---
title: "تفسير سورة الأحزاب - روح المعاني - الألوسي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/33/book/301.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/33/book/301"
surah_id: "33"
book_id: "301"
book_name: "روح المعاني"
author: "الألوسي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الأحزاب - روح المعاني - الألوسي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/33/book/301)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الأحزاب - روح المعاني - الألوسي — https://quranpedia.net/surah/1/33/book/301*.

Tafsir of Surah الأحزاب from "روح المعاني" by الألوسي.

### الآية 33:1

> يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [33:1]

يَا أَيُّهَا النَّبيُّ اتَّق الله  ناداه جل وعلا بوصفه عليه الصلاة والسلام دون اسمه تعظيماً له وتفخيماً قال في الكشاف. إنه تعالى جعل نداءه من بين الأنبياء عليهم السلام بالوصف كرامة له عليه الصلاة والسلام وتشريفاً وربأ بمحله وتنويهاً بفضله، وأوقع اسمه في الأخبار في قوله تعالى : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله  \[ الفتح : ٩ ٢ \]  وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ  \[ آل عمران : ٤ ١٤ \] لتعليم الناس بأنه رسول وتلقين لهم أن يسموه بذلك ويدعوه به فلا تفاوت بين النداء والأخبار، ألا ترى إلى ما لم يقصد به التعليم والتلقين من الأخبار كيف ذكره تعالى بنحو ما ذكره في النداء كما في قوله تعالى : لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ  \[ التوبة : ١٢٨ \]  وَقَالَ الرسول يا رب  \[ الفرقان : ٠ ٣ \]  النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ  \[ الأحزاب : ٦ \] إلى غير ذلك. 
وتعقبه في الكشف بأن أمر التعليم والتلقين في قوله تعالى : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله  \[ الفتح : ٩ ٢ \] ظاهر أما في قوله تعالى : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ  \[ آل عمران : ١٤٤ \] فلا، على أن قوله تعالى : وَءامَنُواْ بما نزل على محمد  \[ محمد : ٢ \] ينقض ما بناه، نعم النداء يناسب التعظيم وربما يكون نداء سائر الأنبياء عليهم السلام في كتبهم أيضاً على نحو منه، وحكى في القرآن بأسمائهم دفعاً للالباس، والأشبه أنه لما قل ذكره صلى الله عليه وسلم باسمه دل على أنه أعظم شأناً صلوات الله تعالى وسلامه عليه وعليهم أجمعين، وفيه نظر. 
واختار الطيبي طيب الله تعالى ثراه أن النداء المذكور هنا للاحتراس وجبر ما يوهمه الأمر والنهي كقوله تعالى : عَفَا الله عَنكَ لَّمّاً أَذِنتَ لَهُمْ  \[ التوبة : ٤٣ \] وظاهر سياق ما بعد أن المعنى بالأمر بالتقوى هو النبي صلى الله عليه وسلم لا أمته كما قيل في نظائره والمقصود الدوام والثبات عليها، وقيل : الازدياد منها فإن لها باباً واسعاً وعرضاً عريضاً لا ينال مداه  وَلاَ تُطِعِ الكافرين  أي المجاهرين بالكفر  والمنافقين  المضمرين لذلك فيما يريدون من الباطل ؛ أخرج ابن جرير عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : إن أهل مكة منهم الوليد بن المغيرة. وشيبة بن ربيعة دعوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع عن قوله على أن يعطوه شطر أموالهم وخوفه المنافقون واليهود بالمدينة إن لم يرجع قتلوه فنزلت، وذكر الثعلبي. والواحدي بغير إسناد أن أبا سفيان ابن حرب. وعكرمة بن أبي جهل. وأبا الأعور السلمي قدموا عليه عليه الصلاة والسلام في زمان الموادعة التي كانت بينه صلى الله عليه وسلم وبينهم وقام معهم عبد الله بن أبي. 
ومعتب بن قشير. والجد بن قيس فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ارفض ذكر آلهتنا وقل : إنها تشفع وتنفع وندعك وربك فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وهموا بقتلهم فنزلت، وقيل : نزلت في ناس من ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلبوا منه عليه الصلاة والسلام أن يمتعهم باللات والعزى سنة قالوا : لتعلم قريش منزلتنا منك ولا يبعد أن يكون المراد بالنهي الثبات على عدم الإطاعة، وذكره بعد الأمر بالتقوى المراد منه الثبات عليها على ما قيل من قبيل التخصيص بعد التعميم لاقتضاء المقام الاهتمام به، وقيل : من قبيل التأكيد، وقيل : متعلق كل من التقوى والإطاعة مغاير للآخر على ما روي الواحدي، والثعلبي، والمعنى اتق الله تعالى في نقض العهد ونبذ الموادعة ولا تطع الكافرين من أهل مكة والمنافقين من أهل المدينة فيما طلبوا منك من رفض ذكر آلهتهم وقولك : إنها تشفع وتنفع وكأنه إنما قدم الأمر بتقوى الله تعالى في نقض العهد لما أن المؤمنين قد هموا بما يقتضيه بخلاف الإطاعة المنهى عنها فإنها مما لم يهم بما يقتضيها أحد أصلاً فكان الاهتمام بالأمر أتم من الاهتمام بذلك النهي  إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً  مبالغاً في العلم والحكمة فيعلم الأشياء من المصالح والمفاسد فلا يأمرك إلا بما فيه مصلحة ولا ينهاك ألا عما فيه مفسدة ولا يحكم إلا بما تقتضيه الحكمة البالغة فالجملة تعليل للأمر والنهي مؤكد لوجوب الامتثال بها. 
وقيل : المعنى إن الله كان عليماً بمن يتقي فيجازيه بما يليق به حكيماً في هدى من شاؤوا ضلال من شاء فالجملة تسلية له صلى الله عليه وسلم، وليس بشيء. 
ومن باب الإشارة : في آيات من هذه السورة الكريمة : يا أيها النبي اتق الله  \[ الأحزاب : ١ \] الخ فيه إشارة إلى عظم شأن التقوى وكذا شأن كل أمر ونهي يتعلقان به عليه الصلاة والسلام، وفيه أيضاً إشارة إلى أنه لا ينبغي محبة أعداء الله عز وجل حيث نهى عن طاعتهم وهما كالمتلازمين

### الآية 33:2

> ﻿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [33:2]

**وقوله تعالى :**
 واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ مِن رَبّكَ  عطف على ما تقدم من قبيل عطف العام على الخاص أي اتبع في كل ما تأتي وتذر من أمور الدين ما يوحى إليك من الآيات التي من جملتها هذه الآية الآمرة بتقوى الله تعالى الناهية عن إطاعة الكفرة والمنافقين، والتعرض لعنوان الربوبية لتأكيد وجوب الامتثال بالأمر  إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً  قيل : الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والجمع للتعظيم، وقال أبو البقاء : إنما جاء بالجمع لأنه عني بقوله تعالى : أَتَّبِعُ مَا يِوحَى  الخ اتبع أنت وأصحابك ؛ وقيل : للغائبين من الكفرة المنافقين وبطريق الالتفات. ولا يخفى بعده. نعم يجوز أن يكون للكل على ضرب من التغليب، وأياً ما كان فالجملة تعليل للأمر وتأكيد لموجبه فكأنه قيل على الأول : إن الله تعالى يعلم بما تعمل فيرشدك إلى ما فيه الصلاح فلا بد من اتباع الوحي والعمل بمقتضاه حتماً، وعلى الثاني إن الله تعالى خبير بما يعمل الكفرة والمنافقون من الكيد والمكر فيأمرك سبحانه بما يدفعه فلا بد من اتباع ما يوحيه جل وعلا إليك، وعلى الثالث إن الله تعالى خبير بما تعمل ويعمل الكفرة والمنافقون فيرشدك إلى ما فيه صلاح حالك ويطلعك على كيدهم ومكرهم ويأمرك جل شأنه بما يدفع ذلك ويرده فلا بد من اتباع وحيه تعالى والعمل بموجبه. وقرأ أبو عمرو  يَعْمَلُونَ  بياء الغيبة على أن الضمير للكفرة والمنافقين. 
وجوز كونه عاماً فلا تغفل.

### الآية 33:3

> ﻿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا [33:3]

وَتَوَكَّلْ عَلَى الله  أي فوض جميع أمورك إليه عز وجل  وكفى بالله وَكِيلاً  حافظاً موكولاً إليه الأمور، والإظهار في مقام الإضمار للتعظيم ولتستقل الجملة استقلال المثل.

### الآية 33:4

> ﻿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ۚ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ۚ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ ۖ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [33:4]

مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ  أخرج أحمد. والترمذي وحسنه. وابن جرير. وابن المنذر. وابن أبي حاتم. والحاكم وصححه. وابن مردويه. والضياء في المختارة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : قام النبي صلى الله عليه وسلم يوماً يصلي فخطر خطرة فقال المنافقون الذين يصلون معه ألا ترى أن له قلبين قلباً معكم وقلباً معهم فنزلت، وفي رواية عنه رضي الله تعالى عنه صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة فسها فيها فخطرت منه كلمة فسمعها المنافقون فأكثروا فقالوا : إن له قلبين ألم تسمعوا إلى قوله وكلامه في الصلاة إن له قلباً معكم وقلباً مع أصحابه فنزلت، وقال مقاتل في تفسيره. وإسماعيل بن أبي زياد الشامي. وغيرهما : نزلت في أبي معمر الفهري كان أهل مكة يقولون : له قلبان من قوة حفظه وكانت العرب تزعم أن كل لبيب أريب له قلبان حقيقة، وأبو معمر هذا أشتهر بين أهل مكة بذي القلبين وهو على ما في الإصابة جميل بن أسيد مصغر الأسد، وقيل : ابن أسد مكبراً وسماه ابن دريد عبد الله بن وهب، وقيل : إن ذا القلبين هو جميل بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة ابن جمح الجمحي وهو المعنى بقوله : وكيف ثوائى البيت وقد تقدم في تفسير سورة لقمان، والمعول على ما في الإصابة، وحكى أنه كان يقول : إن لي قلبين أفهم بأحدهما أكثر مما يفهم محمد صلى الله عليه وسلم فروي أنه انهزم يوم بدر فمر بأبي سفيان وهو معلق احدى نعليه بيده والأخرى في رجله فقال له أبو سفيان : ما فعل الناس ؟ فقال : هم ما بين مقتول وهارب فقال له : ما بال إحدى نعليك في رجلك والأخرى في يدك ؟ فقال : ما ظننت إلا أنهما في رجلي فأكذب الله تعالى قوله وقولهم. 
وعن الحسن أنه كان جماعة يقول الواحد منهم : نفس تأمرني ونفس تنهاني فنزلت، والجعل بمعنى الخلق ومن سيف خطيب، والمراد ما خلق سبحانه لأحد أو لذي قلب من الحيوان مطلقاً قلبين فخصوص الرجل ليس بمقصود وتخصيصه بالذكر لكمال لزوم الحياة فيه فإذا لم يكن ذلك له فكيف بغيره من الإناث، وأما الصبيان فمآلهم إلى الرجولية، وقوله سبحانه : فِى جَوْفِهِ  للتأكيد والتصوير كالقلوب في قوله تعالى : ولكن تعمى القلوب التى فِى الصدور  \[ الحج : ٤٦ \] وذكر في بيان عدم جعله تعالى قلبين في جوف بناء على ما هو الظاهر من أن المراد بالقلب المضغة الصنوبرية أن النفس الناطقة وكذا الحيوانية لا بد لها من متعلق ومتعلقها هو الروح وهو جسم لطيف بخاري يتكون من ألطف أجزاء الأغذية لأن شد الأعصاب يبطل قوى الحس والحركة عما وراء موضع الشد مما لا يلي جهة الدماغ والشد لا يمنع إلا نفوذ الأجسام، والتجارب الطبية أيضاً شاهدة بذلك، وحيث أن النفس واحدة فلا بد من عضو واحد يكون تعلقها به أو لإثم بسائر الأعضاء بواسطته. 
وقد ذكر غير واحد أن أول عضو يخلق هو القلب فإنه المجمع للروح فيجب أن يكون التعلق أولاً به ثم بواسطته بالدماغ والكبد وبسائر الأعضاء فمنبع القوى بأسرها منه وذلك يمنع التعدد إذ لو تعدد بأن كان هناك قلبان لزم أن يكون كل منهما أصلاً للقوى وغير أصل لها أو توارد علتين على معلول واحد، ولا يخفى على من له قلب أن هذا مع ابتنائه على مقدمات لا تكاد تثبت عند أكثر الإسلاميين من السلف الصالح والخفل المتأخرين ولو بشق الأنفس أمر اقناعي لا برهان قطعي، على أن للفلسفي أيضاً له فيه مقالاً، وقد يفسر القلب بالنفس بناء على أن سبب النزول ما روى عن الحسن إطلاقاً للمعلق على المتعلق وقد بينوا وحدة النفس وأنه لا يجوز أن تتعلق نفسان فأكثر ببدن بما يطول ذكره، وللبحث فيه مجال فليراجع، ثم إن هذا التفسير بناء على أن سبب النزول ما ذكر غير متعين بل يجوز تفسير القلب عليه بما هو الظاهر المتبادر أيضاً، وحيث أن القلب متعلق النفس يكون نفي جعل القلبين دالاً على نفي النفسين فتدبر. 
 وَمَا جَعَلَ أزواجكم اللائى تظاهرون مِنْهُنَّ أمهاتكم  إبطال لما كان في الجاهلية من أجزاء أحكام الأمومة على المظاهر منها، والظاهر لغة مصدر ظاهر وهو مفاعلة من الظهر ويستعمل في معان مختلفة راجعة إليه معنى ولفظاً بحسب اختلاف الأغراض فيقال ظاهرته إذا قابلت ظهرك بظهره حقيقة وكذا إذا غايظته باعتبار أن المغايظة تقتضي هذه المقابلة، وظاهرته إذا نصرته باعتبار أنه يقال : قوى ظهره إذا نصره وظاهرت بين ثوبين إذا لبست أحدهما فوق الآخر على اعتبار جعل ما يلي بك كل منهما الآخر ظهراً للثوب، ويقال : ظاهر من زوجته إذ قال لها أنت علي كظهر أمي نظير لبي إذ قال لبيك وأفف إذ قال أف، وكون لفظ الظهر في بعض هذه التراكيب مجازاً لا يمنع الاشتقاق منه ويكون المشتق مجازاً أيضاً والمراد منه هنا المعنى الأخير، وكان ذلك طلاقاً منهم. 
وإنما عدي بمن مع أنه يتعدى بنفسه لتضمنه معنى التباعد ونحوه مما فيه معنى المجانبة ويتعدى بمن، والظهر في ذلك مجاز على ما قيل عن البطن لأنه إنما يركب البطن فقوله : كظهر أمي بمعنى كبطنها بعلاقة المجاورة ولأنه عموده، قال ابن الهمام : لكن لا يظهر ما هو الصارف عن الحقيقة من النكات، وقال الأزهري معناه : خصوا الظهر لأنه محل الركوب والمرأة تركب إذا غشيت فهو كناية تلويحية انتقل من الظهر إلى المركوب ومنه إلى المغشي، والمعنى أنت محرمة على لا تركبين كما لا يركب ظهر الأم وقيل : خص الظهر لأن إتيان المرأة من ظهرها في قبلها كان حراماً عندهم فإتيان أمه من ظهرها أحرم فكثر التغليظ، وقيل : كنوا بالظهر عن البطن لأنهم يستقبحون ذكر الفرج وما يقرب منه سيما في الأم وما شبه بها، وليس بذاك، وهو في الشرع تشبيه الزوجة أو جزء منها شائع أو معبر به عن الكل بما لا يحل النظر إليه من المحرمة على التأبيد ولو برضاع أو صهرية وزاد في النهاية قيد الاتفاق ليخرج التشبيه بما لا يحل النظر إليه ممن اختلف في تحريمها كالبنت من الزنا وتحقيق الحق في ذلك في **«فتح القدير »**، وخص باسم الظهار تغليباً للظهر لأنه كان الأصل في استعمالهم وشرطه في المرأة كونها زوجة وفي الرجل كونه من أهل الكفارة، وركنه اللفظ المشتمل على ذلك التشبيه، وحكمه حرمة الوطء ودواعيه إلى وجود الكفارة، وتمام الكلام فيه في كتب الفروع، وسيأتي إن شاء الله تعالى بعض ذلك في محله. 
وقرأ قالون. وقنبل هنا وفي المجادلة والطلاق  اللاء  بالهمز من غير ياء، وورش بياء مختلسة الكسرة، والبزي. وأبو عمرو  اللاي  بياء ساكنة بدلاً من الهمزة وهو بدل مسموع لا مقيس وهي لغة قريش، وقرأ أهل الكوفة غير عاصم  ديارهم تظاهرون  بفتح التاء وتخفيف الظاء وأصله تتظاهرون فحذفت إحدى التاءين. 
وقرأ ابن عامر  تظاهرون  بفتح التاء وتشديد الظاء وأصله كما تقدم إلا أنه أدغمت التاء الثانية في الظاء. 
وقرأ الحسن  تُظْهِرُونَ  بضم التاء وفتح الظاء المخففة وشد الهاء المكسورة مضارع ظهر بتشديد الهاء بمعنى ظاهر كعقد بمعنى عاقد، وقرأ ابن وثاب فيما نقل ابن عطية  تُظْهِرُونَ  بضم التاء وسكون الظاء وكسر الهاء مضارع أظهر، وقرأ هرون عن أبي عمرو و  تُظْهِرُونَ  بفتح التاء والهاء وسكون الظاء مضارع ظهر بتخفيف الهاء، وفي مصحف أبي  تتظهرون  بتاءين ومعنى الكل واحد. 
 أمهاتكم وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ  إبطال لما كان في الجاهلية أيضاً وصدر من الإسلام من أنه إذا تبنى الرجل ولد غيره أجريت أحكام البنوة عليه، وقد تبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة زيد بن حارثة. والخطاب عامر بن ربيعة. وأبو حذيفة مولاه سالماً إلى غير ذلك، وأخرج ابن أبي شيبة. وابن جرير. وابن المنذر عن مجاهد أن قوله تعالى : وَمَا جَعَلَ  الخ، نزلت في زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه. 
و  أدعياء  جمع دعى وهو الذي يدعى ابناً فهو فعيل بمعنى مفعول وقياسه أن يجمع على فعلي كجريح وجرحى لا على أفعلاء فإن الجمع عليه قياس فعيل المعتل اللام بمعنى فاعل كتقي وأتقياء فكأنه شبه به في اللفظ فحمل عليه وجمع جمعه كما قالوا في أسير وقتيل أسراء وقتلاء، وقيل : إن هذا الجمع مقيس في المعتل مطلقاً، وفيه نظر. 
 الاخر ذلكم  قيل : إشارة إلى ما يفهم من الجمل الثلاثة من أنه قد يكون قلبان في جوف والظهار والإدعاء. 
وقيل : إلى ما يفهم من الأخيرتين، وقيل : إلى ما يفهم من الأخيرة  قَوْلُكُم بأفواهكم  فقط من غير أن يكون له مصداق وحقيقة في الواقع ونفس الأمر فإذن هو بمعزل عن القبول أو استتباع الأحكام كما زعمتم. 
  والله يَقُولُ الحق  الثابت المحقق في نفس الأمر  وَهُوَ يَهْدِى السبيل  أي سبيل الحق فدعو قولكم وخذوا بقوله عز وجل. 
وقرأ قتادة على ما في **«البحر »**  يَهْدِى  بضم الياء وفتح الهاء وشد الدال، وفي **«الكشاف »** أنه قرأ  وَهُوَ الذي يَهْدِى السبيل . 
ومن باب الإشارة : مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ  لأن موقعه في البدن موقع الرئيس في المملكة والحكمة تقتضي وحدة الرئيس، وفي الخبر **«إذا بويع خليفتان فاقتلوا أحدهما »**
وقيل : إن ذاك لتشعر وحدته في بدن الإنسان الذي هو العالم الأصغر المنطوي فيه العالم الأكبر بوحدة الله سبحانه في الوجود، وينبغي أن يعلم أن للقلب عندهم كما قال الصدر القونوي إطلاقين الأول : إطلاقه على اللحم الصنوبري الشكل المعروف عند الخاصة والعامة، والثاني : إطلاقه على الحقيقة الجامعة بين الأوصاف والشؤون الربانية وبين الخصائص والأحوال الكونية الروحانية منها والطبيعية وهي تنشأ من بين الهيئة الاجتماعية الواقعة بين الصفات والحقائق الإلهية والكونية وما يشتمل عليه هذان الأصلان من الأخلاق والصفات اللازمة وما يتولد من بينهما بعد الارتياض والتزكية وظهور ذلك مما ذكر ظهور السواد بين العفص والزاج والماء وهذا هو القلب الذي أخبر عنه الحق على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله سبحانه :**«ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن التقي النقي الوادع »** وهو محل نظر الحق ومنصة تجليه ومهبط أمره ومنزل تدليه واللحم الصنوبري أحقر من حيث صورته أن يكون محل سره جل وعلا فضلاً عن أن يسعه سبحانه ويكون مطمح نظره الأعلى ومستواه، وادعوا أن تسمية ذلك الصنوبري الشكل بالقلب على سبيل المجاز باعتبار تسمية الصفة والحامل باسم الموصوف والمحمول  وَمَا جَعَلَ أزواجكم اللائى تظاهرون مِنْهُنَّ أمهاتكم وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ  \[ الأحزاب : ٤ \] فيه أن الحقائق لا تنقلب وأن في القرابة النسبية خواص لا تكون في القرابة السببية فأين الأزواج من الأمهات والأدعياء من الأبناء فالأمهات أصول ولا كذلك الأزواج والأبناء فروع ولا كذلك الأدعياء، ومن هنا قيل : الولد سر أبيه، وقد أورده الشمس الفناري في مصباح الأنس حديثاً بصيغة الجزم من غير عزو ولا سند ولا يصح ذلك عند المحدثين، وهو إشارة إلى الأوصاف والأخلاق والكمالات التي يحصلها الولد بالسراية من والده لا بواسطة توجه القلب إلى حضرة الغيب الإلهي وعالم المعاني فإنه باعتبار ذلك قد تحصل للولد أوصاف وأخلاق على خلاف حال والده، ومنه يظهر سر  يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت  \[ الأنعام : ٥ ٩ \]

### الآية 33:5

> ﻿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ۚ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ۚ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَٰكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [33:5]

ادعوهم لآِبَائِهِمْ  أي انسبوهم إليهم وخصوهم بهم، أخرج الشيخان. والترمذي. والنسائي. وغيرهم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن  ادعوهم لآِبَائِهِمْ  الخ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أنت زيد بن حارثة بن شراحيل، وكان من أمره رضي الله تعالى عنه على ما أخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنه كان في أخواله بني معن من بني ثعل من طي فأصيب في نهب من طي فقدم به سوق عكاظ وانطلق حكيم بن حزام بن خويلد إلى عكاظ يتسوق بها فأوصته عمته خديجة أو يبتاع لها غلاماً ظريفاً عربياً إن قدر عليه فلما قدم وجد زيداً يباع فيها فأعجبه ظرفه فابتاعه فقدم به عليها وقال لها : إني قد ابتعت لك غلاماً ظريفاً عربياً فإن أعجبك فخذيه وإلا فدعيه فإنه قد أعجبني فلما رأته خديجة فأخذته فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عندها فأعجب النبي عليه الصلاة والسلام ظرفه فاستوهبه منها. فقالت أهبه لك فإن أردت عتقه فالولاء لي فأبى عليهما عليه الصلاة والسلام فأوهبته له إن شاء أعتق وإن شاء أملك قال : فشب عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم إنه خرج في إبل لأبي طالب بأرض الشام فمر بأرض قومه فعرفه عمه فقام إليه فقال : من أنت يا غلام ؟ قال : غلام من أهل مكة قال : من أنفسهم ؟ قال : لا قال : فحر أنت أم مملوك قال : بل مملوك قال : لمن ؟ قال : لمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب فقال له : أعرابي أنت أم عجمي ؟ قال : عربي قال : ممن أصلك ؟ قال : من كلب قال : من أي كلب ؟ قال : من بني عبد ود قال : ويحك ابن من أنت ؟ قال : ابن حارثة بن شراحيل قال : وأيت أصبت ؟ قال : في أخوالي قال : ومن أخوالك ؟ قال طي قال : ما اسم أمك ؟ قال : سعدى فالتزمه وقال : ابن حارثة ودعا أباه فقال : يا حارثة هذا ابنك فأتاه حارثة فلما نظر إليه عرفه قال : كيف صنع مولاك إليك ؟ قال : يؤثرني على أهله وولده فركب معه أبوه وعمه وأخوه حتى قدموا مكة فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له حارثة : يا محمد أنتم أهل حرم الله تعالى وجيرانه وعند بيته تفكون العاني وتطعمون الأسير ابني عندك فأمنن علينا وأحسنت إلينا في فدائه فإنك ابن سيد قومه وإنا سنرفع إليك في الفداء ما أحببت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعطيكم خيراً من ذلك قالوا : وما هو ؟ قال أخيره فإن اختاركم فخذوه بغير فداء وإن اختارني فكفوا عنه فقال : جزاك الله تعالى خيراً فقد أحسنت فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا زيد أتعرف هؤلاء ؟ قال : نعم هذا أبي وعمي وأخي فقال عليه الصلاة والسلام : فهم من قد عرفتهم فإن اخترتهم فاذهب معهم وإن اخترتني فأنا من تعلم قال له زيد : ما أنا بمختار عليك أحداً أبداً أنت معي بمكان الوالد والعم قال أبوه وعمه : أيا زيد أتختار العبودية ؟ قال : ما أنا بمفارق هذا الرجل فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم حرصه عليه قال : اشهدوا أنه حر وأنه ابني يرثني وأرثه فطابت نفس أبيه وعمه لما رأوا من كرامته عليه الصلاة والسلام فلم يزل في الجاهلية يدعى زيد بن محمد حتى نزل القرآن  ادعوهم لاِبَائِهِمْ  فدعى زيد بن حارثة، وفي بعض الروايات أن أباه سمع أنه بمكة فأتاه هو وعمه وأخوه فكان ما كان  هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله  تعليل للأمر والضمير لمصدر ادعوا كما في قوله تعالى : اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى  \[ المائدة : ٨ \]، و  أَقْسَطُ  أفعل تفضيل قصد به الزيادة مطلقاً من القسط بمعنى العدل والمراد به البالغ في الصدق فاندفع ما يتوهم من أن المقام يقتضي ذلك الصدق لا العدل أي دعاؤكم إياهم لآبائهم بالغ في العدل والصدق وزائد فيه في حكم الله تعالى وقضائه عز وجل. 
وجوز أن يكون أفعل على ما هو الشائع فيه، والمعنى أعدل مما قالوه ويكون جعله ذا عدل مع أنه زور لا عدل فيه أصلاً على سبيل التهكم  فَإِن لَّمْ تَعْلَمُواْ  أي تعرفوا  ءابَاءهُمُ  فتنسبوهم إليهم  فَإِخوَانُكُمْ  أي فهم إخوانكم  فِى الدين ومواليكم  أي وأولياؤكم فيه فادعوهم بالأخوة والمولوية بتأويلهما بالأخوة والولاية في الدين، وبهذا المعنى قيل لسام بعد نزول الآية مولى حذيفة وكان قد تبناه قبل، وقيل : مواليكم  أي بنو أعمامكم، وقيل : معتقوكم ومخروركم وكأن دعاءهم بذلك لتطييب قلوبهم ولذا لم يؤمر بدعائهم بأسمائهم فقط. 
 ومواليكم وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ  أي إثم  فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ  أي فيما فعلتموه من ذلك مخطئين جاهلين قبل النهي. 
 ولكن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ  أي ولكن الجناح والإثم فيما تعمدتموه بعد النهي على أن  مَا  في محل الجر عطفاً على ما من  فِيمَا أَخْطَأْتُمْ  وتعقب بأن المعطوف المجرور لا يفصل بينه وبين ما عطف عليه، ولذا قال سيبويه في قولهم ما مثل عبد الله يقول ذلك ولا أخيه : إنه حذف المضاف من جهة المعطوف وأبقى المضاف إليه على إعرابه والأصل ولا مثل أخيه ليكون العطف على المرفوع. وأجيب بالفرق بين ما هنا والمثال وإن لا فصل فيه لأن المعطوف هو الموصول مع صلته أعني ما تعمدت على مثله أعني ما أخطأتم أو لوكن ما تعمدتم فيه الجناح على أن ما في موضع رفع على الابتداء وخبره جمل مقدرة، ونسبة التعمد إلى القلوب على حد السنبة في قوله تعالى : فإنه آثم قلبه  \[ البقرة : ٣ ٢٨ \] وكون المراد في الأول قبل النهي وفي الثاني بعده أخرجه الفريابي. وابن أبي شيبة. وابن جرير. وابن المنذر. وابن أبي حاتم عن مجاهد، وقيل : كلا الأمرين بعد النهي والخطأ مقابل العمد، والمعنى لا إثم عليكم إذ قلتم لولد غيركم يا بني على سبيل الخطأ وعدم التعمد كأن سهوتهم أو سبق لسانكم ولكن الإثم عليكم إذا قلتم ذلك متعمدين. وأخرج ابن جرير. وابن المنذر. وابن أبي حاتم عن قتادة أنه قال في الآية : لو دعوت رجلاً لغير أبيه وأنت ترى أنه أبوه لم يكن عليك بأس ولكن ما تعمدت وقصدت دعاءه لغير أبيه. 
وجوز أن يراد بقوله تعالى : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ  الخ العفو عن الخطأ دون العمد على طريق العموم لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت :" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لست أخاف عليكم الخطأ ولكن أخاف عليكم العمد " وحديث ابن عباس قال :" قال عليه الصلاة والسلام وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه " ثم تناول لعمومه خطأ التبني وعمده، والجملة على تقديري الخصوص والعموم واردة على سبيل الاعتراض التذييلي تأكيداً لامتثال ما ندبوا إليه مع ادماج حكم مقصود في نفسه، وجعلها بعضهم عطفاً مؤولاً بجملة طلبية على معنى ادعوهم لآبائهم وهو أقسط لكم ولا تدعوهم لأنفسكم متعمدين فتاثموا على تقدير الخصوص وجملة مستطردة على تقدير العموم وتعقب بأنه تكلف عنه مندوحة، وظاهر الآية حرمة تعمد دعوة الإنسان لغير أبيه، ولعل ذلك فيما إذا كانت الدعوة على الوجه الذي كان في الجاهلية، وأما إذا لم تكن كذلك كما يقول الكبير للصغير على سبيل التحنن والشفقة يا ابني وكثيراً ما يقع ذلك فالظاهر عدم الحرمة. 
وفي **«حواشي الخفاجي »** على تفسير البيضاوي النبوة وإن صح فيها التأويل كالأخوة لكن نهى عنها بالتشهبية بالكفرة والنهي للتنزيه انتهى، ولعله لم يرد بهذا النهي ما تدل عليه الآية المذكورة فإن ما تدل عليه نهي التحريم عن الدعوة على الوجه الذي كان في الجاهلية، والأولى أن يقال في تعليل النهي : سداً لباب التشبه بالكفرة بالكلية، وهذا الذي ذكره الخفاجي من كراهة قول الشخص لولد غيره يا ابني حكاه لي من ارتضيه عن فتاوي ابن حجر الكبرى، وحكم التبني بقوله : هو ابني إن كان عبداً للقائل العتق على كل حال ولا يثبت نسبه منه إلا إذا كان مجهول النسب وكان بحيث يولد مثله لمثله ولم يقر قبله بنسب من غيره، وعند الشافعي لا عبر بالتنبي فلا يفيد العتق ولا ثبوت النسب، وتحقيق ذلك في موضعه، ثم الظاهر أنه لا فرق إذا لم يعرف الأب بين أن يقال يا أخي وأن يقال يا مولاي في أن كلاً منهما مباح مطلقاً حينئذ لكن صرح بعضهم بحرمة أن يقال للفاسق يا مولاي لخبر في ذلك، وقيل : لما أن فيه تعظيمه وهو حرام، ومقتضاه أن قول يا أخي إذا كان فيه تعظيم بأن كان من جليل الشأن حرام أيضاً، فلعل الدعاء لغير معروف الأب بما ذكر مخصوص بما إذا لم يكن فاسقاً ودليل التخصيص هو دليل حرمة تعظيم الفاسق فتدبر، وكذا الظاهر أنه لا فرق في أمر الدعوة بين كون المدعو ذكراً وكونه أنثى لكن لم نقف على وقوع التبني لإناث في الجاهلية والله تعالى أعلم  وَكَانَ الله غَفُوراً  فيغفر للعامد إذا تاب  رَّحِيماً  ولذا رفع سبحانه الجناح عن المخطئ، ويعلم من الآية أنه لا يجوز انتساب الشخص إلى غير أبيه، وعد ذلك بعضهم من الكبائر لما أخرج الشيخان. 
وأبو داود عن سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام »**
وأخرج الشيخان أيضاً **«من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله تعالى والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله تعالى منه صرفاً ولا عدلاً »** وأخرجا أيضاً **«ليس منم رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلم إلا كفر »**
وأخرج الطبراني في الصغير من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وحديثه حسن قال :**«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر من تبرأ من نسب وأن دق أو ادعى نسباً لا يعرف »** إلى غير ذلك من الأخبار، هذا ومناسبة قوله تعالى : مَّا جَعَلَ الله  \[ الأحزاب : ٤ \] الخ لما قبله أنه شروع في ذلك شيء من الوحي الذي أمر صلى الله عليه وسلم في اتباعه كذا قيل، وقيل : إنه تعالى لما أمر بالتقوى كان من حقها أن لا يكون في القلب تقوى غير الله تعالى فإن المرء ليس له قلبان يتقي بأحدهما الله تعالى وبالآخر غيره سبحانه إلا بصرف القلب عن جهة الله تعالى إلى غيره جل وعلا ولا يليق ذلك بمن يتقي الله تعالى حق تقاته، وعن أبي مسلم أنه متصل بقوله تعالى : وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين  \[ الأحزاب : ١ \] حيث جيء به للرد عليهم، والمعنى ليس لأحد قلبان يؤمن بأحدهما ويكفر بالآخر وإنما هو قلب واحد فأما أن يؤمن وإما أن يكفر، وقيل هو متصل بلا تطع وابتع والمعنى أنه لا يمكن الجمع بين اتباعين متضادين اتباع الوحي والقرآن واتباع أهل الكفر والطغيان فكنى عن ذلك بذكر القلبين لأن الاتباع يصدر عن الاعتقاد وهو من أفعال القلوب فكما لا يجمع قلبان في جوف واحد لا يجمع اعتقادان متضادان في قلب واحد، وقيل : هو متصل بقوله تعالى : وَتَوَكَّلْ عَلَى الله وكفى بالله وَكِيلاً  \[ الأحزاب : ٣ \] من حيث أنه مشعر بوحدته عز وجل فكأنه قيل : وتوكل على الله وكفى به تعالى وكيلاً فإنه سبحانه وتعالى وحده المدبر لأمور العالم، ثم أشار سبحاه وتعالى إلى أن أمر الرجل الواحد لا ينتظم ومعه قلبان فكيف تنتظم أمور العالم وله إلهان، وقيل : إن ذاك مسوق للتنفير عن إطاعة الكفرة والمنافقين بحكاية أباطيلهم، وذكر أن قوله تعالى : مَّا جَعَلَ  الخ ضرب مثلاً للظهار والتبني أي كما لا يكو لرجل قلبان لا تكون المظاهرة أما والمتبني ابناً، وجعل المذكورات الثلاث بجملتها مثلاً فيما لا حقيقة له وارتضى ذلك غير واحد، وقال الطيبي : إن هذا أنسب لنظم القرآن لأنه تعالى

### الآية 33:6

> ﻿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ۗ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا [33:6]

النبي أولى بالمؤمنين  أي أحق وأقرب إليهم  مّنْ أَنفُسِهِمْ  أو أشد ولاية ونصرة لهم منها فإنه عليه الصلاة والسلام لا يأمرهم ولا يرضى منهم إلا بما فيه صلاحهم ونجاحهم بخلاف النفس فإنها أما أمارة بالسوء وحالها ظاهراً أولاً فقد تجعل بعض المصالح وتخفى عليها بعض المنافع وأطلقت الأولوية ليفيد الكلام أولويته عليه الصلاة والسلام في جميع الأمور ويعلم من كونه صلى الله عليه وسلم أولى بهم من أنفسهم كونه عليه الصلاة والسلام أولى بهم من كل من الناس، وقد أخرج البخاري وغيره عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :" ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة اقرؤا إن شئتم النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم فأيما مؤمن ترك مالاً فليرثه عصبته من كانوا فإن ترك ديناً أو ضياعاً فليأتني فأنا مولاه " ولا يلزم عليه كون الأنفس هنا مثلها في قوله تعالى : وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ  \[ النساء : ٩ ٢ \] لأن إفادة الآية المدعى على الظاهر ظاهرة أيضاً، وإذا كان صلى الله عليه وسلم بهذه المثابة في حق المؤمنين يجب عليهم أن يكون أحب إليهم من أنفسهم وحكمه عليه الصلاة والسلام عليهم أنفذ من حكمها وحقه آثر لديهم من حقوقها وشفقتهم عليه أقدم من شفقتهم عليها، وسبب نزول الآية على ما قيل ما روى من أنه عليه الصلاة والسلام أراد غزوة تبوك فأمر الناس بالخروج فقال أناس منهم : نستأذن آباءنا وأمهاتنا فنزلت، ووجه دلالتها على السبب أنه صلى الله عليه وسلم إذا كان أولى من أنفسهم فهو أولى من الأبوين بالطريق الأولى ولا حاجة إلى حمل أنفسهم عليه على خلاف المعنى المتبادر كما أشرنا إليه آنفاً  وأزواجه أمهاتهم  أي منزلات منزلة أمهاتهم في تحريم النكاح واستحقاق التعظيم وأما فيما عدا ذلك من النظر إليهن والخلوة بهن وإرثهن ونحو ذلك فهن كالأجنبيات، وفرع على هذ القسطلاني في المواهب أنه لا يقال لبناتهن أخوات المؤمنين في الأصح، والطبرسي وهو شيعي أنه لا يقال لإخوانهن أخوال المؤمنين، ولا يخفى أنه يسر حسوا بارتغاء، وفي ******«المواهب »****** أن في جواز النظر إليهن وجهين أشهرهما المنع، ولكون وجه الشبه مجموع ما ذكر قالت عائشة رضي الله تعالى عنها لامرأة قالت لها يا أمه : أنا أم رجالكم لا أم نسائكم أخرجه ابن سعد. وابن المنذر. والبيهقي في ****«سننه »**** عنها، ولا ينافي هذا استحقاق التعظيم منهن أيضاً. 
وأخرج ابن سعد عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها أنها قالت أنا أم الرجال منكم والنساء وعليه يكون ما ذكر وجه الشبه بالنسبة إلى الرجال وأما بالنسبة إلى النساء فهو استحقاق التعظيم، والظاهر أن المراد من أزواجه كل من أطلق عليها أنها زوجة له صلى الله عليه وسلم من طلقها ومن لم يطلقها، وروى ذلك ابن أبي حاتم عن مقاتل فيثبت الحكم لكلهن وهو الذي نص عليه الإمام الشافعي وصححه في الروضة، وقيل : لا يثبت الحكم لمن فارقها عليه الصلاة والسلام في الحياة كالمستعيذة والتي رأى بكشحها بياضاً، وصحح أمام الحرمين. 
والرافعي في الصغير تحريم المدول بها فقط لما روى أن الأشعث بن قيس نكح المستعيذة في زمن عمر رضي الله تعالى عنه فهم عمر برجمه فأخبره أنها لم تكن مدخولاً بها فكف، وفي رواية أنه رضي الله تعالى عنه هم برجمها فقالت له : ولم هذا ؟ وما ضرب على حجاب ولا سميت للمسلمين أما فكف عنها، وذكر في ******«المواهب »****** أن في حل من اختارت منهن الدنيا للأزواج طريقين. أحدهما : طرد الخلاف والثاني : القطع بالحل، واختار هذا الإمام والغزالي، وحكى القول بأن المطلقة لا يثبت لها هذا الحكم عن الشيعة، وقد رأيت في بعض كتبهم نفي الأمومة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالوا : لأن النبي صلى الله عليه وسلم فوض إلى علي كرم الله تعالى وجهه أن يبقى من يشاء من أزواجه ويطلق من يشاء منهن بعد وفاته وكالة عنه عليه الصلاة والسلام وقد طلق رضي الله تعالى عنه عائشة يوم الجمل فخرجت عن الأزواج ولم يبق لها حكمهن وبعد أن كتبت هذا اتفق لي أن نظرت في كتاب ألف سليمان بن عبد الله البحراتي عليه من الله تعالى ما يستحق في مثالب جمع من الصحابة حاشى رضي الله تعالى عنهم فرأيت ما نصه :
روى أبو منصور أحد بن أبي طالب الطبرسي في كتاب الاحتجاج عن سعد بن عبد الله أنه سأل القائم المنتظر وهو طفل في حياة أبيه فقال له يا مولانا وابن مولانا روى لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل طلاق نسائه إلى أمير المؤمنين كرم الله تعالى وجهه حتى أنه بعث في يوم الجمل رسولاً إلى عائشة وقال : إنك أدخلت الهلاك على الإسلام وأهله بالغش الذي حصل منك وأوردت أولادك في موضع الهلاك بالجهالة فإن امتنعت وإلا طلقتك فأخبرنا يا مولانا عن معنى الطلاق الذي فوض حكمه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمير المؤمنين فقال : إن الله تقدس اسمه عظم شأن نساء النبي صلى الله عليه وسلم فخصهن بشرف الأمهات فقال عليه الصلاة والسلام : يا أبا الحسن إن هذا الشرف باق ما دمنا على طاعة الله تعالى فأيتهن عصت الله تعالى بعدي بالخروج عليك فطلقها من الأزواج وأسقطها من شرف أمهات المؤمنين، ثم قال : وروى الطبرسي أيضاً في **«الاحتجاج »** عن الباقر أنه قال : لما كان يوم الجمل وقد رشق هودج عائشة بالنبل قال علي كرم الله تعالى وجهه : والله ما أراني إلا مطلقها فأنشد الله تعالى رجلاً سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يا علي أمر نسائي بيدك من بعدي لما قام فشهد فقام ثلاثة عشر رجلاً فشهدوا بذلك الحديث، ورأيت في بعض الأخبار التي لا تحضرني الآن ما هو صريح في وقوع الطلاق اه ما قاله البحراني عامله الله تعالى بعده. 
وهذا لعمري من السفاهة والوقاحة والجسارة على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بمكان وبطلانه أظهر من أن يخفى وركاكة ألفاظه تنادي على كذبه بأعلى صوت ولا أظنه قولاً مرضياً عند من له أدنى عقل منهم فلعن الله تعالى من اختلقه وكذا من يعتقده، وأخرج الفريابي. والحاكم. وابن مردويه. والبيهقي في ****«سننه »**** عن ابن عباس أنه كان يقرأ : النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ وأزواجه أمهاتهم  وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة أنه قال : كان في الحرف الأول  النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ  وفي مصحف أبي رضي الله تعالى عنه كما روى عبد الرزاق. وابن المنذر. وغيرهما  النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ وأزواجه أمهاتهم  وإطلاق الأب عليه صلى الله عليه وسلم لأنه سبب للحياة الأبدية كما أن الأب سبب للحياة أيضاً بل هو عليه الصلاة والسلام أحق بالأبوة منه وعن مجاهد كل نبي أب لأمته، ومن هنا قيل في قول لوط  هؤلاء بناتي  \[ هود : ٧٨ \] أنه أراد المؤمنات ووجه ما ذكر، ويلزم من هذه الأبوة على ماقيل إخوة المؤمنين. 
ويعمل مما روى عن مجاهد أن الأبوة ليست من خصوصياته عليه الصلاة والسلام وهذا ليس كأمومة أزواجه فإنها على ما في ******«المواهب »****** من الخصوصيات فلا يحرم نكاح أزواج من عداه صلى الله عليه وسلم من الأنبياء عليهم السلام من بعدهم على أحد من أممهم  وَأُوْلُواْ الارحام  أي ذوو القرابات الشاملون للعصبات لا ما يقابلهم  بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ  في النفع بميراث وغيره من النفع المالي أو في التوارث ويؤيده سبب النزول الآتي ذكره  فِى كتاب الله  أي فيما كتبه في اللوح أو فيما أنزله وهي آية المواريث أو هذه الآية أو فيما كتبه سبحانه وفرضه وقضاه  مِنَ المؤمنين والمهاجرين  صلة لأولى فمدخول  مِنْ  هو المفضل عليه وهي ابتدائية مثلها في قولك : زيد أفضل من عمرو أي أولو الأرحام بحق القرابة أولى في كل نفع أو بالميراث من المؤمنين بحق الدين ومن المهاجرين بحق الهجرة، وقال الزمخشري : يجوز أن يكون بياناً لأولو الأرحام أي الأقرباء من هؤلاء بعضهم أولى بأن يرث بعضاً من الأجانب، والأول هو الظاهر ؛ وكان في المدينة توارث بالهجرة وبالموالاة في الدين فنسخ ذلك بآية آخر الأنفال أو بهذه الآية، وقيل : بالإجماع وأرادوا كشفه عن الناسخ وإلا فهو لا يكون ناسخاً كما لا يخفى، ورفع  بَعْضُهُمْ  يجوز أن يكون على البدلية وأن يكون على الابتداء و  فِى كتاب  متعلق بأولى ويجوز أن يكون حالاً والعامل فيه معنى  أُوْلِى  ولا يجوز على ما قال أبو البقاء أن يكون حالاً من  أُوْلُو  للفصل بالخبر ولأنه لا عامل إذاً، وقوله تعالى : إِلاَّ أَن تَفْعَلُواْ إلى أَوْلِيَائِكُمْ مَّعْرُوفاً  إما استثناء متصل من أعم ما تقدر الأولوية فيه من النفع كأنه قيل : القريب أولى من الأجنبي من المؤمنين والمهاجرين في كل نفسع من ميراث وصدقة وهدية ونحو ذلك إلا في الوصية فإنها المرادة بالمعروف فالأجنبي أحق بها من القريب الوارث فإنها لا تصح لوارث، وإما استثناء منقطع بناءً على أن المراد بما فيه الأولوية هو التوارث فيكون الاستثناء من خلاف الجنس المدلول عليه بفحوى الكلام كأنه قيل : لا تورثوا غير أولي الأرحام لكن فعلكم إلى أوليائكم من المؤمنين والمهاجرين الأجانب معروفاً وهو أن توصوا لمن أحببتم منهم بشيء جائز فيكون ذلك له بالوصية لا بالميراث، ويجوز أن يكون المعروف عاماً لما عدا الميراث، والمتبادر إلى الذهن انقطاع الاستثناء واقتصر عليه أبو البقاء. 
ومكي. وكذا الطبرسي وجعل المصدر مبتدأ محذوف الخبر كما أشرنا إليه. 
وتفسير الأولياء بمن كان من المؤمنين والمهاجرين هو الذي يقتضيه السياق فهو من وضع الظاهر موضع الضمير بناءً على أن  مِنْ  فيما تقدم للابتداء لا للبيان، وأخرج ابن جرير. وغيره عن مجاهد تفسيره بالذين والى بينهم النبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، وأخرج ابن المنذر. وابن جرير. وابن أبي حاتم. عن محمد بن الحنفية أنه قال : نزلت هذه الآية في جواز وصية المسلم لليهودي والنصراني، وأخرجوا عن قتادة أنه قال : الأولياء القرابة من أهل الشرك والمعروف الوصية ؛ وحكي في **«البحر »** عن جماعة منهم الحسن. وعطاء أن الأولياء يشمل القريب والأجنبي المؤمن والكافر وأن المعروف أعم من الوصية. وقد أجازها للكافر القريب وكذا الأجنبي جماعة من الفقهاء والإمامية يجوزونها لبعض ذوي القرابة الكفار وهم الوالدان والولد لا غير، والنهي عن اتخاذ الكفار أولياء لا يقتضي النهي عن الإحسان إليهم والبر لهم. وعدى  تَفْعَلُواْ  بإلى لتضمنه معنى الإيصال والإسداء كأنه قيل : إلا أن تفعلوا مسدين إلى أوليائكم معروفاً  كَانَ ذَلِكَ  أي ما ذكر في الآيتين أعني  ادعوهم لاِبَائِهِمْ  \[ الأحزاب : ٥ \] و  النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ  وجوز أن يكون إشارة إلى ما سبق من أول السورة إلى هنا أو إلى ما بعد قوله تعالى : مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ  \[ الأحزاب : ٤ \] أو إلى ما ذكر في الآية الأخيرة وفيه بحث  فِى الكتاب  أي في اللوح أو القرآن وقيل في التوراة  مَسْطُورًا  أي مثبتاً بالإسطار وعن قتادة أنه قال في بعض القراءات : كان ذلك عند الله مكتوباً أن لا يرث المشرك المؤمن فلا تغفل. 
ومن باب الإشارة : النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ  \[ الأحزاب : ٦ \] لأنه عليه الصلاة والسلام يحب لهم فوق ما يحبون لها ويسلك بهم المسلك الذي يوصلهم إلى الحياة الأبدية

### الآية 33:7

> ﻿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۖ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [33:7]

وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ  مقدر بأذكر على أنه مفعول لا ظرف لفساد المعنى، وهو معطوف على ما قبله عطف القصة على القصة أو على مقدر كخذ هذا، وجوز أن يكون ذلك عطفاً على خبر  كان  وهو بعيد وإن كان قريباً، ولما كان ما سبق متضمناً أحكاماً شرعها الله تعالى وكان فيها أشياء مما كان في الجاهلية وأشياء مما كان في الإسلام أبطلت ونسخت اتبعه سبحانه بما فيه حث على التبليغ فقال عز وجل : وَإِذْ  الخ أي واذكر وقت أخذنا من النبيين كافة عهودهم بتبليغ الرسالة والشرائع والدعاء إلى الدين الحق وذلك على ما قال الزجاج وغيره وقت استخراج البشر من صلب آدم عليه السلام كالذر، وأخرج ابن جرير. وابن أبي حاتم عن قتادة أنه سبحانه أخذ من النبيين عهودهم بتصديق بعضهم بعضاً واتباع بعضهم بعضاً، وفي رواية أخرى عنه أنه أخذ الله تعالى ميثاقهم بتصديق بعضهم بعضاً والإعلان بأن محمداً رسول الله وإعلان رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نبي بعده  وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وإبراهيم وموسى وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ  تخصيصهم بالذكر مع اندراجهم في النبيين اندراجاً بيناً للإيذان بمزيد مزيتهم وفضلهم وكونهم من مشاهير أرباب الشرائع. 
واشتهر أنهم هم أولو العزم من الرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين وأخرج البزار عن أبي هريرة أنهم خيار ولد آدم عليهم الصلاة والسلام، وتقديم نبينا صلى الله عليه وسلم مع أنه آخرهم بعثة للإيذان بمزيد خطره الجليل أو لتقدمه في الخلق، فقد أخرج ابن أبي عاصم. والضياء في المختارة عن أبي بن كعب مرفوعاً بدئ بي الخلق وكنت آخرهم في البعث، وأخرج جماعة عن الحسن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث »**، وكذا في الاستنباء فقد جاء في عدة روايات أنه عليه الصلاة والسلام قال :**«كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد »** وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : قيل يا رسول الله متى أخذ ميثاقك ؟ قال : وآدم بين الروح والجسد، ولا يضر فيما ذكر تقديم نوح عليه السلام في آية الشورى أعني قوله تعالى : شَرَعَ لَكُم مّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً  \[ الشورى : ٣ ١ \] الآية إذ لكل مقام مقال والمقام هناك وصف دين الإسلام بالأصالة والمناسب فيه تقديم نوح فكأنه قيل : شرع لكم الدين الأصيل الذي بعث عليه نوح في العهد القديم وبعث عليه محمد عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء في العهد الحديث وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء والمشاهير، وقال ابن المنير : السر في تقديمه صلى الله عليه وسلم أنه هو المخاطب والمنزل عليه هذا المتلو فكان أحق بالتقديم، وفيه بحث  وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ ميثاقا غَلِيظاً  أي عهد عظيم الشأن أو وثيقاً قوياً وهذا هو الميثاق الأول وأخذه هو أخذه، والعطف مبني على تنزيل التغاير العنواني منزلة التغاير الذاتي كما في قوله تعالى : وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ  \[ هود : ٨ ٥ \] إثر قوله سبحانه : وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ  \[ هود : ٨ ٥ \] وفي ذلك من تفخيم الشأن ما فيه ولهذا لم يقل عز وجل : وإذ أخذنا من النبيين ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ميثاقاً غليظاً مثلاً، وقال سبحانه ما في «النظم الكريم، وقيل : الميثاق الغليظ اليمين بالله تعالى فيكون بعدما أخذ الله سبحانه من النبيين الميثاق بتبليغ الرسالة والدعوة إلى الحق أكد باليمين بالله تعالى على الوفاء بما حملوا فالميثاقان متغايران بالذات. 
ومن باب الإشارة : وَإِذَا أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ  \[ الأحزاب : ٧ \] أي في الأزل إذ كانوا أعياناً ثابتة أو يوم الميثاق إذ صار لهم نوع تعين

### الآية 33:8

> ﻿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ۚ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا [33:8]

