---
title: "تفسير سورة الأحزاب - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل - الزمخشري"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/33/book/346.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/33/book/346"
surah_id: "33"
book_id: "346"
book_name: "الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل"
author: "الزمخشري"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الأحزاب - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل - الزمخشري

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/33/book/346)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الأحزاب - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل - الزمخشري — https://quranpedia.net/surah/1/33/book/346*.

Tafsir of Surah الأحزاب from "الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل" by الزمخشري.

### الآية 33:1

> يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [33:1]

عن زرّ قال : قال لي أبيّ بن كعب رضي الله عنه : كم تعدّون سورة الأحزاب ؟ قلت : ثلاثاً وسبعين آية. قال : فوالذي يحلف به أبيّ بن كعب، إن كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول. ولقد قرأنا منها آية الرجم :( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم )، أراد أبيّ رضي الله عنه أنّ ذلك من جملة ما نسخ من القرآن. وأمّا ما يحكى : أن تلك الزيادة كانت في صحيفة في بيت عائشة رضي الله عنها فأكلتها الداجن فمن تأليفات الملاحدة والروافض. جعل نداءه بالنبيّ والرسول في قوله : يا أيها النبى اتق الله   يا أيها النبى لِمَ تُحَرّمُ  \[ التحريم : ١ \]،  يا أيها الرسول بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ  \[ المائدة : ٦٧ \] وترك نداءه باسمه كما قال : يا آدم، يا موسى، يا عيسى، يا داود : كرامة له وتشريفاً، وربئاً بمحله وتنويهاً بفضله. 
فإن قلت : إن لم يوقع اسمه في النداء فقد أوقعه في الإخبار في قوله : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله  \[ الفتح : ٢٩ \]،  وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ  \[ آل عمران : ١٤٤ \]. قلت : ذاك لتعليم الناس بأنه رسول الله وتلقين لهم أن يسموه بذلك ويدعوه به، فلا تفاوت بين النداء والإخبار، ألا ترى إلى ما لم يقصد به التعليم والتلقين من الأخبار كيف ذكره بنحو ما ذكره في النداء  لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ  \[ التوبة : ١٢٨ \]، و  وَقَالَ الرسول يارب  \[ الفرقان : ٣٠ \]،  لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ  \[ الأحزاب : ٢١ \]،  والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ  \[ التوب : ٦٢ \]،  النبى أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ  \[ الأحزاب : ٦ \].  إِنَّ الله وملائكته يُصَلُّونَ عَلَى النبى  \[ الأحزاب : ٥٦ \]،  وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالْلهِ والنَّبِىّ  \[ المائدة : ٨١ \]، اتق الله : واظب على ما أنت عليه من التقوى، واثبت عليه، وازدد منه، وذلك لأن التقوى باب لا يبلغ آخره  وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين  لا تساعدهم على شيء ولا تقبل لهم رأياً ولا مشورة، وجانبهم واحترس منهم، فإنهم أعداء الله وأعداء المؤمنين، لا يريدون إلا المضارّة والمضادّة. وروي : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وكان يحب إسلام اليهود : قريظة والنضير وبني قينقاع وقد بايعه أناس منهم على النفاق فكان يلين لهم جانبه ويكرم صغيرهم وكبيرهم. وإذا أتى منهم قبيح تجاوز عنه. وكان يسمع منهم فنزلت. وروي : أن أبا سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السلمي قدموا عليه في الموادعة التي كانت بينه وبينهم، وقام معهم عبد الله بن أبيّ ومعتب بن قشير والجد بن قيس، فقالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم : ارفض ذكر آلهتنا وقل إنها تشفع وتنفع وندعك وربك، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين وهموا بقتلهم، فنزلت : أي اتق الله في نقض العهد ونبذ الموادعة، ولا تطع الكافرين من أهل مكة والمنافقين من أهل المدينة فيما طلبوا إليك. 
وروي أنّ أهل مكة دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يرجع عن دينه ويعطوه شطر أموالهم، وأن يزوّجه شيبة بن ربيعة بنته، وخوفه منافقو المدينة أنهم يقتلونه إن لم يرجع. فنزلت  إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً  بالصواب من الخطإ، والمصلحة من المفسدة  حَكِيماً  لا يفعل شيئاً ولا يأمر به إلا بداعي الحكمة.

### الآية 33:2

> ﻿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [33:2]

واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ  في ترك طاعة الكافرين والمنافقين وغير ذلك  إِنَّ الله  الذي يوحي إليك خبير  بِمَا تَعْمَلُونَ  فموح إليك ما يصلح به أعمالكم، فلا حاجة بكم إلى الاستماع من الكفرة. وقرىء :**«يعملون »** بالياء، أي : بما يعمل المنافقون من كيدهم لكم ومكرهم بكم.

### الآية 33:3

> ﻿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا [33:3]

وَتَوَكَّلْ عَلَى الله  وأسند أمرك إليه وكله إلى تدبيره  وَكِيلاً  حافظاً موكولاً إليه كل أمر.

### الآية 33:4

> ﻿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ۚ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ۚ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ ۖ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [33:4]

ما جمع الله قلبين في جوف، ولا زوجية وأمومة في امرأة، ولا بنوّة ودعوة في رجل. والمعنى : أن الله سبحانه كما لم ير في حكمته أن يجعل للإنسان قلبين، لأنه لا يخلو إما أن يفعل بأحدهما مثل ما يفعل بالآخر من أفعال القلوب فأحدهما فضلة غير محتاج إليها، وإما أن يفعل بهذا غير ما يفعل بذاك، فذلك يؤدي إلى اتصاف الجملة بكونه مريداً كارهاً. عالماً ظاناً. موقناً شاكاً في حالة واحدة - لم ير أيضاً أن تكون المرأة الواحدة أُمًّا لرجل زوجاً له ؛ لأن الأم مخدومة مخفوض لها جناح الذل، والزوجة مستخدمة متصرف فيها بالاستفراش وغيره كالمملوكة وهما حالتان متنافيتان، وأن يكون الرجل الواحد دعياً لرجل وابنا له : لأنّ البنوّة أصالة في النسب وعراقة فيه، والدعوة : إلصاق عارض بالتسمية لا غير، ولا يجتمع في الشيء الواحد أن يكون أصيلاً غير أصيل، وهذا مثل ضربه الله في زيد بن حارثة وهو رجل من كلب سبي صغيراً. وكانت العرب في جاهليتها يتغاورون ويتسابون. فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبته له، وطلبه أبوه وعمه، فخير فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعتقه. وكانوا يقولون : زيد بن محمد، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية، وقوله : مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ  \[ الأحزاب : ٤٠ \] وقيل : كان أبو معمر رجلاً من أحفظ العرب وأرواهم، فقيل له : ذو القلبين، وقيل : هو جميل بن أسد الفهري. وكان يقول : إن لي قلبين. أفهم بأحدهما أكثر مما يفهم محمد، فروي أنه انهزم يوم بدر، فمرّ بأبي سفيان وهو معلق أحدى نعليه بيده والأخرى في رجله. فقال له : ما فعل الناس ؟ فقال : هم ما بين مقتول وهارب. فقال له : ما بال إحدى نعليك في رجلك والأخرى في يدك ؟ فقال : ما ظننت إلا أنهما في رجليّ، فأكذب الله قوله وقولهم، وضربه مثلاً في الظهار والتبني وعن ابن عباس رضي الله عنهما : كان المنافقون يقولون : لمحمد قلبان فأكذبهم الله. وقيل : سها في صلاته، فقالت اليهود : له قلبان : قلب مع أصحابه، وقلب معكم. وعن الحسن : نزلت في أن الواحد يقول : نفس تأمرني ونفس تنهاني. والتنكير في رجل، وإدخال من الاستغراقية على قلبين تأكيدان لما قصد من المعنى، كأنه قال : ما جعل الله لأمة الرجال ولا لواحد منهم قلبين البتة في جوفه. 
فإن قلت : أي فائدة في ذكر الجوف ؟ قلت : الفائدة فيه كالفائدة في قوله : القلوب التى فِى الصدور  \[ الحج : ٤٦ \] وذلك ما يحصل للسامع من زيادة التصوّر والتجلي للمدلول عليه، لأنه إذا سمع به صور لنفسه جوفاً يشتمل على قلبين، فكان أسرع إلى الإنكار. 
وقرىء :**«اللايىء »**، بياء وهمزة مكسورتين، و**«اللائي »** بياء ساكنة بعد الهمزة : وتظاهرون : من ظاهر. وتظاهرون. من اظاهر، بمعنى تظاهر. وتظهرون : من اظهر، بمعنى تظهر. وتظهرون : من ظهر، بمعنى ظاهر كعقد بمعنى عاقد. وتظهرون : من ظهر، بلفظ فعل من الظهور. ومعنى ظاهر من امرأته : قال لها : أنت عليّ كظهر أمي. ونحوه في العبارة عن اللفظ : لبى المحرم، إذا قال لبيك. وأفف الرجل : إذا قال : أُف وأخوات لهنّ. 
فإن قلت : فما وجه تعديته وأخواته بمن ؟ قلت : كان الظهار طلاقاً عند أهل الجاهلية. فكانوا يتجنبون المرأة المظاهر منها كما يتجنبون المطلقة، فكان قولهم : تظاهر منها تباعد منها بجهة الظهار، وتظهر منها : تحرز منها. وظاهر منها : حاذر منها، وظهر منها : وحش منها. وظهر منها : خلص منها. ونظيره : آلى من امرأته، لما ضمن معنى التباعد منها عدّي بمن، وإلا فآلى في أصله الذي هو بمعنى : حلف وأقسم، ليس هذا بحكمه. 
فإن قلت : ما معنى قولهم : أنت عليّ كظهر أمي ؟ قلت : أرادوا أن يقولوا : أنت عليّ حرام كبطن أمي. فكنوا عن البطن بالظهر ؛ لئلا يذكروا البطن الذي ذكره يقارب ذكر الفرج، وإنما جعلوا الكناية عن البطن بالظهر لأنه عمود البطن. ومنه حديث عمر رضي الله عنه : يجيء به أحدهم على عمود بطنه : أراد على ظهره. ووجه آخر : وهو أن إتيان المرأة وظهرها إلى السماء كان محرّماً عندهم محظوراً. وكان أهل المدينة يقولون : إذا أتيت المرأة ووجهها إلى الأرض جاء الولد أحول، فلقصد المطلق منهم إلى التغليظ في تحريم امرأته عليه، شبهها بالظهر ثم لم يقنع بذلك حتى جعله ظهر أمّه فلم يترك. 
فإن قلت : الدعيّ فعيل بمعنى مفعول، وهو الذي يُدعى ولداً فما له جمع على افعلاء، وبابه : ما كان منه بمعنى فاعل، كتقى وأتقياء، وشقيّ وأشقياء، ولا يكون ذلك في نحو رمى وسمى. قلت : إن شذوذه عن القياس كشذوذ قتلاء وأسراء، والطريق في مثل ذلك التشبيه اللفظي  ذلكم  النسب هو  قَوْلُكُم بأفواهكم  هذا ابني لا غير من غير أن يواطئه اعتقاد لصحته وكونه حقاً. والله عز وجل لا يقول إلا ما هو حق ظاهره وباطنه، ولا يهدي إلا سبيل الحق.

### الآية 33:5

> ﻿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ۚ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ۚ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَٰكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [33:5]

ثم قال ما هو الحق وهدى إلى ما هو سبيل الحق، وهو قوله : ادعوهم لآبَائِهِمْ  وبين أن دعاءهم لآبائهم هو أدخل الأمرين في القسط والعدل، وفي فصل هذه الجمل ووصلها : من الحسن والفصاحة مالا يغني على عالم بطرق النظم. وقرأ قتادة :**«وهو الذي يهدي السبيل »**. وقيل : كان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه جلد الرجل وظرفه : ضمه إلى نفسه وجعل له مثل نصيب الذكر من أولاده من ميراثه، وكان ينسب إليه فيقال : فلان ابن فلان  فَإِن لَّمْ تَعْلَمُواْ  لهم آباء تنسبونهم إليهم  ف  هم  فإخوانكم فِى الدين  وأولياؤكم في الدين فقولوا : هذا أخي وهذا مولاي، ويا أخي، ويا مولاي : يريد الأخوّة في الدين والولاية فيه  مَّا تَعَمَّدَتْ  في محل الجرّ عطفاً على ما أخطأتم. 
ويجوز أن يكون مرتفعاً على الابتداء، والخبر محذوف تقديره : ولكن ما تعمدت قلوبكم فيه الجناح. والمعنى : لا إثم عليكم فيما فعلتموه من ذلك مخطئين جاهلين قبل ورود النهي، ولكن الإثم فيما تعمدتموه بعد النهي. أو لا إثم عليكم إذا قلتم لولد غيركم يا بنيّ على سبيل الخطإ وسبق اللسان، ولكن إذا قلتموه متعمدين. ويجوز أن يراد العفو عن الخطإ دون العمد على طريق العموم، كقوله عليه الصلاة والسلام :**« ما أخشَى عليكُم الخطأَ ولكنْ أخشَى عليْكُم العمدَ »** وقوله عليه الصلاة والسلام :**« وُضع عن أمّتي الخطأُ والنسيانْ وما أكرهُوا عليه »** ثم تناول لعمومه خطأ التبني وعمده. 
فإن قلت : فإذا وجد التبني فما حكمه ؟ قلت : إذا كان المتبني مجهول النسب وأصغر سناً من المتبنى ثبت نسبه منه، وإن كان عبداً له عتق مع ثبوت النسب، وإن كان لا يولد مثله لمثله لم يثبت النسب، ولكنه يعتق عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وعند صاحبيه لا يعتق. وأما المعروف النسب فلا يثبت نسبه بالتبني وإن كان عبداً عتق  وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً  لعفوه عن الخطأ وعن العمد إذا تاب العامد.

### الآية 33:6

> ﻿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ۗ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا [33:6]

النبى أولى بالمؤمنين  في كل شيء من أمور الدين والدنيا  مّنْ أَنفُسِهِمْ  ولهذا أطلق ولم يقيد، فيجب عليهم أن يكون أحبّ إليهم من أنفسهم، وحكمه أنفذ عليهم من حكمها، وحقه آثر لديهم من حقوقها، وشفقتهم عليه أقدم من شفقتهم عليها، وأن يبذلوها دونه ويجعلوها فداءه إذا أعضل خطب، ووقاءه إذا لقحت حرب، وأن لا يتبعوا ما تدعوهم إليه نفوسهم ولا ما تصرفهم عنه، ويتبعوا كل ما دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصرفهم عنه، لأنّ كل ما دعا إليه فهو إرشاد لهم إلى نيل النجاة والظفر بسعادة الدارين وما صرفهم عنه، فأخذ بحجزهم لئلا يتهافتوا فيما يرمي بهم إلى الشقاوة وعذاب النار. أو هو أولى بهم، على معنى أنه أرأف بهم وأعطف عليهم وأنفع لهم، كقوله تعالى : بالمؤمنين رَءوفٌ رَّحِيمٌ  \[ التوبة : ١٢٨ \] وعن النبي صلى الله عليه وسلم :" ما مِنْ مؤمنٍ إلاّ أنا أولى بهِ فِي الدنيا والآخرةِ. اقرؤوا إنْ شئتم  النبى أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ  فأيما مؤمن هلك وترك مالاً فليرثه عصبته من كانوا، وإن ترك ديناً أو ضياعاً فإليّ " وفي قراءة ابن مسعود :**«النبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم »**. وقال مجاهد : كل نبيّ فهو أبو أمّته. ولذلك صار المؤمنون إخوة ؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم أبوهم في الدين  وأزواجه أمهاتهم  تشبيه لهنّ بالأمهات في بعض الأحكام، وهو وجوب تعظيمهنّ واحترامهن، وتحريم نكاحهن : قال الله تعالى : وَلاَ أَن تَنكِحُواْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً  \[ الأحزاب : ٥٣ \] وهنّ فيما وراء ذلك بمنزلة الأجنبيات، ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها : لسنا أمهات النساء. تعني أنهنّ إنما كنّ أمّهات الرجال، لكونهنّ محرّمات عليهم كتحريم أمّهاتهم. والدليل على ذلك : أنّ هذا التحريم لم يتعد إلى بناتهنّ، وكذلك لم يثبت لهنّ سائر أحكام الأمهات. كان المسلمون في صدر الإسلام يتوارثون بالولاية في الدين وبالهجرة لا بالقرابة، كما كانت تتألف قلوب قوم بإسهام لهم في الصدقات، ثم نسخ ذلك لما دجا الإسلام وعزّ أهله، وجعل التوارث بحق القرابة  فِى كتاب الله  في اللوح. أو فيما أوحى الله إلى نبيه وهو هذه الآية. أو في آية المواريث. أو فيما فرض الله كقوله : كتاب الله عَلَيْكُمْ  \[ النساء : ٢٤ \].  مِنَ المؤمنين والمهاجرين  يجوز أن يكون بياناً لأولى الأرحام، أي : الأقرباء من هؤلاء بعضهم أولى بأن يرث بعضاً من الأجانب. ويجوز أن يكون لابتداء الغاية. أي : أولو الأرحام بحق القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحق الولاية في الدين، ومن المهاجرين بحق الهجرة. 
فإن قلت : مم استثنى  أَن تَفْعَلُواْ  ؟ قلت : من أعم العام في معنى النفع والإحسان، كما تقول : القريب أولى من الأجنبي إلا في الوصية، تريد : أنه أحق منه في كل نفع من ميراث وهبة وهدية وصدقة وغير ذلك، إلا في الوصية. والمراد بفعل المعروف : التوصية لأنه لا وصية لوارث وعدى تفعلوا بإلى، لأنه في معنى : تسدوا وتزلوا والمراد بالأولياء : المؤمنون والمهاجرون للولاية في الدين  ذَلِكَ  إشارة إلى ما ذكر في الآيتين جميعاً. وتفسير الكتاب : ما مر آنفاً، والجملة مستأنفة كالخاتمة لما ذكر من الأحكام.

