---
title: "تفسير سورة السجدة - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/32/book/350.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/32/book/350"
surah_id: "32"
book_id: "350"
book_name: "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز"
author: "ابن عطية"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة السجدة - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/32/book/350)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة السجدة - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية — https://quranpedia.net/surah/1/32/book/350*.

Tafsir of Surah السجدة from "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز" by ابن عطية.

### الآية 32:1

> الم [32:1]

بسم الله الرّحمن الرّحيم

 سورة السّجدة
 هذه السورة مكية غير ثلاث آيات نزلت بالمدينة وهي قوله أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ \[السجدة: ١٨\] إلى تمام ثلاث آيات، ويأتي تفسيرها، وقال جابر بن عبد الله: ما كان رسول الله ﷺ ينام حتى يقرأ الم **«السجدة»** و **«تبارك»** \[الملك: ١\].
 **قوله عز وجل:**
 \[سورة السجده (٣٢) : الآيات ١ الى ٤\] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

 الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٤)
 تَنْزِيلُ يصح أن يرتفع بالابتداء والخبر لا رَيْبَ ويصح أن يرتفع على أنه خبر ابتداء، وهو إما الحروف المشار إليها على بعض الأقوال في أوائل السور، وإما ذلك تنزيل أو نحو هذا من التقدير بحسب القول في الحروف وقوله تعالى: لا رَيْبَ فِيهِ أي هو كذا في نفسه ولا يراعى ارتياب الكفرة، وقوله مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ متعلق ب تَنْزِيلُ، ففي الكلام تقديم وتأخير، ويجوز أن يتعلق بقوله لا رَيْبَ أي لا شك فيه من جهة الله تعالى وإن وقع شك للفكرة فذلك لا يراعى، والريب الشك وكذلك هو في كل القرآن إلا قوله رَيْبَ الْمَنُونِ \[الطور: ٣٠\] وقوله أَمْ يَقُولُونَ إضراب، كأنه قال بل أيقولون، وافْتَراهُ اختلقه، ثم رد تعالى على مقالتهم هذه وأخبر أنه الْحَقُّ من عند الله، واللام في قوله لِتُنْذِرَ يجوز أن تتعلق بما قبلها، ولا يجوز الوقف على قوله مِنْ رَبِّكَ ويجوز أن تتعلق بفعل مضمر تقديره أنزله لتنذر فيوقف حينئذ على قوله مِنْ رَبِّكَ، وقوله ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ أي لم يباشرهم ولا رأوه هم ولا آباؤهم العرب، وقوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ \[فاطر: ٢٤\] يعم من بوشر من النذر ومن سمع به فالعرب من الأمم التي خلت فيها النذر على هذا الوجه لأنها علمت بإبراهيم وبنيه ودعوتهم وهم ممن لم يأتهم نذير مباشر لهم سوى محمد صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس ومقاتل: المعنى لم يأتهم نذير في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام، وقوله تعالى: فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ يقضي بأن يوما من أيام الجمعة بقي لم يخلق فيه شيء، وتظاهرت الأحاديث الصحاح أن الخلق ابتدئ يوم الأحد، وخلق آدم يوم الجمعة آخر الأشياء فهذا مستقيم مع هذه الآية.

### الآية 32:2

> ﻿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [32:2]

تنزيل  يصح أن يرتفع بالابتداء والخبر  لا ريب  ويصح أن يرتفع على أنه خبر ابتداء، وهو إما الحروف المشار إليها على بعض الأقوال في أوائل السور، وإما ذلك تنزيل أو نحو هذا من التقدير بحسب القول في الحروف وقوله تعالى : لا ريب فيه  أي هو كذا في نفسه ولا يراعى ارتياب الكفرة، وقوله  من رب العالمين  متعلق ب  تنزيل ، ففي الكلام تقديم وتأخير، ويجوز أن يتعلق بقوله  لا ريب  أي لا شك فيه من جهة الله تعالى وإن وقع شك للفكرة فذلك لا يراعى[(١)](#foonote-١)، والريب الشك وكذلك هو في كل القرآن إلا قوله  ريب المنون [(٢)](#foonote-٢) \[ الطور : ٣٠ \]
١ قال مكي: أحسن الوجوه في الإعراب أن تكون لا ريب فيه في موضع الحال، و من رب العالمين الخبر..
٢ من قوله تعالى في الآية ٣٠ من سورة الطور: أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون..

### الآية 32:3

> ﻿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۚ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ [32:3]

وقوله  أم يقولون  إضراب، كأنه قال بل أيقولون، و  افتراه  اختلقه، ثم رد تعالى على مقالتهم هذه وأخبر أنه  الحق  من عند الله، واللام في قوله  لتنذر  يجوز أن تتعلق بما قبلها، ولا يجوز الوقف على قوله  من ربك  ويجوز أن تتعلق بفعل مضمر تقديره أنزله لتنذر فيوقف حينئذ على قوله  من ربك ، وقوله  ما أتاهم من نذير  أي : لم يباشرهم ولا رأوه هم ولا آباؤهم العرب، وقوله تعالى : وإن من أمة إلا خلا فيها نذير [(١)](#foonote-١) \[ فاطر : ٢٤ \] يعم من بوشر من النذر ومن سمع به فالعرب من الأمم التي خلت فيها النذر على هذا الوجه لأنها علمت بإبراهيم وبنيه ودعوتهم وهم ممن لم يأتهم نذير مباشر لهم سوى محمد صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس ومقاتل : المعنى لم يأتهم نذير في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام[(٢)](#foonote-٢).

١ من الآية ٢٤ من سورة فاطر..
٢ يقول أبو حيان في معرض الرد على رأي للزمخشري حاول فيه التوفيق بين آية فاطر وآية السجدة هذه: "لقد فهم المفسرون أن (ما) في قوله تعالى: ما أتاهم من نذير نافية، وعندي أنها موصولة، والمعنى: لتنذر قوما العقاب الذي أتاهم، و من نذير متعلق ب (أتاهم)، أي أتاهم على لسان نذير من قبلك، وكذلك المعنى في قوله: لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم إذ تقديره: لتنذرهم العقاب الذي أنذره آباؤهم، ف \[ما\] مفعولة في الموضعين، و(أنذر) تتعدى إلى اثنين، قال تعالى: فإن أعرضوا فقد أنذرتكم صاعقة، وهذا القول جار على ظواهر القرآن، قال تعالى: وإن من أمة إلا خلا فيها نذير و إن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير نفقد جاءكم بشير ونذير، وقال تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقال: وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا. .