**وقوله عز وجل :**
 لِّيَسْأَلَ الصادقين عَن صِدْقِهِمْ  قيل متعلق بمضمر مستأنف مسوق لبيان علة الأخذ المذكور وغايته أي فعل الله تعالى ذلك ليسأل الخ وقيل : متعلق بأخذنا، وتعقب بأن المقصود تذكير نفس الميثاق ثم بيان علته وغايته بياناً قصدياً كما ينبئ عنه تغيير الأسلوب بالالتفات إلى الغيبة، والمراد بالصادقين النبيون الذين أخذ ميثاقهم ووضع موضع ضميرهم للإيذان من أول الأمر بأنهم صادقوا فيما سئلوا عنه وإنما السؤال لحكمة تقتضيه أي ليسأل الله تعالى يوم القيامة النبيين الذين صدقوا عهودهم عن كلامهم الصادق الذي قالوه لأقوامهم أو عن تصديق أقوامهم إياهم، وسؤالهم عليهم السلام عن ذلك على الوجهين لتبكيت الكفرة المكذبين كما في قوله تعالى : يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمُ  \[ المائدة : ٩ ١٠ \] أو المراد بهم المصدقون بالنبيين، والمعنى ليسأل المصدقين للنبيين عن تصديقهم إياهم فيقال : هل صدقتم ؟ وقيل : يقال لهم هل كان تصديقكم لوجه الله تعالى ؟ ووجه إرادة ذلك أن مصدق الصادق صادق وتصديقه صدق، وقيل : المعنى ليسأل المؤمنين الذين صدقوا عهدهم حين أشهدهم على أنفسهم عن صدقهم عندهم. 
وتعقب بأنه يأباه مقام تذكير ميثاق النبيين  وَأَعَدَّ للكافرين عَذَاباً أَلِيماً  قيل عطف على فعل مضمر متعلقاً فيما قبل، وقيل : على مقدر دل عليه  لِّيَسْأَلَ  كأنه قيل فأثاب المؤمنين وأعد للكافرين الخ، وقيل : على  أَخَذْنَا  وهو عطف معنوي كأنه قيل : أكد الله تعالى على النبيين الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين وأعد للكافرين الخ. 
وقيل : على  يَسأَلُ  بتأويله بالمضارع ولا بد من ملاحظة مناسبة ليحسن العطف ؛ وقيل : على مقدر وفي الكلام الاحتباك والتقدير ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد لهم ثواباً عظيماً ويسأل الكاذبين عن كذبهم وأعد لهم عذاباً أليماً فحذف من كل منهما ما ثبت في الآخر، وقيل : إن الجملة حال من ضمير  يَسْئَلُ  بتقدير قد أو بدونه، ولا يخفى أقلها تكلفاً. 
ومن باب الإشارة : ليسأل الصادقين عن صدقهم  \[ الأحزاب : ٨ \] سؤال تشريف لا تعنيف، والصدق على ما قالوا أن لا يكون في أحوالك شوب ولا في أعمالك عيب ولا في اعتقادك ريب، ومن أماراته وجود الإخلاص من غير ملاحظة المخلوق وتصفية الأحوال من غير مداخلة إعجاب وسلامة القول من المعاريض والتباعد عن التلبيس فيما بين الناس وإدامة التبري من الحول والقوة بل الخروج من الوجود المجازي شوقاً إلى الوجود الحقيقي

### الآية 33:9

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا [33:9]

يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ  شروع في ذكر قصة الأحزاب وهي وقعة الخندق، وكانت على ما قال ابن إسحاق في شوال سنة خمس، وقال مالك : سنة أربع. 
والنعمة إن كانت مصدراً بمعنى الإنعام فالجار متعلق بها وإلا فهو متعلق بمحذوف وقع حالاً منها أي كائنة عليكم، وقوله تعالى : إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ  ظرف لنفس النعمة أو لثبوتها لهم، وقيل : منصوب باذكر على أنه بدل اشتمال من  نِعْمَتَ  والمراد بالجنود الأحزاب، وهم قريش يقودهم أبو سفيان، وبنو أسد يقودهم طليحة، وغطفان يقودهم عيينة، وبنو عامر يقودهم عامر بن الطفيل، وبنو سليم يقودهم أبو الأعور السلمي، وبنو النضير رؤساؤهم حيي بن أخطب وأبناء أبي الحقيق، وبنو قريظة سيدهم كعب بن أسد، وكان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فنبذه بسعي حيي، وكان مجموعهم عشرة آلاف في قول وخمسة عشر ألفاً في آخر، وقيل : زهاء اثني عشر ألفاً، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بإقبالهم حفر خندقاً قريباً من المدينة محيطاً بها بإشارة سلمان الفارسي أعطى كل أربعين ذراعاً لعشرة، ثم خرج عليه الصلاة والسلام في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب معسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فدفعوا في الآطام، واشتد الخوف وظن المؤمنون كل ظن ونجم النفاق كما قص الله تعالى، ومضى قريب من شهر على الفريقين لا حرب بينهم سوى الرمي بالنبل والحجارة من وراء الخندق إلا أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود وكان يعد بألف فارس. وعكرمة بن أبي جهل. وضرار بن الخطاب. وهبيرة بن أبي وهب. ونوفل بن عبد الله قد ركبوا خيولهم وتيمموا من الخندق مكاناً ضيقاً فضربوا بخيولهم فاقتحموا فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع فخرج علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه في نفر من المسلمين رضي الله تعالى عنهم حتى أخذ عليهم الثغرة التي اقتحموا منها فأقبلت الفرسان معهم وقتل علي كرم الله تعالى وجهه عمراً في قصة مشهورة فانهزمت خيله حتى اقتحمت من الخندق هاربة وقتل مع عمرو منبه بن عثمان بن عبد الدار. ونوفل بن عبد العزى، وقيل : وجد نوفل في جوف الخندق فجعل المسلمون يرمونه بالحجارة فقال لهم : قتلة أجمل من هذه ينزل بعضهكم أقاتله فقتله الزبير بن العوام. 
وذكر ابن إسحاق أن علياً كرم الله تعالى وجهه طعنه في ترقوته حتى أخرجها من مراقه فمات في الخندق وبعث المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشترون جيفته بعشرة آلاف فقال النبي عليه الصلاة والسلام : هو لكم لا نأكل ثمن الموتى، ثم أنزل الله تعالى النصر وذلك قوله تعالى : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً  عطف على  جَاءتْكُمُ  مسوق لبيان النعمة إجمالاً وسيأتي إن شاء الله تعالى بقيتها في آخر القصة. 
 وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا  وهم الملائكة عليهم السلام وكانوا على ما قيل ألفاً، روي أن الله تعالى بعث عليهم صباً باردة في ليلة باردة فأخصرتهم وسفت التراب في وجوههم وأمر الملائكة عليهم السلام فقلعت الأوتاد وقطعت الأطناب وأطفأت النيران وأكفأت القدور وماجت الخيل بعضها في بعض وقذف في قلوبهم الرعب وكبرت الملائكة في جوانب عسكرهم فقال طليحة بن خويلد الأسدي : أما محمد صلى الله عليه وسلم فقد بدأكم بالسحر فالنجاء النجاء فانهزموا، وقال حذيفة رضي الله تعالى عنه وقد ذهب ليأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبر القوم. خرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت في ضوء نار لهم توقد وإذا رجل أدهم ضخم يقول بيده على النار ويمسح خاصرته ويقول : الرحيل الرحيل لا مقام لكم وإذا الرجل في عسكرهم ما يجاوز عسكرهم شبراً فوالله إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفرشهم والريح تضربهم ثم خرجت نحو النبي عليه الصلاة والسلام فلما صرت في نصف الطريق أو نحو ذلك إذا أنا بنحو عشرين فارساً متعممين فقالوا : أخبر صاحبك أن الله تعالى كفاه القوم. 
وقرأ الحسن  وَجُنُوداً  بفتح الجيم، وقرأ أبو عمرو في رواية. وأبو بكر في رواية أيضاً  لَمْ  بياء الغيبة  تَرَوْهَا وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ  من حفر الخندق وترتيب مبادئ الحرب أعلاء لكلمة الله تعالى، وقيل : من التجائكم إليه تعالى ورجائكم من فضله عز وجل. 
وقرأ أبو عمرو  يَعْمَلُونَ  بياء الغيبة أي بما يعمله الكفار من التحرز والمحاربة وإغراء بعضهم بعضاً عليها حرصاً على إبطال حقكم، وقيل : من الكفر والمعاصي  بَصِيراً  ولذلك فعل ما فعل من نصركم عليهم، والجملة اعتراض مقرر لما قبله. 
ومن باب الإشارة : يا أيها الذين ءامَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ  \[ الأحزاب : ٩ \] الخ طبق بعضهم ما تضمنته الآيات من قصة الأحزاب على ما في الأنفس ولا يخفى حاله، ومن غريب ما رأيت أن الشيخ محيي الدين قدس الله سره قسم الأولياء إلى أقسام وجعل منهم قسماً يقال لهم اليثربيون وقال : هم قوم من الأولياء لا مقام لهم كما لسائر الأولياء

### الآية 33:10

> ﻿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا [33:10]

إِذْ جَاءوكُمْ  بدل من  إِذ جَاءتْكُمُ  \[ الأحزاب : ٩ \] بدل كل من كل، وقيل : هو متعلق بتعملون أو ببصيراً  مِنْ  من أعلى الوادي من جهة المشرق والإضافة إليهم لأدنى ملابسة، والجائي من ذلك بنو عطفان. ومن تابعهم من أهل نجد. وبنو قريظة. وبنو النضير  فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ  من أسفل الوادي من قبل المغرب، والجائي من ذلك قريش ومن شايعهم من الأحابيش. وبني كنانة. وأهل تهامة، وقيل : الجائي من فوق بنو قريظة. ومن أسفل قريش. وأسد. وغطفان. وسليم، وقيل : غير ذلك. 
ويحتمل أن يكون من فوق ومن أسفل كناية عن الإحاطة من جميع الجوانب كأنه قيل : إذ جاءوكم محيطين بكم كقوله تعالى : يغشاهم العذاب مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ  \[ العنكبوت : ٥٥ \]  وَإِذْ زَاغَتِ الابصار  عطف على ما قبله داخل معه في حكم التذكير أي حين مالت الأبصار عن سننها وانحرفت عن مستوى نظرها حيرة ودهشة. 
وقال الفراء : أي حين مالت عن كل شيء فلم تلتفت إلا إلى عدوها  وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر  أي خافت خوفاً شديداً وفزعت فزعاً عظيماً لا أنها تحركت عن موضعها وتوجهت إلى الحناجر لتخرج. 
أخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة أنه قال في الآية : إن القلوب لو تحركت وزالت خرجت نفسه ولكن إنما هو الفزع فالكلام على المبالغة، وقيل : القلب عند الغضب يندفع وعند الخوف يجتمع فيتقلص فيلتصق بالحنجرة وقد يفضي إلى أن يسد مخرج النفس فلا يقدر المرء أن يتنفس ويموت خوفاً، وقيل : إن الرئة تنتفع من شدة الفزع والغضب والغم الشديد وإذا انتفخت ربت وارتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة، ومن ثم قيل للجبان : انتفخ سحره، وإلى حمل الكلام على الحقيقة ذهب قتادة. 
أخرج عنه عبد الرزاق. وابن المنذر. وابن أبي حاتم أنه قال في الآية : أي شخصت عن مكانها فلولا أنه ضاق الحلقوم عنها أن تخرج لخرجت، وفي مسند الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري قال : قلنا يا رسول الله هل من شيء نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر ؟ قال : نعم اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا قال : فضرب الله تعالى وجوه أعدائه بالريح فهزمهم الله تعالى بالريح، والخطاب في قوله تعالى : وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا  لمن يظهر الإيمان على الإطلاق، والظنون جمع الظن وهو مصدر شامل للقليل والكثير، وإنما جمع للدلالة على تعدد أنواعه، وقد جاء كذلك في أشعارهم أنشد أبو عمرو في كتاب الألحان :إذا الجوزاء أردفت الثريا  ظننت بآل فاطمة الظنوناأي تظنون بالله تعالى أنواع الظنون المختلفة فيظن المخلصون منكم الثابتون في ساحة الإيمان أن ينجز سبحانه وعده في إعلاء دينه ونصرة نبيه صلى الله عليه وسلم، ويعرب عن ذلك ما سيحي عنهم من قولهم : هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ  \[ الأحزاب : ٢٢ \] الآية، أو أن يمتحنهم فيخافون أن تزل أقدامهم فلا يتحملون ما نزل بهم، وهذا لا ينافي الإخلاص والثبات كما لا يخفى، ويظن المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما حكى عنهم في قوله تعالى : وَإِذْ يَقُولُ المنافقون  \[ الأحزاب : ٢ ١ \] الآية. وأخرج ابن جرير. وابن أبي حاتم عن الحسن أنه قال في الآية : ظنون مختلفة ظن المنافقون أن محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه يستأصلون وأيقن المؤمنون أن ما وعد الله ورسوله حق وأنه سيظهر على الدين كله، وقد يختار أن الخطاب للمؤمنين ظاهراً وباطناً واختلاف ظنونهم بسبب أنهم يظنون تارة أن الله سبحانه سينصرهم على الكفار من غير أن يكون لهم استيلاء عليهم أولاً، وتارة أنه عز وجل سينصر الكفار عليهم فيستولون على المدينة ثم ينصرهم عليهم بعد، وأخرى أنه سبحانه سينصر الكفار بحيث يستأصلونهم وتعود الجاهلية، أو بسبب أن بعضهم يظن هذا وبعضهم يظن ذاك وبعضهم يظن ذلك. ويلتزم أن الظن الذي لا يليق بحال المؤمن كان من خواطر النفس التي أوجبها الخوف الطبيعي ولم يمكن البشر دفعها ومثلها عفو، أو يقال : ظنونهم المختلفة هي ظن النصر بدون نيل العدو منهم شيئاً وظنه بعد النيل وظن الامتحان وعلى هذا لا يحتاج إلى الاعتذار، وأياً ما كان فالجملة معطوفة على  زَاغَتِ  وصيغة المضارع لاستحضار الصورة والدلالة على الاستمرار، وكتب  الظنونا  وكذا أمثاله من المنصوب المعرف بأل كالسبيلا والرسولا في المصحف بألف في آخره، فحذفها أبو عمرو وقفاً ووصلاً، وابن كثير. والكسائي وحفص يحذفونها وصلاً خاصة ويثبتها باقي السبعة في الحالين. واختار أبو عبيد. والحذاق أن يوقف على نحو هذه الكلمة بالألف ولا توصل فتحذف أو تثبت لأن حذفها مخالف لما اجتمعت عليه مصاحف الأمصار ولأن إثباتها في الوصل معدوم في لسان العرب نظمهم ونثرهم لا في اضطرار ولا في غيره، أما إثباتها في الوقف فيه اتباع الرسم وموافقة لبعض مذاهب العرب لأنهم يثبتون هذه الألف في قوافي أشعارهم ومصاريعها ومن ذلك قوله :
أقلي اللوم عاذل والعتابا \*\*\* والفواصل في الكلام كالمصاريع، وقال أبو علي : إن رؤوس الآي تشبه بالقوافي من حيث كانت مقاطع كما كانت القوافي مقاطع.

### الآية 33:11

> ﻿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا [33:11]

هُنَالِكَ  ظرف مكان ويستعمل للزمان وقيل : إنه مجاز وهو أنسب هنا، وأياً ما كان فهو ظرف لما بعده لا لتظنون كما قيل أي في ذلك الزمان الهائل أو في ذلك المكان المدحض  ابتلي المؤمنون  أي اختبرهم الله تعالى، والكلام من باب التمثيل، والمراد عاملهم سبحانه وتعالى معاملة المختبر فظهر المخلص من المنافق والراسخ من المتزلزل، وابتلاؤهم على ما روي عن الضحاك بالجوع، وعلى ما روي عن مجاهد بشدة الحصار، وعلى ما قيل بالصبر على الإيمان. 
 وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً  أي اضطربوا اضطراباً شديداً من شدة الفزع وكثرة الأعداء، وعن الضحاك أنهم زلزلوا عن أماكنهم حتى لم يكن لهم إلا موضع الخندق، وقيل : أي حركوا إلى الفتنة فعصموا. وقرأ أحمد بن موسى اللؤلؤي عن أبي عمرو  زلزلوا  بكسر الزاي قاله ابن خالويه، وقال الزمخشري : وعن أبي عمرو إشمام زاي زلزلوا وكأنه عني أشمامها الكسر ووجه الكسر أنه اتبع حركة الزاي الأولى لحركة الثانية ولم يعتد بالساكن كما لم يعتد به من قال منتن بكسر الميم اتباعاً لحركة التاء وهو اسم فاعل من أنتن. وقرأ الجحدري. وعيسى  وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً  بفتح الزاي، ومصدر فعلل من المضاعف يجوز فيه الفتح والكسر نحو قلقل قلقالاً، وقد يراد بالمفتوح اسم الفاعل نحو صلصال بمعنى مصلصل، فإن كان من غير المضاعف فما سمع منه على فعلال مكسور الفاء نحو سرهفه سرهافاً.

### الآية 33:12

> ﻿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا [33:12]

وَإِذْ يَقُولُ المنافقون  عطف على  إِذْ زَاغَتِ  وصيغة المضارع لما مر من الدلالة على استمرار القول واستحضار صورته. 
 والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ  ظاهر العطف أنهم قوم لم يكونوا منافقين فقيل : هم قوم كان المنافقون يستميلونهم بإدخال الشبهة عليهم، وقيل : قوم كانوا ضعفاء الاعتقاد لقرب عهدهم بالإسلام. وجوز أن يكون المراد بهم المنافقين أنفسهم والعطف لتغاير الوصف كقوله :
إلى الملك القرم وابن الهمام \*\*\*  مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ  من الظفر وإعلاء الدين  إِلاَّ غُرُوراً  أي وعد غرور، وقيل : أي قولاً باطلاً وفي **«البحر »** أي أمراً يغرنا ويوقعنا فيما لا طاقة لنا به روي أن الصحابة بينما يحفرون الخندق عرضت لهم صخرة بيضاء مدورة شديدة جداً لا تدخل فيها المعاول فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ المعول من سلمان رضي الله تعالى عنه فضربها ضربة دعها وبرقت منها برقة أضاء منها ما بين لابتي المدينة حتى لكأن مصباحاً في جوف ليل مظلم فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبر المسلمون ثم ضربها الثانية فصدعها وبرقت منها برقة أضاء منها ما بين لابتيها فكبر عليه الصلاة والسلام وكبر المسلمون ثم ضربها الثالثة فكسرها وبرقت برقة أضاء منها ما بين لابتيها فكبر صلى الله عليه وسلم وكبر المسلمون فسئل عن ذلك فقال عليه الصلاة والسلام : أضاء لي في الأولى قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب فأخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها وأضاء لي الثانية قصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها وأضاء لي في الثالثة قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا بالنصر فاستبشر المسلمون وقال رجل من الأنصار يدعى معتب بن قشير وكان منافقاً : أيعدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن يفتح لنا مدائن اليمن وبيض المدائن وقصور الروم وأحدنا لا يستطيع أن يقضي حاجته إلا قتل هذا والله الغرور فأنزل الله تعالى في هذا  وَإِذْ يَقُولُ المنافقون  الخ. 
وفي رواية قال المنافقون حين سمعوا ذلك ألا تعجبون يحدثكم ويعدكم ويمنيكم الباطل أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق ولا تستطيعون أن تبرزوا فأنزل الله تعالى قوله سبحانه : وَإِذْ يَقُولُ المنافقون  ووجه الجمع على القول بأن القائل واحد أن الباقين راضون بذلك قابلوه منه، والظاهر أن نسبة الوعد إلى الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة من المنافقين الذين لا يعتقدون اتصافه صلى الله عليه وسلم بالرسالة ولا أن الوعد وعد الله تعالى شأنه كانت من باب المماشاة أو الاستهزاء وإن كانت قد وقعت من غيرهم فهي بالتبعية لهم. 
ويجوز أن يكون وقوع ما ذكر في الحكاية لا في كلامهم ويستأنس له بما وقع في بعض الآثار وبعضهم بحث عن إطلاق الرسول عليه صلى الله عليه وسلم فقال إنه في الحكاية لا في كلامهم كما يشهد بذلك ما روي عن معتب أو هو تقية لا استهزاء لأنه لا يصح بالنسبة لغير المنافقين فتأمل ولا تغفل.

### الآية 33:13

> ﻿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ۚ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا [33:13]

وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ  قال السدي : هم عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه، وقال مقاتل : هم بنو سلمة، وقال أوس بن رومان. هم أوس بن قيظي وأصحابه بنو حارثة وضمير  مِنْهُمْ  للمنافقين أو للجميع  مّنْهُمْ ياأهل. يَثْرِبَ  هو اسم المدينة المنورة، وقال أبو عبيدة اسم بقعة وقعت المدينة في ناحية منها، وقيل : اسم أرضها وهو عليها ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل أو التأنيث ولا ينبغي تسمية المدينة بذلك أخرج أحمد. وابن أبي حاتم، وابن مردويه. عن البراء بن عازب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله تعالى هي طابة هي طابة هي طابة وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس عن رسول الله عليه الصلاة والسلام لا تدعونها يثرب فإنها طيبة يعني المدينة ومن قال يثرب فليستغفر الله تعالى ثلاث مرات هي طيبة هي طيبة هي طيبة، وفي **«الحواشي الخفاجية »** أن تسميتها به مكروها كراهة تنزيهه، وذكر في وجه ذلك أن هذا الاسم يشعر بالتثريب وهو اللوم والتعيير. 
وقال الراغب : التثريب التقريع بالذنب والثرب شحمة رقيقة، ويثرب يصح أن يكون أصله من هذا الباب والياء تكون فيه زائدة انتهى، وقيل : يثرب اسم رجل من العمالقة وبه سميت المدينة وكان يقال لها أثرب أيضاً، ونقل الطبرسي عن الشريف المرتضى أن للمدينة أسماء منها يثرب وطيبة وطابة والدار والسكينة وجائزة والمحبورة والمحبة والمحبوبة والعذاء والمرحومة والقاصمة ويندد انتهى، وكأن القائلين اختاروا يثرب من بين الأسماء مخالفة له صلى الله عليه وسلم لما علموا من كراهيته عليه الصلاة والسلام لهذا الاسم من بينها، ونداؤهم أهل المدينة بعنوان أهليتهم لها ترشيح لما بعد من الأمر بالرجوع إليها  لاَ مُقَامَ لَكُمْ  أي لا مكان إقامة أو لا إقامة لكم أي لا ينبغي أو لا يمكن لكم الإقامة ههنا. 
وقرأ أبو جعفر. وشيبة. وأبو رجاء. والحسن. وقتادة. والنخعي. وعبد الله بن مسلم. وطلحة. وأكثر السبعة  لاَ مُقَامَ  بفتح الميم وهو يحتمل أيضاً المكان أي لا مكان قيام والمصدر أي لا قيام لكم، والمعنى على نحو ما تقدم  فارجعوا  أي إلى منازلكم بالمدينة ليكون ذلك أسلم لكم من القتل أو ليكون لكم عند هذه الأحزاب يد، قيل : ومرادهم أمرهم بالفرار على ما يشعر به ما بعد لكنهم عبروا عنه بالرجوع ترويجاً لمقالتهم وأيذاناً بأنه ليس من قبيل الفرار المذموم، وقيل : المعنى لا مقام لكم في دين محمد صلى الله عليه وسلم فارجعوا إلى ما كنتم عليه من الشرك أو فارجعوا عما بايعتموه عليه وأسلموه إلى أعدائه عليه الصلاة والسلام، أو لا مقام لكم بعد اليوم في يثرب أو نواحيها لغلبة الأعداء فارجعوا كفاراً ليتسنى لكم المقام فيها لارتفاع العداوة حينئذٍ. 
وقيل : يجوز أن يكونوا خافوا من قتل النبي صلى الله عليه وسلم إياهم بعد غلبته عليه الصلاة والسلام حيث ظهر أنهم منافقون فقالوا : لاَ مُقَامَ لَكُمْ  على معنى لا مقام لكم مع النبي صلى الله عليه وسلم لأنه إن غلب قتلكم فارجعوا عما بايعتموه عليه وأسلموه عليه الصلاة والسلام أن فارجعوا عن الإسلام واتفقوا مع الأحزاب أو ليس لكم محل إقامة في الدنيا أصلاً إن بقيتم على ما أنتم عليه فارجعوا عما بايعتموه عليه عليه الصلاة والسلام إلى آخره، والأول أظهر وأنسب بما بعده، وبعض هذه الأوجه بعيد جداً كما لا يخفى. 
 وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مّنْهُمُ النبي  عطف على  قَالَتْ  وصيغة المضارع لما مر من استحضار الصورة، والمستأذن على ما روي عن ابن عباس. وجابر بن عبد الله بنو حارثة بن الحرث، قيل : أرسلوا أوس بن قيظى أحدهم للاستئذان، وقال السدي : جاء هو ورجل آخر منهم يدعى أبا عرابة بن أوس، وقيل : المستأذن بنو حارثة. وبنو سلمة استأذنوه عليه الصلاة والسلام في الرجوع ممتثلين بأمر أولئك القائلين يا أهل يثرب. 
وقوله تعالى : يَقُولُونَ  بدل من  يستأذن  أو حال من فاعله أو استئناف مبني على السؤال عن كيفية الاستئذان  يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ  أي ذليلة الحيطان يخاف عليها السراق كما نقل عن السدي، وقال الراغب : أي متخرقة ممكنة لمن أرادها، وقال الكلبي : أي خالية من الرجال ضائعة، وقال قتادة : قاصية يخشى عليها العدو ؛ وأصلها على ما قيل مصدر بمعنى الخلل ووصف بها مبالغة وتكون صفة للمؤنث والمذكر والمفرد وغيره كما هو شأن المصدر، وجوز أن تكون صفة مشبهة على أنها مخفف عورة بكسر الواو كما قرأ بذلك هنا وفيما بعد ابن عباس. وأبو يعمر. وقتادة. وأبو رجاء. وأبو حيوة. وابن أبي عبلة. وأبو طالوت. وابن مقسم. وإسماعيل بن سليمان عن ابن كثير من عورت الدار إذا اختلت، قال ابن جني : صحة الواو على هذا شاذة والقياس قلبها ألفاً فيقال عارة كما يقال كبش صاف ونعجة صافة ويوم راح ورجل مال والأصل صوف وصوفة وروح ومول. وتعقب بأن القياس إنما يقتضي القلب إذا وقع القلب في الفعل وعور هنا قد صحت عينه حملاً على أعور المشدد، ورجح كونها مصدراً وصف به للمبالغة بأنه الأنسب بمقام الاعتذار كما يفصح عنه تصدير مقالتهم بحرف التحقيق، لكن ينبغي أن يقال في قوله تعالى : وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ  إذا أجرى فيه هذا اللفظ كما أجرى فيما قبله أن المراد المبالغة في النفي على نحو ما قيل قوله تعالى : وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ  \[ فصلت : ٦ ٤ \] والواو فيه للحال أي يقولون ذلك والحال أنها ليست كذلك  إِن يُرِيدُونَ  أي ما يريدون بالاستئذان  إِلاَّ فِرَاراً  أي هرباً من القتال ونصرة المؤمنين قاله جماعة، وقيل : فراراً من الدين. 
ومن باب الإشارة : وجعل قول المنافقين : يا أهل يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ  \[ الأحزاب : ٣ ١ \] إشارة إلى ذلك، وكم قول غريب لهذا الشيخ غفر الله تعالى له

### الآية 33:14

> ﻿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا [33:14]

وَلَوْ دُخِلَتْ  أي البيوت كما هو الظاهر  عَلَيْهِمْ  أي على هؤلاء القائلين، وأسند الدخول إلى بيوتهم وأوقع عليهم لما أن المراد فرض دخولها وهم فيها لا فرض دخولها مطلقاً كما هو المفهوم لو لم يذكر الجار والمجرور ولا فرض الدخول عليهم مطلقاً كما هو المفهوم لو أسند إلى الجار والمجرور وفاعل الدخول الداخل من أهل الفساد من كان أي لو دخل كل من أراد الدخول من أهل الدعاءة والفساد بيوتهم وهم فيها  مّنْ أَقْطَارِهَا  جمع قطر بمعنى الناحية والجانب ويقال قتر بالتاء لغة فيه أي من جميع جوانبها وذلك بأن تكون مختلة بالكلية وهذا داخل في المفروض فلا يخالف قوله تعالى : وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ  \[ الأحزاب : ١٣ \]  ثُمَّ سُئِلُواْ  أي طلب منهم من جهة طائفة أخرى عند تلك النازلة والرجفة الهائلة  الْفتْنَةَ  أي القتال كما قال الضحاك  لأَتَوْهَا  أي لأعطوها أولئك السائلين كأنه شبه الفتنة المطلوب اتباعهم فيها بأمر نفيس يطلب منهم بذله ونزل إطاعتهم واتباعهم بمنزلة بذلك ما سئلوه وإعطائه. وقرأ نافع. وابن كثير  لاَتَوْهَا  بالقصر أي لفعلوها  وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَا  أي بالفتنة، والباء للتعدية أي ما لبثوها وما أخروها  إِلاَّ يَسِيراً  أي إلا تلبثاً يسير أو إلا زماناً يسير وهو مقدار ما يأخذون فيه سلاحهم على ما قيل، وقيل : مقدار ما يجيبون السؤال فيه، وكلاهما عندي من باب التمثيل، والمراد أنهم لو سألهم غيرك القتال وهم في أشد حال وأعظم بلبال لأسرعوا جداً فضلاً عن التعلل باختلال البيوت مع سلامتها كما فعلوا الآن. والحاصل أن طلبهم الإذن في الرجوع ليس لاختلال بيوتهم بل لنفاقهم وكراهتهم نصرتك، وقال ابن عظية : المعنى ولو دخلت المدينة من أقطارها واشتد الحرب الحقيقي ثم سئلوا الفتنة والحرب لمحمد صلى الله عليه وسلم لطاروا إليها ولم يتلبثوا في بيوتهم لحفظها إلا يسيراً قيل قدر ما يأخذون سلاحهم انتهى، فضمير  دَخَلَتْ  عنده عائد على المدينة وباء  بِهَا  للظرفية كما هو ظاهر كلامه، وجوز أن تكون سببية والمعنى على تقدير مضاف أي ولم يتلبثوا بسبب حفظها » وقيل : يجوز أن تكون للملابسة أيضاً، والضمير على كل تقدير للبيوت وفيه تفكيك الضمائر. 
وعن الحسن. ومجاهد. وقتادة  الفتنة  الشرك. وفي معناه ما قيل : هي الردة والرجوع إلى إظهار الكفر، وجعل بعضهم ضميري  دَخَلَتْ  للمدينة وزعم أن المعنى ولو دخلت المدينة عليهم من جميع جوانبها ثم سئلوا الرجوع إلى إظهار الكفر والشرك لفعلوا وما لبثوا بالمدينة بعد إظهار كفرهم إلا يسيراً فإن الله تعالى يهلكهم أو يخرجهم بالمؤمنين، وقيل : ضمير  كُلَّمَا دَخَلَتْ  للبيوت أو للمدينة وضمير  بِهَا  للفتنة بمعنى الشرك والباء للتعدية، والمعنى ولو دخلت عليهم ثم سئلوا الشرك لأشركوا وما أخروه إلا يسيراً، وقريب منه قول قتادة أي لو دخلت عليهم ثم سئلوا الشرك لأعطوه طيبة به أنفسهم وما تحبسوا به إلا يسيراً، وجوز أن تكون الباء لغير ذلك، وقيل : فاعل الدخول أولئك العساكر المتحزبة، والوجوه المحتملة في الآية كثيرة كما لا يخفى على من له أدنى تأمل، وما ذكرناه أولاً هو الأظهر فيما أرى. 
وقرأ الحسن  سولوا  بواو ساكنة بعد السين المضمومة قالوا : وهي من سال يسال كخاف يخاف لغة في سأل المهموز العني، وحكى أبو زيد هما يتساولان، وقال أبو حيان : ويجوز أن يكون أصلها الهمزة لأنه يجوز أن يكون سولوا على قول من يقول في ضرب مبنياً للمفعول ضرب ثم سهل الهمزة بإبدالها واواً على قول من قال في بؤس بوس بإبدال الهمزة واواً لضم ما قبلها. وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو. والأعمش  سيلوا  بكسر السين من غير همزة نحو قيل : وقرأ مجاهد  سيلوا  بواو ساكنة بعد السين المضمومة وياء مكسورة بدلاً من الهمزة.

### الآية 33:15

> ﻿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ ۚ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا [33:15]

وَلَقَدْ كَانُواْ عاهدوا الله مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الادبار  هؤلاءهم الفريق المستأذنون وهم بنو حارثة عند الأكثرين، وقيل : هم بنو سلمة كانوا قد جبنوا يوم أحد ثم تابوا وعاهدوا يومئذ قبل يوم الخندق أن لا يفروا، وعن ابن عباس أنهم قوم عاهدوا بمكة ليلة العقبة أن يمنعوه صلى الله عليه وسلم مما يمنعون منه أنفسهم، وقيل : أناس غابوا عن وقعة بدر فحزنوا على ما فاتهم مما أعطى أهل بدر من الكرامة فقالوا : لئن أشهدنا الله تعالى قتالاً لنقاتلن و  عاهد  أجرى مجرى اليمين ولذلك تلقى بقوله تعالى : لاَ يُوَلُّونَ الادبار  وجاء بصيغة الغيبة على المعنى ولو جاء كما لفظوا به لكان التركيب لا تولى الأدبار، وتولية الأدبار كناية عن الفرار والانهزام فإن الفار يولى دبره من فر منه  وَكَانَ عَهْدُ الله  عن الوفاء به مجازي عليه وذلك يوم القيامة، والتعبير بالماضي على ما في **«مجمع البيان »** لتحقق الوقوع، وقيل : أي كان عند الله تعالى مسؤولاً عن الوفاء به أو مسؤولاً مقتضى حتى يوفى به.

### الآية 33:16

> ﻿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا [33:16]

قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مّنَ الموت أَوِ القتل  أي لن ينفعكم ذلك ويدفع عنكم ما أبرم في الأزل عليكم من موت أحدكم حتف أنفه أو قتله بسيف ونحوه فإن المقدر كائن لا محالة  وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً  أي وإن نفعكم الفرار بأن دفع عنكم ما أبرم عليكم فمتعتم لم يكن ذلك التمتيع إلا تمتيعاً قليلاً أو زماناً قليلاً. 
وهذا من باب فرض المحال ولم يقل : ولو نفعكم إخراجاً للكلام مخرج المماشاة أو إذا نفعكم الفرار فمتعتم بالتأخير بأن كان ذلك معلقاً عند الله تعالى على الفرار مربوطاً به لم يكن التمتيع إلا قليلاً فإن أيام الحياة وإن طالت قصيرة، وعمر تأكله ذرات الدقائق وإن كثر قليل، وقال بعض الأجلة : المعنى لا ينفعكم نفعاً دائماً أو تاماً في دفع الأمرين المذكورين الموت أو القتل بالكلية إذ لا بد لكل شخص من موت حتف أنفه أو قتل في وقت معين لا لأنه سبق به القضاء لأنه تابع للمقضي فلا يكون باعثاً عليه بل لأنه مقتضى ترتب الأسباب والمسببات بحسب جرى العادة على مقتضى الحكمة فلا دلالة فيه على أن الفرار لا يغني شيئاً حتى يشكل بالنهي عن الإلقاء إلى التهلكة وبالأمر بالفرار عن المضار، وقوله تعالى : وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً  يدل على أن في الفرار نفعاً في الجملة إذاً لمعنى لا تمتعون على تقدير الفرار إلا متاعاً قليلاً، وفيه ما فيه فتأمل. 
وذكر الزمخشري أن بعض المروانية مر على حائط مائل فأسرع فتليت له هذه الآية فقال : ذلك القليل نطلب وكأنه مال إلى الوجه الثاني أو إلى ما ذكره البعض في الآية ؛ وجواب الشرط لإن محذوف لدلالة ما قبله عليه و  أَذِنَ  تقدمها ههنا حرف عطف فيجوز فيها الأعمال والإهمال لكنه لم يقرأ هنا إلا بالإهمال. وقرئ بالأعمال في قوله تعالى في سورة \[ الإسراء : ٦ ٧ \]  وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُواْ خلافك  وقرئ  لا \* يُمَتَّعُونَ  بياء الغيبة.

### الآية 33:17

> ﻿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً ۚ وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [33:17]

قُلْ مَن ذَا الذي يَعْصِمُكُمْ مّنَ الله إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً  استفهام في معنى النفي أي لا أحد يمنعكم من الله عز وجل وقدره جل جلاله أن خيراً وإن شراً فجعلت الرحمة قرينة السوء في العصمة مع أنه لا عصمة إلا من السوء لما في العصمة من معنى المنع، وجوز أن يكون في الكلام تقدير والأصل قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوأ أو يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة فاختصر نظير قوله :ورأيت زوجك في الوغى  متقلداً سيفاً ورمحاًفإنه أراد وحاملاً أو ومعتقلاً رمحاً، ويجري نحو التوجيه السابق في الآية، وجوز الطيبي أن يكون المعنى من الذي يعصمكم من الله أراد بكم سوأ أو من الذي يمنع رحمة الله منكم إن أراد بكم رحمة، وقرينة التقدير ما في  يَعْصِمُكُمْ  من معنى المنع، واختير الأول لسلامته عن حذف جملة بلا ضرورة. 
 وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مّن دُونِ الله وَلِيّاً  ينفعهم  وَلاَ نَصِيراً  يدفع الضرر عنهم، والمراد الأولى فيجدوه الخ فهو كقوله :
ولا ترى الضب بها ينجحر \*\*\* اه وهو معطوف على ما قبله بحسب المعنى فكأنه قيل : لا عاصم لهم ولا ولي ولا نصير أو الجملة حالية.

### الآية 33:18

> ﻿۞ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا ۖ وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا [33:18]

قَدْ يَعْلَمُ الله المعوقين مِنكُمْ  أي المثبطين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  والقائلين لإخوانهم هَلُمَّ إِلَيْنَا  أي اقبلوا إلينا أو قربوا أنفسكم إلينا، قال ابن السائب : الآية في عبد الله بن أبي. ومعتب بن قشير. ومن رجع من المنافقين من الخندق إلى المدينة كانوا إذا جاءهم المنافق قالوا له : ويحك اجلس ولا تخرج ويكتبون إلى إخوانهم في العسكر أن ائتونا فإنا ننتظركم، وقال قتادة : هي في المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم من ساكني المدينة من أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما محمد عليه الصلاة والسلام وأصحابه إلا أكلة رأس ولو كانوا لحماً لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه فخلوهم. 
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال : انصرف رجل من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب إلى شقيقه فوجد عنده شواء ونبيذاً فقال له : أنت ههنا ورسول الله عليه الصلاة والسلام بين الرماح والسيوف فقال : هلم إلى فقد أحيط بك وبصاحبك والذي يحلف به لا يستقبلها محمد أبداً فقال : كذبت والذي يحلف به لأخبرنه بأمرك فذهب ليخبره صلى الله عليه وسلم فوجد جبريل عليه السلام قد نزل بهذه الآية. 
وقيل : هؤلاء اليهود كانوا يقولون لأهل المدينة : تعالوا إلينا وكونوا معنا، وكأن المراد من أهل المدينة المنافقون منهم المعلوم نفاقهم عند اليهود ؛ و  قَدْ  للتحقيق أو للتقليل وهو باعتبار المتعلق، و  مّنكُمْ  بيان للمعوقين لأصلته كما أشير إليه، والمراد بالأخوة التشارك في الصفة وهو النفاق على القول الأول، والكفر بالنبي صلى الله عليه وسلم على القول الأخير، والصحبة والجوار وسكنى المدينة على القول الثاني وكذا على القول الثالث فإن ذلك يجامع الأخوة في النسب، وظاهر صيغة الجمع يقتضي أن الآية لم تنزل في ذينك الشقيقين وحدهما فلعلها نزلت فيهما وفي المنافقين القائلين ذلك والأنصار المخلصين المقول لهم، وجواز كونها نزلت في جماعة من الأخوان في النسب مجرد احتمال وإن كان له مستند سمعي فلتحمل الأخوة عليه على الآخوة في النسب ولا ضير، والقول بجميع الأقوال الأربعة المذكورة وحمل الأخوة على الأخوة في الدين والأخوة في الصحبة والجوار والأخوة في النسب لا يخفى حاله،  وهلم  عند أهل الحجاز يسوي فيه بين الواحد والجماعة، وأما عند تميم فيقال : هلم يا رجل وهلموا يا رجال، وهو عند بعض الأئمة صوت سمي به الفعل، واشتهر أنه يكون متعدياً كلهم شهداءكم بمعنى أحضروا أو قربوا ولازماً كهلم إلينا بناء على تفسير بأقبلوا إلينا ؛ وأما على تفسيره بقربوا أنفسكم إلينا فالظاهر أنه متعد حذف مفعوله، وجوز كونه لازماً وهذا تفسير لحاصل المعنى. 
وفي **«البحر »** أن الذي عليه النحويون أن هلم ليس صوتاً وإنما هو مركبك اختلف في أصل تركيبه فقيل : مركب من ها التي للتنبيه والميم بمعنى اقصد وأقيل وهو مذهب البصريين، وقيل : من هل وأم، والكلام على المختار من ذلك مبسوط في محله. 
 إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ البأس  أي الحرب والقتال وأصل معناه الشدة  إِلاَّ قَلِيلاً  أي إتياناً أو زماناً قليلا فقد كانوا لا يأتون العسكر إلا أن لا يجدوا بداً من إتيانه فيأتون ليرى الناس وجوههم فإذا غفلوا عنهم عادوا إلى بيوتهم، ويجوز أن يكون صفة مفعول مقدر كما كان صفة المصدر أو الزمان أي إلا بأساً قليلاً على أنهم يعتذرون في البأس الكثير ولا يخرجون إلا في القليل، وإتيان البأس على هذه الأوجه على ظاهره، ويجوز أن يكون كناية عن القتال، والمعنى ولا يقاتلون إلا قتالاً قليلاً كقوله تعالى : وَمَا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلاً  \[ الأحزاب : ٢٠ \] وقلته إما لقصر زمانه وإما لقلة غنائه، وأياً ما كان فالجملة حال من  القائلين  وقيل : يجوز أيضاً أن تكون عطف بيان على  بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ  وهو كما ترى، وقيل : هي من مقول القول وضمير الجمع لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أي القائلين ذلك والقائلين لا يأتي أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حرب الأحزاب ولا يقاومونهم إلا قليلاً، وهذا القول خلاف المتبادر وكأنه ذهب إليه من قال إن الآية في اليهود.

### الآية 33:19

> ﻿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ۖ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ۖ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ۚ أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [33:19]

أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ  أي بخلاء عليكم بالنفقة والنصرة على ما روى عن مجاهد. وقتادة، وقيل : بأنفسهم، وقيل : بالغنيمة عند القسم، وقيل : بكل ما فيه منفعة لكم وصوب هذا أبو حيان، وذهب الزمخشري إلى أن المعنى أضناء بكم يترفرفون عليكم كما يفعل الرجل بالذاب عنه المناضل دونه عند الخوف وذلك لأنهم يخافون على أنفسهم لو غلب النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين حيث لم يكن لهم من يمنع الأحزاب عنهم ولا من يحمى حوزتهم سواهم، وقيل : كانوا يفعلون ذلك رياء، والأكثرون ذهبوا إلى ما سمعت قبل وعدل إليه مختصر وكشافه أيضاً وذلك على ما قيل لأن ما ذهب إليه معنى ما في التفريع بعد فيحتاج إلى جعله تفسيراً، ورجحه بعض الأجلة على ما ذهب إليه الأكثر فقال : إنما اختاره ليطابق معنى ويقابل قوله تعالى بعد : أَشِحَّةً عَلَى الخير  ولأن الاستعمال يقتضيه فإن الشح على الشيء هو أن يراد بقاؤه كما في **«الصحاح »** وأشار إليه بقوله : أضناء بكم، وما ذكره غيره لا يساعده الاستعمال انتهى. 
قال الخفاجي : إن سلم ما ذكر من الاستعمال كان متعيناً وإلا فلكل وجهة كما لا يخفى على العارف بأساليب الكلام، و  أَشِحَّةً  جميع شحيح على غير القياس إذ قياس فعيل الوصف المضعف عينه ولأمه أن يجمع على افعلاء كضنين وإضناء وخليل وإخلاء فالقياس أشحاء وهو مسموع أيضاً، ونصبه عند الزجاج. وأبي البقاء على الحال من فاعل  يَأْتُونَ  على معنى تركوا الاتيان أشحة، وقال الفراء : على الذم، وقيل : على الحال من ضمير  هَلُمَّ إِلَيْنَا  أو من ضمير يعوقون مضمراً، ونقل أولهما عن الطبري وهو كما ترى، وقيل : من  المعوقين  أو من القائلين، ورداً بأن فيهما الفصل بين أبعاض الصلة، وتعقب بأن الفاصل من متعلقات الصلة وإنما يظهر الرد على كونه حالاً من  المعوقين  لأنه قد عطف على الموصول قبل تمام صلته. 
وقرأ ابن أبي عبلة  أَشِحَّةً  بالرفع على إضمار مبتدأ أي هم أشحة  فَإِذَا جَاء الخوف  من العدو وتوقع أن يستأصل أهل المدينة  رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ  أي أحداقهم أو بأحداقهم على أن الباء للتعدية فيكون المعنى تدير أعينهم أحداقهم، والجملة في موضع الحال أي دائرة أعينهم من شدة الخوف. 
 كالذي يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت  صفة لمصدر  يُنظَرُونَ  أو حال من فاعله أو لمصدر  تَدورُ  أو حال من  أَعْيُنَهُمْ  أي ينظرون نظراً كائناً كنظر المغشي عليه من معالجة سكرات الموت حذراً وخوفاً ولو إذا بك أو ينظرون كائنين كالذي الخ أو تدور أعينهم دوراناً كائناً كدوران عين الذي الخ أو تدور أعينهم كائنة كعين الذي الخ، وقيل : معنى الآية إذا جاء الخوف من القتال وظهر المسلمون على أعدائهم رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم في رؤيتهم وتجول وتضطرب رجاء أن يلوح لهم مضرب لأنهم يحضرون على نية شر لا على نية خير، والقول الأول هو الظاهر  فَإِذَا ذَهَبَ الخوف سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ  أي أذوكم بالكلام وخاصموكم بألسنة سلطة ذربة قاله الفراء، وعن قتادة بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسمة الغنيمة يقولون : أعطونا أعطونا فلستم بأحق بهامنا، وقال يزيد بن رومان : بسطوا ألسنتهم في أذاكم وسبكم وتنقيص ما أنتم عليه من الدين. 
وقال بعض الأجلة : أصل السلق بسط العضو ومده للقهر سواء كان يداً أو لساناً فسلق اللسان بإعلان الطعن والذم وفسر السلق هنا بالضرب مجازاً كما قيل للذم طعن، والحامل عليه توصيف الألسنة بحداد، وجوز أن يشبه اللسان بالسيف ونحوه على طريق الاستعارة المكنية ويثبت له السلق بمعنى الضرب تخييلاً، وسأل نافع بن الأزرق ابن عباس رضي الله تعالى عنه عن السلق في الآية فقال : الطعن باللسان قال : وهل تعرف العرب ذلك ؟ فقال : نعم أما سمعت قول الأعشى :فيهم الخصب والسماحة والنجدة  فيهم والخاطب المسلاقوفسره الزجاج بالمخاطبة الشديدة قال : معنى سلقوكم خاطبوكم أشد مخاطبة وأبلغها في الغنيمة يقال : خطيب مسلاق وسلاق إذا كان بليغاً في خطبته، واعتبر بعضهم في السلق رفع الصوت وعلى ذلك جاء قوله صلى الله عليه وسلم :**«ليس منا من سلق أو حلق »** قال في النهاية أي رفع صوته عند المصيبة، وقيل : أن تصك المرأة وجهها وتمرشه، والأول أصح، وزعم بعضهم أن المعنى في الآية بسطوا ألسنتهم في مخادعتكم بما يرضيكم من القول على جهة المصانعة والمجاملة، ولا يخفى ما فيه، وقرأ ابن أبي عبلة  صلقوكم  بالصاد. 
 حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الخير  أي بخلاء حريصين على مال الغنائم على ما روى عن قتادة، وقيل : على ما لهم الذين ينفقونه، وقال الجبائي : أي بخلاء بأن يتكلموا بكلام فيه خير، وذهب أبو حيان إلى عموم الخير. ونصب  أَشِحَّةً  على الحال من فاعل  سَلَقُوكُم  أو على الذم، ويؤيده قراءة ابن أبي عبلة  أَشِحَّةً  بالرفع لأنه عليه خبر مبتدأ محذوف أي هم  أَشِحَّةً  والجملة مستأنفة لا حالية كما هو كذلك على الذم، وغاير بعضهم بين الشح هنا والشح فيما مر بأن ما هنا مقيد بالخير المراد به مال الغنيمة وما مر مقيد بمعاونة المؤمنين ونصرتهم أو بالإنفاق في سبيل الله تعالى فلا يتكرر هذا مع ما سبق، والزمخشري لما ذهب إلى ما ذهب هناك، قال هنا : فإذا ذهب الخوف وحيزت الغنائم ووقعت القسمة نقلوا ذلك الشح وتلك الحالة الأولى واجترؤا عليكم وضربوكم بألسنتهم الخ، وقد سمعت ما قال بعض الأجلة في ذلك. 
ويمكن أن يقال في الفرق بين هذا وما سبق : إن المراد مما سبق ذمهم بالبخل بكل ما فيه منفعة أو بنوع منه على المؤمنين ومن هذا ذمهم بالحرص على المال أو ما فيه منفعة مطلقاً من غير نظر إلى كون ذلك على المؤمنين أو غيرهم وهو أبلغ في ذمهم من الأول  أولئك  الموصوفون بما ذكر من صفات السوء  لَمْ يُؤْمِنُواْ  بالإخلاص فإنهم المنافقون الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا في قلوبهم الكفر  فَأَحْبَطَ الله أعمالهم  أي أظهر بطلانها لأنها باطلة منذ عملت إذ صحتها مشروط بالإيمان وبالإخلاص وهم مبطنون الكفر وفي **«البحر »** أي لم يقبلها سبحانه فكانت كالمحبطة وعلى الوجهين المراد بالأعمال العبادات المأمور بها، وجوز أن يكون المراد بها ما عملوه نفاقاً وتصنعاً وإن لم يكن عبادة، والمعنى فأبطل عز وجل صنعهم ونفاقهم فلم يبق مستتبعاً لمنفعة دنيوية أصلاً. 
وحمل بعضهم الأعمال على العبادات والإحباط على ظاهره بناء على ما روى عن ابن زيد عن أبيه قال نزلت الآية في رجل بدري نافق بعد بدر ووقع منه ما وقع فأحبط الله تعالى عمله في بدر وغيرها، وصيغة الجمع تبعد ذلك وكذا قوله تعالى : لَمْ يُؤْمِنُواْ  فإن هذا كما هو ظاهر هذه الرواية قد آمن قبل، وأيضاً قوله عليه الصلاة والسلام :" لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " يأبى ذلك فالظاهر والله تعالى أعلم أن هذه الرواية غير صحيحة. 
 وَكَانَ ذلك  أي الاحباط  عَلَى الله يَسِيراً  أي هيناً لا يبالي به ولا يخاف سبحانه اعتراضاً عليه، وقيل : أي هيناً سهلاً عليه عز وجل، وتخيص يسره بالذكر مع أن كل شيء عليه تعالى يسير لبيان أن أعمالهم بالاحباط المذكور لكمال تعاضد الحكم المقتضية له وعدم مانع عنه بالكلية، وقيل : ذلك إشارة إلى حالهم من الشح ونحوه، والمعنى كان ذلك الحال عليه عز وجل هيناً لا يبالي به ولا يجعله سبحانه سبباً لخذلان المؤمنين وليس بذاك، والمقصود مما ذكر التهديد والتخويف.

### الآية 33:20

> ﻿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا ۖ وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ ۖ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا [33:20]

يَحْسَبُونَ الاحزاب لَمْ يَذْهَبُواْ  أي هم من الجزع والدهشة لمزيد جبنهم وخوفهم بحيث هزم الله تعالى الأحزاب فرحلوا وهم يظنون أنه لم يرحلوا، وقيل : المراد هؤلاء لجبنهم يحسبون الأحزاب لم ينهزموا وقد انهزموا فانصرفوا عن الخندق راجعين إلى المدينة لذلك، وهذا إن صحت فيه رواية فذاك وإلا فالظاهر أنه مأخوذ من قوله تعالى : والقائلين لإخوانهم هَلُمَّ إِلَيْنَا  \[ الأحزاب : ١٨ \] لدلالته ظاهراً على أنهم خارجون عن معسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يحثون إخوانهم على اللحاق بهم، وكون المراد هلموا إلى رأينا أو إلى مكاننا الذي هو في طرف لا يصل إليه السهم خلاف الظاهر، وكذا من قوله سبحانه : وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ  على ما هو الظاهر أيضاً إذ يبعد حمله على اتحاد المكان ولو في الخندق  وَإِن يَأْتِ الاحزاب  كرة ثانية  يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ في الاعراب  تمنوا أنهم خارجون إلى البد وحاصلون مع الأعراب وهم أهل العمود، وقرأ عبد الله. وابن عباس. وابن يعمر. وطلحة  بدي  جمع باد كغاز وغزى وليس بقياس في معتل اللام وقيام فعلة كقاض وقضاة ؛ وفي رواية أخرى عن ابن عباس  بدوا  فعلاً ماضياً، وفي رواية صاحب الإقليد  بدي  بوزن عدي  وَهُمْ يُسْئَلُونَ  أي كل قادم من جانب المدينة  عَنْ أَنبَائِكُمْ  عما جرى عليكم من الأحزاب يتعرفون أحوالكم بالاستخبار لا بالمشاهدة فرقاً وجبناً، واختيار البداوة ليكونوا سالمين من القتال، والجملة في موضع الحال من فاعل بادون، وحكى ابن عطية أن أبا عمرو. وعاصماً. والأعمش  قرؤا  يسلون بغير همز نحو قوله تعالى : الامور سَلْ بَنِى إسرائيل  \[ البقرة : ٢١١ \] ولم يعرف ذلك عن أبي عمرو وعاصم، ولعل ذلك في شاذهما ونقلها **«صاحب اللوامح »** عن الحسن. والأعمش، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما. وقتادة. والجحدري. والحسن. ويعقوب بخلاف عنهما  يساءلون  بتشديد السين والمد وأصله يتساءلون فأدغمت التاء في السين أي يسأل بعضهم بعضاً أي قول بعضهم لبعض : ماذا سمعت وماذا بغلك ؟ أو يتساءلون الإعراب أي يسألونهم كما تقول : رأيت الهلال وتراءيته وأبصرت زيداً وتباصرته  أَنبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ  أي في هذه الكرة المفروضة بقوله تعالى : وَإِن يَأْتِ الاحزاب أَوْ لَّوْ كَانُواْ فيكُمْ  في الكرة الأولى السابقة ولم يرجعوا إلى داخل المدينة وكانت محاربة بالسيوف ومبارزة الصفوف  مَّا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلاً  رياء وسمعة وخوفاً من التعبير قال مقاتل والجياني والبعلبكي : هو قليل من حيث هو رياء ولو كان الله تعالى كان كثيراً.