### الآية 33:7

> ﻿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۖ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [33:7]

و  اذكر حين  وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين  جميعاً  ميثاقهم  بتبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القيم  وَمِنْكَ  خصوصاً  وَمِن نُّوحٍ وإبراهيم وموسى وَعِيسَى  وإنما فعلنا ذلك.

### الآية 33:8

> ﻿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ۚ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا [33:8]

لِّيَسْأَلَ  الله يوم القيامة عند تواقف الأشهاد المؤمنين الذين صدقوا عهدهم ووفوا به، من جملة من أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى  عَن صِدْقِهِمْ  عهدهم وشهادتهم، فيشهد لهم الأنبياء بأنهم صدقوا عهدهم وشهادتهم وكانوا مؤمنين. أو ليسأل المصدقين للأنبياء عن تصديقهم. لأن من قال للصادق : صدقت، كان صادقاً في قوله. أو ليسأل الأنبياء ما الذي أجابتهم به أممهم. وتأويل مسألة الرسل : تبكيت الكافرين بهم، كقوله : أأنْتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن دُونِ الله  \[ المائدة : ١١٦ \]. 
فإن قلت : لم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على نوح فمن بعده قلت هذا العطف لبيان فضيلة الأنبياء الذين هم مشاهيرهم وذراريهم، فلما كان محمد صلى الله عليه وسلم أفضل هؤلاء المفضلين : قدم عليهم لبيان أنه أفضلهم، ولولا ذلك لقدم من قدمه زمانه. 
فإن قلت : فقد قدم عليه نوح عليه السلام في الآية التي هي أخت هذه الآية، وهي قوله : شَرَعَ لَكُم مّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً والذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ  \[ الشورى : ١٣ \] ثم قدم على غيره. قلت : مورد هذه الآية على طريقة خلاف طريقة تلك، وذلك أنّ الله تعالى إنما أوردها لوصف دين الإسلام بالأصالة والاستقامة فكأنه قال : شرع لكم الدين الأصيل الذي بعث عليه نوح في العهد القديم، وبعث عليه محمد خاتم الأنبياء في العهد الحديث، وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء المشاهير. 
فإن قلت : فما المراد بالميثاق الغليظ ؟ قلت : أراد به ذلك الميثاق بعينه. معناه : وأخذنا منهم بذلك الميثاق ميثاقاً غليظاً. والغلظ : استعارة من وصف الأجرام، والمراد : عظم الميثاق وجلالة شأنه في بابه. وقيل الميثاق الغليظ : اليمين بالله على الوفاء بما حملوا. 
فإن قلت : علام عطف قوله : وَأَعَدَّ للكافرين  ؟ قلت : على أخذنا من النبيين، لأن المعنى أن الله أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين. وأعد للكافرين عذاباً أليماً. أو على ما دل عليه  لِّيَسْأَلَ الصادقين  كأنه قال : فأثاب المؤمنين وأعد للكافرين.

### الآية 33:9

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا [33:9]

اذكروا  ما أنعم الله به عليكم يوم الأحزاب وهو يوم الخندق  إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ  وهم الأحزاب، فأرسل الله عليهم ريح الصبا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور "  وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا  وهم الملائكة وكانوا ألفاً : بعث الله عليهم صبا باردة في ليلة شاتية، فأخصرتهم وسفت التراب في وجوههم، وأمر الملائكة فقلعت الأوتاد، وقطعت الأطناب، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وماجت الخيل بعضها في بعض، وقذف في قلوبهم الرعب، وكبرت الملائكة في جوانب عسكرهم، فقال طليحة بن خويلد الأسدي : أما محمد فقد بدأكم بالسحر، فالنجاء النجاء، فانهزموا من غير قتال، وحين سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة، أشار عليه بذلك سلمان الفارسي رضي الله عنه، ثم خرج في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب معسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فرفعوا في الآطام واشتدّ الخوف، وظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من المنافقين حتى قال معتب بن قشير : كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر ولا نقدر أن نذهب إلى الغائط. وكانت قريش قد أقبلت في عشرة آلاف من الأحابيش وبني كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان، وخرج غطفان في ألف ومن تابعهم من أهل نجد وقائدهم عيينة بن حصن. وعامر بن الطفيل في هوازن، وضامتهم اليهود من قريظة والنضير، ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة، حتى أنزل الله النصر  تَعْمَلُونَ  قرىء بالتاء والياء.

### الآية 33:10

> ﻿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا [33:10]

مّن فَوْقِكُمْ  من أعلى الوادي من قبل المشرق : بنو غطفان  وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ  من أسفل الوادي من قبل المغرب : قريش تحزبوا وقالوا : سنكون جملة واحدة حتى نستأصل محمداً  زَاغَتِ الأبصار  مالت عن سننها ومستوى نظرها حيرة وشخوصاً. وقيل : عدلت عن كل شيء فلم تلتفت إلا إلى عدوّها لشدة الروع. الحنجرة : رأس الغلصمة وهي منتهى الحلقوم. والحلقوم : مدخل الطعام والشراب، قالوا : إذا انتفخت الرئة من شدة الفزع أو الغضب أو الغمّ الشديد : ربت وارتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة، ومن ثمة قيل للجبان : انتفخ سحره. ويجوز أن يكون ذلك مثلاً في اضطراب القلوب ووجيبها وإن لم تبلغ الحناجر حقيقة  وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا  خطاب للذين آمنوا. ومنهم الثبت القلوب والأقدام، والضعاف القلوب : الذين هم على حرف، والمنافقون : الذين لم يوجد منهم الإيمان إلا بألسنتهم فظن الأولون بالله أنه يبتليهم ويفتنهم فخافوا الزلل وضعف الاحتمال، وأمّا الآخرون فظنوا بالله ما حكى عنهم. وعن الحسن : ظنوا ظنوناً مختلفة : ظن المنافقون أنّ المسلمين يستأصلون، وظنّ المؤمنون أنهم يبتلون. وقرىء **«الظنون »** بغير ألف في الوصل والوقف وهو القياس، وبزيادة ألف في الوقف زادوها في الفاصلة، كما زادها في القافية من قال :
أَقِلِّي اللَّوْمَ عَاذِلَ وَالعِتَابَا \*\*\*
وكذلك الرسولا والسبيلا. وقرىء بزيادتها في الوصل أيضاً، إجراء له مجرى الوقف. قال أبو عبيد : وهنّ كلهنّ في الإمام بألف.

### الآية 33:11

> ﻿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا [33:11]

وعن أبي عمرو إشمام زاي زلزلوا. وقرىء :**«زلزالاً »** بالفتح. والمعنى : أنّ الخوف أزعجهم أشد الإزعاج.

### الآية 33:12

> ﻿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا [33:12]

إِلاَّ غُرُوراً  قيل قائله : معتب بن قشير حين رأى الأحزاب قال : يعدنا محمد فتح فارس والروم، وأحدنا لا يقدر أن يتبرز فرقا، ما هذا إلا وعد غرور.

### الآية 33:13

> ﻿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ۚ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا [33:13]

طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ  هم أوس بن قيظي ومن وافقه على رأيه. وعن السدي عبد الله بن أبيّ وأصحابه. ويثرب : اسم المدينة. وقيل : أرض وقعت المدينة في ناحية منها  لاَ مُقَامَ لَكُمْ  قرىء بضم الميم وفتحها، أي لا قرار لكم ههنا، ولا مكان تقيمون فيه أو تقومون  فارجعوا  إلى المدينة : أمروهم بالهرب من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل : قالوا لهم : ارجعوا كفاراً وأسلموا محمداً، وإلا فليست يثرب لكم بمكان. قرىء :**«عورة »** بسكون الواو وكسرها، فالعورة : الخلل، والعورة : ذات العورة، يقال : عور المكان عوراً إذا بدا فيه خلل يخاف منه العدو والسارق. ويجوز أن تكون  عَوْرَةٌ  تخفيف : عورة، اعتذروا أنّ بيوتهم معترضة للعدو ممكنة للسراق لأنها غير محرزة ولا محصنة، فاستأذنوه وليحصنوها ثم يرجعوا إليه، فأكذبهم الله بأنهم لا يخافون ذلك، وإنما يريدون الفرار.

### الآية 33:14

> ﻿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا [33:14]

وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ  المدينة. وقيل : بيوتهم، من قولك : دخلت على فلان داره  مّنْ أَقْطَارِهَا  من جوانبها، يريد : ولو دخلت هذه العساكر المتحزبة التي يفرون خوفاً منها مدينتهم وبيوتهم من نواحيها كلها. وانثالت على أهاليهم وأولادهم ناهبين سابين، ثم سئلوا عند ذلك الفزع وتلك الرجفة  الفتنة  أي الردة والرجعة إلى الكفر ومقاتلة المسلمين، لأتوها : لجاؤها وفعلوها. وقرىء :**«لآتوها »** لأعطوها  وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَا  وما ألبثوا إعطاءها  إِلاَّ يَسِيراً  ريثما يكون السؤال والجواب من غير توقف. أو وما لبثوا بالمدينة بعد ارتدادهم إلا يسيراً، فإن الله يهلكهم. والمعنى : أنهم يتعللون بإعوار بيوتهم، ويتمحلون ليفروا عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وعن مصافة الأحزاب الذين ملؤوهم هولاً ورعباً ؛ وهؤلاء الأحزاب كما هم لو كبسوا عليهم أرضهم وديارهم وعرض عليهم الكفر وقيل لهم كونوا على المسلمين، لسارعوا إليه وما تعللوا بشيء، وما ذاك إلا لمقتهم الإسلام. وشدة بغضهم لأهله، وحبهم الكفر وتهالكهم على حزبه.

### الآية 33:15

> ﻿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ ۚ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا [33:15]

عن ابن عباس : عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم. وقيل : هم قوم غابوا عن بدر فقالوا : لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلنّ. وعن محمد بن إسحق عاهدوا يوم أحد أن لا يفرّوا بعدما نزل فيهم ما نزل  مَسْئُولاً  مطلوباً مقتضى حتى يوفى به.

### الآية 33:16

> ﻿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا [33:16]

لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار  مما لا بدّ لكم من نزوله بكم من حتف أنف أو قتل. وإن نفعكم الفرار مثلاً فمنعتم بالتأخير : لم يكن ذلك التمتيع إلا زماناً قليلاً. وعن بعض المروانية : أنه مرّ بحائط مائل فأسرع، فتليت له هذه الآية فقال : ذلك القليل نطلب.

### الآية 33:17

> ﻿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً ۚ وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [33:17]

فإن قلت : كيف جعلت الرحمة قرينة السوء في العصمة ولا عصمة إلا من السوء ؟ قلت : معناه أو يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة، فاختصر الكلام وأجرى مجرى قوله :
مُتَقَلِّداً سَيْفاً وَرُمْحَا \*\*\*
أو حمل الثاني على الأوّل لما في العصمة من معنى المنع.

### الآية 33:18

> ﻿۞ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا ۖ وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا [33:18]

المعوقين  المثبطين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم المنافقون : كانوا يقولون  لإخوانهم  من ساكني المدينة من أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحماً لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه، فخلوهم و  هَلُمَّ إِلَيْنَا  أي قربوا أنفسكم إلينا. وهي لغة أهل الحجاز : يسوّونَ فيه بين الواحد والجماعة. وأمّا تميم فيقولون : هلمّ يا رجل، وهلموا يا رجال، وهو صوت سمي به فعل متعدّ مثل احضر وقرب  قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ  \[ الأنعام : ١٥ \]  إِلاَّ قَلِيلاً  إلا اتياناً قليلاً يخرجون مع المؤمنين يوهمونهم أنهم معهم، ولا تراهم يبارزون ويقاتلون إلا شيئاً قليلاً إذا اضطرّوا إليه، كقوله : مَّا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلاً .

### الآية 33:19

> ﻿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ۖ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ۖ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ۚ أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [33:19]

أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ  في وقت الحرب أضناء بكم، يترفرفون عليكم كما يفعل الرجل بالذاب عنه المناضل دونه عند الخوف  يَنظُرُونَ إِلَيْكَ  في تلك الحالة كما ينظر المغشى عليه من معالجة سكرات الموت حذراً أو خوراً ولواذاً بك، فإذا ذهب الخوف وحيزت الغنائم ووقعت القسمة : نقلوا ذلك الشحّ وتلك الضنة والرفرفة عليكم إلى الخير - وهو المال والغنيمة - ونسوا تلك الحالة الأولى، واجترأوا عليكم وضربوكم بألسنتهم وقالوا : وفروا قسمتنا فإنا قد شاهدناكم وقاتلنا معكم، وبمكاننا غلبتم عدوّكم وبنا نصرتم عليهم. ونصب  أَشِحَّةً  على الحال أو على الذمّ. وقرىء :**«أشحة »**، بالرفع. و**«صلقوكم »** بالصاد. 
فإن قلت : هل يثبت للمنافق عمل حتى يرد عليه الإحباط ؟ قلت : لا ولكنه تعليم لمن عسى يظن أنّ الإيمان باللسان إيمان وإن لم يوطئه القلب، وأن ما يعمل المنافق من الأعمال يجدي عليه، فبين أنّ إيمانه ليس بإيمان، وأنّ كل عمل يوجد منه باطل. وفيه بعث على إتقان المكلف أساس أمره وهو الإيمان الصحيح، وتنبيه على أن الأعمال الكثيرة من غير تصحيح المعرفة كالبناء على غير أساس، وأنها مما يذهب عند الله هباء منثوراً. 
فإن قلت : ما معنى قوله : وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً  وكل شيء عليه يسير ؟ قلت : معناه : أن أعمالهم حقيقة بالإحباط، تدعو إليه الدواعي، ولا يصرف عنه صارف.

