---
title: "تفسير سورة ص - زاد المسير في علم التفسير - ابن الجوزي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/38/book/340.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/38/book/340"
surah_id: "38"
book_id: "340"
book_name: "زاد المسير في علم التفسير"
author: "ابن الجوزي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة ص - زاد المسير في علم التفسير - ابن الجوزي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/38/book/340)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة ص - زاد المسير في علم التفسير - ابن الجوزي — https://quranpedia.net/surah/1/38/book/340*.

Tafsir of Surah ص from "زاد المسير في علم التفسير" by ابن الجوزي.

### الآية 38:1

> ص ۚ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ [38:1]

فأما سبب نزول أولها، فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن قريشا شكوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي طالب، فقال : يا ابن أخي، ما تريد من قومك ؟ فقال :( يا عم، إنما أريد منهم كلمة تذل لهم بها العرب وتؤدي إليهم الجزية بها العجم )، قال : كلمة ؟ قال :( كلمة واحدة )، قال : ما هي ؟ قال :( لا إله إلا الله )، فقالوا : أجعل الآلهة إلها واحدا ؟ ! فنزلت فيهم : ص وَالْقُرْءانِ  إلى قوله : إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ . 
بسم الله الرحمن الرحيم  ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ 
واختلفوا في معنى  ص  على سبعة أقوال :
أحدها : أنه قسم أقسم الله به، وهو من أسمائه، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. 
والثاني : أنه بمعنى : صدق محمد، رواه عطاء عن ابن عباس. 
والثالث : صدق الله، قاله الضحاك. وقد روي عن ابن عباس أنه قال : معناه صادق فيما وعد. وقال الزجاج : معناه : الصادق الله تعالى. 
والرابع : أنه اسم من أسماء القرآن، أقسم الله به، قاله قتادة. 
والخامس : أنه اسم حية رأسها تحت العرش وذنبها تحت الأرض السفلى، حكاه أبو سليمان الدمشقي، وقال : أظنه عن عكرمة. 
والسادس : أنه بمعنى : حادث القرآن، أي : انظر فيه، قاله الحسن، وهذا على قراءة من كسروا، منهم ابن عباس، والحسن، وابن أبي عبلة. قال ابن جرير : فيكون المعنى : صادِ بعملك القرآن، أي : عارضه. وقيل : اعرضه على عملك، فانظر أين هو منه. 
والسابع : أنه بمعنى : صاد محمد قلوب الخلق واستمالها حتى آمنوا به وأحبوه. حكاه الثعلبي، وهذا على قراءة من فتح، وهي قراءة أبي رجاء، وأبي الجوزاء، وحميد، ومحبوب عن أبي عمرو. قال الزجاج : والقراءة " صاد "، بتسكين الدال، لأنها من حروف التهجي. وقد قُرئت بالفتح وبالكسر ؛ فمن فتحها، فعلى ضربين :
أحدهما : لالتقاء الساكنين. 
والثاني : على معنى : أتل " صاد "، ويكون صاد اسما للسورة لا ينصرف ؛ ومن كسر، فعلى ضربين :
أحدهما : لالتقاء الساكنين أيضا. 
والثاني : على معنى : صاد القرآن بعملك، من قولك : صادى يُصادي. إذا قابل وعادل، يقال : صاديته : إذا قابلته. 
قوله تعالى : ذِي الذّكْرِ  في المراد بالذكر ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه الشرف، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، والسدي. 
والثاني : البيان، قاله قتادة. 
والثالث : التذكير، قاله الضحاك. 
فإن قيل : أين جواب القسم بقوله : ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذّكْرِ  ؟. 
**فعنه خمسة أجوبة :**
أحدها : أن " ص " جواب لقوله : وَالْقُرْآنِ ، ف  ص  في معناها، كقولك : وجب والله، نزل والله، حق والله، قاله الفراء، وثعلب. 
والثاني : أن جواب " ص " قوله : كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ ، ومعناه : لكم، فلما طال الكلام، حُذفت اللام، ومثله : وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا   قَدْ أَفْلَحَ ، \[ الشمس/١ و٩ \]، فإن المعنى : لقد أفلح، غير أنه لما اعترض بينهما كلام، تبعه قوله : قَدْ أَفْلَحَ ، حكاه الفراء، وثعلب أيضا. 
والثالث : أنه قوله : إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرٌّسُلَ  \[ ص : ١٤ \]، حكاه الأخفش. 
والرابع : أنه قوله : إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ  \[ ص : ٦٤ \]، قاله الكسائي، وقال الفراء : لا نجده مستقيما في العربية، لتأخره جدا عن قوله : وَالْقُرْآنِ . 
والخامس : أن جوابه محذوف، تقديره : والقرآن ذي الذكر ما الأمر كما يقول الكفار، ويدل على هذا المحذوف قوله  بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ  ذكره جماعة من المفسرين، وإلى نحوه ذهب قتادة. والعزة : الحمية والتكبر عن الحق. وقرأ عمرو بن العاص، وأبو رزين، وابن يعمر، وعاصم الجحدري، ومحبوب عن أبي عمرو : فِي غرة  بغين معجمة وراء غير معجمة. والشقاق : الخِلاف والعداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سبق بيان الكلمتين مشروحا \[ البقرة : ١٣٨، ٢٠٦ \].

### الآية 38:2

> ﻿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ [38:2]

سورة ص
 ويقال لها: سورة داود، وهي مكّيّة كلّها بإجماعهم.
 (١٢١٢) فأمّا سبب نزولها: فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن قريشا شكوا رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي، ما تريد من قومك؟ فقال: **«يا عمّ، إنما أريد منهم كلمة تذلّ لهم بها العرب وتؤدّي إليهم الجزية بها العجم»**، قال: كلمة؟ قال: **«كلمة واحدة»**، قال: ما هي؟ قال: **«لا إله إلّا الله»**، فقالوا: أجعل الآلهة إلها واحدا، فنزلت فيهم: ص وَالْقُرْآنِ إلى قوله تعالى: إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ.

 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

 \[سورة ص (٣٨) : الآيات ١ الى ٣\] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

 ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (٣)
 واختلفوا في معنى **«ص»** على سبعة أقوال **«١»** :. أحدها: أنه قسم أقسم الله به، وهو من أسمائه، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. والثاني: أنه بمعنى: صَدَقَ محمدٌ صلى الله عليه وسلّم، رواه عطاء عن ابن عباس.
 والثالث: صَدَقَ اللهُ، قاله الضحاك، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: معناه: صادق فيما وَعََدَ. وقال الزجاج: معناه: الصادقُ اللهُ تعالى. والرابع: أنه اسم من أسماء القرآن، أَقسَمَ اللهُ به، قاله قتادة.
 والخامس: أنه اسم حَيَّة رأسُها تحت العرش وذَنَبُها تحت الأرض السُّفلى، حكاه أبو سليمان الدمشقي، وقال: أظنه عن عكرمة. والسادس: أنه بمعنى: حادِثِ القرآن، أي: انظُر فيه، قاله الحسن، وهذا على قراءة من كسروا، منهم ابن عباس، والحسن، وابن أبي عبلة، قال ابن جرير: فيكون المعنى: صاد
 حديث حسن بطرقه وشواهده. أخرجه أحمد ١/ ٢٢٧ وأبو يعلى ٢٥٨٣ والترمذي ٣٢٣٢ والنسائي في **«التفسير»** ٤٥٦ والحاكم ٢/ ٤٣٢ والبيهقي ٩/ ١٨٨ والواحدي في **«أسباب النزول»** ٧٢٢ عن ابن عباس به، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، مع أن فيه يحيى بن عمارة، وهو مقبول. وتوبع في رواية ثانية للنسائي ٤٥٧ وأحمد ٢/ ٣٦٢. وفيه أيضا عباد بن جعفر، وهو مجهول. وورد من وجه ثالث، أخرجه الحاكم ٢/ ٤٣٢ وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وهو حسن لأجل ابن إسحاق، وقد صرح بالتحديث.
 __________
 (١) تقدم الكلام على الحروف التي في أوائل السور، وقد تكلم المصنف على ذلك في أول سورة البقرة. وهو مما استأثر الله تعالى بعلمه، وهو الراجح، والله تعالى أعلم.

بِعَمَلِكَ القرآن، أي: عارِضْه. وقيل: اعْرَضْه على عملك، فانظُر أين هو منه. والسابع: أنه بمعنى:
 صادَ محمدٌ قلوبَ الخَلْق واستمالها حتى آمَنوا به وأَحَبُّوه، حكاه الثعلبي، وهذا على قراءة من فتح، وهي قراءة أبي رجاء، وأبي الجوزاء، وحميد، ومحبوب عن أبي عمرو. قال الزجاج: والقراءة **«صادْ»** بتسكين الدال، لأنها من حروف التَّهجِّي. وقد قُرئتْ بالفتح وبالكسر، فمن فتحها، فعلى ضربين:
 أحدهما: لالتقاء الساكنين. والثاني: على معنى: أتل **«صاد»**، وتكون صاد اسما للسّورة لا ينصرف ومن كسر، فعلى ضربين: أحدهما: لالتقاء الساكنين أيضاً. والثاني: على معنى: صادِ القرآن بعملك، من قولك: صَادَى يُصَادِي: إِذا قابَل وعادَل، يقال: صادَيْتُه: إِذا قابَلْته.
 قوله تعالى: ذِي الذِّكْرِ في المراد بالذِّكْر ثلاثة أقوال **«١»** : أحدها: أنه الشَّرَف، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي. والثاني: البيان، قاله قتادة. والثالث: التذكير، قاله الضحاك.
 فإن قيل: أين جواب القسم بقوله تعالى: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ؟ فعنه خمسة أجوبة: أحدها:
 أن ******«ص»****** جواب لقوله: **«والقرآن»**، ف ******«ص»****** في معناها، كقولك: وَجَبَ واللهِ، نَزَلَ واللهِ، حَقٌّ واللهِ، قاله الفراء، وثعلب. والثاني: أنّ جواب ******«ص»****** قوله تعالى كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ ومعناه: لَكَمْ، فلمّا طال الكلام، حُذفت اللامُ، ومثله: وَالشَّمْسِ وَضُحاها... قَدْ أَفْلَحَ **«٢»**، فإن المعنى: لقد أَفْلَحَ، غير أنه لمّا اعترض بينهما كلام، تبعه قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ، حكاه الفراء وثعلب أيضاً. والثالث: أنه قوله تعالى: إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ **«٣»**، حكاه الأخفش. والرابع: أنه قوله تعالى: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ **«٤»** قاله الكسائي، وقال الفراء: لا نجده مستقيماً في العربية، لتأخّره جدّا عن قوله تعالى: وَالْقُرْآنِ. والخامس: أن جوابه محذوف تقديره: والقرآنِ ذي الذِّكْر ما الأَمْرُ كما يقول الكُفَّار، ويدلّ على هذا المحذوف قوله تعالى: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ، ذكره جماعة من المفسرين، وإِلى نحوه ذهب قتادة. والعِزَّةُ: الحَمِيَّةُ والتكبُّر عن الحَقّ. وقرأ عمرو بن العاص وأبو رزين وابن يعمر وعاصم الجحدري ومحبوب عن أبي عمرو: **«في غِرَّةٍ»** بغين معجمة وراء غير معجمة.
 والشِّقاق: الخِلاف والعداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلّم، وقد سبق بيان الكلمتين مشروحا **«٥»**.
 ثم خوَّفهم بقوله تعالى: كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ يعنى الأُمم الخالية فَنادَوْا عند وقوع الهلاك بهم. وفي هذا النداء قولان: أحدهما: أنه الدُّعاء. والثاني: الاستغاثة.
 قوله تعالى **«٦»** : وَلاتَ حِينَ مَناصٍ وقرأ الضحاك، وأبو المتوكّل، وعاصم الجحدري، وابن

 (١) قال الطبري رحمه الله في ****«تفسيره»**** ١٠/ ٥٤٦: الصواب قول من قال: معناه: ذي التذكير لكم، لأن الله أتبع ذلك قولُه: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ فكان معلوما بذلك أنه إنما أخبر عن القرآن أنه أنزله ذكرا لعباده ذكرهم به، وأن الكفار من الإيمان به في عزة وشقاق. [.....]
 (٢) الشمس: ١، ٩.
 (٣) ص: ١٤.
 (٤) ص: ٦٤.
 (٥) البقرة: ٢٠٦- ١٣٨.
 (٦) قال ابن كثير رحمه الله في ****«تفسيره»**** ٤/ ٣٣: في قوله تعالى: وَلاتَ حِينَ مَناصٍ وهذه الكلمة وهي **«لات»** هي **«لا»** التي للنفي، زيدت معها التاء، كما تزاد في ثمّ فيقولون: **«ثمت»**، و **«رب»** فيقولون: **«ربت»** وهي مفصولة، والوقف عليها، ومنهم من حكى عن المصحف الإمام فيما ذكره ابن جرير أنها متصلة بحين: **«ولا تحين مناص»** والمشهور الأول. ثم قرأ الجمهور بنصب **«حين»** تقديره: وليس الحين حين مناص. ومنهم من جوز النصب بها، وأهل اللغة يقولون: النّوص: التأخر، والبوص: التقدم. ولهذا قال تعالى: وَلاتَ حِينَ مَناصٍ، أي: ليس الحين حين فرار ولا ذهاب اه.

### الآية 38:3

> ﻿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ [38:3]

فأما سبب نزول أولها، فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن قريشا شكوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي طالب، فقال : يا ابن أخي، ما تريد من قومك ؟ فقال :( يا عم، إنما أريد منهم كلمة تذل لهم بها العرب وتؤدي إليهم الجزية بها العجم )، قال : كلمة ؟ قال :( كلمة واحدة )، قال : ما هي ؟ قال :( لا إله إلا الله )، فقالوا : أجعل الآلهة إلها واحدا ؟ ! فنزلت فيهم : ص وَالْقُرْءانِ  إلى قوله : إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ . 
ثم خوفهم بقوله تعالى : كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ  يعنى الأمم الخالية  فَنَادَوْاْ  عند وقوع الهلاك بهم. وفي هذا النداء قولان : أحدهما : أنه الدعاء. والثاني : الاستغاثة. 
قوله تعالى : وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ  وقرأ الضحاك، وأبو المتوكل، وعاصم الجحدري، وابن يعمر : وَّلاَتَ حِينَ  بفتح التاء ورفع النون. قال ابن عباس : ليس حين يروه فرار. وقال عطاء : في لغة أهل اليمن  لاتٍ  بمعنى " ليس ". وقال وهب بن منبه : هي بالسريانية. وقال الفراء :" لات " بمعنى " ليس "، والمعنى : ليس بحين فرار. ومن القراء من يخفض " لات ". والوجه النصب، لأنها في معنى " ليس "، أنشدني المفضل :

تذكر حب ليلى لات حينا  وأضحى الشيب قد قطع القريناقال ابن الأنباري : كان الفراء والكسائي والخليل وسيبويه والأخفش وأبو عبيدة يذهبون إلى أن التاء في قوله تعالى : وَّلاَتَ  منقطعة من  حِينٍ  قال : وقال أبو عبيدة : الوقف عندي على هذا الحرف  وَلاَ ، والابتداء  تحين  لثلاث حجج :
إحداهن : أن تفسير ابن عباس يشهد لها، لأنه قال : ليس حين يروه فرار ؛ فقد علم أن " لَيْسَ " هي أخت " لا " وفي معناها. 
والحجة الثانية : أنا لا نجد في شيء من كلام العرب  وَّلاَتَ ، إنما المعروفة  لا . 
والحجة الثالثة : أن هذه التاء، إنما وجدناها تلحق مع  حِينٍ  ومع  الآن  ومع ال  أوان ، فيقولون : كان هذا تحين كان ذلك، وكذلك :" تأوان "، ويقال : اذهب تلان، ومنه قول أبي وجزة السعدي :العاطفون تحين ما من عاطف  والمطمعون زمان ما من مطعموذكر ابن قتيبة عن ابن الأعرابي أن معنى هذا البيت :" العاطفونه " بالهاء، ثم تبتدئ :" حين ما من عاطف " ؛ قال ابن الأنباري : وهذا غلط، لأن الهاء إنما تُقحَم على النون في مواضع القطع والسكون، فأما مع الاتصال، فإنه غير موجود. وقال علي بن أحمد النيسابوري : النحويون يقولون في قوله : وَّلاَتَ  : هي  لا  زيدت فيها التاء، كما قالوا : ثم وثُمّتْ، ورُبّ ورُبَّتْ، وأصلها هاء وُصلت ب  لا ، فقالوا :" لاه " فلما وصلوها، جعلوها تاء ؛ والوقف عليها بالتاء عند الزجاج، وأبي علي، وعند الكسائي بالهاء، وعند أبي عبيد الوقف على " لا ". 
فأما المناص، فهو الفرار. قال الفراء : النّوْص في كلام العرب : التأخر ؛ والبوص : التقدم، قال امرؤ القيس :أمن ذكر سلمى إذ نأتك تنوص  فتقصر عنها خطوة وتبوصوقال أبو عبيدة : المناص : مصدر ناص ينوص، وهو المنجى والفوز.

### الآية 38:4

> ﻿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ ۖ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ [38:4]

فأما سبب نزول أولها، فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن قريشا شكوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي طالب، فقال : يا ابن أخي، ما تريد من قومك ؟ فقال :( يا عم، إنما أريد منهم كلمة تذل لهم بها العرب وتؤدي إليهم الجزية بها العجم )، قال : كلمة ؟ قال :( كلمة واحدة )، قال : ما هي ؟ قال :( لا إله إلا الله )، فقالوا : أجعل الآلهة إلها واحدا ؟ ! فنزلت فيهم : ص وَالْقُرْءانِ  إلى قوله : إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ . 
قوله تعالى : وَعَجِبُواْ  يعني الكفار  أَن جَاءهُمْ مُّنذِرٌ مّنْهُمْ  يعني رسولا من أنفسهم ينذرهم النار. 
 أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً واحِداً  لأنه دعاهم إلى الله وحده وأبطل عبادة آلهتهم ؛ وهذا قولهم لما اجتمعوا عند أبي طالب، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :( أتعطوني كلمة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم، وهي لا إله إلا الله. فقاموا يقولون : أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً واحِداً .

### الآية 38:5

> ﻿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [38:5]

فأما سبب نزول أولها، فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن قريشا شكوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي طالب، فقال : يا ابن أخي، ما تريد من قومك ؟ فقال :( يا عم، إنما أريد منهم كلمة تذل لهم بها العرب وتؤدي إليهم الجزية بها العجم )، قال : كلمة ؟ قال :( كلمة واحدة )، قال : ما هي ؟ قال :( لا إله إلا الله )، فقالوا : أجعل الآلهة إلها واحدا ؟ ! فنزلت فيهم : ص وَالْقُرْءانِ  إلى قوله : إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ . 
فقاموا يقولون : أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً واحِداً . ونزلت هذه الآية فيهم.  إِنَّ هَذَا  الذي يقول محمد من أن الآلهة إلها واحدا  لَشَيء عُجَابٌ  أي : لأمر عجب. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو العالية، وابن يعمر، وابن السميفع : عُجّابٌ  بتشديد الجيم. قال اللغويون : العُجاب والعُجّاب والعجيب بمعنى واحد، كما تقول : كبير وكُبار وكُبّار، وكريم وكُرام وكُرّام، وطويل وطُوال وطُوّال ؛ وأنشد الفراء :

جاؤوا بصيد عجب من العجب  أزيرق العينين طُوّال الذنبقال قتادة : عجب المشركون أن دُعي الله وحده، وقالوا : أيسمع لحاجتنا جميعا إله واحد ؟ !

### الآية 38:6

> ﻿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ [38:6]

فأما سبب نزول أولها، فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن قريشا شكوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي طالب، فقال : يا ابن أخي، ما تريد من قومك ؟ فقال :( يا عم، إنما أريد منهم كلمة تذل لهم بها العرب وتؤدي إليهم الجزية بها العجم )، قال : كلمة ؟ قال :( كلمة واحدة )، قال : ما هي ؟ قال :( لا إله إلا الله )، فقالوا : أجعل الآلهة إلها واحدا ؟ ! فنزلت فيهم : ص وَالْقُرْءانِ  إلى قوله : إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ . 
وقوله تعالى : وَانطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ  قال المفسرون : لما اجتمع أشراف قريش عند أبي طالب وشكوا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما سبق بيانه، نفروا من قول :" لا إله إلا الله "، وخرجوا من عند أبي طالب، فذلك قوله : وَانطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ . والانطلاق : الذهاب بسهولة، ومنه طلاقة الوجه. والملأ : أشراف قريش، فخرجوا يقول بعضهم لبعض : امْشُواْ . و  أنٍ  بمعنى " أي " ؛ فالمعنى : أي : امشوا. قال الزجاج : ويجوز أن يكون المعنى : انطلقوا بأن امشوا، أي : انطلقوا بهذا القول. وقال بعضهم : المعنى : انطلقوا يقولون : امشوا إلى أبي طالب فاشكوا إليه ابن أخيه،  وَاْصْبِرُواْ عَلَى آلِهَتِكُمْ  أي : اثبتوا على عبادتها  إِنَّ هَذَا  الذي نراه من زيادة أصحاب محمد  لَشَيء يُرَادُ  أي : لأمر يراد بنا.

### الآية 38:7

> ﻿مَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَٰذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ [38:7]

فأما سبب نزول أولها، فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن قريشا شكوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي طالب، فقال : يا ابن أخي، ما تريد من قومك ؟ فقال :( يا عم، إنما أريد منهم كلمة تذل لهم بها العرب وتؤدي إليهم الجزية بها العجم )، قال : كلمة ؟ قال :( كلمة واحدة )، قال : ما هي ؟ قال :( لا إله إلا الله )، فقالوا : أجعل الآلهة إلها واحدا ؟ ! فنزلت فيهم : ص وَالْقُرْءانِ  إلى قوله : إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ . 
 مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا  الذي جاء به محمد من التوحيد  فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ  وفيها ثلاثة أقوال :
أحدها : النصرانية، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وإبراهيم بن المهاجر عن مجاهد، وبه قال محمد بن كعب القرظي، ومقاتل. والثاني : أنها ملة قريش، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه قال قتادة. 
والثالث : اليهودية والنصرانية، قاله الفراء، والزجاج ؛ والمعنى : أن اليهود أشركت بعُزير، والنصارى قالت : ثالث ثلاثة، فلهذا أنكرت التوحيد. 
 إِنَّ هَذَا  الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم  إِلاَّ اخْتِلاَقٌ  أي : كذب.

### الآية 38:8

> ﻿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا ۚ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي ۖ بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ [38:8]

أَأُنزِلَ عليه الذّكْرِ  يعنون القرآن.  عليه  يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم،  مّن بَيْنِنَا  أي : كيف خص بهذا دوننا، وليس بأعلانا نسبا ولا أعظمنا شرفا ؟ !، قال الله تعالى : بْل هُمْ فَي شَكّ مّن ذِكْرِي  أي : من القرآن ؛ والمعنى : أنهم ليسوا على يقين مما يقولون، إنما هم شاكون  بَل لَّمَّا  قال مقاتل :" لما " بمعنى " لم " كقوله  وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ  \[ الحجرات : ١٤ \]. وقال غيره : هذا تهديد لهم ؛ والمعنى : أنه لو نزل بهم العذاب، علموا أن ما قاله محمد حق. وأثبت ياء  عَذَابِي  في الحالين يعقوب.

### الآية 38:9

> ﻿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ [38:9]

قال الزجاج : ولما دل قولهم : أأنزل عَلَيْهِ الذّكْرُ  على حسدهم له، أعلم الله عز وجل أن الملك والرسالة إليه، فقال : أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبّكَ  ؟ ! قال المفسرون : ومعنى الآية : أبأيديهم مفاتيح النبوة فيضعونها حيث شاؤوا ؟ ! والمعنى : ليست بأيديهم، ولا ملك السماوات والأرض لهم. فإن ادّعوا شيئا من ذلك  فليرتقوا في الأسباب  قال سعيد بن جبير : أي : في أبواب السماء. وقال الزجاج : فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء.

### الآية 38:10

> ﻿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ [38:10]

يعمر: **«ولاتَ حينُ»** بفتح التاء ورفع النون. قال ابن عباس: ليس حين يروه فِرار. وقال عطاء: في لغة أهل اليمن **«لاتَ»** بمعنى ********«ليس»********. وقال وهب بن منبه: هي بالسّريانيّة. وقال الفرّاء: **«لات»** بمعنى ********«ليس»********، فالمعنى: ليس بحينِ فِرار. ومن القرّاء من يَخْفضُ **«لاتِ»**، والوجه النَّصْب، لأنها في معنى ********«ليس»******** أنشدني المفضَّل:

تَذَكَّرَ حُبَّ لَيْلَى لاتَ حِينا  وأضْحَى الشَّيْبُ قَدْ قَطَعَ القَرِينا قال ابن الأنباري: كان الفراء والكسائي والخليل وسيبويه والأخفش وأبو عبيدة يذهبون إلى أن التاء في قوله تعالى: ****«ولاتَ»**** منقطعة من ****«حين»****، قال: وقال أبو عبيدة: الوقف عندي على هذا الحرف **«ولا»**، والابتداء **«تحين»** لثلاث حُجج: إِحداهن: أن تفسير ابن عباس يشهد لها، لأنه قال: ليس حِينَ يَرَوْه فِرار فقد عُلِمَ أنّ ********«ليس»******** هي أخت **********«لا»********** وبمعناها. والحُجة الثانية: أنّا لا نَجِدُ في شيء من كلام العرب **«ولات»**، إنما المعروفة **********«لا»**********. والحجة الثالثة: أن هذه التاء، إنما وجدناها تلحق مع ****«حين»**** ومع **«الآن»** ومع ال **«أوان»**، فيقولون: كان هذا تحين كان ذلك، وكذلك: **«تأوان»**، ويقال: اذهب تَلانَ، ومنه قول أبي وجزة السعدي:العَاطِفُونَ تَحِينَ مَا مِنْ عَاطِفٍ  والمَطْعِمُونَ زَمَانَ مَا مِنْ مُطْعِمِ وذكر ابن قتيبة عن ابن الأعرابي أن معنى هذا البيت: **«العاطفونه»** بالهاء، ثم تبتدئ: **«حين ما من عاطِفٍ»** قال ابن الأنباري: وهذا غلط، لأن الهاء إنما تُقْحَم على النُّون في مواضع القَطْعُ والسُّكون، فأمّا مع الاتصال، فإنه غير موجود، وقال عليّ بن أحمد النيسابوري: النحويُّون يقولون في قوله تعالى:
 ****«ولاتَ»**** : هي **********«لا»********** زيدت فيها التاء كما قالوا: ثُمَّ وثُمَّتْ، ورُبَّ ورُبَّتْ، وأصلها هاءٌ وُصِلَتْ ب **********«لا»**********، فقالوا: **«لاه»** فلمّا وَصَلُوها، جعلوها تاءً والوقف عليها بالتاء عند الزجاج وأبي عليّ، وعند الكسائي بالهاء، وعند أبي عبيد الوقف على **********«لا»**********. فأما المَناص، فهو الفرار. قال الفراء: النَّوْص في كلام العرب: التأخُّر، والبَوْصُ: التقدّم، قال إمرؤ القَيْس:أَمِنْ ذِكْرِ سَلْمَى إِذْ نأَتْكَ تَنُوصُ  فتَقْصُرُ عَنْها خطوة وتبوص وقال أبو عبيدة: المناص: مصدر ناص ينوص، وهو المنجى والفوز.
 \[سورة ص (٣٨) : الآيات ٤ الى ١١\]
 وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (٦) ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (٨)
 أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (١٠) جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ (١١)

قوله تعالى: وَعَجِبُوا يعني الكفار أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ يعني رسولاً من أَنْفُسهم يُنْذِرُهم النَّارَ.
 أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً لأنه دعاهم إلى الله وحده وأبطل عبادة آلهتهم.
 (١٢١٣) وهذا قولهم لمّا اجتمعوا عند أبي طالب، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال: **«أتُعطوني كلمة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم، وهي **«لا إِله إِلا الله»****، فقاموا يقولون: **«أَجَعَلَ الآلهةَ إِلهاً واحداً»**، ونزلت هذه الآية فيهم.
 إِنَّ هذا الذي يقول محمد من أن الآلهة إِله واحد لَشَيْءٌ عُجابٌ أي: لأمرٌ عَجَبٌ. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو العالية، وابن يعمر، وابن السميفع: **«عُجّابٌ»** بتشديد الجيم. قال اللغويون: العجاب والعجّاب والعجيب بمعنى واحد، كما يقال: كَبِيرٌ وكُبَارٌ وكُبَّارٌ، وكَرِيمٌ وكُرامٌ وكُرَّامٌ، وطَوِيلٌ وطوال وطوّال، وأنشد الفرّاء:

جاءوا بصيد عَجَبٍ مِنَ العَجَبْ  أُزَيْرِقِ العينينِ طُوَّالِ الذَّنَبْ قال قتادة: عجب المشركون أن دُعي اللهُ وَحْدَه وقالوا: أَيَسْمَعُ لِحاجاتنا جميعاً إِلهٌ واحد! قوله تعالى: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ قال المفسرون: لمّا اجتمع أشراف قريش عند أبي طالب وشَكَوا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلّم على ما سبق بيانه، نفروا من قول: **«لا إِله إِلا الله»**، وخرجوا من عند أبي طالب، فذلك قوله تعالى: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ. والانطلاق: الذّّهَابُ بسهولة، ومنه طَلاَقَةُ الوَجْه. والملأُ:
 أشراف قريش. فخرجوا يقول بعضهم لبعض: امْشُوا. وأَنِ بمعنى **«أي»** فالمعنى: أي: امْشُوا.
 قال الزجاج: ويجوز أن يكون المعنى: انْطَلِقوا بأن امْشُوا، أي: انْطَلَقوا بهذا القول. وقال بعضهم:
 المعنى: انْطَلَقوا يقولون: امْشُوا إِلى أبي طالب فاشْكُوا إليه ابنَ أخيه، وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ أي: اثبُتوا على عبادتها إِنَّ هذا الذي نراه من زيادة أصحاب محمد لَشَيْءٌ يُرادُ أي: لأمرٌ يُرادُ بِنَا.
 ما سَمِعْنا بِهذا الذي جاء به محمدٌ من التوحيد فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ وفيها ثلاثة أقوال:
 أحدها: النصرانية، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وإِبراهيم بن المهاجر عن مجاهد، وبه قال محمد بن كعب القرظي، ومقاتل. والثاني: أنها مِلَّة قريش، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه قال قتادة. والثالث: اليهودية والنصرانية، قاله الفراء، والزجاج والمعنى أن اليهود أشركت بعُزَير، والنصارى، قالت: ثالث ثلاثة، فلهذا أنْكَرَتِ التوحيدَ.
 إِنَّ هذا الذي جاء به محمّد صلى الله عليه وسلّم إِلَّا اخْتِلاقٌ أي: كذب. أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ يعنون القرآن.
 **«عليه»** يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلّم، مِنْ بَيْنِنا أي: كيف خُصَّ بهذا دونَنَا وليس بأعلانا نَسَباَ ولا أعظمَنا شَرَفاَ؟! قال الله تعالى: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي أي: من القرآن والمعنى أنهم ليسوا على يقين ممّا يقولون، إِنما هم شاكُّون بَلْ لَمَّا قال مقاتل: **«لمّا»** بمعنى **«لم»** كقوله تعالى: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ. وقال غيره: هذا تهديد لهم والمعنى أنه لو نزل بهم العذاب، علموا أن ما قاله محمّد حقّ.
 وأثبت ياء عَذابِ في الحالين يعقوب.
 قال الزجاج: ولما دَلَّ قولُهم: **«أَأُنْزِلَ عليه الذِّكْرُ»** على حسدهم له، أعلم الله عزّ وجلّ أنّ الملك
 هو الحديث المتقدم ١٢١٢.

### الآية 38:11

> ﻿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ [38:11]

قوله تعالى : جُندٌ  أي : هم جند. والجند : الأتباع ؛ فكأنه قال : هم أتباع مقلدون ليس فيهم عالم راشد. و مَا  زائدة، و هُنَالِكَ  إشارة إلى بدر. 
والأحزاب : جميع من تقدمهم من الكفار الذين تحزبوا على الأنبياء. قال قتادة : أخبر الله نبيه وهو بمكة أنه سيهزم جند المشركين، فجاء تأويلها يوم بدر.

### الآية 38:12

> ﻿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ [38:12]

قوله تعالى : كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ  قال أبو عبيدة : قوم من العرب يؤنثون " القوم "، وقوم يذكرون. فإن احتج عليهم بهذه الآية قالوا : وقع المعنى على العشيرة، واحتجوا بقوله  كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ  \[ عبس : ١١ \]، قالوا : والمضمر مذكر. 
قوله تعالى : وفِرْعَوْنُ ذُو الأْوْتَادِ  : فيه ستة أقوال :
أحدها : أنه كان يعذب الناس بأربعة أوتاد يشدهم فيها، ثم يرفع صخرة فتلقى على الإنسان فتشدخه، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وكذلك قال الحسن، ومجاهد : كان يعذب الناس بأوتاد يُوتِدها في أيديهم وأرجلهم. 
والثاني : أنه ذو البناء المُحكم، روي عن ابن عباس أيضا، وبه قال الضحاك، والقرظي، واختاره ابن قتيبة. قال : والعرب تقول : هم في عز ثابت الأوتاد، ومُلك ثابت الأوتاد، يريدون أنه دائم شديد وأصل هذا، أن البيت من بيوتهم يثبت بأوتاد، قال الأسود بن يعفر :

ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة  في ظل ملك ثابت الأوتادوالثالث : أن المراد بالأوتاد : الجنود، رواه عطية عن ابن عباس، وذلك أنهم كانوا يشدون ملكه ويقوون أمره كما يقوي الوتد الشيء. والرابع : أنه كان يبني منارا يذبح عليها الناس. والخامس : أنه كان له أربع أسطوانات، فيأخذ الرجل فيمد كل قائمة إلى أسطوانة فيعذبه. روي القولان عن سعيد بن جبير. والسادس : أنه كانت له أوتاد وأرسان وملاعب يُلعب له عليها، قاله عطاء، وقتادة.

### الآية 38:13

> ﻿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ ۚ أُولَٰئِكَ الْأَحْزَابُ [38:13]

ولما ذكر المكذبين، قال : أُوْلَئِكَ الأحْزَابُ  : فأعلمنا أن مشركي قريش من هؤلاء، وقد عذبوا وأهلكوا.

### الآية 38:14

> ﻿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ [38:14]

فَحَقَّ عِقَابِ ، أثبت الياء في الحالين يعقوب.  وَمَا يَنظُرُ  أي : وما ينتظر  هَؤُلاء  يعني كفار مكة  إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً  وفيها قولان : أحدهما : أنها النفخة الأولى، قاله مقاتل. والثاني : النفخة الأخيرة، قاله ابن السائب. 
وفي الفواق قراءتان : قرأ حمزة، وخلف، والكسائي : بضم الفاء. وقرأ الباقون : بفتحها. وهل بينهما فرق، أم لا ؟ فيه قولان :
أحدهما : أنهما لغتان بمعنى واحد، وهو معنى قول الفراء، وابن قتيبة، والزجاج. قال الفراء : والمعنى : مالها من راحة ولا إفاقة، وأصله من الإفاقة في الرضاع إذا ارتضعت البهيمة أمها ثم تركتها حتى تنزل شيئا من اللبن، فتلك الإفاقة. وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( العيادة قدر فواق ناقة ). ومن يفتح الفاء، فيه لغة جيدة عالية، وقال ابن قتيبة : الفُواق والفَواق واحد، وهو أن تُحلب الناقة وتُترك ساعة حتى تُنزل شيئا من اللبن، ثم تُحلب فما بين الحلبتين فواق، فاستعير الفواق في موضع المكث والانتظار. وقال الزجاج : الفُواق ما بين حلبتي الناقة، وهو مشتق من الرجوع، لأنه يعود اللبن إلى الضرع بين الحلبتين، يقال : أفاق من مرضه، أي : رجع إلى الصحة. والثاني : أن من فتحها أراد مالها من راحة، ومن ضمها، أراد : فُواق الناقة، قاله أبو عبيدة. 
وللمفسرين في معنى الكلام أربعة أقوال : أحدها : مالها من رجعة، ثم فيه قولان : أحدهما : مالها من ترداد، قاله ابن عباس. والمعنى : أن تلك الصيحة لا تُكَرّر. والثاني : مالها من رجوع إلى الدنيا، قاله الحسن، وقتادة والمعنى : أنهم لا يعودون بعدها إلى الدنيا. والثاني : ما لهم منها من إفاقة، بل تهلكهم، قاله ابن زيد. والثالث : مالها من فتور ولا انقطاع، قاله ابن جرير. والرابع : مالها من راحة، حكاه جماعة من المفسرين.