### الآية 33:21

> ﻿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [33:21]

لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ  الظاهر أن الخطاب للمؤمنين الخلص المخاطبين من قبل في قوله تعالى : عَنْ أَنبَائِكُمْ  وقوله سبحانه : وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ . 
والأسوة بكسر الهمزة كما قرأ الجمهور وبضمها كما قرأ عاصم الخصلة، وقال الراغب : الحالة التي يكون عليها الإنسان وهي اسم كان و  لَكُمْ  الخبر و  فِى رَسُولِ الله  متعلق بما تعلق به  لَكُمْ  أو في موضع من  أُسْوَةٌ  لأنه لو تأخر جاز أن يكون نعتاً لها أو متعلق بكان على مذهب من أجاز فيها ناقصة وفي أخواتها أن تعمل في الظرف، وجوز أن يكون في رسول الله الخبر ولكن تبيين أي أعني لكم أي والله لقد كان لكم في رسول الله خصلة حسنة من حقها أن يؤتسى ويقتدى بها كالثبات في الحرب ومقاساة الشدائد ؛ ويجوز أن يراد بالأسوة القدوة بمعنى المقتدى على معنى هو صلى الله عليه وسلم في نفسه قدوة يحسن التأسي به، وفي الكلام صنعة التجريد وهو أن ينتزع من ذي صفة آخر مثله فيها مبالغة في الاتصاف نحو لقيت منه أسداً وهو كما يكون بمعنى من يكون بمعنى في كقوله :أراقت بنو مروان ظلماً دماءنا  وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدلوكقوله : في البيضة عشرون منا حديد أي هي في نفسها هذا القدر من الحديد، والآية وإن سيقت للاقتداء به عليه الصلاة والسلام في أمر الحرب من الثبات ونحوه فهي عامة في كل أفعاله صلى الله عليه وسلم إذا لم يعلم أنها من خصوصياته كنكاح ما فوق أربع نسوة ؛ أخرج ابن ماجه. وابن أبي حاتم عن حفص بن عاصم قال : قلت لعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما رأيتك في السفر لا تصلي قبل الصلاة ولا بعدها فقال يا ابن أخي صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا فلم أره يصلي قبل الصلاة ولا بعدها ويقول الله تعالى : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ  وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن قتادة قال : هم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن ينهى عن الحبرة فقال رجل : أليس قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها ؟ قال عمر : بلى قال الرجل : ألم يقل الله تعالى : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ  فترك ذلك عمر رضي الله تعالى عنه. 
وأخرج الشيخان. والنسائي. وابن ماجه. وغيرهم عن ابن عمر أنه سئل عن رجل معتمر طاف بالبيت أيقع على امرأته قبل أن يطوف بين الصفا والمروة فقال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت وصلى خلف المقام ركعتين وسعى بين الصفا والمروة ثم قرأ  لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ . 
 وأخرج الشيخان. وغيرهما عن ابن عباس قال : إذا حرم الرجل عليه امرأته فهو يمين يكفرها، وقال  لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ  إلى غير ذلك من الاخبار، وتمام الكلام في كتب الأصول. 
 لّمَن كَانَ \* يَرْجُو الله واليوم الاخر  أي يؤمل الله تعالى وثوابه كما يرمز إليه أثر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وعليه يكون قد وضع  اليوم الاخر  بمعنى يوم القيامة موضع الثواب لأن ثوابه تعالى يقع فيه فهو على ما قال الطيبي من إطلاق اسم المحل على الحال، والكلام نحو قولك : أرجو زيداً وكرمه مما يكون ذكر المعطوف عليه فيه توطئة للمعطوف وهو المقصود وفيه من الحسن والبلاغة ما ليس في قولك : أرجو زيداً كرمه على البدلية : وقال **«صاحب الفرائد »**، يمكن أن يكون التقدير يرجو رحمة الله أو رضا الله وثواب اليوم الآخر ففي الكلام مضافان مقدران، وعن مقاتل أي يخشى الله تعالى ويخشى البعث الذي فيه جزاء الأعمال على أنه وضع اليوم الآخر موضع البعث لأنه يكون فيه، والرجاء عليه بمعنى الخوف، ومتعلق الرجاء بأي معنى كان أمر من جنس المعاني لأنه لا يتعلق بالذوات، وقدر بعضهم المضاف إلى الاسم الجليل لفظ أيام مراداً بها الوقائع فإن اليوم يطلق على ما يقع فيه من الحروب والحوادث واشتهر في هذا حتى صار بمنزلة الحقيقة وجعل قرينة هذا التقدير المعطوف وجعل العف من عطف الخاص على العام، والظاهر أن الرجاء على هذا بمعنى الخوف، وجوز أن يكون الكلام عليه كقوله : أرجو زيداً وكرمه. وأن يكون الرجاء فيه بمعنى الأمل إن أريد ما في اليوم من النصر والثواب، وأن يكون بمعنى الخوف والأمل معاً بناء على جواز استعمال اللفظ في معنييه أو في حقيقته ومجازه وإرادة ما يقع فيه من الملائم والمنافر، وعندي أن تقدير أيام غير متبادر إلى الفهم، وفسر بعضهم  اليوم الاخر  بيوم السياق والمتبادر منه يوم القيامة و  مِنْ  على ما قيل بدل من ضمير الخطاب في  لَكُمْ  وأعيد العامل للتأكيد وهو بدل كل من كل والفائدة فيه الحث على التأسي، وإبدال الاسم الظاهر من ضمير المخاطب هذا الإبدال جائز عند الكوفيين. والأخفش، ويدل عليه قوله :بكم قريش كفينا كل معضلة  وام نهج الهدى من كان ضليلاًومنع ذلك جمهور البصريين : ومن هنا قال **«صاحب التقريب »**، هو بدل اشتمال أو بدل بعض من كل، ولا يتسنى إلا على القول بأن الخطاب عام وهو مخالف للظاهر كما سمعت، ومع هذا يحتاج إلى تقدير منكم، وقال أبو البقاء : يجوز أن يكون لمن متعلقاً بحسنة أو بمحذوف وقع صفة لها لأنه وقع بعد نكرة، وقيل : يجوز أن يكون صفة لأسوة. 
وتعقب بأن المصدر الموصوف لا يعمل فيما بعد وصفه، وكذا تعدد الوصف بدون العطف لا يصح، وقد صرح بمنع ذلك الإمام الواحدي، ولا يخفى أن المسألة خلافية فلا تغفل. 
 وَذَكَرَ الله كَثِيراً  أي ذكراً كثيراً وقرن سبحانه بالرجاء كثرة الذكر لأن المثابرة على كثرة ذكره عز وجل تؤدى إلى ملازمة الطاعة وبها يتحقق الائتساء برسول الله صلى الله عليه وسلم ومما ينبغي أن يعلم أنه قد صرح بعض الأجلة كالنووي إن ذكر الله تعالى المعتبر شرعاً ما يكون في ضمن جملة مفيدة كسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ونحو ذلك وما لا يكون بمفرد لا يعد شرعاً ذكراً نحو الله أو قادر أو سميع أو بصير إذا لم يقدر هناك ما يصير به اللفظ كلاماً، والناس عن هذا غافلون، وأنهم أجمعوا على أن الذكر المتبعد بمعناه لا يثاب صاحبه ما لم يستحضر معناه فالمتلفظ بنحو سبحان الله ولا إله إلا الله إذا كان غافلاً عن المعنى غير ملاحظ له ومستحضراً إياه لا يثاب إجماعاً، والناس أيضاً عن هذا غافلون فإنا لله وإنا إليه راجعون. 
ومن باب الإشارة : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الاخر وَذَكَرَ الله كَثِيراً  \[ الأحزاب : ١ ٢ \] لأنه عليه الصلاة والسلام أكمل الخلق على الإطلاق وأحظى الناس بإشراق أنوار أخلاقه عليه الذين يرجون الله تعالى واليوم الآخر ويذكرونه عز وجل كثيراً لصقالة قلوبهم وقوة استعدادها لإشراق الأنوار وظهور الآثار

### الآية 33:22

> ﻿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [33:22]

وَلَمَّا رَأَى المؤمنون الاحزاب  بيان لما صدر عن خلص المؤمنين عند اشتباه الشؤون واختلاط الظنون بعد حكاية ما صدر عن غيرهم أي لما شاهدوهم حسبما وصفوا لهم  قَالُواْ هذا  إشارة عند المحققين إلى ما شاهدوه من غير أن يخطر ببالهم لفظ يدل عليه فضلاً عن تذكيره وتأنيثه فإنهما من أحكام اللفظ نعم يجوز التذكير باعتبار الخبر الذي هو  مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ  فإن ذلك العنوان أول ما يخطر ببالهم عند المشاهدة. وعند الأكثر إشارة إلى الخطب والبلاء، و  مَا  موصولة عائدها محذوف وهو المفعول الثاني لوعد أي الذي وعدناه الله، وجوز أن تكون مصدرية أي هذا وعد الله تعالى ورسوله إياناً وأرادوا بذلك ما تضمنه قوله تعالى في سورة البقرة : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البأساء والضراء  \[ البقرة : ٤ ٢١ \] كما أخرج ذلك ابن جرير. وابن مردويه. والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأخرجه جماعة عن قتادة أيضاً ونزلت آية البقرة قبل الواقعة بحول على ما أخرجه جويبر عن الضحاك عن الحبر رضي الله تعالى عنه. 
وفي البحر عن ابن عباس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه : إن الأحزاب سائرون إليكم تسعاً أو عشراً أي في آخر تسع ليال أو عشر أي من وقت الأخبار أو من غرة الشهر فلما رأوهم قد اقبلوا للميعاد قالوا ذلك فمرادهم بذلك ما وعد بهذا الخبر. وتعقبه ابن حجر بأنه لم يوجد في كتب الحديث. وقرئ بإمالة الراء من  رَأْىَ  نحو الكسرة وفتح الهمزة وعدم امالتها، وروي إمالتهما وإمالة الهمزة دون الراء على تفصيل فيه في النشر فليراجع  وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ  الظاهر أنه داخل في حيز القول فجوز أن يكون عطفاً على جملة  هذا مَا وَعَدَنَا  الخ أو على صلة الموصول وهو كما ترى، وأن يكون في موضع الحال بتقدير قد أو بدونه. 
وأياً ما كان فالمراد ظهر صدق خبر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لأن الصدق محقق قبل ذلك والمترتب على رؤية الأحزاب ظهوره، وجوز أن يكون المعنى وصدق الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام في النصرة والثواب كما صدق الله تعالى ورسوله في البلاء، والإظهار مع سبق الذكر للتعظيم ولأنه لو اضمر وقيل وصدق جاء الجمع بين الله تعالى وغيره في ضمير واحد والأول تركه أو قيل وصدق هو ورسوله بقي الإظهار في مقام الإضمار فلا يندفع السؤال كذا قيل، وحديث الجمع قد مر ما فيه  وَمَا زَادَهُمْ  أي ما رأوا المفهوم من قوله تعالى : وَلَمَّا رَأَى المؤمنون  الخ ورجوع الضمير إلى المصدر المفهوم من  رَأْىَ  يعكر عليه التذكير، وأرجعه بعضهم إلى الشهود المفهوم من ذلك، وجوز رجوعه إلى الوعد أو الخطب والبلاء المفهومين من السياق أو الإشارة. 
وقرأ ابن أبي هبلة  وَمَا زَادُوهُمْ  بضمير الجمع العائد على الأحزاب  إِلاَّ إِيمَانًا  بالله تعالى وبمواعيده عز وجل  وَتَسْلِيماً  لأوامره جل شأنه وإقداره سبحانه، واستدل بالآية على جواز زيادة الإيمان ونقصه. ومن أنكر قال : إن الزيادة فيما يؤمن به لا في نفس الإيمان والبحث في ذلك مشهور وفي كتب الكلام على أبسط وجه مسطور.

### الآية 33:23

> ﻿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [33:23]

مِنَ المؤمنين  أي المؤمنين بالإخلاص مطلقاً لا الذين حكيت محاسنهم خاصة  رِجَالٌ  أي رجال  صَدَقُواْ مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ  من الثبات مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمقاتلة للإعداء، وقيل : من الطاعات مطلقاً ويدخل في ذلك ما ذكر دخولاً أولياً، وسبب النزول ظاهر في الأول. 
أخرج الإمام أحمد. ومسلم. والترمذي. والنسائي. وجماعة عن أنس قال : غاب عمى أنس بن النضر عن بدر فشق عليه وقال : أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه لئن أراني الله تعالى مشهداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بعد ليرين الله تعالى ما أصنع فشهد يوم أحد فاستقبله سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه فقال : يا أبا عمرو أين ؟ قال : واهاً لريح الجنة أجدها دون أحد فقاتل حتى قتل فوجد في جسده بضع وثمانون من ضربة وطعنة ورمية ونزلت هذه الآية : مّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ  وكانوا يرون إنها نزلت فيه وأصحابه. وفي الكشاف نذر رجال من الصحابة أنهم إذا لقوا حرباً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبتوا وقاتلوا حتى يستشهدوا أي نذروا الثبات التام والقاتل الذي يفضي بحسب العادة إلى نيل الشهادة وهم عثمان بن عفان. وطلحة بن عبيد الله. وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل. وحمزة. ومصعب بن عمير. وغيرهم. وعن الكلبي ومقاتل إن هؤلاء الرجال هم أهل العقبة السبعون أهل البيعة، وقال يزيد بن رومان : هم بنو حارثة والمعول عليه عندي ما قدمته، ومعنى  صَدَقُواْ  أتوا بالصدق من صدقني إذا قال الصدق، ومحل  مَا عاهدوا  النصب إما على نزع الخافض وهو في وايصال الفعل إليه كما في قولهم صدقني سن بكرة على رواية النصب أي في سن بكره والمفعول محذوف والأصل صدقوا الله فيما عاهدوه، وإما على أنه هو المفعول الصريح. 
وجعل ما عاهدوا عليه بمنزلة شخص معاهد على طريق الاستعارة المكنية وجعله مصدوقاً تخييل وعلى الإسناد المجازي  فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ  تفصيل لحال الصادقين وتقسيم لهم إلى قسمين، والنحب على ما قال الراغب النذر المحكوم بوجوبه يقال : قضى فلان نحبه أي وفى بنذره. وقال أبو حيان : النذر الشيء الذي يلتزمه الإنسان ويعتقد الوفاء قال الشاعر :عشية فر الحارثيون بعدما  قضى نحيه في ملتقى القوم هوبر**وقال جرير :**بطخفة جالدنا الملوك وخيلنا  عشية بسطام جرين على نحبأي على أمر عظيم التزم القيامة به. وشاع قضى فلان نحبه بمعنى مات إما على أن النحب مستعار استعارة تصريحية للموت لأنه كنذر لازم في رقبة كل إنسان والقرينة حالية والقضاء ترشيح، وأما على أن قضاء النحب مستعار له. 
وجوز أن يراد بالنحب في الآية النذر وأن يراد الموت، وقال بعض الأجلة يجوز أن يكون مستعاراً لالتزام الموت شهيداً أما بتنزيل التزام أسبابه التي هي أفعال اختيارية للناذر منزلة التزام نفسه، وإما بتنزيل نفسه منزلة أسبابه وإيراد الالتزام عليه وهو الأنسب بمقام المدح، وجعله استعارة للموت لأنه كنذر لازم مسخ للاستعارة وإذ هاب برونقها وإخراج للنظم الكريم عن مقتضى المقام بالكلية انتهى، وفيه منع ظاهر كما لا يخفى على المنصف. 
والذي يقتضيه ظاهر بعض الأخبار أن النحب هنا بمعنى النذر وقضاؤه أداؤه والوفاء به، فقد أخرج ابن أبي عاصم. والترمذي وحسنه. وابن جرير. والطبراني. وابن مردويه عن طلحة أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا لأعرابي جاهل : سله عمن قضى نحبه من هو ؟ وكانوا لا يجترؤون على مسألته يوقرونه ويهابونه فسأله الأعرابي ثم إني اطلعت من باب المسجد، فقال : أين السائل عمن قضى نحبه ؟ قال الأعرابي : أنا قال : هذا ممن قضى نحبه. وأخرج ابن منده. وابن عساكر عن أسماء بنت أبي بكر قالت : دخل طلحة بن عبيد الله على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا طلحة أنت ممن قضى نحبه، وأخرج الحاكم عن عائشة نحوه. 
وأخرج الترمذي. وغيره عن معاوية أنه قال : سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول : طلحة ممن قضى نحبه، وكأن علياً كرم الله تعالى وجهه عني مدحه بذلك في قوله وقد قيل له حدثنا عن طلحة : ذاك امرؤ نزل فيه آية من كتاب الله  فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ  وقد أخرج ذلك عنه كرم الله تعالى وجهه أبو الشيخ. وابن عساكر ؛ وكان رضي الله تعالى عنه قد ثبت يوم أحد حتى أصيبت يده، وإلى حمل النحب على حقيقته ذهب مجاهد فالمعنى منهم من وفي بعهده وأدى نذره  وَمِنْهُمُ  أي وبعضهم  مَّن يَنتَظِرُ  يوماً فيه جهاد فيقضي نحبه ويؤدي نذره ويفي بعهده، ومن حمل ما عاهدوا الله تعالى على العموم وأبقى النحب على حقيقته قال : المعنى منهم من وفي بعهود الإسلام وما يلزم من الطاعات ومنهم من ينتظر الحصول في أعلا مراتب الإيمان والصلاح، واستشكل إبقاء النحب على حقيقته لأن وفاء النذر عين صدق العهد فيكون مآل المعنى من المؤمنين رجال عاهدوا الله تعالى وصدقوا أي فعلوا ووفوا بما عاهدوا الله تعالى عليه فمنهم من فعل ووفى بما عاهد، وفيه تقسيم الشيء إلى نفسه، ويشكل على هذا المعنى قوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ  لأن المنتظر غير واف فكيف يجعل قسماً من الذين صدقوا أي وفوا. وأجيب بأن المراد بالصدق في الآية مطابقة النسبة الكلامية للنسبة الخارجة وهذا الكلام المتضمن لهذه النسبة هو ما اقتضاه عهدهم على الثبات من نحو قولهم : لئن أرانا الله مشهداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لنثبتن ولنقاتلن، واتصاف الخبر بالصدق وكذا المخبر به لا يقتضي أكثر من مطابقة نسبته للواقع في أحد الأزمنة فنحو يقوم زيد صادق وكذا المخبر به وقت الأخبار به وإن كان وقوع القيام بعد ألف سنة مثلاً، وكذا نحو إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود صادق وإن كان التكلم به ليلاً فهؤلاء الرجال لما أخبروا عن أنفسهم إنهم أن أراهم الله تعالى مشهداً مع رسوله عليه الصلاة والسلام ثبتوا وقاتلوا وعلم سبحانه أن هذا مطابق للواقع أخبر تعالى عنهم بأنهم صدقوا ثم قسمهم عز وجل إلى قسمين قسم أدى ما أخبر عن نفسه أنه يؤديه وقسم ينتظر وقتاً يؤديه فيه، ولا يتصف هذا القسم بالكذب إلا إذا مات وقد أراه الله تعالى ذلك ولم يؤد، ومن أخبر الله تعالى عنهم بالصدق ما ماتوا حتى أدوا فلا إشكال. 
نعم الإشكال على تقدير أن يراد بالصدق فيما عاهدوا تحقيق العهد فيما أظهروه من أفعالهم كما فسره الراغب ويراد من قضاء النحب وفاء النذر أو العهد كما لا يخفى، وقيل : المراد بصدقهم المذكور مطابقة ما في ألسنتهم لما في قلوبهم على خلاف المنافقين الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. ولا إشكال في التقسيم حينئذ. وقيل : الصدق بالمعنى المشهور بين الجمهور إلا أن المراد بصدقوا يصدقون، وعبر عن المضارع بالماضي لتحقق الوقوع، وكلا القولين كما ترى. وعن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله عالى : قضى نَحْبَهُ  فقال : أجله الذي قدر له فقال : وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال : نعم أما سمعت قول لبيد :ألا تسألان المرء ماذا يحاول  أنحب فيقضي أم ضلال وباطلوأخرج جماعة عنه أنه فسر ذلك بالموت، وروي نحوه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وعليه لا مانع من أن يراد بصدقوا ما عاهدوا الله عليه كما ذكر عن الراغب حققوا العهد فيما أظهروه من أفعالهم، فيكون المعنى من المؤمنين رجال عاهدوا الله تعالى على الثبات والقتال إذا لقوا حرباً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وحققوا ذلك وثبتوا فمنهم من مات ومن منهم من ينتظر الموت، والذي يقتضيه السياق أن المراد قضى نحبه ثابتاً بأن يكون قد استشهد كانس بن النضر. ومصعب بن عمير، ويحتمل أن يراد ما أعم من ذلك فيدخل من مات بعد الثبات حتف انفه قبل نزول الآية إن كان هنالك من هو كذلك، وعدوا ممن ينتظر عثمان. وطلحة وأول ما ورد في طلحة من أنه ممن قضى نحبه بأن المراد أنه في حكم من استشهد، وأوجبوا ذلك فيما أخرج سعيد بن منصور. 
وأبو يعلى. وابن المنذر. وأبو نعيم وابن مردويه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«من سره أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض قد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة »** وأخرج ابن مردويه من حديث جابر بن عبد الله مثله. 
وفي إرشاد العقل السليم عن عائشة بلفظ **«من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي في الأرض، وقد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة »** وفي مجمع البيان عن أبي اسحق عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال : نزلت فينا  رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ  الآية وأنا والله المنتظر، وفي وصفهم بالانتظار المنبئ عن الرغبة في المنتظر شهادة حقه بكمال اشتياقهم إلى الشهادة، وقيل : إلى الموت مطلقاً حبا للقاء الله تعالى ورغبة فيما عنده عز وجل  وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً  عطف على  صَدَقُواْ  وفاعله أي وما بدلوا عهده وما غيروه تبديلاً ما لا أصلاً ولا وصفا بل ثبتوا عليه راغبين فيه مراعين لحقوقه على أحسن ما يكون، أما الذين قضوا فظاهر، وأما الباقون فيشهد به انتظارهم أصدق شهادة، وتعميم عدم التبديل للفريق الأول مع ظهور حالهم للإيذان بمساواة الفريق الثاني لهم في الحكم، وجوز أن يكون ضمير  بَدَّلُواْ  للمنتظرين خاصة بناء على أن المحتاج إلى البيان حالهم، وفي الكلام تعريض بمن بدل من المنافقين حيث ولوا الادبار وكانوا عاهدوا لا يولون الأدبار فكأنه قيل : وما بدلوا تبديلاً كما بدل المنافقون فتأمل جميع ذاك والله تعالى يتولى هداك. 
ومن باب الإشارة : مّنَ المؤمنين رِجَالٌ  \[ الأحزاب : ٢٣ \] أي رجال كاملون، وقول بعضهم : أي متصرفون في الموجودات تصرف الذكور في الإناث كلام بشع تنقبض منه ككثير من كلام المتصوفة قلوب المقتفين للسلف الصالح.

### الآية 33:24

> ﻿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [33:24]

لّيَجْزِىَ الله الصادقين  أي الذين صدقوا ما عدوا الله تعالى عليه  بِصِدْقِهِمْ  أي بسبب صدقهم، وصرح بذلك مع أنه يقتضيه تعليقه الحكم بالمشتق اعتناء بأمر الصدق، ويكتفي بما يقتضيه التعليق في قوله تعالى : وَيُعَذّبَ المنافقين  لأنه الأصل ولا داعي إلى خلافه، والمراد ويعذب المنافقين بنفاقهم  إِن شَاء  أي تعذيبهم  أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ  أي فلا يعذبهم بل يرحمهم سبحانه إن شاء عز وجل كذا قيل، وظاهره أن كلا من التعذيب والرحمة للمنافقين يوم القيامة ولو ماتوا على النفاق معلق بمشيئته تعالى. واستشكل بأن النفاق أقبح الكفر كما يؤذن به قوله تعالى  إِنَّ المنافقين فِى الدرك الاسفل مِنَ النار  \[ النساء : ٥ ١٤ \] وقد أخبر عز وجل أنه سبحانه يعذب الكفرة مطلقاً حتماً لا محالة فكيف هذا التعلق. وأجيب أنه لا إشكال فإن الله جل جلاله لا يجب عليه شيء والتعليق لذلك فهو جل شأنه إن شاء عذب المنافق وإن شاء رحمه لكن المتحقق أنه تبارك وتعالى شاء تعذيبه ولم يشأ رحمته فكأنه قيل : إن شاء يعذب المنافقين في الآخرة لكنه سبحانه شاء تعذيبهم فيما أو يتوب عليهم إن شاء لكنه جل وعلا لم يشاء، ورفع مقدم الشرطية الثانية في مثل هذه القضية ينتج رفع التالي، وإنما لم تقيد مجازاة الصادقين بالمشيئة كما قيد تعذيب المنافقين والتوبة عليهم بها مع أنه تعالى إن شاء يجزي الصادقين وإن شاء لم يجزهم لمكان نفي وجوب شيء عليه تعالى لمجموع أمرين هما تحقق مشيئة المجازاة وكون الرحمة مقصودة بالذات بخلاف العذاب، وكأنه سبحانه لهذا الأخير لم يقل ليثيب أو لينعم وقال سبحانه في المقابل :**«ويعذب »** وقال بعض الأجلة : إن التوبة عليهم مشروطة بتوبتهم ومعنى توبته تعالى على العباد قبول توبتهم فكأنه قيل : أو يقبل توبتهم إن تابوا، وحذف الشرط لظهور استلزام المذكور له، ويجوز أن تفسر توبته تعالى عليهم بتوفيقه تعالى إياهم للتوبة إليه سبحانه، وكلا هذين المعنيين لتوبته تعالى وارد كما في القاموس، وأياً ما كان فالأمر معلق بالمشيئة ضرورة أنه لا يجب عليه سبحانه قبول التوبة ولا التوفيق لها، والمراد من تعليق تعذيب المنافقين بالمشيئة أنه تعالى إن شاء عذبهم بإبقائهم منافقين وإن شاء سبحانه لم يعذبهم بأن يسلب عنهم وصف النفاق بالتوفيق إلى الإخلاص في الإيمان. 
وقال ابن عطية : تعذيب المنافقين ثمرة إقامتهم على النفاق وموتهم عليه والتوبة موازنة لتلك الإقامة وثمرتها تركهم بلا عذاب فهناك أمران : إقامة على النفاق. وتوبة منه وعنها ثمرتان تعذيب ورحمة فذكر تعالى على جهة الإيجاز واحدة من هاتين وواحدة من هاتين ودل ما ذكر على ما ترك ذكره، ويدلك على أن معنى قوله تعالى : لّيُعَذّبَ  ليديم على النفاق قوله سبحانه : إِن شَاء  ومعادلته بالتوبة وحرف  أَوْ  انتهى، وأراد بذلك حل الإشكال، وكأن ما ذكره يؤل إلى أن التقدير ليقيموا على النفاق فيموتوا عليه إن شاء فيعذبهم أو يتوب عليهم فيرحمهم فحذف سبب التعذيب وأثبت المسبب وهو التعذيب وأثبت سبب الرحمة والغفران وحذف المسبب وهو الرحمة والغفران وذلك من قبيل الاحتياك، قال في البحر : وهذا من الإيجاز الحسن، وقال السدى : المعنى ويعذب المنافقين إن شاء أن يميتهم على نفاقهم أو يتوب عليهم بنقلهم من النفاق إلى الإيمان، وكأنه جعل مفعول المشيئة الإماتة على النفاق دون التعذيب كما هو الظاهر لما سمعت من استشكال تعليق تعذيبهم بالمشيئة مع أنه متحتم، وقيل لذلك أيضاً : إن المراد يعذبهم في الدنيا إن شاء أو يتوب عليهم فلا يعذبهم فيها، وحكى هذا عن الجبائي والكلام عليه في غاية الظهور، وقد يقال : المراد بالمنافقين الجماعة المخصوصون القائلون  مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً  \[ الأحزاب : ١٢ \] على أن ذلك كالاسم لهم فلا يلاحظ فيه مبدأ الاشتقاق ولا يجعل علة للحكم بل العلة له ما يفهم من سياق الكلام فيكون المعلق بالمشيئة تعذيب أناس مخصوصين ويكون المعنى يعذب فلاناً وفلاناً مثلاً إن شاء بأن يميتهم سبحانه مصرين على ما هم عليه مما يقتضي التعذيب أو يتوب عليهم بأن يوفقهم للتوبة فيرحمهم، ويجوز أن يراد بالصادقين نحو هذا وحينئذ يكون قوله سبحانه : يصدقهم  تصريحاً بما يفهم من السياق، ويفهم من كلام شيخ الإسلام أن ذكر الصدق وحده من باب الاكتفاء حيث قال في معنى الآية : ليجزي الله الصادقين بما صدر عنهم من الأقوال والوفاء قولاً وفعلاً ويعذب المنافقين بما صدر عنهم من الأعمال والأقوال المحكية، قيل : ولم يقل في جانب المنافقين بنفاقهم لقوله سبحانه : شَاء أَوْ يَتُوبَ  الخ فإنه يستدعي فعلاً خاصاً بهم فتأمل، والظاهر أن اللام في  لِيَجْزِىَ  للتعليل، والكلام عند كثير تعليل للمنطوق من نفى التبديل عن الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه والمعرض به من إثبات التعريض لمن سواهم من المنافقين فإن الكلام على ما سمعت في قوة وما بدلوا تبديلاً كما بدل المنافقون فقوله : لِيَجْزِىَ وَيُعَذّبَ  متعلق بالمنفى والمثبت على اللف والنشر التقديري، وجعل تبديل المنافقين علة للتعذيب مبني على تشبيه المنافقين بالقاصدين عاقبة السوء على نهج الاستعارة المكنية والقرينة إثبات معنى التعليل، وقيل : إن اللام للعلة حقيقة بالنظر إلى المنطوق ومجازاً بالنظر إلى المعرض به ويكون من باب الجمع بين الحقيقة والمجاز وقد جوزه من جوزه. 
وقيل : لا يبعد جعل  لِيَجْزِىَ  الخ تعليلاً للمنطوق المقيد بالعرض به فكأنه قيل : ما بدلوا كغيرهم ليجزيهم بصدقهم ويعذب غيرهم إن لم يتب، وأنه يظهر بحسن صنيعهم قبح غيره، وبضدها تتبين الأشياء، وقيل : تعليل لصدقوا وحكى ذلك عن الزجاج، وقيل : لما يفهم من قوله تعالى : وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيماً  \[ الأحزاب : ٢٢ \] وقيل : لما يستفاد من قوله تعالى : وَلَمَّا رَأَى المؤمنون الاحزاب  \[ الأحزاب : ٢٢ \] كأنه قيل : ابتلاهم الله تعالى برؤية ذلك الخطب ليجزي الآية، واختاره الطيبي قائلاً : إنه طريق أسهل مأخذاً وأبعد عن التعسف وأقرب إلى المقصود من جعله تعليلاً للمنطوق والمعرض به. واختار شيخ الإسلام كونه متعلقاً بمحذوف والكلام مستأنف مسوق بطريق الفذلكة لبيان ما هو داع إلى وقوع ما حكى من الأقوال والأفعال على التفصيل وغاية كما في قوله تعالى : لِّيَسْأَلَ الصادقين عَن صِدْقِهِمْ  \[ الأحزاب : ٨ \] كأنه قيل : وقع جميع ما وقع ليجزي الله الخ، وهو عندي حسن وإن كان فيه حذف فتأمل ذاك والله تعالى يتولى هداك  إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً  أي لمن تاب، وهذا اعتراض فيه بعث إلى التوبة.

### الآية 33:25

> ﻿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ۚ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا [33:25]

وَرَدَّ الله  الخ رجوع إلى حكاية بقية القصة وتفصيل لتتمة النعمة المشار إليها إجمالاً بقوله تعالى : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا  \[ الأحزاب : ٩ \] وهو معطوف على  أَرْسَلْنَا  وقد وسط بينهما بيان كون ما نزل بهم واقعة طامة تحيرت بها العقول والإفهام وداهية تحاكت فيها الركب وزلت الأقدام، وتفصيل ما صدر عن فريق أهل الإيمان وأهل الكفر والنفاق من الأحوال والأقوال لإظهار عظم النعمة وإبانة خطرها الجليل ببيان وصولها إليهم عند غاية احتياجهم إليها أي فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها ورددنا بذلك  الذين كَفَرُواْ  والالتفات إلى الاسم الجليل لتربية المهابة وإدخال الروعة، وجوز شيخ الإسلام ولعل صنيعه يشير إلى أولويته حيث بدأ به كونه معطوفاً على المقدر قبل : لّيَجْزِىَ الله  \[ الأحزاب : ٢٤ \] كأنه قيل إثر حكاية الأمور المذكورة وقع ما وقع من الحوادث ورد الله الذين كفروا وقيل هو معطوف من حيث المعنى على قوله تعالى : لِيَجْزِىَ  كأنه قيل فكان عاقبة الذين صدقوا ما عاهدوا اللهعليه أن جزاهم الله تعالى بصدقهم وردأ عدائهم وهذا الرد من جملة جزائهم على صدقهم وهو كما ترى، والمراد بالذين كفروا الأحزاب على ما روي غير واحد عن مجاهد. والظاهر أنه عني المشركين واليهود الذين تحزبوا. 
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدى أنه فسر ذلك بأبي سفيان. وأصحابه، ولعله الأولى، وعلى القولين المراد رد الله الذين كفروا من نحل اجتماعهم حول المدينة وتحزبهم إلى مساكنهم  بِغَيْظِهِمْ  حال من الموصول لا من ضمير  كَفَرُواْ  والباء للملابسة أي ملتبسين بغيظهم وهو أشد الغضب، وقوله تعالى : لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً  حال من ذاك أيضاً أو من ضمير  بِغَيْظِهِمْ  أي غير ظافرين بخير أصلاً، وفسر بعضهم الخير بالظفر بالنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وإطلاق الخير عليه مبني على زعمهم، وفسره بعضهم بالمال كما في قوله تعالى : وَإِنَّهُ لِحُبّ الخير لَشَدِيدٌ  \[ العاديات : ٨ \] والأولى أن يراد به كل خير عندهم فالنكرة في سياق النفي تعم، وجوز أن تكون الجملة مستأنفة لبيان سبب غيظهم أو بدلاً  وَكَفَى الله المؤمنين القتال  أي وقاهم سبحانه ذلك، و  كفى  هذه تتعدى لاثنين، وقيل : هي بمعنى أغنى وتتعدى إلى مفعول واحد. 
والكلام هنا على الحذف والإيصال والأصل وكفى الله المؤمنين عن القتال أي أغناهم سبحانه عنه ولا وجه له وهذه الكفاية كانت كما أخرج ابن جرير. وابن أبي حاتم عن قتادة بالريح والملائكة عليهم السلام، وقيل : بقتل على كرم الله تعالى وجهه عمرو بن عبدود. 
وأخرج ابن أبي حاتم. وابن مردويه. وابن عساكر عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه كان يقرأ هذا الحرف  وَكَفَى الله المؤمنين القتال بَعلي بن أبي طالب  وفي مجمع البيان هو المروى عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه ولا يكاد يصح ذلك، والظاهر ما روي عن قتادة لمكان قوله تعالى : إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا  \[ الأحزاب : ٩ \] وكأن المراد بالقتال الذي كفاهم الله تعالى إياهم القتال على الوجه المعروف من تعبية الصفوف والرمي بالسهام والمقارعة بالسيوف أو القتال الذي يقتضيه ذلك التحزب والاجتماع بحكم العادة. 
وفي البحر ما هو ظاهر في أن المراد كفى الله المؤمنين مداومة القتال وعودته فإن قريشاً هزموا بقوة الله تعالى وعزته عز وجل وما غزوا المسلمين بعد ذلك وإلا فقد وقع قتال في الجملة وقتل من المشركين على ما روي عن ابن اسحق ثلاثة نفر من بني عبد الدار بن قصى منبه بن عثمان بن عبيد ابن السباق بن عبد الدار أصابه سهم فمات منه بمكة، ومن بنى مخزوم بن يقظة نوفل بن عبد الله بن المغيرة اقتحم الخندق فتورط فيه فقتل، ومن بنى عامر بن لؤي ثم من بنى مالك بن حسل عمرو بن عبد ود نازله علي كرم الله تعالى وجهه كما علمت فقتله. 
وروي عن ابن شهاب أنه رضي الله تعالى عنه قتل يومئذ ابنه حسل أيضاً فيكون من قتل من المشركين أربعة واستشهد من المؤمنين بسبب ههذه الغزوة سعد بن معاذ وأنس بن أويس بن عتيك. وعبد الله بن سهل وهم من بني عبد الأشهل. والطفيل بن النعمان. وثعلبة بن عثمة وهما من بني جشم بن الخزرج من بني سلمة. وكعب بن زيد وهو من بني النجار ثم من بني دينار أصابه سهم غرب فقتله، قال ابن إسحق : ولم يستشهد إلا هؤلاء الستة رضي الله تعالى عنهم  وَكَانَ الله قَوِيّاً  على إحداث كل ما يريد جل شأنه  عَزِيزاً  غالباً على كل شيء.

### الآية 33:26

> ﻿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا [33:26]

وَأَنزَلَ الذين ظاهروهم  أي عاونوا الأحزاب المردودة  مّنْ أَهْلِ الكتاب  وهو بنو قريظة عند الجمهور، وعن الحسن أنهم بنو النضير وعلى الأول المعول  مِن صَيَاصِيهِمْ  أي من حصونهم جمع صيصية وهي كل ما يمتنع به ويقال لقرن الثور والظباء ولشوكة الديك التي في رجله القرن الصغير، وتطلق الصياصي على الشوك الذي للنساجين ويتخذ من حديد قاله أبو عبيدة وأنشد لدريد بن الصمة الجشمي :نظرت إليه والرماح تنوشه  كوقع الصياصي في النسيج الممددوتطلق على الأصول أيضاً قال : أبو عبيدة إن العرب تقول : جذ الله تعالى صئصئة أي أصله. 
 وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرعب  أي الخوف الشديد بحيث أسلموا أنفسهم للقتل وأهليهم وأولادهم للأسر حسبما ينطق به قوله تعالى : فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً  أي من غير أن يكون من جهتهم حراك فضلاً عن المخالفة والاستعصاء. وفي البحر أن قذف الرعب سبب لإنزالهم ولكن قدم المسبب لما أن السرور بإنزالهم أكثرو الإخبار به أهم، وقدم مفعول  تَقْتُلُونَ  لأن القتل وقع على الرجال وكانوا مشهورين وكان الاعتناء بحالهم أهم ولم يكن في المأسورين هذا الاعتناء بل الاعتناء هناك بالأسر أشد، ولو قيل : وفريقاً تأسرون لربما ظن قبل سماع تأسرون أنه يقال بعد تهزمون : أو نحو ذلك، وقيل : قدم المفعول في الجملة الأولى لأن مساق الكلام لتفصيله وأخر في الثانية لمراعاة الفواصل، وقيل التقديم لذلك وأما التأخير فلئلا يفصل بين القتل وأخيه وهو الأسر فاصل، وقيل : غوير بين الجملتين في النظم لتغاير حال الفريقين في الواقع فقد قدم أحدهما فقتل وأخر الآخر فأسر وقرأ ابن عامر والكسائي  الرعب  بضم العين وقرأ أبو حيوة  تاسرون  بضم السين، وقرأ اليماني  ياسرون  بياء الغيبة وقرأ ابن أنس عن ابن ذكوان بها فيه وفي يقتلون ولا يظهر لي وجه وجيه لتخصيص الاسم بصيغة الغيبة فتأمل، وتفصيل القصة على سبيل الاختصار أنه لما كانت صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب أو ظهر يوم تلك الليلة على ما في بعض الروايات وقد رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون إلى داخل المدينة أتي جبريل عليه السلام معتجراً بعمامة استبرق على بغلة عليها رحالة عليها قطيفة من ديباج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عند زينب بنت جحش تغسل رأسه الشريف وقد غسلت شقه فقال : أوقد وضعت السلاح يا رسول الله ؟ قال : نعم، فقال : عفا الله تعالى عنك ما وضعت الملائكة عليهم السلام السلاح بعد وما رجعت إلا الآن من طلب القوم وإن الله تعالى يأمرك بالمسير إلى بني قريظة وإني عامد إليهم فمزلزل بهم حصونهم فأمر عليه الصلاة والسلام مؤذناً فأذن في الناس من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا ببني قريظة واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم وقدم علي بن طالب كرم الله تعالى وجهه برايته إليهم وابتدرها الناس فسار كرم الله تعالى وجهه حتى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع حتى لقيه عليه الصلاة والسلام فقال : يا رسول الله لا عليك أن تدنو من هؤلاء الأخابث قال : لم ؟ أظنك سمعت لي منهم أذى قال : نعم يا رسول الله قال لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئاً فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم قال : يا اخوان القردة هل أخزاكم الله تعالى وأنزل بكم نقمته ؟ قالوا : يا أبا القاسم ما كنت جهولاً وفي رواية فحاشا وكان عليه الصلاة والسلام قد مر بنفر من أصحابه بالصورين قبل أن يصل إليهم فقال : هل مر بكم أحد قالوا : يا رسول الله قد مر بنا دحية بن خليفة الكلبي على بغلة بيضاء عليها رحالة عليها قطيفة ديباج فقال عليه الصلاة والسلام : ذلك جبريل عليه السلام بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم ويقذف الرعب في قلوبهم ولما أتاهم صلى الله عليه وسلم نزل على بئر من آبارها من ناحية أموالهم يقال لها بئر أنا وتلاحق الناس فأتى رجال من بعد العشاء الآخرة ولم يصلوا العصر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلين أحد العصر إلا ببني قريظة وقد شغلهم ما لم يكن لهم منه بد في حربهم فلما أتوا صلوها بعد العشاء فما عابهم الله تعالى بذلك في كتابه ولا عنفهم رسوله عليه الصلاة والسلام. 
وحاصرهم صلى الله عليه وسلم خمسة وعشرين ليلة، وقيل : إحدى وعشرين، وقيل : خمس عشرة وجهدهم الحصار وخافوا أشد الخوف وقد كان حي بن أخطب دخل معهم في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد بما عاهده عليه فلما أيقنوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم قال لهم كعب : يا معشر يهود قد نزل بكم من الأمر ما ترون وإني عارض عليكم خلالاً ثلاثاً فخذوا أيها شئتم قالوا : وما هي ؟ قال : نتابع هذا الرجل ونصدقه فوالله لقد تبين لكم أنه نبي مرسل وأنه الذي تجدونه في كتابكم فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم قالوا : لا نفارق حكم التوراة أبداً ولا نستبدل به غيره قال فإذا أبيتم على هذه فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رجالاً مصلتين بالسيوف لم نترك وراءنا ثقلاً حتى يحكم الله تعالى بيننا وبينهم فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلاً نخشى عليه وأن نظهر فلعمري لنتخذن النساء والأبناء قالوا : نقتل هؤلاء المساكين فما خير العيش بعدهم قال : فإن أبيتم على هذه فإن الليلة ليلة السبت وأنه عسى أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد أمنوا فيها فانزلوا لعلنا نصيب منهم غرة قالوا : نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يحدث من كان قبلنا إلا من قد علمت فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ قال : فما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازماً ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف. 
وكانوا حلفاء الأوس نستشيره في أمرنا فأرسله عليه الصلاة والسلام إليهم فلما رأوه قام إليه الرجال وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه فرق لهم وقالوا له : يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد صلى الله عليه وسلم قال : نعم وأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح فعرف أنه قد خان الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام فلم يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب إلى المدينة وربط نفسه بجذع في المسجد حتى نزلت توبته رضي الله تعالى عنه ثم إنه عليه الصلاة والسلام ستنزلهم فتواثب الأوس فقالوا : يا رسول الله إنهم موالينا دون الخزرج وقد فعلت في موالي إخواننا بالأمس ما قد علمت وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بني قريظة حاصر بني قينقاع وقد كانوا حلفاء الخزرج فنزلوا على حكمه فسأله إياهم عبد الله بن أبي بن سلول فوهبهم له فلما كلمته الأوس قال عليه الصلاة والسلام ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم ؟ قالوا : بلى قال فذاك إلى سعد بن معاذ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعله في خيمة لامرأة من أسلم يقال لها رفيدة في مسجده كانت تداوي الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به صنيعة من المسلمين وقد كان رضي الله تعالى عنه قد أصيب يوم الخندق رماه رجل من قريش يقال له ابن العرقة بسهم فأصاب أكحله فقطعه فدعا الله تعالى فقال : اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من قريظة، وروي أن بني قريظة هم اختاروا النزول على حكم سعد ورضي رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فأتاه قومه وهو في المسجد فحملوه على حمار وقد وطأوا له بوسادة من ادم وكان رجلاً جسيماً جميلاً ثم أقبلوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يقولون : يا أبا عمرو أحسن في مواليك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم فلما أكثروا عليه قال : لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله تعالى لومة لائم فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بني عبد الأشهل فنعى إليهم رجال بني قريظة قبل أن يصل إليهم سعد عن كلمته التي سمع منه فلما انتهى سعد إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام والمسلمين قال صلى الله عليه وسلم :
**«قوموا إلى سيدكم »** فأما المهاجرون من قريش فقالوا : إنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار وأما الأنصار فيقولون : قد عم بها عليه الصلاة والسلام المسلمين فقاموا إليه فقالوا : يا أبا عمرو إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم فقال سعد : عليكم عهد الله تعالى وميثاقه أن الحكم فيهم لما حكمت ؟ قالوا : نعم قال : وعلى من ههنا في الناحية التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معرض برسول الله عليه الصلاة والسلام ؟ فقال صلى الله عليه وسلم. نعم قال سعد : فإني أحكم فيهم أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبي الذراري والنساء فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وقال : لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار بنت الحرث امرأة من بني النجار ثم خرج إلى سوق المدينة التي هي سوقها اليوم فخندق بها خنادق ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم في تلك الخنادق يخرج إليهم بها إرسالاً وفيهم عدو الله تعالى حيي بن أخطب وكعب بن أسد رأس القوم وهم ستمائة أو سبعمائة والمستكثر لهم يقول : كانوا بين الثمانمائة والتسعمائة وقد قالوا لكعب وهم يذهب بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرسالاً يا كعب ما تراه يصنع بنا ؟ قال : أفي كل موطن لا تعقلون أما ترون الداعي لا ينزع ومن ذهب منكم لا يرجع هو والله القتل فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأتى بحي بن أخطب عدو الله تعالى وعليه حلة تفاحية قد شقها عليه من كل ناحية قدر أنملة أنملة لئلا يسلبها مجموعة يداه إلى عنقه بحبل فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أما والله ما لمت نفسي في عداوتك ولكنه من يخذل الله تعالى يخذل ثم أقبل على الناس فقال : أيها الناس إنه لا بأس بأمر الله تعالى كتاب وقدر وملحمة كتبت على بني إسرائيل ثم جلس فضربت عنقه فقال فيه جبل بن جدال التغلبي :لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه  ولكنه من يخذل الله يخذل لجاهدحتى أبلغ النفس عذرها  وقلقل يبغي العز كل مقلقلوروي أن ثابت بن قيس بن شماس رضي الله تعالى عنه استوهب من رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن باطا القرظي لأنه من عليه في الجاهلية يوم بعاث فقال صلى الله عليه وسلم هو لك فأتاه فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وهب لي دمك فهو لك قال : شيخ كبير فما يصنع بالحياة ولا أهل له ولا ولد ؟ فأتى ثابت رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال : بأبي أنت وأمي يا رسول الله امرأته وولده قال : هم لك فأتاه فقال : قد وهب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلك وولدك فهم لك قال أهل بيت بالحجاز لا مال لهم فما بقاؤهم على ذلك فأتى رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال : ما له قال : هو لك فأتاه فقال : قد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لك فهو لك فقال أي ثابت : ما فعل الذي كان وجهه مرآة صينية يتمرأ فيها عذارى الحي كعب بن أسد ؟ قال : قتل قال : فما فعل مقدمتها إذا شددنا وحاميتنا إذا فررنا عزال بن شموال ؟ قال : قتل قال : فما فعل المجلسان ؟ يعني بني كعب بن قريظة وبني عمرو بن قريظة قال : قتلوا قال : فإني أسألك يا ثابت بيدي عندكم إلا ألحقتني بالقوم فوالله ما في العيش بع

### الآية 33:27

> ﻿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا [33:27]

**وقوله تعالى :**
 فَرِيقاً وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ  عطف على قوله سبحانه وتعالى : أَنَزلَ  الخ، والمراد بأرضهم مزارعهم، وقدمت لكثرة المنفعة بها من النخل والزروع. 
وفي قوله عز وجل : أورثكم  إشعار بأنه انتقل إليهم ذلك بعد موت أولئك المقتولين وأن ملكهم إياه ملك قوي ليس بعقد يقبل الفسخ أو الإقالة  أَرْضَهُمْ وديارهم  أي حصونهم  وأموالهم  نقودهم ومواشيهم وأثاثهم التي اشتملت عليها أرضهم وديارهم. أخرج ابن أبي شيبة. وابن جرير. وابن المنذر. وابن أبي حاتم عن قتادة من خبر طويل أن سعداً رضي الله تعالى عنه حكم كما حكم بقتل مقاتلهم وسبي ذراريهم بأن أعقارهم للمهاجرين دون الأنصار فقال قومه : أتؤثر المهاجرين بالإعقار علينا ؟ فقال : إنكم ذوو أعقار وإن المهاجرين لا أعقار لهم، وأمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حكمه. 
وفي **«الكشاف »** روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل عقارهم للمهاجرين دون الأنصار فقالت الأنصار في ذلك فقال عليه الصلاة والسلام : إنكم في منازلكم، وقال عمر رضي الله تعالى عنه : أما تخمس كما خمست يوم بدر ؟ قال : لا إنما جعلت هذه لي طعمة دون الناس قال : رضينا بما صنع الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. 
 وذكر الجلال السيوطي أن الخبر رواه الواقدي من رواية خارجة بن زيد عن أم العلاء قالت : لما غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير جعل الحديث، ومن طريق المسور بن رفاعة قال : فقال عمر يا رسول الله ألا تخمس ما أصيب من بني النضير الحديث اه، وعليه لا يحسن من الزمخشري ذكره ههنا مع أن الآيات عنده في شأن بني قريظة، وسيأتي الكلام فيما وقع لبني النضير في تفسير سورة الحشر إن شاء الله تعالى : وَأَرْضاً لَّمْ  قال مقاتل، ويزيد بن رومان. وابن زيد : هي خيبر فتحت بعد بني قريظة، وقال قتادة : كان يتحدث أنها مكة، وقال الحسن : هي أرض الروم وفارس، وقيل : اليمن، وقال عكرمة : هي ما ظهر عليها المسلمون إلى يوم القيامة واختاره في **«البحر »**، وقال عروة : لا أحسبها إلآ كل أرض فتحها الله تعالى على المسلمين أو هو عز وجل فاتحها إلى يوم القيامة، والظاهر أن العطف على  وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ  واستشكل بأن الإرث ماض حقيقة بالنسبة إلى المعطوف عليه ومجازاً بالنسبة إلى هذا المعطوف. وأجيب بأنه يراد بأورثكم أورثكم في علمه وتقديره وذلك متحقق فيما وقع من الإرث كأرضهم وديارهم وأموالهم وفيما لم يقع بعد كارث ما لم يكن مفتوحاً وقت نزول الآية. وقدر بعضهم أورثكم في جانب المعطوف مراداً به يورثكم إلا أنه عبر بالماضي لتحقق الوقوع والدليل المذكور، واستبعد دلالة المذكور عليه لتخالفهما حقيقة ومجازاً. 
وقيل : الدليل ما بعد من قوله تعالى : وَكَانَ الله  الخ، ثم إذا جعلت الأرض شاملة لما فتح على أيدي الحاضرين ولما فتح على أيدي غيرهم ممن جاء بعدهم لا يخص الخطاب الحاضرين كما لا يخفى. ومن بدع التفاسير أنه أريد بهذه الأرض نساؤهم، وعليه لا يتوهم أشكال في العطف. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما  لَمْ  بحذف الهمزة أبدل همزة تطأ ألفاً على حد قوله :إن السباع لتهدي في مرابضها  والناس لا يهتدي من شرهم أبداًفالتقت ساكنة مع الواو فحذفت كقولك لم تروها  تَطَئُوهَا وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء قَدِيراً  فهو سبحانه قادر على أن يملككم ما شاء.

