---
title: "تفسير سورة آل عمران - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/3/book/37.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/3/book/37"
surah_id: "3"
book_id: "37"
book_name: "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم"
author: "أبو السعود"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة آل عمران - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/3/book/37)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة آل عمران - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود — https://quranpedia.net/surah/1/3/book/37*.

Tafsir of Surah آل عمران from "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم" by أبو السعود.

### الآية 3:1

> الم [3:1]

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم

 الم   الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ  قد سلف أن ما لا تكون من هذه الفواتح مفردةً - كصاد وقاف ونون ولا موازِنةً لمفردٍ - كحاميم وطاسين وياسين الموازنةِ لقابيلَ وهابيلَ وكطاسين ميم الموازنةِ 'دارابْجِرْد' حسبما ذكره سيبويهِ في الكتابِ فطريقُ التلفظ بها الحكايةُ فقط، ساكنةُ الأعجاز على الوقف سواءٌ جُعلت أسماءً أو مسرودةً على نمط التعديد وإن لزِمها التقاءُ الساكنين لما أنه مغتفرٌ في باب الوقف قطعاً فحقُّ هذه الفاتحة أن يوقفَ عليها ثم يُبدأ بما بعدها كما فعله أبو بكر رضي الله عنه، روايةٌ عن عاصم وأما ما فيها من الفتح على القراءة المشهورةِ فإنما هي حركةُ همزة الجلالة ألقيت على الميم لتدل على ثبوتها إذ ليس إسقاطُها للدرج بل للتخفيف، فهي ببقاء حركتها في حكم الثابتِ المبتدَإِ به، والميمُ - بكون الحركةِ لغيرها - في حكم الوقف على السكون دون الحركة كما توهم، واعتُرض بأنه غيرُ معهود في الكلام، وقيل : هي حركةٌ لالتقاء السواكن التي هي الياء والميم ولام الجلالة بعد سقوطِ همزتها، وأنت خبير بأن سقوطَها مبنيٌّ على وقوعها في الدرْج، وقد عرفت أن سكونَ الميمِ وقفٌ موجبٌ لانقطاعها عما بعدها مستدعٍ لثبات الهمزةِ على حالها لا كما في الحروف والأسماءِ المبنيةِ على السكون فإن حقَّها الاتصالُ بما بعدها وضعاً واستعمالاً فتسقطُ بها همزةُ الوصلِ وتُحرَّك أعجازُها لالتقاء الساكنين، ثم إن جُعلت مسرودةً على نمط التعديد فلا محل لها من الإعراب كسائر الفواتح، وإن جُعلت اسماً للسورة فمحلُها إما الرفعُ على أنها خبرُ مبتدإٍ محذوف، وإما النصبُ على إضمار فعلٍ يليقُ بالمقام كاذكر أو اقرأ أو نحوِهما، وأما الرفعُ بالابتداء أو النصبُ بتقدير فعلِ القسم، أو الجرُّ بتقدير حرفِه فلا مساغَ لشيء منها لما أن ما بعدها غيرُ صالح للخبرية ولا للإقسامِ عليه فإن الاسم الجليلَ مبتدأٌ، وما بعده خبرُه، والجملةُ مستأنفة أي هو المستحقُّ للمعبودية لا غيرُ.

### الآية 3:2

> ﻿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [3:2]

وقوله عز وجل : الحي القيوم  خبرٌ آخرُ له، أو لمبتدإٍ محذوف أي هو الحي القيومُ لا غيرُه، وقيل : هو صفةٌ للمبتدأ أو بدلٌ منه أو من الخبر الأول أو هو الخبر، وما قبله اعتراضٌ بين المبتدأ والخبر، مقرِّر لما يُفيده الاسمُ الجليلُ أو حال منه وأياً ما كان فهو كالدليل على اختصاص استحقاقِ المعبودية به سبحانه وتعالى لما مر من أن معنى الحيِّ : الباقي : الذي لا سبيل عليه للموت والفناء، ومعنى القيوم : الدائمُ القيام بتدبير الخلق وحفظِه، ومن ضرورة اختصاصِ ذينك الوصفين به تعالى اختصاصُ استحقاقِ المعبودية به تعالى لاستحالة تحققِه بدونهما. وقد روي أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال :" اسمُ الله الأعظمِ في ثلاث سور : في سورة البقرة  الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم  وفي آل عمران  ألم الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم  وفي طه  وَعَنَتِ الوجوه لِلْحَيّ القيوم  " وروي أن بني إسرائيلَ سألوا موسى عليه السلام عن اسم الله الأعظم قال : الحي القيوم  ويروى أن عيسى عليه السلام كان إذا أراد إحياء الموتى يدعو يا حي يا قيوم ويقال : إن آصفَ بنَ برخيا حين أراد أن يأتيَ بعرش بِلْقيس دعا بذلك وقرئ  الحيُّ القيّام  \[ آل عمران، الآية : ٢ \]، وهذا رد على من زعم أن عيسى عليه السلام كان رباً فإنه روي أن وفدَ نجرانَ قدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا ستين راكباً فيهم أربعةَ عشرَ رجلاً من أشرافهم، ثلاثةٌ منهم أكابرُ إليهم يؤولُ أمرُهم، أحدُهم أميرُهم وصاحبُ مشورتهم العاقبُ، واسمُه عبدُ المسيحِ وثانيهم وزيرُهم ومشيرُهم السيد واسمُهُ الأيهم، وثالثهم حَبرُهم وأُسْقفُهم وصاحبُ مِدْارَسِهِمْ أبو حارثةَ بنُ عَلْقمةَ أحدُ بني بَكْرِ بنِ وائلٍ وقد كان ملوكُ الرومِ شرّفوه وموّلوه وأكرموه لما شاهدوا من علمه واجتهاده في دينهم وبنَوْا له كنائسَ فلما خرجوا من نجرانَ ركِب أبو حارثة بغلته وكان أخوه كُرْزُ بنُ علقمةَ إلى جنبه فبينا بَغْلةُ أبي حارثةَ تسير إذ عثَرت فقال كُرْزٌ : تعساً للأبعد، يريد به رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال له أبو حارثة : بل تَعِسَتْ أمُّك فقال كُرْزٌ : ولمَ يا أخي قال : إنه والله النبيُّ الذي كنا ننتظره فقال له كُرز : فما يمنعُك عنه وأنت تعلم هذا ؟ قال : لأن هؤلاءِ الملوكَ أعطَوْنا أموالاً كثيرةً وأكرمونا، فلو آمنا به لأخذوها منا كلَّها، فوقع ذلك في قلب كرزٍ وأضمره إلى أن أسلم فكان يُحدِّث بذلك. فأتَوا المدينةَ ثم دخلوا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلاة العصر عليهم ثيابُ الحِبَراتِ جُبَبٌ وأرديةٌ فاخرة يقول بعضُ من رآهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : ما رأينا وفداً مثلَهم، وقد حانت صلاتُهم فقاموا ليصلوا في المسجد فقال عليه السلام :**«دعُوهم »** فصلَّوا إلى المشرق. ثم تكلم أولئك الثلاثةُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : تارةً عيسى هو الله لأنه كان يُحيي الموتى ويُبرِئُ الأكمهَ ويُخبرُ بالغيوب ويخلُق من الطين كهيئة الطير فينفُخُ فيه فيطير، وتارة أخرى هو ابنُ الله إذ لم يكن له أبٌ يُعْلَم وتارة أخرى إنه ثالثُ ثلاثةٍ لقوله تعالى : فَعَلْنَا وَقُلْنَا ولو كان واحداً لقال : فعلت وقلت فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أسلموا " قالوا : أسلمنا قبلك، قال عليه السلام :" كذبتم يمنعُكم من الإسلام دعاؤكم لله تعالى ولداً " قالوا : إن لم يكن ولداً لله فمن أبوهُ ؟ فقال عليه السلام :**« ألستم تعلمون أنه لا يكون ولدٌ إلا ويُشبِهُ أباه ؟ »** فقالوا : بلى، قال :**« ألستم تعلمون أن ربنا حيٌّ لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء ؟ »** قالوا : بلى، قال عليه السلام :**« ألستم تعلمون أن ربنا قيّومٌ على كل شيء يحفَظُه ويرزُقُه ؟ »** قالوا : بلى، قال عليه السلام :**« فهل يملِك عيسى من ذلك شيئاً ؟ »** قالوا : لا، فقال عليه السلام :**« ألستم تعلمون أن الله تعالى لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء ؟ »** قالوا : بلى، قال عليه السلام :**« فهل يعلمُ عيسى من ذلك إلا ما علِم ؟ »** قالوا : بلى، قال عليه السلام :**« ألستم تعلمون أن ربنا صوَّر عيسى في الرحِم كيف شاء وأن ربنا لا يأكلُ ولا يشرب ولا يُحْدِث ؟ »** قالوا : بلى، قال عليه السلام :**« ألستم تعلمون أن عيسى حملتْه أمُه كما تحمِل المرأة ووضعته كما تضع المرأةُ ولدها ثم غُذّي كما يُغذَّى الصبيُّ ثم كان يطعَم الطعامَ ويشرَبُ الشراب ويُحْدِثُ الحدث ؟ »** قالوا : بلى، قال عليه السلام :**« فكيف يكون هذا كما زعمتم ؟ »** فسكتوا وأبَوا إلا جحوداً فأنزل الله عز وجل من أول السورة إلى نيِّفٍ وثمانين آيةً تقريراً لما احتج به عليه السلام عليهم وأجاب به عن شُبَهِهم وتحقيقاً للحق الذي فيه يمترون.

### الآية 3:3

> ﻿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ [3:3]

نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتاب  أي القرآنَ، عبّر عنه باسم الجنس إيذاناً بكمال تفوُّقه على بقية الأفراد في حيازة كمالاتِ الجنس كأنه هو الحقيقُ بأن يُطلَقَ عليه اسمُ الكتاب دون ما عداه كما يلوح به التصريحُ باسمي التوراةِ والإنجيل، وصيغة التفعيلِ للدَلالة على التفخيم، وتقديمُ الظرف على المفعول لما مر من الاعتناءِ بالمقدم والتشويقِ إلى المؤخَّر، والجملة إما مستأنفةٌ أو خبرٌ آخرُ عن الاسمِ الجليل أو هي الخبر، وقولُه تعالى : لاَ إله إِلاَّ هُوَ  اعتراض أو حال، وقوله عز وجل : الحي القيوم  \[ آل عمران، الآية : ٢ \] صفةٌ أو بدلٌ كما مر، وقرئ نَزَلَ عليك الكتابُ بالتخفيف ورفعِ الكتاب، فالظاهرُ حينئذ أن تكونَ مستأنفةٌ وقيل : يجوزُ كونُها خبراً بحذف العائد أي نزَل الكتابُ من عنده  بالحق  حال من الفاعل أو المفعول أي نزّله مُحِقاً في تنزيله على ما هو عليه أو ملتبساً بالعدل في أحكامه أو بالصدق في أخباره التي من جملتها خبرُ التوحيد وما يليه، وفي وعده ووعيدِه أو بما يحقِّق أنه من عند الله تعالى من الحجج البينة  مُصَدّقاً  حال من الكتاب بالاتفاق على تقدير كون قولِه تعالى : بالحق  \[ آل عمران، الآية : ٣ \] حالاً من فاعل نزّل، وأما على تقدير حاليته من الكتاب فهو عند من يجوِّز تعددَ الحال بلا عطف ولا بدلية حالٌ منه بعد حال، وأما عند من يمنعه فقد قيل : إنه حالٌ من محل الحال الأولى على البدلية وقيل : من المستكنّ في الجار والمجرور، لأنه حينئذ يتحمّل ضميراً لقيامه مقامَ عاملِه المتحمّل له فيكون حالاً متداخلةً، وعلى كل حال فهي حالٌ مؤكدة، وفائدةُ تقييدِ التنزيل بها حثُّ أهلِ الكتابين على الإيمان بالمُنَزّل وتنبيهُهم على وجوبه فإن الإيمانَ بالمصدَّق موجبٌ للإيمان بما يصدِّقه حتماً  لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ  مفعول لمصدقاً واللامُ دِعامةٌ لتقوية العمل نحوُ  فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ  \[ هود، الآية ١٠٧. وسورة البروج، الآية ١٦ \] أي مصدقاً لما قبله من الكتب السالفةِ وفيه إيماءٌ إلى حضورها وكمال ظهورِ أمرِها بين الناس، وتصديقُه إياها في الدعوة إلى الإيمان والتوحيد وتنزيهُ الله عز وجل عما لا يليق بشأنه الجليل والأمرُ بالعدل والإحسان وكذا في أنباء الأنبياءِ والأممِ الخالية وكذا في نزوله على النعت المذكور فيها وكذا في الشرائع التي لا تختلف باختلاف الأممِ والأعصار ظاهرٌ لا ريب فيه أي خبر تصديقه لا ريب فيه وأما في الشرائع المختلفة باختلافهما فمن حيث أن أحكامَ كل واحد منها واردةٌ حسبما تقتضيه الحِكمةُ التشريعية بالنسبة إلى خصوصيات الأمم المكلفةِ بها مشتملةٌ على المصالح اللائقةِ بشأنهم. 
 وَأَنزَلَ التوراة والإنجيل  تعيينٌ لما بين يديه وتبيينٌ لرفعة محلِّه تأكيداً لما قبله وتمهيداً لما بعده إذ بذلك يترقى شأنُ ما يصدّقه رفعةً ونباهةً ويزداد في القلوب قبولاً ومهابةً ويتفاحش حالُ من كفرَ بهما في الشناعة واستتباعِ ما سيذكر من العذاب الشديد والانتقام، أي أنزلهما جملةً على موسى وعيسى عليهما السلام وإنما لم يُذكرا لأن الكلام في الكتابين لا فيمن أنزِلا عليه وهما اسمان أعجميانِ الأولُ عِبري والثاني سرياني ويعضُده القراءةُ بفتح همزةِ الإنجيل فإن إفعيل ليس من أبنية العربِ، والتصدي لاشتقاقهما من الورى والنجْل تعسفٌ.

### الآية 3:4

> ﻿مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ ۗ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [3:4]

مِن قَبْلُ  متعلق بأنزل أي أنزلهما من قبل تنزيلِ الكتاب، والتصريحُ به مع ظهور الأمر للمبالغة في البيان  هُدًى لّلنَّاسِ  في حيز النصب على أنه عِلة للإنزال أي أنزلها لهداية الناس أو على أنه حالٌ منهما أي أنزلهما حالَ كونهما هدى لهم، والإفرادُ لما أنه مصدر، جُعلا نفسَ الهدى مبالغةً أو حذف منه المضاف أي ذوَيْ هدى، ثم إنْ أريد هدايتهما بجميع ما فيهما من حيث هو جميع، فالمراد بالناس الأمم الماضية من حين نزولها إلى زمان نسخِهما، وإن أريد هدايتُهما على الإطلاق وهو الأنسبُ بالمقام فالناسُ على عمومه لما أن هدايتهما بما عدا الشرائعَ المنسوخةَ من الأمور التي يصدّقهما القرآن فيها - ومن جملتها البشارةُ بنزوله وبمبعث النبي صلى الله عليه وسلم - تعمُّ الناس قاطبة. 
 وَأَنزَلَ الفرقان  الفرقانُ في الأصل مصدرٌ كالغفران أُطلق على الفاعل مبالغة والمرادُ به هاهنا إما جنسُ الكتبِ الإلهية عُبِّر عنها بوصف شامل لما ذُكر منها وما لم يُذكر على طريق التتميم بالتعميم إثرَ تخصيصِ بعضِ مشاهيرها بالذكر كما في قوله عز وجل : فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً  إلى قوله تعالى : وفاكهة  \[ عبس، الآيات ٢٧- ٣١ \] وإما نفسُ الكتبِ المذكورة أعيد ذكرها بوصف خاص لم يُذكر فما سبق، على طريقة العطفِ بتكرير لفظِ الإنزال تنزيلاً للتغايُر الوصفي منزلةَ التغايُر الذاتي كما في قوله سبحانه : وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا والذين آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ  \[ هود، الآية ٥٨ \] وأما الزبورُ فإنه مشتمِلٌ على المواعظ الفارقة بين الحقِّ والباطِلِ الداعية إلى الخير والرشاد الزاجرةِ عن الشر والفساد، وتقديمُ الإنجيل عليه مع تأخره عنه نزولاً لقوة مناسبته للتوراة في الاشتمال على الأحكام والشرائع وشيوعِ اقرانِهما في الذكر وأما القُرآنُ نفسُه فذُكر بنعت مادحٍ له بعد ما ذكر باسم الجنس تعظيماً لشأنه ورفعاً لمكانه وقد بُين أولاً تنزيلُه التدريجيُّ إلى الأرض وثانياً إنزالُه الدفعيّ إلى السماء الدنيا أو أريد بالإنزال القدْرُ المشترك العاري عن قيد التدريج وعدمِه، وإما المعجزاتُ المقرونةُ بإنزال الكتبِ المذكورة الفارقة بين المُحقِّ والمُبْطل  إِنَّ الذين كَفَرُواْ بآيات الله  وُضع \[ الموصول \] موضِعَ الضميرِ العائد إلى ما فُصل من الكتب المنزلة أو منها ومن المعجزات وآيات مضافةً إلى الاسم الجليل تعييناً لحيثية كفرِهم وتهويلاً لأمرهم وتأكيداً لاستحقاقهم العذابَ الشديد وإيذاناً بأن ذلك الاستحقاقَ لا يشترط فيه الكفرُ بالكل بل يكفي فيه الكفرُ ببعضٍ منها، والمرادُ بالموصول إما أهلُ الكتابين وهو الأنسبُ بمقام المُحاجةِ معهم أو جنسُ الكفَرة وهم داخلون فيه دخولاً أولياً أي إن الذين كفروا بما ذُكر من آيات الله الناطقةِ بالحق لاسيما بتوحيده تعالى وتنزيهِه عما لا يليق بشأنه الجليل كُلاًّ أو بعضاً مع ما بها من النعوت الموجبةِ للإيمان بها بأن كذبوا بالقرآن أصالةً، وبسائر الكتُب الإلهية تبعاً، لما أن تكذيبَ المصدق موجب لتكذيب ما يصدِّقُه حتماً وأصالة أيضاً بأن كذبوا بآياتها الناطقةِ بالتوحيد والتنزيه وآياتها المبشرة بنزولِ القرآن ومبعث النبي صلى الله عليه وسلم وغيّروها  لَهُمْ  بسبب كفرهم بها  عَذَاب  مرتفعٌ إما على الفاعلية من الجار والمجرور أو على الابتداء، والجملة خبرُ إن، والتنوينُ للتفخيم أي أيُّ عذاب  شَدِيدٍ  لا يقادَر قدرُه وهو وعيد جيء به إثرَ تقريرِ أمرِ التوحيد الذاتي والوصفي والإشارةِ إلى ما ينطِقُ بذلك من الكتب الإلهية حملاً على القبول والإذعان وزجراً عن الكفر والعصيان. 
 والله عَزِيزٌ  لا يغالَب يفعل ما يشاء ويحكُم ما يريد  ذُو انتقام  عظيم خارجٍ عن أفراد جنسه، وهو افتعال من النِقْمة وهي السطوةُ والتسلطُ يقال : انتقم منه إذا عاقبه بجنايته، والجملةُ اعتراضٌ تذييليٌّ مقررٌ للوعيد ومؤكد له.

### الآية 3:5

> ﻿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ [3:5]

إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شيء فِي الأرض وَلاَ فِي السماء  استئنافُ كلامٍ سيق لبيان سعةِ علمِه تعالى وإحاطتِه بجميع ما في العالم من الأشياء التي من جملتها ما صدر عنهم من الكفر والفسوقِ سراً وجهراً إثرَ بيانِ كمالِ قدرتِه وعزته، تربيةً لما قبله من الوعيد وتنبيهاً على أن الوقوفَ على بعض المغيبات كما كان في عيسى عليه السلام بمعزل من بلوغ رتبةِ الصفاتِ الإلهية وإنما عُبّر عن علمه عز وجل بما ذُكر بعدم خفائِه عليه كما في قوله سبحانه : وَمَا يخفى عَلَى الله مِن شيء فَي الأرض وَلاَ فِي السماء  \[ إبراهيم، الآية ٣٨ \] إيذاناً بأن علمَه تعالى بمعلوماته وإن كانت في أقصى الغايات الخفيةِ ليس من شأنه أن يكون على وجهُ يمكن أن يقارِنه شائبةُ خفاءٍ بوجه من الوجوه كما في علوم المخلوقين، بل هو غاية في الوضوحِ والجلاءِ، والجملةُ المنفيةُ خبرٍ لإن وتكريرُ الإسنادِ لتقوية الحُكم، وكلمة ( في ) متعلقة بمحذوف وقع صفةً لشيء مؤكدة لعمومه المستفاد من وقوعه في سياق النفي أي لا يخفى عليه شيء ما كائنٌ في الأرض ولا في السماء أعم من أن يكون ذلك بطريق الاستقرار فيهما أو الجزئية منهما وقيل : متعلقة بيخفى وإنما عبر بهما عن كل العالم لأنهما قُطراه، وتقديمُ الأرض على السماء لإظهار الاعتناء بشأن أحوالِ أهلِها، وتوسيطُ حرف النفي بينهما للدَلالة على الترقي من الأدنى إلى الأعلى باعتبار القربِ والبعد منا المستدعِيَين للتفاوت بالنسبة إلى علومنا.

### الآية 3:6

> ﻿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [3:6]

وقوله عز وجل : هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاء  جملة مستأنفةٌ ناطقةٌ ببعض أحكام قيّومَّيتِه تعالى وجَرَيانِ أحوالِ الخلق في أطوار الوجودِ حسب مشيئتِه المبنيةِ على الحِكْمة البالغةِ مقرِّرةٌ لكمال علمِه مع زيادة بيانٍ لتعلقه بالأشياء قبل دخولِها تحت الوجود ضرورةَ وجوبِ علمِه تعالى بالصور المختلفة المترتبة على التصوير المترتِّب على المشيئة قبل تحقّقِها بمراتب، وكلمةُ في متعلقةٌ بيصوِّركم، أو بمحذوف وقع حالاً من ضمير المفعول أي يصوركم وأنتم في الأرحام مُضَغٌ، وكيف معمول ليشاءُ والجملةُ في محل النصب على الحالية إما من فاعل يصوركم أي يصورُكم كائناً على مشيئته تعالى أي مُريداً أو من مفعوله أي يصوركم كائنين على مشيئته تعالى تابعين لها في قَبول الأحوالِ المتغايرة من كونكم نُطفاً ثم عَلَقاً ثم مُضَغاً غيرَ مخلّقة ثم مُخلّقة، وفي الاتصاف بالصفات المختلفةِ من الذكورة والأنوثة والحُسن والقُبح وغير ذلك من الصفات وفيه من الدلالة على بطلان زعْم من زَعَم ربوبيةَ عيسى عليه السلام وهو من جملة أبناءِ النواسيتِ المتقلّبين في هذه الأطوار على مشيئة الباري عز وجل وكمالِ ركاكةِ عقولِهم ما لا يخفى وقرئ تَصَوَّركم على صيغة الماضي من التفعل أي صوّركم لنفسه وعبادتِه  لاَ إله إِلاَّ هُوَ  إذ لا يتصف بشيء مما ذُكر من الشؤون العظيمةِ الخاصةِ بالألوهية أحدٌ ليُتَوهَّم ألوهيتُه  العزيز الحكيم  المتناهي في القدرة والحِكمة لذلك يخلقُكم على ما ذكر من النمط البديع.

### الآية 3:7

> ﻿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [3:7]

هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب  شروعٌ في إبطال شُبَهِهم الناشئةِ عما نَطَق به القرآن في نعت عيسى عليه السلام بطريق الاستئناف إثرَ بيان اختصاصِ الربوبية ومناطِها به سبحانه وتعالى تارةً بعد أخرى وكونِ كل مَنْ عداه مقهوراً تحت مَلَكوته تابعاً لمشيئته. قيل : إن وفدَ نجرانَ قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ألست تزعُم يا محمد أن عيسى كلمةُ الله وروح منه ؟ قال عليه السلام :**«بلى »** قالوا : فحسبُنا ذلك. فنعى عليهم زيغَهم وفتنتَهم وبيّن أن الكتابَ مؤسسٌ على أصول رصينةٍ وفروعٍ مَبْنية عليها ناطقةٍ بالحق قاضيةٍ ببطلان ما هم عليه من الضلال، والمرادُ بالإنزال القدرُ المشتركُ المجرَّدُ عن الدِلالة على قيد التدريج وعدمِه، ولامُ الكتاب للعهد، وتقديمُ الظرف عليه لما أشير إليه فيما قبل من الاعتناءِ بشأن بشارتِه عليه السلام بتشريف الإنزال عليه ومن التشويق إلى ما أُنزل، فإن النفسَ عند تأخير ما حقُّه التقديمُ - لاسيما بعد الإشعار برفعة شأنِه أو بمنفعته - تبقى مترقبةً له فيتمكن لديها عند ورودِه عليها فضلُ تمكُّنٍ وليتصل به تقسيمه إلى قسميه  مِنْهُ آيات  الظرفُ خبر، وآياتٌ مبتدأ أو بالعكس بتأويل مر تحقيقه في قوله تعالى : وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ  \[ البقرة، الآية ٨ \] الآية، والأولُ أوفقُ بقواعد الصناعة، والثاني أدخلُ في جزالة المعنى إذ المقصودُ الأصليّ انقسامُ الكتاب إلى القسمين المعهودين لا كونُهما من الكتاب فتذكّرْ، والجملة مستأنفة في حيز النصب على الحالية من الكتاب أي هو الذي أنزل الكتابَ كائناً على هذه الحال منقسماً إلى مُحْكَمٍ ومتشابهٍ أو الظرفُ هو الحال وحدَه وآياتٌ مرتفعٌ به على الفاعلية  محكمات  صفةُ آياتٌ أي قطعيةُ الدِلالة على المعنى المراد، مُحْكمةُ العبارةِ محفوظةٌ من الاحتمال والاشتباه  هُنَّ أُمُّ الكتاب  أي أصلٌ فيه وعُمدةٌ يُردُّ إليها غيرُها فالمرادُ بالكتابِ كلُّه، والإضافة بمعنى في كما في واحد العشرةِ لا بمعنى اللام فإن ذلك يؤدي إلى كون الكتاب عبارةً عما عدا المحكماتِ، والجملةُ إما صفةٌ لما قبلها أو مستأنفةٌ وإنما أفرد الأم مع تعدد الآيات لما أن المراد بيانُ أصليةِ كل واحدةٍ منها أو بيانُ أن الكل بمنزلة آية واحدة كما في قوله تعالى : وجعلناها وابنها آيَةً للعالمين  \[ الأنبياء، الآية ٩١ \] وقيل : اكتُفيَ بالمفرد عن الجمع كما في قول الشاعر :\[ الطويل \]بها جِيَفُ الحسْرى فأما عظامُها  فبِيضٌ وأما جِلْدُها فصَليبُ[(١)](#foonote-١)أي وأما جلودها  وَأُخَرَ  نعتُ المحذوف معطوفٌ على آياتٌ أي وآياتٌ أخَرُ وهي جمع أخرى، وإنما لم ينصَرِفْ لأنه وصف معدول عن الآخِر أو عن آخر من  متشابهات  صفة لأخَرُ وفي الحقيقة صفةٌ للمحذوف أي محتمِلاتٌ لمعانٍ متشابهة لا يمتاز بعضها عن بعض في استحقاق الإرادة بها ولا يتضح الأمرُ إلا بالنظر الدقيق والتأملِ الأنيق، فالتشابه في الحقيقة وصفٌ لتلك المعاني وُصف به الآياتُ على طريقة وصف الدالِّ بوصف المدلول، وقيل : لما كان من شأن الأمور المتشابهة أن يعجِزَ العقل عن التمييز بينها سُمِّي كل ما لا يهتدي إليه العقل متشابهاً وإن لم يكن ذلك بسبب التشابه كما أن المُشكِل في الأصل ما دخل في أشكاله وأمثاله ولم يُعلم بعينه، ثم أطلق على كل غامض وإن لم يكن غموضُه من تلك الجهة، وإنما جعل ذلك كذلك ليظهر فضلُ العلماء ويزدادَ حِرصهم على الاجتهاد في تدبرها وتحصيل العلوم التي نيط بها استنباطُ ما أريد بها من الأحكام الحقة فينالوا بها وبإتعاب القرائح في استخراج مقاصدِها الرائقة ومعانيها اللائقة المدارجَ العالية ويعرِّجوا بالتوفيق بينها وبين المُحْكمات من اليقين والاطمئنان إلى المعارج القاصيةِ، وأما قولُه عز وجل : الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آياته  \[ هود، الآية ١ \] فمعناه أنها حُفِظت من اعتراء الخلل أو من النسخ، أو أُيِّدت بالحُجج القاطعةِ الدالةِ على حقِّيتها أو جُعلت حكيمةً لانطوائها على جلائل الحِكَم البالغةِ ودقائقِها، وقوله تعالى : كتابا متشابها مَّثَانِيَ  \[ الزمر، الآية ٢٣ \] معناه متشابهُ الأجزاء أي يشبه بعضُها بعضاً في صحة المعنى وجزالةِ النظم وحقية المدلول. 
 فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ  أي ميلٌ عن الحق إلى الأهواء الباطلة. قال الراغبُ : الزيغُ الميلُ عن الاستقامة إلى أحد الجانبين، وفي جعل قلوبهم مقراً للزيغ مبالغةٌ في عدولهم عن سَنن الرشاد وإصرارِهم على الشر والفساد  فَيَتَّبِعُونَ مَا تشابه مِنْهُ  مُعْرضين عن المُحْكمات أي يتعلقون بظاهر المتشابه من الكتاب أو بتأويل باطلٍ لا تحرِّياً للحق بعد الإيمان بكونه من عند الله تعالى بل  ابتغاء الفتنة  أي طلبَ أن يفتِنوا الناسَ عن دينهم بالتشكيك والتلبيس ومناقضةِ المُحكم بالمتشابه كما نُقل عن الوفد  وابتغاء تَأْوِيلِهِ  أي وطلبَ أن يؤوّلوه حسبما يشتهونه من التأويلات الزائغةِ والحال أنهم بمعزل من تلك الرتبة وذلك قوله عز وجل : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله والراسخون فِي العلم  فإنه حالٌ من ضمير  فَيَتَّبِعُونَ  باعتبار العلة الأخيرة أي يتّبعون المتشابهِ لابتغاء تأويلِه والحالُ أنه مخصوصٌ به تعالى وبمن وفّقه له من عباده الراسخين في العلم أي الذين ثبَتوا وتمكّنوا فيه ولم يتزلزلوا في مزالِّ الأقدام، وفي تعليل الاتّباعِ بابتغاء تأويلِه دون نفسِ تأويلِه وتجريدِ التأويل عن الوصف بالصحة أو الحقية إيذانٌ بأنهم ليسوا من التأويل في شيء وأن ما يبتغونه ليس بتأويل أصلاً لا أنه تأويلٌ غيرُ صحيح قد يُعذر صاحبه، ومن وقف على  إِلاَّ الله  فسّر المتشابهَ بما استأثر الله عز وعلا بعلمه كمدة بقاءِ الدنيا ووقتِ قيام الساعة وخواصِّ الأعداد كعدد الزبانية أو بما دل القاطعُ على عدم إرادة ظاهرِه ولم يدل على ما هو المراد به. 
 يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ  أي بالمتشابه، وعدمُ التعرُّض لإيمانهم بالمُحْكم لظهوره، أو بالكتاب والجملة على الأول استئنافٌ موضِّحٌ لحال الراسخين أو حال منه وعلى الثاني خبر لقوله تعالى : والراسخون  وقوله تعالى : كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا  من تمام المَقول مقرِّر لما قبله ومؤكِّد له أي كلُّ واحدٍ منه ومن المحكم، أو كلُّ واحدٍ من متشابهه ومحكَمِه منزلٌ من عنده تعالى لا مخالفةَ بينهما، أو آمنا به وبحقيته على مراده تعالى  وَمَا يَذَّكَّرُ  حقَّ التذكر  إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب  أي العقولِ الخاصةِ عن الركون إلى الأهواء الزائغةِ وهو تذييلٌ سيق من جهته تعالى مدحاً للراسخين بجَوْدة الذهن وحسنِ النظر وإشارةً إلى ما به استعدوا للاهتداء إلى تأويله من تجرد العقلِ عن غواشي الحِسِّ، وتعلقُ الآيةِ الكريمة بما قبلها من حيث إنها جوابٌ عما تشبّث به النصارى من نحو قوله تعالى :
 وَكَلِمَتُهُ ألقاها إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مّنْهُ  \[ النساء، الآية ١٧١ \] على وجه الإجمال وسيجيء الجوابُ المفصل بقوله تعالى : إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ  \[ آل عمران، الآية ٥٩ \]. 
١ وهو لعلقمة الفحل في ديوانه ص ٤٠ وخزانة الأدب ٧/٥٥٩ وشرح أبيات سيبويه ١/١٣٤ وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٣٥٠ والشاهد فيه قوله: "جلدها" وهو مفرد أريد به الجمع أي جلودها..

### الآية 3:8

> ﻿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [3:8]

رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا  من تمام مقالةِ الراسِخين أي لا تُزِغْ قلوبَنا عن نهج الحقِّ إلى اتباع المتشابهِ بتأويلٍ لا ترتضيه، قال صلى الله عليه وسلم :**« قلبُ ابن آدمَ بين أصْبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه على الحقّ وإن شاء أزاغه عنه »** وقيل : معناه لا تَبْلُنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا  بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا  أي إلى الحق والتأويل الصحيح أو إلى الإيمان بالقسمين وبعد نُصبَ بلا تزِغ على الظرف وإذْ في محل الجر بإضافته إليه خارجٌ من الظرفية أي بعد وقت هدايتِك إيانا وقيل : إنه بمعنى أنْ  وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ  كِلا الجارّين متعلقٌ بهَبْ وتقديم الأول لما مر مراراً ويجوز تعلّقُ الثاني بمحذوف هو حالٌ من المفعول أي كائنة من لدنك ومن لابتداء الغاية المجازية ولدُنْ في الأصل ظرف بمعنى أولُ غايةِ زمانٍ أو مكان أو غيرِهما من الذوات نحوُ من لدُنْ زيدٍ وليست مرادفةً لعند إذ قد تكون فضلة، وكذا لدى، وبعضُهم يخُصُّها بظرف المكان وتضاف إلى صريح الزمان كما في قوله :\[ الرجز \]
تنتفضُ الرّعدةُ في ظُهَيْري \*\*\* من لدنِ الظُهرِ إلى العُصَيرِ[(١)](#foonote-١)
ولا تُقطع عن الإضافة بحال، وأكثرُ ما تضاف إلى المفردات وقد تضاف إلى أنْ وصلتِها كما في قوله :\[ الطويل \]
ولم تقْطعَ اصلاً من لدنْ أنْ ولِيتَنا \*\*\* قرابةَ ذي رَحْمٍ ولا حقَّ مسلمِ[(٢)](#foonote-٢)
أي من لدن ولايتِك إيانا وقد تضاف إلى الجملة الاسميةِ كما في قوله :
تَذَكَّرُ نُعماه لدُنْ أنت يافعُ \*\*\*. . . 
وإلى الجملة الفعلية أيضاً كما في قوله :\[ الطويل \]
لزِمنا لدنْ سالمتمونا وِفاقَكم \*\*\* فلا يكُ منكم للخِلاف جُنوحُ[(٣)](#foonote-٣)
وقلما تخلو عن من كما في البيتين الأخيرين  رَحْمَةً  واسعةً تُزلِفُنا إليك ونفوزُ بها عندك أو توفيقاً للثبات على الحق، وتأخيرُ المفعول الصريح عن الجارّين لما مر مراراً من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر فإن من حقه التقديمُ إذا أُخِّر تبقى النفسُ مترقبةً لوروده لاسيما عند الإشعارِ بكونه من المنافعِ باللام فإذا أورده يتمكن عندها فضلُ تمكّنٍ  إِنَّكَ أَنتَ الوهاب  تعليل للسؤال أو لإعطاء المسؤولِ وأنت إما مبتدأٌ أو فصلٌ أو تأكيدٌ لاسم إنّ وإطلاقُ الوهاب ليتناول كلَّ موهوب، وفيه دِلالة على أن الهدى والضلال من قِبله تعالى وأنه متفضّلٌ بما يُنعم به على عباده من غير أن يجب عليه شيء. 
١ وهو لرجل من طيء في المقاصد النحوية ٣/٤٢٩ وبلا نسبة في الخصائص ٢/٢٣٥ والدرر ٣/ ١٣٦، ٦/٢٨٨ ولسان العرب ٧/٢٤٥ وقد ورد في المعجم المفصل بلفظ (تنتهض محل تنتفض) والشاهد فيه قوله "من لدن" حيث كسر النون في "لدن" إما على أنها اسم مجرور ب "من" على لغة قيس وإما لأنها مبنية على السكون ثم كسرت منعا لالتقاء الساكنين..
٢ وهو بلا نسبة في خزانة الأدب ٧/١١١ والدرر ٣/١٣٧ وقد ورد في المعجم المفصل
 وليت فلم تقطع لدن أن وليتنا \*\*\* قرابة ذي قربى ولا حق مسلم..
٣ وهو بلا نسبة في شرح شواهد المغني ص ٨٣٦ ومغني اللبيب ص ٤٢١..

### الآية 3:9

> ﻿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [3:9]

رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ الناس لِيَوْمٍ  أي لحساب يومِ أو لجزاء يوم حُذف المضاف وأقيم مُقامه المضافُ إليه تهويلاً له وتفظيعاً لما يقع فيه  لاَ رَيْبَ فِيهِ  أي في وقوعه ووقوعِ ما فيه من الحشر والحسابِ والجزاء، ومقصودُهم بهذا عرضُ كمالِ افتقارِهم إلى الرحمة وأنها المقصِدُ الأسنى عندهم، والتأكيدُ لإظهار ما هم عليه من كمال الطمأنينةِ وقوة اليقينِ بأحوال الآخرة  إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد  تعليلٌ لمضمون الجملة المؤكدةِ أو لانتفاء الريب، والتأكيد لما مر، وإظهارُ الاسمِ الجليل مع الالتفات لإبراز كمالِ التعظيم والإجلالِ الناشئ من ذكر اليوم المَهيب الهائل بخلاف ما في آخر السورة الكريمة فإنه مقامُ طلب الإنعام كما سيأتي وللإشعار بعلة الحُكم فإن الألوهيةَ منافيةٌ للإخلاف وقد جُوّز أن تكون الجملةُ مَسوقةً من جهته تعالى لتقرير قولِ الراسخين، والميعادُ مصدرٌ كالميقات واستُدل به الوعيدية وأجيب بأن وعيدَ الفساقِ مشروطٌ بعدم العفو بدلائلَ مفصلةٍ كما هو مشروط بعدم التوبة وِفاقاٌ.

### الآية 3:10

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ [3:10]

إِنَّ الذين كَفَرُواْ  إثرَ ما بين الدينَ الحقَّ والتوحيد وذكر أحوالَ الكتب الناطقةِ به وشرح شأن القرآنِ العظيم وكيفيةِ إيمانِ العلماء الراسخين به شَرَع في بيان حال مَنْ كفر به، والمرادُ بالموصول جنسُ الكفرة الشاملُ لجميع الأصناف، وقيل : وفدُ نجرانَ أو اليهودُ من قريظةَ والنضِير أو مشركو العرب  لَن تُغْنِي عَنْهُمْ  أي لن تنفعَهم وقرئ بالتذكير وبسكون الياء جِدّاً في استثقال الحركة على حروف اللين  أموالهم  التي يبذُلونها في جلب المنافع ودفعِ المضارّ  وَلاَ أولادهم  الذين بهم يتناصرون في الأمور المُهمة وعليهم يعوّلون في الخطوب المُلمة، وتأخيرُ الأولاد عن الأموال مع توسيط حرف النفي بينهما إما لعراقة الأولادِ في كشف الكروب، أو لأن الأموال أولُ عُدّة يُفزع إليها عند نزول الخطوب  مِنَ الله  من عذابه تعالى  شَيْئاً  أي شيئاً من الإغناء، وقيل : كلمة من بمعنى البدل والمعنى بدلَ رحمةِ الله أو بدلَ طاعته كما في قوله تعالى : إَنَّ الظن لاَ يُغْنِي مِنَ الحق شَيْئًا  \[ يونس، الآية ٣٦ \] أي بدل الحق ومنه قوله : ولا ينفع ذا الجَدّ منك الجَدُّ أي لا ينفعه جَدُّه بذلك أي بدلَ رحمتك كما في قوله تعالى : وَمَا أموالكم وَلاَ أولادكم بالتي تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زلفى  \[ سبأ، الآية ٣٧ \] وأنت خبير بأن احتمال سدِّ أموالِهم وأولادهم مسدَّ رحمة الله تعالى أو طاعته مما لا يخطُر ببال أحد حتى يُتصدَّى لنفيه، والأولُ هو الأليقُ بتفظيع حال الكفرة وتهويل أمرهم والأنسبُ بما بعده من قوله تعالى : وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النار  ومن قوله تعالى : فَأَخَذَهُمُ الله  \[ آل عمران، الآية ١١ \] أي أولئك المتّصفون بالكفر حطبُ النار وحصَبُها الذي تُسعّر به، فإن أريد بيانُ حالِهم عند التسعير فإيثارُ الجملةِ الاسمية للدِلالة على تحقق الأمر وتقرّره، وإلا فهو للإيذان بأن حقيقة حالِهم ذلك، وأن أحوالهم الظاهرةَ بمنزلة العدم فهم حال كونهم في الدنيا وَقودُ النار بأعيانهم. وفيه من الدلالة على كمال ملابستهم بالنار ما لا يخفى و  هُمْ  يحتمل الابتداءَ وأن يكون ضميرَ فصلٍ والجملة إما مستأنفةٌ مقرِّره لعدم الإغناء أو معطوفة على خبر إن، وأيا ما كان ففيها تعيينٌ للعذاب الذي بيّن أن أموالهم وأولادهم لا تغني عنهم منه شيئاً. وقرئ وُقود النار بضم الواو وهو مصدر أي أهلُ وقودها.

### الآية 3:11

> ﻿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ [3:11]

كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ  الدأبُ مصدر دأَبَ في العمل إذا كدح فيه وتعِب غلب استعمالُه في معنى الشأن والحال والعادة، ومحلُّ الكاف الرفعُ على أنه خبرٌ لمبتدإٍ محذوف وقد جُوِّز النصبُ بلن تغني أو بالوَقود أي لن تغني عنهم كما لم تغنِ عن أولئك أو توقد بهم النارُ كما توقد بهم، وأنت خبير بأن المذكور في تفسير الدأب إنما هو التكذيبُ والأخذ من غير تعرُّض لعدم الإغناء لاسيما على تقدير كونِ مِنْ بمعنى البدل كما هو رأيُ المجوِّز، ولا لإيقاد النار فيُحمل على التعليل وهو خلافُ الظاهر على أنه يلزَمُ الفصلُ بين العامل والمعمول بالأجنبي على تقدير النصب بأن تغني وهو قوله تعالى : وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النار  إلا أن يُجعل استئنافاً معطوفاً على خبر إن فالوجهُ هو الرفعُ على الخبرية أي دأبُ هؤلاءِ في الكفر وعدمِ النجاة من أخْذِ الله تعالى وعذابه كدأب آلِ فرعون  والذين مِن قَبْلِهِمْ  أي من قبل آلِ فرعونَ من الأمم الكافرة، فالموصولُ في محل الجر عطفاً على ما قبله وقوله تعالى : كَذَّبُواْ بآياتنا  بيانٌ وتفسير لدأبهم الذي فعلوا، على طريق الاستئناف المبني على السؤال كأنه قيل : كيف كان دأبهم ؟ فقيل : كذبوا بآياتنا وقوله تعالى : فَأَخَذَهُمُ الله  تفسيرٌ لدأبهم الذي فُعل بهم أي فأخذهم الله وعاقبهم ولم يجدوا من بأس الله تعالى محيصاً، فدأبُ هؤلاء الكفرةِ أيضاً كدأبهم، وقيل : كذبوا الخ حال من  آل فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ  على إضمار قد أي دأبُ هؤلاء كدأب أولئك وقد كذبوا الخ، وأما كونه خبراً عن الموصول كما قيل فمما يذهب برونق النظم الكريم، والالتفاتُ إلى التكلم أولاً للجري على سنن الكبرياء، وإلى الغَيبة ثانياً بإظهار الجلالة لتربية المهابةِ وإدخالِ الروعة.  بِذُنُوبِهِمْ  إن أريد بها تكذيبُهم بالآيات فالباء للسببية جيء بها تأكيداً لما تفيده الفاء من سببية ما قبلها لما بعدها وإن أريد بها سائرُ ذنوبهم فالباء للملابسة جيء بها للدلالة على أن لهم ذنوباً أخرى أي فأخذهم ملتبسين بذنوبهم غيرَ تائبين عنها كما في قوله تعالى : وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كافرون  \[ التوبة : ٥٥ \] والذنب في الأصل التِلْوُ والتابع، وسُمّيت الجريمةُ ذنباً لأنها تتلو أي يتبعُ عقابُها فاعلَها  والله شَدِيدُ العقاب  تذييلٌ مقرِّر لمضمون ما قبله من الأخذ وتكملةٌ له.

### الآية 3:12

> ﻿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [3:12]

قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ  المرادُ بهم اليهودُ لما رويَ عن ابن عباس رضي الله عنهما أن يهودَ المدينة لما شاهدوا غلبةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم على المشركين يومَ بدرٍ قالوا : والله إنه النبيُّ الأميُّ الذي بشرنا به موسى في التوراة نعتُه وهموا باتباعه فقال بعضُهم : لا تعجَلوا حتى ننظُر إلى وقعة له أخرى فلما كان يومُ أحُد شكّوا وقد كان بينهم وبين رسول الله عهدٌ إلى مدة فنقضوه وانطلق كعبُ بن الأشرف في ستين راكباً إلى أهل مكة فأجمعوا أمرهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت، وعن سعيد بن جبير وعِكرمةَ عن ابن عباس رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أصاب قريشاً ببدر ورجع إلى المدينة جمع اليهودَ في سوق بني قَينُقاع فحذّرهم أن ينزل بهم ما نزل بقريش فقالوا : لا يغرَّنك أنك لقِيت قوماً أغماراً لا علم لهم بالحرب فأصبْتَ منهم فرصة لئن قاتلْتَنا لعلِمْتَ أنا نحنُ الناسُ فنزلت، أي قل لهم : سَتُغْلَبُونَ  اْلبتةَ عن قريب في الدنيا وقد صدق الله عز وجل وعدَه بقتل بني قريظة وإجلاءِ بني النضِير وفتح خبير وضربِ الجزية على مَنْ عداهم وهو من أوضح شواهد النبوة ؛ وأما ما روي عن مقاتل من أنها نزلت قبل بدر وأن الموصول عبارة عن مشركي مكةَ ولذلك قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر :**« إنَّ الله غالبُكم وحاشرُكم إلى جهنم وبئس المهاد »** فيؤدي إلى انقطاع الآية الكريمة عما بعدها لنزوله بعد وقعة بدر  وَتُحْشَرُونَ  أي في الآخرة  إلى جَهَنَّمَ  وقرئ الفعلان بالياء على أنه عليه السلام أُمر بأن يحكيَ لهم ما أخبر الله تعالى به من وعيدهم بعبارته كأنه قيل : أدِّ إليهم هذا القول  وَبِئْسَ المهاد  إما من تمام ما يقال لهم أو استئنافٌ لتهويل جهنم وتفظيع حالِ أهلها، والمخصوصُ بالذم محذوف أي وبئس المهاد جهنمُّ أو ما مَهَدوه لأنفسهم.

### الآية 3:13

> ﻿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ۚ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ [3:13]

قَدْ كَانَ لَكُمْ  جوابُ قسمٍ محذوفٍ وهو من تمام القول المأمور به جيء به لتقرير مضمونِ ما قبله وتحقيقِه، والخطابُ لليهود أيضاً والظرف خبر كان على أنها ناقصة ولتوسطه بينها وبين اسمها تُرك التأنيث كما في قوله :\[ البسيط \]
إن أمراً غرّه منكن واحدة \*\*\* بعدي وبعدك في الدنيا لمغرورُ[(١)](#foonote-١)
على أن التأنيث هاهنا غير حقيقي أو هو متعلق بكان على أنها تامة وإنما قدم على فاعلها لما مر مراراً من الاعتناء بما قُدّم والتشويق إلى ما أُخِّر أي والله قد كان لكم أيها المغترون بعددهم وعُدَدهم  آيَةً  عظيمة دالة على صدق ما أقول لكم إنكم ستُغلبون  فِي فِئَتَيْنِ  أي فرقتين أو جماعتين فإن المغلوبة منهما كانت مدلة بكثرتها معجبة بعزتها وقد لقِيَها ما لقيها فسيصيبُكم ما يصيبكم، ومحلُ الظرف الرفعُ على أنه صفة لآيةٌ وقيل : النصب على خبرية كان والظرف الأول متعلق بمحذوف من آية  التقتا  في حيز الجر على أنه صفة فئتين أي تلاقتا بالقتال يوم بدر  فِئَةٌ  بالرفع خبرُ مبتدإٍ محذوف أي إحداهما فئة كما في قوله :\[ الطويل \]
إذا متّ كان الناسُ حزبين : شامت \*\*\* وآخَرُ مُثنٍ بالذي كنت أصنعُ[(٢)](#foonote-٢)
**أي أحدهما شامت والآخر مثنٍ وقولِه :**
حتى إذا ما استقلّ النجمُ في غلَس \*\*\* وغودر البقلُ ملويٌّ ومحصودُ
والجملة مع ما عطف عليها مستأنفةٌ لتقرير ما في الفئتين من الآية وقوله تعالى : تقاتل فِي سَبِيلِ الله  في محل الرفع على أنه صفةُ  فِئَةٌ  كأنه قيل : فئة مؤمنة ولكن ذُكر مكانه من أحكام الإيمان ما يليقُ بالمقام مدحاً لهم واعتداداً بقتالهم وإيذاناً بأنه المدارُ في تحقق الآية وهي رؤية القليل كثيراً وقرئ يقاتل على تأويل الفئة بالقوم أو الفريق  وأخرى  نعت لمبتدأ محذوف معطوف على ما حذف من الجملة الأولى أي وفئة أخرى وإنما نكرت والقياس تعريفها كقرينتها لوضوح أن التفريق لنفس المثنى المقدم ذكره وعدم الحاجة إلى التعريف وقوله تعالى : كَافِرَةٌ  خبرُ المبتدأ المحذوف وإنما لم توصف هذه الفئة بما يقابل صفة الفئة الأولى إسقاطاً لقتالهم عن درجة الاعتبار وإيذاناً بأنهم لم يتصدَّوْا للقتال لما اعتراهم من الرعب والهيبة وقيل : كلٌّ من المتعاطِفَين بدل من الضمير في  التقتا  وما بعدهما صفة فلا بد من ضمير محذوفٍ عائدٍ إلى المبدل منه مسوِّغٍ لوصف البدل بالجملة العارية عن ضميره أي فئةٌ منهما تقاتل الخ وفئة أخرى كافرة، ويجوز أن يكون كلٌّ منهما مبتدأً وما بعدهما خبراً، وقيل : كل منهما مبتدأ محذوف الخبر أي منهما فئة تقاتل الخ وقرئ فئةٍ بالجر على البدلية من فئتين بدلَ بعض من كل وقد مر أنه لا بد من ضمير عائد إلى المبدل منه ويسمى بدلاً تفصيلياً كما في قول كثير عزة :\[ الطويل \]
وكنت كذي رِجلين رِجلٍ صحيحة \*\*\* ورجلٍ رمى فيها الزمانُ فَشلَّت[(٣)](#foonote-٣)
وقرئ فئة الخ بالنصب على المدح أو على الحالية من ضمير التقتا كأنه قيل : التقتا مؤمنةً وكافرةً فيكون  فِئَةٌ  و أخرى  توطئةً لما هو الحال حقيقة إذ المقصودُ بالذكر وصْفاهما كما في قولك : جاءني زيد رجلاً صالحاً. 
 يَرَوْنَهُمْ  أي يري الفئةُ الأخيرةُ الفئةُ الأولى، وإيثارُ صيغة الجمعِ للدلالة على شمول الرؤيةِ لكل واحدٍ واحدٍ من آحاد الفئة، والجملةُ في محل الرفع على أنها صفةٌ للفئة الأخيرة أو مستأنفة مبيّنةٌ لكيفية الآية  مّثْلَيْهِمْ  أي مثليْ عددِ الرائين ألفين إذا كانوا قريباً من ألف. كانوا تسعمائةٍ وخمسين مقاتلاً رأسَهم عُتْبةُ بنُ ربيعةَ بنِ عَبْد شَمْس وفيهم أبو سفيانَ وأبو جهلٍ وكان فيهم من الخيل والإبل مائةُ فرسٍ وسبعُمائة بعير ومن أصناف الأسلحة عددٌ لا يحصى، عن محمد بن أبي الفرات عن سعد بن أوس أنه قال : أسرَ المشركون رجلاً من المسلمين فسألوه كم كنتم ؟ قال : ثلثُمائةٍ وبضعةَ عشرَ قالوا : ما كنا نراكم إلا تُضعِفون علينا، أو مثلي عددِ المرئيّين أي ستَّمائةٍ ونيفاً وعشرين حيث كانوا ثلثمائة وثلاثةَ عشرَ رجلاً سبعةٌ وسبعون رجلاً من المهاجرين ومائتان وستة وثلاثون من الأنصار رضوانُ الله تعالى عليهم أجمعين وكان صاحبَ رايةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه وصاحبَ راية الأنصار سعدُ بن عبادة الخزرجي وكان في العسكر تسعون بعيراً وفَرَسان أحدُهما للمِقداد بن عَمْرو والآخر لمَرْثَد بن أبي مَرْثَد وستُّ أدرع وثمانيةُ سيوف وجميع من استُشهد يومئذ من المسلمين أربعةَ عشرَ رجلاً ستةٌ من المهاجرين وثمانية من الأنصار رضوان الله تعالى عليهم أجمعين أراهم الله عز وجل كذلك مع قِلتهم ليَهابوهم ويَجبُنوا عن قتالهم مدداً لهم منه سبحانه كما أمدهم بالملائكة عليهم السلام وكان ذلك عند التقاء الفئتين بعد أن قلَّلَهم في أعينهم عند ترائيهما ليجترئوا عليهم ولا يهرُبوا من أول الأمر حين ينجيهم الهرب، وقيل : يري الفئةُ الأولى الفئةُ الأخيرةَ مثليْ أنفسِهم مع كونهم ثلاثةَ أمثالِهم ليثبُتوا ويطمئنوا بالنصر الموعود في قوله تعالى : فَإِن يَكُن منكُمْ مائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِائَتَيْنِ  \[ الأنفال، الآية ٦٦ \] والأول هو الأولى لأن رؤية المِثلين غيرُ متعيّنةٍ من جانب المؤمنين بل قد وقعت رؤيةُ المثل بل أقلَّ منه أيضاً فإنه روي أن ابن مسعود رضي الله عنه قال : نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يُضعِفون علينا ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلاً واحداً ثم قلّلهم الله تعالى أيضاً في أعينهم حتى رأوهم عدداً يسيراً أقلَّ من أنفسهم. 
قال ابن مسعود رضي الله عنه : لقد قُلِّلوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي : تراهم سبعين ؟ قال : أراهم مائة، فأسرنا منهم رجلاً فقلنا : كم كنتم ؟ قال : ألفاً، فلو أريد رؤية المؤمنين المشركين أقلَّ من عددهم في نفس الأمر كما في سورة الأنفال لكانت رؤيتُهم إياهم أقلَّ من أنفسهم أحقَّ بالذكر في كونهم آيةً من رؤيتهم مِثلَيهم على أن إبانةَ آثارِ قُدرةِ الله تعالى وحكمتِه للكفرة بإراءتهم القليلَ كثيراً والضعيفَ قوياً وإلقاءِ الرعب في قلوبهم بسبب ذلك أدخلُ في كونها آيةً لهم وحجةً عليهم وأقربَ إلى اعتراف المخاطبين بذلك لكثرة مخالطتِهم الكفرةَ المشاهدين للحال وكذا تعلقُ الفعل بالفاعل أشد من تعلقه بالمفعول، فجعلُ أقربِ المذكورَين السابقَين فاعلاً وأبعدِهما مفعولاً سواءٌ جعلُ الجملة صفةً أو مستأنفة أولى من العكس هذا ما تقضيه جزالةُ التنزيلِ على قراءة الجُمهور، ولا ينبغي جعلُ الخطاب لمشركي مكة كما قيل أما إن جُعل الوعيد عبارةً عن هزيمة بدر كما صرحوا به فظاهرٌ لا خفاء فيه وأما إن جُعل عبارةً عن هزيمة أخرى فلأن الفئةَ التي شاهدت تلك الآيةَ الهائلة هم المخاطبون حينئذ بالتعبير عنهم بفئة مُبهمةٍ تارة وموصوفةٍ أخرى ثم إسنادُ المشاهدة إليها مع كون إسنادها إلى المخاطبين أوقعُ في إلزام الحجة وأدخلُ في التبكيت مما لا داعي إليه، وبهذا يتبين سرُّ جعلِ الخطابِ الثاني للمؤمنين، وأما قراءة ترونهم بتاء الخطاب فظاهرُها وإن اقتضى توجيهَ الخطابِ الثاني إلى المشركين لكنه ليس بنص في ذلك لأنه وإن اندفع به المحذورُ الأخيرُ فالأولُ باقٍ بحاله فلعل رؤية المشركين نزلت منزلةَ رؤيةِ اليهود لما بينهم من الاتحاد في الكفر والاتفاق في الكلمة لاسيما بعد ما وقع بينهم بواسطة كعب بن الأشرف من العهد والميثاق، فأُسندت الرؤيةُ إليهم مبالغةً في البيان وتحقيقاً لعُروض مثلِ تلك الحالة لهم فتدبر. 
وقيل : المرادُ جميعُ الكفرة ولا ريب في صحته وسَداده، وقرئ يُرَونهم وتُرَونهم على البناء للمفعول من الإراءة أي يُريهم أو يريكم الله تعالى كذلك  رَأْي العين  مصدر مؤكدٌ ليَرَوْنهم إن كانت الرؤية بصريةً، أو مصدر تشبيهيّ إن كانت قلبية أي رؤيةً ظاهرة مكشوفةً جارية مجرى رؤية العين  والله يُؤَيّدُ  أي يقوي  بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء  أي يؤيده من غير توسيط الأسباب العادية كما أيد الفئةَ المقاتلة في سبيله بما ذكر من النصر وهو تمام القول المأمور به  إِنَّ فِي ذَلِكَ  إشارةٌ إلى ما ذكر من رؤية القليل كثيراً المستتبعةِ لغَلَبة القليل العديمِ العُدة على الكثير الشاكي السلاحِ، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببُعد منزلةِ المشار إليه في الفضل  لَعِبْرَةً  العبرة فِعلة من العبور كالرِّكبة من الركوب والجِلْسة من الجلوس والمرادُ بها الاتعاظ فإنه نوعٌ من العبور أي لعبرةً عظيمة كائنة  لأولِي الأبصار  لذوي العقولِ والبصائر وقيل : لمن أبصرهم، وهو إما من تمام الكلام الداخلِ تحت القول مقرِّر لما قبله بطريق التذييل وإما واردٌ من جهته تعالى تصديقاً لمقالته عليه الصلاة والسلام. 
١ وهو بلا نسبة في الخصائص ٢/٤١٤ والدرر ٦/٢٧١؛ وشرح الأشموني ١/١٧٣ وشرح شذور الذهب ص ٢٢٤ وشرح المفصل ٥/٩٣ ولسان العرب ٥/١١ (غرر)..
٢ وهو للعجير السلولي في الأزهية ص ١٩٠ وفي خزانة الأدب ٩/٧٢، ٧٣ والدرر ١/٢٢٣، ٢/٤١؛ والمقاصد النحوية ٢/٨٥ وشرح أبيات سيبويه ١/١٤٤ وبلا نسبة في شرح الأشموني ١/١١٧ واللمع في العربية ص ١٢٢ وقد ورد في المعجم المفصل بلفظ صنفان بدل حزبين ويروى صنفين..
٣ وقد ورد في ديوان كثير عزة ص ٩٩ وخزانة الأدب ٥/٢١١، ٢١٨ وشرح أبيات سيبويه ١/٥٤٢ والمقاصد النحوية ٤/٢٠٤ وبلا نسبة في شرح الأشموني ٢/٤٣٨ وشرح المفصل ٣/٦٨ ومغني اللبيب ص ٤٧٢ والشاهد فيه قوله: "رجل صحيحة" حيث جاءت "رجل" بدلا من "رجلين" وهذا ما يعرف بالبدل المفصل من المجمل ويجوز الرفع على القطع..

### الآية 3:14

> ﻿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [3:14]

زُيّنَ لِلنَّاسِ  كلامٌ مستأنفٌ سيق لبيان حقارةِ شأن الحظوظ الدنيوية بأصنافها وتزهيدٌ للناس فيها وتوجيهٌ لرغباتهم إلى ما عنده تعالى إثرَ بيانِ عدم نفعِها للكفرة الذين كانوا يتعزّزون بها والمرادُ بالناس الجنس  حُبُّ الشهوات  الشهوة نزوعُ النفس إلى ما تريده والمراد هاهنا المشتهَيات، عبّر عنها بالشهوات مبالغةَ كونِها مشتهاةً مرغوباً فيها كأنها نفسُ الشهوات أو إيذاناً بانْهماكِهم في حبها بحيث أحبوا شهواتِها كما في قوله تعالى : إِنّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الخير  \[ ص، الآية ٣٢ \] أو استرذالاً لها فإن الشهوة مسترذَلةٌ مذمومة من صفات البهائم، والمزيِّنُ هو الباري سبحانه وتعالى إذ هو الخالقُ لجميع الأفعال والدواعي والحكمةُ في ذلك ابتلاؤهم، قال تعالى : إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ  \[ الكهف، الآية ٧ \] الآية، فإنها ذريعة لنيل سعادة الدارين عند كونِ تعاطيها على نهج الشريعةِ الشريفة ووسيلةً إلى بقاء النوع، وإيثارُ صيغة المبني للمفعول للجري على سَنن الكبرياء، وقرئ على البناء للفاعل وقيل : المزيِّنُ هو الشيطان لما أن مساقَ الآية الكريمة على ذمها. وفرّق الجبائيّ بين المباحات فأسند تزيينها إليه تعالى، وبين المحرمات فنسب تزيينها إلى الشيطان  مِنَ النساء والبنين  في محل النصب على أنه حال من الشهوات وهي مفسِّرة لها في المعنى، وقيل : مِنْ  لبيان الجنس وتقديمُ النساء على البنين لعراقتهن في معنى الشهوة فإنهن حبائلُ الشيطان وعدم التعرض للبنات لعدم الاطّراد في حبهن  والقناطير المقنطرة  جمعُ قِنطار وهو المالُ الكثير، وقيل : مائةُ ألفِ دينار وقيل : ملءُ مَسْكِ ثور، وقيل : سبعون ألفاً وقيل : أربعون ألفَ مثقالٍ، وقيل : ثمانون ألفاً وقيل : مائةُ رِطل وقيل : ألفٌ ومِائتَا مثقالٍ، وقيل : ألفُ دينار وقيل : مائة قنطار ومائة رطل ومائة مثقال ومائة درهم وقيل : ديةُ النفس واختلف في أن وزنه فعلال أو فنعال، ولفظُ ( المقنطرة ) مأخوذ منه للتأكيد كقولهم : بَدْرةٌ مُبدَرة، وقيل : المقنطرة المحْكمة المحْصنة، وقيل : الكثيرة المُنضّدة بعضُها على بعض أو المدفونة المضروبة المنقوشة. 
 مِنَ الذهب والفضة  بيان للقناطير أو حال  والخيل  عطف على القناطير وقيل : هي جمع لا واحد له من لفظه كالقوم والرهط، والواحد فرس وقيل : واحدُه خائل وهو مشتق من الخُيلاء  المسومة  أي المُعْلمة من السِمة وهي العلامة أو المرْعيّة من أسام الدابة وسوَّمها إذا أرسلها وسيَّبها للرعي أو المُطَهّمة التامةُ الخَلقْ  والأنعام  أي الإبل والبقر والغنم  والحرث  أي الزرع مصدر بمعنى المفعول. 
 ذلك  أي ما ذكر من الأشياء المعهودة  مَّتَاعَ الحياة الدنيا  أي ما يُتمتّع به في الحياة الدنيا أياماً قلائلَ فتفنى سريعاً  والله عِندَهُ حُسْنُ المآب  حسنُ المرجِع، وفيه دلالةٌ على أن ليس فيما عُدّد عاقبةٌ حميدة، وفي تكرير الإسناد بجعل الجلالة مبتدأ وإسنادِ الجملة الظرفية إليه زيادةُ تأكيدٍ وتفخيم ومزيدُ اعتناء بالترغيب فيما عند الله عز وجل من النعيم المقيم، والتزهيدُ في ملاذّ الدنيا وطيباتها الفانية.

### الآية 3:15

> ﻿۞ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَٰلِكُمْ ۚ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [3:15]

قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم  إثرَ ما بيّن شأنَ مُزخْرَفات الدنيا وذكر ما عنده تعالى من حسن المآب إجمالاً أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتفصيل ذلك المُجمل للناس مبالغةً في الترغيب، والخطابُ للجميع والهمزةُ للتقرير أي أأخبرُكم بما هو خير مما فُصّل من تلك المستلذات المزيّنة لكم ؟ وإبهامُ الخبر لتفخيم شأنِه والتشويق إليه وقوله تعالى : لِلَّذِينَ اتقوا عِندَ رَبّهِمْ جنات  استئنافٌ مبين لذلك المبْهم على أن  جنات  مبتدأ والجارّ والمجرور خبر، أو على أن جناتٌ مرتفعٌ به على الفاعلية عند من لا يشترط في ذلك اعتمادَ الجار على ما فصل في محله، والمراد بالتقوى هو التبتُل إلى الله تعالى والإعراضُ عما سواه على ما تنبئ عنه النعوتُ الآتيةُ، وتعليقُ حصولِ الجنات وما بعدها من فنون الخيراتِ به للترغيب في تحصيله والثباتِ عليه، و عِندَ  نُصب على الحالية من جنات، أو متعلق بما تعلق به الجار والمجرور من معنى الاستقرار مفيد لكمال علو رتبة الجنات وسمو طبقتها، والتعرضُ لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المتقين لإظهار مزيد اللطفِ بهم وقيل : اللامُ متعلقة بخير وكذا الظرفُ، وجنات خبر لمبتدأ محذوف والجملة مبينة لخير ويؤيده قراءة جناتٍ بالجر على البدلية من خير ولا يخفى أن تعليق الإخبار والبيان بما هو خير لطائفة ربما يوهم أن هناك خيراً آخرَ لآخَرين  تَجْرِي  في محل الرفع والجر صفةٌ لجنات على حسب القراءتين  مِن تَحْتِهَا الأنهار  متعلق بتجري فإن أريد بالجنات نفسُ الأشجار كما هو الظاهر فجريانُها من تحتها ظاهر وإن أريد بها مجموع الأرض والأشجار فهو باعتبار جزئها الظاهر كما مر تفصيلُه مراراً  خالدين فِيهَا  حال مقدرةٌ من المستكن في  لِلَّذِينَ  والعامل ما فيه من معنى الاستقرار  وأزواج مُّطَهَّرَةٌ  عطف على جنات أي مبرأة مما يستقذر من النساء من الأحوال البدنية والطبيعية  وَرِضْوَانٌ  التنوينُ للتفخيم وقوله تعالى : مِنَ الله  متعلق بمحذوف وقع صفةً له مؤكدةٌ لما أفاده التنوين من الفخامة، أيْ رضوانٌ وأيُّ رضوان، لا يقادر قدرُه كائنٌ من الله عز وجل وقرئ بضم الراء  والله بَصِيرٌ بالعباد  وبأعمالهم فيثيبُ ويعاقب حسبما يليق بها أو بصير بأحوال الذين اتقَوْا ولذلك أعد لهم ما ذكر، وفيه إشعار بأنهم المستحقون بالتسمية باسم العبد.

### الآية 3:16

> ﻿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [3:16]

الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا  في محل الرفعِ على أنه خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ كأنه قيل : مَنْ أولئك المتقون الفائزون بهذه الكرامات السنية فقيل : هم الذين الخ أو النصبِ على المدح أو الجر على أنه تابعٌ للمتقين نعتاً أو بدلاً أو للعباد كذلك والأول أظهر، وقوله تعالى : والله بَصِيرٌ بالعباد  \[ آل عمران، الآيات : ١٥- ٢٠ \] حينئذ معترضةٌ، وتأكيد الجملة لإظهار أن إيمانهم ناشئ من وفور الرغبة وكمال النشاط، وفي ترتيب الدعاء بقولهم  فاغفر لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النار  على مجرد الإيمان دَلالةٌ على كفايته في استحقاق المغفرة والوقاية من النار.

### الآية 3:17

> ﻿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ [3:17]

الصابرين  هو - على تقدير كونه الموصول في محل الرفع - منصوبٌ على المدح بإضمار أعني وأما على تقدير كونه في محل النصب أو الجر فهو نعت له، والمراد بالصبر هو الصبر على مشاقّ الطاعات وعلى البأساء والضراء وحين البأس  والصادقين  في أقوالهم ونياتهم وعزائمِهم 
 والقانتين  المداومين على الطاعات المواظبين على العبادات  والمنفقين  أموالَهم في سبيل الله تعالى  والمستغفرين بالأسحار  قال مجاهدٌ وقَتادةُ والكلبي : هم المصلون بالأسحار، وعن زيد بن أسلَمَ : هم الذين يصلون الصبحَ في جماعة. وقال الحسن : مدُّوا الصلاة إلى السحر ثم استغفروا. وقال نافع : كان ابن عمرَ رضي الله عنه يحيي الليلة ثم يقول : يا نافع أسْحَرْنا ؟ فأقول : لا فيعاود الصلاة فإذا قلت نعم قعد يستغفر الله ويدعو حتى يصبح، وعن الحسن : كانوا يصلون في أول الليل حتى إذا كان السحر أخذوا في الدعاء والاستغفار. وتخصيصُ الأسحار بالاستغفار لأن الدعاء فيها أقربُ إلى الإجابة إذِ العبادة حينئذ أسبقُ والنفسُ أصفى والروح أجمعُ لاسيما للمتهجّدين، وتوسيط الواو بين الصفات المعدودة للدلالة على استقلال كلَ منها وكمالهم فيها، أو لتغايُر الموصوفين بها.

### الآية 3:18

> ﻿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [3:18]

شَهِدَ الله أَنَّهُ  بفتح الهمزة أي بأنه أو على أنه  لاَ إله إِلاَّ هُوَ  أي بيّنَ وحدانيتَه بنصب الدلائل التكوينية في الآفاق والأنفس وإنزالِ الآيات التشريعية الناطقة بذلك. عبر عنه بالشهادة على طريقة الاستعارة إيذاناً بقوته في إثبات المطلوبِ وإشعاراً بإنكار المنكر، وقرئ إنه بكسر الهمزة إما بإجراء.  شَهِدَ  مُجرى قال، وإما بجعل الجملة اعتراضاً وإيقاعِ الفعل على قوله تعالى : إِنَّ الدّينَ  \[ آل عمران، الآية : ١٩ \] الخ على قراءة أن بفتح الهمزة كما سيأتي وقرئ شهداءٌ لله بالنصب على أنه حال من المذكورين أو على المدح وبالرفع على أنه خبر مبتدإٍ محذوف ومآله الرفع على المدح أي هم شهداء لله وهو إما جمع شهيد كظرفاء في جمع ظريف أو جمع شاهد كشعراء في جمع شاعر. 
 والملائكة  عطف على الاسم الجليل بحمل الشهادة على معنىً مجازيّ شامل للإقرار والإيمان بطريق عموم المجاز أي أقروا بذلك  وَأُوْلُو العلم  أي آمنوا به واحتجوا عليه بما ذكر من الأدلة التكوينية والتشريعية، قيل : المرادُ بهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقيل : المهاجرون والأنصار وقيل : علماء مؤمني أهلِ الكتاب كعبد اللَّه بن سلام وأضرابِه وقيل : جميعُ علماء المؤمنين الذين عرفوا وحدانيته تعالى بالدلائل القاطعة، وارتفاعُهما على القراءتين الأخيرتين قيل : بالعطف على الضمير في شهداء لوقوع الفصل بينهما وأنت خبير بأن ذلك على قراءة النصبِ على الحالية يؤدي إلى تقييد حالِ المذكورين بشهادة الملائكة وأولي العلم، وليس فيه كثيرُ فائدةٍ فالوجه حينئذٍ كونُ ارتفاعِهما بالابتداء والخبرُ محذوفٌ لدلالة الكلام عليه أي والملائكة وأولو العلم شهداء ولك أن تحمل القراءتين على المدح نصباً ورفعاً فحينئذ يحسُن العطفُ على المستتر على كل حال وقوله تعالى : قَائِمَاً بالقسط  أي مقيماً للعدل في جميع أمورِه بيان لكماله تعالى في أفعاله إثرَ بيانِ كماله في ذاته وانتصابُه على الحالية من  الله  كما في قوله تعالى : وَهُوَ الحق مُصَدّقًا  \[ البقرة، الآية : ٩١ \] وإنما جاز إفرادُه مع عدم جواز جاء زيد وعمرو راكباً لعدم اللَّبس كقوله تعالى : وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً  \[ الأنبياء، الآية ٧٢ \] ولعل تأخيرَه عن المعطوفين للدَلالة على علو رتبتهما وقُرب منزلتهما والمسارعةِ إلى إقامة شهودِ التوحيد اعتناءً بشأنه ورفعاً لمحله، والسرُّ في تقديمه على المعطوفين مع ما فيه من الإيذان بأصالته تعالى في الشهادة به كما مر في قوله تعالى : آمن الرسول بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ  \[ البقرة، الآية ٢٨٥ \] أو مِنْ  هُوَ  وهو الأوجه، والعامل فيها معنى الجملة أي تفرّد، أو أُحِقّه لأنها حال مؤكدة أو على المدح وقبل على أنه صفة للمنفي أي لا إله قائماً الخ والفصل بينهما من قبيل توسعاتهم وهو مندرج في المشهود به إذا جعل صفة أو حالاً من الضمير أو نصباً على المدح منه وقرئ القائمُ بالقسط على البدلية من  هُوَ  فيلزم الفصلُ بينهما كما في الصفة أو على أنه خبر لمبتدإ محذوف وقرئ قيّماً بالقسط. 
 لا إله إِلاَّ هُوَ  تكريرٌ للتأكيد ومزيدِ الاعتناء بمعرفة أدلةِ التوحيد والحُكم به بعد إقامة الحجةِ وليجرِيَ عليه قوله تعالى : العزيز الحكيم  فيُعلمَ أنه المنعوتُ بهما، ووجهُ الترتيب إذن تقدمُ العلمِ بقدرته على العلم بحكمته تعالى ورفعُهما على البدلية من الضمير أو الوصفية لفاعل شهد، أو الخبرية لمبتدأ مُضمَر وقد روي في فضلها أنه عليه السلام قال :" يُجاء بصاحبها يومَ القيامة فيقول الله عز وجل : إن لعبدي هذا عندي عهداً، وأنا أحقُّ من وفى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة " وهو دليل على فضل علم أصولِ الدين وشرفِ أهله، وروي عن سعيد بن جبير أنه كان حول البيت ثلاثُمائة وستون صنماً فلما نزلت هذه الآية الكريمة خرَرْنَ سُجّداً. وقيل : نزلت في نصارى نَجرانَ. وقال الكلبي : قدم على النبي صلى الله عليه وسلم حَبرانِ من أحبار الشام فلما أبصرا المدينة قال أحدُهما : ما أشبه هذه المدينةَ بصفة مدينة النبي الذي يخرُج في آخر الزمان فلما دخلا عليه عليه السلام عرفاه بصفته فقالا له عليه السلام : أنت محمدٌ ؟ قال صلى الله عليه وسلم :**«نعم »** قالا : وأنت أحمدُ ؟ قال عليه السلام :" أنا محمدٌ وأحمد " قالا : فإنا نسألك عن شيء فإن أخبرتنا به آمنا بك وصدقناك قال عليه السلام :**«سلا »** فقال : أخبِرْنا عن أعظم شهادةٍ في كتاب الله عز وجل فأنزل الله تعالى هذه الآية الكريمة فأسلم الرجلان.

### الآية 3:19

> ﻿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [3:19]

إِنَّ الدّينَ عِندَ الله الإسلام  جملةٌ مستأنفة مؤكدةٌ للأولى أي لا دينَ مرضياً لله تعالى سوى الإسلام الذي هو التوحيدُ والتدرُّع بالشريعة الشريفة، وعن قتادة أنه شهادةُ  أَنه لاَّ إله إِلاَّ الله  \[ محمد، الآية : ١٩ \] والإقرارُ بما جاء من عند الله تعالى وقرئ إن الدين عند الله الإسلام وقرئ أن الدين الخ على أنه بدلُ الكل إن فُسر الإسلامُ بالإيمان أو بما يتضمنه وبدلُ الاشتمال إن فسر بالشريعة أو على أن شهد واقعٌ عليه تقديرُ قراءةِ إنه بالكسر كما أشير إليه  وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب  نزلت في اليهود والنصارى حين تركوا الإسلامَ الذي جاء به النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأنكروا نبوّته، والتعبيرُ عنهم بالموصول وجعْلُ إيتاءِ الكتاب صلةً لزيادة تقبيحِ حالهم فإن الاختلاف ممن أوتي ما يزيلُه ويقطع شأفته في غاية القُبح والسماجة وقوله تعالى : إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم  استثناءٌ مفرَّغ من أعم الأحوال أو أعم الأوقات أي وما اختلفوا في حال من الأحوال أو في وقت من الأوقات إلا بعد أن علموا بأنه الحقُّ الذي لا محيدَ عنه أو بعد أن علموا حقيقةَ الأمرِ وتمكّنوا من العلم بها بالحُجج النيّرة والآيات الباهرةِ وفيه من الدِلالة على ترامي حالِهم في الضلالة ما لا يزيد عليه فإن الاختلافَ بعد حصول تلك المرتبةِ مما لا يصدر عن العاقل وقوله تعالى : بَغْياً بَيْنَهُمْ  أي حسداً كائناً بينهم وطلباً للرياسة لا لشبهة وخفاءٍ في الأمر، تشنيعٌ إثرَ تشنيعٍ. 
 وَمَن يَكْفُرْ بآيات الله  أي بآياته الناطقةِ بما ذكر من أن الدينَ عند الله تعالى هو الإسلامُ ولم يعمَلْ بمقتضاها أو بأية آيةٍ كانت من آياته تعالى على أن يدخل فيها ما نحن فيه دخولاً أولياً  فَإِنَّ الله سَرِيعُ الحساب  قائمٌ مقامَ جوابِ الشرطِ علةٌ له أي ومن يكفرْ بآياته فإنه يجازيه ويعاقبه عن قريب فإنه سريعُ الحساب أي يأتي حسابُه عن قريب أو يتم ذلك بسرعة، وإظهارُ الجلالة لتربية المهابة وإدخالِ الروعة، وفي ترتيب العقاب على مطلق الكفرِ بآياته تعالى من غير تعرضٍ لخصوصية حالِهم - من كون كفرِهم بعد إيتاء الكتاب وحصولِ الاطلاع على ما فيه وكونِ ذلك للبغي - دلالةٌ على كمال شدة عقابهم.

