---
title: "تفسير سورة سبأ - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/34/book/350.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/34/book/350"
surah_id: "34"
book_id: "350"
book_name: "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز"
author: "ابن عطية"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة سبأ - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/34/book/350)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة سبأ - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية — https://quranpedia.net/surah/1/34/book/350*.

Tafsir of Surah سبأ from "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز" by ابن عطية.

### الآية 34:1

> الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [34:1]

**قوله عز وجل :**
الألف واللام في  الحمد  لاستغراق الجنس، أي  الحمد  على تنوعه هو  لله  تعالى من جميع جهات الفكرة، ثم جاء بالصفات التي تستوجب المحامد وهي ملكه جميع ما في السماوات والأرض، وعلمه المحيط بكل شيء وخبرته بالأشياء إذ وجودها إنما هو به جلت قدرته ورحمته بأنواع خلقه وغفرانه لمن سبق في علمه أن يغفر له من مؤمن[(١)](#foonote-١). 
وقوله تعالى : وله الحمد في الآخرة  يحتمل أن تكون الألف واللام للجنس أيضاً وتكون الآية خبراً، أي أن الحمد في الآخرة هو له وحده لإنعامه وإفضاله وتغمده وظهور قدرته وغير ذلك من صفاته، ويحتمل أن تكون الألف واللام فيه للعهد والإشارة إلى قوله تعالى : وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين [(٢)](#foonote-٢) \[ يونس : ١٠ \] أو إلى قوله  وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده [(٣)](#foonote-٣) \[ الزمر : ٧٤ \]. 
١ في بعض النسخ:"لمن سبق في علمه أن يغفر له في الآخرة"..
٢ من الآية(١٠) من سورة (يونس)..
٣ من الآية(٧٤) من سورة(الزمر)..

### الآية 34:2

> ﻿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۚ وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ [34:2]

و  يلج  معناه يدخل، ومنه قول شاعر :\[ الطويل \]
رأيت القوافي يتلجن موالجا. . . تضايق عنها أن تولجها الإبر[(١)](#foonote-١)
و  يعرج  معناه يصعد، وهذه الرتب حصرت كلما يصح علمه من شخص أو قول أو معنى، وقرأ أبو عبد الرحمن **«وما يُنَزّل من السماء »** بضم الياء وفتح النون وشد الزاي.

١ البيت لطرفة بن العبد، وهو آخر ثلاثة أبيات قالها فيحادثة رواها ابن الأعرابي، قال: كان لطرفة أخ اسمه معبد، وكان لهما إبل يرعيانها يوما ويوما، فلما أغبها طرفة-أي ترك سقيها- قال له أخوه: لم لا تستريح في إبلك؟ ترى أنها لو أخذت تردها بشعرك هذا؟ قال: فإني لا أخرج فيها أبدا حتى تعلم أن شعري سيردها إن أخذت، فتركها وأخذها أناس في مضر، فادعى جوار عمرو، وقابوس، ورجل من اليمن يقال له: بشر بن قيس، فأنشد في ذلك:
 أعمرو بن هند ما ترى رأي صرمة لها سبب ترعى به الماء والشجر؟
 وكان لها جاران، قابوس منهما وعمرو ولم أسترعها الشمس والقمر
 رأيت القوافي يتلجن موالجا تضيق عنها أن تولجها الإبر
 والبيت في(اللسان- ولج) غير منسوب، وفي(فرائد القلائد في شرح مختصر الشواهد) للعيني. والقوافي: جمع قافية، وأراد بها هنا القصائد؛ لأن القصيدة تشتمل على القافية، أو لأن القافية من أبرز خصائص القصيدة. و(يتلجن): يدخلن، وأصلها(يوتلجن)؛ لأنها من (ولج)، والموالج: جمع مولج، وهو موضع الولوج، والإبر: جمع إبرة، وهي آلة الخياطة، يقول طرفة: إن قصائد الشعر تبلغ من التأثير في النفوس مواضع بعيدة عميقة، لا تصل إليها أسنة الإبر إذا طعن بها المهجو، وكأنه يعني أن الإبر تصيب الأبدان، وأن القصائد تؤثر في النفوس، وجراحات النفوس أعمق وأبقى أثرا من جراحات الأبدان، "والقول ينفذ ما لا تنفذ الإبر"..

### الآية 34:3

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ۖ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ ۖ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [34:3]

روي أن قائل هذه المقالة هو أبو سفيان بن حرب، وقال اللات والعزى ما ثم ساعة تأتي ولا قيامة ولا حشر فأمر الله تعالى نبيه أن يقسم بربه مقابلة لقسم أبي سفيان قبل رداً وتكذيباً وإيجاباً لما نفاه وأجاز نافع الوقف على  بلى  وقرأ الجمهور **«لتأتينكم »** بالتاء من فوق، وحكى أبو حاتم قراءة **«ليأتينكم »** بالياء على المعنى في البعث. 
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بخلاف **«عالمِ »** بالخفض على البدل من  ربي ، وقرأ نافع وابن عامر **«عالمُ »** بالرفع على القطع، أي هو عالم، ويصح أن يكون **«عالم »** رفع بالابتداء وخبره  لا يعزب  وما بعده، ويكون الإخبار بأن العالم لا يعزب عنه شيء إشارة إلى أنه قد قدر وقتها وعلمه والوجه الأول أقرب، وقرأ حمزة والكسائي **«علامِ »** على المبالغة وبالخفض على البدل[(١)](#foonote-١) و  يعزب  معناه يغيب ويبعد، وبه فسر مجاهد وقتادة، وقرأ جمهور القراء **«لا يعزُب »** بضم الزاي، وقرأ الكسائي وابن وثاب **«لا يعزب »** بكسرها وهما لغتان، و  مثقال ذرة  معناه مقدار الذرة، وهذا في الأجرام بين وفي المعاني بالمقايسة وقرأ الجمهور **«ولا أصغرُ ولا أكبر »** عطفاً على قوله  مثقال  وقرأ نافع والأعمش وقتادة **«أصغرَ وأكبرَ »** بالنصب عطفاً على  ذرة  ورويت عن أبي عمرو[(٢)](#foonote-٢)، وفي قوله تعالى : إلا في كتاب مبين  ضمير تقديره إلا هو في كتاب مبين، والكتاب المبين هو اللوح المحفوظ.

١ وأجاز أبو البقاء أن تكون\[عالم\] صفة، قال أبو حيان:"ويعني أنعالم الغيب يجوز ان يتعرف، وكذا كل ما أضيف إلى معرفة مما كان لا يتعرف بذلك، يجوز أن يتعرف بالإضافة إلا الصفة المشبهة فلا تتعرف بإضافة، ذكر ذلك سيبويه في كتابه، وقل من يعرفه"..
٢ علق أبو حيان على ذلك بقوله:"ولا يتعين ما قال، بل تكون(لا) لنفي الجنس. وهو مبتدأ، أعني مجموع(لا) وما بني معها على مذهب سيبويه، والخبرإلا في كتاب مبين، وهو من عطف الجمل لا من عطف المفردات كما قال ابن عطية..

### الآية 34:4

> ﻿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [34:4]

واللام من قوله تعالى : ليجزي  يصح أن تكون متعلّقة، بقوله تعالى : لتأتينكم  ويصح أن تكون متعلقة بقوله  لا يعزب ، ويصح أن تكون متعلقة بما في قوله  إلا في كتاب مبين  من معنى الفعل لأن المعنى إلا أثبته في كتاب مبين، و **«المغفرة »** تغمد الذنوب، و **«الرزق الكريم »** الجنة.

### الآية 34:5

> ﻿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ [34:5]

والذين  معطوف على  الذين  الأول أي وليجزي الذي سعوا، و  معاجزين  معناه محاولين تعجيز قدرة الله فيهم، وقرأ الجحدري وابن كثير **«معجزين »**[(١)](#foonote-١) دون ألفٍ أي معجزين قدرة الله تعالى بزعمهم، وقال ابن الزبير : معناه مثبطين عن الإيمان من أراده مدخلين عليه العجز في نشاطه وهذا هو سعيهم في الآيات، ثم بين تعالى جزاء الساعين كما بين قبل جزاء المؤمنين، وقرأ عاصم في رواية حفص **«أليمٌ »** بالرفع على النعت للعذاب، وقرأ الباقون **«أليمٍ »** بالكسر على النعت، ل  رجز ، و **«الرجز »** العذاب السيىء جداً، وقرأ ابن محيصن **«من رُجز »** بضم الراء. 
١ لم يضبط المؤلف قراءة الجحدري وابن كثير وأبي عمرو، وقد ضبطناه بالتشديد اعتمادا على قول صاحب"البحر المحيط":"وقرأ الجمهور:\[عجزين\] مخففا، وابن كثير، وأبو عمرو، والجحدري، وأبو السماك مثقلا"..

### الآية 34:6

> ﻿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [34:6]

قال الطبري والثعلبي وغيرهما  ويرى  معطوف على ما قبله من الأفعال والظاهر أنه فعل مستأنف وأن الواو إنما عطفت جملة على جملة وكأن المعنى الإخبار بأن أهل العلم يرون الوحي المنزل على محمد حقاً وأنه يهدي إلى صراط الله، وقوله  الذي أنزل  مفعول ب  يرى ، و  الحق  مفعول ثان وهو عماد، و  الذين أوتوا العلم  قيل هم أسلم من أهل الكتاب. 
وقال قتادة هم أمة محمد المؤمنون به كان من كان،  ويهدي  معناه يرشد، و **«الصراط »** الطريق، وأراد طريق الشرع والدين،

### الآية 34:7

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [34:7]

ثم حكى عن الكفار مقالتهم التي قالوها على جهة التعجب والهزء، أي قالها بعضهم لبعض كما يقول الرجل لمن يريد أن يعجبه : هل أدلك على أضحوكة ونادرة فلما كان البعث عندهم من البعيد المحال جعلوا من يخبر به في حيز من يتعجب منه، والعامل في  إذا  فعل مضمر قبلها فيما قال بعض الناس تقديره **«ينبئكم بأنكم تبعثون إذا مزقتم »**، ويصح أن يكون العامل ما في قوله  إنكم لفي خلق جديد  من معنى الفعل لأن تقدير الكلام **«ينبئكم إنكم لفي خلق جديد إذا مزقتم »**، وقال الزجاج العامل في  إذا ،  مزقتم  وهو خطأ وإفساد للمعنى المقصود[(١)](#foonote-١)، ولا يجوز أن يكون العامل  ينبئكم  بوجه، و  مزقتم  معناه بالبلى وتقطع الأوصال في القبور وغيرها، وكسر الألف من  إنكم  لأن  ينبئكم  في معنى يقول لكم ولمكان اللام التي في الخبر، و  جديد  معناه مجدد.

### الآية 34:8

> ﻿أَفْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ ۗ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ [34:8]

وقولهم  افترى  هو من قول بعضهم لبعض، وهي ألف الاستفهام دخلت على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل وبقيت مفتوحة غير ممدودة، فكأن بعضهم استفهم بعضاً عن محمد أحال الفرية على الله هي حاله أم حال الجنون، لأن هذا القول إنما يصدر عن أحد هذين فأضرب القرآن عن قولهم وكذبه، فكأنه قال ليس الأمر كما قالوا  بل الذين لا يؤمنون بالآخرة  والإشارة بذلك إليهم،  في العذاب  يريد عذاب الآخرة لأنهم يصيرون إليه، ويحتمل أن يريد  في العذاب  في الدنيا بمكابدة الشرع ومكابرته ومحاولة إطفاء نور الله تعالى وهو يتم، فهذا كله عذاب وفي  الضلال البعيد  أي قربت الحيرة وتمكن التلف لأنه قد أتلف صاحبه عن الطريق الذي ضل عنه.

### الآية 34:9

> ﻿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ [34:9]

الضمير في  يروا  لهؤلاء  الذين لا يؤمنون بالآخرة  \[ سبأ : ٨ \] وقفهم الله تعالى على قدرته وخوفهم من إحاطتها بهم، المعنى أليس يرون أمامهم ووراءهم سمائي وأرضي لا سبيل لهم إلى فقد ذلك عن أبصارهم، ولا عدم إحاطته بهم، وقرأ الجمهور **«إن نشأ نخسف »** و **«نسقط »** بالنون في الثلاثة وقرأ حمزة والكسائي **«إن يشأ يخسف بهم أو يسقط »** بالياء في الثلاثة وهي قراءة ابن وثاب وابن مصرف والأعمش وعيسى واختارها أبو عبيد، و **«خسف الأرض »** هو إهواؤها بهم وتهورها وغرقهم فيها، و **«الكسف »** قيل هو مفرد اسم القطعة، وقيل هو جمع كسفه جمعها على حد تمرة وتمر ومشهور جمعها كسف كسدرة وسدر[(١)](#foonote-١). 
وأدغم الكسائي الفاء في الباء في قوله  نخسف بهم  قال أبو علي وذلك لا يجوز لأن الباء أضعف في الصوت من الفاء فلا تدغم فيها وإن كان الباء تدغم في الفاء كقوله اضرب فلاناً، وهذا كما تدغم الباء في الميم كقوله **«اضرب محمداً »** ولا تدغم الميم في الباء كقولك " اضمم بكراً "، لأن الباء انحطت عن الميم بفقد الغنة التي في الميم[(٢)](#foonote-٢). 
والإشارة بقوله تعالى في ذلك إلى إحاطة السماء بالمرء ومماسة الأرض له على كل حال، و **«المنيب »** الراجع التائب.

١ في (اللسان-كسف):"كسف السحاب وكسفه: قطعه"، وفيه:"وقال الزجاج: قرئ:أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا و\[كسفا\]، فمن قرأ:\[كسفا\] جعلها جمع كسفة، وهي القطعة، ومن قرأ:\[كسفا\] جعله واحدا"..
٢ وقال الزمخشري:"وقرأ الكسائي:نخسف بهم بالإدغام، وليست بقوية" ا هـ وعلق أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط على كلام أبي علي المذكور هنا، وعلى كلام الزمخشري فقال:"والقراءة سنة متبعة، ويوجد فيها الفصيح والأفصح، وكل ذلك من تيسيره تعالى القرآن للذكر، فلا التفات لقول أبي علي ولا الزمخشري"..

