---
title: "تفسير سورة فاطر - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/35/book/350.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/35/book/350"
surah_id: "35"
book_id: "350"
book_name: "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز"
author: "ابن عطية"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة فاطر - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/35/book/350)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة فاطر - المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز - ابن عطية — https://quranpedia.net/surah/1/35/book/350*.

Tafsir of Surah فاطر from "المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز" by ابن عطية.

### الآية 35:1

> الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۚ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [35:1]

الألف واللام في  الحمد  لاستغراق الجنس على أتم عموم، لأن  الحمد  بالإطلاق على الأفعال الشريفة والكمال هو لله تعالى والشكر مستغرق فيه لأنه فصل من فصوله، و  فاطر  معناه خالق لكن يزيد في المعنى الانفراد بالابتداء لخلقها، ومنه قول الأعرابي المتخاصم في البئر عند ابن عباس : أنا فرطتها، أراد بدأت حفرها. قتال ابن عباس ما كنت أفهم معنى  فاطر  حتى سمعت قول الأعرابي[(١)](#foonote-١)، وقرأ الجمهور **«الحمد لله فطر »**، وقرأ جمهور الناس **«جاعلِ »** بالخفض، وقرأت فرقة **«جاعلُ »** بالرفع على قطع الصفة، وقرأ خليد بن نشيط **«جعل »** على صيغة الماضي **«الملائكة »** نصباً، فأما على هذه القراءة الأخيرة فنصب قوله  رسلاً  على المفعول الثاني، وأما على القراءتين المتقدمتين فقيل أراد ب **«جاعل »** الاستقبال لأن القضاء في الأزل وحذف التنوين تخفيفاً وعمل عمل المستقبل في  رسلاً ، وقالت فرقة  جاعل  بمعنى المضي و  رسلاً  نصب بإضمار فعل، و  رسلاً  معناه بالوحي وغير ذلك من أوامره، فجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل رسل، والملائكة المتعاقبون رسل، والمسددون لحكام العدل رسل وغير ذلك، وقرأ الحسن **«رسْلاً »** بسكون السين، و  أولي  جمع واحده ذو، تقول ذو نهية والقوم أولو نهي، وروي عن الحسن أنه قال في تفسير قول مريم  إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً [(٢)](#foonote-٢) \[ مريم : ١٨ \] قال علمت مريم أن التقي ذو نهية. 
وقوله  مثنى وثلاث ورباع  ألفاظ معدولة من اثنين وثلاثة وأربعة عدلت في حال التنكير فتعرفت بالعدل، فهي لا تنصرف للعدل والتعريف، وقيل للعدل والصفة، وفائدة العدل الدلالة على التكرار لأن  مثنى  بمنزلة قولك اثنين اثنين، وقال قتادة : إن أنواع الملائكة هي هكذا منها ما له جناحان، ومنها ما له ثلاثة، ومنها ما له أربعة، ويشذ منها ما له أكثر من ذلك، وروي أن لجبريل ستمائة جناح منهِا اثنان تبلغ من المشرق إلى المغرب، وقالت فرقة المعنى أن في كل جانب من الملك جناحين، ولبعضهم ثلاثة في كل جانب، ولبعضهم أربعة، وإلا فلو كانت ثلاثة لكل واحد لما اعتدلت في معتاد ما رأيناه نحن من الأجنحة، وقيل بل هي ثلاثة لكل واحد كالحوت والله أعلم بذلك، وقوله تعالى : يزيد في الخلق ما يشاء  تقرير لما يقع في النفوس من التعجب والاستغراب عن الخبر بالملائكة أولي الأجنحة، أي ليس هذا ببدع في قدرة الله تعالى فإنه يزيد في خلقه ما يشاء، وروي عن الحسن وابن شهاب أنهما قالا المزيد هو حسن لصوت قال الهيثم الفارسي : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال لي : أنت الهيثم الذي تزين القرآن بصوتك جزاك الله خيراً، وقيل الزيادة الخط الحسن، وقال النبي عليه السلام :
**«الخط الحسن يزيد الحق وضوحاً »**[(٣)](#foonote-٣)، وقال قتادة الزيادة ملاحة العينين. 
قال القاضي أبو محمد : وقيل غير هذا وهذه الإشارة إنما ذكرها من ذكرها على جهة المثال لا أن المقصود هي فقط، وإنما مثل بأشياء هي زيادات خارجة عن الغالب الموجود كثيراً وباقي الآية بين.

١ جاء أعرابيان غلى ابن عباس رضي الله عنهما يختصمان في بئر، فقال أحدهما:"أنا فطرتها" أي: أنا ابتدأت حفرها، والفَطر في اللغة: الشق عن الشيء، يقال: فطرته فانفطر، ومنه: فطر ناب البعير، أي طلع، وسيف فطار، أي: فيه تشقق، قال عنترة:
 وسيفي كالعقيقة فهو كِمعي سلاحي لا أفل ولا فطارا
 أي: هو كشعاع الشمس، وهو ضجيعي، ليس فيه شقوق ولا ثلوم..
٢ من قوله تعالى في الآية(١٨) من سورة (مريم):قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا..
٣ أخرجه الديلمي في مسند الفردوس، عن أم سلمة رضي الله عنها، ورمز له الإمام السيوطي في الجامع الصغير بأنه ضعيف. وفي القرطبي:"وقال مهاجر الكلاعي: قال النبي صلى الله عليه وسلم:(الخط الحسن... الحديث)..

### الآية 35:2

> ﻿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [35:2]

وقوله  ما يفتح الله   ما  شرط، و  يفتح  جزم بالشرط، وقوله  من رحمة  عام في كل خير يعطيه الله تعالى للعباد جماعتهم وأفذاذهم، وقوله  من بعده  فيه حذف مضاف أي من بعد إمساكه، ومن هذه الآية سمت الصوفية ما تعطاه من الأموال والمطاعم وغير ذلك الفتوحات، ومنها كان أبو هريرة يقول " مطرنا بنوء الفتح "، ويقرأ الآية[(١)](#foonote-١).

١ الخبر في موطإ الإمام مالك رحمه الله..

### الآية 35:3

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ [35:3]

وقوله  يا أيها الناس  خطاب لقريش وهو متجه لكل كافر، ولا سيما لعباد غير الله، وذكرهم تعالى بنعمة الله عليهم في خلقهم وإيجادهم، ثم استفهمهم على جهة التقرير والتوقيف بقوله  هل من خالق غير الله  أي فليس إله إلا الخالق لا ما تعبدون أنتم من الأصنام، وقرأ حمزة والكسائي **«غيرِ »** بالخفض نعتاً على اللفظ وخبر الابتداء  يرزقكم  وهي قراءة أبي جعفر وشقيق وابن وثاب، وقرأ الباقون غير نافع بالرفع، وهي قراءة شيبة بن نصاح وعيسى والحسن بن أبي الحسن، وذلك يحتمل ثلاثة أوجه : أحدها النعت على الموضع والخبر مضمر تقديره في الوجود أو في العالم وأن يكون **«غيرُ »** خبر الابتداء الذي هو في المجرور والرفع على الاستثناء، كأنه قال هل خالق إلا الله، فجرت **«غير »** مجرى الفاعل بعد  إلا [(١)](#foonote-١)، وقوله  من السماء  يريد بالمطر ومن  الأرض  يريد بالنبات، وقوله  فأنى تؤفكون  معناه فلأي وجه تصرفون عن الحق.

١ قال أبو حيان في (البحر المحيط):"وفي هذا نظر، وهو أن اسم الفاعل أو ما جرى مجراه إذا اعتمد على أداة الاستفهام وأجري مجرى الفعل فرفع ما بعده، هل يجوز أن تدخل عليه (من) التي للاستغراق، فتقول: هل من قائم الزيدون؟ كما تقول: هل قائم الزيدون؟ والظاهر أنه لا يجوز، ألا ترى أنه إذا أجري مجرى الفعل لا يكون فيه عموم خلافه إذا أدخلت عليه(من)، ولا أحفظ مثله في لسان العرب، وينبغي ألا يقدم على إجازة مثل هذا إلا بسماع من كلام العرب"..

### الآية 35:4

> ﻿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [35:4]

ثم سلى نبيه صلى الله عليه وسلم بما سلف من حال الرسل مع الأمم، و  الأمور  تعم جميع الموجودات المخلوقات إلى الله مصير جميع ذلك على اختلاف أحوالها، وفي هذا وعيد للكفار ووعد للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم وعظ عز وجل جميع العالم وحذرهم غرور الدنيا بنعيمها وزخرفها الشاغلة عن المعاد الذي له يقول الإنسان : يا ليتني قدمت لحياتي  \[ الفجر : ٢٤ \] ولا ينفعه ليت يومئذ، وحذر غرور الشيطان.

### الآية 35:5

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۖ وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [35:5]

وقوله  إن وعد الله  عبارة عن جميع خبره عز وجل في خير وتنعم أو عذاب أو عقاب، وقرأ جمهور الناس **«الغَرور »** بفتح الغين وهو الشيطان قاله ابن عباس، وقرأ سماك العبدي وأبو حيوة **«الغُرور »** بضم الغين وذلك يحتمل أن يكون جمع غار كجالس وجلوس، ويحتمل أن يكون جمع غر وهو مصدر غره يغره غراً، ويحتمل أن يكون مصدراً وإن كان شاذاً في الأفعال المتعدية أن يجيء مصدرها على فعول لكنه قد جاء لزمه لزوماً ونهكه المرض نهوكاً فهذا مثله وكذلك هو مصدر في قوله  فدلاهما بغرور [(١)](#foonote-١) \[ الأعراف : ٢٢ \].

١ من الآية(٢٢) من سورة (الأعراف)..

### الآية 35:6

> ﻿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [35:6]

قوله تعالى : إن الشيطان  الآية، يقوي قراءة من قرأ **«الغَرور »** بفتح الغين، وقوله  فاتخذوه عدواً  أي بالمباينة والمقاطعة والمخالفة له باتباع الشرع، و **«الحزب »** الحاشية والصاغية[(١)](#foonote-١)، واللام في قوله  ليكونوا  لام الصيرورة لأنه لم يدعهم إلى السعير إنما اتفق أن صار أمرهم عن دعائه إلى ذلك، و  السعير  طبقة من طبقات جهنم وهي سبع طبقات.

١ صياغة الرجل: خاصته الميالون لاتباعه..

### الآية 35:7

> ﻿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [35:7]

وقوله  الذين كفروا  في موضع رفع بالابتداء وهذا هو الحسن لعطف  الذين آمنوا  عليه بعد ذلك فهي جملتان تعادلتا، وجوز بعض الناس في  الذين  أن يكون بدلاً من الضمير في  يكونوا  وجوز غيره أن يكون  الذين  في موضع نصب بدلاً من  حزبه  وجوز بعضهم أن يكون في موضع خفض بدلاً من  أصحاب  وهذا كله محتمل، غير أن الابتداء أرجح.

### الآية 35:8

> ﻿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ۖ فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۖ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [35:8]

وقوله تعالى : أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً  توقيف وجوابه محذوف تقديره عنده الكسائي تذهب نفسك حسرات عليهم، ويمكن أن يتقدر كمن اهتدى ونحو هذا من التقدير، وأحسنها ما دل اللفظ بعد عليه، وقرأ طلحة **«أمن زين »** بغير فاء، وهذه الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن كفر قومه، ووجب التسليم لله تعالى في إضلال من شاء وهداية من شاء، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن أمرهم وأن لا يبخع نفسه أسفاً عليهم، وقرأ جمهور الناس **«فلا تذهَبُ »** بفتح التاء والهاء **«نفسُك »** بالرفع، وقرأ أبو جعفر وقتادة وعيسى والأشهب **«تُذهِبَ »** بضم التاء وكسر الهاء نفسك بالنصب، ورويت عن نافع، و **«الحسرة »** هم النفس على فوات أمر، واستشهد ابن زيد لذلك بقوله تعالى : يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله [(١)](#foonote-١) \[ الزمر : ٥٦ \] ثم توعد تعالى الكفرة بقوله  إن الله عليم بما يصنعون .

