---
title: "تفسير سورة الأحزاب - زاد المسير في علم التفسير - ابن الجوزي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/33/book/340.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/33/book/340"
surah_id: "33"
book_id: "340"
book_name: "زاد المسير في علم التفسير"
author: "ابن الجوزي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الأحزاب - زاد المسير في علم التفسير - ابن الجوزي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/33/book/340)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الأحزاب - زاد المسير في علم التفسير - ابن الجوزي — https://quranpedia.net/surah/1/33/book/340*.

Tafsir of Surah الأحزاب from "زاد المسير في علم التفسير" by ابن الجوزي.

### الآية 33:1

> يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [33:1]

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله تعالى : يأَيُّهَا النبي اتَّقِ اللَّهَ  سبب نزولها أن أبا سفيان بن حرب، وعكرمة بن أبي جهل، وأبا الأعور السلمي، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموادعة التي كانت بينهم، فنزلوا على عبد الله بن أبيّ، ومتعب بن قشير، والجد بن قيس ؛ فتكلموا فيما بينهم، وأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعوه إلى أمرهم وعرضوا عليه أشياء كرهها، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. قال مقاتل : سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرفض ذكر اللات والعزى ويقول : إن لها شفاعة : فكره ذلك، ونزلت هذه الآية. وقال ابن جرير : ولا تطع الكافرين  الذين يقولون : اطرد عنا أتباعك من ضعفاء المسلمين  والمنافقين  فلا تقبل منهم رأيا. 
فإن قيل : ما الفائدة في أمر الله تعالى رسوله بالتقوى، وهو سيد المتقين ؟ ! فعنه ثلاثة أجوبة :
أحدها : أن المراد بذلك استدامة ما هو عليه. 
والثاني : الإكثار مما هو فيه. 
والثالث : أنه خطاب ووجه به، والمراد أمته. 
قال الفسرون : وأراد بالكافرين في هذه الآية : أبا سفيان، وعكرمة، وأبا الأعور، وبالمنافقين : عبد الله بن أبي، ّ وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وطعمة بن أبيرق.

### الآية 33:2

> ﻿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [33:2]

وما بعد هذا قد سبق بيانه \[ النساء : ٨١ \] إلى قوله : مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ

### الآية 33:3

> ﻿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا [33:3]

سورة الأحزاب
 وهي مدنيّة بإجماعهم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
 \[سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ١ الى ٤\]

 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

 يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١) وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (٣) ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاَّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)
 قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ.
 (١١١٥) سبب نزولها أن أبا سفيان بن حرب، وعكرمة بن أبي جهل، وأبا الأعور السلمي، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلّم في الموادعة التي كانت بينهم، فنزلوا على عبد الله بن أُبيّ، ومعتب بن قشير، والجَدّ بن قيس فتكلَّموا فيما بينهم، وأتَوا رسول الله صلى الله عليه وسلّم فدعَوه إِلى أمرهم وعرضوا عليه أشياء كرهها، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس.
 (١١١٦) قال مقاتل: سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن يرفُض ذِكْر اللات والعُزَّى ويقولَ: إِنَّ لها شفاعة، فكره ذلك، ونزلت الآية.
 وقال ابن جرير: وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ الذين يقولون: اطرد عنَّا أتباعك من ضعفاء المسلمين وَالْمُنفِقِينَ فلا تَقْبَل منهم رأياً. فان قيل: ما الفائدة في أمر الله تعالى رسولَه بالتقوى، وهو سيِّد المتَّقين؟! فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن المراد بذلك استدامة ما هو عليه. والثاني: الإِكثار مما هو فيه.
 والثالث: أنه خطاب وُوجِهَ به، والمراد أُمَّتُه. قال المفسرون: وأراد بالكافرين في هذه الآية: أبا سفيان، وعكرمة، وأبا الأعور، وبالمنافقين: عبد الله بن أُبيّ، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وطعمة بن
 عزاه المصنف لابن عباس من طريق أبي صالح، وأبو صالح وتلميذه الكلبي رويا عن ابن عباس تفسيرا موضوعا. ذكره الواحدي في **«أسباب النزول»** ٦٨٨ بدون إسناد، ولم أره مسندا، فهو لا شيء، وعزاه الحافظ في **«الكشاف»** ٣/ ٥١٩ للثعلبي والواحدي بدون إسناد.
 عزاه المصنف لمقاتل، وهذا معضل، وهو بدون إسناد، ومقاتل ممن يضع الحديث، فهذا لا شيء.

أُبَيْرِق. وما بعد هذا قد سبق بيانه **«١»** إلى قوله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وفي سبب نزولها قولان:
 (١١١٧) أحدهما: أن المنافقين كانوا يقولون: لمحمد قلبان، قلب معنا، وقلبٌ مع أصحابه، فأكذبهم اللهُ تعالى، ونزلت هذه الآية، قاله ابن عباس.
 (١١١٨) والثاني: أنها نزلت في جميل بن مَعْمَر الفهري- كذا نسبه جماعة من المفسرين. وقال الفراء: جميل بن أسد، ويكنى: أبا مَعْمَر. وقال مقاتل: أبو مَعْمَر بن أنس الفهري- وكان لبيباً حافظاً لِمَا سمع، فقالت قريش: ما حفظ هذه الأشياء إِلا وله قلبان في جوفه، وكان يقول: إِن لي قلبين أعقِل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، فلمَّا كان يوم بدر وهُزم المشركون وفيهم يومئذ جميل بن معمر، تلقَّاه أبو سفيان وهو معلِّق إِحدى نعليه بيده، والأخرى في رجله، فقال له: ما حال الناس؟
 قال: انهزموا، قال: فما بالك إِحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك؟ قال: ما شعرتُ إِلاَّ أنهما في رِجليّ، فعرفوا يومئذ أنه لو كان له قلبان لَمَا نسي نعله في يده وهذا قول جماعة من المفسرين. وقد قال الزهري في هذا قولاً عجيباً، قال: بلغنا أنّ ذلك في زيد بن حارثة ضُرب له مثَل يقول: ليس ابنُ رجل آخر ابنَك.
 قال الأخفش: **«مِنْ»** زائدة في قوله تعالى: **«من قلبين»**. قال الزّجّاج: أكذب الله عزّ وجلّ هذا الرجل الذي قال: لي قلبان، ثم قرر بهذا الكلام ما يقوله المشركون وغيرهم ممَّا لا حقيقة له، فقال:
 وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ فأعلم الله تعالى أن الزوجة لا تكون أُمّاً، وكانت الجاهلية تُطلِّق بهذا الكلام، وهو أن يقول لها: أنتِ عليَّ كَظَهر أُمِّي، وكذلك قوله تعالى: وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ أي: ما جعل مَنْ تَدْعونه ابناً- وليس بولد في الحقيقة- ابناً ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ أي:
 نسبُ مَنْ لا حقيقةَ لنَسَبه قولٌ بالفم لا حقيقة تحته وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ أي: لا يجعل غير الابن ابناً وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ أي: للسّبيل المستقيم. وذكر المفسّرون أنّ قوله تعالى: **«وما جَعل أزواجَكم اللاَّئي تُظاهِرون مِنْهُنَّ»** نزلت في اوس بن الصامت وامرأته خولة بنت ثعلبة. ومعنى الكلام: ما جعل أزواجكم اللاَّئي تُظِاهرون منهنَّ كأُمَّهاتكم في التحريم، إِنَّما قولُكم معصية، وفيه كفّارة، وأزواجكم حلال لكم وسنشرح هذا في سورة المجادلة إِن شاء الله. وذكروا أنّ قوله تعالى: وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ.

 ضعيف. أخرجه الترمذي ٣١٩٩ وأحمد ١/ ١٦٨ والحاكم ٢/ ٤١٥ والطبري ٢٨٣١٨ من طريق قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس به، وإسناده ضعيف لضعف قابوس. قال الترمذي: حديث حسن! وقال الحاكم: صحيح الإسناد! وتعقبه الذهبي بقوله: قابوس ضعيف. وانظر **«فتح القدير»** ١٩٥٦ و **«أحكام القرآن»** ١٧٥٠ بتخريجنا، والله الموفق.
 ذكره الواحدي في **«أسباب النزول»** ٦٨٩ بتمامه بدون إسناد. وورد بنحوه عند الطبري ٢٨٣٢١ وعبد الرزاق ٢٣١١ عن قتادة مرسلا. وورد أيضا من مرسل عكرمة عند الطبري ٢٨٣٢٣. وعن ابن عباس أخرجه الطبري ٢٨٣١٩ وفيه مجاهيل، وفيه أيضا عطية العوفي، وهو واه. الخلاصة: هو خبر ضعيف، فهذه الروايات واهية لا تقوم بها حجة.
 __________
 (١) النساء: ٨١.

### الآية 33:4

> ﻿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ۚ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ۚ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ ۖ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [33:4]

مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ  وفي سبب نزولها قولان :
أحدهما : أن المنافقين كانوا يقولون : لمحمد قلبان، قلب معنا، وقلب مع أصحابه، فأكذبهم الله تعالى، ونزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. 
والثاني : أنها نزلت في جميل بن معمر الفهري كذا نسبه جماعة من المفسرين. وقال الفراء : جميل بن أسد، ويكنى : أبا معمر. وقال مقاتل : أبو معمر ابن أنس الفهري- وكان لبيبا حافظا لما سمع، فقالت قريش : ما حفظ هذه الأشياء إلا وله قلبان في جوفه، وكان يقول : إن لي قلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، فلما كان يوم بدر وهزم المشركون وفيهم يومئذ جميل بن معمر، تلقاه أبو سفيان وهو معلق إحدى نعليه بيده، والأخرى في رجله، فقال له : ما حال الناس ؟ فقال : انهزموا، قال : فما بالك إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك ؟ قال : ما شعرت إلا أنهما في رجلي، فعرفوا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده ؛ وهذا قول جماعة من المفسرين. وقد قال الزهري في هذا قولا عجيبا، قال : بلغنا أن ذلك في زيد بن حارثة ضرب له مثل يقول : ليس ابن رجل آخر ابنك. قال الأخفش :" من " زائدة في قوله : مّن قَلْبَيْنِ . قال الزجاج : أكذب الله عز وجل هذا الرجل الذي قال : لي قلبان، ثم قرر بهذا الكلام ما يقوله المشركون وغيرهم مما لا حقيقة له، فقال : وَمَا جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ  فأعلم الله تعالى أن الزوجة لا تكون أما، وكانت الجاهلية تطلقِّ بهذا الكلام، وهو أن يقول لها : أنت علي كظهر أمي، وكذلك قوله : وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ  أي ما جعل من تدعونه ابنا وليس بولد في الحقيقة ابنا  ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْواهِكُمْ  أي : نسب من لا حقيقة لنسبة قول بالفم لا حقيقة تحته  وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ  أي : لا يجعل غير الابن ابناً  وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ  أي للسبيل المستقيم. وذكر المفسرون : أن قوله : وَمَا جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ  نزلت في أوس بن الصامت وامرأته خولة بنت ثعلبة. 
ومعنى الكلام : ما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن كأمهاتكم في التحريم، إنما قولكم معصية، وفيه كفارة، وأزواجكم لكم حلال ؛ وسنشرح هذا في سورة المجادلة إن شاء الله. وذكروا أن قوله : وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ  نزل في زيد بن حارثة، أعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبناه قبل الوحي، فلما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش قال اليهود والمنافقون : تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عنها، فنزلت هذه الآية.

### الآية 33:5

> ﻿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ۚ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ۚ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَٰكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [33:5]

قوله تعالى : ادْعُوهُمْ لآبائهم  قال ابن عمر : ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد، حتى نزلت  ادْعُوهُمْ لآبائهم . قوله تعالى : هُوَ أَقْسَطُ  أي أعدل،  فَإِن لَّمْ تَعْلَمُواْ آبَاءهُمْ  أي : إن لم تعرفوا آباءهم  فَإِخوَانُكُمْ  أي : فهم إخوانكم، فليقل أحدكم : يا أخي،  ومواليكم . قال الزجاج : أي : بنو عمكم. ويجوز أن يكون " مواليكم " أولياءكم في الدين. 
 وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ  فيه ثلاثة أقوال :
أحدها : فيما أخطأتم به قبل النهي، قاله مجاهد. 
والثاني : في دعائكم من تدعونه إلى غير أبيه وأنتم ترونه كذلك، قاله قتادة. 
والثالث : فيما سهوتم فيه، قاله حبيب بن أبي ثابت. 
فعلى الأول يكون معنى قوله : وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ  أي : بعد النهي. وعلى الثاني والثالث : ما تعمدت في دعاء الرجل إلى غير أبيه.

### الآية 33:6

> ﻿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ۗ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا [33:6]

قوله تعالى : النبي أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ  أي : أحق، فله أن يحكم فيهم بما يشاء، قال ابن عباس : إذا دعاهم إلى شيء، ودعتهم أنفسهم إلى شيء، كانت طاعته أولى من طاعة أنفسهم ؛ وهذا صحيح، فإن أنفسهم تدعوهم إلى ما فيه هلاكهم، والرسول يدعوهم إلى ما فيه نجاتهم. قوله تعالى : وَأَزْوجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ  أي : في تحريم نكاحهن على التأبيد، ووجوب إجلالهن وتعظيمهن، ولا تجري عليهن أحكام الأمهات في كل شيء، إذ لو كان كذلك لما جاز لأحد أن يتزوج بناتهن، ولورثن المسلمين، ولجازت الخلوة بهن. وقد روى مسروق عن عائشة : أن امرأة قالت : يا أماه، فقالت : لست لك بأم، إنما أنا أم رجالكم } ؛ فبان بهذا الحديث أن معنى الأمومة تحريم نكاحهن فقط. وقال مجاهد : وأزواجه أمهاتهم  وهو أب لهم. وما بعد هذا مفسر في آخر الأنفال إلى قوله : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ  والمعنى : أن ذوي القرابات بعضهم أولى بميراث بعض، من أن يرثوا بالإيمان والهجرة كما كانوا يفعلون قبل النسخ.  إِلاَّ أَن تَفْعَلُواْ إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَّعْرُوفاً  وهذا استثناء ليس من الأول، والمعنى : لكن فعلكم إلى أوليائكم معروفا جائز، وذلك أن الله تعالى لما نسخ التوارث بالحلف والهجرة، أباح الوصية للمعاقدين، فللإنسان أن يوصي لمن يتولاه بما أحب من ثلثه. فالمعروف ها هنا : الوصية. 
قوله تعالى : كَانَ ذَلِكَ  يعني نسخ الميراث بالهجرة ورده إلى ذوي الأرحام  في الْكِتَابِ  يعني : اللوح المحفوظ  مَسْطُورًا  أي مكتوبا.

### الآية 33:7

> ﻿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۖ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [33:7]

قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذْنَا  المعنى : واذكر إذ أخذنا  مِنَ النَّبِيّيْنَ مِيثَاقَهُمْ  أي : عهدهم ؛ وفيه قولان :
أحدهما : أخذ ميثاق النبيين : أن يصدق بعضهم بعضا، قاله قتادة. 
والثاني : أن يعبدوا الله ويدعوا إلى عبادته، ويصدق بعضهم بعضا، وأن ينصحوا لقومهم، قاله مقاتل. وهذا الميثاق أخذ منهم حين أخرجوا من ظهر آدم كالذر، قال أبيّ بن كعب : لما أخذ ميثاق الخلق خص النبيين بميثاق آخر. 
فان قيل : لمَ خص الأنبياء الخمسة بالذكر دون غيرهم من الأنبياء ؟. 
فالجواب : أنه نبه بذلك على فضلهم، لأنهم أصحاب الكتب والشرائع ؛ وقدم نبينا صلى الله عليه وسلم بيانا لفضله عليهم. قال قتادة : كان نبينا أول النبيين في الخلق. 
وقوله : مّيثَاقاً غَلِيظاً  أي : شديدا على الوفاء بما حملوا. وذكر المفسرون أن ذلك العهد الشديد : اليمين بالله عز وجل.

