---
title: "تفسير سورة الأحزاب - تفسير السمعاني - أبو المظفر السمعاني"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/33/book/134.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/33/book/134"
surah_id: "33"
book_id: "134"
book_name: "تفسير السمعاني"
author: "أبو المظفر السمعاني"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الأحزاب - تفسير السمعاني - أبو المظفر السمعاني

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/33/book/134)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الأحزاب - تفسير السمعاني - أبو المظفر السمعاني — https://quranpedia.net/surah/1/33/book/134*.

Tafsir of Surah الأحزاب from "تفسير السمعاني" by أبو المظفر السمعاني.

### الآية 33:1

> يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [33:1]

( يا أيها النبي اتق الله ) فيه أقوال : أحدها :( أي ) ( [(١)](#foonote-١) ) دم على التقوى، كالرجل يقول لغيره وهو قائم قم ها هنا أي : اثبت قائما، والقول الثاني : أن الخطاب مع الرسول، والمراد أمته. 
وقيل أيضا في الآية :( اتق الله ) أي : استكثر من أسباب التقوى، والتقوى : هي العمل بطاعة الله رجاء رحمة الله على نور من الله، وترك معصية الله خوف عذاب الله على نور من الله، وفي الآية قول رابع : وهو ما روي أن أبا سفيان وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السلمي قدموا المدينة في مدة الهدنة، وطلبوا من رسول الله أشياء كريهة ؛ فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون أن يقتلوهم ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية :( يا أيها النبي اتق الله ) يعني : لا تنقض العهد الذي بينك وبينهم، ذكره الضحاك. 
وقوله :( ولا تطع الكافرين والمنافقين ) أى : الكافرين من أهل مكة، والمنافقين من أهل المدينة. 
وقوله :( إن الله كان عليما حكيما ) أي : عليما بخلقه قبل أن يخلقهم، حكيما فيما دبره لهم.

١ - في "ك": أن..

### الآية 33:2

> ﻿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [33:2]

وقوله تعالى :( واتبع ما يوحى إليك من ربك ) أي : من القرآن. 
وقوله :( إن الله كان بما تعملون خبيرا ) أي : خبيرا بأعمالكم.

### الآية 33:3

> ﻿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا [33:3]

قوله تعالى :( وتوكل على الله ) أي : ثق بالله. 
وقوله :( وكفى بالله وكيلا ) أي : وكفى بالله حافظا لك، ويقال : وكفى بالله كفيلا يرزقك.

### الآية 33:4

> ﻿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ۚ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ۚ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ ۖ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [33:4]

قوله تعالى :( ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ) في الآية أقوال : أحدها : ما ذكر السدي وغيره : أن رجلا كان يقال له : جميل بن معمر والأصح أبو معمر جميل ابن أسد، وكان أهل الجاهلية يسمونه ذا القلبين لشدة ذكائه وفطنته، فلما هزم الله تعالى المشركين يوم بدر فكان هو معهم انهزم أيضا ؛ فلقيه أبو سفيان وإحدى نعليه في رجله والأخرى قد علق بيده. فقال له : ما شأن الناس ؟ قال : هزموا. فقال : ما شأن نعلك بيدك ؟ فقال : ما علمت إلا أنها في رجلي ؛ فعلموا أنه ليس له إلا قلب واحد، وأنزل الله تعالى هذه الآية. 
والقول الثاني : أن المنافقين كانوا يقولون : لمحمد قلبان ؛ قلب معكم، وقلب مع أصحابه ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية وأخبر أنه ليس له إلا قلب واحد. 
والقول الثالث : ما روي عن الحسن البصري أنه قال : كان الواحد منهم يقول : إن لي نفسا تأمرني بالخير، ونفسا تأمرني بالشر ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأخبر أنه ليس لأحد إلا نفس واحدة وقلب واحد، وإنما الأمر بالخير بإلهام الله، والأمر بالشر بإلهام الشيطان. 
والقول الرابع : ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه أي : ما جعل لرجل أبوين، وقد احتج به الشافعي في مسألة القائفة، وقال هذا : لأن زيد بن حارثة كان ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة، فقال الله تعالى :( ما جعل الله لرجل ) أبوين أي : هو ابن حارثة، وليس بابن النبي صلى الله عليه وسلم. 
وقوله :( وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم ) والظهار هو أن يقول الرجل لزوجته : أنت علي كظهر أمي، وقد كانوا يعدونه طلاقا، فإن قيل : كيف وجه الجمع بين هذا وبين ما سبق ؟ والجواب عنه : أن معناه ليس الأمر كما زعمتم من اجتماع قلبين لرجل أو أبوين، ولا كما زعمتم من أن المرأة تصير كالأم بالظهار. وأما معنى الظهار وحكمه فسنذكر في سورة المجادلة. 
وقوله :( وما جعل أدعياءكم أبناءكم ) في الآية نسخ التبني، وقد كان الرجل في الجاهلية يتبنى الرجل ويجعله ابنا له مثل الابن المولود، وعلى ذلك تبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة، فنسخ الله تعالى ذلك. 
وقوله :( ذلكم قولكم بأفواهكم ) أي : هو قول لا حقيقة له. 
وقوله :( والله يقول الحق ) أي : قوله الحق بما نهى من التبني. 
وقوله :( وهو يهدي السبيل ) أي : يرشد إلى طريق الحق.

### الآية 33:5

> ﻿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ۚ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ۚ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَٰكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [33:5]

قوله تعالى :( ادعوهم لآبائهم ) قد ثبت برواية موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر أنه قال :**«ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى أنزل الله تعالى :( ادعوهم لآبائهم ) »**( [(١)](#foonote-١) ). 
قال الشيخ الإمام : أخبرنا بذلك مكي بن عبد الرزاق، أخبرنا أبو الهيثم، أخبرنا الفربري، أخبرنا البخاري أخبرنا معلى بن أسد، عن عبد العزيز بن المختار عن موسى ابن عقبة. . الحديث. 
وقوله :( هو أقسط عند الله ) أي : أعدل عند الله. 
وقوله :( فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ) أي : سموهم بأسماء إخوانكم في الدين، وذلك مثل، عبد الله، وعبد الكريم، وعبد الرحمن، وعبد العزيز، وأشباه ذلك. 
وقوله :( ومواليكم ) هذا قول الرجل للرجل : أنا أخوك ومولاك، أو يقول : أنا أخوك ووليك، ويقال : إخوانكم في الدين من كانوا في الأصل أحرارا ومواليكم من أعتقوا، ويقال : مواليكم من أسلم على أيديكم. 
وقوله :( وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ) الخطأ في هذا أن يقول لغيره : يا بن فلان، وهو يظن أنه ابنه، ثم يتبين أنه ليس بابنه. 
والقول الثاني : الخطأ ها هنا هو ما فعلوا قبل النهي، والتعمد ما فعلوه بعد النهي. 
وقوله :( وكان الله غفورا رحيما ) أي : ستورا عطوفا.

١ - متفق عليه، رواه البخاري (٨/٣٧٧ رقم ٤٧٨٢)، ومسلم (١٥/٢٧٩-٢٨٠ رقم ٢٤٢٥)..

### الآية 33:6

> ﻿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ۗ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا [33:6]

قوله تعالى :( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) أي : من بعضهم ببعض. 
وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«أنا أولى بكل مؤمن ومؤمنة من نفسه، فمن ترك مالا فلورثته ومن ترك دَيْناً أو ضياعا فإليّ »**( [(١)](#foonote-١) ). 
وفي الآية قول آخر : وهو أن معناه : أن الرسول إذا دعاه إلى شيء، ونفسه دعته إلى شيء، فيتبع الرسول ولا يتبع النفس، والقول الثالث : هو ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى الجهاد، فيقول قوم : يا رسول الله، نذهب فنستأذن من آبائنا وأمهاتنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. 
وقوله :( وأزواجه أمهاتهم ) أي : في الحرمة خاصة دون النظر إليهن والدخول عليهن، وفي قراءة ابن مسعود وأبي :**«وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم »**. 
واختلفوا في المرأة التي فارقها النبي صلى الله عليه وسلم قبل الوفاة على ثلاثة أوجه : فأحد الوجوه : أنها محرمة أيضا، والوجه الآخر : أنها ليست بمحرمة، والوجه الثالث : أنها إن كان دخل بها فهي محرمة، وإن لم يكن دخل بها فليست بمحرمة. 
واختلف الوجه أيضا في أنهن هل يكن أمهات المؤمنات، فأحد الوجهين أنهن أمهات المؤمنات كما أنهن أمهات المؤمنين، والوجه الآخر : أنهن أمهات الرجال دون النساء، وروى أن امرأة قالت لعائشة : يا أماه، فقالت : أنا أم رجالكم دون نسائك. 
وأما أخوة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فليسوا بأخوال المؤمنين، وكذلك أخوات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لستن خالات المؤمنين. 
وقد روى أنه كانت عند الزبير أسماء بنت أبي بكر، فقالت الصحابة : عند الزبير أخت أم المؤمنين، ولم يقولوا : عنده خالة المؤمنين. 
وقوله :( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) أي : أولى بعضهم ببعض ميراثا في حكم الله، وقد كانوا يتوارثون بالهجرة، فنسخ الله تعالى ذلك إلى التوارث بالقرابة. وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين المهاجرين والأنصار، وكان يرث بعضهم بعضا »، ثم نسخ ذلك. 
وقوله :( من المؤمنين والمهاجرين ) دليل على أن المؤمن لا يرث الكافر، والكافر لا يرث المؤمن. 
وقوله :( والمهاجرين ) دليل على أن المهاجر لا يرث من غير المهاجرين، ولا غير المهاجر من المهاجر. 
وقوله :( إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا ) فيه قولان : أحدهما : إلا أن توصوا وصية لغير الأقرباء الذين هم أهل دينكم، وحقيقة المعنى : أنه نسخ ميراثهم، وأبقى جواز الوصية، والقول الثاني : أن المراد من الآية هو الوصية للكفار، فالمعنى على هذا : أن الكفار لا يرثون المسلمين، ولو أوصى لهم جاز. 
وقوله :( كان ذلك في الكتاب مسطورا ) أي : في اللوح المحفوظ، ويقال : في القرآن وسائر كتب الله.

١ - متفق عليه من حديث أبي هريرة بنحوه، رواه البخاري (٤/٥٥٧ رقم ٢٢٩٨ وأطرافه: ٤٧٨١، ٢٣٩٨، ٢٣٩٩، ٥٣٧١، ٦٧٣١، ٦٧٤٥، ٦٧٦٣)، ومسلم (١١/٨٥-٨٦ رقم ١٦١٩).
 ورواه مسلم أيضا من حديث جابر بن عبد الله في حديث طويل (٦/٢١٩-٢٢٣ رقم ٨٦٧)، والنسائي (٣/١٨٨-١٨٩ رقم ١٥٧٨)، وابن ماجه (١/١٧ رقم ٤٥)، وأحمد (٣/٣١، ٣٣٨، ٣٧١)، وابن خزيمة (٣/١٤٣ رقم ١٧٨٥)، وأبو يعلى (٤/٨٥ رقم ٢١١١)، وابن حبان في صحيحه (١/١٨٦-١٨٧ رقم ١٠)..

### الآية 33:7

> ﻿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۖ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [33:7]

وقوله :( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ) الميثاق : العهد الغليظ، وأشد العهد هو التحليف بالله. 
وقوله :( ومنك ومن نوح ) اختلف القول في تقديم النبي صلى الله عليه وسلم، فأحد القولين : ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«أنا أول النبيين خلقا وآخرهم بعثا »**( [(١)](#foonote-١) ). 
وعن قتادة قال : بدأ به في الخلق، وختم به في البعث، والقول الثاني : أن الواو توجب الجمع، ولا توجب تقديما ولا تأخيرا، فكأنه قال : أخذنا من هؤلاء النبيين ميثاقهم، وخص هؤلاء لأنهم كانوا أصحاب الشرائع وهم : نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى \[ ابن مريم \] ( [(٢)](#foonote-٢) )، ومحمد. وأما معنى الميثاق : قال أهل التفسير : أخذ عليهم أن يعبدوا الله ويدعوا إلى عبادة الله، ويصدق بعضهم بعضا، وينصحوا الناس، ويقال : أخذ على نوح أن يبشر بإبراهيم، وعلى إبراهيم أن يبشر بموسى، \[ وعلى موسى أن يبشر بعيسى \] ( [(٣)](#foonote-٣) )، وهكذا إلى محمد صلى الله عليه وسلم. 
وقوله :( وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ) قد بينا من قبل. 
وروى عن أبي بن كعب أنه قال : أخذ ذرية آدم من ظهر آدم، والنبيون فيهم، كأنهم سُرُج تزهو، وأخذ عليهم الميثاق. وعن بعضهم : خلق الأرواح قبل الأجساد، وأخذ الميثاق على الأرواح.

١ - رواه ابن عدي في الكامل (٣/٤٩، ٣٧٣)، وابن أبي حاتم (٣/٤٦٩ – تفسير ابن كثير)، وأبو نعيم في الدلائل (٦) والبغوي في تفسيره (٣/٥٠٨)، وتمام في فوائده (٢/١٥ رقم ١٠٠٣)، والديلمي في الفردوس (٣/٢٨٢ رقم ٤٨٥٠)، وقال الحافظ ابن كثير: سعيد بن بشير فيه ضعف. وقد رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مرسلا هو أشبه وقال الشيخ ناصر في الضعيفة (٦٦١): ضعيف، وانظر كلامه على الحديث هناك..
٢ - من "ك".
٣ - نفسه..

### الآية 33:8

> ﻿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ۚ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا [33:8]

قوله تعالى :( ليسأل الصادقين عن صدقهم ) أي : ليسأل النبيين عن تبليغهم الرسالة، فإن قال قائل : وأي حكمة في سؤالهم عن تبليغ الرسالة ؟ والجواب عنه : الحكمة في ذلك تبكيت الذين أرسلوا إليهم، وعلى هذا المعنى قوله تعالى :( وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ) ( [(١)](#foonote-١) ). 
ويقال : ليسأل الصادقين عن عملهم لله، وقيل : ليسأل الصادقين بأفواههم عن صدقهم في قلوبهم. 
وقوله :( وأعد للكافرين عذابا أليما ) قد تم الكلام الأول، وهذا ابتداء كلام، ومعناه معلوم.

١ - المائدة: ١١٦..

### الآية 33:9

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا [33:9]

قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم ) أي : منة الله عليكم.

### الآية 33:10

> ﻿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا [33:10]

وقوله :( إذ جاءتكم جنود ) المراد من الجنود هم الأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم : قريش عليهم أبو سفيان، وأسد عليهم طليحة بن ( خويلد ) ( [(١)](#foonote-١) )، وغطفان عليهم عيينة بن حصن، وكانت عدتهم بلغت اثني عشر ألفا، ( ورئيس الجماعة ) ( [(٢)](#foonote-٢) ) أبو سفيان، وقصدوا استئصال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ودخل يهود قريظة معهم وأمرهم معهم، ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم في قصة طويلة ؛ فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم حفر الخندق حول المدينة، \[ وهذه هي \] غزوة الخندق وجمع الأحزاب. 
وقوله :( فأرسلنا عليهم ريحا ) في التفسير : أن الله تعالى أرسل عليهم ريح الصبا حتى هزمتهم، قال عليه الصلاة والسلام :**«نصرت بالصَّبا، وأُهلكت عاد، بالدّبور »**( [(٣)](#foonote-٣) ). وكانت الريح تقلع فساطيطهم، وتقلب قدورهم، وتسف التراب في وجوههم، وجالت خيلهم بعضا في بعض ؛ فانهزموا ومروا، وكفى الله أمرهم. 
وقوله :( وجنودا لم تروها ) أي : الملائكة. 
وقوله :( وكان الله بما تعملون بصيرا ) ظاهر المعنى. 
قوله تعالى :( إذ جاءوكم من فوقكم ) في التفسير : أن الذين جاءوا من فوقهم هم أسد وغطفان. 
وقوله :( ومن أسفل منكم ) هم قريش وكنانة. ويقال : الذين جاءوا من فوقهم قريظة، ومن أسفل منكم قريش وغطفان. 
وقوله :( وإذ زاغت الأبصار ) أي : شخصت الأبصار، وفي العربية معنى زاغت : مالت، فكأنها مالت شاخصة، فهذا من الرعب والخوف. 
وقوله :( وبلغت القلوب الحناجر ) أي : بَنَتْ عن أماكنها وارتفعت، قال قتادة : لو وجدت مسلكها لخرجت من الحناجر، ولكنها ضاقت عليها. والأصح من المعنى أن هذا على طريق التمثيل، والعرب تقول : بلغ قلب فلان حنجرته، أي : من الرعب والخوف والحنجرة حرف الحلقوم وهو كلمة عبارة عن شدة الفزع. 
وقوله :( وتظنون بالله الظنونا ) أي :( [(٤)](#foonote-٤) ) ودخلت الألف لموافقة ( أواخر( [(٥)](#foonote-٥) ) ) الآيات في السورة. 
**قال الشاعر :**

أقلى اللوم عاذل والعتابا  وقولي إن أصبت لقد أصاباأي : أقلى يا عاذلي اللوم والعتاب. 
١ - في "ك": خولة، وهو خطأ، وانظر ترجمته في الإكمال (١/٨١)، والإصابة (٢/٢٣٤)..
٢ - في "ك": ورئيسهم..
٣ - تقدم تخريجه..
٤ - كذا في "الأصل، وك"، وفي الكلام سقط..
٥ - في "ك": آخر..

