---
title: "تفسير سورة الأحزاب - فتح البيان في مقاصد القرآن - صديق حسن خان"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/33/book/400.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/33/book/400"
surah_id: "33"
book_id: "400"
book_name: "فتح البيان في مقاصد القرآن"
author: "صديق حسن خان"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة الأحزاب - فتح البيان في مقاصد القرآن - صديق حسن خان

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/33/book/400)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة الأحزاب - فتح البيان في مقاصد القرآن - صديق حسن خان — https://quranpedia.net/surah/1/33/book/400*.

Tafsir of Surah الأحزاب from "فتح البيان في مقاصد القرآن" by صديق حسن خان.

### الآية 33:1

> يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [33:1]

بسم الله الرحمان الرحيم
 يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ  أي : يا أيها المخبر عنا، المأمون على أسرارنا، المبلغ خطابنا، وإنما لم يقل : يا محمد كما قال : يا آدم، يا موسى، تشريفا له، وتنويها بفضله، وتصريحه باسمه في قوله : يا محمد رسول الله ونحوه، لتعليم الناس بأنه رسول الله ليلقبوه بذلك، ويدعونه به. 
 اتَّقِ اللهَ  أي : دم على ذلك وازدد منه، فهو باب واسع، وعرض عريض، لا يدرك مداه، ولا ينال منتهاه. 
 وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ  من أهل مكة، ومن هو على مثل كفرهم  وَالْمُنَافِقِينَ  الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر. قال الواحدي : إنه أراد سبحانه بالكافرين : أبا سفيان، وعكرمة، وأبا الأعور السلمي، وذلك أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم أرفض ذكر آلهتنا، وقل إن لها شفاعة لمن عبدها قال : والمنافقين عبد الله بن أبي، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح. 
 إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا  أي : كثير العلم والحكمة بليغهما، قال النحاس :( ودل بقوله هذا على أنه كان يميل إليهم يعني النبي صلى الله عليه وسلم استدعاء لهم إلى الإسلام، والمعنى أن الله عز وجل لو علم أن ميلك إليهم فيه منفعة لما نهاك عنهم، لأنه حكيم ) ولا يخفى بعد هذه الدلالة التي زعمها ولكن هذه الجملة تعليل لجملة الأمر بالتقوى، والنهي عن طاعة الكافرين والمنافقين، والمعنى : أنه لا يأمرك أو ينهاك إلا بما علم فيه صلاحا أو فسادا لكثرة علمه، وسعة حكمته.

### الآية 33:2

> ﻿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [33:2]

وَاتَّبِعْ  في جميع أمورك  مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ  من القرآن ولا تتبع شيئا مما عداه من مشورات الكافرين والمنافقين، ولا من الرأي البحت، فإن فيما أوحي إليك ما يغنيك عن ذلك. 
 إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا  تعليل لأمره بإتباع ما أوحي إليه، وتأكيد لموجبه، والأمر له صلى الله عليه وسلم أمر لأمته، فهم مأمورون بإتباع القرآن، كما هو مأمور بإتباعه، ولهذا جاء بخطابه وخطابهم في قوله : بما تعلمون على قراءة الجمهور بالفوقية على الخطاب، وقرئ بالتحتية، والواو ضمير الكفرة والمنافقين، أي : إنه خبير بمكايدهم ؛ فيدفعها عنك.

### الآية 33:3

> ﻿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا [33:3]

وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ  أي اعتمد عليه وفوض أمورك إليه  وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلا  أي حافظا يحفظ من توكل عليه، وقيل : كفيلا برزقك، وقال الزجاج : لفظه وإن كان لفظ الخبر فالمعنى اكتف بالله وكيلا، ثم ذكر سبحانه مثلا توطئة وتمهيدا لما يتعقبه من الأحكام القرآنية التي هي من الوحي الذي أمره الله بإتباعه فقال : مَّا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ

### الآية 33:4

> ﻿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ۚ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ۚ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ ۖ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [33:4]

مَّا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ  وقيل : هي مثل ضربه الله للمظاهر، أي : كما لا يكون للرجل قلبان كذلك لا تكون امرأة المظاهر أمه حتى تكون له أمان وكذلك لا يكون الدعي ابن الرجل، وقيل كان الواحد من المنافقين يقول : لي قلب يأمرني بكذا، وقلب بكذا فنزلت الآية برد النفاق وبيان أنه لا يجتمع مع الإسلام، كما لا يجتمع قلبان، والقلب بضعة صغيرة على هيئة الصنوبرة خلقها الله وجعلها محلا للعلم و  من  زائدة وقال : في جوفه لأنه معدن الروح الحيواني المتعلق للنفس الإنساني ومنبع القوي بأسرها، فيمتنع تعدده لأنه يؤدي إلى التناقض وهو أن يكون كل منهما أصلا لكل القوى وغير أصل لها. 
عن ابن عباس قال : قام النبي صلى الله عليه وسلم يوما يصلي فخطر خطرة فقال المنافقون الذين يصلون معه : ألا ترى أن له قلبين قلبا معكم وقلبا معهم، فنزل  مَّا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ . 
وعنه بلفظ : صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة، فسها فيها، فخطرت منه كلمة فسمعها المنافقون فقالوا : إن له قلبين، فنزلت. وعنه أيضا قال : كان رجل من قريش يسمى من دهائه : ذا القلبين فأنزل الله هذا في شأنه. 
 وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ  قرئ اللائي بياء ساكنة بعد همزة وبياء ساكنة بعد ألف محضة قال أبو عمرو بن العلاء : إنها لغة قريش التي أمر الناس أن يقرأوا بها وتظاهرون مضارع ظاهر، وقرئ مضارع تظاهر والأصل تتظاهرون وقرئ تظهرون والأصل تنظهرون، وأخذ ذلك من لفظ الظهر كأخذ لبى من التلبية، وإنما عدي بمن لأنه ضمن معنى التباعد، كأنه قيل : متباعدين من نسائكم بسبب الظهار، كما تقدم في تعدية الإيلاء بمن في البقرة. 
والظهار أصله أن يقول الرجل لامرأته أنت علي كظهر أمي، والمعنى ما جعل الله نساءكم اللاتي تقولون لهن هذا القول كأمهاتكم في التحريم، ولكنه منكر من القول وزور، وإنما تجب به الكفارة بشرطه، وهو العود كما ذكر في سورة المجادلة بقوله : والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا أي نفسه بأن يخالفوه بإمساك المظاهر منها زمنا يمكنه أن يفارقها فيه أو لا يفارقها، لأنه مقصود المظاهر وصف المرأة بالتحريم وإمساكها يخالفه قاله الكرخي. 
 وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ  أي : وكذلك ما جعل الأدعياء الذين تدعون أنهم أبناؤكم  أَبْنَاءكُمْ  والأعياء جمع دعي، وهو الذي يدعي ابنا لغير أبيه فهو فعيل بمعنى مفعول. ولكن جمعه على أدعياء غير مقيس لأن أفعلاء إنما يكون جمعا لفعيل، المعتل اللام إذا كان بمعنى فاعل ؛ نحو تقي وأتقياء، وغني وأغنياء، وهذا وإن كان فعيلا معتل اللام لأن أصله دعيو فأدغم إلا أنه بمعنى مفعول فكان القياس جمعه على فعلى كقتيل وقتلى وجريح وجرحى، ومريض ومرضى، ونظير هذا في الشذوذ قولهم : أسير وأسارى، والقياس أسرى، وقد سمع فيه الأصل قاله السمين. 
 ذَلِكُمْ  أي ما تقدم من ذكر الظهار والادعاء  قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ  أي ليس ذلك إلا مجرد قول بالأفواه، ولا تأثير له في الخارج، فلا تصير المرأة به أمه، ولا ابن الغير به إبنا، ولا يترتب على ذلك شيء من أحكام الأمومة والبنوة. 
وقيل : الإشارة راجعة إلى الادعاء أي : ادعاؤكم أن أبناء الغير أبناؤكم لا حقيقة له بل هو مجرد قول بالفم ؛ إذ الابن لا يكون إلا بالولادة وفيه نسخ التبني، وذلك أن الرجل كان في الجاهلية يتبنى الرجل، فيجعله كالابن المولود يدعوه إليه الناس، ويرث ميراثه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعتق زيد بن حارثة الكلبي وتبناه قبل الوحي وآخى بينه وبين حمزة، فلما تزوج زينب – وكانت تحت زيد قال المنافقون : تزوج محمد امرأة ابنه، وهو ينهى الناس عن ذلك، فأنزل الله هذه الآية، ونسخ بها التبني. 
قال النحاس : وهذا من نسخ السنة بالقرآن. قال القرطبي : أجمع أهل التفسير على أن هذا القول أنزل في زيد بن حارثة. 
 وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ  الذي يحق إتباعه لكونه حقا في نفسه، لا باطلا، فيدخل تحته دعاء الأبناء لآبائهم  وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ  أي يدل على الطريق الموصلة إلى الحق، وفي هذا إرشاد للعباد إلى قول الحق، وترك قول الباطل والزور، ثم صرح سبحانه بما يجب على العباد من دعاء الأبناء للآباء فقال : ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ( ٥ ) النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلا أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ( ٦ ) }

### الآية 33:5

> ﻿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ۚ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ۚ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَٰكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [33:5]

ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ  للصلب وانسبوهم إليهم، ولا تدعوهم إلى غيرهم، أخرج البخاري، ومسلم وغيرهما، عن عمر أن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن : أدعوهم لآبائهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت زيد بن حارثة بن شراحيل. 
 هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللهِ  تعليل للأمر بدعاء الأبناء للآباء، والضمير راجع إلى مصدر : ادعوهم ومعنى أقسط : أعدل، أي أعدل من كل كلام يتعلق بذلك فترك الإضافة للعموم، كقوله : الله أكبر، أو أعدل من قولكم : هو ابن فلان، ولم يكن ابنه لصلبه، وأقسط أفعل تفضيل، قصد به الزيادة مطلقا، من القسط بمعنى العدل، وانظر إلى فصاحة هذا الكلام، حيث وصل الجمل الطلبية. ثم فصل الخبرية عنها، ووصل بينها ؛ ثم فصل الاسمية عنها ووصل بينها، ثم فصل بالطلبية ثم تمرد الإرشاد للعباد فقال :
 فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ  تنسبونهم إليهم  فَإِخْوَانُكُمْ  أي فهم إخوانكم  فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ  فقولوا : أخي ومولاي، ولا تقولوا : ابن فلان حيث لم تعلموا آباءهم على الحقيقة، قال الزجاج : مواليكم، أي أولياؤكم في الدين. 
وقيل المعنى : فان كانوا محررين ولم يكونوا أحرارا فقولوا : موالي فلان  وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ  أي إثم عليكم فيما وقع منكم من ذلك خطأ من غير عمد قبل النهي، فنسبتموه إلى غير أبيه  وَلَكِن  الإثم. 
 مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ  وهو ما قلتموه على طريقة العمد، من نسبة الأبناء إلى غير آبائهم مع علمكم بذلك، قال قتادة : لو دعوت رجلا بغير أبيه وأنت ترى أنه أبوه، لم يكن عليك بأس بخلاف الحال في زيد فإنه لا يجوز أن يقال فيه زيد بن محمد، فإن قاله أحد متعمدا عصى بقوله هذا، عن سعد بن أبي وقاص وأبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( من ادعى إلى غير أبيه، وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام ) أخرجه البخاري ومسلم. 
 وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا  يغفر للمخطئ ويرحمه، ويتجاوز عنه، أو غفور للذنوب، رحيما بالعباد، ومن جملة من يغفر له ويرحمه من دعا رجلا لغير أبيه خطأ، أو قبل النهي عن ذلك، أو على سبق اللسان، ثم ذكر سبحانه لرسوله مزية عظيمة، وخصوصية جليلة ؛ لا يشاركه فيها أحد من العباد فقال : النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ

### الآية 33:6

> ﻿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ۗ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا [33:6]

النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ  أي هو أحق بهم، وأرأف، وأشفق في كل ما دعاهم إليه من أمور الدين والدنيا، فإن نفوسهم تدعوهم إلى ما فيه هلاكهم، وهو يدعوهم إلى ما فيه نجاتهم، فيجب عليهم أن يؤثروه بما أراده من أموالهم، وإن كانوا محتاجين إليها، ويجب عليهم أن يحبوه زيادة على حبهم أنفسهم، ويجب عليهم أن يقدموا حكمه عليهم على حكمهم لأنفسهم. وبالجملة فإذا دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم لشيء ودعتهم أنفسهم إلى غيره، وجب عليهم أن يقدموا ما دعاهم إليه ويؤخروا ما دعتهم أنفسهم إليه، ويجب عليهم أن
يطيعوا فوق طاعتهم لأنفسهم ويقدموا طاعته على ما تميل إليه أنفسهم وتطلبه خواطرهم. 
وقيل : المراد بأنفسهم في الآية بعضهم فيكون المعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين من بعضهم ببعض، وقيل هي خاصة بالقضاء أي هو أولى بهم من أنفسهم فيما قضى بينهم، وقيل أولى بهم في الجهاد بين يديه وبذل النفس دونه. وقيل : أولى بهم أي أرأف بهم وأعطف عليهم وأنفع لهم كقوله بالمؤمنين رؤوف رحيم. 
وفي قراءة ابن مسعود ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم ) وقال مجاهد : كل نبي أبو أمته ولذلك صار المؤمنون إخوة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أبوهم في الدين، والأول أولى. 
وقد أخرج البخاري وغيره عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة اقرأوا إن شئتم : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم  فأيما مؤمن ترك مالا فلترثه عصبته من كانوا فإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه ). 
وقد ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال :( والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين ). 
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي عن بريدة قال : غزوت مع علي اليمن فرأيت منه جفوة، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت عليا فنقصته فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تغير وقال : يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم قلت بلى يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( من كنت مولاه فعلي مولاه ). 
 وَأَزْوَاجُهُ  صلى الله عليه وسلم سواء دخل بهن أو لا وسواء مات عنهن أو طلقهن  أُمَّهَاتُهُمْ  أي مثل أمهاتهم في الحكم بالتحريم ومنزلات منزلتهن في استحقاق التعظيم، فلا يحل لأحد أن يتزوج بواحدة منهن، كما لا يحل له أن يتزوج بأمه، فهذه الأمومة مختصة بتحريم النكاح لهن تحريما مؤبدا، وبالتعظيم لجنابهن لا في النظر إليهن، والخلوة بهن فإنه حرام في حقهن، كما في حق سائر الأجانب، وتخصيص المؤمنين يدل على أنهن لسن أمهات نساء[(١)](#foonote-١) المؤمنين، ولا بناتهن أخوات المؤمنين ولا إخوتهن أخوال المؤمنين. 
وقال القرطبي : الذي يظهر لي أنهن أمهات الرجال والنساء تعظيما لحقهن على الرجال والنساء كما يدل عليه قوله : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم  وهذا يشمل الرجال والنساء ضرورة، قال : ثم إن في مصحف أبي بن كعب وأزواجه أمهاتهم، وهو أب لهم، وقرأ ابن عباس بعد لفظ أنفسهم، وهو أب وأزواجه أمهاتهم. 
عن عائشة أن امرأة قالت لها يا أمه، فقالت :( أنا أم رجالكم ولست أم نسائكم ). وعن أم سلمة قالت أنا :( أم الرجال منكم والنساء ). 
وعن بجالة قال : مر عمر بن خطاب بغلام وهو يقرأ في المصحف : وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم، فقال : يا غلام حكها، فقال : هذا مصحف أبي فذهب إليه فسأله، فقال : إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق في الأسواق وهن فيما وراء ذلك كالإرث ونحوه كالأجنبيات – ولهذا لم يتعد التحريم إلى بناتهن ثم بين سبحانه أن القرابة أولى ببعضهم البعض فقال :
 وَأُوْلُو الأَرْحَامِ  جمع رحم وهو القرابة  بَعْضُهُمْ أَوْلَى  أي أحق  بِبَعْضٍ  في الميراث، وقد تقدم تفسير هذه الآية في آخر سورة الأنفال وهي ناسخة لما كان في صدر الإسلام من التوارث بالهجرة والموالاة. قال قتادة : لما نزل قوله سبحانه في سورة الأنفال  والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولا يتهم من شيء حتى يهاجروا  فتوارث المسلمون بالهجرة ثم نسخ ذلك بهذه الآية، وكذا قال غيره. 
ويحتمل أن يكون النسخ بآية الأنفال وهو قوله  وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ  قال الشهاب : وهذا الاحتمال أولى، لأن سورة الأنفال متقدمة نزولا على هذه السورة فنسبة النسخ إليها أولى، وتكون هذه الآية مؤكدة لتلك، وقيل إن هذه الآية ناسخة للتوارث بالحلف والمؤاخاة في الدين، وقيل معنى الآية لا توارث بين المسلم والكافر ولا بين المهاجر وغير المهاجر. 
 فِي كِتَابِ اللهِ  أي هذه الأولوية وهذا الاستحقاق كائن وثابت فيه والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ أو القرآن، أو آية المواريث  مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ  المعنى إن ذوي القرابات من المؤمنين والمهاجرين بعضهم أولى ببعض، أو أولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض من المؤمنين والمهاجرين الذين هم أجانب. 
وقيل إن معنى الآية : وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ  إلا ما يجوز لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم من كونهن كالأمهات في تحريم النكاح، وفي هذا من الضعف ما لا يخفى  إِلا  هذا الاستثناء إما متصل من أعم العام، والتقدير أولى ببعض في كل شيء من الإرث وغيره إلا. 
 أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا  من صدقة أو وصية فإن ذلك جائز، قال قتادة، والحسن، وعطاء، ومحمد بن الحنفية قال ابن الحنفية نزلت في إجازة الوصية لليهودي والنصراني، فالكافر ولي في النسب لا في الدين فتجوز الوصية له، قال في الخازن : إن الله لما نسخ التوارث بالحلف، والإخاء، والهجرة، أباح أن يوصي الرجل لمن تولاه بما أحب من ثلث ماله، ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعا، والمعنى لكن فعل المعروف للأولياء لا بأس به وضمن ( تفعلوا ) معنى توصلوا أو تسدوا، فعدي بإلي. وقال مجاهد : أراد بالمعروف النصرة وحفظ الحرمة بحق الإيمان والهجرة  كَانَ ذَلِكَ  أي نسخ الميراث بالهجرة والمحالفة والمعاقدة ورده إلى ذوي الأرحام من القرابات  فِي الْكِتَابِ  أي في اللوح المحفوظ، أو في التوراة أو في القرآن  مَسْطُورًا  مكتوبا. 
١ إن أبسط مبادئ اللغة تقتضي شمول الذكران والإناث للتغليب، وهي قضية من البداهة حيث لا تحتاج إلى هذه الفنقيلات اللجوج فإذا قال الله يا أيها الذين آمنوا تناول نداؤه اللائي آمن، وإذا قال: (إنما المؤمنون إخوة) دل على إخوة المؤمنات فأزواجه صلى الله عليه وآله وسلم أمهات المؤمنات كما هن أمهات ذكران المؤمن. المطيعي..

### الآية 33:7

> ﻿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۖ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [33:7]

وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ  كأنه قال : يا أيها النبي اتق الله واذكر أن الله أخذ ميثاق الأنبياء أو التقدير كان هذا الحكم مكتوبا في الكتاب ووقت أخذنا، قاله السمين، قال قتادة أخذ الله الميثاق على النبيين خصوصا على أن يصدق بعضهم بعضا ويتبع بعضهم بعضا، أن ينصحوا لقومهم وأن يعبدوا الله ويدعوا الناس إلى عبادته، وإلى الدين القيم، وأن يبلغوا رسالات ربهم، وذلك حين أخرجوا من صلب آدم كالذر – وهو جمع ذرة – وهي أصغر النمل وهي صغيرة جدا، بحيث إن نحو الأربعين منها أصغر من جناح بعوضة – والميثاق هو اليمين، وقيل هو الإقرار بالله والوصية والأمر، والأول أولى، وقد سبق تحقيقه، ثم خصص سبحانه بعض النبيين بالذكر بعد التعميم الشامل لهم لغيرهم فقال :
 وَمِنكَ  خصوصا  وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ  ووجه تخصيصهم بالذكر الإعلام بأن لهم مزيد شرف وفضل لكونهم أصحاب الشرائع المشهورة، والكتب المذكورة، ومن أولي العزم من الرسل وتقديم ذكر نبينا صلى الله عليه وسلم مع تأخر زمانه فيه من التشريف له والتعظيم ما لا يخفى، وتقديم نوح في آية : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا، لأنها سقيت لوصف ما بعث به نوح من العهد القديم، وما بعث به نبينا صلى الله عليه وسلم من العهد الحديث وما بعث به من توسطهما من الأنبياء المشاهير، فكان تقديم نوح فيها أشد مناسبة للمقصود من بيان أصالة الدين وقدمه، وقاله الكرخي. ثم أكد ما أخذه على النبيين من الميثاق بتكرير ذكره ووصفه بالغلظ فقال :
 وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا  أي عهدا شديد على الوفاء بما حملوا أو ما أخذه الله عليهم من عبادته والدعاء إليها، ويجوز أن يكون قد أخذ الله عليهم الميثاق مرتين : فأخذه عليهم في المرة الأولى مجرد الميثاق بدون تغليظ ولا تشديد، ثم أخذه عليهم ثانية مغلظا شديدا، ومثل هذه الآية قوله : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه 
أخرج الطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل عن أبي مريم الغساني أن أعرابيا قال : يا رسول الله أي شيء كان أول نبوتك قال : أخذ الله مني الميثاق كما أخذ من النبيين ميثاقهم، ثم تلا هذه الآية إلى قوله : ميثاقا غليظا، ودعوة إبراهيم قال : وابعث فيهم رسولا منهم، وبشرى عيسى ابن مريم، ورأت أم رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامها أنه خرج من بين رجليها سراج أضاءت له قصور الشام. 
وعن ابن عباس قال : قيل يا رسول الله متى أخذ ميثاقك ؟ قال وآدم بين الروح والجسد، وعنه قال : قيل يا رسول الله متى كنت نبيا ؟ قال : وآدم بين الروح والجسد، أخرجه البزار والطبراني، وفي الباب أحاديث قد صحح بعضها. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الآية : كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث، فبدأ بي قبلهم. أخرجه ابن عساكر، وابن مردويه، وأبو نعيم. وعن ابن عباس قال ميثاقهم عهدهم، وعنه قال إنما أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم.

### الآية 33:8

> ﻿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ۚ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا [33:8]

لِيَسْأَلَ  أي لكي يسأل  الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ  في تبليغ الرسالة إلى قومهم تبكيتا للكافرين بهم، وفي هذا وعيد لغيرهم لأنهم إذا كانوا يسألون عن ذلك فكيف غيرهم ؟ وقيل ليسأل الأنبياء عما أجابهم به قومهم كما في قوله  فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين . وقوله  يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم . وقيل فعل ذلك ليسأل. وقيل : عن صدقهم عن عملهم لله عز وجل. وقيل : ليسأل الصادقين بأفواههم عن صدقهم في قلوبهم والكافرين عن تكذيبهم، فاستغنى عن الثاني بذكر مسببه وهو قوله :
 وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ  وقيل التقدير أثاب الصادقين، وأعد للكافرين وقيل : المعنى أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه ليثيب المؤمنين، وأعد للكافرين  عَذَابًا أَلِيمًا  قاله السمين، قيل : الكلام قد تم عند قوله عن صدقهم وجملة  وَأَعَدَّ  مستأنفة لبيان ما أعده للكفار.

### الآية 33:9

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا [33:9]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ  الكائنة  عَلَيْكُمْ  هذا تحقيق لما سبق من الأمر بالتقوى بحيث لا يبقى معه خوف من أحد  إِذْ  أي حين. 
 جَاءتْكُمْ جُنُودٌ  والمراد بها جنود الأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وغزوه إلى المدينة وهي الغزوة المسماة غزوة الخندق وكانت بعد حرب أحد بسنة[(١)](#foonote-١) وهم أبو سفيان بن حرب بقريش ومن معهم من الألفاف، وعيينة ابن حصن الفزاري ومن معه من قومه غطفان، وبنوا قريظة والنضير فضايقوا المسلمين مضايقة شديدة كما وصف الله سبحانه في هذه الآيات، وكانت هذه الغزوة في شوال سنة خمس من الهجرة قاله ابن اسحق. وقال ابن وهب، وابن القاسم، عن مالك كانت في سنة أربع. وقد بسط أهل السير في هذه الوقعة ما هو معروف فلا نطيل بذكرها. 
أخرج الحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل، وابن عساكر من طرق عن حذيفة قال : لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعودا، وأبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا. وقريظة اليهود أسفل منا نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة، ولا أشد ريحا في أصوات ريحها أمثال الصواعق، وهي ظلمة ما يرى أحد منا أصبعه. فجعل المنافقون يستأذنون رسول الله ويقولون : إن بيوتنا عورة. وما هي بعورة فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له، فيتسللون. ونحن ثلثمائة أو نحو ذلك إذا استقبلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا رجلا حتى مر علي وما علي جنة من العدو، ولا من البرد إلا مرط لامرأتي ما يجاوز ركبتي، فأتاني وأنا جاث على ركبتي فقال : من هذا ؟ فقلت : حذيفة، قال : حذيفة ؟ فتقاصرت إلى الأرض فقلت : بلى يا رسول الله – كراهية أن أقوم – قال قم، فقال : إنه كان في القوم خبر فأتني بخبر القوم، قال : وأنا من أشد القوم فزعا وأشدهم قرا فخرجت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم احفظه من بين يديه. ومن خلفه، وعن يمينه. وعن شماله، ومن فوقه، ومن تحته. قال : فوالله ما خلق الله فزعا ولا قرا في جوفي فما أجد منه شيئا، فلما وليت قال يا حذيفة، لا تحدثن في القوم شيئا حتى تأتيني، فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت في ضوء نار لهم توقد، وإذا رجل أدهم ضخم يقول بيده على النار، 
ويمسح خاصرته ويقول : الرحيل، الرحيل، ثم دخلت العسكر فإذا أدنى الناس مني بنو عامر يقولون : يا آل عامر الرحيل، الرحيل، لا مقام لكم وإذا الريح في عسكرهم ما تجاوز شبرا فوالله إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفرشهم، الريح تضربهم، ثم خرجت نحو النبي صلى الله عليه وسلم فلما انتصفت في الطريق أو نحو ذلك إذا أنا بنحو من عشرين فارسا معتمين فقالوا أخبر صاحبك أن الله كفاه القوم، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، وهو مشتمل في شملة يصلي، وكان إذا حزبه أمر صلى، فأخبرته خبر القوم أني تركتهم يترحلون، وأنزل الله : يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود  الآية. 
وعن ابن عباس في قوله : إذ جاءتكم جنود، قال : كان يوم أبي سفيان يوم الأحزاب  فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا  قال مجاهد هي ريح الصبا أرسلت على الأحزاب يوم الخندق حتى ألقت قدورهم، ونزعت فساطيطهم، وهي ريح تهب من الشرق، وكانت باردة شديدة جدا، ومع هذا لم تتجاوزهم. ويدل على هذا ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من قوله :( نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور ) أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث ابن عباس. 
وعنه قال لما كان ليلة الأحزاب جاءت الشمال إلى الجنوب فقالت انطلقي فانصري الله ورسوله، فقالت الجنوب إن الحرة لا تسري بالليل فغضب الله عليها وجعلها عقيما، فأرسل الله عليهم الصبا فأطفأت نيرانهم وقطعت أطنابهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور، فذلك قوله فأرسلنا عليهم ريحا الآية، وقيل الصبا ريح فيها روح ما هبت على محزون إلا ذهب حزنه، للشعراء تفنن بها كثير يعرفه كل من له إلمام بدواوينهم. 
 وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا  وهي الملائكة، وكانوا ألفا، ولم يقاتلوا، وإنما ألقوا الرعب في قلوب الأحزاب. قال المفسرون : بعث الله عليهم الملائكة فقلعت الأوتاد، وقطعت أطناب الفساطيط، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وجالت الخيل بعضها في بعض، وأرسل الله عليهم الرعب، وكثر تكبيرهم في جوانب العسكر، حتى كان سيد كل قوم يقول لقومه يا بني فلان هلم إلي فإذا اجتمعوا قال لهم النجاء النجاء، فانهزموا من غير قتال  وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ  أيها المسلمون من ترتيب الحرب، وحفر الخندق، واستنصاركم به، وتوكلكم عليه  بَصِيرًا  وقرئ يعملون بالتحتية أي بما يعلمه الكفار من العناد لله ولرسوله والتحزب على المسلمين واجتماعهم عليهم من كل جهة. 
١ الصحيح ؟أنها وقعت بعد أحد بسنتين أي في السنة من الخامسة من الهجرة في شهر شوال على التحديد أما غزوة أحد فكانت في السنة الثالثة من الهجرة في شهر شوال على التحديد أما غزوة أحد فكانت في السنة الثالثة من الهجرة وبين الغزوتين حديث أحداث تتخم هذين العامين كيوم الرجيع ورهط عضل والقارة واستشهاد زيد بن الدثنة وخبيب وأصحابهما بماء هذيل ثم بئر معونة ثم إجلاء بني النضير في السنة الرابعة وغزوة ذات الرقاع وغزوة بدر الآخرة ثم غزوة دومة الجندل ثم الخندق. المطيعي..

