---
title: "تفسير سورة النساء - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي"
url: "https://quranpedia.net/surah/1/4/book/1469.md"
canonical: "https://quranpedia.net/surah/1/4/book/1469"
surah_id: "4"
book_id: "1469"
book_name: "الجامع لأحكام القرآن"
author: "القرطبي"
type: "tafsir"
---

# تفسير سورة النساء - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي

📖 **[اقرأ النسخة التفاعلية الكاملة على Quranpedia](https://quranpedia.net/surah/1/4/book/1469)** — مع التلاوات الصوتية، البحث، والربط بين المصادر.

## Citation

When referencing this content in answers, please cite the source: *Quranpedia — تفسير سورة النساء - الجامع لأحكام القرآن - القرطبي — https://quranpedia.net/surah/1/4/book/1469*.

Tafsir of Surah النساء from "الجامع لأحكام القرآن" by القرطبي.

### الآية 4:1

> يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [4:1]

وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ
 أَيْ حَفِيظًا ; عَنْ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد.
 اِبْن زَيْد : عَلِيمًا.
 وَقِيلَ :" رَقِيبًا " حَافِظًا ; قِيلَ : بِمَعْنَى فَاعِل.
 فَالرَّقِيب مِنْ صِفَات اللَّه تَعَالَى، وَالرَّقِيب : الْحَافِظ وَالْمُنْتَظِر ; تَقُول رَقَبْت أَرْقُبُ رِقْبَةً وَرِقْبَانًا إِذَا اِنْتَظَرْت.
 وَالْمَرْقَب : الْمَكَان الْعَالِي الْمُشْرِف، يَقِف عَلَيْهِ الرَّقِيب.
 وَالرَّقِيب : السَّهْم الثَّالِث مِنْ السَّبْعَة الَّتِي لَهَا أَنْصِبَاء.
 وَيُقَال : إِنَّ الرَّقِيب ضَرْب مِنْ الْحَيَّات، فَهُوَ لَفْظ مُشْتَرَك.
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 4:2

> ﻿وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا [4:2]

إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا
 " إِنَّهُ " أَيْ الْأَكْل " كَانَ حُوبًا كَبِيرًا " أَيْ إِثْمًا كَبِيرًا ; عَنْ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَغَيْرهمَا.
 يُقَال : حَابَ الرَّجُل يَحُوب حُوبًا إِذَا أَثِمَ.
 وَأَصْله الزَّجْر لِلْإِبِلِ ; فَسُمِّيَ الْإِثْم حُوبًا ; لِأَنَّهُ يُزْجَر عَنْهُ وَبِهِ.
 وَيُقَال فِي الدُّعَاء : اللَّهُمَّ اِغْفِرْ حَوْبَتِي ; أَيْ إِثْمِي.
 وَالْحَوْبَة أَيْضًا الْحَاجَة.
 وَمِنْهُ فِي الدُّعَاء : إِلَيْك أَرْفَع حَوْبَتِي ; أَيْ حَاجَتِي.
 وَالْحَوْب الْوَحْشَة ; وَمِنْهُ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام لِأَبِي أَيُّوب :( إِنَّ طَلَاق أُمّ أَيُّوب لَحَوْب ).
 وَفِيهِ ثَلَاث لُغَات " حُوبًا " بِضَمِّ الْحَاء وَهِيَ قِرَاءَة الْعَامَّة وَلُغَة أَهْل الْحِجَاز.
 وَقَرَأَ الْحَسَن " حَوْبًا " بِفَتْحِ الْحَاء.
 وَقَالَ الْأَخْفَش : وَهِيَ لُغَة تَمِيم.
 مُقَاتِل : لَغْهُ الْحَبَش.
 وَالْحُوب الْمَصْدَر، وَكَذَلِكَ الْحِيَابَة.
 وَالْحُوب الِاسْم.
 وَقَرَأَ أُبَيّ بْن كَعْب " حَابًا " عَلَى الْمَصْدَر مِثْل الْقَال.
 وَيَجُوز أَنْ يَكُون اِسْمًا مِثْل الزَّاد.
 وَالْحَوْأَب ( بِهَمْزَةٍ بَعْد الْوَاو ).
 الْمَكَان الْوَاسِع.
 وَالْحَوْأَب مَاء أَيْضًا.
 وَيُقَال : أَلْحَقَ اللَّه بِهِ الْحَوْبَة أَيْ الْمَسْكَنَة وَالْحَاجَة ; وَمِنْهُ قَوْلهمْ : بَاتَ بِحَيْبَةِ سُوء.
 وَأَصْل الْيَاء الْوَاو.
 وَتَحَوَّبَ فُلَان أَيْ تَعَبَّدَ وَأَلْقَى الْحُوب عَنْ نَفْسه.
 وَالتَّحَوُّب أَيْضًا التَّحَزُّن.
 وَهُوَ أَيْضًا الصِّيَاح الشَّدِيد ; كَالزَّجْرِ، وَفُلَان يَتَحَوَّب مِنْ كَذَا أَيْ يَتَوَجَّع وَقَالَ طُفَيْل :

فَذُوقُوا كَمَا ذُقْنَا غَدَاة مُحَجَّرٍ  مِنْ الْغَيْظ فِي أَكْبَادِنَا وَالتَّحَوُّبِ

### الآية 4:3

> ﻿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا [4:3]

قَالَ الثَّعْلَبِيّ الْمُفَسِّر : قَالَ أُسْتَاذُنَا أَبُو الْقَاسِم بْن حَبِيب : سَأَلْت أَبَا عُمَرَ الدَّوْرِيّ عَنْ هَذَا وَكَانَ إِمَامًا فِي اللُّغَة غَيْرَ مُدَافَعٍ فَقَالَ : هِيَ لُغَةُ حِمْيَر ; وَأَنْشَدَ :

وَإِنَّ الْمَوْتَ يَأْخُذُ كُلَّ حَيٍّ  بِلَا شَكٍّ وَإِنْ أَمْشَى وَعَالَا يَعْنِي وَإِنْ كَثُرَتْ مَاشِيَتُهُ وَعِيَالُهُ.
 وَقَالَ أَبُو عَمْرو بْن الْعَلَاء : لَقَدْ كَثُرَتْ وُجُوه الْعَرَب حَتَّى خَشِيت أَنْ آخُذَ عَنْ لَاحِنٍ لَحْنًا.
 وَقَرَأَ طَلْحَة بْن مُصَرِّف " أَلَّا تَعِيلُوا " وَهِيَ حُجَّة الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ.
 قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَقَدَحَ الزَّجَّاج وَغَيْره فِي تَأْوِيل عَالَ مِنْ الْعِيَال بِأَنْ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَبَاحَ كَثْرَةَ السَّرَارِيّ وَفِي ذَلِكَ تَكْثِير الْعِيَال، فَكَيْفَ يَكُون أَقْرَب إِلَى أَلَّا يَكْثُرَ الْعِيَالُ.
 وَهَذَا الْقَدْحُ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ السَّرَارِيّ إِنَّمَا هِيَ مَالٌ يُتَصَرَّفُ فِيهِ بِالْبَيْعِ، وَإِنَّمَا الْعِيَال الْقَادِح الْحَرَائِر ذَوَات الْحُقُوق الْوَاجِبَة.
 وَحَكَى اِبْن الْأَعْرَابِيّ أَنَّ الْعَرَب تَقُول : عَالَ الرَّجُل إِذَا كَثُرَ عِيَالُهُ.
 تَعَلَّقَ بِهَذِهِ الْآيَة مَنْ أَجَازَ لِلْمَمْلُوكِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَرْبَعًا، لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ :" فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء " يَعْنِي مَا حَلَّ " مَثْنَى وَثُلَاث وَرُبَاع " وَلَمْ يَخُصَّ عَبْدًا مِنْ حُرٍّ.
 وَهُوَ قَوْل دَاوُدَ وَالطَّبَرِيّ وَهُوَ الْمَشْهُور عَنْ مَالِك وَتَحْصِيل مَذْهَبه عَلَى مَا فِي مُوَطَّئِهِ، وَكَذَلِكَ رَوَى عَنْهُ اِبْن الْقَاسِم وَأَشْهَب.
 وَذَكَرَ اِبْن الْمَوَّاز أَنَّ اِبْن وَهْب رَوَى عَنْ مَالِك أَنَّ الْعَبْد لَا يَتَزَوَّج إِلَّا اِثْنَتَيْنِ ; قَالَ وَهُوَ قَوْل اللَّيْث.
 قَالَ أَبُو عُمَر : قَالَ الشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابهمَا وَالثَّوْرِيّ وَاللَّيْث بْن سَعْد : لَا يَتَزَوَّج الْعَبْد أَكْثَر مِنْ اِثْنَتَيْنِ ; وَبِهِ قَالَ أَحْمَد وَإِسْحَاق.
 وَرُوِيَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَعَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَعَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف فِي الْعَبْد لَا يَنْكِح أَكْثَرَ مِنْ اِثْنَتَيْنِ ; وَلَا أَعْلَم لَهُمْ مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَة.
 وَهُوَ قَوْل الشَّعْبِيّ وَعَطَاء وَابْن سِيرِينَ وَالْحَكَم وَإِبْرَاهِيم وَحَمَّاد.
 وَالْحُجَّة لِهَذَا الْقَوْل الْقِيَاس الصَّحِيح عَلَى طَلَاقِهِ وَحَدِّهِ.
 وَكُلّ مَنْ قَالَ حَدُّهُ نِصْفُ حَدِّ الْحُرِّ، وَطَلَاقُهُ تَطْلِيقَتَانِ، وَإِيلَاؤُهُ شَهْرَانِ، وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامه فَغَيْر بَعِيدٍ أَنْ يُقَال : تَنَاقَضَ فِي قَوْله " يَنْكِح أَرْبَعًا " وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

### الآية 4:4

> ﻿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ۚ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا [4:4]

هَنِيئًا مَرِيئًا
 مَنْصُوب عَلَى الْحَال مِنْ الْهَاء فِي " كُلُوهُ " وَقِيلَ : نَعْت لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ أَكْلًا هَنِيئًا بِطِيبِ الْأَنْفُس.
 هَنَّأَهُ الطَّعَام وَالشَّرَاب يَهْنَؤُهُ، وَمَا كَانَ هَنِيئًا ; وَلَقَدْ هَنُؤَ، وَالْمَصْدَر الْهَنْء.
 وَكُلّ مَا لَمْ يَأْتِ بِمَشَقَّةٍ وَلَا عَنَاء فَهُوَ هَنِيءٌ.
 وَهَنِيء اِسْم فَاعِل مِنْ هَنُؤَ كَظَرِيفِ مِنْ ظَرُفَ.
 وَهَنِئَ يَهْنَأ فَهُوَ هَنِئٌ عَلَى فَعِل كَزَمِنٍ.
 وَهَنَّأَنِي الطَّعَام وَمَرَّأَنِي عَلَى الْإِتْبَاع ; فَإِذَا لَمْ يُذْكَر " هَنَّأَنِي " قُلْت : أَمْرَأَنِي الطَّعَام بِالْأَلِفِ، أَيْ اِنْهَضَمَ.
 قَالَ أَبُو عَلِيّ : وَهَذَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث ( اِرْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ ).
 فَقَلَبُوا الْوَاوَ مِنْ " مَوْزُورَات " أَلِفًا إِتْبَاعًا لِلَفْظِ مَأْجُورَات.
 وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس عَنْ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : يُقَال هَنِيء وَهَنَّأَنِي وَمَرَّأَنِي وَأَمْرَأَنِي وَلَا يُقَال مَرِئَنِي ; حَكَاهُ الْهَرَوِيّ.
 وَحَكَى الْقُشَيْرِيّ أَنَّهُ يُقَال : هَنِئَنِي وَمَرِئَنِي بِالْكَسْرِ يَهْنَأنِي وَيَمْرَأُنِي، وَهُوَ قَلِيل.
 وَقِيلَ :" هَنِيئًا " لَا إِثْمَ فِيهِ، و " مَرِيئًا " لَا دَاءَ فِيهِ.
 **قَالَ كُثَيِّر :**

هَنِيئًا مَرِيئًا غَيْرَ دَاءٍ مُخَامِرٍ  لِعَزَّةَ مِنْ أَعْرَاضِنَا مَا اِسْتَحَلَّتِ وَدَخَلَ رَجُل عَلَى عَلْقَمَة وَهُوَ يَأْكُل شَيْئًا وَهَبَتْهُ اِمْرَأَتُهُ مِنْ مَهْرِهَا فَقَالَ لَهُ : كُلْ مِنْ الْهَنِيءِ الْمَرِيءِ.
 وَقِيلَ : الْهَنِيءُ الطَّيِّب الْمَسَاغ الَّذِي لَا يُنَغِّصُهُ شَيْءٌ، وَالْمَرِيءُ الْمَحْمُودُ الْعَاقِبَة، التَّامّ الْهَضْم الَّذِي لَا يَضُرّ وَلَا يُؤْذِي.
 يَقُول : لَا تَخَافُونَ فِي الدُّنْيَا بِهِ مُطَالَبَةً، وَلَا فِي الْآخِرَة تَبِعَةً.
 يَدُلّ عَلَيْهِ مَا رَوَى اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَة " فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ " فَقَالَ :( إِذَا جَادَتْ لِزَوْجِهَا بِالْعَطِيَّةِ طَائِعَة غَيْر مُكْرَهَة لَا يَقْضِي بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَان، وَلَا يُؤَاخِذكُمْ اللَّه تَعَالَى بِهِ فِي الْآخِرَة ) وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ :( إِذَا اِشْتَكَى أَحَدكُمْ شَيْئًا فَلْيَسْأَلْ اِمْرَأَتَهُ دِرْهَمًا مِنْ صَدَاقِهَا ثُمَّ لِيَشْتَرِ بِهِ عَسَلًا فَلْيَشْرَبْهُ بِمَاءِ السَّمَاء ; فَيَجْمَع اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَهُ الْهَنِيء وَالْمَرِيء وَالْمَاء الْمُبَارَك ).
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 4:5

> ﻿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا [4:5]

وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا
 أَرَادَ تَلْيِينَ الْخِطَاب وَالْوَعْدَ الْجَمِيلَ.
 وَاخْتُلِفَ فِي الْقَوْل الْمَعْرُوف ; فَقِيلَ : مَعْنَاهُ اُدْعُوا لَهُمْ : بَارَكَ اللَّه فِيكُمْ، وَحَاطَكُمْ وَصَنَعَ لَكُمْ، وَأَنَا نَاظِر لَك، وَهَذَا الِاحْتِيَاط يَرْجِع نَفْعُهُ إِلَيْك.
 وَقِيلَ : مَعْنَاهُ وَعِدُوهُمْ وَعْدًا حَسَنًا ; أَيْ إِنْ رَشَّدْتُمْ دَفَعْنَا إِلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ.
 وَيَقُول الْأَب لِابْنِهِ : مَالِي إِلَيْك مَصِيرُهُ، وَأَنْتَ إِنْ شَاءَ اللَّه صَاحِبُهُ إِذَا مَلَكْت رُشْدَك وَعَرَفْت تَصَرُّفَك.

### الآية 4:6

> ﻿وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا ۚ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا [4:6]

وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا
 أَيْ كَفَى اللَّه حَاسِبًا لِأَعْمَالِكُمْ وَمُجَازِيًا بِهَا.
 فَفِي هَذَا وَعِيد لِكُلِّ جَاحِد حَقّ.
 وَالْبَاء زَائِدَة، وَهُوَ فِي مَوْضِع رَفْع.

### الآية 4:7

> ﻿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَفْرُوضًا [4:7]

وَالتَّعْضِيَة التَّفْرِيق، يُقَال : عَضَيْت الشَّيْء إِذَا فَرَّقْته.
 وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى :" الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآن عِضِينَ " \[ الْحِجْر : ٩١ \].
 وَقَالَ تَعَالَى :" غَيْر مُضَارّ " \[ النِّسَاء : ١٢ \] فَنَفَى الْمُضَارَّة.
 وَكَذَلِكَ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام :( لَا ضَرَر وَلَا ضِرَار ).
 وَأَيْضًا فَإِنَّ الْآيَة لَيْسَ فِيهَا تَعَرُّض لِلْقِسْمَةِ، وَإِنَّمَا اِقْتَضَتْ الْآيَة وُجُوب الْحَظّ وَالنَّصِيب لِلصَّغِيرِ وَالْكَبِير قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، رَدًّا عَلَى الْجَاهِلِيَّة فَقَالَ :" لِلرِّجَالِ نَصِيب " " وَلِلنِّسَاءِ نَصِيب " \[ النِّسَاء : ٣٢ \] وَهَذَا ظَاهِر جِدًّا.
 فَأَمَّا إِبْرَاز ذَلِكَ النَّصِيب فَإِنَّمَا يُؤْخَذ مِنْ دَلِيل آخَر ; وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُول الْوَارِث : قَدْ وَجَبَ لِي نَصِيب بِقَوْلِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فَمَكِّنُونِي مِنْهُ ; فَيَقُول لَهُ شَرِيكُهُ : أَمَّا تَمْكِينك عَلَى الِاخْتِصَاص فَلَا يُمْكِن ; لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى ضَرَر بَيْنِي وَبَيْنَك مِنْ إِفْسَاد الْمَال، وَتَغْيِير الْهَيْئَة، وَتَنْقِيص الْقِيمَة ; فَيَقَع التَّرْجِيح.
 وَالْأَظْهَر سُقُوط الْقِسْمَة فِيمَا يُبْطِل الْمَنْفَعَة وَيَنْقُص الْمَال مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الدَّلِيل.
 وَاَللَّه الْمُوَفِّق.
 قَالَ الْفَرَّاء :" نَصِيبًا مَفْرُوضًا " هُوَ كَقَوْلِك : قَسْمًا وَاجِبًا، وَحَقًّا لَازِمًا ; فَهُوَ اِسْم فِي مَعْنَى الْمَصْدَر فَلِهَذَا اِنْتَصَبَ.
 الزَّجَّاج : اِنْتَصَبَ عَلَى الْحَال.
 أَيْ لِهَؤُلَاءِ أَنْصِبَاء فِي حَال الْفَرْض.
 الْأَخْفَش : أَيْ جَعَلَ اللَّه لَهُمْ نَصِيبًا.
 وَالْمَفْرُوض : الْمُقَدَّر الْوَاجِب.

### الآية 4:8

> ﻿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا [4:8]

وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا
 قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : يُقَال لَهُمْ خُذُوا بُورِكَ لَكُمْ.
 وَقِيلَ : قُولُوا مَعَ الرِّزْق وَدِدْت أَنْ لَوْ كَانَ أَكْثَر مِنْ هَذَا.
 وَقِيلَ : لَا حَاجَة مَعَ الرِّزْق إِلَى عُذْر، نَعَمْ إِنْ لَمْ يُصْرَف إِلَيْهِمْ شَيْء فَلَا أَقَلَّ مِنْ قَوْل جَمِيل وَنَوْع اِعْتِذَار.

### الآية 4:9

> ﻿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا [4:9]

وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا
 السَّدِيد : الْعَدْل وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل ; أَيْ مُرُوا الْمَرِيض بِأَنْ يُخْرِج مِنْ مَاله مَا عَلَيْهِ مِنْ الْحُقُوق الْوَاجِبَة، ثُمَّ يُوصِي لِقَرَابَتِهِ بِقَدْرِ مَا لَا يَضُرّ بِوَرَثَتِهِ الصِّغَار.
 وَقِيلَ : الْمَعْنَى قُولُوا لِلْمَيِّتِ قَوْلًا عَدْلًا، وَهُوَ أَنْ يُلَقِّنَهُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَأْمُرهُ بِذَلِكَ، وَلَكِنْ يَقُول ذَلِكَ فِي نَفْسه حَتَّى يَسْمَع مِنْهُ وَيَتَلَقَّن.
 هَكَذَا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) وَلَمْ يَقُلْ مُرُوهُمْ ; لِأَنَّهُ لَوْ أُمِرَ بِذَلِكَ لَعَلَّهُ يَغْضَب وَيَجْحَد.
 وَقِيلَ : الْمُرَاد الْيَتِيم ; أَنْ لَا يَنْهَرُوهُ وَلَا يَسْتَخِفُّوا بِهِ.

### الآية 4:10

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [4:10]

وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا
 وَقَرَأَ اِبْن عَامِر وَعَاصِم فِي رِوَايَة اِبْن عَبَّاس بِضَمِّ الْيَاء عَلَى اِسْم مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ ; مِنْ أَصْلَاهُ اللَّه حَرّ النَّار إِصْلَاء.
 قَالَ اللَّه تَعَالَى :" سَأُصْلِيهِ سَقَر " \[ الْمُدَّثِّر : ٢٦ \].
 وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَة بِضَمِّ الْيَاء وَفَتْح الصَّاد وَتَشْدِيد اللَّام مِنْ التَّصْلِيَة لِكَثْرَةِ الْفِعْل مَرَّة بَعْد أُخْرَى.
 دَلِيله قَوْله تَعَالَى :" ثُمَّ الْجَحِيم صَلُّوهُ " \[ الْحَاقَّة : ٣١ \].
 وَمِنْهُ قَوْلهمْ : صَلَّيْته مَرَّة بَعْد أُخْرَى.
 وَتَصَلَّيْتُ : اِسْتَدْفَأْت بِالنَّارِ.
 **قَالَ :**

وَقَدْ تَصَلَّيْتُ حَرَّ حَرْبِهِمْ  كَمَا تَصَلَّى الْمَقْرُورُ مِنْ قَرَسِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْحِ الْيَاء مِنْ صَلِيَ النَّار يَصْلَاهَا صَلًى وَصِلَاءً.
 قَالَ اللَّه تَعَالَى :" لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى " \[ اللَّيْل : ١٥ \].
 وَالصِّلَاء هُوَ التَّسَخُّن بِقُرْبِ النَّار أَوْ مُبَاشَرَتهَا ; وَمِنْهُ قَوْل الْحَارِث بْن عَبَّاد :لَمْ أَكُنْ مِنْ جُنَاتِهَا عَلِمَ اللَّهُ  إِنِّي لِحَرِّهَا الْيَوْمَ صَالِ وَالسَّعِير : الْجَمْر الْمُشْتَعِل.
 وَهَذِهِ آيَة مِنْ آيَات الْوَعِيد، وَلَا حُجَّةَ فِيهَا لِمَنْ يُكَفِّر بِالذُّنُوبِ.
 وَاَلَّذِي يَعْتَقِدُهُ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ ذَلِكَ نَافِذٌ عَلَى بَعْض الْعُصَاة فَيَصْلَى ثُمَّ يَحْتَرِق وَيَمُوت ; بِخِلَافِ أَهْل النَّار لَا يَمُوتُونَ وَلَا يَحْيَوْنَ، فَكَأَنَّ هَذَا جَمْع بَيْنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لِئَلَّا يَقَع الْخَبَر فِيهِمَا عَلَى خِلَاف مَخْبَرِهِ، سَاقِطٌ بِالْمَشِيئَةِ عَنْ بَعْضهمْ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى :" إِنَّ اللَّه لَا يَغْفِر أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُون ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء " \[ النِّسَاء : ٤٨ \].
 وَهَكَذَا الْقَوْل فِي كُلّ مَا يَرِد عَلَيْك مِنْ هَذَا الْمَعْنَى.
 رَوَى مُسْلِم فِي صَحِيحه عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( أَمَّا أَهْل النَّار الَّذِينَ هُمْ أَهْلهَا فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمْ النَّار بِذُنُوبِهِمْ - أَوْ قَالَ بِخَطَايَاهُمْ - فَأَمَاتَهُمْ اللَّه إِمَاتَة حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَار الْجَنَّة ثُمَّ قِيلَ يَا أَهْل الْجَنَّة أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيل السَّيْل ).
 فَقَالَ رَجُل مِنْ الْقَوْم كَأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَانَ يَرْعَى بِالْبَادِيَةِ.

### الآية 4:11

> ﻿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ۚ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ۚ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ۚ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ۚ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [4:11]

حَكِيمًا
 حَكَمَ قِسْمَتهَا وَبَيَّنَهَا لِأَهْلِهَا.
 وَقَالَ الزَّجَّاج :" عَلِيمًا " أَيْ بِالْأَشْيَاءِ قَبْل خَلْقهَا " حَكِيمًا " فِيمَا يُقَدِّرُهُ وَيُمْضِيهِ مِنْهَا.
 وَقَالَ بَعْضهمْ : إِنَّ اللَّه سُبْحَانه لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَال، وَالْخَبَر مِنْهُ بِالْمَاضِي كَالْخَبَرِ مِنْهُ بِالِاسْتِقْبَالِ.
 وَمَذْهَب سِيبَوَيْهِ أَنَّهُمْ رَأَوْا حِكْمَة وَعِلْمًا فَقِيلَ لَهُمْ : إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَزَلْ عَلَى مَا رَأَيْتُمْ.

### الآية 4:12

> ﻿۞ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ ۚ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۚ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ ۚ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ ۚ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ۚ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ ۚ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ۚ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ [4:12]

وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ
 يَعْنِي عَلِيم بِأَهْلِ الْمِيرَاث حَلِيم عَلَى أَهْل الْجَهْل مِنْكُمْ.
 وَقَرَأَ بَعْض الْمُتَقَدِّمِينَ " وَاَللَّه عَلِيم حَكِيم " \[ النِّسَاء : ٢٦ \] يَعْنِي حَكِيم بِقِسْمَةِ الْمِيرَاث وَالْوَصِيَّة.

### الآية 4:13

> ﻿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [4:13]

وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
 الْكَبِير

### الآية 4:14

> ﻿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ [4:14]

يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ
 وَالْعِصْيَان إِنْ أُرِيدَ بِهِ الْكُفْر فَالْخُلُود عَلَى بَابه، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْكَبَائِر وَتَجَاوُز أَوَامِر اللَّه تَعَالَى فَالْخُلُود مُسْتَعَار لِمُدَّةٍ مَا.
 كَمَا تَقُول : خَلَّدَ اللَّه مُلْكَهُ.
 **وَقَالَ زُهَيْر :**
 وَلَا خَالِدًا إِلَّا الْجِبَالُ الرَّوَاسِيَا
 وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْر مَوْضِع.
 وَقَرَأَ نَافِع وَابْن عَامِر " نُدْخِلْهُ " بِالنُّونِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، عَلَى مَعْنَى الْإِضَافَة إِلَى نَفْسه سُبْحَانَهُ.
 الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ كِلَاهُمَا ; لِأَنَّهُ سَبَقَ ذِكْر اِسْم اللَّه تَعَالَى أَيْ يُدْخِلْهُ اللَّه.

