---
title: "تفسير سورة فاطر - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل - الزمخشري"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/35/book/346.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/35/book/346"
surah_id: "35"
book_id: "346"
book_name: "الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل"
author: "الزمخشري"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة فاطر - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل - الزمخشري

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/35/book/346)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة فاطر - الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل - الزمخشري — https://quranpedia.net/surah/1/35/book/346*.

Tafsir of Surah فاطر from "الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل" by الزمخشري.

### الآية 35:1

> الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۚ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [35:1]

فَاطِرَ السماوات  مبتدئها ومبتدعها. وعن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما : ما كنت أدري ما فاطر السموات والأرض، حتى اختصم إليَّ أعرابيان في بئر فقال أحدهما : أنا فطرتها، أي ابتدأتها. وقرىء : الذي فطر السموات والأرض وجعل الملائكة. وقرىء :( جاعل الملائكة )، بالرفع على المدح  رُسُلاً  بضم السين وسكونها  أُوْلِى أَجْنِحَةٍ  أصحاب أجنحة، وأولوا : اسم جمع لذوو، كما أن أولاء اسم جمع لذا، ونظيرهما في المتمكنة : المخاض والخلفة  مثنى وثلاث وَرُبَاعَ  صفات لأجنحة، وإنما لم تنصرف لتكرر العدل فيها، وذلك أنها عدلت عن ألفاظ الأعداد عن صيغ إلى صيغ أخر، كما عدل عمر عن عامر، وحذام عن حاذمة، وعن تكرير إلى غير تكرير، وأما الوصفية فلا يفترق الحال فيما بين المعدولة والمعدول عنها. ألا تراك تقول : مررت بنسوة أربع، وبرجال ثلاثة، فلا يعرج عليها ؛ والمعنى : أن الملائكة خلقاً أجنحتهم اثنان اثنان، أي : لكل واحد منهم جناحان، وخلقاً أجنحتهم ثلاثة ثلاثة. وخلقاً أجنحتهم أربعة أربعة  يَزِيدُ فِى الخلق مَا يَشَاء  أي : يزيد في خلق الأجنحة، وفي غيره ما تقتضيه مشيئته وحكمته. والأصل الجناحان : لأنهما بمنزلة اليدين، ثم الثالث والرابع زيادة على الأصل، وذلك أقوى للطيران وأعون عليه، 
فإن قلت : قياس الشفع من الأجنحة أن يكون في كل شقّ نصفه، فما صورة الثلاثة ؟ قلت : لعل الثالث يكون في وسط الظهر بين الجناحين يمدّهما بقوة. أو لعله لغير الطيران ؛ فقد مرّ في بعض الكتب أن صنفاً من الملائكة لهم ستة أجنحة فجناحان يلفون بها أجسادهم، وجناحان يطيران بهما في الأمر من أمور الله، وجناحان مرخيان على وجوههم حياء من الله. وعن رسو ل الله صلى الله عليه وسلم :" أنه رأى جبريل عليه السلام ليلة المعراج وله ستمائة جناح " وروي :" أنه سأل جبريل عليه السلام أن يتراءى له في صورته فقال : إنك لن تطيق ذلك. قال : إني أحب أن تفعل " فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة مقمرة، فأتاه جبريل في صورته فغشي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم أفاق وجبريل عليه السلام مسنده وإحدى يديه على صدره والأخرى بين كتفيه، فقال :" سبحان الله ما كنت أرى أن شيئاً من الخلق هكذا "، فقال جبريل : فكيف لو رأيت إسرافيل : له اثنا عشر جناحاً : جناح منها بالمشرق، وجناح بالمغرب، وإن العرش على كاهله، وإنه ليتضاءل الأحايين لعظمة الله حتى يعود مثل الوصع وهو العصفور الصغير. وروي : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : يَزِيدُ في الخلق مَا يَشَاء  :" هو الوجه الحسن، والصوت الحسن، والشعر الحسن " وقيل :**«الحظ الحسن »**، وعن قتادة : الملاحة في العينين، والآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق : من طول قامة، واعتدال صورة، وتمام في الأعضاء ؛ وقوة في البطش ؛ وحصافة في العقل، وجزالة في الرأي، وجراءة في القلب، وسماحة في النفس، وذلاقة في اللسان ولباقة في التكلم، وحسن تأنّ في مزاولة الأمور ؛ وما أشبه ذلك مما لا يحيط به الوصف.

### الآية 35:2

> ﻿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [35:2]

استعير الفتح للإطلاق والإرسال. ألا ترى إلى قوله : فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ  مكان : لا فاتح له، يعني : أي شيء يطلق الله من رحمة أي من نعمة رزق أو مطر أو صحة أو أمن أو غير ذلك من صنوف نعمائه التي لا يحاط بعددها، وتنكيره الرحمة للإشاعة والإبهام، كأنه قال : من أية رحمة كانت سماوية أو أرضية، فلا أحد يقدر على إمساكها وحبسها، وأيّ شيء يمسك الله فلا أحد يقدر على إطلاقه. 
فإن قلت : لم أنث الضمير أوّلاً، ثم ذكر آخراً ؟ وهو راجع في الحالين إلى الاسم المتضمن معنى الشرط ؟ قلت : هما لغتان : الحمل على المعنى وعلى اللفظ، والمتكلم على الخيرة فيهما، فأنث على معنى الرحمة، وذكر على أن لفظ المرجوع إليه لا تأنيث فيه، ولأن الأوّل فسر بالرحمة، فحسن اتباع الضمير التفسير، ولم يفسر الثاني فترك على أصل التذكير وقرىء :**«فلا مرسل لها »**. 
فإن قلت : لا بدّ للثاني من تفسير، فما تفسيره ؟ قلت : يحتمل أن يكون تفسيره مثل تفسير الأول. ولكنه ترك لدلالته عليه، وأن يكون مطلقاً في كل ما يمسكه من غضبه ورحمته، وإنما فسر الأوّل دون الثاني للدلالة على أن رحمته سبقت غضبه. 
فإن قلت : فما تقول فيمن فسر الرحمة بالتوبة وعزاه إلى ابن عباس رضي الله عنهما ؟ قلت : إن أراد بالتوبة الهداية لها والتوفيق فيها - وهو الذي أراده ابن عباس رضي الله عنهما إن قاله - فمقبول ؛ وإن إراد أنه إن شاء أن يتوب العاصي تاب، وإن لم يشأ لم يتب ؛ فمردود ؛ لأنّ الله تعالى يشاء التوبة أبداً، ولا يجوز عليه أن يشاءها  مِن بَعْدِهِ  من بعد إمساكه، كقوله تعالى : فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله  \[ الجاثية : ٢٣ \]،  فَبِأَىّ حَدِيثٍ بَعْدَ الله  \[ الجاثية : ٦ \] أي من بعد هدايته وبعد آياته  وَهُوَ العزيز  الغالب القادر على الإرسال والإمساك  الحكيم  الذي يرسل ويمسك ما تقتضي الحكمة إرساله وإمساكه.

### الآية 35:3

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ [35:3]

ليس المراد بذكر النعمة ذكرها باللسان فقط، ولكن به وبالقلب، وحفظها من الكفران والغمط وشكرها بمعرفة حقها والاعتراف بها وطاعة موليها. ومنه قول الرجل لمن أنعم عليه : اذكر أياديّ عندك. يريد حفظها وشكرها والعمل على موجبها، والخطاب عام للجميع لأنّ جميعهم مغمورون في نعمة الله. وعن ابن عباس رضي الله عنهما : يريد : يا أهل مكة اذكروا نعمة الله عليكم، حيث اسكنكم حرمة ومنعكم من جميع العالم، والناس يتخطفون من حولكم. وعنه : نعمة الله العافية. وقرىء :**«غير الله »** بالحركات الثلاث ؛ فالجرّ والرفع على الوصف لفظاً ومحلاً، والنصب على الاستثناء. 
فإن قلت : ما محل  يَرْزُقُكُمْ  ؟ قلت : يحتمل أن يكون له محل إذا أوقعته صفة لخالق وأن لا يكون له محل إذا رفعت محل من خالق، بإضمار يرزقكم، وأوقعت يرزقكم تفسيراً له، أو جعلته كلاماً مبتدأ بعد قوله : هَلْ مِنْ خالق غَيْرُ الله . 
فإن قلت : هل فيه دليل على أنّ الخالق لا يطلق على غير الله تعالى ؟ قلت : نعم إن جعلت  يَرْزُقُكُمْ  كلاماً مبتدأ وهو الوجه الثالث من الأوجه الثلاثة. وإمّا على الوجهين الآخرين : وهما الوصف والتفسير. فقد يقيد فيهما بالرزق من السماء والأرض، وخرج من الإطلاق، فكيف يستشهد به على اختصاصه، بالإطلاق ؛ والرزق من السماء المطر، ومن الأرض النبات  لاَ إله إِلاَّ هُوَ  جملة مفصولة لا محل لها \[ من الإعراب \]، مثل : يرزقكم في الوجه الثالث، ولو وصلتها كما وصلت يرزقكم لم يساعد عليه المعنى ؛ لأن قولك : هل من خالق آخر سوى الله لا إله إلاّ ذلك الخالق : غير مستقيم : لأن قولك : هل من خالق سوى الله إثبات لله. فلو ذهبت تقول ذلك : كنت مناقضاً بالنفي بعد الإثبات  فأنى تُؤْفَكُونَ  فمن أي وجه تصرفون عن التوحيد إلى الشرك ؟.