### الآية 33:28

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [33:28]

يا أيها النبي قُل لأزواجك إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحياة  أي السعة والتنعم فيها  وَزِينَتَهَا  أي زخرفها وهو تخصيص بعد تعميم  فَتَعَالَيْنَ  أي أقبلن بإرادتكن واختياركن لإحدى الخصلتين كما يقال أقبل يخاصمني وذهب يكلمني وقام يهددني، واصل تعالى أمر بالصعود لمكان عال ثم غلب في الأمر بالمجيء مطلقاً والمراد به ههنا ما سمعت، وقال الراغب : قال بعضهم إن أصله من العلو وهو ارتفاع المنزلة فكأنه دعاء إلى ما فيه رفعة كقولك : افعل كذا غير صاغر تشريفاً للمقول له، وهذا المعنى غير مراد هنا كما لا يخفى  أُمَتّعْكُنَّ  أي اعطكن متعة الطلاق، والمتعة للمطلقة التي لم يدخل بها ولم يفرض لها في العقد واجبة عند الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه وأصحابه، ولسائر المطلقات مستحبة، وعن الزهري متعتان إحداهما يقضي بها السلطان ويجبر عليها من طلق قبل أن يفرض ويدخل بها والثانية حق على المتقين من طلق بعدما فرض ودخل. وخاصمت امرأة إلى شريح في المتعة فقال : متعها إن كنت من المتقين ولم يجبره، وعن سعيد بن جبير المتعة حق مفروض، وعن الحسن لكل مطلقة متعة إلا المختلعة والملاعنة، والمتعة درع وحمار وملحفة على حسب السعة والإقتار إلا أن يكون نصف مهرها أقل من ذلك فيجب لها الأقل منهما ولا ينقص من خمسة دراهم لأن أقل المهر عشرة دراهم فلا ينقص من نصفها كذا في **«الكشاف »**، وتمام الكلام في الفروع، والفعل مجزوم على أنه جواب الأمر وكذا قوله تعالى : وَأُسَرّحْكُنَّ  وجوز أن يكون الجزم على أنه جواب الشرط ويكون  فَتَعَالَيْنَ  اعتراضاً بين الشرط وجزائه، والجملة الاعتراضية قد تقترن بالفاء كما في قوله :واعلم فعلم المرء ينفعه  أن سوف يأتي كل ما قدراوقرأ حميد الخراز  أُمَتّعْكُنَّ وَأُسَرّحْكُنَّ  بالرفع على الاستئناف، وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما  أُمَتّعْكُنَّ  بالتخفيف من أمتع، والتسريح في الأصل مطلق الإرسال ثم كني به عن الطلاق أي وأطلقكن  سَرَاحاً  أي طلاقاً  جَمِيلاً  أي ذا حسن كثير بأن يكون سنياً لا ضرار فيه كما في الطلاق البدعي المعروف عند الفقهاء. وفي **«مجمع البيان »** تفسير السراح الجميل بالطلاق الخالي عن الخصومة والمشاجرة، وكان الظاهر تأخير التمتيع عن التسريح لما أنه مسبب عنه إلا أنه قدم عليه إيناساً لهن وقطعاً لمعاذيرهن من أول الأمر، وهو نظير قوله تعالى : عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ  \[ التوبة : ٣ ٤ \] مروجه ولأنه مناسب لما قبله من الدنيا : وجوز أن يكون في محله بناءً على أن إرادة الدنيا بمنزلة الطلاق والسراح الإخراج من البيوت فكأنه قيل : إن أردتن الدنيا وطلقتن فتعالين أعطكن المتعة وأخرجكن من البيوت إخراجاً جميلاً بلا مشاجرة ولا إيذاء، ولا يخفى بعده وسبب نزول الآية على ما قيل : إن أزواجه عليه الصلاة والسلام سألنه ثياب الزينة وزيادة النفقة. 
وأخرج أحمد. ومسلم. والنسائي. وابن مردويه من طريق أبي الزبير عن جابر قال : أقبل أبو بكر رضي الله تعالى عنه والناس ببابه جلوس والنبي صلى الله عليه وسلم جالس فلم يؤذن له ثم أذن لأبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فدخلا والنبي صلى الله عليه وسلم جالس وحوله نساؤه وهو ساكت فقال عمر : لأكلمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعله يضحك فقال : يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد يعني امرأته رضي الله تعالى عنه سألتني النفقة آنفاً فوجأت عنقها فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بد ناجذه وقال : هن حولي سألنني النفقة فقام أبو بكر رضي الله تعالى عنه إلى عائشة ليضربها وقام عمر رضي الله تعالى عنه إلى حفصة كلاهما يقولان : تسألان النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده فنهاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن نساؤه : والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا المجلس ما ليس عنده. وأنزل الله تعالى الخيار فبدأ بعائشة فقال عليه الصلاة والسلام : إني ذاكر لك أمراً ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك قالت : ما هو ؟ فتلا عليها  قَدِيراً ياأيها النبي قُل لأزواجك  الآية قالت عائشة : أفيك أستأمر أبوي ؟ بل اختار الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وأسألك أن لا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترت فقال عليه الصلاة والسلام : إن الله تعالى لم يبعثني متعنتاً ولكن بعثني معلماً مبشراً لا تسألني امرأة منهن عما أخبرتني إلا أخبرتها، وفي خبر رواه ابن جرير. وابن أبي حاتم عن قتادة. والحسن أنه لما نزلت آية التخيير كان تحته عليه الصلاة والسلام تسع نسوة خمس من قريش : عائشة. وحفصة. وأم حبيبة بنت أبي سفيان. وسودة بنت زمعة. وأم سلمة بنت أبي أمية وكان تحته صفية بنت حي الخيبرية. وميمونة بنت الحرث الهلالية. وزينب بنت جحش الأسدية. وجويرية بنت الحرث من بني المصطلق وبدأ بعائشة فلما اختارت الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والدار الآخرة رؤى الفرح في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فتتابعن كلهن على ذلك فلما خيرهن واخترن الله عز وجل ورسوله عليه الصلاة والسلام والدار الآخرة شكرهن الله جل شأنه على ذلك إذ قال سبحانه : لاَّ يَحِلُّ لَكَ النساء مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ  \[ الأحزاب : ٢٥ \] فقصره الله تعالى عليهن وهن التسع اللاتي اخترن الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم. 
وأخرج ابن سعد عن عمرو بن سعيد عن أبيه عن جده أنه صلى الله عليه وسلم خير نساءه فاخترن جميعاً الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام غير العامرية اختارت قومها فكانت بعد تقول : أنا الشقية وكانت تلقط البعر وتبيعه وتستأذن على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فتقول : أنا الشقية. 
وأخرج أيضاً عن ابن جناح قال : اخترنه جميعاً غير العامرية كانت ذاهبة العقل حتى ماتت. وجاء في بعض الروايات عن ابن جبير غير الحميرية وهي العامرية، وكان هذا التخيير كما روي عن عائشة. وأبي جعفر بعد أن هجرهن عليه الصلاة والسلام شهراً تسعة وعشرين يوماً. وفي **«البحر »** أنه لما نصر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ورد عنه الأحزاب وفتح عليه النضير وقريظة ظن أزواجه عليه الصلاة والسلام أنه اختص بنفائس اليهود وذخائرهم فقعدن حوله وقلن : يا رسول الله بنات كسرى. وقيصر في الحلى والحلل والإماء والخول ونحن على ما تراه من الفاقة والضيق وآلمن قلبه الشريف عليه الصلاة والسلام بمطالبتهن له بتوسعة الحال وأن يعاملهن بما تعامل به الملوك وأبناء الدنيا أزواجهم فأمره الله تعالى بأن يتلو عليهن ما نزل في أمرهن ؛ وما أحسن موقع هذه الآيات على هذا بعد انتهاء قصة الأحزاب وبني قريظة كما لا يخفى، ويفهم من كلام الإمام أنها متعلقة بأول السورة ؛ وذلك أن مكارم الأخلاق منحصرة في شيئين التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلقه عز وجل فبدأ سبحانه بإرشاد حبيبه عليه الصلاة والسلام إلى ما يتعلق بجانب التعظيم له تعالى فقال سبحانه : مُّنتَظِرُونَ ياأيها النبي اتق الله  \[ الأحزاب : ١ \] الخ ثم أرشده سبحانه إلى ما يتعلق بجانب الشفقة، وبدأ بالزوجات لأنهن أولى الناس بذلك، وقدم سبحانه الشرطية المذكورة على قوله تعالى :
وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخرة فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ( ٢٩ )
ومن باب الإشارة : يا أيها النبي قُل لأزواجك إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتّعْكُنَّ وَأُسَرّحْكُنَّ سَرَاحاً جميلاً  \[ الأحزاب : ٨ ٢ \] الخ فيه إشارة إلى أن حب الدنيا وزينتها يكون سبباً لمفارقة رسول الله صلى الله عليه وسلم والبعد عن حضرته الشريفة وأن محبته عليه الصلاة والسلام تكون سبباً للأجر العظيم

### الآية 33:29

> ﻿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا [33:29]

وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الله وَرَسُولَهُ  الخ لأن سبب النزول ما سمعت. 
وقال الإمام : إن التقديم إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم غير ملتفت إلى الدنيا ولذاتها غاية الالتفات، وذكر أن في وصف السراح بالجميل إشارة إلى ذلك أيضاً، ومعنى  إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الله وَرَسُولُهُ  إن كنتن تردن رسول الله وإنما ذكر الله عز وجل للإيذان بجلالة محله عليه الصلاة والسلام عنده تعالى : والدار الآخرة  أي نعيمها الباقي الذي لا قدر عنده للدنيا وما فيها  فَإِنَّ الله أَعَدَّ  أي هيأ ويسر  للمحسنات مِنكُنَّ  بمقابلة إحسانهن  أَجْراً  لا تحصى كثرته  عَظِيماً  لا تستقصى عظمته، و  مِنْ  للتبيين لأن كلهن كن محسنات. 
وقيل : ويجوز فيه التبعيض على أن المحسنات المختارات لله ورسوله صلى الله عليه وسلم واختيار الجميع لم يعلم وقت النزول، وهو على ما قال الخفاجي عليه الرحمة بعيد، وجواب  ءانٍ  في الظاهر ما قرن بالفاء إلا أنه قيل الماضي فيه بمعنى المضارع الدال على الاستقبال والتعبير به دونه لتحقق الوقوع، وقيل : الجواب محذوف نحو تثبن أو تنلن خيراً وما ذكر دليله، وتجريد الشرطية الأولى عن الوعيد للمبالغة في تحقيق معنى التخيير والاحتراز عن شائبة الإكراه، قيل : وهو السر في تقديم التمتيع على التسريح ووصف التسريح بالجميل. 
هذا واختلف فيما وقع من التخيير هل كان تفويض الطلاق إليهن حتى يقع الطلاق بنفس الاختيار أولاً فذهب الحسن. وقتادة وأكثر أهل العلم على ما في إرشاد العقل السليم وهو الظاهر إلى أنه لم يكن تفويض الطلاق وإنما كان تخييراً لهن بين الإرادتين على أنهن إن أردن الدنيا فارقهن النبي صلى الله عليه وسلم كما ينبئ عنه قوله تعالى : فَتَعَالَيْنَ أُمَتّعْكُنَّ وَأُسَرّحْكُنَّ  \[ الأحزاب : ٨ ٢ \] وذهب آخرون إلى أنه كان تفويضاً للطلاق إليهن حتى لو أنهن اخترن أنفسهن كان ذلك طلاقاً، وكذا اختلف في حكم التخيير بأن يقول الرجل لزوجته اختاري فتقول اخترت نفسي أو اختاري نفسك فتقول اخترت فعن زيد بن ثابت أنه يقع الطلاق الثلاث وبه أخذ مالك في المدخول بها وفي غيرها يقبل من الزوج دعوى الواحدة، وعن عمر. وابن عباس. وابن مسعود أنه يقع واحدة رجعية وهو قول عمر بن عبد العزيز. وابن أبي ليلى. وسفيان. وبه أخذ الشافعي. وأحمد. 
وعن علي كرم الله تعالى وجهه أنه يقع واحدة بائنة، وروى ذلك الترمذي عن ابن مسعود، وأيضاً عن عمر رضي الله تعالى عنهما، وبذلك أخذ أبو حنيفة عليه الرحمة، فإن اختارت زوجها فعن زيد بن ثابت أنه تقع طلقة واحدة وعن علي كرم الله تعالى وجهه روايتان إحداهما أنه تقع واحدة رجعية والأخرى أنه لا يقع شيء أصلاً وعليه فقهاء الأمصار. 
وذكر الطبرسي أن المروي عن أئمة أهل البيت رضوان الله تعالى عليهم أجمعين اختصاص التخيير بالنبي صلى الله عليه وسلم وأما غيره عليه الصلاة والسلام فلا يصح له ذلك. واختلف في مدة ملك الزوجة الاختيار إذا قال لها الزوج ذلك فقيل : تملكه ما دامت في المجلس وروي هذا عن عمر. وعثمان. وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم. وبه قال جابر بن عبد الله. وجابر بن زيد. وعطاء. ومجاهد. والشعبي. والنخعي. ومالك. وسفيان. والأوزاعي. وأبو حنيفة. والشافعي. وأبو ثور، وقيل : تملكه في المجلس وفي غيره وهو قول الزهري. وقتادة. وأبي عبيدة. وابن نصر وحكاه صاحب المغني عن علي كرم الله تعالى وجهه. 
وفي بلاغات محمد بن الحسن أنه كرم الله تعالى وجهه قائل بالاقتصار على المجلس كقول الجماعة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وتمام الكلام في هذه المسألة وما لكل من هذه الأقوال وما عليه يطلب من كتب الفروع كشروح الهداية وما يتعلق بها بيد أني أقول : كون ما في الآية هو المسألة المذكورة في الفروع التي وقع الاختلاف فيها مما لا يكاد يتسنى، وتأول الخفاجي استدلال من استدل بها في هذا المقام بما لا يخلو عن كلام عند ذوي الأفهام. هذا وذكر الإمام في الكلام على تفسير هذه الآية عدة مسائل. الأولى : أن التخيير منه صلى الله عليه وسلم قولاً كان واجباً عليه عليه الصلاة والسلام بلا شك لأنه إبلاغ الرسالة، وأما معنى فكذلك على القول بأن الأمر للوجوب. الثانية : أنه لو أردن كلهن أو إحداهن الدنيا فالظاهر نظراً إلى منصب النبي صلى الله عليه وسلم أنه يجب عليه التمتيع والتسريح لأن الخلف في الوعد منه عليه الصلاة والسلام غير جائز. الثالثة : أن الظاهر أنه لا تحرم المختارة بعد البينونة على غيره عليه الصلاة والسلام وإلا لا يكون التخيير ممكناً من التمتع بزينة الدنيا. الرابعة : أن الظاهر أن من اختارت الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم يحرم على النبي صلى الله عليه وسلم نظراً إلى منصبه الشريف طلاقها والله تعالى أعلم.

### الآية 33:30

> ﻿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [33:30]

يَا نسَاء النبي  تلوين للخطاب وتوجيه له إليهن لإظهار الاعتناء بنصحهن ونداؤهن ههنا وفيما بعد بالإضافة إليه عليه الصلاة والسلام لأنها التي يدور عليها ما يرد عليهن من الأحكام، واعتبار كونهن نساء في الموضعين أبلغ من اعتبار كونهن أزواجاً كما لا يخفى على المتأمل  مَن يَأْتِ  بالياء التحتية حملاً على لفظ  مِنْ ، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما. والجحدري. وعمرو بن قائد الأسواري ويعقوب بالتاء الفوقية حملاً على معناها  مِنكُنَّ بفاحشة  بكبيرة  مُّبَيّنَةٍ  ظاهرة القبح من بين بمعنى تبين، وقرأ ابن كثير. وأبو بكر مبينة بفتح الياء والمراد بها على ما قيل : كل ما يقترف من الكبائر، وأخرج البيهقي في **«السنن »** عن مقاتل بن سليمان أنها العصيان للنبي صلى الله عليه وسلم، وقيل : ذلك وطلبهن ما يشق عليه عليه الصلاة والسلام أو ما يضيق به ذرعه ويغتم صلى الله عليه وسلم لأجله. 
ومنع في **«البحر »** أن يراد بها الزنا قال : لأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم من ارتكاب نسائه ذلك ولأنه وصفت الفاحشة بالتبين والزنا مما يتستر به ومقتضاه منع إرادة الأعم ثم قال : وينبغي أن تحمل الفاحشة على عقوق الزوج وفساد عشرته، ولا يخلو كلامه عن بحث والإمام فسرها به، وجعل الشرطية من قبيل  لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ  \[ الزمر : ٦٥ \] من حيث أن ذلك ممكن الوقوع في أول النظر ولا يقع جزماً فإن الأنبياء صان الله تعالى زوجاتهم عن ذلك، وقد تقدم بعض الكلام في هذه المسألة في سورة النور وسيأتي إن شاء الله تعالى طرف مما يتعلق بهما أيضاً  يُضَاعَفْ لَهَا العذاب  يوم القيامة على ما روي عن مقاتل أو فيه، وفي الدنيا على ما روي عن قتادة  ضِعْفَيْنِ  أي يعذبن ضعفي عذاب غيرهن أي مثليه فإن مكث غيرهن ممن أتى بفاحشة مبينة في النار يوماً مثلاً مكثن هن لو أتين بمثل ما أتى يومين، وإن وجب على غيرهن حد لفاحشة وجب عليهن لو أتين بمثلها حدان، وقال أبو عمرو. وأبو عبيدة فيما حكى الطبري عنهما الضعفان أن يجعل الواحدة ثلاثة فيكون عليهن ثلاثة حدود أو ثلاثة أمثال عذاب غيرهن، وليس بذاك، وسبب تضعيف العذاب أن الذنب منهن أقبح فإن زيادة قبحه تابعة لزيادة فضل المذنب والنعمة عليه وتلك ظاهرة فيهن ولذلك جعل حد الحر ضعف حد الرقيق وعوتب الأنبياء عليهم السلام بما لا يعاتب به الأمم وكذا حال العالم بالنسبة إلى الجاهل فليس من يعلم كمن لا يعلم، وروي عن زين العابدين رضي الله تعالى عنه أنه قال له رجل : إنكم أهل بيت مغفور لكم فغضب وقال : نحن أحرى أن يجري فينا ما أجرى الله تعالى في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من أن نكون كما تقول إنا نرى لمحسننا ضعفين من الأجر ولمسيئتنا ضعفين من العذاب وقرأ هذه الآية والتي تليها، وقرأ الحسن. 
وعيسى. وأبو عمرو  يضاعف  بالياء التحتية مبنياً للمفعول بلا ألف والجحدري. وابن كثير. وابن عامر  نضعف  بالنون مبنياً للفاعل بلا ألف أيضاً وزيد بن علي. وابن محيصن. وخارجة عن أبي عمرو  نضاعف  بالنون والألف والبناء للفاعل وفرقة  والله يضاعف  بالياء والألف والبناء للفاعل، وقرأ  العذاب  بالرفع من قرأ بالبناء للمفعول وبالنصب من قرأ بالبناء للفاعل  وَكَانَ ذلك  أي تضعيف العذاب عليهن  عَلَى الله يَسِيراً  أي سهلاً لا يمنعه جل شأنه عنه كونهن نساء النبي صلى الله عليه وسلم بل هو سبب له. 
ومن باب الإشارة : يا نساء النبي مَن يَأْتِ مِنكُنَّ  \[ الأحزاب : ٠ ٣ \] الخ فيه إشارة إلى تفاوت قبح المعاصي وحسن الطاعات باعتبار الأشخاص ومثل ذلك تفاوتها باعتبار الأماكن والأزمان

### الآية 33:31

> ﻿۞ وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا [33:31]

وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ  أي ومن تخشع وتخضع  للَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ  عملاً  صالحا  كصلاة وصوم وحج وإيتاء زكاة وهذا العمل غير القنوت لله تعالى على ما سمعت من تفسيره فلا تكرار، وفسره بعضهم بالطاعة ودفع التكرار بأن المراد  وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ  لرسول الله  وَتَعْمَلْ صالحا  لله تعالى، وذكر الله إنما هو لتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم بجعل طاعته غير منفكة عن طاعة الله عز وجل، وبعضهم بما ذكر أيضاً إلا أنه دفع التكرار بأن المراد بالعمل الصالح الخدمة الحسنة والقيام بمصالح البيت لا نحو الصلاة والصيام وبالطاعة المفسر بها القنوت امتثالاً الأوامر واجتناب النواهي، وفسره بعضهم بدوام الطاعة فقيل في دفع التكرار نحو ما مر، وقيل : المراد به الدوام على الطاعة السابقة وبالعمل الصالح العبادات التي يكلفن بها بعد. 
وقيل : القنوت السكوت كما قيل ذلك في قوله تعالى : وَقُومُواْ لِلَّهِ قانتين  \[ البقرة : ٨ ٢٣ \] والمراد به ههنا السكوت عن طلب ما لم يأذن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لهن به من زيادة النفقة وثياب الزينة، وقيل غير ذلك. 
 نُؤْتِهَا أَجْرَهَا  الذي تستحقه على ذلك فضلاً وكرماً  مَّرَّتَيْنِ  فيكون أجرها مضاعفاً وهذا في مقابلة يضاعف لها العذاب ضعفين. 
أخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس أنه قال في حاصل معنى الآيتين : إنه من عصى منكن فإنه يكون العذاب عليها الضعف منه على سائر نساء المؤمنين ومن عمل صالحاً فإن الأجر لها الضعف على سائر نساء المسلمين، ويستدعي هذا أنه إذا أثيب نساء المسلمين على الحسنة بعشر أمثالها اثبن هن على الحسنة بعشرين مثلاً لها وإن زيد للنساء على العشر شيء زيد لهن ضعفه، وكأنه والله تعالى أعلم إنما قيل  نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ  دون يضاعف لها الأجر كما قيل في المقابل  يُضَاعَفْ لَهَا العذاب ضِعْفَيْنِ  \[ الأحزاب : ٠ ٣ \] لأن أصل تضعيف الأجر ليس من خواصهن بل كل من عمل صالحاً من النساء والرجال من هذه الأمة يضاعف أجره فأخرج الكلام مغايراً لما تقتضيه المقابلة رمزاً إلى أن تضعيف الأجر على طرز مغاير لطرز تضعيف العذاب مع تضمن الكلام المذكور الإشارة إلى مزيد تكريمهن ووفور الاعتناء بهن فإن الإحسان المكرر أحلى، ومن تأمل في الجملتين ظهر له تغليب جانب الرحمة على جانب الغضب وكفى بالتصريح بفاعل إيتاء الأجر وجعله ضمير العظمة والتعبير عما يؤتون من النعيم بالأجر مع إضافته إلى ضميرهن مع خلو جملة تضعيف العذاب عن مثل ذلك شهداء على ما ذكر، ثم إن تضعيف أجرهن لمزيد كرامتهن رضي الله تعالى عنهن على الله عز وجل مما من به عليهن من النسبة إلى خير البرية عليه من الله تعالى أفضل الصلاة وأكمل التحية، والظاهر أن ذلك ليس بالنسبة إلى أعمالهن الصالحة التي عملنها في حياتها صلى الله عليه وسلم فقط بل يضاعف أجرهن عليها وعلى الأعمال الصالحة التي يعلمنها بعد وفاته عليه الصلاة والسلام. 
 وقال بعض الأجلة : إن هاتين المرتين إحداهما على الطاعة والأخرى على طلبهن رضاء النبي صلى الله عليه وسلم بالقناعة وحسن المعاشرة، وجعل في **«البحر »** وغيره سبب التضعيف هذا الطلب وتلك الطاعة، ولا يخفى أن ما ذكروه موهم لعدم التضعيف بالنسبة لما فعلوه من العمل الصالح بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، وقال بعض المدققين : أراد من جعل سبب مضاعفة أجورهن ما ذكر التطبيق على لفظ الآية حيث جعل القنوت لله ولرسوله مع ما تلاه سبباً ويدمج فيه أن مضاعفة العذاب إنما نشأت من أن النشوز مع الرسول صلى الله عليه وسلم وطلب ما يشق عليه ليس كالنشوز مع سائر الأزواج ولذلك اقتضى مضاعفة العذاب وكذلك طاعته وحسن التخلق معه والمعاشرة على عكس ذلك فهذا يؤكد ما قالوا من أن سبب تضعيف العذاب زيادة قبح الذنب منهن وفيه أن العكس يوجب العكس فتأمل. 
وقال بعض المفسرين : العذاب الذي توعد به ضعفين هو عذاب الدنيا ثم عذاب الآخرة وكذلك الأجر فالمرتان إحداهما في الدنيا وثانيتهما في الأخرى، ولا يخفى ضعفه. وقرأ الجحدري. والأسواري. ويعقوب في رواية. وكذا ابن عامر  وَمِنْ  بتاء التأنيث حملاً على المعنى. وقرأ السلمي. وابن وثاب. وحمزة. والكسائي بياء من تحت في الأفعال الثلاثة على أن في  يؤتها  ضمير اسم الله تعالى، وذكر أبو البقاء أن بعضهم قرأ  وَمِنْ  بالتاء من فوق حملاً على المعنى  وَيَعْمَلْ  بالياء من تحت حملاً على اللفظ فقال بعض النحويين : هذا ضعيف لأن التذكير أصلاً فلا يجعل تبعاً للتأنيث وما عللوه به قد جاء مثله في القرآن وهو قوله تعالى : خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أزواجنا  \[ الأنعام : ٩ ١٣ \] انتهى فتذكر  وَأَعْتَدْنَا لَهَا  في الجنة زيادة على أجرها المضاعف  رِزْقاً كَرِيماً  عظيم القدر رفيع الخطر مرضياً لصاحبه، وقيل الرزق الكريم ما يسلم من كل آفة. 
وجوز ابن عطية أن يكون في ذلك وعد دنياوي أي أن رزقها في الدنيا على الله تعالى وهو كريم من حيث هو حلال وقصد برضا من الله تعالى في نيله، وهو كما ترى.

### الآية 33:32

> ﻿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا [33:32]

يانساء النبي لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ النساء  ذهب جمع من الرجال إلى أن المعنى ليس كل واحدة منكن كشخص واحد من النساء أي من نساء عصركن أي أن كل واحدة منكن أفضل من كل واحدة منهن لما امتازت بشرف الزوجية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأمومة المؤمنين فأحد باق على كونه وصف مذكر إلا أن موصوفه محذوف ولا بد من اعتبار الحذف في جانب المشبه كما أشير إليه، وقال الزمخشري : أحد في الأصول بمعنى وحد وهو الواحد ثم وضع في النفي العام مستوياً فيه المذكر والمؤنث والواحد وما وراءه، والمعنى لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء أي إذا تقصيت أمة النساء جماعة جماعة لم يوجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل والسابقة، وقد استعمل بمعنى المتعدد أيضاً في قوله تعالى : وَلَمْ يُفَرّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ  \[ النساء : ٢٥١ \] لمكان  بَيْنَ  المقتضية للدخول على متعدد وحمل أحد على الجماعة على ما في **«الكشف »** ليطابق المشبه، والمعنى على تفضيل نساء النبي صلى الله عليه وسلم على نساء غيره لا النظر إلى تفضيل واحدة على واحدة من آحاد النساء فإن ذلك ليس مقصوداً من هذا السياق ولا يعطيه ظاهر اللفظ. 
وكون ذلك أبلغ لما يلزم عليه تفضيل جماعتهن على كل جماعة ولا يلزم ذلك تفضيل كل واحدة على كل واحدة من آحاد النساء لو سلم لكان إذا ساعده اللفظ والمقام، واعترضه أيضاً بعضهم بأنه يلزم عليه أن يكون كل واحدة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من فاطمة رضي الله تعالى عنها مع أنه ليس كذلك. 
 وأجيب عن هذا بأنه لا مانع من التزامه إلا أنه يلتزم كون الأفضلية من حيث أمومة المؤمنين والزوجية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا من سائر الحيثيات فلا يضر فيه كون فاطمة رضي الله تعالى عنها أفضل من كل واحدة منهن لبعض الحيثيات الأخر بل هي من بعض الحيثيات كحيثية البضعية أفضل من كل من الخلفاء الأربعة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، نعم أورد على ما في **«الكشاف »** أن أحد الموضوع في النفي العام همزته أصلية غير منقلبة عن الواحد وقد نص على ذلك أبو علي، وخالف فيه الرضي فنقل عنه أن همزة أحد في كل مكان بدل من الواو، والمشهور التفرقة بين الواقع في النفي العام والواقع في الإثبات بأن همزة الأول أصلية وهمزة الثاني منقلبة عن الواو. وفي العقد المنظوم في ألفاظ العموم للفاضل القرافي قد أشكل هذا على كثير من الفضلاء لأن اللفظين صورتهما واحدة ومعنى الوحدة يتناولهما والواو فيها أصلية فيلزم قطعاً انقلاب ألف أحد مطلقاً عنها وجعل ألف أحدهما منقلباً دون ألف الآخر حكم، وقد أطلعني الله تعالى على جوابه وهو أن أحد الذي لا يستعمل إلا في النفي معناه إنسان بإجماع أهل اللغة وأحد الذي يستعمل في الإثبات معناه الفرد من العدد فإذا تغاير مسماهما تغاير اشتقاقهما لأنه لا بد فيه من المناسبة بين اللفظ والمعنى ولا يكفي فيه أحدهما، فإذا كان المقصود به الإنسان فهو الذي لا يستعمل إلا في النفي وهمزته أصلية، وإن قصد به العدد ونصف الإثنين فهو الصالح للإثبات والنفي وألفه منقلبة عن واو اه، ولا يخفى أنه إذا سلم الفرق المذكور ينبغي أن تكون الهمزة هنا أصلية، وإلى أن همزة الواقع في النفي أصلية ذهب أبو حيان فقال : إن ما ذكره الزمخشري من قوله : ثم وضع في النفي العام الخ غير صحيح لأن الذي يستعمل في النفي العام مدلوله غير مدلول واحد لأن واحداً ينطلق على كل شيء اتصف بالوحدة وأحد المستعمل في النفي العام مخصوص بمن يعقل وذكر النحويون أن مادته همزة وحال ودال ومادة أحد بمعنى واحد أصله واو وحاء ودال فقد اختلفا مادة ومدلولاً. 
وذكر أن ما في قوله تعالى : لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ  \[ البقرة : ٥ ٢٨ \] يحتمل أن يكون الذي للنفي العام ويحتمل أن يكون بمعنى واحد، ويكون قد حذف معطوف أي بين واحد وواحد من رسله كما قال الشاعر :فما كان بين الخير لو جاء سالما  أبو حجر إلا ليال قلائلوقال الراغب : أحد يستعمل على ضربين في النفي لاستغراق جنس الناطقين، ويتناول القليل والكثير على الاجتماع والانفراد نحو ما في الدار أحد أي لا واحد ولا إثنان فصاعداً لا مجتمعين ولا مفترقين، وهذا المعنى لا يمكن في الإثبات لأن نفي المتضادين يصح، ولا يصح إثباتهما، فلو قيل في الدار أحد لكان إثبات أحد منفرد مع إثبات ما فوق الواحد مجتمعين ومتفرقين وهو بين الإحالة ولتناوله ما فوق الواحد صح نحو  فَمَا مِنكُم مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجزين  \[ الحاقة : ٧ ٤ \] وفي الإثبات على ثلاثة أوجه، استعماله في الواحد المضموم إلى العشرات كأحد عشر وأحد وعشرين، واستعماله مضافاً أو مضافاً إليه بمعنى الأول نحو  أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى  \[ يوسف : ١ ٤ \] وقولهم يوم الأحد، واستعماله وصفاً وهذا لا يصح إلا في وصفه تعالى شأنه، أما أصله أعني وحد فقد يستعمل في غيره سبحانه كقول النابغة :كأن رحلي وقد زال النهار بنا  بذي الجليل على مستأنس وحدانتهى. 
وهو محتمل لدعوى انقلاب همزته عن واو مطلقاً ولدعوى انقلابها عنها في الاستعمال الأخير. 
 ولا يخفى على المنصف أن يكون المعنى في الآية ما ذكره الزمخشري أظهر، وتفضيل كل واحدة من نسائه صلى الله عليه وسلم على كل واحدة واحدة من سائر النساء لا يلزم أن يكون لهذه الآية بل هو لدليل آخر إما عقلي أو نص مثل قوله تعالى : وأزواجه أمهاتهم  \[ الأحزاب : ٦ \] وقيل يجوز أن يكون ذلك لها فإنها تفيد بحسب عرف الاستعمال تفضيل كل منهن على سائر النساء لأن فضل الجماعة على الجماعة يكون غالباً لفضل كل منها. 
 إِنِ اتقيتن  شرط لنفي المثلية وفضلهن على النساء وجوابه محذوف دل عليه المذكور والاتقاء بمعناه المعروف في لسان الشرع، والمفعول محذوف أي إن اتقيتن مخالفة حكم الله تعالى ورضا رسوله صلى الله عليه وسلم، والمراد إن دمتن على اتقاء ذلك ومثله شائع أو هو على ظاهره والمراد به التهييج بجعل طلب الدنيا والميل إلى ما تميل إليه النساء لبعده من مقامهن بمنزلة الخروج من التقوى أو شرط جوابه قوله تعالى :
 فَلاَ تَخْضَعْنَ بالقول  والاتقاء بمعناه الشرعي أيضاً، وفي **«البحر »** أنه بمعنى الاستقبال أي إن استقبلتن أحداً فلا تخضعن، وهو بهذا المعنى معروف في اللغة قال النابغة :سقط النصيف ولم ترد إسفاطه  فتناولته واتقتنا باليدأي استقبلتنا باليد، ويكون هذا المعنى أبلغ في مدحهن إذ لم يعلق فضلهن على التقوى ولا علق نهيهن عن الخضوع بها إذ هن متقيات لله تعالى في أنفسهن، والتعليق يقتضي ظاهره أنهن لسن متحليات بالتقوى، وفيه إن اتقى بمعنى استقبل وإن كان صحيحاً لغة، وقد ورد في القرآن كثيراً كقوله تعالى : أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ سُوء العذاب  \[ الزمر : ٤ ٢ \] إلا أنه لا يتأتى ههنا لأنه لا يستعمل في ذلك المعنى إلا مع المتعلق الذي تحصل به الوقاية، كقوله سبحانه : بِوَجْهِهِ  وقول النابغة باليد وما استدل به أمره سهل، وظاهر عبارة الكشاف اختيار كون  إِنِ اتقيتن  شرطاً جوابه فلا تخضعن، وفسر  إِنِ اتقيتن  بأن أردتن التقوى وإن كنتن متقيات مشيراً بذلك إلى أنه لا بد من تجوز في الكلام لأن الواقع أن المخاطبات متقيات فأما أن يكون المقصود الأولى المبالغة في النهي فيفسر بأن أردتن التقوى، وإما أن يكون المقصود التهييج والإلهاب، فيفسر بأن كنتن متقيات فليس في ذلك جمع بين الحقيقة والمجاز كما توهم، وقد قرر ذلك في الكشف، ومعنى لا تخضعن بالقول لا تجبن بقولكن خاضعاً أي لينا خنثا على سنن كلام المريبات والمومسات، وحاصله لا تلن الكلام ولا ترققنه، وهذا على ما قيل في غير مخاطبة الزوج ونحوه كمخاطبة الأجانب وإن كن محرمات عليهم على التأبيد. 
روى عن بعض أمهات المؤمنين أنها كانت تضع يدها على فمها إذا كلمت أجنبياً تغير صوتها بذلك خوفاً من أن يسمع رخيماً ليناً، وعد إغلاظ القول لغير الزوج من جملة محاسن خصال النساء جاهلية وإسلاماً، كما عد منها بخلهن بالمال وجبنهن، وما وقع في الشعر من مدح العشيقة برخامة الصوت وحسن الحديث ولين الكلام فمن باب السفه كما لا يخفى. وعن الحسن أن المعنى لا تكلمن بالرفث، وهو كما ترى  فَيَطْمَعَ الذى فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ  أي فجور وزنا، وبذلك فسره ابن عباس وأنشد قول الأعشى :حافظ للفرج راض بالتقى  ليس ممن قلبه فيه مرضوالمراد نية أو شهوة فجور وزنا، وعن قتادة تفسيره بالنفاق، وأخرج ابن المنذر. 
وابن أبي حاتم عن زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما، أنه قال : المرض مرضان فمرض زنا ومرض نفاق، ونصب  يَطْمَعُ  في جواب النهي. وقرأ أبان بن عثمان. وابن هرمز  فَيَطْمَعَ  بالجزم وكسر العين لالتقاء الساكنين وهو عطف على محل فعل النهي على أنه نهي لمريض القلب عن الطمع عقيب نهيهن عن الخضوع بالقول كأنه قيل ؛ فلا تخضعن بالقول فلا يطمع الذي في قلبه مرض، وقال أبو عمرو الداني ؛ قرأ الأعرج. وعيسى  فَيَطْمَعَ  بفتح الياء وكسر الميم، ونقلها ابن خالويه عن أبي السمال. قال : وقد روى ذلك عن ابن محيصن، وذكر أن الأعرج وهو ابن هرمز قرأ  فَيَطْمَعَ  بضم الياء وفتح العين وكسر الميم أي فيطمع هو أي الخضوع بالقول، و  الذي  مفعول أو الذي فاعل والمفعول محذوف أي فيطمع الذي في قلبه مرض نفسه  وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً  حسناً بعيداً عن الريبة غير مطمع لأحد، وقال الكلبي : أي صحيحاً بلا هجر ولا تمريض، وقال الضحاك : عنيفاً، وقيل : أي قولاً أذن لكم فيه، وقيل : ذكر الله تعالى وما يحتاج إليه من الكلام.

### الآية 33:33

> ﻿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [33:33]

وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ  من قريقر من باب علم أصله اقررن فحذفت الراء الأولى وألقيت فتحتها على ما قبلها وحذفت الهمزة للاستغناء عنها بتحرك القاف. 
وذكر أبو الفتح الهمداني في كتاب التبيان وجهاً آخر قال : قاريقار إذا اجتمع ومنه القارة لاجتماعها، ألا ترى إلى قول عضل والديش : اجتمعوا فكونوا قارة فالمعنى وأجمعن أنفسكن في البيوت. 
وقرأ الأكثر  وَقَرْنَ  بكسر القاف من وقريقر وقار إذا سكن وثبت، وأصله أو قرن ففعل به ما فعل بعدن من وعد أو من قريقر المضاعف من باب ضرب وأصله اقررن حذفت الراء الأولى وألقيت كسرتها إلى القاف وحذفت الهمزة للاستغناء عنها، وقال مكي. وأبو علي : أبدلت الراء التي هي عين الفعل ياء كراهة التضعيف ثم نقلت حركتها إلى القاف ثم حذفت لسكونها وسكون الراء بعدها وسقطت الهمزة لتحرك القاف. وهذا غاية في التمحل، وفي البحران قررت وقررت بالفتح والكسر كلاهما من القرار في المكان بمعنى الثبوت فيه وقد حكى ذلك أبو عبيدة. والزجاج. وغيرهما، وأنكر قوم منهم المازني مجيء قررت في المكان بالكسر أقر بالفتح وإنما جاء قررت عينه تقر بالكسر في الماضي والفتح في المضارع والمثبت مقدم على النافي. 
وقرأ ابن أبي عبلة  واقررن  بألف الوصل وكسر الراء الأولى، والمراد على جميع القراءات أمرهن رضي الله تعالى عنهن بملازمة البيوت وهو أمر مطلوب من سائر النساء. أخرج الترمذي. والبزار عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«إن المرإة عور فإذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان وأقرب ما تكون من رحمة ربها وهي في قعر بيتها »**
وأخرج البزار عن أنس قال جئن النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن : يا رسول الله ذهب الرجال بالفضل والجهاد في سبيل الله تعالى فهل لنا عمل ندرك به فضل المجاهدين في سبيل الله تعالى فقال عليه الصلاة والسلام :**«من قعدت منكن في بيتها فإنها تدرك عمل المجاهدين في سبيل الله تعالى »** وقد يحرم عليهن الخروج بل قد يكون كبيرة كخروجهن لزيارة القبور إذا عظمت مفسدته وخروجهن ولو إلى المسجد وقد استعطرن وتزين إذا تحققت الفتنة أما إذا طنت فهو حرام غير كبيرة، وما يجوز من الخروج كالخروج للحج وزيادة الوالدين وعيادة المرضى، وتعزية الأموات من الأقارب ونحو ذلك، فإنما يجوز بشروط مذكورة في محلها. 
وظاهر إضافة البيوت إلى ضمير النساء المطهرات أنها كانت ملكهن وقد صرح بذلك الحافظ غلام محمد الأسلمي نور الله تعالى ضريحه في التحفة الإثني عشرية، وذكر فيها أن عليه الصلاة والسلام بنى كل حجرة لمن سكن فيها من الأزواج وكانت كل واحد منهن تتصرف بالحجرة الساكنة هي فيها تصرف المال في ملكه بحضوره صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر الفقهاء أن من بنى بيتاً لزوجته وأقبضه إياها كان كمن وهب زوجته بيتاً وسلمه إليها، فيكون البيت ملكاً لها ويشهد لدعوى أن الحجرة التي كانت تسكنها عائشة رضي الله تعالى عنها كانت ملكاً لها غير الإضافة في  فِى بُيُوتِكُنَّ  الداخل فيه حجرتها استئذان عمر رضي الله تعالى عنه لدفنه فيها منها بمحضر من الصحابة، وعدم إنكار أحد منهم حتى علي كرم الله تعالى وجهه، واستئذان الحسن رضي الله تعالى عنه منها لذلك أيضاً الثابت عند أهل السنة والشيعة، كما ذكر في الفصول المهمة في معرفة الأئمة وغيره من كتبهم فإن تلك الحجرة لو كانت لبيت المال لحديث ****«نحن معاشر الأنبياء لا نورث »**** لاستأذن رضي الله تعالى عنه من الوزغ مروان فإنه إذ ذاك كان حاكم المدينة المنورة والمتصرف في بيت المال، ولو كانت للورثة بناء على زعم الشيعة من أنه صلى الله عليه وسلم يورث كغيره لزم الاستئذان من سائر الأزواج أيضاً لتعلق حقهن فيها على زعمهم بل يلزم الاستئذان أيضاً من عصبته عليه الصلاة والسلام المستحقين لما يبقى بعد النصف والثمن إذا قلنا بتوريثهم فحيث لم يستأذن رضي الله تعالى عنه إلا منها علم أنها ملكها وحدها. 
والقول بأنه علم رضا الجميع سواها رضي الله تعالى عنها فاستأذنها لذلك مما لا يقوم لهم حجة، ولهم في هذا الباب أكاذيب لا يعول عليها ولا يلتفت أريب إليها، منها أن عائشة رضي الله تعالى عنه أذنت للحسن رضي الله تعالى عنه حين استأذنها في الدفن في الحجرة المباركة، ثم ندمت بعد وفاته رضي الله تعالى عنه وركبت على بغلة لها وأتت المسجد ومنعت الدفن ورمت السهام على جنازته الشريفة الظاهرة وادعت الميراث. 
وأنشأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول :
تجملت تبلغت \*\*\* وإن عشت تفيلت لك التسع من الثمن فكيف الكل ملكت
وركاكة هذ الشعر تنادي بكذب نسبته إلى ذلك الحبر رضي الله تعالى عنه، وليت شعري أي حاجة لها إلى الركوب ومسكنها كان تلك الحجرة المباركة لا فلو كانت بصدد المنع لأغلقت بابها ثم إنها رضي الله تعالى عنها كيف يظن بها ولها من العقل الحظ الأوفر بالنسبة إلى سائر أخواتها أمهات المؤمنين تدعي الميراث وهي وأبوها رضي الله تعالى عنهما رويا بمحضر الصحابة الذين لا تأخذهم في الله تعالى لومة لائم ****«نحن معاشر الأنبياء لا نورث »**** هذا، ويجوز أن تكون إضافة البيوت إلى ضمير النساء المطهرات باعتبار أنهن ساكنات فيها قائمات بمصالحها قيمات عليها، واستعمال الخاصة والعامة شائع بإضافة البيوت إلى الأزواج بهذا الاعتبار. 
والاستئذان يجوز أن يكون لانتقال كل بيت إلى ملك الساكنة فيه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم من جهة الخليفة ولي بيت المال لما رأى من المصلحة في تخصيص كل منهن بمسكنه وتركه لها على نحو الإقطاع من بيت المال، ومما يستأنس به لكون الإضافة إلى ضميرهن بهذا الاعتبار لا لكون البيوت ملكهن إضافة البيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم في غير ما أثر، بل سيأتي إن شاء الله تعالى إضافة البيوت إليه عليه الصلاة والسلام وذلك في قوله تعالى : يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ  \[ الأحزاب : ٣ ٥ \] الآية وهي أحق بأن تكون للملك فليراجع هذا المطلب وليتأمل  وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهلية الاولى  التبرج على ما روى عن مجاهد. وقتادة. وابن أبي نجيح المشي بتبختر وتكسر وتغنج، وعن مقاتل أن تلقى المرأة خمارها على رأسها ولا تشده فيوارى قلائدها وقرطها وعنقها ويبدو ذلك كله منها، وقال المبرد : أن تبدي من محاسنها ما يجب عليها ستره، قال الليث : ويقال تبرجت المرأة إذا أبدت محاسنها من وجهها وجسدها ويرى مع ذلك من عينها حسن نظرت، وقال أبو عبيدة : أن تخرج من محاسنها ما تستدعي به شهوة للرجال، وأصله على ما في **«البحر »** من البرج وهو سعة العين وحسنها، ويقال طعنة برجاء أي واسعة وفي أسنانه برج إذا تفرق ما بينها وقيل : هو البرج بمعنى القصر، ومعنى تبرجت المرأة ظهرت من برجها أي قصرها، وجعل الراغب إطلاق البرج على سعة العين وحسنها للتشبيه بالبرج في الأمرين، ولا يخفى أنه لو فسر التبرج هنا بالظهور من البرج تكون هذه الجملة كالتأكيد لما قبلها فالأولى أن يفسر به، وتبرج مصدر تشبيهي مثل له صوت صوت حمار أي لا تبرجن مثل تبرج الجاهلية الأولى، وقيل في الكلام إضمار مضافين أي تبرج نساء أيام الجاهلية، وإضافة نساء على معنى في والمراد بالجاهلية الأولى على ما أخرج ابن جرير. وابن أبي جاتم. والحاكم. وابن مردويه. والبيهقي في **«شعب الإيمان »** عن ابن عباس الجاهلية مابين نوح وإدريس عليهما السلام وكانت ألف سنة، قال : وإن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن الجبال، وكان رجال الجبال صباحاً وفي النساء دمامة وكان نساء السهل ورجاله على العكس فاتخذ أهل السهل عيداً يجتمعون إليه في السنة، فتبرج النساء للرجال والرجال لهن، وأن رجلاً من أهل الجبل هجم عليهم في عيدهم فرأى النساء وصباحتهن فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك فتحولوا إليهن فنزلوا معهن فظهرت الفاحشة فيهن، وفي رواية أن المرأة إذ ذاك تجمع بين زوج وعشيق. 
وأخرج ابن جرير عن الحكم بن عيينة قال : كان بين آدم ونوح عليهما السلام ثمانمائة سنة فكان نساؤهم من أقبح ما يكون من النساء ورجالهم حسان وكانت المرأة تراود الرجل عن نفسه وهي الجاهلية الأولى.. 
وروى مثله عن عكرمة، وقال الكلبي : هي ما بين نوح وإبراهيم عليهما السلام، وقال مقاتل : كانت زمن نمروذ وكان فيه بغايا يلبسن أرق الدروع ويمشين في الطرق، وروى عنه أيضاً أن الجاهلية الأولى زمن إبراهيم عليه السلام والثانية زمن محمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث، وقال أبو العالية : كانت الأولى زمن داود وسليمان عليهما السلام وكان للمرأة قميص من الدر غير مخيط الجانبين يظهر منه الأعكان والسوأتان. 
وقال المبرد : كانت المرأة تجمع بين زوجها وخدنها للزوج نصفها الأسفل وللخدن نصفها الأعلى يتمتع به في التقبيل والترشف، وقيل : ما بين موسى وعيسى عليهما السلام، وقال الشعبي : ما بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. 
قال الزجاج : وهو الأشبه لأنهم هم الجاهلية المعروفة كانوا يتخذون البغايا، وإنما قيل : الاولى  لأنه يقال لكل متقدم ومتقدمة أول وأولى، وتأويله أنهم تقدموا على أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وروى عن ابن عباس ما هو نص في أن الأولى هنا مقابل الأخرى، وقال الزمخشري : يجوز أن تكون الجاهلية الأولى جاهلية الكفر قبل الإسلام والجاهلية الأخرى جاهلية الفسوق والفجور في الإسلام فكأن المعنى ولا تحدثن بالتبرج جاهلية في الإسلام تتشبهن بها بأهل جاهلية الكفر. 
وقال ابن عطية : الذي يظهر عندي أن الجاهلية الأولى إشارة إلى الجاهلية التي تخصهن فأمرن بالنقلة عن سيرتهن فيها وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكفر وقلة الغيرة ونحو ذلك. وفي حديث أخرجه الشيخان وأبو داود. والترمذي أنه صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر وكان قد عير رجلاً أمه أعجمية فشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية، وفسرها ابن الأثير بالحالة التي عليها العرب قبل الإسلام من الجهل بالله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام وشرائع الدين والمفاخرة بالأنساب والكبر والتجبر وغير ذلك والله تعالى أعلم، وتمسك الرافضة في طعن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وحاشاها من كل طعن بخروجها من المدينة إلى مكة ومنها إلى البصرة وهناك وقعت وقعة الجمل بهذه الآية قالوا : إن الله تعالى أمر نساء النبي صلى الله عليه وسلم وهي منهن بالسكون في البيوت ونهاهن عن الخروج وهي بذلك قد خالفت أمر الله تعالى ونهيه عز وجل. وأجيب بأن الأمر بالاستقرار في البيوت والنهي عن الخروج ليس مطلقاً وإلا لما أخرجهن صلى الله عليه وسلم بعد نزول الآية للحج والعمرة ولما ذهب بهن في الغزوات ولما رخصهن لزيارة الوالدين وعيادة المرض وتعزية الأقارب وقد وقع كل ذلك كما تشهد به الأخبار، وقد صح أنهن كلهن كن يحججن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا سودة بنت زمعة، وفي رواية عن أحمد عن أبي هريرة إلا زينب بنت جحش وسودة ولم ينكر عليهن أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم الأمير كرم الله تعالى وجهه وغيره، وقد جاء في الحديث الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام قال لهن بعد نزول الآية :{ أَذِنَ لَكِنِ أن تخر

### الآية 33:34

> ﻿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا [33:34]

واذكرن مَا يتلى فِى بُيُوتِكُنَّ  أي اذكرن للناس بطريق العظمة والتذكير، وقيل : أي تذكرن ولا تنسين ما يتلى في بيوتكن  مِنْ ءايات الله  أي القرآن  والحكمة  هي السنة على ما أخرج ابن جرير. وغيره عن قتادة وفسرت بنصائحه صلى الله عليه وسلم، وعن عطاء عن ابن عباس أنه كان في المصحف بدل  الحكمة  السنة حكاه محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في أوائل تفسيره مفاتيح الأسرار، وقال جمع : المراد بالآيات والحكمة القرآن وهو أوفق بقوله سبحانه : يلتى  أي اذكرن ما يتلى من الكتاب الجامع بين كونه آيات الله تعالى البينة الدالة على صدق النبوة بأوجه شتى وكونه حكمة منطوية على فنون العلوم والشرائع، وهذا تذكير بما أنعم عليهن حيث جعلهن أهل بيت النبوة ومهبط الوحي وما شاهدن من برحاء الوحي مما يوجب قوة الإيمان والحرص على الطاعة وفيه حث على الانتهاء والائتمار فيما كلفنه، وقيل : هذا هذا أمر بتكميل الغير بعد الأمر بما فيه كما لهن ويعلم منه وجه توسيط  إِنَّمَا يُرِيدُ  \[ الأحزاب : ٣٣ \] الخ في البين والتعرض للتلاوة في البيوت دون النزول فيها مع أنها الأنسب لكونها مهبط الوحي لعمومها لجميع الآيات ووقوعها في كل البيوت وتكررها الموجب لتمكنهن من الذكر والتذكير بخلاف النزول، وقيل : إن ذلك لرعاية الحكمة بناء على أن المراد بها السنة فإنها لم تنزل نزول القرآن وتعقب بأنها لم تتل أيضاً تلاوته، وعدم تعيين التالي لتعم جبريل وتلاوة النبي عليهما الصلاة والسلام وتلاوتهن وتلاوة غيرهن تعليماً وتعلماً. 
وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما  تتلى  بتاء التأنيث  إِنَّ الله كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً  يعلم ويدبر ما يصلح في الدين ولذلك فعل ما فعل من الأمر والنهي أو يعلم من يصلح للنبوة ومن يستأهل أن يكون من أهل بيته، وقيل : يعلم الحكمة حيث أنزل كتابه جامعاً بين الوصفين، وجوز بعضهم أن يكون اللطيف ناظراً للآيات لدقة أعجازها والخبير للحكمة لمناسبتها للخبرة.

### الآية 33:35

> ﻿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [33:35]

إِنَّ المسلمين والمسلمات  أي الداخلين في السلم المنقادين لحكم الله تعالى أو المفوضين أمرهم لله عز وجل من الذكور والإناث  والمؤمنين والمؤمنات  المصدقين بما يجب أن يصدق به من الفريقين. 
 والقانتين والقانتات  المداومين على الطاعات القائمين بها  والصادقين والصادقات  في أقوالهم التي يجب الصدق فيها، وقيل في القول والعمل. 
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جبير أنه قال أي في إيمانهم  والصابرين  على المكاره وعلى العبادات وعن المعاصي  والصابرات والخاشعين والخاشعات  المتواضعين لله تعالى بقلوبهم وجوارحهم. 
وقيل : الذين لا يعرفون من عن أيمانهم وشمائلهم إذا كانوا في الصلاة  والمتصدقين والمتصدقات  بما يحسن التصدق به من فرض وغيره  والصائمين والصائمات  الصوم المشروع فرضاً كان أو نفلاً، وعن عكرمة الاقتصار على صوم رمضان، وقيل : من تصدق في كل أسبوع بدرهم فهو من المتصدقين ومن صام البيض من كل شهر فهو من الصائمين  والحافظين فُرُوجَهُمْ والحافظات  عما لا يرضى به الله تعالى. 
 والذكرين الله كَثِيراً والذكرات  بالألسنة والقلوب ومدار الكثرة العرف عند جمع، وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور. وعبد بن حميد. وابن المنذر. وابن أبي حاتم. عن مجاهد قال : لا يكتب الرجل من الذاكرين الله كثيراً حتى يذكر الله تعالى قائماً وقاعداً ومضطجعاً. 
وأخرج أبو داود. والنسائي. وابن ماجه. وغيرهم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«إذا أيقظ الرجل امرأته من الليل فصليا ركعتين كانا تلك الليلة من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات »**، وقيل : المراد بذكر الله تعالى ذكر آلائه سبحانه ونعمه وروي ذلك عن عكرمة ومآل هذا إلى الشكر وهو خلاف الظاهر. 
 أَعَدَّ الله لَهُمْ  بسبب كسبهم ما ذكر من الصفات  مَغْفِرَةٍ  لما اقترفوا من الصغائر لأنهن مكفرات بالأعمال الصالحة كما ورد  وَأَجْراً عَظِيماً  على ما عملوا من الطاعات ؛ والآية وعد للأزواج المطهرات وغيرهن ممن اتصفت بهذه الصفات، أخرج أحمد. والنسائي. وغيرهما عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال ؟ فلم يرعني منه صلى الله عليه وسلم ذات يوم إلا نداءه على المنبر وهو يقول : إِنَّ المسلمين والمسلمات  إلى آخر الآية، وضمير ما لنا للنساء على العموم ففي رواية أخرى رواها النسائي. وجماعة عنها أيضاً أنها قالت : قلت للنبي عليه الصلاة والسلام ما لي أسمع الرجال يذكرون في القرآن والنساء لا يذكرون ؟ فأنزل الله تعالى : إِنَّ المسلمين والمسلمات  الآية. 
وفي بعض الآثار ما يدل على أن القائل غيرها، أخرج الترمذي وحسنه. 
والطبراني. وعبد بن حميد. وآخرون عن أم عمارة الأنصارية أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : ما أرى كل شيء إلا للرجال وما أرى النساء يذكرن بشيء فنزلت هذه الآية  إِنَّ المسلمين  الخ. 
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال : دخل نساء على نساء النبي صلى الله عليه وسلم فقلن : قد ذكركن الله تعالى في القرآن وما يذكرنا بشيء أما فينا ما يذكر فأنزل الله تعالى : إِنَّ المسلمين  الآية، وفي رواية أخرى عنه أنه قال : لما ذكر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قال النساء : لو كان فينا خير لذكرنا فأنزل الله تعالى الآية. 
ولا مانع أن يكون كل ذلك، وعطف الإناث على الذكور كالمسلمات على المسلمين والمؤمنات على المؤمنين ضروري لأن تغاير الذوات المشتركة في الحكم يستلزم العطف ما لم يقصد السرد على طريق التعديد، وعطف الزوجين أعني مجموع كل مذكر ومؤنث كعطف مجموع المؤمنين والمؤمنات على مجموع المسلمين والمسلمات غير لازم وإنما ارتكب ههنا للدلالة على أن مدار اعداد ما أعد لهم جمعهم بين هذه النعوت الجميلة. 
وذكر الفروج متعلقاً للحفظ لكونها مركب الشهوة الغالبة، وذكر الاسم الجليل متعلقاً للذكر لأنه الاسم الأعظم المشعر بجميع الصفات الجليلة، وحذف متعلق كل من الحافظات والذاكرات لدلالة ما تقدم عليه، وجعل الذكر آخر الصفات لعمومه وشرفه  وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ  \[ العنكبوت : ٤٥ \] وتذكير الضمير في  أَعَدَّ الله لَهُمْ  لتغليب الذكور على الإناث وإلا فالظاهر لهم ولهن، ولله تعالى در التنزيل أشار في أول الآية وآخرها إلى أفضلية الذكور على الإناث.