### الآية 32:4

> ﻿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ [32:4]

وقوله تعالى : في ستة أيام  يقضي بأن يوماً من أيام الجمعة بقي لم يخلق فيه شيء، وتظاهرت الأحاديث الصحاح أن الخلق ابتدىء يوم الأحد، وخلق آدم يوم الجمعة آخر الأشياء فهذا مستقيم مع هذه الآية. 
ووقع في كتاب مسلم أن الخلق ابتدىء يوم السبت، فهذا يخالف الآية اللهم إلا أن يكون أراد في الآية جميع الأشياء غير آدم، ثم يكون يوم الجمعة هو الذي لم يخلق فيه شيء مما بين السماء والأرض، لأن آدم لم يكن حينئذ مما بينهما، وقد تقدم القول في قوله : استوى على العرش  بما فيه كفاية، و  ثم  في هذا الموضع لترتيب الجمل لأن الاستواء كان بعد أن لم يكن، وهذا على المختار في معنى  استوى  ونفي **«الشفاعة »** محمول على أحد وجهين : إما عن الكفرة وإما نفي الشفعاء من ذاتهم على حد شفاعة الدنيا لأن شفاعة الآخرة إنما هي بعد إذن من الله تعالى.

### الآية 32:5

> ﻿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [32:5]

الأمر  اسم جنس لجميع الأمور، والمعنى ينفذ الله تعالى قضاءه بجميع ما يشاؤه،  ثم يعرج إليه  خبر ذلك  في يوم  من أيام الدنيا  مقداره  أن لو سير فيه السير المعروف من البشر  ألف سنة  لأن ما بين السماء والأرض خمسمائة سنة هذا أحد الأقوال، وهو قو لمجاهد وابن عباس وقتادة وعكرمة والضحاك، وقال مجاهد أيضاً : إن المعنى أن الضمير في  مقداره  عائد على **«التدبير »**، أي كان مقدار التدبير المنقضي في يوم ألف سنة لو دبرها البشر، وقال مجاهد أيضاً المعنى أن الله تعالى يدبر ويلقي إلى الملائكة أمور ألف سنة من عندنا وهو اليوم عنده فإذا فرغت ألقى إليهم مثلها، فالمعنى أن الأمور تنفذ عنده لهذه المدة ثم تصير إليه آخراً لأن عاقبة الأمور إليه، وقيل المعنى  يدبر الأمر من السماء إلى الأرض  في مدة الدنيا  ثم يعرج إليه  يوم القيامة ويوم القيامة  مقداره ألف سنة  من عندنا وهو على الكفار قدر خمسين ألف سنة لهوله وشنعته حسبما في سورة **«سأل سائل »**[(١)](#foonote-١) وسنذكر هنالك ما فيه من الأقوال والتأويل إن شاء الله، وحكى الطبري في هذه الآية عن بعضهم أنه قال قوله  في يوم  إلى آخر الآية متعلق بقوله قبل هذا  في ستة أيام  \[ السجدة : ٤ \] ومتصل به أي أن تلك الستة كل واحد منها من ألف سنة[(٢)](#foonote-٢). 
قال الفقيه الإمام القاضي : وهذا قول ضعيف مكرهة ألفاظ هذه الآية عليه رادة له الأحاديث التي بينت أيام خلق الله تعالى المخلوقات، وحكي[(٣)](#foonote-٣) أيضاً عن ابن زيد عن بعض أهل العلم أن الضمير في  مقداره  عائد على العروج، والعروج الصعود، والمعارج الأدراج التي يصعد عليها، وقالت فرقة معنى الآية يدبر أمر الشمس في أنها تصعد وتنزل في يوم وذلك قدر ألف سنة. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وهذا أيضاً ضعيف وظاهر عود الضمير في  إليه  على اسم الله تعالى كما قال  ذاهب إلى ربي [(٤)](#foonote-٤) \[ الصافات : ٩٩ \]، وكما قال **«مهاجر إلى ربي »**[(٥)](#foonote-٥)، وهذا كله بريء من التحيز، وقيل إن الضمير يعود على  السماء  لأنها قد تذكر، وقرأ جمهور الناس **«تعدون »** بالتاء، وقرأ الأعمش والحسن بخلاف عنه **«يعدون »** بالياء من تحت. 
١ أي سورة المعارج، وقد ورد ذلك في قوله تعالى: تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة الآية رقم ٤..
٢ أي: مكون من ألف سنة..
٣ أي: الطبري..
٤ من الآية ٩٩ من سورة الصافات، وهي قوله تعالى:وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين..
٥ من الآية ٢٦ من سورة العنكبوت، وهي قوله تعالى: فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم..

### الآية 32:6

> ﻿ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [32:6]

قالت فرقة أراد ب  الغيب  الآخرة، وب  الشهادة  الدنيا، وقيل أراد ب  الغيب  ما غاب عن المخلوقين وب  الشهادة  ما شوهد من الأشياء فكأنه حصر بهذه الألفاظ جميع الأشياء.

### الآية 32:7

> ﻿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ [32:7]

وقرأ جمهور الناس **«خلَقه »** بفتح اللام على أنه فعل ماض، ومعنى  أحسن  أتقن وأحكم فهو حسن من جهة ما هو لمقاصده التي أريد لها، ومن هذا المعنى ما قال ابن عباس وعكرمة : ليست إست القرد بحسنة ولكنها متقنة محكمة، والجملة في  خلقه  يحتمل أن تكون في موضع نصب صفة ل  كل  أو في موضع خفض صفة ل  شيء ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر **«خلْقه »** بسكون اللام وذلك منصوب على المصدر، والضمير فيه إما عائد على الله تعالى وإما على المفعول، ويصح أن يكون بدلاً من  كل  وذهب بعض الناس على هذه القراءة إلى أن  أحسن  بمعنى ألهم، وأن هذه الآية بمعنى قوله تعالى : أعطى كل شيء خلقه ثم هدى [(١)](#foonote-١) \[ طه : ٥٠ \] أي ألهم الرجل إلى المرأة، والجمل إلى الناقة، وهذا قول فيه بعد ورجحه الطبري، وقرأ جمهور الناس **«وبدأ »**، وقرأ الزهري **«وبدا خلق الإنسان »** بألف دون همزة وبنصب القاف وذلك على البدل لا على التخفيف[(٢)](#foonote-٢). 
قال الفقيه الإمام القاضي : كأنه أبدل الياء من بدى ألفاً، وبدى[(٣)](#foonote-٣) لغة الأنصار، وقال ابن رواحة :\[ الرجز \]
**«بسم الإله وبه بدينا. . . ولو عبدنا غيره شقينا »**[(٤)](#foonote-٤)
و  الإنسان  آدم عدد أمره على بنيه إذ خلقه خلق لهم من حيث هو منسلهم.