### الآية 3:20

> ﻿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ۗ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا ۖ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [3:20]

فَإنْ حَاجُّوكَ  أي في كون الدين عند الله الإسلامَ أو جادلوك فيه بعد ما أقمت عليهم الحجج  فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ  أي أخلصتُ نفسي وقلبي وجملتي، وإنما عبر عنها بالوجه لأنه أشرفُ الأعضاء الظاهرة ومظهرُ القُوى والمشاعر ومجمعُ معظم ما تقع به العبادةُ من السجودِ والقراءة وبه يحصل التوجُّه إلى كل شيء  لِلَّهِ  لا أشرك به فيها غيرَه وهو الدينُ القويم الذي قامت عليه الحججُ ودعت إليه الآياتُ والرسلُ عليهم السلام  وَمَنِ اتبعن  عطفٌ على المتصل في أسلمتُ وحسُن ذلك لمكان الفصل الجاري مجرى التأكيد بالمنفصل أي وأسلم من اتبعني أو مفعول معه 
 وَقُلْ لّلَّذِينَ أُوتُواْ الكتاب  أي من اليهود والنصارى، وُضِع الموصولُ موضعَ الضمير لرعاية التقابل بين وصفي المتعاطِفَيْن  والأميين  أي الذين لا كتابَ لهم من مشركي العرب  أأَسْلَمْتُمْ  متّبعين لي كما فعل المؤمنون فإنه قد أتاكم من البينات ما يوجبه ويقتضيه لا محالة فهل أسلمتم وعمِلتم بمقتضاها، أو أنتم على كفركم بعدُ ؟ كما يقول من لخّص لصاحبه المسألة ولم يدَعْ من طرق التوضيح والبيان مسلكاً إلا سلكه فهل فهِمتها ؟ على منهاج قوله تعالى : فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ  \[ المائدة، الآية ٩١ \] إثرَ تفصيلِ الصوارفِ عن تعاطي الخمر والميسِر وفيه من استقصارهم وتعبيرِهم بالمعاندة وقلةِ الإنصافِ وتوبيخِهم بالبلادة وكلّة القريحةِ ما لا يخفى. 
 فَإِنْ أَسْلَمُواْ  أي كما أسلمتم وإنما لم يصرّح به كما في قوله تعالى : فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ  حسماً لباب إطلاق اسم الإسلام على شيء آخر بالكلية  فَقَدِ اهتدوا  أي فازوا بالحظ الأوفر ونجَوْا عن مهاوي الضلال  وَإِن تَوَلَّوْاْ  أي أعرضوا عن الاتباع وقَبول الإسلام  فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ  قائم مقامَ الجواب أي لم يضرّوك شيئاً إذْ ما علي إلا البلاغُ وقد فعلت على أبلغِ وجه، رُوي أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه الآيةَ على أهل الكتاب قالوا : أسلمنا، فقال عليه السلام لليهود :**« أتشهدون أن عيسى كلمةُ الله وعبدُه ورسولُه ؟ »** فقالوا : معاذ الله، قال عليه الصلاة والسلام للنصارى :**« أتشهدون أن عيسى عبدُ الله ورسولُه ؟ »** فقالوا : معاذ الله أن يكون عيسى عبداً وذلك قولُه عز وجل : وَإِن تَوَلَّوْاْ   والله بَصِيرٌ بالعباد  عالم بجميع أحوالهم وهو تذييل فيه وعد ووعيد.

### الآية 3:21

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [3:21]

إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بآيات الله  أيَّ آيةٍ كانت فيدخُل فيهم الكافرون بالآيات الناطقةِ بحقية الإسلام على الوجه الذي مر تفصيلُه دخولاً أولياً 
 وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ حَقّ  هم أهلُ الكتاب قتل أوّلوهم الأنبياءَ عليهم السلام وقتلوا أتباعَهم وهم راضون بما فعلوا وكانوا - قاتلهم الله تعالى - حائمين حول قتلِ النبي صلى الله عليه وسلم لولا أن عصَم الله تعالى ساحتَه المنيعة، وقد أُشير إليه بصيغة الاستقبال، وقرئ بالتشديد للتكثير، والتقييدُ بغير حق للإيذان بأنه كان عندهم أيضاً بغير حق  وَيَقْتُلُونَ الذين يَأْمُرُونَ بالقسط مِنَ الناس  أي بالعدل، ولعل تكريرَ الفعل للإشعار بما بين القتلين من التفاوت أو باختلافهما في الوقت، عن أبي عبيدة بن الجراح قلتُ : يا رسول الله أيُّ الناسِ أشدُّ عذاباً يوم القيامة ؟ قال :**« رجل قتل نبياً، أو رجلاً أمر بمعروف ونهى عن منكر »** ثم قرأها ثم قال :**« يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيلَ ثلاثةً وأربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحدة فقام مائةٌ واثنا عشرَ رجلاً من عبّاد بني إسرائيل فأمروا قَتلَتهم بالمعروف ونهَوْهم عن المنكر فقُتلوا جميعاً من آخر النهار »** وقرئ ويقاتلون الذين  فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  خبر إن والفاء لتضمن اسمها معنى الشرط فإنها بالنسخ لا تغير معنى الابتداء بل تزيده تأكيداً وكذا الحال في النسخ بأن المفتوحة كما في قوله تعالى : واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَيء فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ  \[ الأنفال، الآية ٤١ \] وكذا النسخ بلكن كما في قوله :
\[ الطويل \]فوالله ما فارقتُكم عن ملالة  ولكنّ ما يقضى فسوف يكون[(١)](#foonote-١)وإنما يتغير معنى الابتداء في النسخ بليت ولعل وقد ذهب سيبويه والأخفش إلى منع دخول الفاء عند النسخ مطلقاً فالخبر عندهما. 
١ وهو للأفوه الأودي في الدرر ٢/٤٠ وليس في ديوانه وبلا نسبة في أمالي القالي ١/٩٩ وأوضح المسالك ١/٤٣٨ وشرح قطر الندى ص ١٤٩ ومعجم البلدان ٢/٢٢٠ (الحجاز) والمقاصد النحوية ٢/٣١٥ وفي البيت شاهدان: أولهما قوله: "ولكن ما" حيث دخلت "لكن" على "ما" الموصولة فلم تكفها عن العمل بل عملت "لكن" في "ما" وهي اسمها وقد زعم ابن هشام في قطر الندى ص ١٤٩ والأشموني في شرحه ١/١٠٨ أن "ما" هنا حرف زائد كاف. وثانيهما قوله: " فسوف يكون" حيث اقترن خبر "لكن" بالفاء وهذا جائز..

### الآية 3:22

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [3:22]

قوله تعالى : أُولَئِكَ الذين حَبِطَتْ أعمالهم فِي الدنيا والآخرة  كما في قولك : الشيطانُ - فاحذر - عدوٌ مبين وعلى الأول هو استئناف واسم الإشارة مبتدأ وما فيه من معنى البعد للدِلالة على ترامي أمرهم في الضلال وبُعد منزلتهم في فظاعة الحال، والموصولُ بما في حيز صلته خبرُه أي أولئك المتصفون بتلك الصفات القبيحة أو المبتلون بأسوأ الحال الذين بطلت أعمالُهم التي عمِلوها من البر والحسنات ولم يبق لها أثر في الدارين بل بقي لهم اللعنة والخزيُ في الدنيا وعذاب أليم في الآخرة  وَمَا لَهُم مّن ناصرين  ينصرونهم من بأس الله وعذابِه في إحدى الدارين، وصيغةُ الجميع لرعاية ما وقع في مقابلته لا لنفي تعددِ الأنصار من كل واحد منهم كما في قوله تعالى : وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ  \[ البقرة، الآية ٢٧٠ \].

### الآية 3:23

> ﻿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ [3:23]

أَلَمْ تَرَ  تعجيبٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يتأتى منه الرؤيةُ من حال أهل الكتاب وسوءِ صنيعِهم، وتقرير لما سبق من أن اختلافهم في الإسلام إنما كان بعد ما جاءهم العلم بحقّيته أي ألم تنظر  إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب  أي التوراةِ على أن اللامَ للعَهدْ وحملُه على جنس الكتبِ الإلهية تطويلٌ للمسافة إذ تمامُ التقريب حينئذ بكون التوراة من جملتها لأن مدار التشنيع والتعجيب إنما هو إعراضُهم عن المحاكمة إلى ما دُعوا إليه وهم لم يُدْعَوا إلا إلى التوراة، والمرادُ بما أوتوه منها ما بُيِّن لهم فيها من العلوم والأحكام التي من جملتها ما علِموه من نعوت النبي صلى الله عليه وسلم وحقّية الإسلام، والتعبيرُ عنه بالنصيب للإشعار بكمال اختصاصِه بهم وكونِه حقاً من حقوقهم التي يجبُ مراعاتُها والعملُ بموجبها وما فيه من التنكير للتفخيم، وحملُه على التحقير لا يساعده مقامُ المبالغة في تقبيح حالِهم  يُدْعَوْنَ إلى كتاب الله  الذي أوتوا نصيباً منه وهو التوراة، والإظهارُ في مقام الإضمار لإيجاب الإجابة، وإضافتُه إلى الاسم الجليلِ لتشريفه وتأكيدِ وجوب المراجعةِ إليه، والجملةُ استئنافٌ مبيِّنٌ لمحل التعجيب مبنيّ على سؤال نشأ من صدر الكلام كأنه قيل : ماذا يصنعون حتى ينظُرَ إليهم ؟ فقيل : يُدعون إلى كتاب الله تعالى، وقيل : حال من الموصول  لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ  وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مِدراسَهم فدعاهم إلى الإيمان فقال له نعيمُ بن عمرو، والحارث بن زيد : على أيّ دين أنت ؟ قال عليه الصلاة والسلام :**« على ملة إبراهيم »** قالا : إن إبراهيمَ كان يهودياً فقال صلى الله عليه وسلم لهما :**« إن بيننا وبينكم التوراةَ فهلُمّوا إليها »** فأبيا. وقيل : نزلت في الرجم وقد اختلفوا فيه وقيل : كتاب الله  القرآنُ فإنهم قد علموا أنه كتابُ الله ولم يشكوا فيه، وقرئ ليُحكَم على بناء المجهول فيكون الاختلافُ بينهم بأن أسلم بعضُهم كعبد اللَّه بن سلام وأضرابه وعاداهم الآخرون  ثُمَّ يتولى فَرِيقٌ مّنْهُمْ  استبعاد لتولّيهم بعد علمِهم بوجوب الرجوع إليه  وَهُم مُّعْرِضُونَ  إما حال من  فَرِيقٌ  لتخصصه بالصفة أي يتولون من المجلس وهم معرضون بقلوبهم، أو اعتراضٌ أي وهم قوم ديدنُهم الإعراضُ عن الحق والإصرارُ على الباطل.

### الآية 3:24

> ﻿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ۖ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [3:24]

ذلك  إشارة إلى ما مر من التولي والإعراض، وهو مبتدأ خبرُه قوله تعالى : بِأَنَّهُمْ  أي حاصل بسبب أنهم  قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار  باقتراف الذنوب وركوب المعاصي  إِلا أَيَّامًا معدودات  وهي مقدارُ عبادتهم العجلَ، ورسَخ اعتقادُهم على ذلك وهوّنوا على أنفسهم الخطوب 
 وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ  من قولهم ذلك وما أشبهه من قولهم : إن آباءنا الأنبياءَ يشفعون لنا أو إن الله تعالى وعد يعقوبَ عليه السلام ألا يعذبَ أولادَه إلا تحِلّةَ القَسَم ولذلك ارتكبوا ما ارتكبوا من القبائح.

### الآية 3:25

> ﻿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [3:25]

فَكَيْفَ  ردٌّ لقولهم المذكور وإبطالٌ لما عراهم باستعظام ما سيدهَمُهم وتهويلِ ما سيحيق بهم من الأهوال أي فكيف يكون حالُهم ؟  إِذَا جمعناهم لِيَوْمٍ  أي لجزاءِ يوم  لاَ رَيْبَ فِيهِ  أي في وقوعه ووقوعِ ما فيه، روي أن أولَ رايةٍ ترفع يوم القيامة من رايات الكفر رايةُ اليهود فيفضَحُهم الله عز وجل على رؤوس الأشهاد ثم يأمر بهم إلى النار  وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ  أي جزاءَ ما كسبت من غير نقص أصلاً كما يزعُمون، وإنما وُضِع المكسوبُ موضعَ جزائه للإيذان بكمال الاتصالِ والتلازم بينهما كأنهما شيء واحد، وفيه دَلالة على أن العبادة لا تُحْبَط وأن المؤمن لا يخلّد في النار لأن توْفيةَ جزاءِ إيمانِه وعملِه لا تكون في النار ولا قبل دخولها فإذن هي بعد الخلاصِ منها  وَهُمْ  أي كلُّ الناس المدلولِ عليهم بكل نفس  لاَ يُظْلَمُونَ  بزيادة عذابٍ أو بنقص ثواب بل يصيب كلاً منهم مقدارُ ما كسبه.

### الآية 3:26

> ﻿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [3:26]

قُلِ اللهم  الميم عوضٌ عن حرف النداء ولذلك لا يجتمعان وهذا من خصائص الاسمِ الجليل كدخوله عليه مع حرف التعريفِ وقطعِ همزتِه ودخولِ تاء القسمِ عليه وقيل : أصلُه يا ألله أُمَّنا بخير أي اقصدنا به فخُفف بحذف حرف النداء ومتعلقاتِ الفعل وهمزته  مالك الملك  أي مالك جنسِ المُلك على الإطلاق مُلكاً حقيقياً بحيث تتصرف فيه كيفما تشاء إيجاداً وإعداماً وإحياءً وإماتة وتعذيباً وإثابةً من غير مشارِك ولا ممانعٍ وهو نداءٌ ثانٍ عند سيبويه فإن الميم عنده تمنع الوصفية  تُؤْتِي الملك  بيان لبعض وجوه التصرفِ الذي تستدعيه مالكيةُ الملك وتحقيقٌ لاختصاصها به تعالى حقيقةً وكونِ مُلك غيرِه بطريق المجاز كما يُنبئ عنه إيثارُ الإيتاءِ الذي هو مجردُ الإعطاء على التمليك المؤْذِن بثبوت المالكيةِ حقيقةً  مَن تَشَاء  أي إيتاءه إياه  وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاء  أي نزْعَه منه، فالملكُ الأولُ حقيقي عام ومملوكيتُه حقيقية والآخرانِ مجازيان خاصان ونِسبتُهما إلى صاحبهما مجازية، وقيل : الملكُ الأول عام والآخرانِ بعضانِ منه فتأمل. وقيل : المراد بالملك النبوة ونزعُها نقلُها من قوم إلى آخرين  وَتُعِزُّ مَن تَشَاء  أن تُعِزَّه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما بالنصر والتوفيق  وَتُذِلُّ مَن تَشَاء  أن تُذِله في إحداهما أو فيهما من غير ممانعةٍ من الغير ولا مدافعة  بِيَدِكَ الخير  تعريفُ الخير للتعميم، وتقديمُ الخبر للتخصيص أي بقدرتك الخيرُ كلُّه لا بقدرة أحدٍ غيرِك تتصرف فيه قبضاً وبسطاً حسبما تقتضيه مشيئتُك، وتخصيصُ الخير بالذكر لما أنه مقضيٌّ بالذات وأما الشرُّ فمقضيٌّ بالعَرَض إذ ما من شر جزئي إلا وهو متضمِّنٌ لخير كلي أو لأن في حصول الشر دخْلاً لصاحبه في الجملة لأنه من أجزية أعماله، وأما الخير ففضلٌ محضٌ أو لرعاية الأدب أو لأن الكلام فيه فإنه رُوي أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما خط الخندق عام الأحزاب وقطع لكل عشرةٍ من أهل المدينة أربعين ذِراعاً وأخذوا يحفِرونه خرج من بطن الخندق صخرةٌ كالتل لم تعمَلْ فيها المعاوِلُ فوجهوا سلمانَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يُخبره فجاء عليه السلام وأخذ منه المِعْول فضربها ضربة صدعَتْها وبرَقَ منها برقٌ أضاء ما بين لابتيها لكأن مِصباحاً في جوف بيت مظلم فكبر وكبر معه المسلمون وقال :**« أضاءت لي منها قصورُ الحِيرة كأنها أنياب الكلاب »** ثم ضرب الثانية فقال :**« أضاءت لي منها القصورُ الحُمْرُ من أرض الروم »** ثم ضرب الثالثة فقال :
**« أضاءت لي قصورُ صنعاء وأخبرني جبريلُ أن أمتي ظاهرةٌ على كلها فأبشروا »** فقال المنافقون : ألا تعجبون ؟ يُمنّيكم ويعِدُكم الباطلَ ويخبركم أنه يُبصر من يثربَ قصورَ الحِيرة ومدائن كسرى وأنها تُفتح لكم وأنتم إنما تحفِرون الخندقَ من الفرَق لا تستطيعون أن تبرُزوا فنزلت  إِنَّكَ على كُلّ شَيء قَدِيرٌ  تعليل لما سبق وتحقيقٌ له.

### الآية 3:27

> ﻿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [3:27]

تُولِجُ الليل فِي النهار  أي تُدخِله فيه بتعقيبه إياه أو بنقص الأول وزيادةِ الثاني  وَتُولِجُ النهار فِي الليل  على أحد الوجهين  وَتُخْرِجُ الحي مِنَ الميت  أي تنشئ الحيواناتِ من موادها أو من النطفة، وقيل : تخرِجُ المؤمنَ من الكافر  وَتُخْرِجُ الميت مِنَ الحي  أي تخرج النطفة من الحيوان وقيل : تخرج الكافر من المؤمن  وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ  قال أبو العباس المَقَّرِي : ورد لفظُ الحساب في القرآن على ثلاثة أوجهٍ بمعنى التعب قال تعالى : وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ  \[ آل عمرن، الآية ٢٧ \] وبمعنى العدد قال تعالى : إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ  \[ الزمر، الآية ١٠ \] وبمعنى المطالبة قال تعالى : فامنن أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ  \[ ص، الآية ٣٩ \] والباء متعلقة بمحذوف وقع حالاً من فاعل ترزق أو من مفعوله وفيه دَلالةٌ على أن من قدَر على أمثال هاتيك الأفاعيلِ العظامِ المحيِّرة للعقول والأفهام فقُدرته على أن ينزعَ الملكَ من العجم ويُذِلهم ويُؤتيَه العربَ ويُعِزَّهم أهونُ من كل هيّن. عن علي رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**« إن فاتحة الكتاب وآيةَ الكرسيِّ وآيتين من آل عمران شهد الله أنه  لاَ إله إِلاَّ هُوَ  \[ آل عمران، الآية ١٧ \] إلى قوله تعالى : إِنَّ الدّينَ عِندَ الله الإسلام  \[ آل عمران، الآية ١٨ \] و  قُلِ اللهم مالك الملك  إلى قوله : بِغَيْرِ حِسَابٍ  \[ آل عمران، الآية ٢٦، ٢٧ \] معلقاتٌ ما بينهن وبين الله تعالى حجابٌ »**، قلن : يا رب تُهبِطُنا إلى أرضك وإلى من يعصيك ؟ قال الله تعالى :**« إني حلفت أنه لا يقرؤكُنّ أحدٌ دُبُرَ كُلِّ صلاةٍ إلا جعلتُ الجنّةَ مثواه على ما كان منه وأسكنتُه في حظيرة القدس، ونظرت بعيني كل يوم سبعين مرةً وقضيتُ له سبعين حاجة أدناها المغفرة، وأعذتُه من كل عدو وحاسدٍ، ونصرتُه عليهم »** وفي بعض الكتب :**« أنا الله ملكُ الملوك، قلوبُ الملوكِ ونواصِيهم بيدي فإنِ العبادُ أطاعوني جعلتهم لهم رحمة وإنِ العبادُ عصَوْني جعلتهم عليهم عقوبة فلا تشتغلوا بسبِّ الملوك ولكن توبوا إليَّ أُعطِّفْهم عليكم »**. وهو معنى قوله عليه السلام :**« كَما تَكُونُوا يُولَّ عَلَيْكُم »**.

### الآية 3:28

> ﻿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [3:28]

لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَاء  نُهوا عن موالاتهم لقرابة أو صداقة جاهلية ونحوِهما من أسباب المصادقة والمعاشرة كما في قوله سبحانه :
 يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء  \[ الممتحنة، الآية ١ \] وقولِه تعالى : لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَاء  \[ المائدة، الآية ٥١ \] حتى لا يكونَ حبهم ولا بغضهم إلا لله، أو عن الاستعانة بهم في الغزو وسائر الأمور الدينية  مِن دُونِ المؤمنين  في موضع الحال أي متجاوزين المؤمنين إليهم استقلالاً أو اشتراكاً وفيه إشارة إلى أنهم الأحقاءُ بالموالاة وأن في موالاتهم مندوحةً عن موالاة الكفرة  وَمَن يَفْعَلْ ذلك  أي اتخاذَهم أولياءَ، والتعبيرُ عنه بالفعل للاختصار أو لإيهام الاستهجان بذكره  فَلَيْسَ مِنَ الله  أي من ولايته تعالى  فِي شَيء  يصِح أن يُطلق عليه اسمُ الولاية فإن موالاة المتعاديَيْن مما لا يكاد يدخُل تحت الوقوع قال :تودُّ عدوِّي ثم تزعُم أنني  صديقُك ليس النَّوْكُ عنك بعازبوالجملة اعتراضية. قوله تعالى : إِلا أَن تَتَّقُواْ  على صيغة الخطابِ بطريق الالتفاتِ استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأحوال، والعامل فعل النهي معتبَراً فيه الخطابُ كأنه قيل : لا تتخذوهم أولياءَ ظاهراً أو باطناً في حال من الأحوال إلا حال اتقائكم  مِنْهُمْ  أي من جهتهم  تقاة  أي اتقاءً أو شيئاً يجب اتقاؤه على أن المصدر واقعٌ موقعَ المفعول فإنه يجوز إظهارُ الموالاة حينئذ مع اطمئنان النفس بالعداوة والبغضاء وانتظار زوالِ المانع من قَشْر العصا وإظهار ما في الضمير كما قال عيسى عليه السلام : كن وسَطاً وامشِ جانباً. وأصلُ ( تقاة ) وُقْيَةً ثم أبدلت الواو تاءً كتُخمة وتُهمة وقلبت الياء ألفاً وقرئ تُقْيةً  وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ  أي ذاتَه المقدسة فإن جواز إطلاقِ لفظِ النفسِ - مراداً به الذاتُ - عليه سبحانه بلا مشاكلة مما لا كلام فيه عند المتقدمين، وقد صرح بعضُ محققي المتأخرين بعدم الجواز وإن أريد به الذات بلا مشاكلة، وفيه من التهديد ما لا يخفى عُظْمُه، وذكرُ النفس للإيذان بأن له عقاباً هائلاً لا يؤبه دونه بما يحذر من الكفرة  وإلى الله المصير  تذييلٌ مقرِّر لمضمون ما قبله ومحقق لوقوعه حتماً.

### الآية 3:29

> ﻿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [3:29]

قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ  من الضمائر التي من جملتها ولايةُ الكفرةِ  أَوْ تُبْدُوهُ  فيما بينكم  يَعْلَمْهُ الله  فيؤاخذْكم بذلك عند مصيرِكم إليه، وتقديمُ الإخفاء على الإبداء قد مر سره في تفسير قوله تعالى : وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ  \[ البقرة، الآية ٢٨٤ \] وقوله تعالى : يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ  \[ البقرة، الآية ٧٧ \]  وَيَعْلَمُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض  كلامٌ مستأنف غيرُ معطوف على جواب الشرط وهو من باب إيرادِ العام بعد الخاص تأكيداً له وتقريراً  والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ  فيقدِرُ على عقوبتكم بما لا مزيدَ عليه إن لم تنتهوا عما نُهيتم عنه، وإظهارُ الاسم الجليل في موضع الإضمارِ لتربية المهابة وتهويلِ الخطب وهو تذييلٌ لما قبله مبين لقوله تعالى : وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ  \[ آل عمران، الآية : ٣٠ \] بأن ذاته المقدسةَ - المتميزةَ عن سائر الذوات المتصفةَ بما لا يتصف به شيء منها من العلم الذاتي المتعلقِ بجميع المعلومات - متصفةٌ بالقدرة الذاتية الشاملةِ لجميع المقدورات بحيث لا يخرُج من ملكوته شيءٌ قطُّ.

### الآية 3:30

> ﻿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [3:30]

يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ  أي من النفوس المكلفة  مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا  عندها بأمر الله تعالى وفيه من التهويل ما ليس في حاضراً  وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوء  عطف على  ما عَمِلَتْ  والإحضار معتبرٌ فيه أيضاً إلا أنه خُص بالذكر في الخير للإشعار بكون الخير مراداً بالذات وكونِ إحضارِ الشر من مقتضيات الحكمة التشريعية  تَوَدُّ  عامل في الظرف والمعنى تود وتتمنى يوم تجد صحائفَ أعمالها من الخير والشر أن أجزِيتَها محْضَرة  لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ  أي بين ذلك اليوم  أَمَدَا بَعِيدًا  لشدة هوله وفي إسناد الود إلى كل نفس سواءٌ كان لها عملٌ سيء أو لا بل كانت متمحِّضةً في الخير من الدلالة على كمال فظاعةِ ذلك اليوم وهول مطلعِه ما لا يخفى، اللهم إنا نعوذ بك من ذلك ويجوز أن يكون انتصابُ يومَ على المفعولية بإضمار اذكروا وتودّ إما حال من كل نفس أو استئنافٌ مبني على السؤال أي اذكروا يوم تجد كل نفس ما عملت من خير وشر محضراً وادّةً أن بينها وبينه أمداً بعيداً أو كأن سائلاً قال حين أمروا بذكر ذلك اليوم : فماذا يكون إذ ذاك ؟ قيل : تود لو أن بينها الخ أو  تَجِدُ  مقصورٌ على ما عملت من خير، وتود خبرُ ما عملت من سوء ولا تكون ما شرطية لارتفاع تود وقرئ ودّت فحينئذ يجوز كونُها شرطيةً لكن الحمل على الخبر أوقعُ معنىً لأنها حكايةُ حالً ماضية وأوفقُ للقراءة المشهورة  وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ  تكرير لما سبق وإعادة له لكن لا للتأكيد فقط بل لإفادة ما يفيده قوله عز وجل : والله رَءوفٌ بالعباد  من أن تحذيرَه تعالى من رأفته بهم ورحمتِه الواسعةِ أو أن رأفته بهم لا تمنعُ تحقيقَ ما حذّرهُموه من عقابه وأن تحذيرَه ليس مبنياً على تناسي صفةِ الرأفة بل هو متحققٌ مع تحققها أيضاً كما في قوله تعالى : يا أيها الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ الكريم  \[ الانفطار، الآية ٦ \] فالجملة على الأول اعتراضٌ، وعلى الثاني حال وتكرير الاسم الجليل لتربية المهابة.

### الآية 3:31

> ﻿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [3:31]

قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعوني  المحبة ميلُ النفس إلى الشيء لكمالٍ أدركتْه فيه بحيث يحمِلها على ما يقرّبها إليه، والعبدُ إذا علم أن الكمالَ الحقيقيَّ ليس إلا الله عز وجل وأن كلَّ ما يراه كمالاً من نفسه أو من غيره فهو من الله وبالله وإلى الله - لم يكن حبُّه إلا لله وفي الله، وذلك مقتضى إرادةِ طاعته والرغبةِ فيما يقرّبه إليه، فلذلك فُسِّرت المحبةُ بإرادة الطاعة وجُعلت مستلزِمةً لاتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في عبادته والحرصِ على مطاوعته  يُحْبِبْكُمُ الله  أي يرضَ عنكم  وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ  أي يكشفِ الحجبَ عن قلوبكم بالتجاوز عما فرَطَ منكم فيقرّبكم من جناب عزِّه ويبوِّئُكم في جوار قدْسِه، عبّر عنه بالمحبة بطريق الاستعارة أو المشاكلة  والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ  أي لمن يتحبّب إليه بطاعته ويتقرّب إليه باتباع نبيِّه عليه الصلاة والسلام فهو تذييلٌ مقررٌ لما قبله مع زيادة وعد الرحمةِ، ووضعُ الاسمِ الجليل موضع الضمير للإشعار باستتباع وصفِ الألوهية للمغفرة والرحمة، روي أنها نزلت لما قالت اليهودُ : نحن أبناءُ الله وأحباؤه، وقيل : نزلت في وفد نجرانَ لما قالوا : إنا نعبدُ المسيحَ حباً لله تعالى، وقيل : في أقوام زعَموا على عهده عليه الصلاة والسلام أنهم يُحبون الله تعالى فأُمروا أن يجعلوا لقولهم مِصداقاً من العمل. وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على قريش وهم في المسجد الحرام يسجدون للأصنام وقد علّقوا عليهم بيض النعام وجعلوا في آذانها الشُّنوف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :'يا معشر قريش لقد خالفتم ملة إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام' فقالت قريش : إنما نعبدها حبا لله تعالى ليقربونا إلى الله زلفى فقال الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام : قل إن كنتم تحبون الله  تعالى وتعبدون الأصنام لتقربكم إليه  فاتبعوني  أي اتبعوا شريعتي وسنتي  يحببكم الله  فأنا رسوله إليكم وحجته عليكم.

### الآية 3:32

> ﻿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ۖ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [3:32]

قُلْ أَطِيعُواْ الله والرسول  أي في جميع الأوامرِ والنواهي فيدخلُ في ذلك الطاعةُ في اتباعه عليه الصلاة والسلام دخولاً أولياً، وإيثارُ الإظهار على الإضمار بطريق الالتفات لتعيين حيثية الإطاعة والإشعارِ بعلّتها فإن الإطاعة المأمورَ بها إطاعتُه عليه الصلاة والسلام من حيث إنه رسولُ الله لا من حيث ذاتُه ولا ريب في أن عنوانَ الرسالة من موجبات الإطاعةِ ودواعيها  فَإِن تَوَلَّوْاْ  إما من تمام مقولِ القول فهي صيغة المضارعِ المخاطَب بحذف إحدى التاءين أي تتولوا وإما كلام متفرِّعٌ عليه مَسوقٌ من جهته تعالى فهي صيغةُ الماضي الغائب، وفي ترك ذكرِ احتمالِ الطاعةِ كما في قوله تعالى : فَإِنْ أَسْلَمُواْ  \[ آل عمران : ٢٠ \] تلويحٌ إلى أنه غيرُ محتمَلٍ منهم  فَإِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الكافرين  نفي المحبة كنايةٌ عن بغضه تعالى لهم وسُخطِه عليهم أي لا يرضى عنهم ولا يثني عليهم، وإيثارُ الإظهارِ على الإضمار لتعميم الحكمِ لكل الكفَرَة والإشعار بعلّته فإن سخطه تعالى عليهم بسبب كفرهم والإيذان بأن التولّيَ عن الطاعة كفرٌ وبأن محبتَه عز وجل خاصة بالمؤمنين.

### الآية 3:33

> ﻿۞ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ [3:33]

إِنَّ الله اصطفى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إبراهيم وَآلَ عمران عَلَى العالمين  لما بيّن الله تعالى أن الدين المرضيَّ عنده هو الإسلامُ والتوحيدُ وأن اختلاف أهل الكتابين فيه إنما هو للبغي والحسد وأن الفوز برضوانه ومغفرته ورحمته منوطٌ باتباع الرسولِ صلى الله عليه وسلم وطاعته - شرَعَ في تحقيق رسالته وكونِه من أهل بيت النبوة القديمةِ فبدأ ببيان جلالةِ أقدارِ الرسل عليهم الصلاة والسلام كافةً وأتبعه ذكرَ مبدأ أمرِ عيسى عليه الصلاة والسلام وأمِّه وكيفيةِ دعوتِه للناس إلى التوحيد والإسلام تحقيقاً للحق وإبطالاً لما عليه أهلُ الكتابين في شأنهما من الإفراط والتفريط ثم بين بطلانَ مُحاجّتهم في إبراهيم عليه الصلاة والسلام وادعائِهما الانتماءَ إلى ملته ونزّه ساحتَه العلية عما هم عليه من اليهودية والنصرانية ثم نص على أن جميعَ الرسل عليهم الصلاة والسلام دعاةٌ إلى عبادة الله عز وجل وحده وطاعتِه منزَّهون عن احتمال الدعوة إلى عبادة أنفسِهم أو غيرِهم من الملائكة والنبيين وأن أممهم قاطبةً مأمورون بالإيمان بمن جاءهم من رسولٍ مصدقٍ لما معهم تحقيقاً لوجوب الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم وكتابه المصدِّق لما بين يديه من التوراة والإنجيل ووجوب الطاعة له حسبما سيأتي تفصيلُه، وتخصيصُ آدمَ عليه الصلاة والسلام بالذكر لأنه أبو البشر ومنشأ النبوة وكذا حالُ نوحٍ عليه السلام فإنه آدمُ الثاني، وأما ذكرُ آل إبراهيمَ فلترغيب المعترفين باصطفائهم في الإيمان بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم واستمالتِهم نحوَ الاعترافِ باصطفائه بواسطة كونِه من زُمرتهم مع ما مر من التنبيه على كونه عليه الصلاة والسلام عريقاً في النبوة من زمرة المصطفَيْنَ الأخيار، وأما ذكرُ آلِ عمرانَ مع اندراجهم في آل إبراهيمَ فلإظهار مزيدِ الاعتناء بتحقيق أمرِ عيسى عليه الصلاة والسلام لكمال رسوخِ الخلاف في شأنه فإن نسبةَ الاصطفاءِ إلى الأب الأقرب أدلُّ على تحققه في الآل وهو الداعي إلى إضافة الآلِ إلى إبراهيمَ دون نوحٍ وآدمَ عليهم الصلاة والسلام، والاصطفاء أخذُ ما صفا من الشيء كالاستصفاء، مثّل به اختيارَه تعالى إياهم النفوسَ القدسية وما يليق بها من الملكات الروحانيةِ والكمالاتِ الجُسمانية المستتبعةِ للرسالة في نفس المصطفى كما في كافة الرسل عليهم الصلاة والسلام، أو فيمن يلابسه وينشأ منه كما في مريمَ، وقيل : اصطفى آدمَ عليه الصلاة والسلام بأن خلقه بيده في أحسنِ تقويمٍ وبتعليم الأسماء وإسجادِ الملائكة له وإسكانِ الجنة، واصطفى نوحاً عليه الصلاة والسلام بكونه أولَ من نسخ الشرائعَ إذ لم يكن قبل ذلك تزويجُ المحارم حراماً وبإطالة عُمره وجعْلِ ذريتِه هم الباقين واستجابةِ دعوتِه في حق الكفرة والمؤمنين، وحملِه على متن الماء، والمرادُ بآل إبراهيمَ إسماعيلُ وإسحاقُ والأنبياءُ من أولادهما الذين من جملتهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وأما اصطفاءُ نفسِه عليه الصلاة والسلام فمفهومٌ من اصطفائهم بطريق الأولوية، وعدمُ التصريح به للإيذان بالغنى عنه لكمال شهرةِ أمرِه في الخِلّة وكونِه إمامَ الأنبياء وقدوةً للرسل عليهم الصلاة والسلام وكونِ اصطفاء آله بدعوته بقوله : رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ  \[ البقرة، الآية ١٢٩ \] الآية، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام :**« أنا دعوةُ أبي إبراهيمَ »**. وبآل عمرانَ عيسى وأمُّه مريمُ ابنةُ عِمرانَ بنِ ماثانَ بنِ أبي بور بن رب بابل بن ساليان بن يوشيان بن أمون بن منشا بن حزقيا بن أحز بن يوثم بن عزياهو بن يهوشافاط بن أسا بن رحبعم بن سليمانَ بنِ داودَ عليهما الصلاة والسلام ابن بيشا بن عوفيذ بن بوعز بن سلمون بن نحشون بن عمينوذب بن رم بن حصرون بن بارص بن يهوذا بنِ يعقوبَ عليه الصلاة والسلام، وقيل : موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام ابنا عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب عليه الصلاة والسلام وبين العمرانين ألفٌ وثمانمائة سنة فيكون اصطفاءُ عيسى عليه الصلاة والسلام حينئذ بالاندراج في آل إبراهيمَ عليه السلام والأولُ هو الأظهرُ بدليل تعقيبِه بقصة مريمَ واصطفاءِ موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام بالانتظام في سلك آلِ إبراهيمَ عليه السلام انتظاماً ظاهراً، والمرادُ بالعالمين أهلُ زمان كل واحدٍ منهم أي اصطفى كل واحد منهم على عالمي زمانه.

### الآية 3:34

> ﻿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [3:34]

ذُرّيَّةً  نُصب على البدلية من الآلَيْن أو على الحالية منهما وقد مر بيانُ اشتقاقها في قوله تعالى : وَمِن ذُرّيَتِي  \[ البقرة، الآية ١٢٤ \] وقوله تعالى : بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ  في محل النصب على أنه صفةٌ لذرية أي اصطفى الآلَيْن حالَ كونهم ذريةً متسلسلةً متشعّبةَ البعضِ من البعض في النسَب كما يُنْبئ عنه التعرُّضُ لكونه ذرية وقيل : بعضُها من بعض في الدين فالاستمالةُ على الوجه الأول تقريبيةٌ وعلى الثاني برهانية  والله سَمِيعٌ  لأقوال العباد  عَلِيمٌ  بأعمالهم البادية والخافية فيصطفي مِن بينِهم لخِدمته مَنْ تظهر استقامتُه قولاً وفعلاً على نهج قوله تعالى :
 الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ  \[ الأنعام، الآية ١٢٤ \] والجملة تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبلها.

### الآية 3:35

> ﻿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [3:35]

إِذْ قَالَتِ امرأة عمران  في حيِّز النصب على المفعولية بفعل مقدَّرٍ على طريقة الاستئنافِ لتقرير اصطفاءِ آلِ عمرانَ وبيانِ كيفيته أي اذكر لهم وقت قولِها الخ وقد مر مراراً وجهُ توجيهِ التذكيرِ إلى الأوقات مع أن المقصودَ تذكيرُ ما وقع فيها من الحوادث، وقيل : هو منصوبٌ على الظرفية لما قبله أي سميع لقولها المحكيِّ عليمٌ بضميرها المَنْويّ، وقيل : هو ظرفٌ لمعنى الاصطفاء المدلول عليه باصطفى المذكور كأنه قيل : واصطفى آلَ عمران إذ قالت الخ فكان من عطف الجُمل على الجمل دون عطفِ المفردات على المفردات ليلزَمَ كونُ اصطفاءِ الكلِّ في ذلك الوقت، وامرأةُ عمرانَ هي حنّةُ بنتُ فاقوذا جدةُ عيسى عليه الصلاة والسلام وكانت لعِمرانَ بنِ يَصْهرَ بنتٌ اسمُها مريمُ أكبرُ من موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام فظن أن المراد زوجتُه وليس بذاك، فإن قضيةَ كفالةِ زكريا عليه الصلاة والسلام قاضيةٌ بأنها زوجةُ عمرانَ بنِ ماثانَ لأنه عليه الصلاة والسلام كان معاصراً له وقد تزوج إيشاع أختَ حنة أم يحيى عليه الصلاة والسلام وأما قولُه عليه الصلاة والسلام في شأن يحيى وعيسى عليهما الصلاة والسلام :**« هما ابنا خالة »** فقيل : تأويلُه أن الأختَ كثيراً ما تُطلق على بنت الأخت وبهذا الاعتبار جعلهما عليهما الصلاة والسلام ابنيْ خالة وقيل : كانت إيشاعُ أختَ حنةَ من الأم وأختَ مريمَ من الأب، على أن عمرانَ نكحَ أولاً أمَّ حنة فولدت له إيشاع ثم نكح حنة بناءً على نكاح الربائبِ في شريعتهم فولدَتْ مريمَ فكانت إيشاعُ أختَ مريمَ من الأب وخالتَها من الأم لأنها أخت حنة من الأم، روي أنها كانت عجوزاً عاقراً فبينما هي ذاتَ يوم في ظل شجرة إذ رأت طائراً يُطعم فرخَه فحنّت إلى الولد، وتمنتْه، وقالت : اللهم إن لك عليَّ نذراً إن رَزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس فيكونَ من سَدَنته. وكان هذا النذرُ مشروعاً عندهم في الغلمان ثم هلك عِمرانُ وهي حامل. وحينئذ فقولها : رَبّ { إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي  لا بد من حمله على التكرير لتأكيد نذرِها وإخراجِه عن صورة التعليق إلى هيئة التنجيز، والتعرضُ لوصف الربوبية المنبئة عن إفاضة ما فيه صلاحُ المربوب مع الإضافة إلى ضميرها لتحريك سلسلة الإجابة، ولذلك قيل : إذا أراد العبد أن يستجاب له دعاؤه فليدعُ الله بما يناسبه من أسمائه وصفاته، وتأكيدُ الجملة لإبراز وفورِ الرغبة في مضمونها، وتقديمُ الجارّ والمجرور لكمال الاعتناءِ به، وإنما عُبّر عن الولد 
( بما ) لإبهام أمرِه وقصورِه عن درجه العقلاء  مُحَرَّرًا  أي مُعْتقاً لخدمة بيتِ المقدس لا يشغَلُه شأن عنه، أو مُخلَصاً للعبادة، ونصبُه على الحالية من الموصول والعامل فيه  نَذَرْتُ  وقيل : من ضميره في الصلة والعامل معنى الاستقرار فإنها في قوة ما استقر في بطني، ولا يخفى أن المراد تقييدُ فعلِها بالتحرير ليحصُل به التقربُ إليه تعالى لا تقييدُ ما لا دخلَ لها فيه من الاستقرار في بطنها  فَتَقَبَّلْ مِنّي  أي ما نذرتُه والتقبُّل أخذُ الشيء على وجه الرضا وهذا في الحقيقة استدعاءٌ للولد إذ لا يُتصور القَبولُ بدون تحقيق المقبول بل للولد الذكَرِ لعدم قَبول الأنثى  إِنَّكَ أَنتَ السميع  لجميع المسموعات التي من جملتها تضرعي ودعائي  العليم  بكل المعلومات التي من زمرتها ما في ضميري لا غير، وهو تعليلٌ لاستدعاء القبول لا من حيث إن كونه تعالى سميعاً لدعائها عليماً بما في ضميرها مصحّحٌ للتقبل في الجملة بل من حيث إن علمَه تعالى بصحة نيتها وإخلاصِها مستدعٍ لذلك تفضلاً وإحساناً، وتأكيدُ الجملة لعرض قوةِ يقينها بمضمونها، وقصرُ صفتي السمعِ والعلم عليه تعالى لعرض اختصاص دعائِها به تعالى وانقطاعِ حبل رجائها عما عداه بالكلية مبالغةً في الضراعة والابتهال.

### الآية 3:36

> ﻿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَىٰ ۖ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [3:36]

فَلَمَّا وَضَعَتْهَا  أي ما في بطنها، وتأنيثُ الضمير العائد إليه لما أن المقامَ يستدعي ظهورَ أنوثتِه واعتبارَه في حيز الشرط إذ عليه يترتب جوابُ لما، أعني قوله تعالى : قَالَتْ رَبّ إِنّي وَضَعْتُهَا أنثى  لا على وضع ولدٍ ما كأنه قيل : فلما وضعت بنتاً قالت الخ، قيل : تأنيثُه لأن ما في بطنها كان أنثى في علم الله تعالى أو لأنه مؤوّلٌ بالمرة من الحَبَل أو النفْس أو النَّسَمة وأنت خبير بأن اعتبارَ شيءٍ مما ذُكر في حيز الشرط لا يكون مداراً لترتب الجواب عليه وقولُه تعالى : أنثى  حال مؤكّدة من الضمير أو بدلٌ منه، وتأنيثُه للمسارعة إلى عَرْض ما دَهَمها من خيبة الرجاء أو لما مر من التأويل بالحبْلةِ أو النسمة فالحال حينئذ مبيِّنة وإنما قالته تحزُّناً وتحسّراً على خيبة رجائِها وعكسِ تقديرِها لما كانت ترجو أن تلدَ ذكَراً ولذلك نذرَتْه محرّراً للسِّدانة، والتأكيدُ للرد على اعتقادها الباطل  والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ  تعظيمٌ من جهته تعالى لموضوعها وتفخيمٌ لشأنه وتجهيلٌ لها بقدره أي والله أعلم بالشيء الذي وضعتْه وما علِقَ به من عظائم الأمور وجعلِه وابنَه  آية للعالمين  \[ الأنبياء، الآية ٩١ \] وهي غافلةٌ عن ذلك والجملة اعتراضية وقرئ  وَضَعَتْ  على خطاب الله تعالى لها أي إنك لا تعلمين قدرَ هذا الموهوبِ وما أودع الله فيه من علو الشأنِ وسموِّ المقدار وقرئ وَضَعَتْ على صيغة التكلم مع الالتفات من الخطاب إلى الغَيبة إظهاراً لغاية الإجلال فيكون ذلك منها اعتذاراً إلى الله تعالى حيث أتت بمولود لا يصلُح لما نذرته من السدانة، أو تسليةً لنفسها على معنى لعل لله تعالى فيه سراً وحكمة ولعل هذه الأنثى خيرٌ من الذكر فوجهُ الالتقاتِ حينئذ ظاهر وقوله تعالى : وَلَيْسَ الذكر كالأنثى  اعتراض آخرُ مبيِّن لما في الأول من تعظيم الموضوعِ ورفع منزلتِه، واللامُ في الذكَر والأنثى للعهد أي ليس الذكرُ الذي كانت تطلُبه وتتخيل كماله ليكون كواحد من السَّدَنة كالأنثى التي وُهِبتْ لها فإن دائرةَ علمِها وأمنيتها لا تكاد تُحيط بما فيها من جلائل الأمور. هذا على القراءتين الأُولَيَيْن وأما على التفسير الأخير للقراءة الأخيرة فمعناه وليس الذكر كهذه الأنثى في الفضيلة بل أدنى منها، وأما على تفسير الأول لها فمعناها تأكيدُ الاعتذارُ ببيان أن الذكر ليس كالأنثى في الفضيلة والمزية وصلاحيةِ خدمة المتعبّدات فإنهن بمعزل من ذلك فاللامُ للجنس، وقوله تعالى : وَإِنّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ  عطف على إني وضعتُها أنثى وغرضُها من عَرْضها على علام الغيوب التقربُ إليه تعالى واستدعاءُ العصمة لها فإن مريمَ في لغتهم بمعنى العابدة. قال القرطبي : معناه خادمُ الرب، وإظهارُ أنها غيرُ راجعة عن نيّتها وإن كان ما وضعته أنثى وأنها وإن لم تكن خليقةً بسِدانة بيت المقدس فلتكنْ من العابدات فيه  وِإِنّي أُعِيذُهَا بِكَ  عطف على إني سميتها وصيغةُ المضارع للدَلالة على الاستمرار أي أُجيرُها بحفظك، وقرئ بفتح ياء المتكلم في المواضع التي بعدها همزةٌ مضمومة إلا في موضعين 
 بِعَهْدِي أُوفِ  \[ البقرة، الآية ٤٠ \]  آتُونِي أُفْرِغْ  \[ الكهف، الآية ٩٦ \]  وَذُرّيَّتَهَا  عطف على الضمير، وتقديمُ الجار والمجرور عليه لإبراز كمالِ العناية به  مِنَ الشيطان الرجيم  أي المطرود، وأصلُ الرجم الرميُ بالحجارة. عن النبي صلى الله عليه وسلم :**« ما من مولودٍ يولد إلا والشيطانُ يَمَسه حين يولد فيستهِلُّ صارخاً من مسّه إلا مريمَ وابنَها »** ومعناه أن الشيطان يطمع في إغواء كلِّ مولود بحيث يتأثر منه إلا مريم وابنها فإن الله تعالى عصَمهما ببركة هذه الاستعاذة.

### الآية 3:37

> ﻿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [3:37]

فَتَقَبَّلَهَا  أي أخذ مريمَ ورضيَ بها في النذر مكانَ الذكَر  رَبُّهَا  مالكها ومُبلِّغها إلى كمالها اللائق بها وفيه من تشريفَها ما لا يخفى  بِقَبُولٍ حَسَنٍ  قيل : الباء زائدة والقَبول مصدرٌ مؤكِّد للفعل السابق بحذف الزوائد أي تقبّلها قبولاً حسناً وإنما عدَلَ عن الظاهر للإيذان بمقارنة التقبُّل لكمال الرضا وموافقته للعناية الذاتية فإن صيغة التفعُّل مُشعِرةٌ بحسب أصل الوضعِ بالتكليف، وكونِ الفعل على خلاف طبع الفاعل وإن كان المرادُ بها في حقه تعالى ما يترتب عليه من كمال قوةِ الفعل وكثرتِه وقيل : القبولُ ما يقبل به الشيء كالسَّعوط[(١)](#foonote-١) واللَّدود لما يُسعَط به ويلُدّ، وهو اختصاصُه تعالى إياها بإقامتها مُقام الذكَر في النَّذر، ولم تُقبلْ قبلها أنثى أو بأنْ تُسلِّمها أمُّها عَقيبَ الولادة قبل أن تنشأ وتصلُحَ للسِّدانة. روي أن حنة حين ولدتها، لفّتها في خرقة، وحملتْها إلى بيت المقدس، ووضعتها عند الأحبار أبناءِ هارونَ وهم في بيت المقدس كالحَجَبة في الكعبة فقالت لهم : دونكم هذه النذيرة، فتنافسوا فيها لأنها كانت بنتَ إمامِهم، وصاحبِ قُربانهم، فإن بني ماثانَ كانت رؤوسَ بني إسرائيلَ وملوكَهم، وقيل : لأنهم وجدوا أمرَها وأمرَ عيسى عليه الصلاة والسلام في الكتب الإلهية فقال زكريا عليه الصلاة والسلام :**«أنا أحقُّ بها لأن عندي خالتَها »** فأبوا إلا القُرْعةَ، وكانوا سبعةً وعشرين، فانطلقوا إلى نهر فألقَوْا فيه أقلامَهم فطفا قلمُ زكريا ورسبَتْ أقلامُهم فتكفلها. وقيل : هو مصدر وفيه مضافٌ مقدرٌ أي فتقبلها بذي قبولٍ أي بأمرٍ ذي قَبول حسن، وقيل : تقبّل بمعنى استقبل كتقصَّى بمعنى استقصى وتعجَّل بمعنى استعجل أي استقبلها في أول أمرِها حين وُلدت بقبول حسن  وَأَنبَتَهَا  مجازٌ عن تربيتها بما يُصلِحها في جميع أحوالها  نَبَاتًا حَسَنًا  مصدر مؤكّدٌ للفعل المذكور بحذف الزوائد وقيل : بل لفعل مُضمر موافقٍ له تقديرُه فنبتت نباتاً حسناً  وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا  أي جعله عليه الصلاة والسلام كافلاً لها وضامناً لمصالحها قائماً بتدبير أمورِها لا على طريقة الوحي بل على ما ذُكر من التفصيل فإن رغبتَه عليه الصلاة والسلام في كفالتها وطُفوَّ قلمِه ورسوبَ أقلامِهم وغيرَ ذلك من الأمور الجارية بينهم كلُّها من آثار قدرته تعالى، وقرئ أَكفلَها وقرئ زكرياءَ بالنصب والمد وقرئ بتخفيف الفاء وكسرِها ورفع زكرياءُ ممدوداً وقرئ وتقبَّلْها ربَّها وأنبِتْها وكفَّلْها على صيغة الأمر في الكل ونصبِ ربها على الدعاء أي فاقبلها يا ربها وربِّها تربيةً حسنةً واجعلْ زكريا كافلاً لها فهو تعيينٌ لجهة التربية. قيل : بنى عليه الصلاة والسلام لها مِحْراباً في المسجد أي غرفةً يُصعد إليها بسُلّم وقيل : المحرابُ أشرفُ المجالس ومُقدَّمُها كأنها وضعت في أشرف موضعٍ من بيت المقدس وقيل : كانت مساجدُهم تسمى المحاريب. روي أنه كان لا يدخل عليها إلا هو وحده وإذا خرج غلّق عليها سبعة أبواب  كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب  تقديمُ الظرف على الفاعل لإظهار كمالِ العناية بأمرِها ونصبُ المحراب على التوسّع وكلمة  كُلَّمَا  ظرف على أن ما مصدرية والزمان محذوف، أو نكرةٌ موصوفة معناها الوقتُ والعائد محذوفٌ والعامل فيها جوابُها أي كلَّ زمانِ دخولِه عليها أو كلَّ وقتٍ دخل عليها فيه  وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا  أي نوعاً منه غيرَ معتاد إذ كان ينزل ذلك من الجنة. وكان يجد عندها في الصيف فاكهةَ الشتاء وفي الشتاء فاكهةَ الصيف ولم ترضَعْ ثدياً قط  قَالَ  استئنافٌ مبني على السؤال كأنه قيل : فماذا قال زكريا عليه الصلاة والسلام عند مشاهدةِ هذه الآية ؟ فقيل قال : يا مريم أنى لَكِ هذا  أي من أين جاء لك هذا الذي لا يُشبه أرزاقَ الدنيا والأبوابُ مغلقةٌ دونك ؟ وهو دليل على جواز الكرامةِ للأولياء ومن أنكرها جعلَ هذا إرهاصاً وتأسيساً لرسالة عيسى عليه الصلاة والسلام، وأما جعلُه معجزةً لزكريا عليه الصلاة والسلام فيأباه اشتباهُ الأمر عليه، عليه السلام، وإنما خاطبها عليه الصلاة والسلام بذلك مع كونها بمعزلٍ من رتبة الخطاب لما علم بما شاهده أنها مؤيَّدةٌ من عند الله تعالى بالعلم والقدرة  قَالَتْ  استئناف كما قبله كأنه قيل : فماذا صنعت مريمُ وهي صغيرة لا قدرة لها على فهم السؤال ورد الجواب ؟ فقيل قالت : هُوَ مِنْ عِندِ الله  فلا تعجبْ ولا تستبعد  إنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَاء  أن يرزُقَه  بِغَيْرِ حِسَابٍ  أي بغير تقدير لكثرته أو بغير استحقاقٍ تفضلاً منه تعالى وهو تعليل لكونه من عند الله إما من تمام كلامِها فيكونُ في محل النصب وإما من كلامه عز وجل فهو مستأنفٌ، روي أن فاطمة الزهراءَ رضي الله عنها أهدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رغيفين وبضعةَ لحم فرجع بها إليها فقال :" هلُمّي يا بنية " فكشف عن الطبق فإذا هو مملوءٌ خبزاً ولحماً فقال لها :" أنى لك هذا ؟ " قالت :**«هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب »**، فقال عليه الصلاة والسلام :" الحمدُ لله الذي جعلك شبيهةً بسيدة بني إسرائيلَ "، 
ثم جمع علياً والحسنَ والحسينَ وجميعَ أهلِ بيته رضوانُ الله عليهم أجمعين فأكلوا وشبِعوا وبقي الطعام كما هو فأوسعت على جيرانها. 
١ السعوط بالفتح والصعوط: اسم الدواء الذي يصب بالأنف..

### الآية 3:38

> ﻿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ [3:38]

هُنَالِكَ  كلامٌ مستأنفٌ وقصةٌ مستقلة سيقت في تضاعيف حكايةِ مريمَ لما بينهما من قوة الارتباطِ وشدةِ الاشتباك مع ما في إيرادها من تقرير ما سيقت له حكايتُها من بيان اصطفاءِ آلَ عمران، فإن فضائلَ بعض الأقرباء أدلةٌ على فضائل الآخَرين، وهنا ظرفُ مكانٍ واللامُ للدِلالة على البُعد والكافُ للخطاب أي في ذلك المكان حيث هو قاعدٌ عند مريمَ في المحراب أو في ذلك الوقت إذ يستعار هنا وثمَةَ وحيث للزمان  دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ  لما رآى كرامةَ مريمَ على الله ومنزلتَها منه تعالى رغِب في أن يكون له من إيشاعَ ولدٌ مثلُ ولدِ حنّةَ في النجابة والكرامة على الله تعالى وإن كانت عاقِراً عجوزاً فقد كانت حنة كذلك وقيل : لما رأى الفواكهَ في غير إِبّانِها تنبه لجواز ولادةِ العجوز العاقرِ من الشيخ الفاني فأقبل بالدعاء من غير تأخير كما يُنبئ عنه تقديمُ الظرف على الفعل لا على معنى أن ذلك كان هو الموجبَ للإقبال على الدعاء فقط بل كان جزءاً أخيراً من العلة التامة التي من جملتها كِبَرُ سِنّه عليه الصلاة والسلام وضَعفُ قواه وخوفُ مَواليه حسبما فُصِّل في سورة مريم  قَالَ  تفسيرٌ للدعاء وبيانٌ لكيفيته لا محل له من الإعراب  رَبّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ  كلا الجارَّين متعلقٌ بهَبْ لاختلاف معنييهما فاللامُ صلةٌ له و مِنْ  لابتداء الغايةِ مجازاً أي أعطني من مَحْض قدرتِك من غير وسطٍ معتاد  ذُرّيَّةً طَيّبَةً  كما وهبتَها لحنّةَ، ويجوز أن يتعلق مِنْ بمحذوفٍ وقع حالاً من  ذُرّيَّةِ  أي كائنة من لدنك، والذريةُ النسلُ تقع على الواحد والجمع والذكر والأنثى والمراد هاهنا ولدٌ واحد فالتأنيث في الصفة لتأنيث لفظ الموصوف كما في قول من قال :أبوك خليفةٌ ولدتْه أُخرى  وأنت خليفةٌ، ذاك الكمالُوهذا إذا لم يُقصَدْ به واحدٌ معين أما إذا قُصد به المعيَّنُ امتنع اعتبارُ اللفظِ نحو طلحة وحمزة فلا يجوز أن يقال : جاءت طلحة وذهبت حمز  إِنَّكَ سَمِيعُ الدعاء  أي مجيبُه وهو تعليلٌ لما قبله وتحريكٌ لسلسلة الإجابة.

### الآية 3:39

> ﻿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ [3:39]

فَنَادَتْهُ الملائكة  كان المناديَ جبريلُ عليه الصلاة والسلام كما تُفصح عنه قراءةُ من قرأ فناداه جبريلُ، والجمع كما في قولهم : فلان يركب الخيلَ ويلبَس الثياب وما له غيرُ فرس وثوب، قال الزجاج : أي أتاه النداءُ من هذا الجنس الذين هم الملائكة وقيل : لما كان جبرائيل عليه الصلاة والسلام رئيسَهم عَبّر عنه باسم الجماعة تعظيماً له وقيل : الرئيسُ لا بد له من أتباع فأسند النداء إلى الكل مع كونه صادراً عنه خاصة وقرئ 
 فنادِاه  بالإمالة  وَهُوَ قَائِمٌ  جملة حالية من مفعول النداء مقرِّرةٌ لما أفاده الفاءُ من حصول البِشارة عَقيب الدعاء، وقوله تعالى : يُصَلّي  إما صفةٌ لقائمٌ أو خبرٌ ثانٍ عند من يرى تعدُّدَه عند كونِ الثاني جملةً كما في قوله تعالى : فَإِذَا هِي حَيَّةٌ تسعى  \[ طه، الآية ٢٠ \] أو حال أخرى منه على القول بتعددها بلا عطف ولا بدلية أو حالٌ من المستكنِّ في قائم وقوله تعالى : فِي المحراب  أي في المسجد أو في غرفةِ مريمَ متعلق بيصلي أو بقائم على تقدير كونِ يصلّي حالاً من ضمير قائمٌ لأن العامل فيه وفي الحال حينئذ شيء واحد فلا يلزم الفصلُ بالأجنبي كما يلزم على التقادير الباقية. 
 أَنَّ الله يُبَشّرُكَ بيحيى  أي بأن الله وقرئ بكسر الهمزة على تقدير القول أو إجراء النداء مُجراه لكونه نوعاً منه وقرئ 'يُبْشِرُك " من الإبشار ويَبْشُرُك من الثلاثي وأياً ما كان ينبغي أن يكون هذا الكلام إلى آخره محكياً بعبارته عن الله عز وجل على منهاج قوله تعالى : قُلْ يا عبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله  \[ الزمر، الآية ٥٣ \] الآية، كما يلوح من مراجعته عليه الصلاة والسلام في الجواب إليه تعالى بالذات لا بواسطة الملك، والعدولُ عن إسناد التبشير إلى نون العظمة حسبما وقع في سورة مريم للجري على سنن الكبرياء كما في قول الخلفاء : أميرُ المؤمنين يرسُم لك بكذا وللإيذان بأن ما حُكي هناك من النداء والتبشير وما يترتّب عليه من المحاورة كان كلُّ ذلك بتوسط الملك بطريق الحِكاية عنه سبحانه لا بالذات كما هو المتبادر، وبهذا يتضح اتحادُ المعنى في السورتين الكريمتين فتأمل. ويحيى اسمٌ أعجمي وإن جعل عربياً فمنعُ صرفه للتعريف ووزن الفعل. 
روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إنما سُمّي يحيى لأن الله تعالى أحيا به عُقرَ أمِه. وقال قتادة : لأنه تعالى أحيا قلبه بالإيمان، قال القرطبيُّ : كان اسمُه في الكتاب الأول حيا، ولا بد من تقدير مضافٍ يعود إليه الحالُ أي بولادة يحيى فإن التبشيرَ لا يتعلق بالأعيان  مُصَدّقاً  حال مقدرة من يحيى  بِكَلِمَةٍ مّنَ الله  أي بعيسى عليه الصلاة والسلام وإنما سمي كلمة لأنه وجد بكلمة كائنة منه تعالى قيل : هو أولُ من آمن به وصدق بأنه كلمةُ الله ورُوحٌ منه وقال السدي : لقِيَتْ أم يحيى أم عيسى فقالت :**«يا مريم أشَعرتِ بحبَلي ؟ »**، فقالت مريم :**«وأنا أيضاً حُبلى »**، قالت :
**«فإني وجدتُ ما في بطنك »**، فذلك قوله تعالى : مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ  \[ آل عمران، الآية : ٣٩ \] الخ وقال ابن عباس رضي الله عنهما :**«إن يحيى كان أكبرَ من عيسى عليهما الصلاة والسلام بستة أشهرٍ »**، وقيل : بثلاث سنين، وقتل قبل رفعِ عيسى عليهما الصلاة والسلام بمدة يسيرةٍ وعلى كل تقديرٍ يكون بين ولادة يحيى وبين البشارة بها زمانٌ مديد لما أن مريمَ ولَدت وهي بنتُ ثلاثَ عشرةَ سنة أو بنتُ عشرِ سنين وقيل : بِكَلِمَةٍ منَ الله  أي بكتابِ الله سمّي كلمةً كما قيل : كلمة الحويدرة لقصيدته  وَسَيّدًا  عطفٌ على مصدقاً أي رئيساً يسود قومَه ويفوقهم في الشرف وكان فائقاً للناس قاطبةً فإنه لم يُلِمَّ بخطيئة ولم يَهُمَّ بمعصية فيا لها من سيادة ما أسناها  وَحَصُورًا  عطف على ما قبله أي مبالِغاً في حصر النفس وحبسِها عن الشهوات مع القدرة، روي أنه مرَّ في صباه بصبيان فدعَوْه إلى اللعب فقال :**«ما لِلَّعب خلقت »**  وَنَبِيّا  عطف على ما قبله مترتب على ما عُدِّد من الخصال الحميدة  منَ الصالحين  أي ناشئاً منهم لأنه كان من أصلاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو كائناً من جملة المشهورين بالصلاح كما في قوله تعالى : وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين  \[ البقرة، الآية ١٣٠ \] والمراد بالصلاح ما فوق الصلاحِ الذي لا بد منه في منصِب النبوة من أقاصي مراتبه، وعليه مبنيٌّ دعاءُ سليمانَ عليه السلام : وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالحين  \[ النمل، الآية ١٩ \].

### الآية 3:40

> ﻿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [3:40]

قَالَ  استئناف مبني عن السؤال كأنه قيل : فماذا قال زكريا عليه السلام حينئذ ؟ فقيل قال : رَبّ  لم يخاطِب الملَكَ المناديَ له بملابسة أنه المباشرُ للخطاب وإن كان ذلك بطريق الحكاية عنه تعالى بل جرى نهجُ دعائه السابق مبالغةً في التضرع والمناجاة وجِدّاً في التبتل إليه تعالى واحترازاً عما عسى يوهم خطابُ الملَكِ من توهّم أن علمه سبحانه بما يصدُر عنه يتوقف على توسّطه كما يتوقف وقوفُ البشر على ما يصدر عنه سبحانه على توسّطه في عامة الأحوال وإن لم يتوقف عليه في بعضها  أنى يَكُونُ لِي غلام  فيه دَلالةٌ على أنه قد أخبر بكونه غلاماً عند التبشير كما في قوله تعالى : إِنَّا نُبَشّرُكَ بغلام اسمه يحيى  \[ مريم، الآية ٧ \] وأنى بمعنى كيف أو من أين وكان تامة وأنى واللام متعلقتان بها وتقديمُ الجارِّ على الفاعل لما مر مراراً من الاعتناء بما قُدم والتشويقِ إلى ما أُخر، أي كيف أو من أين يحدُث لي غلام ويجوزُ أن تتعلق اللامُ بمحذوف وقع حالاً من غلام إذ لو تأخر لكان صفة له، أو ناقصة واسمُها ظاهرٌ وخبرها إما أنى واللام متعلقة بمحذوف كما مر أو هو الخبر وأنى منصوب على الظرفية  وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر  حال من ياء المتكلم أي أدركني كِبَرُ السِّنِّ وأثّر فيَّ، كقولهم : أدركته السنُّ وأخذته السن، وفيه دلالةٌ على أن كبرَ السن من حيث كونُه من طلائع الموت طالبٌ للإنسان لا يكاد يتركه، قيل : كان له تسعٌ وتسعون سنة، وقيل : اثنتان وتسعون، وقيل : مائة وعشرون، وقيل : ستون، وقيل : خمس وستون، وقيل : سبعون، وقيل : خمس وسبعون، وقيل : خمس وثمانون ولامرأته ثمانٍ وتسعون  وامرأتي عَاقِرٌ  أي ذاتُ عُقر وهو أيضاً حال من الياء في لي عند من يجوز تعدد الحال أو من ياء  بَلَغَنِي  أي كيف يكون لي ذلك والحال أني وامرأتي على حالة منافية له كلَّ المنافاة وإنما قاله عليه الصلاة والسلام مع سبق دعائه بذلك وقوة يقينه بقدرة الله تعالى عليه لاسيما بعد مشاهدته عليه الصلاة والسلام للشواهد السالفة استعظاماً لقدرة الله سبحانه وتعجيباً منها واعتداداً بنعمته عز وجل عليه في ذلك لا استبعاداً له وقيل : بل كان ذلك للاستبعاد حيث كان بين الدعاء والبشارة ستون سنةً وكان قد نسِيَ دعاءَه وهو بعيد، وقيل : كان ذلك استفهاماً عن كيفية حدوثه  قَالَ  استئناف كما سلف  كذلك  إشارةٌ إلى مصدر  يَفْعَلُ  في قوله عز وجل : الله يَفْعَلُ مَا يَشَاء  أي ما يشاء أن يفعلَه من عجيب الأفاعيل الخارقةِ للعادات فالله مبتدأ ويفعل خبره والكاف في محل النصب على أنها في الأصل نعتٌ لمصدر محذوف أي الله يفعل ما يشاء أن يفعله فعلاً مثلَ ذلك الفعل العجيبِ والصنعِ البديعِ الذي هو خلقُ الولد من شيخٍ فانٍ وعجوزٍ عاقر، فقُدِّم على العامل لإفادة القصر بالنسبة إلى ما هو أدنى من المشار إليه، واعتبرت الكافُ مقحمةً لتأكيد ما أفاده اسمُ الإشارة من الفخامة وقد مر تحقيقه في تفسير قوله تعالى : وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا  \[ البقرة، الآية ١٤٣ \] أو على أنها حال من ضمير المصدرِ المقدر معرِفةٌ أي يفعل ما يشاء بيانٌ لذلك الشأن المبهم أو كذلك خبرٌ لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك وقوله تعالى : الله يَفْعَلُ مَا يَشَاء  \[ آل عمران، الآية ٤٠ \] بيانٌ له.

### الآية 3:41

> ﻿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ۖ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ۗ وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ [3:41]

قَالَ رَبّ اجعل لِي آيَةً  أي علامة تدلني على تحقق المسؤول ووقوعِ الحبَل وإنما سألها لأن العلوقَ أمرٌ خفيٌّ لا يوقف عليه فأراد أن يُطلعه الله تعالى عليه ليتلقّى تلك النعمةَ الجليلة من حين حصولِها بالشكر ولا يؤخِّرَه إلى أن يظهر ظهوراً معتاداً، ولعل هذا السؤالَ وقع بعد البشارة بزمانٍ مديد إذ به يظهر ما ذُكر من كون التفاوت بين سِني يحيى وعيسى عليهما الصلاة والسلام بستة أشهر أو بثلاثِ سنينَ لأن ظهورَ العلامة كان عَقيبَ تعيينها لقوله تعالى في سورة مريم : فَخَرَجَ على قَوْمِهِ مِنَ المحراب فأوحى إِلَيْهِمْ  \[ مريم، الآية ١١ \] الآية، اللهم إلا أن تكونَ المجاوَبةُ بين زكريا ومريمَ في حالة كِبَرها وقد عُدت من جملة من تكلم في الصِغَر بموجب قولها المحكي والجعلُ إبداعيّ واللام متعلقة به والتقديم لما مر مراراً من الاعتناء بما قدم والتشويق إلى ما أُخر أو بمحذوف وقع حالاً من آية وقيل : هو بمعنى التصيير المستدعي لمفعولين أولُهما  آيَةً  وثانيهما  لِي  والتقديم لأنه لا مسوّغ لكون آيةٌ مبتدأً عند انحلال الجملة إلى مبتدأ وخبر سوى تقديم الجار فلا يتغير حالهما بعد دخول الناسخ  قَالَ آيتك أن لا تُكَلّمَ الناس  أي أن تقدر على تكليمهم  ثلاثة أَيَّامٍ  أي متوالية لقوله تعالى في سورة مريم : ثلاث لَيَالٍ سَوِيّاً  \[ مريم، الآية ١٠ \] مع القدرة على الذكر والتسبيح وإنما جُعلت آيتُه ذلك لتخليص المدة لذكر الله تعالى وشكره قضاءً لحق النعمة كأنه قيل : آيةُ حصولِ المطلوب ووصول النعمة أن تحبِسَ لسانك إلا عن شكرها، وأحسنُ الجواب ما اشتق من السؤال  إِلاَّ رَمْزًا  أي إشارةً بيد أو رأس أو نحوِهما وأصلُه التحركُ يقال : ارتمزَ أي تحرك ومنه قيل للبحر : الراموز، وهو استثناء منقطعٌ لأن الإشارة ليست من قبيل الكلام، أو متصلٌ على أن المراد بالكلام ما فهم منه المرام ولا ريب في كون الرمز من ذلك القبيل وقرئ رَمَزاً بفتحتين على أنه جمع رَمَز كخَدَم وبضمتين على أنه جمع رُمُز كرُسُل على أنه حال منه ومن الناس معاً بمعنى مترامزين كقوله :\[ الوافر \]متى ما تلْقني فردَيْنِ ترجُف  روانف أليَتَيكَ وتُستطارا[(١)](#foonote-١) واذكر رَّبَّكَ  أي في أيام الحبس شكراً لحصول التفضُّل والإنعام كما يُؤْذِن به العَرْضُ لعنوان الربوبية  كَثِيراً  أي ذكراً كثيراً أو زماناً كثيراً  وَسَبّحْ  أي سبحه تعالى أو افعل التسبيحَ  بالعشي  أي من الزوال إلى الغروب وقيل : من العصر إلى ذهاب الليل  والإبكار  من طلوع الفجرِ إلى الضحى، قيل : المرادُ بالتسبيح الصلاةُ بدليل تقييده بالوقت كما في قوله تعالى : فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ  \[ الروم، الآية ١٧ \] وقيل : الذكر اللساني كما أن المراد بالذكر الذكرُ القلبي وقرئ الأبكار بفتح الهمزة على أنه جمعُ بكَر كسحرَ وأسحار. 
١ وهو لعنترة في ديوانه ص ٢٣٤؛ وخزانة الأدب ٤/٢٩٧ ٧/٥٠٧، ٥١٤، ٥٥٣، ٨/٢٢؛ والدرر ٥/٩٤؛ ولسان العرب ٤/٥١٣ (طير) ١٤/٤٣ (ألا)، ١٤/٢٣١ (خصا) وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ١/٤٥١ وشرح الأشموني ٣/٥٧٩ ولسان العرب ٩/١٢٧ (رنف)..

### الآية 3:42

> ﻿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ [3:42]

وَإِذْ قَالَتِ الملائكة  شروعٌ في شرح بقيةِ أحكامِ اصطفاء آلِ عمران إثرَ الإشارةِ إلى نُبَذٍ من فضائل بعضِ أقاربهم أعني زكريا ويحيى عليهما الصلاة والسلام لاستدعاء المقامِ إياهما حسبما أشير إليه، وقرئ بتذكير الفعل، والمرادُ بالملائكة جبريلُ عليه الصلاة والسلام وقد مر ما فيه من الكلام، وإذ منصوبٌ بمُضمر معطوفٍ على المُضمر السابق عطفَ القِصة على القصة، وقيل : معطوفٌ على الظرف السابق أعني قولَه : إِذْ قَالَتِ امرأة عمران  \[ آل عمران، الآية ٣٥ \] منصوبٌ بناصبة فتدبرْ، أي واذكر أيضاً من شواهد اصطفائِهم وقتَ قولِ الملائكةِ عليهم الصلاة والسلام  يا مَرْيَمَ  وتكريرُ التذكير للإشعار بمزيد الاعتناء بما يحكى من أحكام الاصطفاءِ والتنبيهِ على استقلالها وانفرادِها عن الأحكام السابقة فإنها من أحكام التربية الجُسمانية اللائقة بحال صِغَر مريمَ وهذه من باب التربية الروحانية بالتكاليف الشرعيةِ المتعلقة بحال كِبَرها، قيل : كلّموها شِفاهاً كرامةً لها أو إرهاصاً لنبوة عيسى عليه الصلاة والسلام لمكان الإجماعِ على أنه تعالى لم يَستنبِئ امرأةً وقيل : ألهموها  إِنَّ الله اصطفاك  أولاً حيث تقبّلك من أمك بقبولٍ حسن ولم يتقبل غيرَك أنثى وربّاك في حِجْرِ زكريا عليه السلام ورزقك من رزق الجنةِ وخصّك بالكرامات السنية 
 وَطَهَّرَكِ  أي مما يُستقذر من الأحوال والأفعال ومما قذفك به اليهودُ بإنطاق الطفلِ  واصطفاك  آخِراً  على نِسَاء العالمين  بأن وهبَ لك عيسى عليه الصلاة والسلام من غير أب ولم يكن ذلك لأحد من النساء وجعلكما آيةً للعالمين، فعلى هذا ينبغي أن يكون تقديمُ حكاية هذه المقاولة على حكاية بشارتِها بعيسى عليه الصلاة والسلام لما مر مراراً من التنبيه على أن كلاً منهما مستحِقٌّ للاستقلال بالتذكير، ولو رُوعي الترتيبُ الخارجيُّ لتبادر كونُ الكل شيئاً واحداً وقيل : المرادُ بالاصطفاءين واحدٌ والتكريرُ للتأكيد وتبيينِ مَن اصطفاها عليهن فحينئذ لا إشكالَ في ترتيب النظم الكريم إذ يُحمل حينئذ الاصطفاءُ على ما ذُكر أولاً، وتُجعل هذه المقاولةُ قبل بشارتها بعيسى عليه الصلاة والسلام إيذاناً بكونها قبل ذلك متوفرةً على الطاعات والعبادات حسبما أُمِرت بها مجتهدةً فيها مُقْبِلةً على الله تعالى مُتبتِّلةً إليه تعالى منسلخةً عن أحكام البشرية مستعدةً لفيضان الروح عليها.

### الآية 3:43

> ﻿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [3:43]

ياَ مَرْيَمُ  تكريرُ النداءِ للإيذان بأن المقصودَ بالخطاب ما يرِدُ بعده وأن ما قبله من تذكير النِعم كان تمهيداً لذِكره وترغيباً في العمل بموجبه 
 اقنتي لِرَبّكِ  أي قومي في الصلاة أو أطيلي القيام فيها له تعالى، والتعرضُ لعنوان ربوبيته تعالى لها للإشعار بعلة وجوبِ الامتثالِ بالأمر 
 واسجدي واركعي مَعَ الراكعين  أُمِرت بالصلاة بالجماعة بذكر أركانها مبالغةً في إيجاب رعايتها وإيذاناً بفضيلة كل منها وأصالتِه، وتقديمُ السجود على الركوع إما لكون الترتيب في شريعتهم كذلك وإما لكون السجودِ أفضلَ أركانِ الصلاة وأقصى مراتبِ الخضوع، ولا يقتضي ذلك كونَ الترتيب الخارجيِّ كذلك بل اللائقُ به الترقي من الأدنى إلى الأعلى وإما لِيَقْترِن اركعي بالراكعين للإشعار بأن من لا ركوعَ في صلاتهم ليسوا مصلّين. وأما ما قيل من أن الواوَ لا توجب الترتيبَ فغايتُه التصحيحُ لا الترجيح، وتجريدُ الأمر بالرُكنين الأخيرين عما قُيِّد به الأولُ لما أن المراد تقييدُ الأمر بالصلاة بذلك وقد فعل حيث قيد به الركن الأول منها، وقيل : المرادُ بالقنوت إدامةُ الطاعات كما في قوله تعالى : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء الليل ساجدا وَقَائِماً  \[ الزمر، الآية ٩ \] وبالسجود الصلاةُ لما مر من أنه أفضلُ أركانها وبالركوع الخشوعُ والإخباتُ، قيل : لمّا أُمِرَت بذلك قامت في الصلاة حتى ورِمَتْ قدَماها وسالت دماً وقيحاً.

### الآية 3:44

> ﻿ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [3:44]

ذلك  إشارةٌ إلى ما سلف من الأمور البديعة، وما فيه من معنى البعد للتنبيه على علوِّ شأنِ المشارِ إليه وبُعد منزلتِه في الفضل، وهو مبتدأ خبرُه قوله تعالى : مِنْ أَنبَاء الغيب  أي من الأنباء المتعلقةِ بالغيب، والجملةُ مستأنفةٌ لا محل لها من الإعراب وقوله تعالى : نُوحِيهِ إِلَيْكَ  جملةٌ مستقلة مبينةٌ للأولى وقيل : الخبرُ هو الجملة الثانية و مِنْ أَنبَاء الغيب  إما متعلق بنوحيه أو حال من ضميره أي نوحي من أنباء الغيب أو نوحيه حال كونه من جملة أنباء الغيب وصيغةُ الاستقبال للإيذان بأن الوحيَ لم ينقطعْ بعد  وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ  أي عند الذين اختلفوا وتنازعوا في تربية مريمَ وهو تقريرٌ وتحقيق لكونه وحياً على طريقة التهكم بمُنكِريه كما في قوله تعالى : وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربي  \[ القصص، الآية : ٤٤ \]  وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ  \[ القصص، الآية : ٤٥ \]، فإن طريقَ معرفةِ أمثالِ هاتيك الحوادثِ والواقعات إما المشاهدةُ وإما السماعُ، وعدمُه محققٌ عندهم فبقيَ احتمالُ المعاينة المستحيلةِ ضرورةً فنُفِيَت تهكماً بهم  إِذْ يُلْقُون أقلامهم  ظرفٌ للاستقرار العامل في لديهم و أقلامهم  أقداحُهم التي اقترعوا بها وقيل : اقترعوا بأقلامهم التي كانوا يكتُبون بها التوراة تبركاً  أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ  متعلقٌ بمحذوف دلَّ عليه  يُلْقُون أقلامهم  أي يُلْقونها ينْظرون أو ليعلموا أيُّهم يكفلها  وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ  أي في شأنها تنافُساً في كفالتها حسبما ذكر فيما سبق. وتكريرُ ما كنت لديهم مع تحقق المقصودِ بعطف  إِذْ يَخْتَصِمُونَ  على إذ يُلقون كما في قوله عز وجل : نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نجوى  \[ الإسراء، الآية ٤٧ \] للدِلالة على أن كلَّ واحدٍ من عدم حضورِه عليه السلام عند إلقاءِ الأقلام وعدمِ حضوره عند الاختصام مستقلٌ بالشهادة على نبوَّته عليه السلام لاسيما إذا أريد باختصامهم تنازعُهم قبل الاقتراعِ فإن تغييرَ الترتيبِ في الذكر مؤكدٌ له.