### الآية 34:10

> ﻿۞ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا ۖ يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ۖ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ [34:10]

ثم ذكر تعالى نعمته على داود وسليمان احتجاجاً على ما منح محمداً، أي لا تستبعدوا هذا فقد تفضلنا على عبدنا قديماً بكذا وكذا، فلما فرغ التمثيل لمحمد صلى الله عليه وسلم رجع التمثيل لهم بسبأ وما كان من هلاكهم بالفكر والعتو، والمعنى قلنا  يا جبال ، و  أوبي  معناه ارجعي معه لأنه مضاعف آب يؤوب، فقال ابن عباس وقتادة وابن زيد وغيرهم معناه سبحي معه أي يسبح هو وترجع هي معه التسبيح، أي ترده بالذكر ثم ضوعف الفعل للمبالغة، وقيل معناه سيري معه لأن التأويب سير النهار كان الإنسان يسير بالليل ثم يرجع السير بالنهار أي يردده فكأنه يؤوبه، فقيل له التأويب ومنه قول الشاعر :\[ البسيط \]
يومان يوم مقامات وأندية. . . ويوم سير إلى الأعداء تأويب[(١)](#foonote-١)
ومنه قول ابن أبي مقبل :\[ الطويل \]
لحقنا بحي أوبوا السير بعدما. . . دفعنا شعاع الشمس والطرف مجنح
وقال مروح  أوبي  سبحي بلغة الحبشة. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف غير معروف، وقال وهب بن منبه : المعنى نوحي معه والطير تسعدك على ذلك، قال فكان داود إذا نادى بالنياحة والحنين أجابته الجبال وعكفت الطير عليه من فوقه، قال فمن حينئذ سمع صدى الجبال، وقرأ الحسن وقتادة وابن أبي إسحاق **«أوبي »** بضم الهمزة وسكون الواو أي ارجعي معه أي في السير أو في التسبيح، وأمر الجبال كما تؤمر الواحدة المؤنثة لأن جمع ما لا يعقل كذلك يؤمر وكذلك يكنى عنه ويوصف ومنه المثل **«يا خيل الله اركبي »**[(٢)](#foonote-٢) ومنه  مآرب أخرى [(٣)](#foonote-٣) \[ طه : ١٨ \] وهذا كثير، وقرأ الأعرج وعاصم بخلاف وجماعة من أهل المدينة **«والطيرُ »** بالرفع عطفاً على لفظ قوله  يا جبال ، وقرأ نافع وابن كثير والحسن وابن أبي إسحاق وأبو جعفر **«والطيرَ »** بالنصب فقيل ذلك عطف على  فضلاً  وهو مذهب الكسائي، وقال سيبويه هو على موضع قوله  يا جبال  لأن موضع المنادى المفرد نصب، وقال أبو عمرو : نصبها بإضمار فعل تقديره وسخرنا الطير،  وألنا له الحديد  معناه جعلناه ليناً، وروى قتادة وغيره أن الحديد كان له كالشمع لا يحتاج في عمله إلى نار، وقيل أعطاه قوة يثني بها الحديد، وروي أنه لقي ملكاً وداود يظنه إنساناً وداود متنكر خرج ليسأل الناس عن نفسه في خفاء، فقال داود لذلك الشخص الذي تمثل فيه الملك ما قولك في هذا الملك داود ؟ فقال له الملك : نعم العبد لولا خلة فيه، قال داود وما هي ؟ قال : يرتزق من بيت المال ولو أكل من عمل يديه لتمت فضائله، فرجع فدعا الله تعالى في أن يعلمه صنعة ويسهلها عليه فعلمه تعالى صنعة لبوس وألان له الحديد، فكان فيما روي يصنع ما بين يومه وليلته درعاً تساوي ألف درهم حتى ادخر منها كثيراً وتوسعت معيشة منزله، وكان ينفق ثلث المال في مصالح المسلمين.

١ هذا البيت لسلامة بن جندل السعدي، وهو من فرسان العرب المعدودين، وكان من أحسن من وصف الخيل، والبيت من قصيدة له يأسف فيها على شبابه، ثم يفخر بجوده ويجود قبيلته، وبما أظهره من الشجاعة في الحرب، وقوله: يومان، أي: لبني سعد، ومقامات: جمع مقامة-بالضم- وهي الإقامة، أو-بالفتح- وهي المجلس، والأندية: الأفنية، والندي والنادي سواء، وهو ما حول الدار وإن لم يكن مجلسا، يريد بالمقامات والأندية مواقف الخطابة ونحوها، والتأويب: سير اليوم كله إلى الليل، يقال: أوّب القوم تأويبا، أي: ساروا النهار كله. والبيت في (مجاز القرآن) لأبي عبيدة، وفي (الللسان-أوب)، وعلق عليه بقوله: والتأويب سير النهار كله إلى الليل، والقصيدة التي لا بد منها هذا البيت رقمها(٢٢) في المفضليات، ومطلعها:
 أودى الشباب حميدا ذو التعاجيب أودى وذلك شأو غير مطلوب.
٢ قال ابن الأثير في كتابه(النهاية في غريب الحديث والأثر-خيل):"وفي الحديث(يا خيل الله اركبي)، وهذا على حذف مضاف، وأراد: يا فرسان خيل الله اركبي، وهذا من أحسن المجازات وألطفها"..
٣ من الآية(١٨) من سورة(طه)، وهي قوله تعالى:قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى..

### الآية 34:11

> ﻿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ ۖ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [34:11]

وقوله تعالى : أن اعمل  قيل إن  أن  مفسرة لا موضع لها من الإعراب[(١)](#foonote-١)، قيل هي في موضع نصب بإسقاط حرف الجر، و **«السابغات »** الدروع الكاسيات ذوات الفضول، قال قتادة داود عليه السلام أول من صنعها، ودرع الحديد مؤنث ودرع المرأة مذكر، وقوله تعالى : وقدر في السرد  اختلف المتأولون في أي شيء هو التقدير من أشياء السرد، إذ السرد هو اتباع الشيء بالشيء من جنسه، قال الشماخ :
**«كما تابعت سرد العنان الخوارز »**[(٢)](#foonote-٢)
ومنه سرد الحديث[(٣)](#foonote-٣)، وقيل للدرع مسرودة لأنها توبعت فيها الحلق بالحلق ومنه قول الشاعر \[ القرطبي \] :\[ الكامل \]
وعليهما مسرودتان قضاهما. . . داود أو صَنَعُ السوابغ تبع[(٤)](#foonote-٤)
ومنه قول دريد
بالفارسي المسرد[(٥)](#foonote-٥). 
فقال ابن زيد : التقدير الذي أمر به هو في قدر الحلقة أي لا تعملها صغيرة فتضعف ولا تقوى الدرع على الدفاع ولا تعملها كبيرة فينال لاسبها من خلالها، وقال ابن عباس التقدير الذي أمر به هو المسمار يريد ثقبه حين يشد نتيرها، وذكر البخاري في مصنفه ذلك فقال : المعنى لا تدق المسمار فيسلسل، ويروى فيتسلسل، ولا تغلظه فيقصم بالقاف، وبالفاء أيضاً رواية، وروى قتادة أن الدروع كانت قبله صفائح فكانت ثقالاً، فلذلك أمر هو بالتقدير فيما يجمع بين الخفة والحصانة، أي قدر ما يأخذ هذين المعنيين بقسطه، أي لا تقصد الحصانة فتثقل ولا الخفة وحدها فتزيل المنعة، وقوله تعالى : واعملوا صالحاً  لما كان الأمر لداود وآله حكى وإن كانوا لم يجر لهم ذكر لدلالة المعنى عليهم، ثم توعدهم تعالى بقوله : إني بما تعملون بصير  أي لا يخفى علي حسنه من قبيحة وبحسب ذلك يكون جزائي لكم.

١ هذا قول الحوفي، ذكر ذلك أبو حيان في البحر المحيط، ثم عقب عليه بقوله:"ولا يصح؛ لأن من شرطها أن يتقدمها معنى القول، وليس في الكلام هذا، وقدر بعضهم قبلها فعلا محذوفا يحمل معنى القول حتى يصح أن تكون مفسرة، وتقديره: وأمرناه أن اعمل، ولا ضرورة تدعو إلى هذا المحذوف". ا هـ بتصرف..
٢ هذا عجز بيت، وهو بتمامه كما في (جمهرة أشعار العرب):
 ركبن الذنابى فاتبعن به الهوى كما تابعت سرد العنان الخوارز
 وقيل: بل الشطر الأول هو:(فظلت تباعا خيلنا في بيوتكم)، وهذه رواية القرطبي في تفسيره، وفي الديوان روى الشطر الأول هكذا(شككن بأحشاء الذنابى على هدى).
 هذا والشماخ لقب للشاعر، واسمه معقل ابن ضرار، وهو أرجز الناس على بديهة، والبيت من قصيدة له قال عنها الأصمعي:"ما قيلت قصيدة على الزاي أجود من قصيدة الشماخ في وصف القوس، ولو طالت قصيدة المتنخل كانت أجود". وهو يقصد أبياتا قالها المتنخل أيضا على الزاي، ومعنى(ركبن الذنابى): فررن، واتبعن به الهوى: أي هوى الحمار الوحشي، والخوارز: جمع خارز، من قولهم: خرز الجلد، أي ثقبه بالمخرز وخاطه، والشاهد أن السرد هو: إتباع الشيء بالشيء من جنسه كما قال المؤلف، وقد روي البيت في الجمهرة:(كما تابعت شد العنان)، وعلى هذا فلا شاهد فيه..
٣ في ( اللسان-سرد):"سرد الحديث ونحوه سردا: إذا تابعه، وفي صفة كلامه صلى الله عليه وسلم:(لم يكن يسرد الحديث سردا) أي: يتابعه ويستعجل فيه..
٤ البيت لأبي ذؤيب الهذلي، وهو من قصيدته المشهورة التي يقول في مطلعها:
 أمن المنون وريبها تتوجع والدهر ليس بمعتب من يجزع
 ورواية الديوان في (أشعار الهذليين):(وعليهما ماذيتان)، وفي رواية الأصمعي (وتعاورا مسرودتين)، والسرد: الخرز في الأديم، والمسرد: ما يخرز به، ويقال للدرع: مسرودة لأنها مخروزة ومنظومة. وقضاهما: فرغ من عملهما، والصنع: الحاذق بالعمل، والمراد به هنا تبع، يقال: رجل صنع وامرأة صَنَاع، قال الأصمعي: سمع الشاعر بأن دواود عليه السلام كان سخر له الحديد فكان يصنع منه ما أراد، وسمع بأن تبعا عملها فقال: عملها، والحقيقة أنه أمر بالسوابغ أن تعمل، وتبع أعظم من أن يصنع بيده..
٥ هذا جزء من بيت قاله دريد بن الصمة من قصيدة طويلة يرثي بها أخاه رثاء إنسانيا عميقا، والبيت بتمامه مع بيت قبله:
 وقلت لعراض وأصحاب عارض ورهط بني السوداء والقومشهدي
 علانية: ظنوا بألفي مدجج سراتهم في الفارسي المسرد وعارض هو أخو دريد، والقوم شهدي: شهودي على ما قلته، وعلانية: جهرا امام الجميع، وظنوا: أيقنوا، والمدجج: التام السلاح، وسراتهم: أشرافهم ورؤساؤهم، والفارسي: درع من بلاد فارس، والمسرد: المحكم النسج أو الدقيق الصنع المتتابع الحلقات. والمعنى: لقد نصحت عارضا وأصحابه وجماعة من بني السوداء، ونهيتهم في مشهد من القوم، وكان حديثي لهم علانية وجهرا، وقلت لهم: إن ألفي مقاتل يتربصون بكم، وأشرافهم مدججون ومحصنون بالدروع الفارسية المحكمة الصنع. ثم يصرخ بعد هذين البيتين ببيته الرائع الذي جرى بعد ذلك مجرى الأمثال:
 أمرتهم أمري بمنعرج اللوى فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد.

### الآية 34:12

> ﻿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ۖ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ۖ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ [34:12]

قال الحسن : عقر سليمان الخيل أسفاً على ما فوتته من فضل وقت صلاة العصر فأبدله الله تعالى خيراً منها وأسرع الريح تجري بأمره[(١)](#foonote-١)، وقرأ جمهور القراء **«الريحَ »** بالنصب على معنى ولسليمان سخرنا الريح، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر والأعرج **«الريحُ »** بالرفع على تقديره تسخرت الريح أو على الابتداء والخبر في المجرور، وذلك على حذف مضاف تقديره ولسليمان تسخير الريح، وقرأ الحسن **«ولسليمان تسخير الرياح »** وكذلك جمع في كل القرآن، وقوله تعالى : غدوها شهر ورواحها شهر  قال قتادة معناه أنها كانت تقطع به في الغدو إلى قرب الزوال مسيرة وتقطع به في الرواح من بعد الزوال إلى الغروب مسيرة شهر، فروي عن الحسن البصري أنه قال كان يخرج من الشام من مستقره بتدمر التي بنتها له الجن بالصفاح والعمد فَيقيل في اصطخر ويروح منها فيبيت في كابل من أرض خراسان ونحو هذا، وكانت الأعصار تقل بساطه وتحمله بعد ذلك الرخاء، وكان هذا البساط من خشب يحمل فيما روي أربعة آلاف فارس وما يشبهها من الرجال والعدد ويتسع بهم، وروي أكثر من هذا بكثير ولكن عدم صحته مع بعد شبهه أوجب اختصاره. 
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«خير الجيوش أربعة آلاف »**[(٢)](#foonote-٢) وما كان سليمان ليعدو الخير، وقرأ ابن أبي عبلة **«غدوتها شهر وروحتها شهر »**[(٣)](#foonote-٣) وكان إذا أراد قوماً لم يشعروا به حتى يظلمهم في جو السماء، وقوله تعالى : وأسلنا له عين القطر ، روي عن ابن عباس وقتادة أنه كانت تسيل له باليمن عين جارية من نحاس يصنع له منها جميع ما أحب، و  القطر  : النحاس، وقالت فرقة  القطر  الفلز كله النحاس والحديد وما جرى مجراه، كان يسيل له منه عيون، وقالت فرقة بل معنى  أسلنا له عين القطر  أذبنا له النحاس عن نحو ما كان الحديد يلين لداود، قالوا وكانت الأعمال تتأتى منه لسليمان وهو بارد دون نار، و  عين  على هذا التأويل بمعنى الذات، وقالوا لم يلن النحاس ولاذاب لأحد قبله، وقوله  من يعمل  يحتمل أن  من  تكون في موضع نصب على الاتباع لما تقدم بإضمار فعل تقديره وسخرنا من الجن من يعمل، ويحتمل أن تكون في موضع رفع على الابتداء والخبر في المجرور، و  يزغ  معناه يمل أي ينحرف عاصياً، وقال  عن أمرنا  يقل عن إرادتنا لأنه لا يقع في العالم شيء يخالف الإرادة، ويقع ما يخالف الأمر، قال الضحاك وفي مصحف عبد الله **«ومن يزغ عن أمرنا »** بغير  منهم ، وقوله تعالى : من عذاب السعير  قيل عذاب الآخرة، وقيل بل كان قد وكل بهم ملك وبيده سوط من نار السعير، فمن عصى ضربه فأحرقه به.

١ في بعض النسخ "الريح يأمره"..
٢ أخرجه أبو داود في الجهاد، وكذلك ابن ماجه، وأخرجه الدارمي في السير، ولفظه كما في سنن الدارمي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(خير الأصحاب أربعة، وخير الجيوش أربعة آلاف، وخير السريا أربعمائة، وما بلغ اثنا عشر ألفا فصبروا وصدقوا فغلبوا من قلة)..
٣ على وزن(فعلة)، وهي المرة الواحدة من(غدا) و(راح)..