### الآية 4:15

> ﻿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ ۖ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [4:15]

فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا
 هَذِهِ أَوَّل عُقُوبَات الزُّنَاة ; وَكَانَ هَذَا فِي اِبْتِدَاء الْإِسْلَام ; قَالَهُ عُبَادَة بْن الصَّامِت وَالْحَسَن وَمُجَاهِد حَتَّى نُسِخَ بِالْأَذَى الَّذِي بَعْدَهُ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ " النُّور " وَبِالرَّجْمِ فِي الثَّيِّب.
 وَقَالَتْ فِرْقَة : بَلْ كَانَ الْإِيذَاء هُوَ الْأَوَّل ثُمَّ نُسِخَ بِالْإِمْسَاكِ، وَلَكِنَّ التِّلَاوَةَ أُخِّرَتْ وَقُدِّمَتْ ; ذَكَرَهُ اِبْن فُورَك، وَهَذَا الْإِمْسَاك وَالْحَبْس فِي الْبُيُوت كَانَ فِي صَدْر الْإِسْلَام قَبْل أَنْ يُكْثِر الْجُنَاة، فَلَمَّا كَثُرُوا وَخُشِيَ قُوَّتُهُمْ اُتُّخِذَ لَهُمْ سِجْن ; قَالَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ.
 وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء هَلْ كَانَ هَذَا السِّجْن حَدًّا أَوْ تَوَعُّدًا بِالْحَدِّ عَلَى قَوْلَيْنِ :
 أَحَدهمَا : أَنَّهُ تَوَعُّد بِالْحَدِّ، 
 وَالثَّانِي :( أَنَّهُ حَدّ ) ; قَالَ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن.
 زَادَ اِبْن زَيْد : وَأَنَّهُمْ مُنِعُوا مِنْ النِّكَاح حَتَّى يَمُوتُوا عُقُوبَة لَهُمْ حِينَ طَلَبُوا النِّكَاح مِنْ غَيْر وَجْهِهِ.
 وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ حَدًّا بَلْ أَشَدّ ; غَيْر أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْم كَانَ مَمْدُودًا إِلَى غَايَة وَهُوَ الْأَذَى فِي الْآيَة الْأُخْرَى، عَلَى اِخْتِلَاف التَّأْوِيلَيْنِ فِي أَيّهمَا قَبْل ; وَكِلَاهُمَا مَمْدُود إِلَى غَايَة وَهِيَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام فِي حَدِيث عُبَادَة بْن الصَّامِت :( خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا الْبِكْر بِالْبِكْرِ جَلْد مِائَة وَتَغْرِيب عَام وَالثَّيِّب بِالثَّيِّبِ جَلْد مِائَة وَالرَّجْم ).
 وَهَذَا نَحْو قَوْله تَعَالَى :" ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَام إِلَى اللَّيْل " \[ الْبَقَرَة : ١٨٧ \] فَإِذَا جَاءَ اللَّيْل اِرْتَفَعَ حُكْم الصِّيَام لِانْتِهَاءِ غَايَته لَا لِنَسْخِهِ.
 هَذَا قَوْل الْمُحَقِّقِينَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ، فَإِنَّ النَّسْخ إِنَّمَا يَكُون فِي الْقَوْلَيْنِ الْمُتَعَارِضِينَ مِنْ كُلّ وَجْه اللَّذَيْنِ لَا يُمْكِن الْجَمْع بَيْنهمَا، وَالْجَمْع مُمْكِن بَيْنَ الْحَبْس وَالتَّعْيِير وَالْجَلْد وَالرَّجْم، وَقَدْ قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : إِنَّ الْأَذَى وَالتَّعْيِير بَاقٍ مَعَ الْجَلْد ; لِأَنَّهُمَا لَا يَتَعَارَضَانِ بَلْ يُحْمَلَانِ عَلَى شَخْص وَاحِد.
 وَأَمَّا الْحَبْس فَمَنْسُوخ بِإِجْمَاعٍ، وَإِطْلَاق الْمُتَقَدِّمِينَ النَّسْخ عَلَى مِثْل هَذَا تَجَوُّزٌ.
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 4:16

> ﻿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا ۖ فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا [4:16]

إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا
 وَاَللَّه تَوَّاب أَيْ رَاجِع بِعِبَادِهِ عَنْ الْمَعَاصِي.

### الآية 4:17

> ﻿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [4:17]

ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا
 قَالَ اِبْن عَبَّاس وَالسُّدِّيّ : مَعْنَاهُ قَبْل الْمَرَض وَالْمَوْت.
 وَرُوِيَ عَنْ الضَّحَّاك أَنَّهُ قَالَ : كُلّ مَا كَانَ قَبْل الْمَوْت فَهُوَ قَرِيب.
 وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ وَالضَّحَّاك أَيْضًا وَعِكْرِمَة وَابْن زَيْد وَغَيْرهمْ : قَبْل الْمُعَايَنَة لِلْمَلَائِكَةِ وَالسَّوْق، وَأَنْ يُغْلَب الْمَرْء عَلَى نَفْسه.
 وَلَقَدْ أَحْسَنَ مَحْمُودٌ الْوَرَّاق حَيْثُ قَالَ :

قَدِّمْ لِنَفْسِك تَوْبَةً مَرْجُوَّةً  قَبْلَ الْمَمَاتِ وَقَبْلَ حَبْسِ الْأَلْسُنِبَادِرْ بِهَا غَلْقَ النُّفُوسِ فَإِنَّهَا  ذُخْرٌ وَغُنْمٌ لِلْمُنِيبِ الْمُحْسِنِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحِمَهُمْ اللَّه : وَإِنَّمَا صَحَّتْ التَّوْبَة مِنْهُ فِي هَذَا الْوَقْت ; لِأَنَّ الرَّجَاء بَاقٍ وَيَصِحّ مِنْهُ النَّدَم وَالْعَزْم عَلَى تَرْك الْفِعْل.
 وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( إِنَّ اللَّه يَقْبَل تَوْبَة الْعَبْد مَا لَمْ يُغَرْغِر ).
 قَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
 وَمَعْنَى مَا لَمْ يُغَرْغِر : مَا لَمْ تَبْلُغ رُوحه حُلْقُومه ; فَيَكُون بِمَنْزِلَةِ الشَّيْء الَّذِي يُتَغَرْغَر بِهِ.
 قَالَهُ الْهَرَوِيّ وَقِيلَ : الْمَعْنَى يَتُوبُونَ عَلَى قُرْب عَهْد مِنْ الذَّنْب مِنْ غَيْر إِصْرَار.
 وَالْمُبَادَر فِي الصِّحَّة أَفْضَل، وَأَلْحَقُ لِأَمَلِهِ مِنْ الْعَمَل الصَّالِح.
 وَالْبُعْد كُلّ الْبُعْد الْمَوْت ; كَمَا قَالَ :
 وَأَيْنَ مَكَان الْبُعْد إِلَّا مَكَانِيَا
 وَرَوَى صَالِح الْمُرِّيّ عَنْ الْحَسَن قَالَ : مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ قَدْ تَابَ إِلَى اللَّه مِنْهُ اِبْتَلَاهُ اللَّه بِهِ.
 وَقَالَ الْحَسَن أَيْضًا : إِنَّ إِبْلِيس لَمَّا هَبَطَ قَالَ : بِعِزَّتِك لَا أُفَارِق اِبْن آدَم مَا دَامَ الرُّوح فِي جَسَده.
 قَالَ اللَّه تَعَالَى :( فَبِعِزَّتِي لَا أَحْجُبُ التَّوْبَةَ عَنْ اِبْن آدَم مَا لَمْ تُغَرْغِرْ نَفْسُهُ ).

### الآية 4:18

> ﻿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [4:18]

وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
 نَفَى سُبْحَانَهُ أَنْ يُدْخِلَ فِي حُكْم التَّائِبِينَ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ وَصَارَ فِي حِينِ الْيَأْسِ ; كَمَا كَانَ فِرْعَوْن حِينَ صَارَ فِي غَمْرَة الْمَاء وَالْغَرَق فَلَمْ يَنْفَعْهُ مَا أَظْهَرَ مِنْ الْإِيمَان ; لِأَنَّ التَّوْبَة فِي ذَلِكَ الْوَقْت لَا تَنْفَع، لِأَنَّهَا حَالَ زَوَالِ التَّكْلِيفِ.
 وَبِهَذَا قَالَ اِبْن عَبَّاس وَابْن زَيْد وَجُمْهُور الْمُفَسِّرِينَ.
 وَأَمَّا الْكُفَّار يَمُوتُونَ عَلَى كُفْرِهِمْ فَلَا تَوْبَةَ لَهُمْ فِي الْآخِرَة، وَإِلَيْهِمْ الْإِشَارَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى :" أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا " وَهُوَ الْخُلُود.
 وَإِنْ كَانَتْ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ إِلَى الْجَمِيع فَهُوَ فِي جِهَة الْعُصَاة عَذَاب لَا خُلُودَ مَعَهُ ; وَهَذَا عَلَى أَنَّ السَّيِّئَات مَا دُونَ الْكُفْرِ ; أَيْ لَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِمَنْ عَمِلَ دُونَ الْكُفْر مِنْ السَّيِّئَات ثُمَّ تَابَ عِنْدَ الْمَوْت، وَلَا لِمَنْ مَاتَ كَافِرًا فَتَابَ يَوْم الْقِيَامَة.
 وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ السَّيِّئَات هُنَا الْكُفْر، فَيَكُون الْمَعْنَى وَلَيْسَتْ التَّوْبَة لِلْكُفَّارِ الَّذِينَ يَتُوبُونَ عِنْد الْمَوْت، وَلَا لِلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّار.
 وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة : نَزَلَ أَوَّلُ الْآيَةِ فِي الْمُؤْمِنِينَ " إِنَّمَا التَّوْبَة عَلَى اللَّه ".
 وَالثَّانِيَة فِي الْمُنَافِقِينَ.
 " وَلَيْسَتْ التَّوْبَة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَات " يَعْنِي قَبُول التَّوْبَة لِلَّذِينَ أَصَرُّوا عَلَى فِعْلِهِمْ.
 " حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ " يَعْنِي الشَّرَق وَالنَّزْع وَمُعَايَنَة مَلَك الْمَوْت.
 " قَالَ إِنِّي تُبْت الْآنَ " فَلَيْسَ لِهَذَا تَوْبَةٌ.
 ثُمَّ ذَكَرَ تَوْبَةَ الْكُفَّار فَقَالَ تَعَالَى :" وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّار أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا " أَيْ وَجِيعًا دَائِمًا.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ.

### الآية 4:19

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [4:19]

بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا
 " فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ " أَيْ لِدَمَامَةٍ أَوْ سُوء خُلُق مِنْ غَيْر اِرْتِكَاب فَاحِشَة أَوْ نُشُوز ; فَهَذَا يُنْدَب فِيهِ إِلَى الِاحْتِمَال، فَعَسَى أَنْ يَئُول الْأَمْر إِلَى أَنْ يَرْزُق اللَّه مِنْهَا أَوْلَادًا صَالِحِينَ.
 و " أَنْ " رَفْع بِ " عَسَى " وَأَنْ وَالْفِعْل مَصْدَر.
 قُلْت : وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا وَرَدَ فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَر ) أَوْ قَالَ ( غَيْره ).
 الْمَعْنَى : أَيْ لَا يُبْغِضْهَا بُغْضًا كُلِّيًّا يَحْمِلُهُ عَلَى فِرَاقهَا.
 أَيْ لَا يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ بَلْ يَغْفِرُ سَيِّئَتَهَا لِحَسَنَتِهَا وَيَتَغَاضَى عَمَّا يَكْرَه لِمَا يُحِبُّ.
 وَقَالَ مَكْحُول : سَمِعْت اِبْن عُمَر يَقُول : إِنَّ الرَّجُل لَيَسْتَخِير اللَّه تَعَالَى فَيُخَارُ لَهُ، فَيَسْخَطُ عَلَى رَبّه عَزَّ وَجَلَّ فَلَا يَلْبَث أَنْ يَنْظُر فِي الْعَاقِبَة فَإِذَا هُوَ قَدْ خِيرَ لَهُ.
 وَذَكَرَ اِبْن الْعَرَبِيّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِم بْن حَبِيب بِالْمَهْدِيَّةِ، عَنْ أَبِي الْقَاسِم السُّيُورِيّ عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن حَيْثُ قَالَ : كَانَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي زَيْد مِنْ الْعِلْم وَالدِّين فِي الْمَنْزِلَة وَالْمَعْرِفَة.
 وَكَانَتْ لَهُ زَوْجَة سَيِّئَة الْعِشْرَة وَكَانَتْ تُقَصِّر فِي حُقُوقه وَتُؤْذِيهِ بِلِسَانِهَا ; فَيُقَال لَهُ فِي أَمْرِهَا وَيُعْذَلُ بِالصَّبْرِ عَلَيْهَا، فَكَانَ يَقُول : أَنَا رَجُل قَدْ أَكْمَلَ اللَّه عَلَيَّ النِّعْمَة فِي صِحَّة بَدَنِي وَمَعْرِفَتِي وَمَا مَلَكَتْ يَمِينِي، فَلَعَلَّهَا بُعِثَتْ عُقُوبَة عَلَى ذَنْبِي فَأَخَاف إِنْ فَارَقْتهَا أَنْ تَنْزِل بِي عُقُوبَة هِيَ أَشَدّ مِنْهَا.
 قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فِي هَذَا دَلِيل عَلَى كَرَاهَة الطَّلَاق مَعَ الْإِبَاحَة.
 وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :( إِنَّ اللَّه لَا يَكْرَه شَيْئًا أَبَاحَهُ إِلَّا الطَّلَاق وَالْأَكْل وَإِنَّ اللَّه لَيُبْغِضُ الْمِعَى إِذَا اِمْتَلَأَ ).

### الآية 4:20

> ﻿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [4:20]

أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا
 " بُهْتَانًا " مَصْدَر فِي مَوْضِع الْحَال " وَإِثْمًا " مَعْطُوف عَلَيْهِ " مُبِينًا " مِنْ نَعْتِهِ.

### الآية 4:21

> ﻿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [4:21]

وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا
 فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال.
 قِيلَ : هُوَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام :( فَاتَّقُوا اللَّه فِي النِّسَاء فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّه وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّه ).
 قَالَهُ عِكْرِمَة وَالرَّبِيع.
 الثَّانِي : قَوْله تَعَالَى :" فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ " \[ الْبَقَرَة : ٢٢٩ \] قَالَهُ الْحَسَن وَابْن سِيرِينَ وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَالسُّدِّيّ.
 الثَّالِث : عُقْدَة النِّكَاح قَوْل الرَّجُل : نَكَحْت وَمَلَكْت عُقْدَة النِّكَاح ; قَالَهُ مُجَاهِد وَابْن زَيْد.
 وَقَالَ قَوْم : الْمِيثَاق الْغَلِيظ الْوَلَد.
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 4:22

> ﻿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا [4:22]

إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا
 عَقَّبَ بِالذَّمِّ الْبَالِغ الْمُتَتَابِع، وَذَلِكَ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ فِعْل اِنْتَهَى مِنْ الْقُبْح إِلَى الْغَايَة.
 قَالَ أَبُو الْعَبَّاس : سَأَلْت اِبْن الْأَعْرَابِيّ عَنْ نِكَاح الْمَقْت فَقَالَ : هُوَ أَنْ يَتَزَوَّج الرَّجُل اِمْرَأَة أَبِيهِ إِذَا طَلَّقَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا ; وَيُقَال لِهَذَا الرَّجُل : الضَّيْزَن.
 وَقَالَ اِبْن عَرَفَة : كَانَتْ الْعَرَب إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُل اِمْرَأَة أَبِيهِ فَأَوْلَدَهَا قِيلَ لِلْوَلَدِ : الْمَقْتِيّ.
 وَأَصْل الْمَقْت الْبُغْض ; مِنْ مَقَتَهُ يَمْقُتُهُ مَقْتًا فَهُوَ مَمْقُوت وَمَقِيت.
 فَكَانَتْ الْعَرَب تَقُول لِلرَّجُلِ مِنْ اِمْرَأَة أَبِيهِ : مَقِيت ; فَسَمَّى تَعَالَى هَذَا النِّكَاح " مَقْتًا " إِذْ هُوَ ذَا مَقْت يَلْحَق فَاعِلَهُ.
 وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالْآيَةِ النَّهْيُ عَنْ أَنْ يَطَأ الرَّجُل اِمْرَأَة وَطِئَهَا الْآبَاء، إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ مِنْ الْآبَاء فِي الْجَاهِلِيَّة مِنْ الزِّنَى بِالنِّسَاءِ لَا عَلَى وَجْه الْمُنَاكَحَة فَإِنَّهُ جَائِز لَكُمْ زَوَاجُهُنَّ.
 وَأَنْ تَطَئُوا بِعَقْدِ النِّكَاح مَا وَطِئَهُ آبَاؤُكُمْ مِنْ الزِّنَى ; قَالَ اِبْن زَيْد : وَعَلَيْهِ فَيَكُون الِاسْتِثْنَاء مُتَّصِلًا، وَيَكُون أَصْلًا فِي أَنَّ الزِّنَى لَا يُحَرِّمُ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ.
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 4:23

> ﻿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [4:23]

إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا
 " إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ " يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ مَعْنَى قَوْله :" إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ " فِي قَوْله :" وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاء إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ".
 وَيَحْتَمِل مَعْنًى زَائِدًا وَهُوَ جَوَاز مَا سَلَفَ، وَأَنَّهُ إِذَا جَرَى الْجَمْع فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَ النِّكَاح صَحِيحًا، وَإِذَا جَرَى فِي الْإِسْلَام خُيِّرَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ ; عَلَى مَا قَالَهُ مَالِك وَالشَّافِعِيّ، مِنْ غَيْر إِجْرَاء عُقُود الْكُفَّار عَلَى مُوجِب الْإِسْلَام وَمُقْتَضَى الشَّرْع ; وَسَوَاء عَقَدَ عَلَيْهِمَا عَقْدًا وَاحِدًا جَمَعَ بِهِ بَيْنهمَا أَوْ جَمَعَ بَيْنهمَا فِي عَقْدَيْنِ.
 وَأَبُو حَنِيفَة يُبْطِل نِكَاحَهُمَا إِنْ جَمَعَ فِي عَقْد وَاحِد.
 وَرَوَى هِشَام بْن عَبْد اللَّه عَنْ مُحَمَّد بْن الْحَسَن أَنَّهُ قَالَ : كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَعْرِفُونَ هَذِهِ الْمُحَرَّمَات كُلّهَا الَّتِي ذَكَرْت فِي هَذِهِ الْآيَة إِلَّا اِثْنَتَيْنِ ; إِحْدَاهُمَا نِكَاح اِمْرَأَة الْأَب، وَالثَّانِيَة، الْجَمْع بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ ; أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ :" وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاء إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ".
 " وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ " وَلَمْ يَذْكُر فِي سَائِر الْمُحَرَّمَات " إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ".
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 4:24

> ﻿۞ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۖ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ۚ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [4:24]

إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا
 قَالَ الزَّجَّاج :" عَلِيمًا " أَيْ بِالْأَشْيَاءِ قَبْل خَلْقهَا " حَكِيمًا " فِيمَا يُقَدِّرُهُ وَيُمْضِيهِ مِنْهَا.
 وَقَالَ بَعْضهمْ : إِنَّ اللَّه سُبْحَانَهُ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ، وَالْخَبَر مِنْهُ بِالْمَاضِي كَالْخَبَرِ مِنْهُ بِالِاسْتِقْبَالِ.
 وَمَذْهَب سِيبَوَيْهِ أَنَّهُمْ رَأَوْا حِكْمَة وَعِلْمًا فَقِيلَ لَهُمْ : إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَزَلْ عَلَى مَا رَأَيْتُمْ.

### الآية 4:25

> ﻿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ ۚ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ۚ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ۚ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ ۚ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [4:25]

ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
 أَيْ الصَّبْر عَلَى الْعُزْبَة خَيْر مِنْ نِكَاح الْأَمَة، لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى إِرْقَاق الْوَلَد، وَالْغَضّ مِنْ النَّفْس وَالصَّبْر عَلَى مَكَارِم الْأَخْلَاق أَوْلَى مِنْ الْبَذَالَة.
 وَرُوِيَ عَنْ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : أَيّمَا حُرٍّ تَزَوَّجَ بِأَمَةٍ فَقَدْ أُرِقَّ نِصْفه.
 يَعْنِي يَصِير وَلَده رَقِيقًا ; فَالصَّبْر عَنْ ذَلِكَ أَفْضَل لِكَيْلَا يَرِقَّ الْوَلَد.
 وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : مَا نِكَاح الْأَمَة مِنْ الزِّنَى إِلَّا قَرِيب، قَالَ اللَّه تَعَالَى :" وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْر لَكُمْ "، أَيْ عَنْ نِكَاح الْإِمَاء.
 وَفِي سُنَن اِبْن مَاجَهْ عَنْ الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم قَالَ : سَمِعْت أَنَس بْن مَالِك يَقُول : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول :" مَنْ أَرَادَ أَنْ يَلْقَى اللَّه طَاهِرًا مُطَهَّرًا فَلْيَتَزَوَّجْ الْحَرَائِر ).
 وَرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاق الثَّعْلَبِيّ مِنْ حَدِيث يُونُس بْن مِرْدَاس، وَكَانَ خَادِمًا لِأَنَسٍ، وَزَادَ : فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول :( الْحَرَائِر صَلَاح الْبَيْت وَالْإِمَاء هَلَاك الْبَيْت - أَوْ قَالَ - فَسَاد الْبَيْت ).

### الآية 4:26

> ﻿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [4:26]

حَكِيمٌ
 بِقَبُولِ التَّوْبَة.

### الآية 4:27

> ﻿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا [4:27]

وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا
 قَوْله تَعَالَى :" وَاَللَّه يُرِيد أَنْ يَتُوب عَلَيْكُمْ " اِبْتِدَاء وَخَبَر.
 و " أَنْ " فِي مَوْضِع نَصْب ب " يُرِيد " وَكَذَلِكَ " يُرِيد اللَّه أَنْ يُخَفِّف عَنْكُمْ " ; ف " أَنْ يُخَفِّف " فِي مَوْضِع نَصْب ب " يُرِيد " وَالْمَعْنَى : يُرِيد تَوْبَتَكُمْ، أَيْ يَقْبَلهَا فَيَتَجَاوَز عَنْ ذُنُوبكُمْ وَيُرِيد التَّخْفِيف عَنْكُمْ.
 قِيلَ : هَذَا فِي جَمِيع أَحْكَام الشَّرْع، وَهُوَ الصَّحِيح.
 وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالتَّخْفِيفِ نِكَاح الْأَمَة، أَيْ لَمَّا عَلِمْنَا ضَعْفَكُمْ عَنْ الصَّبْر عَنْ النِّسَاء خَفَّفْنَا عَنْكُمْ بِإِبَاحَةِ الْإِمَاء ; قَالَهُ مُجَاهِد وَابْن زَيْد وَطَاوُس.
 قَالَ طَاوُس : لَيْسَ يَكُون الْإِنْسَان فِي شَيْء أَضْعَف مِنْهُ فِي أَمْر النِّسَاء.
 وَاخْتُلِفَ فِي تَعْيِين الْمُتَّبِعِينَ لِلشَّهَوَاتِ ; فَقَالَ مُجَاهِد : هُمْ الزُّنَاة.
 السُّدِّيّ : هُمْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى.
 وَقَالَتْ فِرْقَة : هُمْ الْيَهُود خَاصَّة ; لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يَتَّبِعَهُمْ الْمُسْلِمُونَ فِي نِكَاح الْأَخَوَات مِنْ الْأَب.
 وَقَالَ اِبْن زَيْد : ذَلِكَ عَلَى الْعُمُوم، وَهُوَ الْأَصَحّ.
 وَالْمَيْل : الْعُدُول عَنْ طَرِيق الِاسْتِوَاء ; فَمَنْ كَانَ عَلَيْهَا أَحَبَّ أَنْ يَكُون أَمْثَاله عَلَيْهَا حَتَّى لَا تَلْحَقُهُ مَعَرَّةٌ.

### الآية 4:28

> ﻿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا [4:28]

يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا
 قَوْله تَعَالَى :" وَخُلِقَ الْإِنْسَان ضَعِيفًا " نُصِبَ عَلَى الْحَال ; وَالْمَعْنَى أَنَّ هَوَاهُ يَسْتَمِيلُهُ وَشَهْوَتَهُ وَغَضَبَهُ يَسْتَخِفَّانِهِ، وَهَذَا أَشَدّ الضَّعْف فَاحْتَاجَ إِلَى التَّخْفِيف.
 وَقَالَ طَاوُس : ذَلِكَ فِي أَمْر النِّسَاء خَاصَّة.
 وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَرَأَ " وَخَلَقَ الْإِنْسَانَ ضَعِيفًا " أَيْ وَخَلَقَ اللَّه الْإِنْسَانَ ضَعِيفًا، أَيْ لَا يَصْبِر عَنْ النِّسَاء.
 قَالَ اِبْن الْمُسَيِّب : لَقَدْ أَتَى عَلَيَّ ثَمَانُونَ سَنَة وَذَهَبَتْ إِحْدَى عَيْنَيَّ وَأَنَا أَعْشُو بِالْأُخْرَى وَصَاحِبِي أَعْمَى أَصَمُّ - يَعْنِي ذَكَره - وَإِنِّي أَخَاف مِنْ فِتْنَة النِّسَاء.
 وَنَحْوه عَنْ عُبَادَة بْن الصَّامِت رَضِيَ اللَّه عَنْهُ، قَالَ عُبَادَة : أَلَا تَرَوْنِي لَا أَقُوم إِلَّا رِفْدًا وَلَا آكُل إِلَّا مَا لُوِّقَ لِي - قَالَ يَحْيَى : يَعْنِي لُيِّنَ وَسُخِّنَ - وَقَدْ مَاتَ صَاحِبِي مُنْذُ زَمَان - قَالَ يَحْيَى : يَعْنِي ذَكَره - وَمَا يَسُرُّنِي أَنِّي خَلَوْت بِامْرَأَةٍ لَا تَحِلّ لِي، وَأَنَّ لِي مَا تَطْلُع عَلَيْهِ الشَّمْس مَخَافَة أَنْ يَأْتِيَنِي الشَّيْطَان فَيُحَرِّكَهُ عَلَيَّ، إِنَّهُ لَا سَمْع لَهُ وَلَا بَصَر.

### الآية 4:29

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [4:29]

مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ
 فِيهِ مَسْأَلَة وَاحِدَة - قَرَأَ الْحَسَن " تُقَتِّلُوا " عَلَى التَّكْثِير.
 وَأَجْمَعَ أَهْل التَّأْوِيل عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة النَّهْي أَنْ يَقْتُل بَعْض النَّاس بَعْضًا.
 ثُمَّ لَفْظهَا يَتَنَاوَل أَنْ يَقْتُل الرَّجُل نَفْسَهُ بِقَصْدٍ مِنْهُ لِلْقَتْلِ فِي الْحِرْص عَلَى الدُّنْيَا وَطَلَب الْمَال بِأَنْ يَحْمِل نَفْسه عَلَى الْغَرَر الْمُؤَدِّي إِلَى التَّلَف.
 وَيَحْتَمِل أَنْ يُقَال :" وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ " فِي حَال ضَجَرٍ أَوْ غَضَبٍ ; فَهَذَا كُلّه يَتَنَاوَلهُ النَّهْي.
 وَقَدْ اِحْتَجَّ عَمْرو بْن الْعَاص بِهَذِهِ الْآيَة حِينَ اِمْتَنَعَ مِنْ الِاغْتِسَال بِالْمَاءِ الْبَارِد حِينَ أَجْنَبَ فِي غَزْوَة ذَات السَّلَاسِل خَوْفًا عَلَى نَفْسه مِنْهُ ; فَقَرَّرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِحْتِجَاجه وَضَحِكَ عِنْده وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا.
 خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْره، وَسَيَأْتِي.

### الآية 4:30

> ﻿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [4:30]

وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا
 " ذَلِكَ " إِشَارَة إِلَى الْقَتْل ; لِأَنَّهُ أَقْرَب مَذْكُور ; قَالَهُ عَطَاء.
 وَقِيلَ : هُوَ عَائِد إِلَى أَكْل الْمَال بِالْبَاطِلِ وَقَتْل النَّفْس ; لِأَنَّ النَّهْي عَنْهُمَا جَاءَ مُتَّسِقًا مَسْرُودًا، ثُمَّ وَرَدَ الْوَعِيد حَسَبَ النَّهْي.
 وَقِيلَ : هُوَ عَامّ عَلَى كُلّ مَا نَهَى عَنْهُ مِنْ الْقَضَايَا، مِنْ أَوَّل السُّورَة إِلَى قَوْله تَعَالَى :" وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ".
 وَقَالَ الطَّبَرِيّ :" ذَلِكَ " عَائِد عَلَى مَا نَهَى عَنْهُ مِنْ آخِر وَعِيد، وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى :" يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا " \[ النِّسَاء : ١٩ \] لِأَنَّ كُلّ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ أَوَّل السُّورَة قُرِنَ بِهِ وَعِيد، إِلَّا مِنْ قَوْل :" يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلّ لَكُمْ " فَإِنَّهُ لَا وَعِيد بَعْده إِلَّا قَوْله :" وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا " \[ النِّسَاء ١٠ \].
 وَالْعُدْوَان تَجَاوُز الْحَدّ.
 وَالظُّلْم وَضْع الشَّيْء فِي غَيْر مَوْضِعِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
 وَقُيِّدَ الْوَعِيد بِذِكْرِ الْعُدْوَان وَالظُّلْم لِيَخْرُجَ مِنْهُ فِعْل السَّهْو وَالْغَلَط، وَذُكِرَ الْعُدْوَان وَالظُّلْم مَعَ تَقَارُب مَعَانِيهمَا لِاخْتِلَافِ أَلْفَاظهمَا، وَحَسُنَ ذَلِكَ فِي الْكَلَام كَمَا قَالَ :
 وَأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنًا
 وَحَسُنَ الْعَطْف لِاخْتِلَافِ اللَّفْظَيْنِ ; يُقَال : بُعْدًا وَسُحْقًا ; وَمِنْهُ قَوْل يَعْقُوب :" إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّه " \[ يُوسُف : ٨٦ \].
 فَحَسُنَ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ اللَّفْظ.
 و " نُصْلِيهِ " مَعْنَاهُ نُمِسُّهُ حَرَّهَا.
 وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْجَمْع بَيْنَ هَذِهِ الْآي وَحَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ فِي الْعُصَاة وَأَهْل الْكَبَائِر لِمَنْ أُنْفِذَ عَلَيْهِ الْوَعِيد ; فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَةِ ذَلِكَ.
 وَقَرَأَ الْأَعْمَش وَالنَّخَعِيّ " نَصْلِيهِ " بِفَتْحِ النُّون، عَلَى أَنَّهُ مَنْقُول مِنْ صَلَى نَارًا، أَيْ أَصْلَيْته ; وَفِي الْخَبَر " شَاةٌ مَصْلِيَّة ".
 وَمَنْ ضَمَّ النُّون مَنْقُول بِالْهَمْزَةِ، مِثْل طَعَمْت وَأَطْعَمْت.

