى نصيباً من الدنيا، وقرأ جمهور الناس **«نؤته ونؤته وسنجزي »**. كلها بنون العظمة، وقرأ الأعمش بالياء في الثلاثة، وذلك على على حذف الفاعل لدلالة الكلام عليه، قال ابن فورك : في قول الله تعالى : وسنجزي الشاكرين  إشارة إلى أنه ينعمهم بنعيم الدنيا لا أنهم يقصرون على الآخرة.

١ - من الآية (٦٠) من سورة النمل..
٢ - مذهب المعتزلة: أن المقتول ليس بميت، لأن القتل فعل العبد، والموت فعل الله، فيكون بذلك للمقتول أجلان: أحدهما القتل، والآخر الموت، وأنه لو لم يُقتل لعاش إلى أجله الذي هو الموت. "روح المعاني ٤/٧٦"..
٣ -من الآية (١٠) من سورة إبراهيم..
٤ - من الآية (١٨) من سورة الإسراء..

### الآية 3:146

> ﻿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [3:146]

ثم ضرب تعالى المثل للمؤمنين بمن سلف من صالحي الأمم الذين لم يثنهم عن دينهم قتل الكفار لأنبيائهم فقال : وكأين من نبي  الآية، وفي  كأين  أربع لغات[(١)](#foonote-١) :******************«كأين »****************** على وزن كعين يفتح العين، و ****«كاين »****، على وزن كاعن و ******************«كأين »****************** على وزن كعين بسكون العين وكان على وزن كعن بكسر العين، وأكثر ما استعملت العرب في أشعارها التي على وزن كاعن، فمن ذلك قول الشاعر :\[ الطويل \]
وَكَائِنْ رَدَدْنا عَنْكُمُ مِنْ مُدْجَّجٍ. . . يجيءُ أمامَ القومِ يَرْدِي مُقَنَّعَا[(٢)](#foonote-٢)
وقال جرير :\[ الطويل \]
وَكَائِنْ بِالأَبَاطِحِ مِنْ صَدِيقٍ. . . يَرَاني لَوْ أُصِبْتُ هُوَ المُصَابَا[(٣)](#foonote-٣)
**وقال آخر :\[ زهير \] :\[ الطويل \] :**
وَكَائِنْ تَرَى مِنْ صَامِتٍ لَكَ مُعْجِب. . . زِيَادَتُهُ أَوْ نَقْصُهُ في التَّكَلُّمِ[(٤)](#foonote-٤)
وقد جاء في اللغة التي ذكرتها أولاً قول الشاعر :\[ الوافر \]
كَأَيِّنْ في المَعَاشِرِ مِنْ أُنَاسٍ. . . أَخْوهُمْ فَوْقَهُمْ وَهُمُ كِرَامُ[(٥)](#foonote-٥)
وهذه اللغة هي أصل هذه اللفظة، لأنها كاف التشبيه دخلت على ****«أي »**** كما دخلت على **«ذا »** في قولك لفلان كذا وكذا، وكما دخلت على **«أن »** في قولك كأن زيداً أسد، لكن بقي لها معنى التشبيه في كأن وزال عنها ذلك في كذا وكذا، وفي  كأين ، وصرفت العرب  كأين  في معنى ********«كم »******** التي هي للتكثير، وكثر استعمالهم للفظة حتى لعب فيها لسان العرب على اللغات الأربع التي ذكرت، وهذا كما لعب في قولهم : لعمري حتى قالوا : وعملي، وكما قالوا : أطيب وأيطب، وكما قالوا : طبيخ في بطيخ، فعوملت الكاف **«وأي »** معاملة ما هو شيء واحد، فأما اعتلال لغة من قال :******************«كأين »****************** على وزن فاعل، فإنهم أخذوا الأصل الذي هو ****«كاين »**** فقلبوا الياء قبل الهمزة ونقلت حركة كل واحد منهما إلى أختها، فجاء ******«كيا »****** على وزن كيع، فحذفوا الياء الثانية المفتوحة تخفيفاً، كما حذفوا الياء من ميت وهين ولين فقالوا : ميت وهين ولين، وكما حذفوا الياء الثانية من ****«أي »**** تخفيفاً ومنه قول الفرزدق بن غالب التميمي :
تنظرت نصراً والسماكين أيهما. . . عليَّ من الغيث استهلت مواطره ؟
فجاء ******«كيا »****** على وزن كيع، فأبدلت هذه الياء الساكنة ألفاً مراعاة للفتحة التي قبلها، كما قالوا : في يوجل يأجل، وكما أبدلوا الياء ألفاً في **«طاى »** وكما أبدلت في آية عند سيبويه، إذا أصلها عنده أية على وزن فعلة بسكون العين، فجاء ****«كاء »**** ثم كتب هذا التنوين نوناً في المصحف، فأما قياس اللغة فحذفه في الوقف، فكما يقولون : مررت بزيد فكذلك يقولون كأي، ووقف عليه أبو عمرو بياء دون نون، وكذلك روى سورة بن المبارك[(٦)](#foonote-٦) عن الكسائي، ووقف سائر القراء بإثبات النون مراعاة لخط المصحف، قال أبو علي : ولو قيل إنه لما تصرف في الكلمة بالقلب صارت بمنزلة النون التي من نفس الكلمة وصارت بمنزلة لام فاعل فأقرت في الوقف، لكان قولاً، ويقوي ذلك أنهم لما حذفوا الكلام من قولهم أما لا، جعلوها بالحذف ككلمة واحدة، فأجازوا الإمالة في ألف ****«لا »**** كما تجوز في التي من نفس الكلمة في الأسماء والأفعال، فيوقف على ******************«كأين »****************** بالنون ولا يتوقف على النون إذا لم تقلب، كما لا تميل الألف من ****«لا »**** إذا لم يحذف فعلها. 
قال الفقيه أبو محمد : وبهذه اللغة التي فيها هذا القلب قرأ ابن كثير وحده، وقرأ سائر السبعة باللغة التي هي الأصل ******************«كأين »******************، وذهب يونس بن حبيب في ******************«كأين »****************** إلى أنه فاعل من الكون، وقوله مردود، إذ يلزم عنه إعراب الكلمة ولم يعربها أحد من العرب، وأما اللغة التي هي ******************«كأين »****************** على وزن كعين فهي قراءة ابن محيصن والأشهب العقيلي، وتعليل هذه اللغة أنه علل الأصل الذي هو ******************«كأين »****************** بالتعليل المتقدم، فلما جاء ******«كيا »****** على وزن كيعن، ترك هؤلاء إبدال الياء الساكنة ألفاً كما تقدم في التعليل الأول، وقلبوا الكلمة فجعلوها ******************«كأين »****************** على وزن كعين، وحسن هذا من وجهين : أحدهما أن التلعب والتصرف في هذه الكلمة مهيع، والثاني أنهم راجعوا الأصل الذي هو تقديم الهمزة على الياء، وأما اللغة التي هي كان على وزن كع فهي قراءة ابن محيصن أيضاً، حكاها عنه أبو عمرو الداني، وقرأها الحسن بن أبي الحسن، إلا أنه سهل الهمزة ياء فقرأ كي في جميع القرآن، وتعليل هذه اللغة أنهم حذفوا الألف من ****«كاء »**** الممدودة على وزن كاعن بعد ذلك التصرف كله تخفيفاً، وهذا كما قالوا : أم والله، يريدون : أما، وكما قالوا على لسان الضب[(٧)](#foonote-٧) \[ المجتث \] :
لا أشتهي أنْ أردّا. . . إلاّ عراداً عردّا
وصلياناً بردّا. . . وعنكثا ملتبدّا
أرادوا : عارداً وبادراً، فحذفوا تخفيفاً، وهذا كثير في كلامهم،  وكأين  في هذه الآية في موضع رفع بالابتداء، وهي بمنزلة ********«كم »******** وبمعناها تعطي في الأغلب التكثير، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع :**«قُتِل »**، بضم القاف وكسر التاء مخففة، وقرأ الباقون **«قاتل معه »** بألف بين القاف والتاء، وقرأ قتادة **«قُتل »** بضم القاف وكسر التاء مشددة على التكثير، وقوله تعالى : قتل  قال فيه جماعة من المفسرين منهم الطبري : إنه مستند إلى ضمير  نبي ، والمعنى عندهم أن النبي قتل، قال ابن عباس في قوله : وما كان لنبي أن يغل  \[ آل عمران : ١٦١ \] النبي يقتل، فكيف لا يخان، وإذا كان هذا ف  ربيون  مرتفع بالظرف بلا خلاف، وقوله : معه ربيون  على هذا التأويل يجوز أن يكون صفة ل  نبي ، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير الذي أسند إليه  قتل  فإن جعلته صفة أضمرت للمبتدأ الذي هو  كأين  خبراً تقديره في آخر الكلام : مضى أو ذهب أو فقد : فما وهنوا  وإن جعلت  معه ربيون  حالاً من الضمير فخبر المبتدأ في قوله : قتل  وإذا جعلته صفة فالضمير في  معه  عائد على  النبي ، وإذا جعلته حالاً فالضمير في  معه  عائد على الضمير ذي الحال، وعلى كلا الوجهين من الصفة أو الحال ف **«معه ربيون »** متعلق في الأصل بمحذوف، وليس متعلقاً ب  قتل  وقال الحسن بن أبي الحسن وجماعة معه : إن  قتل  إنما هو مستند إلى قوله : ربيون  وهم المقتولون قال الحسن وسعيد بن جبير : لم يقتل نبي في حرب قط. 
قال القاضي أبو محمد : فعلى هذا القول يتعلق قوله : معه  ب  قتل  - وهذه الجملة-  قتل معه ربيون ، هي الابتداء ويتصور في قراءة من قرأ ******«قاتل »****** جميع ما ذكرته من التقديرات في قراءة **********«قتل »********** وأما قراءة قتادة **********«قتل »********** فقال أبو الفتح[(٨)](#foonote-٨) : لا يحسن أن يسند الفعل إلا الربيين، لما فيه من معنى التكثير الذي لا يجوز أن يستعمل في قتل شخص واحد، فإن قيل : يستند إلى نبي مراعاة لمعنى ********«كم »******** فالجواب أن اللفظ قد مشى على جهة الإفراد في قوله  من نبي  ودل الضمير المفرد في  معه  على أن المراد إنما هو التمثيل بواحد واحد، فخرج الكلام على معنى ********«كم »******** قال أبو الفتح : وهذه القراءة تقوي قول من قال من السبعة : إن **********«قتل »********** - بتخفيف التاء أو ******«قاتل »****** إنما يستند إلى الربيين، ورجح الطبري استناد **********«قتل »********** إلى **«النبي »** بدلالة نازلة محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك أن المؤمنين إنما تخاذلوا لما قيل قتل محمد - فضرب بالمثل بنبي قتل. 
قال القاضي أبو محمد : وإذا لم يسند الفعل إلى **«نبي »** فإنما يجيء معنى الآية : تثبيت المؤمنين بعد من قتل منهم فقط، وترجيح الطبري حسن، ويؤيد ذلك ما تقدم من قوله تعالى : أفإن مات أو قتل  \[ آل عمران : ١٤٤ \] وحجة من قرا ******«قاتل »****** أنها أعم في المدح لأنه يدخلها فيها من قتل ومن بقي[(٩)](#foonote-٩). 
قال الفقيه أبو محمد : ويحسن عندي على هذه القراءة إسناد الفعل إلى الربيين، وعلى قراءة **********«قتل »********** إسناده إلى نبي. وأجمع السبعة وجماعة من الناس على كسر الراء من **«رِبيون »** وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن مسعود وابن عباس وعكرمة والحسن وأبو رجاء وعمرو بن عبيد وعطاء بن السائب[(١٠)](#foonote-١٠) :**«رُبيون »** بضم الراء، وروى قتادة عن ابن عباس ****«رَبيون »**** بفتح الراء، قال ابن جني : الفتح في الراء لغة تميم[(١١)](#foonote-١١) وكلها لغات، واختلف الناس في معنى  ربيون  فقال ابن مسعود : الربيون الألوف من الناس والجمع الكثير، وقال ابن عباس : ربيون  جموع كثيرة، وقاله الحسن وقتادة وعكرمة ولقول عبد الله بن مسعود وابن عباس : إنهم الألوف، قال بعض المفسرين : هم عشرة آلاف فصاعداً، أخذ ذلك من بناء الجمع الكثير في قولهما : هم الألوف وهذا في الربيين أنهم الجماعات الكثيرة هو من الرِبة بكسر الراء وهي الجماعة الكثيرة، قاله يونس بن حبيب، وقال : إن قوله تعالى : قتل معه ربيون  منسوبون إليها، قال قطرب : جماعة العلماء على قول يونس، وقال الزجّاج : يقال : إن الربة عشرة آلاف، وروي عن ابن عباس وعن الحسن بن أبي الحسن وغيرهما أنهم قالوا : ربيون  معناه علماء، وقال الحسن : فقهاء علماء قال أيضاً : علماء صبر[(١٢)](#foonote-١٢)، وهذا القول هو على النسبة إلى الرب، إما لأنهم مطيعون له، أو من حيث هم علماء بما شرع، ويقوي هذا القول في قراءة من قرأ ****«رَبيون »**** بفتح الراء وأما في ضم الراء وكسرها فيجيء على تغيير النسب، كما قالوا في النسبة إلى الحرم : حِرمي بكسر الحاء، وإلى البصرة، بصري بكسر الباء، وفي هذا نظر، وقال ابن زيد :**«الربانيون »** : الولاة، والربيون الرعية الأتباع للولاة. 
قال الفقيه أبو محمد : كان هذا من حيث هم مربوبون، وقال النقاش : اشتقاق ربي من ربا الشي يربو إذا كثر، فسمي بذلك الكثير العلم. 
قال الفقيه أبو محمد : وهذا ضعيف، وقال مكي : رِبي بكسر الراء منسوب إلى الرب لكن كسرت راؤه إتباعاً للكسرة والياء اللتين بعد الراء، وروي بضم الراء كذلك لكنهم ضموها كما قيل : دُهري بضم الدال في النسب إلى الدهر، وقرأ جمهور الناس **«فما وهَنوا »** بفتح الهاء، وقرأ الأعمش والحسن وأبو السمال **«وهِنوا »** بكسر الهاء، وهما لغتان بمعنى، يقال : وهن بكسر الهاء يوهن ووهن بفتح الهاء يهن، وقرأ عكرمة وأبو السمال أيضاً **«وهْنوا »** بإسكان الهاء، وهذا الوهن في قوله آنفاً  ولا تهنوا  \[ آل عمران : ١٣٩ \] والضمير في قوله : فما وهنوا  عائد على جميع الربيين في قول من أسند قتل إلى نبي، ومن أسنده إلى الربيين قال في الضمير إنه يعود على من بقي منهم، إذا المعنى يفهم نفسه، وقوله تعالى : وما ضعفوا  معناه لم يكتسبوا من العجز والإلقاء باليد ما ينبيء عن ضعفهم، وقوله تعالى : وما استكانوا  ذهبت طائفة من النحاة إلى أنه من السكون فوزنه افتعلوا استكنوا، فمطلت فتحة الكاف فحدث من مطلها ألف[(١٣)](#foonote-١٣)، وذهب طائفة إلى أنه مأخوذ من كان يكون فوزنه على هذا الاشتقاق استفعلوا أصله استكونوا، نقلت حركة الواو إلى الكاف، وقلبت ألفاً، كما فعلوا في قولك : استعانوا واستقاموا، والمعنى : أنهم لم يضعفوا ولا كانوا قريباً من ذلك، كما تقول : ما فعلت كذا ولا كدت، فتحذف لأن الكلام يدل على أن المراد، وما كدت أن أفعل، ومحبة الله تعالى للصابرين ما يظهر عليهم من نصره وتنعيمه[(١٤)](#foonote-١٤).

١ - قارن بما أورده ابن جني في المحتسب١/ ١٧٠-١٧٣ ففيه كثير مما أورده المؤلف حول "كأين"..
٢ - لم نعثر على قائله. والمدجج: الشاك في السلاح. يردي بفتح الياء: يمشي مشيا فيه تبختر. ورجل مقنع: عليه بيضة الحديد..
٣ - البيت من قصيدة له يمدح بها الحجاج بن يوسف مطلعها:
 سئمت من المواصلة العتابا ... وأمسى الشيب قد ورث الشبابا
 والأباطح جمع أبطح: مسيل واسع فيه دقاق الحصى، أصابه الدهر بنفسه وماله: جاحه ففجعه، والمصيبة: ما أصاب من الدهر..
٤ - البيت لزهير بن أبي سلمى. الصمت والصمات: السكوت، يقول: وكم صامت يعجبك صمته فتستحسنه، وإنما تظهر زيادته على غيره ونقصانه عن غيره عند تكلمه، وقد نسب الجاحظ هذا البيت في (البيان والتبيين ج١/١٧٠) للأعور الشني.
 **وهذا وقد أنشد الكسائي أيضا:**
 وكائن ترى يسعى من الناس جاهدا على ابن غدا منه شجاع وعقرب
 **وقال آخر:**
 وكائن أصابت مؤمنا من مصيبة على الله عقباها ومنه ثوابــها
 والمتأمل يرى ابن عطية قد روى الأبيات التي استشهد بها (كاين) بالياء تسهيلا للهمزة كما هي عادة أهل المغرب العربي..
٥ - لم نعثر على قائله. والمعاشر جمع معشر: الجماعة متخالطين أو غير ذلك.
٦ - هو سورة بن المبارك الخراساني الدينوري، روى القراءة عن الكسائي، وهو من المكثرين عنه، وروى عنه محمد بن سمعان بن أبي مسعود، ومحمد بن الجهم، وأحمد بن زكرياء السوسي. (طبقات القراء لابن الجزري ١/٣٢١)..
٧ - قال أبو الهيثم: تقول العرب: قيل للضب: "وردا وردا"، فقال.
 أصبح قلبي صردا لا يشتهي أن يردا
 الأبيات. "اللسان" في مادة: (عرد) وصرد بالكسر صردا، والصرد: البرد، والعراد: حشيش طيب الريح، وقيل: حمض تأكله الإبل، والعارد من النبات: المنتصب الشديد أو عراد عرد على المبالغة. والصليان: نبت، والعنكث نبت. والتبد الورق: تلبد بعضه على بعض، والتبدت الشجرة: كثرت أوراقها. وفي "حياة الحيوان" للدميري: ومن كلامهم الذي وضعوه على ألسنة البهائم: ثم قالت السمكة: رد يا ضب فقال: أصبح قلبي... إلخ..
٨ - انظر المحتسب ١/١٧٣..
٩ - نقل أبو حيان في البحر المحيط هذا الكلام ثم قال: "قتل – يظهر أنها مدح، وهي أبلغ في مقصود الخطاب لأنها نص في وقوع القتل، ويستلزم المقاتلة- وقاتل لا تدل على القتل إذ لا يلزم من المقاتلة وجود القتل- فما ذكر من أنه يحسن عنده- لا يظهر حسنه، بل القراءتان تحتملان الوجهين"..
١٠ - هو عطاء بن السائب أبو زيد الثقفي، الكوفي، أحد الأعلام، أخذ القراءة عرضا عن أبي عبد الرحمان السلمي، وأدرك عليا، روى عنه شعبة بن الحجاج، وأبو بكر بن عياش، وجعفر بن سليمان، ومسح على رأسه ودعا له بالبركة، توفي سنة: ١٣٦. "طبقات القراء" لابن الجزري، ١/٥١٣..
١١ - كذا ورد هنا، وجاء في المحتسب (١/١٧٣) الضم في (ربيون) تميمية..
١٢ - الصُّبُر: بضم الصاء والباء جمع صبير، وهو الكفيل ومقدم القوم..
١٣ - هذا هو قول الفراء وجماعة من النحاة، وقد مرت نماذج من المطل آنفا..
١٤ - قال العلماء: الله يحب الصابرين على قتال عدوهم، أو على دينهم وقتال الكفار، والظاهر العموم، وكثيرا ما تمدحت العرب بالصبر، وحثت عليه، قال طرفة: 
 وتشتكي النفس ما صاب بها فاصبري إنك من قوم صبر.

### الآية 3:147

> ﻿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [3:147]

هذه الآية في ذكر الربيين، أي هذا كان قولهم، لا ما قاله بعضكم يا أصحاب محمد، من قول من قال : نأخذ أماناً من أبي سفيان ومن قول من قال : نرجع إلى ديننا الأول، ومن قول من فر، فلا شك أن قوله مناسب لفعله ولو بعض المناسبة، إلى غير ذلك مما اقتضته تلك الحال من الأقوال، وقرأ السبعة وجمهور الناس **«قولَهم »** بالنصب، ويكون الاسم فيما بعد  إلا  وقرا جماعة من القراء **«قولُهم »** بالرفع وجعلوا الخبر فيما بعد  إلا  وروى ذلك حماد بن سلمة عن ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم، ذكره المهدوي، واستغفار هؤلاء القوم الممدوحين في هذا الموطن ينحو إلى أنهم رأوا ما نزل من مصائب الدنيا إنما هو بذنوب من البشر وقوله تعالى : ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا  عبارتان عن معنى قريب بعضه من بعض، جاء ذلك للتأكيد ولتعم مناحي الذنوب، وكذلك فسر ابن عباس وغيره، وقال الضحاك : الذنوب عام، والإسراف في الأمر أريد به الكبائر خاصة، وقولهم : وثبت أقدامنا  يحتمل أن يجري مع ما قبله من معنى الاستغفار، فيكون المعنى : اجعلنا دائبين على طاعتك والإيمان بك، وتثبيت القدم على هذا : استعارة، ويحتمل أن يكون في معنى ما بعده من قوله : وانصرنا على القوم الكافرين  فيراد ثبوت القدم حقيقة في مواقف الحرب، قال ابن فورك : في هذا الدعاء رد على القدرية، لقولهم : إن الله لا يخلق أفعال العبد، ولو كان ذلك لم يسغ أن يدعى فيما لا يفعله.

### الآية 3:148

> ﻿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [3:148]

و  ثواب الدنيا  في هذه الآية : الظهور على عدوهم، قاله ابن إسحاق وقتادة وغيرهما، وقال ابن جريج : الظفر والغنيمة، وفسر بهذا جماعة من المؤلفين في التفسير، قال النقاش : ليس إلا الظفر والغلبة فقط، لأن الغنيمة لم تحلل إلا لهذه الأمة. 
قال الفقيه الإمام : وهذا اعتراض صحيح،  وحسن ثواب الآخرة  الجنة بلا خلاف، وعبر بلفظة **«حسن »** زيادة في الترغيب[(١)](#foonote-١) وباقي الآية بين.

١ - وهو أيضا دلالة على فضله وتقدمه، وأنه هو المعتد به عند الله \[تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة\]..

### الآية 3:149

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ [3:149]

الإشارة بقوله : الذين كفروا  إلى المنافقين الذين جبنوا[(١)](#foonote-١) المسلمين وقالوا في أمر - أحد - لو كان محمد نبياً لم يهزم، والذين قالوا : قد قتل محمد فلنرجع إلى ديننا الأول، إلى نحو هذه الأقوال، ثم اللفظ يقتضي كل كافر كان في ذلك الوقت ويكون إلى يوم القيامة، نهى الله المؤمنين عن طاعتهم.

١ - جبّنه: نسبه إلى الجبن. وفي نسخة: (خببوا) بمعنى: خدعوا..

### الآية 3:150

> ﻿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ [3:150]

و  بل  ترك للكلام الأول ودخول في غيره، وقرأ جمهور الناس **«بل اللهُ مولاكم »** على الابتداء والخبر، وهذا تثبيت، وقرأ الحسن بن أبي الحسن **«بل اللهَ »** بالنصب على معنى : بل أطيعوا لله.

### الآية 3:151

> ﻿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ۖ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۚ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ [3:151]

وقوله تعالى : سنلقي  استعارة، إذ حقيقة الإلقاء إنما هي في الأجرام، وهذا مثل قوله تعالى : والذين يرمون المحصنات [(١)](#foonote-١) ونحوه قول الفرزدق :\[ الطويل \]
هما نفثا في فيّ من فَمَوَيْهِما. . . عَلى النَّابحِ الْعاوي أَشَدَّ رَجَامِ[(٢)](#foonote-٢)
وقرأ جمهور الناس **«سنلقي »** بنون العظمة، وقرأ أيوب السختياني **«سيلقي »** بالياء على معنى هو، وقرأ ابن عامر والكسائي **«الرعُب »** بضم العين حيث وقع، وقرأ الباقون **«الرعْب »** بسكون العين، وهذا كقولهم : عُنُق وعنْق وكلاهما حسن فصيح، وسبب هذه الآية : أنه لما ارتحل أبو سفيان بالكفار بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وقال : انظر القوم، فإن كانوا قد جنبوا الخيل وركبوا الإبل فهم متشمرون إلى مكة، وإن كانوا على الخيل فهم عامدون[(٣)](#foonote-٣) إلى المدينة، فمضى علي فرآهم قد جنبوا الخيل فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسر وسر المسلمون، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فتجهز واتبع المشركين يريهم الجلد، فبلغ حمراء الأسد وأن أبا سفيان قال له كفار قريش : أحين قتلناهم وهزمناهم ولم يبق إلا الفل والطريد[(٤)](#foonote-٤) ننصرف عنهم ؟ ارجع بنا إليهم حتى نستأصلهم فعزموا على ذلك، وكان معبد بن أبي معبد الخزاعي[(٥)](#foonote-٥) قد جاء إلى رسول الله عليه السلام وهو على كفره، إلا أن خزاعة كلها كانت تميل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له، والله يا محمد لقد ساءنا ما أصابك، ولوددنا أنك لم ترزأ في أصحابك، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس بما عزمت عليه قريش من الانصراف، اشتد ذلك عليهم، فسخر الله ذلك الرجل معبد بن أبي معبد، وألقى بسببه الرعب في قلوب الكفار، وذلك أنه لما سمع الخبر، ركب حتى لحق بأبي سفيان بالروحاء، وقريش قد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فلما رأى أبو سفيان معبداً قال : ما وراءك يا معبد ؟ قال : محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أرى مثله قط، يتحرقون عليكم، قد اجتمع إليه من كان تخلف عنه، وندموا على ما صنعوا، قال : ويلك ما تقول ؟ قال والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل، قال : فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم، قال : فإني أنهاك عن ذلك، والله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه شعراً قال وما قلت ؟ قال قلت :\[ البسيط \]
كادت تُهَدُّ مِنَ الأَصْواتِ رَاحلتي. . . إذ سالتِ الأرضُ بالجُرْدِ الأَبابيلِ
ترْدِي بِأُسْدٍ كِرامٍ لا تنابلةٍ. . . عندَ اللقاءِ ولا ميلٍ معازيلِ
فَظلْتُ عَدْواً أَظُنُّ الأَرْضَ مائلة. . . لمّا سَمَوْا برئيسٍ غَيْرِ مَخْذُولِ[(٦)](#foonote-٦)
إلى آخر الشعر، فوقع الرعب في قلوب الكفار، وقال صفوان بن أمية : لا ترجعوا فإني أرى أنه سيكون للقوم قتال غير الذي كان، فنزلت هذه الآية في هذا الإلقاء[(٧)](#foonote-٧)، وهي بعد متناولة كل كافر، ويجري معها قول النبي عليه السلام : نصرت بالرعب مسيرة شهر[(٨)](#foonote-٨)، ويظهر ان هذه الفضيلة إنما أعلم عليه السلام بها بعد هذه الأحوال كلها حين امتد ظل الإسلام، قال بعض أهل العلم : إنه لما أمر الله المؤمن بالصبر، ووعده النصر، وأخبره أن الرعب ملقى في قلوب الكفار، نقص الرعب من كل كافر جزءاً مع زيادة شجاعة المؤمن، إذ قد وعد النصر فلذلك كلف المؤمن الوقوف للكافرين، وقوله تعالى : بما أشركوا  هذه باء السبب، والمعنى : أن المشرك بالله نفسه مقسمة في الدنيا وليس له بالله تعالى ثقة، فهو يكره الموت ويستشعر الرعب منه، و **«السلطان »**، الحجة والبرهان[(٩)](#foonote-٩)، ثم أخبر تعالى بعاقبة الكفار في الآخرة، و **«المأوى »** : مفعل من أويت إلى المكان إذا دخلته وسكنت فيه، و **«المثوى »**، مفعل من : ثويت، والتقدير : وبئس مثوى الظالمين هي.

