---
title: "تفسير سورة يس - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/36/book/1469.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/36/book/1469"
surah_id: "36"
book_id: "1469"
book_name: "الجامع لأحكام القرآن"
author: "القرطبي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة يس - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/36/book/1469)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة يس - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي — https://quranpedia.net/surah/1/36/book/1469*.

Tafsir of Surah يس from "الجامع لأحكام القرآن" by القرطبي.

### الآية 36:1

> يس [36:1]

فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى :" سَلَام عَلَى آل يَاسِين " \[ الصَّافَّات : ١٣٠ \] قُلْنَا : ذَلِكَ مَكْتُوب بِهِجَاءٍ فَتَجُوز التَّسْمِيَة بِهِ، وَهَذَا الَّذِي لَيْسَ بِمُتَهَجًّى هُوَ الَّذِي تَكَلَّمَ مَالِك عَلَيْهِ ; لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِشْكَال ; وَاَللَّه أَعْلَم.
 وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : اِفْتَتَحَ اللَّه هَذِهِ السُّورَة بِالْيَاءِ وَالسِّين وَفِيهِمَا مَجْمَع الْخَيْر : وَدَلَّ الْمُفْتَتَح عَلَى أَنَّهُ قَلْب، وَالْقَلْب أَمِير عَلَى الْجَسَد ; وَكَذَلِكَ " يس " أَمِير عَلَى سَائِر السُّوَر، مُشْتَمِل عَلَى جَمِيع الْقُرْآن.
 ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فِيهِ أَيْضًا ; فَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر وَعِكْرِمَة : هُوَ بِلُغَةِ الْحَبَشَة.
 وَقَالَ الشَّعْبِيّ : هُوَ بِلُغَةِ طَيٍّ.
 الْحَسَن : بِلُغَةِ كَلْب.
 الْكَلْبِيّ : هُوَ بِالسُّرْيَانِيَّةِ فَتَكَلَّمَتْ بِهِ الْعَرَب فَصَارَ مِنْ لُغَتهمْ.
 وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي \[ طه \] وَفِي مُقَدِّمَة الْكِتَاب مُسْتَوْفًى.
 وَقَدْ سَرَدَ الْقَاضِي عِيَاض أَقْوَال الْمُفَسِّرِينَ فِي مَعْنَى " يس " فَحَكَى أَبُو مُحَمَّد مَكِّيّ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( لِي عِنْد رَبِّي عَشَرَة أَسْمَاء ) ذَكَرَ أَنَّ مِنْهَا طه وَيس اِسْمَانِ لَهُ.
 قُلْت : وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيّ عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول :( إِنَّ اللَّه تَعَالَى أَسْمَانِي فِي الْقُرْآن سَبْعَة أَسْمَاء مُحَمَّد وَأَحْمَد وَطه وَيس وَالْمُزَّمِّل وَالْمُدَّثِّر وَعَبْد اللَّه ) قَالَهُ الْقَاضِي.
 وَحَكَى أَبُو عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ عَنْ جَعْفَر الصَّادِق أَنَّهُ أَرَادَ يَا سَيِّد، مُخَاطَبَة لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ اِبْن عَبَّاس :" يس " يَا إِنْسَان أَرَادَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 وَقَالَ : هُوَ قَسَم وَهُوَ مِنْ أَسْمَاء اللَّه سُبْحَانَهُ.
 وَقَالَ الزَّجَّاج : قِيلَ مَعْنَاهُ يَا مُحَمَّد وَقِيلَ يَا رَجُل وَقِيلَ يَا إِنْسَان.
 وَعَنْ اِبْن الْحَنَفِيَّة :" يس " يَا مُحَمَّد.
 وَعَنْ كَعْب :" يس " قَسَم أَقْسَمَ اللَّه بِهِ قَبْل أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاء وَالْأَرْض بِأَلْفَيْ عَام قَالَ يَا مُحَمَّد :" إِنَّك لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ " ثُمَّ قَالَ :" وَالْقُرْآن الْحَكِيم ".
 فَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ مِنْ أَسْمَائِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَصَحَّ فِيهِ أَنَّهُ قَسَم كَانَ فِيهِ مِنْ التَّعْظِيم مَا تَقَدَّمَ، وَيُؤَكِّد فِيهِ الْقَسَمَ عَطْف الْقَسَم الْآخَر عَلَيْهِ.
 وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى النِّدَاء فَقَدْ جَاءَ قَسَم آخَر بَعْده لِتَحْقِيقِ رِسَالَته وَالشَّهَادَة بِهِدَايَتِهِ.

### الآية 36:2

> ﻿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ [36:2]

وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ
 " الْحَكِيم " الْمُحْكَم حَتَّى لَا يَتَعَرَّض لِبُطْلَانٍ وَتَنَاقُض ; كَمَا قَالَ :" أُحْكِمَتْ آيَاته " \[ هُود : ١ \].
 وَكَذَلِكَ أُحْكِمَ فِي نَظْمِهِ وَمَعَانِيه فَلَا يَلْحَقُهُ خَلَل.
 وَقَدْ يَكُون " الْحَكِيم " فِي حَقّ اللَّه بِمَعْنَى الْمُحْكِم بِكَسْرِ الْكَاف كَالْأَلِيمِ بِمَعْنَى الْمُؤْلِم.

### الآية 36:3

> ﻿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [36:3]

إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
 أَقْسَمَ اللَّه تَعَالَى بِاسْمِهِ وَكِتَابه إِنَّهُ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ بِوَحْيِهِ إِلَى عِبَاده، وَعَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم مِنْ إِيمَانه ; أَيْ طَرِيق لَا اِعْوِجَاج فِيهِ وَلَا عُدُول عَنْ الْحَقّ.
 قَالَ النَّقَّاش : لَمْ يُقْسِم اللَّه تَعَالَى لِأَحَدٍ مِنْ أَنْبِيَائِهِ بِالرِّسَالَةِ فِي كِتَابه إِلَّا لَهُ، وَفِيهِ مِنْ تَعْظِيمه وَتَمْجِيده عَلَى تَأْوِيل مَنْ قَالَ إِنَّهُ يَا سَيِّد مَا فِيهِ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام :( أَنَا سَيِّد وَلَد آدَم ) اِنْتَهَى كَلَامه.
 وَحَكَى الْقُشَيْرِيّ قَالَ اِبْن عَبَّاس : قَالَتْ كُفَّار قُرَيْش لَسْت مُرْسَلًا وَمَا أَرْسَلَك اللَّه إِلَيْنَا ; فَأَقْسَمَ اللَّه بِالْقُرْآنِ الْمُحْكَم أَنَّ مُحَمَّدًا مِنْ الْمُرْسَلِينَ.

### الآية 36:4

> ﻿عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [36:4]

عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
 أَيْ دِين مُسْتَقِيم وَهُوَ الْإِسْلَام.
 وَقَالَ الزَّجَّاج : عَلَى طَرِيق الْأَنْبِيَاء الَّذِينَ تَقَدَّمُوك ; وَقَالَ :" إِنَّك لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ " خَبَر إِنَّ، و " عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم " خَبَر ثَانٍ، أَيْ إِنَّك لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ، وَإِنَّك عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم.
 وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ عَلَى اِسْتِقَامَة ; فَيَكُون قَوْله :" عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم " مِنْ صِلَة الْمُرْسَلِينَ ; أَيْ إِنَّك لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ الَّذِينَ أُرْسِلُوا عَلَى طَرِيقَة مُسْتَقِيمَة ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى :" وَإِنَّك لَتَهْدِي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم.
 صِرَاط اللَّه " أَيْ الصِّرَاط الَّذِي أَمَرَ اللَّه بِهِ.

### الآية 36:5

> ﻿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ [36:5]

تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ
 قَرَأَ اِبْن عَامِر وَحَفْص وَالْأَعْمَش وَيَحْيَى وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ وَخَلَف :" تَنْزِيل " بِنَصْبِ اللَّام عَلَى الْمَصْدَر ; أَيْ نَزَّلَ اللَّه ذَلِكَ تَنْزِيلًا.
 وَأَضَافَ الْمَصْدَر فَصَارَ مَعْرِفَة كَقَوْلِهِ :" فَضَرْب الرِّقَاب " \[ مُحَمَّد : ٤ \] أَيْ فَضَرْبًا لِلرِّقَابِ.
 الْبَاقُونَ " تَنْزِيلُ " بِالرَّفْعِ عَلَى خَبَر اِبْتِدَاء مَحْذُوف أَيْ هُوَ تَنْزِيل، أَوْ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْك تَنْزِيل الْعَزِيز الرَّحِيم.
 هَذَا وَقُرِئَ :" تَنْزِيل " بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَل مِنْ " الْقُرْآن " وَالتَّنْزِيل يَرْجِع إِلَى الْقُرْآن.
 وَقِيلَ : إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; أَيْ إِنَّك لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ، وَإِنَّك " تَنْزِيل الْعَزِيز الرَّحِيم ".
 فَالتَّنْزِيل عَلَى هَذَا بِمَعْنَى الْإِرْسَال ; قَالَ اللَّه تَعَالَى :" قَدْ أَنْزَلَ اللَّه إِلَيْكُمْ ذِكْرًا.
 رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ " \[ الطَّلَاق :
 ١٠ - ١١ \] وَيُقَال : أَرْسَلَ اللَّه الْمَطَر وَأَنْزَلَهُ بِمَعْنًى.
 وَمُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحْمَة اللَّه أَنْزَلَهَا مِنْ السَّمَاء.
 وَمَنْ نَصَبَ قَالَ : إِنَّك لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ إِرْسَالًا مِنْ الْعَزِيز الرَّحِيم.
 و " الْعَزِيز " الْمُنْتَقِم مِمَّنْ خَالَفَهُ " الرَّحِيم " بِأَهْلِ طَاعَته.

### الآية 36:6

> ﻿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ [36:6]

فَهُمْ غَافِلُونَ
 فَعَلَى قَوْل مَنْ قَالَ بَلَغَهُمْ خَبَر الْأَنْبِيَاء، فَالْمَعْنَى فَهُمْ مُعْرِضُونَ الْآنَ مُتَغَافِلُونَ عَنْ ذَلِكَ، وَيُقَال لِلْمُعْرِضِ عَنْ الشَّيْء إِنَّهُ غَافِل عَنْهُ.
 وَقِيلَ :" فَهُمْ غَافِلُونَ " عَنْ عِقَاب اللَّه.

### الآية 36:7

> ﻿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [36:7]

فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
 بِإِنْذَارِك.
 وَهَذَا فِيمَنْ سَبَقَ فِي عِلْم اللَّه أَنَّهُ يَمُوت عَلَى كُفْرِهِ ثُمَّ بَيَّنَ سَبَب تَرْكهمْ الْإِيمَان فَقَالَ :" إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقهمْ أَغْلَالًا "

### الآية 36:8

> ﻿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ [36:8]

وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : إِنَّ أَيْدِيَهُمْ لَمَّا غُلَّتْ عِنْد أَعْنَاقِهِمْ رَفَعَتْ الْأَغْلَال أَذْقَانَهُمْ وَرُءُوسَهُمْ صُعُدًا كَالْإِبِلِ تَرْفَع رُءُوسَهَا.
 وَهَذَا الْمَنْع بِخَلْقِ الْكُفْر فِي قُلُوب الْكُفَّار، وَعِنْد قَوْم بِسَلْبِهِمْ التَّوْفِيق عُقُوبَة لَهُمْ عَلَى كُفْرهمْ.
 وَقِيلَ : الْآيَة إِشَارَة إِلَى مَا يُفْعَل بِأَقْوَامٍ غَدًا فِي النَّار مِنْ وَضْع الْأَغْلَال فِي أَعْنَاقهمْ وَالسَّلَاسِل ; كَمَا قَالَ تَعَالَى :" إِذْ الْأَغْلَال فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ " \[ غَافِر : ٧١ \] وَأَخْبَرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الْمَاضِي.
 " فَهُمْ مُقْمَحُونَ " تَقَدَّمَ تَفْسِيره.
 قَالَ مُجَاهِد :" مُقْمَحُونَ " مُغَلُّونَ عَنْ كُلّ خَيْر.

### الآية 36:9

> ﻿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ [36:9]

فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ
 أَيْ الْهُدَى ; قَالَهُ قَتَادَة.
 وَقِيلَ : مُحَمَّدًا حِينَ اِئْتَمَرُوا عَلَى قَتْله ; قَالَهُ السُّدِّيّ.