### الآية 33:20

> ﻿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا ۖ وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ ۖ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا [33:20]

يَحْسَبُونَ  أنّ الأحزاب لم ينهزموا، وقد انهزموا فانصرفوا عن الخندق إلى المدينة راجعين لما نزل بهم من الخوف الشديد ودخلهم من الجبن المفرط  وَإِن يَأْتِ الأحزاب  كرّة ثانية. تمنوا لخوفهم مما منوا به هذه الكرّة أنهم خارجون إلى البدو حاصلون بين الأعراب  يَسْئَلُونَ  كل قادم منهم من جانب المدينة عن أخباركم وعما جرى عليكم  وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ  ولم يرجعوا إلى المدينة وكان قتال - لم يقاتلوا إلا تعلة رياء وسمعة. وقرىء :**«بدّي »** على فعَّل جمع باد كغاز وغزَّي. وفي رواية صاحب الإقليد :**«بديّ »**، بوزن عديّ. ويساءلون، أي : يتساءلون. ومعناه : يقول بعضهم لبعض : ماذا سمعت ؟ ماذا بلغك ؟ أو يتساءلون الأعراب كما تقول : رأيت الهلال وتراءيناه : كان عليكم أن تواسوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنفسكم فتوازروه وتثبتوا معه، كما آساكم بنفسه في الصبر على الجهاد والثبات في مرحى الحرب، حتى كسرت رباعيته يوم أحد وشجّ وجهه.

### الآية 33:21

> ﻿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [33:21]

فإن قلت : فما حقيقة قوله : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ . وقرىء :**«أسوة »** بالضم ؟ قلت : فيه وجهان، أحدهما : أنه في نفسه أسوة حسنة، أي : قدوة، وهو الموتسى \[ به \]، أي : المقتدى به، كما تقول : في البيضة عشرون منا حديد، أي : هي في نفسها هذا المبلغ من الحديد. والثاني : أن فيه خصلة من حقها أن يؤتسى بها وتتبع. وهي المواساة بنفسه  لّمَن كَانَ يَرْجُو الله  بدل من لكم، كقوله : لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ ءامَنَ مِنْهُمْ  \[ الأعراف : ٧٥ \] يرجو الله واليوم الآخر : من قولك رجوت زيداً وفضله، أي : فضل زيد، أو يرجو أيام الله. واليوم الآخر خصوصاً. والرجاء بمعنى الأمل أو الخوف  وَذَكَرَ الله كَثِيراً  وقرن الرجاء بالطاعات الكثيرة والتوفر على الأعمال الصالحة، والمؤتسى برسول الله صلى الله عليه وسلم : من كان كذلك.

### الآية 33:22

> ﻿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [33:22]

وعدهم الله أن يزلزلوا حتى يستغيثوه، ويستنصروه في قوله : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم  \[ البقرة : ٢١٤ \] فلما جاء الأحزاب وشخص بهم واضطربوا ورعبوا الرعب الشديد  قَالُواْ هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ  وأيقنوا بالجنة والنصر. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه :**« إنّ الأحزاب سائرون إليكم تسعاً أو عشراً »** أي : في آخر تسع ليال أو عشر، فلما رأوهم قد أقبلوا للميعاد قالوا ذلك. وهذا إشارة إلى الخطب أو البلاء  إيمانا  بالله وبمواعيده  وَتَسْلِيماً  لقضاياه وأقداره.

### الآية 33:23

> ﻿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [33:23]

نذر رجال من الصحابة أنهم إذا لقوا حرباً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبتوا وقاتلوا حتى يستشهدوا، وهم : عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وحمزة، ومصعب بن عمير، وغيرهم، رضي الله عنهم : فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ  يعني حمزة ومصعباً  وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ  يعني عثمان وطلحة. وفي الحديث :**« من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة »**
فإن قلت : ما قضاء النحب ؟ قلت : وقع عبارة عن الموت ؛ لأنّ كل حي لا بدّ له من أن يموت. فكأنه نذرٌ لازم في رقبته، فإذا مات فقد قضى نحبه، أي : نذره. وقوله : فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ  يحتمل موته شهيداً، ويحتمل وفاءه بنذره من الثبات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. 
فإن قلت : فما حقيقة قوله : صَدَقُواْ مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ  ؟ قلت : يقال : صدقني أخوك وكذبني، إذا قال لك الصدق والكذب. وأمّا المثل : صدقني سنّ بكره. فمعناه : صدقني في سن بكره، بطرح الجار وإيصال الفعل، فلا يخلو  مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ  إما أن يكون بمنزلة السنّ في طرح الجار، وإمّا أن يجعل المعاهد عليه مصدوقاً على المجاز، كأنهم قالوا للمعاهد عليه : سنفي بك، وهم وافون به فقد صدقوه، ولو كانوا ناكثين لكذبوه ولكان مكذوباً  وَمَا بَدَّلُواْ  العهد ولا غيروه، لا المستشهد ولا من ينتظر الشهادة، ولقد ثبت طلحة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد حتى أصيبت يده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**« أوجب طلحة »** وفيه تعريض بمن بدلوا من أهل النفاق ومرض القلوب.

### الآية 33:24

> ﻿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [33:24]

جعل المنافقون كأنهم قصدوا عاقبة السوء وأرادوها بتبديلهم، كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم لأنّ كلا الفريقين مسوق إلى عاقبته من الثواب والعقاب، فكأنهما استويا في طلبهما والسعي لتحصيلهما. ويعذبهم  إِن شَاء  إذا لم يتوبوا  أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ  إذا تابوا.

### الآية 33:25

> ﻿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ۚ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا [33:25]

وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ  الأحزاب  بِغَيْظِهِمْ  مغيظين، كقوله : تَنبُتُ بالدهن  \[ المؤمنون : ٢٠ \].  لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً  غير ظافرين، وهما حالان بتداخل أو تعاقب. ويجوز أن تكون الثانية بياناً للأولى أو استئنافاً  وَكَفَى الله المؤمنين القتال  بالريح والملائكة.

### الآية 33:26

> ﻿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا [33:26]

وَأَنزَلَ الذين  ظاهروا الأحزاب من أهل الكتاب  مِن صَيَاصِيهِمْ  من حصونهم. والصيصية ما تحصن به، يقال لقرن الثور والظبي : صيصية، ولشوكة الديك، وهي مخلبه التي في ساقه، لأنه يتحصن بها. روي أنّ جبريل عليه السلام أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم - صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب ورجع المسلمون إلى المدينة ووضعوا سلاحهم - على فرسه الحيزوم والغبار على وجه الفرس وعلى السرج، فقال : ما هَذَا يا جبريلُ ؟ قال : من متابعة قريش : فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح الغبار عن وجه الفرس وعن السرج، فقال : يا رسول الله، إن الملائكة لم تضع السلاح، إن اللَّهَ يأمرُكَ المسير إلى بني قريظة وأنا عامد إليهم، فإن الله داقهم دق البيض على الصفا، وإنهم لكم طعمة فأذن في الناس : أَنْ مَنْ كانَ سَامعاً مطيعاً فَلاَ يصلي العصرَ إلا في بني قريظةَ. 
فما صلى كثير من الناس العصر إلا بعد العشاء الآخرة، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحاصرهم خمساً وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : تنزلون على حكمي ؟ فأبوا، فقال : على حكم سعد بن معاذ ؟ فرضوا به، فقال سعد : حكمت فيهم أن تقتل مقاتلهم وتسبي ذراريهم ونساؤهم، فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وقال :" لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة " ثم استنزلهم وخندق في سوق المدينة خندقاً. وقدمهم فضرب أعناقهم وهم من ثمانمائة إلى تسعمائة وقيل كانوا ستمائة مقاتل وسبعمائة أسير. وقرىء :**«الرعب »**، بسكون العين وضمها. وتأسرون، بضم السين.

### الآية 33:27

> ﻿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا [33:27]

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل عقارهم للمهاجرين دون الأنصار، فقالت الأنصار في ذلك، فقال :**«إنكم في منازلكم »**، وقال عمر رضي الله عنه : أما تخمس كما خمست يوم بدر ؟ قال :" لا، إنما جعلت هذه لي طعمة دون الناس " قال : رضينا بما صنع الله ورسوله  وَأَرْضاً لَّمْ  عن الحسن رضي الله عنه : فارس والروم. وعن قتادة رضي الله عنه : كنا نحدث أنها مكة. وعن مقاتل رضي الله عنه : هي خيبر. وعن عكرمة : كل أرض تفتح إلى يوم القيامة. ومن بدع التفاسير : أنه أراد نساءهم.

### الآية 33:28

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [33:28]

أردن شيئاً من الدنيا من ثياب وزيادة نفقة وتغايرن، فغم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت. فبدأ بعائشة رضي الله عنها - وكانت أحبهنّ إليه - فخيرها وقرأ عليها القرآن، فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، فرؤي الفرح في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم اختارت جميعهنّ اختيارها، فشكر لهنّ الله ذلك، فأنزل  لاَّ يَحِلُّ لَكَ النساء مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ  \[ الأحزاب : ٥٢ \]. روي أنه قال لعائشة :" إنِّي ذاكرٌ لكَ أمراً، ولا عليك أنْ لا تعجلي فيه حتّى تستأمري أبويْكَ " ثم قرأَ عليها القرآنَ فقالَت : أفي هذا أستأمر أبويَّ، فإنِّي أريدُ الله ورسولَهُ والدارَ الآخرةَ. 
وروي أنها قالت : لا تخبر أزواجك أنِّي اخترتك، فقال :" إنما بعثني الله مبلغاً ولم يبعثني متعنتاً " 
فإن قلت : ما حكم التخيير في الطلاق ؟ قلت : إذا قال لها اختاري، فقالت : اخترت نفسي. أو قال : اختاري نفسك، فقالت : اخترت، لا بد من ذكر النفس في قول المخير أو المخيرة - وقعت طلقة بائنة عند أبي حنيفة وأصحابه، واعتبروا أن يكون ذلك في المجلس قبل القيام أو الاشتغال بما يدل على الإعراض، واعتبر الشافعي اختيارها على الفور وهي عنده طلقة رجعية وهو مذهب عمر وابن مسعود. وعن الحسن وقتادة الزهري رضي الله عنهم : أمرها بيدها في ذلك المجلس وفي غيره، وإذا اختارت زوجها لم يقع شيء بإجماع فقهاء الأمصار. وعن عائشة رضي الله عنها : خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه ولم يعده طلاقاً. وروي : أفكان طلاقاً. وعن عليّ رضي الله عنه. إذا اختارت زوجها فواحدة رجعية، وإن اختارت نفسها فواحدة بائنة وروي عنه أيضاً أنها إن اختارت زوجها فليس بشيء. أصل تعال : أن يقوله من في المكان المرتفع، لمن في المكان المستوطيء، ثم كثر حتى استوت في استعماله الأمكنة. ومعنى تعالين : أقبلن بإرادتكن واختياركن لأحد أمرين، ولم يرد نهوضهنّ إليه بأنفسهنّ. كما تقول : أقبل يخاصمني، وذهب يكلمني. وقام يهددني  أُمَتّعْكُنَّ  أعطكنّ متعة الطلاق. 
فإن قلت : المتعة في الطلاق واجبة أم لا ؟ قلت : المطلقة التي لم يدخل بها ولم يفرض لها في العقد، متعتها واجبة عند أبي حنيفة وأصحابه، وأما سائر المطلقات فمتعتهن مستحبة وعن الزهري رضي الله عنه : متعتان، إحداهما : يقضي بها السلطان : من طلق قبل أن يفرض ويدخل بها. والثانية : حق على المتقين من طلق بعد ما يفرض ويدخل، وخاصمت امرأة إلى شريح في المتعة فقال : متعها إن كنت من المتقين ولم يجبره. وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه : المتعة حق مفروض. وعن الحسن رضي الله عنه : لكل مطلقة متعة إلا المختلعة والملاعنة، والمتعة : درع وخمار وملحفة على حسب السعة والإقتار، إلا أن يكون نصف مهرها أقل من ذلك، فيجب لها الأقل منهما. ولا تنقص من خمسة دراهم ؛ لأن أقل المهر عشرة دراهم فلا ينقص من نصفها. 
فإن قلت : ما وجه قراءة من قرأ :**«أمتعكنّ وأسرحكنّ »** بالرفع ؟ قلت : وجهه الاستئناف  سَرَاحاً جَمِيلاً  من غير ضرار طلاقاً بالسنة.

### الآية 33:29

> ﻿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا [33:29]

مِنكُنَّ  للبيان لا للتبعيض.

### الآية 33:30

> ﻿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [33:30]

الفاحشة : السيئة البليغة في القبح وهي الكبيرة. والمبينة : الظاهرة فحشها، والمراد كل ما اقترفن من الكبائر : وقيل هي عصيانهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونشوزهنّ، وطلبهن منه ما يشق عليه أو ما يضيق به ذرعه ويغتم لأجله وقيل : الزنا، والله عاصم رسوله من ذلك، كما مرّ في حديث الإفك، وإنما ضوعف عذابهنّ لأن ما قبح من سائر النساء كان أقبح منهنّ وأقبح ؛ لأن زيادة قبح المعصية تتبع زيادة الفضل والمرتبة وزيادة النعمة على العاصي من المعصي، وليس لأحد من النساء مثل فضل نساء النبي صلى الله عليه وسلم ولا على أحد منهنّ مثل ما لله عليهن من النعمة، والجزاء يتبع الفعل، وكون الجزاء عقاباً يتبع كون الفعل قبيحاً، فمتى ازداد قبحاً. ازداد عقابه شدّة، ولذلك كان ذم العقلاء للعاصي العالم : أشدّ منه للعاصي الجاهل ؛ لأن المعصية من العالم أقبح، ولذلك فضل حدّ الأحرار على حد العبيد، حتى أن أبا حنيفة وأصحابه لا يرون الرجم على الكافر  وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً  إيذان بأن كونهن نساء النبي صلى الله عليه وسلم ليس بمغن عنهن شيئاً. وكيف يغني عنهن وهو سبب مضاعفة العذاب، فكان داعياً إلى تشديد الأمر عليهنّ غير صارف عنه. قرىء **«يأت »**، بالتاء والياء. مبينة : بفتح الياء وكسرها، من بين بمعنى تبين. يضاعف، ويضعف : على البناء للمفعول. ويضاعف، ونضعف : بالياء والنون.

### الآية 33:31

> ﻿۞ وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا [33:31]

وقرىء :**«تقنت »** وتعمل : بالتاء والياء. ونؤتها : بالياء والنون. والقنوت : الطاعة، وإنما ضوعف أجرهنّ لطلبهنّ رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحسن الخلق، وطيب المعاشرة والقناعة، وتوفرهنّ على عبادة الله والتقوى.

### الآية 33:32

> ﻿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا [33:32]

أحد في الأصل بمعنى وحد، وهو الواحد، ثم وضع في النفي العام مستوياً فيه المذكر والمؤنث والواحد وما وراءه. ومعنى قوله : لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ النساء  لستنِّ كجماعة واحدة من جماعات النساء، أي : إذا تقصيت أمة النساء جماعة جماعة لم توجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل والسابقة، ومثله قوله تعالى : والذين ءامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ  \[ النساء : ١٥٢ \] يريد بين جماعة واحدة منهم، تسوية بين جميعهم في أنهم على الحق المبين  إِنِ اتقيتن  إن أردتن التقوى، وإن كنتن متقيات  فَلاَ تَخْضَعْنَ بالقول  فلا تجبن بقولكن خاضعاً، أي : لينا خنثا مثل كلام المريبات والمومسات  فَيَطْمَعَ الذى فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ  أي ريبة وفجور. وقرىء بالجزم، عطفاً على محل فعل النهي، على أنهن نهين عن الخضوع بالقول. ونهى المريض القلب عن الطمع، كأنه قيل : لا تخضعن فلا يطمع. وعن ابن محيصن أنه قرأ بكسر الميم، وسبيله ضم الياء مع كسرها وإسناد الفعل إلى ضمير القول، أي : فيطمع القول المريب  قَوْلاً مَّعْرُوفاً  بعيداً من طمع المريب بجد وخشونة من غير تخنث، أو قولاً حسناً مع كونه خشناً.