### الآية 33:36

> ﻿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا [33:36]

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ  أي ما صح وما استقام لرجل ولا امرأة من المؤمنين. 
 إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً  أي قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر الله تعالى لتعظيم أمره بالإشارة إلى أنه عليه الصلاة والسلام بمنزلة من الله تعالى بحيث تعد أوامره أوامر الله عز وجل أو للإشعار بأن ما يفعله صلى الله عليه وسلم إنما يفعله بأمره لأنه لا ينطق عن الهوى فالنظم إما من قبيل  فَإِنَّ الله خُمسَهُ وَلِلرَّسُولِ  \[ الأنفال : ٤١ \] أو من قبيل  والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ  \[ التوبة : ٦٢ \] ( أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخَيرَةُ منْ أَمْرهمْ } أي أن يختاروا من أمرهم ما شاؤوا بل يجب عليهم أن يجعلوا رأيهم تبعاً لرأيه عليه الصلاة والسلام واختيارهم تلواً لاختياره. 
والخيرة مصدر من تخير كالطيرة مصدر من تطير، ولم يجيء على ما قيل مصدر بهذه الزنة غيرهما، وقيل : هي صفة مشبهة وفسرت بالمتخير، و  مِنْ أَمْرِهِمْ  متعلق بها أو بمحذوف وقع حالاً منها، وجمع الضمير في  لَهُمْ  رعاية للمعنى لوقوع مؤمن ومؤمنة في سياق النفي والنكرة الواقعة في سياقه تعم، وكان من حقه على ما في الكشاف توحيده كما تقول : ما جاءني من امرأة ولا رجل إلا كان من شأنه كذا : وتعقبه أبو حيان بأن هذا عطف بالواو والتوحيد في العطف بأو نحو من جاءك من شريف أو وضيع أكرمه فلا يجوز إفراد الضمير في ذاك إلا بتأويل الحذف. وجمعه في  أَمَرَهُمْ  مع أنه للرسول صلى الله عليه وسلم أوله ولله عز وجل للتعظيم على ما قيل. 
 وقال بعض الأجلة : لم يظهر عندي امتناع أن يكون عائداً على ما عاد عليه الأول على أن يكون المعنى ناشئة من أمرهم أي دواعيهم السائقة إلى اختيار خلاف ما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أو يكون المعنى الاختيار في شيء من أمرهم أي أمورهم التي يعنونها. ويرجح عوده على ما ذكر بعدم التفكيك ورد بأن ذاك قليل الجدوى ضرورة أن الخيرة ناشئة من دواعيهم أو واقعة في أمورهم وهو بين مستغن عن البيان بخلاف ما إذا كان المعنى بدل أمره الذي قضاه عليه الصلاة والسلام أو متجاوزين عن أمره لتأكيده وتقريره للنفي وهذا هو المانع من عوده إلى ما عاد عليه الأول، والحق أنه لا مانع من ذلك على أن يكون المعنى ما كان للمؤمنين أن يكون لهم اختيار في شيء من أمورهم إذا قضى الله ورسوله لهم أمراً، ولا نسلم أن ما عد مانعاً مانع فتدبر. 
ولعل الفائدة في العدول عن الظاهر في الضمير الأول على ما قال الطيبي الإيذان بأنه كما لا يصح لكل فرد فرد من المؤمنين أن يكون لهم الخيرة كذلك لا يصح أن يجتمعوا ويتفقوا على كلمة واحدة لأن تأثير الجماعة واتفاقهم أقوى من تأثير الواحد، ويستفاد منه فائدة الجمع في الضمير الثاني على تقدير عوده على ما عاد عليه الأول وكذا وجه إفراد الأمر إذا أمعن النظر وقرأ الحرميان والعربيان وأبو عمرو. 
وأبو جعفر. وشيبة. والأعرج. وعيسى. تكون بتاء التأنيث والوجه ظاهر ووجه القراءة بالياء وهي قراءة الكوفيين. والحسن والأعمش. والسلمى أن المرفوع بالفعل مفصول مع كون تأنيثه غير حقيقي، وقرى كما ذكر عيسى بن سليمان  الخيرة  بسكون الياء  وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ  في أمر من الأمور ويعمل فيه برأيه  فَقَدْ ضَلَّ  طريق الحق  ضلالا مُّبِيناً  أي بين الانحراف عن سنن الصواب، والظاهر أن هذا في الأمور المقضية على ما يشعر به السوق، والآية على ما روي عن ابن عباس. وقتادة. ومجاهد. وغيرهم نزلت في زينب بنت جحش من عمته صلى الله عليه وسلم أمية بنت عبد المطلب. وأخيها عبد الله خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لمولاه زيد بن حارثة وقال : إني أريد أزوجك زيد بن حارثة فإني قد رضيته لك فأبت وقالت : يا رسول الله لكنى لا أرضاع لنفسي وأنا أيم قومي وبنت عمتك فلم أكن لأفعل. 
وفي رواية أنها قالت : أنا خير منه حسبا ووافقها أخوها عبد الله على ذلك فلما نزلت الآية رضيا وسلما فأنكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم زيداً بعد أن جعلت أمرها بيده وساق إليها عشرة دنانير وستين درهماً مهراً وخماراً وملحفة ودرعاً وإزاراً وخمسين مدا من طعام وثلاثين صاعا من تمر. 
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد أنه قال نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وكانت أول امرأة هاجرت من النساء فوهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فزوجها زيد بن حارثة فحطت هي وأخوها وقالت إنما أردنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجنا عبده. 
ومن باب الإشارة : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ  \[ الأحزاب : ٣٦ \] إشارة إلى مقام التسليم وأنه اللائق بالمؤمنين وهذا حكم مستمر على الأمة إلى يوم القيامة فلا ينبغي لأحد بلغه شيء عن الله عز وجل وعن رسوله صلى الله عليه وسلم أن يختار لنفسه خلافه لإشعار ذلك باتهام الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام.

### الآية 33:37

> ﻿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [33:37]

وَإِذْ تَقُولُ  خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي اذكر وقت قولك  لِلَّذِى أَنعَمَ الله عَلَيْهِ  بتوفيقه للإسلام وتوفيقك لحسن تربيته وعتقه ومراعاته وتخصيصه بالنبي ومزيد القرب  وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ  بالعمل بما وفقك الله تعالى له من فنون الإحسان التي من جملتها تحريره وهو زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه، وإيراده بالعنوان المذكور كما قال شيخ الإسلام : لبيان منافاة حاله لما صدر عنه عليه الصلاة والسلام من إظهار خلاف ما في ضميره الشريف إذ هو إنما يقع عند الاستحياء والاحتشام وكلاهما مما لا يتصور في حق زيد رضي الله تعالى عنه، وجوز أن يكون بياناً لحكمة اخفاء صلى الله عليه وسلم ما أخفاه لأن مثل ذلك مع مثله مما يطعن به الناس كما قيل :
وأظلم خلق الله من بات حاسدا \*\*\* لمن كان في نعمائه يتقلب
 أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ  أي زينب بنت جحش وذلك أنها كانت ذا حدة ولا زالت تفخر على زيد بشرفها ويسمع منها ما يكره فجاء رضي الله تعالى عنه يوماً إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إن زينب قد اشتد على لسانها وأنا أريد أن أطلقها فقال له عليه الصلاة والسلام : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ   واتق الله  في أمرها ولا تطلقها ضراراً وتعللا بتكبرها واستداد لسانها عليك، وتعدية  أَمْسِكْ  بعلى لتضمينه معنى الحبس. 
 وَتُخْفِى فِي نِفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ  عطف على  تَقُولَ  وجوزت الحالية بتقدير وأنت تخفى أو بدونه كما هو ظاهر كلام الزمخشري في مواضع من كشافه، والمراد بالموصول على ما أخرج الحكيم الترمذي وغيره عن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما ما أوحى الله تعالى به إليه أن زينب سيطلقها زيد ويتزوجها بعد عليه الصلاة والسلام وإلى هذا ذهب أهل التحقيق من المفسرين كالزهري. وبكر بن العلاء. والقشيري. والقاضي أبي بكر بن العربي. وغيرهم  وَتَخْشَى الناس  تخاف من اعتراضهم وقيل : أي تستحي من قولهم : إن محمداً صلى الله عليه وسلم تزوج زوجة ابنه، والمراد بالناس الجنس والمنافقون وهذا عطف على ما تقدم أو حال. 
وقوله : والله أَحَقُّ أَن  في موضع الحال لا غير، والمعنى والله تعالى وحده أحق أن تخشاه في كل أمر فتفعل ما أباحه سبحانه لك واذن لك فيه، والعتاب عند من سمعت على قوله عليه الصلاة والسلام ذلك مع  أَوْ أَمْسِكْ  مع علمه بأنه سيطلقها ويتزوجها هو صلى الله عليه وسلم بعده وهو عتاب على ترك الأولى. 
وكان الأولى في مثل ذلك أن يصمت عليه الصلاة والسلام أو يفوض الأمر إلى رأي زيد رضي الله تعالى عنه. 
وأخرج جماعة عن قتادة أنه صلى الله عليه وسلم كان يخفى إرادة طلاقها ويخشى قالة الناس إن أمره بطلاقها وأنه عليه الصلاة والسلام قال له : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتق الله  وهو يحب طلاقها، والعتاب عليه على ظهار ما ينافي الاضمار، وقد رد ذلك القاضي عياض في الشفاء وقال : لا تسترب في تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الظاهر وأنه يأمر زيداً بإمساكها وهو يحب تطليقه إياها كما ذكره جماعة من المفسرين إلى آخر ما قال. 
وذكر بعضهم أن إرادته صلى الله عليه وسلم طلاقها وحبه إياه كان مجرد خطوره بباله الشريف بعد العلم بأنه يريد مفارقتها، وليس هناك حسد منه عليه الصلاة والسلام وحاشاه له عليها فلا محذور، والاسم ما ذكرناه عن زيد العابدين رضي الله تعالى عنه. والجمهور، وحاصل العتاب لم قلت أمسك عليك زوجك وقد أعلمتك أنها ستكون من أزواجك وهو مطابق للتلاوة لأن الله تعالى أعلم أنه مبدى ما أخفاه عليه الصلاة والسلام ولم يظهر غير تزويجها منه فقال سبحانه : زوجناكها  فلو كان المضمر محبتها وإرادة طلاقها ونحو ذلك لأظهره جل وعلا، وللقصاص في هذه القصة كلام لا ينبغي أن يجعل في حيز القبول. 
منه ما أخرجه ابن سعد. والحاكم عن محمد بن يحيى بن حبان أنه صلى الله عليه وسلم جاء إلى بيت زيد فلم يجده وعرضت زينب عليه دخول البيت فأبى أن يدخل وانصرف راجعاً يتكلم بكلام لم تفهم منه سوى سبحان الله العظيم سبحان مصرف القلوب فجاء زيد فأخبرته بما كان فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : بلغنى يا رسول الله إنك جئت منزلي فهلا دخلت يا رسول الله لعل زينب أعجبتك فأفارقها فقال عليه الصلاة والسلام : أمسك عليك زوجك واتق الله فما استطاع زيد إليها سبيلاً بعد ففارقها ؛ وفي تفسير علي بن إبراهيم أنه صلى الله عليه وسلم أتى بيت زيد فرأى زينب جالسة وسط حجرتها تسحق طيباً بفهر لها فلما نظر إليها قال : سبحان خالق النور تبارك الله أحسن الخالقين فرجع فجاء زيد فأخبرته الخبر فقال لها : لعلك وقعت في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهل لك أن أطلقك حتى يتزوجك رسول الله عليه الصلاة والسلام فقالت : أخشى أن تطلقني ولا يتزوجني فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : أريد أن أطلق زينب فأجابه بما قص الله تعالى إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتتبع، وفي شرح المواقف أن هذه القصة مما يجب صيانة النبي صلى الله عليه وسلم عن مثله فإن صحت فميل القلب غير مقدور مع ما فيه من الابتلاء لهما، والظاهر أن الله تعالى لما أراد نسخ تحريم زوجة المتبني أوحى إليه عليه الصلاة والسلام أن يتزوج زينب إذا طلقها زيد فلم يبادر له صلى الله عليه وسلم مخافة طعن الأعداء فعوتب عليه، وهو توجيه وجيه قاله الخفاجي عليه الرحمة ثم قال : إن القصة شبيهة بقصة داود عليه السلام لاسيما وقد كان النزول عن الزوجة في صدر الهجرة جارياً بينهم من غير حرج فيه انتهى، وأبعد بعضهم فزعم أن  وَتُخْفِى  الخ خطاب كسابقه من الله عز وجل أو من أن النبي صلى الله عليه وسلم لزيد فإنه أخفى الميل إليها وأظهر الرغبة عنها لما وقع في قلبه أن النبي صلى الله عليه وسلم يود أن تكون من نسائه، هذا وفي قوله تعالى : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ  وصول الفعل الرافع الضمير المتصل إلى الضمير المجرور وهما لشخص واحد فهو كقوله :
هون عليك ودع عنك نهياً صحيحاً في حجراته \*\*\*، وذكروا في مثل هذا التركيب أن على وعن اسمان ولا يجوز أن يكون حرفين لامتناع فكرفيك وأعين بك بل هذا مما تكون فيه النفس أي فكر في نفسك وأعين بنفسك، والحق عندي جواز ذلك التركيب مع حرفية علي وعن  فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مّنْهَا وَطَراً  أي طلقها كما روى عن قتادة وهو كناية عن ذلك مثل لا حاجة لي فيك، ومعنى الوطر الحاجة وقيدها الراغب بالمهمة، وقال أبو عبيدة : هو كالأدب وأنشد للربيع بن ضبع :
ودعنا قبل أن نودعه \*\*\* لما قضى من شبابنا وطراً
ويفسر الأدب بالحاجة الشديدة المقتضية للاحتيال في دفعها ويستعمل تارة في الحاجة المفردة وأخرى في الاحتيال وإن لم تكن حاجة، وقال المبرد : هو الشهوة والمحبة يقال : ما قضيت من لقائك وطراً أي ما استمتعت منك حتى تنتهي نفسي وأنشد :
وكيف ثوائي بالمدينة بعدما \*\*\* قضى وطراً منها جميل بن معمر
وعن ابن عباس تفسير الوطر هنا بالجماع، والمراد لم يبق له بها حاجة الجماع وطلقها، وفي **«البحر »** نقلاً عن بعضهم أنه رضي الله تعالى عنه أنه لم يتمكن من الاستمتاع بها، وروى أبو عصمة نوح بن أبي مريم بإسناد رفعه إليها أنها قالت : ما كنت أمتنع منه غير أن الله عز وجل منعني منه، وروى أنه كان يتورم ذلك منه حين يريد أن يقربها فيمتنع. 
قيل : ولا يخفى أنه على هذا يحسن جداً جعل قضاء الوطر كناية عن الطلاق فتأمل، وفي الكلام تقدير أي فلما قضى زيد منها وطراً وانقضت عدتها، وقيل : إن قضاء الوطر يشعر بانقضاء العدة لأن القضاء الفراغ من الشيء على التمام فكأنه قيل : فلما قضى زيد حاجته من نكاحها فطلقا وانقضت عدتها فلم يكن في قلبه ميل إليها ولا وحشة من فراقها  زوجناكها  أي جعلناها زوجة لك بلا واسطة عقد إصالة أو وكالة، فقد صح من حديث البخاري والترمذي أنها رضي الله تعالى عنها كانت تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول : زوجكن أهاليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات، وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال : كانت تقول للنبي عليه الصلاة والسلام إني لأدل عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تدل بهن إن جدي وجدك واحد وإني أنكحك الله إياي من السماء وإن السفير لجبريل عليه السلام، ولعلها أرادت سفارته عليه السلام بين الله تعالى وبين رسوله صلى الله عليه وسلم وإلا فالسفير بينه عليه الصلاة والسلام وبينها كان زيداً. 
أخرج أحمد. ومسلم. والنسائي. وغيرهم عن أنس قال : لما انقضت عدة زينب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد : اذهب فاذكرها علي فانطلق قال : فلما رأيتها عظمت في صدري فقلت : يا زينب ابشري أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك قالت : ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عليها بغير إذن. 
ومن حديث أخرجه الطبراني. والبيهقي في **«سننه »** وابن عساكر من طريق ابن زيد الأسدي عن مذكور مولى زينب قالت طلقني زيد فبت طلاقي فلما انقضت عدتي لم أشعر إلا والنبي عليه الصلاة والسلام قد دخل علي وأنا مكشوفة الشعر فقلت : هذا من السماء دخلت يا رسول الله بلا خطبة ولا شهادة فقال : الله تعالى المزوج وجبريل الشاهد، ولا يخفى أن هذا بظاهره يخالف ما تقدم من الحديث والمعول على ذاك، وقيل : المراد بزوجناكها أمرناك بتزوجها. 
وقرأ علي. وابناه ريحانتا رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن. والحسين. وابنه محمد بن الحنفية. وجعفر الصادق رضي الله تعالى عنهم أجمعين  زوجتكها  بتاء الضمير للمتكلم وحده  زوجناكها لِكَىْ لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ  أي ضيق وقيل إثم، وفسره بهما بعضهم كالطبرسي بناء على جواز استعمال المشترك في معنيه مطلقاً كما ذهب إليه الشافعية أو في النفي كما ذهب إليه العلامة ابن الهمام من الحنفية  فِي أَزْوَاجِ  أي في حق تزوج أزواج  أَدْعِيَائِهِمْ  الذين تبنوهم  إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُن وَطَراً  أي إذا طلقهن الأدعياء وانقضت عدتهن فإن لهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، واستدل بهذا على أن ما ثبت له صلى الله عليه وسلم من الأحكام ثابت لأمته إلا ما علم أنه من خصوصياته عليه الصلاة والسلام بدليل، وتمام الكلام في المسألة مذكور في الأصول، والمراد بالحكم ههنا على ما سمعت أولاً مطلق تزوج زوجات الأدعياء وهو على ما قيل ظاهر  وَكَانَ أَمْرُ الله  أي ما يريد تكوينه من الأمور أو مأموره الحاصل بكن  مَفْعُولاً  مكوناً لا محالة، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لما قبله من تزويج زينب رضي الله تعالى عنها.

### الآية 33:38

> ﻿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ۖ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا [33:38]

مَّا كَانَ عَلَى النبي مِنْ حَرَجٍ  أي ما صح وما استقام في الحكمة أن يكون له حرج  فِيمَا فَرَضَ الله لَهُ  أي قسم له صلى الله عليه وسلم وقدر من قولهم : فرض له في الديوان كذا، ومنه فروض العساكر لما يقطعه السلطان لهم ويرسم به، وقال قتادة : أي فيما أحل له، وقال الحسن : فيما خصه به من صحة النكاح بلا صداق، وقال الضحاك : من الزيادة على الأربع  سُنَّةَ الله  أي سن الله تعالى ذلك سنة فهو مصدر منصوب بفعل مقدر من لفظه، والجملة مؤكدة لما قبلها من نفي الحرج، وذهب الزمخشري إلى أنه اسم موضوع موضع المصدر كقولهم : ترباً وجندلاً أي رغماً وهواناً وخيبة، وكأنه لم تثبت عنده مصدريته، وقيل منصوب بتقدير الزم ونحوه. 
قال ابن عطية : ويجوز أن يكون نصباً على الإغراء كأنه قيل : فعليه سنة الله. وتعقبه أبو حيان بأنه ليس يجيد لأن عامل الاسم في الإغراء لا يجوز حذفه، وأيضاً تقدير فعليه سنة الله بضمير الغائب لا يجوز إذ لا يغري غائب وقولهم عليه رجلاً ليسني مؤول وهو مع ذلك نادر. واعترض بأن قوله : لأن عامل الاسم في الإغراء لا يجوز حذفه ممنوع، وهو خلاف ما يفهم من كتب النحو وبأن ما ذكره في أمر إغراء الغائب مسلم لكن يمكن توجيهه كما لا يخفى، ثم قيل : إن ظاهر كلام ابن عطية يشعر بأن النصب بتقدير الزم قسيم للنصب على الإغراء وليس كذلك بل هو قسم منه اه فتدبر. 
 فِي الذين خَلَوْاْ  أي مضوا  مِن قَبْلُ  أي من قبلك من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حيث لم يحرج جل شأنه عليهم في الإقدام على ما أحل لهم ووسع عليهم في باب النكاح وغيره وقد كانت تحتهم المهائر والسراري وكانت لداود عليه السلام مائة امرأة وثلاثمائة سرية ولسليمان عليه السلام ثلثمائة امرأة وسبعمائة سرية. 
وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي أنه كان له عليه السلام ألف امرأة، والظاهر أنه عنى بالمرأة ما يقابله السرية ويحتمل أنه أراد بها الأعم فيوافق ما قبله. يروى أن اليهود قاتلهم الله تعالى عابوه وحاشاه من العيب صلى الله عليه وسلم بكثرة النكاح وكثرة الأزواج فرد الله تعالى عليهم بقوله سبحانه : سُنَّةَ الله  الآية. 
وقيل : إنه جل وعلا أشار بذلك إلى ما وقع لداود عليه السلام من تزوجه امرأة أوريا. وأخرج ذلك ابن المنذر. والطبراني عن ابن جريج، واسم تلك الامرأة عنده أليسية وهذا مما لا يلتفت إليه، والقصة عند المحققين لا أصل لها  وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَّقْدُوراً  أي عن قدر أو ذا قدر ووصفه بمقدور نحو وصف الظل بالظليل والليل بالأليل في قولهم ظل ظليل وليل أليل في قصد التأكيد، والمراد بالقدر عند جمع المعنى المشهور للقضاء وهو الإرادة الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه، وجوز كونه بالمعنى المشهور له وهو إيجاد الأشياء على قدر مخصوص وكمية معينة من وجوه المصلحة وغيرها، والمعنى الأول أظهر، والقضاء والقدر يستعمل كل منهما بمعنى الآخر وفسر الأمر بنحو ما فسر به فيما سبق. 
وجوز أن يراد به الأمر الذي هو واحد الأوامر من غير تأويل ويراد أن أتباع أمر الله تعالى المنزل على أنبيائه عليهم السلام والعمل بموجبه لازم مقضي في نفسه أو هو كالمقضي في لزوم إتباعه، ولا يخفى تكلفه، وظاهر كلام الإمام اختيار أن الأمر واحد الأمور وفرق بين القضاء والقدر بما لم نقف عليه لغيره فقال ما حاصله. القضاء ما يكون مقصوداً له تعالى في الأصل والقدر ما يكون تابعاً والخير كله بقضاء وما في العالم من الضرر بقدر كالزنا والقتل ثم بنى على ذلك لطيفة وهو أنه لما قال سبحانه : زوجناكها  \[ الأحزاب : ٣٧ \] ذيله بأمراً مفعولاً لكونه مقصوداً أصلياً وخيراً مقضياً ولما قال جل شأنه : سُنَّةَ الله في الذين خَلَوْاْ  إشارة إلى قصة داود عليه السلام حيث افتتن بامرأة أوريا قال سبحانه : قَدَراً مَّقْدُوراً  لكون الافتتان شراً غير مقصود أصلي من خلق المكلف، وفيه ما فيه، والجملة اعتراض وسط بين الموصولين الجاريين مجرى الواحد للمسارعة إلى تقرير نفي الحرج وتحقيقه.

### الآية 33:39

> ﻿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا [33:39]

الذين يُبَلّغُونَ رسالات الله  صفة للذين خلوا أو هو في محل رفع أو نصب على إضمارهم أو على المدح. 
وقرأ عبد الله  بَلَغُواْ  فعلاً ماضياً، وقرأ أبي  رِسَالَةَ  على التوحيد لجعل الرسالات المتعددة لاتفاقها في الأصول وكونها من الله تعالى بمنزلة شيء واحد وإن اختلفت أحكامها  وَيَخْشَوْنَهُ  أي يخافونه تعالى في كل ما يأتون ويذرون لاسيما في أمر تبليغ الرسالة  وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ الله  في وصفهم بقصرهم الخشية على الله تعالى تعريض بما صدر عنه عليه الصلاة والسلام من الاحتراز عن لائمة الناس من حيث أن إخوانه المرسلين لم تكن سيرتهم التي ينبغي الاقتداء بها ذلك، وهذا كالتأكيد لما تقدم من التصريح في قوله سبحانه : وَتَخْشَى الناس والله أَحَقُّ أَن تخشاه  \[ الأحزاب : ٧ ٣ \] وتوهم بعضهم أن منشأ التعريض توصيف الأنبياء بتبليغ الرسالات وحمل الخشية على الخشية في أمر التبليغ لوقوعها في سياقه وفيه ما لا يخفى  وكفى بالله حَسِيباً  أي كافياً للمخاوف أو محاسباً على الكبائر والصغائر من أفعال القلب والجوارح فلا ينبغي أن يخشى غيره، والإظهار في مقام الإضمار لما في هذا الاسم الجليل ما ليس في الضمير، واستدل بالآية على عدم جواز التقية على الأنبياء عليهم السلام مطلقاً، وخص ذلك بعض الشيعة في تبليغ الرسالة وجعلوا ما وقع منه صلى الله عليه وسلم في هذه القصة المشار إليه بقوله تعالى : وَتَخْشَى الناس والله أَحَقُّ أَن تخشاه  بناء على أن الخشية فيه بمعنى الخوف لا على أن المراد الاستحياء من قول الناس تزوج زوجة ابنه كما قاله ابن فورك من التقية الجائزة حيث لم تكن في تبليغ الرسالة، ولا فرق عندهم بين خوف المقالة القبيحة وإساءة الظن وبين خوف المضار في أن كلا يبيح التقية فيما لا يتعلق بالتبليغ، ولهم في التقية كلام طويل وهي لأغراضهم ظل ظليل، والمتتبع لكتب الفرق يعرف أن قد وقع فيها إفراط وتفريط وصواب وتخليط وإن أهل السنة والجماعة قد سلكوا فيها الطريق الوسط وهو الطريق الأسلم الأمين سالكه من الخطأ والغلط، أما الإفراط فللشيعة حيث جوزوا بل أوجبوا على ما حكى عنهم إظهار الكفر لأدنى مخافة أو طمع، وأما التفريط فللخوارج والزيدية حيث لا يجوزون في مقابلة الدين مراعاة العرض وحفظ النفس والمال أصلاً، وللخوارج تشديدات عجيبة في هذا الباب، وقد سبوا وطعنوا بريدة الأسلمي أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب أنه رضي الله تعالى عنه كان يحافظ فرسه في صلاته خوفاً من أن يهرب. 
ومذهب أهل السنة أن التقية وهي محافظة النفس أو العرض أو المال من نحو الأعداء بإظهار محظور ديني مشروعة في الجملة. 
وقسموا العدو إلى قسمين : الأول : من كانت عداوته مبنية على اختلاف الدين كالمسلم والكافر ويلحق به من كانت عداوته لاختلاف المذهب اختلافاً يجر إلى تكفير أصحاب أحد المذهبين أصحاب المذهب الآخر كأهل السنة والشيعة، والثاني : من كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية كالمال والمرأة » وعلى هذا تكون التقية أيضاً قسمين : أما الأول : فالتقية ممن كانت عداوته مبنية على اختلاف الدين حقيقة أو حكماً وقد ذكروا في ذلك أن من يدعي الإيمان إذا وقع في محل لا يمكن أن يظهر دينه وما هو عليه لتعرض المخالفين وجب عليه أن يهاجر إلى محل يقدر فيه الى الإظهار ولا يجوز له أن يسكن هنالك ويكتم دينه بعذر الاستضعاف فأرض الله تعالى واسعة، نعم إن كان له عذر غير ذلك كالعمى والحبس وتخويف المخالف له بقتله أو قتل ولده أو أبيه أو أمه على أي وجه كان القتل تخويفاً يظن معه وقوع ما خوف به جاز له السكنى والموافقة بقدر الضرورة ووجب عليه السعي في الحيلة للخروج وإن لم يكن التخويف كذلك كالتخويف بفوات المنفعة أو أو بلحوق المشقة التي يمكنه تحملها كالحبس مع القوت والضرب القليل الغير المهلك لا يجوز له الموافقة وإن ترتب على ذلك موته كان شهيداً، وأما الثاني : فالتقية ممن كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية. 
وقد اختلف العلماء في وجوب الهجرة وعدمه فيه فقال بعضهم : تجب الهجرة لوجوب حفظ المال والعرض. 
وقال جمع : لا تجب إذ الهجرة عن ذلك المقام مصلحة من المصالح الدنيوية ولا يعود بتركها نقصان في الدين إذ العدو المؤمن كيفما كان لا يتعرض لعدوه الضعيف المؤمن مثله بالسوء من حيث هو مؤمن. 
وقال بعض الأجلة على طريق المحاكمة : الحق أن الهجرة ههنا قد تجب أيضاً وذلك إذا خاف هلاك نفسه أو أقاربه أو الإفراط في هتك حرمته، وقال إنها مع وجوبها ليست عبادة إذ التحقيق أنه ليس كل واجب عبادة يثاب عليها فإن الأكل عند شدة المجاعة والاحتراز عن المضرات المعلومة أو المظنونة في المرض وعن تناول السمومات في حال الصحة وما أشبه ذلك أمور واجبة ولا يثاب فاعلها عليها اه، وفيه بحث وتمام الكلام في هذا المقام يطلب من زبر العلماء الأعلام، ولعل لنا عودة إن شاء الله تعالى لذكر شيء من ذلك والله تعالى الهادي لسلوك أقوم المسالك. بقى لنا فيما يتعلق بالآية شيء وهو ما قيل : إنه سبحانه وصف المرسلين الخالين عليهم الصلاة والسلام بأنهم لا يخشون أحداً إلا الله وقد أخبر عز وجل عن موسى عليه السلام بأنه قال : إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا  \[ طه : ٥ ٤ \] وهل خوف ذلك إلا خشية غير الله تعالى فما وجه الجمع ؟ قلت : أجيب بأن الخشية أخص من الخوف. 
قال الراغب : الخشية خوف يشوبه تعظيم وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، وذكر في ذلك عدة آيات منها هذه الآية، ونفي الخاص لا يستلزم نفي العام فقد يجتمع مع إثباته، وهذا أولى مما قيل في الجواب من أن الخشية أخص من الخوص لأنها الخوف الشديد والمنفي في الآية ههنا هو ذلك لا مطلق الخوف المثبت فيما حكى عن موسى عليه السلام، وأجاب آخر بأن المراد بالخشية المنفية الخوف الذي يحدث بعد الفكر والنظر وليس من العوارض الطبيعية البشرية، والخوف المثبت هو الخوف العارض بحسب البشرية بادي الرأي وكم قد عرض مثله لموسى عليه السلام ولغيره من إخوانه وهو مما لا نقص فيه كما لا يخفى على كامل ؛ وهو جواب حسن، وقيل : إن موسى عليه السلام ولغيره من إخوانه وهو مما لا نقص فيه كما لا يخفى على كامل ؛ وهو جواب حسن، وقيل : إن موسى عليه السلام إنما خاف أن يعجل فرعون عليه بما يحول بينه وبين اتمام الدعوة وإظهار المعجزة فلا يحصل المقصود من البعثة فهو خوف لله عز وجل، والمراد بما نفى عن المرسلين هو الخوف عنه سبحانه بمعنى أن يخاف غيره جل وعلا فيخل بطاعته أو يقدم على معصيته وأين هذا من ذاك فتأمل تولى الله تعالى هداك.

### الآية 33:40

> ﻿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَٰكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [33:40]

مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ  رد لمنشأ خشيته صلى الله عليه وسلم الناس المعاتب عليها بقوله تعالى : وَتَخْشَى الناس والله أَحَقُّ أَن تخشاه  \[ الأحزاب : ٧ ٣ \] وهو قولهم : إن محمداً عليه الصلاة والسلام تزوج زوجة ابنه زيد بنفي كون زيد ابنه الذي يحرم نكاح زوجته عليه الصلاة والسلام على أبلغ وجه كما ستعرفه قريباً إن شاء الله تعالى، والرجال جمع رجل بضم الجيم كما هو المشهور وسكونه وهو على ما في **«القاموس »** الذكر إذا احتلم وشب أو هو رجل ساعة يولد، وفي بعض ظواهر الآيات والأخبار ما هو مؤيد للثاني نحو قوله تعالى  لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ الولدان والأقربون  \[ النساء : ٧ \] وقوله سبحانه : وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كلالة  \[ النساء : ٢ ١ \] ونحو قوله عليه الصلاة والسلام :" فلأولى رجل ذكر " والبحث الذي ذكره بعض أجلة المتأخرين فيما ذكر من الأمثلة لا يدفع كون الظاهر منها ذلك عند المنصف، وقد يذكر لتأييد الأول قوله تعالى : والمستضعفين مِنَ الرجال والنساء والولدان  \[ النساء : ٥ ٧ \] فإن الرجال فيه للبالغين، وفيه بحث، نعم ظاهر كلام الزمخشري وهو إمام له قدم راسخة في اللغة وغيرها من العلوم العربية يدل على أن الرجل هو الذكر البالغ، وأياً ما كان فإضافة رجال إلى ضمير المخاطبين باعتبار الولاد فإن أريد بالرجال الذكور البالغون فالمعنى ما كان محمد أبا أحد من أبنائكم أيها الناس الذكور البالغين الذين ولدتموهم، وإن أريد بهم الذكور مطلقاً فالمعنى ما كان محمد أبا أحد من أبنائكم الذين ولدتموهم مطلقاً كباراً كانوا أو صغاراً. 
والأب حقيقة لغوية في الوالد على ما يفهم من كلام كثير من اللغويين، والمراد بالأبوة المنفية هنا الأبوة الحقيقية الشرعية التي يترتب عليها أحكام الأبوة الحقيقية اللغوية من الإرث ووجوب النفقة وحرمة المصاهرة سواء كانت بالولادة أو بالرضاع أو بتبني من يولد مثله لمثله وهو مجهول النسب فحيث نفي كونه صلى الله عليه وسلم أبا أحد من رجالهم بأي طريق كانت الأبوة، ومن المعلوم أن زيداً أحد من رجالهم تحقق نفي كونه عليه الصلاة والسلام أبا له مطلقاً، أما كونه صلى الله عليه وسلم ليس أباً له بالولادة فمما لا نزاع فيه ولم يتوهم أحد خلافه، ومثله كونه عليه الصلاة والسلام ليس أبا له بالرضاع، وأما كونه صلى الله عليه وسلم ليس أباً له بالتبني مع تحقق تبنيه عليه الصلاة والسلام فلأن الأبوة بالتبني التي نفيت إنما هي الأبوة الحقيقية الشرعية وما كان من التبني لا يستتبعها لتوقفها شرعاً على شرائط، منها كون المتبني مجهول النسب وذلك منتف في زيد فقد كان معروف النسب فيما بينهم، وقد تقدم لك أنه ابن حارثة، وتعميم نفي أبوته صلى الله عليه وسلم لأحد من رجالهم بحيث شمل نفي الأبوة بالولادة والأبوة بالرضاع والأبوة بالتبني مع أنه كلام في انتفاء الأوليين وإنما الكلام في انتفاء الأخيرة فقط إذ هي التي يزعمها من يقول : تزوج محمد عليه الصلاة والسلام زوجة ابنه للمبالغة في نفي الأبوة بالتبني التي زعموا ترتب أحكام الأبوة الحقيقية عليها بنظم ما خفي في سلك ما لا خفاء فيه أصلاً. 
ولعل هذا هو السر في قوله سبحانه : مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ  دون ما كان محمد أبا أحد من الرجال أو ما كان محمد أبا أحد منكم، ولعله لهذا أيضاً صرح بنفي أبوته صلى الله عليه وسلم لأحد من رجالهم ليعلم منه نفي بنوة أحد من رجالهم له عليه الصلاة والسلام، ولم يعكس الحال بأن يصرح بنفي بنوة أحد من رجالهم له عليه الصلاة والسلام ليعلم نفي أبوته صلى الله عليه وسلم لأحد من رجالهم، ويؤتي بما بعد على وجه ينتظم مع ما قبل وبحمل الأبوة المنفية على الأبوة الحقيقية الشرعية ينحل إشكال في الآية وهو أن سياقها لنفي أبوته عليه الصلاة والسلام لزيد ليرد به على من يعترض على النبي صلى الله عليه وسلم بتزوجه مطلقته فإن أريد بالأبوة الأبوة الحقيقية اللغوية وهي ما يكون بالولادة لم تلائم السياق ولم يحصل بها الرد المذكور مع أن هو المقصود إذ لم يكن أحد يزعم ويتوهم أنه صلى الله عليه وسلم كان أبا زيد بالولادة وإن أريد بها الأبوة المجازية التي تحقق بالتبني ونحوه فنفيها غير صحيح لأنه عليه الصلاة والسلام كان أباً لزيد مجازاً لتبنيه إياه ولم يزل زيد يدعي بابن محمد صلى الله عليه وسلم حتى نزل قوله تعالى : ادعوهم لآبائهم  \[ الأحزاب : ٥ \] فدعوه حينئذ بابن حارثة، ووجه انحلاله بما ذكرنا من أن المراد بالأبوة الأبوة الحقيقية الشرعية أن هذه الأبوة تكون بالولادة وبالرضاع وبالتبني بشرطه وهي بأنواعها غير متحققة في زيد، أما عدم تحققها بالنوعين الأولين فظاهر، وأما عدم تحققها بالنوع الأخير فلأن التبني وإن وقع إلا أن شرطه الذي به يستتبع الأبوة الحقيقية الشرعية مفقود كما علمت، وبجعل إضافة الرجال إلى ضمير المخاطبين باعتبار الولادة يندفع استشكال النفي المذكور بأنه عليه الصلاة والسلام قد ولد له عدة ذكور فكيف يصح النفي لأن من ولد له عليه الصلاة والسلام ليس مضافاً للمخاطبين باعتبار الولادة بل هو مضاف إليه صلى الله عليه وسلم باعتباره، ومن خص الرجال بالبالغين قال : لا ينتقض العموم بذلك لأن جميع من ولد له عليه الصلاة والسلام مات صغيراً ولم يبلغ مبلغ الرجال، وقيل : لا إشكال في ذلك لأنه عليه الصلاة والسلام لم يكن له ابن يوم نزول الآية لأن السورة مدنية نزلت على ما نقل عن ابن الأثير في تاريخ الكامل السنة الخامسة من الهجرة وفيها تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب، ومن ولده له صلى الله عليه وسلم من الذكور ممن عدا إبراهيم فإنما ولد بمكة قبل الهجرة وتوفي فيها، وإبراهيم وإن ولد بالمدينة لكن ولد السنة الثامنة من الهجرة فلم يكن مولوداً يوم النزول بل بعده وهو كما ترى، وكما استشكل النفي بما ذكر استشكل بالحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أباً لهما حقيقة شرعية، ولم يرتض بعضهم هنا الجواب بخروجهما بالإضافة لأن لهما نسبة إلى المخاطبين باعتبار الولادة لدخول علي كرم الله تعالى وجهه فيهم وهما ولداه، وارتضاه آخر بناء على أن الإضافة للاختصاص باعتبار الولادة ولا اختصاص للحسنين بعلي رضي الله تعالى عنهم باعتبارها لما أنهما ولدا رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً لكن بالواسطة. 
فإن قبل هذا فذاك وإلا فالجواب. أما ما قيل من أن المراد بالرجال البالغون ولم يكونا رضي الله تعالى عنهما يوم النزول كذلك فإن الحسن رضي الله تعالى عنه ولد السنة الثالثة من الهجرة والحسين رضي الله تعالى عنه ولد السنة الرابعة منها لخمس خلون من شعبان وقد علقت به أمه عقب ولادة أخيه بخمسين ليلة أو أقل وكان النزول بعد ولادتهما على ما سمعت آنفاً، وأما ما قيل من أن المراد بالأب في الآية الأب الصلب ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن أباهما كذلك فتدبر، وقيل : ليس المراد من الآية سوى نفي أبوته صلى الله عليه وسلم لأحد من الرجال بالتبني لتنتفي أبوته عليه الصلاة والسلام لزيد التي يزعمها المعترض كما يدل عليه سوق الآية الكريمة فكأنه قيل : ما كان محمد أبا أحد من رجالكم كما زعمتم حيث قلتم إنه أبو زيد لتبنيه إياه وهي ساكتة عن نفي أبوته صلى الله عليه وسلم لأحد بالولادة أو بالرضاع وعن إثباتها فلا سؤال بمن ولد له صلى الله عليه وسلم من الذكور ولا بالحسنين رضي الله تعالى عنهم ولا جواب. 
وإلى اختيار هذا يميل كلام أبي حيان والله تعالى أعلم. واستدل بعض الشافعية بهذه الآية على أنه لا يجو أن يقال للنبي عليه الصلاة والسلام أبو المؤمنين حكاه صاحب الروضة ثم قال : ونص الشافعي عليه الرحمة على أنه يجوز أن يقال له صلى الله عليه وسلم أبو المؤمنين أي في الحرمة ونحوها، وقال الراغب بعد أن قال الأب الوالد ما نصه : ويسمى كل من كان سبباً في إيجاد شيء أو إصلاحه أو ظهوره أباً ولذلك سمي النبي صلى الله عليه وسلم أبا المؤمنين قال الله تعالى :
 النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ وأزواجه أمهاتهم  \[ الأحزاب : ٦ \] وفي بعض القراآت  وَهُوَ عَرَّفَهَا لَهُمْ  وروى أنه عليه الصلاة والسلام قال : لعلي كرم الله تعالى وجهه **«أنا وأنت أبوا هذه الأمة »** وإلى هذا أشار صلى الله عليه وسلم بقوله :**«كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي »** اه فلا تغفل، وعلى جواز الإطلاق قالوا : إن قوله تعالى : ولكن رَّسُولَ الله  استدراك من نفي كونه عليه الصلاة والسلام أبا أحد من رجالهم على وجه يقتضي حرمة المصاهرة ونحوها إلى إثبات كونه صلى الله عليه وسلم أباً لكل واحد من الأمة فيما يرجع إلى وجوب التوقير والتعظيم له صلى الله عليه وسلم ووجوب الشفقة والنصيحة لهم عليه الصلاة والسلام فإن كان رسول أب لأمته فيما يرجع إلى ذلك، وحاصله أنه استدراك من نفي الأبوة الحقيقية الشرعية التي يترتب عليها حرمة المصاهرة ونحوها إلى إثبات الأبوة المجازية اللغوية التي هي من شأن الرسول عليه الصلاة والسلام وتقتضي التوقير من جانبهم والشفقة من جانبه صلى الله عليه وسلم وقيل في توجيه الاستدراك أيضاً إنه لما نفيت أبوته صلى الله عليه وسلم لأحد من رجالهم مع اشتهار أن كل رسول أب لأمته ولذا قيل : إن لوطاً عليه السلام عنى بقوله : هَؤُلاء بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ  \[ هود : ٨ ٧ \] المؤمنات من أمته يتوهم نفي رسالته صلى الله عليه وسلم بناء على توهم التلازم بين الأبوة والرسالة فاستدرك بإثبات الرسالة تنبيهاً على أن الأبوة المنفية شيء والمثبتة للرسول شيء آخر، وأما قوله سبحانه : وَخَاتَمَ النبيين  فقد قيل إنه جيء به ليشير إلى كمال نصحه وشفقته صلى الله عليه وسلم فيفيد أن أبوته عليه الصلاة والسلام للأمة المشار إليها بقوله تعالى : ولكن رَّسُولَ الله  أبوة كاملة فوق أبوة سائر الرسول عليهم السلام لأممهم وذلك لأن الرسول الذي يكون بعده رسول ربما لا يبلغ في الشفقة غايتها وفي النصيحة نهايتها اتكالاً على من يأتي بعده كالوالد الحقيقي إذا علم أن لولده بعده من يقوم مقامه، وقيل : إنه جيء به للإشارة إلى امتداد تلك الأبوة المشار إليها بما قبل إلى يوم القيامة فكأنه قيل : مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ  بحيث تثبت بينه وبينه حرمة المصاهرة ولكن كان أبا كل واحد منكم وأبا أبنائكم وأبناء أبنائكم وهكذا إلى يوم القيامة بحيث يجب له عليكم وعلى من تناسل منكم احترامه وتوقيره ويجب عليه لكم ولمن تناسل منكم الشفقة والنصح الكامل، وقيل : إنه جيء به لدفع ما يتوهم من قوله تعالى : مّن رّجَالِكُمْ  من أنه صلى الله عليه وسلم يكون أبا أحد من رجاله الذين ولدوا منه عليه الصلاة والسلام بأن يولد له ذكر فيعيش حتى يبلغ مبلغ الرجال وذلك لأن كونه عليه الصلاة والسلام خاتم النبيين يدل على أنه لا يعيش له ولد ذكر حتى يبلغ لأنه لو بلغ لكان منصبه أن يكون نبياً فلا يكون هو صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين ويراد بالأب عليه الأب الصلب لئلا يعترض بالحسنين رضي الله تعالى عنهما، ودليل الشرطية ما رواه إبراهيم السدي عن أنس قال : كان إبراهيم يعن

### الآية 33:41

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا [33:41]

يا أيها الذين ءامَنُواْ اذكروا الله  بما هو جل وعلا أهله من التعليل والتحميد والتمجيد والتقديس  ذِكْراً كَثِيراً  يعم أغلب الأوقات والأحوال كما قال غير واحد، وعن ابن عباس الذكر الكثير أن لا ينسى جل شأنه، وروي ذلك عن مجاهد أيضاً، وقيل : أن يذكر سبحانه بصفاته العلي وأسمائه الحسنى وينزه عما لا يليق به، وعن مقاتل هو أن يقال : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر على كل حال. وعن العترة الطاهرة رضي الله تعالى عنهم من قال ذلك ثلاثين مرة فقد ذكر الله تعالى ذكراً كثيراً، وفي مجمع البيان عن الواحدي بسنده إلى الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس قال : جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم عدد ما علم وزنة ما علم وملء ما علم فإنه من قالها كتب له بها ست خصال كتب من الذاكرين الله تعالى كثيراً وكان أفضل من ذكره بالليل والنهار وكن له غرساً في الجنة وتحاتت عنه خطاياه كما تحات ورق الشجرة اليابسة وينظر الله تعالى إليه ومن نظر الله تعالى إليه لم يعذبه كذا رأيته في مدونة فلا تغفل، وقال بعضهم : مرجع الكثرة العرف.

### الآية 33:42

> ﻿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [33:42]

وَسَبّحُوهُ  ونزهوه سبحانه عما لا يليق به  بُكْرَةً وَأَصِيلاً  أي أول النهار وآخره، وتخصيصهما بالذكر ليس لقصر التسبيح عليهما دون سائر الأوقات بل لانافة ففضلهما على سائر الأوقات لكونهما تحضرهما ملائكة الليل والنهار وتلتقي فيهما كإفراد التسبيح من بين الأذكار مع اندراجه فيها لكونه العمدة بينها، وقيل : كلا الأمرين متوجه إليهما كقولك : صم وصل يوم الجمعة، وبتفسير الذكر الكثير بما يعم أغلب الأوقات لا تبقى حاجة إلى تعلقهما بالأول وعن ابن عباس أن المراد بالتسبيح الصلاة أي بإطلاق الجزء على الكل والتسبيح بكرة صلاة الفجر والتسبيح أصيلاً صلاة العشاء، وعن قتادة نحو ما روي عن ابن عباس إلا أنه قال : أشار بهذين الوقتين إلى صلاة الغداة وصلاة العصر وهو أظهر مما روي عن الحبر. وتعقب ما روي عنهما بأن فيه تجوزاً من غير ضرورة، وقد يقال : إن التسبيح على حقيقته لكن التسبيح بكرة بالصلاة فيها والتسبيح أصيلاً بالصلاة فيه فتأمل. 
وجوز أن يكون المراد بالذكر المأمور به تكثير الطاعات والإقبال عليها فإن كل طاعة من جملة الذكر ثم خص من ذلك التسبيح بكرة وأصيلاً أي الصلاة في جميع أوقاتها أو صلاة الفجر والعصر أو الفجر والعشاء لفضل الصلاة على غيرها من الطاعات البدنية، ولا يخفى بعده.

### الآية 33:43

> ﻿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [33:43]

هُوَ الذي يُصَلّى عَلَيْكُمْ  الخ استئناف جار مجرى التعليل لما قبله من الأمرين  وملائكته  عطف على الضمير في  يُصَلّى  لمكان الفصل المغنى عن التأكيد بالمنصل لا على  هُوَ  والصلاة في المشهور وروي ذلك عن ابن عباس من الله تعالى رحمة ومن الملائكة استغفار ومن مؤمني الإنس والجن دعاء، ويجوز على رأي من يجوز استعمال اللفظ في معنيين أن يراد بالصلاة هنا المعنيان الأولان فيراد بها أولاً الرحمة وثانياً الاستغفار، ومن لا يجوز كأصحابنا يقول بعموم المجاز بأن يراد بالصلاة معنى مجازي عام يكون كلا المعنيين فرداً حقيقياً له وهو إما الاعتناء بما فيه خير المخاطبين وصلاح أمرهم فإن كلا من الرحمة والاستغفار فرد حقيقي له وهذا المجاز من الصلاة بمعنى الدعاء وهو إما استعارة لأن الاعتناء يشبه الدعاء لمقارنة كل منهما لإرادة الخير والأمر المحبوب أو مجاز مرسل لأن الدعاء مسبب عن الاعتناء وأما الترحم والانعطاف المعنوي المأخوذ من الصلاة المعروفة المشتملة على الانعطاف الصوري الذي هو الركوع والسجود، ولا ريب في أن استغفار الملائكة عليهما السلام ودعاءهم للمؤمنين ترحم عليهم، وأما أن ذلك سبب للرحمة لكونهم مجابي الدعوة كما قيل ففيه بحث، ورجح جعل المعنى العام ما ذكر بأنه أقرب لما بعد فإنه نص عليه فيه بقوله تعالى : وَكَانَ بالمؤمنين رَحِيماً  فدل على أن المراد بالصلاة الرحمة. واعترض بأن رحم متعد وصلى قاصر فلا يحسن تفسيره به، وبأنه يستلزم جواز رحم عليه، وبأنه تعالى غاير بينهما بقوله سبحانه : أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صلوات مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ  \[ البقرة : ١٥٧ \] للعطف الظاهر في المغايرة. وأجيب بأنه ليس المراد بتفسير صلى برحم إلا بيان أن المعنى الموضوع له صلى هو الموضوع له رحم مع قطع النظر عن معنى التعدي واللزوم فإن الرديفين قد يختلفان في ذلك وهو غير ضار فزعم أن ذلك لا يحسن وأنه يلزم جواز رحم عليه ليس في محله على أنه يحسن تعدية صلى بعلي دون رحم لما في الأول من ظهور معنى التحنن والتعطف والعطف لأن الصلاة رحمة خاصة ويكفي هذا القدر من المغايرة، وقيل : إن تعدد الفاعل صير الفعل كالمتعدد فكأن الرحمة مرادة من لفظ والاستغفار مراد من آخر فلا حاجة إلى القول بعموم المجاز وليس هناك استعمال لفظ واحد حقيقة وحكماً في معنيين وهو كما ترى، ومثله كون  \*ملائكته  مبتدأ خبره محذوف لدلالة ما قبل عليه كأنه قيل هو الذي يصلي عليكم وملائكته يصلون عليكم فهناك لفظان حقيقة كل منهما بمعنى، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يزيدك علماً بأمر الصلاة، وسبب نزول الآية ما أخرجه عبد بن حميد. 
وابن المنذر قال : لما نزلت  إِنَّ الله وملائكته يُصَلُّونَ عَلَى النبي  \[ الأحزاب : ٥٦ \] قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه : ما أنزل الله تعالى عليك خيراً إلا أشركنا فيه فنزلت : هُوَ الذي يُصَلّى عَلَيْكُمْ وملائكته لِيُخْرِجَكُمْ مّنَ الظلمات إِلَى النور  أي من ظلمات المعاصي إلى نور الطاعة، وقال الطبرسي : من الجهل بالله تعالى إلى معرفته عز وجل فإن الجهل أشبه شيء بالظلمة والمعرفة أشبه شيء بالنور ؛ وقال ابن زيد : أي من الضلالة إلى الهدى، وقال مقاتل : من الكفر إلى الإيمان، وقيل : من النار إلى الجنة حكاه الماوردي، وقيل : من القبور إلى البعث حكاه أبو حيان وليس بشيء، واللام متعلقة بيصلي أي يعتني بكم هو سبحانه وملائكته ليخرجكم أو يترحم هو عز وجل وملائكته ليخرجكم بذلك من الظلمات إلى النور  وَكَانَ بالمؤمنين رَحِيماً  اعتراض مقرر لمضمون ما قبله أي كان سبحانه بكافة المؤمنين الذين أنتم من زمرتهم كامل الرحمة ولذا يفعل بكم ما يفعل بالذات وبالواسطة أو كان بكم رحيماً على أن المؤمنين مظهر وضع موضع المضمر مدحاً لهم وإشعاراً بعلة الرحمة.