١ - من الآية (٤) من سورة النور..
٢ - البيت في الديوان، وروايته هي: 
 هما تفلا في فيّ من فمويهما على النابح العاوي أشد رجام
 ونفث نفثا إذا بزق من فيه ولا ريق معه، وقوله: أشد رجام، أي: أشد نفث..
٣ -عامدون: قاصدون..
٤ - الفل: المنهزمون، والطريد: الذي لا يستشعر أمنا..
٥ - معبد الخزاعي ذكره أبو عمر بن عبد البر فقال: هو الذي رد أبا سفيان يوم أحد عن الرجوع إلى المدينة. قال ابن حجر العسقلاني: قلت: وزعم بعضهم أن معبدا هذا هو ولد أم معبد الخزاعية التي مر النبي صلى الله عليه وسلم بها في الهجرة، والذي يظهر لي أنه غيره. "الإصابة ٣/٤٤٢".
٦ - الهد: الهدم الشديد. الجرد: جمع أجرد، وهو الفرس الرقيق الشعر. الأبابيل جمع إبالة: القطعة من الخيل والإبل. تردي: تمشي مشيا فيه نوع من التبختر. التنابلة: القصار، واحدهم تنبال. ميل: جمع أميل، معازيل: جمع معزال، الذي ليس معه سلاح. وبقية القطعة الشعرية ورد في سيرة ابن هشام..
٧ - يريد إلقاء الرعب في قلوب الكفار..
٨ - أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن جابر وهو صحيح (الجامع الصغير ١/١٥٢)..
٩ - قال أبو حيان: \[ما لم ينزل به سلطان\]، تسليط النفي على الإنزال والمقصود نفي السلطان، أي آلهة لا سلطان في إشراكها، فينزل نحو قوله: (على لاحب لا يهتدي بمناره)؛ أي لا منار له..

### الآية 3:152

> ﻿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ ۚ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [3:152]

جاءت المخاطبة في هذه الآيات بجمع ضمير المؤمنين، وإن كانت الأمور التي عاتبهم الله تعالى عليها لم يقع فيها جميعهم، ولذلك وجوه من الفصاحة : منها وعظ الجميع وزجره، إذ من لم يفعل معد أن يفعل إن لم يزجر، ومنها الستر والإبقاء على من فعل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وعد المؤمنين النصر يومئذ على خبر الله تعالى -إن صبروا وجدوا- فصدق الله الوعد أولاً، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صاف المسلمين يومئذ ورتب الرماة على ما قد ذكرناه في صدر تفسير هذه الآيات في قصة أُحد، فبارز علي بن أبي طالب أبا سعد بن أبي طلحة وهو صاحب لواء المشركين، وحمل الزبير وأبو دجانة[(١)](#foonote-١) فهزّا عسكر المشركين، ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، فأبلى حمزة بن عبد المطلب وعاصم بن ابي الأقلح، وانهزم المشركون وقتل منهم اثنان وعشرون رجلاً فهذا معنى قوله تعالى : إذ تحسونهم بإذنه  والحس : القتل الذريع، يقال حسهم إذا استأصلهم قتلاً، وحس البرد النبات وقال رؤبة :\[ الرجز \]
إذا تَشَكَّوْا سُنَّةً حَسُوسا. . . تَأْكُلُ بَعْدَ الأَخْضَرِ الْيَبِيسا[(٢)](#foonote-٢)
قال بعض الناس : هو مأخوذ من الحاسة، والمعنى في حس : أفسد الحواس. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف، و **«الإذن »** : التمكين مع العلم بالممكن منه، وقوله تعالى : حتى إذا فشلتم  يحتمل أن تكون  حتى  غاية مجردة، كأنه قال : إلى أن فشلتم، ويقوي هذا أن  إذا  بمعنى **«إذ »** لأن الأمر قد كان تقضى، وإنما هي حكاية حال، فتستغني  إذا  على هذا النظر عن جواب، والأظهر الأقوى أن  إذا  على بابها تحتاج إلى الجواب، وتكون حتى كأنها حرف ابتداء على نحو دخولها على الجمل، واختلف النحاة في جواب  إذا  فذهبت فرقة إلى أن الجواب قوله  تنازعتم ، والواو زائدة[(٣)](#foonote-٣)، وحكى المهدوي عن أبي علي أنه قال : الجواب قوله : صرفكم  و  ثم  زائدة. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا قول لا يشبه نظر أبي علي وسيبويه، والخليل وفرسان الصناعة، إن الجواب محذوف مقدر، يدل عليه المعنى، تقديره : انهزمتم ونحوه، و **«الفشل »** - استشعار العجز وترك الجد، وهذا مما فعله يومئذ قوم، و **«التنازع »** هو الذي وقع بين الرماة، فقال بعضهم : الغنيمة الغنيمة، الحقونا بالمسلمين، وقال بعضهم : بل نثبت كما أمرنا  وعصيتم  عبارة عن ذهاب من ذهب من الرماة حتى تمكن خالد بن الوليد من غرة المسلمين، وقوله تعالى : من بعد ما أراكم ما تحبون  يعني من هزم القوم، قال الزبير بن العوام : والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة[(٤)](#foonote-٤) وصواحبها مشمرات هاربات ما دون أخذهن قليل ولا كثير، إذ مالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه يريدون النهب وخلوا ظهورنا للخيل، فأتينا من أدبارنا، وصرخ صارخ : ألا إن محمداً قد قتل، فانكفأنا وانكفأ علينا القوم، وقوله تعالى : منكم من يريد الدنيا  إخبار عن الذين حرصوا على الغنيمة وكان المال همهم، قاله ابن عباس وسائر المفسرين، وقال عبد الله بن مسعود : ما كنت أرى أن أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى نزل فينا يوم أحد  منكم من يريد الدنيا  وقوله تعالى : ومنكم من يريد الآخرة  إخبار عن ثبوت من ثبت من الرماة مع عبد الله بن جبير امتثالاً للأمر حتى قتلوا، ويدخل في هذا أنس بن النضر وكل من جد ولم يضطرب من المؤمنين، وقوله تعالى : ليبتليكم  معناه : لينزل بكم ذلك البلاء من القتل والتمحيص، وقوله تعالى : ولقد عفا عنكم  إعلام بأن الذنب كان يستحق أكثر مما نزل، وهذا تحذير، والمعنى **«ولقد عفا عنكم »** بأن لم يستأصلوكم، فهو بمنزلة : ولقد أبقى عليكم، ويحتمل أن يكون إخباراً بأنه عفا عن ذنوبهم في قصة أحد، فيكون بمنزلة العفو المذكور بعد، وبالتفسير الأول قال ابن جريج وابن إسحاق وجماعة من المفسرين، وقال الحسن بن أبي الحسن : قتل منهم سبعون، وقتل عم النبي عليه السلام وشج في وجهه وكسرت رباعيته وإنما العفو أن لم يستأصلهم، هؤلاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله غضاب لله، يقاتلون أعداء الله، نهوا عن شيء فضيعوه، فوالله ما تركوا حتى غموا بهذا الغم، فأفسق الفاسقين اليوم يجترم كل كبيرة، ويركب كل داهية، ويسحب عليها ثيابه، ويزعم أن لا بأس عليه فسوف يعلم.

١ - أبو دجانة الأنصاري: هو سماك بن خرشة، وقيل: ابن أوس بن خرشة. قال علي: إنه استشهد باليمامة، وهو ممن شاركوا في قتل سلمة، روي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ سيفا يوم أحد فقال: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فأخذه أبو دجانة ففلق به هام المشركين، ولما التحم القتال يوم أحد ذبّ عن النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير حتى قتل، وأبو دجانة حتى كثرت فيه الجراحة. "الإصابة ٤/٥٨".
٢ - الحسوس: السنة الشديدة: اليبيس: ما يبس من العشب والبقول..
٣ -هذا رأي الفراء وجماعة، قاله أبو حيان..
٤ - هي زوج أبي سفيان وأم معاوية (انظر الإصابة والاستيعاب)، والخدم: جمع خدمة وهي الخلخال..

### الآية 3:153

> ﻿۞ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ۗ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [3:153]

إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَآ أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ 
العامل في  إذ  قوله : عفا  \[ آل عمران : ١٥٢ \] وقرأ جمهور الناس بضم التاء وكسر العين من **«أصعد »** ومعناه : ذهب في الأرض، وفي قراءة أبي بن كعب، **«إذ تصعدون في الوادي »**. 
قال القاضي أبو محمد : والصعيد وجه الأرض، وصعدة اسم من أسماء الأرض، فأصعد معناه : دخل في الصعيد، كما أصبح دخل في الصباح إلى غير ذلك، والعرب تقول أصعدنا من مكة وغيرها، إذا استقبلوا سفراً بعيداً وأنشد أبو عبيدة لحادي الإبل :\[ الرجز \]
قَدْ كُنْتِ تَبْكِينَ على الإصْعادِ. . . فَالآنَ صرَّحَتِ وَصَاحَ الحادِي
وقرأ الحسن بن أبي الحسن وأبو عبد الرحمن واليزيدي[(١)](#foonote-١) ومجاهد وقتادة **«إذ تَصعَدون »** بفتح التاء والعين، من صعد إذا علا، والمعنى بهذا صعود من صعد في الجبل والقراءة الأولى أكثر، وقوله تعالى  ولا تلوون  مبالغة في صفة الانهزام وهو كما قال دريد :
وهل يرد المنهزم شيء ؟. . . وهذا أشد من قول امرىء القيس :\[ الطويل \]. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  أخو الْجَهْدِ لاَ يلْوي على من تَعَذَّرا[(٢)](#foonote-٢)وقرأ ابن محيصن وابن كثير في رواية شبل **«إذ يصعدون ولا يلوون »** بالياء فيهما على ذكر الغيب، وقرأ بعض القراء **«ولا تلؤون »** بهمز الواو المضمومة، وهذه لغة، وقرأ بعضهم **«ولا تلون »** بضم اللام وواو واحدة، وهي قراءة متركبة على لغة من همز الواو المضمومة، ثم نقلت حركة الهمزة إلى اللام وحذفت إحدى الواوين الساكنتين، وقرأ الأعمش وعاصم في رواية أبي بكر **«تُلوون »** بضم التاء من ألوى وهي لغة، وقرأ حميد بن قيس **«على أُحُد »** بضم الألف والحاء، يريد الجبل، والمعنى بذلك رسول الله عليه السلام، لأنه كان على ا لجبل، والقراءة الشهيرة أقوى لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن على الجبل إلا بعد ما فر الناس عنه، وهذه الحال من إصعادهم إنما كانت وهو يدعوهم، وروي أنه كان ينادي :( إليَّ عباد الله )[(٣)](#foonote-٣)، والناس يفرون. وفي قوله تعالى : في أخراكم  مدح للنبي عليه السلام فإن ذلك هو موقف الأبطال في أعقاب الناس، ومنه قول الزبير بن باطا[(٤)](#foonote-٤) ما فعل مقدمتنا إذ حملنا وحاميتنا إذ فررنا، وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشجع الناس، ومنه قول سلمة بن الأكوع ( كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم ) [(٥)](#foonote-٥)، وقوله تعالى : فأثابكم  معناه : جازاكم على صنيعكم، وسمي الغم ثواباً على معنى أنه القائم في هذه النازلة مقام الثواب، وهذا كقوله :\[ الوافر \]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\* تَحِيَّةُ بَيْنهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ[(٦)](#foonote-٦) \*\*\*
وكقول الآخر :\[ الفرزدق \] :\[ الطويل \]
أخَافُ زِياداً أنْ يَكُونَ عَطَاؤُهُ. . . أَدَاهِمَ سوداً أَوْ مُحَدْرَجَةً سُمْرا[(٧)](#foonote-٧)
فجعل القيود والسياط عطاء، ومحدرجة : بمعنى مدحرجة، واختلف الناس في معنى قوله تعالى : غماً بغم  فقال قوم : المعنى **«أثابكم غماً »** بسبب الغم الذي أدخلتموه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر المؤمنين، بفشلكم وتنازعكم وعصيانكم. 
قال القاضي أبو محمد : فالباء على هذا باء السبب، وقال قوم : أَثابكم غماً بغم ، الذي أوقع على أيديكم بالكفار يوم بدر. 
قال القاضي أبو محمد : فالباء باء معادلة، كما قال أبو سفيان : يوم بيوم بدر والحرب سجال، وقالت جماعة كبيرة من المتأولين : المعنى أثابكم غماً على غم، أو غماً مع غم، وهذه باء الجر المجرد، واختلفوا في ترتيب هذين الغمين فقال قتادة ومجاهد : الغم الأول أن سمعوا : ألا إن محمداً قد قتل، والثاني، القتل والجراح الواقعة فيهم، وقال الربيع وقتادة أيضاً بعكس هذا الترتيب، وقال السدي ومجاهد أيضاً وغيرهما : بل الغم الأول هو قتلهم وجراحهم وكل ما جرى في ذلك المأزق، والغم الثاني هو إشراف أبي سفيان على النبي ومن كان معه، ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يومئذ يدعو الناس حتى انتهى إلى قوم من أصحابه قد علوا صخرة في سفح الجبل فمشى نحوهم فأهوى إليه رجل بسهم ليرميه، فقال : أنا رسول الله، ففرحوا بذلك، وفرح هو عليه السلام إذ رأى من أصحابه الامتناع، ثم أخذوا يتأسفون على ما فاتهم من الظفر، وعلى من مات من أصحابهم فبينما هم كذلك إذ أشرف عليهم أبو سفيان من علو في خيل كثيرة، فنسوا ما نزل بهم أولاً، وأهمهم أمر أبي سفيان، فقال رسول الله عليه وسلم :( ليس لهم أن يعلونا، اللهم إن تقتل هذه العصابة لا تعبد )[(٨)](#foonote-٨)، ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة، وأغنى هنالك عمر بن الخطاب حتى أنزلوهم. واختلفت الروايات في هذه القصة من هزيمة -أحد - اختلافاً كثيراً، وذلك أن الأمر هول، فكل أحد وصف ما رأى وسمع، قال كعب بن مالك : أول من ميز رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا، رأيت عينيه تزهران تحت المغفر[(٩)](#foonote-٩)، وروي أن الخيل المستعلية إنما كانت حملة خالد بن الوليد، وأن أبا سفيان إنما دنا، والنبي عليه السلام في عرعرة[(١٠)](#foonote-١٠) الجبل، ولأبي سفيان في ذلك الموقف قول كثير، ولعمر معه مراجعة محفوظة اختصرتها إذ لا تخص الآية، وقوله تعالى : لكيلا تحزنوا على ما فاتكم  معناه : من الغنيمة و  ما أصابكم  معناه : من القتل والجرح وذل الانهزام وما نيل من نبيكم. 
قال القاضي أبو محمد : واللام من قوله : لكيلا  متعلقة بأثابكم، المعنى : لتعلموا أن ما وقع بكم إنما هو بجنايتكم، فأنتم آذيتم أنفسكم، وعادة البشر أن جاني الذنب يصبر للعقوبة، وأكثر قلق المعاقب وحزنه إنما هو مع ظنه البراءة بنفسه وفي قوله تعالى : والله خبير بما تعملون  توعد. 
١ - هو يحيى بن المبارك الإمام، أبو محمد العدوي البصري المعروف باليزيدي نحوي مقرئ، ثقة، علامة كبير، نزل بغداد وعرف باليزيدي لصحبته يزيد بن منصور الحميري، له تصانيف عدة، توفي بخراسان سنة: ٢٠٢ عن أربع وسبعين. "طبقات القراء للجزري"..
٢ - صدر البيت: بسير يضج العود منه يمنه...
 العود: الجمل المسن. يمنه: يضعفه، أخو الجهد: يريد نفسه وهو السائق المجد الشديد الدفع، لا يلوي: لا يلتفت ولا يميل. تعذر عن الأمر: تأخر، ومن الذنب: تنصل..
٣ - أخرجه ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس. "فتح القدير للشوكاني١/٣٥٧"..
٤ - الزبير بن باطيا أو باطا بفتح الزاي وكسر الباء جد الزبير بن عبد الرحمان المذكور في الموطأ في كتاب "النكاح"، وهو قرظي من بني قريظة يكنى أبا عبد الرحمان، وكان قد منّ على ثابت بن قيس بن شماس في الجاهلية فطلب قيس من النبي صلى الله عليه وسلم أن يهب له دمه، وتمام القصة في غزوة بني قريظة. "سيرة ابن هشام، والروض"..
٥ - رواه الإمام أحمد، والطبراني، والنسائي، والبيهقي- عن علي بن أبي طالب. "نسيم الرياض شرح شفا عياض ٢/٤٩..
٦ - البيت لعمرو بن معديكرب من قصيدة له مطلعها:
 أمنْ ريحانة الداعي السميع يؤرقني وأصحابي هجوع
 **وصدر البيت:**
 وخيل قد دلفت لها بخيل ......................... 
 وخيل: أي: وأصحاب خيل قد تقدمت لها بمثلها. دلف بمعنى: تقدم. والتحية: الدعاء بالحياة فأخبر عنها بالضرب الوجيع تهكما..
٧ - قائل البيت هو الفرزدق، وروايته كما في الديوان (١/٢٧) ط. الصاوي: 
 فلما خشيت أن يكون عطاؤه... البيت
 والأداهم: جمع أدهم، وهو القيد، سمي به لدهمته وسواده: والمحدرجة: السياط. وحدرجه: قتله وأحكم قتله، وسوط مدحرج: أي مغار مفتول. والبيت من قصيدة مطلعها:
 تذكر هذا القلب من شوقه ذكرا تذكر شوقا ليس ناسيه عصرا.
٨ - أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق محمد بن الحسين. (الدر المنثور للسيوطي ٢/٩٧)، (كما أخرجه مسلم في صحيحه في باب الإمداد بالملائكة من كتاب "الجهاد" ٥/١٥٦)..
٩ - أخرجه ابن هشام في السيرة النبوية. (الروض الأنف٢/١٣٦)..
١٠ - عرعرة الجبل: رأسه ومعظمه..

### الآية 3:154

> ﻿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِنْكُمْ ۖ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ۗ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [3:154]

ثم ذكر الله تعالى أمر النعاس الذي أمن به المؤمنين، فغشي أهل الإخلاص، وذلك أنه لما ارتحل أبو سفيان من موضع الحرب، قال النبي عليه السلام لعلي بحضرة أصحابه المتحيزين في تلك الساعة إليه : اذهب فانظر إلى القوم، فإن جنبوا الخيل فهم ناهضون إلى مكة، وإن كانوا على خيلهم فهم عامدون[(١)](#foonote-١) إلى المدينة، فاتقوا الله واصبروا[(٢)](#foonote-٢)، ووطنهم على القتال، فمضى علي ثم رجع، فأخبر أنهم جنبوا الخيل وقعدوا على أثقالهم عجالاً، فآمن الموقنون المصدقون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألقى الله عليهم النعاس، وبقي المنافقون والذين في قلوبهم مرض لا يصدقون، بل كان ظنهم أن أبا سفيان يؤم المدينة ولا بد، فلم يقع على أحد منهم نوم، وإنما كان همهم في أحوالهم الدنيوية، قال أبو طلحة : لقد نمت في ذلك اليوم حتى سقط سيفي من يدي مراراً[(٣)](#foonote-٣)، وقال الزبير بن عوام : لقد رفعت رأسي يوم أحد من النوم فجعلت أنظر إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فما منهم أحد إلا وهو يميل تحت جحفته[(٤)](#foonote-٤)، وقال ابن مسعود : نعسنا يوم -أحد- والنعاس في الحرب أمنة من الله، والنعاس في الصلاة من الشيطان، وقرأ جمهور الناس **«أمَنة »** بفتح الميم، وقرأ ابن محيصن والنخعي **«أمْنة »** بسكون الميم، وهما بمعنى الأمن، وفتح الميم أفصح، وقوله : نعاساً  بدل، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر **«يغشي »** بالياء حملاً على لفظ النعاس بإسناد الفعل إلى ضمير البدل، وقرأ حمزة والكسائي **«تغشى »** بالتاء حملاً على لفظ - الأمنة - بإسناد الفعل إلى ضمير المبدل[(٥)](#foonote-٥) منه، والواو في قوله تعالى : وطائفة قد أهمتهم  هي واو الحال كما تقول : جئت وزيد قائم، قاله سيبويه وغيره قال الزجاج : وجائز أن يكون خبر قوله  وطائفة  قوله - يظنون - ويكون قد أهمتهم صفة للطائفة، وقوله تعالى : قد أهمتهم أنفسهم  ذهب أكثر المفسرين قتادة والربيع وابن إسحاق وغيرهم : إلى أن اللفظة من الهم الذي هو بمعنى الغم والحزن، والمعنى : أن نفوسهم المريضة وظنونهم السيئة، قد جلبت إليهم الهم خوف القتل وذهاب الأموال، تقول العرب : أهمني الشيء إذا جلب الهم، وذكر بعض المفسرين : أن اللفظة من قولك : هم بالشيء يهم إذا أراد فعله. 
قال القاضي أبو محمد : أهمتهم أنفسهم المكاشفة، ونبذ الدين، وهذا قول من قال : قد قتل محمد، فلنرجع إلى ديننا الأول ونحو هذا من الأقوال. 
**قوله تعالى :**
 يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِى أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قَلْ لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ إِلى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِىَ اللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدوُرِ 
قوله تعالى : غير الحق  معناه : يظنون أن الإسلام ليس بحق وأن أمر محمد عليه السلام يضمحل ويذهب، وقوله : ظن الجاهلية  ذهب جمهور الناس إلى أن المراد مدة الجاهلية القديمة قبل الإسلام، وهذا كما قال : حمية الجاهلية  و  تبرج الجاهلية [(٦)](#foonote-٦)، وكما تقول شعر الجاهلية، وكما قال ابن عباس : سمعت أبي في الجاهلية يقول : اسقنا كأساً دهاقاً، وذهب بعض المفسرين إلى أنه أراد في هذه الآية ظن الفرقة الجاهلية، والإشارة إلى أبي سفيان ومن معه، والأمر محتمل، وقد نحا هذا المنحى قتادة والطبري[(٧)](#foonote-٧)، وقوله تعالى : يقولون هل لنا من الأمر من شيء  حكاية كلام قالوه، قال قتادة وابن جريج : قيل لعبد الله بن أبي بن سلول : قتل بنو الخزرج فقال :**«وهل لنا من الأمر من شيء »** ؟ يريد أن الرأي ليس لنا، ولو كان لنا منه شيء لسمع من رأينا فلم يخرج فلم يقتل أحد منا، وهذا منهم قول بأجلين، وكان كلامهم يحتمل الكفر والنفاق، على معنى : ليس لنا من أمر الله شيء، ولا نحن على حق في اتباع محمد، ذكره المهدوي وابن فورك، لكن يضعف ذلك أن الرد عليهم إنما جاء على أن كلامهم في معنى سوء الرأي في الخروج، وأنه لو لم يخرج لم يقتل أحد[(٨)](#foonote-٨)، وقوله تعالى : قل إن الأمر كله لله  اعتراض أثناء الكلام فصيح، وقرأ جمهور القراء **«كلَّه »** - بالنصب على تأكيد الأمر، لأن **«كله »** بمعنى أجمع، وقرأ أبو عمرو بن العلاء **«كلُّه لله »** برفع كل على الابتداء والخبر، ورجح الناس قراءة الجمهور لأن التأكيد أملك بلفظة **«كل »**[(٩)](#foonote-٩)، وقوله تعالى : يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك  يحتمل أن يكون إخباراً عن تسترهم بمثل هذه الأقوال التي ليست بمحض كفر، بل هي جهالة، ويحتمل أن يكون إخباراً عما يخفونه من الكفر الذي لا يقدرون أن يظهروا منه أكثر من هذه النزعات، وأخبر تعالى عنهم على الجملة دون تعيين، وهذه كانت سنته في المنافقين، لا إله إلا هو، وقوله تعالى : يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا  هي مقالة سمعت من معتب بن قشير المغموص عليه بالنفاق، وقال الزبير بن العوام فيما أسند الطبري عنه : والله لكأني أسمع قول معتب بن قشير[(١٠)](#foonote-١٠) أخي بني عمرو بن عوف، والنعاس يغشاني، ما أسمعه إلا كالحلم حين قال  لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا . 
قال القاضي أبو محمد : وكلام معتب يحتمل من المعنى ما احتمل كلام عبد الله بن أبي، ومعتب هذا ممن شهد بدراً، ذكر ذلك ابن إسحاق وغيره، وقال ابن عبد البر[(١١)](#foonote-١١) : إنه شهد العقبة، وذلك وهم، والصحيح أنه لم يشهد عقبة، وقوله تعالى : قل لو كنتم في بيوتكم  الآية رد على الأقوال، وإعلام بأن أجل كل امرىء إنما هو واحد، فمن لم يقتل فهو يموت لذلك الأجل على الوجه الذي قدر الله تعالى، وإذا قتل فذلك هو الذي كان في سابق الأزل[(١٢)](#foonote-١٢)، وقرأ جمهور الناس **«في بُيوتكم »** بضم الباء، وقرأ بعض القراء وهي بعض طرق السبعة **«في بِيوتكم »**، بكسر الباء، وقرأ جمهور الناس **«لَبَرَز »** بفتح الراء والباء على معنى : صاروا في البراز من الأرض، وقرأ أبو حيوة **«لبُرِّز »** بضم الباء وكسر الراء وشدها، وقرأ جمهور الناس :**«عليهم القَتل »** أي كتب عليهم في قضاء الله وتقديره، وقرأ الحسن والزهري :**«عليهم القتال »** وتحتمل هذه القراءة معنى الاستغناء عن المنافقين، أي لو تخلفتم أنتم لبرز المؤمنون الموقنون المطيعون في القتال المكتوب عليهم، وقوله تعالى : وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم  الآية، اللام في قوله تعالى : وليبتلي  متعلقة بفعل متأخر تقديره وليبتلي وليمحص فعل هذه الأمور الواقعة والابتلاء هنا هو الاختبار، والتمحيص : تخليص الشيء من غيره، والمعنى ليختبره فيعلمه علماً مساوقاً لوجوده وقد كان متقرراً قبل وجود الابتلاء أزلاً، و  ذات الصدور  ما تنطوي عليه من المعتقدات، هذا هو المراد في هذه الآية.

١ -عامدون: قاصدون..
٢ - أخرجه ابن هشام في السيرة. (الروض الأنف ٢/١٤٠).
٣ - روى البخاري عن أنس أن أبا طلحة قال: "غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد، قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه" (٨/١٧١). ورواه كذلك الترمذي والنسائي..
٤ - الجحف: ضرب من الترسة، واحدتها جحفة، تصنع من جلود الإبل يطارق بعضها ببعض، وقيل: تصنع من جلود خاصة. "اللسان في مادة جحف"..
٥ - اعترض بعض النحويين على ذلك فقالوا: لما أعرب (نعاسا) بدلا من (أمنة) كان القياس أن يتحدث عن البدل لا عن المبدل منه، لكنه تحدث هنا عن المبدل منه، فإذا قلت: (هند حسنها فاتن) كان الخبر عن حسنها- وأجاز بعضهم أن يخبر عن المبدل منه على ما خرج ابن عطية إعراب (نعاسا) و(تغشى) بقراءة التاء، واستدلوا على ذلك بقول الشاعر:
 إن السيوف غدّوها ورواحها تركت هوازن مثل قرن الأعضب
 إذ قال: (تركت) ولم يقل: (تركا). وردّ المعترضون بأن (غدوها ورواحها) انتصبا على الظرف لا على البدل. البحر المحيط ٣/ ٨٦-٨٧..
٦ - \[حمية الجاهلية\] من الآية (٢٦) من سورة الفتح- و\[تبرج الجاهلية\] من الآية (٣٣) من سورة الأحزاب..
٧ - قال الزمخشري: "وظن الجاهلية كقولك: حاتم الجود، ورجل صدق، تريد الظن المختص بالملة الجاهلية، ويجوز أن يراد: ظن أهل الجاهلية: أي لا يظن مثل ذلك الظن إلا أهل الشرك الجاهلون بالله"..
٨ - وعلى الرأيين يكون الاستفهام في الآية معناه النفي، وقال بعضهم: الصواب أنه حقيقي و(من) في كلامهم (من شيء) زائدة للتأكيد..
٩ - والتأكيد بكلمة (كل) – وبلفظ (إن) إنما هو لمقابلة التأكيد في كلامهم بزيادة (من).
١٠ - هو معتب بن قشير-مصغرا- بن بليل، وقيل: مليل الأنصاري الأوسي، ذكروه فيمن شهد العقبة وبدرا وأحدا وقيل: إنه كان منافقا ثم تاب. وهو القائل يوم أحد: "لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا". "الإصابة" و"الاستيعاب"..
١١ - الاستيعاب: ١٤٢٩ (ط. مصر)..
١٢ - هذا النوع يسمى عند علماء البيان الاحتجاج الفطري، وهو أن يذكر المتكلم معنى ثم يستدل عليه بضروب من المعقول، كقوله تعالى: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، قل يحييها الذي أنشأها أول مرة، ومنه قول الشاعر:
 جرى القضاء بما فيه فإن تلم فلا ملام على ما خط بالقلم.

