---
title: "تفسير سورة يس - بحر العلوم - أبو الليث السمرقندي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/36/book/324.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/36/book/324"
surah_id: "36"
book_id: "324"
book_name: "بحر العلوم"
author: "أبو الليث السمرقندي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة يس - بحر العلوم - أبو الليث السمرقندي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/36/book/324)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة يس - بحر العلوم - أبو الليث السمرقندي — https://quranpedia.net/surah/1/36/book/324*.

Tafsir of Surah يس from "بحر العلوم" by أبو الليث السمرقندي.

### الآية 36:1

> يس [36:1]

قوله تبارك وتعالى : يس  قرأ حمزة بين الكسر والفتح. وقرأ الكسائي بالإمالة. وقرأ الباقون : بالفتح. وقرأ ابن عامر والكسائي : يس والقرآن  مدغم بالنون. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وحمزة : بإظهار النون. وكل ذلك جائز في اللغة. وقرئ في الشاذ  يَاسِينَ  بنصب النون، ومعناه : اتل ياسين. لأن يس اسم سورة. وقراءة العامة بالتسكين، لأنها حروف هجاء، فلا تحتمل الإعراب مثل قوله تعالى : الم  وروي عن ابن عباس في تفسير قوله : يس  يعني : يا إنسان بلغة طيىء. وهكذا قال مقاتل عن قتادة والضحاك. وروي عن محمد ابن الحنفية أنه قال : يس  يعني : يا محمد. وروى معمر عن قتادة قال : يس  اسم من أسماء القرآن. ويقال : افتتاح السورة. وقال مجاهد : هذه فواتح السور يفتتح بها كلام رب العالمين. وقال شهر بن حوشب. قال كعب : يس  قسم أقسم الله تعالى به قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، يا محمد  إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين .

### الآية 36:2

> ﻿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ [36:2]

وقال ابن عباس في قوله : والقرآن الحكيم  أي : أحكم حلاله، وحرامه، وأمره، ونهيه. ويقال : حكيم يعني : محكم من التناقض والعيب. ويقال : الحكيم  أي : الحاكم كالعليم. يعني : العالم. يعني : القرآن حاكم على جميع الكتب التي أنزلها الله تعالى من قبل.

### الآية 36:3

> ﻿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [36:3]

إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين  فهذا جواب القسم، ومعناه : يا إنسان  والقرآن الحكيم إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين  يعني : رسولاً كسائر المرسلين جواباً لقولهم : لست مرسلاً.

### الآية 36:4

> ﻿عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [36:4]

على صراط مُّسْتَقِيمٍ  يعني : أي : على طريق الإسلام.

### الآية 36:5

> ﻿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ [36:5]

ثم قال عز وجل : تَنزِيلَ العزيز الرحيم  قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم في إحدى الروايتين  تَنزِيلَ  بضم اللام ومعناه : هذا القرآن تنزيل أو هو تنزيل العزيز الرحيم، وقرأ الباقون  تَنزِيلَ  بالنصب، ومعناه : نزّله تنزيلاً فصار نصباً بالمصدر.

### الآية 36:6

> ﻿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ [36:6]

ثم قوله تعالى : لّتُنذِرَ  يعني : لتخوف بالقرآن  قَوْماً مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ  يعني : كما أنذر آباؤهم الأولون  فَهُمْ غافلون  عن ذلك يعني : عما أنذر آباؤهم.

### الآية 36:7

> ﻿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [36:7]

ثم قال عز وجل : لَقَدْ حَقَّ القول  أي : وجب القول بالعذاب  على أَكْثَرِهِمْ  أي : على الكفار. ويقال : لَقَدْ حَقَّ القول  وهو قوله : قَالَ اخرج مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ  \[ الأعراف : ١٨ وغيرها \] ويقال : القول  كناية عن العذاب أي : وجب عليهم العذاب  فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ  يعني : لا يصدقون بالقرآن.

### الآية 36:8

> ﻿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ [36:8]

إِنَّا جَعَلْنَا في أعناقهم أغلالا  قال مقاتل : نزلت في بني مخزوم، وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى النبي صلى الله عليه وسلم ليدفعنه بحجر، فأتاه وهو يصلي، فرفع الحجر ليدمغه، فيبست يده إلى عنقه، والتزق الحجر بيده، ورجع إلى أصحابه، فخلصوا الحجر من يده. ورجل آخر من بني المغيرة، أتاه ليقتله، فطمس الله على بصره، فلم يرَ النبي صلى الله عليه وسلم، وسمع قوله، فرجع إلى أصحابه، فلم يرهم حتى نادوه، فذلك قوله تعالى : إِنَّا جَعَلْنَا في أعناقهم أغلالا فَهِي إِلَى الأذقان فَهُم مُّقْمَحُونَ وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً  وذكر في رواية الكلبي نحو هذا، وقال بعضهم : إِنَّا جَعَلْنَا في أعناقهم أغلالا  أي : نجعل في أعناقهم أغلالاً يوم القيامة. ويقال : معناه  إِنَّا جَعَلْنَا في أعناقهم أغلالا  أي : جعلنا أيديهم ممسكة عن الخيرات، مجازاة لكفرهم.  وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً  أي : حائلاً لا يهتدون إلى الإسلام، ولا يبصرون الهدى، وقال بعضهم : إِنَّا جَعَلْنَا في أعناقهم أغلالا  يعني : أيديهم. ولم يذكر في الآية اليد، وفيها دليل، لأن الغل لا يكون إلا باليد إلى العنق. فلما ذكر العنق فكأنما ذكر اليد. وروي عن ابن عباس، وابن مسعود، أنهما قرآ : إنا جعلنا في { أيمانهم أغلالا . وقرأ بعضهم  في أَيْدِيهِمْ . وكل ذلك يرجع إلى معنى واحد. لأنه لا يجوز أن يكون الغل بأحدهما دون الآخر كقوله : والله جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظلالا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الجبال أكنانا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر وسرابيل تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ  \[ النحل : ٨١ \] ولم يذكر البرد لأن في الكلام دليلاً عليه. 
ثم قال : فَهِي إِلَى الأذقان فَهُم مُّقْمَحُونَ  أي : رددنا أيديهم إلى أعناقهم  إِلَى الأذقان  أي : الحنك الأيسر  مُّقْمَحُونَ  أي : رافعو الرأس إلى السماء، غاضّو الطرف لا يبصر موضع قدميه. وقال قتادة : أي مغلولين من كل خير.

### الآية 36:9

> ﻿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ [36:9]

ثم قال عز وجل : وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً  أي : ظلمة  ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً  أي : ظلمة  فأغشيناهم  بالظلمة  فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ . 
يعني : خوفتهم

### الآية 36:10

> ﻿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [36:10]

وَسَوَاء عَلَيْهِمْ أَأنذَرْتَهُمْ  يعني : خوفتهم، اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به التوبيخ  أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ  يعني : أم لم تخوفهم لا يصدقون. إنما نزلت الآية في شأن الذين ماتوا على كفرهم، أو قتلوا على كفرهم. قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص  سَدّا  بنصب السين في كلاهما. وقرأ الباقون : بالضم. وقال أبو عبيدة : قراءتنا بالضم لأنهما من فعل الله تعالى، وليس من فعل بني آدم. وقال القتبي : المقمح الذي يرفع رأسه، ويغض بصره. يقال : بعير قامح إذا روي من الماء فقمحت عيناه. وقال : والسد الجبل  فأغشيناهم  يعني : أعمينا أبصارهم عن الهدى.

### الآية 36:11

> ﻿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ [36:11]

ثم قال عز وجل : إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتبع الذكر  يعني تخوف بالقرآن من اتبع الذكر، يعني من قبل الموعظة وسمع القرآن  وَخشِي الرحمن بالغيب  يعني : أطاعه في الغيب  فَبَشّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ  في الدنيا  وَأَجْرٍ كَرِيمٍ  في الآخرة.