### الآية 34:13

> ﻿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ ۚ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [34:13]

**«المحاريب »** الأبنية العالية الشريفة، قال قتادة القصور والمساجد، وقال ابن زيد المساكن، والمحراب أشرف موضع في البيت، والمحراب موضع العبادة أشرف ما يكون منه، وغلب عرف الاستعمال في موضع وقوف الإمام لشرفه ومن هذه اللفظة قول عدي بن زيد :\[ الخفيف \]
كدمى العاج في المحاريب أو كال. . . بيض في الروض زهره مستنير[(١)](#foonote-١)
**«والتماثيل »** قيل كانت من زجاج ونحاس، تماثيل أشياء ليست بحيوان، وقال الضحاك كانت تماثيل حيوان، وكان هذا من الجائز في ذلك الشرع. 
قال القاضي أبو محمد : ونسخ بشرع محمد صلى الله عليه وسلم، وقال قوم : حرم التصوير لأن الصور كانت تعبد، وحكى مكي في الهداية أن فرقة كانت تجوز التصوير وتحتج بهذه الآية وذلك خطأ، وما أحفظ من أئمة العلم من يجوزه، و ******«الجوابي »****** جمع جابية وهي البركة التي يجبى إليها الماء الذي يجمع قال الراجز :\[ الرجز \]
فصحبت جابية صهارجا. . . كأنه جلد السماء خارجا[(٢)](#foonote-٢)
وقال مجاهد :******«الجوابي »****** جمع جوبة[(٣)](#foonote-٣) وهي الحفرة العظيمة في الأرض. 
قال الفقيه الإمام القاضي : ومنه قول الأعشى :\[ الطويل \]
نفى الذم عن آل المحلق جفنة. . . كجابية الشيخ العراقيّ تفهق[(٤)](#foonote-٤)
وأنشده الطبري : تروح على آل المحلق، ويروى السيح بالسين غير نقط، وبالحاء غير نقط أيضاً، وهو الماء الجاري على وجه الأرض، ويروى الشين والخاء منقوطين، فيقال أراد كسرى ويقال أراد شيخاً من فلاحي سواد العراق غير معين وذلك أنه لضعفه يدخر الماء في جابيته، فهي تفهق أبداً فشبهت الجفنة بها لعظمها، قال مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد ******«الجوابي »****** الحياض، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي **«كالجواب »** بغير ياء في الوصل والوقف، وقرأ أبو عمرو وعيسى بغير ياء في الوقف وياء في الوصل، وقرأ ابن كثير بياء فيهما، ووجه حذف الياء التخفيف والإيجاز، وهذا كحذفهم ذلك من القاض والغاز والهاد، وأيضاً فلما كانت الألف واللام تعاقب التنوين وكانت الياء تحذف مع التنوين وجب أن تحذف مع ما عاقبه كما يعملون للشيء أبداً عمل نقيضه، و  راسيات  معناه ثابتات لكبرها ليست مما ينقل ولا يحمل. ولا يستطيع على عمله إلا الجن وبالثبوت فسرها الناس، ثم أمروا مع هذه النعم بأن يعملوا بالطاعات، وقوله تعالى : شكراً  يحتمل أن يكون نصبه على الحال، أي اعملوا بالطاعات في حال شكر منكم لله على هذه النعم، ويحتمل أن يكون نصبه على جهة المفعول، أي اعملوا عملاً هو الشكر كأن الصلاة والصيام والعبادات كلها هي نفسها الشكر إذ سدت مسده، وفي الحديث إن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فتلا هذه الآية ثم قال :
**«ثلاث من أوتيهن فقد أوتي العمل شكراً العدل في الغضب والرضى والقصد في الفقر والغنى وخشية الله في السر والعلانية »**[(٥)](#foonote-٥)، وروي أن داود عليه السلام قال يا رب كيف أطيق شكرك على نعمك وإلهامي وقدرتي على شكرك نعمة لك، فقال : يا داود الآن عرفتني حق معرفتي، وقال ثابت[(٦)](#foonote-٦) : روي أن مصلى داود لم يخل قط من قائم يصلي ليلاً ونهاراً كانوا يتناوبونه دائماً، وكان سليمان عليه السلام فيما روي يأكل خبز الشعير وطعم أهله الخشكار[(٧)](#foonote-٧) ويطعم المساكين الدرمك[(٨)](#foonote-٨)، وروي أنه ما شبع قط فقيل له في ذلك فقال : أخاف أن أنسى الجياع، وقوله تعالى : وقليل من عبادي الشكور  يحتمل أن تكون مخاطبة لآل داود، ويحتمل أن تكون مخاطبة لآل محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى كل وجه ففيها تنبيه وتحريض، وسع عمر بن الخطاب رجلاً يقول : اللهم اجعلني من القليل، فقال له عمر : ما هذا الدعاء ؟ فقال الرجل : أردت قوله عز وجل : وقليل من عبادي الشكور ، فقال عمر رحمه الله : كل الناس أعلم من عمر. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وقد قال تعالى  وقليل ما هم [(٩)](#foonote-٩) \[ ص : ٢٤ \]، والقلة أيضاً بمعنى الخمور منحة من الله تبارك وتعالى[(١٠)](#foonote-١٠)، فلهذا الدعاء محاسن. 
١ هذا ابيت من قصيدة قالها عدي وهو في السجن، وتحدث فيها عن صروف الدهر، لكنه استهلها بوصف السحاب وما فيه من رعد وبرق ومطر، وشبه الغيوم البيض بالدمى العاجية، أو بالحسان اللواتي يرتدين الشفوف والحرير، ويتضمخن بطيب الحياة الناعمة. وإذا كان وصف المطر والغيوم من الصور التقليدية في الشعر العربي إلا أن الشاعر قد غير في بيئة التشبيه، وظهرت عنده معالم جديدة للحضارة، وكثرت فيها الحلي والأصباغ، وهذا يكشف عن رؤية جديدة للشاعر تتمثل فيها الأشياء، والشاهد هنا أن المحاريب استعملت بمعنى المعابد..
٢ البيتان من مشطور الرجز، وهما غير منسوبان، والبيت الأول في (اللسان-صهرج)، استشهد به على أن(صهرج) بمعنى(طلا)، قال:"وصهرج الحوض: طلاه، وحوض صهارج: مطلي بالصاروج، والصهارج-بالضم- مثل الصهريج، وأنشد الأزهري: "فصبحت جابية صهارجا"، يقول: إن الجابية مطلية بالصاروج، أو تشبه المطلية به، وفي البيت الثاني يشبه لونها بلون السماء في الزرقة. والشاهد هنا أن الجابية هي الحوض الكبير الذي يجمع فيه الماء..
٣ في اللسان:(قال ابن الأنباري:"هو جمع جبية"، وقال: والجِبوة والجُبوة والجِبى والجَبا والجَباوة: ما جمعت من الماء في الحوض)..
٤ رواية الديوان كرواية ابن عطية هنا، ورواية اللسان مثل رواية الطبري التي أشار إليها ابن عطية، والبيت من قصيدة للأعشى يمدح فيها المحلق بن خيثم بن شداد بن ربيعة، والجفنة: القصعة الكبيرة، والجابية: الحوض الضخم أو الحفرة العظيمة التي جمع فيها الماء، وتفهق: تفيض، وقد خص الشيخ العراقي لجهله بالمياه لأنه حضري، فإذا وجدها ملأ جابيته وأعدها، ولم يدر متى يجد المياه، وأما البدوي فهو عالم بالمياه فهو لا يبالي ألا يعدها. قال ذلك صاحب اللسان، وذكره أيضا المبرد في كتابه(الكامل)، وعلل الرواية الثانية أيضا وهي بالسين والحاء المهملتين، قال أبو العباس: وسمعت أعرابية تنشد(وهي رواية أهل الكوفة، والأعرابية هي أم الهيثم الكلابية من ولد المحلق):"كجابية السيح" تريد النهر الذي يجري على جابيته، فماؤها لا ينقطع؛ لأن النهر يمده..
٥ أخرجه الحاكم عن أبي هريرة(الجامع الصغير)..
٦ هو ثابت بن أسلم البناني-بضم الباء وتخفيف النونين- أبو محمد البصري، ثقة، عابد، من الرابعة، مات سنة بضع وعشرين وله ست وثمانون.(تقريب التهذيب)..
٧ الخشكار: الخبز الأسمر غير النقي،(فارسي). عن المعجم الوسيط..
٨ الدرمك: دقيق الحوارى، وهو الدقيق الأبيض..
٩ من الآية(٢٤) ن سورة (ص)..
١٠ لعله يريد البعد عن الكبرياء والاغترار بالمظاهر..

### الآية 34:14

> ﻿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ [34:14]

الضمير في  عليه  عائد على سليمان، و  قضينا  بمعنى أنفذنا وأخرجناه إلى حيز الوجود وإلا فالقضاء الآخر به متقدم في الأزل، وروي عن ابن عباس وابن مسعود في قصص هذه الآية أن سليمان عليه السلام كان يتعبد في بيت المقدس وكان ينبت في محرابه كل سنة شجرة فكان يسألها عن منافعها ومضارها وسائر شأنها فتخبره فيأمر بها فتقلع فتصرف في منافعها وتغرس لتتناسل، فلما كان عند موته خرجت شجرة فقال لها ما أنت ؟ فقالت : أنا الخروب خرجت لخراب ملكك هذا، فقال سليمان عليه السلام : ما كان الله ليخربه وأنا حي ولكنه لا شك حضور أجلي فاستعد عليه السلام وغرسها وصنع منها عصا لنفسه وجد في عبادته، وجاءه بعد ذلك ملك الموت فأخبره أنه قد أمر بقبض روحه وأنه لم يبق له إلا مدة يسيرة، فروي أنه أمر الجن حينئذ فصنعت له قبة من رخام تشف وجعل فيها يتعبد ولم يجعل لها باباً، وتوكأ على عصاه على موضع يتماسك معه وإن مات، ثم توفي صلى الله عليه وسلم على تلك الحالة، وروي أنه استعد في تلك القبة بزاد سنة وكان الجن يتوهمون أنه يتغذى بالليل وكانوا لا يقربون من القبة ولا يدخلون من كوة كانت في أعاليها، ومن رام ذلك منهم احترق قبل الوصول إليها، هذا في المدة التي كان سليمان عليه السلام حياً في القبة، فلما مات بقيت تلك الهيبة على الجن، وروي أن القبة كان لها باب وأن سليمان أوصى بعض أهله بكتمان موته على الجن والإنس وأن يترك على حاله تلك سنة، وكان غرضه في هذه السنة أن تعمل الجن عملاً كان قد بدىء في زمن داود قدر أنه بقي منه عمل سنة، فأحب الفراغ منه، فلما مضى لموته سنة، خر عن عصاه والعصا قد أكلته الأرض، وهي الدودة التي تأكل العود، فرأت الجن انحداره، فتوهمت موته فجاء جسور منهم فقرب فلم يحترق، ثم خطر فعاد ثم قرب أكثر ثم قرب حتى دخل من بعض تلك الكوى فوجد سليمان ميتاً، فأخبر بموته، فنظر ذلك الأكل فقدر أنه منذ سنة، وقال بعض الناس : جعلت الأرضة فأكلت يوماً وليلة ثم قيس ذلك بأكلها في العصا فعلم أنها أكلتها منذ سنة فهكذا كانت دلالة  دابة الأرض  على موته، وللمفسرين في هذه القصص إكثار عمدته ما ذكرته، وقال كثير من المفسرين  دابة الأرض  هي سوسة العود وهي الأرضة، وقرأ ابن عباس والعباس بن المفضل **«الأرض »** بفتح الراء جمع أرضة فهذا يقوي ذلك التأويل، وقالت فرقة  دابة الأرض  حيوان من الأرض شأنه أن يأكل العود، وذلك موجود وليس السوسة من دواب الأرض، وقالت فرقة منها أبو حاتم اللغوي  الأرض  هنا مصدر أرضت الأثواب والخشبة إذا أكلتها الأرضة، فكأنه قال دابة الأكل الذي هو بتلك الصورة على جهة التسوس، وفي مصحف عبد الله **«الأرض أكلت منسأته »**، والمنسأة العصا ومنه قول الشاعر :\[ البسيط \]
إذا دببت على المنساة من هرم. . . فقد تباعد عنك اللهو والغزل[(١)](#foonote-١)
وقرأ جماعة من القراء **«منساته »** بغير همز منها أبو عمرو ونافع، قال أبو عمرو لا أعرف لها اشتقاقاً فأنا لا أهمزها لأنها إن كانت مما يهمز فقد يجوز لي ترك الهمز فيما يهمز، وإن كانت مما لا يهمز فقد احتطت لأنه لا يجوز لي همز ما لا يهمز، وقال غيره أصلها الهمز وهي **«المنسأة »** مفتوحة من نسأت الإبل والغنم والناقة إذا سقتها ومنه قول طرفة :\[ الطويل \]
أمون كعيدان الاران نسأتها. . . على لاحب كأنه ظهر برجد[(٢)](#foonote-٢)
ويروى **«وعنس »** كألواح وخففت همزتها جملة، وكان القياس أن تخفف بين بين، وقرأ باقي السبعة **«منسأته »** على الأصل بالهمز، وقرأ حمزة **«مَنساته »** بفتح الميم وبغير همز، وقرأت فرقة **«مسنأْته »** بهمزة ساكنة وهذا لا وجه له إلا التخفيف في تسكين المتحرك لغير علة كما قال امرؤ القيس :\[ السريع \]
فاليوم أشرب غير مستحقب. . . إثماً من الله ولا واغلِ[(٣)](#foonote-٣)
وقرأت فرقة **«من ساتِه »** بفصل **«من »** وكسر التاء وهذه تنحو إلى سية القوس لأنه يقال سية وساة، فكأنه قال **«من ساته »** ثم سكن الهمزة ومعناها من طرف عصاه أنزل العصا منزلة القوس، وقال بعض الناس : إن سليمان عليه السلام لم يمت إلا في سفر مضطجعاً ولكنه كان في بيت مبني عليه وأكلت الأرضية عتبة الباب حتى خر البيت فعلم موته. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وهذا ضعيف وقرأ الجمهور **«تبينت الجنُّ »** بإسناد الفعل إليها أي بان أمرها كأنه قال افتضحت الجن أي للإنس، هذا تأويل، ويحتمل أن يكون قوله  تبينت الجن  بمعنى علمت الجن وتحققت، ويريد  الجن  جمهورهم والفعلة منهم والخدمة ويريد بالضمير في  كانوا  رؤساءهم وكبارهم لأنهم هم الذين يدعون علم الغيب لأتباعهم من الجن والإنس ويوهمونهم ذلك، قاله قتادة، فيتيقن الأتباع أن الرؤساء  لو كانوا  عالمين الغيب  ما لبثوا  و  أن  على التأويل الأول بدل من  الجن  وعلى التأويل الثاني مفعولة محضة، وقرأ يعقوب **«تُبينت الجن »** على بناء الفعل للمفعول أي تبينتها الناس، و  أن  على هذه القراءة بدل، ويجوز أن تكون في موضع نصب بإسقاط حرف الجر أي **«بأن »** على هذه القراءة وعلى التأويل الأول من القراءة الأولى. 
قال الفقيه الإمام القاضي : مذهب سيبويه أن  أن  في هذه الآية لا موضع لها من الإعراب وإنما هي مؤذنة بجواب ما تنزل منزلة القسم من الفعل الذي معناه التحقق واليقين، لأن هذه الأفعال التي تبينت وتحققت وعلمت وتيقنت ونحوها تحل محل القسم في قولك : علمت أن لو قام زيد ما قام عمرو، فكأنك قلت والله لو قام زيد ما قام عمرو، فقوله  ما لبثوا  على هذا القول جواب ما تنزل منزلة القسم لا جواب  لو  وعلى الأقوال الأول جواب  لو  وفي كتاب النحاس إشارة إلى أنه يقرأ **«تبينت الجن »** أي تبينت الإنس الجن، و  العذاب المهين  هو العمل في تلك السخرة، والمعنى أن الجن لو كانت تعلم الغيب لما خفي عليها موت سليمان، وقد ظهر أنه خفي عليها بدوامها في الخدمة الصعبة وهو ميت، ف  المهين  المذل من الهوان، قال الطبري وفي بعض القراءات **«فلما خر تبينت الإنس أن الجن لو كانوا »** وحكاها أبو الفتح عن ابن عباس والضحاك وعلي بن الحسين وذكر أبو حاتم أنها كذلك في مصحف ابن مسعود. قال القاضي أبو محمد : وكثر المفسرون في قصص هذه الآية بما لا صحة له ولا تقتضيه ألفاظ القرآن ( وفي معانيه بعد فاختصرته لذلك ).