### الآية 35:4

> ﻿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [35:4]

نعى به على قريش سوء تلقيهم لآيات الله، وتكذيبهم بها، وسلى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن له في الأنبياء قبله أسوة حسنة، ثم جاء بما يشتمل على الوعد والوعيد : من رجوع الأمور إلى حكمة ومجازاة المكِذبْ والمكذَبْ بما يستحقانه. وقرىء :**«ترجع »** بضم التاء وفتحها. 
فإن قلت : ما وجه صحة جزاء الشرط ؟ ومن حق الجزاء أن يتعقب الشرط وهذا سابق له. قلت : معناه : وإن يكذبوك فتأس بتكذيب الرسل من قبلك، فوضع : فَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ  موضع : فتأس، استغناء بالسبب عن المسبب : أعني بالتكذيب عن التأسي. 
فإن قلت : ما معنى التنكير في رسل ؟ قلت : معناه فقد كذبت رسل، أي رسل ذوو عدد كثير. وأولوا آيات ونذر. وأهل أعمار طوال وأصحاب صبر وعزم، وما أشبه ذلك، وهذا أسلى له، وأحثّ على المصابرة.

### الآية 35:5

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۖ وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [35:5]

وعد الله الجزاء بالثواب والعقاب  فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ  فلا تخدعنكم  الدنيا  ولا يذهلنكم التمتع بها والتلذذ بمنافعها عن العمل للآخرة وطلب ما عند الله  وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بالله الغرور  لا يقولن لكم اعملوا ما شئتم فإن الله غفور يغفر كل كبيرة ويعفو عن كل خطيئة. والغرور الشيطان لأن ذلك ديدنه وقرىء بالضم وهو مصدر غره كاللزوم والنهوك أو جمع غارّ كقاعد وقعود.

### الآية 35:6

> ﻿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [35:6]

أخبرنا الله عزّ وجلّ أن الشيطان لنا عدوّ مبين، واقتص علينا قصته وما فعل بأبينا آدم عليه السلام، وكيف انتدب لعداوة جنسنا من قبل وجوده وبعده، ونحن على ذلك نتولاه ونطيعه فيما يريد منا مما فيه هلاكنا، فوعظنا عزّ وجلّ بأنه كما علمتم عدوّكم الذي لا عدوّ أعرق في العداوة منه، وأنتم تعاملونه معاملة من لا علم له بحاله  فاتخذوه عَدُوّاً  في عقائدكم وأفعالكم. ولا يوجدن منكم إلاّ ما يدلّ على معاداته ومناصبته في سركم وجهركم.

### الآية 35:7

> ﻿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [35:7]

ثم لخص سر أمره وخطأ من اتبعه بأنّ غرضه الذي يؤمه في دعوة شيعته ومتبعي خطواته : هو أن يوردهم مورد الشقوة والهلاك، وأن يكونوا من أصحاب السعير. ثم كشف الغطاء وقشر اللحاء، ليقطع الأطماع الفارغة والأماني الكاذبة، فبنى الأمر كله على الإيمان والعمل وتركهما.

### الآية 35:8

> ﻿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ۖ فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۖ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [35:8]

لما ذكر الفريقين الذين كفروا والذين آمنوا، قال لنبيه \[ صلى الله عليه وسلم \]  أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ فَرَءاهُ حَسَناً  يعني : أفمن زين له سوء عمله من هذين الفريقين، كمن لم يزين له، فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«لا »** فقال : فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشآء وَيَهْدِى مَن يَشَآء فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حسرات  ومعنى تزيين العمل والإضلال واحد، وهو أن يكون العاصي على صفة لا تجدي عليه المصالح، حتى يستوجب بذلك خذلان الله تعالى وتخليته وشأنه، فعند ذلك يهيم في الضلال ويطلق آمر النهي، ويعتنق طاعة الهوى، حتى يرى القبيح حسناً والحسن قبيحاً، كأنما غلب على عقله وسلب تمييزه، ويقعد تحت قول أبي نواس :

اْقِنِي حَتَّى تَرَانِي  حَسَناً عِنْدِي الْقَبِيحُوإذا خذل الله المصممين على الكفر وخلاهم وشأنهم، فإن على الرسول أن لا يهتم بأمرهم ولا يلقي بالاً إلى ذكرهم، ولا يحزن ولا يتحسر عليهم : اقتداء بسنة الله تعالى في خذلانهم وتخليتهم. وذكر الزجاج أنّ المعنى : أفمن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم حسرة، فحذف الجواب لدلالة فلا تذهب نفسك عليه : أو أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله، فحذف لدلالة  فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ  عليه حسرات : مفعول له يعني : فلا تهلك نفسك للحسرات. وعليهم صلة تذهب، كما تقول : هلك عليه حباً، ومات عليه حزناً. أو هو بيان للمتحسر عليه. ولا يجوز أن يتعلق بحسرات، لأن المصدر لا يتقدم عليه صلته، ويجوز أن يكون حالاً كأن كلها صارت حسرات لفرط التحسر، كما قال جرير :مَشَقَ الْهَوَاجِرُ لَحْمَهُنَّ مَعَ السُّرَى  حَتَّى ذَهَبْنَ كَلاَكِلاً وَصُدُورَاًيريد : رجعن كلاكلاً وصدوراً، أي : لم يبق إلا كلاكلها وصدورها. ومنه قوله :فَعَلَى إثْرِهِمْ تَسَاقَطُ نَفْسِي  حَسَرَاتٍ وَذِكْرُهُمْ لِي سَقَامُوقرىء :**«فلا تذهب نفسك »**  إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ  وعيد لهم بالعقاب على سوء صنيعهم.

### الآية 35:9

> ﻿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ كَذَٰلِكَ النُّشُورُ [35:9]

وقرىء :**«أرسل الريح »**. 
فإن قلت : لم جاء  فَتُثِيرُ  على المضارعة دون ما قبله، وما بعده ؟ قلت ؛ ليحكى الحال التي تقع فيها آثارة الرياح السحاب، وتستحضر تلك الصور البديعة الدالة على القدرة الربانية، وهكذا يفعلون بفعل فيه نوع تمييز وخصوصية، بحال تستغرب، أو تهمّ المخاطب، أو غير ذلك، كما قال تأبّط شراً :

بِأَبِي قَدْ لَقِيتُ الْغُولَ تَهْوِي  بَسَهْبٍ كَالصَّحِيفَةِ صَحْصَحَانفَأَضْرِبُهَا بِلاَ دَهَشٍ فَخَرَّت  صَرِيعاً للْيَدَيْنِ وَلِلْجِرَانِلأنه قصد أن يصوّر لقومه الحالة التي تشجع فيها بزعمه على ضرب الغول، وكأنه يبصرهم إياها ويطلعهم على كنهها، مشاهدة للتعجيب من جرأته على كل هول، وثباته عند كلّ شدّة. وكذلك سوق السحاب إلى البلد الميت، وإحياء الأرض بالمطر بعد موتها : لما كانا من الدلائل على القدرة الباهرة قيل : فسقنا، وأحيينا ؛ معدولاً بهما عن لفظ الغيبة إلى ما هو أدخل في الاختصاص وأدلّ عليه. والكاف في  كذلك  في محلّ الرفع، أي : مثل إحياء الموات نشور الأموات وروي : أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتَى ؟ وَمَا آيَةُ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ ؟ فقال :" هلْ مررتَ بِوَادِي أهْلك محلاً ثُمَّ مررتَ به يهتزّ خضراً " قال : نَعمْ. قالَ :" فكذلكَ يحيي الله الموتى وتلكَ آيتُهُ في خَلْقِهِ " وقيل : يحيي الله الخلق بماء يرسله من تحت العرش كمني الرجال، تنبت منه أجساد الخلق.

