---
title: "تفسير سورة يس - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/36/book/37.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/36/book/37"
surah_id: "36"
book_id: "37"
book_name: "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم"
author: "أبو السعود"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة يس - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/36/book/37)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة يس - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - أبو السعود — https://quranpedia.net/surah/1/36/book/37*.

Tafsir of Surah يس from "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم" by أبو السعود.

### الآية 36:1

> يس [36:1]

يس  إمَّا مسرودٌ على نمطِ التَعديدِ فلا حظَّ له من الإعرابِ أو اسمٌ للسُّورةِ كما نصَّ عليه الخليلُ وسيبويهِ وعليه الأكثرُ فمحلُّه الرَّفعُ على أنَّه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أو النَّصبُ على أنَّه مفعولٌ لفعلِ مضمرٍ. وعليهما مدارُ قراءةِ يسن بالرَّفع والنَّصبِ أي هَذه يسن أو اقرأْ يسن. ولا مساغَ للنَّصب بإضمارِ فعلِ القسمِ لأنَّ ما بعدَهُ مُقسمٌ بِه وقد أَبَوا الجمعَ بين قَسَمين على شيءٍ واحدٍ قبل انقضاءِ الأوَّلِ ولا مجالَ للعطفِ لاختلافِهما إعراباً. وقيل هو مجرورٌ بإضمارِ باءِ القسمِ مفتوحٌ لكونِه غيرَ منصرفٍ كما سلف في فاتحةِ سُورة البقرةِ من أنَّ ما كانتْ من هذه الفواتحِ مفردة مثلَ صاد وقاف ونون أو كانت موازنةً لمفردٍ نحوِ طس ويسن وحم الموازنةِ لقابيلَ وهابيلَ يتأتَّى فيها الإعرابُ اللَّفظيُّ ذكَره سيبويِه في بابِ أسماءِ السُّورِ من كتابِه. وقيل : هُما حركتا بناءٍ كما في حيثُ وأينَ حسَبما يشهدُ بذلك قراءةُ يسن بالكسر كجَيْرِ وقيل : الفتحُ والكسرُ تحريكٌ للجِدِّ في الهربِ من التقاءِ السَّاكنينِ. وعن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهُما أنَّ معناه يا إنسانُ في لغةِ طَيءٍ قالُوا المرادُ به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. ولعلَّ أصلَه يا أُنيسين فاقتُصر على شطرِه كما قيل مَنُ الله في أيمَن الله

### الآية 36:2

> ﻿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ [36:2]

والقرآن  بالجرِّ على أنَّه مقسمٌ به ابتداءً وقد جُوِّز أنْ يكونَ عطفاً على يسن على تقديرِ كونِه مجروراً بإضمارِ باءِ القسمِ  الحكيم  أي المتضمِّنِ للحكمةِ أو النَّاطقِ بها بطريقِ الاستعارةِ أو المتَّصفِ بها على الإسنادِ المجازيِّ، وقد جُوِّز أنْ يكونَ الأصلُ الحكيمُ قائلُه فحذُف المضافُ وأُقيم المضافُ إليه مقامَه فبانقلابِه مرفوعاً بعد الجرِّ استكنَّ في الصِّفةِ المُشبَّهةِ كما مرَّ في صدرِ سُورة لُقمانَ

### الآية 36:3

> ﻿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [36:3]

إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين  جوابٌ للقسم. والجملةُ لردِّ إنكار الكَفَرةِ بقولِهم في حقِّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لستَ مُرسَلاً. وهذه الشَّهادةُ منه عزَّ وجلَّ من جملة ما أُشير إليه بقوله تعالى في جوابهم : قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ  \[ سورة الرعد، الآية٤٣ \] وفي تخصيص القُرآن بالإقسامِ به أَوَّلاً بوصفه بالحكيمِ ثانياً تنويهٌ بشأنه وتنبيهٌ على أنه كما يشهدُ برسالته عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ من حيث نظمُه المعجزُ المُنطوي على بدائعِ الحكم يشهدُ بها من هذه الحيثيَّةِ أيضاً لما أنَّ الإقسامَ بالشَّيءِ استشهاد به على تحقُّقِ مضمون الجملة القسميةِ وتقوية لثبوتِه فيكون شاهداً به ودليلاً عليه قَطْعاً

### الآية 36:4

> ﻿عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [36:4]

وقوله تعالى : على صراط مُّسْتَقِيمٍ  خبرٌ آخرُ لأنَّ أو حالٌ من المستكنِّ في الجارِّ والمجرور على أنَّه عبارة عن الشَّريعةِ الشَّريفةِ بكمالها لا عن التَّوحيدِ فقط وفائدتُه بيانُ أنَّ شريعتَه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أقوى الشَّرائعِ وأعدلُها كما يُعرب عنه التَّنكيرُ التَّفخيميُّ والوصفُ إثرَ بيانِ أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ من جملة المرسلين بالشَّرائعِ.

### الآية 36:5

> ﻿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ [36:5]

تَنزِيلَ العزيز الرحيم  نصب على المدحِ. وقرئ بالرَّفعِ على أنَّه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ وبالجرِّ على أنه بدلٌ من القرآن وأيّاً ما كان فهو مصدرٌ بمعنى المفعولِ عبَّر به عن القرآنُ بياناً لكمال عراقتِه في كونه منزَّلاً من عند الله عزَّ وجلَّ كأنَّه نفس التَّنزيلِ وإظهار لفخامتِه الإضافية بعد بيان فخامتِه الذَّاتيَّةِ بوصفه بالحكمة وفي تخصيص الاسمينِ الكريمينِ المُعربينِ عن الغلبةِ التَّامةِ والرَّأفةِ العامَّةِ حثٌّ على الإيمانِ به ترهيباً وترغيباً وإشعارٌ بأنَّ تنزيلَه ناشئ عن غايةِ الرَّحمةِ حسبما نطقَ به قولُه تعالى : وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين  \[ سورة الأنبياء، الآية١٠٧ \] وقيل : النَّصبُ على أنَّه مصدرٌ مؤكِّدٌ لفعله المضمرِ أي نزل تنزيل العزيزِ الرَّحيمِ على أنَّه استئنافٌ مسوقٌ لبيان ما ذُكر من فخامةِ شأنِ القُرآن وعلى كلِّ تقديرٍ ففيهِ فضلُ تأكيدٍ لمضمونِ الجملة القسميةِ

### الآية 36:6

> ﻿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ [36:6]

لّتُنذِرَ  متعلِّقٌ بتنزيل على الوجوهِ الأُولِ وبعامله المضمرِ على الوجهِ الأخيرِ أي لتنذَر به كما في صدرِ الأعرافِ وقيل : هو متعلِّقٌ بما يدلُّ عليه لمن المرسلين أي إنَّك مرسلٌ لتنذرَ  قَوْماً ما أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ  أي لم يُنذْر آباؤُهم الأقربون لتطاولِ مدَّة الفترةِ على أنَّ ما نافيةً فتكون صفةً مبيِّنةً لغاية احتياجهم إلى الإنذارِ أو الذي أنذره أو شيئاً أُنذره آباؤهم الأبعدون على أنَّها موصولةٌ أو موصوفة فيكون مفعولاً ثانياً لتنذرَ أو إنذار آبائِهم الأقدمين على أنَّها مصدريةٌ فيكون نعتاً لمصدرٍ مؤكَّدٍ أي لتنذرَ إنذاراً كائناً مثلَ إنذارِهم  فَهُمْ غافلون  على الوجهِ الأولِ متعلِّق بنفي الإنذارِ مترتِّب عليه والضَّميرُ للفريقينِ أي لم تُنذرْ آباؤهم جميعاً لأجلِه غافلون وعلى الوجوهِ الباقيةِ متعلِّقٌ بقوله تعالى : لّتُنذِرَ  أو بما يفيده إنَّك لمن المُرسلين واردٌ لتعليل إنذارِه عليه السَّلامُ أو إرساله بغفلتهم المحوجةِ إليهما على أنَّ الضَّميرَ للقوم خاصَّةً فالمعنى فهم غافلُون عنه أي عمَّا أُنذر آباؤهم الأقدمونَ لامتدادِ المُدَّة.

### الآية 36:7

> ﻿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [36:7]

واللاَّمُ في قولِه تعالى : لَقَدْ حَقَّ القول على أَكْثَرِهِمْ  جوابُ القسمِ أي والله لقد ثبت وتحقَّقَ عليهم البتةَ لكن لا بطريق الجَبْرِ من غير أنْ يكون من قبلهم ما يقتضيِه بل بسبب إصرارِهم الاختياريِّ على الكُفر والإنكار وعدم تأثُّرهم من التَّذكيرِ والإنذار وغلوِّهم في العُتوِّ والطُّغيانِ وتماديهم في اتِّباعِ خُطُوات الشَّيطانِ بحيثُ لا يلويهم صارفٌ ولا يثنيهم عاطفٌ كيف لا والمرادُ بما حقَّ من القولِ قولُه تعالى لإبليسَ عند قوله لأغوينَّهم أجمعين.  لأمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ  \[ سورة ص، الآية٨٥ \] وهو المَعنيُّ بقوله تعالى : لأمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ  \[ سورة السجدة، الآية١٣ \] كما يُلوحُ به تقديمُ الجِنَّةِ على النَّاسِ فإنَّه كما ترى قد أوقع فيه الحكم بإدخال جهنَّم على مَن تبعَ إبليسَ وذلك تعليلٌ له بتبعيته قطعاً وثبوت القولِ على هؤلاء الذين عبَّر عنهم بأكثرِهم إنَّما هو لكونِهم من جملة أولئك المصرِّين على تبعيَّةِ إبليسَ أبداً وإذ قد تبيَّن أنَّ مناطَ ثبوتِ القول وتحقُّقهِ عليهم إصرارُهم على الكُفرِ إلى الموتِ ظهر أنَّ قوله تعالى : فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ  متفرِّعٌ في الحقيقةِ على ذلك لا على ثُبوت القول

### الآية 36:8

> ﻿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ [36:8]

وقوله تعالى : إِنَّا جَعَلْنَا فِي أعناقهم أغلالا  تقريرٌ لتصميمهم على الكُفرِ وعدم ارعوائِهم عنه بتمثيلِ حالِهم بحال الذين غُلَّتْ أعناقُهم  فَهِيَ إِلَى الأذقان  أي فالأغلالُ منتهيةٌ إلى أذقانِهم فلا تدعُهم يلتفتونَ إلى الحقِّ ولاَ يَعطفونَ أعناقَهم نحوَه ولا يُطأطئونَ رؤوسَهم له  فَهُم مُّقْمَحُونَ  رافعونَ رؤوسَهم غاضُّون أبصارَهم بحيثُ لا يكادُون يَروَن الحقَّ أو ينظرُون إلى جهتِه

### الآية 36:9

> ﻿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ [36:9]

وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فأغشيناهم فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ  إمَّا تتَّمةٌ للتَّمثيل وتكميلٌ له أي تكميلٍ أي وجعلنا مع ما ذُكر من أمامهم سَدَّاً عظيماً ومن ورائهم سَدَّاً كذلك فغطَّينا بهما أبصارهم فهم بسبب ذلك لا يقدرونَ على إبصارِ شيءٍ ما أصلاً وإمَّا تمثيلٌ مستقلٌّ فإنَّ ما ذُكر من جعلهم محصورينَ بين سَدَّينِ هائلين قد غطَّيا أبصارَهم بحيث لا يُبصرون شيئاً قطعاً كافٍ في الكشف عن كمال فظاعةِ حالِهم وكونِهم محبوسين في مطمورةِ الغيِّ والجهالاتِ محرومين عن النَّظرِ في الأدلَّةِ والآياتِ وقرئ سُدَّاً بالضمِّ وهي لغةٌ فيه، وقيل ما كان من عمل النَّاسِ فهو بالفتحِ وما كان من خلقِ الله فبالضمِّ. وقرئ فأعشينَاهم من العَشَا. وقيل الآيتانِ في بني مخزومٍ وذلك أنَّ أبا جهلٍ حلف لئِن رأى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي ليرضخنَّ رأسَه فأتاه وهو عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ يُصلِّي ومعه حجرٌ ليدمغَه فلَّما رفع يدَه انثنتْ يدُه إلى عنقِه ولزق الحجرُ بيده حتَّى فكُّوه عنها بجهدٍ فرجع إلى قومه فأخبرَهم بذلك فقال مخزوميٌّ آخرُ أنا أقتلُه بهذا الحجرِ فذهب فأَعمى الله تعالى بصرَهُ.

### الآية 36:10

> ﻿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [36:10]

وَسَوَاء عَلَيْهِمْ أَأنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ  بيانٌ لشأنِهم بطريق التَّصريحِ إثرَ بيانِه بطريق التَّمثيلِ أي مستوٍ عندهم إنذارُك إيَّاهم وعدمُه حسبما مرَّ تحقيقُه في سورةِ البقرةِ وقوله تعالى : لاَ يُؤْمِنُونَ  استئنافٌ مؤكِّدٌ لما قبله مبيِّنٌ لما فيه من إجمالِ ما فيه الاستواءُ أو حالٌ مؤكِّدةٌ له أو بدلٌ منه ولما بُيِّن كونَ الإنذارِ عندهم كعدمِه عقب ببيانِ من يتأثَّر منه فقيل

### الآية 36:11

> ﻿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ [36:11]

إِنَّمَا تُنذِرُ  أي إنذاراً مستتبعاً للأثر  مَنِ اتبع الذكر  أي القُرآنَ بالتَّأمُّلِ فيه أو الوعظِ ولم يصرَّ على اتِّباعِ خُطُوات الشَّيطانِ  وَخشِي الرحمن بالغيب  أي خافَ عقابَه وهو غائبٌ عنه على أنَّه حالٌ من الفاعلِ أو المفعولِ أو خافَه في سريرتِه ولم يغترَّ برحمتِه فإنَّه منتقمٌ قهَّار كما أنَّه رحيمٌ غَفَّار كما نطق به قولُه تعالى : نَبّىء عِبَادِي أَنّي أَنَا الغفور الرحيم وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ العذاب الأليم  \[ سورة الحجر، الآية٤٩ \]  فَبَشّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ  عظيمةٍ  وَأَجْرٍ كَرِيمٍ  لا يُقادر قدرُه. والفاء لترتيب البشارةِ أو الأمرِ بها على ما قبلها من اتِّباعِ الذِّكرِ والخشيةِ.

### الآية 36:12

> ﻿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [36:12]

إِنَّا نَحْنُ نُحْييِ الموتى  بيانٌ لشأنٍ عظيمٍ ينطوي على الإنذارِ والتَّبشيرِ انطواءً إجماليَّاً أي نبعثُهم بعد مماتِهم. وعن الحسنِ إحياؤهم إخراجُهم من الشِّركِ إلى الإيمانِ فهو حينئذٍ عدةٌ كريمةٌ بتحقيق المُبشَّر به  وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ  أي ما أسلفُوا من الأعمالِ الصَّالحةِ وغيرِها  وَآثَارَهُمْ  التي أبقوها من الحسناتِ كعلمٍ علمُوه أو كتابٍ ألَّفُوه أو حبيسٍ وقفُوه أو بناءٍ بنوَه من المساجدِ والرِّباطاتِ والقناطرِ وغيرِ ذلك من وجوهِ البرِّ ومن السَّيئاتِ كتأسيسِ قوانينِ الظُّلمِ والعُدوانِ وترتيبِ مبادئ الشَّرِّ والفسادِ فيما بين العبادِ وغيره ذلكَ من فُنون الشُّرور التي أحدثُوها وسنُّوها لمن بعدهم من المُفسدين. وقيل هي آثارُ إلى المشَّائينَ إلى المساجدِ ولعلَّ المرادَ أنَّها من جُملةِ الآثارِ. وقرئ ويُكتب على البناء للمفعولِ ورفعِ آثارَهم. 
 وَكُلَّ شيْء  من الأشياءِ كائناً ما كانَ  أحصيناه فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ  أصلٍ عظيمِ الشَّأنِ مظهر لجميعِ الأشياءِ ممَّا كان وما سيكونُ وهو اللَّوحُ المحفوظُ. وقرئ كلُّ شيءٍ بالرَّفعِ.