### الآية 3:155

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ۖ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [3:155]

اختلف المتأولون في من المراد بقوله تعالى : إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان [(١)](#foonote-١) فقال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه : المراد بها جميع من تولى ذلك اليوم عن العدو. 
قال القاضي أبو محمد : يريد على جميع أنحاء التولي الذي لم يكن تحرفاً لقتال، وأسند الطبري رحمه الله قال : خطب عمر رضي الله عنه يوم الجمعة فقرأ آل عمران، وكان يعجبه إذا خطب أن يقرأها، فلما انتهى إلى قوله  إن الذين تولوْا منكم يوم التقى الجمعان ، قال : لما كان يوم -أحد- هزمنا ففررت حتى صعدت الجبل، فلقد رأيتني أنزو كأني أروى[(٢)](#foonote-٢)، والناس يقولون قتل محمد، فقلت : لا أجد أحداً يقول : قتل محمد إلا قتلته، حتى اجتمعنا على الجبل فنزلت هذه الآية كلها، قال قتادة : هذه الآية في كل من فر بتخويف الشيطان وخدعه، وعفا الله عنهم هذه الزلة، قال ابن فورك : لم يبق مع النبي يومئذ إلا ثلاثة عشر رجلاً، أبو بكر، وعلي، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وسائرهم من الانصار أبو طلحة وغيره وقال السدي وغيره : إنه لما انصرف المسلمون عن حملة المشركين عليه صعد قوم الجبل، وفر آخرون حتى أتوا المدينة، فذكر الله في هذه الآية الذين فروا إلى المدينة خاصة. 
قال القاضي : جعل الفرار إلى الجبل تحيزاً إلى فئة، وقال عكرمة : نزلت هذه الآية فيمن فر من المؤمنين فراراً كثيراً، منهم رافع بن المعلى[(٣)](#foonote-٣)، وأبو حذيفة بن عتبة[(٤)](#foonote-٤) ورجل آخر، قال ابن إسحاق : فر عثمان بن عفان، وعقبة بن عثمان وأخوه سعد، ورجلان من الأنصار زرقيان، حتى بلغوا الجلعب، جبل بناحية المدينة مما يلي الأعوص، فأقاموا به ثلاثة أيام، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم : لقد ذهبتم فيها عريضة[(٥)](#foonote-٥)، قال ابن زيد : فلا أدري هل عفا عن هذه الطائفة خاصة ؟ أم على المؤمنين جميعاً ؟ و **«استزل »** - معناه طلب منهم أن يزلوا، لأن ذلك هو مقتضى وسوسته وتخويفه، وقوله تعالى : ببعض ما كسبوا  ظاهره عند جمهور المفسرين : أنه كانت لهم ذنوب عاقبهم الله عليها بتمكين الشيطان من استزلالهم، وبخلق ما اكتسبوه أيضاً هم من الفرار، وذهب الزجّاج وغيره : إلى أن المعنى، أن الشيطان ذكرهم بذنوب لهم متقدمة، فكرهوا الموت قبل التوبة منها والإقلاع عنها، قال المهدوي : بما اكتسبوا من حب الغنيمة والحرص على الحياة. 
قال القاضي أبو محمد : ويحتمل لفظ الآية أن تكون الإشارة في قوله : ببعض ما كسبوا  إلى هذه العبرة، أي كان للشيطان في هذا الفعل الذي اكتسبوه استزلال لهم، فهو شريك في بعضه، ثم أخبر تعالى بعفوه عنهم، فتأوله جمهور العلماء على حط التبعة في الدنيا والآخرة، وكذلك تأوله عثمان بن عفان في حديثه مع عبد الله بن عدي بن الخيار[(٦)](#foonote-٦)، وكذلك تأوله ابن عمر في حديثه مع الرجل العراقي[(٧)](#foonote-٧)، وقال ابن جريج : معنى الآية،  عفا الله عنهم  إذ لم يعاقبهم، والفرار من الزحف كبيرة من الكبائر بإجماع فيما علمت، وعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموبقات مع الشرك وقتل النفس وغيرها[(٨)](#foonote-٨).

١ - الجمعان: تثنية الجمع-وهي: اسم جمع. وقد نص النحويون على أن اسم الجمع لا يثنى. ولكنه هنا أراد جمع المؤمنين وجمع المشركين فلذلك صحت تثنيته، ونظير ذلك قوله: 
 وكل رفيقي كل رحل وإن هما تعاطى القنا قوماهما أخوان
 فقد ثنى (قوما) لأنه أراد معنى القبيلة..
٢ - أنزو: أثب وأقفز-والأروى: اسم للجميع- تيوس الجبل..
٣ - هو رافع بن المعلى الأنصاري الزرقي، له ذكر في ترجمة درة بنت أبي لهب، روي عن ابن عباس في قوله تعالى: إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان أن الآية نزلت في عثمان بن رافع بن المعلى. "الإصابة١/٤٩٨". والذي يحتمل أن تكون نزلت هذه الآية في عثمان ورافع بن المعلى لأنهما معا فرا يوم أحد..
٤ - هو أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة القرشي العبشمي، كان من السابقين إلى الإسلام، وهاجر الهجرتين، وصلى إلى القبلتين، استشهد يوم اليمامة وهو ابن ست وخمسين سنة. "الإصابة ٤/٤٢"..
٥ - تقدم تخريجه عند قوله تعالى: {سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض (آل عمران: ١٣٢). ص ٣٢٥ من هذا الجزء..
٦ - راجعنا حديث عثمان مع عدي بن الخيار فلم نجد فيه التأويل، وورد هذا التأول في رواية شقيق عن عبد الرحمن بن عوف. (مجمع الزوائد٩/٨٣) وقد روى الإمام أحمد، وأبو يعلى والطبري، والبزار بإسناد حسن عن عاصم عن شقيق قال: لقي عبد الرحمان بن عوف الوليد بن عقبة، فقال له الوليد: مالي أراك جفوت أمير المؤمنين عثمان؟ فقال له عبد الرحمن: أبلغه أني لم أفر يوم عينين \[جبل من جبال أحد\] قال عاصم: يقول: يوم أحد- ولم أتخلف عن بدر، ولم أترك سنة عمر، قال: فانطلق فخبر بذلك عثمان، قال: فقال أما قوله: إني لم أفر يوم عينين، فكيف يعيرني بذلك وقد عفا الله عنه فقال: \[إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا، ولقد عفا الله عنهم، إن الله غفور رحيم\]، وأما قوله: إني تخلفت يوم بدر فإني كنت أمرض رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ماتت، وقد ضرب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهم، ومن ضرب له رسول الله بسهم فقد شهد، وأما قوله: إني تركت سنة عمر فإني لا أطيقها ولا هو، فأته فحدثه بذلك. وهذا هو التأول الذي تأوله عثمان رضي الله عنه..
٧ - أخرجه البخاري، والترمذي عن عثمان بن موهب، كل في "باب المناقب". وفي البخاري، والترمذي أن الرجل السائل من أهل مصر..
٨ - أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي عن أبي هريرة، وهو صحيح. "الجامع الصغير١/٢٦" كما أخرجه الطبراني عن أبي سعيد. وهو صحيح (الجامع الصغير ٢/٢٥٤)..

### الآية 3:156

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [3:156]

نهى الله تعالى المؤمنين عن الكون مثل الكفار والمنافقين في هذا المعتقد الفاسد، الذي هو أن من سافر في تجارة ونحوها ومن قاتل فقتل لو قعد في بيته لعاش ولم يمت في ذلك الوقت الذي عرض فيه نفسه للسفر أو للقتال، وهذا هو معتقد المعتزلة في القول بالأجلين، وهو نحو منه، وقوله تعالى : لإخوانهم  هي أخوة نسب، لأن قتلى -أحد- كانوا من الأنصار، أكثرهم من الخزرج، ولم يكن فيهم من المهاجرين إلى أربعة، وصرح بهذه المقالة فيما ذكر السدي ومجاهد وغيرهما، عبد الله بن أبي المنافق وأصحابه، وقيل : بل قالها جميع المنافقين، ودخلت  إذا  في هذه الآية وهي حرف استقبال، من حيث  الذين  اسم فيه إبهام يعم من قال في الماضي، ومن يقول في المستقبل، ومن حيث هذه النازلة تتصور في مستقبل الزمان، ويطرد النهي للمؤمنين فيها، فوضعت  إذا  لتدل على اطراد الأمر في مستقبل الزمان، وهذه فائدة وضع المستقبل موضع الماضي، كما قال تعالى : والله يدعو إلى دار السلام [(١)](#foonote-١) إلى نحوها من الآيات وكما قالت :
وفينا نبي يعلم ما في غد[(٢)](#foonote-٢). . . 
كما أن فائدة وضعهم الماضي موضع المستقبل للدلالة على ثبوت الأمر، لأن صيغة الماضي متحققة الوقوع، فمن ذلك قول الشاعر :
وَإنّي لآتيكم تَشَكُّرَ ما مَضَى. . . مِنَ الأَمْرِ واسْتيجَاب مَا كَانَ في غَدِ[(٣)](#foonote-٣)
**ومنه قول الربيع :**
أَصْبَحْتُ لا أَمْلِكُ السلاحَ وَلاَ. . . أَمْلِكُ رَأْسَ الْبَعِيرِ إنْ نَفَرَا
و **«الضرب في الأرض »** : الإبعاد في السير، ومنه ضرب الدهر ضربانه : إذا بعدت المدة، وضرب الأرض : هو الذهاب فيها لحاجة الإنسان خاصة بسقوط **«في »** وقال السدي وغيره : في هذه الآية، الضرب في الأرض : السير في التجارة، وقال ابن إسحاق وغيره : بل هو السير في جميع طاعات الله ورسوله، والضرب في الأرض يعم القولين، و  غزى  : جمع غاز، وزنه -فعل- بضم الفاء وشد العين المفتوحة كشاهد وشهد وقائل وقول، وينشد بيت رؤبة :\[ الرجز \]
فالآنَ قَدْ نَهْنَهَني تَنَهْنُهِي. . . وَقَوْلُ حِلْمٍ لَيْسَ بِالْمُسَفَّهِ
( وقول، الاده فلاده ) [(٤)](#foonote-٤). . . يريد إن لم تتب الآن فلا تتوب أبداً، وهو مثل معناه : إن لم تكن كذا فلا تكن كذا، وقد روي، وقولهم إلا ده فلاده، قال سيبويه وغيره : لا يدخل  غزى  الجر ولا الرفع، وقرأته عامة القراء بتشديد الزاي، وقرأ الحسن بن أبي الحسن والزهري، ****«غزى »**** مخففة الزاي، ووجهه إما أن يريد غزاة، فحذف الهاء إخلاداً إلى لغة من يقول **«غزّى »** بالتشديد، وهذ الحرف كثير في كلامهم، قول الشاعر يمدح الكسائيّ[(٥)](#foonote-٥) :\[ الطويل \]
أَبى الذَّمُّ أَخْلاَقَ الكِسَائيّ وانتمى. . . بهِ الْمَجْدُ أخْلاق الأُبُوِّ السوابقِ
يريد الأبوة جمع أب، كما أن العمومة جمع عم، والبنوة جمع ابن وقد قالوا : ابن وبنو، وتحتمل قراءتهما أن تكون تخفيفاً للزاي من ****«غزى »****، ونظيره قراءة علي بن أبي طالب رضي الله عنه
 وكذبوا بآياتنا كذاباً [(٦)](#foonote-٦) في قول من قال : إنه تخفيف، وقد قيل : إنه مصدر جرى على غير المصدر، وقرأ الحسن **«وما قتّلوا »** مشددة التاء، وقوله تعالى : ليجعل الله ذلك  قال مجاهد : معناه يحزنهم قوله ولا ينفعهم. 
قال القاضي : فالإشارة في ذلك إلى هذا المعتقد الذي لهم، جعل الله ذلك حسرة، لأن الذي يتقين أن كل موت وقتل فبأجل سابق، يجد برد اليأس والتسليم لله تعالى على قلبه، والذي يعتقد أن حميمه لو قعد في بيته لم يمت، يتحسر ويتلهف، وعلى هذا التأويل مشى المتأولون، وهو أظهر ما في الآية، وقال قوم : الإشارة بذلك إلى انتهاء المؤمنين ومخالفتهم الكافرين في هذا المعتقد، فيكون خلافهم لهم حسرة في قلوبهم، وقال قوم : الإشارة بذلك إلى نفس نهي الله تعالى عن الكون مثل الكافرين في هذا المعتقد لأنهم إذا رأوا أن الله تعالى قد وسمهم بمعتقد وأمر بخلافهم كان ذلك حسرة في قلوبهم، ويحتمل عندي أن تكون الإشارة إلى النهي والانتهاء معاً، فتأمله **«والحسرة »** : التلهف على الشيء والغم به، ثم أخبر تعالى خبراً جزماً أنه الذي  يحيى ويميت  بقضاء حتم، لا كما يعتقد هؤلاء، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي :**«والله بما يعملون »** بالياء، فهذا وعيد للمنافقين، وقرأ الباقون **«تعملون »** بالتاء على مخاطبة المؤمنين، فهذا توكيد للنهي في قوله  لا تكونوا  ووعيد لمن خالفه ووعد لمن امتثله.

١ - من الآية (٢٥) من سورة يونس..
٢ - القائلة جارية من جويريات كن عند الربيع بنت معوذ يغنين ويضربن بالدف، فقالت إحداهن: (وفينا نبي يعلم ما في غد)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقولي هكذا، وقولي ما كنت تقولين)، وهو طرف من حديث أخرجه البخاري، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه "القسطلاني على البخاري ٦/ ٢٦٦"..
٣ - البيت في اللسان في مادة (شكر) أنشده أبو علي. قال: لتشكر ما مضى، يريد ما يكون في غد فوضع الماضي موضع الآتي. ورواية اللسان: في الغد. وأنشده الفراء في معاني القرآن. ورواية البيت في تفسير ابن جرير واللسان: (استجاب)..
٤ - النهنهة: الكف، ونهنهه عن الشيء: زجره. السفه: خفة الحلم. وقوله: إلاده فلاده معناه: إن لم يكن هذا الأمر الآن فلا يكون بعد الآن، ولا يدرى ما أصله. قال الجوهري: إني لأظنها فارسية: يقول: إن لم تضربه الآن فلا تضربه أبدا. والقوّل: جمع قائل- مثل راكع وركّع. اللسان في مادة: (دهده)..
٥ - البيت للقناني كما في "اللسان" في مادة: "أبى". والقنانيون عدة بين كتاب وغيرهم. قال ابن سيده: الأب: الوالد، والجمع أبون، وآباء، وأبو، وأبوة- عن اللحياني..
٦ - الآية (٢٨) من سورة النبأ..

### الآية 3:157

> ﻿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [3:157]

وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ فِبَمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنَتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظَّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ 
اللام في قوله تعالى : ولئن قتلتم  هي المؤذنة بمجيء القسم، واللام في قوله : لمغفرة  هي المتلقية للقسم، والتقدير : والله لمغفرة، وترتب الموت قبل القتل في قوله  ما ماتوا وما قتلوا  \[ آل عمران : ١٥٦ \] مراعاة لرتبة الضرب في الأرض والغزو فقدم الموت الذي هو بإزاء المتقدم الذكر وهو الضرب، وقدم القتل في قوله تعالى : ولئن قتلتم  لأنه ابتداء إخبار، فقدم الأشرف الأهم، والمعنى : أو متم في سبيل الله، فوقع أجركم على الله.

### الآية 3:158

> ﻿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ [3:158]

ثم قدم الموت في قوله تعالى : ولئن متم أو قتلتم  لأنها آية وعظ بالآخرة والحشر، وآية تزهيد في الدنيا والحياة، والموت المذكور فيها هو موت على الإطلاق في السبيل وفي المنزل وكيف كان، فقدم لعمومه وأنه الأغلب في الناس من القتل، وقرأ نافع وحمزة والكسائي **«مِتم »** بكسر الميم و **«متنا »** و **«مت »** بالكسر في جميع القرآن وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر : بضم الميم في جميع القرآن، وروى أبو بكر عن عاصم ضم الميم في جميع القرآن، وروى عنه حفص ضم الميم في هذين الموضعين **«أو مُتم ولئن مُتم »** فقط، وكسر الميم حيث ما وقعت في جميع القرآن، قال أبو علي : ضم الميم هو الأشهر والأقيس، مت تموت مثل : قلت تقول وطفت تطوف، والكسر شاذ في القياس وإن كان قد استعمل كثيراً، وليس كما شذ قياساً واستعمالاً كشذوذ اليجدع[(١)](#foonote-١) ونحوه، ونظير مت تموت بكسر الميم فضل بكسر الضاد يفضل في الصحيح وأنشدوا[(٢)](#foonote-٢) :
ذكرت ابن عباس بباب ابن عامر. . . وما مر من عمري ذكرت وما فضل
وقوله تعالى : لمغفرة  رفع بالابتداء  ورحمة ، عطف على المغفرة و  خير  خبر الابتداء، والمعنى : المغفرة والرحمة اللاحقة عن القتل أو الموت في سبيل الله خير، فجاء لفظ المغفرة غير معرف إشارة بليغة إلى أن أيسر جزء منها خير من الدنيا، وأنه كاف في فوز العبد المؤمن، وتحتمل الآية أن يكون قوله  لمغفرة  إشارة إلى القتل أو الموت في سبيل الله، سمى ذلك مغفرة ورحمة إذ هما مقترنان به ويجيء التقدير : لذلك مغفرة ورحمة وترتفع المغفرة على خبر الابتداء المقدر، وقوله  خير  صفة لخبر الابتداء، وقرأ جمهور الناس **«تجمعون »** بالتاء على المخاطبة وهي أشكل بالكلام، وقرأ قوم منهم عاصم فيما روى عن حفص **«يجمعون »** بالياء، والمعنى مما يجمعه المنافقون وغيرهم. 
ثم ذكر تعالى الحشر إليه، وأنه غاية لكل أحد قتل أو مات، وفي الآية تحقير لأمر الدنيا وحض على طلب الشهادة، أي إذا كان الحشر في كلا الأمرين فالمضي إليه في حال الشهادة أولى.

١ - هذه الكلمة قافية بيت قائله ذو الخرق الطهوي، ذكره صاحب "اللسان" في مادة: (جدع). وفي (خزانة الأدب٢/ ٤٨٨) ونص البيت هو:
 يقول الخنى وأبغض العجم ناطقا إلى ربنا صوت الحمار اليجدع.
٢ - قائله: أبو الأسود الدؤلي كما في (الأغاني ١٣/ ٣٢٢).

### الآية 3:159

> ﻿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [3:159]

وقوله تعالى : فبما رحمة من الله ، معناه : فبرحمة من الله **«وما »** قد جرد عنها معنى النفي ودخلت للتأكيد وليست بزائدة على الإطلاق لا معنى لها، وأطلق عليها سيبويه اسم الزيادة من حيث زال عملها، وهذه بمنزلة قوله تعالى : فبما نقضهم ميثاقهم [(١)](#foonote-١) قال الزجاج : الباء بإجماع من النحويين صلة وفيه معنى التأكيد[(٢)](#foonote-٢)، ومعنى الآية : التقريع لجميع من أخل يوم - أحد - بمركزه، أي كانوا يستحقون الملام منك، وأن لا تلين لهم، ولكن رحم الله جميعكم، أنت يا محمد بأن جعلك الله على خلق عظيم، وبعثك لتتمم محاسن الأخلاق، وهم بأن لينك لهم وجعلت بهذه الصفات لما علم تعالى في ذلك من صلاحهم وأنك  لو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ، وتفرقوا عنك، والفظ : الجافي في منطقه ومقاطعه، وفي صفة النبي عليه السلام في الكتب المنزلة : ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق[(٣)](#foonote-٣)، وقال الجواري لعمر بن الخطاب : أنت أفظ وأغلظ من رسول الله[(٤)](#foonote-٤) ؛ الحديث، وفظاظة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إنما كانت مستعملة منه آلة لعضد الحق والشدة في الدين، والفظاظة : الجفوة في المعاشرة قولاً وفعلاً ومنه قول الشاعر[(٥)](#foonote-٥) :\[ البسيط \]
أخشى فَظَاظَةَ عمٍّ أَوْ جَفَاءَ أخٍ. . . وَكُنْتُ أَخْشَى عَلَيْهَا مِنْ أذى الْكَلِمِ
وغلظ القلب : عبارة عن تجهم الوجه وقلة الانفعال في الرغائب وقلة الإشفاق والرحمة ومن ذلك قول الشاعر[(٦)](#foonote-٦) :\[ البسيط \]
يُبْكَى عَلَيْنا ولا نَبْكي على أحد. . . لَنَحْنُ أَغْلَظُ أَكباداً من الإبلِ
والانفضاض : افتراق الجموع ومنه فض الخاتم. 
**قوله تعالى :**
 فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الأَمْرِ فإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِى يَنصُرُكُمْ مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ 
أمر الله تعالى رسوله بهذه الأوامر التي هي بتدريج بليغ، وذلك أنه أمره بأن يعفو عليه السلام عنهم ما له في خاصته عليهم من تبعة وحق، فإذا صاروا في هذه الدرجة، أمره أن يستغفر لهم فيما لله عليهم من تبعة، فإذا صاروا في هذه الدرجة كانوا أهلاً للاسشارة في الأمور. والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه، وقد مدح الله المؤمنين بقوله : وأمرهم شورى بينهم [(٧)](#foonote-٧) وقال النبي صلى الله عليه وسلم :&lt; ما خاب من استخار ولا ندم من استشار&gt;[(٨)](#foonote-٨)، وقال عليه السلام :&lt; المستشار مؤتمن&gt;[(٩)](#foonote-٩)، وصفة المستشار في الأحكام أن يكون عالماً ديناً، وقل ما يكون ذلك إلا في عاقل، فقد قال الحسن بن أبي الحسن : ما كمل دين امرىء لم يكمل عقله، وصفة المستشار في أمور الدنيا أن يكون عاقلاً مجرباً واداً في المستشير، والشورى بركة، وقد جعل عمر بن الخطاب الخلافة - وهي أعظم النوازل - شورى، وقال الحسن : والله ما تشاور قوم بينهم إلا هداهم الله لأفضل ما بحضرتهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه، وقد قال في غزوة بدر :( أشيروا عليّ أيها الناس ) [(١٠)](#foonote-١٠)، في اليوم الذي تكلم فيه المقداد[(١١)](#foonote-١١)، ثم سعد بن عبادة[(١٢)](#foonote-١٢)، ومشاورته عليه السلام إنما هي في أمور الحرب والبعوث ونحوه من أشخاص النوازل، وأما في حلال أو حرام أو حد فتلك قوانين شرع. 
 ما فرطنا في الكتاب من شيء [(١٣)](#foonote-١٣) وكأن الآية نزلت مؤنسة للمؤمنين، إذ كان تغلبهم على الرأي في قصة - أحد - يقتضي أن يعاقبوا بأن لا يشاوروا في المستأنف، وقرأ ابن عباس **«وشاورهم في بعض الأمر »** وقراءة الجمهور إنما هي باسم الجنس الذي يقع للبعض وللكل، ولا محالة أن اللفظ خاص بما ليس من تحليل وتحريم، والشورى مبينة على اختلاف الآراء، والمستشير ينظر في ذلك الخلاف ويتخير، فإذا أرشده الله تعالى إلى ما شاء منه، عزم عليه وأنفذه متوكلاً على الله، إذ هي غاية الاجتهاد المطلوب منه، وبهذا أمر تعالى نبيه في هذه الآية[(١٤)](#foonote-١٤)، وقرأ جابر بن زيد وأبو نهيك وجعفر بن محمد وعكرمة **«عزمتُ »** - بضم التاء سمى الله تعالى إرشاده وتسديده عزماً منه، وهذا في المعنى نحو قوله تعالى : لتحكم بين الناس بما أراك الله [(١٥)](#foonote-١٥) ونحو قوله تعالى : وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى [(١٦)](#foonote-١٦) فجعل تعالى هزمه المشركين بحنين وتشويه وجوههم رمياً، إذ كان ذلك متصلاً برمي محمد عليه السلام بالحصباء. وقد قالت أم سلمة ثم عزم الله لي، والتوكل على الله تعالى من فروض الإيمان وفصوله، ولكنه مقترن بالجد في الطاعة والتشمير والحزامة بغاية الجهد : وليس الإلقاء باليد وما أشبهه بتوكل، وإنما هو كما قال عليه السلام :( قيدها وتوكل ) [(١٧)](#foonote-١٧).

١ - تكررت في الآيتين: (١٥٥) من سورة (النساء) و(١٣) من سورة (المائدة)..
٢ - للعلماء في (ما) هذه كثيرة من الآراء، قيل: إنها نكرة تامة و(رحمة) بدل منها- وقيل: إنها استفهامية للتعجب، وقيل: إنها نافية- وكل قول من هذه الأقوال مردد وموضع مناقشة وبخاصة كونها استفهامية، وأصح الأقوال قول الزجاج وهي أنها للتأكيد. قال النابغة:
 المرء يهوى أن يعيــ ـش وطول عيش ما يضره.
٣ - أخرجه ابن جرير في التفسير، والترمذي في الشمائل في باب ما جاء في خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم (بضم الخاء واللام). وأخرجه البيهقي، وأبو نعيم عن أم الدرداء أو امرأة أبي الدرداء. (القسطلاني في المواهب بشرح الزرقاني ٦/١٩٣)..
٤ - أخرجه البخاري في فضل عمر، وفي صفة إبليس، ومسلم في الفضائل، والنسائي في المناقب، وفي اليوم والليلة. (القسطلاني٥/٣٠٢). والجواري: جمع جارية..
٥ - نسبه أبو تمام في الحماسة (شرح المرزوقي: (٢٨٢-٢٨٤) إلى إسحاق بن خلف وهو من أبيات يشكو فيها الفقر ويحاذر على بنته أميمة من ذل اليتم والفقر ويتمنى لشدة محبته لها موتها..
٦ - قائل البيت: المخبل السعدي، وهو شاعر مخضرم، قيل: اسمه ربيعة بن مالك، وقيل: كعب بن ربيعة، وقيل الربيع بن ربيعة. "الشعر والشعراء" و"الأغاني" و"الإصابة"..
٧ - من الآية (٣٨) من سورة الشورى..
٨ - أخرجه الطبراني في الأوسط، عن أنس (الجامع الصغير٢/ ٤٢٥).
٩ - أخرجه الأربعة عن أبي هريرة، والترمذي عن أم سلمة، وابن ماجة- عن ابن مسعود (الجامع الصغير١/٥٧٥)..
١٠ - ذكره ابن هشام في سيرته (٢/٤٤٧) كما نقله عنه القسطلاني في "المواهب اللدنية" بهذا اللفظ (١/٤١٢)..
١١ - هو المقداد بن عمرو الكندي البهراني، وقيل: الحضرمي، تبنّاه الأسود صغيرا فنسب إليه، وهو ممن شهد بدرا فارسا مع بقية المشاهد بعدها، وهاجر الهجرتين، وهو أحد السبعة الذين هم أول من أظهر الإسلام، واشتهرت كلمته التي سر بها النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر، توفي بمصر، ودفن بالمدينة، صلى عليه عثمان بن عفان. "الإصابة" و"الاستيعاب"..
١٢ - هو سعد بن عبادة الأنصاري، سيد الخزرج المكني أبا ثابت وأبا قيس، ويقال له: الكامل، شهد العقبة، وهو أحد النقباء، وصاحب راية ورياسة الأنصار، كما عرف هو وأهله بالجود والكرم، واختلف في شهوده بدرا، وتوفي بحوران في الشام سنة: ١٥ وقيل: ١٦ "الإصابة" و"الاستيعاب"..
١٣ - من الآية (٣٨) من سورة الأنعام..
١٤ - والشورى تعطى معنى استخراج رأي المستشار، ولهذا يقال: إنها مأخوذة من قولهم: (شرت العسل). وأنشدوا قول خالد بن زهير:
 وقاسمتها بالله حقا لأنتم ألذ من السلوى إذا ما نشورها
 والسلوى على كلامه: العسل، وقد جاء في (اللسان): قال الزجاج: أخطأ خالد، إنما السلوى طائر. وقال الفارسي: السلوى: كل ما سلاك، وقيل للعسل: سلوى لأنه يسليك بحلاوته وتأتيه عن غيره يرد بذلك على أبي إسحاق الزجاج.
 **وقال الأعشى:**
 كأن جنيا من الزنجبيـ ـل خالط فاها وأريا مشورا
 وجني: فعيل من جني الثمر يجنيه، والزنجبيل: نبات طيب الرائحة معروف، والأري: عسل النحل، وشار العسل واشتاره: جمعه..
١٥ - من الآية (١٠٥) من سورة النساء..
١٦ - من الآية (١٧) من سورة الأنفال..
١٧ - أخرجه البيهقي في "الشعب" عن عمرو بن أمية الضمري. "الجامع الصغير ٢/٢١٩"، كما رواه الترمذي عن أنس بلفظ: (اعقلها وتوكل). ورواية البيهقي أصح كما في "الجامع الصغير" ١/١٥٥"..