### الآية 33:11

> ﻿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا [33:11]

قوله تعالى :( هنالك ابتلى المؤمنون ) هنالك في اللغة للبعيد، وهنا للقريب، وهناك للوسط، ومعنى هنالك ها هنا أي : عند ذلك ابتلي المؤمنون. 
وقوله :( وزلزلوا زلزالا شديدا ) أي : حركوا حركة شديدة، وقرئ :" زَلزالا " بفتح الزاي، والأشهر بكسر الزاي " زِلزالا "، وهو الأصح في العربية. ومن الأخبار المشهورة : أن رجلا قال لحذيفة رضي الله عنه : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبته، والله لو رأيناه حملناه على أعناقنا. فقال حذيفة : أخبرك أيها الرجل أنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق، فبلغ بنا الجهد والجوع والخوف ما الله به أعلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من منكم يذهب فيأتي بخبر القوم، والله يجعله رفيقي في الجنة ؟ فما أجابه منا أحد من شدة الأمر، ثم قال ثانيا، فما أجابه منا أحد، ثم قال ثالثا، فما أجابه منا أحد فقال : يا حذيفة، فلم أستطع أن لا أجيب فجئته، فقال : اذهب وأتنى بخبر القوم، ولا تحدثن أمرا حتى تأتيني، ودعاني فذهبت، وأتيته بخبر القوم في قصة. . » ( [(١)](#foonote-١) ). 
وإنما أراد حذيفة بهذه الرواية أن لا يتمنى ذلك الرجل ما لم يدركه، فلعله لا يصبر على البلوى إن أدركته.

١ - رواه مسلم (١٢/٢٠١-٢٠٣ رقم ١٧٨٨)، وابن جرير (٢٢/٨٠-٨١)، وابن حبان (١٦/٦٧-٦٨ رقم ٧١٢٥)، والحاكم (٣/٣١) وصححه، وأبو نعيم في الحلية (١/٣٥٤)، والبيهقي (٩/١٤٨-١٤٩)، وفي الدلائل (٣/٤٤٩ وما بعدها)..

### الآية 33:12

> ﻿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا [33:12]

قوله تعالى :( وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ) اختلفوا في القائل لهذا القول، قال بعضهم : هو أوس بن قيظي، وقال بعضهم : عبد الله بن أبي، وقال بعضهم : معتب بن قشير، وأما الوعد الذي سموه غرورا فهو ما روي **«أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بحفر الخندق قسم الحفر على أصحابه، فوقع سلمان مع بني هاشم، فجعل يحفر فبلغ صخرة لا يستطيع حفرها، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم المعول من يده، وضرب على الصخرة ضربة فأضاءت كالشهاب، ثم كذلك في الثانية والثالثة، فقال سلمان : يا رسول الله، لقد رأيت عجبا ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ولقد رأيتها ؟ قال نعم، رأيت في الضربة الأولى قصور اليمن، وفي الضربة الثانية المدائن البيض أي : قصر كسرى، وفي الضربة الثالثة رأيت قصور الشام، فقال : صلى الله عليه وسلم : ليفتحنها الله على أمتي، فانتشر ذلك في الناس ؛ فلما بلغ بهم الأمر ما بلغ، قال هؤلاء القوم : إن محمدا يعدنا ملك كسرى وقيصر، وإن أحدنا لا يستطيع أن يفارق رحله ( ويذهب ) ( [(١)](#foonote-١) ) إلى الخلاء، ما هذا إلا الغرور، فأنزل الله تعالى ما ذكرنا من الآية »**( [(٢)](#foonote-٢) ).

١ - في "ك": يتوجه..
٢ - رواه البيهقي في الدلائل (٣/٤١٧-٤١٨) بإسناده عن ابن إسحاق قال: حدثت عن سلمان، فذكره بنحوه. وهو في سيرة ابن هشام (٣/١٢٩-١٣٠).
 وفي الباب عن عمرو بن عوف المزني، والبراء، والسدي مرسلا، وانظر الدلائل (٣/٤١٨ وما بعدها)، والدر (٥/٢٠٢-٢٠٣)..

### الآية 33:13

> ﻿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ۚ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا [33:13]

قوله تعالى :( وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب ) هو المدينة، ويقال : يثرب موضع والمدينة منه، قال حسان بن ثابت شعرا :

سأهدي لها في كل عام قصيدة  وأقعد مكفيّا بيثرب مكرماوفي بعض الأخبار :**«أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تسمى المدينة يثرب، وقال : هي طابة »**( [(١)](#foonote-١) ) كأنه عليه الصلاة والسلام كره هذه اللفظة ؛ لأنه من التثريب. 
وقوله :( لا مقام لكم ) وقرئ " لا مُقام لكم " برفع الميم، فقوله :( لا ُمَقام لكم ) أي : لا إقامة لكم، وقوله :( لا مَقَام لكم ) بفتح الميم أي : لا منزل لكم. 
وقوله :( فارجعوا ) أي : ارجعوا عن أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وخذوا أمانكم من المشركين. 
وقوله :( ويستأذن فريق منهم النبي ) هؤلاء بنو سلمة وبنو حارثة، وقيل : غيرهم. 
وقوله :( يقولون إن بيوتنا عورة ) أي : ذات عورة، وقيل : مُعْوِرة يسهل عليها دخول السُّرَّاق، ويقال : إن بيوتنا عورة أي : ضائقة، وقال الفراء : عورة ذليلة الحيطان، وليست بحريزة، وقرئ في الشاذ :" عورة " بفتح العين وكسر الواو، والمعنى يرجع إلى ما بينا. 
وقوله :( وما هي بعورة ) يعني : إنهم كاذبون في قولهم، وإنما يريدون الفرار، فهو معنى قوله تعالى :( إن يريدون إلا فرارا ) وأنشدوا في العورة :حتى إذا ألقت يدا في كافر  وأجن عورات الثغور ظلامها١ - رواه أحمد (٤/٢٨٥)، وابن شبة في تاريخ المدينة (١/١٦٥)، وأبو يعلى (٣١/٢٤٧-٢٤٨ رقم ١٦٨٨) من حديث البراء، وزاد السيوطي في الدر (٥/٢٠٤): ابن أبي حاتم، وابن مردويه. وقال الحافظ ابن كثير (٣/٤٧٣): تفرد به الإمام أحمد، وفي إسناده ضعف.
 وفي الباب عن أبي أيوب، وابن عباس. وانظر تاريخ المدينة (١/١٦٥)..

### الآية 33:14

> ﻿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا [33:14]

قوله تعالى :( ولو دخلت عليهم من أقطارها ) أي : من نواحيها. 
وقوله :( ثم سئلوا الفتنة ) أي : الشرك، ويقال : القتال في العصبية. 
وقوله :( لآتوها ) بالمد، وقرئ :" لأتوها "، فقوله " لآتوها " بالمد أي : لأعطوها، وقوله :" لآتوها ". أي :\[ لقصدوها \] ( [(١)](#foonote-١) ). 
وقوله :( وما تلبثوا بها إلا يسيرا ) أي : ما احتسبوا إلا يسيرا، وأعطوا ما طلب منهم طيبة بها أنفسهم.

١ - في "الأصل": قصدوها، والمثبت من "ك"..

### الآية 33:15

> ﻿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ ۚ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا [33:15]

قوله تعالى :( ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار ) الأدبار : جمع الدبر، أي : لا ينهزمون. وذكر مقاتل وغيره أن هذا في الذين بايعوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة، وقالوا : يا رسوا الله، اشترط لربك، فقال : أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، فقالوا : اشترط لنفسك. فقال : أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأولادكم " وكان الذين بايعوا ليلة العقبة \[ سبعين \] ( [(١)](#foonote-١) ) نفرا، وأول من بايع أبو الهيثم بن التيهان، وهذا القول ليس بمرض ؛ لأن أصحاب العقبة لم يكن فيهم شاك، ولا من يقول مثل هذا القول، وإنما الآية في قوم عاهدوا أن يقاتلوا ولا يفروا حتى يقتلوا ونقضوا العهد. 
وقوله :( وكان عهد الله مسئولا ) أي : مسئولا عنه.

١ - في "الأصل، وك": سبعون، وهو خطأ..

### الآية 33:16

> ﻿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا [33:16]

قوله تعالى :( قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت الموت أو القتل ) يعني : أن الأجل يدرككم في وقته. 
وقوله :( وإذا لا تمتعون إلا قليلا ) معناه : إلى منتهى آجالكم، وفي بعض الحكايات : أن رجلا انهزم \[ في \] ( [(١)](#foonote-١) ) بعض الحروب، فكان يلام على ذلك، ويقرأ عليه هذه الآية ( قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل إذا لا تمتعون إلا قليلا ) فقال : ذلك القليل أطلب.

١ - في "الأصل، وك": من..

### الآية 33:17

> ﻿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً ۚ وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [33:17]

قوله تعالى :( قل من ذا الذي يعصمكم من الله ) أي : يجيركم ويمنعكم. 
وقوله :( إن أراد بكم سوءا ) أي : الهزيمة وظفر عدوكم بكم. 
وقوله :( أو أراد بكم رحمة ) أي : خيرا ونصرة. 
وقوله :( ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا ) أي : قريبا ينفعهم، وناصرا يمنعهم.

### الآية 33:18

> ﻿۞ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا ۖ وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا [33:18]

قوله تعالى :( قد يعلم الله المعوقين منكم ) يقال : عاقه واعتاقه وعوقه إذا صرفه
عما يريده. ويقال : المعوقين منكم أي : المثبطين منكم. 
وقوله :( والقائلين لإخوانكم هلم إلينا ) أي : ارجعوا إلينا
وقوله :( ولا يأتون البأس إلا قليلا ) أي : لا يقاتلون إلا قليلا رياء وسمعة من غير حسبة، والآية نزلت في قوم من المنافقين قالوا حين أحاط الجنود بالمسلمين : إن محمدا وقومه أكله رأس، والله لو كان محمد وأصحابه لحما لالتهمهم أبو سفيان وحزبه أي : ابتلعهم، وكانوا يقولون لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من الأنصار : دعوا محمد، فإن محمدا يريد أن يقتلكم جميعا. وقال الكلبي في قوله :( إلا قليلا ) يعني : إلا رميا بالحجارة.

### الآية 33:19

> ﻿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ۖ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ۖ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ۚ أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [33:19]

قوله تعالى :( أشحة عليكم ) أي : بخلا بالنصرة والموافقة في القتال، وقال قتادة : بخلاء عند الغنيمة، فكأن الله تعالى قال : هم احسن قوم عند القتال، وأشح قوم عند الغنيمة. 
وقوله :( فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت ) والمغشي عليه من الموت قد ذهب عقله، وشخص بصره، وهو المحتضر الذي قرب من الموت. 
وقوله :( فإذا ذهب الخوف سلقوكم ) قال الفراء : وقعوا فيكم بألسنة سليطة ذرية. وعن بعضهم : سلقوكم بألسنة حداد يعني : عند طلب الغنائم، وعند المجادلات بالباطل، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«البذاء ( والبيان ) ( [(١)](#foonote-١) ) شعبتان من النفاق، والحياء والعِيّ( [(٢)](#foonote-٢) ) شعبتان من الإيمان »**( [(٣)](#foonote-٣) ). 
وتقول العرب : خطيب مِسلاق وسَلاق إذا كان بليغا في الخطابة، وعن ابن عباس قال : سلقوكم أي : عضهوكم( [(٤)](#foonote-٤) ) وتناولوكم بالنقص والغيبة، قال الأعشى :

فيهم الخصب والسماحة والنج  دة فيهم والخاطب السَّلاقوقوله :( أشحة على الخير ) قد بينا أنها عند الغنيمة. 
وفي الخبر :**«أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار : إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع »**( [(٥)](#foonote-٥) ) أي : تجمعون عند القتال، وتتفرقون عند أخذ المال، وأما وصف المنافقين على الضد من هذا، فإنهم كانوا جبناء عند القتال، بخلاء عند المال. 
وقوله :( أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم ) أي : أبطل الله أعمالهم. 
وقوله :( وكان ذلك على الله يسيرا ) أي : سهلا. 
١ - قال الترمذي في سننه: الغِيّ: قلة الكلام، والبذاء هو الفحش في الكلام، والبيان هو كثرة الكلام، مثل هؤلاء الخطباء الذين يخطبون فيوسعون في الكلام، ويتفصحون فيه عن مدح الناس فيما لا يرضى الله أ. هـ..
٢ - نفسه..
٣ - رواه الترمذي (٤/٣٢٩ رقم ٢٠٢٧) وقال: حسن غريب، وأحمد (٥/٢٦٩)، وابن أبي شيبة (١١/٤٤ رقم ١٠٤٧٧) بشطره الثاني، وفي كتاب الإيمان له (٤٤/ رقم ١٠٨)، والحاكم (١/٩) وصححه على شرطهما..
٤ - والعضة: هي الإفك والبهتان والنميمة، انظر اللسان (١٣/٥١٥)..
٥ - عزاه في الكنز (١٤/ رقم ٣٧٩٥١) للعسكري في الأمثال..

### الآية 33:20

> ﻿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا ۖ وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ ۖ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا [33:20]

قوله تعالى :( يحسبون الأحزاب لم يذهبوا ) أي : من الجبن والخوف. 
وقوله :( وإن يأت الأحزاب ) أي : يرجعوا بعد الذهاب. 
وقوله :( يودوا لو أنهم بادون في الأعراب ) البادون : خلاف الحاضرين، وهم الذين يسكنون البادية، وقولة :( في الأعراب ) أي : مع الأعراب. 
وقوله :( يسألون عن أنبأكم ) أي :\[ عن \] ( [(١)](#foonote-١) ) أخباركم، ومعنى سؤالهم عن الأخبار هو أن الظفر كان للمشركين، أو لمحمد وأصحابه. 
وقوله :( ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا ) أي : تعذيرا، ومعنى تعذيرا أي : يقاتلون شيئا يسيرا يقيمون به عذرهم، فيقولون قد قاتلنا.

١ - من "ك"..

### الآية 33:21

> ﻿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [33:21]

قوله تعالى :( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) أي : قدوة حسنة، والتأسي : هو الإقتداء، وإنما ذكر الأسوة ها هنا حتى ينصروا ( ويقومون ) ( [(١)](#foonote-١) ) ويصبروا على ما يصيبهم، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كسرت رباعيته يوم أحد، وشج في جبهته، وكسرت البيضة على رأسه( [(٢)](#foonote-٢) )، وقتل عمه( [(٣)](#foonote-٣) ) فلم يفتر في أمر الله، وصبر على جميع ذلك. 
وقوله :( لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ) أي : يرجو ثواب الله، وقيل : لمن كان يخشى الله واليوم الآخر، والرجاء يكون بمعنى الخشية، وقد يكون بمعنى الطمع. 
وقوله :( وذكر الله كثيرا ) أي : في جميع المواطن على السراء والضراء.

١ - في "ك": ويقيمونه، والأشبه: ويتبعونه..
٢ - ثبت ذلك من حديث سهل بن سعد مرفوعا، رواه البخاري في صحيحه (٧/٤٣٠-٤٣١ رقم ٤٠٧٥)، ومسلم (١٢/٢٠٥-٢٠٧ رقم ١٧٩٠)، وفي الباب أحاديث..
٣ - فيه أحاديث، منها ما رواه البخاري (٧/٤٢٤-٤٢٥ رقم ٤٠٧٢) من حديث وحشي بن حرب..