١ من الآية ٥٠ من سورة طه، وهي قوله تعالى:قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى..
٢ قال أبو الفتح ابن جني: "ومثله بيت الكتاب:
 راحت بمسلمة البغال عشية فارعي فزارة لا هناك المرتع
 ولو كان تخفيفا قياسا لجعل الهمزة بين بين، ولو أسندت الفعل إلى نفسك على التخفيف القياسي قلت: بدات بألف لا همز في لفظها، وعلى البدل قلت: بديت، كما حكي عنهم: قريت وأخطيت"..
٣ بكسر عين الكلمة وياء بعدها، و هي لغة طيء، قال ذلك أبو حيان في البحر..
٤ الشاهد فيه قوله: (بدينا) بكسر الدال وبعدها ياء، وهي لغة الأنصار في (بدأ)..

### الآية 32:8

> ﻿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ [32:8]

و **«النسل »** ما يكون عن الحيوان من الولد كأنه مأخوذ من نسل الشيء إذا خرج من موضعه، ومنه قوله تعالى : وهم من كل حدب ينسلون [(١)](#foonote-١) \[ الأنبياء : ٩٦ \] ومنه نسل ريش الطائر إذا تساقط، و **«السلالة »** من سل يسل فكأن الماء يسل من الإنسان ومن ذلك قول الشاعر :\[ الطويل \]
فجاءت به عضب الأديم غضنفراً. . . سلالة فرج كان غير حصين[(٢)](#foonote-٢)
و **«المهين »** الضعيف، مهن الإنسان إذا ضعف وذل[(٣)](#foonote-٣).

١ من الآية ٩٦ من سورة الأنبياء..
٢ البيت لحسان بن ثابت، وهو في ديوانه – تحقيق سيد حنفي حسنين. د- أثبته تحت رقم ٦٨ في صفحة ٣٩٦ ضمن (إضافات لأبيات ومقطعات لم ترد في النسخة الأم)، وهو أيضا في (اللسان-سلل) قال: " وسلالة الشيء: ما استل منه، والنطفة سلالة الإنسان، قال حسان: البيت". ويروى البيت: (حملت به) بدلا من (فجاءت)، (وقال محقق اللسان- طبعة دار المعارف- القاهرة) في الهامش: عضب بالضاد المعجمة، هكذا في الأصل، ولعله بالصاد المهملة، ولعل الذي دفعه إلى ذلك أن المعاني اللغوية المعروفة لكلمة (عضب) لا تناسب المعنى هنا اللهم إلا أن يراد به غلظ الجلد ومتانته. والغضنفر: هو الرجل الغليظ الجثة مثل الغضافر، يقال: غضفر الشيء إذا ثقل. والسلالة: الولد يخرج من بطن أمه، فهو سليل وسلالة، وفي اللسان: "قال أبو الهيثم: ما سل من صلب الرجل وترائب المرأة، والمؤلف يستشهد بالبيت على أن السلالة هو الولد حين يسل من أبيه وأمه، ومثل هذا البيت قول هند بنت النعمان التي كانت تعتز بنفسها، وتزوجت رجلا لا تطيقه فقالت:
 وهل كنت إلا مهرة عربية سلالة أفراس تحللها بغل؟.
٣ يقال: مهن الرجل بضم الهاء بمعنى: ضعف وذل، أما مهن بفتح الهاء فمعناها: صارت له مهنة، و مصدر الأولى: مهانة، ومصدر الثانية : مَهنا ومَهنة ومِهنة..

### الآية 32:9

> ﻿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ [32:9]

وقوله  ونفخ  عبارة عن إفاضة الروح في جسد آدم، والضمير في  روحه  لله تعالى، وهي إضافة ملك إلى ملك وخلق إلى خالق، ثم أظهر تعديد النعم عليهم في أن خصهم في قوله  لكم  بضمير[(١)](#foonote-١)  السمع والأبصار والأفئدة  وهي لمن تقدم ذكره أيضاً[(٢)](#foonote-٢) كما خص آدم بالتسوية ونفخ الروح وهو لجميع ذريته، وهذا كله إيجاز واقتضاب وترك لما يدل عليه المنطوق به. 
ويحتمل أن يكون  الإنسان  في هذه الآية اسم الجنس، وقوله تعالى : قليلاً  صفة لمصدر محذوف، وهو في موضع الحال حين حذف الموصوف به.

١ هكذا في الأصول، ولو حذفت لاستقام المعنى..
٢ يريد بمن تقدم آدم عليه السلام حيث تقدم في قوله: وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله..

### الآية 32:10

> ﻿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۚ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ [32:10]

والضمير في  قالوا  للكفار الجاحدين البعث من القبور والمستبعدين لذلك دون حجة ولا دليل. 
وموضع  إذا  نصب بما في قوله  إنا لفي خلق جديد  لأن معناه لنعاد، واختلفت القراءة في  أئذا  وقد تقدم استيعاب ذكره في غير هذا الموضع. وقرأ جمهور القراء **«ضللنا »** بفتح اللام، وقرأ ابن عامر وأبو رجاء وطلحة وابن وثاب **«ضلِلنا »** بكسر اللام والمعنى تلفنا وتقطعت أوصالنا فذهبنا حتى لم نوجد، ومنه قول الأخطل :\[ الكامل \]
كنت القذا في متن أكدر مزبد. . . قذف الأتيّ به فضلّ ضلالا[(١)](#foonote-١)
**ومنه قول النابغة :**
فآب مضلوه بعين جلية. . . وغودر بالجولان حزم ونائل[(٢)](#foonote-٢)
أي متلفوه دفناً، ومنه قول امرىء القيس :**«تضل المداري في مثنى ومرسل »**[(٣)](#foonote-٣). وقرأ الحسن البصري **«صلَلنا »** بالصاد غير منقوطة وفتح اللام، قال الفراء وتروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومعناه صرنا من الصلة وهي الأرض اليابسة الصلبة، ويجوز أن يريد به من التغير كما يقال صل اللحم[(٤)](#foonote-٤)، ورويت هذه القراءة عن ابن عباس وأبان بن سعيد بن العاصي، وقرأ الحسن أيضاً **«صلِلنا »** بالصاد غير منقوط وكسر اللام، وقرأ علي بن أبي طالب وأبو حيوة **«ضُلِّلنا »** بضم الضاد وكسر اللام وشدها، وقولهم  إنا لفي خلق جديد  أي إنا لفي هذه الحالة نعاد ويجدد خلقنا. وقوله تعالى : بل  إضراب عن معنى استفهامهم كأنه قال ليسوا مستفهمين **«بل هم كافرون »** جاحدون بلقاء الله تعالى، ثم أمر تعالى نبيه أن يخبرهم بجملة الحال غير مفصلة، فبدأ بالإخبار من وقت يفقد روح الإنسان إلى الوقت الذي يعود فيه إلى ربه فجمع الغايتين الأولى والآخرة، و  يتوفاكم  معناه يستوفيكم. 
ومنه قال الشاعر :\[ الرجز \]
أزيني الأردم ليسوا من أحد. . . ولا توفيهم قريش في العدد[(٥)](#foonote-٥)