١ من الآية٥٦) من سورة (الزمر)..

### الآية 35:9

> ﻿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ كَذَٰلِكَ النُّشُورُ [35:9]

هذه آية احتجاج على الكفرة في إنكار البعث من القبور، فدلهم تعالى على المثال الذي يعاينونه وهو سواء مع إحياء الموتى، و **«البلد الميت »** هو الذي لا نبت فيه قد اغبر من القحط فإذا أصابه الماء من السحاب اخضر وأنبت فتلك حياته، و  النشور  مصدر نشر الميت إذا حيي، ومنه قول الأعشى :
يا عجبا للميت الناشر[(١)](#foonote-١). . .

١ هذا عجز بيت قاله الأعشى من قصيدة له يهجو بها علقمة بن علاثة ويمدح عامر ابن الطفيل في المنافرة التي جرت بينهما، وهو بتمامه مع بيت قبله:
 لو أسندت ميتا إلى نحرها عاش ولم يُنقل إلى قابر
 حتى يقول الناس مما رأوا يا عجبا للميت الناشر
 واستعماله(مَيْت وميِّت) يدل على انهما بمعنى واحد، وقد جمع بينهما عدي بن الرعلاء حين قال:
 ليس من مات فاستراح بميْت إنما الميت ميِّت الأحياء
 إنما الميت من يعيش كئيبا كاسفا باله قليل الرجاء
 وإلى هذا يميل أكثر اللغويين، وإن كان الجوهري قد حكى عن الفراء قوله:"يقال لمن لم يمت: إنه مائت عن قليل، وميِّت، ولا يقولون لمن مات: هذا مائت". قال صاحب اللسان: وهذا خطأ، وإنما(ميت) يصلح لما قد مات ولما سيموت، قال تعالى:إنك ميت وإنهم ميتون، والآية هنا أكبر دليل على أن(الميت) بالتشديد تكون للميت بالفعل، وغيرها يدل على أن الميت بالتخفيف هو الميت أيضا بالفعل، وأن كلا من المخففة والمثقلة بمعنى واحد..

### الآية 35:10

> ﻿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ۚ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۖ وَمَكْرُ أُولَٰئِكَ هُوَ يَبُورُ [35:10]

وقوله تعالى : من كان يريد العزة  يحتمل ثلاثة معان : أحدها أن يريد  من كان يريد العزة  بمغالبة  فلله العزة  أي ليست لغيره ولا تتم إلا له وهذا المغالب مغلوب ونحا إليه مجاهد، وقال  من كان يريد العزة  بعبادة الأوثان. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا تمسك بقوله تعالى : واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزاً [(١)](#foonote-١) \[ مريم : ٨١ \]
والمعنى الثاني  من كان يريد العزة  وطريقها القويم ويحب نيلها على وجهها  فلله العزة  أي به وعن أوامره لا تنال عزته إلا بطاعته[(٢)](#foonote-٢)، ونحا إليه قتادة. والمعنى الثالث وقاله الفراء  من كان يريد  علم  العزة فلله العزة  أي هو المتصف بها، و  جميعاً  حال، وقوله تعالى : إليه يصعد الكلم الطيب  أي التوحيد والتمجيد وذكر الله ونحوه، وقرأ الضحاك **«إليه يُصعد »** بضم الياء، وقرأ جمهور الناس **«الكلم »** وهو جمع كلمة، وقرأ أبو عبد الرحمن **«الكلام »**، و  الطيب  الذي يستحسن سماعه الاستحسان الشرعي، وقال كعب الأحبار : إن لسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر لدوياً حول العرش كدوي النحل تذكر بصاحبها، وقوله تعالى : والعمل الصالح يرفعه  اختلف الناس في الضمير في  يرفعه  على من يعود، فقالت فرقة يعود على  العمل ، واختلفت هذه الفرقة فقال قوم الفاعل ب **«يرفع »** هو  الكلم  أي والعمل يرفعه الكلم وهو قول لا إله إلا الله لأنه لا يرتفع عمل إلا بتوحيد، وقال بعضهم الفعل مسند إلى الله تعالى أي **«والعمل الصالح يرفعه هو »**. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا أرجح الأقوال، وقال ابن عباس وشهر بن حوشب ومجاهد وقتادة الضمير في  يرفعه  عائد على  الكلم  أي أن العمل الصالح هو يرفع الكلم. 
قال القاضي أبو محمد : واختلفت عبارات أهل هذه المقالة فقال بعضها وروي عن ابن عباس أن العبد إذا ذكر الله وقال كلاماً طيباً وأدى فرائضه ارتفع قوله مع عمله، وإذا قال ولم يؤد فرائضه رد قوله على عمله، وقيل عمله أولى به. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا قول يرده معتقد أهل الحق والسنة ولا يصح[(٣)](#foonote-٣) عن ابن عباس، والحق أن العاصي التارك للفرائض إذا ذكر الله تعالى وقال كلاماً طيباً فإنه مكتوب له متقبل منه وله حسناته وعليه سيئاته، والله تعالى يتقبل من كل من اتقى الشرك، وأيضاً فإن  الكلم الطيب  عمل صالح وإنما يستقيم قول من يقول إن العمل هو الرافع ل  الكلم  بأن يتأول أنه يزيد في رفعه وحسن موقعه إذا تعاضد معه، كما أن صاحب الأعمال من صلاة وصيام وغير ذلك إذا تخلل أعماله كلم طيب وذكر لله كانت الأعمال أشرف. 
قال القاضي أبو محمد : فيكون قوله  والعمل الصالح يرفعه  موعظة وتذكرة وحضاً على الأعمال[(٤)](#foonote-٤)، وذكر الثعلبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :**«لا يقبل الله قولاً إلا بعمل ولا عمل إلا بنية »**[(٥)](#foonote-٥)، ومعناه قولاً يتضمن أن قائله عمل عملاً أو يعمله في الأنف، وأما الأقوال التي هي أعمال في نفوسها كالتوحيد والتسبيح فمقبولة على ما قدمناه، وقرأت فرقة **«والعملَ »** بالنصب **«الصالحَ »** على النعت وعلى هذه القراءة ف  يرفعه  مستند إما إلى الله تعالى وإما إلى  الكلم ، والضمير في  يرفعه  عائد على  العمل  لا غير، وقوله  يمكرون السيئات  إما أنه عدى  يمكرون  لما أحله محل يكسبون، وإما أنه حذف المفعول وأقام صفته مقامه تقديره يمكرون المكرات السيئات، و  يمكرون  معناه يتخابثون ويخدعون وهم يظهرون أنهم لا يفعلون، و  يبور  معناه يفسد ويبقى لا نفع فيه، وقال بعض المفسرين يدخل في الآية أهل الربا. 
قال القاضي أبو محمد : ونزول الآية أولاً في المشركين.

١ من الآية(٨١) من سورة (مريم)..
٢ قال صلى الله عليه وسلم مفسرا لقوله تعالى:من كان يريد العزة فلله العزة جميعا:(من أراد عز الدارين فليطع العزيز)، ولقد أحسن من قال:
 وإذا تذللت الرقاب تواضعا منا إليك فعزها في ذلها
 ومن اعتز بالله أعزه الله، ومن اعتز بالعبد أذله الله..
٣ الذي في الأصول:"والأصح عن ابن عباس رضي الله عنهما، والصواب ما ذكرناه، وقد نقله القرطبي في تفسيره هكذا..
٤ نقل القرطبي كلام ابن عطية هذا، وفيما نقله زيادة على ما هنا، وهي:"وأما الأقوال التي هي أعمال في نفوسها، كالتوحيد والتسبيح فمقبولة". (القرطبي١٤-٣٣٠)..
٥ ذكر القرطبي الحديث كاملا، ونصه:(لا يقبل الله قولا إلا بعمل، ولا يقبل قولا وعملا إلا بنية، ولا يقبل قولا وعملا ونية إلا بإصابة السنة)، ووجدت في الجامع الصغير حديثا أخرجه الطبراني في الكبير، ورمز له الإمام السيوطي بأنه حديث حسن، ولفظه:(لا يقبل إيمان بلا عمل، ولا عمل بلا إيمان)، وليس فيه ذكر للأقوال، وإنما هو بيان لقيمة العمل في الإسلام إلى جانب العقيدة..

### الآية 35:11

> ﻿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا ۚ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ ۚ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [35:11]

هذه آية تذكير بصفات الله تعالى على نحو ما تقدم، وهذه المحاورة إنما هي في أمر الأصنام وفي بعث الأجساد من القبور، وقال تعالى : خلقكم من تراب  من حيث خلق آدم أبانا منه، وقوله  ثم من نطفة  أي بالتناسل من مني الرجال، و  أزواجاً  قيل معناه أنواعاً، وقيل أراد تزويج الرجال النساء، وقوله تعالى : ومن يعمر من معمر ولا ينقص من عمره  اختلف الناس في عود الضمير في قوله  من عمره ، فقال ابن عباس وغيره ما مقتضاه أنه عائد على  معمر  الذي هو اسم جنس والمراد غير الذي يعمر، أي أن القول يتضمن شخصين يعمر أحدهما مائة سنة أو نحوها وينقص من عمر الآخر بأن يكون عاماً واحداً أو نحوه، وهذا قول الضحاك وابن زيد لكنه أعاد ضميراً إيجازاً واختصاراً، والبيان التام أن تقول ولا ينقص من عمر معمر لأن لفظة  معمر  هي بمنزلة ذي عمر. 
قال القاضي أبو محمد : كأنه قال **«ولا يعمر من ذي عمر ولا ينقص من عمر ذي عمر »**، وقال ابن عباس أيضاً وأبو مالك وابن جبير المراد شخص واحد وعليه الضمير أي ما يعمر إنسان ولا ينقص من عمره بأن يحصي ما مضى منه إذا مر حول كتب ذلك، ثم حول، ثم حول، فهذا هو النقص، قال ابن جبير ما مضى من عمره فهو النقص وما يستقبل فهو الذي يعمر، وروي عن كعب الأحبار أنه قال المعنى  ولا ينقص من عمره  أي لا يخرم بسبب قدرة الله، ولو شاء لأخر ذلك السبب. 
قال القاضي أبو محمد : وروي أنه قال : حين طعن عمر لو دعا الله تعالى لزاد في أجله، فأنكر عليه المسلمون ذلك وقالوا : إن الله تعالى يقول  فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة [(١)](#foonote-١) \[ الأعراف : ٣٤، النحل : ٦١ \] فاحتج بهذه الآية وهو قول ضعيف مردود يقتضي القول بالأجلين، وبنحوه تمسكت المعتزلة، وقرأ الحسن والأعرج وابن سيرين **«ينقِضُ »** على بناء الفعل للفاعل أي ينقص الله، وقرأ **«من عمْره »** بسكون الميم الحسن وداود، و **«الكتاب »** المذكور في الآية اللوح المحفوظ، وقوله  إن ذلك  إشارة إلى تحصيل هذه الأعمال وإحصاء دقائقها وساعاتها.

١ من الآية(٣٤) من سورة (الأعراف)، وتكرر في الآية(٦١) من سورة(النحل)..