### الآية 33:33

> ﻿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [33:33]

وَقَرْنَ  بكسر القاف، من قر يقر وقاراً. أو من قرّ يقرّ، حذفت الأولى من رائي : أقررن، ونقلت كسرتها إلى القاف، كما تقول : ظلن، وقرن : بفتحها، وأصله : أقررن، فحذفت الراء وألقيت فتحتها على ما قبلها، كقولك : ظلن، وذكر أبو الفتح الهمداني في كتاب التبيان : وجهاً آخر، قال : قار يقار : إذا اجتمع. ومنه. القارة، لاجتماعها، ألا ترى إلى قول عضل والديش : اجتمعوا فكونوا قارة. و  الجاهلية الأولى  هي القديمة التي يقال لها الجاهلية الجهلاء، وهي الزمن الذي ولد فيه إبراهيم عليه السلام : كانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ فتمشى وسط الطريق تعرض تفسها على الرجال، وقيل : ما بين آدم ونوح. وقيل : بين إدريس ونوح. وقيل : زمن داود وسليمان، والجاهلية الأخرى : ما بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. ويجوز أن تكون الجاهلية الأولى : جاهلية الكفر قبل الإسلام. والجاهلية الأخرى جاهلية الفسوق والفجور في الإسلام، فكأن المعنى : ولا تحدثن بالتبرج جاهلية في الإسلام تتشبهن بها بأهل الجاهلية الكفر. ويعضده ما روي : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي الدرداء رضي الله عنه :**« إن فيك جاهلية »** قال جاهلية كفر أم إسلام ؟ فقال :**« بل جاهلية كفر »** أمرهن أمراً خاصاً بالصلاة والزكاة، ثم جاء به عاماً في جميع الطاعات ؛ لأن هاتين الطاعتين البدنية والمالية هما أصل سائر الطاعات : من أعتنى بهما حق اعتنائه جرّتاه إلى ما وراءهما، ثم بين أنه إنما نهاهن وأمرهن، ووعظهنّ، لئلا يُقارفُ أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم المآثم، وليتصوّنوا عنها بالتقوى. واستعار للذنوب : الرجس، وللتقوى : الطهر ؛ لأنّ عرض المقترف للمقبحات يتلوّث بها ويتدنس، كما يتلوث بدنه بالأرجاس. وأما المحسنات، فالعرض معها نقي مصون كالثوب الطاهر. وفي هذه الاستعارة ما ينفر أولي الألباب عما كرهه الله لعباده ونهاهم عنه، ويرغبهم فيما رضيه لهم وأمرهم به. و  أَهْلَ البيت  نصب على النداء. أو على المدح. وفي هذا دليل بيّن على أنّ نساء النبي صلى الله عليه وسلم من أهل بيته.

### الآية 33:34

> ﻿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا [33:34]

ثم ذكرهنّ أنّ بيوتهن مهابط الوحي، وأمرهنّ أن لا ينسين ما يتلى فيها من الكتاب الجامع بين أمرين : هو آيات بينات تدلّ على صدق النبوّة ؛ لأنه معجزة بنظمه. وهو حكمة وعلوم وشرائع  إِنَّ الله كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً  حين علم ما ينفعكم ويصلحكم في دينكم فأنزله عليكم، أو علم من يصلح لنبوّته من يصلح لأن يكونوا أهل بيته. أو حيث جعل الكلام الواحد جامعاً بين الغرضين.

### الآية 33:35

> ﻿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [33:35]

يروى : أنّ أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قلن : يا رسولَ اللَّهِ، ذكر اللَّهُ \[ تعالى \] الرجالَ في القرآنِ بخيرٍ، أفما فينا خير نذكر بهِ ؟ إنا نخاف أن لا تقبل منا طاعة. وقيل : السائلة أم سلمة. 
وروي : أنه لما نزل في نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما نزل، قال نساء المسلمين : فما نزل فينا شيء ؟ فنزلت، والمسلم : الداخل في السلم بعد الحرب، المنقاد الذي لا يعاند، أو المفوّض أمره إلى الله \[ تعالى \] المتوكل عليه من أسلم وجهه إلى الله. والمؤمن : المصدق بالله ورسوله وبما يجب أن يصدق به. والقانت : القائم بالطاعة الدائم عليها. والصادق : الذي يصدق في نيته وقوله وعمله. والصابر : الذي يصبر على الطاعات وعن المعاصي. والخاشع : المتواضع لله بقلبه وجوارحه. وقيل : الذي إذا صلّى لم يعرف من عن يمينه وشماله. والمتصدق : الذي يزكي ماله ولا يخل بالنوافل. وقيل : من تصدّق في أسبوع بدرهم فهو من المتصدّقين. ومن صام البيض من كل شهر فهو من الصائمين. والذاكر لله كثيراً : من لا يكاد يخلو من ذكر الله بقلبه أو لسانه أو بهما. وقراءة القرآن والاشتغال بالعلم من الذكر وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
**« من استيقظ من نومه وأيقظ امرأته فصليا جميعاً ركعتين كتبا في الذاكرين لله كثيراً والذاكرات »** والمعنى : والحافظاتها والذاكراته، فحذف ؛ لأنّ الظاهر يدلّ عليه. 
فإن قلت : أي فرق بين العطفين، أعني عطف الإناث على الذكور وعطف الزوجين على الزوجين ؟ قلت : العطف الأوّل نحو قوله تعالى : ثيبات وَأَبْكَاراً  \[ التحريم : ٥ \] في أنهما جنسان مختلفان، إذا اشتركا في حكم لم يكن بدّ من توسيط العاطف بينهما. وأما العطف الثاني فمن عطف الصفة على الصفة بحرف الجمع، فكأن معناه : إنّ الجامعين والجامعات لهذه الطاعات  أَعَدَّ الله لَهُم .

### الآية 33:36

> ﻿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا [33:36]

خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب على مولاه زيد بن حارثة، فأبت وأبى أخوها عبد الله، فنزلت، فقال : رضينا يا رسول الله، فأنكحها إياه وساق عنه إليها مهرها ستين درهماً وخماراً وملحفة ودرعاً وإزاراً وخمسين مدّاً من طعام وثلاثين صاعاً من تمر. وقيل :
هي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وهي أوّل من هاجر من النساء، وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فقال :**«قد قبلت »**، وزوّجها زيداً. فسخطت هي وأخوها وقالا : إنما أردنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزوّجنا عبده، والمعنى وما صحّ لرجل ولا امرأة من المؤمنين  إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ  أي رسول الله، أو لأن قضاء رسول الله هو قضاء الله  أمْراً  من الأمور : أن يختاروا من أمرهم ما شاؤوا، بل من حقهم أن يجعلوا رأيهم تبعاً لرأيه، واختيارهم تلواً لاختياره. 
فإن قلت : كان من حق الضمير أن يوحد كما تقول : ما جاءني من رجل ولا امرأة إلاّ كان من شأنه كذا، قلت : نعم ولكنهما وقعا تحت النفي، فعما كل مؤمن ومؤمنة، فرجع الضمير على المعنى لا على اللفظ. وقرىء :**«يكون »** بالتاء والياء.  الخيرة  ما يتخير.

### الآية 33:37

> ﻿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [33:37]

لِلَّذِى أَنعَمَ الله عَلَيْهِ  بالإسلام الذي هو أجلّ النعم. وبتوفيقك لعتقه ومحبته واختصاصه  وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ  بما وفقك الله فيه، فهو متقلب في نعمة الله ونعمة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو زيد بن حارثة  أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ  يعني زينب بنت جحش رضي الله عنها : وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبصرها بعدما أنكحها إياه، فوقعت في نفسه، فقال : سبحان الله مقلب القلوب، وذلك أنّ نفسه كانت تجفو عنها قبل ذلك لا تريدها، ولو أرادتها لاختطبها، وسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد، ففطن وألقى الله في نفسه كراهة صحبتها والرغبة عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إني أريد أن أفارق صاحبتي، فقال :**«مالك : أرابك منها شيء ؟ »** قال : لا والله ؛ ما رأيت منها إلاّ خيراً، ولكنها تتعظم عليّ لشرفها وتؤذيني، فقال له :" امسك عليك زوجك واتق الله "، ثم طلقها بعد، فلما اعتدّت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«ما أجد أحداً أوثق في نفسي منك، اخطب عليّ زينب. قال زيد : فانطلقت فإذا هي تخمر عجينتها، فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها، حين علمت أنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها، فوليتها ظهري وقلت : يا زينب، أبشري إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبك، ففرحت وقالت : ما أنا بصانعه شيئاً حتى أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن  زوجناكها  فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل بها، وما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها : ذبح شاة وأطعم الناس الخبز واللحم حتى امتدّ النهار. 
فإن قلت : ما أراد بقوله : واتق الله  ؟ قلت : أراد : واتق الله فلا تطلقها، وقصد نهي تنزيه لا تحريم، لأن الأولى أن لا يطلق. وقيل : أراد : واتق الله فلا تذمّها بالنسبة إلى الكبر وأذّى الزوج. 
فإن قلت : ما الذي أخفى في نفسه ؟ قلت : تعلق قلبه بها. وقيل : مودة مفارقة زيد إياها. وقيل : علمه بأن زيداً سيطلقها وسينكحها، لأن الله قد أعلمه بذلك. وعن عائشة رضي الله عنها : لو كتم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً مما أوحى إليه لكتم هذه الآية. 
فإن قلت : فماذا أراد الله منه أن يقوله حين قال له زيد : أريد مفارقتها، وكان من الهجنة أن يقول له : افعل، فإني أريد نكاحها ؟ قلت : كأن الذي أراد منه عزّ وجلّ أن يصمت عند ذلك، أو يقول له : أنت أعلم بشأنك، حتى لا يخالف سره في ذلك علانيته ؛ لأن الله يريد من الأنبياء تساوي الظاهر والباطن، والتصلب في الأمور، والتجاوب في الأحوال والاستمرار على طريقة مستتبة. 
كما جاء في حديث إرادة رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل عبد الله بن أبي سرح واعتراض عثمان بشفاعته له : أن عمر قال له : لقد كان عيني إلى عينك، هل تشير إليّ فأقتله، فقال : إن الأنبياء لا تومض ظاهرهم وباطنهم واحد. 
فإن قلت : كيف عاتبه الله في ستر ما استهجن التصريح به، ولا يستهجن النبيّ صلى الله عليه وسلم التصريح بشيء إلاّ الشيء في نفسه مستهجن، وقالة الناس لا تتعلق إلاّ بما يستقبح في العقول والعادات ؟ وما له لم يعاتبه في نفس الأمر ولم يأمره بقمع الشهوة وكف النفس عن أن تنازع إلى زينب وتتبعها ؟ ولم يعصم نبيه صلى الله عليه وسلم عن تعلق الهجنة به وما يعرضه للقالة ؟ قلت : كم من شيء يتحفظ منه الإنسان ويستحي من اطلاع الناس عليه، وهو في نفسه مباح متسع، وحلال مطلق، لا مقال فيه ولا عيب عند الله، وربما كان الدخول في ذلك المباح سلماً إلى حصول واجبات يعظم أثرها في الدين ويجلّ ثوابها، ولو لم يتحفظ منه لأطلق كثير من الناس فيه ألسنتهم إلاّ من أوتي فضلاً وعلماً وديناً ونظراً في حقائق الأمور ولبوبها دون قشورها. ألا ترى أنهم كانوا إذا طمعوا في بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوا مرتكزين في مجالسهم لا يرمون مستأنسين بالحديث، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذيه قعودهم ويضيق صدره حديثهم، والحياء يصده أن يأمرهم بالانتشار، حتى نزلت  إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النبى فَيَسْتَحْيِى مِنكُمْ والله لاَ يَسْتَحْىِ مِنَ الحق  \[ الأحزاب : ٥٣ \] ولو أبرز رسول الله صلى الله عليه وسلم مكنون ضميره وأمرهم أن ينتشروا، لشقّ عليهم، ولكان بعض المقالة، فهذا من ذاك القبيل، لأن طموح قلب الإنسان إلى بعض مشتهياته من امرأة أو غيرها غير موصوف بالقبح في العقل ولا في الشرع، لأنه ليس بفعل الإنسان ولا وجوده باختياره، وتناول المباح بالطريق الشرعي ليس بقبيح أيضاً، وهو خطبة زينب ونكاحها من غير استنزال زيد عنها، ولا طلب إليه وهو أقرب \[ إليه \] منه من زرّ قميصه أن يواسيه بمفارقتها، مع قوة العلم بأن نفس زيد لم تكن من التعلق بها في شيء، بل كانت تجفو عنها، ونفس رسول الله صلى الله عليه وسلم متعلقة بها، ولم يكن مستنكراً عندهم أن ينزل الرجل عن امرأته لصديقه، ولا مستهجناً إذا نزل عنها أن ينكحها الآخر، فإنّ المهاجرين حين دخلوا المدينة استهم الأنصار بكل شيء، حتى إن الرجل منهم إذا كانت له امرأتان نزل عن إحداهما وأنكحها المهاجر، وإذا كان الأمر مباحاً من جميع جهاته ولم يكن فيه وجه من وجوه القبح ولا مفسدة ولا مضرّة بزيد ولا بأحد، بل كان مستجراً مصالح، ناهيك بواحدة منها أن بنت عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أمنت الأيمة والضيعة ونالت الشرف وعادت أُماً من أمّهات المسلمين، إلى ما ذكر الله عزّ وجلّ من المصلحة العامّة في قوله : لِكَىْ لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ فِى أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً  فبالحري أن يعاتب الله ورسوله حين كتمه وبالغ في كتمه بقوله : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتق الله  وأن لا يرضى له إلا اتحاد الضمير والظاهر، والثبات في مواطن الحق، حتى يقتدي به المؤمنون، فلا يستحيوا من المكافحة بالحق وإن كان مراً. 
فإن قلت : الواو في  وَتُخْفِى فِى نِفْسِكَ ،  وَتَخْشَى الناس والله أَحَقُّ  ما هي ؟ قلت : واو الحال، أي : تقول لزيد : أمسك عليك زوجك مخفياً في نفسك إرادة أن لا يمسكها، وتخفى خاشياً قالة الناس وتخشى الناس، حقيقاً في ذلك بأن تخشى الله، أو واو العطف، كأنه قيل : وإذ تجمع بين قولك : أمسك، وإخفاء خلافه، وخشية الناس. والله أحقّ أن تخشاه، حتى لا تفعل مثل ذلك. إذا بلغ البالغ حاجته من شيء له فيه همة قيل : قضى منه وطره. والمعنى : فلما لم يبق لزيد فيها حاجة، وتقاصرت عنها همته، وطابت عنها نفسه، وطلقها، وانقضت عدّتها  زوجناكها  وقراءة أهل البيت : زوّجتكها. وقيل لجعفر بن محمد رضي الله عنهما : أليس تقرأ عليّ غير ذلك، فقال : لا والذي لا إله إلاّ هو، ما قرأتها على أبي إلاّ كذلك، ولا قرأها الحسن بن عليّ على أبيه إلاّ كذلك، ولا قرأها علي بن أبي طالب على النبي صلى الله عليه وسلم إلاّ كذلك  وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً  جملة اعتراضية، يعني : وكان أمر الله الذي يريد أن يكونه، مفعولاً مكوناً لا محالة، وهو مثل لما أراد كونه من تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب، ومن نفي الحرج عن المؤمنين في إجراء، أزواج المتبنين مجرى أزواج البنين في تحريمهن عليهم بعد انقطاع علائق الزواج بينهم وبينهن، ويجوز أن يراد بأمر الله : المكون، لأنه مفعول بكن، وهو أمر الله.