### الآية 36:10

> ﻿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [36:10]

وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
 تَقَدَّمَ فِي \[ الْبَقَرَة \] وَالْآيَة رَدّ عَلَى الْقَدَرِيَّة وَغَيْرهمْ.
 وَعَنْ اِبْن شِهَاب : أَنَّ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز أَحْضَرَ غَيْلَان الْقَدَرِيّ فَقَالَ : يَا غَيْلَان بَلَغَنِي أَنَّك تَتَكَلَّم بِالْقَدَرِ ; فَقَالَ : يَكْذِبُونَ عَلَيَّ يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ.
 ثُمَّ قَالَ : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أَرَأَيْت قَوْل اللَّه تَعَالَى :" إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَان مِنْ نُطْفَة أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا.
 إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيل إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا " \[ الْإِنْسَان :
 ٢ - ٣ \] قَالَ : اِقْرَأْ يَا غَيْلَان فَقَرَأَ حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى قَوْله :" فَمَنْ شَاءَ اِتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا " \[ الْإِنْسَان : ٢٩ \] فَقَالَ اِقْرَأْ فَقَالَ :" وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه " \[ الْإِنْسَان : ٣٠ \] فَقَالَ : وَاَللَّه يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ إِنْ شَعَرْت أَنَّ هَذَا فِي كِتَاب اللَّه قَطُّ.
 فَقَالَ لَهُ : يَا غَيْلَان اِقْرَأْ أَوَّل سُورَة \[ يس \] فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ " وَسَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتهمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ " فَقَالَ غَيْلَان : وَاَللَّه يَا أَمِير الْمُومِنِينَ لِكَأَنِّي لَمْ أَقْرَأهَا قَطُّ قَبْل الْيَوْم ; اِشْهَدْ يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أَنِّي تَائِب.
 قَالَ عُمَر : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ صَادِقًا فَتُبْ عَلَيْهِ وَثَبِّتْهُ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَسَلِّطْ عَلَيْهِ مَنْ لَا يَرْحَمُهُ وَاجْعَلْهُ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ; فَأَخَذَهُ هِشَام فَقَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَصَلَبَهُ.
 وَقَالَ اِبْن عَوْن : فَأَنَا رَأَيْته مَصْلُوبًا عَلَى بَاب دِمَشْق.
 فَقُلْنَا : مَا شَأْنُك يَا غَيْلَان ؟ فَقَالَ : أَصَابَتْنِي دَعْوَة الرَّجُل الصَّالِح عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز.

### الآية 36:11

> ﻿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ [36:11]

وَأَجْرٍ كَرِيمٍ
 أَيْ الْجَنَّة.

### الآية 36:12

> ﻿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [36:12]

وَقَالَ ثَابِت الْبُنَانِيّ : مَشَيْت مَعَ أَنَس بْن مَالِك إِلَى الصَّلَاة فَأَسْرَعْت، فَحَبَسَنِي فَلَمَّا اِنْقَضَتْ الصَّلَاة قَالَ : مَشَيْت مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسْرَعْت، فَحَبَسَنِي فَلَمَّا اِنْقَضَتْ الصَّلَاة قَالَ :( أَمَا عَلِمْت أَنَّ الْآثَارَ تُكْتَب ) فَهَذَا اِحْتِجَاج بِالْآيَةِ.
 وَقَالَ قَتَادَة وَمُجَاهِد أَيْضًا وَالْحَسَن : الْآثَار فِي هَذِهِ الْآيَة الْخُطَى.
 وَحَكَى الثَّعْلَبِيّ عَنْ أَنَس أَنَّهُ قَالَ : الْآثَار هِيَ الْخُطَى إِلَى الْجُمُعَة.
 وَوَاحِد الْآثَار أَثَر وَيُقَال أَثْرٌ.
 الثَّالِثَة فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث الْمُفَسِّرَة لِمَعْنَى الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ الْبُعْد مِنْ الْمَسْجِد أَفْضَل، فَلَوْ كَانَ بِجِوَارِ مَسْجِد، فَهَلْ لَهُ أَنْ يُجَاوِزَهُ إِلَى الْأَبْعَد ؟ اُخْتُلِفَ فِيهِ، فَرُوِيَ عَنْ أَنَس أَنَّهُ كَانَ يُجَاوِز الْمُحْدَث إِلَى الْقَدِيم.
 وَرُوِيَ عَنْ غَيْره : الْأَبْعَد فَالْأَبْعَد مِنْ الْمَسْجِد أَعْظَم أَجْرًا.
 وَكَرِهَ الْحَسَن وَغَيْره هَذَا ; وَقَالَ : لَا يَدَع مَسْجِدًا قُرْبه وَيَأْتِي غَيْره.
 وَهَذَا مَذْهَب مَالِك.
 وَفِي تَخَطِّي مَسْجِده إِلَى الْمَسْجِد الْأَعْظَم قَوْلَانِ.
 وَخَرَّجَ اِبْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث أَنَس بْن مَالِك قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 ( صَلَاة الرَّجُل فِي بَيْته بِصَلَاةٍ وَصَلَاته فِي مَسْجِد الْقَبَائِل بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاة وَصَلَاته فِي الْمَسْجِد الَّذِي يُجْمَع فِيهِ بِخَمْسِمِائَةِ صَلَاة ).
 الرَّابِعَة ( دِيَارَكُمْ ) مَنْصُوب عَلَى الْإِغْرَاء أَيْ اِلْزَمُوا، و ( تُكْتَبْ ) جَزْم عَلَى جَوَاب ذَلِكَ الْأَمْر.
 ( وَكُلَّ ) نَصْب بِفِعْلٍ مُضْمَر يَدُلّ عَلَيْهِ " أَحْصَيْنَاهُ " كَأَنَّهُ قَالَ : وَأَحْصَيْنَا كُلّ شَيْء أَحْصَيْنَاهُ.
 وَيَجُوز رَفْعه بِالِابْتِدَاءِ إِلَّا أَنَّ نَصْبه أَوْلَى ; لِيُعْطَفَ مَا عَمِلَ فِيهِ الْفِعْل عَلَى مَا عَمِلَ فِيهِ الْفِعْل.
 وَهُوَ قَوْل الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ.
 وَالْإِمَام : الْكِتَاب الْمُقْتَدَى بِهِ الَّذِي هُوَ حُجَّة.
 وَقَالَ مُجَاهِد وَقَتَادَة وَابْن زَيْد : أَرَادَ اللَّوْح الْمَحْفُوظ.
 وَقَالَتْ فِرْقَة : أَرَادَ صَحَائِف الْأَعْمَال.

### الآية 36:13

> ﻿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ [36:13]

وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ
 خِطَاب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أُمِرَ أَنْ يَضْرِب لِقَوْمِهِ مَثَلًا بِأَصْحَابِ الْقَرْيَة هَذِهِ الْقَرْيَة هِيَ أَنْطَاكِيَة فِي قَوْل جَمِيع الْمُفَسِّرِينَ فِيمَا ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيّ.
 نُسِبَتْ إِلَى أَهْل أنطبيس وَهُوَ اِسْم الَّذِي بَنَاهَا ثُمَّ غُيِّرَ لَمَّا عُرِّبَ ; ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيّ.
 وَيُقَال فِيهَا : أَنْتَاكِيَة بِالتَّاءِ بَدَل الطَّاء.
 وَكَانَ بِهَا فِرْعَوْن يُقَال لَهُ أنطيخس بْن أنطيخس يَعْبُدُ الْأَصْنَام ; ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيّ، وَحَكَاهُ أَبُو جَعْفَر النَّحَّاس عَنْ كَعْب وَوَهْب.
 فَأَرْسَلَ اللَّه إِلَيْهِ ثَلَاثَة : وَهُمْ صَادِق، وَصَدُوق، وشلوم هُوَ الثَّالِث.
 هَذَا قَوْل الطَّبَرِيّ.
 وَقَالَ غَيْره : شَمْعُون وَيُوحَنَّا.
 وَحَكَى النَّقَّاش : سَمْعَان وَيَحْيَى، وَلَمْ يَذْكُرَا صَادِقًا وَلَا صَدُوقًا.
 وَيَجُوز أَنْ يَكُون " مَثَلًا " و " أَصْحَاب الْقَرْيَة " مَفْعُولَيْنِ لِـ اضْرِبْ، أَوْ " أَصْحَاب الْقَرْيَة " بَدَلًا مِنْ " مَثَلًا " أَيْ اِضْرِبْ لَهُمْ مَثَل أَصْحَاب الْقَرْيَة فَحَذَفَ الْمُضَاف.
 أُمِرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِنْذَارِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ مَا حَلَّ بِكُفَّارِ أَهْل الْقَرْيَة الْمَبْعُوث إِلَيْهِمْ ثَلَاثَة رُسُل.
 قِيلَ : رُسُل مِنْ اللَّه عَلَى الِابْتِدَاء.
 وَقِيلَ : إِنَّ عِيسَى بَعَثَهُمْ إِلَى أَنْطَاكِيَة لِلدُّعَاءِ إِلَى اللَّه.

### الآية 36:14

> ﻿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ [36:14]

فَجِيءَ بِغُلَامٍ مَمْسُوحِ الْعَيْنَيْنِ ; مَوْضِع عَيْنَيْهِ كَالْجَبْهَةِ، فَدَعَوَا رَبَّهُمَا فَانْشَقَّ مَوْضِع الْبَصَر، فَأَخَذَا بُنْدُقَتَيْنِ طِينًا فَوَضَعَاهُمَا فِي خَدَّيْهِ، فَصَارَتَا مُقْلَتَيْنِ يُبْصِرُ بِهِمَا ; فَعَجِبَ الْمَلِك وَقَالَ : إِنَّ هَاهُنَا غُلَامًا مَاتَ مُنْذُ سَبْعَة أَيَّام وَلَمْ أَدْفِنْهُ حَتَّى يَجِيءَ أَبُوهُ فَهَلْ يُحْيِيهِ رَبُّكُمَا ؟ فَدَعَوَا اللَّه عَلَانِيَة، وَدَعَاهُ شَمْعُون سِرًّا، فَقَامَ الْمَيِّت حَيًّا، فَقَالَ لِلنَّاسِ : إِنِّي مُتّ مُنْذُ سَبْعَة أَيَّام، فَوُجِدْتُ مُشْرِكًا، فَأُدْخِلْتُ فِي سَبْعَة أَوْدِيَة مِنْ النَّار، فَأُحَذِّرُكُمْ مَا أَنْتُمْ فِيهِ فَآمِنُوا بِاَللَّهِ، ثُمَّ فُتِحَتْ أَبْوَاب السَّمَاء، فَرَأَيْت شَابًّا حَسَنَ الْوَجْه يَشْفَعُ لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة شَمْعُون وَصَاحِبَيْهِ، حَتَّى أَحْيَانِي اللَّه، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْدَهُ لَا شَرِيك لَهُ، وَأَنَّ عِيسَى رُوح اللَّه وَكَلِمَتُهُ، وَأَنَّ هَؤُلَاءِ هُمْ رُسُل اللَّه.
 فَقَالُوا لَهُ وَهَذَا شَمْعُون أَيْضًا مَعَهُمْ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ وَهُوَ أَفْضَلُهُمْ.
 فَأَعْلَمَهُمْ شَمْعُون أَنَّهُ رَسُول الْمَسِيح إِلَيْهِمْ، فَأَثَّرَ قَوْله فِي الْمَلِك، فَدَعَاهُ إِلَى اللَّه، فَآمَنَ الْمَلِك فِي قَوْم كَثِير وَكَفَرَ آخَرُونَ.
 وَحَكَى الْقُشَيْرِيّ أَنَّ الْمَلِك آمَنَ وَلَمْ يُؤْمِنْ قَوْمه، وَصَاحَ جِبْرِيل صَيْحَة مَاتَ كُلّ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ مِنْ الْكُفَّار.
 وَرُوِيَ أَنَّ عِيسَى لَمَّا أَمَرَهُمْ أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى تِلْكَ الْقَرْيَة قَالُوا : يَا نَبِيّ اللَّه إِنَّا لَا نَعْرِف أَنْ نَتَكَلَّم بِأَلْسِنَتِهِمْ وَلُغَاتِهِمْ.
 فَدَعَا اللَّه لَهُمْ فَنَامُوا بِمَكَانِهِمْ، فَهَبُّوا مِنْ نَوْمَتهمْ قَدْ حَمَلَتْهُمْ الْمَلَائِكَة فَأَلْقَتْهُمْ بِأَرْضِ أَنْطَاكِيَة، فَكَلَّمَ كُلّ وَاحِد صَاحِبه بِلُغَةِ الْقَوْم ; فَذَلِكَ قَوْله :" وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُس " \[ الْبَقَرَة : ٨٧ \] فَقَالُوا جَمِيعًا :" إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ "

### الآية 36:15

> ﻿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَٰنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ [36:15]

إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ
 فِي دَعْوَاكُمْ الرِّسَالَة ;

### الآية 36:16

> ﻿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ [36:16]

قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ
 فَقَالَتْ الرُّسُل :" رَبُّنَا يَعْلَم إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ " وَإِنْ كَذَّبْتُمُونَا

### الآية 36:17

> ﻿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [36:17]

وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ
 فِي أَنَّ اللَّه وَاحِد

### الآية 36:18

> ﻿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ۖ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ [36:18]

وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ
 قِيلَ : هُوَ الْقَتْل.
 وَقِيلَ : هُوَ التَّعْذِيب الْمُؤْلِم.
 وَقِيلَ : هُوَ التَّعْذِيب الْمُؤْلِم قَبْل الْقَتْل كَالسَّلْخِ وَالْقَطْع وَالصَّلْب.

### الآية 36:19

> ﻿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ ۚ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ ۚ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ [36:19]

بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ
 قَالَ قَتَادَة : مُسْرِفُونَ فِي تَطَيُّركُمْ.
 يَحْيَى بْن سَلَّام : مُسْرِفُونَ فِي كُفْركُمْ.
 وَقَالَ اِبْن بَحْر : السَّرَف هَاهُنَا الْفَسَاد، وَمَعْنَاهُ بَلْ أَنْتُمْ قَوْم مُفْسِدُونَ.
 وَقِيلَ : مُسْرِفُونَ مُشْرِكُونَ، وَالْإِسْرَاف مُجَاوَزَة الْحَدّ، وَالْمُشْرِك يُجَاوِز الْحَدّ.