١ البيت في (اللسان-نسأ) وفي(التاج-نسأ)، أما صاحب اللسان فقد استشهد به-نقلا عن الجوهري- على أن المنسأة هي العصا، قال:"وأصله الهمز، وقد ذكر"، وأما صاحب التاج فقد استشهد به على ان يكون بغير همز، والرواية فيهما"دببت"، والبيت من شواهد أبي عبيدة في(مجاز القرآن)، والرواية فيه"حبيت"، قال:تأكل منسأته وهي العصا، وأصلها من: نسات بها الغنم، وهو من المهموز الذي تركت اعرب الهمزة من أسمائها، ويهمزون الفعل منها، كما تركوا همزة النبي، والبرية، والخابية، وهو من : أنبأت، ومن: برأت، ومن: خبأت..
٢ البيت من معلقة طرفة، ذكره في وصفه للناقة، ورواية الديوان:"أمون كألواح الأران"، والأمون: التي يؤمن عثارها، والأران: التابوت العظيم، ونساتها: سقيتها، ورواية الديوان(نصأتها) بالصاد بمعنى: زجرتها-وعلى هذا فلا شاهد في البيت-، واللاحب: الطريق الواضح، والبرجد: الكساء المخطط. يقول: هذه الناقة الموثقة الخلق يؤمن عثارها في أثناء العدو، وعظامها ضخمة قوية كأنها ألواح التابوت العظيم، وقد سقتها على طريق واضح كأنه كساء مخطط في عرضه، والبيت يقدم كثيرا من الوصف والحديث عن الناقة، فهي ناقة قوية، مأمونة في سيرها من العثار، وهذا هو السبب فيما سبق أن ذكره من أنه يمضي همه بها، وعظامها كبيرة متينة تشبه ألواح التوابيت الضخمة التي يوضع فيها الموتى، ثم إنه يسوقها أو يزجرها بعصاه، والطريق الذي تسير فيه واضح مخطط، ومع هذا الحشد الكثير من الأوصاف والمعلومات فإن التراكيب اللغوية دقيقة سهلة ليس فيها تكلف ولا تقديم أو تأخير..
٣ البيت من قصيدة قالها امرؤ القيس بعد ظفره ببني أسد، وقبله يقول:
 حلت لي الخمر وكنت امرءا عند شربها في شغل شاغل 
 والمستحقب: المكتسب للإثم الحامل له، والواغل: الذي يدخل على القوم وهم يشربون من غير أن يدعى، ورواية الديوان:"فاليوم أسقى" بدلا من "أشرب"، يقول: إنه بعد انتصاره على أعدائه بني أسد حلت له الخمر التي كان مشغولا عنها بطلب الثأر لأبيه، فهو اليوم يشرب ما يريد. والشاهد أنه سكن المتحرك لغير علة عندما سكّن الباء من( أشرب) دون سبب إلا مجرد التخفيف وضرورة الشعر، قال الأعلم: وذلك في حال الرفع والوصل. وقد اعترض المبرد على سيبويه وقال: إنما الرواية: فاليوم فاشرب، وعلى هذا فلا شاهد فيه..

### الآية 34:15

> ﻿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ [34:15]

هذا مثل لقريش بقوم أنعم الله عليهم وأرسل إليهم الرسل فكفروا وعصوا، فانتقم الله منهم، أي فأنتم أيها القوم مثلهم و  سبأ  هنا أراد به القبيل، واختلف لم سمي القبيل بذلك، فقالت فرقة هو اسم لامرأة كانت أماً للقبيل، وقال الحسن بن أبي الحسن في كتاب الرماني هو اسم موضع فسمي القبيل به وقال الجمهور هو اسم رجل هو أبو القبيل كله قيل هو ابن يشجب بن يعرب، وروي في هذا القول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله فروة بن مسيك[(١)](#foonote-١) عن  سبأ  فقال : هو اسم رجل منه تناسلت قبائل اليمن[(٢)](#foonote-٢). 
وقرأ نافع وعاصم وأبو جعفر وشيبة والأعرج **«لسبإ »** بهمزة منونة مكسورة على معنى الحي، وقرأ أبو عمرو والحسن **«لسبأ »** بهمزة مفتوحة غير مصروف على معنى القبيلة، وقرأ جمهور القراء **«في مساكنهم »** لأن كل أحد له مسكن، وقرأ الكسائي وحده **«في مسكِنهم »** بكسر الكاف أي في موضع سكناهم وهي قراءة الأعمش وعلقمة، قال أبو علي والفتح حسن أيضاً لكن هذا كما قالوا مسجد وإن كان سيبويه يرى هذا اسم البيت وليس موضع السجود. قال هي لغة الناس اليوم، والفتح هي لغة الحجاز وهي اليوم قليلة، وقرأ حمزة وحفص **«مسكَنهم »** بفتح الكاف على المصدر وهو اسم جنس يراد به الجمع، وهي قراءة إبراهيم النخعي وهذا الإفراد هو كما قال الشاعر :\[ الوافر \]
كلوا في بعض بطنكم تعفوا. . . 
وكما قال الآخر :\[ البسيط \]
قد عض أعناقهم جلد الجواميس[(٣)](#foonote-٣). . . 
و آية  معناها عبرة وعلامة على فضل الله وقدرته، و  جنتان  ابتداء وخبره في قوله عن  يمين وشمال [(٤)](#foonote-٤) أو خبر ابتداء تقديره هي جنتان، وهي جملة بمعنى هذه حالهم والبدل من  آية  ضعيف، وقد قاله مكي وغيره، وقرأ ابن أبي عبلة **«آية جنتين »** بالنصب، وروي أنه كان في ناحية اليمن واد عظيم بين جبلين وكانت جنتا الوادي منبت فواكه وزروع وكان قد بني في رأس الوادي عند أول الجبلين جسر عظيم من حجارة من الجبل إلى الجبل فارتدع الماء فيه وصار بحيرة عظيمة، وأخذ الماء من جنبتيها فمشى مرتفعاً يسقي جنات جنتي الوادي، قيل بنته بلقيس، وقيل بناه حمير أبو القبائل اليمينة كلها، وكانوا بهذه الحال في أرغد نعم، وكانت لهم بعد ذلك قرى ظاهرة متصلة من اليمن إلى الشام، وكانوا أرباب تلك البلاد في ذلك الزمان، وقوله  كلوا  فيه حذف كأنه قال قيل لهم كلوا، و  طيبة  معناه كريمة التربة حسنة الهواء رغدة من النعم سليمة من الهوام والمضار هذه عبارات المفسرين، وكان ذلك الوادي فيما روي عن عبد الرحمن بن عوف لا يدخله برغوث لا قملة ولا بعوضة ولا عقرب ولا شيء من الحيوان الضار، وإذا جاء به أحد من سفر سقط عند أول الوادي، وروي أن الماشي بمكتل[(٥)](#foonote-٥) فوق رأسه بين أشجاره يمتلي مكتله دون أن يمد يداً، وروي أن هذه المقالة من الأمر بالأكل والشرب والتوقيف على طيب البلدة وغفران الرب مع الإيمان به هو من قيل الأنبياء لهم، وقرأ رؤيس عن يعقوب **«بلدةً طيبةً ورباً غفوراً »** بالنصب في الكل.

١ هو فروة بن مسيك-بالسين مصغرا- المرادي، ثم الغطيفي- بمعجمة مصغرا-، صحابي سكن الكوفة، يكنى أبا عمير، واستعمله عمر بن الخطاب رضي الله عنه.(تقريب التهذيب)..
٢ أخرجه أحمد، عبد بن حميد، والبخاري في تاريخه، والترمذي وحسنه، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن فروة بن مسيك المرادي رضي الله عنه، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، ألا أقاتل من أدبر من قومي بمن بمن أقبل منهم؟ فأذن لي في قتالهم وأمرني، فلما خرجت من عنده سأل عني:(ما فعل الغطيفي؟ فأُخبر أني قد سرت، قال: فأرسل في أثري فردني، فأتيته وهو في نفر من أصحابه، فقال:(ادع القوم، فمن أسلم منهم فاقبل منه، ومن لم يسلم فلا تعجل حتى أحدث إليك)، قال: وأنزل في سبأ ما أنزل؛ فقال رجل: يا رسول الله: وما سبأ؟ أرض أو امرأة؟ قال:(ليس بأرض ولا بامرأة، ولكنه رجل ولد عشرة من العرب، فتايمن منهم ستة، وتشاءم منهم أربعة، فأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وغسان وعاملة، وأما الذين تيامنوا فالأزد والأشعريون وحِمير وكندة ومذحج وأنمار)، فقال رجل: يا رسول الله، وما أنمار؟ قال:(الذين منهم خثعم وبجيلة).(فتح القدير، والدر المنثور)..
٣ هذا عجز بيت سبق الاستشهاد به على أن(سبأ) تكون ممنوعة من الصرف على أنها اسم قبيلة من اليمن، وسبب المنع من الصرف هو العلمية والتأنيث، ويمكن ملاحظة الأصل، وهو أنها اسم أبي القبيلة، فهو مذكر، ولهذا يجوز صرفه، والبيت بتمامه:
 الوارد وتيم في ذرى سبأ قد عضّ أعناقهم جلد الجواميس
 أما الشاهد هنا فهو استعمال المفرد والمراد به الجمع، فقد قال:"جلد الجواميس"، والمراد:"جلود الجواميس"، وهي التي تؤخذ منها القيود التي يربطون بها عند الأسر.(راجع الجزء الحادي عشرص١٩١، هامش١)..
٤ قال أبو حيان:"ولا يظهر؛ لأنه نكرة لا مسوغ للابتداء بها، إلا إن اعتقد أن ثمة صفة محذوفة، أي: جنتان لهم، أو: جنتان عظيمتان، وعلى تقدير ذلك يبقى الكلام مفلتا مما قبله"..
٥ المِكتل والمِكتلة: الزّبيل الذي يحمل فيه التمر والعنب إلى الجرين، وفي حديث الظِهار أنه أُتي بمكتل من تمر، وهو بكسر الميم، كأن فيه كتلا من التمر، أي قطعا مجتمعة..

### الآية 34:16

> ﻿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ [34:16]

وبعث إليهم فيما روي ثلاثة عشر نبياً فكفروا بهم وأعرضوا، فبعث الله تعالى على ذلك السد جرداً أعمى توالد فيه وخرقه شيئاً بعد شيء وأرسل سيلاً في ذلك الوادي، فيحتمل ذلك السد، فيروى أنه كان من العظم وكثرة الماء بحث ملأ ما بين الجبلين، وحمل الجنات وكثيراً من الناس ممن لم يمكنه الفرار، ويروى أنه لما خرق السد كان ذلك سبب يبس الجنات، فهلكت بهذا الوجه، وروي أنه صرف الماء من موضعه الذي كان فيه أولاً فتعطل سقي الجنات، واختلف الناس في لفظة  العرم  فقال المغيرة بن حكيم وأبو ميسرة : العرم  في لغة اليمن : جمع عرمة : وهو كل ما بني أو سنم[(١)](#foonote-١) ليمسك الماء ويقال ذلك بلغة أهل الحجاز المسناة. 
قال الفقيه الإمام القاضي : كأنها الجسور[(٢)](#foonote-٢) والسداد[(٣)](#foonote-٣) ونحوها، ومن هذا المعنى قول الأعشى :
وفي ذلك للمتأسي أسوة ومآرب. . . عفا عليها العرم
رخام بناه لهم حمير. . . إذا جاءه موارة لم يرم[(٤)](#foonote-٤)
**ومنه قول الآخر :**
ومن سبأ الحاضرين مأرب إذ. . . يبنون من دون سيله العرما[(٥)](#foonote-٥)
وقال ابن عباس وقتادة الضحاك  العرم  اسم وادي ذلك الماء بعينه الذي كان السد بني له، وقال ابن عباس أيضاً إن سيل ذلك الوادي أبداً يصل إلى مكة وينتفع به، وقال ابن عباس أيضاً  العرم  الشديد. 
قال الفقيه الإمام القاضي : فكأنه صفة للسيل من العرامة، والإضافة إلى الصفة مبالغة وهي كثيرة في كلام العرب، وقالت فرقة  العرم  اسم الجرذ. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وهذا ضعيف، وقيل  العرم  اسم المطر الشديد الذي كان عنه ذلك السيل، وقوله  وبدلناهم بجنتيهم جنتين  قول فيه تجوز واستعارة وذلك أن البدل من **«الخمط والأثل »** لم يكن جنات، لكن هذا كما تقول لمن جرد ثوباً جيداً وضرب ظهره هذا الضرب ثوب صالح لك ونحو هذا، وقوله  ذواتي  تثنية ذات، و ****«الخمط »**** شجر الأراك قاله ابن عباس وغيره، وقيل ****«الخمط »**** كل شجر له شوك وثمرته كريهة الطعم بمرارة أو حمضة أو نحوه، ومنه تخمط اللبن إذا تغير طعمه، و **«الأثل »** ضرب من الطرفاء هذا هو الصحيح، وكذا قال أبو حنيفة في كتاب النبات، قال الطبري وقيل هو شجر شبيه بالطرفاء وقيل إنه السمر، و **«السدر »** معروف وهو له نبق شبه العناب لكنه في الطعم دونه بكثير، وللخمط ثمر غث هو البريد، وللأثل ثم قليل الغناء غير حسن الطعم، وقرأ ابن كثير ونافع **«أكْل »** بضم الهمزة وسكون الكاف، وقرأ الباقون بضم الهمزة وضم الكاف، وروي أيضاً عن أبي عمرو سكون الكاف وهما بمعنى الجنى والثمر، ومنه قوله تعالى
 تؤتي أكلها كل حين [(٦)](#foonote-٦) \[ إبراهيم : ٢٥ \] أي جناها، وقرأ جمهور القراء بتنوين **«أكل »** وصفته \[ خمط \] وما بعده، قال أبو علي : البدل في هذا لا يحسن لأن ­الخمط­ ليس بالأكل و­الأكل­ ليس بالخمط نفسه والصفة أيضاً كذلك، لأن الخمط اسم لا صفة، وأحسن ما فيه عطف البيان، كأنه بين أن الأكل هذه الشجرة ومنها، ويحسن قراءة الجمهور أن هذا الاسم قد جاء بمجيء الصفات في قول الهذلي \[ الطويل \]
عقار كماء الني ليس بخمطة. . . ولا خلة يكوي الشروب شهابها[(٧)](#foonote-٧)
وقرأ أبو عمرو بإضافة **«أكلِ »** إلى **«خمطٍ »** وبضم كاف **«أكلُ خمطٍ »**، ورجع أبو علي قراءة الإضافة.

١ سنِم الشيء: ارتفع على وجه الأرض، فهو سنم، وهي سنِمة، ومنه: سنِم البعير بمعنى: عظم سَنَامه..
٢ قال النحاس: المُسنّاة: هي التي يسميها أهل مضر الجسر..
٣ السِّداد: ما سددت به خللا، ويقال: سِداد القارورة: لما يسد فمها..
٤ هما من قصيدة قالها الأعشى يمدح قيس بن معد يكرب، والإشارة بقوله:(ففي ذلك) إلى الموت في البيت قبلهما:
 وللموت خير لمن ناله إذا المرء أمته لم تدم
 والرواية في الديوان:(ومأرب قفى) بدلا من(عفى)، والموّار: المضطرب المتحرك، وفي الديوان:(إذا جاء ماؤهم)، وفسر أبو عبيدة قوله:(لم يرم) فقال: أي حبسه. وبعد البيتين يقول:
 فأروى الزروع وأعنابها على سعة ماؤهم إذ قسم
 فعاشوا بذلك في غبطة فجار بهم جارف منهزم.
٥ البيت في(اللسان-سبأ) غير منسوب، قال:"وكان أبو عمرو يقرأ:(لسبأ)، قال: من سبأ... البيت"، فهو شاهد على أن (سبأ) يترك صرفه على إرادة القبيلة، كما انه يصرف على إرادة الحي كما قال ابن عطية، وشاهده:
 أضحت ينفرها الولدان من سبأ كأنهم تحت دفيها دحاريج.
٦ من الآية(٢٥) من سورة (إبراهيم)..
٧ البيت في (اللسان-خلل)، والعُقار: التي تعاقر العقل أو الدن، أي: بقي منها بقية في أسفل الدن لطول مر السنين عليها، وماء النيء: ما قطر من اللحم، يريد: هي في لونه وصفائه، والخمطة: التي أخذت طعم الإدراك ولم تدرك، والخلة: الحامضة، ولا خلة: في مجاوزة القدر، يعني لم تخرج من حال الخمر إلى حال الحموضة والخل، يقول: هي في لون ماء اللحم الذي لم ينضج بعد، وليست كالخمطة التي لم تدرك بعد، ولا كالخلة التي جاوزت القدر فصارت خلا، فليس يكوى الشروب شهابها، أي: لا يؤذيهم ما فيها من حذة ونار، والشُّروب: جمع شرب وهم الندامى..