### الآية 35:12

> ﻿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ۖ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ۖ وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [35:12]

هذه آية أخرى يستدل بها كل عاقل ويقطع أنها مما لا مدخل لصنم فيه، و  البحران  يريد بهما جميع الماء الملح وجميع الماء العذب حيث كان، فهو يعني به جملة هذا وجملة هذا، و **«الفرات »** الشديد العذوبة، و **«الأجاج »** الشديد الملوحة الذي يميل إلى المرارة من ملوحته، قال الرماني هو من أججت النار كأنه يحرق من حرارته، وقرأ عيسى الثقفي **«سيّغ شرابه »** بغير ألف وبشد الياء، وقرأ طلحة **«مَلِح »** بفتح الميم وكسر اللام، و **«اللحم الطري »** الحوت وهو موجود في البحرين، وكذلك  الفلك  تجري في البحرين، وبقيت **«الحلية »** وهي اللؤلؤ والمرجان، فقال الزجاج وغيره هذه عبارة تقتضي أن الحلية تخرج منهما، وهي إنما تخرج من الملح وذلك تجوز كما قال في آية أخرى  يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان [(١)](#foonote-١) \[ الرحمن : ٢٢ \]، وكما قال  يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم [(٢)](#foonote-٢) \[ الأنعام : ١٢٨ \]، والرسل إنما هي من الإنس، وقال بعض الناس بل الحلية تخرج من البحرين، وذلك أن صدف اللؤلؤ إنما يلحقه فيما يزعمون ماء النيسان، فمنه ما يخرج ويوجد الجوهر فيه، ومنه ما ينشق في البحر عند موته وتقطعه، فيخرج جوهرة بالعطش وغير ذلك من الحيل، فهذا هو من الماء الفرات، فنسب إليه الإخراج لما كان من الحلية بسبب، وأيضاً فإن المرجان يزعم طلابه في البحر أنه إنما يوجد وينبت في موضع بإزائها انصباب ماء أنهار في البحر وأيضاً فإن البحر الفرات كل ينصب في البحر الأجاج فيجيء الإخراج منهما جميعاً. 
قال القاضي أبو محمد : وقد خطىء أبو ذؤيب في قوله في صفة الجوهر :\[ الطويل \]
فجاء بها ما شئت من لطمية. . . على وجهها ماء الفرات يموج[(٣)](#foonote-٣)
وليس ذلك بخطإ على ما ذكرنا من تأويل هذه الفرقة، و  الفلك  في هذا الموضع جمع بدليل صفته بجمع، و  مواخر  جمع ماخرة وهي التي تمخر الماء أي تشقه، وقيل الماخرة التي تشق الريح، وحينئذ يحدث الصوت، والمخر الصوت الذي يحدث من جري السفينة بالريح، وعبر المفسرون عن هذا بعبارات لا تختص باللفظة، فقال بعضهم **«المواخر »** التي تجيء وتذهب بريح واحدة، وقال مجاهد الريح تمخر السفن ولا تمخر الريح من السفن إلا الفلك العظام. 
قال القاضي أبو محمد : هكذا وقع لفظه في البخاري، والصواب أن تكون  الفلك  هي الماخرة لا الممخورة وقوله تعالى : لتبتغوا  يريد بالتجارات والحج والغزو وكل سفر له وجه شرعي.

١ الآية(٢٢) من سورة (الرحمن)..
٢ من الآية(١٣٠) من سورة(الأنعام)..
٣ البيت من قصيدة تطرق فيها أبو ذؤيؤ الهذلي إلى وصف ابنة السهمي، وشبهها بأنها درة عثر عليها غواص بعد أن اجتاز إليها لجة بعد لجة، وبعد أن أصابه التعب والإعياء فالضمير في (بها) يعود على الدرة، ورواية البيت في الديوان:(تدوم البحار فوقها وتموج)، وقال شارحه: ويروى:(يدوم الفرات)، يقول: إن هذه الدرة قد جاء بها التاجر في اللطائم، واللطيمة: عير تحمل التجارة والعطر، فإن لم يكن فيها عطر فليست بلطيمة، ومعنى(تدوم البحار): تسكن فوقها، وتموج: تتحرك، أي: تذهب وتجيء. قال الأصمعي: "الفرات: العذب، ولا يجيء منه الدر؛ إلا أنه غلط، وظن أن الدرة إذا كانت في الماء العذب فليس لها شبه، ولم يعلم أنها لا تكون في العذب"، وابن عطية هنا يدفع ما قيل من خطئه على التأويل الذي ذكره..

### الآية 35:13

> ﻿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ ۚ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ [35:13]

يولج  معناه يدخل، وهذه عبارة عن أن ما نقص من  الليل  زاد  في النهار ، فكأنه دخل فيه، وكذلك ما نقص من  النهار  يدخل  في الليل  والألف واللام في  الشمس والقمر  هي للعهد، وقيل هي زائدة لا معنى لها ولا تعريف[(١)](#foonote-١) وهذا أصوب، و **«الأجل المسمى »** هو قيام الساعة، وقيل آماد الليل وآماد النهار، ف **«أجل »** على هذا اسم جنس، وقرأ جمهور الناس **«تدعون »** بالتاء، وقرأ الحسن ويعقوب **«يدعون »** بالياء من تحت، و ****«القطمير »**** القشرة الرقيقة التي على نوى التمرة هذا قول الناس الحجة، وقال جويبر[(٢)](#foonote-٢) عن رجاله ****«القطمير »**** القمع الذي في رأس التمرة، وقاله الضحاك والأول أشهر وأصوب. 
١ أعاد الضمير على"اللف واللام" مفردا باعتبارهما بعد التركيب حرفا واحدا هو"أل"..
٢ تصغير جابر، يقال: اسمه جابر، وجويبر لقبه، ابن سعيد الأزدي، أبو القاسم البلخي، نزيل الكوفة، راوي التفسير، قال عنه في "تقريب التهذيب": ضعيف جدا، من الخامسة، مات سنة الأربعين. وهناك جابر أو جويبر العبدي، قال عنه في "التقريب". مقبول من الثالثة، ولا نعرف من المقصود منهما هنا..

### الآية 35:14

> ﻿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [35:14]

ثم بين تعالى أمر الأصنام بثلاثة أشياء كلها تعطي بطلانها، : أولها أنها لاتسمع إن دعيت، والثاني أنها لا تجيب أن لو سمعت وإنما جاء بهذه لأن لقائل متعسف أن يقول عساها تسمع، والثالث أنها تتبرأ يوم القيامة من الكفار، ويكفرون بشركهم أي بأن جعلوهم شركاء لله فأضاف الشرك إليهم من حيث هم قرروه، فهو مصدر مضاف إلى الفاعل، وقوله  يكفرون  يحتمل ان يكون بكلام، وعبارة يقدر الله الأصنام عليها ويخلق لها إدراكاً يقتضيها، ويحتمل أن يكون بما يظهر هناك من جمودها وبطولها عند حركة كل ناطق ومدافعة كل محتج فيجيء هذا على طريق التجوز كما قال ذو الرمة :\[ الطويل \]
وقفت على ربع لمية ناطق. . . يخاطبني آثاره وأخاطبه
وأسقيه حتى كاد مما أبثه. . . تكلمني أحجاره وملاعبه[(١)](#foonote-١)
وهذا كثير، وقوله  ولا ينبئك مثل خبير  قال المفسرون قتادة وغيره **«الخبير »** هنا أراد به تعالى نفسه فهو الخبير الصادق الخبر نبأ بهذا فلا شك في وقوعه، ويحتمل أن يكون قوله  ولا ينبئك مثل خبير  من تمام ذكر الأصنام، كأنه قال : ولا يخبرك مثل من يخبر عن نفسه أي لا أصدق في تبريها من شرككم منها فيريد بالخبير على هذا المثل له، كأنه قال  ولا ينبئك مثل خبير  عن نفسه وهي قد أخبرت عن نفسها بالكفر بهؤلاء.

١ الربع: الموضع ينزل فيه زمن الربيع، أو الدار وما حولها، أو الحي، وآثاره: بقاياه وما ترك فيه السكان بعد الرحيل، أبث فلانا: أطلعه على سري وأشجاني. يقول: أوقفت ناقتي على منزلة مية، وإنه لمنزل ناطق، حادثته وشكوت إليه أخباري وأسراري، وكادت أحجاره وآثاره تجاوبني وتناجيني، فقد أنطق ذو الرمة آثار الديار، وجعلها تتكلم، على طريق التجوز، وهذا هو الشاهد هنا..

### الآية 35:15

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [35:15]

هذه آية موعظة وتذكير، والإنسان فقير إلى الله تعالى في دقائق الأمور وجلائلها لا يستغني عنه طرفة عين، وهو به مستغن عن كل واحد، والله تعالى غني عن الناس وعن كل شيء من مخلوقاته غني على الإطلاق، و  الحميد  المحمود بالإطلاق.

### الآية 35:16

> ﻿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ [35:16]

\[سورة فاطر (٣٥) : الآيات ١٣ الى ١٤\]

 يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)
 يُولِجُ معناه يدخل، وهذه عبارة عن أن ما نقص من اللَّيْلَ زاد فِي النَّهارِ، فكأنه دخل فيه، وكذلك ما نقص من النَّهارِ يدخل فِي اللَّيْلِ والألف واللام في الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ هي للعهد، وقيل هي زائدة لا معنى لها ولا تعريف وهذا أصوب، و **«الأجل المسمى»** هو قيام الساعة، وقيل آماد الليل وآماد النهار، ف **«أجل»** على هذا اسم جنس، وقرأ جمهور الناس **«تدعون»** بالتاء، وقرأ الحسن ويعقوب **«يدعون»** بالياء من تحت، و ****«القطمير»**** القشرة الرقيقة التي على نوى التمرة هذا قول الناس الحجة، وقال جوبير عن رجاله ****«القطمير»**** القمع الذي في رأس التمرة، وقاله الضحاك والأول أشهر وأصوب، ثم بين تعالى أمر الأصنام بثلاثة أشياء كلها تعطي بطلانها: أولها أنها لا تسمع إن دعيت، والثاني أنها لا تجيب أن لو سمعت وإنما جاء بهذه لأن لقائل متعسف أن يقول عساها تسمع، والثالث أنها تتبرأ يوم القيامة من الكفار، ويكفرون بشركهم أي بأن جعلوهم شركاء لله فأضاف الشرك إليهم من حيث هم قرروه، فهو مصدر مضاف إلى الفاعل، وقوله يَكْفُرُونَ يحتمل أن يكون بكلام، وعبارة يقدر الله الأصنام عليها ويخلق لها إدراكا يقتضيها، ويحتمل أن يكون بما يظهر هناك من جمودها وبطولها عند حركة كل ناطق ومدافعة كل محتج فيجيء هذا على طريق التجوز كما قال ذو الرمة: \[الطويل\]وقفت على ربع لمية ناطق  يخاطبني آثاره وأخاطبهوأسقيه حتى كاد مما أبثه  تكلمني أحجاره وملاعبه وهذا كثير، وقوله وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ قال المفسرون قتادة وغيره **«الخبير»** هنا أراد به تعالى نفسه فهو الخبير الصادق الخبر نبأ بهذا فلا شك في وقوعه، ويحتمل أن يكون قوله وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ من تمام ذكر الأصنام، كأنه قال: ولا يخبرك مثل من يخبر عن نفسه أي لا أصدق في تبريها من شرككم منها فيريد بالخبير على هذا المثل له، كأنه قال وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ عن نفسه وهي قد أخبرت عن نفسها بالكفر بهؤلاء.
 **قوله عز وجل:**
 \[سورة فاطر (٣٥) : الآيات ١٥ الى ١٨\]
 يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧) وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨)
 هذه آية موعظة وتذكير، والإنسان فقير إلى الله تعالى في دقائق الأمور وجلائلها لا يستغني عنه طرفة

### الآية 35:17

> ﻿وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [35:17]

وقوله تعالى  بعزيز  أي بممتنع.