### الآية 36:20

> ﻿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ [36:20]

قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا
 قَالَ قَتَادَة : كَانَ يَعْبُد اللَّه فِي غَار، فَلَمَّا سَمِعَ بِخَبَرِ الْمُرْسَلِينَ جَاءَ يَسْعَى، فَقَالَ لِلْمُرْسَلِينَ : أَتَطْلُبُونَ عَلَى مَا جِئْتُمْ بِهِ أَجْرًا ؟ قَالُوا : لَا مَا أَجْرُنَا إِلَّا عَلَى اللَّه.
 قَالَ أَبُو الْعَالِيَة : فَاعْتَقَدَ صِدْقَهُمْ وَآمَنَ بِهِمْ وَأَقْبَلَ عَلَى قَوْمه ف " قَالَ يَا قَوْمِ اِتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ".

### الآية 36:21

> ﻿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ [36:21]

وَهُمْ مُهْتَدُونَ
 فَاهْتَدُوا بِهِمْ.

### الآية 36:22

> ﻿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [36:22]

وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
 قَالَ قَتَادَة : قَالَ لَهُ قَوْمه أَنْتَ عَلَى دِينهمْ ؟ ! فَقَالَ :" وَمَا لِيَ لَا أَعْبُد الَّذِي فَطَرَنِي " أَيْ خَلَقَنِي.
 وَهَذَا اِحْتِجَاج مِنْهُ عَلَيْهِمْ.
 وَأَضَافَ الْفِطْرَة إِلَى نَفْسه ; لِأَنَّ ذَلِكَ نِعْمَة عَلَيْهِ تُوجِب الشُّكْر، وَالْبَعْث إِلَيْهِمْ ; لِأَنَّ ذَلِكَ وَعِيد يَقْتَضِي الزَّجْر ; فَكَانَ إِضَافَة النِّعْمَة إِلَى نَفْسه أَظْهَرَ شُكْرًا، وَإِضَافَة الْبَعْثِ إِلَى الْكَافِر أَبْلَغ أَثَرًا.

### الآية 36:23

> ﻿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَٰنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ [36:23]

لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ
 يُخَلِّصُونِي مِمَّا أَنَا فِيهِ مِنْ الْبَلَاء

### الآية 36:24

> ﻿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [36:24]

لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ
 أَيْ خُسْرَان ظَاهِر.

### الآية 36:25

> ﻿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ [36:25]

إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ
 قَالَ اِبْن مَسْعُود : خَاطَبَ الرُّسُل بِأَنَّهُ مُؤْمِن بِاَللَّهِ رَبّهمْ.
 وَمَعْنَى " فَاسْمَعُونِ " أَيْ فَاشْهَدُوا، أَيْ كُونُوا شُهُودِي بِالْإِيمَانِ.
 وَقَالَ كَعْب وَوَهْب : إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِقَوْمِهِ إِنِّي آمَنْت بِرَبِّكُمْ الَّذِي كَفَرْتُمْ بِهِ.
 وَقِيلَ : إِنَّهُ لَمَّا قَالَ لِقَوْمِهِ " اِتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ.
 اِتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا " رَفَعُوهُ إِلَى الْمَلِك وَقَالُوا : قَدْ تَبِعْت عَدُوَّنَا ; فَطَوَّلَ مَعَهُمْ الْكَلَام لِيَشْغَلهُمْ بِذَلِكَ عَنْ قَتْل الرُّسُل، إِلَى أَنْ قَالَ :" إِنِّي آمَنْت بِرَبِّكُمْ " فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ.
 قَالَ اِبْن مَسْعُود : وَطَئُوهُ بِأَرْجُلِهِمْ حَتَّى خَرَجَ قَصَبُهُ مِنْ دُبُرِهِ، وَأُلْقِيَ فِي بِئْر وَهِيَ الرَّسّ وَهُمْ أَصْحَاب الرَّسّ.
 وَفِي رِوَايَة أَنَّهُمْ قَتَلُوا الرُّسُل الثَّلَاثَة.
 وَقَالَ السُّدِّيّ : رَمَوْهُ بِالْحِجَارَةِ وَهُوَ يَقُول : اللَّهُمَّ اِهْدِ قَوْمِي حَتَّى قَتَلُوهُ.
 وَقَالَ الْكَلْبِيّ : حَفَرُوا حُفْرَة وَجَعَلُوهُ فِيهَا، وَرَدَمُوا فَوْقه التُّرَاب فَمَاتَ رَدْمًا.
 وَقَالَ الْحَسَن : حَرَّقُوهُ حَرْقًا، وَعَلَّقُوهُ مِنْ سُور الْمَدِينَة وَقَبْره فِي سُور أَنْطَاكِيَة ; حَكَاهُ الثَّعْلَبِيّ.

### الآية 36:26

> ﻿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ۖ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ [36:26]

قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي
 فَلَمَّا شَاهَدَهَا " قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ " وَهُوَ مُرَتَّب عَلَى تَقْدِير سُؤَال سَائِل عَمَّا وَجَدَ مِنْ قَوْله عِنْد ذَلِكَ الْفَوْز الْعَظِيم الَّذِي هُوَ " بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي "

### الآية 36:27

> ﻿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ [36:27]

وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ
 وَقُرِئَ " مِنْ الْمُكَرَّمِينَ " وَفِي مَعْنَى تَمَنِّيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ تَمَنَّى أَنْ يَعْلَمُوا بِحَالِهِ لِيَعْلَمُوا حُسْن مَآلِهِ وَحَمِيد عَاقِبَتِهِ.
 الثَّانِي تَمَنَّى ذَلِكَ لِيُؤْمِنُوا مِثْل إِيمَانه فَيَصِيرُوا إِلَى مِثْل حَاله.
 قَالَ اِبْن عَبَّاس : نَصَحَ قَوْمه حَيًّا وَمَيِّتًا.
 رَفَعَهُ الْقُشَيْرِيّ فَقَالَ : وَفِي الْخَبَر أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة ( إِنَّهُ نَصَحَ لَهُمْ فِي حَيَاته وَبَعْد مَوْته ).
 وَقَالَ اِبْن أَبِي لَيْلَى : سُبَّاق الْأُمَم ثَلَاثَة لَمْ يَكْفُرُوا بِاَللَّهِ طَرْفَة عَيْن : عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَهُوَ أَفْضَلُهُمْ، وَمُؤْمِن آل فِرْعَوْن، وَصَاحِب يس، فَهُمْ الصِّدِّيقُونَ ; ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيّ مَرْفُوعًا عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 وَفِي هَذِهِ الْآيَة تَنْبِيه عَظِيم، وَدَلَالَة عَلَى وُجُوب كَظْم الْغَيْظ، وَالْحِلْم عَنْ أَهْل الْجَهْل.
 وَالتَّرَؤُّف عَلَى مَنْ أَدْخَلَ نَفْسه فِي غِمَار الْأَشْرَار وَأَهْل الْبَغْي، وَالتَّشَمُّر فِي تَخْلِيصه، وَالتَّلَطُّف فِي اِفْتِدَائِهِ، وَالِاشْتِغَال بِذَلِكَ عَنْ الشَّمَاتَة بِهِ وَالدُّعَاء عَلَيْهِ.
 أَلَا تَرَى كَيْف تَمَنَّى الْخَيْر لِقَتَلَتِهِ، وَالْبَاغِينَ لَهُ الْغَوَائِلَ وَهُمْ كَفَرَة عَبَدَة أَصْنَام.

### الآية 36:28

> ﻿۞ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ [36:28]

وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ
 تَصْغِير لِأَمْرِهِمْ ; أَيْ أَهْلَكْنَاهُمْ بِصَيْحَةٍ وَاحِدَة مِنْ بَعْد ذَلِكَ الرَّجُل، أَوْ مِنْ بَعْد رَفْعِهِ إِلَى السَّمَاء.
 وَقِيلَ :" وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ " عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلهمْ.
 الزَّمَخْشَرِيّ : فَإِنْ قُلْت فَلِمَ أَنْزَلَ الْجُنُود مِنْ السَّمَاء يَوْم بَدْر وَالْخَنْدَق ؟ فَقَالَ :" فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا " \[ الْأَحْزَاب : ٩ \]، وَقَالَ :" بِثَلَاثَةِ آلَاف مِنْ الْمَلَائِكَة مُنْزَلِينَ " \[ آل عِمْرَان : ١٢٤ \].
 " بِخَمْسَةِ آلَاف مِنْ الْمَلَائِكَة مُسَوِّمِينَ " \[ آل عِمْرَان : ١٢٥ \].
 قُلْت : إِنَّمَا كَانَ يَكْفِي مَلَك وَاحِد، فَقَدْ أُهْلِكَتْ مَدَائِن قَوْم لُوط بِرِيشَةٍ مِنْ جَنَاح جِبْرِيل، وَبِلَاد ثَمُود وَقَوْم صَالِح بِصَيْحَةٍ، وَلَكِنَّ اللَّه فَضَّلَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكُلِّ شَيْء عَلَى سَائِر الْأَنْبِيَاء وَأُولِي الْعَزْم مِنْ الرُّسُل فَضْلًا عَنْ حَبِيبٍ النَّجَّار، وَأَوْلَاهُ مِنْ أَسْبَاب الْكَرَامَة وَالْإِعْزَاز مَا لَمْ يُولِهِ أَحَدًا ; فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَنْزَلَ لَهُ جُنُودًا مِنْ السَّمَاء، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِقَوْلِهِ :" وَمَا أَنْزَلْنَا ".
 " وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ " إِلَى أَنَّ إِنْزَال الْجُنُود مِنْ عَظَائِم الْأُمُور الَّتِي لَا يُؤَهَّل لَهَا إِلَّا مِثْلُك، وَمَا كُنَّا نَفْعَل لِغَيْرِك.

### الآية 36:29

> ﻿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ [36:29]

فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ
 أَيْ مَيِّتُونَ هَامِدُونَ ; تَشْبِيهًا بِالرَّمَادِ الْخَامِد.
 وَقَالَ قَتَادَة : هَلْكَى.
 وَالْمَعْنَى وَاحِد.

### الآية 36:30

> ﻿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ۚ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [36:30]

وَتَمَّ الْكَلَام عَلَى هَذَا، ثُمَّ اِبْتَدَأَ فَقَالَ :" مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُول ".
 وَقَرَأَ اِبْن هُرْمُز وَمُسْلِم بْن جُنْدُب وَعِكْرِمَة :" يَا حَسْرَة عَلَى الْعِبَاد " بِسُكُونِ الْهَاء لِلْحِرْصِ عَلَى الْبَيَان وَتَقْرِير الْمَعْنَى فِي النَّفْس ; إِذْ كَانَ مَوْضِع وَعْظ وَتَنْبِيه وَالْعَرَب تَفْعَل ذَلِكَ فِي مِثْله، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْضِعًا لِلْوَقْفِ.
 وَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقْطَع قِرَاءَته حَرْفًا حَرْفًا ; حِرْصًا عَلَى الْبَيَان وَالْإِفْهَام.
 وَيَجُوز أَنْ يَكُون " عَلَى الْعِبَاد " مُتَعَلِّقًا بِالْحَسْرَةِ.
 وَيَجُوز أَنْ يَكُون مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ لَا بِالْحَسْرَةِ ; فَكَأَنَّهُ قَدَّرَ الْوَقْف عَلَى الْحَسْرَة فَأَسْكَنَ الْهَاء، ثُمَّ قَالَ :" عَلَى الْعِبَاد " أَيْ أَتَحَسَّرُ عَلَى الْعِبَاد.
 وَعَنْ اِبْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك وَغَيْرِهِمَا :" يَا حَسْرَة الْعِبَاد " مُضَاف بِحَذْفِ " عَلَى ".
 وَهُوَ خِلَاف الْمُصْحَف.
 وَجَازَ أَنْ يَكُون مِنْ بَاب الْإِضَافَة إِلَى الْفَاعِل فَيَكُون الْعِبَاد فَاعِلِينَ ; كَأَنَّهُمْ إِذَا شَاهَدُوا الْعَذَاب تَحَسَّرُوا فَهُوَ كَقَوْلِك يَا قِيَام زَيْد.
 وَيَجُوز أَنْ تَكُون مِنْ بَاب الْإِضَافَة إِلَى الْمَفْعُول، فَيَكُون الْعِبَاد مَفْعُولِينَ ; فَكَأَنَّ الْعِبَاد يَتَحَسَّرُ عَلَيْهِمْ مَنْ يُشْفِق لَهُمْ.
 وَقِرَاءَة مَنْ قَرَأَ :" يَا حَسْرَة عَلَى الْعِبَاد " مُقَوِّيَة لِهَذَا الْمَعْنَى.