### الآية 35:10

> ﻿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ۚ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۖ وَمَكْرُ أُولَٰئِكَ هُوَ يَبُورُ [35:10]

كان الكافرون يتعزرون بالأصنام، كما قال عزّ وجلّ : واتخذوا مِن دُونِ الله ءالِهَةً لّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً  \[ مريم : ٨١ \]، والذين آمنوا بألسنتهم من غير مواطأة قلوبهم كانوا يتعززون بالمشركين، كما قال تعالى : الذين يَتَّخِذُونَ الكافرين أَوْلِيَاء مِن دُونِ المؤمنين أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العزة فَإِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً  \[ النساء : ١٣٩ \] فبين أن لا عزة إلاّ لله ولأوليائه. وقال : وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ  والمعنى فليطلبها عند الله، فوضع قوله : فَلِلَّهِ العزة جَمِيعاً  موضعه، استغناء به عنه لدلالته عليه ؛ لأن الشيء لا يطلب إلا عند صاحبه ومالكه. ونظيره قولك : من أراد النصيحة فهي عند الأبرار، تريد : فليطلبها عندهم ؛ إلاّ أنك أقمت ما يدل عليه مقامه. ومعنى : فَلِلَّهِ العزة جَمِيعاً  أنّ العزّة كلها مختصة بالله : عزة الدنيا وعزة الآخرة. ثم عرف أن ما تطلب به العزة هو الإيمان والعمل الصالح بقوله : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل الصالح يَرْفَعُهُ  والكلم الطيب : لا إله إلاّ الله. عن ابن عباس رضي الله عنهما : يعني أنّ هذه الكلم لا تقبل. ولا تصعد إلى السماء فتكتب حيث تكتب الأعمال المقبولة، كما قال عزّ وجلّ : إِنَّ كتاب الأبرار لَفِى عِلّيّينَ  \[ المطففين : ١٨ \] إلاّ إذا اقترن بها العمل الصالح الذي يحققها ويصدقها فرفعها وأصعدها. وقيل : الرافع الكلم، والمرفوع العمل ؛ لأنه لا يقبل عمل إلاّ من موحد. وقيل : الرافع هو الله تعالى، والمرفوع العمل. وقيل : الكلم الطيب : كل ذكر من تكبير وتسبيح وتهليل وقراءة قرآن ودعاء واستغفار وغير ذلك. وعن النبي صلى الله عليه وسلم :**« هو قول الرجل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر إذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء فحيا بها وجه الرحمن فإذا لم يكن عمل صالح لم يقبل منه »** وفي الحديث :**« ولا يقبل الله قولاً إلاّ بعمل، ولا يقبل قولاً ولا عملاً إلاّ بنية، ولا يقبل قولاً وعملاً ونية إلا بإصابة السنة »** وعن ابن المقفع : قول بلا عمل كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر. وقرىء : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب  على البناء للمفعول. و  إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب  على تسمية الفاعل، من أصعد والمصعد : هو الرجل أي يصعد إلى الله عزّ وجلّ الكلم الطيب، وإليه يصعد الكلام الطيب. وقرىء : والعمل الصالح يَرْفَعُهُ ، بنصب العمل والرافع الكلم أو الله عزّ وجلّ. 
فإن قلت : مكر : فعل غير متعدّ. لا يقال : مكر فلان عمله فبم نصب  السيئات  ؟ قلت : هذه صفة للمصدر، أو لما في حكمه، كقوله تعالى : وَلاَ يَحِيقُ المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ  \[ فاطر : ٤٣ \] أصله والذين مكروا والمكرات السيئات. أو أصناف المكر السيئات، وعنى بهن مكرات قريش حين اجتمعوا في دار الندوة وتداوروا الرأي في إحدى ثلاث مكرات يمكرونها برسول الله صلى الله عليه وسلم : إما إثباته، أو قتله، أو إخراجه كما حكى الله سبحانه عنهم  وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ  \[ الأنفال : ٣٠ \].  وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ  يعني : مكر أولئك الذين مكروا تلك المكرات الثلاث هو خاصة يبور، أي : يكسد ويفسد، دون مكر الله بهم حين أخرجهم من مكة وقتلهم وأثبتهم في قليب بدر، فجمع عليهم مكراتهم جميعاً وحقق فيهم قوله : وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله والله خَيْرُ الماكرين  \[ الأنفال : ٣٠ \] وقوله : وَلاَ يَحِيقُ المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ .

### الآية 35:11

> ﻿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا ۚ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ ۚ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [35:11]

أزواجا  أصنافاً، أو ذكرانا وإناثاً، كقوله تعالى : أَوْ يُزَوّجُهُمْ ذُكْرَاناً وإناثا  \[ الشورى : ٥٠ \] وعن قتادة رضي الله عنه : زوج بعضهم بعضاً  بِعِلْمِهِ  في موضع الحال، أي : إلاّ معلومة له. 
فإن قلت : ما معنى قوله : وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ  ؟ قلت : معناه وما يعمر من أحد، وإنما سماه معمراً بما هو صائر إليه، 
فإن قلت : الإنسان إما معمر، أي طويل العمر : أو منقوص العمر، أي قصيره. فأما أن يتعاقب عليه التعمير وخلافه فمحال، فكيف صحّ قوله : وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ  ؟ قلت : هذا من الكلام المتسامح فيه، ثقة في تأويله بأفهام السامعين، واتكالاً على تسديدهم معناه بعقولهم، وأنه لا يلتبس عليهم إحالة الطول والقصر في عمر واحد. وعليه كلام الناس المستفيض. يقولون : لا يثيب الله عبداً، ولا يعاقبه إلاّ بحق. وما تنعمت بلداً ولا أجتويته إلاّ قل فيه ثوائي وفيه تأويل آخر : هو أنه لا يطول عمر إنسان ولا يقصر إلاّ في كتاب، وصورته : أن يكتب في اللوح : إن حجّ فلان أو غزا فعمره أربعون سنة، وإن حجّ وغزا فعمره ستون سنة، فإذا جمع بينهما فبلع الستين فقد عمر. وإذا أفرد أحدهما فلم يتجاوز به الأربعون، فقد نقص من عمره الذي هو الغاية وهو الستون. وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله :
 " إن الصدقة والصلة تعمران الديار وتزيدان في الأعمار " وعن كعب أنه قال حين طعن عمر رضي الله عنه : لو أن عمر دعا الله لأخّر في أجله، فقيل لكعب : أليس قد قال الله : إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ  \[ يونس : ٤٩ \] قال : فقد قال الله : وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ  وقد استفاض على الألسنة : أطال الله بقاءك، وفسح في مدتك وما أشبهه. وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه : يكتب في الصحيفة عمره كذا وكذا سنة، ثم يكتب في أسفل ذلك : ذهب يوم، ذهب يومان، حتى يأتي على آخره. وعن قتادة رضي الله عنه : المعمر من بلغ الستين سنة، والمنقوص من عمره من يموت قبل ستين سنة، والكتاب : اللوح. عن ابن عباس رضي الله عنهما : ويجوز أن يراد بكتاب الله : علم الله، أو صحيفة الإنسان. وقرىء :**«ولا ينقص »** على تسمية الفاعل من عمره بالتخفيف.