### الآية 33:38

> ﻿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ۖ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا [33:38]

فَرَضَ الله لَهُ  قسم له وأوجب، من قولهم : فرض لفلان في الديوان كذا. ومنه فروض العسكر لرزقاتهم  سُنَّةَ الله  اسم موضوع موضع المصدر - كقولهم : تربا، وجندلا - : مؤكد لقوله تعالى : مَّا كَانَ عَلَى النبى مِنْ حَرَجٍ  كأنه قيل : سنّ الله ذلك سنة في الأنبياء الماضين، وهو أن لا يحرج عليهم في الاقدام على ما أباح لهم ووسع عليهم في باب النكاح وغيره، وقد كانت تحتهم المهائر والسراري، وكانت لداود عليه السلام مائة امرأة وثلثمائة سرية، ولسليمان عليه السلام ثلثمائة وسبعمائة  فِى الذين خَلَوْاْ  في الأنبياء الذين مضوا.

### الآية 33:39

> ﻿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا [33:39]

الذين يُبَلّغُونَ  يحتمل وجوه الإعراب : الجرّ، على الوصف للأنبياء، والرفع والنصب، على المدح على هم الذين يبلغون. أو على : أعني الذين يبلغون. وقرىء :**«رسالة الله »**. قدراً مقدوراً : قضاء مقضياً، وحكماً مبتوتاً، ووصف الأنبياء بأنهم لا يخشون إلاّ الله : تعريض بعد التصريح في قوله تعالى  وَتَخْشَى الناس والله أَحَقُّ أَن تخشاه  \[ الأحزاب : ٣٧ \].  حَسِيباً  كافياً للمخاوف، أو محاسباً على الصغيرة والكبيرة، فيجب أن يكون حق الخشية من مثله.

### الآية 33:40

> ﻿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَٰكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [33:40]

مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ  أي لم يكن أبا رجل منكم على الحقيقة، حتى يثبت بينه وبينه ما يثبت بين الأب وولده من حرمة الصهر والنكاح  ولكن  كان  رَسُولِ الله  وكل رسول أبو أمته فيما يرجع إلى وجوب التوقير والتعظيم له عليهم. ووجوب الشفقة والنصيحة لهم عليه، لا في سائر الأحكام الثابتة بين الآباء والأبناء، وزيد واحد من رجالكم الذين ليسوا بأولاده حقيقة، فكان حكمه حكمكم، والادعاء والتبني من باب الاختصاص والتقريب لا غير  و  كان  وخَاتَمَ النبيين  يعني أنه لو كان له ولد بالغ مبلغ الرجال لكان نبياً ولم يكن هو خاتم الأنبياء، كما يروى :
أنه قال في إبراهيم حين توفي :" لو عاش لكان نبياً " 
فإن قلت : أما كان أبا للطاهر والطيب والقاسم وإبراهيم ؟ قلت : قد أخرجوا من حكم النفي بقوله : مِّن رّجَالِكُمْ  من وجهين، أحدهما : أنّ هؤلاء لم يبلغوا مبلغ الرجال. والثاني : أنه قد أضاف الرجال إليهم وهؤلاء رجاله لا رجالهم. 
فإن قلت : أما كان أبا للحسن والحسين ؟ قلت : بلى، ولكنهما لم يكونا رجلين حينئذ، وهما أيضاً من رجاله لا من رجالهم، وشيء آخر : وهو أنه إنما قصد ولده خاصة، لا ولد ولده ؛ لقوله تعالى : وَخَاتَمَ النبيين  ألا ترى أن الحسن والحسين قد عاشا إلى أن نيّف أحدهما على الأربعين والآخر على الخمسين. قرىء :**«لكن رسول الله »** بالنصب، عطفاً على  أَبَآ أَحَدٍ  بالرفع على : ولكن هو رسول الله، ولكنّ، بالتشديد على حذف الخبر، تقديره : ولكنّ رسول الله من عرفتموه، أي : لم يعش له ولد ذكر. وخاتم بفتح التاء بمعنى الطابع، وبكسرها بمعنى الطابع وفاعل الختم. وتقوّيه قراءة ابن مسعود : ولكنّ نبياً ختم النبيين. 
فإن قلت : كيف كان آخر الأنبياء وعيسى ينزل في آخر الزمان ؟ قلت : معنى كونه آخر الأنبياء أنه لا ينبأ أحد بعده، وعيسى ممن نبىء قبله، وحين ينزل ينزل عاملاً على شريعة محمد صلى الله عايه وسلم، مصلياً إلى قبلته، كأنه بعض أمته.

### الآية 33:41

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا [33:41]

اذكروا الله  أثنوا عليه بضروب الثناء من التقديس والتحميد والتهليل والتكبير وما هو أهله، وأكثروا ذلك. 
 بُكْرَةً وَأَصِيلاً  أي في كافة الأوقات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**« ذكر الله على فم كل مسلم »** وروي :**« في قلب كل مسلم »** وعن قتادة : قولوا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم، وعن مجاهد : هذه كلمات يقولها الطاهر والجنب. والفعلان، أعني اذكروا وسبحوا موجهان إلى البكرة والأصيل، كقولك : صم وصلّ يوم الجمعة، والتسبيح من جملة الذكر، وإنما اختصه من بين أنواعه اختصاص جبريل وميكائيل من بين الملائكة، ليبين فضله على سائر الأذكار، لأن معناه تنزيه ذاته عما لا يجوز عليه من الصفات والأفعال، وتبرئته من القبائح. ومثال فضله على غيره من الأذكار فضل وصف العبد بالنزاهة من أدناس المعاصي، والطهر من أرجاس المآثم، على سائر أوصافه من كثرة الصلاة والصيام، والتوفر على الطاعات كلها، والاشتمال على العلوم، والاشتهار بالفضائل ويجوز أن يريد بالذكر وإكثاره : تكثير الطاعات، والإقبال على العبادات ؛ فإن كل طاعة وكل خير من جملة الذكر، ثم خصّ من ذلك التسبيح بكرة وأصيلاً وهي الصلاة في جميع أوقاتها لفضل الصلاة على غيرها. أو صلاة الفجر والعشاءين ؛ لأنّ أداءها أشقّ ومراعاتها أشدّ.

### الآية 33:42

> ﻿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [33:42]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٤١: اذكروا الله  أثنوا عليه بضروب الثناء من التقديس والتحميد والتهليل والتكبير وما هو أهله، وأكثروا ذلك. 
 بُكْرَةً وَأَصِيلاً  أي في كافة الأوقات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :****« ذكر الله على فم كل مسلم »**** وروي :****« في قلب كل مسلم »**** وعن قتادة : قولوا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم، وعن مجاهد : هذه كلمات يقولها الطاهر والجنب. والفعلان، أعني اذكروا وسبحوا موجهان إلى البكرة والأصيل، كقولك : صم وصلّ يوم الجمعة، والتسبيح من جملة الذكر، وإنما اختصه من بين أنواعه اختصاص جبريل وميكائيل من بين الملائكة، ليبين فضله على سائر الأذكار، لأن معناه تنزيه ذاته عما لا يجوز عليه من الصفات والأفعال، وتبرئته من القبائح. ومثال فضله على غيره من الأذكار فضل وصف العبد بالنزاهة من أدناس المعاصي، والطهر من أرجاس المآثم، على سائر أوصافه من كثرة الصلاة والصيام، والتوفر على الطاعات كلها، والاشتمال على العلوم، والاشتهار بالفضائل ويجوز أن يريد بالذكر وإكثاره : تكثير الطاعات، والإقبال على العبادات ؛ فإن كل طاعة وكل خير من جملة الذكر، ثم خصّ من ذلك التسبيح بكرة وأصيلاً وهي الصلاة في جميع أوقاتها لفضل الصلاة على غيرها. أو صلاة الفجر والعشاءين ؛ لأنّ أداءها أشقّ ومراعاتها أشدّ. ---

### الآية 33:43

> ﻿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [33:43]

لما كان من شأن المصلي أن ينعطف في ركوعه وسجوده استعير لمن ينعطف على غيره حنوّاً عليه ترؤفاً. كعائد المريض في انعطافه عليه، والمرأة في حنوّها على ولدها، ثم كثر حتى استعمل في الرحمة والترؤف ومنه قولهم : صلّى الله عليك، أي ترحم عليك وترأف. 
فإن قلت : قوله : هُوَ الذى يُصَلّى عَلَيْكُمْ  إن فسرته بيترحم عليكم ويترأف، فما تصنع بقوله : وملائكته  وما معنى صلاتهم ؟ قلت : هي قولهم : اللَّهم صلّ على المؤمنين، جعلوا لكونهم مستجابي الدعوة كأنهم فاعلون الرحمة والرأفة. ونظيره قوله : حياك الله، أي حياك وأبقاك، وحييتك، أي : دعوت لك بأن يحييك الله ؛ لأنك لا تكالك على إجابة دعوتك كأنك تبقيه على الحقيقة، وكذلك : عمرك الله، وعمرتك، وسقاك الله، وسقيتك، وعليه قوله تعالى : إِنَّ الله وملائكته يُصَلُّونَ عَلَى النبي يا أيها الذين ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ  \[ الأحزاب : ٥٦ \] أي ادعوا الله بأن يصلّي عليه. والمعنى : هو الذي يترحم عليكم ويترأف : حيث يدعوكم إلى الخير ويأمركم بإكثار الذكر والتوفر على الصلاة والطاعة  لِيُخْرِجَكُم  من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة  وَكَانَ بالمؤمنين رَحِيماً  دليل على أنّ المراد بالصلاة الرحمة.

### الآية 33:44

> ﻿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ ۚ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا [33:44]

ويروى أنه لما نزل قوله تعالى : إِنَّ الله وملائكته يُصَلُّونَ عَلَى النبي  \[ الأحزاب : ٥٦ \] قال أبو بكر رضي الله عنه : ما خصك يا رسول الله بشرف إلاّ وقد أشركنا فيه. فأنزلت  تَحِيَّتُهُمْ  من إضافة المصدر إلى المفعول، أي : يحيون يوم لقائه بسلام. فيجوز أن يعظمهم الله بسلامه عليهم، كما يفعل بهم سائر أنواع التعظيم، وأن يكون مثلاً كاللقاء على ما فسرنا. وقيل : هو سلام ملك الموت والملائكة معه عليهم وبشارتهم بالجنة. وقيل : سلام الملائكة عند الخروج من القبور. وقيل : عند دخول الجنة، كما قال : والملائكة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سلام عَلَيْكُمُ  \[ الرعد : ٢٣ ٢٤ \] والأجر الكريم : الجنة.

### الآية 33:45

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [33:45]

شاهدا  على من بعثت إليهم، وعلى تكذيبهم وتصديقهم، أي : مقبولاً قولك عند الله لهم وعليهم، كمل يقبل قول الشاهد العدل في الحكم. 
فإن قلت : وكيف كان شاهداً وقت الإرسال، وإنما يكون شاهداً عند تحمل الشهادة أو عند أدائها ؟ قلت : هي حال مقدرة كمسألة الكتاب : مررت برجل معه صقر صائداً به غداً أي : مقدراً به الصيد غداً. 
فإن قلت : قد فهم من قوله : إنا أرسلناك داعياً : أنه مأذون له في الدعاء.

### الآية 33:46

> ﻿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا [33:46]

فما فائدة قوله : بِإِذْنِهِ  ؟ قلت : لم يرد به حقيقة الإذن. وإنما جعل الإذن مستعاراً للتسهيل والتيسير ؛ لأن الدخول في حقّ المالك متعذر، فإذا صودف الإذن تسهل وتيسر، فلما كان الإذن تسهيلاً لما تعذر من ذلك، وضع موضعه، وذلك أن دعاء أهل الشرك والجاهلية إلى التوحيد والشرائع أمر في غاية الصعوبة والتعذر، فقيل : بإذنه للإيذان بأن الأمر صعب لا يتأتى ولا يستطاع إلاّ إذا سهله الله ويسّره، ومنه قولهم في الشحيح : أنه غير مأذون له في الإنفاق، أي : غير مسهل له الإنفاق لكونه شاقاً عليه داخلاً في حكم التعذر. \[  وَسِرَاجاً منيراً  \] جلى به \[ الله \] ظلمات الشرك واهتدى به الضالون، كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير ويهتدى به. أو أمدّ الله بنور نبوّته نور البصائر، كما يمدّ بنور السراج نور الأبصار، وصفه بالإنارة لأن من السرج ما لا يضيء إذا قل سليطة ودقت فتيلته. وفي كلام بعضهم : ثلاثة تضني : رسول بطيء، وسراج لا يضيء، ومائدة ينتظر لها من يجيء. وسئل بعضهم عن الموحشين ؟ فقال : ظلام ساتر، وسراج فاتر. وقيل : وذا سراج منير. أو وتاليا سراجاً منيراً. ويجوز على هذا التفسير أن يعطف على كاف  أرسلناك .

### الآية 33:47

> ﻿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا [33:47]

الفضل : ما يتفضل به عليهم زيادة على الثواب، وإذا ذكر المتفضل به وكبره فما ظنك بالثواب. ويجوز أن يريد بالفضل : الثواب، من قولهم للعطايا : فضول وفواضل، وأن يريد أنّ لهم فضلاً كبيراً على سائر الأمم، وذلك الفضل من جهة الله، وأنه آتاهم ما فضلوهم به.

### الآية 33:48

> ﻿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا [33:48]

وَلاَ تُطِعِ الكافرين  معناه : الدوام والثبات على ما كان عليه. أو التهييج  أَذَاهُمْ  يحتمل إضافته إلى الفاعل والمفعول، يعني : ودع أن تؤذيهم بضرر أو قتل، وخذ بظاهرهم، وحسابهم على الله في باطنهم. أو : ودع ما يؤذونك به ولا تجازهم عليه حتى تؤمر، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : هي منسوخة بآية السيف  وَتَوَكَّلْ عَلَى الله  فإنه يكفيكهم \[ وكفى بالله وكيلاً \]، وكفى به مفوّضاً إليه، ولقائل أن يقول : وصفه الله \[ تعالى \] بخمسة أوصاف، وقابل كلاً منها بخطاب مناسب له، قابل الشاهد بقوله : وبشر المؤمنين ، لأنه يكون شاهداً على أمّته وهم يكونون شهداء على سائر الأمم، وهو الفضل الكبير والمبشر بالإعراض عن الكافرين والمنافقين، لأنه إذا أعرض عنهم أقبل جميع إقباله على المؤمنين، وهو مناسب للبشارة والنذير بدع أذاهم، لأنه إذا ترك أذاهم في الحاضر - والأذى لا بدّ له من عقاب عاجل أو آجل - كانوا منذرين به في المستقبل، والداعي إلى الله بتيسيره بقوله : وَتَوَكَّلْ عَلَى الله  لأنّ من توكل على الله يسرّ عليه كل عسير، والسراج المنير بالاكتفاء به وكيلاً، لأنّ من أناره الله برهاناً على جميع خلقه، كان جديراً بأن يكتفي به عن جميع خلقه.