### الآية 33:22

> ﻿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [33:22]

قوله تعالى :( ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله ) قال قتادة : معنى هذه الآية راجع إلى قوله تعالى في سورة البقرة :( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ) ( [(١)](#foonote-١) ) والآية تتضمن أن المؤمنين يلقاهم ويستقبلهم مثل هذا البلاء، فلما رأوا ذلك يوم الخندق قالوا : هذا ما وعدنا الله ورسوله. 
وعن بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه :**«إن المشركين سائرون إليكم فنازلون بكم عشرا »**( [(٢)](#foonote-٢) ) أو كما قال فلما رأى المؤمنون الأحزاب \[ قالوا : هذا ما وعدنا الله ورسوله \] ( [(٣)](#foonote-٣) ) وقد ساروا إليهم ( وما زادهم إلا إيمانا وتسليما ) أي : تصديقا بالله، وتسليما لأمر الله.

١ - البقرة: ٢١٤..
٢ - ذكره الحافظ الزيلعي في تخريج الكشاف (٣/١٠٠) وبيض له، وقال الحافظ ابن حجر: لم أجده..
٣ - من "ك"..

### الآية 33:23

> ﻿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [33:23]

قوله تعالى :( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) أي : قاموا بما عاهدوا الله عليه، ويقال : قاموا بالأمر على الوفاء والصدق. 
وقوله :( فمنهم من قضى نحبه ) النَّحْب يرد بمعاني كثيرة، وأولى المعاني أنه بمعنى العهد، فمعنى الآية : اتم العهد وقام به، قال الحسن البصري : أي أقام بالوفاء والصدق. وقال ابن قتيبة : النحب هو النذر، ومعنى قضى نحبه ها هنا أي : قتل في سبيل الله، كأن القوم بقبولهم الإيمان نذروا أن يموتوا على ما يرضاه الله، فمن قتل في سبيل الله فقد قضى نذره. 
قال محمد بن إسحاق : الآية في الذين استشهدوا يوم أحد، وهم حمزة رضي الله عنه ومن استشهد معه. 
وقد ثبت برواية يزيد بن هارون، عن حميد، عن انس رضي الله عنه أن عمه النضر بن أنس كان تخلف عن بدر فقال : تخلفت عن أول غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لئن أراني الله قتالا مع المشركين لَيَرَيَنَّ الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد وانهزم المسلمون، ورأى ذلك النضر بن أنس قال : اللهم إني أعتذر إليك ما جاء به هؤلاء يعني المسلمين وابرأ إليك مما جاء به هؤلاء يعني المشركين ثم مضى بوجوه الكفار، فلقي سعد بن معاذ دون أحد، فقال له سعد : أنا معك، قال سعد : فلم أستطع أن أصنع ما صنع، فوجد به بضع وثمانون من ضربة سيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم. وفي رواية أخرى : فلم تعرفه إلا أخته بثناياه. قال أنس : ففيه وفيمن استشهد نزل قوله :( فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ) ( [(١)](#foonote-١) ). 
يعني : من المؤمنين من بقي بعد هؤلاء الذين استشهدوا، وهم ينتظرون أحد الأمرين إما الشهادة في سبيل الله وإما الظفر، وأنشدوا في النحب شعرا :

قضى نحب الحياة وكل حي  إذا يدعي لميتته أجاباومن المعروف أيضا أن النحب هو الخطر العظيم. قال جرير في النحب :بطخفة جالدنا الملوك وخيلنا  عشية بسطام جرين على نحبأي : على الخطر العظيم
وقوله :( وما بدلوا تبديلا ) أي : لم يتركوا ما قبلوه وعاهدوا عليه. 
١ - متفق عليه من حديث أنس، رواه البخاري (٦/٢٦ رقم ٢٨٠٥، وطرفاه: ٤٠٤٨، ٤٧٨٣)، ومسلم (١٣/٧١-٧٢ رقم: ١٩٠٣)..

### الآية 33:24

> ﻿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [33:24]

قوله تعالى :( ليجزي الله الصادقين بصدقهم ) أي : جزاء صدقهم، وصدقهم هو وفاؤهم بالعهد. 
وقوله :( ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم ) فيهديهم للإيمان. 
وقوله :( وكان الله غفورا رحيما ) أي : ستورا عطوفا.

### الآية 33:25

> ﻿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ۚ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا [33:25]

قوله تعالى :( ورد الله الذين كفروا بغيظهم ) أي : ردهم ولم يشتفوا من محمد وأصحابه، وقد كانوا قصدوا قصد الإستئصال. 
وقوله :( لم ينالوا ) أي : لم يظفروا بما أرادوا. 
وقوله :( \[ خيرا \] ( [(١)](#foonote-١) ) وكفى الله المؤمنين القتال ) أي : بما أرسل من الريح عليهم، وفي بعض الروايات الغريبة عن ابن عباس : وكفى الله المؤمنين القتال أي : لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وقد كان قتل عمرو بن عبدود في ذلك اليوم، وكان رأسا من رءوس الكفار كبيرا فيهم، وضربه عمرو بن عبدود في ذلك اليوم على رأسه
ضربة فلما ضربه، ابن ملجم وقعت ضربة ابن ملجم على موضع ضربة عمرو بن عبدود، فهلك في ذلك رضي الله عنه. 
وقوله :( وكان الله قويا عزيزا ) أي : قويا في ملكه، عزيزا في انتقامه.

١ - من "ك"..

### الآية 33:26

> ﻿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا [33:26]

قوله تعالى :( وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب ) أي : عاونوهم من أهل الكتاب، وهم قريظة، وقد كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وسيدهم كعب بن أسد، وأما بنو النضير فسيدهم حيي بن أخطب، فلما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير إلى الشام، ذهب حيي بن أخطب، إلى قريش و( استنصرهم ) ( [(١)](#foonote-١) )، وجمع الأحزاب وجاء بهم لقتال النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جاء إلى قريظة وحملهم على نقض العهد في قصة طويلة، وعاهد معهم أن المشركين لو رجعوا ولم يظفروا دخل معهم في حصنهم ليصيبه ما يصيبهم، فلما هزم المشركون دخل معهم في حصنهم، وأما قريظة فنقضوا العهد، وقصدوا حرب النبي صلى الله عليه وسلم مع الأحزاب في قصة مذكورة في المغازي( [(٢)](#foonote-٢) ). 
وقوله :( من صياصيهم ) أي : من حصونهم، ومنه صياصي البقر أي : قرونها لأنها تمتنع بها. 
وقوله :( وقذف في قلوبهم الرعب ) أي : الخوف. 
وقوله :( فريقا تقتلون ) قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريظة أربعمائة وخمسين، وفي رواية ستمائة( [(٣)](#foonote-٣) )، وفيهم حيي بن أخطب وسادتهم، وكانوا يقولون : هذا ذبح كتبه الله على بني إسرائيل. 
وقوله :( وتأسرون فريقا ) أسر منهم سبعمائة وخمسين، وفي رواية سبعمائة

١ - في "ك": واستفزهم..
٢ - سيرة ابن هشام (٢/١٣١)..
٣ - سيرة ابن هشام (٢/١٤٧-١٤٨)، ودلائل النبوة للبيهقي (٤/٢٠)..

### الآية 33:27

> ﻿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا [33:27]

( وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ) أي : أغنمكم. 
وقوله :( وأرضا لم تطئوها ) أظهر الأقاويل : أنها خيبر، وقال عكرمة : جميع ما فتح الله تعالى ويفتحه من أراضي المشركين إلى يوم القيامة. وعن بعضهم فارس والروم. 
وقوله :( وكان الله على كل شيء قديرا ) أي : قادرا. 
وأما قصة قتل قريظة \[ فهو على \] ( [(١)](#foonote-١) ) ما روى **«أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من الخندق إلى بيته ووضع لامته أي : درعه واغتسل جاء جبريل عليه السلام على فرس ودعاه، فلما خرج من بيته قال : أتضع سلاحك ولم تضع الملائكة أسلحتهم ! وكان الغبار على وجهه ووجه فرسه، وقال : يا جبريل، إلى أين ؟ قال : إلى قريظة »**( [(٢)](#foonote-٢) )، **«فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وخرج أصحابه إلى قريظة، ونادى في أصحابه : لا يصلين أحد منكم العصر إلا في \[ بني \] ( [(٣)](#foonote-٣) ) قريظة، فلم يصلوا حتى غربت الشمس، فبعضهم صلى العصر، وبعضهم لم يصل حتى وصل، فلم يعنف واحدا من الفريقين »**( [(٤)](#foonote-٤) ) وحاصرهم إحدى وعشرين ليلة، ونزلوا على حكم سعد بن معاذ، وكانوا حلفاءه في الجاهلية وسعد بن معاذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة سيد الخزرج فلما نزلوا على حكمه، وكان سعد مريضا بالمدينة في بيته برمية أصابت أكحله يوم الخندق، وكان الدم لا يرقأ، فدعا الله تعالى وقال : اللهم أبقني حتى تريني ما يقر عيني في قريظة، فرقأ الدم. 
فلما نزلوا على حكمه استحضره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء على حمار موكف وقد حف به قومه، وجعلوا يقولون له : حلفاؤك ومواليك، فقال سعد : قد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم، فلما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال عليه الصلاة والسلام للأنصار : قوموا إلى سيدكم، ثم إنه حكم بأن يقتل المقاتلة، وتسبى الذرية، ويقسم المال، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : حكمت بحكم الملك. وروى أنه قال : حكمت بحكم الله من فوق عرشه، ثم إنه فعل بهم ما حكم، ثم إن سعدا قال لما قتلوا : اللهم إن كنت أبقيت حربا بين رسولك وبين قريش فأبقني لها، وإن كنت قد وضعت الحرب بين رسولك وبين قريش فاقبضني إليك، فانفجر كلمه في الحال، فلم يرعهم إلا والدم يسيل إليهم، وتوفى في ذلك رضي الله عنه( [(٥)](#foonote-٥) ).

١ - في "الأصل وك": على فهو..
٢ - متفق عليه من حديث عائشة، رواه البخاري (٦/٣٧ رقم ٢٨١٣، وأطرافه: ٤٦٣، ٣٩٠١، ٤١١٧، ٤١٢٢)، ومسلم (١٢/١٣٤-١٣٥ رقم ١٧٦٩)..
٣ - من "ك"..
٤ - متفق عليه من حديث ابن عمر، رواه البخاري (٢/٥٠٦ رقم ٩٤٦، ٤١١٩)، ومسلم (١٢/١٣٩ رقم ١٧٧٠)..
٥ - متفق عليه بنحوه من حديث أبي سعيد الخدري، رواه البخاري (٦/١٩١ رقم ٣٠٤٣، وأطرافه: ٣٨٠٤، ٤١٢١، ٦٢٦٢)، ومسلم (١٢/١٣٢-١٣٤ رقم ١٧٦٨).
 وقد روى الحديث بطوله بنحو سياق المصنف، وبعضهم يزيد عليه أو ينقص منه: الإمام أحمد في مسنده (٦/١٤١-١٤٢)، وابن سعد (٣/٣٢٢-٣٢٣)، وابن أبي شيبة (١٤/٤٠٨-٤١١ رقم ١٨٦٤٣)، وابن حبان في صحيحه (١٥/٤٩٨-٥٠١ رقم ٧٢٠٨)..

### الآية 33:28

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [33:28]

قوله تعالى :( يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ) الآية. قال المفسرون : سبب نزول الآية أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم سألنه شيئا من الدنيا، ولم يكن عنده، وطلبن منه زيادة في النفقة، وآذينه بغيرة بعضهن على بعض ؛ فأنزل الله تعالى آية التخيير. 
وحكى النقاش في تفسيره عن الضحاك : أن زينت بنت جحش سألته ثوبا ممصرا( [(١)](#foonote-١) )، وهو البرد المخطط، وميمونة سألته حلة يمانية، وأم حبيبة سألته ثوبا من ثياب خضر، وجويرية سألته معجرا، وعن بعضهن : أنها سألته قطيفة، ولم يكن عنده شيء من ذلك. وحكى أنهن قلن : لو كنا عند غيره كان لنا حليا وثيابا، فأنزل الله تعالى آية التخيير. وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم آلى منهن شهرا واعتزل في غرفة في قصة طويلة. ( [(٢)](#foonote-٢) )
وفي بعض الروايات عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بيت حفصة فتشاجرا، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : أجعل بيني وبينك رجلا، أتريدين أباك ؟ قالت : نعم، فدعا عمر رضي الله عنه فلما دخل قال النبي صلى الله عليه وسلم لحفصة : تكلمي. #فقالت حفصة : يا رسول الله، تكلم ولا تقل إلا حقا. فرفع عمر يده وضرب وجهها، وقال : يا عدوة نفسها، أتقولين هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم آلى منهن شهرا واعتزل، وأنزل الله تعالى آية التخيير، فلما أنزل الله آية التخيير بدأ بعائشة رضي الله عنها. 
وقد ثبت هذا برواية الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بها لما أنزل الله تعالى آية التخيير، قالت عائشة : فدخل علي وقال :**«يا عائشة، إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن تعجلي حتى تستأمري أبويك، وقد علم أن أبوي لا يأمرانني بفراقه، ثم تلا على الآية، فقلت : أفي هذا أستأمر أبواي ؟ لقد اخترت الله ورسوله والدار الآخرة، ثم عرض ذلك على سائر نسائه ؛ فقلن مثل ذلك »**( [(٣)](#foonote-٣) ). وروى هذا الخبر البخاري عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، والإسناد كما بينا من قبل، وأما أزواجه اللاتي خيرهن فكن تسعا، خمسة قرشيات هن : عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وأم سلمة بنت أمية، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأما غير القرشيات : فزينب بنت جحش الأسدية، وصفية بنت حيي الخيبرية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية. 
قال المفسرون : فلما اخترنه شكر الله تعالى لهن ذلك، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج بسواهن أو يتبدل بهن، وذلك في قوله تعالى :( لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن ) ( [(٤)](#foonote-٤) ) وسنذكر حكم ذلك من بعد واختلف العلماء في هذا الخيار، أكان طلاقا ؟ وإنما خيرهن على إن اخترن الدنيا فارقهن بلا طلاق، وإن اخترنه أمسكهن، وذهب جماعة إلى أن هذا الخيار كان طلاقا فكأنه خيرهن، ولو اخترن أنفسهن كان طلاقا. 
واختلف الصحابة في الرجل يقول لإمرأته : اختاري. فتقول : اخترت نفسي، فذهب عمر إلى أنها لو اختارت زوجها لا تكون شيئا، وإن اختارت نفسها فطلقة واحدة، والزوج أحق برجعتها. 
وقال عليّ : إن اختارت زوجها فطلقة واحدة، والزوج أحق برجعتها، وإن اختارت نفسها فواحدة بائنة، ولا يملك الزوج رجعتها، وذهب إلى أنها إن اختارت زوجها فواحدة رجعية، وإن اختارت نفسها فثلاث، وقد قيل غير هذا. وهذه الأقوال الثلاثة هي المعروفة، وقد ذهب إلى كل قول من هذه الأقوال جماعة من العلماء، والدليل على أنها إذا اختارت زوجها لا تكون طلاقا أن عائشة قالت : خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه، أفكان طلاقا ؟ ! ( [(٥)](#foonote-٥) )
وقوله :( فتعالين أمتعكن ) أي : متعة الطلاق، وقد بينا في سورة البقرة. 
وقوله تعالى :( وأسرحكن سراحا جميلا ) السراح الجميل هو المفارقة الجميلة، وذلك من غير تعنيف ولا أذى.

١ - قال أبو عبيد: الثياب الممصرة التي فيها شيء من الصفرة ليس بالكثيرة (لسان العرب ٥/١٧٦)..
٢ - متفق عليه من حديث عمر بطوله، رواه البخاري (٨/٥٢٥-٥٢٦ رقم ٤٩١٣)، ومسلم (١٠/١١٨-١٣١ رقم ١٤٧٩)..
٣ - متفق عليه من حديث عائشة، رواه البخاري (٨/٣٧٩-٣٨٠ رقم ٤٧٨٥، ٤٧٨٦)، ومسلم (١٠/١١٣-١١٤، ١٣١-١٣٢ رقم ١٤٧٥)، وهو جزء من حديث عمر الطويل الذي تقدم من رواية مسلم فقط..
٤ - الأحزاب: ٥٢..
٥ - متفق عليه من حديث عائشة، رواه البخاري (٩/٢٨٠ رقم ٥٢٦٣)، ومسلم (١٠/١١٥-١١٦ رقم ١٤٧٧)..