### الآية 33:10

> ﻿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا [33:10]

إِذْ جَاءوكُم مِّن فَوْقِكُمْ  أي اذكر إذ جاءوكم من أعلى الوادي، وهو من جهة المشرق والذين جاءوا من هذه الجهة هم غطفان وسيدهم عيينة بن حصن، وهوازن وسيدهم عوف ابن مالك، وأهل نجد وسيدهم طليحة بن خويلد الأسدي، وانضم إليهم عوف بن مالك، وبنوا النضير. وعن عائشة في الآية قالت كان ذلك يوم الخندق  وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ  أي من أسفل الوادي من جهة المغرب من ناحية مكة، وهم قريش ومن معهم من الأحابيش وسيدهم أبو سفيان بن حرب وجاء أبو الأعور السلمي ومعه حيي بن أخطب اليهودي في يهود بني قريظة من وجه الخندق ومعهم عامر بن الطفيل. 
 وَإِذْ  معطوف على ما قبله داخل معه في حكم التذكير  زَاغَتْ الأَبْصَارُ  أي مالت وعدلت عن كل شيء فلم تنظر إلا عدوها مقبلا من كل جانب، وقيل شخصت دهشا من فرط الهول والحيرة  وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ  جمع حنجرة، وهي جوف الحلقوم، وقيل رأس الغلصمة، والغلصمة رأس الحلقوم، وقيل هي منتهى الحلقوم، والحلقوم مجرى الطعام والشراب وقيل مجرى النفس، والمريء مجرى الطعام والشراب، وهو تحت الحلقوم وقال الراغب رأس الغلصمة من خارج، والمعنى ارتفعت القلوب عن مكانها ووصلت من الفزع والخوف إلى الحناجر، فلولا أنه ضاق الحلقوم عنها وهو الذي نهايته الحنجرة لخرجت، كذا قال قتادة، وقيل هو على طريق المبالغة المعهودة في كلام العرب وإن لم ترتفع القلوب إلى ذلك المكان ولا خرجت عن موضعها، ولكنه مثل في اضطرابها وجبنها، قال الفراء والمعنى أنهم جبنوا وجزع أكثرهم، وسبيل الجبان إذا اشتد الخوف أن تنتفخ رئته، فإذا انتفخت الرئة ارتفع القلب إلى الحنجرة، ولهذا يقال للجبان : انتفخ سحره. 
 وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا  المختلفة، فبعضهم ظن النصر ورجا الظفر، وبعضهم ظن خلاف ذلك. وقال الحسن ظن المنافقون أنه يستأصل محمد وأصحابه وظن المؤمنون أنه ينصر. وقيل : الآية خطاب للمنافقين، والأولى ما قاله الحسن، فيكون الخطاب لمن أظهر الإسلام على الإطلاق، أعم من أن يكون مؤمنا في الواقع أو منافقا. 
واختلف القراء في الألف في الظنونا، فأثبتها وصلا ووقفا جماعة وتمسكوا بخط المصحف العثماني، وجميع المصاحف في البلدان، فإن الألف فيها كلها ثابت وتمسكوا أيضا بما في أشعار العرب من مثل هذا. وأيضا أن هذه الألف تشبه هاء السكت لبيان الحركة، وهاء السكت تثبت وقفا، للحاجة إليها، وقد تثبت وصلا إجراء للوصل مجرى الوقف، وقرئ بحذفها في الوصل والوقف معا لأنها لا أصل لها، وقالوا هي من زيادات الخط فكتبت كذلك ولا ينبغي النطق بها، وأما الشعر فهو يجوز فيه للضرورة ما لا يجوز في غيره، وقولهم : أجريت الفواصل مجرى القوافي غير معتد به، لأن القوافي يلزم الوقف عليها غالبا، والفواصل لا يلزم ذلك فيها فلا تشبه بها، وقرئ بإثباتها وقفا، وحذفها وصلا إجراء للفواصل مجرى القوافي في ثبوت ألف الإطلاق ولأنها كهاء السكت، وهي تثبت وقفا وتحذف وصلا، قاله السمين وهذه القراءة راجحة باعتبار اللغة العربية، وهذه الألف هي التي تسميها النحاة ألف الإطلاق، والكلام فيها معروف على علم النحو، وهكذا اختلف القراء في الألف التي في قوله : الرسولا والسبيلا، كما يأتي في آخر هذه السورة.

### الآية 33:11

> ﻿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا [33:11]

هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ  ظرف مكان يقال للمكان البعيد : هنالك كما يقال للقريب هنا، وللمتوسط : هناك. أي في ذلك المكان الدحض وهو الخندق، وقد يكون ظرف زمان، أي عند ذلك الوقت ابتلوا وهو منصوب بابتلى، وقيل : بتظنون واستضعفه ابن عطية، والمعنى : إن في ذلك المكان أو الزمان اختبر المؤمنون بالخوف والقتال والجوع والحصر وغيرها ليتبين المؤمن من المنافق وامتحنوا بالصبر على الإيمان. 
 وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا  قرأ الجمهور زلزلوا بضم الزاي الأولى ؛ وكسر الثانية على ما هو الأصل في المبني للمفعول، وروي عن أبي عمرو أنه قرأ بكسر الأولى وروى الزمخشري عنه أنه قرأ بإشمامها كسرا، وقرأ الجمهور زلزالا بكسر الزاي الأولى وقرأ عاصم، والجحدري، وعيسى بن عمر بفتحها، وهما لغتان. 
قال الزجاج، كل مصدر من المضاعف على فعلال يجوز فيه الكسر والفتح نحو قلقلته قلقالا وزلزلوا زلزالا، والكسر أجود، وقد يراد بالمفتوح اسم الفاعل نحو صلصال، بمعنى مصلصل، وزلزال بمعنى مزلزل قال ابن سلام معنى زلزلوا حركوا بالخوف تحريكا شديدا بليغا. 
وقال الضحاك : هو إزاحتهم عن أماكنهم حتى لم يكن لهم إلا موضع الخندق. وقيل : المعنى أنهم اضطربوا اضطرابا مختلفا، فمنهم من اضطرب في نفسه، ومنهم من اضطرب في دينه.

### الآية 33:12

> ﻿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا [33:12]

وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ  يعني : معتب بن قشير، وقيل عبد الله بن أبي وأصحابه  وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ  هو الشك والريبة أي أهل الشك والاضطراب، قيل هم قوم لا بصيرة لهم في الدين كان المنافقون يستميلونهم بإدخال الشبهة عليهم : مَّا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ  من النصر والظفر أو فتح فارس والروم  إِلا غُرُورًا  أي : باطلا من القول، وكان القائلون بهذه المقالة نحو سبعين رجلا من أهل النفاق والشك، وهذا القول المحكي عن هؤلاء كالتفسير للظنون المذكورة، أي كان ظن هؤلاء هذا الظن كما كان ظن المؤمنين النصر، وإعلاء كلمة الله.

### الآية 33:13

> ﻿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ۚ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا [33:13]

وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ  قال مقاتل : هم بنو سالم من المنافقين وقال السدي هو عبد الله بن أبي وأصحابه، وقيل هم أوس بن قيظي وأصحابه. والطائفة تقع على الواحد فما فوقه، والقول الذي قالته هذه الطائفة هو قوله :
 يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ  أي لا موضع، ولا مكانة إقامة لكم ؛ أو لا إقامة لكم ههنا في العسكر. قرئ ( مقام ) بفتح الميم وبضمها على أنه مصدر من أقام يقيم، وعلى الأولى هو اسم مكان، وهما سبعيتان. 
قال أبو عبيدة يثرب اسم الأرض ومدينة النبي صلى الله عليه وسلم في ناحية منها، قال السهيلي وسميت يثرب لأن الذي نزلها من العمالقة اسمه يثرب بن عميل، وقيل يثرب اسم لنفس المدينة، ولم تصرف للعلمية ووزن الفعل فإنها على وزن يضرب. 
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت بقرية تأكل القرى يقولون يثرب وهي المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد. 
وأخرج أحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن البراء بن عازب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله، هي طابة، هي طابة، هي طابة ). ولفظ أحمد : إنما هي طابة وإسناده ضعيف. وكأنه صلى الله عليه وسلم كره هذه اللفظة لما فيها من التثريب وهو التقريع، والتوبيخ. 
 فَارْجِعُوا  أمرهم بالهرب من عسكر النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين خرجوا عام الخندق حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع[(١)](#foonote-١) والخندق بينهم وبين القوم فقال هؤلاء المنافقون ليس ههنا موضع إقامة وأمروا الناس بالرجوع إلى منازلهم بالمدينة، وسلع جبل خارج المدينة قريب منها بينها وبين الخندق، وقيل : المعنى ارجعوا عن الإيمان إلى الكفر، وقيل عن القتال، والأول أولى  وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ  في الرجوع إلى منازلهم وهم بنو حارثة، وبنو سلمة. 
 يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ  أي ضائعة سائبة، ليست بحصينة ولا ممتنعة من العدو، وقال ابن عباس مخلية نخشى عليها السرق. وعن جابر نحوه. قال الزجاج يقال : عور المكان يعور عورا وعورة، وبيوت عورة وعورة وهي مصدر. قال مجاهد، ومقاتل، والحسن قالوا : بيوتنا ضائعة نخشى عليها السراق. وقال قتادة : قالوا بيوتنا مما يلي العدو، ولا نأمن على أهلنا. قال الهروي : كل مكان ليس بممنوع ولا مستور فهو عورة، والعورة في الأصل الخلل في البناء ونحوه، بحيث يمكن دخول السارق فيها، فأطلقت على المختل، والمراد ذوات عورة وقرئ عورة بكسر الواو أي قصيرة الجدران. 
قال الجوهري : العورة كل حال يتخوف منه في ثغر أو حرب، قال النحاس : يقال أعور المكان إذا تبينت فيه عورة، وأعور الفارس إذا تبين منه موضع الخلل، ثم رد الله سبحانه عليهم بقوله :
 وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ  فكذبهم الله سبحانه فيما ذكروه، ثم بين سبب استئذانهم وما يريدونه به فقال :
 إِن يُرِيدُونَ إِلا فِرَارًا  أي ما يريدون إلا الهروب من القتال، وقيل المراد ما يريدون إلا الفرار من الدين. 
١ جبل حول المدينة يلي هضبة بني حرام، وهضبة بني النجار وفيها منزل حساب بن ثابت الذي لجأ إليه النساء والأطفال من آل البيت وكانوا يشرفون من هذه البيت على منازل بني قريظة المطيعي.
 .

### الآية 33:14

> ﻿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا [33:14]

وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا  يعني بيوتهم، أو المدينة، والأقطار النواحي، جمع قطر وهو الجانب والناحية، والمعنى لو دخلت عليهم بيوتهم أو المدينة من جوانبها جميعا لا من بعضها هذه العساكر المتحزبة، ونزلت بهم هذه النازلة الشديدة، واستبيحت ديارهم. وهتكت حرمهم ومنازلهم. 
 ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ  من جهة أخرى عند نزول هذه النازلة الشديدة بهم  لآتَوْهَا  أخرج البيهقي في الدلالة عن ابن عباس قال : جاء تأويل هذه الآية على رأس ستين سنة، يعني إدخال بني حارثة أهل الشام[(١)](#foonote-١) على المدينة، ومعنى الفتنة هنا إما القتال في العصبية كما قال الضحاك، أو الشرك بالله، أو الرجعة إلى الكفر الذي يبطنونه ويظهرون خلافه كما قال الحسن قرئ لآتوها بالمد أي لأعطوها من أنفسهم، وبالقصر أي لجاؤوها وفعلوها، وهما سبعيتان. 
 وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا  أي بالمدينة بعد أن أتوا الفتنة  إِلا  تلبثا  يَسِيرًا  حتى يهلكوا كذا قال الحسن والسدي والفراء والقتيبي، وقال أكثر المفسرين : إن المعنى وما احتبسوا عن فتنة الشرك إلا قليلا، بل هم مسرعون إليها راغبون فيها لا يقفون عنها إلا مجرد وقوع السؤال لهم، ولا يتعللون عن الإجابة بأن بيوتهم في هذه الحالة عورة مع أنها قد صارت عورة على الحقيقة، كما تعللوا عن إجابة الرسول والقتال معه بأنها عورة ولم تكن إذ ذاك عورة، ثم حكى الله سبحانه عنهم ما قد كان وقع منهم من قبل من المعاهدة لله ولرسوله بالثبات في الحر، وعدم الفرار عنه فقال :{ وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُولا ( ١٥ )
١ عندما دخلت جيوش بني أمية الحجاز ودحرت جيوش عبد الله بن الزبير وقتلته في الكعبة صلبته وحرقته ومثلت به، وكان ذلك في يوم الثلاثاء لسبع خلت من جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين. المطيعي..

### الآية 33:15

> ﻿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ ۚ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا [33:15]

وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللهَ مِن قَبْلُ  أي حلفوا من قبل غزوة الخندق، ومن بعد بدر أن لا يولوا ظهورهم فرار من العدو، بل يثبتوا على القتال حتى يموتوا شهداء، وهم قوم لم يحضروا وقعة بدر. قال قتادة وذلك أنهم غابوا عن بدر، ورأوا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة والنصر فقالوا : لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلن. 
 لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ  أي لا ينهزمون وجاء على حكاية اللفظ فجاء بلفظ الغيبة، ولو جاء على حكاية المعنى لقيل : لا نولي  وَكَانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُولا  عنه ومطلوبا صاحبه بالوفاء به، ومجازى على ترك الوفاء به.

### الآية 33:16

> ﻿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا [33:16]

قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ  لأنه لا بد لكل إنسان من الموت إما حتف نفسه أو بقتل بالسيف في وقت معين، سبق به القضاء وجرى به القلم، فمن حضر أجله مات أو قتل، فرأولم يفر. 
 وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ  أي : وإن نفعكم الفرار مثلا فمتعتم بالتأخير لم يكن ذلك التمتع  إِلا  تمتعا أو زمانا  قَلِيلا  بعد فراركم إلى أن تنقضي آجالكم وكل آت قريب، قرئ : تمتعون بالفوقية والتحتية وبحذف النون.

### الآية 33:17

> ﻿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً ۚ وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [33:17]

قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم  أي يجيركم  مِّنَ اللهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا ؟  أي هلاكا أو هزيمة أو نقصا في الأموال وجدبا ومرضا  أَوْ  يصيبكم بسوء إن
 أَرَادَ  الله  بِكُمْ رَحْمَةً  ؟ يرحمكم بها من خصب ونصر وعافية وإطالة عمر، وهذا على حد قوله : علفتها تبنا وماء باردا، وليس معمولا للسابق، وهو : يعصمكم، لعدم صحة المعنى عليه. 
وفي السمين قال الزمخشري : فإن قلت : كيف جعلت الرحمة قرينة السوء في العصمة ولا عصمة إلا من الشر ؟ قلت : معناه أو يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة فاختصر الكلام، وأجرى مجرى قوله : متقلدا سيفا ورمحا، وحمل الثاني على الأول لما في العصمة من منع المنع. قال الشيخ : أما الوجه الأول ففيه حذف جملة لا ضرورة تدعوا إلى حذفها، والثاني هو الوجه، لا سيما إذا قدر مضاف محذوف، أي يمنعكم من مراد الله، قلت : وأين الثاني من الأول ولو كان معه حذف جمل ؟ انتهى. 
 وَلا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللهِ  أي غيره  وَلِيًّا  يواليهم وينفعهم ويدفع الضرر عنهم  وَلا نَصِيرًا  ينصرهم من عذاب الله

### الآية 33:18

> ﻿۞ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا ۖ وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا [33:18]

قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ  يقال : عاقه واعتاقه وعوقه إذا صرفه عن الوجه الذي يريده. 
 وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا  قال الواحدي : قال المفسرون : هؤلاء قوم من المنافقين كانوا يثبطوا أنصار النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أنهم قالوا لهم : ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحما لا لتقمهم أبو سفيان وحزبه، فخلوهم وتعالوا إلينا، وقيل : إن القائل لهذه المقالة اليهود، ومعنى هلم : أقبل وأحضر، اسم فعل أمر : وأهل الحجاز يسوون فيه بين الواحد والجماعة والمذكر والمؤنث وعند غيرهم من العرب كبني تميم فعل أمر، يقولون : هلم للواحد المذكر، وهلمي للمؤنث، وهلما للاثنين وهلموا للجماعة، وقد مر الكلام على هذا في سورة الأنعام، والمعنى : ارجعوا إلينا واتركوا محمدا فلا تشهدوا معه الحرب فإنا نخاف عليكم الهلاك، وقيل : تعالوا إلينا لتستريحوا يعني أن يهود المدينة طلبوا المنافقين ليستريحوا، وخوفوا المؤمنين ليرجعوا، وهلم هنا لازم، وفي الأنعام متعد لنصبه مفعوله، وهو شهداءكم، بمعنى أحضروهم، وههنا بمعنى احضروا وتعالوا، وكلام الزمخشري هنا مؤذن بأنه متعد أيضا، وحذف مفعوله فإنه قال : هلموا إلينا أي قربوا أنفسكم إلينا. 
وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ } أي الحرب والقتال  إِلا  إتيانا  قَلِيلا  خوفا من الموت ويقفون قليلا مقدار ما يرى شهودهم ثم ينصرفون، وقيل : المعنى لا يحضرون القتال إلا رياء وسمعة من غير اكتساب، ولو كان ذلك القليل لله لكان كثيرا.

### الآية 33:19

> ﻿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ۖ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ۖ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ۚ أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [33:19]

أَشِحَّةً  أي بخلاء  عَلَيْكُمْ  لا يعاونونكم بحفر الخندق ولا بالنفقة في سبيل الله قاله مجاهد وقتادة، وقيل : أشحة بالقتال معكم، وقيل : بالنفقة على فقرائكم ومساكينكم، وقيل : أشحة بالغنائم إذا أصابوها، قاله السدي. العامة على نصب : أشحة، وفيه وجهان. 
أحدهما : أنه منصوب على الذم. 
والثاني : على الحال من ضمير : يأتون قاله الزجاج أو هلم إلينا قاله الطبري، وقرئ بالرفع أي هم أشحة وهو جمع شحيح، وهو جمع لا يقاس عليه، إذ قياس فعيل الوصف الذي عينه ولامه من واد واحد أن يجمع على أفعلاء نحو خليل وأخلاء، وظنين، وأظناء، وضنين وأضناء، وقد سمع أشحاء وهو القياس، والشح، البخل وتقدم في آل عمران قاله السمين. 
 فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ  من قبل العدو قاله السدي أو منه صلى الله عليه وسلم قاله ابن شجرة  رَأَيْتَهُمْ  أي أبصرتهم  يَنظُرُونَ إِلَيْكَ  في تلك الحالة خوفا من القتال على القول الأول، ومن النبي صلى الله عليه وسلم على الثاني  تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ  يمينا وشمالا لذهول عقولهم حتى لا يصح منهم النظر إلى جهة، وقيل لشدة خوفهم حذرا أن يأتيهم القتل من كل جهة، وذلك سبيل الجبان إذا شاهد ما يخافه. 
 كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ  أي كدوران عين الذي قرب من الموت، وهو الذي نزل به الموت وغشيته أسبابه، فيذهل إليه، ويذهب عقله ويشخص بصره، فلا يطرف، كذلك هؤلاء تشخص أبصارهم لما يلحقهم من الخوف، ويقال للميت إذا شخص بصره دارت عيناه ودارت حماليق عينيه. 
 فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم  أي استقبلوكم  بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ  أي ذربة تفعل كفعل الحديد يقال : سلق فلان بلسانه إذا أغلظ له في القول مجاهرا، قال الفراء : أي آذوكم بالكلام في الأمن بألسنة سليطة ذربة ويقال : خطيب مسلاق ومصلاق إذا كان بليغا، قال القتيبي : المعنى آذوكم بالكلام الشديد، والسلق : الأذى قال ابن عباس : معناه عضوكم وتناولوكم بالنقص والغيبة، قال قتادة : المعنى بسطوا ألسنتهم فيكم في وقت قسمة الغنيمة يقولون أعطونا فإنا قد شهدنا معكم فعند الغنيمة أشح قوم وأبسطهم لسانا، ووقت البأس أجبن قوم وأخوفهم، قال النحاس وهذا قول حسن. 
 أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ  أي على الغنيمة يشاحون المسلمين عند القسمة، قاله يحيى بن سلام، وقيل على المال أن ينفقوه في سبيل الله قاله السدي، ويمكن أن يقال معناه إنهم قليلو الخير من غير تقييد بنوع من أنواعه  أُوْلَئِكَ  الموصوفون بتلك الصفات. 
 لَمْ يُؤْمِنُوا  إيمانا خالصا بل هم المنافقون يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر  فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمَالَهُمْ  أي أبطلها بمعنى أظهر بطلانها لأنها لم تكن أعمالا صحيحة تقتضي الثواب حتى يبطلها الله وتحبط، قال مقاتل أبطل جهادهم لأنه لم يكن في إيمان، أو المراد أبطل تصنعهم ونفاقهم فلم يبق مستتبعا لمنفعة دنيوية أصلا  وَكَانَ ذَلِكَ  الإحباط لأعمالهم أو كان نفاقهم  عَلَى اللهِ يَسِيرًا  هينا بإرادته.

### الآية 33:20

> ﻿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا ۖ وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ ۖ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا [33:20]

يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا  أي يحسب هؤلاء المنافقون لجبنهم أن الأحزاب أي قريشا وغطفان واليهود باقون في معسكرهم لم يذهبوا إلى ديارهم، ولم ينهزموا ففروا
إلى داخل المدينة، وذلك لما نزل بهم من الفشل والروع والفرق والجبن. 
 وَإِن يَأْتِ الأَحْزَابُ  مرة أخرى بعد هذه المرة والذهاب  يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ  أي يتمنون لو أنهم كانوا في بادية لما حل بهم من الرهبة، والبادي خلاف الحاضر، يقال : بدا يبدو بداوة إذا خرج إلى البادية وسكنها. 
 يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ  وأخباركم وما آل إليه أمركم، وما جرى لكم، كل قادم عليهم من جهتكم، أو يسأل بعضهم بعضا عن الأخبار التي بلغته من أخبار الأحزاب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعنى أنهم يتمنون أنهم بعيد عنكم يسألون عن أخباركم من غير مشاهدة للقتال، لفرط جبنهم وضعف نياتهم  وَلَوْ كَانُوا فِيكُم  أي معكم في هذه الغزوة مشاهدين للقتال  مَّا قَاتَلُوا  معكم  إِلا  قتالا  قَلِيلا  خوفا من العار وحمية على الديار، أو رياء من غير احتساب.

### الآية 33:21

> ﻿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [33:21]

لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ  أي قدوة صالحة، يقال : لي في فلان أسوة أي لي به اقتداء، والأسوة من الائتساء كالقدوة من الاقتداء اسم يوضع موضع المصدر يقال : ائتسى فلان بفلان أي اقتدى به، قال الجوهري الأسوة والإسوة بالضم والكسر والجمع أسى وإسى وقد قرئ بهما وهما سبعيتان وهما أيضا لغتان كما قال الفراء وغيره. 
وفي هذه الآية عتاب للمتخلفين عن القتال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أي لقد كان لكم في رسول الله حيث بذل نفسه للقتال، وخرج إلى الخندق لنصرة دين الله أسوة، والمعنى اقتدوا به اقتداء حسنا، وهو أن تنصروا دين الله وتوازروا رسوله ولا تتخلفوا عنه، وتصبروا على ما يصيبكم كما فعل هو إذ كسرت رباعيته، وجرح وشج وجهه، وجاع بطنه، وقتل عمه حمزة، وأوذي بضروب الأذى فصبر، وواساكم مع ذلك بنفسه، فافعلوا أنتم كذلك أيضا، واستنوا بسنته، وهذه الآية وإن كان سببها خاصا فهي عامة في كل شيء ؛ومثلها : وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا  وقوله : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله . 
عن ابن عمر قال في الآية : هذا في جوع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد استدل بهذه الآية جماعة من الصحابة في مسائل كثيرة اشتملت عليها كتب السنة، وهي خارجة عما نحن بصدده، نعم فيه دلالة على لزوم الإتباع، وترك التقليد الحادث الذي أصيب به الإسلام، أي مصيبة وهل هذه الأسوة على الإيجاب أو على الاستحباب، فيه قولان، قال القرطبي يحتمل أن تحمل على الإيجاب في أمور الدين، وعلى الاستحباب في أمور الدنيا. 
 لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ  أي حسنة كائنة لمن يرجو الله والمراد أنهم الذين يرجون الله ويخافون عذابه، يعني يرجون ثوابه ولقاءه  وَالْيَوْمَ الآخِرَ  أي أنهم يرجون رحمة الله فيه أو يصدقون بحصوله، وأنه كائن لا محالة وهذه الجملة تخصيص بعد التعميم بالجملة الأولى. 
 وَذَكَرَ اللهَ  أي ولمن ذكر الله في جميع أحواله ذكرا  كَثِيرًا  وجمع بين الرجاء لله والذكر له فإن بذلك تتحقق الأسوة الحسنة برسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بين سبحانه وقع من المؤمنين المخلصين عند رؤيتهم للأحزاب ومشاهدتهم لتلك الجيوش التي أحاطت بهم كالبحر العباب فقال : وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ

### الآية 33:22

> ﻿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [33:22]

وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ  الإشارة بهذا إلى ما رأوه من الجيوش أو إلى الخطب الذي نزل، والبلاء الذي دهم، وهذا القول منهم قالوه استبشارا بحصول ما وعدهم الله ورسوله من مجيء هذه الجنود وأن يتعقب مجيئهم إليهم نزول النصر والظفر من عند الله، و  ما  في  ما وعدنا  هي الموصولة أو المصدرية، ثم أردفوا ما قالوه بقولهم :
 وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ  أي ظهر صدق خبرهما ووجه إظهار الاسم الشريف والرسول بعد قوله  ما وعدنا الله ورسوله ، هو قصد التعظيم، وأيضا لو أضمرهما لجمع بين ضميري الله ورسوله في لفظ واحد وقال صدقا، وقد ورد النهي عن جمعهما كما في حديث \[ بئس خطيب القوم أنت \]، لمن قال ومن يعصهما فقد غوى، وأما قوله صلى الله عليه وسلم \[ من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما \]، فالجواب أنه صلى الله عليه وسلم أعرف بقدر الله منا فليس لنا أن نقول كما يقول : قاله السمين. 
 وَمَا زَادَهُمْ  ما رأوه من اجتماع الأحزاب عليهم ومجيئهم  إِلا إِيمَانًا  بالله  وَتَسْلِيمًا  لأمره، قال الفراء : ما زادهم النظر إلى الأحزاب إلا ذلك قال علي بن سليمان رأي يدل على الرؤية، وتأنيث الرؤية غير حقيقي ؛ والمعنى ما زادهم الرؤية إلا إيمانا بالرب ؛ وتسليما للقضاء، ولو قال ما زادتهم لجاز، وعن ابن عباس قال : في الآية إن الله قال لهم في سورة البقرة  أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء ، فلما مسهم البلاء حيث رابطوا الأحزاب في الخندق قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله فتأول المؤمنون ذلك فلم يزدهم إلا إيمانا وتسليما.