### الآية 34:17

> ﻿ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا ۖ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ [34:17]

وقوله  ذلك  إشارة إلى ما أجراه عليهم، وقوله  وهل يجازي  أي يناقش ويعارض[(١)](#foonote-١) بمثل فعل قدراً لأن جزاء المؤمنين إنما هو بتفضيل وتضعيف، وأما الذي لا يزاد ولا ينقص فهو  الكفور  قاله الحسن بن أبي الحسن، وقال طاوس هي المناقشة، وكذلك إن كان المؤمن إذ ذنوب فقد يغفر له ولا يجازى، والكافر يجازي ولا بد، وقد قال عليه السلام **«من نوقش الحساب عذب »**[(٢)](#foonote-٢)، وقرأ جمهور القراء **«يجازَى »** بالياء وفتح الزاي، وقرأ حمزة والكسائي **«نجازي »** بالنون وكسر الزاي، **«الكفورَ »** بالنصب، وقرأ مسلم بن جندب[(٣)](#foonote-٣) **«وهل يجزي »** وحكى عنه أبو عمرو الداني أنه قرأ **«وهل يُجزي »** بضم الياء وكسر الزاي، قال الزجاج يقال جزيت في الخير وجازيت في الشر. 
قال الفقيه الإمام القاضي : فترجح هذه قراءة الجمهور.

١ استعمل هذه الصيغة لأن قراءة العامة هي:{وهل يجازى)، والمعنى: يناقش ويعارض..
٢ رواه البخاري ومسلم، عن عائشة رضي الله عنها، ورمز له الإمام السيوطي في الجامع الصغير بأنه حديث حسن، وروى الطبراني في الكبير(من نوقش المحاسبة هلك)..
٣ هو مسلم بن جندب الهذلي، المدني، القاص، ثقة فصيح قارئ، من الثالثة، مات سنة ست ومائة.(تقريب التهذيب)..

### الآية 34:18

> ﻿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ ۖ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ [34:18]

هذه الآية وما بعدها وصف حالهم قبل مجيء السيل، وهي أن الله تعالى مع ما كان منحهم من الجنتين والنعمة الخاصة بهم، كان قد أصلح لهم البلاد المتصلة بهم وعمرها وجعلهم أربابها، وقدر فيها السير بأن قرب القرى بعضها من بعض حتى كان المسافر من مأرب إلى الشام يبيت في قرية ويقيل[(١)](#foonote-١) في قرية أخرى، فلا يحتاج إلى حمل زاد و  القرى  المدن، ويقال للمجتمع الصغير قرية أيضاً، وكلها من قريت أي جمعت، والقرى التي بورك فيها هي بلاد الشام بإجماع من المفسرين، و **«القرى الظاهرة »** هي التي بين الشام ومأرب وهي الصغار التي هي البوادي **«قال ابن عباس : هي قرى عربية بين المدينة والشام وقاله الضحاك »** واختلف في معنى  ظاهرة  فقالت فرقة : معناه مستعلية مرتفعة في الآكام والظراب[(٢)](#foonote-٢) وهي أشرف القرى. 
وقالت فرقة : معناه يظهر بعضها من بعض فهي أبداً في قبضة المسافر لايخلو من رؤية شيء منها فهي ظاهرة بهذا الوجه. 
قال الفقيه الإمام القاضي : والذي يظهر إليّ أن معنى  ظاهرة  خارجة عن المدن، فهِي عبارة عن القرى الصغار التي هي في ظواهر المدن، فإنما فصل بهذه الصفة بين القرى الصغار وبين القرى المطلقة التي هي المدن، وظواهر المدن ما خرج عنها في الفيافي والفحوص[(٣)](#foonote-٣)، ومنه قولهم نزلنا بظاهر فلانة، أي خارجاً عنها وقوله  ظاهرة  نظير تسمية الناس إياها البادية والضاحية، ومنه قول الشاعر :\[ الطويل \]
فلو شهدتني من قريش عصابة. . . قريش البطاح لا قريش الظواهر[(٤)](#foonote-٤)
يعني الخارجين عن بطحاء مكة، وفي حديث الاستسقاء ( وجاء أهل الضواحي يشكون الغرق الغرق )[(٥)](#foonote-٥)، وقوله تعالى : وقدرنا فيها السير  هو ما ذكرناه من أن المسافر فيها كان يبيت في قرية ويقيل في أخرى على أي طريق سلك لا يعوزه ذلك، وقوله تعالى : سيروا  معناه قلنا لهم، و  آمنين  معناه من الخوف من الناس المفسدين، و  آمنين  من الجوع والعطش وآفات المسافر.

١ يقال: قال يقيل قيلا: نام وسط النهار، فهو قائل..
٢ الإكام: جمع أكمة، وهي التل، ويقال في جمع اكمة أيضا: آكام وأكم. والظراب: جمع ظرب، وهو الجبل المنبسط، وفي حديث الاستسقاء:(اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية)..
٣ الفيافي: جمع فيفاء، وهي الصحراء الواسعة المستوية. والفحوص كالأفاحيص: جمع أفحوص، وهي حفرة تحفرها القطاة أو الدجاجة في الأرض لتبيض وترقد فيها..
٤ البيت في (التاج، واللسان-بطح)، وهو غير منسوب، وكذلك ذكر شطره الثاني صاحب(أساس البلاغة)، قال في التاج:"وبطحاء مكة وأبطحها معروفة لانبطاحها، وقريش البطاح، الذين ينزلون أباطح مكة وبطحاءها، وقريش الظواهر: الذين ينزلون ما حول مكة، قال: فلو شهِدتني... البيت". وفي التهذيب عن ابن الأعرابي:"قريش البطاح هم الذين ينزلون الشعب بين أخشبي مكة، وقريش الظواهر الذين ينزلون خارج مكة، وأكرمهما قريش البطاح، وأخشبا مكة جبلاها: أبو قُبيس والذي يقابله". وعبارة أرباب الأنساب:" قريش الأباطح، ويقال: قريش البطاح؛ لنهم صبابة قريش وصميمها الذين اختطوا بطحاء مكة ونزلوها، ويقابلهم قريش الظواهر الذين لم تسعهم الأباطح، والكل قبائل"، قالوا: وفي قريش من ليس بأبطحية ولا ظاهرية"..
٥ الثابت في الصحيحين في حديث الاستسقاء الذي رواه أنس أن الذي اشتكى للنبي صلى الله عليه وسلم من القحط هو رجل واحد، ثم اشتكى في الجمعة التالية من كثرة المطر، ولعل هذه الجملة عن أهل الضواحي جاءت في واحد من كتب الحديث الأخرى..

### الآية 34:19

> ﻿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [34:19]

ثم حكى عنهم مقالة قالوها على جهة البطر والأشر وهي طلب البعد بين الأسفار والإخبار بأنها بعيدة على القراءات الأخر وذلك أن نافعاً وعاصماً وحمزة والكسائي قرؤوا **«باعِد بين أسفارنا »** بكسر العين على معنى الطلب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والحسن ومجاهد **«بعِّد بين أسفارنا »** بشد العين وكسرها على معنى الطلب أيضاً، فهاتان قراءتان معناهما الأشر بأنهم ملوا النعمة بالقرب وطلبوا استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير[(١)](#foonote-١)، وفي كتاب الرماني أنهم قالوا لو كان جني ثمارنا أبعد لكان أشهى وأكثر قيمة، وقرأ ابن السميفع وسفيان بن حسين وسعيد بن أبي الحسن أخو الحسن[(٢)](#foonote-٢)- وابن الحنفية **«ربَّنا »** بالنصب **«بَعُد بينَ أسفارنا »** بفتح الباء وضم العين ونصب **«بين »** أيضاً، وقرأ سعيد بن أبي الحسن من هذه الفرقة **«بينُ »** بالرفع وإضافته إلى الأسفار[(٣)](#foonote-٣) وقرأ ابن عباس وأبو رجاء والحسن البصري وابن الحنفية أيضاً ****«ربُّنا »**** بالرفع **«باعَدَ »** بفتح العين والدال، وقرأ ابن عباس وابن الحنفية أيضاً وعمرو بن فائد ويحيى بن يعمر ****«ربُّنا »**** بالرفع **«بَعَّد »** بفتح العين وشدها وفتح الدال فهذه القراءة معناها الأشر بأنهم استبعدوا القريب ورأوا أن ذلك غير مقنع لهم حتى كأنهم أرادوها متصلة بالدور وفي هذا تعسف وتسحب على أقدار الله تعالى وإرادته وقلة شكر على نعمته بل هي مقابلة النعمة بالتشكي والاستضرار، وفي هذا المعنى ونحوه مما اقترن بكفرهم ظلموا أنفسهم فغرقهم الله تعالى وخرب بلادهم وجعلهم أحاديث، ومنه المثل السائر **«تفرقوا أيادي سبإ وأيدي سبإ »** ويقال المثل بالوجهين، وهذا هو تمزيقهم  كل ممزق ، وروي أن رسول الله قال :( إن سبأ أبو عشرة قبائل )[(٤)](#foonote-٤) فلما جاء السيل على مأرب وهو اسم نبدهم تيامن منها ستة قبائل أي إذ تبددت في بلاد اليمن وتشاءمت منها أربعة فالمتيامنة كندة والأزد وأشعر ومذحج وأنمار الذي منها بجيلة وخثعم وطائفة قيل لها حمير بقي عليها اسم الأب الأول، والتي تشاءمت لخم وجذام وغسان وخزاعة نزلت تهامة ومن هذه المتشائمة أولاد قتيلة وهم الأوس والخزرج ومنها عاملة وغير ذلك، ثم أخبر تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم وأمته على جهة التنبيه بأن هذه القصص فيها آيات وعبر لكل مؤمن على الكمال، ومن اتصف بالصبر والشكر فهو المؤمن الذي لا تنقصه خلة جميلة بوجه.

١ هم في هذا كبني إسرائيل حين قالوا:فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها بعد أن كانوا في رغد من العيش، ويأكلون المن والسلوى، وهم أيضا كالنضر بن الحارث حين قال:اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، فقتل يوم بدر بالسيف صبرا..
٢ يعني الحسن البصري، فهو سعيد بن أبي الحسن البصري، قال عنه أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني في كتابه(تقريب التهذيب):"أخو الحسن، ثقة، من الثالثة، مات سنة مائة"..
٣ قال أبو الفتح ابن جني في المحتسب:"وتدل هذه القراءة على أن(بين) ليس ظرفا في قراءة النصب، بل منصوب على المفعول به"..
٤ سبق تخريج هذا الحديث وذكر نصه كاملا في الهامش(٢) من صفحة(١٦٣) من هذا الجزء..

### الآية 34:20

> ﻿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [34:20]

قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر **«ولقد صدَق »** بتخفيف الدال ****«إبليسُ »**** رفعاً **«ظنَّه »** بالنصب على المصدر، وقيل على الظرفية، أي في ظنه، وقيل على المفعول على معنى أنه لما ظن عمل عملاً يصدق به ذلك الظن، فكأنه إنما أراد أن يصدق ظنه، وهذا من قولك أخطأت ظني وأصبت ظني، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ****«صدَّق »**** بتشديد الدال ف **«الظن »** على هذا مفعول ب ****«صدَّق »**** وهي قراءة ابن عباس وقتادة وطلحة \[ وعاصم \][(١)](#foonote-١) والأعمش، وقرأ الزهري وأبو الهجهاج[(٢)](#foonote-٢) ****«ظنُّه »**** بالرفع، وبلال بن أبي بردة ****«صدَق »**** بتخفيف الدال **«إبليسَ »** النصب ****«ظنُّه »**** بالرفع، وقرأت فرقة ****«صدَق »**** بالتخفيف ****«إبليسُ »**** بالرفع على البدل وهو بدل الإشتمال، ومعنى الآية أن ما قال إبليس من أنه سيفتن بني آدم ويغويهم وما قال من أن الله لا يجد أكثرهم شاكرين وغير ذلك كان ظناً منه فصدق فيهم. 
وأخبر الله تعالى عنهم أنهم **«اتبعوه »** وهو اتباع في كفر لأنه في قصة قوم كفار، وقوله  ممن هو منها في شك  يدل على ذلك و  من  في قوله  من المؤمنين  لبيان الجنس لا للتبعيض، لأن التبعيض يقتضي أن فريقاً من المؤمنين اتبعوا إبليس،

١ هكذا بالتكرار في جميع النسخ الأصلية..
٢ هكذا في النسخ الأصلية، وفي القرطبي، وفي كتاب إعجاز القرآن للنحاس، وهو في البحر المحيط:(أبو الجهجاه). وفي المحتسب روى أبو الفتح عن أبي حاتم قوله:"روى عبيد بن عقيل عن أبي الورقاء قال: سمعت أبا الهجهاج-وكان فصيحا-يقرأ\[إبليس\] بالنصب\[ظنه\]، رفع". قال أبو الفتح:"معنى هذه القراءة أن إبليس كان سول له ظنه شيئا فيهم، فصدقه ظنه فيما كان عقد عليه معهم من ذلك الشيء".

### الآية 34:21

> ﻿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ ۗ وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ [34:21]

و **«السلطان »** الحجة، وقد يكون الاستعلاء والاستقدار، إذ اللفظ من التسلط، وقال الحسن بن أبي الحسن : والله ما كان له سيف ولا سوط ولكنه استمالهم فمالوا بتزيينه، وقوله تعالى : إلا لنعلم  أي لنعلمه موجوداً، لأن العلم به متقدم أزلاً، وقرأت فرقة **«إلا ليُعلم »** بالياء على ما لم يسم فاعله.

### الآية 34:22

> ﻿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [34:22]

وقوله تعالى : قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله  الآية، آية تعجيز وإقامة حجة، ويروى أن ذلك نزل عند الجوع الذي أصاب قريشاً، والجمهور على **«قلُ ادعوا »** بضم اللام وروى عباس عن أبي عمرو **«قلِ ادعوا »** بكسر اللام، وقوله  الذين  يريد الملائكة والأصنام وذلك أن قريشاً والعرب كان منهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يقول نعبدها لتشفع لنا ونحو هذا، فنزلت هذه الآية معجزة لكل منهم، ثم جاء بصفة هؤلاء الذين يدعونهم آلهة من أنهم  لا يملكون  ملك الاختراع  مثقال ذرة  في السماء  ولا في الأرض  وأنهم لا شرك لهم فيهما وهذان فيهما نوعا الملك إما استبداداً وإما مشاركة، فنفى عنهم جميع ذلك، ونفى أن يكون منهم لله تعالى معين في شيء من قدرته و **«الظهير »** المعين، ثم تقرر في الآية بعد أن الذين يظنون أنهم يشفعون لهم لا تصح منه شفاعة لهم إذ هؤلاء كفرة ولا يأذن الله تعالى في الشفاعة في كافر.