### الآية 33:29

> ﻿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا [33:29]

قوله تعالى :( وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات ) والمحسنات هي اللاتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، وجميع نساء النبي صلى الله عليه وسلم قد اخترن ذلك، فجميعهن محسنات. ويجوز أن تذكر " من " ولا تكون للتبعيض، فلا يدل ذلك على أن منهن من ليست بمحسنة. 
وقوله :( أجرا عظيما ) وفي التفسير : أن الله تعالى خيرهن بين الدنيا والآخرة، وبين الجنة والنار، فاخترن الآخرة على الدنيا، والجنة على النار.

### الآية 33:30

> ﻿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [33:30]

قوله تعالى :( يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة ) فإن قيل : أيدل هذا الخطاب على أن منهن من أتت بفاحشة أو تأتي بفاحشة ؟ قلنا : لا، كما أن الله تعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم :( لئن أشركت ليحبطن عملك ) ( [(١)](#foonote-١) ) وهذا لا يدل على أنه قد أتى بشرك أو يأتي. 
جواب آخر : أنه قد حكى عن ابن عباس أنه قال : الفاحشة ها هنا بمعنى النشوز وسوء الخلق. 
وقوله :( يُضَاعَفُ لها العذاب ضعفين ) وقرئ :" يُضْعَّفُ " من التضعيف، وقرئ :" نُضَعِّفُ " بالنون، فقوله ( نضعف ) بالنون ظاهر المعنى، وهو نسبة الفعل إلى نفسه، وقوله :" يضعف " و " يضاعف " خبر. 
وقوله :( ضعفين من العذاب ) أي : مثلي عذاب غيرها، فإن قيل : ولم تستحق مثلي عذاب غيرها ؟ قلنا : لشرف حالها بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا كما أن الحرة تحد مثلي حد الأمة لشرف حالها. وقد استدل أبو بكر الفارسي في أحكام القرآن بهذه الآية على أنهن أشرف نساء العالم. 
وقوله :( وكان ذلك على الله يسيرا ) أي : هينا، وقد ذكر بعضهم أن قوله :( يضاعف لها العذاب ) يقتضى ثلاثة أَعْذِبَة ؛ لأن ضعف الواحد مثلاه، والأصح هو الأول.

١ - الزمر: ٦٥..

### الآية 33:31

> ﻿۞ وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا [33:31]

قوله تعالى :( ومن يقنت منكن لله ورسوله ) القنوت هو المداومة على الطاعة، ومنه القنوت في الصلاة، وهو المداومة على الدعاء. 
وقوله :( وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين ) أي : مثلي أجر غيرها، وهذا على طريق مقابلة الثواب بالعقاب. 
وقوله :( وأعتدنا لها رزقا كريما ) أي : الجنة.

### الآية 33:32

> ﻿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا [33:32]

قوله تعالى :( يا نساء النبي لستن كأحد من النساء ) فإن قيل : هلا قال كواحدة من النساء ؟ والجواب، أنه قال :( كأحد من النساء ) ليكون أعم في الكل. 
وقوله :( إن اتقيتن ) التقوى هي الاحتراز عن المعاصي، والحذر عما نهى الله عنه. 
وقوله :( فلا تخضعن بالقول( [(١)](#foonote-١) ) ) أي : لا تلنَّ في القول، ولا ترققن فيه. ويقال : الخضوع في القول أن تتكلم على وجه يقع بشهوة المريب. 
وقوله :( فيطمع الذي في قلبه مرض ) قال قتادة : أي النفاق، وقال عكرمة : شهوة الزنا. 
وقوله :( وقلن قولا معروفا ) أي : قولا يوجبه الدين والإسلام بصريح وبيان.

١ - في "الأصل وك": في القول..

### الآية 33:33

> ﻿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [33:33]

قوله تعالى :( وقرن في بيوتكن ) وقرئ بكسر القاف ؛ فقوله بالكسر من السكون والهدوء وترك الخروج. والقراءة بالنصب تحتمل هذا، وتحتمل الأمر بالوقار. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : ما تعبدت الله امرأة بمثل تقوى الله وجلوسها في بيتها. وفي بعض الآثار، أنه قيل لسودة : ألا تخرجين كما تخرج أخواتك ؟ قالت : قد حججت واعتمرت، وقد أمرني الله تعالى أن أقر في بيتي، فلا أريد أن أعصي الله تعالى، فلم تخرج من بيتها حتى أخرجت على جنازتها. 
وقوله :( ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ) قال المبرد : التبرج هو أن تظهر من نفسها ما أمرت بستره. وعن ابن أبي نجيح قال : هو التبختر. وعن قتادة قال : المشي بالتغنج والتكسر. وعن مجاهد قال : هو المشي بين يدي الرجال. 
وأما الجاهلية الأولى فقيل : هي زمان نمروذ، وقد كانت المرأة تخرج وعليها قميص من لؤلؤ ثم تخيط جانباه، وعن بعضهم : ما بين نوح وإدريس، وعن الشعبي : ما بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ويقال : إن أول ما ظهر من الفاحشة في بني آدم أنه كان بطنان من بني آدم أحدهما يسكنون الجبل، والآخر يسكنون السهل، وكان رجال الجبل صباحا، وفي النساء دمامة، ونساء السهل صبيحات، وفي الرجال دمامة، فاحتال إبليس حيلة حتى اتخذ عيدا، وجمع بينهم فارتكب بعضهم من بعض الفاحشة. وذكر بعضهم أن في الجاهلية الأولى \[ كانت المرأة تكون \] ( [(١)](#foonote-١) ) بين رجلين، فنصفها الأسفل لأحدهما والأعلى للآخر، فيجتمع على المرأة زوجها وحبها، وقال في ذلك بعضهم شعرا :

أترغب في البدال أبا جبير  وأرضى بالكواعب والعجوزوأما الجاهلية الأخرى فقوم يفعلون مثل فعلهن وذلك في آخر الزمان، وقال بعضهم : يجوز أن يذكر الأولى وإن لم يكن لها أخرى، ألا ترى أن الله تعالى قال :( وأنه أهلك عادا الأولى ) ( [(٢)](#foonote-٢) ) ولم يكن لها أخرى. 
وقوله :( وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله ) ظاهر المعنى. 
وقوله :( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ) في الآية أقوال : روى سعيد بن جبير عن ابن عباس : أنها نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم، وقد \[ قاله \] ( [(٣)](#foonote-٣) ) عكرمة وجماعة. 
وذهب أبو سعيد الخدري وأم سلمة وجماعة كثيرة من التابعين منهم مجاهد وقتادة وغيرهما أن الآية في أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وهم علي وفاطمة والحسن والحسين. 
وروت أم سلمة **«أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بيتها وعنده علي وفاطمة والحسن والحسين، فأنزل الله تعالى هذه الآية فجللهم بكساء وقال : اللهم ؛ هؤلاء أهل بيتي. قالت أم سلمة : فقلت : يا رسول الله، وأنا من أهل بيتك، فقال : إنك إلى خير »**( [(٤)](#foonote-٤) ). ذكره أبو عيسى في جامعه. 
وروى أيضا بطريق أنس **«أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمر بعد نزول هذه الآية على بيت فاطمة بستة أشهر، ويقول : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا »**( [(٥)](#foonote-٥) ). 
واستدل من قال بهذا القول أن الله تعالى قال :( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ) ولم يقل :" عنكن "، ولو كان المراد به نساء النبي صلى الله عليه وسلم لقال :" عنكن " ألا ترى أنه في الابتداء والانتهاء لما كان الخطاب مع نساء النبي صلى الله عليه وسلم خاطبهن بخطاب الإناث. 
والقول الثالث : أن الآية عامة في الكل، وهذا أحسن الأقاويل، فآله قد دخلوا في الآية، ونساؤه قد دخلن في الآية. واستدل من قال : إن نساءه قد دخلن في الآية ؛ أنه قال :( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ) وأهل بيت الرسول هن نساؤه ؛ ( ولأنه تقدم ذكر نسائه ) ( [(٦)](#foonote-٦) )، والأحسن ما بينا من التعميم. 
وقد روى أن زيد بن أرقم سئل : مَن آل النبي صلى الله عليه وسلم. فقال : هم الذين حرم عليهم الصدقة. وأما الرجس فمعناه : ما يدعو إلى المعصية. وقال بعضهم : عمل الشيطان. والرجس في اللغة هو كل مستقذر مستخبث. 
وقوله :( ويطهركم تطهيرا ) أي : من المعاصي بتقوى الله تعالى، وذهب بعض ( أصحاب )( [(٧)](#foonote-٧) ) الخواطر إلى أن معنى قوله :( ويذهب عنكم الرجس ) أي : الأهواء والبدع ( ويطهركم تطهيرا ) بالسنة، وقال بعضهم : يذهب عنكم الرجس أي : الغل والحسد ( ويطهركم تطهيرا ) بالتوفيق والهداية، وقال بعضهم : يذهب عنكم الرجس : البخل والطمع ( ويطهركم تطهيرا ) بالقناعة والإيثار، والتفسير ما بينا من قبل. 
١ - في "الأصل وك": كان تكون المرآة..
٢ - النجم: ٥٥..
٣ - في "الأصل، وك": قال، والمثبت هو الصواب، وانظر تفسير ابن كثير (٣/٤٨٣)..
٤ - رواه الترمذي (٥/٣٢٧-٣٢٨ رقم ٣٢٠٥، ٥/٦٢١-٦٢٢) وقال: غريب، وقال في موضع آخر (٥/٦٥٦-٦٥٧ رقم ٣٨٧١): حسن، وهو أحسن شيء روي في الباب، وأحمد (٦/٢٩٨، ٣٠٤)، والبخاري في تاريخه (٢/٦٩-٧٠)، وابن جرير (٢٢/٦)، والطبراني (٣/٥٢-٥٣ رقم ٢٦٦٢-٢٦٦٥)، والحاكم (٢/٤١٦، ٣/١٤٦) وصححه على شرط البخاري..
٥ - رواه الترمذي (٥/٣٢٨ رقم ٣٢٠٦) وقال: حسن غريب، وأحمد (٣/٢٥٩، ٢٨٥)، وعبد بن حميد (٣٦٧-٣٦٨، رقم ١٢٢٣)، والطبري في تفسيره (٢٢/٥-٦)، والطبراني (٣/٥٦ رقم ٢٦٧١)، والحاكم (٣/١٥٨) وصححه على شرط مسلم.
 وعزاه السيوطي في الدر (٥/٢١٦) لابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن مردويه، بالإضافة لما سبق..
٦ - في "الأصل وك": ولأنه تقدم وتأخر ذكر نسائه. فقوله : تأخر مقحمة هنا، والله أعلم..
٧ - في "ك": أهل..

### الآية 33:34

> ﻿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا [33:34]

قوله تعالى :( واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة ) أي : القرآن والسنة. 
وقوله :( إن الله كان لطيفا خبيرا ) أي : رحيما بهم، خبيرا بأعمالهم.

### الآية 33:35

> ﻿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [33:35]

قوله تعالى :( إن المسلمين والمسلمات ) سبب نزول الآية ما روى أن أم سلمة قالت :**«يا رسول الله، ما بال الرجال يذكرون في القرآن، ولا يذكر النساء، ونخشى ألا يكون فيهن خير »**( [(١)](#foonote-١) ). 
وفي رواية أسماء بنت عميس : قدمت من الحبشة فدخلت على نساء النبي صلى الله عليه وسلم : وقالت لهن : هل ذكر الله تعالى النساء بخير في القرآن ؟ قلن : لا. قالت : هذا هو الخيبة والخسار، أخشى ألا يكون لله فيهن حاجة، ثم أتت النبي صلى الله عليه وسلم وذكرت ذلك له »( [(٢)](#foonote-٢) ). 
وفي رواية ثالثة :**«أن التي قالت ذلك أم عمارة الأنصارية، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وذكر النساء بخير كما ذكر الرجال »**( [(٣)](#foonote-٣) ). 
قوله تعالى :( إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ) قد بينا معنى الإسلام ومعنى الإيمان، وقد فرق بعض أهل السنة بين الإيمان والإسلام، ولم يفرق بعضهم. والمسألة فيها كلام كثير. 
وقوله :( والقانتين والقانتات ) المطيعين والمطيعات. 
وقوله :( والصادقين والصادقات ) أي الصادقين في إيمانهم، والصادقات في إيمانهن. يقال : إن المراد بالصدق هو صدق القول في جميع الأشياء. 
وقوله :( والصابرين والصابرات ) أي : الصابرين على الطاعة، والصابرين عن المعصية، وكذلك معنى الصابرات. 
وقال قتادة : الصبر عن المعصية أفضل من الصبر على الطاعة، وعليه الأكثرون. 
وقوله :( والخاشعين والخاشعات ) أي : المتواضعين والمتواضعات. ويقال : إن المراد بالخشوع هو الخشوع في الصلاة. 
وعن سعيد بن جبير قال : الخشوع في الصلاة ألا يعلم من على يمينه ولا من على يساره. وقال غيره : من الخشوع أن لا تلتفت. 
وقوله :( والمتصدقين والمتصدقات ) أي : المتصدقين على الفقراء والمتصدقات عليهم. 
وقوله :( والصائمين والصائمات ) معلوم. وروى عن بعضهم : من صام ثلاثة أيام في كل شهر فهو من الصائمين والصائمات، ومن تصدق في كل أسبوع بدرهم فهو من المتصدقين، ومن لم يلتفت في صلاته فهو من الخاشعين، أورده النقاش في تفسيره. 
وقوله :( والحافظين فروجهم والحافظات ) أي : من ارتكاب الفواحش. 
وحكى النقاش : أن من لم يزن فهو من الحافظين لفروجهم. 
وقوله :( والحافظات ) أي : والحافظاتها( [(٤)](#foonote-٤) ). 
وقوله :( والذاكرين الله كثيرا والذاكرات ) أي : والذاكراته، قال الشاعر :

فكُمْتاً مدماة كأن متونها  جرى فوقها واستشعرتْ لَوْنُ مُذهبيعني : جرى فوقها لون مذهب واستشعرته. 
وأما الذكر الكثير، فروى عن مجاهد أنه قال : لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرا حتى يذكره قائما وقاعدا ومضطجعا. 
وروى الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«من قال سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، كتب من الذاكرين الله كثيرا، وتحات عنه خطاياه كما يتحات الورق عن الشجر، ونظر الله إليه، ومن نظر إليه ( لم ) ( [(٥)](#foonote-٥) ) يعذبه »**. 
وفي بعض المسانيد برواية أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«أيما رجل أيقظ امرأته من الليل، فقاما وتوضيا وصليا ركعتين، كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات »**( [(٦)](#foonote-٦) ). 
وقوله :( أعد لهم مغفرة وأجرا عظيما ) أي : مغفرة للذنوب، وأجرا عظيما : هو الجنة. 
١ - رواه الترمذي (٥/٢٢١ رقم ٣٠٢٢) وقال: مرسل، والنسائي في الكبرى (٦/٤٣١ رقم ١١٤٠٤-١١٤٠٥)، وأحمد (٦/٣٠١، ٣٠٥)، والطبري (٢٢/٨-٩)، والطبراني (٢٣/ رقم ٥٥٤، ٦٥٠، ٦٦٥)، والحاكم (٢/٤١٦) وصححه على شرطهما..
٢ - أورده الواحدي في أسباب النزول (٢٦٨) عن مقاتل بن حبان بلغني أن أسماء بنت عميس فذكره. وعزاه الحافظ في موافقه الخبر الخبر (٢/٢٥) لمقاتل في تفسيره..
٣ - رواه الترمذي (٥/٣٣٠ رقم ٣٢١١) وقال: حسن غريب، والطبراني في الكبير (٢٥/ رقم ٥١، ٥٢، ٥٣). وعزاه السيوطي في الدر (٥/٢١٧) للفريابي، وسعيد بن منصور، وعبيد بن حميد، وابن مردويه.
 وقال الحافظ ابن حجر في موافقة الخبر الخبر (٢/٢٤): هذا حديث حسن، ورجاله رجال الصحيح، لكن اختلف في وصله وإرساله..
٤ - أي: الحافظات فروجهن. انظر القرطبي (١٤/١٨٥)..
٥ - في "ك": لا..
٦ - رواه أبو داود (٢/٣٣ رقم ١٣٠٩)، والنسائي في الكبرى (٦/٤٣٢ رقم ١١٤٠٦)، وابن ماجه (١/٤٢٣-٤٢٤ رقم ١٣٣٥)، وابن حبان في صحيحه (٦/٣٠٧-٣٠٩ رقم ٢٥٦٨، ٢٥٦٩)، والحاكم (٢/٤١٦) وصححه على شرطهما، والبيهقي (٢/٥٠١) من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة معا مرفوعا به.
 ورواه أبو داود، ومن طريقه البيهقي عن أبي سعيد موقوفا.
 وعزاه في الدر (٥/٢١٧) لعبد بن حميد، ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه..

