---
title: "تفسير سورة سبأ - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل - الزمخشري"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/34/book/346.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/34/book/346"
surah_id: "34"
book_id: "346"
book_name: "الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل"
author: "الزمخشري"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة سبأ - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل - الزمخشري

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/34/book/346)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة سبأ - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل - الزمخشري — https://quranpedia.net/surah/1/34/book/346*.

Tafsir of Surah سبأ from "الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل" by الزمخشري.

### الآية 34:1

> الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [34:1]

ما في السموات والأرض كله نعمة من الله، وهو الحقيق بأن يحمد ويثنى عليه من أجله، ولما قال : الحمد لِلَّهِ  ثم وصف ذاته بالإنعام بجميع النعم الدنيوية، كان معناه : أنه المحمود على نعم الدنيا، كما تقول : أحمد أخاك الذي كساك وحملك، تريد : أحمده على كسوته وحملانه. ولما قال : وَلَهُ الحمد فِى الآخرة  علم أنه المحمود على نعم الآخرة وهو الثواب. 
فإن قلت : ما الفرق بين الحمدين ؟ قلت : أمّا الحمد في الدنيا فواجب، لأنه على نعمة متفضل بها، وهو الطريق إلى تحصيل نعمة الآخرة وهي الثواب. وأمّا الحمد في الآخرة فليس بواجب، لأنه على نعمة واجبة الإيصال إلى مستحقها، وإنما هو تتمة سرور المؤمنين وتكملة اغتباطهم : يلتذون به كما يلتذ \[ من به \] العطاش بالماء البارد  وَهُوَ الحكيم  الذي أحكم أمور الدارين ودبرها بحكمته  الخبير  بكل كائن يكون.

### الآية 34:2

> ﻿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۚ وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ [34:2]

ثم ذكرها مما يحيط به علماً  مَا يَلِجُ فِى الأرض  من الغيث كقوله : فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِى الأرض  \[ الزمر : ٢١ \] ومن الكنوز والدفائن والأموات، وجميع ما هي له كفات  وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا  من الشجر والنبات، وماء العيون، والغلة والدواب، وغير ذلك  وَمَا يَنزِلُ مِنَ السمآء  من الأمطار والثلوج والبرد والصواعق والأرزاق والملائكة وأنواع البركات والمقادير، كما قال تعالى : وَفِى السماء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ  \[ الذاريات : ٢٢ \]  وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا  من الملائكة وأعمال العباد  وَهُوَ  مع كثرة نعمه وسبوغ فضله  الرحيم الغفور  للمفرطين في أداء مواجب شكرها. وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه : تنزل، بالنون والتشديد.

### الآية 34:3

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ۖ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ ۖ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [34:3]

قولهم : لاَ تَأْتِينَا الساعة  نفي للبعث وإنكار لمجيء الساعة. أو استبطاء لما قد وعدوه من قيامها على سبيل الهزء والسخرية، كقولهم : متى هذا الوعد  \[ يونس : ٤٨ \]، \[ الأنبياء : ٣٨ \]. أوجب ما بعد النفي ببلى على المعنى : أن ليس الأمر إلا إتيانها، ثم أعيد إيجابه مؤكداً بما هو الغاية في التوكيد والتشديد، وهو التوكيد باليمين بالله عزّ وجلّ. 
ثم أمد التوكيد القسمي إمداداً بما أتبع المقسم به من الوصف بما وصف به، إلى قوله : لِّيَجْزِىَ  لأنّ عظمة حال المقسم به تؤذن بقوّة حال المقسم عليه وشدّة ثباته واستقامته، لأنه بمنزلة الاستشهاد على الأمر، وكلما كان المستشهد به أعلى كعباً وأبين فضلاً وأرفع منزلة، كانت الشهادة أقوى وآكد، والمستشهد عليه أثبت وأرسخ. 
فإن قلت : هل للوصف الذي وصف به المقسم به وجه اختصاص بهذا المعنى ؟ قلت : نعم وذلك أن قيام الساعة من مشاهير الغيوب، وأدخلها في الخفية، وأوّلها مسارعة إلى القلب : إذا قيل : عالم الغيب، فحين أقسم باسمه على إثبات قيام الساعة، وأنه كائن لا محالة، ثم وصف بما يرجع إلى علم الغيب، وأنه لا يفوت علمه شيء من الخفيات، واندرج تحته إحاطته بوقت قيام الساعة، فجاء ما تطلبه من وجه الاختصاص مجيئاً واضحاً. 
فإن قلت : الناس قد أنكروا إتيان الساعة وجحدوه، فهب أنه حلف لهم بأغلظ الأيمان وأقسم عليهم جهد القسم، فيمين من هو في معتقدهم مفتر على الله كذباً كيف تكون مصححة لما أنكروه ؟ قلت : هذا لو اقتصر على اليمين ولم يتبعها الحجة القاطعة البينة الساطعة وهي قوله : لِّيَجْزِىَ  فقد وضع الله في العقول وركب في الغرائز وجوب الجزاء، وأن المحسن لا بدّ له من ثواب، والمسيء لا بدّ له من عقاب. وقوله : لِّيَجْزِىَ  متصل بقوله  لَتَأْتِيَنَّكُمْ  تعليلاً له. قرىء :**«لتأتينكم »** بالتاء والياء. ووجه من قرأ بالياء : أن يكون ضميره للساعة بمعنى اليوم. أو يسند \[ إلى \] عالم الغيب، أي ليأتينكم أمره كما قال تعالى : هَلْ يَنظُرُونَ إِلا أَن تَأْتِيهُمُ الملائكة أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ  \[ الأنعام : ١٥٨ \] وقال : أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبّكَ  \[ النحل : ٣٣ \]. وقرىء :**«عالم الغيب »** و **«علام الغيب »** : بالجرّ، صفة لربي. وعالم الغيب، وعالم الغيوب : بالرفع، على المدح. ولا يعزب : بالضم والكسر في الزاي، من العزوب وهو البعد. يقال : روض عزيب : بعيد من الناس  مِثْقَالُ ذَرَّةٍ  مقدار أصغر نملة  ذلك  إشارة إلى مثقال ذرّة. وقرىء :**«ولا أصغر من ذلك ولا أكبر »**. بالرفع على أصل الابتداء. وبالفتح على نفي الجنس، كقولك : لا حول ولا قوّة إلاّ بالله، بالرفع والنصب. وهو كلام منقطع عما قبله. 
فإن قلت : هل يصحّ عطف المرفوع على مثقال ذرّة، كأنه قيل : لا يعزب عنه مثقال ذرة وأصغر وأكبر وزيادة، لا لتأكيد النفي. وعطف المفتوح على ذرّة بأنه فتح في موضع الجرّ لامتناع الصرف، كأنه قيل : لا يعزب عنه مثقال ذرّة ولا مثقال أصغر من ذلك ولا أكبر ؟ قلت : يأبى ذلك حرف الاستثناء، إلاّ إذا جعلت الضمير في  عَنْهُ  للغيب. وجعلت  الغيب  اسماً للخفيات. قبل أن تكتب في اللوح لأنّ إثباتها في اللوح من البروز عن الحجاب، على معنى أنه لا ينفصل عن الغيب شيء، ولا يزل عنه إلاّ مسطوراً في اللوح.

### الآية 34:4

> ﻿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [34:4]

الغيث كقوله فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ومن الكنوز والدفائن والأموات، وجميع ما هي له كفات وَما يَخْرُجُ مِنْها من الشجر والنبات، وماء العيون، والغلة، والدواب، وغير ذلك وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ من الأمطار والثلوج والبرد والصواعق والأرزاق والملائكة وأنواع البركات والمقادير، كما قال تعالى وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ وَما يَعْرُجُ فِيها من الملائكة وأعمال العباد وَهُوَ مع كثرة نعمه وسبوغ فضله الرَّحِيمُ الْغَفُورُ للمفرطين في أداء مواجب شكرها. وقرأ على بن أبى طالب رضى الله عنه: ننزّل، بالنون والتشديد.
 \[سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٣ الى ٤\]
 وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٣) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)
 قولهم لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ نفى للبعث وإنكار لمجيء الساعة. أو استبطاء لما قد وعدوه من قيامها على سبيل الهزء والسخرية، كقولهم مَتى هذَا الْوَعْدُ. أوجب ما بعد النفي ببلى على معنى: أن ليس الأمر إلا إتيانها، ثم أعيد إيجابه مؤكدا بما هو الغاية في التوكيد والتشديد، وهو التوكيد باليمين بالله عز وجل، ثم أمد التوكيد القسمي إمدادا بما أنبع المقسم به من الوصف بما وصف به، إلى قوله لِيَجْزِيَ لأنّ عظمة حال المقسم به تؤذن بقوة حال المقسم عليه وشدّة ثباته واستقامته، لأنه بمنزلة الاستشهاد على الأمر، وكلما كان المستشهد به أعلى كعبا وأبين فضلا وأرفع منزلة، كانت الشهادة أقوى وآكد، والمستشهد عليه أثبت وأرسخ.
 فإن قلت: هل للوصف الذي وصف به المقسم به وجه اختصاص بهذا المعنى؟ قلت: نعم وذلك أن قيام الساعة من مشاهير الغيوب، وأدخلها في الخفية، وأوّلها مسارعة إلى القلب: إذا قيل عالم الغيب، فحين أقسم باسمه على إثبات قيام الساعة، وأنه كائن لا محالة، ثم وصف بما يرجع إلى علم الغيب، وأنه لا يفوت علمه شيء من الخفيات، واندرج تحته إحاطته بوقت قيام الساعة، فجاء ما تطلبه من وجه الاختصاص مجيئا واضحا. فإن قلت: الناس قد أنكروا إتيان الساعة وجحدوه، فهب أنه حلف لهم بأغلظ الأيمان وأقسم عليهم جهد القسم، فيمين من هو في معتقدهم مفتر على الله كذبا كيف تكون مصححة لما أنكروه؟ قلت: هذا لو اقتصر على اليمين ولم يتبعها الحجة القاطعة والبينة الساطعة وهي قوله لِيَجْزِيَ فقد وضع الله في العقول وركب في

### الآية 34:5

> ﻿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ [34:5]

وقرىء :**«معجزين »**. و**«أليم »**، وبالرفع والجر. وعن قتادة : الرجز : سوء العذاب.

### الآية 34:6

> ﻿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [34:6]

وقرىء :**«معجزين »**. فأليم : بالرفع والجرّ، وعن قتادة : الرجز : سوء العذاب. ويرى في موضع الرفع، أي : ويعلم أولو العلم، يعني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يطأ أعقابهم من أمّته. أو علماء أهل الكتاب الذين أسلموا مثل كعب والأحبار وعبد الله ابن سلام رضي الله عنهما.  الذى أُنزِلَ إِلَيْكَ. . . . الحق  هما مفعولان ليرى، وهو فصل من قرأ **«الحق »** بالرفع : جعله مبتدأ و  الحق  خبراً، والجملة في موضع المفعول الثاني. وقيل : ويرى  في موضع النصب معطوف على  لِيَجْزِىَ  أي : وليعلم أولو العلم عند مجيء الساعة أنه الحق. علماً لا يزاد عليه في الإيقان، ويحتجوا به على الذين كذبوا وتولوا. ويجوز أن يريد : وليعلم من لم يؤمن من الأحبار أنه \[ هو \] الحق فيزدادوا حسرة وغماً.