### الآية 36:13

> ﻿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ [36:13]

واضرب لَهُمْ مثَلاً أصحاب القرية  ضربُ المَثَلِ يُستعملُ تارةً في تطبيقِ حالةٍ غريبةٍ بحالةٍ أُخرى مثلِها كما في قوله تعالى : ضَرَبَ الله مَثَلاً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ امرأة نُوحٍ وامرأة لُوطٍ  \[ سورة التحريم، الآية١٠ \] وأخرى في ذكر حالةٍ غريبةٍ وبيانِها للنَّاس من غير قصدٍ إلى تطبيقِها بنظيرةِ لها كما في قوله تعالى : وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمثال  \[ سورة إبراهيم، الآية ٤٥ \] على أحدِ الوجهينِ أي بيَّنا لكم أحوالاً بديعةً هي في الغرابةِ كالأمثالِ فالمَعْنى على الأوّلِ اجعلْ أصحابَ القريةِ مثلاً لهؤلاء في الغُلوِّ في الكفرِ والإصرارِ على تكذيبِ الرُّسلِ أي طبِّق حالَهم بحالهم على أنَّ مثلاً مفعولٌ ثانٍ لاضربْ وأصحابَ القريةِ مفعولُه الأوَّلَ أُخِّر عنه ليتَّصل به ما هو شرحُه وبيانُه وعلى الثَّاني اذكُر وبيِّن لهم قصَّةً هي في الغرابةِ كالمَثَل وقوله تعالى أصحابَ القريةِ بدلٌ منه بتقديرِ المضافِ أو بيانٌ له والقريةُ أنطاكيِّةُ  إِذْ جَاءهَا المرسلون  بدلُ اشتمالٍ من أصحابَ القريةِ وهم رُسلُ عيسى عليه السَّلامُ إلى أهلِها ونسبةُ إرسالِهم إليهِ تعالى في قولِه : إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثنين

### الآية 36:14

> ﻿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ [36:14]

إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثنين  بناء على أنَّه كان بأمره تعالى لتكميلِ التَّمثيلِ وتتميم التَّسليةِ وهما يحيى وبُولس، وقيل غيرُهما  فَكَذَّبُوهُمَا  أي فأتياهم فدعوهم إلى الحقِّ فكذَّبوهما في الرِّسالةِ  فَعَزَّزْنَا  أي قوَّينا يقال عزَّز المطرُ الأرضَ إذا لبَّدها. وقرئ بالتَّخفيفِ من عزَّه إذا غلبَه وقهرَه. وحُذف المفعولُ لدلالة ما قبله عليه ولأنَّ المقصدَ ذكر المعزَّزِ به  بِثَالِثٍ  هو شَمعُون  فَقَالُواْ  أي جميعاً  إِنَّا إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ  مُؤكِّدين كلامَهم لسبق الإنكارِ لما أنَّ تكذيبَهما تكذيبٌ للثَّالثِ لاتِّحادِ كلمتهم، وذلك أنَّهم كانوا عَبَدَة أصنام فأَرسل إليهم عيسى عليه السلام اثنينِ فلما قَرُبا من المدينة رأيا شيخاً يَرعى غُنيماتٍ له وهو حبيبٌ النَّجارُ صاحبُ يسن فسألهما فأخبراهُ قال أمعكما آيةٌ فقالا نشفي المريضَ ونُبرئ الأكْمَه والأبرصَ وكان له ولدٌ مريضٌ منذ سنتينِ فمسحاهُ فقام فآمن حبيبٌ وفشا الخبرُ وشُفي على أيديهما خلقٌ وبلغ حديثُهما إلى الملكِ وقال لهما ألنا إلهٌ سوى آلهتِنا قالا نعم من أوجدَك وآلهتَك فقال حتَّى أنظرَ في أمرِكما فتبعهما النَّاسُ، وقيل : ضربُوهما، وقيل : حُبسا. 
ثمَّ بعث عيسى عليه السَّلامُ شَمعُون فدخلَ مُتنكِّرا وعاشر حاشيةَ الملك حتَّى استأنُسوا به ورفعوا خبرَه إلى الملكِ فأنسَ به فقالَ له يَوْماً بلغني أنَّك حبستَ رجلينِ فهل سمعتَ ما يقولانِه قال لاَ حال الغضبُ بيني وبينَ ذلكَ فدعاهُما فقال شَمعُون : مَن أرسلكُما قالا الله الذي خَلَق كلَّ شيءٍ وليسَ له شريكٌ فقال : صفاهُ وأَوْجِزا. قالاَ يفعلُ مَا يشاءُ ويحكمُ ما يريدُ قال وما آيتكُما قالا ما يتمنَّى الملكُ فَدَعا بغلامٍ مطمُوسِ العينينِ فدعَوَا الله تعالى حتَّى انشقَّ له بصرٌ فأخذا بُندقتينِ فوضعاهما في حدقتيهِ فصارتا مُقلتينِ ينظرُ بهما فقال له شَمعُون أرأيتَ لَو سألتَ إلهَك حتَّى يصنعَ مثلَ هذا فيكونَ لك وله الشَّرفُ قال ليس لي عنك سرٌّ إن إلهنَا لا يُبصر ولا يسمعُ ولا يضرُّ ولا ينفعُ. وكان شمعُون يدخلُ معهم على الصَّنمِ فيصلِّي ويتضرَّعُ وهم يحسبون أنَّه منهم ثم قال : إنْ قدر إلهُكما على إحياءِ ميِّتٍ آمنَّا به فدعَوا بغلامٍ ماتَ من سبعةِ أيامٍ فقامَ وقال إنِّي أُدخلت في سبعةِ أوديةٍ من النَّارِ وإنِّي أُحذركم ما أنتُم فيه فآمِنُوا وقال فُتحت أبوابُ السَّماء فرأيتُ شَاباً حسنَ الوجهِ يشفعُ لهؤلاءِ الثَّلاثةِ قال الملكُ من هُم قال شمعُونُ وهذانِ. فتعجَّبَ الملكُ فلمَّا رأى شمعُون أنَّ قولَه قد أثر فيه نصحَه فآمنَ وآمنَ قومٌ ومَن لم يُؤمن صاحَ عليهم جبريلُ عليه السَّلامُ فهلكُوا. هكذا قالُوا، ولكن لا يُساعده سياقُ النَّظمِ الكريمِ حيثُ اقُتصر فيه على حكايةِ تمادِيهم في العنادِ واللَّجاجِ وركوبِهم متنَ المُكابرةِ في الحِجاجِ ولم يُذكرْ فيه ممَّن يؤمن أحدٌ سوى حبيبٍ ولو أنَّ الملكَ وقوماً من حواشيه آمنُوا لكان الظَّاهرُ أنْ يُظاهروا الرُّسلَ ويساعدوهم قُبلوا في ذلك أو قُتلوا كدأب النَّجار الشهيد ولكان لهم فيه ذكرٌ ما بوجه من الوجوه، اللَّهم إلاَّ أن يكونَ إيمانُ الملكِ بطريق الخُفيةِ على خوفٍ من عُتاةِ ملئِه فيعتزلُ عنهم مُعتذراً بعذرٍ من الأعذارِ.

### الآية 36:15

> ﻿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَٰنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ [36:15]

قَالُواْ  أي أهلُ أنطاكيَّةَ الذينَ لَم يُؤمنوا مُخاطبينَ للثَّلاثةِ  مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا  مِنْ غَيْرِ مزيةٍ لكُم عَلينا مُوجبةٍ لاختصاصكم بما تدعونَه. ورفعُ بشرٌ لانتقاضِ النَّفيِ المُقتضي لإعمالِ ما بإلاَّ.  وَمَا أَنَزلَ الرحمن مِن شَيْء  ممَّا تدعُونه من الوحي والرِّسالةِ  إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ  في دَعْوى رسالتِه

### الآية 36:16

> ﻿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ [36:16]

قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ  استشهَدوا بعلمِ الله تعالى وهو يَجْري مجرى القسمِ مع ما فيه من تحذيرِهم معارضةَ علم الله تعالى وزادُوا الَّلامَ المؤكِّدةَ لِما شاهدُوا منُهم من شدَّةِ الإنكارِ

### الآية 36:17

> ﻿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [36:17]

وَمَا عَلَيْنَا  أي من جهةِ ربِّنا  إِلاَّ البلاغ المبين  أي إلاَّ تبليغُ رسالتِه تبليغاً ظَاهِراً بيِّناً بالآياتِ الشَّاهدةِ بالصِّحَّةِ وقد خرجنا عن عُهدته فلا مؤاخذةَ لنا بعد ذلك من جهة ربِّنا أو ما علينا شيءٌ نُطالب به من جهتِكم إلا تبليغُ الرِّسالةِ على الوجهِ المذكورِ وقد فعلناه فأيُّ شيءٍ تطلبون منَّا حتَّى تُصدِّقوُنا بذلك.

### الآية 36:18

> ﻿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ۖ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ [36:18]

قَالُواْ  لمَّا ضاقتْ عليهم الحِيلُ وعيتْ بهم العللُ  إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ  تشاءمنا بكم جرياً على دَيْدنِ الجَهَلةِ حيث كانُوا يتيَّمنون بكلِّ ما يُوافق شهواتِهم وإن كان مستجلباً لكلِّ شرَ ووبال ويتشاءُمون بما لا يُوافقها وإنْ كان مستتبعاً لسعادةِ الدَّارينِ أو بناء على أنَّ الدَّعوةَ لا تخلُو عن الوعيدِ بما يكرهونَه من إصابة ضُرَ ومتعلِّقٍ بأنفسهم وأهليهم وأموالِهم إنْ لم يُؤمنوا فكانوا ينفرون عنه. وقد رُوي أنَّه حُبس عنهم القطرُ فقالوه : لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ  أي عن مقالتِكم هذه  لَنَرْجُمَنَّكُمْ  بالحجارةِ  وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ  لا يُقادرُ قَدرُه

### الآية 36:19

> ﻿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ ۚ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ ۚ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ [36:19]

قَالُواْ طائركم  أي سببُ شُؤمكم  مَّعَكُمْ  لا مِن قِبلنا وهو سوءُ عقيدتِكم وقبحُ أعمالكم. وقرئ طَيركُم  أَئن ذُكّرْتُم  أي وُعظتُم بما فيه سعادتُكم. وجوابُ الشَّرط محذوفٌ ثقةً بدلالة ما قبله عليه أي تطيرتُم وتوعدتُم بالرَّجمِ والتَّعذيبِ. وقرئ بألفٍ بين الهمزتينِ وبفتحِ أنْ بمعنى أتطيرتُم لأنْ ذُكِّرتم وأنْ ذكِّرتم وإنْ ذُكِّرتم بغيرِ استفهام وأينَ ذُكِّرتم بمعنى طائركم معكم حيثُ جرى ذكركُم وهو أبلغُ  بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ  إضرابٌ عمَّا تقتضيه الشَّرطيَّةُ من كونِ التَّذكيرِ سبباً للشُّؤمِ أو مصحِّحاً للتوعد أي ليس الأمرُ كذلك بل أنتُم قومٌ عادتُكم الإسرافُ في العصيان فلذلك أتاكُم الشُّؤمُ أو في الظُّلمِ والعُدوانِ ولذلك تَوعدتُم وتَشاءمتُم بمن يجبُ إكرامُه والتَّبركُ به.

### الآية 36:20

> ﻿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ [36:20]

وَجَاء مِنْ أَقْصَى المدينة رَجُلٌ يسعى  هو حبيبٌ النَّجارُ وكان ينحتُ أصنامَهم وهو ممَّن آمنَ برسولِ الله صلى الله عليه وسلم وبينهما ستمائةُ سنةٍ كما آمنَ به تُبَّعُ الأكبرُ وورقةُ بنُ نوفلٍ وغيرُهما، ولم يُؤمِن بنبيَ غيرِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أحدٌ قبل مبعثِه. وقيل كان في غارٍ يعبدُ الله تعالى فلمَّا بلغه خبرُ الرُّسلِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ أظهرَ دينَه. 
 قَالَ  استئنافٌ وقع جواباً عن سُؤالٍ نشأ من حكايةِ مجيئهِ ساعياً كأنَّه قيل : فماذا قال عند مجيئِه فقيل قال : قَالَ يا قوم اتبعوا المرسلين  تعرض لعُنوانِ رسالتهم حثَّاً لهم على اتِّباعِهم كما أنَّ خطابَهم بيا قوم لتأليفِ قلوبِهم واستمالتِها نحو قبولِ نصيحتِه.

### الآية 36:21

> ﻿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ [36:21]

وقوله تعالى : اتبعوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُّهْتَدُونَ  تكريرٌ للتأكيد وللتَّوسُّلِ به إلى وصفهم بما يرغِّبُهم في اتِّباعهم من التَّنزهِ عن الغرض الدُّنيويِّ والاهتداء إلى خير الدُّنيا والدِّينِ

### الآية 36:22

> ﻿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [36:22]

وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الذي فَطَرَنِي  تلطُّفٌ في الإرشادِ بإيراده في معرض المُناصحةِ لنفسِه وإمحاض النُّصحِ حيثُ أراهم أنَّه اختارَ لهم ما يختارُ لنفسه. والمرادُ تقريعُهم على ترك عبادةِ خالقِهم إلى عبادةِ غيرِه كما يُنبئ عنه قوله : وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ  مبالغةً في التَّهديدِ ثمَّ عاد إلى المساقِ الأوَّلِ فقال : أَأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً

### الآية 36:23

> ﻿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَٰنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ [36:23]

أَأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً  إنكارٌ ونفيٌ لاتِّخاذِ الآلهة على الإطلاقِ. وقوله : إِن يُرِدْنِ الرحمن بِضُرّ لاَّ تُغْنِ عَنّي شفاعتهم شَيْئاً  أي لا تنفعني شيئاً من النَّفعِ.  وَلاَ يُنقِذُونَ  من ذلك الضُّرِّ بالنُّصرةِ والمظاهرةِ، استئنافٌ سبقَ لتعليلٍ النَّفي المذكور. وجعلُه صفةً لآلهةً كما ذهب إليه بعضُهم رُبَّما يُوهم أنَّ هناك آلهةً ليستْ كذلكَ. وقرئ إنْ يَردن بفتح الياءِ على معنى إنْ يُوردني ضراً أي يجعلنِي مورداً للضُّرِّ

### الآية 36:24

> ﻿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [36:24]

إِنّي إِذاً  أي إذا اتخذتُ من دونه آلهةً  لَفِي ضلال مُّبِينٍ  فإنَّ إشراكَ ما ليس من شأنِه النَّفعُ ولا دفعُ الضُّرِّ بالخالق المقتدرِ الذي لا قادرَ غيرُه ولا خيرَ إلا خيرُه ضلال بيِّن لا يَخْفى على أحدٍ ممَّن له تمييزٌ في الجملةِ

### الآية 36:25

> ﻿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ [36:25]

إِنّي آمَنتُ بِرَبّكُمْ  خطاب منه للرُّسلِ بطريق التَّلوينِ قيل : لمَّا نصحَ قومَه بما ذُكر همُّوا برجمِه فأسرع نحوَ الرُّسلِ قبل أن يقتلُوه فقال ذلك، وإنَّما أكَّده لإظهارِ صدوره عنه بكمال الرَّغبةِ والنَّشاطِ وأصناف الربَّ إلى ضميرِهم رَوْماً لزيادة التَّقريرِ وإظهاراً للاختصاصِ والافتداءِ بهم كأنَّه قالَ بربِّكم الذي أرسلَكم أو الذي تدعُوننا إلى الإيمانِ به  فاسمعون  أي اسمعُوا إيمانيَ واشهدُوا لي به عند الله تعالى، وقيل : الخطابُ للكفرةِ شافههَم بذلك إظهاراً للتَّصلُّبِ في الدِّينِ وعدم المبالاة بالقتلِ، وإضافةُ الرَّبِّ إلى ضميرهم لتحقيقِ الحقِّ والتَّنبيهِ على بُطلان ما هم عليه من اتِّخاذِ الأصنامِ أرباباً وقيل للنَّاس جميعاً

### الآية 36:26

> ﻿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ۖ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ [36:26]

قِيلَ ادخل الجنة  قيل له ذلك لمَّا قتلُوه إكراماً له بدخولِها حينئذٍ كسائر الشُّهداءِ وقيل : لما همُّوا بقتله رفعَه الله تعالى إلى الجنَّةِ قاله الحسنُ. وعن قَتادةَ أدخلَه الله الجنَّةَ وهو فيها حيٌّ يُرزقُ. وقيل معناه البُشرى بدخولِ الجنَّةِ وأنَّه من أهلِها وإنَّما لم يُقل له لأنَّ الغرضَ بيانُ المقولِ لا القولِ له لظهوره وللمبالغةِ في المسارعةِ إلى بيانِه. والجملةُ استئنافٌ وقع جواباً عن سؤالٍ نشأ من حكايةِ حالِه ومقالهِ كأنَّه قيل : كان لقاءُ ربِّه بعد ذلك التصلُّب في دينه والتَّسخِّي بروجِه لوجهه تعالى فقيل قيل : ادخل الجنَّة.

