---
title: "تفسير سورة الأحزاب - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/33/book/1469.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/33/book/1469"
surah_id: "33"
book_id: "1469"
book_name: "الجامع لأحكام القرآن"
author: "القرطبي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الأحزاب - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/33/book/1469)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الأحزاب - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي — https://quranpedia.net/surah/1/33/book/1469*.

Tafsir of Surah الأحزاب from "الجامع لأحكام القرآن" by القرطبي.

### الآية 33:1

> يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [33:1]

عَلِيمًا
 فِيمَا يَفْعَل بِهِمْ.
 الزَّمَخْشَرِيّ : وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا سُفْيَان بْن حَرْب وَعِكْرِمَة بْن أَبِي جَهْل وَأَبَا الْأَعْوَر السُّلَمِيّ قَدِمُوا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُوَادَعَة الَّتِي كَانَتْ بَيْنه وَبَيْنهمْ، وَقَامَ مَعَهُمْ عَبْد اللَّه بْن أُبَيّ وَمُعَتِّب بْن قُشَيْر وَالْجَدّ بْن قَيْس، فَقَالُوا لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اُرْفُضْ ذِكْر آلِهَتنَا.
 وَذَكَرَ الْخَبَرَ بِمَعْنَى مَا تَقَدَّمَ.
 وَأَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ فِي نَقْضِ الْعَهْد وَنَبْذ الْمُوَادَعَة.
 " وَلَا تُطِعْ الْكَافِرِينَ " مِنْ أَهْل مَكَّة.
 " وَالْمُنَافِقِينَ " مِنْ أَهْل الْمَدِينَة فِيمَا طَلَبُوا إِلَيْك.
 وَرُوِيَ أَنَّ أَهْل مَكَّة دَعَوْا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَنْ يَرْجِع عَنْ دِينه وَيُعْطُوهُ شَطْر أَمْوَالهمْ، وَيُزَوِّجهُ شَيْبَةُ بْن رَبِيعَة بِنْتَهُ، وَخَوَّفَهُ مُنَافِقُو الْمَدِينَة أَنَّهُمْ يَقْتُلُونَهُ إِنْ لَمْ يَرْجِع ; فَنَزَلَتْ.
 النَّحَّاس : وَدَلَّ بِقَوْلِهِ " إِنَّ اللَّه كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا " عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَمِيل إِلَيْهِمْ اِسْتِدْعَاء لَهُمْ إِلَى الْإِسْلَام ; أَيْ لَوْ عَلِمَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ مَيْلك إِلَيْهِمْ فِيهِ مَنْفَعَة لَمَا نَهَاك عَنْهُ ; لِأَنَّهُ حَكِيم.
 ثُمَّ قِيلَ : الْخِطَاب لَهُ وَلِأُمَّتِهِ.

### الآية 33:2

> ﻿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [33:2]

إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا
 قِرَاءَة الْعَامَّة بِتَاءٍ عَلَى الْخِطَاب، وَهُوَ اِخْتِيَار أَبِي عُبَيْد وَأَبِي حَاتِم.
 وَقَرَأَ السُّلَمِيّ وَأَبُو عَمْرو وَابْن أَبِي إِسْحَاق :" يَعْمَلُونَ " بِالْيَاءِ عَلَى الْخَبَر ; وَكَذَلِكَ فِي قَوْله :" بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا " \[ الْفَتْح : ٢٤ \].

### الآية 33:3

> ﻿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا [33:3]

وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا
 حَافِظًا.
 وَقَالَ شَيْخ مِنْ أَهْل الشَّام : قَدِمَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفْد مِنْ ثَقِيف فَطَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يُمَتِّعهُمْ بِاللَّاتِ سَنَة - وَهِيَ الطَّاغِيَة الَّتِي كَانَتْ ثَقِيف تَعْبُدهَا - وَقَالُوا : لِتَعْلَم قُرَيْش مَنْزِلَتنَا عِنْدك ; فَهَمَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ، فَنَزَلَتْ " وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه وَكَفَى بِاَللَّهِ وَكِيلًا " أَيْ كَافِيًا لَك مَا تَخَافهُ مِنْهُمْ.
 و " بِاَللَّهِ " فِي مَوْضِع رَفْع لِأَنَّهُ الْفَاعِل.
 و " وَكِيلًا " نُصِبَ عَلَى الْبَيَان أَوْ الْحَال.

### الآية 33:4

> ﻿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ۚ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ۚ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ ۖ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [33:4]

وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
 مَعْنَاهُ يُبَيِّن ; فَهُوَ يَتَعَدَّى بِغَيْرِ حَرْف جَرّ.

### الآية 33:5

> ﻿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ۚ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ۚ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَٰكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [33:5]

رَحِيمًا
 بِرَفْعِ إِثْم الْخَطَأ.

### الآية 33:6

> ﻿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ۗ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا [33:6]

كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا
 " الْكِتَاب " يَحْتَمِل الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي " كِتَاب اللَّه ".
 و " مَسْطُورًا " مِنْ قَوْلك سَطَرْت الْكِتَاب إِذَا أَثْبَتَّهُ أَسْطَارًا.
 وَقَالَ قَتَادَة : أَيْ مَكْتُوبًا عِنْد اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَلَّا يَرِث كَافِر مُسْلِمًا.
 قَالَ قَتَادَة : وَفِي بَعْض الْقِرَاءَة " كَانَ ذَلِكَ عِنْد اللَّه مَكْتُوبًا ".
 وَقَالَ الْقُرَظِيّ : كَانَ ذَلِكَ فِي التَّوْرَاة.

### الآية 33:7

> ﻿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۖ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [33:7]

وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا
 أَيْ عَهْدًا وَثِيقًا عَظِيمًا عَلَى الْوَفَاء بِمَا اِلْتَزَمُوا مِنْ تَبْلِيغ الرِّسَالَة، وَأَنْ يُصَدِّق بَعْضهمْ بَعْضًا.
 وَالْمِيثَاق هُوَ الْيَمِين بِاَللَّهِ تَعَالَى ; فَالْمِيثَاق الثَّانِي تَأْكِيد لِلْمِيثَاقِ الْأَوَّل بِالْيَمِينِ.
 وَقِيلَ : الْأَوَّل هُوَ الْإِقْرَار بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَالثَّانِي فِي أَمْر النُّبُوَّة.
 وَنَظِير هَذَا قَوْله تَعَالَى :" وَإِذْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَاب وَحِكْمَة ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُول مُصَدِّق لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي " \[ آل عِمْرَان : ٨١ \] الْآيَة.
 أَيْ أَخَذَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُعْلِنُوا أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيُعْلِن مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا نَبِيّ بَعْده.
 وَقَدَّمَ مُحَمَّدًا فِي الذِّكْر لِمَا رَوَى قَتَادَة عَنْ الْحَسَن عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ قَوْله تَعَالَى " وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقهمْ وَمِنْك وَمِنْ نُوح " قَالَ :( كُنْت أَوَّلهمْ فِي الْخَلْق وَآخِرهمْ فِي الْبَعْث ).
 وَقَالَ مُجَاهِد : هَذَا فِي ظَهْر آدَم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام.

### الآية 33:8

> ﻿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ۚ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا [33:8]

وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا
 وَهُوَ عَذَاب جَهَنَّم.

### الآية 33:9

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا [33:9]

تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
 وَقُرِئَ :" يَعْمَلُونَ " بِالْيَاءِ عَلَى الْخَبَر، وَهِيَ قِرَاءَة أَبِي عَمْرو.
 الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ ; يَعْنِي مِنْ حَفْر الْخَنْدَق وَالتَّحَرُّز مِنْ الْعَدُوّ.

### الآية 33:10

> ﻿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا [33:10]

وَقَرَأَ اِبْن كَثِير وَابْن مُحَيْصِن وَالْكِسَائِيّ بِإِثْبَاتِهَا فِي الْوَقْف وَحَذْفهَا فِي الْوَصْل.
 قَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : وَمَنْ وَصَلَ بِغَيْرِ أَلِف وَوَقَفَ بِأَلِفٍ فَجَائِز أَنْ يَحْتَجّ بِأَنَّ الْأَلِف اِحْتَاجَ إِلَيْهَا عِنْد السَّكْت حِرْصًا عَلَى بَقَاء الْفَتْحَة، وَأَنَّ الْأَلِف تَدْعَمهَا وَتُقَوِّيهَا.

### الآية 33:11

> ﻿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا [33:11]

وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا
 أَيْ حُرِّكُوا تَحْرِيكًا.
 قَالَ الزَّجَّاج : كُلّ مَصْدَر مِنْ الْمُضَاعَف عَلَى فِعْلَال يَجُوز فِيهِ الْكَسْر وَالْفَتْح ; نَحْو قَلْقَلْته قِلْقَالًا وَقَلْقَالًا، وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا وَزَلْزَالًا.
 وَالْكَسْر أَجْوَدُ ; لِأَنَّ غَيْر الْمُضَاعَف عَلَى الْكَسْر نَحْو دَحْرَجْته دِحْرَاجًا.
 وَقِرَاءَة الْعَامَّة بِكَسْرِ الزَّاي.
 وَقَرَأَ عَاصِم وَالْجَحْدَرِيّ " زِلْزَالًا " بِفَتْحِ الزَّاي.
 قَالَ اِبْن سَلَّام : أَيْ حُرِّكُوا بِالْخَوْفِ تَحْرِيكًا شَدِيدًا.
 وَقَالَ الضَّحَّاك : هُوَ إِزَاحَتهمْ عَنْ أَمَاكِنهمْ حَتَّى لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِلَّا مَوْضِع الْخَنْدَق.
 وَقِيلَ : إِنَّهُ اِضْطِرَابهمْ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ ; فَمِنْهُمْ مَنْ اِضْطَرَبَ فِي نَفْسه وَمِنْهُمْ مَنْ اِضْطَرَبَ فِي دِينه.
 و " هُنَالِكَ " يَجُوز أَنْ يَكُون الْعَامِل فِيهِ " اُبْتُلِيَ " فَلَا يُوقَف عَلَى " هُنَالِكَ ".
 وَيَجُوز أَنْ يَكُون " وَتَظُنُّونَ بِاَللَّهِ الظُّنُونَا " فَيُوقَف عَلَى " هُنَالِكَ ".

### الآية 33:12

> ﻿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا [33:12]

مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا
 أَيْ بَاطِلًا مِنْ الْقَوْل.
 وَذَلِكَ أَنَّ طُعْمَة بْن أُبَيْرِق وَمُعَتِّب بْن قُشَيْر وَجَمَاعَة نَحْو مِنْ سَبْعِينَ رَجُلًا قَالُوا يَوْم الْخَنْدَق : كَيْف يَعِدنَا كُنُوز كِسْرَى وَقَيْصَر وَلَا يَسْتَطِيع أَحَدنَا أَنْ يَتَبَرَّز ؟ وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ لَمَّا فَشَا فِي أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْله عِنْد ضَرْب الصَّخْرَة، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيث النَّسَائِيّ ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى هَذِهِ الْآيَة.