### الآية 33:49

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ۖ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [33:49]

النكاح : الوطء، وتسمية العقد نكاحاً لملابسته له، من حيث أنه طريق إليه. ونظيره تسميتهم الخمر إثماً : لأنها سبب في اقتراف الإثم، ونحوه في علم البيان قول الراجز :
أَسْنِمَةُ الآبَالِ في سَحَابِهْ \*\*\*
سمى الماء بأسنمة الآبال ؛ لأنه سبب سمن المال وارتفاع أسنمته، ولم يرد لفظ النكاح في كتاب الله إلاّ في معنى العقد ؛ لأنه في معنى الوطء من باب التصريح به. ومن آداب القرآن : الكناية عنه بلفظ الملامسة والمماسة والقربان والتغشي والإتيان. 
فإن قلت : لم خصّ المؤمنات والحكم الذي نطقت به الآية تستوي فيه المؤمنات والكتابيات ؟ قلت : في اختصاصهنّ تنبيه على أن أصل أمر المؤمن والأولى به. أن يتخير لنطفته، وأن لا ينكح إلاّ مؤمنة عفيفة، ويتنزّه عن مزاوجة الفواسق فما بال الكوافر، ويستنكف أن يدخل تحت لحاف واحدة عدوّة الله ووليه، فالتي في سورة المائدة : تعليم ما هو جائز غير محرّم، من نكاح المحصنات من الذين أوتوا الكتاب. وهذه فيها تعليم ما هو الأولى بالمؤمنين من نكاح المؤمنات. 
فإن قلت : ما فائدة ثم في قوله : ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ  قلت : فائدته نفي التوهم عمن عسى يتوهم تفاوت الحكم : بين أن يطلقها وهي قريبة العهد من النكاح، وبين أن يبعد عهدها بالنكاح ويتراخى بها المدة في حبالة الزواج ثم يطلقها :
فإن قلت : إذا خلا بها خلوة يمكنه معها المساس، هل يقوم ذلك مقام المساس ؟ قلت : نعم. عند أبي حنيفة وأصحابه حكم الخلوة الصحيحة حكم المساس، وقوله : فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ  دليل على أن العدة حق واجب على النساء للرجال  تَعْتَدُّونَهَا  تستوفون عددها، من قولك : عددت الدراهم فاعتدها، كقولك : كلته فاكتاله، ووزنته فاتزنه. وقرىء :**«تعتدونها »** مخففاً ؛ أي : تعتدون فيها، كقوله :
وَيَوْمٌ شَهِدْنَاهُ \*\*\*
والمراد بالاعتداد ما في قوله تعالى : وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لّتَعْتَدُواْ  \[ البقرة : ٢٣١ \]. 
فإن قلت : ما هذا التمتيع أواجب أو مندوب إليه ؟ قلت : إن كانت غير مفروض لها كانت المتعة واجبة، ولا تجب المتعة عند أبي حنيفة إلاّ لها وحدها دون سائر المطلقات، وإن كان مفروضاً لها ؛ فالمتعة مختلف فيها : فبعض على الندب والاستحباب، ومنهم أبو حنيفة. وبعض على الوجوب  سَرَاحاً جَمِيلاً  من غير ضرار ولا منع واجب.

### الآية 33:50

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۗ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [33:50]

أُجُورَهُنَّ  مهورهنّ : لأنّ المهر أجر على البضع. وإيتاؤها : إما إعطاؤها عاجلاً. وإما فرضها وتسميتها في العقد. 
فإن قلت : لم قال : اللاتي ءَاتيْتَ أُجُورَهنَّ  و  مِمَّا أَفَاء الله عَلَيْكَ  و  الاتي هَاجَرْنَ مَعَكَ  وما فائدة هذه التخصيصات ؟ قلت : قد اختار الله لرسوله الأفضل الأولى، واستحبه بالأطيب الأزكى، كما اختصه بغيرها من الخصائص، وآثره بما سواها من الأثر، وذلك أن تسمية المهر في العقد أولى وأفضل من ترك التسمية، وإن وقع العقد جائزاً ؛ وله أن يماسها وعليه مهر المثل إن دخل بها، والمتعة إن لم يدخل بها. وسوق المهر إليها عاجلاً أفضل من أن يسميه ويؤجله، وكان التعجيل ديدن السلف وسنتهم، وما لا يعرف بينهم غيره. وكذلك الجارية إذا كانت سبية مالكها، وخطبة سيفه ورمحه، ومما غنمه الله من دار الحرب أحلّ وأطيب مما يشتري من شقّ الجلب. والسبي على ضربين : سبي طيبة، وسبي خبيثة : فسبي الطيبة : ما سبي من أهل الحرب. وأما من كان له عهد فالمسبي منهم سبي خبيثة، ويدلّ عليه قوله تعالى : مِمَّا أَفَاء الله عَلَيْكَ  لأن فيء الله لا يطلق إلاّ على الطيب دون الخبيث، كما أنّ رزق الله يجب إطلاقه على الحلال دون الحرام، وكذلك اللاتي هاجرن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرائبه غير المحارم أفضل من غير المهاجرات معه. 
وعن أم هانيء، بنت أبي طالب : خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه فعذرني، ثم أنزل الله هذه الآية، فلم أحلّ له ؛ لأني لم أهاجر معه، كنت من الطلقاء. وأحللنا لك من وقع لها أن تهب لك نفسها ولا تطلب مهراً من النساء المؤمنات إن اتفق ذلك، ولذلك نكرها. واختلف في اتفاق ذلك، فعن ابن عباس رضي الله عنهما : لم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد منهنّ بالهبة. وقيل : الموهوبات أربع : ميمونة بنت الحرث، وزينب بنت خزيمة أمّ المساكين الأنصارية، وأمّ شريك بنت جابر، وخولة بنت حكيم - رضي الله عنهنّ. قرىء : إِن وَهَبَتْ  على الشرط. وقرأ الحسن رضي الله عنه : أن  بالفتح، على التعليل بتقدير حذف اللام. ويجوز أن يكون مصدراً محذوفاً معه الزمان، كقولك : اجلس ما دام زيد جالساً، بمعنى دوامه جالساً، ووقت هبتها نفسها. وقرأ ابن مسعود بغير أن. 
فإن قلت : ما معنى الشرط الثاني مع الأوّل ؟ قلت : هو تقييد له شرط في الإحلال هبتها نفسها، وفي الهبة : إرادة استنكاح رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنه قال : أحللناها لك إن وهبت لك نفسها وأنت تريد أن تستنكحها ؛ لأنّ إرادته هي قبول الهبة وما به تتمّ. 
فإن قلت : لم عدل عن الخطاب إلى الغيبة في قوله تعالى : نَفْسَهَا لِلنَّبِىّ إِنْ أَرَادَ النبى  ثم رجع إلى الخطاب ؟ قلت : للإيذان بأنه مما خصّ به وأوثر، ومجيئه على لفظ النبي للدلالة على أن الاختصاص تكرمة له لأجل النبوّة، وتكريره تفخيم له وتقرير لاستحقاقه الكرامة لنبوّته، واستنكاحها : طلب نكاحها والرغبة فيه، وقد استشهد به أبو حنيفة على جواز عقد النكاح بلفظ الهبة ؛ لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمّته سواء في الأحكام إلاّ فيما خصّه الدليل، وقال الشافعي : لا يصحّ، وقد خصّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعنى الهبة ولفظها جميعاً ؛ لأنّ اللفظ تابع للمعنى، والمدعي للاشتراك في اللفظ يحتاج إلى دليل. وقال أَبو الحسن الكرخي : إن عقد النكاح بلفظ الإجارة جائز، لقوله تعالى : اللاتي ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ  وقال أبو بكر الرازي : لا يصحّ : لأنّ الإجارة عقد مؤقت، وعقد النكاح مؤبد، فهما متنافيان  خَالِصَةً  مصدر مؤكد، كوعد الله، وصبغة الله، أي : خلص لك إحلال ما أحللنا لك خالصة، بمعنى خلوصاً، والفاعل والفاعلة في المصادر غير عزيزين، كالخارج والقاعد، والعافية والكاذبة. والدليل على أنها وردت في أثر الإحلالات الأربع مخصوصة برسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل التوكيد لها قوله : قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِى أزواجهم وَمَا مَلَكَتْ أيمانهم  بعد قوله : مِن دُونِ المؤمنين  وهي جملة اعتراضية، وقوله : لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ  متصل بخالصة لك من دون المؤمنين، ومعنى هذه الجملة الاعتراضية أنّ الله قد علم ما يجب فرضه على المؤمنين في الأزواج والإماء، وعلى أي حدّ وصفه يجب أن يفرض عليهم ففرضه، وعلم المصلحة في اختصاص رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اختصّه به ففعل ؛ ومعنى : لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ  لئلا يكون عليك ضيق في دينك : حيث اختصصناك بالتنزيه واختيار ما هو أولى وأفضل، وفي دنياك : حيث أحللنا لك أجناس المنكوحات وزدنا لك الواهبة نفسها. وقرىء :**«خالصة »** بالرفع، أي : ذاك خلوص لك وخصوص من دون المؤمنين ومن جعل خالصة نعتاً للمرأة، فعلى مذهبه : هذه المرأة خالصة لك من دونهم  وَكَانَ الله غَفُوراً  للواقع في الحرج إذا تاب  رَّحِيماً  بالتوسعة على عباده.

### الآية 33:51

> ﻿۞ تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ۖ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا [33:51]

روي أن أمهات المؤمنين حين تغايرن وابتغين زيادة النفقة وغظن رسول الله صلى الله عليه وسلم، هجرهنّ شهراً، ونزل التخيير، فأشفقن أنّ يطلقهنّ، فقلن : يا رسول الله، افرض لنا من نفسك ومالك ما شئت. وروي : أن عائشة رضي الله عنها قالت : يا رسول الله إني أرى ربك يسارع في هواك.  تُرْجِى  بهمز وغير همز : تؤخر  وَتُئْوِى  تضمّ، يعني : تترك مضاجعة من تشاء منهن. وتضاجع من تشاء. أو تطلق من تشاء، وتمسك من تشاء. 
أو تقسم لأيتهنّ شئت، وتقسم لمن شئت. أو تترك تزوّج من شئت من نساء أمّتك، وتتزوج من شئت. وعن الحسن رضي الله عنه : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب امرأة لم يكن لأحد أن يخطبها حتى يدعها، وهذه قسمة جامعة لما هو الغرض ؛ لأنه إما أن يطلق، وإما أن يمسك ؛ فإذا أمسك ضاجع أو ترك وقسم أو لم يقسم. وإذا طلق وعزل، فإما أنّ تخلي المعزولة لا يبتغيها، أو يبتغيها. روي : أنه أرجى منهن سودة وجويرية وصفية وميمونة وأم حبيبة، فكان يقسم لهنّ ما شاء كما شاء، وكانت ممن آوى إليه : عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب رضي الله عنهنّ أرجى خمسة وآوى أربعة. وروي : أنه كان يسوّي مع ما أطلق له وخير فيه إلاّ سودة، فإنها وهبت ليلتها لعائشة وقالت : لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك  ذَلِكَ  التفويض إلى مشيئتك  أدنى  إلى قرّة عيونهن وقلة حزنهن ورضاهن جميعاً ؛ لأنه إذا سوّى بينهن في الإيواء والإرجاء والعزل والابتغاء. وارتفع التفاضل، ولم يكن لإحداهنّ مما تريد ومما لا تريد إلاّ مثل ما للأخرى. وعلمن أنّ هذا التفويض من عند الله بوحيه - اطمأنت نفوسهن وذهب التنافس والتغاير، وحصل الرضا وقرّت العيون، وسلت القلوب  والله يَعْلَمُ مَا فِى قلُوبِكُمْ  فيه وعيدٌ لمن لم ترضَ منهنّ بما دبر الله من ذلك، وفوّض إلى مشيئة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعثٌ على تواطؤ قلوبهنّ والتصافي بينهن والتوافق على طلب رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما فيه طيب نفسه. وقرىء :**«تقرّ أعينهنّ »**، بضم التاء ونصب الأعين. وتقرّ أعينهنّ، على البناء للمفعول  وَكَانَ الله عَلِيماً  بذات الصدور  حَلِيماً  لا يعاجل بالعقاب، فهو حقيق بأن يتقى ويحذر،  كُلُّهُنَّ  تأكيد لنون يرضين، وقرأ ابن مسعود :**«ويرضين كلهنّ، بما آتيتهنّ »**، على التقديم. وقرأ :**«كلهنّ »**، تأكيد ل **«هنّ »** في  ءاتَيْتَهُنَّ .

### الآية 33:52

> ﻿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا [33:52]

لاَّ يَحِلُّ  وقرىء التذكير، لأنّ تأنيث الجمع غير حقيقي، وإذا جاز بغير فصل في قوله تعالى : وَقَالَ نِسْوَةٌ  \[ يوسف : ٣٠ \] كان مع الفصل أجوز  مِن بَعْدِ  من بعد التسع، لأنّ التسع نصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأزواج، كما أن الأربع نصاب أمّته منهنّ، فلا يحل له أن يتجاوز النصاب  وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ  ولا أن تستبدل بهؤلاء التسع أزواجاً أخر بكلهنّ أو بعضهنّ، أراد الله لهنّ كرامة وجزاء على ما اخترن ورضين. فقصر النبيّ صلى الله عليه وسلم عليهنّ، وهي التسع اللاتي مات عنهنّ : عائشة بنت أبي بكر، حفصة بنت عمر، أمّ حبيبة بنت أبي سفيان، سودة بنت زمعة، أمّ سلمة بنت أبي أمية، صفية بنت حيي الخيبرية، ميمونة بنت الحرث الهلالية، زينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحرث المصطلقية، رضي الله عنهنّ. من في  مِنْ أَزْوَاجٍ  لتأكيد النفي، وفائدته استغراق جنس الأزواج بالتحريم. وقيل معناه : لا تحلّ لك النساء من بعد النساء اللاتي نصّ إحلالهنّ لك من الأجناس الأربعة من الأعرابيات والغرائب، أو من الكتابيات، أو من الإماء بالنكاح، وقيل في تحريم التبدل : هو من البدل الذي كان في الجاهلية كان يقول الرجل للرجل : بادلني بامرأتك وأبادلك بامرأتي، فينزل كل واحد منهما عن امرأته لصاحبه. ويحكى :
أنّ عيينة بن حصن دخل على النبيّ صلى الله عليه وسلم وعنده عائشة من غير استئذان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**« يا عيينة، أين الاستئذان »** ؟ قال : يا رسول الله، ما استأذنت على رجل قط ممن مضى منذ أدركت، ثم قال : من هذه الجميلة إلى جنبك ؟ فقال صلى الله عليه وسلم :**« هذه عائشة أمّ المؤمنين »** قال عيينة : أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق ؟ فقال صلى الله عليه وسلم :**« إنّ الله قد حرّم ذلك »**، فلما خرج قالت عائشة رضي الله عنها : من هذا يا رسول الله ؟ قال :**« أحمق مطاع، وإنه - على ما ترين - لسيد قومه »** وعن عائشة رضي الله عنها : ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحلّ له النساء، يعني : أنّ الآية قد نسخت. ولا يخلو نسخها إما أن يكون بالسنة، وإما بقوله تعالى : إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أزواجك  وترتيب النزول ليس على ترتيب المصحف  وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ  في موضع الحال من الفاعل، وهو الضمير في  تَبَدَّلُ  لا من المفعول الذي هو  مِنْ أَزْوَاجٍ  لأنه موغل في التنكير، وتقديره : مفروضاً إعجابك بهنّ. وقيل ؛ هي أسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبي طالب، والمراد أنها ممن أعجبه حسنهنّ، واستثنى ممن حرم عليه : الإماء  رَقِيباً  حافظاً مهيمناً، وهو تحذير عن مجاوزة حدوده وتخطي حلاله إلى حرامه.