### الآية 34:7

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [34:7]

الذين كَفَرُواْ  قريش. قال بعضهم لبعض : هَلْ نَدُلُّكُمْ على رَجُلٍ  يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم : يحدثكم بأعجوبة من الأعاجيب : أنكم تبعثون وتنشئون خلقاً جديداً بعد أن تكونوا رفاتاً وتراباً ويمزق أجسادكم البلى كل ممزق، أي : يفرقكم ويبدد أجزاءكم كل تبديد. أهو مفتر على الله كذباً فيما ينسب إليه من ذلك ؟ أم به جنون يوهمه ذلك ويلقيه على لسانه ؟ ثم قال سبحانه ليس محمد من الافتراء والجنون في شيء، وهو مبرأ منهما ؛ بل هؤلاء القائلون الكافرون بالبعث : واقعون في عذاب النار فيما يؤديهم إليه من الضلال عن الحق وهم غافلون عن ذلك، وذلك أجنّ الجنون وأشدّه إطباقاً على عقولهم : جعل وقوعهم في العذاب رسيلاً لوقوعهم في الضلال، كأنهما كائنان في وقت واحد : لأنّ الضلال لما كان العذاب من لوازمه وموجباته : جعلا كأنهما في الحقيقة مقترنان. وقرأ زيد بن عليّ رضي الله عنه : ينبيكم. 
فإن قلت : فقد جعلت الممزق مصدراً، كبيت الكتاب :أَلَمْ تَعْلَمْ مُسَرَّحِي الْقَوَافِي  فَلاَعِيّاً بِهِنَّ وَلاَ اجْتِلاَبَاًفهل يجوز أن يكون مكاناً ؟ قلت : نعم. ومعناه ما حصل من الأموات في بطون الطير والسباع، وما مرّت به السيول فذهبت به كل مذهب، وما سفته الرياح فطرحته كل مطرح. 
فإن قلت : ما العامل في إذا ؟ قلت : ما دلّ عليه  إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ  وقد سبق نظيره. 
فإن قلت : الجديد فعيل بمعنى فاعل أم مفعول ؟ قلت : هو عند البصريين بمعنى فاعل، تقول : جد فهو جديد، كحدّ فهو حديد، وقلّ فهو قليل. وعند الكوفيين بمعنى : مفعول، من جدّه إذا قطعه. وقالوا : هو الذي جده الناسج الساعة في الثوب ؛ ثم شاع. ويقولون : ولهذا قالوا ملحفة جديد، وهي عند البصريين كقوله تعالى : إن رحمة الله قريب  \[ الأعراف : ٥٦ \] ونحو ذلك.

### الآية 34:8

> ﻿أَفْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ ۗ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ [34:8]

فإن قلت : لم أسقطت الهمزة في قوله  افترى  دون قوله : السحر ، وكلتاهما همزة وصل ؟ قلت : القياس الطرح، ولكون أمراً اضطرّهم إلى ترك إسقاطها في نحو  السحر  وهو خوف التباس الاستفهام بالخبر، لكون همزة الوصل مفتوحة كهمزة الاستفهام. 
فإن قلت : ما معنى وصف الضلال بالبعد ؟ قلت : هو من الإسناد المجازي ؛ لأنّ البعيد صفة الضال إذا بعد عن الجادّة، وكلما ازداد عنها بعداً كان أضلّ. 
فإن قلت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهوراً علماً في قريش، وكان إنباؤه بالبعث شائعاً عندهم، فما معنى قوله : هَلْ نَدُلُّكُمْ على رَجُلٍ يُنَبّئُكُمْ  فنكروه لهم، وعرضوا عليهم الدلالة عليه كما يدلّ على مجهول في أمر مجهول. قلت : كانوا يقصدون بذلك الطنز والسخرية، فأخرجوه مخرج التحلي ببعض الأحاجي التي يتحاجى بها للضحك والتلهي متجاهلين به وبأمره.

### الآية 34:9

> ﻿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ [34:9]

\[ يريد \] أعموا فلم ينظروا إلى السماء والأرض، وأنهما حيثما كانوا وأينما ساروا أمامهم وخلفهم محيطتان بهم، لا يقدرون أن ينفذوا من أقطارهما وأن يخرجوا عما هم فيه من ملكوت الله عزّ وجلّ، ولم يخافوا أن يخسف الله بهم أو يسقط عليهم كسفاً، لتكذيبهم الآيات وكفرهم بالرسول صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة  إِنَّ فِى ذَلِكَ  النظر إلى السماء والأرض والفكر فيهما وما يدلاّن عليه من قدرة الله  لأيَةً  ودلالة  لّكُلّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ  وهو الراجع إلى ربه المطيع له ؛ لأنّ المنيب لا يخلو من النظر في آيات الله، على أنه قادر على كل شيء من البعث ومن عقاب من يكفر به. قرىء :**«يشأ ويخسف ويسقط »** : بالياء ؛ لقوله تعالى : افترى عَلَى الله كَذِبًا  \[ الأنعام : ٩٣ \] وبالنون لقوله : وَلَقَدْ ءاتَيْنَا  وكسفاً : بفتح السين وسكونه. وقرأ الكسائي :**«يخسف بهم »** بالإدغام وليست بقوية.

### الآية 34:10

> ﻿۞ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا ۖ يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ۖ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ [34:10]

ياجبال  إمّا أن يكون بدلاً من  فَضْلاً ، وإمّا من  ءاتَيْنَا  بتقدير : قولنا يا جبال. أو : قلنا يا جبال. وقرىء :**«أوّبي »** و **«أوبي »** من التأويب. والأوب : أي رجعي معه التسبيح. أو ارجعى معه في التسبيح كلما رجع فيه ؛ لأنه إذا رجعه فقد رجع فيه : ومعنى تسبيح الجبال : أنّ الله سبحانه وتعالى يخلق فيها تسبيحاً كما خلق الكلام في الشجرة، فيسمع منها ما يسمع من المسبح : معجزة لداود. وقيل : كان ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين، وكانت الجبال تسعده على نوحه بأصدائها والطير بأصواتها. وقرىء :**«والطير »**، رفعاً ونصباً، وعطفاً على لفظ الجبال ومحلها. وجوّزوا أن ينتصب مفعولاً معه، وأن يعطف على فضلاً، بمعنى وسخرنا له الطير. 
فإن قلت : أي فرق بين هذا النظم وبين أن يقال : ءاتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً  تأويب الجبال معه والطير ؟ قلت : كم بينهما. ألا ترى إلى ما فيه من الفخامة التي لا تخفى : من الدلالة على عزّة الربوبية وكبرياء الإلهية، حيث جعلت الجبال منزّلة منزلة العقلاء الذي إذا أمرهم أطاعوا وأذعنوا، وإذا دعاهم سمعوا وأجابوا : إشعاراً بأنه ما من حيوان وجماد وناطق وصامت، إلا وهو منقاد لمشيئته، غير ممتنع على إرادته  وَأَلَنَّا لَهُ الحديد  وجعلناه له ليناً كالطين والعجين والشمع، يصرفه بيده كيف يشاء من غير نار ولا ضرب بمطرقة. وقيل : لأن الحديد في يده لما أوتي من شدّة القوّة.

### الآية 34:11

> ﻿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ ۖ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [34:11]

\[ أن اعمل سابغات \] وقرىء :**«صابغات »** وهي الدروع الواسعة الضافية، وهو أوّل من اتخذها وكانت قبل صفائح. وقيل : كان يبيع الدرع بأربعة آلاف فينفق منها على نفسه وعياله، ويتصدّق على الفقراء. وقيل : كان يخرج حين ملك بني إسرائيل متنكراً، فيسأل الناس عن نفسه، ويقول لهم : ما تقولون في داود ؟ فيثنون عليه، فقيض الله له ملكاً في صورة آدمي فسأله على عادته، فقال : نعم الرجل لولا خصلة فيه فريع داود، فسأله ؟ فقال : لولا أنه يطعم عياله من بيت المال، فسأل عند ذلك ربه أن يسبب له ما يستغني به عن بيت المال، فعلمه صنعة الدروع  وَقَدَّرَ في السرد  لا تجعل المسامير دقاقاً فتقلق، ولا غلاظاً فتفصم الحلق. والسرد : نسج الدروع  واعملوا  الضمير لدواد وأهله.

### الآية 34:12

> ﻿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ۖ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ۖ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ [34:12]

و  سخرنا  لسليمان الريح  فيمن نصب : ولسليمان الريح مسخرة، فيمن رفع، وكذلك فيمن قرأ : الرياح، بالرفع  غُدُوُّهَا شَهْرٌ  جريها بالغداة مسيرة شهر، وجريها بالعشي كذلك. وقرىء :**«غدوتها وروحتها »**. وعن الحسن رضي الله عنه : كان يغدو فيقيل باصطخر، ثم يروح فيكون رواحه بكابل. ويحكى أنّ بعضهم رأي مكتوباً في منزل بناحية دجلة كتبه بعض أصحاب سليمان : نحن نزلناه وما بنيناه ومبنياً وجدناه، غدونا من اصطخر فقلناه، ونحن رائحون منه فبائتون بالشام إن شاء الله. 
القطر : النحاس المذاب من القطران. 
فإن قلت : ماذا أراد بعين القطر ؟ قلت : أراد بها معدن النحاس ولكنه أساله كما ألان الحديد لداود، فنبع كما ينبع الماء من العين ؛ فلذلك سماه عين القطر باسم ما آل إليه، كما قال : إِنّى أَرَانِى أَعْصِرُ خَمْرًا  \[ يوسف : ٣٦ \] وقيل : كان يسبل في الشهر ثلاثة أيام  بِإِذْنِ رَبّهِ  بأمره  وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ  ومن يعدل  عَنْ أَمْرِنَا  الذي أمرناه به من طاعة سليمان. وقرىء :**«يزغ »** من أزاغه. وعذاب السعير : عذاب الآخرة، عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن السدي : كان معه ملك بيده سوط من نار، كلما استعصى عليه ضربه من حيث لا يراه الجني.