### الآية 36:31

> ﻿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ [36:31]

أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ
 قَالَ سِيبَوَيْهِ :" أَنَّ " بَدَل مِنْ " كَمْ "، وَمَعْنَى كَمْ هَاهُنَا الْخَبَر ; فَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يُبْدَل مِنْهَا مَا لَيْسَ بِاسْتِفْهَامٍ.
 وَالْمَعْنَى : أَلَمْ يَرَوْا أَنَّ الْقُرُون الَّذِينَ أَهْلَكْنَاهُمْ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ.
 وَقَالَ الْفَرَّاء :" كَمْ " فِي مَوْضِع نَصْب مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا بِـ " يَرَوْا " وَاسْتَشْهَدَ عَلَى هَذَا بِأَنَّهُ فِي قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود " أَلَمْ يَرَوْا مَنْ أَهْلَكْنَا ".
 وَالْوَجْه الْآخَر أَنْ يَكُون " كَمْ " فِي مَوْضِع نَصْب بِـ " أَهْلَكْنَا ".
 قَالَ النَّحَّاس : الْقَوْل الْأَوَّل مُحَال ; لِأَنَّ " كَمْ " لَا يَعْمَل فِيهَا مَا قَبْلَهَا ; لِأَنَّهَا اِسْتِفْهَام، وَمُحَال أَنْ يَدْخُل الِاسْتِفْهَام فِي خَبَر مَا قَبْله.
 وَكَذَا حُكْمهَا إِذَا كَانَتْ خَبَرًا، وَإِنْ كَانَ سِيبَوَيْهِ قَدْ أَوْمَأَ إِلَى بَعْض هَذَا فَجَعَلَ " أَنَّهُمْ " بَدَلًا مِنْ كَمْ.
 وَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ مُحَمَّد بْن يَزِيد أَشَدَّ رَدٍّ، وَقَالَ :" كَمْ " فِي مَوْضِع نَصْب بِـ " أَهْلَكْنَا " وَ " أَنَّهُمْ " فِي مَوْضِع نَصْب، وَالْمَعْنَى عِنْده بِأَنَّهُمْ أَيْ " أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ الْقُرُون " بِالِاسْتِئْصَالِ.
 قَالَ : وَالدَّلِيل عَلَى هَذَا أَنَّهَا فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه " مَنْ أَهْلَكْنَا قَبْلهمْ مِنْ الْقُرُون أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ ".
 وَقَرَأَ الْحَسَن :" إِنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ " بِكَسْرِ الْهَمْزَة عَلَى الِاسْتِئْنَاف.
 وَهَذِهِ الْآيَة رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ مِنْ الْخَلْق مَنْ يَرْجِع قَبْل الْقِيَامَة بَعْد الْمَوْت.

### الآية 36:32

> ﻿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ [36:32]

وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ
 يُرِيد يَوْم الْقِيَامَة لِلْجَزَاءِ.
 وَقَرَأَ اِبْن عَامِر وَعَاصِم وَحَمْزَة : وَ " إِنْ كُلٌّ لَمَّا " بِتَشْدِيدِ " لَمَّا ".
 وَخَفَّفَ الْبَاقُونَ.
 فَـ " إِنْ " مُخَفَّفَة مِنْ الثَّقِيلَة وَمَا بَعْدهَا مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ، وَمَا بَعْده الْخَبَر.
 وَبَطَلَ عَمَلُهَا حِين تَغَيَّرَ لَفْظهَا.
 وَلَزِمَتْ اللَّام فِي الْخَبَر فَرْقًا بَيْنهَا وَبَيْن إِنْ الَّتِي بِمَعْنَى مَا.
 " وَمَا " عِنْد أَبِي عُبَيْدَة زَائِدَة.
 وَالتَّقْدِير عِنْده : وَإِنْ كُلٌّ لَجَمِيعٌ.
 قَالَ الْفَرَّاء : وَمَنْ شَدَّدَ جَعَلَ " لَمَّا " بِمَعْنَى إِلَّا وَ " إِنْ " بِمَعْنَى مَا، أَيْ مَا كُلٌّ إِلَّا لَجَمِيعٌ ; كَقَوْلِهِ :" إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُل بِهِ جِنَّة " \[ الْمُؤْمِنُونَ : ٢٥ \].
 وَحَكَى سِيبَوَيْهِ فِي قَوْله : سَأَلْتُك بِاَللَّهِ لَمَّا فَعَلْت.
 وَزَعَمَ الْكِسَائِيّ أَنَّهُ لَا يُعْرَف هَذَا.
 وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي \[ هُود \].
 وَفِي حَرْف أُبَيّ " وَإِنْ مِنْهُمْ إِلَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ ".

### الآية 36:33

> ﻿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ [36:33]

فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ
 " فَمِنْهُ " أَيْ مِنْ الْحَبّ " يَأْكُلُونَ " وَبِهِ يَتَغَذَّوْنَ.

### الآية 36:34

> ﻿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ [36:34]

وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ
 أَيْ فِي الْبَسَاتِين.

### الآية 36:35

> ﻿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ۖ أَفَلَا يَشْكُرُونَ [36:35]

أَفَلَا يَشْكُرُونَ
 نِعَمَهُ.

### الآية 36:36

> ﻿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ [36:36]

وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ
 أَيْ مِنْ أَصْنَاف خَلْقه فِي الْبَرّ وَالْبَحْر وَالسَّمَاء وَالْأَرْض.
 ثُمَّ يَجُوز أَنْ يَكُون مَا يَخْلُقُهُ لَا يَعْلَمهُ الْبَشَر وَتَعْلَمهُ الْمَلَائِكَة.
 وَيَجُوز أَلَّا يَعْلَمَهُ مَخْلُوق.
 وَوَجْه الِاسْتِدْلَال فِي هَذِهِ الْآيَة أَنَّهُ إِذَا اِنْفَرَدَ بِالْخَلْقِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُشْرَك بِهِ.

### الآية 36:37

> ﻿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ [36:37]

فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ
 " مُظْلِمُونَ " دَاخِلُونَ فِي الظَّلَام ; يُقَال : أَظْلَمْنَا أَيْ دَخَلْنَا فِي ظَلَام اللَّيْل، وَأَظْهَرْنَا دَخَلْنَا فِي وَقْت الظُّهْر، وَكَذَلِكَ أَصْبَحْنَا وَأَضْحَيْنَا وَأَمْسَيْنَا.
 " فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ " أَيْ فِي ظُلْمَة ; لِأَنَّ ضَوْء النَّهَار يَتَدَاخَل فِي الْهَوَاء فَيُضِيء فَإِذَا خَرَجَ مِنْهُ أَظْلَمَ.

### الآية 36:38

> ﻿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [36:38]

ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
 أَيْ الَّذِي ذُكِرَ مِنْ أَمْر اللَّيْل وَالنَّهَار وَالشَّمْس تَقْدِير " الْعَزِيز الْعَلِيم ".

### الآية 36:39

> ﻿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [36:39]

وَهَذِهِ قِسْمَة السُّرْيَانِيِّينَ لِشُهُورِهَا : تِشْرِين الْأَوَّل، تِشْرِين الثَّانِي، كَانُون الْأَوَّل، كَانُون الثَّانِي، أَشْبَاط، آذَار، نِيسَان، أَيَار، حُزَيْرَان، تَمُّوز، آب، أَيْلُول، وَكُلّهَا أَحَد وَثَلَاثُونَ إِلَّا تِشْرِين الثَّانِي وَنِيسَان وَحُزَيْرَان وَأَيْلُول، فَهِيَ ثَلَاثُونَ، وَأَشْبَاط ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَرُبُع يَوْم.
 وَإِنَّمَا أَرَدْنَا بِهَذَا أَنْ تَنْظُر فِي قُدْرَة اللَّه تَعَالَى : فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى :" وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِل " فَإِذَا كَانَتْ الشَّمْس فِي مَنْزِل أَهْل الْهِلَال بِالْمَنْزِلِ الَّذِي بَعْده، وَكَانَ الْفَجْر بِمَنْزِلَتَيْنِ مِنْ قَبْله.
 فَإِذَا كَانَتْ الشَّمْس بِالثُّرَيَّا فِي خَمْسَة وَعِشْرِينَ يَوْمًا مِنْ نِيسَان، كَانَ الْفَجْر بِالشَّرَطَيْنِ، وَأَهْل الْهِلَال بِالدَّبَرَانِ، ثُمَّ يَكُون لَهُ فِي كُلّ لَيْلَة مَنْزِلَة حَتَّى يَقْطَع فِي ثَمَان وَعِشْرِينَ لَيْلَة ثَمَانِيًا وَعِشْرِينَ مَنْزِلَة.
 وَقَدْ قَطَعَتْ الشَّمْس مَنْزِلَتَيْنِ فَيَقْطَعُهُمَا، ثُمَّ يَطْلُع فِي الْمَنْزِلَة الَّتِي بَعْد مَنْزِلَة الشَّمْس فَـ " ذَلِكَ تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم ".
 " الْقَدِيم " قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ : الْقَدِيم الْمَحْوِل وَإِذَا قَدُمَ دَقَّ وَانْحَنَى وَاصْفَرَّ فَشُبِّهَ الْقَمَر بِهِ مِنْ ثَلَاثَة أَوْجُه.
 وَقِيلَ : أَقَلّ عِدَّة الْمَوْصُوف بِالْقَدِيمِ الْحَوْل، فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ : كُلّ مَمْلُوك لِي قَدِيم فَهُوَ حُرّ، أَوْ كَتَبَ ذَلِكَ فِي وَصِيَّته عَتَقَ مَنْ مَضَى لَهُ حَوْل أَوْ أَكْثَر.
 قُلْت : قَدْ مَضَى فِي \[ الْبَقَرَة \] مَا يَتَرَتَّب عَلَى الْأَهِلَّة مِنْ الْأَحْكَام وَالْحَمْد لِلَّهِ.

### الآية 36:40

> ﻿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [36:40]

وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
 " وَكُلّ " يَعْنِي مِنْ الشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم " فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ " أَيْ يَجْرُونَ.
 وَقِيلَ : يَدُورُونَ.
 وَلَمْ يَقُلْ تَسْبَح ; لِأَنَّهُ وَصَفَهَا بِفِعْلِ مَنْ يَعْقِل.

### الآية 36:41

> ﻿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [36:41]

أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
 مِنْ أَشْكَلِ مَا فِي السُّورَة ; لِأَنَّهُمْ هُمْ الْمَحْمُولُونَ.
 فَقِيلَ : الْمَعْنَى وَآيَة لِأَهْلِ مَكَّة أَنَا حَمَلْنَا ذُرِّيَّة الْقُرُون الْمَاضِيَة " فِي الْفُلْك الْمَشْحُون " فَالضَّمِيرَانِ مُخْتَلِفَانِ ; ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيّ.
 وَحَكَاهُ النَّحَّاس عَنْ عَلِيّ بْن سُلَيْمَان أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُول.
 وَقِيلَ : الضَّمِيرَانِ جَمِيعًا لِأَهْلِ مَكَّة عَلَى أَنْ يَكُون ذُرِّيَّاتهمْ أَوْلَادَهُمْ وَضُعَفَاءَهُمْ ; فَالْفُلْك عَلَى الْقَوْل الْأَوَّل سَفِينَة نُوح.
 وَعَلَى الثَّانِي يَكُون اِسْمًا لِلْجِنْسِ ; خَبَّرَ جَلَّ وَعَزَّ بِلُطْفِهِ وَامْتِنَانه أَنَّهُ خَلَقَ السُّفُن يُحْمَل فِيهَا مَنْ يَصْعُبُ عَلَيْهِ الْمَشْي وَالرُّكُوب مِنْ الذُّرِّيَّة وَالضُّعَفَاء، فَيَكُون الضَّمِيرَانِ عَلَى هَذَا مُتَّفِقَيْنِ.
 وَقِيلَ : الذُّرِّيَّة الْآبَاء وَالْأَجْدَاد، حَمَلَهُمْ اللَّه تَعَالَى فِي سَفِينَة نُوح عَلَيْهِ السَّلَام ; فَالْآبَاء ذُرِّيَّة وَالْأَبْنَاء ذُرِّيَّة ; بِدَلِيلِ هَذِهِ الْآيَة ; قَالَهُ أَبُو عُثْمَان.
 وَسُمِّيَ الْآبَاء ذُرِّيَّة ; لِأَنَّ مِنْهُمْ ذَرَأَ الْأَبْنَاء.
 وَقَوْل رَابِع : أَنَّ الذُّرِّيَّة النُّطَف حَمَلَهَا اللَّه تَعَالَى فِي بُطُون النِّسَاء تَشْبِيهًا بِالْفُلْكِ الْمَشْحُون ; قَالَهُ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ; ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ.
 وَقَدْ مَضَى فِي \[ الْبَقَرَة \] اِشْتِقَاق الذُّرِّيَّة وَالْكَلَام فِيهَا مُسْتَوْفًى.
 وَ " الْمَشْحُون " الْمَمْلُوء الْمُوَقَّر، وَ " الْفُلْك " يَكُون وَاحِدًا وَجَمْعًا.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي \[ يُونُس \] الْقَوْل فِيهِ.