### الآية 33:36

> ﻿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا [33:36]

قوله تعالى :( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ) الآية نزلت في شأن زينب بنت جحش وأخيها عبد الله بن جحش، وكانا ولدي عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي أميمة بنت عبد المطلب، فكانا من قبل الأب من بني أسد من أولاد غنم بن دودان، فروى **«أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب زينب لزيد بن حارثة مولاه، فكرهت ذلك، وقالت : أنا بنت عمتك، أتزوجني من مولاك ؟ ! وكذلك كره أخوها، فأنزل الله تعالى هذه الآية :( وما كان لمؤمن ) أي : عبد الله بن جحش ( ولا مؤمنة ) أي : زينب »**( [(١)](#foonote-١) ). 
وقوله :( إذا قضى الله ورسوله أمرا ) أي : أراد الله ورسوله أمرا، وذلك هو نكاح زيد لزينب. 
وقوله :( أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ) أي : يكون لهم الاختيار، والمعنى : أن يريد غير ما أراد الله، أو يمتنع مما أمر الله ورسوله به. 
وقوله :( ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ) أي : أخطأ خطأ ظاهرا ؛ فلما سمعا ذلك سلما الأمر، وزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم من زيد بن حارثة.

١ - رواه الطبراني (٢٤ رقم ١٠٩)، والدارقطني (٣/٣٠١)، والبيهقي (٧/١٣٦-١٣٧)، وأبو نعيم في الحلية (٢/٥١-٥٢)، وابن عساكر (١٩/٣٥٧ رقم ٤٤٨٠) عن زينب بنحوه، وفيه ذكر أختها حمنة دون ذكر عبد الله.
 وقال الزيلعي في تخريج الكشاف (٣/١١٠): الحسين بن أبي السدى ضعفه أبو داود وغيره، وحفص بن سليمان الأسدي، قال البخاري: تركوه. وضعّف إسناده الحافظ ابن حجر في تلخيصه على تخريج الكشاف. وقد ورد ذكر أخيها في حديث الكميت بن زيد بنحوه مطولا، رواه الطبراني والبيهقي، وابن عساكر، كما في الدر (٥/٢٢٠)..

### الآية 33:37

> ﻿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [33:37]

قوله تعالى :( وإذ تقول للذي أنعم الله عليه ) أي : أنعم الله عليه بالإسلام. 
وقوله :( وأنعمت عليه ) أي : بالعتق، وهو زيد بن حارثة، وقد كان جرى عليه سبي في الجاهلية، فاشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعتقه وتبناه على عادة العرب. 
قوله :( أمسك عليك زوجك ) أي : امرأتك، وأما سبب نزول هذه الآية :**«أن النبي صلى الله عليه وسلم لما زوج زينب من زيد ومضت على ذلك مدة، دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فرآها قائمة، وكانت بيضاء جميلة ذات خلق، وهي في درع وخمار، فلما رآها وقعت في قلبه وأعجبه حسنها، وقال : سبحان مقلب القلوب. وسمعت ذلك زينب، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي قلبه ما شاء الله، فلما دخل عليها زيد ذكرت ذلك له »**( [(١)](#foonote-١) ). 
وفي بعض التفاسير :**«أن زيدا جاء يشكو زينب، وكانت امرأة لسنة، فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعظها، فكان الأمر على ما ذكرنا، ثم إن زيدا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : يا رسول الله، إني أشكو إليك سوء خلق زينب، وإن فيها كِبْرا، وإني أريد أن أطلقها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمسك عليك زوجك أي امرأتك واتق الله في أمرها »**( [(٢)](#foonote-٢) ). 
وقوله :( وتخفي في نفسك ما الله مبديه ) قال قتادة : هو محبته لها. وقال الحسن : ود النبي صلى الله عليه وسلم طلاقها ولم يظهره. وذكر علي بن الحسين أن معنى الآية : هو أن الله تعالى كان أخبره أن زيدا يطلقها وهو يتزوج بها، فالذي أخفاه هو هذا، وهذا القول هو الأولى وأليق بعصمة الأنبياء. ومنهم من قال : الذي أخفي في نفسه هو أنه لو طلقها زيد تزوج بها، وهذا أيضا قول حسن. 
وقوله :( وتخشى الناس ) أي : تستحي من الناس، ويقال : تخشى مقالة الناس ولائمتهم، وأنهم يقولون إنه تزوج بامرأة ابنه. 
وقوله :( والله أحق أن تخشاه ) فإن قيل : هذا يدل على أنه لم يخش الله فيما سبق منه في هذه القصة. والجواب من وجهين : أحدهما : أن معنى قوله :( والله أحق أن تخشاه ) ابتداء كلام في جميع الأشياء، وقد أمر الله تعالى جميع عباده بالخشية في عموم الأحوال. 
والجواب الثاني : أنك أضمرت شيئا ولم تظهره، فإن خشيت الله تعالى في إظهاره فاخشه في إضماره. وحقيقة المعنى : أنه لا خشية إلا من الله فيما تظهر و\[ إلا \] ( [(٣)](#foonote-٣) ) فيما تضمر، فلا تراقب الناس. 
فإن قيل : إذا كان قد ود أن يطلقها كيف قال أمسك عليك زوجك ؟ والجواب : أن ذاك الود ود طبع وميل نفس، والبشر لا يخلو عنه. 
وأما قوله :( أمسك عليك زوجك واتق الله ) أمر بالمعروف، وليس عليه إثم فيما يقع في قلبه من غير اختياره، وعلى أنا قد ذكرنا سوى هذا من الأقوال، وقد ثبت برواية مسروق عن عائشة أنها قالت :**«لو كتم النبي صلى الله عليه وسلم شيئا من الوحي لكتم هذه الآية »**( [(٤)](#foonote-٤) )، وروى أنه لم تكن آية أشد عليه من هذه الآية. 
وقوله :( فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ) في التفسير : أن زيدا لما أخبر بالأمر طلقها، وقد ذكر بعضهم : أن النبي صلى الله عليه وسلم تركها حتى انقضت عدتها ثم تزوجها »( [(٥)](#foonote-٥) ). 
وليس في أكثر التفاسير ذكر عدة، ولا ذكر تزويج من ولي، وإنما المنقول أن زيدا طلقها، وأن الله زوجها منه، وهو ظاهر. 
قوله تعالى :( فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ) وقوله :( وطرا ) أي : حاجة، وهو بلوغ منتهى ما في النفس، قال الشاعر :

أيها الرايح المجد ابتكارا  قد قضى من تهامة الأوطار**وقال جرير :**وبان الخليط غداة الجناب  ولم تقض نفسك أوطارهاوقد ثبت في الصحيحين : أن زينب كانت تفتخر على سائر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وتقول : زوجكن أهلوكن، وزوجني الله من فوق سبع سموات »( [(٦)](#foonote-٦) ). 
وروى **«أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يتزوجها بعث زيدا يخطبها، فدخل عليها زيد وخطبها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت : حتى أوآمر ربي، وقامت إلى مسجدها، وأنزل الله تعالى :( فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ) »** ( [(٧)](#foonote-٧) ) وهذا خبر معروف، قال أهل التفسير :**«ولما نزلت هذه الآية جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عليها بغير إذن، وأولم عليها بالخبز واللحم »**( [(٨)](#foonote-٨) ). وقد ثبت برواية أنس **«أن النبي صلى الله عليه وسلم ما أولم على أحد من نسائه ما أولم على زينب بنت جحش، أشبع الناس من الخبز واللحم »**( [(٩)](#foonote-٩) ). ومن فضائل زينب **«أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لنسائه عند الوفاة :«أسرعكن بي لحوقا أطولكن، يدا »** فكانت زينب أول من توفيت من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعده، وكانت امرأة صناعا، تكثر الصدقة بكسب يدها، فعرفوا أن معنى طول اليد هو كثرة الصدقة »( [(١٠)](#foonote-١٠) ). 
وهي أيضا أول من اتخذ عليها النعش، فإنه روى أنها لما ماتت في زمن عمر رضي الله عنه وكانت امرأة خليقة، كره عمر أن تخرج كما يخرج الرجال ؛ فبعثت أسماء بنت عميس النعش فأمر عمر حتى ( اتخذ ) ( [(١١)](#foonote-١١) ) ذلك، وأخرجت في النعش، وقال عمر : نعم خباء الظعينة هذا، فجرت السنة على ذلك إلى يومنا هذا. قالوا : وقد كانت أسماء رأت ذلك بالحبشة. 
وقوله :( لكيلا يكون على المؤمنين حرج ) أي : إثم. 
وقوله :( في أزواج أدعيائهم ) أي : في نساء يتبنونهم، وقد كانت العرب تعد ذلك حراما، فنسخ الله التبني، وأحل امرأة ( المتبنين ) ( [(١٢)](#foonote-١٢) ). 
وقوله :( إذا قضوا منهن وطرا ) قد ذكرنا. 
وقوله :( وكان أمر الله مفعولا ) أي : كان حكم الله نافذا لا يرد. 
١ - رواه الطبري في تفسيره (٢٢/١٠-١١) عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بنحوه مرسلا، ورواه ابن سعد (٨/٨٠-٨١)، والحاكم في مستدركه (٤/٢٣-٢٤) من طريق محمد بن يحيى بن حبان مرسلا بنحوه. وذكر السيوطي في الدر (٥/٢١٨-٢٢١) عدة روايات مرسلة أخرى، وقد أحسن الحافظ ابن كثير إذ لم يورد منها شيئا بل قال (٣/٤٩١): ذكر ابن أبي حاتم وابن جرير ههنا آثاراً عن بعض السلف رضي الله عنهم أحببنا أن نضرب عنها صفحا لعدم صحتها فلا نوردها..
٢ - تقدم في الذي قبله..
٣ - كذا في المخطوطتين، وأظنها مقحمة..
٤ - متفق عليه، رواه البخاري (١٣/٥١٢ رقم ٧٥٣١)، ومسلم (٣/١١-١٤ رقم ١٧٧)..
٥ - رواه مسلم (٩/٣٢٢-٣٢٤ رقم ١٤٢٨)، والنسائي (٦/٧٩ رقم ٣٢٥١) عن أنس بنحوه مطولا..
٦ - رواه البخاري (١٣/٤١٥ رقم ٧٤٢١)، والنسائي (٦/٧٩-٨٠ رقم ٣٢٥٢) عن أنس به..
٧ - رواه مسلم والسنائي، وقد تقدم قبل الأخير..
٨ - رواه مسلم والنسائي من حديث أنس، وقد تقدم..
٩ - متفق عليه من حديث أنس، رواه البخاري (٨/٣٨٧ رقم ٤٧٩١، وأطرافه: ٤٧٩٢-٤٧٩٤-٤٧٩٤، ٥١٥٤، ٥١٦٣، ٥١٦٦، ٥١٦٨، ٥١٧٠، ٥١٧١، ٥٤٦٦، ٦٢٣٨، ٦٢٣٩، ٦٢٧١، ٧٤٢١)، ومسلم (١٤/٢١٥-٢١٨ رقم ١٤٢٨)..
١٠ - رواه مسلم (١٦/١٢ رقم ٢٤٥٢)، وابن حبان (٨/١٠٨ رقم ٣٣١٤) عن عائشة مرفوعا..
١١ - في "ك": اتخذوا..
١٢ - في "ك": المتبنى..

### الآية 33:38

> ﻿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ۖ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا [33:38]

قوله تعالى :( ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله ) أي : فيما أحل الله. 
وقوله :( \[ له \] ( [(١)](#foonote-١) ) سنة الله في الذين خلوا من قبل ) أي : كسنة الله في الذين خلوا من قبل، فلما نزع ( الخافض انتصب ) ( [(٢)](#foonote-٢) )، وقيل : إنه نصب على الإغراء كأنه قال : الزموا سنة الله. 
أما قوله :( في الذين خلوا من قبل ) أي : داود وسليمان، فقد بينا عدد ما كان
لداود وسليمان من النساء. وذكر ( بعضهم ) ( [(٣)](#foonote-٣) )، أن المراد من الآية تشبيه حال النبي صلى الله عليه وسلم بحال داود ؛ فإن داود هوى امرأة فجمع الله بينهما على وجه الحلال، وكذلك الرسول هوى امرأة فجمع الله بينهما على وجه الحلال. 
قوله :( وكان أمر الله قدرا مقدورا ) أي : قضاء مقضيا.

١ - من "ك"..
٢ - في "ك": الحافظ النقيب، وهو تحريف..
٣ - ليست في "ك"..

### الآية 33:39

> ﻿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا [33:39]

قوله تعالى :( الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله ) أي :\[ خشية \] ( [(١)](#foonote-١) ) تحول بينهم وبين معصيته، وهذا هو الخشية حقيقة. 
وقوله :( ولا يخشون أحدا إلا الله ) أي : غير الله، ومعناه : أنهم لا يراقبون أحدا فيما أحل لهم. وفي بعض ( الآثار ) ( [(٢)](#foonote-٢) ) : من لم يستح مما أحل الله له خفت مؤنته. 
وقوله :( وكفى بالله حسيبا ) أي : حافظا، ويقال : محاسبا، تقول العرب :( أحسبني ) ( [(٣)](#foonote-٣) ) الشيء أي : كفاني.

١ - في "الأصل": خشيته..
٢ - في "ك": التفاسير..
٣ - في "ك": أحسبت..

### الآية 33:40

> ﻿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَٰكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [33:40]

قوله تعالى :( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ) أكثر المفسرين أن المراد منه زيد بن حارثة، ومعناه : أنه ليس بأبي زيد بن حارثة، فإن قيل : أليس انه قد كان له أولاد ذكور وإناث، وكذلك الحسن والحسين كانا ولديه. 
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للحسن بن علي :**«إن ابني هذا سيد يصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين »**( [(١)](#foonote-١) ). 
وفيه إشارة إلى الصلح الذي وقع بين أهل العراق وأهل الشام حين بايع الحسن معاوية وسلم إليه الأمر، والقصة معروفة. والجواب عنه من وجهين : أحدهما : معنى قوله :( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ) أي : أبا رجل لم يلده، ولم يكن ولد زيد بن حارثة ؛ فلم يكن أباه، وقد كان له أولاد ذكور ولدهم وهم : القاسم، والطيب، والطاهر، وإبراهيم رضي الله عنهم وجعل بعضهم بدل الطاهر المطهر. 
والجواب الثاني : أنه قال :( من رجالكم ) وهؤلاء كانوا صغارا، والرجال اسم يتناول البالغين. وروى عطاء عن ابن عباس أن الله تعالى لما حكم أنه لا نبي بعده لم يعطه ولدا ذكرا يصير رجلا، ولو أعطاه ولدا ذكرا يصير رجلا لجعله نبيا. 
وقد قال بعض العلماء : ليس هذا بمستنكر، ويجوز أن يكون له ولد رجل ولا يكون نبيا، وما ذكرناه محكى عن ابن عباس، والله أعلم. 
وقوله :( ولكن رسول الله وخاتم النبيين ) وقرئ :" خاتم " بنصب التاء، فأما قوله :( وخاتم النبيين ) بالفتح أي : آخر النبيين، وأما بالكسر أي : ختم به النبيين. 
وقوله :( وكان الله بكل شيء عليما ) أي : عالما، وقد ثبت برواية جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى دارا فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة منها، فجعل كل من يدخل الدار يقول : ما أحسنها وأكملها لولا موضع اللبنة، فأنا اللبنة، ولا نبي بعدي »**( [(٢)](#foonote-٢) ). 
وفي بعض الغرائب من الأخبار : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريبا من ثلاثين، كلهم يزعم أنه نبي، ولا نبي بعدي »**( [(٣)](#foonote-٣) ).

١ - رواه البخاري (٦/٧٢٧ رقم ٣٦٢٩)، وأبو داود (٤/٢١٦ رقم ٤٦٦٢)، والترمذي (٥/٦١٦ رقم ٣٧٧٣)، وقال: حسن صحيح، والنسائي (٣/١٠٧ رقم ١٤١٠)، وأحمد (٥/٤٩) من حديث أبي بكرة مرفوعا به..
٢ - متفق عليه من حديث جابر وأبي هريرة، رواه البخاري (٦/٦٤٥ رقم ٣٥٣٤، ٣٥٣٥)، ومسلم (١٥/٧٤-٧٦ رقم ٢٢٨٦، ٢٢٨٧)..
٣ - متفق عليه من حديث أبي هريرة، رواه البخاري (٦/٧١٣ رقم ٣٦٠٩)، ومسلم (١٨/٦٣-٦٤ رقم ١٥٧)..