### الآية 34:13

> ﻿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ ۚ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [34:13]

المحاريب : المساكن والمجالس الشريفة المصونة عن الابتذال : سميت محاريب لأنه يحامي عليها ويذب عنها. وقيل : هي المساجد والتماثيل : صور الملائكة والنبيين والصالحين، كانت تعمل فيه المساجد من نحاس وصفر وزجاج ورخام ليراها الناس فيعبدوا نحو عبادتهم. 
فإن قلت : كيف استجاز سليمان عليه السلام عمل التصاوير ؟ قلت : هذا مما يجوز أن تختلف في الشرائع لأنه ليس من مقبحات العقل كالظلم والكذب، وعن أبي العالية : لم يكن اتخاذ الصور إذ ذاك محرّماً. ويجوز أن يكون غير صور الحيوان كصور الأشجار وغيرها ؛ لأنّ التمثال كل ما صوّر على مثل صورة غيره من حيوان وغير حيوان. أو تصوّر محذوفة الرؤوس. وروي أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه، ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما. والجوابي : الحياض الكبار، قال :

تَرُوحُ عَلَى آل الْمُحَلِّقِ جَفْنَةٌ  كَجَابِيَةِ السَّيْحِ العِرَاقِيِّ تَفْهَقُلأنّ الماء يجبى فيها، أي : يجمع. جعل الفعل لها مجازاً وهي من الصفات الغالية كالدابة. وقيل : كان يقعد على الجفنة ألف رجل. وقرىء : بحذف الياء اكتفاء بالكسرة. كقوله تعالى : يَوْمَ يدعالداع  \[ القمر : ٦ \].  راسيات  ثابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها  اعملوا ءَالَ دَاوُودَ  حكاية ما قيل لآل داود. وانتصب  شُكْراً  على أنه مفعول له، أي : اعملوا لله واعبدوه على وجه الشكر لنعمائه. وفيه دليل على أن العبادة يجب أن تؤدّى على طريق الشكر. أو على الحال، أي : شاكرين. أو على تقدير اشكروا شكرا، لأن اعملوا فيه معنى اشكروا، من حيث إنّ العمل للمنعم شكر له. ويجوز أن ينتصب باعملوا مفعولاً به. ومعناه : إنا سخّرنا لكم الجنّ يعملون لكم ما شئتم، فاعملوا أنتم شكراً على طريق المشاكلة و  الشكور  المتوفر على أداء الشكر، الباذل وسعه فيه : قد شغل به قلبه ولسانه وجوارحه، اعتقاداً واعترافاً وكدحاً، وأكثر أوقاته. وعن ابن عباس رضي الله عنهما ؛ من يشكر على أحواله كلها. وعن السدي : من يشكر على الشكر. وقيل : من يرى عجزه عن الشكر. وعن داود أنه جزأ ساعات الليل والنهار على أهله، فلم تكن تأتي ساعة من الساعات إلاّ وإنسان من آل داود قائم يصلي. وعن عمر رضي الله عنه أنه سمع رجلاً يقول : اللَّهم اجعلني من القليل، فقال عمر ما هذا الدعاء ؟ فقال الرجل : إني سمعت الله يقول : وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ الشكور  فأنا أدعوه أن يجعلني من ذلك القليل، فقال عمر : كل الناس أعلم من عمر.

### الآية 34:14

> ﻿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ [34:14]

قرىء :**«فلما قضى عليه الموت »** ودابة الأرض : الأرضة، وهي الدويبة التي يقال لها السرفة والأرض فعلها، فأضيفت إليه. يقال : أرضت الخشبة أرضاً. إذا أكلتها الأرضة. وقرىء بفتح الراء، من أرضت الخشبة أرضاً، وهو من باب فعلته ففعل، كقولك : أكلت القوادح الأسنان أكلاً. فأكلت أكلاً والمنسأة : العصا. لأنه ينسأ بها، أي : يطرد ويؤخر وقرىء : بفتح الميم وبتخفيف الهمزة قلباً وحذفاً وكلاهما ليس بقياس، ولكن إخراج الهمزة بين بين هو التخفيف القياسي. ومنساءته على مفعالة، كما يقال في الميضأة ميضاءة. ومن سأته، أي : من طرف عصاه، سميت بسأة القوس على الاستعارة. وفيها لغتان، كقولهم : قحة وقحة، وقرىء :**«أكلت منسأته »**  تَبَيَّنَتِ الجن  من تبين الشيء إذا ظهر وتجلّى. و  أَن  مع صلتها بدل من الجن بدل الاشتمال، كقولك : تبين زيد جهله : والظهور له في المعنى، أي : ظهر أنّ الجن  لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الغيب مَا لَبِثُواْ فِى العذاب  أو علم الجن كلهم علماً بيناً - بعد التباس الأمر على عامّتهم وضعفتهم وتوهّمهم - أنّ كبارهم يصدّقون في ادعائهم علم الغيب أو علم المدّعون علم الغيب منهم عجزهم، وأنهم لا يعلمون الغيب وإن كانوا عالمين قبل ذلك بحالهم، وإنما أريد التهكم بهم كما تتهكم بمدّعي الباطل إذا دحضت حجته وظهر إبطاله بقولك : هل تبينت أنك مبطل. وأنت تعلم أنه لم يزل كذلك متبيناً. وقرىء :**«تبينت الجن »** على البناء للمفعول، على أنّ المتبين في المعنى هو  أَن  مع ما في صلتها، لأنه بدل. وفي قراءة أبيّ : تبينت الإنس. وعن الضحاك : تباينت الأنس بمعنى تعارفت وتعالمت. والضمير في  كَانُواْ  للجن في قوله : وَمِنَ الجن مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ  أي علمت الإنس أن لو كان الجن يصدقون فيما يوهمونهم من علمهم الغيب ؛ ما لبثوا. وفي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه :**«تبينت الإنس أنّ الجنّ لو كانوا يعلمون الغيب »**. روي أنه كان من عادة سليمان عليه السلام أن يعتكف في مسجد بيت المقدس المدد الطوال، فلما دنا أجله لم يصبح إلا رأى في محرابه شجرة نابتة قد أنطقها الله، فيسألها : لأي شيء أنت ؟ فتقول لكذا، حتى أصبح ذات يوم فرأى الخروبة، فسألها، فقالت : نبت لخراب هذا المسجد : فقال : ما كان الله ليخربه وأنا حيّ، أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس، فنزعها وغرسها في حائط له وقال : اللَّهم عم عن الجن موتي، حتى يعلم الناس أنهم لا يعلمون الغيب. لأنهم كانوا يسترقون السمع ويموّهون على الإنس أنهم يعلمون الغيب، وقال لملك الموت : إذا أمرت بي فأعلمني، فقال : أمرت بك وقد بقيت من عمرك ساعة ؛ فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحاً من قوارير ليس له باب، فقام يصلي متكئاً على عصاه، فقبض روحه وهو متكىء عليها ؛ وكانت الشياطين تجتمع حول محرابه أينما صلّى، فلم يكن شيطان ينظر إليه في صلاته إلاّ احترق فمرّ به شيطان فلم يسمع صوته، ثم رجع فلم يسمع، فنظر فإذا سليمان قد خرّ ميتاً، ففتحوا عنه فإذا العصا قد أكلتها الأرضة، فأرادوا أن يعرفوا وقت موته، فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت منها في يوم وليلة مقداراً، فحسبوا على ذلك النحو فوجدوه قد مات منذ سنة، وكانوا يعملون بين يديه ويحسبونه حياً، فأيقن الناس أنهم لو علموا الغيب لما لبثوا في العذاب سنة، وروي أنّ داود عليه السلام أسس بناء بيت المقدس في موضع فسطاط موسى عليه السلام، فمات قبل أن يتمه، فوصى به إلى سليمان، فأمر الشياطين بإتمامه، فلما بقي من عمره سنة سأل أن يعمى عليهم موته حتى يفرغوا منه، ليبطل دعواهم علم الغيب. 
روي أن أفريدون جاء ليصعد كرسيه، فلما دنا ضرب الأسدان ساقه فكسراها ؛ فلم يجسر أحد بعدُ أن يدنوا منه، وكان عمر سليمان ثلاثاً وخمسين سنة : ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، فبقي في ملكه أربعين سنة، وابتدأ بناء بيت المقدس لأربع مضين من ملكه.

### الآية 34:15

> ﻿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ [34:15]

قرىء : لِسَبَإٍ  بالصرف ومنعه، وقلب الهمزة ألفاً. ومسكنهم : بفتح الكاف وكسرها، وهو موضع سكناهم، وهو بلدهم وأرضهم التي كانوا مقيمين فيها، أو مسكن كل واحد منهم. وقرىء :**«مساكنهم »** و  جَنَّتَانِ  بدل من آية. أو خبر مبتدإ محذوف، تقديره : الآية جنتان. وفي الرفع معنى المدح، تدلّ عليه قراءة من قرأ :**«جنتين »**، بالنصب على المدح. 
فإن قلت : ما معنى كونهما ؟ آية، قلت : لم يجعل الجنتين في أنفسهما آية، وإنما جعل قصتهما، وأنّ أهلهما أعرضوا عن شكر الله تعالى عليهما فخربهما، وأبدلهم عنهما الخمط والأثل : آية، وعبرة لهم، ليعتبروا ويتعظوا فلا يعودوا إلى ما كانوا عليه من الكفر وغمط النعم. ويجوز أن تجعلهما آية، أي : علامة دالة على الله، وعلى قدرته وإحسانه ووجوب شكره، 
فإن قلت : كيف عظم الله جنتي أهل سبأ وجعلهما آية، ورب قرية من قريات العراق يحتف بها من الجنان ما شئت ؟ قلت : لم يرد بستانين اثنين فحسب، وإنما أراد جماعتين من البساتين : جماعة عن يمين بلدهم، وأخرى عن شمالها، وكل واحد من الجماعتين في تقاربها وتضامها. كأنها جنة واحدة، كما تكون بلاد الريف العامرة وبساتينها، أو أراد بستاني كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله، كما قال : جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب  كُلُواْ مِن رّزْقِ رَبّكُمْ  إما حكاية لما قال لهم أنبياء الله المبعوثون إليهم، أو لما قال لهم لسان الحال، أو هم أحقاء بأن يقال لهم ذلك، ولما قال : كُلُواْ مِن رّزْقِ رَبّكُمْ   واشكروا لَهُ  أتبعه قوله : بَلْدَةٌ طَيّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ  يعني : هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة طيبة، وربكم الذي رزقكم وطلب شكركم رب غفور لمن شكره. وعن ابن عباس رضي الله عنهما : كانت أخصب البلاد وأطيبها : تخرج المرأة وعلى رأسها المكتل فتعمل بيدها وتسير بين تلك الشجر، فيمتلىء المكتل بما يتساقط فيه من الثمر  طَيّبَةً  لم تكن سبخة. وقيل : لم يكن فيها بعوض ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا حية. وقرىء :**«بلدة طيبة ورباً غفوراً »** بالنصب على المدح. وعن ثعلب : معناه اسكن واعبد.