### الآية 33:13

> ﻿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ۚ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا [33:13]

بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا
 أَيْ مَا يُرِيدُونَ إِلَّا الْهَرَب.
 قِيلَ : مِنْ الْقَتْل.
 وَقِيلَ : مِنْ الدِّين.
 وَحَكَى النَّقَّاش أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي قَبِيلَتَيْنِ مِنْ الْأَنْصَار : بَنِي حَارِثَة وَبَنِي سَلَمَة ; وَهَمُّوا أَنْ يَتْرُكُوا مَرَاكِزهمْ يَوْم الْخَنْدَق، وَفِيهِمْ أَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى :" إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا " \[ آل عِمْرَان : ١٢٢ \] الْآيَة.
 فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة قَالُوا : وَاَللَّه مَا سَاءَنَا مَا كُنَّا هَمَمْنَا بِهِ ; إِذْ اللَّه وَلِيّنَا.
 وَقَالَ السُّدِّيّ : الَّذِي اِسْتَأْذَنَهُ مِنْهُمْ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَار مِنْ بَنِي حَارِثَة أَحَدهمَا - أَبُو عَرَابَة بْن أَوْس، وَالْآخَر أَوْس بْن قَيْظِيّ.
 قَالَ الضَّحَّاك : وَرَجَعَ ثَمَانُونَ رَجُلًا بِغَيْرِ إِذْنه.

### الآية 33:14

> ﻿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا [33:14]

وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا
 أَيْ بِالْمَدِينَةِ بَعْد إِعْطَاء الْكُفْر إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى يَهْلِكُوا ; قَالَهُ السُّدِّيّ وَالْقُتَبِيّ وَالْحَسَن وَالْفَرَّاء.
 وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ : أَيْ وَمَا اِحْتَبَسُوا عَنْ فِتْنَة الشِّرْك إِلَّا قَلِيلًا وَلَأَجَابُوا بِالشِّرْكِ مُسْرِعِينَ ; وَذَلِكَ لِضَعْفِ نِيَّاتهمْ وَلِفَرْطِ نِفَاقهمْ ; فَلَوْ اِخْتَلَطَتْ بِهِمْ الْأَحْزَاب لَأَظْهَرُوا الْكُفْر.

### الآية 33:15

> ﻿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ ۚ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا [33:15]

وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا
 أَيْ أَنَّ اللَّه لَيَسْأَلهُمْ عَنْهُ يَوْم الْقِيَامَة.

### الآية 33:16

> ﻿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا [33:16]

وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا
 أَيْ فِي الدُّنْيَا بَعْد الْفِرَار إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ آجَالكُمْ ; وَكُلّ مَا هُوَ آتٍ فَقَرِيب.
 وَرَوَى السَّاجِيّ عَنْ يَعْقُوب الْحَضْرَمِيّ " وَإِذًا لَا يُمَتَّعُونَ " بِيَاءٍ.
 وَفِي بَعْض الرِّوَايَات " وَإِذًا لَا تُمَتَّعُوا " نُصِبَ ب " إِذًا " وَالرَّفْع بِمَعْنَى وَلَا تُمَتَّعُونَ.
 و " إِذًا " مُلْغَاة، وَيَجُوز إِعْمَالهَا.
 فَهَذَا حُكْمهَا إِذَا كَانَ قَبْلهَا الْوَاو وَالْفَاء.
 فَإِذَا كَانَتْ مُبْتَدَأَة نَصَبْت بِهَا فَقُلْت : إِذًا أُكْرِمَك.

### الآية 33:17

> ﻿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً ۚ وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [33:17]

وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا
 أَيْ لَا قَرِيبًا يَنْفَعهُمْ وَلَا نَاصِرًا يَنْصُرهُمْ.

### الآية 33:18

> ﻿۞ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا ۖ وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا [33:18]

وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا
 خَوْفًا مِنْ الْمَوْت.
 وَقِيلَ : لَا يَحْضُرُونَ الْقِتَال إِلَّا رِيَاء وَسُمْعَة.

### الآية 33:19

> ﻿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ۖ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ۖ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ۚ أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [33:19]

وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا
 يَحْتَمِل وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : وَكَانَ نِفَاقهمْ عَلَى اللَّه هَيِّنًا.
 الثَّانِي : وَكَانَ إِحْبَاط عَمَلهمْ عَلَى اللَّه هَيِّنًا.

### الآية 33:20

> ﻿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا ۖ وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ ۖ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا [33:20]

وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا
 أَيْ رَمْيًا بِالنَّبْلِ وَالْحِجَارَة عَلَى طَرِيق الرِّيَاء وَالسُّمْعَة ; وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لِلَّهِ لَكَانَ قَلِيله كَثِيرًا.

### الآية 33:21

> ﻿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [33:21]

وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا
 خَوْفًا مِنْ عِقَابه، وَرَجَاء لِثَوَابِهِ.

### الآية 33:22

> ﻿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [33:22]

وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا
 قَالَ الْفَرَّاء : وَمَا زَادَهُمْ النَّظَر إِلَى الْأَحْزَاب.
 وَقَالَ عَلِيّ بْن سُلَيْمَان :" رَأَى " يَدُلّ عَلَى الرُّؤْيَة، وَتَأْنِيث الرُّؤْيَة غَيْر حَقِيقِيّ، وَالْمَعْنَى : مَا زَادَهُمْ الرُّؤْيَة إِلَّا إِيمَانًا بِالرَّبِّ وَتَسْلِيمًا، قَالَهُ الْحَسَن.
 وَلَوْ قَالَ : مَا زَادُوهُمْ لَجَازَ.
 وَلَمَّا اِشْتَدَّ الْأَمْر عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَطَالَ الْمُقَام فِي الْخَنْدَق، قَامَ عَلَيْهِ السَّلَام عَلَى التَّلّ الَّذِي عَلَيْهِ مَسْجِد الْفَتْح فِي بَعْض اللَّيَالِي، وَتَوَقَّعَ مَا وَعَدَهُ اللَّه مِنْ النَّصْر وَقَالَ :( مَنْ يَذْهَب لِيَأْتِيَنَا بِخَبَرِهِمْ وَلَهُ الْجَنَّة ) فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَد.
 وَقَالَ ثَانِيًا وَثَالِثًا فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَد، فَنَظَرَ إِلَى جَانِبه وَقَالَ :( مَنْ هَذَا ) ؟ فَقَالَ حُذَيْفَة.
 فَقَالَ :( أَلَمْ تَسْمَع كَلَامِي مُنْذُ اللَّيْلَة ) ؟ قَالَ حُذَيْفَة : فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه، مَنَعَنِي أَنْ أُجِيبك الضُّرّ وَالْقُرّ.
 قَالَ :( اِنْطَلِقْ حَتَّى تَدْخُل فِي الْقَوْم فَتَسْمَع كَلَامهمْ وَتَأْتِينِي بِخَبَرِهِمْ.
 اللَّهُمَّ اِحْفَظْهُ مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفه وَعَنْ يَمِينه وَعَنْ شِمَاله حَتَّى تَرُدّهُ إِلَيَّ، اِنْطَلِقْ وَلَا تُحْدِث شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي ).
 فَانْطَلَقَ حُذَيْفَة بِسِلَاحِهِ، وَرَفَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَده يَقُول :( يَا صَرِيخ الْمَكْرُوبِينَ وَيَا مُجِيب الْمُضْطَرِّينَ اِكْشِفْ هَمِّي وَغَمِّي وَكَرْبِي فَقَدْ تَرَى حَالِي وَحَال أَصْحَابِي ) فَنَزَلَ جِبْرِيل وَقَالَ :( إِنَّ اللَّه قَدْ سَمِعَ دَعْوَتك وَكَفَاك هَوْل عَدُوّك ) فَخَرَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَبَسَطَ يَدَيْهِ وَأَرْخَى عَيْنَيْهِ وَهُوَ يَقُول :( شُكْرًا شُكْرًا كَمَا رَحِمْتنِي وَرَحِمْت أَصْحَابِي ).
 وَأَخْبَرَهُ جِبْرِيل أَنَّ اللَّه تَعَالَى مُرْسِل عَلَيْهِمْ رِيحًا، فَبَشَّرَ أَصْحَابه بِذَلِكَ قَالَ حُذَيْفَة : فَانْتَهَيْت إِلَيْهِمْ وَإِذَا نِيرَانهمْ تَتَّقِد، فَأَقْبَلَتْ رِيح شَدِيدَة فِيهَا حَصْبَاء فَمَا تَرَكَتْ لَهُمْ نَارًا إِلَّا أَطْفَأَتْهَا وَلَا بِنَاء إِلَّا طَرَحَتْهُ، وَجَعَلُوا يَتَتَرَّسُونَ مِنْ الْحَصْبَاء.
 وَقَامَ أَبُو سُفْيَان إِلَى رَاحِلَته وَصَاحَ فِي قُرَيْش : النَّجَاء النَّجَاء ! وَفَعَلَ كَذَلِكَ عُيَيْنَة بْن حِصْن وَالْحَارِث بْن عَوْف وَالْأَقْرَع بْن حَابِس.
 وَتَفَرَّقَتْ الْأَحْزَاب، وَأَصْبَحَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَادَ إِلَى الْمَدِينَة وَبِهِ مِنْ الشَّعَث مَا شَاءَ اللَّه، فَجَاءَتْهُ فَاطِمَة بِغُسْلٍ فَكَانَتْ تَغْسِل رَأْسه، فَأَتَاهُ جِبْرِيل فَقَالَ :( وَضَعْت السِّلَاح وَلَمْ تَضَعهُ أَهْل السَّمَاء، مَا زِلْت أَتْبَعهُمْ حَتَّى، جَاوَزْت بِهِمْ الرَّوْحَاء - ثُمَّ قَالَ - اِنْهَضْ إِلَى بَنِي قُرَيْظَة ).
 وَقَالَ أَبُو - سُفْيَان : مَا زِلْت أَسْمَع قَعْقَعَة السِّلَاح حَتَّى جَاوَزْت الرَّوْحَاء.