### الآية 3:160

> ﻿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [3:160]

ثم ثبت تعالى المؤمنين بقوله : إن ينصركم الله فلا غالب لكم  أي فالزموا الأمور التي أمركم بها ووعدكم النصر معها، و **«الخذل »** : هو الترك في مواطن الاحتياج إلى التارك، وأصله من خذل الظباء، وبهذا قيل لها : خاذل إذ تركتها أمها، وهذا على النسب أي ذات خذل لأن المتروكة هي الخاذل بمعنى مخذولة، وقوله تعالى : فمن ذا الذي ينصركم  تقدير جوابه : لا من- والضمير في  بعده  يحتمل العودة على المكتوبة، ويحتمل العودة على الخذل الذي تضمنه قوله  إن يخذلكم .

### الآية 3:161

> ﻿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ۚ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [3:161]

تقدم القول في صيغة : وما كان لكذا أن يكون كذا، في قوله تعالى : وما كان لنفس أن تموت  \[ آل عمران : ١٤٥ \] وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ******«يغُل »****** بفتح الياء وضم الغين، وبها قرأ ابن عباس وجماعة من العلماء، وقرأ باقي السبعة ****«أن يُغَل »**** بضم الياء وفتح الغين، وبها قرأ ابن مسعود وجماعة من العلماء، واللفظة : بمعنى الخيانة في خفاء، قال بعض اللغويين هي مأخوذة من الغلل وهو الماء الجاري في أصول الشجر والدوح، قال أبو عمرو : تقول العرب : أغل الرجل يغل إغلالاً : إذا خان، ولم يؤد الأمانة، ومنه قول النمر بن تولب[(١)](#foonote-١) :\[ الطويل \]
جزى اللَّهُ عنّي جَمْرَة َ ابْنَةَ نَوْفَلٍ. . . جزاءَ مُغِلًّ بالأمانةِ كاذبِ
وقال شريح : ليس على المستعير غير المغل ضمان، قال أبو علي : وتقول من الغل الذي هو الضغن : غل يغِل بكسر الغين، ويقولون في الغلول من الغنيمة، غل يغُل بضم الغين، والحجة لمن قرأ يغل أن ما جاء من هذا النحو في التنزيل أسند الفعل فيه إلى الفاعل على نحو  ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء [(٢)](#foonote-٢)  وما كان ليأخذ أخاه في دين الملك [(٣)](#foonote-٣)  وما كان لنفس أن تموت [(٤)](#foonote-٤)  وما كان الله ليضل قوماً بعد أن هداهم [(٥)](#foonote-٥)  وما كان الله ليطلعكم على الغيب [(٦)](#foonote-٦) ولا يكاد يجيء : ما كان زيد ليضرب، فيسند الفعل فيه إلى المفعول به، وفي هذا الاحتجاج نظر، وروي عن ابن عباس أنه قرأ ******«يغُل »****** بضم الغين، فقيل له : إن ابن مسعود قرأ **«يغَل »** بفتح الغين، فقال ابن عباس : بلى والله ويقتل، واختلف المفسرون في السبب الذي أوجب أن ينفي الله تعالى عن النبي أن يكون غالاً على هذه القراءة - التي هي بفتح الياء وضم الغين، فقال ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير وغيرهم : نزلت بسبب قطيفة حمراء فقدت من المغانم يوم بدر، فقال بعض من كان مع النبي صلى الله عليه وسلم : لعل رسول الله أخذها فنزلت الآية[(٧)](#foonote-٧). 
قال القاضي أبو محمد : قيل : كانت هذه المقالة من مؤمنين لم يظنوا أن في ذلك حرجاً، وقيل كانت من منافقين، وقد روي أن المفقود إنما كان سيفاً، قال النقاش : ويقال : إنما نزلت لأن الرماة قالوا يوم أحد : الغنيمة الغنيمة أيها الناس، إنما نخشى أن يقول النبيُّ صلى الله عليه وسلم : من أخذ شيئاً فهو له، فلما ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، قال : خشيتم أن نغل[(٨)](#foonote-٨) ؟ ونزلت هذه الآية، وقال الضحاك : بل السبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث طلائع في بعض غزواته ثم غنم قبل مجيئهم، فقسم للناس ولم يقسم للطلائع، فأنزل الله تعالى عليه عتاباً،  وما كان لنبي أن يغل  أي يقسم لبعض ويترك بعضاً[(٩)](#foonote-٩)، وروي نحو هذا القول عن ابن عباس، ويتجه على هذا أن تكون الآية إعلاماً بعدل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقسمه للغنائم، ورداً على الأعراب الذين صاحوا به : اقسم علينا غنائمنا يا محمد، وازدحموا حتى اضطروه إلى السمرة التي أخذت رداءه[(١٠)](#foonote-١٠)، ونحا إليه الزجّاج، وقال ابن إسحاق : الآية إنما نزلت إعلاماً بأن النبي عليه السلام لم يكتم شيئاً ما أمر بتبليغه. 
قال القاضي : وكأن الآية على هذا في قصة - أحد - لما نزل عليه : وشاورهم في الأمر  \[ آل عمران : ١٥٩ \] إلى غير ذلك مما استحسنوه بعد إساءتهم من العفو عنهم ونحوه، وبالجملة فهو تأويل ضعيف، وكان يجب أن يكون **«يُغِل »** بضم الياء وكسر الغين، لأنه من الإغلال في الأمانة، وأما قراءة من قرأ ****«أن يُغَل »**** بضم الياء وفتح الغين، فمعناها عند جمهور من أهل العلم : أن ليس لأحد أن يغله : أي يخونه في الغنيمة، فالآية في معنى نهي الناس عن الغلول في المغانم والتوعد عليه، وخص النبي بالذكر وإن كان ذلك محظوراً مع الأمراء لشنعة الحال مع النبي صلى الله عليه وسلم، لأن المعاصي تعظم مع حضرته لتعين توقيره، والولاة هم عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فلهم حظهم من التوقير، وقال بعض الناس : معنى **«أن يغل »** أن يوجد غالاً، كما تقول : أحمدت الرجل وجدته محموداً، فهذه القراءة على هذا التأويل ترجع إلى معنى ******«يغُل »****** بفتح الياء وضم الغين، وقال أبو علي الفارس : معنى **«يُغَل »** بضم الياء وفتح الغين يقال له : غللت وينسب إلى ذلك، كما تقول أسقيته، إذا قلت : سقاك الله كما قال ذو الرمة :\[ الطويل \]
وَأُسْقيهِ حتى كاد مِمّا أَبُثُّهُ. . . تُكَلِّمُني أحْجَارُه وَمَلاعِبُهْ[(١١)](#foonote-١١)
وهذا التأويل موقر للنبي عليه السلام، ونحوه في الكلام : أكفرت الرجل إذا نسبته إلى الكفر، وقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لا آكل سمناً حتى يحياً الناس من أول ما يحيون[(١٢)](#foonote-١٢) : أي يدخلون في الحيا[(١٣)](#foonote-١٣) وقوله تعالى : ومن يغلل يأتِ بما غل يوم القيامة  وعيد لمن يغل من الغنيمة، أو في زكاته، فيجحدها ويمسكها، فالفضيحة يوم القيامة بأن يأتي على رؤوس الأشهاد بالشيء الذي غل في الدنيا، وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال :**«ألا يخشى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، يقول : يا رسول الله أغثني، فأقول : لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك[(١٤)](#foonote-١٤)، ثم ذكر ذلك عليه السلام في بقرة لها خوار وجمل له رغاء، وفرس له حمحمة »**
وروى نحو هذا الحديث ابن عباس، قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء، الحديث بطوله[(١٥)](#foonote-١٥)، وروى نحوه أبو حميد الساعدي[(١٦)](#foonote-١٦) وعمر بن الخطاب وعبد الله بن أنيس[(١٧)](#foonote-١٧)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«أدوا الخياط والمخيط »**[(١٨)](#foonote-١٨)، فقام رجل فجاء بشراك أو شراكين، فقال رسول الله صلى الله عليه سلم :&lt; شراك أو شراكان من نار&gt;[(١٩)](#foonote-١٩)، وقال في مدعم[(٢٠)](#foonote-٢٠)، &lt; إن الشملة التي غل من المغانم يوم خيبر لتشتعل عليه ناراً &gt;. 
قال القاضي : وهذه الفضيحة التي يوقع الله بالغالّ، هي نظيرة الفضيحة التي توقع بالغادر، في أن ينصب له لواء بغدرته حسب قوله عليه السلام[(٢١)](#foonote-٢١)، وجعل الله هذه المعاقبات حسبما يعهده البشر ويفهمونه، ألا ترى إلى قول الحادرة[(٢٢)](#foonote-٢٢) :\[ الكامل \]
أسُمَيَّ وَيْحَكِ هَلْ سَمِعْتِ بِغَدْرَةٍ. . . رفع اللِّواء لَنَا بِهَا في الْمَجمَعِ
وكانت العرب ترفع للغادر لواء، وكذلك يطاف بالجاني مع جنايته، وقد تقدم القول في نظير،  ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون [(٢٣)](#foonote-٢٣).

١ - هو النمر بن تولب العكلي، أحد الشعراء المخضرمين، وفد على النبي صلى الله عليه وسلم، ومدحه بشعر، وكتب له النبي صلى الله عليه وسلم كتابا، ثم نزل بعد ذلك البصرة، وكان جوادا، وعمّر طويلا، يقال: عاش مائة سنة. "الإصابة والاستيعاب" و"تهذيب التهذيب" ١٠/٤٧٤..
٢ - من الآية (٣٨) من سورة يوسف..
٣ - من الآية (١٤٥) من سورة يوسف..
٤ - من الآية (١٤٥) من سورة آل عمران..
٥ - من الآية (١١٥) من سورة التوبة..
٦ - من الآية (١٧٩) من سورة التوبة..
٧ - أخرجه أبو داود، وعبد بن حميد الترمذي، وحسنه، وابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق مقسم عن ابن عباس. "الدر المنثور للسيوطي ٢/٩١" و"ابن كثير ١/٤٢١"..
٨ - ذكره الثعلبي، والواحدي عن الكلبي ومقاتل. (الكشاف١/٤٣٤). والبغوي والخازن في الجزء الأول ص: ٣٦٩..
٩ - أخرجه ابن أبي شيبة، وابن جرير من طريق سلمة بن نبيط- عن الضحاك. (الدر المنثور للسيوطي٢/٩١)، وأخرجه الطبري، والواحدي في أسبابه. (الكشاف١/٣٤٣)..
١٠ - أخرجه أبو داود، والإمام أحمد، ورجال أحد أسانيده ثقات. (مجمع الزوائد٦/١٨٧) وسيرة ابن هشام ٤/٩٢٨)..
١١ - سقيت فلانا وأسقيته: إذا قلت له: سقاك الله. وبث الشكوى: جهر بها والملاعب: ملاعب الصبيان في الدار من ديارات العرب حيث يلعبون، والواحد ملعب. وقبله:
 وقفت على ربع لمية ناقتي فما زلت أبكي عنده وأخاطبه..
١٢ - كان ذلك في عام الرمادة، وهو عام أصاب الناس فيه مجاعة وهي سنة: ١٧ من الهجرة. (تاريخ الخلفاء للسيوطي ١٣٠. ط. السعادة بمصر).
١٣ - والحيا، مقصور: الخصب، والجمع أحياء، وقد جاء ممدودا بمعنى المطر والخصب، والحياة: نقيض الموت. والحياء: التوبة والحشمة..
١٤ - أخرجه بطوله ابن أبي شيبة، والإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، وابن جرير، والبيهقي، في الشعب- عن أبي هريرة قال: (قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فذكر الغلول فعظمه وعظّم أمره، ثم قال: ألا لا ألفين أحدكم). (الدر المنثور للسيوطي ٦/٩٢).
١٥ -أخرجه ابن جرير عن ابن عباس (٤/١٥٩)، وذكره ابن كثير بطوله وقال: لم يروه أحد من أهل الكتب الستة (١/٤٢١)..
١٦ - هو أبو حميد الساعدي الأنصاري الصحابي المشهور، عبد الرحمان بن سعد، له ذكر في الصحيحين، شهد أحدا وما بعدها، وتوفي آخر خلافة معاوية. "الاستيعاب" و"الإصابة" ٤/٤٦".
١٧ - لعله عبد الله بن أنيس الجهني لأنه أشهر الخمسة الذين شاركوه في اسمه واسم أبيه، قاله الزرقاني على "المواهب اللدنية" في سرية "عبد الله بن أنيس"، وقال: لا معنى للتردد في أنه غيره (٢/٦٣). وترجم له في سيرة ابن هشام، وذكر قصيدته التي قالها في قتل ابن نبيح (٤/٢٦٧). وترجم له الحافظ في "الفتح" في "باب الخروج في طلب العلم" من البخاري:(١/١٢٧). كما ترجم له في الإصابة أيضا بطول (٢/٢٧٨) وقال فيه صاحب "الاستيعاب": كان مهاجريا أنصاريا عقبيا. وترجم له السيوطي في إسعاف المبطا (١٩٧)..
١٨ - أخرجه الدرامي في سننه، بن عبادة بن الصامت (٢/٢٣٠) وأخرجه الموطأ في باب ما جاء في الغلول (٣/٢٩) كما أخرجه أبو داود باختصاره، ورواه الإمام أحمد ورجال أحد أسانيده ثقات. (مجمع الزوائد ٦/١٨٧) وكذا ورد في (سيرة ابن هشام: ٤/٩٢٨)..
١٩ - أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي- عن أبي هريرة بطوله. (الترغيب والترهيب٢/٣٠٩). وأخرجه ابن أبي شيبة عن أبي هريرة أيضا. (الدر المنثور ٢/٩٢)، كما أخرجه الداروردي عن ثور. (شرح الزرقاني على الموطأ ٣/٣١)..
٢٠ - مدعم الأسود كان مولى لرفاعة الجذامي، فأهداه للنبي صلى الله عليه وسلم، ثبت ذكره في الموطأ، والصحيحين، وهو الذي أغل الشملة يوم خيبر، أصيب بسهم غرب فمات عام خيبر. (الإصابة ٣/٣٩٤)..
٢١ - أخرجه الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم-عن أنس، والإمام أحمد، ومسلم- عن ابن مسعود، ومسلم- عن ابن عمر بلفظ: (لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة). وأخرجه مسلم- عن أبي سعيد بلفظ: (لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة) (الجامع الصغير ٢/٣٥٦). وفي "مجمع الزوائد" بروايات وأسانيد متعددة عن الطبراني (١/٢٣٠) كما أخرجه المنذري والدارمي..
٢٢ - الحادرة: لقب غلب عليه، واسمه قطبة بن أوس، وهو شاهر جاهلي مقل، ذكر أنه خرج هو وزبان الفزاري يصطادان، فاصطادا جميعا فخرج زبان يشوي ويأكل وحده في الليل فقال فيه شعرا، فوقع هجاء بينهما (الأغاني ٣/٢٦٥. والحيوان للجاحظ ٦/٣٥٨)..
٢٣ - عند تفسير قوله تعالى: {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله، ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون\]. وهي الآية (٢٨١) من سورة (البقرة)..

### الآية 3:162

> ﻿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [3:162]

وقوله تعالى : أفمن اتبع رضوان الله  الآية، توقيف على تباين المنزلتين وافتراق الحالتين، والرضوان : مصدر، وقرأه عاصم - فيما روي عنه - بضم الراء - وقرأ جميعهم بكسرها، وحكى أبو عمرو الداني عن الأعمش، أنه قرأها - بكسر الراء وضم الضاد، وهذا كله بمعنى واحد مصدر من الرضى، والمعنى، اتبعوا الطاعة الكفيلة برضوان الله، ففي الكلام حذف مضاف[(١)](#foonote-١)، و  باء بسخط  - معناه : مضى متحملاً له، والسخط : صفة فعل، وقد تتردد متى لحظ فيها معنى الإرادة، وقال الضحاك : إن هذه الآية مشيرة إلى أن من لم يغل واتقى فله الرضوان، وإلى أن من غل وعصى فله السخط، وقال غيره : هي مشيرة إلى أن من استشهد - بأحد - فله الرضوان، وإلى المنافقين الراجعين عن النبي صلى الله عليه وسلم فلهم السخط، وباقي الآية بّين.

١ - هذا والاستفهام في الآية معناه: النفي، أي: ليس من اتبع رضا الله فامتثل أوامره واجتنب نواهيه كمن عصاه فباء بسخطه، وهو من الاستعارة البديعة، إذ أن ما شرعه الله كالدليل الذي يتبعه من اهتدى به، والعاصي كالشخص الذي أمر بأن يتبع فرجع مصحوبا بما يخالف الاتباع..

### الآية 3:163

> ﻿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [3:163]

واختلف المفسرون في قوله تعالى : هم درجات  من المراد بذلك ؟ فقال ابن إسحاق وغيره : المراد بذلك الجمعان المذكوران، أهل الرضوان وأصحاب السخط، أي لكل صنف منهم تباين في نفسه في منازل الجنة، وفي أطباق النار أيضاً، وقال مجاهد والسدي ما ظاهره : إن المراد بقوله  هم  إنما هو لمتبعي الرضوان، أي لهم درجات كريمة عند ربهم، وفي الكلام حذف مضاف تقديره **«هم درجات »** والدرجات المنازل بعضها أعلى من بعض في المسافة أو في التكرمة، أو العذاب، وقرأ إبراهيم النخعي **«هم درجة »** بالإفراد، وباقي الآية وعيد ووعد.

### الآية 3:164

> ﻿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [3:164]

اللام في  لقد  لام القسم، و  منّ  في هذه الآية معناه : تطول وتفضل، وقد يقال : منّ بمعنى : كدرمعروفه بالذكر فهي لفظة مشتركة. 
وقوله تعالى : من أنفسهم  معناه في الجنس واللسان والمجاورة فكونه من الجنس يوجب الأنس به وقلة الاستيحاش منه، وكونه بلسانهم يوجب حسن التفهيم وقرب الفهم، وكونه جاراً وربياً يوجب التصديق والطمأنينة، إذ قد خبروه وعرفوا صدقه وأمانته فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسب قومه، وكذلك الرسل، قال النقاش : ليس في العرب قبيلة إلى وقد ولدت رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل أمهاتهم إلا بني تغلب لنصرانيتهم، والآيات في هذه الآية، يحتمل أن يراد بها القرآن ويحتمل أن يراد بها العلامات، والأول أظهر،  ويزكيهم  معناه : يطهرهم من دنس الكفر والمعاصي، قال بعض المفسرين : معناه يأخذ منهم الزكاة، وهذا ضعيف، و  الكتاب  : القرآن،  والحكمة ، السنة المتعلمة من لسانه عليه السلام، ثم ذكر حالتهم الأولى من الضلال ليظهر الفرق بتجاور الضدين- وقيل : لفظة مبنية لما تضمنت الإضافة، فأشبهت الحروف في تضمن المعاني فبنيت.

### الآية 3:165

> ﻿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [3:165]

ثم وقف تعالى المؤمنين على الخطإ في قلقهم للمصيبة التي نزلت بهم وإعراضهم عما نزل بالكفار، وعرفهم أن ذلك لسبب أنفسهم، والواو في قوله : أولما  عطف جملة على جملة دخلت عليها ألف التقرير على معنى إلزام المؤمنين هذه المقالة في هذه الحال، والمصيبة التي نالت المؤمنين هي : قصة - أحد - وقتل سبعين منهم، واختلف في المثلين اللذين أصاب المؤمنين فقال قتادة والربيع : وابن عباس وجمهور المتأولين : ذلك في يوم بدر، قتل المؤمنون من كفار قريش سبعين وأسروا سبعين، وقال الزجّاج : أحد المثلين : هو قتل السبعين يوم بدر، والثاني : هو قتل اثنين وعشرين من الكفار يوم - أحد - فهو قتل بقتل، ولا مدخل للأسرى في هذه الآية، هذا معنى كلامه، لأن أسارى بدر أسروا ثم فدوا، فلا مماثلة بين حالهم وبين قتل سبعين من المؤمنين، و  أَنّى  -معناها : كيف ومن أين ؟ ثم أمر تعالى نبيه عليه السلام أن يقول لهم : هو من عند أنفسكم ، واختلف الناس كيف هو من عند أنفسهم ولأي سبب ؟ فقال الجمهور من المفسرين : لأنهم خالفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرأي حين رأى أن يقيم بالمدينة ويترك كفار قريش بشر محبس فأبوا إلا الخروج حتى جرت القصة، وقالت طائفة : قوله تعالى : من عند أنفسكم  إشارة إلى عصيان الرماة وتسبيبهم الهزيمة على المؤمنين. وقال الحسن وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما : بل ذلك لما قبلوا الفداء يوم بدر، وذلك أن علياً بن أبي طالب رضي الله عنه قال : لما فرغت هزيمة المشركين ببدر جاء جبريل عليه السلام إلى النبي عليه السلام فقال : يا محمد إن الله قد كره ما يصنع قومك في أخذ الأسارى، وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين : أن يقدموا الأسارى فتضرب أعناقهم، أو يأخذوا الفداء، على أن يقتل من أصحابك عدة هؤلاء الأسارى، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فذكر ذلك لهم فقالوا : يا رسول الله، عشائرنا وإخواننا، بل نأخذ فداءهم فنتقوى به على قتال عدونا ويستشهد منا عدتهم، فليس في ذلك ما نكره، قال : فقتل منهم يوم أحد - سبعون رجلاً[(١)](#foonote-١).

١ - أخرجه ابن أبي شيبة، والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن جرير، وابن مردويه- عن علي، الحديث بطوله، ورواه الترمذي، والنسائي من طريق أبي داود الحفري عن علي، وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي زائدة، وروي عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا. "فتح القدير للشوكاني" ١/٣٦٣". و"ابن كثير ١/٤٢٤" و"الدر المنثور للسيوطي ٢/٩٣".

### الآية 3:166

> ﻿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ [3:166]

الخطاب بقوله تعالى : وما أصابكم  للمؤمنين، و  الجمعان  هما عسكر النبي صلى الله عليه وسلم وعسكر قريش يوم -أحد- ودخلت الفاء في قوله : فبإذن الله  رابطة مشددة، وذلك للإبهام الذي في  ما  فأشبه الكلام الشرط، وهذا كما قال سبيويه : الذي قام فله درهمان، فيحسن دخول الفاء إذا كان القيام سبب الإعطاء، وكل ترتيب هذه الآية، فالمعنى إنما هو، وما أذن الله فيه فهو الذي أصاب، لكن قدم الأهم في نفوسهم والأقرب إلى حسهم، والإذن : التمكين من الشيء مع العلم به[(١)](#foonote-١).

١ - نقل أبو حيان كلامه ابن عطية هذا ثم عقّب عليه بقوله: "لما كان من حيث المعنى أن الإصابة مترتبة على تمكين الله من ذلك حمل الآية على ذلك وادعى تقديما وتأخيرا ولا تحتاج الآية إلى ذلك، لأنه ليس شرطا وجزاء فيحتاج فيه إلى ذلك، بل هذا من باب الإخبار عن شيء ماض، والإخبار صحيح، أخبر تعالى أن الذي أصابهم يوم أحد كان لا محالة بإذن الله، فهذا إخبار صحيح، ومعنى صحيح، فلا نتكلف تقديما ولا تأخيرا ونجعله من باب الشرط والجزاء" (٣/١٠٩)..

### الآية 3:167

> ﻿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ۚ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا ۖ قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ ۗ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ۚ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ [3:167]

وقوله تعالى : وليعلم  معناه : ليكون العلم مع وجود المؤمنين والمنافقين : أي مساوقين للعلم الذي لم يزل ولا يزال[(١)](#foonote-١). 
واللام في قوله : ليعلم  متعلقة بفعل مقدر في آخر الكلام، والإشارة بقوله : نافقوا  وقيل لهم هي إلى عبد الله بن أبي وأصحابه الذين انصرفوا معه عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم - أحد - وذلك أنه كان من رأي عبد الله بن أبي أن لا يخرج إلى كفار قريش، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس على الوجه الذي قد ذكرناه، قال عبد الله بن أبي أطاعهم وعصاني، فانخذل بنحو ثلث الناس، فمشى في أثرهم عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري[(٢)](#foonote-٢) أبو جابر بن عبد الله فقال لهم : اتقوا الله ولا تتركوا نبيكم وقاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا، أو نحو هذا من القول، فقال له ابن أبي : ما أرى أن يكون قتال، ولو علمنا أن يكون قتال لكنا معكم، فلما يئس منهم عبد الله قال : اذهبوا أعداء الله، فسيغني الله رسوله عنكم، ومضى مع النبي صلى الله عليه وسلم فاستشهد، واختلف الناس في معنى قوله : أو ادفعوا  فقال السدي وابن جريج وغيرهما معناه : كثروا السواد وإن لم تقاتلوا، فيندفع القوم لكثرتكم، وقال أبو عون الأنصاري[(٣)](#foonote-٣) : معناه رابطوا، وهذا قريب من الأول، ولا محالة أن المرابط مدافع، لأنه لولا مكان المرابطين في الثغور لجاءها العدو، والمكثر للسواد مدافع، وقال أنس بن مالك : رأيت يوم القادسية عبد الله ابن أم مكتوم الأعمى[(٤)](#foonote-٤)، وعليه درع يجر أطرافها وبيده راية سوداء، فقيل له : أليس قد أنزل الله عذرك ؟ قال : بلى، ولكني أكثر المسلمين بنفسي، وروي أنه قال : فكيف بسوادي في سبيل الله، وذهب بعض المفسرين إلى أن قول عبد الله بن عمرو : أو ادفعوا ، إنما هو استدعاء القتال حمية، لأنه دعاهم إلى القتال في سبيل الله، وهو أن تكون كلمة الله هي العليا، فلما رأى أنهم ليسوا أهل ذلك، عرض عليهم الوجه الذي يحشمهم ويبعث الأنفة، أي أو قاتلوا دفاعاً عن الحوزة، ألا ترى أن قزمان[(٥)](#foonote-٥) قال : والله ما قاتلت إلا على أحساب قومي، وألا ترى أن بعض الأنصار قال يوم - أحد - لما رأى قريشاً قد أرسلت الظهر في زروع قناة قال : أترعى زروع بني قيلة ولما نضارب ؟ وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر أن لا يقاتل أحد حتى يأمره بالقتال، فكأن عبد الله بن عمرو بن حرام دعاهم إلى هذا المقطع العربي الخارج عن الدين والقتال في سبيل الله، وذهب جمهور المفسرين إلى أن قوله : أقرب  مأخوذ من القرب ضد البعد، وسدت - اللام - في قوله : للكفر ، و  للإيمان  - مسد إلى، وحكى النقاش : أن قوله  أقرب  مأخوذ من القرب بفتح القاف والراء وهو الطلب، والقارب طالب الماء، وليلة القرب ليلة الورد، فاللفظة بمعنى أطلب، واللام متمكنة على هذا القول[(٦)](#foonote-٦)، وقوله : بأفواههم  تأكيد، مثل يطير بجناحيه[(٧)](#foonote-٧)، وقوله : ما ليس في قلوبهم  يريد ما يظهرون من الكلمة الحاقنة لدمائهم، ثم فضحهم تعالى بقوله : والله أعلم بما يكتمون  أي من الكفر وعداوة الدين وفي الكلام توعد لهم.

١ -وقيل: هو على حذف مضاف، أي: وليعلم إيمان المؤمنين، وليعلم نفاق الذين نافقوا، وقيل: المعنى: وليميز أعيان المؤمنين من أعيان المنافقين، وقيل: ليظهر إيمان هؤلاء ونفاق هؤلاء. راجع تفسير قوله تعالى: {لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه\]..
٢ - هو عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري الخزرجي السلمي الصحابي المشهور، يكنى أبا جابر، شهد العقبة وبدرا، وكان من النقباء، ثبت ذكره في الصحيحين من حديث ولده، وهو أول قتيل قتل من المسلمين من شهداء أحد،(الإصابة ٢/٣٥ وكذا الاستيعاب)..
٣ - هو أبو عون الأنصاري الشامي الأعور، اسمه عبد الله بن أبي عبد الله، قال الحاكم أبو أحمد: أبو عون اسمه أحمد بن عمير، ذكره ابن حبان في الثقات. (تهذيب التهذيب ١٢/١٩١).
٤ - ابن أم مكتوم هو عبد الله بن عمرو بن شريح- هكذا في الإصابة (٢/٣٥١) وفي الاستيعاب: عبد الله بن زائدة بن الأصم، هو ابن أم مكتوم القرشي العامري الأعمى، لم يختلفوا أنه من بني عامر، وقيل: اسمه عمرو، واسم أمه أم مكتوم عاتكة، كان يؤذن مع بلال، شهد القادسية. قال الزرقاني على الموطأ: قيل: استشهد بالقادسية، وقيل: مات بالمدينة..
٥ - هو قزمان بن الحارث حليف بني ظفر أبو الغيداق صاحب القصة يوم أحد، قيل: مات كافرا فإن في بعض قصته أنه صرح بالكفر، وهو قاتل نفسه. (الإصابة ٣/٢٣٥)، وأخرج قصته ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة (سيرة ابن هشام ٢/١٧١)..
٦ - قال الحسن: إذ قال الله: (أقرب) فهو اليقين بأنهم مشركون، كقوله: \[مائة ألف أو يزيدون\] فالزيادة لا شك فيها، والمكلف لا ينفك عن الكفر أو الإيمان، فلما دلت على الأقربية من الكفر لزم حصول الكفر. 
 وقال الواحدي في الوسيط: هذه الآية دليل على من أتى بكلمة التوحيد لم يكفر لأن الله تعالى لم يطلق القول عليهم بتكفيرهم مع أنهم كانوا كافرين مظهرين لقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
 وقال الماتريدي: أقرب: أي ألزم على الكفر وأقبل له، مع وجود الكفر منهم حقيقة لا على القرب إليه قبل الوقوع والوجود لقوله: (إن رحمة الله قريب من المحسنين)، أي هي لهم لا على القرب قبل الوجود.
 هذا- وأقرب: أفعل تفضيل – يُعدى بإلى وباللام، وبمن..
٧ - من الآية (٣٨) من سورة الأنعام..