### الآية 33:23

> ﻿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [33:23]

مِنَ الْمُؤْمِنِينَ  المخلصين  رِجَالٌ صَدَقُوا  أي أتوا بالصدق من صدقني إذا قال الصدق  مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ  أي وفوا بما عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة من الثبات معه والمقاتلة لمن قاتله، بخلاف من كذب في عهده وخان الله ورسوله، وهم المنافقون، وقيل هم الذين نذروا أنهم إذا لقوا حربا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبتوا له ولم يفروا. 
أخرج البخاري وغيره عن أنس :\[ نرى هذه الآية نزلت في أنس ابن النضر \]، وأخرج ابن سعد، وأحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، والبغوي في معجمه وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو نعيم والبيهقي عن أنس قال :( غاب عمي أنس بن النضر عن بدر فشق عليه وقال أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه ؟ لئن أراني الله مشهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرين الله ما أصنع، فشهد يوم أحد فاستقبله سعد بن معاذ قال يا أبا عمرو أين ؟ قال واها لريح الجنة أجدها دون أحد، فقاتل حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون من بين طعنة وضربة ورمية، ونزلت هذه الآية، وكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه. وقد روي عنه نحوه من طريق أخرى عند الترمذي وصححه، والنسائي وغيرهما. 
وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من أحد مر على مصعب بن عمير وهو مقتول فوقف عليه ودعا له، ثم قرأ : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ  ثم قال : أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله، فأتوهم وزوروهم، والذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه، وقد تعقب الحاكم، في تصحيحه الذهبي، كما ذكر ذلك السيوطي. 
ولكنه قد أخرج الحاكم حديثا آخر وصححه، وأخرجه أيضا البيهقي في الدلائل عن أبي ذر قال لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد مر على مصعب بن عمير مقتولا على طريقه، فقرأ  مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ  الآية وأخرج ابن مردويه من حديث خباب مثله، وهما يشهدان لحديث أبي هريرة، ثم فصل سبحانه حال الصادقين بما وعدوا الله ورسوله، وقسمهم إلى قسمين فقال :
 فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ  أي فرغ من نذره، ووفي بعهده، وصبر على الجهاد حتى استشهد، وقال ابن عمر : أي مات على ما هو عليه من التصديق والإيمان. والنحب ما التزمه الإنسان واعتقد الوفاء به وأوجبه على نفسه، والقتل، والموت. قال ابن قتيبة قضى نحبه أي : قتل. وأصل النحب : النذر كانوا يوم بدر نذروا إن لقوا العدو أن يقاتلوا حتى يقتلوا أو يفتح الله لهم فقتلوا، فقيل : فلان قضى نحبه، أي قتل. والنحب أيضا الحاجة وإدراك الأمنية يقول قائلهم : مالي عندهم نحب، والنحب العهد، ومعنى الآية أن من المؤمنين رجالا أدركوا أمنيتهم، وقضوا حاجتهم، ووفوا بنذرهم، فقاتلوا حتى قتلوا، وذلك يوم أحد كحمزة ومصعب بن عمير وأنس بن النضر. 
أخرج الترمذي وحسنه، وأبو يلعى، وابن جرير، وابن مردويه عن طلحة أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لأعرابي جاهل : سله عمن قضى نحبه من هو ؟ وكانوا لا يجترؤون على مسألته يوقرونه ويهابونه، فسأله الأعرابي، فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم إني طلعت من باب المسجد فقال : أين السائل عمن قضى نحبه ؟ قال الأعرابي أنا قال : هذا ممن قضى نحبه. 
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من حديثه نحوه. 
وأخرج الترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن معاوية قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ( طلحة ممن قضى نحبه ). 
وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :( من سره أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض قد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة ). أخرجه سعيد بن منصور، وأبو يعلى، وأبو نعيم، وابن المنذر وغيرهم. 
وأخرج ابن مردويه من حديث جابر مثله، وأخرج ابن منده وابن عساكر من حديث أسماء بنت أبي بكر نحوه. 
وأخرج أبو الشيخ وابن عساكر عن علي إن هذه الآية نزلت في طلحة. 
وأخرج أحمد والبخاري وابن مردويه عن سليمان بن صرد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم الأحزاب الآن نغزوهم ولا يغزونا. 
 وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ  قضاء نحبه حتى يحضر أجله كعثمان بن عفان، وطلحة، والزبير، وأمثالهم فإنهم مستمرون على الوفاء بما عاهدوا الله عليه من الثبات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقتال لعدوه، ومنتظرون لقضاء حاجتهم وحصول أمنيتهم بالقتل، وإدراك فضل الشهادة.  وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا  أي ما غيروا عهدهم الذي عاهدوا الله ورسوله عليه كما غير المنافقون عهدهم، بل ثبتوا عليه ثبوتا مستمرا، أما الذين قضوا نحبهم فظاهر، وأما الذين ينتظرون قضاء نحبهم فقد استمروا على ذلك حتى فارقوا الدنيا ولم يغيروا ولا بدلوا.

### الآية 33:24

> ﻿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [33:24]

لِيَجْزِيَ اللهُ  اللام يجوز أن يتعلق بصدقوا أو بزادهم أو بما بدلوا أو بمحذوف كأنه قيل : وقع جميع ما وقع ليجزي الله  الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ  بوفائهم بالعهد. 
 وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء  إذا لم يتوبوا  أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ  بما صدر عنهم من التغيير والتبديل إن تابوا، جعل المنافقين كأنهم قصدوا عاقبة السوء، وأرادوها بسبب تبديلهم وتغييرهم، كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم، فكل من الفريقين مسوق إلى عاقبة من الثواب والعقاب، فكأنما استويا في طلبها والسعي لتحصيلها، ومفعول إن شاء وجوابها محذوفان أي إن شاء تعذيبهم عذبهم، وذلك إذا أقاموا على النفاق، ولم يتركوه ولم يتوبوا عنه. 
 إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا  لمن تاب منهم بقبول التوبة  رَّحِيمًا  بمن أقلع عما كان عليه من النفاق بعفو الحوبه ثم رجع سبحانه، إلى حكاية بقية القصة وما امتن به على رسوله والمؤمنين من النعمة فقال : وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا

### الآية 33:25

> ﻿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ۚ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا [33:25]

وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا  وهم الأحزاب كأنه قيل ؛ وقع ما وقع من الحوادث ورد الله الذين كفروا  بِغَيْظِهِمْ  الباء للسببية  لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا  المعنى أن الله ردهم بغيظهم لم يشف صدورهم، ولا نالوا خيرا في اعتقادهم وهو الظفر بالمسلمين، أو لم ينالوا خيرا أي خير، بل رجعوا خاسرين لم يربحوا إلا عناء السفر، وغرم النفقة. 
 وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ  بما أرسله من الريح والجنود من الملائكة  وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا  على كل ما يريده إذا قال له : كن فيكون  عَزِيزًا  قاهرا غالبا لا يغالبه أحد من خلقه : ولا يعارضه معارض في سلطانه وجبروته. 
روى البخاري عن سلمان بن صرد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انجلى الأحزاب يقول :( الآن نغزوهم ولا يغزونا نحن نسير إليهم ).

### الآية 33:26

> ﻿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا [33:26]

وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم  أي عاضدوهم وعاونوهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم  مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ  وهم بنو قريظة فإنهم عاونوا الأحزاب من قريش وغطفان، ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاروا يدا واحدة مع الأحزاب وكانت في آخر ذي [(١)](#foonote-١) القعدة سنة خمس. 
وقيل : سنة أربع  مِن صَيَاصِيهِمْ  جمع صيصية وهي الحصون، وكل شيء يتحصن به فهو صيصية ؛ ومنه صيصية الديك، وهي الشوكة التي في رجله وصياصي البقر والظباء : قرونها لأنها تمنع بها، ويقال لشوكة الحائك الذي يسوي بها السدي واللحمة : صيصية. 
وأخرج أحمد، وابن مردويه، وابن أبي شيبة عن عائشة خرجت يوم الخندق أقفوا الناس فإذا أنا بسعد بن معاذ رماه رجل من قريش يقال له ابن الفرقة بسهم فأصاب أكلحه فقطعه، فدعا الله سعد فقال : اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من قريظة. 
فبعث الله الريح على المشركين وكفى الله المؤمنين القتال، ولحق أبو سفيان ومن معه بتهامه ؛ ولحق عيينة بن بدر ومن معه بنجد ورجعت بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وأمر ببقية من أدم فضربت على سعد في المسجد. 
قالت فجاء جبريل وإن على ثناياه لوقع الغبار، فقال أو قد وضعت السلاح ؟ لا والله ما وضعت الملائكة بعد السلاح. 
أخرج إلى بني قريظة فقاتلهم فلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته وأذن في الناس بالرحيل أن يخرجوا فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة. 
فلما اشتد حصرهم واشتد البلاء عليهم قيل لهم : انزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. 
قالوا : ننزل على حكم سعد بن معاذ فنزلوا وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن معاذ فأتى به على حمار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أحكم فيهم. 
قال فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبي ذراريهم، وتقسم أموالهم. 
فقال : لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله. 
 وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ  أي : الخوف الشديد حتى سلموا أنفسهم للقتل وأولادهم ونساءهم للسبي، وهي معنى قوله : فَرِيقًا تَقْتُلُونَ  منهم. 
 وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا  قرئ الفعلان بالتحتية وبالفوقية فيهما على الخطاب وبالفوقية في الأول وبالتحتية في الثاني فالفريق الأول هم الرجال والفريق الثاني هم النساء، والذرية. والجملة مبينة ومقررة لقذف الرعب في قلوبهم، ووجه تقديم المفعول في الأول وتأخيره في الثاني. أن الرجال لما كانوا أهل الشوكة وكان الوارد عليهم أشد الأمرين وهو القتل كان الاهتمام بتقديم ذكرهم أنسب بالمقام. 
وقد اختلف في عدد المقتولين والمأسورين فقيل : كان المقتولون من ستمائة إلى سبعمائة، وقيل سبعمائة، وقيل ثمانمائة، قيل تسعمائة وكان المأسورون سبعمائة وخمسين، وقيل تسعمائة. 
١ مر لنا في تفسير قوله تعالى: (إذ جاءتكم جنود) تحقيق أن الغزوة وقعت في شوال منن السنة الخامسة وكان المصنف قد ذكر أنها في الرابعة وهنا يرجح المصنف أنها في الخامسة في شهر ذي القعدة بل في آخره وقد اتفقناه معه في السنة هنا وخالفناه هناك ويبدوا أنه تحقق من التاريخ بعد كتابة ما مر قبل وللمصنف العذر لا سيما وأن من القائلين بوقوعها في السنة الرابعة علماء تتقاصر الأعناق دون مطاولتهم مثل الإمام النووي وغيره ومع هذا أقوال مرجوحة لا تثبت أمام التحقيق.
 المطيعي..

### الآية 33:27

> ﻿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا [33:27]

وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ  أي عقارهم وخيلهم  وَدِيَارَهُمْ  أي منازلهم وحصونهم  وَأَمْوَالَهُمْ  أي الحلي والأثاث والمواشي والسلاح والدراهم والدنانير والنقود والأمتعة. 
 وَ  أورثكم  أَرْضًا لَّمْ تَطَؤُهَا  بعد لقصد القتال، واختلف المفسرون في تعيين هذه الأرض المذكورة فقال يزيد بن رومان وابن زيد، ومقاتل إنها خيبر، ولم يكونوا إذ ذاك قد نالوها فوعدهم الله بها. قال سليمان الجمل : وأخذت بعد قريظة بسنتين أو ثلاث لأن خيبر كانت في السابعة في المحرم وهي مدينة كبيرة ذات حصون ثمانية وذات مزارع ونخل كثير، بينها وبين المدينة الشريفة أربع مراحل. انتهى مخلصا وتمام هذه القصة في سيرة الحلبي. 
وقال قتادة : كما نتحدث أنها مكة، وقال الحسن : فارس والروم، وقال عكرمة هي كل أرض تفتح على المسلمين إلى يوم القيامة والمضي[(١)](#foonote-١) لتحقق وقوعه  وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا  أي هو سبحانه قدير على كل ما أراده من خير وشر، ونعمة ونقمة، وعلى إنجاز ما وعد به من الفتح للمسلمين. 
١ هكذا في الأصل ويبدوا أن بها تصحيفا فتكون: (والمعنى الخ) والمقصود على هذا أن صيغة الخبر جاءت تشمل الماضي والمستقبل لتحقيق وقوع التوريث لأرض الأعداء وديارههم وأخرى لم يطأوها.
 المطيعي..

### الآية 33:28

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [33:28]

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ  قيل هذه الآية متصلة بمعنى ما تقدمها من المنع من إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد تأذى ببعض الزوجات. قال الواحدي قال المفسرون : إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم سألنه شيئا من عرض الدنيا، وطلبن منه الزيادة في النفقة، وآذينه بغيرة بعضهن على بعض، فآلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهن شهرا وأنزل الله آية التخيير هذه، وكن يومئذ تسعا : عائشة، وحفصة، وأم سلمة، وأم حبيبة، وسودة، وهؤلاء من نساء قريش، وصفية الخيبرية، وميمونة الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت حارث المصطلقية. 
واختلف في عدة أزواجه صلى الله عليه وسلم وترتيبهن وعدة من مات منهن قبله، ومن مات هو عنهن، ومن دخل بها ومن لم يدخل بها، ومن خطبها ولم ينكحها ومن عرضت نفسها عليه، والمتفق على دخوله بهن إحدى عشرة امرأة، كذا في المواهب وقد بسط الكلام عليهن في المقصد الثاني منه جدا فارجع إليه إن شئت. 
 إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا  أي سعتها ونضارتها ورفاهيتها وكثرة الأموال والتنعم فيها  فَتَعَالَيْنَ  أي أقبلن إلي بإرادتكن واختياركن لأحد الأمرين. 
 أُمَتِّعْكُنَّ  أي أعطيكن المتعة  وَأُسَرِّحْكُنَّ  أي أطلقكن قرأ الجمهور في الفعلين بالجزم جوابا للأمر. وقيل إن جزمهما على أنهما جواب الشرط وعلى هذا يكون قوله فتعالين اعتراضا بين الشرط والجزاء، وقرئ بالرفع فيهما على الاستئناف  سَرَاحًا جَمِيلا  المراد به هو الواقع من غير ضرار على مقتضى السنة.

### الآية 33:29

> ﻿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا [33:29]

وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ  أي تردن رسوله، وذكر الله للإيذان بجلالة محمد صلى الله عليه وسلم عند تعالى  وَالدَّارَ الآخِرَةَ  أي الجنة ونعيمها  فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ  أي اللاتي عملن عملا صالحا  أَجْرًا عَظِيمًا  لا يمكن وصفه، ولا يقادر قدره، وذلك بسبب إحسانهن وبمقابلة صالح عملهن. 
وقد اختلف العلماء في كيفية تخيير النبي صلى الله عليه وسلم أزوجه على قولين : الأول أنه خيرهن
بإذن الله في البقاء على الزوجية أو الطلاق فاخترن البقاء وبهذا قالت عائشة ومجاهد وعكرمة والشعبي والزهري وربيعة، والثاني : أنه إنما خيرهن بين الدنيا فيفارقهن، وبين الآخرة فيمسكهن، ولم يخيرهن في الطلاق، وبهذا قال علي والحسن وقتادة، والراجح الأول. 
واختلفوا أيضا في المخيرة إذا اختارت زوجها هل يحسب مجرد ذلك التخيير على الزوج طلقة أم لا ؟ فذهب الجمهور من السلف والخلف إلى أنه لا يكون التخيير مع اختيار المرأة لزوجها طلاقا، لا واحدة ولا أكثر. وقال علي وزيد بن ثابت : إن اختارت زوجها فواحدة بائنة، وبه قال الحسن والليث وحكاه الخطابي والنقاش عن مالك. 
والراجح الأول، لحديث عائشة الثابت في الصحيحين قالت : خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه، فلم يعده طلاقا، ولا وجه لجعل مجرد التخيير طلاقا. ودعوى أنه كناية من كنايات الطلاق مدفوعة بأن المخير لم يرد الفرقة بمجرد التخيير، بل أراد تفويض المرأة وجعل أمرها بيدها، فإن اختارت البقاء بقيت على ما كانت عليه من الزوجية، وإن اختارت الفرقة صارت مطلقة. واختلفوا في اختيارها لنفسها هل يكون ذلك طلقة رجعية ؟ أو بائنة ؟
فقال بالأول عمر وابن مسعود وابن عباس وابن أبي ليلى والثوري والشافعي. 
وقال بالثاني علي وأبو حنيفة وأصحابه، وروي عن مالك، والراجح الأول ؛ لأنه يبعد كل البعد أن يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه على خلاف ما أمره الله به. وقد أمره بقوله إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن، وروي عن زيد بن ثابت : أنها إذا اختارت نفسها فثلاث طلقات، وليس لهذا القول وجه. 
وقد روي عن علي أنها إذا اختارت نفسها فليس بشيء وإذا اختارت زوجها فواحدة رجعية. 
وقد أخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن مردويه عن جابر قال : أقبل أبو بكر يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس ببابه جلوس، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس، فلم يؤذن له. ثم أقبل عمر فاستأذن فلم يؤذن له، ثم أذن لأبي بكر وعمر فدخلا، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس وحوله نساؤه وهو ساكت، فقال عمر : لأكلمن النبي صلى الله عليه وسلم لعله يضحك فقال عمر. يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد امرأة عمر سألتني النفقة آنفا فوجأت في عنقها ؟ فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه وقال : هن حولي يسألنني النفقة. 
فقام أبو بكر إلى عائشة ليضربها، وقام عمر إلى حفصة كلاهما يقولان : تسألان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ما ليس عنده ؟ فنهاهما رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فقلن نساؤه :( والله لا نسأل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعد هذا المجلس ما ليس عنده )، وأنزل الله الخيار فبدأ بعائشة فقال : إني ذاكر لك أمرا ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك قالت ما هو ؟ فتلا عليها  يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ  الآية فقالت عائشة : أفيك استأمر أبوي ؟ بل اختار الله ورسوله، واسألك أن لا تذكر لنسائك ما اخترت فقال إن الله لم يبعثني متعنتا ولكن بعثني معلما ميسرا لا تسألني امرأة منهن عما اخترت إلا أخبرتها. 
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءها حين أمره الله أن يخير أزواجه قالت فبدأ بي فقال : إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن تستعجلي حتى تستأمري أبويك، وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، فقال : إن الله قال : يا أيها النبي قل لأزواجك إلى تمام الآية، فقلت : ففي أي هذا استأمر أبوي ؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، وفعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما فعلت، ثم لما اختار نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه أنزل فيهن هذه الآيات تكرمة لهن وتعظيما لحقهن فقال :

### الآية 33:30

> ﻿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [33:30]

يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ  من بيانية لأنهن كلهن محسنات  بِفَاحِشَةٍ  أي معصية  مُّبَيِّنَةٍ  أي ظاهرة القبح، واضحة الفحش، وقد عصمهن الله عن ذلك وبرأهن وطهرهن فهو كقوله تعالى : لئن أشركت ليحبطن عملك، وقيل : المراد بالفاحشة : النشوز وسوء الخلق، وقال قوم : الفاحشة إذا وردت معرفة فهي الزنا واللواط، وإذا وردت منكرة فهي سائر المعاصي، وإذا وردت منعوتة فهي عقوق الزوج، وفساد عشرته. وقالت فرقة : قوله هذا يعم جميع المعاصي، وكذلك الفاحشة كيف وردت. 
 يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ  أي يعذبهن الله مثلي عذاب غيرهن من النساء إذا أتين بمثل تلك الفاحشة، وذلك لشرفهن وعلو درجتهن، وارتفاع منزلتهن، ولأن ما قبح من سائر النساء كان منهن أقبح، فزيادة قبح المعصية تتبع زيادة الفضل، وليس لأحد من النساء مثل فضل نساء النبي صلى الله عليه وسلم، ولذا كان الذم للعاصي العالم أشد من العاصي الجاهل، لأن المعصية من العالم أقبح، ولذا فضل حد الأحرار على العبيد. 
وقد ثبت في هذه الشريعة في غير موضع أن تضاعف الشرف وارتفاع الدرجات يوجب لصاحبه إذا عصى تضاعف العقوبات. وقرئ يضعف على البناء للمفعول، وفرق أبو عمروا وأبو عبيد بين يضاعف ويضعف فقالا : يكون يضاعف ثلاثة عذابات ويضعف عذابين قال النحاس : هذه التفرقة التي جاء بها لا يعرفها أحد من أهل اللغة، والمعنى في : يضاعف ويضعف واحد، أي يجعل ضعفين، وهكذا ما قالاه ابن جرير. 
قال قوم : لو قدر الله الزنا من واحدة – وقد أعاذهن الله عن ذلك – لكانت تحد حدين لعظم قدرها، كما يزاد حد الحرة على الأمة، والعذاب بمعنى الحد قال تعالى : وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ، وعلى هذا فمعنى الضعفين معنى المثلين أو المرتين، وقال مقاتل : هذا التضعيف في العذاب إنما هو في الآخرة، كما إن إيتاء الأجر مرتين في الآخرة وهذا حسن لأن نساء النبي صلى الله عليه وسلم لم يأتين بفاحشة توجب حدا. 
وقد قال ابن عباس : ما بغت امرأة نبي قط، وإنما خانتا في الإيمان والطاعة. وقال بعض المفسرين : العذاب الذي توعدن به ضعفين هو عذاب الدنيا وعذاب الآخرة وكذلك الأجر. قال ابن عطية : وهذا ضعيف، اللهم إلا أن تكون أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لا ترفع عنهن حدود الدنيا عذاب الآخرة على ما هو حال الناس عليه بحكم حديث عبادة بن الصامت، وهذا أمر لم يرد في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ولا حفظ تقريره. 
 وَكَانَ ذَلِكَ  أي تضعيف العذاب  عَلَى اللهِ يَسِيرًا  هينا لا يتعاظمه ولا يصعب عليه، فليس كونكن تحت النبي صلى الله عليه وسلم وكونكن جليلات شريفات مما يدفع العذاب عنكن، وليس أمر الله كأمر الخلق حتى يتعذر عليه تعذيب الأعزة بسبب كثرة أوليائهن وأعوانهن أو شفعائهن وإخوانهن.

### الآية 33:31

> ﻿۞ وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا [33:31]

وَمَن يَقْنُتْ  قرئ بالتحتية وكذا يأت منكن حملا على لفظ من في الموضعين، وقرئ بالفوقية حملا على المعنى، والقنوت الطاعة أي يطع. 
 مِنكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ  يعني أنه يكون لهن من الأجر على الطاعة مثلا ما يستحقه غيرهن من النساء إذا فعلن تلك الطاعة وفي هذا دليل قوي على أن معنى يضاعف لها العذاب ضعفين أنه يكون العذاب مرتين لا ثلاثا، لأن المراد إظهار شرفهن ومرتبتهن في الطاعة والمعصية، يكون حسنتهن كحسنتين وسيئتهن كسيئتين، ولو كانت كثلاث سيئات لم يناسب ذلك كون حسنتهن كحسنتين، فإن الله أعدل من أن يضاعف العقوبة عليهن مضاعفة تزيد على مضاعفة أجرهن، قيل الحسنة بعشرين حسنة، وتضعيف ثوابهن لرفع منزلتهن، وفيه إشارة إلى أنهن أشرف نساء العالمين. 
 وَأَعْتَدْنَا لَهَا  زيادة على الأجر مرتين  رِزْقًا كَرِيمًا  جليل القدر، قال المفسرون : هو نعيم الجنة، حكى ذلك عنهم النحاس،

### الآية 33:32

> ﻿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا [33:32]

ثم أظهر سبحانه فضيلتهن على سائر النساء تصريحا فقال : يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء  قال الزجاج : لم يقل كواحدة من النساء لأن ( أحد ) لفظ عام للمذكر والمؤنث والواحد والجماعة، وقد يقال على ما ليس بآدمي، كما يقال : ليس فيها أحد لا شاة ولا بعير، والمعنى لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء في الفضل والشرف. 
قال ابن عباس : يريد ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات، أنتن أكرم علي وثوابكن أعظم لدي، ثم قيد هذا الشرف العظيم بقيد فقال : إِنِ اتَّقَيْتُنَّ  الله فأطعتنه فإن الأكرم عند الله هو الأتقى، فبين سبحانه أن هذه الفضيلة لهن إنما تكون بملازمتهن للتقوى لا لمجرد اتصالهن بالنبي صلى الله عليه وسلم، وقد وقعت منهن ولله الحمد التقوى البينة، والإيمان الخالص، والمشي على طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد مماته، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، أي إن اتقيتن فلستن كأحد من النساء. وقيل أن جوابه قوله : فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ  والأول أولى، والمعنى : لا تلن القول عند مخاطبة الناس كما تفعله المريبات من النساء، لا ترققن الكلام. قال ابن عباس يقول : لا ترخصن بالقول، ولا تخضعن بالكلام. وعنه قال : مقارنة الرجال بالقول فانه يتسبب عن ذلك مفسد ة عظيمة وهي قوله : فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ  أي فجور وشهوة، أو شك وريبة، أو نفاق. 
والمعنى لا تقلن قولا يجد المنافق والفاجر به سبيلا إلى الطمع فيكن ، والمرأة مندوبة إلى الغلظة في المقال إذا خاطبت الأجانب لقطع الأطماع فيهن. 
 وَقُلْنَ قَوْلا مَّعْرُوفًا  عند الناس، أي حسنا مع كونه خشنا بعيدا من الريبة على سنن الشرع لا ينكر منه سامعه شيئا، ولا يطمع فيكن أهل الفسق والفجور بسببه، أو قولا يوجبه الإسلام والدين عند الحاجة إليه ببيان من غير خضوع. وقيل : القول المعروف ذكر الله تعالى والأول أولى.