### الآية 36:12

> ﻿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [36:12]

ثم قال عز وجل : إِنَّا نَحْنُ نُحْيي الموتى  يعني : نبعثهم في الآخرة  وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ  يعني : نحفظ ما أسلفوا، وما عملوا من أعمالهم. ويقال : وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ  يعني : تكتب أعمالهم الكرام الكاتبون، وما عملوا من خير أو شر  وَآثَارَهُمْ  يعني : ما استنوا من سنة خير أو شر عملوه، واقتدى بهم من بعدهم، فلهم مثل أجورهم، أو عليهم مثل أوزارهم من غير أن ينقص منه شيئاً، وهذا كقوله عز وجل : يُنبأ الإنسان يومئذ بما قدّم وأخّر  \[ القيامة : ١٤ \] وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم **«مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ »** إلى آخره وقال مجاهد : وَآثَارَهُمْ  يعني : خطاهم. وروى مسروق أنه قال : مَا خَطَا عَبْدٌ خُطْوَةً إلاَّ كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ أوْ سَيّئَةٌ. وروي عن جابر بن عبد الله أنه قال :" إن بني سلمة ذكروا للنبي صلى الله عليه وسلم بعد منازلهم من المسجد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم :**«يَا بَنِي سَلَمَةَ دِيَارُكُمْ فَإِنَّمَا تُكْتَبُ آثَارُكُمْ »** ". ثم قال : وَكُلَّ شيء أحصيناه  أي : حفظناه وبيَّناه  في إِمَامٍ مُّبِينٍ  يعني : في اللوح المحفوظ.

### الآية 36:13

> ﻿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ [36:13]

قوله عز وجل : واضرب لَهُمْ مَّثَلاً  أي : وصف لهم شبهاً  أصحاب القرية  أهل القرية وهي أنطاكية  إِذْ جَاءهَا المرسلون  يعني : رسل عيسى عليه السلام.

### الآية 36:14

> ﻿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ [36:14]

إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثنين  قال مقاتل : هما تومان وطالوس  فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ  يعني : قويناهما بثالث وهو شمعون وقرأ عاصم في رواية أبي بكر  فَعَزَّزْنَا  بالتخفيف، ومعناهما : غلبنا. نقول : عزه يعزه إذا غلبه، ومنه قوله تعالى : إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِى نَعْجَةٌ واحدة فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي في الخطاب  \[ ص : ٢٣ \] يعني : غلبني في القول. وقرأ الباقون : فَعَزَّزْنَا  بالتشديد، ومعناه : قوينا، وشددنا الرسالة برسول ثالث، وذلك أن عيسى ابن مريم عليهما السلام رسول إلى أنطاكية. وإنما كان إرساله بإذن الله عز وجل. فأضاف إليه حيث قال : إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثنين  ثم بعث بعد ذلك شمعون. وروي في بعض الروايات أن عيسى عليه السلام أوصى إلى الحواريين أن يتفرقوا في البلدان. ثم رفع عيسى إلى السماء، وكان مجيء الرسل بعدما رفع عيسى. وفي بعض الروايات : أنه أرسل الرسل، ثم رفع، وكان للرسل من المعجزة ما للأنبياء عليهم السلام بدعاء عيسى عليه السلام فلما جاء الرسولان الأولان، ودخلا أنطاكية، وجعلا يناديان فيها بالإيمان بالرحمن، يعني : يدعوان إلى الإيمان بالله عز وجل، ويزجران أهلها عن عبادة الأصنام والشيطان، فأخذوهما شرط الملك، وأتَوْا بهما إلى الملك، فلما دخلا على الملك، قالا : إن الأوثان التي تعبدون ليست بشيء، وإن إلهكم الله الذي في السماء، وأن من مات منكم صار إلى النار. فغضب الملك، وجلدهما، وسجنهما، ثم حضر شمعون ودخل أنطاكية، وجاء إلى السجن فقال للسجان : ائذن لي حتى أدخل السجن، فإني أريد أن أدفع إلى كل واحد كسرة خبز، فأذن له. فدخل وجعل يعطي لكل واحد كسرة خبز، حتى انتهى إلى صاحبيه، فقال لهما : إني أريد أن آتي الملك، وأطلب فكاككما، حتى أخلصكما، فإنكما لم تأتيا الأمر من قبل وجهه. ألم تعلما أنكما لا تطاعان إلا بالرفق واللطف، وأن مثلكما مثل امرأة لم تلد زماناً من دهرها ثم ولدت غلاماً، فأسرعت بشأنه، فأطعمته الخبز قبل أوانه، فغص بلقمة فمات. فكذلك دعوتكما هذا الملك قبل أوان الدعاء، فأصابكما البلاء، ثم انطلق شمعون، وتركهما، فقعد عند بيت الأصنام، حتى إذا دخلوا بيت الأصنام، دخل في صلاتهم، فقام بين يدي تلك الأصنام يصلي، ويتضرع، ويسجد لله تعالى، ولا يشكون أنه على ملتهم، وأنه إنما يدعو آلهتهم، ففعل ذلك أياماً، فذكروا ذلك للملك، فدعاه، وكلمه، وقال له : من أين أنت ؟ فقال : أنا رجل من بني إسرائيل، وقد انقرض أهلي، وكنت بقيتهم، وجئت إلى أصحابك آنس بهم، وأسكن إليكم، فسأله الملك عن أشياء، فوجده حسن التدبير، والرأي فلبث فيهم ما شاء الله، فلما رأى أمره قد استقام، قال : يا أيها الملك إنِّي قد بلغني أنك سجنت رجلين منذ زمان يدعوانك إلى إله غير إلهاك، فهل لك أن تدعوهما، فأسمع كلاهما وأخاصمهما عنك ؟ فقال الملك : نعم. 
فدعاهما، وأقيما بين يديه، فقال لهما شمعون، أخبراني عن إلهكما ؟ فقالا : إنه يبرئ الأكمه والأبرص، فدعي برجل ولد أعمى فدعوا الله تعالى، فأبصر الأعمى. قال شمعون : فأنا أفعل مثل ذلك. فأتي بآخر، فدعا شمعون رضي الله عنه فبرئ، فقال لهما شمعون، لا فضل لكما عليّ بهذا. ثم أتي برجل أبرص، فدعوا، فبرئ، وفعل شمعون بآخر مثل ذلك. فقال لهما شمعون : فهل عندكما شيء غير هذا ؟ فقالا : نعم إن ربنا يحيي الموتى. فقال شمعون : أنا لا أقدر على ذلك. ثم قال للملك : هل لك أن تأتي بالصنم فلعله يحيي الموتى، فيكون لك الفضل عليهما ولإلاهك ؟ فقال الملك : إنك تعلم أنه لا يسمع، ولا يبصر، فكيف يحيي الموتى ؟ ثم قال له شمعون سلهما هل يستطيعان أن يفعلا مثل ما قالا ؟ فقال الملك : إن عندنا ميتاً قد مات منذ سبعة أيام، وكان لأبيه ضيعة قد خرج إليها وأهله ينتظرون قدومه، واستأذنوا في دفنه، فأمرهم أن يؤخروه حتى يحضر أبوه، فَأمَرَهم بإحضار ذلك الميت، فلم يزالا يدعوان الله تعالى، وشمعون يعينهما بالدعاء في نفسه، حتى أحياه الله تعالى. فقال شمعون : أنا أشهد أنهما صادقان وأن إلههما حق، فاجتمع أهل المصر، وقالوا : إن كلمتهم كانت واحدة، فرجموهم بالحجارة، وجاء أب الغلام، فأسلم، وقتل أب الغلام أيضاً، وهو حبيب بن إسرائيل النجار. ثم إن الله عز وجل بعث جبريل عليه السلام فصاح صيحة فماتوا كلهم، فذلك قوله تعالى : إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثنين فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُواْ  يعني : هؤلاء الثلاثة  إِنَّا إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ  وأروهم العلامة.

### الآية 36:15

> ﻿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَٰنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ [36:15]

قوله عز وجل : قَالُواْ مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا  يعني : آدمي مثلنا  وَمَا أَنَزلَ الرحمن مِن شيء  يعني : لم يرسل الرسل من الآدميين  إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ  بأنكم رسل الله تعالى. يعني : أرسلكم عيسى بأمر الله تعالى فأنكروا ذلك.