### الآية 34:16

> ﻿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ [34:16]

العرم  الجرذ الذي نقب عليهم السكر، ضربت لهم بلقيس الملكة بسدّ ما بين الجبلين بالصخر والقار، فحقنت به ماء العيون والأمطار، وتركت فيه خروقاً على مقدار ما يحتاجون إليه من سقيهم، فلما طغوا قيل : بعث الله إليهم ثلاثة عشر نبياً يدعونهم إلى الله ويذكرونهم نعمته عليهم فكذبوهم وقالوا ما نعرف لله نعمة سلط الله على سدّهم الخُلد فنقبه من أسفله فغرّقهم. وقيل : العرم جمع عرمة، وهي الحجارة المركومة. ويقال للكدس من الطعام، عرمة : والمراد : المسناة التي عقدوها سكراً : وقيل : العرم اسم الوادي، وقيل : العرم المطر الشديد. 
وقرىء :**«العرم »** بسكون الراء. وعن الضحاك : كانوا في الفترة التي بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم. وقرىء :**«أكل »** بالضم والسكون، وبالتنوين والإضافة، والأكل : الثمر. والخمط : شجر الأراك : وعن أبي عبيدة : كل شجر ذي شوك. وقال الزجاج : كل نبت أخذ طعماً من مرارة، حتى لا يمكن أكله. والأثل : شجر يشبه الطرفاء أعظم منه وأجود عوداً. ووجه من نون : أن أصله ذواتي أكل أكل خمط. فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. أو وصف الأكل بالخمط كأنه قيل : ذواتي أكل بشع. ومن أضاف وهو أبو عمر وحده، فلأن أكل الخمط في معنى البرير، كأنه قيل : ذواتي برير. والأثل والسدر : معطوفان على أكل، لا على خمط لأن الأثل لا أكل له. وقرىء :**«وأثلاً »** وشيئاً. بالنصب عطفاً على جنتين. وتسمية البدل جنتين، لأجل المشاكلة و فيه : ضرب من التهكم. وعن الحسن رحمه الله : قلل السدر : لأنه أكرم ما بدلوا.

### الآية 34:17

> ﻿ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا ۖ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ [34:17]

وقرىء :**«وهل يجازي »** و **«هل نجازي »** بالنون. و **«هل يجازي »** والفاعل الله وحده. و **«هل يجزي »** ؛ والمعنى : أن مثل هذا الجزاء لا يستحقه إلاّ الكافر، وهو العقاب العاجل، وقيل : المؤمن تكفر سيآته بحسناته، والكافر يحبط عمله فيجازى بجميع ما عمله من السوء، ووجه آخر : وهو أن الجزاء عام لكل مكافأة، يستعمل تارة في معنى المعاقبة، وأخرى في معنى الإثابة، فلما استعمل في معنى المعاقبة في قوله : جزيناهم بِمَا كَفَرُواْ  بمعنى : عاقبناهم بكفرهم. قيل : وهل يجازى إلا الكفور  بمعنى : وهل يعاقب ؟ وهو الوجه الصحيح ؛ وليس لقائل أن يقول : لم قيل : وهل يجازى إلاّ الكفور، على اختصاص الكفور بالجزاء، والجزاء عام للكافر والمؤمن، لأنه لم يرد الجزاء العام، وإنما أراد الخاص وهو العقاب، بل لا يجوز أن يراد العموم وليس بموضعه. ألا ترى أنك لو قلت : جزيناهم بما كفروا، وهل يجازى إلاّ الكافر والمؤمن : لم يصحّ ولم يسد كلاماً، فتبين أن ما يتخيل من السؤال مضمحل، وأن الصحيح الذي لا يجوز غيره ما جاء عليه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

### الآية 34:18

> ﻿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ ۖ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ [34:18]

القرى التى بَارَكْنَا فِيهَا  وهي قرى الشام  قُرًى ظاهرة  متواصلة ؛ يرى بعضها من بعض لتقاربها، فهي ظاهرة لأعين الناظرين. أو راكبة متن الطريق : ظاهرة للسابلة ؛ لم تبعد عن مسالكهم حتى تخفى عليهم  وَقَدَّرْنَا فِيهَا السير  قيل : كان الغادي منهم يقيل في قرية، والرائح يبيت في قرية إلى أن يبلغ الشام لا يخاف جوعاً ولا عطشاً ولا عدواً، ولا يحتاج إلى حمل زاد ولا ماء  سِيرُواْ فِيهَا  وقلنا لهم : سيروا ؛ ولا قول ثم، ولكنهم لما مكنوا من السير وسويت لهم أسبابه ؛ كأنهم أمروا بذلك وأذن لهم فيه. 
فإن قلت : ما معنى قوله  لَيَالِىَ وَأَيَّاماً  قلت : معناه سيروا فيها، إن شئتم بالليل وإن شئتم بالنهار، فإن الأمن فيها لا يختلف باختلاف الأوقات. أو سيروا فيها آمنين لا تخافون. وإن تطاولت مدة سفركم وامتدت أياماً وليالي. أو سيروا فيها لياليكم وأيامكم مدة أعماركم، فإنكم في كل حين وزمان، لا تلقون فيها إلا الأمن.

### الآية 34:19

> ﻿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [34:19]

وقرىء :****«ربنا باعد بين أسفارنا »**** وبعد. ويا ربنا، على الدعاء، بطروا النعمة، وبشموا من طيب العيش، وملوا العافية، فطلبوا الكد والتعب كما طلب بنو إسرائيل البصل والثوم مكان المنّ والسلوى، وقالوا : لو كان جنى جناننا أبعد كان أجدر أن نشتهيه، وتمنوا أن يجعل الله بينهم وبين الشأم مفاوز ليركبوا الرواحل فيها ويتزودوا الأزواد، فجعل الله لهم الإجابة. وقرىء :**«ربنا بعِّد بين أسفارنا »** وبعد بين أسفارنا على النداء، وإسناد الفعل إلى بين ورفعه به، كما تقول : سير فرسخان، وبوعد بين أسفارنا. وقرىء :****«ربنا باعد بين أسفارنا »**** و **«بين سفرنا »** وبعد، برفع ربنا على الابتداء، والمعنى خلاف الأوّل، وهو استبعاد مسايرهم على قصرها ودنوّها لفرط تنعمهم وترفههم، كأنهم كانوا يتشاجون على ربهم ويتحازنون عليه  أَحَادِيثَ  يتحدّث الناس بهم، ويتعجبون من أحوالهم، وفرقناهم تفريقاً اتخذه الناس مثلاً مضروباً، يقولون : ذهبوا أيدي سبأ، وتفرقوا أيادي سبأ. قال كثير :

أَيَادِي سَبَا يَا عَزَّ مَا كُنْتُ بَعْدَكُمْ  فَلَمْ يَحْلُ بَالْعَيْنَيْنِ بَعْدَكِ مَنْظَرُلحق غسان بالشأم، وأنمار بيثرب، وجذام بتهامة، والأزد بعمان،  صَبَّارٍ  عن المعاصي  شَكُورٍ  للنعم.

### الآية 34:20

> ﻿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [34:20]

قرىء :**«صدّق »** بالتشديد والتخفيف، ورفع إبليس ونصب الظن، فمن شدّد فعلى : حقق عليهم ظنه، أو وجده صادقاً ؛ ومن خفف فعلى : صدّق في ظنه أو صدّق يظن ظناً، نحو فعلته جهدك، وبنصب إبليس ورفع الظنّ ؛ فمن شدّد فعلى : وجد ظنه صادقاً ؛ ومن حفف فعلى : قال له ظنه الصدق حين خيله إغواءهم، يقولون : صدقك ظنك، وبالتخفيف ورفعهما على : صدق عليهم ظن إبليس ؛ ولو قرىء بالتشديد مع رفعهما لكان على المبالغة في صدق، كقوله : صدقت فيهم ظنوني، ومعناه : أنه حين وجد آدم ضعيف العزم قد أصغى إلى وسوسته قال : إنّ ذرّيته أضعف عزماً منه، فظنّ بهم اتباعه وقال : لأضلنهم لأغوينهم. وقيل : ظنّ ذلك عند إخبار الله تعالى الملائكة أنه يجعل فيها من يفسد فيها، والضمير في  عَلَيْهِمْ  و  اتبعوه  إماّ لأهل سبأ، أو لبني آدم. وقلل المؤمنين بقوله : إِلاَّ فَرِيقاً  لأنهم قليل بالإضافة إلى الكفار، كما قال : لأحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً  \[ الإسراء : ٦٢ \]،  وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين  \[ الأعراف : ١٧ \].

### الآية 34:21

> ﻿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ ۗ وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ [34:21]

وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ  من تسليط واستيلاء بالوسوسة والاستغواء إلاّ لغرض صحيح وحكمة بينة، وذلك أن يتميز المؤمن بالآخرة من الشاك فيها. وعلل التسليط بالعلم والمراد ما تعلق به العلم. وقرىء :**«ليعلم »** على البناء للمفعول  حَفِيظٌ  محافظ عليه، وفعيل ومفاعل : متآخيان.

### الآية 34:22

> ﻿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [34:22]

قُلِ  لمشركي قومك  ادعوا الذين  عبدتموهم من دون الله من الأصنام والملائكة وسميتموهم باسمه كما تدعون الله. والتجئوا إليهم فيما يعروكم كما تلتجئون إليه. وانتظروا استجابتهم لدعائكم ورحمتهم كما تنتظرون وأن يستجيب لكم ويرحمكم، ثم أجاب عنهم بقوله : لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرَّةٍ  من خير أو شرّ، أو نفع أو ضرّ  فِى السماوات وَلاَ فِى الأرض وَمَا لَهُمْ  في هذين الجنسين من شركة في الخلق ولا في الملك، كقوله تعالى : مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السموات والأرض  \[ الكهف : ٥١ \] وماله منهم من عوين يعينه على تدبير خلقه، يريد : أنهم على هذه الصفة من العجز والبعد عن أحوال الربوبية، فكيف يصحّ أن يُدْعوا كما يدعى ويُرجوا كما يرجى، 
فإن قلت : أين مفعولا زعم ؟ قلت : أحدهما الضمير المحذوف الراجع منه إلى الموصول. وأمّا الثاني فلا يخلو إمّا أن يكون  مِن دُونِ الله  أو  لاَّ يَمْلِكُونَ  أو محذوفاً فلا يصحّ الأول، لأنّ قولك : هم من دون الله، لا يلتئم كلاماً، ولا الثاني، لأنهم ما كانوا يزعمون ذلك، فكيف يتكلمون بما هو حجة عليهم ؛ وبما لو قالوه قالوا ما هو حق وتوحيد ؟ فبقي أن يكون محذوفاً تقديره : زعمتموهم آلهة من دون الله فحذف الراجع إلى الموصول كما حذف في قوله : أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً  \[ الفرقان : ٤١ \] استخفافاً، لطول الموصول لصلته، وحذف آلهة لأنه موصوف صفته  مِن دُونِ الله  والموصوف يجوز حذفه وإقامة الصفة مقامه إذا كان مفهوماً، فإذاً مفعولا زعم محذوفان جميعاً بسببين مختلفين.