### الآية 35:18

> ﻿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۗ إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ۚ وَمَنْ تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [35:18]

و  تزر  معناه تحمل، والوزر الثقل، وهذه الآية في الذنوب والآثام والجرائم، قاله قتادة وابن عباس ومجاهد، وسببها أن الوليد بن المغيرة قال لقوم من المؤمنين اكفروا بمحمد وعلي وزركم، فحكم الله تعالى بأنه لا يحملها أحد عن أحد، ومن تطرق من الحكام إلى أخذ قريب بقريبه في جريمة كفعل زيادة ونحوه فإنما ذلك لأن المأخوذ ربما أعان المجرم بمؤازرة ومواصلة أو اطلاع على حاله وتقرير لها، فهو قد أخذ من الجرم بنصيب[(١)](#foonote-١)، وهذا هو المعنى في قوله تعالى  وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم [(٢)](#foonote-٢) \[ العنكبوت : ١٣ \] لأنهم أغووهم، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم **«من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة بعده، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها بعده »**[(٣)](#foonote-٣) وأنثت  وازرة  لأنه ذهب بها مذهب النفس وعلى ذلك أجريت  مثقلة ، و **«الحمل »** ما كان على الظهر في الأجرام، ويستعار للمعاني كالذنوب ونحوها، فيجعل كل محمول متصلاً بالظهر، كما يجعل كل اكتساب منسوباً إلى اليد[(٤)](#foonote-٤)، واسم  كان  مضمر تقديره ولو كان الداعي، ثم أخبر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أنه إنما ينذر أهل الخشية وهم الذي يمنحون العلم، أي إنما ينتفع بالإنذار هم وإلا فلنذارة جميع العالم بعثه، وقوله  بالغيب  أي وهو بحال غيبة عنهم إنما هي رسالة، ثم خصص من الأعمال إقامة الصلاة تنبيهاً عليها وتشريفاً لها، ثم حض على التزكي بأن رجى عليه غاية الترجية، وقرأ طلحة **«ومن أزكى فإنما يزكي »**، ثم توعد بعد ذلك بقوله  وإلى الله المصير . 
قال القاضي أبو محمد : وكل عبارة مقصرة عن تبيين فصاحة هذه الآية، وكذلك كتاب الله كله، ولكن يظهر الأمر لنا نحن في مواضع أكثر منه في مواضع بحسب تقصيرنا.

١ قال أبو حيان تعقيبا على كلام ابن عطية هذا:"وكان ابن عطية تأول أفعال زياد وما فعل في الإسلام، وكانت سيرته قريبة من سيرة الحجاج"..
٢ من الآية(١٣) من سورة (العنكبوت)..
٣ أخرجه مسلم في العلم، وفي الزكاة، والنسائي في الزكاة، وأحمد في مسنده (٤-٣٥٩، ٣٦٠، ٣٦١)، ولفظه كما في صحيح مسلم في كتاب العلم، عن جرير بن عبد الله، قال: جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عليهم الصوف، فرأى سوء حالهم، قد أصابتهم حاجة، فحث الناس على الصدقة، فأبطئوا عنه حتى رؤي ذلك في وجهه، قال: ثم إن رجلا من الأنصار جاء بصرة من ورق، ثم جاء آخر، ثم تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(من سن في الإسلام سنة حسنة فعُمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها، ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعُمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم من شيء)..
٤ فيقال عن كل عمل يعمله الإنسان ولو بغير يده:"كسبت يداه كذا وكذا"، أو يلام على ما فعل إن كان سيئا فيقال له: هذا نتيجة ما كسبت يداك"..

### الآية 35:19

> ﻿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ [35:19]

مضمن هذه الآية طعن على الكفرة وتمثيل لهم بالعمى والظلمات وتمثيل المؤمنين بآرائهم بالبصراء والأنوار، وقوله  ولا النور  ودخول  لا  فيها وفيما بعدها إنما هو على نية التكرار كأنه قال  ولا الظلمات  والنور،  ولا النور  ولا الظلمات، فاستغنى بذكر الأوائل عن الثواني ودل مذكور الآية على متروكه[(١)](#foonote-١).

١ عقب أبو حيان الأندلسي في "البحر المحيط" على كلام ابن عطية هذا بعد أن نقله بقوله:"وما ذكر غير محتاج إلى تقديره؛ لأنه إذا نفى استواء الظلمات والنور فأي فائدة في تقدير نفي استوائهما ثانيا وادعاء محذوفين؟ وأنت تقول: ما قام زيد ولا عمرو، فتؤكد بـ(لا) معنى النفي فكذلك هنا". وكأن هذا الاعتراض منصب على التقدير، لأن أبا حيان عاد بعد قليل فقال:"وكرر(لا) لتأكيد المنافاة، فالظلمات تنافي النور وتضاده، والظل والحرور كذلك، والأعمى والبصير ليسا كذلك؛ لأن الشخص الواحد قد يكون بصيرا ثم يعرض له العمى، فلا منافاة إلا من حيث الوصف، والمنافاة بين الظل والحرور دائمة، ولهذا أكدها بالتكرار، وكذلك المنافاة بين الأحياء والأموات أتم، من حيث أن الجسم الواحد يكون محلا للحياة ثم يصير محلا للموت، أما الأعمى والبصير فقد يشتركان في إدراك شيء ما"، ومعنى هذا أن أبا حيان يعلل تكرار(لا) بتأكيد المنافاة.
 .

### الآية 35:20

> ﻿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ [35:20]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٩:مضمن هذه الآية طعن على الكفرة وتمثيل لهم بالعمى والظلمات وتمثيل المؤمنين بآرائهم بالبصراء والأنوار، وقوله  ولا النور  ودخول  لا  فيها وفيما بعدها إنما هو على نية التكرار كأنه قال  ولا الظلمات  والنور،  ولا النور  ولا الظلمات، فاستغنى بذكر الأوائل عن الثواني ودل مذكور الآية على متروكه[(١)](#foonote-١). 
١ عقب أبو حيان الأندلسي في "البحر المحيط" على كلام ابن عطية هذا بعد أن نقله بقوله:"وما ذكر غير محتاج إلى تقديره؛ لأنه إذا نفى استواء الظلمات والنور فأي فائدة في تقدير نفي استوائهما ثانيا وادعاء محذوفين؟ وأنت تقول: ما قام زيد ولا عمرو، فتؤكد بـ(لا) معنى النفي فكذلك هنا". وكأن هذا الاعتراض منصب على التقدير، لأن أبا حيان عاد بعد قليل فقال:"وكرر(لا) لتأكيد المنافاة، فالظلمات تنافي النور وتضاده، والظل والحرور كذلك، والأعمى والبصير ليسا كذلك؛ لأن الشخص الواحد قد يكون بصيرا ثم يعرض له العمى، فلا منافاة إلا من حيث الوصف، والمنافاة بين الظل والحرور دائمة، ولهذا أكدها بالتكرار، وكذلك المنافاة بين الأحياء والأموات أتم، من حيث أن الجسم الواحد يكون محلا للحياة ثم يصير محلا للموت، أما الأعمى والبصير فقد يشتركان في إدراك شيء ما"، ومعنى هذا أن أبا حيان يعلل تكرار(لا) بتأكيد المنافاة.
 .


---

### الآية 35:21

> ﻿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ [35:21]

و  الحرور  شدة حر الشمس، وقال رؤبة بن العجاج  الحرور  بالليل والسموم بالنهار، وليس كما قال وإنما الأمر كما حكى الفراء وغيره أن السموم يختص بالنهار و  الحرور  يقال في حر الليل وفي حر النهار[(١)](#foonote-١)، وتأول قوم  الظل  في هذه الآية الجنة، و  الحرور  جهنم.

١ يرى أبو حيان أن هذا الاعتراض على كلام رؤبة مرفوض، قال: "لأنه تؤخذ منه اللغة، فأخبر عن لغة قومه"..

### الآية 35:22

> ﻿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ ۖ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [35:22]

وشبه المؤمنين ب  الأحياء  والكفرة ب  الأموات  من حيث لا يفهمون الذكر ولا يقبلون عليه، ثم رد الأمر إلى مشيئة الله تعالى بقوله  إن الله يسمع من يشاء ، وقوله  وما أنت بمسمع من في القبور  تمثيل بما يحسه البشر ويعهده جميعنا من أن الميت الذي في القبر لا يسمع، وأما الأرواح فلا نقول إنها في القبر بل تتضمن الأحاديث أن أرواح المؤمنين في شجر عند العرش وفي قناديل وغير ذلك[(١)](#foonote-١)، وأن أرواح الكفرة في سجين ويجوز في بعض الأحيان أن تكون الأرواح عند القبور فربما سمعت وكذلك أهل قليب بدر إنما سمعت أرواحهم، وكذلك سماع الميت خفق النعال إنما هو برد روحه عليه عند لقاء الملكين[(٢)](#foonote-٢). 
قال القاضي أبو محمد : فهذه الآية لا تعارض حديث القليب لأن الله تعالى رد على أولئك أرواحهم في القليب ليوبخهم، وهذا على قول عمر وابنه عبد الله وهو الصحيح إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال **«ما أنتم بأسمع منهم »**، وأما عائشة فمذهبها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسمعهم وأنه إنما قصد توبيخ الأحياء من الكفرة، وجعلت هذه الآية أصلاً واحتجت بها، فمثل الله تعالى في هذه الآية الكفرة بالأشخاص التي في القبور[(٣)](#foonote-٣)- وقرأ الحسن بن أبي الحسن **«بمسمع من »** على الإضافة.

١ من هذه الأحاديث ما رواه الدارمي في سننه، عن مسروق قال: سألنا عبد الله عن أرواح الشهداء-ولولا عبد الله لم يحدثنا أحد- قال: أرواح الشهداء عند الله يوم القيامة في حواصل طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح في أي الجنة حيث شاءت، ثم ترجع إلى قناديلها، فيشرف عليهم ربهم فيقول: ألكم حاجة؟ تريدون شيئا؟ فيقولون: لا، إلا أن نرجع إلى الدنيا فنقتل مرة أخرى..
٢ حديث أن الميت يسمع خفق النعال أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، عن أنس رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:(العبد إذا وضع في قبره، وتولى وذهب أصحابه، حتى ليسمع قرع نعلهم، أتاه ملكان فأقعداه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد صلى الله عليه وسلم؟ فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال: انظر إلى مقعدك من النار، أبدلك الله به مقعدا من الجنة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فيراهما جميعا، وأما الكافر والمنافق فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه- إلا الثقلين)..
٣ أخرج الإمام أحمد في مسنده(٦-٢٧٦)، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتلى أن يطرحوا في القليب، فطرحوا فيه، إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه انتفخ في درعه فملأها، فذهبوا يحركوه فيتزايل فأقروه، وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة، فلما ألقاهم في القليب وقف عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:(يا أهل القليب، هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا)، قال: فقال له أصحابه: يا رسول الله، أتكلم قوما موتى؟ قال: فقال لهم:(لقد علموا أن ما وعدتهم حق)، قالت عائشة: والناس يقولون: لقد سمعوا ما قلت لهم، وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(لقد علموا). وهذه الرواية عن عائشة تلتقي مع هذه الآية كما ذكر ابن عطية..

### الآية 35:23

> ﻿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ [35:23]

ثم سلاه بقوله  إن أنت إلا نذير  أي ليس عليك غير ذلك، والهداية والإضلال إلى الله تعالى.