### الآية 3:45

> ﻿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [3:45]

إِذْ قَالَتِ الملائكة  شروعٌ في قصة عيسى عليه الصلاة والسلام وهو بدلٌ من  وَإِذْ قَالَتِ الملائكة  \[ آل عمران، الآية ٤٢ \] منصوبٌ بناصبه وما بينهما اعتراضٌ جيءَ به تقريراً لما سبق وتنبيهاً على استقلاله وكونِه حقيقاً بأن يُعدَّ كنظائره من شواهدِ النبوةِ، وتركُ العطف بينهما بناءً على اتحاد المخاطِب والمخاطَب وإيذاناً بتقارُن الخطابين أو تقاربُهما في الزمان، وقيل : منصوبٌ بمُضمرٍ معطوفٍ على ناصبه وقيل : بدل من  إِذْ يَخْتَصِمُونَ  كأنه قيل : وما كنت حاضراً في ذلك الزمان المديد الذي وقع في طرفٍ منه الاختصامُ وفي طرفٍ آخرَ هذا الخطابُ إشعاراً بإحاطته عليه الصلاة والسلام بتفاصيلِ أحوالِ مريمَ من أولها إلى آخرها والقائلُ جبريلُ عليه الصلاة والسلام، وإيرادُ صيغة الجمعِ لما مر  يا مريم إِنَّ الله يُبَشّرُكِ بِكَلِمَةٍ منْهُ  مِنْ لابتداءِ الغاية مَجازاً متعلقةٌ بمحذوف وقعَ صفةً لكلمة أي بكلمة كائنةٍ منه عز وجل  اسمه  ذُكر الضميرُ الراجعُ إلى الكلمة لكونها عبارةً عن مذكّر وهو مبتدأ خبرُه  المسيح  وقوله تعالى : عِيسَى  بدل منه أي عطفُ بيانٍ، وقيل : خبرٌ آخرُ وقيل : خبرُ مبتدإ محذوفٍ وقيل : منصوبٌ بإضمار أعني مدحاً، وقوله تعالى : ابن مَرْيَمَ  صفة لعيسى وقيل : المرادُ بالاسم ما به يتميز المسمَّى عمن سواه فالخبرُ حينئذ مجموعُ الثلاثةِ إذ هو المميّز له عليه الصلاة والسلام تمييزاً عن جميع مَنْ عداه والمسيحُ لَقَبُه عليه الصلاة والسلام وهو من الألقاب المشرّفة كالصّدّيق، وأصلُه بالعبرية مشيحاً ومعناه المبارَك وعيسى معرّبٌ من إيشوع والتصدّي من المسْح والعَيْس وتعليلُه بأنه عليه الصلاة والسلام مُسِحَ بالبركة أو بما يطهِّره من الذنوب أو مسَحَه جبريلُ عليهما الصلاة والسلام أو مسَح الأرضَ ولم يُقِمْ في موضع، أو كان عليه الصلاة والسلام يمسَح ذا العاهةِ فيبرَأُ وبأنه كان في لونه عيس أي بياض يعلوه حُمرةٌ من قبيل الرَّقْم على الماء وإنما قيل : ابنُ مريم مع كون الخطابِ لها تنبيهاً على أنه يُولدُ من غير أبٍ فلا يُنسب إلا إلى أمه وبذلك فُضّلت على نساء العالمين،  وَجِيهًا فِي الدنيا والآخرة  الوجيهُ ذو الجاه وهو القوةُ والمنَعةُ والشرَفُ وهو حال مقدرة من  كَلِمَةٍ  فإنها وإن كانت نكرةً لكنها صالحة لأن ينتصِبَ بها الحال وتذكيرُها باعتبار المعنى والوجاهةُ في الدنيا النبوةُ والتقدمُ على الناس وفي الآخرة الشفاعةُ وعلوُّ الدرجة في الجنة  وَمِنَ المقربين  أي من الله عز وجل وقيل : هو إشارةٌ إلى رفعه إلى السماء وصُحبةِ الملائكة، وهو عطفٌ على الحال الأولى وقد عُطف عليه.

### الآية 3:46

> ﻿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ [3:46]

قوله تعالى : وَيُكَلّمُ الناس فِي المهد وَكَهْلاً  أي يكلمهم حال كونِه طفلاً وكهلاً كلام الأنبياء من غير تفاوت، والمهدُ مصدرٌ سُمِّي به ما يُمْهَد للصبيِّ أي يُسوَّى من مضجعه وقيل : إنه رفع شاباً والمراد وكهلاً بعد نزوله وفي ذكر أحوالِه المختلفة المتنافيةِ إشارةٌ إلى أنه بمعزلٍ من الألوهية 
 وَمِنَ الصالحين  حالٌ أخرى من كلمة معطوفة على الأحوال السالفة أو من الضمير في يكلم.

### الآية 3:47

> ﻿قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [3:47]

قَالَتْ  استئنافٌ مبنيٌّ على السؤال كأنه قيل : فماذا قالت مريمُ حين قالت لها الملائكةُ ما قالت ؟ فقيل : قالت متضرعةً إلى ربها : رَبّ أنى يَكُونُ  أي كيف يكونُ أو من أين يكون  لِي وَلَدٌ  على وجه الاستبعاد العادي والتعجب واستعظامِ قدرةِ الله عز وجل وقيل : على وجه الاستفهامِ والاستفسارِ بأنه بالتزوج أو بغيره يكون الولدُ، ويكون إما تامةٌ وأنى واللام متعلقتان بها، وتأخيرُ الفاعل عن الجار والمجرور لما مر من الاعتناء بالمقدم والتشويقِ إلى المؤخر، ويجوز أن تتعلق اللامُ بمحذوفٍ وقع حالاً من ولد إذ لو تأخرَ لكان صفة له، وإما ناقصةٌ واسمُها ولد وخبرها إما أنى واللامُ متعلقةٌ بمضمر وقع حالاً كما مر، أو خبر وأنى نصبَ على الظرفية وقوله تعالى : وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ  جملةٌ حالية محقّقةٌ للاستبعاد أي والحال أني على حالة منافيةٍ للولادة  قَالَ  استئنافٌ كما سلف والقائلُ هو الله تعالى أو جبريلُ عليه الصلاة والسلام  كذلك الله يَخْلُقُ مَا يَشَاء  الكلامُ في إعرابه كما مر في قصة زكريا بعينه خلا أن إيراد  يَخْلُقُ  ها هنا مكانَ يفعلُ هناك لما أن ولادةَ العذراءِ من غير أن يمسَّها بشرٌ أبدعُ وأغربُ من ولادة عجوزٍ عاقرٍ من شيخ فانٍ، فكان الخلقُ المُنبئ عن الاختراع أنسبَ بهذا المقام من مطلق الفعل، ولذلك عقّب ببيان كيفيته فقيل : إِذَا قَضَى أَمْرًا  من الأمور أي أراد شيئاً كما في قوله تعالى : إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً  \[ يس، الآية ٨٢ \] وأصلُ القضاءِ الأحكامُ أُطلق على الإرادة الإلهية القطعيةِ المتعلقةِ بوجود الشيءِ لإيجابها إياه البتةَ، وقيل : الأمرُ ومنه قوله تعالى : وقضى رَبُّكَ  \[ الإسراء، الآية ٢٣ \] 
 فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ  لا غيرُ  فَيَكُونُ  من غير تريثٍ وهو كما ترى تمثيلٌ لكمال قدرته تعالى وسهولةِ حصولِ المقدوراتِ حسبما تقتضيه مشيئتُه وتصويرٌ لسرعة حدوثِها بما هو علم فيها من طاعة المأمورِ المطيعِ للآمرِ القويّ المطاعِ، وبيانٌ لأنه تعالى كما يقدِر على خلق الأشياءِ مُدرَجاً بأسباب وموادَّ معتادةٍ يقدِر على خلقها دفعةً من غير حاجة إلى شيء من الأسباب والمواد.

### الآية 3:48

> ﻿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ [3:48]

وَيُعَلّمُهُ الكتاب  أي الكتابةَ أو جنسَ الكتُبِ الإلهية  والحكمة  أي العلومَ وتهذيبَ الأخلاق  والتوراة والإنجيل  إفرادُهما بالذكر على تقدير كونِ المرادِ بالكتاب جنسَ الكتب المنزلِ لزيادة فضلِهما وإنافتِهما على غيرهما، والجملةُ عطف على  يُبَشّرُكِ  \[ آل عمران، الآية : ٣٩ \] أو على  وَجِيهاً  \[ آل عمران، الآية : ٤٥ \] أو على  يَخْلُقُ  \[ آل عمران، الآية : ٤٧ \] أو كلام مبتدأ سيق تطييباً لقلبها وإزاحةً لما أهمّها من خوف اللائمةِ لمّا علِمَت أنها تلِدُ من غير زوجٍ، وقرئ ونعلِّمه بالنون.

### الآية 3:49

> ﻿وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [3:49]

وَرَسُولاً إلى بَنِي إسرائيل  منصوبٌ بمُضْمر يعود إليه المعنى معطوفٌ على يُعلّمه أي ويجعله رسولاً إلى بني إسرائيلَ أي كلِّهم، وقال بعضُ اليهود إنه كان مبعوثاً إلى قوم مخصوصين ثم قيل : كان رسولاً حال الصِّبا وقيل : بعد البلوغ، وكان أولَ أنبياءِ بني إسرائيلَ يوسفُ عليه الصلاة والسلام وآخِرُهم عيسى عليه الصلاة والسلام وقيل : أولُهم موسى وآخِرُهم عيسى عليهم الصلاة والسلام وقوله تعالى : أَنّي قَدْ جِئْتُكُمْ  معمولٌ لرسولاً لما فيه من معنى النُطقِ أي رسولاً ناطقاً بأني الخ وقيل : منصوبٌ بمضمر معمولٍ لقول مضمرٍ معطوفٍ على يعلِّمه أي ويقول : أُرسِلتُ رسولاً بأني قد جئتُكم الخ وقيل : معطوفٌ على الأحوال السابقةِ، ولا يقدَحُ فيه كونُها في حكم الغَيبة مع كونِ هذا في حكم التكلّم لِما عرَفتَ من أن فيه معنى النُطقِ، كأنه قيل : حالَ كونه وجيهاً ورسولاً ناطقاً بأني الخ وقرئ ورسولٍ بالجر عطفاً على  كَلِمَة  \[ آل عمران، الآيات : ٣٩، ٤٥، ٦٤ \] والباء في قوله تعالى : بِآيَةٍ  متعلقةٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من فاعل الفعلِ على أنها للملابسة، والتنوينُ للتفخيم دون الوحدة لظهور تعددها وكثرتها وقرئ بآيات. أو بجئتُكم على أنها للتعدية ومِنْ في قوله تعالى : مّن ربّكُمْ  لابتداء الغاية مجازاً متعلقةٌ بمحذوف وقعَ صفةً لآيةٍ أي قد جئتُكم ملتبساً بآية عظيمةٍ كائنةٍ من ربكم أو أتيتكم بآية عظيمة كائنة منه تعالى والتعرضُ لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطَبين لتأكيد إيجاب الامتثالِ بما سيأتي من الأوامر وقولُه تعالى : أَنِي أَخْلُقُ لَكُمْ منَ الطين كَهَيْئَةِ الطير  بدلٌ من قوله تعالى : أَنّي قَدْ جِئْتُكُمْ  \[ آل عمران، الآية : ٤٩ \] ومحلُه النصبُ على نزع الجارِّ عند سيبويهِ والفراء، والجرُّ على رأي الخليلِ والكسائيّ، أو بدلٌ من آية وقيل : منصوبٌ بفعل مقدرٍ أي أعني أني الخ وقيل : مرفوعٌ على أنه خبرُ مبتدإ محذوفٍ أي هي  أَنِي أَخْلُقُ لَكُمْ  \[ آل عمران، الآية : ٤٩ \] وقرئ بكسر الهمزةِ على الاستئناف أي أقدّرُ لكم أي لأجل تحصيلِ إيمانِكم ودفعِ تكذيبِكم إيايَ من الطين شيئاً مثلَ صورةِ الطير  فَأَنفُخُ فِيهِ  الضمير للكاف أي في ذلك الشيءِ المماثلِ لهيئة الطيرِ، وقرئ فأنفخُ فيها على أن الضميرَ للهيئة المقدّرةِ أي أخلُق لكم من الطين هيئةً كهيئة الطيرِ فأنفخُ فيها  فَيَكُونُ طَيْرًا  حياً طياراً كسائر الطيور  بِإِذْنِ الله  بأمرِه تعالى أشارَ عليه الصلاة والسلام بذلك إلى أن إحياءَه من الله تعالى لا منه، قيل : لم يَخْلُقْ غيرَ الخفاش، رُوي أنه عليه الصلاة والسلام لما ادعى النبوةَ وأظهر المعجزاتِ طالبوه بخلق الخفاشِ فأخذ طيناً وصوَّره ونفخَ فيه فإذا هو يطيرُ بين السماء والأرض، قال وهْبٌ :**«كان يطير ما دام الناسُ ينظرون إليه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً ليتميز من خلق الله تعالى »**، قيل : إنما طالبوه خلق الخفاشِ لأنه أكملُ الطير خلقاً وأبلغ دلالة على القدرة لأن له ثُدِيّاً وأسناناً وهي تحيض وتطُهر وتلِد كسائر الحيوان وتضحك كما يضحك الإنسانُ وتطير بغير ريش ولا تُبصِرُ في ضوء النهار ولا في ظلمة الليل وإنما ترى في ساعتين : ساعةٍ بعد الغروب وساعةٍ بعد طلوع الفجر وقيل : خَلَق أنواعاً من الطير  وَأُبْرِئ الأكمه  أي الذي وُلد أعمى أو الممسوحُ العين  والأبرص  المبتلى بالبَرَص، لم تكن العربُ تنفِرُ من شيءٍ نَفْرتَها منه ويقال له : الوَضَح أيضاً، وتخصيصُ هذين الداءين لأنهما مما أعيا الأطباءَ وكانوا في غاية الحَذاقةِ في زمنه عليه الصلاة والسلام فأراهم الله تعالى المعجزةَ من ذلك الجنس. روي أنه عليه الصلاة والسلام ربما كان يجتمعُ عليه ألوفٌ من المرضى مَنْ أطاق منهم أتاه ومن لم يُطِقْ أتاه عيسى عليه الصلاة والسلام وما يداويه إلا بالدعاء  وأحيي الموتى بإذن الله  كرَّره مبالغةً في دفع وَهْمِ مَنْ توهّم فيه اللاهوتية. قال الكلبيُّ : كان عليه الصلاة والسلام يُحيي الموتى بيا حيُّ يا قيُّومُ، أحيا عازَرَ وكان صديقاً له فعاش وولد له ومر على ابن عجوز ميت فدعا الله تعالى فنزل عن سريره حياً ورجع إلى أهله وبقي وولد له وبنت العاشر أحياها وولدت بعد ذلك فقالوا : إنك تحيي من كان قريبَ العهدِ من الموت فلعلهم لم يموتوا بل أصابتهم سكتةٌ فأحْيي لنا سامَ بنَ نوحٍ فقال :**«دُلوني على قبره »** ففعلوا فقام على قبره فدعا الله عز وجل فقام من قبره وقد شاب رأسُه فقال عليه الصلاة والسلام :" كيف شِبْتَ ولم يكن في زمانكم شيبٌ ؟ " قال : يا روحَ الله لما دعَوْتَني سمعتُ صوتاً يقول : أجبْ روحَ الله فظننتُ أن الساعةَ قد قامت فمِنْ هِولِ ذلك شِبْتُ فسأله عن النزْع قال : يا روحَ الله إن مرارتَه لم تذهَبْ من حنْجَرَتي وكان بينه وبين موته أكثرُ من أربعةَ آلافِ سنةٍ وقال للقوم : صدِّقوه فإنه نبيُّ الله فآمن به بعضُهم وكذبه آخرون، فقالوا : هذا سحرٌ فأرِنا آيةً فقال :" يا فلان أكلتَ كذا ويا فلان خُبِئ لك كذا " وذلك قولُه تعالى : وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ  أي بالمغيَّبات من أحوالكم التي لا تشكّون فيها، وقرئ تَذْخَرون بالذال والتخفيف  إِنَّ فِي ذَلِكَ  إشارةٌ إلى ما ذكر من الأمور العِظام  لآيَةً  عظيمةً وقرئ لآياتٍ  لَكُمْ  دالةً على صِحة رسالتي دَلالةً واضحة  إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ  جوابُ الشرطِ محذوفٌ لانصباب المعنى إليه أو دِلالةِ المذكورِ عليه أي انتفعتم بها، أو إن كنتم ممن يتأتَّى منهم الإيمانُ دلَّتْكم الآية على صحة رسالتي والإيمانِ بها.

### الآية 3:50

> ﻿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ۚ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [3:50]

وَمُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوراة  عطفٌ على المضمر الذي تعلَّق به قولُه تعالى : بآيَةٍ  أي قد جئتُكم ملتبساً بآية الخ ومصدِّقاً لما بين يديَّ الخ أو على  رَسُولاً  على الأوجه الثلاثةِ فإن مصدِّقاً فيه معنى النُطقِ كما في رسولاً، أي ويجعله مصدِّقاً ناطقاً بأني أُصَدِّق الخ أو ويقول :
**«أُرسلتُ رسولاً بأني قد جئتُكم »** الخ و**«مصدقاً »** الخ أو حالَ كونه **«مصدقاً بأني أُصدّق »** الخ أو منصوبٌ بإضمار فعلٍ دلَّ عليه **«قد جئتُكم مصدقاً »** الخ وقولُه : مِنَ التوراة  إما حالٌ من الموصول والعاملُ  مُصَدّقاً  وإما من ضميره المستترِ في الظرف الواقعِ صلةً والعاملُ الاستقرارُ المُضْمرُ في الظرف أو نفسُ الظرف لقيامه مَقامَ الفعل  وَلأحِلَّ لَكُم  معمولٌ لِمُضمرٍ دل عليه ما قبله أي **«وجئتكم لأُحِل »** الخ وقيل : عطفٌ على معنى مصدقاً كقولهم : جئتُه معتذراً ولأجتلِبَ رضاه كأنه قيل :**«قد جئتُكم لأصدِّق ولأحِل »** الخ وقيل : عطفٌ على  بِآيَةٍ  أي **«قد جئتُكم بآية من ربكم ولأُحِلَّ لكم »**  بَعْضَ الذي حُرّمَ عَلَيْكُمْ  أي في شريعة موسى عليه الصلاة والسلام من الشحومِ والثُروبِ والسمكِ ولحومِ الإبلِ والعملِ في السبت، قيل : أحَلَّ لهم من السمك والطير ما لا صئصئة له، واختلف في إحلال السبت، وقرئ حَرَّم على تسمية الفاعل وهو ما بين يديّ أو الله عز وجل، وقرئ حَرُم بوزن كَرُم وهذا يدل على أن شرعَه كان ناسخاً لبعض أحكام التوراةِ ولا يُخِل ذلك بكونه مصدِّقاً لها لما أن النسخَ في الحقيقة بيانٌ وتخصيصٌ في الأزمان، وتأخيرُ المفعول عن الجارِّ والمجرور لما مر مراراً من المبادرة إلى ذكر ما يسُرُّ المخاطَبين وللتشويق إلى ما أُخِّر  وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ من رَّبّكُمْ  شاهدةٍ على صحة رسالتي وقرئ بآيات  فاتقوا الله  في عدم قَبولها ومخالفةِ مدلولها  وَأَطِيعُونِ  فيما آمرُكم به وأنهاكم عنه بأمر الله تعالى وتلك الآية هي قولي : إِنَّ الله رَبّي وَرَبُّكُمْ فاعبدوه هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ  فإنه الحقُّ الصريحُ الذي أجمع عليه الرسلُ قاطبةً فيكون آيةً بيِّنة على أنه عليه الصلاة والسلام من جملتهم وقرئ  أنَّ الله  بالفتح بدلاً من آية أي **«قد جئتكم بآية على أن الله ربي وربُّكم »** وقولُه : فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ  اعتراض، والظاهرُ أنه تكريرٌ لما سبق، أي **«قد جئتكم بآية بعد آية مما ذكرتُ لكم من خلق الطير وإبراءِ الأكمهِ والأبرصِ والإحياءِ والإنباءِ بالخفيات وغيرِه من ولادتي بغير أبٍ ومن كلامي في المهد وغير ذلك »**، والأولُ لتمهيد الحجة والثاني لتقريبها إلى الحكم ولذلك رُتّب عليه بالفاء قولُه : فاتقوا الله  أي **«لِمَا جئتُكم بالمعجزات الباهرةُ والآياتِ الظاهرة فاتقوا الله في المخالفة وأطيعونِ فيما أدعوكم إليه »**. ومعنى قراءةِ من فتح :**«ولأن الله ربي وربكم فاعبدوه »** كقوله تعالى : لإيلاف قُرَيْشٍ  \[ قريش، الآية : ١ \] الخ ثم شرع في الدعوة وأشار إليها بالقول المجمل فقال : إِنَّ الله رَبّي وَرَبُّكُمْ  إشارةً إلى أن استكمالَ القوةِ النظريةِ بالاعتقاد الحقِّ الذي غايتُه التوحيدُ وقال : فاعبدوه  إشارةً إلى استكمال القوةِ العمليةِ فإنه يلازِمُ الطاعة التي هي الإتيانُ بالأوامر والانتهاءُ عن المناهي ثم قرر ذلك بأن بيّن أن الجمعَ بين الأمرين هو الطريقُ المشهودُ له بالاستقامة، ونظيرُه قوله عليه الصلاة والسلام :" قُلْ آمَنْتُ بالله ثم اسْتَقِمْ ".

### الآية 3:51

> ﻿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۗ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [3:51]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥٠: وَمُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوراة  عطفٌ على المضمر الذي تعلَّق به قولُه تعالى : بآيَةٍ  أي قد جئتُكم ملتبساً بآية الخ ومصدِّقاً لما بين يديَّ الخ أو على  رَسُولاً  على الأوجه الثلاثةِ فإن مصدِّقاً فيه معنى النُطقِ كما في رسولاً، أي ويجعله مصدِّقاً ناطقاً بأني أُصَدِّق الخ أو ويقول :
****«أُرسلتُ رسولاً بأني قد جئتُكم »**** الخ و****«مصدقاً »**** الخ أو حالَ كونه ****«مصدقاً بأني أُصدّق »**** الخ أو منصوبٌ بإضمار فعلٍ دلَّ عليه ****«قد جئتُكم مصدقاً »**** الخ وقولُه : مِنَ التوراة  إما حالٌ من الموصول والعاملُ  مُصَدّقاً  وإما من ضميره المستترِ في الظرف الواقعِ صلةً والعاملُ الاستقرارُ المُضْمرُ في الظرف أو نفسُ الظرف لقيامه مَقامَ الفعل  وَلأحِلَّ لَكُم  معمولٌ لِمُضمرٍ دل عليه ما قبله أي ****«وجئتكم لأُحِل »**** الخ وقيل : عطفٌ على معنى مصدقاً كقولهم : جئتُه معتذراً ولأجتلِبَ رضاه كأنه قيل :****«قد جئتُكم لأصدِّق ولأحِل »**** الخ وقيل : عطفٌ على  بِآيَةٍ  أي ****«قد جئتُكم بآية من ربكم ولأُحِلَّ لكم »****  بَعْضَ الذي حُرّمَ عَلَيْكُمْ  أي في شريعة موسى عليه الصلاة والسلام من الشحومِ والثُروبِ والسمكِ ولحومِ الإبلِ والعملِ في السبت، قيل : أحَلَّ لهم من السمك والطير ما لا صئصئة له، واختلف في إحلال السبت، وقرئ حَرَّم على تسمية الفاعل وهو ما بين يديّ أو الله عز وجل، وقرئ حَرُم بوزن كَرُم وهذا يدل على أن شرعَه كان ناسخاً لبعض أحكام التوراةِ ولا يُخِل ذلك بكونه مصدِّقاً لها لما أن النسخَ في الحقيقة بيانٌ وتخصيصٌ في الأزمان، وتأخيرُ المفعول عن الجارِّ والمجرور لما مر مراراً من المبادرة إلى ذكر ما يسُرُّ المخاطَبين وللتشويق إلى ما أُخِّر  وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ من رَّبّكُمْ  شاهدةٍ على صحة رسالتي وقرئ بآيات  فاتقوا الله  في عدم قَبولها ومخالفةِ مدلولها  وَأَطِيعُونِ  فيما آمرُكم به وأنهاكم عنه بأمر الله تعالى وتلك الآية هي قولي : إِنَّ الله رَبّي وَرَبُّكُمْ فاعبدوه هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ  فإنه الحقُّ الصريحُ الذي أجمع عليه الرسلُ قاطبةً فيكون آيةً بيِّنة على أنه عليه الصلاة والسلام من جملتهم وقرئ  أنَّ الله  بالفتح بدلاً من آية أي ****«قد جئتكم بآية على أن الله ربي وربُّكم »**** وقولُه : فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ  اعتراض، والظاهرُ أنه تكريرٌ لما سبق، أي ****«قد جئتكم بآية بعد آية مما ذكرتُ لكم من خلق الطير وإبراءِ الأكمهِ والأبرصِ والإحياءِ والإنباءِ بالخفيات وغيرِه من ولادتي بغير أبٍ ومن كلامي في المهد وغير ذلك »****، والأولُ لتمهيد الحجة والثاني لتقريبها إلى الحكم ولذلك رُتّب عليه بالفاء قولُه : فاتقوا الله  أي ****«لِمَا جئتُكم بالمعجزات الباهرةُ والآياتِ الظاهرة فاتقوا الله في المخالفة وأطيعونِ فيما أدعوكم إليه »****. ومعنى قراءةِ من فتح :****«ولأن الله ربي وربكم فاعبدوه »**** كقوله تعالى : لإيلاف قُرَيْشٍ  \[ قريش، الآية : ١ \] الخ ثم شرع في الدعوة وأشار إليها بالقول المجمل فقال : إِنَّ الله رَبّي وَرَبُّكُمْ  إشارةً إلى أن استكمالَ القوةِ النظريةِ بالاعتقاد الحقِّ الذي غايتُه التوحيدُ وقال : فاعبدوه  إشارةً إلى استكمال القوةِ العمليةِ فإنه يلازِمُ الطاعة التي هي الإتيانُ بالأوامر والانتهاءُ عن المناهي ثم قرر ذلك بأن بيّن أن الجمعَ بين الأمرين هو الطريقُ المشهودُ له بالاستقامة، ونظيرُه قوله عليه الصلاة والسلام :" قُلْ آمَنْتُ بالله ثم اسْتَقِمْ ". ---

### الآية 3:52

> ﻿۞ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [3:52]

فَلَمَّا أَحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الكفر  شروعٌ في بيان مآلِ أحوالِه عليه السلام إثرَ ما أشير إلى طرَفٍ منها بطريق النقلِ عن الملائكة، والفاءُ فصيحة تُفصِحُ عن تحقُّق جميعِ ما قالته الملائكةُ، وخروجُه من القوة إلى الفعل حسبما شرحتُه كما في قوله تعالى : فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ  \[ سورة النمل، الآية ٤٠ \] بعد قوله تعالى : أَنَا آتِيكَ به قبل أن يرتد إليك طرفك  \[ سورة النمل، اٍلآية ٤٠ \] كأنه قيل : فحمَلته فولدتْه فكان كيتَ وكيت وقال : ذيتَ وذيت وإنما لم يذكُرْه اكتفاءً بحكاية الملائكةِ وإيذاناً بعدم الخُلْفِ وثقةً بما فُصّل في المواضع الأُخَرِ. وأما عدمُ نظمِ بقية أحوالِه عليه الصلاة والسلام في سلك النقلِ فإما للاعتناء بأمرِها أو لعدم مناسبتها للمقام فيها من ذكر مُقاساتِه عليه الصلاة والسلام للشدائد ومعاناتِه للمكايد، والمرادُ بالإحساس الإدراكُ القويُّ الجاري مَجرَى المشاهدةِ، وبالكفر إصرارُهم عليه وعتوُّهم ومكابرتُهم فيه مع العزيمة على قتله عليه الصلاة والسلام كما ينبئ عنه الإحساسُ فإنه إنما يُستعمل في أمثال هذه المواقعِ عند كونِ مُتعلّقِه أمراً محذوراً مكروهاً كما في قوله عز وجل : فَلَمَّا أَحَسُّواْ بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مّنْهَا يَرْكُضُونَ  \[ الأنبياء، الآية ١٢ \] وكلمةُ مِنْ متعلقةٌ بأحسّ والضميرُ المجرورُ لبني إسرائيلَ أي ابتدأ الإحساسَ من جهتهم، وتقديمُ الجارِّ والمجرور على المفعول الصريحِ لما مر غيرَ مرةٍ من الاعتناء بالمقدَّم والتشويقِ إلى المؤخَّر، وقيل : متعلقةٌ بمحذوف وقعَ حالاً من الكفر  قَالَ  أي لخُلّصِ أصحابِه لا لجميعِ بني إسرائيلَ لقوله تعالى : كَمَا قَالَ عِيسَى بن مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيّينَ  \[ سورة الصف، الآية ١٤ \] الآية. وقوله تعالى : فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة  \[ سورة الصف، الآية ١٤ \] ليس بنص في توجيه الخطابِ إلى الكل بل يكفي فيه بلوغُ الدعوة إليهم  مَنْ أَنصَارِي  الأنصارُ جمع نصير كأشراف جمع شريف. 
 إِلَى الله  متعلقٌ بمحذوف وقعَ حالاً من الياء أي مَنْ أنصاري متوجهاً إلى الله ملتجئاً إليه أو بأنصاري متضمناً معنى الإضافةِ كأنه قيل :**«مَنِ الذين يُضيفون أنفسَهم إلى الله عز وجل ينصُرونني كما ينصُرني »** وقيل : إلى  بمعنى في، أي في سبيل الله وقيل : بمعنى اللام وقيل : بمعنى مع 
 قَالَ  استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال ينساقُ إليه الذهنُ كأنه قيل : فماذا قالوا في جوابه عليه الصلاة والسلام ؟ فقيل قال : الحواريون  جمعُ حَواريّ يقال : فلان حَواري فلان أي صفوتُه وخالصتُه من الحَوَر وهو البياضُ الخالص ومنه الحوارياتُ للحَضَريات لخُلوص ألوانِهن ونقائِهن، سُمّي به أصحابُ عيسى عليه الصلاة والسلام لخُلوص نياتِهم ونقاءِ سرائرِهم، وقيل : لِمَا عليهم من آثار العبادةِ وأنوارِها، وقيل : كانوا ملوكاً يلبَسون البياضَ وذلك أن واحداً من الملوك صنعَ طعاماً وجمع الناسَ عليه وكان عيسى عليه الصلاة والسلام على قصعةٍ لا يزال يأكلُ منها ولا تنقُص، فذكروا ذلك للملك فاستدعاه عليه الصلاة والسلام فقال له : من أنت ؟ قال :**«عيسى بن مريم »**، فترك مُلكَه وتبِعه مع أقاربه فأولئك هم الحَواريون، وقيل : كانوا صيادين يصطادون السمكَ يلبَسون الثيابَ البيض فيهم شمعونُ ويعقوبُ ويوحنا فمرّ بهم عيسى عليه الصلاة والسلام فقال لهم :**«أنتم تصيدون السمكَ فإن اتبعتموني صرْتم بحيث تصيدون الناسَ بالحياة الأبدية »** قالوا : من أنت ؟ قال :**«عيسى بنُ مريم عبدُ اللَّه ورسولُه »** فطلبوا منه المعجزة، وكان شمعونُ قد رمى شبكتَه تلك الليلةَ فما اصطاد شيئاً فأمره عيسى عليه الصلاة والسلام بإلقائها في الماء مرةً أخرى ففعل فاجتمع في الشبكة من السمك ما كادَتْ تتمزقُ واستعانوا بأهل سفينةٍ أخرى وملأوا السفينتين، فعند ذلك آمنوا بعيسى عليه السلام وقيل : كانوا اثنيْ عشرَ رجلاً آمنوا به عليه الصلاة والسلام واتبعوه وكانوا إذا جاعوا قالوا : جُعْنا يا روحَ الله فيضرِب بيده الأرضَ فيخرُجُ منها لكل واحد رغيفان، وإذا عطِشوا قالوا : عطِشنا فيضرب بيده الأرضَ فيخرُج منها الماءُ فيشربون فقالوا : من أفضلُ منا ؟ قال عليه الصلاة والسلام :" أفضلُ منكم من يعمل بيدِه ويأكلُ من كَسْبه " فصاروا يغسِلون الثيابَ بالأُجرة فسُمّوا حَواريين. وقيل : إن أمَّه سلّمتْه إلى صبّاغ فأراد الصباغُ يوماً أن يشتغل ببعض مَهمَّاتِه فقال له عليه الصلاة والسلام : هاهنا ثيابٌ مختلفة قد جَعَلْتُ لكل واحدٍ منها علامةً معينةً فاصبِغْها بتلك الألوانِ، فغاب فجعلها عليه الصلاة والسلام كلَّها في جُبّ واحدٍ وقال :" كوني بإذن الله كما أُريد " فرجع الصبَّاغُ فسأله فأخبره بما صنع فقال : أفسدتَ عليّ الثيابَ قال :**«قمْ فانظرْ »** فجعل يُخرِجُ ثوباً أحمرَ وثوباً أخضرَ وثوباً أصفرَ إلى أن أخرج الجميعَ على أحسنِ ما يكون حسبما كان يريد فتعجَّبَ منه الحاضرون وآمنوا به عليه الصلاة والسلام وهم الحواريون، قال القفالُ : ويجوزُ أن يكون بعضُ هؤلاء الحواريين الاثنيْ عشرَ من الملوك وبعضُهم من صيادي السمك وبعضُهم من القصّارين وبعضُهم من الصبَّاغين والكلُّ سُمّوا بالحَواريين لأنهم كانوا أنصارَ عيسى عليه الصلاة والسلام وأعوانَه والمخلِصين في طاعته ومحبتِه. 
 نَحْنُ أَنْصَارُ الله  أي أنصار دينه ورسولِه  آمنَّا بالله  استئنافٌ جارٍ مَجرى العلةِ لما قبله فإن الإيمانَ به تعالى موجبٌ لنُصرة دينِه والذبِّ عن أوليائه والمحاربةِ مع أعدائه  واشهد بِأَنَّا مُسْلِمُونَ  مخلِصون في الإيمانِ منقادون لما تريد منا من نُصرتك، طلبوا منه عليه الصلاة والسلام الشهادةَ بذلك يومَ القيامة يوم أُشهِدَ الرسلُ عليهم الصلاة والسلام لأُممهم وعليهم إيذاناً بأن مرمى غرضِهم السعادةُ الأخروية.

### الآية 3:53

> ﻿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [3:53]

رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ  تضرّعٌ إلى الله عز وجل وعرْضٌ لحالهم عليه تعالى بعد عرضِها على الرسول مبالغةً في إظهار أمرِهم  واتبعنا الرسول  أي في كل ما يأتي ويذرُ من أمور الدينِ فيدخُل فيه الاتّباعُ في النُّصرة دخولاً أولياً  فاكتبنا مَعَ الشاهدين  أي مع الذين يشهدون بوحدانيتك أو مع الأنبياء الذين يشهدون لأتباعهم أو مع أمة محمدٍ عليه الصلاة والسلام فإنهم شهداءُ على الناس قاطبةً، وهو حالٌ من مفعول اكتبنا.

### الآية 3:54

> ﻿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [3:54]

وَمَكَرُواْ  أي الذين علِمَ عيسى عليه الصلاة والسلام كفرَهم من اليهود بأن وكلّوا به من يقتُله غِيلةً  وَمَكَرَ الله  بأن رفعَ عيسى عليه الصلاة والسلام وألقى شَبَهَه على من قصد اغتيالَه حتى قُتل، والمكرُ من حيث أنه في الأصل حيلةٌ يُجلَب بها غيرُه إلى مَضرّة لا يمكن إسنادُه إليه سبحانه إلا بطريق المشاكلة، روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ملِكَ بني إسرائيلَ لما تصد قتلَه عليه الصلاة والسلام أمره جبريلُ عليه الصلاة والسلام أن يدخُلَ بيتاً فيه روزنة فرفعه جبريل من تلك الروزنة إلى السماء فقال الملكُ لرجل خبيثٍ منهم : ادخُل عليه فاقتُله فدخل البيت، فألقى الله عز وجل شَبَهَه عليه فخرج يُخبرهم أنه ليس في البيت فقتلوه وصلبوه وقيل إنه عليه الصلاة والسلام جمع الحواريين ليلةً وأوصاهم ثم قال :
**« لَيَكفرَنّ بي أحدُكم قبل أن يَصيح الديكُ ويَبيعَني بدراهِمَ يسيرة »** فخرجوا وتفرقوا وكانت اليهودُ تطلُبه فنافق أحدُهم فقال لهم : ما تجعلون لي إن دَلَلْتُكم على المسيح ؟ فجعلوا له ثلاثين درهماً فأخذها ودلهم عليه فألقى الله عز وجل عليه شبهَ عيسى عليه الصلاة والسلام ورفعه إلى السماء فأخذوا المنافِقَ وهو يقول : أنا دليلُكم فلم يلتفتوا إلى قوله وصَلَبوه ثم قالوا : وجهُه يُشبه وجهَ عيسى وبَدَنُه يشبه بدنَ صاحبِنا فإن كان هذا عيسى فأين صاحبُنا وإن كان صاحِبَنا فأين عيسى ؟ فوقع بينهم قتالٌ عظيم وقيل : لما صُلب المصلوب جاءت مريمُ ومعها امرأةٌ أبرأها الله تعالى من الجنون بدعاء عيسى عليه الصلاة والسلام وجعلتا تبكِيان على المصلوب فأنزل الله تعالى عيسى عليه الصلاة والسلام فجاءهما فقال : علام تبكيان ؟ فقالتا : عليك فقال : إن الله تعالى رفعني ولم يُصِبني إلا خيرٌ وإن هذا شيءٌ شُبِّه لهم. قال محمد بنُ إسحاقَ : إن اليهودَ عذبوا الحواريين بعد رفعِ عيسى عليه الصلاة والسلام ولقُوا منهم الجَهْدَ فبلغ ذلك ملكَ الرومِ وكان ملكُ اليهود من رعيته فقيل له : إن رجلاً من بني إسرائيلَ ممن تحت أمرِك كان يخبرهم أنه رسولُ الله وأراهم إحياءَ الموتى وإبراءَ الأكمهِ والأبرص وفعل وفعل فقال : لو علِمْتُ ذلك ما خلَّيْتُ بينهم وبينه ثم بعث إلى الحواريين فانتزعهم من أيديهم، وسألهم عن عيسى عليه الصلاة والسلام فأخبروه فبايعهم على دينهم وأنزل المصلوبَ فغيّبه وأخذ الخشبةَ فأكرمها ثم غزا بني إسرائيلَ وقتل منهم خلقاً عظيماً ومنه ظهر أصلُ النصرانيةِ في الروم ثم جاء بعده ملِكٌ آخرُ يقال له : تيتوس وغزا بيتَ المقدس بعد رفع عيسى عليه الصلاة والسلام بنحوٍ من أربعين سنةً فقتلَ وسبَى ولم يترُكْ في مدينة بيتِ المقدسِ حجراً على حجر، فخرج عند ذلك قريظةُ والنضيرُ إلى الحجاز. 
قال أهلُ التواريخ : حملت مريم بعيسى عليه الصلاة والسلام وهي بنتُ ثلاثَ عشرةَ سنةً وولدته ببيتَ لَحْمَ من أرض **«أورى شلم »** لمُضيِّ خمسٍ وستين سنةً من غلبة الإسكندرِ على أرض بابلَ، وأوحى الله تعالى إليه على رأس ثلاثينَ سنةً ورفعه إليه من بيت المقدس ليلة القدر من شهر رمضانَ وهو ابنُ ثلاثٍ وثلاثين سنةً وعاشت أمُه بعد رفعِه ستَّ سنين  والله خَيْرُ الماكرين  أقواهم مكراً وأنفذُهم كيداً وأقدرُهم على إيصال الضرر من حيث لا يحتسب، وإظهارُ الجلالة في موقع الإضمارَ لتربية المهابة، والجملةُ تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله.

### الآية 3:55

> ﻿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [3:55]

إِذْ قَالَ الله  ظرفٌ لمكرَ الله أو لمضمر نحوُ وقع ذلك  يا عيسى إِنّي مُتَوَفّيكَ  أي مستوفي أجلِك ومؤخرُك إلى أجلك المسمَّى عاصِماً لك من قتلهم أو قابضُك من الأرض، من توفيتُ مالي، أو متوفيك نائماً إذ رُوي أنه رُفع وهو نائم، وقيل : مميتُك في وقتك بعد النزول من السماء ورافعُك الآن أو مميتُك من الشهوات العائقة عن التزوج إلى عالم الملكوت، وقيل : أماته الله تعالى سبعَ ساعاتٍ ثم رفعه إلى السماء وإليه ذهبت النصارى، قال القرطبيُّ : والصحيحُ أن الله تعالى رفعه من غير وفاةٍ ولا نومٍ كما قال الحسنُ وابنُ زيد وهو اختيارُ الطبري وهو الصحيحُ عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأصل القصة أن اليهودَ لما عزموا على قتله عليه الصلاة والسلام اجتمع الحواريون وهم اثنا عشرَ رجلاً في غرفة فدخل عليهم المسيحُ من مِشكاة الغرفةِ فأخبر بهم إبليسُ جميعَ اليهود فركِبَ منهم أربعةُ آلافِ رجلٍ فأخذوا باب الغرفة فقال المسيحُ للحواريين : أيُكم يخرجُ ويُقتل ويكونُ معي في الجنة ؟ فقال واحد منهم : أنا يا نبيَّ الله، فألقى عليه مدرعة من صوفٍ وعِمامةٍ من صوف وناوله عكّازَه وأُلقيَ عليه شبَهُ عيسى عليه الصلاة والسلام فخرج على اليهود فقتلوه وصلبوه، وأما عيسى عليه الصلاة والسلام فكساه الله الريشَ والنورَ وألبسه النورَ وقطع عنه النورُ شهوةَ المطعمِ والمشرب وذلك قوله تعالى : إِنّي مُتَوَفّيكَ  فطار مع الملائكة ثم إن أصحابه حين رأَوْا ذلك تفرَّقوا ثلاثَ فِرَقٍ فقالت فِرقةٌ : كان الله فينا ثم صعِدَ إلى السماء وهم اليعقوبيةُ، وقالت فرقة أخرى : كان فينا ابنُ الله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه وهم النسطوريةُ، وقالت فرقةٌ أخرى منهم : كان فينا عبدُ الله ورسولُه ما شاء الله ثم رفعه الله إليه وهؤلاء هم المسلمون فتظاهرت عليهم الفرقتانِ الكافرتان فقتلوهم فلم يزل الإسلامُ منطمساً إلى أن بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم. 
 وَرَافِعُكَ إِلَي  أي إلى محل كرامتي ومقرِّ ملائكتي  وَمُطَهّرُكَ مِنَ الذين كَفَرُواْ  أي من سوء جوارِهم وخبثِ صُحبتِهم ودنَسِ معاشرتِهم 
 وَجَاعِلُ الذين اتبعوك  قال قتادةُ والربيعُ والشعبيُّ ومقاتِلٌ والكلبيُّ : هم أهل الإسلام الذين صدّقوه واتبعوا دينَه من أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم دون الذين كذّبوه وكذَبوا عليه من النصارى  فَوْقَ الذين كَفَرُواْ  وهم الذين مكَروا به عليه الصلاة والسلام ومن يسير بسيرتهم من اليهود فإن أهلَ الإسلام فوقهم ظاهرين بالعزة والمَنَعة والحُجة، وقيل : هم الحواريون فينبغي أن تُحمل فوقيتُهم على فوقية المسلمين بحكم الاتحادِ في الإسلام والتوحيد، وقيل : هم الرومُ وقيل : هم النصارى، فالمرادُ بالاتباع مجرَّدُ الادعاء والمحبة وإلا فأولئك الكفرةُ بمعزل من اتّباعه عليه الصلاة والسلام  إلى يَوْمِ القيامة  غايةٌ للجعل أو للاستقرار المقدّرِ في الظرف لا على معنى أن الجعلَ أو الفوقيةَ تنتهي حينئذ ويتخلّص الكفرةُ من الذِلة بل على معنى أن المسلمين يعلُونهم إلى تلك الغاية فأما بعدها فيفعل الله تعالى بهم ما يريد  ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ  بالبعث، وثم للتراخي، وتقديمُ الجار والمجرور للقصر المفيدِ لتأكيد الوعدِ والوعيد، والضمير لعيسى عليه الصلاة والسلام وغيرِه من المتبعين له والكافرين به على تغليب المخاطَب على الغائب في ضمن الالتفاتِ فإنه أبلغُ في التبشير والإنذار  فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ  يومئذ إثرَ رجوعِكم إليّ  فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ  من أمور الدين 
و  فِيهِ  متعلقٌ بتختلفون وتقديمُه عليه لرعاية الفواصل.

### الآية 3:56

> ﻿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [3:56]

فَأَمَّا الذين كَفَرُواْ فَأُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً  تفسيرٌ للحكم الواقعِ بين الفريقين وتفصيلٌ لكيفيته، والبدايةُ ببيانِ حالِ الكفرة لما أن مساقَ الكلامِ لتهديدهم وزجرِهم عما هم عليه من الكفر والعِناد، وقولُه تعالى : فِي الدنيا والآخرة  متعلقٌ بأعذبهم لا بمعنى إيقاعِ كلِّ واحدٍ من التعذيب في الدنيا والتعذيبِ في الآخرة وإحداثِهما يومَ القيامة بل بمعنى إتمامِ مجموعِهما يومئذ، وقيل : إن المرجِعَ أعمُّ من الدنيوي والأخروي، وقولُه تعالى :
 إلى يَوْمِ القيامة  غايةٌ للفوقية لا للجعلِ، والرجوعُ متراخٍ عن الجعل وهو غيرُ محدودٍ لا عن الفوقية المحدودةِ على نهج قولِك : سأُعيرك سكني هذا البيتَ شهراً ثم أخلَع عليك خلْعةً فيلزَمُ تأخرُ الخُلع عن الإعارة لا عن الشهر  وَمَا لَهُم من ناصرين  يُخلِّصونهم من عذاب الله تعالى في الدارين وصيغةُ الجمعِ لمقابلة ضميرِ الجمعِ أي ليس لواحد منهم ناصرٌ واحدٌ.

### الآية 3:57

> ﻿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [3:57]

وَأَمَّا الذين آمَنُوا  بما أُرسِلْتُ به  وَعَمِلُواْ الصالحات  كما هو ديدَنُ المؤمنين  فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ  أي يعطيهم إياها كاملةً، ولعل الالتفاتَ إلى الغَيبة للإيذان بما بين مصدري التعذيبِ والإثابةِ من الاختلاف من حيث الجلالُ والجمال، وقرئ فنُوفيهم جرياً على سَنن العظمةِ والكبرياء  والله لاَ يُحِبُّ الظالمين  أي بعضَهم فإن هذه الكنايةَ فاشيةٌ في جميع اللغاتِ جاريةٌ مَجرى الحقيقةِ، وإيرادُ الظلم للإشعار بأنهم بكفرهم متعدّون متجاوزوا الحدودِ واضعون الكفر مكانَ الشكرِ والإيمانِ، والجملةُ تذييلٌ لما قبله مقرِّرٌ لمضمونه.

### الآية 3:58

> ﻿ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ [3:58]

ذلك  إشارةٌ إلى ما سلف من نبأ عيسى عليه الصلاة والسلام، وما فيه من معنى البُعد للدِلالة على عِظَمِ شأنِ المُشار إليه وبُعدِ منزلتِه في الشرف وعلى كونه في ظهور الأمرِ ونباهةِ الشأن بمنزلة المشاهَد المعايَن، وهو مبتدأٌ وقولُه عز وجل : نَتْلُوهُ  خبرُه وقولُه تعالى : عَلَيْكَ  متعلقٌ بنتلوه وقولُه تعالى : مِنَ الآيات  حالٌ من الضمير المنصوب أو خبرٌ بعد خبرٍ، أو هو الخبرُ وما بينهما حالٌ من اسمِ الإشارة أو  ذلك  خبرٌ لمبتدإ مضمرٍ أي الأمرُ ذلك ونتلوه حالٌ كما مر، وصيغةُ الاستقبال إما لاستحضار الصورةِ أو على معناها إذ التلاوةُ لم تتِمَّ بعدُ  والذكر الحكيم  أي المشتملِ على الحِكَم أو المُحكمِ الممنوعِ من تطرُّق الخللِ إليه، والمرادُ به القرآنُ فمن تبعيضيةٌ أو بعضٌ مخصوصٌ منه فمن بيانيةٌ، وقيل : هو اللوحُ المحفوظُ فمن ابتدائية.

### الآية 3:59

> ﻿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [3:59]

إِنَّ مَثَلَ عيسى  أي شأنَه البديعَ المنتظِمَ لغرابته في سلك الأمثال  عَندَ الله  أي في تقديره وحُكمِه  كَمَثَلِ آدَمَ  أي كحاله العجيبةِ التي لا يرتاب فيها مرتابٌ ولا ينازِعُ فيها منازِع  خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ  تفسيرٌ لما أُبهم في المَثَل وتفصيلٌ لما أُجمِلَ فيه وتوضيحٌ للتمثيل ببيان وجهِ الشبهِ بينهما وحسمٌ لمادة شُبهة الخصومِ فإن إنكارَ خلقِ عيسى عليه الصلاة والسلام بلا أبٍ - ممن اعترف بخلقِ آدمَ عليه الصلاة والسلام بغير أبٍ وأمٍ - مما لا يكاد يصح، والمعنى خلق قالَبَه من تراب  ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن  أي أنشأه بَشَراً كما في قوله تعالى : ثم أنشأناه خلقا آخر  \[ المؤمنون، الآية ١٤ \] أو قدّر تكوينَه من التراب ثم كوّنه ويجوز كونُ  ثُمَّ  لتراخي المُخبَرِ به  فَيَكُونُ  حكايةُ حالٍ ماضية، روي أن وفد نجرانَ قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : مالك تشتمُ صاحبَنا ؟ قال :**« وما أقول ؟ »** قالوا : تقول إنه عبدٌ قال :**« أجل هو عبدُ الله ورسولُه وكلمتُه ألقاها إلى العذراء البتولِ »** فغضِبوا وقالوا : هل رأيتَ إنساناً من غير أبٍ ؟ فحيثُ سلَّمتَ أنه لا أبَ له من البشر وجب أن يكون أبوه هو الله فقال عليه الصلاة والسلام :**« إن آدمَ عليه الصلاة والسلام ما كان له أبٌ ولا أم ولم يلزم من ذلك كونُه ابناً لله سبحانه وتعالى فكذا حالُ عيسى عليه الصلاة والسلام »**.

### الآية 3:60

> ﻿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [3:60]

الْحَقُّ مِن رَّبّكَ  خبرُ مبتدإ محذوفٍ أي هو الحقُّ أي ما قصصنا عليك من نبإ عيسى عليه الصلاة والسلام وأمِّه، والظرفُ إما حالٌ أي كائناً من ربك أو خبرٌ ثانٍ أي كائنٌ منه تعالى وقيل : هما مبتدأٌ وخبرٌ أي الحقُّ المذكورُ من الله تعالى، والتعرضُ لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطَبِ لتشريفه عليه الصلاة والسلام والإيذانِ بأن تنزيلَ هذه الآياتِ الحقةِ الناطقةِ بكنه الأمر تربيةٌ له عليه الصلاة والسلام ولُطفٌ به  فَلاَ تَكُنْ من الممترين  في ذلك، والخطابُ إما للنبي صلى الله عليه وسلم على طريقة الإلهابِ والتهييجِ لزيادة التثبيتِ والإشعارِ بأن الامتراءَ في المحذورية بحيث ينبغي أن ينهى عنه من لا يكاد يمكن صدورُه عنه فكيف بمن هو بصدد الامتراء ؟ وإما لكل من له صلاحيةُ الخطاب.

### الآية 3:61

> ﻿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [3:61]

فَمَنْ حَاجَّكَ  أي من النصارى إذ هم المتصدّرون للمُحاجّة  فِيهِ  أي في شأن عيسى عليه الصلاة والسلام وأمِّه زعماً منهم أنه ليس على الشأن المحكي  من بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العلم  أي ما يُوجِبُه إيجاباً قطعياً من الآيات البيناتِ وسمعوا ذلك منك فلم يرعَوُوا عما هم عليه من الغي والضلال  فَقُلْ  لهم  تَعَالَوْاْ  أي هلُمّوا بالرأي والعزيمة  نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ  اكتُفيَ بهم عن ذكر البناتِ لظهور كونِهم أعزَّ منهن وأما النساءُ فتعلُّقُهن من جهة أخرى  وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ  أي ليدعُ كلٌّ منا ومنكم نفسَه وأعِزَّةَ أهلِه وألصقَهم بقلبه إلى المباهَلة ويحمِلهم عليها، وتقديمُهم على النفس في أثناء المباهلةِ التي هي من باب المهالكِ ومظانِّ التلفِ مع أن الرجلَ يخاطرُ لهم بنفسه ويحارب دونهم للإيذان بكمال أمنِه عليه الصلاة والسلام وتمامِ ثقتِه بأمره وقوةِ يقينِه بأنه لن يُصيبَهم في ذلك شائبةُ مكروهٍ أصلاً وهو السرُّ في تقديم جانبِه عليه السلام على جانب المخاطَبين في كل من المقدم والمؤخرِ مع رعاية الأصلِ في الصيغة فإن غيرَ المتكلم تبعٌ له في الإسناد. 
 ثُمَّ نَبْتَهِلْ  أي نتباهلْ بأن نلعنَ الكاذبَ منا والبُهلةُ - بالضم والفتح - اللعنةُ وأصلُها التركُ من قولهم : بَهَلْتُ الناقةَ أي تركتُها بلا صِرار 
 فَنَجْعَل لعْنَة الله عَلَى الكاذبين  عطفٌ على نبتهل مبينٌ لمعناه، روي أنهم لما دُعوا إلى المباهلة قالوا : حتى نرجِعَ وننظُرَ فلما خلَوْا قالوا للعاقب - وكان ذا رأيهم- : يا عبدَ المسيح ما ترى ؟ فقال : والله لقد عرفتم يا معشرَ النصارى أن محمداً نبيٌّ مرسل ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبِكم، والله ما باهل قومٌ نبياً قط فعاش كبيرُهم ولا نبت صغيرُهم، ولئن فعلتم لتهلِكُنّ، فإن أبيتم إلا إلفَ دينِكم والإقامةِ على ما أنتم عليه فوادِعوا الرجلَ وانصرِفوا إلى بلادكم، فأتَوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وقد غدا محتضِناً الحسينَ آخذاً بيد الحسنِ وفاطمةُ تمشي خلفَه وعليٌّ خلفها - رضي الله عنهم أجمعين - وهو يقول :**« إذا أنا دعوتُ فأمِّنوا »** فقال أسقفُ نجرانَ : يا معشرَ النصارى إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله تعالى أن يُزيل جبلاً من مكانه لأزاله، فلا تُباهلوا فتهلِكوا ولا يبقى على وجه الأرضِ نصرانيٌّ إلى يوم القيامة، فقالوا : يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهِلَك وأن نُقِرَّك على دينك ونثبُتَ على ديننا، قال صلى الله عليه وسلم :**« فإذا أبيتم المباهلةَ فأسلِموا يكنْ لكم ما للمسلمين وعليكم ما على المسلمين »** فأبَوْا، قال عليه الصلاة والسلام :**« فإني أناجِزُكم »** فقالوا : ما لنا بحربِ العربِ طاقةٌ ولكن نصالِحُك على ألا تغزونا ولا تُخيفَنا ولا ترُدَّنا عن ديننا على أن نؤدي إليك كلَّ عامٍ ألفي حُلةٍ، ألفاً في صَفَر وألفاً في رجبٍ وثلاثين درعاً عادية من حديد، فصالحهم على ذلك وقال :**« والذي نفسي بيده إن الهلاكَ قد تدلَّى على أهل نجرانَ، ولو لاعنوا لَمُسِخوا قِردةً وخنازيرَ ولاضْطَرمَ عليهم الوادي ناراً ولاستأصَلَ الله نجرانَ وأهلَه حتى الطيرَ على رؤوس الشجر، ولما حال الحولُ على النصارى كلِّهم حتى يهلكوا »**.

### الآية 3:62

> ﻿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ۚ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [3:62]

إِنَّ هَذَا  أي ما قُصّ من نبأ عيسى وأمِّه عليهما السلام  لَهُوَ القصص الحق  دون ما عداه من أكاذيبِ النصارى، فهو ضميرُ الفصلِ دخلتْه اللامُ لكونه أقربَ إلى المبتدإ من الخبر، وأصلها أن تدخُلَ المبتدأَ، وقرئ لهْوَ بسكون الهاء، والقصصُ خبرُ إن والحقُّ صفتُه، أو مبتدأٌ والقصصُ خبرُه والجملةُ خبرٌ لإن  وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله  صرّح فيه بمن الاستغراقية تأكيداً للرد على النصارى في تثليثهم  وَإِنَّ الله لَهُوَ العزيز  القادرُ على جميع المقدوراتِ  الحكيم  المحيطُ بالمعلومات لا أحدَ يشاركُه في القدرة والحِكمة ليشاركَه في الألوهية.

### الآية 3:63

> ﻿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ [3:63]

فَإِن تَوَلَّوْا  عن التوحيد وقَبولِ الحقِّ الذي قصَصْنا عليك بعد ما عاينوا تلك الحُججَ النَّيرة والبراهينَ الساطعة  فَإِنَّ الله عَلِيمٌ بالمفسدين  أي بهم، وإنما وُضِعَ موضعَه ما وُضِع للإيذان بأن الإعراضَ عن التوحيد والحقِّ الذي لا محيدَ عنه بعد ما قامت به الحججُ إفسادٌ للعالم وفيه من شدة الوعيدِ ما لا يخفى.

### الآية 3:64

> ﻿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [3:64]

قُلْ يا أهل الكتاب  أمرٌ بخطاب أهلِ الكتابين وقيل : بخطاب وفدِ نجْرانَ وقيل : بخطاب يهودِ المدينةِ  تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ  لا يختلف فيها الرسلُ والكتبُ وهي  أَن لا نَعْبُدَ إِلاَّ الله  أي نوحِّدُه بالعبادة ونُخلِصُ فيها  وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً  ولا نجعلَ غيرَه شريكاً له في استحقاق العبادةِ ولا نراه أهلاً لأن يُعبد  وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا من دُونِ الله  بأن نقولَ عزيرٌ ابنُ الله والمسيحُ ابنُ الله ولا نُطيعَ الأحبارَ فيما أحدثوا من التحريم والتحليل لأن كلاً منهم بعضُنا بشرٌ مثلُنا، روي أنه لما نزلت  اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَاباً من دُونِ الله  \[ التوبة، الآية ٣١ \] قال عديُّ بنُ حاتم : ما كنا نعبُدهم يا رسولَ الله، فقال عليه السلام :**« أليس كانوا يُحِلّون لكم ويحرِّمون فتأخذون بقولهم »** قال : نعم، قال عليه السلام :**« هو ذاك »**  فَإِن تَوَلَّوْاْ  عما دعوتَهم إليه من التوحيد وتركِ الإشراك  فَقُولُواْ  أي قل لهم أنت والمؤمنون : اشهدوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ  أي لزِمْتكم الحُجةُ فاعترِفوا بأنا مسلمون دونكم أو اعترِفوا بأنكم كافرون بما نطَقَتْ به الكتُب وتطابقت عليه الرسلُ عليهم السلام. 
- تنبيه - انظُر إلى ما روعيَ في هذه القصة من المبالغة في الإرشاد وحسنِ التدرُّجِ في المُحاجَّة حيث بيّن أولاً أحوالَ عيسى عليه السلام وما توارد عليه من الأطوار المنافيةِ للإلهية ثم ذُكر كيفيةُ دعوتِه للناس إلى التوحيد والإسلامِ فلما ظهر عندهم دُعُوْا إلى المباهلة بنوع من الإعجاز ثم لما أعرَضوا عنها وانقادوا بعضَ الانقياد دُعوا إلى ما اتفق عليه عيسى عليه السلام والإنجيلُ وسائرُ الأنبياء عليهم السلام والكتُب، ثم لما ظهر عدمُ إجدائِه أيضاً أُمِرَ بأن يقال لهم : اشهدوا بأنا مسلمون.

### الآية 3:65

> ﻿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [3:65]

يا أَهْلِ الكتاب  من اليهود والنصارى  لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إبراهيم  أي في مِلّته وشريعتِه. تنازعت اليهودُ والنصارى في إبراهيمَ عليه السلام وزعم كلٌّ منهم أنه عليه السلام منهم وترافَعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت، والمعنى لم تدعون أنه عليه السلام كان منكم  وَمَا أُنزِلَتِ التوراة  على موسى عليه الصلاة والسلام  والإنجيل  على عيسى عليه الصلاة والسلام  إِلاَّ مِن بَعْدِهِ  حيث كان من بينه وبين موسى عليهما السلام ألفُ سنةٍ وبين موسى وعيسى عليهما السلام ألفا سنةٍ فكيف يمكن أن يتفوَّهَ به عاقلٌ  أَفَلاَ تَعْقِلُونَ  أي ألا تتفكرون فلا تعقِلون بطلانَ مذهبِكم أو أتقولون ذلك فلا تعقلون بُطلانه.

### الآية 3:66

> ﻿هَا أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [3:66]

ها أَنتُمْ هؤلاء  جملةٌ من مبتدإ وخبر صُدِّرت بحرف التنبيه ثم بُيِّنت بجملة مستأنفة إشعاراً بكمال غفلتِهم أي أنتم هؤلاءِ الأشخاصُ الحمق حيث  حاججتم فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ  في الجملة حيث وجدتموه في التوراة والإنجيل،  فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ  أصلاً إذ لا ذِكْرَ لدين إبراهيمَ في أحد الكتابين قطعاً وقيل : هؤلاء بمعنى الذين وحاججتم صلتُه وقيل : ها أنتم أصلُه أأنتم على الاستفهام للتعجب قلبت الهمزةُ هاءً 
 والله يَعْلَمُ  ما حاججتم فيه أو كلَّ شيءٍ فيدخُل فيه ذلك دخولاً أولياً  وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ  أي محلَّ النزاعِ أو شيئاً من الأشياء التي من جملتها ذلك.

### الآية 3:67

> ﻿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [3:67]

مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا  تصريحٌ بما نطَق به البرهانُ المقرِّر  وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا  أي مائلاً عن العقائد الزائغةِ كلِّها  مُسْلِمًا  أي منقاداً لله تعالى، وليس المرادُ أنه كان على مِلَّة الإسلامِ وإلا لاشترك الإلزامُ  وَمَا كَانَ مِنَ المشركين  تعريضٌ بأنهم مشركون بقولهم : عزيرٌ ابنُ الله والمسيحُ ابنُ الله وردٌّ لادعاء المشركين أنهم على ملة إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام.

### الآية 3:68

> ﻿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۗ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [3:68]

إِنَّ أَوْلَى الناس بإبراهيم  أي أقربَهم إليه وأخصَّهم به  لَلَّذِينَ اتبعوه  أي في زمانه  وهذا النبي والذين آمَنُواْ  لموافقتهم له في أكثرِ ما شُرع لهم على الأصالة، وقرئ النبيَّ بالنصب عطفاً على الضمير في اتبعوه وبالجر عطفاً على إبراهيمَ  والله وَلِي المؤمنين  ينصُرهم ويجازيهم الحسنى بإيمانهم، وتخصيصُ المؤمنين بالذكر ليثبُتَ الحكمُ في النبيِّ صلى الله عليه وسلم بدَلالة النصِّ.

### الآية 3:69

> ﻿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [3:69]

وَدَّت طائِفَةٌ منْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يُضِلُّونَكُمْ  نزلت في اليهود حين دعَوا حُذيفةَ وعماراً ومُعاذاً إلى اليهودية و لَوْ  بمعنى أن  وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ  جملةٌ حاليةٌ جيء بها للدَلالة على كمال رسوخِ المخاطبين وثباتِهم على ما هم عليه من الدين القويم أي وما يتخطاهم الإضلالُ ولا يعود وبالُه إلا إليهم لما أنه يُضاعفُ به عذابُهم وقيل : وما يُضِلّون إلا أمثالَهم ويأباه قوله تعالى : وَمَا يَشْعُرُونَ  أي باختصاص وبالِه وضررِه بهم.

### الآية 3:70

> ﻿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ [3:70]

يا أَهْلَ الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بآيات الله  أي بما نَطَقتْ به التوراةُ والإنجيلُ ودلت على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم  وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ  أي والحالُ أنكم تشهدون أنها آياتُ الله أو بالقرآن وأنتم تشهدون نعتَه في الكتابين أو تعلمون بالمعجزات أنه حقٌّ.

### الآية 3:71

> ﻿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [3:71]

يا أهل الكتاب لِمَ تَلْبِسُونَ الحق بالباطل  بتحريفكم وإبرازِ الباطِلِ في صورته أو بالتقصير في التمييز بينهما، وقرئ تلَبّسون بالتشديد وتلْبَسون بفتح الباء أي تلبَسون الحقَّ مع الباطل كما في قوله عليه السلام :**« كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ »**  وَتَكْتُمُونَ الحق  أي نبوةَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم ونعتَه  وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ  أي حقِّيتَه.

### الآية 3:72

> ﻿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [3:72]

وَقَالَت طائِفَةٌ منْ أَهْلِ الكتاب  وهم رؤساؤُهم ومفسدوهم لأعقابهم  آمِنُواْ بالذي أنزِلَ على الَّذِينَ آمنُوا  أي أظهِروا الإيمانَ بالقرآن المنْزلِ عليهم  وَجْهَ النهار  أي أولَه  واكفروا  أي أظهِروا ما أنتم عليه من الكفر به  آخِرَهُ  مُرائين لهم أنكم آمنتم به بادِيَ الرأي من غير تأملٍ ثم تأملتم فيه فوقَفتم على خلل رأيِكم الأولِ فرجعتم عنه  لَعَلَّهُمْ  أي المؤمنين  يَرْجِعُونَ  عما هم عليه من الإيمان به كما رجعتم والمرادُ بالطائفة كعبُ بنُ الأشرفِ ومالكُ بنُ الصيفِ قالا لأصحابهما لما حُوِّلت القِبلة : آمِنوا بما أنزل عليهم من الصلاة إلى الكعبة وصلّوا إليها أولَ النهار ثم صلوا إلى الصخرة آخِرَه لعلهم يقولون : هم أعلمُ منا وقد رجَعوا فيرجِعون، وقيل : هم اثنا عشرَ رجلاً من أحبار خيبَر اتفقوا على أن يدخُلوا في الإسلام أولَ النهار ويقولوا آخرَه : نظرنا في كتابنا وشاوَرْنا علماءَنا فلم نجِدْ محمداً بالنعت الذي ورد في التوراة، لعل أصحابه يشكّون فيه.

### الآية 3:73

> ﻿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ ۗ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [3:73]

وَلاَ تُؤْمِنُواْ  أي لا تُقِرّوا بتصديقٍ قلبيِّ  إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ  أي لأهل دينِكم أو لا تُظهِروا إيمانَكم وجهَ النهار إلا لمن كان على دينكم من قبلُ، فإن رجوعَهم أرجى وأهمُّ  قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله  يهدي به من يشاءُ إلى الإيمان ويُثبِّته عليه  أَن يؤتى أَحَدٌ مثْلَ مَا أُوتِيتُمْ  متعلِّقٌ بمحذوفٍ أي دبّرتم ذلك وقلتم لأن يؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم، أو بلا تؤمنوا أي ولا تظهِروا إيمانَكم بأن يؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم إلا لأشياعكم ولا تُفْشوه إلى المسلمين لئلا يزيدَ ثباتُهم ولا إلى المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام، وقولُه تعالى : قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله  اعتراضٌ مفيدٌ لكون كيدِهم غيرَ مُجدٍ لطائل أو خبر إن على هدى الله بدل من الهدى، وقرئ أن يؤتى على الاستفهام التقريعي وهو مؤيدٌ للوجه الأولِ أي لأن يُؤتى أحدٌ الخ دبرتم ؟ وقرئ أن على أنها نافيةٌ فيكونُ من كلام الطائفةِ، أي ولا تؤمنوا إلا لمن تبِعَ دينَكم وقولوا لهم : ما يؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم  أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ  عطفٌ على  أَن يؤتى  على الوجهين الأولين وعلى الثالث معناه حتى يحاجوكم عند ربِّكم فيدحَضوا حُجتَكم، والواوُ ضميرُ  أَحَدٌ  لأنه في معنى الجمع إذ المرادُ به غيرُ أتباعِهم  قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء والله واسع عَلِيمٌ  ردٌّ لهم وإبطالٌ لما زعموه بالحجة الباهرةِ.

### الآية 3:74

> ﻿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [3:74]

يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ  أي يجعل رحمتَه مقصورةً على  مَن يَشَاء والله ذُو الفضل العظيم  كلاهما تذييلٌ لما قبله مقرِّرٌ لمضمونه.

### الآية 3:75

> ﻿۞ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [3:75]

وَمِنْ أَهْلِ الكتاب  شروعٌ في بيان خيانتِهم في المال بعد بيانِ خيانتِهم في الدين، والجارُّ والمجرورُ في محل الرفع على الابتداء حسبما مر تحقيقُه في تفسير قوله تعالى : وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ  \[ البقرة، الآية ٨ \] الخ خبرُه قوله تعالى : مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدّهِ إِلَيْكَ  على أن المقصودَ بيانُ اتّصافِهم بمضمون الجملةِ الشرطية لا كونُهم ذواتِ المذكورين كأنه قيل : بعضُ أهلِ الكتاب بحيث إن تأمنْه بقنطار أي بمالٍ كثيرٍ يؤدِّه إليك كعبد اللَّه بن سلامٍ استودَعه قرشيٌّ ألفاً ومِائتيْ أوقيةٍ ذهباً فأداها إليه  وَمِنْهُمْ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ  كفِنحاصَ بنِ عازوراءَ استودعه قرشيٌّ آخرُ ديناراً فجحَده وقيل : المأمونون على الكثير النصارى إذ الغالبُ فيهم الأمانةُ والخائنون في القليل اليهودُ إذ الغالبُ فيهم الخيانة  إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا  استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأحوال أو الأوقات أي لا يؤده إليك في حال من الأحوال أو في وقت من الأوقات إلا في حال دوام قيامِك أو في وقت دوامِ قيامِك على رأسه مبالِغاً في مطالبته بالتقاضي وإقامةِ البينة  ذلك  إشارةٌ إلى ترك الأداءِ المدلولِ عليه بقوله تعالى : لا يُؤَدِّهِ  وما فيه من معنى البُعد للإيذان بكمال غُلوِّهم في الشر والفساد  بِأَنَّهُمْ  أي بسبب أنهم  قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأميين  أي في شأنِ مَنْ ليس من أهل الكتاب  سَبِيلٍ  أي عتابٌ ومؤاخذة  وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب  بادعائهم ذلك  وَهُمْ يَعْلَمُونَ  أنهم كاذبون مفترون على الله تعالى وذلك لأنهم استحلوا ظُلْمَ من خالفهم وقالوا لم يُجعل في التوراة في حقهم حُرمةٌ وقيل : عامل اليهودُ رجالاً من قريشٍ فلما أسلموا تقاضَوْهم فقالوا : سقط حقُّكم حيث تركتم دينَكم وزعَموا أنه كذلك في كتابهم، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عند نزولِها :**« كذَب أعداءُ الله ما من شيء في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي إلا الأمانةَ فإنها مؤداةٌ إلى البَرِّ والفاجر »**.

### الآية 3:76

> ﻿بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَىٰ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [3:76]

بلى  إثباتٌ لما نفَوْه أي بلى عليهم فيهم سبيلٌ، وقولُه تعالى : مَنْ أوفى بِعَهْدِهِ واتقى فَإِنَّ الله يُحِبُّ المتقين  استئنافٌ مقرِّر للجملة التي سد  بلى  مسدَّها والضميرُ المجرور لمن أو لله تعالى وعمومِ المتقين نائبٌ منابَ الراجعِ من الجزاء إلى مَنْ ومُشعِرٌ بأن التقوى مَلاكُ الأمرِ، عامٌّ للوفاء وغيرِه من أداء الواجباتِ والاجتنابِ عن المناهي.

### الآية 3:77

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [3:77]

إِنَّ الذين يَشْتَرُونَ  أي يستبدلون ويأخُذون  بِعَهْدِ الله  أي بدلَ ما عاهدوا عليه من الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم والوفاءِ بالأمانات  وأيمانهم  وبما حلفوا به من قولهم : والله لنُؤمِنن به ولننصُرَنّه  ثَمَناً قَلِيلاً  هو حُطامُ الدنيا  أولئك  الموصوفون بتلك الصفاتِ القبيحةِ  لاَ خلاق  لا نصيبَ  لَهُمْ فِي الآخرة  من نعيمها  وَلاَ يُكَلّمُهُمُ الله  أي بما يسُرّهم أو بشيء أصلاً وإنما يقع ما يقع من السؤال والتوبيخِ والتقريعِ في أثناء الحساب من الملائكة عليهم السلام أو لا ينتفعون بكلماتِ الله تعالى وآياتِه، والظاهرُ أنه كنايةٌ عن شدة غضبِه وسَخَطِه نعوذ بالله من ذلك لقوله تعالى : وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القيامة  فإنه مَجازٌ عن الاستهانة بهم والسخطِ عليهم متفرِّعٌ على الكناية في حق من يجوزُ عليه النظرُ لأن مَن اعتد بالإنسان التفت إليه وأعاره بصرَه ثم كثُر حتى صار عبارةً عن الاعتداد والإحسانِ وإن لم يكن ثَمَّةَ نظَرٌ ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظرُ مجرد المعنى من الإحسان مَجازاً عما وقع كنايةً عنه فيمن يجوزُ عليه النظر، ويومَ القيامة متعلقٌ بالفعلين وفيه تهويل للوعيد  وَلاَ يُزَكّيهِمْ  أي لا يُثني عليهم أو لا يُطَهِّرهم من أوضار الأوزار  وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  على ما فعلوه من المعاصي قيل إنها نزلت في أبي رافعٍ ولُبابةَ بنِ أبي الحقيق وحُيَيِّ بنِ أخطَبَ حرّفوا التوراة وبدلوا نعتَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وأخذوا الرِّشوةَ على ذلك. وقيل : نزلت في الأشعث بنِ قيسٍ حيث كان بينه وبين رجل نزاعٌ في بئر فاختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له :**« شاهداك أو يمينُه »** فقال الأشعث : إذن يحلِفُ ولا ببالي، فقال صلى الله عليه وسلم :**« مَنْ حلف على يمين يستحِقُّ بها مالاً هو فيها فاجرٌ لقِيَ الله وهو عليه غضبان »**، وقيل : في رجل أقام سلعة في السوق فحلف لقد اشتراها بما لم يكن اشتراها به.

### الآية 3:78

> ﻿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [3:78]

وَإِنَّ مِنْهُمْ  أي من اليهود المحرِّفين  لَفَرِيقًا  ككعب بنِ الأشرفِ ومالكِ بنِ الصيف وأضرابِهما  يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بالكتاب  أي يفتلونها بقراءته فيُميلونها عن المُنزّل إلى المحرّف أو يعطِفونها بشَبَه الكتاب، وقرئ يُلوّون بالتشديد ويلُون بقلب الواو المضمومة همزةً ثم تخفيفِها بحذفها وإلقاء حركتها على ما قبلها من الساكن  لِتَحْسَبُوهُ  أي المحرِّفَ المدلولَ عليه بقوله تعالى : يَلْوُونَ  الخ وقرئ بالياء والضميرُ للمسلمين  منَ الكتاب  أي من جملته وقولُه تعالى : وَمَا هُوَ مِنَ الكتاب  حالٌ من الضمير المنصوبِ أي والحالُ أنه ليس منه في نفس الأمرِ وفي اعتقادهم أيضاً  وَيَقُولُونَ  مع ما ذكر من اللَّيِّ والتحريف على طريقة التصريحِ لا بالتورية والتعريض  هُوَ  أي المحرفُ  مِنْ عِندِ الله  أي منزلٌ من عند الله  وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله  حالٌ من ضمير المبتدأ في الخبر أي والحالُ أنه ليس من عنده تعالى في اعتقادهم أيضاً وفيه من المبالغة في تشنيعهم وتقبيحِ أمرِهم وكمالِ جرأتهم ما لا يخفى، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ والكتاب في محل الإضمارِ لتهويل ما أقدموا عليه من القول. 
 وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ  أنهم كاذبون ومفترون على الله تعالى وهو تأكيدٌ وتسجيلٌ عليهم بالكذبِ على الله والتعمُّد فيه، وعن ابن عباس رضي الله عنهما هم اليهودُ الذين قدِموا على كعب بنِ الأشرف وغيَّروا التوراةَ وكتبوا كتاباً بدَّلوا فيه صِفةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ثم أخذت قريظةُ ما كتبوا فخلَطوا بالكتاب الذي عندهم.

### الآية 3:79

> ﻿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ [3:79]

مَا كَانَ لِبَشَرٍ  بيانٌ لافترائهم على الأنبياء عليهم السلام حيث قال نصارى نجرانَ : إن عيسى عليه السلام أمرنا أن نتخِذَه رباً حاشاه عليه السلام، وإبطالٌ له إثرَ بيانِ افترائِهم على الله سبحانه وإبطالِه، أي ما صح وما استقام لأحد وإنما قيل : لِبَشَرٍ  إشعاراً بعلة الحُكم فإن البشريةَ منافية للأمر الذي أسنده الكفرَةُ إليهم  أَن يُؤْتِيهُ الله الكتاب  الناطقَ بالحق الآمرَ بالتوحيد الناهيَ عن الإشراك  والحكم  هو الفهمُ والعلم أو الحكمةُ وهي السنة،  والنبوة ثُمَّ يَقُولَ  ذلك البشرُ بعدما شرّفه الله عز وجل بما ذُكر من التشريفات وعرّفه الحقَّ وأطلعه على شؤونه العالية 
 لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لي  الجارُّ متعلقٌ بمحذوف هو صفةٌ لعباد أي عباداً كائنين  مِن دُونِ الله  متعلقٌ بلفظ عباداً لما فيه من معنى الفعل أو صفةٌ ثانيةٌ له ويحتمِلُ الحاليةَ لتخصُّص النكرةِ بالوصف أي متجاوزين الله تعالى سواءٌ كان ذلك استقلالاً أو اشتراكاً فإن التجاوزَ متحققٌ فيهما حتماً. قيل : إن أبا رافعٍ القُرَظيّ والسيدَ النجرانيَّ قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أتريد أن نعبُدَك ونتخِذَك رباً ؟ فقال عليه السلام :**« معاذَ الله أن يُعبَدَ غيرُ الله تعالى وأن نأمرَ بعبادة غيرِه تعالى فما بذلك بعثني ولا بذلك أمرَني »** فنزلت. وقيل : قال رجل من المسلمين : يا رسول الله نسلِّم عليك كما يُسلّم بعضُنا على بعض أفلا نسجُد لك ؟ قال عليه السلام :**« لا ينبغي أن يُسجَدَ لأحد من دون الله تعالى ولكن أكرِموا نبيَّكم واعرِفوا الحقَّ لأهله »**  ولكن كُونُواْ  أي ولكن يقولُ كونوا  ربانيين  الربانيُّ منسوبٌ إلى الرب بزيادة الألف والنون كاللحياني والرقباني وهو الكاملُ في العلم والعمل، الشديدُ التمسكِ بطاعة الله عز وجل ودينِه  بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ الكتاب وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ  أي بسبب مُثابرتِكم على تعليم الكتابِ ودراستِه أي قراءتِه فإن جعْلَ خبرِ كان مضارعاً لإفادة الاستمرارِ المتجدِّد وتكريرُ بما كنتم للإيذان باستقلال كلّ من استمرار التعليمِ واستمرارِ القراءةِ بالفضل وتحصيلِ الربانية، وتقديمُ التعليم على الدراسة لزيادة شرفِه عليها أو لأن الخطابَ الأولَ لرؤسائهم والثاني لمن دونهم وقرئ تَعْلمون بمعنى عالمين وتُدَرِّسون من التدريس وتُدْرِسون من الإدراس بمعنى التدريس كأكرم بمعنى كرُم ويجوز أن تكون القراءةُ المشهورةُ أيضاً بهذا المعنى على تقدير بما تدْرُسونه على الناس.