### الآية 33:23

> ﻿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [33:23]

وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين اِنْصَرَفَ مِنْ أُحُد، مَرَّ عَلَى مُصْعَب بْن عُمَيْر وَهُوَ مَقْتُول عَلَى طَرِيقه، فَوَقَفَ عَلَيْهِ وَدَعَا لَهُ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَة :" مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَال صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّه عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبه - إِلَى - تَبْدِيلًا " ثُمَّ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( أَشْهَد أَنَّ هَؤُلَاءِ شُهَدَاء عِنْد اللَّه يَوْم الْقِيَامَة فَأْتُوهُمْ وَزُورُوهُمْ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُسَلِّم عَلَيْهِمْ أَحَدٌ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا رَدُّوا عَلَيْهِ ).
 وَقِيلَ : النَّحْب الْمَوْت، أَيْ مَاتَ عَلَى مَا عَاهَدَ عَلَيْهِ، عَنْ اِبْن عَبَّاس.
 وَالنَّحْب أَيْضًا الْوَقْت وَالْمُدَّة يُقَال : قَضَى فُلَان نَحْبه إِذَا مَاتَ.
 **وَقَالَ ذُو الرُّمَّة :**

عَشِيَّةَ فَرَّ الْحَارِثِيُّونَ بَعْد مَا  قَضَى نَحْبَهُ فِي مُلْتَقَى الْخَيْلِ هَوْبَرُ وَالنَّحْب أَيْضًا الْحَاجَة وَالْهِمَّة، يَقُول قَائِلهمْ مَا لِي عِنْدهمْ نَحْب، وَلَيْسَ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ.
 وَالْمَعْنَى فِي هَذَا الْمَوْضِع بِالنَّحْبِ النَّذْر كَمَا قَدَّمْنَا أَوَّلًا، أَيْ مِنْهُمْ مَنْ بَذَلَ جُهْده عَلَى الْوَفَاء بِعَهْدِهِ حَتَّى قُتِلَ، مِثْل حَمْزَة وَسَعْد بْن مُعَاذ وَأَنَس بْن النَّضْر وَغَيْرهمْ.
 وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِر الشَّهَادَة وَمَا بَدَّلُوا عَهْدهمْ وَنَذْرهمْ.
 وَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَرَأَ " فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبه وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِر وَمِنْهُمْ مَنْ بَدَّلَ تَبْدِيلًا ".
 قَالَ أَبُو بَكْر الْأَنْبَارِيّ : وَهَذَا الْحَدِيث عِنْد أَهْل الْعِلْم مَرْدُود، لِخِلَافِهِ الْإِجْمَاعَ، وَلِأَنَّ فِيهِ طَعْنًا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالرِّجَال الَّذِينَ مَدَحَهُمْ اللَّه وَشَرَّفَهُمْ بِالصِّدْقِ وَالْوَفَاء، فَمَا يُعْرَف فِيهِمْ مُغَيِّر وَمَا وُجِدَ مِنْ جَمَاعَتهمْ مُبَدِّل، رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ.

### الآية 33:24

> ﻿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [33:24]

إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا
 أَيْ إِنْ شَاءَ أَنْ يُعَذِّبهُمْ لَمْ يُوَفِّقهُمْ لِلتَّوْبَةِ، وَإِنْ لَمْ يَشَأْ أَنْ يُعَذِّبهُمْ تَابَ عَلَيْهِمْ قَبْل الْمَوْت.

### الآية 33:25

> ﻿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ۚ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا [33:25]

عَزِيزًا
 لَا يُغْلَب.

### الآية 33:26

> ﻿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا [33:26]

وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا
 وَهُمْ النِّسَاء وَالذُّرِّيَّة، عَلَى مَا تَقَدَّمَ.

### الآية 33:27

> ﻿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا [33:27]

قَدِيرًا
 لَا تُرَدّ قُدْرَته وَلَا يَجُوز عَلَيْهِ الْعَجْز تَعَالَى.
 وَيُقَال تَأْسِرُونَ وَتَأْسُرُونَ ( بِكَسْرِ السِّين وَضَمِّهَا ) حَكَاهُ الْفَرَّاء.

### الآية 33:28

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [33:28]

قَالَ أَبُو عُبَيْد : وَاَلَّذِي عِنْدنَا فِي هَذَا الْبَاب، اِتِّبَاع السُّنَّة فِي عَائِشَة فِي هَذَا الْحَدِيث، حِين جَعَلَ لَهَا التَّخْيِير إِلَى أَنْ تَسْتَأْمِر أَبَوَيْهَا، وَلَمْ يَجْعَل قِيَامهَا مِنْ مَجْلِسهَا خُرُوجًا مِنْ الْأَمْر.
 قَالَ الْمَرْوَزِيّ.
 هَذَا أَصَحُّ الْأَقَاوِيل عِنْدِي، وَقَالَهُ اِبْن الْمُنْذِر وَالطَّحَاوِيّ.

### الآية 33:29

> ﻿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا [33:29]

قَالَ أَبُو عُبَيْد : وَاَلَّذِي عِنْدنَا فِي هَذَا الْبَاب، اِتِّبَاع السُّنَّة فِي عَائِشَة فِي هَذَا الْحَدِيث، حِين جَعَلَ لَهَا التَّخْيِير إِلَى أَنْ تَسْتَأْمِر أَبَاهَا، وَلَمْ يَجْعَل قِيَامهَا مِنْ مَجْلِسهَا خُرُوجًا مِنْ الْأُمّ.
 قَالَ الْمَرْوَزِيّ.
 هَذَا أَصَحُّ الْأَقَاوِيل عِنْدِي، وَقَالَهُ اِبْن الْمُنْذِر وَالطَّحَاوِيّ.

### الآية 33:30

> ﻿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [33:30]

وَقَرَأَتْ فِرْقَة :" يُضَاعِف " بِكَسْرِ الْعَيْن عَلَى إِسْنَاد الْفِعْل إِلَى اللَّه تَعَالَى.
 وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو فِيمَا رَوَى خَارِجَة " نُضَاعِف " بِالنُّونِ الْمَضْمُومَة وَنَصْب " الْعَذَاب " وَهَذِهِ قِرَاءَة اِبْن مُحَيْصِن.
 وَهَذِهِ مُفَاعَلَة مِنْ وَاحِد، كَطَارَقْت النَّعْل وَعَاقَبْت اللِّصّ.
 وَقَرَأَ نَافِع وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ " يُضَاعَف " بِالْيَاءِ وَفَتْح الْعَيْن، " الْعَذَاب " رَفْعًا.
 وَهِيَ قِرَاءَة الْحَسَن وَابْن كَثِير وَعِيسَى.
 وَقَرَأَ اِبْن كَثِير وَابْن عَامِر " نُضَعِّف " بِالنُّونِ وَكَسْر الْعَيْن الْمُشَدَّدَة، " الْعَذَاب " نَصْبًا.
 قَالَ مُقَاتِل هَذَا التَّضْعِيف فِي الْعَذَاب إِنَّمَا هُوَ فِي الْآخِرَة، لِأَنَّ إِيتَاء الْأَجْر مَرَّتَيْنِ أَيْضًا فِي الْآخِرَة.
 وَهَذَا حَسَن، لِأَنَّ نِسَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ تُوجِب حَدًّا.
 وَقَدْ قَالَ اِبْن عَبَّاس : مَا بَغَتْ اِمْرَأَة نَبِيّ قَطُّ، وَإِنَّمَا خَانَتْ فِي الْإِيمَان وَالطَّاعَة.
 وَقَالَ بَعْض الْمُفَسِّرِينَ : الْعَذَاب الَّذِي تُوُعِّدْنَ بِهِ " ضِعْفَيْنِ " هُوَ عَذَاب الدُّنْيَا وَعَذَاب الْآخِرَة، فَكَذَلِكَ الْأَجْر.
 قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا ضَعِيف، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُون أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَرْفَع عَنْهُنَّ حُدُود الدُّنْيَا عَذَاب الْآخِرَة، عَلَى مَا هِيَ حَال النَّاس عَلَيْهِ، بِحُكْمِ حَدِيث عُبَادَة بْن الصَّامِت.
 وَهَذَا أَمْر لَمْ يُرْوَ فِي أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا حُفِظَ تَقَرُّره.
 وَأَهْل التَّفْسِير عَلَى أَنَّ الرِّزْق الْكَرِيم الْجَنَّة، ذَكَرَهُ النَّحَّاس.

### الآية 33:31

> ﻿۞ وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا [33:31]

لا يوجد تفسير لهذه الأية

### الآية 33:32

> ﻿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا [33:32]

مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا
 قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَمَرَهُنَّ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر.
 وَالْمَرْأَة تُنْدَب إِذَا خَاطَبَتْ الْأَجَانِب وَكَذَا الْمُحَرَّمَات عَلَيْهَا بِالْمُصَاهَرَةِ إِلَى الْغِلْظَة فِي الْقَوْل، مِنْ غَيْر رَفْع صَوْت، فَإِنَّ الْمَرْأَة مَأْمُورَة بِخَفْضِ الْكَلَام.
 وَعَلَى الْجُمْلَة فَالْقَوْل الْمَعْرُوف : هُوَ الصَّوَاب الَّذِي لَا تُنْكِرهُ الشَّرِيعَة وَلَا النُّفُوس.

### الآية 33:33

> ﻿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [33:33]

إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا
 قَالَ الزَّجَّاج : قِيلَ يُرَاد بِهِ نِسَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِيلَ : يُرَاد بِهِ نِسَاؤُهُ وَأَهْله الَّذِينَ هُمْ أَهْل بَيْته، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه بَعْد و " أَهْل الْبَيْت " نُصِبَ عَلَى الْمَدْح.
 قَالَ : وَإِنْ شِئْت عَلَى الْبَدَل.
 قَالَ : وَيَجُوز الرَّفْع وَالْخَفْض.
 قَالَ النَّحَّاس : إِنْ خُفِضَ عَلَى أَنَّهُ بَدَل مِنْ الْكَاف وَالْمِيم لَمْ يَجُزْ عِنْد أَبِي الْعَبَّاس مُحَمَّد بْن يَزِيد، قَالَ لَا يُبْدَل مِنْ الْمُخَاطَبَة وَلَا مِنْ الْمُخَاطَب، لِأَنَّهُمَا لَا يَحْتَاجَانِ إِلَى تَبْيِين.
 " وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرًا " مَصْدَر فِيهِ مَعْنَى التَّوْكِيد.

### الآية 33:34

> ﻿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا [33:34]

الثَّالِثَة : قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : فِي هَذِهِ الْآيَة مَسْأَلَة بَدِيعَة، وَهِيَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَمَرَ نَبِيّه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِتَبْلِيغِ مَا أَنْزَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْقُرْآن، وَتَعْلِيم مَا عَلَّمَهُ مِنْ الدِّين، فَكَانَ إِذَا قَرَأَ عَلَى وَاحِد أَوْ مَا اِتَّفَقَ سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْض، وَكَانَ عَلَى مَنْ سَمِعَهُ أَنْ يُبَلِّغهُ إِلَى غَيْره، وَلَا يَلْزَمهُ أَنْ يَذْكُرهُ لِجَمِيعِ الصَّحَابَة، وَلَا كَانَ عَلَيْهِ إِذَا عَلَّمَ ذَلِكَ أَزْوَاجه أَنْ يَخْرُج إِلَى النَّاس فَيَقُول لَهُمْ نَزَلَ كَذَا وَلَا كَانَ كَذَا، وَلِهَذَا قُلْنَا : يَجُوز الْعَمَل بِخَبَرِ بُسْرَة فِي إِيجَاب الْوُضُوء مِنْ مَسّ الذَّكَر، لِأَنَّهَا رَوَتْ مَا سَمِعَتْ وَبَلَّغَتْ مَا وَعَتْ.
 وَلَا يَلْزَم أَنْ يُبَلِّغ ذَلِكَ الرِّجَال، كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَة، عَلَى أَنَّهُ قَدْ نُقِلَ عَنْ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَابْن عُمَر.