### الآية 33:33

> ﻿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [33:33]

وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ  قرأ الجمهور بكسر القاف من وقر يقر وقارا أي سكن والأمر منه قر بكسر القاف وللنساء قرن مثل عدن وزن، وقال المبرد هو من القرار لا من الوقار ؛ تقول قررت بالمكان – بفتح الراء – والأصل أقررن بكسر الراء فحذفت الراء الأولى تخفيفا، كما قالوا في ظللت ظلت، ونقلوا حركتها إلى القاف، واستغني عن ألف الوصل بتحريك القاف. وقال أبو علي الفارسي : أبدلت الراء الأولى ياء كراهة التضعيف ؛ كما أبدلت في قيراط ودينار وصارت الياء حركة الحرف الذي أبدلت منه، والتقدير : أقيرن ثم تلقى حركة الياء على القاف كراهة تحريك الياء بالكسر فتسقط الياء ؛لاجتماع الساكنين، وتسقط همزة الوصل لتحريك ما بعدها فيصير قرن، وقرئ بفتح القاف وأصله قررت بالمكان إذا أقمت فيه بكسر الراء أقر بفتح القاف كحمد يحمد، وهي لغة أهل الحجاز، وذكر ذلك أبو عبيد عن الكسائي، وذكرها الزجاج وغيره. 
قال الفراء : هو كما تقول : هل حسست صاحبك أيَ هل أحسسته، قال أبو عبيد : كان أشياخنا من أهل العربية ينكرون القراءة بالفتح للقاف، وذلك لأن قررت بالمكان أقر لا يجوزه كثير من أهل العربية، والصحيح قررت اقر بالكسر، ومعنى الآية الأمر لهن بالتوقر والسكون في بيوتهن، وأن لا يخرجن. 
وهذا يخالف ما ذكرناه هنا عنه عن الكسائي وهو من أجل مشايخه، وقد وافقه على الإنكار لهذه القراءة أبو حاتم فقال : إن قرن بفتح القاف لا مذهب له في كلام العرب. قال النحاس قد خولف أبو حاتم في قوله إنه لا مذهب له في كلام العرب، بل فيه مذهبان أحدهما حكاه الكسائي والآخر عن علي بن سليمان، فأما المذهب الذي حكاه الكسائي فهو ما قدمناه من رواية أبي عبيد عنه، وأما المذهب الذي حكاه علي بن سليمان فقال : إنه من قررت به عينا أقر، وقيل المعنى وأقررن به عينا في بيوتكن. 
قال النحاس : وهو وجه حسن، وأقول ليس بحسن ولا هو معنى الآية، فإن المراد بها أمرهن بالسكون والاستقرار في بيوتهن، وليس من قرة العين أي الزمن بيوتكن، عن محمد بن سيرين قال : نبئت أنه قيل لسودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ( مالك لا تحجين ولا تعتمرين كما تفعل أخواتك ) ؟ فقالت ( قد حججت واعتمرت وأمرني الله أن أقر في بيتي، فوالله لا أخرج من بيتي حتى أموت ) قال : فو الله ما خرجت من باب حجرتها حتى أخرجت جنازتها ).  لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى  التبرج أن تبدي المرأة من زينتها ومحاسنها ما يجب عليها ستره مما تستدعي به شهوة الرجل، وقد تقدم معنى التبرج في سورة النور، قال المبرد هو مأخوذ من السعة ؛ يقال في أسنانه برج إذا كانت متفرقة، والمعنى إظهار الزينة وإبراز المحاسن للرجال. وقيل التبرج هو التغنج والتبختر، والتكسر في المشي، وهذا ضعيف جدا، والأول أولى. 
وقد اختلف في المراد بالجاهلية الأولى فقيل ما بين آدم ونوح، أو زمن داود وسليمان. وقيل ما بين نوح وإدريس قاله ابن عباس، وكانت ألف سنة، وقيل : ما بين نوح وإبراهيم، وقيل ما بين موسى وعيسى، أو ما بين عيسى ومحمد قاله ابن عباس، وقيل ما قبل الإسلام. والجاهلية الأخرى قوم يفعلون مثل فعلهم في آخر الزمان، أو الأولى جاهلية الكفر، و الأخرى جاهلية الفسوق، والفجور في الإسلام وقد بين حكمها في قوله تعالى ولا يبدين زينتهن الخ. 
وقيل تذكر الأولى وإن لم تكن لها أخرى. وقال المبرد : الجاهلية الأولى كما تقول الجاهلية الجهلاء، قال : وكان نساء الجاهلية يظهرون ما يقبح إظهاره حتى كانت المرأة تجلس مع زوجها وخليلها فيتفرد خليلها بما فوق الإزار إلى أعلى، ويتفرد زوجها بما دون الإزار إلى أسفل، وربما سأل أحدهما صاحبه البدل. 
قال ابن عطية والذي يظهر لي أنه أشار إلى الجاهلية التي لحقنها وأدركنها فأمرن بالنقلة عن سيرتهن فيها، وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكفرة ؛لأنهم كانوا لا غيرة عندهم، فكان أمر النساء دون حجب. وجعلها أولى بالنسبة إلى ما كن عليه ؛ وليس المعنى أن ثم جاهلية أخرى كذا قال، وهو قول حسن، ويمكن أن يراد بالجاهلية الأخرى ما يقع في الإسلام من التشبه بأهل الجاهلية بقول أو فعل، فيكون المعنى ولا تبرجن أيها المسلمات بعد إسلامكن تبرجا مثل تبرج أهل الجاهلية التي كنتن عليها، وكان عليها من قبلكن، أي لا تحدثن بأفعالكن وأقوالكن جاهلية تشابه الجاهلية التي كانت من قبل. وعن عائشة قالت : الجاهلية الأولى كانت على عهد إبراهيم كانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال، وكانت عائشة إذا قرأت هذه الآية تبكي حتى يبتل خمارها، رواه مسروق. 
 وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ  الواجبة  وَآتِينَ الزَّكَاةَ  المفروضة  وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ  فيما أمر ونهى، وخص الصلاة والزكاة، ثم عمم فأمرهن بالطاعة لله ولرسوله في كل ما هو شرع ؛لأنهما أصل الطاعات البدنية والمالية، ولأن من واظب عليهما جرتاه إلى ما وراءهما. ، 
 إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ  أي إنما أوصاكن الله بما أوصاكن من التقوى وأن لا تخضعن بالقول، ومن قول المعروف، والسكون في البيوت، وعدم التبرج وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والطاعة. 
 لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ  والمراد بالرجس الإثم والذنب المدنسان للأعراض الحاصلان بسبب ترك ما أمر الله به، وفعل ما نهى عنه فيدخل في ذلك كل ما ليس فيه رضا الله، وقيل : الرجس الشك، وقيل : السوء، وقيل : عمل الشيطان، والعموم أولى  أَهْلَ الْبَيْتِ  نصبه على النداء أو المدح. 
 وَيُطَهِّرَكُمْ  من الأرجاس والأدناس  تَطْهِيرًا  كاملا وفي استعارة الرجس للمعصية والترشيح لها بالتطهير تنفير عنها بليغ، وزجر لفاعلها شديد. 
وقد اختلف أهل العلم في أهل البيت المذكورين في الآية فقال ابن عباس وعكرمة وعطاء والكلبي ومقاتل وسعيد بن جبير : إن أهل البيت المذكورين في الآية هو زوجات النبي صلى الله عليه وسلم خاصة قالوا : والمراد بالبيت بيت النبي صلى الله عليه وسلم ومساكن زوجاته، لقوله : واذكرن ما يتلى في بيوتكن، وأيضا السياق في الزوجات من قوله : يا أيها النبي قل لأزواجك إلى قوله لطيفا خبيرا، وقاله أبو سعيد ومجاهد وقتادة. 
وروي عن الكلبي أن أهل البيت المذكورين في الآية هم علي وفاطمة والحسن والحسين خاصة، ومن حججهم الخطاب في الآية بما يصلح للذكور لا للإناث، وهو قوله عنكم، وليطهركم، ولو كان للنساء خاصة لقال عنكن، وليطهركن، وأجاب الأولون عن هذا بأن التذكير باعتبار لفظ الأهل كما قال سبحانه  أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت ، وكما يقول الرجل لصاحبه : كيف أهلك ؟ يريد زوجته أو زوجاته، فيقول هم بخير. 
ولنذكر ههنا ما تمسك به كل فريق : أما الأولون فتمسكوا بالسياق فإنه في الزوجات كما ذكرنا، وبما أخرجه ابن أبي حاتم وابن عساكر من طريق عكرمة عن ابن عباس في الآية قال : نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم خاصة. وقال عكرمة من شاء باهلته أنها نزلت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وروي هذا عنه بطرق، وأمّاما تمسك به الآخرون فأخرج الترمذي وصححه، وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في سننه، من طرق عن أم سلمة قالت في بيتي نزلت إنما يريد الله الآية، وفي البيت فاطمة وعلي والحسن والحسين فجللهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكساء كان عليه، ثم قال : هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. 
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أم سلمة أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بيتها على منامة له عليه كساء خيبري فجاءت فاطمة ببرمة فيها خزيرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ادعي زوجك وابنيك حسنا وحسينا فدعتهم، فبينما هم يأكلون إذ نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بفضلة كسائه فغشاهم إياها ثم أخرج يده من الكساء وألوى بها إلى السماء ثم قال : اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، قالها ثلاث مرات، قالت أم سلمة فأدخلت رأسي في الستر فقلت يا رسول الله وأنا معكم ؟ فقال : إنك إلى خير. مرتين. وأخرجه أحمد أيضا من حديثها، وفي إسناده مجهول وهو شيخ عطاء، وبقية رجاله ثقات، وقد أخرجه الطبراني عنها من طريقين بنحوه. 
وقد ذكر ابن كثير في تفسيره لحديث أم سلمة طرقا كثيرة في مسند أحمد وغيره، وأخرج ابن مردويه والخطيب من حديث أبي سعيد الخدري نحوه، وأخرج الترمذي وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن عمر بن أبي سلمة ربيب النبي صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم وذكر نحو حديث أم سلمة. 
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم عن عائشة قالت خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مرط مرجل من شعر اسود فجاء الحسن والحسين فأدخلهما معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها معه، ثم جاء علي فأدخله معه، ثم قال : إنما يريد الله الآية. 
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن واثلة بن الأسقع قال : جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فاطمة ومعه علي وحسن وحسين حتى دخل فأدنى عليا وفاطمة وأجلسهما بين يديه، وأجلسن حسنا وحسينا كل واحد منهما على فخذه ثم لف عليهم ثوبه وأنا مستدبرهم، ثم تلا هذه الآية وقال : اللهم هؤلاء أهل بيتي اللهم اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا قلت : يا رسول الله وأنا من أهلك ؟ قال : وأنت من أهلي، قال واثلة : إنه لأرجى ما أرجوه. وله طرق في مسند أحمد. 
وأخرج ابن أبي شيبه وأحمد والترمذي وحسنه، وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه، وابن مردويه عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمر بباب فاطمة إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول : الصلاة يا أهل البيت الصلاة، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس، ويطهركم تطهيرا. 
وأخرج مسلم عن زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أذكركم الله في أهل بيتي فقيل لزيد : ومن أهل بيته ؟ أليس نساؤه من أهل بيته ؟ قال : نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم عليهم الصدقة بعده، آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس. 
وأخرج الحكيم الترمذي والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله قسم الخلق قسمين فجعلني في خيرهما قسما، فذلك قوله : وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، فأنا من أصحاب اليمين ؛ وأنا خير أصحاب اليمين، ثم جعل القسمين أثلاثا فجعلني في خيرها ثلثا فذلك قوله  وأصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة والسابقون السابقون  فأنا من السابقين وأنا خير السابقين ثم جعل الأثلاث قبائل فجعلني في خيرها قبيلة وذلك قوله  وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ، وأنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله ولا فخر، ثم جعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرها بيتا فذلك قوله : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا  فأنا وأهل بيتي مط

### الآية 33:34

> ﻿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا [33:34]

وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ  أي اذكرن موضع النعمة إذ صيركن الله في بيوت تتلى فيها آيات الله والحكمة، أو اذكرنها وتفكرن فيها لتتعظن بمواعظ الله، أو اذكرنها للناس ليتعظوا بها ويهتدوا بهداها، أو اذكرنها بالتلاوة لها لتحفظنها ولا تتركن الاستكثار من التلاوة، قال القرطبي : قال أهل التأويل ؛ آيات الله هي القرآن، والحكمة السنة، وقال مقاتل المراد بالآيات والحكمة أمره ونهيه في القرآن. 
وقيل : إن القرآن جامع بين كونه آيات بينات دالة على التوحيد، وصدق النبوة، وبين كونه حكمة مشتملة على فنون من العلوم والشرائع. وقال قتادة في الآية القرآن والسنة يمنن بذلك عليهن. 
وأخرج ابن سعد عن أبي أمامة بن سهل في الآية قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في بيوت أزواجه النوافل بالليل والنهار. 
 إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفًا  بأوليائه  خَبِيرًا  بجميع خلقه وجميع ما يصد ر منهم من خير وشر وطاعة ومعصية فهو يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.

### الآية 33:35

> ﻿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [33:35]

إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ  بدأ سبحانه بذكر الإسلام الذي هو مجرد الدخول في الدين والانقياد له مع العمل، كما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله جبريل عن الإسلام قال : هو أن تشهد أن لا إله إلا الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج البيت وتصوم رمضان، ثم عطف على المسلمين المسلمات تشريفا لهن بالذكر وهكذا فيما بعد إن كن داخلات في لفظ المسلمين والمؤمنين ونحو ذلك، والتذكير إنما هو لتغليب الذكور على الإناث كما في جميع ما ورد في الكتاب العزيز من ذلك، ثم ذكر :
 وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ  وهم من يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره كما ثبت ذلك في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ  القانت المطيع العابد، وكذا القانتة، وقيل المداومين على العبادة والطاعة. 
 وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ  هما من يتكلم بالصدق ويتجنب الكذب ويفي بما عوهد عليه. 
 والصابرين والصابرات  هما من يصبر عن الشهوات وعلى مشاق التكليف. 
 والخاشعين والخاشعات  أي المتواضعين لله الخائفين منه الخاضعين في عبادتهم لله. 
 وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ  هما من تصدق من ماله بما أوجبه الله عليه، وقيل ذلك أعم من صدقة الفرض والنفل. 
 وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ  قيل : ذلك مختص بالفرض، وقيل هو أعم. 
 وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ  فروجهن عن الحرام بالتعفف والتنزه والاقتصار على الحلال. 
 وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ  الله كثيرا هما من يذكر الله على جميع أحواله، وفي ذكر الكثرة دليل على مشروعية الاستكثار من ذكر الله سبحانه بالقلب واللسان، والخبر لجميع ما تقدم هو قوله :
 أَعَدَّ اللهُ لَهُم مَّغْفِرَةً  لذنوبهم التي أذنبوها  وَأَجْرًا عَظِيمًا  على طاعاتهم التي فعلوها من الإسلام والإيمان والقنوت والصدق والصبر والخشوع والتصدق والصوم والعفاف والذكر، ووصف الأجر بالعظيم للدلالة على أنه بالغ غاية المبالغ، ولا شيء أعظم من أجر هو الجنة ونعيمها الدائم الذي لا ينقطع ولا ينفد. اللهم اغفر ذنوبنا وأعظم أجورنا. 
وقد أخرج أحمد والنسائي وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن أم سلمة قالت : قلت يا رسول الله فما لنا لا نذكر في القرآن كما تذكر الرجال فلم يرعني منه ذات يوم إلا نداؤه على المنبر وهو يقول :( إن الله يقول إن المسلمين والمسلمات الآية واخرج عبد بن حميد والترمذي وحسنه، والطبراني عن أم عمارة الأنصارية أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت ما أرى كل شيء إلا للرجال وما أرى النساء يذكرن بشيء فنزلت هذه الآية، وعن ابن عباس قال : قالت النساء يا رسول الله ما باله يذكر المؤمنين ولا يذكر المؤمنات، فنزلت هذه الآية. أخرجه الطبراني وابن جرير وابن مردويه بإسناد، قال السيوطي : حسن.

### الآية 33:36

> ﻿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا [33:36]

وَمَا كَانَ  أي ما صح وما استقام  لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ  قال القرطبي : لفظ ما كان وما ينبغي ونحوهما معناها الحظر والمنع من الشيء والإخبار بأنه لا يحل شرعا أن يكون، وقد يكون لما يمتنع عقلا كقوله : ما كان لكم أن تنبتوا شجرها ، ومعنى الآية : أنه لا يحل لمن يؤمن بالله – إذا قضى الله أمرا – أن يختار من أمر نفسه ما شاء، بل يجب عليه أن يذعن للقضاء ويوقف نفسه تحت ما قضاه الله عليه، واختاره له، ويجعل رأيه تبعا لرأيه. وجمع الضمير في قوله لهم ومن أمرهم ؛ لأن مؤمنا وقعا في سياق النفي، فهما يعمان كل مؤمن ومؤمنة. قرئ أن يكون بالتحتية ؛ لأنه قد فرق بين الفعل وفاعله المؤنث بقوله : لهم مع كون التأنيث غير حقيقي، وقرئ بالفوقية لكونه مسندا إلى الخيرة وهي مؤنثة لفظا والخيرة مصدر بمعنى الاختيار، ودل ذلك على أن الأمر للوجوب، وقرئ بسكون التحتية وبتحريكها. ثم توعد سبحانه من لم يذعن لقضاء الله وقدره فقال : وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ  في أمر من الأمور ومن ذلك عدم الرضاء بالقضاء  فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُّبِينًا  أي ضل عن طريق الحق ضلالا ظاهرا واضحا لا يخفى، فإن كان العصيان عصيان رد وامتناع عن القبول فهو ضلال كفر، وإن كان عصيان فعل مع قبول الأمر واعتقاد الوجوب فهو ضلال خطأ وفسق. 
عن ابن عباس قال :( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق ليخطب على فتاه زيد بن حارثة فدخل على زينب بنت جحش الأسدية فخطبها. قالت : لست بناكحته
قال : بلى فانكحيه. قالت : يا رسول الله أؤامر نفسي، فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسوله. قالت : قد رضيته لي يا رسول الله منكحا، قال : نعم قالت : إذن لا أعصي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم قد أنحكته نفسي ) أخرجه ابن جرير وابن مردويه، وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزينب : إني أريد أن أزوجك زيد بن حارثة فإني قد رضيته لك. قالت : يا رسول الله لكني لا أرضاه لنفسي، أما أيم قومي، وبنت عمتك، فلم أكن لأفعل فنزلت هذه الآية :( وما كان لمؤمن ) يعني : زيدا ( ولا مؤمنة ) يعني زينب ( إذا قضى الله ورسوله أمرا ) يعني النكاح في هذا الموضع ( أن تكون لهم الخيرة من أمرهم )، يقول : ليس لهم الخيرة من أمرهم خلاف ما أمر الله به، قالت : قد أطعتك فاصنع ما شئت، فزوجها زيد ودخل عليها. أخرجه ابن مردويه. 
وعن ابن زيد قال : نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وكانت أول امرأة هاجرت فوهبت نفسها للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) فزوجها زيد بن حارثة فسخطت هي وأخوها وقالا : إنما أردنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجها عبده، وكان تزوج زيد بزينب قبل الهجرة بنحو ثمان سنين، وبعد ما طلق زيد زينب زوجه ( صلى الله عليه وسلم ) أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وكانت وهبت نفسها للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) فزوجها من زيد، وكان زوجه قبلها أم أيمن وولدت له أسامة، وكانت ولادته بعد البعثة بثلاث سنين، وقيل بخمس. وفي شرح المواهب أن أم أيمن، هي بركة الحبشية بنت ثعلبة اعتقها عبد الله أبو النبي ( صلى الله عليه وسلم )، وقيل بل اعتقها هو ( صلى الله عليه وسلم ) وقيل : كانت لأمه أسلمت قديما وهاجرت الهجرتين ماتت بعده ( صلى الله عليه وسلم ) بخمسة أشهر، وقيل بستة، ودلت الآية على لزوم إتباع قضاء الكتاب والسنة، وذم التقليد والرأي، وعدم خيرة الأمر في مقابلة النص من الله ورسوله ( صلى الله عليه وسلم ) وإن كان السبب خاصا فان الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

### الآية 33:37

> ﻿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [33:37]

لما زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة بزينب بنت جحش كما مر أنزل الله سبحانه :
{ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولا ( ٣٧ )
 وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ  هو زيد بن حارثة أنعم الله عليه بالإسلام وأنعم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أعتقه من الرق، وكان من سبي الجاهلية اشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية وأعتقه وتبناه، وسيأتي في سبب نزول الآية ما يوضح المراد منها. قال القرطبي وقد اختلف في تأويل هذه الآية فذهب قتادة وابن زيد وجماعة من المفسرين منهم ابن جرير والطبري وغيره : إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم وقع منه استحسان لزينب بنت جحش، وهي في عصمة زيد وكان حريصا على أن يطلقها زيد. فيتزوجها هو. 
ثم إن زيدا لما أخبره بأنه يريد فراقها وشكا منها غلظة القول وعصيان الأمر والأذى باللسان والتعظم بالشرف قال له : اتق الله فيما تقول عنها وأمسك عليك زوجك زينب، وهو يخفي الحرص على طلاق زيد إياها. وهذا الذي كان يخفي في نفسه ولكنه فعل ما يجب عليه من الأمر بالمعروف. قال علماؤنا رحمهم الله : وهذا القول أحسن ما قيل في هذه الآية وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين والعلماء الراسخين كالزهري والقاضي أبي بكر بن العلاء القشيري والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم، انتهى ما قاله القرطبي ملخصا. 
 واتَّقِ اللهَ  في أمرها ولا تعجل بطلاقها  وَتُخْفِي  الواو للحال أي والحال أنك تخفي  في نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ  هو نكاحها إن طلقها زيد، وقيل : حبها. 
 وَتَخْشَى النَّاسَ  أي تستحييهم أو تخاف من تعييرهم أن يقولوا : أمر مولاه بطلاق امرأته ثم تزوجها  وَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ  في كل حال وتخاف منه وتستحييه ولا تأمر زيدا بإمساكه زوجته بعد أن أعلمك الله أنها تكون زوجتك فعاتبه الله على هذا، قال بعضهم : وما ذكروه في تفسير هذه الآية من وقوع محبتها في قلب النبي صلى الله عليه وسلم، وإرادته طلاق زيد لها فيه أعظم الحرج، وما لا يليق بمنصبه صلى الله عليه وسلم وإقدام عظيم من قائله وقلة معرفة بحق النبي صلى الله عليه وسلم وبفضله، وكيف يقال : رآها فأعجبته وهي بنت عمته ولم يزل يراها منذ ولدت ولا كانت النساء يحتجبن منه صلى الله عليه وسلم وهو زوجها لزيد، فلا يشك في تنزيه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عن أن يأمر زيدا بإمساكها وهو يحب تطليقه إياها قال : وأصح ما في هذا الباب ما قاله علي ابن الحسين : إن الله قد اعلمه أنها ستكون من أزواجه، وإن زيدا سيطلقها ؛ فلما جاء زيد وقال : إني أريد أن أطلقها، قال له : أمسك عليك زوجك، فعاتبه الله تعالى، وقال : لم قلت أمسك عليك زوجك ؟ وقد أعلمتك أنها ستكون زوجتك. 
قال الخطيب : وهذا هو الأولى والأليق بحال الأنبياء وهو مطابق للتلاوة، لأن الله تعالى أعلم أنه يبدي ويظهر ما أخفاه، ولم يظهر غير تزويجها منه، فقال تعالى : زوجناكها. فلو كان الذي أضمره رسول الله صلى الله عليه وسلم محبتها أو إرادة طلاقها لكان يظهر ذلك ؛ لأنه لا يجوز أن يخبر الله أنه يظهره، ثم يكتمه فلا يظهره، فدل على أنه إنما عوتب على إخفاء ما أعلمه الله من أنها ستكون زوجته، وإنما ذلك استحياء أن يخبر زيدا أن التي تحتك وفي نكاحك ستكون زوجتي. 
قال الكرخي : وهذا القول هو المنصور المعول عليه عند الجمهور. 
وقال البغوي : وهذا هو الأولى، وإن كان الآخر – وهو أنه أخفى محبتها أو نكاحها لو طلقها – لا يقدح في حال الأنبياء، لأن العبد غير ملوم على ما يقع في قلبه من مثل هذه الأشياء، ما لم يقصد فيه المأثم لأن الود وميل النفس من طبع البشر انتهى. ولهذا قال ابن عباس : كان في قلبه حبها. وقال قتادة : ود أنه لو طلقها زيد. قال الخازن : وهذا القول حسن مرضي، وكم من شيء يتحفظ منه الإنسان ويستحي من اطلاع الناس عليه وهو في نفسه مباح متسع، وحلال مطلق، لا مقال فيه ولا عيب عند الله، وربما كان الدخول في ذلك المباح سلما إلى حصول واجبات يعظم أثرها في الدين، وهو إنما جعل طلاق زيد لها وتزويج النبي صلى الله عليه وسلم إياها، لإزالة حرمة التبني وإبطال سنته كما قال تعالى : لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم . 
 فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا  قضاء الوطر في اللغة بلوغ منتهى ما في النفس من الشيء يقال قضى وطرا منه إذا بلغ ما أراد من حاجته فيه، والمراد هنا أنه قضى وطره منها بنكاحها والدخول بها بحيث لم يبق له فيها حاجة، وتقاصرت عنه همته وطابت عنها نفسه. وقيل المراد به الطلاق لأن الرجل إنما يطلق امرأته إذا لم يبق له فيها حاجة. وقال المبرد : الوطر الشهوة والمحبة. 
وقال أبو عبيدة الوطر الأرب والحاجة. قال الإمام أبو القاسم عبد الرحمن السهيلي : كان يقال زيد بن محمد. حتى نزل ( أدعوهم لآبائهم ) فقال : أنا زيد بن حارثة وحرم عليه أنا زيد بن محمد. فلما نزع هذا الشرف وهذا الفخر منه، وعلم الله وحشته من ذلك شرفه بخصيصة لم يكن يختص بها أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو أنه سماه في القرآن أي في هذه الآية، فذكره الله تعالى باسمه في الذكر الحكيم، حتى صار اسمه قرآنا يتلى في المحاريب، ونوه به غاية التنويه، فكان في هذا تأنيس له وعوض من الفخر بأبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ألا ترى إلى قول أبي بن كعب ؟ حين قال له النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ( إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة كذا فبكى ) وقال : أذكرت هنالك، وكان بكاؤه من الفرح – حيث أن الله تعالى ذكره فكيف بمن صار اسمه قرآنا يتلى مخلدا لا يبلى ؟ يتلوه أهل الدنيا إذا قرأوا القرآن، وأهل الجنة كذلك أبدا لا يزال على ألسنة المؤمنين، كما لم يزل مذكورا على الخصوص عند رب العالمين، إذ القرآن كلام الله القديم، وهو باق لا يبيد فاسم زيد في الصحف المكرمة المرفوعة المطهرة يذكره في تلاوتهم السفرة الكرام البررة، وليس ذلك لاسم من أسماء المؤمنين إلا لنبي من الأنبياء ولزيد بن حارثة تعويضا من الله له مما نزع منه، وزاد في الآية أن قال : وإذ تقول للذي أنعم الله عليه  أي بالإيمان فدل على أنه من أهل الجنة علم ذلك قبل أن يموت وهذه فضيلة أخرى رضي الله تعالى عنه انتهى. 
 زَوَّجْنَاكَهَا  وقرئ زوجتكها، يعني ولم نحوجك إلى ولي من الخلق يعقد لك عليها تشريفا لك ولها، فلما أعلمه الله بذلك دخل عليها بغير إذن ولا عقد ولا تقرير صداق ولا شيء مما هو معتبر في النكاح في حق أمته، وهذا من خصوصياته ( صلى الله عليه وسلم ) التي لا يشاركه فيها أحد بإجماع المسلمين، وكان تزوجه بزينب سنة خمس من الهجرة. 
وقيل سنة ثلاث وهي أول من مات بعده من زوجاته الشريفات المطهرات ماتت بعده بعشر سنين عن ثلاث وخمسين سنة، وقيل المراد به الأمر له بأن يتزوجها والأول أولى وبه جاءت الأخبار الصحيحة. 
وقد أخرج أحمد والبخاري والترمذي وغيرهم عن أنس قال :( جاء زيد ابن حارثة يشكو زينب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اتق الله وامسك عليك زوجك، فنزلت : وتخفي في نفسك ما الله مبديه فتزوجها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؛فما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها ؛ ذبح شاة وأطعم الناس خبزا ولحما حتى تركوه، فكانت تفتخر على أزواج النبي ( صلى الله عليه وسلم ) تقول زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سموات، وكانت تقول لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) جدي وجدك واحد، وليس من نسائك من هي كذلك غيري، وقد أنكحنيك الله والسفير في ذلك جبريل ) قاله الخازن. 
وقال عمر وابن مسعود ما نزلت على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) آية هي أشد عليه من هذه الآية. وقال أنس : فلو كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كاتما شيئا لكتم هذه الآية، وكذا روي عن عائشة. 
 لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ  أي ضيق ومشقة، علة للتزويج، وهو دليل على أن حكمه وحكم الأمة واحد إلا ما خصه الدليل  فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ  أي في التزوج بأزواج من يجعلونه ابنا كما كانت تفعله العرب فإنهم كانوا يتبنون من يريدون، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد تبنى زيد بن حارثة وكان يقال زيد بن محمد حتى نزول قوله سبحانه  أدعوهم لآبائهم  وكانت العرب تعتقد أنه يحرم عليهم نساء من تبنوه كما يحرم عليهم نساء أبنائهم حقيقة، والأدعياء جمع دعي ؛ وهو الذي يدعى ابنا من غير أن يكون ابنا على الحقيقة، فأخبرهم الله أن نساء الأدعياء حلال لهم. 
 إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا  بخلاف ابن الصلب فإن امرأته تحرم على أبيه بنفس العقد عليها. 
 وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولا  أي قضاؤه في أمر زينب أن يتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم قضاء ماضيا موجودا في الخارج لا محالة. 
وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوج زينب قالوا تزوج حليلة ابنه، فأنزل الله : ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله وخاتم النبيين . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تبناه وهو صغير، فلبث حتى صار رجلا يقال له : زيد بن محمد ؛ فأنزل الله  أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله  يعني أعدل أخرجه الترمذي وصححه وابن جرير وابن منذر والطبراني وغيرهم. 
وأخرج أحمد ومسلم والنسائي وغيرهم عن أنس قال : لما انقضت عدة زينب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد : اذهب فاذكرها علي فانطلق. قال : فلما رأيتها عظمت في صدري ؛ فقلت : يا زينب أبشري. أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك. قالت : ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤآمر ربي. فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل عليها بغير إذن، ولقد رأيتنا حين دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ أطعمنا الخبز واللحم، فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعته فجعل يتتبع حجر نسائه يسلم عليهن، ويلقن يا رسول الله كيف وجدت أهلك ؟فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو أخبر، فانطلق حتى دخل البيت فذهبت أدخل معه فألقى الستر بيني وبينه، ونزل الحجاب ووعظ القوم بما وعظوا  لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم  الآية، ثم بين سبحانه أنه لم يكن على رسول الله صلى الله عليه وسلم حرج في هذا النكاح فقال : مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللهُ لَهُ

### الآية 33:38

> ﻿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ۖ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا [33:38]

مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللهُ لَهُ  أي فيما أحل الله له وقدره وقضاه، يقال : فرض له كذا أي قدر له  سُنَّةَ اللهِ  أي سن الله ذلك سنة، أو اسم وضع موضع المصدر ؛ قاله الزمخشري أو مصدر كصنع الله ووعد الله. 
 فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ  أي أن هذا هو السنن الأقوم في الأنبياء والأمم الماضية أن ينالوا ما أحله الله لهم من أمر النكاح وغيره، توسعة عليهم، فكان لهم الحرائر والسراري. عن كعب القرظي قال : يعني يتزوج من النساء ما شاء هذا فريضة، وكان من قبل من الأنبياء هذا سنتهم، قد كان لسليمان بن داود ألف امرأة منها ثلثمائة سرية، وكان لداود مائة امرأة، وقال ابن جريج، الذين خلوا هم داود والمرأة التي نكح زوجها واسمها : اليسية، فذلك سنة في محمد وزينب. 
 وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا  أي قضاء مقضيا، وحكما مبتوتا، وهو كظل ظليل وليل أليل وروض أريض في قصد التأكيد، والقضاء : الإرادة الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه، والقدر عبارة عن إيجاده إياها على تقرير مخصوص معين، لكن كلأ منهما يستعمل بمعنى الآخر، فالمراد إيجاد ما تعلقت به الإرادة قاله الشهاب.