### الآية 35:24

> ﻿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۚ وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ [35:24]

و  بشيراً  معناه بالنعيم الدائم لمن آمن،  ونذيراً  معناه بالعذاب الأليم لمن كفر، وقوله تعالى : وإن من أمة إلا خلا فيها نذير  معناه ان دعوة الله تعالى قد عمت جميع الخلق، وإن كان فيهم من لم تباشره النذارة فهو ممن بلغته لأن آدم بعث إلى بنيه ثم لم تنقطع النذارة إلى وقت محمد صلى الله عليه وسلم، والآيات التي تتضمن أن قريشاً لم يأتهم نذير[(١)](#foonote-١)، معناه نذير مباشر، وما ذكره المتكلمون من فرض أصحاب الفترات ونحوهم فإنما ذلك بالفرض لا أنه توجد أمة لم تعلم أن في الأرض دعوة إلى عبادة الله.

١ يريد: معنى ما ورد من الآيات، أو معنى ما تضمنته الآيات..

### الآية 35:25

> ﻿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ [35:25]

ثم سلى نبيه بما سلف من الأمم لأنبيائهم، و  البينات والزبر والكتاب المنير  شيء واحد، لكنه أكد أوصافه بعضها ببعض وذكره بجهاته[(١)](#foonote-١) و  الزبر  من زبرت الكتاب إذا كتبته.

١ وقيل:(البينات): الآيات والعلامات. وأما (الزبر) و(الكتاب المنير) فهما بمعنى واحد..

### الآية 35:26

> ﻿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا ۖ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ [35:26]

ثم توعد قريشاً بذكره أخذ الأمم الكافرة.

### الآية 35:27

> ﻿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ [35:27]

الرؤية في قوله  ألم تر  رؤية القلب، وكل توقيف في القرآن على رؤية فهي رؤية القلب، لأن الحجة بها تقوم، لكن رؤية القلب لا تتركب البتة إلا على حاسة، فأحياناً تكون الحاسة البصر وقد تكون غيره، وهذا يعرف بحسب الشيء المتكلم فيه، و  إن  سادت مسد المفعولين الذين للرؤية، هذا مذهب سيبويه لأن  أن  جملة مع ما دخلت عليه، ولا يلزم ذلك في قولك رأيت وظننت ذلك، لأن قولك ذلك ليس بجملة كما هي  أن  ومذهب الزجاج أن المفعول الثاني محذوف تقديره  ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء  حقاً، ورجع من خطاب بذكر الغائب إلى المتكلم بنون العظمة لأنها أهيب في العبارة، وقوله  ألوانها  يحتمل أن يريد الحمرة والصفرة والبياض والسواد وغير ذلك، ويؤيد هذا اطراد ذكر هذه الألوان فيما بعد، ويحتمل أن يريد بالألوان الأنواع، والمعتبر فيه على هذا التأويل أكثر عدداً، و  جدد  جمع جدة، وهي الطريقة تكون من الأرض والجبل كالقطعة العظيمة المتصلة طولاً، ومنه قول امرىء القيس :\[ الطويل \]
كأنّ سراته وحدَّة متنه. . . كنائن يحوي فوقهن دليص[(١)](#foonote-١)
وحكى أبو عبيدة في بعض كتبه أنه يقال  جدد  في جمع جديد، ولا مدخل لمعنى الجديد في هذه الآية، وقرأ الزهري **«جَدد »** بفتح الجيم، وقوله  وغرابيب سود  لفظان لمعنى واحد، وقال النبي صلى الله عليه وسلم :**«إن الله يبغض الشيخ الغربيب »**[(٢)](#foonote-٢)، يعني الذي يخضب بالسواد، وقدم الوصف الأبلغ، وكان حقه أن يتأخر وكذلك هو في المعنى، لكن كلام العرب الفصيح يأتي كثيراً على هذا النحو.

١ هذا البيت من قصيدة رواها أبو عمر الشيباني، وفيها أبيات يصف فيها جمله، ويشبهه بحمار الوحش الذي يطارد أُتنا-جمع أتان وهي الحمارة-حملن فربت من حملهن البطون، وهذا الحمار ضامر البطن، كأن سراته... الخ البيت. وسراته: ظهره، وجدة ظهره هي الخطة في ظهر الحمار تخالف لونه، والكنائن: جمع كنانة، وهي جعبة السهام تصنع من الجلد أو الخشب، والدليص: ماء الذهب، يشبه ظهر الحمار وما فيه من خطة تختلف في اللون عن بقية لونه كله بجعاب السهام التي وشيت بالذهب. والشاهد هنا هو كلمة جدة وما تحمل من المعنى. وقد ورد أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس رضي الله عنهما: أخبرني عن قوله تعالى:(جدد)، فقال: طرائق، طريقة بيضاء وطريقة خضراء، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر وهو يقول:
 قد غادر السبع في صفحاتها جددا كأنها طرق لاحت على أكم.
٢ أخرجه ابن عدي في الكامل، عن أبي هريرة رضي الله عنه، ورمز له الإمام السيوطي في (الجامع الصغير) بأنه ضعيف..

### الآية 35:28

> ﻿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [35:28]

وقوله  مختلف ألوانه  قبله محذوف إليه يعود الضمير تقديره  والأنعام  خلق  مختلف ألوانه ،  والدواب  يعم الناس والأنعام لكن ذكرا تنبيهاً منهما، وقوله  كذلك  يحتمل أن يكون من الكلام الأول فيجيء الوقف عليه حسناً، وإلى هذا ذهب كثير من المفسرين، ويحتمل أن يكون من الكلام الثاني يخرج مخرج السبب كأنه قال كما جاءت القدرة في هذا كله،  إنما يخشى الله من عباده العلماء  أي المحصلون لهذه العبرة الناظرون فيها. 
قال القاضي أبو محمد : وقال بعض المفسرين الخشية رأس العلم، وهذه عبارة وعظية لا تثبت عند النقد، بل الصحيح المطرد أن يقال العلم رأس الخشية، وسببها والذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال **«خشية الله رأس كل حكمة »**[(١)](#foonote-١)، وقال صلى الله عليه وسلم :**«رأس الحكمة مخافة الله »**[(٢)](#foonote-٢)، فهذا هو الكلام المنير، وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية كفى بالزهد علماً، وقال مسروق وكفى بالمرء علماً أن يخشى الله، وقال تعالى : سيذكر من يخشى [(٣)](#foonote-٣) \[ الأعلى : ١ \] وقال النبي صلى الله عليه وسلم :
**«أعلمكم بالله أشدكم له خشية »**[(٤)](#foonote-٤)، وقال الربيع بن أنس : من لم يخش الله فليس بعالم، ويقال إن فاتحة الزبور رأس الحكمة خشية الله. وقال ابن مسعود : كفى بخشية الله علماً وبالاغترار، به جهلاً، وقال مجاهد والشعبي : إنما العالم من يخشى الله، وإنما في هذه الآية تخصيص  العلماء  لا للحصر، وهي لفظة تصلح للحصر وتأتي أيضاً دونه، وإنما يعلم ذلك بحسب المعنى الذي جاءت فيه، فإذا قلت إنما الشجاع عنترة، وإذا قلت إنما الله إله واحد، بان لك فتأمله، وهذه الآية بجملتها دليل على الوحدانية والقدرة والقصد بها إقامة الحجة على كفار قريش.

١ أخرجه القضاعي عن انس رضي الله عنه، ولفظه كما جاء في (الجامع الصغير): (خشية الله رأس كل حكمة، والورع سيد العمل)..
٢ أخرجه الحكيم، وابن لال، عن ابن مسعود رضي الله عنه، ورمز له الإمام السيوطي في (الجامع الصغير) بأنه صحيح..
٣ الآية (١٠) من سورة(الأعلى). وقد قال الله تعالى:ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون، وقال عز من قائل: فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنينن وقال:إن في ذلك لعبرة لمن يخشى، وقال:فلا تخشوا الناس واخشون..
٤ أخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن صالح أبي الخليل رضي الله عنه في قوله تبارك وتعالى:إنما يخشى الله من عباده العلماء قال:{أعلمهم بالله أشدهم له خشية)، هكذا ذكره في (الدر المنثور)..

### الآية 35:29

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ [35:29]

قال مطرف بن عبد الله بن الشخير هذه آية القراء وهذا على أن  يتلون  بمعنى يقرؤون وإن جعلناها بمعنى يتبعون صح معنى الآية[(١)](#foonote-١)، وكانت في القراء وغيرهم ممن اتصف بأوصاف الآية، و  كتاب الله  هو القرآن، وإقامة الصلاة إقامتها بجميع شروطها، والنفقة هي في الصدقات ووجوه البر، فالسر من ذلك هو التطوع والعلانية هو المفروض، و  يرجون  جملة في موضع خبر  إن ، و  تبور  معناه تكسد ويتعذر ربحها، ويقال تعوذوا بالله من بوار الأيم[(٢)](#foonote-٢).

١ في بعض النسخ:"صح معنى القراءة"..
٢ الأيم: المرأة التي لا زوج لها وهي مع ذلك لا يرغب فيها أحد، وبوارها: كسادها، بمعنى أن تبقى في بيتها لا يخطبها خاطب، من قولهم: بارت السوق إذا كسدت. والبور: الأرض التي لم تزرع والمعامي المجهولة والأغفال ونحوها، وفي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لأكيدر دومة:(ولكم البور والمعامي وأغفال الأرض)، وهو بالفتح مصدر وصف به، ويروى بالضم وهو البوار، أي الأرض الخراب..

### الآية 35:30

> ﻿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ [35:30]

واللام في قوله  ليوفيهم  متعلقة بفعل مضمر يقتضيه لفظ الآية تقديره وعدهم بأن لا تبور، أو فعلوا ذلك كله، أو أطاعوه ونحو هذا من التقديرات، وقوله  ويزيدهم من فضله  قالت فرقة : هو تضعيف الحسنات من العشر إلى السبعمائة، وتوفية الأجور على هذا هي المجازاة مقابلة، وقالت فرقة : إن التضعيف داخل في توفيه الأجور، وأما الزيادة من فضله إما النظر إلى وجهه تعالى، وإما أن يجعلهم شافعين في غيرهم، كما قال تعالى : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة [(١)](#foonote-١) \[ يونس : ٢٦ \] و  غفور  معناه متجاوز عن الذنوب ساتر لها، و  شكور  معناه مجاز عن اليسير من الطاعات مقرب لعبده.

١ من الآية(٢٦) من سورة (يونس)..

### الآية 35:31

> ﻿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ [35:31]

ثم ثبت تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله : والذي أوحينا إليك من الكتاب  الآية، و  مصدقاً  حال مؤكدة، والذي بين يدي القرآن هو التوراة والإنجيل، وقوله تعالى : إن الله بعباده لخبير بصير ، وعيد.

### الآية 35:32

> ﻿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [35:32]

أورثنا  معناه أعطيناه فرقة بعد موت فرق، والميراث حقيقة أو مجازاً إنما يقال فيما صار لإنسان بعد موت آخر، و  الكتاب  هنا يريد به معاني الكتاب وعلمه وأحكامه وعقائده، فكأن الله تعالى لما أعطى أمة محمد صلى الله عليه وسلم القرآن وهو قد تضمن لمعاني الكتب المنزلة، قبله، فكأنه ورث أمة محمد الكتاب الذي كان في الأمم قبلها، و  الذين اصطفينا  يريد بهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم قاله ابن عباس وغيره، وكأن اللفظ يحتمل أن يريد به جميع المؤمنين من كل أمة إلا أن عبارة توريث الكتاب لم تكن إلا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، والأول لم يورثوه، و  اصطفينا  معناه اخترنا وفضلنا، و **«العباد »** عام في جميع العالم، مؤمنهم وكافرهم، واختلف الناس في عود الضمير من قوله  فمنهم  فقال ابن عباس وابن مسعود ما مقتضاه إن الضمير عائد على  الذين  والأصناف الثلاثة هي كلها في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ف **«الظالم لنفسه »** العاصي المسرف، و **«المقتصد »** متقي الكبائر والجمهور من الأمة، و **«السابق »** المتقي على الإطلاق، وقالت هذه الفرقة والأصناف الثلاثة في الجنة وقاله أبو سعيد الخدري.