### الآية 33:35

> ﻿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [33:35]

إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا
 ت وَالذَّاكِرِينَ اللَّه كَثِيرًا وَالذَّاكِرَات أَعَدَّ اللَّه لَهُمْ مَغْفِرَة وَأَجْرًا عَظِيمًا "
 **فِيهِ مَسْأَلَتَانِ :**
 الْأُولَى : رَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ أُمّ عُمَارَة الْأَنْصَارِيَّة أَنَّهَا أَتَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ : مَا أَرَى كُلّ شَيْء إِلَّا لِلرِّجَالِ، وَمَا أَرَى النِّسَاء يُذْكَرْنَ بِشَيْءٍ ! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة :" إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَات وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات " الْآيَة.
 هَذَا حَدِيث حَسَن غَرِيب.
 و " الْمُسْلِمِينَ " اِسْم " إِنَّ ".
 " وَالْمُسْلِمَات " عَطْف عَلَيْهِ.
 وَيَجُوز رَفْعهنَّ عِنْد الْبَصْرِيِّينَ، فَأَمَّا الْفَرَّاء فَلَا يَجُوز عِنْده إِلَّا فِيمَا لَا يَتَبَيَّن فِيهِ الْإِعْرَاب.
 الثَّانِيَة : بَدَأَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَة بِذِكْرِ الْإِسْلَام الَّذِي يَعُمّ الْإِيمَان وَعَمَل الْجَوَارِح، ثُمَّ ذَكَرَ الْإِيمَان تَخْصِيصًا لَهُ وَتَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ عُظْمُ الْإِسْلَامِ وَدِعَامَته.
 وَالْقَانِت : الْعَابِد الْمُطِيع.
 وَالصَّادِق : مَعْنَاهُ فِيمَا عُوهِدَ عَلَيْهِ أَنْ يَفِي بِهِ.
 وَالصَّابِر عَنْ الشَّهَوَات وَعَلَى الطَّاعَات فِي الْمَكْرَه وَالْمَنْشَط.
 وَالْخَاشِع : الْخَائِف لِلَّهِ.
 وَالْمُتَصَدِّق بِالْفَرْضِ وَالنَّفْل.
 وَقِيلَ.
 بِالْفَرْضِ خَاصَّة، وَالْأَوَّل أَمْدَحُ.
 وَالصَّائِم كَذَلِكَ.
 " وَالْحَافِظِينَ فُرُوجهمْ وَالْحَافِظَات " أَيْ عَمَّا لَا يَحِلّ مِنْ الزِّنَى وَغَيْره.
 وَفِي قَوْله :" وَالْحَافِظَات " حَذْف يَدُلّ عَلَيْهِ الْمُتَقَدِّم، تَقْدِيره : وَالْحَافِظَاتِهَا، فَاكْتُفِيَ بِمَا تَقَدَّمَ.
 وَفِي " الذَّاكِرَات " أَيْضًا مِثْله، وَنَظِيره قَوْل الشَّاعِر :

وَكُمْتًا مُدَمَّاة كَأَنَّ مُتُونهَا  جَرَى فَوْقهَا وَاسْتَشْعَرَتْ لَوْنُ مُذْهَبِ وَرَوَى سِيبَوَيْهِ :" لَوْنَ مُذْهَبِ " بِالنَّصْبِ.
 وَإِنَّمَا يَجُوز الرَّفْع عَلَى حَذْف الْهَاء، كَأَنَّهُ قَالَ : وَاسْتَشْعَرَتْهُ، فِيمَنْ رَفَعَ لَوْنًا.
 وَالذَّاكِر قِيلَ فِي أَدْبَار الصَّلَوَات وَغُدُوًّا وَعَشِيًّا، وَفِي الْمَضَاجِع وَعِنْد الِانْتِبَاه مِنْ النَّوْم.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا كُلّه مُفَصَّلًا فِي مَوَاضِعه، وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مِنْ الْفَوَائِد وَالْأَحْكَام، فَأَغْنَى عَنْ الْإِعَادَة.
 وَالْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ.
 قَالَ مُجَاهِد : لَا يَكُون ذَاكِرًا لِلَّهِ تَعَالَى كَثِيرًا حَتَّى يَذْكُرهُ قَائِمًا وَجَالِسًا وَمُضْطَجِعًا.
 وَقَالَ أَبُو سَعِيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : مَنْ أَيْقَظَ أَهْله بِاللَّيْلِ وَصَلَّيَا أَرْبَع رَكَعَات كُتِبَا مِنْ الذَّاكِرِينَ اللَّه كَثِيرًا وَالذَّاكِرَات.

### الآية 33:36

> ﻿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا [33:36]

الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ، لِأَنَّ اللَّفْظ مُؤَنَّث فَتَأْنِيث فِعْله حَسَن.
 وَالتَّذْكِير عَلَى أَنَّ الْخِيَرَة بِمَعْنَى التَّخْيِير، فَالْخِيَرَة مَصْدَر بِمَعْنَى الِاخْتِيَار.
 وَقَرَأَ اِبْن السَّمَيْقَع " الْخِيْرَة " بِإِسْكَانِ الْيَاء.
 وَهَذِهِ الْآيَة فِي ضِمْن قَوْله تَعَالَى :" النَّبِيّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسهمْ " \[ الْأَحْزَاب : ٦ \].
 ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعَالَى وَأَخْبَرَ أَنَّ مَنْ يَعْصِ اللَّه وَرَسُوله فَقَدْ ضَلَّ.
 وَهَذَا أَدَلُّ دَلِيل عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُور مِنْ فُقَهَائِنَا، وَفُقَهَاء أَصْحَاب الْإِمَام الشَّافِعِيّ وَبَعْض الْأُصُولِيِّينَ، مِنْ أَنَّ صِيغَة " أَفْعِلْ " لِلْوُجُوبِ فِي أَصْل وَضْعهَا، لِأَنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَفَى خِيَرَة الْمُكَلَّف عِنْد سَمَاع أَمْره وَأَمْر رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ أَطْلَقَ عَلَى مَنْ بَقِيَتْ لَهُ خِيَرَة عِنْد صُدُور الْأَمْر اِسْم الْمَعْصِيَة، ثُمَّ عَلَّقَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ بِذَلِكَ الضَّلَالَ، فَلَزِمَ حَمْل الْأَمْر عَلَى الْوُجُوب.
 وَاَللَّه أَعْلَمُ.

### الآية 33:37

> ﻿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [33:37]

قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فَقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام لِزَيْدٍ :( فَاذْكُرْهَا عَلَيَّ ) أَيْ اُخْطُبْهَا، كَمَا بَيَّنَهُ الْحَدِيث الْأَوَّل.
 وَهَذَا اِمْتِحَان لِزَيْدٍ وَاخْتِبَار لَهُ، حَتَّى يُظْهِر صَبْره وَانْقِيَاده وَطَوْعه.
 قُلْت : وَقَدْ يُسْتَنْبَط مِنْ هَذَا أَنْ يَقُول الْإِنْسَان لِصَاحِبِهِ : اُخْطُبْ عَلَيَّ فُلَانَة، لِزَوْجِهِ الْمُطَلَّقَة مِنْهُ، وَلَا حَرَج فِي ذَلِكَ.
 وَاَللَّه أَعْلَمُ.

### الآية 33:38

> ﻿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ۖ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا [33:38]

مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا
 هَذِهِ مُخَاطَبَة مِنْ اللَّه تَعَالَى لِجَمِيعِ الْأُمَّة.
 أَعْلَمَهُمْ أَنَّ هَذَا وَنَحْوه هُوَ السُّنَن الْأَقْدَم فِي الْأَنْبِيَاء أَنْ يَنَالُوا مَا أَحَلَّهُ لَهُمْ، أَيْ سُنَّ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّوْسِعَة عَلَيْهِ فِي النِّكَاح سُنَّة الْأَنْبِيَاء الْمَاضِيَة، كَدَاوُد وَسُلَيْمَان.
 فَكَانَ لِدَاوُد مِائَة اِمْرَأَة وَثَلَاثمِائَةِ سُرِّيَّة، وَلِسُلَيْمَان ثَلَاثمِائَةِ اِمْرَأَة وَسَبْعمِائَةِ سُرِّيَّة.
 وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيّ عَنْ مُقَاتِل وَابْن الْكَلْبِيّ أَنَّ الْإِشَارَة إِلَى دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام، حَيْثُ جَمَعَ اللَّه بَيْنه وَبَيْن مَنْ فُتِنَ بِهَا.
 و " سُنَّة " نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَر، أَيْ سَنَّ اللَّه لَهُ سُنَّة وَاسِعَة و " الَّذِينَ خَلَوْا " هُمْ الْأَنْبِيَاء، بِدَلِيلِ وَصْفهمْ بَعْد بِقَوْلِهِ :" الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَات اللَّه ".

### الآية 33:39

> ﻿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا [33:39]

لا يوجد تفسير لهذه الأية

### الآية 33:40

> ﻿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَٰكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [33:40]

وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا
 " وَلَكِنْ رَسُول اللَّه " قَالَ الْأَخْفَش وَالْفَرَّاء : أَيْ وَلَكِنْ كَانَ رَسُول اللَّه.
 وَأَجَازَا " وَلَكِنْ رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتَمُ " بِالرَّفْعِ.
 وَكَذَلِكَ قَرَأَ اِبْن أَبِي عَبْلَة وَبَعْض النَّاس " وَلَكِنْ رَسُولُ اللَّهِ " بِالرَّفْعِ، عَلَى مَعْنَى هُوَ رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ.
 وَقَرَأَتْ فِرْقَةٌ " وَلَكِنَّ " بِتَشْدِيدِ النُّون، وَنَصْب " رَسُول اللَّه " عَلَى أَنَّهُ اِسْم " لَكِنَّ " وَالْخَبَر مَحْذُوف " وَخَاتَم " قَرَأَ عَاصِم وَحْده بِفَتْحِ التَّاء، بِمَعْنَى أَنَّهُمْ بِهِ خُتِمُوا، فَهُوَ كَالْخَاتَمِ وَالطَّابَع لَهُمْ.
 وَقَرَأَ الْجُمْهُور بِكَسْرِ التَّاء بِمَعْنَى أَنَّهُ خَتَمَهُمْ، أَيْ جَاءَ آخِرهمْ.
 وَقِيلَ : الْخَاتَم وَالْخَاتِم لُغَتَانِ، مِثْل طَابَع وَطَابِع، وَدَانَق وَدَانِق، وَطَابَق مِنْ اللَّحْم وَطَابِق
 قَالَ اِبْن عَطِيَّة : هَذِهِ الْأَلْفَاظ عَنْهُ جَمَاعَة عُلَمَاء الْأُمَّة خَلَفًا وَسَلَفًا مُتَلَقَّاة عَلَى الْعُمُوم التَّامّ مُقْتَضِيَة نَصًّا أَنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّب فِي كِتَابه الْمُسَمَّى بِالْهِدَايَةِ : مِنْ تَجْوِيز الِاحْتِمَال فِي أَلْفَاظ هَذِهِ الْآيَة ضَعِيف.
 وَمَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيّ فِي هَذِهِ الْآيَة، وَهَذَا الْمَعْنَى فِي كِتَابه الَّذِي سَمَّاهُ بِالِاقْتِصَادِ، إِلْحَاد عِنْدِي، وَتَطَرُّق خَبِيث إِلَى تَشْوِيش عَقِيدَة الْمُسْلِمِينَ فِي خَتْم مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النُّبُوَّةَ، فَالْحَذَر الْحَذَر مِنْهُ ! وَاَللَّه الْهَادِي بِرَحْمَتِهِ.
 قُلْت : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :( لَا نُبُوَّة بَعْدِي إِلَّا مَا شَاءَ اللَّه ).
 قَالَ أَبُو عُمَر : يَعْنِي الرُّؤْيَا - وَاَللَّه أَعْلَمُ - الَّتِي هِيَ جُزْء مِنْهَا، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام :( لَيْسَ يَبْقَى بَعْدِي مِنْ النُّبُوَّة إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَة ).
 وَقَرَأَ اِبْن مَسْعُود " مِنْ رِجَالكُمْ وَلَكِنْ نَبِيًّا خَتَمَ النَّبِيِّينَ ".
 قَالَ الرُّمَّانِيّ : خُتِمَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام الِاسْتِصْلَاح، فَمَنْ لَمْ يَصْلُح بِهِ فَمَيْئُوس مِنْ صَلَاحه.
 قُلْت : وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام :( بُعِثْت لِأُتَمِّم مَكَارِم الْأَخْلَاق ).
 وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ جَابِر قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( مَثَلِي وَمَثَل الْأَنْبِيَاء كَمَثَلِ رَجُل بَنَى دَارًا فَأَتَمَّهَا وَأَكْمَلَهَا إِلَّا مَوْضِع لَبِنَة فَجَعَلَ النَّاس يَدْخُلُونَهَا وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهَا وَيَقُولُونَ لَوْلَا مَوْضِع اللَّبِنَة - قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَنَا مَوْضِع اللَّبِنَة جِئْت فَخَتَمْت الْأَنْبِيَاء ).
 وَنَحْوه عَنْ أَبِي هُرَيْرَة، غَيْر أَنَّهُ قَالَ : فَأَنَا اللَّبِنَة وَأَنَا خَاتَم النَّبِيِّينَ ).