### الآية 33:39

> ﻿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا [33:39]

ثم ذكر سبحانه الأنبياء الماضين وأثنى عليهم فقال :{ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللهَ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا ( ٣٩ )
 الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ  مدحهم سبحانه بتبليغ ما أرسلهم به إلى عباده وخشيته في كل فعل وقول  وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللهَ  أي سواه ولا يبالون بقول الناس ولا بتعييرهم فيما أحل الله لهم، بل خشيتهم مقصورة على الله سبحانه. 
 وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا  حاضرا في كل مكان، حافظا لأعمال خلقه يكفي عباده كل ما يخافونه أو محاسبا لهم في كل شيء.

### الآية 33:40

> ﻿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَٰكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [33:40]

ولما تزوج صلى الله عليه وسلم زينب قال الناس، امرأة ابنه فأنزل الله.  مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ  أ ي ليس هو صلى الله عليه وسلم بأب لزيد بن حارثة على الحقيقة حتى تحرم عليه زوجته، ولا هو أب لأحد لمن يلده، قال الواحدي : قال المفسرون لم يكن أبا أحد لم يلده، وقد ولد له من الذكور إبراهيم، والقاسم، والطيب والمطهر. قال القرطبي : ولكن لم يعش له ابن حتى يصير رجلا، قال وأما الحسن والحسين فكانا طفلين ولم يكونا رجلين معاصرين له. قال النسفي : وكل رسول أبو أمته فيما يرجع إلى وجوب التوقير والتعظيم له عليهم، ووجوب الشفقة والنصيحة لهم عليه لا في سائر الأحكام الثابتة بين الآباء والأبناء، وزيد واحد من رجالكم الذين ليسوا بأولاده حقيقة، فكان حكمه كحكمهم، والتبني من باب الاختصاص والتقريب لا غير. 
 وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ  قال الأخفش والفراء : ولكن كان رسول الله، وأجاز الرفع وكذا قرأ ابن أبي عبلة بالرفع في رسول وفي خاتم على معنى : ولكن هو رسول الله. 
 وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ  وقرأ الجمهور بتخفيف لكن ونصب رسول وخاتم ووجه النصب على خبرية كان المقدرة كما تقدم، ويجوز أن يكون بالعطف على ( أبا أحد ) وقرئ بتشديد ( لكن )، ونصب رسول، على أنه اسمها وخبرها محذوف أي ولكن رسول الله هو، وقرأ الجمهور : وخاتم بكسر التاء، وقرئ بفتحها ومعنى الأولى أنه ختمهم أي جاء أخرهم ومعنى الثانية أنه صار كالخاتم لهم الذي يختمون به ويتزينون بكونه منهم، وقيل : كسر التاء وفتحها لغتان، قال أبو عبيدة : الوجه الكسر لأن التأويل أنه ختمهم، فهو خاتمهم، وأنه قال : أنا خاتم النبيين وخاتم الشيء آخره، ومنه قولهم : خاتمه المسك. 
قال الحسن : الخاتم هو الذي ختم به، والمعنى : ختم الله به النبوة فلا نبوة بعده ولا معه. قال ابن عباس : يريد لو لم أختم به النبيين لجعلت له ابنا يكون بعده نبيا، وعنه أن الله لما حكم أن لا نبي بعده، لم يعطه ولدا ذكرا يصير رجلا، وعيسى ممن نبئ قبله، وحين ينزل ينزل عاملا على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم كأنه بعض أمته. 
 وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا  قد أحاط علمه بكل شيء، ومن جملة معلوماته هذه الأحكام التي ذكرت هنا. أخرج أحمد ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( مثلي ومثل النبيين كمثل رجل بنى دارا فانتهى إلى لبنة واحدة فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة ). 
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل ابتنى دارا فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة، فكان من داخلها فنظر إليها قال ما أحسنها إلا موضع اللبنة فأنا موضع اللبنة حتى ختم بي الأنبياء ). 
وأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة نحوه. 
وأخرج أحمد والترمذي وصححه، من حديث أبي ابن كعب نحوه أيضا.

### الآية 33:41

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا [33:41]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا  أمر سبحانه عباده بأن يستكثروا من ذكره بالتهليل والتحميد والتسبيح وكل ما هو ذكر لله تعالى، قال مجاهد : هو أن لا ينساه أبدا، وقال الكلبي : ويقال ذكرا كثيرا بالصلوات الخمس، وقال مقاتل : هو التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير على كل حال، وقال ابن عباس في الآية لم يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها أجلا معلوما، ثم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر، فإن الله لم يجعل له حدا ينتهي إليه ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله، فقال : اذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم  بالليل والنهار، في البر والبحر، في السفر والحضر، في الغنى والفقر، في الصحة والسقم، في السر والعلانية وعلى كل حال، وقد ورد في فضل الذكر والاستكثار منه أحاديث كثيرة. 
وقد صنف في الأذكار المتعلقة بالليل والنهار جماعة من الأئمة كالنسائي والنووي والجزري وغيرهم، وقد نطقت الآيات القرآنية بفضل الذاكرين وفضيلة الذكر، ولذكر الله أكبر، وقد ورد أنه أفضل من الجهاد كما في حديث أبي سعيد الخدري عند أحمد والترمذي والبيهقي :( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي العباد أفضل درجة عند يوم القيامة ؟ قال : الذاكرون الله كثيرا. قلت : يا رسول الله ومن الغازين في سبيل الله ؟ قال : لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى يتكسر ويتخضب دما لكان الذاكرون أفضل منه درجة، وأخرج أحمد عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا أعداءكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ؟ قالوا وما هو يا رسول الله ؟ قال : ذكر الله عز وجل وأخرجه أيضا الترمذي وابن ماجة. 
وفي صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سبق المفردون. قالوا : وما المفردون يا رسول الله ؟ قال : الذاكرون الله كثيرا والذاكرات. 
وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن حبان والحاكم وصححه، والبيهقي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أذكروا الله حتى يقول المنافقون إنكم مراؤون.

### الآية 33:42

> ﻿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [33:42]

وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا  أي نزهوه عما لا يليق به في وقت البكرة ووقت الأصيل، وهما أول النهار وآخره، وتخصيصهما بالذكر لمزيد ثواب التسبيح فيهما، وخص التسبيح بالذكر بعد دخوله تحت عموم قوله : اذكروا الله تنبيها على مزيد شرفه وأناقة ثوابه على غيره من الأذكار، وقيل المراد بالتسبيح بكرة : فصلاة الفجر، وبالتسبيح أصيلا صلاة المغرب، وقال قتادة وابن جرير : المراد صلاة الغداة وصلاة العصر، وقال الكلبي : أما بكرة فصلا الفجر، وأما أصيلا : فصلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء. 
قال المبرد : الأصيل العشي، وجمعه أصائل، وقد ورد في فضل التسبيح بخصوصه أحاديث ثابتة في الصحيحين وغيرهما ؛ فمن ذلك حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من قال في يوم مائة مرة سبحان الله وبحمده حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر ). 
وأخرج أحمد ومسلم والترمذي وغيرهم عن سعد بن أبي وقاص قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لنا : أيعجز أحدكم أن يكتسب كل يوم ألف حسنة، فقال رجل : كيف يكتسب أحدنا ألف حسنة ؟. قال : يسبح الله مائة تسبيحة، فيكتب له ألف حسنة، ويحط عنه ألف خطيئة وقيل معنى سبحوه قولوا : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله. زاد في نسخة : العلي العظيم، فعبر بالتسبيح عن أخواته. والمراد بقوله : كثيرا هذه الكلمات يقولها الطاهر، والجنب، والحائض، والمحدث.

### الآية 33:43

> ﻿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [33:43]

هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ  الصلاة من الله على العباد رحمة لهم وبركة عليهم، ومن الملائكة الدعاء لهم والاستغفار كما قال : ويستغفرون للذين آمنوا  قال مقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيان : المعنى ويأمر ملائكته بالاستغفار لكم، والجملة مستأنفة كالتعليل لما قبلها من الأمر بالذكر والتسبيح. وقيل : الصلاة من الله على العبد هي إشاعة الذكر الجميل في عباده، وقيل الثناء عليه، وعطف ملائكته على الضمير المستكن في يصلي لوقوع الفصل بقوله ( عليكم ) فأغنى ذلك عن التأكيد بالضمير المنفصل، والمراد بالصلاة هنا معنى مجازي يعم صلاة الله بمعنى الرحمة، وصلاة الملائكة بمعنى الدعاء، لئلا يجمع بين حقيقة ومجاز في كلمة واحدة، واللام في قوله :
 لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ  متعلق بيصلي، أي يعتني بأموركم هو وملائكته ليخرجكم من ظلمات المعاصي إلى نور الطاعات ومن ظلمة الضلالة إلى نور الهداية، ومعنى الآية تثبيت المؤمنين على الهداية، ودوامهم عليها ؛ لأنهم كانوا وقت الخطاب على الهداية، قال الحفناوي : جمع الأول لتعدد أنواع الكفر، وأفرد الثاني لأن الإيمان شيء واحد لا تعدد فيه. 
ثم أخبر سبحانه برحمته للمؤمنين تأنيسا لهم وتثبيتا فقال :
 وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا  وفي هذه الجملة تقرير لمضمون ما تقدمها.

### الآية 33:44

> ﻿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ ۚ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا [33:44]

ثم بين سبحانه أن هذه الرحمة منه لا تخص السامعين وقت الخطاب، بل هي عامة لهم، ولمن بعدهم، وفي الدار الآخرة فقال : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ  أي تحية المؤمنين من الله سبحانه يوم لقائهم له عند الموت، أو عند البعث، وعند دخول الجنة هي التسليم عليهم منه عز وجل. يقول الله تبارك وتعالى : السلام عليكم، وقيل : المراد تحية بعضهم لبعض يوم يلقون ربهم : سلام، وذلك لأنه كان بالمؤمنين رحيما، فلما شملتهم رحمته وأمنوا من عقابه، حيا بعضهم بعضا سرورا واستبشارا، والمعنى : سلامة لنا من عذاب النار. 
قال الزجاج : المعنى فيسلمهم الله من الآفات، ويبشرهم بالأمن من المخافات يوم يلقونه وقيل : الضمير في يلقونه راجع إلى ملك الموت، وهو الذي يحييهم كما ورد أنه لا يقبض روح مؤمن إلا سلم عليه، قاله البراء بن عازب، وقال ابن مسعود : إذا جاء ملك الموت لقبض روح المؤمن قال : ربك يقرئك السلام، وقال مقاتل : هو تسليم الملائكة عليهم يوم يلقون الرب كما في قوله : والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم . 
 وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا  أي في الجنة، أو أعد لهم في الجنة رزقا حسنا، ما تشتهيه أنفسهم وتلذه أعينهم، وهذا بيان لآثار رحمته تعالى الفائضة عليهم بعد دخول الجنة عقيب بيان آثار رحمته الواصلة إليهم قبل ذلك.

### الآية 33:45

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [33:45]

ثم ذكر سبحانه صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أرسله لها فقال :
 يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا  أي على أمته يشهد لمن صدقه وآمن به، وعلى من كذبه وكفر به، قال مجاهد شاهدا على أمته بالتبليغ إليهم وعلى سائر الأمم بتبليغ أنبيائهم إليهم. 
 وَمُبَشِّرًا  للمؤمنين برحمة الله وبالجنة، وبما أعده لهم، من جزيل الثواب وعظيم الأجر  وَنَذِيرًا  للكافرين والعصاة بالنار وبما أعده الله لهم من أليم العقاب.

### الآية 33:46

> ﻿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا [33:46]

وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ  يدعو عباد الله إلى التوحيد والإيمان بما جاء به والعمل بما شرعه لهم. ومعنى  بِإِذْنِهِ  بأمره بذلك وتقديره. 
وقيل : بتيسيره قاله الكرخي وغيره.  وَسِرَاجًا مُّنِيرًا  يستضاء به في ظلم الضلالة كما يستضاء بالمصباح في الظلمة. قال الزجاج :( وسراجا ) أي ذا سراج منير أي كتاب نير، وهو القرآن، وإنما شبه الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالسراج دون الشمس مع أنها أتم لأن المراد بالسراج هنا الشمس ؛ كما قال تعالى : وجعل الشمس سراجا، أو شبه بالسراج لأنه تفرع منه بهدايته جميع العلماء ؛ كما يتفرع من السراج سرج لا تحصى بخلاف الشمس.

### الآية 33:47

> ﻿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا [33:47]

وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ  عطف على مقدر يقتضيه المقام ؛ كأنه قيل : فراقب أحوال الناس، وبشر المؤمنين من أمتك  بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللهِ فَضْلا كَبِيرًا  على مؤمني سائر الأمم في الرتبة والشرف، وزيادة على أجور أعمالهم بطريق التفضل والإحسان، وقد بين ذلك سبحانه بقوله : والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير 
عن ابن عباس قال : لما نزلت :( يا أيها النبي ) الآية، وقد كان صلى الله عليه وسلم أمر عليا ومعاذا أن يسيرا إلى اليمن فقال :( انطلقا فبشر ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا ) فإنها قد أنزلت علي ( يا أيها النبي إنا أرسلناك ) الآية. 
وأخرج أحمد والبخاري وغيرهما : عن عطاء بن يسار قال لقيت عبد الله ابن عمرو بن العاص فقلت : أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، قال أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن  يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا  وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفوا ويصفح ) وزاد أحمد : ولن يقبضه الله حتى يقيم الملة العوجاء بأن يقولوا : لا إله إلا الله فيفتح بها أعينا عميا، وآذانا صما وقلوبا غلفا، وقد ذكر البخاري في صحيحه في البيوع هذا الحديث فقال : وقال سعيد عن هلال عن عطاء عن عبد الله بن سلام ولم يقل : عبد الله بن عمروا، وهذا أولى فعبد الله بن سلام هو الذي كان يسأل عن التوراة فيخبر بما فيها.

### الآية 33:48

> ﻿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا [33:48]

ثم نهاه سبحانه عن طاعة أعداء الدين فقال : وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ  فيما يشيرون به عليك من المداهنة في الدين، والمداراة في أمر الدعوة، ومن استعمال لين الجانب في التبليغ. وفي الآية تعريض لغيره من أمته لأنه صلى الله عليه وسلم معصوم عن طاعتهم في شيء مما يريدونه ويشيرون به عليه، وقد تقدم تفسير هذه الآية في أول السورة  وَدَعْ أَذَاهُمْ  أي لا تبال بما يصدر منهم إليك من الأذى بسبب تصلبك في دين الله وشدتك على أعدائه، أو دع أن تؤذيهم أنت مجازاة لهم على ما يفعلونه من الأذى لك، فالمصدر على الأول مضاف إلى الفاعل، وعلى الثاني مضاف إلى المفعول، قيل : منسوخة بآية السيف. 
 وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ  في كل شؤونك  وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلا  توكل إليه الأمور وتفوض إليه الشؤون فمن فوض إليه أموره كفاه، ومن وكل إليه أحواله لم يحتج فيها إلى سواه،

### الآية 33:49

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ۖ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [33:49]

ولما ذكر سبحانه قصة زيد وطلاقه لزينب وكان قد دخل بها وخطبها النبي صلى الله عليه وسلم بعد انقضاء عدتها كما تقدم، خاطب المؤمنين مبينا لهم حكم الزوجة إذا طلقها زوجها قبل الدخول عليها فقال : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا ( ٤٩ )  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ  أي عقدتم بهن عقد النكاح أو بالكتابيات، وإنما خص المؤمنات بالذكر للتنبيه على أن من شأن المؤمن أن لا ينكح إلا مؤمنة تخيرا للنطفة، وقد اختلف في لفظ النكاح، هل هو حقيقة في الوطء ؟ أو في العقد ؟ أو فيهما على طريقة الاشتراك ؟ وكلام صاحب الكشاف في هذا الموضع يشعر بأنه حقيقة في الوطء، فإنه قال : النكاح الوطء وتسمية العقد نكاحا لملابسته له من حيث إنه طريق إليه، ونظيره تسمية الخمر إثما لأنها سبب في اقتراف الإثم، ولم يرد لفظ النكاح في كتاب الله إلا في معنى العقد، كما قاله صاحب الكشاف والقرطبي وغيرهما. 
و في أ  ثُمَّ  التراخي ليس قيدا، وفائدة التعبير بثم إزالة ما عسى أن يتوهم من أن تراخي الطلاق بقدر إمكان الإصابة كما يؤثر في النسب يؤثر في العدة  طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ  أي تجامعوهن، فكنى عن ذلك بلفظ المس ومن آداب القرآن الكناية عن الوطء بلفظ الملامسة والمماسة والقربان والغشي والإتيان. 
وقد استدل بهذه الآية القائلون بأنه لا طلاق قبل النكاح، وهم الجمهور، وبه قال علي وابن عباس وجابر ومعاذ وعائشة، وبه قال سعيد بن المسيب وعروة وشريح وسعيد بن جبير والقاسم وطاووس والحسن وعكرمة وعطاء وسليمان بن يسار ومجاهد والشعبي وقتادة وأكثر أهل العلم، وبه قال الشافعي، وذهب ابن مسعود ومالك وأبو حنيفة إلى صحة الطلاق قبل النكاح إذا قال : إذا تزوجت فلانة فهي طالق فتطلق إذا تزوجها، وبه قال النخعي وأصحاب الرأي، وقال ربيعة والأوزاعي : إن عين امرأة وقع وإن عمم فلا يقع، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا طلاق فيما لا تملك، ولا عتق فيما لا تملك، ولا بيع فيما لا تملك، أخرجه أبو داود والترمذي بمعناه. وعن ابن عباس قال : جعل الله الطلاق بعد النكاح أخرجه البخاري. 
 فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا  أي تحصونها بالإقراء والأشهر، أجمع العلماء على أنه إذا كان الطلاق قبل المسيس والخلوة فلا عدة، وذهب أحمد إلى أن الخلوة توجب العدة والصداق، وقد حكى ذلك الإجماع القرطبي وابن كثير، والمعنى : تستوفون عددها، من عددت الدراهم فأعتدها، وإسناد ذلك إلى الرجال على أن العدة حق لهم كما يفيده قوله :( فما لكم ) وقرئ : تعتدونها بتشديد الدال وبتخفيفها، وفي هذه وجهان أحدهما : أن يكون بمعنى الأولى مأخوذ من الاعتداد أي تستوفون عددها ولكنهم تركوا التضعيف لقصد التخفيف، قال الرازي : ولو كان من الاعتداء الذي هو الظلم لضعف ؛ لأن الاعتداء يتعدى بعلى، وقيل من الاعتداء بحذف حرف الجر أي تعتدون عليها أي على العدة مجازا. 
والوجه الثاني : أن يكون المعنى تعتدون فيها والمراد بالاعتداء هذا هو ما في قوله : ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا  فيكون معنى الآية على القراءة الأخرى، فما لكم عليهن من عدة تعتدون عليهن فيها بالمضارة وقد أنكر ابن عطية صحة هذه القراءة عن ابن كثير، وقال : إن البزي غلط عليه وهذه الآية مخصصة لعموم قوله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء  ولقوله : واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر 
 فَمَتِّعُوهُنَّ  أي أعطوهن ما يستمتعن به، والمتعة المذكورة هنا قد تقدم الكلام عليها في البقرة، وقال سعيد بن جبير : هذه المتعة المذكورة هنا منسوخة بالآية التي في البقرة، وهي في قوله : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم ، وقيل المتعة هنا : هي أعم من أن تكون نصف الصداق، أو المتعة خاصة إن لم يكن قد سمي لها فمع التسمية للصداق تستحق نصف المسمى عملا بقوله ( فنصف ما فرضتم )، ومع عدم التسمية تستحق المتعة عملا بهذه الآية، ويؤيد ذلك قوله تعالى : ولا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة، ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ، وهذا الجمع لا بد منه، وهو مقدم على الترجيح وعلى دعوى النسخ، ويخصص من هذه الآية من توفي عنها زوجها، الترجيح وعلى دعوى النسخ، ويخصص من هذه الآية من توفي عنها زوجها، فإنه إذا مات بعد العقد عليها وقبل الدخول بها كان الموت كالدخول فتعتد أربعة أشهر وعشرا، قال ابن كثير بالإجماع، فيكون المخصص هو الإجماع. 
 وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا  أي أخرجوهن من غير إضرار ولا منع حق من منازلكم، إذ ليس لكم عليهن عدة، والسراح الجميل الذي لا ضرار فيه وقيل : هو أن لا يطالبها بما كان قد أعطاها، وقيل هو هنا كناية عن الطلاق وهو بعيد، لأنه قد تقدم ذكر الطلاق، ورتب عليه التمتع، وعطف عليه السراح الجميل، فلا بد أن يراد به معنى غير الطلاق. 
وعن ابن عباس في الآية قال : هذا في الرجل يتزوج المرأة ثم يطلقها من قبل أن يمسها فإذا طلقها واحدة بانت منه ولا عدة عليها تتزوج من شاءت ثم قال : فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا ، يقول : إن كان سمى لها صداقا فليس لها إلا النصف وإن لم يكن سمى لها صداقا متعها على قدر عسره، ويسره وهو السراح الجميل. 
وعن ابن عمر قال : إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن  منسوخة نسختها التي في البقرة  فنصف ما فرضتم ، وعن سعيد بن المسيب نحوه، وعن الحسن وأبي العالية قالا : ليست بمنسوخة لها نصف الصداق، ولها المتاع وعن ابن جريج قال بلغ ابن عباس أن ابن مسعود يقول : إن طلق ما لم ينكح فهو جائز فقال ابن عباس : أخطأ في هذا إن الله يقول : إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، ولم يقل : إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن. وعن ابن عباس أنه تلا هذه الآية وقال : لا يكون طلاق حتى يكون نكاح، وقد وردت أحاديث فيها : أنه لا طلاق إلا بعد نكاح وهي معروفة.

### الآية 33:50

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۗ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [33:50]