### الآية 34:23

> ﻿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ۚ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ۖ قَالُوا الْحَقَّ ۖ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [34:23]

المعنى أن كل من دعوتم إلهاً من دون الله لا يملكون مثقال ذرة ولا تنفع شفاعتهم إلا بإذن فيمن آمن، فكأنه قال ولا هم شفعاء على الحد الذي ظننتم أنتم واختلف المتأولون في قوله تعالى : إلا لمن أذن له  فقالت فرقة معناه  لمن أذن لهم  أن يشفع، فيه، وقالت فرقة معناه  لمن أذن له  أن يشفع هو. 
قال القاضي أبو محمد : واللفظ يعمهما، لأن الإذن إذا انفرد للشافع فلا شك أن المشفوع فيه معين له، وإذا انفرد للمشفوع فيه فالشافع لا محالة عالم معين لذلك، وانظر أن اللام الأولى تشير إلى المشفوع فيه من قوله  لمن  تقول شفعت لفلان، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي **«أُذن »**[(١)](#foonote-١) بضم، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر **«أذَن »** بفتحها، والضمير في  قلوبهم  عائد على الملائكة الذين دعوهم آلهة، ففي الكلام حذف يدل عليه الظاهر فكأنه قال ولا هم شفعاء كما تحسبون أنتم بل هم عبدة مستسلمون أبداً حتى إذا فزع عن قلوبهم. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وتظاهرت الأحاديث[(٢)](#foonote-٢) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذه الآية أعني قوله  حتى إذا فزع عن قلوبهم  إنما هي الملائكة إذا سمعت الوحي إلى جبريل وبالأمر يأمر به سمعت كجر سلسلة الحديد على صفوان فتفزع عند ذلك تعظيماً وهيبة، وقيل خوف أن تقوم الساعة فإذا فزع ذلك  فزع عن قلوبهم  أي أطير الفزع عنها وكشف فيقول بعضهم لبعض ولجبريل  ماذا قال ربكم  فيقول المسؤولون قال  الحق هو العلي الكبير  وبهذا المعنى من ذكر الملائكة في صدر الآيات تتسق هذه الآية على الأولى[(٣)](#foonote-٣)، ومن لم يشعر أن الملائكة مشار إليهم من أول قوله  الذين زعمتم  \[ سبأ : ٢٢ \] لم تتصل لهم هذه الآية بما قبلها فلذلك اضطرب المفسرون في تفسيرها حتى قال بعضهم في الكفار بعد حلول الموت  فزع عن قلوبهم  بفقد الحياة فرأوا الحقيقة وزال فزعهم من شبه ما يقال لهم في حياتهم، فيقال لهم حينئذ  ماذا قال ربكم  فيقولون قال  الحق  يقرون حين لا ينفعهم الإقرار، وقالت فرقة الآية في جميع العالم، وقوله  حتى إذا  يريد في القيامة. 
قال الفقيه الإمام القاضي : والتأويل الأول في الملائكة هو الصحيح وهو الذي تظاهرت به الأحاديث، وهذان بعيدان، وقرأ جمهور القراء **«فُزع »** بضم الفاء وكسر الزاي[(٤)](#foonote-٤) ومعناه أطير الفزع منهم، وهذه الأفعال جاءت مخالفة لسائر الأفعال، لأن " فعّل " أصلها الإدخال في الشيء[(٥)](#foonote-٥) كعلمت ونحوها وقولك : فزعت زيداً معناه أزلت الفزع عنه، وكذلك جزعته معناه أزلت الجزع عنه، ومنه الحديث فدخل ابن عباس على عمر بجزعة[(٦)](#foonote-٦) ومنه مرضت فلاناً أي أزلت عنه المرض. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وانظر أن مطاوع هذه الأفعال يلحق ( بتحنث وتحرج وتفكه وتأثم وتخوت )[(٧)](#foonote-٧)، وقرأ ابن عامر **«فزّع »** بفتح الفاء وشد الزاي وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس وطلحة وأبي المتوكل الناجي واليماني، وقرأ الحسن البصري بخلاف **«فُزِع »** بضم الفاء وكسر الزاي وتخفيفها كأنه بمعنى أقلع، ومن قال بأنها في العالم أجمعه قال معنى هذه القراءة فزع الشيطان عن قلوبهم أي بادر، وقرأ أيوب عن الحسن أيضاً **«فُرّغ »** بالفاء المضمومة والراء المشددة غير منقوطة والغين المنقوطة من التفريغ، قال أبو حاتم رواها عن الحسن نحو من عشرة أنفس وهي قراءة أبي مجلز. 
وقرأ مطر الوراق عن الحسن **«فزع »** على بناء الفعل للفاعل وهي قراءة مجاهد والحسن أيضاً **«فرغ »** بالراء غير منقوطة مخففة من الفراغ، قال أبو حاتم وما أظن الثقات رووها عن الحسن على وجوه إلا لصعوبة المعنى عليه فاختلفت ألفاظ فيها[(٨)](#foonote-٨)، قرأ عيسى بن عمر **«حتى إذا افرنقع »** وهي قراءة ابن مسعود ومعنى هذا كله وقع فراغها من الفزع والخوف، ومن قرأ شيئاً من هذا على بناء الفعل للمفعول فقوله عز وجل  عن قلوبهم  في موضع رفع، ومن قرأ على بناء الفعل للفاعل فقوله  عن قلوبهم  في موضع نصب، وافرنقع معناه تفرق، وقوله  ماذا  يجوز أن تكون **«ما »** في موضع نصب ب  قال  ويصح أن تكون في موضع رفع بمعنى أي شيء قال، والنصب في قوله  الحق  على نحوه في قوله  ماذا أنزل ربكم قالوا خيراً [(٩)](#foonote-٩) \[ النحل : ٣٠ \] لأنهم حققوا أن ثم ما أنزل، وحققوا هنا أن ثم ما قيل، وقولهم  وهو العلي الكبير  تمجيد وتحميد.

١ ما بين العلامتين-...- زيادة للتوضيح والبيان..
٢ من هذه الأحاديث ما أخرجه سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، والبخاري، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، يفزعهم ذلك، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكنم؟ قالوا: الذي قال الحق، وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترقوا السمع، ومسترقوا السمع هكذا. واحد فوق آخر- وصفّ سفيان بيده وفرج بين أصابعه، نصبها بعضها فوق بعض- فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل ان يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا، فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء)..
٣ ناقش أبو حيان الأندلسي في "البحر المحيط" كلام ابن عطية هذا محاولا إظهار بعض الخطإ فيه، فارجع إليه هناك، (٧-٢٧٨)..
٤ أي: مع تشديدها..
٥ (فعّل) تأتي لمعان كثيرة، أوّلها وأصلها الإدخال في الشيء، يقال: فزعه بمعنى أخافه وروعه، أي أدخله في الخوف والروع، ومنها الإزالة نحو قرّدت البعير، بمعنى: أزلت عنه القراد، ونحو ما ذكره ابن عطية من أفعال..
٦ الحديث رواه البخاري في صحيحه في باب"مناقب عمر"، عن المسوار بن مخرمة، قال: لما طعن عمر- رضي الله عنه- جعل يألم، فقال له ابن عباس رضي الله عنهما- وكأنه يجزعه-: يا أمير المؤمنين، ولئن كان ذاك لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض... الخ وهو حديث طويل..
٧ تخوت الشيء: اختطفه..
٨ قال أبو الفتح عثمان بن جني في "المحتسب":"يعني أبو حاتم اجتماع معنى (ف ز ع) مع معنى(ف ر غ) في أن الفزع: قلق ومفارقة للموضوع المقلوق عليه، والفراغ: إخلاء الموضع، فهما من حيث المعنى ملتقيان، وكذلك معنى (افرنقع)، يقال: افرنقع القوم عن الشيء، أي: تفرقوا عنه.
 ومما يحكى في ذلك أن أبا علقمة النحوي ثار به المُرار(وهو مزاج من أمزجة البدن)، فاجتمع الناس عليه، فلما أفاق قال: مالكم قد تكأكأتم علي كتكأكئكم على ذي جنة، افرنقعوا عني. قال: فقال بعض الحاضرين: إن شيطانه يتكلم بالهندية". ا هـ. المحتسب(٢-١٩٣)..
٩ من قوله تعالى في الآية(٣٠) من سورة (النحل):وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة، وفي الأصول خطأ في الآية حيث وردت بحيث تجمع بين هذه الآية، وبين الآية(٢٤) من نفس السورة وهي قوله تعالى:وإذا قيل لهم ماذا انزل ربكم قالوا أساطير الأولين..

### الآية 34:24

> ﻿۞ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [34:24]

أمر الله تعالى نبيه على جهة الاحتجاج وإقامة الدليل على أن الرزاق لهم من السماوات والأرض-\[ أن يسألهم \][(١)](#foonote-١) : من هو ؟
ثم أمره أن يقتضب الاحتجاج بأن يأتي جواب السؤال إذ هم في بهتة ووجمة من السؤال، وإذ لا جواب لهم ولا لمفطور إلا بأن يقول هو الله، وهذه السبيل في كل سؤال جوابه في غاية الوضوح، لأن المحتج يريد أن يقتضب ويتجاوز إلى حجة أخرى يوردها، ونظائر هذا في القرآن كثير وقوله تعالى : وإنا أو إياكم  تلطف في الدعوة والمحاورة، والمعنى كما تقول لمن خالفك في مسألة أحدنا يخطىء، أي تثبت وتنبه، والمفهوم من كلامك أن مخالفك هو المخطىء، وكذلك هذا معناه  لعلى هدى أو في ضلال مبين  فلينتبه، والمقصد أن الضلال في حيز المخاطبين وحذف أحد الخبرين لدلالة الباقي عليه[(٢)](#foonote-٢)، وقال أبو عبيدة  أو  في الآية بمعنى واو النسق، والتقدير **«وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين »** وهما خبران غير مبتدأين. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وهذا القول غير متجه واللفظ لا يساعده وإن كان المعنى على كل قول يقتضي أن الهدى في حيز المؤمنين والضلال في حيز الكافرين.

١ ما بين العلامتين زيادة يحتاج إليها المعنى..
٢ هذا الأسلوب يسمى في علم البيان: استدراج المخاطب، يذكر المتكلم له أمرا يسلمه وإن كان هو على خلاف ما ذكر حتى يصغي إليه، ولا يزال ينقله من حال إلى حال حتى يتبين له الحق ويقبله، ومثاله من الشعر العربي قول حسان:
 أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء
 والآية الكريمة فوق ما فيها من التلطف في الدعوة والمحاورة فإنها تتضمن الإنصاف، وتحمل معنى التورية والتعريض، والرد بهما أبلغ من الرد بالتصريح، ومن ذلك قول العرب: أخزى الله الكاذب مني ومنك، يقول ذلك من يتيقن أن صاحبه هو الكاذب، ولكنه يوبخه بلفظ غير مكشوف.
 و\[أو\] هنا على موضوعها لكونها لأحد الشيئين أو الأشياء، وخبرإنا أو إياكم هو قوله تعالى:لعلى هدى أو في ضلال مبين، ولا يحتاج إلى تقدير حذف؛ إذ المعنى: إن أحدنا لفي أحد هذين، كقولك: زيد أو عمرو في المسجد أو في البيت، والمعنى: أحد هذين في أحد هذين. .

### الآية 34:25

> ﻿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ [34:25]

وقوله تعالى : قل لا تسألون عما أجرمنا  الآية مهادنة ومتاركة منسوخة بآية السيف.

### الآية 34:26

> ﻿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ [34:26]

وقوله عز وجل  قل يجمع بيننا  الآية إخبار بالبعث من القبور، وقوله  يفتح  معناه يحكم والفتاح القاضي وهي مشهورة في لغة اليمن، وهذا كله منسوخ بآية السيف.

### الآية 34:27

> ﻿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ ۖ كَلَّا ۚ بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [34:27]

وقوله تعالى  قل أروني  يحتمل أن تكون رؤية قلب فيكون قوله  شركاء  مفعولاً ثالثاً وهذا هو الصحيح أي أروني بالحجة والدليل كيف وجه الشركة وقالت فرقة هي رؤية بصر و  شركاء  حال من الضمير المفعول ب  ألحقتم  العائد على  الذين . 
قال الفقيه الإمام القاضي : وهذا ضعيف لأن استدعاء رؤية العين في هذا لا غناء له، وقوله  كلا  رد لما تقرر من مذهبهم في الإشراك بالله تعالى ووصف نفسه عز وجل باللائق به من العزة والحكمة.

### الآية 34:28

> ﻿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [34:28]

هذا إعلام من الله تعالى بأنه بعث محمداً صلى الله عليه وسلم إلى جميع العالم، و **«الكافة »** الجمع الأكمل من الناس، و  كافة  نصب على الحال وقدمها للاهتمام، وهذه إحدى الخصال التي خص بها محمد صلى الله عليه وسلم من بين الأنبياء التي حصرها في قوله **«أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأوتيت جوامع الكلم وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً وبعث كل نبي إلى خاص من الناس وبعثت إلى الأسود والأحمر »**، وفي هذه الخصال زيادة في كتاب مسلم[(١)](#foonote-١). 
وقوله تعالى : ولكن أكثر الناس لا يعلمون  يريد بها العموم في الكفرة، والمؤمنون هم الأقل.

١ أخرجه أبو داود في السير والصلاة، والبخاري في التيمم والجهاد والصلاة والاعتصام، ومسلم في المساجد، والترمذي في السير، والنسائي في الغسل والجهاد، وأحمد في مواضع كثيرة في مسنده. ومن الزيادات التي في صحيح مسلم وأشار إليها ابن عطية قوله صلى الله عليه وسلم في بعض الروايات:(وأعطيت الشفاعة)، وقوله في رواية أخرى:(وختم بي النبيون)، وقوله في غيرهما:(وبينا أنا نائم أوتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي)..

### الآية 34:29

> ﻿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [34:29]

ثم حكى عنهم مقالتهم في الهزء بأمر البعث واستعجالهم على معنى التكذيب بقولهم  متى هذا الوعد .

### الآية 34:30

> ﻿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ [34:30]

فأمر الله تعالى نبيه أن يخبرهم عن  ميعاد  هو يوم القيامة لا يتأخر عنه أحد ولا يتقدمه، قال أبو عبيدة :**«الوعد والوعيد والميعاد »** بمعنى واحد، وخولف في هذا، والذي عليه الناس أن **«الوعد »** في الخير، و **«الوعيد »** في المكروه و **«الميعاد »** يقع لهذا ولهذا. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وأضاف الميعاد إلى اليوم تجوزاً من حيث كان فيه وتحتمل الآية أن يكون استعجال الكفرة لعذاب الدنيا ويكون الجواب عن ذلك أيضاً ولم يجر للقيامة ذكر على هذا التأويل.

### الآية 34:31

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ۗ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ [34:31]

حكيت في هذه الآية مقالة قالها بعض قريش وهي أنهم لا يؤمنون بالقرآن ولا بما بين يديه من التوراة والإنجيل والزبور فكأنهم كذبوا بجميع كتب الله وإنما فعلوا هذا لما وقع الاحتجاج عليهم بما في التوراة من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وقالت فرقة :**«الذي بين يديه »** هي الساعة والقيامة. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وهذا خطأ قائله لم يفهم أمر بين اليد في اللغة وأنه المتقدم في الزمان وقد بيناه فيما تقدم، ثم أخبر الله تعالى نبيه عن حالة الظالمين في صيغة التعجيب من حالهم، وجواب  لو  محذوف، وقوله  يرجع بعضهم إلى بعض القول  أي يرد، أي يتحاورون ويتجادلون.

### الآية 34:32

> ﻿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ ۖ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ [34:32]

ثم فسر ذلك الجدل بأن الأتباع والضعفاء من الكفرة يقولون للكفار وللرؤوس على جهة التذنيب والتوبيخ ورد اللائمة عليهم  لولا أنتم  لآمنا نحن واهتدينا، أي أنتم أغويتمونا وأمرتمونا بالكفر، فقال لهم الرؤساء على جهة التقرير والتكذيب  أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين  أي دخلتم في الكفر ببصائركم، وأجرمتم بنظر منكم، ودعوتنا لم تكن ضربة لازب عليكم لأنا دعوناكم بغير حجة ولا برهان. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وهذا كله يتضمنه اللفظ.