### الآية 33:8

> ﻿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ۚ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا [33:8]

لِّيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ  يقول : أخذنا ميثاقهم لكي نسأل الصادقين، وهم الأنبياء  عَن صِدْقِهِمْ  في تبليغهم. ومعنى سؤال الأنبياء وهو يعلم صدقهم تبكيت مكذبيهم. وها هنا تم الكلام. ثم أخبر بعد ذلك عما أعد للكافرين بالرسل.

### الآية 33:9

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا [33:9]

قوله تعالى : يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ  وهم الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الخندق. 
الإشارة إلى القصة. 
ذكر أهل العلم بالسيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أجلى بنى النضير، ساروا إلى خيبر، فخرج نفر من أشرافهم إلى مكة فألبوا قريشا ودعوهم إلى الخروج لقتاله، ثم خرجوا من عندهم فأتوا غطفان وسليم، ففارقوهم على مثل ذلك. وتجهزت قريش ومن تبعهم من العرب، فكانوا أربعة آلاف. وخرجوا يقودهم أبو سفيان، ووافتهم بنو سليم ب " مرِّ الظهران "، وخرجت بنو أسد، وفزارة، وأشجع، وبنو مرة، فكان جميع من وافى الخندق من القبائل عشرة آلاف، وهم الأحزاب ؛ فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خروجهم من مكة، أخبر الناس خبرهم، وشاورهم، فأشار سلمان بالخندق، فأعجب ذلك المسلمين، وعسكر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سفح " سلع "، وجعل سلعا خلف ظهره ؛ ودس أبو سفيان بن حرب حيي بن أخطب إلى بني قريظة، يسألهم أن ينقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكونوا معهم عليه، فأجابوا، واشتد الخوف، وعظم البلاء، ثم جرت بينهم مناوشة وقتال، وحصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بضع عشرة ليلة حتى خلص إليهم الكرب، وكان نعيم بن مسعود الأشجعي قد أسلم، فمشى بين قريش وقريظة وغطفان فخذل بينهم، فاستوحش كل منهم من صاحبه، واعتلت قريظة بالسبت فقالوا : لا نقاتل فيه، وهبت ليلة السبت ريح شديدة، فقال أبو سفيان : يا معشر قريش، إنكم والله لستم بدار مقام، لقد هلك الخف والحافر، وأجدب الجناب، وأخلفتنا قريظة، ولقينا من الريح ما ترون، فارتحلوا فاني مرتحل ؛ فأصبحت العساكر قد أقشعت كلها. قال مجاهد : والريح التي أرسلت عليهم هي الصبا، حتى أكفأت قدورهم، ونزعت فساطيطهم. والجنود : الملائكة، ولم تقاتل يومئذ. وقيل : إن الملائكة جعلت تقلع أوتادهم وتطفئ نيرانهم وتكبر في جوانب عسكرهم، فاشتدت عليهم، فانهزموا من غير قتال. 
قوله تعالى : لَّمْ تَرَوْهَا  وقرأ النخعي، والجحدري، والجوني، وابن السميفع " لَمْ يروها " بالياء  وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً  وقرأ أبو عمرو :" يَعْمَلُونَ " بالياء.

### الآية 33:10

> ﻿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا [33:10]

قوله تعالى : إِذْ جَاءوكُمْ مّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ  أي : من فوق الوادي ومن أسفله  وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار  أي : مالت وعدلت، فلم تنظر إلى شيء إلا إلى عدوها مقبلا من كل جانب  وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ  وهي جمع حنجرة. والحنجرة : جوف الحلقوم. قال قتادة : شخصت عن مكانها، فلولا أنه ضاق الحلقوم عنها أن تخرج لخرجت. وقال غيره : المعنى أنهم جبنوا وجزع أكثرهم ؛ وسبيل الجبان إذا اشتد خوفه أن تنتفخ رئته فيرتفع حينئذ القلب إلى الحنجرة، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس والفراء. وذهب ابن قتيبة إلى أن المعنى : كادت القلوب تبلغ الحلوق من الخوف. وقال ابن الأنباري :" كاد " لا يضمر ولا يعرف معناه إذا لم ينطق به. 
قوله تعالى : وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَاْ  قال الحسن : اختلفت ظنونهم، فظن المنافقون أن محمدا وأصحابه يستأصلون، وظن المؤمنون أنه ينصر. 
قرأ ابن كثير، والكسائي، وحفص عن عاصم : الظُّنُونَاْ  و الرَّسُولاَ  \[ الأحزاب : ٦٦ \] و  السَّبِيلاْ  \[ الأحزاب : ٦٧ \] بألف إذا وقفوا عليهن، وبطرحها في الوصل. وقال هبيرة عن حفص عن عاصم : وَصْل أو وقْف بألف. وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم : بالألف فيهن وصلا ووقفا. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي : بغير ألف في وصل ولا وقف. قال الزجاج : والذي عليه حذاق النحويين والمتبعون السنة من قرائهم أن يقرؤوا :" الظُّنُونَاْ " ويقفون على الألف ولا يصلون، وإنما فعلوا ذلك، لأن أواخر الآيات عندهم فواصل يثبتون في آخرها الألف في الوقف.

### الآية 33:11

> ﻿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا [33:11]

قوله تعالى : هُنَالِكَ  أي عند ذلك  ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ  أي : اختبروا بالقتال والحصر ليتبين المخلص من المنافق  وَزُلْزِلُواْ  أي أزعجوا وحركوا بالخوف، فلم يوجدوا إلا صابرين. وقال الفراء : حُرِّكوا إلى الفتنة تحريكا، فعصموا.

### الآية 33:12

> ﻿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا [33:12]

قوله تعالى : وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ في قُلُوبِهِم مَّرَضٌ  فيه قولان :
أحدهما : أنه الشرك، قاله الحسن. 
والثاني : النفاق، قاله قتادة.  مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً  قال المفسرون : قالوا : يومئذ : إن محمدا يعدنا أن نفتح مدائن كسرى وقيصر وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحله ! هذا والله الغرور. وزعم ابن السائب أن قائل هذا معتب بن قشير.

### الآية 33:13

> ﻿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ۚ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا [33:13]

قوله تعالى : وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ  يعني من المنافقين. وفي القائلين لهذا منهم قولان :
أحدهما : عبد الله بن أبيّ وأصحابه، قاله السدي. 
والثاني : بنو سالم من المنافقين، قاله مقاتل. 
قوله تعالى : يا أَهْلَ يَثْرِبَ  قال أبو عبيدة : يثرب : اسم أرض : ومدينة النبي صلى الله عليه وسلم في ناحية منها. قوله تعالى : لاَ مُقَامَ لَكُمْ  وقرأ حفص عن عاصم " لاَ مُقَامَ " بضم الميم. قال الزجاج : من ضم الميم، فالمعنى : لا إقامة لكم ؛ ومن فتحها، فالمعنى : لا مكان لكم تقيمون فيه. وهؤلاء كانوا يثبطون المؤمنين عن النبي صلى الله عليه وسلم. 
قوله تعالى : فَارْجِعُواْ  أي إلى المدينة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بالمسلمين حتى عسكروا ب " سلع " وجعلوا الخندق بينهم وبين القوم، فقال المنافقون للناس : ليس لكم ها هنا مقام، لكثرة العدو، وهذا قول الجمهور. وحكى الماوردي قولين آخرين :
أحدهما : لا مقام لكم على دين محمد فارجعوا إلى دين مشركي العرب، قاله الحسن. 
والثاني : لا مقام لكم على القتال، فارجعوا إلى طلب الأمان، قاله الكلبي. 
قوله تعالى : وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مّنْهُمُ النبي  فيه قولان :
أحدهما : أنهم بنو حارثة، قاله ابن عباس. وقال مجاهد : بنو حارثة بن الحارث بن الخزرج. وقال السدي : إنما استأذنه رجلان من بني حارثة. 
والثاني : بنو حارثة، وبنو سلمة بن جشم، قاله مقاتل. 
قوله تعالى : إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ  قال ابن قتيبة : أي : خالية، فقد أمكن من أراد دخولها، وأصل العورة : ما ذهب عنه الستر والحفظ، فكأن الرجال ستر وحفظ للبيوت، فإذا ذهبوا أعورت البيوت، تقول العرب : أعور منزلي : إذا ذهب ستره، أو سقط جداره، وأعور الفارس : إذا بان منه موضع خلل للضرب والطعن، يقول الله  وَمَا هي بِعَوْرَةٍ  لأن الله يحفظها، ولكن يريدون الفرار. وقال الحسن، ومجاهد : قالوا : بيوتنا ضائعة نخشى عليها السراق. وقال قتادة : قالوا : بيوتنا مما يلي العدو، ولا نأمن على أهلنا، فكذبهم الله، وأعلم أن قصدهم الفرار.

### الآية 33:14

> ﻿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا [33:14]

قوله تعالى : وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مّنْ أَقْطَارِهَا  يعني المدينة ؛ والأقطار : النواحي والجوانب، واحدها : قطر،  ثُمَّ سُئِلُواْ الْفِتْنَةَ  وقرأ علي بن أبي طالب عليه السلام، والضحاك، والزهري، وأبو عمران، وأبو جعفر، وشيبة :" ثُمّ سيلوا " َ برفع السين وكسر الياء من غير همز. وقرأ أبي بن كعب، ومجاهد، وأبو الجوزاء، " ثُمّ َسوئلوا " برفع السين ومد الواو بهمزة مكسورة بعدها. وقرأ الحسن، وأبو الأشهب :" ثُمّ َسولوا " برفع السين وسكون الواو من غير مد ولا همز. وقرأ الأعمش، وعاصم الجحدري :" ثُمَّ سيلوا " بكسر السين ساكنة الياء من غير همز ولا واو. ومعنى :" سُئِلُواْ الْفِتْنَةَ "، أي : سئلوا فعلها ؛ والفتنة : الشرك،  لأتوها  قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر :" لأتوها " بالقصر، أي : لقصدوها، ولفعلوها. وقرأ عاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي :" لأتوها " بالمد، أي : لأعطوها. قال ابن عباس في معنى الآية : لو أن الأحزاب دخلوا المدينة ثم أمروهم بالشرك لأشركوا. 
قوله تعالى : وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَا إِلاَّ يَسِيراً  فيه قولان :
أحدهما : وما احتبسوا عن الإجابة إلى الكفر إلا قليلا، قاله قتادة. 
والثاني : وما تلبثوا بالمدينة بعد الإجابة إلا يسيرا حتى يعذبوا، قاله السدي، وحكى أبو سليمان الدمشقي في الآية قولا عجيبا، وهو أن الفتنة ها هنا : الحرب، والمعنى : ولو دخلت المدينة على أهلها من أقطارها، ثم سئل هؤلاء المنافقون الحرب لأتوها مبادرين، وما تلبثوا يعني الجيوش الداخلة عليهم بها- إلا قليلا حتى يخرجوهم منها ؛ وإنما منعهم من القتال معك ما قد تداخلهم من الشك في دينك ؛ قال : وهذا المعنى حفظته من كتاب الواقدي.

### الآية 33:15

> ﻿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ ۚ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا [33:15]

قوله تعالى : وَلَقَدْ كَانُواْ عَهَدُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ  في وقت معاهدتهم ثلاثة أقوال :
أحدها : أنهم ناس غابوا عن وقعة بدر، فلما علموا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة قالوا : لئن شهدنا قتالا لنقاتلن، قاله قتادة. 
والثاني : أنهم أهل العقبة، وهم سبعون رجلا بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على طاعة الله ونصرة رسوله، قاله مقاتل. 
والثالث : أنه لما نزل بالمسلمين يوم أحد ما نزل، عاهد الله معتب بن قشير وثعلبة بن حاطب : لا نولي دبرا قط، فلما كان يوم الأحزاب نافقا، قاله الواقدي، واختاره أبو سليمان الدمشقي، وهو أليق مما قبله. وإذا كان الكلام في حق المنافقين، فكيف يطلق القول على أهل العقبة كلهم !. 
قوله تعالى : وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً  أي : يسألون عنه في الآخرة.

### الآية 33:16

> ﻿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا [33:16]

ثم أخبر أن الفرار لا يزيد في آجالهم، فقال : قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ  بعد الفرار في الدنيا  إِلاَّ قَلِيلاً  وهو باقي آجالكم.

### الآية 33:17

> ﻿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً ۚ وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [33:17]

ثم أخبر أن ما قدره عليهم لا يدفع، بقوله : مَن ذَا الذي يَعْصِمُكُمْ مّنَ اللَّهِ  أي : يجيركم ويمنعكم منه  إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً  وهو الإهلاك والهزيمة والبلاء  أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً  وهي النصر والعافية والسلامة  وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مّن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً  أي : لا يجدون مواليا ولا ناصرا يمنعهم من مراد الله فيهم.

### الآية 33:18

> ﻿۞ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا ۖ وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا [33:18]

قوله تعالى : قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوّقِينَ مِنكُمْ  في سبب نزولها قولان :
احدهما : أن رجلا انصرف من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب، فوجد أخاه لأمه وأبيه وعنده شواء ونبيذ، فقال له : أنت ها هنا ورسول الله بين الرماح والسيوف ؟ ! فقال : هلم إليّ، لقد أحيط بك وبصاحبك ؛ والذي يحلف به لا يستقبلها محمد أبدا ؛ فقال له : كذبت، والذي يحلف به، أما والله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمرك، فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره، فوجده قد نزل جبريل بهذه الآية إلى قوله : يَسِيراً  هذا قول ابن زيد. 
والثاني : أن عبد الله بن أبيّ ومعتب بن قشير والمنافقين الذين رجعوا من الخندق إلى المدينة، كانوا إذا جاءهم منافق قالوا له : ويحك اجلس فلا تخرج، ويكتبون بذلك إلى إخوانهم الذين في المعسكر أن ائتونا بالمدينة فإنا ننتظركم- يثبطونهم عن القتال- وكانوا لا يأتون العسكر إلا أن يجدوا بدا، فيأتون العسكر ليرى الناس وجوهم، فإذا غفل عنهم عادوا إلى المدينة، فنزلت هذه الآية، قاله ابن السائب. 
والمعوق : المثبط ؛ تقول عاقني فلان، واعتاقني، وعوقني : إذا منعك عن الوجه الذي تريده. وكان المنافقون يعوقون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نصّاره. 
قوله تعالى : وَالْقَائِلِينَ لإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا  فيهم ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه المنافق الذي قال لأخيه ما ذكرناه في قول ابن زيد. 
والثاني : أنهم اليهود دعوا إخوانهم من المنافقين إلى ترك القتال، قاله مقاتل. 
والثالث : أنهم المنافقون دعوا المسلمين إليهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حكاه الماوردي. 
قوله تعالى : وَلاَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ  أي : لا يحضرون القتال في سبيل الله  إِلاَّ قَلِيلاً  للرياء والسمعة من غير احتساب، ولو كان ذلك القليل لله لكان كثيرا.