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ  ذكر سبحانه في هذه الآية أنواع الأنكحة التي أحلها لرسوله، وبدأ بأزواجه اللاتي قد أعطاهن أجورهن أي مهورهن فإن المهور أجور الإبضاع، ولهذا قال الكرخي : إن النكاح بلفظ الإجارة جائز. 
وقال أهل الرأي : التأبيد من شرط النكاح، والتأقيت من شرط الإجارة وبينهما منافاة، وإيتاء الأجور إما تسليمها معجلة، أو فرضها أو تسميتها في العقد، واختلف في معنى الآية فقال ابن زيد والضحاك : إن الله أحل له أن يتزوج كل امرأة يؤتيها مهرها ؛ فتكون الآية مبيحة لجميع النساء ما عدا ذوات المحارم، وقال الجمهور : المراد أحللنا لك أزواجك الكائنات عندك لأنهن قد اخترنك على الدنيا وزينتها، وهذا هو الظاهر ؛ لأن قوله : أحللنا وآتيت ماضيان ؛ وتقييد الإحلال بإيتاء الأجور ليس لتوقف الحل عليه ؛ لأنه يصح العقد بلا تسمية ويجب مهر المثل مع الوطء، والمتعة مع عدمه. فكأنه لقصد الإرشاد إلى ما هو أفضل. 
 وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاء اللهُ عَلَيْكَ  أي السراري التي دخلن في ملكك بالغنيمة. والمعنى : مما رده الله عليك من الكفار بالغنيمة من نسائهم المأخوذات على وجه القهر والغلبة مثل : صفيه وجويرية فاعتقها وتزوجهما، وقد كانت مارية مما ملكت يمينه فولدت له إبراهيم، وليس المراد بهذا القيد إخراج ما ملكه بغير الغنيمة ؛ فإنها تحل السرية المشتراة والموهوبة ونحوهما ولكنه خرج مخرج الغالب وأشار به إلى ما هو الأفضل كالقيد الأول المصرح بإيتاء الأجور، وهكذا قيد المهاجرة في قوله :
 وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ  أي نساء قريش  وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِك  أي نساء بني زهرة  اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ  فإنه للإشارة إلى ما هو الأفضل، وللإيذان بشرف الهجرة وشرف من هاجر، أي أحللنا لك ذلك زائدا على الأزواج اللاتي آتيت أجورهن على قول الجمهور، لأنه لو أراد أحللنا لك كل امرأة تزوجت وآتيت أجرها لما قال بعد ذلك : وبنات عمك وبنات عماتك، لأن ذلك داخل فيما تقدم، والأول أولى والمراد بالمعية هنا الاشتراك في الهجرة لا في الصحبة فيها. قال النسفي : ليس ( مع ) للقرآن، بل لوجودها فحسب، كقوله : وأسلمت مع سليمان. 
وقيل إن هذا القيد أعني المهاجرة معتبر، وإنها لا تحل له من لم تهاجر من هؤلاء كما في قوله : والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا ، ويؤيد هذا حديث أم هانئ وسيأتي. 
ووجه إفراد العم والخال، وجمع العمة والخالة، ما ذكره القرطبي أن العم والخال في الإطلاق اسم جنس، كالشاعر والراجز، وليس كذلك العمة والخالة قال وهذا عرف لغوي، فجاء الكلام عليه بغاية البيان، وحكاه عن ابن العربي وقال ابن كثير أنه وحد لفظ الذكر لشرفه، وجمع الأنثى كقوله : عن اليمين وعن الشمائل، وقوله يخرجهم : من الظلمات إلى النور ، وجعل : الظلمات والنور  وله نظائر كثيرة انتهى. 
وقال النيسابوري : وإنما لم يجمع العم والخال اكتفاء بجنسيتهما مع أن لجمع البنات دلالة على ذلك لامتناع اجتماع أختين تحت واحد، ولم يحسن هذا الاختصار في العمة والخالة لإمكان سبق الوهم إلى أن التاء فيهما للوحدة انتهى. وكل وجه من هذه الوجوه يحتمل المناقشة بالنقض والمعارضة، وأحسنها تعليل جمع العمة والخالة تسبق الوهم إلى أن التاء للوحدة وليس في العم والخال ما يسبق الوهم إليه بأنه أريد به الوحدة إلا مجرد صيغة الإفراد وهي لا تقتضي ذلك بعد إضافتها لما تقرر من عموم أسماء الأجناس المضافة ؛ على أن هذا الوجه الأحسن لا يصفو عن شوب المناقشة أيضا ؛ قال الشهاب. 
وقد سئل كثير عن حكمة إفراد العم والخال دون العمة والخالة حتى أن السبكي صنف جزءا فيه سماه بذل الهمة في إفراد العم وجمع العمة. وقد رأيت لهم فيه كلمات كلها ضعيفة، كقول الرازي : إن العم والخال على زنة المصدر ويستوي فيه المفرد والجمع بخلاف العمة والخالة وقيل : إنهما يعمان إذا أضيفا، والعمة والخالة لا يعمان لتاء الوحدة انتهى. 
أخرج الترمذي وحسنه، وابن جرير، والطبراني وغيرهم عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت :( خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه فعذرني، فأنزل الله : يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك إلى قوله هاجرن معك ) قالت : فلم أكن أحل له لأني لم أهاجر معه، كنت من الطلقاء. 
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه من وجه آخر عنها قالت : نزلت في هذه الآية : وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ  أراد النبي أن يتزوجني فنهي عني إذ لم أهاجر. 
وعن ابن عباس في قوله :( إنا أحللنا لك أزواجك ) إلى قوله :( خالصة لك ) قال فحرم الله عليه سوى ذلك من النساء، وكان قبل ذلك ينكح في أي النساء شاء لم يحرم ذلك عليه. وكان نساؤه يجدن من ذلك وجدا شديدا أن ينكح في أي النساء أحب، فلما أنزل : إني حرمت عليك من النساء سوى ما قصصت عليك أعجب ذلك نساءه. 
 وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً  أي : وأحللنا لك امرأة مصدقة بالتوحيد، وهذا يدل على ان الكافرة لا تحل له، قال إمام الحرمين : وقد اختلف في تحريم الحرة الكافرة عليه، قال ابن العربي : والصحيح عندي تحريمها، وبهذا يتميز علينا، فإنه ما كان في جانب الفضائل والكرامات فحظه فيه أكثر، وما كان من جانب النقائص فجانبه عنها أطهر فجوز لنا نكاح الحرائر الكتابيات، وقصر هو صلى الله عليه وسلم على المؤمنات، ولهذا كان لا تحل له الكتابية الكافرة لنقصانها بالكفر انتهى. 
وأما تسريه بالأمة الكتابية فالأصح فيه الحل لأنه صلى الله عليه وسلم استمتع بأمته ريحانه قبل أن تسلم كذا في المواهب وكانت يهودية من سبي قريظة، ومما خص به أيضا أنه يحرم عليه نكاح الأمة ولو مسلمة لأن نكاحها معتبر بخوف العنت، وهو معصوم، وبفقدان مهر الحرة ونكاحه غنى عن المهر ابتداء وانتهاء، وبرق الولد ومنصبه صلى الله عليه وسلم ينزه عنه كذا في الروض وشرحه. 
 إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ  أي ملكتك بضعها بأي عبارة كانت بغير صداق، وأما من لم تكن مؤمنة فلا تحل لك بمجرد هبتها نفسها لك، ولكن ليس ذلك بواجب عليك بحيث يلزمك قبول ذلك، بل مقيدا بإرادتك فهي جملة شرطية لا تستلزم الوقوع، ولهذا قال : إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا  يقال نكح واستنكح مثل عجل واستعجل، عجب واستعجب. 
ويجوز أن يراد الاستنكاح بمعنى طلب النكاح أو طلب الوطء قاله القرطبي، أي يصيرها منكوحة له، ويتملك بضعها بتلك الهبة بلا مهر، وذلك جار منه مجرى القبول. وحيث لم تكن الآية نصا في كون تملكيها بلفظ الهبة لم تصلح أن تكون مناطا للخلاف في انعقاد النكاح بلفظ الهبة، وإيراده في الموضعين بعنوان النبوة بطريق الالتفات عن الخطاب للإيذان بأنها المناط لثبوت الحكم، فيختص به كما ينطق به قوله الآتي :( خالصة لك ) وقد قيل إنه لم ينكح النبي من الواهبات أنفسهن أحدا، ولم يكن عنده منهن شيء، قال قتادة : كانت عنده ميمونة بنت الحرث، قال الشعبي : هي زينب بنت خزيمة الأنصارية أم المساكين، وقال علي بن الحسين والضحاك ومقاتل : هي أم شريك بنت جابر الأسدية، وقال عروة ابن الزبير وهي أم حكيم بنت الأوقص السلمية. 
أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في السنن عن عائشة قالت :( التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم خولة بنت حكيم ). وأخرج البخاري وغبره عن عروة :( أن خولة بنت حكيم كانت من اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم )، وعن محمد بن كعب وعمر بن الحكم وعبد الله ابن عبيدة قالوا : تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة امرأة ؛ ستا من قريش : خديجة وعائشة وحفصة وأم حبيبة وسودة وأم سلمة، وثلاثا من بني عامر بن صعصعة، وامرأتين من بني هلال بن عامر : ميمونة بنت الحرث، وهي التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم وزينب أم المساكين والعامرية وهي التي اختارت الدنيا، وامرأة من بني الجون، وهي التي استعاذت منه، وزينب بن جحش الأسدية، والسبيتين : صفية بنت حيي وجويرية بنت الحرث الخزاعية. 
وأخرج البخاري وابن مردويه عن انس قال جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله هل لك بي حاجة ؟ فقالت ابنة انس ما كان أقل حياءها ؟ فقال : هي خير منك رغبت في النبي صلى الله عليه وسلم فعرضت نفسها عليه. 
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن سعد الساعدي أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوهبت نفسها له فصمت، الحديث بطوله وكان من خصائصه صلى الله عليه وسلم أن النكاح ينعقد في حقه بمعنى الهبة من غير ولي. ولا شهود ولا مهر، والزيادة على أربع، ووجوب تخيير النساء وعليه جماعة. 
واختلفوا في انعقاد النكاح بلفظ الهبة في حق الأمة، فذهب أكثرهم إلى أنه لا ينعقد إلا بلفظ النكاح والتزويج، وهو قول سعيد بن المسيب والزهري ومجاهد وعطاء، وبه قال ربيعة ومالك والشافعي. وقال إبراهيم النخعي وأهل الكوفة ينعقد بلفظ التمليك والهبة، ومن قال بالقول الأول اختلفوا في نكاح النبي صلى الله عليه وسلم فذهب قوم إلى أنه كان ينعقد في حقه صلى الله عليه وسلم بلفظ الهبة، وذهب قوم آخرون إلى أنه لا ينعقد كما في حق سائر الأمة وكان اختصاصه في ترك المهر وعدم لزومه له لا في لفظ النكاح واختلفوا في أن العقد بلفظ الهبة هل وقع له بالفعل أم لا. 
فقال ابن عباس ومجاهد : لم يكن عنده امرأة إلا بعقد نكاح أو ملك يمين. وقال آخرون : وقع، واختلفوا فيه كما تقدم وقال الزمخشري : قيل الموهوبات أربع : ميمونة وزينب وأم شريك وخولة، وفي السمين : هذا من اعتراض الشرط على الشرط. والثاني قيد في الأول ولذلك اعربوه حالا، لأن الحال قيد ولهذا اشترط الفقهاء أن يتقدم الثاني على الأول في الوجود. 
فلو قال : إن أكلت إن ركبت فأنت طالق فلا بد أن يتقدم الركوب على الأكل، وأنه يشترط أن لا يكون ثمة قرينة تمنع من تقدم الثاني على الأول كقولك : إن تزوجتك إن طلقتك فعبدي حر، فإنه لا يتصور هنا تقديم الطلاق على التزويج إلا أني قد عرض لي إشكال على ما قاله الفقهاء بهذه الآية. 
وذلك أن الشرط الثاني هنا لا يمكن تقدمه في الوجود بالنسبة إلى الحكم الخاص بالنبي صلى الله عليه وسلم لا أنه لا يمكن عقلا، وذلك أن المفسرين فسروا قوله تعالى إن أراد، بمعنى قبل الهبة لأنه بالقبول منه يتم نكاحه، وهذا لا يتصور تقدمه على الهبة إذ القبول متأخر، أيضا فالقصة كانت على ما ذكرته من تأخر إرادته عن هبتها، وهو مذكور في التفسير. 
وقد عرضت هذا الإشكال على جماعة من أعيان زماننا فاعترفوا به، ولم يظهر عنهم جواب، إلا ما قدمته من أن ثم قرينة مانعة من ذلك كما مثلت لك آنفا انتهى. 
وقد بين الله سبحانه أن هذا النوع من النكاح خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يحل لغيره من أمته فقال. 
 خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ  لفظ : خالصة إما حال من امرأة قاله الزجاج، أو حال من فاعل ( وهبت ) أي حال كونها خالصة لك دون غيرك، أو مصدر مؤكد كوعد الله أي خالص لك خلوصا، أو نعت مصدر مقدر أي. هبة خالصة، فنصبها بوهبت، وقد أ

### الآية 33:51

> ﻿۞ تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ۖ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا [33:51]

تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ  قرئ ترجي مهموزا وغير مهموز، وهما لغتان والإرجاء التأخير. يقال : أرجأت الأمر وأرجيته إذا أخرته  وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء  أي تضم إليك. يقال : آواه إليه بالمد ضمه إليه، وأوى مقصورا أي ضم إليه، والمعنى : أن الله وسع على رسوله صلى الله عليه وسلم وجعل الخيار إليه في نسائه، فيؤخر من شاء منهن ويؤخر نوبتها ويتركها ولا يأتيها من غير طلاق، ويضم إليه من شاء منهن ويضاجعها ويبيت عندها. 
وقد كان القسم واجبا عليه حتى نزلت هذه الآية فارتفع الوجوب وصار الخيار إليه، وكان ممن آوى إليه عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب، وممن أرجى سودة وجويرية وأم حبيبة وميمونة وصفية، فكان صلى الله عليه وسلم يسوي بين من آوى في القسم، وكان يقسم لمن أرجاه ما شاء، هذا قول جمهور المفسرين في معنى الآية، وهو الذي يناسب ما مضى، وقد دلت عليه الأدلة الثابتة في الصحيح وغيره. 
قال ابن العربي : هذا الذي ثبت في الصحيح هو الذي ينبغي أن يعول عليه لكنه كان يقسم من قبل نفسه دون فرض عليه تطييبا لنفوسهن، وصونا لهن عن أقوال الغيرة التي تؤدي إلى ما لا ينبغي. وقيل : هذه الآية في الواهبات أنفسهن لا في غيرهن من الزوجات قاله الشعبي وغيره، وقيل : معنى الآية في الطلاق أي : تطلق من تشاء منهن وتمسك من تشاء. 
وقال الحسن : إن المعنى تنكح من شئت من نساء أمتك وتترك نكاح من شئت منهن، وقد قيل : إن هذه الآية ناسخة لقوله : لا يحل لك النساء من بعد، وعن ابن عباس : ترجي أي تؤخر، وعنه قال : من شئت خليت سبيلها منهن، ومن أحببت أمسكت منهن. 
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة قالت : كنت أغار من اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقول : تهب المرأة نفسها. فلما أنزل الله : ترجي من تشاء منهن الآية قلت : ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. 
وعن أبي رزين قال : هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلق من نسائه فلما رأين ذلك أتينه فقلن : لا تخل سبيلنا وأنت في حل فيما بيننا وبينك افرض لنا من نفسك ومالك بما شئت فأنزل الله ترجي من تشاء منهن، يقول : تعزل من تشاء فأرجى منهن نسوة، وآوى نسوة، وكان ممن أرجى ميمونة وجويرية وأم حبيبة وصفية وسودة، وكان يقسم بينهن من نفسه وماله ما شاء، وكان ممن آوى عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب فكانت قسمته من نفسه وماله بينهن سواء. 
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن نزلت هذه الآية ترجي من تشاء منهن، فقلت لها ما كنت تقولين ؟ قالت كنت أقول إن كان ذلك إلي فإني أريد أن لا أوثر عليك أحدا. 
 وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ  الابتغاء الطلب، والعزل الإزالة، والمعنى إن أردت أن تؤوى إليك امرأة ممن قد عزلتهن من القسمة وتضمها إليك  فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ  في ذلك، والحاصل أن الله سبحانه فوض الأمر إلى رسوله يصنع في زوجاته ما شاء من تقديم وتأخير وعزل وإمساك، وضم من أرجى وإرجاء من ضم إليه، وما شاء في أمرهن فعل توسعة عليه ونفيا للحرج عنه، وأصل الجناح الميل، يقال : جنحت السفينة إذا مالت، والمعنى لا ميل عليك بلوم ولا عتب فيما فعلت. 
 ذَلِكَ  أي ما تقدم من التفويض إلى مشيئته وهو مبتدأ وخبره قوله  أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ  أي ذلك التخيير والتفويض فوضناك أقرب إلى رضائهن وأطيب لأنفسهن إذ كان من عندنا لأنهن إذا علمن أنه من الله قرت أعينهن، واطمأنت نفوسهن، وذهب التغاير وحصل الرضاء. قرئ تقر على البناء للفاعل مسندا إلى أعينهن، وقرئ بضم التاء من أقرر وفاعله ضمير المخاطب وبنصب أعينهن على المفعولية، وقرئ على البناء للمفعول، وقد تقدم بيان معنى قرة العين في سورة مريم. 
 ولا يَحْزَنَّ  لا يحصل معهن حزن بتأثيرك بعضهن دون بعض  وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ  أي بما أعطيتهن من تقريب وإرجاء وعزل وإيواء وكان يقسم بينهن في القسمة حتى مات، ولم يستعمل شيئا مما أتيح له ضبطا لنفسه، وأخذا بالأفضل غير سودة فإنها وهبت ليلتها لعائشة رضي الله عنهما. 
 وَاللهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ  من كل ما تضمرونه ومن ذلك ما تضمرونه من أمور النساء والميل إلى بعضهن  وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا  بكل شيء وبما في ضمائركم لا تخفى عليه خافية  حَلِيمًا  عنكم لا يعاجل العصاة بالعقوبة فينبغي أن تتقى محارمه لأن انتقام الحليم وغضبه أمر عظيم.

### الآية 33:52

> ﻿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا [33:52]

لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ  أي من بعد هؤلاء التسع اللاتي اخترنك واجتمعن في عصمتك وهن التسع اللاتي توفي عنهن. وهن عائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمر وأم حبيبة بنت أبي سفيان وسودة بنت زمعة وأم سلمة بنت أبي أمية وصفية بنت حيي بن أخطب الخيبرية وميمونة بنت الحرث الهلالية وزينب بنت جحش الأسدية وجويرية بنت الحارث المصطلقية قاله أبو السعود. 
قد اختلف أهل العلم في تفسير هذه الآية على أقوال، الأول : أنها محكمة، وأنه حرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوج على نسائه مكافأة لهن بما فعلن من اختيار الله ورسوله والدار الآخرة ؛ لما خيرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر الله له بذلك، وهذا قول ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة والحسن وابن سيرين وابن بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام وابن زيد وابن جرير. وقال أبو أمامة بن سهل حنيف : لما حرم الله عليهن أن يتزوجن من بعده حرم عليه أن يتزوج غيرهن. 
وقال أبي بن كعب وعكرمة وأبو رزين أن المعنى لا يحل لك النساء من بعد الأصناف التي سماها الله قال القرطبي : هو اختيار ابن جرير وقيل لا يحل لك اليهوديات ولا النصرانيات لأنهن لا يصح أن يتصفن بأمهات المؤمنين، وهذا هو القول فيه بعد، لأنه يكون التقدير لا يحل لك النساء من بعد المسلمات ولم يجر للمسلمات ذكر، وقيل هذه الآية منسوخة بالسنة، بقوله : تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء ، وبهذا القول قالت أم سلمة وعائشة وعلي بن أبي طالب وعلي بن الحسين وغيرهم. وهذا هو الراجح وسيأتي ما يدل عليه من الأدلة، عن زياد رجل من الأنصار قال : قلت لأبي بن كعب أرأيت لو أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم متن أما كان يحل له أن يتزوج ؟ قال وما يمنعه من ذلك ؟ قلت قوله : لا يحل لك النساء من بعد، قال إنما أحل له ضربا من النساء ووصف له صفة فقال : يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك  إلى قوله ( وامرأة مؤمنة ) ثم قال : لا يحل لك النساء من بعد هذه الصفة. 
وعن ابن عباس قال نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات : لا يحل لك النساء من بعد  الآية، فأحل له الفتيات المؤمنات وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي وحرم كل ذات دين غير الإسلام وقال : يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك  إلى قوله : خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ  ؟ وحرم ما سوى ذلك من أصناف النساء. 
وعنه قال نهي النبي أن يتزوج بعد نسائه الأول شيئا، وعنه في الآية قال : حبسه الله عليهن كما حبسهن عليه، وعن أنس قال : لما خيرهن فاخترن الله ورسوله قصره عليهن فقال : لا يحل لك النساء من بعد . 
وعن أم سلمة قالت : لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله أن يتزوج من النساء ما شاء إلا ذات محرم، وذلك قول الله : تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ  الآية، وأخرج أحمد وأبو داود في ناسخه، والترمذي وصححه، والنسائي والحاكم وصححه. 
عن عائشة قالت : لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء ما شاء إلا ذات محرم، لقوله : ترجي من تشاء منهن  الآية، وعن ابن عباس مثله، وعن أبي رزين : لا يحل لك النساء من بعد  قال : من المشركات إلا ما سبيت فملكت يمينك. 
 وَلا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ  أي ليس لك أن تطلق واحدة منهن أو أكثر وتتزوج بدل من طلقت منهن أي من المسلمات غيرهن من الكتابيات، لأنه لا تكون أم المؤمنين يهودية ولا نصرانية و  من  مزيدة لتأكيد النفي وفائدته استغراق جنس الأزواج بالتحريم. 
وقال ابن زيد : هذا شيء كانت العرب تفعله تقول خذ زوجتي وأعطني زوجتك، وقد أنكر ابن جرير والنحاس ما ذكر ابن زيد، قال ابن جرير : ما فعلت العرب هذا قط، ويدفع هذا الإنكار منهما ؛ ما أخرجه الدارقطني عن أبي هريرة قال : كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل تنزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي فأنزل الله عز وجل ولا أن تبدل بهن، وأخرجه أيضا عنه البزار وابن مردويه. 
وأخرجا عن أبي هريرة قال : كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل : بادلني امرأتك وأبادلك امرأتي أي تنزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي، فأنزل الله هذه الآية. قال : فدخل عيينة بن حصن الفزاري على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده عائشة فدخل بغير إذن فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أين الاستئذان ؟ قال يا رسول الله ما استأذنت على رجل من الأنصار منذ أدركت، ثم قال : من هذه الحميراء إلى جنبك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذه عائشة أم المؤمنين، قال أفلا أنزل لك عن أحسن خلق الله ؟ قال : يا عيينة إن الله حرم ذلك، فلما أن خرج قالت عائشة : من هذا ؟ قال أحمق مطاع، وإنه ما ترين لسيد قومه. 
 وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ  وهذا كقولك : أعطوا السائل ولو على فرس. أي : في كل حال، ولو على هذه الحالة المنافية للإعطاء، وقيل : تقديره مفروضا إعجابك بهن، أي لا يحل لك التبدل بأزواجك ولو أعجبك حسن غيرهن وجمالها ممن أردت أن تجعلها بدلا من إحداهن، وهذا التبدل أيضا من جملة ما نسخه الله في حق رسوله على القول الراجح ونسخها إما بالسنة أو بقوله :( إنا أحللنا لك أزواجك )، وترتيب النزول ليس على ترتيب المصحف. 
قال ابن عباس : يعني أسماء بنت عميس امرأة جعفر بن أبي طالب لما استشهد جعفر ؛ أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخطبها فنهي عن ذلك. 
 إِلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ  استثناء من النساء لأنه يتناول الحرائر والإماء وقيل : منقطع ؛ والمعنى تحل لك الإماء، وقد ملك صلى الله عليه وسلم بعدهن مارية القبطية أهداها له المقوقس ملك القبط وهم أهل مصر والاسكندرية وولدت له إبراهيم في ذي الحجة سنة ثمان ومات في حياة أبيه، وله سبعون يوما وقيل : سنة وعشرة أشهر وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم لم يصل عليه بنفسه بل أمرهم فصلوا قاله ابن حجر في شرح الهمزية، وقد اختلف العلماء في تحليل الأمة الكافرة على قولين :
الأول : أنها تحل للنبي صلى الله عليه وسلم لعموم هذه الآية وبه قال مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء والحسن. 
والثاني : أنها لا تحل للنبي صلى الله عليه وسلم تنزيها لقدره عن مباشرة الكافرة، ويترجح القول الأول بعموم هذه الآية وتعليل المنع
بالتنزه ضعيف فلا تنزه عما أحله الله فهو طيب لا خبيث باعتبار ما يتعلق بأمور النكاح لا باعتبار غير ذلك فالمشركون نجس بنص القرآن، ويمكن ترجيح القول الثاني بقوله سبحانه : ولا تمسكوا بعصم الكوافر  فإنه نهى عام. 
 وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا  أي مراقبا حافظا وفي الآية دليل على جواز النظر إلى من يريد نكاحها من النساء، ويدل عليه ما روى عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :\[ إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل \]. أخرجه أبو داود وعن أبي هريرة أن رجلا أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :\[ انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا \]. 
قال الحميدي : يعني هو الصغر وعن المغيرة بن شعبة قال : خطبت امرأة فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم : هلا نظرت إليها ؟ قلت لا. قال : فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما، أخرجه الترمذي وقال حسن.

### الآية 33:53

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ ۖ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ۚ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ۚ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا [33:53]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا  شروع في بيان ما تجب رعايته على الناس من حقوق نساء النبي إثر بيان ما تجب مراعاته عليه من حقوقهن  لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ  هذا نهي عام لكل مؤمن أن يدخل بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بإذن منه. وسبب النزول ما وقع من بعض الصحابة في وليمة زينب. 
قد أخرج البخاري ومسلم عن أنس قال : قال عمر بن الخطاب :( يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر فلو حجبتهن فأنزل الله آية الحجاب )، وفي لفظ أنه قال عمر :( يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب )، فأنزل الله آية الحجاب. 
وأخرج البخار ومسلم وغيرهما عن أنس قال : لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون وإذا هو كأنه يتهيأ للقيام، فلم يقوموا فلما رأى ذلك قام، فلما قام قام من قام وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليدخل فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا فانطلقت فجئت فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد انطلقوا فجاء حتى دخل فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه فأنزل الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ  الآية. 
وأخرج ابن جرير عن عائشة أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع وهو صعيد أفيح وكان عمر بن الخطاب يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم احجب نساءك فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك فخرجت سودة بنت زمعة ليلة من الليالي عشيا، وكانت امرأة طويلة، فنادها عمر بصوت أعلى : قد عرفناك يا سودة، حرصا على أن ينزل الحجاب فأنزل الله الحجاب قال : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ  الآية وأخرج بن سعد عن أنس قال نزل الحجاب مبتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش، وذلك سنة خمس من الهجرة، وحجب نساءه من يومئذ، وأنا ابن الخمس عشرة سنة، وكذا أخرج ابن سعد عن صالح بن كيسان، وقال : نزل الحجاب على نسائه في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة. وبه قال قتادة والواقدي، وزعم أبو عبيدة وخليفة بن خياط أن ذلك كان في سنة ثلاث. 
وفي الآية دليل على أن البيت للرجل ويحكم له به فإن الله أضافه إليه إضافة ملك، وأما إضافته إلى الأزواج في قوله ( ما يتلى في بيوتكن ) فهي إضافة محل بدليل أنه جعل فيها الإذن إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والإذن إنما يكون من المالك، واختلف العلماء في بيوت النبي صلى الله عليه وسلم التي كان يسكن فيها نساؤه بعد موته هل هي ملك لهن أولا ؟ على قولين، فقالت طائفة : كانت ملكا لهن بدليل أنهن سكن فيها بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم إلى وفاتهن، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وهب لهن ذلك في حياته، الثاني : أن ذلك كان إسكانا كما يسكن الرجل أهله، ولم يكن هبة وأمتدت سكناهن بها إلى الموت، وهذا هو الصحيح، وهو الذي ارتضاه أبو عمر بن عبد البر وابن العربي، وغيرهما. فإن ذلك من مؤونتهن التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم استثناها لهن كما استثنى لهن نفقاتهن حين قال \[ لا تقسم ورثني دينارا ولا درهما، ما تركت بعد نفقة أهلي ومؤمنة عاملي فهو صدقه \] هكذا قال أهل العلم، قالوا : ويدل على ذلك أن مساكنهن لم ترثها عنهن ورثتهن. قالوا : وفي ترك ورثتهن ذلك دليل على أنها لم تكن لهن ملكا وإنما كان لهن سكنى حياتهن. فلما توفين جعل ذلك زيادة في المسجد الحرام الذي يعم المسلمين نفعه، كما جعل ذلك الذي كان لهن من النفقات في تركة رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مضين إلى سبيلهن فزيد إلى أصل المال فصرف لمنافع المسلمين مما يعم نفعه الجميع والله الموفق كذا قاله القرطبي. 
وأعلم أن قالوا همز النبي حيث وقع إلا في موضعين من هذه السورة أحدهما هذه الآية والثاني قوله : إن وهبت نفسها للنبي  فأبدلها ياء في الوصل وهمزها في الوقف كما ذكره الشاطبي، ولم يسهلها كما سهل غيرها لأنه رأى الإبدال هنا جاريا على القياس فيه فرجحه لموافقته لغيره ولأنه أفصح من التسهيل ولذلك أنكر على من قاله يا نبئ الله بالهمزة وهذا مما لا غبار عليه فلله در التنزيل، وما فيه من دقائق التأويل. 
 إِلا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ  استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تدخلوها في حال من الأحوال إلا في حال كونكم مأذونا لكم، أي إلا مصحوبين بالإذن أو إلا بأن يؤذن لكم أو إلى وقت أن يؤذن لكم في قوله : إِلَى طَعَامٍ  متعلق بيؤذن على تضمنه معنى الدعاء أي إلا أن يؤذن لكم مدعوين إلى طعام. 
 غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ  انتصاب غير على الحال، والعامل فيه يؤذي، أو مقدر. أي : ادخلوا غير ناظرين، ومعنى ناظرين منتظرين، وإناه نضجه وإدراكه، يقال : أنى يأنى إنا إذا حان وأدرك. 
قال الرازي : في الآية إما أن يكون فيه تقديم وتأخير وتقديره : ولا تدخلوا إلى طعام إلا أن يؤذن لكم فلا يكون منعا من الدخول في غير وقت الطعام بغير إذن، وإما أن لا يكون فيه تقديم وتأخير فيكون معناه : ولا تدخلوا إلا أن يؤذن لكم إلى طعام فيكون الإذن مشروطا بكونه إلى طعام، فإن لم يؤذن إلى طعام فلا يجوز الدخول، فلو أذن لواحد في الدخول لاستماع كلام لا لأكل طعام فلا يجوز. فنقول : المراد الثاني ليعم النهي عن الدخول، وأما كونه لا يجوز إلا بإذن إلى الطعام فلما هو مذكور في سبب النزول أن الخطاب مع قوم كانوا يتحينون حين الطعام، ويدخلون من غير إذن فمنعوا من الدخول في وقتهم بغير إذن وقال ابن عادل الأولى أن يقال المراد هو الثاني، لأن التقديم والتأخير خلاف الأصل، وقوله : إلى طعام من باب التخصيص بالذكر فلا يدل على نفي ما عداه لا سيما إذا علم أن غيره مثله فان من جاز دخول بيته بإذنه إلى طعامه جاز دخوله بإذنه إلى غير الطعام انتهى الأولى في التعبير عن هذا المعنى الذي أراده أن يقال قد دلت الأدلة على جواز دخوله بيوته ( صلى الله عليه وسلم ) بإذنه لغير الطعام، وذلك معلوم لا شك فيه فقد كان الصحابة وغيرهم يستأذنون عليه لغير الطعام فيأذن لهم، وذلك يوجب قصر هذه الآية على السبب الذي نزل فيه، وهو القوم الذين كانوا يتحينون طعام النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه وأمثالهم، فلا تدل على المنع من الدخول مع الإذن لغير ذلك، وإلا لما جاز لأحد أن يدخل بيوته بإذنه لغير الطعام، واللازم باطل فالملزوم مثله. 
قال ابن عطية : وكانت سيرة القوم إذا كان لهم طعام وليمة أو نحوه أن يبكر من شاء إلى الدعوة ينتظرون طبخ الطعام ونضجه، وكذلك إذا فرغوا منه جلسوا كذلك، فنهى الله المؤمنين عن ذلك في بيت النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ودخل في النهي سائر المؤمنين، والتزم الناس أدب الله لهم في ذلك فمنعهم من الدخول إلا بإذن عند الأكل، لا قبله لانتظار نضج الطعام، ثم بين سبحانه ما ينبغي في ذلك فقال :
 وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ  وأذن لكم فادخلوا، وفيه تأكيد بليغ للمنع، وبيان الوقت الذي يكون فيه الدخول، وهو عند الإذن، وقال ابن العربي : وتقدير الكلام ولكن إذا دعيتم وأذن لكم. 
 فَادْخُلُوا  وإلا فنفس الدعوة لا يكون إذنا كافيا في الدخول، وقيل إن فيه دلالة بينة على أن المراد بالإذن إلى الطعام هو الدعوة إليه، قال الرازي : فيه لطيفة وهي أنه في العادة إذا قيل لمن يعتاد دخول دار من غير إذن لا تدخلها إلا بإذن، يتأذى وينقطع بحيث لا يدخلها أصلا، ولا بالدعاء، فقال : لا تفعلوا مثل ما يفعله المستنكفون، بل كونوا طائعين إذا قيل لكم لا تدخلوا فلا تدخلوا، وإذا قيل لكم ادخلوا فادخلوا وقوله : إلا أن يؤذن لكم يفيد الجواز، وقوله : ولكن إذا دعيتم فادخلوا يفيد الوجوب، فليس تأكيدا بل هو مفيد فائدة جديدة. 
 فَإِذَا طَعِمْتُمْ  أي أكلتم الطعام يقال : طعم بكسر العين يطعم بفتحها طعما كفهم، وطعما كقفل، وفي الخطيب إذا أكلتم طعاما أو شربتم شرابا  فَانتَشِرُوا  أي اذهبوا حيث شئتم في الحال، ولا تمكثوا بعد الأكل والشرب والمراد الإلزام بالخروج من المنزل الذي وقعت الدعوة إليه عند انقضاء المقصود من الأكل، ولا تدخلوا هاجمين. 
 وَلا  تمكثوا  مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ  يستأنس بعضكم ببعض لأجل حديث يحدث به، يقال : أنست به أنسا من باب علم، وفي لغة من باب ضرب، والأنس بالضم اسم منه واستأنست به وتأنست به إذا سكن القلب ولم ينفر  إِنَّ ذَلِكُمْ  أي الانتظار أو المكث والاستئناس للحديث وأشير إليهما بما يشار به إلى الواحد بتأويلهما بالمذكور كما في قوله تعالى : عون بين ذلك ، أي إن ذلك المذكور من الأمرين. 
 كَانَ  في علم الله  يُؤْذِي النَّبِيَّ  لأنهم كانوا يضيقون عليه المنزل وعلى أهله، ويتحدثون بما لا يريده، قال الزجاج : كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتمل إطالتهم كرما منه فيصبر على الأذى في ذلك فعلم الله من يحضره الأدب فصار أدبا لهم ولمن بعدهم. 
 فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ  أي يستحي أن يقول لكم : قوموا أو أخرجوا  وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ  أي لا يترك أن يبين لكم ما هو الحق ولا يمتنع من بيانه وإظهاره والتعبير عنه بعدم الاستحياء للمشاكلة. 
قرأ الجمهور : يستحيي بيائين وروى عن ابن كثير أنه قرأ بياء واحدة، وهي لغة تميم يقولون استحى يستحي مثل استقى يستقي وهذا أدب أدب الله به الثقلاء وعن عائشة قالت : حسبك في الثقلاء أن الله تعالى لم يحتملهم، وقال : إذا طعمتم فانتشروا ؛ ثم ذكر سبحانه أدبا آخر متعلقا بنساء النبي صلى الله عليه وسلم فقال :
 وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ  أي أزواج النبي ( صلى الله عليه وسلم )  مَتَاعًا  أي شيئا يتمتع به من الماعون وغيره والمتاع يطلق على كل ما يتمتع به فلا وجه لما قيل من أن المراد به العارية أو الفتوى أو المصحف. 
 فَاسْأَلُوهُنَّ  المتاع  مِن وَرَاء حِجَابٍ  أي من وراء ستر بينكم وبينهن فبعد آية الحجاب لم يكن لأحد أن ينظر إلى امرأة من نساء رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )، متنقبة كانت أو غير متنقبة. 
 ذَلِكُمْ  أي سؤال المتاع من وراء الحجاب، وقيل الإشارة إلى جميع ما ذكر من عدم الدخول بغير إذن وعدم الاستئناس للحديث عند الدخول وسؤال المتاع، والأول أولى، واسم الإشارة مبتدأ وخبره قوله :
 أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ  أي أكثر تطهير لها من الريبة وخواطر السوء التي تعرض للرجال في أمر النساء، وللنساء في أمر الرجال وأبعد للتهمة وأقوى في الحماية وفي هذا أدب لكل مؤمن وتحذير له من أن يثق بنفسه في الخلوة مع من لا تحل له، والمكالمة من دون حجاب لمن تحرم عليه فإن مجانبة ذلك أحسن بحاله وأحصن لنفسه وأتم لعصمته. 
 وَمَا كَانَ  أي ما صح ولا استقام  لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ  بشيء من الأشياء كائنا ما كان ومن جملة ذلك دخول بيوته بغير إذن منه، واللبث فيها على غير الوجه الذي يريده، وتكليم نسائه من دون حجاب. 
 وَلا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا  أي ولا كان لكم ذلك بعد وفاته أو فراقه لأنهن أمهات المؤمنين، ولا يحل للأولاد نكاح الأمهات قال ابن عباس في الآية : نزلت في رجل هم أن يتزوج