### الآية 34:33

> ﻿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا ۚ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [34:33]

هذه مراجعة من الأتباع للرؤساء حين قالو لهم : إنما كفرتم ببصائر أنفسكم قال المستضعفون بل كفرنا بمكركم بنا بالليل والنهار **«وأضاف المكر إلى الليل والنهار من حيث هو فيهما »** ولتدل هذه الإضافة على الدؤوب والدوام، وهذه الإضافة كما قالوا **«ليل نائم ونهار صائم »**، وأنشد سيبويه
\* فنام ليلي وتجلى همي \*[(١)](#foonote-١)
وهذه قراءة الجمهور، وقرأ قتادة بن دعامة **«بل مكرٌ الليلَ والنهارَ »** بتنوين **«مكرٌ »** ونصب **«الليلَ والنهارَ »** على الظرف، وقرأ سعيد بن جبير **«بل مكَرّ »** بفتح الكاف وشد الراء من كر يكر وبالإضافة إلى **«الليل والنهار »** وذكر عن يحيى بن يعمر وكأن معنى هذه الآية الإحالة على طول الأمل والاغترار بالأيام مع أمر هؤلاء الرؤساء بالكفر بالله، و **«الند »** المثيل والشبيه، والضمير في قوله  أسروا  عام جميع ما تقدم ذكره من المستضعفين والمستكبرين،  أسروا  معناه اعتقدوها في نفوسهم، ومعتقدات النفس كلها سر لا يعقل غير ذلك، وإنما يظهر ما يصدر عنها من كلام أو قرينة، وقال بعض الناس  أسروا  معناه أظهروا وهي من الأضداد. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وهذا كلام من لم يعتبر المعنى أما نفس الندامة فلا تكون إلا مستسرة ضرورة، وأما الظاهر عنها فغيرها ولم يثبت قط في لغة أن أسر من الأضداد، وقوله تعالى : لما رأوا العذاب  أي وافوه وتيقنوا حصولهم فيه وباقي الآية بين.

١ أي: نمت فيه: وهذا مثل قول جرير:
 لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ونمت وما ليل المطي بنائم
 إذ أسند النوم إلى الليل إسنادا مجازيا عقليا، والأصل أن يسند النوم إلى الناس، وهذا من باب التوسع المجازي، والعلاقة هنا الزمانية. قال الفراء في(معاني القرآن):"المكر ليس لليل ولا للنهار، وإنما المعنى: بل مكركم بالليل والنهار، وقد يجوز أن تضيف الفعل إلى الليل والنهار، ويكونا كالفاعلين؛ لأن العرب تقول: نهارك صائم، وليلك قائم، ثم تضيف الفعل إلى الليل والنهار وهو في المعنى للآدميين، كما تقول: نام ليلك"اهـ.(معاني القرآن٢-٣٦٣)..

### الآية 34:34

> ﻿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [34:34]

هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن فعل قريش وقولها أي هذه يا محمد سيرة الأمم فلا يهمنك أمر قومك، و **«القرية »** المدينة، و **«المترف »** المنع البطال الغني القليل تعب النفس والجسم فعادتهم المبادرة بالتكذيب.

### الآية 34:35

> ﻿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ [34:35]

وقوله  وقالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً  يحتمل أن يعود الضمير على المترفين ويكون ذلك من قولهم مع تكذيبهم. 
ثم لما كانت قريش مثلهم أمره الله تعالى بأن يقول  إن ربي  الآية، ويحتمل أن يعود الضمير في  قالوا  لقريش ويكون كلام المترفين قد تم، ثم تطرد الآية بعد، وقولهم  نحن أكثر أموالاً وأولاداً  معناه الاحتجاج أي أن الله لم يعطنا هذا وقدره لنا إلا لرضاء عنا وعن طريقنا ونحن لا نعذب البتة اذ الله الذي تزعم أنت علمه بجميع الأشياء وإحاطته قد قدر علينا النعم، فهو إذن راض عنا، وقال بعض المفسرين معنى قولهم  وما نحن بمعذبين  أي بالفقر. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وهذا ليس كالأول في القوة.

### الآية 34:36

> ﻿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [34:36]

فأمر الله تعالى نبيه أن يقول : إن الأمر ليس كما ظنوا بل بسط الرزق وقدره معلق بالمشيئة في كافر ومؤمن وليس شيء من ذلك دليلاً على رضى الله تعالى والقرب منه لأنه قد يعطي ذلك إملاء واستدراجاً، وكثير من الناس لا يعلم ذلك كأنتم أيها الكفار، وقرأت فرقة **«ويقدر »**، وقرأت فرقة **«ويُقَدّر »** بضم الباء وفتح القاف وشد الدال وهي راجعة إلى معنى التضييق الذي هو ضد البسط.

### الآية 34:37

> ﻿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَىٰ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ [34:37]

ثم أخبرهم بأن أموالهم وأولادهم ليست بمقربة من الله  زلفى ، والزلفى مصدر بمعنى القرب، وكأنه قال تقربكم عندنا تقريباً، وقرأ الضحاك **«زلَفًى »** بفتح اللام وتنوين الفاء، وقوله تعالى : إلا من آمن  استثناء منقطع، و  من  في موضع نصب بالاستثناء، وقال الزجاج  من  بدل من الضمير في  تقربكم ، وقال الفراء  من  في موضع رفع، وتقدير الكلام ما هو المقرب إلا من آمن، وقرأ الجمهور **«جزاءُ الضعفِ »** بالإضافة، وقرأ قتادة **«جزاءُ الضعفُ »** برفعها، وحكى عنه الداني **«جزاءَ »** بالنصب **«الضعفَ »** بنصب الفاء، و  الضعف  هنا اسم جنس أي بالتضعيف إذ بعضهم يجازى إلى عشرة وبعضهم أكثر إلى سبعمائة بحسب الأعمال. ومشيئة الله تعالى فيها، وقرأ جمهور القراء **«في الغرفات »** بالجمع، وقرأ حمزة وحده **«في الغرفة »** على اسم الجنس يراد به الجمع، ورويت عن الأعمش وهما في القراءة حسنتان، قال أبو علي : وقد يجيء هذا الجمع بالألف والتاء **«الغرفات »** ونحوه للتكثير ومنه قول حسان بن ثابت :
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى. . . وأسيافنا يقطرن من نجدة دما[(١)](#foonote-١)
فلم يرد إلا كثرة جفان. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وتأمل نقد الأعشى في هذا البيت، وقرأ الأعمش والحسن وعاصم بخلاف في **«الغرْفات »** بسكون الراء.

١ البيت من قصيدة في الفخر، بدأها حسان بقوله:"ألم تسأل الربع الجديد التكلما"، والجفنة: القصعة، وجمعها: جفان وجفن، وفي التنزيل العزيز:وجفان كالجواب، وفي أمثال العرب:"ادع إلى طعانك من تعو إلى جفانك". ويقطرن: ينزل منها الدم قطرة قطرة، والنجدة: الشجاعة في القتال وسرعة الإغاثة. ونقد الأعشى للبيت مشهور وموجود في كتب الأدب..

### الآية 34:38

> ﻿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَٰئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ [34:38]

لما ذكر تعالى المؤمنين العاملين الصالحات وذكر ثوابهم عقب بذكر ضدهم وذكر جزائهم ليظهر تباين المنازل، وقرأت فرقة **«معاجزين »** ( وقرأت فرقة معجزين )، وقد تقدم تفسيرها في صدر السورة، و  محضرون  من الإحضار والإعداد، ثم كرر القول ببسط الرزق وقدره تأكيداً وتبييناً وقصد به ها هنا رزق المؤمنين وليس سوقه على المعنى الأول الذي جلب للكافرين، بل هذا هنا على جهة الوعظ والتزهيد في الدنيا والحض على النفقة في الطاعات.

### الآية 34:39

> ﻿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [34:39]

ثم وعد بالخلف في ذلك وهو بشرط الاقتصاد والنية في الطاعة ودفع المضرات وعد منجز إما في الدنيا وإما في الآخرة، وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«قال الله لي أنفق أُنفق عليك »**[(١)](#foonote-١) وفي البخاري أن ملكاً ينادي كل يوم اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول ملك آخر : اللهم أعط ممسكاً تلفاً[(٢)](#foonote-٢)، وقال مجاهد المعنى إن كان خلف فهو موليه وميسره، وقد لا يكون الخلف، وأما قوله  خير الرازقين  فمن حيث يقال في الإنسان إنه يرزق عياله، والأمير جنده، لكن ذلك من مال يملك عليهم والله تعالى من خزائن لا تفنى[(٣)](#foonote-٣) ومن إخراج من عدم إلى وجود، وقرأ الأعمش **«ويُقدّر »** بضم الياء وشد الدال.

١ أخرج البخاري، وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( قال الله عز وجل: أنفق يابن آدم أُنفق عليك).(الدر المنثور)..
٢ أخرجه البخاري، ومسلم في الزكاة، وأخرجه أحمد في سنده(٥-١٩٧)، ولفظه كما في مسند الإمام أحمد، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(ما طلعت شمس قط إلا بعث بجنبتيها ملكان يناديان، يسمعان أهل الأرض إلا الثقلين: يا أيها الناس، هلموا إلى ربكم، فإن ما قل كفى خير مما كثر وألهى، ولا آبت شمس قط إلا بعث بجنبتيها ملكان يناديان، يسمعان أهل الأرض إلا الثقلين: اللهم أعط منفقا خلفا، وأعط ممسكا مالا تلفا)..
٣ يعني: يرزق من خزائن لا تفنى... الخ..

### الآية 34:40

> ﻿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَٰؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ [34:40]

هذه آية وعيد للكفار، والمعنى واذكر يوم نحشرهم، وقرأ جمهور القراء **«نحشرهم جميعاً ثم نقول »** بالنون فيهما، ورواها أبو بكر عن عاصم، وقرأ حفص عن عاصم **«ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول »** بالياء فيهما، وذكرها أبو حاتم عن أبي عمرو، والقول للملائكة هو توقيف تقوم منه الحجة على الكفار عبدتهم وهذا نحو قوله تعالى لعيسى عليه السلام  أأنت قلت للناس [(١)](#foonote-١) \[ المائدة : ١١٦ \].

١ من الآية(١١٦) من سورة (المائدة)..

### الآية 34:41

> ﻿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ ۖ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ ۖ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ [34:41]

وإذا قال الله تعالى للملائكة هذه المقالة قالت الملائكة  سبحانك  أي تنزيهاً لك عما فعل هؤلاء الكفرة، ثم برؤوا أنفسهم بقولهم  أنت ولينا من دونهم  يريدون البراءة من أن يكون لهم رضى أو علم أو مشاركة في أن يعبدهم البشر، ثم قرروا البشر إنما عبدت الجن برضى الجن وبإغوائها للبشر فلم تنف الملائكة عبادة البشر. إياها وإنما قررت أنها لم تكن لها في ذلك مشاركة، ثم ذنبت الجن، وعبادة البشر للجن هي فيما نعرفه نحن بطاعتهم إياهم وسماعهم من وسوستهم وإغوائهم، فهذا نوع من العبادة، وقد يجوز إن كان في الأمم الكافرة من عبد الجن، وفي القرآن آيات يظهر منها أن الجن عبدت في سورة الأنعام وغيرها.

### الآية 34:42

> ﻿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ [34:42]

ثم قال تعالى : فاليوم  وفي الكلام حذف تقديره فيقال لهم أي من عبد ومن عبد اليوم  لا يملك بعضكم لبعض نفعاً .

### الآية 34:43

> ﻿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَٰذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى ۚ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [34:43]

وقوله  وإذا تتلى عليهم آياتنا  ذكر الله تعالى في هذه الآية أقوال الكفرة وأنواع كلامهم عندما يقرأ عليهم القرآن ويسمعون حكمته وبراهينه البينة، فقائل طعن على النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يقدح في الأوثان ودين الآباء، وقائل طعن عليه بأن هذا القرآن مفترى أي مصنوع من قبل محمد صلى الله عليه وسلم ويدعي أنه من عند الله، وقائل طعن عليه بأن ما عنده من الرقة واستجلاب النفوس واستمالة الأسماع إنما هو سحر به يخلب ويستدعى، تعالى الله عن أقوالهم وتقدست شريعته عن طعنهم.

### الآية 34:44

> ﻿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا ۖ وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ [34:44]

معنى هذه الآية أنهم يقولون بآرائهم في كتاب الله فيقول بعضهم سحر، وبعضهم افتراء، وذلك منهم تسور لا يستندون فيه إلى إثارة علم[(١)](#foonote-١) ولا إلى خبر من يقبل خبره، فإنا ما آتيناهم كتباً يدرسونها ولا أرسلنا إليهم نذيراً فيمكنهم أن يدعوا أن أقوالهم تستند إلى أمره، وقرأ جمهور الناس **«يدْرسونها »** بسكون الدال، وقرأ أبو حيوة **«يدَّرِسونها »** بفتح الدال وشدها وكسر الراء - والمعنى وما أرسلنا من نذير يشافههم بشيء ولا يباشر أهل عصرهم ولا من قرب من آبائهم، وإلا فقد كانت النذارة في العالم وفي العرب مع شعيب وصالح وهود ودعوة الله وتوحيده قائم لم تخل الأرض من داع إليه، فإنما معنى هذه الآية  من نذير  يختص بهؤلاء الذين بعثناك إليهم، وقد كان عند العرب كثير من نذارة إسماعيل، والله تعالى يقول : إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبيّا ً[(٢)](#foonote-٢) ولكن لم يتجرد للنذارة وقاتل عليها إلا محمد صلى الله عليه وسلم.

١ الأثارة: العلامة، وبقية الشيء، وفي الكتاب العزيز:إئتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين، (٤)(الأحقاف)..
٢ من الآية(٥٤) من سورة(مريم)..

### الآية 34:45

> ﻿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي ۖ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ [34:45]

ثم مثل لهم بالأمم المكذبة قبلهم، وقوله  وما بلغوا معشار ما آتيناهم  يحتمل ثلاثة معان : أحدها أن يعود الضمير في  بلغوا  على قريش، وفي  آتيناهم  على الأمم  الذين من قبلهم ، والمعنى من قوة والنعم والظهور في الدنيا، قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد، والثاني أن يعود الضمير في  بلغوا  على الأمم المتقدمة وفي  آتيناهم  على قريش، والمعنى من الآيات والبينات والنور الذي جئتهم به، والثالث أن يعود الضميران على الأم المتقدمة، والمعنى من شكر النعمة وجزاء المنة و **«المعشار »**، ولم يأت هذا البناء إلا في العشرة والأربعة فقالوا : مرباع ومعشار وقال قوم : المعشار عشر العشر. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا ليس بشيء، والنكير مصدر كالإنكار في المعنى وكالعديد في الوزن وسقطت الياء منه تخفيفاً لأنها آخر آية، و  كيف  تعظيم للأمر وليست استفهاماً مجرداً، وفي هذا تهديد لقريش أي أنّهم معرضون لنكير مثله.