١ قال الأخطل هذا البيت مخاطبا جرير فيما كان بينهما من هجاء، وقبل هذا البيت يقول: 
 وإذا سما للمجد فرعا وائل واستجمع الوادي عليك فسالا
 وفرعا وائل هما بكر وتغلب. والقذى: ما يصيب العين بالأذى حين يقع فيها ما يحمله الهواء من التراب، والأكدر: غير الصافي، والمزبد: الذي علاه الزبد، والزبد هو ما يعلو الماء من رغوة فيها ما يحمله الماء من أعشاب أو عيدان. والأتي: الذي يأتي من مكان بعيد مندفعا في قوة. يقول الأخطل لجرير: إذا اجتمع فرعا وائل في يوم من أيام الفخار مع القبائل، وكانوا كالسيل القوي المندفع من مكان بعيد كنت أنت يا جرير كالقذى الذي يتوه وسط هذا السيل القوي فلا يبقى منه أثر، وهو بهذا يعرض بجرير وأبيه، فهو الحقير الضئيل بين علية القوم من بكر وتغلب. والشاهد في البيت أن الضلال هنا بمعنى الفناء والضياع وسط الأشياء..
٢ البيت من قصيدة قالها النابغة يرثي النعمان بن الحارث الغساني. ومضلوه: الذين دفنوه وأخفوه في التراب، وهذا هو الشاهد هنا، ويروى: مصلوه بالصاد المهملة، وهي الرواية المشهورة، والمعنى: الذين صلوا عليه من الرهبان الذين تجمعوا حوله يدعون له؛ لأن النعمان ابن الحارث كان من الذين تنصروا في الجاهلية، ورواها أيضا أبو عبيدة: مطلوهم بالطاء المهملة وبضمير الجمع، يريد المطلين عليهم في دينهم، يقال: أطل على فلان في دينه إذا كان له عليه فضل، هكذا قال أبو عبيدة مع أن معاجم اللغة لم تورد هذا المعنى، ومعنى قوله: (بعين جلية) أنهم رجعوا بعد أن شاهدوا بأعينهم موته ودفنه، وفي هذا إشارة إلى أن من لم يروا ذلك يكادون لا يصدقون خبر موته لجلالة قدره وعظم منزلته بين الناس، والجولان: اسم مكان الذي دفن فيه، وهو بالشام جنوبي دمشق، وعلى الحدود الفاصلة بين سوريا وفلسطين..
٣ هذا عجز بيت من معلقته المشهورة، والبيت بتمامه:
 غدائره مستشرزات إلى العلا تضل المداري في مثنى ومرسل
 والغدائر: جمع الغديرة وهي الخصلة من الشعر، ومستشزرات – من الاستشزار وهو الارتفاع والرفع جميعا، وبهذا يكون الفعل منه لازما أو متعديا، فمن رواه مستشزرات – بكسر الزاي- جعله من الفعل اللازم، ومن رواه بفتح الزاي جعله من المتعدي، والمداري: جمع مدراة وهي الآلة التي يسوى بها الشعر ويرجل، أي المشط، ويروى بدلا من المداري: العقاص: وهو خيط يشد به الشعر مما يسمى بالعقص، يقال: عقصت المرأة شعرها عقصا إذا أخذت كل خصلة منه فلوتها ثم عقدتها حتى يبقى فيها التواء ثم أرسلتها. والمثنى: الذي ثني بعضه على بعض، والمرسل: الذي ترك دون عقص أو ثني، والشاهد فيه أن يضل بمعنى يغيب ويختفي بين الشعر ما ثني منه وما أرسل. يقول: ذوائب شعرها مرتفعة أو مرفوعة إلى فوق، وشعرها لكثرته وطوله منه المثنى ومنه المرسل، وفيه تغيب المدارى..
٤ في (اللسان- صل): "الصلة: الأرض اليابسة، وقيل: هي الأرض التي لم تمطر بين أرضين ممطورتين، والجمع: صلال، وقال أبو عبيدة: قبره في الصلة وهي الأرض"، وعلى هذا يمكن تخريج المعنى في الآية على هذه القراءة، كذلك يمكن فهم الآية على المعنى المشهور الذي ذكره أبو الفتح ابن جني، وذكره أيضا ابن عطية، وهو من: صل اللحم يصل صلولا وأصل: أنتن مطبوخا كان أو نيئا، قال الحطيئة:
 ذاك فتى يبذل ذا قدره لا يفسد اللحم لديه الصلول
 **وقال زهير:**
 تلجلج مضغة فيها أنيض أصلت فهي تحت الكشح داء.
٥ البيتان في (اللسان- وفى) ونسبهما لمنظور الوبري، والرواية فيه (الأدرد) بدلا من (الأدرم) وفي (التاج) أن الشاعر هو منظور العنبري. ومعنى (ليسوا من أحد): لا تجعلهم قريش منها، ومعنى (ولا توفاهم في العدد) أنها لا تستوفي بهم عددها، فهم غير معدودين، ولا محسوبين بين الناس. وقد استشهد أبو عبيدة بالبيتين في مجاز القرآن، وعنه أخذ صاحب اللسان..

### الآية 32:11

> ﻿۞ قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ [32:11]

و  ملك الموت  اسمه عزرائيل وتصرفه كله بأمر الله وبخلقه واختراعه وروي في الحديث أن البهائم كلها يتوفى الله روحها دون ملك. 
قال الفقيه الإمام القاضي : كأن يعدم حياتها[(١)](#foonote-١)، وكذلك الأمر في بني آدم إلا أنه نوع شرف بتصرف ملك وملائكة معه في قبض أرواحهم، وكذلك أيضاً غلظ العذاب على الكافرين بذلك، وروي عن مجاهد : أن الدنيا بين يدي ملك الموت كالطست بين يدي الإنسان يأخذ من حيث أمر.

١ نقل القرطبي عن ابن عطية هذا الحديث وتعليقه عليه بقوله: "كأنه يعدم حياتها"، ثم قال: "وقد روي خلافه، وأن ملك الموت يتوفى أرواح جميع الخلائق حتى البرغوث والبعوضة"، ثم ذكر الحديث الذي أخرجه ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن جعفر بن محمد، ولفظه: سمعت أبي يقول: (نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا ملك الموت ارفق بصاحبي فإنه مؤمن، فقال ملك الموت: يا محمد، طب نفسا وقر عينا، فإني بكل مؤمن رفيق، واعلم أن ما في الأرض بيت مدر ولا شعر في بر ولا بحر إلا وأنا أتصفحهم في كل يوم خمس مرات، حتى إني أعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم، والله يا محمد لو أني أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك حتى يكون الله هو الآمر بقبضها). وقد ذكر ابن كثير الحديث بنفس السند، وعقب عليه بكلام لجعفر بن محمد راوي الحديث..