### الآية 33:41

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا [33:41]

قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا ) فيه قولان : أحدهما :
أن المراد بالذكر الكثير هو الصلوات الخمس، والثاني : أن المراد بالذكر الكثير هو التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير وأشباهها، وهذه الأذكار هي التي لا يمنع منها مسلم بجنابة ولا حدث ولا بغير ذلك. وقال بعضهم : الذكر الكثير يكون بالقلب، وهو الذكر الذي يستديم به طاعة الله، وينتهي به عن معصيته.

### الآية 33:42

> ﻿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [33:42]

وقوله :( وسبحوه بكرة وأصيلا ) أي : صلوا لله بكرة وأصيلا، والأصيل : ما بين العصر والمغرب، ويقال : صلاة الأصيل هي الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة.

### الآية 33:43

> ﻿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [33:43]

قوله تعالى :( هو الذي يصلي عليكم وملائكته ) اختلفوا في معنى ( الصلوات ) ( [(١)](#foonote-١) ) من الله تعالى ؛ قال أبو العالية : هو الثناء من الله على عباده، ( وعن ) ( [(٢)](#foonote-٢) ) بعضهم : إشاعة الذكر الجميل لهم، وأشهر الأقوال : أن الصلاة من الله تعالى بمعنى الرحمة والمغفرة، وأما صلاة الملائكة بمعنى الاستغفار للمؤمنين. وذكر الحسن البصري : أن بني إسرائيل قالوا لموسى عليه السلام : أيصلي ربك ؟ فذكر موسى ذلك لله تعالى ؛ فقال الله تعالى : إني أصلي، وصلواتي أن رحمتي سبقت غضبي ». 
وفي بعض التفاسير : أن الله تعالى لما أنزل قوله تعالى :( إن الله وملائكته يصلون على النبي ) ( [(٣)](#foonote-٣) ) قالت الصحابة : يا رسول الله، هذا لك ! فما لنا ؟ فأنزل الله تعالى :( هو الذي يصلي عليكم وملائكته ). ( [(٤)](#foonote-٤) )
وقوله :( ليخرجكم من الظلمات إلى النور ) أي : من ظلمة الضلالة إلى نور الهداية، ومن ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، وقيل : من ظلمة النار إلى نور الجنة. 
وقوله :( وكان بالمؤمنين رحيما ) يعني : لما حكم لهم من السعادة.

١ - في "ك": الصلاة..
٢ - في "ك": وقال..
٣ - الأحزاب: ٥٦..
٤ - عزاه السيوطي في الدر (٥/٢٢٣) لعبد بن حميد، وابن المنذر عن مجاهد مرسلا..

### الآية 33:44

> ﻿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ ۚ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا [33:44]

قوله تعالى :( تحيتهم يوم يلقونه سلام ) وفيه أقوال : أحدها : أن معنى " يلقونه " أي : يلقون الله تعالى، والسلام من الله تعالى لهم إثبات السلامة الأبدية والأمن من الآفات. وقيل : يسلم الله عليهم تسليما. 
والقول الثاني : أن معنى قوله :" يلقونه " أي : ملك الموت عليه السلام، وقد وردت الكناية عن غير مذكور في مواضع كثيرة من القرآن. قال البراء بن عازب : ما من مؤمن إلا ويسلم عليه ملك الموت إذا أراد قبض روحه. والقول الثالث : أن المراد منه تسليم الملائكة، ومعناه : أنهم إذا بعثوا سلم عليهم ملائكة الله وبشروهم بالجنة. 
وقوله :( وأعد لهم أجرا كريما ) أي : الجنة، واعلم أنه قد ورد أخبار في الحث على ذكر الله تعالى ؛ منها ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«يقول الله تعالى : أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني »**( [(١)](#foonote-١) ). 
وقد ثبت أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«يقول الله تعالى : إذا ذكرني العبد في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم. . »** ( [(٢)](#foonote-٢) ) الخبر. 
وفي بعض المسانيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«من عجز عن الليل أن يكابده، وجبن عن العدو أن يجاهده، وبخل بالمال أن ينفقه، فعليه بذكر الله تعالى »**( [(٣)](#foonote-٣) ).

١ - رواه مسلم (١٧/٣-٥ رقم ٢٦٧٥)، والترمذي (٥/٥٤٢ رقم ٣٦٠٣) وقال: حسن صحيح، والنسائي في الكبرى (٤/٤١٢ رقم ٧٧٣٠)، وابن ماجه (٢/١٢٥٥ رقم ٣٨٢٢) عن أبي هريرة مرفوعا به..
٢ - تقدم في الذي قبله..
٣ - رواه البزار (٢/٣٩٢-٣٩٣ رقم ٢٠٧٩- مختصر الزوائد)، والطبراني في الكبير (١١/٨٤ رقم ١١١٢١)، وابن النجار في ذيل تاريخ بغداد (١٨/٢٢٠). وقال البزار: لا نعلمه إلا من هذا الطريق، وأبو يحيى كوفي معروف لا نعلم به بأسا، وتعقبه الحافظ ابن حجر في تلخيصه بقوله: ضعفه الجمهور..

### الآية 33:45

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [33:45]

( يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ) أي : شاهدا على إبلاغ الرسل رسالة ربهم. #وقوله :( ومبشرا ) أي : بالجنة، وقوله :( ونذيرا ) أي : من النار.

### الآية 33:46

> ﻿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا [33:46]

وقوله :( وداعيا إلى الله ) أي : إلى الإسلام. وقيل : إلى شهادة أن لا إله إلا الله. 
وقوله :( بإذنه ) أي : بأمره. وقوله :( وسراجا منيرا ) أي : ذا سراج منير، والسراج المنير هو القرآن. وقيل : وسراجا هو الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ سماه سراجا لأنه يهتدي به كالسراج يستضاء به، قال الشاعر :

إن الرسول لنور يستضاء به  مهند من سيوف الله مسلول

### الآية 33:47

> ﻿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا [33:47]

وقوله :( وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا ) روى أن الله تعالى لما أنزل قوله :( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) ( [(١)](#foonote-١) ) قالت الصحابة : يا رسول الله، هذا لك فما لنا ؟ فأنزل الله تعالى :( وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا ).

١ - الفتح: ١-٢..

### الآية 33:48

> ﻿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا [33:48]

قوله تعالى :( ولا تطع الكافرين والمنافقين ) الكافرين : أبو سفيان، وعكرمة بن أبي جهل وقد أسلموا من بعد وأبو الأعور السلمي، والمنافقين : عبد الله بن أبي، وطعمة بن أبيرق، وابن ( سفنة ) ( [(١)](#foonote-١) )، وأشباههم. 
وقوله :( ودع أذاهم ) قال مجاهد : اصبر على أذاهم، ويقال : إن هذه الآية نسختها آية السيف. 
وقوله :( وتوكل على الله ) أي : ثق بالله. 
وقوله :( وفكى بالله وكيلا ) أي : حافظا.

١ - كذا..

### الآية 33:49

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ۖ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [33:49]

قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن ) في الآية دليل على أن الطلاق لا يجوز قبل النكاح ؛ لأنه رتب الطلاق على النكاح فدل \[ على \] ( [(١)](#foonote-١) ) أنه لا يتقدمه، وقد حكى هذا المعنى عن ابن عباس. 
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«لا طلاق قبل النكاح »**( [(٢)](#foonote-٢) ) وهذا يقوي ما ذكرناه من الاستدلال بالآية. 
وقوله :( من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ) في الآية دليل على أنه لو طلق قبل الدخول لا تجب العدة، وأما إذا خلا بالمرأة ثم طلقها هل تجب العدة ؟ في المسألة خلاف معروف على ما عرف. 
قوله :( تعتدونها ) أي : تستوفون عدتها. 
وقوله :( فمتعوهن ) قد بينا المتعة في سورة البقرة. وعن بعضهم : أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى :( وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم ) ( [(٣)](#foonote-٣) ) ولهذا وجب نصف المفروض قبل الدخول ولم تجب المتعة، وإنما تجب المتعة للمطلقة التي لا تجب لها نصف المفروض. 
وقوله :( وسرحوهن سراحا جميلا ) والتسريح الجميل هو الطلاق مع قضاء الحقوق.

١ - من "ك"..
٢ - تقدم تخريجه في سورة البقرة..
٣ - البقرة: ٢٣٧..

### الآية 33:50

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۗ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [33:50]

قوله تعالى :( يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن ) أي : مهورهن. 
قوله :( وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك ) أي : أغنمك الله. ويقال : رد الله عليك من الكفار، ومما أفاء الله عليه صفية بنت حيي بن أخطب وجويرية بنت أبي ضرار المصطلقية، وقد كانت مارية مما ملكت يمينه، وولد له منها إبراهيم ابنه. 
وقوله :( وبنات عمك ) أي : أولاد عبد المطلب. 
وقوله :( وبنات عماتك ) أي : من أولاد بنات عبد المطلب. 
وقوله :( وبنات خالك وبنات خالاتك ) أي : من أولاد عبد مناف بن زهرة بن كلاب. 
وقوله :( اللاتي هاجرن معك ) فيه قولان : أحدهما : أسلمت معك، فيقتضى أن غير المسلمة لا تحل له وإن كانت يهودية أو نصرانية، وهي حلال لأمته. والقول الثاني : هاجرن معك إلى المدينة، فاقتضت الآية أن غير المهاجرة لا تحل له ؛ وفي معناه قولان : أحدهما : أن غير المهاجرة لا تحل له من الأجنبيات والقرابات. والقول الثاني : أن غير المهاجرة لا تحل من القرابات واللاتي ذكرهن، فأما من الأجنبيات فحلال. 
وروى أبو صالح عن أم هانئ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة خطبني، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فلم أحل له لأني لم أكن من المهاجرات، وكنت من الطلقاء( [(١)](#foonote-١) ). وأم هانئ أخت علي بن أبي طالب رضي الله عنه. 
وقوله :( وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي ) وقرئ :" إن وهبت " بالفتح إذ بالكسر على العموم، وبالفتح على امرأة بعينها. 
وعن ابن عباس أنه قال : لم يكن ممن أمسكها النبي صلى الله عليه وسلم من النساء أحد وهبت نفسها. 
وعن غيره أن ميمونة بنت الحارث كانت ممن وهبت، وممن وهبت نفسها أم شريك، وكانت امرأة صالحة. وروى أنها عطشت في سفر، فأنزل الله تعالى عليها دلوا من السماء، وعلقت عكة فارغة فأصاب فيها سمنا، فيقال : من آيات الله عكة أم شريك، **«وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدها جميلة، فسأل عنها يوم فتح مكة فبلغها ذلك، فجاءت ووهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، فلم يرها كما عهدها فتركها »**( [(٢)](#foonote-٢) ). 
وعن عائشة رضي الله عنها أن خولة بنت حكيم ممن وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم. 
وعن الشعبي : أن التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت خزيمة الأنصارية أم المساكين. 
وقوله :( إن أراد النبي أن يستنكحها ) أي : يطلب نكاحها. 
وقوله :( خالصة لك من دون المؤمنين ) فيه قولان : أحدهما : أن معني خالصة : أنها حلال لك بغير صداق، ولا تحل لغيرك بغير صداق، وهذا قول عكرمة وجماعة. والقول الثاني : أن معنى قوله :( خالصة لك ) يعني : أن جواز النكاح بلفظ الهبة \[ خالص \] ( [(٣)](#foonote-٣) ) لك، نسب هذا إلى الشافعي رحمه الله. 
وقوله :( قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم ) أي : أوجبنا عليهم في أزواجهم من الأحكام ؛ والأحكام أن النكاح لا يجوز إلا بشهود وولي وصداق وفراغ عن العدة وأشباه ذلك. 
وقوله :( وما ملكت أيمانهم ) أي : وما أوجبنا من الأحكام فيما ملكت أيمانهم. 
وقوله :( عليهم ) و( أيمانهم ) ينصرف إلى المؤمنين. 
وقوله :( لكيلا يكون عليك حرج ) أي : ضيق. معناه : وسعنا عليك الأمر لكي لا يكون عليك حرج. 
وقوله :( وكان الله غفورا رحيما ) قد بينا.

١ - رواه الترمذي (٥/٣٣١ رقم ٣٢١٤) وقال: حسن صحيح، وابن سعد (٨/١٢١) وابن جرير الطبري (٢٢/١٥)، والطبراني (٢٤/ ٤١٣، ٤١٤ رقم ١٠٠٥، ١٠٠٧)، والحاكم (٢/٤٢٠) وصححه، والبيهقي (٧/٥٤) وزاد السيوطي في الدر (٥/٢٢٥): ابن راهويه، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه..
٢ - كذا عند المصنف ! وقد روى ابن سعد في الطبقات (١/١٢٣-١٢٤) عن الواقدي، عن الوليد بن مسلم، عن منير بن عبد الله الدوسي فذكر حديثا طويلا وفيه: "فعرضت نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم وكانت جميلة وقد أسنت... فقبلها النبي صلى الله عليه وسلم"... الحديث. وقال الحافظ في الإصابة: مرسل، وفيه الوافدي. وأخرجه أبو نعيم وأبو موسى من طريق ابن عباس: "... ووهبت نفسها له بغير مهر فقبلها، ودخل عليها فلما رأى عليها كبرة طلقها". وذكر الحافظ في الإصابة: أن في إسناد أبي نعيم أحد المتروكين، وهو محمد بن مروان السدي. الإصابة (٤/٤٦٦)..
٣ - في "الأصل، وك": خالصا، بالنصب، والصواب ما أثبتناه..

### الآية 33:51

> ﻿۞ تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ۖ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا [33:51]

قوله تعالى :( ترجى من تشاء منهن ) فيه ثلاثة أقوال : أحدها : تطلق من تشاء منهن، وتؤوي إليك من تشاء أي : تمسك من تشاء منهن، حكي هذا عن ابن عباس. والقول الثاني : ترجى من تشاء منهن : لا تتزوجهن. وقوله :( وتؤوى إليك من تشاء ) أى : من تشاء نكاحهن. والقول الثالث : ترجى من تشاء منهن أي : تؤخرهن فيخرجن من القسم. 
وقوله :( وتؤوي إليك من تشاء ) أي : تدخلهن في القسم، وهذا أشهر الأقاويل، فكأن الله تعالى جوز أن يقسم لمن شاء، ويترك من شاء منهن. ثم اختلف القول في أنه هل أخرج احدا منهن عن القسم ؟ فأحد القولين : أنه لم يخرج أحدا منهن عن القسم. والقول الثاني : حكاه أبو رزين أنه أخرج خمسة وقسم لأربعة، فالخمسة التي أخرجهن : سودة، وأم حبيبة، وصفية، وجويرية، وميمونة، وأما اللاتي قسم لهن : فعائشة، وحفصة، وأم سلمة، وزينب، والأظهر هو القول الأول. 
وقد روى **«أنه كان في مرض موته يدور على نسائه حتى رضين بأن يمرض في بيت عائشة »**( [(١)](#foonote-١) ). 
وقوله :( ومن ابتغيت ممن عزلت ) أي : ممن رأيت منهن وقد أخرتها ( فلا جناح عليك ) أي : لا إثم عليك. 
وقوله :( ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن ) معناه : أنهن إذا علمن أن هذا مما أنزل الله تعالى كان أطيب لأنفسهن، وأقل لحزنهن، وأقرب إلى رضاهن. ويقال : إذا علمن أن لك أن تؤوي من شئت، فمن عزلت كان أقرب إلى ما ذكرنا. وفي بعض التفاسير :**«أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يطلق جماعة من نسائه، فقلن له : اتركنا على حالنا، واقسم كما شئت »**( [(٢)](#foonote-٢) ). 
وقوله :( والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما ) أي : عليما بأمر خلقه، حليما عن فعل خلقه.

١ - متفق عليه من حديث عائشة، رواه البخاري (١/٣٦٢ رقم ١٩٨/ وأطرافه ٦٦٤، ٦٦٥، ٦٧٩، ٦٨٣، ٦٨٧، ٧١٢، ٧١٣، ٧١٦، ٢٥٨٨، ٣٠٩٩، ٣٣٨٤، ٤٤٤٢، ٤٤٤٥، ٥٧١٤، ٧٣٠٢)، ومسلم (٤/١٨٢-١٨٣ رقم ٤١٨)..
٢ - رواه الطبري في تفسيره (٢٢/١٨) عن أبي رزين مرسلا. ورواه الطبري، وابن أبي شيبة، وعبد الرزاق – كما في تخريج الكشاف (٣/١١٨-١١٩) عن مجاهد مرسلا بنحوه. وعزاه في الدر (٥/٢٢٨) لابن مردويه..