### الآية 38:15

> ﻿وَمَا يَنْظُرُ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ [38:15]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٢:قوله تعالى : كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ  قال أبو عبيدة : قوم من العرب يؤنثون " القوم "، وقوم يذكرون. فإن احتج عليهم بهذه الآية قالوا : وقع المعنى على العشيرة، واحتجوا بقوله  كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ  \[ عبس : ١١ \]، قالوا : والمضمر مذكر. 
قوله تعالى : وفِرْعَوْنُ ذُو الأْوْتَادِ  : فيه ستة أقوال :
أحدها : أنه كان يعذب الناس بأربعة أوتاد يشدهم فيها، ثم يرفع صخرة فتلقى على الإنسان فتشدخه، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وكذلك قال الحسن، ومجاهد : كان يعذب الناس بأوتاد يُوتِدها في أيديهم وأرجلهم. 
والثاني : أنه ذو البناء المُحكم، روي عن ابن عباس أيضا، وبه قال الضحاك، والقرظي، واختاره ابن قتيبة. قال : والعرب تقول : هم في عز ثابت الأوتاد، ومُلك ثابت الأوتاد، يريدون أنه دائم شديد وأصل هذا، أن البيت من بيوتهم يثبت بأوتاد، قال الأسود بن يعفر :ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة  في ظل ملك ثابت الأوتادوالثالث : أن المراد بالأوتاد : الجنود، رواه عطية عن ابن عباس، وذلك أنهم كانوا يشدون ملكه ويقوون أمره كما يقوي الوتد الشيء. والرابع : أنه كان يبني منارا يذبح عليها الناس. والخامس : أنه كان له أربع أسطوانات، فيأخذ الرجل فيمد كل قائمة إلى أسطوانة فيعذبه. روي القولان عن سعيد بن جبير. والسادس : أنه كانت له أوتاد وأرسان وملاعب يُلعب له عليها، قاله عطاء، وقتادة. ---

### الآية 38:16

> ﻿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ [38:16]

قوله تعالى : وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجّل لَّنَا قِطَّنَا  في سبب قولهم هذا قولان : أحدهما : أنه لما ذكر لهم ما في الجنة، قالوا هذا، قاله سعيد بن جبير، والسدي. والثاني : أنه لما نزل قوله  فَأَمَّا مَنْ أُوتِي كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ. . .  الآيات \[ الحاقة : ١٩ ٣٧ \]، قالت قريش : زعمت يا محمد أنا نؤتى كتبنا بشمائلنا ؟ ! فعجّل لنا قطنا، يقولون ذلك تكذيبا له. قاله أبو العالية ومقاتل. 
**وفي المراد بالقط أربعة أقوال :**
أحدها : أنه الصحيفة، قاله أبو صالح عن ابن عباس. قال الفراء : القط في كلام العرب : الصك. وقال أبو عبيدة : القط : الكتاب، والقطوط : الكتب بالجوائز، وإلى هذا المعنى ذهب الحسن، ومقاتل، وابن قتيبة. 
والثاني : أن القِط : الحساب، رواه الضحاك عن ابن عباس. 
والثالث : أنه القضاء، قاله عطاء الخراساني. والمعنى : أنهم لما وُعدوا بالقضاء بينهم، سألوا ذلك. 
والرابع : أنه النصيب، قاله سعيد بن جبير. قال الزجاج : القِط : النصيب، وأصله : الصحيفة يُكتب للإنسان فيها شيء يصل إليه، واشتقاقة من قططت، أي : قطعت، فالنصيب : هو القطعة من الشيء. ثم في هذا القول للمفسرين قولان :
أحدهما : أنهم سألوه نصيبهم من الجنة، قاله سعيد بن جبير. 
والثاني : سألوه نصيبهم من العذاب، قاله قتادة. وعلى جميع الأقوال، إنما سألوا ذلك استهزاء، لتكذيبهم بالقيامة.

### الآية 38:17

> ﻿اصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ [38:17]

اصْبِر عَلَى مَا يَقُولُونَ  أي : من تكذيبهم وأذاهم ؛ وفي هذا قولان : أحدهما : أنه أُمر بالصبر، سلوكا لطريق أولي العزم، وهذا محكم. والثاني : أنه منسوخ بآية السيف فيما زعم الكلبي. 
قوله تعالى : وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودُ  في وجه المناسبة بين قوله : اصْبِر  وبين قوله : وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودُ  قولان : أحدهما : أنه أُمر أن يتقوّى على الصبر بذكر قوة داود على العبادة والطاعة. والثاني : أن المعنى : عرّفهم أن الأنبياء عليهم السلام -مع طاعتهم- كانوا خائفين مني، هذا داود مع قوته على العبادة، لم يزل باكيا مستغفرا، فكيف حالهم مع أفعالهم ؟ !
فأما قوله : ذَا الأيْدِ  فقال ابن عباس : هي القوة في العبادة. وفي " الصحيحين " من حديث عبد الله بن عمرو قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يوما ويفطر يوما، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه ). 
وفي  الأواب  أقوال قد ذكرناها في بني \[ إسرائيل : ٢٥ \].

### الآية 38:18

> ﻿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ [38:18]

إِنَّا سَخَّرْنَا الجِبَالَ مَعَهُ يُسَبّحْنَ  : قد ذكرنا تسبيح الجبال معه في \[ الأنبياء : ٧٩ \] وذكرنا معنى العشي في مواضع مما تقدم، \[ آل عمران : ٤١ \] \[ الأنعام : ٥٣ \] وذكرنا معنى الإشراق في \[ الحجر : ٧٣ \] عند قوله  مُشْرِقِينَ . قال الزجاج : الإشراق : طلوع الشمس وإضاءتها. وروي عن ابن عباس أنه قال : طلبت صلاة الضحى، فلم أجدها إلا في هذه الآية. وقد ذكرنا عنه أن صلاة الضحى مذكورة في \[ النور : ٣٦ \] في قوله  بِالْغُدُوّ وَالآصَالِ .

### الآية 38:19

> ﻿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً ۖ كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ [38:19]

قوله تعالى : وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً  وقرأ عكرمة، وأبو الجوزاء، والضحاك، وابن أبي عبلة : وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً  بالرفع فيهما، أي : مجموعة إليه، تسبح الله معه  كُلٌّ لَّهُ  في هاء الكناية قولان :
أحدهما : أنها ترجع إلى داود، أي : كل لداود  أَوَّابٌ  أي : رجّاع إلى طاعته وأمره، والمعنى : كل له مطيع بالتسبيح معه، هذا قول الجمهور. 
والثاني : أنها ترجع إلى الله تعالى، فالمعنى : كل مسبح لله قاله السدي.

### الآية 38:20

> ﻿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ [38:20]

قوله تعالى : وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ  أي : قويناه. وفي ما شد به ملكه قولان : أحدهما : أنه الحرس والجنود ؛ قال ابن عباس : كان يحرسه كل ليلة ستة وثلاثون ألف رجل. والثاني : أنه هيبة ألقيت له في قلوب الناس. وهذا المعنى مروي عن ابن عباس أيضا. 
قوله تعالى : وآتيناه الحكمة  : وفيها أربعة أقوال أحدها : أنها الفهم، قاله ابن عباس، والحسن، وابن زيد. والثاني : الصواب، قاله مجاهد. والثالث : السُّنة، قاله قتادة. والرابع : النبوة، قاله السدي. 
وفي فصل الخطاب أربعة أقوال : أحدها : علم القضاء والعدل، قاله ابن عباس، والحسن. والثاني : بيان الكلام، روي عن ابن عباس أيضا، وذكر الماوردي أنه البيان الكافي في كل غرض مقصود. والثالث : قوله " أَمَّا بَعْدَ "، وهو أول من تكلم بها، قاله أبو موسى الأشعري، والشعبي. والرابع : تكليف المدعي البينة، والمدّعى عليه اليمين، قاله شريح، وقتادة ؛ وهو قول حسن، لأن الخصومة إنما تُفصل بهذا.

### الآية 38:21

> ﻿۞ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ [38:21]

قوله تعالى : وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأ الْخَصْمِ  قال أبو سليمان : المعنى : قد أتاك فاستمع له نقصص عليك. 
واختلف العلماء في السبب الذي امتُحن لأجله داود عليه السلام بما امتُحن به، على خمسة أقوال :
أحدها : أنه قال : يا رب قد أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الذكر ما لو وددت أنك أعطيتني مثله، فقال الله تعالى : إني ابتليتهم بما لم أبتلك به، فإن شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم به وأعطيتك كما أعطيتهم ؟ قال : نعم، فبينما هو في محرابه إذ وقعت عليه حمامة، فأراد أن يأخذها فطارت، فذهب ليأخذها، فرأى امرأة تغتسل، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال السدي. 
والثاني : أنه مازال يجتهد في العبادة حتى برز له قرناؤه من الملائكة وكانوا يصلون معه ويسعدونه بالبكاء، فلما استأنس بهم، قال : أخبروني بأي شيء أنتم موكلون ؟ قالوا : ما نكتب عليك ذنبا، بل نكتب صالح عملك ونثبتك ونوفقك ونصرف عنك السوء، فقال في نفسه : ليت شعري، كيف أكون لو خلّوني ونفسي ؛ وتمنى أن يُخلى بينه وبين نفسه ليعلم كيف يكون، فأمر الله تعالى قُرناءه أن يعتزلوه ليعلم أنه لا غناء به عن الله عز وجل، فلما فقدهم، جدّ واجتهد ضِعف عبادته إلى أن ظن أنه قد غلب نفسه، فأراد الله تعالى أن يُعرِّفه ضَعْفَهُ، فأرسل إليه طائرا من طيور الجنة، فسقط في محرابه، فقطع صلاته ومد يده إليه، فتنّحى عن مكانه، فأتبعه بصره، فإذا امرأة أوريا، هذا قول وهب بن منبه. 
والثالث : أنه تذاكر هو وبنو إسرائيل، فقالوا : هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنبا ؟ فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك، فلما كان يوم عبادته، أغلق أبوابه وأمر أن لا يدخل عليه أحد وأكب على قراءة الزبور، فإذا حمامة من ذهب، فأهوى إليها فطارت، فتبعها فرأى المرأة، رواه مطر عن الحسن. 
والرابع : أنه قال لبني إسرائيل حين ملك : والله لأعدلن بينكم، ولم يستثن، فابتلي، رواه قتادة عن الحسن. 
والخامس : أنه أعجبه كثرة عمله، فابتُلي، قاله أبو بكر الورّاق. 
**الإشارة إلى قصة ابتلائه :**
قد ذكرنا عن وهب أنه قال : كانت الحمامة من طيور الجنة. وقال السدي : تصور له الشيطان في صورة حمامة. قال المفسرون : إنه لما تبع الحمامة، رأى امرأة في بستان على شط بركة لها تغتسل، وقيل : بل على سطح لها، فعجب من حسنها، فحانت منها التفاته فرأت ظله، فنقضت شعرها، فغطّى بدنها، فزاده ذلك إعجابا بها، فسأل عنها، فقيل : هذه امرأة أوريا، وزوجها في غزاة، فكتب داود إلى أمير ذلك الجيش أن ابعث أوريا إلى موضع كذا وكذا، وقدِمّه قبل التابوت، وكان من قُدّم على التابوت لا يحل له أن يرجع حتى يُفتح عليه أو يستشهد، ففعل ذلك، ففتح عليه، فكتب إلى داود يخبره، فكتب إليه أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا، ففُتح له، فكتب إليه أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا، فقُتل في المرة الثالثة، فلما انقضت عِدة المرأة تزوجها داود، فهي أم سليمان، فلما دخل بها، لم يلبث إلا يسيرا حتى بعث الله عز وجل ملكين في صورة إنسيين، وقيل : لم يأته الملكان حتى جاء منها سليمان وشبّ، ثم أتياه فوجداه في محراب عبادته، فمنعهما الحرس من الدخول إليه، فتسوروا المحراب عليه ؛ وعلى هذا الذي ذكرناه من القصة أكثر المفسرين، وقد روى نحوه العوفي عن ابن عباس، وروي عن الحسن، وقتادة، والسدي، ومقاتل في آخرين. وذكر جماعة من المفسرين أن داود لما نظر إلى المرأة، سأل عنها، وبعث زوجها إلى الغزاة مرة بعد مرة إلى أن قُتل، فتزوجها ؛ وروي مِثل هذا عن ابن عباس، ووهب، والحسن في جماعة. قال المصنف : وهذا لا يصح من طريق النقل، ولا يجوز من حيث المعنى، لأن الأنبياء منزّهون عنه. 
وقد اختلف المحققون في ذنبه الذي عُوتب عليه على أربعة أقوال :
أحدها : أنه لما هويها، قال لزوجها : تحوّل لي عنها، فعُوتب على ذلك. وقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : ما زاد داود على أن قال لصاحب المرأة : أكفلنيها وتحوّل لي عنها ؛ ونحو ذلك روي عن ابن مسعود. وقد حكى أبو سليمان الدمشقي أنه بعث إلى أوريا فأقدمه من غَزاته، فأدناه وأكرمه جدا، إلى أن قال له يوما : انزل لي عن امرأتك ؛ وانظر أيّ امرأة شئت في بني إسرائيل أزوجكها، أو أيّ أمة شئت أبتاعها لك، فقال : لا أريد بامرأتي بديلا ؛ فلما لم يجبه إلى ما سأل، أمره أن يرجع إلى غزاته. 
والثاني : أنه تمنى تلك المرأة حلالا، وحدث نفسه بذلك، فاتفق غزو أوريا وهلاكه من غير أن يسعى في سبب قتله ولا في تعريضه للهلاك، فلمّا بلغة قتله، لم يجزع عليه كما جزع على غيره من جنده، ثم تزوج امرأته، فعُوتب على ذلك. وذنوب الأنبياء عليهم السلام وإن صغرت، فهي عظيمة عند الله عز وجل. 
والثالث : أنه لما وقع بصره عليها، أشبع النظر إليها حتى علقت بقلبه. 
والرابع : أن أوريا كان قد خطب تلك المرأة، فخطبها داود مع علمه بأن أوريا قد خطبها، فتزوجها، فاغتمّ أوريا، وعاتب الله تعالى داود إذ لم يتركها لخاطبها الأول ؛ واختار القاضي أبو يعلى هذا القول، واستدل عليه بقوله : وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ، قال : فدلّ هذا على أن الكلام إنما كان بينهما في الخطبة، ولم يكن قد تقدم تزوج الآخر، فعُوتب داود عليه السلام لشيئين ينبغي للأنبياء التنزه عنهما، أحدهما : خِطبته على خطبته غيره، والثاني : إظهار الحِرص على التزويج مع كثرة نسائه، ولم يعتقد ذلك معصية، فعاتبه الله تعالى عليها ؛ قال : فأما ما روي أنه نظر إلى المرأة فهويها، وقدم زوجها للقتل، فإنه وجه لا يجوز على الأنبياء، لأن الأنبياء لا يأتون المعاصي مع العلم بها. 
قال الزجاج : إنما قال : الْخَصْمِ  بلفظ الواحد، وقال : تَسَوَّرُواْ الْمِحْرَابَ  بلفظ الجماعة، لأن قولك : خصم، يصلح للواحد والاثنين والجماعة، والذكر والأنثى، تقول : هذا خصم، وهي خصم، وهما خصم، وهم خصم ؛ وإنما يصلح لجميع ذلك لأنه مصدر، تقول : خصمته أخصمه خصما. والمحراب هاهنا كالغرفة، قال الشاعر :

ربة محراب إذا جئتها  لم ألقها أو أرتقي سلماو تَسَوَّرُواْ  يدل على علو. قال المفسرون : كانا ملكين، وقيل : هما جبريل وميكائيل عليهما السلام، أتياه لينبهاه على التوبة. وإنما قال : تَسَوَّرُواْ  وهما اثنان، لأن معنى الجمع ضم شيء إلى شيء، والاثنان فما فوقهما جماعة.

### الآية 38:22

> ﻿إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ۖ قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاءِ الصِّرَاطِ [38:22]

قوله تعالى : إِذْ دَخَلُواْ عَلَى دَاوُودُ  قال الفراء : يجوز أن يكون معنى  تسوروا  : دخلوا، فيكون تكرارا ؛ ويجوز أن تكون  إِذْ  بمعنى " لما "، فيكون المعنى : إذ تسوّروا المحراب لما دخلوا، ولما تسوّروا إذ دخلوا. 
قوله تعالى : فَفَزِعَ مِنْهُمْ  وذلك أنهما أتيا على غير صفة مجيء الخصوم، وفي غير وقت الحكومة، ودخلا تسورا من غير إذن. وقال أبو الأحوص : دخلا عليه وكل واحد منهما آخذ برأس صاحبه. و خَصْمَانِ  مرفوع بإضمار " نحن "، قال ابن الأنباري : المعنى : نحن كخصمين، ومثل خصمين، فسقطت الكاف، وقام الخصمان مقامها، كما تقول العرب : عبد الله القمر حسنا، وهم يريدون : مثل القمر، قالت هند بنت عتبة ترثي أباها وعمها :
 من حس لي الأخوين كال \*\*\* غصنين أو من راهُما
 أسدين في عيل يحيد ال \*\*\* قوم عن عُرواهما
 صقرين لا يتذللا \*\*\* ن ولا يُباح حماهما
 رمحين خطيين في \*\*\* كبد السماء تراهما
أرادت : مثل أسدين، ومثل صقرين، فأسقطت مثلا وأقامت الذي بعده مقامه. ثم صرف الله عز وجل النون والألف في " بعضنا " إلى " نحن " المضمر، كما تقول العرب : نحن قوم شرف أبونا، ونحن قوم شرُف أبوهم. والمعنى واحد. والحق هاهنا : العدل. 
 وَلاَ تُشْطِطْ  أي : لا تجر، يقال : شط وأشط : إذا جار. وقرأ ابن أبي عبلة : وَلاَ تَشْطِطْ  بفتح التاء وضم الطاء. قال الفراء : وبعض العرب يقول : شططت عليّ في السّوْم، وأكثر الكلام " أشططت " بالألف، وشطّت الدار : تباعدت. 
قوله تعالى : وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصّراطِ  أي : إلى قصد الطريق ؛ والمعنى : احملنا على الحق.

### الآية 38:23

> ﻿إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ [38:23]

فقال داود : تكلما، فقال أحدهما : إِنَّ هَذَا أَخِي  قال ابن الأنباري : المعنى : قال أحد الخصمين اللذين شبه الملكان بهما : إن هذا أخي، فأضمر القول لوضوح معناه  لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً  قال الزجاج : كُني عن المرأة بالنعجة، وقال غيره : العرب تشبّه النساء بالنعاج، وتوري عنها بالشاء والبقر. قال ابن قتيبة : ورّي عن ذكر النساء بذكر النعاج، كما قال عنترة :

يا شاة ما قنص لمن حلت له  حرُمت عليّ وليتها لم تحرميعرض بجارية، يقول : أي صيد أنت لمن حل له أن يصيدك ! فأما أنا، فإن حرمة الجوار قد حرمتك عليّ. وإنما ذكر الملك هذا العدد لأنه عدد نساء داود. 
قوله تعالى : وَلِي نَعْجَةٌ واحِدَةٌ  فتح الياء حفص عن عاصم، وأسكنها الباقون. 
 فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا  قال ابن قتيبة : أي : ضُمّها إليّ واجعلني كافلها. وقال الزجاج : انزل أنت عنها واجعلني أنا أكفلها. 
قوله تعالى : وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ  أي : غلبني في القول. وقرأ عمر بن الخطاب، وأبو رزين العقيلي، والضحاك، وابن يعمر، وابن أبي عبلة : وعازّني  بألف، أي : غالبني. قال ابن مسعود، وابن عباس في قوله  وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ  : ما زاد على أن قال : انزل لي عنها. وروى العوفي عن ابن عباس قال : إن دعوت ودعا كان أكثر، وإن بطشت وبطش كان أشد مني. 
فإن قيل : كيف قال الملكان هذا ؛ وليس شيء منه موجودا عندهما ؟
فالجواب : أن العلماء قالوا : إنما هذا على سبيل المثل والتشبيه بقصة داود، وتقدير كلامهما : ما تقول إن جاءك خصمان فقالا كذا وكذا ؟ وكان داود لا يرى أن عليه تبعة فيما فعل، فنبّهه الله بالملكين. وقال ابن قتيبة : هذا مثل ضربه الله له ونبهه على خطيئته، وقد ذكرنا آنفا أن المعنى : نحن كخصمين.

### الآية 38:24

> ﻿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ۗ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ۩ [38:24]

قوله تعالى : قَالَ  يعني داود  لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ  قال الفراء : أي : بسؤاله نعجتك، فإذا ألقيت الهاء من السؤال، أضفت الفعل إلى النعجة، ومثله : لاَّ يَسْأَمُ الإنْسَانُ مِن دُعَاء الْخَيْرِ  \[ فصلت : ٤٩ \]، أي : من دعائه بالخير فلما ألقى الهاء، أضاف الفعل إلى الخير، وألقى من الخير الباء، وأنشدوا :

فلست مسلّما ما دمت حيا  على زيد بتسليم الأميرأي : بتسليم على الأمير. 
قوله تعالى : إِلَى نِعَاجِهِ  أي : ليضمها إلى نعاجه. قال ابن قتيبة : المعنى : بسؤال نعجتك مضمومة إلى نعاجه، فاختُصر. قال : ويقال " إِلَى " بمعنى " مَعَ ". 
فإن قيل : كيف حكم داود قبل أن يسمع كلام الآخر ؟. فالجواب : أن الخصم الآخر اعترف، فحكم عليه باعترافه، وحذف ذكر الاعتراف اكتفاء بفهم السامع، والعرب تقول : أمرتك بالتجارة فكسبت الأموال، أي : فاتّجرت فكسبت، ويدل عليه قول السدي : إن داود قال للخصم الآخر : ما تقول ؟ قال : نعم. أريد أن آخذها منه فأكمل بها نعاجي وهو كاره، قال : إذا لا ندعك، وإن رمت هذا ضربنا منك هذا -ويشير إلى أنفه وجبهته- فقال : أنت يا داود أحق أن يُضرب هذا منك حيث لك تسع وتسعون امرأة، ولم يكن لأوريا إلا واحدة، فنظر داود فلم ير أحدا، فعرف ما وقع فيه. 
قوله تعالى : وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ الْخُلَطَاء  يعني : الشركاء، واحدهم : خليط، وهو المخالط في المال. وإنما قال هذا، لأنه ظنهما شريكين،  إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ  أي : فإنهم لا يظلمون أحدا،  وَقَلِيلٌ ما هم  " ما " زائدة، والمعنى : وقليل هم، وقيل : المعنى : هم قليل، يعني الصالحين الذين لا يظلمون. 
قوله تعالى : وَظَنَّ دَاوُودُ  أي : أيقن وعلم  أَنَّمَا فَتَنَّاهُ  فيه قولان :
أحدهما : اختبرناه. والثاني : ابتليناه بما جرى له من نظره إلى المرأة وافتتانه بها. وقرأ عمر بن الخطاب :" أَنَّمَا فَتَنَّاهُ " بتشديد التاء والنون جميعا. وقرأ أنس بن مالك، وأبو رزين، والحسن وقتادة، وعليّ بن نصر عن أبي عمرو : أَنَّمَا فَتَنَّاهُ  بتخفيف التاء والنون جميعا، يعني الملكين. قال أبو علي الفارسي : يريد : صمدا له. وفي سبب علمه وتنبيهه على ذلك ثلاثة أقوال : أحدها : أن الملكين أفصحا له بذلك، على ما ذكرناه عن السدي. 
والثاني : أنهما عرّجا وهما يقولان : قضى الرجل على نفسه، فعلم أنه عُني بذلك، قاله وهب. والثالث : أنه لما حكم بينهما، نظر أحدهما إلى صاحبه وضحك، ثم صعدا إلى السماء وهو ينظر، فعلم أن الله تعالى ابتلاه بذلك، قاله مقاتل. 
قوله تعالى : فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ  قال المفسرون : لما فطن داود بذنبه خر راكعا، قال ابن عباس : أي : ساجدا، وعبر عن السجود بالركوع، لأنهما بمعنى الانحناء. وقال بعضهم : المعنى : فخرّ بعد أن كان راكعا. 
فصل : واختلف العلماء هل هذه من عزائم السجود ؟ على قولين : أحدهما : ليست من عزائم السجود، قاله الشافعي. والثاني : أنها من عزائم السجود، قاله أبو حنيفة. وعن أحمد روايتان. قال المفسرون : فبقي في سجوده أربعين ليلة، لا يرفع رأسه إلا لوقت صلاة مكتوبة أو حاجة لا بد منها، ولا يأكل ولا يشرب، فأكلت الأرض من جبينه، ونبت العشب من دموعه، ويقول في سجوده : ربّ داود، زلّ داود زلة أبعد مما بين المشرق والمغرب. قال مجاهد : نبت البقل من دموعه حتى غطى رأسه، ثم نادى : رب قرح الجبين وجمدت العين وداود لم يرجع إليه في خطيئته شيء، فنودي : أجائع فتطعم، أم مريض فتشفى، أم مظلوم فيُنتصر لك ؟ فنحب نحيبا هاج كل شيء نبت، فعند ذلك غفر له. وقال ثابت البناني : اتخذ داود سبع حشايا من شعر وحشاهنّ من الرماد، ثم بكى حتى أنفذها دموعا، ولم يشرب شرابا إلا ممزوجا بدموع عينيه. وقال وهب بن منبه : نودي : يا داود ارفع رأسك فإنا قد غفرنا لك، فرفع رأسه وقد زمِن وصار مرعشا. 
أما قوله : وَأَنَابَ  معناه : رجع من ذنبه تائبا إلى ربه

### الآية 38:25

> ﻿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَٰلِكَ ۖ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ [38:25]

فَغَفَرْنَا لَهُ ذلِكَ  يعني الذنب  وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى  قال ابن قتيبة : أي : تقدم وقربة. 
قوله تعالى : وَحُسْنُ مَآبٍ  قال مقاتل : حسن مرجع، وهو ما أعد الله له في الجنة.

### الآية 38:26

> ﻿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ [38:26]

قوله تعالى : يا دَاوُودُ  المعنى : وقلنا له يا داود  إِنَّا جَعَلْنَاكَ  أي : صيرناك  خَلِيفَةً فِي الأرْضِ  أي : تدبر أمر العباد من قِبلنا بأمرنا، فكأنك خليفة عنا  فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقّ  أي : بالعدل  وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى  أي : لا تمل مع ما تشتهي إذا خالف أمر الله عز وجل  فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ  أي : عن دينه  إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ  وقرأ أبو نهيك، وأبو حيوة، وابن يعمر : يُضِلُّونَ  بضم الياء. 
قوله تعالى : بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ  فيه قولان : أحدهما : بما تركوا العمل ليوم الحساب، قاله السدي قال الزجاج : لما تركوا العمل لذلك اليوم، صاروا بمنزلة الناسين. والثاني : أن في الكلام تقديما وتأخيرا، تقديره : لهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا، أي : تركوا القضاء بالعدل، وهو قول عكرمة.

### الآية 38:27

> ﻿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [38:27]

قوله تعالى : وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا  أي : عبثا  ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ  أن ذلك خُلق لغير شيء، وإنما خُلق للثواب والعقاب.

### الآية 38:28

> ﻿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [38:28]

أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُواْ  قال مقاتل : قال كفار قريش للمؤمنين : إنا نعطى في الآخرة مثل ما تُعطون. فنزلت هذه الآية. وقال ابن السائب : نزلت في الستة الذين تبارزوا يوم بدر، علي رضي الله عنه، وحمزة رضي الله عنه، وعبيدة بن الحارث رضي الله عنه، وعتبة، وشيبة، والوليد بن عتبة، فذكر أولئك بالفساد في الأرض لعملهم فيها بالمعاصي، وسمّى المؤمنين بالمتقين لاتقائهم الشرك، وحكم الآية عام.

### الآية 38:29

> ﻿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [38:29]

قوله تعالى : كِتَابٌ  أي : هذا كتاب، يعني القرآن، وقد بيّنا معنى بركته في سورة \[ الأنعام : ٩٢ \]. 
 لّيَدَّبَّرُواْ آيَاتِهِ  وقرأ عاصم في رواية : لتدبروا آيَاتِه  بالتاء خفيفة الدال، أي : ليتفكروا فيها فيتقرر عندهم صحتها  وَلِيَتَذَكَّرَ  بما فيه من المواعظ  أُوْلُواْ الألبَابِ ، وقد سبق بيان هذا \[ الرعد : ١٩ \].

### الآية 38:30

> ﻿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ [38:30]

قوله تعالى : نِعْمَ الْعَبْدُ  يعني به سليمان. 
وفي الأواب أقوال، أليقها بهذا المكان أنه رجاع بالتوبة إلى الله تعالى مما يقع منه من السهو والغفلة.

### الآية 38:31

> ﻿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ [38:31]

قوله تعالى : إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِي  وهو ما بعد الزوال  الصَّافِنَاتُ  وهي الخيل. وفي معنى الصافنات قولان :
أحدهما : أنها القائمة على ثلاث قوائم، وقد أقامت الأخرى على طرف الحافر من يد أو رجل، وإلى هذا المعنى ذهب مجاهد وابن زيد، واختاره الزجاج، وقال : هذا أكثر قيام الخيل إذا وقفت كأنها تراوح بين قوائمها. قال الشاعر :

ألف الصُّفون فما يزال كأنه  مما يقوم على الثلاث كسيراوالثاني : أنها القائمة، سواء كانت على ثلاث أو غير ثلاث، قال الفراء : على هذا رأيت العرب، وأشعارهم تدل على أنه القيام خاصة. 
وقال ابن قتيبة : الصافن في كلام العرب : الواقف من الخيل وغيرها، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :( من سره أن يقوم له الرجال صفونا، فليتبوأ مقعده من النار )، أي : يُديمون القيام له. 
فأما الجياد، فهي السراع في الجري. وفي سبب عرضها عليه أربعة أقوال :
أحدها : أنه عَرَضها لأنه أراد جهاد عدو له، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه. 
والثاني : أنها كانت من دواب البحر. قال الحسن : بلغني أنها كانت خيلا خرجت من البحر لها أجنحة. وقال إبراهيم التيمي : كانت عشرين فرسا ذات أجنحة. وقال ابن زيد : أخرجتها له الشياطين من البحر. 
والثالث : أنه ورثها من أبيه داود عليه السلام، فعُرضت عليه، قاله وهب بن منبه ومقاتل. 
والرابع : أنه غزا جيشا، فظفر به وغنمها، فدعا بها فعُرضت عليه، قاله ابن السائب. 
وفي عددها أربعة أقوال : أحدها : ثلاثة عشر ألفا، قاله وهب. 
والثاني : عشرون ألفا، قاله سعيد بن مسروق. والثالث : ألف فرس، قاله ابن السائب، ومقاتل. والرابع : عشرون فرسا، وقد ذكرناه عن إبراهيم التيمي.

### الآية 38:32

> ﻿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ [38:32]

قال المفسرون : ولم تزل تُعرض عليه إلى أن غابت الشمس، ففاتته صلاة العصر، وكان مهيبا لا يبتدئه أحد بشيء، فلم يذكروه، ونسي هو، فلما غابت الشمس ذكر الصلاة،  فَقَالَ إِنّي أَحْبَبْتُ  فتح الياء أهل الحجاز وأبو عمرو  حُبَّ الْخَيْرِ  وفيه قولان : أحدهما : أنه المال، قاله سعيد بن جبير، والضحاك. 
والثاني : حب الخيل، قاله قتادة، والسدي. والقولان يرجعان إلى معنى واحد، لأنه أراد بالخير الخيل، وهي مال. وقال الفراء : العرب تسمي الخيل : الخير. قال الزجاج : وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخيل : زيد الخير، ومعنى  أحببت  آثرت حب الخير على ذكر ربي ؛ وكذلك قال غير الزجاج :" عن " بمعنى " على ". وقال بعضهم : يحتمل المعنى : فشغلني عن ذكر ربي. وقال أبو عبيدة : ومعنى الكلام : أحببت حبا، ثم أضاف الحب إلى الخير. وقال ابن قتيبة : سمّي الخيل خيرا، لما فيها من الخير. والمفسرون على أن المراد بذكر ربه : صلاة العصر، قاله عليّ، وابن مسعود، وقتادة في آخرين. وقال الزجاج : لا أدري هل كانت صلاة العصر مفروضة، أم لا !، إلا أن اعتراضه الخيل شغله عن وقت كان يذكر الله فيه  حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ  قال المصنف : وأهل اللغة يقولون : يعني الشمس، ولم يجر لها ذكر، ولا أحسبهم أعطوا في هذا الفكر حقه، لأن في الآية دليلا على الشمس، وهو قوله : بِالْعَشِي  ومعناه :
عُرض عليه بعد زوال الشمس حتى توارت الشمس بالحجاب، ولا يجوز الإضمار إلا أن يجري ذكر أو دليل ذكر فيكون بمنزلة الذكر ؛ وأما الحجاب، فهو ما يحجبها عن الأبصار.

### الآية 38:33

> ﻿رُدُّوهَا عَلَيَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ [38:33]

قوله تعالى : رُدُّوهَا عَلَيّ  قال المفسرون : لمّا شغله عرض الخيل عليه عن الصلاة، فصلاها بعد خروج وقتها، اغتم وغضب، وقال : ردوها علي  يعني : أعيدوا الخيل عليّ  فَطَفِقَ  قال ابن قتيبة : أي : أقبل  مَسْحاً  قال الأخفش : أي : يمسح مسحا. 
فأما السوق، فجمع ساق، مثل دُور ودار. وهمز السُّؤق ابن كثير، قال أبو علي : وغير الهمز أحسن منه. وقرأ أبو عمران الجوني، وابن محيصن : بالسؤوق  مثل الرؤوس، وفي المراد بالمسح هاهنا ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه ضربها بالسيف. روى أبيّ بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ  قال :" بالسيف ". وروى مجاهد عن ابن عباس قال : مسح أعناقها وسوقها بالسيف. وقال الحسن، وقتادة، وابن السائب : قطع أعناقها وسوقها، وهذا اختيار السدي، ومقاتل، والفراء، وأبي عبيدة، والزجاج، وابن قتيبة، وأبي سليمان الدمشقي، والجمهور. 
والثاني : أنه جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حبا لها، رواه عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس. وقال مجاهد : مسحها بيده، وهذا اختيار ابن جرير، والقاضي أبي يعلى. 
والثالث : أنه كوى سوقها وأعناقها وحبسها في سبيل الله تعالى، حكاه الثعلبي. 
والمفسرون : على القول الأول، وقد اعترضوا على القول الثاني، وقالوا : أيّ مناسبة بين شغلِها إيّاه عن الصلاة وبين مسح أعرافها حبا لها ؟ ! ولا أعلم قوله :" حبا لها " يثبت عن ابن عباس، وحملوا قول مجاهد " مسحها بيده " أي : تولى ضرب أعناقها. 
فإن قيل : فالقول الأول يفسُد بأنه لا ذنب للحيوان، فكيف وجّه العقوبة إليه ؟ وقصد التشفي بقتله، وهذا يشبه فِعل الجبارين، لا فعل الأنبياء ؟
فالجواب : أنه لم يكن ليفعل ذلك إلا وقد أبيح له، وجائز أن يُباح له ما يُمنع منه في شرعنا، على أنه إذا ذبحها كانت قربانا، وأكل لحمها جائز، فما وقع تفريط. قال وهب بن منبه : لما ضرب سوقها وأعناقها، شكر الله تعالى له ذلك، فسخّر له الريح مكانها، وهي أحسن في المنظر، وأسرع في السير، وأعجب في الأحدوثة.