### الآية 36:42

> ﻿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ [36:42]

وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ
 وَالْأَصْل يَرْكَبُونَهُ فَحُذِفَتْ الْهَاء لِطُولِ الِاسْم وَأَنَّهُ رَأْس آيَة.
 وَفِي مَعْنَاهُ ثَلَاثَة أَقْوَال : مَذْهَب مُجَاهِد وَقَتَادَة وَجَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّفْسِير، وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ مَعْنَى " مِنْ مِثْله " لِلْإِبِلِ، خَلَقَهَا لَهُمْ لِلرُّكُوبِ فِي الْبَرّ مِثْل السُّفُن الْمَرْكُوبَة فِي الْبَحْر ; وَالْعَرَب تُشَبِّهُ الْإِبِل بِالسُّفُنِ.
 **قَالَ طَرَفَة :**

كَأَنَّ حُدُوجَ الْمَالِكِيَّةِ غُدْوَةً  خَلَايَا سَفِينٍ بِالنَّوَاصِفِ مِنْ دَدِ جَمْع خَلِيَّة وَهِيَ السَّفِينَة الْعَظِيمَة.
 وَالْقَوْل الثَّانِي أَنَّهُ لِلْإِبِلِ وَالدَّوَابّ وَكُلّ مَا يُرْكَب.
 وَالْقَوْل الثَّالِث أَنَّهُ لِلسُّفُنِ ; النَّحَّاس : وَهُوَ أَصَحّهَا ; لِأَنَّهُ مُتَّصِل الْإِسْنَاد عَنْ اِبْن عَبَّاس.
 " وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْله مَا يَرْكَبُونَ " قَالَ : خَلَقَ لَهُمْ سُفُنًا أَمْثَالهَا يَرْكَبُونَ فِيهَا.
 وَقَالَ أَبُو مَالِك : إِنَّهَا السُّفُن الصِّغَار خَلَقَهَا مِثْل السُّفُن الْكِبَار ; وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن.
 وَقَالَ الضَّحَّاك وَغَيْره : هِيَ السُّفُن الْمُتَّخَذَة بَعْد سَفِينَة نُوح.
 قَالَ الْمَاوَرْدِيّ : وَيَجِيء عَلَى مُقْتَضَى تَأْوِيل عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي أَنَّ الذُّرِّيَّة فِي الْفُلْك الْمَشْحُون هِيَ النُّطَف فِي بُطُون النِّسَاء قَوْل خَامِس فِي قَوْله :" وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْله مَا يَرْكَبُونَ " أَنْ يَكُون تَأْوِيله النِّسَاء خُلِقْنَ لِرُكُوبِ الْأَزْوَاج لَكِنْ لَمْ أَرَهُ مَحْكِيًّا.

### الآية 36:43

> ﻿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ [36:43]

وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ
 وَمَعْنَى :" يُنْقَذُونَ " يُخَلَّصُونَ مِنْ الْغَرَق.
 وَقِيلَ : مِنْ الْعَذَاب.

### الآية 36:44

> ﻿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ [36:44]

إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ
 قَالَ الْكِسَائِيّ : هُوَ نَصْب عَلَى الِاسْتِثْنَاء.
 وَقَالَ الزَّجَّاج : نَصْب مَفْعُول مِنْ أَجَله ; أَيْ لِلرَّحْمَةِ " وَمَتَاعًا " مَعْطُوف عَلَيْهِ.
 " إِلَى حِين " إِلَى الْمَوْت ; قَالَهُ قَتَادَة.
 يَحْيَى بْن سَلَّام : إِلَى الْقِيَامَة أَيْ إِلَّا أَنْ نَرْحَمَهُمْ وَنُمَتِّعَهُمْ إِلَى آجَالِهِمْ، وَأَنَّ اللَّه عَجَّلَ عَذَاب الْأُمَم السَّالِفَة، وَأَخَّرَ عَذَاب أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَذَّبُوهُ إِلَى الْمَوْت وَالْقِيَامَة.

### الآية 36:45

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [36:45]

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
 قَالَ قَتَادَة : يَعْنِي " اِتَّقُوا مَا بَيْن أَيْدِيكُمْ " أَيْ مِنْ الْوَقَائِع فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ الْأُمَم، " وَمَا خَلْفكُمْ " مِنْ الْآخِرَة.
 اِبْن عَبَّاس وَابْن جُبَيْر وَمُجَاهِد :" مَا بَيْن أَيْدِيكُمْ " مَا مَضَى مِنْ الذُّنُوب، " وَمَا خَلْفكُمْ " مَا يَأْتِي مِنْ الذُّنُوب.
 الْحَسَن :" مَا بَيْن أَيْدِيكُمْ " مَا مَضَى مِنْ أَجَلِكُمْ " وَمَا خَلْفكُمْ " مَا بَقِيَ مِنْهُ.
 وَقِيلَ :" مَا بَيْن أَيْدِيكُمْ " مِنْ الدُّنْيَا، " وَمَا خَلْفكُمْ " مِنْ عَذَاب الْآخِرَة ; قَالَهُ سُفْيَان.
 وَحَكَى عَكْسَ هَذَا الْقَوْل الثَّعْلَبِيُّ عَنْ اِبْن عَبَّاس.
 قَالَ :" مَا بَيْن أَيْدِيكُمْ " مِنْ أَمْر الْآخِرَة وَمَا عَمِلُوا لَهَا، " وَمَا خَلْفكُمْ " مِنْ أَمْر الدُّنْيَا فَاحْذَرُوهَا وَلَا تَغْتَرُّوا بِهَا.
 وَقِيلَ :" مَا بَيْن أَيْدِيكُمْ " مَا ظَهَرَ لَكُمْ " وَمَا خَلْفكُمْ " مَا خَفِيَ عَنْكُمْ.
 وَالْجَوَاب مَحْذُوف، وَالتَّقْدِير : إِذَا قِيلَ لَهُمْ ذَلِكَ أَعْرَضُوا ; دَلِيله قَوْله بَعْد :" وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَة مِنْ آيَات رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ " فَاكْتَفَى بِهَذَا عَنْ ذَلِكَ.

### الآية 36:46

> ﻿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ [36:46]

وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ
 إِذَا قِيلَ لَهُ ذَلِكَ أَعْرَضُوا.

### الآية 36:47

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [36:47]

إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ
 قِيلَ هُوَ مِنْ قَوْل الْكُفَّار لِلْمُؤْمِنِينَ ; أَيْ فِي سُؤَال الْمَال وَفِي اِتِّبَاعكُمْ مُحَمَّدًا.
 قَالَ مَعْنَاهُ مُقَاتِل وَغَيْره.
 وَقِيلَ : هُوَ مِنْ قَوْل أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ.
 وَقِيلَ مِنْ قَوْل اللَّه تَعَالَى لِلْكُفَّارِ حِين رَدُّوا بِهَذَا الْجَوَاب.
 وَقِيلَ : إِنَّ أَبَا بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ كَانَ يُطْعِم مَسَاكِين الْمُسْلِمِينَ فَلَقِيَهُ أَبُو جَهْل فَقَالَ : يَا أَبَا بَكْر أَتَزْعُمُ أَنَّ اللَّه قَادِر عَلَى إِطْعَام هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ : نَعَمْ.
 قَالَ : فَمَا بَالُهُ لَمْ يُطْعِمْهُمْ ؟ قَالَ : اِبْتَلَى قَوْمًا بِالْفَقْرِ، وَقَوْمًا بِالْغِنَى، وَأَمَرَ الْفُقَرَاء بِالصَّبْرِ، وَأَمَرَ الْأَغْنِيَاء بِالْإِعْطَاءِ.
 فَقَالَ : وَاَللَّه يَا أَبَا بَكْر مَا أَنْتَ إِلَّا فِي ضَلَال أَتَزْعُمُ أَنَّ اللَّه قَادِر عَلَى إِطْعَام هَؤُلَاءِ وَهُوَ لَا يُطْعِمهُمْ ثُمَّ تُطْعِمهُمْ أَنْتَ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة، وَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى :" فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى " \[ اللَّيْل :
 ٥ - ٦ \] الْآيَات.
 وَقِيلَ : نَزَلَتْ الْآيَة فِي قَوْم مِنْ الزَّنَادِقَة، وَقَدْ كَانَ فِيهِمْ أَقْوَام يَتَزَنْدَقُونَ فَلَا يُؤْمِنُونَ بِالصَّانِعِ وَاسْتَهْزَءُوا بِالْمُسْلِمِينَ بِهَذَا الْقَوْل ; ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيّ وَالْمَاوَرْدِيّ.

### الآية 36:48

> ﻿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [36:48]

وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ
 لَمَّا قِيلَ لَهُمْ :" اِتَّقُوا مَا بَيْن أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفكُمْ " قَالُوا :" مَتَى هَذَا الْوَعْد " وَكَانَ هَذَا اِسْتِهْزَاء مِنْهُمْ أَيْضًا أَيْ لَا تَحْقِيق لِهَذَا الْوَعِيد.

### الآية 36:49

> ﻿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ [36:49]

تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ
 أَيْ يَخْتَصِمُونَ فِي أُمُور دُنْيَاهُمْ فَيَمُوتُونَ فِي مَكَانهمْ ; وَهَذِهِ نَفْخَة الصَّعْق.
 وَفِي " يَخِصِّمُونَ " خَمْس قِرَاءَات : قَرَأَ أَبُو عَمْرو وَابْن كَثِير :" وَهُمْ يَخَصِّمُونَ " بِفَتْحِ الْيَاء وَالْخَاء وَتَشْدِيد الصَّاد.
 وَكَذَا رَوَى وَرْش عَنْ نَافِع.
 فَأَمَّا أَصْحَاب الْقِرَاءَات وَأَصْحَاب نَافِع سِوَى وَرْش فَرَوَوْا عَنْهُ " يَخْصِّمُونَ " بِإِسْكَانِ الْخَاء وَتَشْدِيد الصَّاد عَلَى الْجَمْع بَيْنَ سَاكِنَيْنِ.
 وَقَرَأَ يَحْيَى بْن وَثَّاب وَالْأَعْمَش وَحَمْزَة :" وَهُمْ يَخْصِمُونَ " بِإِسْكَانِ الْخَاء وَتَخْفِيف الصَّاد مِنْ خَصَمَهُ.
 وَقَرَأَ عَاصِم وَالْكِسَائِيّ " وَهُمْ يَخِصِّمُونَ " بِكَسْرِ الْخَاء وَتَشْدِيد الصَّاد، وَمَعْنَاهُ يَخْصِم بَعْضهمْ بَعْضًا.
 وَقِيلَ : تَأْخُذهُمْ وَهُمْ عِنْد أَنْفُسهمْ يَخْتَصِمُونَ فِي الْحُجَّة أَنَّهُمْ لَا يُبْعَثُونَ.
 وَقَدْ رَوَى اِبْن جُبَيْر عَنْ أَبِي بَكْر عَنْ عَاصِم، وَحَمَّاد عَنْ عَاصِم كَسْر الْيَاء وَالْخَاء وَالتَّشْدِيد.
 قَالَ النَّحَّاس : الْقِرَاءَة الْأُولَى أَبْيَنُهَا، وَالْأَصْل فِيهَا يَخْتَصِمُونَ فَأُدْغِمَتْ التَّاء فِي الصَّاد فَنُقِلَتْ حَرَكَتُهَا إِلَى الْخَاء.
 وَفِي حَرْف أُبَيّ " وَهُمْ يَخْتَصِمُونَ " - وَإِسْكَان الْخَاء لَا يَجُوز ; لِأَنَّهُ جَمْع بَيْن سَاكِنَيْنِ وَلَيْسَ أَحَدهمَا حَرْف مَدّ وَلِين.
 وَقِيلَ : أَسْكَنُوا الْخَاء عَلَى أَصْلهَا، وَالْمَعْنَى يَخْصِم بَعْضهمْ بَعْضًا فَحُذِفَ الْمُضَاف، وَجَازَ أَنْ يَكُون الْمَعْنَى يَخْصِمُونَ مُجَادِلهمْ عِنْد أَنْفُسهمْ فَحُذِفَ الْمَفْعُول.
 قَالَ الثَّعْلَبِيّ : وَهِيَ قِرَاءَة أُبَيّ بْن كَعْب.
 قَالَ النَّحَّاس : فَأَمَّا " يَخِصِّمُونَ " فَالْأَصْل فِيهِ أَيْضًا يَخْتَصِمُونَ، فَأُدْغِمَتْ التَّاء فِي الصَّاد ثُمَّ كُسِرَتْ الْخَاء لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
 وَزَعَمَ الْفَرَّاء أَنَّ هَذِهِ الْقِرَاءَة أَجْوَد وَأَكْثَر ; فَتَرَكَ مَا هُوَ أَوْلَى مِنْ إِلْقَاء حَرَكَة التَّاء عَلَى الْخَاء وَاجْتَلَبَ لَهَا حَرَكَة أُخْرَى وَجَمَعَ بَيْن يَاء وَكَسْرَة، وَزَعَمَ أَنَّهُ أَجْوَد وَأَكْثَر.
 وَكَيْف يَكُون أَكْثَر وَبِالْفَتْحِ قِرَاءَة الْخَلْق مِنْ أَهْل مَكَّة وَأَهْل الْبَصْرَة وَأَهْل الْمَدِينَة ! وَمَا رُوِيَ عَنْ عَاصِم مِنْ كَسْر الْيَاء وَالْخَاء فَلِلْإِتْبَاعِ.
 وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي \[ الْبَقَرَة \] فِي " يَخْطَف أَبْصَارهمْ " \[ الْبَقَرَة : ٢٠ \] وَفِي \[ يُونُس \] " يَهِدِّي " \[ يُونُس : ٣٥ \].