### الآية 33:19

> ﻿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ۖ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ۖ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ۚ أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [33:19]

قوله تعالى : أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ  قال الزجاج : هو منصوب على الحال. المعنى : لا يأتون الحرب إلا تعذيرا، بخلاء عليكم. 
**وللمفسرين فيما شحوا به أربعة أقوال :**
أحدها : أشحة بالخير، قاله مجاهد. 
والثاني : بالنفقة في سبيل الله. 
والثالث : بالغنيمة، رويا عن قتادة. وقال الزجاج : بالظفر والغنيمة. 
والرابع : بالقتال معكم، حكاه الماوردي. 
ثم أخبر عن جبنهم فقال : فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ  أي إذا حضر القتال  رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ كالذي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ  أي : كدوران عين الذي يغشى عليه من الموت، وهو الذي دنا موته وغشيته أسبابه، فإنه يخاف ويذهل عقله ويشخص بصره فلا يطرف، فكذلك هؤلاء، لأنهم يخافون القتل. 
 فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم  قال الفراء : آذوكم بالكلام في الأمن  بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ  سليطة ذربة، والعرب تقول : صلقوكم، بالصاد، ولا يجوز في القراءة ؛ وهذا قول الفراء. وقد قرأ بالصاد أبي بن كعب، وأبو الجوزاء، وأبو عمران الجوني، وابن أبي عبلة في آخرين. وقال الزجاج : معنى " سلقوكم " : خاطبوكم أشد مخاطبة وأبلغها في الغنيمة ؛ يقال : خطيب مسلاق : إذا كان بليغا في خطبته  أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ  أي خاطبوكم وهم أشحة على المال والغنيمة قال قتادة : إذا كان وقت قسمة الغنيمة، بسطوا ألسنتهم فيكم، يقولون : أعطونا فلستم أحق بها منا ؛ فأما عند البأس، فأجبن قوم وأخذله للحق، وأما عند الغنيمة، فأشح قوم. 
**وفي المراد بالخير ها هنا ثلاثة أقوال :**
أحدها : أنه الغنيمة. 
والثاني : على المال أن ينفقوه في سبيل الله تعالى. 
والثالث : على رسول الله صلى الله عليه وسلم بَظَفره. قوله تعالى : أوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ  أي : هم وإن أظهروا الإيمان فليسوا بمؤمنين، لنفاقهم  فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ  قال مقاتل : أبطل جهادهم، لأنه لم يكن في إيمان  وكان ذلك  الإحباط  على الله يسيرا .

### الآية 33:20

> ﻿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا ۖ وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ ۖ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا [33:20]

ثم أخبر عنهم بما يدل على جبنهم فقال : يَحْسَبُونَ الأحزاب لَمْ يَذْهَبُواْ  أي : يحسب المنافقون من شدة خوفهم وجبنهم أن الأحزاب بعد انهزامهم وذهابهم لم يذهبوا،  وَإِن يَأْتِ الأحزاب  أي : يرجعوا إليهم كرة ثانية للقتال  يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ في الأعراب  أي : يتمنوا لو كانوا في بادية الأعراب من خوفهم،  يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ  أي : ودوا لو أنهم بالبعد منكم يسألون عن أخباركم، فيقولون : ما فعل محمد وأصحابه، ليعرفوا حالكم بالاستخبار لا بالمشاهدة، فرقا وجبنا، وقيل : بل يسألون شماتة بالمسلمين وفرحا بنكباتهم  وَلَوْ كَانُ فِيكُمْ  أي : لو كانوا يشهدون القتال معكم  ما قاتلوا إلا قليلا  فيه قولان :
أحدهما : إلا رميا بالحجارة، قاله ابن السائب. 
والثاني : إلا رياء من غير احتساب، قاله مقاتل.

### الآية 33:21

> ﻿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [33:21]

ثم عاب من تخلف بالمدينة بقوله : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ  أي : قدوة صالحة. والمعنى : لقد كان لكم به اقتداء لو اقتديتم به في الصبر معه كما صبر يوم أحد حتى كسرت رباعيته وشج جبينه وقتل عمه، وآساكم مع ذلك بنفسه. 
وقرأ عاصم " أُسْوَةٌ " بضم الألف ؛ والباقون بكسر الألف ؛ وهما لغتان. قال الفراء : أهل الحجاز وأسد يقولون :" أُسْوَةٌ " بالكسر، وتميم وبعض قيس يقولون :" أُسْوَةٌ " بالضم. وخص الله تعالى بهذه الأسوة المؤمنين، فقال : لّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخر  والمعنى أن الأسوة برسول الله إنما كانت لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ؛ وفيه قولان :
أحدهما : يرجو ما عنده من الثواب والنعيم، قاله ابن عباس. 
والثاني : يخشى الله ويخشى البعث، قاله مقاتل. 
قوله تعالى : وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً  أي : ذكرا كثيرا، لأن ذاكر الله متبع لأوامره، بخلاف الغافل عنه.

### الآية 33:22

> ﻿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [33:22]

ثم وصف حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب، فقال : وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأحزاب قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ  وفي ذلك الوعد قولان :
أحدهما : أنه قوله : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم. . .  الآية \[ البقرة : ٢١٤ \] فلما عاينوا البلاء يومئذ قالوا : هذا ما وعدنا الله ورسوله، قاله ابن عباس، وقتادة في آخرين. 
والثاني : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدهم النصر والظهور على مدائن كسرى وقصور الحيرة، ذكره الماوردي وغيره. 
قوله تعالى : وَمَا زَادَهُمْ  يعني ما رأوه  إِلاَّ إِيمَانًا  بوعد الله  وَتَسْلِيماً  لأمره.

### الآية 33:23

> ﻿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [33:23]

قوله تعالى : مّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ  اختلفوا فيمن نزلت على قولين :
أحدهما : أنها نزلت في أنس بن النضر، قاله أنس بن مالك. وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك قال : غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فلما قدم قال : غبت عن أول قتال قاتله رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين، لئن أشهدني الله عز وجل قتالا ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد انكشف الناس، فقال : اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، يعني المشركين، وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني المسلمين ؛ ثم مشى بسيفه، فلقيه سعد بن معاذ، فقال : أي سعد، والذي نفسي بيده إني لأجد ريح الجنة دون أحد، واها لريح الجنة. قال سعد : فما استطعت يا رسول الله ما صنع ؛ قال أنس : فوجدناه بين القتلى به بضع وثمانون جراحة، من ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، قد مثلوا به ؛ قال : فما عرفناه حتى عرفته أخته ببنانه ؛ قال أنس : فكنا نقول : أنزلت هذه الآية  مّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ  فيه وفي أصحابه. 
والثاني : أنها نزلت في طلحة بن عبيد الله، روى النزال بن سبرة عن علي عليه السلام أنهم قالوا له : حدثنا عن طلحة، قال : ذاك امرؤ نزلت فيه آية من كتاب الله تعالى : فَمِنْهُمْ مَّن قَضَى نَحْبَهُ  لا حساب عليه فيما يستقبل. وقد جعل بعض المفسرين هذا القدر من الآية في طلحة، وأولها في أنس. قال ابن جرير : ومعنى الآية : وفوا لله بما عاهدوه عليه. وفي ذلك أربعة أقوال :
أحدها : أنهم عاهدوا ليلة العقبة على الإسلام والنصرة. 
والثاني : أنهم قوم لم يشهدوا بدرا، فعاهدوا الله أن لا يتأخروا بعدها. 
والثالث : أنهم عاهدوا أن لا يفروا إذا لاقوا، فصدقوا. 
والرابع : أنهم عاهدوا على البأساء والضراء وحين البأس. 
قوله تعالى : فَمِنْهُمْ مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ  فيه ثلاثة أقوال :
أحدها : فمنهم من مات، ومنهم من ينتظر الموت، قاله ابن عباس. 
والثاني : فمنهم من قضى عهده قتل أو عاش. ومنهم من ينتظر أن يقضيه بقتال أو صدق لقاء، قاله مجاهد. 
والثالث : فمنهم من قضى نذره الذي كان نذر، قاله أبو عبيدة. فيكون النحب على القول الأول : الأجل ؛ وعلى الثاني : العهد ؛ وعلى الثالث : النذر. وقال ابن قتيبة : قضى نحبه  أي : قتل، وأصل النحب : النذر، كأن قوما نذورا أنهم إن لقوا العدو قاتلوا حتى يقتلوا أو يفتح الله عليهم، فقتلوا، فقيل : فلان قضى نحبه، أي : قتل، فاستعير النحب مكان الأجل، لان الأجل وقع بالنحب، وكان النحب سببا له، ومنه قيل : للعطية :" مَنْ "، لأن من أعطى فقد مَنَّ. قال ابن عباس : ممن قضى نحبه : حمزة بن عبد المطلب، وأنس بن النضر وأصحابه. وقال ابن إسحاق : فَمِنْهُمْ مَّن قَضَى نَحْبَهُ  من استشهد يوم بدر وأحد،  ومنهم من ينتظر  ما وعد الله من نصره، أو الشهادة على ما مضى عليه أصحابه  وَمَا بَدَّلُواْ  أي : ما غيروا العهد الذي عاهدوا ربهم عليه كما غير المنافقون.

### الآية 33:24

> ﻿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [33:24]

قوله تعالى : لّيَجْزِي اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ  وهم المؤمنون الذين صدقوا فيما عاهدوا اللَّهِ عليه  وَيُعَذّبَ الْمُنَافِقِينَ  بنقض العهد  إِن شَاء  وهو أن يميتهم على نفاقهم  أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ  في الدنيا، فيخرجهم من النفاق إلى الإيمان، فيغفر لهم.

### الآية 33:25

> ﻿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ۚ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا [33:25]

وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ  يعني : الأحزاب، صدهم ومنعهم عن الظفر بالمسلمين  بِغَيْظِهِمْ  أي : لم يشف صدورهم بنيل ما أرادوا  لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً  أي لم يظفروا بالمسلمين، وكان ذلك عندهم خيرا، فخوطبوا على استعمالهم  وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ  بالريح والملائكة،

### الآية 33:26

> ﻿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا [33:26]

وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم  أي : عاونوا الأحزاب، وهم بنو قريظة، وذلك أنهم نقضوا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهد، وصاروا مع المشركين يدا واحدة. 
وهذه الإشارة إلى قصتهم. 
ذكر أهل العلم بالسيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف من الخندق، وضع عنه اللأمة واغتسل، فتبدى له جبريل، فقال : ألا أراك وضعت اللأمة، وما وضعت الملائكة سلاحها منذ أربعين ليلة ؟ ! إن الله يأمرك أن تسير إلى بني قريظة فإني عامد إليهم فمزلزل بهم حصونهم ؛ فدعا عليا فدفع لواءه إليه، وبعث بلالا فنادى في الناس : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن لا تصلوا العصر إلا ببني قريظة، ثم سار إليهم فحاصرهم خمسة عشر يوما أشد الحصار، وقيل عشرين ليلة، فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرسل إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر، فأرسله إليهم، فشاوروه في أمرهم، فأشار إليهم بيده : إنه الذبح، ثم ندم فقال : خنت الله ورسوله، فانصرف، فارتبط في المسجد حتى أنزل الله توبته، ثم نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بهم رسول الله محمد بن مسلمة، وكتفوا، ونحوا ناحية، وجعل النساء والذرية ناحية. وكلمت الأوس رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهبهم لهم، وكانوا حلفاءهم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ ؛ هكذا ذكر محمد بن سعد. وحكى غيره : أنهم نزلوا أولاً على حكم سعد بن معاذ، وكان بينهم وبين قومه حلف، فرجوا أن تأخذه فيهم هوادة، فحكم فيهم أن يقتل كل من جرت عليه المواسي، وتسبى النساء والذراري، وتقسم الأموال. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة " ؛ وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر بهم فأدخلوا المدينة، وحفر لهم أخدود في السوق، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه، وأخرجوا إليه فضربت أعناقهم، وكانوا ما بين الستمائة إلى السبعمائة. 
قوله تعالى : مِن صَيَاصِيهِمْ  قال ابن عباس وقتادة : من حصونهم ؛ قال ابن قتيبة : وأصل الصياصي : قرون البقر، لأنها تمتنع بها، وتدفع عن أنفسها ؛ فقيل للحصون : الصياصي، لأنها تمنع، وقال الزجاج : كل قرن صيصية، وصيصية الديك : شوكة يتحصن بها. 
قوله تعالى : وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ  أي : ألقى فيها الخوف  فَرِيقاً تَقْتُلُونَ  وهم المقاتلة  وَتَأْسِرُونَ  وقرأ ابن يعمر، وابن أبي عبلة :" وَتَأْسِرُونَ " برفع السين  فَرِيقاً  وهم النساء والذراري،

### الآية 33:27

> ﻿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا [33:27]

وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ  يعني عقارهم ونخيلهم ومنازلهم  وَأَمْوالَهُمْ  من الذهب والفضة والحلي والعبيد والإماء  وَأَرْضاً لَّمْ تَطَؤُوهَا  أي : لم تطؤوها بأقدامكم بعد، وهي مما سنفتحها عليكم ؛ وفيها أربعة أقوال :
أحدها : أنها فارس والروم، قاله الحسن. 
والثاني : ما ظهر عليه المسلمون إلى يوم القيامة. قاله عكرمة. 
والثالث : مكة، قاله قتادة. 
والرابع : خيبر، قاله ابن زيد، وابن السائب، وابن إسحاق، ومقاتل.

### الآية 33:28

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [33:28]

قوله تعالى : يا أَيُّهَا النبي قُل لأزواجك. . .  الآية، ذكر أهل التفسير أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم سألنه شيئا من عرض الدنيا، وطلبن منه زيادة النفقة، وآذينه بغيرة بعضهن على بعض، فآلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهن شهرا، وصعد إلى غرفة له فمكث فيها، فنزلت هذه الآية، وكن أزواجه يومئذ تسعا : عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، وأم سلمة، وصفية الخيبرية، وميمونة الهلالية، وزينب بنت جحش، وجويرية بنت الحارث، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض الآية عليهن، فبدأ بعائشة، فاختارت الله ورسوله، ثم قالت : يا رسول الله لا تخبر أزواجك أني اخترتك ؛ فقال :" إن الله بعثني مبلغا ولم يبعثني متعنتا " وقد ذكرت حديث التخيير في كتاب " الحدائق " وفي " المغني " بطوله. 
**وفي ما خيرهن فيه قولان :**
أحدهما : أنه خيرهن بين الطلاق والمقام معه، هذا قول عائشة عليها السلام. 
والثاني : أنه خيرهن بين اختيار الدنيا فيفارقهن، أو اختيار الآخرة فيمسكهن، ولم يخيرهن في الطلاق، قاله الحسن، وقتادة. 
**وفي سبب تخييره إياهن ثلاثة أقوال :**
أحدها : أنهن سألنه زيادة النفقة. 
والثاني : أنهن آذينه بالغيرة. والقولان مشهوران في التفسير. 
والثالث : أنه لما خير بين ملك الدنيا ونعيم الآخرة فاختار الآخرة، أمر بتخيير نسائه ليكن على مثل حاله، حكاه أبو القاسم الصيمري. 
والمراد بقوله : أُمَتّعْكُنَّ  : متعة الطلاق. والمراد بالسراح : الطلاق، وقد ذكرنا ذلك في البقرة :\[ ٢٣١ \]. والمراد بالدار الآخرة : الجنة. والمحسنات : المؤثرات للآخرة. 
قال المفسرون : فلما اخترنه، أثابهن الله عز وجل ثلاثة أشياء :
أحدها : التفضيل على سائر النساء بقوله : لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ النّسَاء . 
والثاني : أن جعلهن أمهات المؤمنين. 
والثالث : أن حظر عليه طلاقهن والاستبدال بهن بقوله : لاَّ يَحِلُّ لَكَ النّسَاء مِن بَعْدُ  \[ الأحزاب : ٥٢ \]. وهل أبيح له بعد ذلك التزويج عليهن ؟ فيه قولان سيأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى.