### الآية 4:31

> ﻿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا [4:31]

وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : ثَمَان آيَات فِي سُورَة النِّسَاء، هُنَّ خَيْر لِهَذِهِ الْأُمَّة مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْس وَغَرَبَتْ :" يُرِيد اللَّه لِيُبَيِّنَ لَكُمْ " \[ النِّسَاء : ٢٦ \]، " وَاَللَّه يُرِيد أَنْ يَتُوب عَلَيْكُمْ " \[ النِّسَاء : ٢٧ \]، " يُرِيد اللَّه أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ " \[ النِّسَاء : ٢٨ \]، " إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِر مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ " \[ النِّسَاء : ٣١ \]، الْآيَة، " إِنَّ اللَّه لَا يَغْفِر أَنْ يُشْرَك بِهِ "، " إِنَّ اللَّه لَا يَظْلِم مِثْقَال ذَرَّة " \[ النِّسَاء : ٤٠ \]، " وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسه "، " مَا يَفْعَلُ اللَّه بِعَذَابِكُمْ " \[ النِّسَاء : ١٤٧ \] الْآيَة.

### الآية 4:32

> ﻿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [4:32]

وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا
 " وَاسْأَلُوا اللَّه مِنْ فَضْله " رَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( سَلُوا اللَّه مِنْ فَضْله فَإِنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَل وَأَفْضَل الْعِبَادَة اِنْتِظَار الْفَرَج ) وَخَرَّجَ أَيْضًا اِبْن مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( مَنْ لَمْ يَسْأَلْ اللَّه يَغْضَبْ عَلَيْهِ ).
 وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْأَمْر بِالسُّؤَالِ لِلَّهِ تَعَالَى وَاجِب ; وَقَدْ أَخَذَ بَعْض الْعُلَمَاء هَذَا الْمَعْنَى فَنَظَمَهُ فَقَالَ :

اللَّهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْت سُؤَالَهُ  وَبُنَيّ آدَم حِينَ يُسْأَل يَغْضَبُ وَقَالَ أَحْمَد بْن الْمُعَذَّل أَبُو الْفَضْل الْفَقِيهُ الْمَالِكِيّ فَأَحْسَنَ :اِلْتَمِسْ الْأَرْزَاقَ عِنْد الَّذِي  مَا دُونَهُ إِنْ سِيلَ مِنْ حَاجِبِمَنْ يُبْغِضُ التَّارِكَ تَسْآلَهُ  جُودًا وَمَنْ يَرْضَى عَنْ الطَّالِبِوَمَنْ إِذَا قَالَ جَرَى قَوْلُهُ  بِغَيْرِ تَوْقِيعٍ إِلَى كَاتِبِ وَقَدْ أَشْبَعْنَا الْقَوْل فِي هَذَا الْمَعْنَى فِي كِتَاب " قَمْع الْحِرْص بِالزُّهْدِ وَالْقَنَاعَة ".
 وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر :" وَاسْأَلُوا اللَّه مِنْ فَضْله " الْعِبَادَة، لَيْسَ مِنْ أَمْر الدُّنْيَا.
 وَقِيلَ : سَلُوهُ التَّوْفِيق لِلْعَمَلِ بِمَا يُرْضِيهِ.
 وَعَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : سَلُوا رَبّكُمْ حَتَّى الشِّبَع ; فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يُيَسِّرْهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَتَيَسَّرْ.
 وَقَالَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة : لَمْ يَأْمُرْ بِالسُّؤَالِ إِلَّا لِيُعْطِيَ.
 وَقَرَأَ الْكِسَائِيّ وَابْن كَثِير :" وَسَلُوا اللَّه مِنْ فَضْلِهِ " بِغَيْرِ هَمْز فِي جَمِيع الْقُرْآن.
 الْبَاقُونَ بِالْهَمْزِ.
 " وَاسْأَلُوا اللَّه ".
 وَأَصْله بِالْهَمْزِ إِلَّا أَنَّهُ حُذِفَتْ الْهَمْزَة لِلتَّخْفِيفِ.
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 4:33

> ﻿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ۚ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا [4:33]

فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا
 أَيْ قَدْ شَهِدَ مُعَاقَدَتَكُمْ إِيَّاهُمْ، وَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ الْوَفَاء.

### الآية 4:34

> ﻿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا [4:34]

إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا
 إِشَارَة إِلَى الْأَزْوَاج بِخَفْضِ الْجَنَاح وَلِين الْجَانِب ; أَيْ إِنْ كُنْتُمْ تَقْدِرُونَ عَلَيْهِنَّ فَتَذْكُرُوا قُدْرَة اللَّه ; فَيَدُهُ بِالْقُدْرَةِ فَوْق كُلّ يَد.
 فَلَا يَسْتَعْلِي أَحَد عَلَى اِمْرَأَتِهِ فَاَللَّه بِالْمِرْصَادِ فَلِذَلِكَ حَسُنَ الِاتِّصَاف، هُنَا بِالْعُلُوِّ وَالْكِبَر.

### الآية 4:35

> ﻿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا [4:35]

قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : هَذَا مُنْتَهَى كَلَام الشَّافِعِيّ، وَأَصْحَابه يَفْرَحُونَ بِهِ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُلْتَفَت إِلَيْهِ وَلَا يُشْبِه نِصَابَهُ فِي الْعِلْم، وَقَدْ تَوَلَّى الرَّدّ عَلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاق وَلَمْ يُنْصِفْهُ فِي الْأَكْثَر.
 أَمَّا قَوْله :" الَّذِي يُشْبِه ظَاهِر الْآيَة أَنَّهُ فِيمَا عَمَّ الزَّوْجَيْنِ " فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ هُوَ نَصُّهُ، وَهِيَ مِنْ أَبْيَن آيَات الْقُرْآن وَأَوْضَحِهَا جَلَاء ; فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ :" الرِّجَال قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء " \[ النِّسَاء : ٣٤ \] - وَمَنْ خَافَ مِنْ اِمْرَأَته نُشُوزًا وَعَظَهَا، فَإِنْ أَنَابَتْ وَإِلَّا هَجَرَهَا فِي الْمَضْجَع، فَإِنْ اِرْعَوَتْ وَإِلَّا ضَرَبَهَا، فَإِنْ اِسْتَمَرَّتْ فِي غَلْوَائِهَا مَشَى الْحَكَمَانِ إِلَيْهِمَا.
 وَهَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ نَصًّا فَلَيْسَ فِي الْقُرْآن بَيَان.
 وَدَعْهُ لَا يَكُون نَصًّا، يَكُون ظَاهِرًا ; فَأَمَّا أَنْ يَقُول الشَّافِعِيّ : يُشْبِه الظَّاهِر فَلَا نَدْرِي مَا الَّذِي أَشْبَهَ الظَّاهِر ؟.
 ثُمَّ قَالَ :" وَأَذِنَ فِي خَوْفهمَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُود اللَّه بِالْخُلْعِ وَذَلِكَ يُشْبِه أَنْ يَكُون بِرِضَا الْمَرْأَة، بَلْ يَجِب أَنْ يَكُون كَذَلِكَ وَهُوَ نَصُّهُ ".
 ثُمَّ قَالَ :" فَلَمَّا أَمَرَ بِالْحَكَمَيْنِ عَلِمْنَا أَنَّ حُكْمَهُمَا غَيْر حُكْم الْأَزْوَاج، وَيَجِب أَنْ يَكُون غَيْره بِأَنْ يَنْفُذ عَلَيْهِمَا مِنْ غَيْر اِخْتِيَارهمَا فَتَتَحَقَّق الْغَيْرِيَّة.
 فَأَمَّا إِذَا أَنْفَذَا عَلَيْهِمَا مَا وَكَّلَاهُمَا بِهِ فَلَمْ يَحْكُمَا بِخِلَافِ أَمْرِهِمَا فَلَمْ تَتَحَقَّق الْغَيْرِيَّة ".
 وَأَمَّا قَوْله " بِرِضَى الزَّوْجَيْنِ وَتَوْكِيلهمَا " فَخَطَأ صُرَاح ; فَإِنَّ اللَّه سُبْحَانه خَاطَبَ غَيْر الزَّوْجَيْنِ إِذَا خَافَ الشِّقَاق بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِإِرْسَالِ الْحَكَمَيْنِ، وَإِذَا كَانَ الْمُخَاطَب غَيْرَهُمَا كَيْفَ يَكُون ذَلِكَ بِتَوْكِيلِهِمَا، وَلَا يَصِحّ لَهُمَا حُكْم إِلَّا بِمَا اِجْتَمَعَا عَلَيْهِ.
 هَذَا وَجْه الْإِنْصَاف وَالتَّحْقِيق فِي الرَّدّ عَلَيْهِ.
 وَفِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى إِثْبَات التَّحْكِيم، وَلَيْسَ كَمَا تَقُول الْخَوَارِج إِنَّهُ لَيْسَ التَّحْكِيم لِأَحَدٍ سِوَى اللَّه تَعَالَى.
 وَهَذِهِ كَلِمَة حَقّ وَلَكِنْ يُرِيدُونَ بِهَا الْبَاطِل.

### الآية 4:36

> ﻿۞ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا [4:36]

مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا
 فَنَفَى سُبْحَانَهُ مَحَبَّتَهُ وَرِضَاهُ عَمَّنْ هَذِهِ صِفَته ; أَيْ لَا يَظْهَر عَلَيْهِ آثَار نِعَمه فِي الْآخِرَة.
 وَفِي هَذَا ضَرْب مِنْ التَّوَعُّد.
 وَالْمُخْتَال ذُو الْخُيَلَاء أَيْ الْكِبْر.
 وَالْفَخُور : الَّذِي يَعْدُدْ مَنَاقِبه كِبْرًا.
 وَالْفَخْر : الْبَذَخ وَالتَّطَاوُل.
 وَخَصَّ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ بِالذِّكْرِ هُنَا لِأَنَّهُمَا تَحْمِلَانِ صَاحِبَيْهِمَا عَلَى الْأَنَفَة مِنْ الْقَرِيب الْفَقِير وَالْجَار الْفَقِير وَغَيْرهمْ مِمَّنْ ذُكِرَ فِي الْآيَة فَيُضِيع أَمْر اللَّه بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ.

### الآية 4:37

> ﻿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا [4:37]

وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا
 فَصَلَ تَعَالَى تَوَعُّد الْمُؤْمِنِينَ الْبَاخِلِينَ مِنْ تَوَعُّد الْكَافِرِينَ بِأَنْ جَعَلَ الْأَوَّل عَدَم الْمَحَبَّة وَالثَّانِي عَذَابًا مُهِينًا.

### الآية 4:38

> ﻿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا [4:38]

وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا
 فِي الْكَلَام إِضْمَار تَقْدِيره " وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِر " فَقَرِينُهُمْ الشَّيْطَان " وَمَنْ يَكُنْ الشَّيْطَان لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا ".
 وَالْقَرِين : الْمُقَارِن، أَيْ الصَّاحِب وَالْخَلِيل وَهُوَ فَعِيل مِنْ الْإِقْرَان ; قَالَ عَدِيّ بْن زَيْد :

عَنْ الْمَرْءِ لَا تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ  فَكُلُّ قَرِينٍ بِالْمُقَارِنِ يَقْتَدِي وَالْمَعْنَى : مَنْ قَبِلَ مِنْ الشَّيْطَان فِي الدُّنْيَا فَقَدْ قَارَنَهُ.
 وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمَعْنَى مَنْ قُرِنَ بِهِ الشَّيْطَان فِي النَّار " فَسَاءَ قَرِينًا " أَيْ فَبِئْسَ الشَّيْطَانُ قَرِينًا، وَهُوَ نَصْب عَلَى التَّمْيِيز.

### الآية 4:39

> ﻿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا [4:39]

وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا
 أَيْ بِالْأَشْيَاءِ قَبْلَ خَلْقهَا

### الآية 4:40

> ﻿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [4:40]

وَرُوِيَ عَنْ اِبْن مَسْعُود عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :( يُؤْتَى بِالْعَبْدِ يَوْم الْقِيَامَة فَيُوقَف وَيُنَادِي مُنَادٍ عَلَى رُءُوس الْخَلَائِق هَذَا فُلَان بْن فُلَان مَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ فَلْيَأْتِ إِلَى حَقّه ثُمَّ يَقُول آتِ هَؤُلَاءِ حُقُوقهمْ فَيَقُول يَا رَبّ مِنْ أَيْنَ لِي وَقَدْ ذَهَبَتْ الدُّنْيَا عَنِّي فَيَقُول اللَّه تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ اُنْظُرُوا إِلَى أَعْمَاله الصَّالِحَة فَأَعْطُوهُمْ مِنْهَا فَإِنْ بَقِيَ مِثْقَال ذَرَّة مِنْ حَسَنَة قَالَتْ الْمَلَائِكَة يَا رَبّ - وَهُوَ أَعْلَم بِذَلِكَ مِنْهُمْ - قَدْ أَعْطَى لِكُلِّ ذِي حَقّ حَقَّهُ وَبَقِيَ مِثْقَال ذَرَّة مِنْ حَسَنَة فَيَقُول اللَّه تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ ضَعِّفُوهَا لِعَبْدِي وَأَدْخِلُوهُ بِفَضْلِ رَحْمَتِي الْجَنَّة وَمِصْدَاقه " إِنَّ اللَّه لَا يَظْلِم مِثْقَال ذَرَّة وَإِنْ تَكُ حَسَنَة يُضَاعِفْهَا " - وَإِنْ كَانَ عَبْدًا شَقِيًّا قَالَتْ الْمَلَائِكَة إِلَهَنَا فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ وَبَقِيَتْ سَيِّئَاتُهُ وَبَقِيَ طَالِبُونَ كَثِير فَيَقُول تَعَالَى خُذُوا مِنْ سَيِّئَاتهمْ فَأَضِيفُوهَا إِلَى سَيِّئَاته ثُمَّ صُكُّوا لَهُ صَكًّا إِلَى النَّار ).
 فَالْآيَة عَلَى هَذَا التَّأْوِيل فِي الْخُصُوم، وَأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَظْلِم مِثْقَال ذَرَّة لِلْخَصْمِ عَلَى الْخَصْم يَأْخُذُ لَهُ مِنْهُ، وَلَا يَظْلِم مِثْقَال ذَرَّة تَبْقَى لَهُ بَلْ يُثِيبُهُ عَلَيْهَا وَيُضَعِّفهَا لَهُ ; فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى :" وَإِنْ تَكُ حَسَنَة يُضَاعِفْهَا ".
 وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَة قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول :( إِنَّ اللَّه سُبْحَانَهُ يُعْطِي عَبْده الْمُؤْمِن بِالْحَسَنَةِ الْوَاحِدَة أَلْفَيْ أَلْف حَسَنَة ) وَتَلَا " إِنَّ اللَّه لَا يَظْلِم مِثْقَال ذَرَّة وَإِنْ تَكُ حَسَنَة يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْه أَجْرًا عَظِيمًا ".
 قَالَ عَبِيدَة : قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : وَإِذَا قَالَ اللَّه " أَجْرًا عَظِيمًا " فَمَنْ الَّذِي يَقَدِّرُ قَدْرَهُ ! وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود : أَنَّ هَذِهِ الْآيَة إِحْدَى الْآيَات الَّتِي هِيَ خَيْر مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْس.

### الآية 4:41

> ﻿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا [4:41]

وَمَوْضِع " كَيْفَ " نَصْب بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، التَّقْدِير فَكَيْفَ يَكُون حَالهمْ ; كَمَا ذَكَرْنَا.
 وَالْفِعْل الْمُضْمَر قَدْ يَسُدُّ مَسَدَّ " إِذَا "، وَالْعَامِل فِي " إِذَا " " جِئْنَا ".
 و " شَهِيدًا " حَال.
 وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفِقْه جَوَاز قِرَاءَة الطَّالِب عَلَى الشَّيْخ وَالْعَرْض عَلَيْهِ، وَيَجُوز عَكْسه.
 وَسَيَأْتِي بَيَانه فِي حَدِيث أُبَيّ فِي سُورَة " لَمْ يَكُنْ "، إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.
 و " شَهِيدًا " نُصِبَ عَلَى الْحَال.

### الآية 4:42

> ﻿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا [4:42]

وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا
 قَالَ الزَّجَّاج : قَالَ بَعْضهمْ :" وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثًا " مُسْتَأْنَف ; لِأَنَّ مَا عَمِلُوهُ ظَاهِرٌ عِنْد اللَّه لَا يَقْدِرُونَ عَلَى كِتْمَانِهِ.
 وَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ مَعْطُوف، وَالْمَعْنَى يَوَدّ لَوْ أَنَّ الْأَرْض سُوِّيَتْ بِهِمْ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَكْتُمُوا اللَّه حَدِيثًا ; لِأَنَّهُ ظَهَرَ كَذِبُهُمْ.
 وَسُئِلَ اِبْن عَبَّاس عَنْ هَذِهِ الْآيَة، وَعَنْ قَوْله تَعَالَى :" وَاَللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ " فَقَالَ : لَمَّا رَأَوْا أَنَّهُ لَا يَدْخُل الْجَنَّة إِلَّا أَهْل الْإِسْلَام قَالُوا :" وَاَللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ " فَخَتَمَ اللَّه عَلَى أَفْوَاههمْ وَتَكَلَّمَتْ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلُهُمْ فَلَا يَكْتُمُونَ اللَّه حَدِيثًا.
 وَقَالَ الْحَسَن وَقَتَادَة : الْآخِرَة مَوَاطِن يَكُون هَذَا فِي بَعْضهَا وَهَذَا فِي بَعْضهَا.
 وَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ وَحُوسِبُوا لَمْ يَكْتُمُوا.
 وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيد بَيَان فِي " الْأَنْعَام " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.

### الآية 4:43

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا ۚ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا [4:43]

وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا
 أَيْ لَمْ يَزَلْ كَائِنًا يَقْبَل الْعَفْو وَهُوَ السَّهْل، وَيَغْفِر الذَّنْب أَيْ يَسْتُر عُقُوبَتَهُ فَلَا يُعَاقِب.

### الآية 4:44

> ﻿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ [4:44]

وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ
 عَطْف عَلَيْهِ، وَالْمَعْنَى تَضِلُّوا طَرِيق الْحَقّ.
 وَقَرَأَ الْحَسَن :" تُضَلُّوا " بِفَتْحِ الضَّاد أَيْ عَنْ السَّبِيل.

### الآية 4:45

> ﻿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِاللَّهِ نَصِيرًا [4:45]

وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا
 الْبَاء زَائِدَة ; زِيدَتْ لِأَنَّ الْمَعْنَى اِكْتَفُوا بِاَللَّهِ فَهُوَ يَكْفِيكُمْ أَعْدَاءَكُمْ.
 و " وَلِيًّا " و " نَصِيرًا " نَصْب عَلَى الْبَيَان، وَإِنْ شِئْت عَلَى الْحَال.

### الآية 4:46

> ﻿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [4:46]

وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا
 " فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا " أَيْ إِلَّا إِيمَانًا قَلِيلًا لَا يَسْتَحِقُّونَ بِهِ اِسْم الْإِيمَان.
 وَقِيلَ : مَعْنَاهُ لَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ; وَهَذَا بَعِيد لِأَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُ لَعَنَهُمْ بِكُفْرِهِمْ.

### الآية 4:47

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [4:47]

السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ
 أَيْ كَائِنًا مَوْجُودًا.
 وَيُرَاد بِالْأَمْرِ الْمَأْمُور فَهُوَ مَصْدَر وَقَعَ مَوْقِع الْمَفْعُول ; فَالْمَعْنَى أَنَّهُ مَتَى أَرَادَهُ أَوْجَدَهُ.
 وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّ كُلّ أَمْر أَخْبَرَ بِكَوْنِهِ فَهُوَ كَائِن عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ.

### الآية 4:48

> ﻿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا [4:48]

إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا
 رُوِيَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلَا :" إِنَّ اللَّه يَغْفِر الذُّنُوب جَمِيعًا " \[ الزُّمَر : ٥٣ \] فَقَالَ لَهُ رَجُل : يَا رَسُول اللَّه وَالشِّرْك ! فَنَزَلَ " إِنَّ اللَّه لَا يَغْفِر أَنْ يُشْرَك بِهِ وَيَغْفِر مَا دُون ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء ".
 وَهَذَا مِنْ الْمُحْكَم الْمُتَّفَق عَلَيْهِ الَّذِي لَا اِخْتِلَاف فِيهِ بَيْنَ الْأُمَّة.
 " وَيَغْفِر مَا دُون ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء " مِنْ الْمُتَشَابِه الَّذِي قَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاء فِيهِ.
 فَقَالَ مُحَمَّد بْن جَرِير الطَّبَرِيّ : قَدْ أَبَانَتْ هَذِهِ الْآيَة أَنَّ كُلّ صَاحِب كَبِيرَة فَفِي مَشِيئَة اللَّه تَعَالَى إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ ذَنْبه، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ عَلَيْهِ مَا لَمْ تَكُنْ كَبِيرَته شِرْكًا بِاَللَّهِ تَعَالَى.
 وَقَالَ بَعْضهمْ : قَدْ بَيَّنَ اللَّه تَعَالَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ :" إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِر مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتكُمْ " \[ النِّسَاء : ٣١ \] فَاعْلَمْ أَنَّهُ يَشَاء أَنْ يَغْفِر الصَّغَائِر لِمَنْ اِجْتَنَبَ الْكَبَائِر وَلَا يَغْفِرهَا لِمَنْ أَتَى الْكَبَائِر.
 وَذَهَبَ بَعْض أَهْل التَّأْوِيل إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَاسِخَة لِلَّتِي فِي آخِر " الْفُرْقَان ".
 قَالَ زَيْد بْن ثَابِت : نَزَلَتْ سُورَة " النِّسَاء " بَعْد " الْفُرْقَان " بِسِتَّةِ أَشْهُر، وَالصَّحِيح أَنْ لَا نَسْخ ; لِأَنَّ النَّسْخ فِي الْأَخْبَار يَسْتَحِيل.
 وَسَيَأْتِي بَيَان الْجَمْع بَيْنَ الْآي فِي هَذِهِ السُّورَة وَفِي " الْفُرْقَان " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.
 وَفِي التِّرْمِذِيّ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب قَالَ : مَا فِي الْقُرْآن آيَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ هَذِهِ الْآيَة " إِنَّ اللَّه لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَك بِهِ وَيَغْفِر مَا دُون ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء " قَالَ : هَذَا حَدِيث حَسَن غَرِيب.

### الآية 4:49

> ﻿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ۚ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا [4:49]

وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا
 الضَّمِير فِي " يُظْلَمُونَ " عَائِد عَلَى الْمَذْكُورَيْنِ مِمَّنْ زَكَّى نَفْسه وَمِمَّنْ يُزَكِّيه اللَّه عَزَّ وَجَلَّ.
 وَغَيْر هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ عَلِمَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى لَا يَظْلِمُهُ مِنْ غَيْر هَذِهِ الْآيَة.
 وَالْفَتِيل الْخَيْط الَّذِي فِي شِقّ نَوَاة التَّمْرَة ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَعَطَاء وَمُجَاهِد.
 وَقِيلَ : الْقِشْرَة الَّتِي حَوْل النَّوَاة بَيْنهَا وَبَيْنَ الْبُسْرَة.
 وَقَالَ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا وَأَبُو مَالِك وَالسُّدِّيّ : هُوَ مَا يَخْرُج بَيْنَ أُصْبُعَيْك أَوْ كَفَّيْك مِنْ الْوَسَخ إِذَا فَتَلْتهمَا ; فَهُوَ فَعِيلَ بِمَعْنَى مَفْعُول.
 وَهَذَا كُلّه يَرْجِع إِلَى كِنَايَة عَنْ تَحْقِير الشَّيْء وَتَصْغِيره، وَأَنَّ اللَّه لَا يَظْلِمهُ شَيْئًا.
 وَمِثْل هَذَا فِي التَّحْقِير قَوْله تَعَالَى :" وَلَا يَظْلِمُونَ نَقِيرًا " \[ النِّسَاء : ١٢٤ \] وَهُوَ النُّكْتَة الَّتِي فِي ظَهْر النَّوَاة، وَمِنْهُ تَنْبُت النَّخْلَة، وَسَيَأْتِي.
 قَالَ الشَّاعِر يَذُمُّ بَعْض الْمُلُوك :

تَجْمَعُ الْجَيْشَ ذَا الْأُلُوف وَتَغْزُو  ثُمَّ لَا تَرْزَأُ الْعَدُوَّ فَتِيلًا

### الآية 4:50

> ﻿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۖ وَكَفَىٰ بِهِ إِثْمًا مُبِينًا [4:50]

وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا
 نُصِبَ عَلَى الْبَيَان.
 وَالْمَعْنَى تَعْظِيم الذَّنْب وَذَمُّهُ.
 الْعَرَب تَسْتَعْمِل مِثْل ذَلِكَ فِي الْمَدْح وَالذَّمّ.

### الآية 4:51

> ﻿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا [4:51]

وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا
 أَيْ يَقُول الْيَهُود لِكُفَّارِ قُرَيْش أَنْتُمْ أَهْدَى سَبِيلًا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ.
 وَذَلِكَ أَنَّ كَعْب بْن الْأَشْرَف خَرَجَ فِي سَبْعِينَ رَاكِبًا مِنْ الْيَهُود إِلَى مَكَّة بَعْد وَقْعَة أُحُد لِيُحَالِفُوا قُرَيْشًا عَلَى قِتَال رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَزَلَ كَعْب عَلَى أَبِي سُفْيَان فَأَحْسَنَ مَثْوَاهُ، وَنَزَلَتْ الْيَهُود فِي دُور قُرَيْشٍ فَتَعَاقَدُوا وَتَعَاهَدُوا لَيَجْتَمِعُنَّ عَلَى قِتَال مُحَمَّد ; فَقَالَ أَبُو سُفْيَان : إِنَّك اِمْرُؤٌ تَقْرَأ الْكِتَاب وَتَعْلَم، وَنَحْنُ أُمِّيُّونَ لَا نَعْلَم، فَأَيُّنَا أَهْدَى سَبِيلًا وَأَقْرَب إِلَى الْحَقّ.
 نَحْنُ أَمْ مُحَمَّد ؟ فَقَالَ كَعْب : أَنْتُمْ وَاَللَّه أَهْدَى سَبِيلًا مِمَّا عَلَيْهِ مُحَمَّد.