### الآية 35:33

> ﻿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ [35:33]

والضمير في  يدخلونها  عائد على الأصناف الثلاثة، قالت عائشة : دخلوا الجنة كلهم، وقال كعب الأحبار : استوت مناكبهم ورب الكعبة وتفاضلوا بأعمالهم، وفي رواية تحاكت مناكبهم، وقال أبو إسحاق السبيعي[(١)](#foonote-١) : أما الذي سمعت مذ ستين سنة فكلهم ناج، وقال عبد الله بن مسعود : هذه الأمة يوم القيامة أثلاث، ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حساباً يسيراً، ثم يدخلون الجنة، وثلث يجيئون بذنوب عظام فيقول الله ما هؤلاء وهو أعلم بهم فتقول الملائكة : هم مذنبون إلا أنهم لم يشركوا فيقول الله عز وجل : أدخلوهم في سعة رحمتي، وقالت عائشة في كتاب الثعلبي :************«السابق »************ من أسلم قبل الهجرة، و ************«المقتصد »************ من أسلم بعدها، و **********«الظالم »********** نحن، وقال الحسن :************«السابق »************ من رجحت حسناته، و ************«المقتصد »************ من استوت سيئاته و **********«الظالم »********** من خفت موازينه، وقال سهل بن عبد الله[(٢)](#foonote-٢) :************«السابق »************ العالم، و ************«المقتصد »************ المتعلم، و **********«الظالم »********** الجاهل، وقال ذو النون[(٣)](#foonote-٣) المصري، **********«الظالم »********** الذاكر لله بلسانه فقط و ************«المقتصد »************ الذاكر بقلبه و ************«السابق »************ الذي لا ينساه، وقال الأنطاكي :**********«الظالم »********** صاحب الأقوال، و ************«المقتصد »************ صاحب الأفعال، و ************«السابق »************ صاحب الأحوال، وروى أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال :
**«كلهم في الجنة »**[(٤)](#foonote-٤)، وقرأ عمر بن الخطاب هذه الآية ثم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :**«سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له[(٥)](#foonote-٥) »**، وقال صلى الله عليه وسلم :**«أنا سابق العرب وسلمان سابق فارس وصهيب سابق الروم وبلال سابق الحبشة[(٦)](#foonote-٦) »**. 
قال القاضي أبو محمد : أراد صلى الله عليه وسلم أن هؤلاء رؤوس السابقين، وقال عثمان بن عفان : سابقنا أهل جهادنا ومقتصدنا أهل حضرنا وظالمنا أهل بدونا، لا يشهدون جماعة ولا جمعة[(٧)](#foonote-٧)، وقال عكرمة والحسن وقتادة ما مقتضاه أن الضمير في  منهم  عائد على العباد و **«الظالم لنفسه »** الكافر والمنافق و ************«المقتصد »************ المؤمن العاصي و ************«السابق »************ التقي على الإطلاق، وقالوا وهذه الآية نظير قوله تعالى في سورة الواقعة  وكنتم أزواجاً ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم [(٨)](#foonote-٨) \[ الواقعة : ١٢ \] والضمير في قوله  يدخلونها  على هذا القول خاص على الفريقين المقتصد والسابق الفرقة الظالمة في النار قالوا وبعيد أن يكون ممن يصطفى ظالم كما يقتضي التأويل الأول، وروي هذا القول عن ابن عباس، وقال بعض العلماء قدم الظالم لأنه لا يتكل إلا على رحمة الله والمقتصد هو المعتدل في أموره لا يسرف في جهة من الجهات بل يلزم الوسط، وقال صلى الله عليه وسلم :**«خير الأمور أوساطها »**[(٩)](#foonote-٩)، وقالت فرقة -لا معنى لقولها- إن قوله تعالى : الذين اصطفيناهم  الأنبياء والظالم منهم لنفسه من وقع في صغيرة. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا قول مردود من غير ما وجه، وقرأ جمهور الناس **«سابق بالخيرات »**، وقرأ أبو عمرو الجوني **«سباق بالخيرات »**، و  بإذن الله  معناه بأمره ومشيئته فيمن أحب من عباده، وقوله تعالى : ذلك هو الفضل الكبير  إشارة إلى الاصطفاء وما يكون عنه من الرحمة، وقال الطبري : السبق بالخيرات هو  الفضل الكبير ، قال في كتاب الثعلبي جمعهم في دخول الجنة لأنه ميراث، والبار والعاق سواء في الميراث مع صحة النسب، فكذلك هؤلاء مع صحة الإيمان، وقرأ جمهور الناس **«جناتُ »** بالرفع على البدل من  الفضل  وقرأ الجحدري **«جناتِ »** بالنصب بفعل مضمر يفسره  يدخلونها  وقرأ زر بن حبيش **«جنة عدن »** على الإفراد، وقرأ أبو عمرو وحده **«يُدخَلونها »** بضم الياء وفتح الخاء، ورويت عن ابن كثير، وقرأ الباقون **«يَدخُلونها »** بفتح الياء وضم الخاء، و  أساور  جمع أسورة، وأسورة جمع سوار، ويقال سُوار بضم السين، وفي حرف أبي أساوير، وهو جمع أسوار وقد يقال ذلك في الحلي، ومشهور أسوار أنه الجيد الرمي من جند الفرس، ويحلون معناه رجلاً ونساء، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر[(١٠)](#foonote-١٠) ونافع **«ولؤلؤاً »** بالنصب عطفاً على  أساور ، وكان عاصم في رواية أبي بكر يقرأ و **«لوْلؤاً »** بسكون الواو الأولى دون همز، وبهمز الثانية، وروي عنه ضد هذا همز الأولى، ولا يهمز الثانية، وقرأ الباقون **«لؤلؤٍ »** بالهمز وبالخفض عطفاً على  أساور .

١ هو عمرو بن عبد الله، من بني ذي يحمد بن السبيع الهمذاني الكوفي، أبو إسحق، من أعلام التابعين، كان شيخ الكوفة في عصره، أدرك الإمام عليا رضي الله عنه، ورآه يخطب، قال: رأيته أبيض الرأس واللحية، قيل: سمع من ثمانية وثلاثين صحابيا، وكان من الغزاة المشاركين في الفتوح، وغزا الروم في زمن زياد ست غزوات، وعمي في كبره.(تاريخ التهذيب تاريخ الإسلام الذهبي، الأعلام)..
٢ هو سهل بن عبد الله بن يونس التستري، أب محمد، أحد أئمة الصوفية وعلمائهم، له كتاب مختصر في تفسير القرآن(طبقات الصوفية)..
٣ هو ذو النون المصري، ثوبان بن إبارهيم الإخميمي المصري، أبو الفياض، أحد الزهاد العباد المشهورين، من أهل مصر، نوبي الأصل، كانت له فصاحة وحكمة، وهو أول من تكلم بمصر في ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية، توفي بالجيزة.(الأعلام)، وقد حدد القرطبي أنه ذو النون المصري هذا، وإلا فهناك آخرون يحملون نفس اللقب ولكنهم غير مقصودين..
٤ أخرجه الطبراني، والبيهقي في البعث، عن أسامة بن زيد رضي الله عنه، وأخرج مثله الطيالسي، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وفي لفظه زيادة، حيث قال:(كلهم بمنزلة واحدة، وكلهم في الجنة).(الدر المنثور). وقال ابن كثير عن حديث أبي سعيد الخدري:"هذا حديث غريب، وفي إسناده من لم يسم"، ثم قال:"ومعنى قوله:(بمنزلة واحدة) أي: في أنهم من هذه الأمة، وأنهم من أهل الجنة وإن كان بينهم فرق في المنازل في الجنة"..
٥ أخرجه سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، والبيهقي في البعث، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.(الدر المنثور)..
٦ أخرجه الحاكم في مستدركه، عن أنس رضي الله عنه، قال ذلك الإمام السيوطي في "الجامع الصغير"، ورمز بأنه حديث حسن..
٧ أخرجه سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه. ذكر ذلك في (الدر المنثور) الإمام السيوطي..
٨ الآية(٧)من سورة(الواقعة)، قال مجاهد موضحا أن آية فاطر نظير آية الواقعة:"فمنهم ظالم لنفسه أصحاب المشأمة، ومنهم مقتصد أصحاب الميمنة،ومنهم سابق بالخيرات السابقون من الناس كلهم"..
٩ وقيل: إن التقديم في الذكر لا يقتضي تشريفا، وهو كقوله تعالى:لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة، وقوله:يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور، وقيل: قدم الظالم لتأكيد الرجاء في حقه؛ إذ ليس له شيء يتكل عليه إلا رحمة ربه، واتكل المقتصد على حسن ظنه، والسابق على طاعته، وقيل: قدم الظالم ليخبر أنه لا يتقرب إليه إلا بصرف رحمته وكرمه، وان الظلم لا يؤثر في الاصطفائية إذا كانت ثم عناية، ثم ثنى بالمقتصدين لأنهم بين الخوف والرجاء، ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكر الله، وكلهم في الجنة بحرمة كلمة الإخلاص: لا إله إلا الله محمد رسول الله..
١٠ وكذلك في قراءة حفص..

### الآية 35:34

> ﻿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ [35:34]

و  الحزن  في هذه الآية عام في جميع أنواع الأحزان، وخصص المفسرون في هذا الموضع فقال أبو الدرداء : حزن أهوال القيامة وما يصيب هناك من ظلم نفسه من الغم والحزن، وقال ابن عباس : حزن جهنم، وقال عطية : حزن الموت، وقال شهر : حزن معيشة الدنيا الخبز ونحوه، وقال قتادة : حزن الدنيا في الخوف أن تتقبل أعمالهم، وقيل غير هذا مما هو جزء من الحزن. 
قال القاضي أبو محمد : ولا معنى لتخصيص شيء من هذه الأحزان، لأن الحزن أجمع قد ذهب عنهم، وقولهم  لغفور شكور  وصفوه تعالى بأنه يغفر الذنوب ويجازي على القليل من الأعمال الصالحة بالكثير من الثواب، وهذا هو شكره لا رب سواه.

### الآية 35:35

> ﻿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ [35:35]

المقامة  الإقامة، وهو من أقام، و **«المَقامة »** بفتح الميم القيام وهو من قام، و  دار المقامة  الجنة، و **«النصب »** تعب البدن، و ****«اللغوب »**** تعب النفس اللازم عن تعب البدن، وقال قتادة ****«اللغوب »**** الوجع، وقرأ الجمهور **«لُغوب »** بضم اللام، وقرأ علي بن أبي طالب والسلمي **«لَغوب »** بفتح اللام أي شيء يعيينا، ويحتمل أن يكون مصدراً كالولوع والوضوء[(١)](#foonote-١). 
١ الوَضوء-بالفتح- الماء الذي يتوضأ به- كالفَطور والسحور لما يفطر عليه ويتسحر به، والوَضوء-بالفتح أيضا، المصدر من توضأت للصلاة، والوُضوء-بالضم- المصدر.(جاء ذلك في اللسان-وضأ)، واللغويون مختلفون، ولكن أكثرهم يرون أن صيغة الفتح تدل على الشيء الذي يتم به الفعل، وصيغة الضم تدل على نفس الفعل.(راجع اللسان والتاج)..