### الآية 35:12

> ﻿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ۖ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ۖ وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [35:12]

ضرب البحرين : العذب والمالح مثلين للمؤمن والكافر، ثم قال على سبيل الاستطراد في صفة البحرين وما علق بهما من نعمته وعطائه  وَمِنْ كُلّ  أي : ومن كل واحد منهما **«تأكلون لحماً طرياً وهو السمك  وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً  وهي اللؤلؤ والمرجان  وَتَرَى الفلك فِيهِ  في كل  مَوَاخِرَ  شواق للماء بجريها، يقال : مخرت السفينة الماء. ويقال للسحاب : بنات مخر، لأنها تمخر الهواء والسفن الذي اشتقت منه السفينة قريب من المخر، لأنها تسفن الماء كأنها تقشره كما تمخره  مِن فَضْلِهِ  من فضل الله، ولم يجر له ذكر في الآية، ولكن فيما قبلها، ولو لم يجر لم يشكل، لدلالة المعنى عليه. وحرف الرجاء مستعار لمعنى الإرادة، ألا ترى كيف سلك به مسلك لام التعليل، كأنما قيل : لتبتغوا، ولتشكروا. والفرات : الذي يكسر العطش. والسائغ : المريء السهل الانحدار لعذوبته. وقرىء :«سيغ »** بوزن سيد : وسيغ بالتخفيف، وملح : على فعل. والأجاج : الذي يحرق بملوحته. ويحتمل غير طريقة الاستطراد : وهو أن يشبه الجنسين بالبحرين، ثم يفضل البحر الأجاج على الكافر ؛ بأنه قد شارك العذب في منافع من السمك واللؤلؤ : وجرى الفلك فيه والكافر خلو من النفع، فهو في طريقة قوله تعالى : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مّن بَعْدِ ذلك فَهِىَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً  \[ البقرة : ٧٤ \] ثم قال : وَإِنَّ مِنَ الحجارة لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الماء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله  \[ البقرة : ٧٤ \].

### الآية 35:13

> ﻿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ ۚ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ [35:13]

ذلكم  مبتدأ. و  الله رَبُّكُمْ لَهُ الملك  أخبار مترادفة. أو  الله رَبُّكُمُ  خبران. وله الملك : جملة مبتدأة واقعة في قران قوله : والذين تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ  ويجوز في حكم الإعراب إيقاع اسم الله صفة لاسم الإشارة. أو عطف بيان. وربكم خبراً. لولا أن المعنى يأباه : والقطمير : لفافة النواة، وهي القشرة الرقيقة الملتفة عليها.

### الآية 35:14

> ﻿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [35:14]

إن تدعوا الأوثان  لاَ يَسْمَعُواْ دُعَاءكُمْ  لأنهم جماد  وَلَوْ سَمِعُواْ  على سبيل الفرض والتمثيل ل  مَا استجابوا لَكُمْ  لأنهم لا يدعون ما تدعون لهم من الإلهية، ويتبرؤون منها. وقيل : ما نفعوكم  يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ  \[ أي باشراككم وعبادتكم إياهم يقولون كنتم إيانا تعبدون \]  وَلاَ يُنَبِئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ  ولا يخبرك بالأمر مخبر هو مثل خبير عالم به. ويريد : أن الخبير بالأمر وحده، هو الذي يخبرك بالحقيقة دون سائر المخبرين به. والمعنى : أنّ هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق، لأني خبير بما أخبرت به. وقرىء :**«يدعون »**، بالياء والتاء.

### الآية 35:15

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [35:15]

فإن قلت : لم عرف الفقراء ؟ قلت : قصد بذلك أن يريهم أنهم لشدة افتقارهم إليه هم جنس الفقراء، وإن كانت الخلائق كلهم مفتقرين إليه من الناس وغيرهم، لأن الفقر مما يتبع الضعف، وكلما كان الفقير أضعف كان أفقر، وقد شهد الله سبحانه على الإنسان بالضعف في قوله : وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً  \[ النساء : ٢٨ \] وقال سبحانه وتعالى : الله الذى خَلَقَكُمْ مّن ضَعْفٍ  \[ الروم : ٥٤ \] ولو نكر لكان المعنى أنتم بعض الفقراء. 
فإن قلت : قد قوبل الفقراء بالغنى، فما فائدة الحميد ؟ قلت : لما أثبت فقرهم إليه وغناه عنهم - وليس كل غني نافعاً بغناه إلاّ إذا كان الغني جواداً منعماً فإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليهم واستحق - بإنعامه عليهم أن يحمدوه الحميد على ألسنه مؤمنيهم.

### الآية 35:16

> ﻿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ [35:16]

مثل خبير عالم به. ويريد: أن الخبير بالأمر وحده، هو الذي يخبرك بالحقيقة دون سائر المخبرين به. والمعنى: أنّ هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق، لأنى خبير بما أخبرت به.
 وقرئ: يدعون، بالياء والتاء.
 \[سورة فاطر (٣٥) : الآيات ١٥ الى ١٧\]
 يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧)
 فإن قلت: لم عرف الفقراء؟ قلت: قصد بذلك أن يريهم أنهم لشدة افتقارهم إليه هم جنس الفقراء، وإن كانت الخلائق كلهم مفتقرين إليه من الناس وغيرهم، لأن الفقر مما يتبع الضعف، وكلما كان الفقير أضعف كان أفقر وقد شهد الله سبحانه على الإنسان بالضعف في قوله وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً وقال سبحانه وتعالى اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ولو نكر لكان المعنى أنتم بعض الفقراء. فإن قلت: قد قوبل الفقراء بالغنى، فما فائدة الحميد؟ قلت: لما أثبت فقرهم إليه وغناه عنهم- وليس كل غنى نافعا بغناه إلا إذا كان الغنىّ جوادا منعما، فإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليهم واستحق عليهم الحمد- ذكر الحميد ليدل به على أنه الغنى النافع بغناه خلقه، الجواد المنعم عليهم المستحق بإنعامه عليهم أن يحمدوه، الحميد على ألسنة مؤمنيهم بِعَزِيزٍ بممتنع، وهذا غضب عليهم لاتخاذهم له أندادا، وكفرهم بآياته ومعاصيهم، كما قال وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وعن ابن عباس رضى الله عنهما: يخلق بعدكم من يعبده لا يشرك به شيئا.
 \[سورة فاطر (٣٥) : آية ١٨\]
 وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨)
 الوزر والوقر: أخوان، ووزر الشيء إذا حمله. والوازرة: صفة للنفس، والمعنى: أن كل نفس يوم القيامة لا تحمل إلا وزرها الذي اقترفته: لا تؤخذ نفس بذنب نفس، كما تأخذ جبابرة الدنيا: الولي بالولى، والجار بالجار. فإن قلت: هلا قيل: ولا تزر نفس وزر أخرى؟
 ولم قيل وازرة؟ قلت: لأن المعنى أن النفوس الوازرات لا ترى منهن واحدة إلا حاملة وزرها، لا وزر غيرها. فإن قلت: كيف توفق بين هذا وبين قوله وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ؟ قلت: تلك الآية في الضالين المضلين، وأنهم يحملون أثقال إضلال الناس مع أثقال ضلالهم، وذلك كله أوزارهم ما فيها شيء من وزر غيرهم. ألا ترى كيف كذبهم الله تعالى في

### الآية 35:17

> ﻿وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [35:17]

بِعَزِيزٍ  بممتنع، وهذا غضب عليهم لاتخاذهم له أنداداً، وكفرهم بآياته ومعاصيهم، كما قال : وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ  \[ محمد : ٣٨ \] وعن ابن عباس رضي الله عنهما : يخلق بعدكم من يعبده لا يشرك به شيئاً.

### الآية 35:18

> ﻿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۗ إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ۚ وَمَنْ تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [35:18]