### الآية 3:80

> ﻿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا ۗ أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [3:80]

وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الملائكة والنبيين أَرْبَابًا  بالنصب عطفاً على ثم يقولَ و  لا  مزيدةٌ لتأكيد معنى النفي في قوله تعالى : مَا كَانَ لِبَشَرٍ  أي ما كان لبشر أن يستنبِئَه الله تعالى ثم يأمرَ الناس بعبادة نفسِه ويأمرَ باتخاذ الملائكةِ والنبيين أرباباً، وتوسيطُ الاستدراك بين المعطوفَين للمسارعة إلى تحقيق الحقِّ ببيان ما يليق بشأنه ويحِقُّ صدورُه عنه إثرَ تنزيهِه عما لا يليقُ بشأنه ويمتنِعُ صدورُه عنه، وأما ما قيل من أنها غيرُ مزيدةٍ على معنى أنه ليس له أن يأمُرَ بعبادته ولا يأمرَ باتخاذِ أكفائِه أرباباً بل ينهى عنه وهو أدنى من العبادة فيقضي بفساده ما ذُكِر من توسيط الاستدراكِ بين الجملتين المتعاطفتين ضرورةَ أنهما حينئذ في حكم جملةٍ واحدة وكذا قوله تعالى : أَيَأْمُرُكُم بالكفر  فإنه صريحٌ في أن المرادَ بيانُ انتفاءِ كِلا الأمرَين قصداً لا بيانُ انتفاءِ الأولِ لانتفاءِ الثاني، ويعضُده قراءةُ الرفعِ على الاستئناف، وتجويزُ الحالية بتقدير المبتدإ أي وهو لا يأمرَكم إلى آخره بيِّنُ الفساد لما عرَفته آنفاً، وقولُه تعالى : بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ  يدل على أن الخطابَ للمسلمين وهم المستأذنون للسجود له عليه السلام.

### الآية 3:81

> ﻿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [3:81]

وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين  منصوبٌ بمضمر خوطب به النبيُّ صلى الله عليه وسلم أي اذكرْ وقتَ أخذِه تعالى ميثاقَهم  لَمَا آتَيْتُكُم مّن كتاب وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ  قيل : هو ظاهره وإذا كان هذا حكمَ الأنبياءِ عليهم السلام كان الأممُ بذلك أولى وأحرى، وقيل : معناه أخذُ الميثاقِ من النبيين وأممِهم، واستُغنيَ بذكرهم عن ذكرهم، وقيل : إضافةُ الميثاقِ إلى النبيين إضافةٌ إلى الفاعل والمعنى وإذْ أخذ الله الميثاقَ الذي وثّقه الأنبياءُ على أممهم، وقيل : المرادُ أولادُ النبيين على حذف المضافِ وهم بنو إسرائيلَ أو سماهم نبيين تهكّماً بهم لأنهم كانوا يقولون : نحن أولى بالنبوة من محمد صلى الله عليه وسلم لأنا أهلُ الكتاب والنبيون كانوا منا، واللام في  لَما  موطئةٌ للقسم لأن أخذَ الميثاق بمعنى الاستخلافِ، وما تحتملُ الشرطيةَ، ولتُؤمِنُنّ سادٌّ مسدَّ جوابِ القسم والشرط، وتحتمل الخبرية، وقرئ  لِما  بالكسر على أن ما مصدرية أي لأجل إيتائي إياكم بعضَ الكتاب ثم لمجيء رسولٍ مصدقٍ أخذَ الله الميثاقَ لتؤمِنُنَّ به ولتنصُرُنه، أو موصولةٌ والمعنى أخذُه الذي آتيتُكموه وجاءكم رسولٌ مصدقٌ له وقرئ لَمّا بمعنى حين آتيتُكم أو لَمِنْ أجل ما آتيتُكم على أن أصله لَمِنْ ما بالإدغام فحُذف إحدى الميمات الثلاثِ استثقالاً. 
 قَالَ  أي الله تعالى بعدما أخذَ الميثاقَ  أأَقْرَرْتُمْ  بما ذُكر  وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِي  أي عهدي سُمّيَ به لأنه يؤصَرُ أي يُشَدّ وقرئ بضم الهمزة إما لغةٌ كعبر وعبر أو جمع إصار وهو ما يشد به  قَالُواْ  استئنافٌ مبنيٌّ على السؤال كأنه قيل : فماذا قالوا عند ذلك ؟ فقيل قالوا :
 أَقْرَرْنَا  وإنما لم يُذكر أخذُهم الإصرارَ اكتفاءً بذلك  قَالَ  تعالى  فَاشْهدُواْ  أي فليشهدْ بعضُكم على بعض بالإقرار وقيل : الخطابُ فيه للملائكة  وَأَنَاْ مَعَكُمْ منَ الشاهدين  أي وأنا أيضاً على إقراركم ذلك وتشاهُدِكم به شاهدٌ، وإدخالُ مع على المخاطبين لما أنهم المباشِرون للشهادة حقيقةً وفيه من التأكيد والتحذيرِ ما لا يخفى.

### الآية 3:82

> ﻿فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [3:82]

فَمَنْ تولى  أي أعرض عما ذكر  بَعْدَ ذَلِكَ  الميثاقِ والتوكيدِ بالإقرار والشهادة، فمعنى البُعد في اسم الإشارةِ لتفخيم الميثاق  فَأُوْلَئِكَ  إشارةٌ إلى مَنْ، والجمعُ باعتبار المعنى كما أن الإفرادَ في تولى باعتبار اللفظ، وما فيه من معنى البُعد للدِلالة على ترامي أمرِهم في السوء وبُعد منزلتِهم في الشر والفساد أي فأولئك المُتولُّون المتّصفون بالصفات القبيحةِ  هُمُ الفاسقون  المتمرِّدون الخارجون عن الطاعة من الكَفَرة فإن الفاسقَ من كل طائفةٍ مَنْ كان متجاوزاً عن الحد.

### الآية 3:83

> ﻿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [3:83]

أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ  عطفٌ على مقدّر أي أيتوَلَّوْن فيبغون غيرَ دينِ الله ؟ وتقديمُ المفعولِ لأنه المقصودُ إنكارُه، أو على الجملة المتقدمةِ والهمزةُ متوسطةٌ بينهما للإنكار وقرئ بتاء الخطاب على تقدير وقل لهم  وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السموات والأرض  جملةٌ حاليةٌ مفيدةٌ لوكادة الإنكار 
 طَوْعًا وَكَرْهًا  أي طائعين بالنظر واتباعِ الحجةِ وكارهين بالسيف ومعاينةِ ما يُلجئ إلى الإسلام كنَتْق الجبلِ وإدراكِ الغرقِ والإشرافِ على الموت، أو مختارين كالملائكة والمؤمنين ومسخَّرين كالكَفَرة فإنهم لا يقدِرون على الامتناع عما قُضيَ عليهم  وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ  أي مَنْ فيهما والجمعُ باعتبار المعنى، وقرئ بتاء الخطاب، والجملةُ إما معطوفةٌ على ما قبلها منصوبة على الحالية وإما مستأنفةٌ سيقت للتهديد والوعيد.

### الآية 3:84

> ﻿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [3:84]

قُلْ آمَنَّا بالله  أمرٌ للرسول صلى الله عليه وسلم بأن يُخبرَ عن نفسه ومَنْ معه من المؤمنين بالإيمان بما ذُكر، وجمعُ الضمير في قوله تعالى : وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا  وهو القرآنُ لما أنه منزلٌ عليهم أيضاً بتوسط تبليغِه إليهم أو لأن المنسوبَ إلى واحد من الجماعة قد يُنسَب إلى الكل، أو عن نفسه فقط وهو الأنسبُ بما بعده والجمعُ لإظهار جلالةِ قدرِه عليه السلام ورفعةِ محلِّه بأمره بأن يتكلَّم عن نفسه على دَيْدَن الملوكِ، ويجوز أن يكون الأمرُ عاماً، والإفرادُ لتشريفه عليه السلام والإيذانِ بأنه عليه السلام أصلٌ في ذلك كما في قوله تعالى : يا أيُّهَا النبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء  \[ الطلاق، الآية ١ \]،  وَمَا أُنزِلَ على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ  من الصحُف، والنزولُ - كما يعدى بإلى لانتهائه إلى الرسل - يعدى بعلى لأنه من فوق، ومن رام الفرق بأن على لكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وإلى لكون الخطاب للمؤمنين فقد تعسف ألا يُرى إلى قوله تعالى : بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ  \[ البقرة، الآية ٤ \] الخ وقوله : آمنوا بالذي أُنزِلَ عَلَى الذين آمنوا  \[ آل عمران، الآية ٧٢ \] الخ وإنما قدم المُنْزلُ على الرسول صلى الله عليه وسلم على ما أنزِل على سائر الرسل عليهم السلام مع تقدّمه عليه نزولاً لأنه المعروفُ له والعيار عليه. والأسباطُ جمع سِبْط وهو الحافد والمرادُ بهم حفَدَةُ يعقوبَ عليه السلام وأبناؤه الاثنا عشرَ وذراريهم فإنهم حفدةُ إبراهيمَ عليه السلام  وَمَا أُوتِي موسى وعيسى  من التوراة والإنجيلِ وسائرِ المعجزاتِ الظاهرةِ بأيديهما كما يُنبئ عنه إيثارُ الإيتاءِ على الإنزال الخاصِّ بالكتاب، وتخصيصُهما بالذكر لما أن الكلامَ مع اليهود والنصارى  والنبيون  عطفٌ على موسى وعيسى عليهما السلام أي وما أوتي النبيون من المذكورين وغيرِهم  من ربّهِمُ  من الكتب والمعجزات  لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ منْهُمْ  كدأبِ اليهودِ والنصارى آمنوا ببعضٍ وكفروا ببعض، بل نؤمن بصِحةِ نبوةِ كلَ منهم وبحقّية ما أُنزل إليهم في زمانهم، وعدمُ التعرّضِ لنفي التفريق بين الكتبِ لاستلزام المذكورِ إياه وقد مرّ تفصيلُه في تفسير قولِه تعالى : لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ من رُسُلِهِ  \[ البقرة، الآية ٢٨٥ \] وهمزة أحدٍ إما أصلية فهو اسمٌ موضوعٌ لمن يصلُح أن يخاطَبَ يستوي فيه المفردُ والمثنى والمجموعُ والمذكرُ والمؤنث ولذلك صح دخولُ بين عليه كما في مثل المالُ بين الناس، وإما مُبدلةٌ من الواو فهو بمعنى واحد، وعمومُه لوقوعه في حيز النفي، وصِحةُ دخولِ  بَيْنَ  عليه باعتبار معطوفٍ قد حُذف لظهوره أي بين أحدٍ منهم وغيرِه كما في قول النابغة :\[ الطويل \]فما كان بين الخيرِ إذ جاء سالما  أبو حَجَرٍ إلا ليالٍ قلائلُ[(١)](#foonote-١)أي بين الخير وبيني  وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ  أي منقادون أو مخلصون أنفسَنا له تعالى لا نجعلُ له شريكاً فيها، وفيه تعريضٌ بإيمان أهلِ الكتاب فإنه بمعزل عن ذلك. 
١ وهو للنابغة الذبياني في ديوانه ص ١٢٠ والمقاصد النحوية ٤/١٦٧ وشرح عمدة الحافظ ص ٦٤٨ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٣/٣٩٦ وشرح الأشموني ٢/٤٣٠.
 والشاهد فيه قوله "بين الخير" يريد بين الخير وبيني فحذف الواو مع المعطوف بها ودليل هذا الحذف أن كلمة "بين" يجب أن يكون ما تضاف إليه متعددا..

### الآية 3:85

> ﻿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [3:85]

وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام  أي غيرَ التوحيد والانقيادِ لحكم الله تعالى كدأب المشركين صريحاً والمدّعين للتوحيد مع إشراكهم كأهل الكتابين 
 دِينًا  ينتحِلُ إليه وهو نصبٌ على مفعولٌ ليبتغ، وغيرَ الإسلام حال منه لما أنه كان صفةً له فلما قُدِّمت عليه انتصبت حالاً، أو هو المفعولُ وديناً تمييز لما فيه من الإبهام أو بدلٌ من غيرَ الإسلام  فَلَن يُقْبَلَ  ذلك  مِنْهُ  أبداً بل يُردّ أشدَّ ردَ وأقبحَه، وقوله تعالى : وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين  إما حالٌ من الضمير المجرور أو استئنافٌ لا محل له من الإعراب أي من الواقعين في الخُسران والمعنى أن المعرض عن الإسلامَ والطالبُ لغيره فاقدٌ للنفع واقعٌ في الخسران بإبطال الفطرةِ السليمةِ التي فُطر الناسُ عليها وفي ترتيب الرد والخُسران على مجرد الطلبِ دَلالةٌ على أن حالَ من تديّن بغير الإسلام واطمأنّ بذلك أفظعُ وأقبحُ. واستُدل به على أن الإيمانَ هو الإسلامُ إذْ لو كان غيرَه لم يقبل، والجوابُ أنه ينفي قَبولَ كلِّ دينٍ يُغايرُه لا قبولَ كل ما يغايرُه.

### الآية 3:86

> ﻿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [3:86]

كَيْفَ يَهْدِي الله  إلى الحق  قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إيمانهم  قيل : هم عشرَةُ رهطٍ ارتدوا بعد ما آمنوا ولحِقوا بمكةَ، وقيل : هم يهودُ قُريظةَ والنَّضِير ومَنْ دان بدينهم كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن كانوا مؤمنين به قبل مَبْعثِه  وَشَهِدُواْ أَنَّ الرسول حَقٌّ وَجَاءهُمُ البينات  استبعادٌ لأن يهديَهم الله تعالى، فإن الحائدَ عن الحق بعد ما وضَحَ له منهمِكٌ في الضلال بعيدٌ عن الرشاد، وقيل : نفيٌ وإنكار له وذلك يقتضي أن لا تقبلَ توبةُ المرتد، وقوله تعالى : وَشَهِدُواْ  عطفٌ على إيمانهم باعتبار انحلالِه إلى جملة فعليةٍ كما في قوله تعالى : إِنَّ المصدقين والمصدقات وَأَقْرَضُواْ الله  
\[ الحديد، الآية ١٨ \] الخ فإنه في قوة أن يقال : بعد أن آمنوا، أو حالٌ من ضمير كفروا بإضمار قد، وهو دليلٌ على أن الإقرارَ باللسان خارجٌ عن حقيقة الإيمان  والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين  أي الذين ظلموا أنفسَهم بالإخلال بالنظر ووضعِ الكفر موضِعَ الإيمان فكيف مَن جاءه الحقُّ وعرَفه ثم أعرض عنه، والجملةُ اعتراضية أو حالية.

### الآية 3:87

> ﻿أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [3:87]

أولئك  إشارة إلى المذكورين باعتبار اتصافِهم بما مر من الصفات الشنيعة وما فيه من معنى البعدِ لما مر مراراً أو هو مبتدأ وقوله تعالى :
 جَزَاؤُهُمْ  مبتدأ ثانٍ وقوله تعالى : أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ الله والملائكة والناس أَجْمَعِينَ  خبرُه والجملةُ خبرٌ لأولئك وهذا يدلُّ بمنطوقه على جواز لعنِهم وبمفهومِه ينفي جوازَ لعنِ غيرِهم، ولعل الفرقَ بينهم وبين غيرِهم أنهم مطبوعٌ على قلوب ممنوعون عن الهدى آيِسون من الرحمة رأساً بخلاف غيرِهم، والمرادُ بالناس المؤمنون أو الكلُّ فإن الكافرَ أيضاً يلعن مُنكِرَ الحقِّ والمرتدِّ عنه، ولكن لا يعرِف الحقَّ بعينه.

### الآية 3:88

> ﻿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ [3:88]

خالدين فِيهَا  في اللعنة أو العقوبةِ أو النار وإن لم تُذكر لدَلالة الكلامِ عليها  لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ  أي يُمهَلون.

### الآية 3:89

> ﻿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [3:89]

إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك  أي من بعد الارتدادِ  وَأَصْلَحُواْ  أي ما أفسدوا أو دخلوا في الصلاح  فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ  فيَقبلُ توبتَهم ويتفضّلُ عليهم وهو تعليلٌ لما دل عليه الاستثناءُ، وقيل : نزلت في الحارثِ بنِ سويد حين ندِم على رِدَّته فأرسل إلى قومه أن يسألوا : هل لي من توبة ؟ فأرسل إليه أخوه ( الجُلاّس ) الآيةَ فرجَع إلى المدينة فتاب.

### الآية 3:90

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ [3:90]

إِنَّ الذين كَفَرُواْ بَعْدَ إيمانهم ثُمَّ ازدادوا كُفْرًا  كاليهود كفروا بعيسى عليه السلام والإنجيلِ بعد الإيمانِ بموسى عليه الصلاة والسلام والتوراة، ثم ازدادوا كفراً حيث كفروا بمحمد عليه الصلاة والسلام والقرآنِ أو كفروا به عليه السلام بعد ما آمنوا به قبل مبعثِه ثم ازدادوا كفراً بالإصرار عليه والطعنِ فيه والصدِّ عن الإيمان ونقضِ الميثاق أو كقوم ارتدوا ولحِقوا بمكةَ ثم ازدادوا كفراً بقولهم : نتربّصُ به رَيْبَ المنون أو نرجِعُ إليه فننافِقُه بإظهار الإيمان. 
 لن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ  لأنهم لا يتوبون إلا عند إشرافِهم على الهلاك فكنّى عن عدم توبتِهم بعدم قبولِها تغليظاً في شأنهم وإبرازاً لحالهم في صورة حالِ الآيسين من الرحمة، أو لأن توبتَهم لا تكونُ إلا نفاقاً لارتدادهم وازديادِهم كفراً، ولذلك لم تدخُلْ فيه الفاء  وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضالون  الثابتون على الضلال.

### الآية 3:91

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَىٰ بِهِ ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [3:91]

إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم ملْء الأرض ذَهَبًا وَلَوِ افتدى بِهِ  لمّا كان الموتُ على الكفر سبباً لامتناع قبولِ الفِديةِ زيدت الفاءُ هاهنا للإشعار به، وملءُ الشيءِ ما يُملأ به، وذهباً تمييزٌ وقرئ بالرفع على أنه بدلٌ من ملء، أو خبرٌ لمحذوفِ  وَلَوِ افتدى  محمولٌ على المعنى، كأنه قيل : فلن يُقبل من أحدهم فديةٌ ولو افتدى بملء الأرضِ ذهباً أو معطوف على مضمر تقديرُه فلن يقبل من أحدهم ملءُ الأرض ذهباً لو تصدق به في الدنيا ولو افتدى به من العذاب في الآخرة، أو المرادُ ولو افتدى بمثلِه كقوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِي الأرض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ  \[ الزمر، الآية ٤٧ \] والمِثلُ يحذف ويراد كثيراً لأن المِثلَين في حكم شيءٍ واحد  أولئك  إشارة إلى المذكورين باعتبار اتصافِهم بالصفات الشنيعةِ المذكورة  لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  مؤلمٌ. اسمُ الإشارةِ مبتدأ والظرفُ خبرُه ولاعتماده على المبتدأ ارتفع به عذابٌ أليم على الفاعلية  وَمَا لَهُم من ناصرين  في دفع العذابِ عنهم أو في تخفيفه، و مِنْ  مزيدةٌ للاستغراق، وصيغةُ الجمعِ لمراعاة الضميرِ أي ليس لواحد منهم ناصرٌ واحد.

### الآية 3:92

> ﻿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [3:92]

لَن تَنَالُواْ البر  مِنْ ناله نيلاً إذا أصابه، والخطابُ للمؤمنين وهو كلامٌ مستأنفٌ سيق لبيان ما ينفعُ المؤمنين ويُقبلُ منهم إثرَ بيانِ ما لا ينفعُ الكفرةَ ولا يُقبل منهم. أي لن تبلُغوا حقيقةَ البِرِّ الذي يتنافس فيه المتنافسون ولن تُدركوا شأوَه ولن تلحَقوا بزُمْرة الأبرارِ أو لن تنالوا برَّ الله تعالى وهو ثوابُه ورحمتُه ورضاه وجنتُه  حتى تُنفِقُواْ  أي في سبيل الله عز وجل رغبةً فيما عنده، و مِنْ  في قوله تعالى : مِمَّا تُحِبُّونَ  تبعيضيّة ويؤيده قراءةُ من قرأ بعضَ ما تحبون، وقيل : بيانيةٌ و مَا  موصولةٌ أو موصوفة، أي مما تهوَوْن ويُعجبُكم من كرائمِ أموالِكم وأحبَّها إليكم كما في قوله تعالى : أَنفِقُواْ مِن طيبات مَا كَسَبْتُمْ  \[ البقرة، الآية ٢٦٧ \] أو مما يعُمّها وغيرَها من الأعمال والمُهَج، على أن المرادَ بالإنفاق مطلقُ البذلِ وفيه من الإيذان بعزة منالِ البرِّ ما لا يخفى، وكان السلفُ رضي الله عنهم إذا أحبوا شيئاً جعلوه لله عز وجل، ورُوي أنها لما نزلت جاء أبو طلحةَ فقال : يا رسولَ الله إن أحبَّ أموالي إليَّ بَيْرحاءُ فضعْها يا رسولَ الله حيث أراك الله، فقال عليه السلام :**« بخٍ بخٍ ذاك مالٌ رائجٌ أو رابحٌ وإني أرى أن تجعلَها في الأقربين »**، فقسَمها في أقاربه، وجاء زيدُ بنُ حارثةَ بفرسٍ له كان يحبُّها فقال : هذه في سبيل الله فحمل عليها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أسامةَ بنَ زيدٍ فكأن زيداً وجَدَ في نفسه وقال : إنما أردتُ أن أتصدقَ بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**« أما إن الله تعالى قد قبِلها منك »**. قيل : وفيه دَلالةٌ على أن إنفاقَ أحبِّ الأموالِ على أقربِ الأقاربِ أفضلُ. وكتب عمرُ رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعريِّ أن يشتريَ له جاريةً من سبْي جَلولأَ يوم فُتِحت مدائنُ كسرى فلما جاءت إليه أعجبتْه فقال : إن الله تعالى يقول : لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ  \[ آل عمران، الآية : ٩٢ \] فأعتقها، وروي أن عمرَ بنَ عبد العزيز كانت لزوجته جاريةٌ بارعةُ الجمال وكان عمرُ راغباً فيها وكان قد طلبها منها مراراً فلم تُعطِها إياه، ثم لما وليَ الخِلافةَ زيَّنَتْها وأرسلتها إليه فقالت : قد وهبتُكَها يا أميرَ المؤمنين فلتخدُمْك، قال : من أين ملكتِها، قالت : جئتُ بها من بيت أبي عبدِ الملك، ففتش عن كيفية تملُّكِها إياها، فقيل : إنه كان على فلانٍ العاملِ ديونٌ فلما تُوفيَ أُخِذت من ترِكَته، ففتش عن حال العاملِ وأحضر ورثتَه وأرضاهم جميعاً بإعطاء المالِ ثم توجّه إلى الجارية وكان يهواها هوىً شديداً، فقال : أنت حرةٌ لوجه الله تعالى، فقالت : لمَ يا أميرَ المؤمنين وقد أزحْتَ عن أمرها كلَّ شُبهة ؟ قال : لستُ إذن ممن نهى النفسَ عن الهوى.  وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيء  ما شرطيةٌ جازمةٌ لتنفقوا منتصبةٌ به على المفعولية ومن تبعيضيةٌ متعلقةٌ بمحذوف هو صفةٌ لاسم الشرطِ، أيْ أيَّ شيءٍ تنفقوا كائناً من الأشياء، فإن المفردَ في مثل هذا الموضعِ واقعٌ موقعَ الجمعِ، وقيل : محلُّ الجارِّ والمجرور النصبُ على التمييز أيْ أيَّ شيءٍ تنفقوا طيباً تحبُّونه أو خبيثاً تكرَهونه،  فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ  تعليلٌ لجوابِ الشرطِ واقعٌ موقِعَه، أي فمجازيكم يحسَبه جيداً كان أو رديئاً فإنه تعالى عليمٌ بكل شيءٍ تُنفِقونه علماً كاملاً بحيث لا يخفى عليه شيءٌ من ذاته وصفاته، وتقديمُ الجارِّ والمجرور لرعاية الفواصلِ، وفيه من الترغيب في إنفاق الجيدِ والتحذيرِ عن إنفاق الرديء ما لا يخفى.

### الآية 3:93

> ﻿۞ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [3:93]

كُلُّ الطعام  أي كلُّ أفرادِ المطعوم أو كلُّ أنواعِه  كَانَ حِلاًّ لّبَنِى إسرائيل  أي حلالاً لهم، فإن الحلَّ مصدرٌ نُعت به، ولذلك استوى فيه الواحدُ والجمعُ والمذكرُ والمؤنث كما في قوله تعالى : لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ  \[ الممتحنة، الآية ١٠ \]  إِلاَّ مَا حَرَّمَ إسرائيل على نَفْسِهِ  استثناءٌ متصلٌ من اسم كان، أي كان كلُّ المطعوماتِ حلالاً لبني إسرائيلَ إلا ما حرم إسرائيلُ أي يعقوبُ عليه السلام على نفسه وهو لحومُ الإبلِ وألبانُها، قيل : كان به وجعُ النَّسا فنذَرَ لئن شُفِيَ لا يأكلُ أحبَّ الطعامِ إليه وكان ذلك أحبَّه إليه، وقيل : فعل ذلك للتداوي بإشارة الأطباءِ، واحتج به من جوّز للنبي الاجتهادَ. وللمانع أن يقولَ : كان ذلك بإذنٍ من الله تعالى فيه فهو كتحريمه ابتداءً  مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التوراة  متعلقٌ بقوله تعالى : كَانَ حِلاًّ  ولا ضيرَ في توسيط الاستثناءِ بينهما، وقيل : متعلق بحرَّمَ وفيه أن تقييدَ تحريمِه عليه السلام بقَبْلية تنزيلِ التوراة ليس فيه مزيدُ فائدة أي كان ما عدا المستثنى حلالاً لهم قبلَ أن تنزّلَ التوراةُ مشتمِلةً على تحريم ما حُرِّم عليهم لظلمهم وبغيهم عقوبةً لهم وتشديداً وهو ردٌّ على اليهود في دعواهم البراءةَ عما نعى عليهم قولُه تعالى : فَبِظُلْمٍ منَ الذين هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ  \[ النساء، الآية ١٦٠ \] وقوله تعالى : وَعَلَى الذين هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ  \[ الأنعام، ١٤٦ \] الآيتين، بأن قالوا : لسنا أولَ من حُرِّمتْ عليه وإنما كانت محرمةً على نوحٍ وإبراهيمَ ومَنْ بعدَهما حتى انتهى الأمرُ إلينا فحرمت علينا، وتبكيتٌ لهم في منع النسخِ والطعنِ في دعوى الرسولِ صلى الله عليه وسلم موافقتَه لإبراهيمَ عليه السلام بتحليله لحومِ الإبلِ وألبانِها.  قُلْ فَأْتُوا بالتوراة فاتلوها  أُمر عليه الصلاة والسلام بأن يُحاجَّهم بكتابهم الناطقِ بأن تحريمَ ما حُرِّم عليهم تحريمٌ حادثٌ مترتِّبٌ على ظلمهم وبغي كلما ارتكبوا معصيةً من المعاصي التي اقترفوها حُرِّم عليهم من الطيبات عقوبةً لهم، ويكلّفهم إخراجَه وتلاوتَه ليُبَكِّتَهم ويُلقِمَهم الحجَرَ ويُظهرِ كذِبَهم، وإظهارُ اسم التوراةِ لكون الجملةِ كلاماً مع اليهود منقطعاً عما قبله، وقوله تعالى : إِن كُنتُمْ صادقين  أي في دعواكم أنه تحريمٌ قديمٌ، وجوابُ الشرط محذوفٌ لدلالة المذكورِ عليه أي إن كنتم صادقين فأتوا بالتوراة فاتلوها فإن صدْقَكم مما يدعوكم إلى ذلك اْلبتةَ. روي أنهم لم يجسَروا على إخراج التوراةِ فبُهتوا وانقلبوا صاغرين وفي ذلك من الحجة النيرة على صدق النبيِّ صلى الله عليه وسلم وجوازِ النسخ الذي يجحَدونه ما لا يخفي، والجملةُ مستأنفةٌ مقرِّرة لما قبلها.

### الآية 3:94

> ﻿فَمَنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [3:94]

فَمَنِ افترى عَلَى الله الكذب  أي اختلقه عليه سبحانه بزعمه أنه حرَّم ما ذُكر قبل نزولِ التوراةِ على بني إسرائيلَ و \[ على \] مَنْ تقدَّمهم من الأمم  مِن بَعْدِ ذلك  من بعد ما ذُكر من أمرهم بإحضار التوراةِ وتلاوتِها وما ترتب عليه من التبكيت والإلزامِ، والتقييدُ به للدَلالة على كمال القبحِ  فَأُوْلَئِكَ  إشارةٌ إلى الموصول باعتبار اتصافِه بما في حيز الصلةِ، والجمعُ باعتبار معناه كما أن الإفراد في الصلة باعتبار لفظِه، وما فيه من معنى البُعد للإشعار ببُعدِ منزلتِهم في الضلال والطُغيان، أي فأولئك المُصِرُّون على الافتراء بعد ما ظهرت حقيقةُ الحال وضاقت عليهم حَلْبةُ المُحاجَّة والجدالِ  هُمُ الظالمون  المفْرِطون في الظلم والعُدوان المُبْعِدون فيهما، والجملةُ مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب مَسوقةٌ من جهته تعالى لبيان كمالِ عُتوِّهم، وقيل : هي في محل النصبِ داخلةٌ تحت القولِ عطفاً على قوله تعالى : فَأْتُوا بالتوراة  \[ آل عمران : ٩٣ \].

### الآية 3:95

> ﻿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ ۗ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [3:95]

قُلْ صَدَقَ الله  أي ظهر وثبت صِدقُه تعالى فيما أنزل في شأن التحريمِ، وقيل : في قوله تعالى : مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيّا  \[ آل عمران : ٦٧ \] الخ أو صَدَق في كل شأنٍ من الشؤون وهو داخلٌ في ذلك دخولاً أولياً، وفيه تعريضٌ بكذبهم الصريح  فاتّبعوا مِلَّةَ إبراهيم  أي ملةَ الإسلامِ التي هي في الأصل ملةُ إبراهيمَ عليه السلام فإنكم ما كنتم متّبعين لمِلّته كما تزعُمون، أو فاتّبعوا مِلَّته حتى تتخلصوا من اليهودية التي اضطَرَّتْكم إلى التحريف والمكابدةِ وتلفيقِ الأكاذيبِ لتسوية الأغراضِ الدنيئةِ الدنيويةِ وألزمتكم تحريمَ طيباتٍ محلَّلةٍ لإبراهيمَ عليه السلام ومن تبِعَه للدَلالة على أن ظهورَ صدقِه تعالى موجبٌ للاتباع وتركِ ما كانوا عليه  حَنِيفاً  أي مائلاً عن الأديان الزائغةِ كلِّها  وَمَا كَانَ مِنَ المشركين  أي في أمر من أمور دينِه أصلاً وفرعاً، وفيه تعريضٌ بإشراك اليهودِ وتصريحٌ بأنه عليه السلام ليس بينه وبينهم علاقةٌ دينيةٌ قطعاً، والغرضُ بيانُ أن النبي صلى الله عليه وسلم على دين إبراهيمَ عليه السلام في الأصول لأنه لا يدعو إلا إلى التوحيد والبراءةِ عن كل معبودٍ سواه سبحانه وتعالى، والجملةُ تذييلٌ لما قبلها.

### الآية 3:96

> ﻿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ [3:96]

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ  شروعٌ في بيان كفرِهم ببعضٍ آخرَ من شعائر ملتِه عليه السلام إثرَ بيانِ كفرِهم بكون كلِّ المطعومات حِلاًّ له عليه السلام، رُوي أنهم قالوا : بيتُ المقدس أعظمُ من الكعبة لأنه مُهاجَرُ الأنبياءِ و \[ لكونه \] في الأرض المقدسة، وقال المسلمون : بل الكعبةُ أعظمُ فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فنزلتْ، أي إن أولَ بيتٍ وُضع للعبادة وجُعِل مُتعبَّداً لهم، والواضعُ هو الله تعالى ويؤيِّده القراءةُ على البناء للفاعل، وقوله تعالى : لَلَّذِى بِبَكَّةَ  خبرٌ لإن وإنما أُخبر بالمعرفة مع كونِ اسمِها نكرةً لتخصُّصها بسببين : الإضافةِ والوصفِ بالجملة بعدها أي لَلْبيتُ الذي ببكةَ أي فيها، وفي ترك الموصوفِ من التفخيم ما لا يخفي، وبكةُ لغةٌ في مكةَ، فإن العربَ تعاقِبُ بين الباء والميم كما في قولهم : ضربةُ لازبٍ ولازم، والنميطُ والنبيط في اسم موضعٍ بالدَّهناء، وقولِهم أمرٌ راتبٌ وراتمٌ وسبّد رأسَه وسمّدها وأغبطت الحمى وأغمطت. وهي عَلَم للبلد الحرام من بكّة إذا زحَمه لازدحام الناس فيه. وعن قتادة يُبكُّ الناسُ بعضُهم بعضاً أو لأنها تُبكُّ أعناقَ الجبابرة أي تدُقُّها، لم يقصِدْها جبارٌ إلا قصمَه الله عز وجل، وقيل : بكةُ اسمٌ لبطن مكةَ، وقيل : لموضع البيتِ، وقيل : للمسجد نفسِه، ومكةُ اسمٌ للبلد كلِّه وأيَّد هذا بأن التَّباكَّ وهو الازدحامُ إنما يقع عند الطوافِ، وقيل : مكةُ اسمٌ للمسجد والمطاف، وبكةٌ اسمٌ للبلد لقوله تعالى : لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكاً . روي أنه عليه السلام سُئل عن أول بيتٍ وضع للناس فقال :**«المسجدُ الحرام ثم بيتُ المقدس »** وسئل : كم بينهما ؟ فقال :**«أربعون سنة »** وقيل : أولُ من بناه إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام وقيل : آدمُ عليه السلام، وقد استوفينا ما فيه من الأقاويل في سورة البقرة، وقيل : أولُ بيتٍ وضعَ بالشرف لا بالزمان  مُبَارَكاً  كثيرَ الخير والنفعِ لِمَا يحصُل لمن حجَّه واعتمره واعتكف فيه وطاف حوله من الثواب وتكفيرِ الذنوب، وهو حال من المستكنّ في الظرف، لأن التقديرَ للذي ببكةَ هو، والعاملُ فيه ما قُدّر في الظرف من فعل الاستقرار  وهدى للعالمين  لأنه قبلتُهم ومُتعبَّدُهم ولأن فيه آياتٍ عجيبةً دالةً على عظيم قدرتِه تعالى وبالغِ حكمتِه.

### الآية 3:97

> ﻿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [3:97]

كما قال : فِيهِ آيات بيّنات  واضحاتٌ كانحراف الطيورِ عن موازاة البيتِ على مدى الأعصارِ ومخالطةِ ضواري السباعِ الصيودَ في الحرم من غير تعرُّضٍ لها، وقهر الله تعالى لكل جبارٍ قصَده بسوء كأصحاب الفيل، والجملةُ مفسرةٌ للهدى أو حالٌ أخرى  مَقَامِ إبراهيم  أي أثرُ قدميه عليه السلام في الصخرة التي كان عليه السلام يقوم عليها وقتَ رفعِ الحجارةِ لبناء الكعبةِ عند ارتفاعِه أو عند غسلِ رأسِه على ما رُوي أنه عليه السلام جاء زائراً من الشام إلى مكةَ فقالت له امرأةُ إسماعيلَ عليه السلام : انزلْ حتى أغسِلَ رأسَك فلم ينزِل فجاءته بهذا الحجرِ فوضعتْه على شقه الأيمنِ فوضع قدمَه عليه حتى غسَلت شِقَّ رأسِه ثم حولتْه إلى شقه الأيسرِ حتى غسلت الشِقَّ الآخَرَ فبقيَ أثرُ قدميه عليه. وهو إما مبتدأٌ حُذف خبرُه أي منها مقامُ إبراهيمَ أو بدلٌ من آياتٌ بدلَ البعضِ من الكل، أو عطفُ بيانٍ إما وحدَه باعتبار كونِه بمنزلة آياتٍ كثيرةٍ لظهور شأنِه وقوةِ دَلالتِه على قدرة الله تعالى وعلى نبوة إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام كقوله تعالى : إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً قانتا  \[ النحل، الآية ١٢٠ \] أو باعتبار اشتمالِه على آياتٍ كثيرةٍ فإن كلَّ واحدٍ من أثر قدميه في صخرةٍ صمَّاءَ وغوْصِه فيها إلى الكعبين وإلانةِ بعضِ الصخور دون بعضٍ وإبقائِه دون سائرِ آياتِ الأنبياءِ عليهم السلام وحفظِه مع كثرة الأعداءِ ألفَ سنةٍ آيةٌ مستقلةٌ، ويؤيده القراءةُ على التوحيد. وإما بما يفهم من قوله عز وجل : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً  فإنه وإن كان جملةً مستأنفةً ابتدائيةً أو شرطيةً لكنها في قوةِ أن يقال : وأَمِنَ مَنْ دَخَله فتكون بحسب المعنى والمآلِ معطوفةً على مقامُ إبراهيمَ، ولا يخفي أن الأثنينِ نوعٌ من الجمع فيكتفي بذلك أو يحملُ على أنه ذُكر من تلك الآياتِ اثنتان وطُويَ ذكرُ ما عداهما دَلالةً على كثرتها ومعنى أمْنِ داخلِه أمنُه من التعرُّض له كما في قوله تعالى : أَوَلَمْ يَرَوا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ  \[ العنكبوت، الآية ٦٧ \] وذلك بدعوة إبراهيمَ عليه السلام : رَبّ اجعل هذا البلد آمِنًا  \[ إبراهيم، الآية ٣٥ \] وكان الرجلُ لوْ جَرَّ كلَّ جريرةٍ ثم لجأ إلى الحرم لم يُطلب. وعن عمرَ رضي الله عنه لو ظفِرتُ فيه بقاتل الخطابِ ما مسَسْتُه حتى يخرُجَ منه. ولذلك قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى : من لزِمه القتلُ في الحِلّ بقصاص أو رِدَّةً أو زنىً فالتجأ إلى الحرم لم يُتعرَّضْ له إلا أنه لا يؤوى ولا يُطْعم ولا يسقى ولا يُبايَع حتى يُضْطَرَّ إلى الخروج. وقيل : أمنُه من النار. وعن النبي صلى الله عليه وسلم :**«من مات في أحد الحرَمين بُعث يومَ القيامة آمِناً »** وعنه عليه الصلاة والسلام :**«الحَجون والبقيعُ يؤخذ بأطرافهما ويُنثرَانِ في الجنة »** وهما مقبرتا مكةَ والمدينة وعن ابن مسعود رضي الله عنه : وقف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على ثنيّة الحَجونِ وليس بها يومئذ مقبرَةٌ فقال :**«يبعث الله تعالى من هذه البقعةِ ومن هذا الحرَم كلِّه سبعين ألفاً وجوهُهم كالقمر ليلةَ البدر يدخُلون الجنة بغير حساب يشفعُ كلُّ واحدٍ منهم في سبعين ألفاً وجوهُهم كالقمر ليلة البدر »** وعن النبي صلى الله عليه وسلم :**«من صَبَر على حرَّ مكةَ ساعةً من نهار تباعدت عنه جهنمُ مسيرةَ مائتي عام »**.  وَللَّهِ عَلَى الناس حجُّ البيت  جملةٌ من مبتدأ هو حِجُّ البيت وخبرٍ هو لله، وقولُه تعالى : عَلَى الناس  متعلقٌ بما تعلق به الخبرُ من الاستقرار أو بمحذوفٍ هو حالٌ من الضمير المستكنِّ في الجار، والعاملُ فيه ذلك الاستقرارُ ويجوز أن يكونَ  عَلَى الناس  هو الخبرُ ولله متعلقٌ بما تعلق به الخبرُ، ولا سبيل إلى أن يتعلقَ بمحذوفٍ هو حالٌ من الضمير المستكن في على الناس لاستلزامه تقديمَ الحالِ على العامل المعنوي وذلك مما لا مساغَ له عند الجمهور وقد جوّزه ابنُ مالكٍ إذا كانت هي ظرفاً أو حرفَ جر وعاملُها كذلك، بخلاف الظرف وحرف الجر فإنهما يتقدمان على عاملهما المعنوي، واللامُ في البيت للعهد، وحجُّه قصْدُه للزيارة على الوجه المخصوص المعهود، وكسر الحاء لغةُ نجدٍ، وقيل : هو اسمٌ للمصدر، وقرئ بفتحها  مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً  في محل الجرِّ على أنه بدلٌ من الناس بدلَ البعضِ من الكل مخصِّصٌ لعمومه، فالضميرُ العائد إلى المُبدْل منه محذوفٌ أي من استطاع منهم، وقيل : بدلَ الكلِّ على أن المرادَ بالناس هو البعضُ المستطيعُ فلا حاجةَ إلى الضمير، وقيل : في محل الرفعِ على أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ، أي هم من استطاع الخ، وقيل : في حيز النصبِ بتقدير أعني، وقيل : كلمةُ  مِنْ  شرطيةٌ والجزاءُ محذوفٌ لدَلالة المذكور عليه وكذا العائدُ إلى الناس أي من استطاع منهم إليه سبيلاً فلله عليه حِجُّ البيت، وقد رُجِّحَ هذا بكون من بعده شرطية، والضميرُ المجرورُ في إليه راجعٌ إلى البيت أو إلى حِجّ، والجارُّ متعلقٌ بالسبيل، قُدِّم عليه اهتماماً بشأنه كما في قوله عز وجل : فَهَلْ إلى خُرُوجٍ من سَبِيلٍ  \[ غافر، الآية ١١ \] و هَلْ إلى مَرَدٍّ من سَبِيلٍ  \[ الشورى، الآية ٤٤ \] لما فيه من معنى الإفضاءِ والإيصالِ، كيف لا وهو عبارةٌ عن الوسيلة من مال أو غيرِه فإنه قد روى أنسُ بنُ مالكٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«السبيلُ الزادُ والراحلة »** وروى ابنُ عمرَ رضي الله عنهما أن رجلاً قال : يا رسول الله ما السبيلُ ؟ قال :**«الزادُ والراحلة »** وهو المراد بما رُوي أنه عليه السلام فسَّر الاستطاعةَ بالزاد والراحلة وهكذا رُوي عن ابن عباسٍ وابنِ عمرَ رضي الله عنهم وعليه أكثرُ العلماء خلا أن الشافعيَّ أخذ بظاهره فأوجب الاستنابةَ على الزَّمنِ القادر على أُجرة مَنْ ينوب عنه، والظاهرُ أن عدمَ تعرُّضِه عليه السلام لصِحة البدنِ لظهور الأمر، كيف لا والمفسَّرُ في الحقيقة هو السبيلُ الموصِلُ لنفس المستطيع إلى البيت وذا لا يُتصوَّرُ بدون الصِحة. وعن الزبير أنه على قدوة القوة. ومذهب مالك أن الرجل إذا وثق بقوته لزمه وعنه ذلك على قدر الطاقة، وقد يجد الزاد والراحلة من لا يقدر على السفر، وقد يقدر عليه من لا راحلة له ولا زاد. وعن الضحاك أنه إذا قدر أن يؤجِر نفسه فهو مستطيع.  ومن كفر  وُضع من كفر موضع من لم يحج تأكيدا لوجوبه وتشديد \[ النكير \] على تاركه ولذلك قال عليه السلام :**«من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا »** وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه عليه السلام قال في خطبته :**«أيها الناس إن الله فرض الحج على من استطاع إليه سبيلا ومن لم يفعل فليمت على أي حال شاء يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا »**  فإن الله غني عن العالمين  وعن عبادتهم وحيث كان من كفر من جملتهم داخلا فيها دخولا أوليا اكتُفي بذلك عن الضمير الرابط بين الشرط والجزاء، ولقد حازت الآية الكريمة من فنون الاعتبارات المُعربة عن كمال الاعتناء بأمر الحج والتشديد على تاركه ما لا مزيد عليه حيث أوثرت صيغة الخبر الدالة على التحقق وأبرزت في صورة الجملة الاسمية الدالة على الثبات والاستمرار على وجه يفيد أنه حق واجب لله سبحانه في ذمم الناس لا انفكاك لهم عن أدائه والخروج عن عهدته. وسلك بهم مسلك التعميم ثم التخصيص، والإبهام ثم التبيين، والإجمال ثم التفصيل لما في ذلك من مزيد تحقيق وتقرير، وعُبّر عن تركه بالكفر الذي لا قبيح وراءه وجُعل جزاؤه استغناءه تعالى المُؤذِن بشدة المقت وعظم السخط لا عن تاركه فقط، فإنه قد ضرب عنه صفحا إسقاطا له عن درجة الاعتبار واستهجانا بذكره، بل عن جميع العالمين ممن فعل وترك ليدل على نهاية شدة الغضب. هذا وقال ابن عباس والحسن وعطاء رضي الله تعالى عنهم : ومن كفر أي جحد فرض الحج وزعم أنه ليس بواجب. وعن سعيد بن المسيِّب نزلت في اليهود فإنهم قالوا : الحج إلى مكة غير واجب وروي أنه لما نزل قوله تعالى : ولله على الناس حج البيت  \[ آل عمران، الآية : ٩٧ \] جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الأديان كلهم فخطبهم فقال :**«إن الله كتب عليكم الحج فحجّوا »** فآمنت به ملة واحدة وهم المسلمون وكفرت به خمس ملل قالوا : لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نحجّه فنزل  ومن كفر  وعن النبي صلى الله عليه وسلم :**«حجّوا قبل أن لا تحجّوا فإنه قد هدم البيت مرتين ويرفع إلى السماء في الثالثة »**. وروي :**«حجوا قبل أن يمنع البر جانبه »** وعن ابن مسعود :**«حجوا هذا البيت قبل أن ينبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلا نفقت »** وعن عمر رضي الله عنه :**«لو ترك الناس الحج عاما واحدا ما نوظروا »**.

### الآية 3:98

> ﻿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ [3:98]

قُلْ يا أهل الكتاب  هم اليهودُ والنصارى وإنما خُوطبوا بعنوان أهليةِ الكتابِ الموجبةِ للإيمان به وبما يصدّقه من القرآن العظيمِ مبالغةً في تقبيح حالِهم في كفرهم بها وقوله عز وجل : لِمَ تَكْفُرُونَ بآيات الله  توبيخٌ وإنكارٌ لأن يكون لكفرهم بها سببٌ من الأسباب وتحقيقٌ لما يوجِبُ الاجتنابَ عنه بالكلية، والمرادُ بآياته تعالى ما يعُمُّ الآياتِ القرآنيةَ التي من جملتها ما تُليَ في شأن الحجِّ وغيرِه وما في التوراة والإنجيلِ من شواهد نبوَّتِه عليه السلام، وقولُه تعالى : والله شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ  حال من فاعل تكفُرون مفيدةٌ لتشديد التوبيخِ وتأكيدِ الإنكار، وإظهارُ الجلالةِ في موقع الإضمارِ لتربية المهابةِ وتهويلِ الخطبِ، وصيغةُ المبالغةِ في شهيدٌ للتشديد في الوعيد، وكلمةُ  مَا  إما عبارةٌ عن كفرهم أو هي على عمومها وهو داخلٌ فيها دُخولاً أولياً، والمعنى لأي سبب تكفُرون بآياته عز وعلا ؟ والحالُ أنه تعالى مبالِغٌ في الاطلاع على جميع أعمالِكم وفي مجازاتكم عليها ولا ريبَ في أن ذلك يسُدُّ جميعَ أنحاءِ ما تأتونه ويقطع أسبابَه بالكلية.

### الآية 3:99

> ﻿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [3:99]

قُلْ يا أهل الكتاب  أمرٌ بتوبيخهم بالإضلال إثرَ توبيخِهم بالضلال، والتكريرُ للمبالغة في حمله عليه السلام على تقريعهم وتوبيخِهم، وتركُ عطفِه على الأمر السابقِ للإيذان باستقلالهم كما أن قطْعَ قولِه تعالى : لِمَ تَصُدُّونَ  عن قوله تعالى : لِمَ تَكْفُرُونَ  للإشعار بأن كلَّ واحدٍ من كُفرهم وصدِّهم شناعةٌ على حيالها مستقِلةٌ في استتباع اللائمةِ والتقريعِ، وتكريرُ الخطابِ بعنوان أهليةِ الكتابِ لتأكيد الاستقلالِ وتشديدِ التشنيع فإن ذلك العنوانَ كما يستدعي الإيمانَ بما هو مصدِّقٌ لما معهم يستدعي ترغيبَ الناسِ فيه، فصدُّهم عنه في أقصى مراتبِ القَباحةِ ولكون صدِّهم في بعض الصورِ بتحريف الكتابِ والكفرِ بالآياتِ الدالةِ على نبُوَّته عليه السلام، وقرئ تُصِدّون من أصَدَّه  عَن سَبِيلِ الله  أي دينِه الحقِّ الموصلِ إلى السعادة الأبدية، وهو التوحيدُ وملةُ الإسلام  مَنْ آمَنَ  مفعول لتصُدُّون قُدِّم عليه الجارُّ والمجرورُ للاهتمام به. كانوا يفتِنون المؤمنين ويحتالون لصدهم عنه ويمنعون من أراد الدخولَ فيه بجُهدهم، ويقولون : إن صفتَه عليه السلام ليست في كتابهم ولا تقدّمت البِشارةُ به عندهم، وقيل : أتت اليهودُ الأوسَ والخزرجَ فذكّروهم ما كان بينهم في الجاهلية من العداوات والحروبِ ليعودا إلى ما كانوا فيه  تَبْغُونَهَا  على إسقاط الجارِّ وإيصالِ الفعل إلى الضمير كما في قوله :\[ الخفيف \]فتولى غلامُهم ثم نادى  أظليماً أصيدُكم أم حمارا[(١)](#foonote-١)بمعنى أصيدُ لكم أي تطلُبون لسبيل الله التي هي أقومُ السبل  عِوَجَا  اعوجاجاً بأن تَلْبِسوا على الناس وتُوهِموا أن فيه ميلاً عن الحق بنفي النسخِ وتغييرِ صفةِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم عن وجهها ونحو ذلك. والجملةُ حالٌ من فاعل تصُدّون وقيل : من سبيل الله  وَأَنْتُمْ شُهَدَاء  حالٌ من فاعل تصُدون باعتبار تقييدِه بالحال الأولى أو من فاعل تبغونها أي والحالُ أنكم شهداءُ تشهدون بأنها سبيلُ الله لا يحوم حولَها شائبةُ اعوجاجٍ وأن الصدَّ عنها إضلالٌ ! قال ابن عباس رضي الله عنهما : أي شهداءُ \[ على \] أن في التوراة إن دينَ الله الذي لا يُقبل غيرُه هو الإسلامُ أو وأنتم عدولٌ فيما بينكم يثقون بأقوالكم ويستشهدونكم في القضايا وعظائمِ الأمور  وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ  اعتراضٌ تذييليٌ فيه تهديدٌ ووعيدٌ شديدٌ، قيل : لما كان صدُّهم للمؤمنين بطريق الخُفْية خُتمت الآيةُ الكريمة بما يحسِمُ مادةَ حيلتهم من إحاطة علمِه تعالى بأعمالهم كما أن كفرَهم بآياتِ الله تعالى لمّا كان بطريق العلانيةِ خُتمت الآية السابقةُ بشهادته تعالى على ما يعملون. 
١ وهو بلا نسبة في شرح شواهد المغني ٢/٥٩٦ ومغني اللبيب ص ١/٢٠٠ والشاهد فيه قوله: "أصيدكم" حيث حذف اللام، والأصل: أصيد لكم..

### الآية 3:100

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [3:100]

يا أيها الذين آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقاً منَ الذين أُوتُوا الكتاب يَرُدُّوكُم بَعْدَ إيمانكم كافرين  تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى المؤمنين تحذيراً لهم عن طاعة أهلِ الكتابِ والافتتانِ بفتنتهم إثرَ توبيخِهم بالإغواء والإضلالِ ردعاً لهم عن ذلك، وتعليقُ الردِّ بطاعة فريقٍ منهم للمبالغة في التحذير عن طاعتهم وإيجابِ الاجتنابِ عن مصاحبتهم بالكلية فإنه في قوة أن يُقال : لا تُطيعوا فريقاً الخ، كما أن تعميمَ التوبيخِ فيما قبله للمبالغة في الزجر أو للمحافظة على سبب النزولِ فإنه رُوي أن نفراً من الأوس والخزرج كانوا جُلوساً يتحدثون فمرّ بهم شاسُ بنُ قيسٍ اليهوديُّ -وكان عظيمَ الكفرِ شديدَ الحسَدِ للمسلمين- فغاظه ما رأى منهم من تآلُفِ القلوبِ واتحادِ الكلمةِ واجتماعِ الرأي بعد ما كان بينهم ما كان من العداوة والشنَآنِ، فأمر شاباً يهودياً كان معه بأن يجلِسَ إليهم ويذكِّرَهم يوم بُعاثَ وكان ذلك يوماً عظيماً اقتتل فيه الحيانِ وكان الظفرُ فيه للأوس ويُنشِدُهم ما قيل فيه من الأشعار ففعل فتفاخرَ القومُ وتغاضبوا حتى تواثبوا وقالوا : السلاحَ السلاحَ فاجتمع من القبيلتين خلقٌ عظيم فعند ذلك جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابُه فقال :**«أتدْعون الجاهليةَ وأنا بين أظهُرِكم بعد أن أكرمكم الله تعالى بالإسلام وقطع به عنكم أمرَ الجاهلية وألَّف بينكم ؟ »** فعلِموا أنها نزعةٌ من الشيطان وكيدٌ من عدوهم فألقَوُا السلاح واستغفروا وعانق بعضُهم بعضاً، وانصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. 
قال الإمامُ الواحديُّ : اصطفوا للقتال فنزلت الآيةُ إلى قوله تعالى : لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ  \[ آل عمران، الآية ١٠٣ \] فجاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى قام بين الصفَّيْن فقرأهنّ ورفعَ صوتَه فلما سمعوا صوتَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أنصَتوا له وجعلوا يستمعون له فلما فرَغ ألقَوا السلاح وعانق بعضُهم بعضاً وجعلوا يبكون. وقوله تعالى : كافرين  إما مفعولٌ ثانٍ ليردُّوكم، على تضمين الردِّ معنى التصيير كما في قوله :\[ غافر \]رمى الحِدْثانُ نسوةَ آلِ سعد  بمقدار سمَدْن له سُمودا[(١)](#foonote-١)فردَّ شعورَهن السودَ بِيضا  ورد وجوهَهن البيضَ سوداأو حالٌ من مفعوله، والأول أدخَلُ في تنزيه المؤمنين عن نسبتهم إلى الكفر لما فيه من التصريح بكون الكفرِ المفروضِ بطريق القسر، وإيرادُ الظرفِ مع عدم الحاجةِ إليه ضرورةَ سبقِ الخطابِ بعنوان المؤمنين واستحالةِ تحققِ الردِّ إلى الكفر بدون سبْقِ الإيمانِ مع توسيطه بين المفعولين - لإظهار كمالِ شناعةِ الكفرِ وغايةِ بُعدِه من الوقوع إما لزيادة قُبحِه الصارفِ العاقلِ عن مباشرته أو لممانعة الإيمانِ له كأنه قيل : بعد إيمانِكم الراسخِ وفيه من تثبيت المؤمنين ما لا يخفي. 
١ وهما لعبد الله بن الزبير في ملحق ديوانه ص ١٤٣-١٤٤ وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ٩٤١ والمقاصد النحوية ص٩٤١ والمقاصد النحوية ٢/٤١٧ ولأيمن بن خريم في ديوانه ص ١٢٦ ولفضالة بن شريك في عيون الأخبار ٣/٧٦ وللكميت بن معروف في ذيل الأمالي ص ١١٥ وبلا نسبة في شرح الأشموني ١/١٥٩ (البيت الثاني فقط) ولسان العرب ٣/٢١٩ (سمد) البيت الأول فقط والشاهد فيهما مجيء "ردّ" في البيت الثاني مرتين مفيدة التحويل والتصيير ولذلك نصبت مفعولين..

### الآية 3:101

> ﻿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ۗ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [3:101]

وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ  استفهامٌ إنكاريٌّ بمعنى إنكارِ الوقوعِ كما في قوله تعالى : كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ  \[ التوبة، الآية ٧ \] الخ لا بمعنى إنكار الواقعِ كما في قوله تعالى : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا  \[ البقرة، الآية ٢٨ \] الخ وفي توجيه الإنكارِ والاستبعادِ إلى كيفية الكفرِ من المبالغة ما ليس في توجيهه إلى نفسه بأن يقال : أتكفرون ؟ لأن كلَّ موجودٍ لابد أن يكون وجودُه على حال من الأحوال فإذا أُنكِرَ ونُفيَ جميعُ أحوالِ وجودِه فقد انتفي وجودُه بالكلية على الطريق البرهاني وقوله تعالى : وَأَنْتُمْ تتلى عَلَيْكُمْ آيات الله  جملةٌ وقعتْ حالاً من ضمير المخاطَبين في تكفُرون مؤكِّدةٌ للإنكار والاستبعادِ بما فيها من الشؤون الداعيةِ إلى الثبات على الإيمان، الرادعةِ عن الكفر، وقوله تعالى : وَفِيكُمْ رَسُولُهُ  معطوفٌ عليها داخلٌ في حكمها فإن تلاوةَ آياتِ الله تعالى عليهم وكونَ رسولِه عليه الصلاة والسلام بين أظهُرِهم يعلِّمهم الكتابَ والحِكمةَ ويزكِّيهم بتحقيق الحقِّ وإزاحةِ الشُّبَهِ من أقوى الزواجر عن الكفر، وعدمُ إسنادِ التلاوة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم للإيذان باستقلالِ كلَ منهما في الباب.  وَمَن يَعْتَصِم بالله  أي ومن يتمسَّكْ بدينه الحقِّ الذي بيَّنه على لسان رسولِه عليه الصلاة والسلام وهو الإسلامُ والتوحيدُ المعبَّرُ عنه فيما سبق بسبيل الله  فَقَدْ هُدِىَ  جوابٌ للشرط وقد لإفادة معنى التحقيقِ كأن الهدى قد حصل فهو يُخْبَر عنه حاصلاً، ومعنى التوقُّع فيه ظاهرٌ فإن المعتصم به تعالى متوقع للهدى كما أن قاصدَ الكريم متوقّعٌ للندى  إلى صراط مُسْتَقِيمٍ  موصلٍ إلى المطلوب، والتنوينُ للتفخيم، والوصفُ بالاستقامة للتصريح بالرد على الذين يبغون له عوجاً، وهذا وإن كان هو دينَه الحقَّ في الحقيقة والاهتداءُ إليه هو الاعتصامُ به بعينه لكن لمّا اختلف الاعتبارانِ وكان العنوانُ الأخيرُ مما يتنافس فيه المتنافسون أُبرز في معرِض الجوابِ للحثّ والترغيب، على طريقة قولِه تعالى : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ  \[ آل عمران، الآية ١٨٥ \].

### الآية 3:102

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [3:102]

تكريرُ الخطابِ بعنوان الإيمانِ تشريفٌ إثرَ تشريفٍ  اتقوا الله  الاتقاءُ افتعالٌ من الوقاية وهي فرْطُ الصيانة  حَقَّ تُقَاتِهِ  أي حقَّ تقواه وما يجب منها وهو استفراغُ الوُسعِ في القيام بالموَاجب والاجتنابِ عن المحارم كما في قوله تعالى : فاتقوا الله مَا استطعتم  \[ التغابن، الآية ١٦ \] وعن ابن مسعود رضي الله عنه :**«هو أن يُطاعَ ولا يعصى ويُذكرَ ولا يُنْسَى ويُشكَرَ ولا يُكْفَرَ »** وقد روي مرفوعاً إليه عليه السلام. وقيل : هو أن لا تأخُذَه في الله لومةُ لائمٍ ويقومَ بالقسط ولو على نفسه أو ابنِه أو أبيه. وقيل : وهو أن يُنزِّهَ الطاعةَ عن الالتفات إليها وعن توقع المجازاةِ، وقد مر تحقيقُ الحقِّ في ذلك عند قوله عز وجل : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ  \[ البقرة، الآية : ٢ \] والتقاةُ مِن اتقى كالتُّؤَدة من اتّأَدَ، وأصلها وُقْيَة قلبت واوُها المضمومةُ تاءً كما في تُهمة وتُخمة وياؤها المفتوحة ألفاً.  وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُسْلِمُونَ  أي مُخلصون نفوسَكم لله تعالى لا تجعلون فيها شِرْكةً لما سواه أصلاً كما في قوله تعالى : وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله  \[ النساء، الآية ١٢٥ \] وهو استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأحوال أي لا تموتُنَّ على حال من الأحوال إلا حالَ تحققِ إسلامِكم وثباتِكم عليه كما تنبئ عنه الجملةُ الاسميةُ، ولو قيل : إلا مسلمين لم يُفِدْ بفائدتها. والعاملُ في الحال ما قبل  إِلا  بعد النقض، وظاهرُ النظمِ الكريم -وإن كان نهياً عن الموت المقيَّد بقيدٍ هو الكونُ على أي حالٍ غيرِ حالِ الإسلام- لكنَّ المقصودَ هو النهيُ عن ذلك القيدِ عند الموتِ المستلزمِ للأمر بضده الذي هو الكونُ على حال الإسلامِ حينئذ، وحيث كان الخطابُ للمؤمنين كان المرادُ إيجابَ الثباتِ على الإسلام إلى الموت، وتوجيهُ النهي إلى الموت للمبالغة في النهي عن قيده المذكورِ، فإن النهيَ عن القيَّد في أمثاله نهيٌ عن القيد ورفعٌ له من أصله بالكلية، مفيدٌ لما لا يفيده النهيُ عن نفس القيدِ، فإن قولَك : لا تُصلِّ إلا وأنت خاشعٌ يفيد في المبالغة في إيجاب الخشوعِ في الصلاة ما لا يفيده قولُك : لا تترُكِ الخشوعِ في الصلاة، لما أن هذا نهيٌ عن ترك الخشوعِ فقط وذاك نهيٌ عنه وعما يقارِنُه ومفيدٌ لكون الخشوعِ هو العمدةَ في الصلاة وأن الصلاةَ بدونه حقُّها أن لا تُفعل، وفيه نوعُ تحذيرٍ عما وراءَ الموتِ.

### الآية 3:103

> ﻿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [3:103]

وقوله عز وجل : واعتصموا بِحَبْلِ الله  أي بدين الإسلامِ أو بكتابه لقوله عليه الصلاة والسلام :**«القرآنُ حبلُ الله المتينُ لا تنقضي عجائبُه ولا يخلَقُ من كثرة الردِّ، مَنْ قال به صدَقَ، ومن عمِل به رَشَد، ومن اعتصم به هُديَ إلى صراط مستقيم »** إما تمثيلٌ للحالة الحاصلةِ من استظهارهم به ووثوقِهم بحمايته بالحالة الحاصلةِ من تمسك المتدلي من مكان رفيعٍ بحبل وثيقٍ مأمونِ الانقطاعِ من غير اعتبار مجازٍ في المفردات، وإما استعارةٌ للحبل لما ذُكر من الدين أو الكتابِ أو الاعتصامِ ترشيحٌ لها أو مستعارٌ للوثوق به والاعتمادِ عليه  جَمِيعاً  حال من فاعل اعتصموا أي مجتمعين في الاعتصام  وَلاَ تَفَرَّقُوا  أي لا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلافِ بينكم كأهل الكتابِ أو كما كنتم متفرقين في الجاهلية يحارب بعضُكم بعضاً أو لا تُحدِثوا ما يوجب التفرقَ ويُزيل الأُلفةَ التي أنتم عليها  واذكروا نِعْمَةَ الله  مصدر مضافٌ إلى الفاعل، وقولُه تعالى : عَلَيْكُمْ  متعلق به أو بمحذوف وقع حالاً منه وقوله تعالى : إِذْ كُنتُم  ظرفٌ له أو للاستقرار في عليكم أي اذكروا إنعامَه عليكم أوِ اذْكُروا إنعامَه مستقِراً عليكم وقت كونِكم  أَعْدَاء  في الجاهلية بينكم الإحَنُ والعداواتُ والحروبُ المتواصلة، وقيل : هم الأوسُ والخزرجُ كانا أخوَين لأب وأمٍ فوقعت بين أولادِهما العداوةُ والبغضاءُ وتطاولت الحروبُ فيما بينهم مائةً وعشرين سنةً  فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ  بتوفيقكم للإسلام  فَأَصْبَحْتُم  أي فصِرْتم  بِنِعْمَتِهِ  التي هي ذلك التأليفُ  إِخْوَانًا  خبرُ أصبحتم أي إخواناً متحابّين مجتمعين على الأُخوّة في الله متراحمين متناصحين متفقين على كلمة الحقِّ وقيل : معنى فأصبحتم فدخلتم في الصباح فالباء حينئذ متعلقةٌ بمحذوف وقع حالاً من الفاعل وكذا إخواناً أي فأصبحتم ملتبسين حالَ كونِكم إخواناً.  وَكُنتُمْ على شَفَا حُفْرَةٍ منَ النار  شفا الحفرةِ وشفَتُها حَرْفها أي كنتم مشرفين على الوقوع في نار جهنَّم لكفركم إذ لو أدرككم الموتُ على تلك الحالةِ لوقعتم فيها  فَأَنقَذَكُمْ  بأن هداكم للإسلام  مِنْهَا  الضميرُ للحفرة أو للنار أو للشَفا والتأنيثُ للمضاف إليه كما في قوله :\[ الطويل \]

\[ وتشرق بالقول الذي قد أذعته \]  كما شرِقَتْ صدرُ القناةِ من الدمِ[(١)](#foonote-١)أو لأنه بمعنى الشَّفة فإن شَفا البئرِ وشفَتَها جانبُها كالجانب والجانبة، وأصلُه شَفَوٌ قلبت الواوُ ألفاً في المذكر وحذفت في المؤنث  كذلك  إشارةٌ إلى مصدر الفعل الذي بعده، وما فيه من معنى البُعد للإيذان بعلوّ درجةِ المشارِ إليه وبُعدِ منزلتِه في الفضل وكمالِ تميُّزِه به عما عداه وانتظامِه بسببه في سلك الأمور المشاهَدة، والكافُ مقحمةٌ لتأكيد ما أفاده اسمُ الإشارةِ من الفخامة ومحلُّها النصبُ على أنها صفةٌ لمصدر محذوف أي مثلَ ذلك التبيينِ الواضحِ  يُبَيّنُ الله لَكُمْ آياته  أي دلائلَه  لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ  طلباً لثباتكم على الهدى وازديادِكم فيه. 
١ وهو للأعشى في ديوانه ١٧٣ وخزانة الأدب ٥/١٠٦؛ والدرر ٥/١٩ ولسان العرب ٤/٤٤٦ (صدر)، ١٠/١٧٨ (شرق) وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/١٠٥ والشاهد فيه قوله "كما شرقت صدر القناة من الدم" حيث اكتسب المضاف وهو "صدر" من المضاف إليه وهو "القناة" التأنيث ولذلك أنث الفعل (شرقت) واكتساب المضاف من المضاف إليه التأنيث والتذكير جائز إذا صح حذفه وكان بعضا أو كبعض..

### الآية 3:104

> ﻿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [3:104]

وَلْتَكُن مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخير  أمرهم الله سبحانه بتكميل الغير وإرشادِه إثرَ أمرِهم بتكميل النفس وتهذيبِها بما قبله من الأوامر والنواهي تثبيتاً للكل على مراعاة ما فيها من الأحكام بأن يقومَ بعضُهم بمواجبها ويحافظَ على حقوقها وحدودِها ويذكرَها الناسَ كافةً ويردَعَهم عن الإخلال بها، والجمهورُ على إسكان لامِ الأمرِ، وقرئ بكسرها على الأصل وهو من كان التامة ومِنْ تبعيضيةٌ متعلقةٌ بالأمر أو بمحذوف وقع حالاً من الفاعل وهو  أُمَّةٍ  ويدْعون صفتُها أي لِتوجَدْ منكم أمةٌ داعيةٌ إلى الخير، والأمةُ هي الجماعةُ التي يؤُمُّها فِرَقُ الناسِ أي يقصِدونها ويقتدون بها، أو من الناقصة وأمةٌ اسمُها ويدْعون خبرُها، أي لتكن منكم أمةٌ داعين إلى الخير وأياً ما كان فتوجيهُ الخطابِ إلى الكل مع إسناد الدعوةِ إلى البعض لتحقيق معنى فرضيّتِها على الكفاية وأنها واجبةٌ على الكل لكن بحيث إنْ أقامها البعضُ سقطت عن الباقين، ولو أخل بها الكلُّ أثِموا جميعاً لا بحيث يتحتّم على الكل إقامتُها على ما يُنبئ عنه قولُه عز وجل : وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُوا كَافَّةً  \[ التوبة، الآية ١٢٢ \] الآية، ولأنها من عظائم الأمورِ وعزائمِها التي لا يتولاها إلا العلماءُ بأحكامه تعالى ومراتبِ الاحتساب وكيفية إقامتِها، فإن من لا يعلمُها يوشِكُ أن يأمرَ بمنكر وينهى عن معروف ويُغلِظَ في مقام اللينِ ويُلينَ في مقام الغِلْظة وينكِرَ على من لا يزيده الإنكارُ إلا التماديَ والإصرارَ، وقيل : مِنْ بيانية كما في قوله تعالى : وَعَدَ الله الذين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالحات مِنْهُم  \[ الفتح، الآية ٢٩ \] الآية، والأمرُ من كان الناقصة والمعنى كونوا أمةً تدعون الآية كقوله تعالى : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ  \]آل عمران، الآية ١١٠ \] الآية، ولا يقتضي ذلك كونَ الدعوةِ فرضَ عينٍ، فإن الجهادَ من فروض الكفايةِ مع ثبوته بالخطاب العامِّ، والدعاءُ إلى الخير عبارةٌ عن الدعاء إلى ما فيه صلاحٌ دينيٌّ أو دنيويٌّ، فعطفُ الأمرِ بالمعروف والنهْيِ عن المنكر عليه بقوله تعالى : وَيَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر  مع اندراجهما فيه من باب عطفِ الخاصِّ على العامّ لإظهار فضلِهما وعلوِّهما على سائر الخيراتِ كعطف جبريلَ وميكالَ على الملائكة عليهم السلام، وحذْفُ المفعولِ الصريحِ من الأفعال الثلاثة إما للإيذان بظهوره أي يدْعون الناسَ ويأمُرونهم وينهَوُنهم وإما القصدِ إلى إيجاد نفسِ الفعل كما في قولك : فلان يعطي ويمنع أي يفعلون الدعاءَ إلى الخير والأمرَ بالمعروف والنهْيَ عن المنكر  وَأُوْلئِكَ  إشارةٌ إلى الأمة المذكورة باعتبار اتصافِهم بما ذُكر من النعوت الفاضلةِ وكمالِ تميُّزِهم بذلك عمنْ عداهم وانتظامِهم بسببه في سلك الأمور المشاهَدة، وما فيه من معنى البُعد للإشعار بعلو طبقتِهم وبُعدِ منزلتِهم في الفضل، والإفرادُ في كاف الخطابِ إما لأن المخاطَب كلُّ من يصلُح للخطاب وإما لأن التعيينَ غيرُ مقصودٍ، أي أولئك الموصوفون بتلك الصفاتِ الكاملة  هُمُ المفلحون  أي هم الأحِقاءُ بكمال الفلاحِ، وهم ضميرُ فصلٍ يفصِلُ بين الخبر والصفةِ ويؤكد النسبةَ ويفيد اختصاصَ المسندِ بالمسند إليه أو مبتدأٌ خبرُه المفلحون والجملةُ خبرٌ لأولئك، وتعريفُ  المفلحون  إما للعهد أو للإشارة إلى ما يعرِفُه كلُّ أحدٍ من حقيقة المفلحين. روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سُئل عن خير الناسِ فقال :**«آمَرُهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله وأوصلُهم للرحم »** وعنه عليه السلام :**«مَنْ أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفةُ الله في أرضه وخليفةُ رسولِه وخليفةُ كتابِه »** وعنه عليه السلام :**«والذي نفسي بِيَدِهِ لتأمُرُنّ بالمعروفِ ولتنهَوُنَّ عن المُنْكَرِ أو لَيُوشِكَنَّ الله أن يَبْعَثَ عَلَيْكُم عذاباً من عنده ثم لتَدْعُنَّه فلا يُستجاب لكم »** وعن علي رضي الله عنه :**«أفضلُ الجهادِ الأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر، ومن شنَأَ الفاسقين وغضِب لله غضِبَ الله له »** والأمرُ بالمعروف في الوجوب والندبِ تابعٌ للمأمور به، وأما النهيُ عن المنكر فواجبٌ كلُّه فإن جميعَ ما أنكره الشرعُ حرامٌ والعاصي يجب عليه النهيُ عما ارتكبه إذ يجب عليه تركُه وإنكارُه فلا يسقط بترك أحدِهما وجوبُ شيءٍ منهما، والتوبيخُ في قوله تعالى : أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ  \[ البقرة، الآية : ٤٤ \] إنما هو على نسيان أنفسِهم لا على أمرهم بالبر، وعن السلف مُروا بالخير وإن لم تفعلوا.

### الآية 3:105

> ﻿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [3:105]

وَلاَ تَكُونُوا كالذين تَفَرَّقُوا  هم أهلُ الكتابين حيث تفرقت اليهودُ فِرَقاً والنصارى فِرَقاً  واختلفوا  باستخراج التأويلاتِ الزائغةِ وكتمِ الآياتِ الناطقةِ وتحريفِها بما أخلدوا إليه من حُطام الدنيا الدنيئة  مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ البينات  أي الآياتُ الواضحةُ المبينةُ للحق للاتفاق عليه واتحادِ الكلمة، فالنهيُ متوجهٌ إلى المتصدِّين للدعوة أصالةً وإلى أعقابهم تَبَعاً، ويجوز تعميمُ الموصولِ للمختلِفين من الأمم السالفةِ المشارِ إليهم بقوله عز وجل : وَمَا اختلف فِيهِ إِلاَّ الذين أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات  وقيل : هم المبتدِعة من هذه الأمة، وقيل : هم الحرَورية وعلى كل تقدير فالمنهيُّ عنه إنما هو الاختلافُ في الأصول دون الفروعِ إلا أن يكون مخالفاً للنصوص البيِّنة أو الإجماعِ لقوله عليه الصلاة والسلام :**«اختلافُ أمتي رحمةٌ »** وقولِه عليه السلام :**«من اجتهد فأصاب فله أجرانِ ومن أخطأ فله أجرٌ واحدٌ »**.  وَأُوْلئِكَ  إشارة إلى المذكورين باعتبار اتصافِهم بما في حيز الصلة وهو مبتدأٌ وقولُه تعالى : لَهُمْ  خبرُه وقوله تعالى : عَذَابٌ عظِيمٌ  مرتفع بالظرف على الفاعلية لاعتماده على المبتدأ، أو مبتدأٌ والظرفُ خبرُه والجملة خبر للمبتدأ الأول. وفيه من التأكيد والمبالغةِ في وعيد المتفرِّقين والتشديدِ في تهديدِ المشبَّهين بهم ما لا يخفي.

### الآية 3:106

> ﻿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [3:106]

يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ  أي وجوه كثيرةٌ وقرئ تبياضُّ  وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ  كثيرة وقرئ تسْوادُّ، وعن عطاءٍ تبيضُّ وجوهُ المهاجرين والأنصارِ وتسْوَدّ وجوهُ بني قرَيظةَ والنَّضير. ويومَ منصوبٌ على أنه ظرفٌ للاستقرار في لهم أي لثبوت العذابِ العظيمِ لهم، أو على أنه مفعولٌ لمضمر خوطب به المؤمنون تحذيراً لهم عن عاقبة التفرقِ بعد مجيءِ البيناتِ، وترغيباً في الاتفاق على التمسك بالدين أي اذكُروا يوم تبيض الخ وبياضُ الوجهِ وسوادُه كنايتان عن ظهور بهجةِ السرورِ وكآبةِ الخوفِ فيه، وقيل : يوسَمُ أهلُ الحقِّ ببياض الوجهِ والصحيفةِ وإشراقِ البَشرَة وسعْيِ النورِ بين يديه وبيمينه، وأهلُ الباطلِ بأضداد ذلك  فَأَمَّا الذين اسودّت وُجُوهُهُمْ  تفصيلٌ لأحوال الفريقين بعد الإشارةِ إليها إجمالاً، وتقديمُ بيانِ هؤلاءِ لما أن المَقام مقامُ التحذيرِ عن التشبه بهم مع ما فيه من الجمع بين الإجمال والتفصيلِ والإفضاءِ إلى ختم الكلامِ بحسن حالِ المؤمنين كما بُدئ بذلك عند الإجمالِ  أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم  على إرادة القولِ أي فيقال لهم ذلك، والهمزةُ للتوبيخ والتعجيبِ من حالهم، والظاهرُ أنهم أهلُ الكتابين وكفرُهم بعد إيمانِهم كفرُهم برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إيمانِ أسلافِهم أو إيمانِ أنفسِهم به قبل مبعثِه عليه الصلاة والسلام، أو جميعُ الكفرة حيث كفروا بعد ما أقروا بالتوحيد يومَ الميثاقِ أو بعد ما تمكنوا من الإيمان بالنظر الصحيحِ والدلائلِ الواضحةِ والآياتِ البينةِ، وقيل : المرتدون، وقيل : أهلُ البدعِ والأهواءِ والفاء في قوله عز وعلا : فَذُوقُوا العذاب  أي العذابَ المعهودَ الموصوفَ بالعِظَم للدِلالة على أن الأمرَ بذَوْق العذابِ على طريق الإهانةِ مترتبٌ على كفرهم المذكورِ كما أن قوله تعالى : بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ  صريحٌ في أن نفسَ الذوْقِ معلَّلٌ بذلك، والجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبلِ للدَلالةِ على استمرار كفرِهم أو على مُضيِّه في الدنيا.

### الآية 3:107

> ﻿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [3:107]

وَأَمَّا الذين ابيضّت وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ الله  أعني الجنةَ والنعيمَ المخلِّدَ، عُبِّر عنها بالرحمة تنبيهاً على أن المؤمنَ وإن استغرق عمرَه في طاعة الله تعالى فإنه لا يدخُل الجنةَ إلا برحمته تعالى، وقرئ ابياضَّتْ كما قرئ اسوادَّتْ  هُمْ فِيهَا خالدون  استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال نشأ من السياق كأنه قيل : كيف يكونون فيها ؟ فقيل : هم فيها خالدون لا يظعَنون عنها ولا يموتون. وتقديمُ الظرفِ للمحافظة على رؤوس الآي.

### الآية 3:108

> ﻿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۗ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ [3:108]

تِلْكَ  إشارةٌ إلى الآيات المشتملةِ على تنعيم الأبرارِ وتعذيبِ الكفارِ، ومعنى البُعدِ للإيذان بعلو شأنِها وسُمّو مكانِها في الشرف وهو مبتدأ وقوله تعالى : آيات الله  خبرُه وقوله تعالى : نَتْلُوهَا  جملةٌ حالية من الآيات، والعاملُ فيها معنى الإشارةِ أو هي الخبرُ وآياتُ الله بدلٌ من اسم الإشارةِ، والالتفاتُ إلى التكلم بنون العظمةِ مع كون التلاوةِ على لسان جبريلَ عليه السلام لإبراز كمالِ العنايةِ بالتلاوة، وقرئ يتلوها على إسناد الفعلِ إلى ضميره تعالى وقوله تعالى : عَلَيْكَ  متعلقٌ بنتلوها، وقوله تعالى : بالحق  حالٌ مؤكدةٌ من فاعل نتلوها أو من مفعوله أي ملتبسين، أو \[ التلاوةَ \] ملتبسةً بالحق والعدل ليس في حكمها شائبةُ جَوْر بنقص ثوابِ المحسنِ أو بزيادة عقابِ المسيءِ، أو بالعقاب من غير جُرْم، بل كلُّ ذلك مُوفي لهم حسبَ استحقاقِهم بأعمالهم بموجب الوعدِ والوعيدِ، وقوله : وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً للعالمين  تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه، فإن تنكيرَ الظلم وتوجيهَ النفي إلى إرادته بصيغة المضارعِ دون نفسِه وتعليقَ الحكمِ بآحاد الجمعِ المعروفِ، والالتفات إلى الاسم الجليلِ إشعارٌ بعلة الحكمِ وبيانٌ لكمال نزاهتِه عز وجل عن الظلم بما لا مزيدَ عليه أي ما يريد فرداً من أفراد الظلم لفرد من أفراد العالمين في وقت من الأوقات فضلاً عن أن يظلِمَهم، فإن المضارعَ كما يفيد الاستمرارَ في الإثبات يفيده في النفي بحسب المقامِ كما أن الجملةَ الاسميةَ تدلُّ بمعرفة المقامِ على دوام الثبوتِ، وعند دخولِ حرفِ النفي تدل على دوامِ الانتفاءِ لا على انتفاء الدوامِ وفي سبك الجملةِ نوعُ إيماءٍ إلى التعريض بأن الكفرَةَ هم الظالمون ظلموا أنفسَهم بتعريضها للعذاب الخالد كما في قوله تعالى : إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ الناس شَيْئًا ولكن الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ  \[ يونس، الآية ٤٤ \].