### الآية 38:34

> ﻿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ [38:34]

قوله تعالى : وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ  أي : ابتليناه وامتحنّاه بسلب ملكه  وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيّهِ  أي : على سريره  جَسَداً  وفيه قولان :
**أحدهما :**
أنه شيطان، قاله ابن عباس، والجمهور. 
وفي اسم ذلك الشيطان ثلاثة أقوال : أحدها : صخر، رواه العوفي عن ابن عباس. وذكر العلماء أنه كان شيطانا مريدا لم يُسخّر لسليمان. 
والثاني : آصف، قاله مجاهد، إلا أنه ليس بالمؤمن الذي عنده الاسم الأعظم، إلا أن بعض ناقلي التفسير حكى أنه آصف الذي عنده علم من الكتاب، وأنه لما فُتن سليمان سقط الخاتم من يده فلم يثُبت، فقال آصف : أنا أقوم مقامك إلى أن يتوب الله عليك، فقام في مقامه، وسار بالسيرة الجميلة، هذا لا يصح، ولا ذكره من يوثق به. 
والثالث : حبقيق، قاله السدي، والمعنى : أجلسنا على كرسيه في ملكه شيطانا.  ثُمَّ أَنَابَ  أي : رجع. 
وفيما رجع إليه قولان : أحدهما : تاب من ذنبه، قاله قتادة. 
والثاني : رجع إلى ملكه، قاله الضحاك. 
وفي سبب ابتلاء سليمان بهذا خمسة أقوال :
أحدها : أنه كانت له امرأة يقال لها : جرادة، وكان بين بعض أهلها وبين قوم خصومة، فقضى بينهم بالحق إلا أنه ودّ أن الحق كان لأهلها، فعوقب حين لم يكن هواه فيهم واحدا، وأوحى الله تعالى إليه أنه سيصيبك بلاء، فكان لا يدري أيأتيه من السماء، أو من الأرض، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. 
والثاني : أن زوجته جرادة كانت آثر النساء عنده فقالت له يوما : إن أخي بينه وبين فلان خصومة، وإني أحب أن تقضي له، فقال : نعم، ولم يفعل، فابتلي لأجل ما قال، قاله السدي. 
والثالث : أن زوجته جرادة كان قد سباها في غزاة له، وكانت بنت ملك فأسلمت، وكانت تبكي عنده بالليل والنهار، فسألها عن حالها، فقالت : أذكر أبي وما كنت فيه، فلو أنك أمرت الشياطين فصوروا صورته في داري فأتسلى بها، ففعل، فكانت إذا خرج سليمان، تسجد له هي و وولائدها أربعين صباحا، فلما علم سليمان، كسر تلك الصورة، وعاقب المرأة وولائدها، ثم تضرع إلى الله تعالى مستغفرا مما كان في داره، فسُلِط الشيطان على خاتمه، هذا قول وهب بن منبه. 
والرابع : أنه احتجب عن الناس ثلاثة أيام، فأوحى الله تعالى إليه : يا سليمان، احتجبت عن الناس ثلاثة أيام فلم تنظر في أمور عبادي، ولم تنصف مظلوما من ظالم ؟ ! فسلط الشيطان على خاتمه، قاله سعيد ابن المسيب. 
والخامس : أنه قارب امرأة من نسائه في الحيض أو غيره، قاله الحسن. 
والقول الثاني : أن المراد بالجسد الذي ألقي على كرسيه : أنه وُلد له ولد، فاجتمعت الشياطين، فقال بعضهم لبعض : إن عاش له ولد، لم ننفكّ من البلاء، فسبيلنا أن نقتل ولده أو نخبله، فعلم بذلك سليمان، فأمر السحاب فحمله، وعدا ابنه في السحاب خوفا من الشياطين، فعاتبه الله تعالى على تخوّفه من الشياطين، ومات الولد، فألقي على كرسيه ميتا جسدا، قاله الشعبي. 
والمفسرون على القول الأول. ونحن نذكر قصة ابتلائه على قول الجمهور. 
**الإشارة إلى ذلك :**
اختلف العلماء في كيفية ذهاب خاتم سليمان على قولين :
أحدهما : أنه كان جالسا على شاطئ البحر، فوقع منه في البحر، قاله عليّ رضي الله عنه. 
والثاني : أن شيطانا أخذه، وفي كيفية ذلك أربعة أقوال :
أحدها : أنه دخل ذات يوم الحمّام ووضع الخاتم تحت فراشه، فجاء الشيطان فأخذه وألقاه في البحر، وجعل الشيطان يقول : أنا نبي الله، قاله سعيد بن المسيّب. 
والثاني : أن سليمان قال للشيطان : كيف تفتنون الناس ؟ قال : أرني خاتمك أخبرك، فأعطاه إيّاه، فنبذه في البحر، فذهب ملك سليمان، وقعد الشيطان على كرسيه، قاله مجاهد. 
والثالث : أنه دخل الحمّام، ووضع خاتمه عند أوثق نسائه في نفسه، فأتاها الشيطان فتمثل لها في صورة سليمان وأخذ الخاتم منها، فلما خرج سليمان، طلبه منها، فقالت : قد دفعته إليك، فهرب سليمان، وجاء الشيطان فجلس على ملكه. قاله سعيد بن جبير. 
والرابع : أنه دخل الحمّام، وأعطى الشيطان خاتمه فألقاه الشيطان في البحر، فذهب ملك سليمان، وأُلقي على الشيطان شبهه، قاله قتادة. 
فأما قصة الشيطان، فذكر أكثر المفسرين أنه لما أخذ الخاتم رمى به في البحر، وأُلقي عليه شبه سليمان، فجلس على كرسيه، وتحكم في سلطانه. وقال السدي : لم يُلقه في البحر حتى فرّ من مكان سليمان. وهل كان يأتي نساء سليمان ؟ فيه قولان :
أحدهما : أنه لم يقدر عليهن، قاله الحسن، وقتادة. 
والثاني : أنه كان يأتيهنّ في زمن الحيض، فأنكرنه، قاله سعيد ابن المسيّب ؛ والأول أصح. قالوا : وكان يقضي بقضايا فاسدة، ويحكم بما لا يجوز، فأنكره بنو إسرائيل، فقال بعضهم لبعض : إما أن تكونوا قد هلكتم أنتم، وإما أن يكون ملككم قد هلك، فاذهبوا إلى نسائه فاسألوهن، فذهبوا، فقلن : إنا والله قد أنكرنا ذلك ؛ فلم يزل على حاله إلى أن انقضى زمن البلاء. 
وفي كيفية بعد الشيطان عن مكان سليمان أربعة أقوال :
أحدها : أن سليمان وجد خاتمه فتختم به، ثم جاء فأخذ بناصية الشيطان، قاله سعيد بن المسيب. 
والثاني : أن سليمان لمّا رجع إلى مُلكه وجاءته الرّيح والطيّر والشياطين، فرّ الشيطان حتى دخل البحر، قاله مجاهد. 
والثالث : أنه لمّا مضى أربعون يوما، طار الشيطان من مجلسه، قاله وهب. 
والرابع : أن بني إسرائيل لما أنكروه، أتوه فأحدقوا به، ثم نشروا التوراة فقرؤوا، فطار من بين أيديهم، حتى ذهب إلى البحر، فوقع الخاتم منه في البحر، فابتلعه حوت، قاله السدي. 
وفي قدر مكث الشيطان قولان : أحدهما : أربعون يوما، قاله الأكثرون. 
والثاني : أربعة عشر يوما، حكاه الثعلبي. 
وأما قصة سليمان عليه السلام، فإنه لما سُلب خاتمه، ذهب ملكه، فانطلق هاربا في الأرض. قال مجاهد : كان يستطعم فلا يُطعم، فيقول : لو عرفتموني أعطيتموني، أنا سليمان، فيطردونه، حتى أعطته امرأة حوتا، فوجد خاتمه في بطن الحوت. وقال سعيد بن جبير : انطلق سليمان حتى أتى ساحل البحر، فوجد صيّادين قد صادوا سمكا كثيرا وقد أنتن عليهم بعضه، فأتاهم يستطعم، فقالوا : اذهب إلى تلك الحيتان فخذ منها، فقال : لا، أطعموني من هذا، فأبوا عليه، فقال : أطعموني فإني سليمان، فوثب إليه رجل منهم فضربه بالعصا غضبا لسليمان، فأتى تلك الحيتان فأخذ منها شيئا، فشق بطن حوت، فإذا هو بالخاتم. وقال الحسن : ذُكر لي أنه لم يُؤوِه أحد من الناس، ولم يُعرف أربعين ليلة، وكان يأوي إلى امرأة مسكينة، فبينا هو يوما على شط نهر، وجد سمكة، فأتى بها المرأة فشقتها فإذا بالخاتم. وقال الضحاك : اشترى سمكة من امرأة فشق بطنها فوجد خاتمه. 
وفي المدة التي سُلب فيها الملك قولان : أحدهما : أربعون ليلة، كما ذكرنا عن الحسن. 
والثاني : خمسون ليلة، قاله سعيد بن جبير. قال المفسرون : فلما جعل الخاتم في يده، رد الله عليه بهاءه وملكه، فأظلته الطير، وأقبل لا يستقبله جنّي ولا طائر ولا حجر ولا شجر إلا سجد له، حتى انتهى إلى منزله. قال السدي : ثم أرسل إلى الشيطان، فجيء به، فأمر به فجُعل في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه وأقفل، وختم عليه بخاتمه، ثم أمر به فأُلقي في البحر فهو فيه إلى أن تقوم الساعة. وقال وهب : جاب صخرة فأدخله فيها، ثم أوثقها بالحديد والرصاص، ثم قذفه في البحر.

### الآية 38:35

> ﻿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [38:35]

قوله تعالى : وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأِحَدٍ مّن بَعْدِي  فتح الياء نافع، وأبو عمرو. وفيه قولان :
أحدهما : لا يكون لأحد بعدي، قاله مقاتل، وأبو عبيدة. وقد أخرج البخاري ومسلم في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( إن عفريتا من الجن تفلت عليّ البارحة ليقطع عليّ صلاتي، فأمكنني الله منه، فأخذته، فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تنظُروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان  هَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأحَدٍ مّن بَعْدِي ، فرددته خاسئا ). 
والثاني : لا ينبغي لأحد أن يسلبه مني في حياتي، كما فعل الشيطان الذي جلس على كرسيه، قاله الحسن، وقتادة. وإنما طلب هذا الملك، ليعلم أنه قد غُفر له، ويعرف منزلته بإجابة دعوته، قاله الضحاك. ولم يكن في ملكه حين دعا بهذا الريح ولا الشياطين.

### الآية 38:36

> ﻿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ [38:36]

فَسَخَّرْنَا لَهُ الرّيحَ  وقرأ أبو الجوزاء، وأبو جعفر، وأبو المتوكل : الرّيَاحِ  على الجمع. 
قوله تعالى : رُخَاء  فيه ثلاثة أقوال :
أحدها : مطيعة، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الحسن، والضحاك. 
والثاني : أنها الطيبة، قاله مجاهد. والثالث : اللينة، مأخوذ من الرخاوة، قاله اللغويون. 
فإن قيل : كيف وصفها بهذا بعد أن وصفها في سورة \[ الأنبياء : ٨١ \] بأنها عاصفة ؟
فالجواب : أن المفسرين قالوا : كان يأمر العاصف تارة ويأمر الرخاء أخرى، وقال ابن قتيبة : كأنها كانت تشتد إذا أراد، وتلين إذا أراد. 
قوله تعالى : حَيْثُ أَصَابَ  أي : حيث قصد وأراد. قال الأصمعي : تقول العرب : أصاب فلان الصواب فأخطأ الجواب، أي : أراد الصواب.

### الآية 38:37

> ﻿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ [38:37]

قوله تعالى : وَالشَّيَاطِينَ  أي : وسخرنا له الشياطين  كُلَّ بَنَّاء  يبنون له ما يشاء  وَغَوَّاصٍ  يغوصون له في البحار فيستخرجون الدر.

### الآية 38:38

> ﻿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ [38:38]

وَآخَرِينَ  أي : وسخرنا له آخرين، وهم مردة الشياطين، سخّرهم له حتى قرنهم في الأصفاد لكفرهم. قال مقاتل : أوثقهم في الحديد. وقد شرحنا معنى  مُّقَرَّنِينَ فِي الأْصْفَادِ  في سورة نبي الله إبراهيم عليه السلام \[ إبراهيم : ٤٩ \].

### الآية 38:39

> ﻿هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [38:39]

هَذَا عَطَاؤُنَا  المعنى : قلنا له : هذا عطاؤنا. وفي المشار إليه قولان :
أحدهما : أنه جميع ما أعطي،  فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ  أي : أعط من شئت من المال، وامنع من شئت. والمنّ : الإحسان إلى من لا يطلب ثوابه. 
والثاني : أنه إشارة إلى الشياطين المسخرين له ؛ فالمعنى : فامنن على من شئت بإطلاقه، وأمسك من شئت منهم. وقد روي معنى القولين عن ابن عباس. 
قوله تعالى : بِغَيْرِ حِسَابٍ  قال الحسن : لا تبعة عليك في الدنيا ولا في الآخرة. وقال سعيد بن جبير : ليس عليك حساب يوم القيامة. وقيل : في الكلام تقديم وتأخير، تقديره : هذا عطاؤنا بغير حساب فامنن أو أمسك. 
وما بعد هذا قد سبق تفسيره \[ سبأ : ٣٧ \]، \[ الرعد : ٢٩ \] \[ الأنبياء : ٨٣ \] إلى قوله : مَسَّنِي الشَّيْطَانُ

### الآية 38:40

> ﻿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ [38:40]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٩: هَذَا عَطَاؤُنَا  المعنى : قلنا له : هذا عطاؤنا. وفي المشار إليه قولان :
أحدهما : أنه جميع ما أعطي،  فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ  أي : أعط من شئت من المال، وامنع من شئت. والمنّ : الإحسان إلى من لا يطلب ثوابه. 
والثاني : أنه إشارة إلى الشياطين المسخرين له ؛ فالمعنى : فامنن على من شئت بإطلاقه، وأمسك من شئت منهم. وقد روي معنى القولين عن ابن عباس. 
قوله تعالى : بِغَيْرِ حِسَابٍ  قال الحسن : لا تبعة عليك في الدنيا ولا في الآخرة. وقال سعيد بن جبير : ليس عليك حساب يوم القيامة. وقيل : في الكلام تقديم وتأخير، تقديره : هذا عطاؤنا بغير حساب فامنن أو أمسك. 
وما بعد هذا قد سبق تفسيره \[ سبأ : ٣٧ \]، \[ الرعد : ٢٩ \] \[ الأنبياء : ٨٣ \] إلى قوله : مَسَّنِي الشَّيْطَانُ ---

### الآية 38:41

> ﻿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ [38:41]

مَسَّنِي الشَّيْطَانُ  وذلك أن الشيطان سُلط عليه، فأضاف ما أصابه إليه. 
قوله تعالى : بِنُصْبٍ  قرأ الأكثرون بضم النون وسكون الصاد ؛ وقرأ الحسن، وابن أبي عبلة، وابن السميفع، والجحدري، ويعقوب بفتحهما. وهل بينهما فرق ؟ فيه قولان :
أحدهما : أنهما سواء. قال الفراء : هما كالرُّشد والرَّشد، والعُدم والعَدَم، والحُزن والحَزن ؛ وكذلك قال ابن قتيبة، والزجاج. قال المفسرون : والمراد بالنصب : الضر الذي أصابه. 
والثاني : أن النُّصب بتسكين الصاد : الشر، وبتحريكها : الإعياء، قاله أبو عبيدة. 
وقرأت عائشة، ومجاهد، وأبو عمران، وأبو جعفر، وشيبة، وأبو عمارة عن حفص : بِنُصْبٍ  بضم النون والصاد جميعا. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو الجوزاء، وهبيرة عن حفص :" بِنَصْبٍ " بفتح النون وسكون الصاد. 
**وفي المراد بالعذاب قولان :**
أحدهما : أنه العذاب الذي أصاب جسده. 
والثاني : أنه أخذ ماله وولده.

### الآية 38:42

> ﻿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ [38:42]

قوله تعالى : أرْكُضْ  أي : اضرب الأرض  بِرِجْلِكَ  ومنه : ركضت الفرس. فركض فنبعت عين ماء، فذلك قوله عز وجل : هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ . قال ابن قتيبة : المغتسل : الماء، وهو الغسول أيضا. قال الحسن : ركض برجله فنبعت عين فاغتسل منها، ثم مشى نحوا من أربعين ذراعا، ثم ركض برجله فنبعت عين فشرب منها، وعلى هذا جمهور العلماء أنه ركض ركضتين فنبعت له عينان، فاغتسل من واحدة، وشرب من الأخرى.

### الآية 38:43

> ﻿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [38:43]

الحساب بما نَسُوا، أي: تَرَكُوا القضاء بالعدل، وهو قول عكرمة.
 \[سورة ص (٣٨) : الآيات ٢٧ الى ٢٩\]
 وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩)
 قوله تعالى: وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا أي: عَبَثاَ ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا أن ذلك خُلِقَ لِغَيْرِ شيء، وإنما خُلِقَ للثواب والعقاب. أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا قال مقاتل:
 (١٢١٦) قال كفار قريش للمؤمنين: إنّا نُعْطَى في الآخرة مثل ما تُعْطَوْن، فنزلت هذه الآية.
 (١٢١٧) وقال ابن السائب: نزلت في السّتة الذين تبارزوا يوم بدر، عليّ رضي الله عنه، وحمزة رضي الله عنه، وعبيدة بن الحارث رضي الله عنه، وعتبة، وشيبة، والوليد بن عتبة، فذكر أولئك بالفساد في الأرض لِعَمَلهم فيها بالمعاصي، وسمَّى المؤمنين بالمتَّقِين لاتِّقائهم الشِّرك، وحُكْمُ الآية عامٌّ.
 قوله تعالى: كِتابٌ أي: هذا كتاب، يعني القرآن، وقد بيَّنّا معنى بَرَكَته في سورة الأنعام **«١»**.
 لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وقرأ عاصم في رواية: **«ليتدبّروا آياتِه»** بالتاء خفيفة الدال، أي: ليتفكروا فيها فيتقرر عندهم صِحَّتُها وَلِيَتَذَكَّرَ بما فيه من المواعظ أُولُوا الْأَلْبابِ، وقد سبق بيان هذا.
 \[سورة ص (٣٨) : الآيات ٣٠ الى ٤٤\]
 وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ (٣١) فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (٣٢) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ (٣٣) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ (٣٤)
 قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ (٣٦) وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٣٨) هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٩)
 وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠) وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (٤٢) وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)
 قوله تعالى: نِعْمَ الْعَبْدُ يعني به سليمان. وفي الأوّاب أقوال قد تقدمت في بني إسرائيل **«٢»**، ألْيَقُها بهذا المكان أنه رَجّاعٌ بالتَّوبة إِلى الله تعالى ممّا يقع منه من السَّهو والغَفْلة.
 قوله تعالى: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ وهو ما بعد الزَّوال الصَّافِناتُ وهي الخيل، وفي معنى

 رواه المصنف عن مقاتل، ومقاتل متهم بالوضع.
 رواه المصنف عن ابن السائب الكلبي، وكذا السيوطي في **«أسباب النزول»**. وابن السائب متهم بالوضع.
 __________
 (١) الأنعام: ٩٢.
 (٢) الإسراء: ٢٥.

الصّافنات قولان: أحدهما: أنها القائمة على ثلاث قوائم، وقد أقامت الأخرى على طرف الحافر من يد أو رِجْل وإِلى هذا المعنى ذهب مجاهد، وابن زيد، واختاره الزجاج، وقال: هذا أَكثرُ قيام الخيل إذا وقفت كأنَّها تراوح بين قوائمها، قال الشاعر:

أَلِفَ الصُّفُونَ فما يَزالُ كأنَّهُ  مِمّا يَقومُ على الثَّلاثِ كَسِيرا والثاني: أنها القائمة، سواء كانت على ثلاث أو غير ثلاث، قال الفراء: على هذا رأيت العرب، وأشعارهم تَدُلُّ على أنه القيام خاصة. وقال ابن قتيبة: الصافن في كلام العرب: الواقفُ من الخيلِ وغيرها، (١٢١٨) ومنه قول النبيّ صلى الله عليه وسلّم: **«من سرّه أن يقوم له الرّجال صُفُوناً، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّار»**، أي:
 يُديمون القيام له.
 فأمّا الجِيادُ، فهي السِّراعُ في الجَرْيِ. وفي سبب عرضها عليه أربعة أقوال: أحدها: أنه عَرَضَها لأنه أراد جهاد عدوٍّ له، قاله عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه. والثاني: أنها كانت من دوابّ البحر.
 قال الحسن: بلغني أنها كانت خيلاً خرجتْ من البحر لها أجنحة. وقال إبراهيم التيمي: كانت عشرين فرساً ذات أجنحة. وقال ابن زيد: أخرجتْها له الشياطين من البحر. والثالث: أنه وَرِثَها من أبيه داود عليه السلام، فعُرِضَتْ عليه، قاله وهب بن منبّه، ومقاتل. والرابع: أنه غزا جيشاً، فظَفِر به وغنمها، فدعا بها فعُرضَتْ عليه، قاله ابن السائب. وفي عددها أربعة أقوال: أحدها: ثلاثة عشر ألفاً، قاله وهب. والثاني: عشرون ألفاً، قاله سعيد بن مسروق. والثالث: ألف فرس، قاله ابن السائب ومقاتل.
 والرابع: عشرون فرساً، وقد ذكرناه عن إبراهيم التيمي. قال المفسرون: ولم تزل تُعْرَض عليه إِلى أن غابت الشمس، ففاتته صلاة العصر، وكان مَهِيباً لا يبتدئه أحد بشيء، فلم يذكِّروه، ونسي هو، فلمّا غابت الشمسُ ذكر الصلاة، فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ فتح الياء أهل الحجاز وأبو عمرو حُبَّ الْخَيْرِ وفيه قولان: أحدهما: أنه المال، قاله سعيد بن جبير والضحاك. والثاني: حُبُّ الخيل، قاله قتادة والسدي.
 والقولان يرجعان إلى معنى واحد، لأنه أراد بالخير الخيلَ، وهي مال. وقال الفراء: العرب تسمِّي الخيل: الخير.
 (١٢١٩) قال الزجاج: وقد سمّى رسول الله صلى الله عليه وسلّم زيد الخيل: زيد الخير.
 لا أصل له بلفظ **«صفونا»** وإنما هو من تصرف بعض الرواة أو أهل اللغة. فهو عند أبي داود ٥٢٢٩ والترمذي ٥٧٥٦ وأحمد ٤/ ٩١- ٩٤ من حديث معاوية بن أبي سفيان بلفظ **«من أحب أن يتمثل له الرجال قياما، فليتبوأ مقعده من النار»** هذا هو الصحيح الوارد في هذا المتن. وإسناده جيد، وصححه المنذري في **«الترغيب»** ٣/ ٤٣١. وفي الباب من حديث أبي أمامة أخرجه أبو داود ٥٢٣٠ وأحمد ٥/ ٢٥٣ وحسنه المنذري في **«ترغيبه»** ٣/ ٤٣١. وقال الحافظ في **«تخريج الكشاف»** ٤/ ٩١ عن الحديث المذكور: لم أجده هكذا، وفي غريب الحديث لأبي عبيد من حديث البراء رضي الله عنه **«كنا إذا صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فرفع رأسه قمنا معه صفونا»**. قلت: هو في **«الغريب»** ١/ ٣٧٩ بدون إسناد.
 ضعيف. أخرجه ابن عدي ٢/ ٢٢ وابن شاهين كما في الإصابة ٢٩٤١ من حديث ابن مسعود، ومداره على بشير مولى بني هاشم، وهو منكر الحديث، وبه أعله ابن عدي، وقال الذهبي في ترجمته: أتى بخبر منكر، ومراده هذا الحديث. وانظر **«تفسير القرطبي»** ٥٢٧١ بتخريجنا.

ومعنى **«أَحَبْبْتُ»** : آثرتُ حُبَّ الخَيْر على ذِكْر ربِّي وكذلك قال غير الزجاج: **«عن»** بمعنى **«على»**. وقال بعضهم: يحتمل المعنى: فشَغَلَني عن ذكر ربّي. وقال أبو عبيدة: معنى الكلام: أَحْبَبْتُ حُبّاً، ثم أضاف الحُبَّ إلى الخير. وقال ابن قتيبة: سمَّى الخَيْل خَيْراً، لما فيها من الخَيْر. والمفسرون على أن المراد بذِكْر ربِّه: صلاةُ العصر، قاله عليّ وابن مسعود وقتادة في آخرين. وقال الزجاج: لا أدري هل كانت صلاةُ العصر مفروضةً أم لا!، إلا أنّ اعتراضه الخيل شَغَلَه عن وقتٍ كان يذكُر الله فيه حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ قال المصنف: وأهل اللغة يقولون: يعني الشمس، ولم يجر لها ذِكْر، ولا أحسبهم أعطَوا في هذا الفِكْر حَقَّه، لأن في الآية دليلاً على الشمس، وهو قوله: **«بالعشيِّ»** ومعناه:
 عُرِضَ عليه بعد زوال الشمس حتى توارت الشمس بالحجاب، ولا يجوز الإِضمار إلا أن يجريَ ذِكْر أو دليل ذِكْر فيكون بمنزلة الذِّكْر وأما الحِجَاب، فهو ما يحجُبها عن الأبصار.
 قوله تعالى: رُدُّوها عَلَيَّ قال المفسرون: لمّا شغله عَرْضُ الخَيْل عليه عن الصلاة، فصلاّها بعد خروج وقتها، اغتمَّ وغضب، وقال: رُدُّوها عَلَيَّ، يعني: أعيدوا الخَيْل عَلَيَّ فَطَفِقَ قال ابن قتيبة:
 أي أقبل مَسْحاً قال الأخفش: أي: يَمْسَحُ مَسْحاً. فأمّا السُّوق، فجمع ساق، مثل دُور ودار. وهمز السُّؤق ابن كثير، قال أبو علي: وغيرُ الهمز أحسنُ منه. وقرأ أبو عمران الجوني، وابن محيصن:
 **«بالسُّؤوق»** مثل الرُّؤوس. وفي المراد بالمسح ها هنا ثلاثة أقوال:
 أحدها: أنه ضربها بالسيف.
 (١٢٢٠) روى أبيّ بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم في قوله: **«فطَفِقَ مَسْحاً بالسُّوق والأعناق»** قال:
 **«بالسيف»**. وروى مجاهد عن ابن عباس قال: مسح أعناقها وسوقها بالسيف. وقال الحسن، وقتادة، وابن السائب: قطع أعناقها وسُوقها، وهذا اختيار السدي، ومقاتل، والفراء، وأبي عبيدة، والزجاج، وابن قتيبة، وأبي سليمان الدمشقي، والجمهور.
 والثاني: أنه جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حُبّاً لها، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وقال مجاهد: مسحها بيده، وهذا اختيار ابن جرير، والقاضي أبو يعلى.
 والثالث: أنه كَوَى سُوقها وأعناقها وحبسها في سبيل الله تعالى، حكاه الثعلبي.
 والمفسِّرون على القول الأول، وقد اعترضوا على القول الثاني، وقالوا: أيّ مناسبة بين شغْلِها إيّاه عن الصلاة وبين مَسْح أعرافها حُبّاً لها؟! ولا أعلم قوله: **«حُبّاً لها»** يثبت عن ابن عباس. وحملوا قول مجاهد: **«مَسَحها بيده»** أي: تولىَّ ضَرْبَ أعناقها. فإن قيل: فالقول الأول يفسُد بأنه لا ذَنْب للحيوان، فكيف وجّه العقوبة إليه وقصد التَّشفِّي بقتله، وهذا يشبه فِعْلَ الجبّارِين، لا فِعْلَ الأنبياء؟ فالجواب: أنه لم يكن لِيَفْعَلَ ذلك إلا وقد أُبيح له، وجائز أن يُباح له ما يُمنَع منه في شرعنا، على أنه إذا ذبحها كانت قرباناً، وأكلُ لحمها جائز، فما وقع تفريط. قال وهب بن منبّه: لمّا ضَرَبَ سوقها وأعناقها، شكر اللهُ تعالى له ذلك، فسخَّر له الرِّيح مكانها، وهي أحْسَنُ في المنظر، وأَسْرَعُ في السَّيْر، وأَعْجَبُ في الأحدوثة.

 ضعيف جدا. أخرجه الطبراني في **«الأوسط»** ٦٩٩٣ من حديث أبي بن كعب، وإسناده ضعيف لضعف سعيد بن بشير وبخاصة عن قتادة، قال ابن نمير: يروي عن قتادة المنكرات، وفيه أيضا مروان بن محمد تكلم فيه لكن لا يحتمل مثل هذا بل الحمل في هذا الحديث على سعيد، فإنه منكر الحديث عن قتادة، وهذا منها.

قوله تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ أي: ابتليناه وامْتَحَنّاه بِسَلْبِ مُلْكه وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ أي: على سريره جَسَداً وفيه قولان **«١»** :
 أحدهما: أنه شيطان، قاله ابن عباس، والجمهور. وفي اسم ذلك الشيطان ثلاثة أقوال: أحدها:
 صخر، رواه العوفي عن ابن عباس. وذكر العلماء أنه كان شيطاناً مَرِيداً لم يُسَخَّر لسليمان. والثاني:
 آصف، قاله مجاهد: إلاّ أنه ليس بالمُؤْمِن الذي عنده الاسم الأعظم، إِلاّ أنّ بعض ناقِلِي التفسير حكى أنه آصف الذي عنده عِلْمٌ من الكتاب، وأنه لمّا فُتن سليمان سقط الخاتم من يده فلم يثبُت، فقال آصف: أنا أقوم مقامَك إِلى أن يتوبَ الله عليك، فقام في مقامه، وسار بالسِّيرة الجميلة، وهذا لا يَصِحُّ، ولا ذكره مَنْ يوثَق به. والثالث: حبقيق، قاله السدي والمعنى: أجلسْنا على كرسيِّه في مُلْكه شيطاناً. ثُمَّ أَنابَ أي: رَجَع: وفيما رجع إِليه قولان: أحدهما: تاب من ذَنْبه، قاله قتادة. والثاني:
 رَجَع إَلى مُلْكه، قاله الضحاك. وفي سبب ابتلاء سليمان بهذا خمسة أقوال **«٢»** : أحدها: أنه كانت له امرأة يقال لها: جرادة، فكان بين بعض أهلها وبين قوم خصومة، فقضى بينهم بالحق، إلا أنه وَدَّ أن الحق كان لأهلها، فعوقب حين لم يكن هواه فيهم واحداً، وأوحى اللهُ تعالى إِليه أنه سيُصيبك بلاءٌ، فكان لا يدري أيأتيه من السماء، أو من الأرض، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. والثاني: أن زوجته جرادة كانت آثَرَ النِّساءِ عنده، فقالت له يوماً: إن أخي بينه وبين فلان خصومة، وإنِّي أُحِبُ أن تَقْضِيَ له، فقال: نعم، ولم يفعل، فابتُليَ لأجل ما قال، قاله السدي. والثالث: أن زوجته جرادة كان قد سباها في غَزاةٍ له، وكانت بنتَ مَلِك فأسلمتْ، وكانت تبكي عنده بالليل والنهار، فسألها عن حالها، فقالت: أذْكُر أبي وما كنتُ فيه، فلو أنك أَمَرْتََ الشياطين فصوروا صورته في داري فأتسلىَّ بها، ففعل، فكانت إذا خرج سليمان، تسجد له هي وولائدها أربعين صباحاً، فلمّا عَلِم سليمان، كسر تلك الصورة، وعاقب المرأة وولائدها ثم تضرَّع إِلى الله تعالى مستغفراً ممّا كان في داره، فسُلِّط الشيطانُ على خاتمه، هذا قول وهب بن منبّه **«٣»**. والرابع: أنه احتجب عن الناس ثلاثة أيّام، فأوحى الله تعالى إليه: يا سليمان، احتجبتَ عن الناس ثلاثةَ أيّام فلم تنظرُ في أُمور عبادي ولم تُنْصِف مظلوماً من ظالم؟! فسلّط الشيطان على خاتمه، قاله سعيد بن المسيب. والخامس: أنه قارَبَ امرأةً من نسائه في الحيض أو غيره، قاله الحسن **«٤»**.
 والقول الثاني: أن المراد بالجسد الذي أُلقي على كرسيّه: أنه وُلد له ولد فاجتمعت الشياطين، فقال بعضهم لبعض: إِن عاش له ولد، لم ننفكَّ من البلاء، فسبيلُنا أن نقتُلَ ولده أو نخبله، فعلم بذلك

 (١) قال أبو حيان في **«البحر المحيط»** : نقل المفسّرون في هذه الفتنة وإلقاء الجسد، أقوالا يجب براءة الأنبياء منها، وهي إما من وضع اليهود، أو الزنادقة، ولم يبين الله الفتنة ولا الجسد الذي ألقاه، ويستحيل عقلا تمثل الشيطان بصورة نبي، فلو أمكن ذلك لم يوثق بإرسال نبي، وإنما هذه المقالة مسترقة من زنادقة السوفسطائية اه. ولو لم يذكر المصنف مثل هذا لكان أولى.
 (٢) هذه الأقوال جميعا من الإسرائيليات. وقال الحافظ ابن كثير ٤/ ٤٤: في هذا السياق منكرات من أشدها ذكر النساء، وكلها متلقاة من قصص أهل الكتاب، والله أعلم بالصواب.
 (٣) عامة روايات وهب إسرائيلية.
 (٤) هذا من الإسرائيليات الباطلة، وهذا القول أنكر الأقوال لما فيه من النيل من كرامة الأنبياء عليه السلام.

سليمان، فأمر السَّحاب فحمله، وعدا ابنه في السّحاب خوفا من الشياطين، فعاتبه الحقّ تعالى على تخوُّفه من الشياطين، ومات الولد، فأُلقي على كرسيه ميتاً جسداً، قاله الشعبي **«١»**. والمفسرون على القول الأول. ونحن نذكُر قصة ابتلائه على قول الجمهور.
 الإِشارة إلى ذلك
 اختلف العلماء في كيفية ذهاب خاتم سليمان على قولين: أحدهما: أنه كان جالساً على شاطئ البحر، فوقع منه في البحر، قاله عليّ رضي الله عنه. والثاني: أن شيطاناً أخذه، وفي كيفية ذلك أربعة أقوال: أحدها: أنه دخل ذات يوم الحمّام ووضع الخاتم تحت فِراشه، فجاء الشيطان فأخذه وألقاه في البحر، وجعل الشيطانُ يقول: أنا نبيّ الله، قاله سعيد بن المسيّب. والثاني: أن سليمان قال للشيطان:
 كيف تَفْتِنون النّاسَ؟ قال: أَرِني خاتمك أُخْبِرْكَ، فأعطاه إيّاه فنبذه في البحر فذهب مُلك سليمان وقعد الشيطان على كرسيه، قاله مجاهد. والثالث: أنه دخل الحمّام ووضع خاتمه عند أوثق نسائه في نفسه، فأتاها الشيطان فتمثَّل لها في صورة سليمان وأخذ الخاتم منها، فلمّا خرج سليمانُ طلبه منها فقالت: قد دفعتُه إِليك، فهرب سليمان وجاء الشيطان فجلس على مُلكه. قاله سعيد بن جبير. والرابع: أنه دخل الحمّام وأعطى الشيطانَ خاتمه، فألقاه الشيطان في البحر فذهب مُلك سليمان وأُلقي على الشيطان شِبْهُه قاله قتادة.
 فأمّا قِصَّةُ الشيطان، فذكر أكثر المفسرين أنه لمّا أخذ الخاتم رمى به في البحر، وأُلقي عليه شِبْهُ سليمان، فجلس على كرسيّه، وتحكَّم في سُلطانه. وقال السدي: لم يُلْقِه في البحر حتى فرّ من مكان سليمان. وهل كان يأتي نساءَ سليمان؟ فيه قولان **«٢»** : أحدهما: أنه لم يَقْدِر عليهنّ، قاله الحسن، وقتادة. والثاني: أنه كان يأتيهنّ في زمن الحيض، فأنكرنه، قاله سعيد بن المسيب والأول أصحّ.
 قالوا: وكان يقضي بقضايا فاسدة، ويحكُم بما لا يجوز، فأنكره بنو إسرائيل، فقال بعضُهم لبعض: إما أن تكونوا قد هَلَكتم أنتم، وإمّا أن يكون مَلكُكم قد هَلَكَ، فاذْهَبوا إِلى نسائه فاسألوهُنَّ، فذهبوا، فقلن: إنّا والله قد أنكرناه فلم يزل على حاله إلى أن انقضى زمن البلاء.
 وفي كيفيَّة بُعْدِ الشيطان عن مكان سليمان أربعة أقوال: أحدها: أن سليمان وجد خاتمه فتختَّم به، ثم جاء فأخذ بناصية الشيطان، قاله سعيد بن المسيّب. والثاني: أن سليمان لمّا رَجَع إلى مُلْكه وجاءته الرِّيح والطَّير والشياطين، فرّ الشيطان حتى دخل البحر، قاله مجاهد. والثالث: أنه لمّا مضى أربعون

 (١) هذه الآثار من سخافات الإسرائيليين.
 (٢) هذا وأمثاله من الإسرائيليات الباطلة المزورة، قبح الله واضعه، والعجب أن بعض المفسّرين يذكر مثل هذه الأخبار دون أن يبين بطلانها.
 قال الآلوسي: ومن أقبح ما في هذه الأخبار متسلط الشيطان على نساء نبيه حتى وطأهن وهنّ حيّض الله أكبر!! هذا بهتان عظيم، وخطب جسيم اه ملخصا، راجع روح المعاني ٢٣/ ١٩٩.
 - وقال ابن كثير ٤/ ٤٤: إن المشهور عن مجاهد وغير واحد من أئمة التفسير أن ذلك الجني لم يسلّط على نساء سليمان، بل عصمهن الله عز وجل منه تشريفا وتكريما لنبيه، قال: وقد رويت هذه القصة عن جماعة من السلف، ثم قال: وكلها متلقاة من قصص أهل الكتاب، والله أعلم بالصواب اه.