### الآية 35:36

> ﻿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ [35:36]

ثم أخبر عن حال  الذين كفروا  معادلاً بذلك الإخبار قبل عن الذين اصطفى، وهذا يؤيد تأويل من قبل إن الأصناف الثلاثة هي كلها في الجنة لأن ذكر الكافرين إنما جاء ها هنا، وقوله  لا يقضى  معناه لا يجهز لأنهم لو ماتوا لبطلت حواسهم فاستراحوا، وقرأ الحسن البصري والثقفي **«فيموتون »** ووجهها العطف على  يقضى  وهي قراءة ضعيفة[(١)](#foonote-١). 
وقوله  لا يخفف عنهم من عذابها  لا يعارضه قوله  كلما خبت زدناهم سعيراً [(٢)](#foonote-٢) \[ الإسراء : ٩٧ \] لأن المعنى لا يخفف عنهم نوع عذابهم والنوع في نفسه يدخله أن يخبو أو يسعر ونحو ذلك، وقرأ جمهور القراء، ****«نجزي »**** بنصب **«كلَّ »** وبالنون في ****«نجزي »****، وقرأ أبو عمرو ونافع **«يُجزى »** بضم الياء على بناء الفعل للمفعول **«كلُّ كفور »** برفع **«كلُّ »**.

١ أما قراءة الجمهور(فيموتوا) فهي بحذف النون نصبا في جواب النفي في قوله سبحانه:لا يقضى عليهم، وهو على أحد معنيي النصب، فالمعنى: انتفى القضاء عليهم فانتفى المسبب عنه، أي: لا يقضى عليهم ولا يموتون، كقولك: ما تأتينا فتحدثنا، أي: ما يكون حديث، انتفى الإتيان فانتفى الحديث، ولا يصح أن يكون النصب على المعنى الثاني للنصب، أي: ما تأتينا محدثا، إنما تأتي ولا تحدث، وكذلك في الآية ليس المعنى: لا يقضى عليهم ميتين، إنما يقضى عليهم ولا يموتون.(راجع البحر المحيط)..
٢ من الآية (٩٧) من سورة(الإسراء)..

### الآية 35:37

> ﻿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ۚ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ۖ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [35:37]

و  يصطرخون  يفتعلون من الصراخ أصله يصترخون فأبدلت التاء طاء لقرب مخرج الطاء من الصاد، وفي الكلام محذوف تقديره يقولون  ربنا  وطلبوا الرجوع إلى الدنيا في مقالتهم هذه فالتقدير فيقال لهم  أو لم نعمركم  على جهة التوقيف والتوبيخ، و  ما  في قوله  ما يتذكر  ظرفية، واختلف الناس في المدة التي هي حد للتذكير[(١)](#foonote-١)، فقال الحسن بن أبي الحسن : البلوغ، يريد أنه أول حال التذكير، وقال قتادة : ثمان عشرة سنة، وقالت فرقة : عشرون سنة، وحكى الزجاج : سبع عشرة سنة، وقال ابن عباس : أربعون سنة، وهذا قول حسن، ورويت فيه آثار، وروي أن العبد إذا بلغ أربعين سنة ولم يتب مسح الشيطان على وجهه وقال بابي وجه لا يفلح، وقال مسروق بن الأجدع : من بلغ أربعين سنة فليأخذ حذره من الله ومنه قول الشاعر :\[ الطويل \]
إذا المرء وفّى الأربعين ولم يكنْ. . . له دون ما يأتي حياءٌ ولا ستر
فدعه ولا تنفس عليه الذي ارتأى. . . وإن جر أسْباب الحياة له الدهر[(٢)](#foonote-٢)
وقد قال قوم : الحد خمسون سنة وقد قال الشاعر :\[ الوافر \]
أخو الخمسين مجتمع أشدي. . . ونجدني مداومة الشؤون[(٣)](#foonote-٣)
وقال الآخر :\[ الطويل \]
وإن امرأً قد سار خمسين حجة. . . إلى منهل من ورده لقريب[(٤)](#foonote-٤)
وقال ابن عباس أيضاً وغيره : الحد في ذلك ستون وهي من الأعذار، وهذا أيضاً قول حسن متجه، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم :
**«إذا كان يوم القيامة نودي أين أبناء الستين »** وهو العمر الذي قال الله فيه : أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر [(٥)](#foonote-٥)، وقال صلى الله عليه وسلم :**«عمره الله ستين سنة فقد أعذر إليه في العمر »**[(٦)](#foonote-٦)، وقرأ جمهور الناس **«ما يتذكر فيه من تذكر »**، وقرأ الأعمش **«ما يذكر فيه من أذكر »**[(٧)](#foonote-٧). 
و  النذير  في قول الجمهور الأنبياء وكل نبي نذير أمته ومعاصره، ومحمد صلى الله عليه وسلم نذير العالم في غابر الزمان، وقال الطبري وقيل  النذير  الشيب وهذا قول حسن، إلا أن الحجة إنما تقوم بالنذارة الشرعية وباقي الآية بين.

١ في بعض النسخ: التي هي حد للتذكير، وهذا يتفق مع تعبير ابن عطية بعد ذلك في نقله عن العلماء:"الحد هو كذا"..
٢ وفى الأربعين: أكملها واتمها. لا تنفس عليه: لا تحسده عليه، وارتأى: اعتقد في الأمر رأيا، يقول: إذا بلغ الإنسان الأربعين ولم يخجل من الأعمال القبيحة التي يرتكبها فاتركه وشانه، ولا تحسده على ما يراه ويعتقده وإن مدّ له الدهر في أسباب الغنى والجه..
٣ الأشد: مبلغ الرجال الحُنكة والمعرفة، قال تعالى:حتى إذا بلغ أشده، قال أبو عبيدة: واحدها شد في القياس، وقال سيبويه: واحدتها شدة كنعمة وأنعم، وقيل: هو جمع لا واحد له. والنجد: الشجاع يعين المحتاج ويساعده، والمراد هنا أنه إذا بلغ الخمسين فقد بلغ مبلغ المعرفة والحنكة، ووصل إلى الخبرة التي تساعده على حسن التصرف في مواجهة المشكلات..
٤ الحِجة: السنة، والمنهل في الأصل: المورد، أيك الموضع الذي فيه المشرب، والمراد بالورد هنا نهاية الأجل، يقول: إذا عاش المرء خمسين سنة فقد صار قريبا من النهاية، وسيشرب من كأسها سريعا..
٥ أخرجه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"، والبيهقي في سننه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولفظه كما ذكره الإمام السيوطي في (الدر المنثور):(قيل أين أبناء الستين؟) بدلا من:(نودي: أين ابن الستين).
 هذا وقد اختار القرطبي القول الذي يجعل الأربعين حد التذكير، قال:" لأن في الأربعين يتناهى عقل الإنسان وفهمه، وما قبل ذلك وما بعده منتقص عن كماله في حال الأربعين".
 وقال القرطبي:"ولهذا القول وجه، وهو صحيح؛ والحجة له قوله تعالى:حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة، وقال مالك:"أدركت أهل العلم ببلدنا وهم يطلبون الدنيا والعلم ويخالطون الناس، حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة، فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس واشتغلوا بالقيامة حتى يأتيهم الموت"..
٦ أخرجه الرامهرمزي في الأمثال، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وقد ذكر السيوطي في آخره في الدر المنثور تكملة تقول:(يريدأولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر، وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والبخاري، والنسائي، والبزار، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن مردويه، عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أعذر الله إلى امرئ أخّر عمره حتى بلغ الستين). ذكر ذلك في الدر المنثور. قال الخطابي:" أعذر إليه" أي بلغ به أقصى العذر، والمعنى أن من عمره الله ستين سنة لم يبق له عذر، لأن الستين سن الإنابة والخشوع..
٧ أي: بالإدغام واجتلاب همزة الوصل ملفوظا بها في الدرج. قاله في البحر المحيط..

### الآية 35:38

> ﻿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [35:38]

هذا ابتداء تذكير بالله تعالى ودلالة على وحدانيته وصفاته التي لا تنبغي الألوهية إلا معها، و **«الغيب »**، ما غاب عن البشر و  ذات الصدور  ما فيها من المعتقدات والمعاني ومنه قول أبي بكر : ذو بطن بنت خارجة، ومنه قول العرب :" الذئب مغبوط بذي بطنه " [(١)](#foonote-١)، أي بالنفخ الذي فيه فمن يراه يظنه شابعاً قريب عهد بأكل.

١ هذا مثل عن العرب، ويروى:" الذئب يغبط بغير بِطنة"، قال أبو عبيدة: وذلك أنه ليس يظن به البِطنة؛ لأنه يعدو على الناس والماشية، قال الشاعر:
 ومن يسكن البحرين يعظم طِحاله ويغبط ما في بطنه وهو جائع
 وقال غيره: إنما قيل في الذئب ذلك لأنه عظيم الجفرة أبدا، لا يبين عليه الضمور وإن جهده الجوع، قال الشاعر:
 لكالذئب مغبوط الحشا وهو جائع.

### الآية 35:39

> ﻿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ۖ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا ۖ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا [35:39]

و  خلائف  جمع خليفة كسفينة وسفائن ومدينة ومدائن، وقوله  فعليه كفره  فيه حذف مضاف تقديره **«فعليه وبال كفره وضرر كفره »**، و **«المقت »** احتقارك الإنسان من أجل معصيته أو ذنبه الذي يأتيه فإذا احتقرت تعسفاً منك فلا يسمى ذلك مقتاً، و **«الخسار »** مصدر من خسر يخسر أي خسروا آخرتهم ومعادهم بأن صاروا إلى النار والعذاب.

### الآية 35:40

> ﻿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَىٰ بَيِّنَتٍ مِنْهُ ۚ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا [35:40]

وقوله تعالى : قل أرأيتم شركاءكم  الآية احتجاج على الكفار في بطلان أمر أصنامهم، وقفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأمر ربه على أصنامهم وطلب منهم أن يعرضوا عليه الشيء الذي خلقته آلهتهم لتقوم حجتهم التي يزعمونها، ثم وقفهم مع اتضاح عجزهم عن خلق شيء على السماوات هل لهم فيها شرك وظاهر أيضاً، بعد هذا ثم وقفهم هل عندهم كتاب من الله تعالى ليبين لهم فيه ما قالوه، أي ليس ذلك كله عندهم، ثم أضرب بعد هذا الجحد المقدر فقال : بل إنما يعدون أنفسهم غروراً، و  أرأيتم  يتنزل عند سيبويه منزلة أخبروني، ولذلك لا تحتاج إلى مفعولين، وأضاف الشركاء إليهم من حيث جعلوهم شركاء لله، أي ليس للأصنام شركة بوجه إلا بقولكم فالواجب أضافتها إليكم، و  تدعون  معناه تعبدون، والرؤية في قوله  أروني  رؤية بصر، و **«الشرك »** الشركة مصدر أيضاً، وقرأ نافع وابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم **«بينات »** بالجمع، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والأعمش وابن وثاب ونافع بخلاف عنه **«بينة »** بالإفراد والمراد به الجمع[(١)](#foonote-١)، ويحتمل أن يراد به الإفراد كما تقول : أنا من هذا الأمر على واضحة أو على جلية، و **«الغرور »** الذي كانوا يتعاطونه قولهم إن الأصنام تقرب من الله زلفى ونحوه مما يغبطهم، ولما ذكر تعالى ما يبين فساد أمر الأصنام وقف على الحجة على بطلانها عقب ذلك بذكر عظمته وقدرته ليبين الشيء بضده، وتتأكد حقارة الأصنام بذكر عظمة الله تعالى، فأخبر عن إمساكه السماوات والأرض بالقدرة، وقوله  أن تزولا  معناه كراهة  أن تزولا ، ومعنى الزوال هنا التنقل من مكانها والسقوط من علوها، وقال بعض المفسرين معناه  أن تزولا  عن الدوران، ويظهر من قول عبد الله بن مسعود أن السماء لا تدور وإنما تجري فيها الكواكب وذلك أن الطبري أسند أن جندباً الجبلي رحل إلى كعب الأحباري ثم رجع فقال له عبد الله بن مسعود : حدثنا ما حدثك، فقال : حدثني أن السماء في قطب كقطب الرحا، والقطب عمود على منكب ملك، فقال له عبد الله بن مسعود : لوددت أنك افتديت رحلته بمثل راحلتك ورحلك، ثم قال : ما تمكنت اليهودية في قلب عبد فكادت أن تفارقه.