### الآية 36:16

> ﻿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ [36:16]

قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ  يعني : أن الرسل قالوا : رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ  يعني : أرسلنا عيسى عليه السلام بأمر الله تعالى.

### الآية 36:17

> ﻿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [36:17]

وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ البلاغ المبين .

### الآية 36:18

> ﻿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ۖ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ [36:18]

قَالُواْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ  يعني : قال أهل أنطاكية : إنا تشاءمنا بكم، وهذا الذي يصيبنا من شؤمكم، وهو قحط المطر  لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ لَنَرْجُمَنَّكُمْ  يعني : لنقتلنّكم  وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ .

### الآية 36:19

> ﻿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ ۚ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ ۚ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ [36:19]

قَالُواْ طائركم مَّعَكُمْ  يعني : شؤمكم معكم، وبأعمالكم الخبيثة. ويقال : إن الذي يصيبكم، كان مكتوباً في أعناقكم،  أئن ذُكّرْتُم  يعني : إن وعظتم بالله. قرأ نافع وأبو عمرو  آينَ  بهمزة واحدة ممدودة. وقرأ الباقون : بهمزتين. وقرأ زر بن حبيش : أنْ ذُكّرْتُم  بهمزة واحدة مع التخفيف والفتح. يعني : لأنكم وعظتم ؟ فلم تتعظوا. ومن قرأ بالاستفهام فمعناه : إن وعظتم تطيرتم. قالوا : هذا جواباً لقولهم : إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ  ويقال : معناه  أئن ذُكّرْتُم . يعني : حين وعظتم بالله تشاءمتم بنا. ثم قال : بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ  يعني : مشركون.

### الآية 36:20

> ﻿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ [36:20]

قوله تعالى : وَجَاء مِنْ أَقْصَى المدينة  يعني : من وسط المدينة، وهو حبيب بن إسرائيل النجار  رَجُلٌ يسعى  يعني : يسعى في مشيه. وقال بعضهم : هو الذي عاش ابنه بعد الموت، بدعاء الرسل، فجاء وأسلم. وقال بعضهم : كان ابنه مريضاً، فبرئ بدعوة الرسل، فصدق بهم، فلما بلغه أن القوم أرادوا قتل الرسل، جاء ليمنع الناس عن قتلهم. وقال قتادة : كان في غار يدعو ربه فلما بلغه مجيء الرسل أتاهم  قَالَ يَا قَوْمٌ اتبعوا المرسلين  يعني : دين المرسلين، ثم قال للرسل هل تسألون على هذا أجراً ؟ فقالوا : لا. فقال : للقوم  اتبعوا مَن لاَّ يسألكم أَجْراً .

### الآية 36:21

> ﻿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ [36:21]

اتبعوا مَن لاَّ يسألكم أَجْراً  يعني : على الإيمان  وَهُمْ مُّهْتَدُونَ  يدعوكم إلى التوحيد. فقال له قومه : تبرأت عن ديننا، واتبعت دين غيرنا.

### الآية 36:22

> ﻿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [36:22]

فقال : وَمَا لي لاَ أَعْبُدُ الذي فطرني  يعني : خلقني. قرأ حمزة وابن عامر في إحدى الروايتين : وَمَا لِيْ  بسكون الياء. وقرأ الباقون : بالفتح  وماليَ  وهما لغتان وكلاهما جائز. 
ثم قال : وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ  يعني : تصيرون إليه بعد الموت، وهذا كقوله : وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلُونَ بِمَا آتاهم الله مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ القيامة وَللَّهِ مِيرَاثُ السماوات والأرض والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ  \[ آل عمران : ١٨٠ \].

### الآية 36:23

> ﻿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَٰنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ [36:23]

فقالوا له : ارجع إلى ديننا. فقال حبيب : أَأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً  يعني : أعبد من دونه أصناماً  إِن يُرِدْنِ الرحمن بِضُرّ  يعني : ببلاء وشدة إذا فعلت ذلك  لاَّ تُغْنِ عَنّي شفاعتهم شَيْئاً  يعني : لا تقدر الآلهة أن يشفعوا لي  وَلاَ يُنقِذُونَ  يعني : لا يدفعون عني الضرر.

### الآية 36:24

> ﻿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [36:24]

إِنّي إِذاً لَّفي ضلال مُّبِينٍ  يعني : إني إذا فعلت ذلك لفي خسران بيّن.

### الآية 36:25

> ﻿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ [36:25]

إِنّي آمَنتُ بِرَبّكُمْ فاسمعون  يعني : فاشهدوني، وأعينوني بقول لا إله إلا الله.

### الآية 36:26

> ﻿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ۖ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ [36:26]

وقال ابن عباس :" أُلقي في البئر وهو الرس " كما قال  وأصحاب الرّس  \[ ق : ١٢ \] وقال قتادة : قتلوه بالحجارة. وهو يقول : رب اهد قومي فإنهم لا يعلمون. وقال مقاتل : أخذوه ووطؤوه، تحت أقدامهم، حتى خرجت أمعاؤه، ثم ألقي في البئر، وقتلوا الرسل الثلاثة. فلما ذهب بروح حبيب النجار إلى الجنة  قِيلَ  له  ادخل الجنة قَالَ يا ليت قَوْمِي يَعْلَمُونَ  وذلك حين دخلها، وعاين ما فيها من النعيم، تمنى أن يسلم قومه فقال : قَالَ يا ليت قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبّي  بالذي غفر لي ربي. ويقال : بمغفرتي. ويقال : بماذا غفر لي ربي ؟ فلو علموا، لآمنوا بالرسل. 
ثم قال : وَجَعَلَنِي مِنَ المكرمين  أي : الموحدين في الجنة. نصح لهم في حياته، وبعد وفاته.

### الآية 36:27

> ﻿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ [36:27]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٦:وقال ابن عباس :" أُلقي في البئر وهو الرس " كما قال  وأصحاب الرّس  \[ ق : ١٢ \] وقال قتادة : قتلوه بالحجارة. وهو يقول : رب اهد قومي فإنهم لا يعلمون. وقال مقاتل : أخذوه ووطؤوه، تحت أقدامهم، حتى خرجت أمعاؤه، ثم ألقي في البئر، وقتلوا الرسل الثلاثة. فلما ذهب بروح حبيب النجار إلى الجنة  قِيلَ  له  ادخل الجنة قَالَ يا ليت قَوْمِي يَعْلَمُونَ  وذلك حين دخلها، وعاين ما فيها من النعيم، تمنى أن يسلم قومه فقال : قَالَ يا ليت قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبّي  بالذي غفر لي ربي. ويقال : بمغفرتي. ويقال : بماذا غفر لي ربي ؟ فلو علموا، لآمنوا بالرسل. 
ثم قال : وَجَعَلَنِي مِنَ المكرمين  أي : الموحدين في الجنة. نصح لهم في حياته، وبعد وفاته. ---

### الآية 36:28

> ﻿۞ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ [36:28]

يقول الله تعالى : وَمَا أَنزَلْنَا على قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مّنَ السماء  يعني : من بعد حبيب النجار  مِن جُندٍ  من السماء، يعني : الملائكة  وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ  يعني : لم نبعث إليهم أحداً.

### الآية 36:29

> ﻿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ [36:29]

إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحدة  يعني : ما كانت إلا صيحة جبريل عليه السلام  فَإِذَا هُمْ خامدون  يعني : ميتون لا يتحركون.

### الآية 36:30

> ﻿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ۚ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [36:30]

يا حسرة عَلَى العباد  يعني : يا ندامة على العباد في الآخرة. 
يعني : يقولون : يا حسرتنا على ما فعلنا بالأنبياء عليهم السلام  مَا يَأْتِيهِمْ مّن رَّسُولٍ  : في الدنيا،  إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ .

### الآية 36:31

> ﻿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ [36:31]

ثم خوّف المشركين بمثل عذاب الأمم الخالية ليعتبروا فقال : أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا  يعني : ألم يعلموا ؟ ويقال : ألم يخبروا كم أهلكنا  قَبْلَهُمْ مّنَ القرون  يعني : كم عاقبنا من القرون الماضية  أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ  إلى الدنيا.

### الآية 36:32

> ﻿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ [36:32]

وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ  قرأ عاصم، وحمزة، وابن عامر، بتشديد الميم. وقرأ الباقون، بالتخفيف. فمن قرأ بالتشديد فمعناه : وما كل إلا جميع. ومن قرأ بالتخفيف فما زائدة ومؤكدة. والمعنى : وإن كل لجميع لدينا محضرون . يعني : يوم القيامة محضرون عندنا، ثم وعظهم كي يعتبروا من صنعه، فيعرفوا توحيده.

### الآية 36:33

> ﻿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ [36:33]

قوله تعالى : وَآيَةٌ لَهُمُ  يعني : علامة وحدانيته  الأرض الميتة أَحْيَيْنَاهَا  يعني : الأرض اليابسة أحييناها بالمطر لتنبت  وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً  يعني : الحبوب كلها  فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ .

### الآية 36:34

> ﻿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ [36:34]

وَجَعَلْنَا فِيهَا  يعني : وخلقنا في الأرض  جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ  يعني : البساتين والكروم  وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ العيون  يعني : أجرينا في الأرض الأنهار تخرج من العيون.

### الآية 36:35

> ﻿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ۖ أَفَلَا يَشْكُرُونَ [36:35]

لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ  يعني : من الثمرات  وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِم  يعني : لم تعمل أيديهم، ويقال : والذي عملت أيديهم مما يزرعون  أَفَلاَ يَشْكُرُونَ  رب هذه النعم فيوحدوه، وقرأ حمزة والكسائي : ثَمَرِهِ  بالضم. وقرأ الباقون بالنصب. والثَّمر بالنصب : جماعة الثمرة. والثمرات : جمع الجمع وهو الثمر، مثل كتاب وكتب. والثُّمر بالضم جمع الثمار. قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر : وَمَا عَمِلَتْ  بغير هاء. وقرأ الباقون بالهاء، ومعناهما واحد. 
ثم قال : أَفَلاَ يَشْكُرُونَ  : اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به الأمر، يعني : اشكروا رب هذه النعم ووحدوه.

### الآية 36:36

> ﻿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ [36:36]

ثم قال عز وجل : سبحان الذي خَلَق الأزواج كُلَّهَا  يعني : تنزيهاً لله عز وجل الذي خلق الأصناف كلها  مِمَّا تُنبِتُ الأرض  يعني : ألواناً من النبات والثمار. ففي كل شيء خلق الله تعالى دليلاً على وحدانيته تعالى وربوبيته.  وَمِنْ أَنفُسِهِمْ  يعني : خلق من جنسهم أصناف الذكر والأنثى، وألواناً مختلفة  وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ  يعني : وخلق من الخلق ما لا يعلمون، وهذا كقوله : والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ  \[ النحل : ٨ \].

### الآية 36:37

> ﻿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ [36:37]

ثم ذكر لهم دلالة أخرى ليعتبروا بها، فقال عز وجل : وَآيَةٌ لَّهُمُ الليل  يعني : علامة وحدانيته الليل  نَسْلَخُ مِنْهُ النهار  يعني : نخرج ونميز منه النهار  فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ  يعني : داخلون في الظلمة. ويقال : يبقون في الظلمة. ويقال : إن الله خلق الدنيا مظلمة. 
ثم قال : والشمس  سراجاً، فإذا طلعت الشمس، صارت الدنيا مضيئة. وإذا غربت الشمس، بقيت الظلمة. كما كانت، وهو قوله تعالى :
  نَسْلَخُ مِنْهُ النهار  يعني : ننزع الضوء منه  فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ  يعني : يبقون في الظلمة. ويقال : نسلخ الليل. يعني : نخرج منه النهار إخراجاً لا يبقى منه شيء من ضوء النهار، كما نسلخ الليل من النَّهَار، فكذلك نسلخ النهار من الليل. فكأنه يقول : الليل نسلخ منه النهار، والنهار نسلخ منه الليل، فاكتفى بذكر أحدهما ؛ لأن في الكلام دليلاً. وقد ذكر في آية أخرى قال : خَلَقَ السماوات والأرض بالحق يُكَوِّرُ الليل عَلَى النهار وَيُكَوِّرُ النهار عَلَى الليل وَسَخَّرَ الشمس والقمر كُلٌّ يَجْرِى لأجلٍ مُّسَمًّى أَلا هُوَ العزيز الغفار  \[ الزمر : ٥ \].

### الآية 36:38

> ﻿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [36:38]

ثم قال عز وجل : والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرّ لَّهَا  قال مقاتل : يعني : لوقت لها. وقال الكلبي : تسير في منازلها حتى تنتهي إلى مستقرها، ولا تتجاوزها. ثم ترجع إلى أول منازلها. وقال القتبي : والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرّ لَّهَا  يعني : إلى مستقر لها. ومستقرها أقصى منازلها في الغروب. وذلك لأنها لا تزال تتقدم في كل ليلة، حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها، ثم ترجع فذلك مستقرها ؛ لأنها لا تجاوزها. وطريق آخر ما روي عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال : كنت جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم عند غروب الشمس، فقال :**«يا أبَا ذَرَ أَتَدْرِي أيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ »** قلت : الله ورسوله أعلم. قال :**«فإنَّهَا تَغْربُ، وَتَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ، وَتَسْتَأْذِن فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَيُوشِكُ أنْ تَسْتَأْذِنَ فَلاَ يُؤْذَنَ لَهَا، حَتَّى تَسْتَشْفِعَ، وَتَطْلُبَ، فَإذا طَالَ عَلَيْهَا، قيلَ لَهَا : اطلعي مَكَانَكِ، فذلك قوله : والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرّ لَّهَا  قال : مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ »**. ثم قال : ذلك تَقْدِيرُ العزيز العليم  العزيز بالنقمة، العليم بما قدّره من أمرها، وخلقها. 
وروى عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه كان يقرأ : والشمس تَجْرِي لمُّسْتَقِرٌّ لَهَا  يعني : لا تقف، ولا تستقر، ولكنها جارية أبداً.

### الآية 36:39

> ﻿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [36:39]

ثم قال عز وجل : والقمر قدرناه مَنَازِلَ  قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو  والقمر  بالضم وقرأ الباقون : بالنصب. فمن قرأ بالضم، فله وجهان. أحدهما أن يكون على الابتداء، والآخر معناه : وَآية لَّهُمُ  القمر عطف على قوله : وَآية لَّهُمُ الليل  ومن قرأ بالنصب، فمعناه : وقدرنا القمر. وقال مقاتل في قوله : والقمر قدرناه مَنَازِلَ  يعني : قدرناه منازل في السماء، يبدو رقيقاً، ثم يستوي، ثم ينقص في آخر الشهر. وقال الكلبي : قدرناه مَنَازِلَ  أي : قدرناه منازل بالليل، ينزل كل ليلة في منزل، ويصعد في منزل، حتى ينتهي إلى مستقره الذي لا يجاوزه، ثم يعود إلى أدنى منازله. ويقال : إن القمر يدور في منازله في شهر واحد، مثل ما تدور الشمس في منازلها في سنة واحدة، قال مقاتل وذلك أن القمر عرضه ثمانون فرسخاً مستديرة، والشمس هكذا. وكان ضوؤهما واحداً، فأخذ تسعة وتسعون جزءاً من القمر، فألحقت بالشمس. وروي عن ابن عباس أنه قال :" القمر أربعون فرسخاً في أربعين فرسخاً، والشمس ستون فرسخاً في ستين فرسخاً ". وقال بعضهم : القمر والشمس عرض كل واحد منهما مثل الدنيا كلها. 
ثم قال تعالى : حتى عَادَ كالعرجون القديم  يعني : صار كالعذق اليابس، المنقرس، الذي حال عليه الحول. ويقال : للقمر ثمانية وعشرون منزلاً، فإذا صار في آخر منازله، دقّ حتى يعود كالعذق اليابس. والعرجون إذا يبس، دق واستقوس، فشبه القمر به. يعني : صار في عين الناظر كالعرجون، وإن كان هو في الحقيقة عظيم بنفسه، إلا أنه في عين الناظر يراه دقيقاً.