### الآية 33:41

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا [33:41]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا
 أَمَرَ اللَّه تَعَالَى عِبَاده بِأَنْ يَذْكُرُوهُ وَيَشْكُرُوهُ، وَيُكْثِرُوا مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ.
 وَجَعَلَ تَعَالَى ذَلِكَ دُون حَدّ لِسُهُولَتِهِ عَلَى الْعَبْد.
 وَلِعِظَمِ الْأَجْر فِيهِ قَالَ اِبْن، عَبَّاس : لَمْ يُعْذَر أَحَد فِي تَرْك ذِكْر اللَّه إِلَّا مَنْ غُلِبَ عَلَى عَقْله.
 وَرَوَى أَبُو سَعِيد عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( أَكْثِرُوا ذِكْر اللَّه حَتَّى يَقُولُوا مَجْنُون ).
 وَقِيلَ : الذِّكْر الْكَثِير مَا جَرَى عَلَى الْإِخْلَاص مِنْ الْقَلْب، وَالْقَلِيل مَا يَقَع عَلَى حُكْم النِّفَاق كَالذِّكْرِ بِاللِّسَانِ.

### الآية 33:42

> ﻿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [33:42]

وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا
 أَيْ اِشْغَلُوا أَلْسِنَتكُمْ فِي مُعْظَم أَحْوَالكُمْ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيل وَالتَّحْمِيد وَالتَّكْبِير.
 قَالَ، مُجَاهِد : وَهَذِهِ كَلِمَات يَقُولهُنَّ الطَّاهِر وَالْمُحْدِث وَالْجُنُب.
 وَقِيلَ : اُدْعُوهُ.
 **قَالَ جَرِير :**

فَلَا تَنْسَ تَسْبِيح الضُّحَى إِنَّ يُوسُفًا  دَعَا رَبَّهُ فَاخْتَارَهُ حِين سَبَّحَا وَقِيلَ : الْمُرَاد صَلُّوا لِلَّهِ بُكْرَة وَأَصِيلًا، وَالصَّلَاة تُسَمَّى تَسْبِيحًا.
 وَخُصَّ الْفَجْر وَالْمَغْرِب وَالْعِشَاء بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَحَقُّ بِالتَّحْرِيضِ عَلَيْهَا، لِاتِّصَالِهَا بِأَطْرَافِ اللَّيْل.
 وَقَالَ قَتَادَة وَالطَّبَرِيّ : الْإِشَارَة إِلَى صَلَاة الْغَدَاة وَصَلَاة الْعَصْر.
 وَالْأَصِيل : الْعَشِيّ وَجَمْعه أَصَائِل.
 وَالْأُصُل بِمَعْنَى الْأَصِيل، وَجَمْعه آصَال، قَالَهُ الْمُبَرِّد.
 وَقَالَ غَيْره : أُصُل جَمْع أَصِيل، كَرَغِيفٍ وَرُغُف.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ.
 مَسْأَلَة : هَذِهِ الْآيَة مَدَنِيَّة، فَلَا تَعَلُّق بِهَا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّ الصَّلَاة إِنَّمَا فُرِضَتْ أَوَّلًا صَلَاتَيْنِ فِي طَرَفَيْ النَّهَار.
 وَالرِّوَايَة بِذَلِكَ ضَعِيفَة فَلَا اِلْتِفَات إِلَيْهَا وَلَا مُعَوَّل عَلَيْهَا.
 وَقَالَ مَضَى الْكَلَام فِي كَيْفِيَّة فَرْض الصَّلَاة وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ فِي " الْإِسْرَاء " وَالْحَمْد لِلَّهِ.

### الآية 33:43

> ﻿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [33:43]

وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا
 أَخْبَرَ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ بِالْمُؤْمِنِينَ تَأْنِيسًا لَهُمْ

### الآية 33:44

> ﻿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ ۚ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا [33:44]

تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا
 اُخْتُلِفَ فِي الضَّمِير الَّذِي فِي " يَلْقَوْنَهُ " عَلَى مَنْ يَعُود، فَقِيلَ عَلَى اللَّه تَعَالَى، أَيْ كَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا، فَهُوَ يُؤَمِّنهُمْ مِنْ عَذَاب اللَّه يَوْم الْقِيَامَة.
 وَفِي ذَلِكَ الْيَوْم يَلْقَوْنَهُ.
 و " تَحِيَّتهمْ " أَيْ تَحِيَّة بَعْضهمْ لِبَعْضٍ.
 " سَلَام " أَيْ سَلَامَة لَنَا وَلَكُمْ مِنْ عَذَاب اللَّه.
 وَقِيلَ : هَذِهِ التَّحِيَّة مِنْ اللَّه تَعَالَى، الْمَعْنَى : فَيُسَلِّمهُمْ مِنْ الْآفَات، أَوْ يُبَشِّرهُمْ بِالْأَمْنِ مِنْ الْمُخَافَات " يَوْم يَلْقَوْنَهُ " أَيْ يَوْم الْقِيَامَة بَعْد دُخُول الْجَنَّة.
 قَالَ مَعْنَاهُ الزَّجَّاج، وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ :" وَتَحِيَّتهمْ فِيهَا سَلَام " \[ يُونُس : ١٠ \].
 وَقِيلَ :" يَوْم يَلْقَوْنَهُ " أَيْ يَوْم يَلْقَوْنَ مَلَك الْمَوْت، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ لَا يَقْبِض رُوح مُؤْمِن إِلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ.
 رُوِيَ عَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب قَالَ :" تَحِيَّتهمْ يَوْم يَلْقَوْنَهُ سَلَام " فَيُسَلِّم مَلَك الْمَوْت عَلَى الْمُؤْمِن عِنْد قَبْض رُوحه، لَا يَقْبِض رُوحه حَتَّى يُسَلِّم عَلَيْهِ.

### الآية 33:45

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [33:45]

وَمُبَشِّرًا
 مَعْنَاهُ لِلْعُصَاةِ وَالْمُكَذِّبِينَ مِنْ النَّار وَعَذَاب الْخُلْد.

### الآية 33:46

> ﻿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا [33:46]

وَسِرَاجًا مُنِيرًا
 هُنَا اِسْتِعَارَة لِلنُّورِ الَّذِي يَتَضَمَّنهُ شَرْعه.
 وَقِيلَ :" وَسِرَاجًا " أَيْ هَادِيًا مِنْ ظُلْم الضَّلَالَة، وَأَنْتَ كَالْمِصْبَاحِ الْمُضِيء.
 وَوَصَفَهُ بِالْإِنَارَةِ لِأَنَّ مِنْ السُّرُج مَا لَا يُضِيء، إِذَا قَلَّ سَلِيطه وَدَقَّتْ فَتِيلَته.
 وَفِي كَلَام بَعْضهمْ : ثَلَاثَة تُضْنِي : رَسُول بَطِيء، وَسِرَاج لَا يُضِيء، وَمَائِدَة يُنْتَظَر لَهَا مَنْ يَجِيء.
 وَسُئِلَ بَعْضهمْ عَنْ الْمُوحِشَيْنِ فَقَالَ : ظَلَام سَاتِر وَسِرَاج فَاتِر، وَأَسْنَدَ النَّحَّاس قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم الرَّازِيّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن صَالِح الْأَزْدِيّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن، بْن مُحَمَّد الْمُحَارِبِيّ عَنْ شَيْبَان النَّحْوِيّ قَالَ حَدَّثَنَا قَتَادَة عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ " يَا أَيّهَا النَّبِيّ إِنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا.
 وَدَاعِيًا إِلَى اللَّه بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا " دَعَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا وَمُعَاذًا فَقَالَ :( اِنْطَلِقَا فَبَشِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا فَإِنَّهُ قَدْ نَزَلَ عَلَيَّ اللَّيْلَة آيَة " يَا أَيّهَا النَّبِيّ إِنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهِدًا.
 وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا - مِنْ النَّار - وَدَاعِيًا إِلَى اللَّه - قَالَ - شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه - بِإِذْنِهِ - بِأَمْرِهِ - وَسِرَاجًا مُنِيرًا - قَالَ - بِالْقُرْآنِ ".
 وَقَالَ الزَّجَّاج :" وَسِرَاجًا " أَيْ وَذَا سِرَاج مُنِير، أَيْ كِتَاب نَيِّر.
 وَأَجَازَ أَيْضًا أَنْ يَكُون بِمَعْنَى : وَتَالِيًا كِتَاب اللَّه.

### الآية 33:47

> ﻿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا [33:47]

وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا
 قَوْله تَعَالَى :" وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ " الْوَاو عَاطِفَة جُمْلَة عَلَى جُمْلَة، وَالْمَعْنَى مُنْقَطِع مِنْ الَّذِي قَبْله.
 أَمَرَهُ تَعَالَى أَنْ يُبَشِّر الْمُؤْمِنِينَ بِالْفَضْلِ الْكَبِير مِنْ اللَّه تَعَالَى.
 وَعَلَى قَوْل الزَّجَّاج : ذَا سِرَاج مُنِير، أَوْ وَتَالِيًا سِرَاجًا مُنِيرًا، يَكُون مَعْطُوفًا عَلَى الْكَاف لَا فِي " أَرْسَلْنَاك ".
 قَالَ اِبْن عَطِيَّة : قَالَ لَنَا أَبِي رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : هَذِهِ مِنْ أَرْجَى آيَة عِنْدِي فِي كِتَاب اللَّه تَعَالَى، لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَمَرَ نَبِيّه أَنْ يُبَشِّر الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عِنْده فَضْلًا كَبِيرًا، وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى الْفَضْل الْكَبِير فِي قَوْله تَعَالَى :" وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات فِي رَوْضَات الْجَنَّات لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْد رَبّهمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْل الْكَبِير " \[ الشُّورَى : ٢٢ \].
 فَالْآيَة الَّتِي فِي هَذِهِ السُّورَة خَبَر، وَاَلَّتِي فِي " حم.
 عسق " تَفْسِير لَهَا

### الآية 33:48

> ﻿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا [33:48]

وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا
 أَمَرَهُ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَآنَسَهُ بِقَوْلِهِ " وَكَفَى بِاَللَّهِ وَكِيلًا " وَفِي قُوَّة الْكَلَام وَعْد بِنَصْرٍ.
 وَالْوَكِيل : الْحَافِظ الْقَاسِم عَلَى الْأَمْر.