### الآية 33:44

> ﻿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ ۚ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا [33:44]

وقوله تعالى : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سلام  بيان للأحكام الآجلة لرحمته تعالى بهم بعد بيان آثارها العاجلة من الإخراج المذكور، والتحية أن يقال : حياك الله أي جعل لك حياة وذلك إخبار ثم يجعل دعاء، ويقال حيا فلان تحية إذا قال له ذلك، وأصل هذا اللفظ من الحياة ثم جعل كل دعاء تحية لكون جميعه غير خارج عن حصول الحياة أو سبب حياة إما لدنيا أو لآخرة. 
وهو هنا مصدر مضاف إلى المفعول وقع مبتدأ و  سلام  مراداً به لفظه خبره، والمراد ما يحييهم الله تعالى به ويقوله لهم يوم يلقونه سبحانه ويدخلون دار كرامته سلام أي هذا اللفظ. روي أن الله تعالى يقول : سلام عليكم عبادي أنا عنكم راض فهل أنتم عني راضون فيقولون : بأجمعهم يا ربنا إنا راضون كل الرضا. وورد أن الله تعالى يقول : السلام عليكم مرحباً بعبادي المؤمنين الذين أرضوني في دار الدنيا باتباع أمري، وقيل : تحييهم الملائكة عليهم السلام بذلك إذا دخلوا الجنة كما قال تعالى : والملائكة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ سلام عَلَيْكُمُ  \[ الرعد : ٢٣و٢٤ \]. 
وقيل : تحييهم عند الخروج من القبور فيسلمون عليهم ويبشرونهم بالجنة، وقيل عند الموت. 
وروي عن ابن مسعود أنه قال : إذا جاء ملك الموت لقبض روح المؤمن قال : ربك يقرئك السلام، قيل : فعلى هذا الهاء في  يَلْقَوْنَهُ  كناية عن غير مذكور وهو ملك الموت، ولا ضرورة تدعو لذلك إذ لا مانع من أن يكون الضمير لله تعالى عليه كما هو كذلك على الأقوال الأخر جميعها. ولقاء الله تعالى على ما أشار إليه الإمام عبارة عن الإقبال عليه تعالى بالكلية بحيث لا يعرض للشخص ما يشغله ويلهيه أو يوجب غفلته عنه عز وجل ويكون ذلك عند دخول الجنة وفيها وعند البعث وعند الموت. 
وقال الراغب : ملاقاة الله تعالى عبارة عن القيامة وعن المصير إليه عز وجل، وقال الطبرسي : هي ملاقاة ثوابه تعالى وهو غير ظاهر على جميع الأقوال السابقة بل ظاهر على بعضها كما لا يخفى، وعن قتادة في الآية أنهم يوم دخولهم الجنة يحيى بعضهم بعضاً بالسلام أي سلمنا وسلمت من كل مخوف، والتحية عليه على ما قال الخفاجي مصدر مضاف للفاعل. وفي البحر هي عليه مصدر مضاف للمحيي والمحيي لا على جهة العمل لأن الضمير الواحد لا يكون فاعلاً مفعولاً ولكنه كقوله تعالى : وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهدين  \[ الأنبياء : ٧٨ \] أي للحكم الذي جرى بينهم. 
وكذا يقال هنا التحية الجارية بينهم هي سلام، وقول المحيي في ذلك اليوم سلام اخبار لادعاء لأنه أبلغ على ما قيل فتدبر، وأخرى الأقوال بالقبول عندي أن الله تعالى يسلم عليهما يوم يلقونه إكراماً لهم وتعظيماً. 
 وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً  أي وهيأ عز وجل لهم ثواباً حسناً، والظاهر أن التهيئة واقعة قبل دخول الجنة والتحية ولذا لم تخرج الجملة مخرج ما قبلها بأن يقال وأجرهم أجر كريم أي ولهم أجر كريم، وقيل : هي بعد الدخول والتحية فالكلام بيان لآثار رحمته تعالى الفائضة عليهم بعد دخول الجنة عقيب بيان آثار رحمته الواصلة إليهم قبل ذلك، ولعل إيثار الجملة الفعلية على الاسمية المناسبة لما قبلها للمبالغة في الترغيب والتشويق إلى الموعود ببيان أن الأمر الذي هو المقصد الأقصى من بين سائر آثار الرحمة موجود بالفعل مهيأ لهم مع ما فيه من مراعاة الفواصل.

### الآية 33:45

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [33:45]

يا أيها النبي إِنَّا أرسلناك شاهدا  على من بعثت إليهم تراقب أحوالهم وتشاهد اعمالهم وتتحمل عنهم الشهادة بما صدر عنهم من التصديق والتكذيب وسائر ما هم عليه من الهدى والضلال وتؤديها يوم القيامة أداء مقبولاً فيما لهم وما عليهم، وهو حال مقدرة وإن اعتبر الإرسال أمراً ممتداً لاعتبار التحمل والآداء في الشهادة، والإرسال بذلك الاعتبار وإن قارن التحمل إلا أنه غير مقارن للأداء وإن اعتبر الامتداد. 
وقيل : بإطلاق الشهادة على التحمل فقط تكون الحال مقارنة والأحوال المذكورة بعد على اعتبار الامتداد مقارنة، ولك أن لا تعتبره أصلاً فتكون الأحوال كلها مقدرة، ثم أن تحمل الشهادة على من عاصره صلى الله عليه وسلم واطلع على عمله أمر ظاهر، وأما تحملها على من بعده بأعيانهم فإن كان مراداً أيضاً ففيه خفاء لأن ظاهر الأخبار أنه عليه الصلاة والسلام لا يعرف أعمال من بعده بأعيانهم، وروي أبو بكر. وأنس. وحذيفة. وسمرة. وأبو الدرداء عنه صلى الله عليه وسلم ليردن على ناس من أصحابي الحوض حتى إذا رأيتهم وعرفتهم اختلجوا دوني فأقول : يا رب أصيحابي أصيحابي فيقال لي : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. نعم قد يقال : إنه عليه الصلاة والسلام يعلم بطاعات ومعاص تقع بعده من أمته لكن لا يعلم أعيان الطائعين والعاصين، وبهذا يجمع بين الحديث المذكور وحديث عرض الأعمال عليه صلى الله عليه وسلم كل أسبوع أو أكثر أو أقل، وقيل : يجمع بأنه عليه الصلاة والسلام يعلم الأعيان أيضاً إلا أنه نسى فقال : أصيحابي، ولتعظيم قبح ما أحدثوا قيل له : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، وقيل : يعرض ما عدا الكفر وهو كما ترى، وأما زعم أن التحمل على من بعده إلى يوم القيامة لما أنه صلى الله عليه وسلم حي بروحه وجسده يسير حيث شاء في أقطار الأرض والملكوت فمبني على ما علمت حاله، ولعل في هذين الخبرين ما يأباه كما لا يخفى على المتدبر، وأشار بعض السادة الصوفية إلى أن الله تعالى قد أطلعه صلى الله عليه وسلم على أعمال العباد فنظر إليها ولذلك أطلق عليه عليه الصلاة والسلام شاهد. قال مولانا جلال الدين الرومي قدس سره العزيز في مثنويه :در نظر بودش مقامات العباد  زان سبب نامش خدا شاهد نهادفتأمل ولا تغفل، وقيل : المراد شاهداً على جميع الأمم يوم القيامة بأن أنبيائهم قد بلغوهم الرسالة ودعوهم إلى الله تعالى، وشهادته بذلك لما علمه من كتابه المجيد، وقيل : المراد شاهداً بأن لا إله إلا الله  وَمُبَشّراً  تبشر الطائعين بالجنة  وَنَذِيرًا  تنذر الكافرين والعاصين بالنار، ولعموم الإنذار وخصوص التبشير قيل : مبشراً ونذيراً على صيغة المبالغة دون ومنذراً مع أن ظاهر عطفه على  مُبَشّرًا  يقتضي ذلك وقدم التبشير لشرف المبشرين ولأنه المقصود الأصلي إذ هو صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين وكأنه لهذا جبر ما فاته من المبالغة بقوله تعالى : وَبَشّرِ المؤمنين  \[ الأحزاب : ٤٧ \].

### الآية 33:46

> ﻿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا [33:46]

وَدَاعِياً إِلَى الله  أي إلى الإقرار به سبحانه وبوحدانيته وبسائر ما يجب الإيمان به من صفاته وأفعاله عز وجل، ولعل هذا هو مراد ابن عباس. وقتادة من قولهما أي شهادة أن لا إله إلا الله  بِإِذْنِهِ  أي بتسهيله وتيسيره تعالى، وأطلق الاذن على التسهيل مجازاً لما أنه من أسبابه لاسيما الإذن من الله عز وجل ولم يحمل على حقيقته وإن صح هنا أن يأذن الله تعالى شأنه له عليه الصلاة والسلام حقيقة في الدعوة لأنه قد فهم من قوله سبحانه : إنا أرسلناك داعياً أنه صلى الله عليه وسلم مأذون له في الدعوة، ومما ذكر يعلم أن  بِإِذْنِهِ  من متعلقات داعياً، وقيدت الدعوة بذلك إيذاناً بأنها أمر صعب المنال وخطب في غاية الأعضال لا يتأتى إلا بإمداد من جناب قدمه كيف لا وهو صرف للوجوه عن القبل المعبودة وادخال للأَعناق في قلادة غير معهودة، وجوز رجوع القيد للجميع والأول أظهر  وَسِرَاجاً مُّنِيراً  بستضيء به الضالون في ظلمات الجهل والغواية ويقتبس من نوره أنوار المهتدين إلى مناهج الرشد والهداية، وهو تشبيه إما مركب عقلي أو تمثيلي منتزع من عدة أمور أو مفرق، وبولغ في الوصف بالإنارة لأن من السرج ما لا يضيء إذا قل سليطه ودقت فتيلته. 
وقال الزجاج : هو معطوف على شاهداً بتقدير مضاف أي ذا سراح منير، وقال الفراء : إن شئت كان نصباً على معنى وتاليا سراجاً منيراً، وعليهما السراح المنير القرآن، وإذا فسر بذلك احتمل على ما قيل أن يعطف على كاف  أرسلناك  على معنى أرسلناك والقرآن إما على سبيل التبعية وإما من باب متقلداً سيفاً ورمحاً، وقيل : إنه على تقدير تالياً سراجاً يجوز هذا العطف أي إنا أرسلناك وتالياً سراجاً كقوله تعالى : يَتْلُو صَفْحاً مُّطَهَّرَةٍ  \[ البينة : ٢ \] على أنه الجامع بين الآمرين على نحو  وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى وهارون الفرقان وَضِيَاء  \[ الأنبياء : ٨ ٤ \] أي أرسلنا بإرسالك تالياً. 
وجوز أن يراد وجعلناك تالياً، وقيل : يجوز أن يراد بذا سراج القرآن وحينئذ يكون التقدير إنا أرسلناك وأنزلنا عليك ذا سراح. وتعقب بأن جعل القرآن ذا سراج تعسف، والحق أن كل ما قيل كذلك.

### الآية 33:47

> ﻿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا [33:47]

وَبَشّرِ المؤمنين  عطف على مقدر يقتضيه المقام ويستدعيه النظام كأنه قيل : فراقب أحوال الناس وبشر المؤمنين. وجوز عطفه على الخبر السابق عطف القصة على القصة، وقيل : هو معطوف عليه ويجعل في معنى الأمر لأنه في معنى ادعهم شاهداً ومبشراً ونذيراً الخ وبشر المؤمنين منهم  بِأَنَّ لَهُمْ مّنَ الله فَضْلاً كِبِيراً  أي عطاء جزيلاً وهو كما روي عن الحسن. وقتادة الجنة وما أوتوا فيها ويؤيده قوله تعالى : والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فِى روضات الجنات لَهُمْ مَّا يَشَاءونَ عِندَ رَبّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير  \[ الشورى : ٢٢ \] وقيل : المعنى فضلاً على سائر الأمم في الرتبة والشرف أو زيادة على أجور أعمالهم بطريق التفضيل والإحسان. 
أخرج ابن جرير وابن عكرمة عن الحسن قال : لما نزل  لّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ  \[ الفتح : ٢ \] قالوا : يا رسول الله قد علمنا ما يفعل بك فماذا يفعل بنا ؟ فأنزل الله تعالى : وَبَشّرِ المؤمنين بِأَنَّ لَهُمْ مّنَ الله فَضْلاً كِبِيراً .

### الآية 33:48

> ﻿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا [33:48]

وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين  نهى عن مداراتهم في أمر الدعوة ولين الجانب في التبليغ والمسامحة في الإنذاء كني عن ذلك بالنهي عن طاعتهم مبالغة في النهي والتنفير عن المنهى عنه بنظمها في سلكها وتصويره بصورتها، وحمل غير واحد النهي على التهييج والإلهاب من حيث أنه صلى الله عليه وسلم لم يطعهم حتى ينهى، وجعله بعضهم من باب إياك أعني واسمعي يا جارة فلا تغفل. 
 وَدَعْ أَذَاهُمْ  أي لا تبال بإيذائهم إياك بسبب إنذارك إياهم وأصبر على ما ينالك منهم قاله قتادة فأذاهم مصدر مضاف للفاعل، وقال أبو حيان : الظاهر أنه مصدر مضاف للمفعول لما نهي صلى الله عليه وسلم عن طاعتهم أمر بترك إيذائهم وعقوبتهم ونسخ منه ما يخص الكافرين بآية السيف وروي نحوه عن مجاهد. والكلبي والأولى أولى  وَتَوَكَّلْ عَلَى الله  في كل ما تأتي وتذر من الشؤون التي من جملتها هذا الشأن فإنه عز وجل يكفيهم  وكفى بالله وَكِيلاً  موكولاً إليه الأمور في كل الأحوال، وإظهار الاسم الجليل في موقع الاضمار لتعليل الحكم وتأكيد استقلال الاعتراض التذييلي ولما وصف : صلى الله عليه وسلم بنعوت خمسة قوبل كل واحد منها بخطاب يناسبه خلا أنه لم يذكر ما قابل الشاهد صريحاً وهو الأمر بالمراقبة ثقة بظهور دلالة المبشر عليه وهو الأمر بالتبشير حسبما ذكر آنفاً وقابل النذير بالنهي عن مداراة الكافرين والمنافقين والمسامحة في إنذارهم وقوبل الداعي بإذنه بالأمر بالتوكل عليه من حيث أنه عبارة عن الاستمداد منه تعالى والاستعانة به عز وجل وقوبل السراج المنير بالاكتفاء به تعالى فإن من أيده الله تعالى بالقوة القدسية ورشحه للنبوة وجعله برهاناً نيراً يهدي الخلق من ظلمات الغي إلى نور الرشاد حقيق بأن يكتفي به تعالى عمن سواه، وجعل الزمخشري مقابل الشاهد  وبشر المؤمنين  \[ الأحزاب : ٤٧ \] ومقابل الاعراض عن الكافرين والمنافقين المبشر أعني المؤمنين وتكلف في ذلك. 
وقال الطيبي طيب الله تعالى ثراه : نظير هذه الآية ما روى البخاري : والإمام أحمد عن عطاء بن يسار قال : لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت : أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة قال : والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وحرزاً للمؤمنين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح ولن يقبضه الله تعالى حتى يقيم به الملة العوجاء ويفتح به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفا، وروي الدارمي نحوه عن عبد الله بن سلام فقوله : حرزاً للمؤمنين مقابل لقوله تعالى : وَدَاعِياً إِلَى الله بِإِذْنِهِ  \[ الأحزاب : ٦ ٤ \] فإن دعوته صلى الله عليه وسلم إنما حصلت فائدتها فيمن وفقه الله تعالى : بتيسيره وتسهيله فلذلك أمنوا من مكاره الدنيا وشدائد الآخرة فكان صلوات الله تعالى وسلامه عليه بهذا الاعتبار حرزاً لهم، وقوله سميتك المتوكل الخ مقابل لقوله : وَسِرَاجاً مُّنِيراً  \[ الأحزاب : ٦ ٤ \] فعلم أن قوله تعالى : وَتَوَكَّلْ عَلَى الله وكفى بالله وَكِيلاً  مناسب لقوله تعالى : وَسِرَاجاً مُّنِيراً  فإن السراج مضيء في نفسه ومنور لغيره فبكونه متوكلاً على الله تعالى يكون كاملاً في نفسه فهو مناسب بقوله : أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل إلى قوله : يعفو ويصفح وكونه منيراً يفيض الله تعالى عليه يكون مكملاً لغيره وهو مناسب لقوله : حتى يقيم به الملة العوجاء الخ ثم قال : ويمكن أن ينزل المراتب على لسان أهل العرفان فقوله تعالى : إِنَّا أرسلناك شَاهِداً وَمُبَشّراً وَنَذِيراً  \[ الأحزاب : ٥ ٤ \] هو مقام الشريعة ودعوة الناس إلى الإيمان وترك الكفرة ونتيجة الأعراض عما سوى الله تعالى والأخذ في السير والسلوك والالتجاء إلى حريم لطفه تعالى والتوكل عليه عز وجل وقوله، سبحانه : وَسِرَاجاً مُّنِيراً  هو مقام الحقيقة ونتيجته فناء السالك وقيامه بقيوميته تعالى اه، ولا يخفى تكلف ما قرره في الحديث والله تعالى أعلم بمراده.

### الآية 33:49

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ۖ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [33:49]

يا أيها الذين ءامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا  عود إلى ذكر النساء، والنكاح هنا العقد بالاتفاق واختلفوا في مفهومه لغة فقيل هو مشترك بين الوطء والعقد اشتراكاً لفظياً، وقيل : حقيقة في العقد مجاز في الوطء، وقيل : بقلبه وقيل هو مشترك بينهما اشتراكاً معنوياً وهو من أفراد المشكل وحقيقته الضم والجمع كما في قوله :ضممت إلى صدري معطر صدرها  كما نكحت أم الغلام صبيهاونقل المبرد ذلك عن البصريين. وغلام ثعلب الشيخ عمر والزاهد عن الكوفيين، ثم المتبادر من لفظ الضم تعلقه بالأجسام لا الأقوال لأنها أعراض يتلاشى الأول منها قبل وجود الثاني فلا يصادف الثاني ما ينضم إليه وهذا يقتضي كونه مجازاً في العقد، وإن اعتبر الضم أعم من ضم الجسم إلى الجسم والقول إلى القول جاز أن يكون النكاح حقيقة في كل من الوطء والعقد وجاز أن يكون مجازاً على التفصيل المعروف في استعمال العام في كل فرد من أفراده، واختار الراغب القول الثاني من الأقوال السابقة وبالغ في عدم قبول الثالث : فقال هو حقيقة في العقد ثم استعير للجماع ومحال أن يكون في الأصل للجماع ثم استعير للعقد لأن أسماء الجماع كلها كنايات لاستقباحهم ذكره كاستقباح تعاطيه ومحال أن يستعير من لا يقصد فحشاً اسم ما يستفظعونه لما يستحسنه. 
واختار الزمخشري الثالث فقال : النكاح الوطء وتسمية العقد نكاحاً لملابسته له من حيث أنه طريق له ونظيره تسمية الخمر إثماً لأنها سبب في اقتراف الاثم، ولم يرد لفظ النكاح في كتاب الله تعالى إلا في معنى العقد لأنه في حق الوطء من باب التصريح به ومن آداب القرآن الكناية عنه بلفظ الملامسة والمماسسة والقربان والتغشي والاتيان، وأراد على ما قيل إنه في العقد حقيقة شرعية منسى فيه المعنى اللغوي، وبحث في قوله لم يرد لفظ النكاح في كتاب الله تعالى إلا في معنى العقد بأنه في قوله تعالى : حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ  \[ البقرة : ٠ ٣ ٢ \] بمعنى الوطء وهذا ما عليه الجمهور وخالف في ذلك ابن المسيب، وتمام الكلام في موضعه، والمس في الأصل معروف وكنى به هنا عن الجماع، والعدة هي الشيء المعدود وعدة المرأة المراد بها الأيام التي بانقضائها يحل لها التزوج أي يا أيها الذين آمنوا إذا عقدتم على المؤمنات وتزوجتموهن ثم طلقتموهن من قبل أن تجامعوهن فما لكم عليهن من عدة بإيام يتربصن فيها بأنفسهن تستوفون عددها على أن تعتدون مطاوع عد يقال عد الدراهم فاعتدها أي استوفى عددها نحو قولك كلته فأكتلته ووزنته فأتزنته أو تعدونها على أن افتعل بمعنى فعل، وإسناد الفعل إلى الرجال للدلالة على أن العدة حق الأزواج كما أشعر به قوله تعالى : فَمَا لَكُمْ  واعترض بأن المذكور في كتب الفروع كالهداية وغيرها أنها حق الشرع ولذا لا تسقط لو اسقطها الزوج ولا يحل لها الخروج ولو أذن لها وتتداخل العدتان ولا تداخل في حق العبد وحق الولد أيضاً ولذا قال صلى الله عليه وسلم
**«لا يحل لامرئ مؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقى ماءه زرع غيره »** وفرعوا على ذلك أنهما لا يصدقان في إبطالها باتفاقهما على عدم الوطء. 
وأجيب بأنه ليس المراد أنها صرف حقهم بل أن نفعها وفائدتها عائدة عليهم لأنها لصيانة مياههم والأنساب الراجعة إليهم فلا ينافي أن يكون للشرع والولد حق فيها يمنع إسقاطها ولو فرض أنها صرف حقهم يجوز أن يقال : إن عدم سقوطها بإسقاطهم لا ينافي ذلك إلا إذا ثبت أن كل حق للعبد إذا أسقطه العبد سقط وليس كذلك فإن بعض حقوق العبد لا تسقط بإسقاطه كالإرث وحق الرجوع الهبة وخيار الرؤية، ثم أن في الاستدلال بالحديث على أنها حق الولد تأملاً كما لا يخفى، وتخصيص المؤمنات من عموم الحكم للكتابيان للتنبيه على أن المؤمن شأنه أن يتخير لنطفته ولا ينكح إلا مؤمنة، وحاصله أنه لبيان الأخرى والأليق بعد ما فصل في البقرة نكاح الكتابيات، وفائدة المجيء بثم مع أن الحكم ثابت لمن تزوج امرأة وطلقها على الفور كثبوته لمن تزوجها وطلقها بعد مدة مديدة إزاحة ما عسى يتوهم أن تراخى الطلاق له ودخل في إيجاب العدة لاحتمال الملاقاة والجماع سراً كما أن له دخلاً في النسب، ويمكن أن تكون الإشارة إلى التراخي الرتبى فإن الطلاق وإن كان مباحاً لا كراهة فيه على ما قيل لقوله تعالى : لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النساء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ  \[ البقرة : ٦ ٢٣ \] غير محبوب كالنكاح من حيث أنه يؤدي إلى قطع الوصلة وحل قيد العصمة المؤدي لقلة التناسل الذي به تكثر الأمة ولهذا ورد كما أخرج أبو داود. وابن ماجه. والحاكم. والطبراني. وابن عدي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً **«أبغض الحلال إلى الله الطلاق »** ورواه البيهقي مرسلاً بدون ابن عمر بل قال العلامة ابن الهمام : الأصح حظره وكراهته إلا لحاجة لما فيه من كفران نعمة النكاح وللأخبار الدالة على ذلك، ويحمل لفظ المباح في الخبر المذكور على ما أبيح في بعض الأوقات أعني أوقات تحقق الحاجة المبيحة وهو ظاهر في رواية لأبي داود ما أحل الله شيئاً أبغض إليه من الطلاق، والفعل لا عموم له في الأزمان والحاجة المبيحة الكبر والريبة مثلاً وعدوا من المبيح عدم اشتهائها بحيث يعجز أو يتضرر بإكراهه نفسه على جماعها مع عدم رضاها بإقامتها في عصمته من غير وطء أو قسم. 
وأما ما روى عن الحسن السبط رضي الله تعالى عنه وكان قبل له في كثرة تزوجه وطلاقه فقال : أحب الغناء فقد قال تعالى : وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ الله كُلاًّ مّن سَعَتِهِ  \[ النساء : ١٣٠ \] فهو رأي منه إن كان على ظاهره، وكل ما نقل عن طلاق الصحابة رضي الله تعالى عنهم فمحمله وجود الحاجة، وظاهر الآية يقتضي عدم وجوب العدة بمجرد الخلوة لأنه سبحانه نفي فيها وجوب العدة إذا طلقت قبل الجماع والخلوة ليست جماعاً وهي عندنا إذا كانت صحيحة على الوجه المبين في كتب الفروع كالجماع في وجوب العدة فتجب فيه العدة احتياطاً لتوهم الشغل نظراً إلى التمكن الحقيقي بل قالوا هو مثله في جميع أحكامه سوى عشرة نظمها أفضل من عاصرناه من الفقهاء الشيخ محمد الأمين الشامي الشهير بابن عابدين بقوله :وخلوته كالوطء في غير عشرة  مطالبة بالوطء إحصان تحليلوفيء وارث رجعة فقد عنة  وتحريم بنت عقد بكر وتغسيلوظاهر قولهم بوجوب العدة فيها أنها واجبها قضاء وديانة. وفي **«الفتح »** قال العتابي : تكلم مشايخنا في العدة الواجبة بالخلوة الصحيحة أنها واجبة ظاهراً أو حقيقة فقيل : لو تزوجت وهي متيقنة بعدم الدخول حل لها ديانة لا قضاء اه، ولم يتعقبه بشيء وذكره سعدي جلبي في **«حواشي البيضاوي »** وقال : ينبغي أن يكون التعويل على هذا القول. وتعقب ذلك الشهاب الخفاجي بأنه وإن نقله فقهاؤنا فقد صرحوا بأنه لا يعول عليه ونحو لم نر هذا التصريح فليتتبع، ثم لا يخفى أن عدم وجوب العدة في الطلاق بعد الخلوة مما يعد منطوقاً صريحاً في الآية إذا فسر المس بالجماع وليس من باب المفهوم حتى يقال : إنا لا نقول به كما يتوهم فلا بد لإثبات وجوب العدة في ذلك من دليل. ومن الناس من حمل المس فيها على الخلوة إطلاقاً لاسم المسبب على السبب إذا المس مسبب عن الخلوة عادة، واعترض بأنه لم يشتهر المس بمعنى الخلوة ولا قرينة في الكلام على إرادته منه، وأيضاً يلزم عليه أنه لو طلقا وقد وطئها بحضرة الناس عدم وجوب العدة لأنه قد طلقها قبل الخلوة. وأجيب عن هذا بأن وجوب العدة في ذلك بالاجماع، وبأن العدة إذا وجبت في الطلاق بمجرد الخلوة كانت واجبة فيه بالجماع من باب أولى وكيف لا تجب به ووجوبها بالخلوة لاحتمال وقوعه فيها لا لذاتها، وقيل : إن المس لما لم يرد ظاهره وإلا لزمت العدة فيما لو طلقها بعد أن مسها بيده في غير خلوة مع أنها لا تلزم في ذلك بلا خلاف علم أنه كني به عن معنى آخر من لوازم الاتصال فهو الجماع وما في معناه من الخلوة الصحيحة، وفيه نظر لأن عدم صحة إرادة ظاهرة لا يوجب إرادة ما يعم الجماع والخلوة لم لا يجوز إرادة الجماع ويرجحها شهرة الكناية بذلك ونحوه عن الجماع، وإطلاقه عليه إما من إطلاق اسم السبب على المسبب أو من إطلاق اسم المطلق على أخص بخوصه وهو الأوجه على ما ذكره العلامة ابن الهمام، وبالجملة القول بأن ظاهر الآية يقتضي عدم وجوب العدة بمجرد الخلوة قول متين وحق مبين فتأمل. 
وفي **«البحر »** لأبي حيان الظاهر أن المطلقة إذا راجعها زوجها قبل أن تنقضي عدتها ثم فارقها قبل أن يمسها لا تتم عدتها من الطلقة الأولى لأنها مطلقة قبل الدخول بها وبه قال داود. وقال عطاء. وجماعة : تمضي في عدتها عن طلاقها الأول وهو أحد قولي الشافعي، وقال مالك : لا تبني على العدة من الطلاق الأول وتستأنف العدة من يوم طلقها الطلاق لثاني وهو قول جمهور فقهاء الأمصار، والظاهر أيضاً أنها لو كانت بائناً غير مبتوتة فتزوجها في العدة ثم طلقها قبل الدخول فكالرجعية في قول داود ليس عليها عدة لابقية عدة الطلاق الأول ولا استئناف عدة للثاني ولها نصف المهر ؛ وقال الحسن : وعطاء. وعكرمة. وابن شهاب. ومالك. والشافعي. وعثمان البيتي. وزفر : لها نصف الصداق وتتم بقية العدة الأولى، وقال الثوري. والأوزاعي. وأبو حنيفة. وأبو يوسف : لها مهر كامل للنكاح الثاني وعدة مستقبلة جعلوها في حكم المدخول بها لاعتدادها من مائه اه، وفيه أيضاً الظاهر أن الطلاق لا يكون إلا بعد العقد فلا يصح طلاق من لم يعقد عليها وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين. 
وقالت طائفة كثيرة منهم مالك يصح ذلك وعنى بطلاق من لم يعقد عليها قول الرجل كل امرأة أتزوجها فهي طالق أو إن تزوجت فلانة فهي طالق. 
وقد أخرج جماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه سئل عن ذلك فقال : هو ليس بشيء فقيل له : إن ابن مسعود كان يقول إن طلق ما لم ينكح فهو جائز فقال : أخطأ في هذا وتلا الآية. وفي بعض الروايات أنه قال : رحم الله تعالى أبا عبد الرحمن لو كان كما قال لقائل الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن  ولكن إنما قال : وَتَوَكَّلْ عَلَى الله وكفى بالله وَكِيلاً يا أيها الذين ءامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ . 
وفي **«الدر المنثور »** عدة أحاديث مرفوعة ناطقة بأن لإطلاق قبل نكاح، والمذكور في فروعنا أن ذلك من باب التعليل وشرطه الملك أو الإضافة إليه فإذا قال : إن نكحت امرأة فهي طالق أو إن نكحتك فأنت طالق وكل امرأة أنكحها فهي طالق يقع الطلاق إذا نكح لأن ذلك تعليق وفيه إضافة إلى الملك ويكفي معنى الشرط إلا في المعينة باسم ونسب كما إذا قال : فلانة بنت فلان التي أتزوجها فهي طالق أو بإشارة في الحاضرة كما لو قال : هذه المرأة التي أتزوجها طالق فإنها لا تطلق في الصورتين لتعريفها فلغا الوصف بالتي أتزوجها فصار كأنه قال : فلانة بنت فلان أو هذه المرأة طالق وهي أجنبية ولم توجد الإضافة إلى الملك فلا يقع الطلاق إذا تزوجها فتدبر. 
وقرئ  تماسوهن  بضم التاء وألف بعد الميم، وعن ابن كثير. وغيره من أهل مكة  عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا  بتخفيف الدال ونقلها عن ابن كثير ابن خالويه. وأبو ال

### الآية 33:50

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۗ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [33:50]

يا أيها النبي إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أزواجك اللاتي ءاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ  أي مهورهن كما قال مجاهد، وغيره وأطلق الأجر على المهر لأنه أجر على الاستمتاع بالبضع وغيره مما يجوز به الاستمتاع وتقييد الإحلال له بإعطائها معجلة كما يفهم من معنى  ءاتَيْتَ  ظاهراً ليس لتوقف الحل عليه بل لإيثار الأفضل له صلى الله عليه وسلم فإن في للتعجيل براءة الذمة وطيب النفس ولذا كان سنة السلف لا يعرف منهم غيره، وقال الإمام : من الناس من قال بأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يجب عليه إعطاء المهر أولاً وذلك لأن المرأة لها الامتناع من تسليم نفسها إلى أن تأخذ المهر والنبي صلى الله عليه وسلم ما كان يستوفي ما لا يجب له والوطء قبل إيتاء الصداق غير مستحق وإن كان حلالاً وكيف والنبي عليه الصلاة والسلام إذا طلب شيئاً حرم الامتناع فلو طلب التمكين قبل إيتاء المهر لزم أن يجب وأن لا يجب وهو محال ولا كذلك أحدنا اه، وفيه بحث لا يخفى، وحمل الإيتاء على الإعطاء وما في حكمه كالتسمية في العقد، وجعل التقييد لإيثار الأفضل أيضاً فإن التسمية أولى من تركها وإن جاز العقد بدونها ولزم مهر المثل خلاف الظاهر. 
واستدل أبو الحسن الكرخي من أصحابنا بقوله تعالى : يا أيها النبي إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أزواجك اللاتى  على أن النكاح ينعقد بلفظ الإجارة كما ينعقد بلفظ التزويج ويكون لفظ الإجارة مجازاً عنه لأن الثابت بكل منهما ملك منفعة فوجد المشترك ورد بأنه لا يلزم من تسمية المهر أجراً صحة النكاح بلفظ الإجارة وما ذكر من التجوز ليس بشيء لأن الإجارة ليست سبباً لملك المنفعة حتى يتجوز بها عنه قاله في **«الهداية »**، وقال بعضهم : إن الإجارة لا تنعقد إلا مؤقتة والنكاح يشترط فيه نفيه فيتضادان فلا يستعار أحدهما للآخر. وتعقب بأنه إن كان المتضادان هما العرضين اللذين لا يجتمعان في محل واحد لزمكم مثله في البيع من كونه لا يجامع النكاح مع جواز العقد به عند الأصحاب، على أن التحقيق أن التوقيت ليس مفهوم لفظ الإجارة ولا جزا منه بل شرط لاعتباره فيكون خارجاً عنه فهو مجرد تمليك المنافع بعوض غير أنه إذا وقع مجرداً لا يعتبر شرعاً على مثال الصلاة فإنها الأقوال والأفعال المعروفة ولو وجدت من غير طهارة لا تعتبر، ولا يقال : إن الطهارة جزء مفهوم الصلاة هذا ومثل تقييد إحلال الأزواج بما ذكر على ما قيل تقييد إحلال المملوكة بكونها ممن باشر سباءها وشاهده في قوله تعالى : وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاء الله عَلَيْكَ  فإن المشتراة لا يتحقق بدء أمرها وما جرى عليه الجواز كون السبي ليس في محله، ولذا نكح بعض المتورعين الجواري بعقد بعد الشراء مع القول بعدم صحة العقد على الإماء. 
واستشكل ذلك بمارية بنت شمعون القبطية رضي الله تعالى عنها فإنها لم تكن مسبية بل أهداها له صلى الله عليه وسلم أمير القبط جريج بن مينا صاحب الإسكندرية ومصر. وأجيب بأن هذا غير وارد لأن هدايا أهل الحرب للإمام لها حكم الفيء، وقد يقال : إنه يستشكل بسرية له صلى الله عليه وسلم أخرى وهي جارية وهبتها له عليه الصلاة والسلام زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها وكان هجرها عليه الصلاة والسلام في شأن صفية بنت حيي ذا الحجة والمحرم وصفر فلما كان شهر ربيع الأول الذي قبض فيه رضي الله تعالى عنها ودخل عليها فقالت ما أدري ما أجزيك فوهبتها له وقد عدوها من سراريه صلى الله عليه وسلم والجواب المذكور لا يتسنى فيها، ولعل الجواب عن ذلك أنه عليه الصلاة والسلام تسراها بياناً للجواز ولا يبعد أنه كان متحققاً بدء أمرها وما جرى عليها بحيث كأنه باشر سبيها وشاهده، ويحتمل أنها كانت مما أفاء الله تعالى عليه عليه الصلاة والسلام فملكتها زينب بعض أسباب الملك ثم وهبتها له صلى الله عليه وسلم. 
ومع ذلك قد أطلق عليه الصلاة والسلام حل المملوكة بعد ولم يقيد بحسب الظاهر بكونها مما أفاء الله عليه في قوله تعالى : لاَّ يَحِلُّ لَكَ النساء مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ  \[ الأحزاب : ٥٢ \]. 
ثم إن هبة هذه الجارية كانت شهر وفاته صلى الله عليه وسلم والآية نزلت قبل لأنها نزلت أما سنة الأحزاب وهي السنة الخامسة من الهجرة وإما بعيد الفتح وهو السنة الثامنة منها وعلى هذا يكون ما وقع من أمر مارية متقدماً على نزول الآية لأنها أهديت له صلى الله عليه وسلم السنة السابعة من الهجرة فإنه عليه الصلاة والسلام فيها أرسل رسله إلى الملوك ومنهم حاطب بن أبي بلتعة اللخمي أرسله إلى المقوقس أمير القبط المتقدم ذكره فقدم منه بمارية وبأختها شيرين وبأخ أو بابن عم لها خصي يقال له مابور وببغلة تسمى دلدلا وبحمار يسمى يعفورا أو عفيراً وبألف مثقال ذهباً وبغير ذلك فتدبر، ومثل ما ذكر على ما قيل تقييد القرائب بكونها مهاجرات معه صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه. 
 وَبَنَاتِ عَمّكَ وَبَنَاتِ عماتك وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خالاتك اللاتى هاجرن مَعَكَ  فهن أفضل من غيرهن، والمعية للتشريك في الهجرة لا للمقارنة في الزمان كأسلمت مع سليمان، قال أبو حيان : يقال دخل فلان معي وخرج معي أي كان عمله كعملي وإن لم يقترنا في الزمان، ولو قلت : خرجنا معاً اقتضى المعنيين الاشتراك في الفعل والاقتران في الزمان وهو كلام حسن، وحكى الماوردي قولاً بأن الهجرة شرط في إحلال الأزواج على الإطلاق وهو ضعيف جداً. 
وقولاً آخر بأنها شرط في إحلال قراباته عليه الصلاة والسلام المذكورات واستدل له بما أخرجه بن سعد. وعبد بن حميد. والترمذي وحسنه. وابن جرير. وابن أبي حاتم. والطبراني. والحاكم وصححه. وابن مردويه. والبيهقي عن أم هانئ فأخته بنت أبي طالب قالت :**«خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه فعذرني فأنزل الله تعالى : جَمِيلاً ياأيها النبي إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أزواجك  إلى قوله سبحانه : هاجرن مَعَكَ  قالت فلم أكن أحل له لأني لم أهاجر معه كنت من الطلقاء »** وأجيب بأن عدم الحل لفقد الهجرة إنما فهم من قول أم هانئ فلعلها إنما قالت ذلك حسب فهمها إياه من الآية وهو لا ينتهض حجة علينا إلا إذا جاءت به رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، لا يقال : إنه أخرج ابن سعد عن أبي صالح مولى أم هانئ قال :«خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم أم هانئ بنت أبي طالب فقالت : يا رسول الله إني مؤتمة وبنى صغار فلما أدرك بنوها عرضت نفسها عليه عليه الصلاة والسلام فقال : أما الآن فلا إن الله تعالى أنزل على  وَبَنَاتِ عَمّكَ وَبَنَاتِ عماتك وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خالاتك اللاتى هاجرن مَعَكَ  ولم تكن من المهاجرات وهو يدل على أنه نفسه صلى الله عليه وسلم فهم الحرمة وإلا لتزوجها لأنا نقول بعد تسليم صحة الخبر ؛ لا نسلم أنه صلى الله عليه وسلم فهم الحرمة وعدم التزوج يحوز أن يكون لكونه خلاف الأفضل، ويدل خبر أم هانئ على أن هذه الآية نزلت بعد الفتح فلا تغفل. وادعى بعضهم أن تحريم نكاح غير المهاجرة عليه صلى الله عليه وسلم كان أولاً ثم نسخ، وعن قتادة أن معنى  هاجرن مَعَكَ  أسلمن معك، قيل : وعلى هذا لا يحرم عليه عليه الصلاة والسلام إلا الكافرات وهو في غاية البعد كما لا يخفى، والظاهر أن المراد بأزواجك اللاتي آتيت مهورهن نساؤه صلى الله عليه وسلم اللاتي كن في عصمته وقد آتاهن مهورهن كعائشة. وحفصة. وسودة وبما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك نحو ريحانة بناء على ما قاله محمد ابن إسحاق أنه صلى الله عليه وسلم لما فتح قريظة اصطفاها لنفسه فكانت عنده حتى توفيت عنده وهي في ملكه ووافقه في ذلك غيره أخرج الواقدي بسنده إلى أيوب بن بشير قال إنه عليه الصلاة والسلام أرسل بها إلى بيت سلمى بنت قيس أم المنذر فكانت عندها حتى حاضت حيضة ثم طهرت من حيضها فجاءت أم المنذر فأخبرته صلى الله عليه وسلم فجاءها في منزل أم المنذر فقال لها : إن أحببت أن أعتقك وأتزوجك فعلت وإن أحببت أن تكوني في ملكي أطأك بالملك فعلت فقالت : يا رسول الله أحب أن أخف عليك وأن أكون في ملكك فكانت في ملك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطؤها حتى ماتت. 
وذهب بعضهم إلى أنه عليه الصلاة والسلام أعتقها وتزوجها، وأخرج ذلك الواقدي أيضاً عن ابن أبي ذئب عن الزهري ثم قال : وهذا الحديث أثبت عندنا : وروى عنها أنها قالت : لما سبيت بنو قريظة عرض السبي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنت فيمن عرض عليه فأمر بي فعزلت وكان له صفي كل غنيمة فلما عزلت خار الله تعالى لي فأرسل بي إلى منزل أم المنذر بنت قيس أياماً حتى قتل الأسرى وفرق السبي فدخل على صلى الله عليه وسلم فتجنبت منه حياء فدعاني فأجلسني بين يديه فقال : إن اخترت الله ورسوله اختارك رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه فقلت : إني أختار الله تعالى ورسوله فلما أسلمت أعتقني رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجني وأصدقني اثنتي عشرة أوقية ذهباً كما كان يصدق نساءه وأعرس بي في بيت أم النذر وكان يقسم لي كما يقسم لنسائه وضرب على الحجاب، ولم يذكر ابن الأثير غير القول باعتاقها وتزوجها. ومنهم من ذهب إلى أنها أسلمت فأعتقها عليه الصلاة والسلام فلحقت بأهلها وكانت تحتجب عندهم وتقول : لا يراني أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكى لحوقها بأهلها عن الزهري. وادعى بعضهم بقاءها حية بعده عليه الصلاة والسلام وأنها توفيت سنة ست عشرة أيام خلافة عمر رضي الله تعالى عنه. وذكر ابن كمال في **«تفسيره لبيان الموصول »** صفية وجويرية. والمذكور في أكثر المعتبرات في أمرهما أن صفية لما جمع سبي خيبر أخذها دحية وقد قال له صلى الله عليه وسلم : اذهب فخذ جارية ثم أخبر عليه الصلاة والسلام أنها لا تصلح إلا له لكونها بنت سيد قومه فقال لدحية : خذ غيرها وأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعتقها وتزوجها وكان صداقها نفسها، وأن جويرية في غزوة بني المصطلق وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري فكاتبته على نفسها ثم جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله أنا جويرية بنت الحرث وكان من أمري ما لا يخفى عليك ووقعت في سهم ثابت بن قيس وإني كاتبت نفسي فجئت أسألك في كتابتي فقال عليه الصلاة والسلام فهل لك إلى ما هو خير : قالت ؟ وما هو يا رسول الله ؟ قال : أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك قالت : قد فعلت، وقال ابن هشام ويقال اشتراها صلى الله عليه وسلم من ثابت وأعتقها وتزوجها وأصدقها أربعمائة درهم، ولا يخفى عليك أنه إذا كان المراد إحلال ما ملكت يمينه صلى الله عليه وسلم حين الملك من حيث أنه ملك له وإن لم يحصل وطء بالفعل يدخل جميع ما ملكه عليه الصلاة والسلام من الجواري حين الملك ولا يضر الاعتاق والتزوج بعد ذلك وحل الوطء بسبب النكاح لا الملك وإن كان المراد إحلال ذلك مع وقوع الوطء بالفعل ووصف الملك قائم لا يصح بيان الموصول إلا بمملوكة وطئها عليه الصلاة والسلام وهي ملكه كريحانة في قول وجارية أصابها في بعض السبي وعدوها من سراريه صلى الله عليه وسلم ولم يذكر المعظم اسمها وعد الجلبي من سراريه عليه الصلاة والسلام جارية سماها زليخة القرظية فلعلها هي التي لم تسم وكمارية القبط

### الآية 33:51

> ﻿۞ تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ۖ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا [33:51]

تُرْجِى مَن تَشَاء مِنْهُنَّ  أي تؤخر من تشاء من نسائك وتترك مضاجعتها  وَتُؤْوِى إِلَيْكَ مَن تَشَاء  وتضم إليك من تشاء منهن وتضاجعها، وروي هذا عن قتادة. 
وعن ابن عباس. والحسن أي تطلق من تشاء منهن وتمسك من تشاء، وقال بعضهم : الإرجاء والإيواء لإطلاقهما يتناولان ما في التفسيرين وما ذكر فيهما فإنما هو من باب التمثيل ولا يخلو عن حسن، وفي رواية عن الحسن أن ضمير  مِنْهُنَّ  لنساء الأمة والمعنى تترك نكاح من تشاء من نساء أمتك فلا تنكح وتنكح منهن من تشاء. 
وقال : كان صلى الله عليه وسلم إذا خطب امرأة لم يكن لغيره أن يخطبها حتى يتركها وعن زيد بن أسلم والطبري أنه للواهبات أنفسهن أي تقبل من تشاء من المؤمنات اللاتي يهبن أنفسهن لك فتؤويها إليك وتترك من تشاء منهن فلا تقبلها، وعن الشعبي ما يقتضيه، فقد أخرج ابن سعد والبيهقي في **«السنن »** وغيرهما عنه قال : كن نساء وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل ببعضهن وأرجأ بعضهم فلم يقربن حتى توفي عليه الصلاة والسلام ولم ينكحن بعده، منهن أم شريك فذلك قوله تعالى : تُرْجِى مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِى إِلَيْكَ مَن تَشَاء  ويشهد لما تقدم من رجوعه إلى النساء ما أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وغيرهم عن أبي رزين قال : هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلق من نسائه فلما رأين ذلك أتينه فقلن لا تخل سبيلنا وأنت في حل فيما بيننا وبينك افرض لنا من نفسك ومالك ما شئت فأنزل الله تعالى الآية فأرجأ منهن نسوة وكان ممن أرجأ ميمونة وجويرية وأم حبيبة وصفية وسودة وكان ممن آوى عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب رضي الله تعالى عنهن أجمعين. وقرأ ابن كثير. وأبو عمرو. وابن عامر. وأبو بكر  ترجئ  بالهمزة وهو عند الزجاج أجود والمعنى واحد  تَشَاء وَمَنِ ابتغيت  أي طلبت  مِمَّنْ عَزَلْتَ  أي تجنبت وحمل هذا التجنب على ما كان بطلاق، ومن شرطية منصوبة بما بعدها، وقوله تعالى : فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ  جوابها أي من طلبتها ممن طلقت فليس عليك إثم في طلبها أو موصولة والجملة خبرها أي والتي طلبتها لا جناح عليك في طلبها والمراد نفي أن يكون عليه عليه الصلاة والسلام إثم في إرجاع المطلقة، وقيل من موصولة معطوفة على  مَن تَشَاء  الثاني والمراد به غير المطلقة ومعنى فلا جناح عليك فلا إثم عليك في شيء مما ذكر من الإرجاء والإيواء والابتغاء والمراد تفويض ذلك إلى مشيئته صلى الله عليه وسلم. 
وقال بعضهم : المراد به ما كان بترك مضاجعة بدون طلاق، والمقصود من الآية بيان أن له صلى الله عليه وسلم ترك مضاجعة من شاء من نسائه ومضاجعة من شاء منهن أي ممن لم يكن أرجأها وترك مضاجعتها والرجوع إلى مضاجعة من ترك مضاجعتها واعتزالها فمن عزل هي المرجأة، وأفاد صاحب الكشاف أن الآية متضمنة قسمة جامعة لما هو الفرض لأنه صلى الله عليه وسلم إما أن يطلق وأما أن يمسك وإذا أمسك ضاجع أو ترك وقسم أو لم يقسم وإذا طلق وعزل فإما أن يخلي المعزولة لا يبتيغها أو يبتغيها وانفهام الطلاق والإمساك بأقسامه بواسطة إطلاق الإرجاء والإيواء في قوله تعالى : تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي  وانفهام ابتغاء المعزولة من قوله سبحانه : وَمَنِ ابتغيت  الخ ومتى فهم أن لا جناح في ابتغاء المعزولة بالطلاق وردها إلى النكاح فهم منه أن رفع النكاح في عدم ردها من طريق الأولى ولقد أجاد فيما أفاد، وجوز بعضهم أن يكون من مبتدأ وفي الكلام معطوف وخبر محذوفان أي ومن ابتغيت ممن عزلت ومن لم تعزل سواء، وقوله سبحانه : فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ  تأكيد لذلك ولا يخفى بعده وتعسفه، وقال الحسن : معنى ومن ابتغيت الخ من مات من نسائك اللواتي عندك أو خليت سبيلها فلا جناح عليك في أن تستبدل عوضها من اللاتي أحللت لك فلا تزداد على عدة نسائك اللاتي عندك كذا في ****«البحر »****، وكأنه جعل من للبدل كالتي في قوله تعالى : أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة  \[ التوبة : ٣٨ \] ومن عزلت شاملاً لمن ماتت ومن طلقت وكلاهما بعيد وثانيهما : أبعد من أولهما بكثير ومثله اعتبار ما اعتبره من القيود وبالجملة هو قول تبعد نسبته إلى الحسن، وأبعد من ذلك نسبته إلى ترجمان القرآن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما في **«الدر المنثور »**. 
 ذَلِكَ أدنى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا ءاتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ  أي تفويض الأمر إلى مشيئتك أقرب إلى قرة عيونهن وسرورهن ورضاهن جميعاً لأنه حكم كلهن فيه سواء ثم إن سويت بينهن وجدن ذلك تفضلاً منك وإن رجحت بعضهن علمن أنه بحكم الله تعالى فتطمئن به نفوسهن، وروي هذا عن قتادة، والمراد بما آتيتهن عليه ما صنعت معهن فيتناول ترك المضاجعة والقسم، وعن ابن عباس. ومجاهد أن المعنى أنهن إذا علمن أن لك ردهن إلى فراشك بعد ما اعتزلتهن قرت أعينهن ولم يحزن ويرضين بما تفعله من التسوية والتفضيل لأنهن يعلمن أنك لم تطلقهن، وظاهره جعل المشار إليه العلم بأن له صلى الله عليه وسلم الإيواء، وأظهر منه في ذلك قول الجبائي ذلك العلم منهن بأنك إذا عزلت واحدة كان لك أن تؤويها بعد ذلك أدنى لسرورهن وقرة أعينهن. 
وقال بعض الأجلة : كون الإشارة إلى التفويض أنسب لفظاً لأن ذلك للبعيد وكونها إلى الإيواء أنسب معنى لأن قرة عيونهن بالذات إنما هي بالإيواء فلا تغفل، والأعين جمع قلة وأريد به ههنا جمع الكثرة وكأن اختياره لأنه أوفق بكمية الأزواج، وقرأ ابن محيصن  تَقَرَّ  من أقر وفاعله ضميره صلى الله عليه وسلم و  أَعْيُنُهُنَّ  بالنصب على المفعولية. 
وقرئ  تَقَرَّ  مبنياً للمفعول وأعينهن بالرفع نائب الفاعل و  كُلُّهُنَّ  بالرفع في جميع ذلك وهو توكيد لنون  يرضين . 
وقرأ أبو إياس جوية بن عائذ  ءاتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ  بالنصب تأكيداً لمضيره في  ءاتَيْتَهُنَّ  قال ابن جني : وهذه القراءة راجعة إلى معنى قراءة العامة  كُلُّهُنَّ  بضم اللام وذلك أن رضاهن كلهن بما أوتين كلهن على انفرادهن واجتماعهن فالمعنيان إذن واحد إلا أن للرفع معنى وذلك أن فيه إصراحاً من اللفظ بأن يرضين كلهن، والإصراح في القراءة الشاذة إنما هو في إتيانهن وإن كان محصول الحال فيهما واحداً مع التأويل انتهى، وقال الطيبي : في توكيد الفاعل دون المفعول إظهار لكمال الرضا منهن وإن لم يكن الإيتاء كاملاً سوياً، وفي توكيد المفعول إظهار أنهن مع كمال الإيتاء غير كاملات في الرضا، والأول أبلغ في المدح لأن فيه معنى التتميم وذلك أن المؤكد يرفع إيهام التجوز عن المؤكد انتهى فتأمل  والله يَعْلَمُ مَا فِى قلُوبِكُمْ  خطاب له صلى الله عليه وسلم ولأزواجه المطهرات على سبيل التغليب. 
والمراد بما في القلوب عام ويدخل فيه ما يكون في قلوبهن من الرضا بما دبر الله تعالى في حقهن من تفويض الأمر إليه صلى الله عليه وسلم ومقابل ذلك وما في قلبه الشريف عليه الصلاة والسلام من الميل إلى بعضهن دون بعض، والكلام بعث على الاجتهاد في تحسين ما في القلوب، ولعل اعتباره صلى الله عليه وسلم في الخطاب لتطييب قلوبهن، وفي **«الكشاف »** أن هذا وعيد لمن لم يرض منهن بما دبر الله تعالى من ذلك وفوض سبحانه إلى مشيئة رسوله عليه الصلاة والسلام وبعث على تواطىء قلوبهن والتصافي بينهن والتوافق على طلب رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم وطيب نفسه الكريمة، والظاهر أنه غير قائل بدخوله صلى الله عليه وسلم في الخطاب، وحينئذٍ فإما أن يقول : إنه عام لهن ولسائر المؤمنين وإما أن يقول بأنه خاص بهن ولعله ظاهر كلامه وعليه لا يظهر وجهه التذكير، وربما يقال على الأول : إن المقام غير ظاهر في اقتضاء دخول سائر المؤمنين في الخطاب، وقال ابن عطية : الإشارة بذلك ههنا إلى ما في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من محبة شخص دون شخص ويدخل في المعنى المؤمنون، وربما يتخيل أن الخطاب لجميع المكلفين والكلام بعث على تحسين ما في القلوب في شأن ما دبر الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم في أمر أزواجه ونفي الخواطر الرديئة بأن يظن أن ذاك هو الذي تقتضيه الحكمة وأنه دليل على كمال المحبوبية، ولا يتوهم خلافه فإن بعض الملحدين طعنوا كالنصارى في كثرة تزوجه عليه الصلاة والسلام وكونه في أمر النساء على حال لم يبح لأمته من حل جمع ما فوق الأربع وعدم التقيد بالقسم لهن مثلاً وزعموا أن في ذلك دليلاً على غلبة القوة الشهوية فيه عليه الصلاة والسلام وذلك مناف لتقديس النفس الذي هو من شأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فجزموا والعياذ بالله تعالى بنفي نبوته وأن ما فعله صلى الله عليه وسلم لم يكن منه تعالى بل ليس ذلك إلا منه عليه الصلاة والسلام. 
ولا يخفى أن قائلي ذلك على كفرهم جهلة بمراتب الكمال صم عن سماع آثاره عليه الصلاة والسلام ومن سبر الأخبار علم أنه صلى الله عليه وسلم أكمل الأنبياء على الإطلاق لغاية كمال بشريته وملكيته وآثار الكمال الأول تزوج ما فوق الأربع والطواف عليهن كلهن في الليلة الواحدة وآثار الكمال الثاني أنه عليه الصلاة والسلام كثيراً ما كان يبيت ويصبح لا يأكل ولا يشرب وهو على غاية من القوة وعدم الاكتراث بترك ذلك وليس لأحد من الأنبياء عليهم السلام اجتماع هذين الكمالين حسب اجتماعهما فيه عليه الصلاة والسلام ولتكثره النساء حكمة دينية جليلة أيضاً وهي نشر أحكام شرعية لا تكاد تعلم إلا بواسطتهن مع تشييد أمر نبوته فإن النساء لا يكدن يحفظن سراً وهن أعلم الناس بخفايا أزواجهن فلو وقف نساؤه عليه الصلاة والسلام على أمر خفي منه يخل بمنصب النبوة لأظهرنه، وكيف يتصور إخفاؤه بينهن مع كثرتهن. 
وكل سر جاوز الاثنين شاع \*\*\* وفي عدم إيجاب القسم عليه عليه الصلاة والسلام تأكيد لذلك كما لا يخفى على المنصف  وَكَانَ الله عَلِيماً  مبالغاً في العلم فيعلم كل ما يبدي ويخفي  حَلِيماً  مبالغاً في الحلم فلا يعجل سبحانه بمقابلة من يفعل خلاف ما يحب حسبما يقتضيه فعله من عتاب أو عقاب أو فيصفح عما يغلب على القلب من الميول ونحوها، هذا وفي ****«البحر »**** اتفقت الروايات على أنه عليه الصلاة والسلام كان يعدل بين أزواجه المطهرات في القسمة حتى مات ولم يستعمل شيئاً مما أبيح له ضبطاً لنفسه وأخذاً فالأفضل غير ما جرى لسودة فإنها وهبت ليلتها لعائشة وقالت : لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب أنه قال لم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرجأ منهن شيئاً ولا عزله بعد ما خيرن فاخترنه. 
وأخرج الشيخان. وأبو داود. والنسائي. وغيرهم عن عائشة أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن أنزلت هذه الآية  تُرْجِى مَن تَشَاء مِنْهُنَّ  فقيل لها : ما كنت تقولين ؟ قالت : كنت أقول له إن كان ذاك إليّ فإني لا أريد أن أوثر عليك أحداً فتأمله مع حكاية الاتفاق السابق والله تعالى الموفق.