### الآية 3:109

> ﻿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [3:109]

وَللَّهِ مَا في السموات وَمَا فِي الأرض  أي له تعالى وحده من غير شِرْكةٍ أصلاً، ما فيهما من المخلوقات الفائتةِ للحصر مُلكاً وخلقاً إحياءً وإماتةً وإثابةً وتعذيباً، وإيرادُ كلمةِ  مَا  إما لتغليب غيرِ العقلاءِ وإما لتنزيلهم منزلةَ غيرِهم إظهاراً لحقارتهم في مقام بيانِ عظمتِه تعالى  وإلى الله  أي إلى حُكمه وقضائِه لا إلى غيره شِرْكةً أو استقلالاً  تُرْجَعُ الأمور  أي أمورُهم فيجازي كلاً منهم بما وَعد له وأوعده من غير دخلٍ في ذلك لأحد قطُّ. فالجملةُ مقررةٌ لمضمون ما ورد في جزاء الفريقين، وقيل : هي معطوفةٌ على ما قبلها مقرّرةٌ لمضمونه فإن كونَ العالمين عبيدَه تعالى ومخلوقَه ومرزوقَه يستدعي إرادةَ الخير بهم.

### الآية 3:110

> ﻿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ۚ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ [3:110]

كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ  كلامٌ مستأنفٌ سيق لتثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الاتفاق على الحق والدعوةِ إلى الخير، وكنتم من كان الناقصةِ التي تدل على تحقق شيءٍ بصفة في الزمان الماضي من غير دَلالةٍ على عدم سابقٍ أو لاحق كما في قوله تعالى : وَكَانَ الله غَفُوراً رَحِيماً  \[ النساء، الآية ٩٦. وفي غيرها \]. وقيل : كنتم كذلك في علم الله تعالى أو في اللوح أو فيما بين الأمم السالفةِ، وقيل : معناه أنتم خيرُ أمة  أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ  صفةٌ لأمة واللام متعلقةٌ بأخرجت أي أظهِرَت لهم، وقيل : بخير أمةٍ أي كنتم خيرَ الناسِ للناس، فهو صريحٌ في أن الخيريةَ بمعنى النفعِ للناس وإن فُهم ذلك من الإخراج لهم أيضاً أي أخرجَتْ لأجلهم ومصلحتِهم، قال أبو هريرة رضي الله عنه : معناه كنتم خيرَ الناسِ للناس تأتون بهم في السلاسل فتُدخِلونهم في الإسلام. وقال قتادة : هم أمةُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم لم يُؤمر نبيٌّ قبله بالقتال فهم يقاتلون الكفارَ فيدخلونهم في الإسلام فهم خيرُ أمةٍ للناس.  تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر  استئنافٌ مبينٌ لكونهم خيرَ أمة كما يقال : زيدٌ كريمٌ يطعم الناسَ ويكسوهم ويقوم بمصالحهم، أو خبرٌ ثانٍ لكنتم، وصيغةُ المستقبلِ للدِلالة على الاستمرار، وخطابُ المشافهةِ وإن كان خاصاً بمن شاهد الوحيَ من المؤمنين لكن حُكمَه عامٌ للكل. قال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد أمةَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم. وقال الزجاج : أصلُ هذا الخطابِ لأصحاب رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وهو يعمُّ سائرَ أمتِه. وروى الترمذيُّ عن بَهْزِ بنِ حكيم عن أبيه عن جده أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في قوله تعالى : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ  \[ آل عمران، الآية ١١٠ \] :**«أنتم تُتِمّون سبعين أمةً أنتم خيرُها وأكرمُها على الله تعالى »**. وظاهرٌ أن المرادَ بكل أمةٍ أوائلُهم وأواخرُهم لا أوائلُهم فقط فلابد أن تكون أعقابُ هذه الأمةِ أيضاً داخلةً في الحكم، وكذا الحالُ فيما رُوي أن مالك بنَ الصيف ووهْبَ بنَ يهوذا اليهوديَّين مرّا بنفرٍ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم ابنُ مسعود وأبيُّ بنُ كعبٍ ومعاذُ بنُ جبل وسالمٌ مولى حذيفةَ رضوانُ الله عليهم فقالا لهم : نحن أفضلُ منكم ودينُنا خيرٌ مما تدعوننا إليه. وروى سعيدُ بنُ جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ  الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ورُوي عن الضحاك أنهم أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصةً الرواةُ والدعاةُ الذين أمر الله المسلمين بطاعتهم.  وَتُؤْمِنُونَ بالله  أي إيماناً متعلقاً بكل ما يجب أن يؤمَنَ به من رسول وكتابٍ وحساب وجزاءٍ وإنما لم يصرِّح به تفصيلاً لظهور أنه الذي يؤمِن به المؤمنون وللإيذان بأنه هو الإيمانُ بالله تعالى حقيقةً وأن ما خلا عن شيء من ذلك كإيمان أهلِ الكتابِ ليس من الإيمان بالله تعالى في شيء، قال تعالى : وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلك سَبِيلاً أُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون حَقّاً  \[ النساء، الآية ١٥٠، ١٥١ \] وإنما أُخِّر ذلك عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع تقدمه عليهما وجوداً ورُتبةً لأن دَلالتَهما على خيريتهم للناس أظهرُ من دلالته عليها وليقترن به قوله تعالى : وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الكتاب لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ  أي لو آمنوا كإيمانكم لكان ذلك خيراً لهم مما هم عليه من الرياسة واستتباعِ العوامِّ ولازدادت رياستُهم وتمتُّعهم بالحظوظ الدنيويةِ مع الفوز بما وُعِدوه على الإيمان من إيتاء الأجرِ مرتين، وقيل : مما هم فيه من الكفر، فالخيريةُ إنما هي باعتبار زعمِهم، وفيه ضربُ تهكّمٍ بهم وإنما لم يتعرَّضْ للمؤمَنِ به أصلاً للإشعار بظهور أنه الذي يُطلق عليه اسمُ الإيمانِ لا يذهب الوهمُ إلى غيره ولو فُصِّل المؤمَنُ به هاهنا أو فيما قبلُ لربما فُهم أن لأهل الكتاب أيضاً إيماناً في الجملة لكن إيمانَ المؤمنين خيرٌ منه وهيهاتَ ذلك  مِنْهُمُ المؤمنون  جملةٌ مستأنفة سيقت جواباً عما نشأ من الشرطية الدالةِ على انتفاء الخيريةِ لانتفاء الإيمانِ عنهم كأنه قيل : هل منهم من آمن أو كلُّهم على الكفر ؟ فقيل : منهم المؤمنون المعهودون الفائزون بخير الدارين كعبد اللَّه بن سلام وأصحابه.  وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون  المتمرِّدون في الكفر الخارجون عن الحدود.

### الآية 3:111

> ﻿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ۖ وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ [3:111]

لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى  استثناءٌ مفرّغٌ من المصدر العام أي لن يضروكم أبداً ضرراً ما إلا ضررَ أذىً لا يبالى به من طعنٍ وتهديدٍ لا أثر له  وَإِن يقاتلوكم يُوَلُّوكُمُ الأدبار  أي ينهزمون من غير أن ينالوا منكم شيئاً من قتل أو أسرٍ  ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ  عطفٌ على الشرطية وثم للتراخي في الرتبة أي لا يُنصرون من جهة أحدٍ ولا يُمنعون منكم قتلاً وأخذاً. وفيه تثبيتٌ لمن آمن منهم فإنهم كانوا يؤذونهم بالتلهي بهم وتوبيخِهم وتضليلِهم وتهديدِهم، وبشارةٌ لهم بأنهم لا يقدِرون على أن يتجاوزوا الأذى بالقول إلى ضرر يُعبأ به مع أنه وعدهم الغلَبةَ عليهم والانتقامَ منهم وأن عاقبةَ أمرِهم الخِذلانُ والذلُّ، وإنما لم يُعطَفْ نفيُ منْصوريّتِهم على الجزاء لأن المقصودَ هو الوعدُ بنفي النصرِ مطلقاً ولو عطف عليه لكان مقيداً بمقاتلتهم كتولية الأدبارِ، وكم بين الوعدين كأنه قيل : ثم شأنُهم الذي أخبركم عنه وأبشرَكم به أنهم مخذولون مُنتفٍ عنهم النصرُ والقوةُ لا ينهضون بعد ذلك بجَناحٍ ولا يقومون على ساق ولا يستقيم لهم أمرٌ وكان كذلك حيث لقيَ بنو قريظةَ والنضيرِ وبنو قينُقاع ويهودُ خيبرَ ما لقُوا.

### الآية 3:112

> ﻿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [3:112]

ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة  أي هدرُ النفسِ والمالِ والأهلِ وذلُّ التمسكِ بالباطل  أَيْنَمَا ثُقِفُوا  أي وُجدوا  إِلاَّ بِحَبْلٍ منْ الله وَحَبْلٍ منَ الناس  استثناءٌ من أعم الأحوال أي ضربت عليهم الذلةُ ضربَ القُبةِ على مَنْ هي عليه في جميع الأحوال إلا حالَ كونِهم معتصمين بذمة الله أو كتابِه الذي أتاهم وذمةِ المسلمين أو بذمة الإسلام واتباعِ سبيلِ المؤمنين  وَبَاءوا بِغَضَبٍ منَ الله  أي رجعوا مستوجبين له، والتنكيرُ للتفخيم والتهويل ومن متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً لغضب مؤكدةً لما أفاده التنكيرُ من الفخامة والهول أي كائنٍ من الله عز وجل  وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المسكنة  فهي محيطةٌ بهم من جميع جوانبِهم واليهودُ كذلك في غالب الحالِ مساكينُ تحت أيدي المسلمين والنصارى.  ذلك  إشارةٌ إلى ما ذكر من ضَرْب الذِلةِ والمسكنةِ عليهم والبَوْءِ بالغضب العظيم  بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيات الله  أي ذلك الذي ذكر كائنٌ بسبب كفرِهم المستمرِّ بآياتِ الله الناطقةِ بنبوة محمدٍ عليه الصلاة والسلام وتحريفِهم لها وبسائر الآياتِ القرآنية  وَيَقْتُلُونَ الأنبياء بِغَيْرِ حَقّ  أي في اعتقادهم أيضاً، وإسناد القتلِ إليهم مع أنه فعلُ أسلافِهم لرضاهم به كما أن التحريفَ مع كونه من أفعال أحبارِهم يُنسَبُ إلى كل من يسير بسيرتهم  ذلك  إشارةٌ إلى ما ذُكر من الكفر والقتل  بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ  أي كائنٌ بسبب عصيانِهم واعتدائِهم حدودَ الله تعالى على الاستمرار فإن الإصرارَ على الصغائر يُفضي إلى مباشرة الكبائِر والاستمرارَ عليها يؤدي إلى الكفر، وقيل : معناه أن ضربَ الذلةِ والمسكنةِ في الدنيا واستيجابَ الغضبِ في الآخرة كما هو معلَّلٌ بكفرهم وقتلِهم فهو مسبَّبٌ عن عصيانهم واعتدائِهم من حيث إنهم مخاطَبون بالفروع من حيث المؤاخذة.

### الآية 3:113

> ﻿۞ لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ [3:113]

لَيْسُوا سَوَاء  جملةٌ مستأنفة سيقت تمهيداً لتعداد محاسِن مؤمني أهلِ الكتابِ وتذكيراً لقوله تعالى : مِنْهُمُ المؤمنون  \[ آل عمران، الآية ١١٠ \] والضميرُ في ليسوا لأهل الكتاب جميعاً لا للفاسقين منهم خاصة وهو اسمُ ليس وخبرُه سواءً، وإنما أُفرد لأنه في الأصل مصدرٌ والمرادُ بنفي المساواةِ نفيُ المشاركةِ في أصل الاتصافِ بالقبائح المذكورةِ لا نفيُ المساواةِ في مراتب الاتصافِ بها مع تحقق المشاركة في أصل الاتصافِ بها أي ليس جميعُ أهل الكتابِ متشاركين في الاتصاف بما ذُكر من القبائح والابتلاءِ بما يترتب عليها من العقوبات وقوله تعالى : منْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ  استئنافٌ مبينٌ لكيفية عدمِ تساويهم، ومزيل لما فيه من الإبهام كما أن ما سبق من قوله تعالى : تَأْمُرُونَ بالمعروف  \[ آل عمران، الآية ١٠٠ \] الآية، مبينٌ لقوله تعالى : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ  \[ آل عمران، الآية ١١٠ \] الخ، ووضعُ أهلِ الكتابِ موضعَ الضميرِ العائد إليهم لتحقيق ما به الاشتراكُ بين الفرقين والإيذانِ بأن تلك الأمةَ ممن أوتي نصيباً وافراً من الكتاب لا من أراذلهم. والقائمةُ : المستقيمةُ العادلةُ مِن أقمتُ العودَ فقام بمعنى استقام وهم الذين أسلموا منهم كعبدِ اللَّه بنِ سلام، وثعلبةَ بنِ سعيد وأُسَيْدِ بنِ عبيد، وأضرابِهم وقيل : هم أربعون رجلاً من أهل نجرانَ واثنان وثلاثون من الحبشة وثلاثةٌ من الروم كانوا على دين عيسى وصدّقوا محمداً عليهما الصلاة والسلام، وكان من الأنصار فيهم عدةٌ قبل قدومِ النبي عليه السلام منهم أسعدُ بنُ زُرارة، والبراءُ بن معرورٍ، ومحمدُ بنُ مسلمةَ، وأبو قيس صرمةُ بنُ أنسٍ، كانوا موحّدين يغتسلون من الجنابة ويقومون بما يعرِفون من شرائع الحنيفيةِ حتى بعث الله النبيُّ صلى الله عليه وسلم فصدّقوه ونصَروه. وقوله تعالى : يَتْلُونَ آيات الله  في محل الرفع على أنه صفةٌ أخرى لأمة، وقيل : في محل النصب على أنه حالٌ منها لتخصُّصها بالنعت، والعاملُ فيه الاستقرارُ الذي يتضمنه الجارُّ أو من ضميرها في  قَائِمَةً  أو من المستكنّ في الجار لوقوعه خبراً لأمة والمرادُ بآياتِ الله القرآنُ، وقوله تعالى : آناءَ اللَّيْل  ظرفٌ ليتلون أي في ساعاته جمع أَنىً بزنة عصا أو إِنىً بزنة مِِعىً، أو أنْي بزنة ظبْي، أو إنْي بزنة نِحْي، أو إنْو بزنة جِرْو.  وَهُمْ يَسْجُدُونَ  أي يصلّون إذ لا تلاوة في السجود، قال عليه الصلاة والسلام :**«ألا إني نُهيت أن أقرأ راكعاً وساجداً »** وتخصيصُ السجودِ بالذكر من بين سائر أركانِ الصلاةِ لكونه أدلَّ على كمال الخضوعِ، والتصريحُ بتلاوتهم آياتِ الله في الصلاة مع أنها مشتملةٌ عليها قطعاً لزيادة تحقيقِ المخالفةِ وتوضيحِ عدمِ المساواةِ بينهم وبين الذين وُصفوا آنفاً بالكفر بها وهو السرُّ في تقديم هذا النعتِ على نعت الإيمانِ، والمرادُ بصلاتهم التهجدُ إذ هو أدخلُ في مدحهم وفيه تتسنى لهم التلاوةُ فإنها في المكتوبة وظيفةُ الإمامِ، واعتبارُ حالِهم عند الصلاةِ على الانفراد يأباه مقامُ المدحِ، وهو الأنسبُ بالعدول عن إيرادها باسم الجنسِ المتبادرِ منه الصلاةُ المكتوبة وبالتعبير عن وقتها بالآناء المُبهمة، وقيل : صلاةُ العِشاءِ لأن أهلَ الكتاب لا يصلّونها، لما رُوي أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أخّرها ليلةً ثم خرجَ فإذا الناسُ ينتظرون الصلاةَ فقال :**«أما إنه ليس من أهل الأديان أحدٌ يذكرُ الله هذه الساعةَ غيرُكم »** وقرأ هذه الآية. وإيرادُ الجملةِ اسميةً للدَلالة على الاستمرار، وتكريرُ الإسنادِ لتقوية الحكمِ وتأكيدِه، وصيغةُ المضارعِ للدِلالة على التجدد، والجملةُ حالٌ من فاعل يتلون، وقيل : هي مستأنفةٌ والمعنى أنهم يقومون تارةً ويسجدون أخرى يبتغون الفضلَ والرحمةَ بأنواع ما يكون في الصلاة من الخضوع لله عز وجل كما في قوله تعالى : وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّداً وقياما  \[ الفرقان، الآية ٦٤ \] وقيل : المرادُ بالسجود هو الخضوعُ كما في قوله تعالى : وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن في السماوات والأرض  \[ الرعد، الآية ١٥ \].

### الآية 3:114

> ﻿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ [3:114]

يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر  صفةٌ أخرى لأُمةٌ مبينةٌ لمُباينتهم اليهودَ من جهة أخرى أي يؤمنون بهما على الوجه الذي نطقَ به الشرعُ، والإطلاقُ للإيذان بالغنى عن التقييد، لظهور أنه الذي يُطلق عليه الإيمانُ بهما فلا يذهبُ الوهمُ إلى غيره، وللتعريض بأن إيمانَ اليهودِ بهما مع قولهم : عزيرٌ ابنُ الله وكفرِهم ببعض الكتبِ والرسلِ ووصفِهم اليومَ الآخِرَ بخلاف صفتِه ليس من الإيمان بهما في شيء أصلاً ولو قُيد بما ذُكر فربما تُوُهِّم أن المنتفيَ عنهم هو القيدُ المذكورُ مع جواز إطلاقِ الإيمانِ على إيمانهم بالأصل وهيهات.  وَيَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر  صفتان أُخْرَيان لأُمةٌ أُجرِيتا عليهم تحقيقاً لمخالفتهم اليهودَ في الفضائل المتعلقةِ بتكميل الغيرِ إثرَ بيانِ مُباينتِهم لهم في الخصائص المتعلقةِ بتكميل النفسِ، وتعريضاً بمداهنتهم في الاحتساب بل بتعكيسهم في الأمر بإضلال الناسِ وصدِّهم عن سبيل الله فإنه أمرٌ بالمنكر ونهيٌ عن المعروف  ويسارعون في الخيرات  صفةٌ أخرى لأمةٌ جامعةٌ لفنون المحاسنِ المتعلقةِ بالنفس وبالغير، والمسارعةُ في الخير فرطُ الرغبةِ فيه لأن من رغِب في الأمر سارع في تولّيه والقيامِ به وآثر الفَورَ على التراخي أي يبادرون مع كمال الرغبةِ في فعل أصنافِ الخيراتِ اللازمةِ والمتعدية، وفيه تعريضٌ بتباطؤ اليهودِ فيها بل مبادرتهم إلى الشرور، وإيثارُ كلمةِ  فِي  على ما وقع في قوله تعالى : وَسَارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ  \[ آل عمران، الآية ١٣٣ \] الخ للإيذان بأنهم مستقِرّون في أصل الخيرِ متقلّبون في فنونه المترتبةِ في طبقات الفضلِ لا أنهم خارجون عنها منتهون إليها  وَأُوْلئِكَ  إشارةٌ إلى الأمة باعتبار اتصافِهم بما فُصّل من النعوت الجليلةِ، وما فيه من معنى البُعد للإيذان بعلوّ درجتِهم وسموّ طبقتِهم في الفضل، وإيثارُه على الضمير للإشعار بعلة الحُكم والمدح أي أولئك المنعوتون بتلك الصفاتِ الفاضلة بسبب اتصافِهم بها  منَ الصالحين  أي من جملة من صلَحَت أحوالُهم عند الله عز وجل واستحقوا رضاه وثناءَه.

### الآية 3:115

> ﻿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ [3:115]

وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ  كائناً ما كان مما ذُكر أو لم يُذكر  فَلَنْ يُكْفَروهُ  أي لن يعدَموا ثوابَه اْلبتةَ، عبّر عنه بذلك كما عبر عن تَوْفية الثوابِ بالشكر إظهاراً لكمال تنزّهِه سبحانه وتعالى عن ترك إثابتِهم بتصويره بصورة ما يستحيل صدورُه عنه تعالى من القبائح، وتعديتُه إلى مفعولين بتضمين معنى الحرمانِ، وإيثارُ صيغةِ البناءِ للمفعول للجري على سنن الكبرياء وقرئ الفعلانِ على صيغة الخطاب.  والله عَلِيمٌ بالمتقين  تذييلٌ مقرِّرٌ ما قبله، فإن علمَه تعالى بأحوالهم يستدعي تَوْفيةَ أجورِهم لا محالة، والمرادُ بالمتقين إما الأمةُ المعهودةُ، وضع موضِعَ الضميرِ العائدِ إليهم مدحاً لهم وتعييناً لعُنوان تعلّقِ العلمِ بهم وإشعاراً بمناط إثابتِهم هو التقوى المنطويةُ على الخصائص السالفةِ وإما جنسُ المتقين عموماً وهم مندرجون تحت حُكمِه اندراجاً أولياً.

### الآية 3:116

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۚ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [3:116]

إِنَّ الذين كَفَرُوا  أي بما يجب أن يؤمَن به. قال ابن عباس رضي الله عنهما : هم بنو قُريظةَ والنضير فإن معاندتَهم كانت لأجل المالِ، وقيل : هم مشركو قريشٍ فإن أبا جهلٍ كان كثيرَ الافتخار بماله، وقيل : أبو سفيان وأصحابُه فإنه أنفق مالاً كثيراً على الكفار يومَ بدرٍ وأحُد، وقيل : هم الكفارُ كافةً فإنهم فاخروا بالأموال والأولادِ حيث قالوا : نحن أكثرُ أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذّبين، فردَّ الله عز وجل عليهم وقال : لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ  أي لن تدفَع عنهم  أموالهم وَلاَ أولادهم منَ الله  أي من عذابه تعالى  شَيْئاً  أي شيئاً يسيراً منه أو شيئاً من الإغناء  وَأُوْلئِكَ أصحاب النار  أي مصاحبوها على الدوام وملازموها  هُمْ فِيهَا خالدون  أبداً.

### الآية 3:117

> ﻿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَٰذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [3:117]

مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ في هذه الحياة الدنيا  بيانٌ لكيفية عدمِ إغناءِ أموالِهم التي كانوا يعوِّلون عليها في جلب المنافعِ ودفعِ المضارِّ ويعلِّقون بها أطماعَهم الفارغةَ، و  مَا  موصولةٌ اسميةٌ حُذف عائدُها أي حالُ ما ينفقه الكفرةُ قربةً أو مفاخرةً وسُمعةً أو المنافقون رياءً وخوفاً وقصتُه العجيبةُ التي تجري مجرى المثل في الغرابة  كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ  أي بردٌ شديدٌ فإنه في الأصل مصدرٌ وإن شاع إطلاقُه على الريح الباردةِ كالصَّرْصَر، وقيل : كلمة في تجريدية كما في قوله تعالى : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ  \[ الأحزاب، الآية ٢١ \]  أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ  بالكفر والمعاصي فباءوا بغضب من الله، وإنما وُصفوا بذلك لأن الإهلاكَ عن سَخَط أشدُّ وأفظع  فَأَهْلَكَتْهُ  عقوبةً لهم ولم تدَعْ منه أثراً ولا عِثْيَراً والمرادُ تشبيهُ ما أنفقوا في ضياعه وذهابِه بالكلية من غير أن يعودَ إليهم نفعٌ ما بحرْثِ \[ قومٍ \] كفارٍ ضربتْه صِرٌّ فاستأصلتْه ولم يبقَ لهم فيه منفعةٌ ما بوجه من الوجوه، وهو من التشبيه المركبَ الذي مرَّ تفصيلُه في تفسير قولِه تعالى : كَمَثَلِ الذى استوقد نَاراً  ولذلك لم يبالِ بإيلاء كلمةِ التشبيهِ الريحَ دون الحرثِ، ويجوز أن يرادَ مثَلُ إهلاكِ ما ينفقون كمثَل إهلاكِ ريحٍ أو مثلُ ما ينفقون كمثَل مهلِكِ ريحٍ وهو الحرثُ وقرئ تنفقون  وَمَا ظَلَمَهُمُ الله  بما بيَّنه من ضياع ما أنفقوا من الأموال  ولكن أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ  لما أضاعوها بإنفاقها لا على ما ينبغي، وتقديمُ المفعولِ لرعاية الفواصلِ لا للتخصيص، إذ الكلامُ في الفعل باعتبار تعلّقِه بالفاعل لا بالمفعول أي ما ظلمهم الله ولكن ظلموا أنفسَهم، وصيغةُ المضارعِ للدَّلالة على التجدد والاستمرارِ، وقد جُوِّز أن يكون المعنى وما ظلم الله تعالى أصحابَ الحرْثِ بإهلاكه ولكنهم ظلموا أنفسَهم بارتكاب ما استحقوا به العقوبةَ، ويأباه أنه قد مر التعرُّضُ له تصريحاً، وقرئ ولكنّ بالتشديد على أن أنفسَهم اسمُها ويظلِمون خبرُها والعائدُ محذوفٌ للفاصلة أي ولكنَّ أنفسَهم يظلِمونها، وأما تقديرُ ضميرِ الشأن فلا سبيلَ إليه لاختصاصه بالشعر ضرورةً كما في قوله :\[ الطويل \]\[ وما كنت ممن يدخل العشق قلبه \]  ولكنَّ منْ يُبصِر جفونَك يعشقِ[(١)](#foonote-١)١ وهو للمتنبي في ديوانه ٢/٤٨ والأشباه والنظائر ٨/٤٦ ومغني اللبيب ١/٢٩١ والتمثيل به قوله: "ولكن من يبصر جفونك يعشق" حيث حذف اسم لكن والتقدير لكنّك..

### الآية 3:118

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [3:118]

يا أيها الذين آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً  بطانةُ الرجل ووَليجتُه مَنْ يُعرِّفه أسرارَه ثقةً به، شُبِّه ببطانة الثوب كما شُبِّه بالشِّعار، قال عليه الصلاة والسلام :**«الأنصارُ شِعار والناسُ دِثار »** قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان رجال من المؤمنين يواصلون اليهودَ لما بينهم من القرابة والصداقةِ والمحالفة فأنزل الله تعالى هذه الآيةَ، وقال مجاهد : نزلتْ في قوم من المؤمنين كانوا يواصِلون المنافقين فنُهوا عن ذلك ويؤيده قوله تعالى : وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمنا وإذا خلوا عضّوا عليكم الأنامل من الغيظ  \[ آل عمران، الآية ١١٩ \] وهي صفةُ المنافق وإياً ما كان فالحكمُ عامٌ للكفرة كافةً  من دُونِكُمْ  أي من دون المسلمين وهو متعلقٌ بلا تتخذوا أو بمحذوف وقعَ صفةً لبِطانة أي كائنةً من دونكم مجاوزةً لكم.  لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً  جملةٌ مستأنفةٌ مبينةٌ لحالهم داعيةٌ إلى الاجتناب عنهم أو صفةُ بطانةً، يقال : أَلا في الأمر إذا أقصَرَ فيه ثم استُعمل مُعدًّى إلى مفعولين في قولهم : لا آلوكَ نُصحاً ولا آلوك جُهداً على تضمين معنى المنْعِ والنقصِ، والخَبالُ الفسادُ أي لا يُقْصِرون لكم في \[ تمني \] الفسادِ  وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ  أي تمنَّوْا عَنَتَكم أي مشقتَكم وشدةَ ضررِكم وهو أيضاً استئنافٌ مؤكدٌ للنهي موجبٌ لزيادة الاجتنابِ عن المنهيِّ عنه  قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم  استئنافٌ آخرُ مفيدٌ لمزيد الاجتنابِ عن المنهيِّ عنه أي قد ظهرت البغضاءُ في كلامهم لِما أنهم لا يتمالكون -مع مبالغتهم في ضبط أنفسِهم وتحاملِهم عليها- أن ينفلِتَ من ألسنتهم ما يُعلم به بغضُهم للمسلمين. وقرئ قد بدا البغضاءُ، والأفواهُ جمعُ فم وأصلُه فوهٌ فلامُه هاءٌ يدل على ذلك جمعُه على أفواه وتصغيرُه على فُوَيه والنسبةُ إليه فوهيٌّ  وَمَا تُخْفي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ  مما بدا لأن بُدُوَّه ليس عن رَويَّة واختيار  قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيات  الدالةَ على وجوب الإخلاصِ في الدين وموالاةِ المؤمنين ومعاداةِ الكافرين  إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ  أي إن كنتم من أهل العقلِ أو إن كنتم تعقِلون ما بُيِّن لكم من الآيات، والجوابُ محذوفٌ لدِلالة المذكورِ عليه.

### الآية 3:119

> ﻿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ۚ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [3:119]

هَاأَنتُمْ أُوْلاء  جملةٌ من مبتدإٍ وخبرٍ صُدِّرت بحرف التنبيهِ إظهاراً لكمال العنايةِ بمضمونها أي أنتم أولاءِ المخطِئون في موالاتهم. وقوله تعالى : تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ  بيانٌ لخطئهم في ذلك وهو خبرٌ ثانٍ لأنتم أو خبرٌ لأولاءِ والجملةُ خبرٌ لأنتم كقولك : أنت زيدٌ تحبُّه، أو صلةٌ له أو حالٌ والعاملُ معنى الإشارةِ، ويجوز أن ينتصِبَ أولاءِ بفعل يفسِّره ما بعده وتكونُ الجملةُ خبراً  وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلّهِ  أي بجنس الكتبِ جميعاً وهو حالٌ من ضمير المفعول في  لا يُحِبُّونَكُمْ  والمعنى لا يحبونكم والحالُ أنكم تؤمنون بكتابهم فما بالُكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بكتابكم ؟ وفيه توبيخٌ بأنهم في باطلهم أصلبُ منكم في حقكم  وإذا لقوكم قالوا آمنا  نفاقاً  وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ  أي من أجله تأسفاً وتحسراً حيث لم يجدوا إلى التشفي سبيلاً  قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ  دعاءٌ عليهم بدوام الغيظِ وزيادتِه بتضاعف قوةِ الإسلامِ وأهلِه إلى أن يهلِكوا به أو باشتداده إلى أن يهلكهم  إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور  فيعلم ما في صدوركم من العداوة والبغضاء والحنَقِ وهو يحتملُ أن يكون من المَقول أي وقل لهم : إن الله تعالى عليمٌ بما هو أخفي مما تُخفونه من عضّ الأناملِ غيظاً، وأن يكون خارجاً عنه بمعنى لا تتعجْب من اطْلاعي إياك على أسرارهم فإني عليمٌ بذات الصدور. وقيل : هو أمرٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم بطيب النفسِ وقوة الرجاءِ والاستبشار بوعد الله تعالى أن يَهلِكوا غيظاً بإعزاز الإسلامِ وإذلالِهم بقوته من غير أن يكون ثمةَ قولٌ كأنه قيل : حدِّث نفسَك بذلك.

### الآية 3:120

> ﻿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ۖ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [3:120]

إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا  بيانٌ لتناهي عداوتِهم إلى حدِّ أنْ حسَدوا ما نالهم من خير ومنفعة وشمِتُوا بما أصابهم من ضر وشدة. وذكرُ المسِّ مع الحسنة والإصابة مع السيئة إما للإيذان بأن مدارَ مساءتِهم أدنى مراتبِ إصابةِ الحسنةِ ومناطَ فرحِهم تمامُ إصابةِ السيئةِ، وإما لأن المسَّ مستعارٌ لمعنى الإصابة  وَأَن تَصْبِرُوا  أي على عداوتهم أو على مشاقّ التكاليفِ  وَتَتَّقُوا  ما حرّم الله تعالى عليكم ونهاكم عنه  لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ  مكرُهم وحيلتُهم التي دبّروها لأجلكم، وقرئ لا يضِرْكم بكسر الضاد وجزم الراء على جواب الشرط من ضارَه يضيرُه بمعنى ضرّه يضُرّه، وضمةُ الراءِ في القراءة المشهورة للإتباع كضمة مَدّ  شَيْئاً  نُصب على المصدرية أي لا يضركم شيئاً من الضرر بفضل الله وحفظِه الموعودِ للصابرين والمتقين ولأن المُجِدَّ في الأمر المتدرِّبَ بالاتقاء والصبرِ يكون جريئاً على الخصم  إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ  في عداوتكم من الكيد  مُحِيطٌ  علماً فيعاقبهم على ذلك. وقرئ بالتاء الفوقية أي بما تعملون من الصبر والتقوى فيجازيكم بما أنتم أهلُه.

### الآية 3:121

> ﻿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [3:121]

وَإِذْ غَدَوْتَ  كلامٌ مستأنفٌ سيق للاستشهاد بما فيه من استتباع عدمِ الصبرِ والتقوى للضرر، على أن وجودَهما مستتبِعٌ لما وُعِد من النجاة من مضرَّة كيدِ الأعداءِ وإذْ نُصبَ على المفعولية بمضمر خوطب به النبيُّ صلى الله عليه وسلم خاصة مع عموم الخطابِ فيما قبله وما بعده له وللمؤمنين لاختصاص مضمونِ الكلامِ به عليه السلام أي واذكر لهم وقت غُدُوِّك ليتذكروا ما وقع فيه من الأحوال الناشئةِ عن عدم الصبرِ فيعلموا أنهم إن لزِموا الصبرَ والتقوى لا يضرُهم كيدُ الكفرةِ، وتوجيهُ الأمرِ بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث مع أنها المقصودةُ بالذات للمبالغةِ في إيجابها كُرْهاً واستحضارِ الحادثةِ بتفاصيلها كما سلف بيانُه في تفسير قولِه تعالى : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة  \[ البقرة، الآية ٣٠ \] الخ والمرادُ به خروجُه عليه السلام إلى أُحد وكان ذلك من منزل عائشةَ رضي الله عنها وهو المرادُ بقوله تعالى : مِنْ أَهْلِكَ  أي من عند أهلِك  تبوّئ المؤمنين  أي تنْزِلُهم أو تهيِّيء وتسوّي لهم  مقاعد  ويؤيده قراءتُه من قرأ تبويءُ المؤمنين، والجملة حالٌ من فاعل غدوتَ لكن لا على أنها حالٌ مقدرةٌ أي ناوياً وقاصداً للتبْوِئة كما قيل بل على أن المقصودَ تذكيرُ الزمانِ الممتدِّ المتسعِ لابتداء الخروجِ والتبْوِئة وما يترتب عليها إذْ هو المُذكِّرُ للقصة، وإنما عُبّر عنه بالغدو الذي هو الخروجُ غُدوةً مع كون خروجِه عليه السلام بعد صلاةِ الجمعةِ كما ستعرفه، إذْ حينئذٍ وقعت التبوئةُ التي هي العُمدةُ في الباب إذِ المقصودُ بتذكير الوقت تذكيرُ مخالفتِهم لأمر النبيِّ صلى الله عليه وسلم وتزايُلِهم عن أحيازهم المعيَّنةِ لهم عند التبوئة وعدمِ صبرِهم، وبهذا يتبين خللُ رأي من احتج به على جواز أداءِ صلاةِ الجمعة قبل الزوال، واللام في قوله تعالى : لِلْقِتَالِ  إما متعلقةٌ بتبوِّيء أي لأجل القتالِ وإما بمحذوف وقع صفةً لمقاعدَ أي كائنةً. ومقاعدُ القتالِ أماكنُه ومواقِفُه فإن استعمالَ المقعدِ والمقامِ بمعنى المكانِ اتساعاً شائعٌ ذائعٌ كما في قوله تعالى : في مَقْعَدِ صِدْقٍ  \[ القمر، الآية ٥٥ \] وقوله تعالى : قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَقَامِكَ  \[ النمل، الآية ٣٩ \]. روي أن المشركين نزلوا بأُحد يومَ الأربَعاءِ فاستشار رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أصحابَه ودعا عبدُ اللَّه عبدِ اللَّه بنِ أُبيِّ بنِ سَلول ولم يكن دعاه قبل ذلك، فاستشاره فقال عبدُ اللَّه وأكثرُ الأنصار : يا رسولَ الله أقِم بالمدينة ولا تخرُجْ إليهم فوالله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا ولا دخلها علينا إلا أصبْنا منه، فكيف وأنت فينا ؟ فدَعْهم فإن أقاموا أقاموا بشرِّ مَحبِس، وإن دخلوا قاتلهم الرجالُ في وجوههم ورماهم النساءُ والصبيانُ بالحجارة، وإن رجعوا رجعوا خائبين، وقال بعضُهم : يا رسول الله اخرُجْ بنا إلى هؤلاء الأكلُبِ لا يرَوْن أنا قد جبُنّا عنهم، فقال عليه الصلاة والسلام :**«إني قد رأيت في منامي بقراً مُذَبَّحةً حولي فأوّلتُها خيراً ورأيت في ذُباب سيفي ثُلَماً فأولتُه هزيمةً، ورأيتُ كأني أدخلتُ يدي في درعٍ حصينةٍ فأولتُها المدينة، فإن رأيتم أن تُقيموا بالمدينة فتدعوهم »** فقال رجال من المسلمين قد فاتتهم بدرٌ وأكرمهم الله تعالى بالشهادة يومئذ : اخرُجْ بنا إلى أعدائنا، وقال النعمانُ بنُ مالكٍ الأنصاريُّ رضي الله عنه : يا رسول الله لا تحرِمْني الجنةَ فوالذي بعثك بالحق لأدخُلَنَّ الجنة ثم قال بقوليْ : أُشْهِدُ أَن لاَّ إله إِلاَّ الله وأني لا أفِرُّ من الزحف، فلم يزالوا به عليه السلام حتى دخل فلبِس لاَءْمتَه فلما رأَوْه كذلك ندِموا وقالوا : بئسما صنعنا نشير على رسول الله والوحيُ يأتيه وقالوا : اصنعْ يا رسولَ الله ما رأيت، فقال :**«ما ينبغي لنبيَ أن يلبَسَ لاَءْمتَه فيضعَها حتى يقاتل »** فخرج يومَ الجمعة بعد صلاةِ الجمعةِ وأصبح بالشِّعب من أحُد يوم السبْتِ للنصف من شوالٍ لسنةِ ثلاثٍ من الهجرة فمشى على رجليه فجعل يصُفُّ أصحابَه للقتال فكأنما يقوّم بهم القِدْحَ إن رأى صدراً خارجاً قال :**«تأخَّرْ »**، وكان نزولُه في عُدوة الوادي وجعل ظهرَه وعسكرَه إلى أحُد وأمَّر عبدَ اللَّه بنَ جُبيرٍ على الرماة وقال لهم : انضَحُوا عنا بالنبل لا يأتونا من ورائنا ولا تبرَحوا من مكانكم فلن نزالَ غالبين ما ثبتم مكانَكم  والله سَمِيعٌ  لأقوالكم  عَلِيمٌ  بضمائركم والجملةُ اعتراضٌ للإيذان بأنه قد صدر عنهم هناك من الأقوال والأفعال ما لا ينبغي صدورُه عنهم.

### الآية 3:122

> ﻿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [3:122]

إِذْ هَمَّتْ  بدلٌ من إذ غدوت مبينٌ لما هو المقصودُ بالتذكير أو ظرفٌ لسميعٌ عليمٌ، على معنى أنه تعالى جامعٌ بين سماعِ الأقوالِ والعلمِ بالضمائر في ذلك الوقتِ إذ لا وجهَ لتقييد كونِه تعالى سميعاً عليماً بذلك الوقت. قال الفراءُ : معنى قولِك : ضربتُ وأكرمتُ زيداً أن زيداً منصوبٌ بهما وأنهما تسلّطا عليه معاً.  طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ  متعلقٌ بهمَّتْ والباءُ محذوفةٌ أي بأن تفشَلا أي تجبُنا وتضعُفا وهما حيانِ من الأنصار بنو سلمةَ من الخزرج وبنو حارثةَ من الأوس، وهما الجناحانِ من عسكر رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا ألفَ رجل وقيل : تسعَمائةٍ وخمسين وَعَدهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الفتحَ إن صبَروا فلما قاربوا عسكرَ الكفرةِ وكانوا ثلاثةَ آلافٍ انخذل عبدُ اللَّه بنُ أبيّ بثلث الناسِ فقال : يا قومُ علامَ نَقتُل أنفسَنا وأولادَنا فتبِعَهم عمروُ بنُ حزم الأنصاري فقال : أنشُدكم الله في نبيكم وأنفسِكم، فقال عبدُ اللَّه : لو نعلم قتالاً لاتّبعناكم فهمّ الحيانِ باتِّباع عبدِ اللَّه فعصمَهم الله تعالى فمضَوْا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أضمَروا أن يرجِعوا فعزم الله لهم على الرشد فثبَتوا والظاهرُ أنها ما كانت إلا همَّةً وحديثَ نفس قلما تخلو النفسُ عنه عند الشدائدِ  والله وَلِيُّهُمَا  أي عاصِمُهما عن اتباع تلكِ الخَطرةِ، والجملةُ اعتراضٌ ويجوز أن تكون حالاً من فاعل همَّتْ أو من ضميره في تفشلا مفيدةٌ لاستبعاد فشلِهما أو همِّهما به مع كونهما في ولاية الله تعالى، وقرئ والله وليُّهم كما في قوله تعالى : وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا  \[ الحجرات، الآية ٩ \]  وَعَلَى الله  وحده دون ما عداه مطلقاً استقلالاً أو اشتراكاً  فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون  في جميع أمورِهم فإنه حسبُهم. وإظهارُ الاسمِ الجليلِ للتبرك والتأميل فإن الألوهيةَ من موجبات التوكلِ عليه تعالى، واللامُ في المؤمنين للجنس فيدخلُ فيه الطائفتان دخولاً أولياً، وفيه إشعارٌ بأن وصفَ الإيمان من دواعي التوكلِ وموجباتِه.

### الآية 3:123

> ﻿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [3:123]

وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ  جملةٌ مستأنفةٌ سيقت لإيجاب الصبرِ والتقوى بتذكير ما ترتب عليهما من النصر إثرَ تذكيرِ ما ترتب على عدمهما من الضرر، وقيل : لإيجاب التوكلِ على الله تعالى بتذكير ما يوجبه، وبدرٌ اسمُ ماءٍ بين مكةَ والمدينة، كان رجل اسمُه بدرُ بنُ كِِلْدةَ فسُمِّيَ باسمِه، وقيل : سمِّي به لصفائه كالبدر واستدارتِه، وقيل : هو اسمُ الموضِعِ أو الوادي وكانت وقعةُ بدرٍ في السابعَ عشرَ من شهر رمضانَ سنةَ اثنتين من الهجرة  وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ  حالٌ من مفعول نصركم وأذلةٌ جمعُ ذليلٍ وإنما جُمع جَمْعُ قِلةً للإيذان باتصافهم حينئذ بوصفي القِلة والذِلة إذ كانوا ثلثَمائةٍ وبضعةَ عشرَ وكان ضعفُ حالِهم في الغاية خرجوا على النواضِح يعتقِبُ النفرُ منهم على البعير الواحدِ ولم يكن في العسكر إلا فرسٌ واحدٌ، وقيل : فرَسانِ للمقداد ومرْثَد وتسعون بعيراً وستُّ أدرعٍ وثمانيةُ سيوفٍ وكان العدو زهاءَ ألفٍ ومعهم مائةُ فرسٍ وشكة وشوْكة  فاتقوا الله  اقتصر على الأمر بالتقوى مع كونه مشفوعاً بالصبر فيما سبق وما لحِق للإشعار بأصالته، وكونِ الصبرِ من مباديه اللازمةِ له ولذلك قُدم عليه في الذكر وفي ترتيب الأمرِ بالتقوى على الإخبار بالنصر إيذانٌ بأن نصرَهم المذكورَ كان بسبب تقواهم أي إذا كان الأمرُ كذلك فاتقوا الله كما اتقيتم يومئذ  لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  أي راجين أن تشكُروا ما يُنعِم به عليكم بتقواكم من النصرة كما شكرتم فيما قبلُ، أو لعلكم يُنعم الله عليكم بالنصر كما فعل ذلك من قبل، فوُضِع الشكرُ موضِعَ سببِه الذي هو الإنعامُ.

### الآية 3:124

> ﻿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ [3:124]

إِذْ تَقُولُ  تلوينٌ للخطاب بتخصيصه برسول الله صلى الله عليه وسلم لتشريفه والإيذانِ بأن وقوعَ النصرِ كان ببشارته عليه السلام  لَهُمْ  وإذ ظرفٌ لنصَرَكم قدِّم عليه الأمرُ بالتقوى لإظهار كمالِ العنايةِ به، والمرادُ به الوقتُ الممتدُ الذي وقع فيه ما ذكر بعده وما طُويَ ذكرُه تعويلاً على شهادة الحالِ مما يتعلق به وجودُ النصرِ، وصيغةُ المضارعِ لحكاية الحالِ الماضيةِ لاستحضار صورتِها أي نصركم وقت قولك : لِلْمُؤْمِنِينَ  حين أظهروا العجزَ عن المقاتلة. قال الشعبي : بلغ المؤمنين أن كُرْزَ بنَ جابرٍ الحنفي يريد أن يُمِدَّ المشركين فشق ذلك على المؤمنين فنزل حينئذ ثم حكي هاهنا  أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ ربكم بثلاثة آلافٍ  الكفايةُ سدُّ الخَلّةِ والقيامُ بالأمر، والإمدادُ في الأصل إعطاءُ الشيءِ حالاً بعد حال. قال المفضّل : ما كان منه بطريق التقويةِ والإعانةِ يقال فيه : أمَدَّه يُمِدُّه إمداداً وما كان بطريق الزيادة يقال فيه : مَدَّه يمُدّه مداً ومنه  والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ  \[ لقمان، الآية ٢٧ \] وقيل : المَدّ في الشر كما في قوله تعالى : وَيَمُدُّهُمْ فِي طغيانهم يَعْمَهُونَ  \[ البقرة، الآية ١٥ \] وقولِه : وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العذاب مَدّاً  \[ مريم، الآية ٧٩ \] والإمدادُ في الخير كما في قوله تعالى : وأمددناكم بأموال وَبَنِينَ  \[ الإسراء، الآية ٦ \] والتعرُّضُ لعنوان الربوبية هاهنا وفيما سيأتي مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لإظهار العنايةِ بهم والإشعارِ بعلةِ الإمداد، والمعنى إنكارُ عدمِ كفايةِ الإمدادِ بذلك المقدار ونفيُه. وكلمة  لَنْ  للإشعار بأنهم كانوا حينئذ كالآيسين من النصر لضعفهم وقلّتِهم وقوةِ العدوّ وكثرتهم  مِنَ الملائكة  بيانٌ أو صفة لآلافٍ أو لما أُضيف إليه أي كائنين من الملائكة  مُنزَلِينَ  صفةٌ لثلاثةِ آلافٍ ثم خمسةِ آلافٍ. وقرئ مبنياً للفاعل من الصيغتين أي مُنزِلين النصرَ.

### الآية 3:125

> ﻿بَلَىٰ ۚ إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [3:125]

بلى  إيجابٌ لما بعد  لَنْ  وتحقيقٌ له أي بلى يكفيكم ذلك ثم وعدَهم الزيادةَ بشرط الصبرِ والتقوى حثاً لهم عليهما وتقويةً لقلوبهم فقال : إِن تَصْبِرُوا  على لقاء العدو ومناهضتِهم  وَتَتَّقُوا  معصيةَ الله ومخالفةَ نبيِّه عليه الصلاة والسلام  وَيَأْتُوكُمْ  أي المشركون  من فَوْرِهِمْ هذا  أي من ساعتهم هذه، وهو في الأصل مصدرُ فارَت القِدرُ أي اشتد غَلَيانُها ثم استُعير للسرعة ثم أُطلق على كل حالةٍ لا ريث فيها أصلاً، ووصفُه بهذا لتأكيد السرعةِ بزيادة تعيينِه وتقريبِه. ونظمُ إتيانِهم بسرعة في سلك شرطَي الإمداد المستتبِعَيْن له وجوداً وعدماً -أعني الصبرَ والتقوى مع تحقق الإمدادِ لا محالةَ سواءٌ أسرعوا أو أبطأوا- لتحقيق أصلِه أو لبيانِ تحقّقِه على أي حال فُرِضَ، على أبلغ وجهٍ وآكَدِه بتعليقه بأبعدِ التقاديرِ ليُعلم تحقُّقُه على سائرها بالطريق الأوْلى، فإن هجومَ الأعداءِ وإتيانَهم بسرعة من مظانّ عدمِ لُحوق المددِ عادةً، فعُلِّق به تحققُ الإمدادِ إيذاناً بأنه حيث تحقق مع ما ينافيه عادةً فلأَنْ يتحقَّقَ بدونه أولى وأحرى كما إذا أردتَ وصفَ درعٍ بغاية الحَصانة تقول : إن لبستَها وبارزتَ بها الأعداءَ فضربوك بأيدٍ شدادٍ وسيوفٍ حِدادٍ لم تتأثرْ منها قطعاً  يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ منَ الملائكة مُسَوّمِينَ  من التسويم الذي هو إظهارُ سيما الشيءِ أي مُعْلِمين أنفسَهم أو خيلَهم، فقد رُوي أنهم كانوا بعمائمَ بيضٍ إلا جبريلَ عليه السلام فإنه كان بعمامة صفراءَ على مثال الزبير بنِ العوام، وروي أنهم كانوا على خيل بُلْقٍ. قال عروةُ بنُ الزبير : كانت الملائكةُ على خيل بُلْق عليهم عمائمُ بيضٌ قد أرسلوها بين أكتافِهم. وقال هشامُ بنُ عروة : عمائمُ صُفْرٌ. وقال قتادة والضحاك : كانوا قد أَعْلموا بالعِهْن في نواصي الخيلِ وأذنابِها، روي أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه :**«تسوَّموا فإن الملائكةَ قد تسوَّمت »** وقرئ مسوَّمين على البناء للمفعول ومعناه مُعْلِمين من جهته سبحانه، وقيل : مرسَلين من التسويم بمعنى الإسامة.

### الآية 3:126

> ﻿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ۗ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [3:126]

وَمَا جَعَلَهُ الله  كلامٌ مبتدأٌ غيرُ داخلٍ في حيز القول مَسوقٌ من جنابه تعالى لبيان أن الأسبابَ الظاهرةَ بمعزل من التأثير وأن حقيقةَ النصرِ مختصٌّ به عز وجل ليثق به المؤمنون ولا يقنَطوا منه عند فُقدان أسبابِه وأماراتِه، معطوفٌ على فعل مقدرٍ ينسحبُ عليه الكلامُ ويستدعيه النظامُ فإن الإخبارَ بوقوع النصرِ على الإطلاق وتذكيرَ وقتِه وحكايةَ الوعدِ بوقوعه على وجه مخصوصٍ هو الإمدادُ بالملائكة مرةً بعد أخرى، وتعيينُ وقتِه فيما مضى يقضي بوقوعه حينئذ قضاءً قطعياً لكن لم يصرَّحْ به تعويلاً على تعاضُد الدلائلِ وتآخُذ الأماراتِ والمخايل وإيذاناً بكمال الغِنى عنه بل احتراز عن شائبة التكريرِ أو عن إيهام احتمالِ الخُلفِ في الوعد المحتومِ كأنه قيل : عَقيبَ قولِه تعالى : يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ منَ الملائكة مُسَوّمِينَ  \[ آل عمران، الآية : ١٥٢ \] فأمدَّكم بهم وما جعله الله الخ. والجَعلُ متعدٍ إلى واحد هو الضميرُ العائد إلى مصدر ذلك الفعلِ المقدر وأما عَوْدُه إلى المصدر المذكورِ أعني قولَه تعالى : أَن يُمِدَّكُمْ  أو إلى المصدر المدلولِ عليه بقوله تعالى : يُمْدِدْكُمْ  كما قيل فغيرُ حقيقٍ بجزالة التنزيلِ لأن الهيئةَ البسيطةَ متقدمةٌ على المركبة، فبيانُ العلةِ الغائبةِ لوجود الإمداد كما هو المرادُ بالنظم الكريم حقُّه أن يكون بعد بيانِ وجودِه في نفسه، ولا ريب في أن المصدرَيْنِ المذكورين غيرُ معتبَرَيْنِ من حيث الوجودُ والوقوعُ كمصدر الفعلِ المقدرِ حتى يتصدى لبيان أحكامِ وجودِهما بل الأولُ معتبرٌ من حيث الكفايةُ والثاني من حيث الوعدُ على أن الأولَ هو الإمدادُ بثلاثة آلافٍ وقوله تعالى : إِلاَّ بشرى لَكُمْ  استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم العللِ، وتلوينُ الخطابِ لتشريف المؤمنين وللإيذان بأنهم المحتاجون إلى البِشارة وتسكينِ القلوب بتوفيق الأسبابِ الظاهرةِ وأن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم غنيٌ عنه بما له من التأييد الروحاني أي وما جعل إمدادَكم بإنزال الملائكةِ عِياناً لشيء من الأشياء إلا للبشرى لكم بأنكم تُنْصَرون  وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ  أي بالإمداد وتسكُنَ إليه كما كانت السكينةُ لبني إسرائيلَ كذلك، فكلاهما عِلةٌ غائيةٌ للجعل، وقد نُصب الأولُ لاجتماع شرائطِه من اتحاد الفاعلِ والزمانِ وكونِه مصدراً مَسوقاً للتعليل، وبقيَ الثاني على حاله لفُقدانها، وقيل : للإشارة أيضاً إلى أصالته في العلِّية وأهميتِه في نفسه كما في قوله تعالى : والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً  \[ النحل، الآية ٨ \] وفي قصر الإمدادِ عليهما إشعارٌ بأن الملائكةَ عليهم السلام لم يباشروا يومئذ القتالَ وإنما كان إمدادُهم بتقويةِ قلوبِ المباشرين بتكثير السَّواد ونحوِه كما هو رأيُ بعضِ السلفِ رضي الله عنه. وقيل : الجعلُ متعدٍ إلى اثنين وقولُه عز وجل : إِلاَّ بشرى لَكُمْ  استثناءٌ من أعمّ المفاعيلِ أي وما جعله الله تعالى شيئاً من الأشياء إلا بشارةً لكم فاللام في قوله تعالى : وَلِتَطْمَئِنَّ  متعلقةٌ بمحذوف تقديرُه ولتطمئن قلوبُكم به فُعِل ذلك.  وَمَا النصر  أي حقيقةُ النصرِ على الإطلاق فيندرِجُ في حكمة النصرُ المعهودُ اندراجاً أولياً  إِلاَّ مِنْ عِندِ الله  أي إلا كائنٌ من عنده تعالى من غير أن يكون فيه شِرْكةٌ من جهة الأسبابِ والعَدد، وإنما هي مظاهرُ له بطريق جَرَيانِ سنتِه تعالى أو وما النصرُ المعهودُ إلا من عنده تعالى لا من عند الملائكةِ فإنهم بمعزلٍ من التأثير وإنما قصارى أمرِهم ما ذُكر من البِشارة وتقويةِ القلوب  العزيز  أي الذي لا يغالَب في حكمه وأقضيتِه، وإجراءُ هذا الوصفِ عليه تعالى للإشعار بعلة اختصاصِ النصرِ به تعالى كما أن وصفَه بقوله : الحكيم  أي الذي يفعل كلَّ ما يفعل حسبما تقتضيه الحِكمةُ والمصلحة للإيذان بعلة جعْلِ النصرِ بإنزال الملائكةِ فإن ذلك من مقتَضيات الحِكم البالغة.

### الآية 3:127

> ﻿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ [3:127]

لِيَقْطَعَ  متعلقٌ بقوله تعالى : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ  \[ آل عمران، الآية ١٢٣ \]، وما بينهما تحقيقٌ لحقيقته وبيانٌ لكيفية وقوعِه والمقصورُ على التعليل بما ذُكر من البُشرى والاطمئنانِ إنما هو الإمدادُ بالملائكة على الوجه المذكورِ فلا يقدَح ذلك في تعليل أصلِ النصرِ بالقطع وما عُطف عليه أو بما تعلق به الخبرُ في قوله عز وعلا : وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله  \[ آل عمران، الآية : ١٢٦، الأنفال، الآية : ١٠ \] على تقدير كونِه عبارةً عن النصر المعهودِ، وقد أُشير إلى أن المعلَّلَ بالبشارة والاطمئنانِ إنما هو الإمدادُ الصوريُّ لا ما في ضِمنه من النصر المعنويِّ الذي هو مَلاكُ الأمر، وأما تعلقُه بنفس النصرِ كما قيل فمع ما فيه من الفصل بين المصدرِ ومعمولِه بأجنبي هو الخبرُ مُخلٌّ بسَداد المعنى، كيف لا ومعناه قصرُ النصرِ المخصوصِ المعلَّلِ بعلل معيّنةٍ على الحصول من جهته تعالى، وليس المرادُ إلا قصرَ حقيقةِ النصرِ أو النصرِ المعهودِ على ذلك، والمعنى لقد نصركم الله يومئذ أو وما النصرُ الظاهرُ عند إمدادِ الملائكةِ إلا ثابتٌ من عند الله ليقطعَ أي يُهلِكَ ويَنْقُصَ  طَرَفاً منَ الذين كَفَرُوا  أي طائفةٌ منهم بقتل وأسر وقد وقع ذلك حيث قُتل من رؤسائهم وصناديدِهم سبعون وأُسر سبعون  أَوْ يَكْبِتَهُمْ  أي يخزيَهم ويُغيظَهم بالهزيمة، فإن الكبتَ شدةُ غيظٍ أو وهنٌ يقع في القلب من كَبتَه بمعنى كَبده إذا ضرب كِبدَه بالغيظ والحُرقة، وقيل : الكبتُ الإصابةُ بمكروه، وقيل : هو الصرعُ للوجه واليدين، فالتاء حينئذ غيرُ مُبْدَلةٍ وأو للتنويع  فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ  أي فينهزموا منقطعي الآمالِ غيرَ فائزين من مبتغاهم بشيء كما في قوله تعالى : وَرَدَّ الله الذين كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً  \[ الأحزاب، الآية : ٢٥ \].

### الآية 3:128

> ﻿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [3:128]

لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شيء  اعتراضٌ وُسِّط بين المعطوف عليه المتعلّقِ بالعاجل والمعطوفِ المتعلّقِ بالآجل لتحقيق أن لا تأثيرَ للمنصورين إثرَ بيانِ أن لا تأثيرَ للناصرين، وتخصيصُ النفيِ برسول الله صلى الله عليه وسلم على طريق تلوينِ الخطابِ للدلالة على الانتفاءِ من غيره بالطريق الأولى، وإنما خُصّ الاعتراضُ بموقعه لأن ما قبله من القطع والكبْتِ من مظانِّ أن يكونَ فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولسائر مباشري القتالِ مدخَلٌ في الجملة  أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذّبَهُمْ  عطفٌ على يكبِتَهم والمعنى أن مالِكَ أمرِهم على الإطلاق هو الله عز وجل نصرَكم عليهم ليُهلِكَهم أو يكبتَهم أو يتوبَ عليهم إن أسلموا أو يعذبَهم إن أصرّوا \[ على الكفر \] وليس لك من أمرهم شيءٌ إنما أنت عبدٌ مأمورٌ بإنذارهم وجهادِهم والمرادُ بتعذيبهم التعذيبُ الشديدُ الأخرويُّ المخصوصُ بأشد الكفَرةِ كُفراً، وإلا فمطلقُ التعذيبِ الأخرويِّ متحققٌ في الفريقين الأولين أيضاً، ونظمُ التوبةِ والتعذيبِ المذكورِ في سلك العلةِ الغائيةِ للنصر المترتبةِ عليه في الوجود من حيث إن قبولَ توبتِهم فرْعُ تحققِها الناشئ من علمهم بحقية الإسلامِ بسبب غلبةِ أهلِه المترتبةِ على النصر، وأن تعذيبَهم بالعذاب المذكورِ مترتبٌ على إصرارهم على الكفر بعد تبيُّنِ الحقِّ على الوجه المذكورِ. هذا وقيل : إن عتبة بنَ أبي وقاصٍ شج رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يومَ أحُد وكسرَ رَباعِيَتَه فجعل عليه الصلاة والسلام يمسح الدمَ عن وجهه وسالمٌ مولى أبي حُذيفةَ يغسِلُ عن وجهه الدمَ وهو يقول : كيف يُفلحُ قومٌ خضَبوا وجهَ نبيِّهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم فنزلت  لَيْسَ لَكَ مِنَ الامر شَيء  الآية. كأنه نوعُ معاتبةٍ على إنكاره عليه السلام لفلاحهم، وقيل : أراد أن يدعوَ عليهم فنهاه الله تعالى لعلمه بأن منهم من يؤمن فقولُه تعالى : أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ  حينئذ معطوفٌ على الأمر أو على شيء بإضمار أنْ أي ليس لك من أمرهم أو من التوبة عليهم أو من تعذيبهم شيءٌ، أو ليس لك من أمرهم شيءٌ أو التوبةِ عليهم أو تعذيبِهم. ونُقل عن الفراء وابنِ الأنباري أن  أَو  بمعنى إلا أن والمعنى ليس لك من أمرهم شيءٌ إلا أن يتوبَ الله عليهم فتفرَحَ به أو يعذبَهم فتتشفي منهم، وأياً ما كان فهو كلامٌ مستأنفٌ سيق لبيان بعضِ الأمورِ المتعلقة بغزوة أحُدٍ إثرَ بيانِ بعضِ ما يتعلق بغزوة بدرٍ لِما بينهما من التناسُب الظاهرِ لأن كلاًّ منهما مبنيٌّ على اختصاص الأمرِ كلِّه بالله تعالى ومنبئٌ عن سلبه عما سواه. وأما تعلقُ كلِّ القصةِ بغزوة أُحد، على أن قولَه تعالى : إِذْ تَقُولُ  \[ آل عمران، الآية ١٢٤ \] بدلٌ ثانٍ من إذ غدوتَ وأن ما حُكي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وقع يومَ أحدٍ وأن الإمدادَ الموعودَ كان مشروطاً بالصبر والتقوى فلما لم يفعلوا لم يتحققِ الموعودُ كما قيل فلا يساعدُه النظمُ الكريمُ أما أوّلاً فلأن المشروطَ بالصبر والتقوى إنما هو الإمدادُ بخمسة آلافٍ لا بثلاثة آلافٍ مع أنه لم يقع الإمدادُ يومئذ ولا بمَلكٍ واحدٍ، وأما ثانياً فلأنه كان ينبغي حينئذ أن ينعى عليهم جنايتَهم وحِرْمانَهم بسببها تلكَ النعمةَ الجليلة، ودعوى ظهورِه مع عدم دِلالةِ السباقِ والسياقِ عليه بل مع دَلالتهما على خلافه مما لا يكاد يُسمع، وأما ثالثاً فلأنه لا سبيل إلى جعل الضمير في قوله تعالى : وَمَا جَعَلَهُ الله  \[ آل عمران، الآية : ١٢٦ \] الخ، عائداً إلى الإمداد الموعودِ لأنه لم يتحققْ فكيف يبيِّنُ علّته الغائيةَ، ولا إلى الوعدِ به على معنى أنه تعالى إنما جعل ذلك الوعدَ لبِشارتكم واطمئنانِ قلوبكم فلم تفعلوا ما شرَطَ عليكم من الصبر والتقوى فلم يقع إنجازُ الموعودِ لما أن قوله تعالى : وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله العزيز الحكيم  \[ آل عمران، الآية ١٢٦ \] صريحٌ في أنه قد وقع الإمدادُ الموعودُ لكن أثرَه إنما هو مجردُ البِشارة والاطمئنانِ وقد حصلا، وأما النصرُ الحقيقيُ فليس ذلك إلا من عنده تعالى. وجعلُه استئنافاً مقرّراً لعدم وقوعِ الإمداد -على معنى أن النصرَ الموعودَ مخصوصٌ به تعالى فلا ينصُر من خالف أمرَه بترك الصبر والتقوى- اعتسافٌ بيّنٌ يجب تنزيهُ التنزيلِ عن أمثاله على أن قولَه تعالى : لِيَقْطَعَ طَرَفاً  \[ آل عمران، الآية ١٢٧ \] الآية، متعلقٌ حينئذ بما تعلق به قولُه تعالى : مِنْ عِندِ الله  \[ آل عمران، الآية ١٢٦ \] من الثبوت والاستقرارِ ضرورةَ أن تعلقَه بقوله تعالى : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ  \[ آل عمران، الآية ١٢٣ \] الآية، مع كون ما بينهما من التفصيل متعلقاً بوقعة أحُدٍ من قبيل الفصلِ بين الشجرِ ولِحائِه فلابد من اعتبار وجودِ النصرِ قطعاً لأن تفصيلَ الأحكامِ المترتبةِ على وجود شيءٍ بصدد بيانِ انتفائِه مما لا يُعهدْ في كلام الناسِ فضلاً عن الكلام المَجيد. فالحقُّ الذي لا محيدَ عنه أن قولَه تعالى : إِذْ تَقُولُ  \[ آل عمران، الآية ١٢٤ \] ظرفٌ لنصرَكم وأن ما حُكي في أثنائه إلى قوله تعالى : خَائِبِينَ  \[ آل عمران، الآية ١٢٧ \] متعلقٌ بيومِ بدرٍ قطعاً وما بعده محتملٌ للوجهين المذكورين، وقوله تعالى : فَإِنَّهُمْ ظالمون  تعليلٌ على كل حال لقوله تعالى : أَوْ يُعَذّبَهُمْ  \[ آل عمران، الآية ١٢٨ \] مبينٌ لكون ذلك من جهتهم وجزاءٌ لظلمهم.

### الآية 3:129

> ﻿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [3:129]

وَللَّهِ مَا في السماوات وَمَا فِي الأرض  كلامٌ مستأنفٌ سيق لبيان اختصاصِ ملكوتِ كلِّ الكائناتِ به عز وجل إثرَ بيانِ اختصاصِ طرَفٍ من ذلك به سبحانه تقريراً لما سبق وتكملةً له. وتقديمُ الجارِّ للقصر، وكلمةُ  مَا  شاملةٌ للعقلاء أيضاً تغليباً أي له ما فيهما من الموجودات خلقاً ومُلكاً لا مدخَلَ فيه لأحد أصلاً فله الأمرُ كلُّه  يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء  أن يغفرَ له مشيئةً مبنيةً على الحِكمة والمصلحة  وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء  أن يعذِّبَه بعمله مشيئةً كذلك. وإيثارُ كلمة  مِنْ  في الموضعين لاختصاص المغفرةِ والتعذيبِ بالعقلاء، وتقديمُ المغفرة على التعذيب للإيذان بسبق رحمتِه تعالى غضبَه وبأنها من مقتَضيات الذاتِ دونه فإنه من مقتضيات سيئاتِ العُصاة، وهذا صريحٌ في نفي وجوبِ التعذيبِ، والتقييدُ بالتوبة وعدمِها كالمنافي له  والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ  تذييلٌ مقرر لمضمون قوله تعالى : يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء  \[ آل عمران، الآية : ١٢٩ \] مع زيادة، وفي تخصيص التذييلِ به دون قرينةٍ من الاعتناء بشأن المغفرةِ والرحمةِ ما لا يخفي.

### الآية 3:130

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [3:130]

يا أيها الذين آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الربا  كلامٌ مبتدأٌ مشتمِلٌ على ما هو مَلاكُ الأمرِ في كل باب لاسيما في باب الجهادِ من التقوى والطاعةِ وما بعدهما من الأمور المذكورةِ على نهج الترغيبِ والترهيبِ جيء به في تضاعيفِ القصةِ مسارعةً إلى إرشاد المخاطَبين إلى ما فيه، وإيذاناً بكمالِ وجوبِ المحافظةِ عليه فيما هم فيه من الجهاد، فإن الأمورَ المذكورةَ فيه مع كونها مناطاً للفوز في الدارين على الإطلاق عُمدةٌ في أمر الجهادِ، عليها يدورُ فلكُ النُّصرةِ والغلَبة، كيف لا ولو حافظوا على الصبر والتقوى وطاعةِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم لما لقُوا ما لقُوا، ولعل إيرادَ النهي عن الربا في أثنائها لِما أن الترغيبَ في الإنفاق في السراء والضراءِ الذي عُمدتُه الإنفاقُ في سبيل الجهادِ متضمنٌ للترغيب في تحصيل المالِ فكان مظِنةَ مبادرةِ الناسِ طرق الاكتساب ومن جملتها الربا، فنُهوا عن ذلك، والمرادُ بأكله أخذُه، وإنما عُبر عنه بالأكل لما أنه مُعظم ما يقصَد بالأخذ، ولشيوعه في المأكولات مع ما فيه من زيادة تشنيعٍ، وقولُه عز وجل : أضعافا مضاعفة  ليس لتقييد النهي به بل لمراعاةِ ما كانوا عليه ممن العادة توبيخاً لهم بذلك إذ كان الرجلُ يُرْبي إلى أجلٍ فإذا حل قال للمَدين : زدْني في المال حتى أزيدك في الأجل فيفعلُ، وهكذا عند محلِّ كلِّ أجلٍ فيستغرق بالشيء الطفيفِ مالَه بالكلية. ومحلُه بالنصبُ على الحالية من الربا وقرئ مُضَعَّفَةً  واتقوا الله  فيما نُهيتم عنه من الأعمال التي من جملتها الربا  لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  راجين للفلاح.

### الآية 3:131

> ﻿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [3:131]

واتقوا النار التي أُعِدَّتْ للكافرين  بالتحرُّر عن متابعتهم وتعاطي ما يتعاطَوْنه. كان أبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول : هي أخوفُ آيةٍ في القرآن حيث أوعدَ الله المؤمنين بالنار المُعَدَّة للكافرين إن لم يتّقوه في اجتناب محارمِه.

### الآية 3:132

> ﻿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [3:132]

وَأَطِيعُوا الله  في كل ما أمركم به ونهاكم عنه  والرسول  الذي يبلّغكم أوامرَه ونواهيَه  لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ  راجين لرحمته. عقّب الوعيدَ بالوعد ترهيباً عن المخالفة وترغيباً في الطاعة، وإيرادُ  لَعَلَّ  في الموضعين للإشعار بعزة منالِ الفلاحِ والرحمة. قال محمدُ بنُ إسحاقَ : هذه الآيةُ معاتبةٌ للذين عصَوْا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حين أمرهم بما أمرهم يومَ أحُد.

### الآية 3:133

> ﻿۞ وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [3:133]

وَسَارِعُوا  عطفٌ على أطيعوا، وقرئ بغير واو على وجه الاستئنافِ أي بادروا وأقبلوا وقرئ وسابقوا  إلى مَغْفِرَةٍ من رَبّكُمْ وَجَنَّةٍ  أي إلى ما يؤدي إليهما، وقيل : إلى الإسلام، وقيل : إلى التوبة، وقيل : إلى الإخلاص، وقيل : إلى الجهاد، وقيل : إلى أداء جميعِ الواجباتِ وتركِ جميعِ المنهيَّاتِ فيدخُل فيها ما مر من الأمور المأمورِ بها والمنهيَّ عنها دخولاً أولياً. وتقديمُ المغفرةِ على الجنة لما أن التخليةَ متقدِّمةٌ على التحلية ومِنْ متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً لمغفرة أي كائنةٍ من ربكم. والتعرض لعنوان الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضمير المخاطَبين لإظهار مزيدِ اللطفِ بهم، وقولُه تعالى : عَرْضُهَا السماوات والأرض  أي كعرضهما صفةٌ لجنةٍ، وتخصيصُ العَرْض بالذكر للمبالغة في وصفها بالسِّعة والبسطةِ على طريقة التمثيلِ فإن العَرْضَ في العادة أدنى من الطول. وعن ابن عباس رضي الله عنهما كسبع سماواتٍ وسبعِ أرضينَ لو وُصل بعضُها ببعض  أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ  في حيز الجرِّ على أنه صفةٌ أخرى لجنة أو في محل النصبِ على الحالية منها لتخصُّصها بالصفة، أي هُيِّئَتْ لهم. وفيه دليلٌ على أن الجنةَ مخلوقةٌ الآن وأنها خارجةٌ عن هذا العالم.

### الآية 3:134

> ﻿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [3:134]

الذين يُنفِقُونَ  في محل الجر على أنه نعتٌ للمتقين مادحٌ لهم أو بدلٌ منه أو بيانٌ أو في حيز النصبِ أو الرفعِ على المدح، ومفعولُ ينفقون محذوفٌ ليتناولَ كلَّ ما يصلُح للإنفاق أو متروكٌ بالكلية كما في قولك : يُعطي ويمنَع  فِي السَّرَّاء والضراء  في حالتي الرخاءِ والشدة واليُسر والعُسر، أو في الأحوال كلِّها إذ الإنسانُ لا يخلو عن مَسَرة أو مضَرَّة أي لا يخلُون في حالٍ بإنفاق ما قدَروا عليه من قليل أو كثير.  والكاظمين الغيظ ، عطفٌ على الموصول، والعدولُ إلى صيغة الفاعلِ للدِلالة على الاستمرار، وأما الإنفاقُ فحيث كان أمراً متجدداً عبّر عنه بما يفيد الحدثَ وهو التجدد، والكظمُ الحبسُ يقال : كظَم غيظه أي حبَسه، قال المُبرِّدُ : تأويلُه أنه كتمه على امتلائه منه، يقال : كظمتُ السقاءَ إذا ملأتُه وشددتُ عليه أي المُمْسِكين عليه الكافّين عن إمضائه مع القُدرة عليه، وعن النبي صلى الله عليه وسلم :**«من كظم غيظاً وهو قادرٌ على إنفاذِه ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً »**  والعافين عَنِ الناس  : أي التاركين عقوبةَ من استحق مؤاخذتَه. رُوي أنه ينادي منادٍ يومَ القيامة : أين الذين كانت أجورُهم على الله تعالى ؟ فلا يقوم إلا من عفا. وعن النبي صلى الله عليه وسلم :**«إن هؤلاءِ في أمتي قليلٌ ألا من عصَم الله وقد كانوا كثيراً في الأمم التي مضت »** وفي هذين الوصفين إشعارٌ بكمال حُسنِ موقعِ عفوِه عليه الصلاة والسلام عن الرماة وتركِ مؤاخذتِهم بما فعلوا من مخالفة أمرِه عليه السلام وندبٌ له عليه السلام إلى ترك ما عزَم عليه من مجازاة المشركين بما فعلوا بحمزةَ رضي الله عنه حيث قال حين رآه قد مُثِّل به :**«لأمثّلنّ بسبعين مكانك »**.  والله يُحِبُّ المحسنين  : اللامُ إما للجنس وهم داخلون فيه دخولاً أولياً وإما للعهد، عبّر عنهم بالمحسنين إيذاناً بأن النعوتَ المعدودةَ من باب الإحسانِ الذي هو الإتيانُ بالأعمال على الوجه اللائقِ الذي هو حُسنُها الوصفيُّ المستلزِمُ لحُسنها الذاتي، وقد فسره عليه السلام بقوله :**«أن تعبدَ الله كأنكَ تَرَاهُ فإنْ لم تكُنْ تراهُ فإنَّهُ يَرَاكَ »** والجملةُ تذييلٌ يقرِّر مضمونَ ما قبلها.

### الآية 3:135

> ﻿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [3:135]

والذين  مرفوعٌ على الابتداء، وقيل : مجرورٌ معطوفٌ على ما قبله من صفات المتقين، وقوله تعالى : والله يُحِبُّ المحسنين  اعتراضٌ بينهما مشيرٌ إلى ما بينهما من التفاوت، فإن درجةَ الأولين من التقوى أعلى من درجة هؤلاءِ وحظِّهم، أو على نفس المتقين فيكونُ التفاوتُ أكثرَ وأظهرَ  إِذَا فَعَلُوا فاحشة  أي فَعلةً بالغةً في القُبح كالزنا  أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ  بأن أتَوْا ذنباً أيَّ ذنبٍ كان، وقيل : الفاحشةُ الكبيرةُ، وظلمُ النفسِ الصغيرة، أو الفاحشةُ ما يتعدّى إلى الغير، وظلمُ النفس ما ليس كذلك. قيل : قال المؤمنون : يا رسولَ الله كانت بنو إسرائيلَ أكرمَ على الله تعالى منا، كان أحدُهم إذا أذنب أصبحت كفارةُ ذنبِه مكتوبةً على عَتَبة دارِه افعلْ كذا فأنزل الله تعالى هذه الآيةَ. وقيل : إن نبهانَ التمار أتتْه امرأةٌ حسناءُ تطلُب منه تمراً فقال لها : هذا التمرُ ليس بجيد وفي البيت أجودُ منه فذهب بها إلى بيته فضمّها إلى نفسه وقبّلها فقالت له : اتق الله فتركها وندِم على ذلك وأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم وذكر له ذلك فنزلت، وقيل : جرى مثلُ هذا بين أنصاريُّ وامرأةِ رجلٍ ثقفي كان بينهما مؤاخاةٌ فندم الأنصاريُّ وحثا على رأسه الترابَ وهام على وجهه وجعل يسيح في الجبال تائباً مستغفِراً ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت. وأياً ما كان فإطلاقُ اللفظِ ينتظم ما فعله الزُناةُ انتظاماً أولياً  ذَكَرُوا الله  تذكّروا حقَّه العظيمَ وجلالَه الموجبَ للخشية والحياء أو وعيدَه أو حُكمَه وعقابَه.  فاستغفروا لِذُنُوبِهِمْ  بالتوبة والندمِ، والفاء للدَلالة على أن ذكرَه تعالى مستتبعٌ للاستغفار لا محالة  وَمَن يَغْفِرُ الذنوب  استفهامٌ إنكاريٌّ، والمرادُ بالذنوب جنسُها كما في قولك : فلان يلبَس الثيابَ ويركب الخيلَ لا كلُّها حتى يُخِلّ بما هو المقصودُ من استحالة صدورِ مغفرةِ فردٍ منها عن غيره تعالى، وقوله تعالى : إِلاَّ الله  بدلٌ من الضمير المستكن في يغفر أي لا يغفرُ جنسَ الذنوبِ أحدٌ إلا الله خلا أن دَلالة الاستفهامِ عن الانتفاء أقوى وأبلغُ لإيذانه بأن كلَّ أحدٍ ممن له حظٌّ من الخطاب يعرِف ذلك الانتفاءَ فيسارع إلى الجواب به، والمرادُ به وصفُه سبحانه بغاية سَعةِ الرحمةِ وعمومِ المغفرةِ، والجملةُ معترضةٌ بين المعطوفين أو بين الحالِ وصاحبِها لتقرير الاستغفارِ والحث عليه والإشعارِ بالوعد بالقَبول  وَلَمْ يُصِرُّوا  عطفٌ على فاستغفروا، وتأخيرُه عنه مع تقدم عدمِ الإصرار على الاستغفار رتبةً لإظهار الاعتناءِ بشأن الاستغفارِ واستحقاقِه للمسارعة إليه عَقيبَ ذكرِه تعالى أو حال من فاعله ولم يُقيموا أو غيرَ مقيمين  على مَا فَعَلُوا  أي ما فعلوه من الذنوب فاحشةً كانت أو ظلماً أو على فعلهم. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«ما أصرّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرةً »** وأنه لا كبيرةَ مع الاستغفار ولا صغيرةَ مع الإصرار  وَهُمْ يَعْلَمُونَ  حال من فاعل يُصِروا أي لم يُصروا على ما فعلوا وهم عالمون بقُبحه والنهيِ عنه والوعيدِ عليه. والتقييدُ بذلك لما أنه قد يُعذر من لا يعلم ذلك إذا لم يكن التقصيرُ في تحصيل العلم به.