### الآية 33:49

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ۖ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [33:49]

فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا
 طَلِّقُوهُنَّ.
 وَالتَّسْرِيح كِنَايَة عَنْ الطَّلَاق عِنْد أَبِي حَنِيفَة، لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَل فِي غَيْره فَيَحْتَاج إِلَى النِّيَّة.
 وَعِنْد الشَّافِعِيّ صَرِيح.
 وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " الْقَوْل فِيهِ فَلَا مَعْنَى لِلْإِعَادَةِ.
 " جَمِيلًا " سُنَّة، غَيْر بِدْعَة.

### الآية 33:50

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۗ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [33:50]

حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا
 ثُمَّ آنَسَ تَعَالَى جَمِيع الْمُؤْمِنِينَ بِغُفْرَانِهِ وَرَحْمَته فَقَالَ تَعَالَى :" وَكَانَ اللَّه غَفُورًا رَحِيمًا "

### الآية 33:51

> ﻿۞ تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ۖ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا [33:51]

وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا
 خَبَر عَامّ، وَالْإِشَارَة إِلَى مَا فِي قَلْب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَحَبَّة شَخْص دُون شَخْص.
 وَكَذَلِكَ يَدْخُل فِي الْمَعْنَى أَيْضًا الْمُؤْمِنُونَ.
وَفِي الْبُخَارِيّ عَنْ عَمْرو بْن الْعَاص أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ عَلَى جَيْش ذَات السَّلَاسِل، فَأَتَيْته فَقُلْت : أَيّ النَّاس أَحَبُّ إِلَيْك ؟ فَقَالَ :( عَائِشَة ) فَقُلْت : مِنْ الرِّجَال ؟ قَالَ :( أَبُوهَا ) قُلْت : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ :

 ( عُمَر بْن الْخَطَّاب  ) فَعَدَّ رِجَالًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِي الْقَلْب بِمَا فِيهِ كِفَايَة فِي أَوَّل " الْبَقَرَة "، وَفِي أَوَّل هَذِهِ السُّورَة.
 يُرْوَى أَنَّ لُقْمَان الْحَكِيم كَانَ عَبْدًا نَجَّارًا قَالَ لَهُ سَيِّده : اِذْبَحْ شَاة وَائْتِنِي بِأَطْيَبِهَا بَضْعَتَيْنِ، فَأَتَاهُ بِاللِّسَانِ وَالْقَلْب.
 ثُمَّ أَمَرَهُ بِذَبْحِ شَاة أُخْرَى فَقَالَ لَهُ : أَلْقِ أَخْبَثَهَا بَضْعَتَيْنِ، فَأَلْقَى اللِّسَان وَالْقَلْب.
 فَقَالَ : أَمَرْتُك أَنْ تَأْتِيَنِي بِأَطْيَبِهَا بَضْعَتَيْنِ فَأَتَيْتنِي بِاللِّسَانِ وَالْقَلْب، وَأَمَرْتُك أَنْ تُلْقِيَ بِأَخْبَثِهَا بَضْعَتَيْنِ فَأَلْقَيْت اللِّسَان وَالْقَلْب ؟ فَقَالَ : لَيْسَ شَيْء أَطْيَبَ مِنْهُمَا إِذَا طَابَا، وَلَا أَخْبَثَ مِنْهُمَا إِذَا خَبُثَا.

### الآية 33:52

> ﻿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا [33:52]

إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا
 اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي إِحْلَال الْأَمَة الْكَافِرَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَوْلَيْنِ : تَحِلّ لِعُمُومِ قَوْل :" إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينك "، قَالَهُ مُجَاهِد وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَعَطَاء وَالْحَكَم.
 قَالُوا : قَوْله تَعَالَى " لَا يَحِلّ لَك النِّسَاء مِنْ بَعْد " أَيْ لَا تَحِلّ لَك النِّسَاء مِنْ غَيْر الْمُسْلِمَات، فَأَمَّا الْيَهُودِيَّات وَالنَّصْرَانِيَّات وَالْمُشْرِكَات فَحَرَام عَلَيْك، أَيْ لَا يَحِلّ لَك أَنْ تَتَزَوَّج كَافِرَة فَتَكُون أُمًّا لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَوْ أَعْجَبَك حُسْنهَا، إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينك، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَتَسَرَّى بِهَا.
 الْقَوْل الثَّانِي : لَا تَحِلّ، تَنْزِيهًا لِقَدْرِهِ عَنْ مُبَاشَرَة الْكَافِرَة، وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى :" وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر " \[ الْمُمْتَحَنَة : ١٠ \] فَكَيْف بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 و " مَا " فِي قَوْله :" إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينك " فِي مَوْضِع رَفْع بَدَل مِنْ " النِّسَاء ".
 وَيَجُوز أَنْ يَكُون فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى اِسْتِثْنَاء، وَفِيهِ ضَعْف.
 وَيَجُوز أَنْ تَكُون مَصْدَرِيَّة، وَالتَّقْدِير : إِلَّا مِلْك يَمِينك، وَمِلْك بِمَعْنَى مَمْلُوك، وَهُوَ فِي مَوْضِع نَصْب لِأَنَّهُ اِسْتِثْنَاء مِنْ غَيْر الْجِنْس الْأَوَّل.

### الآية 33:53

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ ۖ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ۚ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ۚ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا [33:53]

أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ
 يَعْنِي أَذِيَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ نِكَاح أَزْوَاجه، فَجُعِلَ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَة الْكَبَائِر وَلَا ذَنْب أَعْظَمُ مِنْهُ.

### الآية 33:54

> ﻿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [33:54]

إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا
 الْبَارِئ سُبْحَانه وَتَعَالَى عَالِم بِمَا بَدَا وَمَا خَفِيَ وَمَا كَانَ وَمَا لَمْ يَكُنْ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَاضٍ تَقَضَّى، وَلَا مُسْتَقْبَل يَأْتِي.
 وَهَذَا عَلَى الْعُمُوم تَمَدُّح بِهِ، وَهُوَ أَهْل الْمَدْح وَالْحَمْد.
 وَالْمُرَاد بِهِ هَاهُنَا التَّوْبِيخ وَالْوَعِيد لِمَنْ تَقَدَّمَ التَّعْرِيض بِهِ فِي الْآيَة قَبْلهَا، مِمَّنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ :" ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبهنَّ "، وَمَنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ فِي قَوْله :" وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُول اللَّه وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجه مِنْ بَعْده أَبَدًا " فَقِيلَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَة : إِنَّ اللَّه تَعَالَى يَعْلَم مَا تُخْفُونَهُ مِنْ هَذِهِ الْمُعْتَقَدَات وَالْخَوَاطِر الْمَكْرُوهَة وَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهَا.
 فَصَارَتْ هَذِهِ الْآيَة مُنْعَطِفَة عَلَى مَا قَبْلهَا مُبَيِّنَة لَهَا.
 وَاَللَّه أَعْلَمُ.

### الآية 33:55

> ﻿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ ۗ وَاتَّقِينَ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا [33:55]

إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا
 تَوَعَّدَهُمْ تَعَالَى بِقَوْلِهِ :" إِنَّ اللَّه كَانَ عَلَى كُلّ شَيْء شَهِيدًا ".

### الآية 33:56

> ﻿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [33:56]

عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا
 قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن بُكَيْر : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ اللَّه أَصْحَابه أَنْ يُسَلِّمُوا عَلَيْهِ.
 وَكَذَلِكَ مَنْ بَعْدهمْ أُمِرُوا أَنْ يُسَلِّمُوا عَلَيْهِ عِنْد حُضُورهمْ قَبْره وَعِنْد ذِكْره.
 وَرَوَى النَّسَائِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ ذَات يَوْم وَالْبِشْر يُرَى فِي وَجْهه، فَقُلْت : إِنَّا لَنَرَى الْبُشْرَى فِي وَجْهك ! فَقَالَ :( إِنَّهُ أَتَانِي الْمَلَك فَقَالَ يَا مُحَمَّد إِنَّ رَبّك يَقُول أَمَا يُرْضِيك أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْك أَحَدٌ إِلَّا صَلَّيْت عَلَيْهِ عَشْرًا وَلَا يُسَلِّم عَلَيْك أَحَد إِلَّا سَلَّمْت عَلَيْهِ عَشْرًا ).
 وَعَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَد يُسَلِّم عَلَيَّ إِذَا مُتّ إِلَّا جَاءَنِي سَلَامه مَعَ جِبْرِيل يَقُول يَا مُحَمَّد هَذَا فُلَان بْن فُلَان يَقْرَأ عَلَيْك السَّلَام فَأَقُول وَعَلَيْهِ السَّلَام وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته ) وَرَوَى النَّسَائِيّ عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَة سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْض يُبَلِّغُونِي مِنْ أُمَّتِي السَّلَام ).
 قَالَ الْقُشَيْرِيّ وَالتَّسْلِيم قَوْلك : سَلَام عَلَيْك.

### الآية 33:57

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا [33:57]

وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ سَبَب اِرْتِدَاد الْعَرَب بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَام فِي حَجَّة الْوَدَاع بِجَبَلِ عَرَفَة عَشِيَّة عَرَفَة عِنْد النَّفْر، اِحْتَبَسَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَلِيلًا بِسَبَبِ أُسَامَة إِلَى أَنْ أَتَاهُ ; فَقَالُوا : مَا اِحْتَبَسَ إِلَّا لِأَجْلِ هَذَا ! تَحْقِيرًا لَهُ.
 فَكَانَ قَوْلهمْ هَذَا سَبَب اِرْتِدَادهمْ.
 ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ فِي التَّارِيخ بِمَعْنَاهُ.
 وَاَللَّه أَعْلَمُ.
 الْخَامِسَة : كَانَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَفْرِض لِأُسَامَة فِي الْعَطَاء خَمْسَة آلَاف، وَلِابْنِهِ عَبْد اللَّه أَلْفَيْنِ ; فَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّه : فَضَّلْت عَلَيَّ أُسَامَة وَقَدْ شَهِدْت مَا لَمْ يَشْهَد ! فَقَالَ : إِنَّ أُسَامَة كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْك، وَأَبَاهُ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَبِيك، فَفَضَّلَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مَحْبُوب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَحْبُوبه.
 وَهَكَذَا يَجِب أَنْ يُحَبّ مَا أَحَبَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُبْغَض مَنْ أَبْغَضَ.
 وَقَدْ قَابَلَ مَرْوَان هَذَا الْحُبّ بِنَقِيضِهِ ; وَذَلِكَ أَنَّهُ مَرَّ بِأُسَامَة بْن زَيْد وَهُوَ يُصَلِّي عِنْد بَاب بَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ مَرْوَان : إِنَّمَا أَرَدْنَا أَنْ نَرَى مَكَانَك، فَقَدْ رَأَيْنَا مَكَانك، فَعَلَ اللَّه بِك ! وَقَالَ قَوْلًا قَبِيحًا.
 فَقَالَ لَهُ أُسَامَة : إِنَّك آذَيْتنِي، وَإِنَّك فَاحِش مُتَفَحِّش، وَقَدْ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول :( إِنَّ اللَّه تَعَالَى يُبْغِض الْفَاحِش الْمُتَفَحِّش ).
 فَانْظُرْ مَا بَيْن الْفِعْلَيْنِ وَقِسْ مَا بَيْن الرَّجُلَيْنِ، فَقَدْ آذَى بَنُو أُمَيَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَحْبَابه، وَنَاقَضُوهُ فِي مَحَابِّهِ.
 " لَعَنَهُمْ اللَّه " مَعْنَاهُ أُبْعِدُوا مِنْ كُلّ خَيْر.
 وَاللَّعْن فِي اللُّغَة : الْإِبْعَاد، وَمِنْهُ اللِّعَان.
 " وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا " تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ فِي غَيْر مَوْضِع.
 وَالْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ.