### الآية 36:27

> ﻿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ [36:27]

وكذلك قوله تعالى : قَالَ يا ليت قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبّي وَجَعَلَنِي مِنَ المكرمين  فإنَّه جوابِ عن سؤالِ نشأ من حكايةِ حالهِ كأنَّه قيل : فماذا قال عند نيلِه تلك الكرامةَ السَّنيةَ فقيل قال : الخ وإنما تمنَّى علَم قومه بحاله ليحملَهم ذلك عن اكتسابِ مثله بالتَّوبةِ عن الكُفرِ والدخول في الإيمانِ والطَّاعةِ جرياً على سَننِ الأولياء في كظمِ الغيظ. والتَّرحمِ على الأعداءِ أو ليعلموا أنهم كانُوا على خطأٍ عظيمٍ في أمره وأنَّه كان على الحقِّ وأنَّ عداوتَهم لم تكسبه إلاَّ سعادةً. وقرئ من المكرمين. وما موصولةً أو مصدريةٌ والياءُ صلةُ يعلمون أو استفهاميةٌ وردتْ على الأصل والياءُ متعلِّقةٌ بغفرَ أي بأي شيءٍ غفرَ لي ربِّي يريدُ به تفخيمَ شأنِ المهاجرةِ عن ملَّتِهم والمصابرةِ. على أذيَّتِهم.

### الآية 36:28

> ﻿۞ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ [36:28]

وَمَا أَنزَلْنَا على قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ  من بعد قتلِه أو رفعِه  مِن جُندٍ منَ السماء  لإهلاكِهم والانتقامِ منهم كما فعلناه يومَ بدرٍ والخندقِ كفينا أمرَهم بصيحةِ مَلَكٍ وفيه استحقارٌ لهم ولإهلاكهم وإيماء إلى تفخيمِ شأن الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم  وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ  : وما صحَّ في حكمتِنا أنْ ننزلَ لإهلاكِ قومِه جُنداً من السَّماءِ لما أنَّا قَدَّرنا لكلِّ شيءٍ سَبَباً حيثُ أهلكنا بعضَ مَن أهلكنا من الأُمم بالحاصبِ وبعضَهم بالصيحة وبعضَهم بالخسفِ وبعضَهم بالإغراقِ وجعلنا إنزالَ الجندِ من خصائصِك في الانتصارِ من قومك. وقيل : ما موصولةٌ معطوفةٌ على جندٍ أي وما كنَّا مُنزلين على مَن قبلهم من حجارةٍ وريحٍ وأمطارٍ شديدةٍ وغيرِها

### الآية 36:29

> ﻿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ [36:29]

إِن كَانَتْ  أي : ما كانتْ الأخذةُ أو العقوبةُ  إِلاَّ صَيْحَةً واحدة  صاحَ بها جبريلُ عليه السَّلامُ. وقرئ إلاَّ صيحةٌ بالرَّفعِ على أنَّ كانَ تامَّةٌ. وقرئ إلا زَقيةً واحدةً من زَقَا الطَّائرُ إذا صاحَ.  فَإِذَا هُمْ خامدون  : ميِّتُون شُبِّهوا بالنَّارِ الخامدةِ رَمْزاً إلا أنَّ الحيَّ كالنَّارِ السَّاطعةِ في الحَرَكةِ والالتهابِ والميِّتُ كالرَّمادِ قال لَبيدٌ :\[ الطويل \]وَمَا المرءُ إلاَّ كالشَّهاب وضوئِه  يحورُ رَمَاداً بعدَ إذْ هُو ساطعُ[(١)](#foonote-١)١ ورد في ديوانه (ص ١٦٩)، وحماسة البحتري (ص ٨٤)؛ والدرر (٢ / ٥٣)؛ ولسان العرب (٤/٢١٧) (حور) وبلا نسبة في شرح الأشموني (١/١١٠)..

### الآية 36:30

> ﻿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ۚ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [36:30]

يا حسرة عَلَى العباد  : تعالى فهذه من الأحوالِ التي حقُّها أنْ تحضرِي فيها، وهي ما دلُّ عليه قولُه تعالى :  مَا يَأْتِيهِمْ مّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئونَ  فإنَّ المستهزئينَ بالنَّاصحينَ الذين نيطت بنصائِحهم سعادةُ الدَّارينِ أحقَّاءُ بأنْ يتحسَّروا ويتحسَّرُ عليهم المتحسِّرون أو قد تلهَّفَ على حالهم الملائكةُ والمؤمنون من الثَّقلينِ. وقد جُوِّز أنْ يكون تحسُّراً عليهم من جهةِ الله تعالى بطريق الاستعارةِ لتعظيم ما جنَّدوه على أنفسِهم. ويؤيِّده قراءةُ يَا حسرتَا ؛لأنَّ المعنى يا حسرتِي ونصبُها لطولِها بما تعلَّق بها من الجارِّ وقيل : بإضمارِ فعلِها، والمنادى محذوفٌ وقرئ يا حسرةَ العبادِ بالإضافةِ إلى الفاعلِ أو المفعولِ ويا حسرة على العبادِ بإجراءِ الوصلِ مجرى الوقفِ.

### الآية 36:31

> ﻿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ [36:31]

أَلَمْ يَرَوْاْ  أي : ألم يعلمُوا وهو معلَّقٌ عن العمل في قوله تعالى : كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ منَ القرون  ؛ لأنَّ كم لا يعملُ فيها ما قبلها وإنْ كانتْ خبريَّةً ؛لأنَّ أصلَها الاستفهامُ خلا أنَّ معناه نافذٌ في الجُملةِ كما نفذَ في قولك : ألم تَرَ إنَّ زيداً لمنطلقٌ وإن لم يعملْ في لفظه  أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ  : بدلٌ من كم أهلكنا على المعنى أيْ : ألم يروا كثرةَ إهلاكِنا من قبلهم من المذكُورين آنِفاً ومن غيرهم كونهم غير راجعين إليهم. وقرئ بالكسرِ على الاستئنافِ. وقرئ :" ألم يَرَوا من أهلكنا " والبدلُ حينئذٍ بدلُ اشتمالٍ.

### الآية 36:32

> ﻿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ [36:32]

وَإِن كُلٌّ لما جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ  : بيانٌ لرجوع الكلِّ إلى المحشرِ بعد بيان عدم الرُّجوعِ إلى الدُّنيا وأنْ نافية وتنوينُ كلٌّ عِوضٌ عن المضافِ إليهِ ولمَّا بمعنى إلاَّ، وجميعُ فعيلٌ بمعنى مفعولٍ، ولدينا ظرفٌ له أو لما بعده. والمعنى : ما كلُّهم إلاَّ مجموعون لدينا مُحضرون للحسابِ والجزاءِ وقيل : محضرُون : معذَّبون فكل ذلك عبارةٌ عن الكَفَرة. وقرئ لما بالتَّخفيفِ على أنَّ إنْ مخَّففةٌ من الثقيلة واللاَّمُ فارقةٌ وما مزيدةٌ للتأكيد والمعنى : أنَّ كلهم مجموعون الخ.

### الآية 36:33

> ﻿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ [36:33]

وَآيَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة  بالتَّخفيفِ وقرئ بالتَّشديدِ. وقوله تعالى : آيةٌ خبرٌ مقدَّمٌ للاهتمامِ به وتنكيرُها للتفخيم و لهم  إمَّا متعلِّقةٌ بها لأنَّها بمعنى : العلامةِ أو بمضمرٍ هو صفة لها والأرضُ مبتدأٌ والميتةُ صفتُها. وقوله تعالى : أحييناها  استئنافٌ مبيّن لكيفَّيةِ كونها آيةً وقيل : آيةٌ مبتدأٌ ولهم خبرٌ والأرضُ الميتةُ مبتدأ موصوف وأحييناها خبره، والجملة مفسِّرة لآية. وقيل : الأرض مبتدأ وأحييناها خبرُه والجملةُ خبرٌ لآيةٌ وقيل : الخبرُ لها هو الأرضُ وأحييناها صفتُها ؛لأنَّ المرادَ بها الجنسُ لا المعيِّنة والأوَّلُ هو الأَولى ؛ لأنَّ مصبَّ الفائدةِ هو كونُ الأرضِ آيةً لهم لا كونُ الآيةِ هي الأرضُ.  وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً  : جنس الحبِّ  فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ  : تقديم الصِّلةِ للدِّلالةِ على أنَّ الحبَّ معظم ما يُؤكل ويُعاش به.

### الآية 36:34

> ﻿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ [36:34]

وَجَعَلْنَا فِيهَا جنات مّن نَّخِيلٍ وأعناب  أي : من أنواعِ النَّخلِ والعنبِ ولذلك جُمعا دون الحبِّ فإنَّ الدّالّ على الجنسِ مشعرٌ بالاختلافِ ولا كذلك الدَّالُّ على الأنواعِ. وذكرُ النَّخيلِ دُون التُّمور ليطابقَ الحبَّ والأعنابَ لاختصاص شجرها بمزيدِ النَّفعِ وآثار الصُّنعِ  وَفَجَّرْنَا فِيهَا  وقرئ بالتَّخفيفِ والفجرُ والتَّفجيرُ كالفتح والتفتيح لفظاً ومعنى  مِنَ العيون  أي : بعضاً من العُيون فحذف الموصوفُ وأقيمتِ الصِّفةُ مقامَه أو العيون ومن مزيدةٌ على رأي الأخَفْشِ.

### الآية 36:35

> ﻿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ۖ أَفَلَا يَشْكُرُونَ [36:35]

لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرَهِ  : متعلِّقٌ بجعلنا وتأخيرُه عن تفجير العُيُون ؛ لأنَّه من مبادئ الأثمارِ أي : وجعلنا فيها جنَّاتٍ من نخيلٍ ورتبنا مبادئ أثمارِها ليأكُلوا من ثمرِ ما ذُكر من الجنَّاتِ والنَّخيلِ بإجراء الضَّميرِ مجرى اسمِ الإشارةِ وقيل : الضَّميرُ لله تعالى بطريقِ الالتفاتِ إلى الغَيبةِ. والإضافةُ ؛لأنَّ الثَّمرَ يخلقُه تعالى. وقرئ بضمَّتينِ وهي لغةٌ فيه أو جمع ثمارٍ وبضمَّةٍ وسكونٍ  وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ  : عطفٌ على ثمرِه وهو ما يُتَّخذُ منه من العصير والدِّبس ونحوهما، وقيل : ما نافيةٌ والمعنى : أن التمر بخلق الله تعالى لا بفعلهم ومحلُّ الجملة النَّصبُ على الحاليةِ ويؤكد الأوَّلَ قراءةُ  عملتُ  بلا هاءٍ فإنَّ حذفَ العائدِ من الصِّلةِ أحسنُ من الحذفِ من غيرِها  أَفَلاَ يَشْكُرُونَ  : إنكارٌ واستقباحٌ لعدم شكرِهم للنِّعم المعدودةِ والفاء للعطفِ على مقدَّرٍ يقتضيهِ المقامُ أي : أيرون هذه النِّعمَ أو أيتنعمون بها فلا يشكرونَها.

### الآية 36:36

> ﻿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ [36:36]

سُبْحَانَ الذي خَلَق الأزواج كُلَّهَا  : استئنافٌ مسوقٌ لتنزيهه تعالى عمّا فعلوه من ترك شكره على آلائه المذكورة واستعظام ما ذُكر في حيِّزِ الصِّلةِ من بدائعِ آثارِ قُدرتِه وأسرارِ حكمتِه وروائعِ نعمائِه الموجبةِ للشُّكرِ وتخصيصِ العبادةِ به والتَّعجيب من إخلالِهم بذلك والحالةُ هذه. وسبحانَ علمٌ للتَّسبيحِ الذي هو التَّبعيدُ عن السُّوءِ اعتقاداً وقولاً أي : اعتقادَ البُعد عنه والحكم به من سَبَح في الأرضِ والماءِ إذا أبعد فيهما وأمعنَ، ومنه فرسٌ سبوحٌ أي : واسعُ الجري. وانتصابُه على المصدريّةِ ولا يكاد يذكر ناصبُه أي : أسبِّح سبحانَه أي : أنزهه عمَّا لا يليقُ به عقْداً وعملاً تنزيهاً خاصَّا به حقيقاً بشأنِه، وفيه مبالغةٌ من جهةِ الاشتقاقِ من السَّبحِ ومن جهة النَّقلِ إلى التَّفعيلِ ومن جهة العدولِ عن المصدرِ الدَّالِ على الجنسِ إلى الاسمِ الموضوع له خاصَّة لاسيِّما العلمُ المشيرُ إلى الحقيقةِ الحاضرةِ في الذِّهنِ ومن جهة إقامتهِ مقامَ المصدرِ مع الفعل. وقيل : هو مصدرٌ كغفرانِ أُريد به التَّنزه التَّام والتَّباعد الكُلِّيُ عن السُّوءِ، ففيه مبالغةٌ من جهةِ إسنادِ التَّنزه إلى الذَّاتِ المُقدَّسةِ، فالمعنى تنزه بذاتِه عن كلِّ ما لا يليقُ به تنزُّهاً خاصَّا به، فالجملةُ على هذا إخبارٌ من الله تعالى بتنزهِه وبراءتِه عن كلَّ ما لا يليقُ به مَّما فعلُوه وما تركُوه وعلى الأوَّلِ حكم منه عزَّ وجلَّ بذلك وتلقين للمؤمنين أنْ يفعلُوه ويعتقدُوا مضمونَه ولا يُخلُّوا به ولا يغفلُوا عنه. والمرادُ بالأزواجِ : الأصنافُ والأنواعُ  مِمَّا تُنبِتُ الأرض  : بيانٌ لها والمرادُ به : كلُّ ما ينبتُ فيها من الأشياءِ المذكورةِ وغيرها  وَمِنْ أَنفُسِهِمْ  أي : خلقَ الأزواجَ من أنفسِهم أي : الذَّكرَ والأُنثى  وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ  أي : والأزواجَ مما لم يُطلعهم الله تعالى على خُصوصيَّاتهِ لعدمِ قُدرتِهم على الإحاطةِ بها، ولمَّا لم يتعلَّق بذلك شيءٌ من مصالحِهم الدِّينيةِ والدُّنيويةِ وإنما أطلعَهم على ذلك بطريقِ الإجمالِ على منهاجِ قوله تعالى : وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ \[ سورة النحل، الآية٨ \] لمَا نيطَ به وقوفُهم على عظمِ قدرتِه وسعةِ مُلكهِ وسلطانِه.