### الآية 3:136

> ﻿أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [3:136]

أولئك  إشارةٌ إلى المذكورين آخِراً باعتبار اتصافِهم بما مرَّ من الصفات الحميدةِ، وما فيه من معنى البُعد للإشعار ببعيد منزلتِهم وعلوِّ طبقتِهم في الفضل، وهو مبتدأٌ وقوله تعالى : جَزَآؤُهُمْ  بدلُ اشتمالٍ منه وقوله تعالى : مَغْفِرَةٌ  خبرٌ له أو جزاؤهم مبتدأٌ ثانٍ ومغفرةٌ خبر له، والجملةُ خبرٌ لأولئك، وهذه الجملةُ خبر لقوله تعالى : والذين إِذَا فَعَلُوا  \[ آل عمران، الآية ١٣٥ \] الخ على الوجه الأولِ وهو الأظهرُ الأنسبُ بنظم المغفرةِ المنبئةِ عن سابقة الذنبِ في سلك الجزاءِ، إذ على الوجهين يكون قولُه تعالى : أولئك  الخ جملةً مستأنفةً مبينةً لما قبلها كاشفةً عن حال كلا الفريقين المحسنين والتائبين، ولم يُذكَرْ من أوصاف الأولين ما فيه شائبةُ الذنبِ حتى يُذكَرَ في مطلَع الجزاءِ الشاملِ لهما المغفرةُ، وتخصيصُ الإشارةِ بالآخِرين مع اشتراكهما في حكم إعدادِ الجنةِ لهما تعسُّفٌ ظاهر،  من رَبّهِمُ  متعلقٌ بمحذوف وقع صفةً لمغفرةٌ مؤكدةً لما أفاده التنوينُ من الفخامة الذاتيةِ بالفخامة الإضافيةِ أي كائنةٌ من جهته تعالى. والتعرضُ لعنوان الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضميرهم للإشعار بعلة الحُكمِ والتشريفِ،  وجنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار  : عطفٌ على مغفرةٌ، والتنكيرُ المُشعِرُ بكونها أدنى من الجنة السابقةِ مما يؤيد رُجحانَ الوجهِ الأول  خالدين فِيهَا  حالٌ مقدّرةٌ من الضمير في جزاؤهم لأنه مفعولٌ به في المعنى لأنه في قوة يجزيهم الله جناتٌ خالدين فيها، ولا مَساغَ لأن يكون حالاً من جناتٌ في اللفظ وهي لأصحابها في المعنى إذ لو كان كذلك لبرز الضمير. 
 وَنِعْمَ أَجْرُ العاملين  : المخصوصُ بالمدح محذوفٌ أي ونعم أجرُ العاملين ذلك، أي ما ذُكر من المغفرة والجناتِ، والتعبيرُ عنهما بالأجر المشعرِ بأنهما يُستحقان بمقابلة العمل، وإن كان بطريق التفضُّل لمزيد الترغيبِ في الطاعات والزجرِ عن المعاصي، والجملةُ تذييلٌ مختصٌّ بالتائبين حسبَ اختصاصِ التذييلِ السابقِ بالأولين وناهيك مضمونُهما دليلاً على ما بين الفريقين من التفاوت النيِّرِ والتبايُنِ البيِّن، شتانَ بين المحسنين الفائزين بمحبة الله عز وجل وبين العاملين الحائزين لأُجرتهم وعمالتِهم.

### الآية 3:137

> ﻿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [3:137]

قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ  رجوعٌ إلى تفصيل بقيةِ القصةِ بعد تمهيدِ مبادئ الرشدِ والصلاح وترتيبِ مقدماتِ الفوزِ والفلاحِ. والخلوُّ المُضِيُّ، والسننُ الوقائعُ، وقيل : الأممُ. والظرفُ إما متعلقٌ بخلَتْ أو بمحذوف وقع حالاً من سننٌ أي قد مضت من قبل زمانِكم أو كائنةً من قبلكم وقائعُ سنّها الله تعالى في الأمم المكذِّبة كما في قوله تعالى : وَقُتّلُوا تَقْتِيلاً سُنَّةَ الله في الذين خَلَوْا  \[ الأحزاب، الآية ٦١، ٦٢ \] الخ، والفاءُ في قوله تعالى : فَسِيرُوا فِي الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين  للدِلالة على سببية خلوِّها للسير والنظر أو للأمر بهما، وقيل : المعنى على الشرط : أي إنْ شككتم فسيروا الخ، وكيف خبرٌ مقدمٌ لكان معلقٌ بفعل النظر، والجملةُ في محل النصبِ بعد نزعِ الخافضِ لأن الأصلَ استعمالُه بالجار.

### الآية 3:138

> ﻿هَٰذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [3:138]

هذا  إشارةٌ إلى ما سلف من قوله تعالى : قَدْ خَلَتْ  \[ آل عمران، الآية ١٣٧ \] إلى آخره  بَيَانٌ لّلنَّاسِ  أي تبيينٌ لهم، على أن اللامَ متعلقةٌ بالمصدر أو كائنٌ لهم على أنها متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً له، وتعريفُ الناس للعهد وهم المكذبون، أي هذا إيضاحٌ لسوء عاقبةِ ما هم عليه من التكذيب، فإن الأمرَ بالسير والنظرِ وإن كان خاصاً بالمؤمنين، لكن العملَ بموجبه غيرُ مختصَ بواحد دون واحدٍ ففيه حملٌ للمكذبين أيضاً على أن ينظُروا في عواقب مَنْ قبلَهم من أهل التكذيبِ ويعتبروا بما يعانون من آثار دمارِهم وإن لم يكن الكلامُ مَسوقاً لهم،  وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ  : أي وزيادةُ بصيرةٍ وموعظةٍ لكم، وإنما قيل : لّلْمُتَّقِينَ  للإيذان بعلة الحُكمِ، فإن مدارَ كونِه هدىً وموعظةً لهم إنما هو تقواهم. ويجوز أن يُرادَ بالمتقين الصائرين إلى التقوى والهدى والموعظة على ظاهرهما، أي هذا بيانٌ لمآل أمرِ الناسِ وسوءِ مَغبّتِه، وهدايةٌ لمن اتقى منهم وزجرٌ لهم عما هم عليه من التكذيب، وأن يُراد به ما يعُمّهم ويعُم غيرَهم من المتقين بالفعل، ويُرادَ بالهدى والموعظةِ أيضاً ما يعُم ابتداءَهما والزيادةَ فيهما، وإنما قُدّم كونُه بياناً للمكذبين -مع أنه غيرُ مَسوق له على كونه هدىً وموعظةً للمتقين، مع أنه المقصودُ بالسياق- لأن أولَ ما يترتب على مشاهدة آثارِ هلاكِ أسلافِهم ظهورُ حالِ أخلافِهم، وأما زيادةُ الهدى أو أصلِه فأمرٌ مترتبٌ عليه، وتخصيصُ البيانِ للناس مع شموله للمتقين أيضاً لما أن المرادَ به مجردُ البيانِ العاري عن الهدى والعظةِ، والاقتصار عليهما في جانب المتقين مع ترتّبهما على البيان لما أنهما المقصِدُ الأصليُّ، ويجوز أن يكون تعريفُ الناسِ للجنس أي هذا بيانٌ للناس كافةً، وهدى وموعظةٌ للمتقين منهم خاصة. وقيل : كلمةُ هذا إشارةٌ إلى ما لُخِّص من أمر المتقين والتائبين والمُصِرِّين. وقوله تعالى : قَدْ خَلَتْ  الآية، اعتراضٌ للحث على الإيمان وما يُستحَقّ به ما ذُكر من أجر العاملين. وأنت خبيرٌ بأن الاعتراضَ لابد أن يكون مقرِّراً لمضمون ما وقع في خلاله، ومعاينةُ آثارِ هلاكِ المكذبين مما لا تعلقَ له بحال أحدِ الأصنافِ الثلاثةِ للمؤمنين وإن كان باعثاً على الإيمان زاجراً عن التكذيب، وقيل : إشارةٌ إلى القرآن ولا يخفي بُعدُه.

### الآية 3:139

> ﻿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [3:139]

وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا  : تشجيعٌ للمؤمنين وتقويةٌ لقلوبهم وتسليةٌ عما أصابهم يوم أحُدٍ من القتل والقرحِ، وكان قد قُتل يومئذ خمسةٌ من المهاجرين : حمزةُ بنُ عبدِ المطلّب ومصعبُ بنُ عميرٍ صاحبُ رايةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وعبدُ اللَّه بنُ جحشٍ ابنُ عمةِ النبي صلى الله عليه وسلم وعثمانُ بنُ مظعونٍ وسعدٌ مولى عتبةَ رضوانُ الله تعالى عليهم أجمعين، ومن الأنصار سبعون رجلاً رضي الله عنهم أي لا تضعُفوا عن الجهاد بما نالكم من الجراح ولا تحزَنوا على مَنْ قتل منكم،  وَأَنتُمُ الأعْلَوْنَ  : جملةٌ حاليةٌ من فاعل الفعلين، أي والحالُ أنكم الأعلَوْن الغالبون دون عدوِّكم فإن مصيرَ أمرِهم إلى الدمار حسبما شاهدتم من أحوال أسلافِهم فهو تصريحٌ بالوعد بالنصر والغلبةِ بعد الإشعارِ به فيما سبق، أو وأنتم المعهودون بغاية علوِّ الشانِ لما أنكم على الحق وقتالُكم لله عز وجل وقَتْلاكم في الجنة، وهم على الباطل وقتالُهم للشيطان وقَتْلاهم في النار، وقيل : وأنتم الأعلَوْن حالاً منهم، حيث أصبتم منهم يومَ بدرٍ أكثرَ مما أصابوا منكم اليوم،  إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ  : متعلقٌ بالنهي أو بالأعلون وجوابُه محذوفٌ لدَلالة ما تعلق به عليه، أي إن كنتم مؤمنين فلا تهِنوا ولا تحزَنوا فإن الإيمانَ يوجب قوةَ القلب والثقةَ بصنع الله تعالى وعدمَ المبالاة بأعدائه، أو إن كنتم مؤمنين فأنتم الأعلَوْن فإن الإيمانَ يقتضي العلوَّ لا محالةَ أو إن كنتم مصدقين بوعد الله تعالى فأنتم الأعلَوْن. وأياً ما كان فالمقصودُ تحقيقُ المعلَّقِ به كما في قوله الأجير : إن كنتُ عمِلتُ لك فأعطني أجري ولذلك قيل : معناه إذ كنتم مؤمنين، وقيل : معناه إنْ بقِيتم على الإيمان.

### الآية 3:140

> ﻿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [3:140]

ن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القوم قَرْحٌ مِثْلُهُ  : القرحُ بالفتح والضم لغتان كالضَّعف والضُّعف وقد قرئ بهما، وقيل : هو بالفتح الجراحُ وبالضم ألَمُها، وقرئ بفتحتين، وقيل : القرح والقرح كالطرد والطرد، والمعنى إن نالوا منكم يومَ أحُدٍ فقد نِلتم منهم قبله يومَ بدرٍ ثم لم يُثَبِّطْهم عن معاودتكم بالقتال فأنتم أحقُّ بأن لا تضعُفوا فإنكم ترجون من الله ما لا يرجون. وقيل : كلا المَسَّيْنِ كان يوم أحُد فإن المسلمين نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمرَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، قَتلوا منهم نيفاً وعشرين رجلاً منهم صاحبُ لوائِهم وجرحوا عدداً كثيراً وعقَروا عامة خيلِهم بالنبل.  وَتِلْكَ الايام  : إشارةٌ إلى الأيام الجاريةِ فيما بين الأممِ الماضيةِ والآتيةِ كافةً لا إلى الأيامِ المعهودةِ خاصةً من يوم بدرٍ ويومِ أحدٍ بل هي داخلةٌ فيها دخولاً أولياً، والمرادُ بها أوقاتُ الظَفَرِ والغَلَبةِ.  نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس  : نُصَرِّفها بينهم نُديلُ لهؤلاء تارةً ولهؤلاء أخرى كقول من قال :\[ المتقارب \]فيوماً علينا ويوماً لنا  ويوماً نُساءُ ويوماً نُسَرّ[(١)](#foonote-١)والمداولةُ كالمعاورة، يقال : داولتُه بينهم فتداولوه أي عاورْتُه فتعاوروه. واسمُ الإشارةِ مبتدأ، والأيامُ إما صفةٌ له أو بدلٌ منه أو عطفُ بيانٍ له، ونداولها خبرُه أو خبره، ونداولها حالٌ من الأيام، والعاملُ معنى اسمِ الإشارةِ أو خبرٌ بعد خبرٍ، وصيغةُ المضارعِ الدالةُ على التجدد والاستمرارِ للإيذان بأن تلك المداولةَ سنةٌ مسلوكةٌ فيما بين الأممِ قاطبةً سابقتِها ولاحقتِها، وفيه ضربٌ من التسلية، وقوله عز وجل : وَلِيَعْلَمَ الله الذين آمَنُوا  إما من باب التمثيلِ، أي ليعامِلَكم معاملةَ من يريد أن يَعلمَ المخلِصين الثابتين على الإيمان من غيرهم، أو العلمُ فيه مجازٌ عن التمييز بطريق إطلاقِ اسمِ السببِ على المسبَّب أي ليُميِّزَ الثابتين على الإيمان من غيرهم كما في قوله تعالى : مَا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين على مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حتى يَمِيزَ الخبيث مِنَ الطيب  \[ آل عمران، الآية ١٧٩ \] أو هو على حقيقته معتبَرٌ من حيث تعلُّقُه بالمعلوم من حيث إنه موجودٌ بالفعل، إذ هو الذي يدور عليه فلكُ الجزاءِ لا من حيث أنه موجودٌ بالقوة. وإطلاقُ الإيمانِ مع أن المرادَ هو الرسوخُ والإخلاصُ فيه للإيذان بأن اسمَ الإيمانِ لا ينطلق على غيره، والالتفاتُ إلى الغَيبة بإسناده إلى اسم الذاتِ المستجمِعِ للصفات لتربية المهابةِ والإشعارِ بأن صدورَ كلِّ واحدٍ مما يُذكر بصدد التعليلِ من أفعاله تعالى باعتبار منشإٍ معيّنٍ من صفاته تعالى مغايرٌ لمنشإ الآخَر، والجملةُ علةٌ لما هو فردٌ من أفراد مُطلقِ المداولةِ التي نطقَ بها قولُه تعالى : نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس  من المداولة المعهودةِ الجاريةِ بين فريقي المؤمنين والكافرين، واللامُ متعلقةٌ بما دل عليه المطلقُ من الفعل المقيَّدِ بالوقوع بين الفريقين المذكورين أو بنفس الفعلِ المطلقِ باعتبار وقوعِه بينهما، والجملةُ معطوفةٌ على علة أخرى لها معتبرةٍ إما على الخصوص والتعيينِ محذوفة لدَلالة المذكورةِ عليها لكونها من مبادئها، كأنه قيل : نداولها بينكم وبين عدوِّكم ليظهرَ أمرُكم وليَعلَمَ الخ، فإن ظهورَ أعمالِهم وخروجَها من القوة إلى الفعل من مبادئ تمييزِهم عن غيرهم ومواجبِ تعلّقِ العلمِ الأزليِّ بها من تلك الحيثيةِ، وكذا الحالُ في باب التمثيل فتأملْ. وإما على العموم والإبهامِ للتنبيه على أن العللَ غيرُ منحصِرَةٍ فيها عُدِّد من الأمور وأن العبدَ يسوؤه ما يجري عليه من النوائب، ولا يشعُر بأن الله تعالى جعل له في ذلك من الألطاف الخفيةِ ما لا يخطرُ ببال. كأنه قيل : نداولُها بينكم ليكونَ من المصالح كيت وكيت وليَعلَمَ الخ، وفيه من تأكيد التسليةِ ومزيدِ التبصِرَة ما لا يخفي. وتخصيصُ البيان بعلة هذا الفردِ من مطلقِ المداولةِ دون سائر أفرادِها الجاريةِ فيما بين بقيةِ الأممِ -تعييناً أو إبهاماً- لعدم تعلقِ الغرضِ العلميِّ ببيانها ولك أن تجعلَ المحذوفَ المبْهَمَ عبارةً عن علل سائرِ أفرادِها للإشارة إجمالاً إلى أن كلَّ فردٍ من أفرادها له علةٌ داعيةٌ إليه كأنه قيل : نداولها بين الناس كافةً ليكونَ كيت وكيت من الحِكَم الداعيةِ إلى تلك الأفرادِ وليَعلمَ الخ، فاللامُ الأولى متعلقةٌ بالفعل المطلقِ باعتبار تقيُّدِه بتلك الأفرادِ، والثانيةُ باعتبار تقيّدِه بالفرد المعهودِ، وقيل : هي متعلقةٌ بمحذوفٍ مؤخَّرٍ تقديرُه وليعلمَ الله الذين آمنوا فَعَل ذلك.  وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء  جمعُ شهيدٍ أي ويُكرِمَ ناساً منكم بالشهادة، وهم شهداءُ أحُدٍ. فمِنْ ابتدائيةٌ أو تبعيضيةٌ متعلقةٌ بيتخذ، أو بمحذوف وقعَ حالاً من شهداءَ أو جمعُ شاهدٍ أي ويتخذ منكم شهوداً معدلين بما ظهر منهم من الثبات على الحق والصبرِ على الشدائد وغيرِ ذلك من شواهد الصدقِ ليشهدوا على الأمم يومَ القيامةِ، فمِنْ بيانيةٌ لأن تلك الشهادةَ وظيفةُ الكلِّ دون المستشهَدين فقط، وأياً ما كان ففي لفظ الاتخاذ -المُنْبئ عن الاصطفاء والتقريبِ من تشريفهم وتفخيمِ شأنِهم- ما لا يخفي. وقوله تعالى : والله لاَ يُحِبُّ الظالمين  اعتراضٌ مقررٌ لمضمون ما قبله، ونفيُ المحبةِ كنايةٌ عن البغض، وفي إيقاعه على الظالمين تعريضٌ بمحبته تعالى لمقابليهم، والمرادُ بهم إما غيرُ الثابتين على الإيمان فالتقريرُ من حيث إن بغضَه تعالى لهم من دواعي إخراجِ المخلِصينَ المصطَفَيْنَ للشهادة من بينهم، وإما الكفرةُ الذين أُديل لهم، فالتقريرُ من حيث إن ذلك ليس بطريق النُصرةِ لهم، فإنها مختصةٌ بأوليائه تعالى، بل لِما ذُكر من الفوائد العائدةِ إلى المؤمنين. 
١ وهو لنمر بن تولب في ديوانه ص ٣٤٧ وحماسة البحتري ص ١٢٣ والدرر ٢/٢٢، ٤/١٥٣ والمقاصد النحوية ١/٥٦٥ وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ٢/٧٤٩ والبيت فيه ثلاثة شواهد.
 أولها: مجيء المبتدأ نكرة محضة في مقام التنويع وثانيها: حذف رابط الجملة المخبر بها إذ الأصل نساء فيه ونسرُّ فيه، وثالثها: أن من معاني "على" المقابلة للام..

### الآية 3:141

> ﻿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [3:141]

وقوله تعالى : وَلِيُمَحّصَ الله الذين آمَنُوا  أي ليُصَفِّيَهم ويُطهرَهم من الذنوب، عطفٌ على يتخذ، وتكريرُ اللامِ لتذكير التعليلِ لوقوع الفصلِ بينهما بالاعتراض، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موقع الإضمارِ لإبراز مزيدِ الاعتناءِ بشأن التمحيصِ، وهذه الأمورُ الثلاثة عللٌ للمداولة المعهودةِ باعتبار كونِها على المؤمنين قُدِّمت في الذكر لأنها المحتاجةُ إلى البيان. ولعل تأخيرَ العلةِ الأخيرةِ عن الاعتراض لئلا يُتوَهَّمَ اندراجُ المذنبين في الظالمين، أو ليقترِنَ بقوله عز وجل : وَيَمْحَقَ الكافرين  فإن التمحيصَ فيه محوُ الآثارِ وإزالةُ الأوضارِ كما أن المَحْقَ عبارةٌ عن النقض والإذهابِ. قال المفضِّلُ : هو أن يذهبَ الشيءُ بالكلية حتى لا يرى منه شيءٌ ومنه قولُه تعالى : يَمْحَقُ الله الربا  \[ البقرة، الآية ٢٧٦ \] أي يستأصله وهذه علة للمداولة باعتبار كونها على الكافرين والمرادُ بهم الذين حاربوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يومَ أحُدٍ وأصرّوا على الكفر وقد محقَهم الله عز وجل جميعاً.

### الآية 3:142

> ﻿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [3:142]

أَمْ حَسِبْتُمْ  : كلامٌ مستأنفٌ سيق لبيان ما هي الغايةُ القصوى من المُداولة والنتيجةِ لما ذُكر من تمييز المخلِصين وتمحيصِهم واتخاذِ الشهداءِ وإظهارِ عزةِ منالِها، والخطابُ للذين انهزموا يوم أحُدٍ وأمْ منقطعةٌ وما فيها من كلمةِ بل للإضراب عن التسلية ببيان السببِ فيما لقُوا من الشدّة إلى تحقيق أنها مبادئ الفوزِ بالمطلب الأسني، والهمزةُ للإنكار والاستبعادِ، أي بل أحسِبتم  أَن تَدْخُلُوا الجنة  وتفوزوا بنعيمها. وقوله تعالى : وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ  حالٌ من ضمير تدخُلوا مؤكدةٌ للإنكار، فإن رجاءَ الأجرِ بغير عملٍ ممن يعلم أنه منوطٌ به مستبعَدٌ عند العقولِ، وعدمُ العلم كنايةٌ عن عدم المعلومِ لما بينهما من اللزومِ المبنيِّ على لزوم تحققِ الأولِ لتحقق الثاني ضرورةَ استحالةِ تحققِ شيءٍ بدون علمِه تعالى به، وإيثارُها على التصريح للمبالغة في تحقيق المعنى المرادِ فإنها إثباتٌ لعدم جهادِهم بالبرهان، وللإيذان بأن مدارَ ترتبِ الجزاءِ على الأعمال إنما هو علمُ الله تعالى بها كأنه قيل : والحالُ أنه لم يوجَد الذين جاهدوا منكم، وإنما وجِّه النفيُ إلى الموصوفين مع أن المنفيَّ هو الوصفُ فقط وكان يكفي أن يقال : ولما يعلمِ الله جهادَكم كنايةً عن معنى ولما تجاهدوا للمبالغة في بيان انتفاءِ الوصفِ وعدمِ تحققِه أصلاً، وفي كلمة لما إيذانٌ بأن الجهادَ متوقَّعٌ منهم فيما يُستقبل إلا أنه غيرُ معتبَرٍ في تأكيد الإنكارِ، وقرئ يعلمَ بفتح الميم على أن أصله يعلَمَن فحُذفت النونُ، أو على طريقة إِتباعِ الميمِ لما قبلها في الحركة لإبقاء تفخيمِ اسمِ الله تعالى، و  مِنكُمْ  حالٌ من الذين،  وَيَعْلَمَ الصابرين  منصوبٌ بإضمار أن على أن الواوَ للجمع كما في قولك : لا تأكُلِ السمكَ وتشرَبَ اللبن أي لا يكن منك أكلُ السمك وشربُ اللبن والمعنى أم حسبتم أن تدخُلوا الجنة والحالُ أنه لم يتحقق منكم الجهادُ والصبرُ أي الجمعُ بينهما، وإيثارُ اسمِ الفاعلِ على الموصول للدِلالة على أن المعتبرَ هو الاستمرارُ على الصبر، وللمحافظة على الفواصلِ، وقيل : مجزومٌ معطوفٌ على المجزوم قبله قد حُرِّك لالتقاء الساكنين بالفتح للخِفة والإتباعِ كما مر، ويؤيِّده القراءةُ بالكسر على ما هو الأصلُ في تحريك الساكن، وقرئ يعلمُ بالرفع على أن الواوُ للحال وصاحبُها الموصولُ، والمبتدأُ محذوفٌ أي وهو يعلمُ الصابرين كأنه قيل : ولما تجاهدوا وأنتم صابرون ؟

### الآية 3:143

> ﻿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [3:143]

وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت  أي تتمنُّون الحربَ فإنها من مبادئ الموتِ، أو الموتَ بالشهادة، والخطابُ للذين لم يشهدوا بدراً وكانوا يتمنَّوْن أن يشهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهداً لينالوا ما ناله شهداءُ بدرٍ من الكرامة فألحُّوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج ثم ظهر منهم خلافُ ذلك  مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ  متعلقٌ بتَمنَّون مبينٌ لسبب إقدامِهم على التمني أي من قبل أن تشاهدوه وتعرِفوا هولَه وشدَّته، وقرئ تلاقوه  فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ  أي ما تتمنَّونه من أسباب الموتِ، أو الموتَ بمشاهدة أسبابِه، وقولُه تعالى : وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ  حال من ضمير المخاطبين، وفي إيثار الرؤيةِ على الملاقاة وتقييدِها بالنظر مزيدُ مبالغةٍ في مشاهدتهم له، والفاءُ فصيحةٌ كأنه قيل : إن كنتم صادقين في تمنيكم ذلك فقد رأيتُموه معاينين له حين قُتل بين أيديكم مَنْ قُتل من إخوانكم وأقاربكم وشارفتم أن تُقتلوا فلِمَ فعلتم ما فعلتم ؟ وهو توبيخٌ لهم على تمنِّيهم الحربَ وتسبُّبهم لها ثم جُبنِهم وانهزامِهم، لا على تمني الشهادةِ بناءً على تضمُّنها لغلَبة الكفارِ، لما أن مطلبَ من يتمنّاها نيلُ كرامةِ الشهداءِ من غير أن يخطرُ بباله شيءٌ غيرُ ذلك فلا يستحِقُّ العتابَ من تلك الجهة.

### الآية 3:144

> ﻿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [3:144]

وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ  مبتدأٌ وخبرٌ ولا عمل لما بالاتفاق، لانتقاض نفيِه بإلا وقوله تعالى : قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل  صفةٌ لرسول منبئةٌ عن كونه في شرف الخُلوِّ، فإن خلوَّ مشاركيه في منصِب الرسالةِ من شواهد خلوِّه عليه الصلاة والسلام لا محالة كأنه قيل : قد خلت من قبله أمثالُه فسيخْلو كما خلَوْا، والقصرُ قلبيٌّ، فإنهم لمّا انقلبوا على أعقابهم فكأنهم اعتقدوا أنه عليه الصلاة والسلام رسولٌ لا كسائر الرسلِ في أنه يخلو كما خلَوْا، أو يجب التمسكُ بدينه بعده كما يجب التمسك بدينهم بعدَهم فرُدَّ عليهم بأنه ليس إلا رسولاً كسائر الرسلِ، فسيخلو كما خلَوْا ويجب التمسكُ بدينه كما يجب التمسكُ بدينهم، وقيل : هو قصرُ إفرادٍ فإنهم لما استعظموا عدمَ بقائِه عليه الصلاة والسلام لهم نُزِّلوا منزلةَ المستبعِدين لهلاكه كأنهم يعتقدون فيه عليه الصلاة والسلام وصفَيْن : الرسالة والبعدَ عن الهلاك فرُدَّ عليهم بأنه مقصورٌ على الرسالة لا يتجاوزها إلى البعد عن الهلاك فلابد حينئذ من جعل قوله تعالى : قَدْ خَلَتْ  الخ، كلاماً مبتدأً مَسوقاً لتقرير عدمِ براءتِه عليه الصلاة والسلام من الهلاك وبيانِ كونِه أُسوةً لمن قبله من الرسل عليهم السلام وأياً ما كان فالكلامُ يخرج على خلاف مقتضى الظاهرِ  أفَإِنْ مَاتَ أوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلى أعْقَابِكُمْ  إنكارٌ لارتدادهم وانقلابِهم عن الدين بخُلوِّه بموتٍ أو قتلٍ بعد علمِهم بخلوِّ الرسلِ قبله وبقاءِ دينِهم متمسَّكاً به، وقيل : الفاءُ للسببية والهمزةُ لإنكار أن يجعلوا خُلوَّ الرسلِ قبله سبباً لانقلابهم بعد وفاتِه مع كونه سبباً في الحقيقة لثباتهم على الدين، وإيرادُ الموتِ بكلمة إن مع علمهم به اْلبتةَ لتنزيل المخاطَبيين منزلةَ المتردِّدين فيه لما ذُكر من استعظامهم إياه، وهكذا الحالُ في سائر المواردِ فإن كلمةَ إنْ في كلام الله تعالى لا تجري على ظاهرها قطُّ ضرورة علمِه تعالى بالوقوع أو اللاوقوعِ، بل تُحملُ على اعتبار حالِ السامعِ أو أمرٍ آخرَ يناسب المقامَ، وتقديمُ تقديرِ الموتِ مع أن تقديرَ القتلِ هو الذي ثار منه الفتنةُ وعظُم فيه المحنةُ لِما أن الموتَ في شرف الوقوعِ فزجرُ الناسِ عن النُكوص عنده وحملُهم على التثبُّت هناك أهمُّ، ولأن الوصفَ الجامعَ بينه وبين الرسلِ عليهم السلام وهو الخلوُّ بالموت دون القتل. روي أنه لما التقى الفئتانِ حمل أبو دجانةَ في نفر من المسلمين على المشركين فقاتل قِتالاً شديداً، وقاتل عليُّ بنُ أبي طالب رضي الله عنه قتالاً عظيماً حتى التوى سيفُه، وكذا سعدُ بنُ أبي قاصٍ فقتلوا جماعةً من المشركين وهزموهم، فلما نظر الرماةُ إليهم ورأَوْا أنهم قد انهزموا أقبلوا على النَّهْب ولم يلتفتوا إلى نهي أميرِهم عبدِ اللَّهِ بنِ جبيرٍ، فلم يبقَ منهم عنده إلا ثمانيةُ نفرٍ فلما رآهم خالدُ بنُ الوليدِ قد اشتغلوا بالغنيمة حمل عليهم في مائتين وخمسين فارساً من المشركين من قِبَل الشِّعبِ وقتلوا من بقيَ من الرُماة ودخلوا خلفَ أقفيةِ المسلمين ففرّقوهم وهزموهم، وحملوا على أصحاب رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وقاتلوهم حتى أصيب هناك نحوُ ثلاثين رجلاً كلٌّ منهم يجثو بين يديه ويقول : وجهي لوجهك وقاءٌ، نفسي لنفسك فداءٌ وعليك سلامُ الله غيرَ مُودَّعٍ. ورمى عبدُ اللَّه بنُ قميئةَ الحارثيُّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر رَباعيتَه وشج وجهَه الكريمَ فذبّ عنه مصعبُ بنُ عميرٍ رضي الله عنه وكان صاحبَ الرايةِ حتى قتله ابنُ قميئة وهو يزعُم أنه قتل النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال : قتلتُ محمداً. وصرخ صارخ -قيل إنه إبليسُ- : ألا أن محمداً قد قُتل فانكفأ الناسُ وجعل الرسولُ صلى الله عليه وسلم يدعو : إليَّ عبادَ الله، قال كعبُ بنُ مالك : كنت أولُ من عرف رسولَ الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين فناديت بأعلى صوتي : يا معشرَ المسلمين هذا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فانحاز إليه ثلاثون من أصحابه وحملوه حتى كشفوا عنه المشركين وتفرّق الباقون وقال بعضُهم : ليت ابنَ أُبيّ يأخذ لنا أماناً من أبي سفيانَ، وقال ناس من المنافقين : لو كان نبياً لما قُتل ارجِعوا إلى إخوانكم وإلى دينكم، فقال أنسُ بنُ النضر وهو عمُّ أنس بنِ مالك : يا قوم إن كان قُتل محمدٌ فإن ربَّ محمدٍ حيٌّ لا يموت، وما تصنعون بالحياة بعد رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقاتِلوا على ما قاتل عليه وموتوا كِراماً على ما مات عليه. ثم قال : اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاءِ وأبرَأُ إليك مما جاء به هؤلاء، ثم شدّ بسيفه وقاتل حتى قُتل. وتجويزُهم لقتله عليه الصلاة والسلام مع قوله تعالى : والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس  \[ المائدة، الآية ٦٧ \] لما أن كلَّ آيةٍ ليس يسمعها كلُّ أحدٍ ولا كلُّ من يسمعها يستحضِرُها في كل مقام لاسيما في مثل ذلك المقامِ الهائل، وقد غفَل عمرُ رضي الله عنه عن هذه الآية الكريمةِ عند وفاتِه عليه الصلاة والسلام وقام في الناس فقال : إن رجالاً من المنافقين يزعُمون أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم توفي وإن رسولَ الله ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بنُ عمرانَ غاب عن قومه أربعين ليلةً ثم رجع، والله ليرجِعَنَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ولأُقطِّعن أيديَ رجالٍ وأرجلَهم يزعُمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات ولم يزل يكرِّرُ ذلك إلى أن قام أبو بكر رضي الله عنه فحمِد الله عز وجل وأثنى عليه ثم قال : أيها الناسُ من كان يعبُد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبُد الله فإن الله حيٌّ لا يموت ثم تلا  وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل  \[ آل عمران، الآية ١٤٤ \] الآية، قال الراوي : والله لكأن الناسَ لم يعلموا أن هذه الآيةَ نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تلاها أبو بكر، وقال عمرُ رضي الله عنه : والله ما هو إلا أن سمعتُ أبا بكر رضي الله عنه يتلوها فعقِرتُ حتى ما تحمِلُني رجلاي وعرفتُ أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قد مات  وَمَن يَنقَلِبْ على عَقِبَيْهِ  بإدباره عما كان يُقبل عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من أمر الجهادِ وغيرِه وقيل : بارتداده عن الإسلامِ، وما ارتد يومئذ أحدٌ من المسلمين إلا ما كان من المنافقين  فَلَن يَضُرَّ الله  بما فعل من الانقلاب  شَيْئاً  أي شيئاً من الضرر وإنما يضُرُّ نفسَه بتعريضها للسُخط والعذاب  وَسَيَجْزِي الله الشاكرين  أي الثابتين على دين الإسلامِ الذي هو أجلُّ نعمةٍ وأعزُّ معروفٍ. سُمّوا بذلك لأن الثباتَ عليه شكرٌ له وعِرفانٌ لحقه وفيه إيماءٌ إلى كُفران المنقلبين. ورُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد بهم الطائعون لله تعالى من المهاجرين والأنصارِ، وعن علي رضي الله عنه أبو بكرٍ وأصحابُه رضي الله عنهم. وعنه رضي الله عنه أنه قال : أبو بكر من الشاكرين، ومن أحبّاء الله تعالى، وإظهارُ الاسمِ الجليل في موقع الإضمار لإبراز مزيدِ الاعتناءِ بشأن جزائِهم.

### الآية 3:145

> ﻿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ۗ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ [3:145]

وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ  كلامٌ مستأنفٌ سيق للتنبيه على خطئهم فيما فعلوا حذراً من قتلهم، وبناءً على الإرجاف بقتله عليه الصلاة والسلام ببيان أن موتَ كلِّ نفسٍ منوطٌ بمشيئة الله عز وجل لا يكاد يقع بدون تعلقها به وإن خاضت مواردَ الحتوفِ واقتحمت مضايقَ كلِّ هولٍ ومَخُوفٍ، وقد أشير بذلك إلى أنها لم تكن متعلقةً بموتهم في الوقت الذي حذِروه فيه ولذلك لم يُقتلوا حينئذ لا لإحجامهم عن مباشرة القتالِ، وكلمة كان ناقصةٌ اسمُها أن تموت وخبرُها الظرفُ على أنه متعلقٌ بمحذوف. وقوله تعالى : إِلاَّ بِإِذْنِ الله  استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأسباب أي وما كان الموتُ حاصلاً لنفس من النفوس بسبب من الأسباب إلا بمشيئته تعالى على أن الإذنَ مَجازٌ منها لكونها من لوازمه أو إلا بإذنه لملك الموتِ في قبض روحِها، وسَوْقُ الكلامِ مَساقَ التمثيل -بتصوير الموتِ بالنسبة إلى النفوس بصورةِ الأفعالِ الاختياريةِ التي لا يتسنى للفاعل إيقاعُها والإقدامُ عليها بدون إذنِه تعالى أو بتنزيل إقدامِها على مباديه أعني القتالَ منزلةَ الإقدام على نفسه- للمبالغة في تحقيق المرامِ فإن موتَها حيث استحال وقوعُه عند إقدامِها عليه أو على مباديه وسعْيِها في إيقاعه فلأَنْ يستحيلَ عند عدمِ ذلك أولى وأظهر، وفيه من التحريض على القتال ما لا يخفي  كتابا  مصدرٌ مؤكّدٌ لمضمون ما قبله، أي كتبه الله كتاباً  مُؤَجَّلاً  مؤقتاً بوقت معلوم لا يتقدم ولا يتأخَّرُ ولو ساعةً. وقرئ مُوَجّلاً بالواو بدلَ الهمزةِ على قياس التخفيفِ، وبعد تحقيقِ أن مناطَ الموتِ والحياةِ محضُ مشيئةِ الله عز وجل من غير أن يكونَ فيه مدخلٌ لأحد أصلاً أشير إلى أن توفيةَ ثمراتِ الأعمالِ دائرةٌ على إرادتهم ليصْرِفوها عن الأغراض الدنيئةِ إلى المطالب السنيةِ فقيل : وَمَن يُرِدِ  أي بعمله  ثَوَابَ الدنيا نُؤْتِهِ  بنون العظمةِ على طريق الالتفات  مِنْهَا  أي من ثوابها ما نشاء أن نؤتيَه إياه كما في قوله عز وجل : مَن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ  \[ الإسراء، الآية ١٨ \] وهو تعريضٌ بمن شغلتهم الغنائمُ يومئذ وقد مر تفصيلُه  وَمَن يُرِدِ  أي بعمله  ثَوَابَ الآخرة نُؤْتِهِ مِنْهَا  أي من ثوابها ما نشاء من الأضعاف حسبما جريَ به الوعدُ الكريمُ  وَسَنَجْزِى الشاكرين  نعمةَ الإسلامِ الثابتين عليه الصارفين لما آتاهم الله تعالى من القُوى والقدر إلى ما خُلِقت هي لأجله من طاعة الله تعالى لا يَلْويهم عن ذلك صارفٌ أصلاً، والمرادُ بهم إما المجاهدون المعهودون من الشهداءِ وغيرهم وإما جنسُ الشاكرين وهم داخلون فيه دخولاً أولياء. والجملة اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله ووعدٌ بالمزيد عليه -وفي تصديرها بالسين وإبهامِ الجزاءِ من التأكيد والدَّلالة على فخامة شأنِ الجزاءِ وكونِه بحيث يقصُر عنه البيانُ- ما لا يخفي. وقرئ الأفعالُ الثلاثةُ بالياء.

### الآية 3:146

> ﻿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [3:146]

وَكَأَيّن  كلامٌ مبتدأٌ ناعٍ عليهم تقصيرَهم وسوءَ صنيعِهم في صدودهم عن سَنن الربانيين المجاهدين في سبيل الله مع الرسل الخالين عليهم السلام، و  كأين  لفظةٌ مركبةٌ من كاف التشبيهِ وأي، حدث فيها بعد التركيب معنى التكثيرِ كما حدث في كذا وكذا، والنون تنوينٌ أُثبتت في الخط على غير قياسٍ، وفيها خمسُ لغاتٍ هي إحداهن والثانيةُ كائِنْ مثلُ كاعن والثالثة كأْيِن مثل كعْيِن والرابعةُ كَيْئِن بياء ساكنة بعدها همزة مكسورة وهي قلبُ ما قبلها والخامسةُ كأْن مثلُ كعن، وقد قرئ بكل منها ومحلُّها الرفعُ بالابتداء وقولُه تعالى : من نَّبِيّ  تمييزٌ لها لأنها مثلُ كم الخبرية، وقد جاء تمييزُها منصوباً كما في قوله :\[ الخفيف \]أطرُد اليأسَ بالرجا فكأيِّن  آملاً حُمَّ يسرُه بعد عُسرِ[(١)](#foonote-١)وقوله تعالى : قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيونَ كَثِيرٌ  خبرٌ لها على أن الفعلَ مسندٌ إلى الظاهر، والرابطُ هو الضمير المجرورُ في معه، وقرئ قُتِل وقُتّل على صيغة المبني للمفعول مخففةً ومشددةً، والرِّبِّيُّ منسوبٌ إلى الرب كالرَّباني وكسرُ الراء من تغييرات النّسْبِ وقرئ بضمها وبفتحها أيضاً على الأصل وقيل : هو منسوبٌ إلى الرَّبة وهي الجماعة، أي كثيرٌ من الأنبياء قاتلَ معه لإعلاء كلمةِ الله وإعزاز دينِه علماءُ أتقياءُ أو عابدون أو جماعاتٌ كثيرة، فالظرفُ متعلقٌ بقاتل أو بمحذوف وقع حالاً من فاعله كما في القراءتين الأخيرتين إذ لا احتمالَ فيهما لتعلقه بالفعل أي قُتلوا أو قُتّلوا كائنين معه في القتال لا في القتل. قال سعيد بن جبير : ما سمعنا بنبي قُتل في القتال، وقال الحسنُ البصري وجماعةٌ من العظماء : لم يقتَلْ نبي في حرب قطُّ، وقيل : الفعلُ مسنَدٌ إلى ضمير النبي والظرفُ متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً منه، والرابطُ هو الضميرُ المجرورُ الراجعُ إليه، وهذا واضحٌ على القراءة المشهورةِ بلا خوف أي كم نبيَ قاتلَ كائناً معه في القتال ربيون كثير، وأما على القراءتين الأخيرتين فغيرُ ظاهرٍ لاسيما على قراءة التشديد وقد جوّزه بعضُهم وأيّده بأن مدارَ التوبيخِ انخذالُهم للإرجاف بقتلِه عليه السلام أي كم من نبي قُتل كائناً معه في القتل أو في القتال ربيون الخ، وقوله تعالى : فَمَا وَهَنُوا  عطفٌ على قاتل على أن المرادَ به عدمُ الوهنِ المتوقَّعِ من القتال كما في قولك : وعظتُه فلم يتَّعِظْ وصِحْتُ به فلم ينزجِرْ فإن الإتيانَ بالشيء بعد ورودِ ما يوجب الإقلاعَ عنه وإن كان استمراراً عليه بحسب الظاهرِ ولكنه بحسب الحقيقةِ صنعٌ جديدٌ مصحِّحٌ لدخول الفاءِ المرتبةِ له على ما قبله أي فما فتَروا وما انكسرت هِمتُهم  لِمَا أَصَابَهُمْ  في أثناء القتالِ وهو علةٌ للمنفيّ دون النفيِ، نعم يُشعِرُ بعلّته قوله تعالى : فِي سَبِيلِ الله  فإن كونَ ذلك في سبيله عز وجل مما يقوِّي قلوبَهم ويُزيلُ وهنَهم، وما موصولةٌ أو موصوفةٌ، فإن جُعِل الضميران لجميع الرِّبّيين فهي عبارةٌ عما عدا القتلِ من الجراح وسائرِ المكارِه المعتريةِ للكل، وإن جعلاً للبعض الباقين بعد ما قُتل الآخَرون كما هو الأليقُ بمقام توبيخِ المنخذِلين بعد ما استُشهد الشهداءُ فهي عبارةٌ عما ذُكر مع ما اعتراهم من قتل إخوانِهم من الخوف والحُزْن وغيرِ ذلك. هذا على القراءة المشهورةِ وأما على القراءتين الأخيرتين : فإن أُسندَ الفعلُ إلى الرّبّيين فالضميران للباقين منهم حتماً، وإن أُسند إلى ضمير النبي كما هو الأنسبُ بالتوبيخ على الانخذال بسبب الإرجافِ بقتله عليه الصلاة والسلام فهما للباقين أيضاً إن اعتُبر كونُ الرّبّيين مع النبي في القتل وللجميع إن اعتُبر كونُهم معه في القتال  وَمَا ضَعفُوا  عن العدو، وقيل : عن الجهاد، وقيل : في الدين  وَمَا استكانوا  أي وما خضَعوا للعدو وأصلُه استكنَ من السكون لأن الخاضعَ يسكُن لصاحبه ليفعلَ به ما يريدُه، والألفُ من إشباع الفتحةِ أو استكْوَن من الكون لأنه يُطلب أن يكون لمن يُخضَع له. وهذا تعريضٌ بما أصابهم من الوهن والانكسارِ عند استيلاءِ الكفرةِ عليهم والإرجافِ بقتل النبيِّ صلى الله عليه وسلم وبضَعفهم عند ذلك عن مجاهدة المشركين واستكانتِهم لهم حين أرادوا أن يعتضِدوا بابن أُبيّ المنافق في طلب الأمانِ من أبي سفيان  والله يُحِبُّ الصابرين  أي على مقاساة الشدائدِ ومعاناةِ المكاره في سبيل الله فينصُرهم ويُعظّم قدرَهم، والمرادُ بالصابرين إما المعهودون، والإظهارُ في موضع الإضمارِ للثناء عليهم بحسن الصبرِ والإشعارِ بعلة الحُكم، وإما الجنسُ وهم داخلون فيه دخولاً أولياً والجملة تذييل لما قبلها. 
١ وهو بلا نسبة في أوضح المسالك ٤/٢٧٦؛ وشرح شواهد المغني ٢/٥١٣ ومغني اللبيب ص ١/١٨٦ وقد ورد في المعجم المفصل بلفظ "آلما" محل "آملا"..

### الآية 3:147

> ﻿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [3:147]

وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ  كلامٌ مبينٌ لمحاسنهم القوليةِ معطوفٌ على ما قبله من الجُمل المبيِّنةِ لمحاسنهم الفعلية، و  قَوْلُهُمْ  بالنصب خبرٌ لكان، واسمُها أن وما بعدها في قوله تعالى : إِلاَّ أَن قَالُوا  والاستثناءُ مفرَّغٌ من أعم الأشياء أي ما كان قولاً لهم عند لقاءِ العدوِ واقتحامِ مضايق الحربِ وإصابةِ ما أصابهم من فنون الشدائدِ والأهوال لشيءٍ من الأشياء إلا أن قالوا  ربَّنَا اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا  أي صغائرَنا  وَإِسْرَافَنَا في أَمْرِنَا  أي تجاوزْنا الحدَّ في ركوب الكبائرِ، أضافوا الذنوبَ والإسرافَ إلى أنفسهم مع كونهم ربانيين بُرَآءَ من التفريط في جنب الله تعالى هضماً لهم واستصغاراً لهممهم وإسناداً لما أصابهم إلى أعمالهم وقدّموا الدعاءَ بمغفرتها على ما هو الأهمُّ بحسب الحال من الدعاء بقولهم  وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا  أي في مواطن الحربِ بالتقوية والتأييدِ من عندك أو ثبتْنا على دينك الحقِّ  وانصرنا عَلَى القوم الكافرين  تقريباً له إلى حيز القَبول، فإن الدعاءَ المقرونَ بالخضوع الصادرَ عن زكاء وطهارةٍ أقربُ إلى الاستجابة، والمعنى لم يزالوا مواضبين على هذا الدعاءِ من غير أن يصدُرَ عنهم قولٌ يوهم شائبةَ الجزَعِ والخَوَرِ والتزلزُلِ في مواقف الحربِ ومراصدِ الدين. وفيه من التعريض بالمنهزمين ما لا يخفي. وقرأ ابنُ كثير وعاصمٌ في رواية عنهما برفع  قَوْلَهُمْ  على أنه الاسمُ والخبرُ أن وما في حيزها أي ما كان قولُهم حينئذ شيئاً من الأشياء إلا هذا القولَ المنبئ عن أحسن المحاسنِ، وهذا كما ترى أقعدُ بحسب المعنى وأوفق بمقتضى المقام لما أن الإخبارَ بكون قولِهم المطلقِ خصوصيةَ قولِهم المحكيِّ عنهم مفصلاً -كما تفيده قراءتهما- أكثرُ إفادةٍ للسامع من الإخبار بكون خصوصيةِ قولِهم المذكورِ قولَهم، لما أن مصبَّ الفائدةِ وموقِعَ البيانِ في الجمل الخبرية هو الخبرُ، فالأحقُّ بالخبرية ما هو أكثرُ إفادةً وأظهرُ دِلالةً على الحدث وأوفرُ اشتمالاً على نِسَب خاصةٍ بعيدةٍ من الوقوع في الخارج وفي ذهن السامعِ. ولا يخفي أن ذلك هاهنا في أنْ مع ما في حيُّزها أتمَّ وأكملَ، وأما ما تفيده الإضافةُ من النسبة المطلقةِ الإجماليةِ فحيث كانت سهلةَ الحصولِ خارجاً وذِهناً كان حقُّها أن تلاحَظَ ملاحظةً إجماليةً وتُجعلَ عنواناً للموضوع، لا مقصوداً بالذات في باب البيانِ وإنما اختار الجمهورُ ما اختاره لقاعدة صناعيةٍ هي أنه إذا اجتمع معرفتان فالأعرفُ منهما أحقُّ بالاسمية، ولا ريب في أعرفية  أَن قَالُوا  \[ آل عمران، الآية : ١٤٧ \] لدلالته على جهة النسبةِ وزمانِ الحدثِ ولأنه يشبه المضمرَ من حيث أنه لا يوصف ولا يوصف به، وقولَهم مضافٌ إلى مضمر فهو بمنزلة العَلَم فتأمل.

### الآية 3:148

> ﻿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [3:148]

فآتاهم الله  بسبب دعائِهم ذلك  ثَوَابَ الدنيا  أي النصرَ والغنيمةَ والعزَّ والذكرَ الجميلَ  وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخرة  الحسنُ وهو الجنةُ والنعيمُ المخلّدُ، وتخصيصُ وصفِ الحسن به للإيذان بفضله ومزيتِه وأنه المعتدُّ به عنده تعالى  والله يُحِبُّ المحسنين  تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله، فإن محبةَ الله تعالى للعبد عبارةٌ عن رضاه عنه وإرادةِ الخيرِ به، فهي مبدأٌ لكل سعادة، واللامُ إما للعهد، وإنما وُضع المُظهرُ موضِعَ ضميرِ المعهودين للإشعار بأن ما حُكيَ عنهم من الأفعال والأقوالِ من باب الإحسانِ، وإما للجنس وهم داخلون فيه دخولاً أولياً وهذا أنسبُ بمقام ترغيبِ المؤمنين في تحصيل ما حُكي عنهم من المناقب الجليلة.

### الآية 3:149

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ [3:149]

يا أَيُّهَا الذين آمَنُوا  شروعٌ في زجرهم عن متابعة الكفارِ ببيان استتباعِها لخسران الدنيا والآخرة إثرَ ترغيبِهم في الاقتداء بأنصار الأنبياءِ ببيان إفضائه إلى فوزهم بسعادة الدارين، وتصديرُ الخطابِ بالنداء والتنبيهِ لإظهار الاعتناءِ بما في حيِّزه، ووصفُهم بالإيمان لتذكير حالِهم وتثبيتِهم عليها بإظهار مباينتِها لحال أعدائِهم كما أن وصفَ المنافقين بالكفر في قوله تعالى : إِن تُطِيعُوا الذين كَفَرُوا  لذلك قصداً إلى مزيد التنفيرِ عنهم والتحذيرِ عن طاعتهم، قال علي رضي الله عنه : نزلت في قول المنافقين للمؤمنين عند الهزيمةِ : ارجِعوا إلى إخوانكم وادخُلوا في دينهم، فوقوعُ قوله تعالى : يَرُدُّوكُمْ على أعقابكم  جواباً للشرط -مع كونِه في قوة أن يقال : إن تُطيعوهم في قولهم : ارجِعوا إلى إخوانكم وادخُلوا في دينهم يُدخِلونكم في دينهم- باعتبار كونه تمهيداً لقوله تعالى : فَتَنقَلِبُوا خاسرين  أي للدنيا والآخرة غيرَ فائزين بشيء منهما واقعين في العذاب الخالدِ على أن الارتدادَ على العقِب عَلَمٌ على انتكاس الأمرِ ومثَلٌ في الحور بعد الكور وقيل : المراد بهم اليهودُ والنصارى حيث كانوا يستَغْنونهم ويُوقِعون لهم الشُّبَه في الدين ويقولون : لو كان نبياً حقاً لما غُلب ولمَا أصابه وأصحابَه ما أصابهم وإنما هو رجلٌ حالُه كحال غيرِه من الناس يوماً عليه ويوماً له، وقيل : أبو سفيان وأصحابُه والمرادُ بطاعتهم استئمانُهم والاستكانةُ لهم، وقيل : الموصولُ على عمومه والمعنى نهيُ المؤمنين عن طاعتهم في أمر من الأمور حتى لا يستجرّوهم إلى الارتداد عن الدين فلا حاجةَ على هذه التقاديرِ إلى ما مر من البيان.

### الآية 3:150

> ﻿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ [3:150]

بَلِ الله مولاكم  إضرابٌ عما يُفهم من مضمون الشرطيةِ كأنه قيل : فليسوا أنصارَكم حتى تطيعوهم بل الله ناصرُكم لا غيرُه فأطيعوه واستعينوا به عن موالاتهم، وقرئ بالنصب كأنه قيل : فلا تطيعوهم بل أطيعوا الله و  مولاكم  نُصب على أنه صفةٌ له  وَهُوَ خَيْرُ الناصرين  فخُصّوه بالطاعة والاستعانة.

### الآية 3:151

> ﻿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ۖ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۚ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ [3:151]

سَنُلْقِي  بنون العظمةِ على طريقة الالتفاتِ جرياً على سَنن الكبرياءِ لتقوية المهابةِ، وقرئ بالياء والسين لتأكيد الإلقاءِ  في قُلُوبِ الذين كَفَرُوا الرعب  بسكون العين وقرئ بضمها على الأصل وهو ما قُذف في قلوبهم من الخوف يوم أحُد حتى تركوا القتالَ ورجعوا من غير سببٍ، ولهم القوةُ والغلبة، وقيل : ذهبوا إلى مكةَ فلما كانوا ببعض الطريقِ قالوا : ما صنعنا شيئاً قتلنا منهم ثم تركناهم ونحن قاهرون ارجِعوا فاستأصِلوهم فعند ذلك ألقى الله تعالى في قلوبهم الرُّعْبَ فأمسكوا. فلابد من كون نزولِ الآيةِ في تضاعيف الحربِ أو عَقيب انقضائِها، وقيل : هو ما أُلقيَ في قلوبهم من الرعب يومَ الأحزاب  بِمَا أَشْرَكُوا بالله  متعلقٌ بنُلقي دون الرعب، وما مصدرية أي بسبب إشراكِهم به تعالى فإنه من موجبات خِذْلانِهم ونصرِ المؤمنين عليهم، وكلاهما من دواعي الرعب  مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ  أي بإشراكه  سلطانا  أي حجةً سمِّيت به لوضوحها وإنارتها أو لقوّتها أو لحِدّتها ونفوذِها، وذكرُ عدمِ تنزيلِها مع استحالة تحققِها في نفسها من قبيل قوله :\[ السريع \]\[ لا تفزع الأرنب أهوالها  ولا ترَى الضبَّ بها ينجحِرْ[(١)](#foonote-١)أي لا ضبَّ ولا انجحارَ، وفيه إيذانٌ بأن المتَّبعَ في الباب هو البرهانُ السماويُّ دون الآراءِ والأهواءِ الباطلة.  وَمَأْوَاهُمُ  بيانٌ لأحوالهم في الآخرة إثرَ بيانِ أحوالِهم في الدنيا وهي الرعبُ أي ما يأوون إليه في الآخرة  النار  لا ملجأَ لهم غيرَها  وَبِئْسَ مثوى الظالمين  أي مثواهم وإنما وُضع موضعَه المظهرُ المذكورُ للتغليظ والتعليلِ والإشعارِ بأنهم في إشراكهم ظالمون واضعون للشيء في غير موضعِه، والمخصوصُ بالذم محذوفٌ أي بئس مثوى الظالمين النارُ وفي جعلها مثواهم بعد جعلِها مأواهم نوعُ رمزٍ إلى خلودهم فيها فإن المثوى مكانُ الإقامةِ المنبئة عن المُكثْ وأما المأوى فهو المكانُ الذي يأوي إليه الإنسان. 
١ وهو لابن أحمر في ديوانه ص ٦٧ وخزانة الأدب ١٠/١٩٢ وبلا نسبة أيضا في خزانة الأدب ١١/٣١٣ والخصائص ٣/١٦٥، ٣٢١. والشاهد فيه أنه لم يرد أن بها أرانب لا تفزعها أهوالها أو ضببا غير منجرة ولكنه نفي أن يكون فيها حيوان..

### الآية 3:152

> ﻿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ ۚ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [3:152]

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ  نُصب على أنه مفعولٌ ثانٍ لصَدَق صريحاً، وقيل : بنزع الجارِّ أي في وعده نزلت حين قال ناسٌ من المؤمنين عند رجوعِهم إلى المدينة : من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله تعالى بالنصر ؟ وهو ما وعدهم على لسان نبيِّه عليه السلامُ من النصر حيث قال للرماة :**«لا تبرَحوا مكانَكم فلن نزال غالبين ما ثبتُّم مكانَكم »** وفي رواية أخرى :**«لا تبرَحوا عن هذا المكانِ فإنا لا نزال غالبين ما دمتم في هذا المكان »** وقد كان كذلك فإن المشركين لما أقبلوا جعل الرماةُ يرشُقونهم والباقون يضرِبونهم بالسيوف حتى انهزموا والمسلمون على آثارهم يقتُلونهم قتلاً ذريعاً وذلك قوله تعالى : إِذْ تَحُسُّونَهُمْ  أي تقتُلونهم قتلاً كثيراً فاشياً، من حسَّه إذا أبطل حِسَّه وهو ظرفٌ لصدقكم وقوله تعالى : بِإِذْنِهِ  أي بتيسيره وتوفيقِه لتحقيق أنّ قتلَهم بما وعدهم الله تعالى بالنصر، وقيل : هو ما وعدهم بقوله تعالى : إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا  \[ آل عمران، الآية ١٢٥ \] الآية، وقد مر تحقيقُ أن ذلك كان يومَ بدر كيف لا والموعودُ بما ذكر إمدادُه عز وجل بإنزال الملائكةِ عليهم السلام، وتقييدُ صدقِ وعدِه تعالى بوقت قتلِهم بإذنه تعالى صريحٌ في أن الموعودَ هو النصرُ المعنويُّ والتيسيرُ، لا الإمدادُ بالملائكة، وقيل : هو ما وعده تعالى بقوله : سَنُلْقِي  \[ آل عمران، الآية : ١٥١ \] الخ، وأنت خبيرٌ بأن إلقاءَ الرعبِ كان عند تركِهم القتالَ ورجوعِهم من غير سبب أو بعد ذلك في الطريق على اختلاف \[ في \] الروايتين وأياً ما كان فلا سبيل إلى كونه مُغياً بقوله تعالى : حتى إِذَا فَشِلْتُمْ  أي جبُنتم وضعُف رأيُكم أو مِلتم إلى الغنيمة، فإن الحرصَ من ضعف القلب  وتنازعتم في الأمر  فقال بعضُ الرماةِ حين انهزم المشركون وولَّوْا هاربين والمسلمون على أعقابهم قتلاً وضرباً : فما موقفُنا هاهنا بعد هذا ؟ وقال أميرُهم عبدُ اللَّه بنُ جبيرٍ رضي الله عنه : لا نخالف أمرَ الرسولِ صلى الله عليه وسلم فثبت مكانه في نفر دون العشرةِ من أصحابه ونفَرَ الباقون للنهب وذلك قوله تعالى : وَعَصَيْتُمْ من بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ  أي من الظفر والغنيمةِ وانهزامِ العدوِّ، فلما رأى المشركون ذلك حَملوا عليهم من قبل الشِّعْبِ وقتلوا أميرَ الرماةِ ومن معه من أصحابه حسبما فُصِّل في تفسير قولِه تعالى : أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم  \[ آل عمران، الآية ١٤٤ \] وجوابُ إذا محذوفٌ وهو منعُكم نصْرَه، وقيل : امتَحَنكم، ويردُّه جعلُ الابتلاءِ غايةً للصَّرْف المترتِّبِ على منع النصرِ، وقيل : هو : انقسمتم إلى قسمين كما ينبئ عنه قوله تعالى : مِنكُم من يُرِيدُ الدُّنْيَا  وهم الذين تركوا المركزَ وأقبلوا على النهب  وَمِنكُم من يُرِيدُ الآخرة  وهم الذين ثبتوا مكانَهم حتى نالوا شرفَ الشهادة. هذا على تقدير كونِ إذا شرطيةً وحتى ابتدائيةً داخلةً على الجملة الشرطيةِ، وقيل : إِذَا  اسمٌ كما في قولهم : إذا يقوم زيد يقوم عمرو، و  حتى  حرفُ جرٍ بمعنى إلى المتعلقة بقوله تعالى : صَدَقَكُمُ  \[ آل عمران، الآية : ١٥٢ \] باعتبار تضمُّنِه لمعنى النصرِ كأنه قيل : لقد نصركم الله إلى وقت فشلِكم وتنازُعِكم الخ، وعلى هذا فقولُه تعالى : ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ  حتى حالت الحالُ ودالت الدولةُ، وفيه من اللطف بالمسلمين ما لا يخفي،  لِيَبْتَلِيَكُمْ  أي يعاملَكم معاملةَ من يمتحنكم بالمصائب ليَظهرَ ثباتُكم على الإيمان عندها  وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ  تفضّلاً، ولِمَا علم من ندمكم على المخالفة  والله ذُو فَضْلٍ عَلَى المؤمنين  تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله ومؤْذِنٌ بأن ذلك العفوَ بطريق التفضّلِ والإحسانِ لا بطريق الوجوبِ عليه، أي شأنُه أن يتفضلَ عليهم بالعفو أو هو متفضلٌ عليهم في جميع الأحوالِ أديل لهم أو أُديل عليهم، إذ الابتلاءُ أيضاً رحمةٌ، والتنكيرُ للتفخيم، والمرادُ بالمؤمنين إما المخاطبون، والإظهارُ في موقع الإضمارِ للتشريفِ والإشعارِ بعلة الحُكم، وإما الجنس وهم داخلون في الحكم دخولاً أولياً.

### الآية 3:153

> ﻿۞ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ۗ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [3:153]

إِذْ تُصْعِدُونَ  متعلق بصَرَفكم أو بقوله تعالى : لِيَبْتَلِيَكُمْ  \[ آل عمران، الآية : ١٥٢ \] أو بمقدّر كما ذكروا. والإصعادُ الذهابُ والإبعادُ في الأرض، وقرئ بثلاثي أي في الجبل، وقرئ تَصَعَّدون من التفعل بطرح إحدى التاءين وقرئ تصعدون من يصعدون بالالتفات إلى الغيبة  وَلاَ تَلْوُونَ على أحَدٍ  أي لا تلتفتون إلى ما وراءكم ولا يقف واحدٌ منكم لواحد، وقرئ تلْوُنَ بواو واحدة بقلب الواوِ المضمومةِ همزةً وحذفِها تخفيفاً، وقرئ يلوون كيصعدون  والرسول يَدْعُوكُمْ  كان عليه الصلاة والسلام يدعوهم :**«إليَّ عبادَ الله أنا رسولُ الله من يكُرُّ فله الجنةُ »** وإيرادُه عليه السلام بعنوان الرسالة للإيذان بأن دعوتَه عليه السلام كانت بطريق الرسالةِ من جهته سبحانه إشباعاً في توبيخ المنهزمين  في أُخْرَاكُمْ  في ساقتكم وجماعتِكم الأخرى  فأثابكم  عطفٌ على صرفَكم أي فجازاكم الله تعالى بما صنعتم  غَمّاً  موصولاً  بِغَمّ  من الاغتمام بالقتل والجرْحِ وظَفَرِ المشركين والإرجافِ بقتل الرسولِ صلى الله عليه وسلم وفوْتِ الغنيمة، فالتنكيرُ للتكثير أو غماً بمقابلة غمَ أذَقْتموه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بعِصيانكم له  لِكَيْلاَ تَحْزَنُوا على مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أصابكم  أي لتتمرَّنوا على الصبر في الشدائد فلا تحزَنوا على نفعٍ فاتَ أو ضُرَ آتٍ، وقيل : لا زائدة والمعنى لتتأسفوا على ما فاتكم من الظفَر والغنيمةِ وعلى ما أصابكم من الجراح والهزيمةِ عقوبةً لكم. وقيل : الضميرُ في أثابكم للرسول صلى الله عليه وسلم أي واساكم في الاغتنام فاغتمّ بما نزل عليكم كما اغتممتم بما نزل عليه، ولم يُثرِّبْكم على عِصيانكم تسليةً لكم وتنفيساً لكم لئلا تحزنوا على ما فاتكم من النصر وما أصابكم من الجراح وغيرِ ذلك  والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ  أي عالمٌ بأعمالكم وبما أردتم بها.

### الآية 3:154

> ﻿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِنْكُمْ ۖ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ۗ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [3:154]

ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ  عطفٌ على قوله تعالى : فأثابكم  \[ آل عمران، الآية : ١٥٣ \]، والخطابُ للمؤمنين حقاً  من بَعْدِ الغم  أي الغمِّ المذكور، والتصريحُ بتأخُّر الإنزالِ عنه مع دَلالة  ثُمَّ  عليه وعلى تراخيه عنه لزيادة البيانِ وتذكيرِ عِظَم النعمةِ كما في قوله تعالى : ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا  \[ النحل، الآية ١١٩ \] الآية،  أمنَةً  أي أمناً نُصب على المفعولية، وقوله تعالى : نُّعَاساً  بدلٌ منها أو عطفُ بيانٍ وقيل : مفعولٌ له أو هو المفعول وأمنةً حالٌ منه متقدمةٌ عليه أو مفعول له حالٌ من المخاطبين على تقدير مضافٍ أي ذو أمنةٍ أو على أنه جمعُ آمن كبارّ وبرَرَة وقرئ بسكون الميم كأنها مرّةٌ من الأمنِ، وتقديمُ الظرفين على المفعول الصريحِ لِمَا مر غيرَ مرةٍ من الاعتناء بشأن المقدّمِ والتشويقِ إلى المؤخر، وتخصيصُ الخوفِ من بين فنونِ الغمِّ بالإزالة لأنه المهمُّ عندهم حينئذ لما أن المشركين لما انصرفوا كانوا يتوّعدون المسلمين بالرجوع فلم يأمنوا كرَّتَهم وكانوا تحت الحَجَفِ متأهّبين للقتال فأنزل الله تعالى عليهم الأمنةَ فأخذهم النعاسُ. قال ابن عباس رضي الله عنهما : أمنَّهم يومئذ بنعاس تغشّاهم بعد خوفٍ وإنما ينعَسُ من أمِنَ، والخائفُ لا ينام. وقال الزبير رضي الله عنه : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم حين اشتد الخوفُ فأنزل الله علينا النومَ والله إني أسمع قولَ مُعتبِ بنِ قشير والنعاسُ يغشاني ما أسمعه إلا كالحُلُم يقول : لو كان لنا من الأمر شيءٌ ما قُتلنا هاهنا. وقال أبو طلحةَ رضي الله عنه :**«رفعتُ رأسي يومَ أحُدٍ فجعلتُ لا أرى أحداً من القوم إلا وهو يَميدُ تحت حَجَفَتِه من النعاس »**. قال :**«وكنتُ ممن أُلقِيَ عليه النعاسُ يومئذ فكان السيفُ يسقُط من يدي فآخذُه ثم يسقُط السَّوْطُ من يدي فآخُذه »**، وفيه دِلالةٌ على أن من المؤمنين من لم يُلْقَ عليه النعاسُ كما ينبئ عنه قوله عز وجل : يغشى طَائِفَةً مِنْكُمْ  قال ابن عباس : هم المهاجرون وعامةُ الأنصار ولا يقدَح ذلك في عموم الإنزالِ للكل، والجملةُ في محل النصب على أنها صفةٌ لنعاساً، وقرئ بالتاء على أنها صفة لأمَنةً، وفيه أن الصفةَ حقُّها أن تتقدم على البدل وعطفِ البيان وأن لا يُفصل بينها وبين الموصوفِ بالمفعول له، وأن المعهودَ أن يحدُث عن البدل دون المُبدلِ منه  وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ  أي أوقعتهم في الهموم والأحزانِ، أو ما بهم إلا همُّ أنفسِهم وقصدُ خلاصِها، من قولهم : همّني الشيءُ أي كان من هِمّتي وقصدي، والقصرُ مستفادٌ بمعونة المقامِ،  وَطَائِفَةٌ  مبتدأٌ وما بعدها إما خبرُها، وإنما جاز ذلك مع كونها نكرةً لاعتمادها على واو الحال كما في قوله :\[ الطويل \]سرينا ونجمٌ قد أضاء فمذ بدا  محياكِ أخفي ضوؤُه كلَّ شارقِ[(١)](#foonote-١)أو لوقوعها في موضع التفصيل كما في قوله :\[ الطويل \]إذا ما بكى من خلفها انصرَفَتْ له  بشِقّ وشقّ عندنا لم يُحَوَّلِ[(٢)](#foonote-٢)وإما صفتُها والخبرُ محذوفٌ أي ومعكم طائفةٌ أو وهناك طائفةٌ، وقيل : تقديره ومنكم طائفةٌ، وفيه أنه يقتضي دخولَ المنافقين في الخطاب بإنزال الأمنةِ وأياً ما كان فالجملةُ إما حاليةٌ مبيِّنةٌ لفظاعة الهولِ مؤكِّدةٌ لعِظَم النعمةِ في الخلاص عنه كما في قوله تعالى : أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ  \[ العنكبوت، الآية ٦٧ \] وإما مستأنفةٌ مَسوقةٌ لبيان حالِ المنافقين وقوله عز وجل : يَظُنُّونَ بالله  حال من ضمير أهمتْهم أو من طائفةٌ لتخصصها بالصفة، أو صفةٌ أخرى لها أو خبرٌ بعد خبرٍ أو استئنافٌ مبينٌ لما قبله وقوله تعالى : غَيْرَ الحق  في حُكم المصدرِ أي يظنون به تعالى غيرَ الظنِّ الحقِّ الذي يجب أن يُظنَّ به سبحانه، وقوله تعالى : ظَنَّ الجاهلية  بدلٌ منه وهو الظنُّ المختصُّ بالملة الجاهليةِ والإضافة كما في حاتم الجودِ ورجلِ صِدْقٍ وقوله تعالى : يَقُولُونَ  بدلٌ من يظنون لما أن مسألتَهم كانت صادرةً عن الظن أي يقولون لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم على صورة الاسترشاد : هَل لَّنَا مِنَ الأمر  أي من أمر الله ووعدِه من النصر والظفَرِ  مِن شَيء  أي من نصيب قط أو هل لنا من التدبير من شيء ؟ وقوله تعالى : قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ  أي إن الغلبةَ بالآخرة لله تعالى ولأوليائه فإن حزبَ الله هم الغالبون أو إن التدبيرَ كلَّه لله فإنه تعالى قد دبر الأمرَ كما جرى في سابق قضائِه فلا مردَّ له وقرئ كلُّه بالرفع على الابتداء وقوله تعالى : يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِم  أي يُضمرون فيها أو يقولون فيما بينهم بطريق الخُفية  ما لاَ يُبْدُونَ لَكَ  استئنافٌ أو حال من ضمير يقولون وقوله تعالى : قُلْ إِنَّ الأمر  الخ، اعتراضٌ بين الحال وصاحبِها أي يقولون ما يقولون مُظْهِرين أنهم مسترشِدون طالبون للنصر مُبْطنين الإنكارَ والتكذيبَ، وقوله تعالى : يَقُولُونَ  استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال نشأ مما قبله كأنه قيل : أيَّ شيء يخفون ؟ فقيل : يحدثون أنفسَهم أو يقول بعضُهم لبعض فيما بينهم خُفيةً : لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شيء  كما وعد محمد عليه الصلاة والسلام من أن الغلبةَ لله تعالى ولأوليائه وأن الأمرَ كلَّه لله أو لو كان لنا من التدبير والرأيِّ شيءٌ  مَا قُتِلْنَا هاهنا  أي ما غُلبنا أو ما قُتل مَنْ قُتل منا في هذه المعركةِ على أن النفيَ راجعٌ إلى نفس القتلِ لا إلا وقوعه فيها فقط، ولما برحنا من منازلنا كما رآه ابنُ أُبي ويؤيده تعيينُ مكانِ القتلِ وكذا قوله تعالى : قُل لَّوْ كُنتُمْ في بُيُوتِكُمْ  أي لو لم تخرُجوا إلى أُحُد وقعدتم بالمدينة كما تقولون  لَبَرَزَ الذين كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتل  أي في اللوح المحفوظِ بسبب من الأسباب الداعيةِ إلى البروز  إلى مَضَاجِعِهِمْ  إلى مصارعهم التي قدَّر الله تعالى قتلَهم فيها وقُتلوا هنالك البتةَ ولم تنفَعِ العزيمةُ على الإقامة بالمدينة قطعاً، فإن قضاءَ الله تعالى لا يُرَدّ وحكمُه لا يُعقَّب، وفيه مبالغةٌ في رد مقالتِهم الباطلةِ حيث لم يُقتَصرْ على تحقيق نفسِ القتلِ كما في قوله عز وجل : أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككمُ الموت  \[ النساء، الآية ٧٨ \] بل عُيِّن مكانُه أيضاً، ولا ريب في تعيُّن زمانِه أيضاً لقوله تعالى : فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ  \[ الأعراف، الآية ٣٤ \] رُوي أن ملك الموتِ حضر مجلسَ سليمانَ عليه الصلاة والسلام فنظر إلى رجل من أهل المجلسِ نَظرةً هائلة فلما قام قال الرجلُ : من هذا ؟ فقال سليمانُ عليه السلام : ملكُ الموتِ، قال : أرسِلْني مع الريح إلى عالم آخَرَ فإني رأيتُ منه مرأىً هائلاً فأمرها عليه السلام فألقتْه في قُطر سحيقٍ من أقطار العالم فما لبث أن عاد ملكُ الموتِ إلى سليمانَ عليه السلام فقال : كنت أُمِرْتُ بقبض روحِ ذلك الرجلِ في هذه الساعةِ في أرض كذا فلما وجدتُه في مجلسك قلت : متى يصِلُ هذا إليها وقد أرسلتَه بالريح إلى ذلك المكانِ فوجدتُه هناك فقُضي أمرُ الله عز وجل في زمانه ومكانِه من غير إخلالٍ بشيء من ذلك، وقرئ كَتَبَ على البناء للفاعل ونصبِ القتلُ، وقرئ كُتب عليهم القتالُ وقرئ لبُرِّز بالتشديد على البناء للمفعول  وَلِيَبْتَلِىَ الله مَا في صُدُورِكُمْ  أي ليعاملَكم معاملةَ مَنْ يبتلي ما في صدوركم من الإخلاص والنفاقِ ويُظهرَ ما فيها من السرائر، وهو علةٌ لفعل مقدرٍ قبلها معطوفةٌ على علل لها أخرى مطويةٍ للإيذان بكثرتها، كأنه قيل : فعلَ ما فعل لمصالحَ جمةٍ وليبتليَ الخ، وجعلُها عِللاً لبَرَز يأباه الذوقُ السليمُ فإن مقتضى المقامِ بيانُ حكمةِ ما وقع يومئذ من الشدة والهولِ لا بيانُ حِكمةِ البروزِ المفروضِ، أو لفعلٍ مقدرٍ بعدها أي وللابتلاء المذكورِ فعلَ ما فعل، لا لعدم العنايةِ بأمر المؤمنين ونحو ذلك، وتقديرُ الفعل مقدماً خالٍ عن هذه المزية.  وَلِيُمَحّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ  من مخفيات الأمورِ ويكشِفَها أو يُخلِّصَها من الوساوس  والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور  أي السرائر والضمائرِ الخفيةِ التي لا تكاد تفارقُ الصدورَ بل تلازمها وتصاحبُها، والجملةُ إما اعتراضٌ للتنبيه على أن الله تعالى غنيٌ عن الابتلاء، وإنما يُبرِز صورةَ الابتلاءِ لتمرين المؤمنين وإظهارِ حالِ المنافقين، أو حالٌ من متعلَّق الفعلين أي فَعل ما فَعل للابتلاء والتمحيصِ والحال أنه تعالى غنيٌ عنهما مُحيطٌ بخفيات الأمورِ، وفيه وعدٌ ووعيد. 
١ وهو بلا نسبة في الأشباه والنظائر ٣/٩٨ والدرر ٢/٢٣ وشرح شواهد المغني ٢/٨٦٣ ومغني اللبيب ٢/٤٧١ والمقاصد النحوية ١/٥٤٦ والشاهد فيه قوله: "ونجم قد أضاء" حيث سوّغت واو الحال الابتداء بالنكرة..
٢ وهو لامرئ القيس في ديوانه ص ١٢ وبلا نسبة في رصف المباني ص ٣١٦ والشاهد فيه قوله: "إذا ما بكى" يريد إذا بكى فزاد "ما"..

### الآية 3:155

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ۖ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [3:155]

إِنَّ الذين تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ التقى الجمعان  وهم الذين انهزموا يومَ أحُدٍ حسبما مرت حكايتُهم  إِنَّمَا استزلهم الشيطان  أي إنما كان سببَ انهزامِهم أن الشيطانَ طلب منهم الزللَ  بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا  من الذنوب والمعاصي التي هي مخالفةُ أمرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وتركُ المركزِ والحِرصُ على الغنيمة أو الحياةِ، فحُرِموا التأييدَ وقوةَ القلب، وقيل : استزلالُ الشيطانِ تولِّيهم وذلك بذنوب تقدمت لهم فإن المعاصيَ يجُرّ بعضُها إلى بعض كالطاعة، وقيل : استزلّهم بذنوب سبَقتْ منهم وكرِهوا القتلَ قبل إخلاصِ التوبةِ والخروجِ من المظلِمة  وَلَقَدْ عَفَا الله عَنْهُمْ  لتوبتهم واعتذارِهم  أَنَّ الله غَفُورٌ  للذنوب  حَلِيمٌ  لا يعاجل بعقوبة المذنبِ ليتوب، والجملةُ تعليلٌ لما قبلها على سبيل التحقيق، وفي إظهار الجلالةِ تربيةٌ للمهابة وتأكيدٌ للتعليل.

### الآية 3:156

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [3:156]

يا أَيُّهَا الذين آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كالذين كَفَرُوا  وهم المنافقون القائلون : لو كان لنا من الأمر شيءٌ ما قتلنا هاهنا، وإنما ذُكر في صدر الصلةِ كفرُهم تصريحاً بمباينة حالِهم لحال المؤمنين، وتنفيراً عن مماثلتهم آثِرَ ذي أثيرٍ، وقولُه تعالى : وَقَالُوا لإخوانهم  تعيينٌ لوجه الشبهِ والمماثلةِ التي نُهوا عنها أي قالوا لأجلهم وفي حقهم، ومعنى أُخوّتِهم اتفاقُهم نسباً أو مذهباً  إِذَا ضَرَبُوا فِي الأرض  أي سافروا فيها وأبعدوا للتجارة أو غيرِها، وإيثارُ إذا المفيدةِ لمعنى الاستقبالِ على إذا المفيدةِ لمعنى المُضيِّ لحكاية الحالِ الماضيةِ إذِ المرادُ بها الزمانُ المستمرُّ المنتظمُ للحال الذي عليه يدور أمرُ استحضارِ الصورة. قال الزجاج : إذا هاهنا تنوبُ عما مضى من الزمان وما يُستقبل يعني أنها لمجرد الوقتِ أو يُقصد بها الاستمرارُ، وظرفيتُها لقولهم إنما هي باعتبار ما وقع فيها بل التحقيقُ أنها ظرفٌ له لا لقولهم، كأنه قيل : قالوا لأجل ما أصاب إخوانَهم حين ضربوا الخ،  أَوْ كَانُوا  أي إخوانُهم  غُزّاً  جمعُ غازٍ كعُفي جمعُ عافٍ، قال :\[ الطويل \]ومُغْبّرةِ الآفاقِ خاشعةِ الصُّوى  لها قُلُبٌ عفي الحياض أجون[(١)](#foonote-١)وقرئ بتخفيف الزاي على حذف التاء من غُزاة، وإفرادُ كونِهم غُزاةً بالذكر -مع اندراجه تحت الضربِ في الأرض - لأنه المقصودُ بيانُه في المقام، وذكرُ الضربِ في الأرض توطئةٌ له، وتقديمُه لكثرة وقوعِه على أنه قد يوجد بدون الضربِ في الأرض إذ المرادُ به السفرُ البعيدُ، وإنما لم يقُلْ أو غَزَوْاً للإيذان باستمرار اتصافِهم بعنوان كونِهم غزاةً أو بانقضاء ذلك، أي كانوا غُزّاً فيما مضى، وقولُه تعالى : لَّوْ كَانُوا عِنْدَنَا  أي مقيمين  مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا  مفعولٌ لقالوا دليلٌ على أن هناك مضمَراً قد حُذف ثقةً به أي إذا ضربوا في الأرض فماتوا أو كانوا غزّاً فقُتلوا، وليس المقصودُ بالنهي عدمَ مماثلتِهم في النطق بهذا القولِ بل في الاعتقاد بمضمونه والحُكمِ بموجبه كما أنه المنكرُ على قائليه، ألا يُرى إلى قوله عز وجل : لِيَجْعَلَ الله ذلك حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ  فإنه الذي جُعل حسرةً فيها قطعاً وإليه أشير بذلك كما نقل عن الزجاج أنه إشارةٌ إلى ظنهم أنهم لو لم يحضُروا القتالَ لم يُقتلوا، وتعلّقُه بقالوا ليس باعتبار نطقِهم بذلك القولِ بل باعتبار ما فيه من الحُكم والاعتقاد، واللامُ لامُ للعاقبة كما في قوله تعالى : لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً  \[ القصص، الآية ٨ \] أي قالوا ذلك واعتقدوه ليكون حسرةً في قلوبهم، والمرادُ بالتعليل المذكورِ بيانُ عدمِ ترتُّبِ فائدةٍ ما على ذلك أصلاً، وقيل : هو تعليلٌ للنهي بمعنى لا تكونوا مثلَهم في النطق بذلك القولِ واعتقادِه ليجعلَه الله تعالى حسرةً في قلوبهم خاصة ويصونَ منها قلوبَكم، فذلك كما مر إشارةٌ إلى ما دل عليه قولُهم من الاعتقاد ويجوز أن يكون إشارةً إلى ما دل عليه النهيُ أي لا تكونوا مثلَهم ليجعل الله انتفاءَ كونِكم مثلَهم حسرةً في قلوبهم فإن مضادّتَكم لهم في القول والاعتقادِ مما يغُمُّهم ويَغيظهم  والله يُحْيىِ وَيُمِيتُ  ردٌّ لباطلهم إثرَ بيانِ غائلتِه أي هو المؤثِّرُ في الحياة والممات وحده من غير أن يكون للإقامة أو للسفر مدخلٌ في ذلك فإنه تعالى قد يُحيي المسافرَ والغازيَ مع اقتحامهما لموارد الحتوفِ ويُميتُ المقيمَ والقاعدَ مع حيازتهما لأسباب السلامة  والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ  تهديدٌ للمؤمنين على أن يماثلوهم، وقرئ بالياء على أنه وعيدٌ للذين كفروا، و مَا يَعْمَلُونَ  عامٌ متناولٌ لقولهم المذكورِ ولِمُنشئه الذي هو اعتقادُهم، ولما ترتب على ذلك من الأعمال، ولذلك تعرَّض لعنوان البَصَر لا لعنوان السمعِ، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موقع الإضمارِ لتربية المهابةِ وإلقاءِ الرَّوْعةِ والمبالغةِ في التهديد والتشديدِ في الوعيد. 
١ وهو لامرئ القيس في ديوانه ص ٢٨٣ ملفق من البيتين:ومغبرة الآفاق خاشعة الصوى  لها قلب عفّ الحياض أُجُونعلى كالخنيف السّحق يدعو به الصدى  له صدد ورد التراب دفينوبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ١٣١٨ ورواية العجز فيه: له صدد ورد التراب دهين ولسان العرب ٩/٩٨ (خنف) ورواية العجز فيه: له قُلب عادية وصحون ....................