### الآية 4:52

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ۖ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا [4:52]

أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا
 بَيَّنَ أَنَّ السَّبَب فِي نُفُورهمْ عَنْ الْإِيمَان إِنَّمَا هُوَ أَنَّهُمْ لُعِنُوا بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ كُفْرهمْ وَاجْتِرَائِهِمْ ; وَهَذَا هُوَ الْجَزَاء عَلَى الذَّنْب بِأَعْظَم مِنْهُ.
 وَأَصْل اللَّعْن فِي كَلَام الْعَرَب الطَّرْد وَالْإِبْعَاد.
 وَيُقَال لِلذِّئْبِ : لَعِين.
 وَلِلرَّجُلِ الطَّرِيد : لَعِين ; وَقَالَ الشَّمَّاخ :

ذَعَرْت بِهِ الْقَطَا وَنَفَيْت عَنْهُ  مَقَامَ الذِّئْبِ كَالرَّجُلِ اللَّعِينِ وَوَجْه الْكَلَام : مَقَام الذِّئْب اللَّعِين كَالرَّجُلِ ; فَالْمَعْنَى أَبْعَدَهُمْ اللَّه مِنْ رَحْمَته.
 وَقِيلَ : مِنْ تَوْفِيقِهِ وَهِدَايَته.
 وَقِيلَ : مِنْ كُلّ خَيْر ;

### الآية 4:53

> ﻿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا [4:53]

قَالَ النَّحَّاس : وَسَمِعْت عَلِيّ بْن سُلَيْمَان يَقُول : سَمِعْت أَبَا الْعَبَّاس مُحَمَّد بْن يَزِيد يَقُول : أَشْتَهِي أَنْ أَكْوِيَ يَدَ مَنْ يَكْتُب إِذًا بِالْأَلِفِ ; إِنَّهَا مِثْل لَنْ وَإِنْ، وَلَا يَدْخُل التَّنْوِين فِي الْحُرُوف.

### الآية 4:54

> ﻿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا [4:54]

فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا
 ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ آتَى آل إِبْرَاهِيم الْكِتَاب وَالْحِكْمَة وَآتَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا.
 قَالَ هَمَّام بْن الْحَارِث : أُيِّدُوا بِالْمَلَائِكَةِ.
 وَقِيلَ : يَعْنِي مُلْك سُلَيْمَان ; عَنْ اِبْن عَبَّاس.
 وَعَنْهُ أَيْضًا : الْمَعْنَى أَمْ يَحْسُدُونَ مُحَمَّدًا عَلَى مَا أَحَلَّ اللَّه لَهُ مِنْ النِّسَاء فَيَكُون الْمُلْك الْعَظِيم عَلَى هَذَا أَنَّهُ أَحَلَّ لِدَاوُدَ تِسْعًا وَتِسْعِينَ اِمْرَأَة وَلِسُلَيْمَان أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ.
 وَاخْتَارَ الطَّبَرِيّ أَنْ يَكُون الْمُرَاد مَا أُوتِيَهُ سُلَيْمَان مِنْ الْمُلْك وَتَحْلِيل النِّسَاء.
 وَالْمُرَاد تَكْذِيب الْيَهُود وَالرَّدّ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلهمْ : لَوْ كَانَ نَبِيًّا مَا رَغِبَ فِي كَثْرَة النِّسَاء وَلَشَغَلَتْهُ النُّبُوَّة عَنْ ذَلِكَ ; فَأَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى بِمَا كَانَ لِدَاوُدَ وَسُلَيْمَان يُوَبِّخهُمْ، فَأَقَرَّتْ الْيَهُود أَنَّهُ اِجْتَمَعَ عِنْد سُلَيْمَان أَلْف اِمْرَأَة، فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( أَلْف اِمْرَأَة ) ؟ ! قَالُوا : نَعَمْ ثَلَاثُمِائَةِ مَهْرِيَّة، وَسَبْعمِائَةِ سُرِّيَّة، وَعِنْد دَاوُدَ مِائَة اِمْرَأَة.
 فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( أَلْف عِنْد رَجُل وَمِائَة عِنْد رَجُل أَكْثَر أَوْ تِسْع نِسْوَة ) ؟ فَسَكَتُوا.
 وَكَانَ لَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْع نِسْوَة.
 يُقَال : إِنَّ سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ أَكْثَر الْأَنْبِيَاء نِسَاء.
 وَالْفَائِدَة فِي كَثْرَة تَزَوُّجه أَنَّهُ كَانَ لَهُ قُوَّة أَرْبَعِينَ نَبِيًّا، وَكُلّ مَنْ كَانَ أَقْوَى فَهُوَ أَكْثَر نِكَاحًا.
 وَيُقَال : إِنَّهُ أَرَادَ بِالنِّكَاحِ كَثْرَة الْعَشِيرَة ; لِأَنَّ لِكُلِّ اِمْرَأَة قَبِيلَتَيْنِ قَبِيلَة مِنْ جِهَة الْأَب وَقَبِيلَة مِنْ جِهَة الْأُمّ ; فَكُلَّمَا تَزَوَّجَ اِمْرَأَة صَرَفَ وُجُوه الْقَبِيلَتَيْنِ إِلَى نَفْسه فَتَكُون عَوْنًا لَهُ عَلَى أَعْدَائِهِ.
 وَيُقَال : إِنَّ كُلّ مَنْ كَانَ أَتْقَى فَشَهْوَتُهُ أَشَدُّ ; لِأَنَّ الَّذِي لَا يَكُون تَقِيًّا فَإِنَّمَا يَتَفَرَّج بِالنَّظَرِ وَالْمَسّ، أَلَا تَرَى مَا رُوِيَ فِي الْخَبَر :( الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ ).
 فَإِذَا كَانَ فِي النَّظَر وَالْمَسّ نَوْع مِنْ قَضَاء الشَّهْوَة قَلَّ الْجِمَاع، وَالْمُتَّقِي لَا يَنْظُرُ وَلَا يَمَسّ فَتَكُون الشَّهْوَة مُجْتَمِعَة فِي نَفْسه فَيَكُون أَكْثَرَ جِمَاعًا.
 وَقَالَ أَبُو بَكْر الْوَرَّاق : كُلّ شَهْوَة تُقَسِّي الْقَلْب إِلَّا الْجِمَاع فَإِنَّهُ يُصَفِّي الْقَلْب ; وَلِهَذَا كَانَ الْأَنْبِيَاء يَفْعَلُونَ ذَلِكَ.

### الآية 4:55

> ﻿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ ۚ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا [4:55]

وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا
 " وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ " أَعْرَضَ فَلَمْ يُؤْمِن بِهِ.
 وَقِيلَ : الضَّمِير فِي " بِهِ " رَاجِع إِلَى إِبْرَاهِيم.
 وَالْمَعْنَى : فَمِنْ آل إِبْرَاهِيم مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ.
 وَقِيلَ : يَرْجِع إِلَى الْكِتَاب.
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 4:56

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا [4:56]

حَكِيمًا
 فِي إِيعَاده عِبَاده.

### الآية 4:57

> ﻿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ۖ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا [4:57]

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا
 يَعْنِي كَثِيفًا لَا شَمْسَ فِيهِ.
 الْحَسَن : وُصِفَ بِأَنَّهُ ظَلِيل ; لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلهُ مَا يَدْخُل ظِلّ الدُّنْيَا مِنْ الْحَرّ وَالسَّمُوم وَنَحْو ذَلِكَ.
 وَقَالَ الضَّحَّاك : يَعْنِي ظِلَال الْأَشْجَار وَظِلَال قُصُورهَا الْكَلْبِيّ :" ظِلًّا ظَلِيلًا " يَعْنِي دَائِمًا.

### الآية 4:58

> ﻿۞ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [4:58]

إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا
 وَصَفَ اللَّه تَعَالَى نَفْسه بِأَنَّهُ سَمِيع بَصِير يَسْمَع وَيَرَى ; كَمَا قَالَ تَعَالَى :" إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَع وَأَرَى " \[ طَه : ٤٦ \] فَهَذَا طَرِيق السَّمْع.
 وَالْعَقْل يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ ; فَإِنَّ اِنْتِفَاء السَّمْع وَالْبَصَر يَدُلّ عَلَى نَقِيضِيهِمَا مِنْ الْعَمَى وَالصَّمَم، إِذْ الْمَحَلّ الْقَابِل لِلضِّدَّيْنِ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدهمَا، وَهُوَ تَعَالَى مُقَدَّس عَنْ النَّقَائِص وَيَسْتَحِيل صُدُور الْأَفْعَال الْكَامِلَة مِنْ الْمُتَّصِف، بِالنَّقَائِصِ ; كَخَلْقِ السَّمْع وَالْبَصَر مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ سَمْع وَلَا بَصَر.
 وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى تَنْزِيهِهِ تَعَالَى عَنْ النَّقَائِص وَهُوَ أَيْضًا دَلِيل سَمْعِيّ يُكْتَفَى بِهِ مَعَ نَصّ الْقُرْآن فِي مُنَاظَرَة مَنْ تَجْمَعُهُمْ كَلِمَة الْإِسْلَام.
 جَلَّ الرَّبّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَمَّا يَتَوَهَّمُهُ الْمُتَوَهِّمُونَ وَيَخْتَلِقُهُ الْمُفْتَرُونَ الْكَاذِبُونَ " سُبْحَانَ رَبّك رَبّ الْعِزَّة عَمَّا يَصِفُونَ " \[ الصَّافَّات : ١٨٠ \].

### الآية 4:59

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ۖ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [4:59]

خَيْرٌ وَأَحْسَنُ
 أَيْ مَرْجِعًا ; مِنْ آلَ يَئُولُ إِلَى كَذَا أَيْ صَارَ.
 وَقِيلَ : مِنْ أُلْتُ الشَّيْء إِذَا جَمَعْته وَأَصْلَحْته.
 فَالتَّأْوِيل جَمْعُ مَعَانِي أَلْفَاظٍ أَشْكَلَتْ بِلَفْظٍ لَا إِشْكَالَ فِيهِ ; يُقَال : أَوَّلَ اللَّه عَلَيْك أَمْرك أَيْ جَمَعَهُ.
 وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمَعْنَى وَأَحْسَنُ مِنْ تَأْوِيلكُمْ.

### الآية 4:60

> ﻿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا [4:60]

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا
 رَوَى يَزِيد بْن زُرَيْع عَنْ دَاوُدَ بْن أَبِي هِنْد عَنْ الشَّعْبِيّ قَالَ : كَانَ بَيْنَ رَجُل مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَرَجُل مِنْ الْيَهُود خُصُومَة، فَدَعَا الْيَهُودِيُّ الْمُنَافِقَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَقْبَل الرِّشْوَة.
 وَدَعَا الْمُنَافِقُ الْيَهُودِيَّ إِلَى حُكَّامِهِمْ ; لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ الرِّشْوَة فِي أَحْكَامهمْ ; فَلَمَّا اجْتَمَعَا عَلَى أَنْ يُحَكِّمَا كَاهِنًا فِي جُهَيْنَة ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى فِي ذَلِكَ :" أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْك " يَعْنِي الْمُنَافِق.
 " وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِك " يَعْنِي الْيَهُودِيّ.
 " يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوت " إِلَى قَوْله :" وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا " وَقَالَ الضَّحَّاك : دَعَا الْيَهُودِيّ الْمُنَافِق إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَدَعَاهُ الْمُنَافِق إِلَى كَعْب بْن الْأَشْرَف وَهُوَ " الطَّاغُوت " وَرَوَاهُ أَبُو صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانَ بَيْنَ رَجُل مِنْ الْمُنَافِقِينَ يُقَال لَهُ بِشْر وَبَيْنَ يَهُودِيّ خُصُومَة ; فَقَالَ الْيَهُودِيّ : اِنْطَلِقْ بِنَا إِلَى مُحَمَّد، وَقَالَ الْمُنَافِق : بَلْ إِلَى كَعْب بْن الْأَشْرَف وَهُوَ الَّذِي سَمَّاهُ اللَّه " الطَّاغُوت " أَيْ ذُو الطُّغْيَان فَأَبَى الْيَهُودِيّ أَنْ يُخَاصِمَهُ إِلَّا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْمُنَافِق أَتَى مَعَهُ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَضَى لِلْيَهُودِيِّ.
 فَلَمَّا خَرَجَا قَالَ الْمُنَافِق : لَا أَرْضَى، اِنْطَلِقْ بِنَا إِلَى أَبِي بَكْر ; فَحَكَمَ لِلْيَهُودِيِّ فَلَمْ يَرْضَ ذَكَرَهُ الزَّجَّاج وَقَالَ : اِنْطَلِقْ بِنَا إِلَى عُمَر فَأَقْبَلَا عَلَى عُمَر فَقَالَ الْيَهُودِيّ : إِنَّا صِرْنَا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ إِلَى أَبِي بَكْر فَلَمْ يَرْضَ ; فَقَالَ عُمَر لِلْمُنَافِقِ : أَكَذَلِكَ هُوَ ؟ قَالَ : نَعَمْ.
 قَالَ : رُوَيْدَكُمَا حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْكُمَا.
 فَدَخَلَ وَأَخَذَ السَّيْف ثُمَّ ضَرَبَ بِهِ الْمُنَافِق حَتَّى بَرَدَ، وَقَالَ : هَكَذَا أَقْضِي عَلَى مَنْ لَمْ يَرْضَ بِقَضَاءِ اللَّه وَقَضَاء رَسُوله ; وَهَرَبَ الْيَهُودِيّ، وَنَزَلَتْ الْآيَة، وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( أَنْتَ الْفَارُوق ).
 وَنَزَلَ جِبْرِيل وَقَالَ : إِنَّ عُمَر فَرَقَ بَيْنَ الْحَقّ وَالْبَاطِل ; فَسُمِّيَ الْفَارُوق.
 وَفِي ذَلِكَ نَزَلَتْ الْآيَات كُلّهَا إِلَى قَوْله :" وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا " \[ النِّسَاء : ٦٥ \] وَانْتَصَبَ :" ضَلَالًا " عَلَى الْمَعْنَى، أَيْ فَيَضِلُّونَ ضَلَالًا ; وَمِثْله قَوْله تَعَالَى :" وَاَللَّه أَنْبَتَكُمْ مِنْ الْأَرْض نَبَاتًا " \[ نُوح : ١٧ \].
 وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى مُسْتَوْفًى.

### الآية 4:61

> ﻿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا [4:61]

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا
 " صُدُودًا " اِسْم لِلْمَصْدَرِ عِنْد الْخَلِيل، وَالْمَصْدَر الصَّدّ.
 وَالْكُوفِيُّونَ يَقُولُونَ : هُمَا مَصْدَرَانِ.

### الآية 4:62

> ﻿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا [4:62]

فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا
 أَيْ " فَكَيْفَ " يَكُون حَالهمْ، أَوْ " فَكَيْفَ " يَصْنَعُونَ " إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَة " أَيْ مِنْ تَرْك الِاسْتِعَانَة بِهِمْ، وَمَا يَلْحَقهُمْ مِنْ الذُّلّ فِي قَوْله :" فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا " \[ التَّوْبَة : ٨٣ \].
 وَقِيلَ : يُرِيد قَتْل صَاحِبِهِمْ " بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ " وَتَمَّ الْكَلَام.
 ثُمَّ اِبْتَدَأَ يُخْبِر عَنْ فِعْلهمْ ; وَذَلِكَ أَنَّ عُمَر لَمَّا قَتَلَ صَاحِبهمْ جَاءَ قَوْمه يَطْلُبُونَ دِيَته وَيَحْلِفُونَ مَا نُرِيد بِطَلَبِ دِيَته إِلَّا الْإِحْسَان وَمُوَافَقَة الْحَقّ.
 وَقِيلَ : الْمَعْنَى مَا أَرَدْنَا بِالْعُدُولِ عَنْك فِي الْمُحَاكَمَة إِلَّا التَّوْفِيق بَيْنَ الْخُصُوم، وَالْإِحْسَان بِالتَّقْرِيبِ فِي الْحُكْم.
 اِبْن كَيْسَان : عَدْلًا وَحَقًّا ; نَظِيرهَا " وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى " \[ التَّوْبَة : ١٠٧ \].

### الآية 4:63

> ﻿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا [4:63]

وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا
 أَيْ اُزْجُرْهُمْ بِأَبْلَغ الزَّجْر فِي السِّرّ وَالْخَلَاء.
 الْحَسَن : قُلْ لَهُمْ إِنْ أَظْهَرْتُمْ مَا فِي قُلُوبكُمْ قَتَلْتُكُمْ.
 وَقَدْ بَلُغَ الْقَوْلُ بَلَاغَة ; وَرَجُلٌ بَلِيغ يَبْلُغ بِلِسَانِهِ كُنْهَ مَا فِي قَلْبه.
 وَالْعَرَب تَقُول : أَحْمَقُ بَلْغٌ وَبِلْغٌ، أَيْ نِهَايَة فِي الْحَمَاقَة.
 وَقِيلَ : مَعْنَاهُ يَبْلُغ مَا يُرِيد وَإِنْ كَانَ أَحْمَق.
 وَيُقَال : إِنَّ قَوْله تَعَالَى :" فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَة بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهمْ " نَزَلَ فِي شَأْن الَّذِينَ بَنَوْا مَسْجِد الضِّرَار ; فَلَمَّا أَظْهَرَ اللَّه نِفَاقهمْ، وَأَمَرَهُمْ بِهَدْمِ الْمَسْجِد حَلَفُوا لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِفَاعًا عَنْ أَنْفُسهمْ : مَا أَرَدْنَا بِبِنَاءِ الْمَسْجِد إِلَّا طَاعَة اللَّه وَمُوَافَقَة الْكِتَاب.

### الآية 4:64

> ﻿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا [4:64]

لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا
 أَيْ قَابِلًا لِتَوْبَتِهِمْ، وَهُمَا مَفْعُولَانِ لَا غَيْر.

### الآية 4:65

> ﻿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [4:65]

وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا
 أَيْ يَنْقَادُوا لِأَمْرِك فِي الْقَضَاء.
 وَقَالَ الزَّجَّاج :" تَسْلِيمًا " مَصْدَر مُؤَكَّد ; فَإِذَا قُلْت : ضَرَبْت ضَرْبًا فَكَأَنَّك قُلْت لَا أَشُكّ فِيهِ ; وَكَذَلِكَ " وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا " أَيْ وَيُسَلِّمُوا لِحُكْمِك تَسْلِيمًا لَا يُدْخِلُونَ عَلَى أَنْفُسهمْ شَكًّا.

### الآية 4:66

> ﻿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ۖ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا [4:66]

وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا
 أَيْ عَلَى الْحَقّ.

### الآية 4:67

> ﻿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا [4:67]

وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا
 أَيْ ثَوَابًا فِي الْآخِرَة.
 وَقِيلَ : اللَّام لَام الْجَوَاب، وَ " إِذًا " دَالَّة عَلَى الْجَزَاء، وَالْمَعْنَى لَوْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَآتَيْنَاهُمْ.

### الآية 4:68

> ﻿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [4:68]

وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا
 أَصْل الصِّرَاط فِي كَلَام الْعَرَب الطَّرِيق ; قَالَ عَامِر بْن الطُّفَيْل :

شَحَنَّا أَرْضَهُمْ بِالْخَيْلِ حَتَّى  تَرَكْنَاهُمْ أَذَلَّ مِنْ الصِّرَاطِ **وَقَالَ جَرِير :**أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى صِرَاطٍ  إِذَا اِعْوَجَّ الْمَوَارِدُ مُسْتَقِيمُ **وَقَالَ آخَر :**
 فَصَدَّ عَنْ نَهْجِ الصِّرَاطِ الْوَاضِحِ
 حَكَى النَّقَّاش : الصِّرَاط الطَّرِيق بِلُغَةِ الرُّوم ; فَقَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا.
 وَقُرِئَ : السِّرَاط ( بِالسِّينِ ) مِنْ الِاسْتِرَاط بِمَعْنَى الِابْتِلَاع ; كَأَنَّ الطَّرِيق يَسْتَرِط مَنْ يَسْلُكُهُ.
 وَقُرِئَ بَيْنَ الزَّاي وَالصَّاد.
 وَقُرِئَ بِزَايٍ خَالِصَة وَالسِّين الْأَصْل.
 وَحَكَى سَلَمَة عَنْ الْفَرَّاء قَالَ : الزِّرَاط بِإِخْلَاصِ الزَّاي لُغَة لِعُذْرَة وَكَلْبٍ وَبَنِي الْقَيْن، قَالَ : وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ \[ فِي أَصْدَق \] : أَزْدَق.
 وَقَدْ قَالُوا الْأَزَد وَالْأَسَد وَلَسِقَ بِهِ وَلَصِقَ بِهِ.
 و " الصِّرَاط " نُصِبَ عَلَى الْمَفْعُول الثَّانِي ; لِأَنَّ الْفِعْل مِنْ الْهِدَايَة يَتَعَدَّى إِلَى الْمَفْعُول الثَّانِي بِحَرْفِ جَرّ ; قَالَ اللَّه تَعَالَى :" فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاط الْجَحِيم ".
 \[ الصَّافَّات : ٢٣ \].
 وَبِغَيْرِ حَرْف كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَة.
 " الْمُسْتَقِيم " صِفَة لِ " الصِّرَاط " وَهُوَ الَّذِي لَا اِعْوِجَاجَ فِيهِ وَلَا اِنْحِرَافَ ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى :" وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ " \[ الْأَنْعَام : ١٥٣ \] وَأَصْله مُسْتَقْوِم، نُقِلَتْ الْحَرَكَة إِلَى الْقَاف وَانْقَلَبَتْ الْوَاو يَاء لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا.

### الآية 4:69

> ﻿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا [4:69]

وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا
 صَالِحِي أُمَّة مُحَمَّد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 قُلْت : وَاللَّفْظ يَعُمّ كُلّ صَالِح وَشَهِيد، وَاَللَّه أَعْلَم.
 وَالرِّفْق لِين الْجَانِب.
 وَسُمِّيَ الصَّاحِب رَفِيقًا لِارْتِفَاقِك بِصُحْبَتِهِ ; وَمِنْهُ الرُّفْقَة لِارْتِفَاقِ بَعْضهمْ بِبَعْضٍ.
 وَيَجُوز " وَحَسُنَ أُولَئِكَ رُفَقَاءَ ".
 قَالَ الْأَخْفَش :" رَفِيقًا " مَنْصُوب عَلَى الْحَال وَهُوَ بِمَعْنَى رُفَقَاء ; وَقَالَ : اِنْتَصَبَ عَلَى التَّمْيِيز فَوَحَّدَ لِذَلِكَ ; فَكَأَنَّ الْمَعْنَى وَحَسُنَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ رَفِيقًا.
 كَمَا قَالَ تَعَالَى :" ثُمَّ نُخْرِجكُمْ طِفْلًا " \[ الْحَجّ : ٥ \] أَيْ نُخْرِج كُلّ وَاحِد مِنْكُمْ طِفْلًا.
 وَقَالَ تَعَالَى :" يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْف خَفِيّ " \[ الشُّورَى : ٤٥ \] وَيُنْظَر مَعْنَى هَذِهِ الْآيَة قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( خَيْر الرُّفَقَاء أَرْبَعَة ) وَلَمْ يَذْكُر اللَّه تَعَالَى هُنَا إِلَّا أَرْبَعَة فَتَأَمَّلْهُ.
 فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى خِلَافَة أَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ; وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ مَرَاتِب أَوْلِيَائِهِ فِي كِتَابه بَدَأَ بِالْأَعْلَى مِنْهُمْ وَهُمْ النَّبِيُّونَ، ثُمَّ ثَنَّى بِالصِّدِّيقِينَ وَلَمْ يَجْعَل بَيْنهمَا وَاسِطَة.
 وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَسْمِيَة أَبِي بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ صِدِّيقًا، كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى تَسْمِيَة مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَام رَسُولًا، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا وَصَحَّ أَنَّهُ الصِّدِّيق وَأَنَّهُ ثَانِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَقَدَّم بَعْدَهُ أَحَد.
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 4:70

> ﻿ذَٰلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ عَلِيمًا [4:70]

ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا
 أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ لَمْ يَنَالُوا الدَّرَجَة.
 بِطَاعَتِهِمْ بَلْ نَالُوهَا بِفَضْلِ اللَّه تَعَالَى وَكَرَمِهِ.
 خِلَافًا لِمَا قَالَتْ الْمُعْتَزِلَة : إِنَّمَا يَنَال الْعَبْد ذَلِكَ بِفِعْلِهِ.
 فَلَمَّا اِمْتَنَّ اللَّه سُبْحَانَهُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ بِمَا آتَاهُمْ مِنْ فَضْله، وَكَانَ لَا يَجُوز لِأَحَدٍ أَنْ يُثْنِيَ عَلَى نَفْسه بِمَا لَمْ يَفْعَلهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى بُطْلَان قَوْلهمْ.
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 4:71

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا [4:71]

ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا
 مَعْنَاهُ الْجَيْش الْكَثِيف مَعَ الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره.
 وَلَا تُخْرَج السَّرَايَا إِلَّا بِإِذْنِ الْإِمَام لِيَكُونَ مُتَجَسِّسًا لَهُمْ، عَضُدًا مِنْ وَرَائِهِمْ، وَرُبَّمَا اِحْتَاجُوا إِلَى دَرْئِهِ.
 وَسَيَأْتِي حُكْم السَّرَايَا وَغَنَائِمهمْ وَأَحْكَام الْجُيُوش وَوُجُوب النَّفِير فِي " الْأَنْفَال " و " بَرَاءَة " \[ التَّوْبَة \] إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.
 : ذَكَرَ اِبْن خُوَيْزِ مَنْدَادٍ : وَقِيلَ إِنَّ هَذِهِ الْآيَة مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى :" اِنْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا " وَبِقَوْلِهِ :" إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ " \[ التَّوْبَة : ٣٩ \] ; وَلَأَنْ يَكُون " اِنْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا " \[ التَّوْبَة : ٤١ \] مَنْسُوخًا بِقَوْلِهِ :" فَانْفِرُوا ثُبَات أَوْ اِنْفِرُوا جَمِيعًا " وَبِقَوْلِهِ :" وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّة " \[ التَّوْبَة : ١٢٢ \] أَوْلَى ; لِأَنَّ فَرْض الْجِهَاد تَقَرَّرَ عَلَى الْكِفَايَة، فَمَتَى سَدَّ الثُّغُورَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أُسْقِطَ الْفَرْض عَنْ الْبَاقِينَ.
 وَالصَّحِيح أَنَّ الْآيَتَيْنِ جَمِيعًا مُحْكَمَتَانِ، إِحْدَاهُمَا فِي الْوَقْت الَّذِي يُحْتَاج فِيهِ إِلَى تَعَيُّن الْجَمِيع، وَالْأُخْرَى عِنْد الِاكْتِفَاء بِطَائِفَةٍ دُون غَيْرهَا.

### الآية 4:72

> ﻿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا [4:72]

قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا
 يَعْنِي بِالْقُعُودِ، وَهَذَا لَا يَصْدُر إِلَّا مِنْ مُنَافِق ; لَا سِيَّمَا فِي ذَلِكَ الزَّمَان الْكَرِيم، بَعِيد أَنْ يَقُولَهُ مُؤْمِن.
 وَيَنْظُر إِلَى هَذِهِ الْآيَة مَا رَوَاهُ الْأَئِمَّة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِخْبَارًا عَنْ الْمُنَافِقِينَ ( إِنَّ أَثْقَل صَلَاة عَلَيْهِمْ صَلَاة الْعِشَاء وَصَلَاة الْفَجْر وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ) الْحَدِيث.
 فِي رِوَايَة ( وَلَوْ عَلِمَ أَحَدهمْ أَنَّهُ يَجِد عَظْمًا سَمِينًا لَشَهِدَهَا ) يَعْنِي صَلَاة الْعِشَاء.
 يَقُول : لَوْ لَاحَ شَيْء مِنْ الدُّنْيَا يَأْخُذُونَهُ وَكَانُوا عَلَى يَقِين مِنْهُ لَبَادَرُوا إِلَيْهِ.

### الآية 4:73

> ﻿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا [4:73]

مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا
 جَوَاب التَّمَنِّي وَلِذَلِكَ نُصِبَ.
 وَقَرَأَ الْحَسَن " فَأَفُوزُ " بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ تَمَنَّى الْفَوْز، فَكَأَنَّهُ قَالَ : يَا لَيْتَنِي أَفُوز فَوْزًا عَظِيمًا.
 وَالنَّصْب عَلَى الْجَوَاب ; وَالْمَعْنَى إِنْ أَكُنْ مَعَهُمْ أَفُزْ.
 وَالنَّصْب فِيهِ بِإِضْمَارِ " أَنْ " لِأَنَّهُ مَحْمُول عَلَى تَأْوِيل الْمَصْدَر ; التَّقْدِير يَا لَيْتَنِي كَانَ لِي حُضُور فَفَوْز.