### الآية 3:168

> ﻿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ۗ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [3:168]

الذين  بدل من **«الذين »** المتقدم، و **«إخوانهم »** المقتولون من الخزرج وهي أخوة نسب ومجاورة، وقوله تعالى : لإخوانهم  معناه لأجل إخوانهم وفي شأن إخوانهم، ويحتمل أن يكون قوله : لإخوانهم  للأحياء من المنافقين، ويكون الضمير في  أطاعونا  هو للمقتولين، وقوله : وقعدوا  جملة في موضع الحال وهي حالة معترضة أثناء الكلام، وقوله : لو أطاعونا  يريد في أن لا يخرجوا إلى قريش، وقرأ الحسن بن أبي الحسن :**«ما قتّلوا »** بشد التاء، وهذا هو القول بالأجلين، فرد الله تعالى عليهم بقوله : قل فادرؤوا  الآية، والدرء الدفع ومنه قول دغفل النسابة[(١)](#foonote-١) :\[ الرجز \]
صَادَفَ دَرْءُ السَّيْلِ درءاً يَدْفَعُهْ. . . وَالْعِبءُ لا تَعْرفُهُ أَوْ تَرْفَعُه
ولزوم هذه الحجة هو أنكم أيها القائلون : إن التوقي واستعمال النظر يدفع الموت، فتوقوا وانظروا في الذي يغشاكم منه حتف أنوفكم، فادفعوه إن كان قولكم صدقاً، أي إنما هي آجال مضروبة عند الله. 
١ - الأغفال: كتاب لأبي علي الفارسي فيما أغفله الزجاج من المعاني. "كشف الظنون" ١/١٢٧"..

### الآية 3:169

> ﻿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [3:169]

وقرأ جمهور القراء :**«ولا تحسبن »** بالتاء مخاطبة للنبي عليه السلام، وقرأ حميد بن قيس، **«ولا يحسبن »** بالياء على ذكر الغائب، ورويت عن ابن عمر وذكره أبو عمرو وكأن الفاعل مقدر : ولا يحسبن أحد أو حاسب، وأرى هذه القراءة بضم الباء فالمعنى : ولا يحسب الناس، ويحسبن، معناه يظن، وقرأ الحسن :**«الذين قتّلوا »**، بشد التاء، وابن عامر من السبعة، وروي عن عاصم أنه قرأ :**«الذين قاتلوا »** بألف بين القاف والتاء، وأخبر الله تعالى في هذه الآية عن الشهداء : أنهم في الجنة يرزقون، هذا موضع الفائدة، ولا محالة أنهم ماتوا وأن أجسادهم في التراب وأرواحهم حية كأرواح سائر المؤمنين وفضلوا بالرزق في الجنة من وقت القتل، حتى كأن حياة الدنيا دائمة لهم، قال الحسن بن أبي الحسن : ما زال ابن آدم يتحمد حتى صار حياً لا يموت بالشهادة في سبيل الله، فقوله : بل أحياء  مقدمة قوله : يرزقون  إذ لا يرزق إلا الحي، وهذا كما تقول لمن ذم رجلاً : بل هو رجل فاضل، فتجيء باسم الجنس الذي تركب عليه الوصف بالفضل، وقرأ جمهور الناس :**«بل أحياءٌ »** بالرفع على خبر ابتداء مضمر، أي هم أحياء، وقرأ ابن أبي عبلة، **«بل أحياءً »** بالنصب، قال الزجّاج : ويجوز النصب على معنى بل أحسبهم أحياء، قال أبو علي في الأغفال : ذلك لا يجوز لأن الأمر يقين فلا يجوز أن يؤمر في بمحسبة، ولا يصح أن يضمر له إلا فعل المحسبة. 
قال القاضي : فوجه قراءة ابن أبي عبلة أن تضمر فعلاً غير المحسبة، اعتقدهم أو اجعلهم وذلك ضعيف إذ لا دلالة في الكلام على ما يضمر، وقوله  عند ربهم  فيه حذف مضاف تقديره : عند كرامة ربهم، لأن  عند  تقتضي غاية القرب، ولذلك لم تصغر قاله سيبويه، وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أرواح الشهداء على نهر بباب الجنة يقال له بارق، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشياً[(١)](#foonote-١)، وروي عنه عليه السلام أنه قال :( أرواح الشهداء في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها ) [(٢)](#foonote-٢). 
قال القاضي رحمه الله : وهؤلاء طبقات وأحوال مختلفة، يجمعها أنهم يرزقون، وقال عليه السلام :&lt;ءانما نسمة المؤمن طير تعلق في ثمار الجنة[(٣)](#foonote-٣)&gt;، ويروى يعلق بفتح اللام وبالياء، والحديث معناه في الشهداء خاصة، لأن أرواح المؤمنين غير الشهداء، إنما ترى مقاعدها من الجنة دون أن تدخلها، وأيضاً فإنها لا ترزق، وتعلق معناه : تصيب العلقة من الطعام، وفتح اللام هو من التعلق، وقد رواه الفراء في إصابة العلقة، وروي عن النبي عليه السلام أنه قال :**«إن الله تعالى يطلع إلى الشهداء فيقول : يا عبادي ما تشتهون فأزيدكم ؟ فيقولون يا ربنا لا فوق ما أعطيتنا، هذه الجنة نأكل منها حيث نشاء، لكنا نريد أن تردنا إلى الدنيا فنقاتل في سبيلك فنقتل مرة أخرى، فيقول تعالى : قد سبق أنكم لا تردون »**[(٤)](#foonote-٤)، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجابر بن عبد الله :**«ألا أبشرك يا جابر ؟ »** قال جابر : قلت بلى يا رسول الله، قال :**«إن أباك حيث أصيب - بأحد - أحياه الله، ثم قال : ما تحب يا عبد الله بن عمرو أن أفعل بك ؟ قال : يا رب أحب أن تردني إلى الدنيا فأقاتل فيك فأقتل مرة أخرى »**[(٥)](#foonote-٥)، وقال قتادة رحمه الله : ذكر لنا أن رجالاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : ليتنا نعلم ما فعل إخواننا الذين أصيبوا -بأحد- فنزلت هذه الآية[(٦)](#foonote-٦) وقال محمد بن قيس بن مخرمة[(٧)](#foonote-٧) في حديث إن الشهداء قالوا يا ربنا ألا رسول يخبر نبينا عنا بما أعطيتنا ؟ فقال الله تعالى : أنا رسولكم، فنزل جبريل بهذه الآيات )[(٨)](#foonote-٨). 
**قال القاضي أبو محمد رحمه الله :**
وكثرت هذه الأحاديث في هذا المعنى، واختلفت الروايات وجميع ذلك جائز على ما اقتضبته من هذه المعاني[(٩)](#foonote-٩) وقوله تعالى : فرحين  نصب في موضع الحال وهو من الفرح بمعنى السرور، و **«الفضل »** في هذه الآية : التنعيم المذكور.

١ - أخرجه الإمام أحمد، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، والطبراني، وابن حبان، والحاكم وصححه، والبيهقي في البعث عن ابن عباس (الدر المنثور ٢/٩٦ وكذا "مجمع الزوائد" ٥/٢٩٨. والمنذري في "الترغيب والترهيب"٢/٢٣٢)..
٢ - أخرجه الإمام أحمد، وهناد، وعبد بن حميد، وأبو داود، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في "الدلائل" عن ابن عباس: (الدر المنثور٢/٩٥. وفتح القدير للشوكاني١/٣٦٧)..
٣ - أخرجه الإمام أحمد في مسنده بإسناد فيه الأئمة الثلاثة. عن كعب بن مالك الأنصاري.(ابن كثير١/٢٤٧. والقسطلاني في المواهب ٢/٥٥)..
٤ -أخرجه عبد الرزاق في المصنف، والفريابي وابن أبي حاتم، والطبراني، وسعيد بن منصور، وهناد، وعبد بن حميد، ومسلم، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في "الدلائل"- عن مسروق (الدر المنثور ٢/٩٦، وابن إسحاق في "السيرة" ٣/١٢٧. وابن كثير ١/٢٤٦) قال: وروى نحوه أنس، وأبو سعيد..
٥ - أخرجه الترمذي وحسنه، وابن ماجة، وابن أبي عاصم في "السنة"، وابن خزيمة، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في "الدلائل" عن جابر، وأخرجه أيضا الحاكم عن عائشة. (الدر المنثور للسيوطي ٢/٩٥. وفتح القدير ١/٣٦٧، وابن كثير ١/٤٢٧ وابن إسحاق في السيرة ٣/١٢٧، والقسطلاني في المواهب ٣/٥٣)..
٦ - أخرجه ابن جرير في تفسيره بلفظه. (٤/١٧٢. والدر المنثور للسيوطي ٢/٩٥..
٧ - هو محمد بن قيس بن مخرمة بن عبد المطلب القرشي المطلبي، ذكره العسكري: وقال: لحق النبي صلى الله عليه وسلم، وذكره ابن أبي داود، والبارودي في الصحابة، وجزم البغوي وابن منده وغيرهما أن حديثه مرسل، ذكره ابن حبان، وأبو داود في الثقات، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أمه، وعن إسحاق، وابن جريج، وغيرهم، (الإصابة ٣/٤٧٦. وتهذيب التهذيب)..
٨ - أخرجه ابن جرير، وابن المنذر- عن محمد بن قيس بن مخرمة. (الدر المنثور ٢/٩٥)..
٩ - من أراد استيفاء هذه الأحاديث فليراجع في هذا الموضوع تفسير "ابن كثير"، و"ابن جرير" و"الدر المنثور" للسيوطي..

### الآية 3:170

> ﻿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [3:170]

يستبشرون  معناه : يسرون ويفرحون، وليست استفعل في هذا الموضع بمعنى طلب البشارة، بل هي بمعنى ا ستغنى الله واستمجد المرخ والعفار[(١)](#foonote-١)، وذهب قتادة والربيع وابن جريج وغيرهم : إلى أن هذا الاستبشار إنما هو بأنهم يقولون : إخواننا الذين تركناهم خلفنا في الدنيا يقاتلون في سبيل الله مع نبيهم فيستشهدون فينالون من الكرامة مثل ما نحن فيه فيسرون لهم بذلك، إذ يحصلون[(٢)](#foonote-٢) لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وذهب فريق من العلماء وأشار إليه الزجّاج وابن فورك : إلى أن الإشارة في قوله : بالذين لم يلحقوا  إلى جميع المؤمنين، أي لم يلحقوا بهم في فضل الشهادة لكن الشهداء لما عاينوا ثواب الله، وقع اليقين بأن دين الإسلام هو الحق الذي يثيب الله عليه، فهم فرحون لأنفسهم بما آتاهم الله من فضله،  ويستبشرون  للمؤمنين بأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون «، و  ألا  مفعول من أجله، التقدير، بأن لا خوف، ويجوز أن يكون في موضع خفض بدل اشتمال. 
١ - في بعض النسخ استحمد، والصواب ما أثبتناه. وفي "مجمع الأمثال" للميداني (٢/٤٧): في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار. أي استكثر وأخذا من النار ما حسبهما- واستمجد: استفضل، وقيل: معناه: اقتدح. والمرخ: شجر كثير الورق سريعه. والعفار: شجر يتخذ منه الزناد..
٢ - في اللسان في مادة: حصل. "أحصل القوم إذا أحصل نخلهم، أي: استبان البسر وتدحرج. وعلى ذلك يكون في هذه الكلمة مجاز، والمراد: إذ يثمر جهادهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والله أعلم..

### الآية 3:171

> ﻿۞ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ [3:171]

ثم أكد تعالى استبشارهم بقوله : يستبشرون بنعمة  ثم بين تعالى بقوله : وفضل  فوقع إدخاله إياهم الجنة الذي هو فضل منه لا بعمل أحد، وأما النعمة في الجنة والدرجات فقد أخبر أنها على قدر الأعمال، وقرأ الكسائي وجماعة من أهل العلم :» وإن الله **«- بكسر الألف من »** أن **«، وقرأ باقي السبعة وجمهور العلماء :»** وأن الله «- بفتح الألف، فمن قرأ بالفتح فذلك داخل فيما يستبشر به، المعنى، بنعمة وبأن الله، ومن قرأ بالكسر فهو إخبار مستأنف، وقرأ عبد الله &lt; وفضل والله لا يضيع &gt;.

### الآية 3:172

> ﻿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ [3:172]

وقوله تعالى : الذين استجابوا  يحتمل أن تكون  الذين  صفة للمؤمنين على قراءة من كسر الألف من » إن «، والأظهر أن  الذين  ابتداء وخبره في قوله تعالى : للذين أحسنوا  الآية، فهذه الجملة هي خبر الابتداء الأول، والمستجيبون لله والرسول هم الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد[(١)](#foonote-١) في طلب قريش والتظاهر لهم وذلك أنه لما كان في يوم الأحد وهو الثاني من يوم أحد نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس باتباع المشركين، وقال : لا يخرجن معنا إلا من شاهدنا بالأمس[(٢)](#foonote-٢)، وكانت بالناس جراحة وقرح عظيم، ولكن تجلدوا ونهض معه مائتا رجل من المؤمنين حتى بلغ حمراء الأسد، وهي على ثمانية أميال من المدينة، وأقام بها ثلاثة أيام، وجرت قصة معبد بن أبي معبد التي ذكرناها، ومرت قريش وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فأنزل الله تعالى في شأن أولئك المستجيبين هذه الآية، ومدحهم لصبرهم، وروي أنه خرج في الناس أخوان[(٣)](#foonote-٣) وبهما جراحة شديدة وكان أحدهما قد ضعف، فكان أخوه يحمله عقبة ويمشي هو عقبة، ورغب جابر بن عبد الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الخروج معه فأذن له، وأخبرهم تعالى أن الأجر العظيم قد تحصل لهم بهذه الفعلة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنها غزوة[(٤)](#foonote-٤).

١ - حمراء الأسد: إحدى غزواته صلى الله عليه وسلم، والموضع على بعد ثمانية أميال من المدينة عن يسار طريق ذي الحليفة، وكانت يوم الأحد لست عشرة مضت أو لثمان خلون من شوال على رأس اثنين وثلاثين شهرا من الهجرة، (القسطلاني في المواهب بشرح الزرقاني ٢/٥٩)..
٢ - أخرجه السيوطي في (الدر المنثور ٢/١٠٢) وابن مردويه. وكذا في ابن كثير من عدة طرق (١/٤٢٨) وأخرجه البغوي أيضا. وابن إسحاق في السيرة..
٣ - الرجلان الأخوان هما: عبد الله ورافع ابنا سهل بن رافع كما في السيرة الحلبية (٢/٣٣٩) وكذا ذكرهما وذكر خروجهما لحمراء الأسد ابن قدامة في الاستبصار: ٢٣٠ ط. دار الفكر سنة ١٣٩٢)..
٤ - أخرجه النسائي، وابن أبي حاتم، والطبراني-بسند صحيح من طريق عكرمة عن ابن عباس: (إنها تعد غزوة). (الدر المنثور٢/١٠١).

### الآية 3:173

> ﻿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [3:173]

الذين  صفة للمحسنين المذكورين، وهذا القول هو الذي قاله الركب من عبد القيس لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حين حملهم أبو سفيان ذلك، وقد ذكرته قبل[(١)](#foonote-١)، ف  الناس  الأول ركب عبد القيس و  الناس  الثاني عسكر قريش، وقوله تعالى : فزادهم إيماناً ، أي ثبوتاً واستعداداً، فزيادة الإيمان في هذا هي في الأعمال، وأطلق العلماء عبارة : أن الإيمان يزيد وينقص، والعقيدة في هذا أن نفس الإيمان الذي هو تصديق واحد بشيء ما، إنما هو معنى فرد لا تدخله زيادة إذا حصل، ولا يبقى منه شيء إذا زال، فلم يبق إلا أن تكون الزيادة والنقص في متعلقاته دون ذاته فذهب بعض العلماء إلى أنه يقال : يزيد وينقص من حيث تزيد الأعمال الصادرة عنه وتنقص، لا سيما أن كثيراً من العلماء يوقعون اسم الإيمان على الطاعات، وذهب قوم : إلى أن الزيادة في الإيمان إنما هي بنزول الفروض والإخبار في مدة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي المعرفة بها بعد الجهل غابر الدهر وهذا إنما زيادة إيمان إلى إيمان، فالقول فيه إن الإيمان يزيد وينقص قول مجازي ولا يتصور النقص فيه على هذا الحد وإنما يتصور النقص بالإضافة إلى الأعلم، وذهب قوم من العلماء : إلى أن زيادة الإيمان ونقصه إنما هي من طريق الأدلة، فتزيد الأدلة عند واحد، فيقال في ذلك : إنها زيادة في الايمان، وهذا كما يقال في الكسوة، إنها زيادة في الإيمان، وذهب أبو المعالي في الإرشاد : إلى أن زيادة الإيمان ونقصانه إنما هو بثبوت المعتقد وتعاوره دائباً، قال : وذلك أن الإيمان عرض وهو لا يثبت زمانين فهو للنبي صلى الله عليه وسلم وللصلحاء متعاقب متوال، وللفاسق والغافل غير متوال، يصحبه حيناً ويفارقه حيناً في الفترة، فذلك الآخر أكثر إيماناً، فهذه هي الزيادة والنقص. 
**قال القاضي أبو محمد رحمه الله :**
وفي هذا القول نظر[(٢)](#foonote-٢). 
وقوله تعالى : فزادهم إيماناً  لا يتصور أن يكون من جهة الأدلة، ويتصور في الآية الجهات الأخر الثلاث، وروي أنه لما أخبر الوفد من عبد القيس رسول الله صلى الله عليه وسلم بما حملهم أبو سفيان، وأنه ينصرف إليهم بالناس ليستأصلهم، وأخبر بذلك أيضاً أعرابي، شق ذلك على المسلمين فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : قولوا  حسبنا الله ونعم الوكيل [(٣)](#foonote-٣) فقالوا واستمرت عزائمهم على الصبر ودفع الله عنهم كل سوء، وألقى الرعب في قلوب الكفار فمروا[(٤)](#foonote-٤). 
١ - أخرجه ابن إسحاق وابن جرير، والبيهقي في "الدلائل" عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد. (الدر المنثور للسيوطي ٢: ١٠١) وقد ذكره آنفا عند قوله تعالى: (سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب)، الآية: ١٥١ من سورة آل عمران حيث سرد القصة بتمامها وفي ضمنها الركب..
٢ - زاد بعض العلماء تفسيرات أخرى، منها: أن الإيمان يزيد وينقص من جهة أعمال القلوب: كالنية والإخلاص والخوف والنصيحة، ومنها: أن التقيد بظاهر النص، وهو أن الإيمان يزيد فقط. وهذا هو قول المعتزلة..
٣ -أخرجه ابن جرير عن السدي. ولهذه الكلمة فضائل كثيرة. "فتح القدير للشوكاني ١/٣٦٧". "والدر المنثور للسيوطي ٢/١٠٢" و"ابن كثير ١/٤٣٠"..
٤ - وقوله تعالى: حسبنا الله ونعم الوكيل حسب بمعنى: المحسب، أي: الكافي، ويراد به معنى اسم الفاعل، والوكيل: الكفيل-فعيل بمعنى مفعول- أي: الموكول إليه الأمور..

### الآية 3:174

> ﻿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [3:174]

وقوله تعالى : فانقلبوا بنعمة من الله وفضل  يريد في السلامة والظهور في اتباع العدو وحماية الحوزة، وبفضل في الأجر الذي حازوه والفضل الذي تجللوه، وباقي الآية بين قد مضت نظائره، هذا هو تفسير الجمهور لهذه الآية، وأنها في غزوة -أحد- في الخرجة إلى حمراء الأسد وشذ مجاهد رحمه الله فقال : إن هذه الآية من قوله : الذين قال لهم الناس  إلى قوله : فضل عظيم  إنما نزلت في خروج النبي عليه السلام إلى بدر الصغرى، وذلك أنه خرج لميعاد أبي سفيان في - أحد - إذ قال : موعدنا بدر من العام المقبل، فقال النبي عليه السلام :( قولوا نعم ) [(١)](#foonote-١) : فخرج رسول الله قبل بدر وكان بها سوق عظيم، فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه دراهم وقرب من بدر فجاءه نعيم بن مسعود الأشجعي[(٢)](#foonote-٢) فأخبره أن قريشاً قد اجتمعت وأقبلت لحربه هي ومن انضاف إليها، فأشفق المسلمون من ذلك لكنهم قالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل ، وصمموا حتى أتوا بدراً فلم يجدوا عدواً ووجدوا السوق فاشتروا بدراهمهم أدماً وتجارة وانقلبوا ولم يلقوا كيداً وربحوا في تجارتهم، فذلك قوله تعالى : بنعمة من الله وفضل [(٣)](#foonote-٣) أي فضل في تلك التجارة، والصواب ما قاله الجمهور : إن هذه الآية نزلت في غزوة حمراء الأسد، وما قال ابن قتيبة وغيره : من أن لفظة  الناس  على رجل واحد من هذه الآية، فقول ضعيف.

١ - أخرجه الحاكم في "الإكليل" عن الواقدي بهذه الصيغة، والخطاب موجه إلى عمر رضي الله عنه كما في (المواهب للقسطلاني بشرح الزرقاني ٢/٩٣)..
٢ - هو نعيم بن مسعود بن عامر، يكنى أبا سلمة الأشجعي صحابي مشهور، وله رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي خذّل المشركين وبني قريظة يوم الخندق، توفي في خلافة عثمان، وقيل: في وقعة الجمل. (الإصابة ٢/٥٦٨. والاستيعاب)..
٣ - أخرجه ابن جرير عن السدي (الدر المنثور ٢/١٠٤).

### الآية 3:175

> ﻿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [3:175]

مقتضى  إنما  في اللغة الحصر، هذا منزع المتكلم بها من العرب، ثم إذا نظر مقتضاها -عقلاً- وهذا هو نظرالأصوليين - فهي تصلح للحصر وللتأكيد الذي يستعار له لفظ الحصر، وهي في هذه الآية حاصرة، والإشارة ب  ذلكم  إلى جميع ما جرى من أخبار الركب العبديين، عن رسالة أبي سفيان ومن تحميل أبي سفيان ذلك الكلام، ومن جزع من ذلك الخبر من مؤمن أو متردد، و  ذلكم  في الإعراب ابتداء، و  الشيطان  مبتدأ آخر، و  يخوف أولياءه  خبر عن الشيطان، والجملة خبر الابتداء الأول، وهذا الإعراب خير في تناسق المعنى من أن يكون  الشيطان  خبر  ذلكم  لأنه يجيء في المعنى استعارة بعيدة، و  يخوف  فعل يتعدى إلى مفعولين، لكن يجوز الاقتصار على أحدهما إذ الآخر مفهوم من بنية هذا الفعل، لأنك إذا قلت : خوفت زيداً، فمعلوم ضرورة أنك خوفته شيئاً حقه أن يخاف، وقرأ جمهور الناس  يخوف أولياءه  فقال قوم المعنى : يخوفكم أيها المؤمنون أولياءه الذين هم كفار قريش، فحذف المفعول الأول وقال قوم : المعنى يخوف المنافقين ومن في قلبه مرض وهم أولياؤه، فإذاً لا يعمل فيكم أيها المؤمنون تخويفه، إذ لستم بأوليائه، والمعنى : يخوفهم كفار قريش، فحذف هنا المفعول الثاني واقتصر على الأول، وقرأ ابن عباس فيما حكى أبو عمرو الداني ****«يخوفكم أولياءه »**** المعنى يخوفكم قريش ومن معهم، وذلك بإضلال الشيطان لهم وذلك كله مضمحل، وبذلك قرأ النخعي وحكى أبو الفتح بن جني[(١)](#foonote-١) عن ابن عباس أنه قرأ ****«يخوفكم أولياءه »**** فهذه قراءة ظهر فيها المفعولان، وفسرت قراءة الجماعة **«يخوف أولياءه »** قراءة أبي بن كعب **«يخوفكم بأوليائه »** والضمير في قوله  فلا تخافوهم  لكفار قريش وغيرهم من أولياء الشيطان، حقر الله شأنه وقوى نفوس المؤمنين عليهم، وأمرهم بخوفه هو تعالى وامتثال أمره، من الصبر والجلد، ثم قرر بقوله تعالى : إن كنتم مؤمنين  كما تقول : إن كنت رجلاً فافعل كذا.

١ - المحتسب ١/١٧٧..

### الآية 3:176

> ﻿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ۚ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ۗ يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [3:176]

وقرأ نافع وحده **«يُحزنك »** بضم الياء من أحزن، وكذلك قرأ في جميع القرآن، إلا في سورة الأنبياء  لايحزنهم الفزع الأكبر  \[ الأنبياء : ١٠٣ \] فإنه فتح الياء، وقرأ الباقون **«يَحزنك »** بفتح الياء من قولك حزنت الرجل، قال سيبويه : يقال حزن الرجل وفتن إذا أصابه الحزن والفتنة، وحزنته وفتنته، إذا جعلت فيه وعنده حزناً وفتنة، كما تقول : دهنت وكحلت، إذا جعلت دهناً وكحلاً، وأحزنته وأفتنته، إذا جعلته حزيناً وفاتناً، كما تقول : أدخلته وأسمعته، هذا معنى قول سيبويه والمسارعة في الكفر هي المبادرة إلى أقواله وأفعاله والجد في ذلك، وقرأ الحر النحوي[(١)](#foonote-١) **«يسرعون »** في كل القرآن وقراءة الجماعة أبلغ، لأن من يسارع غيره أشد اجتهاداً من الذي يسرع وحده، ولذلك قالوا- كل مجرٍ بالخلاء يسر-[(٢)](#foonote-٢)، وسلَّى الله نبيه بهذه الآية عن حال المنافقين والمجاهدين إذ كلهم مسارع، وقوله تعالى : إنهم لن يضروا الله شيئاً  خبر في ضمنه وعيد لهم أي : إنما يضرون أنفسهم، والحظ إذا لم يقيد فإنما يستعمل في الخير، ألا ترى قوله تعالى :
 وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم [(٣)](#foonote-٣).

١ - هو الحر بن عبد الله النحوي القارئ، سمع أبا الأسود الدؤلي، وعنه طلب إعراب القرآن أربعين سنة، (بغية الوعاة ١/٤٩٣) وهذه القراءة قد ذكرها ابن جني في المحتسب (١/١٧٧).
٢ - هذا مثل، يضرب للرجل يسرّ بفضيلة في نفسه دون أن يقيسها بفضائل غيره، كراكب الفرس في الخلاء، يظن نفسه فارسا لانعدام المتبارين؛ (انظر جمهرة العسكري ١/١٤٢، والميداني ٢/٥٤، والمستقصى: ٢٦٩، وفصل المقال: ٢٠٣) وللمثل صور أخرى..
٣ - من الآية (٣٥) من سورة فصلت..

### الآية 3:177

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [3:177]

وقوله تعالى : إن الذين اشتروا  أطلق عليهم الشراء من حيث كانوا متمكنين من قبول هذا وهذا فجاء أخذهم للواحد وتركهم للآخر كأنه ترك لما قد أخذ وحصل، إذ كانوا ممكنين منه، ولمالك رحمه الله متعلق بهذه الآية في مسألة شراء ما تختلف آحاد جنسه مما لا يجوز التفاضل فيه، في أن منع الشراء على أن يختار المبتاع، وباقي الآية وعيد كالمتقدم.