### الآية 36:37

> ﻿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ [36:37]

وَآيَةٌ لَّهُمُ الليل  : جملة من خبرٍ مقَّدمٍ ومبتدأٍ مؤخَّرٍ كما مرَّ وقوله تعالى : نَسْلَخُ مِنْهُ النهار  جملةٌ مبيِّنة لكيفيَّةِ كونِه آيةً أي : نُزيله ونكشفُه عن مكانِه مستعارٌ من السَّلخِ وهو إزالةُ ما بين الحيوانِ وجلدِه من الاتِّصالِ. والأغلبُ في الاستعمالِ تعليقُه بالجلدِ يقال : سلختُ الإهابَ من الشَّاةِ وقد يُعكس ومنه الشَّاةُ المسلوخةُ  فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ  أي : داخلونَ في الظَّلامِ مفاجأةً وفيه رمزٌ إلى أنَّ الأصلَ هو الظَّلامُ والنُّورُ عارضٌ.

### الآية 36:38

> ﻿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [36:38]

والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرّ لَّهَا  لحدَ مُعين ينتهي إليهِ دورُها فشبه بمستقرِّ المسافرِ إذ قطع مسيرَه أو لكبد السَّماءِ فإنَّ حركتَها فيه توجد أبطأ بحيثُ يظنُّ أنَّ لها هناك وقفةً قال :\[ البسيط \]\[ معروريا رمض الرضراض يركضه  والشَّمسُ حَيْرى لها بالجوِّ تدويمُ[(١)](#foonote-١)أو لا استقرارَ لها على نهجٍ مخصوصٍ أو لمنتهى مقدَّر لكلِّ يومٍ من المشارقِ والمغاربِ فإنَّ لها في دورِها ثلاثمائة وستِّين مشرقاً ومغرباً تطلع كلَّ يومٍ من مطلعِ وتغربُ من مغربٍ ثمَّ لا تعودُ إليهما إلى العامِ القابلِ أو لمنقطعِ جريها عند خرابِ العالمِ. وقرئ إلى مستقرَ لها. وقرئ لا مستقرَّ لها أي، لا سكونَ لها فإنَّها متحرِّكةٌ دائماً وقرئ لا مستقرَّ لها على أنَّ لا بمعنى ليسَ. 
 ذلك  إشارةٌ إلى جريها وما فيهِ من معنى البُعد مع قُرب العهدِ بالمُشارِ إليه للإيذانِ بعلوِّ رُتبتهِ وبُعد منزلتِه أي ذلك الجريُ البديعُ المنطوي على الحِكَمِ الرَّائعةِ التي تحارُ في فهمها العقولُ والأفهامُ  تَقْدِيرُ العزيز  الغالبِ بقُدرته علَى كلِّ مقدورٍ  العليم  المحيطِ علمُه بكلِّ معلومٍ. 
١ وهو لذي الرمة في ديوانه (ص ٤١٨)؛ ولسان العرب (١٢/٢١٥) (دوم)، (١٤/١٥٧) (جوا)؛ (١٥/٣٢٠) (نزا)؛ وتاج العروس (١٨/٣٥٥) (ركض) (٣٦٠) (رمض)، (دوم) وأساس البلاغة (ركض)، (دوم)..

### الآية 36:39

> ﻿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [36:39]

والقمر قدرناه  بالنَّصبِ بإضمار فعلٍ يفسِّره الظَّاهرُ. وقرئ بالرَّفعِ على الابتداءِ أي قدَّرنا له  مَنَازِلَ  وقيل : قدرنا مسيرَه منازلَ وقيل : قدرنَاهُ ذا منازلَ وهي ثمانيةٌ وعشرون الشرطينِ، البَطانُ، الثُّريَّا، الدَّبرانِ، الهقعة، الهَنْعَةُ، الذِّراعُ، النَّثرةُ، الطِّرفُ، الجَبهةُ، الزَّبرةُ، الصِّرفةُ، العَوَا السِّماكُ، الغفر، الزباني، الإكليلُ، القَلبُ، الشَّولةُ، النَّعائمُ، البلدةُ، سعدُ الذَّابحُ، سعدُ بَلْع، سَعدُ السُّعود سَعدُ الأخبيةِ، فرغ الدَّلو المقدَّم، فرغ الدَّلوِ المؤخرَّ، الرَّشا، وهو بطنُ الحوتِ ينزل كلَّ ليلةٍ في واحدٍ منها لا يتخطَّاها ولا يتقاصرُ عنها فإذا كان في آخرِ منازلِه وهو الذي يكون قبيلَ الاجتماع دقَّ واستقوسَ  حتى عَادَ كالعرجون  كالشِّمراخِ المُعوجِ فعلون من الانعراجِ وهو الاعوجاجُ وقرئ كالعَرجونَ وهما لغتانِ كالبُزيَون والبِزيونِ.  القديم  العَتيقِ وقيل : وهو ما مرَّ عليه حولٌ فصاعداً

### الآية 36:40

> ﻿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [36:40]

لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَا  أي يصحُّ ويتسهَّلُ  أَن تدْرِكَ القمر  في سرعةِ السَّيرِ فإنَّ ذلكَ يخلُّ بتكون النَّباتِ وتعيُّشِ الحيوانِ أو في الآثارِ والمنافعِ أو في المكانِ بأن تنزلَ في منزلِه أو في سلطانه فتطمس نورَه. وإيلاءُ حرفِ النَّفي الشَّمسَ للدِّلالةِ على أنَّها مسخَّرةٌ لا بتيسر لها إلا ما قُدرِّ لها  وَلاَ الليل سَابِقُ النهار  أي يسبقُه فيفوتُه ولكنْ يعاقُبه وقيل : المرادُ بهما آيتاهُما النيِّرانِ وبالسبقِ سبقُ القمرِ إلى سُلطانِ الشَّمسِ فيكون عكساً للأوَّلِ، وإيراد السَّبقِ كان الإدراك لأنَّه الملائمُ لسرعةِ سيرهِ  وَكُلٌّ  أي وكلُّهم على أنَّ التَّنوينَ عوضٌ عن المضافِ إليه الذي هو الضَّميرُ العائدُ إلى الشَّمسِ والقمرِ. والجمعُ باعتبارِ التَّكاثرِ العارضِ لهما بتكاثرِ مطالعهما فإنَّ اختلافَ الأحوالِ يُوجب تَعدداً ما في الذَّاتِ أو إلى الكواكبِ فإنَّ ذكرَهما مشعرٌ بها  فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ  يسيرُون بانبساطٍ وسهولةٍ.

### الآية 36:41

> ﻿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [36:41]

وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرّيَّتَهُمْ  أولادَهم الذين يبعثُونهم إلى تجاراتِهم أو صبيانَهم ونساءَهم الذين يستصحبونهم، فإنَّ الذُّريةَ تطلقُ عليهن لاسيَّما مع الاختلاطِ، وتخصيصُهم بالذِّكرِ لما أنَّ استقرارَهم في السُّفنِ أشقُّ واستمساكهم فيها أبدعُ  فِي الفلك المشحون  أي المملوءِ وقيل : هو فُلك نوحٍ عليه السَّلامُ وحملُ ذريَّاتِهم فيها حملُ آبائِهم الأقدمين وفي أصلابِهم هؤلاء وذرياتُهم، وتخصيصُ أعقابِهم بالذَّكرِ دُونَهم لأنه أبلغَ في الامتنانِ وأدخلُ في التَّعجيبِ الذي عليه يدورُ كونُه آيةً.

### الآية 36:42

> ﻿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ [36:42]

وَخَلَقْنَا لَهُمْ مّن مّثْلِهِ  ممَّا يماثلُ الفُلكَ  مَا يَرْكَبُونَ  من الإبل فإنها سفائنُ البرِّ أو ممَّا يُماثل ذلك الفُلكَ من السُّفنِ والزَّوارقِ وجعلها مخلوقةً لله تعالى مع كونِها من مصنوعاتِ العبادِ ليس لمجرَّدِ كون صُنعِهم بأقدارِ الله تعالى وإلهامِه بل لمزيدِ اختصاصِ أصلِها بقُدرته تعالى وحكمته حسبما يُعرب عنه قولُه عزَّ وجلَّ : واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا  \[ سورة هود، الآية٣٧ \] والتَّعبيرُ عن مُلابستهم بهذه السُّفنِ بالرُّكوبِ لأنَّها باختيارهم كما أنَّ التَّعبيرَ عن مُلابسة ذُرِّيَّتهم بفُلكِ نوحٍ عليه السَّلامُ بالحَملِ لكونِها بغير شعورٍ منهم واختيارٍ.

### الآية 36:43

> ﻿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ [36:43]

وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ  الخ من تمامِ الآيةِ فإنَّهم معترفون بمضمونِه كما ينطقُ به قولُه تعالى : وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كالظلل دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين \[ سورة لقمان، الآية٣٢ \] وقرئ نُغرِّقهم بالتَّشديدِ وفي تعليق الإغراقِ بمحض المشيئةِ إشعار بأنَّه قد تكامل ما يُوجب إهلاكَهم من معاصيهم ولم يبقَ إلاَّ تعلُّقُ مشيئته تعالى به أي إنْ نشأْ نغرقهم في اليمِّ مع ما حملناهم فيه من الفُلك فحديثُ خَلْقِ الإبل حينئذٍ كلامٌ جيء به في خلالِ الآيةِ بطريق الاستطرادِ لكمالِ التَّماثلَ بين الإبلِ والفُلكِ فكأنَّها نوعٌ منه أو مع ما يركبون من السُّفنِ والزَّوارقِ  فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ  أي فلا مُغيثَ لهم يخرجهم من الغَرَق ويدفعه عنهم قبل وقوعِه وقيل : فلا استغاثةَ لهم من قولِهم أتاهم الصَّريخُ  وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ  أي ينجُّون منه بعد وقوعِه

### الآية 36:44

> ﻿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ [36:44]

وقوله تعالى : إِلاَّ رَحْمَةً مّنَّا وَمَتَاعاً  استثناء مفرَّغٌ من أعمِّ العللِ الشَّاملةِ للباعث المتقدِّمِ والغاية المتأخِّرةِ أي لا يُغاثون ولا يُنقذون لشيءٍ من الأشياءِ إلا لرحمةٍ عظيمةٍ من قبلنا داعيةٍ إلى الإغاثةِ والإنقاذِ وتمتيع بالحياة مترتِّب عليهما ويجوزُ أنْ يُرادَ بالرَّحمةِ ما يُقارن التَّمتيعَ من الرَّحمةِ الدُّنيويَّةِ فيكون كلاهما غايةً للإغاثةِ والإنقاذِ أي لنوعٍ من الرَّحمةِ وتمتع  إلى حِينٍ  أي : إلى زمانٍ قُدِّر فيه آجالُهم كما قيل\[ الوافر \]

ولم أسلمْ لكي أبقَى ولكن  سَلِمتُ من الحِمامِ إلى الحِمامِ

### الآية 36:45

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [36:45]

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا  : بيانٌ لإعراضِهم عن الآياتِ التَّنزيليةِ بعد بيانِ إعراضِهم عن الآياتِ الآفاقيةِ التي كانُوا يشاهدونَها وعدم تأمُّلِهم فيها أيْ إذَا قيل لهم بطريقِ الإنذارِ بما نزل من الآيات أو بغيره اتَّقوا  مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ  من الآفاتِ والنَّوازلِ فإنَّها محيطة بكم أو ما يصيبكم من المكاره مِن حيثُ تحتسبون ومن حيثُ لا تحتسبون أو من الوقائع النَّازلةِ على الأُمم الخالية قبلكم والعذاب المعدِّ لكم في الآخرة أو من نوازل السَّماءِ ونوائب الأرض أو من عذاب الدُّنيا وعذاب الآخرةِ أو ما تقدَّم من الذُّنوبِ وما تأخَّر.  لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ  : إمَّا حال من واوِ واتَّقوا أو غايةٌ له أي : راجين أنْ تُرحموا أو كي تُرحموا فتنجُوا من ذلك لما عرفتُم أنَّ مناط النَّجاةِ ليس إلاَّ رحمةَ الله تعالى. وجوابُ إذا محذوف ثقةً بانفهامِه من قوله تعالى : وَمَا تَأْتِيهِم منْ آيَةٍ منْ آيات رَبّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ .

### الآية 36:46

> ﻿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ [36:46]

وَمَا تَأْتِيهِم منْ آيَةٍ منْ آيات رَبّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ  : انفهاماً بيِّناً أمَّا إذا كان الإنذارُ بالآيةِ الكريمة فبعبارةِ النَّصِّ وأمَّا إذا كان بغيرها فبدلالته لأنَّهم حين أعرضوا عن آياتِ ربِّهم فلأنْ يُعرضوا عن غيرِها بطريق الأولويَّةِ كأنَّه قيل : وإذا قيل لهم اتَّقوا العذاب أعرضُوا حسبما اعتادُوه. وما نافيةٌ وصيغةُ المضارع للدِّلالة على الاستمرارِ التَّجدُّدِي ومن الأولى مزيدة لتأكيد العموم، والثَّانيةُ تبعيضية واقعة مع مجرورِها صفةً لآيةٍ. وإضافة الآيات إلى اسم الرَّبِّ المضاف إلى ضميرِهم لتفخيم شأنها المستتبع لتهويل ما اجترُءوا عليه في حقِّها، والمراد بها إمَّا الآيات التَّنزيليةُ فإتيانها نزولُها والمعنى ما يُنزَّل إليهم آيةٌ من الآيات القرآنيةِ التي من جُملتها هذه الآياتُ النَّاطقةُ بما فُصِّل من بدائع صنعِ الله تعالى وسوابغ آلائِه الموجبة للإقبال عليها والإيمانِ بها إلاَّ كانُوا عنها مُعرضين على وجه التَّكذيبِ والاستهزاء، وإمَّا ما يعمُّها وغيرها من الآيات التَّكوينيَّةِ الشَّاملةِ للمعجزات وغيرها من تعاجيبِ المصنوعاتِ التي من جُملتها الآياتُ الثَّلاثُ المعدودة آنِفاً فالمرادُ بإتيانها ما يعمُّ نزول الوحيِ وظهور تلك الأمورِ لهم. والمعنى ما يظهر لهم آيةٌ من الآيات التي من جُملتها ما ذُكر من شؤونه الشَّاهدةِ بوحدانيَّتِه تعالى وتفرُّدهِ بالألُوهَّيةِ إلاَّ كانُوا عنها مُعرضين تاركين للنظر الصَّحيحِ فيها المؤدِّي إلى الإيمان به تعالى. وإيثارُه على أنْ يُقال إلاَّ أعرضُوا عنها كما وقع مثلُه في قوله تعالى : وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ  \[ سورة القمر، الآية٢ \] للدِّلالةِ على استمرارهم على الإعراضِ حسب استمرار إتيانِ الآياتِ، وعن مُتعلِّقةٌ بمعرضين قُدِّمتْ عليه مراعاةً للفواصل. والجملةُ في حيِّزِ النَّصبِ على أنَّها حالٌ من مفعولِ تأتي أو من فاعلِه المتخصصِ بالوصف لاشتمالِها على ضمير كلَ منهُما، والاستثناءُ مفرَّغٌ من أعمِّ الأحوالِ أي ما تأتيُهم من آيةٍ من آيات ربِّهم في حالٍ من أحوالِهم إلا حالَ إعراضِهم عنها أو ما تأتيهم آيةٌ منها في حالٍ من أحوالِها إلا حالَ إعراضِهم عنها.