### الآية 33:54

> ﻿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [33:54]

إِن تُبْدُوا شَيْئًا  أي تظهروه على ألسنتكم  أَوْ تُخْفُوهُ  في صدوركم  فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا  يعلم كل شيء من الأشياء ومن جملة ذلك ما تظهرونه في شأن أزواج رسوله، وما تكتمونه في صدوركم، وفي هذا وعيد شديد لأن إحاطته بالمعلومات تستلزم المجازاة على خيرها وشرها، قال أبو أمامة بن سهل في الآية : إن تكلموا به فتقولون نتزوج فلانة لبعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أو تخفوا ذلك في أنفسكم فلا تنطقوا به يعلمه الله.

### الآية 33:55

> ﻿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ ۗ وَاتَّقِينَ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا [33:55]

ثم بين سبحانه من لا يلزم الحجاب منه فقال : لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاء إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاء أَخَوَاتِهِنَّ  فهؤلاء لا يجب على نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا على غيرهن من النساء الاحتجاب منهم في رؤية وكلام، ولم يذكر العم والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين، وقال الزجاج : العم والخال ربما يصفان المرأة لولديهما فإن المرأة تحل لابن العم وابن الخال فكره لهما الرؤية وهذا ضعيف جدا، فإن تجويز وصف المرأة لمن تحل له ممكن من غيرهما ممن يجوز له النظر إليها لا سيما أبناء الإخوة وأبناء الأخوات، واللازم باطل فالملزوم مثله وهكذا يستلزم أن لا يجوز للنساء الأجنبيات أن ينظرن إليها لأنهن يصفنها، واللازم باطل فالملزوم مثله، وهكذا لا وجه لما قاله الشعبي وعكرمة من أنه يكره للمرأة أن تضع خمارها عند عمها أو خالها، والأولى أن يقال : إنه سبحانه اقتصر ههنا أن تضع على بعض من ذكره من المحارم في سورة النور اكتفاء بما تقدم. 
 وَلا نِسَائِهِنَّ  هذه الإضافة تقتضي أن يكون بالنساء المؤمنات لأن الكافرات غير مأمونات على العورات، والنساء كلهن عورة، فيجب على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم الاحتجاب عنهن كما يجب على سائر المسلمات أي ما عدا ما يبدوا عند المهنة أما هو فلا يجب المسلمات حجبه وستره عن الكافرات ولهذا قيل : هو خاص، أي لا يجوز للكتابيات الدخول على أزواج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وقيل عام في المسلمات والكتابيات. 
 وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ  من العبيد والإماء أن يروهن ويكلموهن من غير حجاب وقيل : الإماء خاصة، ومن لم يبلغ من العبيد والخلاف في ذلك معروف، وقد تقدم في سورة النور ما فيه كفاية، ثم أمر سبحانه بالتقوى التي هي ملاك الأمر ونقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب، وفي هذا النقل فضل تشديد كأنه قيل :
 وَاتَّقِينَ اللهَ  في كل الأمور التي من جملتها ما هو مذكور هنا من الاحتجاب أي أن يراكن أحد غير هؤلاء. قال ابن عباس : في الآية أنزلت هذه في نساء النبي صلى الله عليه وسلم خاصة. 
 إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ  من أعمال العباد  شَهِيدًا  لم يغب عنه شيء من الأشياء كائنا ما كان فهو مجاز للمحسنين بإحسانه وللمسيء بإساءته، والشهيد الذي يعلم خطرات القلوب كما يعلم حركات الجوارح.

### الآية 33:56

> ﻿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [33:56]

إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ  هذه الآية شرف الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم في حياته وموته، وأظهر بها منزلته عنده تعالى، والضمير في : يصلون راجع إلى الله وإلى ملائكته، وفيه تشريف للملائكة عظيم حيث جعل الضمير لهم ولله سبحانه واحدا، فلا يرد الاعتراض بما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم لما سمع الخطيب يقول : من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى، فقال : بئس الخطيب القوم أن، قل : ومن يعص الله ورسوله، ووجه ذلك أنه ليس لأحد أن يجمع ذكر الله سبحانه مع غيره في ضمير واحد وهذا الحديث ثابت في الصحيح، وثبت أيضا في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أم مناديا ينادي يوم خيبر : إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية ولأهل العلم أبحاث في الجمع بين الحديثين ليس هذا موضع ذكرها، والآية مؤيدة للجواز لجعل الضمير فيه لله والملائكة واحدا، والتعليل بالتشريف للملائكة يقال مثله في رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحمل الذم لذلك الخطيب الجامع بينهما على أنه ( صلى الله عليه وسلم ) فهم منه إرادة التسوية بين الله سبحانه وبين رسوله، فيختص المنع بمثل ذلك، وهذا أحسن ما قيل في الجمع. 
وقالت طائفة في هذه الآية حذف، والتقدير : إن الله يصلي وملائكته يصلون، وعلى هذا القول فلا تكون الآية مما جمع فيه بين ذكر الله وذكر غيره في ضمير واحد، ولا يرد أيضا ما قيل إن الصلاة من الله الرحمة، ومن ملائكته الدعاء، فكيف يجمع بين هذين المعنيين المختلفين في لفظ يصلون، ويقال على القول الأول : إنه أريد بيصلون معنى مجازي يعم المعنيين، وذلك بأن يراد بقوله يصلون : يهتمون بإظهار شرفه، أو يعظمون شأنه، أو يعتنون بأمره وحكى البخاري عن أبي العالية : أن صلاة الله سبحانه ثناؤه عليه عند ملائكته وصلاة الملائكة الدعاء، وروى الترمذي في سننه : عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم أنهم قالوا : صلاة الرب الرحمة، ، وصلاة الملائكة الاستغفار. 
وقال عطاء بن أبي رباح : صلاته تبارك وتعالى : سبوح قدوس سبقت رحمتي غضبي. والمقصود من هذه الآية أن الله سبحانه أخبر عباده بمنزلة نبيه عنده في الملأ الأعلى بأنه يثني عليه عند ملائكته، وأن الملائكة تصلي عليه، وأمر عباده بأن يقتدوا بذلك ويصلوا عليه، وقد اختلف أهل العلم في الصلاة على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) هل هي واجبة ؟ أو مستحبة ؟ بعد اتفاقهم على أن الصلاة عليه فرض في العمرة مرة. وقد حكى هذا الإجماع القرطبي في تفسيره فقال قوم من أهل العلم : إنه واجبة عند ذكره، وقال قوم : تجب في كل مجلس مرة، وقد وردت أحاديث مصرحة بذم من سمع ذكر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فلم يصل عليه. 
واختلف العلماء في الصلاة على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في تشهيد الصلاة المفروضة هل هي واجبة أم لا ؟ فذهب الجمهور إلى أنها فيها سنة مؤكدة غير واجبة. قال ابن المنذر : يستحب أن لا يصلي أحد صلاة إلا صلى فيها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن ترك ذلك تارك فصلاته مجزئة في مذهب مالك وأهل المدينة، وسفيان الثوري، وأهل الكوفة من أصحاب الرأي وغيرهم، وهو قول الجمهور أهل العلم، قال : وشذ الشافعي فأوجب على تاركها الإعادة مع تعمد تركها دون النسيان، وهذا القول عن الشافعي لم يروه عنه إلا حرملة بن يحيى، ولا يوجد عن الشافعي إلا من روايته، قال الطحاوي : لم يقل به أحد من أهل العلم غير الشافعي، وقال الخطابي ؛ وهو من الشافعية : إنها ليست بواجبة في الصلاة، قال : وهو قول جماعة الفقهاء إلا الشافعي : ولا أعلم له في ذلك قدوة، انتهى. 
وقد قال بقول الشافعي جماعة من أهل العلم منهم الشعبي والباقر ومقاتل ابن حيان وإليه ذهب أحمد بن حنبل أخيرا، كما حكاه أبو زرعة الدمشقي، وبه قال ابن راهويه وابن المواز من المالكية وقد جمع الشوكاني رحمه الله في هذه المسألة رسالة مستقلة ذكر فيها ما احتج به الموجبون لها وما أجاب به الجمهور، وفي شرحه عن المنتقى، ورسالتي : هداية السائل إلى أدلة المسائل، وما يشفي ويكفي وأشف ما يستدل به على الوجوب الحديث الثابت بلفظ : إن الله أمرنا أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك في صلاتنا ؟ قال قولوا : الحديث، فإن هذا الأمر يصلح للاستدلال به على الوجوب، وأما على بطلان الصلاة بالترك ووجوب الإعادة لها فلا، لأن الوجبات لا يستلزم عدمها العدم كما يستلزم ذلك الشروط والأركان. 
وأعلم أنه قد ورد في فضل الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة لو جمعت لجاءت في مصنف مستقل، ولو لم يكن منها إلا الأحاديث الثابتة في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم :\[ من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرا \] فناهيك بهذه الفضيلة الجليلة، والمكرمة النبيلة، وأما صفة الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم فقد وردت فيها صفات كثيرة بأحاديث ثابتة في الصحيحين وغيرهما منها : ما هو مقيد بصفة الصلاة عليه في الصلاة، ومنها ما هو مطلق، وهي معروفة في كتب الحديث فلا نطيل بذكرها، والذي يحصل به الامتثال لمطلق الأمر في هذه الآية هو أن يقول القائل : اللهم صل وسلم على رسولك أو على محمد أو على النبي، أو اللهم صل على محمد وسلم ومن أراد أن يصلي ويسلم عليه بصفة من الصفات التي وردت التعليم بها والإرشاد إليها فذلك أكمل وهي صفات كثيرة قد شملت عليها كتب السنة المطهرة، وسيأتي بعضها، وسيأتي الكلام في الصلاة على الآل. 
وكان ظاهر هذا الأمر بالصلاة والتسليم في الآية أن يقول القائل : صليت عليه وسلمت عليه أو الصلاة عليه والسلام عليه، أو عليه الصلاة والتسليم، لأن الله سبحانه أمرنا بإيقاع الصلاة عليه والتسليم منا، فالامتثال هو أن يكون ذلك على ما ذكرنا فكيف كان الامتثال لأمر الله لنا بذلك أن نقول : اللهم صل عليه وسلم بمقابلة أمر الله لنا بأمرنا له بأن نصلي عليه ونسلم عليه، وقد أجيب عن هذا بأن هذه الصلاة والتسليم لما كانتا شعارا عظيما للنبي صلى الله عليه وسلم وتشريفا كريما، وكلنا ذلك إلى الله عز وجل وأرجعناه إليه وهذا الجواب ضعيف جدا. 
وأحسن ما يجاب به أن يقال : إن الصلاة والتسليم المأمور بهما في الآية هما أن نقول : اللهم صل عليه وسلم أو نحو ذلك مما يؤدي معناه كما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقتضى ذلك البيان في الأحاديث الكثيرة أن هذه هي الصلاة الشرعية. 
واعلم أن هذه الصلاة من الله على رسوله وإن كان معناها الرحمة فقد صارت شعارا له يختص به دون غيره فلا يجوز لنا أن يصلي على غيره من أمته، كما يجوز لنا أن نقول اللهم ارحم فلانا أو رحم الله فلانا، وبهذا قال الجمهور من العلماء مع اختلافهم ؛ هل هو محرم ؟ أو مكروه كراهة شديدة ؟ أو مكروه كراهة تنزيه ؟ على ثلاثة أقوال. وقد قال ابن عباس : كما رواه عنه ابن أبي شيبة والبيهقي في الشعب : لا تصلح الصلاة على أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن يدعى للمسلمين والمسلمات بالاستغفار. وقال في المواهب : لم ينقل أن الأمم المتقدمة كان يجب عليهم أن يصلوا على أنبيائهم انتهى وقال في الأنموذج ومن خواصه صلى الله عليه وسلم أنه ليس في القرآن ولا غيره صلاة من الله تعالى على غيره صلى الله عليه وسلم فهي خصيصة اختصه الله بها دون سائر الأنبياء انتهى. وقال قوم : إن ذلك جائز لقوله تعالى : وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ، ولقوله : أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ، ولقوله : هو الذي يصلي عليكم وملائكته . 
ولحديث عبد الله بن أبي أوفى الثابت في الصحيحين وغيرهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال : اللهم صل عليهم فأتاه أبي بصدقته فقال : اللهم صل على آل أبي أوفى، ويجاب عن هذا بأن هذا الشعار الثابت لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) له أن يخص به من شاء، وليس لنا أن نطلقه على غيره، وأما قوله تعالى ( هو الذي يصلي ) الخ وقوله :( أولئك عليهم صلوات ) فهذا ليس فيه إلا إن الله سبحانه يصلي على طوائف من عباده كما يصلي على من صلى على رسول ( صلى الله عليه وسلم ) مرة واحدة عشر صلوات وليس في ذلك أمر لنا ولا شرعة الله في حقنا. بل لم يشرع لنا إلا الصلاة والتسليم على رسوله، وكما أن لفظ الصلاة على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) شعار له فكذا لفظ السلام عليه. 
وقد جرت عادة جمهور هذه الأمة والسواد الأعظم من سلفها وخلفها على الترضي عن الصحابة والترحم على من بعدهم، والدعاء لهم بمغفرة الله وعفوه كما أرشدنا إلى ذلك بقوله سبحانه : والذين جاءوا من بعدهم يقولون : ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم . عن ابن عباس أن بني إسرائيل قالوا لموسى : هل يصلي ربك ؟ فناداه ربه يا موسى، سألوك هل يصلي ربك ؟ فقال : نعم أنا أصلي وملائكتي على أنبيائي ورسلي، فأنزل الله على نبيه : إن الله وملائكته يصلون على النبي  الآية أي يبركون، وعنه أن صلاة الله على النبي هي المغفرة إن الله لا يصلي، ولكن يغفر، وأما صلاة الناس على النبي فهي الاستغفار له. 
 يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه  أي ادعوا له بالرحمة وقولوا : اللهم صل على محمد أو صلى الله على محمد فإنكم أولى بذلك، وعن ابن عباس أنه قرأ. صلوا عليه كما صلى الله عليه  وسلموا تسليما  أي حيوه بتحية السلام، وقولوا اللهم سلم على محمد، أو انقادوا لأمره انقيادا والأول أولى، ثم هي واجبة مرة عند الطحاوي، وكلما ذكر اسمه عند الكرخي، وهو الاحتياط وعليه الجمهور. 
قال أبو السعود : وهذه الآية دليل على وجوب الصلاة والسلام عليه مطلقا أي من غير تعرض لوجوب التكرار، وقال القسطلاني قيل : هي مستحبة وقيل : واجبة في التشهيد الأخير من كل صلاة وعليه الشافعي وهو رواية عن أحمد وقيل : تجب في الصلاة من غير تعيين لمحل منها. وقيل : تجب في خارج الصلاة وقيل : كلما ذكر وقيل : في كل مجلس مرة وإن تكرر ذكره فيه وقيل : تجب في العمر مرة واحدة وقيل : تجب في الجملة من غير حصر وقيل : يجب الإكثار منها من غير تقييد. وتسليما مصدر مؤكد قال الإمام ولم تؤكد الصلاة لأنها مؤكدة بقوله : إن الله وملائكته الخ وقيل : إنه من الاحتباك فحذف عليه من أحدهما والمصدر من الآخر وقال بعض الفضلاء : إنه سئل في منامه لم خص السلام بالمؤمنين دون الله والملائكة ؟ ولم يذكر له جوابا ؟
قلت : وقد لاح لي فيه نكتة سرية أي شريفة، وهي أن السلام تسليمه عما يؤذيه، فلما جاءت هذه الآية عقيب ذكر ما يؤذي النبي والأذية إنما هي من البشر فناسب التخصيص بهم، والتأكيد، وإليه الإشارة بما ذكر بعده قاله الشهاب. 
وأقول : هذه الآية من باب الاكتفاء على حد قوله : سرابيل تقيكم الحر والمعنى : إن الله وملائكته يصلون على النبي ويسلمون، وقد ثبت بالأدلة الصحيحة القرآنية وغيرها تسليم الله تعالى على غيره صلى الله عليه وسلم من الأنبياء والصلحاء، والنكتة التي ذكرها الشهاب لا تخلوا عن تكلف وبعد تأمل. وعن كعب بن عجرة قال : لما نزلت :( إن الله وملائكته ) الآية قلنا : يا رسول الله قد علمنا السلام عليك فكيف الصلاة عليك ؟ قال : قولوا : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم

### الآية 33:57

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا [33:57]

ثم لما ذكر سبحانه ما يجب لرسوله من التعظيم ذكر الوعيد الشديد للذين يؤذونه فقال : إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ  قيل المراد بالأذى هنا هو فعل ما يكرهانه من المعاصي ليعم هذا القدر الإيذاء الحقيقي في حق الرسول، والمجازي في حقه تعالى، لاستحالة حقيقة التأذي عليه سبحانه، قال الواحدي قال المفسرون : هم المشركون واليهود والنصارى وصفوا الله بالولد، فقالوا عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، والملائكة بنات الله، وكذبوا رسول الله وشجوا وجهه، وكسروا رباعيته، وقالوا : مجنون، شاعر، كذاب، ساحر وبه قال ابن عباس. 
قال القرطبي : وبهذا قال جمهور العلماء، وقال عكرمة الأذية لله سبحانه بالتصوير والتعرض لفعل ما لا يفعل إلا الله بنحت الصور وغيرها، وقال جماعة : إن الآية على حذف مضاف والتقدير : إن الذين يؤذون أولياء الله، وقيل : معنى الأذية الإلحاد في أسمائه وصفاته وأما أذية رسوله فهي كل ما يؤذيه من الأقوال والأفعال، ومنه ترك الإتباع، وفعل التقليد لآراء الرجالذية الحاإ
وإيثاره عليه. 
 لَعَنَهُمُ اللهُ  معنى اللعنة الطرد والإبعاد من رحمته، وجعل ذلك  فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ  لتشملهم اللعنة فيهما بحيث لا يبقى وقت من أوقات محياهم ومماتهم إلا اللعنة واقعة عليهم مصاحبة لهم. 
 وَأَعَدَّ لَهُمْ  مع ذلك اللعن  عَذَابًا مُّهِينًا  يصيرون به في الإهانة في الدار الآخرة، لما يفيده معنى الإعداد من كونه في الدار الآخرة، عن ابن عباس في الآية قال : نزلت في الذين طعنوا على النبي صلى الله عليه وسلم حين اتخذ صفية بنت حيي، وروي عنه : أنها نزلت في الذين قذفوا عائشة،

### الآية 33:58

> ﻿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [33:58]

وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ  بوجه من وجوه الأذى من قول، أو فعل ومعنى قوله : بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا  إنه لم يكن ذلك بسبب فعلوه يوجب عليهم الأذية ويستحقونها به وقيل : يقعون فيه ويرمونهم بغير جرم، فأما الأذية للمؤمن والمؤمنة بما كسبوه مما يوجب عليه حدا أو تعزيرا أو نحوهما فذلك حق أثبته الشرع، وأمر أمرنا الله به وندبنا إليه وهكذا إذا وقع من المؤمنين والمؤمنات الابتداء بشتم لمؤمن أو مؤمنة أو ضرب فإن القصاص من الفاعل ليس من الأذية المحرمة على أي وجه كان ما لم يجاوز ما شرعه الله ثم أخبر عما لهؤلاء الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقال :
 فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا  أي ظاهرا واضحا لا شك في كونه من البهتان والإثم، وقد تقدم بيان حقيقة البهتان وحقيقة الإثم. قيل : إنها نزلت في علي بن أبي طالب كانوا يؤذونه. وقيل نزلت في شأن عائشة وقيل نزلت في الزناة كانوا يمشون في طرق المدينة يتبعون النساء وهن كارهات، وعن الفضيل : لا يحل لك أن تؤذي كلبا أو خنزيرا بغير حق فكيف إيذاء المؤمنين والمؤمنات ولما فرغ سبحانه من الزجر لمن يؤذي رسوله والمؤمنين والمؤمنات من عباده، أمر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أن يأمر بعض من ناله الأذى ببعض ما يدفع ما يقع عليه منه فقال :{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ( ٥٩ )

### الآية 33:59

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [33:59]

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ  جمع جلباب وهو ثوب أكبر من الخمار، وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار، قال الجوهري : لجلباب الملحفة، قال الشهاب إزار واسع يلتحف به، وقيل : القناع وقيل : هو كل ثوب يستر جميع بدن المرأة من كساء وغير كما ثبت في الصحيح من حديث أم عطية أنها قالت يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب ؟ فقال :( لتلبسها أختها من جلبابها ) قال الواحدي قال المفسرون : يغطين وجوههن ورؤوسهن إلا عينا واحدة فيعلم أنهن حرائر فلا يعرض لهن بأذى، وبه قال ابن عباس، وقال الحسن : تغطي نصف وجهها، وقال قتادة : تلويه فوق الجبين وتشده، ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه، وقال المبرد : يرخينها عليهن ويغطين بها وجوههن وأعطافهن، و ( من ) للتبعيض أي ترخي بعض جلبابها وفضله على وجهها تتقنع حتى تتميز عن الأمة. 
 ذَلِكَ  أي إدناء الجلابيب وهو مبتدأ وخبره  أَدْنَى  أقرب  أَن يُعْرَفْنَ  فيتميزن عن الإماء ويظهر للناس أنهن حرائر  فَلا يُؤْذَيْنَ  من جهة أهل الريبة بالتعرض لهن مراقبة لهن ولأهلهن، وليس المراد بقوله ذلك الخ أن تعرف الواحدة منهن من هي، بل المراد أن يعرفن أنهن حرائر لا إماء لأنهن لبسن لبسة تختص بالحرائر. 
قال السبكي : في الطبقات الكبرى إن من أئمة الشافعية أحمد بن عيسى شارح التنبيه استنبط من هذه الآية أن ما يفعله علماء هذا الزمان في ملابسهم من سعة الأكمام والعمة ولبس الطيلسان حسن، وإن لم يفعله السلف، لأن فيه تمييزا لهم، وبذلك يعرفون فيلتفت إلى فتاواهم وأقوالهم انتهى. ومنه يعلم أن تمييز الأشراف بعلامة أمر مشروع أيضا انتهى. 
أقول ما أبرد هذا الاستنباط وما أقل نفعه، لا سيما بعد ما ورد في السنة المطهرة من النهي عن الإسراف في اللباس وإطالته، وقد منع عن ذلك سلف الأمة وأئمتها فأين هذا من ذاك ؟ وإنما هو بدعة أحدثها علماء السوء ومشايخ الدنيا ولذا قال علي القاري في معرض الذم :( لهم عمائم كالأبراج، وكمائم كالأخراج ) وأنكر عليهم ذلك أشد الإنكار، وما ذكره من أن زي العلماء والأشراف سنة رده ابن الحاج في المدخل بأنه مخالف لزيهم في زمن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وزمن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من خير القرون، فإن قيل إنهم به يعرفون، قيل إنهم لو بقوا على الزي الأول عرفوا به أيضا لمخالفته لما عليه غيرهم الآن وأطال في إنكار ما قالوه، وقد بسطنا القول على ذلك في حجج الكرامة بالفارسية أيضا فراجعه. 
 وَكَانَ اللهُ غَفُورًا  لما سلف من ترك إدناء الجلابيب  رَّحِيمًا  بهن أو غفورا لذنوب المذنبين رحيما بهم، فيدخل في ذلك دخولا أوليا. 
وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة قالت : خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها، فرآها عمر فقال : يا سودة أما والله ما يخفين علينا فانظري كيف تخرجين. قالت : فانكفأت راجعة ورسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في بيتي، وإنه ليتعشى، وفي يده عرق، فدخلت وقالت : يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي فقال عمر : كذا وكذا فأوحى إليه ثم رفع عنه وإن العرق في يده ما وضعه فقال إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن. 
وعن أبي مالك قال : كان نساء النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يخرجن لحاجتهن بالليل وكان ناس من المنافقين يتعرضون لهن فيؤبن فقيل ذلك للمنافقين فقالوا : إنما نفعله بالإماء فنزلت هذه الآية : يا أيها النبي قل لأزواجك  الآية. 
وعن محمد بن كعب القرظي قال : كان رجل من المنافقين يتعرض لنساء المؤمنين يؤذيهن فإذا قيل له قال كنت أحسبها أمة، فأمرهن الله أن يخالفن زي الإماء ويدنين عليهن من جلابيبهن، تخمر وجهها إلا إحدى عينيها ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين، يقول ذلك أحرى أن يعرفن. 
وعن ابن عباس في هذه الآية قال : أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عينا واحدة، وعن أم سلمة قالت : لما نزلت هذه الآية يدنين عليهن من جلابيبهن خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها هكذا في الرواية بلفظ : من السكينة، وليس لها معنى فإن المراد تشبيه الأكسية السود الغربان لا أن المراد وصفهن بالسكينة كما يقال : كأن على رؤوسهن الطير. 
وعن عائشة قالت : رحم الله نساء الأنصار لما نزلت  يا أيها النبي قل لأزواجك  الآية شققن مروطهن فاعتجرن بها فصلين خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن على رؤوسهن الغربان. 
وعن ابن عباس في الآية قال : كانت الحرة تلبس لباس الأمة فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن وإدناء الجلباب أن تقنع وتشده على جبينها. 
قال أنس : مرت بعمر بن الخطاب جارية متنقبة فعلاها بالدرة وقال يا لكاع تتشبهين بالحرائر ألقي القناع، قلت : ولكاع كلمة تقال لمن يستحقر به مثل العبد، والأمة، والخامل، والقليل العقل، مثل قولك : يا خسيس، وذلك أن النساء في أول الإسلام على هاجراتهن في الجاهلية متبذلات، تبرز المرأة في درع وخمار لا فصل بين الحرة والأمة. 
وكان الفتيان يتعرضون إذا خرجن بالليل لقضاء حوائجهن في النخيل والغيمان – للإماء، وربما تعرضوا للحرة لحسبان الأمة فأمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء بلبس الملاحف وستر الرؤوس والوجوه، فلا يطمع فيهن طامع.