### الآية 33:53

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ ۖ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ۚ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ۚ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا [33:53]

أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ  في معنى الظرف تقديره وقت أن يؤذن لكم. و  غَيْرَ ناظرين  حال من  لاَ تَدْخُلُواْ  وقع الاستثناء على الوقت والحال معاً. كأنه قيل : لا تدخلوا بيوت النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقت الإذن، ولا تدخلوها إلاّ غير ناظرين، وهؤلاء قوم كانوا يتحينون طعام رسول الله، فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه. ومعناه : لا تدخلوا يا هؤلاء المتحينون للطعام، إلاّ أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه، وإلا فلو لم يكن لهؤلاء خصوصاً، لما جاز لأحد أن يدخل بيوت النبي صلى الله عليه وسلم إلاّ أن يؤذن له إذناً خاصاً، وهو الإذن إلى الطعام فحسب. وعن ابن أبي عبلة أنه قرأ : غير ناظرين، مجروراً صفةٌ لطعام، وليس بالوجه، لأنه جرى على غير ما هو له، فمن حق ضمير ما هو له أن يبرز إلى اللفظ، فيقال : غير ناظرين إناه أنتم، كقولك : هند زيد ضاربته هي، وإني الطعام : إدراكه. يقال : أني الطعام إنىً، كقولك : قلاه قلىً. ومنه قوله : بَيْنَ حَمِيمٍ آن  \[ الرحمن : ٤٤ \] بالغ إناه. وقيل :**«إناه »** : وقته، أي : غير ناظرين وقت الطعام وساعة أكله. وروي : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أولم على زينب بتمر وسويق وشاة، وأمر أنساً أن يدعو بالناس، فترادفوا أفواجاً يأكل فوج فيخرج، ثم يدخل فوج إلى أن قال : يا رسول الله، دعوت حتى ما أجد أحداً أدعوه، فقال :" ارفعوا طعامكم " وتفرق الناس، وبقي ثلاثة نفر يتحدثون فأطالوا ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرجوا، فانطلق إلى حجرة عائشة رضي الله عنها فقال :" السلام عليكم أهل البيت " فقالوا : عليك السلام يا رسول الله، كيف وجدت أهلك ؟ وطاف في الحجرات فسلم عليهنّ ودعون له ؛ ورجع فإذا الثلاثة جلوس يتحدثون، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد الحياء، فتولى، فلما رأوه متولياً خرجوا، فرجع ونزلت : وَلاَ مُسْتَئْنِسِينَ لِحَدِيثٍ  نهوا عن أن يطيلوا الجلوس يستأنس بعضهم ببعض لأجل حديث يحدثه به. أو عن أن يستأنسوا حديث أهل البيت، واستئناسه : تسمعه وتوجسه، وهو مجرور معطوف على ناظرين. وقيل : هو منصوب على : ولا تدخلوها مستأنسين. لا بدّ في قوله : فَيَسْتَحْيِى مِنكُمْ  من تقدير المضاف، أي : من إخراجكم، بدليل قوله : والله لاَ يَسْتَحْىِ مِنَ الحق  يعني أن إخراجكم حتى ما ينبغي أن يستحيا منه، ولما كان الحياء مما يمنع الحي من بعض الأفعال، قيل : لاَ يَسْتَحىِ مِنَ الحق  بمعنى لا يمتنع منه ولا يتركه ترك الحي منكم، وهذا أدبٌ أدّب الله \[ تعالى \] به الثقلاء. وعن عائشة رضي الله عنها : حسبك في الثقلاء أنّ الله تعالى لم يحتملهم وقال : فإذا طعمتم فانتشروا. 
وقرىء :**«لا يستحي »** بياء واحدة. الضمير في  سَأَلْتُمُوهُنَّ  لنساء النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكرن لأنّ الحال ناطقة بذكرهن  متاعا  حاجة  فَسْئَلُوهُنَّ  المتاع. قيل : إن عمر رضي الله عنه كان يحب ضرب الحجاب عليهن محبة شديدة، وكان يذكره كثيراً، ويزد أن ينزل فيه، وكان يقول : لو أُطاع فيكن ما رأتكن عين، وقال : يا رسول الله، يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فنزلت. وروي أنه مر عليهن وهن مع النساء في المسجد، فقال : لئن احتجبتن، فإن لكن على النساء فضلاً، كما أن لزوجكن على الرجال الفضل، فقالت زينب رضي الله عنها : يا ابن الخطاب، إنك لتغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا، فلم يلبثوا إلاّ يسيراً حتى نزلت. وقيل : إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطعم ومعه بعض أصحابه، فأصابت يد رجل منهم يد عائشة، فكره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فنزلت آية الحجاب. وذكر أنّ بعضهم قال : أننهى أن نكلم بنات عمنا إلاّ من وراء حجاب، لئن مات محمد لأتزوّجن فلانة. فأعلم الله أن ذلك محرم  وَمَا كَانَ لَكُمْ  وما صحّ لكم إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نكاح أزواجه من بعده، وسمى نكاحهن \[ من \] بعده عظيماً عنده، وهو من أعلام تعظيم الله \[ تعالى \] لرسوله وإيجاب حرمته حياً وميتاً، وإعلامه بذلك مما طيب به \[ تعالى \] نفسه وسر قلبه واستغزر شكره. فإن نحو هذا مما يحدث الرجل به نفسه ولا يخلي منه فكره. ومن الناس من تفرظ غيرته على حرمته حتى يتمنى لها الموت لئلا تنكح من بعده. وعن بعض الفتيان أنه كانت له جارية لا يرى الدنيا بها شغفاً واستهتاراً، فنظر إليها ذات يوم فتنفس الصعداء، وانتحب فعلا نحيبه مما ذهب به فكره هذا المذهب، فلم يزل به ذلك حتى قتلها، تصوراً لما عسى يتفق من بقائها بعده وحصولها تحت يد غير. وعن بعض الفقهاء أن الزوج الثاني في هدم الثلاث مما يجري مجرى العقوبة ؛ فصين رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلاحظ ذلك.

### الآية 33:54

> ﻿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [33:54]

إِن تُبْدُواْ شَيْئاً  من نكاحهن على ألسنتكم  أَوْ تُخْفُوهْ  في صدوركم  فَإِنَّ الله  يعلم ذلك فيعاقبكم به، وإنما جاء به على أثر ذلك عاماً لكل باد وخاف، ليدخل تحته نكاحهن وغيره ولأنه على هذه الطريقة أهول وأجزل.

### الآية 33:55

> ﻿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ ۗ وَاتَّقِينَ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا [33:55]

روي أنه لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب : يا رسول الله، أو نحن أيضاً نكلمهن من وراء الحجاب، فنزلت  لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ  أي لا إثم عليهم في أن لا يحتجبن من هؤلاء ولم يذكر العم والخال، لأنهما يجريان مجرى الوالدين، وقد جاءت تسمية العم أباً. قال الله تعالى : وإله آبَائِكَ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق  \[ البقرة : ١٣٣ \] وإسماعيل عمّ يعقوب. وقيل : كره ترك الاحتجاب عنهما لأنهما يصفانها لأبنائهما، وأبناؤهما غير محارم، ثم نقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب، وفي هذا النقل ما يدلّ على فضل تشديد، فقيل : واتقين الله  فيما أمرتن به من الاحتجاب وأنزل فيه الوحي من الاستتار، واحتطن فيه، وفيما استثنى منه ما قدرتن، واحفظن حدودهما واسلكن طريق التقوى في حفظهما ؛ وليكن عملكن في الحجب أحسن مما كان وأنتن غير محجبات، ليفضل سركن علنكن  إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَىْء  من السرّ والعلن وظاهر الحجاب وباطنه  شَهِيداً  لا تتفاوت في علمه الأحوال.

### الآية 33:56

> ﻿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [33:56]

قرىء :**«وملائكته »** بالرفع، عطفاً على محل إن واسمها، وهو ظاهر على مذهب الكوفيين، ووجهه عند البصريين، أن يحذف الخبر لدلالة يصلون عليه  صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ  أي قولوا الصلاة على الرسول والسلام. ومعناه : الدعاء بأن يترحم عليه الله ويسلم. 
فإن قلت : الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم واجبة أم مندوب إليها ؟ قلت : بل واجبة، وقد اختلفوا في حال وجوبها. فمنهم من أوجبها كلما جرى ذكره. وفي الحديث :" مَنْ ذكرتُ عنده فلمّ يصلِّ عليَّ فدخلَ النار فأبعَده الله "، ويروى : أنه قيل : يا رسول الله، أرأيت قول الله تعالى : إِنَّ الله وملائكته يُصَلُّونَ عَلَى النبى  فقال صلى الله عليه وسلم :" هذا من العلم المكنون ولولا أنكم سألتموني عنه ما أخبرتكُم به، إنّ اللَّهَ وكّل بي ملكين فلا أذكرُ عبد مسلمٍ فيصلي عليّ إلاّ قال ذانكَ الملكان : غفرَ الله لكَ، وقال الله تعالى وملائكته جواباً لذينك الملكين : آمينَ، ولا أذكرُ عند عبدٍ مسلمٍ فلاَ يصلي عليّ إلاّ قال ذانك الملكان : لا غفرَ اللَّهُ لكَ، وقالَ اللَّهُ وملائكتهُ لذينك الملكين : آمين "، ومنهم من قال : تجب في كل مجلس مرة، وإن تكرر ذكره، كما قيل في آية السجدة وتشميت العاطس، وكذلك في كل دعاء في أوله وآخره. ومنهم من أوجبها في العمر مرة، وكذا قال في إظهار الشهادتين. والذي يقتضيه الاحتياط. الصلاة عليه عند كل ذكر، لما ورد من الأخبار. 
فإن قلت : فالصلاة عليه في الصلاة، أهي شرط في جوازها أم لا ؟ قلت : أبو حنيفة وأصحابه لا يرونها شرطاً، وعن إبراهيم النخعي : كانوا يكتفون عن ذلك - يعني الصحابة - بالتشهد، وهو السلام عليك أيها النبي، وأما الشافعي رحمه الله فقد جعلها شرطاً. 
فإن قلت : فما تقول في الصلاة على غيره ؟ قلت : القياس جواز الصلاة على كل مؤمن، لقوله تعالى : هُوَ الذى يُصَلّى عَلَيْكُمْ  \[ الأحزاب : ٤٣ \] وقوله تعالى : وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلواتك سَكَنٌ لَّهُمْ  \[ التوبة : ١٠٣ \] وقوله صلى الله عليه وسلم :" اللَّهم صلّ على آل أبي أوفى " ولكن للعلماء تفصيلاً في ذلك : وهو أنها إن كانت على سبيل التبع كقولك : صلى الله على النبيّ وآله، فلا كلام فيها. وأما إذا أفرد غيره من أهل البيت بالصلاة كما يفرد هو، فمكروه، لأن ذلك صار شعاراً لذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأنه يؤدي إلى الاتهام بالرفض. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم ".

### الآية 33:57

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا [33:57]

يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ  فيه وجهان، أحدهما : أن يعبر بإيذائهما عن فعل ما يكرهانه ولا يرضيانه : من الكفر والمعاصي، وإنكار النبوّة، ومخالفة الشريعة، وما كانوا يصيبون به رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنواع المكروه، على سبيل المجاز. وإنما جعلته مجازاً فيهما جميعاً، وحقيقة الإيذاء صحيحة في رسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا أجعل العبارة الواحدة معطية معنى المجاز والحقيقة. والثاني : أن يراد يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل : في أذى الله : هو قول اليهود والنصارى والمشركين : يد الله مغلولة وثالث ثلاثة والمسيح ابن الله والملائكة بنات الله والأصنام شركاؤه. وقيل : قول الذين يلحدون في أسمائه وصفاته. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما حكى عن ربه :**« شتمني ابنُ آدمَ ولم ينبغ لَهُ أنْ يشتمني، وآذَانِي ولم ينبغِ لَهُ أنْ يؤذيني، فأمّا شتمُهُ إياي فقولِه : إنِّي اتخذْتُ ولَداً. وأما أذاه فقولُه : إنّ الله لا يعيدني بعد أنْ بدأني »** وعن عكرمة : فعل أصحاب التصاوير الذين يرمون تكوين خلق مثل خلق الله، وقيل : في أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم قولهم : ساحر، شاعر، كاهن، مجنون. وقيل : كسر رباعيته وشجّ وجهه يوم أحد. وقيل : طعنهم عليه في نكاح صفية بنت حيي، وأطلق إيذاء الله ورسوله.

### الآية 33:58

> ﻿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [33:58]

وقيد إيذاء المؤمنين والمؤمنات ؛ لأن أذى الله ورسوله لا يكون إلاّ غير حق أبداً. وأما أذى المؤمنين والمؤمنات، فمنه ومنه. ومعنى  بِغَيْرِ مَا اكتسبوا  بغير جناية واستحقاق للأذى. وقيل : نزلت في ناس من المنافقين يؤذون علياً رضي الله عنه ويسمعونه. وقيل : في الذين أفكوا على عائشة رضي الله عنها. وقيل : في زناة كانوا يتبعون النساء وهنّ كارهات. وعن الفضيل : لا يحل لك أن تؤذي كلباً أو خنزيراً بغير حق، فكيف، وكان ابن عون لا يكري الحوانيت إلا من أهل الذمّة، لما فيه من الروعة عند كرّ الحول.

### الآية 33:59

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [33:59]

الجلباب : ثوب واسع أوسع من الخمار ودون الرداء تلويه المرأة على رأسها وتبقى منه ما ترسله على صدرها. وعن ابن عباس رضي الله عنهما : الرداء الذي يستر من فوق إلى أسفل. وقيل : الملحفة وكل ما يستتر به من كساء أو غيره. قال أبو زبيد :
مُجَلْبَبٌ مِنْ سَوَادِ اللَّيْلِ جِلْبَابَا \*\*\*
ومعنى  يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن  يرخينها عليهنّ، ويغطين بها وجوههنّ وأعطافهنّ. يقال : إذا زل الثوب عن وجه المرأة : أدنى ثوبك على وجهك، وذلك أن النساء كنّ في أول الإسلام على هجيراهنّ في الجاهلية متبذلات، تبرز المرأة في درع وخمار فصل بين الحرّة والأمة، وكان الفتيان وأهل الشطارة يتعرّضون إذا خرجن بالليل إلى مقاضي حوائجهنّ من النخيل والغيطان للإماء، وربما تعرّضوا للحرّة بعلة الأمة، يقولون : حسبناها أمة، فأمرن أن يخالفن بزيهنّ عن زي \[ بلبس \] الأماء الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه، ليحتشمن ويهين فلا يطمع فيهن طامع، وذلك قوله : ذلك أدنى أَن يُعْرَفْنَ  أي أولى وأجدر بأن يعرفن فلا يتعرّض لهن ولا يلقين ما يكرهن. 
فإن قلت : ما معنى  مِن  في  مِن جلابيبهن  ؟ قلت : هو للتبعيض. إلا : أن يكون معنى التبعيض محتمل وجهين، أحدهما : أن يتجلببن ببعض ما لهنّ من الجلاليب، والمراد أن لا تكون الحرة متبذلة في درع وخمار، كالأمة والماهنة \[ الخادمه \] ولها جلبابان فصاعداً في بيتها. والثاني : أن ترخي المرأة بعض جلبابها وفضله على وجهها تتقنع حتى تتميز من الأمة. وعن ابن سيرين : سألت عبيدة السلماني عن ذلك فقال : أن تضع رداءها فوق الحاجب ثم تديره حتى تضعه على أنفها. وعن السديّ : تغطي إحدى عينيها وجبهتها، والشقّ الآخر إلاّ العين، وعن الكسائي : يتقنعن بملاحفهنّ منضمة عليهنّ، أراد بالانضمام معنى الإدناء  وَكَانَ الله غَفُوراً  لما سلف منهن من التفريط مع التوبة ؛ لأنّ هذا مما يمكن معرفته بالعقل.

### الآية 33:60

> ﻿۞ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا [33:60]

والذين فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ  قوم كان فيهم ضعف إيمان وقلة ثبات عليه. وقيل : هم الزناة وأهل الفجور من قوله تعالى : فَيَطْمَعَ الذى فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ  \[ الأحزاب : ٣٢ \].  والمرجفون  ناس كانوا يرجفون بأخبار السوء عن سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون : هزموا وقتلوا، وجرى عليهم كيت وكيت، فيكسرون بذلك قلوب المؤمنين. يقال : أرجف بكذا، إذا أخبر به على غير حقيقة، لكونه خبراً متزلزلاً غير ثابت، من الرجفة وهي الزلزلة. والمعنى : لئن لم ينته المنافقون عن عداوتهم وكيدكم، والفسقة عن فجورهم، والمرجفون عما يؤلفون من أخبار السوء : لنأمرنك بأن تفعل بهم الأفاعيل التي تسوءهم وتنوءهم، ثم بأن تضطرهم إلى طلب الجلاء عن المدينة، وإلى أن لا يساكنوك فيها  إِلا  زمناً  قَلِيلاً  ريثما يرتحلون ويلتقطون أنفسهم وعيالاتهم، فسمى ذلك إغراء، وهو التحريش على سبيل المجاز.