### الآية 36:47

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [36:47]

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رِزَقَكُمُ الله  أي أعطاكُم بطريق التَّفضلِ والإنعام من أنواع الأموالِ عبَّر عنها بذلك تحقيقاً للحقِّ وترغيباً في الإنفاق على منهاج قولِه تعالى : وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ  \[ سورة القصص، الآية٧٧ \] وتنبيهاً على عِظَمِ جنايتهم في تركِ الامتثالِ بالأمر، وكذلك من التبعيضية أي إذا قيل لهم بطريق النصيحة أنفقُوا بعض ما أعطاكم الله تعالى من فضله على المحتاجين فإنَّ ذلك ممَّا يردُّ البلأَ ويدفعُ المكاره  قَالَ الذين كَفَرُواْ  بالصَّانعِ عزَّ وجلَّ وهم زنادقةٌ كانُوا بمكَّةَ  لِلَّذِينَ آمَنُواْ  تهكُّماً بهم وبما كانُوا عليه من تعليق الأمورِ بمشيئةِ الله تعالى  أَنُطْعِمُ  حسبما تعظوننا به  مَن لوْ يَشَاء الله أَطْعَمَهُ  أي على زعمِكم. وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهُمَا : كان بمكَّةَ زنادقُة إذا أُمروا بالصَّدقةِ على المساكين قالوا لا والله أيُفقره الله ونُطعمه نحنُ. وقيل قالَه مُشركو قُريشٍ حين استطعمهم فقراءُ المؤمنين من أموالهم التي زعمُوا أنَّهم جعلُوها لله تعالى من الحارث والأنعامِ يُوهمون أنَّه تعالى لما لم يشأْ إطعامَهم وهو قادرٌ عليه فنحن أحقُّ بذلك، وما هو إلا لفرطِ جهالتِهم فإنَّ الله تعالى يُطعم عبادَه بأسبابٍ من جُملتها حثُّ الأغنياءِ على إطعامِ الفُقراء وتوفيقُهم لذلك.  إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضلال مُّبِينٍ  حيثُ تأمروننا بما يُخالف مشيئةَ الله تعالى. وقد جُوِّزَ أنْ يكونَ جواباً لهم من جهتِه تعالى أو حكايةً لجواب المُؤمنين لهم.

### الآية 36:48

> ﻿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [36:48]

وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صادقين  أي : فيما تعدوننا بهِ من قيام السَّاعةِ مخُاطبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لمَا أنَّهم أيضاً كانُوا يتلون عليهم آياتِ الوعيدِ بقيامها. ومعنى القُرْبِ في هذا إمَّا بطريق الاستهزاءِ وإمَّا باعتبارِ قُربِ العهدِ بالوعدِ.

### الآية 36:49

> ﻿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ [36:49]

مَا يَنظُرُونَ  جوابٌ من جهته تعالى أي ما ينتظرونَ  إِلاَّ صَيْحَةً واحدة  هي النَّفخةُ الأولى  تَأُخُذُهُمْ  مفاجأةً  وَهُمْ يَخِصّمُونَ  أي يتخاصمُون في متاجرِهم ومعاملاتِهم لا يخطر ببالِهم شيءٌ من مخايلها كقولِه تعالى : فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ  \[ سورة البقرة، الآية ٥٥ \] فلا يغترُّوا بعدم ظهور علائِمها ولا يزعمُوا أنَّها لا تأتيهم. وأصلُ يخصِّمون يَخْتَصِمُون فُسكِّنت التَّاءُ وأُدغمتْ في الصَّادِ ثمَّ كُسرتْ الخاء لالتقاءِ السَّاكنينِ. وقرئ بكسر الياءِ للاتباعِ، وبفتح الخاءِ على إلقاءِ حركةِ التَّاءِ عليه. وقرئ على الاختلاسِ، وبالإسكانِ على تجويزِ الجمعِ بين السَّاكنينِ إذا كان الثَّاني مُدغَماً وإنْ لم يكُن الأوَّلُ حرفَ مدَ. وقرئ يَخْصِمُون من خَصَمَه إذا جَادَله.

### الآية 36:50

> ﻿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ [36:50]

فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً  في شيءٍ من أمورِهم إنْ كانُوا فيما بين أهليهم  وَلاَ إلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ  إنْ كانُوا في خارج أبوابِهم بل تبغتهم الصَّيحةُ فيموتون حيثُما كانُوا.

### الآية 36:51

> ﻿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ [36:51]

وَنُفِخَ فِي الصور  هي النَّفخةُ الثَّانيةُ بينها وبين الأوُلى أربعون سنةً أي يُنفخ فيهِ. وصيغةُ الماضي للدلالةِ على تحقُّقِ الوقوعِ  فَإِذَا هُم منَ الأجداث  أي القبورِ جمع جَدَثٍ وقرئ بالفاءِ  إلى رَبّهِمْ  مالكِ أمرِهم على الإطلاقِ  يَنسِلُونَ  يُسرعون بطريقِ الإجبارِ دُونَ الاختيارِ لقولِه تعالى لدينا مُحضَرُون. وقرئ بضمِّ السِّينِ.

### الآية 36:52

> ﻿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ۜ ۗ هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [36:52]

قَالُواْ  أي في ابتداء بعثهم من القُبور  يا ويلنا  احضُرْ فهذا أوانُك. وقرئ يا ويلتَنَا.  مَن بَعَثَنَا مِن مرْقَدِنَا  وقرئ مَن أهبّنا من هبَّ من نومه إذا انتبه. وقرئ من هَبنا بمعنى أهبنا. وقيل : أصلُه هبَّ بنا فحُذف الجارُّ وأُوصل الفعلُ إلى الضَّميرِ، قيل فيه ترشيحٌ ورمزٌ وإشعارٌ بأنَّهم لاختلاطِ عقولِهم يظنُّون أنَّهم كانوا نياماً. وعن مجاهدٍ أنَّ للكفَّار هجعةً يجدون فيها طعمَ النَّومِ فإذا صِيح بأهل القُبور يقولون ذلك. وعن ابن عبَّاسٍ وأُبيِّ بنِ كعبٍ وقَتَادةَ رحمهم الله تعالى : أنَّ الله تعالى يرفعُ عنهم العذابَ بينَ النَّفختينِ فيرقدُون فإذا بُعثوا بالنَّفخةِ الثَّانيةِ وشاهدُوا من أهوال القيامةِ ما شاهدُوا دَعَوا بالويلِ، وقالوا ذلك. وقيل : إذا عاينُوا جهنَّم وما فيها من أنواع العذابِ يصير عذابُ القبر في جنبِها مثلَ النَّومِ فيقولون ذلك، وقرئ ( مِن بَعْثنا ) ومِن هَبّنا بمن الجارَّةِ والمصدرِ. والمرقدُ إمَّا مصدرٌ أي من رُقادِنا أو اسمُ مكانٍ أُريد به الجنسُ فينتظم مراقدَ الكلِّ  هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن وَصَدَقَ المرسلون  جملةٌ من مبتدأٍ وخبرٍ. وما موصولةٌ محذوفةٌ العائدِ أو مصدريةٌ وهو جواب من قبل الملائكةِ أو المؤمنينَ عُدل به عن سَننِ سؤالِهم تذكيراً لكُفرهم وتقريعاً لهم عليه وتنبيهاً على أنَّ الذي يهُمهم هو السُّؤالُ عن نفسِ البعثِ ماذا هو دون السُّؤال عن الباعثِ كأنَّهم قالُوا بعثكم الرحمن الذي وعدكُم ذلك في كتبِه وأرسلَ إليكم الرُّسلَ فصدقُوكم فيه وليسَ الأمرُ كما تتوهمونَه حتَّى تسألُوا عن الباعثِ وقيل : هو من كلامِ الكافرينَ حيثُ يتذكّرون ما سمعُوه من الرُّسلِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ فيجيبونَ به أنفسَهم أو بعضَهم بعضاً وقيل هذا صفةٌ لمرقدنا وما وعدَ الخ خبرُ مبتدأ محذوفٍ أو مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ أي ما وعد الرَّحمنُ وصدقَ المرسلونَ حقٌّ.

### الآية 36:53

> ﻿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ [36:53]

إِن كَانَتْ  أي ما كانَتْ النَّفخةُ التي حكيتُ آنفاً  إِلاَّ صَيْحَةً واحدة  حصلتْ من نفخ إسرافيلَ عليه السَّلامُ في الصُّور  فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ  أي مجموعٌ  لدَيْنَا مُحْضَرُونَ  من غيرِ لبثٍ ما طرفهَ عينٍ وفيه من تهوينِ أمرِ البعثِ والحشرِ والإيذانِ باستغنائِهما عن الأسبابِ ما لا يَخْفى.

### الآية 36:54

> ﻿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [36:54]

فاليوم لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ  من النُّفوسِ برةً كانتْ أو فاجرةً  شَيْئاً  من الظُّلم  وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ  أي الإجزاءُ ما كنتُم تعملونَه في الدُّنيا على الاستمرار من الكفرِ والمعاصي على حذفِ المضافِ وإقامةِ المضافِ إليه مقامَه للتَّنبيه على قُوَّةِ التَّلازمِ والارتباطِ كأنَّهما شيءٌ واحدٌ أو إلاَّ بما كنتُم تعملونَه أي بمقابلتِه أو بسببهِ. وتعميمُ الخطابِ للمؤمنين يردُّه أنَّه تعالى يُوفِّيهم أجورهم ويزيدَهم من فضلِه أضعافاً مضاعفةً وهذه حكايةٌ لما سيُقال لهم حين يرَون العذابَ المعدَّ لهم تحقيقاً للحقِّ وتقريعاً لهم.

### الآية 36:55

> ﻿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ [36:55]

وقوله تعالى  إِنَّ أصحاب الجنة اليوم فِي شُغُلٍ فاكهون  من جُملة ما سيُقال لهم يومئذٍ زيادةً لحسرتِهم وندامتِهم فإنَّ الأخبارَ بحسن حالِ أعدائِهم إثرَ بيان سُوء حالِهم مَّما يزيدُهم مساءةً على مساءةٍ. وفي هذه الحكايةِ مزجرةٍ لهؤلاءِ الكَفرةِ عمَّا هم عليه ومدعاةٌ إلى الاقتداء بسيرةِ المُؤمنين. والشُّغُل هو الشَّأنُ الذي يصدُّ المرءَ ويشغلُه عمَّا سواهُ من شؤونه لكونِه أهمَّ عنده من الكُلِّ إمَّا لإيجابهِ كمالَ المسرَّةِ والبهجةِ أو كمالِ المساءةِ والغمِّ. والمرادُ ههنا هو الأولُ وما فيه من التَّنكير والإبهامِ للإيذان بارتفاعِه عن رتبةِ البيانِ والمراد به ما هم فيه من فنون الملاذّ التي تلهيهم عمَّا عداهَا بالكلية، وإمَّا أنَّ المرادَ به افتضاضُ الأبكارِ أو السَّماءُ وضربُ الأوتار أو التّزاور أو ضيافةُ الله تعالى أو شغلُهم عمَّا فيه أهلُ النَّارِ على الإطلاقِ أو شغلُهم عن أهاليهم في النَّارِ لا يهمهم أمرُهم ولا يُبالون بهم كيلا يُدخلَ عليهم تنغيصٌ في نعيمهم كما رَوى كلُّ واحدٍ منها عن واحدٍ من أكابرِ السَّلفِ فليس مرادُهم بذلك حصرَ شغلِهم فيما ذُكرُوه فقطُ بل بيانَ أنَّه من جُملةِ اشتغالِهم. وتخصيصُ كلَ منهم كلاًّ من تلكَ الأمورِ بالذكرِ محمولٌ على إقضاءِ مقامِ البيانِ إياَّه وهو مع جارِه خبرٌ لأنَّ وفاكهون خبر آخرُ لها أي أنهم مستقرُّون في شغل وأي شغلٍ في شغل عظيمِ الشَّأنِ متنعمون بنعيمٍ مقيم فائزون بملك كبيرٍ. والتَّعبيرُ عن حالِهم هذه بالجملةِ الاسميةِ قبل تحقُّقها بتنزيل المرتقب المتوقَّعِ منزلة الواقع للإيذان بغايةِ سرعةِ تحقُّقها ووقوعِها ولزيادةِ مساءة المخاطَبين بذلك قرئ في شُغْل بسكون العينِ وفي شَغَل بفتحتين وبفتحةٍ وسكون والكلُّ لغاتٌ وقرئ فكهون للمبالغةِ وفَكُهون بضمِّ الكاف وهي لغةٌ كنطُس وفاكهينَ وفكهِين على الحالِ من المستكنِّ في الظَّرف.

### الآية 36:56

> ﻿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ [36:56]

وقوله تعالى : هُمْ وأزواجهم فِي ظلال عَلَى الأرائك مُتَّكِئُونَ  استئنافٌ مسوقٌ لبيانِ كيفيَّةِ شغلِهم وتفكّههم وتكميلهما بما يزيدهُم بهجة وسروراً من شركة أزواجِهم لهم فيما هُم فيه من الشُّغل والفكاهةِ على أنَّ هم مبتدأ وأزواجهم عطفٌ عليه ومتكئون خبر والجارَّانِ صلتانِ له قدمتا عليه لمراعاة الفواصلِ أو هو والجارانِ بما تعلّقا به من الاستقرارِ أخبارٌ مترتبة وقيل : الخبر هو الظَّرفُ الأولُ والثَّاني مستأنفٌ على أنَّه متعلق بمتكئون وهو خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ وقيل : على أنَّه خبرٌ مقَّدمٌ ومتكئون مبتدأٌ مؤخَّرٌ. وقرئ متكين بلا همزةٍ نصباً على الحالِ من المستكنَّ في الظَّرفينِ أو أحدِهما وقيل : هم تأكيدٌ للمستكنِّ في خبرانِ ومتكئون خبرٌ آخرُ لها وعلى الأرائكِ متعلَّقٌ به وكذا في ظلال أو هذا بمضمرٍ هو حالٌ من المعطوفين والظِّلالُ جمع ظلَ كشعابٍ جمع شعبٍ أو جمع ظُلَّةٍ كقِباب جمعِ قُبَّةٍ ويؤيده في ظُللٍ والأرائك جمعُ أريكةٍ وهي السَّريرُ المزين بالثيابِ والسُّتورِ قال ثعلبٌ : لا تكون أريكةٌ حتى تكونَ عليها حجلةٌ

### الآية 36:57

> ﻿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ [36:57]

وقوله تعالى : لَهُمْ فِيهَا فاكهة  الخ بيانٌ لما يتمتعون به في الجنةِ من المآكلِ والمشاربِ وما يتلذَّذون به من الملاذِّ الجسمانيةِ والرُّوحانيةِ بعد بيانِ ما لهُم فيها من مجالسِ الأنسِ ومحافلِ القدسِ تكميلاً لبيانِ كيفيةِ ما هُم فيه من الشغلِ والبهجةِ أي لهم فيها فاكهةٌ كثيرةٌ من كلِّ نوعٍ من أنواعِ الفواكِه وما في قولِه تعالى : وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ  موصولةٌ أو موصوفةٌ عبَّر بها عن مدعوَ عظيمِ الشَّأنِ معيَّنٍ أو مبهمٍ إيذاناً بأنَّه الحقيقُ بالدُّعاءِ دونَ ما عداهُم ثم صرَّح به رَوْماً لزيادةِ التَّقريرِ بالتَّحقيقِ بعد التَّشويقِ كما ستعرفه أو هي باقيةٌ على عمومها قصد بها التَّعميمِ بعد تخصيصِ بعضِ الموادِّ المعتادةِ بالذكر، وأيّاً ما كانَ فهو مبتدأ ولهم خبرُه والجملةُ معطوفةٌ على الجملةِ السَّابقةِ وعدمُ الاكتفاءِ بعطفِ ما يدَّعون على فاكهة لئلاَّ يتوهم كون ما عبارةً عن توابعِ الفاكهةِ وتتماتها والمَعْنى ولهم ما يدَّعون به لأنفسِهم من مدعوَ عظيمِ الشَّأنِ أو كل ما يدَّعُون به كائناً ما كانَ من أسبابِ البهجةِ وموجباتِ السرُّورِ، وأيّاً ما كان ففيهِ دلالةٌ على أنَّهم في أقصى غايةِ البهجةِ والغبطةِ ويدّعون يفتعلونَ من الدُّعاءِ كما أُشير إليه مثل اشتوى واجتمَل إذا شوَى وجمل لنفسهِ وقيل : بمعنى يتداعون كالارتماءِ بمعنى التَّرامي وقيل بمعنى يتمَّنون من قولِهم ادعُ على ما شئتَ بمعنى تمنَّه علي وقال الزَّجَّاجُ هو من الدُّعاءِ أي ما يدعُو به أهلُ الجنَّةِ يأتيهم فيكون الافتعالِ بمعنى الفعلِ كالاحتمالِ بمعنى الحملِ والارتحالِ بمعنى الرِّحلةِ ويعضدُه القراءةُ بالتَّخفيفِ كما ذكره الكواشيُّ.