### الآية 32:12

> ﻿وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ [32:12]

قوله تعالى : لو ترى  تعجيب لمحمد وأمته من حال الكفرة وما حل بهم، وجواب  لو  محذوف لأن حذفه أهول إذ يترك الإنسان فيه مع أقصى تخيله، و  المجرمون  هم الكافرون بدليل التوعد بالنار وبدليل قولهم  إنا موقنون  أي أنهم كانوا في الدنيا غير موقنين، وتنكيس الرؤوس هو من الذل واليأس والهم بحلول العذاب وتعلق نفوسهم بالرجعة إلى الدنيا، وفي القول محذوف تقديره يقولون  ربنا  وقولهم  أبصرنا وسمعنا  أي ما كنا نخبر به في الدنيا فكنا مكذبين به، ثم طلبوا الرجعة حين لا ينفع ذلك.

### الآية 32:13

> ﻿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَٰكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [32:13]

ثم أخبر تعالى عن نفسه أنه لو شاء لهدى الناس أجمعين بأن يلطف بهم لطفاً يؤمنون به ويخترع الإيمان في نفوسهم، هذا مذهب أهل السنة، وقال بعض المفسرين تعرض عليم آية يضطرهم بها إلى الإيمان. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وهذا قول بعض المعتزلة، إلا أن من أشرنا إليه من المفسرين لم يقدر قدر القول ولا مغزاه ولذلك حكاه، والذي يقود المعتزلة إلى هذه المقالة أنهم يرون أن من يقدر على اللطف بإنسان حتى يؤمن ولا يفعل فإن ذلك ليس من الحكمة ولا من الأمر المستقيم، والكلام على هذه المسألة يطول وله تواليفه، و  الجنة  الشياطين.

### الآية 32:14

> ﻿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ ۖ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [32:14]

وقوله  فذوقوا  بمعنى يقال لهم ذوقوا، و  نسيتم  معناه تركتم، قاله ابن عباس وغيره، وفي الكلام حذف مضاف تقديره عمل أو عدة ونحوه، وقوله  إنا نسيناكم  سمى العقوبة باسم الذنب، وقوله  بما كنتم تعملون  أي بتكسبكم الآثام.

### الآية 32:15

> ﻿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ۩ [32:15]

ثم أثنى عز وجل على القوم الذين يؤمنون بآياته ووصفهم بالصفة الحسنى بسجودهم عند التذكير وتسبيحهم وعدم استكبارهم بخلاف ما يصنع الكفر من الإعراض عند التذكير وقول الهجر وإظهار التكبر. وهذه السجدة من عزائم سجود القرآن، وقال ابن عباس : السجود هنا بمعنى الركوع، وقد روي عن ابن جريج ومجاهد أن هذه الآية نزلت بسبب قوم من المنافقين كانوا إذا أقيمت الصلاة خرجوا من المسجد فكان الركوع يقصد من هذا، ويلزم على هذا أن تكون الآية مدنية، وأيضاً فمن مذهب ابن عباس أن القارىء للسجدة يركع واستدل بقوله  وخر راكعاً وأناب [(١)](#foonote-١) \[ ص : ٢٤ \].

١ من الآية ٢٤ من سورة ص..

### الآية 32:16

> ﻿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [32:16]

جفا الرجل الموضع إذا تركه، و **«تجافى الجنب »** عن مضجعه إذا تركه وجافى الرجل جنبه عن مضجعه، ومنه في الحديث **«ويجافي بضبعيه »**[(١)](#foonote-١) أي يبعدهما عن الأرض وعن يديه، فقوله  تتجافى جنوبهم  أي تبعد وتزول، ومنه قول عبد الله بن رواحة :\[ الطويل \]
نَبِيٌّ تجافى جنبه عن فراشه. . . إذا استثقلت بالمشركين المضاجع[(٢)](#foonote-٢)
ويروى يبيت يجافي، قال الزجاج والرماني : التجافي التنحي إلى جهة فوق. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وهذا قول حسن، وكذلك في الصفح عن المخطىء في سب ونحوه. و **«الجنوب »** جمع جنب، و  المضجع  موضع الاضطجاع للنوم، وقال أنس بن مالك : أراد بهذه الآية الصلاة بين المغرب والعشاء، وقال عطاء وأبو سلمة أراد صلاة العشاء الآخرة، وقال أبو محمد : وكانت الجاهلية ينامون من أول المغرب ومن أي وقت شاء الإنسان فجاء انتظار وقت العشاء الآخرة غريباً شاقاً، وقال أنس بن مالك أيضاً : أراد انتظار العشاء الآخرة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤخرها إلى نحو ثلث الليل وفي ذلك أحاديث كثيرة[(٣)](#foonote-٣)، وقال الضحاك :**«تجافي الجنب »** هو أن يصلي الرجل العشاء والصبح في جماعة وهذا قول حسن يساعده لفظ الآية[(٤)](#foonote-٤)، وقال الجمهور من المفسرين : أراد بهذا التجافي صلاة النوافل بالليل. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وعلى هذا التأويل أكثر الناس، وهو الذي فيه المدح، وفيه أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يذكر قيام الليل ثم يستشهد بالآية، ذكره الطبري عن معاذ بن جبل[(٥)](#foonote-٥)، ورجح الزجاج هذا القول بأنهم جزوا بإخفاء فدل ذلك على أن العمل إخفاء أيضاً وهو قيام الليل، وقوله  يدعون  يحتمل أن يكون في موضع الحال من الموصوفين، أي في وقت التجافي، ويحتمل أن يكون صفة مستأنفة، أي  تتجافى جنوبهم  وهم أيضاً في كل أحوالهم  يدعون  ليلهم ونهارهم. و **«الخوف »** من عذاب الله، و **«الطمع »** في ثواب الله. و  ينفقون  قيل معناه الزكاة المفروضة وقيل النوافل والصدقات غير المفروضة وهذا القول أمدح.

١ أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي، وأحمد، ولفظه كما أخرجه البخاري في الصلاة عن عبد الله بن مالك بن بحينة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه..
٢ هذا بيت من الشعر ضمن ثلاثة أبيات رواها الإمام أحمد عن أبي هريرة ٣-٤٥١، قال أبو هريرة: إن أخا لكم كان لا يقول الرفث- يعني ابن رواحة، قال:
 وفينا رسول الله يتلو كتابه إذا انشق معروف من الليل ساطع
 يبيت يجافي جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالكافرين المضاجع
 أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا به موقنات أن ما قال واقع.
٣ من ذلك ما رواه الترمذي وصححه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن هذه الآية نزلت في انتظار الصلاة التي تدعى العتمة، وكذلك ما أخرجه البخاري في تاريخه، وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه، قال: تتجافى جنوبهم عن المضاجع في صلاة العشاء. وكذلك ما أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تتجافى جنوبهم عن المضاجع قال: هم الذين لا ينامون قبل العشاء، فأثنى عليهم، فلما ذكر ذلك جعل الرجل يعتزل فراشه مخافة أن تغلبه عينه، فوقتها قبل أن ينام الصغار ويكسل الكبير..
٤ هكذا في جميع الأصول..
٥ حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أخرجه أيضا أبو داود الطيالسي في مسنده، والقاضي إسماعيل بن إسحاق، وأبو عيسى الترمذي، وقال فيه: حديث حسن صحيح، ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل)، قال: ثم تلا: تتجافى جنوبهم عن المضاجع حتى بلغ: \[يعلمون\]، وفي (الدر المنثور) قال السيوطي:"أخرج أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه، وابن نصر في كتاب الصلاة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان- عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فأصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير، فقلت: يا نبي الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، قال: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ : الصوم جنة، والصدقة تطفىء الخطيئة، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم قرأ: تتجافى جنوبهم عن المضاجع حتى بلغ \[يعلمون\]، ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ فقلت: بللا يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ فقلت: بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه فقال: كف عنك هذا، قلت: يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟"
 وهذا الحديث هو الحديث التاسع والعشرون من الأربعين النووية، وقد علق الحافظ ابن رجب الحنبلي على تصحيح الترمذي لهذا الحديث في أثناء شرحه لهذا الحديث في كتابه: (جامع العلوم والحكم) بما يفيد أنه لا يوافق على ما قاله الترمذي من أنه حديث حسن صحيح لاعتبارات ذكرها هناك. والله أعلم. .

### الآية 32:17

> ﻿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [32:17]

ثم ذكر تعالى وعدهم من النعيم بما لم تعلمه نفس ولا بشر ولا ملك، وقرأ حمزة واحده ****«أخفي »**** بسكون الياء كأنه قال أخفي أنا وهي قراءة الأعمش، وروي عنه **«ما أخفيت لهم من قرة أعين »**، وقرأ عبد الله **«ما نُخفي لهم »** بالنون مضمومة، وروى المفضل عن الأعمش **«ما يُخفَى لهم »** بالياء المضمومة وفتح الفاء، وقرأ محمد بن كعب **«ما أَخفى »** بفتح الهمزة، أي ما أخفى الله، وقرأ جمهور الناس **«أُخفيَ »** بفتح الياء على بناء الفعل للمفعول، و  ما  يحتمل أن تكون بمعنى الذي، فعلى القراءة الأولى فثم ضمير محذوف تقديره أخفيه، وعلى قراءة الجمهور فالضمير الذي لم يسم فاعله يجري في العودة على الذي، ويحتمل أن تكون استفهاماً، فعلى القراءة الأولى فهي في موضع نصب ب ****«أخفي »**** وعلى القراءة الثانية هي في موضع رفع بالابتداء، و  قرة أعين  ما تلذه وتشتيهه وهي مأخوذة من القر[(١)](#foonote-١) كما أن سخنة العين مأخوذة من السخانة، وأصل هذا فيما يزعمون أن دمع الفرح بارد ودمع الحزن سخن، وفي معنى هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل :
**«أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر »** واقرؤوا إن شئتم : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين [(٢)](#foonote-٢). 
وقال ابن مسعود :**«في التوراة مكتوب على الله للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولاخطر على قلب بشر »**. وقرأ ابن مسعود وأبو هريرة وأبو الدرداء **«قرات »** على الجمع، وقوله  جزاء بما كانوا يعملون  أي بتكسبهم.

١ القر: البرد، أوجبوا الفتح مع الحر للمشاكلة، والقر: البرد، (عن اللسان)..
٢ رواه الشيخان: البخاري ومسلم، ورواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح، ورواه ابن جرير الطبري في التفسير، وذكره الإمام السيوطي في (الدر المنثور)، وزاد نسبته لابن أبي شيبة، وأحمد، وهناد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري، وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه..

### الآية 32:18

> ﻿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا ۚ لَا يَسْتَوُونَ [32:18]

وقوله تعالى : أفمن كان مؤمناً  الآية، روي عن عطاء بن يسار أنها نزلت في علي بن أبي طالب : والوليد بن عقبة بن أبي معيط وذلك أنهما تلاحيا فقال لها الوليد : أنا أبسط منك لساناً وأحد سناناً وأرد للكتيبة، فقال له علي بن أبي طالب : اسكت فإنك فاسق، فنزلت الآية[(١)](#foonote-١). 
وذكر الزجاج والنحاس وغيرهما أنها نزلت في علي وعقبة بن أبي معيط، وعلى هذا يلزم أن تكون الآية مكية، لأن عقبة لم يكن بالمدينة وإنما قتل في طريق مكة منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر، ويعترض القول الآخر بإطلاق اسم الفسق على الوليد وذلك يحتمل أن يكون في صدر إسلام الوليد لشيء كان فيه أو لما روي من نقله عن بني المصطلق ما لم يكن حتى نزلت فيه  إن جاءكم فاسق بنبأ [(٢)](#foonote-٢) \[ الحجرات : ٦ \] ويحتمل أيضاً أن تطلق الشريعة ذلك عليه لأنه كان على طرف مما يبغي وهو الذي شرب الخمر في خلافة عثمان وصلى الصبح بالناس أربعاً ثم التفت وقال : أتريدون أن أزيدكم ونحو هذا مما يطول ذكره.

١ ذكره الشوكاني في فتح القدير، ونسب إخراجه إلى أبي الفرج الأصبهاني في الأغاني، والواحدي وابن عدي، وابن مردويه، والخطيب، وابن عساكر، من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه: قال الوليد بن عقبة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنا أحد منك سنانا، وأنشط منك لسانا، وأملأ للكتيبة منك، فقال له علي رضي الله عنه: اسكت فإنما أنت فاسق. فنزلت الآية..
٢ من الآية ٦ من سورة الحجرات..

### الآية 32:19

> ﻿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَىٰ نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [32:19]

ثم قسم الله تعالى المؤمنين والفاسقين الذي فسقهم بالكفر لأن التكذيب الذي في آخر الآية يقتضي ذلك، وقرأ طلحة **«جنة »** بالإفراد، وقرأ أبو حيوة **«نزْلاً »** بإسكان الزاي، والجمهور على ضمها وسائر باقي الآية بين.