الوزر والوقر : أخوان ؛ ووزر الشيء إذا حمله. والوازرة : صفة للنفس، والمعنى : أن كل نفس يوم القيامة لا تحمل إلاّ وزرها الذي اقترفته : لا تؤخذ نفس بذنب نفس، كما تأخذ جبابرة الدنيا : الولي بالولي، والجار بالجار. 
فإن قلت : هلا قيل : ولا تزر نفس وزر أخرى ؟ ولم قيل وازرة ؟ قلت : لأن المعنى أن النفوس الوازرات لا ترى منهن واحدة إلاّ حاملة وزرها، لا وزر غيرها. 
فإن قلت : كيف توفق بين هذا وبين قوله : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ  \[ العنكبوت : ١٣ \] ؟ قلت : تلك الآية في الضالين المضلين، وأنهم يحملون أثقال إضلال الناس مع أثقال ضلالهم، وذلك كله أوزارهم ما فيها شيء من وزر غيرهم. ألا ترى كيف كذبهم الله تعالى في قولهم : اتبعوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خطاياكم  \[ العنكبوت : ١٢ \] بقوله تعالى : وَمَا هُمْ بحاملين مِنْ خطاياهم مّن شَىْء  \[ العنكبوت : ١٢ \]. 
فإن قلت : ما الفرق بين معنى قوله : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى  وبين معنى : وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْء  ؟ قلت : الأول في الدلالة على عدل الله تعالى في حكمه، وأنه تعالى لا يؤاخذ نفساً بغير ذنبها، والثاني : في أن لا غياث يومئذ لمن استغاث، حتى أن نفساً قد أثقلتها الأوزار وبهظتها، لو دعت إلى أن يخفف بعض وقرها لم تجب ولم تغث، وإن كان المدعو بعض قرابتها من أب أو ولد أو أخ. 
فإن قلت : إلام أسند كان في  وَلَوْ كَانَ ذَا قربى  ؟ قلت : إلى المدعو المفهوم من قوله : وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ . 
فإن قلت : فلم ترك ذكر المدعو ؟ قلت : ليعمّ، ويشمل كل مدعوّ. 
فإن قلت : كيف استقام إضمار العام ؟ ولا يصحّ أن يكون العام ذا قربى للمثقلة ؟ قلت : هو من العموم الكائن على طريق البدل. 
فإن قلت : ما تقول فيمن قرأ :**«ولو كان ذو قربى »** على كان التامّة، كقوله تعالى : وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ  \[ البقرة : ٢٩٠ \] ؟ قلت : نظم الكلام أحسن ملاءمة للناقصة ؛ لأن المعنى على أن المثقلة إن دعت أحداً إلى حملها لا يحمل منه شيء وإن كان مدعوّها ذا قربى، وهو معنى صحيح ملتئم، ولو قلت : ولو وجد ذو قربى، لتفكك وخرج من اتساقه والتئامه، على أنّ ههنا ما ساغ أن يستتر له ضمير في الفعل بخلاف ما أوردته  بالغيب  حال من الفاعل أو المفعول، أي : يخشون ربهم غائبين عن عذابه أو يخشون عذابه غائباً عنهم. وقيل : بالغيب في السر، وهذه صفة الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه، فكانت عادتهم المستمرّة أن يخشوا الله، وهم الذين أقاموا الصلاة وتركوها مناراً منصوباً وعلماً مرفوعاً، يعني : إنما تقدر على إنذار هؤلاء وتحذيرهم من قومك، وعلى تحصيل منفعة الإنذار فيهم دون متمرّديهم وأهل عنادهم  وَمَن تزكى  ومن تطهر بفعل الطاعات وترك المعاصي. وقرىء :**«من أزكى فإنما يزكي »**، وهو اعتراض مؤكد لخشيتهم وإقامتهم الصلاة، لأنهما من جملة التزكي  وإلى الله المصير  وعد للمتزكين بالثواب. 
فإن قلت : كيف اتصل قوله : إِنَّمَا تُنذِرُ  بما قبله ؟ قلت : لما غضب عليهم في قوله : إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ  أتبعه الإنذار بيوم القيامة وذكر أهوالها، ثم قال : إنما تنذر كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعهم ذلك، فلم ينفع، فنزل : إِنَّمَا تُنذِرُ  أو أخبره الله تعالى بعلمه فيهم.

### الآية 35:19

> ﻿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ [35:19]

الأعمى والبصير  مثل للكافر والمؤمن، كما ضرب البحرين مثلاً لهما أو للصنم والله عزّ وجلّ.

### الآية 35:20

> ﻿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ [35:20]

والظلمات والنور.

### الآية 35:21

> ﻿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ [35:21]

والظل والحرور : مثلان للحق والباطل، وما يؤدّيان إليه من الثواب والعقاب.

### الآية 35:22

> ﻿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ ۖ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [35:22]

والأحياء والأموات : مثل للذين دخلوا في الإسلام والذين لم يدخلوا فيه، وأصروا على الكفر والحرور : السموم ؛ إلاّ أنّ السموم يكون بالنهار، والحرور بالليل والنهار. وقيل : بالليل خاصة. 
فإن قلت : لا المقرونة بواو العطف ما هي ؟ قلت : إذا وقعت الواو في النفي قرنت بها لتأكيد معنى النفي. 
فإن قلت : هل من فرق بين هذه الواوات ؟ قلت : بعضها ضمت شفعاً إلى شفع، وبعضها وتراً إلى وتر  إِنَّ الله يُسْمِعُ مَن يَشَاء  يعني أنه قد علم من يدخل في الإسلام ممن لا يدخل فيه، فيهدي الذي قد علم أنّ الهداية تنفع فيه، ويخذل من علم أنها لا تنفع فيه. وأمّا أنت فخفي عليك أمرهم، فلذلك تحرص وتتهالك على إسلام قوم من المخذولين. ومثلك في ذلك مثل من لا يريد أن يسمع المقبورين وينذر، وذلك ما لا سبيل إليه.

### الآية 35:23

> ﻿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ [35:23]

ثم قال : إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ  أي ما عليك إلاّ أن تبلغ وتنذر، فإن كان المنذر ممن يسمع الإنذار نفع، وإن كان من المصرين فلا عليك. ويحتمل أنّ الله يسمع من يشاء وأنه قادر على أن يهدي المطبوع على قلوبهم على وجه القسر والإلجاء، وغيرهم على وجه الهداية والتوفيق، وأما أنت فلا حيلة لك في المطبوع على قلوبهم الذين هم بمنزلة الموتى.

### الآية 35:24

> ﻿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۚ وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ [35:24]

بالحق  حال من أحد الضميرين، يعني : محقاً أو محقين، أو صفة للمصدر، أي : إرسالاً مصحوباً بالحق. أو صلة لبشير ونذير على : بشيراً بالوعد الحق، ونذيراً بالوعيد الحق \[ وإن من أُمة إلاخلا فيها نذير \]. والأمّة الجماعة الكثيرة. قال الله تعالى : وجد عليه أمّة من الناس  \[ القصص : ٢٣ \]، ويقال لأهل كل عصر : أمّة، وفي حدود المتكلمين : الأمّة هم المصدقون بالرسول صلى الله عليه وسلم دون المبعوث إليهم، وهم الذين يعتبر إجماعهم، والمراد ههنا : أهل العصر. 
فإن قلت : كم من أمّة في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ولم يخل فيها نذير ؟ قلت : إذا كانت آثار النذارة باقية لم تخل من نذير إلى أن تندرس، وحين اندرست آثار نذارة عيسى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم. 
فإن قلت : كيف اكتفى بذكر النذير عن البشير في آخر الآية بعد ذكرهما ؟ قلت : لما كانت النذارة مشفوعة بالبشارة لا محالة، دلّ ذكرها على ذكرها، لا سيما قد اشتملت الآية على ذكرهما.

### الآية 35:25

> ﻿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ [35:25]

بالبينات  بالشواهد على صحة النبوّة وهي المعجزات  وبالزبر  وبالصحف  وبالكتاب المنير  نحو التوراة والإنجيل والزبور. لما كانت هذه الأشياء في جنسهم أسند المجيء بها إليهم إسناداً مطلقاً، وإن كان بعضها في جميعهم : وهي البينات، وبعضها في بعضهم : وهي الزبر والكتاب. وفيه مسلاة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

### الآية 35:26

> ﻿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا ۖ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ [35:26]

الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ مثل للكافر والمؤمن، كما ضرب البحرين مثلا لهما أو للصنم والله عزّ وجلّ، والظلمات والنور والظنّ والحرور: مثلان للحق والباطل، وما يؤدّيان إليه من الثواب والعقاب. والأحياء والأموات: مثل للذين دخلوا في الإسلام والذين لم يدخلوا فيه، وأصروا على الكفر والحرور: السموم، إلا أنّ السموم يكون بالنهار، والحرور بالليل والنهار. وقيل: بالليل خاصة. فإن قلت: لا المقرونة بواو العطف ما هي؟ قلت: إذا وقعت الواو في النفي قرنت بها لتأكيد معنى النفي. فإن قلت: هل من فرق بين هذه الواوات؟ قلت: بعضها ضمت شفعا إلى شفع، وبعضها وترا إلى وتر إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ يعنى أنه قد علم من يدخل في الإسلام ممن لا يدخل فيه، فيهدى الذي قد علم أنّ الهداية تنفع فيه، ويخذل من علم أنها لا تنفع فيه. وأمّا أنت فخفى عليك أمرهم، فلذلك تحرص وتنهالك على إسلام قوم من المخذولين. ومثلك في ذلك مثل من لا يريد أن يسمع المقبورين وينذر، وذلك ما لا سبيل إليه، ثم قال إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ أى ما عليك إلا أن تبلغ وتنذر، فإن كان المنذر ممن يسمع الإنذار نفع، وإن كان من المصرين فلا عليك. ويحتمل أنّ الله يسمع من يشاء وأنه قادر على أن يهدى المطبوع على قلوبهم على وجه القسر والإلجاء، وغيرهم على وجه الهداية والتوفيق، وأما أنت فلا حيلة لك في المطبوع على قلوبهم الذين هم بمنزلة الموتى.
 \[سورة فاطر (٣٥) : آية ٢٤\]
 إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيها نَذِيرٌ (٢٤)
 بِالْحَقِّ حال من أحد الضميرين، يعنى: محقا أو محقين، أو صفة للمصدر، أى: إرسالا مصحوبا بالحق. أو صلة لبشير ونذير على: بشيرا بالوعد الحق، ونذيرا بالوعيد الحق. والأمّة الجماعة الكثيرة. قال الله تعالى: وجد عليه أمّة من الناس، ويقال لأهل كل عصر: أمّة، وفي حدود المتكلمين: الأمّة هم المصدقون بالرسول ﷺ دون المبعوث إليهم، وهم الذين يعتبر إجماعهم، والمراد هاهنا: أهل العصر. فإن قلت: كم من أمّة في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ولم يخل فيها نذير؟ قلت: إذا كانت آثار النذارة باقية لم تخل من نذير إلى أن تندرس، وحين اندرست آثار نذارة عيسى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم. فإن قلت: كيف اكتفى بذكر النذير عن البشير في آخر الآية بعد ذكرهما؟ قلت لما كانت النذارة مشفوعة بالبشارة لا محالة، دلّ ذكرها على ذكرها، لا سيما قد اشتملت الآية على ذكرهما
 \[سورة فاطر (٣٥) : الآيات ٢٥ الى ٢٦\]
 وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٢٦)

### الآية 35:27

> ﻿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ [35:27]

أَلْوَانُهَا  أجناسها من الرمّان والتفاح والتين والعنب وغيرها مما لا يحصر أو هيئاتها من الحمرة والصفرة والخضرة ونحوها. والجدد : الخطط والطرائق. قال لبيد :
أَوْ مَذْهَبْ جُدَد عَلَى أَلْوَاحِهِ \*\*\*
ويقال : جدة الحمار للخطة السوداء على ظهره، وقد يكون للظبي جدتان مسكيتان تفصلان بين لوني ظهره وبطنه  وَغَرَابِيبُ  معطوف على بيض أو على جدد، كأنه قيل : ومن الجبال مخطط ذو جدد، ومنها ما هو على لون واحد غرابيب. وعن عكرمة رضي الله عنه : هي الجبال الطوال السود. 
فإن قلت : الغربيب تأكيد للأسود. يقال : أسود غربيب، وأسود حلكوك : وهو الذي أبعد في السواد وأغرب فيه. ومنه الغراب : ومن حق التأكيد أن يتبع المؤكد كقولك : أصفر فاقع، وأبيض يقق وما أشبه ذلك. قلت : وجهه أن يضمر المؤكد قبله ويكون الذي بعده تفسيراً لما أضمر، كقول النابغة :
وَالْمُؤْمِنُ العَائِذَاتِ الطَّيْرِ \*\*\*
وإنما يفعل ذلك لزيادة التوكيد، حيث يدلّ على المعنى الواحد من طريقي الإظهار والإضمار جميعاً، ولا بدّ من تقدير حذف المضاف في قوله تعالى : وَمِنَ الجبال جُدَدٌ  بمعنى : ومن الجبال ذو جدد بيض وحمر وسود، حتى يؤول إلى قولك : ومن الجبال مختلف ألوانه كما قال : ثمرات مختلفاً ألوانها.

### الآية 35:28

> ﻿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [35:28]

وَمِنَ الناس والدواب والانعام مُخْتَلِفٌ ألوانه  يعني : ومنهم بعض مختلف ألوانه. وقرىء :**«ألوانها »**، وقرأ الزهري :**«جدد »**، بالضم : جمع جديدة، وهي الجدّة. يقال : جديدة وجدد وجدائد، كسفينة وسفن وسفائن. وقد فسر بها قول أبي ذؤيب يصف حمار وحش :
جُونُ السَّرَاةِ لَهُ جَدَائِدُ ارْبَعُ \*\*\*
وروي عنه : جدد، بفتحتين، وهو الطريق الواضح المسفر وضعه موضع الطرائق والخطوط الواضحة المنفصل بعضها من بعض. وقرىء :**«والدواب »** مخففاً ونظير هذا التخفيف قراءة من قرأ :**«ولا الضألين »** لأنّ كل واحد منهما فرار من التقاء الساكنين، فحرك ذاك أوّلهما، وحذف هذا أخرهما. وقوله : كذلك  أي كاختلاف الثمرات والجبال. والمراد : العلماء به الذين علموه بصفاته وعدله وتوحيده، وما يجوز عليه وما لا يجوز، فعظموه وقدروه حق قدره، وخشوه حق خشيته، ومن ازداد به علماً ازداد منه خوفاً، ومن كان علمه به أقل كان آمن. وفي الحديث :" أَعلمُكُم بِاللَّهِ أَشَدُّكُمْ لَهُ خَشْيَةً " وعن مسروق : كفى بالمرء علماً أن يخشى، وكفى بالمرء جهلاً أن يعجب بعلمه. وقال رجل للشعبي : أفتني أيها العالم، فقال : العالم من خشي الله. وقيل : نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقد ظهرت عليه الخشية حتى عرفت فيه. 
فإن قلت : هل يختلف المعنى إذا قدّم المفعول في هذا الكلام أو أخر ؟ قلت : لا بدّ من ذلك، فإنك إذا قدمت اسم الله وأخرت العلماء كان المعنى : أنّ الذين يخشون الله من بين عباده هم العلماء دون غيرهم، وإذا عملت على العكس انقلب المعنى إلى أنهم \[ لا \] يخشون إلا الله، كقوله تعالى :
 وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ الله  \[ الأحزاب : ٣٩ \] وهما معنيان مختلفان. 
فإن قلت : ما وجه اتصال هذا الكلام بما قبله ؟ قلت : لما قال : أَلَمْ تَرَ  بمعنى ألم تعلم أن الله أنزل من السماء ماء، وعدد آيات الله وأعلام قدرته وآثار صنعته وما خلق من الفطر المختلفة الأجناس وما يستدلّ به عليه وعلى صفاته، أتبع ذلك  إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء  كأنه قال : إنما يخشاه مثلك ومن على صفتك : ممن عرفه حق معرفته وعلمه كنه علمه. وعن النبي صلى الله عليه وسلم :" أَنَا أَرجُو أَنْ أكونَ أتقاكُم للَّهِ وأَعْلَمَكُمْ بِهِ " 
فإن قلت : فما وجه قراءة من قرأ :**«إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء »** وهو عمر بن عبد العزيز ويحكى عن أبي حنيفة ؟ قلت : الخشية في هذه القراءة استعارة، والمعنى : إنما يجلهم ويعظمهم، كما يجلّ المهيب المخشي من الرجال بين الناس ومن بين جميع عباده  إِنَّ الله عَزِيزٌ غَفُورٌ  تعليل لوجوب الخشية، لدلالته على عقوبة العصاة، وقهرهم وإثابة أهل الطاعة والعفو عنهم، والمعاقب المثيب : حقه أن يخشى.

### الآية 35:29

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ [35:29]

يَتْلُونَ كتاب الله  يداومون على تلاوته وهي شأنهم وديدنهم. وعن مطرف رحمه الله : هي آية القرّاء. عن الكلبي رحمه الله : يأخذون بما فيه. وقيل : يعلمون ما فيه ويعملون به. وعن السدي رحمه الله : هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم. وعن عطاء : هم المؤمنون  يَرْجُونَ  خبر إن. والتجارة : طلب الثواب بالطاعة.