### الآية 36:40

> ﻿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [36:40]

ثم قال عز وجل : لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَا أَن تدْرِكَ القمر  يعني : أن تطلع في سلطان القمر. وقال عكرمة : لكل واحد منهما سلطان للشمس سلطان بالنهار، وللقمر سلطان بالليل. فلا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل  وَلاَ الليل سَابِقُ النهار  يعني : لا يدرك سواد الليل ضوء النهار، فيغلبه على ضوئه  وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ  يعني : في دوران يجرون، ويدورون، ويقال : يَسْبَحُونَ  يعني : يسيرون فيه بالانبساط، وكل من انبسط في شيء، فقد سبح فيه، وقال بعضهم : السماء كالموج المكفوف، والشمس والقمر، والكواكب الدوارة يسبحون فيها وقال بعضهم : الأفلاك كثيرة، مختلفة في السير، تقطع القمر في ثمانية وعشرين يوماً، والشمس تقطع في سنة. وقال بعضهم : الفلك واحد، وجريهن مختلف، والفلك في اللغة كل ما يدور.

### الآية 36:41

> ﻿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [36:41]

ثم قال عز وجل : وَآية لَّهُمُ  يعني : علامة لكفار مكة على معرفة وحدانية الله تعالى،  أَنَّا حَمَلْنَا ذُرّيَّتَهُمْ  يعني : آباءهم، واسم الذرية يقع على الآباء والنسوة، والصبيان، وأصله الخلق، كقوله عز وجل : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الجن والإنس لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أولئك كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ أولئك هُمُ الغافلون  \[ الأعراف : ١٧٩ \] يعني : خلقنا. ويقال : ذُرّيَّتُهُم  خاصة. 
ثم قال : في الفلك المشحون  يعني : في سفينة نوح عليه السلام الموقرة المملوءة. يعني : حملنا ذريتهم في أصلاب آبائهم قرأ نافع وابن عامر : ذُرّياتِهِمْ  بلفظ الجماعة. وقرأ الباقون : ذُرّيَّتُهُم  وأراد به الجنس.

### الآية 36:42

> ﻿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ [36:42]

ثم قال عز وجل : وَخَلَقْنَا لَهُمْ مّن مّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ  يعني : من مثل سفينة نوح عليه السلام ما يركبون في البحر. وقال قتادة : يعني : الإبل يركب عليها في السير، كما تركب السفن في البحر. وقال السدي : وَخَلَقْنَا لَهُمْ مّن مّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ . فقال : هذه السفن الصغار. يعني : الزوارق. وقال عبد الله بن سلام : هي الإبل. 
قال الفقيه أبو الليث رحمه الله : أخبرني الثقة بإسناده عن أبي صالح. قال : قال لي ابن عباس : ما تقول في قوله : وَخَلَقْنَا لَهُمْ مّن مّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ  قلت : هي السفن. قال :" خذ مني بآذان إنما هي الإبل ". فلقيني بعد ذلك. فقال : إني ما رأيتك إلا وقد غلبتني فيها، هي كما قلت ألا ترى أنه يقول : وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ .

### الآية 36:43

> ﻿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ [36:43]

وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ  يعني : إن نشأ نغرقهم في الماء  فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ  يعني : لا مغيث لهم  وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ  يعني : لا يمنعون، فلا ينجون من الغرق.

### الآية 36:44

> ﻿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ [36:44]

قوله عز وجل : إِلاَّ رَحْمَةً مّنَّا  يعني : إلا نعمة منا، حين لم نغرقهم. ويقال : معناه لكن رحمة منا بحيث لم نغرقهم  ومتاعا إلى حِينٍ  يعني : بلاغاً إلى آجالهم.

### الآية 36:45

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [36:45]

ثم قال عز وجل : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ  يعني : مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ  من أمر الآخرة فاعملوا لها  وَمَا خَلْفَكُمْ  من أمر الدنيا فلا تغتروا بها. وقال مقاتل : اتقوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ  لكيلا يصيبكم مثل عذاب الأمم الخالية  وَمَا خَلْفَكُمْ  يعني : واتقوا ما بعدكم أي : من عذاب الآخرة. والأول قول الكلبي. ثم قال : لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ  يعني : لكي ترحموا فلا تعذبوا.

### الآية 36:46

> ﻿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ [36:46]

وَمَا تَأْتِيهِم مّنْ آيَةٍ مّنْ آيات رَبّهِمْ  مثل انشقاق القمر  إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ  يعني : مكذبين. وهذا جواب لقوله عز وجل : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ  الآية.

### الآية 36:47

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [36:47]

ثم أخبر عن حال زنادقة الكفار فقال عز وجل  وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رِزَقَكُمُ الله  يعني : تصدقوا من المال الذي أعطاكم الله عز وجل :
  قَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمنوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاء الله أَطْعَمَهُ  على وجه الاستهزاء منهم  إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ في ضلال مُّبِينٍ  يعني : في خطأ بيّن. قال بعضهم : هذا قول الكفار الذين أمرهم بالنفقة. وقال بعضهم : هذا قول الله تعالى. يعني : قل لهم يا محمد : إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ في ضلال مُّبِينٍ  وروي عن ابن عباس مثل هذا.

### الآية 36:48

> ﻿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [36:48]

ثم قال عز وجل : وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صادقين  يعني : متى هذا الوعد الذي تعدونا به يوم القيامة  إِن كُنتُمْ صادقين  بأنا نبعث بعد الموت.

### الآية 36:49

> ﻿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ [36:49]

فيقول الله تعالى : مَا يَنظُرُونَ  بالعذاب  إِلاَّ صَيْحَةً واحدة  يعني : لا حظر لإهلاكهم، فليس إلا صيحة واحدة  تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصّمُونَ  قرأ عاصم في رواية أبي بكر  يَخِصمُونَ  بكسر الياء والخاء. وقرأ نافع  يَخْصمُونَ  بنصب الياء، وسكون الخاء. وقرأ الكسائي وعاصم في رواية حفص وابن عامر في إحدى الروايتين : بنصب الياء، وكسر الخاء. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بنصب الياء والخاء. وقراءة حمزة :
 يَخْصِمُونَ  بنصب الياء، وجزم الخاء بغير تشديد. ومعناه : تأخذهم وبعضهم يخصم بعضاً. ومن قرأ بالتشديد. فالأصل فيه يختصمون فأدغمت التاء في الصاد، وشددت. ومن قرأ : بنصب الخاء طرح فتحة التاء على الخاء. ومن قرأ بكسر الخاء، فلسكونها، وسكون الصاد. وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص : لينفخن في الصور، والناس في طرقهم، وأسواقهم، حتى أن الثوب ليكون بين الرجلين يتساومان، فما يرسله واحد منهما، حتى ينفخ في الصور، فيصعق به، وهي التي قال الله تعالى : مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحدة تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصّمُونَ  قال الفقيه أبو الليث رحمه الله : وأخبرني الثقة بإسناده عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :**«تَقُومُ السَّاعَةُ والرَّجُلانِ يَتَبَايَعَانِ الثَّوْب، فَلا يَطْوِيَانِهِ، وَلا يَتَبايَعَانِهِ. وَتَقُومُ السَّاعَةُ، وَالرَّجُلُ يَحْلُبُ النَّاقَةَ، فَلا يَصِلُ الإنَاءُ إلَى فِيه. وَتَقُومُ السَّاعَةُ وَهُوَ يَلُوطُ الْحَوْضَ، فَلا يَسْقِيَ فِيهِ »**.

### الآية 36:50

> ﻿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ [36:50]

ثم قال تعالى : فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً  يعني : يموتون من ساعتهم بغير وصية، فلا يستطيعون أن يوصوا إلى أهلهم بشيء  وَلاَ إلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ  يعني : ولا إلى منازلهم يرجعون من الأسواق.