### الآية 33:29

> ﻿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا [33:29]

والذّراري، وتقسم الأموال. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: **«لقد حكمت بحكم الله تعالى من فوق سبعة أرقعة»** وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وأمر بهم فأُدخلوا المدينة، وحُفر لهم أُخدود في السّوق، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلّم ومعه أصحابه، وأُخرجوا إِليه فضُربت أعناقهم، وكانوا ما بين ستمائة إلى سبعمائة.
 قوله تعالى: مِنْ صَياصِيهِمْ قال ابن عباس وقتادة: من حصونهم قال ابن قتيبة: وأصل الصيَّاصي: قرون البقر، لأنها تمتنع بها، وتدفع عن أنفسها فقيل للحصون: الصياصي، لأنها تَمنع، وقال الزجاج: كل قرن صيصية، وصيصية الديك: شوكة يتحصن بها.
 قوله تعالى: وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ أي: ألقى فيها الخوف فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وهم المُقاتِلة وَتَأْسِرُونَ وقرأ ابن يعمر، وابن أبي عبلة: **«وتأسُرون»** برفع السين فَرِيقاً وهم النساء والذَّراري، وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ يعني عقارهم ومنازلهم ونخيلهم وَأَمْوالَهُمْ من الذهب والفضة والحُلِيّ والعبيد والإِماء وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها أي: لم تطئوها بأقدامكم بَعْدُ، وهي مما سنفتحها عليكم وفيها أربعة أقوال **«١»** : أحدها: أنها فارس والروم، قاله الحسن. والثاني: ما ظهر عليه المسلمون إِلى يوم القيامة، قاله عكرمة. والثالث: مكة، قاله قتادة. والرابع: خيبر، قاله ابن زيد، وابن السّائب، وابن إسحاق، ومقاتل.
 \[سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٢٨ الى ٣٤\]
 يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (٢٩) يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً (٣١) يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٣٢)
 وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (٣٣) وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً (٣٤)
 قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ... الآية.
 (١١٣٢) ذكر أهل التفسير أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلّم سألنه شيئاً من عرض الدنيا، وطلبن منه زيادة في

 صحيح. أخرجه مسلم ١٤٧٩ وأبو يعلى ١٦٤ من طريق سماك بن حرب عن ابن عباس عن عمر مطوّلا مع اختلاف في ألفاظه. وأخرجه البخاري ٨٩ ومسلم ١٤٧٩ والترمذي ٣٣٢٥ وأحمد ١/ ٣٣ والنسائي ٤/ ١٣٧
 __________
 (١) قال الطبري رحمه الله في **«تفسيره»** ١٠/ ٢٨٨: والصواب من القول أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنه أورث المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم أرض بني قريظة وديارهم وأموالهم، وأرضا لم يطئوها يومئذ ولم تكن مكة ولا خيبر ولا أرض فارس والروم ولا اليمن.
 من طرق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور عن ابن عباس عن عمر بنحوه.

النفقة، وآذينه بغَيْرة بعضهنّ على بعض، فآلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم شهراً، وصَعِد إِلى غرفة له فمكث فيها، فنزلت هذه الآية، (١١٣٣) وكُنَّ أزواجُه يومئذ تسعاً: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسَوْدة، وأم سَلَمة، وصَفِيَّة الخيبريَّه، وميمونة الهلالية وزينب بنت جحش، وجويرية بنت الحارث، (١١٣٤) فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلّم فعرض الآية عليهنّ، فبدأ بعائشة، فاختارت الله ورسوله، ثم قالت: يا رسول الله لا تُخبر أزواجك أنِّي اخترتك فقال **«إِن الله بعثني مُبلِّغاً ولم يبعثني متعنِّتاً»**. وقد ذكرت حديث التخيير في كتاب **«الحدائق»** وفي **«المغني»** بطوله.
 وفي ما خيَّرهنَّ فيه قولان **«١»** : أحدهما: أنه خيَّرهن بين الطلاق والمقام معه، هذا قول عائشة رضي الله عنها. والثاني: أنه خيَّرهنَّ بين اختيار الدنيا فيفارقهنّ، أو اختيار الآخرة فيُمسكهنّ، ولم يخيِّرهنّ في الطلاق، قاله الحسن، وقتادة.
 وفي سبب تخييره إِيَّاهُنَّ ثلاثة أقوال. أحدها: أنَّهنَّ سألنَه زيادة النَّفقة. والثاني: أنَّهنَّ آذَينه بالغَيْرة. والقولان مشهوران في التفسير. والثالث: أنه لمَّا خُيِّر بين ملك الدنيا ونعيم الآخرة فاختار الآخرة، أُمِر بتخيير نسائه ليكنَّ على مِثْل حاله، حكاه أبو القاسم الصّيمري.
 والمراد بقوله تعالى: أُمَتِّعْكُنَّ: مُتعة الطلاق. والمراد بالسَّراح: الطلاق، وقد ذكرنا ذلك في البقرة **«٢»**. والمراد بالدار الآخرة. الجنة. والمُحْسِنات: المُؤْثِرات للآخرة.
 قال المفسرون: فلمّا اخترنه أثابهنّ الله عزّ وجلّ ثلاثة أشياء: أحدها: التفضيل على سائر النساء بقوله تعالى: لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ. والثاني: أن جَعَلَهُنَّ أُمَّهات المؤمنين. والثالث: أن حظر عليه طلاقَهُنَّ والاستبدال بهنّ بقوله تعالى: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ **«٣»**. وهل أبيح له بعد ذلك

 أخرجه الطبري ٨٤٦١ عن قتادة مرسلا، وله شواهد.
 صحيح. أخرجه مسلم ١٤٧٨ وأحمد ٣/ ٣٢٨ وأبو يعلى ٢٢٥٣ والبيهقي ٧/ ٣٨ من حديث جابر مطولا.
 __________
 (١) قال الحافظ في **«الفتح»** ٨/ ٥٢١: قال الماوردي: اختلف هل كان التخيير بين الدنيا والآخرة، أو بين الطلاق والإقامة عنده؟ على قولين للعلماء أشبههما بقول الشافعي الثاني، ثم قال: إنه الصحيح، وكذا قال القرطبي:
 اختلف في التخيير. قال الحافظ: والذي يظهر الجمع بين القولين، لأن أحد الأمرين ملزوم الآخر، وكأنهنّ خيرن بين الدنيا فيطلقهنّ، وبين الآخرة فيمسكهن، وهو مقتضى سياق الآية.
 - وقال القرطبي رحمه الله في **«التفسير»** ١٢/ ١٧٠: اختلف العلماء في كيفية تخيير النبي صلى الله عليه وسلّم أزواجه على قولين: الأول: أنه خيرهن في البقاء على الزوجية أو الطلاق، قالته عائشة ومجاهد وعكرمة والشعبي والزهري وربيعة. والثاني: أنه خيرهن بين الدنيا والآخرة، ذكره الحسن وقتادة، ومن الصحابة علي. والأول أصح لقول عائشة لما سئلت عن الرجل يخير امرأته، فقالت: قد خيّرنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم، أفكان طلاقا. ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلّم إلا التخيير المأمور بين البقاء والطلاق اه ملخصا.
 - والذي ذهب إليه القرطبي هو الصواب إن شاء الله تعالى، وحديث عائشة أخرجه البخاري ٥٢٦٢ و ٥٢٦٣ ومسلم ١٤٧٧ ح ٢٥ و ٢٦.
 (٢) البقرة: ٢٣١.
 (٣) الأحزاب: ٥٢.

التزويج عليهنّ؟ فيه قولان سيأتي ذِكْرهما إِن شاء الله تعالى.
 قوله تعالى: مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ أي: بمعصية ظاهرة. قال ابن عباس: يعني النشوز وسوءَ الخُلُق يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ أي: يُجعل عذاب جُرمها في الآخرة كعذاب جُرمَين، كما أنها تُؤتى أجرَها على الطاعة مرتين. وإِنما ضوعف عِقابُهنّ، لأنهنّ يشاهدن من الزّواجر الرّادعة ما لا يُشاهِد غيرُهن، فاذا لم يمتنعن استحققن تضعيف العذاب، ولأن في معصيتهنَّ أذىً لرسول الله صلى الله عليه وسلّم وجرم من آذى رسول الله صلى الله عليه وسلّم أكبرُ من جُرم غيره.
 قوله تعالى: وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً أي: وكان عذابُها على الله عزّ وجلّ هيّنا. وَمَنْ يَقْنُتْ أي: تطع، وأَعْتَدْنا قد سبق بيانه **«١»**، والرِّزق الكريم: الحَسَن، وهو الجنة.
 ثُمَّ أظهر فضيلتهنّ على النساء بقوله تعالى: لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ قال الزجاج: لم يقل:
 كواحدة من النساء، لأن **«أَحَداً»** نفي عامّ للمذكَّر والمؤنَّث والواحد والجماعة. قال ابن عباس: يريد:
 ليس قدرُكُنَّ عندي مثل قَدْر غيركنَّ من النساء الصالحات، أنْتُنَّ أكرمُ عليَّ، وثوابُكُنَّ أعظم إِنِ اتَّقَيْتُنَّ، فشرط عليهن التقوى بياناً أن فضيلتهنَّ إِنَّما تكون بالتقوى، لا بنفس اتصالهنّ برسول الله صلى الله عليه وسلّم.
 قوله تعالى: فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ أي: لا تلِنَّ بالكلام فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ أي: فُجور والمعنى: لا تَقُلْنَ قولاً يجد به منافق أو فاجر سبيلاً إِلى موافقتكن له، والمرأة مندوبة إِذا خاطبت الأجانب إِلى الغِلظة في المَقَالة، لأن ذلك أبعد من الطمع في الرِّيبة. وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً أي: صحيحاً عفيفاً لا يُطمِع فاجراً. وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ قرأ نافع، وعاصم إِلا أبان، وهبيرة، والوليد بن مسلم عن ابن عامر: **«وقََرْنَ»** بفتح القاف وقرأ الباقون بكسرها. قال الفراء: من قرأ بالفتح، فهو من قَرَرْتُ في المكان، فخفِّفت، كما قال: ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً **«٢»**، ومن قرأ بالكسر، فمن الوَقار، يقال: قِرْ في منزلك. وقال ابن قتيبة: من قرأ بالكسر، فهو من الوقار، يقال: وَقَرَ في منزله يَقِرُ وَقُوراً. ومن قرأ بنصب القاف جعله من القرار. وقرأ أُبيُّ بن كعب، وأبو المتوكل: **«واقْرَرْنَ»** باسكان القاف وبراءين الأولى مفتوحة والثانية ساكنة. وقرأ ابن مسعود، وابن أبي عبلة مثله، إِلا أنهما كسرا الراء الأولى.
 قال المفسرون: ومعنى الآية: الأمر لهن بالتوقُّر والسكون في بُيوتهنَّ وأن لا يَخْرُجْنَ.
 قوله تعالى: وَلا تَبَرَّجْنَ قال أبو عبيدة: التبرُّج: أن يُبْرِزن محاسنهن. وقال الزجاج: التبرُّج:
 إِظهار الزِّينة وما يُستدعى به شهوةُ الرجل. وفي الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى أربعة أقوال: أحدها: أنها كانت بين إِدريس ونوح، وكانت ألف سنة، رواه عكرمة عن ابن عباس. والثاني: أنها كانت على عهد إِبراهيم عليه السلام، وهو قول عائشة رضي الله عنها. والثالث: بين نوح وآدم، قاله الحكم. والرابع: ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام، قاله الشعبي. قال الزجاج: وإِنما قيل: **«الأولى»**، لأن كل متقدِّم أوَّل، وكل متقدِّمة أُولى، فتأويله: أنهم تقدّموا أمّة محمّد صلى الله عليه وسلّم.
 وفي صفة تبرُّج الجاهلية الأولى ستة أقوال: أحدها: أن المرأة كانت تخرج فتمشي بين الرجال، فهو التبرج، قاله مجاهد. والثاني: أنها مِشية فيها تكسُّر وتغنُّج، قاله قتادة. والثالث: أنه التّبختر، قاله

 (١) النساء: ٣٧.
 (٢) طه: ٩٧.

ابن أبي نجيح. والرابع: أن المرأة منهن كانت تتخذ الدِّرع من اللؤلؤ فتَلْبَسُه ثم تمشي وسط الطريق ليس عليها غيره، وذلك في زمن إِبراهيم عليه السلام، قاله الكلبي. والخامس: أنها كانت تُلقي الخِمار عن رأسها ولا تشُدُّه، فيُرى قُرْطها وقلائدها، قاله مقاتل. والسادس: أنها كانت تَلْبَس الثياب تبلغ المال، لا تواري جَسدها، حكاه الفراء.
 قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ وفيه للمفسرين خمسة أقوال: أحدها:
 الشرك، قاله الحسن. والثاني: الإِثم، قاله السدي. والثالث: الشيطان، قاله ابن زيد. والرابع: الشكّ.
 والخامس: المعاصي، حكاهما الماوردي. قال الزجاج: الرِّجس: كل مستقذَر من مأكول أو عمل أو فاحشة. ونصب **«أهلَ البيت»** على وجهين: أحدهما: على معنى: أعني أهلَ البيت. والثاني: على النداء، فالمعنى: يا أهل البيت. وفي المراد بأهل البيت ها هنا ثلاثة أقوال **«١»** : أحدها: أنهم نساء رسول الله صلى الله عليه وسلّم، لأنهنَّ في بيته، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال عكرمة، وابن السّائب، ومقاتل. ويؤكّد هذا القولَ أن ما قبله وبعده متعلِّق بأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلّم. وعلى أرباب هذا القول اعتراض، وهو أن جمع المؤنَّث بالنون، فكيف قيل: **«عنكم»** **«ويطهركم»** ؟ فالجواب أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم فيهنَّ، فغلّب المذكَّر. والثاني: أنه خاصٌّ في رسول الله صلى الله عليه وسلّم وعليّ وفاطمة والحسن والحسين رضوان الله عليهم، قاله أبو سعيد الخدري.
 (١١٣٥) وروي عن أنس وعائشة وأمّ سلمة نحو ذلك.