### الآية 33:52

> ﻿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا [33:52]

قوله تعالى :( لا يحل لك النساء من بعد ) قد بينا أن الله تعالى لما أمر رسوله أن يخير أزواجه فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة ؛ شكر لهن اختيارهن وحرم عليه ما سواهن من النساء، ونهاه عن الاستبدال بهن، ثم اختلف القول أنه هل أحل له النساء من بعد أولا ؟ فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت :**«ما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل له النساء »**( [(١)](#foonote-١) ). 
والقول الثاني : أن الحرمة بقيت إلى أن توفي النبي صلى الله عليه وسلم. 
وقوله :( ولو أعجبك حسنهن ) ظاهر المعنى، وفي الآية قول آخر. وهو ما روي عن مجاهد أنه قال :( لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ) أي : ليس لك أن تختار غير المسلمات على المسلمات، ومعناه : أنه لا يجوز له أن يتزوج يهودية ولا نصرانية. وفي بعض التفاسير : أن التي أعجبته هي أسماء بنت عميس الخثعمية، وكانت عند جعفر بن أبي طالب، فلما استشهد عنها أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخطبها، فنهى عن ذلك. 
وقوله :( إلا ما ملكت يمينك ) يعني : سوى ما ملكت يمينك، وقوله ( وكان الله على كل شيء وقيبا ) أي : حفيظا.

١ - رواه الترمذي (٥/٣٣٢ رقم ٣٢١٦) وقال: حسن، والنسائي (٦/٥٦ رقم ٣٢٠٥)، وأحمد (٦/١٨٠، ٢٠١)، وابن سعد (٨/١٤١)، والدارمي (٢/٢٠٥ رقم ٢٢٤١)، والطبري (٢٢/٢٤)، وابن حبان (١٤/٢٨١ رقم ٦٣٦٦)، والحاكم (٢/٤٣٧) وصححه، والبيهقي (٧/٥٤)..

### الآية 33:53

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ ۖ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ۚ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ۚ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا [33:53]

قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي ) سبب نزول الآية : ما روى أن الصحابة كانوا يدخلون بيوت النبي صلى الله عليه وسلم بغير إذن، وينتظرون إدراك الطعام، فإذا فرغوا من الطعام جلسوا يتحدثون وأطالوا الجلوس، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتأذى بهم ويستحي منهم ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية، وعلمهم هذا الأدب بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم. 
وقد ثبت برواية أنس **«أن النبي صلى الله عليه وسلم أَوْلَمَ على زينب بنت جحش ودعا أصحابه، فلما فرغوا وخرجوا، جلس رجلان يتحدثان، وأحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجا فيخلوا بأهله فلم يخرجا »**( [(١)](#foonote-١) ). وفي رواية : أنه خرج مرات ليتبعاه فلم يخرجا أيضا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ومن المعروف أيضا أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يحتجبن عن الرجال على عادة العرب، وكان عمر يقول : يا رسول الله، احجب نساءك ؛ فإنه يدخل عليك البر والفاجر ؛ وكان النساء يَتَّزِرَنَّ بالليل، ويخرجن إلى المناصع لحاجتهن، فخرجت سودة ليلة وكانت امرأة طويلة، فقال عمر : قد عرفناك يا سودة، ورفع صوته حرصا على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله تعالى آية الحجاب »( [(٢)](#foonote-٢) ). ومن المعروف أيضا **«أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل مع عائشة حَيْسًا، فمر عمر فدعاه فجعل يأكل معهما، فوقع أصبعه على أصبع عائشة، فقال عمر : حَسِّ لو أُطاَعُ فيكن \[ ما رأتكن \] ( [(٣)](#foonote-٣) ) عين، فأنزلت آية الحجاب »**( [(٤)](#foonote-٤) ). 
وقوله :( غير ناظرين إناه ) أي : إدراكه ونضجه، قال الشاعر :

تمخضت المنون له بيوم  أنى ولكل حاملة تماموقوله :( ولكن إذا دعيتم فادخلوا )
وقوله :( فإذا طعمتم فانتشروا ) قال الحسن البصري وغيره : نزلت الآية في الثقلاء. وعن إبراهيم النخعي : من عرف أنه ثقيل فليس بثقيل. 
وقوله :( ولا مستأنسين لحديث ) أي : لا يقعدوا في بيت النبي صلى الله عليه وسلم بعد الفراغ من الطعام يتحدثون مستأنسين بالحديث. 
وقوله :( إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم ) أي : يستحي من إخراجكم. 
وقوله :( والله لا يستحي من الحق ) أي : لا يترك بيان الحق \[ وذكره \] ( [(٥)](#foonote-٥) ) حياء. 
وقوله :( وإذا سألتموهن متاعا ) أي : حاجة. 
وقوله :( فاسألوهن من وراء حجاب ) أي : من وراء ستر. وفي التفسير : أنه لم يكن يحل بعد آية الحجاب لأحد أن ينظر إلى امرأة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم، منتقبة كانت أو غير منتقبة ؛ لأن الله تعالى قال :( من وراء حجاب ) وروى أن عائشة كانت إذا طافت ستروا وراءها. 
وقوله :( ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ) أي : أطهر من الريب. 
وقوله :( وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ) قال أهل التفسير : لما نزلت آية الحجاب ومنع الرجال من الدخول في بيوت النبي صلى الله عليه وسلم، قال رجل من الصحابة : ما بالنا نمنع من الدخول على بنات أعمامنا، والله لئن حدث أمر لأتزوجن عائشة، والأكثرون على أن القائل لهذا طلحة بن عبيد الله، وكان من رهط أبي بكر الصديق. 
وكان ذلك القول زلة منه ؛ فأنزل الله تعالى \[ قوله هذا \] ( [(٦)](#foonote-٦) ) :( وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ). 
وقوله :( ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما ) أي : ذنبا عظيما. 
١ - متفق عليه، وقد تقدم قبل قليل..
٢ - متفق عليه من حديث عائشة، رواه البخاري (٨/٣٨٨ رقم ٣٧٩٥)، ومسلم (١٤/٢١٥-٢١٨ رقم ٢١٧٠)..
٣ - المثبت ساقط من "الأصل وك"، وهو من حديث عائشة، كما سيأتي في تخريجه..
٤ - رواه النسائي في الكبرى (٦/٤٣٥ رقم ١١٤١٩)، والطبراني في الأوسط (٦/٥٩-٦٠ رقم ٣٣٧٤- مجمع البحرين)، والصغير (١/١٤٩ رقم ٢٢٧)، وابن أبي حاتم كما عند ابن كثير (٣/٥٠٥) كلهم من حديث عائشة وقال الهيثمي في المجمع (٧/٩٦): رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح غير موسى بن أبي كثير، وهو ثقة. وقال السيوطي في الدر (٥/٢٣١): وأخرج النسائي، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه بسند صحيح، فذكر الحديث. وفي الباب عن ابن عباس، ومجاهد، وانظر الدر (٥/٢٣١)..
٥ - في "الأصل وك": وذكر..
٦ - في "الأصل وك": هذا قوله، والمثبت هو الأليق للسياق..

### الآية 33:54

> ﻿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [33:54]

قوله تعالى :( إن تبدوا شيئا أو تخفوه ) والذي أبدى وأظهر هو قول ذلك القائل : ما بالنا نمنع من الدخول على بنات أعمامنا. 
وقوله :( أو تخفوه ) والذي أخفي هو إضماره نكاح عائشة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وروى أنه لم يقل هذا، ولكنه أضمر. 
وقوله :( فإن الله كان بكل شيء عليما ) أي : عالما. في تفسير النقاش : أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب بعد نزول هذه الآية، وقال :**«أيها الناس، إن الله فضلني على سائر الرجال، وفضل نسائي على سائر النساء، وإن الله حرمهن عليكم وجعلهن كأمهاتكم، فلا تعتدوا حدوده فسيحتكم بعذاب أليم، ألا وإن صفوتي من نسائي عائشة بنت أبي بكر إلا ما كان من خديجة بنت خويلد، وإن فاطمة سيدة نساء العالمين إلا ما كان من مريم بنت عمران، والحسن والحسين رضي الله عنهما سيدا شباب أهل الجنة، وإن أبا بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة ما خلا النبيين والمرسلين »**.

### الآية 33:55

> ﻿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ ۗ وَاتَّقِينَ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا [33:55]

قوله تعالى :( لا جناح عليهن في آبائهن ) الآية. روى أن الآية الأولى لما نزلت قام الآباء والأبناء، فقالوا : ما حالنا يا رسول الله أندخل عليهن أم لا ؟ فأنزل الله تعالى قوله :( لا جناح عليهن ) أي : لا إثم عليهن ( في آبائهن ولا أبنائهن، ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ) فإن قيل : لم يذكر الأعمام، وبالإجماع يجوز للأعمام أن يدخلوا عليهن، إنه قد قال :( في آبائهن ) وقد دخل الأعمام في جملة الآباء وقد سمى الله تعالى العم أبا في القرآن، قال الله تعالى حاكيا عن الأسباط أنهم قالوا ليعقوب :( نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ) ( [(١)](#foonote-١) ) وقد كان إسماعيل عم يعقوب. 
وقوله :( ولا نسائهن ) فيه قولان : أحدهما : أن المراد من نسائهن المسلمات، فعلى هذا القول لم يكن يجوز لليهوديات والنصرانيات الدخول عليهن. والقول الثاني : أن قوله :( ولا نسائهن ) عام في المسلمات وغير المسلمات، فعلى هذا القول إنما قال :( ولا نسائهن ) لأنهن من أجناسهن، وعلى القول الأول قال :( ولا نساءهن ) لأن نسائهن المسلمات دون غير المسلمات. 
وقوله :( ولا ما ملكت أيمانهن ) فيه قولان : أحدهما : أن ما ملكت أيمانهن هن الإماء، قال سعيد بن المسيب : لا يغرنكم قوله :( ولا ما ملكت أيمانهن ) فإنما المراد منه الإماء دون العبيد. 
والقول الثاني : أن المراد منه العبيد والإماء. 
واختلف القول أن العبيد إلى ماذا يحل لهم النظر على هذا القول ؟ فأحد القولين : أنه يحل لهم النظر إلى ما يحل للمحارم. 
والقول الآخر : أنه يحل \[ النظر \] ( [(٢)](#foonote-٢) )إلى ما يبدو في العادة من الوجه واليدين والقدمين، ولا يحل النظر إلى ما سوى ذلك، هذا هو الأحوط. 
وقوله :( واتقين الله ) هذا خطاب لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يبرزن ولا يكشفن الستر عن أنفسهن. 
وقوله :( إن الله كان على كل شيء شهيدا ) أي : شاهدا.

١ - البقرة: ١٣٣..
٢ - زيادة ليست في "الأصل و ك"، ويقتضيها السياق..

### الآية 33:56

> ﻿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [33:56]

وقوله تعالى :( إن الله وملائكته يصلون على النبي ) الصلاة من الله بمعنى الرحمة والمغفرة، والملائكة والمؤمنين بمعنى الدعاء. 
قال ثعلب : قول القائل : اللهم صل على محمد أى : زده بركة ورحمة، وأصل الصلاة في اللغة الدعاء، وقد بينا من قبل. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( ( صلى على مرة صلى الله عليه عشرا ) ). ( [(١)](#foonote-١) )
وفي بعض الأخبار :( ( أن جبريل عليه السلام لما نزل بهذا سجد الرسول الله صلى الله عليه وسلم شكرا ) ). ( [(٢)](#foonote-٢) )
وقد ثبت برواية كعب بن عُجْرة أنه قال : يارسول الله، قد عرفنا السلام عليك، فكيف نصلي عليك ؟ فقال :( ( قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ) ). ( [(٣)](#foonote-٣) )
وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال : إذا صليتم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنوا الصلاة عليه ؛ فلعلها تعرض عليه ؛ قالوا له : فعلمنا. قال : قولوا اللهم صل على محمد عبدك ونبيك، سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، إمام الخير، وقائد الخير، ورسول الرحمة، اللهم ابعثه المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون. 
وروى الأصمعي قال : سمعت المهدي وهو محمد بن عبد الله بن جعفر المنصوري على منبر البصرة يقول : إن الله تعالى أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه، وثنى بملائكته، فقال :( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ). 
وأما السلام على الرسول فهو أن تقول : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، هذا في حق أصحاب رسول الله، وكانت السنة لهم أن يواجهوا الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا الوجه، فأما في حق سائر المؤمنين ففي التشهد يقول على ما هو المعروف. 
وقد ذكر بعض العلماء أنه يقول في التشهد : السلام على النبي ورحمة الله وبركاته. ولا يقول : عليك. 
والصحيح ما بينا، وإنما خارج المصلى، فإنه يقول : السلام على النبي ورحمة الله وبركاته. 
ويستدل بهذه الآية في وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى، على ما هو مذهب الشافعي رحمه الله ووجه الاستدلال : أن الله تعالى أمرنا بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وأولى موضع بوجوب الصلاة فيه هو الصلاة. فوجب في الصلاة، أن يصلي على رسول الله.

١ - رواه مسلم (٤/١٦٨ رقم ٤٠٨)، وأبو داود (٢/٨٨ رقم ١٥٣٠)، والترمذي (٢/٣٥٥ رقم٤٨٥) وقال: حسن صحيح، والنسائي (٣/٥٠ رقم ١٢٩٦)، وأحمد (٢/٣٧٢، ٣٧٥، ٤٨٥)، وابن حبان في صحيحه (٣/١٨٦-١٨٧ رقم ٩٠٥، ٩٠٦) من حديث أبي هريرة مرفوعا به. وقال الترمذي: وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف، وعامر بن ربيعة، وعمار، وأبي طلحة، وأنس، وأبي بن كعب..
٢ - رواه أحمد (١/١٩١)، والحاكم (١/٢٢٢-٢٢٣) وصححه على شرطهما، والبيهقي (٢/٣٧١) من حديث عبد الرحمن بن عوف مرفوعا. وقال الهيثمي (٢/٢٩٠): رواه أحمد، ورجاله ثقات..
٣ - متفق عليه، رواه البخاري (٦/٤٩٦-٤٧٠ رقم ٣٣٧٠، وطرفاه: ٤٧٩٧، ٦٣٥٧)، ومسلم (٤/١٦٥-١٦٦ رقم ٤٠٦)..

### الآية 33:57

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا [33:57]

قوله تعالى :( إن الذين يؤذون الله ورسوله ) قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«يقول الله تعالى : يشتمني عبدي، وما ينبغي له أن يشتمني، ويكذبني عبدي، وما ينبغي له أن يكذبني. أما شتمه إياي هو أن يزعم أني اتخذت ولدا. وأما تكذيبه إياي هو أنه يزعم أني لن أعيد خلقي، وأنا المبدئ المعيد »**( [(١)](#foonote-١) ). 
وقال بعضهم :( إن الذين يؤذون الله ورسوله ) أي : أولياء الله. 
وأصح القولين أن قوله :( يؤذون الله ) على طريق المجاز، وأما على الحقيقة فلا يلحقه أذى من قبل أحد. 
وقوله :( لعنهم الله في الدنيا والآخرة ) أي : طردهم وأبعدهم من رحمته. 
وقوله :( وأعد لهم عذابا مهينا ) أي : يهينهم ويخزيهم.

١ - رواه البخاري (٦/٣٣١ رقم ٣١٩٣، وأطرافه: ٧٤٠٤، ٧٤١٢، ٧٤٥٣، ٧٥٥٣، ٧٥٥٤)، والنسائي (٤/١١٢ رقم ٢٠٧٨)، وأحمد (٣/٣٩٣، ٣٩٤)، وابن حبان (١/٥٠٠ رقم ٢٦٧) عن أبي هريرة مرفوعا به..

### الآية 33:58

> ﻿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [33:58]

قوله تعالى :( والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا ) أي : يقعون فيهم، ويعيبونهم بغير جرم وجد من قبلهم. 
وذكر \[ هنا \] ( [(١)](#foonote-١) ) مقاتل أن الآية نزلت في قوم كانوا يؤذون علي بن أبي طالب رضي الله عنه وذكر الكلبي أن الآية نزلت في قوم من المنافقين كانوا يمشون في الطريق ويغمزون النساء. 
وقوله :( فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ) ظاهر المعنى.

١ - من "ك"..