يوماً، طار الشيطان من مجلسه، قاله وهب. والرابع: أن بني إسرائيل لمّا أنكروه، أتوه فأحدقوا به، ثم نَشَروا التَّوراة فقرؤوا فطار من بين أيديهم حتى ذهب إِلى البحر، فوقع الخاتم منه في البحر فابتلعه حوت، قاله السدي. وفي قدر مكث الشيطان قولان: أحدهما: أربعون يوماً، قاله الأكثرون. والثاني:
 أربعة عشر يوماً، حكاه الثعلبي.
 وأما قصة سليمان عليه السلام، فإنه لما سُلب خاتمه، ذهب ملكه، فانطلق هارباً في الأرض، قال مجاهد: كان يَسْتَطْعِمُ فلا يُطْعَم، فيقول: لو عَرَفْتُموني أعطيتُموني، أنا سليمان، فيطردونه، حتى أعطته امرأةٌ حوتاً، فوجد خاتمه في بطن الحوت. وقال سعيد بن جبير: انطلق سليمان حتى أتى ساحل البحر، فوجد صيّادين قد صادوا سمكاً كثيرا وقد أنتن عليهم بعضُه، فأتاهم يَسْتَطعِم، فقالوا: اذهبْ إلى تلك الحيتان فخُذْ منها، فقال: لا، أطْعِموني من هذا، فأبَوا عليه، فقال: أّطْعِموني، فإنِّي سليمان، فوثب إِليه رجُلٌ منهم فضربه بالعصا غَضَباً لسليمان، فأتى تلك الحيتان فأخذ منها شيئاً، فشّقَّ بطنَ حوت، فإذا هو بالخاتم. وقال الحسن: ذُكِر لي أنه لم يُؤْوِه أَحدٌ من الناس، ولم يُعْرَف أربعينَ ليلةً، وكان يأوي إِلى امرأة مسكينة، فبينا هو يوما على شطّ نهر، وجد سمكة، فأتى بها المرأة فشقتَّها فإذا بالخاتم. وقال الضحاك: اشترى سمكة من امرأة فشقَّ بطنَها فوجد خاتمه. وفي المدة التي سُلب فيها الملك قولان: أحدهما: أربعون ليلة، كما ذكرنا عن الحسن. والثاني: خمسون ليلة، قاله سعيد بن جبير.
 قال المفسرون: فلمّا جعل الخاتم في يده، ردَّ اللهُ عليه بهاءَه ومُلْكه، فأظلَّته الطَّير، وأقبل لا يستقبله جنيّ ولا طائر ولا حجر ولا شجر إِلا سجد له، حتى انتهى إِلى منزله، قال السدي: ثم أرسل إلى الشيطان، فجيء به، فأَمر به فجُعل في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه وأقفل، وختم عليه بخاتمه، ثم أمر به فأُلقي في البحر، فهو فيه إلى أن تقوم الساعة. وقال وهب: جابَ صخرةً فأدخله فيها، ثم أوثقها بالحديد والرصاص، ثم قذفه في البحر.
 قوله تعالى: وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فتح الياء نافع، وأبو عمرو، وفيه قولان:
 أحدهما: لا يكون لأحد بعدي، قاله مقاتل، وأبو عبيدة.
 (١٢٢١) وقد أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم أنه قال:
 **«إنّ عفريتا من الجِنّ تفلَّت عليّ البارحةَ ليَقْطَعَ عَلَيَّ صلاتي، فأمكنني اللهُ منه، فأخذتُه، فأردتُ أن أَربطه إِلى سارية من سواري المسجد حتى تنظُروا إِليه كلُّكم، فذكرتُ دعوة أخي سليمان: وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فرددتُه خاسئاً»**.
 والثاني: لا ينبغي لأحد أن يسلبُه مِنِّي في حياتي، كما فعل الشيطان الذي جلس على كرسيه، قاله الحسن، وقتادة. وإنما طلب هذا المُلك، ليَعلم أنه قد غُفر له، ويعرف منزلته بإجابة دعوته، قاله الضحاك. ولم يكن في مُلْكه حين دعا بهذا الرّيحُ ولا الشياطينُ.
 فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ وقرأ أبو الجوزاء، وأبو جعفر، وأبو المتوكّل: **«الرّياح»** على الجمع.

 صحيح. أخرجه البخاري ٤٦١ ومسلم ٥٤١ وأحمد ٢/ ٢٩٨ والنسائي في **«التفسير»** ٤٦٠ والبغوي في **«شرح السنة»** ٧٤٧ وابن حبان ٦٤١٩ والبيهقي ٢/ ٢١٩ كلهم من حديث أبي هريرة.

قوله تعالى: رُخاءً فيه ثلاثة أقوال: أحدها: مُطيعة، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الحسن والضحاك. والثاني: أنها الطيِّبة، قاله مجاهد. والثالث: اللَّيِّنة، مأخوذ من الرَّخاوة، قاله اللُّغويُّون. فإن قيل: كيف وصفها بهذا بعد أن وصفها في سورة الأنبياء **«١»** بأنها عاصفة؟ فالجواب: أن المفسرين قالوا: كان يأمُر العاصفَ تارةً ويأمُر الرُّخاءَ أُخرى. وقال ابن قتيبة: كأنَّها كانت تشتدُّ إذا أراد، وتَلَينَ إذا أراد.
 قوله تعالى: حَيْثُ أَصابَ أي: حيث قصد وأراد. قال الأصمعي: تقول العرب: أصابَ فلانٌ الصَّوابَ فأَخطأَ الجوابَ، أي: أراد الصَّوابَ.
 قوله تعالى: وَالشَّياطِينَ أي: وسخَّرْنا له الشياطينَ كُلَّ بَنَّاءٍ يبنون له ما يشاء وَغَوَّاصٍ يغوصون له في البحار فيَستخرِجون الدُّرَّ، وَآخَرِينَ أي: وسخَّرْنا له آخَرِين، وهم مَرَدَةُ الشياطين، سخَّرهم له حتى قَرَّنهم في الأصفاد لِكُفرهم، قال مقاتل: أَوثَقَهم في الحديد. وقد شرحنا معنى مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ في سورة نبي الله إبراهيم **«٢»** عليه السلام. هذا عَطاؤُنا المعنى: قُلنا له: هذا عطاؤنا. وفي المشار إليه قولان: أحدهما: أنه جميع ما أُعطي، فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ أي: أَعْطِ مَنْ شئتَ من المال، وامْنَعْ مَنْ شئتَ. والمَنَّ: الإِحسان إِلى من لا يطلب ثوابه. والثاني: أنه إِشارة إلى الشياطين المسخَّرِين له فالمعنى: فامْنُنْ على مَنْ شئتَ بإطلاقه، وأَمْسِكْ مَنْ شئتَ منهم. وقد روي معنى القولين عن ابن عباس.
 قوله تعالى: بِغَيْرِ حِسابٍ قال الحسن: لا تَبِعَةَ عليك في الدُّنيا ولا في الآخرة. وقال سعيد بن جبير: ليس عليك حسابٌ يومَ القيامة. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، تقديره: هذا عطاؤنا بغير حساب فامْنُنْ أو أمْسِكْ.
 وما بعد هذا قد سبق تفسيره **«٣»** إِلى قوله: مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ وذلك أن الشيطان سُلِّط عليه، فأضاف ما أصابه إليه. قوله تعالى: بِنُصْبٍ قرأ الأكثرون بضم النون وسكون الصاد وقرأ الحسن، وابن أبي عبلة، وابن السميفع، والجحدري، ويعقوب: بفتحهما، وهل بينهما فرق؟ فيه قولان:
 أحدهما: أنهما سواء، قال الفراء: هما كالرُّشْد والرَّشَد والعُدْم، والعَدَم، والحُزْن والحَزَن، وكذلك قال ابن قتيبة، والزّجّاج. وقال المفسرون: والمراد بالنصب: الضُّرُ الذي أصابه. والثاني: أن النُّصْب بتسكين الصاد: الشرُّ. وبتحريكها: الإِعياء، قاله أبو عبيدة. وقرأ عائشة، ومجاهد، وأبو عمران، وأبو جعفر، وشيبة، وأبو عمارة عن حفص: **«بنُصُب»** بضم النون والصاد جميعاً. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو الجوزاء، وهبيرة بن حفص: **«بنَصْب»** بفتح النون وسكون الصاد. وفي المراد بالعذاب قولان: أحدهما: أنه العذاب الذي أصاب جسده. والثاني: أنه أخْذ ماله وولده وأهله.
 قوله تعالى: ارْكُضْ أي: اضْرِب الأرضَ بِرِجْلِكَ، ومنه: رَكَضْتُ الفَرَس، فرَكَضَ فنبعتْ عَيْنُ ماءٍ، فذلك قوله تعالى: هذا مُغْتَسَلٌ قال ابن قتيبة: المُغْتَسَلُ: الماءُ، وهو الغسول أيضاً. قال الحسن: رَكَضَ برِجله فنبعتْ عَيْنٌ فاغتَسلَ منها، ثم مشى نحواً من أربعين ذراعا، ثم ركض برجله

 (١) الأنبياء: ٨١.
 (٢) إبراهيم: ٤٩.
 (٣) سبأ: ٣٧، الرعد: ٢٩، الأنبياء: ٨٣.

فنبعتْ عَيْنٌ فشَرِب منها وعلى هذا جمهور العلماء أنه رَكَضَ ركضتين فنبعتْ له عينان، فاغتسل من واحدة، وشرب من الأُخرى.
 قوله تعالى: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً كان قد حَلَفَ لئن شفاه الله لَيَجْلِدَنَّ زوجتَه مائةَ جَلْدة.
 وفي سبب هذه اليمين ثلاثة أقوال **«١»** : أحدها: أن إٍبليس جلس في طريق زوجة أيُّوبَ كأنه طبيب، فقالت له: يا عبد الله، إنّ ها هنا إِنساناً مبتلىً، فهل لكَ أن تداويَه؟ قال: نعم، إِن شاء شفيتُه، على أن يقول إٍذا بَرَأَ: أنت شفيتَني، فجاءت فأخبرتْه، فقال: ذاك الشيطان، للهِ عَلَيَّ إن شفاني أن أجْلِدَكِ مائةَ جَلْدة، رواه يوسف بن مهران عن ابن عباس. والثاني: أن إِبليس لَقِيَها فقال: إنّي أنا الذي فعلت بأيّوب ما به، وأنا آله الأرض، وما أخذتُه منه فهو بيدي، فانطلِقي أًريكِ، فمشى بها غيرَ بعيدٍ، ثم سَحَر بَصَرَها، فأراها وادياً عميقاً فيه أهلُها وولدُها ومالُها، فأتت أيُّوبَ فأخبرتْه، فقال: ذاكَ الشيطان، ويحكِ كيفَ وعَى قولَه سَمْعُكِ، والله لئن شفاني الله عزّ وجلّ لأَجْلِدَنَّكِ مائةً، قاله وهب بن منبّه. والثالث: أن إِبليس جاء إِلى زوجته بسخلة، فقال: لِيَذْبَحْ لي هذه وقد بَرَأَ فأخبرتْه فحَلَفَ لَيَجْلِدَنَّها، وقد ذكرنا هذا القول في سورة الأنبياء عن الحسن. فأمّا الضِّغْث، فقال الفراء: هو كُلُّ ما جمعتَه من شيءٍ مثل الحِزْمة الرَّطْبة، قال: وما قام على ساق واستطال ثم جمعتَه، فهو ضِغْث. وقال ابن قتيبة: هو الحُزْمَةُ من الخِلال والعيدان. قال الزجاج: هو الحُزْمَةُ من الحشيش والرَّيْحان وما أشبهه.
 قال المفسرون: جزى اللهُ زوجتَه بحُسْن صبرها أن أفتاه في ضربها فسهّل الأمر، فجمع لها مائة عود، وقيل: مائة سنبلة، وقيل: كانت أَسَلاً، وقيل: من الإِذْخرِ، وقيل: كانت شماريخ، فضربها بها ضربةً واحدةً ولم يَحْنَثْ في يمينه. وهل ذلك خاصٌّ له، أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: أنه عامٌّ، وبه قال ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح وابن أبي ليلى. والثاني: أنه خاصٌّ لأيوب، قاله مجاهد.

###  **فصل:**


 وقد اختلف الفقهاء فيمن حلف أن يَضْرِبَ عبده عشرة أسواط فجمعها كلَّها وضربه بها ضربة واحدة، فقال مالك، والليث بن سعد: لا يَبَرُّ، وبه قال أصحابنا. وقال أبو حنيفة والشافعي: إذا أصابه في الضربة الواحدة كلُّ واحدٍ منها، فقد بَرَّ واحتجوا بعموم قصّة أيّوب عليه الصلاة والسلام.
 (١) هذه الأقوال باطلة، والخبر بطوله من الإسرائيليات. وقال ابن العربي: ولم يصح عن أيوب في أمره إلا ما أخبرنا الله عنه في كتابه في آيتين الأولى قوله تعالى: وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ الأنبياء: ٨٣ والثانية في ص: أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ وأما النبي صلى الله عليه وسلّم فلم يصح عنه أنه ذكره بحرف واحد إلا قوله: **«نبيا أيوب يغتسل إذ خرّ عليه رجل من جراد من ذهب»** الحديث- أخرجه البخاري ٢٧٩ و ٣٣٩٣ وغيره من حديث أبي هريرة.
 وإذ لم يصح عنه فيه قرآن ولا سنة إلا ما ذكرناه، فمن الذي يوصل السامع إلى أيوب خبره، أم على أي لسان سمعه؟ والإسرائيليات مرفوضة عند العلماء على البتات، فأعرض عن سطورها بصرك، واصمم عن سماعها أذنيك، فإنها لا تعطي فكرك إلا خيالا، ولا تزيد فؤادك إلا خبالا. وفي **«الصحيح»** واللفظ للبخاري أن ابن عباس قال: يا معشر المسلمين! تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أنزل على نبيكم أحدث الأخبار بالله، تقرؤونه محضا لم يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب قد بدّلوا من كتب الله وغيروا وكتبوا بأيديهم الكتب فقالوا: هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا ولا ينهاكم عما جاءكم من العلم عن مسألتهم، فلا والله ما رأينا رجلا منهم يسألكم عن الذي أنزل عليكم، وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلّم في حديث الموطأ على عمر قراءته التوراة.

### الآية 38:44

> ﻿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ [38:44]

قوله تعالى : وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً  كان قد حلف لئن شفاه الله ليجلدن زوجته مائة جلدة. وفي سبب هذه اليمين ثلاثة أقوال :
أحدها : أن إبليس جلس في طريق زوجة أيوب كأنه طبيب، فقالت له : يا عبد الله : إن ها هنا إنسانا مبتلى، فهل لك أن تداويَه ؟ قال : نعم. إن شاء شفيته، على أن يقول إذا برأ : أنت شفيتني، فجاءت فأخبرته، فقال : ذاك الشيطان، لله عليّ إن شفاني أن أجلدك مائة جلدة، رواه يوسف بن مهران عن ابن عباس. 
والثاني : أن إبليس لقيها فقال : إني أنا الذي فعلت بأيوب ما به، وأنا إله الأرض، وما أخذته منه فهو بيدي، فانطلقي أريك، فمشى بها غير بعيد، ثم سحر بصرها، فأراها واديا عميقا فيه أهلها وولدها ومالها، فأتت أيوب فأخبرته، فقال : ذاك الشيطان، ويحك، كيف وعى قوله سمعك ؟ والله لئن شفاني الله عز وجل لأجلدنك مائة، قاله وهب بن منبه. 
والثالث : أن إبليس جاء إلى زوجته بسخلة، فقال : ليذبح لي هذه وقد برأ ؛ فأخبرته، فحلف ليجلدنها، وقد ذكرنا هذا القول في سورة \[ الأنبياء : ٨٣ \] عن الحسن. 
فأما الضِّغْث، فقال الفراء : هو كل ما جمعتَه من شيء مثل الحِزمة الرطبة، قال : وما قام على ساق واستطال ثم جمعته، فهو ضغث. وقال ابن قتيبة : هو الحزمة من الخلال والعيدان. قال الزجاج : هو الحُزْمة من الحشيش والريحان وما أشبههه. قال المفسرون : جزى الله زوجته بحُسن صبرها أن أفتاه في ضربها، فسهّل الأمر، فجمع لها مائة عود، وقيل : مائة سنبلة، وقيل : كانت أسلا، وقيل : من الإذخر، وقيل : كانت شماريخ، فضربها بها ضربة واحدة، ولم يحنث في يمنيه. وهل ذلك خاص له، أم لا ؟ فيه قولان : أحدهما : أنه عام، وبه قال ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح، وابن أبي ليلى. 
والثاني : أنه خاص لأيوب، قاله مجاهد. 
فصل : وقد اختلف الفقهاء فيمن حلف أن يضرب عبده عشرة أسواط فجمعها كلها وضربه بها ضربة واحدة، فقال مالك، والليث بن سعد : لا يبرُّ، وبه قال أصحابنا. وقال أبو حنيفة والشافعي : إذا أصابه في الضربة الواحدة كل واحد منها، فقد برّ، واحتجوا بعموم قصة أيوب عليه الصلاة والسلام. 
قوله تعالى : إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً  أي : على البلاء الذي ابتليناه به.

### الآية 38:45

> ﻿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ [38:45]

قوله تعالى : وَاذْكُرْ عِبَادَنَا  وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وحميد، وابن محيصن، وابن كثير : عَبْدَنَا ، إشارة إلى إبراهيم، وجعلوا إسحاق ويعقوب عطفا عليه، لأنه الأصل وهما ولداه، والمعنى : اذكر صبرهم، فإبراهيم أُلقي في النار، وإسحاق أضجع للذبح، ويعقوب صبر على ذهاب بصره وابتُلي بفقد ولده ؛ ولم يُذْكر إسماعيل معهم، لأنه لم يُبتل كما ابتُلوا. 
 أُوْلِي الأيْدِي  يعني القوة في الطاعة  وَالأبْصَارُ  البصائر في الدين والعلم. قال ابن جرير : وذكر الأيدي مثل، وذلك لأن باليد البطش، وبالبطش تُعرف قوة القوي، فلذلك قيل للقوي : ذو يد، وعنى بالبصر : بصر القلب، وبه تُنال معرفة الأشياء. وقرأ ابن مسعود، والأعمش، وابن أبي عبلة : أُوْلِي الأيْدِي  بغير ياء في الحالين. قال الفراء : ولها وجهان : أحدهما : أن يكون القارئ لهذا أراد الأيدي، فحذف الياء، وهو صواب، مثل الجوار والمناد. 
والثاني : أن يكون من القوة والتأييد، من قوله  وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ  \[ البقرة : ٨٧ \].

### الآية 38:46

> ﻿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ [38:46]

قوله تعالى : إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ  أي : اصطفيناهم وجعلناهم لنا خالصين، فأفردناهم بمُفردة من خصال الخير، ثم أبان عنها بقوله : ذِكْرَى الدَّارِ . 
وفي المراد بالدار هاهنا قولان : أحدهما : الآخرة. والثاني : الجنة. 
**وفي الذكرى، قولان :**
أحدهما : أنها من الذكر، فعلى هذا يكون المعنى : أخلصناهم بذكر الآخرة، فليس لهم ذكر غيرها، قاله مجاهد، وعطاء، والسدي. وكان الفُضَيل بن عياض رحمة الله عليه يقول : هو الخوف الدائم في القلب. 
والثاني : أنها التذكير، فالمعنى : أنهم يدعون الناس إلى الآخرة وإلى عبادة الله تعالى، قاله قتادة. 
وقرأ نافع  بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ، فأضاف " خالصة " إلى " ذكرى الدار ". 
قال أبو علي : تحتمل قراءة من نون وجهين :
أحدهما : أن تكون " ذكرى " بدلا من " خالصة "، والتقدير : أخلصناهم بذكر الدار، 
والثاني : أن يكون المعنى أخلصناهم بأن يذكروا الدار بالتأهب للآخرة والزهد في الدنيا. ومن أضاف، فالمعنى : أخلصناهم بإخلاصهم ذكرى الدار بالخوف منها. وقال ابن زيد : أخلصناهم بأفضل ما في الجنة.

### الآية 38:47

> ﻿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ [38:47]

قوله تعالى : وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفينَ  أي : من الذين اتخذهم الله صفوة فصفّاهم من الأدناس  الأخْيَارِ  الذين اختارهم.

### الآية 38:48

> ﻿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ ۖ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ [38:48]

وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَاليَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ  أي : اذكرهم بفضلهم وصبرهم لتسلك طريقهم، واليسع نبي، واسمه أعجمي معرّب، وقد ذكرناه في \[ الأنعام : ٨٥ \]، وشرحنا في سورة \[ الأنبياء : ٨٥ \] قصة ذي الكفل، وتكلمنا في \[ البقرة : ١٢٥ \] في اسم إسماعيل، وزعم مقاتل أن إسماعيل هذا ليس بابن إبراهيم.

### الآية 38:49

> ﻿هَٰذَا ذِكْرٌ ۚ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [38:49]

قوله تعالى : هَذَا ذِكْرُ  أي : شرف وثناء جميل يُذكرون به أبدا  وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لحسن مآب  أي : حسن مرجع يرجعون إليه في الآخرة.

### الآية 38:50

> ﻿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ [38:50]

ثم بين ذلك المرجع، فقال : جَنَّاتٍ عدن مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأبْوَابُ  قال الفراء : إنما رُفعت " الأبواب " لأن المعنى : مفتحة لهم أبوابها، والعرب تجعل الألف واللام خلفا من الإضافة، فيقولون : مررت على رجل حسن العين، وقبيح الأنف، والمعنى : حسنة عينه، قبيح أنفه، ومنه قوله تعالى : فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِي الْمَأْوَى  \[ النازعات : ٣٩ \] والمعنى : مأواه. وقال الزجاج : المعنى : مُفتحة لهم الأبواب منها، فالألف واللام للتعريف، لا للبدل. قال ابن جرير : والفائدة في ذكر تفتيح الأبواب، أن الله عز وجل أخبر عنها أن أبوابها تُفتح لهم بغير فتح سُكانها لها بيد، ولكن بالأمر، قال الحسن : هي أبواب تكلم، فتُكلم : انفتحي، انغلقي.

### الآية 38:51

> ﻿مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ [38:51]

قوله تعالى: إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً أي: على البلاء الذي ابتليناه به.
 \[سورة ص (٣٨) : الآيات ٤٥ الى ٥٤\]
 وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (٤٨) هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩)
 جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (٥٢) هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (٥٣) إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (٥٤)
 قوله تعالى وَاذْكُرْ عِبادَنا وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وحميد، وابن محيصن، وابن كثير:
 **«عبدَنا»** إِشارة إِلى إِبراهيم، وجعلوا إِسحاق ويعقوب عطفاً عليه، لأنه الأصل وهما ولداه، والمعنى:
 اذْكُر صبرهم، فإبراهيم أُلقي في النار، وإِسحاق أُضجع للذبح، ويعقوب صبر على ذهاب بصره وابتُلي بفقد ولده ولم يُذْكَر إِسماعيل معهم، لأنه لم يُبْتَلَ كما ابتُلوا. أُولِي الْأَيْدِي يعني القوة في الطاعة وَالْأَبْصارِ البصائر في الدِّين والعِلْم. قال ابن جرير: وذِكْر الأيدي مَثَلٌ، وذلك لأن باليد البطش، وبالبطش تُعرف قُوَّة القويِّ، فلذلك قيل للقويِّ: ذو يدٍ وعنى بالبصر: بصر القلب، وبه تُنال معرفة الأشياء. وقرأ ابن مسعود، والأعمش، وابن أبي عبلة: **«أُولي الأيدِ»** بغير ياءٍ في الحالين. قال الفراء:
 ولها وجهان: أحدهما: أن يكون القارئ لهذا أراد الأيدي، فحذف الياء، وهو صواب، مثل الجَوارِ والمناد. والثاني: أن يكون من القوّة والتأييد، من قوله تعالى: وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ **«١»**. قوله تعالى:
 إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ أي: اصطفيناهم وجعلناهم لنا خالصين، فأفردناهم بمُفْرَدة من خصال الخير ثم أبان عنها بقوله تعالى: ذِكْرَى الدَّارِ. وفي المراد بالدّار ها هنا قولان: أحدهما: الآخرة. والثانية:
 الجنة. وفي الذكرى قولان: أحدهما: أنها من الذِّكْر، فعلى هذا يكون المعنى: أَخْلَصْناهم بذِكْر الآخرة، فليس لهم ذِكْر غيرها، قاله مجاهد، وعطاء، والسّدّيّ. وكان الفضيل بن عياض يقول: هو الخوف الدائم في القلب. والثاني: أنها التذكير، فالمعنى أنهم يَدْعُون الناس إِلى الآخرة وإِلى عبادة الله تعالى، قاله قتادة. وقرأ نافع: **«بخالصةِ ذِكْرَى الدَّارِ»** فأضاف ****«خالصة»**** إِلى **«ذِكْرَى الدار»** قال أبو علي:
 تحتمل قراءة من نوَّن وجهين: أحدهما: أن تكون **«ذكرى»** بدلاً من ****«خالصة»****، والتقدير: أخلصناهم بذكر الدار. والثاني: أن يكون المعنى: أخلصناهم بأن يذكُروا الدَّار بالتأهُّب للآخرة والزُّهد في الدنيا.
 ومن أضاف، فالمعنى: أخْلَصْناهم بإخلاصهم ذِكْرى الدَّار بالخوف منها. وقال ابن زيد أخلصناهم بأفضل ما في الجنة. قوله تعالى: وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ أي: من الذين اتخذهم اللهُ صَفْوَةً فصفَّاهم من الأدناس الْأَخْيارِ الذين اختارهم. وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ أي: اذْكُرْهم بفضلهم وصبرهم لِتَسْلُكَ طريقَهم، والْيَسَعُ نبيُّ، واسمه أعجميّ معرّب، وقد ذكرناه في سورة الأنعام **«٢»**، وشرحنا في سورة الأنبياء **«٣»** قصة ذي الكفل، وتكلّمنا في سورة البقرة **«٤»** في اسم إِسماعيل. وزعم مقاتل أن إسماعيل هذا ليس بابن إبراهيم.

 (١) البقرة: ٧٨.
 (٢) الأنعام: ٨٥. [.....]
 (٣) الأنبياء: ٨٥.
 (٤) البقرة: ١٢٥.

### الآية 38:52

> ﻿۞ وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ [38:52]

قوله تعالى : وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ  قد مضى بيانه في \[ الصافات : ٤٨ \] قال الزجاج : والأتراب : اللواتي أسنانهن واحدة وهن في غاية الشباب والحسن.

### الآية 38:53

> ﻿هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ [38:53]

قوله تعالى : هَذَا مَا تُوعَدُونَ  قرأ أبو عمرو، وابن كثير، بالياء. والباقون بالتاء. 
قوله تعالى : لِيَوْمِ الْحِسَابِ  اللام بمعنى " في ".

### الآية 38:54

> ﻿إِنَّ هَٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ [38:54]

والنفاد : الانقطاع. قال السدي : كلما أخذ من رزق الجنة شيء، عاد مثله.

### الآية 38:55

> ﻿هَٰذَا ۚ وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ [38:55]

قوله تعالى : هَذَا  المعنى : هذا الذي ذكرناه  وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ  يعني الكافرين  لَشَرَّ مَآبٍ .

### الآية 38:56

> ﻿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ [38:56]

ثم بيّن ذلك بقوله : جَهَنَّمَ  والمهاد : الفراش.

### الآية 38:57

> ﻿هَٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ [38:57]

هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ  قال الفراء : في الآية تقديم وتأخير، تقديره : هذا حميم وغسّاق فليذوقوه، وإن شئت جعلت الحميم مستأنفا، كأنك قلت : هذا فليذوقوه، ثم قلت : منه حميم، ومنه غسّاق، كقول الشاعر :حتى إذا ما أضاء الصبح في غلس  وغودر البقل ملوي ومحصودفأما الحميم، فهو الماء الحار. وأما الغسّاق، ففيه لغتان، قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص : بالتشديد، وكذلك في  عم يتساءلون  :\[ ٢٥ \]، تابعهم المفضل في  عَمَّ يتساءلون ، وقرأ الباقون بالتخفيف. وفي الغسّاق أربعة أقوال :
أحدها : الزمهرير، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وقال مجاهد : الغسّاق لا يستطيعون أن يذوقوه من برد. 
والثاني : أنه ما يجري من صديد أهل النار، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال عطية، وقتادة، وابن زيد. 
والثالث : أن الغسّاق : عين في جهنم يسيل إليها حُمَةُ كل ذات حُمَة من حية أو عقرب أو غيرها، فيستنقع، فيؤتى بالآدمي فيُغمس فيها غمسة، فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام، ويجُرُّ لحمه جر الرجل ثوبه، قاله كعب. 
والرابع : أنه ما يسيل من دموعهم، قاله السدي. قال أبو عبيدة : الغسّاق : ما سال، يقال : غسقت العين والجرح. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي عن ابن قتيبة قال : لم يكن أبو عبيدة يذهب إلى أن في القرآن شيئا من غير لغة العرب، وكان يقول : هو اتفاق يقع بين اللغتين، وكان غيره يزعم أن الغسّاق : البارد المُنتن بلسان الترك. وقيل : فعّال، من غسق يغسِق ؛ فعلى هذا يكون عربيا. وقيل في معناه : إنه الشديد البرد، يحرق من برده. وقيل : هو ما يسيل من جلود أهل النار من الصديد.

### الآية 38:58

> ﻿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ [38:58]

قوله تعالى : وَآخَّرَ  قرأ أبو عمرو، والمفضل : وَأَخَّرَ  بضم الهمزة من غير مد، فجمعا لأجل نعته بالأزواج، وهي جمع. وقرأ الباقون بفتح الألف ومده على التوحيد، واحتجوا بأن العرب تنعت الاسم إذا كان فعلا بالقليل والكثير ؛ قال الفراء : تقول : عذاب فلان ضروب شتى، وضربان مختلفان ؛ وإن شئت جعلت الأزواج نعتا للحميم والغسّاق والآخر، فهن ثلاثة، والأشبه أن تجعله صفة لواحد. وقال الزجاج : من قرأ " وآخر " بالمد، فالمعنى : وعذاب آخر  مِن شَكْلِهِ  أي : مثل الأول. ومن قرأ :" وأخر "، فالمعنى : وأنواع أخر، لأن قوله : أَزْواجٌ  بمعنى أنواع. وقال ابن قتيبة :" من شكله " أي : من نحوه، " أزواج " أي : أصناف. وقال ابن جرير :" من شكله " أي : من نحو الحميم. قال ابن مسعود في قوله : وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ  : هو الزمهرير. وقال الحسن : لما ذكر الله تعالى العذاب الذي يكون في الدنيا، قال : وآخر من شكله  أي : وآخر لم يُر في الدنيا.

### الآية 38:59

> ﻿هَٰذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ ۖ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ ۚ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ [38:59]

قوله تعالى : هَذَا فَوْجٌ  هذا قول الزبانية للقادة المتقدمين في الكفر إذا جاؤوهم بالأتباع. وقيل : بل هو قول الملائكة لأهل النار كلما جاؤوهم بأمة بعد أمة، والفوج : الجماعة من الناس، وجمعه : أفواج، والمُقتحم الداخل في الشيء رميا بنفسه. قال ابن السائب : إنهم يُضربون بالمقامع، فيُلقون أنفسهم في النار ويثِبون فيها خوفا من تلك المقامع. فلما قالت الملائكة ذلك لأهل النار، قالوا : لا مرحبا بهم، فاتصل الكلام كأنه قول واحد، وإنما الأول من قول الملائكة، والثاني : من قول أهل النار ؛ وقد بيّنا مثل هذا في قوله : لِيَعْلَمَ أَنّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ  \[ يوسف : ٥٢ \]. والمرحب والرحب : السعة. والمعنى : لا اتسعت بهم مساكنهم. قال أبو عبيدة : تقول العرب للرجل : لا مرحبا بك أي : لا رحبت عليك الأرض. وقال ابن قتيبة : معنى قولهم :" مرحبا وأهلا " : أي : أتيت رُحبا، أي : سعة، وأهلا، أي : أتيت أهلا لا غرباء، فائنس ولا تستوحش، وسهلا، أي : أتيت سهلا لا حزنا، وهو في مذهب الدعاء، كما تقول : لقيت خيرا. قال الزجاج : و " مرحبا " منصوب بقوله : رحُبت بلادك مرحبا، وصادفت مرحبا، فأدخلت " لا " على ذلك المعنى. 
قوله تعالى : إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ  أي : داخلوها كما دخلناها، ومُقاسون حرّها.

### الآية 38:60

> ﻿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ ۖ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا ۖ فَبِئْسَ الْقَرَارُ [38:60]

فأجابهم القوم، ف  قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا . إن قلنا : إن هذا قول الأتباع للرؤساء، فالمعنى : أنتم زينتم لنا الكفر ؛ وإن قلنا : إنه قول الأمة المتأخرة للأمة المتقدمة، فالمعنى : أنتم شرعتم لنا الكفر وبدأتم به قبلنا، فدخلتم النار قبلنا  فَبِئْسَ الْقَرَارُ  أي : بئس المُستقرّ والمنزل.

### الآية 38:61

> ﻿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَٰذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ [38:61]

قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَذَا  أي : من سنه وشرعه  فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ  وقد شرحناه في \[ الأعراف : ٣٨ \]. وفي القائلين لهذا قولان : أحدهما : أنه قول جميع أهل النار، قاله ابن السائب.

### الآية 38:62

> ﻿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ [38:62]

قوله تعالى : وَقَالُواْ  يعني أهل النار  مَا لَنَا لاَ نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مّنَ الأشْرَارِ  قال المفسرون : إذا دخلوا النار، نظروا فلم يروا من كان يخالفهم من المؤمنين، فيقولون ذلك. قال مجاهد : يقول أبو جهل في النار : أين صُهيب، أين عمار، أين خباب، أين بلال ؟ !

### الآية 38:63

> ﻿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ [38:63]

قوله تعالى : أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً  قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي : مّنَ الأشْرَار أَتَّخَذْنَاهُمْ  بالوصل على الخبر ؛ أي : إنا اتخذناهم، وهؤلاء يبتدئون بكسر الهمزة. وقرأ الباقون بقطع الألف وفتحها على معنى الاستفهام، وهؤلاء يبتدئون بفتح الهمزة. وقال الفراء : وهذا استفهام بمعنى التعجب والتوبيخ، والمعنى : أنهم يوبخون أنفسهم على ما صنعوا بالمؤمنين. و سِخْرِيّاً  يُقرأ بضم السين وكسرها. وقد شرحناها في آخر سورة \[ المؤمنين : ١١٠ \]  أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ  أي : وهم معنا في النار ولا نراهم ؟ ! وقال أبو عبيدة :" أم " هاهنا بمعنى " بل ".