 أصل الحديث. ورد عن جماعة من الصحابة.
 ١- حديث أم سلمة، وله طرق متعددة: الأول: أخرجه الطحاوي في **«المشكل»** ٧٦٦ من طريق الأجلح عن شهر بن حوشب عن أم سلمة، وعبد الملك عن عطاء عن أم سلمة. وإسناده حسن في الشواهد، الأجلح هو ابن عبد الله، وثقه قوم، وضعفه آخرون، وقد تابعه عبد الملك بن أبي سليمان، وهو ثقة، لكن لم يسمع عطاء من أم سلمة. وأخرجه أحمد ٦/ ٣٠٤ والترمذي ٣٨٧٦ والطبراني ٢٣ (٧٦٩) عن زبيد بن الحارث عن شهر عن أم سلمة. وإسناده لين لأجل شهر. الطريق الثاني: أخرجه الطحاوي ٧٦٨ والطبري ٢٨٤٩٥ و ٢٨٤٩٧ من طريق عطية العوفي عن أبي سعيد عن أم سلمة. وإسناده واه لأجل عطية العوفي. الطريق الثالث: أخرجه الطحاوي ٧٦٥ و ٧٧٢ من طريق عمرة بنت أفعى عن أم سلمة. وإسناده ضعيف لجهالة عمرة. الطريق الرابع: أخرجه الطحاوي ٧٦٣ والطبري ٢٨٤٩٨ من طريق عبد الله بن وهب بن زمعة. وإسناده ضعيف، فيه خالد بن مخلد
 __________
 (١) قال الحافظ ابن كثير في ****«التفسير»**** ٣/ ٥٩٨: ثم الذي لا يشك فيه من تدبر القرآن أن نساء النبي صلى الله عليه وسلّم داخلات في قوله إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ... ، فإن سياق الكلام معهن، ولهذا قال تعالى بعد هذا كله وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ أي: واعملن بما ينزل الله على رسوله في بيوتكن من الكتاب والسنة، قاله قتادة وغيره واحد.
 - وقال القرطبي رحمه الله في ****«التفسير»**** ١٤/ ١٨٢- ١٨٣: اختلف أهل العلم في أهل البيت من هم؟
 - فقال عطاء وعكرمة وابن عباس: هم زوجاته خاصة، لا رجل معهنّ.
 - وقالت فرقة منهم الكلبي: هم علي وفاطمة والحسن والحسين خاصة.
 - والذي يظهر من الآية أنها عامة في جميع أهل البيت من الأزواج وغيرهم، وإنما قال وَيُطَهِّرَكُمْ لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم وعليا وحسنا وحسينا فيهم، وإذا اجتمع المذكر والمؤنث غلّب المذكر، فاقتضت الآية أن الزوجات من أهل البيت، لأن الآية فيهنّ، والمخاطبة لهنّ، يدل عليه سياق الكلام اه ملخصا.

والثالث: أنهم أهل رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأزواجه، قاله الضحاك. وحكى الزجاج أنهم نساء النبيّ صلى الله عليه وسلّم والرجال الذين هم آله قال: واللغة تدل على أنها للنساء والرّجال جميعا، لقوله تعالى: عَنْكُمُ بالميم، ولو كانت للنساء، لم يجز إِلاَّ **«عنكنّ»** **«ويُطهركنّ»**.
 قوله تعالى: وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً فيه ثلاثة أقوال: أحدها: من الشِّرك، قاله مجاهد. والثاني: من السُّوء، قاله قتادة. والثالث: من الإثم، قاله السّدّيّ، ومقاتل.

 القطواني، غير حجة، وموسى بن يعقوب سيء الحفظ. الطريق الخامس: أخرجه الطحاوي ٧٦٢ والطبري ٢٨٥٠٢ والطبراني ٢٣ (٧٥٠). وإسناده ضعيف، فيه عنعنة الأعمش، وهو مدلس، وفيه جعفر بن عبد الرحمن البجلي، وهو شبه مجهول، حيث وثقه ابن حبان وحده. الطريق السادس: أخرجه الطبري ٢٨٤٩٦ من طريق سعيد بن زربي عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن أم سلمة. وإسناده ضعيف لضعف سعيد بن زربي. ولفظه عند الترمذي: عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلّم جلل على الحسن والحسين وعلي وفاطمة كساء، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، فقالت أم سلمة: وأنا معهم يا رسول الله قال: إنك إلى خير. قال الترمذي: هذا حديث حسن، وهو أحس شيء روي في هذا الباب.
 ٢- حديث عائشة رضي الله عنها: أخرجه مسلم ٢٤٢٤ والطبري ٢٨٤٨٨ من طريقين عن محمد بن بشر عن زكريا به وإسناده غير قوي، فيه مصعب بن شيبة، فهو وإن روى له مسلم فقد ضعفه غير واحد، لذا لينه الحافظ في ****«التقريب»**** لكن لم ينفرد بهذا المتن. وأخرجه الحاكم ٣/ ١٤٧ من طريق عبيد الله عن زكريا به! وصححه الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبي!، وليس كما قالا، فقد تفرد. وأخرجه البغوي ٣٨٠٤ من طريق الوليد بن شجاع عن يحيى بن زكريا به. ولفظه عند مسلم: قالت عائشة: خرج النبي صلى الله عليه وسلّم غداة وعليه مرط مرحّل من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله. ثم جاء الحسين فدخل معه. ثم جاءت فاطمة فأدخلها. ثم جاء علي فأدخله ثم قال: **«إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا»**.
 ٣- حديث واثلة بن الأسقع: أخرجه أحمد ٤/ ١٠٧ وفي **«الفضائل»** ٩٧٨ وابن أبي شيبة ١٢/ ٧٢- ٧٣ وابن حبان ٦٩٧٦ والحاكم ٣/ ١٤٧ والطحاوي في ******«المشكل»****** ٧٧٣ والطبري ٢٨٤٩٤ من طرق عن الأوزاعي ثني شداد أبو عمار قال سمعت واثلة... بنحو الحديث المتقدم، وليس فيه ذكر أم سلمة أصلا. وإسناده صحيح. شداد من رجال مسلم، وباقي الإسناد على شرط الشيخين، وقد صححه الحاكم على شرطهما، وتعقبه الذهبي بقوله: على شرط مسلم. وكرره الطبري ٢٨٤٩٣ من طريق كلثوم المحاربي عن شداد به، وإسناده حسن في الشواهد.
 ٤- حديث عمرو بن أبي سلمة: أخرجه الترمذي ٣٧٨٧ والطبري ٢٨٤٩٩ والطحاوي في ******«المشكل»****** ٧٧١ من طريق يحيى بن عبيد المكي عن عطاء عن عمر بن أبي سلمة به. ورجاله ثقات معروفون غير يحيى بن عبيد حيث قال الحافظ في ****«التقريب»**** : يحيى بن عبيد عن عطاء، يحتمل أن يكون الذي قبله، وإلا فمجهول. وقال عن الذي قبله: يحيى بن عبيد المكي، مولى بني مخزوم، ثقة من السادسة. قلت: قد توبع على أكثر هذا المتن، دون لفظ **«وجعل عليا خلفه»** فقد تفرد به، وهو غريب.
 ٥- حديث سعد بن أبي وقاص: أخرجه مسلم ٢٤٠٤ ح ٣٢ والترمذي ٢٩٩٩ و ٣٧٢٤ وأحمد ١/ ١٨٥ والنسائي في **«الخصائص»** ١١ والطحاوي في ******«المشكل»****** ٧٦١ من طرق عن حاتم بن إسماعيل عن بكير بن مسمار عن عامر بن سعد عن سعد قال: لما نزلت هذه الآية فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلّم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، فقال: **«اللهم هؤلاء أهلي»**. لفظ مسلم والترمذي وغيرهما دون النسائي والطحاوي حيث ذكر في الحديث الآية التي في الأحزاب. وكرره النسائي ٥٤ والطبري ٢٨٥٠١ والحاكم ٣/ ١٠٨ من وجه آخر، وليس فيه ذكر الآية أصلا، بل فيه **«حين نزل الوحي»** وإسناده صحيح.
 الخلاصة: هو حديث صحيح بمجموع طرقه وشواهده. وأصح متن وإسناد في هذا الباب حديث سعد ثم حديث واثلة ثم حديث أم سلمة لطرقه الكثيرة ثم حديث عائشة ثم حديث عمر بن أبي سلمة.

### الآية 33:30

> ﻿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [33:30]

قوله تعالى : مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ  أي : بمعصية ظاهرة. قال ابن عباس : يعني النشوز وسوء الخلق  يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ  أي : يجعل عذاب جرمها في الآخرة كعذاب جرمين، كما أنها تؤتى أجرها على الطاعة مرتين. وإنما ضوعف عقابهن، لأنهن يشاهدن من الزواجر الرادعة ما لا يشاهد غيرهن، فإذا لم يمتنعن استحققن تضعيف العذاب، ولأن في معصيتهن أذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وجرم من آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر من جرم غيره. 
قوله تعالى : وَكَانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً  أي : وكان عذابها على الله هينا.

### الآية 33:31

> ﻿۞ وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا [33:31]

وَمَن يَقْنُتْ  أي : تطع، و وَأَعْتَدْنَا  قد سبق بيانه \[ النساء : ٣٧ \]، والرزق الكريم : الحسن، وهو الجنة.

### الآية 33:32

> ﻿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا [33:32]

ثم أظهر فضيلتهن على النساء بقوله : لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ النّسَاء  قال الزجاج : لم يقل كواحدة من النساء، لأن " أحدا " نفي عام للمذكر والمؤنث والواحد والجماعة. قال ابن عباس : يريد : ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات، أنتن أكرم علي، وثوابكن أعظم  إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ، فشرط عليهن التقوى بيانا أن فضيلتهن إنما تكون بالتقوى، لا بنفس اتصالهن برسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى : فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ  أي : لا تلن بالكلام  فَيَطْمَعَ الذي في قَلْبِهِ مَرَضٌ  أي : فجور ؛ والمعنى : لا تقلن قولا يجد به منافق أو فاجر سبيلا إلى موافقتكن له ؛ والمرأة مندوبة إذا خاطبت الأجانب إلى الغلظة في المقالة، لأن ذلك أبعد من الطمع في الريبة. 
 وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً  أي : صحيحا عفيفا لا يطمع فاجرا.

### الآية 33:33

> ﻿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [33:33]

وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ  قرأ نافع، وعاصم إلا أبان، وهبيرة، والوليد بن مسلم عن ابن عامر :" وَقَرْنَ " بفتح القاف ؛ وقرأ الباقون بكسرها. قال الفراء : من قرأ بالفتح، فهو من قررت في المكان، فخففت، كما قال : ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً  \[ طه : ٩٧ \]، ومن قرأ بالكسر، فمن الوقار، يقال : قِرْ في منزلك. وقال ابن قتيبة : من قرأ بالكسر، فهو من الوقار، يقال : وقر في منزله يقِر وقورا. ومن قرأ بنصب القاف جعله من القرار. وقرأ أبي بن كعب، وأبو المتوكل :" واقَرْرن " بإسكان القاف وبراءين الأولى مفتوحة والثانية ساكنة. وقرأ ابن مسعود، وابن أبي عبلة مثله، إلا أنهما كسرا الراء الأولى. 
قال المفسرون : ومعنى الآية : الأمر لهن بالتوقر والسكون في بيوتهن وأن لا يخرجن. 
قوله تعالى : وَلاَ تَبَرَّجْنَ  قال أبو عبيدة : التبرج : أن يبرزن محاسنهن. وقال الزجاج : التبرج : إظهار الزينة وما يستدعى به شهوة الرجل. 
وفي  الجاهلية الأولى  أربعة أقوال :
أحدها : أنها كانت بين إدريس ونوح، وكانت ألف سنة، رواه عكرمة عن ابن عباس. 
والثاني : أنها كانت على عهد إبراهيم عليه السلام، وهو قول عائشة رضي الله عنها. 
والثالث : بين نوح وآدم، قاله الحكم. 
والرابع : ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام، قاله الشعبي. قال الزجاج : وإنما قيل : الأولى ، لأن كل متقدم أول، وكل متقدمة أولى، فتأويله : أنهم تقدموا أمة محمد صلى الله عليه وسلم. 
وفي صفة تبرج الجاهلية الأولى ستة أقوال :
أحدها : أن المرأة كانت تخرج فتمشي بين الرجال، فهو التبرج، قاله مجاهد. 
والثاني : أنها مشية فيها تكسر وتغنج، قاله قتادة. 
والثالث : أنه التبختر، قاله ابن أبي نجيح. 
والرابع : أن المرأة منهن كانت تتخذ الدرع من اللؤلؤ فتلبسه ثم تمشي وسط الطريق ليس عليها غيره، وذلك في زمن إبراهيم عليه السلام، قاله الكلبي. 
والخامس : أنها كانت تلقي الخمار عن رأسها ولا تشده، فيرى قرطها وقلائدها، قاله مقاتل. 
والسادس : أنها كانت تلبس الثياب تبلغ المال، لا تواري جسدها، حكاه الفراء. 
قوله تعالى : إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ  وفيه للمفسرين خمسة أقوال :
أحدها : الشرك، قاله الحسن. 
والثاني : الإثم، قاله السدي. 
والثالث : الشيطان، قاله ابن زيد. 
والرابع : الشك. 
والخامس : المعاصي، حكاهما الماوردي. قال الزجاج : الرجس : كل مستقذر من مأكول أو عمل أو فاحشة. 
ونصب  أَهْلَ الْبَيْتِ  على وجهين :
أحدهما : على معنى : أعني أهل البيت. 
والثاني : على النداء، فالمعنى : يا أهل البيت. 
وفي المراد بأهل البيت ها هنا ثلاثة أقوال :
أحدها : أنهم نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهن في بيته، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال عكرمة، وابن السائب، ومقاتل. ويؤكد هذا القول أن ما قبله وبعده متعلق بأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعلى أرباب هذا القول اعتراض، وهو أن جمع المؤنث بالنون، فكيف قيل :" عَنْكُمْ " " وَيُطَهّرَكُمْ " ؟ فالجواب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهن، فغلب المذكر. 
والثاني : أنه خاص في رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين، قاله أبو سعيد الخدري. وروي عن أنس وعائشة وأم سلمة نحو ذلك. 
والثالث : أنهم أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه، قاله الضحاك. وحكى الزجاج أنهم نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم والرجال الذين هم آله ؛ قال : واللغة تدل على أنها للنساء والرجال جميعا، لقوله : عنكم  بالميم، ولو كانت للنساء، لم يجز إلا " عنكن " " ويطهركن ". 
قوله تعالى : ويطهركم تطهيرا  فيه ثلاثة أقوال :
أحدها : من الشرك، قاله مجاهد. 
والثاني : من السوء، قاله قتادة. 
والثالث : من الإثم، قاله السدي، ومقاتل.

### الآية 33:34

> ﻿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا [33:34]

قوله تعالى : وَاذْكُرْنَ  فيه قولان :
أحدهما : أنه تذكير لهن بالنعم. 
والثاني : أنه أمر لهن بحفظ ذلك. فمعنى  وَاذْكُرْنَ  : وَاحفظنَ  مَا يُتْلَى في بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ  يعني القرآن. وفي الحكمة قولان :
أحدهما : أنها السنة، قاله قتادة. 
والثاني : الأمر والنهي، قاله مقاتل. 
قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً  أي : ذا لطف بكن إذ جعلكن في البيوت التي تتلى فيها آياته  خَبِيراً  بكن إذ اختاركن لرسوله.

### الآية 33:35

> ﻿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [33:35]

قوله تعالى : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ  في سبب نزولها خمسة أقوال :
أحدها : أن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم قلن : ما له ليس يذكر إلا المؤمنون، ولا تذكر المؤمنات بشيء ؟ ! فنزلت هذه الآية، رواه أبو ظبيان عن ابن عباس. 
والثاني : أن أم سلمة قالت : يا رسول الله يذكر الرجال ولا نذكر ! فنزلت هذه الآية، ونزل قوله : لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ  \[ آل عمران : ١٩٥ \]، قاله مجاهد. 
والثالث : أن أم عمارة الأنصارية قالت : قلت : يا رسول الله بأبي وأمي ما بال الرجال يذكرون، ولا تذكر النساء ؟ ! فنزلت هذه الآية، قاله عكرمة. وذكر مقاتل بن سليمان : أن أم سلمة وأم عمارة قالتا ذلك، فنزلت هذه الآية في قولهما. 
والرابع : أن الله تعالى لما ذكر أزواج رسوله دخل النساء المسلمات عليهن فقلن : ذكرتن ولم نذكر، ولو كان فينا خير ذكرنا، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة. 
والخامس : أن أسماء بنت عميس لما رجعت من الحبشة دخلت على نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : هل نزل فينا شيء من القرآن ؟ قلن : لا، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت : يا رسول الله إن النساء لفي خيبة وخسار، قال :" ومم ذاك ؟ " قالت : لأنهن لا يذكرن بخير كما يذكر الرجال، فنزلت هذه الآية، ذكره مقاتل بن حيان. 
وقد سبق تفسير ألفاظ الآية في مواضع \[ البقرة : ١٢٩، ١٠٩ \] \[ الأحزاب : ٣١ \] \[ آل عمران : ١٧ \] \[ البقرة : ٤٥ \] \[ يوسف : ٨٨ \] \[ البقرة : ١٨٤ \] \[ الأنبياء : ٩١ \] \[ آل عمران : ١٩١ \].