### الآية 34:23

> ﻿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ۚ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ۖ قَالُوا الْحَقَّ ۖ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [34:23]

تقول : الشفاعة لزيد، على معنى أنه الشافع، كما تقول : الكرم لزيد : وعلى معنى أنه المشفوع له، كما تقول : القيام لزيد، فاحتمل قوله : وَلاَ تَنفَعُ الشفاعة عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ  أن يكون على أحد هذين الوجهين، أي : لا تنفع الشفاعة إلاّ كائنة لمن أذن له من الشافعين ومطلقة له. أو لا تنفع الشفاعة إلاّ كائنة لمن أذن له، أي : لشفيعه، أو هي اللام الثانية في قولك : أذن لزيد لعمرو، أي لأجله، كأنه قيل : إلاّ لمن وقع الأذن للشفيع لأجله، وهذا وجه لطيف وهو الوجه، وهذا تكذيب لقولهم : هؤلاء شفعاؤنا عند الله. 
فإن قلت : بما اتصل قوله : حتى إِذَا فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ  ولأي شيء وقعت حتى غاية ؟ قلت : بما فهم من هذا الكلام من أنّ ثم انتظاراً للإذن وتوقعاً وتمهلاً وفزعاً من الراجين للشفاعة والشفعاء، هل يؤذن لهم أو لا يؤذن ؟ وأنه لا يطلق الإذن إلاّ بعد مليِّ من الزمان، وطول من التربص، ومثل هذه الحال دلّ عليه قوله عزّ وجلّ  رَبّ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا الرحمن لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن وَقَالَ صَوَاباً  \[ النبأ : ٣٧- ٣٨ \] كأنه قيل : يتربصون ويتوقفون كلياً فزعين وهلين، حتى إذا فزع عن قلوبهم، أي : كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يتكلم بها رب العزّة في إطلاق الإذن : تباشروا بذلك وسأل بضعهم بعضاً  مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ  قال  الحق  أي القول الحق، وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى. وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم :" فَإذَا أُذِنَ لِمَنْ أُذنَ أَنْ يَشْفَعَ فزعْتهُ الشفاعةُ " وقرىء :**«أذن له »**، أي : أذن له الله، وأذن له على البناء للمفعول. وقرأ الحسن :****«فزع »**** مخففاً، بمعنى فزع. وقرىء :****«فزع »****، على البناء للفاعل، وهو الله وحده، وفزع، أي : نفى الوجل عنها وأفنى، من قولهم : فرغ الزاد، إذا لم يبق منه شيء. ثم ترك ذكر الوجل وأسند إلى الجار والمجرور، كما تقول : دفع إليّ زيد، إذا علم ما المدفوع وقد تخفف، وأصله : فرغ الوجل عنها، أي : انتفى عنها، وفني ثم حذف الفاعل وأسند إلى الجار والمجرور. وقرأ :**«افرنقع عن قلوبهم »**، بمعنى : انكشف عنها. وعن أبي علقمة أنه هاج به المرار فالتف عليه الناس، فلما أفاق قال : ما لكم تكأكأتم عليَّ تكأكأكم على ذي جنة ؟ افرنقعوا عني. والكلمة مركبة من حروف المفارقة مع زيادة العين، كما ركب **«اقمطر »** من حروف القمط، مع زيادة الراء. وقرىء :**«الحق »** بالرفع، أي : مقولة الحق  وَهُوَ العلى الكبير  ذو العلو والكبرياء، ليس لملك ولا نبيّ أن يتكلم ذلك اليوم إلاّ بإذنه، وأن يشفع إلاّ لمن ارتضى.

### الآية 34:24

> ﻿۞ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [34:24]

أمره بأن يقررهم بقوله : مَن يَرْزُقُكُم  ثم أمره بأن يتولى الإجابة والإقرار عنهم بقوله : يرزقكم الله. وذلك بالإشعار بأنهم مقرّون به بقلوبهم، إلاّ أنهم ربما أبوا أن يتكلموا به ؛ لأن الذي تمكن في صدورهم من العناد وحب الشرك قد ألجم أفواههم عن النطق بالحق مع علمهم بصحته، ولأنهم إن تفوهوا بأن الله رازقهم : لزمهم أن يقال لهم : فما لكم لا تعبدون من يرزقكم وتؤثرون عليه من لا يقدر على الرزق، ألا ترى إلى قوله : قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ السماء والأرض أَمَّن يَمْلِكُ السمع والأبصار  \[ يونس : ٣١ \] حتى قال : فَسَيَقُولُونَ الله  \[ يونس : ٣١ \] ثم قال : فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال  \[ يونس : ٣٢ \] فكأنهم كانوا يقرّون بألسنتهم مرّة، ومرّة كانوا يتلعثمون عناداً وضراراً وحذاراً من إلزام الحجة، ونحوه قوله عزّ وجلّ : قُلْ مَن رَّبُّ السماوات والأرض قُلِ الله قُلْ أفاتخذتم مّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُون لأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرّا  \[ الرعد : ١٦ \] وأمره أن يقول لهم بعد الإلزام والإلجام الذي إن لم يزد على إقرارهم بألسنتهم لم يتقاصر عنه  وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِى ضلال مُّبِينٍ  ومعناه : وإنّ أحد الفريقين من الذين يوحدون الرازق من السموات والأرض بالعبادة ومن الذين يشركون به الجماد الذي لا يوصف بالقدرة، لعلى أحد الأمرين من الهدى والضلال، وهذا من الكلام المنصف الذي كل من سمعه من موال أو مناف قال لمن خوطب به : قد أنصفك صاحبك، وفي درجة بعد تقدّمه ما قدم من التقرير البليغ : دلالة غير خفية على من هو من الفريقين على الهدى ومن هو في الضلال المبين، ولكن التعريض والتورية أنضل بالمجادل إلى الغرض، وأهجم به على الغلبة، مع قلة شغب الخصم وفلّ شوكته بالهوينا ونحوه قول الرجل لصاحبه : علم الله الصادق مني ومنك، وإن أحدنا لكاذب. ومنه بيت حسان :

أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ  فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُفإن قلت : كيف خولف بين حرفيّ الجرّ الداخلين على الحق والضلال ؟ قلت : لأن صاحب الحق كأنه مستعل على فرس جواد يركضه حيث شاء، والضال كأنه منغمس في ظلام مرتبك فيه لا يدري أن يتوجه. وفي قراءة أبيّ :**«وإنا أو أياكم إما على هدى أو في ضلال مبين »**.

### الآية 34:25

> ﻿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ [34:25]

هذا أدخل في الإنصاف أبلغ فيه من الأوّل، حيث أسند الإجرام إلى المخاطبين والعمل إلى المخاطبين، وإن أراد بالإجرام : الصغائر والزلات التي لا يخلو منها مؤمن، وبالعمل : الكفر والمعاصي العظام.

### الآية 34:26

> ﻿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ [34:26]

وفتح الله بينهم : وهو حكمه وفصله : أنه يدخل هؤلاء الجنة وأولئك النار.

### الآية 34:27

> ﻿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ ۖ كَلَّا ۚ بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [34:27]

فإن قلت : ما معنى قوله : أَرُونِىَ  وكان يراهم ويعرفهم ؟ قلت : أراد بذلك أن يريهم الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله، وأن يقايس على أعينهم بينه وبين أصنامهم ليطلعهم على إحالة القياس إليه والإشراك به. و  كَلاَّ  ردع لهم عن مذهبهم بعد ما كسده بإبطال المقايسة، كما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام : أُفّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله  \[ الأنبياء : ٦٧ \] بعد ما حجهم، وقد نبه على تفاحش غلطهم وإن لم يقدروا حق الله قدره بقوله : هُوَ الله العزيز الحكيم  كأنه قال : أين الذين ألحقتم به شركاء من هذه الصفات وهو راجع إلى الله وحده. أو ضمير الشأن، كما في قوله تعالى : قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ  \[ الإخلاص : ١ \].

### الآية 34:28

> ﻿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [34:28]

إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ  إلا إرسالة عامة لهم محيطة بهم ؛ لأنها إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم. وقال الزجاج المعنى أرسلناك جامعاً للناس في الإنذار والإبلاغ، فجعله حالاً من الكاف وحق التاء على هذا أن تكون للمبالغة كتاء الراوية والعلامة، ومن جعله حالاً من المجرور متقدماً عليه فقد أخطأ ؛ لأنّ تقدم حال المجرور عليه في الإحالة بمنزلة تقدم المجرور على الجار، وكم ترى ممن يرتكب هذا بالخطأ ثم لا يقنع به حتى يضمّ إليه أن يجعل اللام بمعنى إلى ؛ لأنه لا يستوي له الخطأ الأوّل إلا الخطأ الثاني، فلا بدّ له من ارتكاب الخطأين.

### الآية 34:29

> ﻿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [34:29]

غلطهم وإن لم يقدروا الله حق قدره بقوله هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ كأنه قال: أين الذين ألحقتم به شركاء من هذه الصفات وهو راجع إلى الله وحده. أو ضمير الشأن، كما في قوله تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ.
 \[سورة سبإ (٣٤) : آية ٢٨\]
 وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٨)
 إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ إلا إرسالة عامة لهم محيطة بهم، لأنها إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم. وقال الزجاج المعنى أرسلناك جامعا للناس في الإنذار والإبلاغ، فجعله حالا من الكاف وحق التاء على هذا أن تكون للمبالغة كتاء الراوية والعلامة، ومن جعله حالا من المجرور متقدّما عليه فقد أخطأ، لأنّ تقدم حال المجرور عليه في الإحالة بمنزلة تقدم المجرور على الجار، وكم ترى ممن يرتكب هذا الخطأ ثم لا يقع به حتى بضم إليه أن يجعل اللام بمعنى إلى، لأنه لا يستوي له الخطأ الأوّل إلا بالخطإ الثاني، فلا بد له من ارتكاب الخطأين.
 \[سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٢٩ الى ٣٠\]
 وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠)
 قرئ: ميعاد يوم. وميعاد يوم. وميعاد يوما. والميعاد: ظرف الوعد من مكان أو زمان، وهو هاهنا الزمان. والدليل عليه قراءة من قرأ: ميعاد يوم فأبدل منه اليوم. فإن قلت: فما تأويل من أضافه إلى يوم، أو نصب يوما؟ قلت. أما الإضافة فإضافة تبيين، كما تقول: سحق ثوب، وبعير سانية. وأما نصب اليوم فعلى التعظيم بإضمار فعل تقديره: لكم ميعاد، أعنى يوما أو أريد يوما من صفته كيت وكيت. ويجوز أن يكون الرفع على هذا، أعنى التعظيم. فإن قلت:
 كيف انطبق هذا جوابا على سؤالهم؟ قلت: ما سألوا عن ذلك وهم منكرون له إلا تعنتا، لا استرشادا، فجاء الجواب على طريق التهديد مطابقا لمجيء السؤال على سبيل الإنكار والتعنت، وأنهم مرصدون ليوم يفاجئهم. فلا يستطيعون تأخرا عنه ولا تقدّما عليه.
 \[سورة سبإ (٣٤) : آية ٣١\]
 وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١)

### الآية 34:30

> ﻿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ [34:30]

قرىء :**«ميعاد يوم »**. ومعياد يوم. وميعاد يوما. والميعاد : ظرف الوعد من مكان أو زمان، وهو ههنا الزمان. والدليل عليه قراءة من قرأ : ميعاد يوم فأبدل منه اليوم. 
فإن قلت : فما تأويل من أضافه إلى يوم، أو نصب يوماً ؟ قلت : أما الإضافة فإضافة تبيين، كما تقول : سحق ثوب، وبعير سانية. وأما نصب اليوم فعلى التعظيم بإضمار فعلى تقديره : لكم ميعاد، أعني يوماً أو أريد يوماً من صفته كيت وكيت. ويجوز أن يكون الرفع على هذا، أعني التعظيم. 
فإن قلت : كيف انطبق هذا جواباً على سؤالهم ؟ قلت : ما سألوا عن ذلك وهم منكرون له إلاّ تعنتاً، ولا استرشاداً، فجاء الجواب على طريق التهديد مطابقاً لمجيء السؤال على سبيل الإنكار والتعنت، وأنهم مرصدون ليوم يفاجؤهم، فلا يستطيعون تأخراً عنه ولا تقدّماً عليه.