### الآية 35:30

> ﻿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ [35:30]

و  لِيُوَفّيَهُمْ  متعلق بلن تبور، أي : تجارة ينتفي عنها الكساد وتنفق عند الله ليوفيهم \[ بنفاقهم \] عنده  أُجُورَهُمْ  وهي ما استحقوه من الثواب  وَيَزِيدُهُمْ  من التفضل على المستحق. وإن شئت جعلت  يَرْجُونَ  في موضع الحال على : وأنفقوا راجين ليوفيهم، أي فعلوا جميع ذلك من التلاوة وإقامة الصلاة والإنفاق في سبيل الله لهذا الغرض، وخبر إن قوله : إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ  على معنى : غفور لهم شكور لأعمالهم. والشكر مجاز عن الإثابة.

### الآية 35:31

> ﻿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ [35:31]

الكتاب  القرآن. ومن للتبيين أو الجنس. و**«من »** للتبعيض  مُصَدّقاً  حال مؤكدة ؛ لأنّ الحق لا ينفك عن هذا التصديق  لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ  لما تقدّمه من الكتب  لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ  يعني أنه خبرك وأبصر أحوالك، فرآك أهلاً لأن يوحي إليك مثل هذا الكتاب المعجز الذي هو عيار على سائر الكتب.

### الآية 35:32

> ﻿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [35:32]

فإن قلت : ما معنى قوله : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب  ؟ قلت : فيه وجهان، أحدهما : إنا أوحينا إليك القرآن ثم أورثنا من بعدك أي حكمنا بتوريثه. أو قال : أورثناه وهو يريد نورثه، لما عليه أخبار الله  الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا  وهم أمّته من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم إلى يوم القيامة ؛ لأنّ الله اصطفاهم على سائر الأمم، وجعلهم أمة وسطاً ليكونوا شهداء على الناس، واختصهم بكرامة الانتماء إلى أفضل رسل الله، وحمل الكتاب الذي هو أفضل كتب الله، ثم قسمهم إلى ظالم لنفسه مجرم وهو المرجأ لأمر الله. ومقتصد : هو الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وسابق من السابقين. والوجه الثاني : أنه قدم إرساله في كل أمّة رسولاً وأنهم كذبوا برسلهم وقد جاؤهم بالبينات والزبر والكتاب المنير، ثم قال : إنّ الذين يتلون كتاب الله، فأثنى على التالين لكتبه العاملين بشرائعه من بين المكذبين بها من سائر الأمم واعترض بقوله : والذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الكتاب هُوَ الحق  ثم قال : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا  أي من بعد أولئك المذكورين، يريد بالمصطفين من عباده : أهل الملة الحنيفية.

### الآية 35:33

> ﻿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ [35:33]

فإن قلت : فكيف جعلت  جنات عَدْنٍ  بدلاً من الفضل الكبير، الذي هو السبق بالخيرات المشار إليه بذلك ؟ قلت : لما كان السبب في نيل الثواب، نزل منزلة المسبب، كأنه هو الثواب، فأبدلت عنه جنات عدن، وفي اختصاص السابقين بعد التقسيم بذكر ثوابهم والسكوت عن الآخرين ما فيه من وجوب الحذر، فليحذر المقتصد، وذلك الظالم لنفسه حذراً وعليهما بالتوبة النصوح المخلصة من عذاب الله، ولا يغترا بما رواه عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له " فإنّ شرط ذلك صحة التوبة لقوله تعالى : عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ  \[ التوبة : ١٠٢ \] وقوله : إِمَّا يُعَذّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ  \[ التوبة : ١٠٦ \] ولقد نطق القرآن ذلك في مواضع من استقرأها اطلع على حقيقة الأمر ولم يعلل نفسه بالخدع. وقرىء :**«سباق »** ومعنى : بِإِذُنِ الله  بتيسيره وتوفيقه. 
فإن قلت : لم قدم الظالم ؟ ثم المقتصد ثم السابق ؟ قلت : للإيذان بكثرة الفاسقين وغلبتهم، وأن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم والسابقون أقلّ من القليل. وقرىء :**«جنة عدن »** على الإفراد، كأنها جنة مختصة بالسابقين. وجنات عدن : بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر، أي يدخلون جنات عدن يدخولنها، ويدخلونها، على البناء للمفعول. ويحلون : من حليت : المرأة، فهي حال  وَلُؤْلُؤاً  معطوف على محل من أساور، ومن داخلة للتبعيض، أي : يحلون بعض أساور من ذهب، كأنه بعض سابق لسائر الابعاض، كما سبق المسوّرون به غيرهم. وقيل : إنّ ذلك الذهب في صفاء اللؤلؤ. 
وقرىء :**«ولولؤاً »** بتخفيف الهمزة الأولى.

### الآية 35:34

> ﻿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ [35:34]

وقرىء :**«الحزن »** والمراد : حزن المتقين، وهو ما أهمهم من خوف سوء العاقبة، كقوله تعالى : إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم  \[ الطور : ٢٦- ٢٧ \]. وعن ابن عباس رضي الله عنهما : حزن الاعراض والآفات. وعنه : حزن الموت. وعن الضحاك : حزن إبليس ووسوسته. وقيل : همّ المعاش. وقيل : حزن زوال النعم، وقد أكثروا حتى قال بعضهم : كراء الدار، ومعناه : أنه يعمّ كل حزن من أحزان الدين والدنيا. حتى هذا. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ليس على أهل لا إله إلاّ الله وحشة في قبورهم ولا في محشرهم ولا في مسيرهم ؛ وكأني بأهل لا إله إلاّ الله يخرجون من قبورهم وهم ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن " وذكر الشكور : دليل على أن القوم كثيرو الحسنات.

### الآية 35:35

> ﻿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ [35:35]

المقامة : بمعنى الإقامة يقال : أقمت إقامة ومقاماً ومقامة  مِن فَضْلِهِ  من عطائه وإفضاله، من قولهم : لفلان فضول على قومه وفواضل، وليس من الفضل الذي هو التفضل ؛ لأنّ الثواب بمنزلة الأجر المستحق، والتفضل كالتبرع. وقرىء :**«لغوب »** بالفتح : وهو اسم ما يلغب منه، أي : لا تتكلف عملاً يلغبنا : أو مصدر كالقبول والولوغ، أو صفة للمصدر، كأنه لغوب لغوب، كقولك : موت مائت، 
فإن قلت : ما الفرق بين النصب واللغوب ؟ قلت : النصب التعب والمشقة التي تصيب المنتصب للأمر المزاول له. وأما اللغوب فما يلحقه من الفتور بسبب النصب فالنصب نفس المشقة والكلفة. واللغوب : نتيجته وما يحدث منه من الكلال والفترة.

### الآية 35:36

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ [35:36]

" والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور وهم يسترخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير " " فيموتوا " جواب النفي ونصبه بإضمار أن : وقرئ : فيموتون عطفا على يقضي وإدخالا له في حكم النفي أي : لا يقضي عليهم الموت فلا يموتون كقوله تعالى :" ولا يؤذن لهم فيعتذرون " المرسلات : ٣٦، " كذلك " مثل ذلك الجزاء " نجري " وقرئ : يجارى. ونجزي " كل كفور " بالنون ".

### الآية 35:37

> ﻿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ۚ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ۖ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [35:37]

يصطرخون " يتصارخون : يفتعلون من الصراخ وهو الصياح بجهد وشدة. قال :
كصرخة حبلى أسلمتها قبيلها \*\*\*
واستعمل في الاستغاثة لجهد المستغيث صوته. 
فإن قلت : هلا اكتفى بصالحا كما اكتفى به في قوله تعالى :" فارجعنا نعمل صالحا " السجدة : ١٢ وما فائدة زيادة " غير الذي كنا نعمل " على أنه على أنه يؤذن أنهم يعلمون صالحا آخر غير الصالح الذي عملوه ؟ قلت : فائدة زيادة التحسر على ما عملوه من غير الصالح مع الاعتراف به. وأما الوهم فزائل لظهور حالهم في الكفر وركوب المعاصي لأنهم كانوا يحسبون أنهم على سيرة صالحة كما قال الله تعالى :" وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا " الكهف : ١٠٤ فقالوا : أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نحيبه صالحا فنعمله " أولم نعمركم " توبيخ من الله يعني : فنقول لهم. وقرئ : وما يذكر فيه من أذكر على الإدغام وهو متناول لكل عمر تمكن فيه المكلف من إصلاح شأنه وإن قصر ؛ إلا أن التوبيخ في المتطاول أعظم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم : العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة. وعن مجاهد : ما بين العشرين إلى الستين. وقيل : ثماني عشرة وسبع عشرة و " النذير " الرسول صلى الله عليه وسلم. وقيل : الشيب. وقرئ : وجاءتكم النذر
فإن قلت : علام عطف وجاءكم النذير ؟ قلت : على معنى : أو لم نعمركم ؛ لأن لفظه لفظ استخبار. ومعناه معنى إخبار كأنه قيل : قد عمرناكم وجاءكم النذير