### الآية 33:58

> ﻿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [33:58]

وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا
 أَذِيَّة الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات هِيَ أَيْضًا بِالْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَال الْقَبِيحَة، كَالْبُهْتَانِ وَالتَّكْذِيب الْفَاحِش الْمُخْتَلَق.
 وَهَذِهِ الْآيَة نَظِير الْآيَة الَّتِي فِي النِّسَاء :" وَمَنْ يَكْسِب خَطِيئَة أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدْ اِحْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا " \[ النِّسَاء : ١١٢ \] كَمَا قَالَ هُنَا.
 وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مِنْ الْأَذِيَّة تَعْيِيره بِحَسَبٍ مَذْمُوم، أَوْ حِرْفَة مَذْمُومَة، أَوْ شَيْء يَثْقُل عَلَيْهِ إِذَا سَمِعَهُ، لِأَنَّ أَذَاهُ فِي الْجُمْلَة حَرَام.
 وَقَدْ مَيَّزَ اللَّه تَعَالَى بَيْن أَذَاهُ وَأَذَى الرَّسُول وَأَذَى الْمُؤْمِنِينَ فَجَعَلَ الْأَوَّل كُفْرًا وَالثَّانِيَ كَبِيرَة، فَقَالَ فِي أَذَى الْمُؤْمِنِينَ :" فَقَدْ اِحْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا " وَقَدْ بَيَّنَّاهُ.
 وَرُوِيَ أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب قَالَ لِأُبَيّ بْن كَعْب : قَرَأْت الْبَارِحَة هَذِهِ الْآيَة فَفَزِعْت مِنْهَا " وَاَلَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات بِغَيْرِ مَا اِكْتَسَبُوا " الْآيَة، وَاَللَّه إِنِّي لَأَضْرِبهُمْ وَأَنْهَرهُمْ.
 فَقَالَ لَهُ أُبَيّ : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، لَسْت مِنْهُمْ، إِنَّمَا أَنْتَ مُعَلِّم وَمُقَوِّم.
 وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ سَبَب نُزُول هَذِهِ الْآيَة أَنَّ عُمَر رَأَى جَارِيَة مِنْ الْأَنْصَار فَضَرَبَهَا وَكَرِهَ مَا رَأَى مِنْ زِينَتهَا، فَخَرَجَ أَهْلهَا فَآذَوْا عُمَر بِاللِّسَانِ ; فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة.
 وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي عَلِيّ، فَإِنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يُؤْذُونَهُ وَيَكْذِبُونَ عَلَيْهِ.
 رَضِيَ اللَّه عَنْهُ.

### الآية 33:59

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [33:59]

يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا
 تَأْنِيس لِلنِّسَاءِ فِي تَرْك الْجَلَابِيب قَبْل هَذَا الْأَمْر الْمَشْرُوع.

### الآية 33:60

> ﻿۞ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا [33:60]

ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا
 أَيْ فِي الْمَدِينَة.
 " إِلَّا قَلِيلًا " نُصِبَ عَلَى الْحَال مِنْ الضَّمِير فِي " يُجَاوِرُونَك " ; فَكَانَ الْأَمْر كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا إِلَّا أَقِلَّاء.
 فَهَذَا أَحَد جَوَابَيْ الْفَرَّاء، وَهُوَ الْأَوْلَى عِنْده، أَيْ لَا يُجَاوِرُونَك إِلَّا فِي حَال قِلَّتهمْ.
 وَالْجَوَاب الْآخَر : أَنْ يَكُون الْمَعْنَى إِلَّا وَقْتًا قَلِيلًا، أَيْ لَا يَبْقَوْنَ مَعَك إِلَّا مُدَّة يَسِيرَة، أَيْ لَا يُجَاوِرُونَك فِيهَا إِلَّا جِوَارًا قَلِيلًا حَتَّى يَهْلِكُوا، فَيَكُون نَعْتًا لِمَصْدَرٍ أَوْ ظَرْف مَحْذُوف.
 وَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ مَعَك سَاكِنًا بِالْمَدِينَةِ فَهُوَ جَار.
 وَقَدْ مَضَى فِي " النِّسَاء ".

### الآية 33:61

> ﻿مَلْعُونِينَ ۖ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا [33:61]

مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا
 هَذَا تَمَام الْكَلَام عِنْد مُحَمَّد بْن يَزِيد، وَهُوَ مَنْصُوب عَلَى الْحَال.
 وَقَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ :" قَلِيلًا مَلْعُونِينَ " وَقْف حَسَن.
 النَّحَّاس : وَيَجُوز أَنْ يَكُون التَّمَام " إِلَّا قَلِيلًا " وَتُنْصَب " مَلْعُونِينَ " عَلَى الشَّتْم.
 كَمَا قَرَأَ عِيسَى بْن عُمَر :" وَامْرَأَته حَمَّالَةَ الْحَطَب ".
 وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْض النَّحْوِيِّينَ أَنَّهُ قَالَ : يَكُون الْمَعْنَى أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا مَلْعُونِينَ.
 وَهَذَا خَطَأ لَا يَعْمَل مَا كَانَ مَعَ الْمُجَازَاة فِيمَا قَبْله.
 وَقِيلَ : مَعْنَى الْآيَة إِنْ أَصَرُّوا عَلَى النِّفَاق لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مُقَام بِالْمَدِينَةِ إِلَّا وَهُمْ مَطْرُودُونَ مَلْعُونُونَ.
 وَقَدْ فُعِلَ بِهِمْ هَذَا، فَإِنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ سُورَة " التَّوْبَة " جُمِعُوا، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( يَا فُلَان قُمْ فَاخْرُجْ فَإِنَّك مُنَافِق وَيَا فُلَان قُمْ ) فَقَامَ إِخْوَانهمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَتَوَلَّوْا إِخْرَاجهمْ مِنْ الْمَسْجِد.

### الآية 33:62

> ﻿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ۖ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [33:62]

وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا
 أَيْ تَحْوِيلًا وَتَغْيِيرًا، حَكَاهُ النَّقَّاش.
 وَقَالَ السُّدِّيّ : يَعْنِي أَنَّ مَنْ قُتِلَ بِحَقٍّ فَلَا دِيَة عَلَى قَاتِله.
 الْمَهْدَوِيّ : وَفِي الْآيَة دَلِيل عَلَى جَوَاز تَرْك إِنْفَاذ الْوَعِيد، وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ بَقَاء الْمُنَافِقِينَ مَعَهُ حَتَّى مَاتَ.
 وَالْمَعْرُوف مِنْ أَهْل الْفَضْل إِتْمَام وَعْدهمْ وَتَأْخِير وَعِيدهمْ، وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي " آل عِمْرَان " وَغَيْرهَا.

### الآية 33:63

> ﻿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا [33:63]

لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا
 أَيْ فِي زَمَان قَرِيب.
 وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( بُعِثْت أَنَا وَالسَّاعَة كَهَاتَيْنِ ) وَأَشَارَ إِلَى السَّبَّابَة وَالْوُسْطَى، خَرَّجَهُ أَهْل الصَّحِيح.
 وَقِيلَ : أَيْ لَيْتَ السَّاعَة تَكُون قَرِيبًا، فَحُذِفَ هَاء التَّأْنِيث ذَهَابًا بِالسَّاعَةِ إِلَى الْيَوْم ; كَقَوْلِهِ :" إِنَّ رَحْمَة اللَّه قَرِيب مِنْ الْمُحْسِنِينَ " \[ الْأَعْرَاف : ٥٦ \] وَلَمْ يَقُلْ قَرِيبَة ذَهَابًا بِالرَّحْمَةِ إِلَى الْعَفْو، إِذْ لَيْسَ تَأْنِيثهَا أَصْلِيًّا.
 وَقَدْ مَضَى هَذَا مُسْتَوْفًى.
 وَقِيلَ : إِنَّمَا أَخْفَى وَقْت السَّاعَة لِيَكُونَ الْعَبْد مُسْتَعِدًّا لَهَا فِي كُلّ وَقْت.

### الآية 33:64

> ﻿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا [33:64]

وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا
 أَنَّثَ السَّعِير لِأَنَّهَا بِمَعْنَى النَّار.

### الآية 33:65

> ﻿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [33:65]

خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا
 خَالِدِينَ فِي السَّعِير لَا يَجِدُونَ مَنْ يُنَجِّيهِمْ مِنْ عَذَاب اللَّه وَالْخُلُود فِيهِ.

### الآية 33:66

> ﻿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا [33:66]

يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا
 وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمَعْنَى : يَقُولُونَ يَوْم تُقَلَّب وُجُوههمْ فِي النَّار يَا لَيْتَنَا.
 أَيْ لَمْ نَكْفُر فَنَنْجُو مِنْ هَذَا الْعَذَاب كَمَا نَجَا الْمُؤْمِنُونَ.
 وَهَذِهِ الْأَلِف تَقَع فِي الْفَوَاصِل فَيُوقَف عَلَيْهَا وَلَا يُوصَل بِهَا.
 وَكَذَا " السَّبِيلَا " وَقَدْ مَضَى فِي أَوَّل السُّورَة.

### الآية 33:67

> ﻿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا [33:67]

فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ
 أَيْ عَنْ السَّبِيل وَهُوَ التَّوْحِيد، فَلَمَّا حُذِفَ الْجَارّ وُصِلَ الْفِعْلُ فَنُصِبَ.
 وَالْإِضْلَال لَا يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ مِنْ غَيْر تَوَسُّط حَرْف الْجَرّ، كَقَوْلِهِ :" لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْر " \[ الْفُرْقَان : ٢٩ \]

### الآية 33:68

> ﻿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا [33:68]

وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا
 قَرَأَ اِبْن مَسْعُود وَأَصْحَابه وَيَحْيَى وَعَاصِم بِالْبَاءِ.
 الْبَاقُونَ بِالثَّاءِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو حَاتِم وَأَبُو عُبَيْد وَالنَّحَّاس، لِقَوْلِهِ تَعَالَى :" أُولَئِكَ يَلْعَنهُمْ اللَّه وَيَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ " \[ الْبَقَرَة : ١٥٩ \] وَهَذَا الْمَعْنَى كَثِير.
 وَقَالَ مُحَمَّد بْن أَبِي السَّرِيّ : رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَنِّي فِي مَسْجِد عَسْقَلَان وَكَأَنَّ رَجُلًا يُنَاظِرنِي فِيمَنْ يُبْغِض أَصْحَاب مُحَمَّد فَقَالَ : وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَثِيرًا، ثُمَّ كَرَّرَهَا حَتَّى غَابَ عَنِّي، لَا يَقُولهَا إِلَّا بِالثَّاءِ.
 وَقِرَاءَة الْبَاء تَرْجِع فِي الْمَعْنَى إِلَى الثَّاء ; لِأَنَّ مَا كَبُرَ كَانَ كَثِيرًا عَظِيم الْمِقْدَار.