### الآية 36:50

> ﻿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ [36:50]

وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ
 إِذَا مَاتُوا.
 وَقِيلَ : إِنَّ مَعْنَى " وَلَا إِلَى أَهْلهمْ يَرْجِعُونَ " لَا يَرْجِعُونَ إِلَيْهِمْ قَوْلًا.
 وَقَالَ قَتَادَة :" وَلَا إِلَى أَهْلهمْ يَرْجِعُونَ " أَيْ إِلَى مَنَازِلهمْ ; لِأَنَّهُمْ قَدْ أُعْجِلُوا عَنْ ذَلِكَ.

### الآية 36:51

> ﻿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ [36:51]

إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ
 أَيْ يَخْرُجُونَ ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة وَمِنْهُ قَوْل اِمْرِئِ الْقَيْس :
 فَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثِيَابِك تَنْسُلِي
 وَمِنْهُ قِيلَ لِلْوَلَدِ نَسْل ; لِأَنَّهُ يَخْرُج مِنْ بَطْن أُمِّهِ.
 وَقِيلَ : يُسْرِعُونَ.
 وَالنَّسَلَان وَالْعَسَلَان : الْإِسْرَاع فِي السَّيْر، وَمِنْهُ مِشْيَة الذِّئْب ; قَالَ :

عَسَلَانُ الذِّئْبِ أَمْسَى قَارِبًا  بَرَدَ اللَّيْلُ عَلَيْهِ فَنَسَلْ يُقَال : عَسَلَ الذِّئْب وَنَسَلَ، يَعْسِل وَيَنْسِل، مِنْ بَاب ضَرَبَ يَضْرِب.
 وَيُقَال : يَنْسُل بِالضَّمِّ أَيْضًا.
 وَهُوَ الْإِسْرَاع فِي الْمَشْي ; فَالْمَعْنَى يَخْرُجُونَ مُسْرِعِينَ.
 وَفِي التَّنْزِيل :" مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَة " \[ لُقْمَان : ٢٨ \]، وَقَالَ :" يَخْرُجُونَ مِنْ الْأَجْدَاث كَأَنَّهُمْ جَرَاد مُنْتَشِر " \[ الْقَمَر : ٧ \]، وَفِي " سَأَلَ سَائِل " \[ الْمَعَارِج : ١ \] " يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنْ الْأَجْدَاث سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُب يُوفِضُونَ " \[ الْمَعَارِج : ٤٣ \] أَيْ يُسْرِعُونَ.
 وَفِي الْخَبَر : شَكَوْنَا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الضَّعْف فَقَالَ :( عَلَيْكُمْ بِالنَّسْلِ ) أَيْ بِالْإِسْرَاعِ فِي الْمَشْي فَإِنَّهُ يُنَشِّط.

### الآية 36:52

> ﻿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ۜ ۗ هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [36:52]

مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ
 قَالَ مُجَاهِد : فَقَالَ لَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ :" هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَن ".
 قَالَ قَتَادَة : فَقَالَ لَهُمْ مَنْ هَدَى اللَّه :" هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَن ".
 وَقَالَ الْفَرَّاء : فَقَالَتْ لَهُمْ الْمَلَائِكَة :" هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَن ".
 النَّحَّاس : وَهَذِهِ الْأَقْوَال مُتَّفِقَة ; لِأَنَّ الْمَلَائِكَة مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَمِمَّنْ هَدَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ.
 وَعَلَى هَذَا يُتَأَوَّل قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ :" إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ هُمْ خَيْر الْبَرِّيَّة " \[ الْبَيِّنَة : ٧ \] وَكَذَا الْحَدِيث :( الْمُؤْمِن عِنْد اللَّه خَيْر مِنْ كُلّ مَا خَلَقَ ).
 وَيَجُوز أَنْ تَكُون الْمَلَائِكَة وَغَيْرهمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ قَالُوا لَهُمْ :" هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَن ".
 وَقِيلَ : إِنَّ الْكُفَّار لَمَّا قَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ :" مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدنَا " صَدَّقُوا الرُّسُل لَمَّا عَايَنُوا مَا أَخْبَرُوهُمْ بِهِ، ثُمَّ قَالُوا :" هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَن وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ " فَكَذَّبْنَا بِهِ ; أَقَرُّوا حِين لَمْ يَنْفَعهُمْ الْإِقْرَار.
 وَكَانَ حَفْص يَقِف عَلَى " مِنْ مَرْقَدنَا " ثُمَّ يَبْتَدِئ فَيَقُول :" هَذَا ".
 قَالَ أَبُو بَكْر بْن الْأَنْبَارِيّ :" مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدنَا " وَقْف حَسَن ; ثُمَّ تَبْتَدِئ :" هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَن " وَيَجُوز أَنْ تَقِف عَلَى مَرْقَدنَا هَذَا " فَتَخْفِض هَذَا عَلَى الْإِتْبَاع لِلْمَرْقَدِ، وَتَبْتَدِئ :" مَا وَعَدَ الرَّحْمَن " عَلَى مَعْنَى بَعَثَكُمْ مَا وَعَدَ الرَّحْمَن ; أَيْ بَعَثَكُمْ وَعْد الرَّحْمَن.
 النَّحَّاس : التَّمَام عَلَى " مِنْ مَرْقَدنَا " وَ " هَذَا " فِي مَوْضِع رَفَعَ بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَره " مَا وَعَدَ الرَّحْمَن ".
 وَيَجُوز أَنْ يَكُون فِي مَوْضِع خَفْض عَلَى النَّعْت لِـ " مَرْقَدنَا " فَيَكُون التَّمَام " مِنْ مَرْقَدنَا هَذَا ".
 " مَا وَعَدَ الرَّحْمَن " فِي مَوْضِع رَفْع مِنْ ثَلَاث جِهَات.
 ذَكَرَ أَبُو إِسْحَاق مِنْهَا اِثْنَتَيْنِ قَالَ : يَكُون بِإِضْمَارِ هَذَا.
 وَالْجِهَة الثَّانِيَة أَنْ يَكُون بِمَعْنَى حَقّ مَا وَعَدَ الرَّحْمَن بَعْثكُمْ.
 وَالْجِهَة الثَّالِثَة أَنْ يَكُون بِمَعْنَى بَعَثَكُمْ مَا وَعَدَ الرَّحْمَن.

### الآية 36:53

> ﻿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ [36:53]

فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ
 " فَإِذَا هُمْ " مُبْتَدَأ وَخَبَره " جَمِيع " نَكِرَة، وَ " مُحْضَرُونَ " مِنْ صِفَته.
 وَمَعْنَى " مُحْضَرُونَ " مَجْمُوعُونَ أُحْضِرُوا مَوْقِف الْحِسَاب ; وَهُوَ كَقَوْلِهِ :" وَمَا أَمْر السَّاعَة إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَر " \[ النَّحْل : ٧٧ \].

### الآية 36:54

> ﻿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [36:54]

وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
 " مَا " فِي مَحَلّ نَصْب مِنْ وَجْهَيْنِ : الْأَوَّل أَنَّهُ مَفْعُول ثَانٍ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله.
 وَالثَّانِي بِنَزْعِ حَرْف الصِّفَة تَقْدِيره : إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ; أَيْ تَعْمَلُونَهُ فَحُذِفَ.

### الآية 36:55

> ﻿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ [36:55]

وَ " فَكِهُونَ " بِغَيْرِ أَلِف فِي قَوْل قَتَادَة : مُعْجَبُونَ.
 وَقَالَ أَبُو زَيْد : يُقَال رَجُل فَكِهٌ إِذَا كَانَ طَيِّب النَّفْس ضَحُوكًا.
 وَقَرَأَ طَلْحَة بْن مُصَرِّف :" فَاكِهِينَ " نَصْبُهُ عَلَى الْحَال.

### الآية 36:56

> ﻿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ [36:56]

هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ
 مُبْتَدَأ وَخَبَره.
 وَيَجُوز أَنْ يَكُون " هُمْ " تَوْكِيدًا " وَأَزْوَاجهمْ " عَطْف عَلَى الْمُضْمَر، وَ " مُتَّكِئُونَ " نَعْت لِقَوْلِهِ " فَاكِهُونَ :.
 وَقِرَاءَة الْعَامَّة :" فِي ظِلَال " بِكَسْرِ الظَّاء وَالْأَلِف.
 وَقَرَأَ اِبْن مَسْعُود وَعُبَيْد بْن عُمَيْر وَالْأَعْمَش وَيَحْيَى وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ وَخَلَف :" فِي ظُلَل " بِضَمِّ الظَّاء مِنْ غَيْر أَلِف ; فَالظِّلَال جَمْع ظِلّ، وَظُلَل جَمْع ظُلَّة.
 " عَلَى الْأَرَائِك " يَعْنِي السُّرُر فِي الْحِجَال وَاحِدهَا أَرِيكَة ; مِثْل سَفِينَة وَسَفَائِن ; قَالَ الشَّاعِر :

كَأَنَّ اِحْمِرَارَ الْوَرْدِ فَوْقَ غُصُونِهِ  بِوَقْتِ الضُّحَى فِي رَوْضَةِ الْمُتَضَاحِكِخُدُودُ عَذَارَى قَدْ خَجِلْنَ مِنْ الْحَيَا  تَهَادَيْنَ بِالرَّيْحَانِ فَوْقَ الْأَرَائِكِ وَفِي الْخَبَر عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( إِنَّ أَهْل الْجَنَّة كُلَّمَا جَامَعُوا نِسَاءَهُمْ عُدْنَ أَبْكَارًا ).
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : إِنَّ الرَّجُل مِنْ أَهْل الْجَنَّة لَيُعَانِق الْحَوْرَاء سَبْعِينَ سَنَة، لَا يَمَلُّهَا وَلَا تَمَلُّهُ، كُلَّمَا أَتَاهَا وَجَدَهَا بِكْرًا، وَكُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهَا عَادَتْ إِلَيْهِ شَهْوَتُهُ ; فَيُجَامِعُهَا بِقُوَّةِ سَبْعِينَ رَجُلًا، لَا يَكُون بَيْنهمَا مَنِيّ ; يَأْتِي مِنْ غَيْر مَنِيّ مِنْهُ وَلَا مِنْهَا.

### الآية 36:57

> ﻿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ [36:57]

لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ
 " لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَة " اِبْتِدَاء وَخَبَر.
 " وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ " الدَّال الثَّانِيَة مُبْدَلَة مِنْ تَاء، لِأَنَّهُ يَفْتَعِلُونَ مِنْ دَعَا أَيْ مَنْ دَعَا بِشَيْءٍ أُعْطِيهِ.
 قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَة ; فَمَعْنَى " يَدَّعُونَ " يَتَمَنَّوْنَ مِنْ الدُّعَاء.
 وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنَّ مَنْ اِدَّعَى مِنْهُمْ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ طَبَعَهُمْ عَلَى أَلَّا يَدَّعِيَ مِنْهُمْ أَحَد إِلَّا مَا يَجْمُل وَيَحْسُن أَنْ يَدَّعِيَهُ.
 وَقَالَ يَحْيَى بْن سَلَّام :" يَدَّعُونَ " يَشْتَهُونَ.
 اِبْن عَبَّاس : يَسْأَلُونَ.
 وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب.

### الآية 36:58

> ﻿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [36:58]

سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ
 قَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ :" وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ " وَقْف حَسَن، ثُمَّ تَبْتَدِئ :" سَلَام " عَلَى مَعْنَى ذَلِكَ لَهُمْ سَلَام.
 وَيَجُوز أَنْ يُرْفَع السَّلَام عَلَى مَعْنَى وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ مُسَلَّم خَالِص.
 فَعَلَى هَذَا الْمَذْهَب لَا يَحْسُن الْوَقْف عَلَى " مَا يَدَّعُونَ ".
 وَقَالَ الزَّجَّاج :" سَلَام " مَرْفُوع عَلَى الْبَدَل مِنْ " مَا " أَيْ وَلَهُمْ أَنْ يُسَلِّم اللَّه عَلَيْهِمْ، وَهَذَا مُنَى أَهْل الْجَنَّة.
 وَرُوِيَ مِنْ حَدِيث جَرِير بْن عَبْد اللَّه الْبَجَلِيّ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( بَيْنَا أَهْل الْجَنَّة فِي نَعِيمهمْ إِذْ سَطَعَ لَهُمْ نُور فَرَفَعُوا رُءُوسهمْ فَإِذَا الرَّبّ تَعَالَى قَدْ اِطَّلَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقهمْ فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُمْ يَا أَهْل الْجَنَّة فَذَلِكَ قَوْله :" سَلَام قَوْلًا مِنْ رَبّ رَحِيم ".
 فَيَنْظُر إِلَيْهِمْ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى شَيْء مِنْ النَّعِيم مَا دَامُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ حَتَّى يَحْتَجِب عَنْهُمْ فَيَبْقَى نُوره وَبَرَكَاته عَلَيْهِمْ فِي دِيَارهمْ ) ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيّ وَالْقُشَيْرِيّ.
 وَمَعْنَاهُ ثَابِت فِي صَحِيح مُسْلِم، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي \[ يُونُس \] عِنْد قَوْله تَعَالَى :" لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَة " \[ يُونُس : ٢٦ \].
 وَيَجُوز أَنْ تَكُون " مَا " نَكِرَة ; وَ " سَلَام " نَعْتًا لَهَا ; أَيْ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ مُسَلَّم.
 وَيَجُوز أَنْ تَكُون " مَا " رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَ " سَلَام " خَبَر عَنْهَا.
 وَعَلَى هَذِهِ الْوُجُوه لَا يُوقَف عَلَى " وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ ".
 وَفِي قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود " سَلَامًا " يَكُون مَصْدَرًا، وَإِنْ شِئْت فِي مَوْضِع الْحَال ; أَيْ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ ذَا سَلَام أَوْ سَلَامَة أَوْ مُسَلَّمًا ; فَعَلَى هَذَا الْمَذْهَب لَا يَحْسُن الْوَقْف عَلَى " يَدَّعُونَ " وَقَرَأَ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ " سِلْم " عَلَى الِاسْتِئْنَاف كَأَنَّهُ قَالَ : ذَلِكَ سِلْم لَهُمْ لَا يَتَنَازَعُونَ فِيهِ.
 وَيَكُون " وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ " تَامًّا.
 وَيَجُوز أَنْ يَكُون " سَلَام " بَدَلًا مِنْ قَوْله :" وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ "، وَخَبَر " مَا يَدَّعُونَ " " لَهُمْ ".
 وَيَجُوز أَنْ يَكُون " سَلَام " خَبَرًا آخَر، وَيَكُون مَعْنَى الْكَلَام أَنَّهُ لَهُمْ خَالِص مِنْ غَيْر مُنَازِع فِيهِ.
 " قَوْلًا " مَصْدَر عَلَى مَعْنَى قَالَ اللَّه ذَلِكَ قَوْلًا.
 أَوْ بِقَوْلِهِ قَوْلًا، وَدَلَّ عَلَى الْفِعْل الْمَحْذُوف لَفْظ مَصْدَره.
 وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمَعْنَى وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ قَوْلًا ; أَيْ عِدَةً مِنْ اللَّه.
 فَعَلَى هَذَا الْمَذْهَب الثَّانِي لَا يَحْسُن الْوَقْف عَلَى " يَدَّعُونَ ".
 وَقَالَ السِّجِسْتَانِيّ : الْوَقْف عَلَى قَوْله :" سَلَام " تَامّ ; وَهَذَا خَطَأ لِأَنَّ الْقَوْل خَارِج مِمَّا قَبْله.