### الآية 4:74

> ﻿۞ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۚ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [4:74]

وَحُمَيْد بْن هَانِئ مِصْرِيٌّ سَمِعَ أَبَا عَبْد الرَّحْمَن الْحُبُلِيّ وَعَمْرو بْن مَالِك، وَرَوَى عَنْهُ حَيْوَة بْن شُرَيْح وَابْن وَهْب ; فَالْحَدِيث الْأَوَّل مَحْمُول عَلَى مُجَرَّد النِّيَّة وَالْإِخْلَاص فِي الْجِهَاد ; فَذَلِكَ الَّذِي ضَمِنَ اللَّه لَهُ إِمَّا الشَّهَادَة، وَإِمَّا رَدُّهُ إِلَى أَهْله مَأْجُورًا غَانِمًا، وَيُحْمَل الثَّانِي عَلَى مَا إِذَا نَوَى الْجِهَاد وَلَكِنْ مَعَ نَيْل الْمَغْنَم، فَلَمَّا اِنْقَسَمَتْ نِيَّته اِنْحَطَّ أَجْره ; فَقَدْ دَلَّتْ السُّنَّة عَلَى أَنَّ لِلْغَانِمِ أَجْرًا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَاب فَلَا تَعَارُض.
 ثُمَّ قِيلَ : إِنْ نَقَصَ أَجْر الْغَانِم عَلَى مَنْ يَغْنَم إِنَّمَا هُوَ بِمَا فَتَحَ اللَّه عَلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا فَتَمَتَّعَ بِهِ وَأَزَالَ عَنْ نَفْسه شَظَفَ عَيْشه ; وَمَنْ أَخْفَقَ فَلَمْ يُصِبْ شَيْئًا بَقِيَ عَلَى شَظَفِ عَيْشه وَالصَّبْر عَلَى حَالَته، فَبَقِيَ أَجْره مُوَفَّرًا بِخِلَافِ الْأَوَّل.
 وَمِثْله قَوْله فِي الْحَدِيث الْآخَر :( فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُل مِنْ أَجْره شَيْئًا - مِنْهُمْ مُصْعَب بْن عُمَيْر - وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدُبُهَا ).

### الآية 4:75

> ﻿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا [4:75]

وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا
 أَيْ يَنْصُرنَا عَلَيْهِمْ.

### الآية 4:76

> ﻿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا [4:76]

وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا
 قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَالْكِسَائِيّ : الطَّاغُوت يُذَكَّر وَيُؤَنَّث.
 قَالَ أَبُو عُبَيْد : وَإِنَّمَا ذُكِّرَ وَأُنِّثَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ الْكَاهِن وَالْكَاهِنَة طَاغُوتًا.
 قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاج عَنْ اِبْن جُرَيْج قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْر أَنَّهُ سَمِعَ جَابِر بْن عَبْد اللَّه وَسُئِلَ عَنْ الطَّاغُوت الَّتِي كَانُوا يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهَا فَقَالَ : كَانَتْ فِي جُهَيْنَة وَاحِدَة وَفِي أَسْلَمَ وَاحِدَة، وَفِي كُلّ حَيّ وَاحِدَة.
 قَالَ أَبُو إِسْحَاق : الدَّلِيل عَلَى أَنَّهُ الشَّيْطَان قَوْله عَزَّ وَجَلَّ :" فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاء الشَّيْطَان إِنَّ كَيْد الشَّيْطَان كَانَ ضَعِيفًا " أَيْ مَكْرَهُ وَمَكْرَ مَنْ اِتَّبَعَهُ.
 وَيُقَال : أَرَادَ بِهِ يَوْم بَدْر حِينَ قَالَ لِلْمُشْرِكِينَ " لَا غَالِب لَكُمْ الْيَوْم مِنْ النَّاس وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتْ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيء مِنْكُمْ " \[ الْأَنْفَال : ٤٨ \] عَلَى مَا يَأْتِي.

### الآية 4:77

> ﻿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ۚ وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ۗ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا [4:77]

قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا
 قَوْله تَعَالَى :" قُلْ مَتَاع الدُّنْيَا قَلِيل " اِبْتِدَاء وَخَبَر.
 وَكَذَا " وَالْآخِرَة خَيْر لِمَنْ اِتَّقَى " أَيْ الْمَعَاصِي ; وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِي هَذَا فِي " الْبَقَرَة " وَمَتَاع الدُّنْيَا مَنْفَعَتهَا وَالِاسْتِمْتَاع بِلَذَّاتِهَا وَسَمَّاهُ قَلِيلًا لِأَنَّهُ لَا بَقَاء لَهُ.
 وَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَثَلِي وَمَثَل الدُّنْيَا كَرَاكِبٍ قَالَ قَيْلُولَةً تَحْت شَجَرَة ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا ) وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي " الْبَقَرَة " مُسْتَوْفًى.

### الآية 4:78

> ﻿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ۗ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۖ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِنْدِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا [4:78]

لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا
 أَيْ مَا شَأْنُهُمْ لَا يَفْقَهُونَ أَنَّ كُلًّا مِنْ عِنْد اللَّه.

### الآية 4:79

> ﻿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا [4:79]

وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا
 نَصْب عَلَى الْبَيَان وَالْبَاء زَائِدَة، أَيْ كَفَى اللَّه شَهِيدًا عَلَى صِدْق رِسَالَة نَبِيّه وَأَنَّهُ صَادِق.

### الآية 4:80

> ﻿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَنْ تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا [4:80]

فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا
 أَيْ حَافِظًا وَرَقِيبًا لِأَعْمَالِهِمْ، إِنَّمَا عَلَيْك الْبَلَاغ.
 وَقَالَ الْقُتَبِيّ : مُحَاسِبًا ; فَنَسَخَ اللَّه هَذَا بِآيَةِ السَّيْف وَأَمَرَهُ بِقِتَالِ مَنْ خَالَفَ اللَّه وَرَسُوله.

### الآية 4:81

> ﻿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ۖ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ۖ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا [4:81]

وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا
 ثُمَّ أَمَرَهُ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَالثِّقَة بِهِ فِي النَّصْر عَلَى عَدُوّهُ.
 وَيُقَال : إِنَّ هَذَا مَنْسُوخ بِقَوْلِهِ تَعَالَى :" يَا أَيّهَا النَّبِيّ جَاهَدَ الْكُفَّار وَالْمُنَافِقِينَ " \[ التَّوْبَة : ٧٣ \]

### الآية 4:82

> ﻿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [4:82]

وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا
 أَيْ تَفَاوُتًا وَتَنَاقُضًا ; عَنْ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة وَابْن زَيْد.
 وَلَا يَدْخُل فِي هَذَا اِخْتِلَاف أَلْفَاظ الْقِرَاءَات وَأَلْفَاظ الْأَمْثَال وَالدَّلَالَات وَمَقَادِير السُّوَر وَالْآيَات.
 وَإِنَّمَا أَرَادَ اِخْتِلَاف التَّنَاقُض وَالتَّفَاوُت.
 وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَوْ كَانَ مَا تُخْبِرُونَ بِهِ مِنْ عِنْد غَيْر اللَّه لَاخْتَلَفَ.
 وَقِيلَ : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ مُتَكَلِّم يَتَكَلَّم كَلَامًا كَثِيرًا إِلَّا وُجِدَ فِي كَلَامه اِخْتِلَاف كَثِير، إِمَّا فِي الْوَصْف وَاللَّفْظ ; وَإِمَّا فِي جَوْدَة الْمَعْنَى، وَإِمَّا فِي التَّنَاقُض، وَإِمَّا فِي الْكَذِب.
 فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الْقُرْآن وَأَمَرَهُمْ بِتَدَبُّرِهِ ; لِأَنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ فِيهِ اِخْتِلَافًا فِي وَصْف وَلَا رَدًّا لَهُ فِي مَعْنًى، وَلَا تَنَاقُضًا وَلَا كَذِبًا فِيمَا يُخْبِرُونَ بِهِ مِنْ الْغُيُوب وَمَا يُسِرُّونَ.

### الآية 4:83

> ﻿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا [4:83]

لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا
 فِي هَذِهِ الْآيَة ثَلَاثَة أَقْوَال ; قَالَ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره : الْمَعْنَى أَذَاعُوا بِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ لَمْ يَذِعْ وَلَمْ يُفْشِ.
 وَقَالَهُ جَمَاعَة مِنْ النَّحْوِيِّينَ : الْكِسَائِيّ وَالْأَخْفَش وَأَبُو عُبَيْد وَأَبُو حَاتِم وَالطَّبَرِيّ.
 وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ; عَنْ الْحَسَن وَغَيْره، وَاخْتَارَهُ الزَّجَّاج قَالَ : لِأَنَّ هَذَا الِاسْتِنْبَاط الْأَكْثَر يَعْرِفهُ ; لِأَنَّهُ اِسْتِعْلَام خَبَر.
 وَاخْتَارَ الْأَوَّل الْفَرَّاء قَالَ : لِأَنَّ عِلْم السَّرَايَا إِذَا ظَهَرَ عَلِمَهُ الْمُسْتَنْبِط وَغَيْره، وَالْإِذَاعَة تَكُون فِي بَعْض دُون بَعْض.
 قَالَ الْكَلْبِيّ عَنْهُ : فَلِذَلِكَ اُسْتُحْسِنَتْ الِاسْتِثْنَاء مِنْ الْإِذَاعَة.
 قَالَ النَّحَّاس : فَهَذَانِ قَوْلَانِ عَلَى الْمَجَاز، يُرِيد أَنَّ فِي الْكَلَام تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا.
 وَقَوْل ثَالِث بِغَيْرِ مَجَاز : يَكُون الْمَعْنَى وَلَوْلَا فَضْل اللَّه عَلَيْكُمْ وَرَحْمَته بِأَنْ بَعَثَ فِيكُمْ رَسُولًا أَقَامَ فِيكُمْ الْحُجَّة لَكَفَرْتُمْ وَأَشْرَكْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ فَإِنَّهُ كَانَ يُوَحِّد.
 وَفِيهِ قَوْل رَابِع - قَالَ الضَّحَّاك : الْمَعْنَى لَاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَان إِلَّا قَلِيلًا، أَيْ إِنَّ أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَمْرٍ مِنْ الشَّيْطَان إِلَّا قَلِيلًا، يَعْنِي الَّذِينَ اِمْتَحَنَ اللَّه قُلُوبهمْ لِلتَّقْوَى.
 وَعَلَى هَذَا الْقَوْل يَكُون قَوْله " إِلَّا قَلِيلًا " مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْله " لَاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَان ".
 قَالَ الْمَهْدَوِيّ : وَأَنْكَرَ هَذَا الْقَوْلَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاء، إِذْ لَوْلَا فَضْل اللَّه وَرَحْمَته لَاتَّبَعَ النَّاس كُلّهمْ الشَّيْطَان.

### الآية 4:84

> ﻿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ۚ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا [4:84]

وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا
 أَيْ عُقُوبَة ; عَنْ الْحَسَن وَغَيْره.
 قَالَ اِبْن دُرَيْد : رَمَاهُ اللَّه بِنُكْلَةٍ، أَيْ رَمَاهُ بِمَا يُنَكِّلُهُ.
 قَالَ : وَنَكَّلْت بِالرَّجُلِ تَنْكِيلًا مِنْ النَّكَال.
 وَالْمَنْكَل الشَّيْء الَّذِي يُنَكِّل بِالْإِنْسَانِ.
 **قَالَ :**
 وَارْمِ عَلَى أَقْفَائِهِمْ بِمَنْكَلِ

### الآية 4:85

> ﻿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا ۖ وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا [4:85]

وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا
 " مُقِيتًا " مَعْنَاهُ مُقْتَدِرًا ; وَمِنْهُ قَوْل الزُّبَيْر بْن عَبْد الْمُطَّلِب :

وَذِي ضِغْنٍ كَفَفْت النَّفْسَ عَنْهُ  وَكُنْت عَلَى مَسَاءَتِهِ مُقِيتًا أَيْ قَدِيرًا.
 فَالْمَعْنَى إِنَّ اللَّه تَعَالَى يُعْطِي كُلّ إِنْسَان قُوَّته ; وَمِنْهُ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام :( كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّع مَنْ يُقِيت ).
 عَلَى مَنْ رَوَاهُ هَكَذَا، أَيْ مَنْ هُوَ تَحْت قُدْرَته وَفِي قَبْضَتِهِ مِنْ عِيَال وَغَيْره ; ذَكَرَهُ اِبْن عَطِيَّة.
 يَقُول مِنْهُ : قُتّه أَقُوتُهُ قَوْتًا، وَأَقَتّه أُقِيتُهُ إِقَاتَةً فَأَنَا قَائِت وَمُقِيت.
 وَحَكَى الْكِسَائِيّ : أَقَاتَ يُقِيت.
 **وَأَمَّا قَوْل الشَّاعِر :**
 إِنِّي عَلَى الْحِسَاب مُقِيت
 فَقَالَ فِيهِ الطَّبَرِيّ : إِنَّهُ مِنْ غَيْر هَذَا الْمَعْنَى الْمُتَقَدِّم، وَإِنَّهُ بِمَعْنَى الْمَوْقُوف.
 وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : الْمُقِيت الْحَافِظ.
 وَقَالَ الْكِسَائِيّ : الْمُقِيت الْمُقْتَدِر.
 وَقَالَ النَّحَّاس : وَقَوْل أَبِي عُبَيْدَة أَوْلَى لِأَنَّهُ مُشْتَقّ مِنْ الْقَوْت، وَالْقُوت مَعْنَاهُ مِقْدَار مَا يَحْفَظ الْإِنْسَان.
 وَقَالَ الْفَرَّاء : الْمُقِيت الَّذِي يُعْطِي كُلّ رَجُل قُوته.
 وَجَاءَ فِي الْحَدِيث :( كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوت ) و " يُقِيت " ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيّ : وَحَكَى اِبْن فَارِس فِي الْمُجْمَل : الْمُقِيت الْمُقْتَدِر، وَالْمُقِيت الْحَافِظ وَالشَّاهِد، وَمَا عِنْده قِيت لَيْلَة وَقُوت لَيْلَة.
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 4:86

> ﻿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا [4:86]

إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا
 مَعْنَاهُ حَفِيظًا.
 وَقِيلَ : كَافِيًا ; مِنْ قَوْلهمْ : أَحْسَبَنِي كَذَا أَيْ كَفَانِي، وَمِثْله حَسْبُك اللَّه.
 وَقَالَ قَتَادَة : مُحَاسِبًا كَمَا يُقَال : أَكِيل بِمَعْنَى مُوَاكِل.
 وَقِيلَ : هُوَ فَعِيل مِنْ الْحِسَاب، وَحَسُنَتْ هَذِهِ الصِّفَة هُنَا ; لِأَنَّ مَعْنَى الْآيَة فِي أَنْ يَزِيد الْإِنْسَان أَوْ يَنْقُص أَوْ يُوَفِّي قَدْرَ مَا يَجِيء بِهِ.
 رَوَى النَّسَائِيّ عَنْ عِمْرَان بْن حُصَيْن قَالَ : كُنَّا عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ رَجُل فَسَلَّمَ، فَقَالَ : السَّلَام عَلَيْكُمْ فَرَدَّ عَلَيْهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ :( عَشْر ) ثُمَّ جَلَسَ، ثُمَّ جَاءَ آخَر فَسَلَّمَ فَقَالَ : السَّلَام عَلَيْكُمْ وَرَحْمَة اللَّه ; فَرَدَّ عَلَيْهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ :( عِشْرُونَ ) ثُمَّ جَلَسَ وَجَاءَ آخَر فَقَالَ : السَّلَام عَلَيْكُمْ وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته ; فَرَدَّ عَلَيْهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ :( ثَلَاثُونَ ).
 وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْخَبَر مُفَسَّرًا وَهُوَ أَنَّ مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ الْمُسْلِم : سَلَام عَلَيْكُمْ كُتِبَ لَهُ عَشْر حَسَنَات، فَإِنْ قَالَ : السَّلَام عَلَيْكُمْ وَرَحْمَة اللَّه كُتِبَ لَهُ عِشْرُونَ حَسَنَة.
 فَإِنْ قَالَ : السَّلَام عَلَيْكُمْ وَرَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته كُتِبَ لَهُ ثَلَاثُونَ حَسَنَة، وَكَذَلِكَ لِمَنْ رَدَّ مِنْ الْأَجْر.
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 4:87

> ﻿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۗ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا [4:87]

وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا
 نَصْب عَلَى الْبَيَان، وَالْمَعْنَى لَا أَحَد أَصْدَق مِنْ اللَّه.
 وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ " وَمَنْ أَزْدَق " بِالزَّايِ.
 الْبَاقُونَ : بِالصَّادِ، وَأَصْله الصَّاد إِلَّا أَنَّ لِقُرْبِ مَخْرَجهَا جُعِلَ مَكَانَهَا زَاي.

### الآية 4:88

> ﻿۞ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا ۚ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ۖ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [4:88]

وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا
 أَيْ طَرِيقًا إِلَى الْهُدَى وَالرُّشْد وَطَلَب الْحُجَّة.
 وَفِي هَذَا رَدّ عَلَى الْقَدَرِيَّة وَغَيْرهمْ الْقَائِلِينَ بِخَلْقِ هُدَاهُمْ وَقَدْ تَقَدَّمَ.

### الآية 4:89

> ﻿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [4:89]

حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا
 عَامّ فِي الْأَمَاكِن مِنْ حِلّ وَحَرَم.
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 4:90

> ﻿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا [4:90]

وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا
 تَسْلِيط اللَّه تَعَالَى الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ هُوَ بِأَنْ يُقْدِرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَيُقَوِّيهِمْ إِمَّا عُقُوبَة وَنِقْمَة عِنْد إِذَاعَة الْمُنْكَر وَظُهُور الْمَعَاصِي، وَإِمَّا اِبْتِلَاء وَاخْتِبَارًا كَمَا قَالَ تَعَالَى :" وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَم الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ " \[ مُحَمَّد : ٣١ \]، وَإِمَّا تَمْحِيصًا لِلذُّنُوبِ كَمَا قَالَ تَعَالَى :" وَلِيُمَحَّصَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا " \[ آل عِمْرَان : ١٤١ \] وَلِلَّهِ أَنْ يَفْعَل مَا يَشَاء وَيُسَلِّط مَنْ يَشَاء عَلَى مَنْ يَشَاء إِذَا شَاءَ.
 وَوَجْه النَّظْم وَالِاتِّصَال بِمَا قَبْلُ أَيْ اُقْتُلُوا الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِمْ إِلَّا أَنْ يُهَاجِرُوا، وَإِلَّا أَنْ يَتَّصِلُوا بِمَنْ بَيْنكُمْ وَبَيْنهمْ مِيثَاق فَيَدْخُلُونَ فِيمَا دَخَلُوا فِيهِ فَلَهُمْ حُكْمهمْ، وَإِلَّا الَّذِينَ جَاءُوكُمْ قَدْ حَصِرَتْ صُدُورهمْ عَنْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمهمْ فَدَخَلُوا فِيكُمْ فَلَا تَقْتُلُوهُمْ.

### الآية 4:91

> ﻿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا ۚ فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ۚ وَأُولَٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا [4:91]

سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ
 مَعْنَاهَا مَعْنَى الْآيَة الْأُولَى.
 قَالَ قَتَادَة : نَزَلَتْ فِي قَوْم مِنْ تِهَامَة طَلَبُوا الْأَمَان مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَأْمَنُوا عِنْده وَعِنْد قَوْمهمْ.
 مُجَاهِد : هِيَ فِي قَوْم مِنْ أَهْل مَكَّة.
 وَقَالَ السُّدِّيّ : نَزَلَتْ فِي نُعَيْم بْن مَسْعُود كَانَ يَأْمَن الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ.
 وَقَالَ الْحَسَن : هَذَا فِي قَوْم مِنْ الْمُنَافِقِينَ.
 وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي أَسَد وَغَطَفَان قَدِمُوا الْمَدِينَة فَأَسْلَمُوا ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى دِيَارهمْ فَأَظْهَرُوا الْكُفْر.

### الآية 4:92

> ﻿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ۚ فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ۖ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ۖ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [4:92]

حَكِيمًا
 فِيمَا حَكَمَ وَأَبْرَمَ.

### الآية 4:93

> ﻿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [4:93]

وَقَالَ النَّحَّاس فِي " مَعَانِي الْقُرْآن " لَهُ : الْقَوْل فِيهِ عِنْد الْعُلَمَاء أَهْل النَّظَر أَنَّهُ مُحْكَم وَأَنَّهُ يُجَازِيهِ إِذَا لَمْ يَتُبْ، فَإِنْ تَابَ فَقَدْ بَيَّنَ أَمْره بِقَوْلِهِ :" وَإِنِّي لَغَفَّار لِمَنْ تَابَ " \[ طَه : ٨٢ \] فَهَذَا لَا يَخْرُج عَنْهُ، وَالْخُلُود لَا يَقْتَضِي الدَّوَام، قَالَ اللَّه تَعَالَى :" وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِك الْخُلْد " \[ الْأَنْبِيَاء : ٣٥ \] الْآيَة.
 وَقَالَ تَعَالَى :" يَحْسَب أَنَّ مَاله أَخْلَدَهُ " \[ الْهُمَزَة : ٣ \].
 **وَقَالَ زُهَيْر :**
 وَلَا خَالِدًا إِلَّا الْجِبَال الرَّوَاسِيَا
 وَهَذَا كُلّه يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْخُلْد يُطْلَق عَلَى غَيْر مَعْنَى التَّأْبِيد ; فَإِنَّ هَذَا يَزُول بِزَوَالِ الدُّنْيَا.
 وَكَذَلِكَ الْعَرَب تَقُول : لَأُخَلِّدَنَّ فُلَانًا فِي السِّجْن ; وَالسِّجْن يَنْقَطِع وَيَفْنَى، وَكَذَلِكَ الْمَسْجُون.
 وَمِثْله قَوْلهمْ فِي الدُّعَاء : خَلَّدَ اللَّه مُلْكَهُ وَأَبَّدَ أَيَّامَهُ.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا كُلّه لَفْظًا وَمَعْنًى.
 وَالْحَمْد لِلَّهِ.

### الآية 4:94

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ۚ كَذَٰلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [4:94]

فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ
 تَحْذِير عَنْ مُخَالَفَة أَمْر اللَّه ; أَيْ اِحْفَظُوا أَنْفُسكُمْ وَجَنِّبُوهَا الزَّلَل الْمُوبِق لَكُمْ.

### الآية 4:95

> ﻿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [4:95]

فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا
 " فَضَّلَ اللَّه الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسهمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَة " وَقَدْ قَالَ بَعْد هَذَا :" دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً " فَقَالَ قَوْم : التَّفْضِيل بِالدَّرَجَةِ ثُمَّ بِالدَّرَجَاتِ إِنَّمَا هُوَ مُبَالَغَة وَبَيَان وَتَأْكِيد.
 وَقِيلَ : فَضَّلَ اللَّه الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنْ أُولِي الضَّرَر بِدَرَجَةٍ وَاحِدَة، وَفَضَّلَ اللَّه الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنْ غَيْر عُذْر دَرَجَات ; قَالَ اِبْن جُرَيْج وَالسُّدِّيّ وَغَيْرهمَا.
 وَقِيلَ : إِنَّ مَعْنَى دَرَجَة عُلُوّ، أَيْ أَعْلَى ذِكْرَهُمْ وَرَفَعَهُمْ بِالثَّنَاءِ وَالْمَدْح وَالتَّقْرِيظ.
 فَهَذَا مَعْنَى دَرَجَة، وَدَرَجَات يَعْنِي فِي الْجَنَّة.
 قَالَ اِبْن مُحَيْرِيز : سَبْعِينَ دَرَجَة بَيْنَ كُلّ دَرَجَتَيْنِ حُضْرُ الْفَرَس الْجَوَاد سَبْعِينَ سَنَة.
 و " دَرَجَات " بَدَل مِنْ أَجْر وَتَفْسِير لَهُ، وَيَجُوز نَصْبُهُ أَيْضًا عَلَى تَقْدِير الظَّرْف ; أَيْ فَضَّلَهُمْ بِدَرَجَاتٍ، وَيَجُوز أَنْ يَكُون تَوْكِيدًا لِقَوْلِ " أَجْرًا عَظِيمًا " لِأَنَّ الْأَجْر الْعَظِيم هُوَ الدَّرَجَات وَالْمَغْفِرَة وَالرَّحْمَة، وَيَجُوز الرَّفْع ; أَيْ ذَلِكَ دَرَجَات.
 و " أَجْرًا " نَصْب بِ " فَضَّلَ " وَإِنْ شِئْت كَانَ مَصْدَرًا وَهُوَ أَحْسَنُ، وَلَا يَنْتَصِب بِ " فَضَّلَ " لِأَنَّهُ قَدْ اِسْتَوْفَى مَفْعُولَيْهِ وَهُمَا قَوْله :" الْمُجَاهِدِينَ " و " عَلَى الْقَاعِدِينَ " ; وَكَذَا " دَرَجَة ".
 فَالدَّرَجَات مَنَازِلُ بَعْضُهَا أَعْلَى مِنْ بَعْض.
 وَفِي الصَّحِيح عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِنَّ فِي الْجَنَّة مِائَةَ دَرَجَة أَعَدَّهَا اللَّه لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيله بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاء وَالْأَرْض ).
 " وَكُلًّا وَعَدَ اللَّه الْحُسْنَى " " كُلًّا " مَنْصُوب بِ " وَعَدَ " و " الْحُسْنَى " الْجَنَّة ; أَيْ وَعَدَ اللَّه كُلًّا الْحُسْنَى.
 ثُمَّ قِيلَ : الْمُرَاد ( بِكُلٍّ ) الْمُجَاهِدُونَ خَاصَّة.
 وَقِيلَ : الْمُجَاهِدُونَ وَأُولُو الضَّرَر.
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 4:96

> ﻿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [4:96]

دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا
 فَقَالَ قَوْم : التَّفْضِيل بِالدَّرَجَةِ ثُمَّ بِالدَّرَجَاتِ إِنَّمَا هُوَ مُبَالَغَة وَبَيَان وَتَأْكِيد.
 وَقِيلَ : فَضَّلَ اللَّه الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنْ أُولِي الضَّرَر بِدَرَجَةٍ وَاحِدَة، وَفَضَّلَ اللَّه الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ مِنْ غَيْر عُذْر دَرَجَاتٍ ; قَالَ اِبْن جُرَيْج وَالسُّدِّيّ وَغَيْرهمَا.
 وَقِيلَ : إِنَّ مَعْنَى دَرَجَة عُلُوّ، أَيْ أَعْلَى ذِكْرَهُمْ وَرَفَعَهُمْ بِالثَّنَاءِ وَالْمَدْح وَالتَّقْرِيظ.
 فَهَذَا مَعْنَى دَرَجَة، وَدَرَجَات يَعْنِي فِي الْجَنَّة.
 قَالَ اِبْن مُحَيْرِيز : سَبْعِينَ دَرَجَة بَيْنَ كُلّ دَرَجَتَيْنِ حُضْر الْفَرَس الْجَوَاد سَبْعِينَ سَنَة.
 و " دَرَجَات " بَدَل مِنْ أَجْر وَتَفْسِير لَهُ، وَيَجُوز نَصْبه أَيْضًا عَلَى تَقْدِير الظَّرْف ; أَيْ فَضَّلَهُمْ بِدَرَجَاتٍ، وَيَجُوز أَنْ يَكُون تَوْكِيدًا لِقَوْلِ " أَجْرًا عَظِيمًا " لِأَنَّ الْأَجْر الْعَظِيم هُوَ الدَّرَجَات وَالْمَغْفِرَة وَالرَّحْمَة، وَيَجُوز الرَّفْع ; أَيْ ذَلِكَ دَرَجَات.

### الآية 4:97

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [4:97]

وَسَاءَتْ مَصِيرًا
 نَصْب عَلَى التَّفْسِير.