### الآية 3:178

> ﻿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [3:178]

نملي  معناه : نمهل ونمد في العمر، والملاوة : المدة من الدهر والملوان الليل والنهار وتقول : ملاك الله النعمة أي منحكها عمراً طويلاً، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع :****«يحسبن »**** بالياء من أسفل وكسر السين وفتح الباء، وقرأ ابن عامر كذلك إلا في السين فإنه فتحها وقرأ حمزة تحسبن. بالتاء من فوق الباء، وقرأ ابن عامر كذلك إلا في -السين- فإنه فتحها، وقرأ حمزة ******«تحسبن »******. بالتاء من فوق وفتح السين، وقرأ عاصم والكسائي، كل ما في هذه السورة بالتاء من فوق إلا حرفين، قوله  ولا يحسبن الذين كفروا  في هذه الآية وبعدها  ولا يحسبن الذين يبخلون  فأما من قرأ **«ولا يحسبن »** بالياء من أسفل فإن  الذين  فاعل وقوله  إنما نملي لهم خير  بفتح الألف من ****«أنما »**** ساد مسد مفعولي حسب، وذلك أن ****«حسب »**** وما جرى مجراها تتعدى إلى مفعولين أو إلى مفعول يسد مسد مفعولين، وذلك إذا جرى في صلة ما تتعدى إليه ذكر الحديث والمحدث عنه، قال أبو علي : وكسر ****«إن »**** في قوله من قرأ ****«يحسبن »**** بالياء لا ينبغي، وقد قرىء فيما حكاه غير أحمد بن موسى[(١)](#foonote-١) وفي غير السبع، ووجه ذلك أن يتلقى بها القسم كما يتلقى بلام الابتداء، ويدخلان على الابتداء والخبر، أعني -اللام- وإن فعلق عن ********«إنما »******** عمل الحسبان كما تعلق عن اللام في قولك : حسبت لزيد قائم، فيعلق الفعل عن العمل لفظاً، وأما بالمعنى فما بعد **«أن أو اللام »** ففي موضع مفعولي ****«حسب »****، وما يحتمل أن تكون بمعنى الذي، ففي  نملي  عائد مستكن، ويحتمل أن تكون مصدرية فلا تحتاج إلى تقدير عائد وأما من قرأ **«ولا تحسبن »** بالتاء فالذين مفعول أول للحسبان، قال أبو علي : وينبغي أن تكون الألف من ********«إنما »******** مكسورة في هذه القراءة، وتكون ****«إن »**** وما دخلت عليه في موضع المفعول الثاني لتحسبن، ولا يجوز فتح الألف من ********«إنما »******** لأنها تكون المفعول الثاني، والمفعول الثاني في هذا الباب هو المفعول الأول بالمعنى، والإملاء لا يكون إياهم، قال مكي في مشكله[(٢)](#foonote-٢) : ما علمت أحداً قرأ ******«تحسبن »****** بالتاء من فوق وكسر الألف من ********«إنما »******** وجوز الزجّاج هذه القراءة ******«تحسبن »****** بالتاء و ****«أنما »**** بفتح الألف، وظاهر كلامه أنها تنصب&lt;خيراً&gt;، قال وقد قرأ بها خلق كثير وساق عليها مثالاً قول الشاعر :\[ الطويل \]
فما كان قيسٌ هُلْكُهُ هُلْكُ وَاحِدٍ[(٣)](#foonote-٣) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ( الطويل )
بنصب هلك الثاني على أن الأول بدل. 
**قال القاضي أبو محمد رحمه الله :**
فكذلك يكون  إنما نملي  بدلاً من  الذين كفروا  كقوله تعالى :
 وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره [(٤)](#foonote-٤) وقوله  وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم [(٥)](#foonote-٥) ويكون **«خيراً »** المفعول الثاني قال أبو علي : لم يقرأ هذه القراءة أحد، وقد سألت أحمد بن موسى عنها فزعم أنه لم يقرأ بها أحد، ويظهر من كلام أبي علي أن أبا إسحاق إنما جوز المسألة مع قراءة **«خير »** بالرفع، وأبو علي أعلم لمشاهدته أبا إسحاق، وذكر قوم أن هذه القراءة تجوز على حذف مضاف تقديره : ولا تحسبن شأن الذين كفروا أنما نملي لهم، فهذا كقوله تعالى : واسأل القرية [(٦)](#foonote-٦) وغير ذلك ويذهب الأستاذ أبو الحسن بن البادش[(٧)](#foonote-٧) : إلى أنها تجوز على بدل أن من الذين وحذف المفعول لحسب، إذ الكلام يدل عليه. 
قال القاضي : والمسألة جائزة إذ المعنى لا تحسبن إملاءنا للذين كفروا خيراً لهم أو نحو هذا ومعنى هذه الآية : الرد على الكفار في قولهم : إن كوننا ظاهرين ممولين أصحة دليل على رضى الله بحالنا واستقامة طريقتنا عنده، فأخبر الله أن ذلك التأخير والإمهال إنما هو إملاء واستدارج، ليكتسبوا الآثام، وقال عبد الله بن مسعود : ما من نفس برة ولا فاجرة إلا والموت خير لها، أما البرة فلتسرع إلى رحمة الله، وقرأ  وما عند الله خير للأبرار  \[ آل عمران : ١٩٨ \] وأما الفاجرة فلئلا تزداد إثماً، وقرأ هذه الآية[(٨)](#foonote-٨) ووصف العذاب بالمهين معناه : التخسيس لهم : فقد يعذب من لا يهان، وذلك إذا اعتقدت إقالة عثرته يوماً ما. 
١ - المقصود به: ابن مجاهد كما في إبراز المعاني شرح الشاطبية: ٢٨٠ (ط. البابي الحلبي، مصر).
٢ - هو كتاب "مشكل غريب القرآن" ذكر ابن خلكان (٥/٢٧٦) أنه في ثلاثة أجزاء..
٣ - البيت من قصيدة لعبدة بن الطبيب يرثي بها قيس بن عاصم، وعجز البيت:
 ........................ ولكنه بنيان قوم تهدما (الإصابة ٣/٢٥٢)..
٤ - من الآية (٦٤) من سورة الكهف..
٥ - من الآية (٧) من سورة الأنفال..
٦ - من الآية (٨٢) من سورة يوسف..
٧ - من الآية (٨٢) من سورة يوسف..
٨ - أخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، والمنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه –عن ابن مسعود. "فتح القدير للشوكاني ١/٣٧١". وفي "الدر المنثور ٢/١٠٤" أخرجه من ذكره الشوكاني بزيادة: عبد بن حميد وأبو بكر المروزي في "الجنائز" وما عند الله خير للأبرار من الآية (١٩٨) من سورة آل عمران..

### الآية 3:179

> ﻿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ [3:179]

واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى : ما كان الله ليذر  فقال مجاهد وابن جريج وابن إسحاق وغيرهم : الخطاب للمؤمنين، والمعنى : ما كان الله ليدع المؤمنين مختلطين بالمنافقين مشكلاً أمرهم، يجري المنافق مجرى المؤمن، ولكنهم ميز بعضهم من بعض، بما ظهر من هؤلاء وهؤلاء في أحد من الأفعال والأقوال، وقال قتادة والسدي : الخطاب للكفار، والمعنى : حتى يميز المؤمنين من الكافرين بالإيمان والهجرة، وقال السدي وغيره : قال الكفار في بعض جدلهم : أنت يا محمد تزعم في الرجل منا أنه من أهل النار، وأنه إذا اتبعك من أهل الجنة، فكيف يصح هذا ؟ ولكن أخبرنا بمن يؤمن منا وبمن يبقى على كفره، فنزلت الآية[(١)](#foonote-١)، فقيل لهم : لا بد من التمييز  وما كان الله ليطلعكم على الغيب  فيمن يؤمن ولا فيمن يبقى كافراً ولكن هذا رسول الله مجتبى فآمنوا به. فإن آمنتم نجوتم وكان لكم أجر، وأما مجاهد وابن جريج وأهل القول، فقولهم في تأويل قوله تعالى : وما كان الله ليطلعكم على الغيب  أنه في أمر **«أحد »** أي ما كان الله ليطلعكم على أنكم تهزمون، فكيف تكعون[(٢)](#foonote-٢) ونحو هذا. وأيضاً فما كان ليطلعكم على المنافقين تصريحاً بهم وتسمية لهم، ولكن هذا بقرائن أفعالهم وأقوالهم في مثل هذا الموطن، وحتى - في قوله : حتى يميز  غاية مجردة، لأن الكلام قبلها معناه : الله يخلص ما بينكم بابتلائه وامتحانه حتى يميز، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم :**«حتى يَمِيز »** - بفتح الياء وكسر الميم وتخفيف الياء، وكذلك **«ليميز »**، وقرأ حمزة والكسائي :**«حتى يُميِّز »** و **«ليميز الله »**[(٣)](#foonote-٣) بضم الياء والتشديد، قال يعقوب بن السكيت[(٤)](#foonote-٤) : مزت وميزت، لغتان بمعنى واحد، قال أبو علي : وليس ميزت بمنقول من مزت، بدليل أن ميزت لا يتعدى إلى مفعولين وإنما يتعدى إلى مفعول واحد كمزت، كما أن **«ألقيت »** ليس بمنقول من لقي، إنما هو بمعنى أسقطت، والغيب هنا : ما غاب عن البشر مما هو في علم الله من الحوادث التي تحدث ومن الأسرار التي في قلوب المنافقين : ومن الأقوال التي يقولونها إذا غابوا عن الناس، قال الزجّاج وغيره : روي أن بعض الكفار قال : لم لا يكون جميعنا أنبياء ؟ فنزلت هذه الآية، و  يجتبي  - معناه : يختار ويصطفي، وهي من جبيت الماء والمال، وباقي الآية بين والله المستعان.

١ - أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم- عن السدي (فتح القدير١/٣٧١. والدر المنثور ٢/١٠٤)..
٢ - معناه: تتأخرون وتحجمون وتجبنون..
٣ - من الآية (٣٧) من سورة (الأنفال).
٤ - هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق، عرف بابن السكيت، نديم المتوكل، وقد استشار في ذلك أحمد بن عبيد فنهاه عنها فحمل قوله على الحسد، وأجاب إلى ما دعي إليه من المنادمة، وكان ذات يوم جالسا مع المتوكل فجاء المعتز والمؤيد إبناه فسأله: أيهما أحب إليك: ابناي هذان أم الحسن والحسين؟ فذكر ابنيه بسوء وأثنى على الحسن والحسين، فأمر المتوكل الأتراك فداسوا بطنه، فحمل إلى داره فمات من غده سنة ٢٤٤. "وفيات الأعيان" لابن خلكان ٢/٤٠٨..

### الآية 3:180

> ﻿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [3:180]

وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذينَ يَبْخَلُونَ بِمَا ءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ 
القراءات في قوله تعالى : ولا يحسبن الذين يبخلون  كالتي تقدمت آنفاً في قوله  ولا يحسبن الذين كفروا  سواء، وقال السدي وجماعة من المتأولين : الآية نزلت في البخل بالمال والإنفاق في سبيل الله وأداء الزكاة المفروضة ونحو ذلك، قالوا : ومعنى : سيطوقون بما بخلوا  هو الذي ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه فيسأله عن فضل ما عنده فيبخل به عليه إلا خرج له يوم القيامة شجاع أقرع من الناس يتلمظ حتى يطوقه[(١)](#foonote-١). والأحاديث في مثل هذا من منع الزكاة واكتناز المال كثيرة صحيحة[(٢)](#foonote-٢). وقال ابن عباس : الآية إنما نزلت في أهل الكتاب وبخلهم ببيان ما علمهم الله من أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وقال ذلك مجاهد وجماعة من أهل التفسير، وقوله تعالى  سيطوقون  على هذا التأويل معناه سيحملون عقاب ما بخلوا به، فهو من الطاقة كما قال تعالى : وعلى الذين يطيقونه [(٣)](#foonote-٣) وليس من التطويق، وقال إبراهيم النخعي : سيطوقون  سيجعل لهم يوم القيامة طوق من نار، وهذا يجري مع التأويل الأول الذي ذكرته للسدي وغيره، وقال مجاهد : سيكلفون بأن يأتوا بمثل ما بخلوا به يوم القيامة، وهذا يضرب مع قوله : إن البخل هو بالعلم الذي تفضل الله عليهم بأن علمهم إياه وإعراب قوله تعالى : الذين يبخلون  رفع في قراءة من قرأ **«يحسبن »** بالياء من أسفل والمفعول الأول مقدر بالصلة تقديره **«ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم من فضله بخلهم هو خيراً »**، والمفعول الثاني خيراً، وهو فاصلة وهي العماد عند الكوفيين، ودل قوله : يبخلون  على هذا البخل المقدر كما دل السفيه على السفه في قول الشاعر :\[ الوافر \]
إذا نُهِيَ السَّفيهُ جَرى إليهِ. . . وَخَالَفَ، وَالسَّفيهُ إلى خلافِ[(٤)](#foonote-٤)
فالمعنى جرى إلى السفه[(٥)](#foonote-٥)، وأما من قرأ **«تحسبن »** بالتاء من فوق ففي الكلام حذف مضاف هو المفعول الأول، تقديره ولا تحسبن يا محمد بخل الذين يبخلون خيراً لهم، قال الزّجاج، وهي مثل  واسأل القرية [(٦)](#foonote-٦) وقوله تعالى : ولله ميراث السماوات  خطاب على ما يفعله البشر دال على فناء الجميع وأنه لا يبقى مالك إلا الله تعالى وإن كان ملكه تعالى على كل شيء لم يزل، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو **«والله بما يعملون »** بالياء من أسفل على ذكر الذين يبخلون ويطوقون، وقرأ الباقون بالتاء من فوق، وذلك على الرجوع من الغيبة إلى المخاطبة لأنه قد تقدم
 وإن تؤمنوا وتتقوا  \[ آل عمران : ١٧٩ \]. 
١ - أخرجه ابن جرير- عن حجر بن بيان، وابن أبي شيبة في مسنده، كما أخرجه الطبراني- عن جرير بن عبد الله (الدر المنثور للسيوطي ٢/١٠٥)..
٢ - منها ما أخرجه أحمد، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن ماجه، والنسائي، وابن جرير، وابن خزيمة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن مسعود (الدر المنثور ٢/١٠٥) وغيره من الكتب الصحاح، والمسانيد، والمنذري، ومجمع الزوائد..
٣ - انظر الآية: ١٨٤ من سورة البقرة..
٤ - ذكره الفراء في تفسيره ولم ينسبه (الخزانة ٢/ ٣٨٣)..
٥ - قال أبو حيان تعقيبا على كلام ابن عطية في الاستشهاد بالبيت: "وليست الدلالة فيهما سواء لوجهين: أحدهما: أن الدال في الآية هو الفعل، وفي البيت هو اسم الفاعل، ودلالة الفعل على المصدر أقوى من دلالة اسم الفاعل، ولذلك كثر إضمار المصدر لدلالة الفعل عليه في القرآن وكلام العرب، ولم تكثر دلالة اسم الفاعل على المصدر، إنما جاء في هذا البيت أو في غيره إن وجد والثاني: أن في الآية حذفا لظاهر، إذ قدروا المحذوف: بخلهم، وأما في البيت فهو إضمار لا حذف" (البحر المحيط ٣/ ١٢٨)..
٦ - من الآية (٨٢) من سورة يوسف..

### الآية 3:181

> ﻿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ۘ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [3:181]

وقوله تعالى : لقد سمع الله  الآية، قال ابن عباس : نزلت بسبب فنحاص اليهودي[(١)](#foonote-١) وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر الصديق رضي الله عنه إلى بيت المدراس ليدعوهم فوجد فيه جماعة من اليهود قد اجتمعوا على فنحاص - وهو حبرهم- فقال أبو بكر له : يا فنحاص اتق الله وأسلم فوالله إنك لتعلم أن محمداً رسول الله قد جاءكم بالحق من عند الله تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة، فقال فنحاص : والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من حاجة وإنه إلينا لفقير وإنّا عنه لأغنياء، ولو كان غنياً لما استقرضنا أموالنا كما يزعم صاحبكم، في كلام طويل غضب أبو بكر منه، فرفع يده فلطم وجه فنحاص وسبه وهمَّ بقتله، ثم منعه من ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : لا تحدث شيئاً حتى تنصرف إليَّ، ثم ذهب فنحاص إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشكا فعل أبي بكر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : ما حملك على ما صنعت ؟ قال يا رسول الله : إنه قال قولاً عظيماً فلم أملك نفسي أن صنعت ما صنعت، فنزلت الآية في ذلك[(٢)](#foonote-٢) وقال قتادة : نزلت الآية في حيي بن أخطب، وذلك أنه لما نزلت  من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً [(٣)](#foonote-٣) قال : يستقرضنا ربنا ؟ إنما يستقرض الفقير الغني، وقال الحسن بن أبي الحسن ومعمر وقتادة أيضاً وغيرهم : لما نزلت  من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً  \[ البقرة : ٢٤٥ \]، قالت اليهود : إنما يستقرض الفقير من الغني، ولا محالة أن هذا قول صدر أولاً عن فنحاص وحيي وأشباههما من الأحبار ثم تقاولها اليهود، وهو قول يغلط به الأتباع ومن لا علم عنده بمقاصد الكلام، وهذا تحريف اليهود التأويل على نحو ما صنعوا في توراتهم وقوله تعالى : قول الذين قالوا  دال على أنهم جماعة[(٤)](#foonote-٤). 
**قوله تعالى :**
 سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَآءِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ 
قرأ حمزة وحده **«سيكتب »** بالياء من أسفل على بناء الفعل للمفعول و **«قتلُهم »** برفع اللام عطفاً على المفعول الذي لم يسم فاعله، و **«يقول »** بالياء من أسفل، وقرأ الباقون بنون الجمع، فإما أنها نون العظمة، وإما هي للملائكة و  ما  على هذه القراءة مفعولة بها، و **«قتلَهم »** بنصب اللام عطفاً على  ما   ونقول  بالنون على نحو  سنكتب  والمعنى في هاتين القراءتين قريب بعضه من بعض، قال الكسائي : وفي قراءة عبد الله بن مسعود **«ويقال ذوقوا »** وقال أبو معاذ النحوي[(٥)](#foonote-٥) في حرف ابن مسعود :**«سنكتب ما يقولون ويقال لهم ذوقوا »** وقرأ طلحة بن مصرف **«سنكتب ما يقولون »** وحكى أبو عمرو عنه أيضاً أنه قرأ **«ستكتب »** بتاء مرفوعة  ما قالوا ، بمعنى : ستكتب مقالتهم، وهذه الآية وعيد لهم، أي سيحصى عليهم قولهم، والكتب فيما قال كثير من العلماء هو في صحف تقيده الملائكة فيها، وتلك الصحف المكتوبة هي التي توزن وفيها يخلق الله الثقل والخفة بحسب العلم المكتوب فيها، وذهب قوم إلى أن الكتب عبارة عن الإحصاء وعدم الإهمال، فعبر عن ذلك بما تفهم العرب منه غاية الضبط والتقييد، فمعنى الآية : أن أقوال هؤلاء تكتب وأعمالهم، ويتصل ذلك بأفعال آبائهم من قتل الأنبياء بغير حق ونحوه، ثم يقال لجميعهم  ذوقوا عذاب الحريق  وخلطت الآية الآباء مع الأبناء في الضمائر، إذ الآباء هم الذين طوقوا لأبنائهم الكفر وإذ الأبناء راضون بأفعال الآباء متبعون لهم، والذوق مع العذاب مستعار، عبارة عن المباشرة، إذ الذوق من أبلغ أنواعها وحاسته مميزة جداً، و  الحريق  معناه : المحرق فعيل بمعنى مفعل وقيل : الحريق  طبقة من طبقات جهنم.

١ - هو فنحاص بن عازوراء، أحد أحبار يهود بني قينقاع الذي ناصبوا النبي صلى الله عليه وسلم العداوة والحقد. "سيرة ابن هشام ٢/٣٥٩"..
٢ - أخرجه ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. (الدر المنثور: ٢/١٠٥. وفتح القدير للشوكاني ١/٣٧٢)، وذكر الشوكاني أن هذه القصة أخرجها ابن جرير، وابن المنذر- عن عكرمة، وأخرجها ابن جرير- عن السدي بأخصر من ذلك..
٣ - تكررت في موضعين –في الآية (٢٤٥) من سورة (البقرة)- وفي الآية (١١) من سورة (الحديد)..
٤ - قال المفسرون: جاءت الجملة مؤكدة باللام مؤذنة بعلمه بمقالتهم ومؤكدة له-وحيث نسبوا إلى الله ما نسبوا أكدوا الجملة (بإن) على سبيل المبالغة، وحيث نسبوا إلى أنفسهم ما نسبوا لم يؤكدوا، بل أخرجوا الجملة مخرج ما لا يحتاج إلى تأكيد، (ونحن أغنياء) كأن الغنى وصف لهم ولا نزاع فيه فلا يحتاج إلى تأكيد..
٥ - هو الفضل بن خالد أبو معاذ النحوي المروزي مولى باهلة، روى عن عبد الله بن المبارك وداود بن أبي هند، وخارجة بن مصعب، وروى عنه محمد بن شقيق، والأزهري، ومحمد بن هرون النيسابوري، وغيرهم، ذكره ابن حبان في الثقات، وصنف كتابا في القرآن، توفي سنة: ٢١. (طبقات القراء لابن الجزري ٢/٩. وبغية الوعاة: ٣٧٣)..

### الآية 3:182

> ﻿ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [3:182]

وقوله تعالى : ذلك بما قدمت أيديكم  توبيخ وتوقيف داخل فيما يقال لهم يوم القيامة، ويحتمل أن يكون خطاباً لمعاصري النبي عليه السلام يوم نزول الآية، ونسب هذا التقديم إلى اليد إذ هي الكاسبة للأعمال في غالب أمر الإنسان، فأضيف كل كسب إليها، ثم بين تعالى : أنه يفعل هذا بعدل منه فيهم ووضع الشيء موضعه، والتقدير : وبأن الله  ليس بظلام للعبيد  وجمع **«عبداً »** في هذه الآية على عبيد، لأنه مكان تشفيق وتنجية من ظلم[(١)](#foonote-١).

١ - صيغة (ظلاّم) تفيد الكثرة –وقد قيل: أنه تكثير بسبب المتعلق- وذهب بعضهم إلى أن (فعّال) قد يجيء ولا يراد به الكثرة كقول طرفة:
 ولست بحلاّل التلاع مخافة ولكن متى يسترفد القوم أرفد.
 فهو لا يريد أنه قد يحل التلاع قليلا، لأن عجز البيت يدفعه، فدل على نفي البخل في كل حال، وتمام المدح لا يحصل بإرادة الكثرة- وقيل: إذا نفي الظلم الكثير اتبع القليل ضرورة، لأن الذي يظلم إنما يظلم لانتفاعه بالظلم- فإذا ترك الكثير مع زيادة نفعه في حق من يجوز عليه النفع والضرر كان للظلم القليل المنفعة أترك، وهذا ما يليق بعدل الله تعالى..

### الآية 3:183

> ﻿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ۗ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [3:183]

وقوله تعالى : الذين قالوا إن الله عهد إلينا  صفة راجعة إلى قوله : الذين قالوا إن الله فقير  وقال الزجاج : الذين  صفة للعبيد، وهذ مفسد للمعنى والرصف، وهذه المقالة قالتها أحبار يهود مدافعة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم أي إنك لا تأتي بنار فنحن قد عهد إلينا أن لا نؤمن لك، و  عهد  معناه : أمر والعهد : أخص من الأمر، وذلك أنه في كل ما يتطاول أمره ويبقى في غابر الزمان، وتعدى **«آمن »** في هذه الآية باللام والباء في ضمن ذلك، **«وقربان »** مصدر سمي به الشيء الذي يقرب كالرهن، وكان أمر القربان حكماً قديماً في الأنبياء، ألا ترى أن ابني آدم قربا قرباناً، وذلك أنهم كانوا إذا أرادوا معرفة قبول الله تعالى لصدقة إنسان أو عمله أو صدق قوله، قرب قرباناً شاة أو بقرة ذبيحة أو بعض ذلك وجلعه في مكان للهواء وانتظر به ساعة، فتنزل نار من السماء فتحرق ذلك الشيء، فهذه علامة القبول، وإذا لم تنزل النار فليس ذلك العمل بمقبول، ثم كان هذا الحكم في أنبياء بني إسرائيل، وكانت النار أيضاً تنزل لأموال الغنائم فتحرقها، حتى أحلت الغنائم لمحمد صلى الله عليه وسلم حسب الحديث[(١)](#foonote-١) وروي عن عيسى بن عمر، أنه كان يقرأ **«بقرُبان »** بضم الراء وذلك للإتباع لضمة القاف وليست بلغة، لأنه ليس في الكلام فعلان بضم الفاء والعين، وقد حكى سبيويه : السلطان بضم اللام، وقال : إن ذلك على الإتباع. 
**قوله تعالى :**
 قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قُتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَاؤا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزَّبُورِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ 
هذا رد عليهم في مقالتهم وتبيين لإبطالهم، أي : قد جاءكم رسل  بالآيات الباهرة البينة، وفي جملتها ما قلتم من أمر القربان فلم قتلتموهم يا بني إسرائيل المعنى بل هذا منكم تعلل وتعنت، ولو أتيتكم بالقربان لتعللتم بغير ذلك، والاقتراح لا غاية له، ولا يجاب كل مقترح، ولم يجب الله مقترحاً إلا وقد أراد تعذيبه وأن لا يمهله، كقوم صالح وغيرهم، وكذلك قيل لمحمد في اقتراح قريش فأبى، وقال : بل أدعوهم وأعالجهم[(٢)](#foonote-٢).

١ - أخرجه الشيخان، والنسائي عن جابر. (الجامع الصغير ٢/١٥٢)..
٢ - أخرجه مسلم، والنسائي بلفظ (بل أرجو أن يخرج الله عز وجل من أصلابهم من يعبد الله)، الحديث. "حياة الصحابة" ١/٤٠٤..

### الآية 3:184

> ﻿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ [3:184]

ثم آنس تعالى نبيه بالأسوة والقدوة فيمن تقدم من الأنبياء أي : فلا يعظم عليك ذلك، وقرأ ابن عامر : و **«بالزبر »** : بإعادة باء الجر، وسقوطها على قراءة الجمهور متجه، لأن الواو شركت الزبر في الباء الأولى فاستغني عن إعادة الباء، وإعادتها أيضاً متجهة لأجل التأكيد، وكذلك ثبتت في مصاحف أهل الشام، وروي أيضاً عن ابن عامر إعادة الباء في قوله :**«وبالكتاب المنير »** و  الزبر  : الكتاب المكتوب يقال : زبرت الكتاب إذا كتبته، وزبرته إذا قرأته[(١)](#foonote-١)، والشاهد لأنه الكتاب قول امرىء القيس :\[ الطويل \]
لِمَنْ طَلَلٌ أبْصَرْتُهُ فَشَجَاني. . . كَخَطِّ زَبورٍ في عَسِيبِ يَماني[(٢)](#foonote-٢) ؟
وقال الزجّاج : زبرت كتبت، وذبرت بالذال، قرأت، و **«المنير »** : وزنه مفعل من النور أي سطع نوره.

١ - الزبر: جمع زبور، وهو: الكتاب- فهو بمعنى مفعول، كالركوب بمعنى مركوب.
 وقيل: اشتقاق الزبور من: الزبرة، وهي القطعة من الحديد التي تركت بحالها، ولكن المتعارف عليه هو من الزبر بمعنى الكتب..
٢ - شبه الطلل بخط الكتاب المرقوم في عسيب يماني. والعسيب: سعف النخل الذي جرد من خوصه..

### الآية 3:185

> ﻿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [3:185]

هذا خبر واعظ فيه تسلية للنبي عليه السلام ولأمته عن أمر الدنيا وأهلها، ووعد في الآخرة، فبالفكرة في الموت يهون أمر الكفار وتكذيبهم، والمعنى : كل نفس مخلوقة حية، والذوق هنا : استعارة  وإنما  حاصرة على التوفية التي هي على الكمال، لأن من قضي له بالجنة فهو ما لم يدخلها غير موفى، وخص تعالى ذكر **«الأجور »** لشرفها وإشارة مغفرته لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته، ولا محالة أن المعنى : أن يوم القيامة تقع توفية الأجور وتوفية العقاب، و  زحزح  معناه : أبعد، والمكان الزحزح : البعيد، وفاز معناه : نجا من خطره وخوفه، و  الغرور ، الخدع والترجية بالباطل، والحياة الدنيا وكل ما فيها من الأموال فهي متاع قليل تخدع المرء وتمنيه الأباطيل وعلى هذا فسر الآية جمهور من المفسرين، قال عبد الرحمن بن سابط : متاع الغرور  كزاد الراعي يزود الكف من التمر أو الشيء من الدقيق يشرب عليه اللبن، قال الطبري : ذهب إلى أن متاع الدنيا قليل لا يكفي من تمتع به ولا يبلغه سفره. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : و  الغرور  في هذا المعنى مستعمل في كلام العرب، ومنه قولهم في المثل : عش ولا تغتر[(١)](#foonote-١)، أي لا تجتزىء بما لا يكفيك، وقال عكرمة : متاع الغرور ، القوارير أي لا بد لها من الانكسار والفساد، فكذلك أمر الحياة الدنيا كله. 
**قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه :**
وهذا تشبيه من عكرمة، وقرأ عبد الله بن عمير[(٢)](#foonote-٢) **«الغَرور »** بفتح الغين، وقرأ أبو حيوة والأعمش : ذائقة  بالتنوين  الموت  بالنصب، وقال النبي صلى الله عليه وسلم، **«لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها »**[(٣)](#foonote-٣)، ثم تلا هذه الآية.