### الآية 3:157

> ﻿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [3:157]

وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ الله أَوْ مُتُّمْ  شروعٌ في تحقيق أن ما يحذرون ترتُّبَه على الغزو والسفر من القتل والموتِ في سبيل الله تعالى ليس مما ينبغي أن يُحذر، بل مما يجب أن يتنافسَ فيه المتنافسون إثرَ إبطالِ ترتُّبِه عليهما، واللامُ هي الموطئةُ للقسم واللام في قوله تعالى : لَمَغْفِرَةٌ منَ الله وَرَحْمَةٌ  لامُ الابتداء، والتنوينُ في الموضعين للتقليل، ومِنْ متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً للمبتدأ، وقد حُذفت صفةُ رحمةٌ لدِلالة المذكورِ عليها، والجملةُ جوابٌ للقسم سادٌّ مسدَّ جوابِ الشرطِ والمعنى أن السفرَ والغزوَ ليس مما يجلُب الموتَ ويقدّم الأجلَ أصلاً ولئن وقع ذلك بأمر الله تعالى لنفحةٌ يسيرةٌ من مغفرة ورحمةً كائنتين من الله تعالى بمقابلة ذلك  خَيْرٌ ممَّا يَجْمَعُونَ  أي الكفرةُ من منافعِ الدنيا وطيّباتها مدةَ أعمارِهم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما خيرٌ من طِلاع الأرضِ ذَهَبةً حمراءَ. وقرئ بالتاء أي مما تجمعونه أنتم لو لم تموتوا، والاقتصارُ على بيان خيريتِهما من ذلك بلا تعرّضٍ للإخبار بحصولهما لهم للإيذان بعدم الحاجةِ إليه بناءً على استحالة التخييبِ منه تعالى بعد الإطماعِ وقد قيل : لابد من حذفٍ آخَرَ أي لمغفرةٌ لكم من الله الخ، وحينئذ يكون أيضاً إخراجُ المقدَّرِ مُخرَجَ الصفةِ دون الخبر لنحو ما ذُكر من ادعاء الظهورِ والغِنى عن الإخبار به، وتغييرُ الترتيب الواقعِ في قولهم : ما ماتوا وما قتلوا -المبنيِّ على كثرة الوقوعِ وقلته- للمبالغة في الترغيب في الجهاد ببيان زيادةِ مزيةِ القتلِ في سبيل الله وإنافتِه في استجلاب المغفرةِ والرحمةِ، وفيه دَلالةٌ واضحةٌ على ما مر من أن المقصودَ بالنهي إنما هو عدمُ مماثلتِهم في الاعتقاد بمضمون القولِ المذكورِ والعملِ بموجبه لا في النطق به وإضلالِ الناسِ به.

### الآية 3:158

> ﻿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ [3:158]

وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ  أي على أيِّ وجهٍ اتفق هلاكُكم حسب تعلُّقِ الإرادةِ الإلهية وقرئ مِتّم بكسر الميمِ من مات  لإِلَى الله  أي إلى المعبود بالحق العظيمِ الشأنِ الواسعِ الرحمةِ الجزيلِ الإحسانِ  تُحْشَرُونَ  لا إلى غيره فيوفيكم أجورَكم ويُجزِل عطاءَكم، والكلام في لامَي الجملة كما مر في أختها.

### الآية 3:159

> ﻿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [3:159]

فَبِمَا رَحْمَةٍ منَ الله لِنتَ لَهُمْ  تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والفاءُ لترتيب مضمونِ الكلامِ على ما يُنبئ عنه السياقُ من استحقاقهم لِلائمة والتعنيفِ بموجب الجِبلَّةِ البشرية، أو من سَعة ساحةِ مغفرتِه تعالى ورحمتِه، والباءُ متعلِّقة بلنتَ قُدِّمت عليه للقصر، وما مزيدةٌ للتوكيد، أو نكرةٌ و  رَحْمَةً  بدلٌ منها مُبينٌ لإبهامها، والتنوينُ للتفخيم ومِنْ متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً لرحمةٍ أي فبرحمةٍ عظيمة لهم كائنةٍ من الله تعالى، وهي ربطُه على جأشه وتخصيصُه بمكارم الأخلاقِ، كنتَ ليِّنَ الجانبِ لهم وعامَلْتَهم بالرفق والتلطّفِ بهم حيث اغتمَمْتَ لهم بعد ما كان منهم ما كان من مخالفة أمرِك وإسلامِك للعدو.  وَلَوْ  لم تكن كذلك بل  كُنْتَ فَظّاً  جافياً في المعاشرة قولاً وفعلاً، وقال الراغبُ : الفَظُّ هو الكَرِيهُ الخلُقِ. وقال الواحديُّ : هو الغليظُ الجانبِ السيئ الخلُق  غَلِيظَ القلب  قاسِيَه، وقال الكلبي : فظَّاً في القول غليظَ القلبِ في الفعل،  لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ  لَتفرَّقوا من عندك ولم يسكُنوا إليك وتردَّوْا في مهاوي الردى والفاء في قوله عز وجل : فاعف عَنْهُمْ  لترتيب العفوِ أو الأمرِ به على ما قبله، أي إذا كان الأمرُ كما ذُكر فاعفُ عنهم فيما يتعلق بحقوقك كما عفا الله عنهم  واستغفر لَهُمُ  الله فيما يتعلق بحقوقه تعالى إتماماً للشفقة عليهم وإكمالاً للبِرّ بهم  وَشَاوِرْهُمْ في الأمر  أي في أمر الحربِ إذ هو المعهودُ، أو فيه وفي أمثاله مما تجري فيه المشاورةُ عادةً استظهاراً بآرائهم وتطييباً لقلوبهم وتمهيداً لسُنّة المشاورةِ للأُمة. وقرئ وشاورهم في بعض الأمر.  فَإِذَا عَزَمْتَ  أي عَقيبَ المشاورةِ على شيء واطمأنتْ به نفسُك  فَتَوَكَّلْ عَلَى الله  في إمضاء أمرِك على ما هو أرشدُ لك وأصلحُ، فإن عِلمَه مختصٌّ به سبحانه وتعالى. وقرئ فإذا عزمتُ على صيغة التكلّم أي عزمتُ لك على شيء وأرشدتُك إليه فتوكلْ عليَّ ولا تشاوِرْ بعد ذلك أحداً، والالتفاتُ لتربية المهابةِ وتعليلِ التوكلِ أو الأمرِ به فإن عنوانَ الألوهيةِ الجامعةِ لجميع صفاتِ الكمالِ مستدعٍ للتوكل عليه تعالى أو الأمرِ به  إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين  عليه تعالى فينصُرهم ويُرشِدهم إلى ما فيه خيرُهم وصلاحُهم. والجملةُ تعليلٌ للتوكل عليه تعالى.

### الآية 3:160

> ﻿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [3:160]

وقوله تعالى : إِن يَنصُرْكُمُ الله فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ  جملةٌ مستأنفةٌ سيقت بطريق تلوينِ الخطابِ تشريفاً للمؤمنين لإيجاب توكّلِهم عليه تعالى وحثَّهم على اللَّجَأ إليه وتحذيرِهم عما يُفضي إلى خِذلانه أي إن ينصُركم كما نصركم يومَ بدرٍ فلا أحدَ يغلِبُكم على طريق نفي الجنسِ المنتظِم لنفي جميعِ أفرادِ الغالبِ ذاتاً وصفةً ولو قيل : فلا يغلبُكم أحدٌ لدل على نفي الصفة فقط، ثم المفهومُ من ظاهر النظمِ الكريمِ -وإن كان نفيَ مغلوبيّتِهم من غير تعرضٍ لنفي المساواةِ أيضاً، وهو الذي يقتضيه المقامُ- لكن المفهومَ منه فهماً قطعياً هو نفيُ المساواةِ وإثباتُ الغالبيةِ للمخاطبين، فإذا قلتَ : لا أكرمُ من فلان أو لا أفضلُ منه فالمفهومُ منه حتماً أنه أكرمُ من كل كريمٍ وأفضلُ من كل فاضلٍ وهذا أمرٌ مطردٌ في جميع اللغات ولا اختصاصَ له بالنفي الصريحِ بل هو مطردٌ فيما ورد على طريق الاستفهامِ الإنكاريِّ كما في قوله تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً  \[ العنكبوت، الآية ٦٨، وسورة الصف، الآية ٧ \] في مواقعَ كثيرةٍ من التنزيل، ومما هو نصٌ قاطعٌ فيما ذكرنا ما وقع في سورة هودٍ حيث قيل بعده في حقهم : لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ في الآخرة هُمُ الأخسرون  \[ هود، الآية ٢٢ \] فإن كونَهم أخسرَ من كل خاسرٍ يستدعي قطعاً كونَهم أظلمَ من كل ظالم  وَإِن يَخْذُلْكُمْ  كما فعل يومَ أحُدٍ وقرئ يُخذِلْكم من أخذله إذا جعله مخذولاً  فَمَن ذَا الذي يَنصُرُكُم  استفهامٌ إنكاريٌّ مفيدٌ لانتفاء الناصرِ ذاتاً وصفةً بطريق المبالغة  مِن بَعْدِهِ  أي من بعد خِذلانه تعالى أو من بعد الله تعالى على معنى إذا جاوزتموه  وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون  تقديمُ الجارِّ والمجرورِ على الفعل لإفادة قصرِه عليه تعالى، والفاءُ لترتيبه أو ترتيبِ الأمرِ به على ما مر من غلبة المخاطَبين -على تقدير نُصرتِه تعالى لهم- ومغلوبيّتِهم على تقدير خِذلانِه تعالى إياهم، فإن العِلمَ بذلك مما يقتضي قصرَ التوكلِ عليه تعالى لا محالة، والمرادُ بالمؤمنين إما الجنسُ والمخاطبون داخلون فيه دخولاً أولياً وإما هم خاصةً بطريق الالتفاتِ، وأياً ما كان ففيه تشريفٌ لهم بعنوان الإيمانِ اشتراكاً أو استقلالاً، وتعليلٌ لتحتم التوكلِ عليه تعالى فإن وصفَ الإيمانِ مما يوجبه قطعاً.

### الآية 3:161

> ﻿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ۚ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [3:161]

وَمَا كَانَ لِنَبِيّ  أي وما صح لنبي من الأنبياء ولا استقام له  أَنْ يَغُلَّ  أي يخونَ في المغنم فإن النبوةَ تنافيه منافاةً بيِّنة، يقال : غَلَّ شيئاً من المغنم يغُل غلولاً وأَغل إغلالاً إذا أخذه خُفْيةً. والمرادُ إما تنزيهُ ساحةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عما ظن به الرماةُ يومَ أحُدٍ حين تركوا المركزَ وأفاضوا في الغنيمة، وقالوا : نخشى أن يقولَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : من أخذ شيئاً فهو له ولا يقسِمَ الغنائمَ كما لم يقسمْها يوم بدرٍ، فقال لهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم :**«ألم أعهَدْ إليكم أن لا تترُكوا المركزَ حتى يأتيَكم أمري ؟ »** فقالوا : تركنا بقيةَ إخوانِنا وقوفاً، فقال عليه السلام :**«بل ظننتم أنا نغُلّ ولا نقسِمُ بينكم »** وإما المبالغةُ في النهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ما رُوي أنه بعث طلائِعَ فغنِم النبيُّ صلى الله عليه وسلم بعدهم غنائِمَ فقسمها بين الحاضرين ولم يترك للطلائع شيئاً فنزلت. والمعنى ما كان لنبي أن يعطيَ قوماً من العسكر ويمنَعَ آخَرين بل عليه أن يقسِمَ بين الكلِّ بالسوية، وعُبّر عن حِرمان بعضِ الغزاةِ بالغُلول تغليظاً. وأما ما قيل من أن المرادَ تنزيهُه عليه السلام عما تفوَّه به بعضُ المنافقين إذ رُوي :**«أن قَطيفةً حمراءَ فقدت يوم بدر فقال بعضُ المنافقين : لعل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أخذها »** فبعيدٌ جداً، وقرئ على البناء للمفعول والمعنى ما كان له أن يوجَدَ غالاًّ أو يُنسَبَ إلى الغُلول. 
 وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة  يأتِ بالذي غله بعينه يحمِلُه على عنُقه كما ورد في الحديث الشريف وروي أنه عليه السلام قال :**«ألا لاَ أعْرِفَنَّ أحدَكُم يأتي ببعير له رُغاءٌ وببقرةٍ لها خُوارٌ وبشاة لها ثُغاءٌ فينادي يا محمد فأقول : لا أملِك لك من الله شيئاً فقد بلّغتُك »** أو يأتِ بما احتمل من إثمه ووبالِه  ثُمَّ توفي كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ  أي تعطى وافياً جزاءَ ما كسبت خيراً أو شراً كثيراً أو يسيراً، ووضعُ المكسوبِ موضعَ جزائِه تحقيقاً للعدْل ببيان ما بينهما من تمام التناسُبِ كمّاً وكيفاً كأنهما شيءٌ واحد. وفي إسناد التَوْفيةِ إلى كل كاسبٍ وتعليقِها بكل مكسوبٍ -مع أن المقصودَ بيانُ حالِ الغالِّ عند إتيانِه بما غله يوم القيامة- من الدلالة على فخامة شأنِ اليومِ وهولِ مطلَعِه والمبالغةِ في بيان فظاعةِ حالِ الغالِّ ما لا يخفي، فإنه حيث وُفيّ كلُّ كاسبٍ جزاءَ ما كسبه ولم يُنْقَصْ منه شيءٌ، وإن كان جُرْمُه في غاية القِلّة والحقارةِ، فلأَنْ لا يُنقَصَ من جزاء الغالِّ شيءٌ وجُرمُه من أعظم الجرائم أظهرُ وأجلى  وَهُمْ  أي كلُّ الناسِ المدلولِ عليهم بكل نفس  لاَ يُظْلَمُونَ  بزيادة عقابٍ أو بنقص ثواب.

### الآية 3:162

> ﻿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [3:162]

أَفَمَنِ اتبع رضوان الله  أي سعى في تحصيله وانتحى نحوَه حيثما كان بفعل الطاعاتِ وتركِ المنكرات كالنبي ومن يسير بسيرته  كَمَن بَاء  أي رجع  بِسَخطٍ  عظيم لا يقادَرُ قدرُه كائنٍ  مِنَ الله  تعالى بسبب معاصيه كالغالِّ ومن يَدين بدينه، والمرادُ تأكيدُ نفي الغلولِ عن النبي عليه الصلاة والسلام وتقريرُه بتحقيق المباينةِ الكليةِ بينه وبين الغالِّ حيث وُصف كلٌّ منهما بنقيض ما وُصف به الآخَرُ فقوبل رضوانُه تعالى بسَخَطه، والاتِّباعُ بالبَوْء، والجمع بين الهمزةِ والفاءِ لتوجيه الإنكارِ إلى ترتب توهُّمِ المماثلةِ بينهما والحُكمِ بها على ما ذُكر من حال الغالِّ كأنه قيل : أبعد ظهورِ حالِهِ يكونُ مَنْ ترقّى إلى أعلى عِلِّيين كمَنْ ترَدَّى إلى أسفلِ سافلين ؟ وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موضع الإضمارِ لإدخال الرَّوْعةِ وتربيةِ المهابة  وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ  إما كلامٌ مستأنَفٌ مَسوقٌ لبيان مآلِ أمْرِ مَنْ باء بسَخَطه تعالى، وإما معطوفٌ على قوله تعالى باء بسخط عطفَ الصِلةِ الاسميةِ على الفعلية، وأياً ما كان فلا محلَّ له من الإعراب  وَبِئْسَ المصير  اعتراضٌ تذييليٌّ، والمخصوصُ بالذم محذوفٌ أي وبئس المصيرُ جهنمُ، والفرقُ بينه وبين المرجِعِ أو الأولَ يُعتبر فيه الرجوعُ على خلاف الحالةِ الأولى بخلاف الثاني.

### الآية 3:163

> ﻿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [3:163]

هُمْ  راجعٌ إلى الموصولَين باعتبار المعنى  درجات عِندَ الله  أي طبقاتٌ متفاوتةٌ في علمه تعالى وحُكمِه، شُبِّهوا في تفاوت الأحوالِ وتبايُنِها بالدرجات مبالغةً وإيذاناً بأن بينهم تفاوتاً ذاتياً كالدرجات أو ذوو درجاتٍ  والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ  من الأعمال ودرجاتِها فيجازيهم.

### الآية 3:164

> ﻿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [3:164]

لَقَدْ مَنَّ الله  جوابُ قسمٍ محذوفٍ أي والله لقد منّ الله أي أنعم  عَلَى المؤمنين  أي من قومه عليه السلام  إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً منْ أَنفُسِهِمْ  أي من نسبَهم أو من جنسهم عربياً مثلَهم ليفقهوا كلامَه بسهولة ليكونوا واقفين على حاله في الصدق والأمانةِ مفتخرين به، وفي ذلك شرف لهم عظيم، قال الله تعالى : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ  \[ الزخرف، الآية ٤٤ \] وقرئ من أنفَسِهم أي أشرافهم فإنه عليه السلام كان من أشرف قبائلِ العربِ وبطونِها وقرئ لَمِنْ منِّ الله على المؤمنين إذ بعث الخ، على أنه خبر لمبتدأ محذوفٍ أي منُّه إذ بعث الخ، أو على أن إذ في محل الرفعِ على الابتداء بمعنى لمن منّ الله عليه من المؤمنين وقتُ بعثِه، وتخصيصُهم بالامتنان مع عموم نعمةِ البعثةِ الأسود والأحمرِ لما مرّ من مزيد انتفاعِهم بها وقوله تعالى : منْ أَنفُسِهِمْ  متعلقٌ بمحذوف وقع صفةً لرسولاً أي كائناً من أنفسهم وقوله تعالى : يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياته  صفةٌ أخرى أي يتلو عليهم القرآنَ بعد ما كانوا أهلَ جاهليةٍ لم يطرُق أسماعَهم شيءٌ من الوحي  وَيُزَكّيهِمْ  عطفٌ على يتلو أي يطهرهم من دنس الطبائعِ وسوءِ العقائدِ وأوضارِ الأوزار  وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب والحكمة  أي القرآنَ والسنةَ وهو صفةٌ أخرى لرسولاً مترتبةٌ في الوجود على التلاوة، وإنما وُسِّط بينهما التزكيةُ التي هي عبارةٌ عن تكميل النفسِ بحسَب القوةِ العلميةِ وتهذيبِها المتفرِّعَ على تكميلها بحسَب القوةِ النظريةِ الحاصلِ بالتعليم المترتبِ على التلاوة، للإيذان بأن كلَّ واحدٍ من الأمور المترتبةِ نعمةٌ جليلةٌ على حيالها مستوجِبةٌ للشكر فلو رُوعيَ ترتيبُ الوجودِ كما في قوله تعالى : رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتك وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب والحكمة وَيُزَكّيهِمْ  \[ البقرة، الآية ١٢٩ \] لتبادر إلى الفهم عدُّ الجميعِ نعمةً واحدةً، وهو السرُّ في التعبير عن القرآن بالآياتِ تارةً وبالكتاب والحكمةِ \[ تارةً \][(١)](#foonote-١) أخرى رمزاً إلى أنه باعتبار كلِّ عنوانٍ نعمةٌ على حِدَة، ولا يقدح في ذلك شمولُ الحكمةِ لما في مطاوي الأحاديثِ الكريمةِ من الشرائع كما سلف في سورة البقرة  وَإِن كَانُوا مِن قَبْل  أي من قبلِ بعثتِه عليه السلام وتزليتِه وتعليمِه  لَفي ضلال مُبِينٍ  أي بيِّن لا ريب في كونه ضلالاً وإن هي المخففةُ من الثقيلة، وضميرُ الشأنِ محذوفٌ واللامُ فارقةٌ بينها وبين النافية، والظرفُ الأولُ لغوٌ متعلقٌ بكان، والثاني خبرُها وهي مع خبرها خبرٌ لأن المخففة التي حُذف اسمُها أعني ضميرَ الشأن، وقيل : هي نافية واللامُ بمعنى إلا، أي وما كانوا من قبل إلا في ضلال مبين، وأياً ما كان فالجملةُ إما حالٌ من الضمير المنصوبِ في يعلمهم أو مستأنفةٌ، وعلى التقديرين فهي مبيِّنة لكمال النعمةِ وتمامِها. 
١ غير واردة في الأصل واقتضى المعنى إضافتها..

### الآية 3:165

> ﻿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [3:165]

أَوَ لَمَّا أصابتكم مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مثْلَيْهَا قُلْتُمْ أنى هذا  كلامٌ مبتدأ مَسوقٌ لإبطال بعضِ ما صدر عنهم من الظنون الفاسدةِ والأقاويلِ الباطلةِ الناشئةِ منها، إثرَ إبطالِ بعضٍ آخرَ منها، والهمزةُ للتقريع والتقريرِ، والواو عاطفةٌ لمدخولها على محذوف قبلها، و  لمّاً  ظرف لقلتم مضافٌ إلى ما بعده، و  قَدْ أَصَبْتُمْ  في محل الرفعِ على أنه صفةٌ لمصيبة، والمرادُ بها ما أصابهم يومَ أحدٍ من قتل سبعين منهم، وبمِثْليها ما أصاب المشركين يومَ بدرٍ من قتل سبعين منهم وأسْرِ سبعين. و  أنى هذا  مقولُ قلتم، وتوسيطُ الظرفِ وما يتعلق به بينه وبين الهمزةِ، مع أن المقصودَ إنكارُه والمعطوفُ بالواو حقيقةً لتأكيد النكيرِ وتشديد التقريعِ فإن فعلَ القبيحِ في غير وقتِه أقبحُ، والإنكارَ على فاعله أدخلُ، والمعنى أحين أصابكم من المشركين نصفُ ما قد أصابهم منكم قبل ذلك جزِعتم وقلتم : من أين أصابنا هذا ؟ وقد تقدم الوعدُ بالنصر على توجيه الإنكارِ والتقريعِ إلى صدور ذلك القولِ عنهم في ذلك الوقتِ خاصة بناءً على عدم كونِه مَظِنةً له داعياً إليه بل على كونه داعياً إلى عدمه، فإن كونَ مصيبةِ عدوِّهم ضعفَ مصيبتِهم مما يُهوِّن الخطْبَ ويورث السَّلْوةَ، أو أفعلتم ما فعلتم ولما أصابتكم غائلتُه قلتم : أنى هذا ؟ على توجيه الإنكارِ إلى استبعادهم الحادثةَ مع مباشرتهم لسببها، وتذكيرُ اسمِ الإشارةِ في  أنى هذا  مع كونه إشارةً إلى المصيبة ليس لكونها عبارةً عن القتل ونحوِه بل لما أن إشارتَهم ليست إلا إلى ما شاهدوه في المعركة من حيث هو من غير أن يخطُر ببالهم تسميتُه باسمٍ ما فضلاً عن تسميته باسم المصيبةِ وإنما هي عند الحكاية، وقوله عز وجل : قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ  أمرٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يُجيب عن سؤالهم الفاسدِ إثرَ تحقيقِ فسادِه بالإنكار والتقريعِ ويُبكّتهم ببيان أن ما نالهم إنما نالهم من جهتهم بتركهم المركزَ وحِرصِهم على الغنيمة وقيل : باختيارهم الخروجَ من المدينة، ويأباه أن الوعدَ بالنصر كان بعد ذلك كما ذكر عند قوله تعالى : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ  \[ آل عمران، الآية ١٥٢ \] الآية، وأن عملَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بموجبه قد رَفَع الخطرَ عنه وخفف جنايتَهم فيه، على أن اختيارَ الخروجِ والإصرارَ عليه كان ممن أكرمهم الله تعالى بالشهادة يومئذ وأين هم من التفوّه بمثل هذه الكلمة ؟ وقيل : بأخذهم الفداءَ يوم بدر قبل أن يُؤذَن لهم، والأولُ هو الأظهرُ والأقوى، وإنما يعضُده توسيطُ خطابِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم بين الخِطابين المتوجهَيْن إلى المؤمنين وتفويضُ التبكيتِ إليه عليه السلام، فإن توبيخَ الفاعل على الفعل إذا كان ممن نهاه عنه كان أشدَّ تأثيراً  إِنَّ الله على كُلِّ شيء قَدِيرٌ  ومن جملته النصرُ عند الطاعةِ والخِذلانُ عند المخالفةِ وحيث خرجتم عن الطاعة أصابكم منه تعالى ما أصابكم. والجملةُ تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبلها داخلٌ تحت الأمرِ.

### الآية 3:166

> ﻿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ [3:166]

وَمَا أصابكم  رجوعٌ إلى خطاب المؤمنين إثرَ خطابِه عليه السلام بسر يقتضيه، وإرشادٌ لهم إلى طريق الحقِّ فبما سألوا عنه وبيانٌ لبعض ما فيه من الحِكَم والمصالحِ ودفعٌ لما عسى أن يُتوهمَ من قوله تعالى : هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ  من استقلالهم في وقوع الحادثةِ، والعدولُ عن الإضمار إلى ما ذكر للتهويل وزيادةِ التقريرِ ببيان وقتِه بقوله تعالى : يَوْمَ التقى الجمعان  أي جمعُكم وجمعُ المشركين  فَبِإِذْنِ الله  أي فهو كائن بقضائه وتخليتِه الكفارَ، سُمّيَ ذلك إذناً لكونها من لوازمه  وَلِيَعْلَمَ المؤمنين  عطفٌ على قوله تعالى : فَبِإِذْنِ الله  عطفَ المسبَّب على السبب، والمرادُ بالعلم التمييزُ والإظهارُ فيما بين الناسِ.

### الآية 3:167

> ﻿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ۚ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا ۖ قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ ۗ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ۚ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ [3:167]

وَلِيَعْلَمَ الذين نَافَقُوا  عطف على ما قبله من مثله، وإعادةُ الفعل لتشريف المؤمنين وتنزيهِهم عن الانتظام في سلك المنافقين وللإيذان باختلاف حالِ العلم بحسب التعلقِ بالفريقين فإنه متعلقٌ بالمؤمنين على نهج تعلقِه السابقِ وبالمنافقين على وجه جديدٍ، وهو السرُّ في إيراد الأولِين بصيغة اسمِ الفاعلِ المنبئةِ عن الاستمرار والآخِرين بموصول صِلتُه فعلٌ دالٌ على الحدوث، والمعنى وما أصابكم يومئذ فهو كائن لتمييز الثابتين على الإيمان والذين أظهروا النفاقَ  وَقِيلَ لَهُمْ  عطفٌ على نافقوا داخلٌ معه في حيز الصلةِ أو كلامٌ مبتدأ. قال ابنُ عباس رضي الله عنهما : هم عبدُ اللَّه بنُ أُبي وأصحابُه حيث انصرفوا يوم أحُدٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم عبدُ اللَّه بنُ عمرو بنِ حرامٍ : أذكِّرُكم الله لا تخذُلوا نبيَّكم وقومَكم ودعاهم إلى القتال وذلك قوله تعالى : تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ الله أَوِ ادفعوا  قال السدي : ادفعوا عنا العدوَّ بتكثير سوادِنا إن لم تقاتلوا معنا، وقيل : أو ادفعوا عن أهلكم وبلدِكم وحريمِكم إن لم تقاتلوا في سبيل الله تعالى، وتركُ العطفِ بين تعالَوْا وقاتِلوا لما أن المقصودَ بهما واحد وهو الثاني، وذِكْرُ الأولِ توطئةٌ له وترغيبٌ فيه لما فيه من الدَلالة على التظاهر والتعاون  قَالُوا  استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال ينسحب عليه الكلامُ كأنه قيل : فماذا صنعوا حين خُيِّروا بين الخَصْلتين المذكورتين ؟ فقيل قالوا : لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتبعناكم  أي لو نُحسِن قتالاً ونقدِر عليه. وإنما قالوه دغَلاً واستهزاءً، وإنما عبّر عن نفي القدرة على القتال بنفي العِلم به لما أن القدرةَ على الأفعال الاختياريةِ مستلزِمةٌ للعلم بها، أو لو نعلم ما يصِحُّ أن يسمَّى قِتالاً لاتبعناكم ولكن ما أنتم بصدده ليس بقتال أصلاً وإنما هو إلقاءُ النفسِ إلى التهلُكة. وفي جعلهم التالي مجردَ الاتباعِ دون القتالِ الذي هو المقصودُ بالدعوة دليلٌ على كمال تثبُّطِهم عن القتال حيث لا ترضى نفوسُهم بجعله تالياً لمقدَّم مستحيلِ الوقوعِ  هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ للإيمان  الضميرُ مبتدأٌ وأقربُ خبرُه واللامُ في للكفر وللإيمان متعلقةٌ به كذا يومئذٍ ومنهم، وعدمُ جوازِ تعلقِ حرفين متّحدين لفظاً ومعنى بعامل واحدٍ بلا عطفٍ أو بدليةٍ إنَّما هو فيما عدا أفعلِ التفضيلِ من العوامل، لاتحاد حيثيةِ عملِها، وأما أفعلُ التفضيلُ فحيث دل على أصل الفعلِ وزيادتِه جرى مَجرى عاملين كأنه قيل : قُربُهم للكفر زائدٌ على قربهم للإيمان، وقيل : تعلقُ الجارَّيْن به لشَبَهِهما بالظرفين، أي هم للكفر يوم إذْ قالوا ما قالوا أقربُ منهم للإيمان فإنهم كانوا قبل ذلك يتظاهرون بالإيمان، وما ظهرت منهم أَمارةٌ مُؤذِنةٌ بكفرهم فلما انخذلوا عن عسكر المسلمين وقالوا ما قالوا تباعدوا بذلك عن الإيمان المظنونُ بهم واقتربوا من الكفر، وقيل : هم لأهل الكفرِ أقربُ نُصرةً منهم لأهل الإيمانِ لأن تقليلَ سوادِ المسلمين بالانخذال تقويةٌ للمشركين وقوله تعالى : يَقُولُونَ بأفواههم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ  جملةٌ مستأنفةٌ مقرِّرةٌ لمضمون ما قبلها وذِكرُ الأفواهِ والقلوبِ تصويرٌ لنفاقهم وتوضيحٌ لمخالفة ظاهرِهم لباطنهم، و  مَا  عبارةٌ عن القول، والمرادُ به إما نفسُ الكلامِ الظاهرِ في اللسان تارةً وفي القلب أخرى، فالمثبَتُ والمنفيُّ متحدان ذاتاً وإن اختلفا مظهراً، وإما القولُ الملفوظُ فقط فالمنفيُّ حينئذٍ منشؤُه الذي لا ينفك عنه القولُ أصلاً وإنما عبّر عنه به إبانةً لما بينهما من شدة الاتصالِ، أي يتفوّهون بقول لا وجودَ له أو لِمَنشَئه في قلوبهم أصلاً من الأباطيل التي من جملتها ما حُكي عنهم آنفاً فإنهم أظهروا فيه أمرين ليس في قلوبهم شيءٌ منهما، أحدُهما عدمُ العلمِ بالقتال والآخَرُ الاتباعُ على تقدير العِلمِ به، وقد كذَبوا فيهما كذِباً بيّناً حيث كانوا عالمين به غيرَ ناوين للاتّباع بل كانوا مُصِرِّين مع ذلك على الانخذال عازمين على الارتداد، وقوله عز وجل : والله أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ  زيادةُ تحقيقٍ لكفرهم ونفاقِهم ببيان اشتغالِ قلوبِهم بما يخالف أقوالَهم من فنون الشرِّ والفسادِ إثرَ بيانِ خُلوِّها عما يوافقها، وصيغةُ التفضيلِ لما أن بعضَ ما يكتُمونه من أحكام النفاقِ وذمِّ المؤمنين وتخطئةِ آرائِهم والشماتةِ بهم وغيرِ ذلك يعلمه المؤمنون على وجه الإجمال، وأن تفاصيلَ ذلك وكيفياتِه مختصةٌ بالعلم الإلهي.

### الآية 3:168

> ﻿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ۗ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [3:168]

الَّذِينَ قَالُوا  مرفوعٌ على أنه بدلٌ من واو يكتُمون أو خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، وقيل : مبتدأ خبرُه ( قل فادرؤوا ) بحذف العائدِ تقديرُه  قُلْ لَهُمْ  الخ، أو منصوبٌ على الذم أو على أنه نعتٌ للذين نافقوا أو بدلٌ منه، وقيل : مجرورٌ على أنه بدلٌ من ضمير أفواهِهم أو قلوبِهم كما في قوله :\[ الطويل \]
على جودِه لضن بالماء حاتمُ[(١)](#foonote-١) \*\*\*. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 
والمرادُ بهم عبدُ اللَّه بنُ أُبيّ وأصحابُه  لإخوانهم  أي لأجلهم وهم من قُتل يومَ أحدٍ من جنسهم أو من أقاربهم فيندرج فيهم بعضُ الشهداءِ  وَقَعَدُوا  حال من ضمير قالوا بتقدير قد، أي قالوا : وقد قعدوا عن القتال بالانخذال  لَوْ أَطَاعُونَا  أي فيما أمرناهم به ووافقونا في ذلك  مَا قُتِلُوا  كما لم نُقتلْ، وفيه إيذانٌ بأنهم أمروهم بالانخذال حين انخذلوا وأغْوَوْهم كما غَوَوْا، وحملُ القعودِ على ما استصوبه ابنُ أُبيّ عند المشاورةِ من الإقامة بالمدينة ابتداءً، وجعلُ الإطاعةِ عبارةً عن قبول رأيِه والعملِ به يرُده كونُ الجملةِ حاليةً فإنها لتعيين ما فيه العصيانُ والمخالفةُ مع أن ابنَ أبيّ ليس من القاعدين فيها بذلك المعنى، على أن تخصيصَ عدمِ الطاعةِ بإخوانهم ينادي باختصاص الأمرِ أيضاً، بهم فيستحيل أن يُحمَلَ على ما خوطب به النبيُّ صلى الله عليه وسلم عند المشاورة  قُلْ  تبكيتاً لهم وإظهاراً لكذبهم  فَادْرَءوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ  جوابٌ لشرط قد حُذف تعويلاً على ما بعده من قوله تعالى : إِن كُنتُمْ صادقين  كما أنه شرطٌ حُذف جوابُه لدِلالة الجوابِ المذكورِ عليه أي أن كنتم صادقين فيما يُنبئ عنه قولُكم من أنكم قادرون على دفع القتلِ عمن كُتب عليه فادفعوا عن أنفسكم الموتَ الذي كُتب عليكم مُعلَّقاً بسبب خاصّ موقتاً بوقت معيّنٍ بدفع سببِه، فإن أسبابَ الموتِ في إمكان المدافعةِ بالحال وامتناعِها سواءٌ، وأنفسُكم أعزُّ عليكم من إخوانكم وأمرُها أهمُّ لديكم من أمرهم، والمعنى أن عدمَ قتلِكم كان بسبب أنه لم يكن مكتوباً عليكم لا بسبب أنكم دفعتموه بالقُعود مع كتابته عليكم فإن ذلك مما لا سبيلَ إليه، بل قد يكون القتالُ سبباً للنجاة والقعود مؤدياً إلى الموت. رُوي أنه مات يوم قالوا سبعون منافقاً، وقيل : أريد  إِن كُنتُمْ صادقين  \[ آل عمران، الآية : ١٦٨ \] في مضمون الشرطية، والمعنى أنهم لو أطاعوكم وقعدوا لقُتلوا قاعدين كما قُتلوا مقاتِلين فقوله تعالى : فَادْرَؤوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ  \[ آل عمران، الآية : ١٦٨ \] حينئذ استهزاءٌ بهم، أي إن كنتم رجالاً دفّاعين لأسباب الموتِ فادرؤوا جميعَ أسبابِه حتى لا تموتوا كما درأتم في زعمكم هذا السببَ الخاصَّ. 
١ وهو للفرزدق صدره: على حالة لو أن في القوم حاتما \*\*\*.......................
 وقد ورد في ديوانه ٢/٢٩٧، ولسان العرب ١٢/١١٥ (حتم) والمقاصد النحوية ٤/١٨٦؛ وبلا نسبة في شرح شذور الذهب ص ٣١٧ وشرح المفصّل ٣/٦٩ واللمع ص ١٧٤، ٢٦٦ ويروى في الديوان بروايتين وقد ورد تخريجه سابقا..

### الآية 3:169

> ﻿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [3:169]

وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُوا فِي سَبِيلِ الله أمواتا  كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لبيان أن القتلَ الذي يَحذَرونه ويُحذّرون الناسَ منه ليس مما يُحذر بل هو من أجل المطالبِ التي يتنافسُ فيها المتنافسون إثرَ بيانِ أن الحذرَ لا يُجدي ولا يغني. وقرئ ولا تحسِبن بكسر السين، والمرادُ بهم شهداءُ أحدٍ وكانوا سبعين رجلاً : أربعةٌ من المهاجرين حمزةُ بنُ عبدِ المطلب ومُصعبُ بنُ عميرٍ وعثمانُ بنُ شهابٍ وعبدُ اللَّه بنُ جحشٍ وباقيهم من الأنصار رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. والخطابُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحدٍ ممن له حظٌّ من الخطاب. وقرئ بالياء على الإسناد إلى ضميره عليه السلام أو ضمير مَنْ يحسَب، وقيل : إلى الذين قُتلوا، والمفعولُ الأولُ محذوفٌ لأنه في الأصل مبتدأٌ جائزُ الحذفِ عند القرينةِ، والتقديرُ ولا يحسَبنّهم الذين قُتلوا أمواتاً أي لا يحسبن الذين قُتلوا أنفسَهم أمواتاً، على أن المرادَ من توجيه النهي إليهم تنبيهُ السامعين على أنهم أحِقاءُ بأن يَسْلُوا بذلك ويَبْشُروا بالحياة الأبديةِ والكرامةِ السنية والنعيمِ المقيمِ، لكن لا في جميع أوقاتِهم بل عند ابتداءِ القتلِ إذ بعد تبيُّن حالِهم لهم لا يبقى لاعتبار تسليتِهم وتبشيرِهم فائدة ولا لتنبيه السامعين وتذكيرهم وجه وقرئ قتلوا بالتشديد لكثرة المقتولين  بَلْ أَحْيَاء  أي بل هم أحياء، وقرئ منصوباً أي بلِ احسَبْهم أحياءً على أن الحُسبانَ بمعنى اليقين كما في قوله :\[ الطويل \]حسِبتُ التّقى والمجدَ خيرَ تجارة  رَباحاً إذا ما المرءُ أصبح ثاقلاً[(١)](#foonote-١)أو على أنه واردٌ على طريق المشاكلةِ  عِندَ رَبّهِمْ  في محل الرفعِ على أنه خبرٌ ثانٍ للمبتدأ المقدرِ، أو صفةٌ لأحياءٌ، أو في محل النصبِ على أنه حالٌ من الضمير في أحياءٌ، وقيل : هو ظرفٌ لأحياء، أو للفعل بعده، والمرادُ بالعندية التقربُ والزلفي. وفي التعرض لعنوان الربوبيةِ المنبئةِ عن التربية والتبليغِ إلى الكمال مع الإضافة إلى ضميرهم مزيدُ تكرمةٍ لهم  يُرْزَقُونَ  أي من الجنة، وفيه تأكيدٌ لكونهم أحياءً وتحقيقٌ لمعنى حياتِهم. 
قال الإمام الواحدي : الأصحُ في حياة الشهداءِ ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم من أن أرواحَهم في أجواف طيورٍ خُضْرٍ وأنهم يُرزقون ويأكْلون ويتنعمون. ورُوي عنه عليه السلام أنه قال :**«لما أصيب إخوانُكم بأحُدٍ جعل الله أرواحَهم في أجواف طيورٍ خضْرٍ تدور في أنهار الجنة »** وروي :**«ترِدُ أنهارَ الجنةِ وتأكُل من ثمارها وتسرَح من الجنة حيث شاءت وتأوي إلى قناديلَ من ذهب معلقةٍ في ظل العرشِ »** وفيه دَلالةٌ على أن روحَ الإنسانِ جسمٌ لطيفٌ لا يفنى بخراب البَدَن ولا يتوقف عليه إدراكُه وتألُّمه والتذاذُه، ومن قال بتجريد النفوسِ البشريةِ يقول : المرادُ أن نفوسَ الشهداءِ تتمثل طيوراً خُضْراً أو تتعلق بها فتلتذّ بما ذكر. وقيل : المرادُ أنها تتعلق بالأفلاك والكواكبِ فتلتذ بذلك وتكتسب زيادةَ كمالٍ. 
١ ورد في المعجم المفصّل "والجود" بد "المجد" وهو للبيد بن ربيعة في ديوانه ص ٢٤٦ وأساس البلاغة ص ٤٦ (ثقل) والدرر ٢/٢٤٧ ولسان العرب ١١/٨٨ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/٤٤ وشرح ابن عقيل ص ٢١٣ وشرح قطر الندى ص ٢٧٤ والشاهد فيه قوله: "حسبت التقى والجود خير تجارة" حيث ورد الفعل "حسب" مفيدا اليقين، فنصب مفعولين: أولهما "التقى" وثانيهما "خير"..

### الآية 3:170

> ﻿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [3:170]

فَرِحِينَ بِمَا آتاهم الله مِن فَضْلِهِ  وهو شرفُ الشهادةِ والفوزُ بالحياة الأبديةِ والزلفي من الله عز وجل والتمتُّع بالنعيم المخلِّد عاجلاً.  وَيَسْتَبْشِرُونَ  يُسِرّون بالبشارة  بالذين لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم  أي بإخوانهم الذين لم يُقتلوا بعدُ في سبيل الله فيلحقوا بهم  منْ خَلْفِهِمْ  متعلقٌ بيلحقوا والمعنى أنهم بقُوا بعدهم وهم قد تقدموهم، أو بمحذوف وقع حالاً من فاعل يلحقوا أي لم يلحقوا بهم حالَ كونِهم متخلِّفين عنهم باقين في الدنيا  أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ  بدلٌ من الذين بدلَ اشتمالٍ مبينٍ لكون استبشارِهم بحال إخوانِهم لا بذواتهم. وأن هي المخففةُ من أنّ واسمُها ضميرُ الشأنِ المحذوفِ، وخبرُها الجملةُ المنفيةُ أي يستبشرون بما تبين لهم من حسن حالِ إخوانِهم الذين تركوهم وهو أنهم عند قتلِهم يفوزون بحياة أبديةٍ لا يكدِّرُها خوفٌ \[ ولا \] وقوعُ محذور ولا حزنٌ \[ على \] فوات مطلوبٍ، أو لا خوفٌ عليهم في الدنيا من القتل فإنه عينُ الحياةِ التي يجب أن يُرغَبَ فيها فضلاً عن أن تُخافَ وتحذَر، أي لا يعتريهم ما يوجب ذلك لا أنه يعتريهم ذلك لكنهم لا يخافون ولا يحزنون، والمرادُ بيانُ دوامِ انتفاءِ الخوفِ والحزنِ لا بيانُ انتفاءِ دوامِهما كما يوهمه كونُ الخبرِ في الجملة الثانيةِ مضارعاً، فإن النفيَ وإن دخل على نفس المضارعِ يفيدُ الدوامَ والاستمرارَ بحسب المقام.

### الآية 3:171

> ﻿۞ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ [3:171]

يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ  كُرِّر لبيان أن الاستبشارَ المذكورَ ليس بمجرد عدمِ الخوفِ والحزنِ بل به وبما يقارِنُه من نعمةٍ عظيمةٍ لا يقادَرُ قَدْرُها، وهي ثوابُ أعمالِهم، وقد جُوِّز أن يكون الأولُ متعلقاً بحال إخوانِهم، وهذا بحال أنفسِهم بياناً لبعض ما أُجمل في قوله تعالى : فَرِحِينَ بِمَا آتاهم الله مِن فَضْلِهِ  \[ آل عمران، الآية : ١٧٠ \]  مِنَ الله  متعلقٌ بمحذوف وقع صفةً لنعمةٍ مؤكدةً لما أفاده التنكيرُ من الفخامة الإضافيةِ، أي كائنةٍ منه تعالى  وَفَضل  أي زيادةٍ عظيمةٍ كما في قوله تعالى : للَّذِينَ أَحْسَنُوا الحسنى وَزِيَادَةٌ  \[ يونس، الآية ٢٦ \].  وَأَنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المؤمنين  بفتح أن، عطفٌ على فضلٍ منتظمٌ معه في سلك المستبشَرِ به، والمرادُ بالمؤمنين إما الشهداءُ والتعبيرُ عنهم بالمؤمنين للإيذان بسمو رُتبة الإيمانِ وكونِه مناطاً لما نالوه من السعادة، وإما كافةُ أهلِ الإيمانِ من الشهداء وغيرِهم ذُكرت توفيةُ أجورِهم على إيمانهم وعُدَّت من جملة ما يستبشَرُ به الشهداء بحكم الأخُوَة في الدين. وقرئ بكسرها على أنه استئنافٌ معترضٌ دالٌّ على أن ذلك أجرٌ لهم على أن إيمانهم مُشعِرٌ بأن من لا إيمانَ له أعمالُه مُحبطةٌ لا أجرَ له. وفيه من الحث على الجهاد والترغيبِ في الشهادة والبعثِ على ازدياد الطاعةِ وبشرى المؤمنين بالفلاح ما لا يخفي.

### الآية 3:172

> ﻿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ [3:172]

الَّذِينَ استجابوا لِلَّهِ والرسول مِن بَعْدِ مَا أصابهم القرح  صفةٌ مادحةٌ للمؤمنين لا مخصِّصة، أو نُصب على المدح أو رُفع على الابتداء، والخبرُ قوله تعالى : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ واتقوا أَجْرٌ عَظِيمٌ  بجملته، ومن للبيان، والمقصودُ من الجمع بين الوصفين المدحُ والتعليلُ لا التقييدُ لأن المستجيبين كلَّهم محسنون ومتقون. روي أن أبا سفيان وأصحابَه لما انصرفوا من أحُد فبلغوا الرّوحاءَ ندِموا وهموا بالرجوع فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يُرهِبهم ويُريَهم من نفسه وأصحابِه قوةً فندَب أصحابَه للخروج في طلب أبي سفيان، وقال :**«لا يخرُجنَّ معنا إلا من حضر يومَنا بالأمس »** فخرج صلى الله عليه وسلم مع جماعة حتى بلغوا حمراءَ الأسدِ وهي من المدينة على ثمانية أميالٍ وكان بأصحابه القرْحُ فتحاملوا على أنفسهم حتى لا يفوتَهم الأجرُ وألقى الله تعالى الرعبَ في قلوب المشركين فذهبوا فنزلت.

### الآية 3:173

> ﻿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [3:173]

الذين قَالَ لَهُمُ الناس  يعني الركبُ الذين استقبلوهم من عبد قيسٍ أو نُعيم بنِ مسعودٍ الأشجعي، وإطلاقُ الناس عليه لما أنه من جنسهم وكلامُه كلامُهم، يقال : فلان يركبُ الخيلَ ويلبَسُ الثيابَ وما له سوى فرسٍ فردٍ وغيرُ ثوبٍ واحد، أو لأنه انضم إليه ناسٌ من المدينة وأذاعوا كلامَه  إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فاخشوهم  ( رُوي أن أبا سفيان نادى عند انصرافِه من أحُد : يا محمدُ موعدُنا موسمُ بدرٍ القابلُ إن شئت، فقال عليه السلام :**«إن شاء الله تعالى »** فلما كان القابلُ خرج أبو سفيان في أهل مكةَ حتى نزل مرَّ الظهرانِ فألقى الله تعالى في قلبه الرعبَ وبدا له أن يرجِع فمر به ركبٌ من بني عبدِ قيسٍ يُريدون المدينةَ للمِيرَة فشرَط لهم حِملَ بعيرٍ من زبيب إن ثبّطوا المسلمين )، وقيل : لقيَ نُعيمُ بنَ مسعودٍ وقد قدِم معتمِراً فسأله ذلك والتزم له عشراً من الإبل وضمِنها منه سهيلُ بنُ عمرو، فخرج نُعيمٌ ووجد المسلمين يتجهزون للخروج فقال لهم : أتَوْكم في دياركم فلم يُفلت منكم أحدٌ إلا شريدٌ أفترَوْن أن تخرُجوا وقد جمعوا لكم ففِرُّوا، فقال عليه السلام :**«والذي نفسي بيده لأخرُجَنَّ ولو لم يخرُجْ معي أحدٌ »** فخرج في سبعين راكباً كلُّهم يقولون : حسبُنا الله ونعم الوكيل. قيل : هي الكلمة التي قالها إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين ألقي في النار.  فَزَادَهُمْ إيمانا  الضميرُ المستكنّ للمقول أو لمصدرِ قال أو لفاعله إن أُريد به نُعيمٌ وحدَه، والمعنى أنهم لم يلتفتوا إلى ذلك بل ثبَت به يقينُهم بالله تعالى وازداد اطمئنانُهم وأظهروا حميةَ الإسلامِ وأخلصوا النيةَ عنده، وهو دليلٌ على أن الإيمانَ يتفاوت زيادةً ونقصاناً فإن ازديادَ اليقينِ بالإلْفِ وكثرةِ التأملِ وتناصُرِ الحجج مما لا ريب فيه، ويعضُده قولُ ابنِ عمرَ رضي الله تعالى عنهما قلنا : يا رسولَ الله الإيمانُ يزيدُ وينقص، قال :**«نعم يزيد حتى يُدخِلَ صاحبَه الجنةَ وينقُص حتى يدخِلَ صاحبَه النار »**  وَقَالُوا حَسْبُنَا الله  أي مُحْسِبُنا الله وكافينا من أحسبه إذا كفاه. والدليلُ على أنه بمعنى المُحسب أنه لا يستفيد بالإضافة تعريفاً في قولك : هذا رجلٌ حسبُك  وَنِعْمَ الوكيل ، أي نعم الموكولُ إليه، والمخصوصُ بالمدح محذوفٌ أي الله عز وجل.

### الآية 3:174

> ﻿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [3:174]

فانقلبوا  عطفٌ على مقدّر ينسحبُ عليه الكلامُ أي فخرجوا إليهم ووافَوا الموعِد. روي أنه عليه الصلاة والسلام وافي بجيشه بدراً وأقام بها ثمانيَ ليالٍ وكانت معهم تجاراتٌ فباعوها وأصابوا خيراً كثيراً، والباء في قوله تعالى : بِنِعْمةٍ  متعلقةٌ بمحذوف وقع حالاً من الضمير في فانقلبوا، والتنوينُ للتفخيم أي فرَجَعوا من مقصِدهم ملتبسين بنعمة عظيمةٍ لا يقادَر قدرُها وقوله عز وجل : مِنَ الله  متعلقٌ بمحذوف وقعَ صفةً لنعمة مؤكدةً لفخامتها الذاتيةِ التي يفيدها التنكيرُ بالفخامة الإضافيةِ أي كائنةٍ من الله تعالى وهي العافيةُ والثباتُ على الإيمان والزيادةُ فيه وحذَرُ العدوِّ منهم  وَفَضْلٍ  أي ربحٍ في التجارة وتنكيره أيضاً للتفخيم  لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء  حالٌ أخرى من الضمير في فانقلبوا أو من المستكنِّ في الحال كأنه قيل : منعّمين حالَ كونِهم سالمين عن السوء والحالُ إذا كان مضارعاً منفياً بلم وفيه ضميرُ ذي الحالِ جاز فيه دخولُ الواوِ كما في قوله تعالى : أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيء  \[ الأنعام، الآية ٩٣ \] وعدمُه كما في هذه الآية الكريمة وفي قوله تعالى : وَرَدَّ الله الذين كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً  \[ الأحزاب، الآية ٢٥ \]،  واتبعوا  في كل ما أتَوا من قول وفعل  رضوان الله  الذي هو مناطُ الفوزِ بخير الدارين  والله ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ  حيث تفضَّل عليهم بالتثبيت وزيادةِ الإيمانِ والتوفيقِ للمبادرة إلى الجهاد والتصلبِ في الدين وإظهارِ الجراءةِ على العدو، وحفِظَهم عن كل ما يسوءهم مع إصابة النفعِ الجليلِ، وفيه تحسيرٌ لمن تخلّف عنهم وإظهارٌ لخطأ رأيِهم حيث حرَموا أنفسَهم ما فاز به هؤلاء. روي أنهم قالوا : هل يكون هذا غزواً ؟ فأعطاهم الله تعالى ثوابَ الغزوِ ورضي عنهم.

### الآية 3:175

> ﻿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [3:175]

إِنَّمَا ذلكم  إشارةٌ إلى المثبَّط أو إلى مَنْ حمله على التثبيط والخطابُ للمؤمنين وهو مبتدأ وقولُه تعالى : الشيطان  إما خبرُه وقوله تعالى : يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ  جملةٌ مستأنفةٌ مبيِّنة لشيطنته أو حالٌ كما في قوله تعالى : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً  \[ النمل، الآية ٥٢ \] الخ، وإما صفتُه والجملةُ خبرُه ويجوز أن تكون الإشارةُ إلى قوله على تقدير مضافٍ أي إنما ذلكم قولُ الشيطانِ أي إبليسَ، والمستكنُّ في  يُخَوّفُ  إما للمقدر وإما للشيطان بحذف الراجعِ إلى المقدر أي يخوِّف به، والمرادُ بأوليائه إما أبو سفيان وأصحابُه فالمفعولُ الأولُ محذوفٌ أي يخوفكم أولياءَه كما هو قراءةُ ابنِ عباس وابنِ مسعودٍ ويؤيِّده قولُه تعالى : فَلاَ تَخَافُوهُمْ  أي أولياءَه  وَخَافُونِ  في مخالفة أمري، وإما القاعدون فالمفعولُ الثاني محذوفٌ أي يخوفهم الخروجَ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والضميرُ البارزُ في  فَلاَ تَخَافُوهُمْ  للناس الثاني أي فلا تخافوهم فتقعُدوا عن القتال وتجبُنوا وخافوني فجاهدوا مع رسولي وسارعوا إلى ما يأمُركم به. والخطابُ لفريقَي الخارجين والقاعدين، والفاءُ لترتيب النهي أو الانتهاءِ على ما قبلَها فإن كونَ المَخوفِ شيطاناً مما يوجب عدمَ الخوفِ والنهي عنه  إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ  فإن الإيمانَ يقتضي إيثارَ خوفِ الله تعالى على خوف غيرِه ويستدعي الأمنَ من شر الشيطانِ وأوليائِه.

### الآية 3:176

> ﻿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ۚ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ۗ يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [3:176]

وَلاَ يَحْزُنكَ  تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتشريفه بتخصيصه بالتسلية والإيذانِ بأصالته في تدبير أمورِ الدينِ والاهتمامِ بشؤونه  الذين يسارعون في الكفر  أي يقعون فيه سريعاً لغاية حرصِهم عليه وشدةِ رَغبتِهم فيه، وإيثارُ كلمةِ  في  على ما وقع في قوله تعالى : سَارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ  \[ آل عمران، الآية ١٣٣ \] الآية، للإشعار باستقرارهم في الكفر ودوام ملابستهم له في مبدأ المسارعة ومنتهاها كما في قوله تعالى : أُوْلَئِكَ يسارعون فِي الخيرات  \[ آل عمران، الآية ١٣٣ \] فإن ذلك مؤذِنٌ بملابستهم للخيرات وتقلّبِهم في فنونها في طرفي المسارعةِ وتضاعيفِها، وأما إيثار كلمة  إلى  في قوله تعالى : وَسَارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ من رَبّكُمْ وَجَنَّةٍ  \[ المؤمنون، الآية ٦١ \] الخ، فلأن المغفرةَ والجنةَ منتهى المسارعةِ وغايتُها، والمرادُ بالموصول المنافقون من المتخلفين وطائفةٌ من اليهود حسبما عُيِّن في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الرسول لاَ يَحْزُنكَ الذين يُسَارِعُونَ فِي الكفر مِنَ الذين قَالُوا آمَنَّا بأفواههم وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الذين هِادُوا  \[ المائدة، الآية ٤١ \] وقيل : قوم ارتدوا عن الإسلام، والتعبيرُ عنهم بذلك للإشارة بما في حيز الصلةِ إلى مَظِنة وجودِ المنهيِّ عنه واعترائِه لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي لا يَحْزُنوك بمسارعتهم في الكفر ومبادرتِهم إلى تنفيذ أحكامِه ومُظاهرتِهم لأهله، وتوجيهُ النهي إلى جهتهم مع أن المقصودَ نهيُه عليه الصلاة والسلام عن التأثر منهم للمبالغة في ذلك لما أن النهيَ عن التأثير نهيٌ عن التأثّر بأصله ونفيٌ له بالمرة، وقد يُوجِّه النهيُ إلى اللازم والمرادُ هم النهيُ عن الملزوم كما في قولك : لا أُرَينّك هاهنا. وقرئ لا يُحزِنْك من أحزن المنقولِ من حزِن بكسر الزاء، والمعنى واحدٌ، وقيل : معنى حزَنه جعل فيه حُزْناً كما في دهَنه أي جعل فيه دُهْناً ومعنى أحزنه جعله حزيناً، وقيل : معنى حزَنه أحدث له الحزَن ومعنى أحزنه عرَّضه للحُزْن.  إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا الله  تعليلٌ للنهي وتكميلٌ للتسلية بتحقيق نفيِ ضررِهم أبداً، أي لن يضروا بذلك أولياءَ الله البتةَ، وتعليقُ نفي الضررِ به تعالى لتشريفهم والإيذانِ بأن مُضارَّتَهم بمنزلة مضارَّتِه سبحانه، وفيه مزيدُ مبالغةٍ في التسلية، وقوله تعالى : شَيْئاً  في حيز النصبِ على المصدرية أي شيئاً من الضرر، والتنكيرُ لتأكيد ما فيه من القلة والحقارةِ، وقيل : على نزع الجارِّ أي بشيء ما أصلاً، وقيل : المعنى لن يَنقصُوا بذلك من مُلكه تعالى وسلطانِه شيئاً كما روى أبو ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«يقول الله تعالى :«لو أنَّ أولَكم وآخِرَكم وجِنّكم وإنسَكُم كانوا على قلب أتقى رجُلٍ منكم ما زادَ ذلكَ في مُلكي شيئاً. ولو أنَّ أولَكم وآخرَكم وجنَّكُم وإنسَكُم كانوا على قلب أفجرِ رجلٍ منكم ما نَقَصَ ذلكَ من مُلكي شيئاً »** والأولُ هو الأنسبُ بمقام التسليةَ والتعليل.  يُرِيدُ الله أَن لا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً في الآخرة  استئنافٌ مبينٌ لسرّ ابتلائهم بما هم فيه من انهماكٍ في الكفر، وفي ذكر الإرادةِ -من الإيذان بكمال خلوصِ الداعي إلى حرمانهم وتعذيبِهم حيث تعلّقت بهما إرادةُ أرحمِ الراحمين ما لا يخفي، وصيغةُ الاستقبالِ للدِلالة على دوام الإرادةِ واستمرارِها، أي يريد الله بذلك أن لا يجعلَ لهم في الآخرة حظاً ما من الثواب ولذلك تركهم في طغيانهم يعمهون إلى أن يهلِكوا على الكفر  وَلَهُمْ  مع ذلك الحِرمانِ الكلي  عَذَابٌ عظِيمٌ  لا يقادَرُ قدرُه، قيل : لمّا دلت المسارعةُ في الشيء على عِظَم شأنِه وجلالةِ قدرِه عند المسارِعِ وُصف عذابُه بالعِظَم رعايةً للمناسبة وتنبيهاً على حقارة ما سارعوا فيه وخساستِه في نفسه، والجملةُ إما مبتدَأةٌ مبيِّنةٌ لحظهم من العقاب إثرَ بيانِ أن لا شيءَ لهم من الثواب، وإما حالٌ من الضمير في لهم أي يريد الله حِرمانَهم من الثواب مُعدّاً لهم عذابٌ عظيم.

### الآية 3:177

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [3:177]

إِنَّ الذين اشتروا الكفر بالإيمان  أي أخذوه بدلاً منه رغبةً فيما أخذوه وإعراضاً عما تركوه، وقد مر تحقيقُ القولِ في هذه الاستعارةِ في تفسير قوله عز وجل : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى  \[ البقرة، الآية ١٦ و١٧٥ \] مستوفي.  لَن يَضُرُّوا الله شَيْئاً  تفسيرُه كما مر، غيرَ أن فيه تعريضاً ظاهراً باقتصار الضررِ عليهم كأنه قيل : وإنما يضُرون أنفسَهم، فإن جُعل الموصولُ عبارةً عن المسارعين المعهودين -بأن يُرادَ باشتراء الكفرِ بالإيمان إيثارُه عليه إما بأخذه بدلاً من الإيمان الحاصلِ بالفعل كما هو حالُ المرتدين أو بالقوة القريبةِ منه الحاصلةِ بمشاهدة دلائلِه في التوراة كما هو شأنُ اليهودِ ومنافقيهم- فالتكريرُ لتقرير الحُكم وتأكيدِه ببيان علتِه بتغيير عنوانِ الموضوعِ، فإن ما ذكر في حيز الصلةِ من الاشتراء المذكورِ صريحٌ في لُحوق ضررِه بأنفسِهم وعدم تعدّيه إلى غيرهم أصلاً، كيف لا وهو عَلَمٌ في الخسران الكليِّ والحِرمانِ الأبدي دالٌّ على كمال سخافةِ عقولِهم وركاكةِ آرائِهم فكيف يتأتى منهم ما يتوقفُ على قوة الحزمِ ورزانةِ الرأيِ ورصانةِ التدبيرِ من مُضارّة حزبِ الله تعالى وهي أعزُّ من الأبلقِ الفردِ وأمنعُ من عُقاب الجوِّ. وإن أُجري الموصولُ على عمومه -بأن يراد بالاشتراء المذكورِ القدرُ المشتركُ الشاملُ للمعنيين المذكورين ولأخذ الكفرِ بدلاً مما نُزل منزلةَ نفسِ الإيمانِ من الاستعداد القريبِ له الحاصلِ بمشاهدة الوحيِ الناطقِ وملاحظةِ الدلائلِ المنصوبةِ في الآفاق والأنفسِ كما هو دأبُ جميعِ الكفرةِ -فالجملةُ مقرِّرةٌ لمضمون ما قبلها تقريرَ القواعدِ الكليةِ لما اندرج تحتها من جزئيات الأحكامِ. هذا وقد جوِّز كونُ الموصولِ الأولِ عاماً للكفار والثاني خاصاً بالمعهودين، وأنت خبيرٌ بأنه مع خلوّه عن النكَتِ المذكورةِ مما لا يليق بفخامة شأنِ التنزيلِ لما أن صدورَ المسارعةِ في الكفر بالمعنى المذكورِ وكونَها مظِنةً لإيراث الحَزَنِ لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما يفهم من النهي عنه إنما يُتصور مما عُلم اتصافُه بها، وأما من لا يُعرف حالُه من الكفرة الكائنين في الأماكن البعيدةِ فإسنادُ المسارعةِ المذكورةِ إليهم باعتبار كونِها من مبادئ حُزْنِه عليه السلام مما لا وجه له وقوله تعالى : وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  جملةٌ مبتدأة مبينةٌ لكمال فظاعةِ عذابِهم بذكر غايةِ إيلامِه بعد ذكرِ نهايةِ عِظَمِه. قيل : لما جرت العادةُ باغتباط المشتري بما اشتراه وسرورِه بتحصيله عند كونِ الصفقةِ رابحةً وبتألمه عند كونِها خاسرةً وُصف عذابُهم بالإيلام مراعاةً لذلك.

### الآية 3:178

> ﻿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [3:178]

وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنفُسِهِمْ  عطفٌ على قوله تعالى : وَلاَ يحزُنكَ الذين  \[ آل عمران، الآية ١٧٦ \] الآية، والفعلُ مسندٌ إلى الموصول و  أن  بما في حيّزها سادةٌ مسدَّ مفعوليه عند سيبويهِ لتمام المقصودِ بها وهو تعلقُ الفعلِ القلبيِّ بالنسبة بين المبتدأ والخبرِ أو مسدَّ أحدِهما والآخرُ محذوفٌ عند الأخفش، وما مصدريةٌ أو موصولةٌ حذف عائدُها ووصلُها في الكتابة لاتّباع الإمامِ أي لا يحسبن الكافرون أن إملاءنا لهم أو أن ما نُمليه لهم خيرٌ لأنفسهم، أو لا يحسبن الكافرون خيريةَ إملائِنا لهم أو خيريةَ ما نُمليه لهم ثابتةٌ أو واقعةٌ ومآلُه نهيُهم عن السرور بظاهر إملائِه تعالى لهم بناءً على حُسبان خيريّتِه لهم وتحسيرِهم ببيان أنه شرٌّ بحتٌ وضررٌ محضٌ كما أن مآلَ المعطوفِ عليه نهيُ الرسولِ صلى الله عليه وسلم عن الحزن بظاهر حالِ الكفرةِ بناءً على توهم الضررِ من قِبَلهم وتسليتِه عليه السلام ببيان عجزِهم عن ذلك بالكلية، والمرادُ بالموصول إما جنسُ الكفرةِ فيندرج تحت حكمِه الكليِّ أحكامُ المعهودين اندراجاً أولياً، وإما المعهودون خاصة فإيثارُ الإظهارِ يدلّ على الإضمار لرعاية المقارنةِ الدائمة بين الصلةِ وبين الإملاءِ الذي هو عبارةٌ عن إمهالهم وتخليتِهم وشأنَهم دهراً طويلاً، فإن المقارنَ له دائماً إنما هو الكفرُ المستمرُّ لا المسارعةُ المذكورةُ ولا الاشتراءُ المذكورُ فإنهما من الأحوال المتجددةِ المنْقضيةِ في تضاعيف الكفرِ المستمرِّ. وقرئ لا تحسبن بالتاء والخطابُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الأنسبُ بمقام التسليةِ، أو لكل من يتأتى منه الحُسبانُ قصداً إلى إشاعة فظاعةِ حالِهم، والموصولُ مفعولٌ و  أنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ  \[ آل عمران، الآية : ١٧٨ \] إما بدلٌ منه وحيث كان التعويلُ على البدل وهو سادٌّ مسدَّ المفعولين كما في قوله تعالى : أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ  \[ الفرقان، الآية ٤٤ \] اقتُصر على مفعولٍ واحدٍ كما في قولك : جعلتُ المتاعَ بعضَه فوق بعضٍ، وإما مفعولٌ ثانٍ بتقدير مضافٍ : إما فيه أي لا تحسبن الذين كفروا أصحابَ أن الإملاءِ خيرٌ لأنفسهم أو في المفعول الأولِ أي لا تحسبن حالَ الذين كفروا أن الإملاء خيرٌ لأنفسهم، ومعنى التفضيلِ باعتبارِ زعمِهم.  إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمَاً  استئنافٌ مبينٌ لحكمةِ الإملاءِ، وما كافة واللامُ لامُ الإرادة وعند المعتزلةِ لامُ العاقبة، وقرئ بفتح الهمزة هاهنا على إيقاع الفعلِ عليه، وكسرُها فيما سبق على أنه اعتراضٌ بين الفعل ومعمولِه مفيدٌ لمزيد الاعتناءِ بإبطال الحسبانِ وردِّه على معنى لا يحسَبن الكافرون أن إملاءنا لهم لازدياد الإثمِ حسبما هو شأنُهم بل إنما هو لتلافي ما فَرَط منهم بالتوبة والدخولِ في الإيمان  وَلَهُمْ  في الآخرة  عَذَابٌ مُهِينٌ  لمّا تضمّنَ الإملاءُ التمتيعَ بطيبات الدنيا وزينتِها وذلك مما يستدعي التعزّزَ والتجبّر وُصف عذابُهم بالإهانة ليكون جزاؤهم جزاءً وفاقاً، والجملةُ إما مبتدأةٌ مبيّنةٌ لحالهم في الآخرة إِثرَ بيانِ حالِهم في الدنيا، وإما حالٌ من الواو أي ليزدادوا إثماً مُعداً لهم عذابٌ مهين، وهذا متعيِّن على القراءة الأخيرة.

### الآية 3:179

> ﻿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ [3:179]

مَا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين على مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ  كلامٌ مستأنفٌ مَسوقٌ لوعد المؤمنين ووعيدِ المنافقين بالعقوبة الدنيويةِ التي هي الفضيحةُ والخِزْيُ إثرَ بيانِ عقوبتِهم الأخرويةِ، والمرادُ بالمؤمنين المخلصون، وأما الخطابُ فقد قيل : إنه لجمهور المصدِّقين من أهل الإخلاصِ وأهلِ النفاقِ، ففيه التفاتٌ في ضمن التلوينِ، والمرادُ بما هم عليه اختلاطُ بعضِهم بعضاً واستواؤهم في إجراء أحكامِ الإسلامِ عليهم، إذ هو القدرُ المشترك بين الفريقين، وقيل : إنه للكفار والمنافقين وهو قولُ ابنِ عباسٍ والضحاكِ ومقاتلٍ والكلبيِّ وأكثرِ المفسرين، ففيه تلوين فقط، ولعل المنافقين عطفٌ تفسيريٌ للكفار وإلا فلا شركةَ بين المؤمنين والمنافقين في أمر من الأمور، والمرادُ بما هم عليه ما مر من القدر المشتركِ فإنه كما يجوز نسبتُه إلى الفريقين معاً يجوز نسبتُه إلى كل منهما لا الكفرُ والنفاقُ كما قيل، فإن المؤمنين ما كانوا مشاركين لهم في ذلك حتى لا يُتركوا عليه، وقيل : إنه للمؤمنين خاصة وهو قولُ أكثرِ أهلِ المعاني ففيه تلوينٌ والتفاتٌ كما مر، والتعرضُ لإيمانهم قبل الخطابِ للإشعار بعلة الحُكم، والمرادُ بما هم عليه ما مر غيرَ مرةٍ، والأولُ هو الأقربُ وإليه جنَح المحقِّقون من أهل التفسير لكونه صريحاً في كون المرادِ بما هم عليه ما ذُكر من القدر المشتركِ بين الفريقين من حيث هو مشترَكٌ بينهما بخلاف القولين الأخيرين فإنهما بمعزل من ذلك، كيف لا والمفهومُ مما عليه المنافقون هو الكفرُ والنفاقُ، ومما عليه المؤمنون هو الإيمانُ والإخلاصُ لا القدرُ المشتركُ بينهما، ولئن فُهم ذلك فإنما يفهم من حيث الانتسابُ إلى أحدهما لا من حيث الانتسابُ إليهما معاً، وعليه يدور أمرُ الاختلاطِ المُحوِجِ إلى الإفراز. واللام في ليذر إما متعلقةٌ بالخبر المقدّرِ لكان كما هو رأيُ البَصْريةِ، وانتصابُ الفعل بعدها بأن المقدرةِ أي ما كان الله مريداً أو متصدياً لأن يذَرَ المؤمنين الخ، ففي توجيهِ النفيِ إلى إرادة الفعلِ تأكيدُ مبالغةٍ ليست في توجيهه إلى نفسه، وإما مزيدةٌ للتأكيد ناصبةٌ للفعل بنفسها كما هو رأيُ الكوفية، ولا يقدح في ذلك زيادتُها كما لا يقدح زيادةُ حروفِ الجرِّ في عملها. وقوله عز وجل : حتى يَمِيزَ الخبيث مِنَ الطيب  غايةٌ لما يفيده النفيُ المذكورُ كأنه قيل : ما يتركهم الله تعالى على ذلك الاختلاطِ بل يقدِّر الأمورَ ويرتب الأسبابَ حتى يعزِلَ المنافقَ من المؤمن، وفي التعبير عنهما بما ورد به النظمُ الكريمُ تسجيلٌ على كلَ منهما بما يليق به، وإشعارٌ بعلة الحُكمِ. وإفرادُ الخبيثِ والطيبِ مع تعددهما أريد بكل منهما وتكثره لاسيما بعد ذكرِ ما أريد بأحدهما أعني المؤمنين بصيغة الجمعِ للإيذان بأن مدارَ إفرازِ أحدِ الفريقين من الآخر هو اتصافُهما بوصفهما لا خصوصيةُ ذاتِهما وتعددُ آحادِهما كما في مثل قوله تعالى : ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُوا  \[ النساء، الآية ٣ \] ونظيرُه قولُه تعالى : تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَت  \[ الحج، الآية ٢ \] حيث قصد الدَلالةَ على الاتصاف بالوصف من غير تعرضٍ لكون الموصوفِ من العقلاء أو غيرِهم، وتعليقُ المَيْزِ بالخبيث المعبَّرِ به عن المنافق مع أن المتبادرَ مما سبق من عدم تركِ المؤمنين على الاختلاطِ تعلقُه بهم وإفرازُهم عن المنافقين لما أن المَيْزَ الواقع بين الفريقين إنما هو بالتصرف في المنافقين وتغييرِهم من حال إلى حال مغايرةٍ للأولى مع بقاء المؤمنين على ما كانوا عليه من أصل الإيمانِ وإن ظهر مزيدُ إخلاصِهم لا بالتصرف فيهم وتغييرِهم من حال إلى حالٍ أخرى مع بقاء المنافقين على ما هم عليه من الاستتار، ولأن فيه مزيدَ تأكيدٍ للوعيد كما أشير إليه في قوله تعالى : والله يَعْلَمُ المفسد مِنَ المصلح  \[ البقرة، الآية ٢٢٠ \] وإنما لم يُنسَبْ عدمُ التركِ إليهم لما أنه مُشعِرٌ باعتناءٍ بشأنِ من نُسب إليه فإن المتبادرَ منه عدمُ تركِه على حالة غيرِ ملائمةٍ كما يشهد به الذوقُ السليمُ، وقرئ حتى يُميِّزَ من التمييز، وقوله تعالى : وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب  تمهيدٌ لبيان المَيزِ الموعودِ على طريق تجريدِ الخطابِ للمخلِصين تشريفاً لهم وقوله عز وجل : وَلَكِنَّ الله يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشَاء  إشارةٌ إلى كيفية وقوعِه على سبيل الإجمالِ، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في الموضعين لتربية المهابةِ، فالمعنى ما كان الله ليترُك المخلِصين على الاختلاط بالمنافقين بل يرتبُ المبادئ حتى يُخرِجَ المنافقين من بينهم وما يفعل ذلك باطلاعكم على ما في قلوبهم من الكفر والنفاقِ ولكنه تعالى يوحي إلى رسوله عليه السلام فيخبرُه بذلك وبما ظهر منهم من الأقوال والأفعال حسبما حُكي عنهم بعضُه فيما سلف فيفضحهم على رؤوس الأشهادِ ويخلّصكم من خسة الشركاءِ وسوءِ جوارِهم، والتعرضُ للاجتباء للإيذان بأن الوقوفَ على أمثال تلك الأسرار الغيبيةِ لا يتأتى إلا ممن رشحه الله تعالى لمنصِب جليلٍ تقاصرت عنه هممُ الأممِ واصطفاه على الجماهير لإرشادهم، وتعميمُ الاجتباء لسائر الرسل عليهم السلام للدِلالة على أن شأنَه عليه السلام في هذا البابِ أمرٌ متينٌ له أصلٌ أصيلٌ جارٍ على سنة الله تعالى المسلوكةِ فيما بين الرسلِ الخاليةِ عليهم السلام. وتعميمُ الأمر في قوله تعالى : فآمنوا بالله ورسله  مع أن سَوْقَ النظمِ الكريم للإيمان بالنبي عليه الصلاة والسلام لإيجاب الإيمانِ بالطريق البرهاني والإشعارِ بأن ذلك مستلزِمٌ للإيمان بالكل، لأنه مصدِّقٌ لما بين يديه من الرسل وهم شهداءُ بصحة نبوتِه عليه الصلاة والسلام، والمأمورُ به الإيمانُ بكل ما جاء به عليه الصلاة والسلام فيدخُل فيه تصديقُه عليه السلام فيما أخبَر به من أحوال المنافقين دخولاً أولياً هذا هو الذي تقتضيه جزالةُ النظمِ الكريمِ. وقد جُوِّز أن يكون المعنى لا يتركُكم مختلطين حتى يميزَ الخبيثَ من الطيب بأن يكلّفَكم التكاليفَ الصعبةَ التي لا يصبِر عليها إلا الخُلّصُ الذين امتحن الله تعالى قلوبَهم كبذل الأرواحِ في الجهاد وإنفاقِ الأموالِ في سبيل الله تعالى فيُجعل ذلك عِياراً على عقائدكم وشاهداً بضمائركم حتى يعلمَ بعضُكم بما في قلب بعض بطريق الاستدلالِ من جهة الوقوفِ على ذات الصدورِ فإن ذلك مما استأثر الله تعالى به. وأنت خبيرٌ بأن الاستدراكَ باجتباء الرسلِ المنبئ عن مزيد مزيتِهم وفضلِ معرفتِهم على الخلق -إثرَ بيانِ قصورِ رتبتِهم عن الوقوف على خفايا السرائرِ- صريحٌ في أن المرادَ إظهارُ تلك السرائرِ بطريق الوحيِ لا بطريق التكليفِ بما يؤدي إلى خروج أسرارِهم عن رتبة الخفاءِ، وأقربُ من ذلك حملُ الآيةِ الكريمةِ على أن تكون مسوقةً لبيان الحِكمة في إملائه تعالى للكفرة إثرَ بيانِ شريعتِه لهم فالمعنى ما كان الله ليذر المخلِصين على الاختلاط أبداً كما تركهم كذلك إلى الآن لسرٍّ يقتضيه بل يفرُز عنهم المنافقين، ولذلك فعله يومئذ حيث خلّى الكفرةَ وشأنَهم فأبرز لهم صورةَ الغَلَبةِ فأظهر مَنْ في قلوبهم مرضٌ ما فيها من الخبائث وافتُضحوا على رؤوس الأشهادِ. وقيل : قال الكافرون : إن كان محمدٌ صادقاً فليُخبِرْنا مَنْ يؤمن منا ومن يكفرُ فنزلت.  وَإِن تُؤْمِنُوا  أي بما ذكر حقَّ الإيمان  وَتَتَّقُوا  أي عدمَ مراعاةِ حقوقِه أو النفاقَ  فَلَكُمْ  بمقابلة ذلك الإيمانِ والتقوى  أَجْرٌ عَظِيمٌ  لا يُبلغ كُنهُه.