### الآية 32:20

> ﻿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۖ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [32:20]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٩:ثم قسم الله تعالى المؤمنين والفاسقين الذي فسقهم بالكفر لأن التكذيب الذي في آخر الآية يقتضي ذلك، وقرأ طلحة ****«جنة »**** بالإفراد، وقرأ أبو حيوة ****«نزْلاً »**** بإسكان الزاي، والجمهور على ضمها وسائر باقي الآية بين. ---

### الآية 32:21

> ﻿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [32:21]

الضمير في قوله  لنذيقنهم  لكفار قريش، أعلم الله تعالى أنه يصيبهم بعذاب دون عذاب الآخرة، واختلف المتأولون في تعيين  العذاب الأدنى ، فقال إبراهيم النخعي ومقاتل : هم السنون التي أجاعهم الله تعالى فيها، وقال ابن عباس وأبي بن كعب : هو مصائب الدنيا من الأمراض ونحوها وقاله ابن زيد، وقال ابن مسعود والحسن بن علي هو القتل بالسيف كبدر وغيرها. 
قال الفقيه الإمام القاضي : فيكون على هذا التأويل الراجع غير الذي يذوق بل الذي يبقى بعده[(١)](#foonote-١) وتختلف رتبتا ضمير الذوق مع ضمير **«لعل »** وقال أبيّ بن كعب أيضاً هي البطشة، واللزام، والدخان. وقال ابن عباس أيضاً عنى بذلك الحدود. 
قال الفقيه الإمام القاضي : ويتجه على هذا التأويل أن تكون في فسقة المؤمنين، وقال مجاهد : عنى بذلك عذاب القبر.

١ وقد قيل: إن معنى قوله تعالى لعلهم يرجعون: لعلهم يريدون الرجوع ويطلبونه، كقوله تبارك وتعالى: فارجعنا نعمل صالحا، وسميت إرادة الرجوع رجوعا كما سميت إرادة القيام قياما في قوله سبحانه: إذا قمتم إلى الصلاة، ويدل على ذلك قراءة من قرأ: \[يرجعون\] على البناء للمفعول..

### الآية 32:22

> ﻿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا ۚ إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ [32:22]

ثم قال تعالى : ومن أظلم  على جهة التعجب، والتقدير أي لا أحد أظلم ممن هذه صفته، وهي بخلاف ما تقدم في صفة المؤمنين من أنهم إذا ذكروا بآيات الله خروا سجداً، ثم توعد تعالى  المجرمين  وهم المتجاسرون على ركوب الكفر والمعاصي بالنقمة، وظاهر الإجرام هنا أنه الكفر، وحكى الطبري عن يزيد بن رفيع أنه قال : إن قول الله تعالى في القرآن  إنا من المجرمين منتقمون  إنا هو في أهل القدر. 
قال الفقيه الإمام القاضي : يريد القائلين بأن الأمر أنف، وأن أفعال العبد من قبله، قال ثم قرأ يزيد بن رفيع  إن المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر [(١)](#foonote-١) \[ القمر ٤٧ - ٤٩ \]. 
قال الفقيه الإمام القاضي : في هذا المنزع من البعد ما لا خفاء به، وروى معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«ثلاث من فعلهن فقد أجرم، من عقد لواء في غير حق، ومن عق والديه، ومن نصر ظالماً »**[(٢)](#foonote-٢).

١ الآيات (٤٧، ٤٨، ٤٩) من سورة القمر..
٢ قال الإمام السيوطي في (الدر المنثور): "أخرجه ابن منيع، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه بسند ضعيف عن معاذ بن جبل رضي الله عنه"، وقال ابن كثير بعد إخراجه: "هذا حديث غريب"..

### الآية 32:23

> ﻿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ ۖ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [32:23]

قرأ الناس **«في مِرية »** بكسر الميم، وقرأ الحسن بضمها، واختلف المتأولون في الضمير الذي في  لقائه  على من يعود ؛ فقال أبو العالية الرياحي وقتادة : يعود على موسى، والمعنى لا تكن في شك من أن تلقى موسى، أي في ليلة الإسراء، وهذا قول جماعة من السلف، وقاله المبرد حين امتحن ابا إسحاق الزجاج بهذه المسألة، وقالت فرقة الضمير عائد على  الكتاب  أي أنه لقي موسى حين لقيه موسى، والمصدر في هذا التأويل يصح أن يكون مضافاً للفاعل بمعنى لقي الكتاب موسى، ويصح أن يكون مضافاً إلى المفعول بمعنى لقي الكتابَ - بالنصب - موسى، وقال الحسن الضمير عائد على ما يتضمنه القول من الشدة والمحنة التي لقي موسى، وذلك أن إخباره بأنه آتى موسى الكتاب كأنه قال  ولقد آتينا موسى  هذا العبء الذي أنت بسبيله فلا تمتر أنك تلقى ما لقي هو من المحنة بالناس، وكأن الآية تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم، وقالت فرقة معناه فلا تكن في شك من لقائه في الآخرة. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وهذا قول ضعيف، وقالت فرقة الضمير العائد على  ملك الموت  \[ السجدة : ١١ \] الذي تقدم ذكره، وقوله  فلا تكن في مرية من لقائه  اعتراض بين الكلامين. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا أيضاً ضعيف، و **«المرية »** الشك.

### الآية 32:24

> ﻿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [32:24]

والضمير في  جعلناه  يحتمل أن يعود على موسى، وهو قول قتادة، ويحتمل أن يعود على  الكتاب  و  أئمة  جمع إمام وهو الذي يقتدى به وأصله خيط البناء وجمهور النحويين على ****«أئمة »**** بياء وتخفيف الهمزة، إلا ابن أبي إسحاق فإنه جوز اجتماع الهمزتين وقرأ ****«أئمة »**** وقرأ جمهور القراء **«لَمَّا صبروا »** بفتح اللام وشد الميم، وقرأ حمزة والكسائي **«لِما »** بكسر اللام وتخفيف الميم وهي قراءة ابن مسعود وطلحة والأعمش، فالأولى في معنى الظرف والثانية كأنه قال لأجل صبرهم، ف **«ما »** مصدرية، وفي القراءتين معنى المجازاة أي جعلهم أئمة جزاء على صبرهم عن الدنيا وكونهم موقنين بآيات الله وأوامره وجميع ما تورده الشريعة، وقرأ ابن مسعود **«بما صبروا »**.

### الآية 32:25

> ﻿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [32:25]

وقوله تعالى : إن ربك  الآية، حكم يعم جميع الخلق، وذهب بعض المتأولين إلى تخصيص الضمير وذلك ضعيف.