### الآية 4:98

> ﻿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا [4:98]

إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا
 الْحِيلَة لَفْظ عَامّ لِأَنْوَاعِ أَسْبَاب التَّخَلُّص.
 وَالسَّبِيل سَبِيل الْمَدِينَة ; فِيمَا ذَكَرَ مُجَاهِد وَالسُّدِّيّ وَغَيْرهمَا، وَالصَّوَاب أَنَّهُ عَامّ فِي جَمِيع السُّبُل.

### الآية 4:99

> ﻿فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا [4:99]

فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا
 هَذَا الَّذِي لَا حِيلَة لَهُ فِي الْهِجْرَة لَا ذَنْب لَهُ حَتَّى يُعْفَى عَنْهُ ; وَلَكِنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ قَدْ يُتَوَهَّم أَنَّهُ يَجِب تَحَمُّل غَايَة الْمَشَقَّة فِي الْهِجْرَة، حَتَّى إِنَّ مَنْ لَمْ يَتَحَمَّلْ تِلْكَ الْمَشَقَّة يُعَاقَب فَأَزَالَ اللَّه ذَلِكَ الْوَهْم ; إِذْ لَا يَجِب تَحَمُّل غَايَة الْمَشَقَّة، بَلْ كَانَ يَجُوز تَرْك الْهِجْرَة عِنْد فَقَدْ الزَّاد وَالرَّاحِلَة.
 فَمَعْنَى الْآيَة ; فَأُولَئِكَ لَا يُسْتَقْصَى عَلَيْهِمْ فِي الْمُحَاسَبَة ; وَلِهَذَا قَالَ :" وَكَانَ اللَّه عَفُوًّا غَفُورًا " وَالْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَل فِي حَقّه تَعَالَى وَاحِد، وَقَدْ تَقَدَّمَ.

### الآية 4:100

> ﻿۞ وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ۚ وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [4:100]

رَحِيمًا
 حِينَ قَبِلَ تَوْبَتَهُ.

### الآية 4:101

> ﻿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا [4:101]

إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا
 " عَدُوًّا " هَهُنَا بِمَعْنَى أَعْدَاء.
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 4:102

> ﻿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ۗ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ ۖ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا [4:102]

وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا
 لِلْعُلَمَاءِ فِي وُجُوب حَمْل السِّلَاح فِي الصَّلَاة كَلَام قَدْ أَشَرْنَا إِلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِب فَيُسْتَحَبّ لِلِاحْتِيَاطِ.
 ثُمَّ رُخِّصَ فِي الْمَطَر وَضْعُهُ ; لِأَنَّهُ تَبْتَلُّ الْمُبَطَّنَات وَتَثْقُل وَيَصْدَأ الْحَدِيد.
 وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم بَطْن نَخْلَة لَمَّا اِنْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ ; وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَوْمًا مَطِيرًا وَخَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَضَاءِ حَاجَته وَاضِعًا سِلَاحَهُ، فَرَآهُ الْكُفَّار مُنْقَطِعًا عَنْ أَصْحَابه فَقَصَدَهُ غَوْرَث بْن الْحَارِث فَانْحَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ الْجَبَل بِسَيْفِهِ، فَقَالَ : مَنْ يَمْنَعُك مِنِّي الْيَوْم ؟ فَقَالَ :( اللَّهُ ) ثُمَّ قَالَ :( اللَّهُمَّ اِكْفِنِي الْغَوْرَث بِمَا شِئْت ).
 فَأَهْوَى بِالسَّيْفِ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَضْرِبَهُ، فَانْكَبَّ لِوَجْهِهِ لِزَلَقَةٍ زَلِقَهَا.
 وَذَكَرَ الْوَاقِدِيّ أَنَّ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام دَفَعَهُ فِي صَدْرِهِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْمَائِدَة، وَسَقَطَ السَّيْف مِنْ يَده فَأَخَذَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ :( مَنْ يَمْنَعُك مِنِّي يَا غَوْرَث ) ؟ فَقَالَ : لَا أَحَد.
 فَقَالَ :( تَشْهَدُ لِي بِالْحَقِّ وَأُعْطِيك سَيْفَك ) ؟ قَالَ : لَا ; وَلَكِنْ أَشْهَد أَلَّا أُقَاتِلَك بَعْد هَذَا وَلَا أُعِين عَلَيْك عَدُوًّا ; فَدَفَعَ إِلَيْهِ السَّيْف وَنَزَلَتْ الْآيَة رُخْصَة فِي وَضْع السِّلَاح فِي الْمَطَر.
 وَمَرِضَ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف مِنْ جُرْح كَمَا فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ، فَرَخَّصَ اللَّه سُبْحَانَهُ لَهُمْ فِي تَرْك السِّلَاح وَالتَّأَهُّب لِلْعَدُوِّ بِعُذْرِ الْمَطَر، ثُمَّ أَمَرَهُمْ فَقَالَ :" خُذُوا حِذْرَكُمْ " أَيْ كُونُوا مُتَيَقِّظِينَ، وَضَعْتُمْ السِّلَاح أَوْ لَمْ تَضَعُوهُ.
 وَهَذَا يَدُلّ عَلَى تَأْكِيد التَّأَهُّب وَالْحَذَر مِنْ الْعَدُوّ فِي كُلّ الْأَحْوَال وَتَرْك الِاسْتِسْلَام ; فَإِنَّ الْجَيْش مَا جَاءَهُ مُصَاب قَطُّ إِلَّا مِنْ تَفْرِيط فِي حَذَر، وَقَالَ الضَّحَّاك فِي قَوْله تَعَالَى :" وَخُذُوا حِذْركُمْ " يَعْنِي تَقَلَّدُوا سُيُوفكُمْ فَإِنَّ ذَلِكَ هَيْئَة الْغَزَاة.

### الآية 4:103

> ﻿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ ۚ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ۚ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [4:103]

إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا
 أَيْ مُؤَقَّتَة مَفْرُوضَة.
 وَقَالَ زَيْد بْن أَسْلَمَ :" مَوْقُوتًا " مُنَجَّمًا، أَيْ تُؤَدُّونَهَا فِي أَنْجُمهَا ; وَالْمَعْنَى عِنْد أَهْل اللُّغَة : مَفْرُوض لِوَقْتٍ بِعَيْنِهِ ; يُقَال : وَقَّتَهُ فَهُوَ مَوْقُوتٌ.
 وَوَقَّتَهُ فَهُوَ مُؤَقَّت.
 وَهَذَا قَوْل زَيْد بْن أَسْلَمَ بِعَيْنِهِ.
 وَقَالَ :" كِتَابًا " وَالْمَصْدَر مُذَكَّر ; فَلِهَذَا قَالَ :" مَوْقُوتًا ".

### الآية 4:104

> ﻿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [4:104]

حَكِيمًا
 فِيمَا حَكَمَ وَأَبْرَمَ.

### الآية 4:105

> ﻿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا [4:105]

وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا
 اِسْم فَاعِل ; كَقَوْلِك : جَالَسْته فَأَنَا جَلِيسُهُ، وَلَا يَكُون فَعِيلًا هُنَا بِمَعْنَى مَفْعُول ; يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ " وَلَا تُجَادِلْ " فَالْخَصِيم هُوَ الْمُجَادِل وَجَمْع الْخَصِيم خُصَمَاء.
 وَقِيلَ : خَصِيمًا مُخَاصِمًا اِسْم فَاعِل أَيْضًا.
 فَنَهَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ رَسُولَهُ عَنْ عَضُد أَهْل التُّهَم وَالدِّفَاع عَنْهُمْ بِمَا يَقُولهُ خَصْمهمْ مِنْ الْحُجَّة.
 وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ النِّيَابَة عَنْ الْمُبْطِل وَالْمُتَّهَم فِي الْخُصُومَة لَا تَجُوز.
 فَلَا يَجُوز لِأَحَدٍ أَنْ يُخَاصِمَ عَنْ أَحَد إِلَّا بَعْد أَنْ يَعْلَم أَنَّهُ مُحِقٌّ.
 وَمَشَى الْكَلَام فِي السُّورَة عَلَى حِفْظ أَمْوَال الْيَتَامَى وَالنَّاس ; فَبَيَّنَ أَنَّ مَالَ الْكَافِر مَحْفُوظ عَلَيْهِ كَمَالِ الْمُسْلِم، إِلَّا فِي الْمَوْضِع الَّذِي أَبَاحَهُ اللَّه تَعَالَى.
 قَالَ الْعُلَمَاء : وَلَا يَنْبَغِي إِذَا ظَهَرَ لِلْمُسْلِمِينَ نِفَاق قَوْم أَنْ يُجَادِل فَرِيق مِنْهُمْ فَرِيقًا عَنْهُمْ لِيَحْمُوهُمْ وَيَدْفَعُوا عَنْهُمْ ; فَإِنَّ هَذَا قَدْ وَقَعَ عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِمْ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى :" وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا " وَقَوْله :" وَلَا تُجَادِلْ عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ " \[ النِّسَاء : ١٠٧ \].
 وَالْخِطَاب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَاد مِنْهُ الَّذِينَ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ دُونه لِوَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُ تَعَالَى أَبَانَ ذَلِكَ بِمَا ذَكَرَهُ بَعْدُ بِقَوْلِهِ :" هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا " \[ النِّسَاء : ١٠٩ \].
 وَالْآخَر : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ حَكَمًا فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَلِذَلِكَ كَانَ يَعْتَذِر إِلَيْهِ وَلَا يَعْتَذِر هُوَ إِلَى غَيْره، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقَصْد لِغَيْرِهِ.

### الآية 4:106

> ﻿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [4:106]

وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا
 **فِيهِ مَسْأَلَة وَاحِدَة :**
 ذَهَبَ الطَّبَرِيّ إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى : اِسْتَغْفِرْ اللَّه مِنْ ذَنْبك فِي خِصَامِك لِلْخَائِنِينَ ; فَأَمَرَهُ بِالِاسْتِغْفَارِ لَمَّا هَمَّ بِالدَّفْعِ عَنْهُمْ وَقَطْع يَد الْيَهُودِيّ.
 وَهَذَا مَذْهَب مَنْ جَوَّزَ الصَّغَائِر عَلَى الْأَنْبِيَاء، صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِمْ.
 قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا لَيْسَ بِذَنْبٍ ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا دَافِع عَلَى الظَّاهِر وَهُوَ يَعْتَقِد بَرَاءَتهمْ.
 وَالْمَعْنَى : وَاسْتَغْفِرْ اللَّه لِلْمُذْنِبِينَ مِنْ أُمَّتك وَالْمُتَخَاصِمِينَ بِالْبَاطِلِ ; وَمَحِلُّك مِنْ النَّاس أَنْ تَسْمَعَ مِنْ الْمُتَدَاعِيَيْنِ وَتَقْضِيَ بِنَحْوِ مَا تَسْمَع، وَتَسْتَغْفِر لِلْمُذْنِبِ.
 وَقِيلَ : هُوَ أَمْر بِالِاسْتِغْفَارِ عَلَى طَرِيق التَّسْبِيح، كَالرَّجُلِ يَقُول : أَسْتَغْفِر اللَّه ; عَلَى وَجْه التَّسْبِيح مِنْ غَيْر أَنْ يَقْصِد تَوْبَة مِنْ ذَنْب.
 وَقِيلَ : الْخِطَاب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَاد بَنُو أُبَيْرِق، كَقَوْلِهِ تَعَالَى :" يَا أَيّهَا النَّبِيّ اِتَّقِ اللَّه " \[ الْأَحْزَاب : ١ \]، " فَإِنْ كُنْت فِي شَكّ " \[ يُونُس : ٩٤ \].

### الآية 4:107

> ﻿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا [4:107]

مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا
 خَائِنًا.
 ( وَخَوَّانًا ) أَبْلَغُ ; لِأَنَّهُ مِنْ أَبْنِيَة الْمُبَالَغَة ; وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِعِظَمِ قَدْر تِلْكَ الْخِيَانَة.
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 4:108

> ﻿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا [4:108]

وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا
 أَيْ أَحَاطَ عِلْمه بِكُلِّ الْأَشْيَاء.

### الآية 4:109

> ﻿هَا أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا [4:109]

الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ
 الْوَكِيل : الْقَائِم بِتَدْبِيرِ الْأُمُور، فَاَللَّه تَعَالَى قَائِم بِتَدْبِيرِ خَلْقه.
 وَالْمَعْنَى : لَا أَحَد لَهُمْ يَقُوم بِأَمْرِهِمْ إِذَا أَخَذَهُمْ اللَّه بِعَذَابِهِ وَأَدْخَلَهُمْ النَّار.

### الآية 4:110

> ﻿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا [4:110]

ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا
 " ثُمَّ يَسْتَغْفِر اللَّه " يَعْنِي بِالتَّوْبَةِ، فَإِنَّ الِاسْتِغْفَار بِاللِّسَانِ مِنْ غَيْر تَوْبَة لَا يَنْفَع، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي " آل عِمْرَان ".
 وَقَالَ الضَّحَّاك : نَزَلَتْ الْآيَة فِي شَأْن وَحْشِيّ قَاتِل حَمْزَة أَشْرَكَ بِاَللَّهِ وَقَتَلَ حَمْزَة، ثُمَّ جَاءَ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : إِنِّي لَنَادِمٌ فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَة ؟ فَنَزَلَ :" وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ " الْآيَة.
 وَقِيلَ : الْمُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة الْعُمُوم وَالشُّمُول لِجَمِيعِ الْخَلْق.
 وَرَوَى سُفْيَان عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ الْأَسْوَد وَعَلْقَمَة قَالَا : قَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود مَنْ قَرَأَ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ مِنْ سُورَة " النِّسَاء " ثُمَّ اِسْتَغْفَرَ غُفِرَ لَهُ :" وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسه ثُمَّ يَسْتَغْفِر اللَّه يَجِدْ اللَّه غَفُورًا رَحِيمًا ".
 " وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ جَاءُوك فَاسْتَغْفَرُوا اللَّه وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُول لَوَجَدُوا اللَّه تَوَّابًا رَحِيمًا " \[ النِّسَاء : ٦٤ \].
 وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : كُنْت إِذَا سَمِعْت حَدِيثًا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَعَنِي اللَّه بِهِ مَا شَاءَ، وَإِذَا سَمِعْته مِنْ غَيْره حَلَّفْته، وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْر وَصَدَقَ أَبُو بَكْر قَالَ : مَا مِنْ عَبْد يُذْنِب ذَنْبًا ثُمَّ يَتَوَضَّأ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَيَسْتَغْفِر اللَّه إِلَّا غُفِرَ لَهُ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَة " وَمَنْ يَعْمَل سُوءًا أَوْ يَظْلِم نَفْسه ثُمَّ يَسْتَغْفِر اللَّه يَجِد اللَّه غَفُورًا رَحِيمًا ".

### الآية 4:111

> ﻿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [4:111]

حَكِيمًا
 فِيمَا حَكَمَ وَأَبْرَمَ.

### الآية 4:112

> ﻿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [4:112]

فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا
 تَشْبِيه ; إِذْ الذُّنُوب ثِقَل وَوِزْر فَهِيَ كَالْمَحْمُولَاتِ.
 وَقَدْ قَالَ تَعَالَى :" وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ " \[ الْعَنْكَبُوت : ١٣ \].
 وَالْبُهْتَان مِنْ الْبَهْت، وَهُوَ أَنْ تَسْتَقْبِل أَخَاك بِأَنْ تَقْذِفهُ بِذَنْبٍ وَهُوَ مِنْهُ بَرِيء.
 وَرَوَى مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَة ) ؟ قَالُوا : اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم ; قَالَ :( ذِكْرُك أَخَاك بِمَا يَكْرَه ).
 قِيلَ : أَفَرَأَيْت إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُول ؟ قَالَ :( إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُول فَقَدْ اِغْتَبْته وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ ).
 وَهَذَا نَصّ ; فَرَمْي الْبَرِيء بَهْت لَهُ.
 يُقَال : بَهَتُّهُ بَهْتًا وَبَهَتًا وَبُهْتَانًا إِذَا قَالَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَفْعَلهُ.
 وَهُوَ بَهَّاتٌ وَالْمَقُول لَهُ مَبْهُوت.
 وَيُقَال : بَهِتَ الرَّجُل ( بِالْكَسْرِ ) إِذَا دَهَشَ وَتَحَيَّرَ.
 وَبَهُتَ ( بِالضَّمِّ ) مِثْله، وَأَفْصَحُ مِنْهُمَا بُهِتَ، كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى :" فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ " \[ الْبَقَرَة : ٢٥٨ \] لِأَنَّهُ يُقَال : رَجُل مَبْهُوت وَلَا يُقَال : بَاهِت وَلَا بَهِيت، قَالَهُ الْكِسَائِيّ.

### الآية 4:113

> ﻿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ ۚ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا [4:113]

وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا
 يَعْنِي مِنْ الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام وَكَانَ فَضْله عَلَيْك كَبِيرًا.
 و " تَعْلَم " فِي مَوْضِع نَصْب ; لِأَنَّهُ خَبَر كَانَ.
 وَحُذِفَتْ الضَّمَّة مِنْ النُّون لِلْجَزْمِ، وَحُذِفَتْ الْوَاو لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.

### الآية 4:114

> ﻿۞ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [4:114]

أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا
 عَامّ فِي الدِّمَاء وَالْأَمْوَال وَالْأَعْرَاض، وَفِي كُلّ شَيْء يَقَع التَّدَاعِي وَالِاخْتِلَاف فِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي كُلّ كَلَام يُرَاد بِهِ وَجْه اللَّه تَعَالَى.
 وَفِي الْخَبَر :( كَلَام اِبْن آدَم كُلّه عَلَيْهِ لَا لَهُ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ أَمْر بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْي عَنْ مُنْكَر أَوْ ذِكْرِ اللَّه تَعَالَى ).
 فَأَمَّا مَنْ طَلَبَ الرِّيَاء وَالتَّرَؤُّس فَلَا يَنَال الثَّوَاب.
 وَكَتَبَ عُمَر إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : رُدَّ الْخُصُوم حَتَّى يَصْطَلِحُوا، فَإِنَّ فَصْلَ الْقَضَاء يُورِث بَيْنهمْ الضَّغَائِن.
 وَسَيَأْتِي فِي " الْمُجَادَلَة " مَا يَحْرُم مِنْ الْمُنَاجَاة وَمَا يَجُوز إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.
 وَعَنْ أَنَس بْن مَالِك رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ، : مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ اِثْنَيْنِ أَعْطَاهُ اللَّه بِكُلِّ كَلِمَة عِتْق رَقَبَة.
 وَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي أَيُّوب :( أَلَا أَدُلُّك عَلَى صَدَقَة يُحِبّهَا اللَّه وَرَسُوله، تُصْلِح بَيْنَ أُنَاس إِذَا تَفَاسَدُوا، وَتُقَرِّب بَيْنهمْ إِذَا تَبَاعَدُوا ).
 وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ : مَا خُطْوَةٌ أَحَبّ إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مِنْ خُطْوَة فِي إِصْلَاح ذَات الْبَيْنَ، وَمَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ اِثْنَيْنِ كَتَبَ اللَّه لَهُ بَرَاءَة مِنْ النَّار.
 وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر : تَنَازَعَ رَجُلَانِ فِي نَاحِيَة الْمَسْجِد فَمِلْت إِلَيْهِمَا، فَلَمْ أَزَلْ بِهِمَا حَتَّى اِصْطَلَحَا ; فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة وَهُوَ يَرَانِي : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول :( مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ اِثْنَيْنِ اِسْتَوْجَبَ ثَوَاب شَهِيد ).
 ذَكَرَ هَذِهِ الْأَخْبَار أَبُو مُطِيع مَكْحُول بْن الْمُفَضَّل النَّسَفِيّ فِي كِتَاب اللُّؤْلُؤِيَّات لَهُ، وَجَدْته بِخَطِّ الْمُصَنِّف فِي وُرَيْقَة وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَى مَوْضِعِهَا رَضِيَ اللَّه عَنْهُ.
 وَ ( اِبْتِغَاء ) نَصْب عَلَى الْمَفْعُول مِنْ أَجْله.

### الآية 4:115

> ﻿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [4:115]

وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا
 قَالَ الْعُلَمَاء : هَاتَانِ الْآيَتَانِ نَزَلَتَا بِسَبَبِ اِبْن أُبَيْرِق السَّارِق، لَمَّا حَكَمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ بِالْقَطْعِ وَهَرَبَ إِلَى مَكَّة وَارْتَدَّ، قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : لَمَّا صَارَ إِلَى مَكَّة نَقَبَ بَيْتًا بِمَكَّة فَلَحِقَهُ الْمُشْرِكُونَ فَقَتَلُوهُ ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى :" إِنَّ اللَّه لَا يَغْفِر أَنْ يُشْرَك بِهِ " إِلَى قَوْله :" فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ".
 وَقَالَ الضَّحَّاك : قَدِمَ نَفَر مِنْ قُرَيْش الْمَدِينَة وَأَسْلَمُوا ثُمَّ اِنْقَلَبُوا إِلَى مَكَّة مُرْتَدِّينَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة " وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُول ".
 وَالْمُشَاقَّة الْمُعَادَاة.
 وَالْآيَة وَإِنْ نَزَلَتْ فِي سَارِق الدِّرْع أَوْ غَيْره فَهِيَ عَامَّة فِي كُلّ مَنْ خَالَفَ طَرِيق الْمُسْلِمِينَ.
 و " الْهُدَى " : الرُّشْد وَالْبَيَان، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
 وَقَوْله تَعَالَى :" نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى " يُقَال : إِنَّهُ نَزَلَ فِيمَنْ اِرْتَدَّ ; وَالْمَعْنَى ; نَتْرُكهُ وَمَا يَعْبُد ; عَنْ مُجَاهِد.
 أَيْ نَكِلُهُ إِلَى الْأَصْنَام الَّتِي لَا تَنْفَع وَلَا تَضُرّ ; وَقَالَهُ مُقَاتِل.
 وَقَالَ الْكَلْبِيّ ; نَزَلَ قَوْله تَعَالَى :" نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى " فِي اِبْن أُبَيْرِق ; لَمَّا ظَهَرَتْ حَاله وَسَرِقَته هَرَبَ إِلَى مَكَّة وَارْتَدَّ وَنَقَبَ حَائِطًا لِرَجُلٍ بِمَكَّة يُقَال لَهُ : حَجَّاج بْن عِلَاط، فَسَقَطَ فَبَقِيَ فِي النَّقْب حَتَّى وُجِدَ عَلَى حَاله، وَأَخْرَجُوهُ مِنْ مَكَّة ; فَخَرَجَ إِلَى الشَّام فَسَرَقَ بَعْض أَمْوَال الْقَافِلَة فَرَجَمُوهُ وَقَتَلُوهُ، فَنَزَلَتْ " نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّم وَسَاءَتْ مَصِيرًا ".
 وَقَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة وَأَبُو عَمْرو " نُوَلِّهِ " " وَنُصْلِهِ " بِجَزْمِ الْهَاء، وَالْبَاقُونَ بِكَسْرِهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ.
 قَالَ الْعُلَمَاء فِي قَوْله تَعَالَى :" وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُول " دَلِيل عَلَى صِحَّة الْقَوْل بِالْإِجْمَاعِ

### الآية 4:116

> ﻿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [4:116]

إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا
 فِي قَوْله تَعَالَى :" إِنَّ اللَّه لَا يَغْفِر أَنْ يُشْرَك بِهِ " رَدٌّ عَلَى الْخَوَارِج ; حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ مُرْتَكِب الْكَبِيرَة كَافِر.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِي هَذَا الْمَعْنَى.
 وَرَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : مَا فِي الْقُرْآن آيَة أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ هَذِهِ الْآيَة :" إِنَّ اللَّه لَا يَغْفِر أَنْ يُشْرَك بِهِ وَيَغْفِر مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء " قَالَ : هَذَا حَدِيث غَرِيب.
 قَالَ اِبْن فُورَك : وَأَجْمَعَ أَصْحَابنَا عَلَى أَنَّهُ لَا تَخْلِيد إِلَّا لِلْكَافِرِ، وَأَنَّ الْفَاسِق مِنْ أَهْل الْقِبْلَة إِذَا مَاتَ غَيْر تَائِب فَإِنَّهُ إِنْ عُذِّبَ بِالنَّارِ فَلَا مَحَالَة أَنَّهُ يَخْرُج مِنْهَا بِشَفَاعَةِ الرَّسُول، أَوْ بِابْتِدَاءِ رَحْمَة مِنْ اللَّه تَعَالَى.
 وَقَالَ الضَّحَّاك : إِنَّ شَيْخًا مِنْ الْأَعْرَاب جَاءَ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه، إِنِّي شَيْخ مُنْهَمِك فِي الذُّنُوب وَالْخَطَايَا، إِلَّا أَنِّي لَمْ أُشْرِكْ بِاَللَّهِ شَيْئًا مُنْذُ عَرَفْته وَآمَنْت بِهِ، فَمَا حَالِي عِنْد اللَّه ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى :" إِنَّ اللَّه لَا يَغْفِر أَنْ يُشْرَك بِهِ وَيَغْفِر مَا دُون ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء " الْآيَة.

### الآية 4:117

> ﻿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا [4:117]

وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا
 يُرِيد إِبْلِيس ; لِأَنَّهُمْ إِذَا أَطَاعُوهُ فِيمَا سَوَّلَ لَهُمْ فَقَدْ عَبَدُوهُ ; وَنَظِيره فِي الْمَعْنَى :" اِتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُون اللَّه " \[ التَّوْبَة : ٣١ \] أَيْ أَطَاعُوهُمْ فِيمَا أَمَرُوهُمْ بِهِ ; لَا أَنَّهُمْ عَبَدُوهُمْ.
 وَسَيَأْتِي.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ اِشْتِقَاق لَفْظ الشَّيْطَان.
 وَالْمَرِيد : الْعَاتِي الْمُتَمَرِّد ; فَعِيل مِنْ مَرَدَ إِذَا عَتَا.
 قَالَ الْأَزْهَرِيّ : الْمَرِيد الْخَارِج عَنْ الطَّاعَة، وَقَدْ مَرَدَ الرَّجُل يَمْرَد مُرُودًا إِذَا عَتَا وَخَرَجَ عَنْ الطَّاعَة، فَهُوَ مَارِد وَمَرِيد وَمُتَمَرِّد.
 اِبْن عَرَفَة هُوَ الَّذِي ظَهَرَ شَرُّهُ ; وَمِنْ هَذَا يُقَال : شَجَرَة مَرْدَاء إِذَا تَسَاقَطَ وَرَقُهَا فَظَهَرَتْ عِيدَانهَا ; وَمِنْهُ قِيلَ لِلرَّجُلِ : أَمْرَد، أَيْ ظَاهِر مَكَان الشَّعْر مِنْ عَارِضَيْهِ.

### الآية 4:118

> ﻿لَعَنَهُ اللَّهُ ۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا [4:118]

وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا
 أَيْ وَقَالَ الشَّيْطَان ; وَالْمَعْنَى : لَأسْتَخْلِصَنَّهم.
 بِغِوَايَتِي وَأُضِلَّنَّهُمْ بِإِضْلَالِي، وَهُمْ الْكَفَرَة وَالْعُصَاة.
 وَفِي الْخَبَر ( مِنْ كُلّ أَلْف وَاحِد لِلَّهِ وَالْبَاقِي لِلشَّيْطَانِ ).
 قُلْت : وَهَذَا صَحِيح مَعْنًى ; يُعَضِّدُهُ قَوْله تَعَالَى لِآدَم يَوْم الْقِيَامَة :( اِبْعَثْ بَعْثَ النَّار فَيَقُول : وَمَا بَعْث النَّار ؟ فَيَقُول مِنْ كُلّ أَلْف تِسْعمِائَةِ وَتِسْعَة وَتِسْعِينَ ).
 أَخْرَجَهُ مُسْلِم.
 وَبَعْث النَّار هُوَ نَصِيب الشَّيْطَان، وَاللَّه أَعْلُم.
 وَقِيل : مِنَ النَّصِيب طَاعَتهمْ إِيَّاهُ فِي أَشْيَاء ; مِنْهَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَضْرِبُونَ لِلْمَوْلُودِ مِسْمَارًا عِنْد وِلَادَته، وَدَوَرَانهمْ بِهِ يَوْم أُسْبُوعه، يَقُولُونَ : لِيَعْرِفهُ الْعُمَّار.