### الآية 36:59

> ﻿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [36:59]

وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ
 وَيُقَال تَمَيَّزُوا وَأَمَازُوا وَامْتَازُوا بِمَعْنًى ; وَمِزْته فَانْمَازَ وَامْتَازَ، وَمَيَّزْته فَتَمَيَّزَ.
 أَيْ يُقَال لَهُمْ هَذَا عِنْد الْوُقُوف لِلسُّؤَالِ حِين يُؤْمَر بِأَهْلِ الْجَنَّة إِلَى الْجَنَّة ; أَيْ اُخْرُجُوا مِنْ جُمْلَتهمْ.
 قَالَ قَتَادَة : عُزِلُوا عَنْ كُلّ خَيْر.
 وَقَالَ الضَّحَّاك : يَمْتَاز الْمُجْرِمُونَ بَعْضهمْ مِنْ بَعْض ; فَيَمْتَاز الْيَهُود فِرْقَة، وَالنَّصَارَى فِرْقَة، وَالْمَجُوس فِرْقَة، وَالصَّابِئُونَ فِرْقَة، وَعَبَدَة الْأَوْثَان فِرْقَة.
 وَعَنْهُ أَيْضًا : إِنَّ لِكُلِّ فِرْقَة فِي النَّار بَيْتًا تَدْخُل فِيهِ وَيُرَدُّ بَابه ; فَتَكُون فِيهِ أَبَدًا لَا تَرَى وَلَا تُرَى.
 وَقَالَ دَاوُدُ بْن الْجَرَّاح : فَيَمْتَاز الْمُسْلِمُونَ مِنْ الْمُجْرِمِينَ، إِلَّا أَصْحَاب الْأَهْوَاء فَيَكُونُونَ مَعَ الْمُجْرِمِينَ.

### الآية 36:60

> ﻿۞ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [36:60]

آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ
 أَيْ لَا تُطِيعُوهُ فِي مَعْصِيَتِي.
 قَالَ الْكِسَائِيّ : لَا لِلنَّهْيِ.

### الآية 36:61

> ﻿وَأَنِ اعْبُدُونِي ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [36:61]

وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ
 " وَأَنْ اُعْبُدُونِي " بِكَسْرِ النُّونِ عَلَى الْأَصْل، وَمَنْ ضَمَّ كَرِهَ كَسْرَةً بَعْدهَا ضَمَّة.
 " هَذَا صِرَاط مُسْتَقِيم " أَيْ عِبَادَتِي دِين قَوِيم.

### الآية 36:62

> ﻿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا ۖ أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ [36:62]

أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ
 عَدَاوَتَهُ وَتَعْلَمُوا أَنَّ الْوَاجِب طَاعَة اللَّه.

### الآية 36:63

> ﻿هَٰذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [36:63]

هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ
 أَيْ تَقُول لَهُمْ خَزَنَة جَهَنَّم هَذِهِ جَهَنَّم الَّتِي وُعِدْتُمْ فَكَذَّبْتُمْ بِهَا.
 وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( إِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة جَمَعَ اللَّه الْإِنْس وَالْجِنّ وَالْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيد وَاحِد ثُمَّ أَشْرَفَ عُنُق مِنْ النَّار عَلَى الْخَلَائِق فَأَحَاطَ بِهِمْ ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ " هَذِهِ جَهَنَّم الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ اِصْلَوْهَا الْيَوْم بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ " فَحِينَئِذٍ تَجْثُو الْأُمَم عَلَى رُكَبِهَا وَتَضَعُ كُلَّ ذَات حَمْل حَمْلَهَا ; وَتَذْهَل كُلّ مُرْضِعَة عَمَّا أَرْضَعَتْ، وَتَرَى النَّاس سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَاب اللَّه شَدِيد ).

### الآية 36:64

> ﻿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [36:64]

اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
 رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( إِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة جَمَعَ اللَّه الْإِنْس وَالْجِنّ وَالْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيد وَاحِد ثُمَّ أَشْرَفَ عُنُق مِنْ النَّار عَلَى الْخَلَائِق فَأَحَاطَ بِهِمْ ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ " هَذِهِ جَهَنَّم الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ اِصْلَوْهَا الْيَوْم بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ " فَحِينَئِذٍ تَجْثُو الْأُمَم عَلَى رُكَبهَا وَتَضَع كُلّ ذَات حَمْل حَمْلهَا ; وَتَذْهَل كُلّ مُرْضِعَة عَمَّا أَرْضَعَتْ، وَتَرَى النَّاس سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَاب اللَّه شَدِيد ).

### الآية 36:65

> ﻿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [36:65]

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُقْبَة بْن عَامِر قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول :( أَوَّل عَظْم مِنْ الْإِنْسَان يَتَكَلَّم يَوْم يُخْتَم عَلَى الْأَفْوَاه فَخِذُهُ مِنْ الرِّجْل الْيُسْرَى ) ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ وَالْمَهْدَوِيّ.
 وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ : إِنَى لَأَحْسَب أَنَّ أَوَّل مَا يَنْطِق مِنْهُ فَخِذُهُ الْيُمْنَى ; ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيّ أَيْضًا.
 قَالَ الْمَاوَرْدِيّ : فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُون تَقَدَّمَ الْفَخِذ بِالْكَلَامِ عَلَى سَائِر الْأَعْضَاء ; لِأَنَّ لَذَّة مَعَاصِيهِ يُدْرِكهَا بِحَوَاسِّهِ الَّتِي هِيَ فِي الشَّطْر الْأَسْفَل مِنْهَا الْفَخِذ، فَجَازَ لِقُرْبِهِ مِنْهَا أَنْ يَتَقَدَّم فِي الشَّهَادَة عَلَيْهَا.
 قَالَ : وَتَقَدَّمَتْ الْيُسْرَى ; لِأَنَّ الشَّهْوَة فِي مَيَامِن الْأَعْضَاء أَقْوَى مِنْهَا فِي مَيَاسِرهَا ; فَلِذَلِكَ تَقَدَّمَتْ الْيُسْرَى عَلَى الْيُمْنَى لِقِلَّةِ شَهْوَتهَا.
 قُلْت : أَوْ بِالْعَكْسِ لِغَلَبَةِ الشَّهْوَة، أَوْ كِلَاهُمَا مَعًا وَالْكَفّ ; فَإِنَّ بِمَجْمُوعِ ذَلِكَ يَكُون تَمَام الشَّهْوَة وَاللَّذَّة.
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 36:66

> ﻿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ [36:66]

وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ
 حَكَى الْكِسَائِيّ : طَمَسَ يَطْمِس وَيَطْمُس.
 وَالْمَطْمُوس وَالطَّمِيس عِنْد أَهْل اللُّغَة الْأَعْمَى الَّذِي لَيْسَ فِي عَيْنَيْهِ شَقّ.
 قَالَ اِبْن عَبَّاس : الْمَعْنَى لَأَعْمَيْنَاهُمْ عَنْ الْهُدَى، فَلَا يَهْتَدُونَ أَبَدًا إِلَى طَرِيق الْحَقّ.
 وَقَالَ الْحَسَن وَالسُّدِّيّ : الْمَعْنَى لَتَرَكْنَاهُمْ عُمْيًا يَتَرَدَّدُونَ.
 فَالْمَعْنَى لَأَعْمَيْنَاهُمْ فَلَا يُبْصِرُونَ طَرِيقًا إِلَى تَصَرُّفهمْ فِي مَنَازِلهمْ وَلَا غَيْرهَا.
 وَهَذَا اِخْتِيَار الطَّبَرِيّ.
 وَقَوْله " فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاط " أَيْ اِسْتَبَقُوا الطَّرِيق لِيَجُوزُوا " فَأَنَّى يُبْصِرُونَ " أَيْ فَمِنْ أَيْنَ يُبْصِرُونَ.
 وَقَالَ عَطَاء وَمُقَاتِل وَقَتَادَة وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس : وَلَوْ نَشَاء لَفَقَأْنَا أَعْيُن ضَلَالَتهمْ، وَأَعْمَيْنَاهُمْ عَنْ غَيِّهِمْ، وَحَوَّلْنَا أَبْصَارهمْ مِنْ الضَّلَالَة إِلَى الْهُدَى ; فَاهْتَدَوْا وَأَبْصَرُوا رُشْدهمْ، وَتَبَادَرُوا إِلَى طَرِيق الْآخِرَة.
 ثُمَّ قَالَ :" فَأَنَّى يُبْصِرُونَ " وَلَمْ نَفْعَل ذَلِكَ بِهِمْ ; أَيْ فَكَيْف يَهْتَدُونَ وَعَيْن الْهُدَى مَطْمُوسَة، عَلَى الضَّلَال بَاقِيَة.
 وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن سَلَام فِي تَأْوِيل هَذِهِ الْآيَة غَيْر مَا تَقَدَّمَ، وَتَأَوَّلَهَا عَلَى أَنَّهَا فِي يَوْم الْقِيَامَة.
 وَقَالَ : إِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة وَمُدَّ الصِّرَاط.
 ، نَادَى مُنَادٍ لِيَقُمْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّته ; فَيَقُومُونَ بَرُّهُمْ وَفَاجِرُهُمْ يَتْبَعُونَهُ لِيَجُوزُوا الصِّرَاط، فَإِذَا صَارُوا عَلَيْهِ طَمَسَ اللَّه أَعْيُن فُجَّارهمْ، فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاط فَمِنْ أَيْنَ يُبْصِرُونَهُ حَتَّى يُجَاوِزُوهُ.
 ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ لِيَقُمْ عِيسَى وَأُمَّته ; فَيَقُوم فَيَتْبَعُونَهُ بَرُّهُمْ وَفَاجِرهمْ فَيَكُون سَبِيلهمْ تِلْكَ السَّبِيل، وَكَذَا سَائِر الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِمْ السَّلَام.
 ذَكَرَهُ النَّحَّاس وَقَدْ كَتَبْنَاهُ فِي التَّذْكِرَة بِمَعْنَاهُ حَسَبَ مَا ذَكَرَهُ اِبْن الْمُبَارَك فِي رَقَائِقه.
 وَذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيّ.
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : أَخَذَ الْأَسْوَد بْن الْأَسْوَد حَجَرًا وَمَعَهُ جَمَاعَة مِنْ بَنِي مَخْزُوم لِيَطْرَحَهُ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَطَمَسَ اللَّه عَلَى بَصَره، وَأَلْصَقَ الْحَجَر بِيَدِهِ، فَمَا أَبْصَرَهُ وَلَا اِهْتَدَى، وَنَزَلَتْ الْآيَة فِيهِ.
 وَالْمَطْمُوس هُوَ الَّذِي لَا يَكُون بَيْن جَفْنَيْهِ شَقّ، مَأْخُوذ مِنْ طَمَسَ الرِّيح الْأَثَر ; قَالَهُ الْأَخْفَش وَالْقُتَبِيّ.