### الآية 38:64

> ﻿إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ [38:64]

قوله تعالى : إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ  قال الزجاج : أي : إن الذي وصفناه عنهم لحق، ثم بين ما هو، فقال : هو  تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ  وقرأ أبو الجوزاء، وأبو الشعثاء، وأبو عمران، وابن أبي عبلة : تَخَاصُمُ  برفع الصاد وفتح الميم، وكسر اللام من " أهل " وقرأ أبو مجلز، وأبو العالية، وأبو المتوكل، وابن السميفع : تَخَاصُمُ أَهْلِ  بفتح الصاد والميم ورفع اللام.

### الآية 38:65

> ﻿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ ۖ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [38:65]

قوله تعالى: هذا ذِكْرٌ أي: شرف وثناءٌ جميل يُذْكَرون به أبداً. وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ أي:
 حُسْنَ مَرْجِعٍ يرجعون إِليه في الآخرة. ثم بيَّن ذلك المَرْجِع، فقال: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ قال الفراء: إنما رُفعت **«الأبوابُ»** لأن المعنى: مفتحةً لهم أبوابُها، والعرب تجعل الألف واللام خَلَفاً من الإِضافة، فيقولون: مررت على رجل حسن العين، قبيح الأنف، والمعنى: حسنةٌ عينُه، قبيحٌ أنفُه، ومنه قوله تعالى: فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى **«١»** والمعنى: مأواه. وقال الزجاج: المعنى: مُفتَّحة لهم الأبواب منها، فالألف واللام للتعريف، لا للبدل. قال ابن جرير: والفائدة في ذكر تفتح الأبواب، أنّ الله تعالى أخبر عنها أن أبوابها تُفتَح لهم بغير فتح سُكَّانها لها بيد، ولكن بالأمر، قال الحسن: هي أبواب تَكلّم، فتُكلّم: انفتحي، انغلقي.
 قوله تعالى: وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ قد مضى بيانه في سورة الصافات **«٢»**. قال الزجاج:
 والأتراب: اللواتي أسنانُهُنَّ واحدةٌ وهُنَّ في غاية الشباب والحُسْن.
 قوله تعالى: هذا ما تُوعَدُونَ قرأ أبو عمرو، وابن كثير بالياء، والباقون بالتاء.
 قوله تعالى: لِيَوْمِ الْحِسابِ اللام بمعنى **«في»**. والنَّفاد: الانقطاع. قال السدي: كلَّما أُخِذ من رزق الجنة شيءٌ، عاد مثله.
 \[سورة ص (٣٨) : الآيات ٥٥ الى ٦٦\]
 هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ (٥٦) هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ (٥٨) هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ (٥٩)
 قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (٦٠) قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ (٦١) وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (٦٢) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (٦٣) إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)
 قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦)
 قوله تعالى: هذا المعنى: هذا الذي ذكرناه وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ يعني الكافرين لَشَرَّ مَآبٍ، ثم بيّن ذلك بقوله تعالى: جَهَنَّمَ والمِهاد: الفِراش. هذا فَلْيَذُوقُوهُ قال الفراء: في الآية تقديم وتأخير، تقديرها: هذا حميمٌ وغَسَّاقٌ فَلْيَذُوقوه وإن شئتَ جعلتَ الحميم مستأنَفاً، كأنَّكَ قُلْتَ: هذا فلْيَذُوقوه، ثم قلت: منه حَميمٌ، ومنه غَسّاقٌ، كقول الشاعر:

حتَّى إِذَا مَا أَضَاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ  وغودر البقل ملويّ ومحصود **«٣»** فأمّا الحميم، فهو الماء الحارّ. وأما الغَسّاق، ففيه لغتان، قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص: بالتشديد، وكذلك في عَمَّ يَتَساءَلُونَ، تابعهم المفضّل في عَمَّ يَتَساءَلُونَ وقرأ الباقون بالتخفيف، وفي الغَسّاق أربعة أقوال **«٤»** : أحدها: أنه الزَّمهرير، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
 (١) النازعات: ٣٩.
 (٢) الصافات: ٤٨.
 (٣) البيت من شواهد الفرّاء، وهو في **«معاني القرآن»** : ١٩٣.
 وفي **«اللسان»** : الغلس: ظلام آخر الليل، والملويّ: ما ذبل وجف من البقل.
 (٤) قال الطبري رحمه الله في **«تفسيره»** ١٠/ ٥٩٩: وأولى الأقوال عندي بالصواب قول من قال: هو ما يسيل من صديدهم، لأن ذلك هو الأغلب من معنى الغسوق، وإن كان للآخر وجه صحة.

وقال مجاهد: الغَسّاق لا يستطيعون أن يذوقوه من برده. والثاني: أنه ما يجري من صديد أهل النار، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال عطيّة، وقتادة، وابن زيد. والثالث: أنّ الغسّاق: عين في جهنّم تسيل إِليها حُمَةُ كلِّ ذاتِ حُمَة من حَيَّة أو عقرب أو غيرها، فيستنقع، فيؤتى بالآدميّ فيُغْمَس فيها غَمْسةً، فيخرج وقد سقط جِلْدُه ولحمه عن العظام، ويَجُرُّ لحمَه جَرَّ الرجُل ثوبه، قاله كعب. والرابع:
 أنه ما يَسيل من دموعهم، قاله السدي. قال أبو عبيدة: الغَسّاق: ما سال، يقال: غَسَقَت العين والجرح. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي عن ابن قتيبة قال: لم يكن أبو عبيدة يذهب إلى أن في القرآن شيئا من غير لغة العرب، وكان يقول: هو اتفاق يقع بين اللغتين، وكان غيرُه يزعُم أن الغَسّاق:
 البارد المُنْتِن بلسان الترك. وقيل: فَعّال، من غَسَقَ يَغْسِقُ فعلى هذا يكون عربيّاً، وقيل في معناه: إِنه الشديد البّرْد، يحْرِق من بَرْده. وقيل: هو ما يَسيل من جلود أهل النار من الصديد.
 قوله تعالى: وَآخَرُ قرأ أبو عمرو والمفضّل: **«وأَخَرُ»** بضم الهمزة من غير مدٍّ، فجمعا لأجل نعته بالأزواج، وهي جمع. وقرأ الباقون بفتح الألف ومدِّه على التوحيد، واحتجُّوا بأن العرب تنعت الاسم إِذا كان فعلاً بالقليل والكثير قال الفراء: تقول: عذابُ فلانٍ ضُروبٌ شتَّى، وضَرْبان مختلفان وإِن شئتَ جعلتَ الأزواج نعتاً للحميم والغَسّاق والآخر، فهُنَّ ثلاثةٌ، والأشبه أن تجعله صفة لواحد.
 وقال الزجاج: من قرأ **«وآخرُ»** بالمدِّ فالمعنى: وعذاب آخر مِنْ شَكْلِهِ أي: مِثْلِ الأول. ومن قرأ:
 **«وأُخَرُ»** فالمعنى: وأنواعٌ أُخَر، لأن قوله: أَزْواجٌ بمعنى أنواع. وقال ابن قتيبة: ****«مِنْ شَكْلِهِ»**** أي مِنْ نَحوِه، **«أَزْوَاجٌ»** أي أصنافٌ. وقال ابن جرير: ****«مِنْ شَكْلِهِ»**** أي: مِنْ نَحوِ الحَميم: قال ابن مسعود في قوله: **«وآخرُ مِنْ شَكْلِهِ»** : هو الزَّمهرير. وقال الحسن: لمّا ذكر اللهُ تعالى العذابَ الذي يكون في الدنيا قال: **«وآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ»** أي وآخرَ لم يُرَ في الدنيا.
 قوله تعالى: هذا فَوْجٌ هذا قول الزّبانية للقادة المتقدّمين في الكفر إذا جاءوهم بالأتباع. وقيل:
 بل هو قول الملائكة لأهل النّار كلّما جاءوهم بأمَّة بعد أُمَّة. والفوج: الجماعة من الناس وجمعه:
 أفواج. والمُقْتَحِمُ: الداخل في الشيء رمياً بنفسه. قال ابن السائب: إِنهم يُضْرَبونَ بالمَقامع، فيُلْقُونَ أنفُسهم في النار ويَثِبون فيها خوفاً من تلك المقامع. فلمّا قالت الملائكة ذلك لأهل النار، قالوا: لا مَرْحَباً بِهِمْ، فاتصل الكلام كأنه قول واحد، وإنما الأول من قول الملائكة، والثاني من قول أهل النار وقد بيَّنّا مِثْلَ هذا في قوله: لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ **«١»**. والرّحب والرُّحْبُ: السَّعَةُ. والمعنى: لا اتَّسعت بهم مساكنُهم. قال أبو عبيدة: تقول العرب للرجل: لا مَرْحَباً بك أي: لا رَحُبَتْ عليك الأرض. وقال ابن قتيبة: معنى قولهم: **«مَرْحَباً وأهْلاً»** أي: أتيتَ رُحْباً أي: سَعَة، وأَهْلاً أي: أتيتَ أهلاً لا غُرباء فائنس ولا تستوحش، وسهلاً، أي: أَتيتَ سَهْلاً لا حَزْناً، وهو في مذهب الدُّعاء، كما تقول: لَقِيتَ خَيْراً. قال الزجاج: و **«مَرْحَباً»** منصوب بقوله: رَحُبَت بلادُك مَرْحَباً، وصادفتَ مَرْحَباً، فأُدخلت **«لا»** على ذلك المعنى.
 قوله تعالى: إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ أي: داخِلُوها كما دخلْناها ومُقاسون حَرَّها. فأجابهم القوم،

 (١) يوسف: ٥٢.

### الآية 38:66

> ﻿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ [38:66]

قوله تعالى: هذا ذِكْرٌ أي: شرف وثناءٌ جميل يُذْكَرون به أبداً. وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ أي:
 حُسْنَ مَرْجِعٍ يرجعون إِليه في الآخرة. ثم بيَّن ذلك المَرْجِع، فقال: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ قال الفراء: إنما رُفعت **«الأبوابُ»** لأن المعنى: مفتحةً لهم أبوابُها، والعرب تجعل الألف واللام خَلَفاً من الإِضافة، فيقولون: مررت على رجل حسن العين، قبيح الأنف، والمعنى: حسنةٌ عينُه، قبيحٌ أنفُه، ومنه قوله تعالى: فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى **«١»** والمعنى: مأواه. وقال الزجاج: المعنى: مُفتَّحة لهم الأبواب منها، فالألف واللام للتعريف، لا للبدل. قال ابن جرير: والفائدة في ذكر تفتح الأبواب، أنّ الله تعالى أخبر عنها أن أبوابها تُفتَح لهم بغير فتح سُكَّانها لها بيد، ولكن بالأمر، قال الحسن: هي أبواب تَكلّم، فتُكلّم: انفتحي، انغلقي.
 قوله تعالى: وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ قد مضى بيانه في سورة الصافات **«٢»**. قال الزجاج:
 والأتراب: اللواتي أسنانُهُنَّ واحدةٌ وهُنَّ في غاية الشباب والحُسْن.
 قوله تعالى: هذا ما تُوعَدُونَ قرأ أبو عمرو، وابن كثير بالياء، والباقون بالتاء.
 قوله تعالى: لِيَوْمِ الْحِسابِ اللام بمعنى **«في»**. والنَّفاد: الانقطاع. قال السدي: كلَّما أُخِذ من رزق الجنة شيءٌ، عاد مثله.
 \[سورة ص (٣٨) : الآيات ٥٥ الى ٦٦\]
 هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ (٥٦) هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ (٥٨) هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ (٥٩)
 قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (٦٠) قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ (٦١) وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (٦٢) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (٦٣) إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)
 قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦)
 قوله تعالى: هذا المعنى: هذا الذي ذكرناه وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ يعني الكافرين لَشَرَّ مَآبٍ، ثم بيّن ذلك بقوله تعالى: جَهَنَّمَ والمِهاد: الفِراش. هذا فَلْيَذُوقُوهُ قال الفراء: في الآية تقديم وتأخير، تقديرها: هذا حميمٌ وغَسَّاقٌ فَلْيَذُوقوه وإن شئتَ جعلتَ الحميم مستأنَفاً، كأنَّكَ قُلْتَ: هذا فلْيَذُوقوه، ثم قلت: منه حَميمٌ، ومنه غَسّاقٌ، كقول الشاعر:

حتَّى إِذَا مَا أَضَاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ  وغودر البقل ملويّ ومحصود **«٣»** فأمّا الحميم، فهو الماء الحارّ. وأما الغَسّاق، ففيه لغتان، قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص: بالتشديد، وكذلك في عَمَّ يَتَساءَلُونَ، تابعهم المفضّل في عَمَّ يَتَساءَلُونَ وقرأ الباقون بالتخفيف، وفي الغَسّاق أربعة أقوال **«٤»** : أحدها: أنه الزَّمهرير، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
 (١) النازعات: ٣٩.
 (٢) الصافات: ٤٨.
 (٣) البيت من شواهد الفرّاء، وهو في **«معاني القرآن»** : ١٩٣.
 وفي **«اللسان»** : الغلس: ظلام آخر الليل، والملويّ: ما ذبل وجف من البقل.
 (٤) قال الطبري رحمه الله في **«تفسيره»** ١٠/ ٥٩٩: وأولى الأقوال عندي بالصواب قول من قال: هو ما يسيل من صديدهم، لأن ذلك هو الأغلب من معنى الغسوق، وإن كان للآخر وجه صحة.

وقال مجاهد: الغَسّاق لا يستطيعون أن يذوقوه من برده. والثاني: أنه ما يجري من صديد أهل النار، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال عطيّة، وقتادة، وابن زيد. والثالث: أنّ الغسّاق: عين في جهنّم تسيل إِليها حُمَةُ كلِّ ذاتِ حُمَة من حَيَّة أو عقرب أو غيرها، فيستنقع، فيؤتى بالآدميّ فيُغْمَس فيها غَمْسةً، فيخرج وقد سقط جِلْدُه ولحمه عن العظام، ويَجُرُّ لحمَه جَرَّ الرجُل ثوبه، قاله كعب. والرابع:
 أنه ما يَسيل من دموعهم، قاله السدي. قال أبو عبيدة: الغَسّاق: ما سال، يقال: غَسَقَت العين والجرح. وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي عن ابن قتيبة قال: لم يكن أبو عبيدة يذهب إلى أن في القرآن شيئا من غير لغة العرب، وكان يقول: هو اتفاق يقع بين اللغتين، وكان غيرُه يزعُم أن الغَسّاق:
 البارد المُنْتِن بلسان الترك. وقيل: فَعّال، من غَسَقَ يَغْسِقُ فعلى هذا يكون عربيّاً، وقيل في معناه: إِنه الشديد البّرْد، يحْرِق من بَرْده. وقيل: هو ما يَسيل من جلود أهل النار من الصديد.
 قوله تعالى: وَآخَرُ قرأ أبو عمرو والمفضّل: **«وأَخَرُ»** بضم الهمزة من غير مدٍّ، فجمعا لأجل نعته بالأزواج، وهي جمع. وقرأ الباقون بفتح الألف ومدِّه على التوحيد، واحتجُّوا بأن العرب تنعت الاسم إِذا كان فعلاً بالقليل والكثير قال الفراء: تقول: عذابُ فلانٍ ضُروبٌ شتَّى، وضَرْبان مختلفان وإِن شئتَ جعلتَ الأزواج نعتاً للحميم والغَسّاق والآخر، فهُنَّ ثلاثةٌ، والأشبه أن تجعله صفة لواحد.
 وقال الزجاج: من قرأ **«وآخرُ»** بالمدِّ فالمعنى: وعذاب آخر مِنْ شَكْلِهِ أي: مِثْلِ الأول. ومن قرأ:
 **«وأُخَرُ»** فالمعنى: وأنواعٌ أُخَر، لأن قوله: أَزْواجٌ بمعنى أنواع. وقال ابن قتيبة: ****«مِنْ شَكْلِهِ»**** أي مِنْ نَحوِه، **«أَزْوَاجٌ»** أي أصنافٌ. وقال ابن جرير: ****«مِنْ شَكْلِهِ»**** أي: مِنْ نَحوِ الحَميم: قال ابن مسعود في قوله: **«وآخرُ مِنْ شَكْلِهِ»** : هو الزَّمهرير. وقال الحسن: لمّا ذكر اللهُ تعالى العذابَ الذي يكون في الدنيا قال: **«وآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ»** أي وآخرَ لم يُرَ في الدنيا.
 قوله تعالى: هذا فَوْجٌ هذا قول الزّبانية للقادة المتقدّمين في الكفر إذا جاءوهم بالأتباع. وقيل:
 بل هو قول الملائكة لأهل النّار كلّما جاءوهم بأمَّة بعد أُمَّة. والفوج: الجماعة من الناس وجمعه:
 أفواج. والمُقْتَحِمُ: الداخل في الشيء رمياً بنفسه. قال ابن السائب: إِنهم يُضْرَبونَ بالمَقامع، فيُلْقُونَ أنفُسهم في النار ويَثِبون فيها خوفاً من تلك المقامع. فلمّا قالت الملائكة ذلك لأهل النار، قالوا: لا مَرْحَباً بِهِمْ، فاتصل الكلام كأنه قول واحد، وإنما الأول من قول الملائكة، والثاني من قول أهل النار وقد بيَّنّا مِثْلَ هذا في قوله: لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ **«١»**. والرّحب والرُّحْبُ: السَّعَةُ. والمعنى: لا اتَّسعت بهم مساكنُهم. قال أبو عبيدة: تقول العرب للرجل: لا مَرْحَباً بك أي: لا رَحُبَتْ عليك الأرض. وقال ابن قتيبة: معنى قولهم: **«مَرْحَباً وأهْلاً»** أي: أتيتَ رُحْباً أي: سَعَة، وأَهْلاً أي: أتيتَ أهلاً لا غُرباء فائنس ولا تستوحش، وسهلاً، أي: أَتيتَ سَهْلاً لا حَزْناً، وهو في مذهب الدُّعاء، كما تقول: لَقِيتَ خَيْراً. قال الزجاج: و **«مَرْحَباً»** منصوب بقوله: رَحُبَت بلادُك مَرْحَباً، وصادفتَ مَرْحَباً، فأُدخلت **«لا»** على ذلك المعنى.
 قوله تعالى: إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ أي: داخِلُوها كما دخلْناها ومُقاسون حَرَّها. فأجابهم القوم،

 (١) يوسف: ٥٢.

### الآية 38:67

> ﻿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ [38:67]

قوله تعالى : قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ  النبأ : الخبر وفي المشار إليه قولان : أحدهما : أنه القرآن، قاله ابن عباس، ومجاهد، والجمهور. والثاني : أنه البعث بعد الموت، قاله قتادة.

### الآية 38:68

> ﻿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ [38:68]

أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ  أي : لا تتفكرون فيه فتعلمون صدقي في نبوتي، وأن ما جئت به من الأخبار عن قصص الماضين لم أعلمه إلا بوحي من الله. ويدل على هذا المعنى قوله : مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإِ الأعْلَى

### الآية 38:69

> ﻿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [38:69]

يعني الملائكة  إِذْ يَخْتَصِمُونَ  في شأن آدم حين قال الله تعالى : إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً  \[ البقرة : ٣٠ \] ؛ والمعنى : إني ما علمت هذا إلا بوحي.

### الآية 38:70

> ﻿إِنْ يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ [38:70]

إِن يُوحَى إِلَي  أي : ما يوحى إليّ  إِلاَّ أَنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ  أي : إلا أني نبي أنذركم وأبين لكم ما تأتونه وتجتنبونه.

### الآية 38:71

> ﻿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ [38:71]

إِذْ قَالَ رَبُّكَ  هذا متصل بقوله :" يختصمون "، وإنما اعترضت تلك الآية بينهما. قال ابن عباس : اختصموا حين شُووِروا في خلق آدم، فقال الله لهم  إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً ، وهذه الخصومة منهم إنما كانت مناظرة بينهم. وفي مناظرتهم قولان :
أحدهما : أنه قولهم : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا  \[ البقرة : ٣٠ \]، قاله ابن عباس، ومقاتل. 
والثاني : أنهم قالوا : لن يخلق الله خلقا إلا كنا أكرم منه وأعلم. قاله الحسن ؛ هذا قول الأكثر من المفسرين. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( رأيت ربي عز وجل، فقال لي : فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ قلت : أنت أعلم يا رب، قال : في الكفارات والدرجات، فأما الكفارات، فإسباغ الوضوء في السبرات، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة. وأما الدرجات فإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام ).

### الآية 38:72

> ﻿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [38:72]

ف قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا إن قلنا: إن هذا قول الأتباع للرؤساء فالمعنى: أنتم زيَّنتم لنا الكفر، وإن قلنا: إنه قول الأمَّة المتأخرة للأمَّة المتقدِّمة، فالمعنى: أنتم شرَّعتم لنا الكفر وبدأتم به قبلنا، فدخلتم النار قبلنا فَبِئْسَ الْقَرارُ أي: بئس المُسْتَقَرّ والمنزل. قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا أي:
 مَنْ سنَّه وشرعه فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ وقد شرحناه في الأعراف **«١»**. وفي القائلين لهذا قولان:
 أحدهما: أنه قول جميع أهل النار، قاله ابن السائب. والثاني: قول الأتباع. قاله مقاتل.
 قوله تعالى: وَقالُوا يعني أهل النار ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ قال المفسرون: إذا دخلوا النار، نظروا فلم يَرَوْا مَنْ كان يخالفُهم من المؤمنين، فيقولون ذلك. قال مجاهد: يقول أبو جهل في النار: أين صُهَيب، أين عمّار، أين خبّاب، أين بلال؟! قوله تعالى: أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي: **«من الأشرار اتَّخَذْناهم»** بالوصل على الخبر، أي: إِنّا اتَّخَذْناهم، وهؤلاء يبتدئون بكسر الهمزة. وقرأ الباقون بقطع الألف وفتحها على معنى الاستفهام، وهؤلاء يبتدئون بفتح الهمزة. وقال الفراء: وهذا استفهام بمعنى التعجُّب والتوبيخ، والمعنى أنهم يوبِّخون أنفسهم على ما صنعوا بالمؤمنين. و **«سخريّا»** يُقرأ بضم السين وكسرها. وقد شرحناها في آخر سورة المؤمنون **«٢»** أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ أي: وهم مَعَنا في النار ولا نراهم؟! وقال أبو عبيدة: **«أم»** ها هنا بمعنى **«بَلْ»**.
 قوله تعالى: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ قال الزجاج: أي: إِن الذي وصفْناه عنهم لَحَقٌّ، ثم بيَّن ما هو، فقال: هو تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ وقرأ أبو الجوزاء، وأبو الشعثاء، وأبو عمران، وابن أبي عبلة: **«تَخَاصُمَ»** برفع الصاد وفتح الميم، وكسر اللام من **«أَهْلِ»**. وقرأ أبو مجلز، وأبو العالية، وأبو المتوكل، وابن السميفع: **«تَخَاصَمَ أَهْلَ»** بفتح الصاد والميم ورفع اللام.
 \[سورة ص (٣٨) : الآيات ٦٧ الى ٨٨\]
 قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠) إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (٧١)
 فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٧٤) قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (٧٥) قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)
 قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١)
 قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)
 إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)
 قوله تعالى: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ النَّبأُ: الخَبَر. وفي المشار إِليه قولان: أحدهما: أنه القرآن، قاله ابن عباس، ومجاهد، والجمهور. والثاني: أنه البعث بعد الموت، قاله قتادة. أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ أي:

 (١) الأعراف: ٣٨.
 (٢) المؤمنون: ١١٠.

لا تتفكَّرون فيه فتعلمونَ صِدْقي في نُبوَّتي، وأن ما جئتُ به من الأخبار عن قصص الماضين لم أَعْلَمْه إِلاّ بوحي من الله تعالى. ويدلّ على هذا المعنى قوله تعالى: ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى يعني الملائكة إِذْ يَخْتَصِمُونَ في شأن آدمَ حين قال الله تعالى: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً **«١»** والمعنى: إِنِّي ما عَلِمْتُ هذا إلاّ بوحي، إِنْ يُوحى إِلَيَّ أي: ما يوحى إليَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ أي: إِلاّ أنِّي نبيٌّ أُنْذرِكم وأبيِّن لكم ما تأتونه وتجتنبونه. إِذْ قالَ رَبُّكَ هذا متصل بقوله: **«يختصمونَ»** وإنما اعترضت تلك الآية بينهما. قال ابن عباس: اختصَموا حين شُوورِوا في خَلْق آدم، فقال الله تعالى لهم: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، وهذه الخصومة منهم إنما كانت مُناظَرةً بينهم. وفي مُناظَرتهم قولان: أحدهما: أنه قولهم:
 أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها **«٢»**، قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: أنهم قالوا: لن يَخْلُقَ اللهُ خَلْقاً إِلاّ كُنّا أكرمَ منه وأعلم، قاله الحسن هذا قول أكثر المفسّرين.
 (١٢٢٢) وقد روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم أنه قال: **«رأيت ربّي عزّ وجلّ، فقال لي: فيم يختصم الملأ
 صحيح بمجموع طرقه وشواهده. رجاله ثقات معروفون، لكن عبد الرحمن بن عائش مختلف في صحبته، والراجح أنه تابعي، وقد نفى البخاري صحبته ويدل عليه كونه رواه بواسطة عن معاذ كما سيأتي، فالإسناد ضعيف لإرساله، لكن ورد موصولا، وله شواهد. أخرجه الدارمي ٢/ ١٢٦ وابن خزيمة في «التوحيد» ٢١٥- ٢١٦ والحاكم ١/ ٥٢٠- ٥٢١ والآجري في ****«الشريعة»**** ١٠٥٥ من طرق عن عبد الرحمن بن زيد بن جابر به.
 وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وأخرجه أحمد ٤/ ٦٦ من هذا الوجه عن عبد الرحمن بن عائش عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم. وذكره الهيثمي في ******«المجمع»****** ٧/ ١٧٦- ١٧٧ وقال: رجاله ثقات اه. وجهالة الصحابي لا تضر. وأخرجه الترمذي ٣٢٣٥ والحاكم ١/ ٢١ من حديث عبد الرحمن بن عائش عن مالك بن يخامر عن معاذ مرفوعا. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال: حسن صحيح. وورد من حديث ابن عباس. وأخرجه ابن خزيمة ص ٢١٧ والآجري في ****«الشريعة»**** ١٠٥٤ من طريق أيوب عن أبي قلابة عن خالد بن الجلاح عن ابن عباس، ورجاله ثقات. وورد من حديث ثوبان أخرجه البزّار ٢١٢٩ وفيه أبو يحيى الراوي عن أبي أسماء الرحبي لا يعرف قال الهيثمي في ******«المجمع»****** ٧/ ١٧٨ وأخرجه البزار من وجه آخر عن ابن عمرو، وفيه سعيد بن سنان واه. وورد من حديث أبي أمامة أخرجه الطبراني كما في ******«المجمع»****** ٧/ ١٧٨ وفيه ليث بن أبي سليم غير قوي. وللحديث شواهد أخرى، وإن كانت ضعيفة، إلا أنها تتقوى بمجموعها، والله أعلم. الخلاصة: هو حديث حسن صحيح كما قال البخاري، والله أعلم.
 واللفظ عند الترمذي، عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي، عن مالك بن يخامر السككي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم غداة عن صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس، فخرج سريعا فثوّب بالصلاة، فصلّى رسول الله صلى الله عليه وسلّم وتجوّز في صلاته فلما سلّم دعا بصوته قال لنا على مصافّكم كما أنتم ثم انفتل إلينا ثم قال: «أما إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة: إني قمت من الليل فتوضأت وصليت ما قدّر لي فنعست في صلاتي حتى استثقلت، فإذا بربي تبارك وتعالى في أحسن صورة، فقال: يا محمد، قلت:
 لبيك رب، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، قالها ثلاثا، قال فرأيته وضع كفه بين كتفيّ حتى وجدت برد أنامله بين ثديي، فتجلّى لي كل شيء وعرفت، فقال: يا محمد، قلت: لبيك ربي، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفّارات، قال: ما هنّ؟ قلت: مشي الأقدام إلى الحسنات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء حين الكريهات، قال: فيم، قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة بالليل والناس نيام قال: سل، قال: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب-
 __________
 (١) البقرة: ٣٠.
 (٢) البقرة: ٣٠.**

الأعلى؟ قلت: أنتَ أَعْلَمُ يا ربّ، قال: في الكفّارات والدرجات، فأمّا الكفّارات، فإسباغ الوُضوء في السَّبَرات، ونقل الأقدام إِلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة. وأمّا الدَّرَجات فإفشاء السَّلام، وإِطعامُ الطَّعام، والصَّلاةُ باللَّيل والنّاس نيام».
 قوله تعالى: أَسْتَكْبَرْتَ أي: أَسْتَكْبَرْتَ بنفسكَ حين أبَيْتَ السُّجودَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ أي: من قوم يتكبَّرونَ؟! قوله تعالى: فَإِنَّكَ رَجِيمٌ أي: مَرْجُومٌ بالذَّمِّ واللَّعْن. قوله تعالى: إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ وهو وقت النَّفخة الأُولى، وهو حين موت الخلائق. وقوله: فَبِعِزَّتِكَ يمين بمعنى:
 فو عزّتك. وما أخللنا به في هذه القصة فهو مذكور في الأعراف **«١»** والحجر **«٢»** وغيرهما مما تقدم. قوله تعالى: قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ قرأ عاصم إِلا حَسْنون عن هبيرة، وحمزة، وخلف، وزيد عن يعقوب:
 **«فالحَقُّ»** بالرفع في الأول ونصب الثاني، وهذا مروي عن ابن عباس. ومجاهد، قال ابن عباس في معناه: فأنا الحقُّ وأقولُ الحَقُّ وقال غيره: خبر الحقِّ محذوف، تقديره: الحَقُّ مِنِّي. وقرأ محبوب عن أبي عمرو بالرفع فيهما قال الزجّاج: من رفعهما جميعاً، كان المعنى: فأنا الحقُّ والحَقُّ أقولُ. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي: بالنصب فيهما. قال الفراء: وهو على معنى قولك: حَقّاً لآتِيَنَّكَ، ووجودُ الألف واللام وطرحُهما سواءٌ، وهو بمنزلة قولك: حمداً لله، وقال مكّيّ بن أبي طالب: انتصب الحق الأول على الإِغراء، أي: اتَّبِعوا الحَقَّ واسمَعوا والزَموا الحَقَّ.
 وقيل: هو نصب على القَسَم، كما تقول: اللهَ لأَفْعَلَنَّ، فتَنْصِب حين حذفتَ الجارّ، لأن تقديره وبالحقّ وأمّا الحَقُّ الثاني، فيجوز أن يكون الأولَ، وكرَّره توكيداً، ويجوز أن يكون منصوباً ب **«أقولُ»** كأنه قال: وأقولُ الحَقَّ. وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبو رجاء، ومعاذ القارئ، والأعمش:
 **«فالحَقِّ»** بكسر القاف **«والحَقَّ»** بنصبها. وقرأ أبو عمران الجوني بكسر القافين. جميعاً. وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وأبو نهيك: **«فالحَقَّ»** بالنصب **«والحَقُّ»** بالرفع.
 قوله تعالى: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ أي: مِنْ نَفْسِكَ وذريتك. قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ أي: على تبليغ الوحي وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ أي: لم أتكلَّف إِتيانَكم من قِبَلِ نَفْسي إنما أُمرتُ أن آتيَكم، ولم أَقُل القرآنَ من تِلْقاء نفسي إنّما أوحي إليّ. إِنْ هُوَ أي: ما هو، يعني القرآن إِلَّا ذِكْرٌ أي: موعظة لِلْعالَمِينَ. وَلَتَعْلَمُنَّ يا معاشر الكُفّار نَبَأَهُ أي: خبر صِدق القرآن بَعْدَ حِينٍ وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: بعد الموت. والثاني: يوم القيامة، رويا عن ابن عباس، وبالأول يقول قتادة، وبالثاني يقول عكرمة **«٣»**. والثالث: يوم بدر، قاله السدي ومقاتل. وقال ابن السائب: من بقي إِلى أن ظَهَرَ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم عَلِمَ ذلك، ومن مات عَلِمَه بعد الموت. وذهب بعض المفسرين إِلى أن هذه الآية منسوخة بآية السّيف، ولا وجه لذلك.

 المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة قوم فتوفني غير مفتون، أسألك حبك وحب من يحبك، وحب عمل يقرب إلى حبك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: إنّها حق فادرسوها ثم تعلّموها».
 __________
 (١) الأعراف: ١٢.
 (٢) الحجر: ٣٤.
 (٣) قال ابن كثير ٤/ ٥٣: ولا منافاة بين القولين، فإن من مات فقد دخل في حكم القيامة، قال: وقال قتادة في قوله تعالى: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ قال الحسن: يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين. [.....]