### الآية 36:58

> ﻿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [36:58]

وقوله تعالى : سلام  على التَّقديرِ الأوَّلِ بدلٌ من ما يدَّعُون. أو خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ. وقوله تعالى  قَوْلاً  مصدرٌ مؤكِّدٌ لفعلٍ هو صفةٌ لسلامٌ وما بعده من الجارِّ متعلِّقٌ بمضمر هو صفةٌ له كأنَّه قيل ولهم سلامٌ أو ما يدَّعُون سلامٌ يُقال لهم قَولاً كائناً  مِنْ  جهةِ  ربّ رحِيمٍ  أي يُسلَّم عليهم من جهتِه تعالى بواسطة المَلَكِ أو بدونِها مبالغةً في تعظيمهم. قال ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما : والملائكةُ يدخلُون عليهم بالتَّحيةِ من ربِّ العالمين. وأمَّا على التَّقديرِ الثَّاني فقد قيل إنَّه خبرٌ لمَا يدَّعُون ولهم لبيان الجهةِ كما يُقال لزيدٍ الشَّرفُ متوفِّرٌ. على أنَّ الشَّرفَ مبتدأٌ ومتوفِّرٌ خبرُه والجارُّ والمجرورُ لبيانِ مَن له ذلك أي ما يدَّعُون سالمٌ لهم خالصٌ لا شوبَ فيه. وقولاً حينئذٍ مصدرٌ مؤكَّدٌ لمضمون الجملةِ أي عدةٌ من ربَ رحيمٍ. والأوجَهُ أنْ ينتصبَ على الاختصاصِ. وقيل هو مبتدأٌ محذوفُ الخبرِ، أي لهم سلامٌ أي تسليمٌ قولاً من ربَ رحيمٍ. أو سلامةٌ من الآفاتِ فيكون قولاً مصدراً مؤكداً لمضمونِ الجملة كما سبقَ وقيل : تقديرُه سلامٌ عليهم فيكون حكايةً لما سيقالُ لهم من جهتِه تعالى يومئذٍ وقيل : خبرُه الفعلُ المقدَّر ناصباً لقولاً وقيل : خبرُه من ربَ رحيمٍ. وقرئ سلاماً بالنَّصبِ على الحاليَّةِ أي لهم مرادُهم سالماً خالِصاً. وقرئ سلمٌ وهو بمعنى السَّلامِ في المعنيينِ.

### الآية 36:59

> ﻿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [36:59]

وامتازوا اليوم  عطفٌ إمَّا على الجملة السَّابقةِ المسوقة لبيان أحوالِ أهل الجنَّةِ لا على أنَّ المقصودَ عطف فعل الأمر بخصُوصهِ حتىَّ يتحَّملَ له مشاكل يصحُّ عطفه عليه، بل على أنَّه عطفُ قصَّةِ سوء حال هؤلاءِ وكيفيَّة عقابِهم على قصَّةِ حُسن حال أولئك ووصف ثوابِهم كما مرَّ في قوله تعالى : وَبَشّرِ الذين آمَنُواْ  \[ سورة البقرة، الآية٢٥ \] الآيةَ وكأنَّ تغيير السَّبكِ لتخييل كمالِ التَّباينِ بين الفريقينِ وحاليهما. وإمَّا على مضمرٍ تنساق إليه حكايةُ حال أهل الجنَّةِ كأنَّه قيل : إثرَ بيان كونِهم في شغل عظيمِ الشَّأنِ وفوزهم بنعيم مقيمٍ يقصرُ عنه البيانُ فليقرُّوا بذلك عيناً وامتازُوا عنهم  أَيُّهَا المجرمون  إلى مصيرِكم. وعن قَتادةَ : اعتزلُوا عن كلِّ خبر. وعن الضَّحَّاكِ : لكلِّ كافر بيتٌ من النَّارِ يكون فيه لا يَرى ولا يُرى. وأمَّا ما قيل : من أنَّ المضمرَ فليمتازوا فبمعزلٍ من السَّدادِ لما أنَّ المحكيَّ عنهم ليس مصيرهم إلى ما ذُكر من الحال المرضيةِ حتَّى يتسنَّى ترتيب الأمر المذكور عليه بل إنَّما هو استقرارُهم عليها بالفعل، وكونُ ذلك بطريق تنزيل المترقَّبِ منزلةَ الواقع لا يُجدي نفعاً لأنَّ مناطَ الإضمار إنسياقُ الأفهام إليه وانصبابُ نظم الكلامِ عليه، فبعدما نزلت تلك الحالة منزلَة الواقع بالفعل لما اقتضاه المقامُ من النُّكتةِ البارعة بالحكمة الرَّائعةِ حسبما مرَّ بيانه وأسقط كونها مترَّقبةً عن درجة الاعتبار بالكُلِّيةِ يكون التَّصدِّي لإضمار شيء يتعلَّقُ به إخراجاً للنَّظمَ الكريم عن الجَزالة بالمرَّةِ.

### الآية 36:60

> ﻿۞ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [36:60]

أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بني آدَم أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان  من جُملة ما يُقال لهم بطريق التَّقريعِ والإلزام والتَّبكيتِ بين الأمر بالامتياز وبين الأمر بدخول جهنَّمَ بقوله تعالى : اصلوها اليوم  \[ سورة يس، الآية٦٤ \] الخ والعهد هو الوصَّيةُ والتَّقدُّمُ بأمر فيه خير ومنفعة والمراد ههنا ما كلَّفهم الله تعالى على ألسنةِ الرُّسلِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ من الأوامرِ والنَّواهي التي من جُملتِها قوله تعالى : يا بني آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم منَ الجنة  \[ سورة الأعراف، الآية٢٧ \] الآيةَ وقوله تعالى : وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مبِينٌ  \[ سورة البقرة، الآية١٦٨ و٢٠٨. وسورة الأنعام، الآية١٤٢ \] وغيرهما من الآياتِ الكريمةِ الواردة في هَذا المعنى، وقيل : هو الميثاقُ المأخوذُ عليهم حين أُخرجوا من ظهور بني آدمَ وأُشهدوا على أنفسهم وقيل : هو ما نُصب لهم من الحُجج العقليَّةِ والسمعيَّةِ الآمرةِ بعبادته تعالى الزَّاجرةِ عن عبادة غيرِه. والمرادُ بعبادة الشَّيطانِ طاعتُه فيما يُوسوس به إليهم ويزيِّنه لهم، عبرَّ عنها بالعبادة لزيادة التَّحذيرِ والتَّنفيرِ عنها ولوقوعها في مقابلة عبادته عزَّ وجلَّ. وقرئ إِعهد بكسرِ الهمزة، وأعهِد بكسر الهاء، وأحهد بالحاءِ مكان العين، وأحد بالإدغامِ وهي لغةُ بني تميمٍ  إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ  أي ظاهرُ العداوةِ وهو تعليل لوجوب الانتهاء عن المنهيِّ عنه وقيل تعليل للنَّهيِ.

### الآية 36:61

> ﻿وَأَنِ اعْبُدُونِي ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [36:61]

وَأَنِ اعبدوني  عطف على أنْ لا تعبدُوا على أنَّ أنْ فيهما مفسِّرةٌ للعهد الذي فيه معنى القول بالنهي والأمر، أو مصدرَّيةٌ حُذف عنها الجارُّ أي ألم أعهد إليكم في ترك عبادةِ الشَّيطانِ وفي عبادتي. وتقديم النَّهي على الأمر لما أنَّ حقَّ التَّخليةِ كما في كلمة التَّوحيدِ وليتصل به قوله تعالى  هذا صراط مسْتَقِيمٌ  فإنَّه إشارة إلى عبادته تعالى التي هي عبارةٌ عن التَّوحيدِ والإسلام، وهو المشار إليه بقوله تعالى : هَذَا صراط عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ  \[ سورة الحجر، الآية٤١ \] والمقصود بقوله تعالى : لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم  \[ سورة الأعراف، الآية١٦ \] والتَّنكيرُ للتَّفخيمِ،

### الآية 36:62

> ﻿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا ۖ أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ [36:62]

واللام في قوله تعالى  وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً  جواب قسم محذوف والجملة استئناف مَسوق لتشديد التَّوبيخِ وتأكيد التَّقريعِ ببيان أن جناياتِهم ليستْ بنقض العهدِ فقط بل به وبعدم الاتِّعاظِ بما شاهدوا من العقوبات النَّازلةِ على الأُمم الخاليةِ بسبب طاعتهم للشَّيطانِ، فالخطابُ لمتأخِّريهم الذين من جُملتهم كُفَّارُ مكَّةَ خُصُّواً بزيادة التَّوبيخِ والتَّقريعِ لتضاعف جناياتهمِ والجِبِلُّ بكسرِ الجيم والباءِ وتشديدِ اللاَّم الخَلْقُ. وقرئ بضمَّتينِ وتشديدٍ، وبضمَّتينِ وتخفيفٍ، وبضمَّةٍ وسكونٍ، وبكسرتينِ وتخفيفٍ، وبكسرةٍ وسكونٍ. والكلُّ لغاتٌ. وقرئ جِبَلاً جمعُ جِبْلةٍ كفِطَرٍ وخِلَقٍ في جمعِ فِطْرةٍ وخِلْقةٍ. وقرئ جِيْلاً بالياء وهو الصِّنفُ من النَّاسِ أي وبالله لقد أضلَّ منكم خَلْقاً كثيراً أو صِنفاً كثيراً عن ذلك الصِّراطِ المستقيم الذي أمرتُكم بالثَّباتِ عليه فأصابهم لأجلِ ذلك ما أصابَهم من العُقوبات الهائلةِ التي ملأ الآفاقَ أخبارُها وبقي مدى الدَّهرِ آثارُها. والفاءُ في قوله تعالى : أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ  للعطفِ على مقدَّرٍ يقتضيهِ المقامُ أي أكنتُم تشاهدونَ آثارَ عقوباتِهم فلم تكونوا تعقلون أنَّها لضُلاَّلهِم أو فلم تكونُوا تعقلون شيئاً أصلاً حتَّى ترتدعُوا عمَّا كانُوا عليه كيلا يحيقَ بكم العقابُ.

### الآية 36:63

> ﻿هَٰذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [36:63]

وقوله تعالى : هذه جَهَنَّمُ التي كُنتُمْ تُوعَدُونَ  استئنافٌ يخاطَبون به بعد تمامِ التَّوبيخِ والتَّقريعِ والإلزامِ والتَّبكيتِ عند إشرافهم على شفير جهنَّمَ أي كنتم تُوعدونها على ألسنةِ الرُّسلِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ بمقابلة عبادة الشَّيطانِ مثل قولِه تعالى : لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ منهم أَجْمَعِينَ \[ سورة ص، الآية٨٥ \] وقوله تعالى : اذهب فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاء موفُورًا  \[ سورة الإسراء، الآية٦٣ \] وقولِه تعالى : قَالَ اخرج مِنْهَا مَذْؤمًا مدْحُورًا لمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأمْلانَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ  \[ سورة الأعراف، الآية١٨ \] وغيرِ ذلك مَّما لا يُحصى.

### الآية 36:64

> ﻿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [36:64]

وقوله تعالى : اصلوها اليوم بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ  أمر تنكيل وإهانة كقولِه تعالى : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز  \[ سورة الدخان، الآية٤٩ \] الخ أي ادخلُوها من فوق وقاسُوا فنون عذابِها اليومَ بكفرِكم المستمرِّ في الدُّنيا.

### الآية 36:65

> ﻿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [36:65]

وقوله تعالى  اليوم نَخْتِمُ على أفواههم  أي ختماً يمنعُها عن الكلامِ. التفاتٌ إلى الغَيبةِ للإيذانِ بأنَّ ذكر أحوالِهم القبيحةِ استدعى أنْ يُعرض عنهم ويَحكي أحوالَهم الفظيعة لغيرهم مع ما فيه من الإيماءِ إلى أنَّ ذلك من مقتضيات الختم لأنَّ الخطاب لتلقِّي الجواب، وقد انقطع بالكُلَّيةِ، وقرئ تَختم.  وَتُكَلّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ  يُروى أنَّهم يجحدون ويُخاصمون فيشهد عليهم جيرانُهم وأهاليهم وعشائرُهم فيحلفون ما كانُوا مشركين فحينئذٍ يُختم على أفواهِهم وتكلم أيديهم وأرجلُهم. وفي الحديث :( يقول العبدُ يوم القيامة إنِّي لا أجيزُ عليَّ شاهداً إلا من نفسي فيُختم على فيهِ ويقال لأركانِه انطقي فتنطقُ بأعماله ثم يُخلَّى بينه وبين الكلام فيقول بُعداً لكنَّ وسُحقاً فعنكنَّ كنتُ أناضلُ[(١)](#foonote-١) ) وقيل : تكليمُ الأركانِ وشهادتُها على أفعالها وظهورُ آثارِ المعاصي عليها. وقرئ وتتكلَّمُ أيديهم وقرئ ولتكلَّمَنا أيديهم وتشهد بلام كَيْ والنَّصبِ على معنى ولذلك نختِم على أفواهِهم وقرئ ولتكلِّمْنا أيديهم لتشهدْ بلام الأمرِ والجزمِ

١ أخرجه مسلم في كتاب الزهد، حديث رقم (١٧)..

### الآية 36:66

> ﻿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ [36:66]

وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ  الطَّمسُ تعفيةُ شقِّ العينِ حتَّى تعودَ ممسوحةً. ومفعول المشيئة محذوفٌ على القاعدة المستمرَّةِ التي هي وقوعها شرطاً وكون مفعولها مضمون الجزاء أي لو نشاء أنْ نطمسَ على أعينهم لفعلناه. وإيثارُ صيغة الاستقبال وإن كان المعنى على المُضيِّ لإفادة أنَّ عدمَ الطَّمس على أعينهم لاستمرار عدمِ المشيئة، فإنَّ المضارعَ المنفيَّ الواقع موقع الماضي ليس بنصَ في إفادة انتفاء استمرارِ انتقائه بحسب المقام كما مرَّ في قوله تعالى : وَلَوْ يُعَجّلُ الله لِلنَّاسِ الشر استعجالهم بالخير  \[ سورة يونس، الآية١١ \]  فاستبقوا الصراط  أي فأرادوا أنْ يستبقُوا إلى الطَّريقِ الذي اعتادُوا سلوكَه. على أنَّ انتصابه بنزع الجارِّ أو هو بتضمين الاستباقِ معنى الابتدارِ أو بالظَّرفيةِ  فأنى يُبْصِرُونَ  الطَّريقَ وجهة السلوك.