### الآية 33:61

> ﻿مَلْعُونِينَ ۖ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا [33:61]

مَّلْعُونِينَ  نصب على الشتم أو الحال، أي : لا يجاورونك إلاّ ملعونين، دخل حرف الاستثناء على الظرف والحال معاً، كما مرّ في قوله : إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعَامٍ غَيْرَ ناظرين إناه  \[ الأحزاب : ٥٣ \] ولا يصحّ أن ينتصب عن  أُخِذُواْ  لأنّ ما بعد كلمة الشرط لا يعمل فيما قبلها. وقيل : في  قَلِيلاً  وهو منصوب على الحال أيضاً. ومعناه : لا يجاورونك إلاّ أقلاء أذلاء ملعونين. 
فإن قلت : ما موقع لا يجاورونك ؟ قلت : لا يجاورونك عطف على لنغرينك، لأنه يجوز أن يجاب به القسم. ألا ترى إلى صحة قولك : لئن لم ينتهوا لا يجاورونك. 
فإن قلت : أما كان من حق لا يجاورونك أن يعطف بالفاء، وأن يقال لنغرينك بهم فلا يجاورونك ؟ قلت : لو جعل الثاني مسبباً عن الأوّل لكان الأمر كما قلت : ولكنه جعل جواباً آخر للقسم معطوفاً على الأوّل، وإنما عطف بثم، لأن الجلاء عن الأوطان كان أعظم عليهم وأعظم من جميع ما أصيبوا به، فتراخت حاله عن حال المعطوف عليه.

### الآية 33:62

> ﻿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ۖ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [33:62]

سُنَّةَ الله  في موضع مؤكد، أي : سنّ الله في الذين ينافقون الأنبياء أن يقتلوا حيثما ثقفوا وعن مقاتل : يعني كما قتل أهل بدر وأسروا.

### الآية 33:63

> ﻿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا [33:63]

كان المشركون يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت قيام الساعة استعجالاً على سبيل الهزء، واليهود يسألونه امتحاناً ؛ لأنّ الله تعالى عمى وقتها في التوراة وفي كل كتاب، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يجيبهم بأنه علم قد استأثر الله به، لم يطلع عليه ملكاً ولا نبياً، ثم بين لرسوله أنها قريبة الوقوع، تهديداً للمستعجلين، وإسكاتاً للممتحنين  قَرِيبًا  شيئاً قريباً، أو لأن الساعة في معنى اليوم، أو في زمان قريب.

### الآية 33:64

> ﻿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا [33:64]

السعير : النار المسعورة الشديدة الإيقاد.

### الآية 33:65

> ﻿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [33:65]

\[سورة الأحزاب (٣٣) : آية ٦٣\]

 يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً (٦٣)
 كان المشركون يسألون رسول الله ﷺ عن وقت قيام الساعة استعجالا على سبيل الهزء، واليهود يسألونه امتحانا، لأن الله تعالى عمى وقتها في التوراة وفي كل كتاب، فأمر رسول الله ﷺ بأن يجيبهم بأنه علم قد استأثر الله به، لم يطلع عليه ملكا ولا نبيا، ثم بين لرسوله أنها قريبة الوقوع، تهديدا للمستعجلين، وإسكانا للممتحنين قَرِيباً شيئا قريبا. أو لأن الساعة في معنى اليوم، أو في زمان قريب.
 \[سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٦٤ الى ٦٥\]
 إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً (٦٤) خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٦٥)
 السعير: النار المسعورة الشديدة الإيقاد.
 \[سورة الأحزاب (٣٣) : آية ٦٦\]
 يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا (٦٦)
 وقرئ: تقلب، على البناء للمفعول. وتقلب، بمعنى تتقلب. ونقلب، أى: نقلب نحن.
 وتقلب، على أن الفعل للسعير **«١»**. ومعنى تقليبها: تصريفها في الجهات، كما ترى البضعة تدور في القدر إذا غلت فترامى بها الغليان من جهة إلى جهة. أو تغييرها عن أحوالها وتحويلها عن هيئاتها. أو طرحها في النار مقلوبين منكوسين. وخصت الوجوه بالذكر، لأن الوجه أكرم موضع على الإنسان من جسده. ويجوز أن يكون الوجه عبارة عن الجملة، وناصب الظرف يَقُولُونَ أو محذوف. وهو **«اذكر»** وإذا نصب بالمحذوف كان يَقُولُونَ حالا.
 \[سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٦٧ الى ٦٨\]
 وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا (٦٧) رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (٦٨)
 وقرئ: سادتنا وساداتنا: وهم رؤساء الكفر الذين لقنوهم الكفر وزينوه لهم. يقال: ضلّ السبيل وأضله إياه، وزيادة الألف لإطلاق الصوت: جعلت فواصل الآي كقوافى الشعر، وفائدتها الوقف والدلالة على أن الكلام قد انقطع، وأن ما بعده مستأنف. وقرئ: كثيرا، تكثيرا لإعداد اللعائن. وكبيرا، ليدل على أشد اللعن وأعظمه ضِعْفَيْنِ ضعفا لضلاله وضعفا لإضلاله: يعترفون، ويستغيثون، ويتمنون، ولا ينفعهم شيء من ذلك.
 (١). قوله «على أن الفعل للسعير، يعنى: وجوههم، بالنصب. (ع)

### الآية 33:66

> ﻿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا [33:66]

وقرىء :**«تقلب »** على البناء للمفعول. وتقلب : بمعنى يتقلب. ونقلب، أي : نقلب نحن. وتقلب، على أن الفعل للسعير، ومعنى تقليبها : تصريفها في الجهات، كما ترى البضعة تدور في القدر إذا غلت فترامى بها الغليان من جهة إلى جهة. أو تغييرها عن أحوالها وتحويلها عن هيئاتها. أو طرحها في النار مقلوبين منكوسين. وخصت الوجوه بالذكر، لأنّ الوجه أكرم موضع على الإنسان من جسده. ويجوز أن يكون الوجه عبارة عن الجملة، وناصب الظرف  يَقُولُونَ  أو محذوف، وهو **«اذكر »** وإذا نصب بالمحذوف كان  يَقُولُونَ  حالاً.

### الآية 33:67

> ﻿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا [33:67]

وقرىء :**«سادتنا »** و**«ساداتنا »** : وهم رؤساء الكفر الذين لقنوهم الكفر وزينوه لهم. يقال : ضلّ السبيل وأضله إياه، وزيادة الألف لإطلاق الصوت : جعلت فواصل الآي كقوافي الشعر، وفائدتها الوقف والدلالة على أن الكلام قد انقطع، وأن ما بعده مستأنف.

### الآية 33:68

> ﻿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا [33:68]

وقرىء :**«كثيراً »** تكثيراً لإعداد اللعائن. وكبيراً، ليدل على أشدّ اللعن وأعظمه  ضِعْفَيْنِ  ضعفاً لضلاله وضعفاً لإضلاله : يعترفون، ويستغيثون، ويتمنون، ولا ينفعهم شيء من ذلك.

### الآية 33:69

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا ۚ وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا [33:69]

لاَ تَكُونُواْ كالذين ءاذَوْاْ موسى  قيل : نزلت في شأن زيد وزينب، وما سمع فيه من قالة بعض الناس. وقيل : في أذى موسى عليه السلام : هو حديث المومسة التي أرادها قارون على قذفه بنفسها، وقيل : اتهامهم إياه بقتل هارون، وكان قد خرج معه \[ إلى \] الجبل فمات هناك، فحملته الملائكة ومرّوا به عليهم ميتاً فأبصروه حتى عرفوا أنه غير مقتول. وقيل : أحياه الله فأخبرهم ببراءة موسى عليه السلام. وقيل : قرفوه بعيب في جسده من برص أو أدرة، فأطلعهم الله على أنه برىء منه  وَجِيهاً  ذا جاه ومنزلة عنده، فلذلك كان يميط عنه التهم، ويدفع الأذى، ويحافظ عليه، لئلا يلحقه وصم ولا يوصف بنقيصة، كما يفعل الملك بمن له عنده قربة ووجاهة. وقرأ ابن مسعود والأعمش وأبو حيوة :**«وكان عبد الله وجيهاً »** قال ابن خالويه : صليت خلف ابن شنبوذ في شهر رمضان، فسمعته يقرؤها. وقراءة العامة أوجه ؛ لأنها مفصحة عن وجاهته عند الله، كقوله تعالى : عِندَ ذِى العرش مَكِينٍ  \[ التكوير : ٢٠ \] وهذه ليست كذلك، 
فإن قلت : قوله : مِمَّا قَالُواْ  معناه : من قولهم، أو من مقولهم ؛ لأنّ **«ما »** إما مصدرية أو موصولة، وأيهما كان فكيف تصحّ البراءة منه ؟ قلت : المراد بالقول أو المقول : مؤداه ومضمونة وهو الأمر المعيب، ألا ترى أنهم سموا السبة بالقالة، والقالة بمعنى القول ؟.

### الآية 33:70

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا [33:70]

قَوْلاً سَدِيداً  قاصداً إلى الحق والسداد : القصد إلى الحق، والقول بالعدل. يقال : سدّد السهم نحو الرمية : إذا لم يعدل به عن سمتها، كما قالوا : سهم قاصد، والمراد : نهيهم عما خاضوا فيه من حديث زينب من غير قصد وعدل في القول، والبعث على أن يسد قولهم في كل باب ؛ لأنّ حفظ اللسان وسداد القول رأس الخير كله. والمعنى : راقبوا الله في حفظ ألسنتكم، وتسديد قولكم، فإنكم إن فعلتم ذلك أعطاكم الله ما هو غاية الطلبة : من تقبل حسناتكم والإثابة عليها، ومن مغفرة سيآتكم وتكفيرها.

### الآية 33:71

> ﻿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [33:71]

وقيل : إصلاح الأعمال التوفيق في المجيء بها صالحة مرضية وهذه الآية مقرّرة للتي قبلها، بنيت تلك على النهي عما يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه على الأمر باتقاء الله تعالى في حفظ اللسان ؛ ليترادف عليهم النهي والأمر، مع اتباع النهي ما يتضمن الوعيد من قصة موسى عليه السلام، وإتباع الأمر الوعد البليغ فيقوى الصارف عن الأذى والداعي إلى تركه. لما قال : وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ  وعلق بالطاعة الفوز العظيم، أتبعه قوله : إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة .

### الآية 33:72

> ﻿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [33:72]

إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة  وهو يريد بالأمانة الطاعة، فعظم أمرها وفخم شأنها، وفيه وجهان، أحدهما : أنّ هذه الأجرام العظام من السموات والأرض والجبال قد انقادت لأمر الله عزّ وعلا انقياد مثلها - وهو ما يتأتى من الجمادات - وأطاعت له الطاعة التي تصح منها وتليق بها. حيث لم تمتنع على مشيئته وإرادته إيجاداً وتكويناً وتسوية على هيئات مختلفة وأشكال متنوعة، كما قال : قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ  \[ فصلت : ١١ \] وأما الإنسان فلم تكن حاله - فيما يصحّ منه من الطاعات ويليق به من الانقياد لأوامر الله ونواهيه، وهو حيوان عاقل صالح للتكليف - مثل حال تلك الجمادات فيما يصحّ منها ويليق بها من الانقياد وعدم الامتناع، والمراد بالأمانة : الطاعة ؛ لأنها لازمة الوجود، كما أن الأمانة لازمة الأداء. وعرضها على الجمادات وإباؤها وإشفاقها : مجاز. وأما حمل الأمانة فمن قولك : فلان حامل للأمانة ومحتمل لها، تريد أنه لا يؤديها إلى صاحبها حتى تزول عن ذمّته ويخرج عن عهدتها ؛ لأنّ الأمانة كأنها راكبة للمؤتمن عليها وهو حاملها، ألا تراهم يقولون : ركبته الديون، ولي عليه حق، فإذا أداها لم تبق راكبة له ولا هو حاملاً لها. ونحوه قولهم، لا يملك مولى لمولى نصراً. يريدون : أنه يبذل النصرة له ويسامحه بها، ولا يمسكها كما يمسكها الخاذل، ومنه قول القائل :أَخُوكَ الَّذِي لاَ تَمْلِكُ الْحِسَّ نَفسُه  وَتَرْفَضُّ عِنْدَ الْمُحْفِظَاتِ الْكَتَائِفُأي لا يمسك الرقة والعطف إمساك المالك الضنين ما في يده، بل يبذل ذلك ويسمح به. ومنه قولهم أبغض حق أخيك ؟ لأنه إذا أحبه لم يخرجه إلى أخيه ولم يؤده، وإذا أبغضه أخرجه وأدّاه، فمعنى، فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان، فأبين إلاّ أن يؤدينها وأبى الإنسان إلاّ أن يكون محتملاً لها لا يؤديها. 
ثم وصفه بالظلم لكونه تاركاً لأداء الأمانة، وبالجهل لإخطائه ما يسعده مع تمكنه منه وهو أداؤها. والثاني : أن ما كلفه الإنسان بلغ من عظمه وثقل محمله : أنه عرض على أعظم ما خلق الله من الأجرام وأقواه وأشدّه : أن يتحمله ويستقل به، فأبى حمله والاستقلال به وأشفق منه، وحمله الإنسان على ضعفه ورخاوة قوّته  إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً  حيث حمل الأمانة ثم لم يف بها، وضمنها ثم خاس بضمانه فيها، ونحو هذا من الكلام كثير في لسان العرب. وما جاء القرآن إلاّ على طرقهم وأساليبهم من ذلك قولهم : لو قيل للشحم : أين تذهب ؟ لقال : أسوي العوج، وكم وكم لهم من أمثال على ألسنة البهائم والجمادات. وتصوّر مقاولة الشحم محال، ولكن الغرض أنّ السمن في الحيوان مما يحسن قبيحه، كما أن العجف مما يقبح حسنه، فصوّر أثر السمن فيه تصويراً هو أوقع في نفس السامع، وهي به آنس وله أقبل، وعلى حقيقته أوقف، وكذلك تصوير عظم الأمانة وصعوبة أمرها وثقل محملها والوفاء بها. 
فإن قلت : قد علم وجه التمثيل في قولهم للذي لا يثبت على رأي واحد : أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى ؛ لأنه مثلت حاله - في تميله وترجحه بين الرأيين وتركه المضي على أحدهما - بحال من يتردد في ذهابه فلا يجمع رجليه للمضي في وجهه. وكل واحد من الممثل والممثل به شيء مستقيم داخل تحت الصحة والمعرفة، وليس كذلك ما في هذه الآية ؛ فإن عرض الأمانة على الجماد وإباءه وإشفاقه محال في نفسه، غير مستقيم، فكيف صحّ بناء التمثيل على المحال، وما مقال هذا إلاّ أن تشبه شيئاً والمشبه به غير معقول. قلت : الممثل به في الآية وفي قولهم : لو قيل للشحم أين تذهب. وفي نظائره مفروض، والمفروضات تتخيل في الذهن كما المحققات : مثلت حال التكليف في صعوبته وثقل محمله بحاله المفروضة لو عرضت على السموات والأرض والجبال لأبين أن يحملنها وأشفقن منها.

### الآية 33:73

> ﻿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [33:73]

واللام في  لّيُعَذّبَ  لام التعليل على طريق المجاز : لأنّ التعذيب نتيجة حمل الأمانة، كما أن التأديب في ضربته للتأديب نتيجة الضرب. وقرأ الأعمش :**«ويتوب »** ؛ ليجعل العلة قاصرة على فعل الحامل، ويبتدىء :**«ويتوب الله »**. ومعنى قراءة العامة : ليعذب الله حامل الأمانة ويتوب على غيره ممن لم يحملها، لأنه إذا تيب على الوافي كان ذلك نوعاً من عذاب الغادر، والله أعلم.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/33.md)
- [كل تفاسير سورة الأحزاب
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/33.md)
- [ترجمات سورة الأحزاب
](https://quranpedia.net/translations/33.md)
- [صفحة الكتاب: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل](https://quranpedia.net/book/346.md)
- [المؤلف: الزمخشري](https://quranpedia.net/person/3927.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/33/book/346) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