### الآية 3:180

> ﻿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [3:180]

وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلُونَ بِمَا آتاهم الله مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ  بيانٌ لحال البخلِ ووخامةِ عاقبتِه وتخطئةٌ لأهله في توهم خِيرتِه حسَبَ بيانِ حالِ الإملاءِ، وإيرادُ ما بخِلوا به، بعنوان إيتاءِ الله تعالى إياه من فضله، للمبالغة في بيان سوءِ صنيعِهم فإن ذلك من موجبات بَذلِه في سبيله كما في قوله تعالى : وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ  \[ الحديد، الآية ٧ \] والفعلُ مسندٌ إلى الموصول، والمفعولُ الأولُ محذوفٌ لدِلالة الصلةِ عليه، وضميرُ الفصل راجعٌ إليه أي لا يحسَبن الباخلون بما آتاهم الله من فضله من غير أن يكون لهم مَدخلٌ فيه أو استحقاقٌ له هو خيراً لهم من إنفاقه، وقيل : الفعلُ مسندٌ إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى ضمير من يحسَبُ، والمفعولُ الأولُ هو الموصولُ بتقدير مضافٍ، والثاني ما ذُكر كما هو كذلك على قراءة الخِطاب أي ولا تحسبن بخلَ الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم  بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ  التنصيصُ على شرِّيته لهم مع إدراكها من نفي خيريّتِه للمبالغة في ذلك، والتنوينُ للتفخيم، وقوله تعالى : سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القيامة  بيانٌ لكيفية شرِّيته أي سيلزَمون وبالَ ما بخِلوا به من الزكاة حيةً في عنقه تنهشُه من قَرنه إلى قدمه وتنقُر رأسَه وتقول : أنا مالُك.  وَللَّهِ  وحده لا لأحد غيرِه استقلالاً أو اشتراكاً  مِيرَاثُ السماوات والأرض  أي ما يتوارثه أهلُهما من مال وغيرِه من الرسالات التي يتوارثها أهلُ السماواتِ والأرض فما لهم يبخلون عليه بمُلكه ولا يُنفقونه في سبيله ؟ أو أنه يرث منهم ما يُمسِكونه ولا ينفقونه في سبيله تعالى عند هلاكِهم وتدوم عليهم الحسرةُ والندامة  والله بِمَا تَعْمَلُونَ  من المنع والبخلِ  خَبِيرٌ  فيجازيكم على ذلك. وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موضع الإضمارِ لتربية المهابةِ، والالتفاتُ للمبالغة في الوعيد، والإشعارِ باشتداد غضبِ الرحمان الناشئ من ذكر قبائحِهم، وقرئ بالياء على الظاهر.

### الآية 3:181

> ﻿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ۘ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [3:181]

لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قَالُوا إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء  قالته اليهودُ لما سمعوا قوله تعالى : مَن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا  وروي أنه عليه السلام كتب مع أبي بكر رضي الله عنه إلى يهودِ بني قَينُقاعَ يدعوهم إلى الإسلام وإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ وأن يُقرضوا الله قرضاً حسناً، فقال فنحاصُ : إن الله فقيرٌ حتى سألنا القَرْضَ فلطمه أبو بكر رضي الله عنه في وجهه وقال : لولا الذي بيننا وبينكم من العهد لضربت عُنقَك فشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجحد ما قاله فنزلت. والجمعُ حينئذ مع كون القائلِ واحداً لرضا الباقين بذلك والمعنى أنه لم يخْفَ عليه تعالى وأعد له من العذاب كِفاءً. والتعبيرُ عنه بالسماع للإيذان بأنه من الشناعة والسماجة بحيث لا يرضى قائلُه بأن يسمَعَه سامعٌ، والتوكيدُ القَسَميُّ للتشديد في التهديد والمبالغةِ في الوعيد.  سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا  أي سنكتب ما قالوه من العظيمة الشنعاءِ في صحائف الحفَظةِ أو سنحفظه ونُثبته في علمنا لا ننساه ولا نَهمله كما يثبت المكتوب، والسين للتأكيد أي لن يفوتنا أبداً تدوينُه وإثباتُه لكونه في غاية العِظم والهولِ كيف لا وهو كفرٌ بالله تعالى واستهزاءٌ بالقرآن العظيم والرسولِ الكريمِ ولذلك عُطف عليه قوله تعالى : وَقَتْلهم الأنبياء  إيذاناً بأنهما في العِظم إخوانٌ وتنبيهاً على أنه ليس بأول جريمةٍ ارتكبوها بل لهم فيه سوابقُ، وأن من اجترأ على قتل الأنبياءِ لم يُستبعَدْ منه أمثالُ هذه العظائمِ، والمرادُ بقتلهم الأنبياءَ رضاهم بفعل أسلافِهم، وقوله تعالى : بِغَيْرِ حَقّ  متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً من قتلهم، أي كائناً بغير حقَ في اعتقادهم أيضاً كما هو في نفس الأمرِ، وقرئ سيَكتُب على البناء للفاعل وسيُكتَبُ على البناء للمفعول وقتلُهم بالرفع  وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الحريق  أي وننتقم منهم بعد الكَتْبةِ بأن نقول لهم : ذوقوا العذابَ المُحرِقَ كما أذقتم المسلمين الغُصَصَ. وفيه من المبالغات ما لا يخفى، وقرئ ويقول بالياء ويُقال على البناء للمفعول.

### الآية 3:182

> ﻿ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [3:182]

ذلك  إشارةٌ إلى العذاب المذكورِ وما فيه من معنى البعدِ للدِلالة على عِظَم شأنِه وبُعدِ منزلتِه في الهول والفظاعةِ، وهو مبتدأٌ خبرُه قوله تعالى : بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ  أي بسبب ما اقترفتموه من قتل الأنبياءِ والتفوُّه بمثل تلك العظيمةِ وغيرِها من المعاصي، والتعبيرُ عن الأنفس بالأيدي لما أن عامة أفاعيلِها تزاوَلُ بهن، ومحلُّ  أنّ  في قوله تعالى : وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام للعَبِيدِ  الرفعُ على أنه خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ، والجملةُ اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّرٌ لمضمون ما قبلها، أي والأمرُ أنه تعالى ليس بمعذِّب لعبيده بغير ذنبٍ من قِبلهم، والتعبيرُ عن ذلك بنفي الظلمِ مع أن تعذيبَهم بغير ذنبٍ ليس بظلم -على ما تقرر من قاعدة أهلِ السنة، فضلاً عن كونه ظلماً بالغاً- لبيان كمالِ نزاهتِه تعالى عن ذلك بتصويره بصورةِ ما يستحيلُ صدورُه عنه سبحانه من الظلم، كما يعبّر عن ترك الإثابةِ على الأعمال بإضاعتها مع أن الأعمالَ غيرُ موجبةٍ للثواب حتى يلزَمَ مِنْ تخلُّفِه عنها ضياعُها. وصيغةُ المبالغةِ لتأكيد هذا المعنى بإبراز ما ذُكر من التعذيب بغير ذنبٍ في صورة المبالغةِ في الظلم، وقيل : هي لرعاية جمعيةِ العبيدِ من قولهم : فلانٌ ظالمٌ لعبده وظلاّم لعبيده على أنها للمبالغة كماً لا كيفاً. هذا وقد قيل : محلُّ  أن  الجرُّ بالعطف على ما قدَّمت وسببيتُه للعذاب من حيث أن نفيَ الظلمِ مستلزِمٌ للعدل المقتضي لإثابة المحسِنِ ومعاقبةِ المُسيءِ، وفسادُه ظاهرٌ فإن تركَ التعذيبِ من مستحِقه ليس بظلم شرعاً ولا عقلاً حتى ينتهضَ نفيُ الظلم سبباً للتعذيب حسبما ذكره القائلُ في سورة الأنفالِ، وقيل : سببيةُ ذنوبهم لعذابهم مقيّدةٌ بانضمام انتفاءِ ظلمِه تعالى إليها إذ لولاه لأمكن أن يعذبَهم بغير ذنوبهم. وأنت خبير بأن إمكانَ تعذيبِه تعالى لعبيده بغير ذنبٍ بل وقوعُه لا ينافي كونَ تعذيبِ هؤلاءِ الكفرةِ بسبب ذنوبهم حتى يُحتاجَ إلى اعتبار عدمِه معه، وإنما يُحتاج إلى اعتبار عدمِه معه، وإنما يحتاج إلى ذلك أنْ لو كان المدعى أن جميعَ تعذيباتِه تعالى بسبب ذنوبِ المعذبين.

### الآية 3:183

> ﻿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ۗ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [3:183]

الَّذِينَ قَالُوا  نُصِب أو رُفع على الذم، وهم كعبُ بنُ الأشرف ومالكُ بن صيفي وحُيَيُّ بنُ أخطبَ وفنحاصُ بنُ عازوراءَ ووهْبُ بنُ يهوذا  إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا  أي أمرنا في التوراة وأوصانا  أَن لا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حتى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النار  كما كان عليه أمرُ أنبياءِ بني إسرائيلَ حيث كان يُقرَّب بالقربان فيقوم النبيُّ فيدعو فتنزل نارٌ من السماء فتأكُله أي تُحيله إلى طبعها بالإحراق، وهذا من مُفترَياتهم وأباطيلِهم فإن أكلَ النارِ القربانَ لم يوجب الإيمانَ إلا لكونه معجزةً، فهو وسائرُ المعجزاتِ سواءٌ، ولما كان مُحصّلُ كلامِهم الباطلِ أن عدمَ إيمانِهم برسول الله صلى الله عليه وسلم لعدم إتيانه بما قالوا -ولو تحقق الإتيانُ به لتحقق الإيمانُ- رُدّ عليهم بقوله تعالى : قُلْ  أي تبكيتاً لهم وإظهاراً لكذبهم  قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ  كثيرةُ العددِ كبيرةُ المقدار  من قَبْلِي بالبينات  أي المعجزات الواضحةِ  وبالذي قُلْتُمْ  بعينه من القُربان الذي تأكله النارُ  فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صادقين  أي فيما يدل عليه كلامُكم من أنكم تؤمنون لرسول يأتِيكم بما اقترحتموه، فإن زكريا ويحيى وغيرَهما من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد جاءوكم بما قلتم في معجزات أُخَرَ فما لكم لم تؤمنوا لهم حتى اجترأتم على قتلهم ؟

### الآية 3:184

> ﻿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ [3:184]

فَإِن كَذَّبُوكَ  شروعٌ في تسلية رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إثرَ ما أوحي إليه مما يُحزِنه عليه الصلاة والسلام من مقالات الكفرةِ من المشركين واليهود، وقوله تعالى : فَقَدْ كُذّبَ رُسُلٌ من قَبْلِكَ  تعليلٌ لجواب الشرطِ أي فتَسَلَّ فقد كُذب الخ، ومِنْ متعلقةٌ بكُذب أو بمحذوف هو صفةٌ لرسلٌ أي كائنةٌ من قبلك  جَاءوا بالبينات  أي المعجزات الواضحةِ صفةٌ لرسلٌ  والزّبر  هو جمعُ زَبورٍ وهو الكتابُ المقصورُ على الحِكَم من زَبَرْتُه إذا حسنته، وقيل : الزُبُرُ المواعظُ والزواجرُ من زبَرتُه إذا زجَرتُه  والكتاب المنير  قيل : أي التوراةِ والإنجيلِ والزبورِ، والكتابُ في عرف القرآنِ ما يتضمن الشرائعَ والأحكامَ ولذلك جاء الكتابُ والحكمةُ متعاطِفَيْن في عامة المواقعِ، وقرئ وبالزُبُر بإعادة الجارِّ دَلالةً على أنها مغايِرةٌ بالذات للبينات.

### الآية 3:185

> ﻿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [3:185]

كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت  وعدٌ ووعيدٌ للمصدِّق والمكذبِ، وقرئ ذائقةٌ الموتَ بالتنوين وعدمِه كما في قوله : ولا ذاكرٌاً الله إلا قليلاً  وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ  أي تُعطَوْن جزاءَ أعمالِكم على التمام والكمالِ  يَوْم القيامة  أي يوم قيامِكم من القبور، وفي لفظ التوفيةِ إشارةٌ إلى أن بعضَ أجورِهم يصل إليهم قبله كما ينبئ عنه قوله عليه الصلاة والسلام :**«القبرُ روضةٌ من رياض الجنة أو حُفرةٌ من حُفَر النيرانِ »**  فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار  أي بعُد عنها يومئذ ونجا والزحزحةُ في الأصل تكريرُ الزحِّ وهو الجذبُ بعجلة  وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ  بالنجاة ونيلِ المرادِ والفوزِ الظفر بالبُغية وعن النبي صلى الله عليه وسلم :**«من أحب أن يُزَحْزحَ عن النار ويدْخلَ الجنةَ فلتُدْرِكْه منيّتُه وهو يؤمن بالله واليومِ الآخِر ويأتي إلى الناس بما يحب أن يُؤتى إليه »**  وَمَا الحياة الدنيا  أي لذاتها وزخارفُها  إِلاَّ متاع الغرور  شبِّهت بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويُغَرّ حتى يشتريَه، وهذا لمن آثرها على الآخرة فأما من طلب بها الآخِرةَ فهي له متاعٌ بلاغٌ، والغُرور إما مصدرٌ أو جمعُ غار.

### الآية 3:186

> ﻿۞ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [3:186]

لَتُبْلَوُنَّ  شروعٌ في تسلية رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وممن معه من المؤمنين عما سيلقَوْنه من جهة الكفرةِ من المكاره إثرَ تسليتِهم عما قد وقع منهم ليوطِّنوا أنفسَهم على احتماله عند وقوعِه ويستعدوا للقائه ويقابلوه بحسن الصبرِ والثباتِ، فإن هجومَ الأوجالِ مما يزلزل أقدامَ الرجالِ وللاستعدادِ للكروب مما يهوِّن الخطوبَ، وأصلُ البلاء الاختبارُ أي تُطلب الخِبرةُ بحال المُختَبِر بتعريضه لأمر يشُقُّ عليه غالباً ملابستُه ومفارقتُه، وذلك إنما يُتصورُ حقيقةً مما لا وقوفَ له على عواقب الأمورِ، وأما من جهة العليم الخبيرِ فلا يكونُ إلا مجازاً من تمكينه للعبدِ من اختيار أحدِ الأمرين أو الأمورِ قبل أن يرتب عليه شيئاً هو من مباديه العاديةِ كما مر، والجملةُ جوابُ قسمِ محذوف أي والله لتُبلونَّ أي لتعامَلُن معاملةَ المُختبَرِ ليَظهر ما عندكم من الثبات على الحق والأعمالِ الحسنة. وفائدةُ التوكيدِ إما تحقيقُ معنى الابتلاءِ تهويناً للخطب وإما تحقيقُ وقوعِ المبتلى به مبالغةً في الحث على ما أريد منهم من التهيؤ والاستعدادِ  في أموالكم  بما يقع فيها من ضروب الآفاتِ المؤديةِ إلى هلاكها، وأما إنفاقُها في سبيل الخيرِ مطلقاً فلا يليق نظمُه في سلك الابتلاءِ لما أنه من باب الإضعافِ لا من قبيل الإتلافِ  وأَنفُسكُمْ  بالقتل والأسرِ والجراحِ وما يرِدُ عليها من أصناف المتاعبِ والمخاوفِ والشدائدِ ونحوِ ذلك، وتقديمُ الأموالِ لكثرة وقوعِ الهلكةِ فيها  وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُوا الكتاب مِن قَبْلِكُمْ  أي من قبل إيتائِكم القرآنَ وهم اليهودُ والنصارى، عبّر عنهم بذلك للإشعار بمدار الشقاقِ والإيذان بأن بعضَ ما يسمعونه منهم مستنِدٌ على زعمهم إلى الكتاب كما في قوله تعالى : إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا  \[ آل عمران، الآية ١٨٣ \] الخ، والتصريحُ بالقَبْلية لتأكيد الإشعارِ وتقويةِ المدارِ فإن قِدَمَ نزولِ كتابِهم مما يؤيد تمسّكَهم به  وَمِنَ الذين أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيراً  من الطعن في الدين الحنيف والقدحِ في أحكام الشرعِ الشريفِ وصدِّ من أراد أن يؤمِنَ وتخطئةِ من آمن، وما كان من كعب بنِ الأشرفِ وأضرابِه من هجاء المؤمنين وتحريضِ المشركين على مضادة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ونحوِ ذلك مما لا خير فيه  وَإِن تَصْبِرُوا  أي على تلك الشدائد والبلوى عند ورودِها وتقابلوها بحسن التجمُّل  وَتَتَّقُوا  أي تَبَتَّلوا إلى الله تعالى بالكلية معرضين عما سواه بالمرة بحيث يتساوى عندكم وصولُ المحبوب ولقاءُ المكروه  فَإِنَّ ذلك  إشارةٌ إلى الصبر والتقوى، وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو درجتِهما وبُعدِ منزلتِهما، وتوحيدُ حرفِ الخطابِ إما باعتبار كلِّ واحدٍ من المخاطبين وإما لأن المرادَ بالخطاب مجرد التنبيه من غير ملاحظةِ خصوصيةِ أحوالِ المخاطبين  مِنْ عَزْمِ الأمور  من معزوماتها التي يتنافس فيها المتنافسون أي مما تجب أن يعزِمَ عليه كلُّ أحدٍ لما فيه من كمال المزيَّةِ والشرفِ أو مما عزَم الله تعالى عليه وأمر به وبالغَ فيه، يعني أن ذلك عزمةٌ من عَزَمات الله تعالى لابد أن تصبِروا وتتقوا، والجملةُ تعليلٌ لجواب الشرطِ واقعٌ موقِعَه كأنه قيل : وإن تصبروا وتتقوا فهو خيرٌ لكم أو فافعلوا أو فقد أحسنتم أو فقد أصبتم فإن ذلك الخ، ويجوزُ أن يكون ذلك إشارةً إلى صبر المخاطَبين وتقواهم، فالجملةُ حينئذٍ جوابُ الشرط، وفي إبراز الأمرِ بالصبر والتقوى في صورة الشرطيةِ من إظهار كمالِ اللطفِ بالعباد ما لا يخفى.

### الآية 3:187

> ﻿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ [3:187]

وَإِذْ أَخَذَ الله  كلامٌ مستأنفٌ سيق لبيان بعضِ أذِيّاتِهم وهو كِتمانُهم ما في كتابهم من شواهدِ نبوتِه عليه الصلاة والسلام وغيرِها وإذ منصوبٌ على المفعولية بمضمر أُمر به النبيُّ صلى الله عليه وسلم خاصة بطريق تجريدِ الخطابِ إثرَ الخطابِ الشامل له عليه الصلاة والسلام وللمؤمنين لكون مضمونِه من الوظائف الخاصةِ به عليه الصلاة والسلام، وتوجيهُ الأمرِ بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث مع أنها المقصودةُ بالذات للمبالغة في إيجاب ذكرِها على ما مر بيانُه في تفسير قوله تعالى : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة إِنّي جَاعِلٌ  \[ البقرة، الآية ٣٠ \] الخ، أي اذكر وقت أخذِه تعالى  ميثاق الذين أُوتُوا الكتاب  وهم علماءُ اليهودِ والنصارى، ذُكروا بعنوان إيتاءِ الكتابِ مبالغةً في تقبيح حالِهم  لَتُبَيّنُنَّهُ  حكايةٌ لما خوطبوا به، والضميرُ للكتاب وهو جوابٌ لقسم يُنبئ عنه أخذُ الميثاقِ كأنه قيل لهم : بالله لتُبيِّنُنه  لِلنَّاسِ  وتُظْهِرُنّ جميعَ ما فيه من الأحكام والأخبارِ التي من جملتها أمرُ نبوتِه عليه الصلاة والسلام وهو المقصودُ بالحكاية. وقرئ بالياء لأنهم غُيَّب  وَلاَ تَكْتُمُونَهُ  عطفٌ على الجواب وإنما لم يؤكدْ بالنون لكونه منفياً كما في قولك : والله لا يقوم زيد، وقيل : اكتُفي بالتأكيد في الأول لأنه تأكيدٌ له، وقيل : هو حالٌ من ضمير المخاطبين إما على إضمار مبتدإٍ بعد الواوِ، أي وأنتم لا تكتمونه، وإما على رأي مَنْ جوز دخولَ الواوِ على المضارع المنفيِّ عند وقوعِه حالاً أي لتبينُنّه غيرَ كاتمين، والنهيُ عن الكتمان بعد الأمرِ بالبيان إما للمبالغة في إيجاب المأمورِ به وإما لأن المرادَ بالبيان المأمورِ به ذكرُ الآياتِ الناطقةِ بنبوته عليه الصلاة والسلام، وبالكتمان المنهيِّ عنه إلقاءُ التأويلاتِ الزائغةِ والشبهاتِ الباطلة، وقرئ بالياء كما قبله  فَنَبَذُوهُ  النبذُ الرميُ والإبعادُ أي طرحوا ما أُخذ منهم من الميثاق الموثقِ بفنون التأكيدِ وألقَوْه  وَرَاء ظُهُورِهِمْ  ولم يراعوه ولم يلتفتوا إليه أصلاً فإن نبذَ الشيءِ وراءَ الظهرِ مَثَلٌ في الاستهانة به والإعراضِ عنه بالكلية، كما أن جعلَه نُصبَ العينِ علمٌ في كمال العنايةِ به، وفيه من الدَلالة على تحتّم بيانِ الحقِّ على علماء الدين وإظهارِ ما مُنحوه من العلم للناس أجمعين وحُرمةِ كتمانِه لغرض من الأغراض الفاسدة أو لطمع في عرض من الأعراض الفانيةِ الكاسدةِ ما لا يخفي. وعن النبي صلى الله عليه وسلم :**«من كتم علماً عن أهله أُلجم بلجامٍ من نار »** وعن طاوس أنه قال لوهْب بن منبّه : إني أرى الله سوف يعذبك بهذه الكتُب وقال : والله لو كنتَ نبياً فكتمتَ العلم كما تكتُمه لرأيت أن الله سيعذبك. وعن محمد بن كعب : لا يحِلُّ لأحد من العلماء أن يسكُت على علمه ولا يحِلُّ لجاهل أن يسكُت على جهله حتى يَسأل. وعن علي رضي الله عنه :**«ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يُعلِّموا »**  واشتروا بِهِ  أي بالكتاب الذي أُمروا ببيانه ونُهوا عن كِتمانه فإن ذكرَ نبذِ الميثاقِ يدل على ذلك دَلالةً واضحةً، وإيقاعُ الفعل على الكل مع أن المرادَ به كتمُ بعضِه كدلائل نبوتِه عليه الصلاة والسلام ونحوِها لما أن ذلك كتمٌ للكل إذْ به يتم الكتابُ، كما أن رفضَ بعضِ أركانِ الصلاة رفضٌ لكلها، أو بمنزلة كتمِ الكلِّ من حيث إنهما سيان في الشناعة واستجرار العقاب كما في قوله تعالى : وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ  \[ المائدة، الآية ٦٧ \] والاشتراءُ مستعارٌ لاستبدال متاعِ الدنيا بما كتَموه أي تركوا ما أُمروا به وأخذوا بدلاً منه  ثَمَناً قَلِيلاً  أي شيئاً تافهاً حقيراً من حُطام الدنيا وأعراضِها، وفي تصوير هذه المعاملةِ بعقد المعاوضةِ -لاسيما بالاشتراء المُؤْذِنِ بالرغبة في المأخوذ والإعراض عن المعطى والتعبيرِ عن المشترى الذي هو العُمدةُ في العقد والمقصودُ بالمعاملة- بالثمن الذي شأنُه أن يكون وسيلةً إليه، وجعلِ الكتابِ الذي حقُّه أن يتنافسَ فيه المتنافسون مصحوباً بالباء الداخلةِ على الآلات والوسائلِ -من نهاية الجزالةِ والدلالةِ على كمال فظاعةِ حالِهم وغايةِ قبحِها بإيثارهم الدنيءِ الحقير على الشريف الخطيرِ وتعكيسِهم بجعلهم المقصِدَ الأصليَّ وسيلةً والوسيلةَ مقصِداً- ما لا يخفى جلالةُ شأنِه ورفعةُ مكانِه  فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ   مَا  نكرةٌ منصوبةٌ مفسرةٌ لفاعل بئس، و  يَشْتَرُونَ  صفتُه، والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ أي بئس شيئاً يشترونه ذلك الثمن.

### الآية 3:188

> ﻿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [3:188]

لاَ تَحْسَبَنَّ  الخطابُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحدٍ ممن يصلُح له  الذين يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا  أي بما فعلوا كما في قوله تعالى : إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِياً  \[ مريم، الآية ٦١ \] ويدل عليه قراءة أُبيّ : يفرحون بما فعلوا، وقرئ بما آتَوا بمعنى أعطَوا وبما أُوتوا أي بما أوتوه عن علم التوراة. قال ابن عباس رضي الله عنهما : هم اليهودُ حرفوا التوراةَ وفرِحوا بذلك وأحبوا أن يوصفوا بالديانة والفضل. روي أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم سأل اليهودَ عن شيء مما في التوراة فكتموا الحقَّ وأخبروه بخلافه وأرَوْه أنهم قد صدقوه واستحمدوا إليه وفرِحوا بما فعلوا، وقيل : فرِحوا بكِتمان النصوصِ الناطقةِ بنبوته عليه الصلاة والسلام، وأحبوا أن يُحمَدوا بأنهم متبعون ملةَ إبراهيمَ عليه السلام. فالموصولُ عبارةٌ عن المذكورين أو عن مشاهيرهم وضع موضِعَ ضميرهم، والجملةُ مَسوقةٌ لبيان ما تستتبعُه أعمالُهم المحكيةُ من العقاب الأخرويِّ إثرَ بيانِ قباحتِها، وقد أُدمج فيها بيانُ بعضٍ آخرَ من شنائعهم وهو إصرارُهم على ما هم عليه من القبائح وفرَحُهم بذلك ومحبتُهم لأن يوصَفوا بما ليس فيهم من الأوصاف الجميلةِ، وقد نُظم ذلك في سلك الصلةِ التي حقُّها أن تكون معلومةَ الثبوتِ للموصول عند المخاطَبِ إيذاناً بشهرة اتصافِهم بذلك، وقيل : هو قومٌ تخلّفوا عن الغزو ثم اعتذروا بأنهم رأوا المصلحةَ في ذلك واستحمدوا به، وقيل : هم المنافقون كافةً وهو الأنسبُ بظاهر قوله تعالى : وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا  لشهرةِ أنهم كانوا يفرحون بما فعلوا من إظهار الإيمانِ وقلوبُهم مطمئنةٌ بالكفر ويستحمِدون إلى المسلمين بالإيمان وهم عن فعله بألفِ منزلٍ، وكانوا يُظهرون محبةَ المؤمنين وهم في الغاية القاصيةِ من العداوة، فالموصولُ عبارةٌ عن طائفة معهودةٍ من المذكورين وغيرِهم، فإن أكثرَ المنافقين كانوا من اليهود، ولعل الأولى إجراءُ الموصولِ على عمومه شاملاً لكل من يأتي بشيء من الحسنات فيفرحُ به فرحَ إعجابٍ ويوَدُّ أن يمدحَه الناسُ بما هو عارٍ منه من الفضائل منتظماً للمعهودين انتظاماً أولياً، وأياً ما كان فهو مفعولٌ أولٌ لتحسبن، وقوله تعالى : فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ  تأكيدٌ له والفاءُ زائدةٌ والمفعولُ الثاني قوله تعالى : بِمَفَازَةٍ منَ العذاب  أي ملتبسين بنجاة منه، على أن المفازةَ مصدرٌ ميميٌ ولا يضُر تأنيثُها بالتاء لما أنها مبنية عليها وليست للدلالة على الوحدة كما في قوله :\[ الطويل \]فلولا رجاءُ النصرِ منك ورهبة  عقابَك قد كانوا لنا بالمواردِ[(١)](#foonote-١)ولا سبيل إلى جعلها اسمَ مكانٍ على أن الجارَّ متعلقٌ بمحذوف وقع صفةً لها أي بمفازة كائنةٍ من العذاب لأنها ليست من العذاب، وتقديرُ فعلٍ خاصَ ليصِحَّ به المعنى أي بمفازة مُنْجيةٍ من العذاب -مع كونه خلافَ الأصلِ- تعسفٌ مستغنىً عنه. وقرئ بضم الباء في الفعلين على أن الخطابَ شاملٌ للمؤمنين أيضاً، وقرئ بياء الغَيبة وفتحِ الباءِ فيهما على أن الفعلَ له عليه الصلاة والسلام أو لكل أحد ممن يتأتى منه الحُسبان، ومفعولاه كما ذكر، وقرئ بضم الباء في الثاني فقط على أن الفعلَ للموصول، والمفعولُ الأولُ محذوفٌ لكونه عينَ الفاعلِ، والثاني بمفازة أي لا يحسبَنّ الذين يفرحون أنفسَهم فائزين، وقوله تعالى : فَلا يحسبنّهم  تأكيدٌ للأول، والفاءُ زائدةٌ كما مر ويجوز أن يُحملَ الفعلُ الأولُ على حذف المفعولين معاً اختصاراً لدِلالة مفعولي الثاني عليهما على عكس ما في قوله :\[ الطويل \]بأيِّ كتابٍ أو بأيةِ سنة  ترى حبَّهم عاراً عليَّ وتحسَبُ[(٢)](#foonote-٢)حيث حُذف فيه مفعولا الثاني لدَلالة مفعولي الأولِ عليهما، أو على أن الفعلَ الأولَ للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل حاسب، ومفعولُه الأولُ الموصولُ والثاني محذوفٌ لدَلالة مفعولِ الفعلِ الثاني عليه، والفعلُ الثاني مسندٌ إلى ضمير الموصولِ والفاءُ للعطف لظهور تفرُّعِ حُسبانِهم على عدم حُسبانِه عليه السلام ومفعولاه الضميرُ المنصوبُ وقوله تعالى : بِمَفَازَةٍ ، وتصديرُ الوعيدِ بنهيهم عن الحسبان المذكورِ للتنبيه على بُطلان آرائِهم الركيكةِ وقطعِ أطماعِهم الفارغةِ حيث كانوا يزعُمون أنهم ينجون بما صنعوا من عذاب الآخرةِ كما نجَوْا به من المؤاخذة الدنيويةِ وعليه كان مبني فرحِهم وأما نهيُه عليه السلام فللتعريض بحسبانهم المذكورِ لا لاحتمال وقوعِ الحُسبانِ من جهته عليه السلام  وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  بعد ما أُشير إلى عدم نجاتِهم من مطلق العذابِ حُقِّق أن لهم فرداً منه لا غايةَ له في المدة والشدة، كما تلوحُ به الجملةُ الاسميةُ والتنكيرُ التفخيميُّ والوصفُ. 
١ وهو بلا نسبة في شرح أبيات سيبويه ١/٣٩٣ وشرح المفصّل ٦/٦١ والكتاب ١/١٨٩ والشاهد فيه إعمال "رهبة" فنصبت مفعولا به، وهو قوله "عقابك" وقد ورد في المعجم المفصّل بلفظ "قد صاروا" محل "قد كانوا"..
٢ وهو للكميت في خزانة الأدب ٩/١٣٧ والدرر ١/٢٧٢، ٢/٢٥٣ وبلا نسبة في أوضح المسالك ٢/٦٩ وشرح الأشموني ص ١٦٤ والشاهد فيه قوله: "وتحسب" حيث حذف المفعولين لدلالة سابق الكلام عليهما..

### الآية 3:189

> ﻿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [3:189]

وَللَّهِ  أي خاصةً  مُلْكُ السماوات والأرض  أي السلطانُ القاهرُ فيهما بحيث يتصرف فيهما وفيما فيهما كيفما يشاء ويريد، إيجاداً وإعداماً إحياءً وإماتةً تعذيباً وإثابةً من غير أن يكون لغيره شائبةُ دخلٍ في شيء من ذلك بوجه من الوجوه، فالجملةُ مقرِّرة لما قبلها، وقوله تعالى : والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ  تقريرٌ لاختصاص مُلكِ العالَمِ الجُسماني -المعبَّر عنه بقُطريه- به سبحانه وتعالى قادراً على الكل بحيث لا يشِذ من ملكوته شيءٌ من الأشياء يستدعي كونَ ما سواه كائناً ما كان مقدوراً له ومن ضرورته اختصاصُ القدرةِ به تعالى واستحالةُ أن يشاركه شيءٌ من الأشياء في القُدرة على شيء من الأشياء فضلاً عن المشاركة في ملك السماواتِ والأرضِ، وفيه تقريرٌ لما مر من ثبوت العذابِ الأليمِ لهم وعدمِ نجاتِهم منه. وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موقع الإضمارِ لتربية المهابةِ والإشعارِ بمناطِ الحكمِ، فإن شمولَ القدرةِ لجميع الأشياءِ من أحكام الألوهيةِ مع ما فيه من الإشعار باستقلال كلَ من الجملتين بالتقرير.

### الآية 3:190

> ﻿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [3:190]

إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات  جملةٌ مستأنفة سيقت لتقرير ما سبق من اختصاصه تعالى بالسلطان القاهرِ والقُدرة التامةِ صُدِّرت بكلمة التأكيدِ اعتناءً بتحقيق مضمونِها أي في إنشائها على ما هي عليه في ذواتها وصفاتِها من الأمور التي يَحار في فهم أجلاها العقولُ  والأرض  على ما هي عليه ذاتاً وصفةً  واختلاف الليل والنهار  أي في تعاقُبهما في وجه الأرضِ وكونِ كلَ منهما خِِلْفةً للآخر بحسَب طلوعِ الشمسِ وغروبِها التابعَين لحركات السماواتِ وسكونِ الأرض، أو في تفاوتهما بازدياد كلَ منهما بانتقاص الآخرِ وانتقاصِه بازدياده، باختلاف حالِ الشمسِ بالنسبة إلينا قُرباً وبُعداً بحسب الأزمنةِ أو في اختلافهما وتفاوتِهما بحسب الأمكنةِ، أما في الطول والقِصَر فإن البلادَ القريبةَ من القُطب الشماليِّ أيامُها الصيفيةُ أطولُ ولياليها الصيفيةُ أقصرُ من أيام البلادِ البعيدةِ منه ولياليها، وأما في أنفسها فإن كرويةَ الأرضِ تقتضي أن يكون بعضُ الأماكنِ ليلاً وفي مقابله نهاراً وفي بعضها صباحاً وفي بعضها ظهراً أو عصراً أو غيرَ ذلك. والليلُ قيل : إنه اسمُ جنسٍ يُفرَّق بين واحدِه وجمعِه بالتاء كتمْر وتمرةٍ، والليالي جمعُ جمعٍ والصحيحُ أنه مفردٌ ولا يُحفظ له جمعٌ، والليالي جمعُ ليلةٍ وهو جمعٌ غريبٌ كأنهم توهموا أنها ليلاةٌ كما في كَيْكة وكياكي كأنها جمعُ كيكاة، والنهارُ اسمٌ لما بين طلوعِ الفجرِ وغروبِ الشمسِ قاله الراغب، وقال ابن فارس : هو ضياءُ ما بينهما، وتقديمُ الليلِ على النهار إما لأنه الأصل فإن غُررَ الشهورِ تظهر في الليالي، وإما لتقدمه في الخلفية حسبما ينبئ عنه قوله تعالى : وَآيَةٌ لَّهُمُ الليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار  \[ يس، الآية ٣٧ \] أي نزيلُه منه فيخلُفه  لآيَاتٍ  اسمُ إن دخلته اللامُ لتأخُّره عن خبرها، والتنكيرُ للتفخيم كماً وكيفاً أي لآياتٍ كثيرةً عظيمةً لا يُقادر قدرُها دالةٌ على تعاجيب شؤونِه التي من جُملتها ما مر من اختصاص المُلكِ العظيمِ والقدرةُ التامةُ به سبحانه. وعدمُ التعرضِ لما ذُكر في سورة البقرة من الفُلك والمطرِ وتصريفِ الرياحِ والسحابِ لما أن المقصودَ هاهنا بيانُ استبدادِه تعالى بما ذُكر من المُلك والقدرةِ فاكتُفي بمعظم الشواهدِ الدالةِ على ذلك، وأما هناك فقد قُصِد في ضمن بيانِ اختصاصِه تعالى بالألوهية بيانُ اتصافِه تعالى بالرحمة الواسعةِ فنُظمت دلائلُ الفضلِ والرحمةِ في سلك دلائلِ التوحيدِ فإن ما فصل هناك \[ هو \] من آيات رحمتِه تعالى كما أنه من آيات ألوهيتِه ووحدتِه.  لأولِي الألباب  أي لذوي العقول المجلُوَّة الخالصةِ عن شوائب الحسِّ والوهمِ المتجرِّدَين عن العلائق النفسانيةِ المتخلّصين من العوائق الظُلمانيةِ، المتأملين في أحوال الحقائقِ وأحكامِ النعوتِ، المراقبين في أطوار الملكِ وأسرارِ الملكوتِ، المتفكرين في بدائع صنائعِ الملِكِ الخلاق، المتدبرين في روائع حُكمِه المودَعةِ في الأنفس والآفاق، الناظرين إلى العالم بعين الاعتبارِ والشهودِ، المتفحّصين عن حقيقة سرِّ الحقِّ في كل موجود، المثابرين على مراقبته وذِكراه غيرَ ملتفتين إلى شيء مما سواه إلا من حيث إنه مرآةٌ لمشاهدة جمالِه وآلةٌ لملاحظة صفاتِ كمالِه، فإن كلَّ ما ظهر في مظاهر الإبداعِ وحضر محاضِرَ التكوينِ والاختراع سبيلٌ سوِيّ إلى عالم التوحيد ودليلٌ قوي على الصانع المجيدِ ناطقٌ بآيات قدرتِه، فهل من سامع واعٍ ومخبِرٍ بأنباء علمِه وحكمتِه فهل له من داعٍ يكلم الناسَ على قدر عقولِهم ويرُدّ جوابَهم بحسب مقولِهم، يحاور تارة بأوضح عبارةٍ ويلوّح أخرى بألطفِ إشارةٍ مراعياً في الحوار إبهامَهم وتصريحَهم : وَإِن من شَيء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ  \[ الإسراء، الآية ٤٤ \] فتأمل في هذه الشؤونِ والأسرارِ إن في ذلك لعبرةً لأولي الأبصار. عن عائشة رضي الله عنها أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال :**«هل لك يا عائشةُ أن تأذني لي الليلةَ في عبادة ربي ؟ »** فقلت : يا رسولَ الله إني لأُحِبُّ قُربَك وأحِبُّ هواك قد أذِنت لك، فقام إلى قِربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يُكثر من صب الماءِ ثم قام يصلي فقرأ من القرآن وجعل يبكي حتى بلغ الدموعُ حِقْوَيه ثم جلس فحمِد الله تعالى وأثنى عليه وجعل يبكي ثم رفع يديه فجعل يبكي حتى رأيت دموعَه قد بلت الأرضَ فأتاه بلالٌ يؤْذِنه بصلاة الغداةِ فرآه يبكي فقال له : يا رسولَ الله أتبكي وقد غفَر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال :**«يا بلال أفلا أكونُ عبداً شكوراً ؟ »** ثم قال :**«وما لي لا أبكي وقد أنزل الله تعالى علي هذه الليلةِ { إن في خلق السماوات والأرض ؟ »** الخ، ثم قال :**«ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها »** وروي :**«ويلٌ لمن لاكها بين فكّيه ولم يتأملْها »** وعن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يتسوّك ثم ينظر إلى السماء ثم يقول :**«إن في خلق السموات والأرض »** الخ.

### الآية 3:191

> ﻿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [3:191]

الَّذِينَ يَذْكُرُونَ الله  الموصولُ إما موصولٌ بأولي الألباب مجرورٌ على أنه نعتٌ كاشفٌ له بما في حيز الصلةِ وإما مفصولٌ عنه مرفوعٌ أو منصوبٌ على المدح، أو مرفوعٌ على أنه خبرٌ لمبتدإٍ محذوفٍ، وقيل : هو مرفوعٌ على الابتداء والخبرُ هو القولُ المقدرُ قبل قولِه تعالى : رَبَّنَا ، وفيه من تفكيك النظمِ الجليلِ ما لا يخفى. وأياً ما كان فقد أشير بما في حيز صلتِه أن المرادَ بهم الذين لا يغفُلون عنه تعالى في عامة أوقاتِهم لاطمئنان قلوبِهم بذكره واستغراقِ سرائرِهم في مراقبته لما أيقنوا بأن كلَّ ما سواه فائضٌ منه وعائدٌ إليه فلا يشاهدون حالاً من الأحوال في أنفسهم، وإليه أشير بقوله عز وجل : قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبُهُمْ  ولا في الآفاق وإليه أشير بما بعده إلا وهم يعاينون في ذلك شأناً من شؤونه تعالى، فالمرادُ به ذكرُه تعالى مطلقاً سواءٌ كان ذلك من حيث الذاتُ أو من حيث الصفاتُ والأفعالُ، وسواءٌ قارنه الذكرُ اللسانيُّ أو لا. وأما ما يُحكى عن ابن عمرَ وعروةَ بنِ الزبير وجماعةٍ رضي الله عنهم من أنهم خرجوا يوم العيدِ إلى المصلى فجعلوا يذكرون الله تعالى فقال بعضُهم : أما قال الله تعالى : الذين يَذْكُرُونَ الله قياما وَقُعُوداً  \[ آل عمران، الآية : ١٩١ \] فقاموا يذكرون الله على أقدامهم فليس مرادُهم به تفسيرَ الآيةِ وتحقيقَ مِصداقِها على التعيين وإنما أرادوا به التبركَ بنوع موافقةٍ لها في ضمن الإتيانِ بفرد من أفرادِ مدلولِها، وأما حملُ الذكرِ على الصلاة في هذه الأحوالِ حسب الاستطاعةِ كما قال عليه السلام لعِمرانَ بنِ الحصين :**«صلِّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطعْ فعلى جنب تومئ إيماءً »** فمما لا يساعده سباقُ النظمِ الجليلِ ولا سياقُه. والقيامُ والقعودُ جمعُ قائمٍ وقاعدٍ كنيام ورُقودٍ جمعُ نائمٍ وراقد، وانتصابُهما على الحالية من ضمير يذكرُون أي يذكرونه قائمين وقاعدين، وقولُه تعالى : وعلى جُنُوبِهِمْ  متعلقٌ بمحذوف معطوفٍ على الحالين أي وكائنين على جنوبهم أي مضطجعين، والمرادُ تعميمُ الذكرِ للأوقات كما مر، وتخصيصُ الأحوالِ المذكورةِ بالذكر ليس لتخصيص الذكرِ بها بل لأنها الأحوالُ المعهودةُ التي لا يخلو عنها الإنسانُ غالباً  وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السماوات والأرض  عطفٌ على  يَذكرُونَ  منتظمٌ معه في حيِّز الصلةِ فلا محلَّ له من الإعراب، وقيل : محلُّه النصبُ على أنه معطوفٌ على الأحوال السابقةِ وليس بظاهر، وهو بيانٌ لتفكرهم في أفعاله سبحانه إثرَ بيانِ تفكرِهم في ذاته تعالى على الإطلاق وأشار إلى نتيجته التي يؤدّي إليها من معرفة أحوالِ المعادِ حسبما نطقت به ألسنةُ الرسلِ وآياتُ الكتبِ، فكما أنها آياتٌ تشريعيةٌ هاديةٌ للخلق إلى معرفته تعالى ووجوبِ طاعتِه كذلك المخلوقاتُ آياتٌ تكوينيةٌ مرشدةٌ لهم إلى ذلك، فالأُولى منبِّهاتٌ لهم على الثانية ودواعٍ إلى الاستشهاد بها كهذه الآيةِ الكريمةِ ونحوِها مما ورد في مواضعَ غيرِ محصورةٍ من التنزيل، والثانيةُ مؤيِّداتٌ للأولى وشواهدُ دالةٌ على صحة مضمونِها وحقّيةِ مكنونِها، فإن من تأمل في تضاعيف خلقِ العالَمِ على هذا النمطِ البديعِ قضى باتصاف خالقِه تعالى بجميع من نطقت به الرسلُ والكتبُ من الوجوب الذاتيِّ والوَحدةِ الذاتيةِ والمُلك القاهِرِ والقُدرةِ التامةِ والعلمِ الشاملِ والحِكمةِ البالغةِ وغيرِ ذلك من صفات الكمالِ، وحكمَ بأن مَن قدَر على إنشائه بلا مثال يِحتذيه أو قانونٍ ينتحيه فهو على إعادته بالبعث أقدرُ، وحكمَ بأن ذلك ليس إلا لحكمة باهرةٍ هي جزاءُ المكلَّفين بحسب استحقاقِهم المنوطِ بأعمالهم أي علومِهم واعتقاداتِهم التابعةِ لأنظارهم فيما نُصب لهم من الحُجج والدلائلِ والأَماراتِ والمَخايلِ وسائرِ أعمالِهم المتفرّعةِ على ذلك، فإن العملَ غيرُ مختصَ بعمل الجوارحِ بل متناولٌ للعمل القلبيِّ، وهو أشرفُ أفراده لما أن لكلٍ من القلب والقالَب عملاً خاصاً. ومن قضية كونِ الأولِ أشرفَ من الثاني كونُ عملِه أيضاً أشرفَ من عملِه، كيف لا، ولا عملَ بدون معرفتِه تعالى التي هي أولُ الواجباتِ على العباد، والغايةُ القُصوى من الخلق على ما نطَق به عز وجل : وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  \[ الذاريات، الآية ٥٦ \] أي ليعرفونِ كما أَعرَب عنه قولُه عليه الصلاة والسلام :**«يقول الله تعالى :«كُنتُ كنزاً مخفياً فأحببتُ أن أُعْرَفَ فخلقتُ الخلقَ لأُعرف »** وإنما طريقُها النظرُ والتفكرُ فيما ذُكر من شؤونه تعالى. وقد روي عنه عليه السلام أنه قال :**«لا تُفضِّلوني على يونسَ بنِ متى فإنه كان يُرفع له كلَّ يومٍ مثلُ عملِ أهلِ الأرض »**. قالوا : وإنما كان ذلك التفكّرَ في أمر الله تعالى ولذلك قال عليه السلام :**«لا عبادةَ مثلُ التفكر »** وقد عرفت أنه مستتبِعٌ لتحقيق ما جاءت به الشريعةُ الحقةُ، وإلا لما فسَّر النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : وَهُوَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض في سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً  \[ هود، الآية ٧ \] بقوله عليه الصلاة والسلام :**«أيُكم أحسنُ عقلاً وأورَعُ عن محارم الله تعالى »** فإن التورعَ عن محارمه سبحانه موقوفٌ على معرفة الحلالِ والحرامِ المنوطةِ بالكتاب والسنة، فحينئذ تتصادقُ الآياتُ التكوينيةُ وتتوافق الأدلةُ السمعيةُ والعقليةُ وهو السرُّ في نظم ما حُكي عن المتفكرين من الأمور المستدعِيةِ للإيمان بالشريعة في سلك نتيجةِ تفكُّرِهم كما ستقف عليه. وإظهارُ خلقِ السماواتِ والأرضِ -مع كفاية الإضمارِ لإبراز كمالِ العنايةِ ببيان حالِهم، والإيذانِ بكون تفكرِهم على وجه التحقيقِ والتفصيلِ وعدمِ التعرضِ لإدراج اختلافِ المَلَوْينِ في سلك التفكر مع ذكره فيما سلف -إما للإيذان بظهور اندراجِه فيه لما أن ذلك من الأحوال التابعةِ لأحوال السماواتِ والأرضِ كما أشير إليه، وإما للإشعار بمسارعتهم إلى الحُكم بالنتيجة بمجرد تفكرِهم في بعض الآياتِ من غير حاجةٍ إلى بعض آخَرَ منها في إثبات المطلوب. والخلقُ مصدرٌ على حاله أي يتفكرون في إنشائهما وإبداعِهما بما فيهما من عجائبِ المصنوعات، وقيل : بمعنى المخلوقِ على أن الإضافةَ بمعنى في -أي يتفكرون فيما خُلق فيهما- أعمُّ من أن يكون بطريق الجزئيةِ منهما أو بطريق الحلولِ فيهما أو على أنها بيانية.  رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا  كلمةُ  هذا  إشارةٌ إلى السماوات والأرضِ متضمّنةٌ لضرب من التعظيم كما في قوله تعالى : إِنَّ هذا القرآن يهْدِى للتي هِي أَقْوَمُ  \[ الإسراء، الآية ٩ \] والتذكيرُ لما أنهما باعتبار تعلّقِ الخلقِ بهما في معنى المخلوقِ، أو إلى الخلق على تقدير كونِه بمعنى المخلوقِ، و  باطلا  إما صفةٌ لمصدر مؤكدٍ محذوفٍ أو حالٌ من المفعول به، أي ما خلقتَ هذا المخلوقَ البديعَ العظيمَ الشأنِ عبثاً عارياً عن الحكمة خالياً عن المصلحة كما تُنبئ عنه أوضاعُ الغافلين عن ذلك، المعرِضين عن التفكر فيه، بل منتظِماً لحكمة جليلةٍ ومصالحَ عظيمةٍ من جملتها أن يكون مداراً لمعايش العبادِ ومناراً يُرشدهم إلى معرفة أحوالِ المبدأ والمعادِ حسبما أَفْصحت عنه الرسلُ والكتبُ الإلهية كما تحققتَه مفصلاً. والجملة بتمامها في حيز النصبِ بقولٍ مقدرٍ -هو على تقدير كونِ الموصولِ نعتاً لأولي الألباب- استئنافٌ مبينٌ لنتيجة التفكرِ ومدلولِ الآياتِ، ناشئٌ مما سبق فإن النفسَ عند سماعِ تخصيصِ الآياتِ المنصوبةِ في خلق العالمِ بأولي الألباب ثم وصفَهم بذكر الله تعالى والتفكرِ في محالِّ تلك الآياتِ تبقى مترقبةً لما يظهر منهم من آثارها وأحكامِها، كأنه قيل : فماذا يكونُ عند تفكرِهم في ذلك وماذا يترتب عليه من النتيجة ؟ فقيل : كيتَ وكيتَ مما ينبئ عن وقوفهم على سر الخلقِ المؤدِّي إلى معرفة صدقِ الرسلِ وحقية الكُتب الناطقةِ بتفاصيل الأحكامِ الشرعيةِ على التفصيل الذي وقفت عليه. هذا وأما جعلُه حالاً من المستكنِّ في الفعل كما أطبق عليه الجمهورُ فمما لا يساعده جزالةُ النظمِ الكريمِ لما أن ما في حيز الصلةِ وما هو قيدٌ له حقُّه أن يكون من مبادئ الحُكمِ الذي أُجريَ على الموصول ودواعي ثبوته له، كذكرهم الله عز وجل في عامة أوقاتِهم وتفكرِهم في خلق السماوات والأرض، فإنهما مما يؤدي إلى اجتلاء تلك الآياتِ والاستدلالِ بها على المطلوب، ولا ريب في أن قولَهم ذلك ليس من مبادئ الاستدلال المذكورِ بل من نتائجه المترتبةِ عليه فاعتبارُه قيداً لما في حيز الصلةِ مما لا يليق بشأن التنزيلِ الجليلِ. نعم هو حال من ذلك على تقدير كونِ الموصولِ مرفوعاً أو منصوباً على المدح، أو مرفوعاً على أنه خبرٌ لمبتدإٍ محذوفٍ إذ لا اشتباهَ في أن قولَهم ذلك مبادئ مدحِهم ومحاسنُ مناقبهم، وفي إبراز هذا القولِ في معرض الحالِ دون الخبرِ إشعارٌ بمقارنته لتفكرهم من غير تلعثم وترددٍ في ذلك. وقوله تعالى : سبحانك  أي تنزيهاً لك عما لا يليق بك من الأمور التي من جملتها خلقُ ما لا حكمةَ فيه اعتراضٌ مؤكدٌ لمضمون ما قبله ممهّد لما بعده من قوله تعالى : فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ  فإن معرفةَ سرِّ خلقِ العالمِ وما فيه من الحكمةِ البالغةِ والغايةِ الحميدةِ والقيامَ بما تقتضيه من الأعمال الصالحةِ وتنزيهَ الصانعِ تعالى عن العبث -من دواعي الاستعاذة مما يَحيق بالمُخلِّين بذلك من وجهين : أحدُهما الوقوفُ على تحقق العذابِ فالفاءُ لترتيب الدعاءِ على ما ذُكر والثاني الاستعدادُ لقبول الدعاءِ، فالفاءُ لترتيب المدعوِّ أعني الوقايةَ على ذلك كأنه قيل : وإذ قد عرَفنا سرَّك وأطعنا أمرَك ونزّهناك عما لا ينبغي فقِنا عذابَ النارِ الذي هو جزاءُ الذين لا يعرِفونك.

### الآية 3:192

> ﻿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [3:192]

رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ  مبالغةٌ في استدعاء الوقايةِ وبيانٌ لسببه. وتصديرُ الجملةِ بالنداء للمبالغةِ في التضرع والجُؤار، وتأكيدُها لإظهار كمالِ اليقينِ بمضمونها والإيذانِ بشدة الخوفِ، وإظهارُ النارِ في موضع الإضمارِ لتهويلِ أمرِها، وذكرُ الإدخالِ في مورد العذابِ لتعيين كيفيتِه وتبيينِ غاية فظاعتِه. قال الواحدي : للإخزاء معانٍ متقاربةٌ يقال : أخزاه الله أي أبعده، وقيل : أهانه، وقيل : أهلكه، وقيل : فضحه. قال ابن الأنباري : الخزيُ لغةً الهلاكُ بتلف أو بانقطاع حجةٍ أو بوقوع في بلاء، والمعنى فقد أخزيته خِزياً لا غايةَ وراءَه كقولهم : من أدرك مَرْعى الصمّانِ فقد أدرك، أي المرعى الذي لا مرعى بعدَه، وفيه من الإشعار بفظاعة العذابِ الروحاني ما لا يخفي. وقولُه تعالى : وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ  تذييلٌ لإظهار نهايةِ فظاعةِ حالِهم ببيان خلودِ عذابِهم بفُقدان من ينصُرهم ويقوم بتخليصهم، وغرضُهم تأكيدُ الاستدعاءِ ووضعُ الظالمين موضعَ ضميرِ المُدخَلين لذمهم والإشعارِ بتعليل دخولِهم النارَ بظلمهم ووضعِهم الأشياء في غير مواضعِها، وجمعُ الأنصارِ بالنظر إلى جمع الظالمين أي ما لظالم من الظالمين نصيرٌ من الأنصار، والمرادُ به من ينصُر بالمدافعة والقهر فليس في الآية دِلالةٌ على نفي الشفاعةِ، على أن المرادَ بالظالمين هم الكفارُ.

### الآية 3:193

> ﻿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ۚ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ [3:193]

رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى للإيمان  حكايةٌ لدعاء آخرَ لهم مبنيٌّ على تأملهم في الدليل السمعيِّ بعد حكايةِ دعائِهم السابقِ المبنيِّ على التفكر في الأدلة العقليةِ، وتصديرُ مقدمةِ الدعاءِ بالنداء لإظهار كمالِ الضراعةِ والابتهالِ، والتأكيدُ للإيذان بصدور المقالِ عنهم بوفور الرغبةِ وكمالِ النشاطِ، والمرادُ بالنداء الدعاءُ وتعديتُهما بإلى لتضمُّنهما معنى الإنهاءِ، وباللام لاشتمالها على معنى التخصيص والمرادُ بالمنادي الرسولُ صلى الله عليه وسلم، وتنوينُه للتفخيم، وإيثارُه على الداعي للدلالة على كمال اعتنائِه بشأن الدعوةِ وتبليغِها إلى الداني والقاصي لما فيه من الأيذان برفع الصوتِ و  يُنَادِى  صفةٌ لمنادياً عند الجمهورِ كما في قولك : سمعتُ رجلاً يقول : كيت وكيت ولو كان معرفةً لكان حالاً منه كما إذا قلت : سمعت زيداً يقول الخ، ومفعولٌ ثانٍ لسمعنا عند الفارسي وأتباعِه، وهذا أسلوبٌ بديعٌ يُصار إليه للمبالغة في تحقيق السماعِ والإيذانِ بوقوعه بلا واسطةٍ عند صدورِ المسموعِ عن المتكلم وللتوسل إلى تفصيله واستحضارِ صورتِه، وقد اختص النظمُ الكريمُ بمزية زائدةٍ على ذلك حيث عبَّر عن المسموع منه بالمنادي ثم وَصَفه بالنداء للإيمان على طريقة قولك : سمعت متكلماً يتكلم بالحِكمة لما أن التفسيرَ بعد الإبهامِ والتقييدَ بعد الإطلاقِ أوقعُ عند النفسِ وأجدرُ بالقبول. وقيل : المنادي القرآنُ العظيمُ  أنْ آمِنُوا  أي آمنوا على أن  أن  تفسيريةٌ أو بأنْ آمِنوا على أنها مصدريةٌ  بِرَبّكُمْ  بمالككم ومتوليِّ أمورِكم ومبلِّغِكم إلى الكمال، وفي إطلاق الإيمانِ ثم تقييدِه تفخيمٌ لشأنه.  فَآمَنَّا  أي فامتثلنا بأمره وأجبنا نداءَه  رَبَّنَا  تكريرٌ للتضرُّع وإظهارٌ لكمال الخضوعِ وعرضٌ للاعتراف بربوبيته مع الإيمان به، والفاءُ في قوله تعالى : فاغفر لَنَا  الفاء لترتيب المغفرةِ أو الدعاءِ بها على الإيمان به تعالى والإقرار بربوبيته فإن ذلك من دواعي المغفرةِ والدعاءِ بها  ذُنُوبَنَا  أي كبائرَنا فإن الإيمان يجُبُّ ما قبله  وَكَفّرْ عَنَّا سيئاتنا  أي صغائرَنا فإنها مكفَّرةٌ عمن اجتنبَ الكبائرَ  وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبرار  أي مخصوصين بصُحبتهم مغتنمين لجوارهم، معدودين من زُمرتهم، وفيه إشعارٌ بأنهم كانوا يحبون لقاءَ الله **«ومن أحب لقاءَ الله أحب الله لقاءَه »** والأبرارُ جمع بارٍّ أو بَرٍّ كأصحاب وأرباب.

### الآية 3:194

> ﻿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ [3:194]

رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتنَا على رُسُلِكَ  حكايةٌ لدعاءٍ آخرَ لهم مسبوقٍ بما قبله معطوفٍ عليه لتأخّر التحليةِ عن التخلية، وتكريرُ النداء لما مر مكرراً، والمرادُ بالموعود الثوابُ و  على  إما متعلقةٌ بالوعد كما في قولك : وعد الله الجنةَ على الطاعة أي وعدتَنا على تصديق رسلِك، أو بمحذوف وقع صفةً لمصدر مؤكدٍ محذوفٍ أي وعدتنا وعداً كائناً على ألسنة رسلِك، وقيل : التقديرُ منزلاً على رسلك أو محمولاً على رسلك، ولا يخفى أن تقديرَ الأفعالِ الخاصةِ في مثل هذه المواقعِ تعسفٌ، وجمعُ الرسلِ مع أن المناديَ هو الرسولُ صلى الله عليه وسلم وحده لما أن دعوتَه عليه السلام لاسيما في باب التوحيدِ وما أجمع عليه الكلُّ من الشرائع منطويةٌ على دعوة الكلِّ فتصديقُه تصديقٌ لهم عليهم السلام، كيف لا وقد أخذ منهم الميثاقَ بالإيمان به عليه السلام لقوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين لَمَا آتَيْتُكُم من كتاب  \[ آل عمران، الآية ٨١ \] الآية، وكذا الموعودُ على لسانه من الثواب موعودٌ على ألسنة الكلِّ، وإيثارُ الجمعِ لإظهار كمالِ الثقةِ بإنجاز الموجودِ بناءً على كثرة الشهود.  وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة  قصَدوا بذلك تذكيرَ وعدِه تعالى بقوله : يَوْم لاَّ يخزِي الله النَّبي والَّذِينَ آمنُوا مَعَهُ  \[ التحريم، الآية ٨ \] مُظْهرين أنهم ممن آمن معه رجاءً للانتظام في سلكهم يومئذ، وقوله تعالى : إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد  تعليلٌ لتحقيق ما نَظَموا في سلك الدعاءِ، وهذه الدعواتُ وما في تضاعيفها من كمالِ الضراعةِ والابتهالِ ليست لخوفهم من إخلاف الميعادِ بل لخوفهم من ألا يكونوا من جملة الموجودين بتغير الحالِ وسوءِ الخاتمةِ والمآلِ، فمرجِعُها إلى الدعاء بالتثبيت، أو للمبالغة في التعبُّد والخشوعِ. والميعادُ الوعدُ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه البعثُ بعد الموت وفي الآثار عن جعفر الصادق : من حزَ به أمرٌ فقال ربنا خمسَ مراتٍ أنجاه اللَّهُ مما يخاف وأعطاه ما أراد، وقرأ هذه الآية.

### الآية 3:195

> ﻿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ ۖ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ۖ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ [3:195]

فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ  الاستجابةُ بمعنى الإجابة، وقال تاجُ القراء : الإجابة عامةٌ والاستجابة خاصةٌ بإعطاء المسؤولِ، وتتعدى باللام وبنفسها كما في قوله :\[ الطويل \]\[ وداعٍ دعا يا من يجيب إلى الندى  فلم يستجبْهُ عند ذاك مُجيبُ[(١)](#foonote-١)وهو عطفٌ على الاستئنافِ المقدَّرِ فيما سلف، مترتبٌ على ما في حيزه من الأدعية كما أن قوله عز وجل : ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا  \[ يونس، الآية ٥٢ \] الخ عطفٌ على قيل المقدَّرِ قبل الآنَ، أي قيل لهم آلآنَ آمنتم به ؟ ثم قيل الآية وكما أن قوله تعالى في سورة الأعراف : وَنَطْبَعُ على قُلُوبِهِمْ  \[ الأعراف، الآية ١٠٠ \] معطوفٌ على ما دل عليه معنى  أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ  \[ السجدة، الآية ٢٦ \] الخ كأنه قيل يغفُلون عن الهداية ونطبَع الخ ولا ضيرَ في اختلافهما صيغةً لما أن صيغةَ المستقبلِ هناك للدِلالة على الاستمرار المناسبِ لمقام الدعاءِ، وصيغةَ الماضي هاهنا للإيذان بتحقيق الاستجابةِ وتقرّرِها كما لا ضير في الاختلاف بين قوله تعالى : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ  \[ سورة الأنفال، الآية ٩ \] وبين ما عُطف عليه من قوله تعالى : فاستجاب لَكُمْ  \[ سورة الأنفال، الآية ٩ \] كما سيأتي، ويجوز أن يكون معطوفاً على مضمَرٍ ينساق إليه الذهنُ، أي دَعَوا بهذه الأدعيةِ فاستجاب الخ وأما على تقدير كونِ المقدرِ حالاً فهو عطفٌ على يتفكرون باعتبار مقارنتِه لما وقع حالاً من فاعله، أعني قوله تعالى ربنا ربنا الخ فإن الاستجابةَ مترتبةٌ على دَعَواتهم لا على مجرد تفكّرِهم، وحيث كانت هي من أوصافهم الجميلةِ المترتبةِ على أعمالهم بالآخرة استحقت الانتظامَ في سلك محاسِنهم المعدودةِ في أثناء مدحِهم، وأما على تقدير كونِ الموصولِ نعتاً لأولي الألبابِ فلا مَساغَ لهذا العطفِ أصلاً لما عرفتَ من أن حقَّ ما في حيِّز الصلةِ أن يكون من مبادي جَرَيانِ الحُكمِ على الموصول، وقد عرفت أن دَعَواتِهم السابقةَ ليست كذلك، فأين الاستجابةُ المتأخرةُ عنها ؟ وفي التعرض لعنوان الربوبيةِ المنبئةِ عن التبليغ إلى الكمال -مع الإضافةِ إلى ضميرهم من تشريفهم وإظهارِ اللطفِ بهم- ما لا يخفى.  أَنّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ  أي بأني، وهكذا قرأ أُبيٌّ رضي الله عنه، والباءُ للسببية كأنه قيل فاستجاب لهم ربُّهم بسبب أنه لا يُضيع عملَ عامل منهم أي سُنّتُه السنيةُ مستمرَّةٌ على ذلك، والالتفاتُ إلى التكلم، والخطابُ لإظهار كمالِ الاعتناءِ بشأن الاستجابةِ وتشريفِ الداعين بشرف الخطاب، والمرادُ تأكيدُها ببيان سببها والإشعارُ بأن مدارَها أعمالهم التي قدموها على الدعاء لا مجردُ الدعاءِ. وتعميمُ الوعدِ لسائر العاملين وإن لم يبلُغوا درجةَ أولي الألبابِ لتأكيد استجابةِ الدعواتِ المذكورةِ، والتعبيرُ عن ترْك الإثابةِ بالإضاعة مع أنه ليس بإضاعة حقيقةٍ إذ الأعمالُ غيرُ موجبةٍ للثواب حتى يلزَمَ من تخلّفه عنها ضياعُها لبيان كمالِ نزاهتِه تعالى عن ذلك بتصويره بصورة ما يستحيل صدورُه عنه من القبائح، وإبرازِ الإثابةِ في معرض الأمورِ الواجبةِ عليه. وقرئ بكسر الهمزةِ على إرادة القولِ أي قائلاً إني الخ فلا التفاتَ حينئذٍ وقرئ لا أُضيِّع بالتشديد، ومِنْ متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً لعامل، أي عاملٍ كائنٍ منكم، وقولُه تعالى : من ذَكَرٍ أَوْ أنثى  بيانٌ لعامل وتأكيدٌ لعمومه، وقوله تعالى : بَعْضُكُم من بَعْضٍ  جملةٌ معترضةٌ مبينةٌ لسبب انتظامِ النساءِ في سلك الرجالِ في الوعد، فإن كونَ كلَ منهما من الآخَر لتشعُّبهما من أصل واحدٍ أو لفرط الاتصالِ بينهما أو لاتفاقهما في الدين والعملِ بما يستدعي الشركةَ والاتحادَ في ذلك. روي أن أمَّ سلمةَ رضي الله عنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إني أسمعُ اللَّهَ تعالى يذكرُ الرجالَ في الهجرة ولا يذكرُ النساءَ فنزلت. وقوله تعالى : فالذين هاجروا  ضربُ تفصيلٍ لما أُجمل في العمل وتعدادٌ لبعض أحاسنِ أفرادِه على وجه المدحِ والتعظيمِ، أي فالذين هجَروا الشركَ أو الأوطانَ والعشائرَ للدين، وقوله تعالى : وَأُخْرِجُوا مِن ديارهم  على الأول عبارةٌ عن نفس الهجرةِ وعلى الثاني عن كيفيتها وكونِها بالقسر والاضطرار  وَأُوذُوا في سَبِيلِي  أي بسبب اللَّهِ ومن أجله، وهو متناولٌ لكل أذيةٍ نالتهم من قِبَل المشركين  وَقَاتلُوا  أي الكفارَ في سبيل اللَّهِ تعالى  وَقُتلوا  استُشهدوا في القتال، وقرئ بالعكس لما أن الواوَ لا تستدعي الترتيبَ أو لأن المرادَ قتلُ بعضِهم وقتالُ آخَرين، إذ ليس المعنى على اتصاف كلِّ فردٍ من أفراد الموصولِ المذكورِ بكل واحدٍ مما ذكر في حيز الصلةِ بل على اتصاف الكلِّ بالكل في الجملة، سواءً كان ذلك باتصاف كلِّ فردٍ من الموصول بواحد من الأوصاف المذكورةِ أو بإثنين منها أو بأكثرَ، إما بطريق التوزيعِ أو بطريق حذفِ بعضِ الموصولاتِ من البعض كما هو رأيُ الكوفيين كيف لا ولو أُدير الحُكمُ على اتصاف كلِّ فردٍ بالكل لكان قد أُضيع عملُ من اتصف بالبعض، وقرئ وقتِّلوا بالتشديد.  لأكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سيئاتهم  جوابُ قسمٍ محذوفٍ أي واللَّهِ لأكفِّرن، والجملةُ القسميةُ خبرٌ للمبتدأ الذي هو الموصولُ، وهذا تصريحٌ بوعد ما سأله الداعون بخصوصه بعد ما وَعَد ذلك عموماً وقوله تعالى : وَلأدْخِلَنَّهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار  إشارة إلى ما عبَّر عنه الداعون فيما قبلُ بقولهم وآتنا ما وعدتنا على رسلك وتفسيرٌ له  ثَوَاباً  مصدرٌ مؤكِّدٌ لما قبله، فإن تكفيرَ السيئاتِ وإدخالَ الجنَّةِ في معنى الإثابة، وقوله تعالى : مِنْ عِندِ الله  متعلق بمحذوف هو صفةٌ له مبينةٌ لشرفه أي لأُثيبنَّهم إثابةً كائنةً أو تثويباً كائناً من عنده تعالى بالغاً إلى المرتبة العاليةِ من الشرف، وقوله تعالى : والله عِندَهُ حُسْنُ الثواب  اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله، والاسمُ الجليلُ مبتدأٌ خبرُه عنده، وحسنُ الثوابِ مرتفعٌ بالظرف على الفاعلية لاعتماده على المبتدأ، أو هو مبتدأٌ ثانٍ والظرفُ خبرُه والجملةُ خبرٌ للمبتدأ الأولِ، والعنديةُ عبارةٌ عن الاختصاص به تعالى مثلُ كونِه بقدرته تعالى وفضلِه بحيث لا يقدِرُ عليه غيرُه بحال شيءٍ يكون بحضرة أحدٍ لا يدَ عليه لغيره، فالاختصاصُ مستفادٌ من التمثيل سواءٌ جُعل عنده خبراً مقدماً لحسن الثوابِ أو لا، وفي تصدير الوعدِ الكريمِ بعدم إضاعةِ العملِ ثم تعقيبه بمثل هذا الإحسانِ الذي لا يُقدَّر قدرُه -من لُطف المسلكِ المُنبئ عن عظم شأنِ المحسِنِ- ما لا يخفي. 
١ وهو لكعب بن سعد الغنوي في الأصمعيات ص ٩٦، ولسان العرب ١/٢٨٣ (جوب)، وتاج العروس ٢/٢٠٦ (جوب)..

### الآية 3:196

> ﻿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ [3:196]

لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الذين كَفَرُوا في البلاد  بيانٌ لقبح ما أوتي الكفرةُ من حظوظ الدنيا وكشفٌ عن حقارة شأنِها وسوءِ مَغَبَّتِها إثرَ بيانِ حُسنِ ما أوتيَ المؤمنون من الثواب، والخطابُ للنبي صلى الله عليه وسلم على أن المرادَ تثبيتهُ على ما هو عليه كقوله تعالى : فَلاَ تُطِعِ المكذبين  \[ القلم، الآية ٨ \] أو على أن المرادَ نهيُ المؤمنين كما يُوجَّهُ الخطابُ إلى مَدارِهِ القومِ ورؤسائِهِم، والمرادُ إفناؤهم، ولكل أحد ممن يصلُح للخطاب من المؤمنين والنهيُ للمخاطب، وإنما جُعل للتقلب مبالغةً أي لا تنظُر إلى ما عليه الكفرةُ من السعة ووفورِ الحظِّ ولا تغترَّ بظاهر ما ترى منهم من التبسّط في المكاسب والمتاجرِ والمزارع. روي أن بعضَ المؤمنين كانوا يرَوْن المشركين في رخاء ولين عيشٍ فيقولون إن أعداءَ اللَّهِ تعالى فيما نرى من الخير وقد هلَكْنا من الجوع والجهد فنزلت. وقرئ لا يغُرَّنك بالنون الخفيفة.

### الآية 3:197

> ﻿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [3:197]

متاع قَلِيلٌ  خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ أي هو متاعٌ قليلٌ لا قدرَ له في جنب ما ذُكر من ثواب اللَّهِ تعالى قال عليه السلام :**«ما الدنيا في الآخرة إلا مثلُ ما يجعل أحدُكم أصبَعَه في اليمّ فلينظُر بم يرجِعُ »** فإذن لا يُجدي وجودُه لواجديه ولا يضُرُّ فقدانُه لفاقديه  ثُمَّ مَأْوَاهُمْ  أي مصيرُهم الذي يأوون إليه لا يبرَحونه  جَهَنَّمُ  التي لا يوصف عذابُها وقوله تعالى : وَبِئْسَ المهاد  ذمٌّ لها وإيذانٌ بأن مصيرَهم إليها مما جنته أنفسُهم وكسبتْه أيديهم، والمخصوصُ بالذم محذوفٌ أي بئس ما مَهدوا لأنفسهم جهنَّمُ.

### الآية 3:198

> ﻿لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۗ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ [3:198]

لَكِنِ الذين اتقوا رَبَّهُمْ لَهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا  بيانٌ لكمال حسنِ حالِ المؤمنين غِبَّ بيانٍ وتكريرٌ له إثرَ تقرير مع زيادة خلودِهم في الجنَّاتِ ليتم بذلك سرورُهم ويزدادَ تبجُّحُهم، ويتكاملَ به سوءُ حالِ الكفرةِ. وإيرادُ التقوى في حيز الصلةِ للإشعار بكون الخصالِ المذكورةِ من باب التقوى، والمرادُ به الاتقاءُ من الشرك والمعاصي، فالموصولُ مبتدأ والظرفُ خبرُه وجناتٌ مرتفعٌ به على الفاعلية لاعتماده على المبتدأ، أو الظرفُ خبرٌ لجناتٌ والجملةُ خبرٌ للموصول، وخالدين فيها أي في الجنات حالٌ مقدرةٌ من الضمير أو من جناتٌ لتخصّصها بالوصف، والعاملُ ما في الظرف من معنى الاستقرارِ  نُزُلاٍ منْ عِندِ الله  وقرئ بسكون الزاي وهو ما يُعدّ للنازل من طعام وشرابٍ وغيرِهما قال أبو الشعر الضبي :\[ الطويل \]وكنا إذا الجبارُ بالجيش ضافنا  جعلنا القَنا والمرهفاتِ له نُزْلاوانتصابُه على الحالية من جناتٌ لتخصصها بالوصف، والعاملُ فيه ما في الظرف من معنى الاستقرارِ، وقيل هو مصدرٌ مؤكدٌ كأنه قيل رِزقاً أو عطاءً من عند الله  وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ  مبتدأ وخبرٌ وقوله تعالى : للأبْرَارِ  متعلقٌ بمحذوف هو صفةٌ لخيرٌ أي ما عنده تعالى من الأمور المذكورةِ الدائمةِ خيرٌ كائنٌ للأبرار، أي مما يتقلب فيه الفجارُ من المتاع القليلِ الزائلِ، والتعبيرُ عنهم بالأبرار للإشعار بأن الصفاتِ المعدودَة من أعمال البرِّ كما أنها من قبيل التقوى، والجملةُ تذييل لما قبلها.

### الآية 3:199

> ﻿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [3:199]

وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب لَمَن يُؤْمِنُ بالله  جملةٌ مستأنفةٌ سيقت لبيان أن أهلَ الكتابِ ليس كلُّهم كمن حُكِيت هَناتُهم من نبذ الميثاقِ وتحريفِ الكتابِ وغير ذلك، بل منهم من له مناقبُ جليلةٌ. قيل هم عبدُ اللَّهِ بنُ سلامٍ وأصحابُه وقيل هم أربعون من أهل نجرانَ واثنان وثلاثون من الحبشة وثمانيةٌ من الروم كانوا نصارى فأسلموا، وقيل المرادُ به أصحْمةُ النجاشيُّ فإنه لما مات نعاه جبريلُ إلى النبي عليه فقال عليه السلام :**«أخرُجوا فصلُّوا على أخٍ لكم ماتَ بغير أرضكم »**، فخرج إلى البقيع فنظر إلى أرض الحبشةِ فأبصر سريرَ النجاشيِّ وصلى عليه واستغفر له، فقال المنافقون انظُروا إلى هذا يصلي على عِلْج نصراني لم يرَه قطُّ وليس على دينه، فنزلت. وإنما دخلت لامُ الابتداءِ على اسم إنّ لفصل الظرفِ بينهما كما في قوله تعالى : وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ  \[ النساء، الآية ٧٢ \]،  وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ  من القرآن  وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ  من الكتابَين، وتأخيرُ إيمانِهم بهما عن إيمانهم بالقرآن في الذكر مع أن الأمرَ بالعكس في الوجود لما أنه عيارٌ ومهيمِن عليهما، فإن إيمانَهم بهما إنما يُعتبر بتبعية إيمانِهم به إذ لا عبرةَ بأحكامهما المنسوخةِ، وما لم يُنسَخْ منها إنما يعتبر من حيث ثبوتُه بالقرآن، ولتعلّق ما بعده بهما، والمرادُ بإيمانهم بهما إيمانُهم بهما من غير تحريفٍ ولا كَتْمٍ كما هو دَيدَنُ المحرِّفين وأتباعِهم من العامة  خاشعين للَّهِ  حالٌ من فاعل يؤمن، والجمعُ باعتبار المعنى  لاَ يَشْتَرُونَ بآيات الله ثَمَناً قَلِيلاً  تصريحٌ بمخالفتهم للمحرِّفين، والجملةُ حالٌ كما قبله ونظمُها في سلك محاسِنهم ليس من حيث عدمُ الاشتراءِ فقط بل لتضمُّن ذلك لإظهار ما في الكتابَيْن من شواهدِ نبوته عليه السلام  أولئك  إشارةٌ إليهم من حيث اتصافُهم بما عُدّ من صفاتهم الحميدةِ، وما فيه من معنى البعد للدَلالة على رتبتهم وبُعد منزلتِهم في الشرف والفضيلةِ، وهو مبتدأٌ خبرُه قوله تعالى : لَهُمْ  وقوله  أَجْرَهُمْ  أي المختصُّ بهم الموعودُ لهم بقوله تعالى : أُوْلَئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَرَّتَيْنِ  \[ القصص، الآية ٥٤ \] وقولهِ تعالى : يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ  \[ الحديد، الآية ٢٨ \] مرتفعٌ بالظرف على الفاعلية أو على الابتداء، والظرفُ خبره والجملةُ خبرٌ لأولئك، وقوله تعالى : عِندَ رَبّهِمْ  نُصب على الحالية من ( أجرُهم ) والمرادُ به التشريفُ كالصفة.  إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب  لنفوذ علمِه بجميع الأشياءِ فهو عالمٌ بما يستحقه كلُّ عاملٍ من الأجر من غير حاجةٍ إلى تأمل، والمرادُ بيانُ سرعةِ وصولِ الأجر الموعودِ إليهم.

### الآية 3:200

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [3:200]

يا أيُّهَا الذين آمَنُوا  إثرَ ما بيّن في تضاعيف السورةِ الكريمةِ فنونَ الحُكم والأحكامِ خُتمت بما يوجب المحافظة عليها فقيل  اصبروا  أي على مشاقِّ الطاعاتِ وغيرِ ذلك من المكاره والشدائدِ  وَصَابِرُوا  أي غالبوا أعداءَ اللَّهِ تعالى بالصبر في مواطن الحروبِ، وأعدى عدوِّكم بالصبر على مخالفة الهوى، وتخصيصُ المصابرةِ بالأمر بعد الأمرِ بمطلق الصبرِ لكونها أشدَّ منه وأشقَّ  وَرَابِطُوا  أي أقيموا في الثغور رابطين خيلَكم فيها مترصِّدين للغزو مستعدّين له قال تعالى : وَمِن ربَاطِ الخيل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ  \[ الأنفال، الآية ٦٠ \] وعن النبي صلى الله عليه وسلم :**«مَنْ رابط يوماً وليلةً في سبيل اللَّهِ كان كعَدْل صيامِ شهرِ رمضانَ وقيامه لا يُفطِرُ ولا ينفتل عن صلاته إلا لحاجة »**  واتقوا الله  في مخالفة أمرِه على الإطلاق فيندرجُ فيه ما ذكر في تضاعيف السورةِ الكريمةِ اندراجاً أولياً  لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  كي تنتظِموا في زُمرة المفلحين الفائزين بكل مطلوبٍ الناجين من كل الكروب،

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/3.md)
- [كل تفاسير سورة آل عمران
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/3.md)
- [ترجمات سورة آل عمران
](https://quranpedia.net/translations/3.md)
- [صفحة الكتاب: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم](https://quranpedia.net/book/37.md)
- [المؤلف: أبو السعود](https://quranpedia.net/person/4781.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/3/book/37) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