### الآية 36:51

> ﻿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ [36:51]

فأخبر الله تعالى بما يلقون في النفخة الأولى ثم أخبر بما يلقون في النفخة الثانية. يعني : إذا بعثوا من قبورهم بعد الموت فذلك قوله : وَنُفِخَ في الصور فَإِذَا هُم مّنَ الأجداث  من القبور  إلى رَبّهِمْ يَنسِلُونَ  يعني : يخرجون من قبورهم أحياء. وكان بين النفختين أربعين عاماً في رواية ابن عباس. وقيل : أكثر من ذلك. ورفع العذاب عن الكفار بين النفختين. فكأنهم رقدوا.

### الآية 36:52

> ﻿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ۜ ۗ هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [36:52]

فلما بعثوا  قَالُواْ يا ويلنا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا  يعني : من أيقظنا من منامنا. قال : فيقول لهم الحفظة من الملائكة  هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن  على ألسنة الرسل  وَصَدَقَ المرسلون  بأن البعث حق. ويقال : إن المؤمنين هم الذين يقولون : هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن وَصَدَقَ المرسلون  بأن البعث كائن.

### الآية 36:53

> ﻿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ [36:53]

ثم قال عز وجل : إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحدة فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ  قال الكلبي : يعني : في الآخرة. وقال مقاتل : في بيت المقدس لحسابهم.

### الآية 36:54

> ﻿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [36:54]

ثم قال : فاليوم لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً  يعني يوم القيامة لا تنقص نفس مؤمنة، ولا كافرة، من أعمالهم شيئاً  وَلاَ تُجْزَوْنَ  يعني : ولا تثابون  إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ  من خير أو شر.

### الآية 36:55

> ﻿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ [36:55]

ثم قال : إِنَّ أصحاب الجنة اليوم في شُغُلٍ فاكهون  يعني : يوم القيامة في شغل مما هم فيه. أي : عن الذي هم فيه  فاكهون  يعني : ناعمين. قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو  في شُغُلٍ  بجزم الغين. وقرأ الباقون : بالضم. وهما لغتان. يقال : شغْل وشغُل مثل عُذْر وعذُر وعمْر وعمُر. قرأ أبو جعفر المدني : فكِهون  بغير ألف، وقراءة العامة  فاكهون  بالألف. فمن قرأ بغير ألف يعني : يتفكهون. قال أبو عبيد : يقال : للرجل إذا كان يتفكه بالطعام، أو بالشراب، أو بالفاكهة، أو بأعراض الناس، إن فلاناً يتفكه. ومنه يقال للمزاحة فكاهة. ومن قرأ بالألف يعني : ذوي فاكهة. وقال الفراء : فاكهة وفكهة لغتان، كما يقال حذر وحاذر. وروي في التفسير  فاكهون  يعني : ناعمون. وفكهون معجبون. وقال الكلبي ومقاتل في قوله : إِنَّ أصحاب الجنة  الآية يعني : شغلوا بالنعيم في افتضاض الأبكار العذارى عن أهل النار، فلا يذكرونهم يعني : معجبين بما هم فيه من النعم والكرامة. قال الفقيه أبو الليث رحمه الله : حدّثنا محمد بن الفضل بإسناده عن عكرمة في قوله : في شُغُلٍ فاكهون  قال في افتضاض الأبكار. وروى زيد بن أرقم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :**«إنَّ الرَّجُلَ لَيُعْطَى قُوَّةَ مِائَةِ رَجُلٍ فِي الأَكْلِ، وَالشُّرْبِ، وَالجمَاعِ »** فقال رجل من أهل الكتاب : إن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة. فقال الرسول :**«يَفِيضُ مِنْ جَسَدِ أحَدِهِمْ عَرَقٌ مِثْلُ المِسْكِ الأذْفَرِ فَيَضْمُرُ بذلكَ بَطْنُهُ »**.

### الآية 36:56

> ﻿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ [36:56]

ثم قال تعالى : هُمْ وأزواجهم في ظلال  قرأ حمزة والكسائي  فِي ظُلَلٍ  وقرأ الباقون  في ظلال  فمن قرأ  فِي ظُلَلٍ  فهو جمع الظلة. يقال : ظلة وظلل مثل حلة وحلل. ومن قرأ بكسر الظاء فهو جمع الظل يعني : هم في ظلال العرش والشجر ويقال معنى القراءتين يرجع إلى شيء واحد. يعني : إن أهل الجنة  هُمْ وأزواجهم  الحور العين في القصور  عَلَى الأرائك مُتَّكِئُونَ  يعني : على السرر عليها الحجال. وروى مجاهد عن ابن عباس قال : الأرائك سرر في الحجال. وقال الكلبي : لا تكون أريكة إلا إذا اجتمعتا، فإذا تفرقا فليست بأريكة  مُتَّكِئُونَ  أي : ناعمون. وإنما سمي هذا لأن الناعم يكون متكئاً.

### الآية 36:57

> ﻿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ [36:57]

ثم قال : لَهُمْ فِيهَا فاكهة  يعني : لهم في الجنة من أنواع الفاكهة  وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ  يعني : ما يتمنون مما يشتهوا من الخير.

### الآية 36:58

> ﻿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [36:58]

سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ  يعني : يرسل إليهم ربهم بالتحية والسلام. والعرب تقول : ادّعي ما شئت،  يَدَّعُونَ  يتمنون. فقوله عز وجل : سَلاَمٌ قَوْلاً  يعني : يقال لهم سلام كأنهم يتلقونه بالسلام  مّن رَّبّ رَّحِيمٍ  ويقال : وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ سلام  يعني : لهم ما يشاؤون خالصاً. ثم قال : قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ .

### الآية 36:59

> ﻿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [36:59]

يقول الله تعالى  وامتازوا اليوم  وذلك أنه إذا كان يوم نادى مناد : وامتازوا اليوم أَيُّهَا المجرمون  يعني : اعتزلوا أيها الكفار من المؤمنين، فإنهم قد تأذوا منكم في الدنيا، فاعتزلوهم حتى ينجوا منكم. ويقال : إن المنادي ينادي  أَيُّهَا المجرمون  امتازوا، فإن المؤمنين قد فازوا. وأيها المنافقون امتازوا، فإن المخلصين قد فازوا. ويا أيها الفاسقون امتازوا فإن الصالحين قد فازوا ويا أيها العاصون امتازوا، فإن المطيعين قد فازوا.

### الآية 36:60

> ﻿۞ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [36:60]

ثم يقول للكفار والمنافقين بعدما امتازوا : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ  يعني : ألم أتقدم إليكم. ويقال : ألم أبيّن لكم في القرآن. ويقال : ألم أوضح لكم  يا بني آدم  بالكتاب والرسل. وقال القتبي : العهد يكون لمعان، يكون للأمانة كقوله : إِلاَّ الذين عاهدتم مِّنَ المشركين ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يظاهروا عَلَيْكُمْ أَحَداً فأتموا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين  \[ التوبة : ٤ \] ويكون لليقين، ويكون للميثاق، ويكون للزمان. كما يقال : كان ذلك في عهد فلان أي : في زمانه. ويكون العهد للوصية، كقوله : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان  يعني : أن لا تطيعوا الشيطان. قال ابن عباس : من أطاع شيئاً فقد عبده  إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ  يعني : بيّن العداوة.

### الآية 36:61

> ﻿وَأَنِ اعْبُدُونِي ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [36:61]

وَأَنِ اعبدوني هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ  يعني : أطيعوني، ووحدوني  هذا صراط مستقيم  يعني : هذا التوحيد طريق مستقيم. ويقال : دين الإسلام هو طريق مستقيم لا عوج فيه، وهو طريق الجنة.