### الآية 33:52

> ﻿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا [33:52]

لاَّ يَحِلُّ لَكَ النساء  بالياء لأن تأنيث الجمع غير حقيقي وقد وقع بفصل أيضاً، والمرادب النساء الجنس الشامل للواحدة ولم يؤت بمفرد لأنه لا مفرد له من لفظه والمرأة شاملة للجارية وليست بمرادة، واختصاص النساء بالحرائر بحكم العرف، وقرأ البصريان بالتاء الفوقية، وسهل. وأبو حاتم يخير فيهما، وأياً كان ما كان فالمراد يحرم عليك نكاح النساء  مِن بَعْدِ  قيل أي من بعد التسع اللاتي في عصمتك اليوم، أخرج ابن سعد عن عكرمة قال : لما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجه اخترنه فأنزل الله تعالى لا يحل لك النساء من بعد هؤلاء التسع اللاتي اخترنك أي لقد حرم عليك تزويج غيرهن ؛ وأخرج أبو داود في ناسخه. وابن مردويه. والبيهقي في سننه عن أنس قال لما خيرهن فاخترن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم قصره عليهن فقال سبحانه : لاَّ يَحِلُّ لَكَ النساء مِن بَعْدُ  وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنه قال في الآية حبسه الله تعالى عليهن كما حبسهن عليه عليه الصلاة والسلام، وقدر بعضهم المضاف إليه المحذوف اختياراً أي من بعد اختيارهن الله تعالى ورسوله. 
وقال الإمام : هو أولى وكأن ذلك لكونه أدل على أن التحريم كان كرامة لهن وشكراً على حسن صنيعهن. 
وجوز أخر أن يكون التقدير من بعد اليوم وماله تحريم من عدا اللاتي اخترنه عليه الصلاة والسلام. 
وحكى في **«البحر »** عن ابن عباس وقتادة قال : لما خيرن فاخترن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم جازاهن أن حظر عليه النساء غيرهن وتبديلهن ونسح سبحانه بذلك ما أباحه له قبل من التوسعة في جميع النساء، وحكى أيضاً عن مجاهد وابن جبير أن المعنى من بعد إباحة النساء على العموم، وقيل التقدير من بعد التسع على معنى أن هذا العدد مع قطع النظر عن خصوصية المعدود نصابه صلى الله عليه وسلم من الأزواج كما أن الأربع نصاب أمته منهن فالمعنى لا يحل لك الزيادة على التسع  وَلاَ أَن تَبَدَّلَ  أصله تتبدل فخفف بحذف إحدى التاءين أي ولا يحل لك أن تستبدل  بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ  بأن تطلق واحدة منهن وتنكح بدلها أخرى، ففي الآية حكمان حرمة الزيادة وحرمة الاستبدال، وظاهره أنه يحل له عليه الصلاة والسلام نكاح امرأة أخرى على تقدير أن تموت واحدة من التسع، وإذا كان المراد من الآية تحريم من عدا اللاتي اخترنه عليه الصلاة والسلام أفادت الآية أنه لو ماتت واحدة منهن لم يحل له نكاح أخرى، وكلام ابن عباس السابق ظاهر في ذلك جداً، وكأن قوله تعالى : وَلاَ أَن تَبَدَّلَ  الخ عليه لدفع توهم أن المحرم ليس إلا أن يرعهن صلى الله عليه وسلم بواحدة من الضرائر. 
وفي رواية أخرى عن عكرمة أن المعنى لا يحل لك النساء من بعد هؤلاء اللاتي سمى الله تعالى لك في قوله سبحانه : يا أيها النبي إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أزواجك  \[ الأحزاب : ٠ ٥ \] الآية فلا يحل له صلى الله عليه وسلم ما وراء الأجناس الأربعة كالأعرابيات والغرائب ويحل له منها ما شاء، وأخرج عبد بن حميد والترمذي وحسنه وغيرهما عن ابن عباس ما هو ظاهر في ذلك حيث قال في الخبر وقال تعالى : جَمِيلاً ياأيها النبي إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ  إلى قوله سبحانه : خَالِصَةً لَّكَ  وحرم ما سوى ذلك من أصناف النساء، وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند. وابن جرير. وابن المنذر. والضياء في المختارة. وغيرهم عن زياد قال : قلت لأبي بن كعب رضي الله تعالى عنه أرأيت لو أن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام متن أما يحل له أن يتزوج قال : وما يمنعه من ذلك قلت : قوله تعالى : لاَّ يَحِلُّ لَكَ النساء مِن بَعْدُ  فقال : إنما أحل له ضرباً من النساء ووصف له صفة فقال سبحانه يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك إلى قوله تعالى : وامرأة مُّؤْمِنَةً  \[ الأحزاب : ٠ ٥ \] الخ ثم قال تبارك وتعالى لا يحل لك النساء من بعد هذه الصفة، وعلى هذا القول قال الطيبي : يكون قوله سبحانه : وَلاَ أَن تَبَدَّلَ  الخ تأكيداً لما قبله من تحريم غير ما نص عليه من الأجناس الأربعة وكأن ضمير بهن للأجناس المذكورة في قوله تعالى : يا أيها النبي إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أزواجك  \[ الأحزاب : ٠ ٥ \] الآية والمعنى لا يحل لك أن تترك هذه الأجناس وتعدل عنها إلى أجناس غيرها، وقال شيخ الإسلام أبو السعود عليه الرحمة بعد ما حكى القول المذكور يأباه قوله تعالى : وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ  الخ فإن معنى إحلال الأجناس المذكورة إحلال نكاحهن فيكون التبدل بهن إحلال نكاح غيرهن بدل إحلال نكاحهن وذلك إنما يتصور بالنسخ الذي هو ليس من الوظائف البشرية انتهى فتأمل ولا تغفل، وقيل : وَلاَ أَن تَبَدَّلَ  من البدل الذي كان في الجاهلية كان يقول الرجل للرجل بادلني بامرأتك وأبادلك بامرأتي فينزل كل واحد منهما عن امرأته للآخر، وروي نحوه عن ابن زيد وأنكر هذا القول الطبري وغيره في معنى الآية وقالوا ما فعلت العرب ذاك قط، وما روي من حديث عيينة بن حصن أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل عليه بغير استئذان وعنده عائشة : من هذه الحميراء ؟ فقال : عائشة فقال عيينة : يا رسول الله إن شئت نزلت لك عن سيدة نساء العرب جمالاً ونسباً فليس بتبديل ولا أراد ذلك وإنما احتقر عائشة رضي الله تعالى عنها لأنها كانت إذ ذاك صبية، ومن مزيد لتأكيد الاستغراق فيشمل النهي تبدل الكل والبعض. 
وقوله تعالى : وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ  في موضع الحال فاعل تبدل والتقدير مفروضاً إعجابك بهن، وحاصله ولا تبدل بهن من أزواج على كل حال، وظاهر كلام بعضهم أنه لا يجوز أن يكون حالاً من مفعوله أعني أزواجاً وعلل ذلك بتوغله في التنكير. وتعقب بأنه مخالف لكلام النحاة فإنهم جوزوا الحال من النكرة إذا وقعت منفية لأنها تستغرق حينئذٍ فيزول إبهامها كما صرح به الرضي. 
وقيل إن التنكير مانع من الحالية ههنا لأن الحال تقاس بالصفة والواو مانعة من الوصفية فتمنع من الحالية ومنع لزوم القياس مع أن الزمخشري وغيره جوزوا دخول الواو على الصفة لتأكيد لصوقها، وقيل في عدم جواز ذلك إن ذا الحال إذا كان نكرة يجب تقديمها ولم تقدم ههنا. وتعقب بأن ذلك غير مسلم في الجملة المقرونة بالواو لكونه بصورة العاطف. واستظهر صاحب الكشف الجواز وذكر أن المعنى في الحالين لا يتفاوت كثير تفاوت لأنه إذا تقيد الفعل لزم تقيد متعلقاته وإنما الاختلاف في الأصالة والتبعية، وضمير حسنهن للأزواج والمراد بهن من يفرضن بدلاً من أزواجه اللاتي في عصمته عليه الصلاة والسلام فتسميتهن أزواجاً باعتبار ما يعرض مآلاً وهذا بناءً على أن باء البدل في بهن داخلة على المتروك دون المأخوذ فلو اعتبرت داخلة على المأخوذ كان الضمير للنساء لا للأزواج، وممن أعجبه صلى الله عليه وسلم حسنهن على ما قيل أسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبي طالب بعد وفاته رضي الله تعالى عنه، وفي قوله سبحانه : وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ  على ما نقل عن ابن عطية دليل على جواز أن ينظر الرجل إلى من يريد زواجها وفي الأخبار أدلة على ذلك وتفصيل الأقوال فيه في كتب الفروع. واختلف في أن الآية الدالة على عدم حل النساء له صلى الله عليه وسلم هل هي محكمة أم لا. فعن أبي بن كعب وجماعة منهم الحسن. وابن سيرين واختاره الطبري واستظهره أبو حيان أنها محكمة وعن علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس. وأم سلمة رضي الله تعالى عنهما والضحاك عليه الرحمة أنها منسوخة وروي ذلك عن عائشة رضي الله تعالى عنها. 
أخرج أبو داود في ناسخه والترمذي وصححه والنسائي. والحاكم وصححه أيضاً وابن المنذر وغيرهم عنها قالت : لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله تعالى له أن يتزوج من النساء ما شاء إلا ذات محرم لقوله سبحانه : تُرْجِى مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِى إِلَيْكَ مَن تَشَاء  \[ الأحزاب : ٥١ \] وهذا ظاهر في أن الناسخ قوله تعالى : تُرْجِى  الخ وهو مبني على أن المعنى تطلق من تشاء وتمسك من تشاء، ووجه النسخ به على هذا التفسير أنه يدل بعمومه على أنه أبيح له صلى الله عليه وسلم الطلاق والإمساك لكل من يريد فيدل على أن له تطليق منكوحاته ونكاح من يريد من غيرهن إذ ليس المراد بالإمساك إمساك من سبق نكاحه فقط لعموم من تشاء وقوله سبحانه : \*تؤوي  ليس مقيداً بمنهن كذا قال الخفاجي : وفي القلب منه شيء ولا بد على القول بأن النسخ بذلك من القول بتأخر نزوله عن نزول الآية المنسوخة إذ لا يمكن النسخ مع التقدم وهو ظاهر ولا يعكر التقدم في المصحف لأن ترتيبه ليس على حسب النزول وقال بعضهم : إن الناسخ السنة ويغلب على الظن أنها كانت فعله عليه الصلاة والسلام. 
أخرج ابن أبي شيبة. وعبد بن حميد. وابن المنذر. وابن أبي حاتم عن عبد الله بن شداد أنه قال : في قوله تعالى : بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ  الخ ذلك لو طلقهن لم يحل له أن يستبدل وقد كان ينكح بعدما نزلت هذه الآية ما شاء ونزلت وتحته تسع نسوة ثم تزوج بعد أم حبيبة بنت أبي سفيان وجويرية بنت الحرث رضي الله تعالى عنهما، والظاهر على القول بأن الآية نزلت كرامة للمختارات وتطييباً لخواطرهن وشكراً لحسن صنيعهن عدم النسخ والله تعالى أعلم، وقوله : إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ  استثناء من النساء متصل بناءً على أصل اللغة لتناوله عليه الحرائر والإماء ومنقطع بناءً على العرف لاختصاصه فيه بالحرائر ولا أن تبدل بهن من أزواج كالصريح فيه. 
وقال ابن عطية : إن ما إن كانت موصولة واقعة على الجنس فهو استثناء من الجنس مختار فيه الرفع على البدل من النساء ويجوز النصب على الاستثناء وإن كانت مصدرية فهي في موضع نصب لأنه استثناء من غير الجنس الأول انتهى، وليس بجيد لأنه قال والتقدير إلا ملك اليمين وملك بمعنى مملوك فإذا كان بمعنى مملوك لم يصح الجزم بأنه ليس من الجنس وأيضاً لا يتحتم النصب وإن فرضنا أنه من غير الجنس حقيقة بل أهل الحجاز ينصبون وبنو تميم يبدلون وأياً ما كان فالظاهر حل المملوكة له صلى الله عليه وسلم سواء كانت مما أفاء الله تعالى عليه أم لا : وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء رَّقِيباً  أي راقباً أو مراقباً والمراد كان حافظاً ومطلعاً على كل شيء فاحذروا تجاوز حدوده سبحانه وتخطى حلاله إلى حرامه عز وجل.

### الآية 33:53

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ ۖ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ۚ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ۚ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا [33:53]

يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ  شروع في بيان بعض الحقوق على الناس المتعلقة به صلى الله عليه وسلم وهو عند نسائه، والحقوق المتعلقة بهن رضي الله تعالى عنهن ومناسبة ذلك لما تقدم ظاهرة، والآية عند الأكثرين نزلت يوم تزوج عليه الصلاة والسلام زينت بنت جحش. 
أخرج الإمام أحمد. وعبد بن حميد. والبخاري. ومسلم. والنسائي. وابن جرير. وابن المنذر. وابن أبي حاتم. وابن مردويه. والبيهقي في سننه من طرق عن أنس قال : لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون وإذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا فلما رأى ذلك قام فلما قام قام من قام وقعد ثلاثة نفر فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليدخل فإذا القوم جلوس ثم أنهم قاموا فانطلقت فجئت فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد انطلقوا فجاء حتى دخل فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه فأنزل الله تعالى : يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي  الآية والنهي للتحريم، وقوله سبحانه : إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ  بتقدير باء المصاحبة استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تدخلوها في حال من الأحوال إلا حال كونكم مصحوبين بالإذن. 
وجوز أبو حيان كونه بتقدير باء السببية فيكون الاستثناء من أعم الأسباب أي لا تدخلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب الإذن، وذهب الزمخشري إلى أنه استثناء من أعم الأوقات أي لا تدخلوها في وقت من الأوقات إلا وقت أن يؤذن لكم، وأورد عليه أبو حيان أن الوقوع موقع الظرف مختص بالمصدر الصريح دون المؤول فلا يقال أتيتك أن يصيح الديك وإنما يقال أتيتك صياح الديك، ولا يخفى أن القول بالاختصاص أحد قولين للنحاة في المسألة نعم إنه الأشهر والزمخشري إمام في العربية لا يعترض عليه بمثل هذه المخالفة. 
وزعم بعضهم أن الوقت مقدر في نظم الكلام فيكون محذوفاً حذف حرف الجر وأن هذا ليس من باب وقوع المصدر موقع الظرف. 
وأجاز بعض الأجلة كون ذلك استثناء من أعم الأحوال بلا تقدير الباء بل باعتبار أن المصدر مؤول باسم المفعول أي لا تدخلوها إلا مأذوناً لكم والمصدر المسبوك قد يؤول بمعنى المفعول كما قيل في قوله تعالى : مَا كَانَ هذا القرءان أَن يَفْتَرِى  \[ يونس : ٧ ٣ \] إن المعنى ما كان هذا القرآن مفترى فمن قال كون المصدر بمعنى المفعول غير معروف في المؤول لم يصب، وقيل فيما ذكر مخالفة لقول النحاة المصدر المسبوك معرفة دائماً كما صرح به في **«المغني »**. 
وتعقبه الخفاجي بأن الحق أنه سطحي وأنه قد يكون نكرة وذكر قوله تعالى : مَا كَانَ  الخ، وقوله سبحانه : إلى طَعَامٍ  متعلق بيؤذن وعدى بإلى مع أنه يتعدى بفي فيقال أذن له في كذا لتضمينه معنى الدعاء للإشعار بأنه لا ينبغي أن يدخلوا على طعام بغير دعوة وإن تحقق الإذن الصريح في دخول البيت فإن كل إذن ليس بدعوة، وقيل يجوز أن يكون قد تنازع فيه الفعلان  تَدْخُلُواْ  وهو مما لا بأس به، وقوله تعالى :
 غَيْرَ ناظرين  أي غير منتظرين نضجه وبلوغه تقول أنى الطعام يأنى أنى كقلى يقلى قلى إذا نضج وبلغ قاله الزجاج ؛ وقال مكي : أناه ظرف زمان مقلوب آن التي بمعنى الحين فقلبت النون قبل الألف وغيرت الهمزة إلى الكسرة أي غير ناظرين آنه أي حينه والمراد حين إدراكه ونضجه أو حين أكله حال من فاعل تدخلوا وهو حال مفرغ من أعم الأحوال كما سمعت في  إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ  وإذا جعل ذلك حالاً فهي حال مترادفة فكأنه قيل : لا تدخلوا في حال من الأحوال إلا مصحوبين بالإذن غير ناظرين، والظاهر أنها حال مقدرة ويحتمل أن تكون مقارنة، والزمخشري بعد أن جعل ما تقدم نصباً على الظرفية جعل هذا حالاً أيضاً لكنه قال بعد وقع الاستثناء على الوقت والحال معاً كأنه قيل لا تدخلوا بيوت النبي إلا وقت الإذن ولا تدخلوها إلا غير ناظرين. 
وتعقبه أبو حيان بأنه لا يجوز على مذهب الجمهور من أنه لا يقع بعد إلا في الاستثناء إلا المستثنى أو المستثنى منه أو صفة المستثنى منه ثم قال وأجاز الأخفش. والكسائي ذلك في الحال أجاز ما ذهب القوم إلا يوم الجمعة راحلين عنا فيجوز ما قاله الزمخشري عليه ولا يخفى على المتأمل في كلام الزمخشري أنه بعيد بمراحل عن جعل الآية الكريمة كالمثال المذكور لأنه على التأخير والتقديم وكلامه آب عن اعتبار ذلك في الآية نعم لو اقتصر على جعل  غَيْرَ ناظرين  حالاً من ضمير  تَدْخُلُواْ  لأمكن أن يقال إن مراده لا تدخلوا غير ناظرين إلا أن يؤذن لكم ويكون المعنى أن دخولهم غير ناظرين إناه مشروط بالإذن وأما دخولهم ناظرين فممنوع مطلقاً بطريق الأولى ثم قدم المستثنى وأخر الحال. وتعقبه بعضهم بأن فيه استثناء شيئين وهما الظرف والحال بأداة واحدة وقد قال ابن مالك في التسهيل : لا يستثنى بأداة واحدة دون عطف شيئان وظاهره عدم جواز ذلك سواء كان الاستثناء مفرغاً أم لا وسواء كان الشيئآن مما يعمل فيهما العامل المتقدم أم لا فلا يجوز قام القوم إلا زيداً عمراً ولا ما قام القوم إلا زيداً عمراً أو إلا زيد عمرو ولا ما قام إلا خالد بكر ولا ما أعطيت أحداً شيئاً إلا عمراً دانقاً ولا ما أعطيت إلا عمراً دانقاً ولا ما أخذ أحد شيئاً إلا زيد درهماً ولا ما أخذ أحد إلا زيد درهماً، والكلام في هذه المسألة وما يصح من هذه التراكيب وما لا يصح وإذا صح فعلي أي وجه يصح طويل عريض، والذي أميل إليه تقييد إطلاقهم لا يستثنى بأداة واحدة دون عطف شيآن بما إذا كان الشيئآن لا يعمل فيهما العامل السابق قبل الاستثناء فلا يجوز ما قام إلا زيد إلا بكر مثلاً إذ لا يكون للفعل فاعلان دون عطف ولا ما ضربت إلا زيداً عمراً مثلاً إذ لا يكون لضرب مفعولان دون عطف أيضاً، وأرى جواز نحو ما أعطيت أحداً شيئاً إلا عمراً دانقاً ونحو ما ضرب إلا زيد عمراً من غير حاجة إلى التزام إبدال اسمين من اسمين نظير قوله :
ولما قرعنا النبع بالنبع بعضه \*\*\* ببعض أبت عيدانه أن تكسرا
في الأول وإضمار فعل ناصب لعمرو دل عليه المذكور في الثاني، وما ذكره ابن مالك في الاحتجاج على الشبه بالعطف حيث قال : كما لا يقدر بعد حرف العطف معطوفان كذلك لا يقدر بعد حرف الاستثناء مستثنيان لا يتم علينا فإنا نقول في العطف بالجواز في مثل ما ضرب زيد عمراً. وبكر خالداً قطعاً فنحو ما أعطيت أحداً شيئاً إلا زيداً دانقاً كذلك، وقوله : إن الاستثناء في حكم جملة مستأنفة لأن معنى جاء القوم إلا زيداً جاء القوم ما منهم زيد وهو على ما قيل يقتضي أن لا يعمل ما قبل إلا فيما بعدها في مثل ما ذكر لأنها بمثابة ما وليس ذلك من الصور المستثناة ليس بشيء كما لا يخفى، وما في أمالي الكافية من أنه لا بد في المستثنى المفرغ من تقدير عام فلو استعمل بعد إلا شيئآن فأما أن لا يقدر عام أصلاً وهو يخالف حكم الباب أو يقدر عامان وهو يؤدي إلى أمر خارج عن القياس من غير ثبت ولو جاز في الاثنين جاز فيما فوقهما وهو ظاهر البطلان أو يقدر لأحدهما دون الآخر وهو يؤدي إلى اللبس فيما قصد. تعقبه الحديثي بأن لقائل أن يختار الثالث ويقول : العام لا يقدر إلا للذي يلي إلا منهما لأنه المستثنى المفرغ ظاهراً فلا يحصل اللبس أصلاً، وأبو حيان قدر في الآية محذوفاً وجعل  غَيْرَ ناظرين  حالاً من الضمير فيه والتقدير ادخلوا غير ناظرين وهو الذي يقتضيه كلام ابن مالك حيث أوجب في نحو ما ضرب إلا زيد عمراً جعل عمراً مفعولاً لمحذوف دل عليه المذكور، والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً وقعت جواباً لسؤال نشأ من الجملة الأولى كأنه لما قيل ما ضرب إلا زيد سأل سائل من ضرب ؟ فقيل : ضرب عمراً، وذكر العلامة تقي الدين السبكي عليه الرحمة في رسالته المسماة بالحلم والأناة في إعراب  غَيْرَ ناظرين إناه  وفيها يقول الصلاح الصفدي :
يا طالب النحو في زمان \*\*\* أطول ظلاً من القناة
وما تحلى منه بعقد \*\*\* عليك بالحلم والأناة
إن الظاهر أن الزمخشري ما قال ذلك إلا تفسير معنى والمستثنى في الحقيقة هو المصدر المتعلق به الظرف والحال فكأنه قيل : لا تدخلوا إلا دخولاً مصحوباً بكذا ثم قال : وليست أقول بتقدير مصدر هو عامل فيهما فإن العمل للفعل المفرغ وإنما أردت شرح المعنى، ومثل هذا الإعراب هو الذي نختاره في قوله تعالى : وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم بَغْيًا بَيْنَهُمْ  \[ آل عمران : ٩ ١ \] أي إلا اختلافاً من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم فمن بعد ما جاءهم وبغياً ليسا مستثنيين بل وقع عليهما المستثنى وهو الاختلاف كما تقول ما قمت إلا يوم الجمعة ضاحكاً أمام الأمير في داره فكلها يعمل فيها الفعل المفرغ من جهة الصناعة وهي من جهة المعنى كالشيء الواحد لأنها بمجموعها بعض من المصدر الذي تضمنه الفعل المنفي وهذا أحسن من أن يقدر اختلفوا بغياً بينهم لأنه حينئذٍ لا يفيد الحصر وعلى ما قلناه يفيد الحصر فيه كما أفاده في قوله تعالى : مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم  فهو حصر في شيئين لكن بالطريق الذي قلناه لا أنه استثناء شيئين بل استثناء شيء صادق على شيئين، ويمكن حمل كلام الزمخشري على ذلك فقوله : وقع الاستثناء على الوقت والحال معاً صحيح وأن المستثنى أعم لأن الأعم يقع على الأخص والواقع على الواقع واقع فتخلص عما ورد عليه من قول النحاة لا يستثنى بأداة واحدة دون عطف شيئآن انتهى فتدبره، وجوز أن يكون  غَيْرَ ناظرين  حالاً من المجرور في  لَكُمْ  ولم يذكره الزمخشري، وفي ****«الكشف »**** لو جعل حالاً من ذلك لأفاد ما ذكره من حيث أنه نهى عن الدخول في جميع الأوقات إلا وقت وجود الإذن المقيد، وقال العلامة تقي الدين : لم يجعل حالاً من ذلك وإن كان جائزاً من جهة الصناعة لأنه يصير حالاً مقدرة ولأنهم لا يصيرون منهيين عن الانتظار بل يكون ذلك قيداً في الإذن وليس المعنى على ذلك بل على أنهم نهوا أن يدخلوا إلا بإذن ونهوا إذا دخلوا أن يكونوا غير ناظرين أناه فلذلك امتنع من جهة المعنى أن يكون العامل فِيهِ  يُؤْذَنَ  وأن يكون حالاً من مفعوله اه. 
ولعله أبعد نظراً مما في ****«الكشف »****، وقرأ ابن أبي عبلة  غَيْرِ  بالكسر على أنه صفة لطعام فيكون جارياً على غير من هوله، ومذهب البصريين في ذلك وجوب إبراز الضمير بأن يقال هنا غير ناظم أنتم أو غير ناظرين أنتم ولا بأس بحذفه عند الكوفيين إذا لم يقع لبس كما هنا والتخريج المذكور عليه، وقد أمال حمزة. 
والكسائي  إناه  بناءً على أنه مصدر أنى الطعام إذا أدرك، وقرأ الأعمش  إناءه  بمدة بعد النون  إناه وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فادخلوا  استدراك من النهي عن الدخول بغير إذن وفيه دلالة على أن المراد بالإذن إلى الطعام الدعوة إليه  فَإِذَا طَعِمْتُمْ فانتشروا  أي فإذا أكلتم الطعام فتفرقوا ولا تلبثوا، والفاء للتعقيب بلا مهلة للدلالة على أنه ينبغي أن يكون دخولهم بعد الإذن والدعوة على وجه يعقبه الشروع في الأكل بلا فصل، والآية على ما ذهب إليه الجل من المفسرين خطاب لقوم كانوا يتحينون طعام النبي صلى الله عليه وسلم فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه مخصوصة بهم وبأمثالهم ممن يفعل مثل فعلهم في المستقبل فالنهي مخصوص بمن دخل بغير دعوة وجلس منتظراً للط

### الآية 33:54

> ﻿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [33:54]

إِن تُبْدُواْ شَيْئاً  مما لا خير فيه على ألسنتكم كأن تتحدثوا بنكاحهن  أَوْ تُخْفُوهْ  في صدوركم  فَإِنَّ الله كَانَ بِكُلّ شيء عَلِيماً  كامل العلم فيجازيكم بما صدر عنكم من المعاصي البادية والخافية لا محالة، وهذا دليل الجواب والأصل إن تبدوا شيئاً أو تخفوه يجازكم به فإن الله الخ. 
وقيل هو الجواب على معنى فأخبركم أن الله الخ، وفي تعميم  شيء  في الموضعين مع البرهان على المقصود من ثبوت علمه تعالى بما يتعلق بزوجاته صلى الله عليه وسلم مزيد تهويل وتشديد ومبالغة الوعيد، وسبب نزول الآية على ما قيل أنه لما نزلت آية الحجاب قال رجل : اننهى أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب لئن مات محمد صلى الله عليه وسلم لنتزوجن نساءه، وفي بعض الروايات تزوجت عائشة أو أم سلمة. 
وأخرج جويبر عن ابن عباس أن رجلاً أتى بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فكلمها وهو ابن عمها فقال النبي عليه الصلاة والسلام :**«لا تقومن هذا المقام بعد يومك هذا »** فقال : يا رسول الله إنها ابنة عمي والله ما قلت لها منكراً ولا قالت لي قال النبي صلى الله عليه وسلم :**«قد عرفت ذلك أنه ليس أحد أغير من الله تعالى وأنه ليس أحد أغير مني »** فمضى ثم قال : عنفني من كلام ابنة عمي لأتزوجنها من بعده فأنزل الله تعالى هذه الآية فأعتق ذلك الرجل رقبة وحمل على عشرة أبعرة في سبيل الله تعالى وحج ماشياً من كلمته. 
وأخرج عبد الرزاق. وعبد بن حميد. وابن المنذر عن قتادة أن طلحة بن عبيد الله قال : لو قبض النبي صلى الله عليه وسلم تزوجت عائشة فنزلت  وَمَا كَانَ لَكُمْ  الآية. 
قال ابن عطية : كون القائل طلحة رضي الله تعالى عنه لا يصح وهو الذي يغلب على ظني ولا أكاد أسلم الصحة إلا إذا سلم ما تضمنه خبر ابن عباس مما يدل على الندم العظيم، وفي بعض الروايات أن بعض المنافقين قال حين تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة بعد أبي سلمة. وحفصة بعد خنيس بن حذافة ما بال محمد صلى الله عليه وسلم يتزوج نساءنا والله لو قد مات لأجلنا السهام على نسائه فنزلت، ولعمري أن ذلك غير بعيد عن المنافقين وهو أبعد من العيوق عن المؤمنين المخلصين لاسيما من كان من المبشرين رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ورأيت لبعض الأجلة أن طلحة الذي قال ما قال ليس هو طلحة أحد العشرة وإنما هو طلحة آخر لا يبعد منه القول المحكي وهذا من باب اشتباه الاسم فلا إشكال.

### الآية 33:55

> ﻿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ ۗ وَاتَّقِينَ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا [33:55]

لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِى ءابَائِهِنَّ وَلاَ أَبْنَائِهِنَّ وَلاَ إخوانهن وَلاَ أَبْنَاء إخوانهن وَلاَ أَبْنَاء أخواتهن  استئناف لبيان من لا يجب عليهن الاحتجاب عنه، روي أنه لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب أو نحن يا رسول الله نكلمهن أيضاً من وراء حجاب فنزلت، والظاهر أن المعنى لا إثم عليهن في ترك الحجاب من آبائهن الخ، وروي ذلك عن قتادة، وعن مجاهد أن المراد لا جناح عليهن في وضع الجلباب وإبداء الزينة للمذكورين، وفي حكمهم كل ذي رحم محرم من نسب أو رضاع على ما روى ابن سعد عن الزهري، وأخرج ابن أبي شيبة. وأبو داود في ناسخه عن عكرمة قال : بلغ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن عائشة رضي الله تعالى عنها احتجبت من الحسن رضي الله تعالى عنه فقال : إن رؤيته لها لحل. ولم يذكر العم والخال لأنهما بمنزلة الوالدين أو لأنه اكتفى عن ذكرهما بذكر أبناء الإخوة وأبناء الأخوات فإن مناط عدم لزوم الحجاب بينهن وبين الفريقين عين ما بينهن وبين العم والخال من العمومة والخؤولة لما أنهن عمات لأبناء الأخوة وخالات لأبناء الأخوات، وقال الشعبي : لم يذكرا وإن كانا من المحارم لئلا يصفاها لأبنائهما وليسوا من المحارم، وقد أخرج نحو ذلك ابن جرير. وابن المنذر عن علي كرم الله تعالى وجهه، وقد كره الشعبي. وعكرمة أن تضع المرأة خمارها عند عمها أو خالها مخافة وصفه إياها لابنه، وهذا القول عندي ضعيف لجريان ذلك في النساء كلهن ممن لم يكن أمهات محارم، ولا أرى صحة الرواية عن علي كرم الله تعالى وجهه : وَلاَ نِسَائِهِنَّ  أي النساء المؤمنات على ما روى عن ابن عباس. وابن زيد. ومجاهد، والإضافة إليهن باعتبار أهن على دينهن فيحتجبن على الكافرات ولو كتابيات، وفي ******«البحر »****** دخل في نسائهن الأمهات والأخوات وسائر القرابات ومن يتصل بهن من المتصرفات لهن والقائمات بخدمتهن. 
 وَلاَ مَلَكَتْ أيمانهن  ظاهره من العبيد والإماء، وأخرجه ابن مردويه عن ابن عباس وإليه ذهب الإمام الشافعي، وقال الخفاجي : مذهب أبي حنيفة أنه مخصوص بالإماء وعلى الظاهر استثنى المكاتب قال أبو حيان : إنه صلى الله عليه وسلم أمر بضرب الحجاب دونه وفعلته أم سلمة مع مكاتبها نبهان  واتقين الله  في كل ما تأتن وتذرن لاسيما فيما أمرتن به وما نهيتن عنه، وفي ******«البحر »****** في الكلام حذف والتقدير اقتصرن على هذا واتقين الله تعالى فيه أن تتعدينه إلى غيره، وفي نقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب فضل تشديد في طلب التقوى منهن  إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَىْء شَهِيداً  لا تخفى عليه خافية ولا تتفاوت في علمه الأحوال فيجازي سبحانه على الأعمال بحسبها، هذا واختلف في حرمة رؤية أشخاصهن مستترات فقال بعضهم بها ونسب ذلك إلى القاضي عياض، وعبارته فرض الحجاب مما اختصصن به فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين فلا يجوز لهن كشف ذلك في شهادة ولا غيرها ولا أظهار شخوصهن وإن كن مستترات إلا ما دعت إليه ضرورة من براز. 
ثم استدل بما في الموطأ أن حفصة لما توفي عمر رضي الله تعالى عنه سترتها النساء عن أن يرى شخصها وأن زينب بنت جحش جعلت لها القبلة فوق نعشها لتستر شخصها انتهى، وتعقب ذلك الحافظ ابن حجر فقال ليس فيما ذكره دليل على ما ادعاه من فرض ذلك عليهن فقد كن بعد النبي صلى الله عليه وسلم يحججن ويطفن وكان الصحابة ومن بعدهم يسمعون منهن الحديث وهن مستترات الأبدان لا الأشخاص اه، وأنا أرى أفضلية ستر الأشخاص فلا يبعد القول بندبه لهن وطلبه منهن أزيد من غيرهن، وفي ******«البحر »****** ذهب عمر رضي الله تعالى عنه إلى أنه لا يشهد جنازة زينب إلا ذو محرم منها مراعاة للحجاب فدلته أسماء بنت عميس على سترها في النعش بقبة تضرب عليه وأعلمته أنها رأت ذلك في بلاد الحبشة فصنعه عمر رضي الله تعالى عنه، وروى أنه صنع ذلك في جنازة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

### الآية 33:56

> ﻿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [33:56]

إِنَّ الله وملائكته يُصَلُّونَ عَلَى النبي  كالتعليل لما أفاده الكلام السابق من التشريف العظيم الذي لم يعهد له نظير، والتعبير بالجملة الاسمية للدلالة على الدوام والاستمرار، وذكر أن الجملة تفيد الدوام نظراً إلى صدرها من حيث أنها جملة اسمية وتفيد التجدد نظراً إلى عجزها من حيث أنه جملة فعلية فيكون مفادها استمرار الصلاة وتجددها وقتاً فوقتاً، وتأكيدها بأن للاعتناء بشأن الخبر، وقيل لوقوعها في جواب سؤال مقدر هو ما سبب هذا التشريف العظيم ؟ وعبر بالنبي دون اسمه صلى الله عليه وسلم على خلاف الغالب في حكايته تعالى عن أنبيائه عليهم السلام إشعاراً بما اختص به صلى الله عليه وسلم من مزيد الفخامة والكرامة وعلو القدر، وأكد ذلك الأشعار بأل التي للغلبة إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم المعروف الحقيق بهذا الوصف، وقال بعض الأجلة إن ذاك للأشعار بعلة الحكم، ولم يعبر بالرسول بدله ليوافق ما قبله من قوله تعالى : وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله  \[ الأحزاب : ٣ ٥ \] لأن الرسالة أفضل من النبوة على الصحيح الذي عليه الجمهور خلافاً للعز بن عبد السلام فتعليق الحكم بها لا يفيد قوة استحقاقه عليه الصلاة والسلام للصلاة بخلاف تعليقه بما هو دونها مع وجودها فيه وهو معنى دقيق فلا تسارع إلى الاعتراض عليه، وإضافة الملائكة للاستغراق. 
وقيل : \*ملائكته  ولم يقل الملائكة إشارة إلى عظم قدرهم ومزيد شرفهم بإضافتهم إلى الله تعالى وذلك مستلزم لتعظيمه صلى الله عليه وسلم بما يصل إليه منهم من حيث أن العظيم لا يصدر منه إلا عظيم، ثم فيه التنبيه على كثرتهم وأن الصلاة من هذا الجمع الكثير الذي لا يحيط بمنتهاه غير خالقه واصلة إليه صلى الله عليه وسلم على ممر الأيام والدهور مع تجددها كل وقت وحين، وهذا أبلغ تعظيم وأنهاه وأشمله وأكمله وأزكاه. 
واختلفوا في معنى الصلاة من الله تعالى وملائكته عليهم السلام على نبيه صلى الله عليه وسلم على أقوال فقيل : هي منه عز وجل ثناؤه عليه عند ملائكته وتعظيمه، ورواه البخاري عن أبي العالية. وغيره عن الربيع بن أنس وجرى عليه الحليمي في **«شعب الإيمان »**، وتعظيمه تعالى إياه في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دينه وإبقاء العمل بشريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته وإجزال أجره ومثوبته وإبداء فضله للأولين والآخرين بالمقام المحمود وتقديمه على كافة المقربين الشهود، وتفسيرها بذلك لا ينافي عطف غيره كالآل والأصحاب عليه لأن تعظيم كل أحد بحسب ما يليق به، وهي من الملائكة الدعاء له عليه الصلاة والسلام على ما رواه عبد بن حميد. وابن أبي حاتم عن أبي العالية، وقيل : هي منه تعالى رحمته عز وجل، ونقله الترمذي عن الثوري. 
وغير واحد من أهل العلم ونقل عن أبي العالية أيضاً، وعن الضحاك وجرى عليه المبرد. وابن الأعرابي. والإمام المارودي وقال : إن ذلك أظهر الوجوه. 
واعترض بما مر عند الكلام في قوله تعالى : هُوَ الذي يُصَلّى عَلَيْكُمْ وملائكته  \[ الأحزاب : ٣ ٤ \] والجواب هو الجواب، وبأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم سألوا كما سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى لما نزلت عن كيفية الصلاة فلو لم يكونوا فهموا المغايرة بينها وبين الرحمة ما سألوا عن كيفيتها مع كونهم علموا الدعاء بالرحمة في التشهد. وأجيب بأنها رحمة خاصة فسألوا عن الكيفية ليحيطوا علماً بذلك الخصوص، وهي من الملائكة كما سمعت أولاً، ويلزم على هذا وذلك استعمال اللفظ في معنيين ولا يجوزه كثير كالحنفية، والقائلين بأحد القولين الذين لا يجوزون الاستعمال المذكور اختلفوا في التفصي عن ذلك في الآية فقال بعضهم : في الآية حذف والأصل إن الله يصلي وملائكته يصلون فيكون قد أدى كل معنى بلفظ، وقال آخر : تعدد الفاعل صير الفعل كالمتعدد، وقال صدر الشريعة دون أن يكون المعنى واحداً حقيقياً وهو الدعاء والمعنى والله تعالى أعلم أنه تعالى يدعو ذاته والملائكة بإيصال الخير وذلك في حقه تعالى بالرحمة وفي حق الملائكة بالاستغفار، وفيه دغدغة لا تخفى، وقال جمع من المحققين : يتفصى عن ذلك بعموم المجاز فيراد معنى مجازى عام يكون كل من المعاني فرداً حقيقياً له وهو الاعتناء يما فيه خيره صلى الله عليه وسلم وصلاح أمره وإظهار شرفه وتعظيم شأنه أو الترحم والانعطاف المعنوي. 
وقال بعض الأجلة : إن معنى الصلاة يختلف باعتبار حال المصلي والمصلى له والمصلى عليه، والأولى أنها موضوعة هنا للقدر المشترك وهو الاعتناء بالمصلي عليه أو إرادة وصول الخير، وقال آخر : الصواب أن الصلاة لغة بمعنى واحد وهو العف ثم هو بالنسبة إليه تعالى الرحمة وإلى الملائكة عليهم السلام الاستغفار وإلى الآدميين الدعاء. وتعقب بأن العطف بمعناه الحقيقي مستحيل عليه تعالى فيلزم من اعتباره مسنداً إليه تعالى وإلى الملائكة عليهم السلام ما يلزم. وأجيب بأنا لا نسلم الاستحالة إلا إذا كان العطف في الغائب كالعطف في الشاهد لا يتحقق إلا بقلب ونحوه من صفات الأجسام المستحيلة عليه سبحانه، ونحن من وراء المنع فكثير مما في الشاهد شيء وهو في الله تعالى وراء ذلك ويستد إليه سبحانه على الحقيقة كالسمع والبصر وكذا الإرادة. 
وقد ذهب السلف إلى عدم تأويل الرحمة فيه تعالى بأحد التأويلين المشهورين مع أنها في الشاهد لا تتحقق إلا بما يستحيل عليه تعالى ولو أوجب ذلك التأويل لم يبق بأيدينا غير محتاج إليه إلا قليل، وقد تقدم ما يتعلق بهذا المطلب في غير موضع من هذا الكتاب، وقد يختار أن الصلاة هنا تعظيم لشأنه صلى الله عليه وسلم يقارنه عطف لائق به تعالى وبملائكته، وإذا انسحبت عليه عليه الصلاة والسلام وعلى أحد من المؤمنين تعلقت بكل حسبما يليق به، وجمع الله سبحانه والملائكة في ضمير واحد لا ينافي قوله عليه الصلاة والسلام لمن قال : من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصمها فقد غوى **«بئس خطيب القوم أنت قل ومن يعص الله ورسوله »** لأن ذلك منه تعالى محض تشريف للملائكة عليهم السلام لا يتوهم منه نقص ولذا قيل إذا صدر مثله عن معصوم قيل كما في قوله صلى الله عليه وسلم :
 " لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما " وقال بعضهم : لا بأس بذلك مطلقاً، وذم الخطيب لأنه وقف على يعصهما وسكت سكتة واستدل بخبر لأبي داود، وقيل : يقبح إذا كان في جملتين كما في كلام الخطيب ولا يقبح إذا كان في واحدة كما في الآية وكلام الحبيب عليه الصلاة والسلام وفيه بحث. وقرأ ابن عباس. وعبد الوارث عن أبي عمرو  وملائكته  بالرفع فعند الكوفيين غير الفراء هو عطف على محل إن واسمها، والفراء يشترط في العطف على ذلك خفاء إعراب اسم إن كما في قوله تعالى : إِنَّ الذين ءامَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئون  \[ المائدة : ٦٩ \] وكما في قول الشاعر :ومن يك أمسى في المدينة رحله  فإني وقيار بها لغريبوهل خفاء الإعراب شامل للاسم المقصور والمضاف للياء أو خاص بالمبنى فيه خلاف، وعند البصريين والراء هو مبتدأ وجملة  يَصِلُونَ  خبره وخبر إن محذوف ثقة بدلالة ما بعد عليه أي إن الله يصلي وملائكته يصلون  يا أيها الذين ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ  أي عظموا شأنه عاطفين عليه فإنكم أولى بذلك. وظاهر سوق الآية أنه لإيجاب اقتدائنا به تعالى فيناسب اتحاد المعنى مع اتحاد اللفظ، وقراءة ابن مسعود صلوا عليه كما صلى عليه وكذا قراءة الحسن فصلوا عليه أظهر فيما ذكر فيبعد تفسير صلوا عليه بقولوا : اللهم صل على النبي أو نحوه. 
ومن فسره بذلك أراد أن المراد بالتعظيم المأمور به ما يكون بهذا اللفظ ونحوه مما يدل على طلب التعظيم لشأنه عليه الصلاة والسلام من الله عز وجل لقصور وسع المؤمنين عن أداء حقه عليه الصلاة والسلام. 
وما جاء في الأخبار إرشاد إلى كيفية ذلك وصفته لا أنه تفسير للفظ صلوا، وجاء ذلك على عدة أوجه والجمع ظاهر. 
أخرج عبد الرزاق. وابن أبي شيبة. والإمام أحمد. وعبد بن حميد. والبخاري. ومسلم. وأبو داود والترمذي. والنسائي. وابن ماجه. وابن مردويه. عن كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رجل : يا رسول الله أما السلام عليك فقد علمناه فكيف الصلاة عليك قال :«قل اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. 
 وأخرج الإمام مالك. والإمام أحمد. والبخاري. ومسلم. وأبو داود. والنسائي. وابن ماجه. وغيرهم عن أبي حميد الساعدي أنهم قالوا : يا رسول الله كيف نصلي عليك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«قولوا اللهم صلى على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد »**
وأخرج الإمام أحمد. والبخاري. والنسائي. وابن ماجه. وغيرهم عن أبي سعيد الخدري قلنا : يا رسول الله هذا السلام عليك قد علمنا فكيف الصلاة عليك ؟ قال :**«قولوا اللهم صلى على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم »**
وأخرج النسائي. وغيره عن أبي هريرة ؛ أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نصلي عليك. قال :**«قولوا اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد والسلام كما قد علمتم »** وأخرج الإمام أحمد. وعبد بن حميد. وابن مردويه. عن ابن بريدة رضي الله تعالى عنه قال : قلنا يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك ؟ قال :**«قولوا اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد كما جعلتها على إبراهيم إنك حميد مجيد »** إلى غير ذلك مما ملئت منه كتب الحديث إلا أن في بعض الروايات المذكورة فيها مقالاً، والظاهر من السؤال أنه سؤال عن الصفة كما أشرنا إليه قبل وهو الذي رجحه الباجي. وغيره وجزم به القرطبي. وقيل : إنه سؤال عن معنى الصلاة وبأي لفظ تؤدي والحامل لهم على السؤال على هذا أن السلام لما ورد في التشهد بلفظ مخصوص فهموا أن الصلاة أيضاً تقع بلفظ مخصوص ولم يفروا إلى القياس لتيسر الوقوف على النص سيما والإذكار يراعى فيها اللفظ ما أمكن فوقع الأمر كما فهموه فإنه لم يقل عليه الصلاة والسلام كالسلام بل علمهم صفة أخرى كذا قيل. ويقال على الأول : إنهم لما سمعوا الأمر بالصلاة بعد سماع أن الله عز وجل وملائكته عليهم السلام يصلون عليه صلى الله عليه وسلم وفهموا أن الصلاة منه عز وجل ومن ملائكته عليه عليه الصلاة والسلام نوع من تعظيم لائق بشأن ذلك النبي الكريم عليه من الله تعالى أفضل الصلاة وأكمل التسليم لم يدروا ما اللائق منهم من كيفيات تعظيم ذلك الجناب وسيد ذوي الألباب صلى الله عليه وسلم صلاة وسلاماً يستغرقان الحساب فسألوا عن كيفية ذلك التعظيم فأرشدهم عليه الصلاة والسلام إلى ما علم أنه أولى أنواعه وهو بهم رؤوف رحيم فقال صلى الله عليه وسلم :
**«قولوا اللهم صل على محمد »** إلى آخر ما في بعض الروايات الصحيحة، وفيه إيماء إلى أنكم عاجزون عن التعظيم اللائق بي فاطلبوه من الله عز وجل لي. 
ومن هنا يعلم أن الآتي بما أمر به من طلب الصلاة له صلى الله

### الآية 33:57

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا [33:57]

إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ  أريد بالايذاء إما ارتكاب ما لا يرضيانه من الكفر وكبائر المعاصي مجازاً لأنه سبب أو لازم له وإن كان ذلك بالنظر إليه تعالى بالنسبة إلى غيره سبحانه فإنه كاف في العلاقة، وقيل في إيذائه تعالى : هو قول اليهود والنصارى والمشركين يد الله مغلولة والمسيح ابن الله والملائكة بنات الله والأصنام شركاؤه تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وقيل قول الذين يلحدون في آياته سبحانه، وقيل تصوير التصاوير وروي عن كعب ما يقتضيه، وقيل في إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم هو قولهم : شاعر ساحر كاهن مجنون وحاشاه عليه الصلاة والسلام، وقيل هو كسر رباعيته وشج وجهه الشريف وكان ذلك في غزوة أحد، وقيل طعنهم في نكاح صفية بنت حيي ؛ والحق هو العموم فيهما، وإما إيذاؤه عليه الصلاة والسلام خاصة بطريق الحقيقة وذكر الله عز وجل لتعظيمه صلى الله عليه وسلم ببيان قربه وكونه حبيبه المختص به حتى كان ما يؤذيه يؤذيه سبحانه كما أن من يطيعه يطيع الله تعالى. 
وجوز أن يكون الإيذاء على حقيقته والكلام على حذف مضاف أي يؤذون أولياء الله ورسوله وليس بشيء، وقيل يجوز أن يراد منه المعنى المجازي بالنسبة إليه تعالى والمعنى الحقيقي بالنسبة إلى رسوله عليه الصلاة والسلام وتعدد المعمول بمنزلة تكرر لفظ العامل فيخف أمر الجمع بين المعنيين حتى ادعى بعضهم أنه ليس من الجمع الممنوع وليس بشيء  لَّعَنَهُمُ الله  طردهم وأبعدهم من رحمته  فِى الدنيا والآخرة  بحيث لا يكادون ينالون فيها شيئاً منها، وذلك في الآخرة ظاهر، وأما في الدنيا فقيل بمنعهم زيادة الهدى  وَأَعَدَّ لَهُمْ  مع ذلك  عَذَاباً مُّهِيناً  يصيبهم في الآخرة خاصة.