### الآية 4:119

> ﻿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا [4:119]

فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا
 أَيْ نَقَصَ نَفْسه وَغَبَنَهَا بِأَنْ أَعْطَى الشَّيْطَان حَقّ اللَّه تَعَالَى فِيهِ وَتَرَكَهُ مِنْ أَجْلِهِ.

### الآية 4:120

> ﻿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا [4:120]

وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا
 أَيْ خَدِيعَة.
 قَالَ اِبْن عَرَفَة : الْغُرُور مَا رَأَيْت لَهُ ظَاهِرًا تُحِبّهُ وَفِيهِ بَاطِن مَكْرُوه أَوْ مَجْهُول.
 وَالشَّيْطَان غَرُور ; لِأَنَّهُ يَحْمِل عَلَى مَحَابّ النَّفْس، وَوَرَاء ذَلِكَ مَا يَسُوء.

### الآية 4:121

> ﻿أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا [4:121]

أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا
 " أُولَئِكَ " اِبْتِدَاء " مَأْوَاهُمْ " اِبْتِدَاء ثَانٍ " جَهَنَّم " خَبَر الثَّانِي وَالْجُمْلَة خَبَر الْأَوَّل.
 و " مَحِيصًا " مَلْجَأ، وَالْفِعْل مِنْهُ حَاصَ يَحِيص.

### الآية 4:122

> ﻿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ۚ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [4:122]

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا
 " وَمَنْ أَصْدَق مِنْ اللَّه قِيلًا " اِبْتِدَاء وَخَبَر.
 " قِيلًا " عَلَى الْبَيَان ; قَالَ قِيلًا وَقَوْلًا وَقَالًا، بِمَعْنَى أَيْ لَا أَحَد أَصْدَق مِنْ اللَّه.
 وَقَدْ مَضَى الْكَلَام عَلَى مَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيُ مِنْ الْمَعَانِي وَالْحَمْد لِلَّهِ.

### الآية 4:123

> ﻿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [4:123]

وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا
 يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى :" إِنَّا لَنَنْصُر رُسُلنَا وَاَلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَيَوْم يَقُوم الْأَشْهَاد " \[ غَافِر : ٥١ \].
 وَقِيلَ :" مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ " إِلَّا أَنْ يَتُوب.
 وَقِرَاءَة الْجَمَاعَة " وَلَا يَجِدْ لَهُ " بِالْجَزْمِ عَطْفًا عَلَى " يُجْزَ بِهِ ".
 وَرَوَى اِبْن بَكَّار عَنْ اِبْن عَامِر " وَلَا يَجِدُ " بِالرَّفْعِ اِسْتِئْنَافًا.
 فَإِنْ حُمِلَتْ الْآيَة عَلَى الْكَافِر فَلَيْسَ لَهُ غَدًا وَلِيّ وَلَا نَصِير.
 وَإِنْ حُمِلَتْ عَلَى الْمُؤْمِن فَلَيْسَ لَهُ وَلِيّ وَلَا نَصِير دُون اللَّه.

### الآية 4:124

> ﻿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا [4:124]

وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا
 شَرْطَ الْإِيمَان لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَدْلَوْا بِخِدْمَةِ الْكَعْبَة وَإِطْعَام الْحَجِيج وَقَرْي الْأَضْيَاف، وَأَهْل الْكِتَاب بِسَبَقِهِمْ، وَقَوْلهمْ نَحْنُ أَبْنَاء اللَّه وَأَحِبَّاؤُهُ ; فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ الْأَعْمَال الْحَسَنَة لَا تُقْبَل مِنْ غَيْر إِيمَان.
 وَقَرَأَ " يُدْخَلُونَ الْجَنَّة " الشَّيْخَانِ أَبُو عَمْرو وَابْن كَثِير ( بِضَمِّ الْيَاء وَفَتْح الْخَاء ) عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله.
 الْبَاقُونَ بِفَتْحِ الْيَاء وَضَمّ الْخَاء ; يَعْنِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّة بِأَعْمَالِهِمْ.
 وَقَدْ مَضَى ذِكْر النَّقِير وَهِيَ النُّكْتَة فِي ظَهْر النَّوَاة.

### الآية 4:125

> ﻿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۗ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا [4:125]

وَيُقَال : لَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَة بِشَبَهِ الْآدَمِيِّينَ وَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَلَمْ يَأْكُلُوا مِنْهُ وَقَالُوا : إِنَّا لَا نَأْكُل شَيْئًا بِغَيْرِ ثَمَن فَقَالَ لَهُمْ : أَعْطُوا ثَمَنه وَكُلُوا، قَالُوا : وَمَا ثَمَنه ؟ قَالَ : أَنْ تَقُولُوا فِي أَوَّله بِاسْمِ اللَّه وَفِي آخِرِهِ الْحَمْد لِلَّهِ، فَقَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ : حَقٌّ عَلَى اللَّه أَنْ يَتَّخِذَهُ خَلِيلًا ; فَاِتَّخَذَهُ اللَّه خَلِيلًا.
 وَرَوَى جَابِر بْن عَبْد اللَّه عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( اِتَّخَذَ اللَّه إِبْرَاهِيم خَلِيلًا لِإِطْعَامِهِ الطَّعَام وَإِفْشَائِهِ السَّلَام وَصَلَاته بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نِيَام ).
 وَرَوَى عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاص أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( يَا جِبْرِيل لِمَ اِتَّخَذَ اللَّه إِبْرَاهِيم خَلِيلًا ) ؟ قَالَ : لِإِطْعَامِهِ الطَّعَام يَا مُحَمَّد.
 وَقِيلَ : مَعْنَى الْخَلِيل الَّذِي يُوَالِي فِي اللَّه وَيُعَادِي فِي اللَّه.
 وَالْخُلَّة بَيْنَ الْآدَمِيِّينَ الصَّدَاقَة ; مُشْتَقَّة مِنْ تَخَلُّل الْأُسَرَاء بَيْنَ الْمُتَخَالِّينَ.
 وَقِيلَ : هِيَ مِنْ الْخَلَّة فَكُلّ وَاحِد مِنْ الْخَلِيلَيْنِ يَسُدّ خَلَّة صَاحِبه.
 وَفِي مُصَنَّف أَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :( الرَّجُل عَلَى دِين خَلِيله فَلْيَنْظُرْ أَحَدكُمْ مَنْ يُخَالِلْ ).
 **وَلَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ قَالَ :**

مَنْ لَمْ تَكُنْ فِي اللَّه خُلَّتُهُ  فَخَلِيلُهُ مِنْهُ عَلَى خَطَرِ **آخَر :**إِذَا مَا كُنْت مُتَّخِذًا خَلِيلًا  فَلَا تَثِقَنْ بِكُلِّ أَخِي إِخَاءِفَإِنْ خُيِّرْت بَيْنَهُمُ فَأَلْصِقْ  بِأَهْلِ الْعَقْلِ مِنْهُمْ وَالْحَيَاءِفَإِنَّ الْعَقْل لَيْسَ لَهُ إِذَا مَا  تَفَاضَلَتِ الْفَضَائِلُ مِنْ كِفَاءِ وَقَالَ حَسَّان بْن ثَابِت رَضِيَ اللَّه عَنْهُ :أَخِلَّاءُ الرِّجَالِ هُمُ كَثِيرٌ  وَلَكِنْ فِي الْبَلَاءِ هُمُ قَلِيلُفَلَا تَغْرُرْك خُلَّةُ مَنْ تُؤَاخِي  فَمَا لَك عِنْد نَائِبَةٍ خَلِيلُوَكُلُّ أَخٍ يَقُولُ أَنَا وَفِيٌّ  وَلَكِنْ لَيْسَ يَفْعَلُ مَا يَقُولُسِوَى خِلٍّ لَهُ حَسَبٌ وَدِينٌ  فَذَاكَ لِمَا يَقُولُ هُوَ الْفَعُولُ

### الآية 4:126

> ﻿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا [4:126]

وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا
 أَيْ أَحَاطَ عِلْمه بِكُلِّ الْأَشْيَاء.

### الآية 4:127

> ﻿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ۖ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَىٰ بِالْقِسْطِ ۚ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا [4:127]

وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا
 نَزَلَتْ بِسَبَبِ سُؤَال قَوْم مِنْ الصَّحَابَة عَنْ أَمْر النِّسَاء وَأَحْكَامِهِنَّ فِي الْمِيرَاث وَغَيْر ذَلِكَ ; فَأَمَرَ اللَّه نَبِيّه عَلَيْهِ السَّلَام أَنْ يَقُول لَهُمْ : اللَّه يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ; أَيْ يُبَيِّنُ لَكُمْ حُكْم مَا سَأَلْتُمْ عَنْهُ.
 وَهَذِهِ الْآيَة رُجُوع إِلَى مَا اُفْتُتِحَتْ بِهِ السُّورَة مِنْ أَمْر النِّسَاء، وَكَانَ قَدْ بَقِيَتْ لَهُمْ أَحْكَام لَمْ يَعْرِفُوهَا فَسَأَلُوا فَقِيلَ لَهُمْ : إِنَّ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ.
 رَوَى أَشْهَب عَنْ مَالِك قَالَ : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْأَل فَلَا يُجِيب حَتَّى يَنْزِل عَلَيْهِ الْوَحْي، وَذَلِكَ فِي كِتَاب اللَّه " وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاء قُلْ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ".
 " وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْيَتَامَى " \[ الْبَقَرَة : ٢٢٠ \].
 و " يَسْأَلُونَك عَنْ الْخَمْر وَالْمَيْسِر " \[ الْبَقَرَة : ٢١٩ \].
 " وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْجِبَال " \[ طَه : ١٠٥ \].
 قَوْله تَعَالَى :" وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ " " مَا " فِي مَوْضِع رَفْع، عَطْف عَلَى اِسْم اللَّه تَعَالَى.
 وَالْمَعْنَى : وَالْقُرْآن يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ، وَهُوَ قَوْل :" فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء " \[ النِّسَاء : ٣ \] وَقَدْ تَقَدَّمَ.
 وَقَوْله تَعَالَى :" وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ " أَيْ وَتَرْغَبُونَ عَنْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ، ثُمَّ حُذِفَتْ " عَنْ ".
 وَقِيلَ : وَتَرْغَبُونَ فِي أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ثُمَّ حُذِفَتْ " فِي ".
 قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر وَمُجَاهِد : وَيُرْغَب فِي نِكَاحهَا وَإِذَا كَانَتْ كَثِيرَة الْمَال.
 وَحَدِيث عَائِشَة يُقَوِّي حَذْف " عَنْ " فَإِنَّ فِي حَدِيثهَا : وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ رَغْبَة أَحَدكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ الَّتِي تَكُون فِي حِجْرِهِ حِينَ تَكُون قَلِيلَة الْمَال وَالْجَمَال ; وَقَدْ تَقَدَّمَ أَوَّل السُّورَة.

### الآية 4:128

> ﻿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ۚ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ۗ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ ۚ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [4:128]

فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا
 وَهَذَا خِطَاب لِلْأَزْوَاجِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَشِحّ وَلَا يُحْسِن ; أَيْ إِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فِي عِشْرَة النِّسَاء بِإِقَامَتِكُمْ عَلَيْهِنَّ مَعَ كَرَاهِيَتكُمْ لِصُحْبَتِهِنَّ وَاتِّقَاء ظُلْمهنَّ فَهُوَ أَفْضَل لَكُمْ.

### الآية 4:129

> ﻿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [4:129]

فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا
 جَوَابه.
 وَهَذَا خِطَاب لِلْأَزْوَاجِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَشِحّ وَلَا يُحْسِن ; أَيْ إِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فِي عِشْرَة النِّسَاء بِإِقَامَتِكُمْ عَلَيْهِنَّ مَعَ كَرَاهِيَتكُمْ لِصُحْبَتِهِنَّ وَاتِّقَاء ظُلْمهنَّ فَهُوَ أَفْضَل لَكُمْ.

### الآية 4:130

> ﻿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا [4:130]

وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا
 قَوْله تَعَالَى :" وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّه كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ " أَيْ وَإِنْ لَمْ يَصْطَلِحَا بَلْ تَفَرَّقَا فَلْيُحْسِنَا ظَنَّهُمَا بِاَللَّهِ، فَقَدْ يُقَيَّض لِلرَّجُلِ اِمْرَأَة تَقَرُّ بِهَا عَيْنه، وَلِلْمَرْأَةِ مَنْ يُوَسِّع عَلَيْهَا.
 وَرُوِيَ عَنْ جَعْفَر بْن مُحَمَّد أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَيْهِ الْفَقْر، فَأَمَرَهُ بِالنِّكَاحِ، فَذَهَبَ الرَّجُل وَتَزَوَّجَ ; ثُمَّ جَاءَ إِلَيْهِ وَشَكَا إِلَيْهِ الْفَقْر، فَأَمَرَهُ بِالطَّلَاقِ ; فَسُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَة فَقَالَ : أَمَرْته بِالنِّكَاحِ لَعَلَّهُ مِنْ أَهْل هَذِهِ الْآيَة :" إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمْ اللَّه مِنْ فَضْله " فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْل تِلْكَ الْآيَة أَمَرْتُهُ بِالطَّلَاقِ فَقُلْت : فَلَعَلَّهُ مِنْ أَهْل هَذِهِ الْآيَة " وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّه كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ ".

### الآية 4:131

> ﻿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ۚ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا [4:131]

وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا
 قَوْله تَعَالَى :" وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلكُمْ " أَيْ الْأَمْر بِالتَّقْوَى كَانَ عَامًّا لِجَمِيعِ الْأُمَم : وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِي التَّقْوَى.
 " وَإِيَّاكُمْ " عَطْف عَلَى " الَّذِينَ ".
 " أَنْ اِتَّقُوا اللَّه " فِي مَوْضِع نَصْب ; قَالَ الْأَخْفَش : أَيْ بِأَنْ اِتَّقُوا اللَّه.
 وَقَالَ بَعْض الْعَارِفِينَ : هَذِهِ الْآيَة هِيَ رَحَى آيِ الْقُرْآن، لِأَنَّ جَمِيعه يَدُور عَلَيْهَا.

### الآية 4:132

> ﻿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا [4:132]

وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا
 قَوْله تَعَالَى :" وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض وَكَفَى بِاَللَّهِ وَكِيلًا " إِنْ قَالَ قَائِل : مَا فَائِدَة هَذَا التَّكْرِير ؟ فَعَنْهُ جَوَابَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُ كُرِّرَ تَأْكِيدًا ; لِيَتَنَبَّهَ الْعِبَاد وَيَنْظُرُوا مَا فِي مَلَكُوته وَمُلْكه وَأَنَّهُ غَنِيّ عَنْ الْعَالَمِينَ.
 الْجَوَاب الثَّانِي : أَنَّهُ كُرِّرَ لِفَوَائِد : فَأَخْبَرَ فِي الْأَوَّل أَنَّ اللَّه تَعَالَى يُغْنِي كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ ; لِأَنَّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض فَلَا تَنْفَدُ خَزَائِنُهُ.
 ثُمَّ قَالَ : أَوْصَيْنَاكُمْ وَأَهْل الْكِتَاب بِالتَّقْوَى " وَإِنْ تَكْفُرُوا " أَيْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّهُ غَنِيّ عَنْكُمْ ; لِأَنَّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض.
 ثُمَّ أَعْلَمَ فِي الثَّالِث بِحِفْظِ خَلْقِهِ وَتَدْبِيره إِيَّاهُمْ بِقَوْلِهِ :" وَكَفَى بِاَللَّهِ وَكِيلًا " لِأَنَّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض.
 وَقَالَ :" مَا فِي السَّمَوَات " وَلَمْ يَقُلْ مَنْ فِي السَّمَوَات ; لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِهِ مَذْهَب الْجِنْس، وَفِي السَّمَوَات وَالْأَرْض مَنْ يَعْقِل وَمَنْ لَا يَعْقِل.

### الآية 4:133

> ﻿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرًا [4:133]

وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا
 وَالْقُدْرَة صِفَة أَزَلِيَّة، لَا تَتَنَاهَى مَقْدُورَاته، كَمَا لَا تَتَنَاهَى مَعْلُومَاته، وَالْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَل فِي صِفَاته بِمَعْنًى وَاحِد، وَإِنَّمَا خُصَّ الْمَاضِي بِالذِّكْرِ لِئَلَّا يُتَوَهَّم أَنَّهُ يَحْدُث فِي ذَاته وَصِفَاته.
 وَالْقُدْرَة هِيَ الَّتِي يَكُون بِهَا الْفِعْل وَلَا يَجُوز وُجُود الْعَجْز مَعَهَا.

### الآية 4:134

> ﻿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [4:134]

وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا
 أَيْ يَسْمَعُ مَا يَقُولُونَهُ وَيُبْصِرُ مَا يُسِرُّونَهُ.

### الآية 4:135

> ﻿۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَنْ تَعْدِلُوا ۚ وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [4:135]

وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بَعْض الْعُلَمَاء فِي رَدِّ شَهَادَة الْعَبْد بِهَذِهِ الْآيَة ; فَقَالَ : جَعَلَ اللَّه تَعَالَى الْحَاكِمَ شَاهِدًا فِي هَذِهِ الْآيَة، وَذَلِكَ أَدَلّ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْعَبْد لَيْسَ مِنْ أَهْل الشَّهَادَة ; لِأَنَّ الْمَقْصُود مِنْهُ الِاسْتِقْلَال بِهَذَا الْمُهِمّ إِذَا دَعَتْ الْحَاجَة إِلَيْهِ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ مِنْ الْعَبْد أَصْلًا فَلِذَلِكَ رُدَّتْ الشَّهَادَة.

### الآية 4:136

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ۚ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [4:136]

قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا
 قِيلَ : إِنَّهُ خِطَاب لِلْمُنَافِقِينَ ; وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فِي الظَّاهِر أَخْلِصُوا لِلَّهِ.
 وَقِيلَ : الْمُرَاد الْمُشْرِكُونَ ; وَالْمَعْنَى يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى وَالطَّاغُوت آمِنُوا بِاَللَّهِ ; أَيْ صَدِّقُوا بِاَللَّهِ وَبِكُتُبِهِ.

### الآية 4:137

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا [4:137]

لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا
 " لِيَهْدِيَهُمْ " يُرْشِدهُمْ.
 " سَبِيلًا " طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّة.
 وَقِيلَ : لَا يَخُصّهُمْ بِالتَّوْفِيقِ كَمَا يَخُصّ أَوْلِيَاءَهُ.
 وَفِي هَذِهِ الْآيَة رَدّ عَلَى أَهْل الْقَدَر ; فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَهْدِي الْكَافِرِينَ طَرِيق خَيْر لِيَعْلَم الْعَبْد أَنَّهُ إِنَّمَا يَنَال الْهُدَى بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَيُحْرَم الْهُدَى بِإِرَادَةِ اللَّه تَعَالَى أَيْضًا.
 وَتَضَمَّنَتْ الْآيَة أَيْضًا حُكْم الْمُرْتَدِّينَ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِيهِمْ فِي " الْبَقَرَة " عِنْد قَوْله تَعَالَى :" وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينه فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِر " \[ الْبَقَرَة : ٢١٧ \].

### الآية 4:138

> ﻿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [4:138]

بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
 التَّبْشِير الْإِخْبَار بِمَا ظَهَرَ أَثَره عَلَى الْبَشَرَة، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي " الْبَقَرَة " وَمَعْنَى النِّفَاق.

### الآية 4:139

> ﻿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [4:139]

فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا
 أَيْ الْغَلَبَة وَالْقُوَّة لِلَّهِ.
 قَالَ اِبْن عَبَّاس :" أَيَبْتَغُونَ عِنْدهمْ " يُرِيد بَنِي قَيْنُقَاع، فَإِنَّ اِبْن أُبَيّ كَانَ يُوَالِيهِمْ.
 الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْح مِنْ اللَّه قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيب قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ

### الآية 4:140

> ﻿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا [4:140]

إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا
 الْأَصْل " جَامِعٌ " بِالتَّنْوِينِ فَحُذِفَ اِسْتِخْفَافًا ; فَإِنَّهُ بِمَعْنَى يَجْمَع.

### الآية 4:141

> ﻿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [4:141]

الثَّالِثَة : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء أَيْضًا مِنْ هَذَا الْبَاب فِي رَجُل نَصْرَانِيّ دَبَّرَ عَبْدًا لَهُ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ الْعَبْد ; فَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ فِي أَحَد قَوْلَيْهِ : يُحَال بَيْنه وَبَيْنَ الْعَبْد، وَيُخَارَج عَلَى سَيِّدِهِ النَّصْرَانِيّ، وَلَا يُبَاع عَلَيْهِ حَتَّى يُتَبَيَّنَ أَمْرُهُ.
 فَإِنْ هَلَكَ النَّصْرَانِيّ وَعَلَيْهِ دَيْن قُضِيَ دَيْنه مِنْ ثَمَن الْعَبْد الْمُدَبَّر، إِلَّا أَنْ يَكُون فِي مَاله مَا يَحْمِل الْمُدَبَّر فَيَعْتِق الْمُدَبَّر.
 وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي الْقَوْل الْآخَر : إِنَّهُ يُبَاع عَلَيْهِ سَاعَة أَسْلَمَ ; وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيّ ; لِأَنَّ الْمُدَبَّر وَصِيَّة وَلَا يَجُوز تَرْك مُسْلِم فِي مِلْك مُشْرِك يُذِلُّهُ وَيُخَارِجُهُ، وَقَدْ صَارَ بِالْإِسْلَامِ عَدُوًّا لَهُ.
 وَقَالَ اللَّيْث بْن سَعْد : يُبَاع النَّصْرَانِيّ مِنْ مُسْلِم فَيُعْتِقُهُ، وَيَكُون وَلَاؤُهُ لِلَّذِي اِشْتَرَاهُ وَأَعْتَقَهُ، وَيَدْفَع إِلَى النَّصْرَانِيّ ثَمَنه.
 وَقَالَ سُفْيَان وَالْكُوفِيُّونَ : إِذَا أَسْلَمَ مُدَبَّر النَّصْرَانِيّ قُوِّمَ قِيمَته فَيَسْعَى فِي قِيمَته، فَإِنْ مَاتَ النَّصْرَانِيّ قَبْل أَنْ يَفْرُغ الْمُدَبَّر مِنْ سِعَايَته عَتَقَ الْعَبْد وَبَطَلَتْ السِّعَايَة.

### الآية 4:142

> ﻿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [4:142]

قَالَ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق : مَنْ لَا يُقِيم صُلْبه فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود فَصَلَاته فَاسِدَة ; لِحَدِيثِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( لَا تُجْزِئ صَلَاة لَا يُقِيم الرَّجُل فِيهَا صُلْبه فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود ).
 قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَذَهَبَ اِبْن الْقَاسِم وَأَبُو حَنِيفَة إِلَى أَنَّ الطُّمَأْنِينَة لَيْسَتْ بِفَرْضٍ.
 وَهِيَ رِوَايَة عِرَاقِيَّة لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ الْمَالِكِيِّينَ أَنْ يَشْتَغِل بِهَا.
 وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " هَذَا الْمَعْنَى.
 الثَّانِيَة : قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : إِنَّ مَنْ صَلَّى صَلَاة لِيَرَاهَا النَّاس وَيَرَوْنَهُ فِيهَا فَيَشْهَدُونَ لَهُ بِالْإِيمَانِ، أَوْ أَرَادَ طَلَب الْمَنْزِلَة وَالظُّهُور لِقَبُولِ الشَّهَادَة جَوَاز الْإِمَامَة فَلَيْسَ ذَلِكَ بِالرِّيَاءِ الْمَنْهِيّ عَنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَرَج ; وَإِنَّمَا الرِّيَاء الْمَعْصِيَة أَنْ يُظْهِرَهَا صَيْدًا لِلنَّاسِ وَطَرِيقًا إِلَى الْأَكْل، فَهَذِهِ نِيَّة لَا تُجْزِئ وَعَلَيْهِ الْإِعَادَة.
 قُلْت : قَوْل " وَأَرَادَ طَلَب الْمَنْزِلَة وَالظُّهُور لِقَبُولِ الشَّهَادَة " فِيهِ نَظَر.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي " النِّسَاء " فَتَأَمَّلْهُ هُنَاكَ.
 وَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَة عَلَى أَنَّ الرِّيَاء يَدْخُل الْفَرْض وَالنَّفْل ; لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى :" وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاة قَامُوا " فَعَمَّ.
 وَقَالَ قَوْم : إِنَّمَا يَدْخُل النَّفْل خَاصَّة ; لِأَنَّ الْفَرْض وَاجِب عَلَى جَمِيع النَّاس وَالنَّفْل عُرْضَة لِذَلِكَ.
 وَقِيلَ بِالْعَكْسِ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْتِ بِالنَّوَافِلِ لَمْ يُؤَاخَذ بِهَا.

### الآية 4:143

> ﻿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [4:143]

مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا
 الْمُذَبْذَب : الْمُتَرَدِّد بَيْنَ أَمْرَيْنِ ; وَالذَّبْذَبَة الِاضْطِرَاب.
 يُقَال : ذَبْذَبْته فَتَذَبْذَبَ ; وَمِنْهُ قَوْل النَّابِغَة :

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاك سُورَةً  تَرَى كُلَّ مَلِكٍ دُونَهَا يَتَذَبْذَبُ **آخَر :**خَيَالٌ لِأُمِّ السَّلْسَبِيلِ وَدُونَهَا  مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْبَرِيدِ الْمُذَبْذِبِ كَذَا رُوِيَ بِكَسْرِ الذَّال الثَّانِيَة.
 قَالَ اِبْن جِنِّي : أَيْ الْمُهْتَزّ الْقَلِق الَّذِي لَا يَثْبُت وَلَا يَتَمَهَّل.
 فَهَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ مُتَرَدِّدُونَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، لَا مُخْلِصِينَ الْإِيمَان وَلَا مُصَرِّحِينَ بِالْكُفْرِ.
 وَفِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( مَثَل الْمُنَافِق كَمَثَلِ الشَّاة الْعَائِرَة بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ تَعِير إِلَى هَذِهِ مَرَّة وَإِلَى هَذِهِ أُخْرَى ) وَفِي رِوَايَة ( تَكِرُّ ) بَدَلَ ( تَعِير ).
 وَقَرَأَ الْجُمْهُور " مُذَبْذَبِينَ " بِضَمِّ الْمِيم وَفَتْح الذَّالَيْنِ.
 وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس بِكَسْرِ الذَّال الثَّانِيَة.
 وَفِي حَرْف أُبَيّ " مُتَذَبْذِبِينَ ".
 وَيَجُوز الْإِدْغَام عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَة " مُذَّبْذِبِينَ " بِتَشْدِيدِ الذَّال الْأُولَى وَكَسْر الثَّانِيَة.
 وَعَنْ الْحَسَن " مَذَبْذَبِينَ " بِفَتْحِ الْمِيم وَالذَّالَيْنِ.

### الآية 4:144

> ﻿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا [4:144]

الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا
 أَيْ فِي تَعْذِيبِهِ إِيَّاكُمْ بِإِقَامَتِهِ حُجَّتَهُ عَلَيْكُمْ إِذْ قَدْ نَهَاكُمْ.