### الآية 36:62

> ﻿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا ۖ أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ [36:62]

قوله عز وجل : وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً  يعني : خلقاً كثيراً. وقرأ نافع وعاصم  جِبِلاًّ  بكسر الجيم، والباء، والتشديد. وقرأ أبو عمرو، وابن عامر : جُبلاًّ  بضم الجيم، وجزم الباء. والباقون : بضم الجيم والباء. ومعنى ذلك كله واحد. وقال أهل اللغة : الجبل، والجبلة كله بمعنى واحد يعني : الناس الكثير  أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ  ما فعل بمن كان قبلكم، فتعتبروا فلم تطيعوه، فلما دنوا من النار قال لهم خزنتها.

### الآية 36:63

> ﻿هَٰذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [36:63]

هذه جَهَنَّمُ التي كُنتُمْ تُوعَدُونَ  في الدنيا فلم تصدقوا بها

### الآية 36:64

> ﻿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [36:64]

اصلوها اليوم بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ  يعني : اصلوها اليوم بما كفرتم في الدنيا عقوبة لكم في الدنيا

### الآية 36:65

> ﻿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [36:65]

اليوم نَخْتِمُ على أفواههم  وذلك حين قالوا : والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ   وَتُكَلّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ  يعني : يعملون من الشرك والمعاصي.

### الآية 36:66

> ﻿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ [36:66]

ثم قال : وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ  قال مقاتل يعني : لو نشاء لحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى  فاستبقوا الصراط  يعني : ولو طمست الكفر، لاستبقوا الصراط، أي : لجازوا الطريق  فأنى يُبْصِرُونَ  يعني : فمن أين يبصرون الهدى بعدما جعلت قلوبهم قاسية، وجعلت على أعمالهم غطاء، وَأكِنَّةً على قلوبهم. قال الكلبي : وَلَوْ نَشَاء  لفقأنا أعين الضلالة، فأبصروا الهدى، و استبقوا  يعني : الطريق  فَأنَّى يُبْصِرُونَ  الطريق. ويقال : فأنى يبصرون. الهدى وقال بعضهم : ولو نشاء لأعمينا أبصارهم في أسواقهم، ومجالسهم، كما فعلنا بقوم لوط عليه السلام حين كذبوه وراودوه عن ضيفه  فاستبقوا الصراط  يعني : فابتدروا الطريق هرباً إلى منازلهم، ولو فعلنا ذلك بهم.

### الآية 36:67

> ﻿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ [36:67]

ثم قال عز وجل : وَلَوْ نَشَاء لمسخناهم على مكانتهم  يعني : إن شئت لمسختهم حجارة في منازلهم ليس فيها أرواح  فَمَا استطاعوا مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ  ولا يتقدمون، ولا يتأخرون. وهذا قول مقاتل. وقال الكلبي : لو نشاء لجعلناهم قردة وخنازير  فَمَا استطاعوا مُضِيّاً  يعني : فما قدروا ذهاباً،  ولا يرجعون .

### الآية 36:68

> ﻿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ ۖ أَفَلَا يَعْقِلُونَ [36:68]

قوله عز وجل : وَمَن نّعَمّرْهُ  يعني : من أطلنا عمره في الدنيا  نُنَكّسْهُ في الخلق  يعني : نرده إلى أرذل العمر، فلا يعقل فيه كعقله الأول. قرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر  نُنَكّسْهُ  بضم النون الأولى، ونصب الثانية، وكسر الكاف مع التشديد. وقرأ الباقون : نُنَكّسْهُ  بنصب النون الأولى، وجزم الثانية، وضم الكاف، والتخفيف، ومعناهما واحد. يقال : نكسَه ونكسَّه وأنكسه بمعنى واحد. ومعناه : من أطلنا عمره، نكسنا خلقه. فصار بدل القوة ضعفاً. وبدل الشباب هرماً. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر مكاناتهم وقرأ الباقون  مكانتهم  والمكانة والمكان واحد. مثل المنزل والمنزلة والمكانات جمع المكانة. 
ثم قال : أَفَلاَ يَعْقِلُونَ  يعني : أفلا تفهمون أن الله هو الذي يفعل ذلك، فتوحدوه، وليس لمعبودهم قدرة على ذلك. قرأ نافع، وابن عامر، وأبو عمرو : أَفَلاَ تَعْقِلُونَ  بالتاء، على معنى المخاطبة. وقرأ الباقون بالياء على معنى الخبر. وقرأ عاصم، وأبو عمرو، وحمزة : وَأَنِ اعبدوني  بالياء. وقرأ الباقون : بغير ياء. لأن الكسر يدل عليه.

### الآية 36:69

> ﻿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ [36:69]

ثم قال عز وجل : وَمَا علّمناه الشعر  جواباً لقولهم إنه شاعر يعني : أرسلنا إليه القرآن، ولم نرسل إليه الشعر  وَمَا يَنبَغِي لَهُ  يعني : لم يكن أهلاً لذلك. وقال : ما يسهل له، وما يحضره الشعر  إن هو إلا ذكر  يعني : القرآن عظة لكم  وقرآن مبين  يعني : يبين الحق من الضلالة. وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة أنه قال : سألت عائشة رضي الله عنها هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر ؟ قالت كان أبغض الحديث إليه الشعر، ولم يتمثل بشيء من الشعر، إلا ببيت أخي بني قيس بن طرفة :

سَتُبْدِي لَكَ الأيَّامُ مَا كُنْت جَاهِلا  وَيَأْتِيكَ بِالأخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِفجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول :**«وَيَأْتِيكَ بِالأَخْبَارِ، مَنْ لَمْ تُزَوِّدْ بِالأَخْبَارِ »**. فقال أبو بكر : ليس هكذا يا رسول الله. فقال :**«لَسْتُ بِشَاعِرٍ وَلا يَنْبَغِي لِي أنْ أَتَكَلَّمَ بِالشِّعْر »**. فإن قيل : روي عنه أنه كان يتكلم بالشعر لأنه ذكر أنه قال :أنَا النَّبِيُّ لا كَذِب  أنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ**وذكر أنه عثر يوماً فدميت أصبعه فقال :**هَلْ أنْتِ إلاَّ إصْبَعٌ دَمِيت  وِفِي كِتَابِ الله مَا لَقِيت**وذكر أنه قال يوم الخندق :**بِسْمِ الإله وَبِهِ هُدِينَار  وَلَوْ عَبَدْنَا غَيْرَهُ شقِينَاقيل له : هذه كلمات تكلم بها فصارت موافقة للشعر، وليست بشعر.

### الآية 36:70

> ﻿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ [36:70]

ثم قال عز وجل : لّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً  يعني : من كان مؤمناً، لأن المؤمن هو الذي يقبل الإنذار. ويقال : مَن كَانَ حَيّاً  يعني : عاقلاً راغباً في الطاعة. قرأ نافع وابن عامر : لّتُنذِرَ  بالتاء على معنى المخاطبة. يقول : لتنذر يا محمد. وقرأ الباقون : بالياء على معنى الخبر عنه. يعني : لتنذر يا محمد. ويقال : يعني : لتنذر بالقرآن من كان مهتدياً في علم الله تعالى الأزلي  وَيَحِقَّ القول  يعني : وجب العذاب  عَلَى الكافرين  يعني : قوله : قَالَ اخرج مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ  \[ الأعراف : ١٨ \] ثم وعظهم ليعتبروا.

### الآية 36:71

> ﻿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ [36:71]

فقال عز وجل : أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم  يعني : أولم ينظروا فيعتبروا فيما أنعم الله عز وجل عليهم. 
قوله : أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا  يعني : أنا خلقنا لهم بقوتنا، وبقدرتنا، وبأمرنا،  أنعاما  يعني : الإبل، والبقر، والغنم،  فَهُمْ لَهَا مالكون  يعني : الأنعام. وقال قتادة : يعني : ما في بطونها.

### الآية 36:72

> ﻿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ [36:72]

وذللناها لَهُمْ  يعني : سخرناها لهم، فيحملون عليها، ويسوقونها حيث شاؤوا، فلا تمتنع منهم  فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ  في انتفاعهم وحوائجهم  وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ  من الإبل، والبقر، والغنم.