### الآية 32:26

> ﻿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ ۖ أَفَلَا يَسْمَعُونَ [32:26]

يهد  معناه يبين قاله ابن عباس، وقرأ جمهور الناس **«يهد »** بالياء فالفاعل الله تعالى في قول فرقة والرسول في قول فرقة، كأنه قال **«أو لم يبين لهم الهدى »**، وجوز الكوفيون أن يكون الفاعل  كم ، ولا يجوز ذلك عند البصريين لأنها في الخبر على حكمها في الاستفهام في أنها لا يعمل فيها ما قبلها، وقرأ أبو عبد الرحمن ****«نهد »**** بالنون وهي قراءة الحسن وقتادة، فالفاعل الله تعالى، و  كم  في موضع نصب، فعند الكوفيين ب ****«نهد »**** وعند البصريين ب  أهلكنا ، على القراءتين جميعاً، وقرأ جمهور الناس **«يَمشون »** بفتح الياء وتخفيف الشين، وقرأ ابن السميفع اليماني **«يُمَشّون »** بضم الياء وفتح الميم وشد الشين، وقرأ عيسى بن عمر **«يُمْشُون »** بضم الياء وسكون الميم وشين مضمومة مخففة، والضمير في  يمشون  يحتمل أن يكون للمخاطبين بالتنبيه المحتج عليهم، ويحتمل أن يكون للمهلكين ف  يمشون  في موضع الحال، أي أهلكوا وهم ماشون في مساكنهم، والضمير في  يسمعون  للمنبهين، ومعنى هذه الآية إقامة الحجة على الكفرة بالأمم السالفة الذين كفروا فأهلكوا.

### الآية 32:27

> ﻿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ ۖ أَفَلَا يُبْصِرُونَ [32:27]

ثم أقام عز وجل الحجة عليهم في معنى الإيمان بالقدرة وبالبعث بأن نبههم على إحياء الأرض الموات بالماء والنبات، و **«السوق »** هو بالسحاب، وإن كان سوق بنهر فأصله من السحاب و  الجرز  الأرض العاطشة التي قد أكلت نباتها من العطش والغيظ، ومنه قيل للأكول جروز. قال الشاعر :
خب جروز وإذا جاع بكى[(١)](#foonote-١). . . ومن عبر عنها بأنها الأرض التي لا تنبت فإنها عبارة غير مخلصة، وعم تعالى كل أرض هي بهذه الصفة لأن الآية فيها والعبرة بينة، وقال ابن عباس أيضاً وغيره  الأرض الجرز  أرض أبين[(٢)](#foonote-٢) من اليمن، وهي أرض تشرب بسيول لا بمطر، وجمهور الناس على ضم الراء، وقال الزجاج وتقرأ **«الجرْز »** بسكون الراء[(٣)](#foonote-٣)، ثم خص تعالى **«الزرع »** بالذكر تشريفاً ولأنه عظم ما يقصد من النبات، وإلا فعرف أكل الأنعام إنما هو من غير الزرع، لكنه أوقع الزرع موقع النبات على العموم، ثم فصل ذلك بأكل الأنعام وبني آدم، وقرأ أبو بكر بن عياش وأبو حيوة **«يأكل »** بالياء من تحت، وقرأ ابن مسعود **«يبصرون »**، وقرأ جمهور الناس **«تبصرون »** بالتاء من فوق.

١ هذا البيت من مشطور الرجز، أورده القرطبي، والشوكاني في (فتح القدير) وذكر الطبري جزءا منه، وبعده يقول الراجز:
 ويأكل التمر ولا يلقي النوى
 ويقال: رجل خَب وخِب بالفتح والكسر، أي: خداع خبيث منكر، والجروز: الذي يأكل ما أمامه ولا يبقي على شيء منه، يصفه بالخبث والشراهة. وهو الشاهذ هنا..
٢ أبين يفتح أوله ويكسر، وهو بوزن أحمر، ويقال (يبين)، وهو مخلاف باليمن، منه عدن، يقال: إنه سمي بأبين بن زهير بن أيمن، من سبأ، وقال الطبري: عدن وأبين ابنا عدنان بن أدد، وأنشد الفراء:
 ما من أناس بين مصر وعالج وأبين إلا قد تركنا لهم وترا
 ونحن قتلنا الأزد أزد شنوءة فما شربوا بعدا على لذة خمرا.
٣ في الجرز أربع لغات: جُرْز وجُرُز/ مثل عسر وعسر، وجرز وجرز، مثل نهر ونهر، وجمع الجرز جرزة، مثل جحر وجحرة، وجمع الجرز أجراز، مثل سبب وأسباب. (عن اللسان- جرز)..

### الآية 32:28

> ﻿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [32:28]

ثم حكى عن الكفرة أنهم يستفتحون ويستعجلون فصل القضاء بينهم وبين الرسول على معنى الهزء والتكذيب، و  الفتح  الحكم هذا قول جماعة من المفسرين، وهذا أقوى الأقوال، وقالت فرقة الإشارة إلى فتح مكة. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف يرده الإخبار بأن الكفرة لا ينفعهم الإيمان، فلم يبق إلا أن يكون  الفتح  إلا إما حكم الآخرة، وهذا قول مجاهد، وإما فصل[(١)](#foonote-١) في الدنيا كبدر ونحوها.

١ أي الفصل الذي يستعجلونه بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم..

### الآية 32:29

> ﻿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ [32:29]

وقوله تعالى : قل يوم الفتح  إشارة إلى  الفتح  الأول حسب محتملاته، فالألف واللام في  الفتح  الثاني للعهد، و  يوم  ظرف، والعامل فيه  ينفع ، و  ينظرون  معناه يؤخرون.

### الآية 32:30

> ﻿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ [32:30]

ثم أمره تعالى بالإعراض عن الكفار وانتظار الفرج، وهذا مما نسخته آية السيف[(١)](#foonote-١). وقوله تعالى : إنهم منتظرون  أي العذاب، بمعنى هذا حكمهم وإن كانوا لا يشعرون، وقرأ محمد بن السميفع **«منتظَرون »** بفتح الظاء أي للعذاب النازل بهم[(٢)](#foonote-٢).

١ في قوله تعالى في الآية ٥ من سورة براءة: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد. قال القرطبي: "وقيل: الآية غير منسوخة؛ إذ قد يقع الإعراض مع الأمر بالقتال كالهدنة وغيرها"..
٢ ورويت هذه القراءة عن مجاهد، وابن محيصن، قال الفراء: "ولا يصح هذا إلا بإضمار، مجازه: إنهم منتظرون بهم"، وقال أبو حاتم:"الصحيح الكسر، أي: انتظر عذابهم إنهم منتظرون هلاكك". وقد وضح بعضهم المعنى على قراءة الفتح فقال:"معناها: وانتظر هلاكهم فإنهم أحقاء بأن ينتظرهلاكهم، يعني أنهم هالكون لا محالة، وانتظر ذلك فإن الملائكة في السماء ينتظرونه"، ذكر ذلك الزمخشري، وهو معنى قول ابن عطية، وقد أخذه عن الفراء والله أعلم..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/32.md)
- [كل تفاسير سورة السجدة
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/32.md)
- [ترجمات سورة السجدة
](https://quranpedia.net/translations/32.md)
- [صفحة الكتاب: المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز](https://quranpedia.net/book/350.md)
- [المؤلف: ابن عطية](https://quranpedia.net/person/4644.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/32/book/350) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