١ - هذا مثل يضرب للاحتياط؛ والأخذ بالثقة في الأمور، وكأنما يقال للراعي: عش إبلك من هذا العشب الحاضر ولا تغتر بالغائب فيفوتك، (جمهرة العسكري٢/٤٦، والميداني ١/٣١١، والمستقصى: ٢٤٢، واللسان: عشا)..
٢ - الذي في القرطبي، والبحر، والنهاية لابن الجزري هو عبد الله بن عمر، ولعله هو عبد الله بن عمر بن أحمد بن شوذب الواسطي مقرئ متصدر. "النهاية لابن الجزري ١/٤٣٧..
٣ - أخرجه ابن أبي شيبة، وهناد، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن حبان، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم، وصححه-عن أبي هريرة، كما أخرجه ابن مردويه- عن سهل بن سعد مرفوعا. "فتح القدير للشوكاني٢/ ٣٧٤". "والدر المنثور ٢/١٠٧". وذكر له ابن كثير عدة طرق غير هذه ١/٤٣٥..

### الآية 3:186

> ﻿۞ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [3:186]

هذا الخطاب للنبي عليه السلام وأمته، والمعنى : لتختبرن ولتمتحنن في أموالكم بالمصائب والأرزاء، وبالإنفاق في سبيل الله، وفي سائر تكاليف الشرع، والابتلاء في الأنفس بالموت والأمراض، وفقد الأحبة بالموت، واختلف المفسرون في سبب قوله تعالى : ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم  فقال عكرمة وغيره : السبب في ذلك قول فنحاص : إن الله فقير ونحن إغنياء، وقوله : يد الله مغلولة إلى غير ذلك، وقال الزهري وغيره : نزلت هذه الآية بسبب كعب بن الأشرف، فإنه كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه ويشبب بنساء المسلمين، حتى بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتله القتلة المشهورة في السيرة[(١)](#foonote-١)، و**«الأذى »** : اسم جامع في معنى الضرر وهو هنا يشمل أقوالهم فيما يخص النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من سبهم وأقوالهم في جهة الله تعالى وأنبيائه، وندب الله تعالى عباده إلى الصبر والتقوى، وأخبر أنه من عزم الأمور، أي من أشدها وأحسنها، و ****«العزم »**** : إمضاء الأمر المروي المنقح، وليس ركوب الأمر دون روية عزماً إلا على مقطع المشيحين من فتاك العرب كما قال[(٢)](#foonote-٢) :
إذا هَمَّ ألقَى بَيْنَ عَيْنَيْهِ عزْمَهُ. . . وَنَكَّبَ عَنْ ذِكْرِ الْحَوَادِثِ جَانِبَا
وقال النقاش : العزم والحزم بمعنى واحد : الحاء مبدلة من العين. 
قال القاضي : وهذا خطأ، والحزم : جودة النظر في الأمور وتنقيحه والحذر من الخطأ فيه، و ****«العزم »**** : قصد الإمضاء، والله تعالى يقول : وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت [(٣)](#foonote-٣) فالمشاورة وما كان في معناها هو الحزم، والعرب تقول : قد أحزم و لو أعزم[(٤)](#foonote-٤).

١ - أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم- عن الزهري، كما أخرجه ابن المنذر من طريق الزهري- عن عبد الرحمان بن كعب بن مالك (فتح القدير للشوكاني١/٣٧٥) ورواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمان بن كعب بن مالك. (لباب النقول في أسباب النزول: ١٧، وابن جرير في تفسيره، وسيرة ابن هشام ٣/ ٥٤)..
٢ - قال ابن الأثير: المشيح: الحذر والجاد في الأمر، وقيل: المقبل إليك المانع لما وراء ظهره، فيجوز أن يكون أشاح أحد هذه المعاني ٢/ ٣٦٦..
٣ - من الآية (١٥٩) من سورة الشورى..
٤ - هذا مثل، معناه: إن عزمت الرأي فأمضيته فأنا حازم، وإن تركت الصواب وأنا أراه وضيعت العزم لم ينفعني حزمي (الميادني ٢/٣٤)..

### الآية 3:187

> ﻿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ [3:187]

قوله تعالى : وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب  الآية، توبيخ لمعاصري النبي صلى الله عليه وسلم، ثم هو مع ذلك خبر عام لهم ولغيرهم. والعامل في  إذ  فعل مقدر تقديره اذكر، وأخذ هذا الميثاق هو على ألسنة الأنبياء أمة بعد أمة، وقال ابن عباس والسدي وابن جريج : الآية في اليهود خاصة، أخذ الله عليهم الميثاق في أمر محمد فكتموه ونبذوه[(١)](#foonote-١)، قال مسلم البطين[(٢)](#foonote-٢) : سأل الحجاج بن يوسف جلساءه عن تفسير هذه الآية فقام رجل إلى سعيد بن جبير فسأله فقال له : نزلت في يهود أخذ الميثاق عليهم في أمر محمد فكتموه، وروي عن ابن عباس أنه قرأ **«وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لتبيننه »** فيجيء قوله  فنبذوه  عائداً على الناس الذين بين الأنبياء لهم، وقال قوم من المفسرين : الآية في اليهود والنصارى، وقال جمهور من العلماء : الآية عامة في كل من علمه الله علماً، وعلماء هذه الأمة داخلون في هذا الميثاق، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار ) [(٣)](#foonote-٣)، وقد قال أبو هريرة :( إني لأحدثكم حديثاً، ولولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه ثم تلا  إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب  )[(٤)](#foonote-٤) \[ البقرة : ١٧٤ \] وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر :**«ليبيننه للناس ولا يكتمونه »**، بالياء من أسفل فيهما، وقرأ الباقون وحفص وعاصم بالتاء من فوق فيهما، وكلا القراءتين متجه، والضمير في الفصلين عائد على الكتاب، وفي قراءة ابن مسعود **«لتبينونه »** دون النون الثقيلة، وقد لا تلزم هذه النون لام القسم، قاله سيبويه، و **«النبذ »** الطرح، وقوله تعالى : وراء ظهورهم ، استعارة لما يبالغ في اطراحه، ومنه  واتخذتموه وراءكم ظهرياً [(٥)](#foonote-٥) ومنه قول الفرزدق :\[ الطويل \]
تَميم بْنَ مُرٍّ لا تَكُونَنَّ حاجتي. . . بظهرٍ فَلا يعيى عليَّ جَوابُها[(٦)](#foonote-٦)
ومنه بالمعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : لا تجعلوني كقدح الراكب[(٧)](#foonote-٧). أراد عليه السلام، لا تجعلوا ذكري وطاعتي خلف أظهركم، وهو موضع القدح ومنه قول حسان :\[ الطويل \]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . \*\*\* كَمَا نِيطَ خلْفَ الراكِبِ الْقَدَحُ الْفَرْدُ [(٨)](#foonote-٨)
والتشبيه بالقدح إنما هو في هيئته لا في معناه، لأن الراكب يحتاجه، ومحله من محلات الراكب جليل، والثمن القليل : هو مكسب الدنيا. وباقي الآية بين. 
قال أبو محمد : والظاهر في هذه الآية أنها نزلت في اليهود، وهم المعنيون ثم إن كل كاتم من هذه الأمة يأخذ بحظه من هذه المذمة ويتصف بها.

١ - أخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم-من طريق علقمة، عن ابن عباس، كما أخرجه ابن جرير عن السدي. (فتح القدير للشوكاني ١/٣٧٥. والدر المنثور ٢/١٠٨. وابن جرير هنا وعند تفسير قوله: \[إن الذين يكتمون ما أنزلنا\]، وقوله: \[إن الذين يكتمون ما أنزل الله\] بسورة البقرة)..
٢ - هو مسلم بن عمران، ويقال: ابن أبي عمران البطين، أبو عبد الله الكوفي، روى عن عطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وغيرهم، وروى عنه ابنه شبة بن مسلم، وسلمة بن كهيل، وأبو إسحاق السبيعي، وثّقه أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، والنسائي، وابن حبان (تهذيب التهذيب ١٠/١٣٤) وقصة سؤال الحجاج أخرجها ابن جرير ٤/ ٢٠٢)..
٣ - أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والحاكم- عن أبي هريرة. (الجامع الصغير: ٢/٥٢٥)..
٤ - أخرجه ابن جرير عند تفسير قوله: إن الذين يكتمون ما أنزلنا ٢/٥٣، كما أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١٤/ ١٢٢) وأخرجه البخاري، ومسلم بلفظ: (لولا آيتان)..
٥ - من الآية (٩٢) من سورة (هود)..
٦ -رواية البيت في ديوانه (١/٩٥):
 تميم بن زيد لا تهونن حاجتي لديك ولا يعيا علي جوابها
 أي لا تجبني بجواب لا أدري ما هو، أي: لا تعتل عليّ. ورواه الأغاني: بظهر فلا يخفى عليّ.
٧ - أخرجه رزين بن معاوية (ابن كثير ٣/٥١٤)، وأخرجه الترمذي موقوفا على عمر. (تيسير الوصول إلى جامع الأصول ٢/٥٦) كما أخرجه البزار عن جابر. قال صاحب مجمع الزوائد (١٠/١٥٥): وفيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف..
٨ - البيت من قصيدة له يهجو بها أبا سفيان بن الحارث، وصدره:
 وأنت زنيم نيط في آل هاشم ............................
 والزنيم: الدعي الملحق بقوم. ونيط: علّق. والقدح بالتحريك: آنية تروي الرجلين (ديوان ص: ٨٩ ط. دار بيروت للطباعة والنشر)..

### الآية 3:188

> ﻿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [3:188]

اختلف المفسرون في المراد بقوله تعالى : الذين يفرحون  فقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه وابن زيد وجماعة : الآية نزلت في المنافقين، وذلك أنهم كانوا إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم للغزو تخلفوا عنه، فإذا جاء اعتذروا إليه وقالوا : كانت لنا أشغال ونحو هذا، فيظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم القبول ويستغفر لهم، ففضحهم الله تعالى بهذه الآية، فكانوا يفرحون بما يأتونه ويفعلونه من التخلف والاعتذار، ويحبون أن يقال لهم : إنهم في حكم المجاهدين لكن العذر حبسهم[(١)](#foonote-١)، وقالت جماعة كثيرة من المفسرين إنما نزلت الآية في أهل الكتاب أحبار اليهود ثم اختلفوا فيما هو الذي أتوه وكيف أحبوا المحمدة ؟ فقال ابن عباس رضي الله عنه : أتوا إضلال أتباعهم عن الإيمان بمحمد وفرحوا بذلك لدوام رياستهم الدنيوية، وأحبوا أن يقال عنهم : إنهم علماء بكتاب الله ومتقدم رسالاته[(٢)](#foonote-٢)، وقال ابن عباس أيضاً والضحاك والسدي : أتوا أنهم تعاقدوا وتكاتبوا من كل قطر بالارتباط إلى تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم والدفع في صدر نبوته، وأحبوا أن يقال عنهم : إنهم أهل صلاة وصيام وعبادة، وقالوا هم ذلك عن أنفسهم[(٣)](#foonote-٣)، وقال مجاهد : فرحوا بإعجاب أتباعهم بتبديلهم تأويل التوراة، وأحبوا حمدهم إياهم على ذلك، وهم في الحقيقة لم يفعلوا شيئاً نافعاً ولا صحيحاً بل الحق أبلج[(٤)](#foonote-٤)، وقال سعيد بن جبير : الآية في اليهود، فرحوا بما أعطى الله آل إبراهيم من النبوءة والكتاب، فهم يقولون : نحن على طريقهم ويحبون أن يحمدوا بذلك وهم ليسوا على طريقتهم، وقراءة سعيد بن جبير :****«أوتوا »**** بمعنى أعطوا بضم الهمزة والتاء، وعلى قراءته يستقيم المعنى الذي قال. وقال ابن عباس أيضاً : إن الآية نزلت في قوم سألهم النبي عليه السلام عن شيء فكتموه الحق وقالوا له غير ذلك، ففرحوا بما فعلوا وأحبوا أن يحمدوا بما أجابوا، وظنوا أن ذلك قد قنع به واعتقدت صحته[(٥)](#foonote-٥). 
وقال قتادة : إن الآية في يهود خيبر، نافقوا على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين مرة، وقالوا : نحن معكم وعلى رأيكم وردء لكم وهم يعتقدون خلاف ذلك، فأحبوا الحمد على ما أظهروا وفرحوا بذلك[(٦)](#foonote-٦). 
وقال الزجّاج : نزلت الآية في قوم من اليهود، دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم وكلموه في أشياء ثم خرجوا، فقالوا لمن لقوا من المسلمين : إن النبي أخبرهم بأشياء قد عرفوها فحمدهم المسلمون على ذلك وطمعوا بإسلامهم وكانوا قد أبطنوا خلاف ما أظهروا للمسلمين وتمادوا على كفرهم، فنزلت الآية فيهم وقرأ جمهور الناس :**«أتوا »** بمعنى فعلوا، كما تقول أتيت أمر كذا، وقرأ مروان بن الحكم وإبراهيم النخعي :**«آتوا »** بالمد، بمعنى أعطوا بفتح الهمزة والطاء. 
قال أبو محمد : وهي قراءة تستقيم على بعض المعاني التي تقدمت، وقرأ سعيد بن جبير وأبو عبد الرحمن السلمي، ****«أوتوا »**** بمعنى أعطوا، وقد تقدمت مع معناها وقرأ أبو عمرو وابن كثير،  لا يحسبن الذي يفرحون  **«فلا يحسِبنهم »** بالياء من تحت فيهما وبكسر السين وبرفع الباء في يحسبنهم، قال أبو علي : الذين  رفع بأنه فاعل **«يحسب »**، ولم تقع **«يحسبن »** على شيء، وقد تجيء هذه الأفعال لغواً لا في حكم الجمل المفيدة نحو قول الشاعر :\[ الطويل \]
وما خلت أبقى بيننا من مودة. . . عراض المذاكي المسنفات القلائصا[(٧)](#foonote-٧)
وقال الخليل : العرب تقول : ما رأيته يقول ذلك إلا زيد، وما ظننته يقول ذلك إلا زيد فتتجه القراءة بكون قوله :**********«فلا تحسبنهم »********** بدلاً من الأول وقد عدي إلى مفعوليه وهما الضمير، وقوله  بمفازة  فاستغني بذلك عن تعدية الأولى إليها كما استغني في قول الشاعر[(٨)](#foonote-٨) :\[ الطويل \]
بأيّ كِتابٍ أَوْ بأيِّةِ سُنَّةٍ. . . تَرَى حُبَّهُمْ عاراً عليَّ وَتَحْسِبُ ؟
فاستغني بتعدية أحد الفعلين عن تعدية الآخر، والفاء في قوله  فلا تحسبنهم  زائدة، ولذلك حسن البدل، إذ لا يتمكن أن تكون فاء عطف ولا فاء جزاء، فلم يبق إلا أن تكون زائدة لا يقبح وجودها بين البدل والمبدل منه، وقوله على هذه القراءة **«فلا يحسبنهم »**، فيه تعدي فعل الفاعل إلى ضمير نفسه، نحو ظننتني أخاه، ورأيتني الليلة عند الكعبة، ووجدتني رجعت من الإصغاء[(٩)](#foonote-٩)، وذلك أن هذه الأفعال وما كان في معناها لما كانت تدخل على الابتداء والخبر أشبهت **«أن »** وأخواتها، فكما تقول : إني ذاهب، فكذلك تقول : ظننتني ذاهباً، ولو قلت : أظن نفسي أفعل كذا لم يحسن، كما يحسن : أظنني فاعلاً، قرأ نافع وابن عامر :****«لا يحسبن الذين »**** بالياء من تحت وفتح الباء، وكسر نافع السين، وفتحها ابن عامر **********«فلا تحسبنهم »********** بالتاء من فوق، وفتح الباء، والمفعولان اللذان يقتضيهما قوله ****«لا يحسبن الذين »**** محذوفان لدلالة ما ذكر بعده، والكلام في ذلك كما تقدم في قراءة ابن كثير، إلا أنه لا يجوز في هذا البدل الذي ذكره في قراءة ابن كثير وأبي عمرو لاختلاف الفعلين واختلاف فعليهما، وقرأ حمزة **«لا تحسبن »** بالتاء من فوق وكسر السين **********«فلا تحسبنهم »********** بالتاء من فوق وكسر السين وفتح الباء ف  الذين  على هذه القراءة مفعول أول **«لتحسبن »**، والمفعول الثاني محذوف لدلالة ما يجيء بعد عليه، كما قيل آنفاً في المفعولين، وحسن تكرار الفعل في قوله **********«فلا تحسبنهم »********** لطول الكلام، وهي عادة العرب وذلك تقريب لذهن المخاطب، وقرأ الضحاك بن مزاحم **********«فلا تحسبنهم »********** بالتاء من فوق وفتح السين وضم الباء، و **«المفازة »** : مفعلة من فاز يفوز إذا نجا فهي بمعنى منجاة، وسمي موضع المخاف مفازة على جهة التفاؤل، قاله الأصمعي وقيل : لأنها موضع تفويز ومظنة هلاك، تقول العرب : فوز الرجل إذا مات قال ثعلب : حكيت لابن الأعرابي قول الأصمعي فقال : أخطأ، قال لي أبو المكارم : إنما سميت **«مفازة »** لأن من قطعها فاز، وقال الأصمعي : سمي اللديغ سليماً تفاؤلاً، قال ابن الأعرابي : بل لأنه مستسلم لما أصابه، وبعد أن نهى أن يحسبوا ناجين أخبر أن لهم عذابا.

١ - أخرجه البخاري، ومسلم، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في "شعب الإيمان" عن أبي سعيد، كما أخرجه عبد بن حميد- عن زيد بن أسلم. (الدر المنثور. ٢/١٠٨. وفتح القدير للشوكاني ١/٣٧٥. وابن كثير ١/٤٣٦)..
٢ - أخرجه ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم- من طريق عكرمة- عن ابن عباس. (الدر المنثور ٢/١٠٩)..
٣ - أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير- عن الضحاك، كما أخرجه ابن جرير عن السدي. (الدر المنثور ٢/١٠٩)..
٤ - أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم- عن مجاهد. "الدر المنثور: ٢/١٠٩. ومن أمثال العرب: "الحق أبلج، والباطل لجلج" الحق أبلج: واضح مشرق. والباطل لجلج: يتردد فيه صاحبه فلا يصيب مخرجا، (الكامل للمبرد ١/١٣ والأمثال للميداني ١/٢٠٧)..
٥ - أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم- عن سعيد، كما أخرجه ابن جرير- عن سعيد أيضا (الدر المنثور ٢/١٠٩)..
٦ - أخرجه البخاري، ومسلم، وأحمد، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم، والبيهقي، من طريق حميد بن عبد الرحمان: أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس، الحديث بطوله في "الدر المنثور ٢/١٠٨" و"فتح القدير ١/٢٨٥"..
٧ - البيت للأعشى من قصيدة له يهجو بها علقمة. والمذاكي: الجياد. والمسنف: المتقدم الذي تكفه بالزمام، والقلائص: النوق. "ديوانه: ١٠١"..
٨ - البيت للكميت بن زيد الأسدي من قصيدة له يمدح بها أهل البيت. "خزانة الأدب"..
٩ - هو من قول الصمة القشيري:
 تلفت نحو الحي حتى وجدتني وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا.

### الآية 3:189

> ﻿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [3:189]

ثم استفتح القول بذكر قدرة الله تعالى وملكه فقال : ولله ملك السماوات والأرض  الآية، قال بعض المفسرين : الآية رد على الذين قالوا : إن الله فقير ونحن أغنياء  \[ آل عمران : ١٨١ \] وقوله تعالى : والله على كل شيء قدير . قال القاضي ابن الطيب وغيره : ظاهره العموم، ومعناه الخصوص لأن الله تعالى لا يوصف بالقدرة على المحالات و &lt;شي &gt;هو الموجود مقتضى كلام العرب.

### الآية 3:190

> ﻿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [3:190]

ثم دل على مواضع النظر والعبرة، حيث يقع الاستدلال على الصانع بوجود السماوات والأرضين والمخلوقات دال على العلم، ومحال أن يكون موجود عالم مريد غير حي، فثبت بالنظر في هذه الآية عظم الصفات[(١)](#foonote-١). 
 واختلاف الليل والنهار  هو تعاقبهما، إذ جعلهما الله خلفة، ويدخل تحت لفظة الاختلاف كونهما يقصر هذا ويطول الآخر وبالعكس، ويدخل في ذلك اختلافهما بالنور والظلام، و **«الآيات »** : العلامات و  الألباب  في هذه الآية : هي ألباب التكليف لا ألباب التجربة، لأن كل من له علوم ضرورية يدركها فإنه يعلم ضرورة ما قلناه من صفات الله تعالى.

١ - كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآيات العشر من آخر (آل عمران) إذا قام يتهجد في الليل، وهي قوله تعالى إن في خلق السماوات والأرض. فقد روى البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة- عن ابن عباس قال: (بتّ عند خالتي ميمونة، فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الآخر قعد، فنظر إلى السماء فقال: إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب- ثم قام فتوضأ واستنّ فصلّى إحدى عشرة ركعة، ثم أذّن بلال فصلّى ركعتين، ثم خرج فصلّى بالناس الصبح)..

### الآية 3:191

> ﻿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [3:191]

الذين  في موضع خفض صفة  لأولي الألباب  \[ آل عمران : ١٩٠ \]، وهذا وصف ظاهره استعمال التحميد والتهليل والتكبير ونحوه من ذكر الله، وأن يحصر القلب اللسان، وذلك من أعظم وجوه العبادات، والأحاديث في ذلك كثيرة[(١)](#foonote-١)، وابن آدم منتقل في هذه الثلاث الهيئات لا يخلو في غالب أمره منها فكأنها تحصر زمنه، وكذلك جرت عائشة رضي الله عنها إلى حصر الزمن في قولها، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه[(٢)](#foonote-٢)، فدخل في ذلك كونه على الخلاء وغير ذلك، وذهبت جماعة من المفسرين إلى أن قوله : الذين يذكرون الله ، إنما هو عبارة عن الصلاة، أي لا يضيعونها ففي حال العذر يصلونها قعوداً وعلى جنوبهم، قال بعضهم وهي كقوله تعالى : فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله [(٣)](#foonote-٣)، هذا تأويل من تأول هنالك&lt; قضيتم&gt; بمعنى أديتم، لأن بعض الناس يقول&lt; قضيتم&gt; هنالك بمعنى فرغتم منها، فإذا كانت هذه الآية في الصلاة ففقهها أن الإنسان يصلي قائماً، فإن لم يستطع فقاعداً، ظاهر المدونة متربعاً، وروي عن مالك وبعض أصحابه أنه يصلي كما يجلس بين السجدتين، فإن لم يستطع القعود صلى على جنبه أو ظهره على التخيير، هذا مذهب المدونة، وحكى ابن حبيب عن ابن القاسم يصلي على ظهره، فإن لم يستطع فعلى جنبه الأيمن، ثم على الأيسر، وفي كتاب ابن المواز، يصلي على جنبه الأيمن، وإلا فعلى الأيسر، وإلا فعلى الظهر، وقال سحنون يصلي على الأيمن كما يجعل في لحده، وإلا فعلى ظهره، وإلا فعلى الأيسر، وحسن عطف قوله  وعلى جنوبهم ، على قوله : قياماً وقعوداً  لأنه في معنى مضطجعين، ثم عطف على هذه العبادة التي ذكر الله باللسان أو الصلاة فرضها ومندوبها بعبادة أخرى عظيمة، وهي الفكرة في قدرة الله تعالى ومخلوقاته، والعبر التي بث :\[ المتقارب \]
وفي كل شيءٍ له آيةٌ. . . تَدُلُّ على أنَّهُ واحدُ[(٤)](#foonote-٤)
ومر النبي صلى الله عليه وسلم على قوم يتفكرون في الله فقال :&lt; تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق، فإنكم لا تقدرون قدره&gt;[(٥)](#foonote-٥)، وهذا هو قصد الآية : ويتفكرون في خلق السموات والأرض ، وقال بعض العلماء : المتفكر في ذات الله تعالى كالناظر في عين الشمس، لأنه تعالى ليس كمثله شيء، وإنما التفكير وانبساط الذهن في المخلوقات، وفي مخاوف الآخرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«لا عبادة كتفكر »**[(٦)](#foonote-٦)، وقال الحسن بن أبي الحسن : الفكرة مرآة المؤمن، ينظر فيها إلى حسناته وسيئاته، وقال ابن عباس وأبو الدرداء : فكرة ساعة خير من قيام ليلة[(٧)](#foonote-٧)، وقال سري السقطي[(٨)](#foonote-٨) : فكرة ساعة خير من عبادة سنة[(٩)](#foonote-٩)، ما هو إلا أن تحل أطناب خيمتك فتجعلها في الآخرة، وأخذ أبو سليمان الداراني[(١٠)](#foonote-١٠) قدح الماء ليتوضأ لصلاة الليل وعنده ضيف، فرآه لما أدخل أصبعه في أذن القدح أقام كذلك مفكراً حتى طلع الفجر، فقال له ما هذا يا أبا سليمان ؟ فقال : إني لما طرحت أصبعي في أذن القدح تذكرت قول الله جل وتعالى :
 إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل [(١١)](#foonote-١١)، ففكرت في حالي، وكيف أتلقى الغل إن طرح في عنقي يوم القيامة، فما زلت في ذلك حتى أصبحت. 
قال القاضي أبو محمد رحمه الله : فهذه نهاية الخوف، وخير الأمور أوسطها[(١٢)](#foonote-١٢)، وليس علماء الأمة الذين هم الحجة على هذا المنهاج، وقراءة علم كتاب الله ومعاني سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن يفهم ويرجى نفعه أفضل من هذا، لكنه يحسن أن لا تخلو البلاد من مثل هذا، وحدثني أبي رضي الله عنه عن بعض علماء المشرق قال : كنت بائتاً في مسجد الأقدام بمصر، فصليت العشاء فرأيت رجلاً قد اضطجع في كساء له مسجى بكسائه حتى أصبح، وصلينا نحن تلك الليلة وسهرنا، فلما أقيمت صلاة الصبح قام ذلك الرجل فاستقبل القبلة فصلى مع الناس، فاستعظمت جرأته في الصلاة بغير وضوء، فلما فرغت الصلاة خرج فتبعته لأعظه فلما دونت منه سمعته ينشد :\[ المنسرح \]
مُنْسَحِقُ الجسْمِ غائِبٌ حاضِرْ. . . مُنْتَبِهُ الْقَلْبِ صَامِتٌ ذَاكِرْ
مُنْقَبِضٌ في الغُيوبِ مُنْبَسِطٌ. . . كذاكَ مَنْ كَانَ عارفاً ذَاكِرا
يَبيتُ في لَيْلهِ أَخَا فِكَرٍ. . . فهوَ مَدَى اللَّيلِ نَائِمٌ سَاهِرْ
قال فعلمت أنه ممن يعبد بالفكرة وانصرفت عنه. 
١ - منها ما خرج في الصحيحين، ومسند الإمام أحمد والترمذي، وقد بوب لها المنذري في "الترغيب والترهيب"، والنووي في "الأذكار"، والحافظ الهيثمي في "مجمع الزوائد"، ومنها ما ذكره في "تيسير الوصول إلى جامع الأصول"..
٢ - أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها. "الجامع الصغير ٢/٣٢٣"..
٣ - من الآية (١٠٣) من سورة النساء..
٤ - البيت لأبي العتاهية، ديوانه (تحقيق د. شكري فيصل): ١٠٤..
٥ - أخرجه أبو الشيخ عن ابن عباس (الجامع الصغير ١/٤٥١)..
٦ - أخرجه ابن حبان في الضعفاء، والبيهقي في الشعب من رواية أبي رجاء محمد بن عبد الله الخرطي عن علي أنه قال لابنه الحسن: يا بني، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا مال) الحديث بطوله. تفسير "الكشاف" ١/٤٥٤..
٧ - أخرجه أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس، وأخرج ابن سعد عن أبي الدرداء مثله، كما أخرج الديلمي عن أنس مرفوعا مثله. "الدر المنثور" ٢/١١١. و"روح المعاني" ٤/١٥٩..
٨ - هو أبو الحسن بن المغلس السقطي، أحد رجال الطريقة وأرباب الحقيقة، كان أوحد أهل زمانه في الورع، وهو خال أبي القاسم الجنيد وأستاذه، توفي سنة: ٢٥٧ه. "الوفيات" لابن خلكان ١/٢٥٠. و"حلية الأولياء" ١٠/١١٦..
٩ - أخرجه أبو الشيخ في العظمة عن أبي هريرة بلفظ: (ستين سنة). وأخرجه الديلمي مرفوعا عن أنس بلفظ: (تفكر ساعة في اختلاف الليل والنهار خير من عبادة ثمانين سنة). "الدر المنثور" ٢/١١١..
١٠ - هو عبد الرحمان بن أحمد بن عطية العنسي الداراني الزاهد المشهور، أحد رجال الطريقة، ومن كبار الصوفية وأهل الجد في المجاهدات النفسية، من غرر كلامه: "من أحسن في نهاره كفي في ليله". توفي سنة ٢٠٥ هـ "حلية الأولياء" ٩/٢٥٤. و"الوفيات" لابن خلكان ١/٣٤٧..
١١ - من الآية (٧١) من سورة (غافر)..
١٢ - تقدم تخريجه عند قوله تعالى: وكذلك جعلناكم أمة وسطا في سورة البقرة..