### الآية 33:59

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [33:59]

قوله تعالى :( يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ) ذكر المفسرون أن المدينة كانت ضيقة المنازل، وكان النساء يخرجن إلى البوار بالليالي لقضاء الحاجات، وكان قوم من المنافقين والفاسقين يرصدونهن ويتعرضون لهن، فمن كانت عفيفة منهن صاحت وتركوها، ومن كانت غير عفيفة أعطوها شيئا وواقعوها. 
وفي رواية : أنهم كانوا يتعرضون للإماء، ولا يتعرضون للحرائر، فأنزل الله تعالى هذه الآية. 
وقوله تعالى :( يدنين عليهن من جلابيبهن ) أي : يشتملن بالجلابيب، والجلباب هو الرداء، وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار. 
قال عبيدة السَّلْماني : تتغطى المرأة بجلبابها فتستر رأسها ووجهها وجميع بدنها إلا إحدى عينيها. 
وروى أن الله تعالى لما أنزل هذه الآية اتخذ نساء الأنصار أكيسة سوداء واشتملن بها فخرجن كأن رءوسهن الغربان. 
وقوله :( ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ) أي : يعرفن أنهن حرائر ( فلا يؤذين ) أي : لا يتعرض لهن. 
وقوله :( وكان الله غفورا رحيما ) قد بينا من قبل. 
وكان عمر رضي الله عنه إذا رأى أمة قد تقنعت وتجلببت علاها بالدرة، ويقول : أتتشبهين بالحرائر.

### الآية 33:60

> ﻿۞ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا [33:60]

قوله تعالى :( لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض ) أي : شهوة الزنا. 
وقوله :( والمرجفون في المدينة ) قد كان قوم من المنافقين يكثرون الأراجيف، وكان إذا خرجت سرية أو غازية، قالوا : قد هزموا وقتلوا، ويوقعون( [(١)](#foonote-١) ) بين المسلمين أمثال هذه الأشياء ؛ لتضعف قلوبهم ويحزنوا. 
وقوله :( لنغرينك بهم ) أي : نسلطنك عليهم، ونحملنك على قتلهم. 
وفي بعض التفاسير : أن قوما منن المنافقين هموا بإظهار الكفر، فأمر الله تعالى رسوله أن يقتلهم إذا أظهروا. 
وقال السدي : من تتبع امرأة في طريق وكابرها قتل محصنا كان أو غير محصن لهذه الآية. 
وقوله :( ثم لا يجاورونك فيها ) أي : في المدينة. 
وقوله :( إلا قليلا ) أي : إلا وقتا قليلا.

١ - في "ك": ترفعون..

### الآية 33:61

> ﻿مَلْعُونِينَ ۖ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا [33:61]

قوله تعالى :( ملعونين ) وهو نصب على الحال. 
وقوله :( أينما ثقففوا ) معناه : أينما صدفوا ووجدوا. 
وقوله :( أخذوا وقتلوا تقتيلا ) فقوله : قتلوا تقتيلا، قال السدي :( ما قال ) ( [(١)](#foonote-١) )

١ - سقط من النسختين قول السدي، وهو: أن من قتل بحق فلا دية على قاتله. انظر القرطبي: (١٤/٢٤٧)..

### الآية 33:62

> ﻿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ۖ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [33:62]

قوله تعالى :( سنة الله في الذين خلوا من قبل ) وفعلوا مثل هذا الفعل. 
وقوله :( ولن تجد لسنة الله تبديلا ) أي : تغييرا.

### الآية 33:63

> ﻿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا [33:63]

قوله تعالى :( يسألك الناس عن الساعة ) أي : متى قيامها. 
وقوله :( قل إنما علمها عند الله ) أي : علم قيامها عند الله. 
وقوله :( وما يدريك ) أي : وما يعلمك ؟ أي : لا تعلم وقت قيامها. 
وقوله :( لعل الساعة تكون قريبا ) أي : قريبة.

### الآية 33:64

> ﻿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا [33:64]

قوله تعالى :( إن الله لعن الكافرين ) أي : أبعدهم عن الرحمة، وطردهم من الخيرات. 
وقوله :( وأعد لهم سعيرا ) أي : نارا مسعرة.

### الآية 33:65

> ﻿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [33:65]

وقوله :( خالدين فيها أبدا ) قد بينا. 
قوله تعالى :( \[ لا يجدون وليا ولا نصيرا \] ( [(١)](#foonote-١) )

١ - من: "ك"..

### الآية 33:66

> ﻿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا [33:66]

يوم تقلب وجوههم في النار ) أي : يسحبون على وجوههم في النار. 
وقوله :( يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا ) أي : الرسول، وذكر الرسولا على موافقة رءوس الآي على ما بينا من قبل.

### الآية 33:67

> ﻿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا [33:67]

قوله تعالى :( وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا ) وقرئ :" ساداتنا "، وقوله :( وكبراءنا ) هم الأشراف ورءوس الناس. 
قوله :( فأضلونا السبيلا ) أي : السبيل، ومعناه : صدونا عن طريق الحق.

### الآية 33:68

> ﻿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا [33:68]

قوله تعالى :( ربنا آتهم ضعفين من العذاب ) أي : عذبهم ضعفي عذاب غيرهم. وقيل : عذبهم عذاب الدنيا والآخرة، والأول أولى. 
وقوله :( والعنهم لعنا كبيرا ) أي : مرة بعد مرة، وقرئ :" كثيرا " بالثاء، والمعنى واحد.

### الآية 33:69

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا ۚ وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا [33:69]

قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى ) معناه : لا تؤذوا محمدا فتكونوا كالذين آذوا موسى، وفيما أوذي به الرسول صلى الله عليه وسلم قولان : أحدهما : أنهم آذوه في أمر زيد بن حارثة ونكاحه زينب. 
والثاني : ما روى أنه قسم غنيمة فقام رجل وقال : اعدل، فإنك لم تعدل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :**«رحم الله موسى ؛ لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر »**( [(١)](#foonote-١) ). 
وأما الذي أوذي به موسى ففيه قولان : أحدهما وعليه أكثر أهل التفسير ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«كان موسى رجلا حييا، وكان لا يغتسل إلا وحده، وكان بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى ( عورة البعض ) ( [(٢)](#foonote-٢) )، فقالوا : إن موسى لا يغتسل إلا وحده ؛ لأن به آفة، وقالوا : إنه آدر، فاغتسل موسى مرة ووضع ثوبه على حجر، فعدا الحجر بثوبه، فأخذ موسى العصا وجعل يقول : ثوبي يا حجر، ثوبي يا حجر، حتى مر على ملأ من بني إسرائيل فنظروا إليه ولم يروا به بأسا، وقام الحجر فطفق يضربه بالعصا »**. 
قال أبو هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«وكأني بالحجر ندبا من أثر ضربه أربعا أو خمسا »**. والخبر في الصحيحين »( [(٣)](#foonote-٣) ). 
وفي الخبر :«أن الله تعالى أنزل في هذا قوله \[ تعالى \] ( [(٤)](#foonote-٤) ) :( يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى ) الآية. 
وفي بعض الروايات : أن الحجر قال له : يا موسى، لم تضربني، إنما أنا عبد مأمور. 
والقول الثاني في الآية : ما روى عن علي رضي الله عنه أنه قال : صعد هارون وموسى الجبل، فمات هارون ونزل موسى وحده، فقالت له بنو إسرائيل : أنت قتلت هارون، وقد كان ألين جانبا منك وأحب إلينا، فبعث الله الملائكة حتى حملوا هارون ميتا إليهم، وتكلموا بموته حتى سمعوا بني إسرائيل ذلك، ثم إن الملائكة حملوا هارون ودفنوه فلم يعرف أحد موضع قبره إلا الرخم، فجعله الله تعالى أصم أبكم. 
وقوله :( فبرأه الله مما قالوا ) أي : طهره الله مما قالوا. 
وقوله :( وكان عند الله وجيها ) أي : بتكليمه إياه، والوجيه في اللغة هو ذو الجاه.

١ - تقدم تخريجه في تفسير سورة التوبة..
٢ - في "ك": بعض..
٣ - متفق عليه، رواه البخاري (٦/٥٠٢ رقم ٣٤٠٤)، ومسلم (٤/٤٣-٤٥، ١٥/١٨٣-١٨٤ رقم ٣٣٩)..
٤ - من "ك"..

### الآية 33:70

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا [33:70]

قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا ) أي : صوابا، ويقال : صدقا. 
وعن ابن عباس : هو كلمة لا إله إلا الله. وقال بعضهم : سديدا، أي : مستقيما، يقال : سدد أي : استقم، قال زهير :

فقلت له سدد وأبصر طريقه  وما هو فيه عن وصاتي شاغلهأي : عن وصيتي، وقال بعضهم : قولا سديدا أي : قولا يوافق باطنه ظاهره.

### الآية 33:71

> ﻿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [33:71]

وقوله :( يصلح لكم أعمالكم ) أي : يزك لكم أعمالكم. وقيل : يصلح لكم أعمالكم : يتقبل منكم الحسنات. 
وقوله :( ويغفر لكم ذنوبكم ) أي : يسترها ويعف عنها. 
وقوله :( ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما ) أي : ظفر بالخير كله.

### الآية 33:72

> ﻿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [33:72]

قوله تعالى :( إنا عرضنا الأمانة ) قال ابن عباس : الأمانة الفرائض. وقال الضحاك : الطاعة. وعن أبي العالية الرياحي : ما أمر به ونهى عنه. وقال أبي بن كعب : الأمانة ها هنا حفظ الفرج. 
وأولى الأقاويل ما ذكرنا عن ابن عباس، وقول الضحاك وأبي العالية قريب من ذلك. وفي بعض التفاسير : أن أول ما خلق الله تعالى من ابن آدم فرجه وأتمنه عليه، وقال : إن حفظته حفظتك. 
وعن أبي حمزة السكري أنه قال : إني أعلم من نفسي أني أؤدي الأمانة في مائة ألف دينار، ومائة ألف دينار، ومائة ألف دينار إلى أن ينقطع النفس، ولو باتت عندي امرأة وأتمنت عليها خفت ألا أسلم منها. 
وعن ابن مسعود أنه قال : من الأمانة أداء الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والصدق في الحديث، وقضاء الدين، والعدل في المكاييل والموازين، قال : وأشد من هذا كله الودائع. وهذا القول قريب من قول ابن عباس. 
وقال أهل العلم : الأمانة قطب الإيمان، قال النبي صلى الله عليه وسلم :**«لا إيمان لمن لا أمانة له »**( [(١)](#foonote-١) ). 
ومن الأمانة أن يكون الباطن موافقا للظاهر، فكل من عمل عملا يخالف عقيدته فقد خان الله ورسوله. وقد قال الله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم ) ( [(٢)](#foonote-٢) ) نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، وقد كان وضع أصبعه على حلقه، يشير إلى بني النضير إنكم إن نزلتم فهو الذبح، وقد بينا. 
وقوله :( على السموات والأرض والجبال ) فيه أقوال :
الأول : وهو قول أكثر السلف، وهو المحكي عن ابن عباس وجماعة التابعين : هو أن الله تعالى عرض أوامره على السموات والأرض والجبال عرض تخيير لا عرض إلزام، وقال لهن : أتحملن هذه الأمانة بما فيها ؟ قلن : وما فيها ؟ ! فقال : إن أحسنتن جوزيتن، وإن عصيتن عوقبتن، فقلن : لا نتحمل الأمانة، ولا نريد ثوابا ولا عقابا، وعرضها على آدم فتحملها بما فيها. وفي بعض التفاسير : أنه قال : بين أذني وعاتقي. 
قال ابن جريج : عرض على السماء، فقالت : يا رب، خلقتني وجعلتني سقفا محفوظا، وأجريت في الشمس والقمر والنجوم، ومالي قوة لحمل الأمانة، ثم عرضها على الأرض، فقالت : يا رب، خلقتني وجعلتني بساطا ممدودا، وأجريت في الأنهار، وأنبت في الأشجار، وما لي قوة لحمل الأمانة، وذكر عن الجبال قريبا من هذا، وجملها آدم وأولاده. وعن مجاهد قال : أبت السموات والأرض والجبال أن يحملوا الأمانة، وجملها آدم فما كان بين أن حملها وخان فيها وأخرج من الجنة إلا ما بين الظهر والعصر. 
وحكى النقاش بإسناده عن ابن مسعود أنه قال : مثلت الأمانة كصخرة ملقاة، ودعيت السموات والأرض والجبال إليها فلم يقربوا منها، وقالوا : لا نطيق حملها، وجاء آدم من غير أن يدعي وحرك الصخرة، وقال : لو أمرت بحملها. فقلن له : احمل، فحملها إلى ركبتيه ثم وضعها وقال : والله لو أردت أن أزداد لزدت فقلن : احمل، فحملها حتى بلغ حقوه ثم وضعها وقال : والله لو أردت أن أزداد لزدت، فقلن : احمل، فحملها حتى وضع على عاتقه، وأراد أن يضعها، فقال الله تعالى : مكانك، فهي في عنقك وعنق ذريتك إلى يوم القيامة. 
فإن قال قائل : كيف عرضها على السموات والأرض والجبال، وهي لا تعقل شيئا ؟ قلنا : قد بينا الجواب عن أمثال هذا من قبل. وقال بعض أهل العلم : يحتمل أن الله تعالى خلق فيها عقلا وتمييزا حين عرض الأمانة عليهن حتى أعقلت الخطاب، وأجابت بما أجابت. 
وأما قوله :( فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ) أي : لم يقبلوا حمل الأمانة وخافوا منها. 
وقوله :( وحملها الإنسان ) يعني : آدم عليه السلام. 
وقوله :( إنه كان ظلوما جهولا ) قال الحسن البصري : ظلوما لنفسه، جهولا بربه، حكاه أبو الحسين بن فارس. والقول الثاني : ظلوما لنفسه بأكل الشجرة، جهولا بعاقبة أمره. 
وعن جماعة من العلماء : أن المراد بالظلوم الجهول هو المنافق والمشرك. وقد حكى هذا عن الحسن في رواية. 
والقول الثاني، في أصل الآية أن المراد من العرض على السموات والأرض والجبال هو العرض على أهل السموات وأهل الأرض وأهل الجبال وهو مثل قوله :( واسأل القرية ) ( [(٣)](#foonote-٣) ) أي : أهل القرية. 
والقول الثالث ذكره الزجاج وغيره من أهل المعاني قالوا : إن الله تعالى ائتمن آدم وأولاده على شيء، وأتمن السموات والأرض والجبال على شيء، فأما الأمانة في حق بني آدم معلومة، وأما الأمانة في حق السموات والأرض والجبال فهو بمعنى الخضوع والطاعة. قال الله تعالى :( ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أوكرها قالتا أتينا طائعين ) ( 
[(٤)](#foonote-٤) ). 
وحكى السجود عن السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب، وذكر في الحجارة قوله :( وإن منها لما يهبط من خشية الله ) ( [(٥)](#foonote-٥) ). 
وقوله :( فأبين أن يحملنها ) أي : أدين الأمانة فيها، يقال : فلان لم يتحمل الأمانة أي : لم يخن فيها. 
وقوله :( وأشفقن منها ) أي : أدين الأمانة خوفا منها. 
وقوله :( وحملها الإنسان ) أي : خان فيها وأثم، يقال : فلان حمل الأمانة أي : أثم فيها بالخيانة، قال الله تعالى :( وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ) ( [(٦)](#foonote-٦) ) وقوله :( إنه كان ظلوما جهولا ) قد بينا، قال الأزهري : وقد أحسن وأجاد أبو إسحاق الزجاج في هذا القول وأثنى عليه، وقول السلف ما بينا من قبل.

١ - تقدم تخريجه..
٢ - الأنفال: ٢٧..
٣ - يوسف: ٨٢..
٤ - فصلت: ١١..
٥ - البقرة: ٧٤..
٦ - العنكبوت: ١٣..

### الآية 33:73

> ﻿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [33:73]

قوله تعالى :( ليعذب الله المنافقين والمنافقات ) اللام ها هنا لام كي، ومعناه : كي يعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات يعني إذا خانوا. 
وقوله :( ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات ) أي : يهديهم ويرحمهم إذا أدوا الأمانة. وعن ابن قتيبة قال معناه : ليظهر المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات، ويعذبهم على الخيانة في الأمانات، ويظهر المؤمنين والمؤمنات بأداء الأمانة. 
وقوله :( وكان الله غفورا رحيما ) ظاهر المعنى.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/33.md)
- [كل تفاسير سورة الأحزاب
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/33.md)
- [ترجمات سورة الأحزاب
](https://quranpedia.net/translations/33.md)
- [صفحة الكتاب: تفسير السمعاني](https://quranpedia.net/book/134.md)
- [المؤلف: أبو المظفر السمعاني](https://quranpedia.net/person/4446.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/33/book/134) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