### الآية 34:46

> ﻿۞ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ۖ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ [34:46]

ثم أمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعوهم إلى عبادة الله والنظر في حقيقة نبوته هو ويعظهم بأمر مقرب للأفهام فقوله  بواحدة  معناه بقضية واحدة إيجازاً لكم وتقريباً عليكم، وقوله  أن  مفسرة، ويجوز أن تكون بدلاً من  واحدة ، وقوله  تقوموا لله مثنى وفرادى  يحتمل أن يريد بالطاعة والإخلاص والعبادة فتكون الواحدة التي وعظ بها هذه، ثم عطف عليها أن يتفكروا في أمره هل هو به جنة أو هو بريء من ذلك والوقف عند أبي حاتم  ثم تتفكروا . 
قال الفقيه الإمام القاضي : فيجيء  ما بصاحبكم  نفياً مستأنفاً وهو عند سيبويه جواب ما تنزل منزلة القسم لأن تفكر من الأفعال التي تعطي التحقيق كتبين وتكون الفكرة على هذا في آيات الله والإيمان به، ويحتمل أن يريد بقيامهم أن يكون لوجه الله في معنى التفكر في محمد صلى الله عليه وسلم فتكون الواحد التي وعظ بها أن يقوموا لمعنى الفكرة - في أمر صاحبهم، وكأن المعنى أن يفكر الواحد بينه وبين نفسه ويتناظر الاثنان على جهة طلب التحقيق، هل بمحمد صلى الله عليه وسلم جنة أم لا ؟ وعلى هذا لا يوقف على  تتفكروا  وقدم المثنى لأن الحقائق من متعاضدين في النظر أجدى من فكرة واحدة، فإذا انقدح الحق بين الاثنين فكر كل واحد منهما بعد ذلك فيزيد بصيرة وقد قال الشاعر :\[ الطويل \]
إذا اجتمعوا جاءوا بكل غريبة. . . فيزداد بعض القوم من بعضهم علما[(١)](#foonote-١)
وقرأ يعقوب **«ثم تفكروا »** بتاء واحدة، وقال مجاهد بواحدة معناه بلا إله إلا الله وقيل غير هذا مما لا تعطيه الآية، وقوله  بين يدي  مرتب على أن محمداً صلى الله عليه وسلم جاء في الزمن من قبل العذاب الشديد الذي توعدوا به.

١ يريد أن لقاء الأفكار، وتجمع الآراء نتيجة للحوار والمناقشة يأتي بكل نادر وغريب، والإنسان يتعلم من غيره إذا التقى معه في نقاش موضوعي هادئ..

### الآية 34:47

> ﻿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [34:47]

أمره الله تعالى في هذه الآية بالتبري من طلب الدنيا وطلب الأجر على الرسالة وتسليم كل دنيا إلى أربابها والتوكل على الله في الأجر وجزاء الجد والإقرار بأنه شهيد على كل شيء من أفعال البشر وأقوالهم وغير ذلك.

### الآية 34:48

> ﻿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [34:48]

وقوله  يقذف بالحق  يريد بالوحي وآيات القرآن واستعار له القذف من حيث كان الكفار يرمون بآياته وحكمه، وقرأ جمهور القراء **«علاّمُ »** بالرفع أي هو علام، وقرأ عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق **«علاّمَ »** بالنصب إما على البدل من اسم  إن  وإما على المدح، وقرأ الأعمش **«بالحق هو علام الغيوب »**، وقرأ عاصم **«الغِيوب »** بكسر الغين.

### الآية 34:49

> ﻿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ [34:49]

وقوله  قل جاء الحق  يريد الشرع وأمر الله ونهيه، وقال قوم يعني السيف، وقوله  وما يبدىء الباطل وما يعيد ، قالت فرقة : الباطل  هو غير  الحق  من الكذب والكفر ونحوه استعار له الإبداء والإعادة ونفاهما عنه، كأنه قال وما يصنع الباطل شيئاً، وقالت فرقة  الباطل  الشيطان، والمعنى ما يفعل الشيطان شيئاً مفيداً أي ليس يخلق ولا يرزق، وقالت فرقة  ما  استفهام كأنهم قال وأي شيء يصنع الباطل ؟.

### الآية 34:50

> ﻿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي ۖ وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ [34:50]

وقرأ جمهور الناس **«ضلَلت »** بفتح اللام **«فإنما إضِل »** بكسر الضاد، وقرأ الحسن وابن وثاب **«ضلِلت »** بكسر اللام **«أضَل »** بفتح الضاد وهي لغة بني تميم، وقوله  فيما  يحتمل أن تكون **«ما »** بمعنى الذي، ويحتمل أن تكون مصدرية، و  قريب  معناه بإحاطته وإجابته وقدرته.

### الآية 34:51

> ﻿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ [34:51]

واختلف المتأولون في قوله تعالى : لو ترى  الآية، فقال ابن عباس والضحاك : هذا في عذاب الدنيا، وروي أن ابن أبزى[(١)](#foonote-١) قال ذلك في جيش يغزو الكعبة فيخسف بهم في بيداء من الأرض ولا ينجو إلا رجل من جهينة فيخبر الناس بما نال الجيش قالوا بسببه قيل :
وعند جهينة الخبر اليقين[(٢)](#foonote-٢)
وهذا قول سعيد، وروي في هذا المعنى حديث مطول عن حذيفة وذكر الطبري أنه ضعيف السند مكذوب فيه على رواد بن الجراح[(٣)](#foonote-٣)، وقال قتادة : ذلك في الكفار عند الموت، وقال ابن زيد : ذلك في الكفار في بدر ونحوها، وقال الحسن بن أبي الحسن : ذلك في الكفار عند خروجهم من القبور في القيامة. 
قال الفقيه الإمام القاضي : وهذا أرجح الأقوال عندي، وأما معنى الآية فهو التعجيب من حالهم إذا فزعوا من أخذ الله إياهم ولم يتمكن لهم أن يفوت منهم أحد، وقوله  من مكان قريب  معناه أنهم للقدرة قريب حيث كانوا قبل من تحت الأقدام، وهذا يتوجه على بعض الأقوال والذي يعم جميعها أن يقال إن الأخذ يجيئهم من قرب في طمأنينتهم ويعقبها بينا الكافر يؤمل ويظن ويترجى إذ غشيه الأخذ، ومن غشيه أخذ من قريب، فلا حيلة له ولا روية، وقرأ الجمهور **«وأخذوا »**، وقرأ طلحة بن مصرف **«فلا فوت وأخذ »**، كأنه قال وجاء لهم أخذ[(٤)](#foonote-٤) من مكان قريب.

١ في الأصل:"وروي أن أبزى"، والصواب ماذكرناه..
٢ هذا عجز بيت من الوافر، وقد صار مثلا يضرب في معرفة حقيقة الشيء، وقد ذكر الميداني قصة المثل في "مجمع الأمثال" في خبر طويل خلاصته أن رجلا من جهينة اسمه الأخنس بن كعب أحدث في قومه أمرا ثم فرّ هاربا، فلقي حصين بن عمرو الكلابي، وكان قد خرج من قومه أيضا لأمر قد أحدثه، وتعارفا، ثم صحبا كل منهما صاحبه على حذر، ومضيا يقطعان الطريق على الناس، حتى التقيا برجل من لخم يتناول الطعام ومعه أموال كثيرة، فدعاهما لطعامه فأكلا وشربا وتحدثا، ثم ابتعد حصين لبعض أمره، فقتل الجهيني اللخمي، فلما عاد حصين فوجئ بذلك، فلام صاحبه على فعلته، وقال: ويحك، فتكت برجل قد ترحمنا بطعامه وشرابه، ثم غافل الجهيني حصينا وقتله، وأخذ متاعه ومتاع اللخمي وعاد إلى قومه، وفي الطريق التقى بامرأة حصين تسأل عنه فأخبرها أنه قتل زوجها، ثم وقف في القوم يقول أبياتا منها:
 تسائل عن حصين كل ركب وعند جهينة الخبر اليقين
 جهينة معشري وهم ملوك إذا طلبوا المعالي لم يهونوا
 وقال الأصمعي، وابن الأعرابي: اسمه جفينة بالفاء، وكان عنده خبر رجل مقتول، وفيه يقول الشاعر:
 تسائل عن أبيها كل ركب وعند جفينة الخبر اليقين.
٣ في الأصل:"على رواد بن الجراح"، والتصويب عن الطبري وفيه، حدثنا عصام بن رواد بن الجراح... الخ"، والخبر بطوله هناك..
٤ قال ابن جني: يجوز أن يكون فاعلا لفعل محذوف، والتقدير: وأحاط بهم أخذ، ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر محذوف، والتقدير: وهناك أخذ لهم..

### الآية 34:52

> ﻿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّىٰ لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ [34:52]

الضمير في  به  عائد على الله تعالى، وقيل على محمد صلى الله عليه وسلم وشرعه والقرآن، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم وعامة القراء **«التناوُش »** بضم الواو دون همز، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وعاصم أيضاً **«التناؤش »** بالهمز، والأولى معناها التناول من قولهم ناش ينوش إذا تناول وتناوش القوم في الحرب إذا تناول بعضهم بعضاً بالسلاح، ومنه قول الراجز :\[ الرجز \]
فهي تنوش الحوض نوشاً من علا. . . نوشاً به تقطع أجواز الفلا[(١)](#foonote-١)
فكأنه قال وأنى لهم تناول مرادهم وقد بعدوا عن مكان إمكان ذلك، وأما التناؤش بالهمز فيحتمل أن يكون من التناؤش الذي تقدم تفسيره وهمزت الواو لما كانت مضمونة وكانت ضمتها لازمة، كما قالوا أقتت وغير ذلك[(٢)](#foonote-٢)، ويحتمل أن يكون من الطلب، تقول " تناءشت الشيء " [(٣)](#foonote-٣) إذا طلبته من بعد، وقال ابن عباس تناؤش الشيء رجوعه حكاه عنه ابن الأنباري وأنشد :\[ الوافر \]
تمنى أن تؤوب إليك ميّ. . . وليس إلى تناوشها سبيل[(٤)](#foonote-٤)

١ هذان البيتان من الرجز المشطور، ذكرهما صاحب التاج، وصاحب اللسان مرتين، مرة في (علا) شاهدا على أن قوله:(من علا) معناه: من أعلى، ومرة في (نوش) شاهدا على أن التناوش معناه: التناول، وقال في التاج: هو لأبي النجم الراجز، أو لغيلان ابن حريث، أما في اللسان فقد نسبه إلى أبي النجم في (علا)، وإلى غيلان في (نوش). وذكرهما الجوهري في الصحاح ولكنه لم ينسبهما، وقال: المعنى أنها تتناول ماء الحوض من فوق وتشرب شربا كثيرا، وتقطع بذلك الشرب فلوات فلا تحتاج إلى ماء آخر. وذكرهما كذلك الفراء في (معاني القرآن)، وأبو عبيدة في (مجاز القرآن).
 وهذا الضمير في (فَهْيَ) يعود على الإبل، وتنوش الحوض: تتناول منه الماء، من علا: من فوق، وأجواز: جمع جوز وهو الوسط، أي: وسط الصحراء الواسعة، يصف الإبل بأنها عالية الأجسام طويلة الأعناق، ولذلك فهي تتناول الماء من الحوض من فوق وتشرب كثيرا، فيساعدها ذلك على قطع الفلاة بدون أن تحتاج إلى ماء آخر..
٢ قال أبو حيان الأندلسي تعقيبا على ذلك:"ليس على إطلاقه، بل لا يجوز ذلك في المتوسطة إذا كانت مدغمة فيها"..
٣ في الأصل:"اتناءشت الشر"، وهو خطأ، والصواب ما ذكرناه، ونعتقد أن هذا الخطأ نشأ عن تحريف من النساخ..
٤ هذا شاهد على أن التناوش يكون بمعنى الرجوع، ويروى البيت:"تمنى أن تؤوب إلي"، وآب معناها: رجع، وفي الكتاب العزيز:وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب، وفي الحديث الشريف أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أقبل من سفر قال:(آيبون تائبون، لربنا حامدون)، وعلى هذا يكون معنى البيت: يتمنى رجوع ميّ ولكن ليس إلى رجوعها من سبيل، ويكون المعنى في الآية: يطلبون الرجعة إلى الدنيا ليؤمنوا وهيهات لهم ذلك..

### الآية 34:53

> ﻿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ ۖ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ [34:53]

فكأنه قال في الآية : وأنى لهم طلب مرادهم وقد بعد، قال مجاهد المعنى من الآخرة إلى الدنيا، وقرأ جمهور الناس **«ويَقذِفون »** بفتح الياء وكسر الذال على إسناد الفعل إليهم، أي يرجمون بظنونهم ويرمون بها الرسل وكتاب الله، وذلك غيب عنهم في قولهم سحر وافتراء وغير ذلك، قاله مجاهد، وقال قتادة قذفهم بالغيب هو قولهم لا بعث ولا جنة ولا نار، وقرأ مجاهد **«ويُقذَفون »** بضم الياء وفتح الذال على معنى ويرجمهم الوحي بما يكرهون من السماء.

### الآية 34:54

> ﻿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ [34:54]

وقوله  وحيل بينهم وبين ما يشتهون  قال الحسن معناه من الإيمان والتوبة والرجوع إلى الإتابة والعمل الصالح، وذلك أنهم اشتهوه في وقت لا تنفع فيه التوبة، وقاله أيضاً قتادة، وقال مجاهد معناه وحيل بينهم وبين نعيم الدنيا ولذاتها، وقيل حيل بينهم وبين الجنة ونعيمها، وهذا يتمكن جداً على القول بأن الأخذ والفزع المذكورين هو في يوم القيامة[(١)](#foonote-١). 
وقوله  كما فعل بأشياعهم من قبل  الأشياع الفرق المتشابهة، فأشياع هؤلاء هم الكفرة من كل أمة، وهو جمع شيعة[(٢)](#foonote-٢)، وشيع، وقوله  من قبل  يصلح على بعض الأقوال المتقدمة تعلقه بفعل، ويصلح على قوم من قال إن الفزع هو في يوم القيامة تعلقه  بأشياعهم  أي بمن اتصف بصفتهم من قبل في الزمن الأول، لأن ما يفعل بجميعهم إنما هو في وقت واحد. لا يقال فيه  من قبل ، و **«الشك المريب »** أقوى ما يكون من الشك وأشده إظلاماً[(٣)](#foonote-٣).

١ قال الحوفي: الظرف قائم مقام اسم ما لم يسم فاعله في قوله تعالى:وحيل بينهم، وقد عارضه أبو حيان، وبيان بطلان ذلك في البحر المحيط"٧-٢٩٤". ثم قال:"وإنما يخرج ما ورد من مثل هذا على ان القائم مقام الفاعل هو ضمير المصدر الدال عليه(وحيل)، أي: هو، وهو الحول، ولكونه أضمر لم يكن مصدرا مؤكدا فجاز أن يقام مقام الفاعل، وعليه يخرج قول الشاعر:
 وقالت: متى يبخل عليك ويعتلل بسوء وإن يكشف غرامك تدرب
 أي: ويعتلل هو، أي الاعتلال"..
٢ في رأي أكثر اللغويين أن(أشياع) جمع(شيع)، و(شيع): جمع(شيعة)..
٣ نسبة الإربة إلى الشك مجاز؛ قال الزمخشري: إلا أن بينهما فرقا، وهو أن (المريب) من المتعدي منقول ممن يصح أن يكون مريبا من الأعيان على المعنى، ومن اللازم منقول من صاحب الشك إلى الشك، كما تقول: شعر شاعر.
 قيل: ويجوز أن يكون قد أردف (المريب) على (الشك) وهما بمعنى واحد لتناسق آخر الآية بالتي قبلها من مكان قريب، كما تقول: عجب عجيب، وشتا شات، وليلة ليلاء، أي: هو نوع من التأكيد..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/34.md)
- [كل تفاسير سورة سبأ
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/34.md)
- [ترجمات سورة سبأ
](https://quranpedia.net/translations/34.md)
- [صفحة الكتاب: المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز](https://quranpedia.net/book/350.md)
- [المؤلف: ابن عطية](https://quranpedia.net/person/4644.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/34/book/350) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