### الآية 3:192

> ﻿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [3:192]

وقوله تعالى : ربنا  معناه يقولون ربنا على النداء، ما خلقت هذا باطلاً، يريد لغير غاية منصوبة بل خلقته وخلقت البشر لينظر فيه فتوحد وتعبد، فمن فعل ذلك نعمته ومن ضل عن ذلك عذبته لكفره وقوله عليك ما لا يليق بك، ولهذا المعنى الذي تعطيه قوة اللفظ حسن قولهم : سبحانك  : أي تنزيهاً لك عما يقول المبطلون وحسن قولهم : فقنا عذاب النار  إذ نحن المسبحون المنزهون لك الموحدون. 
وقولهم : ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ، استجارة واستعاذة، أي فلا تفعل بنا ذلك ولا تجعلنا ممن يعمل عملها، والخزي : الفضيحة المخجلة الهادمة لقدر المرء، خزي الرجل يخزى خزياً إذا افتضح، وخزاية إذا استحيى، الفعل واحد والمصدر مختلف، وقال أنس بن مالك والحسن بن أبي الحسن وابن جريج وغيرهم : هذه إشارة إلى من يخلد في النار[(١)](#foonote-١)، ومن يخرج منها بالشفاعة والإيمان فليس بمخزي، وقال جابر بن عبد الله وغيره : كل من دخل النار فهو مخزي وإن خرج منها، وإن في دون ذلك لخزياً[(٢)](#foonote-٢). 
**قال القاضي أبو محمد رحمه الله :**
أما إنه خزي دون خزي وليس خزي من يخرج منها بفضيحة هادمة لقدره، وإنما الخزي التام للكفار وقوله تعالى : وما للظالمين من أنصار  هو من قول الداعين، وبذلك يتسق وصف الآية.

١ - أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم- عن أنس. (فتح القدير للشوكاني ١/٣٧٨. والدر المنثور للسيوطي ٢/١١١)..
٢ - أخرجه ابن جرير، والحاكم- عن عمرو بن دينار- عن جابر بلفظ: (وما أخزاه حين أحرقه بالنار، وإن دون ذلك خزيا). (الدر المنثور ٢/١١١. وفتح القدير للشوكاني ١/٣٧٨)..

### الآية 3:193

> ﻿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ۚ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ [3:193]

هذه الآيات حكاية عن أولي الألباب أنهم يقولون : ربنا  قال أبو الدرداء : يرحم الله المؤمنين ما زالوا يقولون :**«ربنا ربنا »** حتى استجيب لهم[(١)](#foonote-١)، واختلف المتأولون في المنادي، فقال ابن جريج وابن زيد وغيرهما : المنادي محمد صلى الله عليه وسلم، وقال محمد بن كعب القرظي : المنادي كتاب الله وليس كلهم رأى النبي صلى الله عليه وسلم وسمعه، ولما كانت  ينادي  بمنزلة يدعو، حسن وصولها باللام بمعنى **«إلى الإيمان »**، وقوله : أن آمنوا  **«أن »** مفسرة لا موضع لها من الإعراب، وغفران الذنوب وتكفير السيئات أمر قريب بعضه من بعض، لكنه كرر للتأكيد ولأنها مناح من الستر، وإزالة حكم الذنب بعد حصوله، و  الأبرار  جمع بر، أصله برر على وزن فعل، أدغمت الراء في الراء، وقيل : هو جمع بار كصاحب وأصحاب، والمعنى : توفنا معهم في كل أحكامهم وأفعالهم.

١ - الفعل (سمع) إن دخل على مسموع تعدى لواحد، نحو: سمعت كلام زيد، وإن دخل على ذات وجاء بعدها فعل أو اسم في معناها نحو: سمعت زيدا يتكلم، وسمعت زيدا يقول كذا ففي هذه المسألة خلاف-ذهب بعضهم إلى أنه إذا كان قبل الفعل نكرة كان صفة لها نحو \[سمعنا مناديا ينادي للإيمان\]، وإن كان ما قبله معرفة كان الفعل حالا- وذهب بعضهم إلى أن الفعل أو الاسم في موضع المفعول الثاني لسمع-وجعل (سمع) مما يتعدى إلى مفعول واحد إن دخل على مسموع، ويتعدى إلى اثنين إن دخل على ذات- وهذا هو مذهب الفارسي..

### الآية 3:194

> ﻿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ [3:194]

وقوله : ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك  معناه : على ألسنة رسلك، وقرأ الأعمش **«رسْلك »** بسكون السين، وطلبوا من الله تعالى إنجاز الوعد، وهو تعالى من لا يجوز عليه خلفه من حيث في طلبه الرغبة أن يكونوا ممن يستحقه، فالطلبة والتخويف إنما هو في جهتهم لا في جهة الله تعالى لأن هذا الدعاء إنما هو في الدنيا، فمعنى قول المرء : اللهم أنجز لي وعدك، إنما معناه : اجعلني ممن يستحق إنجاز الوعد، وقيل : معنى دعائهم الاستعجال مع ثقتهم بأن الوعد منجز، وقال الطبري وغيره : معنى الآية ما وعدتنا على ألسنة رسلك من النصر على الأعداء فكأن الدعوة إنما هي في حكم الدنيا، وقولهم : ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد ، إشارة إلى قوله تعالى : يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه [(١)](#foonote-١) فهذا وعده تعالى وهو دال على أن الخزي إنما هو مع الخلود[(٢)](#foonote-٢).

١ - من الآية (٨) من سورة التحريم..
٢ - قال أبو حيان: "وانظر إلى حسن محاورة هؤلاء الذاكرين المتفكرين- فإنهم خاطبوا الله تعالى بلفظه: (ربنا) فهي إشارة إلى أنه أصلحهم وهيأهم للعبادة- وقد أخبروا أولا بنتيجة الفكر \[ما خلقت هذا باطلا\]- ثم نزهوه، ثم سألوه أن يقيهم النار- ثم ذكروا ما أنتجه لهم الفكر من إجابة الداعي للإيمان لأن ذلك مترتب على أنه سبحانه لم يخلق ذلك باطلا، ثم سألوه المغفرة والوفاة على الإيمان، ثم سألوه الجنة، وألا يفضحهم يوم القيامة- وتكرر لفظ \[ربنا\] خمس مرات للاستعطاف- وفي التكرار دليل على جواز الإلحاح في المسألة من الله\]. بتصرف..

### الآية 3:195

> ﻿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ ۖ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ۖ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ [3:195]

استجاب  استفعل بمعنى أجاب، فليس استفعل على بابه من طلب الشيء بل هو كما قال الشاعر :\[ الطويل \]
وداعٍ دَعَا يا مَنْ يُجيبُ إلى النَّدى. . . فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ[(١)](#foonote-١)
أي لم يجبه، وقوله : أني  يجوز أن تكون **«أن »** مفسرة ويمكن أن تكون بمعنى **«أني »**، وقرأ عيسى بن عمر :**«إني »** بكسر الهمزة، وهذه آية وعد من الله تعالى : أي هذا فعله مع الذين يتصفون بما ذكر، وروي أن أم سلمة رضي الله عنها قالت : يا رسول الله، قد ذكر الله تعالى الرجال في الهجرة ولم يذكر النساء في شيء من ذلك، فنزلت الآية[(٢)](#foonote-٢)، ونزلت آيات في معناها فيها ذكر النساء، وقوله : من ذكر  تبيين لجنس العامل، وقال قوم : من  زائدة لتقدم النفي من الكلام[(٣)](#foonote-٣). 
وقوله تعالى : بعضكم من بعض  يعني في الأجر وتقبل العمل، أي إن الرجال والنساء في ذلك على حد واحد، وبيّن تعالى حال المهاجرين، ثم الآية بعد تنسحب على كل من أوذي في الله تعالى وهاجر أيضاً إلى الله تعالى وإن كان اسم الهجرة وفصلها الخاص بها قد انقطع بعد الفتح، فالمعنى باق إلى يوم القيامة،  والله يضاعف لمن يشاء  \[ البقرة : ٢٦١ \] و **«هاجر »** مفاعلة من اثنين، وذلك أن الذي يهجر وطنه وقرابته في الله كان الوطن والقرابة يهجرونه أيضاً فهي مهاجرة، وقوله تعالى : وأخرجوا من ديارهم  عبارة إلزام ذنب للكفار، وذلك أن المهاجرين إنما أخرجهم سوء العشرة وقبيح الأفعال فخرجوا باختيارهم فإذا جاء الكلام في مضمار إلزام الذنب، للكفار قيل  أخرجوا من ديارهم ،  وإخراج أهله منه أكبر عند الله [(٤)](#foonote-٤)، إلى غير ذلك من الأمثلة، وإذا جاء الكلام في مضمار الفخر والقوة على الأعداء، تمسك بالوجه الآخر من أنهم خرجوا برأيهم، فمن ذلك إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على أبي سفيان بن الحارث حين أنشده :\[ الطويل \]. . . . . . . . . . . . . . . وردني  إلى الله من طردت كل مطردِ[(٥)](#foonote-٥)فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنت طردتني كل مطرد ؟ إنكاراً عليه ومن ذلك قول كعب بن زهير :\[ البسيط \]
في عصبةٍ مِنْ قريشٍ قَالَ قَائِلُهُمْ. . . ببطنِ مَكَّةَ لَمَّا أسْلَمُوا زُولُوا
زَالُوا فَمَا زَالَ أَنْكَاسٌ وَلاَ كُشُفٌ. . . عِنْدَ اللّقَاءِ وَلاَ مِيلٌ مَعَازِيلُ[(٦)](#foonote-٦)
وقرأ نافع وعاصم وأبو عمرو :**«وقاتلوا وقتُلوا »** بتخفيف التاء وضم القاف، ومعنى هذه القراءة بيّن، وقرأ ابن كثير :**«وقاتلوا وقتّلوا »** بتشديد التاء وهي في المعنى كالأولى في المبالغة في القتل، وقرأ حمزة والكسائي :**«وقتلوا وقاتلوا »** يبدآن بالفعل المبني للمفعول به، وكذلك اختلافهم في سورة التوبة، غير أن ابن كثير وابن عامر يشددان في التوبة، ومعنى قراءة حمزة هذه : إما أن لا تعطى الواو رتبة لأن المعطوف بالواو يجوز أن يكون أولاً في المعنى وليس كذلك العطف بالفاء، ويجوز أن يكون المعنى وقتلوا وقاتل باقيهم فتشبه الآية قوله تعالى :
 فما وهنوا لما أصابهم  \[ آل عمران : ١٤٦ \] على تأويل من رأى أن القتل وقع بالربيين، وقرأ عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : و **«قَتَلوا »** بفتح القاف والتاء من غير ألف، و **«قُتِلوا »** بضم القاف وكسر التاء خفيفة، وهي قراءة حسنة المعنى مستوفية للفضلين على الترتيب المتعارف، وقرأ محارب بن ثار :**«وقَتلوا »** بفتح القاف ****«وقاتلوا »****، وقرأ طلحة بن مصرف :**«وقُتّلوا »** بضم القاف وشد التاء ****«وقاتلوا »**** وهذه يدخلها إما رفض رتبه الواو، وإما أنه قاتل من بقي، واللام في قوله : لأكفرن  لام القسم و  ثواباً  مصدر مؤكد مثل قوله : صنع الله  \[ النمل : ٨٨ \] و  كتاب الله عليكم  \[ النساء : ٢٤ \] وباقي الآية بين[(٧)](#foonote-٧). 
١ - البيت لكعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه هرما أو شبيبا، ويكنى أبا المغوار، والداعي هنا: السائل. ويجيب: يرد الجواب. واستجاب: بمعنى أجاب. والمعنى: رب داع دعا: هل من أحد يمنح المستمنحين؟ فلم يجبه أحد. (خزانة الأدب ٤/٣٨٥)..
٢ - أخرجه سعيد بن منصور، وعبد الرزاق، والترمذي، وابن أبي حاتم، والحاكم. وصححه – عن أم سلمة. كما أخرجه ابن جرير، وابن المنذر، والطبراني. (الشوكاني ١/٣٧٩) و"الدر المنثور" ٢/١١٢. و"ابن كثير"..
٣ - وقيل (من) في موضع الحال من الضمير الذي في العامل في (منكم)- أي: عامل كائن منكم كائنا من ذكر أو أنثى. وقال أبو البقاء: \[من ذكر أو أنثى\] بدل من \[منكم\] بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة، فيكون قد أعاد العامل وهو حرف الجر، ويكون بدلا تفصيليا من مخاطب-ويرد على أنه تفصيلي أنه عطف بأو- والبدل التفصيلي لا يكون إلا بالواو كقول الشاعر:
 وكنتُ كذي رجلين رجل صحيحة ورجل رمى فيها الزمان فشلّت.
٤ - من الآية (٢١٧) من سورة البقرة..
٥ - هذا عجز بيت من قصيدة لأبي سفيان بن الحارث يعتذر للنبي صلى الله عليه وسلم مما كان مضى منه، وصدره:
 هداني هاد غير نفسي وردني إلى الله من طردت كل مطرد
 قال معلق السيرة: الذي في سائر الأصول هو: ودلني إلى الله. قال ابن هشام: ويروى: ودلني على الحق من طردت كل مطرد (القصة في سيرة ابن هشام ٤/٤٣)..
٦ - الأنكاس: جمع نكس وهو الرذل المقصر عن غاية النجدة والكرم؛ الكشف: جمع أكشف وهو من لا يحمي رأسه بالبيضة، والأميل: الذي لا سلاح معه، وكذلك المعزال والأعزل..
٧ - قال أبو حيان في البحر المحيط:
 بدأ أولا بالخاص وهو الهجرة، وكانت تطلق على الهجرة إلى المدينة، وثنى بما ينشأ عنه ما هو أعم من الهجرة وهو الإخراج من الديار، وأتى ثالثا بالإذاية في سبيل الله، وهي أعمّ من أن تكون بالإخراج أو بغيره- ثم ارتقى بعد هذه الأوصاف السيئة إلى رتبة الجهاد والمقاومة والاستشهاد في دين الله، وبهذا جمع الله لهم بين رتب هذه الأعمال والظاهر الإخبار عمّن جمع هذه الأوصاف كلها بالخبر الذي جاء بعده \[لأكفرن عنهم سيئاتهم\].. الخ.

### الآية 3:196

> ﻿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ [3:196]

نزلت  لا يغرنك  في هذه الآية، منزلة : لا تظن أن حال الكفار حسنة فتهتم لذلك، وذلك أن المغتر فارح بالشىء الذي يغتر به، فالكفار مغترون بتقلبهم والمؤمنون مهتمون به، لكنه ربما يقع في نفس مؤمن أن هذا الإملاء للكفار إنما هو لخير لهم، فيجىء هذا جنوحاً إلى حالهم ونوعاً من الاغترار فلذلك حسنت  لا يغرنك  ونظيره قول عمر لحفصة : لا يغرنك إن كانت جارتك أوضأ منك وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم[(١)](#foonote-١)، المعنى : لا تغتري بما يتم لتلك من الإدلال فتقعي فيه فيطلقك النبي صلى الله عليه وسلم، والخطاب للنبي عليه السلام، والمراد أمته[(٢)](#foonote-٢) وللكفار في ذلك حظ، أي لا يغرنكم تقلبهم، وقرأ ابن أبي إسحاق[(٣)](#foonote-٣) ويعقوب[(٤)](#foonote-٤) :**«لا يغرنْك »** بسكون النون خفيفة، وكذلك **«لا يصدنك ولا يصدنكم ولا يغرنكم »** - وشبهه، و **«التقلب »** : التصرف في التجارات والأرباح والحروب وسائر الأعمال.

١ - أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، من طريق عن الزهري بسند عن ابن عباس. وأخرجه الشيخان من حديث يحيى بن سعيد، عن سعيد بن جبير، وعن ابن عباس. "ابن كثير" ٤/٣٨٨..
٢ - قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جاز أن يغتر الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك حتى ينهى عنه؟- قلت: الخطاب له والمراد أمته. (وإلى هذا أشار ابن عطية). وقد يكون المراد التأكيد والتنبيه وإن كان معصوما من الوقوع فيه، وذلك كقوله تعالى: \[ولا تكن من الكافرين\]. \[ولا تكونن من المشركين\]، \[ولا تطع المكذبين\]..
٣ - هو عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي البصري النحوي..
٤ - هو يعقوب بن إسحاق بن زيد أبو محمد الحضرمي مولاهم البصري أحد القراء العشرة، وإمام البصرة ومقرئها، كانت إليه رئاسة القراءة بعد أبي عمرو. توفي سنة ٢٠٥. "الطبقات" لابن الجزري ٢/٣٨٦ و"النشر" ١/١٨٦. ط: مصطفى محمد بمصر..

### الآية 3:197

> ﻿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [3:197]

ثم أخبر تعالى عن قلة ذلك المتاع، لأنه منقض صائر إلى ذل وقل وعذاب.

### الآية 3:198

> ﻿لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۗ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ [3:198]

وقرأ أبو جعفر بن القعقاع :: **«لكنّ الذين »**، بشد النون، وعلى أن  الذين  في موضع نصب اسماً ل **«لكنّ »**، و  نزلاً  : معناه تكرمة، ونصبه على المصدر المؤكد، وقرأ الحسن :**«نزْلاً »** ساكنة الزاي، وقوله تعالى : وما عند الله خير للأبرار  يحتمل أن يريد : خير مما هؤلاء فيه من التقلب والتنعم، ويحتمل أن يريد : خير مما هم فيه في الدنيا، وإلى هذا ذهب ابن مسعود فإنه قال : ما من مؤمن ولا كافر إلا والموت خير له، أما الكافر فلئلا يزداد إثماً، وأما المؤمن فلأن ما عند الله خير للأبرار[(١)](#foonote-١). 
**قال القاضي أبو محمد رحمه الله :**
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر »**[(٢)](#foonote-٢)، فقال القاضي ابن الطيب : هذا هو بالإضافة إلى ما يصير إليه كل واحد منهما في الآخرة، فالدنيا على المؤمن المنعم سجن بالإضافة إلى الجنة، والدنيا للكافر الفقير المضيق عليه في حاله و صحته جنة بالإضافة إلى جهنم، وقيل : المعنى أنها سجن المؤمن لأنها موضع تعبه في الطاعات وصومه وقيامه، فهو فيها كالمعنت المنكل، وينتظر الثواب في الأخرى التي هي جنته، والدنيا جنة الكافر، لأنها موضع ثوابه على ما عسى أن يعمل من خير، وليس ينتظر في الآخرة ثواباً، فهذه جنته، وهذا القول عندي كالتفسير والشرح للأول.

١ -أخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبو بكر المروزي في الجنائز، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه عن ابن مسعود بلفظ: (ما من نفس برة..)، وأخرجه سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن أبي الدرداء بلفظ: (ما من مؤمن...)..
٢ - أخرجه الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه- عن أبي هريرة، والطبراني، والحاكم، عن سليمان، والبزار عن ابن عمر (الجامع الصغير ١/٥٧٦)..

### الآية 3:199

> ﻿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [3:199]

اختلف المتأولون، فيمن عنى بهذه الآية، فقال جابر بن عبد الله وابن جريج وقتادة وغيرهم : نزلت بسبب أصحمة النجاشي سلطان الحبشة[(١)](#foonote-١)، وذلك أنه كان مؤمناً بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم، فلما مات عرف بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : اخرجوا فصلوا على أخ لكم، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، فكبر أربعاً[(٢)](#foonote-٢)، وفي بعض الحديث : أنه كشف لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن نعشه في الساعة التي قرب منها للدفن، فكان يراه من موضعه بالمدينة، فلما صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم قال المنافقون : انظروا إلى هذا يصلي على علج نصراني لم يره قط، فنزلت هذه الآية[(٣)](#foonote-٣)، وكان أصحمة النجاشي نصرانياً، وأصحمة تفسيره بالعربية عطية، قاله سفيان بن عيينة وغيره، وروي أن المنافقين قالوا بعد ذلك : فإنه لم يصل القبلة فنزلت  ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله [(٤)](#foonote-٤) وقال قوم : نزلت في عبد الله بن سلام، وقال ابن زيد ومجاهد : نزلت في جميع من آمن من أهل الكتاب، و  خاشعين  حال من الضمير في  يؤمن ، ورد  خاشعين  على المعنى في ****«من »**** لأنه جمع لا على لفظ ****«من »**** لأنه إفراد، وقوله تعالى : لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً  مدح لهم وذم لسائر كفار أهل الكتاب لتبديلهم وإيثارهم كسب الدنيا الذي هو ثمن قليل على آخرتهم وعلى آيات الله تعالى، وقوله تعالى : إن الله سريع الحساب  قيل معناه : سريع إتيان بيوم القيامة، وهو يوم الحساب، فالحساب إذاً سريع إذ كل آت قريب، وقال قوم : سريع الحساب  أي إحصاء أعمال العباد وأجورهم وآثامهم، إذ ذلك كله في عمله لا يحتاج فيه إلى عد وروية ونظر كما يحتاج البشر.

١ - هو أصحمة بن أبجر ملك الحبشة، هاجر إليه المسلمون في الهجرة الأولى، وكان من قصة إسلامه المشهورة أنه قال للقسيسين: أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى، لولا ما أنا فيه من الملك أتيته، وكنت أحمل نعليه، وكان من أعلم أهل عصره بالإنجيل، يقرأ صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبكي حتى يبل لحيته، توفي في السنة التاسعة من الهجرة في شهر رجب وصلى عليه صلى الله عليه وسلم صلاة الغائب. "الشهاب على الشفاء" ٣/٢٦٧..
٢ - أخرجه البخاري في الجنائز عن مسدد، والترمذي فيه عن أحمد بن منيع، والنسائي فيه عن قتيبة وسويد بن نصر، وابن ماجة عن أبي بكر بن شبيبة، ومسلم فيه عن يحيى بن يحيى، وأبو داود فيه عن القعنبي، والنسائي فيه عن محمد بن رافع، ستتهم عن مالك "العيني ٨/١٩" و"تيسير الوصول ٢٩٠" أخرجه البزار، والطبراني، في "الأوسط" عن ابن عمر وعن أنس. والطبراني أيضا فيه عن أبي سعيد الخدري. كما أخرجه الطبراني في الكبير عن جرير، وعن ابن خارجة (مجمع الزوائد ٣/٣٨-٣٩)..
٣ - أخرجه الطبراني في الكبير عن حذيفة بن أسيد وإسناده حسن، (مجمع الزوائد ٣/٣٩)..
٤ - من سورة البقرة: الآية (١١٥)..

### الآية 3:200

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [3:200]

ثم ختم الله تعالى السورة بهذه الوصاة التي جمعت الظهور في الدنيا على الأعداء، والفوز بنعيم الآخرة، فحض على الصبر على الطاعات وعن الشهوات، وأمر بالمصابرة فقيل : معناه مصابرة الأعداء، قاله زيد بن أسلم، وقيل معناه : مصابرة وعد الله في النصر، قاله محمد بن كعب القرظي : أي لا تسأموا وانتظروا الفرج، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«انتظار الفرج بالصبر عبادة »**[(١)](#foonote-١)، وكذلك اختلف المتأولون في معنى قوله  ورابطوا  فقال جمهور الأمة معناه : رابطوا أعداءكم الخيل، أي ارتبطوها كما يرتبطها أعداؤكم، ومنه قوله عز وجل : ومن رباط الخيل [(٢)](#foonote-٢)، وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة[(٣)](#foonote-٣)، وقد كتب إليه يذكر جموع الروم، فكتب إليه عمر : أما بعد، فإنه مهما نزل بعبد مؤمن شدة، جعل الله بعدها فرجاً، ولن يغلب عسر يسرين[(٤)](#foonote-٤)، وأن الله تعالى يقول في كتابه : يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا  الآية، وقد قال أبو سلمة بن عبد الرحمن[(٥)](#foonote-٥) : هذه الآية هي في انتظار الصلاة بعد الصلاة، ولم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه، واحتج بحديث علي بن أبي طالب وجابر بن عبد الله وأبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( ألا أدلكم على ما يحط الله به الخطايا ويرفع به الدرجات ؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط )[(٦)](#foonote-٦). 
**قال القاضي أبو محمد رحمه الله :**
والقول الصحيح هو أن الرباط هو الملازمة في سبيل الله أصلها من ربط الخيل، ثم سمي كل ملازم لثغر من ثغور الإسلام مرابطاً، فارساً كان أو راجلاً، واللفظة مأخوذة من الربط، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : فذلك الرباط إنما هو تشبيه بالرباط في سبيل الله، إذ انتظار الصلاة إنما هو سبيل من السبل المنجية، والرباط اللغوي هو الأول، وهذا كقوله :( ليس الشديد بالصرعة )[(٧)](#foonote-٧) : كقوله :( ليس المسكين بهذا الطواف ) [(٨)](#foonote-٨) إلى غير ذلك من الأمثلة، والمرابط في سبيل الله عند الفقهاء : هو الذي يشخص إلى ثغر من الثغور ليرابط فيه مدة ما، قاله ابن المواز ورواه، فأما سكان الثغور دائماً بأهليهم الذي يعتمرون ويكتسبون هنالك، وإن كانوا حماة فليسوا بمرابطين[(٩)](#foonote-٩). 
وقوله : لعلكم تفلحون  ترجّ في حق البشر.

١ - أخرجه القضاعي عن ابن عمر وعن ابن عباس، "وهو ضعيف"، "الجامع الصغير" ١/٣٦٦..
٢ - من الآية (٦٠) من سورة الأنفال..
٣ - هو أبو عبيدة بن الجراح: عامر بن عبد الله بن الجراح القرشي الفهري، مشهور بكنيته، أحد العشرة السابقين إلى الإسلام، هاجر الهجرتين، وشهد بدرا وما بعدها، أرسله صلى الله عليه وسلم مع وفد اليمن ليعلمهم دينهم، وكان فتح أكثر الشام على يده، آخى صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن معاذ، وكان أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال فيه: (لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة). توفي سنة: ١٨ (الإصابة ٢/٢٥٢)..
٤ - أخرجه الحاكم في مستدركه عن الحسن مرسلا، وهو حسن، (الجامع الصغير ٢/٣٦٤)..
٥ - هو أبو سلمة بن عبد الرحمان بن عوف الزهري المدني الحافظ، اسمه كنيته، وقيل: اسمه عبد الله، من كبار أئمة التابعين، غزير العلم، ثقة، كان يتفقه ويناظر ابن عباس ويراجعه، روى عن أبيه يسيرا وعن عثمان، وأبي قتادة، وعائشة، وأبي هريرة، وغيرهم، وروى عنه سالم أبو النضر، وأبو الزناد، والزهري، ويحيى بن سعيد، وغيرهم، توفي سنة ٩٤، وقيل: ١٠٤..
٦ - أخرجه ابن المبارك، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في "شعب الإيمان" من طريق داود قال: قال أبو سلمة. وأخرجه ابن مردويه من وجه آخر عن أبي أيوب وعن أبي سلمة. وأخرجه ابن جرير وابن حبان عن جابر. وأخرجه ابن جرير كذلك عن علي. وأخرجه مالك والشافعي وعبد الرزاق وأحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن أبي حاتم عن أبي هريرة، (الدر المنثور ٢/١١٤. وابن كثير ١/٤٤٤)..
٧ - أخرجه الإمام أحمد في مسنده، والبخاري، ومسلم عن أبي هريرة، وهو صحيح. (الجامع الصغير ٢/ ٣٨٨)..
٨ - أخرجه الإمام أحمد في مسنده، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي عن أبي هريرة، وهو صحيح، (الجامع الصغير ٢/ ٣٨٩)..
٩ - وردت أحاديث صحيحة عن الرسول صلى الله عليه وسلم في فضل المرابطة في ثغور المسلمين، وحمايتها من الكفار- فقد روى البخاري (٦/٦٣) عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها). وروى الإمام أحمد عن فضالة بن عبيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطا في سبيل الله، فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة، ويأمن فتنة القبر). ورواه أبو داود والترمذي وقال الترمذي: حسن صحيح..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/3.md)
- [كل تفاسير سورة آل عمران
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/3.md)
- [ترجمات سورة آل عمران
](https://quranpedia.net/translations/3.md)
- [صفحة الكتاب: المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز](https://quranpedia.net/book/350.md)
- [المؤلف: ابن عطية](https://quranpedia.net/person/4644.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/3/book/350) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