الجزء الرابع
 فهرس الموضوعات
 الموضوع الصفحة ٣٩- تفسير سورة الزمر ٧ ٤٠- تفسير سورة غافر ٢٩ ٤١- تفسير سورة فصلت ٤٥ ٤٢- تفسير سورة الشورى ٥٨ ٤٣- تفسير سورة الزخرف ٧٢ ٤٤- تفسير سورة الدخان ٨٧ ٤٥- تفسير سورة الجاثية ٩٦ ٤٦- تفسير سورة الأحقاف ١٠٢ ٤٧- تفسير سورة محمّد ١١٥ ٤٨- تفسير سورة الفتح ١٢٥ ٤٩- تفسير سورة الحجرات ١٤١ ٥٠- تفسير سورة ق ١٥٦ ٥١- تفسير سورة الذاريات ١٦٧ ٥٢- تفسير سورة الطور ١٧٥ ٥٣- تفسير سورة النجم ١٨٣ ٥٤- تفسير سورة القمر ١٩٦ ٥٥- تفسير سورة الرحمن ٢٠٥ ٥٦- تفسير سورة الواقعة ٢١٨ ٥٧- تفسير سورة الحديد ٢٣٢ ٥٨- تفسير سورة المجادلة ٢٤١ الموضوع الصفحة ٥٩- تفسير سورة الحشر ٢٥٣ ٦٠- تفسير سورة الممتحنة ٢٦٦ ٦١- تفسير سورة الصف ٢٧٦ ٦٢- تفسير سورة الجمعة ٢٨٠ ٦٣- تفسير سورة المنافقون ٢٨٦ ٦٤- تفسير سورة التغابن ٢٩١ ٦٥- تفسير سورة الطلاق ٢٩٥ ٦٦- تفسير سورة التحريم ٣٠٤ ٦٧- تفسير سورة الملك ٣١٣ ٦٨- تفسير سورة القلم ٣١٨ ٦٩- تفسير سورة الحاقة ٣٢٨ ٧٠- تفسير سورة المعارج ٣٣٥ ٧١- تفسير سورة نوح ٣٤١ ٧٢- تفسير سورة الجن ٣٤٦ ٧٣- تفسير سورة المزمل ٣٥٢ ٧٤- تفسير سورة المدثر ٣٥٨ ٧٥- تفسير سورة القيامة ٣٦٨ ٧٦- تفسير سورة الإنسان ٣٧٤ ٧٧- تفسير سورة المرسلات ٣٨٢ ٧٨- تفسير سورة النبإ ٣٨٧

الموضوع الصفحة ٧٩- تفسير سورة النازعات ٣٩٣ ٨٠- تفسير سورة عبس ٣٩٩ ٨١- تفسير سورة التكوير ٤٠٥ ٨٢- تفسير سورة الانفطار ٤١٠ ٨٣- تفسير سورة المطففين ٤١٣ ٨٤- تفسير سورة الانشقاق ٤١٩ ٨٥- تفسير سورة البروج ٤٢٣ ٨٦- تفسير سورة الطارق ٤٢٨ ٨٧- تفسير سورة الأعلى ٤٣١ ٨٨- تفسير سورة الغاشية ٤٣٤ ٨٩- تفسير سورة الفجر ٤٣٧ ٩٠- تفسير سورة البلد ٤٤٦ ٩١- تفسير سورة الشمس ٤٥٠ ٩٢- تفسير سورة الليل ٤٥٣ ٩٣- تفسير سورة الضحى ٤٥٦ ٩٤- تفسير سورة الشرح ٤٦٠ ٩٥- تفسير سورة التين ٤٦٣ ٩٦- تفسير سورة العلق ٤٦٦ الموضوع الصفحة ٩٧- تفسير سورة القدر ٤٦٩ ٩٨- تفسير سورة البينة ٤٧٥ ٩٩- تفسير سورة الزلزلة ٤٧٧ ١٠٠- تفسير سورة العاديات ٤٨٠ ١٠١- تفسير سورة القارعة ٤٨٣ ١٠٢- تفسير سورة التكاثر ٤٨٥ ١٠٣- تفسير سورة العصر ٤٨٧ ١٠٤- تفسير سورة الهمزة ٤٨٨ ١٠٥- تفسير سورة الفيل ٤٩٠ ١٠٦- تفسير سورة قريش ٤٩٣ ١٠٧- تفسير سورة الماعون ٤٩٥ ١٠٨- تفسير سورة الكوثر ٤٩٧ ١٠٩- تفسير سورة الكافرون ٤٩٩ ١١٠- تفسير سورة النصر ٥٠١ ١١١- تفسير سورة المسد ٥٠٢ ١١٢- تفسير سورة الإخلاص ٥٠٥ ١١٣- تفسير سورة الفلق ٥٠٧ ١١٤- تفسير سورة الناس ٥١٠

### الآية 38:73

> ﻿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [38:73]

ف قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا إن قلنا: إن هذا قول الأتباع للرؤساء فالمعنى: أنتم زيَّنتم لنا الكفر، وإن قلنا: إنه قول الأمَّة المتأخرة للأمَّة المتقدِّمة، فالمعنى: أنتم شرَّعتم لنا الكفر وبدأتم به قبلنا، فدخلتم النار قبلنا فَبِئْسَ الْقَرارُ أي: بئس المُسْتَقَرّ والمنزل. قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا أي:
 مَنْ سنَّه وشرعه فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ وقد شرحناه في الأعراف **«١»**. وفي القائلين لهذا قولان:
 أحدهما: أنه قول جميع أهل النار، قاله ابن السائب. والثاني: قول الأتباع. قاله مقاتل.
 قوله تعالى: وَقالُوا يعني أهل النار ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ قال المفسرون: إذا دخلوا النار، نظروا فلم يَرَوْا مَنْ كان يخالفُهم من المؤمنين، فيقولون ذلك. قال مجاهد: يقول أبو جهل في النار: أين صُهَيب، أين عمّار، أين خبّاب، أين بلال؟! قوله تعالى: أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي: **«من الأشرار اتَّخَذْناهم»** بالوصل على الخبر، أي: إِنّا اتَّخَذْناهم، وهؤلاء يبتدئون بكسر الهمزة. وقرأ الباقون بقطع الألف وفتحها على معنى الاستفهام، وهؤلاء يبتدئون بفتح الهمزة. وقال الفراء: وهذا استفهام بمعنى التعجُّب والتوبيخ، والمعنى أنهم يوبِّخون أنفسهم على ما صنعوا بالمؤمنين. و **«سخريّا»** يُقرأ بضم السين وكسرها. وقد شرحناها في آخر سورة المؤمنون **«٢»** أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ أي: وهم مَعَنا في النار ولا نراهم؟! وقال أبو عبيدة: **«أم»** ها هنا بمعنى **«بَلْ»**.
 قوله تعالى: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ قال الزجاج: أي: إِن الذي وصفْناه عنهم لَحَقٌّ، ثم بيَّن ما هو، فقال: هو تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ وقرأ أبو الجوزاء، وأبو الشعثاء، وأبو عمران، وابن أبي عبلة: **«تَخَاصُمَ»** برفع الصاد وفتح الميم، وكسر اللام من **«أَهْلِ»**. وقرأ أبو مجلز، وأبو العالية، وأبو المتوكل، وابن السميفع: **«تَخَاصَمَ أَهْلَ»** بفتح الصاد والميم ورفع اللام.
 \[سورة ص (٣٨) : الآيات ٦٧ الى ٨٨\]
 قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠) إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (٧١)
 فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٧٤) قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (٧٥) قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)
 قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١)
 قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)
 إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)
 قوله تعالى: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ النَّبأُ: الخَبَر. وفي المشار إِليه قولان: أحدهما: أنه القرآن، قاله ابن عباس، ومجاهد، والجمهور. والثاني: أنه البعث بعد الموت، قاله قتادة. أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ أي:

 (١) الأعراف: ٣٨.
 (٢) المؤمنون: ١١٠.

لا تتفكَّرون فيه فتعلمونَ صِدْقي في نُبوَّتي، وأن ما جئتُ به من الأخبار عن قصص الماضين لم أَعْلَمْه إِلاّ بوحي من الله تعالى. ويدلّ على هذا المعنى قوله تعالى: ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى يعني الملائكة إِذْ يَخْتَصِمُونَ في شأن آدمَ حين قال الله تعالى: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً **«١»** والمعنى: إِنِّي ما عَلِمْتُ هذا إلاّ بوحي، إِنْ يُوحى إِلَيَّ أي: ما يوحى إليَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ أي: إِلاّ أنِّي نبيٌّ أُنْذرِكم وأبيِّن لكم ما تأتونه وتجتنبونه. إِذْ قالَ رَبُّكَ هذا متصل بقوله: **«يختصمونَ»** وإنما اعترضت تلك الآية بينهما. قال ابن عباس: اختصَموا حين شُوورِوا في خَلْق آدم، فقال الله تعالى لهم: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، وهذه الخصومة منهم إنما كانت مُناظَرةً بينهم. وفي مُناظَرتهم قولان: أحدهما: أنه قولهم:
 أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها **«٢»**، قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: أنهم قالوا: لن يَخْلُقَ اللهُ خَلْقاً إِلاّ كُنّا أكرمَ منه وأعلم، قاله الحسن هذا قول أكثر المفسّرين.
 (١٢٢٢) وقد روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم أنه قال: **«رأيت ربّي عزّ وجلّ، فقال لي: فيم يختصم الملأ
 صحيح بمجموع طرقه وشواهده. رجاله ثقات معروفون، لكن عبد الرحمن بن عائش مختلف في صحبته، والراجح أنه تابعي، وقد نفى البخاري صحبته ويدل عليه كونه رواه بواسطة عن معاذ كما سيأتي، فالإسناد ضعيف لإرساله، لكن ورد موصولا، وله شواهد. أخرجه الدارمي ٢/ ١٢٦ وابن خزيمة في «التوحيد» ٢١٥- ٢١٦ والحاكم ١/ ٥٢٠- ٥٢١ والآجري في ****«الشريعة»**** ١٠٥٥ من طرق عن عبد الرحمن بن زيد بن جابر به.
 وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وأخرجه أحمد ٤/ ٦٦ من هذا الوجه عن عبد الرحمن بن عائش عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم. وذكره الهيثمي في ******«المجمع»****** ٧/ ١٧٦- ١٧٧ وقال: رجاله ثقات اه. وجهالة الصحابي لا تضر. وأخرجه الترمذي ٣٢٣٥ والحاكم ١/ ٢١ من حديث عبد الرحمن بن عائش عن مالك بن يخامر عن معاذ مرفوعا. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال: حسن صحيح. وورد من حديث ابن عباس. وأخرجه ابن خزيمة ص ٢١٧ والآجري في ****«الشريعة»**** ١٠٥٤ من طريق أيوب عن أبي قلابة عن خالد بن الجلاح عن ابن عباس، ورجاله ثقات. وورد من حديث ثوبان أخرجه البزّار ٢١٢٩ وفيه أبو يحيى الراوي عن أبي أسماء الرحبي لا يعرف قال الهيثمي في ******«المجمع»****** ٧/ ١٧٨ وأخرجه البزار من وجه آخر عن ابن عمرو، وفيه سعيد بن سنان واه. وورد من حديث أبي أمامة أخرجه الطبراني كما في ******«المجمع»****** ٧/ ١٧٨ وفيه ليث بن أبي سليم غير قوي. وللحديث شواهد أخرى، وإن كانت ضعيفة، إلا أنها تتقوى بمجموعها، والله أعلم. الخلاصة: هو حديث حسن صحيح كما قال البخاري، والله أعلم.
 واللفظ عند الترمذي، عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي، عن مالك بن يخامر السككي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم غداة عن صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس، فخرج سريعا فثوّب بالصلاة، فصلّى رسول الله صلى الله عليه وسلّم وتجوّز في صلاته فلما سلّم دعا بصوته قال لنا على مصافّكم كما أنتم ثم انفتل إلينا ثم قال: «أما إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة: إني قمت من الليل فتوضأت وصليت ما قدّر لي فنعست في صلاتي حتى استثقلت، فإذا بربي تبارك وتعالى في أحسن صورة، فقال: يا محمد، قلت:
 لبيك رب، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، قالها ثلاثا، قال فرأيته وضع كفه بين كتفيّ حتى وجدت برد أنامله بين ثديي، فتجلّى لي كل شيء وعرفت، فقال: يا محمد، قلت: لبيك ربي، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفّارات، قال: ما هنّ؟ قلت: مشي الأقدام إلى الحسنات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء حين الكريهات، قال: فيم، قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة بالليل والناس نيام قال: سل، قال: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب-
 __________
 (١) البقرة: ٣٠.
 (٢) البقرة: ٣٠.**

الأعلى؟ قلت: أنتَ أَعْلَمُ يا ربّ، قال: في الكفّارات والدرجات، فأمّا الكفّارات، فإسباغ الوُضوء في السَّبَرات، ونقل الأقدام إِلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة. وأمّا الدَّرَجات فإفشاء السَّلام، وإِطعامُ الطَّعام، والصَّلاةُ باللَّيل والنّاس نيام».
 قوله تعالى: أَسْتَكْبَرْتَ أي: أَسْتَكْبَرْتَ بنفسكَ حين أبَيْتَ السُّجودَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ أي: من قوم يتكبَّرونَ؟! قوله تعالى: فَإِنَّكَ رَجِيمٌ أي: مَرْجُومٌ بالذَّمِّ واللَّعْن. قوله تعالى: إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ وهو وقت النَّفخة الأُولى، وهو حين موت الخلائق. وقوله: فَبِعِزَّتِكَ يمين بمعنى:
 فو عزّتك. وما أخللنا به في هذه القصة فهو مذكور في الأعراف **«١»** والحجر **«٢»** وغيرهما مما تقدم. قوله تعالى: قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ قرأ عاصم إِلا حَسْنون عن هبيرة، وحمزة، وخلف، وزيد عن يعقوب:
 **«فالحَقُّ»** بالرفع في الأول ونصب الثاني، وهذا مروي عن ابن عباس. ومجاهد، قال ابن عباس في معناه: فأنا الحقُّ وأقولُ الحَقُّ وقال غيره: خبر الحقِّ محذوف، تقديره: الحَقُّ مِنِّي. وقرأ محبوب عن أبي عمرو بالرفع فيهما قال الزجّاج: من رفعهما جميعاً، كان المعنى: فأنا الحقُّ والحَقُّ أقولُ. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي: بالنصب فيهما. قال الفراء: وهو على معنى قولك: حَقّاً لآتِيَنَّكَ، ووجودُ الألف واللام وطرحُهما سواءٌ، وهو بمنزلة قولك: حمداً لله، وقال مكّيّ بن أبي طالب: انتصب الحق الأول على الإِغراء، أي: اتَّبِعوا الحَقَّ واسمَعوا والزَموا الحَقَّ.
 وقيل: هو نصب على القَسَم، كما تقول: اللهَ لأَفْعَلَنَّ، فتَنْصِب حين حذفتَ الجارّ، لأن تقديره وبالحقّ وأمّا الحَقُّ الثاني، فيجوز أن يكون الأولَ، وكرَّره توكيداً، ويجوز أن يكون منصوباً ب **«أقولُ»** كأنه قال: وأقولُ الحَقَّ. وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبو رجاء، ومعاذ القارئ، والأعمش:
 **«فالحَقِّ»** بكسر القاف **«والحَقَّ»** بنصبها. وقرأ أبو عمران الجوني بكسر القافين. جميعاً. وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وأبو نهيك: **«فالحَقَّ»** بالنصب **«والحَقُّ»** بالرفع.
 قوله تعالى: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ أي: مِنْ نَفْسِكَ وذريتك. قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ أي: على تبليغ الوحي وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ أي: لم أتكلَّف إِتيانَكم من قِبَلِ نَفْسي إنما أُمرتُ أن آتيَكم، ولم أَقُل القرآنَ من تِلْقاء نفسي إنّما أوحي إليّ. إِنْ هُوَ أي: ما هو، يعني القرآن إِلَّا ذِكْرٌ أي: موعظة لِلْعالَمِينَ. وَلَتَعْلَمُنَّ يا معاشر الكُفّار نَبَأَهُ أي: خبر صِدق القرآن بَعْدَ حِينٍ وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: بعد الموت. والثاني: يوم القيامة، رويا عن ابن عباس، وبالأول يقول قتادة، وبالثاني يقول عكرمة **«٣»**. والثالث: يوم بدر، قاله السدي ومقاتل. وقال ابن السائب: من بقي إِلى أن ظَهَرَ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم عَلِمَ ذلك، ومن مات عَلِمَه بعد الموت. وذهب بعض المفسرين إِلى أن هذه الآية منسوخة بآية السّيف، ولا وجه لذلك.

 المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة قوم فتوفني غير مفتون، أسألك حبك وحب من يحبك، وحب عمل يقرب إلى حبك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: إنّها حق فادرسوها ثم تعلّموها».
 __________
 (١) الأعراف: ١٢.
 (٢) الحجر: ٣٤.
 (٣) قال ابن كثير ٤/ ٥٣: ولا منافاة بين القولين، فإن من مات فقد دخل في حكم القيامة، قال: وقال قتادة في قوله تعالى: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ قال الحسن: يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين. [.....]

الجزء الرابع
 فهرس الموضوعات
 الموضوع الصفحة ٣٩- تفسير سورة الزمر ٧ ٤٠- تفسير سورة غافر ٢٩ ٤١- تفسير سورة فصلت ٤٥ ٤٢- تفسير سورة الشورى ٥٨ ٤٣- تفسير سورة الزخرف ٧٢ ٤٤- تفسير سورة الدخان ٨٧ ٤٥- تفسير سورة الجاثية ٩٦ ٤٦- تفسير سورة الأحقاف ١٠٢ ٤٧- تفسير سورة محمّد ١١٥ ٤٨- تفسير سورة الفتح ١٢٥ ٤٩- تفسير سورة الحجرات ١٤١ ٥٠- تفسير سورة ق ١٥٦ ٥١- تفسير سورة الذاريات ١٦٧ ٥٢- تفسير سورة الطور ١٧٥ ٥٣- تفسير سورة النجم ١٨٣ ٥٤- تفسير سورة القمر ١٩٦ ٥٥- تفسير سورة الرحمن ٢٠٥ ٥٦- تفسير سورة الواقعة ٢١٨ ٥٧- تفسير سورة الحديد ٢٣٢ ٥٨- تفسير سورة المجادلة ٢٤١ الموضوع الصفحة ٥٩- تفسير سورة الحشر ٢٥٣ ٦٠- تفسير سورة الممتحنة ٢٦٦ ٦١- تفسير سورة الصف ٢٧٦ ٦٢- تفسير سورة الجمعة ٢٨٠ ٦٣- تفسير سورة المنافقون ٢٨٦ ٦٤- تفسير سورة التغابن ٢٩١ ٦٥- تفسير سورة الطلاق ٢٩٥ ٦٦- تفسير سورة التحريم ٣٠٤ ٦٧- تفسير سورة الملك ٣١٣ ٦٨- تفسير سورة القلم ٣١٨ ٦٩- تفسير سورة الحاقة ٣٢٨ ٧٠- تفسير سورة المعارج ٣٣٥ ٧١- تفسير سورة نوح ٣٤١ ٧٢- تفسير سورة الجن ٣٤٦ ٧٣- تفسير سورة المزمل ٣٥٢ ٧٤- تفسير سورة المدثر ٣٥٨ ٧٥- تفسير سورة القيامة ٣٦٨ ٧٦- تفسير سورة الإنسان ٣٧٤ ٧٧- تفسير سورة المرسلات ٣٨٢ ٧٨- تفسير سورة النبإ ٣٨٧

الموضوع الصفحة ٧٩- تفسير سورة النازعات ٣٩٣ ٨٠- تفسير سورة عبس ٣٩٩ ٨١- تفسير سورة التكوير ٤٠٥ ٨٢- تفسير سورة الانفطار ٤١٠ ٨٣- تفسير سورة المطففين ٤١٣ ٨٤- تفسير سورة الانشقاق ٤١٩ ٨٥- تفسير سورة البروج ٤٢٣ ٨٦- تفسير سورة الطارق ٤٢٨ ٨٧- تفسير سورة الأعلى ٤٣١ ٨٨- تفسير سورة الغاشية ٤٣٤ ٨٩- تفسير سورة الفجر ٤٣٧ ٩٠- تفسير سورة البلد ٤٤٦ ٩١- تفسير سورة الشمس ٤٥٠ ٩٢- تفسير سورة الليل ٤٥٣ ٩٣- تفسير سورة الضحى ٤٥٦ ٩٤- تفسير سورة الشرح ٤٦٠ ٩٥- تفسير سورة التين ٤٦٣ ٩٦- تفسير سورة العلق ٤٦٦ الموضوع الصفحة ٩٧- تفسير سورة القدر ٤٦٩ ٩٨- تفسير سورة البينة ٤٧٥ ٩٩- تفسير سورة الزلزلة ٤٧٧ ١٠٠- تفسير سورة العاديات ٤٨٠ ١٠١- تفسير سورة القارعة ٤٨٣ ١٠٢- تفسير سورة التكاثر ٤٨٥ ١٠٣- تفسير سورة العصر ٤٨٧ ١٠٤- تفسير سورة الهمزة ٤٨٨ ١٠٥- تفسير سورة الفيل ٤٩٠ ١٠٦- تفسير سورة قريش ٤٩٣ ١٠٧- تفسير سورة الماعون ٤٩٥ ١٠٨- تفسير سورة الكوثر ٤٩٧ ١٠٩- تفسير سورة الكافرون ٤٩٩ ١١٠- تفسير سورة النصر ٥٠١ ١١١- تفسير سورة المسد ٥٠٢ ١١٢- تفسير سورة الإخلاص ٥٠٥ ١١٣- تفسير سورة الفلق ٥٠٧ ١١٤- تفسير سورة الناس ٥١٠

### الآية 38:74

> ﻿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [38:74]

ف قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا إن قلنا: إن هذا قول الأتباع للرؤساء فالمعنى: أنتم زيَّنتم لنا الكفر، وإن قلنا: إنه قول الأمَّة المتأخرة للأمَّة المتقدِّمة، فالمعنى: أنتم شرَّعتم لنا الكفر وبدأتم به قبلنا، فدخلتم النار قبلنا فَبِئْسَ الْقَرارُ أي: بئس المُسْتَقَرّ والمنزل. قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا أي:
 مَنْ سنَّه وشرعه فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ وقد شرحناه في الأعراف **«١»**. وفي القائلين لهذا قولان:
 أحدهما: أنه قول جميع أهل النار، قاله ابن السائب. والثاني: قول الأتباع. قاله مقاتل.
 قوله تعالى: وَقالُوا يعني أهل النار ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ قال المفسرون: إذا دخلوا النار، نظروا فلم يَرَوْا مَنْ كان يخالفُهم من المؤمنين، فيقولون ذلك. قال مجاهد: يقول أبو جهل في النار: أين صُهَيب، أين عمّار، أين خبّاب، أين بلال؟! قوله تعالى: أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي: **«من الأشرار اتَّخَذْناهم»** بالوصل على الخبر، أي: إِنّا اتَّخَذْناهم، وهؤلاء يبتدئون بكسر الهمزة. وقرأ الباقون بقطع الألف وفتحها على معنى الاستفهام، وهؤلاء يبتدئون بفتح الهمزة. وقال الفراء: وهذا استفهام بمعنى التعجُّب والتوبيخ، والمعنى أنهم يوبِّخون أنفسهم على ما صنعوا بالمؤمنين. و **«سخريّا»** يُقرأ بضم السين وكسرها. وقد شرحناها في آخر سورة المؤمنون **«٢»** أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ أي: وهم مَعَنا في النار ولا نراهم؟! وقال أبو عبيدة: **«أم»** ها هنا بمعنى **«بَلْ»**.
 قوله تعالى: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ قال الزجاج: أي: إِن الذي وصفْناه عنهم لَحَقٌّ، ثم بيَّن ما هو، فقال: هو تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ وقرأ أبو الجوزاء، وأبو الشعثاء، وأبو عمران، وابن أبي عبلة: **«تَخَاصُمَ»** برفع الصاد وفتح الميم، وكسر اللام من **«أَهْلِ»**. وقرأ أبو مجلز، وأبو العالية، وأبو المتوكل، وابن السميفع: **«تَخَاصَمَ أَهْلَ»** بفتح الصاد والميم ورفع اللام.
 \[سورة ص (٣٨) : الآيات ٦٧ الى ٨٨\]
 قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠) إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (٧١)
 فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٧٤) قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (٧٥) قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)
 قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١)
 قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)
 إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)
 قوله تعالى: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ النَّبأُ: الخَبَر. وفي المشار إِليه قولان: أحدهما: أنه القرآن، قاله ابن عباس، ومجاهد، والجمهور. والثاني: أنه البعث بعد الموت، قاله قتادة. أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ أي:

 (١) الأعراف: ٣٨.
 (٢) المؤمنون: ١١٠.

لا تتفكَّرون فيه فتعلمونَ صِدْقي في نُبوَّتي، وأن ما جئتُ به من الأخبار عن قصص الماضين لم أَعْلَمْه إِلاّ بوحي من الله تعالى. ويدلّ على هذا المعنى قوله تعالى: ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى يعني الملائكة إِذْ يَخْتَصِمُونَ في شأن آدمَ حين قال الله تعالى: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً **«١»** والمعنى: إِنِّي ما عَلِمْتُ هذا إلاّ بوحي، إِنْ يُوحى إِلَيَّ أي: ما يوحى إليَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ أي: إِلاّ أنِّي نبيٌّ أُنْذرِكم وأبيِّن لكم ما تأتونه وتجتنبونه. إِذْ قالَ رَبُّكَ هذا متصل بقوله: **«يختصمونَ»** وإنما اعترضت تلك الآية بينهما. قال ابن عباس: اختصَموا حين شُوورِوا في خَلْق آدم، فقال الله تعالى لهم: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، وهذه الخصومة منهم إنما كانت مُناظَرةً بينهم. وفي مُناظَرتهم قولان: أحدهما: أنه قولهم:
 أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها **«٢»**، قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: أنهم قالوا: لن يَخْلُقَ اللهُ خَلْقاً إِلاّ كُنّا أكرمَ منه وأعلم، قاله الحسن هذا قول أكثر المفسّرين.
 (١٢٢٢) وقد روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم أنه قال: **«رأيت ربّي عزّ وجلّ، فقال لي: فيم يختصم الملأ
 صحيح بمجموع طرقه وشواهده. رجاله ثقات معروفون، لكن عبد الرحمن بن عائش مختلف في صحبته، والراجح أنه تابعي، وقد نفى البخاري صحبته ويدل عليه كونه رواه بواسطة عن معاذ كما سيأتي، فالإسناد ضعيف لإرساله، لكن ورد موصولا، وله شواهد. أخرجه الدارمي ٢/ ١٢٦ وابن خزيمة في «التوحيد» ٢١٥- ٢١٦ والحاكم ١/ ٥٢٠- ٥٢١ والآجري في ****«الشريعة»**** ١٠٥٥ من طرق عن عبد الرحمن بن زيد بن جابر به.
 وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وأخرجه أحمد ٤/ ٦٦ من هذا الوجه عن عبد الرحمن بن عائش عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم. وذكره الهيثمي في ******«المجمع»****** ٧/ ١٧٦- ١٧٧ وقال: رجاله ثقات اه. وجهالة الصحابي لا تضر. وأخرجه الترمذي ٣٢٣٥ والحاكم ١/ ٢١ من حديث عبد الرحمن بن عائش عن مالك بن يخامر عن معاذ مرفوعا. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال: حسن صحيح. وورد من حديث ابن عباس. وأخرجه ابن خزيمة ص ٢١٧ والآجري في ****«الشريعة»**** ١٠٥٤ من طريق أيوب عن أبي قلابة عن خالد بن الجلاح عن ابن عباس، ورجاله ثقات. وورد من حديث ثوبان أخرجه البزّار ٢١٢٩ وفيه أبو يحيى الراوي عن أبي أسماء الرحبي لا يعرف قال الهيثمي في ******«المجمع»****** ٧/ ١٧٨ وأخرجه البزار من وجه آخر عن ابن عمرو، وفيه سعيد بن سنان واه. وورد من حديث أبي أمامة أخرجه الطبراني كما في ******«المجمع»****** ٧/ ١٧٨ وفيه ليث بن أبي سليم غير قوي. وللحديث شواهد أخرى، وإن كانت ضعيفة، إلا أنها تتقوى بمجموعها، والله أعلم. الخلاصة: هو حديث حسن صحيح كما قال البخاري، والله أعلم.
 واللفظ عند الترمذي، عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي، عن مالك بن يخامر السككي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم غداة عن صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس، فخرج سريعا فثوّب بالصلاة، فصلّى رسول الله صلى الله عليه وسلّم وتجوّز في صلاته فلما سلّم دعا بصوته قال لنا على مصافّكم كما أنتم ثم انفتل إلينا ثم قال: «أما إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة: إني قمت من الليل فتوضأت وصليت ما قدّر لي فنعست في صلاتي حتى استثقلت، فإذا بربي تبارك وتعالى في أحسن صورة، فقال: يا محمد، قلت:
 لبيك رب، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، قالها ثلاثا، قال فرأيته وضع كفه بين كتفيّ حتى وجدت برد أنامله بين ثديي، فتجلّى لي كل شيء وعرفت، فقال: يا محمد، قلت: لبيك ربي، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفّارات، قال: ما هنّ؟ قلت: مشي الأقدام إلى الحسنات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء حين الكريهات، قال: فيم، قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة بالليل والناس نيام قال: سل، قال: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب-
 __________
 (١) البقرة: ٣٠.
 (٢) البقرة: ٣٠.**

الأعلى؟ قلت: أنتَ أَعْلَمُ يا ربّ، قال: في الكفّارات والدرجات، فأمّا الكفّارات، فإسباغ الوُضوء في السَّبَرات، ونقل الأقدام إِلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة. وأمّا الدَّرَجات فإفشاء السَّلام، وإِطعامُ الطَّعام، والصَّلاةُ باللَّيل والنّاس نيام».
 قوله تعالى: أَسْتَكْبَرْتَ أي: أَسْتَكْبَرْتَ بنفسكَ حين أبَيْتَ السُّجودَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ أي: من قوم يتكبَّرونَ؟! قوله تعالى: فَإِنَّكَ رَجِيمٌ أي: مَرْجُومٌ بالذَّمِّ واللَّعْن. قوله تعالى: إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ وهو وقت النَّفخة الأُولى، وهو حين موت الخلائق. وقوله: فَبِعِزَّتِكَ يمين بمعنى:
 فو عزّتك. وما أخللنا به في هذه القصة فهو مذكور في الأعراف **«١»** والحجر **«٢»** وغيرهما مما تقدم. قوله تعالى: قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ قرأ عاصم إِلا حَسْنون عن هبيرة، وحمزة، وخلف، وزيد عن يعقوب:
 **«فالحَقُّ»** بالرفع في الأول ونصب الثاني، وهذا مروي عن ابن عباس. ومجاهد، قال ابن عباس في معناه: فأنا الحقُّ وأقولُ الحَقُّ وقال غيره: خبر الحقِّ محذوف، تقديره: الحَقُّ مِنِّي. وقرأ محبوب عن أبي عمرو بالرفع فيهما قال الزجّاج: من رفعهما جميعاً، كان المعنى: فأنا الحقُّ والحَقُّ أقولُ. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي: بالنصب فيهما. قال الفراء: وهو على معنى قولك: حَقّاً لآتِيَنَّكَ، ووجودُ الألف واللام وطرحُهما سواءٌ، وهو بمنزلة قولك: حمداً لله، وقال مكّيّ بن أبي طالب: انتصب الحق الأول على الإِغراء، أي: اتَّبِعوا الحَقَّ واسمَعوا والزَموا الحَقَّ.
 وقيل: هو نصب على القَسَم، كما تقول: اللهَ لأَفْعَلَنَّ، فتَنْصِب حين حذفتَ الجارّ، لأن تقديره وبالحقّ وأمّا الحَقُّ الثاني، فيجوز أن يكون الأولَ، وكرَّره توكيداً، ويجوز أن يكون منصوباً ب **«أقولُ»** كأنه قال: وأقولُ الحَقَّ. وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبو رجاء، ومعاذ القارئ، والأعمش:
 **«فالحَقِّ»** بكسر القاف **«والحَقَّ»** بنصبها. وقرأ أبو عمران الجوني بكسر القافين. جميعاً. وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وأبو نهيك: **«فالحَقَّ»** بالنصب **«والحَقُّ»** بالرفع.
 قوله تعالى: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ أي: مِنْ نَفْسِكَ وذريتك. قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ أي: على تبليغ الوحي وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ أي: لم أتكلَّف إِتيانَكم من قِبَلِ نَفْسي إنما أُمرتُ أن آتيَكم، ولم أَقُل القرآنَ من تِلْقاء نفسي إنّما أوحي إليّ. إِنْ هُوَ أي: ما هو، يعني القرآن إِلَّا ذِكْرٌ أي: موعظة لِلْعالَمِينَ. وَلَتَعْلَمُنَّ يا معاشر الكُفّار نَبَأَهُ أي: خبر صِدق القرآن بَعْدَ حِينٍ وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: بعد الموت. والثاني: يوم القيامة، رويا عن ابن عباس، وبالأول يقول قتادة، وبالثاني يقول عكرمة **«٣»**. والثالث: يوم بدر، قاله السدي ومقاتل. وقال ابن السائب: من بقي إِلى أن ظَهَرَ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم عَلِمَ ذلك، ومن مات عَلِمَه بعد الموت. وذهب بعض المفسرين إِلى أن هذه الآية منسوخة بآية السّيف، ولا وجه لذلك.

 المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة قوم فتوفني غير مفتون، أسألك حبك وحب من يحبك، وحب عمل يقرب إلى حبك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: إنّها حق فادرسوها ثم تعلّموها».
 __________
 (١) الأعراف: ١٢.
 (٢) الحجر: ٣٤.
 (٣) قال ابن كثير ٤/ ٥٣: ولا منافاة بين القولين، فإن من مات فقد دخل في حكم القيامة، قال: وقال قتادة في قوله تعالى: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ قال الحسن: يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين. [.....]

الجزء الرابع
 فهرس الموضوعات
 الموضوع الصفحة ٣٩- تفسير سورة الزمر ٧ ٤٠- تفسير سورة غافر ٢٩ ٤١- تفسير سورة فصلت ٤٥ ٤٢- تفسير سورة الشورى ٥٨ ٤٣- تفسير سورة الزخرف ٧٢ ٤٤- تفسير سورة الدخان ٨٧ ٤٥- تفسير سورة الجاثية ٩٦ ٤٦- تفسير سورة الأحقاف ١٠٢ ٤٧- تفسير سورة محمّد ١١٥ ٤٨- تفسير سورة الفتح ١٢٥ ٤٩- تفسير سورة الحجرات ١٤١ ٥٠- تفسير سورة ق ١٥٦ ٥١- تفسير سورة الذاريات ١٦٧ ٥٢- تفسير سورة الطور ١٧٥ ٥٣- تفسير سورة النجم ١٨٣ ٥٤- تفسير سورة القمر ١٩٦ ٥٥- تفسير سورة الرحمن ٢٠٥ ٥٦- تفسير سورة الواقعة ٢١٨ ٥٧- تفسير سورة الحديد ٢٣٢ ٥٨- تفسير سورة المجادلة ٢٤١ الموضوع الصفحة ٥٩- تفسير سورة الحشر ٢٥٣ ٦٠- تفسير سورة الممتحنة ٢٦٦ ٦١- تفسير سورة الصف ٢٧٦ ٦٢- تفسير سورة الجمعة ٢٨٠ ٦٣- تفسير سورة المنافقون ٢٨٦ ٦٤- تفسير سورة التغابن ٢٩١ ٦٥- تفسير سورة الطلاق ٢٩٥ ٦٦- تفسير سورة التحريم ٣٠٤ ٦٧- تفسير سورة الملك ٣١٣ ٦٨- تفسير سورة القلم ٣١٨ ٦٩- تفسير سورة الحاقة ٣٢٨ ٧٠- تفسير سورة المعارج ٣٣٥ ٧١- تفسير سورة نوح ٣٤١ ٧٢- تفسير سورة الجن ٣٤٦ ٧٣- تفسير سورة المزمل ٣٥٢ ٧٤- تفسير سورة المدثر ٣٥٨ ٧٥- تفسير سورة القيامة ٣٦٨ ٧٦- تفسير سورة الإنسان ٣٧٤ ٧٧- تفسير سورة المرسلات ٣٨٢ ٧٨- تفسير سورة النبإ ٣٨٧

الموضوع الصفحة ٧٩- تفسير سورة النازعات ٣٩٣ ٨٠- تفسير سورة عبس ٣٩٩ ٨١- تفسير سورة التكوير ٤٠٥ ٨٢- تفسير سورة الانفطار ٤١٠ ٨٣- تفسير سورة المطففين ٤١٣ ٨٤- تفسير سورة الانشقاق ٤١٩ ٨٥- تفسير سورة البروج ٤٢٣ ٨٦- تفسير سورة الطارق ٤٢٨ ٨٧- تفسير سورة الأعلى ٤٣١ ٨٨- تفسير سورة الغاشية ٤٣٤ ٨٩- تفسير سورة الفجر ٤٣٧ ٩٠- تفسير سورة البلد ٤٤٦ ٩١- تفسير سورة الشمس ٤٥٠ ٩٢- تفسير سورة الليل ٤٥٣ ٩٣- تفسير سورة الضحى ٤٥٦ ٩٤- تفسير سورة الشرح ٤٦٠ ٩٥- تفسير سورة التين ٤٦٣ ٩٦- تفسير سورة العلق ٤٦٦ الموضوع الصفحة ٩٧- تفسير سورة القدر ٤٦٩ ٩٨- تفسير سورة البينة ٤٧٥ ٩٩- تفسير سورة الزلزلة ٤٧٧ ١٠٠- تفسير سورة العاديات ٤٨٠ ١٠١- تفسير سورة القارعة ٤٨٣ ١٠٢- تفسير سورة التكاثر ٤٨٥ ١٠٣- تفسير سورة العصر ٤٨٧ ١٠٤- تفسير سورة الهمزة ٤٨٨ ١٠٥- تفسير سورة الفيل ٤٩٠ ١٠٦- تفسير سورة قريش ٤٩٣ ١٠٧- تفسير سورة الماعون ٤٩٥ ١٠٨- تفسير سورة الكوثر ٤٩٧ ١٠٩- تفسير سورة الكافرون ٤٩٩ ١١٠- تفسير سورة النصر ٥٠١ ١١١- تفسير سورة المسد ٥٠٢ ١١٢- تفسير سورة الإخلاص ٥٠٥ ١١٣- تفسير سورة الفلق ٥٠٧ ١١٤- تفسير سورة الناس ٥١٠

### الآية 38:75

> ﻿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ [38:75]

قوله تعالى : أَسْتَكْبَرْتَ  أي : أستكبرت بنفسك حين أبيت السجود  أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ  أي : من قوم يتكبرون فتكبرت عن السجود لكونك من قوم يتكبرون ؟ !