### الآية 35:38

> ﻿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [35:38]

" إن الله عالم غيب السموات والأرض إنه عليم بذات الصدور " " إنه عليم بذات الصدور " كالتعليل لأنه إذا علم مافي الصدور وهو أخفى ما يكوهن فقد علم كل غيب في العالم وذات الصدور : مضمراتها وهي تأنيث ذو في محو قول أبي بكر رضي الله عنه : ذو بطن خارجة جارية وقوله : لتغني عني ذا إنائك أجمعا المعنى ما في بطنها من الحبل وما في إنائك من الشراب ؛ لأن الحبل والشراب يصحبان البطن والإناء. ألا ترى إلى قولهم : معها حبل وكذلك المضمرات تصحب الصدور وهي معها وذو : موضوع لمعنى الصحبة

### الآية 35:39

> ﻿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ۖ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا ۖ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا [35:39]

" هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد كفرهم إلا خسارا " 
يقال للمستخلف : خليفة ؛ فالخليفة تجمع خلائف والخليف : خلفاء والمعنى أنه جعلكم خلفاءه في أرضه قد ملككم مقاليد التصريف فيها وسلطكم على ما فيها وأباح لكم منافعها لتشكروه بالتوحيد والطاعة " فمن كفر " منكم وغمط مثل هذه النعمة السنية فوبال كفره راجع عليه وهو مقت الله الذي ليس وراءه خزي وصغار وخسارة الآخرة الذي ما بقي بعده خسار والمقت : أشد البغض. ومنه قيل لمن ينكح امرأته أبيه : مقتي لكونه ممقوتا في كل قلب. وهو خطاب للناس. وقيل : خطاب لمن بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أي جعلكم فعليه جزاء كفره من مقت الله وخسار الآخرة كما أن ذلك حكم من قبلكم

### الآية 35:40

> ﻿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَىٰ بَيِّنَتٍ مِنْهُ ۚ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا [35:40]

" قل أرءيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات أم ءاتيناهم كتابا فهم على بينت منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا " " أروني " بدل من أرأيتم : لأن المعنى : أرأيتم أخبروني كأنه قال : أخبروني عن هؤلاء الشركاء وعما استحقوا به الإلهية والشركة أروني أي جزء من أجزاء الأرض استبدوا بخلقه دون الله أم لهم مع الله شركة في خلق السموات أم معهم كتاب من عند الله ينطق بأنهم شركاؤه فهم على حجة وبرهان من ذلك الكتاب. أو يكون الضمير في " ءاتيناكم " للمشركين كقوله : تعالى :" أم أنولنا عليهم سلطانا " الروم : ٣٥ أم آتيناهم كتابا من قبله بل إن يعد بعضهم وهم الرؤوساء " بعضا وهم الأتباع " إلا غرورا " وهو قولهم :" هؤلاء شفعاؤنا عند الله " يونس : ١٨ وقرئ : بينات.

### الآية 35:41

> ﻿۞ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ۚ وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ ۚ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [35:41]

" إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا " " أن تزولا " كراهة أن تزولا. أو يمنعهما من أن تزولا : لأن الإمساك منع " غنه كان حليما غفورا " غير معاجل بالعقوبة حيث يمسكها وكانتا جديرتين بأن تهدا هدا لعظم كلمة الشرك كما قال :" تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض " مريم : ٩٠. وقرئ : ولو زالتا وإن أمسكهما : جواب القسم في " ولئن زالتا " سد مسد الجوابين ومن الأولى مزيدة لتأكيد النفي والثانية : للإبتداء. ومن بعده : من بعد إمساكه. وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال لرج لمقبل من الشام : من لقيت به ؟ قال : كعبا. قال : وما سمعته يقول ؟ قال : سمعته يقول : إن السموات على منكب ملك. قال : كذب كعب. أما ترك يهوديته بعد ثم قرأ هذه الآية.

### الآية 35:42

> ﻿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا [35:42]

" وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن اهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا استكبارا في الأرض ومكر السي ولا يحيق المكر الئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شئ في السموات ولا في ألأرض إنه كان عليما قديرا " بلغ قريشا قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم فقالوا : لعن الله اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم فوالله لئن أتانا رسول لنكونن أهدى من إحدى الأمم فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبوه. وفي " إحدى الأمم " وجهان أحدهما : من بعض الأمم ومن واحدة من الأمم من اليهود والنصارى وغيرهم. والثاني : من الأمة التي يقال لها إحدى الأمم تفصيلا لها على غيرها في الهدى والاستقامة " ما زادهم " اسناد مجازي لأنه هو لسبب في أنزادوا أنفسهم. نفورا عن الحق وابتعادا عنه كقوله تعالى :" فزادتهم رجسا إلى رجسهم " التوبة : ١٢٥.

### الآية 35:43

> ﻿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [35:43]

" استكبارا " بدل من نفورا. أو مفعول له على معنى : فما زادهم إلا أن نفروا استكبارا وعلوا " في الأرض " أو حال بمعنى : مستكبرين وماكرين برسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. ويجوز أن يكون " ومكر السئ " معطوفا على نفورا
فإن قلت : فما وجه قوله :" ومكر السئ " ؟ قلت : أصله : وأن مكروا السيئ أي المكر السيئ ثم ومكرا السيئ. ثم ومكر السيئ والدليل عليه قوله تعالى :" ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله " ومعنى يحيق : يحيط وينزل. وقرئ : ولا يحيق المكر السيئ أي لا يحيق الله ولقد حاق بهم يوم بدر. وعن النبي صلى الله عليه وسلم : ا تمكروا ولا تعينوا ماكرا ؛ فإن الله تعالى يقول :" ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله " ولا تبغوا ولا تعينوا باغيا يقول الله تعالى :" إنما بغيكم على أنفسكم " يونس : ٢٣. وعن كعب أنه قال لابن عباس رضي الله عنهما : قرأت في التوراة : من حفر مغواة وقع فيها. قال : أنا وجدت ذلك في كتاب الله وقرأ الآية. وفي أمثال العرب : من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكبا. وقرأ حمزة : ومكر السيئ بإسكان الهمزة وذلك لاستقاله الحركات مع الياء والهمزة ولعله اختلس فظن سكونا أو وقف وقفة خفيفة ثم ابتدى " ولا يحيق ". وقرأ ابن مسعود : ومكرا سيئا " سنت الأولين " إنزال العذاب على الذين كذبوا برسلهم من الأمم قبلهم وجعل استقبالهم لذلك انتظارا له منهم وبين أن عادجته التي هي الانتقام من مكذبي الرسل عادة لا يبدلها ولا يحولها أي : لا يغيرها وأن ذلك مفعول له لا محالة.

### الآية 35:44

> ﻿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [35:44]

واستشهد عليهم بما كانوا يشاهدونه في مسايرهم ومتاجرهم في رحلهم إلى الشام والعراق واليمن : من آثار الماضين وعلامات هلاكهم ودمارهم " ليعجزه " ليسبقه ويفوته.

### الآية 35:45

> ﻿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَٰكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا [35:45]

" ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا " " يما كسبوا " بما اقترفوا من معاصيهم " على ظهرها " على ظهر الأرض " من دابة " من نسمة تدب عليها يريد بني آدم. وقيل : ما ترك بني آدم وغيرهم من سائر الدواب بشؤم ذنوبهم. وعن ابن مسعود : كاد الجعل يعذب في جحره بذنب ابن آدم ثم تلا هذه الآية. وعن أنس : إن الضب ليموت هزالا في جحره بذنب ابن آدم. وقيل : يحبس المطر فيهلك كل شئ " إلى أجل مسمى " إلى يوم القيامة " كان بعباده بصيرا " وعيد بالجزاء

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/35.md)
- [كل تفاسير سورة فاطر
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/35.md)
- [ترجمات سورة فاطر
](https://quranpedia.net/translations/35.md)
- [صفحة الكتاب: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل](https://quranpedia.net/book/346.md)
- [المؤلف: الزمخشري](https://quranpedia.net/person/3927.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/35/book/346) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