### الآية 33:60

> ﻿۞ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا [33:60]

ثم توعد سبحانه أهل النفاق والإرجاف فقال : لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ  عماهم عليه من النفاق  وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ  أي شك وريبة عما هم عليه من الاضطراب  وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ  عما يصدر منهم من الإرجاف بذكر الأخبار الكاذبة المتضمنة لتوهين جانب المسلمين وظهور المشركين عليهم. 
قال القرطبي : أهل التفسير على أن الأوصاف الثلاثة لشيء واحد، والمعنى أن المنافقين قد جمعوا بين النفاق ومرض القلوب والإرجاف على المسلمين فهو على هذا من باب قوله :
إلى الملك القرم وابن الهما \*\*\*
\*\*\* م وليث الكتيبة في المزدحم
والواو مقحمة. وقيل الموصوف متغاير ومتعدد، فكان من المنافقين قوم يرجفون وقوم يتبعون النساء للريبة، وقال عكرمة وشهر بن حوشب : الذين في قلوبهم مرض هم الزناة. من قوله : فيطمع الذي في قلبه مرض ، والمرض هو الزنا والإرجاف في اللغة إشاعة الكذب والباطل، يقال : أرجف بكذا إذا أخبر به على غير حقيقته لكونه خبرا متزلزلا غير ثابت من الرجفة، وهي الزلزلة، يقال : رجفت الأرض أي تحركت وتزلزلت ترجف رجفا، والرجفان الاضطراب الشديد، وسمي البحر رجافا لاضطرابه، والإرجاف واحد الأراجيف، وأرجفوا في الشيء خاضوا فيه، وذلك بأن هؤلاء المرجفين كانوا يخبرون عن سرايا المسلمين بأنهم هزموا، وتارة بأنهم قتلوا، وتارة بأنهم غلبوا، ونحو ذلك مما تنكسر له قلوب المسلمين من الأخبار فتوعدهم الله سبحانه بقوله :
 لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ  أي لنحرشنك ولنسلطنك عليهم فتستأصلهم بالقتل والتشريد بأمرنا لك بذلك، قال المبرد : قد أغراه الله بهم في قوله الآتي :( ملعونين أينما ثقفوا ) إلخ فهذا فيه معنى الأمر بقتلهم وأخذهم أي هذا حكمهم إذا كانوا مقيمين على النفاق والإرجاف ؛ قال النحاس : وهذا من أحسن ما قيل في الآية، وأقول ليس هذا بحسن ولا أحسن، فإن قوله ملعونين إلخ، إنما هو لمجرد الدعاء عليهم لا أنه أمر لرسوله ( صلى الله عليه وسلم ) بقتالهم ولا تسليط له عليهم، وقد قيل : إنهم انتهوا بعد نزول هذه الآية عن الإرجاف فلم يغره الله بهم، وجملة لنغرينك بهم، جواب القسم. 
 ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلا  وإنما عطف بثم لأن الجلاء عن الأوطان كان أعظم عليهم من جميع ما أصيبوا به فتراخت حاله عن حال المعطوف عليه يعني أنها للتفاوت الرتبي والدلالة على أن ما بعدها أبعد مما قبلها، وأعظم وأشد عندهم، والمعنى لا يساكنونك في المدينة إلا جوارا قليلا حتى يخرجوا أو يهلكوا.

### الآية 33:61

> ﻿مَلْعُونِينَ ۖ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا [33:61]

مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا  أي مطرودين أينما وجدوا وأدركوا  أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا  دعاء عليهم بأن يؤخذوا ويقتلوا، والتشديد يدل على التكثير وقيل إن هذا هو الحكم فيهم وليس بدعاء عليهم، والأول أولى، وقيل معنى الآية : أنهم إن أصروا على النفاق لم يكن لهم مقام بالمدينة إلا وهم مطرودون ملعونون. 
وقد فعل بهم صلى الله عليه وسلم هذا فإنه لما نزلت سورة براءة جمعوا، فقال : النبي ( صلى الله عليه وسلم ) :( يا فلان قم فاخرج فإنك منافق ويا فلان قم فقام إخوانهم من المسلمين وتولوا إخراجهم من المسجد ).

### الآية 33:62

> ﻿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ۖ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [33:62]

سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ  أي سن الله ذلك في الأمم الماضية وهو لعن المنافقين وأخذهم وتقتيلهم، وكذا حكم المرجفين وهو منتصب على المصدر قال الزجاج : سن الله في الذين ينافقون الأنبياء ويرجفون بهم أن يقتلوا حيثما ثقفوا. 
 وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلا  أي تحويلا وتغييرا، بل هي ثابتة دائمة في أمثال هؤلاء في الخلف والسلف، يجريها الله مجرى واحدا في الأمم لإثباتها على أساس الحكمة التي عليها يدور فلك التشريع، وقال الخطيب : أي ليست هذه السنة مثل الحكم الذي يتبدل وينسخ، فإن النسخ يكون في الأقوال أما الأفعال إذا وقعت والأخبار فلا تنسخ.

### الآية 33:63

> ﻿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا [33:63]

يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ  أي عن وقت حصولها ووجودها وقيامها، قيل السائلون عنها هم أولئك المنافقون والمرجفون والمشركون واليهود لما توعدوا بالعذاب سألوا عن الساعة استبعادا وتكذيبا، أو امتحانا، لأن الله تعالى عمى وقتها في التوراة وسائر الكتب  قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللهِ  يعني أنه سبحانه قد استأثر به ولم يطلع عليه نبيا مرسلا ولا ملكا مقربا. 
 وَمَا يُدْرِيكَ  أي ما يعلمك ويخبرك يا محمد  لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا  أي في زمان قريب وانتصاب قريبا على الظرفية والتذكير لكون الساعة في معنى اليوم، أو الوقت مع كون التأنيث ليس بحقيقي، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم لبيان أنها إذا كانت محجوبة عنه لا يعلم وقتها – وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم – فكيف بغيره من الناس وفي هذا تهديد عظيم للمستعجلين وإسكات للممتحنين والمشركين ؛ ولمن يثبت علم المغيبات للأنبياء والصلحاء وغيرهم من الخلق.

### الآية 33:64

> ﻿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا [33:64]

إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ  أي طردهم وأبعدهم من رحمته  وَأَعَدَّ لَهُمْ  في الآخرة مع ذلك اللعن منه لهم في الدنيا  سَعِيرًا  أي نارا شديدة التسعر

### الآية 33:65

> ﻿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [33:65]

خَالِدِينَ فِيهَا  أي في السعير لأنها مؤنثة أو لأنه في معنى جهنم  أَبَدًا  بلا انقطاع وهذا تأكيد لما استفيد من خالدين  لا يَجِدُونَ وَلِيا  يواليهم ويحفظهم من عذابها  وَلا نَصِيرًا  ينصرهم ويخلصهم منها.

### الآية 33:66

> ﻿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا [33:66]

يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ  أي اذكر قرئ تقلب بضم التاء وفتح اللام على البناء للمفعول وقرئ بالنون وكسر اللام على البناء للفاعل، وهو الله سبحانه وبضم التاء وكسر اللام على معنى تقلب السعير وجوههم وقرئ بفتح التاء واللام على معنى تتقلب، ومعنى هذا التقلب المذكور في الآية هو تقلبها تارة على وجهة منها وتارة على جهة أخرى ظهرا لبطن أو تغير ألوانهم بلفح النار فتسود تارة وتخضر أخرى أو تبديل جلودهم بجلود أخرى وخصت الوجوه لأن الوجه أكرم موضع على الإنسان من جسده أو يكون الوجه عبارة عن الجملة فحينئذ. 
 يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا  الجملة مستأنفة كأنه قيل فما حالهم ؟ فقيل يقولون : متحسرين على ما فاتهم أو حال من ضمير وجوههم أو من نفس الوجوه تمنوا أنهم أطاعوا الله والرسول وآمنوا بما جاء به لينجوا مما هم فيه من العذاب كما نجا المؤمنون وهذه الألف في ( الرسولا ) والتي تأتي في ( السبيلا ) هي الألف التي تقع في الفواصل، وتسميها النحاة ألف الإطلاق، لإطلاق الصوت كقوافي الشعر، وفائدتها الوقوف والدلالة على أن الكلام قد انقطع وأن ما بعده مستأنف، وقد سبق بيان هذا في أول هذه السورة.

### الآية 33:67

> ﻿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا [33:67]

وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا  وقرئ ساداتنا بكسر التاء جمع سادة فهو جمع الجمع وسادة جمع على غير قياس سواء جعل لسيد أو سائد والجملة معطوفة على الجملة الأولى، و العدول إلى الماضي للإشعار بأن قولهم هذا ليس مستمرا كقولهم السابق، بل هو ضرب اعتذار أرادوا به ضربا من التشفي بمضاعفة عذاب الذين ألقوهم في تلك الورطة، والمراد بالسادة والكبراء هم الرؤساء والقادة الذين كانوا يمتثلون أمرهم في الدنيا، ويقتدون بهم. وقال مقاتل : هم المطعمون في غزوة بدر والأول أولى. ولا وجه للتخصيص بطائفة معينة، والتعبير عنهم بعنوان السيادة والكبر لتقوية الاعتذار، وإلا فهم في مقام التحقير والإهانة. 
وفي هذا زجر عن التقليد شديد، وكم في الكتاب العزيز من التنبيه على هذا والتحذير منه والتنفير عنه ولكن لمن يفهم معنى كلام الله ويقتدي به وينصف من نفسه لا لمن هو من جنس الأنعام في سوء الفهم، ومزيد البلادة، وشدة التعصب. 
 فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا  أي عن السبيل بما زينوا لنا من الكفر بالله وبرسله والسبيل هو التوحيد، ثم دعوا عليهم في ذلك الموقف فقالوا : رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ

### الآية 33:68

> ﻿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا [33:68]

رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ  أي مثل عذابنا مرتين للضلال والإضلال وقال قتادة عذاب الدنيا والآخرة، وقيل : عذاب الكفر وعذاب الإضلال  وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا  أي كبيرا في نفسه شديدا عليهم وقرئ بالمثلثة أي كثيرا لعدد عظيم القدر شديد الموقع.

### الآية 33:69

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا ۚ وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا [33:69]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى  بقولهم إن به أدرة أو برصا أو عيبا، وسيأتي بيان ذلك، وفيه تأديب للمؤمنين وزجر لهم من أن يدخلوا في شيء من الأمور التي تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال مقاتل : وعظ الله المؤمنين أن لا يؤذوا محمدا صلى الله عليه وسلم كما آذى بنوا إسرائيل موسى، وقد وقع الخلاف فيما أوذي به نبينا صلى الله عليه وسلم حتى نزلت هذه الآية فحكى النقاش : أن أذيتهم محمدا صلى الله عليه وسلم قولهم : زيد بن محمد، وقال أبو وائل : إنه صلى الله عليه وسلم قسم قسما فقال رجل من الأنصار : إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله. 
وعن ابن مسعود مثله، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فاحمر وجهه، ثم قال :\[ رحم الله موسى فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر \]. أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما، وقيل : نزلت في زيد بن ثابت، وزينب بنت جحش وما سمع فيها من قالة الناس. 
 فَبَرَّأَهُ  أي طهره  اللهُ مِمَّا قَالُوا  وأظهر براءته لهم وما مصدرية أو موصولة وأيهما كان، فالمراد البراءة عن مضمون القول ومؤداه، وهو الأمر المعيب وأذى موسى هو حديث المومسة التي أرادها قارون على قذفه بنفسها. 
وقد أخرج البخاري وغيره من حديث أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :\[ إن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يرى من جلده شيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا : ما يستتر هذا الستر إلا من عيب بجلده إما برص وإما أدرة، وإما آفة وإن الله عز وجل أراد أن يبرئ موسى مما قالوا فخلا يوما وحده، فخلع ثيابه على الحجر ثم اغتسل فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها وإن الحجر عدا بثوبه فأخذ موسى عصاه فطلب الحجر فجعل يقول : ثوبي حجر ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضربا بعصاه فوالله إن بالحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثا أو أربعا أو خمسا \]. 
وأخرج نحوه البزار وابن الأنباري وابن مردويه من حديث أنس وقال ابن عباس : قال له قومه إنه آدر فخرج ذات يوم يغتسل فوضع ثيابه على حجر فخرجت الصخرة تشتد بثيابه فخرج موسى يتبعها عريانا حتى انتهت به إلى مجالس بني إسرائيل فرأوه وليس بآدر فذلك قوله :( فبرأه الله مما قالوا ) الآية. 
وأخرج الحاكم وصححه، عن ابن مسعود وناس من الصحابة أن الله أوحى إلى موسى أني متوف هارون فأت به جبل كذا وكذا فانطلقا نحو الجبل فإذا هم بشجرة وبيت فيه سرير عليه فرش وريح طيب، فلما نظر هارون إلى ذلك الجبل والبيت وما فيه أعجبه، قال موسى : إني أحب أن أنام على هذا السرير، قال : نم عليه، قال نم معي فلما ناما أخذ هارون الموت فلما قبض رفع ذلك البيت وذهبت الشجرة ورفع السرير إلى السماء. 
فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا : قتل هارون وحسده حب بني إسرائيل، وكان هارون أألف بهم وألين لهم، وكان في موسى بعض الغلظة عليهم، فلما بلغه ذلك قال : ويحكم إنه كان أخي أفتروني أقتله ؟ فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين ثم عاد الله فنزل بالسرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض فصدقوه  وَكَانَ عِندَ اللهِ وَجِيهًا  أي عظيما ذا وجاهة، والوجيه العظيم القدر الرفيع المنزلة، يقال : وجه الرجل يوجه وجاهة فهو وجيه، وقيل : مستجاب الدعوة، وقيل : الوجاهة أنه كلمه تكليما، وقرأ عبد الله بالموحدة من العبودية، وهي حسنة، قاله الكرخي.

### الآية 33:70

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا [33:70]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله  في كل أمر من الأمور  وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا  أي صوابا وحقا قال قتادة ومقاتل : يعني في شأن زيد وزينب، ولا تنسبوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما لا يحل، وقال عكرمة : إن القول السديد : لا إله إلا الله، وقيل : هو الذي يوافق ظاهره باطنه، وقيل : هو ما أريد به وجه الله دون غيره، وقيل : هو الإصلاح بين الناس، والسديد مأخوذ من تسديد السهم ليصاب به الغرض، والظاهر من الآية أنه أمرهم بأن يقولوا قولا سديدا في جميع ما يأتونه ويذرونه فلا يخص ذلك نوعا دون نوع، وإن لم يكن في اللفظ ما يقتضي العموم، فالمقام يفيد هذا المعنى لأنه أرشد سبحانه عباده إلى أن يقولوا قولا يخالف قول أهل الأذى. 
وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أبي موسى الأشعري قال :\[ صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر ثم قال : على مكانكم اثبتوا ثم أتى الرجال فقال : إن الله أمرني أن آمركم أن تتقوا الله وأن تقولوا قولا سديدا، ثم أتى النساء فقال : إن الله أمرني أن آمركن أن تتقن الله، وأن تقلن قولا سديد \]، ثم ذكر الله سبحانه ما لهؤلاء الذين امتثلوا الأمر بالتقوى والقول السديد من الأجر فقال :{ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ( ٧١ )

### الآية 33:71

> ﻿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [33:71]

يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ  أي يجعلها صالحة لا فاسدة بما يهديكم إليه، ويوفقكم فيه، أو يتقبلها  وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ  أي يجعلها مكفرة مغفورة  وَمَن يُطِعْ اللهَ وَرَسُولَهُ  في فعل ما هو طاعة واجتناب ما هو معصية. 
 فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا  أي ظفر بالخير ظفرا عظيما ونال خير الدنيا والآخرة وهذه الجملة مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها.

### الآية 33:72

> ﻿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [33:72]

ثم لما فرغ سبحانه من بيان ما هو لأهل الطاعة من الخير بعد بيان ما لأهل المعصية من العذاب بين عظم شأن التكاليف الشرعية وصعوبة أمرها فقال : إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا  أي خفن من الأمانة أن يؤدينها فيلحقهن العقاب، أو خفن من الخيانة فيها، واختلف في تفسير الأمانة المذكورة هنا، فقال الواحدي : معنى الأمانة ههنا في قول جميع المفسرين : الطاعة والفرائض التي يتعلق بأدائها الثواب وبتضييعها العقاب، قال القرطبي : الأمانة تعم جميع وظائف الدين على الصحيح من الأقوال وهو قول الجمهور، وقد اختلف في تفاصيل بعضها فقال ابن مسعود : هي في أمانة الأموال كالودائع وغيرها، وروي عنه أنها في كل الفرائض وأشدها أمانة المال. 
وقال أبي ابن كعب : من الأمانة أن ائتمنت المرأة على فرجها، وقال أبو الدرداء : غسل الجنابة أمانة، وإن الله لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيرها، وقال ابن عمر : أول ما خلق الله من الإنسان فرجه، وقال هذه أمانة أستودعكها فلا تلبسها إلا بحق فإن حفظتها حفظتك فالفرج أمانة، والأذن أمانة، والعين أمانة، واللسان أمانة، والبطن أمانة، واليد أمانة، والرجل أمانة، ولا إيمان لمن لا أمانة له. 
وقال السدي : هي ائتمان آدم ابنه قابيل على ولده هابيل وخيانته إياه في قتله وما أبعد هذا القول، وليت شعري ما هو الذي سوغ للسدي تفسير هذه الآية بهذا ؟ فإن كان ذلك لدليل دله على ذلك فلا دليل، وليست هذه الآية حكاية عن الماضين من العباد حتى يكون له في ذلك متمسك أبعد من كل بعيد، وأوهن من بيت العنكبوت، وإن كان تفسير هذا عملا بما تقتضيه اللغة العربية فليس في لغة العرب ما يقتضي هذا ويوجب حمل هذه الأمانة المطلقة على شيء كان في أول هذا العالم. 
وإن كان هذا تفسيرا منه بمحض الرأي فليس الكتاب العزيز عرضة لتلاعب آراء الرجال به، ولهذا ورد الوعيد على من فسر القرآن برأيه فاحذر أيها الطالب للحق عن قبول مثل هذه التفاسير، واشدد يديك في تفسير كتاب الله على ما تقتضيه اللغة العربية فهو قرآن عربي كما وصفه الله، فإن جاءك تفسير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلا تلتفت إلى غيره. وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، وكذلك ما جاء عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم فإنهم من جملة العرب ومن أهل اللغة وممن جمع إلى اللغة العربية العلم بالاصطلاحات الشرعية، ولكن إذا كان معنى اللفظ أوسع مما فسروه به في لغة العرب، فعليك أن تضم إلى ما ذكره الصحابي ما تقتضيه لغة العرب وأسرارها، فخذ هذه كلية تنتفع بها، وقد ذكرنا في خطبة هذا التفسير ما يرشدك إلى هذا. 
قال الحسن : إن الأمانة عرضت على السموات والأرض والجبال فقالت : وما فيها ؟ فقال لها إن أحسنت آجرتك، وإن أسأت عذبتك، فقالت لا. قال مجاهد فلما خلق الله آدم عرضها عليه، وقيل له ذلك، فقال قد تحملتها. وروي نحو هذا عن غير الحسن ومجاهد قال النحاس : هذا القول هو الذي عليه أهل التفسير. 
وقيل : هذه الأمانة هي ما أودعه الله في السموات والأرض والجبال وسائر المخلوقات من الدلائل على ربوبيته أن يظهروها فأظهروها إلا الإنسان فإنه كتمها وجحدها كذا قال بعض المتكلمين مفسرا للقرآن برأيه الزائف، فيكون على هذا معنى عرضنا أظهرنا، قال جماعة من العلماء : من المعلوم أن الجماد لا يفهم ولا يجيب فلا بد من تقدير الحياة فيها، وهذا العرض في الآية هو عرض تخيير لا عرض إلزام، ولو ألزمهن لم يمتنعن من حملها، والجمادات كلها خاضعة لله عز وجل مطيعة لأمره ساجدة له، وقيل : المراد بالعرض هو العرض على أهلها من الملائكة دون أعيانها، وقال القفال وغيره : العرض في هذه الآية ضرب مثل أي أن السموات والأرض والجبال على كبر أجرامها لو كانت بحيث يجوز تكليفها لثقل عليها تقلد الشرائع لما فيها من الثواب والعقاب أي أن التكليف أمر عظيم حقه أن تعجز عنه السموات والأرض والجبال، وقد كلفه الإنسان وهو ظلوم جهول لو عقل وهذا كقوله  لو أنزلنا هذا القرآن على جبل . 
وقيل : إنا عرضنا بمعنى عارضنا الأمانة بالسموات والأرض والجبال فضعفت هذه الأشياء عن الأمانة ورجحت الأمانة بثقلها عليها، وقيل إن عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال، إنما كان من آدم عليه السلام وإن أمره أن يعرض ذلك عليها وهذا أيضا تحريف لا تفسير، وقد قيل : إن المراد بالأمانة العقل، والراجح ما قدمناه عن الجمهور وما عداه فلا يخلوا عن ضعف لعدم وروده على المعنى العربي، ولا انطباقه على ما يقتضيه الشرع، ولا موافقته لما تقتضيه التعريف بالأمانة. 
عن ابن عباس في الآية قال : لأمانة الفرائض عرضها الله على السموات والأرض والجبال إن أدوها أثابهم، وإن ضيعوها عذبهم، فكرهوا ذلك وأشفقوا من غير معصية، ولكن تعظيما لدين الله أن يقوموا بها، ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها. 
وعنه في الآية قال : عرضت على آدم فقيل خذها بما فيها فإن أطعت غفرت لك، وإن عصيت عذبتك، قال : قبلتها بما فيها فما كان إلا من بين العصر إلى الليل من ذلك اليوم حتى أصاب الذنب، وعنه : هي أمانات الناس، والوفاء بالعهود، فحق على كل مؤمن أن لا يغش مؤمنا، ولا معاهدا في شيء لا في قليل ولا في كثير، فعرض الله هذه الأمانة على أعيان السموات والأرض والجبال، وهذا قول جماعة من التابعين وأكثر السلف. 
وإنما أتى في قوله فأبين إلخ بضمير كضمير الإناث لأن جمع تكسير غير العاقل يجوز فيه ذلك، وإن كان مذكرا وإنما ذكرنا ذلك لئلا يتوهم أنه قد غلب المؤنث وهو السموات على المذكر وهو الجبال. 
 وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ  أي التزم بحقها وهو آدم بعد عرضها عليه ؛ قيل إن ما كلف الإنسان حمله بلغ من عظمه وثقل محمله أنه عرض على أعظم ما خلق الله تعالى من الأجرام وأقواه وأشده أن يحتمله ويشتغل به فأبى حمله وأشفق منه، وحمله الإنسان على ضعفه وضعف قوته. 
قال الزجاج : معنى حملها خان فيها وجعل الآية في الكفار والفساق والعصاة. وقيل : معنى حملها كلفها وألزمها أو صار مستعدا لها بالفطرة أو حملها عند عرضها عليه في عالم الذر، عند خروج ذرية آدم من ظهره وأخذ الميثاق عليهم. 
 إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا  أي وهو في ذلك الحمل ظلوم لنفسه جهول لما يلزمه، أو جهول لقدر ما دخل فيه كما قال سعيد بن جبير أو جهول بأمر ربه كما قال الحسن، وقيل ظلوما حين عصى ربه، جهولا لا يدري ما العقاب في ترك الأمانة. وقيل : ظلوما جهولا حيث حمل الأمانة ولم يف بها، وضمنها ولم يف بضمانها، ونحو هذا من الكلام كثير في لسان العرب، وما جاء القرآن إلا على أساليبهم وفي تفسير الآية أقوال أخر والأول أولى وهو قول السلف.

### الآية 33:73

> ﻿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [33:73]

لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ  متعلق بحملها أي حملها الإنسان ليعذب الله العاصي ويثيب المطيع وعلى هذا فجملة إنه كان ظلوما جهولا } معترضة بين الجملة، وغايتها الإيذان بعدم وفائه بما تحمله، قال مقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيان : ليعذبهم بما خانوا من الأمانة وكذبوا من الرسل ونقضوا من الميثاق الذي أقروا به حين أخرجوا من ظهور آدم وقال الحسن وقتادة : هؤلاء المعذبون هم الذين خانوها، وهؤلاء الذين يتوب الله عليهم هم الذين أدوها والالتفات إلى الاسم الجليل أولا لتهويل الخطب وتربية المهابة والإظهار في موضع الإضمار ثانيا في قوله :
 وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ  لإبراز مزيد الاعتناء بأمر المؤمنين توفية لكل من مقامي الوعيد والوعد حقه والله أعلم. أي يهديهم ويرحمهم بما أدو من الأمانة. قال ابن قتيبة : أي عرضنا ذلك ليظهر نفاق المنافق وشرك المشرك. فيعذبهما الله ويظهر إيمان المؤمن فيعود عليه بالمغفرة والرحمة إن حصل منه تقصير في بعض الطاعات، ولذلك ذكر بلفظ التوبة فدل على أن المؤمن العاصي خارج من العذاب. 
 وَكَانَ اللهُ غَفُورًا  أي كثير المغفرة للمؤمنين التائبين من عباده إذا قصروا في شيء مما يجب عليهم من الأمانة وغيرها حيث عفا عن فرطانهم. 
 رحِيمًا  بهم حيث أثابهم بالعفو على طاعتهم، مكرما لهم بأنواع الكرم وقد وردت أحاديث كثيرة في الحث على الأمانة وذكر رفعها عن القلوب عند قرب الساعة فلا نطول بذكرها.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/33.md)
- [كل تفاسير سورة الأحزاب
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/33.md)
- [ترجمات سورة الأحزاب
](https://quranpedia.net/translations/33.md)
- [صفحة الكتاب: فتح البيان في مقاصد القرآن](https://quranpedia.net/book/400.md)
- [المؤلف: صديق حسن خان](https://quranpedia.net/person/12782.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/33/book/400) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