### الآية 38:76

> ﻿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ۖ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [38:76]

ف قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا إن قلنا: إن هذا قول الأتباع للرؤساء فالمعنى: أنتم زيَّنتم لنا الكفر، وإن قلنا: إنه قول الأمَّة المتأخرة للأمَّة المتقدِّمة، فالمعنى: أنتم شرَّعتم لنا الكفر وبدأتم به قبلنا، فدخلتم النار قبلنا فَبِئْسَ الْقَرارُ أي: بئس المُسْتَقَرّ والمنزل. قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا أي:
 مَنْ سنَّه وشرعه فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ وقد شرحناه في الأعراف **«١»**. وفي القائلين لهذا قولان:
 أحدهما: أنه قول جميع أهل النار، قاله ابن السائب. والثاني: قول الأتباع. قاله مقاتل.
 قوله تعالى: وَقالُوا يعني أهل النار ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ قال المفسرون: إذا دخلوا النار، نظروا فلم يَرَوْا مَنْ كان يخالفُهم من المؤمنين، فيقولون ذلك. قال مجاهد: يقول أبو جهل في النار: أين صُهَيب، أين عمّار، أين خبّاب، أين بلال؟! قوله تعالى: أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي: **«من الأشرار اتَّخَذْناهم»** بالوصل على الخبر، أي: إِنّا اتَّخَذْناهم، وهؤلاء يبتدئون بكسر الهمزة. وقرأ الباقون بقطع الألف وفتحها على معنى الاستفهام، وهؤلاء يبتدئون بفتح الهمزة. وقال الفراء: وهذا استفهام بمعنى التعجُّب والتوبيخ، والمعنى أنهم يوبِّخون أنفسهم على ما صنعوا بالمؤمنين. و **«سخريّا»** يُقرأ بضم السين وكسرها. وقد شرحناها في آخر سورة المؤمنون **«٢»** أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ أي: وهم مَعَنا في النار ولا نراهم؟! وقال أبو عبيدة: **«أم»** ها هنا بمعنى **«بَلْ»**.
 قوله تعالى: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ قال الزجاج: أي: إِن الذي وصفْناه عنهم لَحَقٌّ، ثم بيَّن ما هو، فقال: هو تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ وقرأ أبو الجوزاء، وأبو الشعثاء، وأبو عمران، وابن أبي عبلة: **«تَخَاصُمَ»** برفع الصاد وفتح الميم، وكسر اللام من **«أَهْلِ»**. وقرأ أبو مجلز، وأبو العالية، وأبو المتوكل، وابن السميفع: **«تَخَاصَمَ أَهْلَ»** بفتح الصاد والميم ورفع اللام.
 \[سورة ص (٣٨) : الآيات ٦٧ الى ٨٨\]
 قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠) إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (٧١)
 فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٧٤) قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (٧٥) قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)
 قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١)
 قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)
 إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)
 قوله تعالى: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ النَّبأُ: الخَبَر. وفي المشار إِليه قولان: أحدهما: أنه القرآن، قاله ابن عباس، ومجاهد، والجمهور. والثاني: أنه البعث بعد الموت، قاله قتادة. أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ أي:

 (١) الأعراف: ٣٨.
 (٢) المؤمنون: ١١٠.

لا تتفكَّرون فيه فتعلمونَ صِدْقي في نُبوَّتي، وأن ما جئتُ به من الأخبار عن قصص الماضين لم أَعْلَمْه إِلاّ بوحي من الله تعالى. ويدلّ على هذا المعنى قوله تعالى: ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى يعني الملائكة إِذْ يَخْتَصِمُونَ في شأن آدمَ حين قال الله تعالى: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً **«١»** والمعنى: إِنِّي ما عَلِمْتُ هذا إلاّ بوحي، إِنْ يُوحى إِلَيَّ أي: ما يوحى إليَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ أي: إِلاّ أنِّي نبيٌّ أُنْذرِكم وأبيِّن لكم ما تأتونه وتجتنبونه. إِذْ قالَ رَبُّكَ هذا متصل بقوله: **«يختصمونَ»** وإنما اعترضت تلك الآية بينهما. قال ابن عباس: اختصَموا حين شُوورِوا في خَلْق آدم، فقال الله تعالى لهم: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، وهذه الخصومة منهم إنما كانت مُناظَرةً بينهم. وفي مُناظَرتهم قولان: أحدهما: أنه قولهم:
 أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها **«٢»**، قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: أنهم قالوا: لن يَخْلُقَ اللهُ خَلْقاً إِلاّ كُنّا أكرمَ منه وأعلم، قاله الحسن هذا قول أكثر المفسّرين.
 (١٢٢٢) وقد روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم أنه قال: **«رأيت ربّي عزّ وجلّ، فقال لي: فيم يختصم الملأ
 صحيح بمجموع طرقه وشواهده. رجاله ثقات معروفون، لكن عبد الرحمن بن عائش مختلف في صحبته، والراجح أنه تابعي، وقد نفى البخاري صحبته ويدل عليه كونه رواه بواسطة عن معاذ كما سيأتي، فالإسناد ضعيف لإرساله، لكن ورد موصولا، وله شواهد. أخرجه الدارمي ٢/ ١٢٦ وابن خزيمة في «التوحيد» ٢١٥- ٢١٦ والحاكم ١/ ٥٢٠- ٥٢١ والآجري في ****«الشريعة»**** ١٠٥٥ من طرق عن عبد الرحمن بن زيد بن جابر به.
 وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وأخرجه أحمد ٤/ ٦٦ من هذا الوجه عن عبد الرحمن بن عائش عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم. وذكره الهيثمي في ******«المجمع»****** ٧/ ١٧٦- ١٧٧ وقال: رجاله ثقات اه. وجهالة الصحابي لا تضر. وأخرجه الترمذي ٣٢٣٥ والحاكم ١/ ٢١ من حديث عبد الرحمن بن عائش عن مالك بن يخامر عن معاذ مرفوعا. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال: حسن صحيح. وورد من حديث ابن عباس. وأخرجه ابن خزيمة ص ٢١٧ والآجري في ****«الشريعة»**** ١٠٥٤ من طريق أيوب عن أبي قلابة عن خالد بن الجلاح عن ابن عباس، ورجاله ثقات. وورد من حديث ثوبان أخرجه البزّار ٢١٢٩ وفيه أبو يحيى الراوي عن أبي أسماء الرحبي لا يعرف قال الهيثمي في ******«المجمع»****** ٧/ ١٧٨ وأخرجه البزار من وجه آخر عن ابن عمرو، وفيه سعيد بن سنان واه. وورد من حديث أبي أمامة أخرجه الطبراني كما في ******«المجمع»****** ٧/ ١٧٨ وفيه ليث بن أبي سليم غير قوي. وللحديث شواهد أخرى، وإن كانت ضعيفة، إلا أنها تتقوى بمجموعها، والله أعلم. الخلاصة: هو حديث حسن صحيح كما قال البخاري، والله أعلم.
 واللفظ عند الترمذي، عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي، عن مالك بن يخامر السككي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم غداة عن صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس، فخرج سريعا فثوّب بالصلاة، فصلّى رسول الله صلى الله عليه وسلّم وتجوّز في صلاته فلما سلّم دعا بصوته قال لنا على مصافّكم كما أنتم ثم انفتل إلينا ثم قال: «أما إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة: إني قمت من الليل فتوضأت وصليت ما قدّر لي فنعست في صلاتي حتى استثقلت، فإذا بربي تبارك وتعالى في أحسن صورة، فقال: يا محمد، قلت:
 لبيك رب، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، قالها ثلاثا، قال فرأيته وضع كفه بين كتفيّ حتى وجدت برد أنامله بين ثديي، فتجلّى لي كل شيء وعرفت، فقال: يا محمد، قلت: لبيك ربي، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفّارات، قال: ما هنّ؟ قلت: مشي الأقدام إلى الحسنات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء حين الكريهات، قال: فيم، قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة بالليل والناس نيام قال: سل، قال: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب-
 __________
 (١) البقرة: ٣٠.
 (٢) البقرة: ٣٠.**

الأعلى؟ قلت: أنتَ أَعْلَمُ يا ربّ، قال: في الكفّارات والدرجات، فأمّا الكفّارات، فإسباغ الوُضوء في السَّبَرات، ونقل الأقدام إِلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة. وأمّا الدَّرَجات فإفشاء السَّلام، وإِطعامُ الطَّعام، والصَّلاةُ باللَّيل والنّاس نيام».
 قوله تعالى: أَسْتَكْبَرْتَ أي: أَسْتَكْبَرْتَ بنفسكَ حين أبَيْتَ السُّجودَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ أي: من قوم يتكبَّرونَ؟! قوله تعالى: فَإِنَّكَ رَجِيمٌ أي: مَرْجُومٌ بالذَّمِّ واللَّعْن. قوله تعالى: إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ وهو وقت النَّفخة الأُولى، وهو حين موت الخلائق. وقوله: فَبِعِزَّتِكَ يمين بمعنى:
 فو عزّتك. وما أخللنا به في هذه القصة فهو مذكور في الأعراف **«١»** والحجر **«٢»** وغيرهما مما تقدم. قوله تعالى: قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ قرأ عاصم إِلا حَسْنون عن هبيرة، وحمزة، وخلف، وزيد عن يعقوب:
 **«فالحَقُّ»** بالرفع في الأول ونصب الثاني، وهذا مروي عن ابن عباس. ومجاهد، قال ابن عباس في معناه: فأنا الحقُّ وأقولُ الحَقُّ وقال غيره: خبر الحقِّ محذوف، تقديره: الحَقُّ مِنِّي. وقرأ محبوب عن أبي عمرو بالرفع فيهما قال الزجّاج: من رفعهما جميعاً، كان المعنى: فأنا الحقُّ والحَقُّ أقولُ. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي: بالنصب فيهما. قال الفراء: وهو على معنى قولك: حَقّاً لآتِيَنَّكَ، ووجودُ الألف واللام وطرحُهما سواءٌ، وهو بمنزلة قولك: حمداً لله، وقال مكّيّ بن أبي طالب: انتصب الحق الأول على الإِغراء، أي: اتَّبِعوا الحَقَّ واسمَعوا والزَموا الحَقَّ.
 وقيل: هو نصب على القَسَم، كما تقول: اللهَ لأَفْعَلَنَّ، فتَنْصِب حين حذفتَ الجارّ، لأن تقديره وبالحقّ وأمّا الحَقُّ الثاني، فيجوز أن يكون الأولَ، وكرَّره توكيداً، ويجوز أن يكون منصوباً ب **«أقولُ»** كأنه قال: وأقولُ الحَقَّ. وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبو رجاء، ومعاذ القارئ، والأعمش:
 **«فالحَقِّ»** بكسر القاف **«والحَقَّ»** بنصبها. وقرأ أبو عمران الجوني بكسر القافين. جميعاً. وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وأبو نهيك: **«فالحَقَّ»** بالنصب **«والحَقُّ»** بالرفع.
 قوله تعالى: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ أي: مِنْ نَفْسِكَ وذريتك. قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ أي: على تبليغ الوحي وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ أي: لم أتكلَّف إِتيانَكم من قِبَلِ نَفْسي إنما أُمرتُ أن آتيَكم، ولم أَقُل القرآنَ من تِلْقاء نفسي إنّما أوحي إليّ. إِنْ هُوَ أي: ما هو، يعني القرآن إِلَّا ذِكْرٌ أي: موعظة لِلْعالَمِينَ. وَلَتَعْلَمُنَّ يا معاشر الكُفّار نَبَأَهُ أي: خبر صِدق القرآن بَعْدَ حِينٍ وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: بعد الموت. والثاني: يوم القيامة، رويا عن ابن عباس، وبالأول يقول قتادة، وبالثاني يقول عكرمة **«٣»**. والثالث: يوم بدر، قاله السدي ومقاتل. وقال ابن السائب: من بقي إِلى أن ظَهَرَ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم عَلِمَ ذلك، ومن مات عَلِمَه بعد الموت. وذهب بعض المفسرين إِلى أن هذه الآية منسوخة بآية السّيف، ولا وجه لذلك.

 المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة قوم فتوفني غير مفتون، أسألك حبك وحب من يحبك، وحب عمل يقرب إلى حبك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: إنّها حق فادرسوها ثم تعلّموها».
 __________
 (١) الأعراف: ١٢.
 (٢) الحجر: ٣٤.
 (٣) قال ابن كثير ٤/ ٥٣: ولا منافاة بين القولين، فإن من مات فقد دخل في حكم القيامة، قال: وقال قتادة في قوله تعالى: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ قال الحسن: يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين. [.....]

الجزء الرابع
 فهرس الموضوعات
 الموضوع الصفحة ٣٩- تفسير سورة الزمر ٧ ٤٠- تفسير سورة غافر ٢٩ ٤١- تفسير سورة فصلت ٤٥ ٤٢- تفسير سورة الشورى ٥٨ ٤٣- تفسير سورة الزخرف ٧٢ ٤٤- تفسير سورة الدخان ٨٧ ٤٥- تفسير سورة الجاثية ٩٦ ٤٦- تفسير سورة الأحقاف ١٠٢ ٤٧- تفسير سورة محمّد ١١٥ ٤٨- تفسير سورة الفتح ١٢٥ ٤٩- تفسير سورة الحجرات ١٤١ ٥٠- تفسير سورة ق ١٥٦ ٥١- تفسير سورة الذاريات ١٦٧ ٥٢- تفسير سورة الطور ١٧٥ ٥٣- تفسير سورة النجم ١٨٣ ٥٤- تفسير سورة القمر ١٩٦ ٥٥- تفسير سورة الرحمن ٢٠٥ ٥٦- تفسير سورة الواقعة ٢١٨ ٥٧- تفسير سورة الحديد ٢٣٢ ٥٨- تفسير سورة المجادلة ٢٤١ الموضوع الصفحة ٥٩- تفسير سورة الحشر ٢٥٣ ٦٠- تفسير سورة الممتحنة ٢٦٦ ٦١- تفسير سورة الصف ٢٧٦ ٦٢- تفسير سورة الجمعة ٢٨٠ ٦٣- تفسير سورة المنافقون ٢٨٦ ٦٤- تفسير سورة التغابن ٢٩١ ٦٥- تفسير سورة الطلاق ٢٩٥ ٦٦- تفسير سورة التحريم ٣٠٤ ٦٧- تفسير سورة الملك ٣١٣ ٦٨- تفسير سورة القلم ٣١٨ ٦٩- تفسير سورة الحاقة ٣٢٨ ٧٠- تفسير سورة المعارج ٣٣٥ ٧١- تفسير سورة نوح ٣٤١ ٧٢- تفسير سورة الجن ٣٤٦ ٧٣- تفسير سورة المزمل ٣٥٢ ٧٤- تفسير سورة المدثر ٣٥٨ ٧٥- تفسير سورة القيامة ٣٦٨ ٧٦- تفسير سورة الإنسان ٣٧٤ ٧٧- تفسير سورة المرسلات ٣٨٢ ٧٨- تفسير سورة النبإ ٣٨٧

الموضوع الصفحة ٧٩- تفسير سورة النازعات ٣٩٣ ٨٠- تفسير سورة عبس ٣٩٩ ٨١- تفسير سورة التكوير ٤٠٥ ٨٢- تفسير سورة الانفطار ٤١٠ ٨٣- تفسير سورة المطففين ٤١٣ ٨٤- تفسير سورة الانشقاق ٤١٩ ٨٥- تفسير سورة البروج ٤٢٣ ٨٦- تفسير سورة الطارق ٤٢٨ ٨٧- تفسير سورة الأعلى ٤٣١ ٨٨- تفسير سورة الغاشية ٤٣٤ ٨٩- تفسير سورة الفجر ٤٣٧ ٩٠- تفسير سورة البلد ٤٤٦ ٩١- تفسير سورة الشمس ٤٥٠ ٩٢- تفسير سورة الليل ٤٥٣ ٩٣- تفسير سورة الضحى ٤٥٦ ٩٤- تفسير سورة الشرح ٤٦٠ ٩٥- تفسير سورة التين ٤٦٣ ٩٦- تفسير سورة العلق ٤٦٦ الموضوع الصفحة ٩٧- تفسير سورة القدر ٤٦٩ ٩٨- تفسير سورة البينة ٤٧٥ ٩٩- تفسير سورة الزلزلة ٤٧٧ ١٠٠- تفسير سورة العاديات ٤٨٠ ١٠١- تفسير سورة القارعة ٤٨٣ ١٠٢- تفسير سورة التكاثر ٤٨٥ ١٠٣- تفسير سورة العصر ٤٨٧ ١٠٤- تفسير سورة الهمزة ٤٨٨ ١٠٥- تفسير سورة الفيل ٤٩٠ ١٠٦- تفسير سورة قريش ٤٩٣ ١٠٧- تفسير سورة الماعون ٤٩٥ ١٠٨- تفسير سورة الكوثر ٤٩٧ ١٠٩- تفسير سورة الكافرون ٤٩٩ ١١٠- تفسير سورة النصر ٥٠١ ١١١- تفسير سورة المسد ٥٠٢ ١١٢- تفسير سورة الإخلاص ٥٠٥ ١١٣- تفسير سورة الفلق ٥٠٧ ١١٤- تفسير سورة الناس ٥١٠

### الآية 38:77

> ﻿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ [38:77]

قوله تعالى : فَإِنَّكَ رَجِيمٌ  أي : مرجوم بالذم واللعن.

### الآية 38:78

> ﻿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ [38:78]

ف قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا إن قلنا: إن هذا قول الأتباع للرؤساء فالمعنى: أنتم زيَّنتم لنا الكفر، وإن قلنا: إنه قول الأمَّة المتأخرة للأمَّة المتقدِّمة، فالمعنى: أنتم شرَّعتم لنا الكفر وبدأتم به قبلنا، فدخلتم النار قبلنا فَبِئْسَ الْقَرارُ أي: بئس المُسْتَقَرّ والمنزل. قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا أي:
 مَنْ سنَّه وشرعه فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ وقد شرحناه في الأعراف **«١»**. وفي القائلين لهذا قولان:
 أحدهما: أنه قول جميع أهل النار، قاله ابن السائب. والثاني: قول الأتباع. قاله مقاتل.
 قوله تعالى: وَقالُوا يعني أهل النار ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ قال المفسرون: إذا دخلوا النار، نظروا فلم يَرَوْا مَنْ كان يخالفُهم من المؤمنين، فيقولون ذلك. قال مجاهد: يقول أبو جهل في النار: أين صُهَيب، أين عمّار، أين خبّاب، أين بلال؟! قوله تعالى: أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي: **«من الأشرار اتَّخَذْناهم»** بالوصل على الخبر، أي: إِنّا اتَّخَذْناهم، وهؤلاء يبتدئون بكسر الهمزة. وقرأ الباقون بقطع الألف وفتحها على معنى الاستفهام، وهؤلاء يبتدئون بفتح الهمزة. وقال الفراء: وهذا استفهام بمعنى التعجُّب والتوبيخ، والمعنى أنهم يوبِّخون أنفسهم على ما صنعوا بالمؤمنين. و **«سخريّا»** يُقرأ بضم السين وكسرها. وقد شرحناها في آخر سورة المؤمنون **«٢»** أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ أي: وهم مَعَنا في النار ولا نراهم؟! وقال أبو عبيدة: **«أم»** ها هنا بمعنى **«بَلْ»**.
 قوله تعالى: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ قال الزجاج: أي: إِن الذي وصفْناه عنهم لَحَقٌّ، ثم بيَّن ما هو، فقال: هو تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ وقرأ أبو الجوزاء، وأبو الشعثاء، وأبو عمران، وابن أبي عبلة: **«تَخَاصُمَ»** برفع الصاد وفتح الميم، وكسر اللام من **«أَهْلِ»**. وقرأ أبو مجلز، وأبو العالية، وأبو المتوكل، وابن السميفع: **«تَخَاصَمَ أَهْلَ»** بفتح الصاد والميم ورفع اللام.
 \[سورة ص (٣٨) : الآيات ٦٧ الى ٨٨\]
 قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠) إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (٧١)
 فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٧٤) قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (٧٥) قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)
 قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١)
 قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)
 إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)
 قوله تعالى: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ النَّبأُ: الخَبَر. وفي المشار إِليه قولان: أحدهما: أنه القرآن، قاله ابن عباس، ومجاهد، والجمهور. والثاني: أنه البعث بعد الموت، قاله قتادة. أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ أي:

 (١) الأعراف: ٣٨.
 (٢) المؤمنون: ١١٠.

لا تتفكَّرون فيه فتعلمونَ صِدْقي في نُبوَّتي، وأن ما جئتُ به من الأخبار عن قصص الماضين لم أَعْلَمْه إِلاّ بوحي من الله تعالى. ويدلّ على هذا المعنى قوله تعالى: ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى يعني الملائكة إِذْ يَخْتَصِمُونَ في شأن آدمَ حين قال الله تعالى: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً **«١»** والمعنى: إِنِّي ما عَلِمْتُ هذا إلاّ بوحي، إِنْ يُوحى إِلَيَّ أي: ما يوحى إليَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ أي: إِلاّ أنِّي نبيٌّ أُنْذرِكم وأبيِّن لكم ما تأتونه وتجتنبونه. إِذْ قالَ رَبُّكَ هذا متصل بقوله: **«يختصمونَ»** وإنما اعترضت تلك الآية بينهما. قال ابن عباس: اختصَموا حين شُوورِوا في خَلْق آدم، فقال الله تعالى لهم: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، وهذه الخصومة منهم إنما كانت مُناظَرةً بينهم. وفي مُناظَرتهم قولان: أحدهما: أنه قولهم:
 أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها **«٢»**، قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: أنهم قالوا: لن يَخْلُقَ اللهُ خَلْقاً إِلاّ كُنّا أكرمَ منه وأعلم، قاله الحسن هذا قول أكثر المفسّرين.
 (١٢٢٢) وقد روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم أنه قال: **«رأيت ربّي عزّ وجلّ، فقال لي: فيم يختصم الملأ
 صحيح بمجموع طرقه وشواهده. رجاله ثقات معروفون، لكن عبد الرحمن بن عائش مختلف في صحبته، والراجح أنه تابعي، وقد نفى البخاري صحبته ويدل عليه كونه رواه بواسطة عن معاذ كما سيأتي، فالإسناد ضعيف لإرساله، لكن ورد موصولا، وله شواهد. أخرجه الدارمي ٢/ ١٢٦ وابن خزيمة في «التوحيد» ٢١٥- ٢١٦ والحاكم ١/ ٥٢٠- ٥٢١ والآجري في ****«الشريعة»**** ١٠٥٥ من طرق عن عبد الرحمن بن زيد بن جابر به.
 وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وأخرجه أحمد ٤/ ٦٦ من هذا الوجه عن عبد الرحمن بن عائش عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم. وذكره الهيثمي في ******«المجمع»****** ٧/ ١٧٦- ١٧٧ وقال: رجاله ثقات اه. وجهالة الصحابي لا تضر. وأخرجه الترمذي ٣٢٣٥ والحاكم ١/ ٢١ من حديث عبد الرحمن بن عائش عن مالك بن يخامر عن معاذ مرفوعا. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال: حسن صحيح. وورد من حديث ابن عباس. وأخرجه ابن خزيمة ص ٢١٧ والآجري في ****«الشريعة»**** ١٠٥٤ من طريق أيوب عن أبي قلابة عن خالد بن الجلاح عن ابن عباس، ورجاله ثقات. وورد من حديث ثوبان أخرجه البزّار ٢١٢٩ وفيه أبو يحيى الراوي عن أبي أسماء الرحبي لا يعرف قال الهيثمي في ******«المجمع»****** ٧/ ١٧٨ وأخرجه البزار من وجه آخر عن ابن عمرو، وفيه سعيد بن سنان واه. وورد من حديث أبي أمامة أخرجه الطبراني كما في ******«المجمع»****** ٧/ ١٧٨ وفيه ليث بن أبي سليم غير قوي. وللحديث شواهد أخرى، وإن كانت ضعيفة، إلا أنها تتقوى بمجموعها، والله أعلم. الخلاصة: هو حديث حسن صحيح كما قال البخاري، والله أعلم.
 واللفظ عند الترمذي، عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي، عن مالك بن يخامر السككي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم غداة عن صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس، فخرج سريعا فثوّب بالصلاة، فصلّى رسول الله صلى الله عليه وسلّم وتجوّز في صلاته فلما سلّم دعا بصوته قال لنا على مصافّكم كما أنتم ثم انفتل إلينا ثم قال: «أما إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة: إني قمت من الليل فتوضأت وصليت ما قدّر لي فنعست في صلاتي حتى استثقلت، فإذا بربي تبارك وتعالى في أحسن صورة، فقال: يا محمد، قلت:
 لبيك رب، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، قالها ثلاثا، قال فرأيته وضع كفه بين كتفيّ حتى وجدت برد أنامله بين ثديي، فتجلّى لي كل شيء وعرفت، فقال: يا محمد، قلت: لبيك ربي، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفّارات، قال: ما هنّ؟ قلت: مشي الأقدام إلى الحسنات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء حين الكريهات، قال: فيم، قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة بالليل والناس نيام قال: سل، قال: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب-
 __________
 (١) البقرة: ٣٠.
 (٢) البقرة: ٣٠.**

الأعلى؟ قلت: أنتَ أَعْلَمُ يا ربّ، قال: في الكفّارات والدرجات، فأمّا الكفّارات، فإسباغ الوُضوء في السَّبَرات، ونقل الأقدام إِلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة. وأمّا الدَّرَجات فإفشاء السَّلام، وإِطعامُ الطَّعام، والصَّلاةُ باللَّيل والنّاس نيام».
 قوله تعالى: أَسْتَكْبَرْتَ أي: أَسْتَكْبَرْتَ بنفسكَ حين أبَيْتَ السُّجودَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ أي: من قوم يتكبَّرونَ؟! قوله تعالى: فَإِنَّكَ رَجِيمٌ أي: مَرْجُومٌ بالذَّمِّ واللَّعْن. قوله تعالى: إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ وهو وقت النَّفخة الأُولى، وهو حين موت الخلائق. وقوله: فَبِعِزَّتِكَ يمين بمعنى:
 فو عزّتك. وما أخللنا به في هذه القصة فهو مذكور في الأعراف **«١»** والحجر **«٢»** وغيرهما مما تقدم. قوله تعالى: قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ قرأ عاصم إِلا حَسْنون عن هبيرة، وحمزة، وخلف، وزيد عن يعقوب:
 **«فالحَقُّ»** بالرفع في الأول ونصب الثاني، وهذا مروي عن ابن عباس. ومجاهد، قال ابن عباس في معناه: فأنا الحقُّ وأقولُ الحَقُّ وقال غيره: خبر الحقِّ محذوف، تقديره: الحَقُّ مِنِّي. وقرأ محبوب عن أبي عمرو بالرفع فيهما قال الزجّاج: من رفعهما جميعاً، كان المعنى: فأنا الحقُّ والحَقُّ أقولُ. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي: بالنصب فيهما. قال الفراء: وهو على معنى قولك: حَقّاً لآتِيَنَّكَ، ووجودُ الألف واللام وطرحُهما سواءٌ، وهو بمنزلة قولك: حمداً لله، وقال مكّيّ بن أبي طالب: انتصب الحق الأول على الإِغراء، أي: اتَّبِعوا الحَقَّ واسمَعوا والزَموا الحَقَّ.
 وقيل: هو نصب على القَسَم، كما تقول: اللهَ لأَفْعَلَنَّ، فتَنْصِب حين حذفتَ الجارّ، لأن تقديره وبالحقّ وأمّا الحَقُّ الثاني، فيجوز أن يكون الأولَ، وكرَّره توكيداً، ويجوز أن يكون منصوباً ب **«أقولُ»** كأنه قال: وأقولُ الحَقَّ. وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبو رجاء، ومعاذ القارئ، والأعمش:
 **«فالحَقِّ»** بكسر القاف **«والحَقَّ»** بنصبها. وقرأ أبو عمران الجوني بكسر القافين. جميعاً. وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وأبو نهيك: **«فالحَقَّ»** بالنصب **«والحَقُّ»** بالرفع.
 قوله تعالى: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ أي: مِنْ نَفْسِكَ وذريتك. قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ أي: على تبليغ الوحي وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ أي: لم أتكلَّف إِتيانَكم من قِبَلِ نَفْسي إنما أُمرتُ أن آتيَكم، ولم أَقُل القرآنَ من تِلْقاء نفسي إنّما أوحي إليّ. إِنْ هُوَ أي: ما هو، يعني القرآن إِلَّا ذِكْرٌ أي: موعظة لِلْعالَمِينَ. وَلَتَعْلَمُنَّ يا معاشر الكُفّار نَبَأَهُ أي: خبر صِدق القرآن بَعْدَ حِينٍ وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: بعد الموت. والثاني: يوم القيامة، رويا عن ابن عباس، وبالأول يقول قتادة، وبالثاني يقول عكرمة **«٣»**. والثالث: يوم بدر، قاله السدي ومقاتل. وقال ابن السائب: من بقي إِلى أن ظَهَرَ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم عَلِمَ ذلك، ومن مات عَلِمَه بعد الموت. وذهب بعض المفسرين إِلى أن هذه الآية منسوخة بآية السّيف، ولا وجه لذلك.

 المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة قوم فتوفني غير مفتون، أسألك حبك وحب من يحبك، وحب عمل يقرب إلى حبك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: إنّها حق فادرسوها ثم تعلّموها».
 __________
 (١) الأعراف: ١٢.
 (٢) الحجر: ٣٤.
 (٣) قال ابن كثير ٤/ ٥٣: ولا منافاة بين القولين، فإن من مات فقد دخل في حكم القيامة، قال: وقال قتادة في قوله تعالى: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ قال الحسن: يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين. [.....]

الجزء الرابع
 فهرس الموضوعات
 الموضوع الصفحة ٣٩- تفسير سورة الزمر ٧ ٤٠- تفسير سورة غافر ٢٩ ٤١- تفسير سورة فصلت ٤٥ ٤٢- تفسير سورة الشورى ٥٨ ٤٣- تفسير سورة الزخرف ٧٢ ٤٤- تفسير سورة الدخان ٨٧ ٤٥- تفسير سورة الجاثية ٩٦ ٤٦- تفسير سورة الأحقاف ١٠٢ ٤٧- تفسير سورة محمّد ١١٥ ٤٨- تفسير سورة الفتح ١٢٥ ٤٩- تفسير سورة الحجرات ١٤١ ٥٠- تفسير سورة ق ١٥٦ ٥١- تفسير سورة الذاريات ١٦٧ ٥٢- تفسير سورة الطور ١٧٥ ٥٣- تفسير سورة النجم ١٨٣ ٥٤- تفسير سورة القمر ١٩٦ ٥٥- تفسير سورة الرحمن ٢٠٥ ٥٦- تفسير سورة الواقعة ٢١٨ ٥٧- تفسير سورة الحديد ٢٣٢ ٥٨- تفسير سورة المجادلة ٢٤١ الموضوع الصفحة ٥٩- تفسير سورة الحشر ٢٥٣ ٦٠- تفسير سورة الممتحنة ٢٦٦ ٦١- تفسير سورة الصف ٢٧٦ ٦٢- تفسير سورة الجمعة ٢٨٠ ٦٣- تفسير سورة المنافقون ٢٨٦ ٦٤- تفسير سورة التغابن ٢٩١ ٦٥- تفسير سورة الطلاق ٢٩٥ ٦٦- تفسير سورة التحريم ٣٠٤ ٦٧- تفسير سورة الملك ٣١٣ ٦٨- تفسير سورة القلم ٣١٨ ٦٩- تفسير سورة الحاقة ٣٢٨ ٧٠- تفسير سورة المعارج ٣٣٥ ٧١- تفسير سورة نوح ٣٤١ ٧٢- تفسير سورة الجن ٣٤٦ ٧٣- تفسير سورة المزمل ٣٥٢ ٧٤- تفسير سورة المدثر ٣٥٨ ٧٥- تفسير سورة القيامة ٣٦٨ ٧٦- تفسير سورة الإنسان ٣٧٤ ٧٧- تفسير سورة المرسلات ٣٨٢ ٧٨- تفسير سورة النبإ ٣٨٧

الموضوع الصفحة ٧٩- تفسير سورة النازعات ٣٩٣ ٨٠- تفسير سورة عبس ٣٩٩ ٨١- تفسير سورة التكوير ٤٠٥ ٨٢- تفسير سورة الانفطار ٤١٠ ٨٣- تفسير سورة المطففين ٤١٣ ٨٤- تفسير سورة الانشقاق ٤١٩ ٨٥- تفسير سورة البروج ٤٢٣ ٨٦- تفسير سورة الطارق ٤٢٨ ٨٧- تفسير سورة الأعلى ٤٣١ ٨٨- تفسير سورة الغاشية ٤٣٤ ٨٩- تفسير سورة الفجر ٤٣٧ ٩٠- تفسير سورة البلد ٤٤٦ ٩١- تفسير سورة الشمس ٤٥٠ ٩٢- تفسير سورة الليل ٤٥٣ ٩٣- تفسير سورة الضحى ٤٥٦ ٩٤- تفسير سورة الشرح ٤٦٠ ٩٥- تفسير سورة التين ٤٦٣ ٩٦- تفسير سورة العلق ٤٦٦ الموضوع الصفحة ٩٧- تفسير سورة القدر ٤٦٩ ٩٨- تفسير سورة البينة ٤٧٥ ٩٩- تفسير سورة الزلزلة ٤٧٧ ١٠٠- تفسير سورة العاديات ٤٨٠ ١٠١- تفسير سورة القارعة ٤٨٣ ١٠٢- تفسير سورة التكاثر ٤٨٥ ١٠٣- تفسير سورة العصر ٤٨٧ ١٠٤- تفسير سورة الهمزة ٤٨٨ ١٠٥- تفسير سورة الفيل ٤٩٠ ١٠٦- تفسير سورة قريش ٤٩٣ ١٠٧- تفسير سورة الماعون ٤٩٥ ١٠٨- تفسير سورة الكوثر ٤٩٧ ١٠٩- تفسير سورة الكافرون ٤٩٩ ١١٠- تفسير سورة النصر ٥٠١ ١١١- تفسير سورة المسد ٥٠٢ ١١٢- تفسير سورة الإخلاص ٥٠٥ ١١٣- تفسير سورة الفلق ٥٠٧ ١١٤- تفسير سورة الناس ٥١٠

### الآية 38:79

> ﻿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ [38:79]

ف قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا إن قلنا: إن هذا قول الأتباع للرؤساء فالمعنى: أنتم زيَّنتم لنا الكفر، وإن قلنا: إنه قول الأمَّة المتأخرة للأمَّة المتقدِّمة، فالمعنى: أنتم شرَّعتم لنا الكفر وبدأتم به قبلنا، فدخلتم النار قبلنا فَبِئْسَ الْقَرارُ أي: بئس المُسْتَقَرّ والمنزل. قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا أي:
 مَنْ سنَّه وشرعه فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ وقد شرحناه في الأعراف **«١»**. وفي القائلين لهذا قولان:
 أحدهما: أنه قول جميع أهل النار، قاله ابن السائب. والثاني: قول الأتباع. قاله مقاتل.
 قوله تعالى: وَقالُوا يعني أهل النار ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ قال المفسرون: إذا دخلوا النار، نظروا فلم يَرَوْا مَنْ كان يخالفُهم من المؤمنين، فيقولون ذلك. قال مجاهد: يقول أبو جهل في النار: أين صُهَيب، أين عمّار، أين خبّاب، أين بلال؟! قوله تعالى: أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي: **«من الأشرار اتَّخَذْناهم»** بالوصل على الخبر، أي: إِنّا اتَّخَذْناهم، وهؤلاء يبتدئون بكسر الهمزة. وقرأ الباقون بقطع الألف وفتحها على معنى الاستفهام، وهؤلاء يبتدئون بفتح الهمزة. وقال الفراء: وهذا استفهام بمعنى التعجُّب والتوبيخ، والمعنى أنهم يوبِّخون أنفسهم على ما صنعوا بالمؤمنين. و **«سخريّا»** يُقرأ بضم السين وكسرها. وقد شرحناها في آخر سورة المؤمنون **«٢»** أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ أي: وهم مَعَنا في النار ولا نراهم؟! وقال أبو عبيدة: **«أم»** ها هنا بمعنى **«بَلْ»**.
 قوله تعالى: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ قال الزجاج: أي: إِن الذي وصفْناه عنهم لَحَقٌّ، ثم بيَّن ما هو، فقال: هو تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ وقرأ أبو الجوزاء، وأبو الشعثاء، وأبو عمران، وابن أبي عبلة: **«تَخَاصُمَ»** برفع الصاد وفتح الميم، وكسر اللام من **«أَهْلِ»**. وقرأ أبو مجلز، وأبو العالية، وأبو المتوكل، وابن السميفع: **«تَخَاصَمَ أَهْلَ»** بفتح الصاد والميم ورفع اللام.
 \[سورة ص (٣٨) : الآيات ٦٧ الى ٨٨\]
 قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠) إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (٧١)
 فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٧٤) قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (٧٥) قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)
 قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١)
 قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)
 إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)
 قوله تعالى: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ النَّبأُ: الخَبَر. وفي المشار إِليه قولان: أحدهما: أنه القرآن، قاله ابن عباس، ومجاهد، والجمهور. والثاني: أنه البعث بعد الموت، قاله قتادة. أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ أي:

 (١) الأعراف: ٣٨.
 (٢) المؤمنون: ١١٠.