### الآية 34:31

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ۗ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ [34:31]

الذي بين يديه : ما نزل قبل القرآن من كتب الله، يروى : أن كفار مكة سألوا أهل الكتاب فأخبروهم أنهم يجدون صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتبهم، فأغضبهم ذلك وقرنوا إلى القرآن جميع ما تقدمه من كتب الله عزّ وجلّ في الكفر، فكفروا بها جميعاً. وقيل : الذي بين يديه يوم القيامة. والمعنى : أنهم جحدوا أن يكون القرآن من الله تعالى، وأن يكون لما دلّ عليه من الإعادة للجزاء حقيقة، ثم أخبر عن عاقبة أمرهم ومآلهم في الآخرة فقال لرسوله عليه الصلاة والسلام أو للمخاطب  وَلَوْ تَرَى  في الآخرة موقفهم وهم يتجاذبون أطراف المحادثة ويتراجعونها بينهم، لرأيت العجيب، فحذف الجواب. والمستضعفون : هم الأتباع، والمستكبرون : هم الرؤوس والمقدّمون.

### الآية 34:32

> ﻿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ ۖ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ [34:32]

أولى الاسم أعني  نَحْنُ  حرف الإنكار ؛ لأنّ الغرض إنكار أن يكونوا هم الصادّين لهم عن الإيمان، وإثبات أنهم هم الذين صدّوا بأنفسهم عنه، وأنهم أتوا من قبل اختيارهم، كأنهم قالوا : أنحن أجبرناكم وحلنا بينكم وبين كونكم ممكنين مختارين  بَعْدَ إِذْ جَاءكُمْ  بعد أن صممتم على الدخول في الإيمان وصحّت نياتكم في اختياره ؟ بل أنتم منعتم أنفسكم حظها وآثرتم الضلال على الهدى وأطعتم آمر الشهوة دون آمر النهي، فكنتم مجرمين كافرين لاختياركم لا لقولنا وتسويلنا. 
فإن قلت : إذ وإذا من الظروف اللازمة للظرفية، فلم وقعت إذ مضافاً إليها ؟ قلت : قد اتسع في الزمان ما لم يتسع في غيره، فإضيف إليها الزمان، كما أضيف إلى الجمل في قولك : جئتك بعد إذ جاء زيد، وحينئذ، ويومئذ، وكان ذلك أوان الحجاج أمير، وحين خرج زيد. لما أنكر المستكبرون بقولهم : أَنَحْنُ صددناكم  أن يكونوا هم السبب في كفر المستضعفين وأثبتوا بقولهم : بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ  أن ذلك بكسبهم واختيارهم، كرّ عليهم المستضعفون بقولهم : بَلْ مَكْرُ اليل والنهار .

### الآية 34:33

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا ۚ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [34:33]

بَلْ مَكْرُ اليل والنهار  فأبطلوا بإضرابهم، كأنهم قالوا : ما كان الإجرام من جهتنا، بل من جهة مكركم لنا دائباً ليلاً ونهاراً، وحملكم إيانا على الشرك واتخاذ الأنداد. ومعنى مكر الليل والنهار : مكركم في الليل والنهار، فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به وإضافة المكر إليه. أو جعل ليلهم ونهارهم ماكرين على الإسناد المجازي. وقرىء :**«بل مكر الليل والنهار »** بالتنوين ونصب الظرفين. وبل مكرّ الليل والنهار بالرفع والنصب. أي تكرّون الإغواء مكرّاً دائباً لا تفترون عنه، 
فإن قلت : ما وجه الرفع والنصب ؟ قلت : هو مبتدأ أو خبر، على معنى : بل سبب مكركم أو مكرّكم أو مكركم أو مكرّكم سبب ذلك. والنصب على : بل تكرّون الإغواء مكرّ الليل والنهار. 
فإن قلت : لم قيل : قَالَ الذين استكبروا ، بغير عاطف ؛ وقيل : وَقَالَ الذين استضعفوا  ؟ قلت : لأن الذين استضعفوا مرّ أولاً كلامهم، فجيء بالجواب محذوف العاطف على طريقة الاستئناف، ثم جيء بكلام آخر للمستضعفين، فعطف على كلامهم الأوّل. 
فإن قلت : من صاحب الضمير في  وَأَسَرُّواْ  قلت : الجنس المشتمل على النوعين من المستكبرين والمستضعفين، وهم الظالمون في قوله : إِذِ الظالمون مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبّهِمْ  \[ سبأ : ٣١ \] يندم المستكبرون على ضلالهم وإضلالهم، والمستضعفون على ضلالهم واتباعهم المضلين  فِى أَعْنَاقِ الذين كَفَرُواْ  أي في أعناقهم، فجاء بالصريح للتنويه بذمهم، وللدلالة على ما استحقوا به الأغلال. وعن قتاده : أسروا الكلام بذلك بينهم. وقيل : أسروا الندامة أظهروها، وهو من الأضداد.

### الآية 34:34

> ﻿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [34:34]

هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما مني به من قومه من التكذيب والكفر بما جاء به، والمنافسة بكثرة الأموال والأولاد، والمفاخرة وزخارفها، والتكبر بذلك على المؤمنين، والاستهانة بهم من أجله، وقولهم : أَىُّ الفريقين خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً  \[ مريم : ٧٣ \] وأنه لم يرسل قط إلى أهل قرية من نذير إلاّ قالوا له مثل ما قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة وكادوه بنحو ما كادوه به، وقاسوا أمر الآخرة الموهومة أو المفروضة عندهم على أمر الدنيا، واعتقدوا أنهم لو لم يكرموا على الله لما رزقهم، ولولا أنّ المؤمنين هانوا عليه لما حرمهم ؛ فعلى قياسهم ذلك قالوا : وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ .

### الآية 34:35

> ﻿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ [34:35]

وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ  أرادوا أنهم أكرم على الله من أن يعذبهم، نظراً إلى أحوالهم في الدنيا.

### الآية 34:36

> ﻿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [34:36]

وقد أبطل الله تعالى حسبانهم بأنّ الرزق فضل من الله يقسمه كما يشاء على حسب ما يراه من المصالح، فربما وسع على العاصي وضيق على المطيع، وربما عكس، وربما وسع عليهما وضيق عليهما، فلا ينقاس عليه أمر الثواب الذي مبناه على الاستحقاق. وقدر الرزق : تضييقه. قال تعالى : وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ  \[ الطلاق : ٧ \] وقرىء :**«ويقدّر »** بالتشديد والتخفيف.

### الآية 34:37

> ﻿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَىٰ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ [34:37]

أراد : وماجماعة أموالكم ولا جماعة أولادكم بالتي تقربكم، وذلك أنّ الجمع المكسر عقلاؤه وغير عقلائه سواء في حكم التأنيث، ويجوز أن يكون التي هي التقوى وهي المقربة عند الله زلفى وحدها، أي : ليست أموالكم بتلك الموضوعة للتقريب. وقرأ الحسن : باللاتي تقرّبكم ؛ لأنها جماعات. وقرىء :**«بالذي يقرّبكم »**، أي : بالشيء الذي يقرّبكم. والزلفى والزلفة : كالكربى والكربة، ومحلها النصب، أي : تقرّبكم قربة، كقوله تعالى : أَنبَتَكُمْ مّنَ الأرض نَبَاتاً  \[ نوح : ١٧ \]  إِلاَّ مَنْ ءَامَنَ  استثناء من  كَمْ  في  تُقَرّبُكُمْ ، والمعنى : أنّ الأموال لا تقرب أحداً إلاّ المؤمن الصالح الذي ينفقها في سبيل الله، والأولاد لا تقرب أحداً إلا من علمهم الخير وفقههم في الدين ورشحهم للصلاح والطاعة،  جزاء الضعف  من إضافة المصدر إلى المفعول، أصله : فأولئك لهم أن يجازوا الضعف، ثم جزاء الضعف، ثم جزاء الضعف. ومعنى جزاء الضعف : أن تضاعف لهم حسناتهم، الواحدة عشراً. وقرىء :**«جزاء الضعف »**، على : فأولئك لهم الضعف جزاء وجزاء الضعف على : أن يجازوا الضعف، وجزاء الضعف مرفوعان : الضعف بدل من جزاء. وقرىء : فِى الغرفات  بضم الراء وفتحها وسكونها. وفي الغرفة.

### الآية 34:38

> ﻿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَٰئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ [34:38]

\[سورة سبإ (٣٤) : آية ٣٦\]

 قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٦)
 وقد أبطل الله تعالى حسبانهم بأنّ الرزق فضل من الله يقسمه كما يشاء على حسب ما يراه من المصالح، فربما وسع على العاصي وضيق على المطيع، وربما عكس، وربما وسع عليهما وضيق عليهما، فلا ينقاس عليه أمر الثواب الذي مبناه على الاستحقاق. وقدر الرزق: تضييقه. قال تعالى وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وقرئ يقدّر، بالتشديد والتخفيف.
 \[سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٣٧ الى ٣٨\]
 وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (٣٨)
 أراد: وما جماعة أموالكم ولا جماعة أولادكم بالتي تقربكم، وذلك أنّ الجمع المكسر عقلاؤه وغير عقلائه سواء في حكم التأنيث، ويجوز أن يكون التي هي التقوى وهي المقربة عند الله زلفى وحدها، أى: ليست أموالكم بتلك الموضوعة للتقريب. وقرأ الحسن: باللاتى تقرّبكم، لأنها جماعات. وقرئ: بالذي يقرّبكم، أى: بالشيء الذي يقرّبكم. والزلفى والزلفة: كالكربى والكربة، ومحلها النصب، أى: تقرّبكم قربة، كقوله تعالى أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً، إِلَّا مَنْ آمَنَ استثناء من **«كم»** في تُقَرِّبُكُمْ، والمعنى: أنّ الأموال لا تقرب أحدا إلا المؤمن الصالح الذي ينفقها في سبيل الله، والأولاد لا تقرب أحدا إلا من علمهم الخير وفقههم في الدين ورشحهم للصلاح والطاعة، جزاء الضِّعْفِ من إضافة المصدر إلى المفعول، أصله:
 فأولئك لهم أن يجازوا الضعف، ثم جزاء الضعف، ثم جزاء الضعف. ومعنى جزاء الضعف:
 أن تضاعف لهم حسناتهم، الواحدة عشرا. وقرئ: جزاء الضعف، على: فأولئك لهم الضعف جزاء وجزاء الضعف على: أن يجازوا الضعف، وجزاء الضعف مرفوعان: الضعف بدل من جزاء. قرئ فِي الْغُرُفاتِ بضم الراء وفتحها وسكونها. وفي الغرفة.
 \[سورة سبإ (٣٤) : آية ٣٩\]
 قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)
 فَهُوَ يُخْلِفُهُ فهو يعوّضه لا معوّض سواه: إما عاجلا بالمال، أو بالقناعة التي هي كنز