### الآية 36:67

> ﻿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ [36:67]

وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ
 الْمَسْخ : تَبْدِيل الْخِلْقَة وَقَلْبهَا حَجَرًا أَوْ جَمَادًا أَوْ بَهِيمَة.
 قَالَ الْحَسَن : أَيْ لَأَقْعَدْنَاهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَمْضُوا أَمَامهمْ وَلَا يَرْجِعُوا وَرَاءَهُمْ.
 وَكَذَلِكَ الْجَمَاد لَا يَتَقَدَّم وَلَا يَتَأَخَّر.
 وَقَدْ يَكُون الْمَسْخ تَبْدِيل صُورَة الْإِنْسَان بَهِيمَة، ثُمَّ تِلْكَ الْبَهِيمَة لَا تَعْقِل مَوْضِعًا تَقْصِدهُ فَتَتَحَيَّر، فَلَا تُقْبِل وَلَا تُدْبِر.
 اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : الْمَعْنَى لَوْ نَشَاء لَأَهْلَكْنَاهُمْ فِي مَسَاكِنهمْ.
 وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَوْ نَشَاء لَمَسَخْنَاهُمْ فِي الْمَكَان الَّذِي اِجْتَرَءُوا فِيهِ عَلَى الْمَعْصِيَة.
 اِبْن سَلَام : هَذَا كُلّه يَوْم الْقِيَامَة يَطْمِس اللَّه تَعَالَى أَعْيُنهمْ عَلَى الصِّرَاط.
 وَقَرَأَ الْحَسَن وَالسُّلَمِيّ وَزِرّ بْن حُبَيْش وَعَاصِم فِي رِوَايَة أَبِي بَكْر :" مَكَانَاتهمْ " عَلَى الْجَمْع، الْبَاقُونَ بِالتَّوْحِيدِ.
 وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَة :" فَمَا اِسْتَطَاعُوا مُضِيًّا " بِفَتْحِ الْمِيم.
 وَالْمُضِيّ بِضَمِّ الْمِيم مَصْدَر يَمْضِي مُضِيًّا إِذَا ذَهَبَ.

### الآية 36:68

> ﻿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ ۖ أَفَلَا يَعْقِلُونَ [36:68]

أَفَلَا يَعْقِلُونَ
 أَنَّ مَنْ فَعَلَ هَذَا بِكُمْ قَادِر عَلَى بَعْثكُمْ.
 وَقَرَأَ نَافِع وَابْن ذَكْوَان :" تَعْقِلُونَ " بِالتَّاءِ.
 الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ ".

### الآية 36:69

> ﻿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ [36:69]

إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ
 أَيْ هَذَا الَّذِي يَتْلُوهُ عَلَيْكُمْ " إِلَّا ذِكْر وَقُرْآن مُبِين "

### الآية 36:70

> ﻿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ [36:70]

وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ
 أَيْ وَتَجِب الْحُجَّة بِالْقُرْآنِ عَلَى الْكَفَرَة.

### الآية 36:71

> ﻿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ [36:71]

فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ
 ضَابِطُونَ قَاهِرُونَ.

### الآية 36:72

> ﻿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ [36:72]

وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ
 مِنْ لُحْمَانِهَا

### الآية 36:73

> ﻿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ ۖ أَفَلَا يَشْكُرُونَ [36:73]

أَفَلَا يَشْكُرُونَ
 اللَّه عَلَى نِعَمه.

### الآية 36:74

> ﻿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ [36:74]

لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ
 أَيْ لِمَا يَرْجُونَ مِنْ نُصْرَتهَا لَهُمْ إِنْ نَزَلَ بِهِمْ عَذَاب.
 وَمِنْ الْعَرَب مَنْ يَقُول : لَعَلَّهُ أَنْ يَفْعَل.

### الآية 36:75

> ﻿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ [36:75]

جُنْدٌ مُحْضَرُونَ
 قَالَ الْحَسَن : يَمْنَعُونَ مِنْهُمْ وَيَدْفَعُونَ عَنْهُمْ.
 وَقَالَ قَتَادَة : أَيْ يَغْضَبُونَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا.
 وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْآلِهَة وَيَقُومُونَ بِهَا ; فَهُمْ لَهَا بِمَنْزِلَةِ الْجُنْد وَهِيَ لَا تَسْتَطِيع أَنْ تَنْصُرَهُمْ.
 وَهَذِهِ الْأَقْوَال الثَّلَاثَة مُتَقَارِبَة الْمَعْنَى.
 وَقِيلَ : إِنَّ الْآلِهَة جُنْد لِلْعَابِدِينَ مُحْضَرُونَ مَعَهُمْ فِي النَّار.
 فَلَا يَدْفَع بَعْضهمْ عَنْ بَعْض.
 وَقِيلَ : مَعْنَاهُ وَهَذِهِ الْأَصْنَام لِهَؤُلَاءِ الْكُفَّار جُنْد اللَّه عَلَيْهِمْ فِي جَهَنَّم ; لِأَنَّهُمْ يَلْعَنُونَهُمْ وَيَتَبَرَّءُونَ مِنْ عِبَادَتهمْ.
 وَقِيلَ : الْآلِهَة جُنْد لَهُمْ مُحْضَرُونَ يَوْم الْقِيَامَة لِإِعَانَتِهِمْ فِي ظُنُونهمْ.
 وَفِي الْخَبَر :( إِنَّهُ يُمَثَّل لِكُلِّ قَوْم مَا كَانُوا يَعْبُدُونَهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ دُون اللَّه فَيَتْبَعُونَهُ إِلَى النَّار ; فَهُمْ لَهُمْ جُنْد مُحْضَرُونَ ) قُلْت : وَمَعْنَى هَذَا الْخَبَر مَا ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة، وَفِي التِّرْمِذِيّ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( يَجْمَع اللَّه النَّاس يَوْم الْقِيَامَة فِي صَعِيد وَاحِد ثُمَّ يَطْلُع عَلَيْهِمْ رَبّ الْعَالَمِينَ فَيَقُول أَلَا لِيَتْبَعْ كُلّ إِنْسَان مَا كَانَ يَعْبُد فَيُمَثَّل لِصَاحِبِ الصَّلِيب صَلِيبه وَلِصَاحِبِ التَّصَاوِير تَصَاوِيره وَلِصَاحِبِ النَّار نَاره فَيَتْبَعُونَ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ وَيَبْقَى الْمُسْلِمُونَ... ) وَذَكَرَ الْحَدِيث بِطُولِهِ.

### الآية 36:76

> ﻿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ [36:76]

إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ
 مِنْ الْقَوْل وَالْعَمَل وَمَا يُظْهِرُونَ فَنُجَازِيهِمْ بِذَلِكَ.

### الآية 36:77

> ﻿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [36:77]

فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ
 أَيْ مُجَادِل فِي الْخُصُومَة مُبِين لِلْحُجَّةِ.
 يُرِيد بِذَلِكَ أَنَّهُ صَارَ بِهِ بَعْد أَنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا خَصِيمًا مُبِينًا.
 وَذَلِكَ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَظْمٍ حَائِل فَقَالَ : يَا مُحَمَّد أَتَرَى أَنَّ اللَّه يُحْيِي هَذَا بَعْد مَا رَمَّ ! فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( نَعَمْ وَيَبْعَثُك اللَّه وَيُدْخِلُك النَّار ) فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة.

### الآية 36:78

> ﻿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [36:78]

قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ
 أَيْ بَالِيَة.
 رَمَّ الْعَظْم فَهُوَ رَمِيم وَرِمَام.
 وَإِنَّمَا قَالَ رَمِيم وَلَمْ يَقُلْ رَمِيمَة ; لِأَنَّهَا مَعْدُولَة عَنْ فَاعِلَة، وَمَا كَانَ مَعْدُولًا عَنْ وَجْهه وَوَزْنه كَانَ مَصْرُوفًا عَنْ إِعْرَابه ; كَقَوْلِهِ :" وَمَا كَانَتْ أُمُّك بَغِيًّا " \[ مَرْيَم : ٢٨ \] أَسْقَطَ الْهَاء ; لِأَنَّهَا مَصْرُوفَة عَنْ بَاغِيَة.
 فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ فِي الْعِظَام حَيَاةً وَأَنَّهَا تَنْجُس بِالْمَوْتِ.
 وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَة وَبَعْض أَصْحَاب الشَّافِعِيّ.
 وَقَالَ الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : لَا حَيَاة فِيهَا.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي \[ النَّحْل \].
 فَإِنْ قِيلَ : أَرَادَ بِقَوْلِهِ " مَنْ يُحْيِي الْعِظَام " أَصْحَاب الْعِظَام وَإِقَامَة الْمُضَاف مَقَام الْمُضَاف إِلَيْهِ كَثِير فِي اللُّغَة، مَوْجُود فِي الشَّرِيعَة.
 قُلْنَا : إِنَّمَا يَكُون إِذْ اُحْتِيجَ لِضَرُورَةٍ وَلَيْسَ هَاهُنَا ضَرُورَة تَدْعُو إِلَى هَذَا الْإِضْمَار، وَلَا يَفْتَقِر إِلَى هَذَا التَّقْدِير، إِذَا الْبَارِي سُبْحَانَهُ قَدْ أَخْبَرَ بِهِ وَهُوَ قَادِر عَلَيْهِ وَالْحَقِيقَة تَشْهَدُ لَهُ ; فَإِنَّ الْإِحْسَاس الَّذِي هُوَ عَلَامَة الْحَيَاة مَوْجُود فِيهِ ; قَالَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ.

### الآية 36:79

> ﻿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [36:79]

وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ
 عَلِيم كَيْف يُبْدِئ وَيُعِيد.

### الآية 36:80

> ﻿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ [36:80]

الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ
 نَبَّهَ تَعَالَى عَلَى وَحْدَانِيِّتِهِ، وَدَلَّ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ فِي إِحْيَاء الْمَوْتَى بِمَا يُشَاهِدُونَهُ مِنْ إِخْرَاج الْمُحْرَق الْيَابِس مِنْ الْعُود النَّدِيّ الرَّطْب.
 وَذَلِكَ أَنَّ الْكَافِر قَالَ : النُّطْفَة حَارَّة رَطْبَة بِطَبْعِ حَيَاة فَخَرَجَ مِنْهَا الْحَيَاة، وَالْعَظْم بَارِد يَابِس بِطَبْعِ الْمَوْت فَكَيْف تَخْرُج مِنْهُ الْحَيَاة ! فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى :" الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَر الْأَخْضَر نَارًا " أَيْ إِنَّ الشَّجَر الْأَخْضَر مِنْ الْمَاء وَالْمَاء بَارِد رَطْب ضِدّ النَّار وَهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ، فَأَخْرَجَ اللَّه مِنْهُ النَّار ; فَهُوَ الْقَادِر عَلَى إِخْرَاج الضِّدّ مِنْ الضِّدّ، وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير.
 وَيُعْنَى بِالْآيَةِ مَا فِي الْمَرْخ وَالْعَفَار، وَهِيَ زُنَادَة الْعَرَب ; وَمِنْهُ قَوْلهمْ : فِي كُلّ شَجَر نَار وَاسْتَمْجَدَ الْمَرْخ وَالْعَفَار ; فَالْعَفَار الزَّنْد وَهُوَ الْأَعْلَى، وَالْمَرْخ الزَّنْدَة وَهِيَ الْأَسْفَل ; يُؤْخَذ مِنْهُمَا غُصْنَانِ مِثْل الْمِسْوَاكَيْنِ يَقْطُرَانِ مَاء فَيَحُكّ بَعْضُهُمَا إِلَى بَعْض فَتَخْرُج مِنْهُمَا النَّار.
 وَقَالَ :" مِنْ الشَّجَر الْأَخْضَر " وَلَمْ يَقُلْ الْخَضْرَاء وَهُوَ جَمْع ; لِأَنَّ رَدَّهُ إِلَى اللَّفْظ.
 وَمِنْ الْعَرَب مَنْ يَقُول : الشَّجَر الْخَضْرَاء ; كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ :" مِنْ شَجَر مِنْ زَقُّومٍ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُون " \[ الْوَاقِعَة :
 ٥٢ - ٥٣ \].

### الآية 36:81

> ﻿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ [36:81]

بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ
 أَيْ إِنَّ خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض أَعْظَم مِنْ خَلْقِهِمْ ; فَاَلَّذِي خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثهُمْ.
 " وَهُوَ الْخَلَّاق الْعَلِيم " وَقَرَأَ الْحَسَن بِاخْتِلَافٍ عَنْهُ " الْخَالِق ".

### الآية 36:82

> ﻿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [36:82]

إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
 قَرَأَ الْكِسَائِيّ " فَيَكُون " بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى " يَقُول " أَيْ إِذَا أَرَادَ خَلْق شَيْء لَا يَحْتَاج إِلَى تَعَب وَمُعَالَجَةٍ.
 وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي غَيْر مَوْضِع.

### الآية 36:83

> ﻿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [36:83]

وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
 أَيْ تُرَدُّونَ وَتَصِيرُونَ بَعْد مَمَاتِكُمْ.
 وَقِرَاءَة الْعَامَّة بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَاب.
 وَقَرَأَ السُّلَمِيّ وَزِرُّ بْن حُبَيْش وَأَصْحَاب عَبْد اللَّه " يَرْجِعُونَ " بِالْيَاءِ عَلَى الْخَبَر.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/36.md)
- [كل تفاسير سورة يس
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/36.md)
- [ترجمات سورة يس
](https://quranpedia.net/translations/36.md)
- [صفحة الكتاب: الجامع لأحكام القرآن](https://quranpedia.net/book/1469.md)
- [المؤلف: القرطبي](https://quranpedia.net/person/3966.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/36/book/1469) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