### الآية 36:67

> ﻿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ [36:67]

وَلَوْ نَشَاء لمسخناهم  بتغيير صُورِهم وإبطال قواهم  على مكانتهم  أي مكانِهم إلاَّ أن المكانة أخصُّ كالمَقامةِ والمَقامِ. وقرئ على مكانتهم أي لمسخناهم مسخاً يُجمِّدهم مكانَهم لا يقدرون أنْ يبرحُوه بإقبالٍ ولا إدبارٍ ولا رجوعٍ وذلك قوله تعالى  فَمَا استطاعوا مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ  أي ولا رجوعاً فوُضعَ موضعَه الفعلُ لمراعاةِ الفاصلةِ عن ابن عبَّاسَ رضي الله عنهما قردةً وخنازيرَ، وقيل : حجارةً وعن قَتادةَ لأقعدناهم على أرجلِهم وأزمنَّاهم[(١)](#foonote-١). وقرئ مِضيّا بكسر الميمِ وفتحها. وليسَ مساقُ الشَّرطيتينِ لمجرد بيان قدرته تعالى على ما ذُكر من عقوبة الطَّمسِ والمسخ بل لبيان أنَّهم بما هم عليه من الكُفر ونقص العهد وعدم الاتِّعاظِ بما شاهدُوا من آثارِ دمارِ أمثالِهم أحقَّاءُ بأنْ يُفعلَ بهم في الدُّنيا تلك العقوبة كما فُعل بهم في الآخرةِ عقوبةُ الختمِ وأنَّ المانع من ذلك ليس إلاَّ عدمُ تعلُّقَ المشيئة الإلهيَّةِ كأنَّه قيل : لو نشاء عقوبتَهم بما ذُكر من الطَّمسِ والمسخ جرياً على موجب جناياتهم المستدعيةِ لها لفعلناها ولكنَّا لم نشأها جرياً على سَننِ الرَّحمةِ والحكمة الدَّاعيتينِ إلى إمهالهم
١ أزمناهم: جعلناهم زمني أي في مرض فرض..

### الآية 36:68

> ﻿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ ۖ أَفَلَا يَعْقِلُونَ [36:68]

وَمَن نعَمّرْهُ  أي نُطل عمره  نُنَكّسْهُ فِي الخلق  أي نقلبْه فيه ونخلقْه على عكسِ ما خلقناه أوَّلاً، فلا يزال يتزايدُ ضعفُه وتتناقصُ قوَّتُه وتُنتقص بنيتُه ويتغير شكلُه وصورتُه حتَّى يعودَ إلى حالةٍ شبيهةٍ بحال الصبيِّ في ضعف الجسدِ وقلَّةِ العقلِ والخلوِّ عن الفهمِ والإدراكِ. وقرئ نَنكُسْه من الثُّلاثيِّ المجرَّدِ ونُنْكِسه من الإنكاسِ.  أَفَلاَ يَعْقِلُونَ  أي أيرَون ذلك فلا يعقلون أنَّ مَن قَدَر على ذلك يقدِرُ على ما ذُكر من الطَّمسِ والمسخِ وأنَّ عدم إيقاعِهما لعدم تعلُّقِ مشيئته تعالى بهما. وقرئ تعقلون بالتَّاءِ لجري الخطابِ قبلَه.

### الآية 36:69

> ﻿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ [36:69]

وَمَا علمناه الشعر  ردٌّ وإبطالٌ لما كانُوا يقولونَه في حقِّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ من أنَّه شاعرٌ وما يقولُه شعرٌ أي ما علَّمناه الشِّعرُ بتعليمِ القُرآن على أنَّ القُرآنَ ليسَ بشعرٍ فإنَّ الشِّعرَ كلامٌ متكلَّفٌ موضوعٌ ومقالٌ مزخرَفٌ مصنوعٌ منسوجٌ على منوالِ الوزن والقافيةَ مبنيٌّ على خيالاتٍ وأوهامٍ واهيةٍ فأين ذلك من التَّنزيلِ الجليلِ الخطِرِ المنزَّهِ عن مماثلةِ كلامِ البشر المشحون بفُنونِ الحِكَمِ والأحكامِ الباهرةِ الموصِّلةِ إلى سعادةِ الدُّنيا والآخرةِ، ومن أين اشتَبه عليهم الشؤون واختلطَ بهم الظُّنون قاتلهم الله أنَّى يُؤفكون  وَمَا يَنبَغِي لَهُ  وما يصحُّ له الشِّعرُ ولا يتأتَّى له لو طلبه أي جعلناه بحيث لو أراد قرضَ الشِّعِر لم يتأتَّ له كما جعلناه أميَّاً لا يهتدي للخطِّ لتكون الحجَّةُ أثبتَ والشُّبهةُ أدحضَ. وأما قولُه عليه الصَّلاة والسَّلام :\[ الرجز \]
 " أنا النبيُّ لا كذب \*\*\*أنا ابنُ عبد المطَّلب[(١)](#foonote-١)
وقولُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ :\[ الرجز \]" هل أنتِ إلا أصبعٌ دميتِ  وفي سبيل الله ما لقيتِ "فمنْ قبيلِ الاتفِّاقاتِ الواردةِ من غير قصدٍ إليها وعزمٍ على ترتيبها. وقيل : الضَّميرُ في له للقُرآنِ أي وما ينبغي للقُرآنِ أنْ يكونَ شِعراً  إِنْ هُوَ  أي ما القُرآن  إِلاَّ ذِكْرٌ  أي عظةٌ من الله عزَّ وجلَّ وإرشادٌ للثَّقلين كما قال تعالى : إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ للعالمين  \[ سورة التكوير، الآية٢٧ \]  وَقُرْآنٌ مُّبِين  أي كتابٌ سماويٌّ بيِّنٌ كونه كذلك أو فارقٌ بين الحقِّ والباطلِ يُقرأ في المحاريبِ ويُتلى في المعابدِ ويُنال بتلاوتِه والعملِ بما فيه فوزُ الدَّارينِ فكم بينَهُ وبينَ ما قالُوا. 
١ أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب (٥٢، ٦١، ٩٧، ١٦٧) وكتاب المغازي باب (٥٤) وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد حديث (٧٨، ٨٠) والترمذي في كتاب الجهاد باب (١٥) كما أخرجه أحمد في المسند (٤/٢٨٠، ٢٨١، ٢٨٩، ٣٠٤)..

### الآية 36:70

> ﻿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ [36:70]

لّيُنذِرَ  أي القُرآنُ أو الرَّسولُ عليه الصلاة والسلام ويُؤيِّده القراءةُ بالتَّاءِ، وقرئ لينذر من نذر به أي علمه، وليُنذرَ مبنيَّا للمفعولِ من الإنذارِ.  مَن كَانَ حَيّاً  أي عاقِلاً متأمِّلاً، فإنَّ الغافلَ بمنزلةِ الميِّتِ، أو مؤمناً في علمِ الله تعالى فإن الحياةَ الأبديَّةَ بالإيمانِ، وتخصيصُ الإنذار به لأنَّه المنتفعُ به  وَيَحِقَّ القول  أي تجبُ كلمةُ العذابِ  عَلَى الكافرين  المصرِّين على الكفرِ، وفي إيرادِهم بمقابلةِ مَن كان حيّاً إشعارٌ بأنَّهم لخلوِّهم عن آثارِ الحياةِ وأحكامِها التي هي المعرفةُ أمواتٌ في الحقيقةِ.

### الآية 36:71

> ﻿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ [36:71]

أَوَلَمْ يَرَوْاْ  الهمزةُ للإنكار والتَّعجيبِ. والواو للعطفِ على جملةٍ منفيِّةٍ مقدَّرةٍ مستتبعةٍ للمعطوفِ أي ألم يتفكرَّوا أو ألم يلاحظُوا ولم يعلمُوا علماً يقينيّاً مُتاخِماً للمُعاينةِ.  أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم  أي لأجلِهم وانتفاعِهم  مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا  أي ممَّا تولينا إحداثَه بالذَّاتِ. وذكرُ الأيدي وإسنادُ العمل إليها إستعارةٌ تفيد مبالغة في الاختصاص والتَّفردِ بالأحداث والاعتناء به.  أنعاما  مفعولُ خلقنَا. وتأخيره عن الجارَّينِ المتعلِّقين به مع أنَّ حقَّه التَّقدمُ عليهما لما مرَّ مراراً من الاعتناء بالمقدَّمِ والتَّشويقِ إلى المؤخَّرِ فإنَّ ما حقُّه التَّقدِيمُ إذا أُخِّر تبقى النَّفسُ مترقبةَ له فيتمكن عند ورودِه عليها فضلُ تمكُّنٍ لاسيَّما عند كونِ المقدَّمِ منبئاً عن كونِ المؤخَّر أمراً نافعاً خطيراً كما في النَّظمِ الكريم فإنَّ الجارَّ الأول المُعربَ عن كون المؤخَّرِ من منافعهم، والثَّاني المفصح عن كونه من الأمورِ الخطيرةِ يزيدان النَّفسَ شوقاً إليه ورغبةً فيه ولأنَّ في تأخيره جمعاً بينه وبين أحكامِه المتفرِّعةِ عليه بقوله تعالى  فَهُمْ لَهَا مالكون  الآياتِ الثلاثَ أي مَلّكناها إيَّاهمُ. وإيثارُ الجملة الاسميَّةِ على ذلك للدِّلالةِ على استقرارِ مالكِّيتِهم لها واستمرارِها. والَّلامُ متعلِّقةٌ بمالكون مقوَّيةٌ لعمله أي فهُم مالِكون لها بتمليكِنا إيصِّاهم لهم متصرِّفون فيها بالاستقلالِ مختصُّون بالانتفاع بها لا يُزاحمهم في ذلك غيرُهم أو قادرون على ضبطها متمكِّنون من التَّصرُّفِ فيها بأقدارِنا وتمكيننا وتسخيرِنا إيَّاها لهم كما في قولِ مَن قال :\[ المنسرح \]أصبحتُ لا أحملُ السِّلاحَ ولا  أملكُ رأسَ البعيرِ إنْ نَقَرا[(١)](#foonote-١)١ وهو للربيع بن ضبع في أمالي المرتضى (١/٢٥٥)؛ وحماسة البحتري (ص ٢٠١) وخزانة الأدب (٧ /٢٨٤)؛ ولسان العرب (١٣/٢٥٩) (ضمن) والمقاصد النحوية (٣/٣٩٨)؛ وبلا نسبة في الرد على النحاة (ص ١١٤) وشرح المفصل (٧/١٠٥)..

### الآية 36:72

> ﻿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ [36:72]

والأَوَّلُ هو الأظهرُ ليكون قوله تعالى  وذللناها لَهُمْ  تأسيساً لنعمةٍ على حيالِها لا تتمَّةً لما قبلها أي صيَّرناها منقادةً لهم بحيثُ لا تستعصِي عليهم في شيءٍ مَّما يُريدون بها حتَّى الذَّبح حسبما ينطقُ به قوله تعالى  فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ  الخ فإنَّ الفاء فيه لتفريع أحكام التَّذليلِ عليه وتفصيلها أي فبعضٌ منها ركوبُهم أي مركوبُهم أي معظم منافعها الرُّكوبُ، وعدم التَّعرضِ للحمل لكونِه من تتمَّاتِ الرُّكوبِ. وقرئ ركوبتُهم وهي بمعناه كالحَلوبِ والحَلوبةِ وقيل : الرَّكوبةُ اسم جمع. وقرئ رُكوبُهم أي ذُو رُكوبِهم  وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ  أي وبعضٌ منها يأكلون لحمه.

### الآية 36:73

> ﻿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ ۖ أَفَلَا يَشْكُرُونَ [36:73]

وَلَهُمْ فِيهَا  أي في الأنعامِ بكِلا قسميها  منافع  أُخرُ غيرُ الرُّكوبِ والأكلِ كالجلودِ والأصوافِ والأوبارِ وغيرِها وكالحِراثةِ بالثِّيران  ومشارب  من اللَّبنِ جمع مَشربٍ وهذا مجمل ما فُصِّل في سورة النَّحلِ  أَفَلاَ يَشْكُرُونَ  أي أيُشاهدون هذه النِّعمَ أو أيتنعَّمون بها فلا يشكرونَ المنعمَ بها.

### الآية 36:74

> ﻿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ [36:74]

واتخذوا مِن دُونِ الله  أي متجاوزينَ الله تعالى الذي شاهدُوا تفرُّدَه بتلك القدرةِ الباهرةِ وتفضُّله عليهم بهاتيك النِّعمِ المتظاهرةِ  آلِهَةً  من الأصنام وأشركوهَا به تعالى في العبادة  لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ  رجاءَ أنْ يُنصروا من جهتِهم فيما حزبَهم من الأمورِ أو يشفعُوا لهم في الآخرةِ

### الآية 36:75

> ﻿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ [36:75]

وقوله تعالى : لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ  الخ استئنافٌ سيق لبيانُ بُطلانِ رأيهم وخيبةِ رجائِهم وانعكاسِ تدبيرِهم أي لا تقدرُ آلهتُهم على نصرِهم  وَهُمْ  أي المشركون  لَهُمْ  أي لآلِهتهم  جُندٌ مٌّحْضَرُونَ  يشيِّعونهم عند مساقِهم إلى النَّارِ، وقيل : مُعَدُّون في الدُّنيا لحفظِهم وخدمتِهم والذبِّ عنهم، ولا يساعده مساقُ النَّظمِ الكريم

### الآية 36:76

> ﻿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ [36:76]

فإنَّ الفاء في قوله تعالى  فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ  لترتيب النَّهيِ على ما قبله فلابُدَّ أنْ يكونَ عبارةً عن خسرانِهم وحرمانِهم عمَّا علَّقوا به أطماعَهم الفارغةَ وانعكاسُ الأمرِ عليهم بترتب الشَّرِّ على ما رتَّبوه لرجاءِ الخبر فإن ذلك مما يُهوِّن الخطبَ ويورث السَّلوةَ، وأما كونُهم معدِّين لخدمتِهم وحفظِهم فبمعزلٍ من ذلكَ والنَّهيُ وإنْ كان بحسبِ الظَّاهرِ متوجِّهاً إلى قولهم لكنه في الحقيقة متوجّهٌ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ونهيٌ له عليه السَّلامُ عن التَّأثرِ منه بطريقِ الكنايةِ على أبلغِ وجهٍ وآكدِه فإن النَّهيَ عن أسبابِ الشَّيءِ ومبادئهِ المؤدَّيةِ إليه نهيٌ عنه بالطَّريقِ البُرهانِّي وإبطالٍ للسَّببيةِ وقد يُوجَّه النَّهيُ إلى المسبَّبِ ويراد النَّهيُ عن السَّببِ كما في قولِه لا أرينك هَهُنا يريد به نهيَ مخاطبه عن الحضورِ لديهِ والمرادُ بقولِهم ما ينبئ عنه ما ذُكر من اتِّخاذهم الأصنامَ آلهةً فإنَّ ذلكَ مما لا يخلُو عن التَّفوه بقولِهم هؤلاءِ آلهتُنا وأنهم شركاءُ لله سبحانه في المعبوديةِ وغير ذلك مَّما يُورث الحزنَ. وقرئ يُحزِنك بضمِّ الياء وكسرِ الزَّايِ من أحزنَ المنقولِ من حزنَ اللازمِ وقوله تعالى :
 إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ  تعليلٌ صريحٌ للنَّهي بطريقِ الاستئنافِ بعد تعليلهِ بطريقِ الإشعارِ فإنَّ العلمَ بما ذُكر مستلزمٌ للمجازاةِ قطعاً أي إنَّا نجازيهم بجميعِ جناياتهم الخافيةِ والباديةِ التي لا يعزُبُ عن علمنا شيءٌ منها وفيه فضلُ تسليةٍ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم وتقديمِ السرِّ على العَلَنِ إمَّا للمبالغةِ في بيان شمولِ علمهِ تعالى لجميعِ المعلوماتِ كأنَّ علمه تعالى بما يسرُّونه أقدمُ منه بما يعلنونَه مع استوائِهما في الحقيقةِ فإنَّ علمَه تعالى بمعلوماتهِ ليس بطريقِ حصولِ صورها بل وجود كلِّ شيءٍ في نفسِه علم بالنِّسبةِ إليه تعالى، وفي هذا المعنى لا يختلفُ الحالُ بين الأشياءِ البارزةِ والكامنةِ وإما لأن مرتبةَ السرِّ متقدمةٌ على مرتبة العَلَنِ إذ ما من شيءٍ يعلن إلا وهو أو مباديه مضمرٌ في القلبِ قبل ذلك فتعلق علمه تعالى بحالته الأولى متقدِّم على تعلقهِ بحالتهِ الثَّانية حقيقة.