### الآية 34:39

> ﻿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [34:39]

فَهُوَ يُخْلِفُهُ  فهو يعوّضه لا معوّض سواه : إما عاجلاً بالمال، أو القناعة التي هي كنز لا ينفد. وإما آجلاً بالثواب الذي كل خلف دونه. وعن مجاهد : من كان عنده من هذا المال ما يقيمه فليقتصد، فإنّ الرزق مقسوم، ولعل ما قسم له قليل وهو ينفق نفقة الموسع عليه، فينفق جميع ما في يده ثم يبقى طول عمره في فقر، ولا يتأولنّ : وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه، فإن هذا في الآخرة. ومعنى الآية : وما كان من خلف فهو منه  خَيْرُ الرازقين  وأعلاهم ربّ العزّة، بأن كل ما رزق غيره : من سلطان يرزق جنده، أو سيد يرزق عبده أو رجل يرزق عياله : فهو من رزق الله، أجراه على أيدي هؤلاء، وهو خالق الرزق وخالق الأسباب التي بها ينتفع المرزوق بالرزق. وعن بعضهم : الحمد لله الذي أوجدني وجعلني ممن يشتهي ؛ فكم من مشته لا يجد، وواجد لا يشتهي.

### الآية 34:40

> ﻿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَٰؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ [34:40]

هذا الكلام خطاب للملائكة وتقريع للكفار، وارد على المثل السائر :
إيَّاكِ أَعْنِي وَاسْمَعِي يَا جَارَهْ \*\*\*
ونحوه قوله تعالى : أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن دُونِ الله  \[ المائدة : ١١٦ \] وقد علم سبحانه كون الملائكة وعيسى منزهين برآء مما وجه عليهم من السؤال الوارد على طريق التقرير، والغرض أن يقول ويقولوا، ويسأل ويجيبوا ؛ فيكون تقريعهم أشدّ، وتعبيرهم أبلغ، وخجلهم أعظم : وهو أنه ألزم، ويكون اقتصاص ذلك لطفاً لمن سمعه، وزاجراً لمن اقتص عليه.

### الآية 34:41

> ﻿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ ۖ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ ۖ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ [34:41]

والموالاة : خلاف المعاداة. ومنها : اللَّهم وال من والاه، وعاد من عاداه. وهي مفاعلة من الولي وهو القرب، كما أنّ المعاداة من العدواء، وهي البعد، والولي : يقع على الموالي والموالى جميعاً. والمعنى أنت الذي نواليه من دونهم، إذ لا موالاة بيننا وبينهم، فبينوا بإثبات موالاة الله ومعاداة الكفار : براءتهم من الرضا بعبادتهم لهم ؛ لأنّ من كان على هذه الصفة كانت حاله منافية لذلك  بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن  يريدون الشياطين، حيث أطاعوهم في عبادة غير الله. وقيل : صوّرت لهم الشياطين صور قوم من الجن وقالوا : هذه صور الملائكة فاعبدوها. وقيل : كانوا يدخلون في أجواف الأصنام إذا عبدت، فيعبدون بعبادتها. وقرىء :**«نحشرهم »** ونقول، بالنون والياء.

### الآية 34:42

> ﻿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ [34:42]

الأمر في ذلك اليوم لله وحده، لا يملك فيه أحد منفعة ولا مضرّة لأحد، لأنّ الدار دار ثواب وعقاب، والمثيب والمعاقب هو الله، فكانت حالها خلاف حال الدنيا التي هي دار تكليف، والناس فيها مخلى بينهم، يتضارّون ويتنافعون. والمراد : أنه لا ضارّ ولا نافع يومئذ إلا هو وحده، ثم ذكر معاقبته الظالمين بقوله : وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ  معطوفاً على  لاَ يَمْلِكُ .

### الآية 34:43

> ﻿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَٰذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى ۚ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [34:43]

الإشارة الأولى : إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والثانية : إلى القرآن. والثالثة : إلى الحق. والحق أمر النبوّة كله ودين الإسلام كما هو. وفي قوله : وَقَالَ الذين كَفَرُواْ  وفي أن لم يقل وقالوا، وفي قوله : لِلْحَقّ لَمَّا جَاءهُمْ  وما في اللامين من الإشارة إلى القائلين والمقول فيه، وما في ( لما ) من المبادهة بالكفر : دليل على صدور الكلام عن إنكار عظيم وغضب شديد، وتعجيب من أمرهم بليغ، كأنه قال : وقال أولئك الكفرة المتمرّدون بجراءتهم على الله ومكابرتهم لمثل ذلك الحق النير قبل أن يذوقوه  إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ  فبتوا القضاء على أنه سحر، ثم بتوه على أنه بين ظاهر كل عاقل تأمّله سماه سحراً.

### الآية 34:44

> ﻿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا ۖ وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ [34:44]

وما آتيناهم كتباً يدرسونها فيها برهان على صحة الشرك، ولا أرسلنا إليهم نذيراً ينذرهم بالعقاب إن لم يشركوا، كما قال عزّ وجلّ : أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سلطانا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ  \[ الروم : ٣٥ \] أو وصفهم بأنهم قوم أمّيون أهل جاهلية لا ملة لهم وليس لهم عهد بإنزال كتاب ولا بعثه رسول كما قال : أَمْ ءاتيناهم كتابا مّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ  \[ الزخرف : ٢١ \] فليس لتكذيبهم وجه متشبث، ولا شبهة متعلق، كما يقول أهل الكتاب وإن كانوا مبطلين : نحن أهل كتب وشرائع، ومستندون إلى رسل ومن رسل الله.

### الآية 34:45

> ﻿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي ۖ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ [34:45]

ثم توعدهم على تكذيبهم بقوله : وَكَذَّبَ الَّذِينَ  تقدّموهم من الأمم والقرون الخالية كما كذبوا، وما بلغ هؤلاء بعض ما آتينا أولئك من طول الأعمار وقوّة الأجرام وكثرة الأموال، فحين كذبوا رسلهم جاءهم إنكاري بالتدمير والاستئصال، ولم يغن عنهم استظهارهم بما هم به مستظهرون، فما بال هؤلاء ؟ وقرىء :**«يدرّسونها »** من التدريس وهو تكرير الدرس. أو من درّس الكتاب، ودرّس الكتب : ويدرّسونها، بتشديد الدال، يفتعلون من الدرس. والمعشار كالمرباع، وهما : العشر. والرابع. 
فإن قلت : فما معنى  فَكَذَّبُواْ رُسُلِى  وهو مستغنى عنه بقوله : وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ  ؟ قلت : لما كان معنى  وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ  : وفعل الذين من قبلهم التكذيب، وأقدموا عليه : جعل تكذيب الرسل مسبباً عنه ونظيره أن يقول القائل : أقدم فلان على الكفر فكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن ينعطف على قوله : وما بلغوا، كقولك : ما بلغ زيد معشار فضل عمرو فتفضل عليه  فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ  أي للمكذبين الأوّلين، فليحذروا من مثله.

### الآية 34:46

> ﻿۞ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ۖ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ [34:46]

بواحدة  بخصلة واحدة، وقد فسرها بقوله : أَن تَقُومُواْ  على أنه عطف بيان بها، وأراد بقيامهم : إما القيام على مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرّقهم عن مجتمعهم عنده وإما القيام الذي لا يراد به المثول على القدمين، ولكن الانتصاب في الأمر والنهوض فيه بالهمة والمعنى : إنما أعظكم بواحدة إن فعلتموها أصبتم الحق وتخلصتم، وهي : أن تقوموا لوجه الله خالصاً. متفرّقين اثنين اثنين، وواحداً واحداً  ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ  في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به. أمّا الاثنان : فيتفكران ويعرض كلّ واحد منهما محصول فكره على صاحبه وينظران فيه متصادقين متناصفين، لا يميل بهما اتباع هوى ولا ينبض لهما عرق عصبية، حتى يهجم بهما الفكر الصالح والنظر على جادة الحق وسننه، وكذلك الفرد : يفكر في نفسه بعدل ونصفة من غير أن يكابرها ويعرض فكره على عقله وذهنه وما استقر عنده من عادات العقلاء ومجاري أحوالهم، والذي أوجب تفرّقهم مثنى وفرادى : أنّ الاجتماع مما يشوش الخواطر، ويعمي البصائر، ويمنع من الروية، ويخلط القول ؛ ومع ذلك يقل الإنصاف، ويكثر الاعتساف، ويثور عجاج التعصب، ولا يسمع إلاّ نصرة المذهب، وأراهم بقوله : مَا بصاحبكم مّن جِنَّةٍ  أن هذا الأمر عظيم الذي تحته ملك الدنيا والآخرة جميعاً، لا يتصدّى لادعاء مثله إلاّ رجلان : إمّا مجنون لا يبالي بافتضاحه إذا طولب بالبرهان فعجز، بل لا يدري ما الافتضاح وما رقبة العواقب. وإمّا عاقل راجح العقل مرشح للنبوّة، مختار من أهل الدنيا، لا يدعيه إلا بعد صحته عنده بحجته وبرهانه، وإلا فما يجدي على العاقل دعوى شيء لا بينة له عليه، وقد علمتم أنّ محمداً صلى الله عليه وسلم ما به من جنة، بل علمتموه أرجح قريش عقلاً، وأرزنهم حلماً وأثقبهم ذهناً وآصلهم رأياً، وأصدقهم قولاً، وأنزههم نفساً، وأجمعهم لما يحمد عليه الرجال ويمدحون به ؛ فكان مظنّة لأن تظنوا به الخير، وترجحوا فيه جانب الصدق على الكذب ؛ وإذا فعلتم ذلك كفاكم أن تطالبوه بأن يأتيكم بآية، فإذا أتى بها تبين أنه نذير مبين. 
فإن قلت : مَا بصاحبكم  بم يتعلق ؟ قلت : يجوز أن يكون كلاماً مستأنفاً تنبيهاً من الله عزّ وجلّ على طريقة النظر في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويجوز أن يكون المعنى : ثم تتفكروا فتعلموا ما بصاحبكم من جنة، وقد جوّز بعضهم أن تكون ما استفهامية  بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ  كقوله عليه الصلاة والسلام :**« بعثت في نسم الساعة »**.