### الآية 33:58

> ﻿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [33:58]

والذين يُؤْذُونَ المؤمنين والمؤمنات  يفعلون بهم ما يتأذون به من قول أو فعل، وتقييده بقوله تعالى  بِغَيْرِ مَا اكتسبوا  أي بغير جناية يستحقون بها الأذية شرعاً بعد إطلاقه فيما قبله للإيذان بأن أذى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لا يكون إلا في غير حق وأما أذى هؤلاء فمنه ومنه. 
وروي أن عمر رضي الله تعالى عنه قال يوماً لأبي : يا أبا المنذر قرأت البارحة آية من كتاب الله تعالى فوقعت منى كل موقع  والذين يُؤْذُونَ المؤمنين والمؤمنات  والله إني لأعاقبهم وأضربهم فقال : إنك لست منهم إنما أنت معلم ومقوم وقوله تعالى : الذين  مبتدأ وقوله سبحانه  فَقَدِ احتملوا بهتانا  أي فعلاً شنيعاً وقيل ما هو كالبهتان أي الكذب الذي يبهت الشخص لفظاعته في الاثم، وقيل احتمل بهتاناً أي كذباً فظيعاً إذا كان الإيذان بالقول  وَإِثْماً مُّبِيناً  أي ظاهر ابينا خبره، ودخلت الفاء لتضمن الموصول معنى الشرط، والآية قيل نزلت في منافقين كانوا يؤذون علياً كرم الله تعالى وجهه ويسمعونه ما لا خير فيه. 
وأخرج ابن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال : أنزلت في عبد الله بن أبي وناس معه قذفوا عائشة رضي الله تعالى عنها فخطب النبي صلى الله عليه وسلم وقال :**«من يعذرني من رجل يؤذيني ويجمع في بيته من يؤذيني فنزلت »**
وأخرج ابن جرير. وابن أبي حاتم عنه رضي الله تعالى عنها انها نزلت في الذين طعنوا على النبي صلى الله عليه وسلم في أخذ صفية بنت حي رضي الله تعالى عنها، وعن الضحاك. والسدى. والكلبي أنها نزلت في زاناة كانوا يتبعون النساء إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن وكانوا لا يتعرضون إلا للإماء ولكن ربما يقع منهم التعرض للحرائر جهلاً أو تجاهلاً لاتحاد الكل في الزي واللباس، والظاهر عموم الآية لكل ما ذكر ولكل ما سيأتي من أراجيف المرجفين، وفيها من الدلالة على حرمة المؤمنين والمؤمنات ما فيها، وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في هذه الآية قال : يلقي الجرب على أهل النار فيحكون حتى تبدو العظام فيقولون ربنا بماذا أصابنا هذا فيقال : بأذاكم المسلمين، وأخرج غير واحد عن قتادة قال : إياكم وأذى المؤمن فإن الله تعالى يحوطه ويغضب له. 
وأخرج ابن أبي حاتم. وابن مردويه. والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة رضي الله تعالى عنها قال :**«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه أي الربا أربى عند الله ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم قال : أربى الربا عند الله استحلال عرض امرئ مسلم ثم قرأ صلى الله عليه وسلم والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا الآية »**

### الآية 33:59

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [33:59]

يأَيُّهَا النبي  بعد ما بين سبحانه سوء حال المؤذين زجراً لهم عن الإيذاء أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يأمر بعض المتأذين منهم بما يدفع إيذاءهم في الجملة من التستر والتميز عن مواقع الإيذاء فقال عز وجل :
 قُل لأزواجك وبناتك وَنِسَاء المؤمنين يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن  روي عن غير واحد أنه كانت الحرة والأمة تخرجان ليلاً لقضاء الحاجة في الغيظان وبين النخيل من غير امتياز بين الحرائر والإماء وكان في المدينة فساق يتعرضون للإماء وربما تعرضوا للحرائر فإذا قيل لهم يقولون حسبناهن اماء فأمرت الحراير أن يخالفن الإماء بالزي والتستر ليحتشمن ويهبن فلا يطمع فيهن، والجلابيب جمع جلباب وهو على ما روي عن ابن عباس الذي يستر من فوق إلى أسفل، وقال ابن جبير : المقنعة، وقيل : الملحفة، وقيل : كل ثوب تلبسه المرأة فوق ثيابها، وقيل : كل ما تتستر به من كساء أو غيره، وأنشدوا
تجلببت من سواد الليل جلبابا \*\*\* وقيل هو ثوب أوسع من الخمار ودون الرداء، والادناء التقريب يقال أدناني أي قربني وضمن معنى الارخاء أو السدل ولذا عدي بعلى على ما يظهر لي، ولعل نكتة التضمين الإشارة إلى أن المطلوب تستر يتأتى معه رؤية الطريق إذا مشين فتأمل. 
ونقل أبو حيان عن الكسائي أنه قال : أي يتقنعن بملاحفهن منضمة عليهن ثم قال : أراد بالانضمام معنى الأدناء، وفي الكشاف معنى  يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ  يرخين عليهن يقال إذا زل الثوب عن وجه المرأة أدنى ثوبك على وجهك. 
وفسر ذلك سعيد بن جبير بيسدلن عليهن، وعندي أن كل ذلك بيان لحاصل المعنى، والظاهر أن المراد بعليهن على جميع أجسادهن، وقيل : على رؤوسهن أو على وجوههن لأن الذي كان يبدو منهن في الجاهلية هو الوجه. 
واختلف في كيفية هذا التستر فأخرج ابن جرير. وابن المنذر. وغيرهما عن محمد بن سيرين قال : سألت عبيدة السلماني عن هذه الآية  يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن  فرفع ملحفة كانت عليه فتقنع بها وغطى رأسه كله حتى بلغ الحاجبين وغطى وجهه وأخرج عينه اليسرى من شق وجهه الأيسر، وقال السدى : تغطى إحدى عينيها وجبهتها والشق الآخر إلا العين، وقال ابن عباس. وقتادة : تلوى الجلباب فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الألف وإن ظهرت عيناها لكن تستر الصدر ومعظم الوجه، وفي رواية أخرى عن الحبر رواها ابن جرير. وابن أبي حاتم. وابن مردويه تغطى وجهها من فوق رأسها بالجلباب وتبدي عينا واحدة. 
وأخرج عبد الرزاق. وجماعة عن أم سلمة قالت : لما نزلت هذه الآية  يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن  خرج نساء الأنصار كان على رؤوسهن الغربان من السكينة وعليهن أكسية سود يلبسنها. 
وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت : رحم الله تعالى نساء الأنصار لما نزلت  مُّبِيناً يأَيُّهَا النبي قُل لازواجك وبناتك  الآية شققن مروطهن فاعتجرن بها فصلين خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما على رؤوسهن الغربان. 
ومن للتبعيض ويحتمل ذلك على ما في الكشاف وجهين، أحدهما أن يكون المراد بالبعض واحداً من الجلابيب وإدناء ذلك عليهن أن يلبسنه على البدن كله، وثانيهما أن يكون المراد بالبعض جزأ منه وإدناء ذلك عليهن أن يتقنعن فيسترن الرأس والوجه بجزء من الجلباب مع إرخاء الباقي على بقية البدن، والنساء مختصات بحكم العرف بالحرائر وسبب النزول يقتضيه وما بعد ظاهر فيه فإماء المؤمنين غير داخلات في حكم الآية. 
وعن عمر رضي الله تعالى عنه أن غير الحرة لا تتقنع. أخرج ابن أبي شيبة. عن قلابة قال : كان عمر بن الخطاب لا يدع في خلافته أمة تتقنع ويقول : القناع للحرائر لكيلا يؤذين ؛ وأخرج هو وعبد بن حميد عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : رأي عمر رضي الله تعالى عنه جارية مقنعة فضربها بدرته وقال : القي القناع لا تتشبهي بالحرائر، وجاء في بعض الروايات أنه رضي الله تعالى عنه قال لأمة رآها مقنعة : يالكعاء أتشبهين بالحرائر ؟ وقال أبو حيان : نساء المؤمنين يشمل الحرائر والإماء والفتنة بالإماء أكثر لكثرة تصرفهن بخلاف الحرائر فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح انتهى، وأنت تعلم أن وجه الحرة عندنا ليس بعورة فلا يجب ستر ويجوز النظر من الأجنبي إليه إن أمن الشهوة مطلقاً وإلا فيحرم، وقال القهستاني : منع النظر من الشابة في زماننا ولو بلا شهوة وإما حكم أمة الغير ولو مدبرة أو أم ولد فكحكم المحرم فيحل النظر إلى رأسها ووجهها وساقها وصدرها وعضدها إن أمن شهوته وشهوتها. وظاهر الآية لا يساعد على ما ذكر في الحرائر فلعلها محمولة على طلب تستر تمتاز به الحرائر عن الإماء أو العفائف مطلقاً عن غيرهن فتأمل ؛ و  يُدْنِينَ  يحتمل أن يكون مقول القول وهو خبر بمعنى الأمر وأن يكون جواب الأمر على حد  قُل لّعِبَادِىَ الذين ءامَنُواْ يُقِيمُواْ الصلاة  \[ إبراهيم : ١ ٣ \] وفي الآية رد على من زعم من الشيعة أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن له من البنات إلا فاطمة صلى الله عليه وسلم على أبيها وعليها وسلم وأما رقية. وأما كلثوم فربيبتاه عليه الصلاة والسلام  ذلك  أي ما ذكر من الإدناء والتستر  أدنى  أي أقرب  أَن يُعْرَفْنَ  أي يميزن عن الاماء اللاتي هن مواقع تعرضهم وإيذائهم. 
ويجوز إبقاء المعرفة على معناها أي أدنى أن يعرفن أنهن حرائر  فَلاَ يُؤْذَيْنَ  من جهة أهل الريبة بالتعرض لهن بناء عن أنهن إماء. 
وقال أبو حيان : أي ذلك أولى أن يعرفن لتسترهن بالعفة فلا يتعرض لهن ولا يلقين بما يكرهن لأن المرأة إذا كانت في غاية التستر والانضمام لم يقدم عليها بخلاف المتبرجة فإنها مطموع فيها، وهو تفسير مبني على رأيه في النساء، وأياً ما كان فقد قال السبكي في طبقاته : إن أحمد بن عيسى من فقهاء الشافعية استنبط من هذه الآية أن ما يفعله العلماء والسادات من تغيير لباسهم وعمائمهم أمر حسن وإن لم يفعله السلف لأن فيه تمييزاً لهم حتى يعرفوا فيعمل بأقوالهم وهو استنباط لطيف  وَكَانَ الله غَفُوراً  كثير المغفرة فيغفر سبحانه ما عسى يصدر من الاخلال بالتستر، وقيل : يغفر ما سلف منهن من التفريط. وتعقب بأنه إن أريد التفريط في أمر التستر قبل نزول الآية فلا ذنب قبل الورود في الشرع وإن أريد التفريط في غير ذلك ليكون وكان الله كثير المغفرة فيغفر ما سلف من ذنوبهن وارتكابهن ما نهى عنه مطلقاً فهو غير مناسب للمقام، وجوز أن يراد التفريط في أمر التستر والأمر به معلوم من آية الحجاب التزاماً وهو كما ترى  رَّحِيماً  كثير الرحمة فيثيب من امتثل أمره منهن بما هو سبحانه أهله، وقيل : رحيماً بهن بعد التوبة عن الاخلال بالتستر بعد نزول الآية، وقبل : رحيماً بعباده حيث راعى سبحانه في مصالحهم أمثال هذه الجزئيات.

### الآية 33:60

> ﻿۞ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا [33:60]

لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ المنافقون  عما هم عليه من النفاق وأحكامه الموجبة للإيذاء  والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ  وهم قوم كان فيهم ضعف إيمان وقلة ثبات عليه عما هم عليه من التزلزل وما يستتبعه مما لا خير فيه  والمرجفون فِى المدينة  من اليهود المجاورين لها عما هم عليه من نشر أخبار السوء عن سرايا المسلمين وغير ذلك من الأراجيف الملفقة المستتبعة للأذية، وأصل الأرجاف التحريك من الرجفة التي هي الزلزلة وصفت به الأخبار الكاذبة لكونها في نفسها متزلزلة غير ثابتة أو لتزلزل قلوب المؤمنين واضطرابها منها، والغاير بين المتعاطفات على ما ذكرنا بالذات وهو الذي يقتضيه ظاهر العطف. 
وأخرج ابن المنذر. وغيره عن مالك بن دينار قال : سالت عكرمة عن الذين في قلوبهم مرض فقال : هم أصحاب الفواحش، وعن عطاء أنه فسرهم بذلك أيضاً، وفي رواية أخرى عنه أنه قال : هو قوم مؤمنون كان في أنفسهم أن يزنوا فالمرض حب الزنا، وإذا فسر المرجفون على ذلك بما سمعت يكون التغاير بين المتعاطفات بالذات أيضاً. 
وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب أن الذين في قلوبهم مرض هم المنافقون وهو المعروف في وصفهم. 
وأخرج هو أيضاً عن عبيد بن حنين أن الذين في قلوبهم مرض والمرجفون جميعاً هم المنافقون فيكون العطف مع الاتحاد بالذات لتغاير الصفات على حد
هو الملك القرم وابن الهمام \*\*\* فكأنه قيل : لئن لم ينته الجامعون بين هذه الصفات القبيحة عن الاتصاف بها المفضي إلى الإيذاء  لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ  أي لندعونك إلى قتالهم وإجلائهم أو فعل ما يضطرهم إلى الجلاء ونحرضك على ذلك يقال : أغراه بكذا إذا دعاه إلى تناوله بالتحريض عليه، وقال الراغب : غرى بكذا أي لهج به ولصق، وأصل ذلك من الغراء وهو ما يلصق به وقد أغريت فلاناً بكذا ألهجت به، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أي لنسلطنك عليهم  ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ  عطف على جواب القسم وثم للتفاوت الرتبي والدلالة على أن الجلاء ومفارقة جوار الرسول صلى الله عليه وسلم أعظم ما يصيبهم وأشده عندهم  فِيهَا  أي في المدينة  إِلاَّ قَلِيلاً  أي زماناً أو جواراً قليلاً ريثما يتبين حالهم من الانتهاء وعدمه أو يتلقطون عيالاتهم وأنفسهم. 
وفي الآية عليه كما في **«الانتصاف »** إشارة إلى أن من توجه عليه إخلاء منزل مملوك للغير بوجه شرعي يمهل ريثما ينتقل بنفسه ومتاعه وعياله برهة من الزمان حتى يتيسر له منزل آخر على حسب الاجتهاد، ونصب  قَلِيلاً  على ما أشرنا إليه على الظرفية أو المصدري، وجوز أن يكون نصباً على الحال أي إلا قليلين أطلاء، ولا يخفى حاله على ذي تمييز.

### الآية 33:61

> ﻿مَلْعُونِينَ ۖ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا [33:61]

وقوله تعالى : مَّلْعُونِينَ  نصب على الذم أي أذم ملعونين أو على الحال من فاعل  لاَ يُجَاوِرُونَكَ  والاستثناء شامل له عند من يرى جواز نحو ذلك، وقد تقدم الكلام عليه عند قوله تعالى : إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعَامٍ غَيْرَ ناظرين إناه  \[ الأحزاب : ٣ ٥ \] وجعل ابن عطية المعنى على الحالية ينتفون ملعونين، وجوز أن يكون حالاً من ضميرهم في قوله تعالى : أَيْنَمَا ثُقِفُواْ  أي حصروا وظفر بهم، وكأنه على معنى أينما ثقفوا متصفين بما هم عليه  أُخِذُواْ  أي أسروا ومنه الأخيذ للأسير  وَقُتّلُواْ تَقْتِيلاً  أي قتلوا أبلغ قتل. وقرئ  قاتلوا  بالتخفيف فيكون  تَقْتِيلاً  مصدراً على غير الصدر. واعترض على الحالية مما ذكر بأن أداة الشرط لا يعمل ما بعدها فيما قبلها مطلقاً وهذا أحد مذاهب للنحاة في المسألة، ثانيها الجواز مطلقاً، وثالثها جواز تقديم معمول الجواب دون معمول الشرط. وجوز على تقدير كون  قَلِيلاً  حالاً أن يكون  مَّلْعُونِينَ  بدلاً منه. وتعقبه أبو حيان بأن البدل بالمشتق قليل ثم قال : والصحيح أن  مَّلْعُونِينَ  صفة لقليل أي إلا قليلين ملعونين ويكون  قَلِيلاً  مستثنى من الواو في  لاَ يُجَاوِرُونَكَ  والجملة الشرطية صفة أيضاً أي مقهورين مغلوباً عليهم اه، وهو كما ترى.

### الآية 33:62

> ﻿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ۖ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [33:62]

سُنَّةَ الله فِى الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلُ  مصدر مؤكد أي سن الله تعالى ذلك في الأمم الماضية سنة وهي قتال الذين يسعون بالفساد بين قوم وإجلائهم عن أوطانهم وقهرهم أينما ثقفوا متصفين بذلك. 
 وَلَن تَجِدَ  أيها النبي أو يا من يصح منك الوجدان أبداً  لِسُنَّةِ الله  لعادته عز وجل المستمرة  تَبْدِيلاً  لابتنائها على أساس الحكمة فلا يبدلها هو جل شأنه وهيهات هيهات أن يقدر غيره سبحانه على تبديلها، ومن سبر أخبار الماضين وقف على أمر عظيم في سوء معاملتهم المفسدين فيما بينهم، وكأن الطباع مجبولة على سوء المعاملة معهم وقهرهم، وفي **«تفسير الفخر »** : وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً  أي ليست هذه السنة مثل الحكم الذي يتبدل وينسخ فإن النسخ يكون في الأحكام أما الأفعال والأخبار فلا تنسخ. وللسدي كلام غريب في الآية لا أظن أن أحداً قال به. 
أخرج ابن أبي حاتم عنه أنه قال فيها : كان النفاس على ثلاثة أوجه : نفاق مثل نفاق عبد الله بن سلول ونظائره كانوا وجوهاً من وجوه الأنصار فكانوا يستحيون أ يأتوا الزنا يصونون بذلك أنفسهم وهم المنافقون في الآية، ونفاق الذين في قلوبهم مرض وهم منافقون إن تيسر لهم الزنا عملوه وإن لم يتيسر لم يتبعوه ويهتموا بأمره، ونفاق المرجفين وهم منافقون يكابرون النساء يقتصون أثرهن فيغلبوهن على أنفسهن فيفجرون بهن، وهؤلاء الذين يكابرون النساء  لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ  \[ الأحزاب : ٦٠ \] يقول سبحانه لنعلمنك بهم ثم قال تعالى : مَّلْعُونِينَ  ثم فصلت الآية  أَيْنَمَا ثُقِفُواْ  يعملون هذا العمل مكابرة النساء  أُخِذُواْ وَقُتّلُواْ تَقْتِيلاً  ثم قال السدي : هذا حكم في القرآن ليس يعمل به لو أن رجلاً وما فوق اقتصوا أثرا امرأة فغلبوها على نفسها ففجروا بها كان الحكم فيهم غير الجلد والرجم وهو أن يؤخذوا فتضرب أعناقهم سنة الله في الذين خلوا من قبل كذلك كان يفعل بمن مضى من الأمم ولن تجد لسنة الله تبديلاً فمن كابر امرأة على نفسها فغلبها فقتل فليس على قاتله دية لأنه يكابر انتهى، والظاهر أنه قد وقع الانتهاء من المنافقين والذين في قلوبهم مرض عما هو المقصود بالنهي وهو ما يستتبعه حالهم من الإيذاء ولم يقع من المرجفين أعني اليهود فوقع القتال والإجلاء لهم. 
وفي البحر الظاهر أن المنافقين يعني جميع من ذكر في الآية انتهوا عما كانوا يؤذون به الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وتستر جميعهم وكفوا خوفاً من أن يقع بهم ما وقع القسم عليه وهو الإغراء والإجلاء والقتل. وحكى ذلك عن الجبائي، وعن أبي مسلم لم ينتهوا وحصل الإغراء بقوله تعالى : جاهد الكفار والمنافقين  \[ التوبة : ٣ ٧ \] وفيه أن الإجلاء والقتل لم يقعا للمنافقين والجهاد في الآية قولي، وقيل : إنهم لم يتركوا ما هم عليه ونهوا عنه جملة ولا نفذ عليهم الوعيد كاملاً ألا ترى إلى إخراجهم من المسجد ونهيه تعالى عن الصلاة عليهم وما نزل في سورة براءة، وزعم بعضهم أنه لم ينته أحد من المذكورين أصلاً ولم ينفذ الوعيد عليهم ففيه دليل على بطلان القول بوجوب نفاذ الوعيد في الآخرة ويكون هذا الوعيد في الآخرة ويكون هذا الوعيد مشروطاً بالمشيئة وفيه من البعد ما فيه.

### الآية 33:63

> ﻿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا [33:63]

يسألك الناس عَنِ الساعة  أي عن وقت قيامها ووقوعها، كان المشركون يسألونه صلى الله عليه وسلم عن ذلك استعجالاً بطريق الاستهزاء والمنافقون تعنتاً واليهود امتحاناً لما أنهم يعلمون من التوراة أنها مما أخفاه الله تعالى فيسألونه عليه الصلاة والسلام ليمتحنوه هل يوافقها وحياً أو لا  قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ الله  لا يطلع سبحانه عليه ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً  وَمَا يُدْرِيكَ  خطاب مستقل له صلى الله عليه وسلم غير داخل تحت الأمر مسوق لبيان أنها مع كونها غير معلومة مرجوة المجيء عن قريب، وما استفهام في موضع الرفع بالابتداء والجملة بعده خبر أي أي شيء يعلمك بوقت قيامها، والمعنى على النفي أي لا يعلمنك به شيء أصلاً. 
 لَعَلَّ الساعة تَكُونُ قَرِيباً  أي لعلها توجد وتتحق في وقت قريب فقريباً منصوب على الظرفية واستعماله كذلك كثير، و  تَكُونُ  تامة ويجوز أن تكون ناقصة وإذا كان  قَرِيبًا  الخبر واعتبر وصفاً لا ظرفاً فالتذكير لكونه في الأصل صفة لخبر مذكر يخبر به عن المؤنث وليس هو الخبر أي لعل الساعة تكون شيئاً قريباً، وجوزأن يكون ذلك رعاية للمعنى من حيث أن الساعة بمعنى اليوم أو الوقت. 
وقال أبو حيان : يجوز أن يكون ذلك لأن التقدير لعل قيام الساعة فلوحظ الساعة في تكون فأنث ولوحظ المضاف المحذوف وهو قيام في  قَرِيبًا  فذكر، ولا يخفى بعده، وقيل إن قريباً لكونه فعيلاً يستوي فيه المذكر والمؤنث كما في قوله تعالى : إن رحمت الله قريب من المحسنين  \[ الأعراف : ٦ ٥ \] وقد تقدم ما في ذلك، وفي الكلام تهديد للمستعجبين المستهزئين وتبكيت للمتعنتين والممتحنين، والإظهار في موضع الإضمار للتهويل وزيادة التقرير وتأكيد استقلال الجملة كما أشير إليه.

### الآية 33:64

> ﻿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا [33:64]

إِنَّ الله لَعَنَ الكافرين  على الإطلاق أي طردهم وأبعدهم عن رحمته العاجلة والآجلة  وَأَعَدَّ  هيأ  لَهُمْ  مع ذلك في الآخرة  سَعِيراً  ناراً شديدة الاتقاد كما يؤذن بذلك صيغة المبالغة.

### الآية 33:65

> ﻿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [33:65]

خالدين فِيهَا أَبَداً لاَّ يَجِدُونَ وَلِيّاً  متولياً لأمرهم يحفظهم  وَلاَ نَصِيراً  ناصراً يخلصهم منها.

### الآية 33:66

> ﻿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا [33:66]

يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِى النار  ظرف لعدم الوجدان، وقيل لخالدين، وقيل لنصير، وقيل مفعول لا ذكر أي يوم تصرف وجوههم فيها من جهة إلى جهة كاللحم يشوى في النار أو يطبخ في القدر فيدور به الغليان من جهة إلى جهة أو يوم تتغير وجوههم من حال إلى حال فتتوارد عليها الهيئات القبيحة من شدة الأهوال أو يوم يلقون في النار مقلوبين منكوسين، وتخصيص الوجوه بالذكر لما أنها أكرم الأعضاء ففيه مزيد تفظيع للأمر وتهويل للخطب، ويجوز أن تكون عبارة عن كل الجسد. وقرأ الحسن. وعيسى. وأبو جعفر الرواسي.  تَقَلُّبُ  بفتح التاء والأصل تتقلب فحذفت إحدى التاءين، وقرأ ابن أبي عبلة بهما على الأصل، وحكى ابن خالويه عن أبي حيوة أنه قرأ  اسودت وُجُوهُهُمْ  بإسناد الفعل إلى ضمير العظمة ونصب  وُجُوهُهُمْ  على المفعولية. 
وقرأ عيسى الكوفة  تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ  بإسناد الفعل إلى ضمير السعير اتساعاً ونصب الوجوه  يَقُولُونَ  استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية حالهم الفيظعة كأنه قيل : فماذا يصنعون عند ذلك فقيل : يقولون متحسرين على ما فاتهم  ياليتنا أَطَعْنَا الله وَأَطَعْنَا الرسولا  فلا نبتلي بهذا العذاب أو حال من ضمير  وُجُوهُهُمْ  أو من نفسها. 
وجوز أن يكون هو الناصب ليوم.

### الآية 33:67

> ﻿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا [33:67]

وَقَالُواْ  عطف على  يَقُولُونَ  والعدول إلى صيغة الماضي للإشعار بأن قولهم هذا ليس مستمراً كقولهم السابق بل هو ضرب اعتذار أرادوا به ضرباً من التشفي بمضاعفة عذاب الذين أوردوهم هذا المورد الوخيم وألقوهم في ذلك العذاب الأليم وإن علموا عدم قبوله في حق خلاصهم بما هم فيه. 
 رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا  أي ملوكنا وولاتنا الذين يتولون تدبير السواد الأعظم منا  وَكُبَرَاءنَا  أي رؤساءنا الذين أخذنا عنهم فنون الشر وكان هذا في مقابلة ما تمنوه من إطاعة الله تعالى وإطاعة الرسول فالسادة والكبراء متغايران، والتعبير عنهما بعنوان السيادة والكبر لتقوية الاعتذار والأفهم في مقام التحقير والإهانة. 
وقدموا في ذلك إطاعة السادة لما أنه كان لهم قوة البطش بهم لو لم يطيعوهم فكان ذلك أحق بالتقديم في مقام الاعتذار وطلب التشفي، وقيل : باتحاد السادة والكبراء والعطف على حد العطف في قوله :
وألفي قولها كذباً ومينا \*\*\* والمراد بهم العلماء الذين لقنوهم الكفر وزينوه لهم، وعن قتادة رؤساؤهم في الشر والشرك. 
وقرأ الحسن وأبو رجاء. وقتادة. والسلمي. وابن عامر. والعامة في الجامع بالبصرة  \*ساداتنا  على جمع الجمع وهو شاذ كبيوتات، وفيه على ما قيل دلالة على الكثرة، ثم إن كون سادة جمعاً هو المشهور، وقيل : اسم جمع فإن كان جمعاً لسيد فهو شاذ أيضاً فقد نصوا على شذوذ فعلة في جمع فعيل وإن كان جمعاً لمفرد مقدر وهو سائد كان ككافر وكفرة لكنه شاذ أيضاً لأن فاعلاً لا يجمع على فعلة إلا في الصحيح  وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السبيلا  أي جعلونا ضالين عن الطريق الحق بما دعونا إليه وزينوه لنا من الأباطيل، والألف للإطلاق كما في  وَأَطَعْنَا الرسولا  \[ الأحزاب : ٦٦ \].

### الآية 33:68

> ﻿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا [33:68]

رَبَّنَا ءاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العذاب  أي عذابين يضاعف كل واحد منهما الآخر عذاباً على ضلالهم في أنفسهم وعذاباً على إضلالهم لنا  والعنهم لَعْناً كَبِيراً  أي شديد عظيماً فإن الكبر يستعار للعظمة مثل  كَبُرَتْ كَلِمَةً  \[ الكهف : ٥ \] ويستفاد التعظيم من التنوين أيضاً، وقرأ الأكثر  كَثِيراً  بالثاء المثلثة أي كثير العدد، وتصدير الدعاء بالنداء مكرراً للمبالغة في الجؤار واستدعاء الإجابة.

### الآية 33:69

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا ۚ وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا [33:69]

يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كالذين ءاذَوْاْ موسى  قيل نزلت فيما كان من أمر زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها وتزوجه صلى الله عليه وسلم بها وما سمع في ذلك من كلام آذاه عليه الصلاة والسلام  فَبرَّأَهُ الله مِمَّا قَالُواْ  أي من قولهم أو الذي قالوه وأياً ما كان فالقول هنا بمعنى المقول، والمراد به مدلوله الواقع في الخارج وبتبرئة الله تعالى إياه من ذلك إظهار براءته عليه السلام منه وكذبهم فيما أسندوا إليه لأن المرتب على أذاهم ظهور براءته لا براءته لأنها مقدمة عليه، واستعمال الفعل مجازاً عن إظهاره، والمقول بمعنى المضمون كثير شائع، فالمعنى فأظهر الله تعالى براءته من الأمر المعيب الذي نسبوه إليه عليه السلام. 
وقيل : لا حاجة إلى ما ذكر فإنه تعالى لما أظهر براءته عما افتروه عليه انقطعت كلماتهم فهي فبرىء من قولهم على أن { برأه بمعنى خلصه من قولهم لقطعه عنه، وتعقب بأنه مع تكلفه لأن قطع قولهم ليس مقصوداً بالذات بل المراد انقطاعه لظهور خلافه لا بد من ملاحظة ما ذكر، والمراد بالأمر الذي نسبوه إليه عليه السلام عيب في بدنه. 
أخرج الإمام أحمد. والبخاري. والترمذي. وجماعة من طريق أبي هريرة قال :«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن موسى عليه السلام كان رجلاً حيياً ستيراً لا يرى من جلده شيء استحياء منه فآذاه من آذاه من بني إسرائيل وقالوا ما يستتر هذا الستر إلا من عيب بجلده إما برص وإما أدرة وإما آفة وإن الله تعالى أراد أن يبرئه مما قالوا وأن موسى عليه السلام خلا يوماً وحده فوضع ثيابه على حجر ثم اغتسل فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها وأن الحجر غدا بثوبه فأخذ موسى عليه السلام عصاه وطلب الحجر فجعل يقول ثوبي حجر ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عرياناً أحسن ما خلق الله تعالى وبرأه مما يقولون وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضرباً بعصاه فذلك قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأء الله مما قالوا . 
وقيل : إن ذلك ما نسبوه إليه عليه السلام من قتل هارون، أخرج ابن منيع. وابن جرير. وابن المنذر. وابن أبي حاتم. وابن مردويه. والحاكم وصححه عن ابن عباس عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال في الآية : صعد موسى وهارون عليهما السلام الجبل فمات هارون فقالت بنو إسرائيل لموسى أنت قتلته كان أشد حباً لنا منك وألين فآذوه، من ذلك فأمر الله تعالى الملائكة عليهم فحملوه فمروا به على مجالس بني إسرائيل وتكلمت الملائكة عليهم السلام بموته فبرأه الله تعالى فانطلقوا به فدفنوه ولم يعرف قبره إلا الرخم وإن الله تعالى جعله أصم أبكم، وفي رواية عن ابن عباس. 
وأناس من الصحابة أن الله تعالى أوحى إلى موسى إني متوف هارون فأت جبل كذا فانطلقا نحو الجبل فأذاهم بشجرة وبيت فيه سرير عليه فرش وريح طيبة فلما نظر هارون إلى ذلك الجبل والبيت وما فيه أعجبه فقال يا موسى إني أحب أن أنام على هذا السرير قال نم عليه قال نم معي فلما نام أخذ هارون الموت فلما قبض رفع ذلك البيت وذهبت تلك الشجرة ورفع السرير إلى السماء فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا قتل هارون وحسده لحب بني إسرائيل له وكان هارون أكف عنهم وألين لهم وكان في موسى بعض الغلظة عليهم فلما بلغه ذلك قال : ويحكم إنه كان أخي أفتروني أقتله فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين ثم دعا الله تعالى فنزل بالسرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض فصدقوه، وقيل : ما نسبوه إليه عليه السلام من الزنا وحاشاه، روى أن قارون أغرى مومسة على قذفه عليه السلام بنفسها ودفع إليها مالاً عظيماً فأقرت بالمصانعة الجارية بينها وبين قارون وفعل به ما فعل كما فصل في سورة القصص، ويبعد هذا القول تبعيداً ما جمع الموصول، وقيل : ما نسبوه إليه من السحر والجنون، وقيل : ما حكى عنهم في القرآن من قولهم : اذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هاهنا قاعدون  \[ المائدة : ٤ ٢ \] وقولهم  لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد  \[ البقرة : ١ ٦ \] وقولهم : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً  \[ البقرة : ٥٥ \] إلى غير ذلك، ويمكن حمل ما قالوا على جميع ما ذكر. 
 وَكَانَ عِندَ الله وَجِيهاً  أي كان ذا جاه ومنزلة عنده عز وجل، وفي معناه قول قطرب : كان رفيع القدر ونحوه قول ابن زيد : كان مقبولاً، وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه قال وجيهاً مستجاب الدعوة وزاد بعضهم ما سأل شيئاً إلا أعطى إلا الرؤية في الدنيا، ولا يخفى أن استجابة الدعوة من فروع رفعة القدر، وقيل : وجاهته عليه السلام أن الله تعالى كلمه ولقب كليم الله، وقرأ ابن مسعود. والأعمش. وأبو حيوة  عَبْداً  من العبودة  لِلَّهِ  بلام الجر فيكون عبداً خر كان ووجيهاً صفة له وهي قراءة شاذة، وفي صحة القراءة الشواذ كلام. 
قال ابن خالويه : صليت خلف ابن شنبوذ في شهر رمضان فسمعته يقرأ وكان  عَبْدُ الله  على قراءة ابن مسعود ولعل ابن شنبوذ ممن يرى صحة القراءة بها مطلقاً، ويحتمل مثل ذلك في ابن خالويه وإلا فقد قال الطيبي قال **«صاحب الروضة »** : وتصح بالقراءة الشاذة إن لم يكن فيها تغيير معنى ولا زيادة حرف ولا نقصان، وههنا بين المعنيين بون كما يشير إليه كلام الزمخشري ونحوه عن ابن جني.

### الآية 33:70

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا [33:70]

يا أيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله  في كل ما تأتون وتذرون لاسيما في ارتكاب ما يكرهه تعالى فضلاً عما يؤذي رسوله وحبيبه صلى الله عليه وسلم  وَقُولُواْ  في كل شأن من الشؤون  قَوْلاً سَدِيداً  قاصداً ومتوجهاً إلى هدف الحق من سد يسد بكسر السين سداداً بفتحها يقال سدد سهمه إذا وجهه للغرض المرمي ولم يعدل به عن سمته، والمراد على ما قيل نهيهم عن ضد هذا القول وهو القول الذي ليس بسديد ويدخل فيه ما صدر منهم في قصة زينب من القول الجائر عن العدل والقصد وكذا كل قول يؤذيه عليه الصلاة والسلام، وعن مقاتل. وقتادة أن المعنى وقولوا قولاً سديداً في شأن الرسول عليه الصلاة والسلام. وزيد. وزينب، وعن ابن عباس. وعكرمة تخصيص القول السديد بلا إله إلا الله، وقيل : هو ما يوافق ظاهره باطنه، وقيل : ما فيه إصلاح، ولعل ما أشرنا إليه هو الأولى.

### الآية 33:71

> ﻿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [33:71]

يُصْلِحْ لَكُمْ أعمالكم  بالقبول والإثابة عليها على ما روى عن ابن عباس. ومقاتل، وقيل إصلاح الأعمال التوفيق في المجيء بها صالحة مرضية. 
 وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ  ويَجعلها مكفرة باستقامتكم في القول والعمل  وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ  في الأوامر والنواهي التي من جملتها ما تضمنته هذه الآيات  فَقَدْ فَازَ  في الدارين  فَوْزاً عَظِيماً  لا يقادر قدره ولا تبلغ غايته. 
قال في **«الكشاف »** وهذه الآية يعني  يا أيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله  \[ الأحزاب : ٧٠ \] إلى آخرها مقررة للتي قبلها بنيت تلك على النهي عما يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه على الأمر باتقاء الله تعالى في حفظ اللسان ليترادف عليهم النهي والأمر مع اتباع النهي ما يتضمن الوعيد من قصة موسى عليه السلام لأن وصفه بوجهاته عند الله تعالى متضمن أنه تعالى انتقم له ممن آذاه واتباع الأمر الوعد البليغ فيقوي الصارف عن الأذى والداعي إلى تركه انتهى فلا تغفل.

### الآية 33:72

> ﻿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [33:72]

إِنَّا عَرَضْنَا الامانة عَلَى السموات والارض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا  لما بين جل شأنه عظم شأن طاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ببيان مآل الخارجين عنها من العذاب الأليم ومنال المراعين لها من الفوز العظيم عقب ذلك عظم شأن ما يوجبها من التكاليف الشرعية وصعوبة أمرها بطريق التمثيل مع الإيذان بأن ما صدر عنهم من الطاعة وتركها صدر عنهم بعد القبول والالتزام من غير جبر هناك ولا إبرام، وعبر عنها بالأمانة وهي في الأصل مصدر كالأمن والأمان تنبيهاً على أنها حقوق مرعية أودعها الله تعالى المكلفين وائتمنهم عليها وأوجب عليهم تلقيها بحسن الطاعة والانقياد وأمرهم بمراعاتها والمحافظة عليها وأدائها من غير إخلال بشيء من حقوقها، وعبر عن اعتبارها بالنسبة إلى الاستعداد ما ذكر من السماوات وغيرها من حيث الخصوصيات بالعرض عليهن لإظهار مزيد الاعتناء بأمرها والرغبة في قبولهن لها، وعن عدم استعدادهن لقبولها ومنافاتها لما هن عليه بالإباء والإشفاق منها لتهويل أمرها وتربية فخامتها وعن قبولها بالحمل لتحقيق معنى الصعوبة المعتبرة فيها بجعلها من قبيل الأجسام الثقيلة، والمعنى أن تلك الأمانة في عظم الشأن بحيث لو كلفت هاتيك الأجرام العظام التي هي مثل في القوة والشدة مراعاتها وكانت ذات شعور وإدراك لأبين قبولها وخفن منها لكن صرف الكلام عن سننه بتصوير المفروض بصورة المحقق لزيادة تحقيق المعنى المقصود وتوضيحه. 
 وَحَمَلَهَا الإنسان  أي هذا الجنس نحو  إِنَّ الإنسان لِرَبّهِ لَكَنُودٌ  \[ العاديات : ٦ \] و  إِنَّ الإنسان ليطغى  \[ العلق : ٦ \] وحمله إياها إما باعتبارها بالإضافة إلى استعداده أو بتكليفه إياها يوم الميثاق أي تكلفها والتزامها مع ما فيه من ضعف البنية ورخاوة القوة، وهو إما عبارة عن قبولها بموجب استعداده الفطري أو عن القبول القولي يوم الميثاق، وتخصيص الإنسان بالذكر مع أن الجن مكلفون أيضاً وكذا الملائكة عليهم السلام وإن لم يكن في ذلك كلفة عليهم لما أنه ليس فيه ما يخالف طباعهم لأن الكلام معه، وقوله تعالى : إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً  اعتراض وسط بين الحمل وغايته للإيذان من أول الأمر بعدم وفائه بما تحمل، والتأكيد لمظنة التردد أي إنه كان مفرطاً في الظلم مبالغاً في الجهل أي بحسب غالب أفراده الذين لم يعملوا بموجب فطرتهم السليمة أو قبولهم السابق دون من عداهم من الذين لم يبدلوا فطرة الله تعالى تبديلاً، ويكفي في صدق الحكم على الجنس بشيء وجوده في بعض أفراده فضلاً عن وجوده في غالبها، وإلى الفريق الأول أشير بقوله تعالى :
لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ( ٧٣ )
ومن باب الإشارة : ولعل الإشارة في الآيات بعد ظاهرة لمن له أدنى التفات بيد أنهم أطالوا الكلام في الأمانة المذكورة في قوله تعالى : إِنَّا عَرَضْنَا الامانة  \[ الأحزاب : ٢ ٧ \] الآية فلنذكر بعضاً من ذلك فنقول : قال الشيخ محيي الدين قدس سره في بلغة الغواص : إن الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض فأبين أن يحملنها هي السعة لمعرفة الله تعالى فلم يوجد في السماوات والأرض قبول لما قبله الإنسان بهذا التأليف الصوري إذ هو ثمرة العالم فهو يرى نفسه في العالم ويرى ربه سبحانه بالعالم الذي هو نفسه من حيث هو كل العالم فلذلك اتسع لما لم يسعه العالم ولذلك خصه سبحانهب السعة حيث أخبر جل شأنه أنه لم يسعه سماواته ولا أرضه ووسعه قلب المؤمن من نوع الإنسان انتهى. 
وكأنه أراد بكونه وسع الحق سبحانه كونه مظهراً جامعاً للأسماء والصفات على وجه لا ينافي تنزيه الحق جل جلاله، وهذا قريب مما ذكرناه في التفسير وقلنا إنه مشرب صوفي كما لا يخفى، وقال آخر : هي عبارة عن الفيض الإلهي بلا واسطة وحمله خاص بالإنسان لأن نسبته مع المخلوقات كنسبة القلب مع الشخص فالعالم شخص وقلبه الإنسان فكما أن القلب حامل للروح بلا واسطة وتسري منه بواسطة العروق والشرايين ونحوها إلى سائر البدن كذلك الإنسان حامل للفيض الإلهي بلا واسطة ويسري منه إلى ظاهر الكون وباطنه بواسطة ظاهره وباطنه من أعمال البدن والروح فظاهر العالم وباطنه معموران بظاهر الإنسان وباطنه وهذا سر الخلافة ومعنى كونه ظلوماً أنه ظالم لنفسه حيث استعد لأن يحمل أمراً عظيماً وكونه جهولاً أنه جاهل بها حيث لم يعرف حقيقتها ولم يدرك منها سوى الصورة الحيوانية المتصفة بالصفات البهيمية من الأكل والشرب والنكاح وهاتان الصفتان في حق حاملي الأمانة ومؤدى حقها من حيث أنهما صارتا سبباً لحمل الأمانة صفتا مدح وفي حق الخائنين صفتا ذم والشيء قد يكون ذماً في حق شخص ومدحاً في حق آخر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل ومنه الاستمداد في فهم كلامه العزيز الجليل.

### الآية 33:73

> ﻿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [33:73]

لّيُعَذّبَ الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات  أي حملها الإنسان ليعذب الله تعالى بعض أفراده الذين لم يراعوها ولم يقابلوها بالطاعة على أن اللام للعاقبة فإن التعذيب وإن لم يكن غرضاً من الحمل لكن لما ترتب عليه بالنسبة إلى بعض أفراده ترتب الأغراض على الأفعال المعلقة بها أبرز في معرض الغرض أي كان عاقبة حمل الإنسان لها أن يعذب الله تعالى هؤلاء من أفراده لخيانتهم الأمانة وخروجهم عن الطاعة بالكلية، وإلى الفريق الثاني أشير بقوله سبحانه : وَيَتُوبَ الله عَلَى المؤمنين والمؤمنات  أي كان عاقبة حمله لها أن يتوب الله تعالى على هؤلاء من أفراده أي يقبل توبتهم لعدم خلعهم ربقة الطاعة عن رقابهم بالمرة وتلافيهم لما فرط منهم من فرطات قلما يخلو عنها الإنسان بحكم جبلته وتداركهم لها بالتوبة والإنابة والالتفات إلى الاسم الجليل أولاً لتهويل الخطاب وتربية المهابة، والإظهار في موضع الإضمار ثانياً لإبراز مزيد الاعتناء بأمر المؤمنين توفية لكل من مقامي الوعيد والوعد حقه كذا قال بعض الأجلة في تفسير الآية. ووراء ذلك أقوال فقيل الأمانة الطاعة لأنها لازمة الوجود كما أن الأمانة لازمة الأداء والكلام تقرير الوعد الكريم الذي ينبئ عنه قوله تعالى : وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً  \[ الأحزاب : ١ ٧ \] بجعل تعظيم شأن الطاعة ذريعة إلى ذلك بأن من قام بحقوق مثل هذا الأمر العظيم الشأن وراعاه فهو جدير بأن يفوز بخير الدارين. وتعقب بأن جعل الأمانة التي شأنها أن تكون من جهته تعالى عبارة عن الطاعة التي هي من أفعال المكلفين التابعة للتكليف بمعزل عن التقريب وإن حمل الكلام على التقرير بالوجه الذي قرر يأباه وصف الإنسان بالظلم والجهل أولاً وتعليل الحمل بتعذيب فريق والتوبة على فريق ثانياً، وقد يقال : مراد ذلك القائل أن الأمانة هي الطاعة من حيث أمره عز وجل بها وأن قوله تعالى : إِنَّهُ كَانَ  الخ على معنى أنه كان كذلك إن لم يراع حقها فتأمل. وأخرج ابن جرير. وغيره عن ابن عباس أن الأمانة الفرائض وروى نحوه عن سعيد بن جبير. وهو غير ما ذكر أولاً بناء على أن التكليفات الشرعية مراد بها المعنى المصدري دون اسم المفعول، وقيل : الصلاة فقد روى عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه كان إذا دخل وقت الصلاة اصفر وجهه الشريف وتغير لونه فسئل عن ذلك فقال : إنه دخل على وقت أمانة عرضها الله تعالى على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وقد حملتها أنا مع ضعفي فلا أدري كيف أؤديها، وحكى السفيري أنها الغسل من الجنابة، وقيل : الصلاة والصيام والغسل من الجنابة فقد أخرج عبد الرزاق. 
وعبد بن حميد عن زيد بن أسلم قال :**«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الأمانة ثلاثة الصلاة والصيام والغسل من الجنابة " وفي رواية عن السدي والضحاك أنها أمانات الناس المعروفة والوفاء بالعهود. وقيل هي أن لا تغش مؤمناً ولا معاهداً في شيء قليل ولا كثير، وقيل : هي كلمة التوحيد لأنها المدار الأعظم للتكليفات الشرعية. وقيل هي الأعضاء والقوى، فقد أخرج ابن أبي الدنيا في الورع. والحكيم الترمذي عن عبد الله بن عمر ورضي الله تعالى عنهما قال :«أول ما خلق الله تعالى من الإنسان فرجه ثم قال هذه أمانتي عندك فلا تضعها إلا في حقها فالفرج أمانة والسمع أمانة والبصر أمانة »**. 
ولا يخفى أن تفسير الأمانة في الآية بالأعضاء مما لا ينبغي أن يلتفت إليه، والخبر المذكور إن صح لا يدل عليه، ومثله بل دونه بكثير أنها حروف التهجي ولا يكاد يقول به إلا أطفال المكاتب، وأقرب الأقوال المذكورة للقبول القول بأنها الفرائض أي من فعل وترك، وتخصيص شيء منها بالذكر في خبر إن صح لا يدل على أنه الأمانة في الآية لا غيره وكم يخص بعض أفراد العام بالذكر لنكتة، وقال أبو حيان : الظاهر أنها كل ما يؤتمن عليه من أمر ونهي وشأن دين ودنيا، ويعم هذا المعنى جميع ما تقدم، وفيها أقوال أخر ستأتي إن شاء الله تعالى، واختلفت كلمات الذاهبين إلى أنها الفرائض في تحقيق ما بعد فقيل الكلام على حذف مضاف والتقدير إنا عرضنا الأمانة على أهل السموات الخ. 
وحكى ذلك عن الجبائي وليس بشيء، وقيل الكلام على ظاهره وكذا العرض والإباء وذلك أنه عز وجل خلق للسماوات والأرض والجبال فهماً وتمييزاً فخيرت في الحمل فأبت وروى ذلك عن ابن عباس. 
 وأخرج ابن المنذر. وابن أبي حاتم. وابن الأنباري عن ابن جريج قال : بلغني أن الله تعالى لما خلق السماوات والأرض والجبال قال : إني فارض فريضة وخالق جنة وناراً وثوباً لمن أطاعني وعقاباً لمن عصاني فقالت السماوات خلقتني فسخرت في الشمس والقمر والنجوم والسحاب والريح فأنا مسخرة على ما خلقتني لا أتحمل فريضة ولا أبغي ثواباً ولا عقاباً ونحو ذلك قالت الأرض والجبال، ويعلم مما ذكر أن الاباء لم يكن معصية لأنه لم يكن هناك تكليف بل تخيير، وأما كونها استحقرت أنفسها عن أن تكون محل الأمانة فلا ينفي عنهن العصيان بالإباء لو كان هناك تكليف بالحمل، وقيل : لا حذف والكلام من باب التمثيل على ما سمعت أولاً. 
وذهب كثير إلى أن المراد بحملها التزام القيام بها وبالإنسان آدم عليه السلام، واختلف في حمله إياها هل كان بعد عرضها عليه أو بدونه فقيل كان بعد العرض. 
فقد أخرج ابن جرير. 
وابن المنذر. وابن أبي حاتم **«أن الله تعالى عرض الأمانة على السماء الدنيا فأبت ثم التي تليها فأبت حتى فرغ منها ثم الأرضين ثم الجبال ثم عرضها على آدم عليه السلام فقال نعم بين أذني وعاتقي »** الخبر وقيل : بدونه. 
قال ابن الجوزي : لما خلق الله عز وجل آدم عليه السلام ونفخ فيه الروح مثلت له الأمانة بصخرة ثم قال : للسماوات احملي هذه فأبت وقالت : إلهي لا طاقة لي بها وقال سبحانه : للأرض احمليها فقالت : لا طاقة لي بها وقال تعالى للجبال : احمليها فقالت : لا طاقة لي بها فأقبل آدم عليه السلام فحركها بيده وقال لو شئت لحملتها فحملها حتى بلغت حقويه ثم وضعها على عاتقه فلما أهوى ليضعها نودي من جانب العز يا آدم مكانها لا تضعها فهذه الأمة قد بقيت في عنقك وعنق أولادك إلى يوم القيامة ولكم عليها ثواب في حملها وعقاب في تركها، وهذا ظاهر في أن الحمل على حقيقته وفي أن العرض على السماوات والأرض والجبال كان بمسمع من آدم عليه السلام وإلى هذا ذهب ابن الأنباري، وفي بعض الآثار ما يدل على أن العرض عليهن قبل خلقه عليه السلام. 
أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال : لما خلق الله تعالى السماوات والأرض عرض عليهن الأمانة فلم يقبلنها فلما خلق آدم عليه السلام عرضها عليه فقال : يا رب وما هي ؟ قال سبحانه : هي إن أحسنت أجرتك وأن أسأت عذبتك قال : فقد تحملت يا رب فما كان بين أن تحملها إلى أن أخرج إلا قدر ما بين الظهر والعصر، وكأني بك تختار من هذه الأقوال أن العرض على تقدير كونه بعد إعطائهم الفهم والتمييز كان بمسمع من آدم عليه السلام وأنه بعد أن سمع الاباء حملته الغيرة على الحمل، وربما يفضي بك هذا إلى اختيار القول بأنه حمل الأمانة بدون عرضها عليه كما هو ظاهر الآية وبه يتأكد وصفه بما وصف لكني لا أظنك تقول بصحة حديث تمثل الأمانة بصخرة وإن قلت بصحة تمثل المعاني بصور الأجسام كما ورد في حديث ذبح الموت وغيره، وأنا لا أميل إلى القول بأن المراد بالإنسان آدم عليه السلام وإن كان أول أفراد الجنس ومبدأ سلسلتها لمكان  إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً  \[ الأحزاب : ٧٢ \] فإنه يبعد غاية البعد وصف صفي الله عز وجل بنص  إِنَّ الله اصطفى آدَمَ  \[ آل عمران : ٣٣ \] بمزيد الظلم والجهل ؛ وكون المعنى كان ظلوماً جهولاً بزعم الملائكة عليهم السلام قول بارد، وحمله على معنى كان ظلوماً لنفسه حيث حملها على ضعفه ما أبت الأجسام القوية حمله جهولاً بقدر ما دخل فيه أو بعاقبه ما تحمل لا يزيل البعد، ولا استحسن كون المراد كان من شأنه لو خلى ونفسه ذلك كما قيل :الظلم من شيم النفوس فإن تجد  ذا عفة فلعلة لا يظلمإلا على القول بإرادة الجنس، وإخراج الكلام مخرج الاستخدام على نحو ما قالوا في عندي درهم ونصفه بعيد لفظاً ومعنى، وقيل المراد بالأمانة مطلق الانقياد الشامل للطبيعي والاختياري وبعرضها استدعاؤه الذي يعم طلب الفعل من المختار وإرادة صدوره من غيره وبحملها الخيانة فيها والامتناع عن أدائها، ومنه قولهم حامل الأمانة ومحتملها لمن لا يؤديها فتبرأ ذمته وأنشدوا :إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة  وتحمل أخرى أخرجتك الودائعفيكون الإباء امتناعاً من الخيانة وإتياناً بالمراد، فالمعنى أن هذه الأجرام مع عظمها وقوتها أبين الخيانة لأمانتنا وأتين بما أمرناهن به لقوله تعالى : أَتَيْنَا طَائِعِينَ  \[ فصلت : ١١ \] وخانها الإنسان حيث لم يأت بما أمرناه به إنه كان ظلوماً جهولاً ولا يخفى بعده ولم نر في المأثور ما يؤيده، نعم إن العوام يقولون : إن الأرض لا تخون الأمانة حتى أنهم جرت عادتهم في بلادنا أنهم إذا أرادوا دفن ميت في مكان ولم يتيسر لهم وضعوه في قبر وقالوا حين الوضع مخاطبين الأرض : هذا أمانة عندك كذا شهراً أو كذا سنة وحثوا التراب عليه وانصرفوا فإذا نبشوا القبر قبل مضي المدة وجدوه كما وضعوه لم يتغير منه شيء فيخرجونه ويدفنونه حيث أرادوا وإذا بقي حتى تمضي المدة التي عينوها وجدوه متغيراً، وهذا أمر تواتر نقله لنا وهو مما يستبعده العقل، وإلى نحو هذا ذهب أبو إسحاق الزجاج إلا أنه قال : عرض الأمانة وضع شواهد الوحدانية في المصنوعات، ونقله عنه أبو حيان وذكر البيت المار آنفاً لكنه تعقبه بأن الحمل فيه ليس نصاً في الخيانة، وقيل المراد بالأمانة العقل أو التكليف وبعرضها عليهن اعتبارها بالإضافة إلى استعدادهن وبابائهن الإباء الطبيعي الذي هو عدم اللياقة والاستعداد لها وبحمل الإنسان قابليته واستعداده لها وكونه ظلوماً جهولاً لما غلب عليه من القوة الغضبية الداعية للظلم والشهوية الداعية للجهل بعواقب الأمور، قيل وعليه ينتظم قوله تعالى : إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً  مع ما قبله على أنه علته باعتبار حمل العقل عليه بمعنى إيداعه فيه لأجل إصلاح ما فيه من القوتين المحتاجتين إلى سلطان العقل الحاكم عليهما فكأنه قيل : حملناه ذلك لما فيه من القوى المحتاجة لقهره وضبطه، وكذا إذا أريد التكليف فإن معظم المقصود منه تعديل تلك القوى وكسى سورتها، ومن هنا قيل إنه أقرب للتحقيق، وقيل الأمانة تجلياته عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته تعالى العليا وعرضها عليهن وإباؤهن وحمل الإنسان كالمذكور آنفاً. 
وقوله تعالى : إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً  \[ الأحزاب : ٢ ٧ \] تعليل للحمل مشار به إلى قوة استعداده، وقوله سبحانه : لّيُعَذّبَ  تعليل للعرض على معنى عرضنا ذلك لتظهر تجلياتنا الجلالية والجمالية، ويشير إلى هذا قول العلامة الطيبي عليه الرحمة : إن الله تعالى خلق الخلق ليكون مظاهر أسمائه الحسنى وصفاته العليا فحامل معنى الكبرياء والعظمة السماوات والأرض والجبال من حيث كونها عاجزة عن حمل سائر الصفات لعدم استعدادها لقبولها ولذلك أبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان لقوة استعداده واقتداره لكونه ظل

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/33.md)
- [كل تفاسير سورة الأحزاب
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/33.md)
- [ترجمات سورة الأحزاب
](https://quranpedia.net/translations/33.md)
- [صفحة الكتاب: روح المعاني](https://quranpedia.net/book/301.md)
- [المؤلف: الألوسي](https://quranpedia.net/person/4400.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/33/book/301) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