### الآية 36:77

> ﻿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [36:77]

أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خلقناه مِن نُّطْفَةٍ  كلام مستأنفٌ مسوق لبيان بطلانِ إنكارِهم البعثِ بعدما شاهدوا في أنفسِهم أوضحَ دلائلهِ وأعدلَ شواهده كما أن ما سبق مسوق لبيان بطلانِ إشراكهم بالله تعالى بعدما عاينُوا فيما بأيديهم ما يوجب التَّوحيدَ والإسلامَ وأما ما قيلَ من أنَّه تسليةٌ ثانيةٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم بتهوينِ ما يقولونَهُ بالنِّسبةِ إلى إنكارِهم الحشرَ فكَلاَّ والهمزةُ للإنكارِ والتَّعجيبِ والواوُ للعطفِ على جملةٍ مقدَّرةٍ هي مستتبعة للمعطوفِ كما مرَّ في الجملة الإنكارية السابقةِ أي ألم يتفكر الإنسانُ ولم يعلم علماً يقينياً أنا خلقناهُ من نطفةٍ الخ أو هي عين الجملة السابقةِ أعيدتْ تأكيداً للنكيرِ السَّابقِ وتمهيداً لإنكارِ ما هو أحقُّ منه بالإنكارِ والتَّعجيبِ لما أنَّ المنكرَ هناك عدمُ علمهِم بما يتعلَّقُ بخلقِ أسبابِ معايشهم وهاهنا عدمُ علمهم بما يتعلَّق بخلقِ أنفسهم. ولا ريبَ في أن علمَ الإنسانِ بأحوالِ نفسهِ أهمُّ وإحاطته بها أسهلُ وأكملُ، فالإنكارُ والتَّعجيبُ من الإخلالِ بذلك أدخلُ كأنَّه قيل ألم يعلمُوا خلقَه تعالى لأسبابِ معايشهم ولم يعلمُوا خلقَه تعالى لأنفسِهم أيضاً مع كونِ العلمِ بذلك في غايةِ الظُّهور ونهايةِ الأهميةِ على معنى أنَّ المنكر الأول بعيدٌ قبيحٌ والثاني أبعدُ وأقبحُ ويجوزُ أنْ تكونَ الواوُ لعطفِ الجملةِ الإنكاريَّةِ الثَّانيةِ على الأُولى على أنَّها متقدِّمة في الاعتبارِ وأنَّ تقدمَ الهمزةِ عليها لاقتضائها الصَّدارة في الكلامِ كما هو رأيُ الجمهورِ وإيرادُ الإنسانِ موردَ الضَّميرِ لأنَّ مدارَ الإنكارِ متعلِّقٌ بأحوالهِ من حيثُ هو إنسانٌ كما في قوله تعالى : أَوَلاَ يَذْكُرُ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً  \[ سورة مريم، الآية٦٧ \] وقولُه تعالى : فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مبِينٌ  أي شديدُ الخُصومةِ والجدالِ بالباطلِ. عطفٌ على الجملةِ المنفيَّةِ داخلٌ في حيِّزِ الإنكارِ والتَّعجيبِ كأنَّه قيل أولم يَرَ أنَّا خلقناهُ من أخسِّ الأشياءِ وأمهنِها ففاجأ خصومتنا في أمرٍ يشهدُ بصحَّتهِ وتحقُّقهِ مبدأُ فطرته شهادةً بيِّنةً. وإيرادُ الجملةِ الاسميَّةِ للدِّلالةِ على استقرارِه في الخُصومةِ واستمرارِه عليها. رُوي أنَّ جماعةً من كفَّارِ قُريشٍ منهم أُبيُّ بن خَلَفٍ الجُمحيُّ وأبُو جهلٍ والعاصِ بنُ وائلٍ والوليدُ بنُ المغيرة تكلَّموا في ذلكَ فقال لهم أبيُّ بنُ خلفٍ : ألا ترون إلى ما يقولُ محمدٌ :**«إنَّ اللَّهَ يبعثُ الأمواتَ »** ثم قال : واللاَّتِ والعُزَّى لأَصيرنَّ إليه ولأخصِمنَّه وأخذ عظماً بالياً فجعل يفتُّه بيدِه ويقولُ : يا محمَّدُ أترى الله يُحيي هذا بعدما رُمَّ قال صلى الله عليه وسلم :**«نعم ويبعثُك ويُدخلكَ جهنَّم »** فنزلتْ. وقيل معنى قوله تعالى : فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مبِينٌ  \[ سورة يس، الآية٧٧ \] فإذا هُو بعدما كانَ ماءً مَهيناً رجلٌ مميِّزٌ منطيقٌ قادرٌ على الخصامِ مبينٌ مُعرِبٌ عمَّا في نفسِه فصيحٌ، فهو حينئذٍ معطوفٌ على خلقنا غيرُ داخلٍ تحت الإنكار والتَّعجيبِ بل هو من مُتمَّماتِ شواهدِ صحَّةِ البعثِ.

### الآية 36:78

> ﻿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [36:78]

فقولُه تعالى : وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً  معطوفٌ حينئذٍ على الجُملة المنفيَّةِ داخلٌ في حيِّز الإنكارِ والتَّقبيحِ، وأمَّا على التَّقديرِ الأوَّلِ فهو عطفٌ على الجملة الفُجائيَّةِ، والمعنى ففاجأ خصومتنا وضربَ لنا مَثَلاً أي أوردَ في شأنِنا قصَّةً عجيبةً في نفس الأمرِ هي في الغرابةِ والبُعدِ عن العقولِ كالمَثَلِ، وهي إنكارُ إحيائنا العظامَ أو قصَّةً عجيبةً في زعمه واستبعدَها وعدَّها من قبيلِ المَثَلِ وأنكرَها أشدَّ الإنكارِ وهي إحياؤُنا إيَّاها وجعلَ لنا مَثَلاً ونظيراً من الخلقِ وقاسَ قُدرتنا على قُدرتهِم ونفى الكلَّ على العمومِ. وقوله تعالى : وَنَسِيَ خَلْقَهُ  أي خلقَنا إيَّاهُ على الوجهِ المذكورِ الدَّالِّ على بُطلانِ ما ضربه. إمَّا عطفٌ على ضربَ داخلٌ في حيِّزِ الإنكارِ والتَّعجيبِ أو حالٌ من فاعله بإضمارِ قَدْ أو بدونه. وقولُه تعالى : قَالَ  استئنافٌ وقع جواباً عن سؤالٍ نشأ من حكايةِ ضربهِ المثلَ كأنَّه قيل أيَّ مَثَلٍ ضربَ أو ماذا قال فقيل قال : مَن يُحييِ العظام  منكِراً له أشدَّ النَّكيرِ مؤكِّداً له بقوله تعالى : وَهِيَ رَمِيمٌ  أي باليةٌ أشدَّ البلى بعيدةٌ من الحياةِ غاية البُعدِ فالمَثَلُ على الأوَّلِ هو إنكارُ إحيائهِ تعالى للعظامِ فإنَّه أمرٌ عجيبٌ في نفسِ الأمرِ حقيقٌ لغرابتهِ وبُعدهِ من العقولِ بأنْ يُعدَّ مثلاً ضرورةَ جزمِ العقول ببطلانِ الإنكارِ ووقوعِ المنكرِ لكونهِ كالإنشاءِ بل أهونُ منه في قياسِ العقلِ، وعلى الثَّاني هو إحياؤُه تعالى لها فإنَّه أمرٌ عجيبٌ في زعمهِ قد استبعدَهُ وعدَّه من قبيلِ المثل وأنكرَهُ أشدَّ الإنكارِ مع أنَّه في نفسِ الأمرِ أقربُ شيءٍ من الوقوعِ لما سبقَ من كونه مثلَ الإنشاءِ أو أهونَ منه، وأما على الثَّالثِ فلا فرقَ بين أنْ يكون المَثَلُ هو الإنكارَ أو المنكرَ. وعدمُ تأنيثِ الرَّميمِ مع وقوعهِ خبراً للمؤنَّثِ لأنَّه اسمٌ لما بَلِيَ من العظامِ غير صفة كالرُّفاتِ، وقد تمسَّك بظاهرِ الآيةِ الكريمةِ من أثبتَ للعظمِ حياةً وبنى عليه الحكم بنجاسةِ عظمِ الميتةِ، وأما أصحابُنا فلا يقولونَ بحياته كالشَّعرِ ويقولون المرادُ بإحياءِ العظامِ ردُّها إلى ما كانتْ عليهِ من الغضاضةِ والرُّطوبةِ في بدنٍ حيَ حسَّاسٍ

### الآية 36:79

> ﻿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [36:79]

قُلْ  تبكيتاً له بتذكيرِ ما نسيَه من فطرته الدالَّةِ على حقيقةِ الحال وإرشاده إلى طريقةِ الاستشهادِ بها  يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ  فإنَّ قدرتَهُ كما هي لاستحالةِ التَّغير فيها والمادَّةُ على حالِها  وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ  مبالغٌ في العلمِ بتفاصيلِ كيفيَّاتِ الخلقِ والإيجادِ إنشاءً وإعادةً محيطٌ بجميعِ الأجزاءِ المتفتتة المتبدِّدةِ لكلِّ شخصٍ من الأشخاصِ أصولها وفروعها وأوضاعِ بعضها من بعضٍ من الاتِّصالِ والانفصالِ والاجتماعِ والافتراقِ فيعيدُ كلاًّ من ذلك على النَّمطِ السَّابقِ مع القُوى التي كانتْ قبلُ. والجملةُ إما اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّرٌ لمضمونِ الجوابِ أو معطوفةٌ على الصِّلةِ. 
والعدولُ إلى الجُملةِ الاسميَّةِ للتَّنبيهِ على أنَّ علمَه تعالى بما ذُكر أمرٌ مستمرٌّ ليسَ كإنشائهِ للمنشآتِ.

### الآية 36:80

> ﻿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ [36:80]

وقولُه تعالى : الذي جَعَلَ لَكُم مّنَ الشجر الأخضر نَاراً  بدلٌ من الموصول الأوَّلِ. وعدمُ الاكتفاءِ بعطف صلتهِ على صلتهِ للتَّأكيدِ ولتفاوتهما في كيفيَّةِ الدِّلالةِ. أي خلقَ لأجلكم ومنفعتِكم منه ناراً، على أنَّ الجعلَ إبداعيٌّ. والجارَّانِ متعلِّقانِ به قُدِّما على مفعوله الصَّريحِ مع تأخُّرهما عنه رتبةً لما مرَّ من الاعتناء بالمقدَّمِ والتَّشويقِ إلى المؤخَّرِ. ووصفُ الشَّجرِ بالأخضرِ نظراً إلى اللَّفظِ. وقد قُرئ الخضراءِ نظراً إلى المَعْنى. وهو المَرخُ والعفارُ يقطعُ الرَّجلُ منهما عُصيَّتينِ مثل السِّواكينِ وهما خَضْراوانِ يقطرُ منهما الماءُ فيسحقُ المرخَ وهو ذكرٌ على العفارِ وهو أُنثى فتنقدحُ النَّارُ بإذنِ الله تعالى وذلك قولُه تعالى : فَإِذَا أَنتُم منْه تُوقِدُونَ  فمن قدرَ على إحداثِ النَّارِ من الشَّجرِ الأخضرِ مع ما فيهِ من المائيَّةِ المُضادَّةِ لها بكيفيَّتهِ كان أقدرَ على إعادةِ الغضاضةِ إلى ما كان غضًّا فطرأ عليه اليبوسةُ والبِلى.

### الآية 36:81

> ﻿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ [36:81]

وقوله تعالى : أَوَلَيْسَ الذي خَلَقَ السموات والأرض  الخ استئنافٌ مسوقٌ من جهته عزَّ وجلَّ لتحقيق مضمون الجوابِ الذي أُمر عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بأنْ يُخاطبهم بذلك ويُلزمهم الحجَّة. والهمزةُ للإنكارِ والنَّفيِ، والواوُ للعطفِ على مقدَّرٍ يقتضيهِ المقامُ أي أليسَ الذي أنشأها أوَّلَ مرَّةٍ وليس الذي جعلَ لهم من الشَّجرِ الأخضرِ ناراً وليسَ الذي خلقَ السَّمواتِ والأرضَ مع كِبر جِرمِهما وعظم شأنهما  بقادر على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم  في الصِّغرِ والقَمَاءةِ بالنسبةِ إليهما فإنَّ بديهةَ العقلِ قاضيةٌ بأنَّ مَن قدرَ على خلقهما فهو على خَلْقِ الأناسيِّ أقدرُ كما قال تعالى : لَخَلْقُ السموات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس  \[ سورة غافر، الآية٥٧ \] وقرئ يقدِرُ وقوله تعالى : بلى  جوابٌ من جهته تعالى وتصريحٌ بما أفادَه الاستفهامُ الإنكارِيُّ من تقريرِ ما بعد النَّفيِ وإيذانٌ بتعيُّنِ الجوابِ نطقُوا به أو تلعثمُوا فيه مخافة الإلزامِ. وقولُه تعالى : وَهُوَ الخلاق العليم  عطفٌ على ما يفيدُه الإيجابُ أي بَلَى هو قادرٌ على ذلكَ وهو المبالغُ في الخلقِ والعلم كَيْفاً وكمًّا.

### الآية 36:82

> ﻿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [36:82]

إِنَّمَا أَمْرُهُ  أي شأنُه  إِذَا أَرَادَ شَيْئاً  من الأشياءِ  أَن يَقُولَ لَهُ كُن  أي أنْ يعلِّقَ به قدرته  فَيَكُونُ  فيحدُثُ من غيرِ توقُّفٍ على شيءٍ آخرَ أصلاً. وهذا تمثيلٌ لتأثيرِ قُدرتهِ تعالى فيما أرادَه بأمرِ الآمرِ المُطاعِ المأمورِ المطيعِ في سرعةِ حصولِ المأمورِ به من غيرِ توقُّفٍ على شيء مَا. وقرئ فيكونَ بالنَّصب عطفاً على يقولَ

### الآية 36:83

> ﻿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [36:83]

فسبحان الذي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلّ شَيْء  تنزيهٌ له عزَّ وعلا عمَّا وصفُوه تعالى به وتعجيبٌ ممَّا قالوا في شأنهِ تعالى وقد مرَّ تحقيقُ معنى سبحانَ. والفاءُ للإشارةِ إلى أنَّ ما فُصِّل من شؤونهِ تعالى موجبةٌ لتنزُّهه وتنزيههِ أكملَ إيجابٍ كما أنَّ وصفَه تعالى بالمالكيةِ الكلِّيةِ المُطلقة للإشعارِ بأنَّها مقتضيةٌ لذلك أتمَّ اقتضاءٍ. والملكوتُ مبالغةٌ في المُلكِ كالرَّحموتِ والرَّهبوتِ. وقرئ ملكةُ كلِّ شيءٍ ومملكةُ كلِّ شيءٍ ومُلكُ كلِّ شيءٍ.  وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ  لا إلى غيرِه. وقرئ ترجعون بفتحِ التَّاءِ من الرُّجوعِ وفيهِ من الوعدِ والوعيدِ ما لا يَخْفى.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/36.md)
- [كل تفاسير سورة يس
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/36.md)
- [ترجمات سورة يس
](https://quranpedia.net/translations/36.md)
- [صفحة الكتاب: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم](https://quranpedia.net/book/37.md)
- [المؤلف: أبو السعود](https://quranpedia.net/person/4781.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/36/book/37) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