### الآية 33:36

> ﻿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا [33:36]

قوله تعالى : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ. . .  الآية، في سبب نزولها قولان :
أحدهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق يخطب زينب بنت جحش لزيد بن حارثة، فقالت : لا أرضاه، ولست بناكحته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" بلى فانكحيه، فإني قد رضيته لك "، فأبت، فنزلت هذه الآية. وهذا المعنى مروي عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والجمهور. وذكر بعض المفسرين : أن عبد الله بن جحش أخا زينب كره ذلك كما كرهته زينب، فلما نزلت الآية رضيا وسلما. قال مقاتل : والمراد بالمؤمن : عبد الله بن جحش، والمؤمنة : زينب بنت جحش. 
والثاني : أنها نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وكانت أول امرأة هاجرت، فوهبت نفسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال :" قد قبلتك "، وزوجها زيد بن حارثة، فسخطت هي وأخوها، وقالا : إنما أردنا رسول الله، فزوجها عبده ؟ ! فنزلت هذه الآية، قاله ابن زيد. والأول عند المفسرين أصح. 
قوله تعالى : إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً  أي : حكما بذلك  أَن تَكُونَ  وقرأ أهل الكوفة :" أَن يَكُونَ " بالياء  لَهُمُ الْخِيَرَةُ  وقرأ أبو مجلز، وأبو رجاء :" الخيرة " بإسكان الياء ؛ فجمع في الكناية في قوله :" لهم "، لأن المراد جميع المؤمنين والمؤمنات، والخيرة : الاختيار، فأعلم الله عز وجل أنه لا اختيار على ما قضاه الله ورسوله. فلما زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا مكثت عنده حينا، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى منزل زيد فنظر إليها وكانت بيضاء جميلة من أتم نساء قريش، فوقعت في قلبه، فقال :" سبحان مقلب القلوب "، وفطن زيد، فقال : يا رسول الله ائذن لي في طلاقها. وقال بعضهم : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم منزل زيد، فرأى زينب، فقال :" سبحان مقلب القلوب "، فسمعت ذلك زينب، فلما جاء زيد ذكرت له ذلك، فعلم أنها قد وقعت في نفسه، فأتاه فقال : يا رسول الله ائذن لي في طلاقها.

### الآية 33:37

> ﻿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [33:37]

وقال ابن زيد : جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى باب زيد- وعلى الباب ستر من شعر- فرفعت الريح الستر، فرأى زينب، فلما وقعت في قلبه كرهت إلى الآخر، فجاء فقال : يا رسول الله أريد فراقها، فقال له :" اتق الله ". وقال مقاتل : لما فطن زيد لتسبيح رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال : يا رسول الله ائذن لي في طلاقها، فإن فيها كبرا، فهي تعظم علي وتؤذيني بلسانها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :" أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ ". ثم إن زيدا طلقها بعد ذلك، فأنزل الله تعالى : وَإِذْ تَقُولُ للذي أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ  بالإسلام  وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ  بالعتق. 
قوله تعالى : وَاتَّقِ اللَّهَ  أي : في أمرها فلا تطلقها  وَتُخْفِي فِي نِفْسِكَ  أي : تسر وتضمر في قلبك  مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ  أي : مظهره ؛ وفيه أربعة أقوال :
أحدها : حبها، قاله ابن عباس. 
والثاني : عهد عهده الله إليه أن زينب ستكون له زوجة، فلما أتى زيد يشكوها، قال له :" أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ "، وأخفى في نفسه ما الله مبديه، قاله علي بن الحسين. 
والثالث : إيثاره لطلاقها، قاله قتادة، وابن جريج، ومقاتل. 
والرابع : أن الذي أخفاه : إن طلقها زيد تزوجتها، قاله ابن زيد. 
قوله تعالى : وَتَخْشَى النَّاسَ  فيه قولان :
أحدهما : أنه خشي اليهود أن يقولوا : تزوج محمد امرأة ابنه، رواه عطاء عن ابن عباس. 
والثاني : أنه خشي لوم الناس أن يقولوا : أمر رجلا بطلاق امرأته، ثم نكحها. 
قوله تعالى : وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَهُ  أي : أولى أن تخشى في كل الأحوال. وليس المراد أنه لم يخش في هذه الحال، ولكن لما كان لخشيته بالخلق نوع تعلق، قيل له : الله أحق أن تخشى منهم. قالت عائشة : ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد عليه من هذه الآية، ولو كتم شيئا من الوحي لكتمها.

### فصل


وقد ذهب بعض العلماء إلى تنزيه رسول الله من حبها وإيثاره طلاقها. وإن كان ذلك شائعا في التفسير. قالوا : وإنما عوتب في هذه القصة على شيئين :
أحدهما : أنه أخبر بأنها ستكون زوجة له، فقال لزيد : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ  فكتم ما أخبره الله به من أمرها حياء من زيد أن يقول له : إن زوجتك ستكون امرأتي ؛ وهذا يخرج على ما ذكرنا عن علي بن الحسين، وقد نصره الثعلبي، والواحدي. 
والثاني : أنه لما رأى اتصال الخصومة بين زيد وزينب، ظن أنهما لا يتفقان وأنه سيفارقها، وأضمر أنه إن طلقها تزوجتها صلة لرحمها، وإشفاقا عليها، وأنها كانت بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب، فعاتبه الله على إضمار ذلك وإخفائه حين قال لزيد : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ، وأراد منه أن يكون ظاهره وباطنه عند الناس سواء كما قيل له في قصة رجل أراد قتله : هلا أومأت إلينا بقتله ؟ فقال :" ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين "، ذكر هذا القول القاضي أبو يعلى رحمه الله عليه. 
قوله تعالى : فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مّنْهَا وَطَراً  قال الزجاج : الوطر : كل حاجة لك فيها همة، فإذا بلغها البالغ قيل : قد قضى وطره. وقال غيره : قضاء الوطر في اللغة : بلوغ منتهى ما في النفس من الشيء، ثم صار عبارة عن الطلاق، لأن الرجل إنما يطلق امرأته إذا لم يبق له فيها حاجة. والمعنى : لما قضى زيد حاجته من نكاحها  زَوَّجْنَاكَهَا ، وإنما ذكر قضاء الوطر هاهنا ليبين أن امرأة المتبني تحل وإن وطئها، وهو قوله : لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً  ؛ والمعنى : زوجناك زينب- وهي امرأة زيد الذي تبنيته- لكيلا يظن أن امرأة المتبني لا يحل نكاحها. وروى مسلم في أفراده من حديث أنس بن مالك قال : لما انقضت عدة زينب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد :" اذهب فاذكرها علي "، قال زيد : فانطلقت، فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها، فوليتها ظهري، ونكصت على عقبي، وقلت : يا زينب، أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك، قالت : ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بغير إذن. 
وذكر أهل العلم : أن من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أجيز له التزويج بغير مهر، ليخلص قصد زوجاته لله دون العوض، وليخفف عنه، وأجيز له التزويج بغير وليّ، لأنه مقطوع بكفاءته، وكذلك هو مستغن في نكاحه عن الشهود. وكانت زينب تفاخر نساء النبي صلى الله عليه وسلم وتقول : زوجكن أهلوكن، وزوجني الله عز وجل.

### الآية 33:38

> ﻿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ۖ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا [33:38]

قوله تعالى : مَّا كَانَ عَلَى النبي مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ  قال قتادة : فيما أحل الله له من النساء. 
قوله تعالى : سُنَّةَ اللَّهِ  هي منصوبة على المصدر لأن معنى : مَّا كَانَ عَلَى النبي مِنْ حَرَجٍ  : سنّ الله سنة واسعة لا حرج فيها. والذين خلوا : هم النبيون ؛ فالمعنى : أن سنة الله في التوسعة على محمد فيما فرض له، كسنته في الأنبياء الماضين. قال ابن السائب : هكذا سنة الله في الأنبياء، كداوُد، فإنه كان له مائة امرأة، وسليمان كان له سبعمائة امرأة وثلاثمائة سرية،  وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً  أي : قضاء مقضيا. وقال ابن قتيبة : سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْاْ  معناه : لا حرج على أحد فيما لم يحرم عليه.

### الآية 33:39

> ﻿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا [33:39]

ثم أثنى الله على الأنبياء بقوله : الَّذِينَ يُبَلّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ  أي : لا يخافون لائمة الناس وقولهم فيما أحل لهم. وباقي الآية قد تقدم بيانه \[ النساء : ٦ \].

### الآية 33:40

> ﻿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَٰكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [33:40]

قوله تعالى : مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ  قال المفسرون : لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب، قال الناس : إن محمدا قد تزوج امرأة ابنه، فنزلت هذه الآية، والمعنى : ليس بأب لزيد فتحرم عليه زوجته  وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ  قال الزجاج : من نصبه، فالمعنى : ولكن كان رسول الله، وكان خاتم النبيين ؛ ومن رفعه، فالمعنى : ولكنْ هو رسول الله ؛ ومن قرأ :" خاتِم " بكسر التاء، فمعناه : وختم النبيين ؛ ومن فتحها، فالمعنى : آخر النبيين. قال ابن عباس : يريد : لو لم أختم به النبيين، لجعلت له ولدا يكون بعده نبيا.

### الآية 33:41

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا [33:41]

قوله تعالى : اذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً  قال مجاهد : هو أن لا ينساه أبدا. وقال ابن السائب : يقال : ذِكْراً كَثِيراً  بالصلوات الخمس، وقال مقاتل بن حيان : هو التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير على كل حال. وقد روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :" يقول ربكم : أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه ".

### الآية 33:42

> ﻿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [33:42]

قوله تعالى : وَسَبّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً  قال أبو عبيدة : الأصيل : ما بين العصر إلى الليل. وللمفسرين في هذا التسبيح قولان :
أحدهما : أنه الصلاة، واتفق أرباب هذا القول على أن المراد بالتسبيح بكرة : صلاة الفجر. 
واختلفوا في صلاة الأصيل على ثلاثة أقوال :
أحدها : أنها صلاة العصر، قاله أبو العالية. 
والثاني : أنها الظهر والعصر والمغرب والعشاء. قاله ابن السائب. 
والثالث : أنها الظهر والعصر، قاله مقاتل. 
والقول الثاني : أنه التسبيح باللسان، وهو قول :" سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله "، قاله مجاهد.

### الآية 33:43

> ﻿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [33:43]

قوله تعالى : هُوَ الذي يُصَلّي عَلَيْكُمْ وملائكته  في صلاة الله علينا خمسة أقوال :
أحدها : أنها رحمته، قاله الحسن. 
والثاني : مغفرته، قاله سعيد بن جبير. 
والثالث : ثناؤه، قاله أبو العالية. 
والرابع : كرامته، قاله سفيان. 
والخامس : بركته، قاله أبو عبيدة. 
**وفي صلاة الملائكة قولان :**
أحدهما : أنها دعاؤهم، قاله أبو العالية. 
والثاني : استغفارهم، قاله مقاتل. 
وفي الظلمات والنور ها هنا ثلاثة أقوال :
أحدها : الضلالة والهدى، قاله ابن زيد. 
والثاني : الإيمان والكفر، قاله مقاتل. 
والثالث : الجنة والنار، حكاه الماوردي.

### الآية 33:44

> ﻿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ ۚ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا [33:44]

قوله تعالى : تَحِيَّتُهُمْ  الهاء والميم كناية عن المؤمنين. 
فأما الهاء في قوله : يَلْقَوْنَهُ  ففيها قولان :
أحدهما : أنها ترجع إلى الله عز وجل. ثم فيه ثلاثة أقوال :
أحدها : أن معناه : تحيتهم من الله يوم يلقونه سلام. وروى صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يسلم على أهل الجنة. والثاني : تحيتهم من الملائكة يوم يلقون الله : سلام، قاله مقاتل. وقال أبو حمزة الثمالي : تسلم عليهم الملائكة يوم القيامة، وتبشرهم حين يخرجون من قبورهم. والثالث : تحيتهم بينهم يوم يلقون ربهم سلام، وهو أن يحيي بعضهم بعضا بالسلام، ذكره أبو سليمان الدمشقي. 
والقول الثاني : أن الهاء ترجع إلى ملك الموت، وقد سبق ذكره في ذكر الملائكة. قال ابن مسعود : إذا جاء ملك الموت لقبض روح المؤمن قال له : ربك يقرئك السلام. وقال البراء بن عازب : في قوله : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ  قال : ملك الموت، ليس مؤمن يقبض روحه إلا سلم عليه. فأما الأجر الكريم، فهو الحسن في الجنة.

### الآية 33:45

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [33:45]

قوله تعالى : يأَيُّهَا النبي إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً  أي : على أمتك بالبلاغ  وَمُبَشّراً  بالجنة لمن صدقك  وَنَذِيرًا  أي : منذرا بالنار لمن كذبك،

### الآية 33:46

> ﻿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا [33:46]

وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ  أي : إلى توحيده وطاعته  بِإِذْنِهِ  أي : بأمره، لا أنك فعلته من تلقاء نفسك  وَسِرَاجاً مُّنِيراً  أي : أنت لمن اتبعك " سِرَاجاً "، أي : كالسراج المضيء في الظلمة يُهتدى به.

### الآية 33:47

> ﻿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا [33:47]

قوله تعالى : وَبَشّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مّنَ اللَّهِ فَضْلاً كِبِيراً  وهو الجنة. قال جابر بن عبد الله : لما أنزل قوله : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِينا. . . ً  الآيات \[ الفتح \] قال الصحابة : هنيئا لك يا رسول الله، فما لنا ؟ فنزلت هذه الآية.

### الآية 33:48

> ﻿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا [33:48]

قوله تعالى : وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ  قد سبق في أول السورة. 
قوله تعالى : وَدَعْ أَذَاهُمْ  قال العلماء : معناه : لا تجازهم عليه  وتوكل على الله  في كفاية شرهم ؛ وهذا منسوخ بآية السيف.

### الآية 33:49

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ۖ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [33:49]

قوله تعالى : إِذْ نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ  قال الزجاج : معنى  نَكَحْتُمُ  تزوجتم. ومعنى  تَمَسُّوهُنَّ  تقربوهن. وقرأ حمزة، والكسائي :" تماسوهن " بألف. 
قوله تعالى : فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا  أجمع العلماء أنه إذا كان الطلاق قبل المسيس والخلوة فلا عدة ؛ وعندنا أن الخلوة توجب العدة وتقرر الصداق، خلافا للشافعي. 
قوله تعالى : فَمَتّعُوهُنَّ  المراد به من لم يسم لها مهرا، لقوله في البقرة :\[ ٢٣٦ \].  أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً  وقد بينا المتعة هنالك وكان سعيد بن المسيب وقتادة يقولان : هذه الآية منسوخة بقوله : فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ  \[ البقرة : ٢٣٧ \]. 
قوله تعالى : وَسَرّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً  أي : من غير إضرار. وقال قتادة : هو طلاقها طاهرا من غير جماع. وقال القاضي أبو يعلي : الأظهر أن هذا التسريح ليس بطلاق، لأنه قد ذكر الطلاق، وإنما هو بيان أنه لا سبيل له عليها، وأن عليه تخليتها من يده وحباله.