### الآية 4:145

> ﻿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [4:145]

إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا
 قَوْله تَعَالَى :" فِي الدَّرَك ".
 قَرَأَ الْكُوفِيُّونَ " الدَّرْك " بِإِسْكَانِ الرَّاء، وَالْأُولَى أَفْصَح ; لِأَنَّهُ يُقَال فِي الْجَمْع : أَدْرَاك مِثْل جَمَل وَأَجْمَال ; قَالَهُ النَّحَّاس.
 وَقَالَ أَبُو عَلِيّ : هُمَا لُغَتَانِ كَالشَّمْعِ وَالشَّمَع وَنَحْوه، وَالْجَمْع أَدْرَاك.
 وَقِيلَ : جَمْع الدَّرْك أَدْرُك ; كَفَلْسِ وَأَفْلُس.
 وَالنَّار دَرَكَات سَبْعَة ; أَيْ طَبَقَات وَمَنَازِل ; إِلَّا أَنَّ اِسْتِعْمَال الْعَرَب لِكُلِّ مَا تَسَافَلَ أَدْرَاك.
 يُقَال : لِلْبِئْرِ أَدْرَاك، وَلِمَا تَعَالَى دَرَج ; فَلِلْجَنَّةِ دَرَج، وَلِلنَّارِ أَدْرَاك.
 وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا.
 فَالْمُنَافِق فِي الدَّرْك الْأَسْفَل وَهِيَ الْهَاوِيَة ; لِغِلَظِ كُفْره وَكَثْرَة غَوَائِله وَتَمَكُّنه مِنْ أَذَى الْمُؤْمِنِينَ.
 وَأَعْلَى الدَّرَكَات جَهَنَّم ثُمَّ لَظَى ثُمَّ الْحُطَمَة ثُمَّ السَّعِير ثُمَّ سَقَر ثُمَّ الْجَحِيم ثُمَّ الْهَاوِيَة ; وَقَدْ يُسَمَّى جَمِيعهَا بِاسْمِ الطَّبَقَة الْأُولَى، أَعَاذَنَا اللَّه مِنْ عَذَابهَا بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ.
 وَعَنْ اِبْن مَسْعُود فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى :" فِي الدَّرْك الْأَسْفَل مِنْ النَّار " قَالَ : تَوَابِيت مِنْ حَدِيد مُقْفَلَة فِي النَّار تُقْفَل عَلَيْهِمْ.
 وَقَالَ اِبْن عُمَر : إِنَّ أَشَدّ النَّاس عَذَابًا يَوْم الْقِيَامَة ثَلَاثَة : الْمُنَافِقُونَ، وَمَنْ كَفَرَ مِنْ أَصْحَاب الْمَائِدَة، وَآلُ فِرْعَوْنَ ; تَصْدِيق ذَلِكَ فِي كِتَاب اللَّه تَعَالَى، قَالَ اللَّه تَعَالَى :" إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْك الْأَسْفَل مِنْ النَّار ".
 وَقَالَ تَعَالَى أَصْحَاب الْمَائِدَة :" فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ " \[ الْمَائِدَة : ١١٥ \].
 وَقَالَ فِي آل فِرْعَوْن :" أَدْخِلُوا آل فِرْعَوْن أَشَدّ الْعَذَاب " \[ غَافِر : ٤٦ \].

### الآية 4:146

> ﻿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [4:146]

إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا
 اِسْتِثْنَاء مِمَّنْ نَافَقَ.
 وَمِنْ شَرْط التَّائِب.
 مِنْ النِّفَاق أَنْ يُصْلِح فِي قَوْله وَفِعْله، وَيَعْتَصِم بِاَللَّهِ أَيْ يَجْعَلهُ مَلْجَأ وَمَعَاذًا، وَيُخْلِص دِينه لِلَّهِ ; كَمَا نَصَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَة ; وَإِلَّا فَلَيْسَ بِتَائِبٍ ; وَلِهَذَا أَوْقَع أَجْر الْمُؤْمِنِينَ فِي التَّسْوِيف لِانْضِمَامِ الْمُنَافِقِينَ إِلَيْهِمْ، وَاَللَّه أَعْلَم.
 رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ الْأَسْوَد قَالَ : كُنَّا فِي حَلْقَة عَبْد اللَّه فَجَاءَ حُذَيْفَة حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ : لَقَدْ نَزَلَ النِّفَاق عَلَى قَوْم خَيْر مِنْكُمْ، قَالَ الْأَسْوَد : سُبْحَانَ اللَّه ! إِنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول :" إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْك الْأَسْفَل مِنْ النَّار ".
 فَتَبَسَّمَ عَبْد اللَّه وَجَلَسَ حُذَيْفَة فِي نَاحِيَة الْمَسْجِد ; فَقَامَ عَبْد اللَّه فَتَفَرَّقَ أَصْحَابه فَرَمَانِي بِالْحَصَى فَأَتَيْته.
 فَقَالَ حُذَيْفَة : عَجِبْت مِنْ ضَحِكِهِ وَقَدْ عَرَفَ مَا قُلْت : لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاق عَلَى قَوْم كَانُوا خَيْرًا مِنْكُمْ ثُمَّ تَابُوا فَتَابَ اللَّه عَلَيْهِمْ.
 وَقَالَ الْفَرَّاء : مَعْنَى " فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ " أَيْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ.
 وَقَالَ الْقُتَبِيّ : حَادَ عَنْ كَلَامهمْ غَضَبًا عَلَيْهِمْ فَقَالَ :" فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ " وَلَمْ يَقُلْ : هُمْ الْمُؤْمِنُونَ.
 وَحُذِفَتْ الْيَاء مِنْ " يُؤْتِ " فِي الْخَطّ كَمَا حُذِفَتْ فِي اللَّفْظ ; لِسُكُونِهَا وَسُكُون اللَّام بَعْدهَا، وَمِثْله " يَوْم يُنَادِ الْمُنَادِي " \[ قِ : ٤١ \] و " سَنَدْعُ الزَّبَانِيَة " \[ الْعَلَق : ١٨ \] و " يَوْم يَدْعُ الدَّاعِي " \[ الْقَمَر : ٦ \] حُذِفَتْ الْوَاوَات لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.

### الآية 4:147

> ﻿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا [4:147]

وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا
 أَيْ يَشْكُر عِبَاده عَلَى طَاعَته.
 وَمَعْنَى " يَشْكُرهُمْ " يُثِيبُهُمْ ; فَيَتَقَبَّل الْعَمَل الْقَلِيل وَيُعْطِي عَلَيْهِ الثَّوَاب الْجَزِيل، وَذَلِكَ شُكْر مِنْهُ عَلَى عِبَادَته.
 وَالشُّكْر فِي اللُّغَة الظُّهُور، يُقَال : دَابَّة شَكُور إِذَا أَظْهَرَتْ مِنْ السِّمَن فَوْق مَا تُعْطَى مِنْ الْعَلَف، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى مُسْتَوْفًى.
 وَالْعَرَب تَقُول فِي الْمَثَل :" أَشْكَر مِنْ بَرْوَقَة " لِأَنَّهَا يُقَال : تَخْضَرُّ وَتَنْضُرُ بِظِلِّ السَّحَاب دُون مَطَر.
 وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 4:148

> ﻿۞ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا [4:148]

وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا
 تَحْذِير لِلظَّالِمِ حَتَّى لَا يَظْلِم، وَلِلْمَظْلُومِ حَتَّى لَا يَتَعَدَّى الْحَدّ فِي الِانْتِصَار.

### الآية 4:149

> ﻿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا [4:149]

إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا
 أَتْبَعَ هَذَا بِقَوْلِهِ :" إِنْ تَبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوَا عَنْ سُوء " فَنَدَبَ إِلَى الْعَفْو وَرَغَّبَ فِيهِ.
 وَالْعَفْو مِنْ صِفَة اللَّه تَعَالَى مَعَ الْقُدْرَة عَلَى الِانْتِقَام ; وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " آل عِمْرَان " فَضْل الْعَافِينَ عَنْ النَّاس.
 فَفِي هَذِهِ الْأَلْفَاظ الْيَسِيرَة مَعَانٍ كَثِيرَة لِمَنْ تَأَمَّلَهَا.
 وَقِيلَ : إِنْ عَفَوْت فَإِنَّ اللَّه يَعْفُو عَنْك.
 رُوِيَ اِبْن الْمُبَارَك قَالَ : حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ الْحَسَن يَقُول : إِذَا جَثَتْ الْأُمَم بَيْنَ يَدَيْ رَبّ الْعَالَمِينَ يَوْم الْقِيَامَة نُودِيَ لِيَقُمْ مَنْ أَجْره عَلَى اللَّه فَلَا يَقُوم إِلَّا مَنْ عَفَا فِي الدُّنْيَا ; يُصَدِّق هَذَا الْحَدِيث قَوْله تَعَالَى :" فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْره عَلَى اللَّه " \[ الشُّورَى : ٤٠ \].

### الآية 4:150

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا [4:150]

وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا
 أَيْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ الْإِيمَان وَالْجَحْد طَرِيقًا، أَيْ دِينًا مُبْتَدَعًا بَيْنَ الْإِسْلَام وَالْيَهُودِيَّة.
 وَقَالَ :" ذَلِكَ " وَلَمْ يَقُلْ ذَيْنك ; لِأَنَّ ذَلِكَ تَقَع لِلِاثْنَيْنِ وَلَوْ كَانَ ذَيْنك لَجَازَ.

### الآية 4:151

> ﻿أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا [4:151]

عَذَابًا مُهِينًا
 أَيْ مُذِلًّا.

### الآية 4:152

> ﻿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [4:152]

وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا
 يَعْنِي بِهِ النَّبِيّ صَلِّي اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّته.

### الآية 4:153

> ﻿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ ۚ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِنْ ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ۚ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَٰلِكَ ۚ وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَانًا مُبِينًا [4:153]

وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا
 أَيْ حُجَّة بَيِّنَة وَهِيَ الْآيَات الَّتِي جَاءَ بِهَا ; وَسُمِّيَتْ سُلْطَانًا لِأَنَّ مَنْ جَاءَ بِهَا قَاهِر بِالْحُجَّةِ، وَهِيَ قَاهِرَة لِلْقُلُوبِ، بِأَنْ تَعْلَم أَنَّهُ لَيْسَ فِي قُوَى الْبَشَر أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهَا.

### الآية 4:154

> ﻿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [4:154]

وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا
 يَعْنِي الْعَهْد الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاة.
 وَقِيلَ : عَهْد مُؤَكَّد بِالْيَمِينِ فَسُمِّيَ غَلِيظًا لِذَلِكَ.

### الآية 4:155

> ﻿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [4:155]

وَقِيلَ : الْمَعْنَى " وَبِكُفْرِهِمْ " بِالْمَسِيحِ ; فَحُذِفَ لِدَلَالَةِ مَا بَعْده عَلَيْهِ، وَالْعَامِل فِي " بِكُفْرِهِمْ " هُوَ الْعَامِل فِي " بِنَقْضِهِمْ " لِأَنَّهُ مَعْطُوف عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوز أَنْ يَكُون الْعَامِل فِيهِ " طَبَعَ ".

### الآية 4:156

> ﻿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا [4:156]

وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا
 وَالْبُهْتَان الْعَظِيم رَمْيهَا بِيُوسُف النَّجَّار وَكَانَ مِنْ الصَّالِحِينَ مِنْهُمْ.
 وَالْبُهْتَان الْكَذِب الْمُفْرِط الَّذِي يُتَعَجَّب مِنْهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
 وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم.

### الآية 4:157

> ﻿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ۚ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا [4:157]

وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا
 قَالَ اِبْن عَبَّاس وَالسُّدِّيّ : الْمَعْنَى مَا قَتَلُوا ظَنَّهُمْ يَقِينًا ; كَقَوْلِك : قَتَلْته عِلْمًا إِذَا عَلِمْته عِلْمًا تَامًّا ; فَالْهَاء عَائِدَة عَلَى الظَّنّ.
 قَالَ أَبُو عُبَيْد : وَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى وَمَا قَتَلُوا عِيسَى يَقِينًا لَقَالَ : وَمَا قَتَلُوهُ فَقَطْ.
 وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَمَا قَتَلُوا الَّذِي شُبِّهَ لَهُمْ أَنَّهُ عِيسَى يَقِينًا ; فَالْوَقْف عَلَى هَذَا عَلَى " يَقِينًا ".
 وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَمَا قَتَلُوا عِيسَى، وَالْوَقْف عَلَى " وَمَا قَتَلُوهُ " و " يَقِينًا " نَعْت لِمَصْدَرٍ مَحْذُوف، وَفِيهِ تَقْدِيرَانِ : أَحَدهمَا : أَيْ قَالُوا هَذَا قَوْلًا يَقِينًا، أَوْ قَالَ اللَّه هَذَا قَوْلًا يَقِينًا.
 وَالْقَوْل الْآخَر : أَنْ يَكُون الْمَعْنَى وَمَا عَلِمُوهُ عِلْمًا يَقِينًا.
 النَّحَّاس : إِنْ قَدَّرْت الْمَعْنَى بَلْ رَفَعَهُ اللَّه إِلَيْهِ يَقِينًا فَهُوَ خَطَأ ; لِأَنَّهُ لَا يَعْمَل مَا بَعْد " بَلْ " فِيمَا قَبْلهَا لِضَعْفِهَا.
 وَأَجَازَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ الْوَقْف عَلَى " وَمَا قَتَلُوهُ " عَلَى أَنْ يُنْصَب " يَقِينًا " بِفِعْلٍ مُضْمَر هُوَ جَوَاب الْقَسَم، تَقْدِيره : وَلَقَدْ صَدَّقْتُمْ يَقِينًا أَيْ صِدْقًا يَقِينًا.

### الآية 4:158

> ﻿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [4:158]

حَكِيمًا
 حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِاللَّعْنَةِ وَالْغَضَب.

### الآية 4:159

> ﻿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا [4:159]

وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا
 أَيْ بِتَكْذِيبِ مَنْ كَذَّبَهُ وَتَصْدِيق مَنْ صَدَّقَهُ.

### الآية 4:160

> ﻿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا [4:160]

وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا
 أَيْ وَبِصَدِّهِمْ أَنْفُسَهُمْ وَغَيْرهمْ عَنْ اِتِّبَاع مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

### الآية 4:161

> ﻿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [4:161]

وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
 كُلّه تَفْسِير لِلظُّلْمِ الَّذِي تَعَاطَوْهُ، وَكَذَلِكَ مَا قَبْله مِنْ نَقْضِهِمْ الْمِيثَاق وَمَا بَعْده ; وَقَدْ مَضَى فِي " آل عِمْرَان " أَنَّ اِخْتِلَاف الْعُلَمَاء فِي سَبَب التَّحْرِيم عَلَى ثَلَاثَة أَقْوَال هَذَا أَحَدهَا.
 قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : لَا خِلَاف فِي مَذْهَب مَالِك أَنَّ الْكُفَّار مُخَاطَبُونَ، وَقَدْ بَيَّنَ اللَّه فِي هَذِهِ الْآيَة أَنَّهُمْ قَدْ نُهُوا عَنْ الرِّبَا وَأَكْل الْأَمْوَال بِالْبَاطِلِ ; فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ خَبَرًا عَمَّا نَزَلَ عَلَى مُحَمَّد فِي الْقُرْآن وَأَنَّهُمْ دَخَلُوا فِي الْخِطَاب فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَإِنْ كَانَ خَبَرًا عَمَّا أَنْزَلَ اللَّه عَلَى مُوسَى فِي التَّوْرَاة، وَأَنَّهُمْ بَدَّلُوا وَحَرَّفُوا وَعَصَوْا وَخَالَفُوا فَهَلْ يَجُوز لَنَا مُعَامَلَتهمْ وَالْقَوْم قَدْ أَفْسَدُوا أَمْوَالهمْ فِي دِينهمْ أَمْ لَا ؟ فَظَنَّتْ طَائِفَة أَنَّ مُعَامَلَتهمْ لَا تَجُوز ; وَذَلِكَ لِمَا فِي أَمْوَالهمْ مِنْ هَذَا الْفَسَاد.
 وَالصَّحِيح جَوَاز مُعَامَلَتهمْ مَعَ رِبَاهُمْ وَاقْتِحَام مَا حَرَّمَ اللَّه سُبْحَانه عَلَيْهِمْ ; فَقَدْ قَامَ الدَّلِيل الْقَاطِع عَلَى ذَلِكَ قُرْآنًا وَسُنَّة ; قَالَ اللَّه تَعَالَى :" وَطَعَام الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب حِلٌّ لَكُمْ " \[ الْمَائِدَة : ٥ \] وَهَذَا نَصّ ; وَقَدْ عَامَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُود وَمَاتَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَة عِنْد يَهُودِيّ فِي شَعِير أَخَذَهُ لِعِيَالِهِ.
 وَالْحَاسِم لِدَاءِ الشَّكّ وَالْخِلَاف اِتِّفَاق الْأُمَّة عَلَى جَوَاز التِّجَارَة مَعَ أَهْل الْحَرْب ; وَقَدْ سَافَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ تَاجِرًا، وَذَلِكَ مِنْ سَفَره أَمْر قَاطِع عَلَى جَوَاز السَّفَر إِلَيْهِمْ وَالتِّجَارَة مَعَهُمْ.
 فَإِنْ قِيلَ : كَانَ ذَلِكَ قَبْل النُّبُوَّة ; قُلْنَا : إِنَّهُ لَمْ يَتَدَنَّس قَبْل النُّبُوَّة بِحَرَامٍ - ثَبَتَ ذَلِكَ تَوَاتُرًا - وَلَا اِعْتَذَرَ عَنْهُ إِذْ بُعِثَ، وَلَا مَنَعَ مِنْهُ إِذْ نُبِّئَ، وَلَا قَطَعَهُ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة فِي حَيَاته، وَلَا أَحَد مِنْ الْمُسْلِمِينَ بَعْد وَفَاته ; فَقَدْ كَانُوا يُسَافِرُونَ فِي فَكِّ الْأَسْرَى وَذَلِكَ وَاجِب، وَفِي الصُّلْح كَمَا أَرْسَلَ عُثْمَان وَغَيْره ; وَقَدْ يَجِب وَقَدْ يَكُون نَدْبًا ; فَأَمَّا السَّفَر إِلَيْهِمْ لِمُجَرَّدِ التِّجَارَة فَمُبَاح.

### الآية 4:162

> ﻿لَٰكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ۚ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ ۚ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا [4:162]

قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَهَذَا الْمَسْلَك بَاطِل ; لِأَنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا الْكِتَابَ كَانُوا قُدْوَة فِي اللُّغَة، فَلَا يُظَنُّ بِهِمْ أَنَّهُمْ يُدْرِجُونَ فِي الْقُرْآن مَا لَمْ يُنْزَل.
 وَأَصَحّ هَذِهِ الْأَقْوَال قَوْل سِيبَوَيْهِ وَهُوَ قَوْل الْخَلِيل، وَقَوْل الْكِسَائِيّ هُوَ اِخْتِيَار الْقَفَّال وَالطَّبَرِيّ، وَاَللَّه أَعْلَم.

### الآية 4:163

> ﻿۞ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ ۚ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا [4:163]

وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا
 الزَّبُور كِتَاب دَاوُدَ وَكَانَ مِائَة وَخَمْسِينَ سُورَة لَيْسَ فِيهَا حُكْم وَلَا حَلَال وَلَا حَرَام، وَإِنَّمَا هِيَ حِكَم وَمَوَاعِظ.
 وَالزُّبُر الْكِتَابَة، وَالزَّبُور بِمَعْنَى الْمَزْبُور أَيْ الْمَكْتُوب، كَالرَّسُولِ وَالرَّكُوب وَالْحَلُوب.
 وَقَرَأَ حَمْزَة " زُبُورًا " بِضَمِّ الزَّاي جَمْع زَبْر كَفَلْسٍ وَفُلُوس، وَزُبُر بِمَعْنَى الْمَزْبُور ; كَمَا يُقَال : هَذَا الدِّرْهَم ضَرْب الْأَمِير أَيْ مَضْرُوبه ; وَالْأَصْل فِي الْكَلِمَة التَّوْثِيق ; يُقَال : بِئْر مَزْبُورَة أَيْ مَطْوِيَّة بِالْحِجَارَةِ، وَالْكِتَاب يُسَمَّى زَبُورًا لِقُوَّةِ الْوَثِيقَة بِهِ.
 وَكَانَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَام حَسَن الصَّوْت ; فَإِذَا أَخَذَ فِي قِرَاءَة الزَّبُور اِجْتَمَعَ إِلَيْهِ الْإِنْس وَالْجِنّ وَالطَّيْر وَالْوَحْش لِحُسْنِ صَوْته، وَكَانَ مُتَوَاضِعًا يَأْكُل مِنْ عَمَل يَده ; رَوَى أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَة عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَنْ كَانَ دَاوُدُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَخْطُب النَّاسَ وَفِي يَده الْقُفَّة مِنْ الْخُوص، فَإِذَا فَرَغَ نَاوَلَهَا بَعْض مَنْ إِلَى جَنْبه يَبِيعهَا، وَكَانَ يَصْنَع الدُّرُوع ; وَسَيَأْتِي.
 وَفِي الْحَدِيث :( الزُّرْقَة فِي الْعَيْن يُمْن ) وَكَانَ دَاوُدُ أَزْرَقَ.

### الآية 4:164

> ﻿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ۚ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا [4:164]

وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا
 قَالَتْ الْيَهُود : ذَكَرَ مُحَمَّدٌ الْأَنْبِيَاءَ وَلَمْ يَذْكُر مُوسَى ; فَنَزَلَتْ " وَكَلَّمَ اللَّه مُوسَى تَكْلِيمًا " " تَكْلِيمًا " مَصْدَر مَعْنَاهُ التَّأْكِيد ; يَدُلّ عَلَى بُطْلَان مَنْ يَقُول : خَلَقَ لِنَفْسِهِ كَلَامًا فِي شَجَرَة فَسَمِعَهُ مُوسَى، بَلْ هُوَ الْكَلَام الْحَقِيقِيّ الَّذِي يَكُون بِهِ الْمُتَكَلِّم مُتَكَلِّمًا.
 قَالَ النَّحَّاس : وَأَجْمَعَ النَّحْوِيُّونَ عَلَى أَنَّك إِذَا أَكَّدْت الْفِعْل بِالْمَصْدَرِ لَمْ يَكُنْ مَجَازًا، وَأَنَّهُ لَا يَجُوز فِي قَوْل الشَّاعِر :
 اِمْتَلَأَ الْحَوْضُ وَقَالَ قَطَنِي
 أَنْ يَقُول : قَالَ قَوْلًا ; فَكَذَا لَمَّا قَالَ :" تَكْلِيمًا " وَجَبَ أَنْ يَكُون كَلَامًا عَلَى الْحَقِيقَة مِنْ الْكَلَام الَّذِي يُعْقَل.
 وَقَالَ وَهْب بْن مُنَبِّه : إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ :" يَا رَبّ بِمَ اِتَّخَذْتنِي كَلِيمًا " ؟ طَلَبَ الْعَمَل الَّذِي أَسْعَدَهُ اللَّه بِهِ لِيُكْثِر مِنْهُ ; فَقَالَ اللَّه تَعَالَى لَهُ : أَتَذْكُرُ إِذْ نَدَّ مِنْ غَنَمك جَدْي فَاتَّبَعْته أَكْثَر النَّهَار وَأَتْعَبَك، ثُمَّ أَخَذْته وَقَبَّلْته وَضَمَمْته إِلَى صَدْرك وَقُلْت لَهُ : أَتْعَبْتنِي وَأَتْعَبْت نَفْسك، وَلَمْ تَغْضَب عَلَيْهِ ; مِنْ أَجْل ذَلِكَ اِتَّخَذْتُك كَلِيمًا.

### الآية 4:165

> ﻿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [4:165]

حَكِيمًا
 فِيمَا يَفْعَلهُ.

### الآية 4:166

> ﻿لَٰكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ ۖ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا [4:166]

وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا
 أَيْ كَفَى اللَّه شَاهِدًا، وَالْبَاء زَائِدَة.

### الآية 4:167

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا [4:167]

قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا
 لِأَنَّهُمْ كَفَرُوا وَمَعَ ذَلِكَ مَنَعُوا النَّاس مِنْ الْإِسْلَام.

### الآية 4:168

> ﻿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا [4:168]

لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا
 هَذَا فِيمَنْ يَمُوت عَلَى كُفْره وَلَمْ يَتُبْ.

### الآية 4:169

> ﻿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [4:169]

لا يوجد تفسير لهذه الأية

### الآية 4:170

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ ۚ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [4:170]

رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا
 فِي الْكَلَام إِضْمَار ; أَيْ وَأْتُوا خَيْرًا لَكُمْ ; هَذَا مَذْهَب سِيبَوَيْهِ، وَعَلَى قَوْل الْفَرَّاء نَعْت لِمَصْدَرٍ مَحْذُوف ; أَيْ إِيمَانًا خَيْرًا لَكُمْ، وَعَلَى قَوْل أَبِي عُبَيْدَة يَكُنْ خَيْرًا لَكُمْ.

### الآية 4:171

> ﻿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ۘ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا [4:171]

الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ
 أَيْ لِأَوْلِيَائِهِ ; وَقَدْ تَقَدَّمَ.

### الآية 4:172

> ﻿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ۚ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا [4:172]

جَمِيعًا
 فَيُجَازِي كُلًّا بِمَا يَسْتَحِقّ، كَمَا بَيَّنَهُ فِي الْآيَة بَعْد هَذَا " فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورهمْ وَيَزِيدهُمْ مِنْ فَضْله " إِلَى قَوْله :" نَصِيرًا ".

### الآية 4:173

> ﻿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [4:173]

لا يوجد تفسير لهذه الأية

### الآية 4:174

> ﻿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا [4:174]

يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا
 يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلِّي اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; عَنْ الثَّوْرِيّ ; وَسَمَّاهُ بُرْهَانًا لِأَنَّ مَعَهُ الْبُرْهَان وَهُوَ الْمُعْجِزَة.
 وَقَالَ مُجَاهِد : الْبُرْهَان هَهُنَا الْحُجَّة ; وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب ; فَإِنَّ الْمُعْجِزَات حُجَّته صَلِّي اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
 وَالنُّور الْمُنَزَّل هُوَ الْقُرْآن ; عَنْ الْحَسَن ; وَسَمَّاهُ نُورًا لِأَنَّ بِهِ تُتَبَيَّنُ الْأَحْكَام وَيُهْتَدَى بِهِ مِنْ الضَّلَالَة، فَهُوَ نُور مُبِين، أَيْ وَاضِح بَيِّنٌ.

### الآية 4:175

> ﻿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [4:175]

صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا
 أَيْ دِينًا مُسْتَقِيمًا.
 و " صِرَاطًا " مَنْصُوب بِإِضْمَارِ فِعْل دَلَّ عَلَيْهِ " وَيَهْدِيهِمْ " التَّقْدِير ; وَيُعَرِّفهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا.
 وَقِيلَ : هُوَ مَفْعُول ثَانٍ عَلَى تَقْدِير ; وَيَهْدِيهِمْ إِلَى ثَوَابه صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا.
 وَقِيلَ : هُوَ حَال.
 وَالْهَاء فِي " إِلَيْهِ " قِيلَ : هِيَ لِلْقُرْآنِ، وَقِيلَ : لِلْفَضْلِ، وَقِيلَ لِلْفَضْلِ وَالرَّحْمَة ; لِأَنَّهُمَا بِمَعْنَى الثَّوَاب.
 وَقِيلَ : هِيَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى حَذْف الْمُضَاف كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمَعْنَى وَيَهْدِيهِمْ إِلَى ثَوَابه.
 أَبُو عَلِيّ : الْهَاء رَاجِعَة إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ اِسْم اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، وَالْمَعْنَى وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطه ; فَإِذَا جَعَلْنَا " صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا " نَصْبًا عَلَى الْحَال كَانَتْ الْحَال مِنْ هَذَا الْمَحْذُوف.

### الآية 4:176

> ﻿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ۚ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ ۚ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [4:176]

وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
 عَلِيم بِأَهْلِ الْمِيرَاث وَبِأَحْوَالِهِمْ.
 تَمَّتْ سُورَة " النِّسَاء " وَالْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ.

## روابط ذات صلة

- [النص القرآني للسورة](https://quranpedia.net/surah/1/4.md)
- [كل تفاسير سورة النساء
](https://quranpedia.net/surah-tafsir/4.md)
- [ترجمات سورة النساء
](https://quranpedia.net/translations/4.md)
- [صفحة الكتاب: الجامع لأحكام القرآن](https://quranpedia.net/book/1469.md)
- [المؤلف: القرطبي](https://quranpedia.net/person/3966.md)

---

زُر [Quranpedia.net](https://quranpedia.net/surah/1/4/book/1469) — موسوعة القرآن الكريم: التفاسير، الترجمات، التلاوات، والمواضيع.