### الآية 36:73

> ﻿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ ۖ أَفَلَا يَشْكُرُونَ [36:73]

وَلَهُمْ فِيهَا  يعني : في الأنعام  منافع  في الركوب، والحمل، والصوف، والوبر،  ومشارب  يعني : ألبانها  أَفَلاَ يَشْكُرُونَ  رب هذه النعمة، فيوحدونه. يعني : اشكروا، ووحدوا.

### الآية 36:74

> ﻿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ [36:74]

واتخذوا مِن دُونِ الله آلِهَةً  يعني : تركوا عبادة رب هذه النعم، وعبدوا الآلهة  لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ  يعني : لعل هذه الآلهة تمنعهم من العذاب في ظنهم.

### الآية 36:75

> ﻿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ [36:75]

يقول الله عز وجل : لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ  يعني : منعهم من العذاب  وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مٌّحْضَرُونَ  يعني : الكفار للأصنام جند يتعصبون لها، ويحضرونها في الدنيا للآلهة. ويقال : وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مٌّحْضَرُونَ  يعني : لآلهتهم كالعبيد، والخدم. قيام بين أيديهم. وقال الحسن : وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ  في الدنيا  مُحْضَرُونَ  في النار.

### الآية 36:76

> ﻿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ [36:76]

ثم قال عز وجل : فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ  يعني : لا يحزنك يا محمد تكذيبهم إياك  إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ  من التكذيب  وَمَا يُعْلِنُونَ  يعني : ما يظهرون لك من العداوة.

### الآية 36:77

> ﻿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [36:77]

قوله عز وجل : أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خلقناه مِن نُّطْفَةٍ  روى سفيان، عن الكلبي، عن مجاهد قال : أتى أبيّ بن خلف الجمحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم بالي، قد أتى عليه حين، فقام ففته بيده، ثم قال : يا محمد أتعدنا أنا إذا متنا وكنا مثل هذا بعثنا ؟ فأنزل الله تعالى : أَوَلَمْ يَرَ الإنسان  الآية. وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : لما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم القرون الماضية أنهم يبعثون بعد الموت، وأنكم يا أهل مكة معهم، فأخذ أبيّ بن خلف الجمحي عظماً بالياً، فجعل يفته بيده، ويذروه في الرياح، ويقول : عجباً يا أهل مكة إن محمداً يزعم أنا إذا متنا، وكنا عظاماً بالية مثل هذا العظم، وكنا تراباً، أنا نعاد خلقاً جديداً، وفينا الروح، وذلك ما لا يكون أبداً، فنزل  أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خلقناه مِن نُّطْفَةٍ  يعني : أولم يعلم هذا الكافر أنا خلقناه أول مرة من نطفة  فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ  جدل بالباطل. ويقال  خَصِيمٌ  بيَّن الخصومة فيما يخاصم  مُّبِينٌ  أي : بيّن.

### الآية 36:78

> ﻿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [36:78]

وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً  يعني : وصف لنا شبهاً في أمر العظام. ويقال : وصف لنا بالعجز  وَنَسِيَ خَلْقَهُ  يعني : وترك ابتداءه حين خلقه من نطفة. ويقال : ترك النظر في خلق نفسه فلم يعتبر و  قَالَ مَن يُحيي العظام وَهِي رَمِيمٌ  يعني : بالية. والرميم : العظم البالي. يقال : رمّ العظم إذا بلي.

### الآية 36:79

> ﻿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [36:79]

قال الله تعالى : قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ  يعني : قل يا محمد يحيي العظام الذي  أنشأها  يعني : خلقها أول مرة يعني : في أول مرة ولم يكن شيئاً. 
ثم قال عز وجل : وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ  يعني : عَلِيماً بخلقهم، وببعثهم.

### الآية 36:80

> ﻿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ [36:80]

ثم أخبر عن صنعه ليعتبروا في البعث فقال : الذي جَعَلَ لَكُمُ  يعني : قل يا محمد العظام يحييها  الذي جَعَلَ لَكُمُ   مّنَ الشجر الأخضر نَاراً فَإِذَا أَنتُم مّنْه تُوقِدُونَ  قال الكلبي : كل شجرة يقدح منها النار إلا شجرة العناب، فمن ذلك القصارون يدقون عليه  فَإِذَا أَنتُم مّنْه تُوقِدُونَ  يعني : تقدحون. يعني : فهو الذي يقدر على أن يبعثكم.

### الآية 36:81

> ﻿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ [36:81]

ثم قال عز وجل : أَوَلَيْسَ الذي خَلَقَ السموات والأرض  وهي أعْظَمُ خلقاً  بقادر على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم  في الآخرة. والكلام يخرج على لفظ الاستفهام. ويراد به التقرير. 
ثم قال : بلى  هو قادر على ذلك  وَهُوَ الخلاق العليم  يعني : الباعث  العليم  ببعثهم.

### الآية 36:82

> ﻿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [36:82]

قوله عز وجل : إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً  من أمر البعث وغيره  أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ  خلقاً. 
قرأ ابن عامر والكسائي : فَيَكُونُ  بالنصب، وقد ذكرناه في سورة البقرة.

### الآية 36:83

> ﻿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [36:83]

فسبحان الذي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلّ شيء  يعني : خلق كل شيء من البعث وغيره. ويقال : خزائن كل شيء. ويقال : له القدرة على كل شيء  وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ  بعد الموت، فيجازيكم بأعمالكم. قال : حدّثنا الفقيه أبو الليث رحمه الله. قال : حدّثنا أبو الحسن أحمد بن حمدان، بإسناده عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم **«إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْباً، وَقَلْبُ القُرْآنِ يس، فَمَنْ قَرَأ يس يُرِيدُ بِهَا وَجْهَ الله تَعَالَى غُفِرَ لَهُ، وَأُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ كَمَنْ قَرَأ الْقُرْآن اثْنَتَيْ عَشَرَةَ مَرَّةً. وَأيُّمَا مُسْلِمٍ قُرِئَتْ عِنْدَهُ سُورَةُ يس حِينَ يَنْزِلُ بِهِ مَلِكُ الْمَوْتِ يَنْزِلُ إلَيْهِ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنْهَا عَشَرَةُ أمْلاكٍ يَقُومُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ صُفُوفاً، يُصَلُّونَ عَلَيْهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لَهُ، وَيَشْهَدُونَ قَبْضَهُ، وَيَشْهَدُونَ غَسْلَهُ، وَيُشَيِّعُونَ جِنَازَتَهُ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ، وَيَشْهَدُونَ دَفْنَهُ. وَأيُّمَا مُسْلِمٍ مَرِيضٍ قُرِئ عِنْدَهُ سُورَةُ يس وَهُوَ فِي سَكَرَاتِ المَوْتِ، لا يَقْبِض مَلَكَ المَوْتِ رُوَحَهُ حَتَّى يَجِيءَ رَضْوَانُ خَازِنُ الْجَنَّةِ بِشُرْبَةٍ مِنْ شَرَابِ الْجَنَّةِ فَيَشْرَبُهَا وَهُوَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَيَقْبِضُ مَلَكُ الْمَوْتِ رُوحَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وَهُوَ رَيَّانُ، وَيَدْخَلُ قَبْرَهُ وَهُوَ رَيَّان، وَيَمْكُثُ فِي قَبْرِهِ وَهُوَ رَيَّان، وَيُخْرَجُ مِنَ الْقَبْرِ وَهُوَ رَيَّانُ، وَيُحَاسَبُ وَهُوَ رَيَّان، وَلا يَحْتَاجُ إلَى حَوْضٍ مِنْ حِيَّاضِ الأنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلامُ حَتَّى يُدْخُلَ الْجَنَّةَ وَهُوَ رَيَّان »** وَالله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأوَّاب وعلى آله وسلم.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/36.md)
- [كل تفاسير سورة يس
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/36.md)
- [ترجمات سورة يس
](https://quranpedia.net/translations/36.md)
- [صفحة الكتاب: بحر العلوم](https://quranpedia.net/book/324.md)
- [المؤلف: أبو الليث السمرقندي](https://quranpedia.net/person/4160.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/36/book/324) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