### فصل


واختلف العلماء فيمن قال : إن تزوجت فلانة فهي طالق، ثم تزوجها ؛ فعندنا أنها لا تطلق، وهو قول ابن عباس، وعائشة، والشافعي، واستدل أصحابنا بهذه الآية، وأنه جعل الطلاق بعد النكاح. وقال سماك بن الفضل : النكاح عقدة، والطلاق يحلها، فكيف يحل عقدة لم تعقد ؟ ! فجعل بهذه الكلمة قاضيا على " صنعاء ". وقال أبو حنيفة : ينعقد الطلاق، فإذا وجد النكاح وقع. وقال مالك : ينعقد ذلك في خصوص النساء، وهو إذا كان في امرأة بعينها، ولا ينعقد في عمومهن. فأما إذا قال : إن ملكت فلانا فهو حر، ففيه عن أحمد روايتان.

### الآية 33:50

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۗ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [33:50]

قوله تعالى : إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْواجَكَ  ذكر الله تعالى أنواع الأنكحة التي أحلها له، فقال : أزواجك اللاتي آتيت أجورهن  أي : مهورهن، وهن اللواتي تزوجتهن بصداق  وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ  يعني الجواري  مما أفاء الله عليك  أي : رد عليك من الكفار، كصفية وجويرية، فإنه أعتقهما وتزوجهما  وَبَنَاتِ عَمّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ  يعني نساء قريش  وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ  يعني نساء بني زهرة  اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ  إلى المدينة. قال القاضي أبو يعلى : وظاهر هذا يدل على أن من لم تهاجر معه من النساء لم يحل له نكاحها. وقالت أم هانئ : خطبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه بعذر، ثم أنزل الله تعالى : إنا أحللنا لك أزواجك  إلى قوله : واللاتي هاجرن معك ، قالت : فلم أكن لأحل له، لأني لم أهاجر معه، كنت من الطلقاء ؛ وهذا يدل من مذهبها أن تخصيصه بالمهاجرات قد أوجب حظر من لم تهاجر. 
وذكر بعض المفسرين : أن شرط الهجرة في التحليل منسوخ، ولم يذكر ناسخه. وحكى الماوردي في ذلك قولين :
أحدهما : أن الهجرة شرط في إحلال النساء له على الإطلاق. 
والثاني : أنه شرط في إحلال قراباته المذكورات في الآية دون الأجنبيات. 
قوله تعالى : وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً  أي : وأحللنا لك امرأة مؤمنة  إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا  لك،  إِنْ أَرَادَ النبي أَن يَسْتَنكِحَهَا  أي : إن آثر نكاحها  خَالِصَةً لَّكَ  أي : خاصة. قال الزجاج : وإنما قال : إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا للنبي ، ولم يقل :" لك "، لأنه لو قال :" لَكَ "، جاز أن يتوهم أن ذلك يجوز لغير رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاز في بنات العم وبنات العمات. و خَالِصَةٌ  منصوب على الحال. 
وللمفسرين في معنى  خالصة  ثلاثة أقوال :
أحدها : أن المرأة إذا وهبت له نفسها، لم يلزمه صداقها دون غيره من المؤمنين، قاله أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب. 
والثاني : أن له أن ينكحها بلا ولي ولا مهر دون غيره، قاله قتادة. 
والثالث : خالصة لك أن تملك عقد نكاحها بلفظ الهبة دون المؤمنين، وهذا قول الشافعي، وأحمد. 
**وفي المرأة التي وهبت له نفسها أقوال :**
أحدها : أم شريك. والثاني : خولة بنت حكيم، ولم يدخل بواحدة منهما. وذكروا أن ليلى بنت الخطيم وهبت نفسها له فلم يقبلها، قال ابن عباس : لم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها له. وقد حكي عن ابن عباس أن التي وهبت نفسها له ميمونة بنت الحارث ؛ وعن الشعبي : أنها زينب بنت خزيمة. والأول : أصح. 
قوله تعالى : قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ  أي : على المؤمنين غيرك  في أزواجهم  وفيه قولان :
أحدهما : أن لا يجاوز الرجل أربع نسوة، قاله مجاهد. 
والثاني : أن لا يتزوج الرجل المرأة إلا بولي وشاهدين وصداق، قاله قتادة. 
قوله تعالى : وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ  أي : وما أبحنا لهم من ملك اليمين مع الأربع الحرائر من غير عدد محصور. 
قوله تعالى : لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ  هذا فيه تقديم ؛ المعنى أحللنا لك أزواجك، إلى قوله : خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ   لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ .

### الآية 33:51

> ﻿۞ تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ۖ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا [33:51]

قوله تعالى : تُرْجِى مَن تَشَاء مِنْهُنَّ  قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم : ترجئ  مهموزا ؛ وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم : بغير همز. وسبب نزولها أنه لما نزلت آية التخيير المتقدمة، أشفقن أن يطلقن، فقلن : يا نبي الله، اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت، ودعنا على حالنا، فنزلت هذه الآية، قاله أبو رزين. 
**وفي معنى الآية أربعة أقوال :**
أحدها : تطلق من تشاء من نسائك، وتمسك من تشاء من نسائك، قاله ابن عباس. 
والثاني : تترك نكاح من تشاء، وتنكح من نساء أمتك من تشاء، قاله الحسن. 
والثالث : تعزل من شئت من أزواجك فلا تأتيها بغير طلاق، وتأتي من تشاء فلا تعزلها، قاله مجاهد. 
والرابع : تقبل من تشاء من المؤمنات اللواتي يهبن أنفسهن، وتترك من تشاء، قاله الشعبي، وعكرمة. 
وأكثر العلماء على أن هذه الآية نزلت مبيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم مصاحبة نسائه كيف شاء من غير إيجاب القسمة عليه والتسوية بينهن، غير أنه كان يسوي بينهن. وقال الزهري : ما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أرجأ منهن أحدا، ولقد آواهن كلهن حتى مات. وقال أبو رزين : آوى عائشة، وأم سلمة، وحفصة، وزينب، وكان قسمه من نفسه وماله فيهن سواء. وأرجأ سودة، وجويرية، وصفية، وأم حبيبة، وميمونة، وكان يقسم لهن ما شاء، وكان أراد فراقهن فقلن : اقسم لنا ما شئت، ودعنا على حالنا. وقال قوم : إنما أرجأ سودة وحدها لأنها وهبت يومها لعائشة، فتوفي وهو يقسم لثمان. 
قوله تعالى : مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي  أي : تضم،  وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ  أي : إذا أردت أن تؤوي إليك امرأة ممن عزلت من القسمة  فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ  أي : لا ميل عليك بلوم ولا عتب  ذَلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ  أي : ذلك التخيير الذي خيرناك في صحبتهن أقرب إلى رضاهن. والمعنى : إنهن إذا علمن أن هذا أمر من الله، كان أطيب لأنفسهن. وقرأ ابن محيصن، وأبو عمران الجوني :" أَن تَقَرَّ " بضم التاء وكسر القاف " أَعْيُنُهُنَّ " بنصب النون.  وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ  أي : بما أعطيتهن من تقريب وتأخير  وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا في قلُوبِكُمْ  من الميل إلى بعضهن. والمعنى : إنما خيرناك تسهيلا عليك.

### الآية 33:52

> ﻿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا [33:52]

قوله تعالى : لاَّ يَحِلُّ لَكَ النّسَاء  كلهم قرأ :" لا يَحِلَّ " بالياء، غير أبي عمرو، فإنه قرأ بالتاء ؛ والتأنيث ليس بحقيقي إنما هو تأنيث الجمع، فالقراءتان حسنتان. 
وفي قوله : من بعد  ثلاثة أقوال :
أحدها : من بعد نسائك اللواتي خيرتهن فاخترن الله ورسوله، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة في آخرين، وهن التسع، فصار مقصورا عليهن ممنوعا من غيرهن وذكر أهل العلم أن طلاقه لحفصة وعزمه على طلاق سودة كان قبل التخيير. 
والثاني : من بعد الذي أحللنا لك، فكانت الإباحة بعد نسائه مقصورة على المذكور في قوله : إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْواجَكَ  إلى قوله : خَالِصَةً لَّكَ  ؛ قاله أبي بن كعب، والضحاك. 
والثالث : لا تحل لك النساء غير المسلمات كاليهوديات والنصرانيات والمشركات، وتحل لك المسلمات، قاله مجاهد. 
قوله تعالى : وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ  فيه ثلاثة أقوال :
أحدها : أن تطلق زوجاتك وتستبدل بهن سواهن، قاله الضحاك. 
والثاني : أن تبدل بالمسلمات المشركات، قاله مجاهد في آخرين. 
والثالث : أن تعطي الرجل زوجتك وتأخذ زوجته، وهذه كانت عادة للجاهلية، قاله أبو هريرة، وابن زيد. 
قوله تعالى : إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ  يعني الإماء. 
**وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال :**
أحدها : إلا أن تملك بالسبي، فيحل لك وطؤها وإن كانت من غير الصنف الذي أحللته لك ؛ وإلى هذا أومأ أبي بن كعب في آخرين. 
والثاني : إلا أن تصيب يهودية أو نصرانية فتطأها بملك اليمين، قاله ابن عباس، ومجاهد. 
والثالث : إلا أن تبدل أمتك بأمة غيرك، قاله ابن زيد. 
قال أبو سليمان الدمشقي : وهذه الأقوال جائزة، إلا أنا لا نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح يهودية بتزويج ولا نصرانية ولا ملك يمين، ولقد سبى ريحانة القرظية فلم يدن منها حتى أسلمت.

### فصل : واختلف علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على قولين :


أحدهما : أنها منسوخة بقوله : إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْواجَكَ  وهذا مروي عن علي، وابن عباس، وعائشة، وأم سلمة، وعلي بن الحسين، والضحاك. وقالت عائشة : ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل له النساء، قال أبو سليمان الدمشقي : يعني نساء جميع القبائل من المهاجرات وغير المهاجرات. 
والقول الثاني : أنها محكمة ؛ ثم فيها قولان :
أحدهما : أن الله تعالى أثاب نساءه حين اخترنه بأن قصره عليهن، فلم يحل له غيرهن، ولم ينسخ هذا، قاله الحسن، وابن سيرين، وأبو أمامة بن سهل، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث. 
والثاني : أن المراد بالنساء ها هنا : الكافرات، ولم يجز له أن يتزوج كافرة، قاله مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وجابر بن زيد.

### الآية 33:53

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ ۖ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ۚ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ۚ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا [33:53]

قوله تعالى : يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي. . .  الآية. في سبب نزولها ستة أقوال :
القول الأول : أخرجاه في " الصحيحين " من حديث أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوج زينب بنت جحش دعا القوم، فطعموا ثم جلسوا يتحدثون، فأخذ كأنه يتهيأ للقيام، فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام وقام من القوم من قام، وقعد ثلاثة، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل فإذا القوم جلوس، فرجع، وإنهم قاموا فانطلقوا، وجئت فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد انطلقوا، فجاء حتى دخل، وذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه، وأنزل الله تعالى هذه الآية. 
والثاني : أن ناسا من المؤمنين كانوا يتحينون طعام النبي صلى الله عليه وسلم فيدخلون عليه قبل الطعام إلى أن يدرك، ثم يأكلون ولا يخرجون، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأذى بهم، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. 
والثالث : أن عمر بن الخطاب قال : قلت يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب، أخرجه البخاري من حديث أنس، وأخرجه مسلم من حديث ابن عمر، كلاهما عن عمر. 
والرابع : أن عمر أمر نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجاب، فقالت زينب : يا ابن الخطاب، إنك لتغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا ؟ ! فنزلت الآية، قاله ابن مسعود. 
والخامس : أن عمر كان يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم : احجب نساءك، فلا يفعل، فخرجت سودة ليلة، فقال عمر : قد عرفناك يا سودة- حرصا على أن ينزل الحجاب- فنزل الحجاب، رواه عكرمة عن عائشة. 
والسادس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطعم معه بعض أصحابه، فأصابت يد رجل منهم يد عائشة، وكانت معهم، فكره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فنزلت آية الحجاب، قاله مجاهد. 
قوله تعالى : إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ  أي : تدعوا إليه  غَيْرَ نَاظِرِينَ  أي : منتظرين  إِنَاهُ . قال الزجاج : موضع " أن " نصب ؛ والمعنى : إلا بأن يؤذن لكم، أو لأن يؤذن، " وغير " منصوبة على الحال ؛ والمعنى : إلا أن يؤذن لكم غير منتظرين. و إِنَاهُ  : نضجه وبلوغه. 
قوله تعالى : فَانتَشِرُواْ  أي : فاخرجوا. 
قوله تعالى : وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ  المعنى : ولا تدخلوا مستأنسين، أي طالبي الأنس لحديث، وذلك أنهم كانوا يجلسون بعد الأكل فيتحدثون طويلا، وكان ذلك يؤذيه، ويستحيي أن يقول لهم : قوموا، فعلمهم الله الأدب، فذلك قوله : وَاللَّهُ لاَ يَسْتَحْييِ مِنَ الْحَقّ  أي : لا يترك أن يبين لكم ما هو الحق  وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً  أي : شيئا يستمتع به وينتفع به من آلة المنزل  فاسألوهن من وراء حجاب ذلِكُمْ أَطْهَرُ  أي : سؤالكم إياهن المتاع من وراء حجاب أطهر  لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ  من الريبة. 
قوله تعالى : وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ  أي : ما كان لكم أذاه في شيء من الأشياء. قال أبو عبيدة : و " كَانَ " من حروف الزوائد. والمعنى : ما لكم أن تؤذوا رسول الله  ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا . روى عطاء عن ابن عباس، قال : كان رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لو توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجت عائشة، فأنزل الله ما أنزل. وزعم مقاتل أن ذلك الرجل طلحة بن عبيد الله. 
قوله تعالى : إِنَّ ذَلِكُمْ  يعني نكاح أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم  كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً  أي : ذنبا عظيم العقوبة.

### الآية 33:54

> ﻿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [33:54]

قوله تعالى : إِن تُبْدُواْ شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ  قيل : إنها نزلت فيما أبداه القائل : لئن مات رسول الله لأتزوجن عائشة.

### الآية 33:55

> ﻿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ ۗ وَاتَّقِينَ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا [33:55]

قوله تعالى : لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ في آبَائِهِنَّ  قال المفسرون : لما نزلت آية الحجاب، قال الآباء والأبناء والأقارب لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ونحن أيضا نكلمهن من وراء حجاب ؟ فأنزل الله تعالى  لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ في آبَائِهِنَّ  أي : في أن يروهن ولا يحتجبن عنهم، إلى قوله : ولا نِسَائِهِنَّ  قال ابن عباس : يعني نساء المؤمنين، لأن نساء اليهود والنصارى يصفن لأزواجهن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم إن رأينهن. 
فإن قيل : ما بال العم والخال لم يذكرا ؟ فعنه جوابان :
أحدهما : لأن المرأة تحل لأبنائهما، فكره أن تضع خمارها عند عمها وخالها، لأنهما ينعتانها لأبنائهما، هذا قول الشعبي وعكرمة. 
والثاني : لأنهما يجريان مجرى الوالدين فلم يذكرا، قاله الزجاج. 
فأما قوله : وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ  ففيه قولان :
أحدهما : أنه أراد الإماء دون العبيد، قاله سعيد بن المسيب. 
والثاني : أنه عام في العبيد والإماء. قال ابن عبيد : كن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحتجبن من المماليك. وقد سبق بيان هذا في سورة النور :\[ ٣١ \]. 
قوله تعالى : وَاتَّقِينَ اللَّهَ  أي : أن يراكن غير هؤلاء،  إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلّ شيء شَهِيداً  أي : لم يغب عنه شيء.