### الآية 34:47

> ﻿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [34:47]

فَهُوَ لَكُمْ  جزاء الشرط الذي هو قوله : مَا سَأَلْتُكُم مّن أَجْرٍ  تقديره : أيّ شيء سألتكم من أجر فهو لكم، كقوله تعالى : مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ  \[ فاطر : ٢ \] وفيه معنيان، أحدهما : نفي مسألة الأجر رأساً، كما يقول الرجل لصاحبه : إن أعطيتني شيئاً فخذه، وهو يعلم أنه لم يعطه شيئاً ولكنه يريد به البت ؛ لتعليقه الأخذ بما لم يكن. والثاني : أن يريد بالأجر ما أراد في قوله تعالى : قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إلى رَبّهِ سَبِيلاً  \[ الفرقان : ٥٧ \] وفي قوله : قُل لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِى القربى  \[ الشورى : ٢٣ \] لأنّ اتخاذ السبيل إلى الله نصيبهم وما فيه نفعهم، وكذلك المودّة في القرابة، لأنّ القرابة قد انتظمته وإياهم  على كُلّ شَىْء شَهِيدٌ  حفيظ مهيمن، يعلم أني لا أطلب الأجر على نصيحتكم ودعائكم إليه إلا منه، ولا أطمع منكم في شيء.

### الآية 34:48

> ﻿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [34:48]

القذف والرمي : تزجية السهم ونحوه بدفع واعتماد، ويستعاران من حقيقتهما لمعنى الإلقاء ومنه قوله تعالى : وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرعب  \[ الأحزاب : ٢٦ \]، \[ الحشر : ٢ \]،  أَنِ اقذفيه فِى التابوت  \[ طه : ٣٩ \] ومعنى  يَقْذِفُ بالحق  يلقيه وينزله إلى أنبيائه. أو يرمي به الباطل فيدمغه ويزهقه  علام الغيوب  رفع محمول على محل إن واسمها، أو على المستكن في يقذف، أو هو خبر مبتدإ محذوف. وقرىء : بالنصب صفة لربي، أو على المدح. وقرىء :**«الغيوب »** بالحركات الثلاث، فالغيوب كالبيوت. والغيوب كالصبور، وهو الأمر الذي غاب وخفي جداً.

### الآية 34:49

> ﻿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ [34:49]

والحيّ إمّا أن يبدىء فعلاً أو يعيده فإذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة، فجعلوا قولهم : لا يبدىء ولا يعيد مثلاً في الهلاك. ومنه قول عبيد :

أَقْفَرَ مِنْ أَهْلِهِ عَبِيدُ  فَالْيَوْمَ لاَ يُبْدِي وَلاَ يُعِيدُوالمعنى : جاء الحق وهلك الباطل، كقوله تعالى : جَاء الحق وَزَهَقَ الباطل  \[ الإسراء : ٨١ \] وعن ابن مسعود رضي الله عنه : دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وحول الكعبة ثلثمائة وستون صنماً، فجعل يطعنها بعود نبعة ويقول : جَاء الحق وَزَهَقَ الباطل إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقًا  \[ الإسراء : ٨١ \]،  جَاء الحق وَمَا يُبْدِىء الباطل وَمَا يُعِيدُ . والحق : القرآن. وقيل : الإسلام. وقيل : السيف. وقيل : الباطل : إبليس لعنه الله، أي : ما ينشىء خلقاً ولا يعيده، المنشيء والباعث : هو الله تعالى. وعن الحسن : لا يبدىء لأهله خيراً ولا يعيده، أي : لا ينفعهم في الدنيا والآخرة. وقال الزجاج : أيّ شيء ينشيء إبليس ويعيده، فجعله للاستفهام. وقيل للشيطان : الباطل ؛ لأنه صاحب الباطل ؛ أو لأنه هالك كما قيل له : الشيطان، من شاط إذا هلك.

### الآية 34:50

> ﻿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي ۖ وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ [34:50]

قرىء :**«ضللت أضلّ »** بفتح العين مع كسرها. وضللت أضلّ، بكسرها مع فتحها، وهما لغتان، نحو : ظللت أظلّ وظللت أظل. وقرىء :**«إضلّ »** بكسر الهمزة مع فتح العين. 
فإن قلت : أين التقابل بين قوله : فَإِنَّمَا أَضِلُّ على نَفْسِى  وقوله : يُوحِى إِلَىَّ رَبّى  وإنما كان يستقيم أن يقال : فإنما أضل على نفسي، وإن اهتديت فإنما اهتدى لها، كقوله تعالى : مَّنْ عَمِلَ صالحا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا  \[ فصلت : ٤٦ \] فمن اهتدى فلنفسه ومن ضلّ فإنما يضلّ عليها. أو يقال : فإنما أضلّ بنفسي. قلت : هما متقابلان من جهة المعنى ؛ لأنّ النفس كل ما عليها فهو بها، أعني : أن كل ما هو وبال عليها وضار لها فهو بها وبسببها : لأنّ الأمّارة بالسوء، وما لها مما ينفعها فبهداية ربها وتوفيقه، وهذا حكم عامّ لكل مكلف، وإنما أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يسنده إلى نفسه ؛ لأن الرسول إذا دخل تحته مع جلالة حمله وسداد طريقته كان غيره أولى به  إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ  يدرك قول كل ضالّ ومهتد، وفعله لا يخفى عليه منهما شيء.

### الآية 34:51

> ﻿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ [34:51]

وَلَوْ تَرَى  جوابه محذوف، يعني : لرأيت أمراً عظيماً وحالاً هائلة. و **«لو »** و **«إذ »** والأفعال التي هي **«فزعوا »** و **«أخذوا »** وحيل بينهم : كلها للمضي. والمراد بها الاستقبال ؛ لأن ما الله فاعله في المستقبل بمنزلة ما قد كان ووجد لتحققه، ووقت الفزع : وقت البعث وقيام الساعة. وقيل : وقت الموت. وقيل : يوم بدر. وعن ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت في خسف البيداء، وذلك أن ثمانين ألفاً يغزون الكعبة ليخربوها، فإذا دخلوا البيداء خسف بهم  فَلاَ فَوْتَ  فلا يفوتون الله ولا يسبقونه. وقرىء :**«فلا فوت »** والأخذ من مكان قريب : من الموقف إلى النار إذا بعثوا. أو من ظهر الأرض إلى بطنها إذا ماتوا. أو من صحراء بدر إلى القليب. أو من تحت أقدامهم إذا خسف بهم. 
فإن قلت : علام عطف قوله : وَأُخِذُواْ  ؟ قلت : فيه وجهان : العطف على فزعوا، أي : فزعوا وأخذوا فلا فوت لهم. أو على لا فوت، على معنى : إذا فزعوا فلم يفوتوا وأخذوا. وقرىء :**«وأخذ »** وهو معطوف على محل لا فوت ومعناه : فلا فوت هناك، وهناك أخذ.

### الآية 34:52

> ﻿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّىٰ لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ [34:52]

ءَامَنَّا بِهِ  بمحمد صلى الله عليه وسلم لمرور ذكره في قوله : مَا بصاحبكم مّن جِنَّةٍ  : والتناوش والتناول : أخوان ؛ إلاّ أنّ التناوش تناول سهل لشيء قريب، يقال ناشه ينوشه، وتناوشه القوم. ويقال : تناوشوا في الحرب : ناش بعضهم بعضاً. وهذا تمثيل لطلبهم ما لا يكون، وهو أن ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت، كما ينفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا : مثلت حالهم بحال من يريد أن يتناول الشيء من غلوة، كما يتناوله الآخر من قيس \[ مقدار \] ذراع تناولاً سهلاً لا تعب فيه. وقرىء :**«التناؤش »** : همزت الواو المضمومة كما همزت في أجؤه وأدؤر وعن أبي عمرو التناوش بالهمز التناول من بعد من قولهم : نأشت إذا أبطأت وتأخرت. ومنه البيت :
تَمَنَّى نَئِيشاً أَنّ يَكُونَ أَطَاعَنِي \*\*\*
أي أخيراً

### الآية 34:53

> ﻿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ ۖ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ [34:53]

وَيَقْذِفُونَ  معطوف على قد كفروا، على حكاية الحال الماضية، يعني : وكانوا يتكلمون  بالغيب  ويأتون به  مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ  وهو قولهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم شاعر، ساحر، كذاب. وهذا تكلم بالغيب والأمر الخفي، لأنهم لم يشاهدوا منه سحراً ولا شعراً ولا كذباً، وقد أتوا بهذا الغيب من جهة بعيدة من حاله، لأن أبعد شيء مما جاء به : الشعر والسحر، وأبعد شيء من عادته التي عرفت بينهم وجربت : الكذب والزور : قرىء :**«ويقذفون بالغيب »**، على البناء للمفعول، أي : يأتيهم به شياطينهم ويلقنوهم إياه، وإن شئت فعلقه بقوله : وَقَالُواْ ءامَنَّا بِهِ  على أنه مثلهم في طلبهم تحصيل ما عطلوه من الإيمان في الدنيا بقولهم آمنا في الآخرة، وذلك مطلب مستبعد بمن يقذف شيئاً من مكان بعيد لا مجال للظن في لحوقه، حيث يريد أن يقع فيه لكونه غائباً عنه شاحطاً، والغيب : الشيء الغائب، ويجوز أن يكون الضمير للعذاب الشديد في قوله : بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيد  \[ سبأ : ٤٦ \] وكانوا يقولون : وما نحن بمعذبين، إن كان الأمر كما تصفون من قيام الساعة والعقاب والثواب، ونحن أكرم على الله من أن يعذّبنا، قائسين أمر الآخرة على أمر الدنيا ؛ فهذا كان قذفهم بالغيب، وهو غيب ومقذوف به من جهة بعيدة ؛ لأن دار الجزاء لا تنقاس على دار التكليف.

### الآية 34:54

> ﻿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ [34:54]

مَّا يَشْتَهُونَ  من نفع الإيمان يومئذ والنجاة به من النار والفوز بالجنة. أو من الردّ إلى الدنيا، كما حكى عنهم  ارْجِعْنَا نَعْمَلْ صالحا  \[ السجدة : ١٢ \].  بأشياعهم  بأشباههم من كفرة الأمم ومن كان مذهبه مذهبهم  مُرِيبٍ  إما من أرابه، إذا أوقعه في الريبة والتهمة. أو من أراب الرجل، إذا صار ذا ريبة ودخل فيها، وكلاهما مجاز ؛ إلاّ أنّ بينهما فريقاً وهو أن المريب من الأول منقول ممن يصحّ أن يكون مريباً من الأعيان إلى المعنى، والمريب من الثاني منقول من صاحب الشك إلى الشك، كما تقول : شعر شاعر.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/34.md)
- [كل تفاسير سورة سبأ
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/34.md)
- [ترجمات سورة سبأ
](https://quranpedia.net/translations/34.md)
- [صفحة الكتاب: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل](https://quranpedia.net/book/346.md)
- [المؤلف: الزمخشري](https://quranpedia.net/person/3927.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/34/book/346) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