### الآية 33:69

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا ۚ وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا [33:69]

قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ
 أَيْ عَظِيمًا.
 وَالْوَجِيه عِنْد الْعَرَب : الْعَظِيم الْقَدْر الرَّفِيع الْمَنْزِلَة.
 وَيُرْوَى أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَأَلَ اللَّه شَيْئًا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ.
 وَقَرَأَ اِبْن مَسْعُود :" وَكَانَ عَبْدًا لِلَّهِ ".
 وَقِيلَ : مَعْنَى " وَجِيهًا " أَيْ كَلَّمَهُ تَكْلِيمًا.
 قَالَ أَبُو بَكْر الْأَنْبَارِيّ فِي ( كِتَاب الرَّدّ ) : زَعَمَ مَنْ طَعَنَ فِي الْقُرْآن أَنَّ الْمُسْلِمِينَ صَحَّفُوا " وَكَانَ عِنْد اللَّه وَجِيهًا " وَأَنَّ الصَّوَاب عِنْده " وَكَانَ عَبْدًا لِلَّهِ وَجِيهًا " وَذَلِكَ يَدُلّ عَلَى ضَعْف مَقْصِده وَنُقْصَان فَهْمه وَقِلَّة عِلْمه، وَذَلِكَ أَنَّ الْآيَة لَوْ حُمِلَتْ عَلَى قَوْله وَقُرِئَتْ :" وَكَانَ عَبْدًا " نَقَصَ الثَّنَاء عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام ; وَذَلِكَ أَنَّ " وَجِيهًا " يَكُون عِنْد أَهْل الدُّنْيَا وَعِنْد أَهْل زَمَانه وَعِنْد أَهْل الْآخِرَة، فَلَا يُوقَف عَلَى مَكَان الْمَدْح، لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ وَجِيهًا عِنْد بَنِي الدُّنْيَا كَانَ ذَلِكَ إِنْعَامًا مِنْ اللَّه عَلَيْهِ لَا يَبِين عَلَيْهِ مَعَهُ ثَنَاء مِنْ اللَّه.
 فَلَمَّا أَوْضَحَ اللَّه تَعَالَى مَوْضِع الْمَدْح بِقَوْلِهِ :" وَكَانَ عِنْد اللَّه وَجِيهًا " اِسْتَحَقَّ الشَّرَف وَأَعْظَمَ الرِّفْعَة بِأَنَّ الْوَجَاهَة عِنْد اللَّه، فَمَنْ غَيَّرَ اللَّفْظَ صَرَفَ عَنْ نَبِيّ اللَّه أَفْخَرَ الثَّنَاء وَأَعْظَمَ الْمَدْح.

### الآية 33:70

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا [33:70]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا
 أَيْ قَصْدًا وَحَقًّا.
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : أَيْ صَوَابًا.
 وَقَالَ قَتَادَة وَمُقَاتِل : يَعْنِي قُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا فِي شَأْن زَيْنَب وَزَيْد، وَلَا تَنْسُبُوا النَّبِيّ إِلَى مَا لَا يَحِلّ.
 وَقَالَ عِكْرِمَة وَابْن عَبَّاس أَيْضًا : الْقَوْل السَّدَاد لَا إِلَه إِلَّا اللَّه.
 وَقِيلَ : هُوَ الَّذِي يُوَافِق ظَاهِره بَاطِنه.
 وَقِيلَ : هُوَ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْه اللَّه دُون غَيْره.
 وَقِيلَ : هُوَ الْإِصْلَاح بَيْن الْمُتَشَاجِرِينَ.
 وَهُوَ مَأْخُوذ مِنْ تَسْدِيد السَّهْم لِيُصَابَ بِهِ الْغَرَضُ.
 وَالْقَوْل السَّدَاد يَعُمّ الْخَيْرَات، فَهُوَ عَامّ فِي جَمِيع مَا ذُكِرَ وَغَيْر ذَلِكَ.
 وَظَاهِر الْآيَة يُعْطِي أَنَّهُ إِنَّمَا أَشَارَ إِلَى مَا يَكُون خِلَافًا لِلْأَذَى الَّذِي قِيلَ فِي جِهَة الرَّسُول وَجِهَة الْمُؤْمِنِينَ.

### الآية 33:71

> ﻿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [33:71]

وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا
 أَيْ فِيمَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ

### الآية 33:72

> ﻿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [33:72]

وَأَمَّا الْآثَار الَّتِي هِيَ بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ، فَحَدَّثَنِي أَبِي رَحِمَهُ اللَّه قَالَ حَدَّثَنَا الْفَيْض بْن الْفَضْل الْكُوفِيّ حَدَّثَنَا السَّرِيّ بْن إِسْمَاعِيل عَنْ عَامِر الشَّعْبِيّ عَنْ مَسْرُوق عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود قَالَ : لَمَّا خَلَقَ اللَّه الْأَمَانَة مَثَّلَهَا صَخْرَة، ثُمَّ وَضَعَهَا حَيْثُ شَاءَ، ثُمَّ دَعَا لَهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال لِيَحْمِلْنَهَا، وَقَالَ لَهُنَّ : إِنَّ هَذِهِ " الْأَمَانَة "، وَلَهَا ثَوَاب وَعَلَيْهَا عِقَاب ; قَالُوا : يَا رَبّ، لَا طَاقَة لَنَا بِهَا ; وَأَقْبَلَ الْإِنْسَان مِنْ قَبْل أَنْ يُدْعَى فَقَالَ لِلسَّمَوَاتِ وَالْأَرْض وَالْجِبَال : مَا وُقُوفكُمْ ؟ قَالُوا : دَعَانَا رَبّنَا أَنْ نَحْمِل هَذِهِ فَأَشْفَقْنَا مِنْهَا وَلَمْ نُطِقْهَا ; قَالَ : فَحَرَّكَهَا بِيَدِهِ وَقَالَ : وَاَللَّه لَوْ شِئْت أَنْ أَحْمِلهَا لَحَمَلْتهَا ; فَحَمَلَهَا حَتَّى بَلَغَ بِهَا إِلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ وَضَعَهَا وَقَالَ : وَاَللَّه لَوْ شِئْت أَنْ أَزْدَاد لَازْدَدْت ; قَالُوا : دُونَك ! فَحَمَلَهَا حَتَّى بَلَغَ بِهَا حَقْوَيْهِ، ثُمَّ وَضَعَهَا وَقَالَ : وَاَللَّه لَوْ شِئْت أَنْ أَزْدَاد لَازْدَدْت ; قَالُوا : دُونك، فَحَمَلَهَا حَتَّى وَضَعَهَا عَلَى عَاتِقه، فَلَمَّا أَهْوَى لِيَضَعهَا، قَالُوا : مَكَانك ! إِنَّ هَذِهِ " الْأَمَانَة " وَلَهَا ثَوَاب وَعَلَيْهَا عِقَاب، وَأَمَرَنَا رَبّنَا أَنْ نَحْمِلهَا فَأَشْفَقْنَا مِنْهَا، وَحَمَلْتهَا أَنْتَ مِنْ غَيْر أَنْ تُدْعَى لَهَا، فَهِيَ فِي عُنُقك وَفِي أَعْنَاق ذُرِّيَّتك إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، إِنَّك كُنْت ظَلُومًا جَهُولًا.
 وَذَكَرَ أَخْبَارًا عَنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ تَقَدَّمَ أَكْثَرُهَا.
 " وَحَمَلَهَا الْإِنْسَان " أَيْ اِلْتَزَمَ الْقِيَام بِحَقِّهَا، وَهُوَ فِي ذَلِكَ ظَلُوم لِنَفْسِهِ.
 وَقَالَ قَتَادَة : لِلْأَمَانَةِ، جَهُول بِقَدْرِ مَا دَخَلَ فِيهِ.
 وَهَذَا تَأْوِيل اِبْن عَبَّاس وَابْن جُبَيْر.
 وَقَالَ الْحَسَن : جَهُول بِرَبِّهِ.
 قَالَ : وَمَعْنَى " حَمَلَهَا " خَانَ فِيهَا.
 وَقَالَ الزَّجَّاج : وَالْآيَة فِي الْكَافِر وَالْمُنَافِق وَالْعُصَاة عَلَى قَدْرهمْ عَلَى هَذَا التَّأْوِيل.
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَأَصْحَابه وَالضَّحَّاك وَغَيْره :" الْإِنْسَان " آدَم، تَحَمَّلَ الْأَمَانَة فَمَا تَمَّ لَهُ يَوْمٌ حَتَّى عَصَى الْمَعْصِيَة الَّتِي أَخْرَجَتْهُ مِنْ الْجَنَّة.
 وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ لَهُ : أَتَحْمِلُ هَذِهِ الْأَمَانَة بِمَا فِيهَا.
 قَالَ وَمَا فِيهَا ؟ قَالَ : إِنْ أَحْسَنْت جُزِيت وَإِنْ أَسَأْت عُوقِبْت.
 قَالَ : أَنَا أَحْمِلهَا بِمَا فِيهَا بَيْن أُذُنِي وَعَاتِقِي.
 فَقَالَ اللَّه تَعَالَى لَهُ : إِنِّي سَأُعِينُك، قَدْ جَعَلْت لِبَصَرِك حِجَابًا فَأَغْلِقْهُ عَمَّا لَا يَحِلّ لَك، وَلِفَرْجِك لِبَاسًا فَلَا تَكْشِفهُ إِلَّا عَلَى مَا أَحْلَلْت لَك.
 وَقَالَ قَوْم :" الْإِنْسَان " النَّوْع كُلّه.
 وَهَذَا حَسَن مَعَ عُمُوم الْأَمَانَة كَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا.
 وَقَالَ السُّدِّيّ : الْإِنْسَان قَابِيل.
 فَاَللَّه أَعْلَمُ.

### الآية 33:73

> ﻿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [33:73]

وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا
 خَبَر بَعْد خَبَر ل " كَانَ ".
 وَيَجُوز أَنْ يَكُون نَعْتًا لِغَفُورٍ، وَيَجُوز أَنْ يَكُون حَالًا مِنْ الْمُضْمَر.
 وَاَللَّه أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/33.md)
- [كل تفاسير سورة الأحزاب
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/33.md)
- [ترجمات سورة الأحزاب
](https://quranpedia.net/translations/33.md)
- [صفحة الكتاب: الجامع لأحكام القرآن](https://quranpedia.net/book/1469.md)
- [المؤلف: القرطبي](https://quranpedia.net/person/3966.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/33/book/1469) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