### الآية 33:56

> ﻿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [33:56]

قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ وملائكته يُصَلُّونَ عَلَى النبي  في صلاة الله وصلاة الملائكة أقوال قد تقدمت في هذه السورة \[ الأحزاب : ٤٣ \]. 
قوله تعالى : صَلُّواْ عَلَيْهِ  قال كعب بن عجرة : قلنا : يا رسول الله قد عرفنا التسليم عليك، فكيف الصلاة عليك ؟ فقال :" قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد ". أخرجه البخاري ومسلم. ومعنى قوله :" قَدْ عَلِمْنَا التسليم عَلَيْكَ " ما يقال في التشهد :" السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ". وذهب ابن السائب إلى أن معنى التسليم : سلموا لما يأمركم به.

### الآية 33:57

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا [33:57]

قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ  اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال :
أحدها : في الذين طعنوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اتخذ صفية بنت حيي، قاله ابن عباس. 
والثاني : نزلت في المصورين، قاله عكرمة. 
والثالث : في المشركين واليهود والنصارى، وصفوا الله بالولد وكذبوا رسوله وشجوا وجهه وكسروا رباعيته وقالوا : مجنون شاعر ساحر كذاب. ومعنى أذى الله : وصفه بما هو منزه عنه، وعصيانه ؛ ولعنهم في الدنيا : بالقتل والجلاء، وفي الآخرة : بالنار.

### الآية 33:58

> ﻿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [33:58]

قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ  في سبب نزولها أربعة أقوال :
أحدها : أن عمر بن الخطاب رأى جارية متبرجة فضربها وكف ما رأى من زينتها، فذهبت إلى أهلها تشكو، فخرجوا إليه فآذوه، فنزلت هذه الآية، رواه عطاء عن ابن عباس. 
والثاني : أنها نزلت في الزناة الذين كانوا يمشون في طرق المدينة يتبعون النساء إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن، فيرون المرأة فيدنون منها فيغمزونها ؛ وإنما كانوا يؤذون الإماء، غير أنه لم تكن الأمة تعرف من الحرة، فشكون ذلك إلى أزواجهن، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، قاله السدي. 
والثالث : أنها نزلت فيمن تكلم في عائشة وصفوان بن المعطل بالإفك، قاله الضحاك. 
والرابع : أن ناسا من المنافقين آذوا علي بن أبي طالب، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. 
قال المفسرون : ومعنى : الآية : يرمونهم بما ليس فيهم.

### الآية 33:59

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [33:59]

قوله تعالى : يأَيُّهَا النبي قُل لأزواجك. . .  الآية، سبب نزولها أن الفساق كانوا يؤذون النساء إذا خرجن بالليل، فإذا رأوا المرأة عليها قناع تركوها، وقالوا : هذه حرة، وإذا رأوها بغير قناع قالوا : أمة، فآذوها، فنزلت هذه الآية، قاله السدي. 
قوله تعالى : يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ  قال ابن قتيبة : يلبسن الأردية. وقال غيره : يغطين رؤوسهن ووجوههن ليعلم أنهن حرائر  ذلِكَ أَدْنَى  أي : أحرى وأقرب  أَن يُعْرَفْنَ  أنهن حرائر  فلا يؤذين .

### الآية 33:60

> ﻿۞ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا [33:60]

قوله تعالى : لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ  أي : عن نفاقهم  وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ  أي : فجور، وهم الزناة  وَالْمُرْجِفُونَ في الْمَدِينَةِ  بالكذب والباطل، يقولون : أتاكم العدو، وقتلت سراياكم وهزمت  لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ  أي : لنسلطنك عليهم بأن نأمرك بقتالهم. قال المفسرون : وقد أغري بهم، فقيل له : جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ  \[ التوبة : ٧٣، التحريم : ٩ \]، وقال يوم الجمعة :" اخرج يا فلان من المسجد فإنك منافق، قم يا فلان فإنك منافق "  ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا  أي : في المدينة  إِلاَّ قَلِيلاً  حتى يهلكوا.

### الآية 33:61

> ﻿مَلْعُونِينَ ۖ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا [33:61]

مَّلْعُونِينَ  منصوب على الحال ؛ أي : لا يجاورونك إلا وهم ملعونون  أَيْنَمَا ثُقِفُواْ  أي : وجدوا وأدركوا  أُخِذُواْ وَقُتّلُواْ تَقْتِيلاً  معنى الكلام : الأمر، أي : هذا الحكم فيهم.

### الآية 33:62

> ﻿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ۖ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [33:62]

سُنَّةَ اللَّهِ  أي : سن في الذين ينافقون الأنبياء ويرجفون بهم أن يفعل بهم هذا.

### الآية 33:63

> ﻿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا [33:63]

قوله تعالى : يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ  قال عروة : الذي سأله عنها عتبة بن ربيعة. 
قوله تعالى : وَمَا يُدْرِيكَ  أي : أي شيء يعلمك أمر الساعة ومتى تكون ؟ والمعنى : أنت لا تعرف ذلك ؛ ثم قال : لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً . 
فإن قيل : هلا قال : قريبة ؟ فعنه ثلاثة أجوبة :
أحدها : أنه أراد الظرف، ولو أراد صفة الساعة بعينها، لقال : قريبة، هذا قول أبي عبيدة. 
والثاني : أن المعنى راجع إلى البعث، أو إلى مجيء الساعة. 
والثالث : أن تأنيث الساعة غير حقيقي، ذكرهما الزجاج. 
وما بعد هذا قد سبق بيان ألفاظه \[ البقرة : ١٥٩، النساء : ١٠، الإسراء : ٩٧ \].

### الآية 33:64

> ﻿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا [33:64]

وما بعد هذا قد سبق بيان ألفاظه \[ البقرة : ١٥٩، النساء : ١٠، الإسراء : ٩٧ \].

### الآية 33:65

> ﻿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [33:65]

وما بعد هذا قد سبق بيان ألفاظه \[ البقرة : ١٥٩، النساء : ١٠، الإسراء : ٩٧ \].

### الآية 33:66

> ﻿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا [33:66]

فأما قوله : وَأَطَعْنَا الرَّسُولاَ  فقال الزجاج : الاختيار الوقف بألف، لأن أواخر الآي وفواصلها تجري مجرى أواخر الأبيات، وإنما خوطبوا بما يعقلونه من الكلام المؤلف ليدل بالوقف بزيادة الحرف أن الكلام قد تم ؛ وقد أشرنا إلى هذا في قوله  الظنونا  \[ الأحزاب : ١ \].

### الآية 33:67

> ﻿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا [33:67]

قوله تعالى : أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا  أي : أشرافنا وعظماءنا. قال مقاتل : هم المطعمون في غزوة بدر. وكلهم قرؤوا :" سَادَتَنَا " على التوحيد، غير ابن عامر، فإنه قرأ :" سَاداَتَنَا " على الجمع مع كسر التاء، ووافقه المفضل، ويعقوب، إلا أبا حاتم  فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاْ  أي : عن سبيل الهدى.

### الآية 33:68

> ﻿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا [33:68]

رَبَّنَا آتِهِمْ  يعنون السادة  ضِعْفَيْنِ  أي : ضعفي عذابنا،  وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً  قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي :" كَثِيراً " بالثاء. وقرأ عاصم، وابن عامر :" كبيرا " بالباء. وقال أبو علي : الكثرة أشبه بالمرار المتكررة من الكبر.

### الآية 33:69

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا ۚ وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا [33:69]

قوله تعالى : لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى  أي : لا تؤذوا محمدا كما آذى بنو إسرائيل موسى فينزل بكم ما نزل بهم. و في ما آذوا به موسى أربعة أقوال :
أحدها : أنهم قالوا : هو آدر، فذهب يوما يغتسل، ووضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، فخرج في طلبه، فرأوه فقالوا : والله ما به من بأس. والحديث مشهور في الصحاح كلها من حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وقد ذكرته بإسناده في " المغني " و " الحدائق ". قال ابن قتيبة : والآدر : عظيم الخصيتين. 
والثاني : أن موسى صعد الجبل ومعه هارون، فمات هارون، فقال بنو إسرائيل : أنت قتلته، فآذوه بذلك، فأمر الله تعالى الملائكة فحملته حتى مرت به على بني إسرائيل، وتكلمت الملائكة بموته حتى عرف بنو إسرائيل أنه مات، فبرأه الله من ذلك، قاله علي عليه السلام. 
والثالث : أن قارون استأجر بغيا لتقذف موسى بنفسها على ملأ من بني إسرائيل فعصمها الله وبرأ موسى من ذلك، قاله أبو العالية. 
والرابع : أنهم رموه بالسحر والجنون، حكاه الماوردي. 
قوله تعالى : وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهاً  قال ابن عباس : كان عند الله حظيا لا يسأله شيئا إلا أعطاه وقد بينا معنى الوجيه في آل عمران :\[ ٤٥ \]. وقرأ ابن مسعود، والأعمش، وأبو حيوة : وَكَانَ عَبْداً للَّهِ  بالتنوين والباء، وكسر اللام.

### الآية 33:70

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا [33:70]

قوله تعالى : وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً  فيه أربعة أقوال :
أحدها : صوابا، قاله ابن عباس. 
والثاني : صادقا، قاله الحسن. 
والثالث : عدلا، قاله السدي. 
والرابع : قصدا، قاله ابن قتيبة. 
**ثم في المراد بهذا القول ثلاثة أقوال :**
أحدها : أنه " لا إله إلا الله "، قاله ابن عباس، وعكرمة. 
والثاني : أنه العدل في جميع الأقوال والأعمال، قاله قتادة. 
والثالث : في شأن زينب وزيد، ولا تنسبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما لا يصلح، قاله مقاتل بن حيان.

### الآية 33:71

> ﻿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [33:71]

قوله تعالى : يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ  فيه قولان :
أحدهما : يتقبل حسناتكم، قاله ابن عباس. 
والثاني : يزكي أعمالكم، قاله مقاتل. 
قوله تعالى : فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً  أي : نال الخير وظفر به.

### الآية 33:72

> ﻿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [33:72]

قوله تعالى : إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة  فيها قولان :
أحدهما : أنها الفرائض، عرضها الله على السماوات والأرض والجبال، إن أدتها أثابها، وإن ضيعتها عذبها، فكرهت ذلك ؛ وعرضها على آدم فقبلها بما فيها، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس ؛ وكذلك قال سعيد بن جبير : عرضت الأمانة على آدم فقيل له : تأخذها بما فيها، إن أطعت غفرت لك، وإن عصيت عذبتك، فقال : قبلت، فما كان إلا كما بين صلاة العصر إلى أن غربت الشمس حتى أصاب الذنب. وممن ذهب إلى أنها الفرائض قتادة، والضحاك، والجمهور. 
والثاني : أنها الأمانة التي يأتمن الناس بعضهم بعضا عليها. روى السدي عن أشياخه أن آدم لما أراد الحج قال للسماء : احفظي ولدي بالأمانة، فأبت، وقال للأرض، فأبت، وقال للجبال، فأبت، فقال لقابيل، فقال : نعم، تذهب وتجيء وتجد أهلك كما يسرك، فلما انطلق آدم قتل قابيل هابيل، فرجع آدم فوجد ابنه قتل أخاه، فذلك حيث يقول الله عز وجل  إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة  إلى قوله  وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ  وهو ابن آدم، فما قام بها. 
وحكى ابن قتيبة عن بعض المفسرين أن آدم لما حضرته الوفاة قال : يا رب، من أستخلف من بعدي ؟ فقيل له : اعرض خلافتك على جميع الخلق، فعرضها، فكل أباها غير ولده. 
وللمفسرين في المراد بعرض الأمانة على السماوات والأرض قولان :
أحدهما : أن الله تعالى ركب العقل في هذه الأعيان، وأفهمهن خطابه، وأنطقهن بالجواب حين عرضها عليهن، ولم يرد بقوله :" أبَيْن " المخالفة، ولكن أَبَيْنَ للخشية والمخافة، لأن العرض كان تخييرا لا إلزاما، " وَأَشْفَقْنَ " بمعنى خفن منها أن لا يؤدينها فيلحقهن العقاب، هذا قول الأكثرين. 
والثاني : أن المراد بالآية : إنا عرضنا الأمانة على أهل السماوات وأهل الأرض وأهل الجبال من الملائكة، قاله الحسن. 
**وفي المراد بالإنسان أربعة أقوال :**
أحدها : آدم في قول الجمهور. 
والثاني : قابيل في قول السدي. 
والثالث : الكافر والمنافق، قاله الحسن. 
والرابع : جميع الناس، قاله ثعلب. 
قوله تعالى : إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً  فيه ثلاثة أقوال :
أحدها : ظلوما لنفسه، غرا بأمر ربه، قاله ابن عباس، والضحاك. 
والثاني : ظلوما لنفسه، جهولا بعاقبة أمره، قاله مجاهد. 
والثالث : ظلوما بمعصية ربه، جهولا بعقاب الأمانة، قاله ابن السائب. 
وذكر الزجاج في الآية وجها يخالف أكثر الأقوال، وذكر أنه موافق للتفسير فقال : إن الله تعالى ائتمن بني آدم على ما افترضه عليهم من طاعته، وائتمن السماوات والأرض والجبال على طاعته والخضوع له، فأما السماوات والأرض فقَالَتَا : أَتَيْنَا طَائِعِينَ  \[ فصلت : ١١ \]، وأعلمنا أن من الحجارة ما يهبط من خشية الله، وأن الشمس والقمر والنجوم والجبال والملائكة يسجدون لله، فعرّفنا الله تعالى أن السماوات والأرض لم تحتمل الأمانة، لأنها أدتها، وأداؤها : طاعة الله وترك معصيته، وكل من خان الأمانة فقد احتملها، وكذلك كل من أثم فقد احتمل الإثم، وكذلك قال الحسن.  وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ  أي : الكافر والمنافق حملاها، أي : خانا ولم يطيعا ؛ فأما من أطاع، فلا يقال : كان ظلوما جهولا.

### الآية 33:73

> ﻿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [33:73]

قوله تعالى : لّيُعَذّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَفِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ  قال ابن قتيبة : المعنى : عرضنا ذلك ليظهر نفاق المنافق وشرك المشرك فيعذبهم الله، ويظهر إيمان المؤمنين فيتوب الله عليهم، أي : يعود عليهم بالرحمة والمغفرة إن وقع منهم تقصير في الطاعات.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/33.md)
- [كل تفاسير سورة الأحزاب
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/33.md)
- [ترجمات سورة الأحزاب
](https://quranpedia.net/translations/33.md)
- [صفحة الكتاب: زاد المسير في علم التفسير](https://quranpedia.net/book/340.md)
- [المؤلف: ابن الجوزي](https://quranpedia.net/person/14515.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/33/book/340) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