لا تتفكَّرون فيه فتعلمونَ صِدْقي في نُبوَّتي، وأن ما جئتُ به من الأخبار عن قصص الماضين لم أَعْلَمْه إِلاّ بوحي من الله تعالى. ويدلّ على هذا المعنى قوله تعالى: ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى يعني الملائكة إِذْ يَخْتَصِمُونَ في شأن آدمَ حين قال الله تعالى: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً **«١»** والمعنى: إِنِّي ما عَلِمْتُ هذا إلاّ بوحي، إِنْ يُوحى إِلَيَّ أي: ما يوحى إليَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ أي: إِلاّ أنِّي نبيٌّ أُنْذرِكم وأبيِّن لكم ما تأتونه وتجتنبونه. إِذْ قالَ رَبُّكَ هذا متصل بقوله: **«يختصمونَ»** وإنما اعترضت تلك الآية بينهما. قال ابن عباس: اختصَموا حين شُوورِوا في خَلْق آدم، فقال الله تعالى لهم: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، وهذه الخصومة منهم إنما كانت مُناظَرةً بينهم. وفي مُناظَرتهم قولان: أحدهما: أنه قولهم:
 أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها **«٢»**، قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: أنهم قالوا: لن يَخْلُقَ اللهُ خَلْقاً إِلاّ كُنّا أكرمَ منه وأعلم، قاله الحسن هذا قول أكثر المفسّرين.
 (١٢٢٢) وقد روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم أنه قال: **«رأيت ربّي عزّ وجلّ، فقال لي: فيم يختصم الملأ
 صحيح بمجموع طرقه وشواهده. رجاله ثقات معروفون، لكن عبد الرحمن بن عائش مختلف في صحبته، والراجح أنه تابعي، وقد نفى البخاري صحبته ويدل عليه كونه رواه بواسطة عن معاذ كما سيأتي، فالإسناد ضعيف لإرساله، لكن ورد موصولا، وله شواهد. أخرجه الدارمي ٢/ ١٢٦ وابن خزيمة في «التوحيد» ٢١٥- ٢١٦ والحاكم ١/ ٥٢٠- ٥٢١ والآجري في ****«الشريعة»**** ١٠٥٥ من طرق عن عبد الرحمن بن زيد بن جابر به.
 وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وأخرجه أحمد ٤/ ٦٦ من هذا الوجه عن عبد الرحمن بن عائش عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم. وذكره الهيثمي في ******«المجمع»****** ٧/ ١٧٦- ١٧٧ وقال: رجاله ثقات اه. وجهالة الصحابي لا تضر. وأخرجه الترمذي ٣٢٣٥ والحاكم ١/ ٢١ من حديث عبد الرحمن بن عائش عن مالك بن يخامر عن معاذ مرفوعا. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال: حسن صحيح. وورد من حديث ابن عباس. وأخرجه ابن خزيمة ص ٢١٧ والآجري في ****«الشريعة»**** ١٠٥٤ من طريق أيوب عن أبي قلابة عن خالد بن الجلاح عن ابن عباس، ورجاله ثقات. وورد من حديث ثوبان أخرجه البزّار ٢١٢٩ وفيه أبو يحيى الراوي عن أبي أسماء الرحبي لا يعرف قال الهيثمي في ******«المجمع»****** ٧/ ١٧٨ وأخرجه البزار من وجه آخر عن ابن عمرو، وفيه سعيد بن سنان واه. وورد من حديث أبي أمامة أخرجه الطبراني كما في ******«المجمع»****** ٧/ ١٧٨ وفيه ليث بن أبي سليم غير قوي. وللحديث شواهد أخرى، وإن كانت ضعيفة، إلا أنها تتقوى بمجموعها، والله أعلم. الخلاصة: هو حديث حسن صحيح كما قال البخاري، والله أعلم.
 واللفظ عند الترمذي، عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي، عن مالك بن يخامر السككي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم غداة عن صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس، فخرج سريعا فثوّب بالصلاة، فصلّى رسول الله صلى الله عليه وسلّم وتجوّز في صلاته فلما سلّم دعا بصوته قال لنا على مصافّكم كما أنتم ثم انفتل إلينا ثم قال: «أما إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة: إني قمت من الليل فتوضأت وصليت ما قدّر لي فنعست في صلاتي حتى استثقلت، فإذا بربي تبارك وتعالى في أحسن صورة، فقال: يا محمد، قلت:
 لبيك رب، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، قالها ثلاثا، قال فرأيته وضع كفه بين كتفيّ حتى وجدت برد أنامله بين ثديي، فتجلّى لي كل شيء وعرفت، فقال: يا محمد، قلت: لبيك ربي، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفّارات، قال: ما هنّ؟ قلت: مشي الأقدام إلى الحسنات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء حين الكريهات، قال: فيم، قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة بالليل والناس نيام قال: سل، قال: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب-
 __________
 (١) البقرة: ٣٠.
 (٢) البقرة: ٣٠.**

الأعلى؟ قلت: أنتَ أَعْلَمُ يا ربّ، قال: في الكفّارات والدرجات، فأمّا الكفّارات، فإسباغ الوُضوء في السَّبَرات، ونقل الأقدام إِلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة. وأمّا الدَّرَجات فإفشاء السَّلام، وإِطعامُ الطَّعام، والصَّلاةُ باللَّيل والنّاس نيام».
 قوله تعالى: أَسْتَكْبَرْتَ أي: أَسْتَكْبَرْتَ بنفسكَ حين أبَيْتَ السُّجودَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ أي: من قوم يتكبَّرونَ؟! قوله تعالى: فَإِنَّكَ رَجِيمٌ أي: مَرْجُومٌ بالذَّمِّ واللَّعْن. قوله تعالى: إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ وهو وقت النَّفخة الأُولى، وهو حين موت الخلائق. وقوله: فَبِعِزَّتِكَ يمين بمعنى:
 فو عزّتك. وما أخللنا به في هذه القصة فهو مذكور في الأعراف **«١»** والحجر **«٢»** وغيرهما مما تقدم. قوله تعالى: قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ قرأ عاصم إِلا حَسْنون عن هبيرة، وحمزة، وخلف، وزيد عن يعقوب:
 **«فالحَقُّ»** بالرفع في الأول ونصب الثاني، وهذا مروي عن ابن عباس. ومجاهد، قال ابن عباس في معناه: فأنا الحقُّ وأقولُ الحَقُّ وقال غيره: خبر الحقِّ محذوف، تقديره: الحَقُّ مِنِّي. وقرأ محبوب عن أبي عمرو بالرفع فيهما قال الزجّاج: من رفعهما جميعاً، كان المعنى: فأنا الحقُّ والحَقُّ أقولُ. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي: بالنصب فيهما. قال الفراء: وهو على معنى قولك: حَقّاً لآتِيَنَّكَ، ووجودُ الألف واللام وطرحُهما سواءٌ، وهو بمنزلة قولك: حمداً لله، وقال مكّيّ بن أبي طالب: انتصب الحق الأول على الإِغراء، أي: اتَّبِعوا الحَقَّ واسمَعوا والزَموا الحَقَّ.
 وقيل: هو نصب على القَسَم، كما تقول: اللهَ لأَفْعَلَنَّ، فتَنْصِب حين حذفتَ الجارّ، لأن تقديره وبالحقّ وأمّا الحَقُّ الثاني، فيجوز أن يكون الأولَ، وكرَّره توكيداً، ويجوز أن يكون منصوباً ب **«أقولُ»** كأنه قال: وأقولُ الحَقَّ. وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبو رجاء، ومعاذ القارئ، والأعمش:
 **«فالحَقِّ»** بكسر القاف **«والحَقَّ»** بنصبها. وقرأ أبو عمران الجوني بكسر القافين. جميعاً. وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وأبو نهيك: **«فالحَقَّ»** بالنصب **«والحَقُّ»** بالرفع.
 قوله تعالى: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ أي: مِنْ نَفْسِكَ وذريتك. قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ أي: على تبليغ الوحي وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ أي: لم أتكلَّف إِتيانَكم من قِبَلِ نَفْسي إنما أُمرتُ أن آتيَكم، ولم أَقُل القرآنَ من تِلْقاء نفسي إنّما أوحي إليّ. إِنْ هُوَ أي: ما هو، يعني القرآن إِلَّا ذِكْرٌ أي: موعظة لِلْعالَمِينَ. وَلَتَعْلَمُنَّ يا معاشر الكُفّار نَبَأَهُ أي: خبر صِدق القرآن بَعْدَ حِينٍ وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: بعد الموت. والثاني: يوم القيامة، رويا عن ابن عباس، وبالأول يقول قتادة، وبالثاني يقول عكرمة **«٣»**. والثالث: يوم بدر، قاله السدي ومقاتل. وقال ابن السائب: من بقي إِلى أن ظَهَرَ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم عَلِمَ ذلك، ومن مات عَلِمَه بعد الموت. وذهب بعض المفسرين إِلى أن هذه الآية منسوخة بآية السّيف، ولا وجه لذلك.

 المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة قوم فتوفني غير مفتون، أسألك حبك وحب من يحبك، وحب عمل يقرب إلى حبك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: إنّها حق فادرسوها ثم تعلّموها».
 __________
 (١) الأعراف: ١٢.
 (٢) الحجر: ٣٤.
 (٣) قال ابن كثير ٤/ ٥٣: ولا منافاة بين القولين، فإن من مات فقد دخل في حكم القيامة، قال: وقال قتادة في قوله تعالى: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ قال الحسن: يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين. [.....]

الجزء الرابع
 فهرس الموضوعات
 الموضوع الصفحة ٣٩- تفسير سورة الزمر ٧ ٤٠- تفسير سورة غافر ٢٩ ٤١- تفسير سورة فصلت ٤٥ ٤٢- تفسير سورة الشورى ٥٨ ٤٣- تفسير سورة الزخرف ٧٢ ٤٤- تفسير سورة الدخان ٨٧ ٤٥- تفسير سورة الجاثية ٩٦ ٤٦- تفسير سورة الأحقاف ١٠٢ ٤٧- تفسير سورة محمّد ١١٥ ٤٨- تفسير سورة الفتح ١٢٥ ٤٩- تفسير سورة الحجرات ١٤١ ٥٠- تفسير سورة ق ١٥٦ ٥١- تفسير سورة الذاريات ١٦٧ ٥٢- تفسير سورة الطور ١٧٥ ٥٣- تفسير سورة النجم ١٨٣ ٥٤- تفسير سورة القمر ١٩٦ ٥٥- تفسير سورة الرحمن ٢٠٥ ٥٦- تفسير سورة الواقعة ٢١٨ ٥٧- تفسير سورة الحديد ٢٣٢ ٥٨- تفسير سورة المجادلة ٢٤١ الموضوع الصفحة ٥٩- تفسير سورة الحشر ٢٥٣ ٦٠- تفسير سورة الممتحنة ٢٦٦ ٦١- تفسير سورة الصف ٢٧٦ ٦٢- تفسير سورة الجمعة ٢٨٠ ٦٣- تفسير سورة المنافقون ٢٨٦ ٦٤- تفسير سورة التغابن ٢٩١ ٦٥- تفسير سورة الطلاق ٢٩٥ ٦٦- تفسير سورة التحريم ٣٠٤ ٦٧- تفسير سورة الملك ٣١٣ ٦٨- تفسير سورة القلم ٣١٨ ٦٩- تفسير سورة الحاقة ٣٢٨ ٧٠- تفسير سورة المعارج ٣٣٥ ٧١- تفسير سورة نوح ٣٤١ ٧٢- تفسير سورة الجن ٣٤٦ ٧٣- تفسير سورة المزمل ٣٥٢ ٧٤- تفسير سورة المدثر ٣٥٨ ٧٥- تفسير سورة القيامة ٣٦٨ ٧٦- تفسير سورة الإنسان ٣٧٤ ٧٧- تفسير سورة المرسلات ٣٨٢ ٧٨- تفسير سورة النبإ ٣٨٧

الموضوع الصفحة ٧٩- تفسير سورة النازعات ٣٩٣ ٨٠- تفسير سورة عبس ٣٩٩ ٨١- تفسير سورة التكوير ٤٠٥ ٨٢- تفسير سورة الانفطار ٤١٠ ٨٣- تفسير سورة المطففين ٤١٣ ٨٤- تفسير سورة الانشقاق ٤١٩ ٨٥- تفسير سورة البروج ٤٢٣ ٨٦- تفسير سورة الطارق ٤٢٨ ٨٧- تفسير سورة الأعلى ٤٣١ ٨٨- تفسير سورة الغاشية ٤٣٤ ٨٩- تفسير سورة الفجر ٤٣٧ ٩٠- تفسير سورة البلد ٤٤٦ ٩١- تفسير سورة الشمس ٤٥٠ ٩٢- تفسير سورة الليل ٤٥٣ ٩٣- تفسير سورة الضحى ٤٥٦ ٩٤- تفسير سورة الشرح ٤٦٠ ٩٥- تفسير سورة التين ٤٦٣ ٩٦- تفسير سورة العلق ٤٦٦ الموضوع الصفحة ٩٧- تفسير سورة القدر ٤٦٩ ٩٨- تفسير سورة البينة ٤٧٥ ٩٩- تفسير سورة الزلزلة ٤٧٧ ١٠٠- تفسير سورة العاديات ٤٨٠ ١٠١- تفسير سورة القارعة ٤٨٣ ١٠٢- تفسير سورة التكاثر ٤٨٥ ١٠٣- تفسير سورة العصر ٤٨٧ ١٠٤- تفسير سورة الهمزة ٤٨٨ ١٠٥- تفسير سورة الفيل ٤٩٠ ١٠٦- تفسير سورة قريش ٤٩٣ ١٠٧- تفسير سورة الماعون ٤٩٥ ١٠٨- تفسير سورة الكوثر ٤٩٧ ١٠٩- تفسير سورة الكافرون ٤٩٩ ١١٠- تفسير سورة النصر ٥٠١ ١١١- تفسير سورة المسد ٥٠٢ ١١٢- تفسير سورة الإخلاص ٥٠٥ ١١٣- تفسير سورة الفلق ٥٠٧ ١١٤- تفسير سورة الناس ٥١٠

### الآية 38:80

> ﻿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ [38:80]

ف قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا إن قلنا: إن هذا قول الأتباع للرؤساء فالمعنى: أنتم زيَّنتم لنا الكفر، وإن قلنا: إنه قول الأمَّة المتأخرة للأمَّة المتقدِّمة، فالمعنى: أنتم شرَّعتم لنا الكفر وبدأتم به قبلنا، فدخلتم النار قبلنا فَبِئْسَ الْقَرارُ أي: بئس المُسْتَقَرّ والمنزل. قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا أي:
 مَنْ سنَّه وشرعه فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ وقد شرحناه في الأعراف **«١»**. وفي القائلين لهذا قولان:
 أحدهما: أنه قول جميع أهل النار، قاله ابن السائب. والثاني: قول الأتباع. قاله مقاتل.
 قوله تعالى: وَقالُوا يعني أهل النار ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ قال المفسرون: إذا دخلوا النار، نظروا فلم يَرَوْا مَنْ كان يخالفُهم من المؤمنين، فيقولون ذلك. قال مجاهد: يقول أبو جهل في النار: أين صُهَيب، أين عمّار، أين خبّاب، أين بلال؟! قوله تعالى: أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي: **«من الأشرار اتَّخَذْناهم»** بالوصل على الخبر، أي: إِنّا اتَّخَذْناهم، وهؤلاء يبتدئون بكسر الهمزة. وقرأ الباقون بقطع الألف وفتحها على معنى الاستفهام، وهؤلاء يبتدئون بفتح الهمزة. وقال الفراء: وهذا استفهام بمعنى التعجُّب والتوبيخ، والمعنى أنهم يوبِّخون أنفسهم على ما صنعوا بالمؤمنين. و **«سخريّا»** يُقرأ بضم السين وكسرها. وقد شرحناها في آخر سورة المؤمنون **«٢»** أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ أي: وهم مَعَنا في النار ولا نراهم؟! وقال أبو عبيدة: **«أم»** ها هنا بمعنى **«بَلْ»**.
 قوله تعالى: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ قال الزجاج: أي: إِن الذي وصفْناه عنهم لَحَقٌّ، ثم بيَّن ما هو، فقال: هو تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ وقرأ أبو الجوزاء، وأبو الشعثاء، وأبو عمران، وابن أبي عبلة: **«تَخَاصُمَ»** برفع الصاد وفتح الميم، وكسر اللام من **«أَهْلِ»**. وقرأ أبو مجلز، وأبو العالية، وأبو المتوكل، وابن السميفع: **«تَخَاصَمَ أَهْلَ»** بفتح الصاد والميم ورفع اللام.
 \[سورة ص (٣٨) : الآيات ٦٧ الى ٨٨\]
 قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠) إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (٧١)
 فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٧٤) قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (٧٥) قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)
 قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١)
 قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)
 إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)
 قوله تعالى: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ النَّبأُ: الخَبَر. وفي المشار إِليه قولان: أحدهما: أنه القرآن، قاله ابن عباس، ومجاهد، والجمهور. والثاني: أنه البعث بعد الموت، قاله قتادة. أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ أي:

 (١) الأعراف: ٣٨.
 (٢) المؤمنون: ١١٠.

لا تتفكَّرون فيه فتعلمونَ صِدْقي في نُبوَّتي، وأن ما جئتُ به من الأخبار عن قصص الماضين لم أَعْلَمْه إِلاّ بوحي من الله تعالى. ويدلّ على هذا المعنى قوله تعالى: ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى يعني الملائكة إِذْ يَخْتَصِمُونَ في شأن آدمَ حين قال الله تعالى: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً **«١»** والمعنى: إِنِّي ما عَلِمْتُ هذا إلاّ بوحي، إِنْ يُوحى إِلَيَّ أي: ما يوحى إليَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ أي: إِلاّ أنِّي نبيٌّ أُنْذرِكم وأبيِّن لكم ما تأتونه وتجتنبونه. إِذْ قالَ رَبُّكَ هذا متصل بقوله: **«يختصمونَ»** وإنما اعترضت تلك الآية بينهما. قال ابن عباس: اختصَموا حين شُوورِوا في خَلْق آدم، فقال الله تعالى لهم: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، وهذه الخصومة منهم إنما كانت مُناظَرةً بينهم. وفي مُناظَرتهم قولان: أحدهما: أنه قولهم:
 أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها **«٢»**، قاله ابن عباس، ومقاتل. والثاني: أنهم قالوا: لن يَخْلُقَ اللهُ خَلْقاً إِلاّ كُنّا أكرمَ منه وأعلم، قاله الحسن هذا قول أكثر المفسّرين.
 (١٢٢٢) وقد روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم أنه قال: **«رأيت ربّي عزّ وجلّ، فقال لي: فيم يختصم الملأ
 صحيح بمجموع طرقه وشواهده. رجاله ثقات معروفون، لكن عبد الرحمن بن عائش مختلف في صحبته، والراجح أنه تابعي، وقد نفى البخاري صحبته ويدل عليه كونه رواه بواسطة عن معاذ كما سيأتي، فالإسناد ضعيف لإرساله، لكن ورد موصولا، وله شواهد. أخرجه الدارمي ٢/ ١٢٦ وابن خزيمة في «التوحيد» ٢١٥- ٢١٦ والحاكم ١/ ٥٢٠- ٥٢١ والآجري في ****«الشريعة»**** ١٠٥٥ من طرق عن عبد الرحمن بن زيد بن جابر به.
 وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وأخرجه أحمد ٤/ ٦٦ من هذا الوجه عن عبد الرحمن بن عائش عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم. وذكره الهيثمي في ******«المجمع»****** ٧/ ١٧٦- ١٧٧ وقال: رجاله ثقات اه. وجهالة الصحابي لا تضر. وأخرجه الترمذي ٣٢٣٥ والحاكم ١/ ٢١ من حديث عبد الرحمن بن عائش عن مالك بن يخامر عن معاذ مرفوعا. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال: حسن صحيح. وورد من حديث ابن عباس. وأخرجه ابن خزيمة ص ٢١٧ والآجري في ****«الشريعة»**** ١٠٥٤ من طريق أيوب عن أبي قلابة عن خالد بن الجلاح عن ابن عباس، ورجاله ثقات. وورد من حديث ثوبان أخرجه البزّار ٢١٢٩ وفيه أبو يحيى الراوي عن أبي أسماء الرحبي لا يعرف قال الهيثمي في ******«المجمع»****** ٧/ ١٧٨ وأخرجه البزار من وجه آخر عن ابن عمرو، وفيه سعيد بن سنان واه. وورد من حديث أبي أمامة أخرجه الطبراني كما في ******«المجمع»****** ٧/ ١٧٨ وفيه ليث بن أبي سليم غير قوي. وللحديث شواهد أخرى، وإن كانت ضعيفة، إلا أنها تتقوى بمجموعها، والله أعلم. الخلاصة: هو حديث حسن صحيح كما قال البخاري، والله أعلم.
 واللفظ عند الترمذي، عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي، عن مالك بن يخامر السككي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم غداة عن صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس، فخرج سريعا فثوّب بالصلاة، فصلّى رسول الله صلى الله عليه وسلّم وتجوّز في صلاته فلما سلّم دعا بصوته قال لنا على مصافّكم كما أنتم ثم انفتل إلينا ثم قال: «أما إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة: إني قمت من الليل فتوضأت وصليت ما قدّر لي فنعست في صلاتي حتى استثقلت، فإذا بربي تبارك وتعالى في أحسن صورة، فقال: يا محمد، قلت:
 لبيك رب، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، قالها ثلاثا، قال فرأيته وضع كفه بين كتفيّ حتى وجدت برد أنامله بين ثديي، فتجلّى لي كل شيء وعرفت، فقال: يا محمد، قلت: لبيك ربي، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفّارات، قال: ما هنّ؟ قلت: مشي الأقدام إلى الحسنات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء حين الكريهات، قال: فيم، قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة بالليل والناس نيام قال: سل، قال: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب-
 __________
 (١) البقرة: ٣٠.
 (٢) البقرة: ٣٠.**

الأعلى؟ قلت: أنتَ أَعْلَمُ يا ربّ، قال: في الكفّارات والدرجات، فأمّا الكفّارات، فإسباغ الوُضوء في السَّبَرات، ونقل الأقدام إِلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة. وأمّا الدَّرَجات فإفشاء السَّلام، وإِطعامُ الطَّعام، والصَّلاةُ باللَّيل والنّاس نيام».
 قوله تعالى: أَسْتَكْبَرْتَ أي: أَسْتَكْبَرْتَ بنفسكَ حين أبَيْتَ السُّجودَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ أي: من قوم يتكبَّرونَ؟! قوله تعالى: فَإِنَّكَ رَجِيمٌ أي: مَرْجُومٌ بالذَّمِّ واللَّعْن. قوله تعالى: إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ وهو وقت النَّفخة الأُولى، وهو حين موت الخلائق. وقوله: فَبِعِزَّتِكَ يمين بمعنى:
 فو عزّتك. وما أخللنا به في هذه القصة فهو مذكور في الأعراف **«١»** والحجر **«٢»** وغيرهما مما تقدم. قوله تعالى: قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ قرأ عاصم إِلا حَسْنون عن هبيرة، وحمزة، وخلف، وزيد عن يعقوب:
 **«فالحَقُّ»** بالرفع في الأول ونصب الثاني، وهذا مروي عن ابن عباس. ومجاهد، قال ابن عباس في معناه: فأنا الحقُّ وأقولُ الحَقُّ وقال غيره: خبر الحقِّ محذوف، تقديره: الحَقُّ مِنِّي. وقرأ محبوب عن أبي عمرو بالرفع فيهما قال الزجّاج: من رفعهما جميعاً، كان المعنى: فأنا الحقُّ والحَقُّ أقولُ. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي: بالنصب فيهما. قال الفراء: وهو على معنى قولك: حَقّاً لآتِيَنَّكَ، ووجودُ الألف واللام وطرحُهما سواءٌ، وهو بمنزلة قولك: حمداً لله، وقال مكّيّ بن أبي طالب: انتصب الحق الأول على الإِغراء، أي: اتَّبِعوا الحَقَّ واسمَعوا والزَموا الحَقَّ.
 وقيل: هو نصب على القَسَم، كما تقول: اللهَ لأَفْعَلَنَّ، فتَنْصِب حين حذفتَ الجارّ، لأن تقديره وبالحقّ وأمّا الحَقُّ الثاني، فيجوز أن يكون الأولَ، وكرَّره توكيداً، ويجوز أن يكون منصوباً ب **«أقولُ»** كأنه قال: وأقولُ الحَقَّ. وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبو رجاء، ومعاذ القارئ، والأعمش:
 **«فالحَقِّ»** بكسر القاف **«والحَقَّ»** بنصبها. وقرأ أبو عمران الجوني بكسر القافين. جميعاً. وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وأبو نهيك: **«فالحَقَّ»** بالنصب **«والحَقُّ»** بالرفع.
 قوله تعالى: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ أي: مِنْ نَفْسِكَ وذريتك. قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ أي: على تبليغ الوحي وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ أي: لم أتكلَّف إِتيانَكم من قِبَلِ نَفْسي إنما أُمرتُ أن آتيَكم، ولم أَقُل القرآنَ من تِلْقاء نفسي إنّما أوحي إليّ. إِنْ هُوَ أي: ما هو، يعني القرآن إِلَّا ذِكْرٌ أي: موعظة لِلْعالَمِينَ. وَلَتَعْلَمُنَّ يا معاشر الكُفّار نَبَأَهُ أي: خبر صِدق القرآن بَعْدَ حِينٍ وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: بعد الموت. والثاني: يوم القيامة، رويا عن ابن عباس، وبالأول يقول قتادة، وبالثاني يقول عكرمة **«٣»**. والثالث: يوم بدر، قاله السدي ومقاتل. وقال ابن السائب: من بقي إِلى أن ظَهَرَ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم عَلِمَ ذلك، ومن مات عَلِمَه بعد الموت. وذهب بعض المفسرين إِلى أن هذه الآية منسوخة بآية السّيف، ولا وجه لذلك.

 المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة قوم فتوفني غير مفتون، أسألك حبك وحب من يحبك، وحب عمل يقرب إلى حبك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: إنّها حق فادرسوها ثم تعلّموها».
 __________
 (١) الأعراف: ١٢.
 (٢) الحجر: ٣٤.
 (٣) قال ابن كثير ٤/ ٥٣: ولا منافاة بين القولين، فإن من مات فقد دخل في حكم القيامة، قال: وقال قتادة في قوله تعالى: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ قال الحسن: يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين. [.....]

الجزء الرابع
 فهرس الموضوعات
 الموضوع الصفحة ٣٩- تفسير سورة الزمر ٧ ٤٠- تفسير سورة غافر ٢٩ ٤١- تفسير سورة فصلت ٤٥ ٤٢- تفسير سورة الشورى ٥٨ ٤٣- تفسير سورة الزخرف ٧٢ ٤٤- تفسير سورة الدخان ٨٧ ٤٥- تفسير سورة الجاثية ٩٦ ٤٦- تفسير سورة الأحقاف ١٠٢ ٤٧- تفسير سورة محمّد ١١٥ ٤٨- تفسير سورة الفتح ١٢٥ ٤٩- تفسير سورة الحجرات ١٤١ ٥٠- تفسير سورة ق ١٥٦ ٥١- تفسير سورة الذاريات ١٦٧ ٥٢- تفسير سورة الطور ١٧٥ ٥٣- تفسير سورة النجم ١٨٣ ٥٤- تفسير سورة القمر ١٩٦ ٥٥- تفسير سورة الرحمن ٢٠٥ ٥٦- تفسير سورة الواقعة ٢١٨ ٥٧- تفسير سورة الحديد ٢٣٢ ٥٨- تفسير سورة المجادلة ٢٤١ الموضوع الصفحة ٥٩- تفسير سورة الحشر ٢٥٣ ٦٠- تفسير سورة الممتحنة ٢٦٦ ٦١- تفسير سورة الصف ٢٧٦ ٦٢- تفسير سورة الجمعة ٢٨٠ ٦٣- تفسير سورة المنافقون ٢٨٦ ٦٤- تفسير سورة التغابن ٢٩١ ٦٥- تفسير سورة الطلاق ٢٩٥ ٦٦- تفسير سورة التحريم ٣٠٤ ٦٧- تفسير سورة الملك ٣١٣ ٦٨- تفسير سورة القلم ٣١٨ ٦٩- تفسير سورة الحاقة ٣٢٨ ٧٠- تفسير سورة المعارج ٣٣٥ ٧١- تفسير سورة نوح ٣٤١ ٧٢- تفسير سورة الجن ٣٤٦ ٧٣- تفسير سورة المزمل ٣٥٢ ٧٤- تفسير سورة المدثر ٣٥٨ ٧٥- تفسير سورة القيامة ٣٦٨ ٧٦- تفسير سورة الإنسان ٣٧٤ ٧٧- تفسير سورة المرسلات ٣٨٢ ٧٨- تفسير سورة النبإ ٣٨٧

الموضوع الصفحة ٧٩- تفسير سورة النازعات ٣٩٣ ٨٠- تفسير سورة عبس ٣٩٩ ٨١- تفسير سورة التكوير ٤٠٥ ٨٢- تفسير سورة الانفطار ٤١٠ ٨٣- تفسير سورة المطففين ٤١٣ ٨٤- تفسير سورة الانشقاق ٤١٩ ٨٥- تفسير سورة البروج ٤٢٣ ٨٦- تفسير سورة الطارق ٤٢٨ ٨٧- تفسير سورة الأعلى ٤٣١ ٨٨- تفسير سورة الغاشية ٤٣٤ ٨٩- تفسير سورة الفجر ٤٣٧ ٩٠- تفسير سورة البلد ٤٤٦ ٩١- تفسير سورة الشمس ٤٥٠ ٩٢- تفسير سورة الليل ٤٥٣ ٩٣- تفسير سورة الضحى ٤٥٦ ٩٤- تفسير سورة الشرح ٤٦٠ ٩٥- تفسير سورة التين ٤٦٣ ٩٦- تفسير سورة العلق ٤٦٦ الموضوع الصفحة ٩٧- تفسير سورة القدر ٤٦٩ ٩٨- تفسير سورة البينة ٤٧٥ ٩٩- تفسير سورة الزلزلة ٤٧٧ ١٠٠- تفسير سورة العاديات ٤٨٠ ١٠١- تفسير سورة القارعة ٤٨٣ ١٠٢- تفسير سورة التكاثر ٤٨٥ ١٠٣- تفسير سورة العصر ٤٨٧ ١٠٤- تفسير سورة الهمزة ٤٨٨ ١٠٥- تفسير سورة الفيل ٤٩٠ ١٠٦- تفسير سورة قريش ٤٩٣ ١٠٧- تفسير سورة الماعون ٤٩٥ ١٠٨- تفسير سورة الكوثر ٤٩٧ ١٠٩- تفسير سورة الكافرون ٤٩٩ ١١٠- تفسير سورة النصر ٥٠١ ١١١- تفسير سورة المسد ٥٠٢ ١١٢- تفسير سورة الإخلاص ٥٠٥ ١١٣- تفسير سورة الفلق ٥٠٧ ١١٤- تفسير سورة الناس ٥١٠

### الآية 38:81

> ﻿إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ [38:81]

قوله تعالى : إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ  وهو وقت النفخة الأولى، وهو حين موت الخلائق.

### الآية 38:82

> ﻿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [38:82]

وقوله : فَبِعِزَّتِكَ  يمين بمعنى : فوعزتك. 
وما أخللنا به في هذه القصة فهو مذكور في \[ الأعراف : ١٢ \] و\[ الحجر : ٣٤ \] وغيرهما مما تقدم.

### الآية 38:83

> ﻿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [38:83]

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٨٢:وقوله : فَبِعِزَّتِكَ  يمين بمعنى : فوعزتك. 
وما أخللنا به في هذه القصة فهو مذكور في \[ الأعراف : ١٢ \] و\[ الحجر : ٣٤ \] وغيرهما مما تقدم. ---

### الآية 38:84

> ﻿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ [38:84]

قوله تعالى : قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ  قرأ عاصم إلا حسنون عن هبيرة، وحمزة، وخلف، وزيد عن يعقوب : فَالْحَقُّ  بالرفع في الأول ونصب الثاني، وهذا مروي عن ابن عباس، ومجاهد ؛ قال ابن عباس في معناه : فأنا الحق وأقول الحق ؛ وقال غيره : خبر الحق محذوف، تقديره : الحق مني. وقرأ محبوب عن أبي عمرو بالرفع فيهما ؛ قال الزجاج : من رفعهما جميعا، كان المعنى : فأنا الحق والحق أقول. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي : بالنصب فيهما. قال الفراء : وهو على معنى قولك : حقا لآتينك، ووجود الألف واللام وطرحهما سواء، وهو بمنزلة قولك : حمدا لله. وقال مكي بن أبي طالب : انتصب الحق الأول على الإغراء، أي : اتبعوا الحق، واسمعوا والزموا الحق. وقيل : هو نصب على القسم، كما تقول : الله لأفعلن، فتنصب حين حذفت الجار، لأن تقديره : فبالحق ؛ فأما الحق الثاني، فيجوز أن يكون الأول، وكرره توكيدا، ويجوز أن يكون منصوبا ب  أَقُولُ ، كأنه قال : وأقول الحق. وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبو رجاء، ومعاذ القارئ، والأعمش : فَالْحَقُّ  بكسر القاف  وَالْحَقَّ  بنصبها. وقرأ أبو عمران الجوني : بكسر القافين جميعا. وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وأبو نهيك : فَالْحَقُّ  بالنصب  وَالْحَقَّ  بالرفع.

### الآية 38:85

> ﻿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [38:85]

قوله تعالى : لأمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ  أي : من نفسك وذريتك.

### الآية 38:86

> ﻿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [38:86]

قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ  أي : على تبليغ الوحي  وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلّفِينَ  أي : لم أتكلف إتيانكم من قبل نفسي، إنما أمرت أن آتيكم، ولم أقل القرآن من تلقاء نفسي، إنما أوحي إلي.

### الآية 38:87

> ﻿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ [38:87]

إِنْ هُوَ  أي : ما هو، يعني القرآن  إِلاَّ ذِكْرٌ  أي : موعظة  لّلْعَالَمِينَ .

### الآية 38:88

> ﻿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ [38:88]

وَلَتَعْلَمُنَّ  يا معاشر الكفار  نَبَأَهُ  أي : خبر صدق القرآن  بَعْدَ حِينِ  وفيه ثلاثة أقوال : أحدها : بعد الموت. 
والثاني : يوم القيامة، رويا عن ابن عباس، وبالأول يقول قتادة، وبالثاني يقول عكرمة. 
والثالث : يوم بدر، قاله السدي، ومقاتل. وقال ابن السائب : من بقي إلى أن ظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم علم ذلك، ومن مات علمه بعد الموت. وذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الآية منسوخة بآية السيف، ولا وجه لذلك.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/38.md)
- [كل تفاسير سورة ص
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/38.md)
- [ترجمات سورة ص
](https://quranpedia.net/translations/38.md)
- [صفحة الكتاب: زاد المسير في علم التفسير](https://quranpedia.net/book/340.md)
- [المؤلف: ابن الجوزي](https://quranpedia.net/person/14515.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/38/book/340) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