١ وهي أيضا قراءة عاصم في رواية حفص عنه..

### الآية 35:41

> ﻿۞ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ۚ وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ ۚ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [35:41]

ثم قال : إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا  وكفى بها زوالاً أن تدور، ولو دارت لكانت قد زالت، وقوله  ولئن زالتا  قيل أراد يوم القيامة عند طي السماء ونسف الجبال، فكأنه قال ولئن جاء وقت زوالهما، وقيل بل ذلك على جهة التوهم والفرض، ولئن فرضنا زوالهما فكأنه قال ولو زالتا، وقال بعضهم  لئن  في هذا الموضع بمعنى لو. 
قال القاضي أبو محمد : وهذا قريب من الذي قبله، وقرأ ابن أبي عبلة **«ولو زالتا »** وقوله  من بعده  فيه حذف مضاف تقديره من بعد تركه الإمساك، وقالت فرقة : اتصافه بالحلم والغفران في هذه الآية إنما هو إشارة إلى أن السماء كادت تزول والأرض كذلك لإشراك الكفرة فيمسكهما الله حلماً منه عن المشركين وتربصاً ليغفر لمن آمن منهم، كما قال في آية أخرى  تكاد السماوات يتفطرن الآية[(١)](#foonote-١) \[ مريم : ٩٠ \] \[ الشورى : ٥ \].

١ من الآية(٩٠) من سورة (مريم)، وقد حكى القرطبي عن الكلبي قال: لما قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن اله، كادت السماوات واٍض أن تزولا عن أمكنتهما، فمنعهما الله، وأنزل هذه الآية:لقد جئتم شيئا إدا، تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا..

### الآية 35:42

> ﻿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا [35:42]

الضمير في قوله  أقسموا  لكفار قريش، وذلك أنه روي أن كفار قريش كانت قبل الإسلام تأخذ على اليهود والنصارى في تكذيب بعضهم بعضاً وتقول لو جاءنا نحن رسول لكنا أهدى من هؤلاء وهؤلاء، و  جهد أيمانهم  منصوب على المصدر، أي بغاية اجتهادهم، و  إحدى الأمم  يريد اليهود والنصارى، و **«النفور »** البعد عن الشيء والفزع منه والاستبشاع له.

### الآية 35:43

> ﻿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ ۚ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [35:43]

و  استكباراً  قيل فيه بدل من النفور، وقيل مفعول من أجله، أي نفروا من أجل الاستكبار، وأضاف **«المكر »** إلى  السَّيِّىء  وهو صفة كما قيل دار الآخرة، ومسجد الجامع، وجانب الغربي، وقرأ الجمهور بكسر الهمزة من ****«السَّيِّىء »**** وقرأ حمزة وحده[(١)](#foonote-١) ****«السَّيِّىء »**** بسكون الهمزة وهو في الثانية برفع الهمزة كالجماعة، ولحن هذه القراءة الزجاج ووجهها أبو علي الفارسي بوجوه منها أن يكون أسكن لتوالي الحركات[(٢)](#foonote-٢) كما قال :
قلت صاحب قوم. . . . [(٣)](#foonote-٣)
على أن المبرد روى هذا قلت صاح، وكما امرؤ القيس :\[ السريع \]
اليوم أشربْ غير مستحقب. . . إثماً من الله ولا واغل[(٤)](#foonote-٤)
على أن المبرد قد رواه فاشرب وكما قال جرير :\[ البسيط \]
سيروا بني العم فالأهواز منزلكم. . . ونهر تيرى ولن تعرفْكم العَرب[(٥)](#foonote-٥)
وقرأ ابن مسعود **«ومكراً سيئاً »**، قال أبو الفتح : يعضده تنكير ما قبله من قوله  استكباراً [(٦)](#foonote-٦)، و  يحيق  معناه يحيط ويحل وينزل ولا يستعمل إلا في المكروه، وقوله  إلا بأهله ، أي أنه لا بد أن يحيق بهم إما في الدنيا وإلا ففي الآخرة فعاقبته الفاسدة لهم، وإن حاق في الدنيا بغيرهم أحياناً فعاقبة ذلك على أهله، وقال كعب لابن عباس : إن في التوراة **«من حفر حفرة لأخيه وقع فيها »**، فقال ابن عباس : أنا أوجدك هذا في كتاب الله تعالى : ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله [(٧)](#foonote-٧)، و  ينظرون  معناه ينتظرون، و **«السنة »** الطريقة والعادة، وقوله  فلن تجد لسنة الله تبديلاً  أي لتعذيبه الكفرة المكذبين، وفي هذا توعد بين.

١ وقرأ بها الأعمش أيضا كما قال أبو حيان في البحر المحيط، أما قول ابن عطية: "وأسكنها حمزة وحده" فإن مقصده: وحده من السبعة..
٢ ومنها أنه أجرى الوصل مجرى الوقف، ومنها أنه أجرى المنفصل مجرى المتصل..
٣ هذا جزء من بيت قاله أبو نخيلة الراجز، والبيت بتمامه:
 إذا اعوججن قلت صاحب قوّم بالدّوّ أمثال السفين العوّم
 وأبو نخيلة اسمه يعمر، وكني(أبا نخيلة) لأن أمه ولدته إلى جانب نخلة، وهو من بني كعب بن سعد، والبيت في اللسان(عوم)، وفي شرح السيرافي(باب ما يحتمل الشعر)، وانظر الخصائص لابن جني. وقد استشهد به سيبويه في الكتاب، (باب الإشباع في الجر والرفع وغير الإشباع والحركة كمال هي)، قال:"ومما يسكن في الشعر وهو بمنزلة الجرة، إلا أن من قال(فخذ) لم يسكن ذلك، قال الراجز: إذا اعوججن قلت البيت، فسألت من ينشده هذا البيت من العرب فزعم أنه يريد: صاحبي". والدّوُّ: الصحراء، وأمثال السفين: الرواحل المحملة التي تقطع الصحراء كما تقطع السفين البحر، والعّم: العائمة. وقد قيل ردا على أبي علي في استشهاده بهذا البيت بأن سيبويه لم يجزه وإنما حكاه، والمبرد رواه بحذف الباء فلا شاهد فيه..
٤ قال امرؤ القيس هذا البيت حينما أدرك ثأر أبيه فتحلل من نذره ألا يشرب الخمر حتى يثأر له. واستحقب: اكتسب، وأصل الاستحقاب حمل الشيء على الحقيبة، والواغل: الداخل على القوم في شرابهم ولم يدع إليه، والشاهد تسكين الباء من (أشرب) في حال الرفع والوصل، وقد روي البيت:"فاليوم أسقى"، و"فاليوم فاشرب"، وعلى هاتين الروايتين لا شاهد فيه، وقد ذكر ابن عطية الرواية الثانية وهي رواية أبي العباس المبرد..
٥ قال جرير هذا البيت من ثلاثة أبيات قالها يهجو بني العم وأعانوا عليه الفرزدق، وقبله يقول:
 ما للفرزدق من عز يلوذ به إلا بنو العم في أيديهم الخشب
 ونهر تيرى: بلد م من نواحي الأهواز، والشاهد فيه تسكين الفاء من(تعرف) بعد(لن)، على أن البيت قد روي بالميم، أي:(فلم تعرفكم العرب)، وعلى هذا فلا شاهد فيه.
 هذا والزجاج يقول: إن هذه القراءة نوع من اللحن؛ لأن القارئ بها قد حذف الإعراب. وقال المبرد: إن هذا لا يجوز في كلام ولا في شعر؛ لأن حركات الإعراب لا يجوز حذفها؛ لأنها دخلت للفرق بين المعنى. وقد أعظم بعض النحويين(وهو أبو جعفر النحاس) أن يكون الأعمش على جلالته ومحله يقرأ بهذا، قال: إنما كان يقف عليه، فغلط من سمع منه، والدليل على هذا أنه تمام الكلام، وأن الثاني لما لم يكن من تمام الكلام أعرب باتفاق، والحركة في الثاني أثقل منها في الأول لأنها ضمة بين كسرتين..
٦ قال أبو الفتح في المحتسب:"يشهد لتنكيره تنكير ما قبله من قول الله سبحانه:استكبارا في الأرض، وقراءة العامة أقوى معنى؛ وذلك أن(المكر) فيها معرفة لإضافته إلى المعرفة، وحسُنَ تنكير الاستكبار لأنه أدنى إلى"نفور" مما بعده، وقد يحسن مع القرب فيه ما لا يحسن مع العبد، واعتمد ذلك لقوة معناه بتعريفه، والإخبار عنه بأن مثله لا يخفى لعظمه وشناعته"..
٧ روى الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(لا تمكر، ولا تعن ماكرا، فإن الله تبارك وتعالى يقول: ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، ولا تبغ، ولا تعن باغيا فإن الله تعالى يقول: فمن نكث فإنما ينكث على نفسه..

### الآية 35:44

> ﻿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [35:44]

لما توعدهم تعالى في الآية قبلها بسنة الأولين وأن الله تعالى لا يبدلها في الكفرة، وقفهم في هذه الآية على رؤيتهم لما رأوا من ذلك في طريق الشام وغيره كديار ثمود ونحوها، و **«يعجزه »** معناه يفوته ويفلته، و  من  في قوله تعالى : من شيء  زائدة مؤكدة، و **«عليم قدير »** صفتان لائقتان بهذا الموضع، لأن مع العلم والقدرة لا يتعذر شيء.

### الآية 35:45

> ﻿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَٰكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا [35:45]

ثم بين تعالى الوجه في إمهاله من أمهل من عباده أن ذلك إنما هو لأن الآخرة من وراء الجميع وفيها يستوفى جزاء كل أحد، ولو جازى عز وجل في الدنيا على الذنوب لأهلك الجميع، وقوله تعالى : من دابة  مبالغة، والمراد بنو آدم لأنهم المجازون، وقيل المراد الجن والإنس، وقيل كل ما دب على الأرض من الحيوان وأكثره إنما هو لمنفعة ابن آدم وبسببه، والضمير في  ظهرها  عائد على  الأرض  المتقدم ذكرها، ولو لم يتقدم لها ذكر لأمكن في هذا الموضع لبيان الأمر ولكانت ك  توارت بالحجاب [(١)](#foonote-١) \[ ص : ٣٢ \] ونحوها، و **«الأجل المسمى »** القيامة، وقوله  فإن الله كان بعباده بصيراً  توعد وفيه للمتقين وعد.

١ من الآية (٣٢) من سورة (ص)..

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/35.md)
- [كل تفاسير سورة فاطر
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/35.md)
- [ترجمات سورة فاطر
](https://quranpedia.net/translations/35.md)
- [صفحة الكتاب: المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز](https://quranpedia.net/book/350.md)
- [المؤلف: ابن عطية](https://quranpedia.net/person/4644.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/35/book/350) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
